######OpenITI# #META# المؤلف: أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي #META# bkid: 33777 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الإمتاع والمؤانسة ¶ المؤلف: أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي ¶ دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه 2003 م ¶ الطبعة: الأولى ¶ تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل ¶ عدد الأجزاء / 1 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: أبو حيان التوحيدي #META# Lng: أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس #META# الطبعة: الأولى #META# max: 525 #META# دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه 2003 م #META# bk: الإمتاع والمؤانسة - العلمية #META# authinf: أبو الحيان التوحيدي (000 - نحو 400 ه = 000 - نحو 1010 م) ¶ علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أبو حيان: فيلسوف، متصوف معتزلي، نعته ياقوت بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء. ¶ وقال ابن الجوزي: كان زنديقا. ¶ ولد في شيراز (أو نيسابور) وأقام مدة ببغداد. ¶ وانتقل إلى الري، فصحب ابن العميد والصاحب ابن عباد، فلم يحمد ولاءهما. ¶ ووشي به إلى الوزير المهلبي فطلبه، فاستتر منه ومات في استتاره، عن نيف وثمانين عاما. ¶ قال ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، والتوحيدي، والمعري، وشرهم التوحيدي لانهما صرحا ولم يصرح. ¶ وفي بغية الوعاة أنه لما انقلبت به الأيام رأى أن كتبه لم تنفعه وضن بها على من لا يعرف قدرها، فجمعها وأحرقها، فلم يسلم منها غير ما نقل قبل الإحراق. ¶ من كتبه «المقابسات - ط» و «الصداقة والصديق - ط» و «البصائر والذخائر - ط» الأول منه، وهو خمسة أجزاء، و «المتاع والمؤانسة - ط» ثلاثة أجزاء، و «الإشارات الإلهية - ط» موجز منه، و «المحاضرات والمناظرات» و «تقريظ الجاحظ» و «مثالب الوزيرين ابن العميد وابن عباد - ط». ¶ ولعبد الرزاق محيي الدين «أبو حيان التوحيدي - ط» في سيرته وفلسفته، ومثله للدكتور محمد إبراهيم، وللدكتور حسان عباس . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ndata: بسم الله55B87B2Aالسلام . #META# bkord: 7998 #META# archive: 25 #META# الكتاب: الإمتاع والمؤانسة #META# authno: 785 #META# ad: 400 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: نحو 400 #META# cat: الأدب والبلاغة #META# iso: الامتاع والمؤانسه العلميه #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO الكتاب : الإمتاع والمؤانسة # المؤلف : أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي # دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه 2003 م # الطبعة : الأولى # تحقيق : محمد حسن محمد حسن إسماعيل # عدد الأجزاء / 1 # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P009 ~~صفحة رقم 10 # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # قال أبو حيان التوحيدي : نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى ~~خيرات الآخرة من كان من الزاهدين ، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من ~~الخلق أجمعين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبيه وعلى آله ~~الطاهرين . # أما بعد ، فإني أقول منبها لنفسي ، ولمن كان من أبناء جنسي : من لم يطع ~~ناصحه بقبول ما يسمع منه ، ولم يملك صديقه كله فيما يمثله له ، ولم ينقد ~~لبيانه فيما يريغه إليه ويطلعه عليه ؛ ولم ير أن عقل العالم الرشيد ، فوق ~~عقل المتعلم البليد ؛ وأن رأى المجرب البصير ، مقدم على رأي الغمر الغرير ~~فقد خسر حظه في العاجل ، ولعله أيضا يخسر حظه في الآجل ؛ فإن مصالح الدنيا ~~معقودة بمراشد الآخرة ، وكليات الحس في هذا العالم ، في مقابلة موجودات ~~العقل في ذلك العالم ؛ وظاهر ما يرى بالعيان مفض إلى باطن ما يصدق عنه ~~الخبر ؛ وبالجملة ، الداران متفقتان في الخير المغتبط به ، والشر المندوم ~~عليه ؛ وإنما يختلفان بالعمل المتقدم في إحداهما ، والجزاء المتأخر في ~~الأخرى ؛ وأنا أعوذ بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم الماجد أن أجهل ~~حظي ، وأعمى PageV01P010 ~~"""""" صفحة رقم 11 """""" # عن رشدي ، وألقي بيدي إلى التهلكة ، وأتجانف إلى ما يسوءني أولا ولا ~~يسرني آخرا ؛ هذا وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة ، وفي حال من إن لم ~~تهده التجارب فيما سلف من أيامه ، في حالي سفره ومقامه ؛ وفقره وغنائه ، ~~وشدته ورخائه ، وسارئه وضرائه ، وخيفته ورجائه ؛ فقد انقطع الطمع من فلاحه ~~ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه ؛ فإلى الله أفزع من كل ريث وعجل وعليه ~~أتوكل في كل سؤل وأمل ، وإياه أستعين في كل قول وعمل . قد فهمت أيها الشيخ ~~- حفظ الله ms001 روحك ، ووكل السلامة بك ، وأفرغ الكرامة عليك ، وعصب كل خير ~~بحالك ، وحشد كل نعمة في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة - من أبناء الرجاء ~~والأمل - بعنايتك ، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم ، ولا ثنى طرفك عن ~~الرقة لهم ، ولا زهدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم ، ولا رغب بك عن قبول حقهم ~~لبعض باطلهم ، ولا ثقل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم ، وإنالة مستحقهم وغير ~~مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم ، من بشر تبديه ، PageV01P011 ~~"""""" صفحة رقم 12 """""" # وجاه تبذله ، ووعد تقدمه ، وضمان تؤكده ، وهشاشة تمزجها ببشاشة ، وتبسم ~~تخلطه بفكاهة فإن هذه كلها زكاة المروءة ، ورباط النعمة ، وشهادة بالمحتد ~~الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود ، والعادة المرضية ؛ وهي مؤذنة بأن ~~المنحة راهنة ، والموهبة قاطنة ، والشكر مكسوب ، والأجر مذخور ، ورضوان ~~الله واقع ؛ وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك ، ولا يزل قدمي في ~~خدمتك ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل ~~معتقدك ، بمنه ولطفه . فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهما بليغا ، ووعيته ~~وعيا تاما ؛ وبان لي الرشد في جملته وتفصيله ، والصلاح في طرفيه ووسطه ، ~~والغنيمة في ظاهره وباطنه ، والشفقة من أوله إلى آخره . وأنا أعيده ههنا ~~بالقلم ، وأرسمه بالخط وأقيده باللفظ ، حتى يكون اعترافي به أرسى واثبت ، ~~وشهادتي على نفسي أقوى وأوكد ، ونكولي عنه أبعد وأصعب ، وحكمك به لي وعلي ~~أمضى وأنفذ . قلت لي - أدام الله تعالى توفيقك في كل قول وفعل ، وفي كل رأي ~~ونظر - : إنك تعلم يا أبا حيان أنك انكفأت من الري إلى بغداد في آخر سنة ~~سبعين بعد فوت مأمولك من ذي الكفايتين - نضر الله وجهه - PageV01P012 ~~"""""" صفحة رقم 13 """""" # عابسا على ابن عباد مغيظا منه ، مقروح الكبد ، لما نالك به من الحرمان ~~المر ، والصد القبيح ، واللقاء الكريه ، والجفاء الفاحش ، والقدع المؤلم ~~والمعاملة السيئة ، والتغافل عن الثواب على الخدمة ، وحبس الأجرة على النسخ ~~والوراقة ، والتهجم المتوالي عند كل لحظة ولفظة . وذكرت في الجملة شقاء ~~اتصل بك في سفرك ذلك ، وعناء نال منك ms002 في عرض أحوالك ؛ ولعمري إن السفر فعول ~~لهذا كله ولأكثر منه ؛ فأرعيتك بصري ، وأعرتك سمعي ، وساهمتك في جميع ما ~~وقرته في أذني بالجزع والتوجع والاستفظاع والتفجع ؛ وضمنت لك تلافي ذلك كله ~~بحاق الشفقة وخالص الضمير ، ووعدتك صلاح الحال عن ثبات النية ، وصحة ~~العقيدة ، وقلت : أنا أرعى حقك القديم حين التقينا بأرجان ، وأنا على باب ~~ابن شاهويه الفقيه ، وعهدك الحديث حين اجتمعنا بمدينة السلام سنة ثمان ~~وخمسين ؛ وأوصلك إلى الأستاذ أبي عبد الله العارض - أدام الله تأييده - PageV01P013 ~~"""""" صفحة رقم 14 """""" # وأخطب لك قبولا منه ، وتخفيف الإذن عليك ، وامتلاء الطرف بك ، ونيل ~~الحظوة بخدمتك وملازمتك ؛ وفعلت ذلك كله حتى استكتبك كتاب الحيوان لأبي ~~عثمان الجاحظ ، لعنايتك به ، وتوفرك على تصحيحه ، ثم حضنت لك هذه الحال إلى ~~يومنا هذا ؛ وهو الوزير العظيم الذي افتقرت الدولة إلى نظره وأمره ونهيه ، ~~وإلى أن يكون هو المبرم والناقض ، والرافع والواضع ، والكافي والوافي ، ~~والمقرب لخدمها ونصحائها ، والمزحزح لحسدتها وأعدائها ؛ والراعي لرعيتها ~~ودهمائها ، والناهض بأثقالها وأعبائها ، أعانه الله على ما تولاه ، وكفاه ~~المهم في دنياه وأخراه ، بمنه وقدرته . نعم ورتبت ذلك كله ، ولم أقطع عنك ~~عادتي معك في الاسترسال والانبساط ، والبر والمواساة ، والمساعدة والمواتاة ~~، والتعصب والمحاماة . أفكان من حقي عليك في هذه الأسباب التي ذكرتها ، وفي ~~أخواتها التي تركتها كراهة الإطالة بها أنك تخلو بالوزير - أدام الله أيامه ~~- ليالي متتابعة ومختلفة ، فتحدثه بما تحب وتريد ، وتلقي إليه ما تشاء ~~وتختار ، وتكتب إليه الرقعة بعد الرقعة ؛ ولعلك في عرض ذلك تعدو طورك ~~بالتشدق وتجوز حدك بالاستحقار ، وتتطاول إلى ما لبس لك ، وتغلط في نفسك ، ~~وتنسى زلة العالم ، وسقطة المتحري ، وخجلة الواثق ؛ هذا وأنت غر لا هيئة لك ~~في لقاء الكبراء ، ومحاورة الوزراء ؛ وهذه حال تحتاج فيها إلى عادة غير ~~عادتك ، وإلى مران سوى مرانك ، ولبسة لا تشبه لبستك ؛ وقل من قرب من وزير ~~خدم فأجاد ، وتكلم فأفاد ، وبسط فزاد ؛ وإلا سكر ، وقل من سكر إلا عثر وقل ~~من عثر فانتعش ، وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأولين ms003 والعباد ~~الربانيين ؛ إلا لغلظها وصعوبتها ، ومكروه عاقبتها ، وشدة الصبر على ~~فوارضها ورواتبها ، PageV01P014 ~~"""""" صفحة رقم 15 """""" # وتفسخ المتن بين حوادثها ونوائبها . والعجب أنك مع هذه الخلة تظن أنها ~~مطوية عني وخافية دوني ، وأنك قد بلغت الغاية وادع القلب ، وملكت المكانة ~~ثاني العنان ؛ وقد انقطعت حاجتك عني وعمن هو دوني ، ووقع الغنى عن جاهي ~~وكلامي ولطفي وتوصيلي ؛ وجهلت أن من قدر على وصولك ، يقدر على فصولك ، وأن ~~من صعد بك حين أراد ، ينزل بك إذا شاء ، وأن من يحسن فلا يشكر ، يجتهد في ~~الاقتصاد حتى يعذر . وبعد ، فما أطيل ، ولعل لهب الموجدة يزداد ، ولسان ~~الغيظ يغلو ، وطباع الإنسان تحتد ، والندم على ما أسلفت من الجميل يتضاعف ؛ ~~ولست أنت أول من بر فعق ، ولا أنا أول من جفى فنق . وهذا فراق بيني وبينك ~~وآخر كلامي معك ، وفاتحة يأسي منك ؛ قد غسلت يدي من عهدك بالأشنان البارقي ~~، وسلوت عن قربك بقلب معرض وعزم حي ؛ إلا أن تطلعني طلع جميع ما تحاورتما ~~وتجاذبتما هدب الحديث عليه ، وتصرفتما في هزله وجده ، وخيره وشره ، وطيبه ~~وخبيثه ، وباديه ومكتومه ؛ حتى كأني كنت شاهدا معكما ورقيبا عليكما ، أو ~~متوسطا بينكما ، ومتى لم تفعل هذا ، فانتظر عقبى استيحاشي منك ، وتوقع قلة ~~غفولي عنك ، وكأني بك وقد أصبحت حران حيران يا أبا حيان ، تأكل أصبعك أسفا ~~، وتزدرد ريقك هفا ، على ما فاتك من PageV01P015 ~~"""""" صفحة رقم 16 """""" # الحوطة لنفسك ، والنظر في يومك لغدك ، والأخذ بالوثيقة في أمرك ، أتظنن ~~بغرارتك وغمارتك ، وذهابك في فسولتك التي اكتسبتها بمخالطة الصوفية ~~والغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء ؛ أنك تقدر على مثل هذه الحال ، ~~وأنام منك على حسن الظن بك ، والثقة بصدرك ووردك ، وأطمئن إلى حكك وجردك ~~وأتعامى عن حرك وبردك ؛ هيهات ؛ رقدت فحلمت ، فخيرا رأيت وخيرا يكون على ~~هذا الحد كان مقطع كلامك في موجدتك ، وإلى ههنا بلغ فيض عتبك ولائمتك ؛ وفي ~~دون ذلك تنبيه للنائم ، وإيقاظ للساهي ، وتقويم لمن يقبل التقويم ؛ وقد قال ~~الأول : ألا إنما يكفي الفتى عند زيغه . . . من الأود البادي ثقاف المقوم ~~فقلت لك ms004 : أنا سامع مطيع ، وخادم شكور ، لا أشتري سخطك بكل صفراء وبيضاء في ~~الدينا ؛ ولا أنفر من التزام الذنب والاعتراف بالتقصير ؛ ومثلي يهفو ويجمح ~~، ومثلك يعفو ويصفح ؛ وأنت مولى وأنا عبد ، وأنت آمر وأنا مؤتمر ، وأنت ~~ممتثل وأنا ممتثل ، وأنت مصطنع وأنا صنيعة ، وأنت منشىء وأنا منشأ ، وأنت ~~أول وأنا آخر ، وأنت مأمول وأنا آمل ، ومتى لم تغفر لي الذنب البكر ، ~~والجناية العذراء ، والبادرة النادرة ؛ فقد أعنتني على ما كان مني ، ودللت ~~على ملكك لي ؛ وأنك كنت مترصدا لهذه الهفوة ومعتقدا في مقابلتها هذه الجفوة ~~؛ وكرمك يأبى عليك هذا ، ومثولي بين يديك خدمة لك يحظره عليك . PageV01P016 # """""" صفحة رقم 17 """""" # هذا وأنا أفعل ما طالبتني به من سرد جميع ذلك ، إلا أن أغوص فيه على ~~البديهة في هذه الساعة يشق ويصعب بعقب ما جرى من التفاوض ، فإن أذنت جمعته ~~كله في رسالة تشتمل على الدقيق والجليل ، والحلو والمر ، والطري والعاسي ، ~~والمحبوب والمكروه ؛ فكان من جوابك لي : افعل . ونعم ما قلت وهو أحب إلي ~~وأقرب إلى إرادتي ، وأحضر لما أريغ منه ، وأدخل في الحجة عليك ولك ؛ وأغسل ~~للوسخ الذي بيني وبينك ، وأزهر للسراج الذي طفىء عني وعنك ، وأجذب لعنان ~~الحجة إن كانت لك ، وأنطق عن العذر إن اتضح بقولك ؛ وإذا عزمت فتوكل على ~~الله ؛ وليكن الحديث على تباعد أطرافه ، واختلاف فنونه مشروحا ، والإسناد ~~عاليا متصلا ، والمتن تاما بينا ، واللفظ خفيفا لطيفا ، والتصريح غالبا ~~متصدرا ، والتعريض قليلا يسيرا وتوخ الحق في تضاعيفه وأثنائه ، والصدق في ~~إيضاحه وإثباته ؛ واتق الحذف المخل بالمعنى ، وإلحاق المتصل بالهذر ، واحذر ~~تزيينه بما يشينه ، وتكثيره بما يقلله ، وتقليله عما لا يستغنى عنه ؛ واعمد ~~إلى الحسن فزد في حسنه ، وإلى القبيح فانقص من قبحه ؛ واقصد إمتاعي بجمعة ~~نظمه ونثره ، وإفادتي من أوله إلى آخره ؛ فلعل هذه المثاقفة تبقى وتروى ، ~~ويكون في ذلك حسن الذكرى ؛ ولا تومىء إلى ما يكون الإفصاح عنه أحلى في ~~السمع ، وأعذب في النفس ، وأعلق بالأدب ؛ PageV01P017 ~~"""""" صفحة رقم 18 """""" # ولا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب ، وأنفى ms005 للريب ؛ فإن الكلام ~~صلف تياه لا يستجيب لكل إنسان ، ولا يصحب كل لسان ؛ وخطره كثير ، ومتعاطيه ~~مغرور ، وله أرن كأرن المهر وإباء كإباء الحرون ، وزهو كزهو الملك ، وخفق ~~كخفق البرق ؛ وهو يتسهل مرة ويتعسر مرارا ، ويذل طورا ويعز أطوارا ؛ ومادته ~~من العقل والعقل سريع الحؤول خفي الخداع ؛ وطريقه على الوهم ، والوهم شديد ~~السيلان ومجراه على اللسان ، واللسان كثير الطغيان ؛ وهو مركب من اللفظ ~~اللغوي والصوغ الطباعي ، والتأليف الصناعي ، والاستعمال الاصطلاحي ، ~~ومستملاه من الحجا ، ودريه بالتمييز ؛ ونسجه بالرقة ، والحجا في غاية ~~النشاط وبهذا البون يقع التباين ويتسع التأويل ، ويجول الذهن ، وتتمطى ~~الدعوى ، ويفزع إلى البرهان ، ويبرأ من الشبهة ، ويعثر بما أشبه الحجة وليس ~~بحجة ؛ فاحذر هذا النعت وروادفه ، واتق هذا الحكم وقوائفه ؛ ولا تعشق اللفظ ~~دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ ؛ وكن من أصحاب البلاغة والإنشاء في ~~جانب ، فإن صناعتهم يفتقر فيها أشياء يؤاخذ بها غيرهم ، ولست منهم ، فلا ~~تتشبه بهم ، ولا تجر على مثالهم ، ولا تنسج على منوالهم ، ولا تدخل في ~~غمارهم ، ولا تكثر ببياضك سوادهم ، ولا تقابل بفكاهتك براعتهم ، ولا تجذب ~~بيدك رشاءهم ، ولا تحاول بباعك مطاولتهم PageV01P018 ~~"""""" صفحة رقم 19 """""" # واعرف قدرك تسلم ، والزم حدك تأمن ، فليس الكودن من العتيق في شيء ، ولا ~~الفقير من الغني على شيء ، أما سمعت قول الناس : ليس الشامي للعراقي بصاحب ~~، ولا الكردي من الدندي بساخر ، فإن طال فلا تبل ، وإن تشعب فلا تكترث ، ~~فإن الإشباع في الرواية أشفى للغليل ، والشرح للحال أبلغ إلى الغاية ، ~~وأظفر بالمراد ، وأجرى على العادة . فكتبت : ' بسم الله الرحمن الرحيم ' ، ~~أقول أيها الشيخ - عطف الله قلبك علي ، وألهمك الإحسان إلي - في جواب جميع ~~ما قلته واجدا علي وعاتبا ، وقابضا ، وباسطا ، ومرشدا ، وناصحا ؛ ما يعرف ~~الحق فيه ، ويستبين الصواب منه ، غير خائن لك ، ولا جانح إلى مخالفتك ، ولا ~~مريغ للباطل معك ، ولا جاحد لأياديك القديمة ، والحديثة ، ولا منكر لنعمتك ~~الكافية الشافية ، ولا غاظ على فواضلك المجتمعة والمتفرقة ، ولا تارك لشيء ~~هو علي من أجل شيء هو لي ، ولا معرض ms006 عن شيء هو لي بسبب شيء هو علي ؛ بل ~~أجهز دقة وجله إليك حتى تراه بسده وغباره ، وأجلوه عليك حتى تلحظه بردائه ~~وإزاره . كأني لم أسمع قول الأول : والكفر مخبثة لنفس المنعم . . . والشكر ~~مبعثة لنفس المفضل أأنا أدعك واجدا علي ، وأرقد وأنت ماقت لي ، وأجد حس ~~نعمة أنت وهبتها إلي ، وألذ عيشا أنت أذقتني حلاوته . أأنسى أياديك وهي طوق ~~رقبتي ، وتجاه عيني ، وحشو نفسي ، وراحة حلمي ، وزاد حياتي ، ومادة روحي ~~هيهات ، هذا بعيد من القياس ، وغير معهود بين أحرار الناس ؛ الذين لهم ~~اهتمام بصون أعراضهم ، وحرص على إكرام أنفسهم ؛ PageV01P019 ~~"""""" صفحة رقم 20 """""" # قد عبقوا بفوائح الفتوة ، وعلقوا بحبائل المروءة ، وشدوا من الحكمة أشرف ~~الأبواب ؛ واعتزوا من الأدب إلى أعز حرم ؛ وحازوا شرفا بعد شرف ، وانحازوا ~~عن نطف بعد نطف ونظروا إلى الدنيا بعين بصيرة ، وعزفوا أنفسهم عن زهراتها ~~بتجربة صادقة . فأول ما أبدؤك به أنني طننت ظنا لا كيقين أن شيئا مما كنت ~~فيه مع الوزير - أدام الله أيامه ، وقصم أعداءه - ليس مما يهمك ، ولا هو ~~مما يقرع سمعك سماعك له ؛ وحسبت أيضا أنني إن بدأت بشيء منه رذلتني عليه ~~وتنقصتني به ، وزريت علي فيه ؛ وأنك ربما قلت : لم بدأت بما أسئلك عنه ولم ~~أرخص لك فيه ، هلا كظمت على جرتك ، وطويت ما بين جنبيك وما علي مما يدور ~~بين الصاحب وخادمه والرؤوساء ، والناظرين في أمور الدهماء والمتصفحين ~~لأحوال العامة والخاصة ، ولهم أسرار وعيوب لا يقف عليها أقرب الناس إليهم ، ~~وأعز الناس عليهم ، وأنت أيضا فلم تسألني عنه ، فكان في تقديري أنك قد عرفت ~~وصولي في وقت دون وقت ، وأنك قد حملت أمري على الخدمة التي ليس للعلم بها ~~فائدة ، ولا في الإعراض عنها فائتة . وإذ جرى الأمر على غير ما كان في ~~حسابي وتلبس بظني ، فإني أهدي ذلك كله بغثاثته وسمانته ، وحلاوته ومرارته ، ~~ورقته وخثارته في هذا المكان ؛ ثم أنت أبصر PageV01P020 ~~"""""" صفحة رقم 21 """""" # بعد ذلك في كتمانه وإفشائه ، وحفظه وإضاعته وستره وإشاعته ؛ ووالله ما ~~أرى هذا أمرا صعبا ms007 إذا وصل إلى مرادك ولا كلفة شاقة إذا أكسبني مرضاتك ؛ ~~وإن كان ذلك يمر بأشياء كثيرة ومختلفة ، متعصية غريبة ، منها ما يشيط به ~~الدم المحقون ، وينزع من أجله الروح العزيز ، ويستصغر معه الصلب ، ولا يقنع ~~فيه بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ؛ وإن كان فيها أيضا غير ذلك مما ~~يضحك السن ، ويفكه النفس ، ويدعو إلى الرشاد ، ويدل على النصح ، ويؤكد ~~الحرمة ، ويعقد الذمام ، وينشر الحكمة ، ويشرف الهمة ، ويلقح العقل ، ويزيد ~~في الفهم والأدب ويفتح باب اليمن والبركة ، وينفق بضاعة أهل العلم في السوق ~~الكاسدة ، ويوقظ العيون الناعسة ، ويبل الشن المتغضف ، ويندى الطين المترشف ~~؛ ويكون سببا قويا على حسن الحال وطلب العيش ، فإن هذا العاجلة محبوبة ، ~~والرفاهية مطلوبة ، والمكانة عند الوزراء بكل حول وقوة مخطوبة ، والدناي ~~حلوة خضرة وعذبة نضرة ، ومن شف أمله شق عمله ؛ ومن اشتد إلحاحه ، توالى ~~غدوه ورواحه ، ومن أسره رجاؤه ، طال عناؤه ، وعظم بلاؤه ؛ ومن التهب طمعه ~~وحرصه ، ظهر عجزه ونقصه . وفي الجملة : من لم يكن لله متهما . . . لم يمس ~~محتاجا إلى أحد ولابد من فتى يعين على الدهر ، ويغني عن كرام الناس فضلا عن ~~لئامهم ، ويذلل قعود الصبر ، ويجم راحلة الأمل ، ويحلي مر اليأس ؛ والعزلة ~~محمودة إلا أنها محتاجة إلى الكفاية ، والقناعة مزة فكهة ولكنها فقيرة إلى ~~البلغة وصيانة النفس حسنة إلا أنها كلفة PageV01P021 ~~"""""" صفحة رقم 22 """""" # محرجة إن لم تكن لها أداة تجدها وفاشية تمدها ، وترك خدمة السلطان غير ~~الممكن ولا يستطاع إلا بدين متين ، ورغبة في الآخرة شديدة ، وفطام عن دار ~~الدنيا صعب ، ولسان بالحلو والحامض يلغ . قال ابن السماك : لولا ثلاث لم ~~يقع حيف ، ولم يسل سيف ، لقمة أسوغ من لقمة ، ووجه أصبح من وجه ، وسلك أنعم ~~من سلك ، وليس كل أحد له هذه القوة ، ولا فيه هذه المنة والإنسان بشر ، ~~وبنيته متهافتة وطينته منتثرة ، وله عادة طالبة ، وحاجة هاتكة ، ونفس جموح ~~، وعين طموح ؛ وعقل طفيف ، ورأي ضعيف ، يهفو لأول ريح ، ويستخيل لأول بارق ~~؛ هذا إذا تخلص من قرناء السوء ، وسلم من سوارق العقل ms008 ، وكان له سلطان على ~~نفسه ، وقهر لشهواته ، وقمع لهوائجه وقبول من ناصحه ، وتهيؤ في سعيه ، ~~وتبوء في معان حظه ، وائتمام بسعادته ، واستبصار في طلب ما عند ربه ، ~~واستنصاف من هواه المضل لعقله المرشد ، هذا قليل وصعب ولو قلت : معدوم أو ~~محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد ، لما خفت عائقا يعوقني ، ولا ~~حسودا يرد قولي . قال ابن السماك : الله المستعان على ألسن تصف وقلوب تعترف ~~، وأعمال تختلف . PageV01P022 # """""" صفحة رقم 23 """""" # وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث - ورآه لا يلي له عملا ، ~~ولم يقبل منه نائلا - : يا ابن أخي ، هي الدنيا ، فإما أن ترضع معنا ؛ وإما ~~أن ترتدع عنا . وربما قال بعض المتكلفين قد قال بعض السلف : ليس خيركم من ~~ترك الدنيا للآخرة ، ولا من ترك الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه ~~وهذه . وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن . وربما قال آخر من المتقدمين ~~: ' اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ' . وهذا ~~أيضا كلام منمق ، لا يرجع إلى معنى محقق ؛ أين هو من قول المسيح - عليه ~~السلام - حين قال : الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من ~~أحدهما قرب من الآخر ؛ ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر . وأين هو من قول ~~الآخر : الدنيا والآخرة ضرتان ، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، ومتى ~~أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى . وهذا لأن الإنسان صغير الحجم ، ضعيف الحول ، ~~لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته ، وبين السعي ~~في طلب المنزلة عند ربه بأداء فرائضه ، والقيام بوظائفه ، والثبات على حدود ~~أمره ونهيه ، فإن صفق وجهه وقال : نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار : ~~فهذا المذبذب الذي لا هو من هذه ولا من هذه ؛ ومن تخنث وتليث لم يكن رجلا ~~ولا امرأة ، ولا يكون أبا ولا أما ؛ وهذا كما نرى . ونرجح فنقول : ونعوذ ~~بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من التقوى ، ولا عماد من الصبر ~~، ولا دعامة من الأنفة ، ولا اصطبار على المرارة ms009 . وقد بلينا بهذا الدهر ~~الخالي من الديانين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم ، ~~الخاوي من الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم ، ويوسعون PageV01P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # على غيرهم من سعتهم ، وكانوا يهتمون بذخائر الشكر المعجل في الدنيا ، ~~يحرصون على ودائع الأجر المؤجل في الأخرى ؛ ويتلذذون بالثناء ، ويهتزون ~~للدعاء ؛ وتملكهم الأريحية عند مسئلة المحتاج ، وتعتريهم الهزة معها ~~والابتهاج ؛ وذلك لعشقهم الثناء الباقي ؛ والصنيع الواقي ؛ ويرون الغنيمة ~~في الغرامة ، والربح في البذل ، والحظ في الإيثار ، والزيادة في النقص ؛ ~~أعني بالزيادة . الخلف المنتظر من الله ؛ وبالنقص : العطاء ؛ ورأيت الناس ~~يعيبون ابن العميد حين قال : أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال : أنت للمال ~~إذا أمسكته . . . فإذا أنفقته فالمال لك قال : ولو كان هذا صحيحا كان لا ~~ينبغي أن يكتسب المال ، لأنه ليس في ترك كسبه أكثر من إخراجه بالإنفاق . ~~هذا لقولهم بحكمته وعقله وتحصيله وصواب الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ ~~العاقل ؛ نعم ، وكانوا إذا ولوا عدلوا ، وإذا ملكوا أفضلوا ، وإذا أعطوا ~~أجزلوا ، وإذا سئلوا أجابوا وإذا جادوا أطابوا ، وإذا عالوا صبروا ، وإذا ~~نالوا شكروا ؛ وإذا أنفقوا واسوا ، وإذا امتحنوا تأسوا ؛ وكانوا يرجعون إلى ~~نقائب ميمونة ، وإلى ضرائب مأمونة ؛ وإلى ديانات قوية ، وأمانات ثخينة ؛ ~~وكان لهم مع الله أسرار طاهرة ، وعلانية مقبولة ؛ ومع عباد الله معاملة ~~جميلة ، ورحمة واسعة ومعدلة فاشية ؛ وكانت تجارتهم في العلم والحكمة ، ~~وعادتهم جارية على الضيافة والتكرمة ؛ PageV01P024 ~~"""""" صفحة رقم 25 """""" # وكانت شيمتهم الصفح والمغفرة وربحهم من هذه الأحوال النجاة والكرامة في ~~الأولى والعاقبة ؛ وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير ، وتناهوا عن الشر ؛ ~~وتنافسوا في اتخاذ الصنائع ، وادخار البضائع أعني صنائع الشكر ، وبضائع ~~الأجر فذهب هذا كله ، وتاه أهله ؛ وأصبح الدين وقد أخلق لبوسه ، وأوحش ~~مأنوسه ، واقتلع مغروسه ؛ وصار المنكر معروفا ، والمعروف منكرا ، وعاد كل ~~شيء إلى كدره وخاثره ، وفاسده وضائره ؛ وحصل الأمر على أن يقال : فلان خفيف ~~الروح ، وفلان حسن الوجه ، وفلان ظريف الجملة ، حلو الشمائل ، ظاهر الكيس ، ~~قوي الدست في الشطرنج ، حسن اللعب في النرد ، جيد في الاستخراج ، مدبر ms010 ~~للأموال ، بذول للجهد ، معروف بالاستقصاء لا يغضى عن دانق ، ولا يتغافل عن ~~قيراط ؛ إلى غير ذلك مما يأنف العالم من تكثيره ، والكاتب من تسطيره . وهذه ~~كلها كنايات عن الظلم والتجديف ، والخساسة والجهل وقلة الدين وحب الفساد ، ~~وليس فيها شيء مما قدمنا وصفه عن القوم الذين اجتهدوا أن يكونوا خلفاء الله ~~على عباد الله بالرأفة والرحمة والاصطناع والعدل والمعروف . PageV01P025 # """""" صفحة رقم 26 """""" # وأرجع عن هذه الشكلية الطويلة اللاذعة والبلية العامة الشاملة ؛ إلى عين ~~ما رسمت لي ذكره ، وكلفتني إعادته ؛ عائذا بالله في صرف الأذى عني وسوق ~~الخير إلي ؛ ولائذا بكرمك الذي رشتن به إلى الساعة ، وكفيتني به مؤونة ~~الخدمة لغيرك من هذه الجماعة ؛ والأعمال بخواتيمها ، والصدور بأعجازها ؛ ~~وأنت أولى الناس بالصفح والتجاوز عني إذا عرفت براءتي في كل ما يتعلق بي من ~~ذمامك ؛ ويجب علي من الحق في مودتك ، والاعتصام بحبلك والانتجاع من عشبك ، ~~والارتغاء من لبنك . PageV01P026 # """""" صفحة رقم 27 """""" # الليلة الأولى # وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز ~~الله نصره ، وشد بالعصمة والتوفيق أزره - فأمرني بالجلوس ، وبسط لي وجهه ~~الذي ما اعتراه منذ خلق العبوس ؛ ولطف كلامه الذي ما تبدل منذ كان لا في ~~الهزل ولا في الجد ، ولا في الغضب ولا في الرضا . ثم قال بلسانه الذليق ، ~~ولفظه الأنيق : قد سألت عنك مرات شيخنا أبا الوفاء ، فذكر أنك مراع لأمر ~~البيمارستان من جهته ، وأنا أربأ بك عن ذلك ، ولعلي أعرضك لشيء أنبه من هذا ~~وأجدى ، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس ، ولأتعرف منك ~~أشياء كثيرة مختلفة تردد في نفسي على مر الزمان ، لا أحصيها لك في هذا ~~الوقت ، لكني أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض ، فأجبني ~~عن ذلك كله باسترسال وسكون بال ؛ بملء فيك ، وجم خاطرك ، وحاضر علمك ؛ ودع ~~عنك تفنن البغداديين مع عفو لفظك ، وزائد رأيك ، وربح ذهنك ؛ ولا تجبن جبن ~~الضعفاء ، ولا تتأطر تأطر الأغبياء ؛ واجزم إذا قلت ، وبالغ إذا وصفت ؛ ~~واصدق إذا أسندت ، وافصل إذا ms011 حكمت ، إلا إذا عرض لك ما يوجب توقفا أو ~~تهاديا ؛ وما أحسن ما PageV01P027 ~~"""""" صفحة رقم 28 """""" # قال الأول : لا تقدح الظنة في حكمه . . . شيمته عدل وإنصاف يمضي إذا لم ~~تلقه شبهة . . . وفي اعتراض الشك وقاف وقد قال الأول : أبالي البلاء وإني ~~امرؤ . . . إذا ما تبينت لم أرتب وكن على بصيرة أني سأستدل مما أسمعه منك ~~في جوابك عما أسألك عنه على صدقك وخلافه ، وعلى تحريفك وقرافه . فقلت قبل : ~~كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد مني فإني إن منعته نكلت ، ~~وإن نكلت قل إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد ، وقد طمعت بالنفاق وانقلبت ~~بالخيبة ، وقد عقدت خنصري على المسألة . فقال - حرس الله روحه - : قل - ~~عافاك الله - ما بدا لك ، فأنت مجاب إليه ما دمت ضامنا لبلوغ إرادتنا منك ، ~~وإصابة غرضنا بك . قلت : يؤذن لي في كاف المخاطبة ، وتاء PageV01P028 ~~"""""" صفحة رقم 29 """""" # المواجهة ، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض ، وأركب جدد ~~القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوبة ولا انحياش . قال : لك ذلك ، وأنت ~~المأذون فيه ، وكذلك غيرك ، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة ؟ إن الله ~~تعالى - على علو شأنه ، وبسطه ملكه ، وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء ~~والكاف ، ولو كان في الكناية بالهاء رفعة وجلالة وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد ~~لكان الله أحق بذلك ومقدما فيه ، وكذلك رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~والأنبياء قبله - عليهم السلام - وأصحابه - رضي الله عنهم - والتابعون لهم ~~بإحسان - رحمة الله عليهم - وهكذا الخلفاء ، فقد كان يقال للخليفة : يا ~~أمير المؤمنين أعزك الله ، ويا عمر أصلحك الله ؛ وما عاب هذا أحد ، وما أنف ~~منه حسيب ولا نسيب ، ولا أباه كبير ولا شريف ؛ وإني لأعجب من قوم يرغبون عن ~~هذا وشبهه ، ويحسبون أن في ذالك ضعة أو نقيصة أو حطا أو زراية ، وأظن أن ~~ذلك لعجزهم وفسولتهم ، وانخزالهم وقلتهم وضؤولتهم ، وما يجدونه من الغضاضة ~~في أنفسهم ، وأن هذا التكلف والتجبر يمحوان عنهم ذلك النقص ، وذلك النقص ~~ينتفي بهذا الضلف ؛ هيهات ، لا تكون ms012 الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء ومن ~~مقابح الزهو والكبرياء . فقلت : أيها الوزير ، قد خالطت العلماء ، وخدمت ~~الكبراء وتصفحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم ، فما سمعت هذا ~~المعنى من أحدل على هذه السياقة الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين ؛ ~~وقد قال بعض السلف الصالح : ' ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر ~~لمن فوقه ' . والتصاغر دواء النفس ، وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين ؛ ~~ولذلك قال ابن السماك للرشيد - وقد عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ ~~قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته - : ' يا أمير المؤمنين ، لتواضعك في ~~شرفك أشرف من شرفك ، وإني أظن أن دمعتك هذه قد أطفأت أودية من النار ~~وجعلتها بردا وسلاما ' . PageV01P029 # """""" صفحة رقم 30 """""" # قال : هذا باب مفترق فيه ، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهي ، سيما إذا كان من ~~خطرات العقل قد خدم بالصواب في نغمة ناغمة ، وحروف متقاومة ؛ ولفظ عذب ، ~~ومأخذ سهل ؛ ومعرفة بالوصل والقطع ، ووفاء بالنثر والسجع ؛ وتباعد من ~~التكلف الجافي ، وتقارب في التلطف الخافي ، قاتلالله ذا الرمة حيث يقول : ~~لها بشر مثل الحرير ومنطق . . . رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وكنت أنشد ~~أيام الصبا هذا بالذال ، وكان ذلك من سوء تلقين المعلم ؛ وبالعراق رد علي ~~وقيل : هو بالزاي ؛ وقد أجاد القطامي أيضا وتغزل في قوله : فهن ينبذن من ~~قول يصبن به . . . مواقع الماء من ذي الغلة الصادي قلت : ولهذا قال خالد بن ~~صفوان حين قيل له : أتمل الحديث ؟ قال : إنما يمل العتيق ، والحديث معشوق ~~الحس بمعونة العقل ، ولهذا يولع به الصبيان والنساء ، فقال : وأي معونة ~~لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم ؟ قلت : ههنا عقل بالقوة وعقل بالفعل ، ولهم ~~أحدهما وهو العقل بالقوة ، وههنا عقل متوسط بين القوة والفعل مزمع ، فإذا ~~برز فهو بالفعل ، ثم إذا استمر العقل بلغ الأفق ؛ ولفرط الحاجة إلى الحديث ~~ما وضع فيه الباطل ، وخلط بالمحال ووصل بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل PageV01P030 ~~"""""" صفحة رقم 31 """""" # وتحقيق ، مثل هزار أفسان وكل ما دخل في جنسه من ضروب الخرافات ؛ والحسن ms013 ~~شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث ، لأنه قريب العهد بالكون ، وله نصيب ~~من الطرافة . ولهذا قال بعض السلف : ' حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة ~~الدثور ' ، كأنه أراد اصقلوها واجلو الصدأ عنها ، وأعيدوها قابلة لودائع ~~الخير ، فإنها إذا دثرت - أي صدئت ، أي تغطت ؛ ومنه الدثار فوق الشعار - لم ~~ينتفع بها ؛ والتعجب كله منوط بالحادث ؛ وأما التعظيم والإجلال فهما لكل ما ~~قدم : إما بالزمان ، وإما بالدهر ؛ ومثال ما يقدم بالزمان الذهب والياقوت ~~وما شابههما من الجواهر التي بعد العهد بمبادئها ، وسيمتد العهد جدا إلى ~~نهاياتها ؛ وأما ما قدم بالدهر ، فكالعقل والنفس والطبيعة ؛ فأما الفلك ~~وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة ، ومناطقه الخفية ، فقد أخذت من ~~الدهر صورة إلهية ، وأحدثت فيما سلف منها صورة زمانية . فقال : بقي أن يتصل ~~به نعت العتيق والخلق ، فكان من الجواب أن العتيق يقال على وجهين : فأحدهما ~~يشار به إلى الكرم والحسن والعظمة ، وهذا موجود في قول العرب : البيت ~~العتيق ؛ والآخر يشار به إلى قدم من الزمان مجهول . فأما قولهم : عبد عتيق ~~، فهو داخل في المعنى الأول ، لأنه أكرم بالعتق ، وارتفع عن العبودية ، فهو ~~كريم . وكذلك وجه عتيق لأنه أعتقته الطبيعة من الدمامة والقبح . وكذلك فرس ~~عتيق . وأما قولهم : هذا شيء خلق ، فهو مضمن معنيين : أحدهما يشار به إلى ~~أن مادته بالية ؛ والآخر أن نهاية زمانه قريبة . PageV01P031 # """""" صفحة رقم 32 """""" # وكان ابن عباد قال لكاتبه مرة - أعني ابن حسولة - في شيء جرى . . . نعم ، ~~العالم عتيق ولكن ليس بقديم أي لو كان قديما لكان لا أول له ، ولما كان ~~عتيقا كان له أعول ، ومن أجل هذا الإعتقاد وصفوا الله تعالى بأنه قديم ، ~~واستحسنوا هذا الإطلاق . وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق ، فقالوا ~~: ما وجدنا هذا في كتاب الله - عز وجل - ولا كلام نبيه - ( صلى الله عليه ~~وسلم ) - ولا في حديث الصحابة والتابعين . وسألت أبا سعيد السيرافي الإمام ~~: هل تعرف العرب أن معنى القديم ما لا أول له ؟ فقال : هذا ما صح عندنا ~~عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم ، إلا أنهم ms014 يقولون : هذا شيء قديم وبنيان ~~قديم ويسرحون وهمهم في زمان مجهول المبدأ . فقل : قد مر في كلامك شيء يجب ~~البحث عنه ، ما الفرق بين الحادث والمحدث والحديث ؛ فكان من الجواب أن ~~الحادث ما يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلق بالذي كان عنه محدثا . ~~والحديث كالمتوسط بينهما مع تعلق بالزمان ومن كان منه . وههنا شيء آخر ، ~~وهو الحدثان والحدثان ؛ فأما الأول فكأنه لما هو مضارع للحادث ، وأما ~~الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط ، لأنه يقال : كان كذا وكذا في حدثان ما ولي ~~الأمير ، أي في أول زمانه ، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادثات ~~والحوادث . وفلان حدث ملوك كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك واحد . قال : ~~ما الفرق بين حدث وحدث ؟ قلت : لا فرق بينهما إلا من جهة أن حدث تابع لقدم ~~، لأنه يقال : أخذه ما قدم وما حدث ؛ فإذا قيل لإنسان : حدث يا هذا . فكأنه ~~قيل له : صل شيئا بالزمان PageV01P032 ~~"""""" صفحة رقم 33 """""" # يكون به في الحال ، لا تقدم له من قبل . ثم رجعت فقلت . ولفوائد الحديث ~~ما صنف أبو زيد رسالة لطيفة الحجم في المنظر ، شريفة الفوائد في المخبر ، ~~تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة والتجربة في الأخبار والأحاديث ، وقد ~~أحصاها واستقصاها وأفاد بها ، وهي حاضرة . فقال احملها واكتبها ، ولا تمل ~~إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث . قلت : السمع والطاعة . ثم رويت أن ~~عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه : قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من ~~محادثة الإخوان في الليالي الزهر ، على التلال العفر . وأحسن من هذا ما قال ~~عمر بن عبد العزيز قال : والله إني لأستري المحادثة من عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين . فقيل : يا أمير ~~المؤمنين ، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك ؟ فقال : أين يذهب بكم ؟ ~~والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف ~~دنانير ، إن في المحادثة تلقيحا للعقول ، وترويحا للقلب ، وتسريحا للهم ، ~~وتنقيحا للأدب . قال ms015 : صدق هذا الإمام في هذا الوصف ، إن فيه هذا كله . PageV01P033 # """""" صفحة رقم 34 """""" # قلت : وسمعت أبا سعيد السيرافي يقول : سمعت ابن السراج يقول : دخلنا على ~~ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه ، فأنشدنا قوله : ولقد سئمت مآربي . . . ~~فكأن أطيبها خبيث إلا الحديث فإنه . . . مثل اسمه أبدا حديث وقال سليمان بن ~~عبد الملك : قد ركبنا الفاره ، وتبطنا الحسناء ، ولبسنا اللين ، وأكلنا ~~الطيب حتى أجمناه ، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة ~~التحفظ ويحدثني بما لا يمجه السمع ، ويطرب إليه القلب . وهذا أيضا حق وصواب ~~، لأن النفس تمل ، كما أن البدن يكل ؛ وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة ، ~~كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح وكما لابد للبدن أن يستمد ويستفيد بالجمام ~~الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر ، كذلك لابد للنفس من أن تطلب الروح ~~عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس ، ولهذا يرى بالعين ، PageV01P034 ~~"""""" صفحة رقم 35 """""" # كما أن النفس لطيفة البدن ، ولهذا لا توجد إلا بالعقل ؛ والنفس صفاء ~~البدن ، والبدن كدر النفس . فقال : أحسنت في هذه الروايات على هذه ~~التوشيحات وأعجبني ترحمك على شيخك أبي سعيد ، فما كل أحد يسمح بهذا في مثل ~~هذا المقام ، وما كل أحد يأبه لهذا الفعل ؛ هات ملحه الوداع حتى نفترق عنها ~~، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون الحديث . قلت : حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية ~~، قال : رأيت جحظة قد دعا بناء ليبني له حائطا فحضر ، فلما أمسى اقتضى ~~البناء الأجرة ، فتماكسا وذلك أن الرجل طلب عشرين درهما ؛ فقال جحظة : إنما ~~عملت يا هذا نصف يوم وتطلب عشرين درهما ؟ قال : أنت لا تدري ، إني قد بنيت ~~لك حائطا يبقى مائة سنة ؛ فبينما هما كذلك وجب الحائط وسقط ؛ فقال جحظة : ~~هذا عملك الحسن ؟ قال : فأردت أن يبقى ألف سنة ؟ قال : لا ، ولكن كان يبقى ~~إلى أن تستوفي أجرتك . فضحك - أضحك الله سنه - . # الليلة الثانية # ثم حضرت ليلة أخرى ، فقال : أول ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقي ~~كيف كان كلامه ms016 فينا ، وكيف كان رضاه عنا ورجاؤه بنا ، فقد بلغني أنك جاره ~~ومعاشره ، PageV01P035 ~~"""""" صفحة رقم 36 """""" # ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره ، وحافظ غاية خبره . فقلت : والله أيها ~~الوزير ، ما أعرف اليوم ببغداد - وهي الرقعة الفسيحة الجامعة ، والعرصة ~~العريضة الغاصة - إنسانا أشكر لك ، وأحسن ثناء عليك ، وأذهب في طريق ~~العبودية معك ، منه ؛ ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء الصالح ، رفعه ~~الله إليه ، والثناء الطيب أشاعه الله ؛ وقد عمل رسالة في وصفك ذكر فيها ما ~~آتاك الله وفضلك به من شرف أعراقك ، وكرم أخلاقك وعلو همتك ، وصدق حدسك ~~وصواب رأيك ، وبركة نظرك ، وظهور غنائك ، وخصب فنائك ، ومحبة أوليائك ، ~~وكمد أعدائك ، وصباحة وجهك ، وفصاحة لسانك ، ونبل حسبك ، وطهارة غيبك ، ~~ويمن نقيبتك ، ومحمود شيمتك ، ودقيق ما أودع الله فيك ، وجليل ما نشر الله ~~عنك ، وغريب ما يرى منك ، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العلية ، والخيرات ~~الواسعة والدولة الوادعة ، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده - إن شاء الله ~~- وكان هذا منه قياما بالواجب ، فإنك نعشت روحه وكان خفت ، وبصرته وكان عشي ~~؛ وأنبت جناحه وكان قد حص ، بالرسم الذي وصل إليه لأنه كن قنط منه وهو قنوط ~~، وسمعته مرارا : من يذكرني وقد مضى الملك - رضوان الله عليه - ومن يخلفه ~~في مصلحتي ، ويجري على عادته معي ؟ ومن يسأل عني ، ويهتم بحالي ؟ هيهات ، ~~فقد والله بالأمس من يطول تلفتنا إليه ويدوم تلهفنا عليه إن الزمان بمثله ~~لبخيل كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال ، وملقتى PageV01P036 ~~"""""" صفحة رقم 37 """""" # القفال ، ومحقق الأقوال والأفعال ، ومجرى لجم الأحوال على غاية الكمال ؛ ~~كان والله فوق المتمنى ، وأعلى من أن يلحق به نظير ، أو يوجد له مماثل ؛ ~~لذته لمح في تهذيب الأمور ، وهواه وقف على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من ~~في نفيه تطهير ؛ ولولا أن عمر الفتى الأريحي قصير ، لكنا لا نبتلى بفقده ، ~~ولا نتحرق على فوت ما كان لنا بحياته ؛ الدنيا ظلوم ، والإنسان فيها مظلوم ~~. فلما وصل إليه ذلك الرسم - وهو مائة دينار - وحاجته ماسة إلى رغيف ms017 ، ~~وحوله وقوته قد عجزا عن أجرة مسكنه ، وعن وجه غدائه وعشائه عاش . ومما زاد ~~في حديث الرسم أنه وصل إليه مع العذر الجميل ، والوعد العريض الطويل ؛ ولو ~~رأيته وهو يترفل ويتحنك لعجبت . فقال : سررتني لسروره بما كان مني ، وإن ~~عشت كففت الزمان عن ضيمه ، وفللت عنه حد نابه ، ولولا الضمانة مانعة عن ~~نفسه ، وتمنع معها بنفسه ؛ لغشي هذا المجلس فيكم فاستأنس وآنس ، ولكنه على ~~حال لا محتمل له عليها ، ولا صبر عليه معها ؛ أتحفظ ما قال البديهي فيه ؟ ~~قلت : نعم ، قال : أنشدنيه ، فرويت : PageV01P037 # """""" صفحة رقم 38 """""" # أبو سليمان عالم فطن . . . ما هو في علم بمنتقص لكن تطيرت عند رؤيته . . ~~. من عور موحش ومن برص وبابنة مثل ما بوالده . . . وهذه قصة من القصص فقال ~~: قاتله الله ، فلقد أوجع وبالغ ، ولم يحفظ ذمام العلم ، ولم يقض حق الفتوة ~~. حدثني عن درجته في العلم والحكمة ، وعرفني محله فيهما من محل أصحابنا ابن ~~زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى بن عدي وعيسى بن ~~علي . فقلت : وصف هؤلاء أمر متعذر ، وباب من الكلفة شاق ؛ وليس مثلي من جسر ~~عليه ، وبلغ الصواب منه ؛ وإنما يصفهم من نال درجة كل واحد منهم ، وأشرف ~~بعد ذلك عليهم ؛ فعرف حاصلهم وغائبهم ، وموجودهم ومفقودهم . فقال : هذا ~~تحايل لا أرضاه لك ، ولا أسلمه في يدك ، ولا أحتمله منك ؛ ولم أطلب إليك أن ~~تعرفهم بما هو معلوم الله منهم ، وموهبة لهم ، ومسوقه إليهم ، PageV01P038 ~~"""""" صفحة رقم 39 """""" # ومخلوعه عليهم ، على الحد الذي لا مزيد فيه ولا نقص ؛ إنما أردت ان تذكر ~~من كل واحد ما لاح منه لعينيك ، وتجلى لبصيرتك ، وصار له به صورة في نفسك ؛ ~~فأكثر وصف الواصفين للأشياء على هذا يجري ، وإلى هذا القدر ينتهي . فقلت : ~~إذا قنع مني بهذا ، فإني أخدم بما عندي ، وأبلغ فيه أقصى جهدي . أما شيخنا ~~أبو سليمان فإنه أدقهم نظرا ، وأقعرهم غوصا ، وأصفاهم فكرا ، وأظفرهم ~~بالدرر ، وأوقفهم على الغرر ؛ مع تقطع في العبارة ، ولكنة ناشئة من العجمة ~~وقلة نظر في الكتب ، وفرط استبداد ms018 بالخاطر ، وحسن استنباط للعويص ، وجرأة ~~على تفسير الرمز ، وبخل بما عنده من هذا الكنز . وأما ابن زرعة فهو حسن ~~الترجمة ، صحيح النقل ، كثير الرجوع إلى الكتب ، محمود النقل إلى العربية ، ~~جيد الوفاء بكل ما جل من الفلسفة ؛ ليس له في دقيقها منفذ ، ولا له من ~~لغزها مأخذ ، ولولا توزع فكره في التجارة ، ومحبته في الربح ، وحرصه على ~~الجمع ؛ وشدته في المنع ؛ لكانت قريحته تستجيب له ، وغائمته تدر عليه ؛ ~~ولكنه مبدد مندد ، وحب الدنيا يعمي ويصم . وأما ابن الخمار ففصيح ، سبط ~~الكلام ، مديد النفس ، طويل العنان ، مرضي النقل ، كثير التدقيق ، لكنه ~~يخلط الدرة بالبعرة ويفسد السمين بالغث ، ويرقع الجديد بالرث ؛ ويشين جميع ~~ذلك بالزهو والصلف ، ويزيد في الرقم والسوم ، فما يجديه من الفضل يرتجعه ~~بالنقص ؛ وما يعطيه باللطف يسترده بالعنف ؛ وما يصفيه بالصواب ، PageV01P039 ~~"""""" صفحة رقم 40 """""" # يكدره بالإعجاب . ومع هذا يصرع في كل شهر مرة أو مرتين . وأما ابن السمح ~~، فلا ينزل بفنائهم ، ولا يسقى من إنائهم ؛ لأنه دونهم في الحفظ والنقل ~~والنظر والجدل ، وهو بالمتبع أشبه ، وإلى طريقة الدعي أقرب ، والذي يحطه عن ~~مراتبهم شيئان : أحدهما بلاده فهمه ، والآخر حرصه على كسبه ؛ فهو مستفرغ مح ~~البال مأسور العقل ، يأخذ الدانق والقيراط والحبة والطسوج والفلس بالصرف ~~والوزن والتطفيف ؛ والقلب متى لم ينق من دنس الدنيا لم يعبق بفوائح الحكمة ~~، ولم يتفوح بردع الفلسفة ، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة المفضية إلى ~~سعادة الآخرة . وأما القومسي أبو بكر ، فهو رجل حسن البلاغة ، حلو الكناية ~~، كثير الفقر العجيبة ، جماعة للكتب الغريبة ؛ محمود العناية في التصحيح ~~والإصلاح والقراءة ، كثير التردد في الدراسة ؛ إلا أنه غير نصيح في الحكمة ~~؛ لأن قريحته ترابية ، وفكرته سحابية ؛ فهو كالمقلد بين المحققين ، والتابع ~~للمتقدمين ؛ مع حب للدنيا شديد ، وحسد لأهل الفضل عتيد . وأما مسكويه ، ~~ففقير بين أغنياء ، وعيي بين أبنياء ، لأنه شاذ ، وأنا أعطيته في هذه ~~الأيام صفو الشرح لإبساغوجي وقاطيغورياس ، من تصنيف صديقنا بالري . قال : ~~ومن هو ؟ قلت : أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامري ، وصححه معي ؛ ~~وهو الآن ms019 لائذ بابن الخمار ، وربما شاهد أبا سليمان وليس له فراغ ، ولكنه ~~محسن في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من قبل . PageV01P040 # """""" صفحة رقم 41 """""" # فقال : يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من كان عنده وهذا حظه ~~قلت : قد كان هذا ، ولكنه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيميائي ~~الرازي ، مملوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته مفتونا بكتب أبي زكرياء ، ~~وجابر بن حيان ؛ ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه ؛ هذا مع تقطيع ~~الوقت في حاجاته الضرورية والشهوية ؛ والعمر قصير ، والساعات طائرة ، ~~والحركات دائمة والفرص بروق تأتلق ، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق ، ~~والنفوس على فواتها تذوب وتحترق ؛ ولقد قطن العامري الري خمس سنين جمعة ~~ودرس وأملى وصنف وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة ، ولا وعى مسألة ، حتى ~~كأنه بينه وبينه سد ؛ ولقد تجرع على هذا التواني الصاب والعلقم ، ومضغ بفمه ~~حنظل الندامة في نفسه ، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ~~ذلك كله . وبعد فهو ذكي حسن الشعر نقي اللفظ ، وإن بقي فعساه يتوسط هذا ~~الحديث ، وما أرى ذلك مع كلفة بالكيمياء ، وإنفاق زمانه وكد بدنه وقلبه في ~~خدمة السلطان ، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة ؛ نعوذ ~~بالله من مدح الجود باللسان ، وإيثار الشح بالفعل ، وتمجيد الكرم بالقول ~~ومفارقته بالعمل ؛ وهذا هو الشقاء المصبوب على هامة من بلي به ، والبلاء ~~المعصوب بناصية من غلب عليه . وأما عيسى بن علي ، فله الذرع الواسع والصدر ~~الرحيب في العبارة ، حجة في النقل PageV01P041 ~~"""""" صفحة رقم 42 """""" # والترجمة ، والتصرف في فنون اللغات ، وضروب المعاني والعبارات ؛ وقد تصفح ~~ما لم يتصفح كثير من هذه الجماعة ، وقلب بخزائن الكبراء والسادات ، وأعين ~~بالعمر الطويل والفراغ المديد ؛ ولكنه مع هذا الفضل الكثير بخيل بكلمة ~~واحدة ، ونصيح على ورقة فارغة ، لسودائه الغالبة عليه ، ومزاجه المتشيط بها ~~. وأما نظيف ، فإنه متوسط ، لا يسفل عن أقلهم حظا ولا يعلو على أكثرهم ~~نصيبا ؛ ويده في الطب أطول ، ولسانه في المجالس أجول ؛ ومعه ms020 رفق وحذق في ~~الجدل . وأما يحيى بن عدي ، فإنه كان شيخا لين العريكة فروقة ، مشوه ~~الترجمة ، رديء العبارة ، لكنه كان متأتيا في تخريج المختلفة وقد برع في ~~مجلسه أكثر هذه الجماعة ، ولم يكن يلوذ بالإلهيات ، كان ينبهر فيها ويضل في ~~بساطها ، ويستعجم عليه ما جل ، فضلا عما دق منها ؛ وكان مبارك المجلس . ~~فقال : ما قصرت في وصف هذه الطائفة ، وتقريب البغية التي كانت داخلة في ~~نفسي منهم . حدثني عن مذاهبهم في النفس وما يقولون فيها ؛ وإلى أين ينتهون ~~من يقينهم PageV01P042 ~~"""""" صفحة رقم 43 """""" # بشأنها ، وكيف ثقتهم ببقائها بعد فناء أبدانها ؟ فقلت : علمت أني لا أجد ~~ما أريد من حديث النفس عند أصحابنا الباقين ، أعني أبا الوفاء علي بن يحيى ~~السامري والمعري والقوهي والصوفي وغلام زحل والصاغاني ، وكذلك غيرهم أعني ~~ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش وابن قوسين والحراني ، لأن هؤلاء ~~ليسوا يحرثون هذه الأرض ، ولا يرقمون هذا البز ولا يجهزون هذا المتاع ولا ~~يتعاملون به ؛ هذا ينظر في المرض والصحة والداء والدواء ، وهذا يعتبر الشمس ~~والقمر ، وليس فيهم من يذكر كلمة في النفس والعقل والإله ، حتى كأنه محظور ~~عليهم ، أو قبيح عندهم . وقلت : إن هؤلاء القوم - أعني الطائفة الأولى - ~~متفقون في الاعتراف بأنها جوهر باق خالد ؛ فأما اليقين فما الحكم به لهم ، ~~لأنهم لو كانوا على ذلك - أعني واجدين لليقين ذائقين لحلاوته - لما كدحوا ~~للدنيا التي تزول عنهم ويزولون عنها مضطرين ؛ فلو أنهم كانوا على ثلج من ~~النفس ، ويقظة من العقل ، واستبصار من القلب ، وسكون من البرهان ، لما ~~تعجلوا هذه اللذات المنقوصة ، والأوطار الفاضحة ، والشهوات الخسيسة ، مع ~~التبعات الكثيرة والأوزار الثقيلة ؛ ولا عجب فإنه إذا كانت الركاكة العائقة ~~تمنع الإنسان من العدو والسفر ، ومن سرعة الخطو ، لأن الحركة قد بطلت ~~بالركاكة الداخلة عليه في أعضائه وآلائه ، فأي عجب من أن تكون النفس التي ~~استعبدتها الشهوات الغالبة ، والعقيدة الرديئة ، والأفعال القبيحة معوقة ~~ممنوعة من الصعود إلى معانق الفلك ومخارق النجوم وعالم الروح ومقعد الصدق ~~ومقام الأمن ومحل الكرامة ومراد ms021 الخلد وبلد الأبد PageV01P043 ~~"""""" صفحة رقم 44 """""" # ومعان السرمد . قال : هذا كلام تام ؛ وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ ~~عنهم فيها لكن تعم لي ما كنا فيه ، كيف علم أبي سليمان بالنجوم وأحكامها ؟ ~~قلت : لا يتجاوز التقويم . ثم قال : فما تقول في الأحكام ؟ قلت : أنشدت منذ ~~أيام : علم النجوم على العقول وبال . . . وطلاب حق لا ينال محال وقلت أيضا ~~: علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن يكون مدركا مكشوفا مخاطبا به معروفا ؛ ~~ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطرحا مجهولا ؛ بل الحكمة توجب أن يتوسط هذا ~~الفن بين الإصابة والخطأ حتى لا يستغنى عن اللياذ بالله أبدا ، ولا يقع ~~اليأس من قبله أبدا ؛ وعلى هذا سخر الله الإنسان وقيضه وخيره بين الأمر ~~وفوضه ؛ ومنع من الثقة والطمأنينة إلا في معرفته وتوحيده وتقديسه وتمجيده ، ~~والرجوع إليه ؛ انظر إلى حديث الطب فإن عنده الصناعة توسطت الصواب والخطأ ، ~~لتكون الحكمة سارية فيها ، واللطف معههودا بها ؛ لأن الطب كما يبرأ به ~~العليل ، قد يهلك معه العليل ؛ فليس بسبب أن بعض المدبرين بالطب لا ينبغي ~~أن ينظر في الطب ؛ وليس بسبب أن بعض المرضى برأ بالطب وجب أن يعول عليه ؛ ~~انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ليكون التدبير الإلهي والأمر الربوبي ~~نافذين في هذه الخلائق بوساطة ما بينه وبينها ؛ ولتكون المصلحة بالغة ~~غايتها ؛ وهذه سياسة دار الفناء ، الجامعة لسكانها على البأساء والنعماء ؛ ~~وهكذا ، فانظر إلى حديث البحر وركوب البأس المتيقن فيه ، وجوب الطول والعرض ~~وإصابة الربح ، وطلب العلم ، كيف توسط بين السلامة والعطب ، والنجاة ~~والهلكة ، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من يغرق ويهلك ، لكان في ذلك ~~مفسدة عامة ؛ ولو استمرت الهلكة حتى لا يوجد من يسلم وينجو ، لكان في ذلك ~~مفسدة عامة ؛ فالحكمة إذا ما توسط هذا الأمر حتى يشكر الله من PageV01P044 ~~"""""" صفحة رقم 45 """""" # ينجو ، ويسلم نفسه لله من يهلك . قلت : وبعد هذا فهذا العلم عويص غامض ~~عميق ، وقد فقد العلماء به ، الملهون فيه ؛ ومعول أهله على الحدس والظن ، ~~وعلى بعض التجارب ms022 القديمة التي تكذب مرة وتصدق مرة ؛ وبالصدق يعبر الإنسان ~~، وبالكذب يعرى من فوائده ؛ فالنقص قد دخله ، والخلل قد شمله ؛ وليس يجب أن ~~يوهب له زمان عزيز ، فوراءه ما هو أهم منه وأجدر ، وأرشد وأهدى . قال : هذا ~~حسن ، حدثني بالذي أفدت اليوم . قلت : قال أبو سليمان : العلم صورة المعلوم ~~في نفس العالم ، وأنفس العلماء عالمة بالفعل ، وأنفس المتعلمين عالمة ~~بالقوة . والتعليم هو إبراز ما بالقوة إلى الفعل . والتعلم هو بروز ما هو ~~بالقوة إلى الفعل . والنفس الفلكية عالمة بالفعل ، والنفس الجزئية علامة ~~بالقوة ؛ وكل نفس جزئية تكون أكثر معلوما وأحكم مصنوعا فهي أقرب إلى النفس ~~الفلكية تشبها بها ، وتصيرا لها . قال : هذا في الحسن نهاية ، وقد اكتهل ~~الليل ، وهذا يحتاج إلى بدء زمان ، وتفريغ قلب ، وإصغاء جديد . هات خاتمة ~~المجلس . قلت له : قرأنا يوم الجمعة على أبي عبيد الله المرزباني لعبد الله ~~بن مصعب . إذا استتعت منك بلحظ طرفي . . . حيي نصفي ومات عليك نصفي تلذذ ~~مقلتي ويذوب جسمي . . . وعيشي منك مقرون بحتفي فلو أبصرتني والليل داج . . ~~. وخدي قد توسط بطن كفي ودمعي يستهل من المآقي . . . إذا لرأيت ما بي فوق ~~وصفي وانصرفت . # الليلة الثالثة # قال لي ليلة أخرى : حدثني أبو الوفاء عنك حديث الخراساني ، فأريد أن ~~أسمعه منك . PageV01P045 # """""" صفحة رقم 46 """""" # قلت : كنت قائما عشية على زنبرية الجسر في الجانب الشرقي والحاج يدخلون ، ~~وجمالهم قد سدت عرض الجسر - أنتظر جوازها وخفة الطريق منها ، فرأيت شيخا من ~~أهل خراسان ذكر لي أنه من أهل سنجان واقفا خلف الجمال يسوقها ، ويحفظ ~~الرحال التي عليها ، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى الجذع عليه ابن بقية - ~~وكان وزيرا صلبه الملك لذنوب كانت له - فقال : لا إله إلا الله ، ما أعجب ~~أمور الدنيا وما أقل المفكر في عبرها وغيرها ، عضد الدولة تحت الأرض وعدوه ~~فوق الأرض . قال : هكذا حدثني أبو الوفاء ، ولذلك استأذنت في دفنه ، وكان ~~كلام الشيخ سببا في ذلك . قال : بلغني أن أبا سليمان يزور في أيام الجمعة ~~رسل سجستان لما ويظل عندهم طاعما ms023 ناعما ، ويأنس بأنك معه ، فمن يحضر ذلك ~~المكان ؟ فقلت : جماعة ؛ وآخر من كان في هذا الأسبوع الماضي ابن جبلة ~~الكاتب ، وابن برمويه ، وابن الناظر أبو منصور وأخوه ، وأبو سليمان وبندار ~~المغني وغزال الراقص ، وعلم وراء الستارة . فقال : ما الذي حفظت من حديث ~~عنهم ، ومأثور أن يلقى إلينا منهم ؟ فقلت : سمعت أشياء ، ولست أحب أن أسم ~~نفسي بنقل الحديث وإعادة الأحوال فأكون غامزا وساعيا ومفسدا . قال : معاذ ~~الله من هذا ، إنما تدل على رشد وخير ، وتضل عن غي وسوء ، وهذا PageV01P046 ~~"""""" صفحة رقم 47 """""" # يلزم كل من آثر الصلاح الخاص والعام لنفسه وللناس ، واعتقد الشفقة ، وحث ~~على قبول النصيحة ؛ والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد سمع مثل هذا وسأل عنه ~~، وكذلك الخلفاء من بعده ، وكل أحد محتاج إلى معرفة الأحوال إذا رجع إلى ~~مرتبة عالية أو محطوطة . فقلت وجدت ابن برمويه يذكر أشياء هي متعلقة بجانبك ~~، ويرى أنها لو لم تكن لكان مجلسك أشرف ، ودولتك أعز ، وأيامك أدوم ، ووليك ~~أحمد ، وعدوك أكمد . قال : ما هذا الاسترسال كله إلى ابن شاهويه ؟ وما هذا ~~الكلف ببهرام ؟ وما هذا التعصب لابن مكيخا ؟ وما هذا السكون إلى ابن طاهر ؟ ~~وما هذا التعويل على ابن عبدان ؟ وما من هؤلاء أحد إلا يريش عدوه ويبريه ~~ويضل صاحبه ويغويه . أما ابن شاهويه فشيخ إزراء وصاحب مخرقة وكذب ظاهر ، ~~كثير الإيهام ، شديد التمويه ، لا يرجع إلى ود صادق ، ولا إلى عقد صحيح ~~وعهد محفوظ ؛ وإنما كان الماضي يقربه لغرض كان له فيه من جهة هؤلاء ~~المخربين القرامطة ، وكان أيضا مذموم الهيئة ، فكان لا PageV01P047 ~~"""""" صفحة رقم 48 """""" # ينبس إلا بما يقويه ويحرس حاله ، واليوم هو رخي اللبب ، جاذب لكل سبب ؛ ~~وليس هناك كفاية ولا صيانة ولا ديانة ولا مروءة ؛ وبعد ، فهو مشئوم نكد ، ~~ثقيل الروح ، شديد البهت قوله الإفساد وعادته تأجيل المهنأ والشماتة ~~بالعاثر والتشفي من المنكوب . وأما بهرام فرجل مجوسي معجب ذميم ، لا يعرف ~~الوفاء ولا يرجع إلى حفاظ ، غرضه أن يتبجح في الدنيا بجاهه ، ولا يبالي أين ~~صار بعاقبته ms024 ؛ وهو يحض مع ذلك عليه في كل ما هو مديره ومدبره . وأما ابن ~~مكيخا ، فرجل نصراني أرعن خسيس ، ما جاء يوما بخير قط لا في رأي ولا في عمل ~~، ولا في توسط ؛ وأصحابنا يلقبونه بقفا وهو منهمك بين اللذائذ همه أن يتحسى ~~دن الشراب في نفس أو نفسين ، ثم يسقط كالجذع اليابس لا لسان ولا إنسان . ~~وأما ابن طاهر فرجل يدعي للناس أنه لولا مكانته وكفايته وحسبه ورأيه ~~ومشورته لكانت هذه الوزارة سرابا ، وهذه المملكة خرابا ؛ هذا مع الشر الذي ~~في طبعه وعادته ؛ فإن جرى خير انتحله ، وزعم أنه من نتائج رأيه ؛ وإن وقع ~~شر عصبه برأس صاحبه ، وادعى أنه استبد به ؛ ومع هذا فهو يعيب هذه المراءاة . PageV01P048 # """""" صفحة رقم 49 """""" # وما أدري كيف استكفى هذه الجماعة حوله ؟ وكيف يظاهر هو بها ويسكن إليها ؟ ~~وما فيهم إلا من وكده الرجس والإفساد والأخذ بالمصانعة وإغراء الأولياء بما ~~يعود بالوبال على البريء والسقيم وعلى الزكي والظنين ؛ هؤلاء سباع ضارية ، ~~وكلاب عاوية ؛ وعقارب لساعة ، وأفاع نهاشة ، وقى الله هذا الإنسان الحر ~~المبارك الكريم الرحيم ، فإنه شريف النفس طاهر الطوية ، لين العريكة ، كثير ~~الديانة ، وهذه أخلاق لا تصلح اليوم مع الناس ، قال الشاعر : ومن لا يذد عن ~~حوضه الناس أو يكن . . . له جانب يشتد إن لان جانب يطأ حوضه المستوردون ~~وتغشه . . . شوائب لا تبقى عليها النقائب وما ضاع قولهم : لا تكن حلوا ~~فتؤكل ، ولا مرا فتعاف . ليس الحذر يقي فكيف التهور ، أههنا لحى تسحب كل ~~يوم ، وطوارق تتوقع كل ليلة والتوكل والاستسلام يلقيان بأهل الدين في طلب ~~الآخرة ؛ فأما أصحاب الدنيا وأرباب المراتب ، فيجب أن يدعوا الهوينا جانبا ~~، ويشمروا للنفع والضر ؛ والخير والشر ويكون ضرهم أكثر ، وشرهم أغلب ؛ ~~ورهبوت خير من رحموت . PageV01P049 # """""" صفحة رقم 50 """""" # ولهذا قال الأعرابي : أنا الغلام الأعسر . . . الخير في والشر والشر في ~~أكثر وهذا معنى بديع ، ولم يرد أن البداءة بالشر خير من الخير ، وإنما اراد ~~أني أتقي بالشر ، وإذا أقبل الشر قلت له : مرحبا ، وأدفع الشر ولو بالشر ، ~~والحديد ms025 بالحديد يفلح . وقد قال الآخر : وفي الشر نجاة حي . . . ن لا ينجيك ~~إحسان وقال ابن دارة : إذا كنت يوما طالب القوم فاطرح . . . مقالتهم واذهب ~~بهم كل مذهب وقارب بذي حلم وباعد بجاهل . . . جلوب عليك الشر من كل مجلب ~~فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا . . . ليستمسكوا مما يريدون فاحدب وإن ~~حلبوا خلقين فاحلب ثلاثة . . . وإن ركبوا يوما لك الشر فاركب وقال الحجاج ~~بن يوسف أبو محمد - وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء والزكانة - ~~لو أخذت من الناس مائة ألف ، كان أرضى عني من أن أفرق فيهم مائة ألف . كان ~~الناس بالأمس مزمومين مخطومين ، يقوم كل واحد بنفسه على نفسه ، ويتهم غده ~~لما جناه في أمسه ؛ لأن الملك السعيد ساسهم ، وقوم زيغهم ، وقلم أظافرهم ؛ ~~وشغلهم بالحاجة عن البطر والأشر ، وبالكفاية عن القلق والضجر ؛ وتقدم إليهم ~~بترك الخوض فيما لا مرجوع له بخير ؛ وكانوا لا يشكرون الله على نعمته عليهم ~~به ، وإحسانه إليهم بمكانه ، فسلبوه فتنفس خناقهم ، واتسع نطاقهم ، فامتطى ~~كل واحد هواه ، ويوشك أن PageV01P050 ~~"""""" صفحة رقم 51 """""" # يقع في مهواه . قال : وههنا أشياء أخرى غير هذه ، ولكن من يسمع ويقبل ؟ ~~ومع هذا فالأمور صائرة إلى مصايرها ، كما أنها صادرة عن مصادرها . فقال له ~~ابن جبلة : ما عندي إلا أن الوزير - أبقاه الله - عارف بهم ومستبطن لأمرهم ~~؛ مع العشرة القديمة ، والملابسة المتصلة ، والخبرة الواقعة ؛ ولكن لابد ~~لمن كان في محله ورقعته من جماعة يقربهم ، ويرجع إليهم ويسمع منهم ، وينظر ~~بأعينهم ، ويصغي بآذانهم ، ويتناول بأيديهم . فقال له مجاوبا : إن كان ~~عارفا بهم ، ومستبطنا لأمرهم ، وخبيرا بشأنهم ؛ فلم سلطهم وبسطهم ، وحدد ~~أنيابهم ، وقوى أسنانهم ، وفتح أشداقهم ، وطول أعناقهم ، وقطع أرباقهم ؛ ~~وأبطرهم فأسكرهم ، حتى صاروا يجهلون أقدارهم ، وينسون ما كانوا فيه من ~~القلة والذلة ؟ هلا رتب كل واحد منهم فيما تظهر به كفايته ولا يرفعه إلى ما ~~يظن معه الظن الفاسد ، ولم يضحك في وجوههم ، ويغضي على جنايتهم ؟ أما بلغه ~~أن ابن يوسف قال : تشبثه بابن شاهويه لأنه قد أعده للهرب إلى القرامطة إن ms026 ~~دهمه أمر ؟ وأنسه ببهرام إنما هو لاستمداد الفساد منه وتقديمه لابن الحجاج ~~للسخف ، ولهجه بابن هرون للهزء واللعب . قال له ابن جبلة : من أراد أن يحسن ~~القبيح عند رضاه ، ويقبح الحسن عند سخطه فعل ، ولا يخلو أحد تهب ريحه ، ~~ويعلو شأنه ، وينفذ أمره ونهيه من حاسد وقارف ، PageV01P051 ~~"""""" صفحة رقم 52 """""" # ومدخل ومرجف ، على هذه الأمور بنيت الدار ، وعليها جرت الأقدار ، إن كنت ~~تنكر هذا الرهط ، فاعرف له الرهط الآخر ؛ فإنك تعرف بذلك حسن اختياره وجميل ~~انتقائه ومحمود رأيه . قال : من هم ؟ . قال : أبو الوفاء المهندس ، وابن ~~زرعة المتفلسف ، وابن عبيد الكاتب ، ومسكويه ، والأهوازي والعسجدي فأين ~~هؤلاء الغامطة ؟ قوم همهم أن يأكلوا رغيفا ويشربوا قدحا ، لا هم ممن يقتبس ~~من علمهم ولا هم يتكلفون له نصحا ، وهيبته تعوقهم عن ذكر شيء في الدولة من ~~تلقائهم إلا أن يكون شيء يتعلق بهم على معنى خاص ؛ فهو ينود هكذا وهكذا حتى ~~يبلغ منهم ما قدر عليه . فلما سمع الوزير هذا كله قال : سألقي إليك في جواب ~~هذه المسألة ما تخدمني به إن لاقيتهم في مجلس آخر على وجه يخفي أنك له ملقن ~~محمل كأنك ساه عنه غير حافل به ؛ وقد تقطع الليل ، ويحتاج في هذا الحديث ~~إلى استئناف زمان ، بعد استيفاء حمام ؛ ثم أنشدت قول الشاعر : إني لأصفح عن ~~قومي وألبسهم . . . على الضغائن حتى تبرأ المثر ثم قال : ما المئر ؟ قلت : ~~هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت ، واحدها مئرة ، كأنه أراد وألبسهم على ~~الضغائن حتى تبرأ الضغائن فرجع من لفظ إلى لفظ ضرورة القافية لما كان ~~معناهما واحدا ؛ قال : لمن هذا البيت ؟ قلت : لا أحفظ اسم شاعره ، ولكن PageV01P052 ~~"""""" صفحة رقم 53 """""" # أحفظ معه أبياتا . قال : هاتها ؛ فأنشدت أول ذلك : يا أيها الرجل المزجى ~~أذيته . . . هل أنت عن قولك العوراء مزدجر إني إذا عد مبطاء إلى أمد . . . ~~لا يستطيع حضاري المقرف البطر لاقى قناتي مصرارا عشوزنة . . . لا قادح قد ~~تبغاها ولا خور إني لأصفح عن قومي وألبسهم . . . على الضغائن حتى تبرأ ~~المئر قال ms027 : اكتبها . قلت : أفعل ، وانصرفت ، فما أعاد علي بعد ذلك شيئا ~~مما كان . # الليلة الرابعة # قال لي بعد ذلك في ليلة أخرى : كيف رضاك عن أبي الوفاء ؟ قلت : أرضى رضا ~~بأتم شكر وأحمد ثناء ؛ أخذ بيدي ، ونظر في معاشي ، ونشطني وبشرني ، ورعى ~~عهدي ، ثم ختم هذا كله بالنعمة الكبرى ، وقلدني بها القلادة الحسنى ، ~~وشملني بهذه الخدمة ، وأذاقني حلاوة هذه المزية ، وأوجهني عند نظرائي . قال ~~: هات شيئا من الغزل . فأنشدته : كلانا سواء في الهوى غير أنها . . . تجلد ~~أحيانا وما بي تجلد PageV01P053 ~~"""""" صفحة رقم 54 """""" # تخاف وعيد الكاشحين وإنما . . . جنوني عليها حين أنهي وأبعد ثم قال : ~~غالب ظني أن نصرا غلام خواشاذه ما هرب من فنائي إلا برأيك وتجسيرك ؛ فإن ~~ذلك عبد ، ولا جرأة له على مثل هذا الندود والشذوذ ، فقد قال لي القائل : ~~إنك من خلصانه . فقلت : والله الذي لا إله إلا هو ما كان بيني وبينه ما ~~يقتضي هذا الأنس وهذا الاسترسال ، إنما كنا نلتقي على زنبرية باب الجسر ~~بالعشايا وعند البيمارستان وعلى باب أبي الوفاء ؛ وإنما ركنت إليه لمرقعته ~~وتاسومته عند ما كنت رأيته عند صاحبه بالري سنة تسع وستين وهو متوجه إلى ~~قابوس وجرجان ، في المذلة الدائمة والحال المربوطة ؛ ولو نبس لي بحرف من ~~هذا ، أو كنت أشعر بأقل شيء منه ، لكنت أقول لأبي الوفاء قضاء لحقه ، ووفاء ~~بما له في عنقي من مننه وخوفا من هذا الظن بي ، وقصورا عن اللائمة لي . قال ~~: أفما تعرف أحدا تسأله عنه ممن كان يخالطه ويباسطه ؟ قلت : ما رأيته إلا ~~وحده ؛ وكم كان زمان التلاقي ؟ كان أقل من شهر ، أفي هذا القدر يتوكد الأنس ~~وترتفع الحشمة وتستحكم الثقة ويقع الاسترسال والتشاور ؟ هذا بعيد . قال : ~~هذا المتخلف كنت قد قربته ورتبته ، ووعدته ومنيته ؛ وتقدمت إلى أبي الوفاء ~~بالإقبال عليه ، والإحسان إليه ، وإذكاري بأمره في الوقت بعد الوقت ، حتى ~~أزيده نباهة وتقديما ، فترك هذا كله وطوى الأرض كأنه هارب من حبس ، أو خائف ~~من عذاب . PageV01P054 # """""" صفحة رقم 55 """""" # ويقال في الأثر : إن بعض الصفيحيين ms028 قال : لله قوم يقادون إلى الجنة ~~بالسلاسل ، ما أكثر من يفر من هذه الكرامة ، ويقوى - على ترف جم - على ~~الهوان ، ويصبر على البلاء ، ويقلق في العافية إن السجايا المختلفة ، وإن ~~الطباع لمتعادية ؛ قلما يرى شخصان يتشاكلان في الظاهر إلا يتباينان في ~~الباطن . قلت : كذلك هو . قال : حدثني لم امتنعت من النفوذ مع ابن موسى إلى ~~الجبل فيما رسمنا له أن يتوجه فيه ؟ ولقد أطلت التعجب من هذا وكررته على ~~أبي الوفاء . فقلت : منعني من ذلك ثلاثة أشياء : أحدها أن ابن موسى لم يكن ~~من شكلي ولا أشد للضد هونا من مصاحبة الضد ، لأنه سوداوي وجعد . والآخر أنه ~~قيل : ينبغي أن تكون عينا عليه ، وأنا لو قررت لك الحديث لما رأيته لائقا ~~بحالي ، فكيف إذا قرنت برجل باطلي لو بوهمه أمري لدهدهني من أعلى جبل في ~~الطريق . والآخر أني كنت أفد مع هذا كله على ابن عباد - وهو رجل أساء إلي ~~وأوحشني ، وحاول على لسان صاحبه ابن شاهويه أن أنقلب إليه ثانيا ؛ وكنت ~~أكره ذلك ، وما كنت آمن ما يكون منه ومني ، والمجنون المطاع ، مهروب منه ~~بالطباع . وبعد ، فليس لي حاجة في مثل هذه الخدمة ، لأن صدر العمر خلا مني ~~عاريا من هذه الأحوال ، وكان وسطه أضعف حملا ، وأبعد من القيام به والقيام ~~عليه . فقال : ما كان عندي هذا كله . PageV01P055 # """""" صفحة رقم 56 """""" # قال : إني أريد أن أسألك عن ابن عباد فقد انتجعته وخبرته وحضرت مجلسه ، ~~وعن أخلاقه ومذهبه وعادته ، وعن علمه ، وعن علمه وبلاغته ، وغالب ما هو ~~عليه ، ومغلوب ما لديه ؛ فما أظن أني أجد مثلك في الخبر عنه ، والوصف له ، ~~على أني قد شاهدته بهمذان لما وافي ، ولكني لم أعجمه ، لأن اللبث كان قليلا ~~، والشغل كان عظيما ، والعائق كان واقعا . فقال : إني رجل مظلوم من جهته ، ~~وعاتب عليه في معاملتي ، وشديد الغيظ لحرماني ، وإن وصفته أربيت منتصفا ، ~~وانتصفت منه مسرفا ، فلو كنت معتدل الحال بين الرضا والغضب ، أو عاريا ~~منهما جملة ، كان الوصف أصدق ، والصدق به أخلق ؛ على أني ms029 عملت رسالة في ~~أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتها نفسي الغزير ، ولفظي الطويل والقصير ، ~~وهي في المسودة ولا جسارة لي على تحريرها ، فإن جانبه مهيب ، ولمكره دبيب ، ~~وقد قال الشاعر : إلى أن يغيب المرء يرجى ويتقى . . . ولا يعلم الإنسان ما ~~في المغيب قال : دع هذا كله ، وانسخ لي الرسالة من المسودة ، ولا يمنعنك ~~ذاك فإن العين لا ترمقها والأذن لا تسمعها واليد لا تنسخها . وبعد ، فما ~~سألتك إلا وصفه بما جبل عليه ، أو بما كسب هو بيديه من خير وشر ؛ وهذا غير ~~منكر ولا مكروه ، لأمر الله تعالى ، فإنه مع علمه الواسع ، وكرمه السابغ ، ~~يصف المحسن والمسيء ، ويثني على هذا وينثو على ذاك ؛ فاذكر لي من أمره ما ~~خف اللفظ به وسبق الخاطر إليه وحضر السبب له . قلت : إن الرجل كثير المحفوظ ~~حاضر الجواب فصيح اللسان ؛ قد نتف من كل أدب PageV01P056 ~~"""""" صفحة رقم 57 """""" # خفيف أشياء ، وأخذ من كل فن أطرافا ؛ والغالب عليه كلام المتكلمين ~~المعتزلة ، وكتابته مهجنة بطرائقهم ، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتاب ؛ وهو ~~شديد التعصب على أهله الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطب والتنجيم ~~والموسيقي والمنطق والعدد ؛ وليس عنده بالجزء الإلهي خبر ، ولا له فيه عين ~~ولا أثر ؛ وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ؛ ويقول الشعر ، وليس بذاك ؛ ~~وفي بديهيته غزارة . وأما رويته فخوارة ؛ وطالعه الجوزاء ، والشعري قريبة ~~منه ؛ ويتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية ، ولا يرجع إلى الرقة والرأفة ~~والرحمة ، والناس كلهم محجمون عنه ، لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته ؛ شديد ~~العقاب طفيف الثواب ، طويل العتاب ؛ بذيء اللسان ؛ يعطي كثيرا قليلا أعني ~~يعطي الكثير القليل ، مغلوب بحرارة الرأس ، سريع الغضب ، بعيد الفيئة قريب ~~الطيرة ، حسود حقود حديد ، وحسده وقف على أهل الفضل ، وحقده سار إلى أهل ~~الكفاية ؛ أما الكتاب والمتصرفون فيخافون سطوته ، وأما المنتجعون فيخافون ~~جفوته ؛ وقد قتلا خلقا ، وأهلك ناسا ، ونفى أمة ، نخوة وتعنتا وتجبرا وزهوا ~~؛ وهو مع هذا يخدعه الصبي ، ويخلبه الغبي ؛ لأن المدخل عليه واسع ، والمأتي ~~إليه سهل ؛ وذلك بأن يقال : مولانا يتقدم بأن أعار شيئا من كلامه ، ورسائل ms030 ~~منثوره ومنظومه ؛ فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلا لأستفيد ~~كلامه وأفصح به ، وأتعلم البلاغة منه ؛ لكأنما رسائل مولانا سور قرآن ، ~~وفقره فيها آيات فرقان ؛ واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق ~~برهان ؛ فسبحان من جمع العالم في واحد ، وأبرز جميع قدرته في شخص . فيلين ~~عند ذلك ويذوب ، ويلهى عن كل مهم له ، وينسى كل فريضة عليه ويتقدم إلى ~~الخازن بأن يخرج PageV01P057 ~~"""""" صفحة رقم 58 """""" # إليه رسائله مع الورق والورق ويسهل له الإذن عليه ، والوصول إليه ، ~~والتمكن من مجلسه ؛ فهذا هذا . ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا ، ~~ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم ، ويقول : قد نحلتك هذه القصيدة ، امدحني ~~بها في جملة الشعراء ، وكن الثالث من الهمج المنشدين . فيفعل أبو عيسى - ~~وهو بغدادي محكك قد شاخ على الخدائع وتحنك - وينشد ، فيقول له عند سماعه ~~شعره في نفسه ووصفه بلسانه ، ومدحه من تحبيره : أعد يا أبا عيسى ، فإنك - ~~والله - مجيد زه يا أبا عيسى والله ، قد صفا ذهن ، وزادت قريحتك ، وتنقحت ~~قوافيك ؛ ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي ، محل تخرج ~~الناس وتهب لهم الذكاء ، وتزيد لهم الفطنة ، وتحول الكودن عتيقا ، والمحمر ~~جوادا ؛ ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية ؛ وعطية هنية ؛ ويغيظ ~~الجماعة من الشعراء وغيرهم ، لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا ~~يزن بيتا ولا يذوق عروضا . قال يوما : من في االدار ؟ فقيل له : أبو القاسم ~~الكاتب وابن ثابت ؛ فعمل في الحال بيتين ، وقال لإنسان بين يديه : إذا أذنت ~~لهذين فادخل بعدهما بساعة وقل : قد قلت بيتين ، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت ~~وازعم أنك بدهت بهما ، ولا تجزع من تأففي بك ، ولا تفزع من نكري عليك ، ~~ودفع البيتين إليه ، وأمره بالخروج إلى السجن ؛ وأذن للرجلين حتى وصلا ؛ ~~فلما جلسا وأنسا دخل PageV01P058 ~~"""""" صفحة رقم 59 """""" # الآخر على تفيئتهما ، ووقف للخدمة ، وأخذ يتلمظ يرى أنه يقرض شعرا ؛ ثم ~~قال : يا مولانا ، قد حضرني بيتان ، فإن أنت أذنت لي أنشدت . قال : أنت ~~إنسان ms031 أخرق سخيف ، لا تقول شيئا فيه خير ، اكفني أمرك وشعرك . قال : يا ~~مولانا ، هي بديهتي ، فإن نكرتني ظلمتني ؛ وعلى كل حال فاسمع ، فإن كان ~~بارعين وإلا فعاملني بما تحب قال : أنت لجوج ، هات . فأنشد : يأيها الصاحب ~~تاج العلا . . . لا تجعلني نهزة الشامت بملحد يكنى أبا قاسم . . . ومجبر ~~يعزى إلى ثابت قال : قاتلك الله ، لقد أحسنت وأنت مسىء : قال لي أبو القاسم ~~: فكدت أتفقأ غيظا ، لأني علمت أنه من فعلاته المعروفة ؛ وكان ذلك الجاهل ~~لا يقرض بيتا . ثم حدثني الخادم الحديث بنصه . والذي غلطه في نفسه وحمله ~~على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه ، أنه لم يجبه قط بتخطئة ، ولا قوبل ~~بتسوئة ؛ ولا قيل له : أخطأت أو قصرت أو لحنت أو غلطت أو أخللت ، لأنه نشأ ~~على أن يقال : أصاب سيدنا ، وصدق مولانا ، ولله دره ، ولله بلاؤه ، ما ~~رأينا مثله ، ولا سمعنا من يقاربه ، من ابن عبد كان مضافا إليه ؟ ومن ابن ~~ثوابة مقيسا عليه ؟ ومن إبراهيم بن العباس الصولي إذا جمع بينهما ؟ من صريع ~~الغواني من أشجع السلمي إذا سلك طريقهما ، ومتح برشائهما ، وقدح بزندهما ؟ ~~قد استدرك مولانا على الخليل في العروض ، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة ~~وعلى أبي يوسف في القضاء ، وعلى الإسكافي في الموازنة ، وعلى ابن نوبخت في ~~الآراء والديانات ، وعلى ابن مجاهد في القراءات ؛ وعلى ابن جرير في التفسير ~~، وعلى أرسطوطاليس في المنطق ، وعلى الكندي في PageV01P059 ~~"""""" صفحة رقم 60 """""" # الجزء ، وعلى ابن سيرين في العبارة ، وعلى أبي العيناء في البديهة ، وعلى ~~ابن أبي خالد في الخط ، وعلى الجاحظ في الحيوان ، وعلى سهل بن هرون في ~~الفقر ، وعلى يوحنا في الطب ؛ وعلى ابن ربن في الفردوس ، وعلى عيسى بن دأب ~~في الرواية ، وعلى الواقدي في الحفظ ، وعلى النجار في البدل ، وعلى ابن ~~ثوابة في التفقه ، وعلى السري السقطي في الخطرات والوساوس ، وعلى مزبد في ~~النوادر ، وعلى أبي الحسن العروضي في استخراج المعمى ، وعلى بني برمك في ~~الجود ، وعلى ذي الرياستين في التدبير ، وعلى سطيح في الكهانة ، وعلى ابن ms032 ~~المحيا خالد بن سنان العبسي في دعواه ؛ هو والله أولى بقول أبي شريح أوس بن ~~حجر التميمي في فضالة بن كلدة : الألمعي الذي يظن بك الظن . . . كأن لقد ~~رأى وقد سمعا قد يسبق المدح إلا من لا يستحقه ، ويصير المال إلى من لا يليق ~~به أن يكون ميلا حتى إذا وجد من كان لذلك مستحقا منحه ووفر عليه . فتراه ~~عند هذا الهذر وأشباهه يتلوى ويتبسم ، ويطير فرحا ويتقسم ويقول : ولا كذا ؛ ~~ثمرة السبق لهم ، وقصرنا أن نلحقهم ، أو نقفو أثرهم ونشق غبارهم أو نرد ~~غمارهم . وهو في كل ذلك يتشاكى ويتحايل ، ويلوي شدقه ، ويبتلع ريقه ، ويرد ~~كالآخذ ، ويأخذ كالمتمنع ، ويغضب في عرض الرضا ، ويرضى في لبوس الغضب ، ~~ويتهالك ويتمالك ، ويتقابل ويتمايل ؛ ويحاكي المومسمات ، ويخرج في أصحاب PageV01P060 ~~"""""" صفحة رقم 61 """""" # السماجات ؛ ومع هذا كله يظن أن هذا خاف على نقاد الأخلاق وجهابذة الأحوال ~~، والذين قد فرغهم الله لتتبع الأمور ، واستخراج ما في الصدور ، واعتبار ~~الأسباب ؛ وذلك أنه ليس بجيد العقل ، ولا خالص الحمق ؛ وكل كدر بالتركيب ~~فقلما يصفو ، وكل مركب على الكدر فقلما يعتدل ؛ إلا أن الانحراف متى كان ~~إلى جانب العقل كان أصلح من أن يكون إلى طرف الحمق ؛ والكامل عزيز ، ~~والبرىء من الآفات معدوم ؛ إلا أن العليل إذا قيض الله له طبيبا حاذقا ~~رفيقا ناصحا كان إلى العافية أقرب ، وللشفاء أرحي ، ومن العطب أبعد ، ~~وبالاحتياط أعلق ، أعني أن العاقل إذا عرف من نفسه عيوبا معدودة ، وأخلاقا ~~مدخولة ، استطب لها عقله ، وتطبب فيها بعقله ، وتولى تدبيرها برأيه ورأي ~~خلصانه ، فنفي ما أمكن نفيه ، وأصلح ما قبل إصلاحه ، وقلل ما استطاع تقليله ~~؛ فقد يجد الإنسان الرمص في عينه فينحيه ، ويبتلي بالبرص في بدنه فيخفيه . ~~وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به ، وتعويله عليه ، وقلة سماعه من الناصح فيه ؛ ~~فعذر بازدهاء المال والغلم والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق ~~الجلساء والعادة الغالبة ؛ وهو في الأصل مجدود لا جرم ليس يقله مكان دلالا ~~وترفا ، وعجبا وتيها وصلفا ؛ واندراء على الناس ، وازدراء للصغار والكبار ، ~~وجبها ms033 للصادر والوارد ؛ وفي الجملة ، صغار آفاته كبيرة ، وذنوبه جمة ولكن ~~الغني رب غفور قال : ما صدر هذا البيت ؟ فأنشدته الأبيات ، وهي لعروة بن ~~الورد في الجاهلية ، وكان يقال له عروة الصعاليك ، لأنه كان يؤويهم ويحسن ~~إليهم كثيرا : ذريني للغنى أسعى فإني . . . رأيت الناس شرهم الفقير PageV01P061 ~~"""""" صفحة رقم 62 """""" # وأبعدهم وأهوانهم عليهم . . . وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه الندى وتزدريه ~~. . . حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال . . . يكاد فؤاد صاحبه ~~يطير قليل ذنبه والذنب جم . . . ولكن الغني رب غفور فقال : لاشك أن ~~المسودة جامعة لهذا كله . قلت : تلك تجزع في دست كاغد فرعوني . فقال : أجد ~~تحريرها ، وعلى بها ، ولك الضمان ألا يراها إنسان ، ولا يدور بذكرها لسان . ~~قلت : السمع والطاعة . قال : قد تركنا من حديثه ما هو أولى مما مر بنا ؛ ~~كيف بلاغته من بلاغة ابن العميد ؟ وأين طريقته من طريقة ابن يوسف والصابي ؟ ~~قلت : قد سألت جماعة عن هذا ، فأجابني كل واحد بجواب إذا حكيته عنه كان ما ~~يقال فيه ألصق ، وكنت من الحكم عليه وله أبعد . قال : صف هذا ؛ قلت : سألت ~~ابن عبيد الكاتب عن ابن عباد فيك تابته فقال : يرتفع عن المتعلمين فيها ~~بدرجة أو بدرجتين . وقال علي بن القاسم : هو مجنون الكلام ، تارة تبدو لك ~~منه بلاغة قس ، وتارة يلقاك بعي باقل ؛ تحريف كثير في المعاني ، وإحالة في ~~الوضع ، وغلط في السجع ، وشرود عن الطبع . وقال ابن المرزبان : هو كثير ~~السرقة ، سيىء الإنفاق ، رديء القلب والعكس ، فروقة في غيراده ، هزيمته قبل ~~هجومه . وإحجامه أظهر من إقدامه . وقال الصابي : هو مجتهد غير موفق ، وفاضل ~~غير منطق ولو خطا كان أسرع له ، كما أنه لما عدا كان أبطأ عليه ؛ وطباع ~~الجبلي مخالف لطباع العراقي ، PageV01P062 ~~"""""" صفحة رقم 63 """""" # يثب مقاربا فيقع بعيدا ، ويتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا . وقال علي بن جعفر ~~: مم كانت الطبائع هو يكذر نفسه بحسن الظن في البلاغة ، وطباعه تصدق عنه ~~بالتخلف ، فهو يشين اللفظ ويحيل المعنى ، فأما شينه اللفظ فبالجفوة والغلظة ~~والإخلال والفجاجة ؛ وأما إحالته فبالإبعاد ms034 عن حومة القصد والإرادة ؛ ~~والعجب أنه يحفظ الطم والرم من النثر والنظم ؛ ثم إذا ادعاهما يقع دونهما ~~سقوطا ، أو يتجاوزهما فروطا ؛ هذا مع الكبر الممقوت والتشيع الظاهر ، ~~والدعوى العارية من البينة العادلة . وما أحسن ما كتب بن أحمد بن إسماعيل ~~بن الخصيب إلى آخر : الكبر - أعزك الله - معرض يستوي فيه النبيه ذكرا ، ~~والخامل قدرا ، ليس أمامه حاجب يمنعه ، ولا دونه حاجز يحظره ؛ والناس أشد ~~تحفظا على الرئيس المحظوظ ، وأكثر اجتلاء لأفعاله ، وتتبعا لمعايبه ، ~~وتصفحا لأخلاقه ، وتنقيرا عن خصاله منهم عن خامل لا يعبأ به ، وساقط لا ~~يكترث له ؛ فيسير عيب الجليل يقدح فيه ، وصغير الذنب يكبر منه ، وقليل الذم ~~يسرع إليه ؛ ولابن هندو في هذا المعنى : العيب في الرجل المذكور مذكور . . ~~. والعيب في الخامل المستور مستور كفوفة الظفر تخفي من مهانتها . . . ~~ومثلها في سواد العين مشهور وقال الزهيري : قد نجم بأصبهان ابن لعباد في ~~غاية الرقاعة والوقاحة والخلاعة وإن كان له يوم ، فسيشقى به قوم ، سمعته ~~يقول هذا سنة اثنتين وخمسين في مجلس من الفقهاء . PageV01P063 # """""" صفحة رقم 64 """""" # وقال ابن حبيب : قال بعض الحكماء : إن اللنفس أمراضا كأمراض البدن إلا أن ~~فضل أمراض النفس على أمراض البدن في الشر والضرر كفضل النفس على البدن في ~~الخير ؛ وصاحبنا يعني - ابن عباد - مريض عندنا ، صحيح عند نفسه ، زيف ~~بنقدنا ، جيد بنقده ؛ ولو قامت السوق على ساقها ، وتناصف المتعاملون فيها ، ~~ولم يقع إكراه في أخذ ولا إعطاء ، عرف البهرج الذي ضرب خارج الدار والجيد ~~الذي ضرب داخل الدار . وقال أحمد بن محمد : إذا أنصفنا التزمنا مزية ~~العراقيين علينا بالطبع اللطيف والمأخذ القريب ، والسجع الملائم ، واللفظ ~~المونق ، والتأليف الحلو ، والسبوطة الغالبة ، والموالاة المقبولة في السمع ~~، الخالبة للقلب العابثة بالروح ، الزائدة في العقل ، المشعلة للقريحة ، ~~الموقوفة على فضل الأدب ، الدالة على غزارة المغترف ، النائية عن عادة كثير ~~من السلف والخلف ؛ وابن عباد بلي في هذه الصناعة بأشياء كلها عليه لا له ، ~~وخاذلته لا ناصرته ، ومسلمته لا منقذته ؛ فأول ما بلي به أنه فقد الطبع ، ~~وهو ms035 العمود ؛ والثاني العادة وهي المؤاتية ؛ والثالث الشغف الجاسي من اللفظ ~~وهو الاختيار الرديء ؛ والرابع تتبع الوحشي ، وهو الضلال المبين ؛ والخامس ~~الذهاب مع اللفظ دون المعنى ؛ والسادس استكراه المقصود من المعنى ، واللفظ ~~على النبوة ؛ والسابع التعاظل المجهول بالاعتراض ؛ والثامن إلف الرسوم ~~الفاسدة من غير PageV01P064 ~~"""""" صفحة رقم 65 """""" # تصفح ولا فحص ؛ والتاسع قلة الاتعاظ بما كان - للثقة الواقعة في النفس - ~~من الفائت ، والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العز ، وهذه كلها سبل ~~الضلالة ، وطرق الجهالة . قال : وليس شيء أنفع للمنشىء من سوء الظن بنفسه ، ~~والرجوع إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو ~~محتاج إلى تثقيف ، والمستعين أحزم من المستبد ، ومن تفرد لم يكمل ، ومن ~~شاور لم ينقص ، وقد يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ ، ويشرد اللفظ كما يند ~~المعنى ، وينتثر النظم كما ينتظم النثر وينحل المعقد كما يعقد المنحل . ~~والمدار على اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع ، واجتناب النبوة الممجوجة ~~بالسمع ؛ والقريحة الصافية قد تكدر ، والقريحة الكدرة قد تصفو ، وشر آفات ~~البلاغة الاستكراه ، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو . وقال : كان ابن المقفع ~~يقف قلمه كثيرا ؛ فقيل له في ذلك ، فقال : إن الكلام يزدحم في صدري فيقف ~~قلمي لأتخيره . والكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب ، لأن الكاتب مختار ~~والمخاطب مضطر ؛ ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنما ~~ينظر أصبت فيه أم أخطأت ، وأحسنت أم أسأت ؛ فإبطاؤك غير إصابتك كما أن ~~إسراعك غير معف على غلطك . قال : هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا ~~؟ قلت : في الجملة هو أبلغ من ابن PageV01P065 ~~"""""" صفحة رقم 66 """""" # يوسف ، وأغزر وأحفظ وأروى وأجم ركية ، وأعذب موردا ، وأبعد من التفاوت ؛ ~~وليس ابن يوسف من ابن عباد في شيء . فأما ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل ~~يقول : سمعت ابن ثوابة يقول : أول من أفسد الكلام أبو الفضل ، لأنه تخيل ~~مذهب الجاحظ وظن أنه إن تبعه لحقه ، وإن تلاه أدركه ، فوقع بعيدا من الجاحظ ~~، قريبا من نفسه ؛ ألا يعلم أبو الفضل أن مذهب ms036 الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي ~~عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد : بالطبع والمنشأ والعلم والأصول ~~والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ ؛ وهذه مفاتح قلما يملكها ~~واحد ، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد . وأما ابنه ذو الكفايتين ، فلو ~~عاش كان أبلغ من أبيه ، كما كان أشعر منه ؛ ولقد تشبه بالجاحظ فافتضح في ~~مكاتبته لإخوانه ، ومجانته في كلامه ومسائله لمعلمه التي دلتنا على سرقته ~~وغارته وسوء تأتيه ، في تستره وتغطيه ؛ ومن شاء حمق نفسه ؛ وكان مع هذا أشد ~~الناس ادعاء لكل غريبة ، وأبعد الناس من كل قريبة ؛ وهو نزر المعاني ، شديد ~~الكلف باللفظ ؛ وكان أحسد الناس لمن خط بالقلم ، أو بلغ باللسان ، أو فلج ~~في المناظرة ، أو فكه بالنادرة ، أو أغرب في جواب ، أو اتسع في خطاب ؛ ولقد ~~لقي الناس منه الدواهي لهذه الأخلاق الخبيثة ؛ وقد ذكرت ذلك في الرسالة ، ~~وإذا بيضت وقفت عليها من أولها إلى آخرها إن شاء الله ؛ وانصرفت . PageV01P066 # """""" صفحة رقم 67 """""" # الليلة الخامسة # قال لي ليلة أخرى : ألا تتمم ما كنا به بدأنا . قلت : بلى . قأما أبو ~~إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقمية ، وأمضاهم على المحجة الوسطى ، ~~وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو ؛ وليس ابن عباد في النحو بذاك ؛ ولا ~~كان أيضا ابن العميد إلا ضعيفا ؛ وكان يذهب عنه الشيء اليسير . وأبو إسحاق ~~معانيه فلسفية ، وطباعه عراقية ، وعادته محمودة ؛ لا يثب ولا يرسب ، ولا ~~يكل ولا يكهم ، ولا يلتفت وهو متوجه ، ولا يتوجه وهو ملتفت . وقال لنا : ~~إمام ابن عبدكان ، وهو قد أوفى عليه ، وإن كان احتذى على مثاله ؛ وفنونه ~~أكثر ، ومأخذه أخفى ، وخاطره أوقد ، وناظره أنقد ، وروضه أنضر ، وسراجه ~~أزهر ، ويزيد على كل من تقدم بالكتاب التاجي ، فإنها أبان عن أمور وكنى في ~~مواضع ، وشن الغارة في الصبح المنير مع الرعيل الأول ، ودل على التفلسف ، ~~وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في ~~الخطابة ، وأعرق الكتاب في الكتابة ، هذا ونظمه منثوره ، ومنثوره منظومه ؛ ~~إنما هو ذهب ms037 إبريز كيفما سبك فهو واحد ، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكل ~~عليه ؛ هذا مع الظرف الناصع والتواضع الحسن ، واللهجة اللطيفة ، والخلق ~~الدمث ، والمعرفة بالزمان ، والخبرة بأصناف الناس ؛ وله فنون PageV01P067 ~~"""""" صفحة رقم 68 """""" # من الكلام ما سبقه إليها أحد ، وما ماثله فيها إنسان . وإني لأرحم من لا ~~يسلم له هذا الوصف ، لأنه إما أن يكون جاهلا ، وإما عالما فإن كان جاهلا ~~فهو معذور ، وإن كان عالما فهو ملوم ، لأنه يدل من نفسه - بدافع ما يعلمه - ~~على حسده ، والحاسد مهين . قال : هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم ، ويدخل ~~في زمرتهم ؟ قلت : نعم ، أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ~~ملك الديلم بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل ، فحسده وطرده ، وعض ~~بعد ذلك على ناجذه ندما على سوء فعله ، ولقي منه ابن ببأأبي طالب الأمرين ؛ ~~ورسائله مبثوثة . وأبو الحسن الفلكي ، وكان من أهل البصرة ، ووقع إلى ~~المراغة ونواحيها وهو حسن الديباجة ، رقيق حواشي اللفظ ؛ وهو أحدهم غربا ، ~~وأغزرهم سكبا ، وأبعدهم مناحا وأعذبهم نقاخا ، وأعطفهم للأول على الآخر ~~وأنشرهم للباطن من الظاهر . وقرأت له : فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطف ، ~~إلى نادم متلهف ؛ ويجعل العفو عن فرطته وكفرانه ، صدقة عن بسطته وسلطانه ؛ ~~فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار ؛ فعل - إن شاء الله تعالى - . ~~وله مكاتبات واسعة بينه وبين رجل من أهل المراغة يقال له : محمد بن إبراهيم ~~، من أهل سر من رأى وفي الجملة ، الفضل في الناس مبثوث ، وهم منه على جدود ~~؛ والمرذول هو العاري من لبوسه ، المتردد بين تخلفه ونقصه . قال : فكيف يتم ~~له ما هو فيه مع هذه الصفات التي تذكرها ؟ قلت : والله لو أن عجوزا بلهاء ، ~~أو أمة ورهاء أقيمت مقامه ، لكانت الأمور على هذا السياق . قال : وكيف ذاك ~~؟ قلت : قد أمن أن يقال له : لم فعلت ، ولم لم تفعل ؟ وهذا باب لا يتفق ~~لأحد من خدم PageV01P068 ~~"""""" صفحة رقم 69 """""" # الملوك إلا بجد سعيد ، ولقد نصح صاحبه الهروي في أموال تاوية ، وأمور من ms038 ~~النظر عارية ؛ فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها ، ثم قتل الراقع خنقا . ~~هذا وهو يدين بالوعيد ، وله نظائر ، ولنظائره نظائر ، ولكن ليس له ناظر ، ~~ولا فيه مناظر . وقال لي الثقة من أصحابه : ربما شرع في أمر يحكم فيه ~~بالخطأ فيلقبه جده صوابا ، حتى كأنه عن وحي ؛ وأسرار الله في خلقه عند ~~الارتفاع والانحطاط خفية في أستار الغيب ، لا يهتدي إليها ملك مقرب ، ولا ~~نبي مرسل ، ولا ولي مهذب ؛ ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضية العقل ، ~~لكان معلما في مصطبة على شاعر ، أو في دار ؛ فإنه يخرج الإنسان بتفيهقه ~~وتشادقه ، واستحقاره واستكباره ، وإعادته وإبدائه ، وهذه أشكال تعجب ~~الصبيان ولا تنفرهم من المعلمين ، ويكون فرحهم بها سببا للملازمة والحرص ~~على التعلم والحفظ والرواية والدراسة . قال : هذا قدر كاف إلى أن تبيض ~~الرسالة ؛ هات ملحة الوداع . قلت : قال أبو العيناء : قال أبو دعلج : قال ~~المهدي : بايع ؛ قلت : أبايعكم علام ؟ قال : على ما بويع رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يوم صفين . قال كريز أبو سيار المسمعي : إن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لم يدرك صفين ، إنما كانت صفين بين علي ومعاوية . ~~فقال دوست بن رباط الفقيمي أبو شعيب : قد علم الأمير هذا ، ولكن أحب ~~التسهيل على الناس ، وانصرفت . # الليلة السادسة # ثم حضرته ليلة أخرى فأول ما فاتح به المجلس أن قال : أتفضل العرب على ~~العجم أم العجم على العرب ؟ قلت : الأمم عند العلماء أربع : الروم ، والعرب ~~، وفارس ، والهند ؛ وثلاث من هؤلاء عجم ، وصعب أن يقال : العرب وحدها أفضل ~~من هؤلاء الثلاثة ، مع جوامع ما لها ، PageV01P069 ~~"""""" صفحة رقم 70 """""" # وتفاريق ما عندها . قال : إنما أريد بهذا الفرس . فقلت : قبل أن أحكم ~~بشيء من تلقاء نفسي ، أروي كلاما لابن المقفع ، وهو أصيل في الفرس عريق في ~~العجم ، مفضل بين أهل الفضل ؛ وهو صاحب اليتيمة القائل : تركت أصحاب ~~الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام . قال : هات على بركة الله ~~وعونه . قلت : قال شبيب بن شبة : إنا لوقوف في عرصة المربد - وهو ms039 موقف ~~الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر - إذ طلع ابن المقفع ، فما فينا ~~أحد إلا هش له ، وارتاح إلى مساءلته ، وسررنا بطلعته ؛ فقال : ما يقفكم على ~~متون دوابكم في هذا الموضع ؟ فوالله لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي ~~مثلكم ما أصاب أحدا سواكم ، فهل لكم في دار ابن برثن في ظل ممدود ، وواقية ~~من الشمس ، واستقبال من الشمال ، وترويح للدواب والغلمان ، ونتمهد الأرض ~~فإنها خير بساط وأوطؤه ، ويسمع بعضنا من بعض فهو أمد للمجلس ، وأدر للحديث ~~. فسارعنا إلى ذلك ، ونزلنا عن دوابنا في دار ابن برثن نتنسم الشمال ، إذ ~~أقبل علينا ابن المقفع ، فقال : أي الأمم أعقل ؟ فظننا أنه يريد الفرس ، ~~فقلنا : فارس أعقل الأمم ، نقصد مقاربته ، ونتوخى مصانعته . فقال : كلا ، ~~ليس ذلك لها ولا فيها ، هم قوم علموا فتعلموا ، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا ~~وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه ، ليس لهم استنباط ولا استخراج . فقلنا له : ~~الروم . فقال : ليس ذلك عندها ، بل لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة ~~، لا يعرفون سواهما ، ولا يحسنون غيرهما . قلنا : فالصين . قال : أصحاب ~~أثاث وصنعة ، لا فكر لها ولا روية . قلنا : فالترك . قال : سباع للهراش . ~~قلنا : فالهند . قال : أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة . قلنا : فالزنج : ~~قال : بهائم هاملة . فرددنا الأمر إليه . قال : العرب . فتلاحظنا وهمس ~~بعضنا إلى بعض ، فغاظه ذلك منا ، وامتقع لونه ، ثم قال : كأنكم تظنون في ~~مقاربتكم ، PageV01P070 ~~"""""" صفحة رقم 71 """""" # فوالله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن ~~يفوتني الصواب ، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك ، لأخرج من ظنة ~~المداراة ، وتوهم المصانعة ؛ إن العرب ليس لها أول تؤمه ولا كتاب يدلها ، ~~أهل بلد قفر ، ووحشة من الإنس ، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ~~ونظره وعقله ؛ وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته ، ~~ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه ، وأوقاته وأزمنته ، وما ~~يصلح منه في الشاة والبعير ؛ ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا ms040 ~~وصيفيا ، وقيظيا وشتويا ؛ ثم علموا أن شربهم من السماء ، فوضعوا لذلك ~~الأنواء ؛ وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة ؛ واحتاجوا إلى ~~الانتشار في الأرض ، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها ، ~~فسلكوا بها البلاد ؛ وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر ، ويرغبهم في ~~الجميل ، ويتجنون به على الدناءة ويحضهم على المكارم ؛ حتى إن الرجل منهم ~~وهو في فج من الأرض يصف المكارم فما يبقى من نعتها شيئا ، ويسرف في ذم ~~المساوىء فلا يقصر ؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون به على اصطناع المعروف ثم ~~حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد ، كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله ، ~~ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون ، بل نحائز مؤدبة ، وعقول ~~عارفة ؛ فلذلك قلت لكم : إنهم أعقل الأمم ، لصحة الفطرة واعتدال البنية ~~وصواب الفكر وذكاء الفهم . هذا آخر الحديث . قال : ما أحسن ما قال ابن ~~المقفع وما أحسن ما قصصته وما أتيت به هات الآن ما عندك من مسموع ومستنبط . ~~فقلت : إن كان ما قال هذا الرجل البارع في أدبه المقدم بعقله كافيا ~~فالزيادة عليه فضل مستغنى عنه ، وإعقابه بما هو له لا فائدة فيه . فقال : ~~حد الوصف في التزيين والتقبيح مختلف الدلائل على ما يعتقد صوابه PageV01P071 ~~"""""" صفحة رقم 72 """""" # وخطؤه ، متباين ؛ وهذه مسألة - أعني تفضيل أمة على أمة - من أمهات ما ~~تدارأ الناس عليه وتدافعوا فيه ؛ ولم يرجعوا منذ تناقلوا الكلام في هذا ~~الباب إلى صلح متين واتفاق ظاهر . فقتل : بالواجب ما وقع هذا ، فإن الفارسي ~~ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربي ، ولا في جبلة ~~العربي وديدنه أن يقر فضل الفارسي . وكذلك الهندي والرومي والتركي والديلمي ~~؛ وبعد ، فاعتبار الفضل والشرف موقوف على شيئين : أحدهما ما خص به قوم دون ~~قوم في أيام النشأة بالاختيار للجيد والرديء ، والرأي الصائب والفائل ، ~~والنظر في الأول والآخر . وإذا وقف الأمر على هذا فلكل أمة فضائل ورذائل ~~ولكل قوم محاسن وماسو ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلا وعقدها كمال ~~وتفسير ms041 ؛ وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع ~~الخلق ، مفضوضة بين كلهم . فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم ؛ ~~وللروم الحكمة ؛ وللهند الفكر والرؤية والخفة والسحر والأناة ؛ وللترك ~~الشجاعة والإقدام ؛ وللزنج الصبر والكد والفرح ؛ وللعرب النجدة والقرى ~~والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان . ثم إن هذه الفضائل ~~المذكورة ، في هذه الأمم المشهورة ، ليست لكل واحد من أفرادها ، بل هي ~~الشائعة بينها ؛ ثم في جملتها من هو عار من جميعها ، وموسوم بأضدادها ، ~~يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة ، خال من الأدب ، داخل في الرعاع ~~والهمج ؛ وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طياش بخيل عيي وكذلك الهند ~~والروم وغيرهم ؛ فعلى هذا إذا قوبل أهل الفضل والكمال من الروم بأهل الفضل ~~والكمال من الفرس ، تلاقوا على صراط مستقيم ، ولم يكن بينهم تفاوت إلا في PageV01P072 ~~"""""" صفحة رقم 73 """""" # مقادير الفضل وحدود الكمال ، وتلك لا تخص بل تلم . وكذلك إذا قوبل أهل ~~النقص والرذيلة من أمة بأهل النقص والخساسة من أمة أخرى ، تلاقوا على نهج ~~واحد ، ولم يقع بينهم تفاوت إلا في الأقدار والحدود ؛ وتلك لا يلتفت إليها ~~، ولا يعار عليها ؛ فقد بان بهذا الكشف أن الأمم كلها تقاسمت الفضائل ~~والنقائص باضطرار الفطرة ، واختيار الفكرة . ولم يكن بعد ذلك إلا ما ~~يتنازعه الناس بينهم بالنسبة الترابية ، والعادة المنشئية والهوى الغالب من ~~النفس الغضبية ، والنزاع الهائج من القوة الشهوية . وها هنا شيء آخر ، وهو ~~أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه والإيماء إليه . وهو أن ~~كل أمة لها زمان على ضدها ، وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان ~~والإسكندر ، لما غلب وساس وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبر وأمر ، وحث وزجر ، ~~ومحا وسطر ، وفعل وأخبر ؛ وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنوشروان وجدت هذه ~~الأحوال بأعيانها ، وإن كانت في غلف غير غلف الأول ، ومعارض غير معارض ~~المتقدم ؛ ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له : أي الناس وجدتهم ~~أشجع ؟ فقال : كل قوم في إقبال دولتهم شجعان . وقد ms042 صدق ؛ وعلى هذا كل أمة ~~في مبدأ سعادتها وأفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى ~~وأصدق ؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم ، إلى شيء شامل لأمة ~~أمة إلى شيء حاو لطائفة طائفة ، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة ، إلى شيء ~~معتاد في بيت بيت ، إلى شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان ؛ وهذا التحول من ~~أمة إلى أمة ، يشير إلى فيض جود الله تعالى على PageV01P073 ~~"""""" صفحة رقم 74 """""" # جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله ، واستعدادهم على تطاول الدهر ~~في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه الربوة بعين لا قذى بها ، أبصر الحق ~~عيانا بلا مرية ، وأخبر عنه بلا فرية ؛ ومتى صدق نظرك في مابدىء الأحوال ~~وأوائل الأمور وضح لك هذا كله كالنهار إذا متع ، واستنار كالقمر إذا طلع ؛ ~~ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحق وحصول الصواب ، إلا ما يلتاث بالهوى ، ~~ويسمج بالتعصب ، ويجلب اللجاج ، ويخرج إلى المحك ؛ فهناك يطيح المعنى ويضل ~~المراد ، فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي ، فاسمع ما ~~أرويه : قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : انصرف العباس بن مرداس السلمي من ~~مكة فقال : يا بني سليم ، إني رأيت أمرا ، وسيكون خيرا ، رأيت بني عبد ~~المطلب كأن قدودهم الرماح الردينية ، وكأن وجوههم بدور الدجنة وكأن عمائمهم ~~فوق الرجال ألوية ، وكأن منطقهم مطر الوبل على المحل ؛ وإن الله إذا أراد ~~ثمرا غرس له غرسا ، وإن أولئك غرس الله ؛ فترقبوا ثمرته وتوكفوا غيثه ، ~~وتفيئوا ظلاله ، واستبشروا بنعمة الله عليكم به . ولقد قرع العباس بهذا ~~الكلام باب الغيب ، وشعر بالمستور ، وأحس بالخافي ، واطلع عقله على المستتر ~~، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع ، والحادث المتوقع ؛ وهذا شيء فاش في ~~العرب ، لطول وحدتها ، وصفاء فكرتها ، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها ، وصحة ~~فطرتها ، وخلاء ذرعها ، واتقاد طبعها ، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في ~~أسمائها وأفعالها وحروفها ، وجولانها في اشتقاقاتها ، ومآخذها البديعة في ~~استعاراتها ، وغرائب PageV01P074 ~~"""""" صفحة رقم 75 """""" # تصرفها في اختصاراتها ، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها ، وفنون ~~تبحبحها في ms043 أكناف مقاصدها ، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها ؛ وهذا وأضعافه ~~مسلم لهم ، وموفر عليهم ، ومعروف فيهم ومنسوب إليهم ، مع الشجاعة والنجدة ~~والذمام والضيافة والفطنة والخطابة والحمية والأنفة والحفاظ والوفاء ، ~~والبذل والسخاء ، والتهالك في حب الثناء والنكل الشديد عن الذم والهجاء ؛ ~~إلى غير ذلك مما خصت به في جاهليتها قبل الإسلام ، مما لا سبيل إلى دفعه ~~وجحوده ، والبهت فيه ، والمكابرة عليه ؛ وقد سمعنا لغات كثيرة - وإن لم ~~نستوعبها - من جميع الأمم ، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك ~~وخوارزم وصقلاب وأندلس والزنج ، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية ~~، أعني الفرج التي في كلماتها ، والفضاء الذي نجده بين حروفها ، والمسافة ~~التي بين مخارجها ، والمعادلة التي نذوقها في أمثلتها ، والمساواة التي لا ~~تجحد في أبنيتها ؛ وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول ، وصحة هذا الحكم ، ~~فالحظ عرض اللغات الذي هو بين أشدها تلابسا وتداخلا ، وترادفا وتعاظلا ~~وتعسرا وتعوصا ، وإلى ما بعدها مما هو أسلس حروفا ، وأرق لفظا ، وأخف اسما ~~؛ وألطف أوزانا ، وأحضر عيانا ؛ وأحلى مخرجا وأجلى منهجا وأعلى مدرجا ؛ ~~وأعدل عدلا ، وأوضح فضلا ، وأصح وصلا إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة ، ثم ~~تنتهي إلى العربية ، فإنك تحكم بأن المبدأ PageV01P075 ~~"""""" صفحة رقم 76 """""" # الذي أشرنا إليه في العوائص والأغماض ، سرى قليلا قليلا حتى وقف على ~~العربية في الإفصاح والإيماض . وهذا شيء يجده كل من كان صحيح البنية ، ~~بريئا من الآفة ، متنزها عن الهوى والعصبية ، محبا للإنصاف في الخصومة ، ~~متحريا للحق في الحكومة ، غير مسترق بالتقليد ، ولا مخدوع بالإلف ، ولا ~~مسخر بالعادة ، وإني لأعجب كثيرا ممن يرجع إلى فضل واسع ، وعلم جامع ؛ وعقل ~~سديد ، وأدب كثير ، إذا أبى هذا الذي وصفته ، وأنكر ما ذكرته ؛ وأعجب أيضا ~~فضل عجب من الجيهاني في كتابه وهو يسب العرب ، ويتناول أعراضها ويحط من ~~أقدارها ويحط من أقدارها ، ويقول : يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان ~~والحيات ويتعاورون ويتساورون ، ويتهاجون ويتفاحشون ، وكأنهم قد سلخوا من ~~فضائل البشر ، ولبسوا أهب الخنازير . قال : ولهذا كان كسرى يسمى ملك العرب ~~: سكان شاه ، أي ملك الكلاب ms044 . قال : وهذا لشدة PageV01P076 ~~"""""" صفحة رقم 77 """""" # شبههم بالكلاب وجرائها ، والذئاب وأطلائها وكلاما كثيرا من هذا الصوب ~~أرفع قدره عن مثله ، وإن كان يضع من نفسه بفضل قوله . أتراه لا يعلم لو نزل ~~ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي ، كل ~~كسرى كان في الفرس ، وكل قيصر كان في الروم ، وكل بلهور كان بالهند ، وكل ~~يقفور كان بخراسان ، وكل خاقان كان بالترك وكل أخشاد كان بفرغانة وكل صبهبذ ~~كان من أسكنان وأردوان ما كانوا يعدون هذه الأحوال لأن من جاع أكل ما وجد ، ~~وطعم ما لحق ، وشرب ما قدر عليه ، حبا للحاية ، وطلبا للبقاء ، وجزعا من ~~الموت ، وهربا من الفناء . أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبر ~~وبار وسفوح طيبة ، ورمل يبرين وساحة هبير ، وجاع وعطش وعري ، أما كان يأكل ~~اليربوع والجرذان ؛ وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر ، وما أسن في تلك ~~الوهدات ؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسمل من الثياب وما هو دونه ~~وأخشن ؟ بلى والله ، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال ، وكل ما حمض ومر ، ~~وخبث وضر ، هذا جهل من قائله ، وحيف من منتحله ؛ على أن العرب - رحمك الله ~~- أحسن الناس حالا وعيشا إذا جادتهم السماء ، وصدقتهم PageV01P077 ~~"""""" صفحة رقم 78 """""" # الأنواء ؛ وازدانت الأرض ، فهدلت الثمار ، واطردت الأودية ، وكثر اللبن ~~والأقط والجبن واللحم والرطب والتمر والقمح ، وقامت لهم الأسواق ، وطابت ~~المرابع وفشا الخصب ، وتوانى النتاج ، واتصلت الميرة ، وصدق المصاب وأرفغ ~~المنتجع ، وتلاقت القبائل على المحاضر ، وتقاولوا وتضايفوا ، وتعاقدوا ~~وتعاهدوا ، وتزاوروا وتناشدوا ؛ وعقدوا الذمم ، ونطقوا بالحكم ؛ وقروا ~~الرطاق ووصلوا العفاة ، وزودوا السابلة ، وأرشدوا الضلال ، وقاموا ~~بالحمالات وفكوا الأسرى ، وتداعوا الجفلى ، وتعافوا النقرى ، وتنافسوا في ~~أفعال المعروف ؛ هذا وهم في مساقط رءوسهم ، بين جبالهم ورمالهم ، ومناشىء ~~آبائهم وأجدادهم ، وموالد أهلهم وأولادهم ، على جاهليتهم الأولى والثانية ، ~~وقد رأيت حين هبت ريحهم وأشرقت دولتهم بالدعوة ، وانتشرت دعوتهم بالملة ، ~~وعزت ملتهم بالنبوة ، وغلبت نبوتهم بالشريعة ، ورسخت شريعتهم بالخلافة ، ~~ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية ، كيف تحولت جميع محاسن الأمم ~~إليهم ms045 وكيف وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها ~~أو تعبوا في نيلها ، بل جاءتهم هذه المناقب والمفاخر ، وهذه النوادر من ~~المآثر عفوا ، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهوا رهوا ؛ وهكذا يكون كل شيء تولاه ~~الله بتوفيقه ، وساقه إلى أهله بتأييده ، وحلي PageV01P078 ~~"""""" صفحة رقم 79 """""" # مستحقيه باختياره ؛ ولا غالب لأمر الله ، ولا مبدل لحكم الله ، ولذلك قال ~~الله تعالى : ' قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ' . ولله ~~في خلقه أسرار ، تتصرف بها دوائر الليل والنهار ، وتذللها مجاري الأقدار ، ~~حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار . عز إلها معبودا ، وجل ربا محمودا ~~مقصودا . وبعد ، فالذي لاشك فيه من وصف العرب ، ولا جاحد له من حالها ، أنه ~~ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون القفر ، وينتجعون السحاب والقطر ؛ ~~ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها ، ويستبدون في مصالحهم بكل ما عز وهان ~~، وبكل ما قل وكثر ، وبكل ما سهل وعسر ؛ ويرجون الخير من السماء في صوبها ، ~~ومن الأرض في نباتها ؛ مع مراعاة الأوان بعد الأوان ، وثقة بالحال بعد ~~الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب ؛ ما للعرب فيما قدمنا وصفه ، وكررنا شرحه ~~من علمهم بالخصب والجدب ، واللين والقسوة ، والحر والبرد ، والرياح ~~المختلفة والسحائب الكاذبة ، والمخايل الصادقة ، والأنواء المحمودة ~~والمذمومة ، والأسباب الغريبة العجيبة . وهذا لأنهم مع توحشهم مستأنسون ، ~~وفي بواديهم حاضرون ، فقد اجتمع لهم من عادات الحاضرة أحسن العادات ، ومن ~~أخلاق البادية أطهر الأخلاق . وهذا المعنى على هذا النظم قد عدمه أصحاب ~~المدن وأرباب الحضر ، لأن الدناءة والرقة والكيس والهين والخلابة والخداع ~~والحيلة والمكر والخب تغلب على هؤلاء وتملكهم ، لأن مدار أمرهم على ~~المعاملات السيئة ، والكذب في الحس ، والخلف في الوعد . والعرب قد قدسها ~~الله عن هذا الباب بأسره ، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته ؛ ولهذا تجد ~~أحدهم وهو في بت حافيا حاسرا يذكر الكرم ، ويفتخر بالمحمدة ، PageV01P079 ~~"""""" صفحة رقم 80 """""" # وينتحل النجدة ، ويحتمل الكل ، ويضحك في وجه الضيف ms046 ويستقبله بالبشر ، ~~ويقول : أحدثه إن الحديث من القرى ثم لا يقنع ببث العرف وفعل الخير والصبر ~~على النوائب حتى يحض الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه ، ويستنهضه نحوه ، ~~ويكلفه مجهوده وعفوه . وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل : أما ~~تجد البرد يا أخا العرب ؟ فقال : أمشي الخيزلي ويكفيني حسبي . والفارسي لا ~~يحسن هذا النمط ، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللطيفة ؛ وكذلك ~~الرومي والهندي وغيرهما من جميع العجم . ومما يدل على تحضرهم في باديتهم ، ~~وتبديهم في تحضرهم ، وتحليهم بأشرف أحوال الأمرين ، أسواقهم التي لهم في ~~الجاهلية ، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي النصف بين العراق والشام ، كان ~~ينزلها الناس أول يوم من شهر ربيع الأول ، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء ~~، والأخذ والعطاء ؛ وكان يعشرهم أكيدر دومة ، وربما غلبت على السوق كلب ~~فيعشرهم بعض رؤساء كلب ؛ فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر ، ثم ينتقلون إلى سوق ~~هجر ، وهو المشقر في شهر ربيع الآخر ، فتقوم أسواقهم ؛ وكان يعشرهم المنذر ~~بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم ، ثم يرتحلون نحو عمان ، فتقوم سوقهم ~~بديار دبا ، ثم بصحار ، ثم PageV01P080 ~~"""""" صفحة رقم 81 """""" # يرتحلون فينزلون إرم ، وقرى الشحر فتقوم أسواقهم أياما ، ثم يرتحلون ~~فينزلون عدن أبين ، ومن سوق عدن تشتري اللطائم وأنواع الطيب ، ولم يكن في ~~الأرض أكثر طيبا ، ولا أحذق صناعا للطيب من عدن ؛ ثم يرتحلون فينزلون ~~الرابية من حضرموت ، ومنهم من يجوزها ويرد صنعاء ، فتقوم أسواقهم بها ، ~~ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبرود ، وكانت تجلب إليها من معافر ، ~~وهي معدن البرود والحبر ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر الحرم ، ~~فتقوم أسواقهم بها ، فيتناشدون ويتحاجون ويتحادون ، ومن له أسير يسعى في ~~فدائه ، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم ، وكان ~~آخرهم الأقرع بن حابس ؛ ثم يقفون بعرفة ، ويقضون ما عليهم من مناسكهم ؛ ثم ~~يتوجهون إلى أوطانهم . وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة ، فيحضرها من قرب ~~من العرب ومن بعد . هذا حديثهم ، وهم ms047 همل لا عز لهم إلا بالسؤدد ، ولا معقل ~~لهم إلا السيف ، ولا حصون إلا الخيل ، ولا فخر إلا بالبلاغة . ثم لما ملكوا ~~الدور والقصور والجنان والأودية والأنهار والمعادن والقلاع والمدن والبلدان ~~والسهل والجبل والبر والبحر ، لم يقعدوا عن شأو من تقدم بآلاف سنين ، ولم ~~يعجزوا عن شيء كان لهم ؛ بل أبروا عليهم وزادوا ، وأغربوا وأفادوا ؛ وهذا ~~الحكم ظاهر معروف ، وحاضر مكشوف ؛ ليس إلى مرده سبيل ولا لجاحده ومنكره دليل . PageV01P081 # """""" صفحة رقم 82 """""" # فليستحي الجيهان بعد هذا البيان والكشف والإيضاح ، بالإنصاف من القذع ~~والسفه اللذين حشا بهما كتابه ، وليرفع نفسه عما يشين العقل ، ولا تقبله ~~حكام العدل ؛ وصاحب العلم الرصين ، والأدب المكين ؛ لا يسلط خصمة على عرضه ~~بلسانه ، ولا يستدعي مر الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره ؛ فإن ~~العصبية في الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته ؛ وأبدت عورته ، واجتلبت مساءته ~~؛ فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمة من الأمم جاحدين ، ~~كما نعوذ به أن نكون بنقص أمة من الأمم جاهلين . فإن جاحد الحق يدل من نفسه ~~على مهانة ، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور ؛ فهذا هذا ؛ وفي الجملة ~~المسلمة ، والدعوة المرسلة ، أن أهل البر وأصحاب الصحارى الذين وطأؤهم ~~الأرض ، وغطاؤهم السماء ، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول ، ومن ~~الترفه والرفاهية أبعد ، وبالحول والقوة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع ، ~~وعلى المصالح والمنافع أوقع ، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف ؛ وهذا ~~للدواعي الظاهرة ، والحاجات الضرورية ، والعلائق الحاضة على الألفة والمودة ~~، والشدائد المؤذية ، والعوارض اللازبة ؛ ولهذا يقال : عيب الغني أنه يورث ~~البلادة ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة ؛ وهذا معنى كريم ، لا يقر به إلا ~~كل نقاب عليم . وقال الجيهاني أيضا : مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو ~~مكاننا ، أن الله أفاض علينا النعم ووسع لدينا القسم وبوأنا الجنان ~~والأرياف ، ونعمنا وأترفنا . ولم يفعل هذا بالعرب ، بل أشقاهم وعذبهم ، ~~وضيق عليهم وحرمهم ، وجمعهم في جزيرة حرجة ، ورقعة صغيرة ، وسقاهم بأرنق ~~ضاح ؛ وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود PageV01P082 ~~"""""" صفحة رقم ms048 83 """""" # بالكرامة فوق المقصود بالإهانة . فأطال هذا الباب بما ظن أنه قد ظفر بشيء ~~لا جواب عنه ، ولا مقابل له ؛ ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره ~~وتجلى له ، بل قد خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها ، ولا ~~يفيد التفاته بالغيظ إليها ؛ وقد دل كلامه على أنه جاهل بالنعمة ، غافل عما ~~هو سر الحكمة . وعنده أن الجاهل إذا لبس الثوب الناعم ، وأكل الخبز الحواري ~~وركب الجوادي ، وتقلب على الحشية ، وشرب الرحيق ، وباشر الحسناء ، هو أشرف ~~من العالم إذا لبس الأطمار ، وطعم العشب ، وشرب الماء القراح ، وتوسد الأرض ~~، وقنع باليسير ورخي العيش ، وسلا عن الفضول ؛ هذا خطأ من الرأي ، ومردود ~~من الحكم ، عند الله تعالى أولا ، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا ، وأصحاب ~~التقى والنهى ؛ وعلى طريقته أيضا أن البصير أشرف من الأعمى ، والغني أفضل ~~من الفقير . ألا يعلم أن المدار على العقل الذي من حرمه فقد أنقص من كل ~~فقير ، وعلى الدين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كل موسر ؛ ونعمة الله ~~على ضربين : أحد الضربين عم به عباده ، وغمر بفضله خليقته ، بدءا بلا ~~استحقاق وذلك أنه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ووهب ~~وأجزل ؛ وهذا هو العدل المخلوط بالإحسان ، والتسوية المعمومة بالتفضل ~~والقدرة المشتملة على الحكمة ؛ والضرب الثاني هو الذي يستحق بالعمل ~~والاجتهاد والسعي والارتياد ، والاختبار والاعتقاد ؛ ليكون جزاء وثوابا ، ~~ولهذا محرم العاصي المخالف ، وأنال الطائع الموافق ؛ فقد بان الآن أن ~~المدار ليس بالجنان والترفه ، ولا بالذهب والفضة ، ولا الوبر والمدر . وقد ~~مر هذا الكلام كله فليسكن من الجيهاني جأشه ، وليفارقه طيشه ؛ وليعلم PageV01P083 ~~"""""" صفحة رقم 84 """""" # أن من أنصف أعطى بيده ، وسلم الفضل لأهله ؛ فإن التواضع للحق رفعة ~~والترفع بالباطل ضعة . وههنا بقية ينبغي أن يتبصر فيها ؛ من عرف النقص ~~البحت ، والنقص المشوب بالزيادة ؛ والفضل الصرف ، والفضل الممزوج بالنقيصة ~~لم يجحد المغوي فضلا ، ولم يدع للعصبية المردية شرفا ، ولم ينكر الحسد مزية ~~؛ والخلق كلهم في نعم الله تعالى ms049 مشتركون ، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه ~~متفاضلون ، وعلى قدرته متصرفون ؛ وإلى مشيئته صائرون ، وعن حكمته مخبرون ، ~~ولآلائه ذاكرون ، ولنعمائه شاكرون ، ولأياديه ناشرون ، وعلى اختلاف قضائه ~~صابرون ، ولثوابه بالحسنات مستحقون ، ولعقابه بالسيئات مستوجبون ، ولعفوه ~~برحمته منتظرون ، والله خبير بما يعملون ، وبصير بما يسرون وما يعلنون مع ~~الجماعة ، وأبو سليمان يقول : العرب أذهب مع صفو العقل ؛ ولذلك هم بذكر ~~المحاسن أبده ، وعن أضدادها أنزه . ولو كانت رويتهم في وزن بديهتهم ، كان ~~الكمال ؛ ولكن لما عز الكمال فيهم ، عز أيضا في غيرهم من الأمم ، فالأمم ~~كلها شرع واحد في عدم الكمال إلا أنهم متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة ~~الأولى ، وبالاختيار الثاني ؛ واختلفت أبصارهم في هذا الموضع ، فأما ما ~~منعه الإنسان في الأول فلا عتب عليه فيه ، لأنه لا يقال للأعمى : لم لا ~~تكون بصيرا ، ولا يقال للطويل : لم لا تكون قصيرا وقد يقال للقصير : سدد ~~طرفك ، واكحل عينك ، ومد ناظرك ؛ كما يقال للطويل : تطامن ، في هذا الزقاق ~~حتى تدخل ، وتقاصر حتى تصل ؛ وأما ما لم يمنعه الإنسان في الأول ، بل أعطيه ~~ووهب له ، فهو فيه مطلب بما عليه وله كما أنه مطالب بما له وعليه . وقال ~~الجيهاني أيضا : ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطي ولا الموسيقي ولا كتاب ~~الفلاحة ، ولا الطب ولا العلاج ، ولا ما يجري في مصالح الأبدان ، ويدخل في ~~خواص الأنفس . فليعلم الجيهاني أن هذا كله لهم بنوع إلهي لا بنوع بشري ، ~~كما أن هذا كله لغيرهم PageV01P084 ~~"""""" صفحة رقم 85 """""" # بنوع بشري لا بنوع إلهي ، وأعني بالإلهي والبشري الطباعي والصناعي ؛ على ~~أن إلهي هؤلاء قد مازجه بشرى هؤلاء ، وبشرى هؤلاء قد شابه إلهي هؤلاء ؛ ولو ~~علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا ، وما عندي أنه ~~مكابر فيدعي هذا لهم . فإن قال : هو لليونان ، ويونان من العجم ، والفرس من ~~العجم ، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه ، ~~وشهادة على نقصه ؛ لأنه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدعي هذا الفرس ، ولا ~~يمكنه ms050 أن يقول : نحن أيضا عجم ، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متصلة بنا ~~، وراجعة إلينا . ومتى قال جبه بالمكروه وقوبل بالقذع ، وقيل له : صه ، كما ~~يقال للجاهل - إن لم تقل له : اخسأ ، كما يقال - في كل الأحاديث ، وإن ~~أغفلته ظلمت نفسي ؛ ومن حابى خصمه غلب . قال القاضي أبو حامد المروروذي : ~~لو كانت الفضائل كلها بعقدها وسمطها ، ونظمها ونثرها ، مجموعة للفرس ، ~~ومصبوبة على أرؤسهم ، ومعلقة بآذانهم ، وطالعة من جباههم ؛ لكان لا ينبغي ~~أن يذكروا شأنها ، وأن يخرسوا عن دقها وجلها ، مع نيكهم الأمهات والأخوات ~~والبنات فإن هذا شر كريه بالطباع ، وضعيف بالسماع ، ومردود عند كل ذي فطرة ~~سليمة ، ومستبشع في نفس كل من له جبلة معتدلة . قال : ومن تمام طغيانهم ، ~~وشدة بهتانهم ، أنهم زعموا أن هذا بإذن من الله تعالى ، وبشريعة أتت من عند ~~الله ، والله تعالى حرم الخبائث من المطعومات فكيف حلل الخبائث من ~~المنكوحات ؟ قال : وكذب القوم ، لم يكن زرادشت نبيا ، ولو كان نبيا لذكره الله PageV01P085 ~~"""""" صفحة رقم 86 """""" # تعالى في عرض الأنبياء الذين نوه بأسمائهم وردد ذكرهم في كتابه ، ولذلك ~~قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' سنوا بهم سنة أهل الكتاب ' لأنه لا ~~كتاب لهم من عند الله منزل على مبلغ عنه . وإنما هو خرافة خدعهم بها زرادشت ~~بقوة الملك الذي قبل ذلك منه وحمل الناس عليه طوعا وكرها ، وترغيبا وترهيبا ~~؛ وكيف يبعث الله نبيا يدعو إلى إلهين اثنين ؟ وهذا مستحيل بالعقل ، وما ~~خلق الله العقل إلا ليشهد بالحق للمحق والباطل للمبطل ؛ ولو كان شرعا لكان ~~ذلك شائعا عند أهل الكتابين ، أعني اليهود والنصارى ؛ وكذلك عند الصابئين ، ~~وهم كانوا أكثر الناس عناية بالأديان والبحث عنها ، والتوصل إلى معرفة ~~حقائقها ، ليكونوا من دينهم على ثقة ؛ فكيف صارت النصارى تعرف عيسى ، ~~واليهود تعرف موسى ؛ ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) يذكرهما ويذكر غيرهما ، ~~كداود وسليمان ويحيى وزكريا ، وغير هؤلاء ، ولا يذكر زرادشت بالنبوة وأنه ~~جاء من عند الله تعالى بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى . . . . لكني بعثت ~~ناسخا لكل شريعة ، ومجددا لشريعة ms051 خصني الله بها من بين العرب . قال : وهذا ~~بيان نافع في كذبهم ؛ وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه ، وإلى حرام بالعقل ~~فأباحوه ، وإلى خبيث بالطبع فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه . وقد ~~وجدنا في البهائم ما إذا أنزى الفحل منها على أمة لم يطاوع ، وإذا أكره ~~وخدم وعرض غضب على أهله وند عنهم ، وشرر عليهم ؛ فما تقول في خلق لا ترضاه ~~البهيمة ، ولا تطاوعه فيه الطبيعة ، بل يأباه حسه مع كلولة وتبرد شهوته مع ~~اشتعالها ، ويرضاه هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم ، وكبرهم في أنفسهم . ولو ~~كان زرادشت أقام لهم على هذه الخصلة اللئيمة والفعلة الذميمة كل آية وكل ~~برهان ، ونثر عليهم نجوم السماء ، وأطلع لهم الشمس من المغرب ، وفتت لهم ~~الجبال ، وغيض لهم البحار ، وأراهم الثريا تمشي على الأرض تخترق السكك ~~وتشهد له بالصدق ، لكان من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحمية PageV01P086 ~~"""""" صفحة رقم 87 """""" # وبالأنفة وبالتقزز وبالتعزز ألا يجيبوه إلى ذلك ، ويشكوا في كل آية يرون ~~منه ، ويقتلوه ، وينكلوا به . ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه ~~مرة ، ولو عاملوا زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا ، ولا ~~كان الحق إلا منصورا ، ولا كان الباطل إلا مقهورا ، ولكن اتفق على مزدك ملك ~~عاقل فوضع باطله ، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله ؛ وما نزع الله عنهم ~~الملك إلا بالحق ، كما قال تعالى : ' فلما آسفونا انتقمنا منهم ' . ثم قال ~~: وبعد ، فكل شيء خارج من الحكمة الإلهية والعقلية والطبيعية فهو ساقط بهرج ~~، ومردود مرذول ، إذا فعله جاهل عذر بالجهل ، وإذا أتاه عالم عذل للعلم . ~~قال : وكانت العرب بهذا الخلق الذميم ، وهذا الفعل اللئيم ، لو فعلته أعذر ~~، لأنهم أشد غلمة من غيرهم وأكثر تهيجا ، وأقوى على البضاع ، وأوثب على ~~النساءئ يدلك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم ، وتراهم ~~مع هذه الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم يفعلوه ، ولو أكرههم على هذا ~~مكره ودعاهم إليه داع لما أطاعوه ، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا ~~إلى هذا ؛ ولو كان لكان ms052 أول من دق رأسه بالعمد ، وبعج بطنه بالخنجر ؛ وما ~~منعهم من هذا إلا الأنفس الكريمة ، والطباع المعتدلة ، والشكائم الشديدة ، ~~والأرواح العيفة ، والعادات الرضية ، والضرائب الطيبة ؛ وكان وأد البنات ~~عندهم أنفى للمعاير ، وأطرد للقبائح من هذا الذي استحسنه زرادشت وقبل منه ~~الفرس ، وهم يدعون الحكم والعلم والحزم والعزم ، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم ~~غفلوا عما يجوز أن يكون الله سبحانه مبيحا له أو حاظرا ، أو مطلقا أو مانعا ~~، أو محللا أو محرما ؛ هيهات ما كلف الله أهل العقل القيام بالدين والتصفح ~~للحق من الباطل إلا لما شرفهم به في العاجل ، وعرضهم له في الآجل ؛ ~~والعاقبة للمتقين . PageV01P087 # """""" صفحة رقم 88 """""" # قال أبو الحسن الأنصاري - وكان حاضرا - الهند أوضح عذرا في هذا الحديث ~~لأنهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام ، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة ، ~~ولم ينسبوا إلى الله شيئا منه ، ولا استجازوا الكذب عليه ، ولا علقوه أيضا ~~على نبي من عند الله ، بل رأوه صوابا بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل ~~بالمران والعادة . وبعد ؛ فعقولهم مدخولة ، والبارع منهم قليل ، وهم إلى ~~الإفك والوهم والسحر أميل ، وفي أبوابها أدخل ؛ ثم قال أبو الحسن : انظر ~~إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ضعف عقول الفرس في قبولهم منه هذا الفعل ~~، وخير بينها وبين عقول العرب ، فإنهم قالوا : اغتربوا لا تضووا . واستفاض ~~هذا منهم حتى سمع من صاحب الشريعة ( صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك أن الضوى ~~مكروه ؛ والعرب قالت هذا بالإلهام ، لقرائحهم الصافية ، وأذهانهم الواقدة ، ~~وطينتهم الحرة ، وأعراقهم الكريمة ، وعاداتهم السليمة : وإنما شعروا بهذا ~~لأن الضوى الواصل إلى الأبدان هو سار في العقول ، ولكن الفرس عن هذا السر ~~غافلون ، ولا يفطن لهذا وأمثاله إلا الألمعيون الأحوذيون ؛ ثم قال : أنشد ~~الأصمعي عن العرب قول قائلهم في مدح صاحب له : فتى لم تلده بنت عم قريبة . ~~. . فيضوى وقد يضوى رديد الأقارب قال : وقالت العرب : أضواه حقه : إذا نقصه ~~. قال : وقال آخر لولده : والله لقد كفيتك الضؤولة ، واخترت لك الخؤولة . ~~وقال أيضا : العرب تقول : ليس أضوى من القرائب ms053 ، ولا أنجب من الغرائب . ~~وقال الشاعر : أنذرت من كان بعيد الهم . . . تزويج أولاد بنات العم ليس ~~بناج من ضوى أو سقم . . . وأنت إن أطعمته لا ينمى وقال الأسدي يفتخر : PageV01P088 # """""" صفحة رقم 89 """""" # ولست بضاوي تموج عظامه . . . ولادته في خالد بعد خالد تردد حتى عمه خال ~~أمه . . . إلى نسب أدنى من السر واحد ثم قال : والعرب لم ترد بهذا إلا نقص ~~الذهن والعقل ، لأنها لو أرادت نقصان الجسم لكانت مخطئة ، لأنهم يريدون ~~سمانة الجسم مع السلامة والصلابة . ثم قال : وعلى هذا طباع الأرض ، ولذلك ~~يقال : إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض ، لأن الرياح إذا اختلفت حولت تراب ~~أرض إلى أرض ، وإذا كان الاغتراب يؤثر من التراب إلى التراب ، فبالحري أن ~~يؤثر الإنسان في الإنسان بالاغتراب ، لأن الإنسان أيضا من التراب . قال أبو ~~حامد : فما ظنك بقوم يجهلون آثار الطبيعة ، وأسرار الشريعة ؟ ما أذلهم الله ~~باطلا ، ولا سلبهم ملكهم ظالما ، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلا جزاء على ~~سيرتهم القبيحة ، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة ، وما الله بظلام ~~للعبيد . فلما بلغ القول مداه قال : لله در هذا النفس الطويل والنفث الغزير ~~لقد كنت قرما إلى هذا النوع من الكلام ، ففرغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر فيه ~~، وأشرب النفس حلاوته ، وأستنتج العقيم منه ؛ فإن الكلام إذا مر بالسمع حلق ~~، وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسف ؛ والمحلق بعيد المنال ، والمسف ~~حاضر العين ، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكر منه الشيء بعد الشي بالوهم ~~الذي لا انعقاد له ، والخيال الذي لا معرج عليه . فقلت : أفعل سامعا مطيعا ~~- إن شاء الله - . PageV01P089 # """""" صفحة رقم 90 """""" # الليلة السابعة # ولما عدت إليه في مجلس آخر ، قال : سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن ~~عبيد ، ففيم كنتما ؟ قلت : كان يذكر أن كتابه الحساب أنفع وأفضل وأعلق ~~بالملك ، والسلطان إليه أحوج ، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء ~~والتحرير ، فإذا الكتابة الأولى جد ، والأخرى هزل ؛ ألا ترى أن التشادق ~~والتفهيق والكذب والخداع فيها أكثر ؛ وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك ~~والتفصيل . قال : وبعد ms054 هذا فتلك صناعة معروفة بالمبدأ ، موصولة بالغاية ، ~~حاضرة الجدوى ، سريعة المنفعة ؛ والبلاغة زخرفة وحيلة ، وهي شبيهة بالسراب ~~، كما أن الأخرى شبيهة بالماء . قال : ومن خساسة البلاغة أن أصحابها ~~يسترقعون ويستحمقون ؛ وكان الكتاب قديما في دور الخلفاء ومجالس الوزراء ~~يقولون : اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين ، وحماقة المعلمين ، وركاكة ~~النحويين ، والمنشىء والمعلم والنحوي إخوة وإن كانوا لعلات ؛ والآفة تشملهم ~~والعادة تجمعهم ، والنقص يغمرهم ، وإن اختلفت منازلهم ، وتباينت أحوالهم . ~~قال : ولو لم يكن من صنعة الإنشاء إلا أن المملكة العريضة الواسعة يكتفى ~~فيها بمنشىء واحد ، ولا يكتفى فيها بمائة كاتب حساب . . . . وإذا كانت ~~الحاجة إلى هذه أمس ، كانت الأخرى في نفسها أخس ؛ وبعد ، فمصالح أحوال ~~العامة والخاصة معلقة بالحساب ؛ على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغار ~~والكبار والعلية والسفلة ، وما زال أهل الحزم والتجارب يحثون أولادهم ومن ~~لهم به عناية على تعلم الحساب ، ويقولون لهم : هو سلة الخبز . وهذا كلام ~~مستفيض ؛ ومن عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف أو موضوع غير موضعه وأفهم ~~غيره ، وبلغ به إرادته ، وأبلغ غيره ، فقد كفى ؛ والزائد على الكفاية فضل ~~والفضل يستغنى عنه كثيرا ، والأصل يفتقر إليه شديدا ، PageV01P090 ~~"""""" صفحة رقم 91 """""" # قال : ومن آفات هذه الكتابة أن أصحابها يقرفون بالريبة ، ويرمون بالآفة ، ~~كآل الحسن بن وهب وآل ابن ثوابة . قال : هذه ملحمة منكرة ؛ فما كان من ~~الجواب ؟ قلت : ما قام من مجلسه إلا بعد الذل والقماءة ، وهكذا يكون حال من ~~عاب القمر بالكلف ، والشمس بالكسوف ، وانتحل الباطل ونصر المبطل ، وأبطل ~~الحق وزرى على المحق . قلت : أيها الرجل ، قولك هذا كان يسلم لو كان ~~الإنشاء والتحرير والبلاغة بائنة من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل ~~الجماعة وعقد المؤامرة . فأما وهي متصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة ~~عليها وحاوية لها ، فكيف يطرد حكمك وتسلم دعواك ؟ ألا تعلم أن أعمال ~~الدواوين التي ينفرد أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة في إنشاء الكتب في ~~فنون ما يصفونه ويتعاطونه ؛ بل لا سبيل لهم إلى العمل إلا بعد تقدمة هذه ~~الكتب التي مدارها ms055 على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح ، ~~وذلك يوجد من الكاتب المنشىء الذي عبته وعضضته ، وهذه الدواوين معروفة ، ~~والأعمال فيها موصوفة ؛ وأنا أحصيها لك كي تعلم أنك غالط وعن الصواب فيها ~~منحرف . فمنها ديوان الجيش ، وديوان بيت المال ، وديوان التوقيع والدار ، ~~وديوان الخاتم ، وديوان الفض ، وديوان النقد والعيار ودور الضرب ، وديوان ~~المظالم وديوان الشرطة والأحداث ؛ هذا إلى توابع هذه الدواوين مثل باب ~~العين والمؤامرات ، وباب النوادر والتواريخ ، وإدراة الكتب ومجالس الديوان ~~وقبل وبعد ، كما يلزم كاتب الحساب أن يعرف وجوه الأموال حتى إذا جباها ~~وحصلها عمل الحساب أعماله فيها ، فلا PageV01P091 ~~"""""" صفحة رقم 92 """""" # يمكنه أن يجبي إلا بالكتب البليغة والحجج اللازمة واللطائف المستعملة ، ~~ومن تلك الوجوه الفيء ، وهو أرض العنوة وأرض الصلح وإحياء الأرض والقطائع ~~والصفايا والمقاسمة والوضائع وجزية رءوس أهل الذمة وصدقات الإبل والبقر ~~والغنم وأخماس الغنائم والمعادن والركاز والمال المدفون ، وما يخرج من ~~البحر وما يؤخذ من التجار إذا مروا بالعاشر واللقطة والضالة وميراث من لا ~~وارث له ومال الصدقة ؛ إلى غير ذلك من الأمور المحتاجة إلى المكاتبات ~~البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية ، كعهد ينشأ في إصلاح البريد ~~وتقسيط الشرب ، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقص منها ، وفي حزر الغلة ~~والدياس ، وفي الدوالي والدواليب والغرافات ، وفي القلب والقسمة ، وفي ~~تقدير الخضر المبكرة وفي المساحة وفي الطراز ، وفي الجوالي ، وفي قبض فرائض ~~الصدقات ، وفي افتتاح الخراجات ، إلى غير ذلك من كتب المحاسبين . فإن قلت : ~~هذا كله مستغنى عنه كابرت وبهت ، لأن مدار المال ودروره ، وزيادته ووفوره ~~على هذه الدواوين التي إما أن يكون حظ البلاغة فيها أكثر ، وإما أن يكون ~~أثر الحساب فيها أظهر ، وإما أن يتكافآ ؛ فعلى جميع الأحوال لا يكون الكاتب ~~كاملا ، ولا لاسمه مستحقا ، إلا بعد أن ينهض بهذه الأثقال ، ويجمع إليها ~~أصولا من للفقه مخلوطة PageV01P092 ~~"""""" صفحة رقم 93 """""" # بفروعها ، وآيات من القرآن مضمومة إلى سعته فيها ، وأخبارا كثيرة مختلفة ~~في فنون شتى لتكون عدة عند الحاجة إليها ، مع الأمثال السائرة والأبيات ~~النادرة ؛ والفقر البديعة ms056 ؛ والتجارب المعهودة ، والمجالس المشهودة ، مع خط ~~كتبر مسبوك ، ولفظ كوشي محوك ؛ ولهاذ عز الكامل في هذه الصناعة ، حتى قال ~~أصحابنا : ما نظن أنه اجتمع هذا كله إلا لجعفربن يحيى فإن كتابته كانت ~~سوداية ، وبلاغته سحبانية ، وسياسته يونانية ، وآدابه عربية ، وشمائله ~~عراقية ؛ أفلا يرى كيف غرق الحساب في غمار هذه الأبواب ؟ ثم اعلم أن البليغ ~~مشتمل بلاغته من العقل ، ومأخذه فيها من التمييز الصحيح ، وليس كذلك الحساب ~~في متناوله فلو ظن ظان بأن مدار الملك على الحساب - فهو صحيح - ولكن بعد ~~بلاغة المنشىء ، لأن السلطان يأمر وينهى ويلاطف ويخاطب ويحتج وينصف ويوعد ~~ويعد ويضمن ويمني ويعلق الأمل ويؤكد الرجاء ويحسم المادة الضارة ويذيق ~~الرعية حلاوة العدل ويجنبهم مرارة الجور ، ثم يجبي ، فإذا جبى احتاج إلى ~~الحساب حتى يكون بالحاصل عالما ، ثم يتقدم بتوزيع ذلك على الحساب حتى يكون ~~من الغلط آمنا ، فانظر إلى المنزلتين كيف اختلفتا ؟ وكيف حصلت المزية ~~لإحداهما ؛ ولو أنصفت لعلمت أن الصناعة جامعة بين الأمرين ، أعني الحساب ~~والبلاغة ؛ والإنسان لا يأتي إلا صناعة فيشقها نصفين ويشرف أحد النصفين على ~~الآخر . وأما قولك : إحدى الصناعتين هزل والأخرى جد فبئسما سولت لك نفسك ~~على البلاغة ، هي الجد ، وهي الجامعة لثمرات العقل ، لأنها تحق الحق وتبطل ~~الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه ؛ ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق ~~لأغراض تختلف ، وأغراض تأتلف ، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير ~~وشر ، وإباء وإذعان ، وطاعة PageV01P093 ~~"""""" صفحة رقم 94 """""" # وعصيان ، وعدل وعدول ، وكفر وإيمان ، والحاجة تدعو إلى صانع البلاغة ~~وواضع الحكمة وصاحب البيان والخطابة ؛ وهذا هو حد العقل والآخر حد العمل . ~~وأما قولك : الإنشاء صناعة مجهولة المبدأ ، والحساب معروف المبدأ فقد خرفت ~~، لأن مبدأها من العقل ، وممرها على اللفظ ، وقرارها في الخط ؛ وأنت إذا ~~قلت هذا دللت من نفسك على أنه ليس لك ما تبصر به هذا المبدأ الشريف وهذا ~~الأول اللطيف . وأما قولك : والبلاغة زخرفة وهي شبيهة بالسراب فقد أوضحنا ~~لك فيه ما كفى ، فإن لم يكف فأنت محتاج إلى ms057 بينة أخرى . وأما قولك : إن ~~أصحابها يسترقعون فهذا شنع من القول ، ولو عرفت الصدق فيه لم تنبس به ولم ~~تنطق بحرف منه ، فإن فيه زراية على السلف الصالح والصدر الأول ، ولو وجب أن ~~يسترقع البليغ إذا كان عاقلا ، لوجب أن يستعقل العيي إذا كان أحمق ؛ وهذا ~~خلف . وأما قولك : المنشىء والمعلم والنحوي إخوة في الركاكة فيما يتعلم ~~الناس إلا من المعلم والعالم والنحوي وإن ندر منهم واحد قليل البضاعة من ~~الحق . وأما قولك : إن المملكة تكتفي بمنشىء واحد فقد صدقت ، وذلك أن هذا ~~الواحد في قوته يفي بآحاد كثيرة ، وهؤلاء الآحاد ليس في جميعهم وفاء بهذا ~~الواحد ، وهذا عليك لا لك . لكن بقي أن تفهم أنك محتاج إلى الأساكفة أكثر ~~مما تحتاج إلى العطارين ، ولا يدل هذا على أن الإسكاف أشرف من العطار ، ~~والعطار دون الإسكاف ؛ والأطباء أقل من الخياطين ، ونحن إليهم أحوج ، ولا ~~يدل على أن الطبيب دون الخياط . PageV01P094 # """""" صفحة رقم 95 """""" # وأما قولك : ما زال الناس يحثون أولادهم على تعلم الحساب ويقولون : هو ~~سلة الخبز فهو كما قلت ، لأن الحاجة إليه عامة للكابر والصغار ؛ وأشرف ~~الصناعات يحتاج إليها أشرف الناس ، وأشرف الناس الملك ، فهو محتاج إلى ~~البليغ والمنشىء والمحرر ، لأنهلسانه الذي به ينطق ، وعينه التي بها يبصر ، ~~وعيبته التي منها يستخرج الرأي ويستبصر في الأمر ، ولأنه بهذه الخاصة لا ~~يجوز أن يكون له شريك ، لأنه حامل الأسرار ، والمحدث بالمكنونات ، والمفضي ~~إليه ببنات الصدور . وأما قولك : من عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف ~~وأفهم غيره فقد كفى فكيف يصح هذا الحكم ويقبل هذا الرأي ؟ والكلام يتغير ~~المراد فيه باختلاف الإعراب ، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء ، وكما ~~يتغير المفهوم باختلاف الأفعال ؛ وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف ؛ ولقد ~~قال رجل بالري كان نبيلا في حاله جليلا في مرتبته عظيما عند نفسه : اقعد ~~حتى تتغذى بنا . وهو يريد : حتى نتغذى معنا ؛ فانظر إلى هذا المحال الذي ~~ركبه بلفظه وإلى المراد الذي جانبه بجهله ؛ ولهذا نظائر غير خافية عليك ولا ms058 ~~ساقطة دونك وكفى بالبلاغة شرفا أنك لم تستطع تهجينها إلا بالبلاغة ، ولم ~~تهتد إلى الكلام عليها إلا بوتها ؛ فانظر كيف وجدت في استقلالها بنفسها ما ~~يقلها ويقل غيرها ؛ وهذا أمر بديع وشأن عجيب . وأما قولك : ومن آفاتها أن ~~أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب فهذا ما لا يستحق الجواب ، وما يضر ~~الشمس نباح الكلاب ؛ وصيانة اللسان عن هذا النوع أحسن ؛ قال الله تعالى : ' ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ' ؛ وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~لو كان المرء أقوم من قدح لوجد له غامر . وآل ابن وهب وابن ثوابة كانوا ~~أنبل وأفضل وأعقل من أن يظن بهم ما لا يظن بخساس العبيد وسفهاء الناس وداصة ~~الرعية وسفلة العامة ؛ على أنا ما سمعنا هذا إلا في مجلس ابن عباد ، منه ~~وممن كان يخبط في هواه ، ويتحرى بمثل هذه الأحاديث رضاه ؛ وحسده لهم في ~~صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم ؛ فالعجب أنه يظن أن كذبه إلى غيره ~~ينفي الصدق عن نفسه ؛ ولو PageV01P095 ~~"""""" صفحة رقم 96 """""" # نزه لسانه ومجلسه ومذهبه أبوته لكان أولى به وأزين له ، ولكن النعمة ~~والقدرة إذا عدمتا عقلا سائسا وحزما حارسا ودينا متينا وطريقا قويما أوردتا ~~ولم تصدرا وخذلتا ولم تنصرا ؛ ونعوذ بالله من نعمة تحوز بلاء ، ومرحبا ~~ببلاء يورث يقظة ويكون تمحيصا لما نقص من التقصير ؛ ولكن من هذا الذي يشرب ~~فلا يسكر ولا يثمل ؟ ومن هذا الذي إذا سكر عقل ؟ ومن هذا الذي إذا صحا لا ~~يعتقب من رابه خمارا يصدع الرأس ويمكن الوسواس ؟ فقال : هذه جملة قامعة لمن ~~ادعى دعواه أو نحا منحاه ؛ وأنى لك هذا ؟ لم لا تداخل صاحب ديوان ولم ترضى ~~لنفسك بهذا اللبوس ؟ فقلت : أنا رجل حب السلامة غالب علي ، والقناعة ~~بالطفيف محبوبة عندي . فقال : كنيت عن الكسل بحب السلامة ، وعن الفسولة ~~بالرضا باليسير ، قلت : إذا كنت لا أصل إلى السلامة إلا بالفسولة ، ولا ~~أتطعم الراحة إلا بالكسل ، فمرحبا بهما . فقال : لكل إنسان رأي واختيار ~~وعادة ومنشأ ومألوف وقرناء متى زحزح عنها قلق ، ومتى ms059 أريغ على سواها فرق ؛ ~~أظن أنه قد نصف الليل . قلت : لعله . قال : في الدعة ؛ قد خبأت لك مسألة ، ~~وسألقيها عليك بعدها - إن شاء الله تعالى - وانصرفت . # الليلة الثامنة # وقال لي مرة أخرى : أوصل وهب بن يعيش الرقي اليهودي رسالة يقول في عرضها ~~بعد التقريظ الطويل العريض : إن هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذللة مسلوكة ~~مختصرة فسيحة ، ليس على سالكها كد ولا شق في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ~~ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة ؛ وإن أصحابنا طولوا وهولوا ~~وطرحوا الشوك في الطريق ، ومنعوا من الجواز عليه غشا منهم وبخلا ولؤم طباع ~~وقلة نصح وإتعابا للطالب PageV01P096 ~~"""""" صفحة رقم 97 """""" # وحسدا للراغب ، وذلك أنهم اتخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشة ~~ومكسبة ، ومأكلة ومشربة ، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبين ~~للحقيقة والمتصفحين لأثناء العالم وكلاما هذا معناه ، وإلى هذا يرجع مغزاه ~~. فكان من الجواب : قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب ، وهو جاري ، وكتب ~~هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين ، وتقرب بها ~~، ونفعته بالمسألة والتفقد له ، فإنه شديد الفقر ، ظاهر الخصاصة ، لاصق ~~بالدقعاء ؛ وللذي قاله وادعاه ، وقصده وانتحاه ، وجه واضح وحجة ظاهرة ؛ ~~وللذي قاله أصحابنا - أعني مخالفيه - وجه أيضا وتأويل وللقولين أنصار وحماة ~~، وحفظة ورعاة . قال : هات - على بركة الله - فإني أحب أن أسمع في هذا ~~الخطب كل ما فيه وأكثر ما يتصل به ؛ فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه ~~الخطبة أن عمر الإنسان قصير ، وعلم العالم كثير ، وسره مغمور ؛ وكيف لا ~~يكون كذلك وهو ذو صفائح مركبة بالوضع المحكم ، وذو نضائد مزينة بالتأليف ~~المعجب المتقن ؛ والإنسان الباحث عنه وعما يحتويه ذو قوى متقاصرة ، وموانع ~~معترضة ، ودواع ضعيفة ، وإنه مع هذه الأحوال منتبه بالحس ، حالم بالعقل ، ~~عاشق للشاهد ، ذاهل عن الغائب ، مستأنس بالوطن الذي ألفه ونشأ فيه ، مستوحش ~~من بلد لم يسافر إليه ولم يلم به وإن كان صدر عنه ، فليس له بذلك معرفة ~~باقية ولا ثقة تامة ، وإن ms060 الأولى بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضعف والعجز ~~أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته قريبا ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده ~~وطوقه ؛ وإن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل ~~والإله تعالى ، فإنه متى عرف هذه الجملة بالتفصيل ، واطلع على هذا التفصيل ~~بالجملة ، فقد فاز الفوز الأكبر ونال الملك PageV01P097 ~~"""""" صفحة رقم 98 """""" # الأعظم ، وكفى مؤونة عظيمة في قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير ، مع ~~العناء المتصل في الدرس والتصحيح والنصب في المسألة والجواب ، والتنقير عن ~~الحق والصواب ؛ وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا خارج عن حومة الحق ، ~~وإن كان الأمر فيه أيضا صعبا وشاقا وهائلا وعاملا ، ولكن ليس لكل أحد هذه ~~القوة الفائضة ، وهذه الخصوصية الناهضة ؛ وهذا الاستبصار الحسن ، وهذا ~~الطبع الوقاد ، والذهن المنقاد ، والقريحة الصافية والاستبانة والتأمل ، ~~لأن هذه القوة إلهية ، فإن لم تكن إلهية فهي ملكية ؛ وإن لم تكن ملكية فهي ~~في أفق البشرية ؛ وليس يوجد صاحب هذا النعت إلا في الشاذ النادر ، وفي دهر ~~مديد بين أمة جمة العدد ؛ والفائق من كل شيء والبائن من كل صنف عزيز في هذا ~~العالم الوحشي ، كما أن الرديء والفاسد معدوم في هذا العالم الإلهي ، ويمكن ~~أن يقال بالمثل الأدنى : إن من يتكلم بالإعراب والصحة ولا يلحن ولا يخطىء ~~ويجري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة ، قليل أو عزيز ، وإن الحاجة ~~شديدة لمن عدم هذه السجية وهذا المنشأ إلى أن يتعلم النحو ويقف على أحكامه ~~، ويجري على منهاجه ، ويفي بضروطه في أسماء العرب وأفعالها وحروفها ~~وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها ؛ ومتى اتفق إنسان بهذه الحلية وعلى هذا ~~النجار ، فلعمري إنه غني عن تطويل النحويين كما يستغني قارض الشعر بالطبع ~~عن علم العروض ، وهكذا يستغني صاحب تلك القوة التي أشار إليها ابن يعيش عن ~~ذلك ، ولكن أين ذاك الفرد والشاذ والنادر ؟ فإن حضر فما تفعل معه إلا أن ~~تقلده وتأخذ عنه وتتبعه . وإنما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا ~~لهذه الغاية ، ولا سبيل لك إليها من تلقاء نفسك ، وإنما ms061 هو شيء يأتي من ~~تلقاء غيرك ، فإذن بالضرورة وبالواجب ينبغي أن تخطو على آثار المنطقيين ~~والطبيعيين والمهندسين بالزحف والعناء والتكلف الدءوب حتى تصير متشبها بذلك ~~الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع النادر ؛ فقد بان من هذا القدر صواب ~~ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف أيضا وجه ما حث عليه مخالفوه ؛ ولا عيب على PageV01P098 ~~"""""" صفحة رقم 99 """""" # المنقوص أن يطلب الزيادة ببذل المجهود ، وإن الكامل مربوط بما منح من ~~العطية من غير طلب . وأما قوله في صدر كلامه : إن القوم صدوا عن الطريق ~~وطرحوا الشوك فيه ، واتخذوا نشر الحكمة فخا للمثالة العاجلة ، فما أبعد ، ~~بل قارب الحق فإن متى كان يملي ورقة بدرهم مقتدري وهو سكران لا يعقل ، ~~ويتهكم ، وعنده أنه في ربح ، وهو من الأخسرين أعمالا ، الأسفلين أحوالا . ~~ثم إني أيها الشيخ - أحياك الله لأهل العلم وأحيى بط طالبيه - ذكرت للوزير ~~مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد ~~وأبي بشر متى واختصرتها ؛ فقال لي : اكتب هذه المناظرة على التمام فإن شيئا ~~يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن ~~يغتنم سماعه ، وتوعى فوائده ، ولا يتهاون بشيء منه . فكتبت : حدثني أبو ~~سعيد بلمع من هذه القصة . فأما علي بن عيسى الشيخ الصالح فإنه رواها مشروحة ~~. لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة ، قال الوزير ابن الفرات ~~للجماعة - وفيهم الخالدي وابن الأخشاد والكتبي وابن أبي بشر وابن رباح وابن ~~كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى الجراح وابن فراس وابن ~~رشيد وابن عبد العززي الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر ~~والمرزباني صاحب آل سامان - : ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث ~~المنطق ، فإنه يقول : لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب ~~والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق ~~وملكناه من القيام به ، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده ، فأطلعنا ~~عليه من جهة اسمه ms062 على حقائقه . PageV01P099 # """""" صفحة رقم 100 """""" # فأحجم القوم وأطرقوا قال ابن الفرات : والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ~~ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدكم في العلم بحارا ، وللدين وأهله ~~أنصارا ، وللحق وطلابه منارا ؛ فما هذا الترامز والتغامز اللذان تجلون ~~عنهما ؟ فرفع أبو سعيد السيرافي في رأسه فقال : اعذر أيها الوزير ، فإن ~~العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع ~~المصيخة والعيون المحدقة والعقول الحادة والألباب الناقدة ؛ لأن هذا يستصحب ~~الهيبة ، والهيبة مكسرة ، ويجتلب الحياء ، والحياء مغلبة ؛ وليس البراز في ~~معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة . فقال ابن الفرات : أنت لها يا أبا سعيد ~~، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك ، والانتصار في نفسك راجع إلى ~~الجماعة بفضلك . فقال أبو سعيد : مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة ، والاحتجاز ~~عن رأيه إخلاد إلى التقصير ؛ ونعوذ بالله من زلة القدم ، وإياه نسأل حسن ~~المعونة في الحرب والسلم ؛ ثم واجه متى فقال : حدثني عن المنطق ما تعني به ~~؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن ~~مرضي وطريقة معروفة . قال متى : أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها ~~صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من صالحه ، كالميزان ، فإني أعرف به ~~الرجحان من النقصان ، والشائل من الجانح . فقال أبو سعيد : أخطأت ، لأن ~~صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم ~~بالعربية ؛ وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعق إذا كنا نبحث بالعقل ؛ وهبك ~~عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن ، فمن PageV01P100 ~~"""""" صفحة رقم 101 """""" # لك بمعرفة الموزون أيما هو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص ؟ فأراك بعد معرفة ~~الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي ~~يطول عدها ؛ فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك ، وفي تحقيقه ~~كان اجتهادك ، إلا نفعا يسيرا من وجه واحد ، وبقيت عليك وجوه ، فأنت كما ~~قال الأول : حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وبعد ، فقد ذهب عليك شيء هاهنا ms063 ، لي ~~كل ما في الدنيا يوزن ، بل فيها ما يوزن ، وفيها ما يكال ، وفيها ما يذرع ، ~~وفيها ما يمسح وفيها ما يحرز وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئية ، فإنه ~~على ذلك أيضا في المعقولات المقررة ؛ والإحساسات ظلال العقول تحكيها ~~بالتقريب والتبعيد ، مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة . ودع هذا ؛ إذا ~~كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه ~~بها من رسومها وصفاتها ، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ~~ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما لهم وعليهم ، ما شهد لهم به قبلوه ، وما ~~أنكره رفضوه ؟ قال متى : إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة ~~والمعاني المدركة ، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة ؛ والناس في ~~المعقولات سواء ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم ، ~~وكذلك ما أشبهه . قال أبو سعيد : لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات ~~باللفظ ترجع مع شعبها PageV01P101 ~~"""""" صفحة رقم 102 """""" # المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة ~~وأنهما ثمانية ، زال الاختلاف وحضر الاتفاق ، ولكن ليس الأمر هكذا ، ولقد ~~موهت بهذا المثال ، ولكم عادة بمثل هذا التمويه ؛ ولكن مع هذا أيضا إذا ~~كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة ~~للأسماء والأفعال والحروف ، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة ؟ قال : ~~نعم . قال : أخطأت ، قل في هذا الموضع : بلى . قال : بلى ، أنا أقلدك في ~~مثل هذا . قال : أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق ، إنما تدعونا إلى تعلم ~~اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان ، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي ~~بها ؟ وقد عفت منذ زمان طويل ، وباد أهلها ، وانقرض القوم الذين كانوا ~~يتفاوضون بها ، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها ؛ على أنك تنقل من السريانية ، ~~فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية ، ثم من ~~هذه إلى أخرى عربية ؟ قال متى : يونان وإن بادت مع لغتها ، فإن الترجمة ~~حفظت الأغراض وأدت المعاني ، وأخلصت الحقائق . قال أبو سعيد : إذا سلمنا لك ~~أن ms064 الترجمة صدقت وما كذبت ، وقومت وما حرفت ، ووزنت وما جزفت ، وأنها ما ~~التاثت ولا حافت ، ولا نقصت ولا زادت ، ولا قدمت ولا أخرت ، ولا أخلت بمعنى ~~الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام - وإن كان هذا لا يكون ، وليس ~~هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني - فكأنك تقول : لا حجة إلا عقول ~~يونان ، ولا برهان إلا ما وضعوه ، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه . قال متى : لا ~~، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالم ~~وباطنه ، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه ، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ~~ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصنائع ، ولم نجد ~~هذا لغيرهم . PageV01P102 # """""" صفحة رقم 103 """""" # قال أبو سعيد : أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى ، فإن علم العالم مبثوث في ~~العالم بين جميع من في العالم ، ولهذا قال القائل : العلم في العالم مبثوث ~~. . . ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض ~~؛ ولهذا غلب علم في مكان دون علم ، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة ؛ وهذا ~~واضح والزيادة عليه مشغلة ؛ ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو ~~كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة ، والفطنة الظاهرة ، ~~والبنية المخالفة ، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ، ولو قصدوا أن ~~يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة نزلت عليهم ، والحق تكفل بهم ، والخطأ تبرأ ~~منهم ؛ والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم ، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم ~~؛ وهذا جهل ممن يظنه بهم ، وعناد ممن يدعيه لهم ؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم ~~يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء ، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء ، ويصدقون ~~في أمور ويكذبون في أمور ، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال ؛ وليس واضع ~~المنطق يونان بأسرها ، إنما هو رجل منهم ، وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من ~~بعده ؛ وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير والجم الغفير ، وله مخالفون منهم ~~ومن غيرهم ؛ ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة ms065 والجواب ~~سنخوطبيعة ، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو ~~يؤثر فيه ؟ هيهات هذا محال ، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه ~~قبل منطقه ؛ فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع لأنه منعقد بالفطرة ~~والطباع ؛ وأنت لو فرغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي ~~تحاورنا بها ، وتجارينا فيها ، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان ~~بعادة أصحابها ، لعلمت أنك غني عن معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان . ~~وها هنا مسألة ، تقول : إن الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة . قال : PageV01P103 # """""" صفحة رقم 104 """""" # نعم . قال : وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب ؟ قال : ~~بالطبيعة . قال : فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف ~~الطبيعي والتفاوت الأصلي ؟ قال متى : هذا قد مر في جملة كلامك آنفا . قال ~~أبو سعيد : فهل وصته بجواب قاطع وبيان ناصع ؟ ودع هذا ؛ أسألك عن حرف واحد ~~، وهو دائر في كلام العرب ، ومعانيه متميزة عند أهل العقل ؛ فاستخرج أنت ~~معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه ، وهو الواو ~~ما أحكامه ؟ وكيف مواقعه ؟ وهل هو على وجه أو وجوه ؟ فبهت متى وقال : هذا ~~نحو ، والنحو لم أنظر فيه ، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه ، وبالنحوي حاجة ~~شديدة إلى المنطق ، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ ، فإن ~~مر المنطقي باللفظ فبالعرض ، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف ~~من اللفظ ، واللفظ أوضع من المعنى . فقال أبو سعيد : أخطأت ، لأن الكلام ~~والنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار ~~والاستخبار والعرض والتمني والنهي والحض والدعاء والنداء والطلب كلها من ~~واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ، ألا ترى أن رجلا لو قال : نطق زيد بالحق ~~ولكن ما تكلم بالحق ، وتكلم بالفحش ولكن ما قال الفحش ، وأعرب عن نفسه ولكن ~~ما أفصح ، وأبان المراد ولكن ما أوضح ، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ ، أو ~~أخبر ولكن ما أنبأ ، لكان في جميع هذا محرفا ومناقضا وواضعا للكلام في غير ms066 ~~حقه ، ومستعملا اللفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره ؛ والنحو منطق ولكنه ~~مسلوخ من العربية والمنطق نحو ، ولكنه مفهوم باللغة ، وإنما الخلاف بين ~~اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي ؛ ولهذا كان اللفظ بائدا على ~~الزمان ، لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر PageV01P104 ~~"""""" صفحة رقم 105 """""" # آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان ، لأن مستملى المعنى ~~عقل ، والعقل إلهي ؛ ومادة اللفظ طينية ، وكل طيني متهافت ؛ وقد بقيت أنت ~~بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي تزهى بها ، إلا أن تستعير من ~~العربية لها اسما فتعار ، ويسلم لك ذلك بمقدار ؛ وإذا لم يكن لك بد من قليل ~~هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك أيضا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة ~~واجتلاب الثقة والتوقي من الخلة اللاحقة . فقال متى : يكفيني من لغتكم هذا ~~الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان ~~. قال أبو سعيد : أخطأت ، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها ~~وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ؛ وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى ~~حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فإن الخطأ والتحريف في الحركات ~~كالخطأ والفساد في المتحركات ، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة ؛ ~~على أن ها هنا سرا ما علق بك ، ولا أسفر لعقلك ؛ وهو أن تلعم أن لغة من ~~اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها ، في أسمائها ~~وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها ، واستعارتها وتحقيقها ، ~~وتشديدها وتخفيفها ، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ، ووزنها وميلها ، ~~وغير ذلك مما يطول ذكره ؛ وما أظن أحدا يدفع هذا الحكم أو يشك في صوابه ممن ~~يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف ، فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك ~~على هذا الوصف ؟ بل أنت إلى تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني ~~اليونانية ؛ على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية ، كما أن اللغات ~~تكون فارسية وعربية وتركية ؛ ومع هذا فإنك تزعم أن المعاني ms067 حاصلة بالعقل ~~والفحص والفكر ، فلم يبق إلا أحكام اللغة ، فلم تزري على العربية وأنت تشرح ~~كتب أرسطوطاليس بها ، مع جهلك بحقيقتها ؟ PageV01P105 # """""" صفحة رقم 106 """""" # وحدثني عن قائل قال لك : حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها ~~حال قوم كانوا قبل واضع المنطق ، أنظر كما نظروا ، وأتدبر كما تدبروا ، لأن ~~اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة ، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي ~~والاعتقاب والاجتهاد . ما تقول له ؟ أتقول : إنه لا يصح له هذا الحكم ولا ~~يستتب هذا الأمر ، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت ؟ ~~ولعلك تفرح بتقليده لك - وإن كان على باطل - أكثر مما تفرح باستبداده وإن ~~كان على حق ؛ وهذا هو الجهل المبين ، والحكم المشين . ومع هذا ، فحدثني عن ~~الواو ما حكمه ؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئا ، ~~وأنت تجهل حرفا واحدا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان ، ومن جهل ~~حرفا أمكن أن يجهل حروفا جاز أن يجهل اللغة بكمالها ، فإن كان لا يجهلها ~~كلها ولكن يجهل بعضها ، فلعله يجهل ما يحتاج إليه ، ولا ينفعه فيه علم ما ~~لا يحتاج إليه . وهذه رتبة العامة أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير ؛ ~~فلم يتأبى على هذا ويتكبر ، ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة الخاصة ، وأنه يعرف ~~سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان ؟ وإنما سألتك عن معاني ~~حرف واحد ، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها ، وطالبتك بمعانيها ومواضعها ~~التي لها بالحق ، والتي لها بالتجوز ؛ سمعتكم تقولون : إن في لا يعرف ~~النحويون مواقعها ، وإنما يقولون : هي للوعاء كما يقولون : إن الباء ~~للإلصاق ؛ وإن في تقال على وجوه : يقال الشيء في الإناء والإناء في المكان ~~والسائس في السياسة والسياسة في السائس . أترى أن هذا التشقيق هو من عقول ~~يونان ومن ناحية لغتها ؟ ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند والترك والعرب ؟ ~~فهذا جهل من كل من يدعيه ، وخطل من القول الذي أفاض فيه ؛ النحوي إذا قال ~~في للوعاء فقد أفصح في الجملة ms068 عن المعنى الصحيح ، وكني مع ذلك عن الوجوه ~~التي تظهر بالتفصيل ؛ ومثل هذا كثير ، وهو كاف في موضع التكنية . PageV01P106 # """""" صفحة رقم 107 """""" # فقال ابن الفرات : أيها الشيخ الموفق ، أجبه بالبيان عن مواقع الواو حتى ~~تكون أشد في إفحامه ، وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه ، ومع هذا فهو مشنع ~~به . فقال أبو سعيد : للواو وجوه ومواقع : منها معنى العطف في قولك : أكرمت ~~زيدا وعمرا ومنها القسم في قولك : والله لقد كان كذا وكذا ومنها الاستئناف ~~في قولك : خرجت وزيد قائم لأن الكلام بعده ابتداء وخبر ومنها معنى رب التي ~~هي للتقليل نحو قولهم : وقاتم الأعماق خاوي المخترق ومنها أن تكون أصلية في ~~الاسم ، كقولك : واصل واقد وافد ، وفي الفعل كذلك ، كقولك : وجل يوجل ؛ ~~ومنها أن تكون مقحمة نحو قول الله عز وجل : ' فلما أسما وتله للجبين ~~وناديناه ' ، أي ناديناه ؛ ومثله قول الشاعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ~~المعنى : انتحى بنا ؛ ومنها معنى الحال في قوله عز وجل : ' ويكلم الناس في ~~المهد وكهلا ' أي يكلم الناس في حال كهولته ؛ ومنها أن تكون بمعنى حرف الجر ~~، كقولك : استوى الماء والخشبة أي مع الخشبة . فقال ابن الفرات : لمتى : يا ~~أبا بشر : أكان هذا في نحوك . ثم قال أبو سعيد : دع هذا ، ها هنا مسألة ~~علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها بالشكل اللفظي ، ما تقول في قول ~~القائل : زيد أفضل الإخوة ؟ قال : صحيح . قال : فما تقول إن قال زيد أفضل ~~إخوته ؟ قال : صحيح . قال : فما الفرق بينهما مع الصحة فبلح وجنح وغص بريقه . PageV01P107 # """""" صفحة رقم 108 """""" # فقال أبو سعيد : أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة ؛ المسألة الأولى جوابك ~~عنها صحيح وإن كنت غافلا عن وجه صحتها ؛ والمسألة الثانية جوابك عنها غير ~~صحيح وإن كنت أيضا ذاهلا عن وجه بطلانها . قال متى : بين لي ما هذا التهجين ~~؟ قال أبو سعيد : إذا حضرت العسة استفدت ، ليس هذا مكان التدريس هو مجلس ~~إزالة التلبيس ، مع من عادته التمويه والتشبيه ؛ والجماعة تعلم أنك أخطأت ، ~~فلم تدعي أن النحوي ms069 إنما ينظر في اللفظ دون المعنى ، والمنطقي ينظر في ~~المعنى لا في اللفظ ؟ هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويجيل فكره في ~~المعاني ، ويرتب ما يريد بالوهم السانح والخاطر العارض والحدس الطارىء ؛ ~~فأما وهو يريغ أن يبرر ما صح له بالاعتبار والتصفح إلى المتعلم والمناظر ، ~~فلابد له من اللفظ الذي يشتمل على مراده ، ويكون طباقا لغرضه ، وموافقا ~~لقصده . قال ابن الفرات لأبي سعيد : تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون ~~الفائدة ظاهرة لأهل المجلس ، والتبكيت عاملا في نفس أبي بشر . فقال : ما ~~أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير ، فإن الكلام إذا طال ~~مل . فقال ابن الفرات : ما رغبت في سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة ؛ ~~فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر . فقال أبو سعيد : إذا قلت : زيد أفضل ~~إخوته لم يجز ، وإذا قلت : زيد أفضل الإخوة جاز ؛ والفصل بينهما أن إخوة ~~زيد هم غير زيد ، وزيد خارج عن جملتهم . والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل ~~فقال : من إخوة زيد . لم يجز أن تقول : زيد وعمرو وبكر وخالد PageV01P108 ~~"""""" صفحة رقم 109 """""" # وإنما تقول : بكر وعمرو وخالد ولا يدخل زيد في جملتهم ، فإذا كان زيد ~~خارجا عن إخوته صار غيرهم ، فلم يجز أن تقول : أفضل إخوته ، كما لم يجز أن ~~تقول : إن حمارك أفره البغال لأن الحمير غير البغال ، كما أن زيدا غير ~~إخوته ، فإذا قلت : زيد خير الإخوة جاز ، لأنه أحد الإخوة ، والاسم يقع ~~عليه وعلى غيره ، فهو بعض الإخوة ، ألا ترى أنه لو قيل : من الإخوة ؟ عددته ~~فيهم ، فقلت : زيد وعمرو وبكر وخالد فيكون بمنزلة قولك : حمارك أفره الحمير ~~لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير . فلما كان على ما وصفنا جاز أن ~~يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس ، فتقول : زيد أفضل رجل وحمارك أفره ~~حمار فيدل رجل على الجنس كما دل الرجال ؛ وكما في عشرين درهما ومائة درهم . ~~فقال ابن الفرات : ما بعد هذا البيان مزيد ، ولقد جل علم النحو ms070 عندي بهذا ~~الاعتبار وهذا الإسفار . فقال أبو سعيد : معاني النحو منقسمة بين حركات ~~اللفظ وسكناته ، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها ، وبين تأليف ~~الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك ، وإن ~~زاغ شيء عن هذا النعت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغا بالاستعمال النادر ~~والتأويل البعيد ، أو مردودا لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم . ~~فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلم لهم ومأخوذ عنهم ، وكل ~~ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من ~~غير تحريف ، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا ~~تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم ، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون . ~~وجعلوا تلك الترجمة صناعة ، وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع ~~المعنى . ثم أقبل أبو سعيد على متى فقال : أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام ~~اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب ، PageV01P109 ~~"""""" صفحة رقم 110 """""" # وتقول بالمثل : هذا ثوب والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبا ، لأنه ~~نسج بعد أن غزل ، فسداته لا تكفي دون لحمته ولحمته لا تكفي دون سداته ، ثم ~~تأليفه كنسجه ، وبلاغته كقصارته ورقة سلكه كرقة لفظه ، وغلظ غزله ككثافة ~~حروفه ، ومجموع هذا كله ثوب ، ولكن بعد تقدمة كل ما يحتاج إليه فيه . قال ~~ابن الفرات : سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى ، فإن هذا كلما توالى عليه بان ~~انقطاعه ، وانخفض ارتفاعه ، في المنطق الذي ينصره ، والحق الذي لا يبصره . ~~قال أبو سعيد : ما تقول في رجل يقول : لهذا على درهم غير قيراط ؛ ولهذا ~~الآخر على درهم غير قيراط . قال : ما لي علم بهذا النمط . قال : لست نازعا ~~عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق ، ها هنا ما هو أخف من هذا ، ~~قال رجل لصاحبه : بكم الثوبان المصبوغان ، وقال آخر : بكم ثوبان مصبوغان ~~وقال آخر : بكم ثوبان مصبوغين بين هذه المعاني التي تضمنها لفظ لفظ . قال ~~متى : لو نثرت أنا أيضا عليك من ms071 مسائل المنطق أشياء لكان حالك كحالي . قال ~~أبو سعيد : أخطأت ، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه ، فإن كان له علاقة ~~بالمعنى وصح لفظه على العادة الجارية أجبت ، ثم لا أبالي أن يكون موافقا أو ~~مخالفا ، وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك ، وإن كان متصلا باللفظ ~~ولكن على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضا لأنه لا سبيل ~~إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها . ما وجدنا لكم إلا ما استعرتم من ~~لغة العرب كالسبب والآلة والسلب والإيجاب والموضوع والمحمول والكون والفساد ~~والمهمل والمحصور وأمثلة لا تنفع ولا تجدي ، وهي إلى العي أقرب ، وفي ~~الفهاهة أذهب . PageV01P110 # """""" صفحة رقم 111 """""" # ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقص ظاهر ، لأنكم لا تفون بالكتب ولا هي ~~مشروحة ، فتدعون الشعر ولا تعرفونه وتذكرون الخطابة وأنتم عنها في منقطع ~~التراب ؛ وقد سمعت قائلكم يقول : الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان . فإن كان ~~كما قال فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب ، وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما ~~قبل البرهان ، فهي أيضا ماسة إلى ما بعد البرهان ، وإلا فلم صنف ما لا ~~يحتاج إليه ويستغنى عنه . هذا كله تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق . وإنما ~~بودكم أن تشغلوا جاهلا ، وتستذلوا عزيزا ؟ وغايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع ~~والخاصة والفصل والعرض والشخص ، وتقولوا : الهلية والأينية والماهية ~~والكيفية والكمية والذاتية والعرية والجوهرية والهيولية والصورية والأيسية ~~والليسية والنفسية ؟ ثم تتطاولون فتقولون : جئنا بالسحر في قولنا : ' لا ' ~~في شيء من ' ب ' و' ج ' في بعض ' ب ' ، ف ' لا ' في بعض ' ج ' و' لا ' في ~~كل ' ب ' و' ج ' في كل ' ب ' فإذن ' لا ' في كل ' ج ' ؛ هذا بطريق الخلف ، ~~وهذا بطريق الاختصاص . وهذه كلها خرافات وترهات ، ومغالق وشبكات ؛ ومن جاد ~~عقله وحسن تمييزه ولطف نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله - ~~بعون الله وفضله - وجودة العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة ~~النفس من منائح الله الهنية ، ومواهبه السنية ، PageV01P111 ~~"""""" صفحة رقم 112 """""" # يختص ms072 بها من يشاء من عباده وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجها ، وهذا ~~الناشىء أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع طريقتكم ، وبين خطأكم ، وأبرز ضعفكم ~~، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال ، وما زدتم على ~~قولكم : لم يعرف غرضنا ولا وقف على مرادنا ، وإنما تكلم على وهم . وهذا ~~منكم تجاجز ونكول ورضى بالعجز وكلول ، وكل ما ذكرتم في الموجودات فعليكم ~~فيه اعتراض هذا قولكم في ' يفعل وينفعل ' لم تستوضحوا فيهما مراتبهما ~~ومواقعهما ، ولم تقفوا على مقاسمهما ، لأنكم قنعتم بوقوع الفعل من ' يفعل ' ~~وقبول الفعل من ' ينفعل ' ، ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم ، ومعارف ذهبت ~~عنكم وهذا حالكم في الإضافة . فأما البدل ووجوهه ، والمعرفة وأقسامها ، ~~والنكرة ومراتبها ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، فليس لكم فيه مقال ولا مجال . ~~وأنت إذا قلت لإنسان : ' كن منطقيا ' ، فإنما تريد : كن عقليا أو عاقلا أو ~~اعقل ما تقول لأن أصحابك يزعمون أن النطق هو العقل ؛ وهذا قول مدخول ، لأن ~~النطق على وجوه أنتم عنها في سهو . وإذا قال لك آخر : ' كن نحويا لغويا ~~فصيحا ' فإنما يريد : افهم عن نفسك ما تقول ، ثم رم أن يفهم عنك غيرك . ~~وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه ، وقدر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه ~~؛ هذا إذا كنت في تحقيق شيء ما هو به . فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط ~~المراد فأجل اللفظ بالروداف الموضحة والأشباه المقربة ، والاستعارات ~~الممتعة ، وبين المعاني بالبلاغة ، أعني لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا ~~بالبحث عنها والشوق إليها ، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه عز وحلا ~~، وكرم وعلا ؛ واشرح منها شيئا حتى لا يمكن أن PageV01P112 ~~"""""" صفحة رقم 113 """""" # يمترى فيه أو يتعب في فهمه أو يعرج عنه لاغتماضه ؛ فهذا المذهب يكون ~~جامعا لحقائق الأشباه ولأشباه الحقائق ؛ وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ~~ما نحن عليه في هذا المجلس ؛ على أني لا أدري أيؤثر فيك ما أقول أو لا ؟ ثم ~~قال : حدثنا هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين ، أو ms073 رفعتم الخلاف بين اثنين ~~؛ أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة ، وأن الواحد أكثر ~~من واحد ، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد ، وأن الشرع ما تذهب إليه ، ~~والحق ما تقوله ؟ هيهات ، ها هنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم ، ~~وتدق عن عقولهم وأذهانهم . ودع هذا ، ها هنا مسألة قد أوقعت خلافا ، فارفع ~~ذلك الخلاف بمنطقك . قال قائل : ' لفلان من الحائط إلى الحائط ' ما الحكم ~~فيه ؟ وما قدر المشهود به لفلان ؟ فقد قال ناس : له الحائطان معا وما ~~بينهما . وقال آخرون : له النصف من كل منهما . وقال آخرون : أحدهما . هات ~~الآن آيتك الباهرة ، ومعجزتك القاهرة ، وأنى لك بهما ، وهذا قد بان بغير ~~نظرك ونظر أصحابك . ودع هذا أيضا ؛ قال قائل : ' من الكلام ما هو مستقيم ~~حسن ، ومنه ما هو مستقيم محال ، ومنه ما هو مستقيم قبيح ، ومنه ما هو محال ~~كذب ، ومنه ما هو خطأ ' . فسر هذه الجملة . واعترض عليه عالم آخر ، فاحكم ~~أنت بين هذا القائل والمعترض وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ ~~والصواب ، وبين الحق والباطل ؟ فإن قلت : كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد ~~سمعت مقالته ، والآخر لم أحصل اعتراضه ؟ قيل لك : استخرج بنظرك الاعتراض إن ~~كان ما قاله محتملا له ، ثم أوضح الحق منهما ، لأن الأصل مسموع لك ، حاصل ~~عندك وما يصح به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك ، فلا تتعاسر علينا ، فإن هذا ~~لا يخفى على أحد من الجماعة . PageV01P113 # """""" صفحة رقم 114 """""" # فقد بان الآن أن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل ؛ والمعاني معقولة ولها ~~اتصال شديد وبساطة تامة ؛ وليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك ~~المبسوط ويحيط به ، وينصب عليه سورا ، ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج ، ولا ~~شيئا من خارجه أن يدخل ، خوفا من الاختلاط الجالب للفساد ، أعني أن ذلك ~~يخلط الحق بالباطل ، ويشبه الباطل بالحق ؛ وهذا الذي وقع الصحيح منه في ~~الأول قبل وضع المنطق ، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد ms074 المنطق ؛ وأنت لو ~~عرفت تصرف العلماء والفقهاء في مسائلهم ، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم ~~في استنباطهم ، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة ~~والكيانات المفيدة والجهات القريبة والبعيدة ، لحقرت نفسك ، وازدريت أصحابك ~~، ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوا عليه أقل في عينك من السها عند القمر ، ومن ~~الحصا عند الجبل . أليس الكندي وهو علم في أصحابك يقول في جواب مسألة ' هذا ~~من باب عد ' . فعد الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم ~~بلا ترتيب ، حتى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها في ~~الفلسفة الداخلة ، فذهب عليه ذلك الوضع ، فاعتقد فيه أنه صحيح وهو مريض ~~العقل فاسد المزاج حائل الغريزة مشوش اللب . قالوا له : أخبرنا عن اصطكاك ~~الأجرام ، وتضاغط الأركان ؟ هل يدخل في باب وجوب الإمكان ؟ أو يخرج من باب ~~الفقدان إلى ما يخفى عن الأذهان ؟ وقالوا له أيضا : ما نسبة الحركات ~~الطبيعية إلى الصور الهيولاتية ؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر ~~والبيان ، أو مزايلة له مزايلة على غاية الإحكام ؟ وقالوا له : ما تأثير ~~فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا ~~وجوب له لاستحالته في إمكان أصله ؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على ~~غاية الركاكة والضعف والفساد PageV01P114 ~~"""""" صفحة رقم 115 """""" # والفسالة والسخف . ولولا التبوقي من التطويل لسردت ذلك كله ، ولقد مر بي ~~في خطه : التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به ، لأنه يلاقي الاختلاف في ~~الأصول والاتفاق في الفرزع ؛ وكل ما يكون على هذا النهج فالنكرة تزاحم عليه ~~المعرفة ، والمعرفة تناقض النكرة ، على أن النكرة والمعرفة من باب الألبسة ~~العارية من ملابس الأسرار الإلهية ، لا من باب الإلهية العارضة في أحوال ~~البشرية . ولقد حدثنا أصحابنا الصابئون عنه بما يضحك الثكلى ويشمت العدو ~~ويغ الصديق ، وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق ~~ونسأل الله عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التحصيل ، والفعل ~~الجاري على التعديل ، إنه سميع ms075 مجيب . هذا آخر ما كتبت عن ابن عيسى الرماني ~~الشيخ الصالح بإملائه . وكان أبو سعيد قد روى لمعا من هذه القصة . وكان ~~يقول : لم أحفظ عن نفسي كل ما قلت ، ولكن كتب ذلك أقوام حضروا في ألواح ~~كانت معهم ومحابر أيضا ؛ وقد اختل علي كثير منه . قال علي بن عيسى : وتقوض ~~المجلس وأهله يتعجبون من جأش أبي سعيد الثابت ولسانه المتصرف ووجهه المتهلل ~~وفوائده المتتابعة . وقال الوزير ابن الفرات : عين الله عليك أيها الشيخ ، ~~فقد نديت أكبادا وأقررت عيونا ، وبيضت وجوها ، وحكت طرازا لا يبليه الزمان ~~، ولا يتطرق إليه الحدثان . قلت لعلي بن عيسى : وكم كان سن أبي سعيد في ذلك ~~الوقت ؟ قال : مولده سنة ثمانين ومائتين ، وكان له يوم المناظرة أربعون سنة ~~، وقد عبث الشيب بلهازمه مع السمت والوقار والدين والجد ، وهذا شعار أهل ~~الفضل والتقدم ، وقل من PageV01P115 ~~"""""" صفحة رقم 116 """""" # تظاهر به أو تحلى بحليته إلا جل في العيون وعظم في النفوس ، وأحبته ~~القلوب ، وجرت بمدحه الألسنة . وقلت لعلي بن عيسى : أما كان أبو علي الفسوي ~~النحوي حاضر المجلس ؟ قال : لا ، كان غائبا ، وحدث بما كان ، فكان يكتم ~~الحسد لأبي سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور ، والثناء المذكور . ~~فقال لي الوزير عند منقطع هذا الحديث : ذكرتني شيئا قد دار في نفسي مرارا ، ~~وأحببت أن أقف على واضحه ؛ أين أبو سعيد من أبي علي ، وأين علي بن عيسى ~~منهما ، وأين ابن المراغي أيضا من الجماعة ؟ وكذلك المرزباني وابن شاذان ~~وابن الوراق وابن حيويه ؟ فكان من الجواب ، أبو سعيد أجمع لشمل العلم ، ~~وأنظم لمذاهب العرب وأدخل في كل باب ، وأخرج من طل طريق ، وألزم للجادة ~~الوسطى في الدين والخلق ، وأروى في الحديث ، وأقضى في الأحكام ، وأفقه في ~~الفتوى ، وأحضر بركة على المختلفة ، وأظهر أثرا في المقتبسة . ولقد كتب ~~إليه نوح بن نصر - وكان من أدباء ملوك آل سامان - سنة أربعين كتابا خاطبه ~~فيه بالإمام وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة مسألة ، الغالب عليها الحروف ~~، وباقي ذلك أمثال ms076 مصنوعة على العرب شك فيها فسأل عنها ؛ وكان هذا الكتاب ~~مقرونا بكتاب الوزير البلعمي خاطبه فيه بإمام المسلمين ، ضمنه مسائل في ~~القرآن وأمثالا للعرب مشكلة . وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من ~~أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ الإسلام ، سأله عن مائة وعشرين مسألة ، ~~أكثرها في القرآن ، وباقي ذلك في الروايات عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وعن أصحابه رضوان الله عليهم . PageV01P116 # """""" صفحة رقم 117 """""" # وكتب إليه ابن خنزابة من مصر كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل ، وسأله فيه ~~عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث المروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وعن السلف . وقال لي الدارقطني سنة سبعين : أنا جمعت ذلك لابن خنزابة على ~~طريق المعونة . وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان على يد شيخنا أبي سليمان ~~كتابا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد ، سأله عن سبعين مسألة في القرآن ، ومائة ~~كلمة في العربية وثلاثمائة بيت من الشعر ، هكذا حدثني به أبو سليمان ؛ ~~وأربعين مسألة في الأحكام وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين . ~~قال لي الوزير : وهذه المسائل والجواب عنها عندك ؟ قلت : نعم . قال : في كم ~~تقع ؟ قلت : لعلها تقع في ألف وخمسمائة ورقة ، لأن أكثرها في الظهور . قال ~~: ما أحوجنا إلى النظر فيها والاستمتاع بها والاستفادة منها وأين الفراغ ~~وأين السكون ؟ ونحن كل يوم ندفع إلى طامة تنسى ما سلف ، وتوعد بالداهية ، ~~اللهم ناصيتي بيدك ، فتولني بالعصمة ، واخصصني بالسلامة ، واجعل عقباي إلى ~~الحسنى . ثم قال : صل حديثك . قلت : وأما أبو علي فأشد تفردا بالكتاب وأشد ~~إكبابا عليه ، وأبعد من كل ما عداه مما هو علم الكوفيين ، وما تجاوز في ~~اللغة كتب أبي زيد ، وأطرافا مما لغيره ؛ وهو متقد بالغيظ على أبي سعيد ، ~~وبالحسد له ، كيف تم له تفسير كتاب سيبويه من أوله إلى آخره بغريبه وأمثاله ~~وشواهده وأبياته ' ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ' ، لأن هذا شيء ما تم ~~للمربد ولا للزجاج ولا لابن السراج ولا لابن درستويه مع سعة علمهم ، وفيض ~~كلامهم . ولأبي علي أطراف من الكلام في مسائل ms077 أجاد فيها ولم يأتل ، ولكنه ~~قعد على PageV01P117 ~~"""""" صفحة رقم 118 """""" # الكتاب على النظم المعروف . وحدثني أصحابنا أن أبا علي اشترى شرح أبي ~~سعيد في الأهواز في توجهه إلى بغداد سنة ثمان وستنين - لاحقا بالخدمة ~~المرسومة به ، والندامة الموقوفة عليه - بألفي درهم ؛ وهذا حديث مشهور ، ~~وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلا من زعم أنه أراد النقض عليه ، وإظهار ~~الخطأ فيه . وقد كان الملك السعيد - رضي الله عنه - هم بالجمع بينهما فلم ~~يقض له ذلك ، لأن أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة . وأبو علي ~~يشرب ويتخالع ويفارق هدى أهل العلم وطريقة الربانيين وعادة المتنسكين . ~~وأبو سعيد يصوم الدهر ، ولا يصلي إلا في الجماعة ، ويقيم على مذهب أبي ~~حنيفة ، ويلى القضاء سنين ، ويتأله ويتحرج ، وغيره بمعزل عن هذا ؛ ولولا ~~الإبقاء على حرمة العلم ، لكان القلم يجري بما هو خاف ويخبر بما هو مجمجم ~~ولكن الأخذ بحكم المروءة أولى ، والإعراض عما يجلب اللائمة أحرى . وكان أبو ~~سعيد حسن الحظ ، ولقد اراده الصيمري أبو جعفر على الإنشاء والتحرير فاستعفى ~~وقال : هذا أمر يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها ، وإلى سياسة وأنا غريب ~~فيها ومن العناء رياضة الهرم وحدثنا النصري أبو عبد الله - وكان يكتب ~~النوبة للمهلبي - بحديث مفند لأبي سعيد هذا موضعه ، PageV01P118 ~~"""""" صفحة رقم 119 """""" # قال : كنت أخط في بيدي الصيمري أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد ، فالتمسني ~~يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني ، وكان أبو سعيد ~~السيرافي بحضرته ؛ فظن أنه بفضل علمه أقوم بالجواب من غيره ، فتقدم إليه أن ~~يكتب ويجيب ، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضرب والإصلاح ، ثم أخذ يحرر ، ~~والصيمري يقرأ ما يكتبه ، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا ، مباينا لما ~~يريده ترتيبا . قال : ودخلت في تلك الحال ، فتمثل الصيمري بقول الشاعر : يا ~~باري القوس بريا ليس يصلحه . . . لا تظلم القوس ، أعط القوس باريها ثم قال ~~لأبي سعيد : خفف عليك أيها الشيخ وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله تلميذك ~~ليجيب عنه ms078 ، فخجل من هذا القول ، فلما اتبدأت الجواب من غير نسخة تحير مني ~~أبو سعيد ، ثم قال : أيها الأستاذ ، ليس بسمتنكر ما كان مني ، ولا بمستكثر ~~ما كان منك ، إن مال الفيء لا يصح في بيت المال إلا بين مستخرج وجهبذ ، ~~والكتاب جهابذة الكلام ، والعلماء مستخرجوه . فتبسم الصميري وأعجبه ما سمع ~~، وقال : على كل حال ما أخليتنا من فائدة . وكان أبو سعيد بعيد القرين ، ~~لأنه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط والفرائض والنحو واللغة والعروض ~~والقوافي والحساب والهندسة والحديث والأخبار وهو في كل هذا إما في الغاية ~~وإما في الوسط . وأما علي بن عيسى فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام ~~والعروض والمنطق ، وعيب به ، إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق ، بل أفرد ~~صناعة ، وأظهر براعة ، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا ، هذا مع الدين ~~الثخين ، والعقل الرزين . PageV01P119 # """""" صفحة رقم 120 """""" # وأما ابن المراغي فلا يلحق بهؤلاء ، مع براعة اللفظ ، وسعة الحفظ ، وعزة ~~النفس ، وبلل الريق ، وغزارة النفث ، وكثرة الرواية ؛ ومن نظر في كتاب ~~البهجة له عرف ما أقول ، واعتقد فوق ما أصف ، ونحل أكثر مما أبذل . وأما ~~المرزباني وابن شاذان وابن القرمسيني وابن حيويه فهم رواة وحملة ليس لهم في ~~ذلك نقط ولا إعجام ، ولا إسراج ولا إلجام . فقال : فصل حديثك عن هؤلاء ~~بحديث أصحابنا الشعراء ، صف لي جماعتهم ، واذكر لي بضاعتهم ، وما خص كل ~~واحد منهم . قلت : لست من الشعر والشعراء في شيء ، وأكره أن أخطو على دحض ، ~~وأحتسي غير محض . قال : دع هذا القول ، فما خضنا في شيء إلى هذا الوقت إلا ~~على غاية ما كان في النفس ، ونهاية ما أفاد من الأنس ، فكان من الوصف : أما ~~السلامي فهو حلو الكلام ، متسق النظام ، كأنما يبسم عن ثغر الغمام خفي ~~السرقة ، لطيف الأخذ ، واسع المذهب ، لطيف المغارس ، جميل الملابس ؛ لكلامه ~~ليطة بالقلب ، وعبث بالروح ، وبرد على الكبد . وأما الحاتمي فغليظ اللفظ ، ~~كثير العقد ، يحب أن يكون بدويا قحا ، وهو لم يتم حضريا ؛ غزير المحفوظ ، ~~جامع بين النظم والنثر ، على ms079 تشابه بينهما في الجفوة وقلة السلاسة ، والبعد ~~من المسلوك ، بادي العورة فيما يقول ، لكأنما يبرز ما يخفي ، ويكدر ما يصفي ~~، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر PageV01P120 ~~"""""" صفحة رقم 121 """""" # سدر ؛ يتطاول شاخصا ، فيتضاءل متقاعسا ؛ إذا صدق فهو مهين ، وإذا كذب فهو ~~مشين . وأما ابن جلبات فمجنون الشعر ، متفاوت اللفظ ، قليل البديع ، واسع ~~الحيلة ، كثير الزوق ، قصير الرشاء ، كثير الغثاء ؛ غره نفاقه ونفقه نفاقه ~~. وأما الخالع فأديب الشعر ، صحيح النحت ، كثير البديع ، مستوي الطريقة ، ~~متشابه الصناعة ، بعيد من طفرة المتحير ، قريب من قرصة المتخير ؛ كان ذو ~~الكفايتين يقدمه بالري ، ويقبله على النشر والطي . وأما مسكويه فلطيف اللفظ ~~، رطب الأطراف ، رقيق الحواشي ، سهل المأخذ ، قليل السكب ، بطيء السبك ؛ ~~مشهور المعاني ، كثير التواني ؛ شديد التوقي ، ضعيف الترقي ؛ يرد أكثر مما ~~يصدر ، ويتطاول جهده ثم يقصر ؛ ويطير بعيدا ويقع قريبا ، ويسقي من قبل أن ~~يغرس ، ويمتح من قبل أن يميه ؛ وله بعد ذلك مآخذ كشدو من الفلسفة ، وتأت في PageV01P121 ~~"""""" صفحة رقم 122 """""" # الخدمة ، وقيام برسوما لندامة ؛ وسلة في البخل ، وغرائب من الكذب ؛ وهو ~~حائل العقل لشغفه بالكيمياء . وأما ابن نباتة فشاعر الوقت ، لا يدفع ما ~~أقول إلا حاسد أو جاهل أو معاند ، قد لحق عصابة سيف الدولة وعدا معهم ~~ووراءهم ، حسن الحذو على مثال سكان البادية ، لطيف الائتمام بهم ، خفي ~~المغاص في واديهم ، ظاهر الإطلال على ناديهم ؛ هذا مع شعبة من الجنون وطائف ~~من الوسواس . وأما ابن حجاج فليس من هذه الزمرة بشيء ، لأنه سخيف الطريقة ~~بعيد من الجد ، قريع في الهزل ؛ ليس للعقل من شعره منال ، ولا له في قرضه ~~مثال ؛ على أنه قويم اللفظ ، سهل الكلام ، وشمائله نائية بالوقار عن عادته ~~الجارية في الخسار ؛ وهو شريك ابن سكرة في هذه الغرامة ؛ وإذا جد أقعى ، ~~وإذا هزل حكى الأفعى . وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيبة . قال : ما هي ؟ ~~قلت : لما ورد ذو الكفايتين سنة أربع وستين وهزم الأتراك مع أفتكين ، وكان ~~من الحديث ما هو مشهور ، سأل عن ابن ms080 حجاج - وكان متشوقا له لما كان يقرأ ~~عليه من قوافيه ، فأحب أن يلقاه ، لأنه الخبر كالمعاينة ، والمسموع PageV01P122 ~~"""""" صفحة رقم 123 """""" # والمبصر كاأنثى والذكر ؛ ينزع كل واحد منهما إلى تمامه ؛ فلما حضره أبو ~~عبد الله احتبسه للطعام ، وسمع كلامه ، وشاهد سمته ، واستحلى شمائله ، فقام ~~من مجلسه ؛ فلما خلا به قال : يا أبا عبد الله ، لقد والله تهت عجبا منك ، ~~فأما عجبي بك فقد تقدم ؛ لقد كنت أفلي ديوانك ، فأتمنى لقاءك ، وأقول : من ~~صاحب هذا الكلام ، أطيش طائش ، وأخف خفيف ، وأغرم غارم ؛ وكيف يجالس من ~~يكون في هذا الإهاب ؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتاب واصحاب الآداب ؛ ~~حتى شاهدتك الآن ، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك ، وسكوت لفظك ، وتناسب ~~حركاتك ، وفرط حيائك وناضر ماء وجهك ، وتعادل كلك وبعضك ؛ وإنك لمن عجائب ~~خلق الله وطرف عباده ؛ والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك ، وأن ذلك ~~الديوان لك ، مع هذا التنافي الذي بين شعرك وبينك في جدك . فقال أبو عبد ~~الله : أيها الأستاذ ، وكان عجبي منك دون عجبك مني ، لو تقارعنا على هذا ~~لفلجت عليك بالتعجب منك . قال : لأني قلت : إذا ورد الأستاذ فسألقى منه ~~خلقا جافيا وفظا غليظا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليا ديلميا متكائبا ~~متعاظما ، حتى رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء ، وأرق من الماء ، وأغزل من ~~جميل بن معمر ، وأعذب من الحياة ، وأرزن من الطود ، وأغزر من البحر ، وأبهى ~~من القمر ، وأندى من الغيث ، وأشجع من الليث ، وأنطق من سحبان ، وأندى من ~~الغمام ، وأنفذ من السهام ، وأكبر من جميع PageV01P123 ~~"""""" صفحة رقم 124 """""" # الأنام . فقال أبو الفتح وتبسم : هذا أيضا من ودائع فضلك ، وبواعث تفضلك ~~. ووصله وصرفه . قال : لم يكن هذا الحديث عندي . وأما بشر بن هارون فليس من ~~هذه الطبقة في شيء ، لكنه يقرص فيحز ويشم فيهز ، ويجرح فيجهز ؛ والمدهوون ~~منه كثير ؛ واصحابنا يستحسنون قول ابن الحجاج في الوزير حين يقول : لله در ~~الحسين من قمر . . . ردت إليه وزارة الشمس فقال : إن قبلت هذا منهم خفت أن ~~يقال : مادح نفسه يقرئك ms081 السلام ؛ وما أصنع بهذا البيت وهو مضموم إلى كل بيت ~~سخيف في القصيدة . ثم قال : وجب أن نصف قبل هذا عصابة العلماء ، فلم تركنا ~~ذكرهم ونحن لا نخلو في حديثهم من غرة لائحة ، وفائدة نافعة ، وصواب زائد في ~~العقل وفضيلة على الأدب ، وحلم يزدان به في وقت الحاجة ، وحكمة يستعان بها ~~في داهمة ؛ ورأى يكون مقيلا للتمييز عند تهجيرنا به . قلت : أما أبو عبد ~~الله الجعل فقد شاهدته . قال : صدقت ، ولكن لم أقف على مذهبه ودخلته وسيرته ~~في اعتقاده . قلت : كان الرجل ملتهب الخاطر ، واسع أطراف الكلام ، مع غثاثة ~~اللفظ ، وكان يرجع إلى قوة عجيبة في التدريس ، وطول نفس في الإملاء ، مع ~~ضيق صدر عند لقاء الخصم PageV01P124 ~~"""""" صفحة رقم 125 """""" # ومعاركة القرن ، بعيد العهد بالمصاع والدفاع والوقاع ؛ وكان سبب هذا ~~الجبن والخور قلة الضراوة على هذه الأحوال ؛ ولقد خزي في مشاهد عظيمة . ~~وأما يقينه فكان ضعيفا ؛ وأما سيرته فكانت واقفة على حب الرياسة وبذل المال ~~والجاه إذا حضرا ، مع تعصب شديد لمن قدمه وأحبه ، وإنحاء مفرط على من عاداه ~~، وكان خوضه في الدول والولايات - ولهذا رغب عنه الواسطي وكان أخا ورع ودين ~~- وقال : هذا منفر عن الدين والمذهب ، ودافع للناس عن القول بالحق ، وطارح ~~للشبهة في القلوب . وكان يجهر بهذا وأشباهه ، ولكن كان جاه الرجل لا ينتقص ~~بهذا القدر وركنه لا يتخلخل على هذا الهد ، لأسباب انعقدت له ، وأصحاب ~~ذابوا عنه . وأما ابن الملاح فشيخ حسن المعرفة بالمذهب ، شديد التوقي ، ~~محمود القناعة ظاهر الرضا ؛ تدل سيرته الجميلة على أنه حسن العقيدة . وأما ~~ابن المعلم فحسن اللسان والجدل ، صبور على الخصم ، كثير الحيلة ظنين السر ، ~~جميل العلانية . وأما أبو إسحق النصيبي فدقيق الكلام ، يشك في النبوات كلها ~~، وقد سمعت منه فيها شبها ، ولغته معقدة ، وله أدب واسع ؛ ولقد أضل بهمذان ~~كاتب فخر الدولة ابن المرزبان . وحمله على قلة الاكتراث بظلم الرعية ، ~~وأراه أنه لا حرج عليه في PageV01P125 ~~"""""" صفحة رقم 126 """""" # غبنهم لأنهم بهائم ، وما خرج من الجبل حتى افتضح . وأما ابن ms082 خيران فشيخ ~~لا يعدو الفقه ، وفيه سلامة . وأما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة ، وهو ~~يأكل الدنيا بالدين ، ويغلب عليه اللواط ، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة ؛ ولقد ~~تهتك بنيسابور قديما ، وببغداد حديثا ؛ هذا مع الفدامة والوخامة ؛ ولقد ند ~~بجعل غلام ، وهو اليوم قاضي الري . وابن عباد يكنفه ويقربه ليكون داعية له ~~ونائبا عنه ، وليس له أصل وهو من سواد همذان ، وأبوه كان فلاحا ، ولقد ~~رأيته ، إلا أنه يأتي لابن عباد في سمته ولزوم ناموسه حتى خف عليه ، وهو ~~اليوم قارون ؛ وقد علت رتبته في الكلام حتى لا مزيد عليها ، إلا أنه مع ذلك ~~نغل الباطن ، خبيث الخبء ، قليل اليقين ؛ وذلك أن الطريقة التي قد لزموها ~~وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك والارتياب ، لأن الدين لم يأت بكم وكيف ~~في كل باب ، ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصار الأثر ، مزية على أصحاب الكلام ~~وأهل النظر ؛ والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر المحشو بالشك والريبة ~~، ولم يأت الجدل بخير قط . وقد قيل : من طلب الدين بالكلام ألحد ، ومن تتبع ~~غرائب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر . وما شاعت هذه الوصية ~~جزافا ، بل بعد تجربة كررها الزمان ، وتطاولت عليها الأيام ؛ يتكلم أحدهم ~~في مائة مسألة ويورد مائة حجة ثم لا ترى عنده خشوعا ولا رقة ، ولا تقوى ولا ~~دمعة ؛ وإن كثيرا من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجون ولا يناظرون ~~ولا يكرمون ولا يفضلون خير من هذه الطائفة وألين جانبا ، وأخشع قلبا ، ~~وأتقى لله عز وجل ، وأذكر للمعاد ، وأيقن بالثواب والعقاب ، وأقلق من ~~الهفوة ، وألوذ بالله من صغير الذنب ، وأرجع PageV01P126 ~~"""""" صفحة رقم 127 """""" # إلى الله بالتوبة ؛ ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية ، أو دمعت عينه ~~خوفا ، أو أقلع عن كبيرة رغبة ؛ يتناظرون مستهزئين ويتحاسدون متعصبين ، ~~ويتلاقون متخادعين ، ويصنفون متحاملين ؛ جذ الله عروقهم ، واستأصل شأفتهم ، ~~وأراح العباد والبلاد منهم ؛ فقد عظمت البلوى بهم ، وعظمت آفتهم على صغار ~~الناس وكبارهم ؛ ودب داؤهم ، وعسر دواؤهم ، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى ~~أرى ms083 بنيانهم متضغضعا ، وساكنه متجعجعا . قال : فما تقول في ابن الباقلاني ؟ ~~. قلت : فما شر الثلاثة أم عمرو . . . بصاحبك الذي لا تصبحينا يزعم أنه ~~ينصر السنة ويفحم المعتزلة وينشر الرواية ؛ وهو في أضعاف ذلك على مذهب ~~الخرمية ، وطرائق الملحدة . قال : والله إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن ~~الغلاظ ، والأمراض التي ليس لها علاج . ثم قال : إن الليل قد ولى ، والنعاس ~~قد طرق العين عابثا ؛ والرأي أن نستجم لننشط ، ونستريح لنتعب ؛ وإذا حضرت ~~في الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق والخلق - إن شاء الله - وأنا أزودك ~~هذا الإعلام ليكون باعثا لك على أخذ العتاد بعد اختماره في صدرك ، وتحيل ~~الحال به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن الضعفاء ، ولكن قل واتسع مجاهرا بما ~~عندك ، منفقا مما معك . وانصرفت . # الليلة التاسعة # وعدت ليلة أخرى فقال : فاتحة الحديث معك ، فهات ما عندك . فكان من الجواب ~~: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان ، وذلك أن الإنسان ~~صفو الجنس PageV01P127 ~~"""""" صفحة رقم 128 """""" # الذي هو الحيوان ، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان والإنسان صفو ~~الشخص الذي هو واحد من النوع ، وما كان صفوا ومصاصا بهذا النظر انتظم فيه ~~من كل ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر ، وظهر ذلك عليه وبطن أيضا بالأقل ~~والأكثر والأغلب والأضعف ، كالكمون الذي في طباع السبع والفأرة ، والثبات ~~الذي في طباع الذئب ، والتحرز الذي في طباع الجاموس من بنات الليل ، والحذر ~~الذي في طباع الخنزير ، والتقدم الذي في طباع الفيل أمام قطيعه تمثلا بصاحب ~~المقدمة . وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثلا بصاحب الساقة ، وكالحراسة التي في ~~طباع الكلب ، وكاوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدغل ~~والأشب والغياض . ولهذا قال بعض الحكماء : خذ من الخنزير بكوره في الحوائج ~~، ومن الكلب نصحه لأهله ، ومن الهرة لطف نفسها عند المسألة . وقالت الترك : ~~ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عسشر خصال من ضروب الحيوان : سخاء الديك ، ~~وتحنن الدجاجة ، ونجدة الأسد ، وحملة الخنزير وروغان الثعلب ، وصبر الكلب ، ~~وحراسة الكركي ، وحذر الغراب ، وغارة الذئب ، وسمن بعروا ms084 ، وهي دابة ~~بخراسان تسمن على التعب والشقاء . ولما وهب الإنسان الفطرة ، وأعين بالفكرة ~~؛ ورفد بالعقل ، جمع هذه الخصال وما هو أكثر منها لنفسه وفي نفسه ، وبسبب ~~هذه المزية الظاهرة فضل جميع الحيوان حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير ~~والإعمال واستخراج المنافع منها وإدراك الحاجات بها ؛ وهذه المزية التي له ~~مستفادة بالعقل ، لأن العقل ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، والفكر PageV01P128 ~~"""""" صفحة رقم 129 """""" # بينهما مستمل منهما ومؤد بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني والتوزيع ~~الإنساني ؛ فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل ، وصواب روية الفكرة من صحة ~~الطباع ، وصحة الطباع من موافقة المزاج ، وموافقة المزاج بالمدد الاتفاقي ~~والاتفاق الغيبي ؛ أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق ، ووجه ~~الحادث المعلوم عند الله عز وجل غيب ؛ فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق ، ~~ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب . فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة ~~معروفة ، وبين نادر لا يدوم العهد به ، فدل ما ظهر واستمر على ما جاد به ~~ووهب ، ودل ما غاب واستتر على ما تفرد به وغلب . ولما كان الحيوان كله يعمل ~~صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة ، وكان الإنسان يتصرف فيها بالاختيار ، صح ~~له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدا له في اختياره ، وكذلك يكون النحل أيضا ، ~~صح له من الاختيار قسط في إلهامه حتى يكون ذلك معينا له في اضطراره ، إلا ~~أن نصيب الإنسان من الإلهام أقل كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر ~~؛ وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع ~~وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودا بالاختيار ، لأن قوة ~~الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظل . ومراتب ~~الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاثة أنفس ، فاحدهم ملهم فيتعلم ويعمل ، ~~ويصير مبدأ للمقتبسين منه ، المقتدين به ، الآخذين عنه ، الحاذين على مثاله ~~، المارين على غراره ، القافين على آثاره ؛ وواحد يتعلم ولا يلهم فهو يماثل ~~الأول في الدرجة الثانية ، أعني التعلم ؛ وواحد يتعلم ويلهم ، فتجتمع له هاتان PageV01P129 ~~"""""" صفحة رقم ms085 130 """""" # الخلتان ، فيصير بقليل ما يتعلم مكثرا للعمل والعلم بقوة ما يلهم ويعود ~~بكثرة ما يلهم مصفيا لكل ما يتعلم ويعمل . والكلام في هذه المواضع ربما جمح ~~فلم يمكن كفه ، فينبغي أن يضح العذر إذا عرض تفاوت في الترتيب ، ودخل الخلل ~~من ناحية التقريب . وقال أبو سليمان لنا في هذه الأيام : الإنسان بين ~~طبيعته وهي عليه وبين نفسه وهي له ، كالمنتهب المتوزع ، فإن استمد من العقل ~~نوره وشعاعه قوي ما هول له من النفس ، وضعف ما هو عليه من الطبيعة وإلا فقد ~~قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من النفس . وحكى لنا فقال : كان ~~للحكماء الأولين مثل يضربونه ويكتبونه في هياكلهم ومتعبداتهم وهو : الملك ~~الموكل بالدنيا يقول : إن ههنا خيرا وههنا شرا ، وههنا ما ليس بخير ولا شر ~~، فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ، ونجا سليما ، وبقي كريما ، ~~وملك نعيما عظيما . ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة ، وذلك أني لا أقتله قتلا ~~وحيا يستريح به مني ، ولكن أقتله أولا فأولا في زمان طويل ، بحسرات على فوت ~~مأمول بعد مأمول ، وبلايا يكون بها كالمغلول المكبول . قال : هذا كلام شريف ~~في أعلى ذروة الحكمة ، لكنك خليت يدك من طرف الحديث في الخلق . قلت : إذا ~~طاب الحديث باسترسال السجية ووقوع الطمأنينة لها الإنسان عن مباديه ، وسال ~~مع الخاطر الذي يستهويه ، ولتحفظ الإنسان في قوله وعمله من الخطل والزلل حد ~~بلغه كل الخاطر واختل . PageV01P130 # """""" صفحة رقم 131 """""" # ثم نعود فنقول : أخلاق الإنسان مقسومة على أنفسه الثلاث : أعني النفس ~~الناطقة ، والنفس الغضبية ، والنفس الشهوانية ، وسمات هذه الأخلاق مختلفة ~~بعرض واسع . ويمكن أن يقال في نعتها على مذهب التقريب : إنها بين المحمودة ~~وبين المذمومة ، وبين المشوبة بالحمد والذم ، وبين الخارجة منهما . فمن ~~أخلاق النفس الناطقة - إذا صفت - البحث عن الإنسان ثم عن العالم ، لأنه إذا ~~عرف الإنسان فقد عرف العالم الصغير ، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان ~~الكبير ، وإذا عرف العالمين عرف الإله الذي بجوده وجد ما وجد ، وبقدرته ثبت ms086 ~~ما ثبت ، وبحكمته ترتب ما ترتب ؛ وبمجموع هذا كله دام ما دام . بهذا البحث ~~يتبين له ما تشتمل عليه القوة الغضبية والقوة الشهوية فإن توابع هاتين ~~القوتين أكثر ، لأنهما بالتركيب أظهر ، وفي الكثرة أدخل وعن الوحدة أخرج ؛ ~~فإذا ساستهما الناطقة حذفت زوائدهما ، ونفت فواضلهما ، ووفت نواقصهما ، ~~وذيلت قوالصهما أعني إذا رأت غلمة في الشهوية أخمدت نارها ، وإذا وجدت ~~السرف في الغضبية قصرت عنانها ؛ فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم ، فيعود ~~السفه حلما أو تحالما ، والحسد غبطة أو تغابطا والغضب كظما أو تكاظما ، ~~والغي رشدا أو تراشدا ، والطيش أناة أو تآنيا وصرفت هذه الكوامن في المكامن ~~- إذا سارت سورتها ، وثارت ثورتها - على مناهج الصواب ، تارة بالعظة واللطف ~~، وتارة بالزجر والعنف ، وتارة بالأنفة وكبر النفس ، وتارة بإشعار الحذر ، ~~وتارة بعلو الهمة ؛ وهناك يصير العفو عند القادر ألذ من الانتقام ، والعفاف ~~عند الهائج ألذ من قضاء PageV01P131 ~~"""""" صفحة رقم 132 """""" # الوطر ، والقناعة عند المحتاج أشرف من الإسفاف ، والصداقة عند الموتور ~~آثر من العداوة ، والمذاراة عند المحفظ أطيب من المماراة . وفي الجملة ~~الخلق الحسن مشتق من الخلق ، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق كذلك لا قدرة ~~على تحويل الخلق ، لكن الحض على إصلاح الخلق وتهذيب النفس لم يقع من ~~الحكماء بالعبث والتجزيف ، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة ، ومثاله أن ~~الحبشي يتدلك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا ، ولكن ليستفيد نقاء شبيها ~~بالبياض ؛ ويقال للمهذار : اكفف لا ليكف عن النطق ، ولكن ليؤثر الصمت . ~~ويقال للموتور : لا تحقد لا ليزول عنه ما حنق عليه ، ولكن ليتكلف الصبر ~~ويتناسى الجزاء على هذا أبدا . وقد تقرر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ~~ما به وفيه أن أحواله مختلفة ، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل ~~بالضد أو شبيه بالضد كالحياة والموت ، والنوم واليقظة ، والحسن والقبيح ، ~~والصواب والخطأ ، والخير والشر ، والرجاء والخوف ، والعدل والجور ، ~~والشجاعة والجبن ، والسخاء والبخل ، والحلم والسفه ، والطيش والوقار ، ~~والعلم والجهل ، والمعرفة والنكرة ، والعقل والحمق ، والصحة والمرض ، ~~والاعتدال والانحراف ، والعفة والفجور ، والتنبه والغفلة ، والذكر والنسيان ~~، والذكاء والبلادة ، والغبطة ms087 والحسادة ، PageV01P132 ~~"""""" صفحة رقم 133 """""" # والدماثة والكزازة ، والحق والباطل ، والغي والرشد ، والبيان والحصر ، ~~والثقة والارتياب ، والطمأنينة والتهمة ، والحركة والسكون ، والشك واليقين ~~، والخلاعة والوقار ، والتوقي والتهور ، والإلف والملل ، والصدق والكذب ، ~~والإخلاص والنفاق ، والإحسان والإساءة ، والنصح والغش ، والمدح والذم ، ~~وعلى هذا الجر والسحب ؛ ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع . فمما ينبغي ~~أن يعني الإنسان المحب للتبصرة ، المؤثر للتذكرة ، الجامع للنافع له ، ~~النافي للضار به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرفة - ما استطاع - ~~باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها ، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله ، أو ~~إطفاء جمرته ، أو اجتناء ثمرته ، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب ، كأن ~~تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أن هذين ليسا من الأخلاق ولا مما يعالج ~~بالاجتهاد ، وإلى النوم واليقظة فتعلم أنهما ضروريان للبدن من وجه ، وغير ~~ضروريين من وجه ، فتنفى منهما ما خرج عن حد الضرورة وتسلم البدن ما دخل في ~~حد الضرورة ؛ ولا يكثرن الإنسان نومه ولا سهره ، ولكن يطلب العدل بينهما ~~بقدر جهده . فأما الحسن والقبيح فلا بد له من البحث اللطيف عنها حتى لا ~~يجور فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا ، فيأتي القبيح على أنه حسن ، ويرفض ~~الحسن على أنه قبيح ؛ وماشىء الحسن والقبيح كثيرة : منها طبيعي ، ومنها ~~بالعادة ، ومنها بالشرع ، ومنها بالعقل ، ومنها بالشهوة ، فإذا اعتبر هذه ~~المناشىء صدق الصادق منها وكذب الكاذب ، وكان استحسانه على قدر ذلك ومثال ~~ذلك الكبر فإنه معيب بالنظر الأول ، لكنه حسن في موضعه بالعلة PageV01P133 ~~"""""" صفحة رقم 134 """""" # الداعية إليه ، والحال الموجبة له . وأما الصواب والخطأ فأمران عارضان ~~للأقوال والأفعال والآراء ، وليسا بخلقين محضين ، ولكنهما موكولان إلى نور ~~العقل ، فما أشرق عليه العقل بنوره فهو صواب ، وما أفل عنه العقل بنوره فهو ~~خطأ . وأما الخير والشر فهما في العموم والشمول ليسا بدون الصواب والخطأ ~~لهما مناط بكل شيء ، ويغلبان على الأفعال ، وإن كان أحدهما عدما للآخر . ~~وأما الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية ، ولا يدخلان في ~~باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه وهما كالعمادين ms088 للإنسان قد ~~استصلح لهما ، وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما . وأما العدل والجور فقد يكونان ~~خلقين بالفطرة ، ويكونان فعلين بالفكرة وجانباهما بالفعل ألصق ، وإلى ~~الاكتساب أقرب . وأما الشجاعة والجبن فهما خلقان متصلان بالخلق ، ولهذا يعز ~~على الشجاع أن يتحول جبانا ، ويتعذر على الجبان أن يصير شجاعا ، وكذلك ~~طرفاهما داخلان في الخلق أعني التهور والتوقي . وأما السخاء والبخل فهما ~~خلقان محضان أو قريبان من المحض ، ولهذا تعلق الحمد والذم بهما وبأصحابهما ~~، والمدح والهجو سريا إليهما واتصلا بهما ؛ وقد يندم السخي على بذله كثيرا ~~خوفا من الإملاق ، فلا يستطيع ذلك إذا أخذت الأريحية ، وحركته اللوذعية ؛ ~~وقد يلوم البخيل نفسه كثيرا إذا سلقته الألسنة الحداد ، PageV01P134 ~~"""""" صفحة رقم 135 """""" # وجبه بالتوبيخ ، وشمخ عند رؤيته الأنف ، وغضن الجبين وأولم بالعذل وقوبل ~~؛ ومع ذلك فلا يرشح إلا على بطء وكلفة وتضجر ؛ والكلام في هذين الخلقين ~~طويل ، لأنهما أدخل في تلاقي الناس وتعاطيهم في عشرتهم ومعاملتهم . وأما ~~الحلم والسفه فهما أيضا خلقان ، والأخلاق تابعة للمزاج في الأصل ، ولذلك ~~قلنا : إن الخلق ابن الخلق ، والولد شبيه بوالده ؛ وفي الجملة ، كل ما يمكن ~~أن يقال فيه للإنسان لا تفعل هذا ، وأقلل من هذا وكف عنه ، فإنه في باب ~~الأفعال أدخل ، وكل ما لم يجز أن يقال ذلك فيه فهو في باب الأخلاق أدخل ، ~~ثم لبعض هذا نسبة إلى الخلق أو الخلق ، إما ظاهرة غالبة وإما خفية ضعيفة . ~~وأما الطيش والوقار فهما يختلطان بالحلم والسفه ويجريان معهما ؛ فليس ينبغي ~~أن ينشر الكلام ويطول الشرح . وأما الجهل والعلم فليسا من الأخلاق ولا من ~~الخلق وإنما يبرزان من صاحب الأخلاق والخلق للمزاج أثرين قويين واحدهما عدم ~~والآخر وجدان ، والعدم لا يكون أعدم من عدم ، والوجدان يكون أبين من وجدان ~~. وأما المعرفة والنكرة فهما في جوار العلم وضده ، ولكنهما أعلق بالحس ~~وألصق بالنفسين ، أي الشهوية والغضبية . وأما العقل والحمق فليس من الخلق ، ~~والكلام في تفسير العقل مشهور ، وعدمه الحمق . وأما الصحة والمرض فليسا ~~أيضا من الأخلاق ، ولكنهما يوجدان في الإنسان بواسطة PageV01P135 ~~"""""" صفحة رقم 136 """""" # النفس ms089 ، إما في البدن ، وإما في العقل ، ولذلك يقال : أمراض البدن ، ~~وأمراض النفس ، وصحة البدن وصحة النفس . وأما الاعتدال والانحراف فهما ~~يدخلان في الخلق بوجه ، ويخلصان منه بوجه ، ويعمان أعراض البدن وأعراض ~~النفس ، ويوصف بهما الإنسان ، على أن الانحراف المطلق لا يوجد ، والاعتدال ~~المطلق لا يوجد ، ولكن كلاهما بالإضافة . وأما العفة والفجور فخلقان لهما ~~جمرة وهمود ، والحاجة تمس إلى العدل في استعمال العفة ونفي الفجور ، وإذا ~~قويت العفة حالت العصمة ، وإذا غلب الفجور صار عدوانا . وأما التنبيه ~~والغفلة فقريبان من الخلق ويغلبان على الإنسان ، إلا أن فرط التنبيه موصول ~~بالوحي ، وفرط الغفلة موصول بالبهيمية . وأما الذكر والنسيان فليسا بخلقين ~~محضين ، ومنشؤهما بالمزاج ، وأحدهما من علائق النفس العالمة ، والآخر من ~~علائق النفس البهيمية . وأما الذكاء والبلادة فهما خلقان ، ونعتهما كنعت ~~الذكر والنسيان ، إلا أن هذين يعرضان في الحين بعد الحين ، والأخريان ~~كالراسخين في الطينة . وأما الغبطة والحسد فخلقان رسم الأول منهما بأن ~~تتمنى لنفسك ما أوتيه صاحبه ورسم الثاني بأن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك وإن ~~لم يصل إليك . ورسوم هذه PageV01P136 ~~"""""" صفحة رقم 137 """""" # الأخلاق أسهل من تحديدها ، لكنا تركنا ذلك ، لأن الكلام الذي كان يجري هو ~~على مذهب الخدمة . على أن مراتب هذه الأخلاق مختلفة ، فيبعد أن يعمها حد ~~واحد ، وإنما اختلفت منازلها لأنها تارة تصفو بقوة النفس الناطقة ، وتارة ~~تكدر بالقوانين الأخريين ؛ ولبعضها حدة بالزيادة ، ولبعضها كلة بالنقص ، ~~فلم يكن التحديد يفصل كل ذاك ، فلم نعرج على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه . ~~وتتم بقية ما علق بهذه الجملة ، فنقول : وأما الدماثة والكزازة فخلقان ~~محضان تابعان للمزاج ، ثم المران يزيدهما قوة وضعفا ؛ وهما للنعت أقرب ، ~~كالسهولة والعسر ؛ ولذلك يقال : ما أدمث هذه الأرض ، أي ما أرخاها وألينها ~~؛ وفي المثل : دمث لجنبك قبل النوم مضجعا . وأما الحق والباطل فليسا من ~~الخلق ولا الخلق في شيء ، وهما من نتائج المعرفة والنكرة ، لأنك تعرف الحق ~~وتنكر الباطل ، وذلك لأغراض تتبعهما ، ولواحق تلتبس بهما . وأما الغي ~~والرشد فليسا من الخلق ، لكنهما من علائق الأفعال ms090 الحميدة والذميمة ؛ ~~وللرأي والعقل فيهما مدخل قوي وحظ تام . وأما البيان والحصر فليس بينهما ~~وبين الخلق علاقة ، وإنما يتبعان المزاج ويزيد فيهما وينقص الجهد والتواني ~~والطلب والقصور . وأما الثقة والارتياب فخلقان يغلبان ينفعان ويضران ~~ويحمدان ويذمان ألا ترى أنه يقال : لا تثق بكل أحد ، ولا ترتب بكل إنسان ~~وهكذا الطمأنينة والتهمة ، لأنهما في طيهما . وأما الحركة والسكون فليسا من ~~حديث الخلق في شيء لأنهما عامان لجميع PageV01P137 ~~"""""" صفحة رقم 138 """""" # الأحوال سواء كان العمل مباشرا أم كان معتقدا ؛ وفي الحركة والسكون كلام ~~واسع ، وذلك أن ههنا حركة إلهية ، وحركة عقلية ، وحركة نفسية ، وحركة ~~طبيعية ، وحركة بدنية ، وحركة فلكية ، وحركة كوكبية ، وحركة كأنها سكون . ~~فأما السكون فهو ضرب واحد ، لأنه في مقابلة كل حركة ذكرناها . فإذا اعتبرت ~~هذه المقابلة في كل مقابل لحظ الانقسام في السكون ، كما وجد الانقسام في ~~الحركة . والحركة أوضح برهان على كل موجود حسي ، والسكون أقوى دليل على كل ~~موجود عقلي ؛ وهذا القدر كاف في هذا الموضع . وأما الشك واليقين ، فمن ~~علائق النفس الناطقة ، ولهذا لا يقال في الحيوان الذي لا ينطق : له يقين ~~وشك . وأما الخلاعة والوقار ، فقد تقدم البحث عنهما . وأما التوقي والتهور ~~، فهما خلقان في جميع الحيوان ، ويغلبان على نوع الإنسان ، لأن العقل يبطل ~~أحدهما ، والحس يغلب الآخر . وأما الإلف والملل فخلقان محضان ، يذمان ~~ويحمدان على قدر المألوف والمملول ، وإن كان جريان العادة قد وفر الحمد على ~~الإلف ، والذم على الملل . وقد مدح زيد فقيل : هو ألوف . وذم عمرو فقيل : ~~هو ملول . وأما الصدق والكذب ، فمن علائق النفس الناقصة والكاملة ؛ وقد ~~يكونان راسخين فيلحقان بالخلق ، إلا أن الصدق ممدوح ، والكذب مذموم ، هذا ~~في النظر الأول ، وقد يعرض ما يوجب المصير إلى الكذب لينجى به ؛ فهما إذن ~~بعد الحقيقة الأولى PageV01P138 ~~"""""" صفحة رقم 139 """""" # وقف على الإضافة ؛ وقد وجدنا من كذب لينتفع ، ولم نجد من صدق ليكتسب ~~الضرر . وأما الإخلاص والنفاق ، فهما يلحقان بالخلق ، ولكنهما يصدران عن ~~عقيدة القلب وضمير النفس . وأما الإحسان والإساءة ، فهما يعمان الأفعال ms091 ~~والأقوال ، فإذا رسخ اعتيادهما استحالا خلقين . وأما النصح والغش ، فهما ~~خلقان ، وطرفاهما يتعلقان بالخلق . وكذلك الطمع واليأس ، والحب والبغض ، ~~واللهج والسلو ، وما شاكل هذا الباب . ولم يجر هذا كله في المذاكرة بالحضرة ~~، ولكن رأيت من تمام الرسالة أن أضم هذا كله إلى حومته ، وأبلغ الممكن من ~~مقتضاه في تتمته . وقال لي : هات الوداع ، فإن الليل قد هم بالإقلاع . قلت ~~: قال أبو سعيد الذهبي الطبيب : لو علم الذي يحمل الباذنجان أن على ظهره ~~باذنجانا لصال على الثيران . فضحك - أضحك الله سنه ، وحقق في كل خير ظنه - ~~وقال : إن كنت تحفظ في غرائب أخلاق الحيوان شيئا فاذكره إذا حضرت ، فقد مر ~~في أخلاق الإنسان ما يكفي مجلس الإمتاع والمؤانسة ، فإذا ضم هذا إلى ذاك ~~كان للإنسان فيه تبصر كاف ، وتذكر شاف . وصدق - صدق الله قوله - لأن ~~الإنسان أشرف الحيوان ، وإنما كان هكذا لأنه حاز جميع قوى الحيوان ثم زاد ~~عليه بما ليس لشيء منه ، فصار ربا له سائسا ، ومصرفا له حارسا ، ونظر إلى ~~ما سخر له منه فاعتبر ، وقاد نفسه إلى حسن ما رأى ، وعزفها PageV01P139 ~~"""""" صفحة رقم 140 """""" # عن قبيح ما وجد ، ولم يجز في الحكمة أن يحرم الإنسان هذا مع ما فيه من ~~المواهب السنةي ؛ والمنائح الهنية ، فإن قال قائل : فالملائكة إذن قد حرمت ~~هذه الفضيلة ، فليعلم هذا القائل أن الملك لما خلق كاملا لم يكلف أن يكمل ~~ويتكامل ويستكمل ، فصار كل شيء يطلبه ويتوقاه سببا إلى كماله المعد له ~~وغايته المقصودة . فإن زاد فقال : فهلا خلق كاملا ؟ فليعلم أن كلامه على ~~طريق الجدل ، لا عىل طريق البحث عن العلل ، لأنه قد جهل أنه بالحكمة وجب أن ~~يكون الأمر مقسوما بين ما يجوز الكمال بالجبلة ، وبين ما يكسب الكمال ~~بالقصد . ولما وجب هذا بالحكمة سرت إليه القدرة ، وساح به الجود ، واشتملت ~~عليه المشيئة ، وأحاطت به الحكمة ، وشاعت فيه الربوبية . وههنا زيادة في ~~شرح الخلق يتم بها الكلام ؛ فليس من الرأي أن يقع الإخلال بذكرها ، لأنها ~~مكشوفة ظاهرة ، وهي أن الإنسان إذا ms092 غلبت الحرارة عليه في مزاج القلب يكون ~~شجاعا بذالا ملتهبا ، سريع الحركة والغضب قليل الحقد ، زكي الخاطر ، حسن ~~الإدراك . وإذا غلبت عليه البرودة يكون بليدا ، غليظ الطباع ، ثقيل الروح . ~~وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب ، سمح النفس ، سهل التقبل كثير ~~النسيان . وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابرا ، ثابت الرأي ، صعب القبول ~~يضبط ويحتد ، ويمسك ويبخل ؛ وهذا النعت على هذا التنزيل - وإن كان مفهوما - ~~فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة وخفية ، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي ، ~~وعجائب لا تنقضي ؛ وقد قال الأول : PageV01P140 # """""" صفحة رقم 141 """""" # كل امرىء راجع يوما لشيمته . . . وإن تخلق أخلاقا إلى حين وقال آخر : ~~ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه . . . إن التخلق يأتي دون الخلق ولولا أن ~~النزوع عن الخلق شاق لما قالوا : تخلق فلان . وقد قيل أيضا : ' وخالق الناس ~~بخلق حسن ' ، وعلى هذا يجري أمر الضريبة والطبيعة والنحيتة والغريزة ~~والنحيزة والسجية والشيمة ، وربما قيل : الطبيعة أيضا ، ثم العادة تالية ~~لهذه كلها ، أو زائدة فيما نقص فيها ، وموقدة لما خمد منها . # الليلة العاشرة # ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة ، تفضل وقال : ما في العلم ~~شيء إلا إذا بدىء بالكلام فيه اتصل وتسلسل حتى لا يوجد له مقطع ولا منفذ ثم ~~قرأت عليه نوادر الحيوان ، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته ، فزاد عجبا وأنا ~~أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرة وفائدة - إن شاء الله تعالى . يقال : ~~إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سنا . وأسنان المرأة ثلاثون سنا . وأسنان ~~الخصى ثمان وعشرون سنا . وأسنان البقر أربع وعشرون سنا . وأسنان الشاة إحدى ~~وعشرون سنا . وأسنان التيس ثلاث وعشرون . وأسنان العنز تسع عشرة سنا . الذي ~~ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلا : البومة والوطواط . ومن ~~الحيوان الوحشي ما يستأنس سريعا : الفيل . PageV01P141 # """""" صفحة رقم 142 """""" # ويحكى أن الحيوان الذي أسنانه قليلة عمره قصير ، والذي أسنانه كثيرة عمره ~~طويل . الفيل إذا ولد نبتت أسنانه في الحال ، فأما أسنانه الكبار وأنيابه ~~الكبار فتظهر إذا شب وكبر . قلب جميع الحيوان موضوع في الوسط من الصدر ms093 ما ~~خلا الإنسان ، فإن قلبه مائل إلى الجانب الأيسر . الأفعى تبيض في رحمها ، ~~ثم يصير هناك حيوانا . الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار ~~والحاجبين . وأول ما ينبت بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية : ~~إن خصي الإنسان قبل احتلامه لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخر نباته ، وإن ~~خصي بعد احتلامه فإن ذلك الشعر يزول ، ما خلا شعر العانة فإنه يبقى . شعر ~~الحاجبين ربما طال عند الكبر . وشعر الأشفار لا يطول . للأرانب في داخل ~~أشداقها شعر ، وكذلك تحت أرجلها . القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه . ~~والبرية منها تسفد قائمة وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر . الرجال يشتاقون إلى ~~الجماع في الشتاء ، والنساء في الصيف . الخنزير إذا تمت له من ولادته ~~ثمانية أشهر ينزو على الأنثى . الكلبة تحمل وتبقى ستين يوما ويوما ، وهذا ~~أطول ما يكون ، ولا تضع قبل أن يتم حملها ستين يوما ، فإن وضعت قبل ذلك ~~فإنها لا تربي ولا يبقى لها ولد . الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين ، ~~وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع والأنثى تحمل سنتين ، ولا تضع إلا واحدا . PageV01P142 # """""" صفحة رقم 143 """""" # إذا باض الطائر وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق ~~بعد ذلك . كل ما كان من البيض مستطيلا محدد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان ~~مستديرا عريض الأطراف يفرخ الذكور . وجرب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس ~~على البيض تمرض . القبج إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر ، وهبت الريح من ~~ناحية الذكر مقبلة إلى ناحيتها حملت من ساعتها . الحمامة إذا نتفت ريشة من ~~ريشها احتبس بيضها أكثر مما لها بالطبع . مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة ، ~~وغذاؤه من الصفرة ، فإذا خرج فرخان كان أحدهما أكبر جثة من الآخر ، والذكر ~~منهما من البيضة الأولى ومن الثانية الأنثى . الفاختة تعيش أربعين عاما . ~~والحجل يعيش عشرين عاما . الرخمة تفرخ على صخور مشرفة عالية لا ينالها أحد ~~، ولا توجد رخمة وفراخها إلا في الفرط . العقاب يجلس على البيض ثلاثين يوما ms094 ~~، وكذلك كل طائر عظيم الجثة مثل الإوز وما أشبهه ، والمتوسط الجثة يجلس على ~~البيض عشرين يوما ، كالحدأة والبزاة وما أشبه ذلك . إناث الغربان تجلس على ~~البيض جلوسا دائما ، والذكر يأتيها بالطعم حينئذ . PageV01P143 # """""" صفحة رقم 144 """""" # الحجل تعمل عشين يجلس الذكر على واحد ، والأنثى على واحد . الطاوس يعيش ~~خمسا وعشرين سنة ، وفي هذه المدة تنتهي ألوان ريشه . ويحضن بيضه ثلاثين ~~يوما ، قيل : وربما أكثر قليلا ، ويبيض في كل سنة مرة واحدة ، وعدد بيضه ~~اثنتي عشرة بيضة ، ويلقي ريشه في زمن الخريف وبعده قليلا ، وذلك حين كيلقي ~~الشجر ورقه ، فإذا بدا أول الشجر وظهرت فروعه ، ونبت ورقه بدأ ريشه ينبت . ~~الدلفين له لبن ، ويرضع ، ويحمل عشرة أشهر ، وتلد في الصيف ولا تلد في زمان ~~آخر البتة ، وربما غاب تحت الموج في الماء ثلاثين يوما لا يظهر ؛ وهو محب ~~لخرئه يأكله . الجمل الذكر يكره قرب الفرس ويقاتله إذا تمكن منه . الشاة إن ~~مطرت بعد نزوها انتقض حملها . الغنم إذا أنزيت والريح جنوب تضع اولادها ~~إناثا ؛ وإن كانت العروق التي تحت ألسن الكباش الفحول بيضا فإن إناث الغنم ~~تضع حملانا بيضا ، وإن كانت العروق سوداء فإنها تضع حملانا سودا . وإن كانت ~~لونين تكون مختلفة ؛ وإن كانت شقرا خرجت شقرا . الغنم إذا هاجت المسنة منها ~~أولا فالسنة ذات خصب ، وإن هاجت الفتية أولا فالسنة رديئة على الغنم . ~~الكلب السلوقي ينزو إذا تم له ثمانية أشهر ، والأنثى منها تحمل ستين يوما ، ~~وربما زادت يوما أو يومين ، وجراؤها عمي اثنين وعشرين يوما . ومنها ما تحمل ~~ثلاثة أشهر وتكون جراؤها عميا سبعة عشر يوما . إناث الكلاب تطمث في كل سبعة ~~أيام وتبول جالسة ، ومنها ما ترفع رجلها عند البول . ذكور الكلاب ترفع ~~أرجلها للبول إذا تمت لها من ولادتها ثمانية أشهر وبعضها في ستة أشهر . PageV01P144 # """""" صفحة رقم 145 """""" # ذكور الكلاب السلوقية تعيش عشر سنين ، وإناثها اثنتي عشرة سنة ، ومن ~~أجناسها ما تعيش عشرين سنة ، وإناثها كلها أطول أعمارا من الذكور . قال ~~أوميروس الشاعر : إن كلب إديوس هلك وهو ms095 ابن عشرين سنة . وليس تلقى الكلاب ~~شيئا من أسنانها سوى النابين ، فإذا تم للكلب أربعة أشهر أبقاهما . البقر ~~تلقي أسنانها لسنتين ، وإذا كثر نزو الذكور منها وحمل الإناث يكون ذلك ~~علامة شتاء وجود أمطار وخصب ، وإناثها تطمث . إناث الخيل تضع أولادها في ~~أحد عشر شهرا ، أو في الثاني عشر . الحيات رغبة نهمة ، قليلة شرب الماء ، ~~لأنها لا تضبط أنفسها ، وإذا شمت الشراب فإنها تشتاق إليه جدا . الأسد إذا ~~بال رفع رجله كما يرفع الكلب . البقر تشتهي شرب الماء الصافي النقي ، ~~والخيل على الضد فإنها تشرب مثل الجمال الماء الكدر الغليظ . الغنم في ~~الخريف تشرب الماء الذي تصيبه ريح الشمال ، وذلك الوقت أوفق لها . الدراج ~~إذا هبت الريح شمالا تتزاوج وتخصب ، وإن كانت جنوبا ساءت حالها ومرضت . ~~السمك الذي يأوي إلى الشطوط من ناحية البر ألذ من الذي يأوي اللجج وما كان ~~منها مستطيل الجثة فهو يخصب في الصيف وهبوب الشمال ؛ والعريض الجثة على ضد ~~ذلك ، وأكثر ما يصاد السمك قبل طلوع الشمس لكلبه على الرعي ، وطلب الطعم . ~~والسمك الجاسي الجلد يخصب في السنة المطيرة ، لأن ماء البحر يحلو فيها . ~~الكلب له ثلاثة أمراض : الكلب ، والذبحة - وهو القاتل لها - والنقرس . PageV01P145 # """""" صفحة رقم 146 """""" # والداء الذي يقال له الكلب يعرض للجمال أيضا ؛ فإذا كلب الجمل نحر ولم ~~يؤكل لحمه . الخيل إذا ألقت حوافرها وقت تنصل نبت لها حافر آخر عاجلا ، لأن ~~نباته يطلع مع نصول الحافر . وعلامة ذلك اختلاج الخصية اليمنى . ويعرض ~~للخيل داء شبيه بالكلب ، وعلامته استرخاء آذانها إلى ناحية أعرافها ، ~~وامتناعها من العلف ، وليس لهذا الداء علاج إلا التسكين . لا يكون في بلد ~~الهند خنزير . لا أنيس ولا بري ، وفي أرض تعرف بكذا يجز البقر كما يجز ~~الغنم ، وفي أرض النوبة تولد الكباش نابتة القرون . وإناث الكلاب السلوقية ~~أسرع إلى الأدب من الذكور . جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع ، ما ~~خلا الذئبة ، فإنها أصعب خلقا وأجرأ من الذكور . العقاب والتنين يتقاتلان ، ~~والعقاب تأكل الحيات حيثما وجدتها . الغداف يخطف بيض ms096 البومة نصف النهار ~~فيأكله ، لأن البومة لا تبصر بصرا حادا في ذلك الوقت . فإذا كان الليل شدت ~~البومة على بيض الغذاف فأكلته . بين العنكبوت وبين الحرذون شر ، لأن ~~الحرذون يأكل العنكبوت . عصفور الشوك يقاتل الحمار ، لأن الحمار إذا مر ~~بالشوك أفسد عشه ، فإذا نهق بالقرب منه وقع بيضه ، وإن كان فيه فراخ خرجت ~~منه ، فلهذه العلة يطير هذا العصفور حول الحمار وينقره . الغراب يعادي ~~الثور والحمار وينقرهما . PageV01P146 # """""" صفحة رقم 147 """""" # والحية تعادي الخنزير وابن عرس ، لأنهما يأكلان الحية حيث وجداها . ~~الغداف مصادق للثعلب ، والثعلب مصادق للحية ، والسبب في عداوة العصفور ~~للحمار أن معاش العصفور في بزر الشوك وفيه يبيض ، وهو وكره ، والحمار يرعى ~~ذلك الشوك إذا كان رطبا . البقر يكون في الجبال إذا ضلت بقرة تبعتها الأخرى ~~، ولذلك الرعاة إذا لم يجدوا بقرة واحدة وعدموها طلبوا سائر البقر وفقدوها ~~من ساعتهم . الخيل إذا ضلت الأنثى منها أو هلكت ولها ولد فإن إناث الخيل ~~ترضعه وتربيه ، وذلك أن جنس الخيل في طباعها حب أولادها . الأيايل تلقي ~~قرونها في أماكن عسرة صعبة ، لا ترتقى لئلا تؤخذ ؛ ولذلك قيل في المثل : ~~حيث تلقي الأيايل قرونها ، فإذا ألقتها توقت أن تظهر إلى أن تنبت ، كأنه قد ~~ألقت سلاحها . وقيل : إنه لم يعاين أحد القرن الأيسر من قرنيها ، لأن فيه ~~منفعة عظيمة . وإذا وضعت أولادها أكلت مشائمها من ساعتها ، ولا يمكن أخذها ~~لأنها تأكلها من قبل أن تقع على الأرض . والأيلة تصاد بالصفير والغناء ، ~~ويفعل ذلك رجلان أحدهما يغني ويصفر ، والآخر يرشقها بالسهام ، فلإصغائها ~~إلى الصفير والغناء لا تحذر السهام . ويقال إن الأيل إذا كانت أذناه ~~قائمتين فهو يسمع كل شيء ولا يخفى عليه ما يراد به ، وإن كانتا مسترخيتين ~~خفي ذلك عليه . الفهد إذا أكل العشبة التي تسمى خانقة الفهود يطلب زبل ~~الإنسان فيأكله ويتعالج به . ابن عرس إذا قاتل الحيلة أكل السذاب مخالفة ~~للحية . اللقالق إذا خرجت من قتال بعضها بعضا تضع على الجرح PageV01P147 ~~"""""" صفحة رقم 148 """""" # صعترا بريا . يقال إن ذكور العصافير ms097 تبقى سنة فقط ، والدليل على ذلك - ~~أنها من قبل أطواقها التي في أعناقها - لا تظهر في الربيع ، بل بعد ذلك ~~بأيام ، لأنها لا تبقي شيئا من الذكور التي كانت من العام الماضي ، فأما ~~إناثها فهي أطول أعمارا . إذا دنا الصياد من عش القبج تخرج الأنثى من بين ~~يديه وتطعمه في صيدها حتى تهرب فراخها ، ثم تطير وتدعو فراخها إليها . ~~وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة ، والذكر منها يطلب موضع بيض أنثاه فيدحرجه ~~- مخافة أن تقعد عليه وتشتغل عنه - فيفسده ، وهي تحتال أبدا في الهرب منه ~~وتخفي موضع عشها ، فتبيض في أماكن خفية ، ومتى قصدها قامت عنه وأطعمت في ~~نفسها حتى تبعد عن أماكن بيضها ، فإذا بعد طارت ثم احتالت في الرجوع إليه . ~~الهدهد يعمل عشه من زبل الإنسان ، فلذلك رائحته كريهة . العقاب تصيد منذ ~~حين الغداة إلى وقت الرواح ، فأما من أوان الرواح إلى أن يترحل النهار فهي ~~قاعدة في مكانها لا تتحرك . ومنقار العقاب الأعلى ينشأ ويعظم ويتعفف حتى ~~يكون ذلك سبب هلاكها لأنها لا تنال به الطعم ، فإذا فضلت للعقاب فضلة من ~~طعمه وضعها في عشه لحاجة فراخه إليها . أصناف الطير المتفقة المعقفة ~~المخالب لا تجلس على الصخر إلا في الفرط ، لأن خشونة الصخر مخالفة لتعقف ~~مخالبها . النحل تعمل عشها في زمانين : في الربيع والخريف . والعسل الذي ~~تعمله في الربيع أشد بياضا وأجود من الذي تعمله في الخريف . وأضعف العسل ~~يكون أبدا في أعلى الإناء ، والنقي الطيب في أسفله . PageV01P148 # """""" صفحة رقم 149 """""" # الأسد عظامه جاسية جدا ، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج ~~من الحجارة . الحيوان الذي له شعر في أشفار عينيه ليس في أشفار عينيه شعر ~~إلا الشعر الأعلى . والنعامة لها أشفار في الجفنين الأعلى والأسفل . القنفذ ~~تبيض خمس بيضات ، وليس بيضا بالحقيقة ، بل هو على صورة البيض ، يشبه الشحم ~~. قلب كل حيوان طرفه حاد ، وهو أصلب من سائر جسده ، وهو موضوع في وسط الصدر ~~سوى الإنسان ، فإنه مائل فيه إلى الناحية اليسرى ، لأنه ms098 يكون بإزاء الجانب ~~الأيسر فيعادل الناحية اليمنى ، فإن اليسرى من الإنسان أكثر بردا . وليس في ~~قلوب جميع الحيوان عظم إلا في الخيل ، وفي جنس من البقر ، فإن في قلب هذين ~~عظما دون غيرهما من الحيوان . وكل حيوان له قلب كبير يكون جزوعا . الكلاب ~~الهندية تتولد من كلب وسبع شبيه بالكلب . والحمار حيوان بارد ، ولذلك لا ~~يكون الوحشي منها إلا في المكان البارد . ذكور البغال لا تشم أبوال إناثها ~~كسائر ذوات الحافر . بيض الطير فيه لونان : بياض وصفرة . وبيض السمك فيه ~~لون واحد . إذا كانت الريح جنوبا كان المولود أنثى ، لأن الجنوب إذا هبت ~~رطبت وإذا أشملت كان المولود ذكرا . PageV01P149 # """""" صفحة رقم 150 """""" # عيون جميع الصبيان ساعة ولادتهم شهل ، ثم تنتقل إلى الطباع الغالبة عليها ~~. وعيون جميع الحيوان لون واحد ، كالبقر فإن عيونها سود . وعيون البشر ~~ألوان كثيرة . صاحب العين الناتئة لا يبصر ما بعد عنه بصرا جيدا ، والغائرة ~~تبصر ما بعد عنها ، لأن حركتها لا تتفرق ولا تتبدد . الفهد ربما نكح الدب ~~فيتولد بينهما سبع مختلف المنظر ، لا يتناول الناس ويصيد الكلاب ، ويأكلها ~~ويستخفي في البحر ، فإذا مر به أيل مفاجأة وثب عليه وأنشب مخالبه في أكتافه ~~ومص دمه حتى يضعف الأيل ويسقط فيجتمع عليه هذا الصنف من السباع فيأكله ، ~~فإن اجتاز بها أسد نضهت عنه وتركت الفريسة له تقربا إليه . بأرض يونان معزى ~~جعدة الصوف ، يقال لها : المعزى البرية ، فإذا أصابت قرونها شيئا من قضبان ~~الكرم ولم ينبت ورقه ولا ثمره ، بل يجف مكانه ويسقط ما عليه من الورق ~~والثمر . السلحفاة تخرج من البحر إلى الرمل فتبيض فيه ، حتى إذا بلغ أوانه ~~وخرج أولادها ، فما كان ناظرا إلى ناحية البحر كان بحريا ، وما كان وجهه ~~إلى ناحية البر كان بريا . والسلاحف تمتنع من الذكران ، فيأتيها بعود يحمله ~~في فمه ، ويدنو منها ، فإذا رأت ذلك العود سكنت له . وما كان من السلاحف ~~بحريا فخرج إلى البر وأصابه حر الشمس لم يستطع الرجوع إلى البحر وبقي حتى ~~هلك . وما كان بريا ms099 فوقع إلى ناحية البحر تلف ولم يستطع الرجوع إلى البر ~~وهلك . الثعلب يهيىء عشه ووكره ذا سبعة أحجرة ، فإذا طرقته الكلاب وغيرها مما PageV01P150 ~~"""""" صفحة رقم 151 """""" # يتخوف في جحر خرج من غيره . وإذا قارب الزرع أن يسنبل دخل الثعلب فيه ~~وتمعك فرحا به ، فيفسد ذلك الزرع ، ولذلك سمي احتراق الشعر : داء الثعلب ، ~~لأنه يسقطه كما يذهب ورق السنبلة والشوكة . القنفذ يعمد إلى الكرمة فيحركها ~~فيقع منها العنب ، فيتمرغ فيه حتى يملأ شوكه ويعود إلى عشه ، فإذا بصرت به ~~جراؤه أطافت به تلتقط ذلك الحب من شوكه وتأكله . الذئب إذا هيىء من معاه ~~وتر وهيىء من معي الشاة وتر ، ثم علقا بآلات الملاهي ، ثم ضرب بهما ، صوت ~~المعمول من الذئب ، وخرس الوتر المعمول من الشاة . وكل شاة يتناول الذئب من ~~لحمها يكون لحمها حلوا لذيذا ، وكل جزة صوف تهيأ من الشاة التي قد تناول ~~الذئب منها قمل الثوب المعمول منها من قبل سم أسنانه . الكلب إذا مرض أكل ~~حلفاء رطبة . والأيل إذا مرض أكل حية . والضبع إذا مرض أكل كلبا . الأسد ~~إذا أكل كلبا فإنه يكون قد ضرس فيزول ذلك . الرخمة إذا ضعف بصرها بقرت ~~مرارة إنسان . الأعنز البرية تألف حيتانا بحرية ، وتدع الجبال وتسلك طريقا ~~بعيدا حتى تأتي البحر لمكان تلك الحيتان ، فلما عرف ذلك الملاحون سلخوا ~~جلود تلك الأعنز ، PageV01P151 ~~"""""" صفحة رقم 152 """""" # ودنوا بها من شاطىء البحر على ظهورهم ، فإذا نظرت تلك الحيتان إليها خرجت ~~مسرعة إليها فيصيدها الملاحون . ليس من السباع شيء صلبه عظم واحد بلا خرز ~~إلا الأسد والضبع . من ربط على بدنه سنا من أسنان الذئب يكون سريع الجري . ~~المعزى البرية تكون صلبة القرون ، تأوي أطراف الجبال وما كان مشرفا من ~~الصخور على أودية ، فإن بصرت بالصياد ألقت أنفسها من تلك الصخور لتقيها ~~بقرونها ، فإن سقطت على غيرها هلكت ، وفي قرونها خرزات مستديرات على قدر ما ~~يكون عدد سنيها . والعجب أنها تحفظ إنائها عند الكبر وتتعهدها بالمطعم ~~والمشرب تحمله على أفواهها . المعزى البرية إذا صيد شيء ms100 من سخالها تبعته ~~ورضيت بالعبودية مع ولدها وفي أطراف قرونها جحرة تتنفس منها ، فإن سدت هلكت ~~مكانها . الورشان يتحرز بأن يضع ورق الغار في عشه . والحدأة تضع في عشها ~~ورق العليق تتحرز به . الخطاف يضع في عشه قضيب كرفس . التدرج يضع في عشه ~~سرطانا نهريا . PageV01P152 # """""" صفحة رقم 153 """""" # جميع السباع والدواب عند المشي تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى . لا تكون ~~الزرافة إلا في أرض قليلة الماء . إذا هم أصحاب الخيل أن ينزو حمارا على ~~فرس جزوا عرفها فتقر حينئذ وتذل لكدم الحمار لها . يبونان ثيران لها أربعة ~~قرون لا ترضى بمجامعة البقر ، بل تجامع إناث الخيل ، ويتولد بينهما خيول ~~عجيبة المنظر . الجاموس لا ينام أصلا وإن أرخى عينيه إرخاء يسيرا ، لكنه ~~ساهر الليل والنهار . الجمل إذا وقع على الناقة وقع الضراب ستر عن الرجال ، ~~فإن نظر إليه رجل غضب . قالت الروم : إن السنور يتولد من مجامعة الفهد لبعض ~~السباع . لا ينام البوم إلا إغفاءة . ومن العجب أن السنور يكون صافي العين ~~كثير البريق عند امتلاء الهلال وينقص ذلك الصفاء والبريق عند نقصان الهلال ~~. الأفعى إذا جامعها الذكر واسمه الأفعوان تحولت إليه ، فإن ظفرت به أكلت ~~رأسه من شدة عشقها له . ذكر العقرب اسمه عقربان ، أسود صغير ، سريع المشي ، ~~جاد الذهاب الحرذون تفسيره بالعربية الذي يخرج من الزعفران . التمساح لا ~~يكون إلا في النيل ونهر بأرض الهند يقال له : الرسيس ويبيض كبيض الإوز ، ~~وربما يولد منه حراذين صغار ، ثم يكبر حتى يبلغ طوله عشر أذرع ، ويزداد طولا PageV01P153 ~~"""""" صفحة رقم 154 """""" # كلما ازدادت سنو حياته . وسنه اليسرى نافعة لحمى النافض . وذكر أنه يجامع ~~ستين مرة في حركة واحدة ومحل واحد . الحمار الوحشي يتولد بين الفرس والفيل ~~، وله قرن ينبت من أنفه كأنه سيف ، وإن ضرب شجرة قطعها وبه يقاتل الفيل ~~ويبعج بطنه بقرنه ، ولم يعاين من هذا الجنس أنثى قط . في البحر حوت يقال له ~~: البوس ، يتولد من الصاعقة إذا كانت في البحر وإن وضع ذلك الحوت بين اثنين ~~فأكلا منه تحابا ms101 ولا يحقد أحد على صاحبه ، ويتآخيان أحسن الإخاء . كلب ~~الماء أبدا ذنبه على ظهره واقع مع انطباق والتواء ، يرعى نبات الأرض ، وهو ~~شديد الجزع من المنار ، فإذا كان الليل خرج الصيادون بأيديهم شعل النار ، ~~فيأتون مجثمها ، وتلك لا تتحرك لجزعها من النار حتى تؤخذ ، وإن كان منها ~~ذكر لم يجامع أنثى قط ، وإذا أرادت المجامعة فإنها تجتمع وتجلد فتفرخ . وإن ~~أخذ صياد بشبكة واحدا وثبت كلها حتى تدخل الشبكة آبية فراق بعضها بعضا . ~~ومن لبس جوربا من جلودها وبه نقرس انتفع به جدا . وإذا ابتلي إنسان برعاف ~~ثم أخذ قطعة من جلدها ، ثم انعقد في لبن واشتمه انقطع ذلك الرعاف . ~~اليرابيع إذا اجتمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون في موضع مشرف أو على ~~صخرة أو تل ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية ، فإن رأى أحدا مقبلا أو سبعا ~~صر بأسنانه وصوت ، فإذا سمعته انصرفت عن الموضع إلى جحرتها فإذا أغفل ذلك PageV01P154 ~~"""""" صفحة رقم 155 """""" # وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ذلك الرئيس انصرفت إليه وقتلته ~~لتضييعه أو غفلته . وإذا كان حسن الرصد مضت اليرابيع فقطعت أطرأ ما يكون من ~~الخضرة وأطيب العشب فحملته بأفواهها حتى تأتيه تحية وتكرمة . وإذا كانت في ~~جحرتها خرج الرئيس أولا فيبصر الطريق ، فإن لم ير أحدا صر بأسنانه وصوت لها ~~لتخرج فترعى . في البحر حوت يقال له : موفي ، ضعيف الجسد ، قليل القوة ، ~~إذا جاع خرج إلى الشاطىء فاستلقى على الرمل فأقام شوكة في رأسه ، فإذا نظر ~~إليه حوت آخر جاء مسرعا ليأكله يظن أنه ميت ، فيدخل بطنه تلك الشوكة فيقتله ~~بها ويأكله . وإذا ألقى الملاح صنارته ولقيت ذلك الحوت رمى مكانه بتلك ~~الشوكة الحادة يد الملاح فتخدر ويطرح أداة صيده . فإذا رأى الحوت أن ~~الصنارة داخلت أضلاعه غلبت الظلمة على بصره ومات من ساعته . وفي جلد هذا ~~الحوت عجب ، وهو أن الصاعقة لا تدنو من جلده ، والملاحون يغطون سفنهم به ~~عندما يتبينون الصواعق ووقوع المطر ، ويدنو هذا الحوت إلى طرف ms102 مقدم السفينة ~~فيمسك بطرفه اللطيف ، فلو اجتمعت الرياح كلها بأشد هبوبها لم تستطع تحريك ~~تلك السفينة ، فمن أخذ من جلدها وسمر به شراع السفينة لم يخف على سفينته ~~غرقا . السريع الحضر أربعة : النمر والحريش وعنز الجبل وكباشها . عدو ~~الحيات أربع : القنفذ والفيل والأيل والعقعق . PageV01P155 # """""" صفحة رقم 156 """""" # الجبان اثنان : الأرنب والأيل . ذو الزهو ثلاثة : الفرس والديك والطاوس . ~~ذو حدة السمع ثلاثة : الذئب والحمار والخلد . القادر على التزاوج ثلاثة : ~~العصفور والحمام والعقعق . ذو الشهوة ثلاثة : العصفور والثور والباشق . ~~لمتحارس بالليل اثنان : الكركي والبط . نافى فراخه ثلاثة : النعام والغداف ~~والعقاب . محب الظلمة ثلاثة : البوم والخفاش والخلد . ذو حدة البصر ثلاثة : ~~العقاب والظبي والباشق . من أخذ لسان ضبع ومر به بين الكلاب لم تكلب عليه . ~~من مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من أصول عنب الحية هربت منه . وعنب ~~الحية هو الحنظل . وذكر الحباري يقال له : الخرب . إذا أراد إنسان أن يتزوج ~~امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها بعيانه وبين يديه أحدهما . من الحيوان ~~ما لا يشبه الولد الوالد كالدببة والنحل والدبر . أما الدببة فتضع أولادها ~~توائم لا صور لها حين تولد ، غير أن أمها تهيىء ، صورها ، PageV01P156 ~~"""""" صفحة رقم 157 """""" # وتسويها بلحسها إياها بألسنتها . . . . وأما الدبر فإنها تلد دودا يتصور ~~بعد ذلك . الضفادع والغيالم والسرطانات لا ضرر عليها في ماء ولا يبس ، ~~لكنهما عندها سيان لا تهلك في بر ولا تخنق في بحر . كل ما أكل اللحم فهو ذو ~~أسنان قواطع صلاب ، وأعناق قصار شداد ، ومخالب وأظفار حداد ، ومناقير معقفة ~~جذابة . للأسد ثلاث طبائع : الأولى منها أنه إذا مشى فشم ريح الصيادين عفى ~~على آثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصيادون ويقفوا عليه في عرينه فيتصيدوه . ~~والثانية أن اللبءة تلد شبلها ميتا ، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في ~~اليوم الثالث فينفخ فيم نخره فيبعثه . والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام ~~وهما يقظتان . ومن تمسح بشحم كلى الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه ~~؛ وإن افترس الأسد الفريسة ولم يأكلها ميز أن ريحها ms103 منتنة جدا . وأصناف ~~الحيوان التي تلغ الدم بألسنتها : الكلاب والسنانير . الأسد : تضع أولادها ~~غير منفتحة العيون ، وإنما تنفتح بعد ذلك . وأما الأسد خاصة فليس له من ~~جنسه قرين ، ولا يرى شيئا من السباع كفؤا له PageV01P157 ~~"""""" صفحة رقم 158 """""" # فيصحبه ، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو جهده الجوع ويهر ~~زئيره كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوة . وإنما تلد اللبوة ~~واحدا ويخرق بطن أمه بأظفاره ويخرج منه . الثعلب إذا جاع فلم يقدر على صيد ~~عمد إلى أرض شديدة الحر وإلى موضع الطير إذا حمي ، فاستلقى على ظهره ونظر ~~إلى فوق ، ثم اختلس نفسه وأخذ به داخلاص حتى ينتفخ انتفاخا شديدا فيحسبه ~~الطير قد مات ، فيقع عليه ليأكل منه كما يأكل الجيفة ، فإذا اجتمع الطير ~~انتفض سريعا وقبض على ما وجد فأكله ، لأنه ذو خب ومكر ، كذلك طبيعته إن ~~أصابه ضرر فأثر فيه آثارا وكلم فيه كلوما أخذ من صمغ شجرة تدعى قنطوريا ~~فأبرأها به . القدر أهيأ الحيوان لقبول التعليم ، وهو لعوب غضوب سريع الحس ~~، لا يكون في بلد كثير السباع ، عدو لجميع الحيوان ، مليح الإهاب ، نهوش ~~خطوف ، إلا أنه إذا شبع نام في غارة ثلاثة أيام ، فإذا خرج صاح بصوت عال ~~تخرج منه رائحة طيبة ، فيجتمع إليه الحيوان لحسن صوته . ومن أراد ختله ~~فليتمسح بشحم الضبع ويدخل عليه في غاره ، فإنه لا يمتنع ؛ خفيف الجرم ، ~~حديد الشد يقظان . دابة يقال لها بالفارسية درباست إذا طلبه PageV01P158 ~~"""""" صفحة رقم 159 """""" # القانص استلقى لظهره وأراه أنه لا خصية له ، كأنه قد علم ما يطلب منه . ~~خلق الجبان من الحيوان الخائف سريع الحضر سريع الحركة ، وجعل الصنف الجريء ~~العادي بطىء الحضر مبلدا . الضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان ، وذلك أنها ~~تصير مرة ضبعا ذكرا ومرة أنثى ، تلقح أحيانا كالذكر ، وتقبل اللقاح أحيانا ~~كالأنثى . وطبيعتها أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة مشت على الآثار ووطئت ~~ظله فوقع . ومن قتل ضبعا وأخذ لسانها ومر بين الكلاب لم تكلب عليه ، ولم ~~تعرض له . ومن ms104 مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من حنظل ، أسكتها عنه ~~وهربت منه . القنفذ عدو الحيات ، إذا قبض على حية تركها تضطرب على شوكه حتى ~~تموت ، فإذا ماتت قطعها قطعا . الدب يقتل الثور ، والغالب عليه الانحجار في ~~مغارته . الفيل ليس له شهوة السفاد ، فإذا أراد الولد أتى رياضا وجنانا ~~فيها اللقاح هو وإناثه فهيج له اللفاح برائحته وقوة حرارته شهوته فتسافدت ، ~~فإذا ولدت ولدت قائمة ، لأن أوصالها ليست مواتية كأوصال التي تلد باركة ~~ورابضة غير أنها تلد في الماء PageV01P159 ~~"""""" صفحة رقم 160 """""" # حذرا على دغفلها أن يموت إذا وقع على الأرض ، فلذلك تدخل ساحل البحر حتى ~~يبلغ الماء بطنها فتضع ولدها على الماء كالفراش الوثير والذكر في ذلك ~~يحرسها وولدها من الحية . ما أشد عداوة الفيل للحية ؛ حيثما أصاب الفيل ~~الحية وطئها وقتلها . وإن هو سقط على جنبه لم يستطع القيام ، إنما نومه إذا ~~اتكأ على شجرة . ومن هناك - لما عرف أهل تلك البلاد كيف نومه - يأتون ~~الشجرة فينشرونها بالمنشار ، فإذا أتاها الفيل واتكأ عليها وقعا على الأرض ~~معا ، وحينئذ يشتد صياحه بصوت رفيع ، ويجتمع إليه لذلك فيلة كثيرة تحاول ~~معاونته على النهوض والانبعاث ، فلا تقدر على ذلك ، فتصيح جماعتها بصوت ~~واحد جزعا من ضعف حيلتها وعجزها حتى يأتي الفيل الذي هو في الجسم أصغر ، ~~وفي الحيلة أكبر منها ، فيدخل مشفره تحت الفيل الساقط ، وتفعل كفعله جميعا ~~في إدخال مشافيرها تحته حتى تدعمه فينبعث ، وإنما كون رأس الفيل في عنق ~~قصير ، وكون له بدل العنق الطويل المشفر الطويل ليكتفى به من الضيق ؛ وبه ~~يتناول طعامه وشرابه . وخلقت قوائمه غير منفصلة ، لكنها كالأساطين المصمته ~~والسواري الوثيقة لتحمل الكثير الثقيل ؛ وربطت بعراقيب صغار غير منحنية ولا ~~منثنية على الأوصال ، لكن عظامه مفرغة إفراغا . تطول أعمارها إلى ثلاثمائة ~~سنة ؛ غير أن الدرذان والبق تعلق بالفيلة فتؤذيها . السمندل : دابة لا تخاف ~~النار ، لأنها لا تحرقها ، وإن دخلت أخدودا متأججا مضطرما بالنار لم تحفل ~~بذلك ، وصارت النار التي تبيد الأجسام مبعثا لهذه الدابة المهينة PageV01P160 ~~"""""" صفحة ms105 رقم 161 """""" # الحقيرة ، تستلذ التقلب فيها استلذاذ القلب بالهواء البسيط وهبوب أرواحه ~~الطيبة ؛ ونضارة جلدها وتنقيته بالنار ، فيزداد بالنار حسن لون . الأرنب من ~~طباعها الجبن والخوف ، وهي كثيرة الولادة . الكلب ذو فحص واقتفاء للأثر ، ~~وبشمه يسترشد ويهتدي ويستدل إذا شم المولى عرفه إن كان له أو لغيره . ومن ~~طباعه الترضي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه . ليس في الحيوان أشد حبا لصاحبه ~~منه ، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه رافعا ذنبه مستعدا كالفارس البطل ~~والشجاع النجد ، مع نشاطه في الطلب وهو يعلم أن الصيد ليس بحاضر ، لكن ذلك ~~منه حسن طاعة . فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأم ولأب فمما ~~قد عهد وشوهد ، وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط ، فلا يخطف واحد ~~منها ذلك ، ولكنها تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض ، غير مستأثرة به ~~ولا محاربة عليه . الفرس من طباعه الزهو والحرارة وشهوة الإناث للسفاد . ~~وإن وطىء الفرس أثر وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كله . الذئب إذا ~~رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه ، فإن رآه خاف وجبن اجترأ وحمل ~~عليه وكبسه . وليس كل ذئب يعدو ، ولكن هو الذي يكون ضاريا ؛ وفيه خلتان : ~~إحداهما أن يكون منفردا يمشي وحده ، والأخرى حدة سمعه ، إن خفي عليه مكان ~~الغنم أتى مكانا وعوى صوتين أو ثلاثة ، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب التي مع ~~الغنم ونباحها حين سمعت PageV01P161 ~~"""""" صفحة رقم 162 """""" # عواءه ، فإذا سمع نباح الكلاب شد مسرعا نحوها ، قاصدا إليها ؛ فإذا قرب ~~من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من محرس الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه من ~~الغنم . حمار الوحش إذا ولدت الأنثى الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي ~~تلك الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد أو تشاركه في طروقة ، إلا أن الأنثى ~~ربما وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتد جسمه وتصلب حوافره ، ويقوى بالشد ~~على النجاة من الفحل ، ولهذا السبب يقل منها الفحول . الحريش دابة صغيرة في ~~جرم الجدي ساكنة جدا ، غير أن ms106 لها من قوة الجسم وسرعة الحضر ما يعجز القناص ~~عنها ، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد منتصب مستقيم ، به تناطح جميع الحيوان ~~فلا يغلبها شيء . احتل لصيدها بأن تعرض لها فتاة عذراء وضيئة ، فإذا رأتها ~~وثبت إلى حجرها كأنها تريد الرضاع ، وهذه محبة فيها طبيعية ثابتة ، فإذا هي ~~صارت في حجر الفتاة أرضعتها من ثديها على غير حضور اللبن فيها حتى تصير ~~كالنشوان من الخمر والوسنان من النوم ، فيأتيها القناص على تلك الحال فيشد ~~من وثاقها على سكون منها بهذه الحيلة . الأيل عدو الحيات إن قربت منه حية ~~فانجحرت في صدع صفا ملأ الأيل فاه من الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك ~~الصدع ، ثم اجتذب الحية إليه بالقوة حتى يقتلها ، وإن كانت فوق أنزلها ، ~~وكذلك إن كانت أسفل ، فإن كان جائعا أكل ما أصاب منها ، وإن لم يكن به جوع ~~قتلها وتركها فصارت الحيات ذوات السم الزعاف المميت لكل من أصابه PageV01P162 ~~"""""" صفحة رقم 163 """""" # أو خالط بدنه غذاء هذه الأيايل ، ويكون ملائما لها لذيذا عندها . وإن دخن ~~البيت الذي فيه الحيات بدخان حريق قرن الأيل فرت منه كلها خوفا . على أن ~~الأيل نفسه جبان شديد الرعب ، إذا أكل الحية بدأ بذنبها حتى ينتهي إلى ~~رأسها ، ثم يقطعه بأسنانه ، وأكبر من ذلك أنه يتعلق برءوسها وتبقى في ~~الهواء . وتكثر فيه المرة ويعطش عطشا شديدا فيعوج إلى غدير الماء . الغزال ~~، يقال : ليس في الحيوان أبصر من الظباء ؛ ويقال لها باليونانية النظارة ~~والمبصرة . الثور دابة عمول كدود مقدر جسمه بقدر قوته . من طبيعته كثرة ~~المنى وتوقد شهوة السفاد ، إن لم يخص لم يذلل للعمل ولم يسكن ولم يصح جسمه ~~لأن الغلمة تحل جسمه وتنحله ، والخصاء يقطع ذلك كله . وبينه وبين الدب ~~عداوة شديدة . أعنز الجبل وكباشه وهي الأرواء والتياتل هذا جنس متمرد في ~~الجبال سريع الحضر في الشواهق والتوقل فيها وطبيعتها أن تلد توائم . قد ~~يوجد من البهائم ما لا يحمل ، فأما أنثى الخيل إذا كانت حاملا فوطئت أثر ~~الذئب ms107 بحافرها أجهضت حملها . الحمار في طبيعته معرفة صوت الإنسان الذي ~~اعتاد استماعه وإيناسه ، لا يضل عن طريق سلكه مرة ولا يخطئه ، إذا ضل راكبه ~~الطريق هداه وحمله على المحجة . PageV01P163 # """""" صفحة رقم 164 """""" # وأما حدة السمع ، فليس في البهائم فيما يذكر أحدا سمعا منه . اليامورة ~~دابة وحشية نافرة ، لها قرنان طويلان ، كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر ؛ ~~إذا عطشت وردت الفرات وعليه غياطل وغياض ملتفة أشجارها تفرعت من أغصانها ~~غصون طوال دقاق مشبكة ، فإذا شربت ريها وأرادت الصدر اشتهت الاستتار والعدو ~~بين تلك الأشجار ولحت هناك فعلق قرناها بتلك الغصون اللدنة المتينة ، وكلما ~~عالجتها لتفلت ازدادت ارتباطا فإذا ضجرت مما وقعت فيه عجت جزعا ، وسمع ~~القناص صوتها فأتوها فقتلوها . الجمل : حقود ، يرتصد من ضاربه الفرصة ~~والخلوة لينتقم منه ؛ فإذا أصاب ذلك لم يستبق صاحبه ، فأما ظهره فذو سنام ~~مقبب يكون لكثرة الحمل واحتمال الثقل ، وأوصال ركتبه وعراقيبه كبار صلاب ، ~~وأوتارها وعروقها متينة شديدة ، وعصبه وثيق لم يشتد بضغط التحام مفاصله ~~واتصالها ولم يسترخ مطويا ، لكنها هيئت على الاعتدال ليهون عليه بذلك ~~البروك والنهوض بحمله ، مع تسهيل الارتقاء عليه في ذلك . البغال : نوع هجين ~~قد أنبئنا أنه لا يلد ، إلا أنه أهدى للطريق للناس وأثبت حفظا . الثيران ~~وكل ذي قرن لا يأخذه الفواق . وأما سباع الطير وآكلات اللحم منها فصلاب ~~الأظفار ، حجن المناقير ذات حدة وقوة ، قوية الأجنحة . PageV01P164 # """""" صفحة رقم 165 """""" # والنواهض التي فيها القوادم أكثر طيرا . الديك صلف في طبيعته ، غير أن له ~~مع ذلك إيقاظا للنائم بصياحه في آناء الليل ، والتبشير بإقبال الصبح وطلوع ~~الشمس ، يؤنس السيارات في السفر بصياحه في الليل ، ويحرضهم على السير ، مع ~~إيقاظه الفلاحين لعملهم ، والصناع لصناعتهم ، وإذا سمع المرضى صوته داخلهم ~~من ذلك روح وخفة من مرضهم . الطاوس يحب الزينة ، غير عفيف الطبيعة ، يدعوه ~~زهوه وحرصه على التزين إلى نشر ذنبه وعقده كالطاق لتراه الأنثى بحسن زينته ~~. الكراكي تتحارس بالليل ؛ ويجعل الحارس منها يتردد في المحلة ويهتف بصوت ~~يسمع محذرا ، فإذا قضى نوبته استراح وأعقبه الذي ms108 كان مستريحا نائبا عنه حتى ~~تقضي كلها ما يلزمها من الحراسة ، فإذا طارت لم تطر متقطعة ، لكنها تطير ~~نسقا غير مشتتة ، يقدمها واحد منها كالرأس والهادي لها حتى تتلوه كلها ~~لازمة صفها ، ثم يعقبه بعده آخر متقدم حتى يصير المتقدم الأول متأخرا في ~~آخرها ، وتقتسم كرامة المتقدم كلها بالسوية ؛ وفيها ما يبعد سفره وينتقل عن ~~مصيفه إذا هجم الشتاء . البط له يقظة حارسة تدل على حدة حسه . الجراد معروف ~~الحال . العقاب تطلب عين الماء ، فإذا أصابتها تحلق طائرة إلى حر الشمس وهو ~~موضع دورانها فيحترق ريشها وما كان من جناح ، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي ~~قد عادت شابة وتذهب ظلمة عينيها . PageV01P165 # """""" صفحة رقم 166 """""" # وأما الطريح فيتقيض الله له طائرا يقال له : قاس فيضمه إليه ولا يدعه ~~يهلك ، ولكنه يقويه ويربيه مع أفراخه . وأجنحة العقبان مفصلة شبه ريشها . ~~وبصرها قوي بعيد تحت الشعاع المستنير . ويقال : إنها أبصر الطير . الحجل ~~يأتي أعشاش نظرائه فيسرق بيضها ثم يحضنها ، فإذا تحركت الفراخ وطارت لحقت ~~بأمهاتها . البوم مأواه ومحله الخراب ، يوافقه الليل ، لأنه بالليل بصير ~~وبالنهار كليل ، مع حبه التوحد والخلوة بنفسه ، وبينه وبين الغربان عداوة ~~ما تنقضي . النسر يتخذ وكره في المكان العالي المرتفع ، وعليه يقع وفيه ~~ينام كالراصد ، إما في ذروة الجبل أو في وسطه من شظاياه وثناياه وموضع ~~المنعة . وإذا حملت زوجته مضى إلى الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة ~~إذا حرك سمع به صوت حجر آخر - يتحرك في وسطه - كصوت الجرس ، فإن عسرت على ~~زوجته الولادة جعلت ذلك الحجر تحتها وعلت عليه فيذهب عنها العسر . قال : ~~ورأيت مرة أنثى من جنس الطير مات زوجها فامتنعت من الطعام والنوم ليالي ~~كثيرة صارت فيها كالنائحة الباكية على زوجها بتنفس الصعداء وزفرات الحزن لا ~~تلقط أياما متتابعة شيئا . البزاة من طبيعتها أن تداوي أنفسها وفراخها فلا ~~تموت ، لأنها تستعمل في بعض المرض والداء نبتة تعرفها وتعرف طبها . . . ~~ومنه ما ينقص PageV01P166 ~~"""""" صفحة رقم 167 """""" # ويزيد . النعام : لا يعول أفراخه إلا أياما ms109 يسيرة ، ثم يدحضها ويطردها من ~~عنده إنكارا لها . الغداف لا يبيض ولا يفرخ من سفاد ، فإذا أفرخت أنثاه ~~فراخا لم يزقها ولم يطعمها ، إلا أن البق والبعوض يقع عليها لزهومتها ونتن ~~لحمها ، فتفتح أفواهها وتبلع ما دخل فيها من ذلك البق ، فهو يمسكها ويقويها ~~. أنحاء طيران الطير مختلفة كاختلاف الطير ، بعضها يطير قريبا من الأرض ~~كالبط وما أشبهه ، وبعضها يرتفع ، غير أنه لا يبعد ، كالحمام والغربان ، ~~وبعضها يحلق تحليقا ، كالعقاب والصقور والأجادل والبزاة . وما كان من الطير ~~بدنه أعظم من جناحه فهو قريب الطيران من الأرض ، لسرعة إحناء أجنحته ~~واضطراره إلى الوقوع على الأرض . البيضاني والأبغث : هذا طائر يحب ولده ، ~~فإذا تحركت فراخه ودرجت ضربت وجهه بأجنحتها فيدعوه المحك والغضب المطبوعان ~~فيه إلى قتلها ، فإذا ماتت اكتأب عليها الأبوان وأقاما عليها شبه المأتم ~~ثلاثة أيام ، ثم إن الأم في اليوم الثالث تشق جنبها حتى يقطر دمها على تلك ~~الفراخ ، فيصير ذلك نشورا لها بعد موتها . مالك الحزين ينشل الحيتان من ~~الماء فيأكلها وهي طعامه ؛ لا يحسن السباحة ، فإن PageV01P167 ~~"""""" صفحة رقم 168 """""" # أخطأه انتشال فجاع طرح نفسه على شاطىء النهر في بعض ضحضاحه ، فإذا اجتمعت ~~إليه السمك الصغار لتأكله أسرع لأكل ما يؤكل منه . من الطير ما يلقح من ~~هبوب الريح ، لا يحتاج إلى تزاوج ولا إلى سفاد . والخفاش له خصيتان كخصي ~~الحيوان ، وله أربع قوائم وأسنان حداد كأسنان ذوات الأربع ، يرضع ولده من ~~اللبن إرضاعا ، وجلده أملس . العقعق لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به ، ولكنه ~~يهيىء وكره في الواضع المشرفة العالية والعراء الكاشف وجه الهواء الفسيح ؛ ~~وطبيعته الزنا وخيانة الزوج ، فإذا باضت الأنثى بيضها حضنته بورق الدلب ~~وغطته كيلا يقربه الخفاش ، فإن مسه مرق البيض من ساعته وفسد . النحل يلد من ~~غير لقاح الذكور . الحية إذا هرمت وكل بصرها واسترخى جلدها دخلت في صدع ~~صفاة ضيق أو جحر ضاغط يعسر عليها النفوذ فيه حتى ينسلخ عنها جلدها فتأتي ~~عين الماء فتنغمس فيها حتى يقوى لحمها وينعصب ، فإذا هي فعلت ms110 ذلك عادت شابة ~~كما كانت . فإذا أرادتأن تضىء عينها أكلت الرازيانج الرطب فاشتفت عيناها ~~واحتد بصرها ، وإن ضربت ضربة بقصبة استرخت فلم تستطع الفرار ، فإن ثنيتها ~~وثبت وسعت هاربة . إن أنقع الحسك في الماء ثم نضح ذلك الماء بين يدي جحر ~~الحية فرت من هناك . وإن وضع في جحرها أص حمص رطب فرت أيضا . وإن رأت الحية ~~إنسانا عريانا استحيت منه ولم تقربه . وإن رأته كاسيا حملت عليه بجرأة ~~شديدة ؛ وما أشد طلبها لثأرها ؛ وإن PageV01P168 ~~"""""" صفحة رقم 169 """""" # شدخ رأسها ماتت من ساعتها . السمسمة ، وهي حية حمراء براقة ، إذا كبرت ~~وأصابها وجع العين وكمدت التمست حائطا مقابل المشرق ، فإذا تبدت الشمس أحدت ~~إليها بصرها قدر ساعة فإذا دخل شعاع الشمس عينها كشط عنها العمى والإظلام ، ~~ولا تزال تفعل ذلك سبعة أيام حتى يتجدد بصرها تماما . الأفعى تزاوج دابة ~~بحرية ، تأتي الأفعى شفير البحر فتصوت ، وصوتها مهيج لتلك الدابة البحرية . ~~من أحرق عقربا طرد برائحة حريقها عقارب ذلك البيت . فأما حمة العقرب فهي ~~جوفاء كهيئة المزمار معقفة الرأس مكونة اللدغ ، فإذا ضربت شيئا تحركت فخرج ~~سمها وجرى في حمتها وسرى في الملدوغ . الإناث من بنات عرس إنما تلقح من ~~أفواهها وتلد من آذانها . من عادة هذا الجنس أن يسرق ما وجد من حلي الذهب ~~والفضة ، ويخبؤه في جحرته ، فإن وجد أيضا في ابيت حبوبا خلط بعضها ببعض ، ~~كأن عمله عمل الطباخين في خلط التوابل . الفار الفارسي أطيب ريحا من كل طيب ~~. وإن أخذ إنسان جرذا فربطه في بيت فرت منه الجرذان كلها . وإن وضع في جحر ~~الجرذ البري ورق الدفلى ماتت الجرذان . الدودة الهندية هي دودة القز ، لها ~~في رأسها قرنان ، ثم تتحول بيضة ثم تتصور في هيئة أخرى ، ذات جناحين عريضين ~~منتصبين ، وصناعتها دمقس الحرير . PageV01P169 # """""" صفحة رقم 170 """""" # النمل عمول مواظب ، فإذا جمع الحب قطعه كيلا ينبت إذا أصابه الندى والبلة ~~، ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر ، فإذا يبس أدخله . ومن جرب طبائع النمل ~~فليدق الكبريت والحبق ويذرهما في جحرته ولا ms111 يولد من تزاوج ، ولكنه يخرج منه ~~شيء قليل صغير فيقع في الأرض فيصير بيضا ، ثم يتصور من البيض بالهيئة التي ~~ترى ، وإذا شمت الورد موتت وأجنحتها مدمجة لاصقة بها . البق والبعوض لا ~~نتاج لهما ، وإنما تنجل من عفن الماء ووسخه ونتنه . ومن وضع غصن العنب في ~~موضع تحت سريره لم يقربه بق ولا بعوض . ومن أراد ألا يتأذى بالبراغيث ~~فليحفر في وسط البيت حفرة ويملأها دم تيس فإن البراغيث تجتمع هناك . وإن ~~وضع في الحفرة ورق دفلى مات البراغيث . الخلد غير ذي عينين ، دائم الحفر في ~~غير نفع ؛ وطعامه من أصول النبت وعروقه الذاهبة في الأرض ، فهو يصيب ذلك في ~~خلال حفره . يقال : إن في بلد كذا نهرا ماؤه في البحر منحدرا إليه على حال ~~طبيعته ست ساعات ، وفي الست الثانية يحتبس ماؤه في ينبوعه ويرى جوفه ناضبا ~~قد يبس . ونهرا آخر يجري في كل سبع سنين نهر كبريت ، ولا يكون فيه سمك ، ~~لأن ماءه يتغير في كل يوم ثلاث مرات ، وينبعث منه شبه ثور ليس له رأس . ~~وأهل الشام إذا أرادوا أخذه ألقوه في سفينة ، ولا يستطيعون قطعه بفأس ولا ~~كسره بحجر ، إنما يؤتى بالماء المنتن ودم الحيض فيخلطان جميعا ثم ينضحان ~~عليه ، فإذا وقعا PageV01P170 ~~"""""" صفحة رقم 171 """""" # عليه تحلل وتكتل كتلا صغارا ، وتستعمل في أشياء ينتفع بها . عين النار ~~تنبع منها نار تضيء بالليل للسيارات فلا تطفأ ولا تحتاج إلى شيء يمسكها ، ~~لكنها محفوظة بالحجارة ؛ إن حمل إنسان منها شعلة قبس إلى موضع لم توقد . ~~البحر الميت يقال له ذلك لأنه يموت فيه كل حي . السرطان ينسلخ جلده في ~~السنة سبع مرات ، ويتخذ بجحره بابين : أحدهما شارع إلى الماء ، والآخر إلى ~~اليبس ؛ وإذا سلخ جلده سد عليه الشارع إلى الماء لكيلا يدخل السمك فيأكله ؛ ~~إلا أنه يدع الذي إلى اليبس مفتوحا فتصيبه الريح وما ينفع لحمه ويعصمه ، ~~فإذا اشتد لحمه وعاد إلى حاله فتح ذلك المسدود وسلك في الماء وطلب طعمه وما ~~يقيم حياته . الزامور حوت صغير الجسم ms112 إلف لأصوات الناس ، مستأنس باستماعها ~~ولذلك يصحب السفن متلذذا بأصوات الناس ، فإذا رأى الحوت الأعظم يريد ~~الاحتكاك بها وكسرها ، وثب الزامور ودخل أذنه ، فلا يزال زامرا فيها حتى ~~يفر الحوت إلى الساحل يطلب خزفا أو صخرة ، فإذا أصاب ذلك لا يزال يضرب به ~~رأسه حتى يموت . وركاب السفينة يحبونه ويطعمونه ويتفقدونه ، ليدوم إلفه لهم ~~وصحبته لسفينته ، ويسلموا به من ضرر السمك العادي . وإذا ألقوا شبكة ~~ليصطادوا السمك فوقع فيها الزاموار خلوه حيا وأخذوه وأعتقوا لكرامته أصناف ~~السمك الواقع في الشبكة أحياء . وإني قرأت هذا الفصل على الوزير - كبت الله ~~كل شانىء له - في ليلتين ، فتعجب وقال : ما أوسع رحمة الله ؛ وما أكثر جند ~~الله ؛ وما أغرب صنع الله . قلت : نعم ؛ PageV01P171 ~~"""""" صفحة رقم 172 """""" # وما أغفل الإنسان عن حق الله الذي له هذا الملك المبسوط ، وهذا الفلك ~~المربوط ؛ وهذه العجائب التي تصعد فوق العقول التامة بالاعتبار والاختبار ~~بعد الاختبار ؛ وإنما بث الله تعالى هذا الخلق في عالمه على هذه الأخلاق ~~المختلفة والخلق المتباينة ، ليكون للإنسان المشرف بالعقل طريق إلى تعرف ~~خالقها ، وبيان لصحة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها ، ونيل لرضوانه بما ~~يتزود من عبره التي يجد فيها ، وليكون له موقظ منها ، وداع حاد إلى طاعة من ~~أبداها وأبرزها ، وخلطها وأفردها . فقال : قد كنت قلت : إنه يجري كلام في ~~النفس منذ ليال ، فهل لك في ذلك ؟ . قلت : أشد الميل وأوحاه ، لكن بشرط أن ~~أحكي ما عندي ، وأروي ما حصلت من هذه العصابة بسماعي وسؤالي . فقال : ~~نستأنف الخوض في ذلك - إن شاء الله - فإن النعسة قد حدثت العين ، فأنا كما ~~قال : قد جعل النعاس يغر نديني . . . أدفعه عني ويسر نديني أنشدني أبياتا ~~ودعني بها ، ولتكن من سراة نجد ، ليشتم منها ريح الشيخ والقيصوم . فأنشدته ~~لأعرابي قديم : مطرنا فلما أن روينا تهادرت . . . شقاشق منها رائب وحليب PageV01P172 ~~"""""" صفحة رقم 173 """""" # ورامت رجال من رجال ظلامة . . . وعادت ذحول بيننا وذنوب ونصت ركاب للصبا ~~فتروحت . . . لهن بما هاج الحبيب حبيب وطئن فناء الحي حتى كأنه . . . رجا ms113 ~~منهل من كرهن نخيب بنى عمنا لا تعجلوا ينضب الثرى . . . غليلا ويشفى ~~المسرفين طبيب فلو قد تولى النبت وامتيرت القرى . . . وحثت ركاب الحي حين ~~تؤوب وصار عيوف الخود وهي كريمةعلى أهلها ذو جدتين قشيب وصار الذي في أنفه ~~خنزوانة . . . ينادي إلى داعي الردى فيجيب أولئك أيام تبين ما الفتى . . . ~~أكاب سكيت أم أشم نجيب فعجب وقال : هذا جنى غرس قد جذ أصله ، ونزيح قليب قد ~~غار مده وجزره ، وانصرفت . PageV01P173 # """""" صفحة رقم 174 """""" # الليلة الثالثة عشرة # فلما حضرت ليلة أخرى قال : هات . قلت : إن الكلام في النفس صعب ، ~~والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم ~~مجال ، وللوهم عليهم سلطان ، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه ، وأنا ~~آتي بما أحفظه وأرويه ، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح . ~~قال بعض الفلاسفة : إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة ~~إلى البدن ، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئا فإنه لا يتصوره بآلة كما ~~يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف ، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن ~~لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل ، فيظن ~~الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن ، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض ~~جسمية . وقد تعرف النفس أيضا الآن من الزمان والوحدة واليقظة ، وليس لأحد ~~أن يقول : إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس ، ففعل النفسي إذن ~~يفارق البدن ، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال : للنفس أفعال تخصها خلو ~~من البدن ، مثل التصور بالعقل ، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد ~~بفساد البدن عند المفارقة . وقال أيضا : وجدنا الناس متفقين على أن النفس ~~لا تموت ، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم ، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا ~~تموت ، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر ؛ ما كانوا ~~يستغفرون لهم ، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون PageV01P174 ~~"""""" صفحة رقم 175 """""" # قبورهم . وقال أيضا : النفس لا تموت ، لأنها ms114 أشبه بالأمر الإلهي من البدن ~~، إذ كان يدبر البدن ويرأسه . والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء ، والرئيس ~~لها . والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا ~~بالنفس . وقال أيضا : النفس قابلة للأضداد ، فهي جوهر ، فالفائدة أن النفس ~~جوهر . وقال : النفس ليست بهيولى ، فلو كانت هيولى لكانت قابلة للعظم ، ~~فليست النفس إذا بهيولى . وقال : ليست النفس بجسم ، لأن النفس نافذة في ~~جميع أجزاء الجسم الذي له نفس ، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم ؛ ولا ~~هيولى ، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم ، وفائدة هذا ~~أن النفس جوهر على طريق الضرورة . وقال آخر : حركة كل متحرك تنقسم قسمين : ~~أحدهما من داخل ، وهو قسمان : قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة ، كحركة ~~النار ما دامت نارا ، وقسم هو كحركة النفس تهيج أحيانا وتسكن أحيانا ، ~~وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة . والقسم الآخر من ~~خارج ، وهو قسمان : أحدهما يدفع دفعا كما يدفع السهم ويطلق عن القوس ، ~~والآخر يجر جرا كما تجر العجلة والجيفة . وقال : فنقول : ليس يخفى أن جسدنا ~~ليس مدفوعا دفعا ولا مجرورا جرا ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج ~~متحركا لا محالة من داخل ، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطرارا . وقال : إن ~~كان جسدنا متحركا من داخل ، وكان كل متحرك من داخل إما متحركا حركة طبيعية ~~لا تسكن ، وإما نفسية تسكن . PageV01P175 # """""" صفحة رقم 176 """""" # فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن ، بل ساكنة لا تدوم ، ~~وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركة طبيعية لا تسكن ، بل نفسية ~~من قبل نفس تحركه وتحسسه . بوقال : إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان ~~وتحركه ، وكان كل محرك يحرك غيره حيا قائما موجودا ، فالنفس إذا حية قائمة ~~موجودة . وقال أيضا : النفس جوهر لا عرض ، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من ~~غير تغير ، وهذا لازم للنفس ، لأنها تقبل العلم والجهل ، والبر والفجور ، ~~والشجاعة والجبن ، والعفة وضدها ، وهذه أشياء ms115 أضداد ، من غير أن تتغير في ~~ذاتها ، فإذا كانت النفس قابلة لحد الجوهر ، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهرا ~~فالنفس إذا جوهر . وقال : قد استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد ~~الذي هو الجوهر ولما كان كل محي حرك للجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر . وقال : ~~لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهرا ويكون المحيي المحرك غير جوهر ، فإذا ~~كانت هي المحيية المحركة للجسد ، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك ~~للموجود غير موجود ، فالنفس إذا لا يمكن أن تكون غير موجودة . وقال : إن ~~كانت النفس بها قوى وحياة الجسد ، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد ، بل ~~بذاتها التي قامت بها حياة الجسد . وقال : إن كانت النفس قائمة بذاتها التي ~~قامت بها حياة الجسد ، فما كان قائما بذاته فهو جوهر ، فالنفس إذا جوهر . ~~وقد أملى علينا أبو سليمان كلاما في حديث النفس هذا موضعه ، ولا عذر في ~~الإمساك عن ذكره ليكون مضموما إلى غيره ، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه ~~بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالف ~~للإفاضة باللسان ، لأن القلم أطول عنانا من اللسان ، وإفضاء اللسان أحرج من PageV01P176 ~~"""""" صفحة رقم 177 """""" # إفضاء القلم ، والغرض كله الإزادة ، فليس يكثير الطويل . قال : ينبغي أن ~~نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئا ليس بجسم له مدات ثلاث : أعني الطول ~~والعرض والسمك ، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض ، ولا حاجة به إلى قوة ~~جسمية ، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس . ولما وجدنا فينا شيئا ~~غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته ، ورأينا له أحوالا تباين أحوال الجسم ~~حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض ، ثم رأينا منه هذه ~~المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض ~~أعراضا ؛ قضينا أن ها هنا شيئا ليس بجسم ولا جزء من الجسم ، ولا هو عرض ، ~~ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة ، ووجدنا هذا الشيء أيضا يطلع على جميع ~~الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ms116 ولا ملال ، ويتضح هذا بشيء أقوله : كل جسم ~~له صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته ~~الصورة الأولى ، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورة أو شكلا كالتثليث ، فليس ~~يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول . وكذلك إذا ~~قبل نقشا أو مثالا فهذا حاله ، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا ~~يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح ، بل تنقش فيه الصورتان ، ولا تتم ~~واحدة منهما ، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقش في ~~الخاتم ؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ~~ولا عجز ، وهذه الخاصة ضد لخاصة الجسم ، ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما ~~نظر وبحث وارتأى وكشف . ويتضح أيضا عن كثب أن النفس ليست بعرض ، لأن العرض ~~لا يوجد إلا في غيره ، فهو محمول لا حامل وليس هو قواما ، وهذا الجوهر ~~الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل ، وليس له شبه من الجسم ولا ~~من العرض . PageV01P177 # """""" صفحة رقم 178 """""" # وكان يقول : إذا صدق النظر ، وكان الناظر عاريا من الهوى ، وصح طلبه للحق ~~بالعشق الغالب ، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن ، وبين ~~البدن المتحرك بالنفس . قال : ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم ، ولم يكن ~~لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد ~~بطلا جميعا . وهذا ظن فيه عسف ، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل ~~واحد وصورة واحدة ، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما . ~~ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس ؟ هذا ظاهر . وليس هذا ~~حكم النفس في شأنها مع البدن ، لأ ، ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة ، ~~فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى ، ووجد ~~الإنسان بها ، لأن النفس وحدها ليست بإنسان ، والبدن وحده ليس بإنسان ، بل ~~الإنسان بهما إنسان ، فإذا الإنسان نصيبه من النفس أكثر ms117 من نصيبه من البدن ~~. وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها ، وتوجد في ~~الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة ~~، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة ، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله ~~الواحد الحق باليقين الخالص ، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له ~~والرضوان عنه . وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف ، وغاية الأفعال الواجبة ~~الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا ~~إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة . فأما من هو عن ~~هذا كله عم وعما يجب عليه ساه ، فهو في قطيع النعم ، وإن كان متقلبا في ~~أصناف النعم . PageV01P178 # """""" صفحة رقم 179 """""" # وكان يقول كثيرا : الناس أصناف في عقولهم : فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم ~~، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة ، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها ، ~~ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر . وصنف عقولهم منتبهة ، لكنها مخلوطة ~~بسبات الجهل ، فهم يحرضون على الخير واكتسابه ، ويخطئون كثيرا ، وذلك أنهم ~~لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعت موجود في العباد الجهلة والعلماء ~~الفجرة ، كما أن النعت الأول موجود في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة . وصنف ~~عقولهم ذكية ملتهبة ، لكنها عمية عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ ~~بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية ، وهذا نعت موجود في ~~العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حق عندهم الحق اليقين ؛ وقصروا ~~عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد ، ويطيلون إلى ~~نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب ~~الراحة . وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي ~~، والاصطفاء السني ، والاجتنباء الزكي ، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون ~~بالآخرة ؛ فتراهم حضورا وهم غيب ، واشياعا وهم متباينون . وكل صنف من هؤلاء ~~مراتبهم مختلفة ، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ . وهذا كما تقول : الملوك ~~ساسة ، ولكل واحد منهم خاصة ؛ وكما يقولون : هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم ~~بحر ؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما ms118 تقول : علماء ، ولكل واحد ~~منهم مذهب . PageV01P179 # """""" صفحة رقم 180 """""" # وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب ، لسعة ~~صدره بالحكمة ، وفيض صوابه من المعرفة ، وصحة طبيعته بالفطرة . وقال : إنا ~~بعد هذا المجلس تركنا صنفا لم نرسمه بالذكر ، ولم نعرض له بالاستيفاء ، وهم ~~الهمج الرعاع الذين إن قلت : لا عقول لهم كنت صادقا ، وإن قلت : لهم أشياء ~~شبيهة بالعقول كنت صادقا ؛ إلا أنهم في العدد ، من جهة النسبة العنصرية ~~والجبلة الطينية والفطرة الإنسية ، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ~~ومصالح لأهلها : ولذلك قال بعض الحكماء : لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون ~~الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق . فضحك - أضحك الله ~~ثغره ، وأطال عمره ، وأصلح شأنه وأمره - فقال : قد جرى في حديث النفس أكثر ~~مما كان في النفس ، وفيه بلاغ إلى وقت ، وأظن الليل قد تمطى بصلبه ، وناء ~~بكلكله ؛ وانصرفت . # الليلة الرابعة عشرة # ومر بعد ذلك في عرض السمر : ما تقلد امرؤ قلادة أفضل من سكينة . فقال : ~~ذكرتني شيئا كنت مهتما به قديما ، والآن قرعت إلى بابه ؛ ما السكينة ؟ فإني ~~أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه . فكان من الجواب : ~~سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي ؟ فقال : السكائن كثيرة : طبيعية ، ~~ونفسية وعقلية ، وإلهية . ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة ، ومقادير متفاوتة ~~ومتباعدة . والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات ، تحدث به ~~لصاحبه شارة تسمى الوقار ، ويكون للعقل فيها أثر باد ، وهو زينة PageV01P180 ~~"""""" صفحة رقم 181 """""" # الرواء المقبول . والسكينة النفسية مماثلة الروية للبديهة ، ومواطأة ~~البديهة للروية ، وقصد الغاية بالهيئة المتناسبة ، يحدث بها لصاحبها سمت ~~ظاهر ورنو دائم وإطراقق لا وجوم معه ، وغيبة لا غفلة معها ، وشهامة لا طيش ~~فيها . والسكينة العقلية حسن قبول الاستفاضة بنسبة تامة إلى الإفاضة ؛ ~~ومعنى هذا أن القابل مستغرق بقوة المقبول منه ، وبهذه الحال يحدث لصاحبها ~~هدى يشتمل على وزن الفكر في طلب الحق مع سكون الأطراف في أنواع الحركات . ~~والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد ، لأنها كالحلم في الانتباه ~~وكالإشارة في ms119 الحلم ، وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة ، لأن هذين نعتان ~~محمودان في عالم السيلان والتبدل ، جاريان على التخيل والتجوز بزوائد لا ~~ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها ، روحانية في روحانية ، كما يقال : هذا صفو ~~هذا ؛ وهذا صفو الصفو ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه الحقيقة استغنى ~~عن رسوم محددة بألف ولام ، وحقائق مكنونة في عرض الكلام ؛ وإذا جهلنا أشياء ~~هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها ، وعبارات أنسوا بها ، كيف نجد السبيل ~~إلى الإفصاح والإشارة إليها . فهذا باب واضح ، والطمع في نيله نازح ؛ وإذا ~~كان المنال صعبا في الموضع الذي عمدنا إليه ، فكيف يكون حالنا في البحث عما ~~في حيز الألوهية وبحبوحة الربوبية ، ولا كون هناك ولا ما نسبته للكون ؛ ~~وأقوى ما في أيدينا أن نتعلل بالوجود ، فالموجود والوجدان والجود ، وهذه ~~كلها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة بالإضافة إلى أعيانها . PageV01P181 # """""" صفحة رقم 182 """""" # فعلى هذا ، الصمت أوجد للمراد من النطق ، والتسليم أظفر بالبغية من البحث ~~. قال البخاري : فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله ، وغموضه وخفائه ، كيف يظهر على ~~جبلة بشري وبنية طينية وكمية مادية وكيفية عنصرية ؟ . فقال : يا هذا ، إنما ~~يشع من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من نور العقل ، وقبس النفس ، ~~وهبة الطبيعة ، وصحة المزاج ، وحسن الاختيار واعتدال الأفعال ، وصلاح ~~العادة ، وصحة الفكرة ، وصواب القول ، وطهارة السر ومساواته للعلانية ، ~~وغلبته بالتوحد ، وانتظام كل صادر منه ووارد عليه . وها هنا تمحى الجبلة ~~البشرية ، وتتبدد الجبلة الطينية ، وتبيد الكمية المادية وتعفو الكيفية ~~العنصرية ، ويكون السلطان والولاية والتصريف والسياسة كلها لتلك السكينة ~~التي قدمنا وصفنا لها ، واشتد وجدنا بها ، وطال شوقنا إليها ودام حديقنا ~~نحوها ، واتصل رنونا إليها ، وتناهت نجوانا بذكرها . وهذا هو الخلع الذي ~~سمعت بذكره ، واللباس الذي سألت عنه ، أعني خلع ما أنت منه إنسان ، ولبس ما ~~أنت به ملك . الله المستغاث منكم ، ما أشد بلواي بكم ، لم تتحركون إلا إلى ~~ما لا سكون لكم فيه ؟ ولم تسألون عما لا اطلاع لكم عليه ؟ سلوا ربكم أعينا ~~بصيرة ، وآذانا واعية ms120 ، وصدورا طاهرة ، وقوة متتابعة ، فإنكم إذا منحتموها ~~هديتم لها ، وإذا حرمتموها قطعتم دونها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال ~~البخاري : وقد تركنا يا سيدنا حديث السكينة المجموعة من هذه الجملة بأنصباء ~~مختلفة . فقال : لا عجب أن ينشأ العالم بكل ما فيه في هذه الحوة التي لذنا ~~بها وحاولنا PageV01P182 ~~"""""" صفحة رقم 183 """""" # الوصول إليها ؛ وأي شيء أعجب في هذا المقام ، رسم أو قوام ، أو ثبات أو ~~دوام ، إلا له نصيب من عناية الله تعالى الكريم . نعم ، والسكينة المجموعة ~~من كل ما سلف القول فيه تقاسمها نوع الإنسان بالزيادة والنقصان ، والغموض ~~والبيان ، والقلة والكثرة ، والضعف والقوة ، وهذا يتبين بأن تقسم الطيش ~~والحدة والعجلة والخفة على أصحابها ، فتجد التفاوت ظاهرا . وكذلك إذا قسمت ~~الهدوء والقرار والسكون والوقار على أهلها ، فإنك تجد التباين مكشوفا ~~والاختلاف ظاهرا . ثم قال : أما السكينة التي هي في أعلى المراتب فهي ~~لأشخاص فوق البشر ، وليس لهم نسبة من الخلق إلا الخلقة الحسية والعشرة ~~البشرية ، وإلا فهم في ذروة عالية ، ومحلة إلهية . قال : وأما السكينة التي ~~تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف حظوظهم منها لأنها مرتبات تنقسم بين ~~المنام واليقظة انقساما متفاوتا بالعرض الحامل للصدق وللشبيه بالصدق ، ~~وللحق وللقرب من الحق ، وللصحيح والتالي للصحيح ، ثم يختلف بيانهم عن ذلك ~~بالتعريض والإيضاح ، والكناية والإفصاح ، والتشبيه والاستعارة . قال : فأما ~~السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على طائفة تخلف الأنبياء ، وذلك أن ~~بقايا قواهم يرثها الذين صحبوهم ، واستضاءوا بنورهم ، وفهموا عنهم ، ولقنوا ~~منهم ، ودخلوا في زمرتهم ، وحاكوهم في الشمائل والأخلاق ، وسلكوا منهاجهم ~~في القيادة والسياق ، وصلحوا سفراء بين الأبعدين ، كما كانوا سجراء ~~للأقربين ، وهم الذين يفسرون الغامض ، ويوضحون المشكل ، ويبسطون المطوي ، ~~ويشرحون المكنى ، ويبرزون PageV01P183 ~~"""""" صفحة رقم 184 """""" # المراد والمعنى ، ويوطدون الأساس ، ويرفعون الالتباس ، وينفون الوحشة ~~ويحدثون الإيناس . وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على اتباع هؤلاء ~~بالسهام العلوية ، والمقادير العدلية ، والمناسيب العقلية ، من غير جور ولا ~~حيف ، ولا انحراف ولا ميل . فقال البخاري : أهي - أعني السكينة - في معنى ~~فاعلة أو مفعولة ؟ فقال ms121 : الفضاء أعرض مما تظن ، وإن كان في غاية العرض ؛ ~~والذروة أعلى من أن ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض . هي بوجه ~~في معنى فاعلة إذا شعرت بتأثيرها ، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا شعرت ~~بتأثرها . وبوجه آخر ، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في معانيها ~~قبل تأثيرها وتأثرها ، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ووزن ~~الترتيب ، بشائع العادة وقائم العرف ، والسكينة وراء هذا كله بالحق والواجب ~~والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه ، فإذا شهدت ~~المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلة لعبارتك عن أخلاق رضية ~~وأحوال مرضية ، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك متلجلجة لا ~~نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال الطارئة ؛ فأحق ما ~~ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر ، ويكشف وينقر ، ~~ويستقصى ويسبر ويسأل ويستبصر ؛ حتى إذا بلغ هذه الآفاق ، وشهد هذه الأعلام ~~، ووجد الصواب الذي لا شوب فيه ، وصادف اليقين الذي لا ريب معه ، وعرف ~~الاستبانة التي تغني عن البيان ، وذاق المعنى الذي هو فوق العيان ، أمسك ~~وانتهى ، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام غشيه ، ولكن لسطان شعاع ملكه ؛ لأن ذلك ~~النور محيط بكل PageV01P184 ~~"""""" صفحة رقم 185 """""" # شيء دونه ، ومستول على كل شيء تحته . وكان يقول في هذا الفن إذا جد به ~~الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر ما لا يوعى بحفظ ، ولا يروى بلفظ ~~. وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظا لينظموا منه شذرا ~~وعقدا ، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كله ، وتعاونوا على تحبيره ~~، وتصادقوا على مفهومهم منه ، وتجنبوا المنازعة والشغب عليه ، وأخذوا ~~بالعفو والممكن منه ، لئلا يفوتهم المعنى ، ولا يتحيرون في المنتهى . وسأله ~~الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها ، ونقصها وكمالها فقال : اشتركت ~~الأمم في جميع الخيرات والشرور ، وفي جميع المعاني والأمور : اشتراكا أتى ~~على أول التفاوت ووسطة وآخره ، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها ، ~~واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع ، وفيما اشتركوا فيه ms122 المحمود ~~والمذموم . ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة ، لأن الاشتراك لو ~~سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكا ، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسما ~~، فصار ما من أجله يفترقون ، به يجتمعون ، وما من أجله ينتظمون ، به ~~ينتثرون . فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللغات ، والعقائد والصناعات ، وجر ~~المنافع ودفع المضار ، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع . ألا ترى أن لغة الهند ~~غير لغة الروم ، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري مجراهما ، إلا أنهم مع ~~هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه ، وبين الاختيار ~~والتقدمة ، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء ~~والفكر ليونان والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيل والشعبذة للهند ~~والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسحر باللسان ~~للعرب ؛ والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبودية ~~والربوبية للفرس . PageV01P185 # """""" صفحة رقم 186 """""" # فأما الترك فلها الشجاعة . والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة ؛ ~~وليس للترك بعد هذا حظ ولا دراية إلابقسط من الظل من الشخص . والعرب مع ~~منطقها البارع لها المزية المعروفة على الترك بعد في السياسة وإن كانت ~~قاصرة ؛ وأما الزيج والسودان فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم الضعيفة ، ~~كما شاكلت الترك السباع القوية . قيل له : إن أبا زيد قد عمل كتابا في ~~أخلاق الأمم . قال : قد رأيته وقرأته وقد أفاد ، وكل من تكلم على طريقة ~~الحكماء الذين يتوخون من الأمور لبابها ، ويصرفون عنها قشورها ، فله ~~السابقة والتقدم على من يخبط كفلان وفلان . ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة ~~وجولانها كل مجال وتميزها باللسان فقد كابر ، ومن أنكر تقدم يونان في إثارة ~~المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها ، وبحثها عن العالم الأعلى ~~والأوسط والأسفل فقد بهت . ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها ~~وترتيب الخاصة والعامة بحق ما لها وعليها فقد عاند . وهكذا من دفع ما للهند ~~، فليس من شخص وإن كان زريا قميئا إلا وفيه سر كامن لا يشركه فيه أحد ، ~~وإذا كان هذا في شخص على ما قلنا ، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع . ~~وهكذا إذا ارتقيت إلى ms123 الجنس ، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع ، كما ~~أن عرض النوع أوسع من عرض الشخص ، وليس دون الشخص تحت ، كما أنه ليس فوق ~~الجنس فوق . وأما انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصا ~~بالطرف والوسط والأفق وليكون سحا بالغا من المصدر إلى المورد . PageV01P186 # """""" صفحة رقم 187 """""" # وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع ، ولولا النوع لم يوجد شخص . وكذلك ~~العكس . قال أبو سعيد الطبيب : أللعالم العلوي أجناس وأنواع وأشخاص ؟ قال : ~~كيف يخلو العالم العلوي من هذا التقسيم ، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم ~~السفلي حكاية ذلك العالم العلوي حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة . فقال له ~~مستزيدا : فهل في البسائط الإلهية أجناس وأنواع وأشخاص ؟ فقال : لا ، إلا ~~أن يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السفلي بقوة العالم العلوي ، ~~وذلك كالبرق إذا خطف ، والنسيم إذا لطف . قال : فهل ينال البسائط نقص ~~بالإخبار بالأجزء المركبة عنها كما ينال المركبات كمال بالأجزاء البسيطة ~~عنها ؟ فقال : لا ، لأن ما علا يؤثر ولا يقبل التأثير ؛ وما سفل يتأثر . ~~ألا ترى أن ما علا من الكواكب لا يتصل بشيء دونه ، وما سفل منها يتصل بما ~~علا عنه . وقال له أيضا : إذا قلنا : الروحانيات ، فماذا ينبغي أن يلحظ ~~منها ؟ فقال : الروحانيات على أقسام ؛ فقسم منها متبدد في المركبات من ~~الحيوان والجماد ، وقسم منها مكتنف للحيوان والجماد ، وبحسب هذا الاكتناف ~~هو أبسط وألطف من القسم الأول المتبدد ؛ وقسم منها فوق القسم المكتنف ، وهو ~~الذي منه مادة المحيط ؛ وقسم آخر فوق هذا الممتد ، ثم فوق هذا ما لا يملكه ~~وهم ، ولا يدركه فهم ؛ وذلك أنه في جناب القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى ~~الجن والإنس . وسألت أبا سليمان فقلت : إن علي بن عيسى الرماني ذكر أن ~~التمكين من القبيح قبيح ، لأن التمكين من الحسن حسن . فلو كان التمكين من ~~القبيح قبيحا مع كونه من الحسن حسنا كان حسنا قبيحا ؛ وهذا تناقض ؛ كيف صحة ~~هذا الذي أومأ إليه ؟ فقال : أخطأت ، لأن التمكين وحده اسم ms124 مجرد لشيء محدد ~~، والأسماء المحددة دلالتها على الأعيان لا على صفات الأعيان أو ما يكون من ~~الأعيان أو ما يكون في الأعيان . والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به ، ~~فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنه علة PageV01P187 ~~"""""" صفحة رقم 188 """""" # القبيح ، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن . وهذا كما تقول : هذا ~~الدرهم نافع أو ضار ؟ فيقال : إن صرفته فيما ينبغي فهو نافع ، وإن أنفقته ~~فيما لا ينبغي فهو ضار ، وكذلك السيف في الآلات ، وكذلك اللفظ في الكلمات ، ~~والإضافة قوة إليهة سرت في الأشياء سريانا غريزيا قاهرا متملكا قاسرا ، فلا ~~جرم لا ترى حسيا أو عقليا أو وهميا أو ظنيا أو علميا أو عرفيا أو عمليا أو ~~حلميا أو يقظيا إلا والتصاريف سارية فيها ، والإضافة حاكمة عليها . وهذا ~~لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحق ، لأن مصدرها من الله الحق ، ~~فالإضافة لازمة ، والنسبة قائمة ، والمشابهة موجودة . ولولا إضافة بعضنا ~~إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا ، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما ~~تفاهمنا ولا تعاونا . قال : إذا كنا بالتضايف نتوالى ، فبأي شيء بعده ~~نتعادى ؟ قال : هذا أيضا بالإضافة ، لأن الإضافة ظل ، والشخص بالظل يأتلف ، ~~وبالظل يختلف . وقال : ويزيدك بيانا أن العدم والوجود شاملان لنا ، سائران ~~فينا فبالوجود نتصادق ، وبالعدم نتفارق . وسأل مرة عن الطرب على الغناء ~~والضرب وما أشبههما . فكان من الجواب : قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان ~~الدمشقي . لم طرب الإنسان على الغناء والضر ؟ فقال : لأن نفسه مشغولة ~~بتدبير الزمان من داخل ومن خارج ، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص مآلها . ~~فإذا سمعت الغناء انكشف عنها بعض ذلك الحجاب ، فحنت إلى خاص ما لها من ~~المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم ، لأن ذلك وطنها ~~بالحق . فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه ، والإنسان تابع لنفسه ، وليست ~~النفس تابعة للإنسان ، لأن الإنسان بالنفس إنسان ، وليست النفس نفسا ~~بالإنسان ، فإذا طربت النفس - أعني حنت ولحظت الروح الذي لها - تحركت وخفت ~~فارتاحت واهتزت . ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه ، وربما مزقه ms125 كأنه يريد أن PageV01P188 ~~"""""" صفحة رقم 189 """""" # ينسل من إهابه الذي لصق به ، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه ، ويهرول إلى ~~حبيبه الذي قد تجلى له وبرز إليه . إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما ~~هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما . وأما غيرهم ~~فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها ، وانصرفت . # الليلة الخامسة عشرة # وجرى مرة كلام من الممكن ، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلا سمعته يقوله ، ~~لابأس برسمه في هذا الموضع ، فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي ~~لنا أن نبحث عنه بكل زحف وحبو ، وبكل كد وعفو . قال : الممكن شبيه بالرؤيا ~~لا بدن له يستقل به ، ولا طبيعة يتحيز فيها . ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على ~~الأكثر والأقل والتساوي ، وكما أن الرؤيا ظل من ظلال اليقظة ، والظل ينقص ~~ويزيد إذا قيس إلى الشخص ؛ كذلك الممكن ظل من ظلال الواجب ، فطورا يزيد ~~تشابها للواجب ، وطورا ينقص تشاكها للمتنع ، وطورا يتساوى بالوسط . قال : ~~والواجب لا عرض له ، لأنه حد واحد ، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا تغير ~~له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا ~~بالوهم ولا بالعقل ، بل العقل ينقاد له ، والطبيعة تسلم إليه ، والوهم يفرق ~~منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن ، ولا يتحكم فيها تجويز ، ولا يتسلط عليها ~~دامغ ولا ناسخ ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع ، لأنه في مقابلته على الضد ، ~~أعني أنه لا بدن له ، فيكون له عرض ، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من ~~الكثرة والقلة والمساواة . ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادىء ~~الأمر وعارض الشان ، واستولى الوجود عليه بباطن الحال وخفي الأمر وراتب ~~الشان ، لكن هذا الفصل الذي اشتمل على PageV01P189 ~~"""""" صفحة رقم 190 """""" # الظاهر والباطن ليس ينكشف للحس كما ينكشف للعقل . ولما كنا بالحس أكثر - ~~وإن كنا لا نخلو في هذه الكثرة من آثار العقل - لزمنا الاعتراف بعوائد ~~الممكن وعلائقه ، والعمل عليه ، والرجوع إليه إذا أمرنا أو نهينا أو ~~ائتمرنا أو انتهينا . ولما ظهر لنا ms126 بإزاء هذا الذي كنا به أكثر أن لنا شبحا ~~آخر نحن به أقل وهو العقل يشهد لنا بأن صورة الوجوب استولت من مبدأ الأمر ~~إلى منقطعه الذي هو في عرض الواجب إلى الآخر الممتنع . وكما لزمنا الاعتراف ~~الأول لكون به عاملين ومستعملين ، ورافعين وواضعين ، ولائمين وملومين ، ~~ونادمين ومندمين ؛ كذلك لزمنا الاعتراف بسلطان الواجب الذي لا سبيل إلى ~~عزله ، ولا محيص عن الإقرار به ، ولا فكاك من اطراده بغير دافع أو مانع . ~~واتصل كلام ابن يعيش على تقطع في عبارته التي ما كانت أداته تواتيه فيها ، ~~مع تدفق خواطره عليها ؛ فقال : الرؤيا ظل اليقظة ، وهي واسطة بين اليقظة ~~والنوم ، أعني بين ظهور الحس بالحركة ، وبين خفائه بالسكون . قال : والنوم ~~واسطة بين الحياة والموت ، والموت واسطة بين البقاء الذي يتصل بالشهود وبين ~~البقاء الذي يتصل بالخلود . قال : وهذا نعت على تسهيل اللفظ وتقريب المراد ~~والتصور ؛ والثقة شوك القتاد ، وازدراد العلقم والصاب ، للحواجز القائمة ~~والموانع المعترضة من الإلف والمنشأ وغير ذلك مما يطول تعديده ويشق ~~استقصاؤه . فقال : هذا كلام ظريف ، وما خلت أن ابن يعيش مع فدامته ، ~~ووخامته يسحب PageV01P190 ~~"""""" صفحة رقم 191 """""" # ذيله في هذا المكان ، ويجري جواده بهذا العنان . قلت له : إن له مع هذه ~~الحال مرامي بعيدة ، ومقاصد عالية ، وأطرافا من المعاني إذا اعتلقها دل ~~عليها ، إما بالبيان الشافي ، وإما بما يكون طريقا إلى الوهم الصافي . وقلت ~~: لقد مر له اليوم شيء جرى بينه وبين أبي الخير اليهودي أستفيد منه . قال : ~~وما ذاك ؟ أنثر علينا درر هذه الطائفة التي نميل إليها بالاعتقاد وإن كنا ~~نقع دونها بالاجتهاد ؛ ونسأل الله أن يرحم ضعفنا الذي منه بدئنا ويبدلنا ~~قوة بها نجد قربنا في آخرنا . قلت : ذكر أن العقل لا غناء له في الأشياء ~~التي تغلب عليها الحيلولة والسيلان والتطول ، كما أن الحس لا ينفذ في ~~الأمور التي لا تطور لها بالحيلولة والتطول ، ولذلك عرفت الحكمة في ~~الكائنات الفاشيات ، وخفيت العلل والأسباب في بدوها وخفيتها وتبددها ~~وتآلفها ، لكن هذا الفرق والخفاء مسلمان للقدرة المستعلية ms127 والمشيئة النافذة ~~. قال : ولهذا التريتب سر به حسن هذا النعت ، وإليه انتهى هذا البحث وذلك ~~أن خفاء ما خفي بحق الأول ألحق ، وبدو ما بدا من نصيب أطلق للذي لا يحتمل ~~غير هذا الثقل ، ولو خفف عنه هذا الحق ، وبدو ما بدا من نصيب أطلق للذي لا ~~يحتمل غير هذا الثقل ، ولو خفف عنه هذا للحق الإنسان البهائم ، ولو ثقل ~~عليه هذا للحق الملائكة ، فكان حينئذ لا يكون إنسانا ، وقد وجب في الأصل أن ~~يكون إنسانا كاملا بالنصب والدأب ، ويمتعض من أن تكون صورة الإنسان عنده ~~معارة ، لأنه في الحقيقة حيوان غير ناطق ، بل يجتهد بسعيه وكدحه أن يصير ~~إنسانا فاضلا ، ويكون في فضله وكماله ملكا ، أعني بالمشاكهة الإرادية لا ~~بالمشاكهة النوعية . قال : وغاية الحكمة منها للمباشرين لها أن المعرفة تقف ~~على حيلولتها ولسيلانها فقط ، لا على تصفح أجزائها ، لأن الترتيب فيها ~~يستحيل مع الزمان . ألا ترى أن الرقم على الماء لا صورة له ، لأن صفحة ~~الماء لا ثبات لها ، وكذلك الخط في الهواء ، وكذلك الكائنات البائدات لا ~~صورة لها ، لأنها لا ثبات لها ، وأنت إذا وجدت PageV01P191 ~~"""""" صفحة رقم 192 """""" # شيئا لا ثبات له لم تضم إليه شيئا آخر لا ثبات له طمعا في وقوع الثبات ~~بينهما ، هذا ما لا يدين به وهم ، ولا ينقاد له ظن ؛ ولو ساغ هذا لساغ أن ~~يجمع بين ما له ثبات ، وبين ما له أيضا ثبات ، فيحدث هناك سيلان واستحالة . ~~وقال : وصف العقل بشهادة الحس ، كما يكون وصف الحسن بشهادة العقل إلا أن ~~شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولى ، وشهادة العقل للحس شهادة المولى ~~للعبد ؛ على أن هاتين الشهادتين لا يطردان ولا يستمران ، لأن لكل واحد من ~~الحس والعقل تفردا بخاص ماله ، ولذلك ما وجد حيوان لا عقل له البتة ، ووجد ~~في مقابلته حي لا حس له . ثم قال : بل العقل يحكم في الأشياء الروحانية ~~البسيطة الشريفة من جهة الصور الرفيعة ، والعلائق التي بين المعقولات ~~والمحسوسات ما نعت العقل ، والعاقل من خلص الباقيات الخالدات ms128 الدائمات ~~القائمات الثابتات من حومة الكائنات الفاسدات البائنات الذاهبات الحائلات ~~الزائلات المائلات البائدات . ودخل في هذا التلخيص ضرب من الشك والتماري ~~والخصومة والتعادي والتعنت إلى اختلاف عظيم ، ووقفت عن الحكم بعد اليقين . ~~وقال - أدام الله سعادته - ماالسجية ؟ قلت : سمعت الأندلسي يقول : فلان ~~يمشي على سجيته ، أي طبعه . قال : هل يقال : ظفرت عليه ؟ قلت : قد قال ~~شاعرهم : وكانت قريش لو ظفرنا عليهم . . . شفاء لما في الصدر والنقص ظاهر ~~قال : هذا حسن . قلت : الحروف التي تتعدى إلى الأفعال ، والأفعال التي ~~تتعدى بالحروف ؛ يراعى فيها السماع فقط لا القياس . هذا كان مذهب إمامنا ~~أبي سعيد ؛ وقد جاء أيضا ظفر به ؛ وجاء سخرت به ومنه . ومن لا اتساع له في ~~مذهب العرب يظن أن سخرت به لا يجوز وهو صحيح . حكاه أبو زيد . PageV01P192 # """""" صفحة رقم 193 """""" # قال : كيف يقال في جمل به غدة ؟ فكان من الجواب : جملق مغد . قال : فكيف ~~يجمع ؟ فكان الجواب بأنه في القياس ظاهر ، ولكن السماع قد كفى . قال الشاعر ~~- وهو خراش بن زهير : فقدتكمو ولحظكمو إلينا . . . ببطن عكاظ كالإبل الغداد ~~ضربناهم ببطن عكاظ حتى . . . تولوا طالعين من النجاد وقال - حرس الله نفسه ~~- من لقبه الخرسي إلى أي شيء ينسب ؟ فكان من الجواب : يقال : رجل خراساني ~~وخرسي وخراسي ، فنسبت إلى رجل نزلها فاشتهرت به . فقال : القذال كيف يجمع ؟ ~~فكان من الجواب أن فعالا وفعالا وفعالا وفعيلا وفعولا أخوات تجمع في الأقل ~~على أفعلة ، يقال : حمار وأحمرة ، وغراب وأغربة ، وقذال وأقذلة ، وعمود ~~وأعمدة . قال : نسيت أسألك عن المسألة الأولى - أعني الخرسي - من أين لك ~~تلك الفتيا ؟ فكان من الجواب : قرأته على أبي سعيد الإمام في شرحه كتاب ~~سيبويه . قال : بردت غليلي ، فإن الحجة في مثل هذا متى لم تكن بأهلها كانت ~~متلجلجة . قال : أنشدني شيئا نختم به المجلس ، فقد مرت طرائف . فأنشدته ~~لعمارة بن عقيل في بنت له : PageV01P193 # """""" صفحة رقم 194 """""" # حبك يا ذات الأنيف الأكشم . . . حب تساقاه مشاس أعظمي ودب بين كبدي ~~ومحزمي . . . وساطه الله بلحمي ودمي فليس بالمذق ولا المكتم ms129 . . . ولا الذي ~~إن يتقادم يسأم لقد نزلت من فؤادي فاعلمي منزلة الشيء المحب المكرم وانصرفت . # الليلة السادسة عشرة # ثم عدت وقتا آخر فقال : كنت حكيت لي أن العامري صنف كتابا عنونه بإنقاذ ~~البشر من الجبر والقدر ، فكيف هذا الكتاب ؟ فقلت : هذا الكتاب رأيته بخطه ~~عند صديقه وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم أقرأه على العامري ، ولكن سمعت ~~أبا حاتم الرازي يقرؤه عليه ، وهو كتاب نفيس ، وطريقة الرجل قوية ، ولكنه ~~ما أنقذ البشر من الجبر والقدر ، لأن الجبر والقدر اقتسما جميع الباحثين ~~عنهما والناظرين فيهما . قال : لم قيل الجبر والقدر ولم يقل الإجبار . فكان ~~الجواب : أن الإجبار لغة قوم ، والجبر لغة تميم ، يقال : جبر الله الخلق ~~وأجبر الخلق ، وجبر بمعنى جبل ؛ واللام تعاقب الراء كثيرا . قال : فتكلم في ~~هذا الباب بشيء يكون غير ما قاله العامري ، وانقد له إن كان الحق فيما ذهب ~~غليه ودل عليه . فكان من الجواب : أن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر ~~والأواتي من معدن PageV01P194 ~~"""""" صفحة رقم 195 """""" # الإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف ، ~~لأن هذه وإن كانت ناشئة من ناحية البشر ، فإن منشأها الأول إنما هو من ~~الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق ؛ فهذا هذا . ~~فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية ~~المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين ، فإنه ~~يعلقها بهم ويلصقها برقابهم ، ويرى أن أحدا ما أتي إلا من قبل نفسه وبسوء ~~اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه ؛ والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان ، ~~لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف ، لأنه ليس لكل أحد الوصول إلى ~~هذه الغاية ، ولا لكل إنسان اطلاع إلى هذه النهاية . فلما وقعت البينونة ~~بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصفة ~~، فهذا هذا . قال - أطال الله بقاءه - فما الفرق بين القضاء والقدر ؟ فكان ~~من الجواب : أن أبا سليمان قال : إن القضاء مصدره من العلم السابق ، والقدر ~~مورده بالأجزاء الحادثة . فقال : لم ورد في الأثر : لا تخوضوا في القدر ms130 ~~فإنه سر الله الأكبر . فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال لنا في هذه ~~الأيام . إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عام ، ليكون النفع به شائعا في ~~سكون النفس وطيب القلب وروح الصدور . فإن كان هذا هكذا فقد وضح أن حكمة هذا ~~السر طيه ، لأن عجز الناظرين يفضي بهم إلى الحيرة ، والحيرة مضلة ، والمضلة ~~هلكة . وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء ، كان التعب في العلم بالشيء ، ~~وكم علم لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا ، وكم جهل لو ارتفع منا لكان فيه ~~هلاكنا ؛ والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كل ~~واحد منا للذي سبق إليه وعلق به ، ألا ترى أن علمنا لو أحاط بموتنا متى ~~يكون ؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو البلاء ؟ لكان ذلك مفسدة لنا ، ~~ومحنة شديدة علينا . PageV01P195 # """""" صفحة رقم 196 """""" # فانظر كيف زوى الله الحكيم هذا العلم عنا ، وجعل الخيرة فيه لنا . ألا ~~ترى أيضا أن جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم ~~الفساد الأول ، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدم ، فمن هذا الذي أشرف ~~على هذا الغيب المكنون والسر المخزون فيغفل عن الشكر الخالص ، والاستسلام ~~الحسن ، والبراءة من كل حول وقوة . فالاستمداد ممن له الخلق والأمر ، أعني ~~الإبداء والتكليف ، والإظهار والتشريف ، والتقدير والتصريف . قال : هذا فن ~~حسن ، وأظنك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع لكان لك حظ وافر من ~~السامعين العاملين ، والخاضعين والمحافظين . فكان من الجواب : أن التصدي ~~للعامة خلوقة ، وطلب الرفعة بينهم ضعة ، والتشبه بهم نقيصة ؛ وما تعرض لهم ~~أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ ~~منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم . وليس يقف على القاص إلا أحد ~~ثلاثة . إما رجل أبله ، فهو لا يدري ما يخرج من أم دماغه . وإما رجل عاقل ~~فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال ، وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه ، وإلى ~~العامة من وجه ، فهو بتذبذب عليه من الإنكار الجانب للهجر ، والاعتراف ~~الجالب للوصل ms131 ، فالقاص حينئذ ينظر إلى تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف ، ~~وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية ، ولذاته العقلية ، وينقطع عن الازدياد من ~~الحكمة بمجالسة أهل الحكمة ، إما مقتبسا منهم ، وإما قابسا لهم ؛ وعلى ذلك ~~فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلا درهما وإلا دينارا أو ثوبا ؛ ومناصبة ~~شديدة لمماثليه وعداته . PageV01P196 # """""" صفحة رقم 197 """""" # قال : إن الليل قد دنا من فجره ، هات ملحة الوداع . قلت : قال يعقوب صاحب ~~إصلاح المنطق : دخل أعرابي الحمام فزلق فانشج ، فأنشأ يقول : وقالوا تطهر ~~إنه يوم جمعة . . . فرحت من الحمام غير مطهر ترديت منه شاريا شج مفرقي . . ~~. بفلسين إني بئس ما كان متجري وما يحسن الأعراب في السوق مشية . . . فكيف ~~ببيت من رخام ومرمر يقول لي الأنباط إذ أنا نازل . . . به لا بظبي بالصريمة ~~أعفر وقال - حرس الله نفسه - كنت أروي قافية هذا البيت أعفرا ، وهذه فائدة ~~كنت عنها في ناحية ؛ وانصرفت . قد رأيت أيها الشيخ - حاطك الله - عند بلوغي ~~هذا الفصل أن أختم الجزء الأول بما أنتهي غليه ، وأشفعه بالجزء الثاني على ~~سياج ما سلف نظمه ونثره ، غير عائج على ترتيب يحفظ صورة التصنيف على العادة ~~الجارية لأهله ، وعذري في هذا واضح لمن طلبه ، لأن الحديث كان يجري على ~~عواهنه بحسب السانح والداعي . وهذا الفن لا ينتظم أبدا ، لأن الإنسان لا ~~يملك ما هو به وفيه ، وإنما يملك ما هو له وإليه . وهذا فصل يحتاج إلى نفس ~~مديد ، ورأي يصدر عن تأييد وتسديد ؛ والسلام ، والحمد لله وحده ، وصلواته ~~على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، ~~والحمد لله رب العالمين . PageV01P197 # """""" صفحة رقم 198 """""" # الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ - أطال الله يدك في ~~الخيرات ، وزاد في همتك رغبة في اصطناع المكرمات ، وأجراك على أحسن العادات ~~في تقديم طلاب العلم وأهل البيوتات - قد فرغت في الجزء الأول على ما رسمت ~~في القيام به ، وشرفتني بالخوض فيه ، وسردت في حواشيه أعيان الأحاديث التي ~~خدمت بها مجلس الوزير ، ولم آل جهدا في روايتها ms132 وتقويمها ولم أحتج إلى ~~تعمية شيء منها ، بل زبرجت كثيرا منها بناصع اللفظ ، مع شرح الغامض وصلة ~~المحذوف وإتمام المنقوص ، وحملته إليك على يد فائق العلام ، وأنا حريص على ~~أن أتبعه بالجزء الثاني ، وهو يصل إليك في الأسبوع إن شاء الله تعالى . ~~وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد ، كما سألتك أولا على طريق الاقتراح ، ~~أن تكون هذه الرسالة مصونة عن عيون الحاسدين العيابين ، بعيدة عن تناول ~~أيدي المفسدين المنافسين ؛ فليس كل قائل يسلم ، ولا كل سامع ينصف ، ولا كل ~~متوسط يصلح ، ولا كل قادم يفسح له في المجلس عند القدوم . والبلية مضاعفة ~~من جهة النظراء في الصناعة ، وللحسد ثوران في نفوس هذه الجماعة ؛ وقل من ~~يجهد جهده في التقرب إلى رئيس أو وزير ، إلا جد في إبعاده من مرامه كل صغير ~~وكبير ؛ وهذا لأن الزمان قد استحال عن المعهود ، وجفا عن القيام بوظائف ~~الديانات وعادات أهل المروءات ؛ لأمور شرحها يطول ؛ وقد كان الناس يتقلبون ~~في بسيط الشمس ؛ أعني الدين فغربت عنهم ، فعاشوا بنور القمر ، أعني المروءة فأفل PageV01P198 ~~"""""" صفحة رقم 199 """""" # دونهم ، فبقوا في ظلمات البر والبحر ، أعني الجهل وقلة الحياء فلا جرم ~~أعضل الداء ، وأشكل الدواء ، وغلبت الحيرة ، وفقد المرشد ، وقل المسترشد ؛ ~~والله المستعان . وأرجع إلى ما هو الغرض من نسخ ما تقدم في الجزء الأول . # الليلة السابعة عشرة # فلما عدت إلى المجلس قال : ما تحفظ في تفعال وتفعال ، فقد اشتبها ؟ وفزعت ~~إلى ابن عبيد الكاتب فلم يكن عنده مقنع ، وألقيت على مسكويه فلم يكن له ~~فيها مطلع ؛ وهذا دليل على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح في ~~طلبه . فقلت : قال شيخنا أبو سعيد السيرافي الإمام - نضر الله وجهه - : ~~المصادر كلها على تفعال بفتح التاء ، وإنما تجيىء تفعال في الأسماء ، وليس ~~بالكثير . قال : وذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر اسما لا يوجد غيرها . قال ~~: هاتها . قلت : منها التبيان والتلقاء ، ومر تهواء من الليل ؛ وتبراك ، ~~وتعشار ، وترباع ، وهي مواضع ؛ وتمساح للدابة المعروفة ؛ والتمساح الرجل ~~الكذاب أيضا . وتجفاف وتمثال وتمراد ms133 بيت الحمام ، وتلفاق ، وهو ثوبان ~~يلفقان . وتلقام : سريع اللقم . ويقال : أتت الناقة على تضرابها ، أي على ~~الوقت الذي ضربها الفحل فيه ، وتضراب كثير الضرب وتقصار ، وهي المخنقة ؛ ~~وتنبال ، وهو القصير . قال : هذا حسن ، فما تقول في تذكار ؟ فإن الخوض في ~~هذا المثال إنما كان من أجل هذا الحرف ، فإن أصحابنا كانوا في مجلس الشراب ~~، فاختلفوا فيه ؟ فقلت : هذا مصدر ، وهو مفتوح . PageV01P199 # """""" صفحة رقم 200 """""" # ثم قال : اجمع لي حروفا نظائر لهذا من اللغة ، واشرح ما ندر منها ، وعرض ~~الشك لكثير من الناس فيها . فقلت : السمع والطاعة مع الشرف بالخدمة . وقال ~~أيضا : حدثني عن شيء هو أهم من هذا لي وأخطر على بالي ، إني لا أزال أسمع ~~من زيد بن رفاعة قولا ومذهبا لا عهد لي به وكناية عما لا أحقه ، وإشارة إلى ~~ما لا يتوضح شيء منه ، يذكر الحروف ويذكر النقط ، ويزعم أن الباء لم تنقط ~~من تحت واحدة إلا بسبب ، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة ، والألف ~~لم تعر إلا لغرض . وأشباه هذا ؛ وأشهد منه في عرض ذلك دعوى يتعاظم بها ~~وينتفج بذكرها ؛ فما حديثه ؟ وما شأنه ؟ وما دخلته ؟ وما خبره ؟ فقد بلغني ~~أنك تغشاه وتجلس إليه ، وتكثر عنده ، وتورق له ، ولك معه نوادر مضحكة ، ~~وبوادر معجبة . ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرته به ، وانكشف أمره له ، ~~وأمكن اطلاعه على مستكن رأيه وخافي مذهبه وعويص طريقته . فقلت : أيها ~~الوزير ، هو الذي تعرفه قبلي قديما وحديثا بالتربية والاختبار والاستخدام ، ~~وله منك الأخوة القديمة والنسبة المعروفة . قال : دع هذا وصفه لي . قلت : ~~هناك ذكاء غالب ، وذهن وقاد ، ويقظة حاضرة ، وسوانح متناصرة ، ومتسع في ~~فنون النظم والنثر ، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة ، وحفظ أيام ~~الناس ، وسماع للمقالات ، وتبصر في الآراء والديانات ، وتصرف في كل فن : ~~إما بالشدو الموهم ، وإما بالتبصر المفهم ، وإما بالتناهي المفحم . فقال : ~~فعلى هذا ما مذهبه ؟ قلت : لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف برهط ، لجيشانه PageV01P200 ~~"""""" صفحة رقم 201 """""" # بكل شيء ، وغليانه في كل باب . ولاختلاف ما ms134 يبدو من بسطة تبيانه ، وسطوته ~~بلسانه ، وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا ، وصادف بها جماعة لأصناف العلم ~~وأنواع الصناعة ؛ منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستي ، ويعرف بالمقدسي ، ~~وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم ، ~~فصحبهم وخدمهم ؛ وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة ، وتصافت بالصداقة ، ~~واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة ، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم ~~قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته ، وذلك أنهم قالوا ~~: الشريعة قد دنست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ؛ ولا سبيل إلى غسلها ~~وتطهيرها إلا بالفلسفلة ، وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية ، والمصلحة ~~الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية ~~فقد حصل الكمال ؛ وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة : علميها ~~وعمليها ، وأفردوا لها فهرستا وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ، ~~وكتموا أسماءهم ، وبثوها في الوراقين ، ولقنوها للناس ، وادعوا أنهم ما ~~فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله عز وجل وطلب رضوانه ليخلصوا الناس من الآراء ~~الفاسدة التي تضر النفوس ، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها ، والأفعال ~~المذمومة التي يشقى بها أهلها ؛ وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية والأمثال ~~الشرعية والحروف المحتملة والطرق الموهمة . فقال : هل رأيت هذه الرسائل ؟ ~~قلت : قد رأيت جملة منها ، وهي مبثبوتة من كل فن نتفا بلا إشباع ولا كفاية ~~، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات ؛ وقد غرق PageV01P201 ~~"""""" صفحة رقم 202 """""" # الصواب فيها لغلبة الخطأ عليها ؛ وحملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان ~~المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه ونظر فيها أياما واختبرها ~~طويلا ؛ ثم ردها علي وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا ~~وما وردوا ، وغنوا وما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا ففلفلوا ؛ ظنوا ما ~~لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ؛ ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة - التي ~~هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة ، والموسيقى التي ~~هي معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان ، والمنطق الذي هو اعتبار ~~الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات - في الشريعة ، وأن يضموا الشريعة ~~للفلسفة . وهذا مرام دونه حدد ؛ وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم ms135 كانوا أحد ~~أنيابا ، وأحضر أسبابا ، وأعظم أقدارا ، وأرفع أخطارا ، وأوسع قوى ، وأوثق ~~عرا ، فلم يتم لهم ما أرادوه ، ولا بلغوا منه ما أملوه ؛ وحصلوا على لوثات ~~قبيحة ، ولطخات فاضحة ، وألقاب موحشة ، وعواقب مخزية ، وأوزار مثقلة . فقال ~~له البخاري أبو العباس : ولم ذلك أيها الشيخ ؟ قال : إن الشريعة مأخوذة عن ~~الله - عز وجل - بوساطة السفير بينه وبين الخلق من طريق الوحي ، وباب ~~المناجاة ، وشهادة الآيات ، وظهور المعجزات ، إلى ما يوجبه العقل تارة ، ~~ويجوزه تارة ، لمصالح عامة متقنة ، ومراشد تامة مبينة ؛ وفي أثنائها ما لا ~~سبيل إلى البحث عنه ، والغوص فيه ؛ ولابد من التسليم للداعي إليه ، والمنبه ~~عليه ؛ وهناك يسقط ' لم ' PageV01P202 ~~"""""" صفحة رقم 203 """""" # ويبطل ' كيف ' ، ويزول ' هلا ' ويذهب ' لو ' و' ليت ' في الريح ، لأن هذه ~~المواد عنها محسومة ، واعتراضات المعترضين عليها مردودة ، وارتياب ~~المرتابين فيها ضار ، وسكون الساكنين إليها نافع ؛ وجملتها مشتملة على ~~الخير ، وتفصيلها موصول بها على حسن التقبل ، وهي متداولة بين متعلق بظاهر ~~مكشوف ، ومحتج بتأويل معروف ؛ وناصر باللغة الشائعة ، وحام بالجدل المبين ، ~~وذاب بالعمل الصالح ، وضارب للمثل السائر ، وراجع إلى البرهان الواضح ، ~~ومتفقه في الحلال والحرام ، ومستند إلى الأثر والخبر المشهورين بين أهل ~~الملة ، وراجع إلى اتفاق الأمة . وأساسها على الورع والتقوى ، ومنتهاها إلى ~~العبادة وطلب الزلفى . ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات ~~الأفلاك ومقادير الأجرام ومطالع الطوالع ومغارب الغوارب . ولا حديث تشاؤمها ~~وتيامنها ، وهبوطها وصعودها ، ونحسها وسعدها ، وظهورها واستسرارها ، ~~ورجوعها واستقامتها ، وتربيعها وتثليثها ، وتسديسها ومقارنتها . ولا حديث ~~صاحب الطبيعة الناظر في آثارها ، وأشكال الأسطقسات ، بثبوتها وافتراقها ، ~~وتصريفها في الأقاليم والمعادن والأبدان ، وما يتعلق بالحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة ؛ وما الفاعل وما المنفعل منها ؛ وكيف تمازجها وتزاوجها ~~، وكيف تنافرها وتسايرها ؛ وإلى أين تسري قواها ، وعلى أي شيء يقف منتهاها ~~. ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها ~~وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومقاطعها ، وما الكرة ؟ وما الدائرة ؟ وما ~~المستقيم ؟ وما المنحنى ؟ ولا فيها حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ، ~~ومناسب الأسماء والحروف والأفعال ؛ وكيف ارتباط بعضها ms136 ببعض على موضوع رجل ~~من يونان حتى يصح بزعمه الصدق ، وينبذ الكذب . وصاحب المنطق يرى أن الطبيب ~~والمنجم والمهندس وكل من فاه بلفظ وأم غرضا فقراء إليه ، محتاجون إلى ما في يديه . PageV01P203 # """""" صفحة رقم 204 """""" # قال : فعلى هذا كيف يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة ~~تجمع حقائق الفلسفة في طريق الشريعة ؟ على أن وراء هذه الطوائف جماعة أيضا ~~لهم مآخذ من هذه الأغراض ، كصاحب العزيمة وصاحب الطلسم وعابر الرؤيا ومدعي ~~السحر وصاحب الكيمياء ومستعمل الوهم . قال : ولو كانت هذه جائزة وممكنة ~~لكان الله تعالى نبه عليها ، وكان صاحب الشريعة يقوم شريعته بها ، ويكملها ~~باستعمالها ، ويتلافى نقصها بهذه الزيادة التي يجدها في غيرها ، أو يخص ~~المتفلسفين على إيضاحها بها ويتقدم إليهم بإتمامها ، ويفرض عليهم القيام ~~بكل ما يذب به عنها حسب طاقتهم فيها ، ولم يفعل ذلك بنفسه ، ولا وكله إلى ~~غيره من خلفائه والقائمين بدينه ؛ بل نهى عن الخوض في هذه الأشياء ، وكره ~~إلى الناس ذكرها ، وتوعدهم عليها ، وقال : من أتى عرافا أو طارقا أو حازيا ~~أو كاهنا أو منجما يطلب غيب الله منه فقد حارب الله ، ومن حارب الله حرب ، ~~ومن غالبه غلب ، حتى قال : لو أن الله حبس عن الناس القطر سبع سنين ثم ~~أرسله لأصبحت طائفة به كافرين . ويقولون : مطرنا بنوء المجدح ، فهذا كما ~~ترى ، والمجدح : الدبران . ثم قال : ولقد اختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف ~~في الأصول والفروع ، وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من ~~الأحكام ، والحلال والحرام ، والتفسير والتأويل ، والعيان والخبر ، والعادة ~~والاصطلاح ؛ فما فزعوا في شيء من ذلك إلى منجم ولا طبيب ولا منطقي ولامهندس ~~ولا موسيقي ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء ، لأن الله تعالى تمم الدين ~~بنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى ~~بيان موضوع بالرأي . قال : وكما لم نجد في هذه الأمة من يفزع إلى أصحاب ~~الفلسفة في شيء من دينها ، فكذلك أمة عيسى عليه السلام وهي النصارى ، وكذلك ~~المجوس . PageV01P204 # """""" صفحة رقم 205 ms137 """""" # قال : ومما يزيدك وضوحا ويريك عجبا أن الأمة اختلفت في آرائها ومذاهبها ~~ومقالاتها فصارت أصنافا فيها وفرقا ؛ كالمرجئة والمعتزلة والشيعة والسنية ~~والخوارج ، فما فزعت طائفة من هذه الطوائف إلى الفلاسفة ، ولا حققت مقالتها ~~بشواهدهم وشهادتهم ، ولا اشتغلت بطريقتهم ، ولا وجدت عندهم ما لم يكن عندها ~~بكتاب ربها وأثر نبيها . وهكذا الفقهاء الذين اختلفوا في الأحكام من الحلال ~~والحرام منذ أيام الصدر الأول إلى يومنا هذا لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة ~~فاستنصروهم ، ولا قالوا لهم : أعينونا بما عندكم ؛ واشهدوا لنا أو علينا ~~بما قبلكم . قال : فأين الدين من الفلسفة ؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي ~~النازل ، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل ؟ فإذ أدلوا بالعقل فالعقل موهبة ~~من الله جل وعز لكل عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ما يعلوه ، كما لا يخفى به ~~عليه ما يتلوه ، وليس كذلك الوحي ، فإنه على نوره المنتشر ، وبيانه الميسر ~~. قال : وبالجملة ، النبي فوق الفيلسوف ، والفيلسوف دون النبي ؛ وعلى ~~الفيلسوف أن يتبع النبي ، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف ، لأن النبي ~~مبعوث ، والفيلسوف مبعوث إليه . قال : ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي ~~فائدة ولا غناء ، على أن منازل الناس متفاوتة في العقل ، وأنصباؤهم مختلفة ~~فيه ؛ فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا نصنع ، وليس العقل بأسره ~~لواحد منا ، وإنما هو لجميع الناس ، فإن قال قائل بالعبث والجهل : كل عاقل ~~موكول إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره ، لأنه مكفي به ~~، وغير مطالب بما زاد عليه . قيل له : كفاك تماديا في هذا الرأي أنه ليس لك ~~فيه موافق ، ولا عليه مطابق ؛ ولو استقل إنسان واحد بعقله في جميع حالاته ~~في دينه ودنياه لاستقل أيضا بقوته في جميع حاجاته في دينه ودنياه ، ولكان ~~وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف ، وكان لا يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه ؛ ~~وهذا قول مزدول ورأي مخذول . قال البخاري : وقد اختلفت أيضا درجات النبوة ~~بالوحي ، وإذا ساغ هذا الاختلاف في الوحي ولم يكن ذلك ثالما له ، ساغ أيضا ~~في العقل ولم ms138 يكن مؤثرا فيه . PageV01P205 # """""" صفحة رقم 206 """""" # فقال : يا هذا ، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة ~~بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة ، وأكملهم بما ~~ألبسهم من شعار النبوة ؛ وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين ~~بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعد من الثقة والطمأنينة إلا في الشيء القليل ~~والنزر اليسير ؛ وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلم بين . قال ~~الوزير : أفما سمع شيئا من هذا المقدسي ؟ قلت : بلى قد ألقيت هذا وما أشبهه ~~بالزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الوراق ~~في الوراقين ، فسكت ، وما رآني أهلا للجواب ؛ لكن الحريري غلام ابن طرارة ~~هيجه يوما في الوراقين بمثل هذا الكلام ، فاندف فقال : الشريعة طب المرضى ، ~~والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبون للمضرى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى ~~يزول المرض بالعافية فقط . فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها ~~حتى لا يعتريهم مرض أصلا ، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر ~~مكشوف ، لأن غاية مدبر المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ~~ناجعا ، والطبع قابلا ، والطبيب ناصحا . وغاية مدبر الصحيح أن يحفظ الصحة ، ~~وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل ، وفرغه لها ، وعرضه لاقتنائها ؛ ~~وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، ومتبوىء الدرجة العليا ؛ وقد صار ~~مستحقا للحياة الإليهة ؛ والحياة الإلهية من الخلود والديمومة والسرمدية . ~~فإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضا ؛ فليست تلك الفضائل من ~~جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية ، والأخرى برهانية ؛ وهذه مظنونة ، ~~وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية ، وهذه جسمية ، وهذه دهرية ، وهذه زمانية . ~~وقال أيضا : إنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة ~~، وإن كانت الشريعة جاحدة لها ؛ وإنما جمعنا أيضا بينهما لأن الشريعة عامة ~~، والفلسفة خاصة ، والعامة قوامها بالخاصة ، كما أن الخاصة تمامها بالعامية ~~؛ وهما متطبقتان إحداهما على الأخرى ، لأنها كالظهارة التي لا بد لها من ~~البطانة ، وكالبطانة التي لابد لها من الظهارة . PageV01P206 # """""" صفحة رقم 207 """""" # فقال له الحريري : أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه ms139 كلامك ~~فمثل لا يعبر به غيرك ومن كان في مشكل ، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو ~~الذي يجمع بين الأمرين ، أعني أنه يبرىء المريض من مرضه ، ويحفظ الصحيح على ~~صحته ؛ فأما أن يكون ها هنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح ، والآخر يعالج ~~المريض ، فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت ؛ وهو شيء خارج عن العادة ، فمثلك ~~مردود عليك ، وتشنيعك فاضح لك ، وكل أحد يعلم أن التدبير في حفظ الصحة ودفع ~~المرض - وإن كان بينهما فرق - واحد ، فالطب يجمعهما ، والطبيب الواحد يقوم ~~بهما وبشرائطهما . وأما قولك في الفصل الثاني : إن أحدى الفضيلتين تقليدية ~~، والأخرى برهانية ، فكلام مدخول ، لأنك غلطت على نفسك ؛ ألا تعلم ان ~~البرهانية هي الواردة بالوحي ، الناظمة للرشد ، الداعية إلى الخير ، ~~الواعدة بحسن المآب ؛ وأن التقليدية هي المأخوذة من المقدمة والنتيجة ، ~~والدعوى التي يرجع فيها إلى من ليس بحجة ، وإنما هو رجل قال شيئا فوافقه ~~آخر وخالفه آخر ، فلا الموافق له يرجع إلى الوحي ، ولا المخالف له يستند ~~إلى حق ؛ والعجب أنك جعلت الشريعة من باب الظن ، وهي بالوحي ، وجعلت ~~الفلسفة من باب اليقين ، وهي من الرأي . وأما قولك : هذه روحانية - تعني ~~الفلسفة - وهذه جسمية - تعني الشريعة - فزخرفة لا تستحق الجواب ، ولمثل هذا ~~فليعمل المزخرفون ؛ على أنا لو قلنا : بل الشريعة هي الروحانية ، لأنها صوت ~~الوحي ، والوحي من الله عز وجل ، والفلسفة هي الجسمية ، لأنها برزت من جهة ~~رجل باعتبار الأجسام والأعراض ، وما هذا شأنه فهو بالجسم أشبه ، وعن لطف ~~الروح أبعد لما أبعدنا . وأما قولك : الفلسفة خاصة والشريعة عامة ، فكلام ~~ساقط لا نور عليه ، لأنك تشير به إلى أن الشريعة يعتقدها قوم - وهم العامة ~~- والفلسفة ينتحلها قوم - وهم الخاصة - فلم جمعتم رسائل إخوان الصفاء ~~ودعوتم الناس إلى الشريعة وهي لا تلزم إلا للعامة ، ولم تقولوا للناس : من ~~أحب أن يكون من العامة فليتحل بالشريعة ، فقد ناقضتم ، لأنكم حشوتم مقالتكم ~~بآيات من كتاب الله تزعمون بها أن الفلسفة مدلول عليها بالشريعة ، ثم ~~الشريعة مدلول عليها بالمعرفة ، ثم هأنت تذكر ms140 أن هذه للخاصة ؛ وتلك للعامة ~~؛ فلم جمعتم بين PageV01P207 ~~"""""" صفحة رقم 208 """""" # مفترقين ، ومزقتم بين مجتمعين ؛ هذا والله الجهل المبين ، والخرق المشين ~~. وأما قولك : إنا جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة ~~، وإن كانت الشريعة جاحدة للفلسفة ، فهذه مناقضة أخرى ، وإني أظن أن حسك ~~كليل ، وعقلك عليل ، لأنك قد أوضحت عذر أصحاب الشريعة ، إذ جحدوا الفلسفة ، ~~وذلك أن الشريعة لا تذكرها ، ولا تخص على الدينونة بها ؛ ومع ذلك فليس لهم ~~علم بأن الفلسفة قد حثت على قبول الشريعة ، ونهت عن مخالفتها ، وسمتها ~~بالناموس الحافظ لصلاح العالم . ثم قال الحريري : حدثني أيها الشيخ : على ~~أي شريعة دلت الفلسفة ؟ أعلى اليهودية ، أم على النصرانية ، أم على ~~المجوسية ، أم على الإسلام ، أم ما عليه الصابئون ؟ فإن ها هنا من يتفلسف ~~وهو نصراني كابن زرعة وابن الخمار وأمثالهما ، وها هنا من يتفلسف وهو يهودي ~~، كأبي الخير بن يعيش ، وها هنا من يتفلسف وهو مسلم ، كأبي سليمان ~~والنوشجاني وغيرهما ؛ أفتقول إن الفلسفة أباحت لكل طائفة من هذه الطوائف أن ~~تدين بذلك الدين الذي نشأت عليه ؟ ودع هذا ليخاطب غيرك ، فإنك من أهل ~~الإسلام بالهدى والجبلة والمنشأ والوراثة ؛ فما بالنا لا نرى واحدا منكم ~~يقوم بأركان الدين ، ويتقيد بالكتاب والسنة يراعي معالم الفريضة ووظائف ~~النافلة ؟ وأين كان الصدر الأول من الفلسفة ؟ أعني الصحابة ، وأين كان ~~التابعون منها ؟ ولم خفي هذا الأمر العظيم - مع ما فيه من الفوز والنعيم - ~~على الجماعة الأولى والثانية والثالثة إلى يومنا هذا وفيهم الفقهاء والزهاد ~~والعباد وأصحاب الورع والتقى ، والناظرون في الدقيق ودقيق الدقيق وكل ما ~~عاد بخير عاجل وثواب آجل ، PageV01P208 ~~"""""" صفحة رقم 209 """""" # هيهات لقد أسررتم الحشو في الارتغاء واستقيتم بلا دلو ولا رشاء ، ودللتم ~~على فسولتكم وضعف منتكم وأردتم أن تقيموا ما وضعه الله ، وتضعوا ما رفعة ~~الله ، والله لا يغالب ؛ بل هو غالب على أمره ، فعال لما يريد . قد حاول ~~هذا الكيد خلق في القديم والحديث ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وكبوا ~~لوجوههم خاسرين ؛ منهم أبو زيد البلخي ؛ فإنه ادعى ms141 أن الفلسفة مقاودة ~~للشريعة ، والشريعة مشاكلة للفلسفة ، وأن إحداهما أم والأخرى ظئر ، وأظهر ~~مذهب الزيدية ، وانقاد لأمير خراسان الذي كتب له أن يعمل في نشر الفلسفة ~~بشفاعة الشريعة ، ويدعو الناس إليها باللطف والشفقة والرغبة ، فشتت الله ~~كلمته ، وقوض دعامته ، وحال بينه وبين إرادته ، ووكله إلى حوله وقوته ، فلم ~~يتم له من ذلك شيء . وكذلك رام أبو تمام النيسابوري ، وخدم الطائفة ~~المعروفة بالشيعية ولجأ إلى مطرف بن محمد وزير مرداويج الجيلي ليكون له به ~~قوة ، وينطق بما في نفسه من هذه الجملة ، فما زادته إلا صغرا في قدره ، ~~ومهانة في نفسه ، وتواريا في بيته ؛ وهذا بعينه قصد العامري فما زال مطرودا ~~من صقع إلى صقع ينذر دمه ويرتصد قتله ، فمرة يتحصن بفناء ابن العميد ، ومرة ~~يلجأ إلى صاحب الجيش بنيسابور ، ومرة يتقرب إلى العامة بكتب يصنفها في نصرة ~~الإسلام ، وهو على ذلك يتهم ويقرف بالإلحاد ؛ وبقدم العالم واللاكم في ~~الهيولى والصورة والزمان والمكان ، وما أشبه هذا من ضروب الهذيان التي ما ~~أنزل الله PageV01P209 ~~"""""" صفحة رقم 210 """""" # بها كتابه ، ولا دعا إليها رسوله ، ولا أفاضت فيها أمته . ومع ذلك يناغي ~~صاحب كل بدعة ؛ ويجلس إليه كل منهم ؛ ويلقي كلامه إلى كل من ادعى باطنا ~~للظاهر وظاهرا للباطن . وما عندي أن الأئمة الذين يأخذ عنهم ويقتبس منهم ، ~~كأرسطوطاليس وسقراط وأفلاطون ، رهط الكفر ذكروا في كتبهم حديث الظاهر ~~والباطن ، وإنما هذا من نسج القداحين في الإسلام ، الساترين على أنفسهم ما ~~هم فيه من التهم ؛ وهذا بعينه دبره الهجريون بالأمس ، وبهذا دندن الناجمون ~~بقزوين وبثوا الدعاة في أطراف الأرض ، وبذلوا الرغائب وفتنوا النفوس . وقد ~~سمعنا تأويلات هذه الطوائف لآيات القرآن في قوله عز وجل : ' انطلقوا إلى ظل ~~ذي ثلاث شعب ' وفي قوله تعالى : ' عليها تسعة عشر ' وفي قوله تعالى : ' ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ' إلى غير ذلك ~~مما يطول ويعول فدعونا من التورية والحيلة والإيهام والكناية عن شيء لا ~~يتصل بالإرادة ، والإرادة لشيء لا يتصل بالتصريح ، فالناس ألقد لأديانهم ms142 ~~وأحرص على الظفر ببغيتهم من الصيارفة لدنانيرهم ودراهمهم . فلما انبهر ~~المقدسي بما سمع وكاد يتفرى إهابه من الغيظ والعجز وقلة الحيلة قال : الناس ~~أعداء ما جهلوا ، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ويطرح الشحناء ~~ويقدح زند الفتنة . PageV01P210 # """""" صفحة رقم 211 """""" # ثم كر الحريري كر المدل وعطف عطفة الواثق بالظفر ، فقال : يا أبا سليمان ~~، من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى انقلبت حية ، وأن البحر انفلق ، وأن ~~يدا خرجت بيضاء من غير سوء ، وأن بشرا خلق من تراب ، وأن آخرته ولدته أنثى ~~من غير ذكر ، وأن نارا مؤججة طرح فيها إنسان فصارت له بردا وسلاما ، وأن ~~رجلا مات مائة عام ثم بعث فنظر إلى طعامه وشرابه على حاليهما لم يتغيرا ، ~~وأن قبرا تفقأ عن ميت حيى ، وأ طينا دبر فنفخ فيه فطار ، وأن قمرا انشق ، ~~وأن جذعا حن ، وأن ذئبا تكلم ، وأن ماء نبع من أصابع فروى منه جيش عظيم ، ~~وأن جماعة شبعت من ثريدة في قدر جسم قطاة ؟ وعلى هذا ، إن كنتم تدعون إلى ~~شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها ~~صحيحة ثابتة كائنة لا ريب فيها ولا مرية ، من غير تأويل ولا تدليس ، ولا ~~تعليل ولا تلبيس ، وأعطونا خطكم بأن الطبائع تفعل هذا كله ، والمواد تواتى ~~له ، والله تعالى يقدر عليه ؛ ودعوا التورية والحيلة والغيلة والظاهر ~~والباطن ، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة ، ولا الشريعة من فن الفلسفة ، ~~وبينهما يرمي الرامي ويهمي الهامي ؛ على أنا ما وجدنا الديانين من ~~المتألهين من جميع الأديان يذكرون أن أصحاب شرائعهم قد دعوا إلى الفلسفة ~~وأمروا بطلبها واقتباسها من اليونانيين هذا موسى وعيسى وإبراهيم وداود ~~وسليمان وزكريا ويحيى إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لم نحق من يعزو ~~إليهم شيئا من هذا الباب ، ويعلق عليهم هذا الحديث . قال الوزير : ما عجبي ~~من جميع هذا الكلام إلا من أبي سليمان في هذا الاستحقار والتغضب ، ~~والاحتشاد والتعصب ؛ وهو رجل يعرف بالمنطقي ، وهو من غلمان يحيى بن عدي ~~النصراني ms143 ، ويقرأ عليه كتب يونان ، وتفسير دقائق كتبهم بغاية البيان . فقلت ~~: إن أبا سليمان يقول : إن الفلسفة حق لكنها ليست من الشريعة في شيء ، ~~والشريعة حق لكنها ليست من الفلسفة في شيء ، وصاحب الشريعة مبعوث ، وصاحب ~~الفلسفة مبعوث إليه ، وأحدهما مخصوص بالوحي ، والآخر مخصوص ببحثه ، والأول مكفي ، PageV01P211 ~~"""""" صفحة رقم 212 """""" # والثاني كادح ، وهذا يقول : أمرت وعلمت ، وقيل لي ، وما أقول شيئا من ~~تلقاء نفسي ؛ وهذا يقول : رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت ؛ وهذا يقول : نور ~~العقل أهتدي به ؛ وهذا يقول : معي نور خالق الخلق أمشي بضيائه ؛ وهذا يقول ~~: قال الله تعالى ، وقال الملك ؛ وهذا يقول : قال أفلاطن وسقراط ؛ ويسمع من ~~هذا ظاهر تنزيل ، وسائغ تأويل ، وتحقيق سنة ، واتفاق أمة ؛ ويسمع من الآخر ~~الهيولى والصورة والطبيعة والأسطقس والذاتي والعرضي والأيسي والليسي ، وما ~~شاكل هذا مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا مانوي . ~~ويقول أيضا : من أراد أن يتفلسف فيجب عليه أن يعرض بنظره عن الديانات ، ومن ~~اختار التدين فيجب عليه أن يعرد بعنايته عن الفلسفة ويتحلى بهما مفترقين في ~~مكانين على حالين مختلفين ، ويكون بالدين متقربا إلى الله تعالى ، على ما ~~أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى ، ويكون بالحكمة متصفحا لقدرة الله ~~تعالى في هذا العالم الجامع للزينة الباهرة لكل عين ، المحيرة لكل عقل ، ~~ولا يهدم أحدهما بالآخر . أعني لا يجحد ما ألقي إليه صاحب الشريعة مجملا ~~ومفصلا ، ولا يغفل عما استخزن الله تعالى هذا الخلق العظيم على ما ظهر ~~بقدرته ، واشتمل بحكمته ، واستقام بمشيئته ، وانتظم بإرادته واستتم بعلمه ؛ ~~ولا يعترض على ما يبعد في عقله ورأيه من الشريعة ، وبدائع آيات النبوة ~~بأحكام الفلسفة ، فإن الفلسفة مأخوذة من العقل المقصور على الغاية ، ~~والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من العلم بالقدرة . قال : ولعمري إن هذا ~~صعب ، ولكنه جماع الكلام ، وأخذ المستطاع ، وغاية ما عرض له الإنسان المؤيد ~~باللطائف ، المزاح بالعلل وبضروب التكاليف . قال : ومن فضل نعمة الله تعالى ~~على هذا الخلق أنه نهج لهم سبيلين ونصب لهم علمين ، وأبان ms144 لهم نجدين ليصلوا ~~إلى دار رضوانه إما بسلوكهما وإما بسلوك أحدهما . PageV01P212 # """""" صفحة رقم 213 """""" # فقال له البخاري : فهلا دل الله على الطريقين اللذين رسمتهما في هذا ~~المكان ؟ قال : ودل وبين ، ولكنك عم ، أما قال : ' وما يعقلها إلا العالمون ~~' ؟ وفي فحوى هذا وما يعلمها إلا العالمون ؟ فقد وصل العقل بالعلم ، كما ~~وصل العلم بالعقل ، لأن كمال الإنسان بهما ، ألا ترى أن العاقل متى عري من ~~العلم قل انتفاعه بعقله ؟ كذلك العالم متى خلي من العقل بطل انتفاعه بعلمه ~~، أما قال : ' وما يتذكر إلا أولوا الألباب ' ؟ أما قال : ' فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار ' ؟ أما قال : ' أفلا يتدبرون القرآن ' ؟ أما ذم قوما حين قال ~~: ' يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ' ؟ أفما قال : ~~' أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها ' أما قال : ' وكأين من آية في السموات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون ' ؟ أما قال : ' إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ' ؟ وكتاب الله عز وجل محيط بهذا كله ، وإنما ~~تقاد إلى طاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هذا فيما لا يناله عقلك ، ~~ولا يبلغه ذهنك ، ولا يعلو إليه فكرك ، فأمرك باتباعه والتسليم له ، وإنما ~~دخلت الآفة من قوم دهريين ملحدين ركبوا مطية الجدل والجهل ، ومالوا إلى ~~الشغب بالتعصب ، وقابلوا الأمور بتحسينهم وتقبيحهم وتهجينهم ، وجهلوا أن ~~وراء ذلك ما يفوت ذرعهم ، ويتخلف عن لحاقه رأيهم ونظرهم ، ويعمي دون كنه ~~ذلك بصرهم ؛ وهذه الطائفة معروفة ، منهم صالح بن عبد القدوس ، وابن أبي ~~العوجاء ، ومطر بن أبي الغيث ، وابن الراوندي ، والحصري ، فإن هؤلاء طاحوا ~~في أودية الضلالة ، واستجروا إلى جهلهم أصحاب الخلاعة والمجانة . فقال ~~البخاري : فما الذي تركت بهذا الوصف للذين جمعوا بين الفلسفة والديانة ؛ ~~ووصلوا هذه بهذه على طريق الظاهر والباطن ، والخفي والجلي ، والبادي ~~والمكتوم ؟ قال : تركت لهم الطويل العريض ، القوم زعموا أن الفلسفة مواطئة ~~للشريعة ، والشريعة موافقة للفلسفة ؛ ولا فرق بين قول ms145 القائل : قال النبي ، ~~وقال الحكيم ، وأن أفلاطون PageV01P213 ~~"""""" صفحة رقم 214 """""" # ما وضع كتاب النواميس إلا لنعلم كيف نقول ؟ وبأي شيء نبحث ، وما الذي ~~نقدم ونؤخر ، وأن النبوة فرع من فروع الفلسفة ، وأن الفلسفة أصل علم العالم ~~، وأن النبي محتاج إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم ، والحكيم غني عنه ؛ ~~هذا وما أشبهه ؛ وأن صاحب الدين له أن يعين ويوري ويشير ويكني حتى تتم ~~المصلحة ، وتنتظم الكلمة ، وتتفق الجماعة ، وتثبت السنة ، وتحلو المعيشة ، ~~وحتى قال قائل منهم : أوائل الشريعة أمور مبتدعة ، ووسائطها سنن متبعة ، ~~وأواخرها حقوق منتزعة ، وإن هذا النعت من قولي : إن الشريعة إلهية ، ~~والفلسفة بشرية ، أعني أن تلك بالوحي ، وهذه بالعقل ، وأن تلك موثوق بها ~~ومطمأن إليها ، وهذه مشكوك فيها مضطرب عليها . قال له البخاري : فلم لم ~~ينهج صاحب الشريعة هذه الطريق ، وكان يزول هذا الخصام ، وينتفي هذا الظن ، ~~وتكسد هذه السوق ؟ فقال : إن صاحب الشريعة مستغرق بالنور الإلهي ، فهو ~~محبوس على ما يراه ويبصره ، ويجده وينظره ، لأنه مأخوذ بما شهده بالعيان ~~وأدركه بالحس وناله بوديعة الصدر عن كل ما عداه ، فلهذا يدعو إلى اقتباس ~~كماله الذي حصل له ، ولا يسعد بدعوته إلا من وفق لإجابته ، وأذعن لطاعته ، ~~واهتدى بكلمته ، والفلسفة كمال بشري ، والدين كمال إلهي ، والكمال الإلهي ~~غني عن الكمال البشري ، والكمال البشري فقير إلى الكمال الإلهي ، فهذا هذا ~~، وما أمر الله عز وجل بالاعتبار ، ولا حث على التدبير ، ولا حرك القلوب ~~إلى الاستنباط ، ولا حبب إلى القلوب البحث في طلب المكنونات ، إلا ليكون ~~عباده حكماء ألباء أتقياء أذكياء ، ولا أمر بالتسليم ولا حظر الغلو ~~والإفراط في التعمق إلا ليكون عباده لاجئين إليه متوكلين عليه ، معتصمين به ~~، خائفين منه ، راجين له ، يدعونه خوفا وطمعا ، ويعبدونه رغبا ورهبا ، فبين ~~ما بين حرصا على معرفته وعبادته ، وطاعته وخدمته ، وأخفى ما أخفى لتدوم ~~حاجتهم إليه ، ولا يقع الغنى عنه ، وبالحاجة يقع الخضوع والتجرد ، ~~وبالاستغناء يعرض التجبر والتمرد ؛ وهذه أمور جارية بالعادة ، وثابتة ~~بالسيرة الجائرة والعادلة ؛ ولا سبيل إلى دفعها ورفعها ms146 وإنكارها وجحدها ، ~~فلهذا لزم كل من أدرك بعقله شيئا أن يتمم نقصه بما يجده عند من أدرك ما ~~أدرك بوحي من ربه . وقال أيضا : مما يؤكد هذه الجملة أن الشريعة قد أتت على ~~معقول كثير ، بنور الوحي PageV01P214 ~~"""""" صفحة رقم 215 """""" # المنير ، ولم تأتي الفلسفة على شيء من الوحي لا كثير ولا قليل : قال : ~~وليس ليونان نبي يعرف ، ولا رسولق من قبل الله صادق ، وإنما كانوا يفزعون ~~إلى حكمائهم في وضع ناموس يجمع مصالح حياتهم ونظام عيشهم ومنافع أحوالهم في ~~عاجلتهم ، وكانت ملوكهم تحب الحكمة وتؤثر أهلها ، وتقدم من تحلى بجزء من ~~أجزائها ، وكان ذلك الناموس يعمل به ويرجع إليه ، حتى إذا أبلاه الزمان ، ~~وأخلقه الليل والنهار ، عادوا فوضعوا ناموسا آخر جديدا بزيادة شيء على ما ~~تقدم أو نقصان ، على حسب الأحوال الغالبة على الناس ، والمغلوبة بين الناس ~~، ولهذا لا يقال : إن الإسكندر في أيام ملكه حين سار من المغرب إلى المشرق ~~كانت شريعته كذا وكذا ، وكان يذكر نبيا يقال له : فلان ، أو قال : أنا نبي ~~، ولقد واقع دارا وغيره من الملوك على طريق الغلبة في طريق الغلبة في طلب ~~الملك ، وحيازة الديار وجباية الأموال والسبي والغارة ، ولو كان للنبوة ذكر ~~وللنبي حديث لكان ذلك مشهورا مذكورا ، ومؤرخا معروفا . قال الوزير : هذا ~~كلام عجيب ما سمعت مثله على هذا الشرح والتفصيل ، قلت : إن شيخنا أبا ~~سليمان غزير البحر ، واسع الصدر ، لا يغلق عليه في الأمور الروحانية ~~والأنباء الإلهية والأسرار الغيبية ، وهو طويل الفكرة ، كثير الوحدة ، وقد ~~أوتي مزاجا حسن الاعتدال ، وخاطرا بعيد المنال ، ولسانا فسيح المجال ، ~~وطريقته هذه التي اجتباها مكتنفة بمعارضات واسعة ، وعليها مداخل لخصمائه ، ~~وليس يفي كل أحد بتلخيصه لها ، لأنه قد أفرز الشريعة من الفلسفة ، ثم حث ~~على انتحالهما معا ، وهذا شبيه بالمناقضة . وقد رأيت صاحبا لمحمد بن زكرياء ~~ي هذه الأيام ورد من الري يقال له : أبو غانم الطبيب يشاده في هذا الموضع ~~ويضايقه ، ويلزمه القول بما ينكره على الخصم ، وإذا أذنت رسمت كلامهما في ~~ورقات . فقال ms147 الوزير : قد بان الغرض الذي رمي إليه ، وتقليبه بالجدل لا ~~يزيده إلا إغلاقا ، والقصد معروف ، والوقوف عليه كاف ، ومع هذا فليت حظنا ~~منه كان يتوفر بالتلاقي والاجتماع ، لا بالرواية والسماع ، هات فائدة ~~الوداع ، فقد بلغت في المؤانسة غاية الإمتاع . قلت : أكره أن أختم مثل هذه ~~الفقرة الشريفة بما يشبه الهزل وينافي الجد ، فإن أذنت رويت ما يكون أساسا ~~ودعامة لما تقدم . PageV01P215 # """""" صفحة رقم 216 """""" # قال : هات ما أحببت ، فما عهدنا من روايتك إلا ما يشوقنا إلى رؤيتك . قلت ~~: قال ابن المقفع : عمل الرجل بما يعلم أنه خطأ هوى ، والهوى آفة العفاف ، ~~وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون ، والتهاون آفة الدين ، وإقدامه على ~~ما لا يعلم أصواب هو أم خطأ لجاج ، واللجاج آفة الرأي . فقال - حرس الله ~~نفسه - : ما أكثر رونق هذا الكلام وما أعلى رتبته في كنه العقل اكتبه لنا ، ~~بل اجمع لي جزءا لطيفا من هذه الفقر ، فإنها تروح العقل في الفينة بعد ~~الفينة ، فإن نور العقل ليس يشع في كل وقت ؛ بل يشع مرة ويبرق مرة ، فإذا ~~شع عم نفعه ، وإذا برق خص نفعه وإذا خفي بطل نفعه . قلت : أفعل . فقال : إن ~~كان معك شيء آخر فاذكره ، فإن الحديث الحسن لا يمل ، وما أحسن ما قال خالد ~~بن صفوان ، فإنه قيل له : أتمل الحديث ؟ قال : إنما يمل العتيق . قال : صدق ~~خالد : إن الحديث لا يمل من الزمان إلا فيما يليه ، وإلا يمل في أول زمانه ~~وفاتحة أوانه ، وإنما الملل يعرض بتكرر الزمان وضجر الحس ونزاع الطبع إلى ~~الجديد ، ولهذا قيل : لكل جديد لذة . فحكيت أنه لما تقلد كسرى أنوشروان ~~مملكته عكف على الصبوح والغبوق ، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها : إن في ~~إدمان الملك ضررا على الرعية ، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة . ~~فوقع على ظهر الرقعة بالفارسية بما ترجمته : يا هذا ، إذا كانت سبلنا آمنة ~~، وسيرتنا عادلة ، والدنيا باستقامنا عامرة ، وعمالنا بالحق عاملة ، فلم ~~نمنع فرحة عاجلة ؟ . قال : من حدثك بهذا ؟ قلت : أبو سليمان شيخنا ms148 ، قال : ~~فكيف كان رضاه عن هذا الملك في هذا القول ؟ فقلت : اعترض فقال : أخطأ من ~~وجوه ، أحدها أن الإدمان إفراط ، والإفراط مذموم ؛ والآخر أنه جهل أن أمن ~~السبيل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق PageV01P216 ~~"""""" صفحة رقم 217 """""" # متى لم يوكل بها الطرف الساهر ولم تحط بالعناية التامة ، ولم تحفظ ~~بالاهتمام الجالب لدوام النظام ، دب إليها النقص والنقص باب للانتقاض ، ~~مزعزع للدعامة ، والآخر أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ ~~والتمتع ، فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ~~ما يستوعب أضعاف العمر ، فكيف إذا كان العمر قصيرا ، وكان ما يدعو إليه ~~الهوى كبيرا ؟ والآخر أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتار ~~الملك باللذات ، وانهماكه في طلب الشهوات ، ازدرته واستهانت به ، وحدثت عنه ~~بأخلاق الخنازير وعادات الحمير واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها ~~والقيم بشأنها متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان ، وانتشرت في المحافل ~~، والتفت بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرة للهيبة ، وقلة الهيبة رافعة للحشمة ~~، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة ، والوثبة غير مأمونة من الهلكة ؛ وما ~~خلا الملك من طامع راصد قط وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ~~ولا منازع ، وقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب ، وما أكثر خجل الواثق ~~وما أقل حزم الوامق وما أقل يقظة المائق . ثم قال : وعلى الضد متى كان ~~السائس ذا تحفظ وبحث ، وتتبع وحزم وإكباب على لم الشعث وتقويم الأود وسد ~~الخلل وتعرف المجهول وتحقق المعلوم ورفع المنكر وبث المعروف ، احترست منه ~~العامة والخاصة ، واستشعرت الهيبة ، والتزمت بينها النصفة ، وكفيت كثيرا من ~~معاناتها ومراعاتها ، وإن كان للدولة راصد للغرة يئس من نفوذ الحيلة فيها ، ~~لأن اللص إذا رأى مكانا حصينا وعهد عليه حراسا لم يحدث نفسه بالتعرض له ، ~~وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة ، وبابا إليه طريق ، والأعراض بالأسباب ، وإذا ~~ضعف السبب ضعف العرض ، وإذا انقطع السبب انقطع العرض . فقال - أدام الله ~~أيامه - : هذا كلام كاف شاف . وقال بعد ms149 ذلك : حدثني عما تسمع من العامة في ~~حديثنا . قلت : سمعت بباب الطاق قوما يقولون : اجتمع الناس اليوم على الشط ~~فلما نزل الوزير ليركب المركب صاحوا وضجوا وذكروا غلاء القوت وعوز الطعام ~~وتعذر الكسب PageV01P217 ~~"""""" صفحة رقم 218 """""" # وغلبة الفقر وتهتك صاحب العيال ، وأنه أجابهم بجواب مر مع قطوب الوجه ~~وإظهار التبرم بالاستغاثة : بعد لم تأكلوا النخالة . فقال : والله ما قلت ~~هذا ، ولا خطر لي على بال ، ولم أقابل عامة جاهلة ضعيفة جائعة بمثل هذه ~~الكلمة الخشناء ، وهذا يقوله من طرح الشر وأحب الفساد وقصد التشنيع علي ~~والإيحاش مني ، وهو هذا العدو الكلب ، يعني ابن يوسف كفاني الله شره ، ~~وشغله بنفسه ، ونكس كيده على رأسه ؛ والله لأنظرن لها وللفقراء بمال أطلقه ~~من الخزانة ، وأرسم ببيع الخبز ثمانية بدرهم ، ويصل ذلك إلى الفقراء في كل ~~محلة على ما يذكر شيخها ، ويبيع الباقون على السعر الذي يقوم لهم ، ويشتريه ~~الغني الواجد ؛ ففعل ذلك - أحسن الله جزاءه - على ما عرفت وشاهدت ، وأبلغته ~~بنشر الدعاء له في الجوامع والمجامع بطول البقاء ودوام العلاء وكبت الأعداء ~~ونصر الأولياء . ثم كتبت جزءا من الفقر على ما رسم من قبل ، فلما أوصلته ~~إليه قال لي : اقرأ ، فقرأته عليه ، فقال : صل هذا الجزء بجزء آخر من حديث ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والصحابة وبجزء من الشعر ، وبشيء من معاني ~~القرآن ، فإنه مقدم على كل شيء بحسب ما رفع الله من خطره ، وأحوج إلى فهمه ~~، وندب إلى العمل به ، وأثاب على التفكر فيه والتعجب منه . وعظ رجل من ' ~~جهينة ' ' عمرو بن العاص ' في قصة الحكومة ، فقال عمرو له : ما أنت وذاك يا ~~تيس جهينة ؟ فوالله ما ينفعك الحق ، ولا يضرك الباطل ، فاسكت فإن الظلف لا ~~يجري مع الخف . وقال بعض الحكماء : إن المدن تبنى على الماء والمرعى ~~والمحتطب والحصانة . وقال الشاعر : لاح سهيل في الظلام الدامس . . . كأنه ~~نار بكف القابس PageV01P218 ~~"""""" صفحة رقم 219 """""" # قال ربيعة بن عامر بن مالك في عمرو بن الإطنابة - حين دفع أخته وأخذ أخاه ~~وكان أسيرا في ms150 قومه ، وجعل دفع أخيه إليه صداق أخته ، وهو الذي تسميه العرب ~~المساهاة - : فقد حزمى الذي هديت له ، وعزمى الذي أرشدت إليه . وقال الشاعر ~~: وساهى بها عمرو وراعى إفاله . . . فزبد وتمر بعد ذاك كثير وكانت دية ~~العربي مائة وسق ، ودية الهجين خمسين وسقا ، ودية المولى عشرة أوسق ؛ وكانت ~~العرب تجعل دية المعم المخول مائة بعير ، ودية المولى خمسة وعشرين بعيرا . ~~وقال جرير : رأيت بني نبهان أذناب طيىء . . . وللناس أذناب ترى وصدور ترى ~~شرط المعزى مهور نسائهم . . . وفي شرط المعزى لهن مهور وقال خالد بن جعفر ~~بن كلاب : بل كيف تكفرني هوازن بعدما . . . أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ~~ربهم زهيرا بعدما . . . جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ~~ودياتهم . . . عقل الملوك هجائنا وبكارا وقال جندل بن صخر ، وكان عبدا : ~~وما فك رقى ذات دل خدلج . . . ولا ساق مالي صدقة وعقول PageV01P219 ~~"""""" صفحة رقم 220 """""" # ولكن نماني كل أبيض خضرم . . . فأصبحت أدري اليوم كيف أقول وقتل الكلبي ~~عبد الله بن الجوشن الغعطفاني بقتله ابنه الجراح بن عبد الله رواد ، وكانوا ~~عرضوا عليه الدية ، فقال : شفيت برواد غليلا وجدته . . . على القلب منه ~~مستسر وظاهر ألا ليت قبرا بين أدمي ومطرق . . . يحدثه عني الأحاديث خابر ~~وقالوا نديه من أبيه ونفتدي . . . فقلت : كريم ما تديه الأباعر ألم تر أن ~~المال يذهب دثره . . . وتغبر أقوال وتبقى المعاير أدمى ومطرق غديران بين ~~فدك وبلاد طىء . سئلت ابنة اخس هل يلقح البازل ؟ قالت : نعم وهو رازم ، أي ~~وإن كان لا يقدر على القيام من الضعف والهزال . يقال : جمل بازل وناقة بازل ~~، ويقال : ضربه فبركعه إذا أبركه ، وتبركع ، ويقال : شم لي هذه الإبل ، أي ~~انظر لي خبرها . ويقال لولد كل بهيمة إذا ساء غذاؤه : جحن ومحثل وجذع ، وكل ~~ما غذي بغير أمه يقال له : عجي ، وكذلك الجحن والوغل والسغل كله السيء ~~الغذاء . سئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن ضالة الإبل ، فقال : ما لك ~~ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل من الشجر حتى يأتيها ربها . ~~سئل - عليه السلام - عن ضالة الغنم ms151 ، فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب . قيل ~~له عليه السلام : فاللقطة ؟ قال : تعرفها سنة وتحصي وكاءها ووعاءها PageV01P220 ~~"""""" صفحة رقم 221 """""" # وعفاصها وعددها ؛ فإن جاء صاحبها فأدها إليه . وقال أبي بن كعب : أصبت ~~مائة دينار على عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ' احفظ عفاصها ~~ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها فأخبرك بعددها وعفاصها ووكائها فأدها إليه ~~وإلا فعرفها سنة ، ثم استمتع بها ' . قال علي بن الحسن : خرج رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حتى إذا كان يقف النخلتين قال له الأنصار : يا رسول ~~الله ، هل لك في السباق ؟ قال : نعم وهو يومئذ على النواضح - وكان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسير في أخريات الناس ، وأسامة بن زيد على ~~العضباء ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو في أول الناس - فقال ~~: أين أسامة ؟ فتنادى الناس حتى بلغ أسامة الصوت ، فوضع السوط في الناقة ~~فأقبلت ، فلما دنت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن إخواننا من ~~الأنصار قد أرادوا السباق فأنخ ناقتك حتى ترعو ، ثم علق الخطام ثم سابقهم ؛ ~~ففعل واستبقوا ، فسبقت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجعل أسامة ~~يكبر ويقول : سبق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورسول الله يقول : ~~سبق أسامة ، فلما أكثر من ذلك قال له : أقصر يا أسامة ، فإن إخواننا من ~~الأنصار فيهم حياء وحفيظة . قال : وليس لشيء من الحيوان سنام إلا البعير ، ~~ولبعض البخاتي سنامان ، ولبعض البقر شيء صغير على موضع الكاهل . والجمل ~~يبول إلى خلف ، وكذلك الأسد . وقضيب الجمل من عصب ، وقضيب الإنسان من لحم ~~وغضروف ، وقضيب الذئب والثعلب من عظم ، وقضيب ذكر الأرانب من عظم على صورة ~~الثقب كأنه نصف أنبوبة مشقوقة . وفي قلب الثور عظم ، وربما وجد في قلب ~~الجمل . والمرأة تلد من قبل ، والناقة من خلف . وزمان نزو الجمال في شباط . ~~والإناث من الإبل تحمل اثني عشر شهرا وتضع واحدا وتلقح إذا بلغت ثلاث سنين ~~، وكذلك الذكر ، ثم تقيم الأنثى سنة ثم ينزى عليها . وزعم صاحب المنطق أن ms152 ~~الجمل لا ينزو على أمه ، وإن اضطر كرهه . قال : وقد كان رجل في الدهر ~~السالف ستر الأم بثوب ثم أرسل بكرا عليها ، فلما PageV01P221 ~~"""""" صفحة رقم 222 """""" # عرف ذلك لم يتم وقطع ، وحقد على الجمال فقتله . قال : وقد كان لملك فرس ~~أنثى ، وكان لها أفلاء ، فأراد أن تحمل من أكرمها ، فصد عنها وكرهها ، فلما ~~سترت وثب فركبها ، فلما رفع الثوب ورآها هرب ومر حضرا حتى ألقى نفسه في بعض ~~الأودية فهلك . . . . . هذا كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه . قال حذيفة : كن في الفتنة كابن البون ، لا ظهر فيركب ، ولا لبن ~~فيحلب . قال ديوجانس : إن المرأة تلقن الشر من المرأة ، كما أن الأفعى تأخذ ~~السم من الأصلة . وقال فيثاغورس : إن كثيرا من الناس يرون العمى الذي يعرض ~~لعين البدن فتأباه أنفسهم ، فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه ~~أنفسهم ، فلذلك لا يستحيون . وقال أيضا : كما أن الذي يسلك طريقا لا يعرفه ~~لا يدري إلى أي موضع يؤديه ، كذلك الذي يسمع كلاما لا يعرف الغرض فيه لا ~~يربح منه إلا التعب . قيل لديوجانس : أيهما أولى ، طلب الغنى ، أم طلب ~~الحكمة ؟ فقال : للدنيا الغنى ، وللآخرة الحكمة . وقيل له : متى تطيب ~~الدنيا ؟ قال : إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها . فقال الوزير - أسعده الله ~~- عندي أن هذا الكلام مدخول ، لأن الفلسفة لا تصح إلا لمن رفض الدنيا وفرغ ~~نفسه للدار الآخرة ، فكيف يكون الملك رافضا للدنيا وقاليا لها ، وهو محتاج ~~إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها ، وله أولياء ~~يحتاج إلى تدبيرهم وإقامة أبنيتهم والتوسعة عليهم ومواكلتهم ومشاربتهم ~~ومداراتهم والإشراف على سرهم وعلانيتهم ، والملك أتعب من الطبيب الذي يجمع ~~معالجة كثيرة بضروب الأدوية المختلفة والأغذية المتباينة ؛ هذا والطبيب ~~فقير إلى تقديم النظر في نفسه وبدنه ، ونفي الأمراض والأغراض عن ظاهره ~~وباطنه ، ومن كان هكذا ومن هو أكثر منه PageV01P222 ~~"""""" صفحة رقم 223 """""" # وأشد حاجة وعلاقة كيف يستطيع أن يكون ملكا وحكيما ؟ ولعل قائلا يظن هذا ~~ممكنا ، ويكون الملك واعيا في ms153 الحكمة بالدعوى ، وقائما بالملك على طريق ~~الأولى ، وهذا إلى التياث الأمر واختلاله واختلاطه في الملك والفلسفة أقرب ~~منه إلى إحكام الأصل وإثبات الفرع . قال : ولهذا لم نجد نحن في الإسلام من ~~نظر في أمر الأمة على الزهد والتقى وإيثار البر والهدى إلا عدادا قليلا ، ~~والمجوس تزعم أن الشريعة معرجة عن الملك ، أي الذي يأتي بها ليس له أن يعرج ~~على الملك ، بل له أن يكل الملك إلى من يقوم به على أحكام الدين ، ولهذا ~~قال ملكنا الفاضل : الدين والملك أخوان ، فالدين أس ، والملك حارس ، فما لا ~~أس له فهو مهدوم ، وما لا حارس له فهو ضائع . فقلت له : هذا باب إن توزع ~~القول فيه طال ، وإن رمي بالقصد جاز ، واللائمة كلام كثير في الإمامة ~~والخلافة وما يجري مجرى النيابة عن صاحب الديانة على فنون مختلفة ، وجمل ~~متعددة ، إلا أن الناظر في أحوال الناس ينبغي أن يكون قائما بأحكام الشريعة ~~، حاملا للصغير والكبير ، على طرائقها المعروفة ، لأن الريعة سياسة الله في ~~الخلق ، والملك سياسة الناس للناس ، على أن الشريعة متى خلت من السياسة ~~كانت ناقصة ، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة ، والملك مبعوث ، ~~كما أن صاحب الدين مبعوث ، إلا أن أحد البعثين أخفى من الآخر ، والثاني ~~أشهر من الأول . قال - أطال الله بقاءه - كنت أحب أن أعلم من أين قلت : إن ~~الملك مبعوث أيضا ؟ فإن هذه الكلمة ما ثبتت في أذني قط ، ولا خطرت لي على ~~بال ؛ قلت : قال الله عز وجل في تنزيله : ' إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ~~' . فعجب وقال : كأني لم أسمع بهذا قط . وذكر للإسكندر سوء أحوال رؤساء ~~مذهبه لما كان أبوه احتاز أموالهم وسلب أحوالهم . فقال : يجب للآباء على ~~الأبناء إزالة الذم عنهم ، ومحو الإثم ، واستعطاف القلوب عليهم ، ونشر ~~المحامد عنهم ؛ وأمر برد أموالهم عليهم ، وزاد في الإحسان إليهم . وقال : ~~قد بلغ من فرط شفقة الآباء على الأبناء أن يسيئوا إلى أنفسهم لتكون الإساءة ~~سببا للإحسان إلى أولادهم ، لأنهم يرون أولادهم كأنفسهم لأنهم من ms154 أنفسهم . PageV01P223 # """""" صفحة رقم 224 """""" # فقلت : أيها الوزير ، إني لأعجب من الإسكندر في الفعل الرشيد والقول ~~السديد ، فهذا المنصور أبو جعفر صاحب الشهامة والصرامة أخذ من وجوه العراق ~~أموالا بخواتيم أصحابها وأفقرهم ، وجعلها في خزائنه بعد أن كتب على تلك ~~الخرائط والظروف أسماء أهلها ، ثم وصى المهدي بردها على أصحابها بعد موته ، ~~ووكد ذلك عليه ، وقال : يا بني ، إنما أريد بهذا أن أحببك إلى الناس ، ففعل ~~المهدي ذلك ؛ فانتشر له الصيت وكثر الدعاء وعجت الأصوات ، وقال الناس : هذا ~~هو المهدي الذي ورد في الأثر . فقال : هذا عجب . وقال سقراط : ينبغي لمن ~~علم أن البدن هو شيء جعل نافعا للنفس مثل الآلة للصانع أن يطلب كل ما يصير ~~البدن به أنفع وأوفق لأفعال النفس التي هي فيه ، وأن يهرب من كل ما يصير ~~البدن غير نافع ولا موافق لاستعمال النفس له . قال أوميروس : لا ينبغي لك ~~أن تؤثر علم شيء إذا عيرت به غضبت ، فإنك إذا فعلت هذا كنت أنت القاذف ~~لنفسك . وقال ديوجانس : من القبيح أن تتحرى في أغذية البدن ما يصلح له ولا ~~يكون ضارا ، ولا تتحرى في غذاء النفس الذي هو العلم لئلا يكون ضارا . وقال ~~أيضا : من القبيح أن يكون الملاح لا يطلق سفينته في كل ريح ، ونحن نطلق ~~أنفسنا في غير بحث ولا اختبار . ذكر لنا أبو سليمان أن فيلسوفا ورد مدينة ~~فيها فيلسوف ، فوجه إليه المدني كأسا ملآى ، يشير بها إلى أن الاستغناء عنه ~~واقع عنده ، فطرح القادم في الكأس إبرة ، يعلمه أن معرفته تنفذ في معرفته . ~~وقال فيلسوف يوناني : التقلب في الأمصار ، والتوسط في المجامع ، والتصرف في ~~الصناعات ، واستماع فنون الأقوال ، مما يزيد الإنسان بصيرة وحكمة وتجربة ~~ويقظة ومعرفة وعلما . قال الوزير : ما البصيرة ؟ قلت : لحظ النفس الأمور . ~~قال : فما الحكمة ؟ قلت : بلوغ القاصية من ذلك اللحظ . قال : فما التجربة ؟ ~~قلت : كمال النفس بلحاظ مالها . قال : هذا PageV01P224 ~~"""""" صفحة رقم 225 """""" # حسن . قال أنكساغورس : كما أن الإناء إذا امتلأ بما يسعه من الماء ثم ~~تجعل فيه ms155 زيادة على ذلك فاض وانصب ، ولعله أن يخرج معه شيء آخر ؛ كذلك ~~الذهن ما أمكنه أن يضبطه فإنه يضبطه ، وإن طلب منه ضبط شيء آخر أكثر من ~~وسعه تحير ، ولعل ذلك يضيع عليه شيئا مما كان الذهن ضابطا له ، وهذا كلام ~~صحيح ، وإني لأتعجب من أصحابنا إذا ظنوا وقالوا : إن الإنسان يستطيع حفظ ~~جميع فنون العلم والقيام بها والإبقاء عليها ، ولو كان هذا مقدورا عليه ~~لوجد ، ولو وجد لعرف ، ولو عرف لذكر ، وكيف يجوز هذا وقلب الإنسان مضغة ، ~~وقوته مقصورة ، وانبساطه متناه ، واقتباسه وحفظه وتصوره وذكره محدود ؟ ولقد ~~حدثني علي بن المهدي الطبري قال : قلت ببغداد لأبي بشر : لو نظرت في شيء من ~~الفقه مع هذه البراعة التي لك في الكلام ، ومع هذا اللسان الذي تحير فيه كل ~~خصم . قال : أفعل ، قال : فكنت أقرأ عليه بالنهار مع المختلفة الكلام ، ~~وكان يقرأ علي بالليل شيئا من الفقه ، فلما كان بعد قليل أقصر عن ذلك ، ~~فقلت له : ما السبب ؟ قال : والله ما أحفظ مسئلة جليلة في الفقه إلا وأنسي ~~مسئلة دقيقة في الكلام ، ولا حاجة لي في زيادة شيء يكون سببا لنقصان شيء ~~آخر مني . وسأل رجل آخر أن يقرضه مالا ، فوعده ثم غدر به ، فلامه الناس ، ~~فقال : لأن يحمر وجهي مرة أحب إلي من أن يصفر مرارا كثيرة . وولي أريوس ~~ولاية فقال أصدقاؤه : الآن يظهر فضلك . فقال : ليست الولاية تظهر الرجل ، ~~بل الرجل يظهر الولاية . وقال ديوجانس . الدنيا سوق المسافر ، فليس ينبغي ~~للعاقل أن يشتري منها شيئا فوق الكفاف . وقيل لاسطفانس : من صديقك ؟ قال : ~~الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها . ~~وقال أفلاطون : إن للنفس لذتين : لذة لها مجردة عن الجسد ، ولذة مشاركة ~~للجسد ، فأما التي تنفرد بها النفس فهي العلم والحكمة ، وأما التي تشارك ~~فيها البدن فالطعام والشراب PageV01P225 ~~"""""" صفحة رقم 226 """""" # وغير ذلك . وقيل لسقراط : كيف ينبغي أن تكون الدنيا عندنا ؟ قال : لا ~~تستقبلوها بتمن لها ، ولا تتبعوها بتأسف عليها ؛ فلا ذلك مجد ms156 عليكم ، ولا ~~هذا راجع إليكم . وقال سقراط : القنية مخدومة ، ومن خدم غير نفسه فليس بحر ~~. وقال بعض ندماء الإسكندر له : إن فلانا يسيء الثناء عليك ، فقال : أنا ~~أعلم أن فلانا ليس بشرير ، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ~~ذلك ، فبحث عن حاله فوجدها رثة ، فأمر له بصلة سنية ، فبلغه بعد ذلك أنه ~~يبسط لسانه بالثناء عليه في المحافل ؛ فقال : أما ترون أن الأمر إلينا أن ~~يقال فينا خير أو شر . قيل لطيماثاوس : لم صرت تسيء القول في الناس ؟ قال : ~~لأنه يمكنني أن أسيء إليهم بالفعل . وكان مرة في صحراء ، فقال له إنسان : ~~ما أحسن هذه الصحراء قال : لو لم تحضرها أنت . وقال غالوس : ما وجه ~~الاهتمام بما إن لم يكن أجزىء فوته ، وإن كان فالمنفعة به وبحضوره قليلة ~~منقطعة . وقال سقراط : ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو ، ولكن ~~بشكل من يسعط أو يكوى بعلاجه داء بصديق له ، وإذا وعظت أيضا بشيء فيه صلاحك ~~، فينبغي أن تتشكل بشكل المريض للطبيب . ركب مقاريوس في حاجة ، فمر بزيموس ~~وقد تعلق به رجل يطالبه بمال اختدعه عنه وعليهما جماعة من الناس ، وهو ~~يسأله تنجيم ذلك المال عليه نجوما ليؤديه ، ويتضرع أشد التضرع . فقال ~~منقاروس : ما طلبتك عند هذا الرجل . فقال : أتاني فخدعني بالزهد والنسك عن ~~مالي ، ووعدني أن يملأ بيتي ذهبا من صنعته ، فلم أزل في الاسترسال إلى ~~ظاهره السليم حتى أفقرني باطنه السقيم . فقال له مقاريوس : إن كل من بذل ~~شيئا إنما يبذله على قدر وسعه ؛ وكان زيموس أتاك على حاله التي هو عليها ، ~~ولم يكن ليتسع لأكثر من ذلك القول ؛ وعمل الذهب فبين ظاهر ، لأن فقره يدل ~~على عجزه وضعفه عنه ، ومن أمل الغني عند PageV01P226 ~~"""""" صفحة رقم 227 """""" # الفقير فغاية ما يمكن أن يبلغه أن يصير مثله ؛ وآخر ما يؤمل عند الفقير ~~نيل الفقر . فقد أصبت ما كنت تحب أن تجده عند زيموس ؛ وهو حظ إن تمسكت به ~~لم يغل بما تلف من مالك ، ولئن ms157 كان وعدك أن يفيدك مالا باطلا فلقد أفادك ~~معدنا حقا ، من غير قصد إلى نفعك . ثم أقبل على زيموس وقال له : ما أبعد ~~شبه معدنك من المعادن الطبيعية إن المعادن تلفظ الذهب ، ومعدنك هذا يبتلع ~~الذهب ؛ ومن جاور معدنا منها أغناه ، ومن جاور معدنك أفقره ؛ والمعادن ~~الطبيعية تثمر من غير قول ، ومعدنك يقول من غير إثمار . فقال زيموس : أجل ، ~~ولا آخرهم ولا أوسطهم ، لكنك من الجهال الذين لقي الناس منهم الأذى . فقال ~~- أعلى الله قوله - : فهل لهذا الأمر - أعني الكيمياء - مرجوع ؟ وهل له ~~حقيقة ؟ وما تحفظ عن هذه الطائفة ؟ فكان الجواب ، أما يحيى بن عدي - وهو ~~أستاذ هذه الجماعة - فكان في إصبعه خاتم من فضة يزعم أن فضته عملت بين يديه ~~، وأنه شاهد عملها عيانا ، وأنه لا يشك في ذلك . وأما أصحابه كابن زرعة ~~وابن الخمار ، فذكروا أن ذلك تم عليه من فعل لم يفطن له من بعض من اغتره من ~~هؤلاء المحتالين الخداعين . وأما شيخنا أبو سليمان فحصلت من جوابه على أنه ~~ممكن ، ولم يذكر سبب إمكانه ولا دليل حقيقته . وأما أبو زيد البلخي - وهو ~~سيد أهل المشرق في أنواع الحكمة - فذكر أنه محال ولا أصل له ، وأن حكمة ~~الله تعالى لا توجب صحة هذا الأمر ، وأن صحته مفسدة عامة ، ' والله لا يحب ~~الفساد ' . وأما مسكويه - وها هو بين يديك - فيزعم أن الأمر حق وصحيح ، ~~والطبيعة لا تمنع من إعطائه ، ولكن الصناعة شاقة ، والطريق إلى إصابة ~~المقدار عسرة ، وجمع الأسرار صعب وبعيد ، ولكنه غير ممتنع ؛ فقد مضى عمره ~~في الإكباب على هذا بالري أيام كان بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع ~~رجل يعرف بأبي الطيب ، شاهدته ولم أحمد عقله ، فإنه كان PageV01P227 ~~"""""" صفحة رقم 228 """""" # صاحب وسواس وكذب وسقط ، وكان مخدوعا في أول أمره ، خادعا في آخر عمره . ~~وأبين ما سمعته في هذا الحديث أن الطبيعة فوق الصناعة ، وأن الصناعة دون ~~الطبيعة ، وأن الصناعة تتشبه بالطبيعة ولا تكمل ، والطبيعة لا تتشبه ~~بالصناعة وتكمل ، وأن الطبيعة قوة إلهية سارية في ms158 الأشياء واصلة إليها ، ~~عاملة فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة ، ~~إما على التمام ، وإما على النقصان . وقيل : إن الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ~~ما في المادة أبعد الطرق ، ولا تترك أقرب الطرق ، فلما كانت المعادن هي ~~التي تعطى هذه الجواهر على قدر المقابلات العلوية والأشكال السماوية ~~والمواد السفلية والكائنات الأرضية ، لم يجز أن تكون الصناعة مساوية لها ، ~~كما لم يجز أن تكون مستعلية عليها ، لأن الصناعة بشرية مستخرجة من الطبيعة ~~التي هي إلهية ، ولا سبيل لقوة بشرية أن تنال قوة إلهية بالمساواة ؛ فأما ~~بالتشبيه والتقريب والتلبيس ، فيمكن أن يكون بالصناعة شيء كأنه ذهب أو فضة ~~، وليس هو في الحقيقة ، لا ذهب ولا فضة ؛ وإذا كان ظهور القطن بالطبيعة ~~وظهور الثوب بالصناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه ، ولا لهذه أن تعرض لهذه ؛ ~~والأمور موزونة ، والصناعات متناهية ؛ فإن ادعى في شيء من الصناعة ما يزيد ~~عليها حتى تكون كأنها الطبيعة ، احتيج إلى برهان واضح ، وإلى عيان مصرح ، ~~لأنا نعلم أنه ما من صناعة ولا علم ولا سياسة ولا نحلة ولا حا إلا وقد حمل ~~عليها ، وزيد فيها وكذب من أجلها بما إذا طلبت صحته بالبرهان لم تجد ، أو ~~بالعيان لم تقدر . فأما أصحاب النسك ومن عرف بالعبادة والصلاح ؛ فقد ادعى ~~لهم أن الصفر يصير لهم ذهبا ، وشيئا آخر يصير فضة ، وأن الله عز وجل يزلزل ~~لهم الجبل وينزل لهم القطر ، وينبت لهم الأرض ، وغير ذلك مما هو كالآيات ~~للأنبياء الذين يأتون من قبل الله بالكتب والوصايا والأحكام والمواعظ ~~والنصائح ، وربما يسمى كثير من الناس ما يظهر للزهاد والعباد من هذا الضرب ~~كرامات ولا يسميها معجزات ، والحقائق لا تنقلب بالأسماء ، فإن المسمى ~~بالكرامة هو المسمى بالمعجزة والآية . والخوض في هذا الطرف قديم ، وفصله في ~~الحق شاق ، والتنازع فيه قائم ، والظن يعمل عمله ، واليقين غير مظفور به ، ~~ولا موصول إليه ؛ والطبيعة قد أولعت الناس بادعاء الغرائب ، وبعثتهم على ~~نصرتها بالوفق والخرق ، والتسهيل واللجاج ، والمواتاة والمحك ، PageV01P228 ~~"""""" صفحة رقم 229 """""" # ولله في طي ms159 هذا العالم العلوي أسرار وخفايا وعيوب ومكامن لا قوة لأحد من ~~البشر بالحس ولا بالعقل أن يحوم حولها ، أو يبلغ عمقها ، أو يدرك كنهها ، ~~ومن تصرف عرف ، ومن عرف سلم ، والسلام . وحكى لنا أبو سليمان أن أرسطوطاليس ~~كتب إلى رجل لم يشفعه في رجل سأله الكلام له في حاجة : إن كنت أردت ولم ~~تقدر فمعذور ، وإن كنت قدرت ولم ترد فسوف يجيىء وقت تريد ولا تقدر . وقال ~~بعض الحكماء : لا ترفهوا السفلة فيعتادوا الكسل والراحة ، ولا تجرئوهم ~~فيطلبوا السرف والشغب ، ولا تأذنوا لأولادهم في تعلم الأدب فيكونوا لرداءة ~~أصولهم أذهن وأغوص ، وعلى التعلم أصبر ؛ ولا جرم فإنهم إذا سادوا في آخر ~~الأمر خربوا بيوت العلية أهل الفضائل . وقال فيلسوف : للنفس خمس قوى : الحس ~~والوهم والذهن والاختبار والفكر . فأما الحس فلحاق الأشياء بلا فحص ، ولا ~~يحتاج في ذلك اللحاق إلى شيء آخر ، إلا أن يكون ممنوعا بمانع ، وذلك إذا ~~وجد شيئا أبيض حكم بأنه أبيض بلا فكر ولا قياس . وأما الوهم ، فإنه يقع على ~~الأشياء بتوسط الحس . وأما الاختبار فيوافق الفكر ، كقولك : النفس لا تموت ~~، فهذا قول اختباري بعد الفكر ، فإن كان هذا هكذا فالاختبار ليس بقياس ، ~~ولكنه أفق القياس . وأما الذهن فإنه لا يهجم على أوائل الأشياء . وقال آخر ~~شبيها بهذا الكلام ، ولابأس أن يكون مضموما إليه ، ليكون شمل الفائدة أكثر ~~نظاما وأقرب مراما . قال : ليس للحواس والحركات فعل دون أن تبعثها القوة ~~المميزة ، فلذلك لا يحس السكران ولا النائم ، وكذلك أيضا البهائم فإنها لا ~~تصيح إلا بعد أن يعرض في فكرها شيء ، ولا تتحرك إلا بانبعاث القوة المميزة ~~. ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة : نفسية في ~~الدماغ ، وحيوانية في القلب ، وطبيعية في الكبد . PageV01P229 # """""" صفحة رقم 230 """""" # وفي كل واحد منها قوة مميزة بها يتم عمله ، فالتي في الدماغ هي العقل ~~المميز الحارس للبدن ، ومنه ينبعث الحس والحركة ، والتي في القلب تنبعث ~~منها الحرارة الغريزية في جميع البدن ؛ وزعموا أن تلك الحرارة هي الروح ؛ ~~والتي في ms160 الكبد هي موضع الهضم والنضج ، وهي التي تنضج الطعام وتغيره وتحيله ~~دما وتوزع في كل عضو ما هو ملائم له ، وبالجاذبة تجذب ، وبالحابسة تحبس ، ~~وبالهاضمة تهضم ، وبالدافعة تدفع . فأما الدماغ فينقسم ثلاثة أقسام يحجز ~~بينها أغشية ، أحدها في مقدم الرأس موضع التخيل ، والثاني في وسط الرأس ~~موضع العقل والفكر والتمييز ، والثالث في مؤخر الرأس موضع الحفظ والذكر ~~والقبول ؛ فكل واحد مما ذكرنا يخدم الآخر ، وإن ضعف أحدها ضعف لضعفه الآخر ~~، وباعتدالهن وسلامتهن قوام البدن والنفس . ولكل واحد منها آلة بها يستعين ~~على خدمة الآخر . قال : فكما أن الرحى إذا نقضت شيئا منها أو زدت أفسد ~~الطحن ؛ إما بزيادة أو نقصان ، كذلك سائر خدمه وآلاته . وقال : الدماغ مسكن ~~العقل ، وخدمه الحس والحركة ؛ والقلب مسكن الحرارة الغريزية ، وخدمه العروق ~~الضوارب ؛ والكبد مسكن النضج والهضم ، وخدمها العروق غير الضوارب . وقال : ~~النار تحرق ، فإذا كانت موجودة فالدخان والرماد موجودان ، والدخان رماد ~~لطيف ، والرماد دخان كثيف . وقال أبو سليمان : ذكر بعض البحاثين عن الإنسان ~~أنه جامع لكل ما تفرق في جميع الحيوان ، ثم زاد عليها وفضل بثلاث خصال : ~~بالعقل والنظر في الأمور النافعة والضارة ، وبالمنطق لإبراز ما استفاد من ~~العقل بوساطة النظر ، وبالأيدي لإقامة الصناعات وإبراز الصور فيها مماثلة ~~لما في الطبيعة بقوة النفس . ولما انتظم له هذا كله جمع الحيل والطلب ~~والهرب والمكايد والحذر ، وهذا بدل السرعة والخفة التي في الحيوان ، واتخذ ~~بيده السلاح مكان الناب والمخلب والقرن ، واتخذ الجنن لتكون وقاية من ~~الآفات ، والعقل ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، والفكر ، بينهما ~~قابل منهما ، مؤد من بعض إلى بعض ، فصواب بديهة الفكر من صحة العقل ، PageV01P230 ~~"""""" صفحة رقم 231 """""" # وصواب روية الفكر من صحة الطباع . وقال أبو العباس : الناس في العلم على ~~ثلاث درجات ، فواحد يلهم فيعلم فيصير مبدأ ، والآخر يتعلم ولا يلهم فهو ~~يؤدي ما قد حفظ ، والآخر يجمع له بين أن يلهم وأن يتعلم . فيكون بقليل ما ~~يتعلم مكثرا بقوة ما يلهم . وقال : الإنسان بين طبيعته - وهي عليه - ونفسه ~~- وهي له - منقسم ؛ فإن ms161 اقتبس من العقل قوي نوره ما هو له من النفس ، وأضعف ~~ما هو عليه من الطبيعة ، فإن لم يكن يقتبس بقي حيران أو متهورا . وقال ~~سقراط : الكلام اللطيف ، ينبو عن الفهم الكثيف . وحكى لنا أبو سليمان قال : ~~قيل لفيلسوف : ما بال المريض إذا داواه الطبيب ودخل عليه فرح به وقبل منه ~~وكافأه على ذلك ، والجاهل لا يفعل ذلك بالعالم إذا علمه وبين له ؟ فقال : ~~لأن المريض عالم بما عند الطبيب ، وليس الجاهل كذلك ، لأنه لا يعلم ما عند ~~العالم . وقال ديوجانس لصاحبه : أما تعلم أن الحمام إذا كان سمائيا كان ~~أغلى ثمنا ، وإذا كان أرضيا كان أقل ثمنا . قال - أبقاه الله - هذا مثللا ~~في غاية الحسن والوضوح . وقال ديوجانس : المأكول للبدن ، والموهوب للمعاد ، ~~والمحفوظ للعدو . وقال فيلسوف : التهاون باليسير أساس للوقوع في الكثير . ~~وقال أفلاطون : مثل الحكيم كمثل النملة تجمع في الصيف للشتاء ، وهو يجمع في ~~الدنيا للآخرة . وقال فيلسوف : من يصف الحكمة بلسانه ولم يتحل بها في سره ~~وجهره فهو في المثل كرجل رزق ثوبا فأخذ بطرفه فلم يلبسه . وقال السيد ~~المسيح : إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس ، ولا تدركه اللصوص ، ~~فافعل . PageV01P231 # """""" صفحة رقم 232 """""" # قال فيلسوف : إذا نازعك إنسان فلا تجبه ، فإن الكلمة الأولى أنثى ~~وإجابتها فحلها ، وإن تركت إجابتها بترتها وقطعت نسلها ، وإن أجبتها ~~ألقحتها ؛ فكم من ولد ينمو بينهما في بطن واحد . وقال فيلسوف : إن البعوضة ~~تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت . وقال ديوجانس : من أين تأكل ؟ فقال : من حيث ~~يأكل عبد له رب . وقال ديوجانس : كن كالعروس تريد البيت خاليا . قيل ~~لأرسطوطاليس : إن فلانا عاقل . قال : إذا لا يفرح بالدنيا . وقيل لفيثاغورس ~~: ما أملك فلانا لنفسه قال : إذا لا تصرعه شهوته ، ولا تخدعه لذته . وقيل ~~لأسقلبيوس : فلان له همة . قال إذا لا يرضى لنفسه بدون القدر . ومدح رجل ~~ثيودوروس على زهده في المال قال : وما حاجتي إلى شيء البخت يأتي به ، ~~واللؤم يحفظه ، والنفقة تبدده ، إن قل غلبك الهم بتكثيره ، وإن كثر ms162 تقسمك ~~في حفظه ، يحسدك من فاته ما عندك ، ويخدعك عنه من يطمع فيه منك . وقال ~~سقراط : ما أحب أن تكون النفس عالمة بكل ما أعد لها ؛ قيل : ولم ؟ قال : ~~لأنها لو علمت طارت فرحا ولم ينتفع بها . وقال ديوجانس : القلب ذو لطافة ، ~~والجسم ذو كثافة ، والكثيف يحفظ اللطيف كضوء المصباح في القنديل . وقال ~~أفلاطون : العلم مصباح النفس ، ينفي عنها ظلمة الجهل ، فما أمكنك أن تضيف ~~إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل . قال أبو سليمان : ما أحسن المصباح إذا كان ~~زجاجة نقيا ، وضوءه ذكيا ، وزيته قويا ، وذباله سويا . قيل لسقراط : ما ~~أحسن بالمرء أن يتعلمه في صغره ؟ قال : ما لا يسعه أن يجهله في كبره . PageV01P232 # """""" صفحة رقم 233 """""" # قال أبو سليمان : ومن ها هنا أخذ من قال : يحسن بالمرء التعلم ما حسنت به ~~الحياة . قيل لهوميروس : ما أصبرك على عيب الناس لك قال : لأنا استوينا في ~~العيب ، فأنا عندهم مثلهم عندي . وقيل للإسكندر : أي شيء أنت به أسر ؟ . ~~قال : قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأحسن من إحسانه . وقال ديوجانس : إن ~~إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزلة من وضع المائدة على مقبرة . ورأى ~~ديوجانس رجلا يأكل ويتذرع ويكثر ، فقال له : يا هذا ، ليست زيادة القوة ~~بكثرة الأكل ، وربما ورد على بدنك من ذلك الضرر العظيم ، ولكن الزيادة في ~~القوة بجودة ما يقبل بدنك منه على الملاءمة . وقال ديوجانس : الذهب والفضة ~~في الدار بمنزلة الشمس والقمر في العالم . قال أبو سليمان : هذا مليح ، ~~ولكن ينبغي أن تبقى الشمس والقمر فإنهما يكسفان فيكونان سببا لفساد كثير ، ~~ويذوبان ويحميان فيكونان ضارين . وقال أفلاطون : موت الرؤساء أصلح من رآسة ~~السفلة . وقال : إذا بخل الملك بالمال كثر الإرجاف به . وقال سولون : العلم ~~صغير في الكمية ، كبير في الكيفية . وقال أبو سليمان : يعني أن القليل منه ~~إذا استعملته على وجهه كان له إناء ونفع فائض ودر سائح ، وغاية محمودة ، ~~وأثر باق . وهذه كلها كيفيات من تلك الكمية . وقال أفلاطون : لا يسوس ~~النفوس الكثيرة على لاحق والواجب ms163 من لا يمكنه أن يسوس نفسه الواحدة . وقال ~~سقراط : النفس الفاضلة لا تطغى بالفرح ، ولا تجزع من الترح ، لأنها تنظر في PageV01P233 ~~"""""" صفحة رقم 234 """""" # كل شيء كما هو ، لا تسلبه ما هو له ولا تضيف إليه ما ليس منه ؛ والفرح ~~بالشيء إنما يكون بالنظر في محاسن الشيء دون مساوئه ، والترح إنما يكون ~~بالنظر في مساوىء الشيء دون محاسنه ؛ فإذا خلص النظر من شوب الغلط فيما ~~ينظر فيه انتفى الطغيان والجزع ، وحصل النظام وربع . قال ديوجانس : ينبغي ~~للإنسان أن ينظر في المرآة ، فإن كان وجهه حسنا استقبح أن يضيف إليه فعلا ~~قبيحا ، وإن كان وجهه قبيحا استقبح أن يضيف قبيحا إلى قبيح حتى يتضاعف ~~القبح . وقال إبقراط : منزلة لطافة القلب في الأبدان بمنزلة لطافة الناظر ~~في الأجفان . وقال : للقلب آفتان : وهما الغم والهم ، فالغم يعرض منه النوم ~~، والهم يعرض منه السهر ، وذلك أن الهم فيه فكر في الخوف مما سيكون ، فمنه ~~يغلب السهر ؛ والغم لا فكر فيه ، لأنه إنما يحدث لما قد مضى وكان . وقال ~~أفلاطون : من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته ، كما لا يجزع الغواص من ~~ملوحة البحر . قال أبو سليمان : هذا كلام ضره أكثر من نفعه ، وإنما نفقه ~~صاحبه بالمثال ، والمثال يستجيب للحق كما يستجيب للباطل ، والمعول على ما ~~ثبت بالدليل ، لا على ما يدعى بالتمثيل ، وقد يجب أن يجتنب جانب السلطان ~~بغاية الاستطاعة والإمكان ، إلا إذا كان الدهر سليما من الآفات الغالبة . ~~فقال له الأندلسي : وما صورة الزمان الخالي من الآفات ؟ فقال : أن يكون ~~الدين طريا ، الدولة مقبلة ، والخصب عاما ، والعلم مطلوبا ، والحكمة مرغوبا ~~فيها ، والأخلاق طاهرة ، والدعوة شاملة ، والقلوب سليمة ، والمعاملات ~~متكافئة ، والسياسة مغروسة ، والبصائر متقاربة . فقال : هذا لو صح لارتفع ~~الكون والفساد اللذان وهما سوس هذا المكان ، فقال : غلطت يا أبا عبد الله ، ~~فإن الكون والفساد يكونان على حاليهما ، ولكنهما يقعان على معلومين للصورة ~~الثابتة ، والسياسة العامة الغالبة ، كأنك لا تحس بالفرق بين زمان خصب ~~الأرض وجدبها ؛ وكما أن للأرض خصبا وجدبا ؛ كذلك للأحوال والأديان ms164 وللدول ~~صلاح وفساد ، وإقبال وإدبار ، وزيادة ونقصان ؛ ولو كان ما خلته لازما ، ~~لكنا لا نتمنى ملكا عادلا ، ولا سائسا فاضلا ، ولا ناظرا ناظما ، ولا مدبرا ~~عالما ؛ وكان هذا لا يعرف PageV01P234 ~~"""""" صفحة رقم 235 """""" # ولا يعهد ، ويكون في عرض المحال كونه ووجدانه ؛ وليس الأمر هكذا فقد ~~عهدنا مثل أبي جعفر بسجستان ، وكان والله بصيرا خبيرا ، عالما حكيما ، يقظا ~~حذرا ، يخلق ويفري ، ويريش ويبري ، ويكسو ويعري ، ويمرض ويبري ، وهكذا مثل ~~أبي جعفر بالأمس ملك العراق في حزامته وصرامته وقيامه في جميع أموره ، ~~بنظره وتدبيره ؛ وكذلك قد عهد الناس قبلنا مثل هذا ، فلم يقع التعجب من شيء ~~عليه مدار الليل والنهار . وقال ديوجانس لصاحب له : اطلب في حياتك هذه ~~العلم والمال تملك بهما الناس ، لأنك بين الخاصة والعامة ، فالخاصة تعظمك ~~لفضلك ، والعامة تعظمك لمالك . وقال أفلاطون : إن الله تعالى بقدر ما يعطي ~~من الحكمة يمنع الرزق ؛ قال أبو سليمان : لأن العلم والمال كضرتين قلما ~~يجتمعان ويصطلحان ، ولأن حظ الإنسان من المال إنما هو من قبيل النفس ~~الشهوية والسبعية ، وحظه من العلم إنما هو من قبيل النفس العاقلة ، وهذان ~~الحظان كالمتعاندين والضدين . قال : فيجب على الحصيف والمميز أن يعلم بأن ~~العالم أشرف في سنخه وعنصره ، وأوله وآخره ، وسفره وحضره ، وشهادته ومغيبه ~~من ذي المال ؛ فإذا وهب له العلم فلا يأس على المال الذي يجزىء منه اليسير ~~، ولا يلهب نفسه على فوته حسرة وأسفا ؛ فالعلم مدبر ، والمال مدبر ؛ والعلم ~~نفسي ، والمال جسدي ، والعلم أكثر خصوصية بالإنسان من المال ، وآفات صاحب ~~المال كثيرة وسريعة ، لأنك لا ترى عالما سرق علمه وترك فقيرا منه ؛ وقد ~~رأيت جماعة سرقت أموالهم ونهبت وأخذت ، وبقي أصحابها محتاجين لا حيلة لهم ؛ ~~والعلم يزكو على الإنفاق ويصحب صاحبه على الإملاق ؛ ويهدي إلى القناعة ، ~~ويسبل الستر على الفاقة ؛ وما هكذا المال . PageV01P235 # """""" صفحة رقم 236 """""" # الليلة الثامنة عشرة # وقال مرة : تعال حتى نجعل ليلتنا هذه مجونية ، ونأخذ من الهزل بنصيب وافر ~~، فإن الجد قد كدنا ، ونال من قوانا ، وملأنا قبضا وكربا ، هات ما عندك ms165 ، ~~قلت : قال حسنون المجنون بالكوفة يوما - وقد اجتمع إليه المجان يصف كل واحد ~~منهم لذات الدنيا - فقال : أما أنا فأصف ما جربته ؛ فقالوا : هات ؛ فقال : ~~الأمن والعافية ، وصفع الصلع الزرق ، وحك الجرب ، وأكل الرمان في الصيف ، ~~والطلاء في كل شهرين ، وإتيان النساء الرعن والصبيان الزعر ، والمشي بلا ~~سراويل بين يدي من لا تحتشمه ، والعربدة على الثقيل ، وقلة خلاف من تحبه ~~والتمرس بالحمقى ومؤاخاة ذوي الوفاء ، وترك معاشرة السفلة . وقال الشاعر : ~~أصبحت من سفل الأنام . . . إذ بعث عرضي بالطعام أصبحت صفعانا لئي . . . م ~~النفس من قوم لئام في است أم ربات الخيا . . . م ومن يحن إلى الخيام نفسي ~~تحن إلى الهلا . . . م الموت من دون الهلام من لحم جدي راضع . . . رخص ~~المفاصل والعظام هذا لأولاد الخطا . . . يا والبغايا والحرام حي القدور ~~الراسيا . . . ت وإن صممن عن الكلام وقصاعهن إذا أتي . . . نك طافحات ~~بالسلام PageV01P236 ~~"""""" صفحة رقم 237 """""" # لهفي على سكباجة . . . تشفي القلوب من السقام يا عاذلي أسرفت في . . . ~~عذل الخليع المستهام رجل يعض إذا نصح . . . ت له على فأس اللجام دع عذل من ~~يعصي العذو . . . ل ولا يصيخ إلى الملام خلع العذار وراح في . . . ثوب ~~المعاصي والأثام شيخ يصلي قاعدا . . . وينيك عشرا من قيام ويعاف نيك ~~الغانيا . . . ت ويشتهي نيك الغلام وتراه يرعد حين يذ . . . كر عنده شهر ~~الصيام خوفا من الشهر المعذ . . . ب نفسه في كل عام سلس القياد إلى التصا . ~~. . بي والملاهي والحرام من للمروءة والفتوة . . . بعد موتي والندام من ~~للسماح وللرما . . . ح لدى الهزاهز والحسام من للواط وللحلا . . . ق ~~وللملمات العظام كان محمد بن الحسن الجرجاني متقعرا في كلامه ، فدخل الحمام ~~يوما ، فقال للقيم : أين الجليدة التي تسلخ بها الضويطة من الإخفيق ؟ قال : ~~فصفع القيم قفاه بجلدة النورة وخرج هاربا ، فلما خرج من الحمام وجه إلى ~~صاحب الشرطة ، فأخذ القيم وحبسه ، فلما كان عشاء ذلك اليوم كتب إليه القيم ~~رقعة يقول فيها : قد أبرمني المحبوسون بالمسئلة عن السبب الذي حبست له ، ~~فإما خليتني وإما عرفتهم . فوجه من أطلقه ، واتصل ms166 الخبر بالفتح ، فحدث ~~المتوكل ، فقال : ينبغي أن يغني هذا القيم عن الخدمة في الحمام . وامر له ~~بمائتي دينار . PageV01P237 # """""" صفحة رقم 238 """""" # قال : وكان بالبصرة مخنث يجمع ويعشق بعض المهالبة ، فلم يزل المخنث به ~~حتى أوقعه ، قال : فلقيته من غد فقلت له : كيف كانت وقعة الجفرة عندكم ~~البارحة ؟ فقال : لما تدانت الأشخاص ، ورق الكلام ، والتفت الساق بالساق ، ~~ولطخ باطنها بالبزاق ، وقرع البيض بالذكور ، وجعلت الرماح تمور ؛ صبر ~~الكريم فلم يجزع ، وسلم طائعا فلم يخدع ؛ ثم انصرف القوم على سلم ، بأفضل ~~غنم ؛ وشفيت الصدور ، وسكنت حرارة النفوس ، ومات كل وجد ، وأصيب مقتل كل ~~هجر ، واتصل الحبل ، وانعقد الوصل . قال : فلو كان أعد هذا الكلام لمسئلتي ~~قبل ذلك بدهر لكان قد أجاد . وقال أبو فرعون الشاشي : أنا أبو فرعون فاعرف ~~كنيتي . . . حل أبو عمرة وسط حجرتي وحل نسج العنكبوت برمتي . . . أعشب ~~تنوري وقلت حنطتي وحالف القمل زمانا لحيتي . . . وضعفت من الهزال ضرطتي ~~وصار تباني كفاف خصيتي . . . أير حمار في حر أم عيشتي أبو عمرة : صاحب شرطة ~~المختار بن عبيد ، كان لا ينزل بقوم إلا اجتاحهم ، فصار مثلا لك شؤم وشر . ~~ويقال أيضا : إن أبا عمرة اسم الجوع ، هكذا حدثني به أبو الحسن البصري . ~~وأنشد بشر بن هارون في أبي طاهر : PageV01P238 # """""" صفحة رقم 239 """""" # أبا عبد الإله وأنت حر . . . من الأحرار منزوع القلاده سألتك بالإله ~~لتخبرني . . . أجهلك مستفاد أم ولاده ؟ فإن يك فيك مولودا فعذر . . . وإن ~~يك حادثا لك باستفاده فواعجبا يزيد الناس فضلا . . . وأنت تزيد نقصا ~~بالزيادة حكى الصولي : حدثنا ميمون بن مهران قال : كان معنا مخنث يلقب ~~مشمشة - وكان أميا - فكتب بحضرته رجل إلى صديق له كتابا ، فقال المخنث : ~~اكتب إليه : مشمشة يقرأ عليك السلام ؛ فقال : قد فعلت - وما كان فعل - فقال ~~: أرني ؛ فقال : هذا اسمك ؛ فقال : هيهات ، اسمي في الكتاب شبه داخل الأذن ~~، فعجبنا من جودة تشبيهه . قال نضلة : مررت بكناسين أحدهما في البئر والآخر ~~على رأس البئر ، وإذا ضجة ، فقال الذي في البئر : ما الخبر ؟ فقال : قبض ~~على علي بن ms167 عيسى ؟ فقال : من أقعدوا بدله ؟ قال : ابن الفرات ؛ قال : ~~قاتلهم الله ، أخذوا المصحف ووضعوا بدله الطنبور . كتب أبو العيناء إلى ابن ~~مكرم : قد أصبت لك غلاما من بني ناعظ ، ثم من بني ناشرة ، ثم من بني نهد . ~~فكتب إليه : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . وقدم رجل مع امرأة إلى ~~القاضي ومعها طفل ، فقالت : هذا ابنه ، فقال الرجل : أعز الله القاضي ما ~~أعرفه ؛ فقال القاضي : اتق الله فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ~~الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، فهذا وأمه على فراشك ؛ قال الرجل : ما ~~تنايكنا إلا في الاست ، فمن أين لي ولد ؟ فقالت المرأة : أعز الله القاضي ؛ ~~قل له : ما رأيت ؟ يعرفه ؛ فكف الرجل ، وأخذ بيد ولده وانصرف . قال : وسمعت ~~آخر يقول لشاطر : اسكت ، فإن نهرا جرى فيه الماء لابد أن يعود إليه . فقال ~~له الآخر : حتى يعود إليه الماء تكن قد ماتت ضفادعه . ومن كلام الشطار : ~~أنا البغل الحرون ، والجمل الهائج ، أنا الفيل PageV01P239 ~~"""""" صفحة رقم 240 """""" # المغتلم لو كلمني عدوي لعقدت شعر أنفه إلى شعر استه حتى يشم فساءه ، كأنه ~~القنفذة . وقال بعض القصاص : في النبيذ شيء من الجنة ' الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن ' والنبيذ يذهب الحزن . قال وسمعت ماجنة تقول : ضر وسر ، وقد ~~وارقد ، واطرح واقترح . قال ابن أبي طاهر : دعا مرة قوما وأمر جاريته أن ~~تبخرهم ، فأدخلت يدها في ثوب بعضهم فوجدت أيره قائما ، فجعلت تمرسه وتلعب ~~به وأطالت ؛ فقال مولاها : أيش آخر هذا العود ؟ احترق ؟ قالت : يا مولاي ، ~~هو عقدة . قال مزيد : كان الرجل فيما مضى إذا عشق الجارية راسلها سنة ، ثم ~~رضي أن يمضغ العلك الذي تمضغه ، ثم إذا تلاقيا تحدثا وتناشدا الأشعار ، ~~فصار الرجل اليوم إذا عشق الجارية لم يكن له هم إلا أن يرفع رجلها كأنه ~~أشهد على نكاحها أبا هريرة . قال ابن سيرين : كانوا يعشقون من غير ريبة ، ~~فكان لا يستنكر من الرجل أن يجيء فيحدث أهل البيت ثم يذهب . قال هشام : ~~ولكنهم لا يرضون اليوم إلا بالمواقعة . قال ms168 الأصمعي : قلت لأعرابي : هل ~~تعرفون العشق بالبادية ؟ قال : نعم ، أيكون أحد لا يعرفه . قلت : فما هو ~~عندكم ؟ قال : القبلة والضمة والشمة ، قلت : ليس هو هكذا عندنا . قال : ~~وكيف هو ؟ قلت : أن يتفخذ الرجل المرأة فيباضعها . فقال : قد خرج إلى طلب ~~الولد . قال بشر بن هارون : إن أبا موسى له لحية . . . تدخل في الجحر بلا ~~إذن وصورة في العين مثل القذى . . . ونغمة كالوقر في الأذن كم صفعة صاحت ~~إلى صافع . . . بالنعل من أخدعه : خذني وقال لنا أبو يوسف : قال جحظة : ~~حضرت مجلسا فيه جماعة من وجوه الكتاب ، وعندنا قينة محسنة حاضرة النادرة ، ~~فقال لها بعضهم : بحياتي عليك غني لي : لست مني ولست منك فدعني . . . وامض ~~عني مصاحبا بسلام PageV01P240 ~~"""""" صفحة رقم 241 """""" # فقالت : أهكذا كان أبوك يغنيك ؟ فأخجلته . اشترى مديني رطبا ، فأخرج صاحب ~~الرطب كيلجة صغيرة ليكيل بها ، فقال المديني : والله لو كلت بها حسنات ما ~~قبلتها . سئل أبو عمارة قاضي الكوفة : أي بنيك أثقل ؟ قال : ما فيهم بعد ~~الكبير أثقل من الصغير إلا الأوسط . اجتمع جماعة عند جامع الصيدناني ، فقال ~~أحدهم : ليس للمخمور أنفع من سلحه ، فقال جامع : أخذتها والله من فمي . قال ~~رجل لرؤبة : أتهمز الخرأ ؟ قال : بإصبعك يابن الخبيثة . وقف أعرابي على قوم ~~يسائلهم ، فقال لأحدهم : ما اسمك ؟ قال : مانع ؛ وقال للآخر : ما اسمك ؟ ~~قال : محرز ؛ وقال للآخر : ما اسمك ؟ قال : حافظ ؛ قال : قبحكم الله ، ما ~~أظن الأقفال إلا من أسمائكم . من كلام العامة : منارة الإسكندرية عندك ~~خشخاشة فارغة . . . . قال جحظة : قرأت على فص ماجنة : ليلة عرسي ؛ ثقبوا ~~بالأير كسي . وعلى فص ماجنة أخرى ؛ السحق أخفى والنيك أشفى . وقال جحا لأبي ~~مسلم صاحب الدعوة : إني نذرت إن رأيتك أن آخذ منك ألف درهم . فقال : رأيت ~~أصحاب النذور يعطون لا يأخذون ، وأمر له بها . قال السري : رأيت المخنث ~~الذي يعرف بالغريب ، وإنسان من العامة قد آذاه وطال ذلك ، فالتفت إليه وقال ~~له : يا مشقوق ؛ نعلك زائفة ، وقميصك مقرون الحاجبين ، وإزراك صدف أزرق ، ~~وأنت تتلاهى بأولاد الملوك والأمراء . قال السري : فخجل ms169 العامي ومر ، فقلت ~~له : فسر لي هذا الغريب . فقال : امضر إلى ثعلب . فقلت : ليس هذا من عمله ؛ فسره PageV01P241 ~~"""""" صفحة رقم 242 """""" # لي . قال : النعل الزائفة التي تجرف التراب جرفا ، والقميص المقرون ، هو ~~الخلق الذي في كتفيه رقعتان أجود منه ، فهما تفصحان بيانا ، والإزار صدف ~~أزرق ، أي مخرق مفتت . فقلت : فقولك : يا مشقوق ؟ قال : قطيع الظهر . قيل ~~للشعبي : أيجوز أن يصلى في البيعة ؟ قال : نعم . ويجوز أن يخرأ فيها . وقال ~~سعيد بن جبير : القبلة رسول الجماع . وقال الرشيد للجماز : كيف مائدة محمد ~~بن يحيى ، يعني البرمكي . قال : شبر في شبر ؛ وصحفته من قشر الخشخاش ، وبين ~~الرغيف والرغيف مضرب كرة ؛ وبين اللون واللون فترة نبي . قال : فمن يحضرها ~~: قال : الكرام الكاتبون ؛ فضحك وقال : لحاك الله من رجل . قال نضلة : دخلت ~~ساقية في الكرخ فتوضأت ؛ فلما خرجت تعلق السقاء بي وقال : هات قطعة ؛ فضرطت ~~ضرطة وقلت : خل الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي ؛ فضحك وخلاني . وعد رجل بعض ~~إخوانه أن يهدي إليه بغلا ؛ فطال مطله ، فأخذ قارورة وبال فيها وجاء إلى ~~الطبيب وقال : انظر إلى هذا الماء ، هل يهدي إلي بعض إخواني بغلا . حدثنا ~~ابن الخلال البصري قال : سمعت ابن اليعقوبي يقول : رأيت على باب المربد ~~خالدا الكاتب وهو ينادي : يا معشر الظرفاء ، والمتخلقين بالوفاء ؛ أليس من ~~العجب العجيب ، والنادر الغريب ، أن شعري يزني به ويلاط منذ أربعين سنة ~~وأنا أطلب درهما فلا أعطى ، ثم أنشأ يقول : أحرم منكم بما أقول وقد . . . ~~نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبت . . . تضىء للناس وهي تحترق ~~وسمعت الماجن المعروف بالغراب يقول : ويلك أيش في ذا ؟ لا تختلط الحنطة ~~بالشعير ، أو يصنع الباذنجان قرعا ، أو يتحول الفجل إلى الباقلاء ، ويصير ~~الخرنوب إلى الأرندج . وسمعت دجاجة المخنث يقول لآخر : إنما أنت بيت بلا ~~باب ، وقدم بلا ساق ، وأعمى PageV01P242 ~~"""""" صفحة رقم 243 """""" # بلا عصا ، ونار بلا حطب ، ونهر بلا معبر ، وحائط بلا سقف . وشتم آخر فقال ~~: يا رأس الأفعى ، ويا عصا المكاري ، ويا برنس الجاثليق ، يا كودن القصار ms170 ، ~~يا بيرم النجار ؛ يا ناقوس النصارى ؛ يا ذرور العين ، يا تخت الثياب ، يا ~~طعن الرمح في الترس ؛ يا مغرفة القدور ، ومكنسة الدور ؛ لا تبالي أين وضعت ~~؟ ولا أي جحر دخلت ؟ ولا في أي خان نزلت ، ولا في أي حمام عملت ؛ إن لم تكن ~~في الكوة مترسا فتح اللصوص الباب ؛ يا رحى على رحى ؛ ووعاء في وعاء ، وغطاء ~~على غطاء ، وداء بلا دواء ؛ وعمى على عمى ؛ ويا جهد البلاء ؛ ويا سطحا بلا ~~ميزاب ، ويا عودا بلا مضراب ، ويا فما بلا ناب ، ويا سكينا بلا نصاب ، ويا ~~رعدا بلا سحاب ، ويا كوة بلا باب ؛ ويا قميصا بلا مئزر ، ويا جسرا بلا نهر ~~، ويا قرا على قر ؛ ويا شط الصراة ، ويا قصرا بلا مسناه ويا ورق الكماه ، ~~يا مطبخا بلا أفواه ؛ يا ذنب الفار ، يا قدارا بلا أبزار ، يا رأس الطومار ~~، يا رسولا بلا أخبار ؛ يا خيط البواري ، يا رحى في صحاري ، يا طاقات بلا ~~سواري . دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي فقال لها : لو رأى في البيت ~~جحرا . . . لنزا حتى يموتا أو رأى في البيت ثقبا . . . لتحول عنكبوتا PageV01P243 ~~"""""" صفحة رقم 244 """""" # فأجابته : زوجوا هذا بألف . . . وأظن الألف توتا قبل أن ينقل الدا . . . ~~ء فلا يأتي ويوتى فقال - أدام الله دولته ، وبسط لديه نعمته - قدم هذ الفن ~~على غيره ، وما ظننت أن هذا يطرد في مجلس واحد ، وربما عيب هذا النمط كل ~~العيب ، وذلك ظلم ، لأن النفس تحتاج إلى بشر . وقد بلغني أن ابن عباس كان ~~يقول في مجلسه بعد الخوض في الكتاب والسنة والفقه والمسائل : احمصوا ، وما ~~أراه أراد بذلك إلا لتعديل النفس لئلا يلحقها كلال الجد ، ولتقتبس نشاطا في ~~المستأنف ، ولتستعد لقبول ما يرد عليها فتسمع ؛ والسلام . # الليلة التاسعة عشرة # ورسم بجمع كلمات بوارع ، قصار جوامع ، فكتبت إليه أشياء كنت أسمعها من ~~أفواه أهل العلم والأدب على مر الأيام في السفر والحضر ، وفيها قرع للحس ، ~~وتنبيه للعقل ، وإمتاع للروح ، ومعونة على استفادة اليقظة ، وانتفاع في ~~المقامات المختلفة ، وتمثل للتجارب المخلفة ms171 ؛ وامتثال للأحوال المستأنفة . ~~من ذلك : الحمد لله مفتاح المذاهب . البر يستعبد الحر . القناعة عز المعسر ~~. الصدقة كنز الموسر . ما انقضت ساعة من أمسك إلا ببضعة من نفسك . درهم ~~ينفع خير من دينار يضر . من سره الفساد ، ساءه المعاد . الشقي من جمع لغيره ~~فضن على نفسه بخيره . زد من طول أملك في قصر عملك . لا يغرنك صحة نفسك ، ~~وسلامة أمسك ، فمدة العمر قليلة ، وصحة النفس مستحيلة . من لم يعتبر ~~بالأيام ، لم ينزجر بالملام . من استغنى بالله عن الناس ، أمن من عوارض ~~الإفلاس . من ذكر المنية ، نسي الأمنية . البخيل حارس نعمته ، وخازن ورثته ~~. لكل امرىء من دنياه ، ما يعينه على عمارة أخراه . من ارتدى بالكفاف ، ~~اكتسى بالعفاف . لا تخدعنك الدنيا بخدائعها ، ولا تفتننك بودائعها . رب حجة ، تأتي PageV01P244 ~~"""""" صفحة رقم 245 """""" # على مهجة ؛ ورب فرصة ، تؤدي إلى غصة . كم من دم ، سفكه فم . كم إنسان ، ~~أهلكه لسان . رب حرف ، أدى إلى حتف . لا تفرط ، فتسقط . الزم الصمت ، وأخف ~~الصوت . من حسنت مساعيه ، طابت مراعيه . من أعز فلسه ، أذل نفسه . من طال ~~عدوانه ، زال سلطانه . من لم يستظهر باليقظة ، لم ينتفع بالحفظة . من ~~استهدى الأعمى عمي عن الهدى . من اغتر بمحاله ، قصر في احتياله . زوال ~~الدول ، باصطناع السفل . من ترك ما يعنيه ، دفع إلى ما لا يعنيه . ظلم ~~العمال ، من ظلمة الأعمال . من استشار الجاهل ضل ، ومن جهل موضع قدمه زل . ~~لا يغرنك طول القامة ، مع قصر الاستقامة ، فإن الذرة مع صغرها ، أنفع من ~~الصخرة على كبرها . تجرع من عدوك الغصة ، إن لم تنل منه الفرصة ، فإذا ~~وجدتها فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك ، أو يصيبك الفلك ، فإن الدنيا دول ~~تبنيها الأقدار ، ويهدمها الليل والنهار . من زرع الإحن ، حصد المحن . من ~~بعد مطمعه ، قرب مصرعه . الثعلب في إقبال جده ، يغلب الأسد في استقبال شده ~~. رب عطب ، تحت طلب . اللسان ، رق الإنسان . من ثمرة الإحسان ، كثرة ~~الإخوان ، من سأل ما لا يجب ، أجيب بما لا يحب ، وأنشدت : وليس لنا عيب سوى ~~أن جودنا . . . أضر بنا والبأس ms172 من كل جانب فأفنى الندى أموالنا غير ظالم . ~~. . وأفنى الردى أعمارنا غير عائب أبونا أب لو كان للناس كلهم . . . أب ~~مثله أغناهم بالمناقب قال حميد بن الصميري لابنه : اصحب السلطان بشدة ~~التوقي كما تصحب السبع الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة ؛ واصحب ~~الصديق بلين الجانب والتواضع ؛ واصحب العدو بالإعذار إليه والحجة فيما بينك ~~وبينه ؛ واصحب العامة بالبر والبشر واللطف باللسان . PageV01P245 # """""" صفحة رقم 246 """""" # وقع عبد الحميد الكاتب على ظهر كتاب : يا هذا ، لو جعلت ما تحمله ~~القراطيس من الكلام مالا حويت جمالا وحزت كمالا . ووقع السفاح مرة : ما ~~أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وحاشيتنا خارجون منها ، فعجل أرزاقهم ، وزد ~~على قدر كل رجل منهم إن شاء الله . قال الحسن بن علي : عنوان الشرف ، حسن ~~الخلف . وقال جعفر بن محمد : إن لم تجف ، فقلما تصفو . وقال أعرابي : ~~النخلة جذعها نماء ، وليفها رشاء ، وكربها صلاء ، وسعفها ضياء ، وحملها ~~غذاء . وقال الأصمعي : سمعت كساحا يقول لغلام له : ألم أضع إزارك ، ألم ~~أصنع عود مجرفتك ؟ ألم أجعلك كساحا على حمارين ؟ وجد كتاب باليمن فيه : أنا ~~فلانة بنت فلان التبعي ، كنت آكل البقل الرطب من الهند وأنا باليمن ، ثم ~~جعنا حتى اشترينا مكوك بر بمكوك در ، من يوسف بن يعقوب بمصر ، فمن رآنا فلا ~~يغتر بالدنيا . وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لرجل من بني تغلب ~~يوم صفين : أآثرتم معاوية ؟ فقال : ما آثرناه ، ولكنا آثرنا القسب الأصفر ، ~~والبر الأحمر ، والزيت الأخضر . قيل للحسن بن علي - رضي الله عنه - لما ~~صالح معاوية : يا عار المؤمنين . فقال : العار خير من النار . نظر الحجاج ~~يوما على المائدة إلى رجل وجاأ عنق رجل آخر ، فدعا بهما ، فقال PageV01P246 ~~"""""" صفحة رقم 247 """""" # للواجىء : علام صنعت ؟ فقال : غص بعظم فخفت أن يقتله ، فوجأ عنقه فألقاه ~~؛ فسأل الآخر فقال : صدق ؛ فدعا بالطباخ فقال له : أتدع العظام في طعامك ~~حتى يغص بها ؟ فقال : إن الطعام كثير ، وربما وقع العظم في المرق فلا يزال ~~. قال : تصب المرق على المناخل . فكان يفعل . قال سلمة ms173 بن المحبق : شهدت ~~فتح الأبلة ، فوقع في سهمي قدر نحاس ، فنظرت فإذا هي ذهب فيها ثمانون ألف ~~مثقال ، فكتبت في ذلك إلى عمر ، فأجاب بأن يحلف سلمة بأنه أخذها يوم أخذها ~~وهي عنده ، فإن حلف سلمت إليه ، وإلا قسمت بين المسلمين ، قال : فحلفت ~~فسلمت إلي ، فأصول أموالنا اليوم منها . قال بعض الحكماء : لا يصبر على ~~المروءة إلا ذو طبيعة كريمة . . . . . . . أصاب عبد الرحمن بن مدين - وكان ~~رجل صدق بخراسان - مالا عظيما فجهز سبعين مملوكا بدوابهم وأسلحتهم إلى هشام ~~بن عبد الملك ، ثم أصبحوا معه يوم الرحيل ، فلما استوى بهم الطريق نظر ~~إليهم فقال : ما ينبغي لرجل أن يتقرب بهؤلاء إلى غير الله . ثم قال : ~~اذهبوا أنتم أحرار ، وأذل لقدرك عزه . كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى ~~المهدي : أنا ناديت عفوك من قريب . . . كما ناديت سخطك من بعيد وإن عاقبتني ~~فلسوء فعلي . . . وما ظلمت عقوبة مستقيد وإن تصلح فإحسان جديد . . . عطفت ~~به على شكر جديد وقال رجل لمحمد بن نحرير : أوصني ؛ فقال : اسمع ولا تتكلم ~~، واعرف ولا تعرف ، PageV01P247 ~~"""""" صفحة رقم 248 """""" # واجلس إلى غيرك ولا تجلسه إليك . وقال رجل لابن أسيد القاضي : إن أمي ~~تريد أن توصي فتحضر وتكتب ؛ فقال : وهل بلغت مبلغ النساء ؟ ودخل صاحب ~~المظالم بالبصرة على رجل مبرسم وعنده طبيب يداويه ، فأقبل على الطبيب وأهل ~~المريض ، وقال : ليس دواء المبرسم إلا الموت حتى تقل حرارة صدره ، ثم حنيئذ ~~يعالج بالأدوية الباردة حتى يستبل . واجتاز به بائع دراج فقال : بكم تبيع ~~الدراجة ؟ فقال : بدرهم ؛ فقال له : أحسن . قال : كذا بعت . قال : نأخذ منك ~~اثنتين بثلاثة . قال : هما لك . قال : يا غلام خذ منه ، فإنه يسهل البيع . ~~ودخل حجاج بن هارون على نجاح الكاتب ، فذهب ليقبل رأسه ؛ فقال له : لا تفعل ~~، فإن رأسي مملوء بالدهن ، فقال : والله لو أن عليه ألف رطل خراء لقبلته . ~~قدم لابن الحسحاس سكباجة فقال لصديق له : كل فإنها أم القرى . وعزى ابن ~~الحسحاس صديقا له ماتت ابنته ، فقال : من أنت حتى لا تموت ابنتك ms174 البظراء قد ~~ماتت عائشة بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . أخذ يعقوب بن الليثي في أول ~~أمره رجلا فاستصفاه ، ثم رآه بعد زمان ، فقال له : أبا فلان ، كيف أنت ~~الساعة ؟ قال له : كما كنت أنت قديما . قال وكيف كنت أنا ؟ قال : كما أنا ~~الساعة ؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم . قال ابن المبارك : إذا وضع الطعام فقد ~~أذن للآكل . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب لا تصلح ببلاد ~~لا تصلح بها الإبل . وقال إبراهيم بن السندي : نظر رجل من قريش إلى صاحب له ~~قد نام في PageV01P248 ~~"""""" صفحة رقم 249 """""" # غداة من غدوات الصيف طيبة النسيم ، فركضه برجله وقال : ما لك تنام عن ~~الدنيا في أطيب وقتها ، نم عنها في أخبث حالاتها ، نم في نصف النهار لبعدك ~~عن الليلة الماضية والآتية ، ولأنها راحة لما قبلها من التعب ، وجمام لما ~~بعدها من العمل ، نمت في وقت الحوائج ، وتنبهت في وقت رجوع الناس ؛ وقد جاء ~~: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل . وقال إبراهيم بن السندي أيقظت أعرابية ~~أولادا لها صغارا قبل الفجر في غدوات الربيع وقالت : تنسموا هذه الأرواح ، ~~واستنشقوا هذا النسيم ، وتفهموا هذا النعيم ، فإنه يشد من منتكم . ويقال في ~~الوصف : كأنه محراك نار ، وكأنه الجأم صدى . وإذا وصفوه بالقصر قالوا : ~~كأنه عقدة رشا ، وابنة عصا . وإذا كان ضعيفا قالوا : كأنه قطعة زبد ، ~~والمولدون يقولون : كأنه اسكرجة . قال بعض السلف في دعائه : اللهم لا أحيط ~~بنعمك علي فأعدها ، ولا أبلغ كنه واحدة منها فأحدها . دعا عطاء السندي فقال ~~: أعوذ بك من عذابك الواقع ، الذي ليس له دافع ، وأسألك من خيرك الواسع ، ~~الذي ليس له مانع . ودعا بعض السلف : اللهم إن قلبي وناصيتي بيدك لم تملكني ~~منهما شيئا ، وإذ فعلت ذلك فكن أنت وليهما ، فاهدنا سواء السبيل . ودعا بعض ~~الصالحين : اللهم ما كان لي من خير فإنك قضيته ويسرته وهديته ، فلا حمد لي ~~عليه ؛ وما كان مني من سوء فإنك وعظت وزجرت ونهيت فلا عذر لي فيه ولا حجة . ~~ودعا آخر : اللهم ms175 إني أعوذ بك من سلطان جائر ، ونديم فاجر ، وصديق غادر ، ~~وغريم ماكر ، وقريب مناكر ، وشريك خائن ، وحليف مائن ، وولد جاف ، وخادم PageV01P249 ~~"""""" صفحة رقم 250 """""" # هاف ، وحاسد ملافظ ، وجار ملاحظ ، ورفيق كسلان ، وخليل وسنان ، وضعيف ، ~~ومركوب قطوف ، وزوجة مبذرة ، ودار ضيقة . قال المدائني : قال بعض السلف ~~لابنه : اسحذ طبعك بالعيون والفقر وإن قلت ، فإن الشجرة لا يشينها قلة ~~الحمل إذا كان ثمرها نافعا ، وأكلها ناجعا . وقيل للأوزاعي : ما كرامة ~~الضيف ؟ قال : طلاقة الوجه . قال مجاهد في قول الله تعالى : ' ضيف إبراهيم ~~المكرمين ' قال : قيامه عليهم بنفسه . وقال عمر بن عبد العزيز : ليس من ~~المروءة أن تستخدم الضيف . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربع ~~للشريف لا ينبغي أن يأنف منهن وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، ~~وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم يتعلم منه ، وإن سئل عما لا يعلم أن يقول : ~~لا أعلم . حاتم كان يقول : العجلة من الشيطان إلا في خمسة أشياء ، فإنها من ~~السنة : إطعام الضيف إذا حل ، وتجهيز الميت ، وتزويج البكر ، وقضاء الدين ، ~~والتوبة من الذنب . وقال : من أطعم الضيف لحما وخبز حنطة وماء باردا فقد ~~تمم الضيافة . وقال حاتم : المزور المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة ~~إبراهيم الخليل ، وإذا ضافه إنسان حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال ميمون بن ~~ميمون : من ضاف البخيل صامت دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن التخمة . ~~وقال بعض السلف الصالح : لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من عتق رقبة . PageV01P250 # """""" صفحة رقم 251 """""" # قال الأعمش : كان الربيع بن خيثم يصنع لنا الخبيص ويقدمه ويقول : اللهم ~~اغفر لأطيبهم نفسا ، وأحسنهم خلقا ، وارحمهم جميعا . وقال أنس بن مالك : كل ~~بيت لا يدخله الضيف لا تدخله الملائكة . ولما قرأته على الوزير - بلغه الله ~~آماله ، وزكى أعماله ، وخفف عن قلبه أثقاله - قال : ما علمت أن مثل هذا ~~الحجم يحوي هذه الوصايا والملح ؛ وهذه الكلمات الغرر ما فيها ما لا يجب أن ~~يحفظ ، والله لكأنها بستان في زمان الخريف ، لكل عين فيه منظر ، ولكل يد ~~منه مقطف ms176 ، ولكل فم منه مذاق . إذا فرغت فأضف لي جزءا أو جزءين أو ما ساعدك ~~عليه النشاط ، فإن موقعها يحسن ، وذكرها يجمل ، وأثرها يبقى ، وفائدتها ~~تروى ، وعاقبتها تحمد . فقلت : السمع والطاعة . # الليلة العشرون # وقال لي مرة أخرى : اكتب لي جزءا من الأحاديث الفصيحة المفيدة . فكتبت : ~~قال مالك بن عمارة اللخمي . كنت أجالس في ظل الكعبة أيام الموسم عبد الملك ~~بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير ، وكنا نخوض في الفقه مرة ، وفي ~~الذكر مرة ؛ وفي أشعار العرب وىثار الناس مرة ؛ فكنت لا أجد عند أحد منهم ~~ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون ~~العلم والفصاحة والبلاغة ، وحسن استماعه إذا حدث ، وحلاوة لفظه إذا حدث ، ~~فخلوت معه ذات ليلة فقلت : والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك ~~وحسن حديثك ، وإقبالك على جليسك ؛ فقال : إنك إن تعش قليلا فسترى العيون ~~طامحة إلي والأعناق قاصدة نحوي ، فلا عليك أن تعمل إلي ركابك . فلما أفضت ~~إليه الخلافة شخصت أريده ، فوافيته يوم جمعة وهو يخطب الناس ، فتصديت له ، ~~فلما وقعت عينه علي بسر في وجهي ، وأعرض عني ، فقلت : لم يثبتني معرفة ولو ~~عرفني ما أظهر نكرة . لكنني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل ، PageV01P251 ~~"""""" صفحة رقم 252 """""" # فلم ألبث أن خرج الحاجب إلي فقال : مالك بن عمارة ، فقمت ، فأخذ بيدي ~~وأدخلني عليه ، فلما رآني مد يده إلي وقال : إنك تراءيت لي في موضع لم يجز ~~فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض ؛ فمرحبا وأهلا وسهلا ، كيف كنت ~~بعدنا ؟ وكيف كان مسيرك ؟ قلت : بخير ، وعلى ما يحبه أمير المؤمنين . قال : ~~أتذكر ما كنت قلت لك ؟ قلت : نعم ، وهو الذي أعملني إليك ؛ فقال : والله ما ~~هو بميراث ادعيناه ، ولا أثر وعيناه ، ولكني أخبرك عن نفسي خصالا سمت بها ~~نفسي إلى الموضع الذي ترى ، مالاحيت ذا ود ولا ذا قرابة قط ، ولا شمت ~~بمصيبة عدو قط ، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي ، ولا قصدت كبيرة من محارم ~~الله متلذذا ms177 بها وواثبا عليها ، وكنت من قريش في بيتها ، ومن بيتها في وسطه ~~، فكنت آمل أن يرفع الله مني ، وقد فعل ؛ يا غلام ، بوئه منزلا في الدار . ~~فأخذ الغلام بيدي وقال : انطلق إلى رحلك ؛ فكنت في أخفض حال ، وأنعم بال ؛ ~~وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه ، فإذا حضر عشاؤه أو غداؤه أتاني الغلام وقال ~~: إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس ، فأمشي بلا حذاء ولا رداء فيرفع ~~مجلسي ، ويقبل على محادثتي ، ويسألني عن العراق مرة ، وعن الحجاز مرة ، حتى ~~مضت لي عشرون ليلة . فتغديت عنده يوما ، فلما تفرق الناس نهضت للقيام ، ~~فقال : على رسلك أيها الرجل ، أي الأمرين أحب إليك : المقام عندنا ، ولك ~~النصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة ، أم الشخوص ولك الحباء والكرامة ~~؟ فقلت : فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين ، فإن أمرني اخترت ~~فناءه على الأهل والولد ، قال : بل أرى لك الرجوع إليهم ، فإنهم متطلعون ~~إلى رؤيتك ، فتجدد بهم عهدا ويجددون بك مثله ، والخيار في زيارتنا والمقام ~~فيهم إليك ، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار ، وكسوناك وحملناك ، أتراني ~~ملأت يدك أبا نصر ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أراك ذاكرا لما رويت عن نفسك ~~. قال : أجل ، ولا خير فيمن ينسى إذا وعد ؛ ودع إذا شئت صحبتك السلامة . ~~قال الوزير : ما أحلى هذا الحديث هات ما بعده ، قلت : قال يحيى بن أبي يعلى ~~: لما قدم المال من ناحية عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - على أبي بكر بن ~~حزم ، قسمه بين الناس في المدينة ، فأصاب كل إنسان خمسين دينارا ، فدعتني ~~فاطمة بنت الحسين PageV01P252 ~~"""""" صفحة رقم 253 """""" # السلام - فقالت : اكتب ، فكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر ~~أمير المؤمنين من فاطمة بنت الحسين سلام الله عليك ، فإني أحمد إليك الله ~~الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما ~~تولاه ، وعصم به دينه ، فإن أمير المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم ~~فينا مالا من الكتيبة ، ويتحرى بذلك ما كان يصنع من قبله من ms178 الأئمة ~~الراشدين المهديين ، وقد بلغنا ذلك ، وقسم فينا ، فوصل الله أمير المؤمنين ~~، وجزاه من وال خير ما جزى أحدا من الولاة ، فقد كانت أصابتنا جفوة ، ~~واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحق ؛ فأقسم بالله يا أمير المؤمنين لقد احتدم ~~من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لا خادم له ، واكتسى من كان ~~عاريا ، واستقر من كان لا يجد ما يستقر به . وبعثت إليه رسولا . قال يحيى : ~~فحدثني الرسول قال : قدمت الشام عليه ، فقرأ كتابها وإنه ليحمد الله ويشكره ~~، فأمر لي بعشرة دنانير ، وبعث إلى فاطمة خمسمائة دينار ، وقال : استعيني ~~بها على ما يعوزك ، وكتب إليها كتابا يذكر فيه فضلها وفضل أهل بيتها ، ~~ويذكر ما فرض الله لهم من الحق . فرق الوزير عند هذا الحديث وقال : أذكرتني ~~أمر العلوية ، وأخذ القلم ، واستمد من الدواة ، وكتب في التذكرة شيئا ، ثم ~~أرسل إلى نقيب العلوية العمري في اليوم الثاني بألف دينار ، حتى تفرق في آل ~~أبي طالب ، وقال لي : هذا من بركة الحديث . ثم قال : كيف تطاول هؤلاء القوم ~~إلى هذا الأمر مع بعدهم من رحم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقرب بني ~~هاشم منه ؟ وكيف حدثتهم أنفسهم بذلك ؟ إن عجبي من هذا لا ينقضي ، أين بنو ~~أمية وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا ؟ ~~فقلت : أيها الوزير ، إذا حقق النظر واستشف الأصل لم يكن هذا عجيبا ، فإن ~~أعجاز الأمور تالية لصدورها ، والأسافل تالية لأعاليها ، ولا يزال الأمر ~~خافيا حتى ينكشف PageV01P253 ~~"""""" صفحة رقم 254 """""" # سببه فيزول التعجب منه ، وإنما بعد هذا على كثير من الناس ، لأنهم لم ~~يعنوا به وبتعرف أوائله والبحث عن غوامضه ، ووضعه في مواضعه ، وذهبوا مذهب ~~التعصب . قال : فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التعجب ولزم التسليم ؟ فكان ~~من الجواب : لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) توفي وعتاب بن أسيد على مكة ، وخالد بن سعيد على صنعاء ، وأبو سفيان ~~بن حرب على نجران ، وأبان بن سعيد بن ms179 العاص على البحرين ، وسعيد بن القشب ~~الأزدي حليف بني أمية على جرش ونحوها ، والمهاجر بن أبي أمية المخزوومي على ~~كندة والصدف ؛ وعمرو بن العاص على عمان ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف . ~~فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أسس هذا الأساس ، وأظهر أمرهم لجميع ~~الناس ؛ كيف لا يقوى ظنهم ، ولا ينبسط رجاؤهم ، ولا يمتد في الولاية أملهم ~~؟ وفي مقابلة هذا ، كيف لا يضعف طمع فيها ، والعاجلة محبوبة ، وهذا وما ~~أشبهه حدد أنيابهم ، وفتح أبوابهم ؛ وأترع كأسهم ، وفتل أمراسهم ، ودلائل ~~الأمور تسبق ، وتباشير الخبر تعرف . قال ابن الكلبي : حدثني الحكم بن هشام ~~الثقفي قال : مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت معه ~~بأرض الحبشة ، فخطبها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى النجاشي ، فدعا ~~بالقرشيين فقال : من أولاكم بأمر هذه المرأة ؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص ~~: أنا أولاهم بها . قال : فزوج نبيكم . قال : فزوجه ومهر عنه أربعمائة ~~دينار ؛ فكانت أول امرأة مهرت أربعمائة دينار ؛ ثم حملت إلى النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ومعها الحكم بن أبي العاص ، فجعل النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يكثر النظر إليه ، فقيل له : يا رسول الله ، إنك لتكثر النظر إلى ~~هذا الشاب . قال : أليس ابن المخزومية ؟ قالوا : بلى ؛ قال : إذا بلغ بنو ~~هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم ، وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية ~~كلام قال لمعاوية : والله إني لأبو عشرة ، وأخو عشرة ، وعم عشرة ، وما بقي ~~إلا عشرة حتى يكون الأمر في ؛ فيقول معاوية بن أبي سفيان : أخذها والله من ~~عين صافية . PageV01P254 # """""" صفحة رقم 255 """""" # فهذا - كما تسمع - إن كان حقا فلا سبيل إلى رده ، وإن كان مفتعلا فقد صار ~~داعية إلى الأمر الذي وقع النزاع فيه ، وجال الخصام عليه . وها هنا شيء آخر ~~. قال القعقاع بن عمرو : قلت لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : ما ~~حملكم على خلاف العباس بن عبد المطلب وترك رأيه ؟ وهذا يعني به أن العباس ~~كان قال لعلي - كرم الله وجهه - في ms180 جوابه لي : لو فعلنا ذلك فجعلها في ~~غيرنا بعد كلامنا لم ندخل فيها أبدا ، فأحببت أن أكف ، فإن جعلها فينا فهو ~~الذي نريد ، وإن جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منا ممدوا ، ولم ينقطع ~~منا ولا من الناس . قال القعقاع : فكان الناس في ذلك فرقتين : فرقة تحزب ~~للعباس وتدين له ، وفرقة تخرب لعلي وتدين له . فهذا وما أشبهه يضعف نفوسا ، ~~ويرفع رءوسا ؛ وبعد فهذا البيت خص بالأمر الأول ، أعني الدعوة والنبوة ~~والكتاب العزيز ، فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم ، وقد رؤي أبو ~~سفيان صخر بن حرب وقد وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول : رحمك الله ~~يا أبا عمارة ، لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا . فإن قال قائل : فقد وصل ~~هذا الأمر بعد مدة إلى آل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فالجواب : صدقت ، ~~ولكن لما ضعف الدين وتحلحل ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر ، فتطاول له ~~ناس من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالعجم وبوقتهم ونهضتهم ~~وعادتهم في مساورة الملوك ، وإزالة الدول ، وتناول العز كيف كان ، وما وصل ~~إلى أهل العدالة والطهارة والزهد والعبادة والورع والأمانة ، ألا ترى أن ~~الحال استحالت عجما : كسروية وقيصرية ، فأين هذا من حديث النبوة الناطقة ، ~~والإمامة الصادقة ؛ هذا الربيع - وهو حاجب المنصور - يضرب من شمت الخليفة ~~عند العطسة ، فيشكي ذلك إلى أبي جعفر المنصور ، فيقول : أصاب الرجل اسنة ~~وأخطأ الأدب . وهذا هو الجهل ، كأنه لا يعلم أن السنة أشرف PageV01P255 ~~"""""" صفحة رقم 256 """""" # من الأدب ، بل الأدب كله في السنة ، وهي الجامعة للأدب النبوي والأمر ~~الإلهي ، ولكن لما غلبت عليهم العزة ، ودخلت النعرة في آنافهم ، وظهرت ~~الخنزاونة بينهم ، سموا آيين العجم أدبا ، وقدموه على السنة التي هي ثمرة ~~النبوة ، هذا إلى غير ذلك من الأمور المعروفة ، والأحوال المتعالمة ~~المتداولة التي لا وجه لذكرها ، ولا فائدة لنشرها ، لأنها مقررة في التاريخ ~~، ودائرة في عرض الحديث . ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت ، وأواسطها ~~على ما وصفت ، كان من نتائجها هذه ms181 الفتن والمذاهب ، والتعصب والإفراط ، وما ~~تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى ، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه ، وصارت ~~العامة مع جهلها ، تجد قوة من خاصتها مع علمها ، فسفكت الدماء ، واستبيح ~~الحريم ، وشنت الغارات ، وخربت الديارات ، وكثر الجدال ، وطال القيل والقال ~~، وفشا الكذب والمحال ، وأصبح طالب الحق حيران ، ومحب السلامة مقصودا بكل ~~لسان وسنان ، وصار الناس أحزابا في النحل والأديان ، فهذا نصيري ، وهذا ~~أشجعي ، وهذا جارودي ، وهذا قطعي ، وهذا جبائي ، وهذا أشعري ، وهذا خارجي ، ~~وهذا شعيبي ، وهذا قرمطي ، وهذا PageV01P256 ~~"""""" صفحة رقم 257 """""" # راوندي ، وهذا نجاري ، وهذا زعفراني ، وهذا قدري ، وهذا جبري ، وهذا لفظي ~~، وهذا مستدركي ، وهذا حارثي ، وهذا رافضي ، ومن لا يحصي عددها إلا الله ~~الذي لا يعجزه شيء ؛ لا جرم شمت اليهود والنصارى والمجوس بالمسلمين ، ~~وعابوا وتكلموا ، ووجدوا آجرا وجصا فبنوا ، وسمعوا فوق ما تمنوا فرووا . ~~وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' لا يزداد الأمر إلا صعوبة ، ولا ~~الناس إلا اتباع هوى ، حتى تقوم الساعة على شرار الناس ' . وقال أيضا : ' ~~بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأ غريبا ، فطوبى للغرباء من أمتي ' . ~~وقلت لابن الجلاء الزاهد بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة : ما صفة هذا ~~الغريب ؟ فقال لي : يا بني هو الذي يفر من مدينة إلى مدينة ، ومن قلة إلى ~~قلة ؛ ومن بلد إلى بلد ومن بر إلى بحر ، ومن بحر إلى بر ، حتى يسلم ، وأنى ~~له بالسلامة مع هذه النيران التي قد PageV01P257 ~~"""""" صفحة رقم 258 """""" # طافت بالشرق والغرب ، وأتت على الحرث والنسل ، فقدمت كل أفوه ، وأسكتت كل ~~ناطق ، وحيرت كل لبيب ، وأشرقت كل شارب ، وأمرت على كل طاعم ؛ وإن الفكر في ~~هذا الأمر لمختلس للعقل وكارث للنفس ، ومحرق للكبد . فقال الوزير : والله ~~إنه لكذلك ، وقد نال مني هذا الكلام ، وكبر علي هذا الخطب ، والله المستعان ~~. ونظرت إليه وقد دمعت عينه ورق فؤاده وهو - كما تعلم - كثير التأله ، شديد ~~التوقي ، يصوم الاثنين والخميس ، فإذا كان أول رجب أصبح صائما إلى أول يوم ~~من شوال ، وما راينا وزيرا على هذا الدأب وبهذه العادة ، لا ms182 منافقا ولا ~~مخلصا ، وقد قال الله تعالى : ' إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ' تولاه الله ~~أحسن الولاية ، وكفاه أكمل الكفاية ، إنه قريب مجيب . فلما رايت دمعته قلت ~~: أيها الوزير ، روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ' حرمت ~~النار على عين بكت من خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ~~وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله ' ، فقال - أحسن الله توفيقه - : هو ~~الهلاك إن لم ينقذ الله بفضله ، ولم يتغمد بعفوه ؛ لو غرقت في البحر كان ~~رجائي في الخلاص منه أقوى من رجائي في السلامة مما أنا فيه . قلت : إذا علم ~~الله من ضميرك هذه العقيدة ألبسك ثوب عفوه ، وحلاك بشعرا عافيته وولايته ، ~~وكفاك كيد أعدائك ، وعصب برءوسهم ما يريدونه بك ' إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون ' . فقال : اجمع لي جزءا من رقائق العباد وكلامهم اللطيف ~~الحلو ، فإن مراميهم شريفة ، وسرائرهم خالصة ، ومواعظهم رادعة ، وذاك - أظن ~~- للدين الغالب عليهم ، والتأله PageV01P258 ~~"""""" صفحة رقم 259 """""" # المؤثر فيهم ؛ فالصدق مقرون بمنطقهم ، والحق موصول بقصدهم ، ولست أجد هذا ~~المعنى في كلام الفلاسفة ، وذاك - أظن أيضا - لخوضهم في حديث الطبائع ~~والأفلاك والأثار وأحداث الزمان . قلت : أفعل ، فكتبت تمام ما تقعدم به ، ~~ثم كتبت بعد وريقات في حديث النساك . قال عتبة بن المنذر السلمي : سئل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) أي الأجلين قضى موسى - عليه السلام - ؟ فقال : ~~أكثرهما وأوفاهما ، ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن موسى - ~~عليه السلام - لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من ~~نتاج غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام ، ~~فلما وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا ضرب جنبها ~~بعصاه ، فوضعت قوالب ألوان كلها ووضعت اثنتين أو ثلاثة كل شاة ، ليس فيهن ~~فشوش ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكف فإن افتتحتم الشام وجدتم بها ~~بقايا منها ، فاتخذوها ، وهي السامرية ' . قال جعفر بن أبي ms183 طالب للنجاشي في ~~حديث : بعث الله تعالى رسولا فينا نعرف صدقه وأمانته ، فدعانا إلى الله ~~لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، ~~وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ~~وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات . وقال صاحب التاريخ : ولدت ~~لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب زيدا ~~ورقية ؛ وأم أم كلثوم فاطمة بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . قال أنس بن ~~مالك : صلى الناس على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما توفي أفرادا لم ~~يؤمهم عليه أحد . PageV01P259 # """""" صفحة رقم 260 """""" # ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمان سنين ، هلك عبد المطلب ، ~~وهو شيبة أبو الحارث ، وذلك بعد الفيل بثمان سنين ، وتوفيت آمنة أمه وهو ~~ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة ، كانت قدمت به على أخواله من بني ~~عدي بن النجار تزيره إياهم ، فماتت وهي راجعة إلى مكة . # الليلة الحادية والعشرون # وسأل مرة عن المغني إذا راسله آخر لم يجب أن يكون ألذ وأطيب ، وأحلى ~~وأعذب ؟ فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع ~~من اقتضاب قول وتكلف جواب ، ذكر أن المسموع الواحد إنما هو بالحس الواحد ، ~~وربما كان الحس الواحد أيضا غليظا أو كدرا ، فلا يكون لنيله اللذة به بسط ~~ونشو ولذاذة ، وكذلك المسموع ربما لم يكن في غاية الصفاء على تمام الأداء ~~بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء ، فلا تكون أيضا إنالته للذة على التمام ~~والوفاء ، فإذا ثنى المسموع - أعني توحد النغم بالنغم - قوي الحس المدرك ، ~~فنال مسموعين بالصناعة ، ومسموعا واحدا بالطبيعة ؛ والحس لا يعشق المواحدة ~~والمناسبة والاتفاق إلا بعد أن يجدها في المركب ، كما أن العقل لا يعشق إلا ~~بعد أن ينالها في فضاء البسيط ؛ فكلما قوي الحس باستعماله ، التذ صاحبه ~~بقوته حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحس أو أكثر ، وكما أن الحس إذا كان كليلا ~~كان الذي يناله كليلا ، كذلك الحس إذا ms184 كان قويا كان ما يناله قويا . قال : ~~هذا كله موهوب للحس ، فما للعقل في ذلك ؟ فإنا نرى العاقل تعتريه دهشة PageV01P260 ~~"""""" صفحة رقم 261 """""" # وأريحية واهتزاز . قلت : قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو سليمان في ~~مذاكرته لابن الخمار ، وذكر أن من شأن العق السكون ، ومن شأن الحس التهيج ، ~~ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة ، ومن دونه يوصف بالطيش والعجرفة ، ~~والإنسان ليس يجد العقل وجدانا فيلتذ به ، وإنما يعرفه إما جملة وإما ~~تفصيلا ؛ أعني جملة بالرسم وتفصيلا بالجد ، ومع ذلك يشتاق إلى العقل ، ~~ويتمنى أن يناله ضربا من النيل ويجده نوعا من الوجدان ، فلما أبرزت الطبيعة ~~الموسيقى في عرض الصناعة بالآلات المهيأة ، وتحركت بالمناسبات التامة ~~والأشكال المتفقة أيضا ، حدث الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه ~~وانجلائه ، فبهر الإحساس ، وبث الإيناس ، وشوق إلى عالم الروح والنعيم ، ~~وإلى محل الشرف العميم ، وبعث على كسب الفضائل الحسية والعقلية ، أعني ~~الشجاعة والجود والحلم والحكمة والصبر ، وهذه كلها جماع الأسباب المكملة ~~للإنسان في عاجلته وآجلته ؛ وبالواجب ما كان ذلك كذلك ، لأن الفضائل لا ~~تقتنى إلا بالشوق إليها ، والحرص عليها ، والطلب لها ؛ والشوق والطلب ~~والحرص لا تكون إلا بمشوق وباعث وداع ، فلهذا برزت الأريحية والهزة ، ~~والشوق والعزة ؛ فالأريحية للروح ، والهزة للنفس ، والشوق للعقل ، والعزة ~~للإنسان . ومما يجب أن يعلم أن السمع والبصر أخص بالنفس من الإحساسات ~~الباقية ، لأنهما خادما النفس في السر والعلانية ، ومؤنساها في الخلوة ، ~~وممداها في النوم واليقظة ؛ وليست هذه الرتبة لشيء من الباقيات ، بل ~~الباقيات آثارها في الجسد الذي هو مطية الإنسان ، لكن الفرق بين السمع ~~والبصر في أبواب كثيرة : ألطفها أن أشكال المسموع مركبة في بسيط ، وأشكال ~~المبصر مبسوطة في مركب . قلت : وقد حكيت هذا لأبي زكرياء الصيمري فطرب ~~وارتاح وقال : ما أبعد نظر هذا الرجل وما أرقى لحظه وما أعز جانبه PageV01P261 ~~"""""" صفحة رقم 262 """""" # الليلة الثانية والعشرون # وقال لي مرة أخرى : ارو لي شيئا من كلام أبي الحسن العامري ، فإني أرى ~~أصحابنا يرذلونه ويذيلونه ، فلا يرون له في هذه العصبة قدما ، ولا يرفعون ms185 ~~له في هذه الطائفة علما . فقلت : كان الرجل لكزازته وغلظ طباعه وجفاء خلقه ~~ينفر من نفسه ، ويغري الناس بعرضه ، فإذا طلب منه الفن الذي قد خص به وطولب ~~بتحقيقه وجد على غاية الفضل . فمن كلامه قوله : الطبيعة تتدرج في فعلها من ~~الكليات البسيطة ، إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من الجزئيات ~~المركبة ، إلى البسائط الكلية ، والإحاطة بالمعاني البسيطة تحتاج إلى ~~الإحاطة بالمعاني المركبة ، ليتوصل بتوسطها إلى استثباتها ، والإحاطة ~~بالمعاني المركبة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني البسيطة ليتوصل بتوسطها إلى ~~تحقيق إثباتها . وكما أن القوة الحسية عاجزة بطباعها عن استخلاص البسائط ~~الأوائل ، بل تحتاج معها إلى القوة العاقلة ، وإنقويت لصار العقل فضلا - ~~كذلك أيضا القوة العاقلة لا تقوى بذاتها على استثبات المركبات إلا من جهة ~~القوة الحساسة ، ولو قويت عليه لصار الحس فضلا للعاقلة . قال : هذا كلام ~~بارع من صدر واسع ، وأحب أن تزيدني من نمطه . قلت : وقال أيضا : الكلي ~~مفتقر إلى الجزئي لا لأن يصير بديمومته محفوظا بل لأن يصير بتوسطه موجودا ، ~~والجزئي مفتقر إلى الكلي لا لأن يصير بتوسطه موجودا ، بل لأن يصير بديمومته ~~محفوظا بل لأن يصير بتوسطه موجودا ، بل لأن يصير بديمومته محفوظا . وقال : ~~الحال في جميع السبل - أعني مسالك الأشياء في تكونها صناعية كانت أو PageV01P262 ~~"""""" صفحة رقم 263 """""" # تدبيرية أو طبيعية أو اتفاقية - واحدة ، مثاله أن الإنسان وإن التذ ~~بالدستنبان فلن يعد موسيقارا إلا إذا تحقق بمبادئه الأول التي هي الطنينات ~~وأنصاف الطنينات ، وكذلك الإنسان وإن استطاب الحلو فلن يسمى حلوانيا إلا ~~إذا عرف بسائطه وأسطقساته . وقال : العلم لا يحيط بالشيء إلا إذا عرف ~~مبادئه القريبة والبعيدة والمتوسطة . وقال : نتوصل إلى كرية القمر بما نراه ~~من اختلاف أشكاله ، أعني أنا نراه في الدورة الواحدة هلاليا مرتين ومنصفا ~~مرتين وبدرا مرة واحدة ، وهذه الأشكال وإن كانت متقدمة عندنا فإن كونه كريا ~~هو المتقدم بالذات . وقال : ما هو أكثر تركيبا فالحس أقوى على إثباته ، وما ~~هو أقل تركيبا فالعقل أخلص إلى ذاته . وقال : الأحداث - وهي الذوات ~~الإبداعية - الوقوف على إثباتها ms186 يغني عن البحث عن ماهياتها . وقال : كل ~~معنى يوجد بوجوده غيره لا يرتفع بارتفاع ذلك الذي هو غيره ، بل يرتفع غيره ~~بارتفاعه ، فإنه أقدم ذاتا من غيره ، مثاله الجنس لا يرتفع بارتفاع واحد من ~~أنواعه ، والأنواع ترتفع بارتفاع الجنس ، وكذلك حال النوع مع الشخص ، ~~فالجنس أقدم من النوع ، والنوع أقدم من الشخص ، وأعني بالجنس والنوع ~~الطبيعيين لا المنطقيين . وقال : معرفتنا أولا تتعلق بالأشخاص الجزئية ثم ~~بتوسطها ثبتت الأجناس فإذا المتقدم بالذات غير المتقدم إلينا . وقال : مسلك ~~العقل في تعرف المعاني الطبيعية مقابل لمسلك الطبيعة في إيجادها ، لأن ~~الطبيعة تتدرج من الكليات البسيطة إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من ~~الجزئيات المركبة إلى البسائط الكلية . قال أبو النضر نفيس : إنما كان هذا ~~هكذا لأن الطبيعة متناولة من العقل والعقل مناول للطبيعة ، فوجب أن يختلف ~~الأمران ، فإن قال قائل : فهلا تم الأمران معا بواحد منهما ، أعني الطبيعة ~~أو العقل ؟ فالجواب أن أحدهما في العلو ، والآخر في السفل ، فليس للعالي أن PageV01P263 ~~"""""" صفحة رقم 264 """""" # يهبط ، ولا للسافل أن يعلو ؛ فلما كان هذا محالا توسط بينهما - أعني ~~العالي والسافل - المناولة والتناول حتى اتصل الأول بالثاني ، وغص الفضاء ~~بينهما بضروب الأفراد والأزواج ، وانتظم الكل فلم يكن فيه خلل ، ولا دونه ~~مأتى ، ولا وراءه متوهم . وقال : الإنسان مركب من الأعضاء الآلية بمنزلة ~~الرأس واليدين والرجلين وغيرها ، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من ~~الأعضاء المتشابهة الأنواع بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشريان ، ثم كل ~~واحد من هذه الأعضاء مركب من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم ~~والمريان ، ثم كل واحد من هذه الأخلاط مركب من الأسطقسات الأربع التي هي ~~النار والهواء ، والأرض والماء ؛ ثم كل واحد من هذه الأسطقسات مركب من ~~الهيولى والصورة . وقال : كما أن لكل عضو قوة تخصه بتدبيرها ، كذلك لجميع ~~البدن قوة أخرى ضامنة لتدبيره . قال : وقال الحكيم في كتاب السماء : علة ~~الأنواع والأجناس ودوامها هي الفلك المستقيم ، وعلة كون الأشخاص وتجدد ~~حدوثها هي الفلك المائل ، فأما الكليات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة ~~القياسية ms187 المستتبة لها عند تكون الحس على واحد منها . قال أبو النضر نفيس : ~~هذا حكم بالوهم ، ورأي خرج من الظن ؛ الفلك المستقيم والفلك المائل هما ~~بنوع الوحدة ونسبة الاتفاق ، فليس لأحدهما اختصاص بالأنواع والأجناس ، ولا ~~بتجدد الأشخاص ، والدليل على هذا أن قالبا لو قلب قالبه ذلك لم يكن له عنه ~~انفصال . وللرأي زلات ، كما أن للسان فلتات ، PageV01P264 ~~"""""" صفحة رقم 265 """""" # وللحكيم هفوات ، كما أن للجواد عثرات ؛ وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ~~ما لا يعرف ، وما أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري ، ومن الذي حقق ~~عنده أن الفلك المستقيم هذا نعته ، والفلك المائل تلك صفته ؛ هذا توهم ~~وتلفيق ، لا يرجع مدعيه إلى تحقيق ، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليد ، ~~كما أن دعوى ذاك الحكيم توهم ، ومحبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول ~~الباطل ، وبغض الرجال للرجال فتنة حاملة على رد الحق ؟ وهذا أمر قد طال منه ~~الضجيج ، وفزع إلى الله منه بالتضرع . قال أبو الحسن : الموجود له حقيقة ~~واحدة لا تدرك إلا عقلا ، وليس له مبدأ ، ولو كان له مبدأ لشاركه المبدأ في ~~طبيعة الوجود ، وليس بمتحرك لأنه لا مقابل له فيتحرك إليه . وقال أبو النضر ~~نفيس : عني بهذا الموجود الحق الأول الذي هو علة العلل ، وهو البارىء الإله ~~، وما أنصف ، لأنه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه ، ويصف مرتبة كل موجود على ~~ما هي عليه وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى إلى آخر الموجود ~~الأسفل ، أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود الأعلى ، فإنه ~~لا شيء مما يعقل ويحس إلا وله من هذا الوجود نصيب به استحق أن يكون موجودا ~~، وإن كان ذلك النصيب قليلا . وقال : قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو ~~كثير بالأسماء ، ويوصف بأنه واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى ، ويوصف بأنه ~~واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع ، ويوصف بأنه واحد بالنوع وهو كثير بالشخوص ~~، ويوصف بأنه واحد بالاتصال وهو كثير بالأجزاء ، وقد نقول في شيء : إنه ~~واحد بالموضوع ms188 وهو كثير بالحدود ، كالتفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللون ~~والطعم والرائحة ، وقد يكون واحدا في الحد وكثيرا في الموضوع ، كالبياض ~~الذي يوجد في الثلج والقطن والاسفيداج ، وقد يكون كثيرا بالحج والموضوع ~~كالعلم والحركة ، فإن موضوع هذا الجسم ، وموضع ذاك النفس ، وحد أحدهما غير ~~حد الآخر ، وقد يكون واحدا بالموضوع والحد بمنزلة السيف والصمصام ؛ وقد ~~نقول أشياء تكون واحدة بالفعل ، PageV01P265 ~~"""""" صفحة رقم 266 """""" # وهي بالقوة كثيرة ، كالسراج الواحد ؛ فأما أن يكون واحدا بالقوة وكثيرا ~~بالفعل من وجه واحد ، فلا يكون ، بل من جهات مختلفة . قال أبو النضر نفيس : ~~الواحد الذي ينقسم فينشأ منه الكثرة غير الواحد الذي لا ينقسم ، والكثير ~~الذي يتوحد حتى يكون واحدا غير الكثير الذي لا يتوحد ، فالواحد الذي لا ~~ينقسم علة الواحد المنقسم ، والكثير الذي يتوحد هو علة الكثير الذي لا ~~يتوحد ، وبالحكمة الإلهية ما كان هكذا حتى يكون الكثير الذي يتوحد في ~~مقابلة الكثير الذي لا يتوحد ، والواحد الذي ينقسم في مقابلة الواحد الذي ~~لا ينقسم ، وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة التمام الحاصل للكل ، وليست هي ~~عبارة عن صورة مزاحمة لصورة ، أو كثيرة غالبة لكثرة ، المستغاث بالله من ~~قصور العبارة عن الغاية ، وتقاعس اللفظ عن المراد . وقال : يعجبني من جملة ~~الحكم الأمثال التي يضربونها ، والعيون التي يستخرجونها ، والمعاني التي ~~يقربونها . قلت : صدقت ، مثل قول فيلسوف : البدن للنفس بمنزلة الدكان ~~للصانع ، والأعضاء بمنزلة الآلات ، فإذا انكسرت آلات الصانع وخرب الدكان ~~وانهدم ، فإن الصانع لا يقدر على عمله الذي كان يعمله إلا أن يتخذ دكانا ~~آخر ، وآلات جدد أخر . قال : أحب أن أسمع شيئا من منثور كلامهم في فنون ~~مختلفة . قلت : قال فيلسوف : العاقل يضل عقله عند محاورة الأحمق . قال أبو ~~سليمان : هذا صحيح ، ومثاله أن العاقل إذا خاطب العاقل فهم وإن اختلفت ~~مرتبتاهما في العقل ، فإنهما يرجعان إلى سنخ العقل ، وليس كذلك العاقل إذا ~~خاطب الأحمق ، فإنهما ضدان ، والضد يهرب من الضد ؛ وقد قيل لأبي الهذيل ~~العلاف - وكان متكلم زمانه - : إنك لتناظر النظام وتدور بينكما نوبات ms189 ، ~~وأحسن أحوالنا إذا حضرنا أن ننصرف شاكين في القاطع منكما والمنقطع ، ونراك ~~مع هذا يناظرك زنجويه الحمال فيقطعك في ساعة . PageV01P266 # """""" صفحة رقم 267 """""" # فقال : يا قوم إن النظام معي على جادة واحدة لا ينحرف أحدنا عنها إلا ~~بقدر ما يراه صاحبه فيذكره انحرافه ، ويحمله على سننه فأمرنا يقرب ، وليس ~~هكذا زنجويه الحمال فإنه يبتدىء معي بشيء ، ثم يطفر إلى شيء بلا واصلة ولا ~~فاصلة ، وأبقى ، فيحكم علي بالانقطاع ، وذاك لعجزي عن رده إلى سنن الطريق ~~الذي فارقني آنفا فيه . وقال فيلسوف آخر : العادات قاهرات ، فمن اعتاد شيئا ~~في السر فضحه في العلانية . قال أبو سليمان : وهذا صحيح ، لأن حقيقة العادة ~~في الشيء المعهود عوده بعد عوده ، فهي - أعني العادة - بالاستمرار الذي ~~يقهر من اعتاده ، والخلوة حال ، والعلانية حال ، والعادة بجريانها تهجم في ~~الحالين ولا تفرق ؛ ولهذا ما قيل : العادة هي الطبيعة الثانية ؛ كأن ~~الطبيعة عادة ، ولكنها الأولى بالجبلة ؛ والعادة طبيعة ولكنها الأخرى بحسن ~~الاختيار أو بسوء الاختيار . وقال فيلسوف : ما أكثر من ظن أن الفقير هو ~~الذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا فقير من جهة العرض ، فأما الفقير الطبيعي ~~فالذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال ؛ كما أن الغني الطبيعي لا يحتاج ~~إلى شيء وإن كان قليل المال ، أي الذي ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب ~~إرادته ؛ وقد ظن قوم أن الذين منعوا من الشهوات ، ورضوا بالزهد في اللذات ، ~~خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم ، وحرموهم ما هو لهم ، وصدوهم عن ~~محبوباتهم ؛ وهذا ظن خطأ ، وأي مراد في هذا للواعظين والمزهدين ، والذين ~~وصوا وأشفقوا ، وردعوا عن الخوض في لذات النفوس الغضبية والبهيمية ؟ والله ~~ما كان ذلك منهم إلا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار ، إلا أن ~~يكون الذين ظنوا هذا إنما ظنوه لأنهم رأوا بعض المزهدين راغبا ، وبعض ~~الناصحين غاشا ، وبعض الآمرين مخالفا ، وليس العمل على المحتال ، وعلى من ~~آثر الغش في المقال ؛ ولكن المرجع إلى ما يدل عليه الحق ، ويشهد له العقل ، ~~ويصح فيه البرهان ؛ أترى الفيلسوف غش في ms190 قوله لأصحابه : PageV01P267 # """""" صفحة رقم 268 """""" # اقنعوا بالقوت ، وانفوا عن أنفسكم الحاجة ، ليكون لكم قربة إلى الله ، ~~لأن الله غير محتاج ، فكلما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد ، واهربوا من الشر ~~والإثم ، واطلبوا من الخير أعمه وأعظمه ، وأبقاه وأدومه ؛ واعرفوا الأبد ، ~~واطلبوا السرمد ، فإن من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد ، ومن طلب الأمد ~~ثم وجد فني على الأمد . الحاجة ذل ، والغنى عز ، والعز ضد الذل ؛ فمن طلب ~~العز في العاجلة فقد طلب الذل وهو لا يدري ، ومن طلب العز في الآجلة فقد ~~وجد العز وهو لا يدري . في الحكمة أن يقال : اصبر على الذل لتنال العز ، ~~وليس في الحكمة اثبت على العز لتنال الذل ، هذا معكوس . # الليلة الثالثة والعشرون # وكان الوزير رسم بكتابه لمع من كلام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~فأفردت ذلك في هذه الورقات ، وهي : قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أشد ~~الأعمال ثلاثة : إنصاف الناس من نفسك ، ومواساة الأخ من مالك ، وشكر الله ~~تعالى على كل حال ' . وقال الواقدي : لما غالط خالد بن الوليد عبد الرحمن ~~بن عوف قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : يا خالد ذروا لي أصحابي ، لو ~~كان لك أحد ذهبا تنفقه قراريط في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من عبد ~~الرحمن . وقال عليه السلام : ' إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله ~~إليه ، وإن أخرها أعرض عنه ' . وقال عليه السلام : ' إنما فدك طعمة ~~أطعمنيها الله حياتي ، ثم هي بين المسلمين ' . وقال عليه السلام : ' المقوم ~~قد يأثم ولا يغرم ' . وقال عليه السلام في دعائه : ' اللهم اجمع على الهدى ~~أمرنا ، وأصلح ذات بيننا ، PageV01P268 ~~"""""" صفحة رقم 269 """""" # وألف بين قلوبنا ، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا ، واهدنا سواء السبيل ~~وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ~~اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ومعايشنا ، اللهم اجعلنا ~~شاكرين لنعمتك ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ' . وقيل له ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : إن فلانا استشهد ، فقال : ' كلا إن الشملة التي أخذها من ~~الغنائم يوم ms191 حنين اشتعلت عليه نارا ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من ~~اطلع من صبر باب ففقئت عينه فهي هدر ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) لرجل ~~يذبح شاة : ' ارهف شفرتك ، فإذا فريت فأرح ذبيحتك ، ودعها تخب وتشخب ، فإن ~~ذلك أمرى للدم وأحلى للحم ' . وقال عليه السلام : ' خير الناس الغني الخفي ~~التقي ' . وقال : ' التاجر الصدوق إن مات في سفره كان شهيدا ، أو في حضره ~~كان صديقا ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ظهر المؤمن مشجبه ، وبطنه ~~خزانته ، ورجله مطيته ، وذخيرته ربه ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ~~ما نقص مال من صدقة ، فتصدقوا ، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عز وجل ~~عزا وعفوا ؛ ولا فتح رجل على نفسه باب مسئلة إلا فتح الله عليه سبعين بابا ~~من الفقر ، فاستعفوا ' . وقال عليه السلام : ' أجود الأعمال الجود في العسر ~~، والقصد في الغضب ، والعفو عند المقدرة ' . وقال عليه السلام : ' إن بين ~~مصراعي باب الجنة مسيرة مائة عام ، وليأتين عليه يوم PageV01P269 ~~"""""" صفحة رقم 270 """""" # وهو كظيظ من الزحام ' . وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رسول ~~قوم من بني عامر يستأذنه في المرعى حول المدينة ؛ فقال عليه السلام : إنها ~~ديار لا تضيق عن جارنا ، وإن جارنا لا يظلم في ديارنا ، وقد ألجأتكم الآزمة ~~، فنحن نأذن لكم في المرعى ونشرككم في المأوى ، على أن سرحنا كسرحكم ، ~~وعانينا كعانيكم ، ولا تعينوا علينا بعد اليوم ؛ فقال : لا نعين عدوا ما ~~أقمنا في جوارك ، فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب أثآرها ، وتشفي ذحولها ؛ ~~فقال عليه السلام : يا بني عامر ، أما علمتم أن اللوم كل اللوم أن تنحاشوا ~~عند الفاقة ، وتثبوا عند العزة ، فقال : وأبيك إن ذلك للؤم ، ولن نبغيك ~~غائلة بعد اليوم ، فقال : اللهم اشهد ، وأذن لهم . وسئل ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : كيف يأتيه الوحي ؟ فقال : ' في مثل صلصلة الجرس ، ثم ينفصم ' . ~~وقد روى ابن الكلبي عن أبيه عن ابن صالح ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم ~~بدر ، قال علي للمقداد : أعطني فرسك أركبه ، فقال له رسول الله ( صلى ms192 الله ~~عليه وسلم ) : أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا . قال : فركبه ووتر قوسه ورمى ~~فأصاب أذن الفرس فصرمه ، فضحك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أمسك على ~~فيه ، فلما رأى علي ضحكه غضب فسل سيفه ، ثم شد على المشركين ، فقتل ثمانية ~~قبل أن يرجع ، فقال علي : لو أصابني شر من هذا كنت أهله حين يقول : أنت ~~تقاتل راجلا خير منك فارسا ، فعصيته . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن ~~امرأ عرف الله وعبده وطلب رضاه وخالف هواه لحقيق بأن يفوز بالرحمة ' . لما ~~ورد محمد بن مسلمة عن عمرو بن العاص من جهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ~~صنع عمرو له طعاما ودعاه إليه ، فأبى محمد ، فقال عمرو : أتحرم PageV01P270 ~~"""""" صفحة رقم 271 """""" # طعامي ؟ قال : لا ، ولكني لم أومر به . فقال عمرو : لعن الله زمانا عملنا ~~فيه لابن الخطاب ، لقد رأيته وأباه وإنهما لفي شملة ما تواري أرساغهما ، ~~وإن العاصي بن وائل لفي مقطعات الديباج مزررة بالذهب . فقال محمد : أما ~~أبوك وأبو عمر ففي النار ، وأما أنت فلولا ما وليت لعمر لألفيتك معتقلا ~~غنزا يسرك غزرها ويسوءك بكوها ، فقال عمرو : المجالس أمانة ، فقال محمد : ~~أما ما دام عمر حيا فنعم . دخل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على فاطمة ~~يعودها من علة ، فبكت ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما يبكيك ~~؟ فقالت : قلة الطعم ، وشدة السقم ، وكثرة الهم . قال عبد الله بن مسعود : ~~شر الأمور محدثاتها ، وشر الغني غني الإثم ، وخير الغنى غنى النفس ، والخمر ~~جماع الإثم ، والدنيا حبالة الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون . قيل له : ~~أتقول هذا من تلقائك ؟ قال : لا ، بل من تلقاء من فرض الله علي طاعته . ~~وقال أبو ذر رحمة الله عليه : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا ~~أبا ذر : إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ~~، ولا تولين مال يتيم . وقال أبو هريرة : عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ستحرصون على الإمارة ، وستكون حسرة وندامة يوم القيامة ، فنعمت ms193 المرضعة ، ~~وبئست الفاطمة . أبو أمامة يرفعه ، قال : ما من رجل يلي أمر عشرة إلا يؤتى ~~به يوم القيامة مغلولا أطلقه العدل ، أو أوثقه الجور . قال العباس للنبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : أمرني يا رسول الله فأصيب . PageV01P271 # """""" صفحة رقم 272 """""" # قال عبد الله بن عمرو بن العاص : إن رجلا جاء إلى النجاشي فقال له : ~~أقرضني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الكفيل بك ؟ فقال : الله . فأعطاه ~~الألف ، فلما بلغ الأجل أراد الرد ، فحبسته الريح ، فعمل تابوتا وجعل فيه ~~الألف وغلفه ، وألقاه في البحر ، وقال : اللهم أد حمالتك ؛ فخرج النجاشي ~~إلى البحر فرأى سوادا ؛ فقال : ائتوني به . فأتوه بالتابوت ، ففتحه ، فإذا ~~فيه الألف ، ثم إن الرجل جمع ألفا بعد ذلك ، وطابت الريح ، وجاء إلى ~~النجاشي فسلم عليه ؛ فقال له النجاشي : لا أقبلها منك حتى تخبرني بما صنعت ~~فيها . فأخبره بالذي صنع ؛ فقال النجاشي : فقد أدى الله عنك ، وقد بلغت ~~الألف في التابوت ، فأمسك عليك ألفك . رأى أبو هريرة رجلا مع آخر ، فقال : ~~من هذا الذي معك ؟ قال : أبي . قال : فلا تمش أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا ~~تدعه باسمه ، ولا تستسب له . قال أبو هريرة : كان جريج يتعبد في صومعته ، ~~فأتت أمه فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، كلمني ؛ فقال : اللهم أمي وصلاتي ؛ ~~فاختار صلاته ، فرجعت ثم أتته ثانية فقالت : يا جريج ، كلمني ، فصادفته ~~يصلي فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، ثم جاءته فصادفته يصلي ، ~~فقالت : اللهم إن هذا ابني قد عقني فلم يكلمني فلا تمته حتى تريه المومسات ~~، ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ؛ قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره ، فخرجت ~~امرأة من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت فولدت غلاما ، فقيل لها : ممن ~~هذا ؟ فقالت : من صاحب هذه الصومعة ، فأقبل الناس إليه بفؤوسهم ومساحيهم ~~فبصروا به ، فصادفوه يصلي ، فلم يكلمهم ، فأخذوا يهدمون ديره ، فنزل وتبسم ~~ومسح رأس الصبي وقال : من أبوك ؟ فقال : أبي راعي الضأن . فلما سمع القوم ~~ذلك راعهم ، وعجبوا ، PageV01P272 ~~"""""" صفحة رقم 273 """""" # وقالوا : نحن نبني لك ما هدمنا بالذهب والفضة ms194 . قال : لا ، أعيدوها كما ~~كانت ترابا ؛ ثم عاد . وقال أبو الدرداء : لا يحافظ على سبحة الضحى إلا ~~أواب . وقال أيضا : ليس على سارق الحمام قطع . وقال : إذا اخترتم أرضا فلا ~~تختاروا أرمينية ، فإن فيها قطعة من عذاب الله ، يعني البرد . أبو هريرة ~~يرفعه : ويل للعرفاء ، ويل للأمناء ، ليتمنين أقوام يوم القيامة أنهم كانوا ~~متعلقين بين السماء والأرض يتذبذبون من الثريا ، وأنهم لم يلوا عملا . قال ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الرحمن بن سمرة : ' لا تسأل الإمارة ، ~~فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسئلة أعنت ~~عليها ' . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' كلكم راع ومسؤول عن رعيته ~~، فالأمير راع على الناس وهو مسؤول أقام أمر الله فيهم أم ضيع ؛ والمرأة ~~راعية على بيتها وما وليت من زوجها ، ومسئولة عنهم أقامت أمر الله فيهم أم ~~ضيعت ؛ والخادم مسؤول عن مال سيده أقام أمر الله فيه أم ضيع ' . هكذا رواه ~~ابن عتبة عن نابع عن ابن عمر . قال عياض الأشعري : قدم أبو موسى على عمر ~~ومعه كاتب له ، فرفع حسابه ، فأعجب عمر . وجاء إلى عمر كتاب ، فقال لأبي ~~موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟ قال : إنه لا يدخل المسجد . ~~قال : لم ؟ أجنب هو ؟ قال : إنه نصراني . قال : فانتهره ، وقال : لا تدنهم ~~وقد أقصاهم الله ، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ، ولا تأتمنهم وقد خونهم ~~الله . قال عبد الله بن نافع : جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة ، فقال ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : إنكم لتختصمون إلي وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحن ~~بحجته من بعض ، PageV01P273 ~~"""""" صفحة رقم 274 """""" # وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ~~فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار ، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم ~~القيامة . قال : فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لأخي ؛ فقال ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : أما إذ قلتما ms195 هذا فاذهبا فاستهما ، وتوخيا الحق ، ~~وليحلل كل واحد منكما صاحبه . وفي رواية أخرى : اذهبا فاصطلحا . وروي أن عن ~~ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتب إلى النجاشي أصحمة : ~~سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد ~~أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ، فكتب النجاشي : إلى محمد رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) من النجاشي أصحمة بن أبجر : سلام عليك يا نبي الله من ~~الله ورحمته وبركاته . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' الكافر خب ضب ~~، والمؤمن دعب لعب ' . وقال رجل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : اعدل فإنك ~~إلى الآن لم تعدل . فقال : ويلك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ؟ . وقال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : ' إن الواجد يبيح ظهره وعرضه ' . وقال عمر : ردد الخصوم ~~كي يصطلحوا . وقال عليه السلام : لا تحلفوا بأيمانكم ، ومن حلف بالله ~~فليصدق ، ومن حلف له فليقبل . وقال : من حلف يمينا كاذبة يقتطع بها مال ~~امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان . وقال : من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه . وقال - عليه السلام - لا تسافر ~~المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم . حدثنا أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد ~~قال : حدثنا محمد بن المرزبان قال : حدثنا المغيرة قال : حدثنا محمد بن ~~العباس المنقري قال : كان شريك ابن عبد الله على القضاء PageV01P274 ~~"""""" صفحة رقم 275 """""" # بالكوفة ، فقضى على وكيل لعبد الله بن مصعب بقضاء لم يوافق عبد الله ، ~~فلقي شريكا ببغداد ، فقال له : قضيت على وكيلي قضاء لا يوافق الحق . قال : ~~من أنت ؟ قال : من لا تنكر . قال : قد نكرتك أشد النكير . قال : أنا عبد ~~الله بن مصعب . قال : فلا كبير ولا طيب . قال : كيف لا تقول هذا وأنت تشتم ~~الشيخين . قال : من الشيخان ؟ قال : أبو بكر وعمر . قال : والله لا أشتم ~~أباك وهو دونهما ، فكيف أشتمهما وهما فوقي وأنا دونهما ؟ وقال عقبة بن عامر ~~الجهني : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ما ms196 من رجل يؤتى الدنيا ~~ويوسع له فيها وهو لله على غير ما يحب إلا وهو مستدرج ، لأن الله تعالى ~~يقول : ' فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين ' . قال ابن الأنباري : قوله ( صلى الله عليه وسلم ~~) إلا وهو مستدرج ، معناه إلا وهو مستدع هلكته ، مأخوذ من الدراج ، وهو ~~الهالك ، يقال هو أعلم من دب ودرج ، ويراد بدرج : هلك ؛ وبدب : مشى . وقال ~~سعيد بن عامر بن حزيم ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن لله أمناء ~~على خلقه يضن بهم على القتل يعيشهم في عافية ، ويميتهم في عافية ' . قال ~~ناشرة بن سمي : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية : إني قد ~~نزعت خالد بن الوليد وأمرت أبا عبيدة ، فقال رجل : والله لقد نزعت عاملا ~~استعمله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال عمر : إنك لشاب قريب ~~القرابة ، وهذا القائل هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ابن عم خالد . قال ~~قبيصة بن المخارق : نهى رسول الله عن الطرق والعيافة والخط . قال النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) : ' الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان ~~: صلة وصدقة ' . PageV01P275 # """""" صفحة رقم 276 """""" # قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا : لما نزلت : ' وأنذر عشيرتك ~~الأقربين ' ، انطلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى رضمة من جبل فعلا ~~أعلاها حجرا ، وقال : يا بني عبد مناف ، يا بني فهر ، إنما مثلي ومثلكم ~~كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله ، وخشي أن يسبقوه إلى أهله ، فجعل ~~يهتف واصباحاه . النعمان بن بشير وقبيصة قالا : قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ' إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ~~الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع ' . تزوج رجل امرأة فمات قبل أن يدخل بها ، ~~ولم يسم لها صداقا ، فسئل ابن مسعود فقال : لها صداق إحدى نسائه ، لا وكس ~~ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها ms197 الميراث . فقام أبو سنان في رهط من أشجع ، ~~فقالوا : لقد قضى فيها بقضاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في برزع بنت ~~واشق الأشجعية . عقبة السلمي قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~' إذا تباطأت المغازي وكثرت الغرائم واستؤثر بالغنائم فخير جهادكم الرباط ' ~~. حبان الأنصاري قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطب الناس يوم ~~حنين فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها ، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان ~~الناس يحللونها ، أحل لهم أكل لحوم الأضاحي ، وزيارة القبور والأوعية ، ~~ونهاهم عن بياع المغنم حتى يقسم ، ونهاهم عن النساء من السبايا ألا يوطأن ~~حتى يضعن أولادهن ، ونهاهم ألا تباع ثمرة حتى يبدو صلاحها ، ويؤمن عليها من ~~العاهة . وهب بن حذيفة ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : الرجل أحق ~~بمجلسه . حسان بن ثابت قال : لعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زائرات ~~القبور . قال مالك بن عبادة الغافقي : مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعبد الله بن مسعود فقال : لا تكثر همك ما يقدر يكن ، وما ترزق يأتك . PageV01P276 # """""" صفحة رقم 277 """""" # خالد بن عدي الجهني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : من بلغه ~~معروف من أخيه من غير مسئلة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده ، فإنما هو رزق ~~ساقه الله إليه . رافع بن مكيث - أخو جندب بن مكيث - شهد الحديبية قال : ~~سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ' حسن الملكة نماء ، وسوء ~~الخلق شؤم ، والصدقة تدفع ميتة السوء ، والبر زيادة في العمر . وقال النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) : إن يوم الجمعة يوم زينة كيوم الفطر والنحر . خباب ~~بن الأرت - وكان من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - قال : إن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلى يوما إلى جدار كثير الجحرة إما ظهرا أو ~~عصرا ، فلما صلى خرجت إليه عقرب فلدغته ؛ فغشي عليه ، فرقاه الناس فأفاق ، ~~فقال : ' إن الله شفاني وليس برقيتكم ' . قال الوزير : ما أحسن هذا المجلس . # الليلة الرابعة والعشرون # وجرى حديث الفيل ليلة فأكثر ms198 من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدة تعاد ، ولا ~~غريبة تستفاد ؛ فحكيت : إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا ~~تتولد إلا في جزائر البحار الجنوبية ، وتحت مدار برج الحمل ، والزرافة لا ~~تكون إلا في بلاد الحبشة ، والسمور وغزال المسك لا يكونان إلا في الصحارى ~~الشرقية الشمالية ؛ وأما الصقور والنسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها ~~لا تفرخ إلا في رءوس الجبال الشامخة والعقاب . والنعام لا تفرخ إلا في ~~البراري والقفار والفلوات . والوطواط والطيطوي وأمثالهما من الطير لا PageV01P277 ~~"""""" صفحة رقم 278 """""" # تفرخ إلا على سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام ؛ والعصافير ~~والفواخت وما شاكلها من الطير لا تفرخ إلا بين الأشجار والدحال والقرى ~~والبساتين . وحدث ابن الأعرابي عن هشام بن سالم - وكان مسنا من رهط ذي ~~الرمة - قال : أكلت حية بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو منها ، ~~حتى إذا فتحت فاها تريده وهمت به ألقى في فيها حسكة ؛ فأخذت بحلقها حتى ~~ماتت . وأنشد أبو عمرو الشيباني قول الأسدي : إن كنت أبصرتني قلا ومصطلما . ~~. . فربما قتل المكاء ثعبانا فقال - حرس الله نفسه - من أين للحيوان غير ~~الإنسان هذه الفطنة وهذه الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة ؟ فقلت : شيخنا ~~أبو سليمان يقول في هذه الأيام - وقد جرى حديث الحيوان وعجائب أفاعيله - إن ~~الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرض عظيم ، وبذلك الغرض لها تفاوت ~~عظيم ظاهر وخاف ، وأفعال معهودة ونادرة ، ولها أخلاق معروفة ، ومعارف ~~موصوفة ؛ ولولا ذلك ما كان يقال : أصول من جمل ، وأغدر من ذئب ، وأروغ من ~~ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأجمع من ذرة ، وآلف من كلب ، وأهدى من قطاة ، واحذر ~~من عقعق ، وأزهى من غراب ، PageV01P278 ~~"""""" صفحة رقم 279 """""" # وأظلم من حية . وأشد عداوة من عقرب . وأخبث من قرد ، وأحمق من حبارى ، ~~وأكذب من فاخته ، والأم من كلب على جيفة ، وأعق من ضب ، وأبر من هرة ، ~~وأنفر من ظليم ، وأجرأ من ليث ، وأحقد من فيل ؛ وعلى هذا . قال : وكما أن ~~بين آحاد نوع الإنسان تفاوتا في الأخلاق ، كذلك بين ms199 آحاد نوع الحيوان تفاوت ~~، وكما أنه يزل بعض العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله ، كذلك يزل ويغلط ~~بعض الحمقى فيأتي بما لا يحسب أن مثله يهتدي إليه ، فليس العقل بخاطر على ~~صاحبه أن يندر منه ما يكون من الحيوان ، وأصناف الحيوان من الناس وغير ~~الناس تتقاسم هذه الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان المتباعدة ، ~~والأماكن المتنازحة ، تقاسما محفوظ النسب بالطبيعة المستولية ، وإن كان ذلك ~~التقاسم مجهول النسب للغموض الذي يغلب عليه ، وإذا عرف هذا الشرح وما أشبهه ~~مما يزيده وضوحا ، زال التعجب الناشىء من جهل العلة وخفاء الأمر . قال : ~~ومن العجب أنا إذا قلنا : أروغ من ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأحقد من فيل ، أن ~~هذا الروغ وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصاف ليست لتكون عدة لها مع نوع ~~الإنسان ، ولكن لتتعاطى أيضا بينها ، وتستعملها عند الحاجة إليها ؛ وكما ~~يشبه إنسان لأنه لص بالفأرة ، أو بالفيل لأنه حقود ، أو بالجمل لأنه صؤول ، ~~كذلك يشبه كل ضرب من PageV01P279 ~~"""""" صفحة رقم 280 """""" # الحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه إنسان . ويقال للبليد من ~~الناس : كأنه حمار ؛ ويقال للذكي من الخيل : كأنه إنسان ؛ ولولا هذا ~~التمازج في الأصل والجوهر ، والسنخ والعنصر ، ما كان هذا التشابه في الفرع ~~الظاهر ، والعادة الجارية بالخبر والنظر . فقال : هذا كلام لا مزيد عليه . ~~وقالت العلماء : إن هذا الاعتبار واصل في الحقيقة إلى جنس النبات ، فإن ~~النخل والموز لا ينبتان إلا في البلدان الدافئة والأرض اللينة والتربة ، ~~والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلا في البلدان الباردة والأرض الجبلية ~~. والدلب وأم غيلان في الصحارى والقفار ؛ والقصب والصفصاف على شطوط الأنهار ~~. قالوا : وهكذا أيضا وصف الجواهر المعدنية ، كالذهب ، فإنه لا يكون إلا في ~~الأرض الرملية والجبال والأحجار الرخوة . والفضة والنحاس والحديد لا تكون ~~إلا في الأرض الندية والتراب اللين والرطوبات الدهنية ، والأملاح لا تنعقد ~~إلا في الأراضي والبقاع السبخة ، والجص والاسفيداج لا يكونان إلا في الأرض ~~الرملية المختلطة ترابها بالحصى ، والزاج لا يكون إلا في التراب العفص ؛ ~~وقد ms200 أحصى بعض من عني بهذا الشأن هذه الأنواع المعدنية فوجد سبعمائة نوع . ~~وقالوا : من الجواهر المعدنية ما هو صلب لا يذوب إلا بالنار الشديدة ، ولا ~~يكسر إلا بالفأس كالياقوت والعقيق . ومنها ترابي رخو لا يذوب ولكن ينفرك ، ~~كالملح والزاج ، والطلق ؛ ومنها مائي رطب ينفر من النار كالزئبق ، ومنها ~~هوائي دهني تأكله النار ، كالكبريت والزرنيخ ؛ ومنها نباتي كالمرجان ، ~~ومنها حيواني كالدر ، ومنها طل PageV01P280 ~~"""""" صفحة رقم 281 """""" # منعقد ، كالعنبر والبادزهر ، وذلك أن العنبر إنما هو طل يقع على سطح ماء ~~البحر ، ثم ينعقد في مواضع مخصوصة في زمان مقدر ؛ وكذلك البادزهر ، فإنه طل ~~يقع على بعض الأحجار ، ثم يرسخ في خللها ، ويغيب فيها ، وينعقد في بقاع ~~مخصوصة ، في زمان معلوم ، وكالترنجبين الذي هو طل يقع على ضرب من الشوك ؛ ~~وكذلك اللك فإنه يقع على نبات مخصوص ينعقد عليه ؛ وكذلك الدر فإنه طل يرسخ ~~في أصداف نوع من الحيوان البحري ، ثم يغلظ ويجمد وينعقد فيه ، وكذلك ~~الموميا ، وهي طل يرسخ في صخور هناك ويصير ماء ثم ينز من مسام ضيقة ويجمد ~~وينعقد . والطل هو رطوبة هوائية تجمد من برد الليل ، وتقع على النبات ~~والشجر والحجر والصخر ؛ وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنية ، فإن ~~مادتها إنما هي رطوبات مائية ، وأنداء وبخارات تنعقد بطول الوقوع ومر ~~الزمان . وقالت الحكماء الأولون : ها هنا طبيعة تألف طبيعة أخرى ، وطبيعة ~~تلزق بطبيعة أخرى ، وطبيعة تأنس بطبيعة ، وطبيعة تتشبه بطبيعة ، وطبيعة ~~تقهر طبيعة ، وطبيعة تخبث مع طبيعة ، وطبيعة تطيب مع طبيعة ، وطبيعة تفسد ~~طبيعة ، وطبيعة تحمر طبيعة ، وطبيعة تبيض طبيعة ، وطبيعة تهرب من طبيعة ، ~~وطبيعة تبغض طبيعة ، وطبيعة تمازج طبيعة . فأما الطبيعة التي تألف طبيعة ~~فمثل الماس فإنه إذا قرب من الذهب لزق به وأمسكه ، ويقال : لا يوجد الماس ~~إلا في معدن الذهب في بلد من ناحية المشرق . ومثل طبيعة المغناطيس في ~~الحديد ، فإن هذين الحجرين يابسان صلبان ، وبين طبيعتيهما ألفة ، فإذا قرب ~~الحديد من هذا الحجر حتى يشم رائحته ذهب إليه والتصق به وجذب الحديد إلى ~~نفسه وأمسكه ms201 كما يفعل العاشق بالمعشوق . وكذلك يفعل الحجر الجاذب للخز ~~والحجر الجاذب للشعر ، والجاذب للتبن ؛ وعلى هذا المثال ما من حجر من أحجار ~~المعدن إلا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلف واشتياق ، عرف ذلك أو لم PageV01P281 ~~"""""" صفحة رقم 282 """""" # يعرف ؛ ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل ، وذلك أن من خاصة كل ~~عضو عليل اشتياقه إلى طبيعة الدواء التي هي ضد طبيعة العلة التي به ، فإذا ~~حصل الدواء بالقرب من العضو العليل وأحس به جذبته القوة الجاذبة إلى ذلك ~~العضو وأمسكت الممسكة واستعانت بالقوة المدبرة لطبيعة الدواء على دفع ~~الطبيعة المؤلفة للعلة وقويت عليها ودفعتها عن العضو العليل كما يستعين ~~ويدفع المحارب والمخاصم بقوة من يعينه على خصمه وعدوه ويدفعه عن نفسه ؛ ~~وأما الطبيعة التي تقهر طبيعة أخرى فمثل طبيعة السنباذج الذي يأكل الأحجار ~~عن الحك أكلا ويلينها ويجعلها ملساء . ومثل طبيعة الأسرب الوسخ في الماس ~~القاهر لسائر الأحجار الصلبة ، وذلك أن الماس لا يقهره شيء من الأحجار ، ~~وهو قاهر لها كلها ، ولو ترك على السندان وطرق بالمطرقة لدخل في أحدهما ولم ~~ينكسر ، وإن جعل بين صفيحتين من أسرب وضمتا عليه تفتت ؛ ومثل طبيعة الزئبق ~~الطيار الرطب القليل الصبر على حرارة النار ، إذا طلي به الأحجار المعدنية ~~الصلبة مثل الذهب والفضلة والنحاس والحديد أوهنها وأرخاها حتى يمكن أن تكسر ~~بأهون سعي ، وتتفتت قطعا . ومثل الكبريت المنتن الرائحة المسود للأحجار ~~النيرة البراقة ، المذهب لألوانها وأصباغها ، يمكن النار منها حتى تحترق في ~~أسرع مدة . والعلة في ذلك أن الكبريت رطوبة دهنية لزجة جامدة ، فإذا أصابته ~~حرارة النار ذاب والتزق بأجساد الأحجار ومازجها ، فإذا تمكنت منها احترق ~~وأحرق معه تلك الأجساد ياقوتا كانت أو ذهبا أو غيرهما . وأما الطبيعة التي ~~ترسب في طبيعة أخرى وتنيرها ، فمثل النوشاذر الذي يغوص في قعر الأشياء ~~ويغسلها من الوسخ . وأما الطبيعة التي تعين طبيعة أخرى فمثل البورق الذي ~~يعين النار على سبك هذه الأحجار المعدنية الذائبة ، ومثل الزاجات والشبوب ~~التي تجلوها وتنيرهها وتصبغها ، ومثل PageV01P282 ~~"""""" صفحة رقم ms202 283 """""" # المغنيسيا والقلي المعينين على سبك الرمل وتصفيته حتى يكون منه زجاج ؛ ~~وعلى هذا المثال جميع الأحجار المعدنية . النار هي الحاكمة بين الجواهر ~~المعدنية بالحق . ويقال : من أدمن الأكل والشرب في أواني النحاس أفسدت ~~مزاجه ، وعرض له أمراض صعبة ، وإن أدنيت أواني النحاس من السمك شممت لها ~~رائحة كريهة وإن كبت آنية النحاس على سمك مشوي أو مطبوخ بحرارته حدث منه سم ~~قاتل . القلعي قريب من الفضة في لونه ، ولكن يخالفها في ثلاث صفات : ~~الرائحة والرخاوة والصرير ، وهذه الآفات دخلت عليه وهو في معدنه كما تدخل ~~الآفات على المفلوج وهو في بطن أمه ؛ فرخاوته لكثرة زئبقه ، وصريره لغلظ ~~كبريته . ويقال : إن لون الياقوت الأصفر والذهب الإبريز ، ولون الزعفران ~~وما شاكلها من الألوان المشرقة منسوبة إلى نور الشمس وبريق شعاعها ، وكذلك ~~بياض الفضة والملح والبلور والقطن وما شاكله من ألوان النبات منسوبة إلى ~~نور القمر وبريق شعاعه ؛ وعلى هذا المثال سائر الألوان . وقال أصحاب النجوم ~~: السواد لزحل ، والحمرة للمريخ ، والخضرة للمشتري ، والزرقة للزهرة ، ~~والصفرة للشمس ، والبياض للقمر ، والتلون لعطارد . ويقال : إن العلة ~~الفاعلة للجواهر المعدنية هي الطبيعة ، والعلة الطينية الزئبق والكبريت ؛ ~~والعلة الصورية دوران الأفلاك وحركات الكواكب حول الأركان الأربعة التي هي ~~النار والهواء والماء والأرض ؛ والعلة التمامية المنافع التي ينالها ~~الإنسان والحيوان . ويقال : إن الجواهر المعدنية ثلاثة أنواع : منها ما ~~يكون في التراب والطين والأرض PageV01P283 ~~"""""" صفحة رقم 284 """""" # السبخة ، ويتم نضجه في السنة وأقل كالكباريت والأملاح والشبوب والزاجات ~~وما شابهها ؛ ومنها ما يكون في قعر البحار وقرار المياه ، ولا يتم نضجه إلا ~~في السنة أو اكثر كالدر والمرجان ، فإن أحدهما نبات وهو المرجان ، والآخر ~~حيوان ، وهو الدر . ومنها ما يكون في وسط الحجر وكهوف الجبال وخلل الرمال ~~فلا يتم نضجه إلا في السنين ، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص وما ~~شاكلها ؛ ومنها ما لا يتم نضجه إلا في عشرات السنين ، كالياقوت والزبرجد ~~والعقيق وما شاكلها . وقال بعض من حضر المجلس - وهو الرجل الفدم الثقيل - : ~~إن الزارع لا يزرع طالبا للعشب ، بل ms203 قصده للحب ، ولابد للعشب من أن ينبت إن ~~أحب أو كره ، فلم ذلك ؟ فقيل له : قد يصحب المقصود ما ليس بمقصود ، من حيث ~~لا يتم المقصود إلا بما ليس بمقصود ، والعشب هو فضلات الحب ، وبه صفاء الحب ~~وتمامه ، ولولا القوة التي تصفي الحب وتصوره بصورته الخاصة به ، وتنفي كدره ~~وتحصل صفوه لكان العشب في بدن الحب ، وحينئذ لا يكون الحب المنتفع به ~~المخصوص باسمه المعروف بعينه ، بل يكون شيء آخر ؛ فلما تميزت تلك الشوائب ~~التي كانت ملابسة له من أجزاء الأرض والماء وآثار الهواء والنار ، خلص ~~منتفعا به ، مفصودا بعينه ، فوجب بهذا الاعتبار أن يكون الحب بالذات ، ~~والعشب بالعرض . فقال - أدام الله دولته - هل تعرف العرب الفرق بين الروح ~~والنفس في كلامها ؟ وهل في لفظها من نظمها ونثرها ما يدل على ما بينهما ، ~~أو هما كشيء واحد لحقه اسمان ؟ فكان الجواب : إن الاستعمال يخلط هذا بهذا ~~وهذه بهذا في مواضع كثيرة ، وإذا جاء الاعتبار أفرد أحدهما عن الآخر بالحد ~~والاسم ؛ وعلى هذا اتفق رأي الحكماء ، لأنهم حكموا بأن الروح جسم لطيف منبث ~~في الجسد على خاص ماله فيه فأما النفس الناطقة فإنها جوهر إلهي ، وليست في ~~الجسد على خاص ماله فيه ولكنها مدبرة للجسد ؛ ولم يكن الإنسان إنسانا ~~بالروح ، بل بالنفس ، ولو كان إنسانا بالروح لم يكن بينه وبين الحمار PageV01P284 ~~"""""" صفحة رقم 285 """""" # فرق ، بأن كان له روح ولكن لا نفس له . فأما النفسان الأخريان اللتان هما ~~الشهوية والغضبية فإنهما أشد اتصالا بالروح منهما بالنفس ، وإن كانت النفس ~~الناطقة تدبرهما وتمدهما وتأمرهما وتنهاهما ؛ فهذا أيضا يوضح الفرق بين ~~الروح والنفس ، فليس كل ذي روح ذا نفس ، ولكن كل ذي نفس ذو روح ؛ وقد وجدنا ~~في كلام العرب مع هذا الفرق بينهما ، فإن النابغة قد قال للنعمان بن المنذر ~~: وأسكنت نفسي بعد ما طار روحها . . . وألبستني نعمي ولست بشاهد وقال أبو ~~الأسود : لعمرك ما حشاك الله روحا . . . به جشع ولا نفسا شريرة قال : هذا ~~من الفوائد التي كنت أحن إليها ، وأستبعد ms204 الظفر بها ، وما أنفع المطارحة ~~والمفاتحة وبث الشك واستماحة النفس ، فإن التغافل عما تمس إليه الحاجة سوء ~~اختيار ، بل سوء توفيق . وما أحسن ما قاله بعض الجلة : توانيت في أوان ~~التعلم عن المسئلة عن أشياء كانت الحاجة تحفز إليها والكسل يصد عنها ، فلما ~~كبرت أنفت من ذكرها وعرضها على من علمها عنده ، فبقيت الجهالة في نفسي ، ~~وركدت الوحشة بين قلبي وفكري . ثم جرى في حديث النفس ذكر بعض العلماء فإنه ~~قال : إن نفسك هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس الكلية ، لا هي بعينها ، ~~ولا منفصلة عنها ، كما أن جسدك جزء من العالم لا هو كله ولا منفصل عنه ؛ ~~وقد مر من أمر النفس ما فيه إيضاح تام واستبصار واسع ، وإن كان الكلام في ~~نعت النفس لا آخر له ، ولا وقوف عنه . ولو قال قائل : إن جسدك هو كل العالم ~~لم يكن مبطلا ، لأنه شبيه به ، ومسلول منه ، وبحق الشبه يحكيه ، وبحق ~~الانسلال يستمد منه ؛ وكذلك النفس الجزئية هي النفس الكلية ، لأنها أيضا ~~مشاكهة لها ، وموجودة بها ، فبحق الشبه أيضا تحكي PageV01P285 ~~"""""" صفحة رقم 286 """""" # حالها ، وبحق الوجود تبقى بقاءها ، فليس بين الجسد إذا أضيف إلى العالم ، ~~والنفس إذا قيست بالأخرى فرق ، إلا أن الجسد معجون من الطينة ، والنفس ~~مدبرة بالقوة الإلهية ؛ ولهذا احتيج إلى الإحساس والمواد ، وإلى الاقتباس ~~والالاتماس حتى تكون مدة الحياة الحسية بالغة إلى آخرها من ناحية الجسد ، ~~ويكون مبدأ الحياة النفسية موصولا بالأبد بعد الأبد . فقال - أدام الله ~~سعادته - لو كان ما يمر من هذه الفوائد الغرر والمرامي اللطاف مرسوما بسواد ~~على بياض ، ومقيدا بلفظ وعبارة ، لكان له ريع وإتاء ، وزيادة ونماء . فكان ~~الجواب إن هذا غير متعذر ولا صعب إن نفس الله في البقاء ، وصرف هذه الهموم ~~التي تقسم الفكر بالعوارض التي لا تحتسب ، والأسباب التي لا تعرف ؛ فأما ~~والأشغال على تكاثفها ، والزمان على تلونه فكيف يمكن ذلك ؛ والعجب أنه يجري ~~حرف من هذه الأمور الشريفة في هذه الأوقات الضيقة . ولقد قال أبو سليمان ~~أمس : كيف نشاط ms205 الوزير - أدام الله سعادته - في شأنه ، وكيف كان تقبله ~~لرسالتي إليه ، وتلطفي له ، وخدمتي لدولته ؟ فقلت : ما ثم شيء يحتاج إلى ~~الزيادة من فهم ودراية ، وبيان واستبانة ، وهشاشة ورفق ، واطلاع وتأن ؛ ~~ولكن الوقت مستوعب بالتدبير والنظر ، وكف العدو بالمداورة مرة ، وبالإحسان ~~مرة . فقال : الله يبقيه ، ويرينا ما نحبه فيه . وقال أيضا أبو سليمان : ~~كيف لا يكون ما تقلده ثقيلا ، وما تصدى له عظيما ، وما يباشره بلسانه وقلمه ~~صعبا ، والأولياء أعداء ، والأعداء جهال ، والحض عليه من ورائه شديد ، ~~ونصيحه غاش ، وثقته مريب ، والشغب متصل ، وطلب المال لا آخر له ، والمصطنع ~~مستزيد ، والمحروم ساخط ، والمال ممزق ، والتجديف من الطالب واقع ، PageV01P286 ~~"""""" صفحة رقم 287 """""" # والتحكم بالإدلال دائم ، والاستقالة من الكبير والصغير زائدة ، والكلام ~~ليس ينفع ، والتدبر ليس يقمع ؛ والوعظ هباء منثور ، والأصل مقطوع مبتور ؛ ~~والسر مكشوف ، والعلانية فاضحة ؛ وقد ركب كل هواه ، وليس لأحد فكر في عقباه ~~؛ واختلط المبرم بالسحيل ، وضاق على السالك كل سبيل ؛ ومنابع الفساد ومنابت ~~التخليط كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة ؟ ~~وإنما سؤلها تعجيل حظ وإن كان نزرا ، واستلاب درهم وإن كان زيفا ، ولعمري ~~ليس يكون الكدر إلا بعد الصفو ، كما لا يكون الصفو إلا بعد الكدر ، هكذا ~~الليل والنهار ، والنور والظلام ، هذا يخلف هذا ، وهذا يتلو هذا . قال : ~~أعني بهذا أنه لم افقد الملك السعيد - رضي الله عنه - بالأمس حدث هذا كله ، ~~فإنه كان قد زم وخطم ، وجبر وحطم ، وأسا وجرح ، ومنع ومنح ؛ وأورد وأصدر ، ~~وأظهر وستر ، وسهل ووعر ، ووعد وتوعد ، وأنحس وأسعد ، ووهب زمانه وحياته ~~لهذا ، لأنه جعل لذته فيه ، وغايته إليه ، واشتهى أن يطير صيته في أطراف ~~الأرض فيسمع ملوكها بفطنته وحزمه ، وتصميمه وعزمه ، وجده وتشميره ، ورضاه ~~في موضع الرضا ، وسخطه في وقت السخط ، ورفعه لمن يرفعه بالحق ، ووضعه لمن ~~يضعه بالواجب ؛ يجري الأمور بسنن الدين ما استجابت ، فإن عصت أخذ بأحكام ~~السياسة التي هي الدنيا ، ولما كانت الأمور متلبسة بالدين والدنيا لم يجز ~~للعاقل الحصيف ، والمدبر اللطيف أن يعمل التدبير ms206 فيها من ناحية الدين فحسب ~~، ولا من ناحية الدنيا فقط ، لأن دائرة الدين إلهية ، ودائرة الدنيا حسية ، ~~وفي الإحسان أحقاد لابد من إطفاء ثائرتها ، وصنائع لابد من تربيتها ، ~~وموضوعات لابد من إشالتها ومرفوعات لابد من إزالتها ؛ وتدبيرات لابد من ~~إخفائها ، وأحوال لابد من إبدائها ، ومقامات لابد من الصبر على عوارض ما ~~فيها ، وأمور هي مسطورة في كتب السياسات للحكماء لابد من عرفانها والعمل ~~بها والمصير إليها ، والزيادة عليها ؛ فليس PageV01P287 ~~"""""" صفحة رقم 288 """""" # الخبر كالعيان ، ولا الشاهد كالغائب ، ولا المظنون كالمستيقن . ثم قال : ~~- أعني أبا سليمان - وهذا كله منوط بالتوفيق والتأييد اللذين إذا نزلا من ~~السماء واتصلا بمفرق السائس تضامت أحواله على الصلاح ، وانتشرت على النجاح ~~؛ وكفى كثيرا من همومه ؛ ثم دعا للوزير بالبقاء المديد ، والعيش الرغيد ~~والجد السعيد ؛ وأمن الحاضرون على ذلك ، وكانوا جما غفيرا ، لا فائدة في ~~ذكر أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم ؛ وكلهم لما سمعوا هذا الكلام الشريف ~~عجبوا منه ، وعوذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالة في السياسة ؛ فقال : قد رسمت ~~شيئا منذ زمان ، وقد شاع وفشا ، وكتب وحمل في جملة الهدية إلى قابوس بجرجان ~~، فهذا - أيها الشيخ - نمط أبي سليمان وأنت عنه مشغول ، قد رضيت بترك النظر ~~في أمره ، وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه ، والله ما هذا لسوء عهدك فيه ، ~~ولا لحيلولة نيتك عنه ؛ ولكن لقلة حظه منك وإنحاء الزمان على كل من يجري ~~مجراه ، مع عوز مثله في عصره ؛ وكيف تتهم بسوء اعتقاد وقلة حفاظ ، وتوان عن ~~رعاية عهد ، وقيام بحق ، وأنت من فرقك إلى قدمك فضل وخير وجود ومجد وإحسان ~~وكرم ومعونة ورفد وإنعام وتفقد وتعهد وبذل وعرف ؛ ولو كان امرء من الذهب ~~المصفى لكنته ولو كان أحد من الروح الصرف لكنته ؛ ولو كان أحد من الضياء ~~المحيط لكنته ؛ فسبحان من خلقك صرفا بلا مزاج ، وصفوا بلا كدر ، وواحدا بلا ~~ثان ، لقد فخر بك الشرق على الغرب ، وسلم لك بلا خصومة ولا شغب ، فأدام ~~الله لك ما آتاك وأفاض عليك من لدنه ما ينور مسعاك ms207 ؛ وبلغك السعادة العظمى ~~في عقباك ، كما بلغك السعادة الصغرى في دنياك . أعرض أيها الشيخ هذا الحديث ~~على ما ترى ، والكلام ذو جيشان ، والصدر ذو غليان ، والقلم ذو نفيان ~~ومتدفقه لا يستطاع رده ؛ ومنبعثه لا يقدر على تسهيله ، وخطبه غريب ، وشأنه ~~عجيب ؛ وإنما يعرف دقه وجله من يذوق حلوه ومره ، ومع هذا كله ، فإني PageV01P288 ~~"""""" صفحة رقم 289 """""" # أذكرك أمري لتلحظه بعين الرعاية ، وأعرض عليك حديثي لتحفظه في صحيفة ~~العناية ؛ فلقد أمسيت بين صديق يشق علي حزنه لي ، وبين عدو تسوءني شماتته ~~بي ؛ وقد صح عندي أن إقبالك على يسر ، كما أن إعراضك عني عسر ، وأرجع إلى ~~تمام هذين الجزأين وإنه أحرى . وأما حديث الزهاد وأصحاب النسك ، فإنه كان ~~تقدم بإفراد جزء فيه ، وقد أثبته في هذا الموضع ، ولم أحب أن أعزله عن ~~جملته ، فإن فيه تنبيها حسنا ، وإرشادا مقبولا ، وكما قصدنا بالهزل الذي ~~أفردنا فيه جزءا جماما للنفس قصدنا بهذا الجزء الذي عطفنا عليه إصلاحا ~~للنفس وتهذيبا للخلق ، واقتداء بمن سبق إلى الخير واتباعا لمن قصد النصح ؛ ~~وشرف الإنسان موقوف على أن يكون فاتحا لباب من أبواب الخير على نفسه وعلى ~~غيره ، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن يكون مقتفيا لأثر من كان فاتحا قبله ؛ ~~ومن تقاعس عن هذين الأمرين فهو الخاسر الذي جهل قيمة نفسه ، وضل عن غاية ~~حياته ، وحرم التوفيق في إصابة رشده ؛ والله المستعان . قال ابن مسعود : لو ~~عرفت البهائم ما عرفتم ما أكلتم سمينا . وقال أبو هريرة : اللهم إني أسألك ~~قلبا قارا ، ورزقا دارا ، وعملا سارا . وقال بعض السلف : اللهم إني أسألك ~~قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ، وبدنا صابرا . وقال صالح بن مسمار : لا أدري ~~أنعمته علي فيما بسط لي أفضل ، أم نعمته فيما زوى عني ، لأنه فيما بسط لي ~~أحياني ، وفيما زوى عني حماني ، نظر لي بما يزيد على نظري لنفسي ، وآتاني ~~من عنده أكثر مما عندي . وقال الله عز وجل - لموسى - عليه السلام : حببني ~~إلى عبادي . قال : وكيف أحببك ؟ قال : ذكرهم آلائي ونعمائي . وقال ms208 شداد بن ~~حكيم لبعض الواعظين : أي شيء تقول إذا جلست على المنبر ؟ قال : أذكرهم آلاء ~~الله ليشكروا ، وأذكرهم جفاءهم ليتوبوا ، وأخبرهم عن إبليس وأعوانه حتى ~~يحذروا . PageV01P289 # """""" صفحة رقم 290 """""" # وقال بعض الصالحين : مثل الدنيا ونعيمها كخابية فيها سم وعلى رأسها عسل ، ~~فمن رغب في العسل سقي من السم ، ومثل شدة الدنيا كمثل خابية مملوءة من ~~العسل وعلى رأسها قطرات من سم ، فمن صبر على أكلها بلغ إلى العسل . جاء رجل ~~إلى حاتم الزاهد بنميمة ، فقال : يا هذا أبطأت عني وجئت بثلاث جنايات ؛ ~~بغضت إلي الحبيب ، وشغلت قلبي الفارغ ، وأعلقت نفسك التهمة ، وأنت آمن . ~~وكان خالد بن صفوان يقول : قبول قول النمام شر من النميمة ، لأن النميمة ~~دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز . وقال ابن ~~السماك الواعظ : يدرك النمام بنميمته ما لا يدرك الساحر بسحره . وقال معمر ~~: ما نزلت بعبد نازلة فكان مفزعه إلى الله إلا فرج الله عنه . وقال عمر : ~~ما أسأل الله الرزق وقد فرغ منه ، ولكن أسئلة أن يبارك لي فيه . وقال مالك ~~بن دينار : الجلوس مع الكلب خير من الجلوس مع رفيق سوء . وقال أبو هريرة : ~~تهادوا عباد الله يتجدد في قلوبكم الود ، وتذهب السخيمة . وقال حاتم : صاب ~~الضغن غير ذي دين ، والغائب غير ذي عبادة والنمام غير صدوق ، والحاسد غير ~~منصور . وقال بعض السلف : من استقصى عيوب الناس بقي بلا أصدقاء . وقال محمد ~~بن واسع : ينبغي للرجل أن يكون مع المرأة كما يكون أهل المجنون مع المجنون ~~، يحتملون منه كل أذى ومكروه . قيل لمالك بن دينار لو تزوجت ؛ قال : لو ~~استطعت لطلقت نفسي . قال شقيق : اشتريت بطيخة لأمي ، فلما ذاقتها سخطت . ~~فقلت : يا أمي ، على من تردين القضاء ومن تلومين ، أحارثها أم مشتريها أم ~~خالقها ؟ فأما حارثها ومشتريها فما PageV01P290 ~~"""""" صفحة رقم 291 """""" # لهما ذنب ، فلا أراك تلومين إلا خالقها . ويقال : إن عبدا حبشيا ناوله ~~مولاه شيئا يأكله ، وقال : أعطني قطعة منه فأعطاه ، فلما أكله وجده مرا ، ~~فقال : يا غلام ، كيف أكلت ms209 هذا مع شدة مرارته . قال : يا مولاي ، قد أكلت ~~من يدك حلوا كثيرا ، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهة لمرارته . وأوحى الله ~~تعالى إلى عزير : إذا نزلت بك بلية لا تشكني إلى خلقي كما لم أشكك إلى ~~ملائكتي عند صعود مساوئك إلي ، وإذا أذنبت ذنبا فلا تنظر إلى صغره ، ولكن ~~انظر من أهديته إليه . وقال لقمان : إن الذهب يجرب بالنار ، وإن المؤمن ~~يجرب بالبلاء . وقال بعض السلف : عليكم بالصبر فإن الله تعالى قال : ' وبشر ~~الصابرين ' . وقال : : ' إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ' . وقال : ' ~~أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ' . وقال : اصبروا وصابروا . وقال : ' سلام ~~عليكم بما صبرتم ' . وقال الأوزاعي : المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل . ~~والمنافق يكثر الكلام ويقل العمل . وقال فضيل بن عياض : الخوف مادام الرجل ~~صحيحا أفضل ، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل . وقال النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : ' إياكم والخيانة ، فإنها بئست البطانة ، وقال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : ' من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه لفح النار يوم القيامة ~~' . وروي من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شره الشباب . وقيل لابن ~~المبارك : إنك لتحفظ نفسك من الغيبة . قال : لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت ~~والدي ، لأنهما أحق بحسناتي . وقال بعض الصالحين : لو أن رجلا تعشى بألوان ~~الطعام وقد أصاب من النساء في PageV01P291 ~~"""""" صفحة رقم 292 """""" # الليل ، ورجلا آخر رأى رؤيا على مثال ما أصاب الأول في اليقظة ، فإذا ~~مضيا صار الحالم والآخر سواء . وقال شقيق : من أبصر ثواب الشدة لم يتمن ~~الخروج منها . وقال شقيق لأصحابه : أيما أحب إليكم ، أن يكون لكم شيء على ~~الملىء ، أو يكون شيء للملىء عليكم . فقالوا : بل نحب أن يكون لنا على ~~الملىء . فقال : إذا كنتم ف الشدة يكون لكم على الله ؛ وإذا كنتم في النعمة ~~يكون الله عليكم . وقال بعض السلف : شتان ما بين عملين : عمل تذهب لذته ~~وتبقى تبعته ، وعمل تذهب مؤونته ويبقى ذخره . وقال الرقاشي في مواعظه : ~~خذوا الذهب من الحجر ، واللؤلؤ من المزبلة . وقال يحيى بن معاذ ms210 : العلم قبل ~~العمل ، والعقل قائد الخير ، والهوى مركب المعاصي ، والمال داء المتكبر . ~~وقال : من تعلم علم أبي حنيفة فقد تعرض للسلطان ، ومن تعلم النحو والعربية ~~دله بين الصبيان ، ومن علم علم الزهاد بلغ إلى العرش . . وقال بعض الصالحين ~~: إن العلماء يسقون الناس ، فبعضهم من الغدران والحياض ، وبعضهم من العيون ~~والقلب ، وبعضهم من البحار الواسعة . وقال حاتم : لا تنظر إلى من قال ، ~~ولكن انظر إلى ما قال . وقال مالك بن دينار : إني لا أقدر أن أعمل بجميع ما ~~اقول . وقال وهيب بن الورد : مثل عالم السوء كمثل الحجر يقع في الساقية فلا ~~هو يشرب الماء ، ولا يخلي عن الماء فيذهب إلى الشجرة . وقال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : لأنا من غير الدجال أخوف عليكم . قيل : ومن هو ؟ قال : ~~الأئمة المضلون . وقال الثوري : نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر ، وفتنة ~~القائد الجاهل . PageV01P292 # """""" صفحة رقم 293 """""" # وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' سيكون في امتي علماء فساق ، وقراء ~~جهال ' . وقال الثوري : العلم طبيب الدين ، والمال داؤه ، فإذا رأيت الطبيب ~~يجر الداء إلى نفسه فكيف يعالج غيره . وقال عيسى بن مريم : ما ينفع الأعمى ~~ضوء الشمس ولا يبصرها . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أشد الناس ~~حسرة يوم القيامة عالم علم الناس ونجوا به ، وارتهن هو بسوء عمله ' . وقال ~~أحمد بن حرب : إن منازل الدنيا لا تقطع بالكلام ، فكيف يقطع طريق الآخرة ~~بالكلام . وقال أبو مسلم الخولاني : العلماء ثلاثة : رجل عاش بعلمه وعاش به ~~الناس ، ورجل عاش بعلمه ولم يعش به الناس ، ورجل عاش بعلمه الناس وهلك هو . ~~وشاور رجل محمد بن أسلم فقال : إني أريد أن أزوج بنتي ، فبمن أزوج ؟ قال : ~~لا تزوجها عالما مفتونا ، ولا كاسبا كاذبا ، ولا عابدا شاكا . قيل : نصح ~~إبليس فقال : إياك والكبر ، فإني تكبرت فلعنت ؛ وإياك والحرص فإن أباك حرص ~~على أكل الشجرة فأخرج من الجنة ؛ وإياك والحسد فإن أحد بني آدم قتل أخاه ~~بالحسد . ومر حاتم بقوم يكتبون العلم فنظر إليهم وقال : إن يكن معكم ثلاثة ~~أشياء ms211 لن تفلحوا . قالوا : وما هي ؟ قال : هم أمس ، واغتمام اليوم ، وخوف ~~الغد . وقال ابن عمر : كان في بني إسرائيل ثلاثة خرجوا في وجه ، فأخذهم ~~المطر فدخلوا كهفا ، فوقع حجر عظيم على باب الكهف ، وبقوا في الظلمة وقالوا ~~: لا ينجينا إلا ما عملناه في الرخاء . فقال أحدهم : إني كنت راعيا فأرحت ~~وحلبت ، وكان لي أبوان وأولاد وامرأة فسقيت أولا الوالدين ثم الأولاد ، ~~فجئت يوما فوجدت أبوي قد ناما فلم أوقظهما لحرمتهما ولم أسق الأولاد ، ~~وبقيت قائما إلى الصبح ؛ فإن كنت يا رب قبلت هذا مني فاجعل لنا PageV01P293 ~~"""""" صفحة رقم 294 """""" # فرجا ، فتحرك الحجر ودخل عليهم الضوء . وقال الثاني : إني كنت صاحب ضياع ~~، فجاءني رجل بعد ما متع النهار ، وكان لي أجراء يحصدون الزرع ، فاستأجرته ~~، فلما تم عملهم أعطيتهم أجورهم ، فلما بلغت إلى ذلك الرجل أعطيته وافيا ~~كما أعطيت غيره ، فغضبوا وقالوا : تعطيه مثل ما أعطيتنا . فأخذت تلك الأجرة ~~واشتريت بها عجولا ونمي حتى كثر البقر ؛ فجاء صاحب الأجرة يطلب فقلت : هذه ~~البقر كلها لك ، فسلمتها إليه ، فإن كنت يا رب قبلت مني هذا الوفاء ففرج ~~عنا . فتحرك الحجر ودخل منه ضوء كثير . وقال الثالث : كانت لي بنت عم ~~فراودتها ، فأبت ، حتى أعطيتها مائة دينار فلما أردت اضطربت وارتعدت . فقلت ~~لها : ما لك ؟ فقالت : إني أخاف الله . فتركتها ورجعت عنها ، إلهي فإن كنت ~~قبلت ذلك مني ففرج عنا . فتحرك الحجر وسقط عن باب الكهف وخرجوا منه يمشون . ~~وقال حاتم : لو أدخلت السوق شياه كثيرة لما اشترى أحد المهزول ، بل يقصد ~~السمين للذبح . وقال يحيى بن معاذ : في القلب عيون يهيج منها الخير والشر . ~~وقال بعض الصالحين في دعائه : اللهم إن أحدنا لا يشاء حتى تشاء ، فاجعل ~~مشيئتك لي أن تشاء ما يقربني إليك ؛ اللهم إنك قدرت حركات العبد ، فلا ~~يتحرك شيء إلابإذنك ، فاجعل حركاتي في هواك . وقال قاسم بن محمد : لأن يعيش ~~الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم . وقال الشعبي : لم يكن مجلس أحب ~~إلي من هذا المجلس ms212 ، ولأن أبعد اليوم عن بساطه أحب إلي من أن أحبس فيه . ~~وقال حاتم : إذا رأيت من أخيك عيبا فإن كتمته عليه فقد خنته ، وإن قلته ~~لغيره فقد اغتبته ، وإن واجهته به فقد أوحشته ؛ قيل له : كيف أصنع ؟ قال : ~~تكني عنه ، وتعرض به ، PageV01P294 ~~"""""" صفحة رقم 295 """""" # وتجعله في جملة الحديث . وقال : إذا رأيت من أخيك زلة فاطلب لها سبعين ~~وجها من العلل ، فإن لم تجد فلم نفسك . وقال إبراهيم بن جنيد : اتخذ مرآتين ~~، وانظر في إحداهما عيب نفسك ، وفي الأخرى محاسن الناس . وقال يحيى بن معاذ ~~: الدنيا دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والآخرة دار عمران ، وأعمر ~~منها قلب من يعمرها . وقال ابن السماك : الدنيا كالعروس المجلوة تشوفت ~~لخطابها وفتنت بغرورها ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ؛ ~~والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها قاتلة . وقال بعض العارفين : الدنيا ~~أربعة أشياء : الفرح والراحة والحلاوة واللذة ؛ فالفرح بالقلب . والراحة ~~بالبدن ، واللذة بالحلق ، والحلاوة بالعين . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا ~~خمر الشيطان ، فمن سكر منها لم يفق إلا في مسكن النادمين . وقال بعض السلف ~~: الزهد خلع الراحة ، وبذل الجهد ، وقطع الأمل . وقال الأنطاكي أحمد بن ~~عاصم : الزهد هو الثقة بالله ، والتبرء من الخلق ، والإخلاص في العمل ، ~~واحتمال الذل . وقال داود - عليه السلام - في دعائه : يا رازق النعاب في ~~عشه . وقال بعض السلف : لو كنت على ذنب الريح لم تفر من رزقك . وقال آخر : ~~الإنسان بين رزقه وأجله ، إلا أنه مخدوع بأمله . وقال عيسى بن مريم عليه ~~السلام : خلقك ربك في أربع مراتب ، فكنت آمنا ساكنا في ثلاث ، وقلقلت في ~~الرابعة ، أولاها في بطن أمك في ظلمات ثلاث ، والثانية حين أخرجك منه وأخرج ~~لك لبنا من بين فرث ودم . والثالثة إذا فطمت أطعمك المري الشهي ، حتى إذا PageV01P295 ~~"""""" صفحة رقم 296 """""" # اشتدت عظامك وبلغت تمامك صرت خائنا وأخذت في السرقة والحيلة . وقال أنس : ~~رأيت طائرا أكمه فتح فاه فجاءت جرادة فدخلت فمه . وقال عيسى - عليه السلام ~~- يابن آدم اعتبر رزقك بطير السماء ، لا يزرعن ولا يحصدن ms213 وإله السماء ~~يرزقهن . فإن قلت : لها أجنحة فاعتبر بحمر الوحش وبقر الوحش ما أسمنها وما ~~أبشمها وأبدنها وقال ابن السماك لو قال العبد : يا رب لا ترزقني لقال الله ~~: بل أرزقك على رغم أنفك ، ليس لك خالق غيري ، ولا رازق سواي ، إن لم أرزقك ~~فمن يرزقك ؟ وقيل لراهب : من أين تأكل ؟ فقال : إن خالق الرحى يأتي بالطحين ~~. وقال حاتم : الحمار يعرف طريق المعلف ، والمنافق لا يعرف طريق السماء . ~~وقال إبراهيم بن أدهم : سألت راهبا من أين تأكل ؟ قال : ليس هذا العلم عندي ~~، ولكن سل ربي من أين يطعمني . وقال حاتم : مثل المتوكل مثل رجل أسند ظهره ~~إلى جبل . وقال بعض الأبرار : حسبك من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصرا غيره ، ~~ولا لرزقك خازنا غيره ، ولا لعملك شاهدأ غيره . وقال عبد الحميد بن عبد ~~العزيز : كان لأبي صديق وراق ، فقال له أبي يوما : كيف أصبحت ؟ قال : بخير ~~ما دامت يدي معي ، فأصبح الوراق وقد شلت يده . قال أبو العالية : لا تتكل ~~على غير الله فيكلك الله إليه ، ولا تعمل لغير الله فيجعل ثواب عملك عليه . ~~وقال رجل لأبي ذر : أنت أبو ذر ؟ قال : نعم . قال : لولا أنك رجل سوء ما ~~أخرجت من المدينة . فقال أبو ذر : بين يدي عقبة كؤود إن نجوت منها لا يضرني ~~ما قلت ، وإن أقع فيها فأنا شر مما تقول . وقيل لفضيل : إن فلانا يقع فيك . ~~فقال : لأغيظن من PageV01P296 ~~"""""" صفحة رقم 297 """""" # أمره بذلك اللهم اغفر له . وقال رجل لأبي هريرة : أنت أبو هريرة ؟ قال : ~~نعم . قال : سارق الذريرة ؟ قال : اللهم إن كان كاذبا فاغفر له ، وإن كان ~~صادقا فاغفر لي ؛ هكذا أمرين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال رجل ~~لابن مكدم : يا كافر . قال : وجب علي الشكر ، حيث لم يجر ذلك على لساني ، ~~ولم تجب علي إقامة الحجة فيه ، وقد طويت قلبي على جملة أشياء : قال : وما ~~هن ؟ قال : إن قلت ألف مرة لا أجيبك مرة ، ولا أحقد عليك ، ولا أشكوك إلى ~~أحد ، وإن نجوت من ms214 الله عز وجل بعد هذه الكلمة شفعت لك . فتاب الرجل . كان ~~للحسن جار نصراني ، وكان له كنيف على السطح ، وقد نقب ذلك في بيته ، وكان ~~يتحلب منه البول في بيت الحسن ، وكان الحسن أمر بإناء فوضع تحته ، فكان ~~يخرج ما يجتمع منه ليلا ، ومضى على ذلك عشرون سنة ، فمرض الحسن ذات يوم ~~فعاده النصراني ، فرأى ذلك ، فقال : يا أبا سعيد : مذ كم تحملون مني هذا ~~الأذى ؟ فقال : منذ عشرين سنة . فقطع النصراني زناره وأسلم . وجاءت جارية ~~لمنصور بن مهران بمرقة فهراقتها عليه ، فلما أحس بحرها نظر إليها ، فقالت : ~~يا معلم الخير اذكر قول الله . قال : وما هو ؟ قالت : ' والكاظمين الغيظ ' ~~. قال : كظمت . قالت : واذكر ' والعافين عن الناس ' . قال : قد عفوت . قالت ~~واذكر ' والله يحب المحسنين ' . قال : اذهبي فأنت حرة . قال الحسن : ما ~~جزعة أحب إلي من جزعة مصيبة ردها صاحبها بصبر ، وجزعة غضب ردها صاحبها بحلم ~~. وكان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول : ما أشبهك بسيدك وقال أبو ~~ذر : كيف يكون حليما من يغضب على حماره وسخله وهره . PageV01P297 # """""" صفحة رقم 298 """""" # ومات ابن للرشيد فجزع جزعا شديدا ، فوعظه العلماء فلم يتعظ ؛ فدخل مخنث ~~وقال : أتأذي لي في الكلام ؟ قال : تكلم . فكشف عن رأسه وقام بين يديه ، ~~وقال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل ، وقد تشبهت بالنساء كما ترى ، فأي شيء ~~كنت تصنع لو كان ابنك في الأحياء وكان على صورتي ، فاتعظ به وأخرج النواحات ~~من الدار . قال وهب : مكتوب في الكتب القديمة : إن كنتم تريدون رحمتي ~~فارحموا عبادي . وقال جعفر بن محمد حسن الجوار عمارة الديار ومثراة المال . ~~ولما قرأ هذا الجزء - حرسه الله - ارتاح وقال : أين نحن من هذه الطريقة ، ~~إلى الله المشتكى . # الليلة الخامسة والعشرون # وقال - أدام الله دولته - ليلة : أحب أن أسمع كلاما في مراتب النظم ~~والنثر ، وإلى أي حد ينتهيان ، وعلى أي شكل يتفقان ، وأيهما أجمع للفائدة ، ~~وأرجع بالعائدة ، وأدخل في الصناعة ، وأولى بالبراعة ؟ ؟ فكان الجواب : إن ~~الكلام على الكلام صعب . قال : ولم ؟ قلت : لأن ms215 الكلام على الأمور المعتمد ~~فيها على صور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحس ممكن ، ~~وفضاء هذا متسع ، والمجال فيه مختلف . فأما الكلام على الكلام فإنه يدور ~~على نفسه ، ويلتبس بعضه ببعضه ؛ ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق ، ~~وكذلك النثر والشعر وعلى ذلك . وقد قال الناس في هذين الفنين ضروبا من ~~القول لم يبعدوا فيها من الوصف الحسن ، والإنصاف المحمود ، والتنافس ~~المقبول ، إلا ما خالطه من التعصب والمحك ، لأن صاحب هذين الخلقين لا يخلو ~~من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ذلك يصير PageV01P298 ~~"""""" صفحة رقم 299 """""" # له مدخل فيما يراد تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من البلوغ ~~بها ، وهذه آفة معترضة في أمور الدين والدنيا ، ولا مطمع في زوالها ، لأنها ~~ناشئة من الطبائع المختلفة ، والعادات السيئة ، لكني مع هذه الشوكة الحادة ~~، والخطة الكادة ؛ أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشأن ، والمنتمين لهذا الفن ~~، وإن عن شيء يكون شكلا لذلك وصلته به تكميلا للشرح ، واستيعابا للباب ، ~~وصمدا للغاية ، وأخذا بالحياطة ، وأخذا بالحياطة ، وإن كان المنتهى منه غير ~~مطموع فيه ، ولا موصول إليه ؛ والله المعين . قال شيخنا أبو سليمان : ~~الكلام ينبعث في أول مبادئه إما من عفو البديهة ، وإما من كد الروية ، وإما ~~أن يكون مركبا منهما ، وفيه قواهما بالأكثر والأقل ؛ ففضيلة عفو البديهة ~~أنه يكون أصفى ، وفضيلة كد الروية أنه يكون أشفى ، وفضيلة المركب منهما أنه ~~يكون أوفى ؛ وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقل ؛ وعيب كد الروية ~~أن تكون صورة الحس فيه أقل ، وعيب المركب منهما بقدر قسطه منهما : الأغلب ~~والأضعف ؛ على أنه إن خلص هذا المركب من شوائب التكلف ، وشوائن التعسف ، ~~كان بليغا مقبولا رائعا حلوا ، تحتضنه الصدور ، وتختلسه الآذان ، وتنتهبه ~~المجالس ، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس ، والتفاضل الواقع بين البلغاء ~~في النظم والنثر ، إنما هو في هذا المركب الذي يسمى تأليفا ورصفا ؛ وقد ~~يجوز أن تكون صورة العقل في البديهة أوضح ، وأن تكون صورة الحس في الروية ~~الوح إلا أن ذلك ms216 من غرائب آثار النفس ونوادر أفعال الطبيعة ، والمدار على ~~العمود الذي سلف نعته ، ورسا أصله . وسمعت أبا عابد الكرخي صالح بن علي ~~يقول : النثر أصل الكلام ، والنظم فرعه ؛ PageV01P299 ~~"""""" صفحة رقم 300 """""" # والأصل أشرف من الفرع ، والفرع أنقص من الأصل ؛ لكن لكل واحد منهما ~~زائنات وشائنات ، فأما زائنات النثر فهي ظاهرة ، لأن جميع الناس في أول ~~كلامهم يقصدون النثر ، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعية عارضة ، وسبب ~~باعث ، وأمر معين . قال : ومن شرفه أيضا أن الكتب القديمة والحديثة النازلة ~~من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلها منثورة ~~مبسوطة ، متباينة الأوزان ، متباعدة الأبنية ، مختلفة التصاريف ، لا تناقد ~~للوزن ، ولا تدخل في الأعاريض ؛ هذا أمر لا يجوز أن يقابله ما يدحضه ، أو ~~يعترض عليه بما يحرضه . قال : ومن شرفه أيضا أن الوحدة فيه أظهر ، وأثرها ~~فيه أشهر ، والتكلف منه أبعد ، وهو إلى الصفاء أقرب ، ولا توجد الوحدة ~~غالبة على شيء إلا كان ذلك دليلا على حسن ذلك الشيء وبقائه ، وبهائه ونقائه ~~. قال : ومن فضيلة النثر أيضا كما أنه إلهي بالوحدة ، كذلك هو طبيعي ~~بالبدأة ، والبدأة في الطبيعيات وحدة ، كما أن الوحدة في الإلهيات بدأة ، ~~وهذا كلام خطير . قال : ألا ترى أن الإنسان لا ينطق في أول حاله من لدن ~~طفوليته إلى زمان مديد إلا بالمنثور المتبدد ، والميسور المتردد ؛ ولا يلهم ~~إلا ذاك ، ولا يناغى إلا بذاك ؛ ولبس كذلك المنظوم ، لأنه صناعي ؛ ألا ترى ~~أنه داخل في حصار العروض وأسر الوزن وقيد التأليف ، مع توقي الكسر ، ~~واحتمال أصناف الزحاف ، لأنه لما هبطت درجته عن تلك الربوة العالية ، دخلته ~~الآفة من كل ناحية . قال : فإن قيل : إن النظم قد سبق العروض بالذوق ، ~~والذوق طباعي ؛ قيل في الجواب : الذوق وإن كان طباعيا فإنه مخدوم الفكر ، ~~والفكر مفتاح الصنائع البشرية ، كما أن الإلهام مستخدم للفكر ، والإلهام ~~مفتاح الأمور الإلهية . قال : ومن شرف النثر أيضا أنه مبرأ من التكلف ، ~~منزه عن الضرورة ، غني عن PageV01P300 ~~"""""" صفحة رقم 301 """""" # الاعتذار والافتقار ، والتقديم والتأخير ، والحذف والتكرير ، وما ms217 هو أكثر ~~من هذا مما هو مدون في كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم ~~فيها . وقال عيسى الوزير : النثر من قبل العقل ، والنظم من قبل الحس ، ~~ولدخول النظم في ظي الحس دخلت إليه الآفة ، وغلبت عليه الضرورة ، واحتيج ~~إلى الإغضاء عما لا يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر . وقال ابن طرارة - ~~وكان من فصحاء أهل العصر بالعراق - : النثر كالحرة ، والنظم كالأمة ، ~~والأمة قد تكون أحسن وجها ، وأدمث شمائل ، وأحلى حركات ؛ إلا أنها لا توصف ~~بكرم جوهر الحرة ولا بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها . وقال : ولشرف ~~النثر قال الله تعالى في التنزيل : ' إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ' ولم ~~يقل : لؤلؤا منظوما ؛ ونجوم السماء منتثرة وإن كان انتثارها على نظام ، إلا ~~أن نظامها في حد العقل ، وانتثارها في حد الحس ، لأن الحكمة إذا غطيت نفسها ~~كانت الغلبة للصورة القائمة بالقدرة . وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدولة : ~~الكلام المنثور أشبه بالوشي ، والمنظوم أشبه بالنير المخطط ، والوشي يروق ~~ما لا يروق غيره . ويقال : كنا في نثار فلان ، ولا يقال : كنا في نظام فلان ~~. وقال ابن هندو الكاتب : إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما ~~وشرائطهما ، والاطلاع على هواديهما وتواليهما كان أن المنظوم فيه نثر من ~~وجه ، والمنثور فيه نظم من وجه ، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ~~ولا اختلفا . وقال ابن كعب الأنصاري : من شرف النثر أن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لم ينطق إلا به آمرا وناهيا ، ومستخبرا ومخبرا ، وهاديا وواعظا ~~، وغاضبا وراضيا ، وما سلب النظم إلا لهبوطه عن درجة النثر ، ولا نزه عنه ~~إلا لما فيه من النقص ، ولو تساويا لنطق PageV01P301 ~~"""""" صفحة رقم 302 """""" # بهما ، ولما اختلفا خص بأشرفهما الذي هو أجول في جميع المواضع ، وأجلب ~~لكل ما يطلب من المنافع . فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرة لباغي هذا ~~الشأن ، ولمن يتوخى حديثه عند كل إنسان . وأما ما يفضل به النظم على النثر ~~فأشياء سمعناها من هؤلاء العلماء الذين كانت سماء علمهم درورا ، وبحر أدبهم ms218 ~~متلاطما ، وروض فضلهم مزدهرا ، وشمس حكمتهم طالعة ، ونار بلاغتهم مشتعلة ، ~~وأنا آتي على ما يحضرني من ذلك ، منسوبا إليهم ، ومحسوبا لهم ، ليكون حقهم ~~به مقضيا ، وذكرهم على مر الزمان طريا . قال السلامي : من فضائل النظم أن ~~صار لنا صناعة برأسها ، وتكلم الناس في قوافيها ، وتوسعوا في تصاريفها ~~وأعاريضها ، وتصرفوا بحورها ، واطلعوا على عجائب ما استخزن فيها من آثار ~~الطبيعة الشريفة ، وشواهد القدرة الصادقة ؛ وما هكذا النثر ، فإنه قصر عن ~~هذه الذروة الشامخة ، والقلة العالية ؛ فصار بذلك بذلة لكافة الناطقين من ~~الخاصة والعامة والنساء والصبيان . وقال أيضا : من فضائل النظم أنه لا يغني ~~ولا يحدي إلا بجيده ولا يؤهل للحن الطنطنة ، ولا يحلى بالإيقاع الصحيح غيره ~~، لأن الطنطنات والنقرات ، والحركات والسكنات لا تتناسب إلا بعد اشتمال ~~الوزن والنظم عليها ، ولو كان فعل هذا بالنثر كان منقوصا ، كما لو لم يفعل ~~هذا بالنظم لكان محسوسا ؛ والغناء معروف الشرف ، عجيب الأثر ، عزيز القدر ، ~~ظاهر النفع في معاينة الروح ، ومناغاة العقل ، وتنبيه النفس ، واجتلاب ~~الطرب وتفريج الكرب ؛ وإثارة الهزة ، وإعادة العزة ، وإذكار العهد ، وإظهار ~~النجدة ، واكتساب السلوة ؛ وما لا يحصى عدده . ويقال : ما أحسن هذه الرسالة ~~لو كان فيها بيت من الشعر ، ولا يقال : ما أحسن هذا الشعر لو كان فيه شيء ~~من النثر ، لأن صورة المنظوم محفوظة ، وصورة المنثور ضائعة . وقال ابن ~~نباتة : من فضل النظم أن الشواهد لا توجد إلا فيه ، والحجج لا تؤخذ إلا PageV01P302 ~~"""""" صفحة رقم 303 """""" # منه ، أعني ان العلماء والحكماء والفقهاء والنحويين واللغويين يقولون : ~~قال الشاعر ؛ وهذا كثير في الشعر ، والشعر قد أتى به ، فعلى هذا الشاعر هو ~~صاحب الحجة ، والشعر هو الحجة . وقال الخالع : للشعراء حلبة ، وليس للبلغاء ~~حلبة ، وإذا تتبعت جوائز الشعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود ~~والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرخة ، ومجالسهم الفاخرة ، وأنديتهم ~~المشهورة ، وجدتها خارجة عن الحصر ، بعيدة من الإحصاء ؛ وإذا تتبعت هذه ~~الحال لأصحاب النثر لم نجد شيئا من ذلك ؛ والناس يقولون : ما أكمل هذا ~~البليغ لو قرض الشعر ولا يقولون ms219 : ما أشعر هذا الشاعر لو قدر على النثر ~~وهذا لغنى الناظم عن الناثر ، وفقر الناثر إلى الناظم ؛ وقد قدم الناس أبا ~~علي البصير على أبي العيناء ، لأن أبا علي جمع بين الفضيلتين ، وضرب ~~بالسيفين في الحومتين ، وفاز بالقدحين المعليين في المكانين . وقال لنا ~~الأنصاري : سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول : لو تصفحنا ما صار إلى أصحاب النثر ~~من كتاب البلاغة ، والخطباء الذين ذبوا عن الدولة ، وتكلموا في صنوف ~~أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به ؛ مما فتق به الرتق ، ورتق به الفتق ~~، وأصلح به الفاسد ، ولم به الشعث ، وقرب به البعيد ، وبعد به القريب ، ~~وحقق به الحق ، وأبطل به الباطل ، لكان يوفى على كل ما صار إلى جميع من قال ~~الشعر ولاك القصيد ، ولهج بالقريض ، واستماح بالمرحمة ؛ ووقف موقف المظلوم ~~، وانصرف انصراف المحروم ؛ وأين من يفتخر بالقريض ، ويدل بالنظم ، ويباهي ~~بالبديهة ، من وزير الخليفة ، ومن صاحب السر ، وممن ليس بين لسانه ولسان ~~صاحبه واسطة ، ولا بين أذنه وأذنه حجاب ؟ ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء ~~كالحاجة إلى الوزراء ؟ ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتكرمة ؟ ومتى قعد ~~شاعر لوزير على رجاء وتأميل ؟ بل لا ترى شاعرا إلا قائما بين يدي خليفة أو PageV01P303 ~~"""""" صفحة رقم 304 """""" # وزير أو أمير باسط اليد ، ممدود الكف ، يستعطف طالبا ، ويسترحم سائلا ؛ ~~هذا مع الذلة والهوان ، والخوف من الخيبة والحرمان ، وخطر الرد عليه في لفظ ~~يمر ، وإعراب يجري ، واستعارة تعرض ، وكناية تعترض ، ثم يكون مقليا مشينا ~~بما يظن به من الهجاء الذي ربما دلاه في حومة الموت ، وقد برأ الله تعالى ~~بإحسانه القديم ومنه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كله ، وكفاه مؤونة الغدر ~~به ، والضرر فيه . قال : وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق ~~شأوه ، ولا يشق غباره ، ولا يطمع في جوابه . قال : وله مناظرات واسعة في ~~هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه ، وكاشفوه وواجهوه ؛ فثبت ~~لهم ، وانتصف منهم ، وأربى عليهم ، ولم يقلع عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن ~~نكصوا على أعقابهم ، وراجعوا ms220 ما هو أولى بهم . قال أبو سليمان : المعاني ~~المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس ؛ لا يحوم عليها شيء قبل الفكر ، فإذا ~~لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم الدقيق القى ذلك إلى العبارة ، والعبارة ~~حينئذ تتركب بين وزن هو النظم للشعر ، وبين وزن هو سياقه الحديث ؛ وكل هذا ~~راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة ، وصورة حسناء أو قبيحة ، وتأليف مقبول أو ~~ممجوج ، وذوق حلو أو مر وطريق سهل أو وعر ، واقتضاب مفضل أو مردود ، ~~واحتجاج قاطع أو مقطوع ، وبرهان مسفر أو مظلم ، ومتناول بعيد أو قريب ، ~~ومسموع مألوف أو غريب . قال : فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا ~~فللنثر فضيلته التي لا تنكر ، وللنظم شرفه الذي لا يجحد ولا يستر ، لأن ~~مناقب النثر في مقابلة مناقب النظم ، ومثالب النظم في مقابلة مثالب النثر ؛ ~~والذي لابد منه فيهما السلامة والدقة ، وتجنب العويص ، وما يحتاج إلى ~~التأويل والتخليص . PageV01P304 # """""" صفحة رقم 305 """""" # وقد قال بعض العرب : خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام . ووقف أعرابي ~~على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه ، فحار وعجب ، وأطرق ~~ووسوس ، فقال له الأخفش : ما تسمع يا أخا العرب ؟ قال : أراكم تتكلمون ~~بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا . وقال أعرابي آخر : مازال أخذهم في ~~النحو يعجمني . . . حتى سمعت كلام الزنج والروم وقال أبو سليمان : نحو ~~العرب فطرة ، ونحونا فطنة ؛ فلو كان إلى الكمال سبيل لكانت فطرتهم لنا مع ~~فطنتنا ، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم . وقال : لما تميزت الأشياء في ~~الأصول ، تلاقت ببعض التشابه في الفروع ، ولما تباينت الأشياء بالطبائع ، ~~تألفت بالمشاكلة في الصنائع ، فصارت من حيث افترقت مجتمعة ، ومن حيث اجتمعت ~~مفترقة ، لتكون قدرة الله - عز وجل - آتية على كل شيء ، وحكمته موجودة في ~~كل شيء ، ومشيئته نافذة في كل شيء . وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا ~~المكان رسمه فيه ، لأنه موافق لما نحن فيه في ذكره ووصفه . قال : ماذا لقيت ~~من المستعربين ومن . . . تأسيس نحوهم هذا الذي ابتدعوا إن قلت ms221 قافية فيه ~~يكون لها . . . معنى يخالف ما قاسوا وما وضعوا قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض ~~. . . وذاك نصب وهذا ليس يرتفع وحرشوا بين عبد الله واجتهدوا . . . وبين ~~زيد وطال الضرب والوجع إني نشأت بأرض لا تشب بها . . . نار المجوس ولا تبنى ~~بها البيع ولا يطا القرد والخنزير ساحتها . . . لكن بها الهيق والسيدان والصدع PageV01P305 ~~"""""" صفحة رقم 306 """""" # ما كل قولي معروف لكم فخذوا . . . ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا كم بين ~~قوم قد احتالوا لمنطقهم . . . وآخرين على إعرابهم طبعوا وبين قوم رأوا شيئا ~~معاينة . . . وبين قوم رووا بعض الذي سمعوا فهذا هذا . وقال أبو سليمان : ~~البلاغة ضروب : فمنها بلاغة الشعر ومنها بلاغة الخطابة ومنه بلاغة النثر ، ~~ومنها بلاغة المثل ، ومنها بلاغة العقل ، ومنها بلاغة البديهة ، ومنها ~~بلاغة التأويل . قال : فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولا ، والمعنى من ~~كل ناحية مكشوفا ، واللفظ من الغريب بريئا ، والكناية لطيفة ، والتصريح ~~احتجاجا ، والمؤاخاة موجودة ، والمواءمة ظاهرة . وأما بلاغة الخطابة فأن ~~يكون اللفظ قريبا ، والإشارة فيها غالبة ، والسجع عليها مستوليا ، والوهم ~~في أضعافها سابحا ، وتكون فقرها قصارا ، ويكون ركابها شوارد إبل . وأما ~~بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولا ، والمعنى مشهورا ، والتهذيب مستعملا ، ~~والتأليف سهلا ، والمراد سليما ، والرونق عاليا ، والحواشي رقيقة ، ~~والصفائح مصقولة ، والأمثلة خفيفة المأخذ ، والهوادي متصلة ، والأعجاز ~~مفصلة . وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضبا ، والحذف محتملا ، والصورة ~~محفوظة ، PageV01P306 ~~"""""" صفحة رقم 307 """""" # والمرمى لطيفا ، والتلويح كافيا ، والإشارة مغنية ، والعبارة سائرة . ~~وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النفس من ~~مسموعه إلى الأذن ، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترصيع اللفظ ، ~~وتقفية الحروف ، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب ، ويكون المقصود ملحوظا ~~في عرض السنن ، والمرمي يتلقى بالوهم لحسن الترتيب . وأما بلاغة البديهة ~~فأن يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى ، وهناك يقع ~~التعجب للسامع ، لأنه يهجم بفهمه على ما لا يظن أنه يظفر به كمن يعثر ~~بمأموله ، على غفلة من تأميله ، والبديهة قدرة روحانية ، في جبلة بشرية ، ~~كما ms222 أن الروية صورة بشرية ، في جبلة روحانية . وأما بلاغة التأويل فهي التي ~~تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح ، وهذان يفيدان من المسموع وجوها مختلفة ~~كثيرة نافعة ، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا ، وهي التي ~~تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله عز وجل وكلام رسوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في الحرام والحلال ، والحظر والإباحة ، والأمر والنهي ، وغير ~~ذلك مما يكثر ؛ وبها تفاضلوا ، وعليها تجادلوا ، وفيها تنافسوا ، ومنها ~~استملوا ، وبها اشتغلوا ؛ ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله ، وبطل ~~الاستنباط أوله وآخره ، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا النمط ~~في أعماق هذا الفن ؛ وها هنا تنثال الفوائد ، وتكثر العجائب ، وتتلاقح ~~الخواطر ، وتتلاحق الهمم ، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة ~~بالصفات الممثلة ، حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون ، وإنارة ~~المراد المخزون . PageV01P307 # """""" صفحة رقم 308 """""" # وأمثلة هذه الأبواب موجودة في الكتب ، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل ~~فن مثالا وشكلت شكلا ، ولو فعلت ذلك لكنت مكررا لما قد سبق إليه ، ومتكلفا ~~ما قد لقن من قبل على أن الزهد في هذا الشأن قد وضع عنا وعن غيرنا مؤونة ~~الخوض فيه ، والتعني به ، والتوفر عليه ، وتقديمه على ما هو أهم منه ، أعني ~~طلب القوت الذي ليس إليه سبيل إلا ببيع الدين ، وإخلاق المروءة ، وإراقة ~~ماء الوجه ، وكد البدن ، وتجرع الأسى ، ومقاساة الحرقة ، ومض الحرمان ، ~~والصبر على ألوان وألوان ؛ والله المستعان . وقد كان هذا الباب يتنافس فيه ~~أوان كان للخلافة بهجة ، وللنيابة عنها بهاء ، وللديانة معتقد ، وللمروءة ~~عاشق ، وللخير منتهز ، وللصدق مؤثر ، وللأدب شراة ، وللبيان سوق ، وللصواب ~~طالب ، وفي العلم راغب ؛ فأما اليوم واليد عنه مقبوضة ، والذيل دونه مشمر ، ~~والمتحلي بجماله مطرود ، والمباهي بشرفه مبعد ، فما يصنع به ، ولله أمر هو ~~بالغه . وقال ابن دأب : قال لي ابن موسى : اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان ~~فقال : أي الآداب أغلب على الناس ؟ فقلنا فأكثرنا في كل نوع ؛ فقال عبد ~~الملك : ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون ms223 ~~القول ، ويتعاطون البيان ، ويتهادون الحكم ، ويستخرجون غوامض العلم من ~~مخابئها ؛ ويجمعون ما تفرق منها ؛ إن الكلام فارق للحكم بين الخصوم ، وضياء ~~يجلو ظلم الأغاليط ، وحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى مواد الأغذية . PageV01P308 # """""" صفحة رقم 309 """""" # وقد قال زهير : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده . . . فلم يبق إلا صورة اللحم ~~والدم فقلنا : لم يقله زهير ، إنما قاله زياد الأعجم ؛ فقال : لا ، قاله من ~~هو أعظم تجربة وأنطق لسانا منه . وقال أبو العيناء : سمعت العباس بن الحسن ~~العلوي يصف كلام رجل فقال : كلامه سمح سهل ، كأن بينه وبين القلوب نسب ، ~~وبينه وبين الحياة سبب ؛ كأنما هو تحفة قادم ، ودواء مريض ، وواسطة قلادة . ~~ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو يعجب من فصل قرأه من كتاب ورد عليه ، وهو : ~~أشعر قلبك يأس مجاوز السبيل ، مقصر عن الشوط . وقال ابن ذكوان : سمعت ~~إبراهيم بن العباس الصولي يقول : ما سمعت كلاما محدثا أجزل في رقة ، ولا ~~أصعب في سهولة ، ولا أبلغ في إيجاز ، من قول العباس بن الأحنف : تعالي نجدد ~~دارس العهد بيننا . . . كلانا على طول الجفاء ملوم أناسية ما كان بيني ~~وبينها . . . وقاطعة حبل الصفاء ظلوم وفي الجملة ، أحسن الكلام ما رق لفظه ~~، ولطف معناه ، وتلألأ رونقه ، وقامت صورته بين نظم كأنه نثر ، ونثر كأنه ~~نظم ، يطمع مشهوده بالسمع ، ويمتنع مقصوده على الطبع ؛ حتى إذا رامه مريغ ~~حلق ، وإذا حلق أسف ، أعني يبعد على المحاول بعنف ، ويقرب من المتناول بلطف . PageV01P309 # """""" صفحة رقم 310 """""" # وما رأيت أحدا تناهى في وصف النثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة ابن جعفر ~~في المنزلة الثالثة من كتابه ؛ قال لنا علي بن عيسى الوزير : عرض على قدامة ~~كتابه سنة عشرين وثلثمائة ؛ واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن ، وتفرد في وصف ~~فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ ~~والمعنى ، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب . ولقد شاكه فيه ~~الخليل بن أحمد في وضع العروض ؛ ولكني وجدته هجين اللفظ ، ركيك البلاغة في ~~وصف البلاغة ، حتى كأن ما يصفه ليس ms224 ما يعرفه ، وكأن ما يدل به غير ما يدل ~~عليه . والعرب تقول : فلان يدل ولا يدل ، حكاه ابن الأعرابي ، وهذا لا يكون ~~إلا من غزارة العلم ، وحسن التصور ، وتوارد المعنى ، ونقد الطبع ، وتصرف ~~القريحة . قال : ولولا أن الأمر على ما ذكرت لكان ذلك الطريق الذي سلكه ، ~~والفن الذي ملكه ، والكنز الذي هجم عليه ، والنمط الذي ظفر به ؛ قد برز في ~~أحسن معرض ، وتحلى بألطف كلام ، وماس في أطول ذيل ، وسفر عن أحسن وجه ، ~~وطلع من أقرب نفق ، وحلق في أبعد أفق . وابن المراغي يقول كثيرا - وهو شيخ ~~من جلة العلماء ، وله سهم واف في زمرة البلغاء - : ما أحسن معونة الكلمات ~~القصار ، المشتملة على الحكم الكبار ، لمن كانت بلاغته في صناعته بالقلم ~~واللسان ، فإنها توافيه عند الحاجة ، وتستصحب أخواتها على سهولة ؛ وهكذا ~~مصاريع أبيات الشعر ؛ فإنها تختلط بالنثر متقطعة وموزونة ، ومنتثرة ومنضودة ~~. قال لي ابن عبيد الكاتب : بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ ؛ فبلوته بالتتبع ~~فوجدته على ما قال ؛ وما أشبه ما ذكره إلا بالصرة المعدة عند الإنسان ، لما ~~يحتاج إليه في الوقت المهم والأمر الملم ؛ فهذا هذا . PageV01P310 # """""" صفحة رقم 311 """""" # فقال - أدام الله دولته ، وكبت أعداءه - : قدم هذا الباب فقد أتى على ما ~~لم أظن أنه يؤتى عليه ويهتدى إليه - إذا شئت ؛ وانصرفت . # الليلة السادسة والعشرون # ثم قال : وما أمثلة الكلمات القصار التي أومأ إليها ذلك الشيخ ؟ فكان من ~~الجواب : إن هذا الباب واسع ، نحو قول القائل : ما خاب من استخار ، ولا ندم ~~من استشار . كل عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل . غنم من أدبته الحكمة ، ~~وأحكمته التجربة . التضاغن رائد التباين . المرء ما عاش في تجريب . الدهر ~~يوم ويوم . . . والعيش عذل ولوم وأكثر أسباب النجاح مع الياس من لم يقدمه ~~حزم أخره عجز . كم مستدرج بالإحسان إليه ، ومغتر باليسر عليه . الحرب متلفة ~~العباد مذهبة للطارف والتلاد . ليس المقل عن الزمان براضي من ضاق صدره اتسع ~~لسانه . وحسبك داء أن تصح وتسلما العيال سوس المال . الموت الفادح خير من ~~الزي الفاضح ms225 . احذروا نفاد النعم ، فما كل شارد مردود . خير الأمور أوساطها ~~. يكفيك من شر سماعه . الكريم لا يلين على قسر ، ولا يقتسر على يسر . ما ~~أدرك النمام ثأرا ، ولا محا عارا . PageV01P311 # """""" صفحة رقم 312 """""" # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر إن المطامع فقر والغنى الياس والأمر تحقره ~~وقد ينمى رب كبير هاجه صغير ذهب القضاء بحيلة الأقوام وقد يستجهل الرجل ~~الحليم وإذا مضى شيء كأن لم يفعل من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالهيبة . ~~البطنة تذهب الفطنة ، إن المقدرة تذهب الحفيظة . من ثقل على صديقه خف على ~~عدوه . زيادة لسان على عقل خدعة ، وزيادة عقل على منطق هجنة . وحاجة من عاش ~~لا تنقضي من أطاع هواه ، أعطى عدوه مناه . عند الشدائد تذهب الأحقاد احذر ~~صرعات البغي وفلتات المزاح . ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه المرء يعجز لا ~~المحالة ذل الطالب بقدر حاجته ، إذا ازدحم الجواب خفي الصواب . الكريم ~~للكريم مجل . موت في قوة وعز خير من حياة في ذل وعجز . عدل السلطان خير من ~~خصب الزمان . من توقى سلم ، ومن تهور ندم ، من أسرع إلى الناس بما يكرهون ، ~~قالوا فيه ما لا يعلمون . الضر خير من الفاقة ، عي صامت خير من عي ناطق . ~~ربما سود المال غير السيد ، وقوي غير الأيد . وهل يدفع ريب المنية الحيل . PageV01P312 # """""" صفحة رقم 313 """""" # الموت حتم في رقاب العباد كفى بالإقرار بالذنب عذرا ، وبرجاء العفو شافعا ~~. قليل يوعى ، خير من كثير ينسى ، ليس على طول الخدم ندم ، ومن وراء المرء ~~ما لم يعلم . مروءتان ظاهرتان : الرآسة والفصاحة . من أطال الأمل أساء ~~العمل . لا تكلف ما كفيت ، ولا تضيع ما وليت . احتمل من أدل عليك ، وأقبل ~~ممن اعتذر إليك . إن الشجاعة مقرون بها العطب إن الكرام على ما نابهم صبر ~~لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف . لا عذر في غدر . ليس من العدل سرعة العذل ~~. أقبح عمل المقتدرين الانتقام . شر من الموت ، ما يتمنى له الموت . من جاع ~~جشع . المكيدة في الحرب أبلغ من النجدة . لك من دنياك ms226 ، ما أصلح مثواك . من ~~أحب أن يطاع ، لا يسأل ما لا يستطاع ، إذا غلبتك نفسك بما تظن ، فاغلبها ~~بما تستيقن . الرد الجميل أحسن من المطل الطويل . القبر خير من الفقر . ~~شفيع المذنب إقراره ، وتوبته اعتذاره . صحبة الأشرار ، تورث سوء الظن ~~بالأخيار ، لا كثير مع تبذير ، ولا قليل مع تقدير . من صان لسانه نجا من ~~الشر كله . ولربما نفع الفتى كذبه فمن يعدل إذا ظلم الأمير إذا فزع الفؤاد ~~فلا رقاد ما العلم إلا ما وعاه الصدر إن الكريم على الإخوان ذو المال إن ~~الفرار لا يزيد في الأجل PageV01P313 ~~"""""" صفحة رقم 314 """""" # إن الشفيق بسوء ظن مولع لا تبل على أكمة ، ولا تفش سرك إلى أمة . إذا ~~أقبلت الدنيا على المرء أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن ~~نفسه . في التجارب علم مستأنف . قد خاطر من استغنى برأيه . عليك لأخيك مثل ~~الذي عليه لك . الحق ظل ظليل . المودة قرابة مستفادة . معدم وصول خير من ~~مكثر جاف . من الفراغ تكون الصبوة . من نال استطال . في تقلب الأحوال علم ~~جواهر الرجال . الشكر عصمة من النقمة . اللب مصباح العلم . من ركب العجلة ، ~~لم يأمن الكبوة . إزالة الرواسي ، أيسر من تأليف القلوب . قارب الناس في ~~عقولهم ، تسلم من غوائلهم ، وترتع في حدائقهم . عاشر أخاك بالحسنى . الحسد ~~أهلك الجسد . خذ على خلائقك ميثاق الصبر . خير ما رمت ما ينال . كل امرىء ~~في شأنه ساعي قد يدرك المتأني بعض حاجته . . . وقد يكون مع المستعجل الزلل ~~غم الفقير لا يكشفه إلا الموت . خفة الظهر أحد اليسارين . أصول الأسقام من ~~فضول الطعام . طلاق الدنيا مهر الجنة . من عز النفس إيثار القناعة . ~~التواضع بالغنى أجمل ، والكبر بالفقير أسمج . من استعان بغير الله لم يزل ~~مخذولا . من لم يقبل من الدهر ما آتاه طال عتبه على الدهر . عجب المرء ~~بنفسه أحد حساد عقله . العجز والتواني ينتجان الفاقة . إن صبرت صبر الأحرار ~~، وإلا سلوت سلو الأغمار . العلم بالعمل ينمو . معاشرة الإخوان تجلو البصر ~~، وتطرد الفكر . لا توحشك الغربة ما أنست بالكفاية ms227 ، فإن الفقر أوحش من ~~الغربة . الغنى أنس في غير الوطن . الغني في الغربة موصول ، والفقير في ~~الأهل مصروم . أوحش قرينك إذا كان في إيحاشه أنسك . إذا أيسرت فكل أهل أهلك ~~، وإن أعسرت فأنت غريب في قومك . من أخلاق الصبيان ، إلف الأوطان ، والحنين ~~إلى الإخوان . من لم يأنف ، لم يشرف . خير المودة ما لم تكن حذار عادية ، ~~ولا رجاء فائدة . من حمل الأمور على القضاء استراح في الإقبال والإدبار حتى ~~ينتهيا . لو استحسن الناس ما أمر به العقل استقبحوا ما نهى عنه العقل . ~~أقدر الناس على الجواب من لا يغضب . الكلام في وقت السكوت عي ، والسكوت في ~~وقت الكلام خرس . الهم يهدم البدن ، وينغص العيش ، PageV01P314 ~~"""""" صفحة رقم 315 """""" # ويقرب الأجل . الموت رقيب غير غافل . المرء نهب الحوادث . إذا تم العقل ~~نقص الكلام . هب ما أنكرت لما عرفت ، واغفر ما أغضبك لما أرضاك . اليأس ~~إحدى الراحتين . المطل أحد العذابين . الكظم مر ، ولا يتجرعه إلا حر . ~~الرأي لا يصلح إلا بالشركة ، والملك لا يصلح إلا بالتفرد . من كبر عنصره ، ~~حسن محضره . ولرب مطمعة تعود رياحا والحمد لا يشترى إلا بأثمان ولكن نكء ~~القرح بالقرح أوجع من أزهر بقول ، حقيق أن يثمر بفعل . السلام أرخى للبال ، ~~وأبقى لنفوس الرجال . حسبك من عقلك ما أوضح غيك من رشدك . التسويف بطاعة ~~الله اغترار ، وحياة المرء كالشيء المعار . من بذل بعض عنايته لك ، فاجعل ~~جميع شكرك له . وللحر من مال الكريم نصيب اليوم فعل ، وغدا ثواب . الخير ~~مختار شهي المطلب . . . والشر محذور كريه مجتنب رب سكوت من كلام أبلغ . . . ~~ورب قول من عمود أدمغ من سلم الناس على لسانه . . . أصبح منصورا على سلطانه ~~من القليل يجمع الكثير . . . رب صغير قدره كبير من باع ما يفنى بما يبقى ~~غنم . . . وآثر الدنيا على الأخرى ندم قد يحرم الراجي ويعطى القانط . . . ~~ويبعد الأدنى ويدنى الشاحط PageV01P315 ~~"""""" صفحة رقم 316 """""" # من لم ينلك البر في حياته . . . لم تبك عيناك على وفاته المال ما تنفق لا ~~ما تجمعه . . . والزرع ما تحصد لا ما ms228 تزرعه يا رب هزل كان منه الجد . . . ~~ورب مزح كان منه الحقد البحر مستغن عن الفرات فقال - أدام الله أيامه - هذا ~~فن موف على الغاية . # الليلة السابعة العشرون # وقال - أدام الله أيامه - في ليلة أخرى : كنت أحب أن أسمع كلاما في كنه ~~الاتفاق وحقيقته ، فإنه مما يحار العقل فيه ، ويزل حزم الحازم معه ، وأحب ~~أيضا أن أسمع حديثا غريبا فيه ؛ فكان من الجواب : إن الرواية في هذا الباب ~~أكثر وأفشى من الاطلاع على سره ، والظفر بمكنونه ؛ فقال : هات ما يتعلق ~~بالرواية . قلت : حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أن ثيودسيوس ملك يونان ~~كتب إلى كنتس الشاعر أن يزوده بما عنده من كتب فلسفية ؛ فجمع ماله في عيبة ~~ضخمة ، وارتحل قاصدا نحوه ، فلقي في تلك البادية قوما من قطاع الطريق ، ~~فطمعوا في ماله وهموا بقتله ، فناشدهم الله ألا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ~~ويخلوه ، فأبوا ، فتحير ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد ، ~~فرفع رأسه إلى السماء ، ومد طرفه في الهواء ، فرأى كراكي تطير في الجو ~~محلقة ، فصاح : أيتها الكراكي الطائرة ، قد أعجزني المعين والناصر ، فكوني ~~الطالبة بدمي ؛ والآخذة بثأري . فضحك اللصوص ، وقال بعضهم لبعض : هذا أنقص ~~الناس عقلا ، ومن لا عقل له لا جناح في قتله ؛ ثم قتلوه وأخذوا ماله ~~واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم ؛ فلما اتصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ~~ذلك ، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء ؛ وحضر ~~اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة ~~والعظة ، وحضر PageV01P316 ~~"""""" صفحة رقم 317 """""" # الناس من كل قطر وأوب ، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع ، وجلسوا عند بعض ~~أساطين الهيكل ، فهم على ذلك إذ مرت بهم كراكي تتناغى وتصيح ، فرفع اللصوص ~~أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه فإذا كراكي تصيح وتطير ، وتسد ~~الجو ؛ فتضاحكوا ، وقال بعضهم لبعض : هؤلاء طالبو دم كنتس الجاهل - على ~~طريق الاستهزاء - فسمع كلامهم بعض من كان قريبا منهم فأخبر السلطان فأخذهم ~~وشدد عليهم ، وطالبهم فأقروا بقتله ، فقتلهم ؛ فكانت الكراكي المطالبة بدمه ~~، لو ms229 كانوا يعقلون أن الطالب لهم بالمرصاد . وقال لنا أبو سليمان : إن كنتس ~~وإن كان خاطب الكراكي فإنه أشار به إلى رب الكراكي وخالقها ، ولم يطل الله ~~دمه ولا سد عنه باب إجابته ؛ فسبحانه كيف يهيىء الأسباب ، ويفتح الأبواب ، ~~ويرفع الحجاب بعد الحجاب . فقال : هذا عجب : قلت : قال لنا أبو سليمان : كل ~~ما جهل سببه من ناحية الحس بالعادة ، ومن ناحية الطبيعة بالإمكان ، ومن ~~ناحية النفس بالتهيئة ، ومن ناحية العقل بالتجويز ، ومن ناحية الإله ~~بالتوفيق - فهو معجوب منه ، معجوز عنه ، مسلم لمن له القدرة المحيطة ، ~~والمشيئة النافذة ، والحكمة البالغة ، والإحسان السابق . ولقد حكى أبو ~~الحسن الفرضي في أمر الاتفاق شيئا ظريفا عن بعض إخوانه قال : خرجنا إلى بعض ~~المتنزهات ومعنا جر نصيد به السماني ، وكنا جماعة ، فقال حدث كان معنا - ~~وكان أصغرنا سنا - : أنتم تصديون بجر ، وأنا أصيد بيدي ؛ يقول ذلك على جهة ~~المزح ؛ فرمى بعد قليل فاتفق له أن أثار سماني ، فأسرع إليه ونحن لا نعلم ~~أنه أخذ شيئا ، فقلنا له على طريق العبث : احذر الخنزير - من غير أن نكون ~~رأينا خنزيرا - فالتفت فزعا وفر موليا ، فاتفق له أن رأى خنزيرا منه غير ~~بعيد ، فأقبل إلينا مسرعا هاربا من الخنزير والسماني بيده وقد صاده . وكنت ~~في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفا من الحج ومعي جماعة من الصوفية ، PageV01P317 ~~"""""" صفحة رقم 318 """""" # فلحقنا جهد من عوز القوت وتعذر ما يمسك الروح في حديث طويل - إلا أنا ~~وصلنا من زبالة - بالحيلة اللطيفة منا ، والصنع الجميل من الله تعالى - إلى ~~شيء من الدقيق ؛ فانتشعت أنفسنا به ، وغنمناه ، ورأيناه نفحة من نفحات الله ~~تعالى الكريم ؛ فجعلناه زادنا ، وسرنا ؛ فلما بلغنا المنزل قعدنا لنمارس ~~ذلك الدقيق ، ولقطنا البعر ودقاق الحطب ، فلما أجمعنا على العجن والملك لم ~~نجد الحراق - وكان عندنا أنه معنا ، وأننا قد استظهرناه - فدخلتنا حيرة ~~شديدة ، وركبنا غم غالب ، وسففنا من ذلك الدقيق شيئا ، فما ساغ ولا قبلته ~~الطبيعة ، وبتنا ليلتنا طاوين ساهرين ، قد علانا الكمد ، وملكنا الوجوم ~~والأسف ؛ فقال بعضنا : هذا ms230 لما وجدنا الدقيق ؟ وأصبحنا وركبنا قد استرخت ، ~~وعيوننا قد غارت ، وأحدنا لا يحدث صاحبه غما وكربا ؛ وعدنا إلى ما كنا فيه ~~قبل بزيادة حسرة من النظر إلى الدقيق ؛ وقال صاحب لنا : نرمى بجراب الدقيق ~~حتى نلقي حمله وثقله في طول هذا الطريق ؛ فقلنا : ليس هذا بصواب ، وما ~~يضرنا أن يكون معنا ، فلعلنا أن نرى ركبا أو نلقى حطبا . وكانت البادية ~~خالية في ذلك الوقت ، لرعب لحق قوما من بني كلاب من جهة أعدائهم ، فلم يكن ~~يجتاز بها في ذلك الوقت غريب . وبقينا كذلك إلى اليوم الثالث ، ونحن نلاحق ~~ونجاهد في المشي ؛ فلما كان العصر من ذلك اليوم كنت أسير أمام القوم أجرئهم ~~وأسألهم ، وكنت كالحاطب لهم : إذا عثرنا بحراق وظفرنا بفتيلة ؛ فوجدوا خرقة ~~ملفوفة فيها حراق ، فهللوا وكبروا ، ورفعوا أصواتهم ؛ PageV01P318 ~~"""""" صفحة رقم 319 """""" # فقلت كالمتعجب : ما الخبر ؟ قالوا : البشرى ؛ قلت : وما ذاك ؟ قالوا : ~~هذه خرقة ملئت حراقا ، فلا تسل عما دهانا من الفرح والاستبشار ؛ وثاب إلينا ~~من السرور والارتياح ، وزال عنا من الانخزال والانكسار ، وقعدنا في مكاننا ~~ذلك ، ولقطنا البعر ، وأثرنا الوقود ، وأججنا نارا عظيمة ، وملكنا الدقيق ~~كله ملكة واحدة وكان أربعين رطلا ، وكان ذلك بلاغنا إلى القادسية ؛ فلما ~~دنونا منها تلقانا بشر من أهلها ، وقالوا لنا : كيف سلمتم في هذه الطريق مع ~~العوز والخوف ؟ فقلنا : لطف الله يقرب كل بعيد ، ويسهل كل شديد ، ويصنع ~~للضعيف حتى يتعجب القوي . وليس أحد من خلق الله يجحد هذا القول ، وينكر هذا ~~الفضل ، ويرجع إلى دين وثيق أو واه ' إن الله لذو فضل على الناس ' . وحدثني ~~أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني القاضي صاحب المذهب قال : اصطحب رجلان في ~~بعض الطرق مسافرين : مجوسي من أهل الري ، والآخر يهودي من أرض جى ؛ وكان ~~المجوسي راكبا بغلة له عليها سفرة من الزاد والنفقة وغير ذلك ، وهو يسير ~~مرفها وادعا ، واليهودي يمشي بلا زاد ولا نفقة ؛ فبينا هما يتحادثان إذ قال ~~المجوسي لليهودي : ما مذهبك وعقيدتك يا فلان ؟ قال اليهودي : أعتقد أن في ~~هذه السماء إلها ms231 هو إله بني إسرائيل ، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه ، ~~وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل ، مع صحة البدن ، ~~والسلامة من كل آفة ، والنصرة على عدوي ، وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني ~~في ديني ومذهبي ، فلا أعبأ بمن يخالفني ، بل أعتقد أن من يخالفني دمه لي ~~يحل ، وحرام علي نصرته ونصيحته والرحمة به . ثم قال للمجوسي : قد أخبرتك ~~بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري ، فخبرني أنت أيضا عن شأنك وعقيدتك ~~وما تدين به ربك ؟ فقال المجوسي : أما عقيدتي ورأيي فهو أني أريد الخير ~~لنفسي وأبناء جنسي ، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءا ، ولا أتمنى له ضرا ، ~~لا لموافقي ، ولا لمخالفي . فقال اليهودي : وإن ظلمك وتعدى عليك ؟ PageV01P319 # """""" صفحة رقم 320 """""" # قال : نعم ، لأني أعلم أن في هذه السماء إلها خبيرا عالما حكيما لا تخفى ~~عليه خافية من شيء ، وهو يجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته . فقال ~~اليهودي : يا فلان ، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق رأيك . قال المجوسي : كيف ~~ذاك ؟ قال : لأني من أبناء جنسك ، وبشر مثلك ، وتراني أمشي جائعا نصبا ~~مجهودا ، وأنت راكب وادع مرفه شبعان . فقال : صدقت ، وماذا تبغي ؟ قال : ~~أطعمني من زادك ، واحملني ساعة ، فقد كللت وضعفت . قال : نعم وكرامة . فنزل ~~ومد من سفرته وأطعمه وأشبعه ، ثم أركبه ، ومشى ساعة يحدثه ؛ فلما ملك ~~اليهودي البغلة وعلم أن المجوسي قد أعيا ، حرك البغلة وسبقه ، وجعل المجوسي ~~يمشي ولا يلحقه ، فناداه : يا فلان ، قف لي وانزل ، فقد انحسرت وانبهرت . ~~فقال اليهودي : ألم أخبرك عن مذهبي وخبرتني عن مذهبك ، ونصرته وحققته ؟ ~~فأنا أريد أيضا أن أحقق مذهبي ، وأنصر رأيي واعتقادي . وجعل يحرك البغلة ، ~~والمجوسي يقفوه على ظلع وينادي : قف يا هذا واحملني ، ولا تتركني في هذا ~~الموضع فيأكلني السبع وأموت ضياعا ، وارحمني كما رحمتك . واليهودي لا يلوي ~~على ندائه واستغاثته ، حتى غاب عن بصره ؛ فلما يئس المجوسي منه وأشفى على ~~الهلكة ، ذكر اعتقاده وما وصف به ربه ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : إلهي ~~قد علمت أني اعتقدت مذهبا ونصرته ، ووصفتك بما ms232 أنت أهله ، وقد سمعت وعلمت ، ~~فحقق عند هذا الباغي علي ما مجدتك به ، ليعلم حقيقة ما قلت . فما مشى ~~المجوسي إلا قليلا حتى رأى اليهودي وقد رمت به البغلة ، واندقت عنقه ، وهي ~~واقفة ناحية منه تنتظر صاحبها ؛ فلما أدرك المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله ~~، وترك اليهودي معالجا لكرب الموت ؛ فناداه اليهودي : يا فلان ، ارحمني ~~واحملني ولا تتركني في هذه البرية أهلك جوعا وعطشا ، وانصر مذهبك ، وحقق ~~اعتقادك . قال المجوسي : قد فعلت ذلك مرتين ، ولكنك لم تفهم ما قلت لك ولم ~~تعقل ما وصفت . فقال اليهودي : وكيف ذلك ؟ قال : لأني وصفت لك مذهبي فلم ~~تصدقني في قولي ، حتى حققته بفعلي ، وذاك أني قلت : إن في هذه السماء إلها ~~خبيرا عادلا لا يخفي عليه شيء ، وهو ولي جزاء المحسن بإحسانه ، والمسيء ~~بإساءته . PageV01P320 # """""" صفحة رقم 321 """""" # قال اليهودي : قد فهمت ما قلت ، وعلمت ما وصفت . قال المجوسي : فما الذي ~~منعك من أن تتعظ بما سمعت ؟ قال اليهودي : اعتقاد نشأت عليه ، ومذهب تربيت ~~به ، وصار مألوفا معتادا كالجبلة بطول الدأب فيه ، واستعمال أبنيته ، ~~اقتداء بالآباء والأجداد والمعلمين من أهل ديني ومن أهل مذهبي ، وقد صار ~~ذلك كالأس الثابت ، والأصل النابت ؛ ويصعب ما هذا وصفه أن يترك ويرفض ويزال ~~. فرحمه المجوسي ، وحمله معه حتى وافى المدينة ، وسلمه إلى أوليائه محطما ~~موجعا ، وحدث الناس بحديثه وقصته ، فكانوا يتعجبون من شأنهما زمانا طويلا . ~~وقال بعض الناس للمجوسي بعد : كيف رحمته بعد خيانته لك ، وبعد إحسانك إليه ~~؟ قال المجوسي : اعتذر بحاله التي نشأ فيها ، ودأب عمره في اعتقادها ، وسعى ~~لها واعتادها ؛ وعلمت أن هذا شديد الزوال عنه ، وصدقته ورحمته ، وهذا مني ~~شكر على صنع الله بي حين دعوته عندما ذهاني منه ، وبالرحمة الأولى أعانني ~~ربي ، وبالرحمة الثانية شكرته على ما صنع بي . هذا كله سردناه لسبب الأمر ~~الذي يبدو من غير جنان ، والعارض الذي يبرز من غير توهم . وأبو سليمان يقول ~~: الأمور مقسومة على الحدود الطبيعية والقوى النفسية والبسائط العقلية ~~والغرائب الإلهية ؛ فبالواجب ، ما كان ها هنا مألوف ms233 له نسبة إلى الطبيعة ، ~~ونادر له نسبة إلى النفس ، وبديع له نسبة إلى العقل ، وغريب له نسبة إلى ~~الإله ؛ والفلتات في الأحوال من هذا القبيل ، أعني ما يتخلل هذه المراتب . ~~فقال له البخاري : أيقال لما يصدر عن الإله فلتة ؟ قال : بحسب مصيره إلينا ~~، ووصوله إلى عالمنا ، لا بحسب صدوره عن الباري ، فليس هناك هذا ولا ما ~~يشبهه ، لأن هذه السمات لحقت المركبات ، من الأوائل المزدوجات ، والثواني ~~المكررات ، والثوالث المحققات ، والروابع المتممات ، والخوامس المدبرات ، ~~والسوادس المضاعفات ، والسوابع الظاهرات ، والثوامن المعقبات ، والتواسع ~~العاليات ، والعواشر الكاملات ؛ وما بعد العواشر داخل في المكررات . PageV01P321 # """""" صفحة رقم 322 """""" # قال له البخاري مستزيدا : أكان التوفيق من الاتفاق ؟ فقال : هما يتوحدان ~~من وجه ، ويفترقان من وجه ؛ فوجه توحدهما أن الاتفاق وليد التوفيق ، ~~والتوفيق غاية الاتفاق ؛ ووجه افتراقهما أن الاتفاق يبرز إلى الحس ، ~~وأصحابه يشتركون في التعجب منه ، والاستطراف له ؛ والتوفيق يستتر عن الحس ؛ ~~ولهذا لا تسلك مساكله . وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتفاق فمتلابسة ~~المعاني ؛ ولما لم يكن بين المعنى والمعنى مسافة محصلة حسب هذا في حيز هذا ~~، وعد هذا في جملة هذا . وقال - أبقاه الله وأدام أيامه - : ما اليمن ~~والبركة ؟ والفأل والطيرة وأضدادها ؟ فكان الجواب : إن اليمن عبارة عن شر ~~يبشر به ويبتغي ويراد ؛ ويقال : فلان ميمون الناصية ، وميسور الناصية ؛ أي ~~هو سبب ظاهر في نيل مأمول وإدراك محبوب ؛ واشتقاقه من اليمين ، وهو القوة ؛ ~~ولذلك يقال لليسار : شمال ، لأنها أضعف منها ، وتسمى أيضا : الشومي . ويقال ~~: يمن فلان عليهم ، وشؤم ، وهو ميمون ومشؤم ؛ جعل الفعل على طريق ما لم يسم ~~فاعله ، لأنه شيء موصول به من غير إرادته واختياره . وإنما نزعوا إلى قولهم ~~: فلان مشؤم ليكون الفعل واقعا به - أعني المكروه - وإلا فهو شائم في الأصل ~~. ويقال : شأم فلان قومه ، وكذلك يمنهم ؛ وكأنهما قوتان علويتان تصحبان ~~مزاجين مختلفين ، وإذا اعتيد منهما هذان العرضان اللذان يصدران عن هاتين ~~القوتين العلويتين ، قيل : فلان كذا ، وفلان كذا . وأما البركة فهي النماء ~~والزيادة والرفع ، من حيث لا يوجد بالحس ظاهرا مكشوفا يشار إليه ms234 ، فإذا عهد ~~من الشيء هذا المعنى خافيا عن الحس قيل : هذه بركة ، واشتقاقها من البروك ، ~~وهو اللزوم والسعة ؛ ومن ذلك : البركة . والبركة يوصف بها كل شيء ، وليس ~~لضدها اسم مشهور ، لذلك يقال : قليل البركة . وأما الفأل ففسر بأنه جريان ~~الذكر الجميل على اللسان معزولا عن القصد ، إما من PageV01P322 ~~"""""" صفحة رقم 323 """""" # القائل ، وإما من السامع . وقد سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما نزل ~~المدينة على أبي أيوب الأنصاري أبا أيوب يقول لغلام له : يا سالم يا غانم . ~~فقال لأبي بكر : ' سلمت لنا الدار في غنم إن شاء الله ' . وهذا مشهور بين ~~الناس . وضده الطيرة والإشعار . ويروى أنه نهي عن الطيرة ، وكان يحب الفأل ~~( صلى الله عليه وسلم ) ، وليس لهما علل راتبة ، ولا أسباب موجبة ، ولا ~~أوائل معروفة ؛ ولهذا كره الإفراط في التطير والتعويل على الفأل ، لأنهما ~~أمران يصحان ويبطلان ، والأقل منهما لا يميز من الأكثر ؛ وللمزاج من ~~الإنسان فيهما أثر غالب ، والعادة أيضا تعين ، والولوع يزيد ، والتحفظ مما ~~هذا شأنه شديد . ولقد غلب هذا حتى قيل : فلان مدور الكعب ، وفلان مشئوم ؛ ~~وحتى تعدى هذا إلى الدابة والدار والعبد ؛ وكل هذا ظهر في هذه الدار حتى لا ~~يكون للعبد طمأنينة إلا بالله ، ولا سكون إلا مع الله ، ولا مطلوب إلا من ~~الله ؛ ولهذا - عز وجل - يطلع الخوف من ثنية الأمن ، ويسوق الأمن من ناحية ~~الخوف ، ويبعث النصر وقد وقع اليأس ، ويأتي بالفرج وقد اشتد البأس . وأفعال ~~الله تعالى خفية المطالع ، جلية المواقع ، مطوية المنافع ؛ لأنها تسري بين ~~الغيب الإلهي ؛ والعيان الإنسي ، وكل ذلك ليصح التوكل عليه ، والتسليم له ، ~~واللياذ به ، ويعرج على كنف ملكه ، ويتبوأ معان خلده ، وينال ما عنده ~~بطاعته وعبادته . فقال الوزير - كبت الله أعداه ، وبلغه مناه - : هذا كلام ~~ليس عليه كلام ، أرى النعاس يخطب إلى عيني حاجته ، وإذا شئت فاجمع لي فقرا ~~من هذا الضرب الذي مر من حديث الطيرة والفأل والاتفاق . # الليلة الثامنة والعشرون # وعدت ليلة أخرى وقرأت عليه أشياء من هذا الفن . منها : عقد هشام ms235 بن عبد ~~الملك لسعيد بن عمرو الجرشي أيام الترك ، فقال سعيد : يا PageV01P323 ~~"""""" صفحة رقم 324 """""" # فتح ، يا نصر ، خذ اللواء . فقال هشام : أعمدا قلت هذا ؟ قال : لا ، ~~ولكنهما غلاماي دعوتهما . قال هشام : هو الفتح والنصر إن شاء الله . وكان ~~ذلك كذاك . وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعرض ، فمر به حية بن نكاز ~~، فقال : لا حاجة لنا في هذا حية وأبوه ينكز . ورمى رجل الجمار ، فأصاب ~~صلعة عمر بحصاة فشجه . فقال رجل : أشعرت يا أمير المؤمنين لا يقوم عمر هذا ~~المقام أبدا . فكان ذلك كذلك . وخرج رجل ينظر الحسن بن علي فلقي رجلا ، ~~فقال له : ما اسمك ؟ قال : عقال . قال : ابن من ؟ قال ابن عقيل . قال : من ~~بني من ؟ قال : من بني عقيل . قال عقلته عقلك الله . هذا الجزء أيها الشيخ ~~- أبقاك الله ما تمنيت البقاء - هو الجزء الثاني ، والثالث يتلوه ، والظن ~~الجميل بك ، يعدنا بالحسنى منك ، وقد علمت الغرض في جمع هذا كله والتعب فيه ~~، وأرجو ألا يخيب الأمل ، ولا يبور العمل ، وإن كان ذلك لا يخلو من بعض ~~الخلل والزلل . فإذا أخذت بحكم الفضل الذي هو عادتك وديدنك مع الصغير ~~والكبير ، والقريب والبعيد ، فاز قدحي ، وصدق نوئي ، وصح زجري وفألي . حرس ~~الله نفسك ، وصان نعمتك ، وكبت كل عدو لك . PageV01P324 # """""" صفحة رقم 325 """""" # الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ وصل الله قولك بالصواب ، ~~وفعلك بالتوفيق ، وجعل أحوالك كلها منظومة بالصلاح ، راجعة إلى حميد ~~العاقبة ، متألفة بشوارد السرور ، ووفر حظك من المدح والثناء ، فإنهما ألذ ~~من الشهد والسلوى ، ومد في عمرك لكسب الخير ، واستدامة النعمة بالشكر ؛ ~~وجعل تلذذك باصطناع المعروف ، وعرفك عواقب الإحسان إلى المستحق وغير ~~المستحق ، حتى تكلف ببث الجميل ، وتشغف بنشر الأيادي ، وحتى تجد طعم الثناء ~~، وتطرب عليه طرب النشوان على بديع الغناء . لا طرب البرداني على غناء علوة ~~جارية ابن علويه في درب السلق إذا رفعت عقيرتها فغنت بأبيات السروى : ~~بالورد في وجنتيك من لطمك . . . ومن سقاك المدام لم ظلمك ؟ خلاك لا تستفيق ~~من ms236 سكر . . . توسع شتما وجفوة خدمك معقرب الصدغ قد ثملت فما . . . يمنع من ~~لئم عاشقيك فمك ؟ تجر فضل الإزار منحرق النعلين . . . قد لوث الثرى قدمك ~~أظل من حيرة ومن دهش . . . أقول لما رأيت مبتسمك بالله يا أقحوان مضحكه . . ~~. على قضيب العقيق من نظمك ؟ ولا طرب ابن فهم الصوفي على غناء ' نهاية ' ~~جارية ابن المغني إذا اندفعت بشدوها : أستودع الله في بغداد لي قمرا . . . ~~بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته وبودي لو يودعني . . . صفو الحياة وأني ~~لا أودعه PageV01P325 ~~"""""" صفحة رقم 326 """""" # فإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض ، وتمرغ في التراب وهاج وأزبد ، ~~وتعفر شعره ؛ وهات من رجالك من يضبطه ويمسكه ، ومن يجسر على الدنو منه ، ~~فإنه يعض بنابه ، ويخمش بظفره ، ويركل برجله ويخرق المرقعة قطعة ، ويلطم ~~وجهه ألف لطمة في ساعة ، ويخرج في العباءة كأنه عبد الرزاق المجنون صاحب ~~الكيل في جيرانك بباب الطاق . ولا طرب ابن غيلان في البزاز على ترجيعات ~~بلور جارية ابن اليزيدي المؤلف بين الأكباد المحرقة ، والمحسن إلى القلوب ~~المتصدعة والعيون الباكية إذا غنت . أعط الشباب نصيبه . . . مادمت تعذر ~~بالشباب وانعم بأيام الصبى . . . واخلع عذارك في التصابي فإنه إذا سمع هذا ~~منها انقلبت حماليق عينيه ، وسقط مغشيا عليه ، وهات الكافور وماء الورد ، ~~ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين ، ويرقى بهيا شراهيا . ولا طرب أبي ~~الوزير الصوفي القاطن في دار القطن عند جامع المدينة على قلم القضيبية إذا ~~تناوأت في استهلالها ، وتضاجرت على ضجرتها ، وتذكرت شجوها الذي قد أضناها ~~وأنضاها ، وسلبها منها وأنساها إياها . ثم اندفعت وغنت بصوتها المعروف بها . PageV01P326 # """""" صفحة رقم 327 """""" # أقول لها والصبح قد لاح نوره . . . كما لاح ضوء البارق المتألق شبيهك قد ~~وافى وحان افتراقنا . . . فهل لك في صوت ورطل مروق فقالت حياتي في الذي قد ~~ذكرته . . . وإن كنت قد نغصته بالتفرق ولا طرب الجراحي أبي الحسن مع قضائه ~~في الكرخ وردائه المحشي ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين ، وكلامه ~~الفخم ، وإطراقه الدائم ؛ فإنه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا ، وأمل أن يقبل ~~خدا وقرطا ms237 ؛ على غناء شعلة : لابد للمشتاق من ذكر الوطن . . . واليأس ~~والسلوة من بعد الحزن وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها لو أن ما ~~تبتليني الحادثات به . . . يلقى على الماء لم يشرب من الكدر فهناك ترى شيبة ~~قد ابتلت بالدموع ، وفؤادا قد نزا إلى اللهاة ، مع أسف قد ثقب القلب ، ~~وأوهن الروح ، وجاب الصخر ، وأذاب الحديد ، وهناك ترى والله أحداق الحاضرين ~~باهتة ، ودموعهم متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمة له ، ورقة عليه ، ومساعدة ~~لحاله ، وهذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغاية ~~لا تدرك ، لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو صبابة ، أو حسرة على فائت ، أو ~~فكر في متمني ، أو خوف من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزن على حال ، وهذه ~~أحوال معروفة ، والناس PageV01P327 ~~"""""" صفحة رقم 328 """""" # منها على جديلة معهودة . ولا طرب ابن غسان البصري المتطبب إذا سمع ابن ~~الرفاء يغني : وحياة من أهوى فإني لم أكن . . . أبدا لأحلف كاذبا بحياتها ~~لأحالفن عواذلي في لذتي . . . ولأسعدن أخي على لذاته وابن غسان هذا مليح ~~الأدب ، وهو الذي يقول في ابن نصر العامل - وقد عالجه من علة فلم يتفقده ~~ولم يقض حقه - : هب الشعراء تعطيهم رقاعا . . . مزورة كلاما عن كلام فلم ~~صلة الطبيب تكون زورا . . . وقد أهدى الشفاء من السقام عجبت لمن نمته أرض ~~لؤم . . . وبخل لم يعد من الكرام نسبت إلى المساجة لا لشيء . . . سوى نقصان ~~لؤمك في اللئام غنى بها أنه من أصبهان ، وكان آخر حديث ابن غسان ما عرفته ، ~~فإن غرق نفسه في كرداب كلواذي ، وذلك لأسباب تجمعت عليه من صفر اليد ، وسوء ~~الحال ، وجرب أكل بدنه ، وعشق أحرق كبده على غلام الآمدي الحلاوي بباب ~~الطاق ، وحيرة عزب معها عقله ، وخذله رأيه ، وملكه حينه ، ونسأل الله حسن ~~العقبى بدرك المنى ، وليس للإنسان من أمره شيء ، وما هو آئض إليه فهو مملوك ~~عليه ، يصرفه فيما يصرف فيظن أنه أتى من قبله ، ولعمري من غلط غلط ، ومن ~~غولط غالط ، والكلام في هذا غاش والإغراق فيه موسوس ms238 ، والإعراض عنه أجلب ~~للأنس ، وما أحسن ما قال القائل : PageV01P328 # """""" صفحة رقم 329 """""" # إذا استعفيت من أسر الليالي . . . تصرفني فأسري في خلاصي ولولا طيش القلم ~~وتسحب الخاطر ، وشرود الرأي ، ما عثرت بهذا الموضع ولا علقت بهذا الحبل ، ~~نعم . ولا طرب ابن نباتة الشاعر على صوت الخاطف إذا غنت . تلتهب الكف من ~~تلهبها . . . وتحسر العين إن تقصاها كأن نارا بها محرثة . . . تهابها مرة ~~وتغشاها نأخذها تارة وتأخذنا . . . فنحن فرسانها وصرعاها ولا طرب ابن ~~العوذي إذا سمع غناء ترف الصابئة في صوتها ، عند نشاطها ومرحها ، وهواها ~~حاضر ، وطرفها إليه ناظر : لب الهوى كلما دعاكا . . . ولاح في الحب من ~~لحاكا من لام في الحب أو نهاكا . . . فزده في غيك انهماكا إن لم تكن في ~~الهوى كذاكا . . . نال لذاته سواكا ولا طرب المعلم غلام الحصري شيخ الصوفية ~~إذا سمع ابن بهلول يغني في رحبة المسجد بعد الجمعة وقد خف الزحام : وقال لي ~~العذول تسل عنها . . . فقلت له : أتدري ما تقول ؟ PageV01P329 # """""" صفحة رقم 330 """""" # هي النفس التي لابد منها . . . فكيف أزول عنها أو أحول ؟ ولا طرب ابن ~~الغازي على جارية العمى في مجلسها الغاص بنبلاء الناس بين السورين يلحى ، ~~ولو أرقه ميعاد . . . أو راعه الإعراض والإبعاد أو هرة الأعداء والحساد . . ~~. أو سلقته الألسن الحداد ما لام من ليس له فؤاد ولا طرب ابن صبر القاضي ~~قبل القضاء على غناء درة جارية أبي بكر الجراحي في درب الزعفراني التي ~~لاتقعد في السنة إلا في رجب ، إذا غنت : لست أنسى تلك الزيارة لما . . . ~~طرقتنا وأقبلت تتثنى طرقت ظبية الرصافة ليلا . . . فهي أحلى من جس عودا ~~وغنى كم ليال بتنا نلذ ونلهو . . . ونسقي شرابنا ونغنى هجرتنا فما إليها ~~سبيل . . . غير أنا نقول : كانت وكنا وإذا بلغت كانت وكنا رأيت الجيب ~~مشقوقا ، والذيل مخروقا ، والدمع منهملا ، والبال منخذلا ، ومكتوم السر في ~~الهوى باديا ، ودليل العشق على صاحبه مناديا . ولا طرب ابن حجاج الشاعر على ~~غناء قنوة البصرية ، وهي جارته وعشيقته ، وله معها أحاديث ، ومع زوجها ~~أعاجيب ؛ وهناك مكايدات ، ورمي ومعايرات ms239 ، وإفشاء نكات ؛ إذا أنشدت : يا ~~ليتنيأحيا بقربهمو . . . فإذا فقدتهم انقضى عمري PageV01P330 ~~"""""" صفحة رقم 331 """""" # ثم ثنت بصوتها الآخر : هبيني امرأ إما بريئا ظلمته . . . وإما مسيئا تاب ~~بعد فأعتبا فكنت كذي داء تبغي لدائه . . . طبيبا فلما لم يجده تطببا ولا ~~طرب ابن معروف قاضي القضاة على غناء علية إذا رجعت لحنها في حلقها الحلو ~~الشجي بشعر ابن أبي ربيعة : أنيري مكان البدر إن أفل البدر . . . وقومي ~~مقام الشمس ما استأخر الفجر ففيك من الشمس المنيرة نورها . . . وليس لها ~~منك المحاجر والثغر ولا طرب ابن إسحاق الطبري على صوت درة البصرية إذا غنت ~~: يا ذا الذي زار وما زارا . . . كأنه مقتبس نارا قام بباب الدار من زهوه . ~~. . ما ضره لو دخل الدارا لو دخل الدار فكلمته . . . بحاجتي ما دخل النارا ~~نفسي فداه اليوم من زائر . . . ما حل حتى قيل قد سارا ولا طرب ابن الأزرق ~~الجرجرائي على غناء سندس جارية ابن يوسف صاحب ديوان السواد إذا تشاجت ~~وتدللت ، وتفتلت وتقتلت ، وتكسرت وتيسرت ، وقالت : أنا والله كسلانة مشغولة ~~القلب بين أحلام أراها رديئة ، وبخت إذا استوى التوى ، وأمل إذا ظهر عثر ؛ ~~ثم اندفعت وغنت : مجلس صبين عميدين . . . ليسا من الحب بخلوين قد صيرا ~~روحيهما واحدا . . . واقتسماه بين جسمين PageV01P331 ~~"""""" صفحة رقم 332 """""" # تنازعا كأسا على لذة . . . قد مزجاها بين دمعين الكأس لا تحسن إلا إذا . ~~. . أدرتها بين محبين ولا طرب ابن سمعون الصوفي على ابن بهلول إذا أخذ ~~القضيب وأوقع ببنانه الرخص ، ثم زلزل الدنيا بصوته الناعم ، وغنته الرخيمة ~~، وإشارته الخالبة ، وحركته المدغدغة ، وظرفه البارع ، ودماثته الحلوة ، ~~وغنى : ولو طاب لي غرس لطابت ثماره . . . ولو صح لي غيبي لصحت شهادتي تزهدت ~~في الدنيا وإني لراغب . . . أرى رغبتي ممزوجة بزهادتي أيا نفس ما الدنيا ~~بأهل لحبها . . . دعيها لأقوام عليها تعادت ولا طرب ابن حيويه على غلام ~~الأمراء إذا غنى : قد أشهد الشارب المعذل لا . . . معروفه منكر ولا حصر في ~~فتية لينى المآزر لا . . . ينسون أخلاقهم إذا سكروا وغلام الأمراء هو الذي ~~يقول فيه القائل : أبو ms240 العباس قد حج . . . وقد عاد وقد غنى وقد علق عنازا . ~~. . فهذا هم كما كنا وأصحابنا يستملحون قوله هم ها هنا ، ويرونه من العي ~~الفصيح . ولا طرب أبي سليمان المنطقي إذا سمع غناء هذا الصبي الموصلي ~~النابغ الذ قد فتن الناس وملأ الدنيا PageV01P332 ~~"""""" صفحة رقم 333 """""" # عيارة وخسارة ، وافتضح به أصحاب النسك والوقار ، وأصناف الناس من الصغار ~~والكبار ، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، ~~وقده المديد ، ولفظه الحلو ، ودله الخلوب ، وتمنعه المطمع ، وإطماعه الممنع ~~وتشكيكه في الوصل والهجر ، وخلطه الإباء بالإجابة ، ووقوفه بين لا ونعم . ~~إن صرحت له كنى ، وإن كنيت له صرح ؛ يسرقك منك ، ويردك عليك ، يعرفك منكرا ~~لك ، وينكرك عارفا بك ؛ فحاله حالات ، وهدايته ضلالات ، وهو فتنة الحاضر ~~والبادي ، ومنية السائق والهادي ؛ في صوته الذي هو من قلائده : عرفت الذي ~~بي فلا تلحني . . . فليس أخو الجهل كالعالم وكنت أخوفه بالدعا . . . وأخشى ~~عليه من الماثم فلو كنت أبصرت مثلا له . . . إذا لمت نفسي مع اللائم فلما ~~أقام على ظلمه . . . تركت الدعاء على الظالم ولا طرب ابن عبد الله البصري ~~على إيقاع ابن العصبي إذا أوقع بقضيبه وغنى بصوته : أنسيت الوصل إذ بت . . ~~. نا على مرقد ورد واعتنقنا كوشاح . . . وانتظمنا نظم عقد وتعطفنا كغصنين . ~~. . فقدانا كقد وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطي ، وقدح في دينه ، وألصق به ~~الريبة ، PageV01P333 ~~"""""" صفحة رقم 334 """""" # واستحل في عرضه الغيبة ، ولقبه بالمنفر عن المذهب ، وقاطع الطريق على ~~المسترشد . ولا طرب ابن الوراق على روعة جارة ابن الرضي في الرصافة إذا غنت ~~: وحق محل ذكرك من لساني . . . وقلبي حين أخلو بالأماني لقد أصبحت أغبط كل ~~عين . . . تعانيها فتسعد بالعيان ولا طرب السندواني على ابن الكرخي إذا غنى ~~: هجرتني ثم لا كلمتني أبدا . . . إن كنت خنتك في حال من الحال فلا انتجيت ~~نجيا في خيانتكم . . . ولا جرت خطرة منه على بال فسوغيني المنى كيما أعيش ~~بها . . . ثم احبسي البذل ما أطلقت آمالي أو ابعثي تلفا إن كنت قاتلتي . . ~~. إلي منك بإحسان وإجمال ولا طرب الحريري الشاهد على ms241 حلية جارية أبي عائذ ~~الكرخي إذا أخذت في هزارها ، واشتعلت بنارها وغنت : قالت بثينة لما جئت ~~زائرها . . . سبحان خالقنا ما كان أوفاكا وعدتنا موعدا تأتي لنا عجلا . . . ~~وقد مضى الحول عنا ما رأيناكا إن كنت ذا غرض أو كنت ذا مرض . . . أو كنت ذا ~~خلة أخرى عذرناكا ولا طرب أبي سعيد الصائغ على جاريته ظلوم إذا قلبت لحنها ~~إلى حلقها واستنزلته من الرأس ، ثم أوقعت فغنت : PageV01P334 # """""" صفحة رقم 335 """""" # فيالك نظرة أودت بعقلي . . . وغادر سهمها مني جريحا فليت مليكتي جادت ~~بأخرى . . . وأعلم أنها تنكا القروحا فإما أن يكن بها شفائي . . . وإما أن ~~أموت فأستريحا ولا طرب الزهري على خلوب جارية أبي أيوب القطان إذا أهلت ~~واستهلت ، ثم اندفعت وغنت : إذا أردت سلوا كان ناصركم . . . قلبي وما أنا ~~من قلبي بمنتصر فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم . . . فكل ذلك محمول على القدر ~~وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم . . . حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر وأبو عبد ~~الله المرزباني شيخنا إذا سمع هذا جن واستغاث ، وشق الجيب وحولق وقال : يا ~~قوم أما ترون إلى العباس بن الأحنف ، ما يكفيه أن يفجر حتى يكفر ؟ متى كانت ~~القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر ؟ ومتى قدر الله هذه ~~الأشياء وقد نهى عنها ، ولو قدرها كان قد رضي بها ، ولو رضي بها لما عاقب ~~عليها ، لعن الله الغزل إذا شيب بمجانة ، والمجانة إذا قرنت بما يقدح في ~~الديانة . ورأيت أبا صالح الهاشمي يقول له : هون عليك يا شيخ ، فليس هذا ~~كله على ما تظن ، القدر يأتي على كل شيء ، ويتعلق بكل شيء ، ويجري بكل شيء ~~، وهو سر الله المكتوم ، كالعلم الذي يحيط بكل شيء ؛ وكل ما جاز أن يحيط به ~~علم جاز أن يجري به قدر ، وإذا جاز هذا جاز أن ينشره خبر ، وما هذا التضايق ~~والتحارج في هذا المكان ، والشاعر يهزل ويجد ؛ ويقرب ويبعد ، ويصيب ويخطىء ~~، ولا يؤاخذ بما يؤاخذ به الرجل الديان ، والعالم ذو البيان . PageV01P335 # """""" صفحة رقم 336 """""" # ولا طرب ابن المهدي على جارية بنت ms242 خاقان المشهورة بعلوة إذا غنت : أروع ~~حين يأتيني الرسول . . . وأكمد حين لا يأتي الرسول أؤملكم وقد أيقنت أني . ~~. . إلى تكذيب آمالي أؤول ولا طرب أبي طاهر بن المقنعي المعدل على علوان ~~غلام ابن عرس فإنه إذا حضر وألقى إزاره ، وحل أزراره ، وقال لأهل المجلس : ~~اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم بل عبدكم لأخدمكم بغنائي ، وأتقرب إليكم ~~بولائي ، وأساعدكم على رخصي وغلائي ؛ من أرادني مرة أردته مرات ، ومن أحبني ~~رياء أحببته إخلاصا ، ومن بلغ بي بلغت به ؛ لم أبخل عليكم بحسني وظرفي ، ~~ولم أنفس بهما عليكم ، وإنما خلقت لكم ، ولم أغاضبكم وأنا آملكم غدا إذا ~~بقل وجهي ، وتدلى سبالي ، وولى جمالي ، وتكسر خدي ، وتعوج قدي ، ما أصنع ؟ ~~حاجتي والله إليكم غدا أشد من حاجتكم إلي اليوم ، لعن الله سوء الخلق ، ~~وعسر الطباع ، وقلة الرعاية ، واستسحان الغدر . فيمر في هذا وما أشبهه كلام ~~كثير ، فلا يبقى من الجماعة أحد إلا وينبض عرقه ، ويهش فؤاده ، ويذكو طعمه ~~ويفكه قلبه ، ويتحرك ساكنه ، ويتدغدغ روحه ، ويومىء إليه بقبلته ، ويغمزه ~~بطرفه ، ويخصه بتحية ، ويعده بعطية ، ويقابله بمدحة ، ويضمن له منحة ، ~~ويعوذه بلسانه ، ويفضله على أقرانه ، ويراه واحد أهل زمانه ؛ فيرى ابن ~~المقنعي وقد طار في الجو ، وحلق في PageV01P336 ~~"""""" صفحة رقم 337 """""" # السكاك ، ولقط بأنامله النجوم ؛ وأقبل على الجماعة بفرح الهشاشة ، ومرح ~~البشاشة ، فيقول : كيف ترون اختياري وأين فراستي من فراسة غيري ، أبى الله ~~لي إلا ما يزينني ، ولا يشينني ، ويزيد في جمالي ، ولا ينقص من حالي ؛ ويقر ~~عيني ولبي ، ويقصم ظهر عدوي ؛ هات يا غلام ذلك الثوب الدبيقي وذلك البرد ~~الشطوي ، وذلك الفروج الرومي ، وتلك السكة المطيبة ، والبخور المدخر في ~~الحقة ، وهات الدينار الذي فيه مائة مثقال أهداه لنا أمس أبو العلاء ~~الصيرفي فإنه يكفيه لنفقة أسبوع ؛ ما أحسن سكته ، وأحلى نقشه ما رأيت في ~~حسن استدارته شبها ، وعجل لنا يا غلام ما أدرك عند الطباخ ، من الدجاج ~~والفراخ ؛ والبوارد والجوزيات وتزايين المائدة ؛ وصل ذلك بشراه أقراط وجبن ~~وزيتون من عند كبل البقال في الكرخ ، وقطائف حبش ، PageV01P337 ~~"""""" صفحة ms243 رقم 338 """""" # وفالوذج عمر ، وفقاع زريق ، ومخلط خراسان من عند أبي زنبور ، ولو كنا ~~نشرب لقلنا : وشراب صريفين من عند ابن سورين ، ولكن إن إحببتم أن أحضر ~~بسببكم ومن أجلكم فليس في الفتوة أن أمنعكم من أربكم بسبب ثقل روحي وقلة ~~مساعدتي ، لعن الله الشهادة ، فقد حجتني عن كل شهوة وإرادة ؛ وما أعرف في ~~العدالة ، إلا فوت الطلبة والعلالة . وما أحسن ما قال من قال : ما العيش ~~إلا في جنون الصبي . . . فإن تولى فجنون المدام هذا كله يمر وما هو أشجى ~~منه وأرق ، وأعجب وأظرف ، ثم يندفع علوان ويغنى في أبيات بشار : ألا يا قوم ~~خلوني وشاني . . . فلست بتارك حب الغواني نهوني يا عبيدة عن هواكم . . . ~~فلم أقبل مقالة من نهاني فإن لم تسعفي فعدي ومني . . . خداعا لا أموت على ~~بيان ولا طرب أبي سعيد الرقي على غناء مذكورة إذا اندفعت وغنت : سررت بهجرك ~~لما علمت . . . بأن لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ما سرني . . . ولا كان ~~قلبي عليه صبورا ولكن أرى كل ما ساءني . . . إذا كان يرضيك سهلا يسيرا ولا ~~طرب ابن مياس على غناء حبابة جارية أبي تمام إذا غنت : صددنا كأنا لا مودة ~~بيننا . . . على أن طرف العين لابد فاضح PageV01P338 ~~"""""" صفحة رقم 339 """""" # ومد إلينا الكاشحون عيونهم . . . فلم يبد منا ما حوته الجوانح وصافحت من ~~لاقيت في البيت غيرها . . . وكل الهوى مني لمن لا اصافح وحبابة هذه كانت ~~تنوح أيضا ، وكانت في النوح واحدة لا أخت لها ، والناس بالعراق تهالكوا على ~~نوحها ، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به . وقدم من شاش خراسان أبو ~~مسلم - وكان في مرتبة الأمراء - فاشتراها بثلاثين ألف درهم معزية ، وخرج ~~بها إلى المشرق ، فقيل : إنها لم تعش به إلا دون سنة لكمد لحقها ، وهوى لها ~~ببغداد ماتت منه . ورأيت لها أختا يقال لها صبابة ، وكانت في الحسن والجمال ~~فوقها ، وفي الصنعة والحذق دونها ، وزلزلت هذه بغداد في وقتها ، ولم يكن ~~للناس غير حديثها ، لنوادرها ، وحاضر جوابها ، وحدة مزاجها ، وسرعة حركتها ~~، بغير طيش ولا ms244 إفراط ، وهذه شمائل إذا اتفقت في الجواري الصانعات المحسنات ~~خلبن العقول ، وخنسن القلوب ، وسعرن الصدور ، وعجلن بعشاقهن إلى القبور . ~~ولا طرب الكناني المقري الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها : ~~عهود الصبى هاجت لي اليوم لوعة . . . وذكر سليمى حين لا ينفع الذكر بأرض ~~بها كان الهوى غير عازب . . . لدينا وغض العيش مهتصر نضر كأن لم نعش يوما ~~بأجراع بيشة . . . بأرض بها أنشأ شبيبتنا الدهر بلى إن هذا الدهر فرق بيننا ~~. . . وأي جميع لا يفرقه الدهر PageV01P339 ~~"""""" صفحة رقم 340 """""" # ولا طرب غلام بابا على جارية أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنت : ليت ~~شعري بك هل تع . . . لم أني لك عاني فلقد أسررته من . . . ك وأطلعت الأماني ~~وتوهمتك في نف . . . سي فناجاك لساني فاجتمعنا وافترقنا . . . بالأماني في ~~مكان ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين ، والأغاني من الرجال والصبيان ~~والجواري والحرائر - لطال وأمل ، وزاحمت كل من صنف كتابا في الأغاني ~~والألحان ، وعهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة . وقد أحصينا - ونحن ~~جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية في الجانبين ، ومائة وعشرين حرة ، ~~وخمسة وتسعين من الصبيان البدور ، يجمعون من الحذق والحسن والظرف والعشرة ، ~~هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه ، وسوى ما كنا ~~نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط في وقت ، أو ثمل في حال ، ~~وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه ، وترنم وأوقع ، وهز رأسه ، وصعد ~~أنفاسه ، وأطرب جلاسه ، واستكتمهم حاله ، وكشف عندهم حجابه ، وادعى الثقة ~~بهم ، والاستنامة إلى حفاظهم . ثم إني أرجع إلى منقطع الكلام في الصفحة ~~الأولى من هذا الجزء الثالث وأصله بالدعاء الذي اسأل الله أن يتقبله فيك ، ~~ويحققه لك وبك ، وأقول : وأبقاك لي خاصة ، فقد تعصبت لي غائبا وشاهدا ، ~~وتعممت بسببي سرا وجهرا ، وبدأت بالتفضل ، وعدت PageV01P340 ~~"""""" صفحة رقم 341 """""" # بالإفضال ، وتظاهرت بالفضل ؛ فإن استزدتك فللنهم الذي قلما يخلو منه بشر ~~، وإن تظلمت فللدالة التي تغلط بها الخدم ، وإن خاشنت فللثقة بحسن الإجاب ، ~~وإن غالطت فلعلمي بغالب ms245 الحلم وفرط الاحتمال ، وما افترق الكرم والتغافل قط ~~، وما افترق المجد والكيس قط ، وليس إلا أن يظلم السيد نفسه لعبده في ~~الحقوق اللازمة وغير اللازمة ، ويعرض عن الحجة وإن كانت له ؛ والناس يقولون ~~: الحق مر ، وأنا أقول : السؤدد مر ، والرئاسة ثقيلة ، والنزول تحت الغبن ~~شديد ؛ لكن ذلك كله منبت العز ، ودليل على صحة الأصل ، وباب إلى اكتساب ~~الحمد ، وإشادة الذكر ، وإبعاد الصيت ؛ ومكرم النفس بإهانة المال وبذل ~~الجاه وإيثار التواضع أربح تجارة ، وأحمى حريما ، وأعز ناصرا من مهين النفس ~~بصيانة المال وحبس الجاه واستعمال التكبر ؛ هذا ما لا يشك فيه أحد وإن أباه ~~طباعه ، ولم يساعده اختياره ، وكان في طينه يبس ، وفي منبته شوك ، وفي عرقه ~~خور ، وفي خلقه تيه . وقد رأيت ناسا من عظماء أهل الفضل والمروءة عابوا ~~مذهب الرجل الذي ماكس في شيء تافه يسير اشتراه ، قيل له : أنت تهب أضعاف ~~هذا ، فما هذا المكاس ؟ فقال : هذا عقلي أبخل به ، وتلك مروءتي أجود بها . ~~وأكثر الناس الذين لم يغوروا في التجارب ، ولا أنجدوا في الحقائق ، يرون PageV01P341 ~~"""""" صفحة رقم 342 """""" # هذا حكمة تامة ، وفضيلة شريفة . فأما الذين ذكرتهم في أول الحديث فإنهم ~~قالوا : لا تتم المروءة وصاحبها ينظر في الدقيق الحقير ، ويعيد القول ~~ويبدئه في الشيء النزر الذي لا مرد له ظاهر ، ولا جدوى حاضرة . وذكروا أيضا ~~أن العقل أشرف من أن يذال في مثل هذه الحال ، ويستخدم على هذا الوجه ، قالا ~~: هذا وما هو في بابه بالكيس أشبه ، والكيس يحمد في الصبيان ، وهو من ~~مبادىء اللؤم ، وفوائح صدأ الخلق ، وقد قال الأول : وقد يتغابى المرء عن ~~عظم ماله . . . ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو ولذلك يقال للحيوان الذي لا ~~ينطق : هو كيس . هذا والله الصدق ، فإني سمعت بمكة أعرابيا يقول : ما أكيس ~~هذا القط ؟ قالوا : ولذلك لا يقال للشيخ المجرب والحكيم البليغ والأصيل في ~~الشرف والمشهور بالزماتة والسكينة : كيس . والكيس هو حدة الحس في طلب ~~المثالة ودفع الكريهة وبلوغ الشهوة . والحس بعيد من العقل ، والعالي في ~~الحس كأنه ms246 يرتقي في وادي الحيوان الذي لا نطق له ، والعالي في العقل كأنه ~~مطمئن في وادي الملك الذي لا حس لنقصه ، ولكن لكماله ، لأنه غني عنه ، كما ~~أن الحمار لم يعدم العقل لكماله ، ولكن لنقصه ولما لم يرد من الحمار أن ~~يكون إنسانا جبل على ما هو له وبه كامل في نقصه ، أي هو كامل بما هو به ~~حمار وناقص بما ليس هو به إنسانا ؛ ولما لم يرد من الإنسان أن يكون حمارا ~~حفظ عليه ما هو به إنسان ، ودرج إلى كمال الملك الذي هو به شبيه ؛ وهذا ~~التدريج طريقه على الاختيار الجيد والتوفيق السابق . وبعدت - جعلني الله ~~فداك - عن منهج القول وسنن الحديث ، وأطعت داعية PageV01P342 ~~"""""" صفحة رقم 343 """""" # الوسواس ، وذهبت مع سانح الوهم ؛ وقد قيل : الحديث ذو شجون . وقد قال ~~الأول : ولما قضينا من منى كل حاجة . . . ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا ~~بأطراف الأحاديث بيننا . . . وسالت بأعناق المطي الأباطح فأرجع وأقول : قد ~~أوصلت إليك الجزاين الأول والثاني على يد غلامك فائق ؛ وهذا الجزء - وهو ~~الثالث - قد والله نفثتقال : فيه كل ما كان في نفسي من جد وهزل ، وغث وسمين ~~، وشاحب ونضير ، وفكاهة وطيب ، وأدب واحتجاج ، واعتذار واعتلال واستدلال ، ~~وأشياء من طريف الممالحة على ما رسم لي ، وطلب مني ؛ ولأنه آخر الكتاب ~~ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري ستقف عليه ، وتستأنف نظرا في حالي ، ~~يكون - إن شاء الله - كظني بك ، ورجائي فيك ؛ وفيه بعض العربدة لم أخرج منه ~~إلى كفران لنعمة ، ولا جحد لإحسان ، ولا ستر ليد ، ولا إنكار لمعروف ، ولا ~~شك في عناية ؛ وإنما تكلمت على مذهب المدل المقل الذي يبعثه إقلاله على ~~تجاوز قدرة بالدالة ، ويريع به إدلاله عن حسن أدبه بفرط الثقة ؛ ورب واثق ~~خجل ؛ وبالله المعاذ من ذلك ، وفي الحالين صاحب هذا المذهب لا يخلو من ولاء ~~صحيح المعتقب ، وعقيدة كسبيكة الذهب ؛ وأنت بكرم طباعك ، وسعة باعك ، تجبر ~~نقصي ، وتأسو ما غث من جراحي ، وأمات اهتمامي ؛ ومن كان إحسانك إليه مشكورا ~~، وتعذيرك عنده مستورا ، لخليق ms247 أن يكون على بالك PageV01P343 ~~"""""" صفحة رقم 344 """""" # خاطرا ، وبلسانك مذكورا ، والسلام . وها أنا آخذ في نشر ما جرى على وجهه ~~إلا ما اقتضى من الزيادة في الإبانة والتقريب ، والشرح والتكشيف . وقد جمع ~~لك جميع ما شاهدته في هذه المدة الطويلة ، ليكون حظك من الكرم والمجد ~~موفورا ، ونصيبي من اهتمامك بأمري وجذبك بباعي وإنقاذك إياي من أسري تاما ، ~~فظني واعد بأنك تبلغ بي ما آمله فيك وتتجاوزه وتتطاول إلى ما فوقه ، لأزداد ~~عجبا مما خصك الله به ، وأفردك فيه ؛ وأتحدث على مر الأيام بغريبه ، وأحث ~~كل من أراه بعدك على سلوك طريقك في الخير ، ولزوم منهاجك في الجميل ، ~~والدينونة بمذهبك المستقيم ، وأكايد أصحابنا ببغداد ؛ وأقول لهم : هل كان ~~في حسبانكم أن يطلع عليكم من المشرق من يزيد ظرفه على ظرفكم ، ويبعد بعلمه ~~على علمكم ، ويبرز هذا التبريز في كل شيء تفخرون به على غيركم ، فأناظرهم ~~فيك وبسببك ، لا مناظرة الحنبليين مع الطبريين ؛ وأتعصب لك ، لا تعصب ~~المفضليين والبرغوثيين ؛ وأجادل من أجلك ، لا جدل الزيديين مع الإماميين ؛ ~~وأدعي في فضائلك الظاهرة والباطنة دعوى أقوى من دعوى الشيعيين ؛ وأضرب في ~~ذلك كل مثل ، وأستعين بكل سجع ، وأروي كل خبر ، وأنشد كل PageV01P344 ~~"""""" صفحة رقم 345 """""" # بيت ، وأعبر كل رؤيا ، وأقيم كل برهان ، وأستشهد كل حاضر وغائب ، وأتأول ~~كل مشكل وغامض ، وأضيف إليك الآية بعد الآية ، والمعجزة بعد المعجزة ، ~~وأنصلت لكل ضريبة ، وأدعي كل غريبة ؛ هذا ولا أخلط كلامي بالهزل ، ولا أشيه ~~دعواي بالمحال ، ولا أبعد الشاهد ، ولا أتعلق بالمستعجم ، ولا أجنح إلى ~~التلفيق والتلزيق ؛ وكيف لا أفعل هذا ولي في قول الحق فيك مندوحة ، وفي ~~تقديم الصدق على غيره كفاية ، وفي نشر المطوي من فضلك بلاغ ؟ وإنما يميل ~~إلى الكذب من قعد به الصدق ، ويتيمم بالصعيد من فاته الماء ، ويحلم بالمنى ~~من عدم المتمنى في اليقظة ؛ فأما أنت وقد ألبسك الله رداء الفضل ، وأطلعك ~~من منبت كريم ، ودرجك من بيت ضخم ، وآتاك الحكمة ، وفتق لسانك بالبيان ، ~~وأترع صدرك بالعلم ، وخلط أخلاقك بالدماثة ، وشهرك بالكرم ms248 ، وخفف عليك ~~النهوض بكل ما يكسبك الشكر من القريب والبعيد ، وبكل ما يدخر لك الأجر عند ~~الصادر والوارد ، حتى صرت كهفا لأبناء الرجاء ، ومفزعا لبني الآمال ؛ فبابك ~~مغشي مزور ، وفناؤك منتاب وخوانك محضور ، وعلمك مقتبس ، وجاهك مبذول ، ~~وضيفك محدث ، وكتبك مستعارة ، وغداؤك حاضر ، وعشاؤك معجل ، ووجهك مبسوط ، ~~وعفوك محمود ، وجدك مشكور ، وكل أمرك قائم على النهاية ، وبالغ الغاية ، ~~والله يزيدك ويزيدنا بك ، ولا يبتلينا بفقد ما ألفناه منك ، بمنه وجوده . # الليلة التاسعة والعشرون # قال الوزير - أعز الله نصره ، وأطاب ذكره ، وأطار صيته - ليلة : أحب أن ~~أسمع كلاما في قول الله عز وجل : ' هو الأول والآخر والظاهر والباطن ' ، ~~فإن هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر . PageV01P345 # """""" صفحة رقم 346 """""" # فكان من الجواب : إن الإشارة في ' الأول ' إلى ما بدأ الله به من الإبداع ~~والتصوير ، والإبراز والتكوين ؛ والإشارة في ' الآخر ' إلى المصير إليه في ~~العاقبة على ما يجب في الحكمة من الإنشاء والتصريف ، والإنعام والتعريف ، ~~والهداية والتوقيف . وقد بان بالاعتبار الصحيح أنه عز وجل لما كان محجبا عن ~~الأبصار ، ظهرت آثاره في صفحات العالم وأجزائه ، وحواشيه وأثنائه ، حتى ~~يكون لسان الآثار داعيا إلى معرفته ، ومعرفته طريقا غلى قصده ، وقصده سببا ~~للمكانة عنده والحظوة لديه . على أنه في احتجابه بارز ، كما أنه في بروزه ~~محتجب ؛ وبيان هذا أن الحجاب من ناحية الحس ، والبروز من ناحية العقل ، ~~فإذا طلب من جهة الحس وجد محجوبا ، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا ، ~~وهاتان الجهتان ليستا له تعالى ، ولكنهما للإنسان الذي له الحس والعقل ، ~~فصار بهما كالناظر من مكانين ؛ ومن نظر إلى شيء واحد من مكانين نسبته إلى ~~المنظور إليه مفترقة . وإنما شق هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه ، ~~لأنهم راموا تحقيق ما لا يحس بالحس ، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوب ~~من الحس ، لكان المروم يسبق الرائم ، والمطلوب يلوح قبالة الطالب من غير ك ~~لابس ، ولا ريب موحش ، لأنه ليس في العقل والمعقول شك ، وإنما الريب والشك ~~والظن والتوهم كلها من علائق الحس ms249 وتوابع الخلقة ، ولولا هذه العوارض لما ~~اغبر وجه العقل ، ولا علاه شحوب ، ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته . ~~ولما كان الإنسان مفيض هذه الأعراض في الأول ، صار مفيض هذه الأحوال في ~~الثاني ، فاستعار من العقل نوره في وصف الأشياء الجسمية جهلا منه وخطأ ، ~~واستعار من ظلام الحس في وصف الأشياء الروحانية عجزا منه ونقصا ، ولو وفق ~~لوضع كل شيء موضعه ونسبه إلى شكله ، ولم يرفع الوضيع إلى محل الرفيع ، ولم ~~يضع الرفيع في موضع الوضيع . فلما بلغ الحديث هذا الحد ، عجب الوزير وقال : ~~ما أعذب هذا المورد وما أعجب PageV01P346 ~~"""""" صفحة رقم 347 """""" # هذا المشهد وما أبعد هذا المقصد وما رأى لمصنف من الموحدين متصرفا في هذا ~~النوع إلا لهذه العصابة الكريمة المخصوصة باليقظة . وسأل عن جشم في اسم ~~الرجل ما معناه ؟ فكان من الجواب : إن أبا سعيد السيرافي الإمام ذكر عن ابن ~~الأعرابي أنه يقال : رجل عظيم الجشم . يعني وسطه ، ومنه سمي جشم . وقال : ~~ما الحمحم ؟ وما الخمخم ؟ فقيل أما الحمحم فبقل يهيج في اول الصيف وينبت ~~فيؤكل في ذلك الوقت ؛ وأما الخمخم فبقل آخر خبيث منتن الريح . وقال : فأره ~~المسك ، أتقولها بالهمز ؟ فكان من الجواب : حكاه ابن الأعرابي بالهمز . قال ~~: عارضا الرجل ما يعني بهما ؟ قيل : قال أبو سعيد السيرافي : هما شعر خديه ~~، ولو قلت لأمرد : امسح عارضيك كان خطأ . وقال : سمعت اليوم في كلام ابن ~~عبيد : لايثه ، وظننت أنه أراد : لاوثه من اللوث لوث العمامة . فقيل : بل ~~يقال : لايثه إذا تشبه بالليث . وقال : ما الشاكد ؟ PageV01P347 # """""" صفحة رقم 348 """""" # فقيل : المعطي من غير مكافأة . قال : أو تهمز الكلمة ؟ فقيل : إني لو لم ~~أهمز لكان مفاعلة من كفيت . قال : والثانية ؟ تكون من كفأت الإناء . فما ~~معناه ؟ قيل : قال أبو سعيد : كأنه قلب الحال إليه بالمثل . قال : الذود ، ~~ما قدر عدده من الإبل ؟ قكان من الجواب : أن ابن الأعربي قال : الذور ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة . وإذا بلغت العشرين أو قاربت فهي قطعة وصبة وفرقة ~~وصرمة حتى تبلغ الثلاثين والأربعين . ثم ms250 هي حدرة وعكرة وعجرمة حتى تبلغ ~~مائة . ثم هنيدة . فإذا بلغت مائتين فهي خطر . وكذلك الثلاثمائة . فإذا ~~بلغت أربعمائة فهي عرج إلى الألف ، والجماعة عروج . فإذا كثرت عن الأربعين ~~والخمسين فبلغت مائة وزادت فهي جرجرو ، وإنما سميت جرجورا لجراجرها ~~وأصواتها . وقد تستعير العرب بعض هذا فتجعله في بعض . وقال : ما الفرق بين ~~القبض والقبض ؟ فقيل : القبض لعدد ما كان قليلا ولا كثيرا ؛ قال ابن ~~الأعرابي : وأنشدني العامري لابن ميادة : عطاءكم قبض ويحفن غيركم . . . ~~وللحفن أغنى للفقير من القبض وقال : القبض بأطراف الأصاعب ، والقبض بالكف ، ~~والحفن بالكف والراحة إلى فوق مفتوحة قليلا . هذا لفظه . وقال : الإل الذي ~~هو العهد هل يجمع ؟ فقيل : حكى ابن الأعرابي في جمعه ، فقال : الإل وألول . ~~وقال : آم الرجل ماذا ؟ فقيل : هذا على وجوه ؛ يقال : آم الرجل يؤوم أواما ~~من العطش ؛ ويقال آم الرجل يؤوم إياما ، وهو الدخان . وآم الرجل يئيم إذا ~~بقي بغير حليلة ، والأيم مستعمل في الرجل والمرأة . قال : هذا نمط مفيد ، ~~ويجب أن يجمع منه جزء أو جزآن ليسهل على PageV01P348 ~~"""""" صفحة رقم 349 """""" # الطرف المجال فيه ، فإن الكتب الطوال مسئمة ، وإذا تداخل اللطيف بالكثيف ~~وما رق بما غلظ نبت النفس ، ودب الملل والإنسان كسله من طينه ، ونشاطه من ~~نفسه ، والطين أغلب من النفس . فكان الجواب : السمع والطاعة للأمر المشرف . ~~قال : هات حديثا يكون مقطعا للوداع ، فإن الليل قد عبس وجهه ، وجنح كاهله ، ~~وأهدى إلى العين سنة تسرق الذهن وتسبي الرأي . فكان من الجواب أنه مر بي ~~اليوم حديث ما جرى منذ ليال في فساد الناس وحؤول الزمان ، وما دهم الخاص ~~والعام في حديث الدين الذي هو العمود والدعامة في عمارة الدارين ، وقد طال ~~تعجبي منه ، وصح عندي أن الداء في هذا قديم ، والوجع فيه أليم . قال : فهات ~~فتشبيبك قد رغب شديدا ، غرامك قد بعث جديدا . فكان من ذلك الحديث أن محمد ~~بن سلام قال فيما حدثنا به أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد الله قال : ~~حدثنا السكري أبو سعيد قال : قال محمد بن سلام ms251 : سمعت يونس يقول : فكرت في ~~أمر فاسمعوه . قلنا : هاته . قال : كل من أصبح على وجه الأرض من أهل النار ~~إلا أمتنا هذه ؛ والسلطان ومن يطيف به هلكى إلا قليلا ، فإذا قطعت هذه ~~الطبقة حتى تبلغ الشام فأكلة ربا وباغية وشربة خمر وباعتها إلا قليلا ، ~~فإذا خلفت هذا الرمل حتى تأتي رمل يبرين وأعلام الروم فلا غسل من جنابة ، ~~ولا إسباغ وضوء ، ولا إتمام صلاة ، ولا علم بحدود ما أنزل الله على رسوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلا قليلا ؛ فإذا صرت إلى الأمصار فأصحاب هذه PageV01P349 ~~"""""" صفحة رقم 350 """""" # الكراسي ليس منهم إلا ذئب مشتغر بذنبه ، يختلك عن دينارك ودرهمك ، يكذب ، ~~ويبخس في الميزان ، ويطفف في المكيال ، إلا قليلا ؛ فإذا صرت إلى أصحاب ~~الغلات الذين كفوا المؤونة وأنعم عليهم وجدتهم يمسي أحدهم سكران ويصبح ~~مخمورا ، إلا قليلا ؛ ومعي والله منهم قطيع في الدار ، فإذا صرت إلى قوم لم ~~ينعم عليهم بما أنعم على هؤلاء ، وهم يشتهون ما يشتهي هؤلاء ، فواحد لص ، ~~وآخر طرار ، وآخر مستقف إلا قليلا ، فإذا صرت إلى أصحاب هذه السواري ، فهذا ~~يشهد على هذا بالكفر ، وهذا يبرأ من هذا ، والله لئن لم يعمنا الله برحمته ~~إنها للفضيحة . فقال الوزير : لقد شردت النوم عن عيني ، وملأت قلبي عجبا ، ~~فإن الأمر لكما قال ، فإذا كان هذا قوله في عصره ، وشجرة الدين على نضارة ~~أغصانها وخضرة أوراقها ، وينع ثمارها ، فما قوله - ترى - فينا لو لحقنا ، ~~وأدرك زماننا ، إنا لله وإنا إليه راجعون . # الليلة الثلاثون # وقال الوزير - أدام الله أيامة - سراويل يذكر أم يؤنث ، ويصرف أم لا ؟ ~~فكان الجواب : أن علي بن عيسى حدثنا عن شيخه ابن السرج قال : سألت المبرد ~~فقلت : إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصرف في مثل شعره هراميل PageV01P350 ~~"""""" صفحة رقم 351 """""" # وهذه سراويل وما أشبهه ، فقال : ألحقه بالجمع فأمنعه الصرف ، لأنه مثله ~~وشبيهه . قال : وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك ، فقال : أخبرنا سلمة عن الفراء ~~قال : ألحقه بأحمد فامنعه الصرف في المعرفة ، واصرفه في ms252 النكرة حتى يكون ~~بين الواحد والجمع فرق . وسأل فقال : ما واح المناخيب والمناجيب وما حكمهما ~~؟ فكان من الجواب : واحد المناخيب منخاب ، يمدح به ويذم ، فإذا كان مدحا ~~فهو مأخوذ من النخب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذما فهو مأخوذ من النخبة ، ~~وهي الاست . قال : وهكذا المنجاب يكون مدحا وذما ، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ ~~من الانتجاب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذما فهو مأخوذ من النجب ، وهو قشر ~~الشجر . قال : ما معنى قولهم : امرأة عروب ؟ فكان من الجواب أن محمد بن ~~يزيد قال - على ما حدثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه - إنه من الأضداد ، ~~وهي المتحببة إلى زوجها ؛ وهي الفاسدة ، مأخوذ من قولهم : عربت معدته إذا ~~فسدت . وقال : الضهياء يمد ويقصر ؟ فكان من الجواب أن ابن الأعرابي قال : ~~الذي حصلته عن الأعراب أن الضهياء الممدودة هي التي لا تحيض ، وأن المقصورة ~~هي الياسمين ، وجمع الأول ضهى وجمع المقصور ضهايا . قال : ما معنى المندلي ~~المطير ؟ فكان من الجواب : أن ابن الأعرابي قال : هو مقلوب المطري . وقال : PageV01P351 # """""" صفحة رقم 352 """""" # أنشدني غزلا ، فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابي : أمر مجنبا عن بيت سلمى ~~. . . ولم ألمم به وبه الغليل أمر مجنبا وهواي فيه . . . وطرفي عنه منكسر ~~كليل وقلبي فيه مقتتل فهل لي . . . إلىقلبي وقاتله سبيل وقال : أتحفظ ~~الأبيات التي فيها : تكفيه فلذة كبد إن ألم بها . . . من الشواء ويكفي شربه ~~الغمر فأنشده ابن نباتة ، وذاك لأني قلت : ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا ، ~~وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر : إني أتتني لسان لا أسر بها . . . من علو لا ~~عجب منها ولا سخر فبت مرتفعا للنجم أرقبه . . . حيران ذا حذر لو ينفع الحذر ~~وجاشت النفس لما جاء جمعهم . . . وراكب جاء من تثليث معتمر يأتي على الناس ~~لا يلوي على أحد . . . حتى التقينا وكانت دوننا مضر PageV01P352 ~~"""""" صفحة رقم 353 """""" # نعيت من لا تغب الحي جفنته . . . إذا الكواكب أخطا نوأها المطر من ليس في ~~خيره شر يكدره . . . على الصديق ولا في صفوه كدر طاوي المصير على العزاء ~~منصلت ms253 . . . بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر لا تنكر البازل الكوماء ضربته . . ~~. بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر وتفزع الشول منه حين تبصره . . . حتى تقطع ~~في أعناقها الجرر لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه . . . وكل أمر سوى الفحشاء ~~يأتمر يكفيه حزة فلذان ألم بها . . . من الشواء ويكفي شربه الغمر لا يتأرى ~~لما في القدر يرقبه . . . ولا يعض على شرسوفه الصفر لا يغمز الساق من أين ~~ومن وصب . . . ولا يزال أمام القوم يقتفر مهفهف أهضم الكشحين منخرق . . . ~~عنه القميص بسير الليل محتقر عشنا بذلك دهرا ثم فارقنا . . . كذلك الرمح ذو ~~النضلين ينكسر لا تأمن الناس ممساه ومصبحه . . . من كل أوبقال : وإن لم يأت ~~ينتظر إما يصبك عدو في مناوأة . . . يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر لو لم تخنه ~~نفيل وهي خائنة . . . ألم بالقوم ورد منه أو صدر وراد حرب شهاب يستضاء به . ~~. . كما يضيء سواد الطخية القمر إما سلكت سبيلا كنت سالكها . . . فاذهب فلا ~~يبعدنك الله منتشر من ليس فيه إذا قاولته رهق . . . وليس فيه إذا ياسرته عسر PageV01P353 ~~"""""" صفحة رقم 354 """""" # الليلة الواحدة والثلاثون # وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتيقظ وقلة الاستهانة بالخصم ، ~~فقال ابن عبيد الكاتب : أنا أستحسن كلاما جرى أيام الأمين والمأمون ، وذاك ~~أن علي بن عيسى بن ماهان لما توجه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد ، سأل ~~قوما وردوا من الري عن طاهر ، فقالوا : إنه مجد . فقال : وما طاهر ؟ إنما ~~هو شوكة من أغصاني ، وشرارة من ناري ؛ ثم قال لأصحابه : والله ما بينكم ~~وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصفة إلا أن يبلغه عبورنا عقبة ~~همذان ، لأن السخال لا تقوى على النطاح ، والثعالب لا صبر لها على لقاء ~~الأسود ، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح . ~~فقال يحيى بن علي لعلي بن عيسى : أيها الأمير ، إن العساكر لا تساس ~~بالتواني ، والحروب لا تدبر بالاغترار ، وإن الشرارة الخفية ربما صارت ~~ضراما ، والنهلة من السيل ربما صارت بحرا عظيما . فقال : إنما حجب علي بن ~~عيسى ms254 عن وثيق الرأي هذا الاستحقار بالكلام ، والاقتدار على اللفظ ، ومن صدق ~~فكره في طلب الرأي النافع ، قل كلامه بالهذر الضائع . وقال في هذه الليلة : ~~ما رأيت من بقي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها . فكان من الجواب : أن الأخفش قد ~~ذكر عشرة أوجه ، وهي أكثر ما قدر عليه ، والتصفح قد دل على أربعين وجها ~~وزيادة . قال : فما أغرب ما مر بك منها ؟ فقيل : فعيل بمعنى فعل . فقال : ~~هذا والله غريب ، فهات له شاهدا . فقيل : يقال مكان دميث ودمث ، ويقين ويقن ~~، ورصيف ورصف ؛ وللفرس العتيد للعدو : العتد ؛ PageV01P354 ~~"""""" صفحة رقم 355 """""" # والنقيل من العدو : نقل ؛ والخبيط من الورق : خبط ؛ وللقديم : قدم ؛ ~~والبئر النزيح : نزح ، واللجسم العميم : عمم . وقال ابن الأعرابيك القفيل : ~~الشوك اليابس ، والجمع قفل . وقال أحمد بن يحيى : هو مني بعد أي بعيد ، ~~والبعد يكون للجمع والواحد . فعجب وقال : ينبغي أن يعني بهذه الوجوه كلها . ~~فإن الزيادة على مثل الأخفش ظفر حسن ، وامتياز في الغزارة جميل ، وما ~~تفاضلت درجات العلماء إلا بتصفح الأخير قول الأول واستيلائه على ما فاته . ~~وسأل - أباد الله عداه ، وحقق مناه - وقال : هل يسلم على أهل الذمة ؟ وهل ~~يبدأون ؟ فكان أبو البختري الداودي حاضرا - فحكى أن عمر بن عبد العزيز سئل ~~عن هذا بعينه ، فقال : يرد عليهم السلام ، ولا يأس بأن يبدءوا ، لقول الله ~~عز وجل : ' فاصفح عنهم وقل سلام ' . وحكي في معرض حديث أبي بكر قال : كتب ~~مجنون إلى مجنون : ' بسم الله الرحمن الرحيم ، حفظك الله ، وأبقاك الله ، ~~كتبت إليك ودجلة تطغى ، وسفن الموصل ها هي ، وما يزداد الصبيان إلا شرا ، ~~ولا الحجارة إلا كثرة ، فإياك والمرق فإنه شر طعام في الدنيا ، ولا تبت إلا ~~وعند رأسك حجر أو حجران ، فإن الأخير يقول : ' وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ' . وكتبت إليك لثلاث عشرة واربعين ليلة خلت من عاشوراء PageV01P355 ~~"""""" صفحة رقم 356 """""" # سنة الكمأة ' . قال : وكتب مجنون آخر : ' أبقاك الله من النار وسوء ~~الحساب ، وتفديك نفسي موفقا إن شاء الله ' . قال : وكتب مجنون آخر إلى ~~مجنون مثله : وهب الله ms255 لي جميع المكاره فيك ، كتابي إليك من الكوفة حقا حقا ~~حقا ، أقلامي تخط ، والموت عندنا كثير ، إلا أنه سليم والحمد لله ، أحببت ~~ليعرفه إعلامكم ذلك إن شاء الله . فضحك - أضحك الله سنه - حتى استلقى ، ~~وقال : ما الذي يبلغ بنا هذا الاستطراف إذا سمعنا بحديث المجانين ؟ فقال ~~ابن زرعة : لأن المجنون مشارك للعاقل في الجنس ، فغذا كان من العاقل ما ~~يحسب أن يكون من المجنون كره ذلك له ، وإذا كان من المجنون ما يعهد من ~~العاقل تعجب منه ، والعقل بين أصحابه ذور عرض واسع ، وبقدر ذلك يتفاضلون ~~التفاضل الذي لا سبيل إلى حصره ، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع ، ~~وبحسب ذلك يتفاوتون التفاوت الذي لا مطمع في تحصيله ، وكما أنه يبدر من ~~العاقل بعض ما لا يتوقع إلا من المجنون كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا ~~يتوقع إلا من العاقل ، ولا يعتد بذلك ولا بهذا ، أعني أن العاقل بذلك ~~المقدار لا يرى مجنونا ، والمجنون بذلك المقدار لا يسمى عاقلا ، وإنما ~~اجتمعا في النادر القليل ، لاجتماعهما في الجنس الذي يعمهما ، والنوع الذي ~~يفصلهما ، وفي الجملة الإنسان بما هو به حيوان سبع وحمار ، وبما هو به نفسي ~~إنسان ، وبما هو به عاقل نبي وملك ؛ وهذه الأعراض - وإن تداخلت لانتظامها ~~في طينة واحدة - فإنها تتميز بقوة العقل في الصورة المخلوطة إما مفارقة ، ~~وإما مواصلة . ومر له في هذا الموضع كلام بليغ تام مكشوف . # كمل الجزء الثاني من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي حسب ~~تجزئتنا والحمد لله رب العاليمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه أجمعين ، ويليه الجزء الثالث من هذا الكتبا وأوله : ثم ترامى الحديث ~~إلى أمر المطعمين والطاعمين ، الخ . نسأل الله المعونة وحسن التوفيق . PageV01P356 # """""" صفحة رقم 357 """""" # الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم بقية الليلة الحادية والثلاثين في ~~آخر الجزء الثاني ثم ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ، والذين ~~يهشون عند المائدة ، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون ، والذين يصخبون ويلغطون ~~، ويضجرون ويغتاظون . فقال : أحب أن أسمع في هذا أكثر ms256 ما فيه ، ويمر بي ~~أعجبه ، فإن في معرفة هذا الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا . فكان في الجواب : ~~إن الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفن خوضا بعيدا ، وما وقفوا منه ~~عند حد ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة ، والطبائع ~~المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع المستفيد ولا ~~للرواية المفيد . قال : قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا : الحث على الأكل ~~أحسن ، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون ؟ فكان من الجواب : أن هذه ~~المسئلة بعينها جرت بالأمس بالري عند ابن عباد فتنوهب الكلام فيها ، وأفضى ~~إلى أن الأولى الحث والتأنيس والبسط والطلاقة ولين PageV01P357 ~~"""""" صفحة رقم 358 """""" # اللفظ وقلة التحديق وإسجاء الطرف مع اللطف والدماثة ، من غير دلالة على ~~تكلف في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح . وحكى ابن عباد في هذا الموضع ان بعض ~~السلف قال : الطعام أهون من أن يحث على تناوله . وقال الحسن بن عليك الطعام ~~أجل من أن لا يحث على تناوله ، ومذهب الحسن أحسن . قال : ولقد حضرت مولد ~~ناس لا أظن بهم البخل فلم يحثوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك ، وكأن انقباضي ~~كان بمعونتهم ، وإن لم يكن بإرادتهم . قال الوزير : هذه فائدة من هذا الرجل ~~الذي يتهادى قوله ، وتتراوى أخباره . ثم حكيت له أن أسماء بن حارجة قال : ~~ما صنعت طعاما قط فدعوت عليه نفرا إلا كانوا أمن علي مني عليهم . فقال : ~~زدنا من هذا الضرب ما كان ، قلت : لو أذن لي في جمعه كان أولى ؛ قال : لك ~~ذلك فما يضرنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا . فكان من الجواب أن الجاحظ ~~قد أتى على جمهرة هذا الباب إلا ما شذ عنه مما لم يقع إليه ، فإن العالم - ~~وإن كان بارعا - ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكل باب ، أو بالباب ~~الواحد إلى آخره ؛ على أنه حدث من عهد الجاحظ إلى وقتنا هذا أمور وأمور ، ~~وهنات وهنات ، وغرائب وعجائب ، لأن الناس يكتسبون على رأس كل مائة سنة عادة ~~جديدة ، وخليقة ms257 غير معهودة ، وبدء هذه المئين هو الوقت الذي فيه تنعقد ~~شريعة ، وتظهر PageV01P358 ~~"""""" صفحة رقم 359 """""" # نبوة ، وتفشو أحكام ، وتستقر سنن ، وتؤلف أحوال بعد فطام شديد ، وتلكؤ ~~واقع ؛ ثم على استنان ذلك يكون ما يكون . وقال ميمون بن مهران : من ضاف ~~البخيل صامت دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن التخمة . وقال حامد اللفاف ~~المتزهد : المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة إبراهيم ، وإذا ضافه إنسان ~~حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال مالك بن دينار : دخلنا على ابن سيرين فقال : ~~ما أدري ما أطعمكم ؟ ثم قدم إلنيا شهدة . وقال الأعمش : كان خيثمة يصنع ~~الخبيص ثم يقول : كلوا فوالله ما صنع إلا من أجلكم . وقال بكر بن عبد الله ~~المزني : أحق الناس بلطمة من إذا دعي إلى طعام ذهب بآخر معه ، وأحقهم ~~بلطمتين من إذا قيل له : اجلس ها هنا قال : بل ها هنا ؛ وأحق الناس بثلاث ~~لطمات من إذا قيل له : كل ، قال : ما بال صاحب البيت لا يأكل معنا . وقال ~~إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهن وإن كان ~~أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم يتعلم منه ، والسؤال عما لا ~~يعلم ممن هو أعلم منه ، وخدمة الضيف بنفسه إكراما له . وقال حاتم الأصم : ~~كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس ، فإنها من سنة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) : إطعام الضيف إذا حل ، وتجهيز الميت إذا مات ، وتزويج ~~البكر إذا أدركت ، وقضاء PageV01P359 ~~"""""" صفحة رقم 360 """""" # الدين إذا حل ووجب ، والتوبة من الذنب إذا وقع . وقال النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : : ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو أحق ~~به إن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ' . وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد وفي يدها ~~قدح ، فسألت عسلا وقالت : زوجي مريض ؛ فأمر لها براوية عسل ؛ فقالوا : يا ~~أبا الحرث : إنما تسأل قدحا . قال : سألت قدرها ونعطيها على قدرنا . خرج ~~ابن المبارك يوما إلى أصحابه ، فقال لهم : نزل بنا ضيف اليوم فقال : اتخذوا ~~لي فالوذجا ms258 ؛ فسرنا ذلك منه . وقال الحسن في الرجل يدخل بيت أخيه فيرى ~~السلة فيها الفاكهة : لابأس أن يأكل من غير أن يستأذنه . وقال ابن عمر : ~~أهديت لرجل من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شاة فقال : أخي فلان ~~أحوج إليها ، وبعث بها إليه ، فلم يزل يبعث بها واحد بعد واحد حتى تداولها ~~تسعة أبيات ، ورجعت إلى الأول ، فنزلت الآية : ' ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ' . قال أبو سعيد الخدري : قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) : ' من كان له ظهر فليعد على من لا ظهر له ؛ ومن كان له زاد فليعد ~~على من لا زاد له ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في الفضل ' . وسئل ابن ~~عمر . ما حق المسلم على المسلم ؟ قال : ألا يشبع ويجوع ، وألا يلبس ويعرى ، ~~وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه . وكان ابن أبي بكرة ينفق على جيرانه أربعين ~~دارا سوى سائر نفقاته ، وكان يبعث إليهم PageV01P360 ~~"""""" صفحة رقم 361 """""" # بالأضاحي والكسوة في الأعياد ، وكان يعتق في كل يوم عيد مائة مملوك . ~~وكان حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا ، وإذا ~~كان يوم الفطر كساهم ثوبا ثوبا وأعطاهم مائة مائة . وقال الشاعر : أراك ~~تؤمل حسن الثناء . . . ولم يرزق الله ذاك البخيلا وكيف يسود أخو بطنة . . . ~~يمن كثيرا ويعطي قليلا وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' تجافوا عن ~~ذنب السخي ، فإن الله يأخذ بيده كلما عثر ' . وقال عليه السلام : ' من أدى ~~الزكاة ، وقرة الضيف ، وآوى في النائبة ، فقد وقي شح نفسه ' . وقالت أم ~~البنين أخت عمر بن عبد العزيز : أف للبخل ، ولو كان طريقا ما سلكته ، ولو ~~كان ثوبا ما لبسته ، ولو كان سراجا ما استضأت به . وقال الأصمعي : قال بعض ~~العرب : ليست الفتوة الفسق ولا الفجور ، ولا شرب الخمور ، وإنما الفتوة ~~طعام موضوع ، وصنيع مصنوع ، ومكان مرفوع ، ولسان معسول ، ونائل مبذول ، ~~وعفاف معروف ، وأذى مكفوف . وقال أبو حازم المدني : أسعد الناس بالخلق ~~الحسن صاحبه ، نفسه منه في راحة ، ثم زوجته ، ثم ولده ، حتى ms259 إن فرسه ليصهل ~~إذا سمع صوته ، وكلبه يشرشر بذنبه إذا رآه وقطه يدخل تحت مائدته ، وإن ~~السيىء الخلق لأشقى الناس ، نفسه منه في بلاء ، ثم زوجته ، ثم ولده ، ثم ~~خدمه ، وإ ، ه ليدخل وهم في سرور فيتفرقون فرقا منه ، وإن دابته لتحيد عنه ~~إذا رأته ، مما ترى منه ، وكلبه ينزو على الجدار ، وقطه يفر منه . وكان على ~~باب ابن كيسان مكتوب : ادخل وكل . وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في ~~بكائها على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : بأبي من لم ينم على PageV01P361 ~~"""""" صفحة رقم 362 """""" # الوثير ، ولم يشبع من خبز الشعير . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ~~' إن الله لم يخلق وعاء ملىء شرا من بطن ، فإن كان لابد فاجعلوا ثلثا ~~للطعام ، وثلثا للشراب ، وثلثا للريح ' . قال الشاعر : ليسوا يبالون إذا ~~أصبحوا . . . شبعى بطانا حق من ضيعوا ولا يبالون بمولاهم . . . والكلب في ~~اموالهم يرتع وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بجرجان إمام الدنيا قال : ~~رأيت أبا خليفة المفضل بن الحباب ، وقد دعي إلى وليمة فرأى الصحاف توضع ~~وترفع ، فقال : أللحسن والمنظر دعينا ، أم للأكل والمخبر ؟ فقيل : بل للأكل ~~والمخبر ، قال : فاتركوا الصحفة يبلغ قعرها . وكان سليمان بن ثوابة ضخم ~~الخوان ، كثير الطعام ، وافر الرغيف ، وكان معجبا بإجادة الألوان ، واتخاذ ~~البدائع والطرائف والغرائب على مائدته ؛ وكانت له ضروب من الحلوى لا تعرف ~~إلا به ، وكان خبزه الذي يوضع على المائدة الرغيف من مكوك دقيق ، ولذلك قال ~~أبو فرعون العدوي : ما الناس إلا نبط وخوزان . . . ككهمس أو عمر بن عمران ~~ضاق جرابي عن رغيف سلمان . . . أبا حمار في حر أم قحطان وأير بغل في است أم ~~عدنان . . . . PageV01P362 # """""" صفحة رقم 363 """""" # وعشق رجل جارية رومية كانت لقوم ذوي يسار ، فكتب إليها يوما : جعلت فداك ~~، عندي اليوم أصحابي ، وقد اشتهيت سكباجة بقرية فأحب أن توجهي إلينا بما ~~يعمنا ويكفينا منها ، ودستجة من نبيذ لنتغذى ونشرب على ذكرك ، فلما وصلت ~~الرقعة وجهت إليه بما طلب ؛ ثم كتب إليها يوما آخر : فدتك نفسي ، إخواني ~~مجتمعون ms260 عندي ، وقد اشتهيت قلية جزورية فوجهي بها إلي وما يكفينا من النبيذ ~~والنقل ، ليعرفوا منزلتي عندك ، فوجهت إليه بكل ما سأل ؛ ثم كتب إليها يوما ~~آخر : جعلت فداك ، قد اشتهيت أنا وأصحابي رءوسا سمانا ، فأحب أن توجهي ~~إلينا بما يكفينا ، ومن النبيذ بما يروينا ؛ فكتبت الجارية عند ذلك : إني ~~رأيت الحب يكون في القلب ، وحبك هذا ما تجاوز المعدة . وكتبت أسفل الرقعة : ~~عذيري من حبيب جا . . . ءنا في زمن الشده وكان الحب في القلب . . . فصار ~~الحب في المعده وقال جرير : ولا يذبحون الشاة إلا بميسر . . . كثير تناجيها ~~لئام قدورها PageV01P363 ~~"""""" صفحة رقم 364 """""" # وقالت عادية بنت فرعة الزبيرية في ابنها دوس : تشبه دوس نفرا كراما كانوا ~~الذرى والأنف والسناما كانوا لمن خالطهم إداما كالسمن لما سغبل الطعاما ~~يقال سغبل رأسه بالدهن وسغسغه ورواه وأمرعه . قال الواقدي : قيل لأم أيوب : ~~أي الطعام كان أحب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فقد عرفتم ذلك ~~بمقامه عندكم ؟ فقالت : ما رأيته أمر بطعام يصنع له بعينه ، ولا رأيناه أتى ~~بطعام فعابه قط . وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلة من قصعة أرسل بها ~~سعد بن عبادة فيها طفيشل فرأيته ينهك تلك القصعة ما لم ينهك غيرها ، فرجع ~~إلي فأخبرني ، فكنا نعملها له . وكنا نعمل له الهريسة ، وكانت تعجبه ، وكان ~~يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة إلى عشرة كما يكون الطعام في القلة والكثرة . ~~وكان أسعد بن زرارة يعمل له هريسة ليلة وليلة لا ، فكان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يسأل عنها ؛ أجاءت قصعة أسعد أم لا ؟ فيقال : نعم ، فيقول ~~: هلموها ؛ فنعرف بذلك أنها تعجبه . قدم صهيب على رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بقباء ومعه أبو بكر وعمر ، بين أيديهم رطب قد جاءهم به كلثوم ~~بن الهدم أمهات جراذبن وصهيب قد PageV01P364 ~~"""""" صفحة رقم 365 """""" # رمد في الطريق ، وأصابته مجاعة شديدة ، فوقع في الرطب ؛ قال صهيب : فجعلت ~~آكل ، فقال عمر : يا رسول الله ، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد ؟ ~~فقال رسول ms261 الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أتأكل الرطب وأنت رمد ؟ ' فقال ~~صهيب : أنا آكل بشق عيني الصحيحة ، فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~. وقال الأعشى : لو أطعموا المن والسلوى مكانهم . . . ما أبصر الناس طعما ~~فيهم نجعا وقال الكميت : وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا . . . ولا ثفيت ~~إلا بنا حين تنصب يقول إذا جاورنا جار لم نكلفه أن يطبخ من عنده ، ويكون ما ~~يطبخه من عندنا بما نعطيه من اللحم لينصب قدره . ويقال للحيس سويطة . وقال ~~: الرغيغة لبن يطبخ . وقال : هي العصيدة ، ثم الحريرة ثم النجبرة ، ثم ~~الحسو . واللوقة : الرطب بالسمن ، والسليقة : الذرة تدق وتصلح باللبن ، ~~والرصيعة : البر يدق بالفهر PageV01P365 ~~"""""" صفحة رقم 366 """""" # ويبل ويطبخ بشيء من السمن ، والوجيئة : التمر يوجأ ثم يؤكل باللبن . وقال ~~أعرابي : ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة . والنخبسة والقطبية يخلط لبن ~~إبل بلبن غنم . وقال أعرابي : الحمد لله الذي أغنانا باللبن عما سواه . ~~ويقال أكل خبزا قفارا وعفارا وعفيرا : لا شيء معه وعليه العفار والدمار ~~وسوء الدار ؛ وأكل خبزا جبيزا أي فطيرا يابسا . وجاء بتمر فض وفضا وفذ وحث ~~: لا يلزق بعضه ببعض . قال أبو الحسن الطوسي : أخبرني هشام قال : دخل علي ~~فرج الرخجي وقد تغديت واتكأت ، فقال : يا أبا عبد الله : إنما تحسن الأكل ~~والاتكاء . قال : فتركت الأكل عنده أياما ، وبلغه ذلك ، فبعث إلي : إن كنت ~~لا تأكل طعامنا فليس لنا فيك حاجة . قال : فأكلت شيئا ثم أتيته فلم يعتذر ~~مما كان . قال أبو الحسن : أخبرني الفراء قال : العرب تسمى السكباجة ~~الصعفصة . وأنشد : أبو مالك يعتادنا في الظهائر . . . يجوء فيلقي رحله عند عامر PageV01P366 ~~"""""" صفحة رقم 367 """""" # أبو مالك : الجوع ، هكذا تقول العرب ويجىء ويجوء لغتان . وقال الآخر : ~~رأيت الغواني إذ نزلت جفونني . . . أبا مالك إني أظنك دائبا أبو مالك ها ~~هنا الشيب . قال أبو الحسن : أخبرني الثوري عن أبي عبيدة في الحديث الذي ~~يروى عن عمر بن الخطاب أنه رأى في روث فرسه حبة شعير ، فقال : لأجعلن لك في ~~غرز النقيع ما يشغلك عن ms262 شعير المسلمين . قال : والنقيع : موضع بالمدينة ~~أحماه عمر بن الخطاب لخيل المسلمين ، خلاف البقيع بالباء . قال الطوسي : ~~العرب تقول : أيدي الرجال أعناقها ، أي من كان أطول يدا على المائدة تناول ~~فأكل ، الهاء ترجع على الإبل ، أي أيدي الرجال أعناق الإبل ، أي من طال نال ~~. قال الأصمعي : سألت بعض الأكلة فيمن كان يقدم على ميسري الناس كيف تصنع ~~إذا جهدتك الكظة - والعرب تقول : إذا كنت بطنا فعدك زمنا - ؟ قال : آخذ ~~روثا حارا وأعصره وأشرب ماءه ، فاختلف عنه مرارا ، فلا ألبث أن يلحق بطني ~~بظهري فأشتهي الطعام . قال ابن الأعرابي : قال الكلابي : هو يندف الطعام ~~إذا أكله بيده ، ويلقم الحسو ، PageV01P367 ~~"""""" صفحة رقم 368 """""" # واللقم بالشفة ، والندف : الأكل باليد . وقال الزبيري : يندف . وأنشد ابن ~~الأعرابي : ويظل ضيف بني عبادة فيهم . . . متضمرا وبطونهم كتم أي ممتلئة . ~~والتضمر : الهزال والنحافة ، كالنخل المصمر ، أي الذي قد ذوت جذوعه . قال ~~الشنبوذي في قول الله تعالى : ' قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا ' . قال : الذين يثردون ويأكل غيرهم . قال أبو ~~الحسن : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفا كأنها طلعة ، في ذراع ~~كأنها جمارة ، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها ، فزوجتها ، ~~وصار يجلس معي على المائدة ابن لي ، فيبرز لي كفا كأنها كرنافة ، في ذراع ~~كأنها كربة ، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها . وقال ~~أعرابي للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إني نذرت إذا بلغتني ناقتي أن ~~أنحرها وآكل من كبدها . قال : ' بئسما جازيتها ' . أضل أعرابي بعيرا له ، ~~فطلبه ، فرأى على باب الأمير بختيا ، فأخذه وقال : هذا بعيري ، فقال : إنك ~~أضللت بعيرا وهذا بختي . فقال : لما أكل علف الأمير تبخت . فضحك منه وتركه ~~يعيد قوله ويعجبه . الكدبة : غلظ اللحم وتراكمه ، ومنه قول هشام لسالم - ~~وقد رآه فأعجبه جسمه - : ما PageV01P368 ~~"""""" صفحة رقم 369 """""" # رأيت ذا كدنة أحسن منك ، فما طعامك ؟ قال : الخبز والزيت . قال : أما ~~تأجمه ؟ قال : إذا أجمته تركته حتى أشتهيه ، ثم خرج وقد أصاب ms263 في جسمه برصا ~~. فقال لقمني الأحوال بعينه ، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه . وقال ~~عبد الأعلى القاص : الفقير مرقته سلقة ، وغذاؤه علقة ، وخبزته فلقة ، ~~وسمكته شلقة ، أي كثيرة الشوك . قال رجاء بن سلمة : الأكل في السوق حماقة . ~~قيل لذؤيب بن عمرو : إنك مفلس لا تقدر على قرص ولا جمع ولا حفاةل ، وبيتك ~~عامر بالفأر . قال علي بن عيسى : الطلاق الثلاث البتة إن كان يمنعهم من ~~التحول عنه إلا أنهم يسرقون أطعمة الناس يأكلونها في بيته لأمنهم فيه ، ~~لأنه لا هر هناك ولا أحد يأخذ شيئا ولا يؤذون ، وإن لهم لمسقاة مملوءة ماء ~~كلما جفت سكب لهم فيها ماء . جعل الخبر عن الفأر على التلميح ، كالخبر عن ~~قوم عقلاء . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أكرموا الخبز فإن الله ~~أكرمه وسخر له بركات السموات والأرض ' . وقال آخر : PageV01P369 # """""" صفحة رقم 370 """""" # كأن صوت سحبها الممتاح . . . سعال شيخ من بني الجلاح يقول من بعد السعا ~~آح قال الأصمعي : الرجيع : الشواء يسخن ثانية . والنقيعة ما يحرزه رئيس ~~القوم من الغنيمة قبل أن تقسم والجمع نقائع . وقال : أنشدني عيسى بن عمر ~~لمعاوية بن صعصعة : مثل الذرى لحبت عرائكها . . . لحب الشفار نقائع النهب ~~وقال مهلهل : إنا لنضرب بالسيوف رءوسهم . . . ضرب القدار نقيعة القدام ~~القدار : الجزار والقدار : الملك أيضا . والقدام : رؤساء الجيوش ، والواحد ~~قادم . وقال معن بن أوس يصف هدير قدر : إذا التطمت أمواجها فكأنها . . . ~~عوائد دهم في المحلة قيل إذا ما انتحاها المرملون رأيتها . . . لوشك قراها ~~وهي بالجزل تشعل PageV01P370 ~~"""""" صفحة رقم 371 """""" # سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت . . . كهدر الجمال رزما حين تجفل وقال آخر : ~~إذا كان فصد العرق والعرق ناضب . . . وكشط سنام الحي عيشا ومغنما وكان عتيق ~~القد خير شوائهم . . . وصار غبوق الخود ماء محمما عقرت لهم دهما مقاحيد جلة ~~. . . وعادت بقايا البرك نهبا مقسما قال : وإذا كان القحط فصدوا الإبل ~~وعالجوا ذلك الدم بشيء من العلاج لها كما يصنع الترك ، فإنها تجعله في ~~المصران ، ثم تشويه أو تطبخه ، فيؤكل كما تؤكل النقانق ms264 وما أشبه ذلك . وأما ~~قوله : والعرق ناضب ، فإنما يعني قلة الدم لهزال البعير ، وكذلك جميع ~~الحيوان ، وأكثر ما يكون دما إذا كان بين المهزول والسمين . وقالت أم هشام ~~السلولية : ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل وأجدى على أحد بخير ؛ هكذا ~~روي . وقال الأندلسي : إن حملت أثقلت ، وإن مشت أبعدت ، وإن حلبت أروت ، وإن PageV01P371 ~~"""""" صفحة رقم 372 """""" # نحرت أشبعت . قال أبو الحسن الهيثم ، عن عبد العزيز بن يسار قال : قدمت ~~يا جميري بخمس سفائف دقيق ، وذاك في زمن مصعب وهو معسكر بها فلقيني عكرمة ~~بن ربعي الشيباني فقال : بكم أخذتها ؟ قلت : بتسعين ألفا . قال : فإني ~~أعطيك مائة وخمسين ألفا على أن تؤخرني . فدفعتهن إليه ، وما في المعسكر ~~يومئذ دقيق . قال : فجاء بنو تيم الله فأخذوا ذلك الدقيق ، فجعل كل قوم ~~يعجنون على حيالهم ، ثم جاءوا إلى رهوة من الأرض فحفروها ، ثم جعلوا فيها ~~الحشيش ، ثم طرحوا ذلك العجين فيها ، ثم أقبلوا فأخذوا فرسا وديقا . . . ~~فخلوا عنه ، ثم أقبلوا وهو يتبعهم حتى انتهوا إلى الحفيرة ، فدفعوا الفرس ~~الوديق فيها ، وتبعها الفرس ، وتنادى الفريقان : إن فرس حوشب وقع في حفيرة ~~عكرمة فما أخرجوه إلا بالعمد . قال : فغلبه عكرمة . قال شاعر : لا أشتم ~~الضيف إلا أن أقول له : . . . أباتك الله في أبيات عمار أباتك الله في ~~أبيات معتز . . . عن المكارم لا عف ولا قاري جلد الندى زاهد في كل مكرمة . ~~. . كأنما ضيفه في ملة النار وقال آخر : وهو إذا قيل له : ويها كل . . . ~~فإنه مواشك مستعجل PageV01P372 ~~"""""" صفحة رقم 373 """""" # وهو إذا قيل له : ويها فل . . . فإنه أحج به أن ينكل قيل لصوفي : ما حد ~~الشبع ؟ قال : لا حد له ، ولو أراد الله أن يؤكل بحد لبين كما بين جميع ~~الحدود . وكيف يكون للأكل حد ، والأكلة مختلفو الطباع والمزاج والعارض ~~والعادة ، وحكمة الله ظاهرة في إخفاء حد الشبع حتى يأكل من شاء على ما شاء ~~كما شاء . وقيل لصوفي : ما حد الشبع ؟ فقال : ما نشط على أداء الفرائض ، ~~وثبط عن إقامة النوافل . وقيل لمتكلم ms265 : ما حد الشبع ؟ فقال : حده أن يجلب ~~النوم ، ويضجر القوم ، ويبعث على اللوم . وقيل لطفيلي : ما حد الشبع ؟ قال ~~: أن يؤكل على أنه آخر الزاد ، ويؤتى على الجل والدق . وقيل لأعرابي : ما ~~حد الشبع ؟ قال : أما عندكم يا حاضرة فلا أدري ؛ وأما عندنا في البادية فما ~~وجدت العين ، وامتدت إليه اليد ، ودار عليه الضرس وأساغه الحلق ، وانتفخ به ~~البطن ، واستدارت عليه الحوايا ، واستغاثت منه المعدة ، وتقوست منه الأضلاع ~~، والتوت عليه المصارين ، وخيف منه الموت . وقيل لطبيب : ما حد الشبع ؟ قال ~~: ما عدل الطبيعة ، وحفظ المزاج وأبقى الشهوة لما بعد . وقيل لقصار : ما حد ~~الشبع ؟ قال : أن تثب إلى الجفنة كأنك سرحان وتأكل وأنت غضبان ، وتمضغ كأنك ~~شيطان ، وتبلغ كأنك هيمان ، وتدع وأنت سكران ، وتستلقي كأنك أوان . وقيل ~~لحمال : ما حد الشبع ؟ قال : أن تأكل ما رأيت بعشر يديك غير عائف ولا متقزز ~~، ولا كاره ولا متعزز . PageV01P373 # """""" صفحة رقم 374 """""" # وقيل لملاح : ما حد الشبع ؟ قال : حد السكر . قيل : فما حد السكر ؟ قال : ~~ألا تعرف السماء من الأرض ، ولا الطول من العرض ، ولا النافلة من الفرض ، ~~من شدة النهس والكسر والقطع والقرض . قيل له فإن السكر محرم ، فلم جعلت ~~الشبع مثله ؟ قال : صدقتم ، هما سكران : أحد السكرين موصوف بالعيب والخسار ~~، والآخر معروف بالسكينة والوقار . قيل له : أما تخاف الهيضة ؟ قال : إنما ~~تصيب الهيضة من لا يسمي الله عند أكله ، ولا يشكره على النعمة فيه . فأما ~~من ذكر الله وشكره فإنه يهضم ويستمرىء ويقوم إلى الزيادة . وقيل لبخيل : ما ~~حد الشبع ؟ قال : الشبع حرام كله ، وإنما أحل الله من الأكل ما نفى الخوى ، ~~وسكن الصداع ، وأمسك الرمق ، وحال بين الإنسان وبين المرح ، وهل هلك الناس ~~في الدين والدنيا إلا بالشبع ولاتضلع والبطنة والاحتشاء ، والله لو كان ~~للناس إمام لو كل بكل عشرة منهم من يحفظ عليهم عادة الصحة ، وحالة العدالة ~~، حتى يزول التعدي ، ويفشو الخير . وقيل لجندي : ما حد الشبع ؟ قال : ما شد ~~العضد ، وأحمى الظهر ، وأدر الوريد ، وزاد في الشجاعة . وقيل ms266 لزاهد : ما حد ~~الشبع ؟ قال : ما لم يحل بينك وبين صوم النهار وقيام الليل . وإذا شكا إليك ~~جائع عرفت صدقه لإحساسك به . وقيل لمدني : ما حد الشبع ؟ فقال : لا عهد لي ~~به ، فكيف أصف ما لا أعرف ؟ وقيل ليمني : ما حد الشبع ؟ قال : أن يحشى حتى ~~يخشى . وقيل لتركي : ما حد الشبع ؟ قال : أن تأكل حتى تدنو من الموت . وقيل ~~سمويه القاص : من أفضل الشهداء ؟ قال : من مات بالتخمة ، PageV01P374 ~~"""""" صفحة رقم 375 """""" # ودفن على الهيضة . قيل لسمرقندي : ما حد الشبع ؟ قال : إذا جحظت عيناك ، ~~وبكم لسانك ، وثقلت حركتك ، وارجحن بدنك ، وزال عقلك ، فأنت في أوائل الشبع ~~. قيل له : إذا كان هذا أوله ، فما آخره ؟ قال : أن تنشق نصفين . قيل لهندي ~~: ما حد الشبع ؟ قال : المسئلة عن هذا كالمحال ، لأن الشبع من الأرز النقي ~~الأبيض ، الكبار الحب ، المطبوخ باللبن والحليب ، المغروف على الجام البلور ~~، المدوف بالسكر الفائق ، مخالف للشبع من السمك المملوح وخبز الذرة ، وعلى ~~هذا يختلف الأمر في الشبع . فقيل له : فدع هذا ، إلى متى ينبغي أن يأكل ~~الإنسان ؟ قال : إلى أن يقع له أنه إن أراد لقمة زهقت نفسه إلى النار . قيل ~~لمكار : ما حد الشبع ؟ قال : والله ما أدري ، ولكن أحب أن آكل ما مشى حماري ~~من المنزل إلى المنزل . قيل لجمال : ما حد الشبع ؟ قال : أنا أواصل الأكل ~~فما أعرف الحد ، ولو كنت أنتهي لوصفت الحال فيه ، أعني أني ساعة ألت الدقيق ~~، وساعة أمل الملة ، وساعة أثرد ، وساعة آكل وساعة أشرب لبن اللقاح ؛ فليس ~~لي فراغ فأدري أني بلغت من الشبع ، إلا أنني أعلم في الجملة أن الجوع عذاب ~~وأن الأكل رحمة ، وأن الرحمة كلما كانت أكثر ، كان العبد إلى الله أقرب ، ~~والله عنه أرضى . قال الوزير : لما بلغت هذا الموضع من الجزء - وكنت أقرأ ~~عليه - : ما أحسن ما اجتمع من هذه الأحاديث هل بقي منها شيء ؟ قلت : بقي ~~منها جزء آخر . قال : دعه لليلة أخرى وهات ملحة الوداع . قلت : قيل لصوفي ~~في جامع المدينة : ما تشتهي ms267 ؟ قال : مائدة روحاء عليها جفنة PageV01P375 ~~"""""" صفحة رقم 376 """""" # رحاء ، فيها ثريدة صفراء ، وقدر حمراء بيضاء . قال : أبيت الآن ألا تودع ~~إلا بمثل ما تقدم ؟ وانصرفت . # الليلة الثانية والثلاثون # ثم حضرت فقرأت ما بقي من هذا الفن . قال رجل من فزارة : تنبح أحيانا ~~وأحيانا تهر . . . وتتمطى ساعة وتقدحر تعدو على الضيف بعود منكسر . . . ~~يسقط عنها ثوبها وتأتزر لو نحرت في بيتها عشر جزر . . . لأصبحت من لحمهن ~~تعتذر بحلف سح ودمع منهمر . . . يفر من قاتلها ولا تفر المقدحر : المتهيىء ~~للسباب . وقال أبو دلامة الأسدي : PageV01P376 # """""" صفحة رقم 377 """""" # قد يشبع الضيف الذي لا يشبع . . . من الهبيد والحراد تسع ثم يقول ارضوا ~~بهذا أو دعوا وقال آخر : حتى إذا أضحى تدري واكتحل . . . لجارتيه ثم ولى ~~فنشل ذرق الأنوقين . . . القرنبي والجعل وقال آخر : إذا أتوه بطعام وأكل . ~~. . بات يعشى وحده ألفي جعل وقال أبو النجم : تدني من الجدول مثل الجدول . ~~. . أجوف في غلصمة كالمرجل تسمع للماء كصوت المسحل . . . بين وريديها وبين ~~الجحفل يلقيه من طرق أتتها من عل . . . قذف لها جوف وشدق أهدل PageV01P377 ~~"""""" صفحة رقم 378 """""" # كأن صوت جرعها المستعجل . . . جندلة دهدهتها في جندل وقال آخر : يقول ~~للطاهي المطري في العمل . . . ضهب لنا إن الشواء لا يمل بالشحم إما قد ~~أجمناه بخل . . . عجل لنا من ذا وألحق بالبدل وأنشد ابن الأعرابي : أعددت ~~للضيف وللرفيق . . . والجار والصاحب والصديق وللعيال الدردق اللصوق . . . ~~حمراء من معز أبي مرزوق تلحس خد الحالب الرفيق . . . بلين المس قليل الريق ~~كأن صوت شخبها الفتيق . . . فحيح ضب حرب حنيق في جحر ضاق أشد الضيق وأنشد ~~أيضا : هل لك في مقراة قيل نىء . . . وشكوة باردة النسىء تخرج لحم الرجل ~~الضوي . . . حتى تراه ناهد الثدي PageV01P378 ~~"""""" صفحة رقم 379 """""" # وأنشد ابن حبيب : نعم لقوح الصبية الأصاغر . . . شروبهم من حلب وحازر حتى ~~يروحوا سقط المآزر . . . وضع الفقاح نشز الخواصر وأنشد الآمدي : كأن في فيه ~~حرابا شرعا . . . زرقا تقض البدن المدرعا لو عض ركنا وصفا تصدعا وقال محمد ~~بن بشير : لقل عارا إذا ضيف تضيفني . . . ما كان عندي ms268 إذا أعطيت مجهودي فضل ~~المقل إذ أعطاه مصطبرا . . . ومكثر في الغنى سيان في الجود لا يعدم ~~السائلون الخير أفعله . . . إما نوالي وإما حسن مردودي قال الأعرابي : نعم ~~الغداء السويق ، إن أكلته على الجوع عصم ، وإن أكلته على الشبع هضم . وقال ~~العوامي - وكان زوارا لإخوانه في منازلهم - : العبوس بوس ، والبشر بشرى ، ~~والحاجة تفتق الحيلة ، والحيلة تشحذ الطبيعة . ورأيت الحنبلوني ينشد ابن ~~آدم - وكان موسرا بخيلا - : PageV01P379 # """""" صفحة رقم 380 """""" # وما لامرىء طول الخلود وإنما . . . يخلده حسن الثناء فيخلد فلا تدخر زادا ~~فتصحب ملجأ . . . إليه وكله اليوم يخلفه الغد وحكى لنا ابن أسادة قال : كان ~~عندنا - يعني بأصفهان - رجل أعمى يطوف ويسأل ، فأعطاه مرة إنسان رغيفا ، ~~فدعا له وقال : أحسن الله إليك ، وبارك عليك ، وجزاك خيرا ، ورد غربتك . ~~فقال له الرجل : ولم ذكرت الغربة في دعائك ، وما علمك بالغربة ؟ فقال : ~~الآن لي ها هنا عشرون سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا . وقال آخر : يرى ~~جارهم فيهم نحيفا وضيفهم . . . يجوع وقد باتوا ملاء المذاخر وقال الكروسي : ~~ولا يستوي الاثنان للضيف : آنس . . . كريم ، وزاو بين عينيه قاطب وأنشد : ~~طعامهم فوضى فضى في رحالهم . . . ولا يحسنون السر إلا تناديا وأنشد آخر : ~~يمان ولا يمون وكان شيخا . . . شديد اللقم هلقاما بطينا العرب تقول : إذا ~~شبعت الدقيقة لحست الجليلة . قال ابن سلام : كان يخبز في مطبخ سليمان - ~~عليه السلام - في كل يوم ستمائة كر PageV01P380 ~~"""""" صفحة رقم 381 """""" # حنطة ، ويذبح له في كل غداة ستة آلاف ثور وعشرون شاة ، وكان يطعم الناس ~~ويجلس على مائدته بجانبه اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، ويقول لنفسه : ~~مسكين بين مساكين . ولما ورد تهامة وافى الحرم وذبح للبيت طول مقامه بمكة ~~كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة . وقال لمن حضر : إن ~~هذا المكان سيخرج منه نبي صفته كذا وكذا . وقال أعرابي : وإذا خشيت من ~~الفؤاد لجاجة . . . فاضرب عليه بجرعة من رائب وروى هشيم أن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال : من كرم المرء أن يطيب زاده في السفر . وقال ابن ms269 ~~الأعرابي : يقال : جاء فلان ولقد لغط رباطه من الجوع والعطش . وأنشد : ربا ~~الجوع في أونيه حتى كأنه . . . جنيب به إن الجنيب جنيب أي جاع حتى كأنه ~~يمشي في جانب متعقفا . وقال أيضا : إن من شؤم الضيف أن يغيب عن عشاء الحي ، ~~أي لا يدركه ، فيريد إذا جاءهم أن يتكلفوا له عشاء على حدة . وأنشد : حياك ~~ربك واصطبحت ثريدة . . . وإدامها رز وأنت تدبل واللقمة واللقمة إذا جمعتا ~~من الثريد والعصائد يقال لهما دبلة ، ومنه سميت الدبيلة ، PageV01P381 ~~"""""" صفحة رقم 382 """""" # وهي الورم الذي يخرج بالناس . وأنشد : أقول لما ابتركوا جنوحا . . . ~~بقصعة قد طفحت تطفيحا دبل أبا الجوزاء أو تطيحا وقال الفرزدق : فدبلت أمثال ~~الأثافي كأنها . . . رءوس أعاد قطعت يوم مجمع وقال سعيد بن المسيب : قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أطيبوا الطعام فإنه أنفى للسخط ، ~~وأجلب للشكر ، وأرضى للصاحب ' . قال بشار : يغص إذا نال الطعام بذكركم . . ~~. ويشرق من وجد بكم حين يشرب المسعور : الجائع . قال هميان بن قحافة : لاقى ~~صحافا بطنا مسعورا وقال شاعر : يمشي من البطنة مشي الأبزخ البزخ : دخول ~~البطن وخروج الثنة أسفل السرة . وقال آخر : أغر كمصباح الدجنة يتقي . . . ~~شذى الزاد حتى تستفاد أطايبه شداه : طيبه . وقال أعرابي : بنو فلان لا ~~يبزرون ولا يقدرون . PageV01P382 # """""" صفحة رقم 383 """""" # وقال الثوري : بطنوا غداءكم بشربة . وقال الشاعر : لا يستوي الصوتان حين ~~تجاوبا . . . صوت الكريب وصوت ذئب مقفر الكريب : الشوبق وهو المحور والمسطح ~~. وقال الشاعر : إذا جاء باغي الخير قلنا بشاشة . . . له بوجوه كالدنانير : ~~مرحبا وأهلا فلا ممنوع خير تريده . . . ولا أنت تخشى عندنا أن نؤوبا قال ~~الشعبي : استسقيت على خوان قتيبة ، فقال : ما أسقيك ؟ فقلت : الهين الوجد ، ~~العزيز الفقد ، فقال : يا غلام ، اسقه الماء . مر مسكين بأبي الأسود ليلا ~~وهو ينادي : أنا جائع فأدخله وأطعمه حتى شبع ، ثم قال له : انصرف إلى أهلك ~~، وأتبعه غلاما وقال له : إن سمعته يسأل فاردده إلي . فلما جاوزه المسكين ~~سأل كعادته ، فتشبث به الغلام ورده إلى أبي الأسود . فقال : ألم تشبع ؟ ~~فقال : بلى . قال : فما ms270 سؤالك ؟ ثم أمر به فحبس في بيت وأغلق عليه الباب ، ~~وقال : لا تروع مسلما سائر الليلة ولا تكذب . فلما أصبح خلى سبيله ، وقال : ~~لو أطعنا السؤال صرنا مثلهم . وسمع دابة له تعتلف في جوف الليل ، فقال : ~~إني لأراك تسهرين في مالي والناس نيام ، والله لا تصبحين عندي . وباعها . ~~وأبو الأسود يعد في الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج ~~والنحويين والقضاة والعرج والمعلمين . وقال الشاعر : PageV01P383 # """""" صفحة رقم 384 """""" # أنفق أبا عمرو ولا تعذرا . . . وكل من المال وأطعم من عرا لا ينفع الدرهم ~~إلا مدبرا كان مسلم بن قتيبة لا يجلس لحوائج الناس حتى يشبع من الطعام ~~الطيب ، ويروي من الماء البارد ، ويقول : إن الجائع ضيق الصدر ، فقير النفس ~~، والشبعان واسع الصدر ، غني النفس . وقال أعرابي : هلكت هريئة وهلكت جوعا ~~. . . وخرق معدتي شوك القتاد وحبة حنظل ولباب قطن . . . وتنوم ينظم بطن ~~وادي وقال الفرزدق : وإن أبا الكرشاء ليس بسارق . . . ولكنه ما يسرق القوم ~~يأكل ولديك الجن : إذا لم يكن في البيت ملح مطيب . . . وخل وزيت حول حب ~~دقيق فرأس ابن أمي في حرام ابن خالتي . . . ورأس عدوي في حر أم صديقي وقال ~~آخر : وما جيرة إلا كليب بن وائل . . . ليالي تحمى عزة منبت البقل وقال ~~مسعر بن مكدم لرقبة بن مصلة : أراك طفيليا . قال : يا أبا محمد ، كل من ترى ~~طفيلي إلا أنهم يتكاتمون . وقال شاعر : قوم إذا آنسوا ضيفا فلم يجدوا . . . ~~إلا دم الرأس صبوه على الباب PageV01P384 ~~"""""" صفحة رقم 385 """""" # قال المفجع : الرأس الرئيس . اشتد بأبي فرعون الشاشي الحال فكتب إلى بعض ~~القضاة بالبصرة : يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر . . . إليك أشكو ما مضى ~~وما غبر عفا زمان وشتاء قد حضر . . . إن أبا عمرة في بيتي انجحر يضرب بالدف ~~وإن شاء زمر . . . فاطرده عني بدقيق ينتظر فأجابه إلى ما سأل . ويقال : وقف ~~أعرابي على حلقة الحسن البصري رحمة الله عليه ، فقال : رحم الله من أعطى من ~~سعة ، وواسى من كفاف ، وآثر من قلة . فقال الحسن : ما أبقى أحدا إلا سأله . ~~وقال ابن ms271 حبيب : يقال أحمق من الضبع ، وذلك أنها وجدت تودية في غدير ، ~~فجعلت تشرب الماء وتقول : يا حبذا طعم اللبن حتى انشق بطنها فماتت . ~~والتودية : العود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه . دعا رجل آخر ~~فقال له : هذه تكسب الزيارة وإن لم تسعد ، ولعل تقصيرا أنفع فيما أحب بلوغه ~~من برك . فقال صاحبه : حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف لي . قيل ~~لأعرابي : لو كنت خليفة كيف كنت تصنع ؟ قال : كنت أستكفي شريف كل قوم ~~ناحيته ، ثم أخلو بالمطبخ فآمر الطهاة فيعظمون الثريدة ويكثرون العراق ، ~~فابدأ فآكل لقما ، ثم آذن للناس ، فأي ضياع يكون بعد هذا ؟ PageV01P385 # """""" صفحة رقم 386 """""" # وقال أعرابي لابن عم له : والله ما جفانكم بعظام ، ولا أجسامكم بوسام ، ~~ولا بدت لكم نار ، ولا طولبتم بثار . وقيل لأعرابي : لم قالت الحاضرة للعبد ~~: باعك الله في الأعراب ؟ قال : لأنا نعري جلده ، ونطيل كده ، ونجيع كبده . ~~وقال طفيلي : إذا حدثت على المائدة فلا تزد في الجواب على نعم ، فإنك تكون ~~بها مؤانسا لصاحبك ، ومسيغا للقمتك ، ومقبلا على شأنك . وقيل لأعرابي : أي ~~شيء أحد ؟ قال : كبد جائعة ، تلقى إلى أمعاء ضالعة . وقيل لآخر : أي شيء ~~أحد ؟ قال ضرس جائع ، يلقى إلى معي ضالع . وقال آخر : أحب أن أصطاد ضبا ~~سحبلا . . . وورلا يرتاد رملا أرملا قالت سليمى لا أحب الجوز لا . . . ولا ~~أحب السمكات مأكلا الجوزل : فرخ الحمام . والورل : دابة . أرمل : صفة للورل ~~. وإذا كان كذلك كان أسمن له ، وهو يسفد فيهزل . ويقال : أقبح هزيلين : ~~المرأة والفرس ، وأطيب غث أكل غث الإبل ، وأطيب الإبل لحما ما أكل السعدان ~~، وأطيب الغنم لبنا ما أكل الحربث . ويقال : أهون مظلوم سقاء مروب ، وهو ~~الذي يسقى منه قبل أن يمخض وتخرج زبدته . PageV01P386 # """""" صفحة رقم 387 """""" # ويقال : سقانا ظليمة وطبه ، وقد ظلمت أوطب القوم . وقال الشاعر : وصاحب ~~صدق لم تنلني شكاته . . . ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر يعني وطب لبن . وكان ~~الحسن البصري إذا طبخ اللحم قال : هلموا إلى طعام الأحرار . قال سفيان ~~الثوري : إني لألقى الرجل ms272 فيقول لي مرحبا فيلين له قلبي ، فكيف بمن أطأ ~~بساطه ، وآكل ثريده ، وأزدرد عصيده ؟ . حكى أبو زيد : قد هجا غرثى : إذا ~~ذهب ، وقد أهجأ طعامكم غرثى : إذا قطعه . قال الشاعر : فأخزاهم ربي ودل ~~عليهم . . . وأطعمهم من مطعم غير مهجي قال : ويقال بأرت بؤرة فأنا أبارها ، ~~إذا حفرت حفيرة يطبخ فيها وهي الإرة . ويقال : أرت إرة فأنا أثرها وأرا . ~~وقال حسان : تخال قدور الصاد حول بيوتنا . . . قنابل دهما في المباءة صيما PageV01P387 ~~"""""" صفحة رقم 388 """""" # قال أبو عبيدة : كان الأصمعي بخيلا ، وكان يجمع أحاديث البخلاء ويوصي بها ~~ولده ويتحدث بها . وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعي أنشد : عظم الطعام بعينه ~~فكأنه . . . هو نفسه للآكلين طعام ويقال : أسأرت ، إذا أبقيت من الطعام ~~والشراب أو غيرهما ، والاسم السؤر وجماعته الأسآر . ويقال : فأدت الخبزة في ~~الملة أفادها إذا خبزتها فيها . والمفأد : الحديدة التي يخبز بها ويشوى . ~~ويقال : تملأت من الأكل والشراب تملوا ، إذا شبعت منهما وامتلأت . ويقال : ~~لفأت اللحم عن العظم لفأ إذا جلفت اللحم عن العظم . واللفيئة هي البضعة ~~التي لا عظم فيها نحو النحضة والهبرة والوذرة . وأنشد يعقوب : سقى الله ~~الغضا وخبوت قوم . . . متى كانت تكون لهم ديارا أناس لا ينادي الضيف فيهم . ~~. . ولا يقرون آنية صغارا قال الأصمعي : قال ابن هبيرة : تعجيل الغداء يزيد ~~في المروءة ، ويطيب النكهة ، ويعين على قضاء الحاجة . قال بعض العرب : أطيب ~~مضغة أكلها الناس صيحانية مصلبة . ويقال : آكل PageV01P388 ~~"""""" صفحة رقم 389 """""" # الدواب ، برذونة رغوث وهي التي يرضعها ولدها . قال أبو الحارث حميد : ما ~~رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من قدر سقيت اللبن كثيرة السكر . وقال ~~الشاعر : وإني لأستحيي رفيقي أن يرى . . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا ضم ~~عثمان بن رواح السفر ورفيقا له ، فقال له الرفيق : امض إلى السوق فاشتر لنا ~~لحما . قال : والله ما أقدر . قال : فمضى الرفيق واشترى اللحم ثم قال ~~لعثمان : قم الآن فاطبخ القدر . قال : والله ما أقدر . فطبخها الرقيق . ثم ~~قال : قم الآن فاثرد . قال : والله إني لأعجز عن ذلك ms273 . فثرد الرفيق . ثم ~~قال : قم الآن فكل . فقال : والله لقد استحييت من كثرة خلافي عليك ، ولولا ~~ذلك ما فعلت . قال يونس : أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية ، فسمعته يقول : ~~قولي إنه نائم . فقلت : معي خبيص . فقال : مكانك حتى أخرج إليك . قال ~~أردشير : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع . قال النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فيما رواه جابر بن عبد الله : هلاك الرجل أن يحتقر ما في ~~بيته أن يقدمه إلى ضيفه ، وهلاك الضيف أن يحتقر ما قدم إليه . وقال الشاعر ~~: يا ذاهبا في داره جاثيا . . . بغير معنى وبلا فائده PageV01P389 ~~"""""" صفحة رقم 390 """""" # قد جن أضيافك من جوعهم . . . فاقرأ عليهم سورة المائده وقال ابن بدر : ~~ونحن نبذل عند القحط ما أكلوا . . . من السديف إذا لم يؤنس القزع وننحر ~~الكوم عبطا في أرومتنا . . . للنازلين إذا ما استنزلوا شبعوا وقال آخر : ~~أطعمني بيضة وناولني . . . من بعد ما ذقت فقده قدحا وقال أي الأصوات تسئلني ~~؟ . . . يزيد ، إني أراك مقترحا فقلت صوت المقلي وجردقة . . . إن خاب ذا ~~الاقتراح أو صلحا فقطب الوجه وانثنى غضبا . . . وكان سكران طافحا فصحا فقلت ~~: إني مزحت ، قال : كذا . . . رأيت حرا بمثل ذا مزحا ؟ قال ابن حبيب : كان ~~الرجل إذا اشتد عليه الشتاء تنحى ونزل وحده لئلا ينزل به ضيف فيكون صقعا ~~مستحبا . وهذا ضد قول زهير : بسط البيوت لكي تكون مطية . . . من حيث توضع ~~جفنة استرفد فإذا كان الشتاء انحاز الناس من الجدب والجهد ، وإذا أخصبوا ~~أغاروا للثأر لا للسؤال . وقال الشاعر في عبيد الله بن عباس : ففي السنة ~~الجدباء أطعمت حامضا . . . وحلوا وشحما تامكا وسناما PageV01P390 ~~"""""" صفحة رقم 391 """""" # وقال مجاهد في قول الله عز وجل : ' وأعتدت لهن متكئا ' ، أي طعاما ، يقال ~~: اتكأنا عند فلان ، أي طعمنا . ذكر الأصمعي أن أعرابيا خرج في سفر ومعه ~~جماعة ، فأرمل بعضهم من الزاد ، وحضر وقت الغذاء وجعل بعضهم ينتظر بعضا ~~بالغداء ، فلما أبطأ ذلك عليهم عمد بعضهم إلى زاده فألقاه بين يدي القوم ، ~~فأقبلوا يأكلون ، وجلس صاحب الزاد بعيدا للتوفير عليهم ، فصاح ms274 به أعرابي : ~~يا سؤدداه وهل شرف أفضل من إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه ؟ ~~لقد آثرت في مخمصة ويوم مسغبة ، وتفردت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك ، ~~فلا زالت نعم الله عليك غادية ورائحة . وفي مثله يقول حاتم الطائي : أكلف ~~يدي من أن تنال أكفهم . . . إذا ما مددناها وحاجاتنا معا وإني لأستحيي ~~رفيقي أن يرى . . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا قال : المخمصة : المجاعة ~~. والخمص : الجوع . قال شاعر يذم رجلا : يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة . . ~~. يبت قلبه من قلة الهم مبهما وقال المرقش الأكبر : إن يخصبوا يغنوا بخصبهم ~~. . . أو يجدبوا فجدوبهم ألم وكتب بعضهم إلى أخ له : إن رأيت أن تروي ظمأ ~~أخيك بقربك ، وتبرد غليله بطلعتك ، وتؤنس وحشته بأنسك ، وتجلو غشاء ناظره ~~بوجهك ، وتزين مجلسه PageV01P391 ~~"""""" صفحة رقم 392 """""" # بجمال حضورك ، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكن ، وتممت له ~~السرور بك باقي يومك ، مؤثرا له على شغلك ، فعلت - إن شاء الله - . وقال ~~الشاعر : وكأن هدر دمائهم في دورهم . . . لغط القبيل على خوان زياد قال بعض ~~الخطباء : العجب من ذي جدة منعم عليه يطوي جاره جوعا وقرا ، وأفرخه شعث جرد ~~من الريش ، وهو مبطان محتش من حلوه وحامضه ، مكتن في كنه ودفئه ، مزين له ~~شهوة عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي حلة بطر رفة كيف يأمن سلبا مفاجئا ~~؟ أما لو وجه بعض فضله إلى ذي حاجة إليه كان مستديما لما أولى ، مستزيدا ~~مما أوتي . قال الشاعر : وإذا تأمل شخص ضيف مقبل . . . متسربل سربال محل ~~أغبر أوما إلى الكوماء هذا طارق . . . نحرتني الأعداء إن لم تنحري وفي هذه ~~الأبيات ما يستحسن : كم قد ولدتم من كريم ماجد . . . دامي الأظافر أو غمام ~~ممطر سدكت أنامله ققائم مرهف . . . وبنشر عائدة وذروة منبر يلقي السيوف ~~بوجهه وبنحره . . . ويقيم هامته مقام المغفر PageV01P392 ~~"""""" صفحة رقم 393 """""" # ويقول للطرف : اصطبر لشبا القنا . . . فعقرت ركن المجد إن لم تعقر وقال ~~آخر : وقال وقدم كشكية . . . فكل شبعا إنها في النهايه تطفي المرار ms275 وتنفي ~~الخمار . . . وما بعدها في النهايات غايه ولا تتوقع أخيرا بحبك . . . ففي ~~أول المستطاب الكفايه وقال آخر : كأنما فوه إذا تمددا . . . للقم أخلاق ~~جراب أسودا كأنه مخترص بد جودا . . . جاني جراد في وعاء مقلدا وصاحب صاحبت ~~غير أبعدا . . . تراه بين الحربتين مسندا الحربة : الغرارة . وقال جابر بن ~~قبيصة : ما رأيت أحلم جليسا ، ولا أفضل رفيقا ، ولا أشبه سريرة بعلانية ، ~~من زياد . وقال جابر أيضا : شهدت قوما ورأيتهم بعيني ، فما رأيت أقرأ لكتاب ~~الله ، ولا أفقه في دين الله ، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وما رأيت ~~رجلا أعطى من صلب ماله في غير ولائه ، من طلحة بن عبيد الله . وما رأيت ~~رجلا أسود من معاوية . وما رأيت رجلا أنصع ظرفا ، ولا أحضر جوابا ، ولا ~~أكثر صوابا ، من عمرو بن العاص . وما رأيت رجلا المعرفة عنده أنفع منها عند ~~غيره ، من المغيرة بن شعبة . PageV01P393 # """""" صفحة رقم 394 """""" # ويقال : ما كان الطعام مريئا ولقد مرأ ، وما كان الرجل مريئا وقد مرؤ . ~~وقال لنا القطان أبو منصور رئيس أهل قزوين : الرجل من أرض أردبيل إذا دخل ~~بلدا يسأل فيقول : كيف الخبز والمبرز ، ولا يسأل عن غيرهما . فقيل له : لم ~~ذلك ؟ فقال : يأخذ الخبز والمبرز ويأكل ويسلح إلى الصباح . قال الشاعر : ~~وما تنسنا الأيام لا ننس جوعنا . . . بدار بني بدر وطول التلدد ظللنا كأنا ~~بينهم أهل مأتم . . . على ميت مستودع بطن ملحد يحدث بعض بعضنا عن مصابه . . ~~. ويأمر بعض بعضنا بالتجلد وقال آخر : دعوني فإني قد تغديت آنفا . . . فإن ~~مس كفي خبزكم فاقطعوا يدي وقال آخر يصف دار قوم : الجوع داخلها واللوح ~~خارجها . . . وليس يقربها خبز ولا ماء قال الهلالي : أتى رجل أبا هريرة ~~فقال : إني كنت صائما فدخلت بيت أبي فوجدت طعاما ، فنسيت فأكلت . قال : ~~الله أطعمك . قال : ثم دخلت بيتا آخر فوجدت أهله قد حلبوا لقحتهم فسقوني ، ~~فنسيت فشربت . فقال : يا بني هون عليك فإنك قلما اعتدت الصيام . وقال ~~الشاعر : وجدت وعدك زورا في مزورة . . . ذكرت مبتدئا إحكام طاهيها فلا شفى ms276 ~~الله من يرجو الشفاء بها . . . ولا علت كف ملق كفه فيها PageV01P394 ~~"""""" صفحة رقم 395 """""" # فاحبس رسولك عني أن يجىء بها . . . فقد حبست رسولي عن تقاضيها قال مطرف ~~بن عبد الله بن الشخير عن أبيه : قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ، فقلنا : يا رسول الله ، أنت سيدنا ، وأنت أطولنا علينا طولا ، وأنت ~~الجفنة الغراء . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' قولوا بقولكم ولا ~~يستفزنكم الشيطان فإنما أنا عبد الله ورسوله ' . وقال آخر : وأحمر مبيض ~~الزجاج كأنه . . . رداء عروس مشرب بخلوق له في الحشا برد الوصال وطعمه . . ~~. وإن كان يلقاه بلون حريق كأن بياض اللوز في جنباته . . . كواكب در في ~~سماء عقيق قال يونس : أشد طعام ضرا ما كان من عام إلى عام ، وهو اللبأ الذي ~~لا يوجد إلا في الولادة كل عام وإن كان مزبدا . حكى يونس : أشد طعام ضرا ما ~~كان من عام إلى عام ، وهو اللبأ الذي لا يوجد إلا في الولادة كل عام وإن ~~كان مزبدا . حكى يونس : التنافيط ، أن ينزع شعر الجلد ثم يلقى في النار ثم ~~يؤكل ، وذلك في الجدب . وقال الشاعر : جاورت شيبان فاحلولي جوارهم . . . إن ~~الكرام خيار الناس للجار وكتب ابن دينار إلى صديق له : وكتبت تفضلا منك ~~تعتذر من تأخرك عن قضاء حق زيارتي بقصور يديك عن بر يشبهني ويشبهك ؛ فأما ~~ما يشبهني في هذا الوقت فرغيف وسكرجة كامخ حريف يثقب اللسان بحرافته . وكان ~~ابن أبي البغل إذا أنشد : PageV01P395 # """""" صفحة رقم 396 """""" # أروني من يقوم لكم مقامي يقول : لو شهدت قائله لقلت : كلب الحارس يقوم ~~مقامك . هذه قصة في حضور ما يشبهني ، فأما ما يشبهك فمتعذر كما قيل : ومطلب ~~مثلي إن أردت عسير وقال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان : ما أعددت في ~~كنانتي سهما غيرك . فقال : لا تعدني في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها ، ~~ولو جلست فيها لخرقتها . ولئن انتظرت بي ما يشبهك طال الانتظار ، والعامة ~~تتمثل - على خساسة لفظها - : ' إذا أردت ألا تزوج ابنتك فغال بمهرها ' . ~~وأملي ms277 فيك على الأحوال بعيد ، وظني فيك جميل ، ولست أخشى فيما لي عندك ~~الفوت فأعجله ، وهل يلقم الكلب إلا الحجر . العرب تقول : لئيم جبان . وقال ~~أعرابي : لا يكن بطن أحدكم عليه مغرما ، ليكسره بالتميرة والكسيرة والبقيلة ~~والعليكة . قال ابن الأعرابي : الفرزدق ، الرغيف الواسع . قيل لابن القرية ~~: تكلم . فقال : لا أحب الخبز إلا يابسا . أراد لا أحب أن أتكلم إلا بعد ~~الارتثاء . وروى أبو عبيدة في تفسير بيت الأعشى في ديوانه : إذا ما هم ~~جلسوا بالعشي . . . فأحلام عاد وأيدي هضم PageV01P396 ~~"""""" صفحة رقم 397 """""" # قال : شبههم بأنسال عاد ، وهم ثمانية ذوو أحلام وسؤدد : مالك - وهو سيد ~~الثمانية - وعمار وطفيل ، وشمر ، وقرزعة ، وحممة ، ونئض ، ودفيف ؛ وهم ~~الذين بعث لقمان بن عاد جارية بعس من لبن ، فقال لها : ايتي الحي فادفعيه ~~إلى سيدهم لا تسألي عنه . فأتت الجارية الحي ، فرأتهم مختلفين بين عامل ~~ولاعب ، وثمانية على رءوسهم الطير وقارا ؛ ورأت جارية من الحي ، فأخبرتها ~~بما قال لقمان ؛ قالت : هؤلاء سادة الحي ، وسأصف لك كل واحد منهم ، فادفعي ~~العس إلى من شئت . أما هذا فعمار ، أخاذ ودار ، لا تخمد له نار ، المعشبات ~~عقار ' المعشبة : التي تسمن على شحم قديم ' ، وأما هذا فحممة ، غداؤه كل ~~يوم ناقة سنمة ، وبقرة شحمة ، ورشاة كدمة . وأما هذا فقرزعة ، إذا لقي ~~جائعا أشبعه ، وإذا لقي قرنا جعجعه وقد خاب جيش لا يغزو معه . وأما هذا ~~فطفيل ، غضبه حين يغضب ويل ، ورضاه حين يرضى سيل ، ولم تحمل مثله على ظهرها ~~إبل ولا خيل ، وأما هذا فشمر ، ليس في أهله بالشحيح للقتر ، ولا المسرف ~~البطر ، ولا يخدع الحي إذا اؤتمر . وأما هذا فدفيف ، قاري الضيف ، ومغمد ~~السيف ، ومعيل الشتاء والصيف وأما هذا فنئض ، أسنت الحي فمرض ، فعدل مرضه ~~عندهم إسناتهم ، أي قحطهم ، فقاموا عليه فأوسعهم دقيقا ولحما غريضا ، ومسكا ~~رميضا ، وكساهم ثيابا بيضا ؛ وأما PageV01P397 ~~"""""" صفحة رقم 398 """""" # هذا فما لك ، حاميتنا إذا غزونا ، ولطعم ولداننا إذا شتونا ، ودافع كل ~~كريهة إذا عدت علينا . فدفعت العس إلى مالك ، فكان سيدهم . بشرت امرأة ~~زوجها بأن ms278 ابنها منه قد اتغر ، فقال : أتبشرينني بعدو الخبز ؛ اذهبي إلى ~~أهلك . قال الشاعر : من يشتري مني أبا زين . . . بكر بن نطاح بفلسين كأنما ~~الآكل من خبزه . . . يقلع منه شحمة العين وأنشد غليم من بني دبير : يابن ~~الكرام حسبا ونائلا . . . حقا أقول لا أقول باطلا إليك أشكو الدهر ~~والزلازلا . . . وكل عام نقح الحمائلا التنقيح : القشر ، أي قشروا حمائل ~~سيوفهم فباعوها لشدة زمانهم . وأنشد : سلا أم عباد إذا الريح أعصفت . . . ~~وجلل أطراف الرعان قتامها وجفت بقايا الطرق إلا نضية . . . يصد الأشافي ~~والمواسي سنامها وضم إلي الليل منزل رفقة . . . ترامت بهم طخياء داج ظلامها PageV01P398 ~~"""""" صفحة رقم 399 """""" # تكاد الصبا تهتزهم من ثيابهم . . . شديدا بأرياط الرجال اعتصامها لقد ~~علمت أني مفيد ومتلف . . . ومطعم أيام يحب طعامها وقال آخر : إن بني غاضرة ~~الكراما . . . إن يقم الضيف بهم أعواما يكن قراه اللحم والسناما . . . أو ~~يصبح الدهر لهم غلاما يكن ظريفا وجهه كراما وقال سماعة بن أشول : رأت إبلا ~~لابني عبيد تمنعت . . . من الحق لم تورك بحق إيالها فقالت ألاببألا تغدو ~~لقاحك هكذا . . . فقلت أبت ضيفانها وعيالها فما حلبت إلا الثلاثة والثنى . ~~. . ولا قيلت إلا قريبا مقالها وأنشد أبو الجراح : أرى الخلان قد صرموا ~~وصالي . . . وأضحوا لا سلام ولا كلام وما أذنبت من ذنب إليهم . . . سوى خف ~~المنائح والسوام وقال آخر : خرق إذا وقع المطي من الوجا . . . لم يطو دون ~~دقيقه ذو المزود حتى تؤوب به قليلا . . . . . . . حمد الرفيق نداك أو لم يحمد PageV01P399 ~~"""""" صفحة رقم 400 """""" # وقال آخر : تزودت إذ أقبلت نحوك غاديا . . . إليك ونحو الناس لا أتزود ~~أراني إذا ما جئت أطلب نائلا . . . نظرت إلى وجهي كأنك أرمد ويقال : أزواد ~~الركب من قريش أبو أمية بن المغيرة ، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد ~~العزى ، ومسافر بن أبي عمرو بن أيمة عم عقبة كانوا إذا سافروا خرج معهم ~~الناس فلم يتخذوا زادا ، ولم يوقدوا نارا كانو يكفونهم . وقال الشاعر : ~~وبالبدو جود لا يزال كأنه . . . ركام بأطراف الإكام يمور وقال آخر : والناس ~~إن شبعت بطونهم . . . فغيرهم من ms279 ذاك لا يشبع وقال آخر : دور تحاكي الجنان ~~حسنا . . . لكن سكانها خساس متى أرى الجند ساكنيها . . . وفي دهاليزها يداس ~~وقال آخر : لولا مخافة ضعفي عن ذوي رحمي . . . وحال معتصم بي من ذوي عدم PageV01P400 ~~"""""" صفحة رقم 401 """""" # وحاجة الأخ تبدو لي فأنجحها . . . لم أثن في عمل كفي على قلمي وقال آخر : ~~وأوثر ضيفي حين لا يوجد القرى . . . بقوتي أحبوه وأرقد طاويا وما استكثرت ~~نفسي لباذل وجهه . . . نوالا وإن كان النوال حياتيا وقال المبرد : البطن : ~~الذي لا يهمه إلا بطنه . والرغيب : الشديد الأكل . والمنهوم : الذي تمتلىء ~~بطنه ولا تنتهي نفسه . وأنشد ابن الأعرابي : وإن قرى أهل النباج أرانب . . ~~. وإن جاء بعد الريث فهو قليل إذا صد مثغور وأعرض معرض . . . فيوم على أهل ~~النباج طويل وقال آخر : يمينك فيها الخصب والناس جوع . . . وقد شملتهم حرجف ~~ودبور وقال آخر : ألقت قوائمها خسا وترنمت . . . طربا كما يترنم السكران ~~يعني قدرا . وقوائمها ، يعني الأثافي . وخسا : فرد . وأنشد : بئس عذاب ~~العزب المرموع . . . حوأبة تنقض بالضلوع PageV01P401 ~~"""""" صفحة رقم 402 """""" # الرماع : داء . وحوأبة : دلو كبيرة . والحوب والحوب : الإثم . والحيبة : ~~الحال . والحوباء : النفس . العرب تقول : ماء لا تبن معه ولا غيره . خبز ~~قفار : لا أدم معه . وسويق جاف هو الذي لم يلت بسمن ولا زيت . وحنظل مبسل ، ~~وهو أن يؤكل وحده . قال الراجز : بئس الطعام الحنظل المبسل . . . ياجع منه ~~كبدي وأكسل ويبجع أيضا . وقال أبو الجراح : المبسل يحرق الكبد . والمبكل : ~~أن يؤكل بتمر أو غيره ، يقال بكلوه لنا ، أي اخلطوه . قال : وعندنا طعام ~~يقال له : الخولع وهو أن يؤخذ الحنظل فينقع مرات حتى تخرج مرارته ، ثم يخلط ~~معه تمر ودقيق فيكون طعاما طيبا . وقال : الخليطة والنخيسة والقطيبة : أن ~~يحلب ابن الضأن على لبن المعزى ، والمعزى على لبن الضأن ، أو حلب النوق على ~~لبن الغنم . قال : اسقني وابرد غليلي ملىء الرجل : سمن بعد هزال . قيل ~~لطفيل العرائس : كم اثنين في اثنين ؟ قال : أربعة أرغفة . وقيل له : حكي أن ~~العرب تقول نحن العرب أقرى الناس للضيف ، فقال : إن PageV01P402 ~~"""""" صفحة رقم 403 """""" # هذا ms280 النصب على المدح . وقال العماني : من كل جلف لم يكن مرما . . . جعد ~~يرى منه التصنع ريثما لم يتجشأ من طعام بشما . . . . . . . . . . ولم يبت ~~من قترة موصما . . . يغمز صدغيه ويشكو الأعظما إذا جاع بطنه تحزما . . . لم ~~يشرب الماء ولم يخش الظما يكفيه من قارضة ما يمما وخلة منه إذا ما أعيما . ~~. . أصاب منه مشربا ومطعما لا يعقر الشارف إلا محرما . . . ولا يعاف بصلا ~~وسلجما يوما ولم يفغر لبطيخ فما . . . فهو صحيح لا يخاف سقما أسود كالمحراث ~~يدعي شجعما . . . صمحمح من طول ما تأثما PageV01P403 ~~"""""" صفحة رقم 404 """""" # لم يبل يوما سورة من العمى . . . ولم يحج المسجد المكرما ولم يزر حطيمه ~~وزمزما . . . ولا تراه يطلب التفهما لو لم يرب مسلما ما أسلما . . . ما عبد ~~اثنان جميعا صنما عات يرى ضرب الرجال مغنما . . . إذا رأى مصدقا تجهما وهز ~~في الكف وأبدى المعصما . . . هراوتين نبعة وسلما يترك ما رام رفاتا رمما . ~~. . وإن رأى إمرة تزعما لم يعطه شيئا وإن تزعما . . . وإن قرا عهدا له ~~منمنما هان عليه شق ما قد رقما . . . وأن يدق طينه المختما صمصامه ماض إذا ~~ما صمما . . . إذا اعترته عزة ثم انتمى في ثروة الحي إذا ما يمما . . . ظل ~~يرى حكما عليه مبرما أن يظلم الناس وألا يظلما وقال آخر : ما كان ينكر في ~~ندى مجاشع . . . أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل وقال آخر : PageV01P404 # """""" صفحة رقم 405 """""" # بلاد كأن الجوع يطلب أهلها . . . بذحل إذا ما الضيف صرت جنادبه وقال آخر ~~: كرية لا يطعم الكريا . . . بالليل إلا جرجرا مقليا محترقا نصفا ونصفا نيا ~~وقال الأصمعي : قال الهيثم بن جراد - وذم قوما - : والله ما أنتم آل فلاة ~~فتعصمكم ، ولا أنتم آل ريف فتأكلون . فقيل : لو زدت ؟ فقال : ما بعد هذا ~~شيء . قال : وما أشبه هذا الجواب بقول عقيل بن علفة حين قيل له : لم لا ~~تطيل الهجاء ؟ قال : يكفيك من القلادة ما أحاط العنق . وقيل لابن عمر : لو ~~دعوت الله بدعوات ؟ فقال : اللهم عافنا وارحمنا وارزقنا . فقيل له : لو ~~زدتنا ؟ فقال : نعوذ باله من الإسهاب ms281 . قال شاعر : إذا أغلق الباب الكريم ~~من القرى . . . فليس على باب الفرزدق حاجب فتى يشتري حسن الثناء بماله . . ~~. إذا اغبر من برد الشتاء الكواكب قال : وكل لحم وخبز أنضج دفينا فهو مليل ~~، وما كان في تنور فهو شواء ؛ وما كان في قدر فهو حميل . PageV01P405 # """""" صفحة رقم 406 """""" # قال الأحنف لعمر بن الخطاب : إن إخواننا من أهل الكوفة والشام نزلوا في ~~مقلة الجمل وحولاء الناقة من أنهار متفجرة ، وثمار متدلية ، ونزلنا بسبخة ~~نشاشة يأتينا ماءنا في مثل حلقوم النعامة أو مرىء الحمل ، فإما أن تشق لنا ~~نهرا ، وإما أن ترفعنا إليك . قال جابر : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . والعرب تقول : ~~أكرموا الإبل إلا في بيت يبنى ، أو دم يفدى ، أو عزب يتزوج ، أو حمل حمالة ~~. وقال معاوية لأعرابي : ما تجارتك ؟ قال : أبيع الإبل ، قال : أما علمت أن ~~أفواهها حرب ، وجلودها جرب ، وبعرها حطب ، وتأكل الذهب . وقال خالد بن ~~صفوان : الإبل للبعد ، والبغال للثقل ، والبراذين للجمال والدعة ، والحمير ~~للحوائج ، والخيل للكر والفر . وقال آخر : يقذفن في الأعناق والغلاصم . . . ~~قذف الجلاميد بكف الراجم يريد بالأعناق الحلوق . PageV01P406 # """""" صفحة رقم 407 """""" # وقال آخر : نغار إذا ما الروع أبدى عن البرى . . . ونقرى عبيط اللحم ~~والماء جامس وقال آخر : تلك المكارم لا ناق مصرمة . . . ترعى الفلاة ولا ~~قعب من اللبن وقال أبو الصلت : تلك المكارم لا قعبان من لبن . . . شيبا ~~بماء فعادا بعد أبوالا ووصف بعض البلغاء التجار فقال : لا يوجد الأدب إلا ~~عند الخاصة والسلطان ومدبريه ، وأما أصحاب الأسواق فإنا لا نعدم من أحدهم ~~خلقا دقيقا ودينا رقيقا ، وحرصا مسرفا ، وأدبا مختلفا ، ودناءة معلومة ، ~~ومروءة معدومة وإلغاء اللفيف ، ومجاذبة على الطفيف ، يبلغ أحدهم غاية المدح ~~والذم في علق واحد في يوم واحد مع رجل واحد ، إذا اشتراه منه أو باعه إياه ~~، إن بايعك مرابحة وخبر بالأثمان ، قوي الأيمان على البهتان ، وإن قلدته ~~الوزن أعنت لسان الميزان ، ليأخذ برجحان أو يعطى بنقصان ؛ وإن كان لك قبله ~~حق لواه محتجا ms282 في ذلك بسنة السوفيين ، يرضى لك ما لا يرضى لنفسه ، ويأخذ ~~منك بنقد ويعطيك بغيره ، ولا يرى أن عليه من الحق في المبايعة مثل ما له ؛ ~~إن استنصحته غشك ، وإن PageV01P407 ~~"""""" صفحة رقم 408 """""" # سألته كذبك ، وإن صدقته حربك متمردهم صاعقة على المعاملين ، وصاحب سمتهم ~~نقمة على المسترسلين ؛ قد تعاطوا المنكر حتى عرف ، وتناكروا المعروف حتى ~~نسي ، يتمسكون من الملة بما أصلح البضائع ، وينهون عنها كلما عادت بالوضائع ~~؛ يسر أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفقها ، وغيلة لمسلم يحميه الإسلام ، فإذا ~~أحكم حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده ، فغر وضر ، وآب إلى منزله بحطام قد ~~جمعه مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه ، يعد الذي كان منه حذقا ~~بالتكسب ، ورفقا بالمطلب ، وعلما بالتجارة وتقدما في الصناعة . فلما بلغت ~~قراءتي هذا الموضع قال الوزير : إن كان هذا الواصف عنى العامة بهذا القول ~~فقد دخل في وصفه الخاصة أيضا ، فوالله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلا ~~شائعة في أصناف الناس من الجند والكتاب والتناء والصالحين وأهل العلم ؛ لقد ~~حال الزمان إلى أمر لا يأتي عليه النعت ، ولا تستوعبه الأخبار ، وما عجبي ~~إلا من الزيادة على مر الساعات ، ولو وقف لعله كان يرجى بعض ما قد وقع ~~اليأس منه ؛ واعترض القنوط دونه . فقال ابن زرعة وكان حاضرا : هذا لأن ~~الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدين رائع ، وذا يد من السياسة بسيطة ، ~~فأخلق اللبوس وبلي ، بل تمزق وفني ، وضعفت اليد بل شلت وقطعت ، ولا سبيل ~~إلى سياسة دينية لأسباب لا تتفق إلا بعلل فلكية ، وأمور سماوية ، فحينئذ ~~يكون انقياد الأمور الجانحة لها ، في مقابلة حران الأمور الجامحة عنها ، ~~وذلك منتظر في وقته ، وتمنى ذلك قبل إبانه وسواس النفس ، وخور الطباع ، ~~والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلبون بحوادث الدهور ، ولا فكاك لهم من ~~المكاره ، ولا اعتلاق لهم بالمحاب إلا بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم ~~إلى تحويل هذه إلى هذه ، ولا إلى تبديل هذه بهذه ، واختيارهم للتوجه إلى ~~محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف ms283 طفيف ، ولولا PageV01P408 ~~"""""" صفحة رقم 409 """""" # ذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد ، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنى ، ~~وهذا شأو محكوم به بقوة النفس ، غير مستيقظ إليه بقوة الحس . فقال الوزير : ~~أحسنت يا أبا علي في هذا الوصف ، وإن نفثك ليدل على أكثر من ذلك ، ولو كان ~~البال ظافرا بنعمة ، والصدر فارغا من كربة ، لكنا نبلغ من هذا الحديث مبلغا ~~نشفي به غليلنا قائلين ونشفي به مستمعين ، ولكني قاعد معكم وكأني غائب ، بل ~~أنا غائب من غير كاف التشبيه ، والله ما أملك تصرفي ولا فكري في أمري ، أرى ~~واحدا في فتل حبل ، وآخر في حفر بئر ، وآخر في نصب فخ ، وآخر في تمزيق عرض ~~، وآخر في اختلاق كذب ، وآخر في صدع ملتئم ، وآخر في عقد ، وآخر في نفث سحر ~~، وناري مع صاحبي رماد ، وريحه على عاصفة ، ونسيمي بيني وبينه سموم ، ~~ونصيبي منه هموم وغموم ، وإني أحدثكم بشيء تعلمون به صدقي في شكواي ، ~~وتقفون منه على تفسخي تحت بلواي ، ولولا أني أطفىء بالحديث لهبا قد تضرم ~~صدري به نارا ، واحتشى فؤادي منه أوارا ؛ لما تحدثت به ، ولو استطعت طيه ~~لما نبست بحرف منه ، ولكن كتماني للحديث أنقب لحجاب القلب من العتلة لسور ~~القصر . دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس ، فقال لي قد أعدت الخلعة فالبسها ~~على الطائر الأسعد ، فقلت أفعل ، وفي تذكرتي أشياء لابد من ذكرها وعرضها . ~~فقال : هات ، فقلت : يتقدم بكذا وكذا ، ويفعل كذا وكذا . فقال : عندي جميع PageV01P409 ~~"""""" صفحة رقم 410 """""" # ذلك ، أمض هذا كله ، واصنع فيه ما ترى ، وما فوق يدك يد ، ولا عليك لأحد ~~اعتراض ؛ فانقلبت عن المجلس إلى زاوية في الحجرة ، وفيها تحدرت دموعي ، ~~وعلا شهيقي ، وتوالى نشيجي ، حتى كدت أفتضح فدنا مني بعض خدمي من ثقاتي ، ~~فقال : ما هذا ؟ الناس وقوف ينتظرون بروزك بالخلعة المباركة والتشريف ~~الميمون ، وأنت في نوح وندم ؟ فقلت : تنح عني ساعة حتى أطفىء نار صدري ، ~~وإنما كان ذلك العارض لأني كنت عرضت على صاحبي تذكرة مشتملة على أشياء ~~مختلفة ، فأمضاها كلها ، ولم ms284 يناظرني في شيء منها ، ولا زادني شيئا فيها ، ~~ولا ناظرني عليها ، ولعلي قد بلوته بها ، وأخفيت مغزاي في ضمنها ، فخيل إلي ~~بهذه الحال أن غيري يقف موقفي ، فيقول في قولا مزخرفا ، وينسب إلي أمرا ~~مؤلفا ، فيمضي ذلك أيضا له كما أمضاه لي ، فوجدتني بهذا الفكر الذي قد فتق ~~لي هذا النوع من الأمر كراقم على صفحة ماء ، أو كقابض في جو على قطعة من ~~هواء ؛ أو كمن ينفخ في غير فحم ، أو يلعب في قيد ، ولقد صدق الأول حيث قال ~~: وإن امرأ دنياه اكبر همه . . . لمستمسك منها بحبل غرور غير أني أذكر لكم ~~ما عن لي من هذا الأمر . اعلموا أني ظننت أن مانظمه الماضي - رحمه الله - ~~وأصلحه ، وبناه وقومه ، ونسجه ونوقه لا يستحيل في ثلاثين سنة ولا خمسين سنة ~~؛ وأن الحال تدوم على ذلك المنهاج ، وتستمر على ذلك السياج ، ونكون قد ~~أخذنا بطريق من السعادة ، وبلغنا لأنفسنا بعض ما كنا نسلط عليه التمني من ~~الإرادة فنجمع بين علو المرتبة ، وشرف الرياسة ، ونيل اللذة ، وإدراك ~~السرور ، واصطناع العرف ، وكسب الثناء ، ونشر الذكر ، وبعد الصيت ، فعاد PageV01P410 ~~"""""" صفحة رقم 411 """""" # ذلك كله بالضد ، وحال إلى الخلاف ، ووقف على الفكر المضني ، والخوف ~~المقلق ، واليأس الحي ، والرجاء الميت ؛ وما أحسن ما قال القائل : أظمتني ~~الدنيا فلما جئتها . . . مستسقيا مطرت علي مصائبا فقال له ابن زرعة : إن ~~الأمور كلها بيد الله ، ولا يستنجز الخير إلا منه ، ولا يستدفع الشر إلا به ~~، فسله جميل الصنع وحسن النية وانو الخير ، وبث الإحسان ، وكل أعداءك إلى ~~ربك الذي إذا عرف صدقك وتوكلك عليه فلل حدهم ، وغفر خدهم ، وسيح الفرات إلى ~~جمرتهم حتى يطفئها ، وسلط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها ، وشغلهم بأنفسهم ~~، وخالف بين كلمتهم ، وصدع شمل جميعهم ، وردهم إليك صاغرين ضارعين ، وعرضهم ~~عليك خاضعين ، وما ذلك على الله بعزيز ، وإن الله مع المحسنين على المسيئين ~~. قال : والله لقد وجدت روحا كثيرا بما قلت لكم وما سمعت منكم ، وأرجو أن ~~الله يعين المظلوم ، ويهين الظالم . قد تمطى الليل ، وتغورت ms285 النجوم ، وحن ~~البدن إلى الترفه ؛ فإذا شئتم . فانصرفنا متعجبين . # الليلة الثالثة والثلاثون # عدنا إلى ما كنا فيه من حديث الممالحة - وكان قد استزادني - فكتبت له هذه ~~الورقات وقرأتها بين يديه ، فقال كلاما كثيرا عند كل ما مر مما يكون صلة ~~لذلك الحديث ، خزلته طلبا للتخفيف . قال حماد الراوية : عن قتادة قال زياد ~~لغيلان بن خرشة : أحب أن تحدثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على ~~النعمة التي أصبحنا بها . فقال غيلان : حدثني عمي قال : توالت على العرب ~~سنون سبع في الجاهلية حصت كل شيء ، فخرجت على PageV01P411 ~~"""""" صفحة رقم 412 """""" # بكر لي في العرب ، فمكثت سبعا لا أذوق فيهن شيئا غلا ما ينال بعيري من ~~حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم ، فإذا ببيت جحيش عن الحي ، فملت إليه ~~، فخرجت إلي امرأة طوالة حسانة ، فقالت : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى ~~. فقالت : لو كان عندنا شيء آثرناك به ، والدال على الخير كفاعله ، جس هذه ~~البيوت فانظر إلى أعظمها ، فإن يك في شيء منها خير ففيه . ففعلت حتى دنوت ~~إليه ، فرحب بي صاحبه وقال : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقال : يا ~~فلان ، فأجابه ، فقال : هل عندك من طعام ؟ قال : لا ، قال : فوالله ما وقر ~~في أذني شيء كان أشد علي منه . فقال : هل عندك من شراب ؟ قال : لا ، ثم ~~تأوه وقال : قد أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق ، قال : فأت به ، ~~فأتى العطن فابتعثها ، فحدثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق ~~وكور الأهواز وفارس ، وجاهد عند السلطان وكثر ماله وولده ، قال : فما سمعت ~~شيئا قط كان ألذ إلي من شخب تلك الناقة في تلك العلبة ، حتى إذا ملأها ~~ففاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوة كجمة الشيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود ~~أو حجر ، فسقطت العلبة من يده ، فحدثني أنه أصيب بأبيه وأمه وولده وأهل ~~بيته ، فما أصيب بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة ؛ فلما رآني كذلك رب ~~البيت خرج شاهرا سيفه ، فبعث الإبل ثم نظر إلى ms286 أعظمها سناما ، على ظهرها ~~مثل رأس الرجل الصعل ، فكشف عن فوهته ثم أوقد نارا ، واجتب سنامها ، ودفع ~~إلي مدية وقال : يا عبد الله ، PageV01P412 ~~"""""" صفحة رقم 413 """""" # اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار ، فإذا بلغت إناها أكلتها ، ثم ~~مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي ، وكان قد قحل على عظمي حتى كأنه شن ، ~~ثم شربت ماء وخررت مغشيا علي ، فما أفقت إلى السحر . فقطع زياد الحديث وقال ~~: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا ، فمن المنزول به . قلت : عامر بن الطفيل ~~. قال : أبو علي ؟ قلت : أبو علي . واستعادني الوزير أداه الله علوه هذا ~~الحديث مرتين وأكثر المتعجب ، وقال : صدق القائل في العرب : منعوا الطعام ~~وأعطوا الكلام . تغدى أبو العيناء عند ابن مكرم ، فقدم إليه عرافا ، فلما ~~جسه قال : قدركم هذه قد طبخت بشطرنج ؟ . وقدم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة ~~العظام ، فقال : هذه قدر أم قبر ؟ وأكل عنده أبو العيناء يوما ، فسقي ثلاث ~~شربات باردة ، ثم طلب الرابعة فسقي شربة حارة ، فقال : لعل مزملتكم تعتريها ~~حمى الربع . قال سلمة : بقي أبو المقام ببغداد وكنا نأتيه ونسمع منه ، ~~فجاءنا بجفنة فيها جواذب فجعل أصحابنا يأكلون ، ثم أتاهم بسفود فيه يرابيع ~~فسلتها في الجفنة ، فعلم القوم أنهم قد دهوا ، فجعلوا يستقيئون ما أكلوا . PageV01P413 # """""" صفحة رقم 414 """""" # وقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، لي جارتان بأيتهما أبدأ ؟ ~~قال : ' بأدناهما بابا منك ' . وقال حكيم : ينبغي ألا يعطى البخيل أكثر من ~~قوته ، ليحكم عليه بمثل ما حكم به على نفسه . وقال الشاعر : أفلح من كانت ~~له قوصرة . . . يأكل منها كل يوم مره أفلح من كانت له مزخه . . . يزخها ثم ~~ينام الفخه أفلح من كانت له دوخله . . . يأكل منها كل يوم مله أفلح من كانت ~~له هرشفه . . . ونشفة يملأ منها كفه أفلح من كانت له كرديده . . . يأكل ~~منها وهو ثان جيده وقال أبو فرعون الشاشي يخاطب الحجاج : يا خير ركب سلكوا ~~طريقا . . . ويمموا مكة والعقيقا وأطعموا ذا الكعك والسويقا . . . ~~والخشكنان اليابس الرقيقا وقال آخر ms287 : رأيت الجوع يطرده رغيف . . . وملء ~~الكف من ماء الفرات وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' الطاعم الشاكر ~~بمنزلة الصائم الصابر ' . قبل مزبد جارية PageV01P414 ~~"""""" صفحة رقم 415 """""" # بخراء ، فقال لها : أظنك تعشيت بكرش ، أو احتشيت صحنا ؛ فقالت : ما أكلت ~~إلا خردلا . قال : قد ذهب النصف الثاني وبقي ما قبله . قال شاعر : وباتوا ~~يعشون القطيعاء ضيفهم . . . وعندهم البرني في جلل دسم وقال آخر : وما ~~أطعمونا الأوتكي من سماحة . . . ولا منعوا البرني إلا من البخل سمعت ~~الحجاجي يقول : كل الخبز أو السمك ، فإن أكل أحدهما كان مطيعا ؛ فإذا نفيت ~~فقلت : لا تأكل الخبز والسمك ؛ فإن أكل أحدهما لم يعصك ؛ وإذا قلت : لا ~~تأكل الخبز أو السمك ، لم يكن له أن يأكل أحدهما لأن التقدير في النفي لا ~~تأكل أحدهما ، والتقدير في الإيجاب ائت أيهما شئت ؛ فهذه خاصية أو . السويق ~~: الجشيش ، لأنه رض وكسر . المجشة : رحى صغيرة يجش بها . وروي أن رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) رأى الشبرم عند أسماء بنت عميس فقال : حار حار ، ~~وأمر بالسنا . ويقال : أكل البطيخ مجفرة ، أي يقطع ماء النكاح . ويقال : ~~فلان عظيم المجرأش أي الوسط ، فرس مجرئش الجنبين واجرأشت الإبل ، PageV01P415 ~~"""""" صفحة رقم 416 """""" # إذا بطنت ، وإبلق مجرئشة أي بطان ؛ ويقال : كثأة قدركم ، وهي ما ارتفع ~~منها عند الغلي . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه ابن عباس ~~قال : سمعته يقول : ' ليس بمؤمن من بات شبعان ريان وجاره جائع طاو ' . قال ~~عمر : مدمن اللحم كمدمن الخمر . وقال لقيط بن زرارة يذم أصحابه يوم جبلة : ~~إن الشواء والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء والكأس الأنف للضاربين ~~الهام . . . والخيل قطف قيل لدب : لم تفقر رجلا في ليلة من كثرة ما تأكل من ~~عنبه ؟ فقال : لا تلمني ، فإن بين يدي أربعة أشهر أنجحر فيها فلا أتلمظ إلا ~~بالهواء . قال ابن الأعرابي : إذا أقدح الرجل مرة بعد مرة فأطعم لحمه ~~المساكين سمي متمما ، وبه سمي ابن نويرة ، ومن ذلك قول النابغة : إني أتمم ~~أيساري وأمنحهم . . . مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما الثرتم من فتات ms288 ~~الطعام ، ويقال الترتم أيضا ما فضل من الطعام في الإناء ، ويقال : طعام ذو ~~نزل . والمليح والملح : السمن ، يقال : تملحت الجارية وتجملت إذا سمنت . PageV01P416 # """""" صفحة رقم 417 """""" # وقال أبو الطمحان القيني : وإني لأرجو ملحها في بطونكم . . . وما كشطت من ~~جلد اشعث اغبرا هكذا سمعت . ويقال : سمن حتى كأنه خرس ، والخرس : الدن ~~بعينه . وفي المثل : إن آخر الخرس لدردى أي آخر الدن دردى . وأنشد : حبذا ~~الصيف حبذا من أوان . . . وزمان يفوق كل زمان زمن الخمر والمساور والجش . . ~~. ن وورد الخلاف والريحان زمن كانت المضائر فيه . . . بلحوم الجداء ~~والحملان وصدور الدجاج بالخل والمرى . . . ونثر السذاب والأنجذان وسمان من ~~الفراريج تغلي . . . بعصير الأعناب والرمان وشوا الوزة اللذيذة والقا . . . ~~رص بين الحليب والألبان ونقي السويق بالسكر المن . . . خول في الثلج في ~~الزجاج اليماني وقلال تحط من بكرات . . . مرويات غلائل العطشان واعترض حديث ~~العلم ، فأنشد ابن عبيد الكاتب لسابق الزبيري قوله : العلم يجلو العمى عن ~~قلب صاحبه . . . كما يجلى سواد الظلمة القمر وقال أيضا : PageV01P417 # """""" صفحة رقم 418 """""" # إذا ما لم يكن لك حسن فهم . . . أسأت إجابة وأسأت فهما آخر : العلم ينعش ~~أقواما فينقعهم . . . كالغيث يدرك عيدانا فيحييها فقال الوزير : عندي في ~~صحيفة حفظ الصبا : العلم سراج يجلي الظلمة ، وضياء يكشف العمى . التذلل ~~مكروه إلا في استفادته ، والحرص مذموم إلا في طلبه ، والحسد منهي عنه إلا ~~عليه . ثم عاد الحديث إلى الممالحة : حدثني مطهر بن أحمد الكاتب عن ابن ~~قرارة العطار قال : اجتمع ذات يوم عندي على المائدة أبو علي بن مقلة وأبو ~~عبد الله اليزيدي ، وكان ابن مقلة يفضل الهريسة ، وكان اليزيدي يفضل ~~الجوذابة ، وكان كل واحد منهما يصف النوع الذي يقول به ويؤثره ، فقال ~~اليزيدي : الهريسة طعام السوقيين والسفلة ، وليست الجوذابة بهذه الصفة ؛ ~~فقال لي ابن مقلة : ما اسم الجوذابة بالفارسية ؟ فقلت جوزاب ، فقال : ضم ~~الكاف . وفهمت ما أراد ، فقلت : نسأل الله العافية ، والله لقد عافتها نفسي ~~، وسكت اليزيدي . قال يزيد بن ربيع : الكبا بطعام الصعاليك ، والماء والملح ~~طعام الأعراب ، والهرائس والرءوس طعام السلاطين ، والشواء ms289 طعام الدعار ، ~~والخل والزيت طعام أمثالنا . وحدثني ابن ضبعون الصوفي قال : قال لي أبو عمر ~~الشاري صاحب الخليفة : انهض بنا حتى نتغدى ، فإن عندي مصوصا وهلاما وبقية ~~مطجنة ، وشيئا من الباذنجان البوراني البائت المخر . قلت : هذه كلها تزايين ~~المائدة ، فأين الأدم ؟ كان عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بكثر ~~أكل الجوذاب ولا يؤثر عليه شيئا ، PageV01P418 ~~"""""" صفحة رقم 419 """""" # وكان يقول : يشد العضدين ، ويقوي الساعدين ، ويجلو الناظرين ، ويزيد في ~~سمع الأذنين ، ويحمر الوجنتين ، ويزيد في المني ، وهو طعام شهي ، فأي شيء ~~بقي ؟ وبلغ المنصور وصفه هذا ، فقال : بحق ما وصفه ، ولا نقبل أكله . وقال ~~وكيع بن الجراح : التمتين على المائدة خير من زيادة لونين ، وكمال المائدة ~~كثرة الخبز ، والسميذ الأبيض أحلى من الأصفر . وكان يحيى بن أكثر يحب ~~الجوذاب ، فبلغه أن رجلا ممن يحضر عنده يعيب الجوذاب ، فقال يحيى : إن ثبت ~~عندي هذا توقفت عن شهادته ، وحكمت عليه بضعف الحس وقلة التمييز ، فبلغ ~~الرجل ذلك ، فاحترس ، فقال له يحيى يوما : ما قولك في الجوذاب ؟ فقال : ~~أشرف مأكل وأطيبه ، سهل المدخل ، لذيذ المطعم ، جيد الغذا ، قليل الأذى . ~~قال : أصبت ، هكذا أريدك . أبو صالح عن ابن عباس قال : ما من داخل إلا وله ~~حيرة ، فابدءوه بالسلام ، وما من مدعو إلا وله حشمة ، فابدءوه باليمين . ~~قال حمدان : قلت لجارية اردت شراءها - وكانت ناعمة البدن رطبة شطبة غضة بضة ~~- : ما كان غذاؤك عند مولاك ؟ قالت : المبطن . قلت : وما المبطن ؟ قالت : ~~الأرز الريان من اللبن ، بالفالوذج الريان من العسل ، والخبيصة الريانة من ~~الدهن والسكر والزعفران . قلت : حق لك . وقال ابن الجصاص الصوفي : دخلت على ~~أحمد بن روح الاهوازي فقال : ما تقول في صحفة أرز مطبوخ ، فيها نهر من سمن ~~، على حافاتها كثبان من السكر المنخول ، فدمعت عيني . فقال : مالك ؟ قلت : ~~أبكي شوقا إليه ، جعلنا الله وإياك من الواردين عليه بالغواصة PageV01P419 ~~"""""" صفحة رقم 420 """""" # والردادتين . فقال لي : ما الغواصة والردادتان ؟ قلت : الغواصة الإبهام ، ~~والردادتان : السبابة والوسطى . فقال : أحسنت ، بارك الله عليك . شكا رجل ~~إلى ms290 عمر الجوع فقال : أكذك وأنت تنث نث الحميت ؟ أي ترشح كما يرشح الزق . ~~وقال ابن سكرة : أطمعني في خروفكم خرفي . . . فجئت مستعجلا ولم أقف وجئت ~~أرجو أطرافه فغدت . . . في طرف والسماك في طرف وحذروني من ذكر رزته . . . ~~يا حر صدري لها ويا لهفي عاينته والذي يفصله . . . والقلب مني على شفا جرف ~~ما حل بي منك عند منصرفي . . . ما كنت إلا فريسة التلف ويقال : القانع غني ~~وإن جاع وعري ، والحريص فقير وإن ملك الدنيا . قيل لإبراهيم الخليل - عليه ~~السلام - : بأي شيء اتخذك الله خليلا ؟ قال : بأني ما خيرت بين أمرين إلا ~~اخترت الذي لله ، وما اهتممت لما تكفل لي به ، وما تغديت وما تعشيت إلا مع ~~ضيف . واعترض حديث فقال : أنشدني بيتي ابن غسان البصري في حديث بختيار ، ~~يعني عز الدولة ، فأنشدته : أقام على الأهواز ستين ليلة . . . يدبر أمر ~~الملك حتى تدمرا يدبر أمرا كان أوله عمى . . . وأوسطه ثكلا وآخره خرا فقال ~~: ما أعجب الأمور التي تأتي بها لدهور عد إلى قراءتك ، فعدت وقرأت . روي في ~~الحديث : لا تأكلوا ذروة الثربد ، فإن البركة فيها . وقال أعرابي : اللبن ~~أحد اللحمين ، وملك العجين أحد PageV01P420 ~~"""""" صفحة رقم 421 """""" # الريعين ، والمرقة أحد اللحمين ، والبلاغة أحد السبفين والتمني أحد ~~السكرين . أراد مزبد أضحية فلم يجدها ، فأخذ ديكا ليضحي به ، فوجه إليه ~~جيرانه شاة شاة حتى اجتمع عنده سبع شياه ، فقال ديكي أفضل عند الله من ~~إسحاق لأنه فدي بكبش ، وديكي بسبعة . الكتل : اللحم ، والعيمة : شهوة اللبن ~~، والقرم : شهوة اللحم . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من أحب أن يرق ~~قلبه فليكثر من أكل البلس ' . قيل : هو التين . وقال أعرابي : يمن علي ~~بالتزويج شيخي . . . وفي التزويج لي هم وشغل وكنت من الهموم رخي بال . . . ~~فحل من الهموم علي ثقل فقلت له : مننت بغير من . . . ومالك بالذي اسديت فضل ~~أعزاب العشيرة لو علمتم . . . بحالي حين لي بيت وأهل علمتم أنكم في حال عيش ~~. . . رخي ماله يا قوم عدل قال إسحاق الموصلي : أملي بعض الفقهاء بالكوفة ~~أن عمر بن الخطاب ms291 رضي الله عنه كره السمر إلا في الفقه ، يريد كثرة السمر ~~إلا في الفقه . قيل لميسرة الرأس : ما أكثر ما أكلت ؟ قال : مائة رغيف ~~بكيلجة ملح ؛ فقيل هذا أكلك في بيتك ؟ قال : آكل في بيتي رغيفين ، وأحتشي ~~إلى الليل فشل الخيل . تناول الفضل بن العباس تفاحة فأكلها ، فقيل : ويحك ، ~~تأكل التحيات ؟ فقال : والصلوات والطيبات . يقال : الطعمة : الكسب . ويقال ~~: جئت بالطعمة . والطعم : الطعام : والطعم : الذوق . PageV01P421 # """""" صفحة رقم 422 """""" # وهذه الأرض طعمة لك وطعمة . قال إسحاق : كنت يوما عند أحمد بن يوسف ~~الكاتب ، فدخل أحمد بن أبي خالد الكاتب ونحن في الغناء ، فقال : والله ما ~~أجد شيئا مما أنتم فيه . قال إسحاق : فهان علي وخف في عيني ، فقلت له ~~كالمستهزىء به ، جعلت فداك ، قصدت إلى أرق شيء خلقه الله وألينه على الأذن ~~والقلب ، وأظهره للسرور والفرح ، وأنفاه للهم والحزن ، وما ليس للجوارح منه ~~مؤونة غليظة ، وإنما يقرع السمع وهو منه على مسافة ، فتطرب له النفس ، ~~فذممته ؟ ولكنه كان يقال : لا يجتمع في رجل شهوة كل لذة ، وبعد ، فإن شهوة ~~كل رجل على قدر تركيبه ومزاجه . قال : أجل ، أما أنا فالطعام الرقيق أعجب ~~إلي من الغناء . فقلت : إي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبلية ~~بالبازنجان المبزر أيضا تقدمه ؟ فقال : الغناء مختلف فيه ، وقد كرهه قوم . ~~قلت فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى تجمعوا على تحريمه ، أعلمت - جعلت فداك - ~~أن الأوائل كانت تقول : من سمع الغناء على حقيقته مات . فقال : اللهم لا ~~تسمعناه على الحقيقة إذا فنموت . فاستظرفته في هذه اللفظة ، وقدموا إليه ~~الطعام فشغل عن ذم الغناء . قال سعيد بن أبي عروة : نزل الحجاج في طريق مكة ~~، فقال لحاجبه : انظر أعرابيا يتغدى معي ، وأسأله عن بعض الأمر ، فنظر ~~الحاجب إلى أعرابي بين شملتين ، فقال : أجب الأمير ، فأتاه ، فقال له ~~الحجاج : إذن فتغد معي . فقال : إنه دعاني من هو أولى منك فأجبته . قال : ~~ومن هو ؟ قال : الله عز وجل دعاني إلى الصوم فصمت ، قال : أفي هذا اليوم ~~الحار ؟ قال : نعم ، صمته ليوم هو أشد منه ms292 حرا . قال : فأفطر وصم غدا . قال ~~: إن ضمنت لي البقاء إلى غد . قال : ليس ذلك إلي . قال : فكيف تسألني عاجلا ~~بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنه طعام طيب . قال : إنك لم تطيبه ولا الخباز ؛ ~~ولكن العافية طيبته ، ولم يفطر ، وخرج من عنده . قال أعرابي : هذا الطعام ~~مطيبة للنفس ، محسنة للجسم . PageV01P422 # """""" صفحة رقم 423 """""" # قال أبو حاتم : حدثنا الأصمعي قال : قال أبو طفيلة الحرمازي : قال أعرابي ~~: ضفت رجلا فأتاني بخبز من بر كأنه مناقير النغران ، وأتانا بتمر كأعناق ~~الورلان ، يوحل فيه الضرس . وقال آخر : ونظر إلى رجل يأكل بالعين والفم ~~واليد والرأس والرجل : لو سألته عن اسمه لما ذكره ، ولو طلع ولده الغائب ~~عليه ما عرفه : يلعب بالخمسة في قصعة . . . لعب أخي الشطرنج بالشاه قال ابن ~~الأعرابي : كان المحسن الضبي شرها على الطعام ، وكان دميما ، فقال له زياد ~~ذات يوم : كم عيالك ؟ قال : تسع بنات . . قال : فأين هن منك . فقال : أنا ~~أحسن منهن وهن آكل مني ؛ فضحك . وقال : جاز ما سألت لهن . وأمر له بأربعة ~~آلاف درهم فقال : إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم . . . فناد زيادا أو أخا ~~لزياد يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله . . . إذا ضن بالمعروف كل جواد وقال ~~سنان بن أبي حارثة : ثمة أطعم زادي غير مدخر . . . أهل المحلة من جار ومن ~~جادي قد يعلم القوم إذ طال اغترابهم . . . وأرملوا الزاد أني منفد زادي ~~وقال السفاح بن بكر : والمالىء الشيزي لأضيافه . . . كأنها أعضاد حوض بقاع PageV01P423 ~~"""""" صفحة رقم 424 """""" # لا يخرج الأضياف من بيته . . . إلا وهم منه رواء شباع أورد أعرابي إبله ، ~~فأبى أهل الماء أن يجيزوه ، وقالوا : إبلك كثيرة ، فإن أوردت فشرط أن تقف ~~بعيدا عن الماء وتسقي ما جاءك منها ، ولا تحاجز بها ؛ قال : أفعل ، وأنشأ ~~يقول : رب طبيخ مرجل ملهوج . . . يسلته القوم ولما ينضج حش بشيء من ضرام ~~العرفج فانقضت الإبل كلها على الماء فشربت . قال الشاعر : شرب النبيذ على ~~الطعام قليلة . . . فيه الشفاء وصحة الأبدان وإذا شربت كثيره فكثيره . . . ~~مزج عليك ركائب الشيطان فتكون بين الضاحكين ms293 كبومة . . . عمياء بين جماعة ~~الغربان فاحذر بجهدك أن ترى كجنيبة . . . بعد العشاء تقاد بالأرسان قال ~~حمزة المصنف في بعض كتبه : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لسلمان ~~الفارسي : أن اتخذ لنا سورا ، أي طعاما كطعام الوليمة ، وهي فارسية . قال ~~شيخنا أبو سعيد السيرافي : أخطأ هذا المتأول ، وإنما أراد النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) : أن سلمان اتخذ لنا خندقا يوم الأحزاب ، لأنه حض على ذلك ، ~~وليس ذا من ذاك إلا باللفظ . وقال جعيفر ان الموسوس في وصف عصيدة : وماء ~~عصيدة حمراء تحكي . . . إذا أبصرتها ماء الخلوق تزل عن اللهاة تمر سهلا . . ~~. وتجري في العظام وفي العروق قال الحسن بن سهل : أشياء تذهب هباء ، دين ~~بلا عقل ، ومال بلا بذل وعشق بلا PageV01P424 ~~"""""" صفحة رقم 425 """""" # وصل . فقال حميد : بقي عليه مائدة بلا نقل ، ولحسة بلا فضل . قيل لصوفي : ~~ما حد الشبع ؟ قال : الموت . وقيل لآخر : ما حد الشبع ؟ قال آكل حتى يقع ~~علي السبات فأنام على وجهي ، وتتجافى أطرافي عن الأرض . وقيل لآخر : ما حد ~~الشبع ؟ قال : أن أدخل إصبعي في حلقي فيصل إلى الطعام . قال يعقوب : أصبحت ~~خالفا : لا أشتهي الطعام . وخلوف البطن تغيره . ويقال : مغسني بطني ، وهو ~~المغس ، ورجل ممغوس . ويقال : غمزني بطني وملكني . والعامة تقول : كل ما في ~~القدر تخرجه المغرفة ، ورجل مقرضب وقراضب وقرضاب إذا كان أكولا ، وكذلك ~~السيف واللص ، قال الشاعر : وليس يرد النفس عن شهواتها . . . من القوم إلا ~~كل ماضي العزائم ومر ابن عامر على عامر بن عبد القيس وهو يأكل بقلا بملح ، ~~فقال : لقد رضيت باليسير . فقال : أرضي مني باليسير من رضي بالدنيا عوضا عن ~~الآخرة . قال عبد الملك بن مروان : لا تستاكن إلا عرضا ، ولا تأكلن إلا عضا ~~ولا تشربن إلا مصا ، ولا تركبن إلا نصا ، ولا تعقدن إلا وصا . ويقال : ماء ~~قراح ؛ وخبز قفار : لا أدم معه ، وسويق جاف ، ولبن صريح : لم يخالطه شيء . ~~وقال سعيد بن سلمة : شيئان لا تشبع منهما ببغداد : السمك والرطب . قال ~~أعرابي : أكلت فرسكة وعلى خوخة ، فجاء غلام ms294 حزور فنظر حرني . PageV01P425 # """""" صفحة رقم 426 """""" # الفرسكة : الخوخة المقددة . والخوخة : القميص الأخضر بطن بفرو . والحرة : ~~الأذن . قيل لحاتم الأصم : بم رزقت الحكمة ؟ قال : بخلاوة البطن ، وسخاوة ~~النفس ، ومكابدة الليل . وقال شقيق البلخي : العبادة حرفة ، وحانوتها ~~الخلوة ، وآلتها الجوع . قال لقمان : إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، ~~وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة . وقال عمر : لولا القيامة ~~لشاركناكم في لين عشيكم . وقال بعض العرب : أقلل طعامك تحمد منامك . قال ~~يحيى بن معاد : الشبع يكنى بالكفر . وقال غيره : الجوع يكنى بالرحمة . وقال ~~أعرابي : تحيز مني خيفة أن أضيفها . . . كما انحازت الأفعى مخافة ضارب وذكر ~~المهلب اللحم فقال إذا التقى الوارد والغابر فتوقع الفساد . # الليلة الرابعة والثلاثون # وقال الوزير في بعض الليالي : قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن ~~العامة من خوضها في حديثنا ، وذكرها أمورنا ، وتتبعها لأسرارنا ، وتنقيرها ~~عن مكنون أحوالنا ، ومكتوم شأننا ، وما أدري ما أصنع بها ، وإني لأهم في ~~الوقت بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد ، لعل ذلك يطرح الهيبة ~~ويحسم المادة ، ويقطع هذه العادة ، لحاهم PageV01P426 ~~"""""" صفحة رقم 427 """""" # الله ، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم المهمة ، ومعايشهم النافعة ، ~~وفرائضهم الواجبة ؟ ولم ينقبون عما ليس لهم ، ويرجفون بما لا يجدي عليهم ، ~~ولو حققوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا فائدة ؛ وإني لأعجب من لهجهم ~~وشغفهم بهذا الخلق حتى كأنه من الفرائض المحتومة ، والوظائف الملزومة ؛ وقد ~~تكرر منا الزجر ، وشاع الوعيد ، وفشا الإنكار بين الصغار والكبار ، ولقد ~~تعايى علي هذا الأمر وأغلق دوني بابه ، وتكاثف علي حجابه ، والله المستعان ~~. فقلت : أيها الوزير ، عندي في هذا جوابان : أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي ~~سليمان ، وهو من تفوق في الفضل والحكمة والتجربة ومحبة هذه الدولة والشفقة ~~عليها من كل هبة ودبة ؛ والآخر مما سمعته من شيخ صوفي ، والجوابين فائدتان ~~عظيمتان ، ولكن الجملة خشناء ، وفيها بعض الغلظة ، والحق مر ، ومن توخى ~~الحق احتمل مرارته . قال : فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين ، فليس ينتفع ~~بالدواء إلا بالصبر على بشاعته ، وصدود الطبع عن ms295 كراهته . قلت : أما أبو ~~سليمان ، فإنه قال في هذه الأيام : ليس ينبغي لمن كان الله عز وجل جعله ~~سائس الناس : عامتهم وخاصتهم ، وعالمهم وجاهلهم ، وضعيفهم وقويهم ، وراجحهم ~~وشائلهم ، أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة ، منها : ~~أن عقله فوق عقولهم ، وحلمه أفضل من حلومهم ، وصبره أتم من صبرهم ؛ ومنها ~~أنهم إنما جعلوا تحت قدرته ، ونيطوا بتدبيره ، واختبروا بتصريفهم على أمره ~~ونهيه ، ليقوم بحق الله تعالى فيهم ، ويصبر على جهل جاهلهم ، ويكون عماد ~~حاله معهم الرفق بهم ، والقيام بمصالحهم ، ومنها أن العلاقة التي بين ~~السلطان وبين الرعية قوية ، لأنها إلهية ، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين ~~الوالد والولد ، والملك والد كبير ، كما أن الوالد ملك صغير ، وما يجب على ~~الوالد في سياسة ولده من الرفق به ، والحنو عليه ، والرقة له ، واجتلاب ~~المنفعة إليه ، أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده ، وذلك أن الولد غر ، ~~وقريب العهد بالكون ، وجاهل PageV01P427 ~~"""""" صفحة رقم 428 """""" # بالحال ، وعار من التجربة ، كذلك الرعية الشبيهة بالولد ، وكذلك الملك ~~الشبيه بالوالد ؛ ومما يزيد هذا المعنى كشفا ، ويكسبه لطفا ، أن الملك لا ~~يكون ملكا إلا بالرعية ، كما أن الرعية لا تكون رعية إلا بالملك ، وهذا من ~~الأحوال المتضايفة ، والأسماء المتناصفة ؛ وبسبب هذه العلاقة المحكمة ~~والوصلة الوشيجة ، ما لهجت العامة بتعرف حال سائسها ، والناظر في أمرها ، ~~والمالك لزمامها ، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها ، وطيب حياتها ، ودرور ~~مواردها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدل الفائض عليها ، والخير المجلوب ~~إليها ، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة ، ومندوب إليه أيضا في أحكام ~~الشريعة . قال : ولو قالت الرعية لسلطانها : لم لا نخوض في حديثك ، ولا ~~نبحث عن غيب أمرك ، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك ؟ ولم لا نقف ~~على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ، ومصالحنا متعلقة بك ، وخيراتنا متوقعة من ~~جهتك ، ومسرتنا ملحوظة بتدبيرك ، ومساءتنا مصروفة باهتماك ، وتظلمنا مرفوع ~~بعزك ، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك ، وشائع رحمتك ، وبليغ ~~اجتهادك ، ما كان جواب سلطانها وسائسها ؟ أما كان ms296 عليه أن يعلم أن الرعية ~~مصيبة في دعواها التي بها استطالت ، بلى والله ، الحق معترف به وإن شغب ~~الشاغب ، وأعنت المعنت . قال : ولو قالت الرعية أيضا : ولم لا تبحث عن أمرك ~~؟ ولم لا تسمع كل غث وسمين منا وقد ملكت نواصينا ، وسكنت ديارنا ، وصادرتنا ~~على أموالنا ، وحلت بيننا وبين ضياعنا ، وقاسمتنا مواريثنا ، وأنسيتنا ~~رفاغة العيش ، وطيب الحياة ، وطمأنينة القلب ، فطرقنا مخوفة ، ومساكننا ~~منزولة ، وضياعنا مقطعة ، ونعمنا مسلوبة ، وحريمنا مستباح ، ونقدنا زائف ، ~~وخراجنا مضاعف ، ومعاملتنا سيئة ، وجندينا متغطرس ، وشرطينا منحرف ، ~~ومساجدنا خربة ، ووفوفها منتهبة ، ومارستاناتنا خاوية ، وأعداؤنا مستكلبة ، ~~وعيوننا سخينة ، وصدورنا مغيظة ، وبليتنا متصلة ، وفرحنا معدوم ؛ ما كان ~~الجواب أيضا عما قالت وعما لم تقل ، هيبة لك ، وخوفا على أنفسها من سطوتك ~~وصولتك ؟ PageV01P428 # """""" صفحة رقم 429 """""" # وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنه رفع إلى الخليفة المعتضد أن طائفة من ~~الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكان شيخ تبان ، ويخوضون في الفضول ~~والأراجيف وفنون من الأحاديث ، وفيهم قوم سراة وتناء وأهل بيوتات سوى من ~~يسترق السمع منهم من خاصة الناس ، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فلما عرف ~~الخليفة ذلك ضاق ذرعا ، وحرج صدرا ، وامتلأ غيظا ، ودعا بعبيد الله بن ~~سليمان ، ورمى بالرفيعة إليه ، وقال : انظر فيها وتفهمها . ففعل ، وشاهد من ~~تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، وشرد آلف صبره ، وقال : قد فهمت يا ~~أمير المؤمنين . قال : فما الدواء ؟ قال : تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق ~~بعضهم وتغريق بعضهم ، فإن العقوبة إذا اختلفت ، كان الهول أشد ، والهيبة ~~أفشا ، والزجر أنجع ، والعامة أخوف . فقال المعتضد - وكان أعقل من الوزير - ~~: والله لقد بردت لهيب غضبي بفورتك هذه ، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة ، ~~وحططت علي الرفق ، من حيث أشرت بالخرق ، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك ~~وهديك ومروءتك ، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ~~ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف عن الجهل ، ~~وتبعثني على الحلم ، وتحبب إلى الصفح وترغبني في فضل الإغضاء على هذه ~~الأشياء . وقد ساءني ms297 جهلك بحدود العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر ، وبما ~~يكون كفأ للذنوب ، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلة ~~الرحمة ويبس الطينة ورقة الديانة ، أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند ~~سلطانها ؟ وأن الله يسائله عنها كيف سستها ؟ ولعله لا يسألها عنه ، وإن ~~سألها فليؤكد الحجة عليه منها ؛ ألا تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما ~~يقول إلا لظلم لحقه أو لحق جاره ، وداهية نالته أو نالت صاحبا له ؟ وكيف ~~نقول لهم : كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم ، غير خائضين في حديثنا ~~، ولا سائلين عن أمرنا ، والعرب تقول في كلامها : غلبنا السلطان فلبس ~~فروتنا ، وأكل PageV01P429 ~~"""""" صفحة رقم 430 """""" # خضرتنا ، وحنق المملوك على المالك معروف ، وإنما يحتمل السيد على صروف ~~تكاليفه ، ومكاره تصاريفه ، إذا كان العيش في كنفه رافعا ، والأمل فيه قويا ~~، والصدر عليه باردا ، والقلب معه ساكنا ، أتظن أن العمل بالجهل ينفع ، ~~والعذر به يسع ، لا والله ما الرأي ما رأيت ، ولا الصواب ما ذكرت ، وجه ~~صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق ، ومعروفا بخير وصدق ، حتى يعرف حال هذه الطائفة ~~، ويقف على شأن كل واحد منها في معاشه ، وقدر ما هو متقلب فيه ومنقلب إليه ~~، فمن كان منهم يصلح للعمل فعلقه به ، ومن كان سيىء الحال فصله من بيت ~~المال بما يعيد نضرة حاله ، ويفيده طمأنينة باله ؛ ومن لم يكن من هذا الرهط ~~، وهو غني مكفي ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو ، فادع به ~~، وانصحه ، ولاطفه ، وقل له : إن لفظك مسموع ، وكلامك مرفوع ؛ ومتى وقف ~~أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلا في عرضة المقابر ، فاستأنف ~~لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك ، وتحمد عليها عند إخوانك ، وإياك أن تجعل ~~نفسك عظة لغيرك بعدما كان غيرك عظة لك ؛ ولولا أن الأخذ بالجزيرة الأولى ~~مخالف للسيرة المثلى ، لكان هذا الذي تسمعه ما تراه ، وما تراه تود أنك لو ~~سمعته قبل أن تراه . فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ~~، وملكت طرفي ms298 المصلحة ، وقمت على سواء السياسة ، ونجوت من الحوب والمأثم في ~~العاقبة . قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمر به على الوجه ~~اللطيف ، فعادت الحال ترف بالسلامة العامة ، والعافية التامة ؛ فتقدم إلى ~~الشيخ التبان برفع حال من يقعد عنده حتى يواسي إن كان محتاجا ، ويصرف إن ~~كان متعطلا ، وينصح إن كان متعقلا . فقال الوزير : ما سمعت مثل هذا قط ، ~~وما ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا القدر ؛ فهات الجواب الآخر الذي ~~حفظته عن الصوفي . فقلت : إن كان هذا كافيا فإن ذلك فضل . فقال : هكذا هو ، ~~وإن فيما مر لكفاية ، وما يزيد على الكفاية ، ولكن الزيادة من العلم PageV01P430 ~~"""""" صفحة رقم 431 """""" # داعية إلى الزيادة من العمل ، والزيادة من العمل جالبة الانتفاع بالعلم ، ~~والانتفاع بالعلم دليل على سعادة الإنسان ، وسعادة الإنسان مقسومة على ~~اقتباس العلم والتماس العمل ، حتى يكون بأحدهما زارعا ، وبالآخر حاصدا ، ~~وبأحدهما تاجرا ، وبالآخر رابحا . فوصلت الحديث وقلت : حدثني شيخ من ~~الصوفية في هذه الأيام قال : كنت بنيسابور سنة سبعين وثلثمائة ، وقد اشتعلت ~~خراسان بالفتنة ، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدة ، فلجأ محمد بن ~~إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين ، وهي حصنه ومعقله ، وورد أبو العباس صاحب ~~جيش آل سامان نيسابور بعدة عظيمة ، وعدة عميمة ، وزينة فاخرة ، وهيئة باهرة ~~، وغلا السعر ، وأخيفت السبل ، وكثر الإرجاف ، وساءت الظنون ، وضجت العامة ~~، والتمس الرأي ، وانقطع الأمل ، ونبح كلب كلب من كل زاوية ، وزأر كل أسد ~~من كل أجمة ، وضج كل ثعلب من كل تلعة . قال : وكنا جماعة غرباء نأوي إلى ~~دويرة الصوفية لا نبرحها ، فتارة نقرأ ، وتارة نصلي ، وتارة ننام ، وتارة ~~نهذي ، والجوع يعمل عمله ، ويخوض في حديث آل سامان ، والوارد من جهتهم إلى ~~هذا المكان ، ولا قدرة لنا على السياحة لانسداد الطرق ، وتخطف الناس للناس ~~، وشمول الخوف ، وغلبة الرعب ، وكان البلد يتقد نارا بالسؤال والتعرف ~~والإرجاف بالصدق والكذب ، وما يقال بالهوى والعصبية ؛ فضاقت صدورنا ، وخبثت ~~سرائرنا واستولى علينا الوسواس ، وقلنا ليلة : ما ترون يا صحابنا ما دفعنا ~~إليه من هذه ms299 الأحوال الكريهة ، كأنا والله أصحاب نعم وأرباب ضياع نخاف ~~عليها الغارة والنهب ، وما علينا من ولاية زيد وعزل عمرو ، وهلاك بكر ، ~~ونجاة بشر ، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة ، ولهذه الحياة ~~القصيرة ، بكسرة يابسة ، وخرقة بالية ، وزاوية من المسجد مع العافية من ~~بلايا طلاب الدنيا . فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا ~~فيها ناقة ولا جمل ، ولا حظ ولا أمل ، قوموا بنا غدا حتى نزور أبا زكرياء ~~الزاهد ، ونظل نهارنا PageV01P431 ~~"""""" صفحة رقم 432 """""" # عنده لاهين عما نحن فيه ، ساكنين معه ، مقتدين به ؛ فاتفق رأينا على ذلك ~~، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزاهد ، فلما دخلنا رحب بنا ، وفرح ~~بزيارتنا ، وقال : ما أشوقني إليكم ، وما ألهفني عليكم الحمد لله الذي ~~جمعني وإياكم في مقام واحد ، حدثوني ما الذي سمعتم ، وماذا بلغكم من حديث ~~الناس ، وأمر هؤلاءؤ السلاطين ؟ فرجوا عني ؛ وقولوا لي ما عندكم ، فلا ~~تكتموني شيئا فمالي والله مرعى في هذه الأيام إلا ما اتصل بحديثهم ، واقترن ~~بخبرهم ، فلما ورد علينا من هذا الزاهد العابد ما ورد ، دهشنا واستوحشنا ، ~~وقلنا في أنفسنا انظروا من أي شيء هربنا ، وبأي شيء علقنا ، وبأي داهية ~~دهينا . قال : فخففنا الحديث وانسللنا ، فلما خرجنا قلنا : أرأيتم ما بلينا ~~به ، وما وقعنا عليه ؟ ' إن هذا لهو البلاء المبين ' . ميلوا بنا إلى أبي ~~عمرو الزاهد فله فضل وعبادة وعلم وتفرد في صومعته حتى نقيم عنده إلى آخر ~~النهار ، فقد نبا بنا المكان الأول ، وبطل قصدنا فيما عزمنا عليه من العمل ~~، فمشينا إلى أبي عمرو الزاهد واستأذنا ، فأذن لنا ، ووصلنا إليه فسر ~~بحضورنا ، وهش لرؤيتنا ، وابتهج بقصدنا ، وأعظم زيارتنا ، ثم قال : يا ~~أصحابنا ما عندكم من حديث الناس ؟ فقد والله طال عطشي إلى شيء أسمعه ، ولم ~~يدخل علي اليوم أحد فأستخبره ، وإن أذني لدى الباب لأسمع قرعة أو أعرف ~~حادثة ، فهاتوا ما معكم وما عندكم ، وقصوا علي القصة بفصها ونصها ، ودعوا ~~التورية والكناية ، واذكروا الغث والثمين ، فإن الحديث هكذا يطيب ، ولولا ~~العظم ما طاب اللحم ms300 ، ولولا النوى ما حلا التمر ، ولولا القشر لم يوجد اللب ~~، فعجبنا من هذا الزاهد الثاني أكثر من عجبنا من الزاهد الأول ، وخاطفناه ~~الحديث ، وودعناه ، وخرجنا ، وأقبل بعضنا على بعض يقول : أرأيتم أظرف من ~~أمرنا وأغرب من شأننا ؟ انظروا من أي شيء كان تعريجنا ' إن هذا لشيء عجاب ' ~~وتلددنا وتبلدنا وقلنا يا أصحابنا : انطلقوا إلى أبي الحسن الضرير ، وإن ~~كان مضربه بعيدا PageV01P432 ~~"""""" صفحة رقم 433 """""" # فإنا لا نجد سكوننا إلا معه ، ولا نظفر بضالتنا إلا عنده ، لزهده وعبادته ~~وتوحده وشغله بنفسه مع زمانته في بصره ، وورعه ، وقلة فكره في الدنيا ~~وأهلها ؛ وطوينا الأرض إليه ، ودخلنا عليه ، وجلسنا حواليه في مسجده ، ولما ~~سمع بنا أقبل على كل واحد منا يلمسه بيده ويرحب به ، ويدعو له ويقرب ، فلما ~~انتهى أقبل علينا وقال : أمن السماء نزلتم علي ؟ والله لكأني قد وجدت بكم ~~مأمولي ، وأحرزت غاية سولي ، قولوا لي غير محتشمين : ما عندكم من أحاديث ~~الناس ؟ وما عزم عليه هذا الوارد ؟ وما يقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين ، ~~وما الشائع من الأخبار ؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس ؟ وما يقع في ~~هواجسكم ويستبق إلى نفوسكم ؟ فإنكم برد الآفاق ، وجوالة الأرض ، ولقاطة ~~الكلام ، ويتساقط إليكم من الأقطار ما يتعذر على عظماء الملوك وكبراء الناس ~~: فورد علينا من هذا الإنسان ما أنسى الأول والثاني ، ومما زاد في عجبنا ~~أنا كنا نعده في طبقة فوق طبقات جميع الناس فخففنا الحديث معه ، وودعناه ، ~~وخنسنا من عنده ، وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم ، ~~وظهر لنا من حالهم ، وازدريناهم ، وانقلبنا متوجهين إلى دويرتنا التي غدونا ~~منها مستطرقين كالين ، فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن ~~العامري ، وله كتاب في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين ~~الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من ~~أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه ~~قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفا . فقال لنا : في ms301 طي هذه ~~الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه ، وسر لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم ~~بالزهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم ~~الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، ~~وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . ~~العامري ، وله كتاب في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين ~~الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من ~~أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه ~~قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفا . فقال لنا : في طي هذه ~~الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه ، وسر لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم ~~بالزهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم ~~الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، ~~وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . قلنا ~~له : فإن رأيت يا معلم الخير أن تكشف عها هذا الغطاء ، وترفع هذا الستر ، ~~وتعرفنا منه ما وهب الله لك من هذا الغيب ، لنكون شاكرين ، نكون من ~~المشكورين . فقال : نعم ، أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها ساستها لما ~~ترجو من رخاء العيش وطيب PageV01P433 ~~"""""" صفحة رقم 434 """""" # الحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال لجلب ونفاق السوق وتضاعف الربح ؛ ~~فأما هذه الطائفة العارفة بالله ، العاملة لله ، فإنها مولعة أيضا بحديث ~~الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم ، وجريان ~~أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابهم ومكارههم في حال النغمة عليهم ، ~~والانتقام منهم ، ألا ترونه قال جل ثناؤه : ' حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ' ، وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته ، ~~ويطلعون على تتابع نعمته وغرائب نقمته ، وها هنا يعلمون أن كل ملك سوى ملك ~~الله زائل ، وكل نعيم غير نعيم الجنة حائل ، ويصير هذا كله سببا قويا لهم ~~في الضرع إلى الله ، واللياذ بالله ، والخشوع له ، والتوكل على الله ، ~~وينبعثون به من حران الإباء ، إلى انقياد الإجابة ، ويتنبهون ms302 من رقدة ~~الغفلة ، ويكتحلون باليقظة من سنة السهو والبطالة ، ويجدون في أخذ العتاد ، ~~واكتساب الزاد إلى المعاد ، ويعملون في الخلاص من هذا المكان الحرج ~~بالمكاره ، المحفوف بالزايا ، الذي لم يفلح فيه أحد إلا بعد أن هدمه وثلمه ~~، وهرب منه ، ورحل عنه إلى محل لا داء فيه ولا غائلة ؛ ساكنه خالد ، ومقيمه ~~مطمئن ، والفائز به منعم ، والواصل إليه مكرم ، وبين الخاصة والعامة في هذه ~~الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع الله طرفه إليه ، وفتح باب السر فيه عليه ~~، وقد يتشابه الرجلان في فعل ، وأحدهما مذموم ، والآخر محمود ، وقد رأينا ~~مصليا إلى القبلة وقلبه معلق بإخلاص العبادة ، وآخر إلى جانبه أيضا يصلي ~~إلى القبلة وقلبه في طر ما في كم الآخر ، فلا تنظروا من كل شيء إلى ظاهره ~~إلا بعد أن تصلوا بنظركم إلى باطنه ، فإن الباطن إذا واطأ الظاهر كان توحدا ~~، وإذا خالفه إلى الحق كان وحدة ، وإذا خالفه إلى الباطل كان ضلالة ، وهذه ~~المقامات مرتبة لأصحابها ، وموقوفة على أربابها ؛ ليس لغير أهلها فيها نفس ~~، ولا لغير مستحقها منها قبس . قال الشيخ الصوفي : فوالله ما زال ذلك ~~الحكيم يحشو آذاننا بهذه وما اشبهها ، ويملأ صدورنا بما عنده حتى سررنا ~~وانصرفنا إلى متعشانا وقد استفدنا على يأس منا فائدة عظيمة لو تمنيناها ~~بالغرم الثقيل والسعي الطويل لكان الربح معنا ، والزيادة في أيدينا . فلما ~~سمع الوزير هذا عجب وقال : لا أدري : أكلام أبي سليمان في ذلك الاحتجاج PageV01P434 ~~"""""" صفحة رقم 435 """""" # أبلغ ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى ، أم رواية الشيخ الصوفي أطرف ، وما ~~علمت أن في البحث عن سر الإرجاف هذه اللطيفة الخفية ، وهذه الحجة الجلية ، ~~وكنت أرى أن الصوفية لا يرجعون إلى ركن من العلم ، ونصيب من الحكمة ، وأنهم ~~إنما يهذون بما لا يعلمون ، وأن بناء أمرهم على اللعب واللهو والمجون . ~~فقلت : لو جمع كلام أئمتهم وأعلامهم لزاد على عشرة آلاف ورقة عمن نقف عليه ~~في هذه البقاع المتقاربة ، سوى ما عند قوم آخرين لا نسمع بهم ، ولا يبلغنا ~~خبرهم . قال : فاذكر ms303 لي جماعة منهم . قلت : الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي ~~العالم ، والحارث بن أسد المحاسبي ، ورويم ، وأبو سعيد الخراز ، وعمرو بن ~~عثمان المكي ، وأبو يزيد البسطامي ، والفتح الموصلي ، وهو الذي سمع وهو ~~يقول : إلى متى ترددني في سكك الموصل ، أما آن للحبيب أن يلقى حبيبه ؟ فمات ~~بعد جمعة . فقال : هذا عجب . ولقد مر في هذا الفن ما كان فوق حسباني وأكثر ~~مما كان في ظني ، وكم من شيء حقير يطلع منه على أمر كبير . وقال : أنشدني ~~شيئا ؛ فأنشدته قول الشاعر : رجعت على السفيه بفضل حلمي . . . وكان تحلمي ~~عنه لجاما وظن بي السفاه فلم يجدني . . . أسافهه وقلت له : سلاما فقام يجر ~~رجليه ذليلا . . . وقد كسب المذلة والملاما وفضل الحلم أبلغ في سفيه . . . ~~وأحرى أن ينال به انتقاما فقال : ما أعجب أمر العرب ، تأمر بالحلم مرة ، ~~والصبر والكظم مرة ، وتحث بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر ، وتذم السفه ~~وقمع العدو وهكذا شأنها في جميع الأخلاق ؛ أعني أنها ربما حضت على القناعة ~~والصبر والرضا بالميسور ، وربما خالفت هذا ، فأخذت تذكر أن ذلك فسالة ~~ونقصان همة ولين عريكة ومهانة نفس ؛ وكذلك أيضا PageV01P435 ~~"""""" صفحة رقم 436 """""" # تحث على البسالة والإقدام والانتصار والحمية والجسارة ؛ وربما عدلت إلى ~~أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال ؛ في أوقات يحسن فيها بعضها ~~، ويقبح بعضها ، ويعذر صاحبها في بعضها ، ويلام في بعضها ؛ وذلك لأن ~~الطبائع مختلفة ، والغرائز متعادية ، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم ، وهذا ~~يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط ، وهذا يذم الشجاعة في عرض طلب السلامة ؛ ~~وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كل زمان وفي كل مكان ، ومع كل إنسان ، بل ~~لكل ذلك وقت وحين وأوان . قال : ولعمري إن القيام بحقائق هذه الأشياء ~~وحدودها صعب ، لأنها لا توجد إلا متلابسة ومتداخلة ، وتخليص كل واحد منها ~~بحده وحقيقته ووزنه مما يفوت ذرع الإنسان الضعيف المنة ، المنتثر الطينة . ~~قال : ومنه أن الحكيم قال للإسكندر : أيها الملك أرد حياتك لرجالك ، ولا ~~ترد رجالك لحياتك ؛ ولو قلب عليه قالب فقال : لا ، ولكن أرد رجالك ms304 لحياتك ، ~~ولا ترد حياتك لرجالك ، لكان الفضل واقعا ، والدعوى قائمة . وكان يحكى عن ~~أعرابي حديث مضحك : قيل لأعرابي : أتريد أن تصلب في مصلحة الأمة ؟ فقال : ~~لا ، ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي . قال : وليس يجوز أن يكون الناس ~~مختلفين في ظاهرهم بالصور والحلي حتى يعرف بها زيد من عمرو ، وبكر من خالد ~~، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعا على الشح وإن مدح الجود ، ~~وهذا مجبولا على الجبن وإن تشيع للشجاعة ؛ وليس يجوز في الحكمة أن يكثروا ~~ولا يختلفوا ، وليس يجوز أيضا أن يضم الجنس والنوع ولا يأتفلوا ؛ وكل ما ~~أساغته الحكمة أبرزته القدرة ، وكل ما جادت به القدرة شهدت له الحكمة ؛ ~~فسبحان من له هذا التدبير اللطيف ، وهذا العز الغالب ، وهذا السر الخافي ، ~~وهذه العلانية البادية ، وهذا الفعل المحكم ، وهذا النعت المستعظم . PageV01P436 # """""" صفحة رقم 437 """""" # وحكيت أيضا في شيء جرى ، قال حكماء فارس : قد جربنا الملوك ، فإذا ملكنا ~~السمح الجواد جادت علينا السماء والأرض ، وإذا ملكنا البخيل بخلت علينا ~~السماء والأرض . قال أبو سليمان : هذا إذا صح فهو شاهد الفيض الإلهي المتصل ~~بالملك السمح ، ونضوبه عن الملك البخيل ، لأن الملك إله بشري . وقال مرة : ~~ما التمني ؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السؤال عنه - . فقلت : أحفظ نصا لبعض ~~الحكماء : إن التمني فضل حركة النفس . فقال : جواب رشيق وإن كان فقيرا إلى ~~البسط . فقال : هات من حديث يونان شيئا آخر ، فقلت : أرسطوطاليس : لو كنا ~~نطل العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بنقيضه ، ولكنا نطلبه لننقص كل ~~يوم من الجهل ، ونزداد كل يوم من العلم . قال : حدثني بشيء فيه جواب حاضر ، ~~وللبديهة فيه توقد ظاهر . فحدثت أن رجلا أتى الزهري فسأله أن يحدثه ويروي ~~له ؛ فأبى عليه ، فقال له الرجل : إن الله لم يأخذ الميثاق على الجهال أن ~~يتعلموا حتى أخذ الميثاق على العلماء أن يعلموا ؛ فقال : صدقت ، وحدثه . ~~وحدثنا القاضي أبو حامد المروروذي ؛ قال : وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا ~~في جامع البصرة وفي المجلس ابن عبدل المنصوري ms305 ، وابن معروف ، وأبو تمام ~~الزينبي ، فسأل وألح ؛ فقلت له من بين الجماعة - وقد ضجرت من إلحاحه وصفاقة ~~وجهه - : يا هذا : نزلت بواد غير ذي زرع . قال : صدقت ، ولكن يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء . فضحكت الجماعة ، ووهبنا له دراهم . ومن الجواب الحاضر ~~المسكت الذي حز الكبد ونقب الفؤاد ما جرى لأبي الحسين PageV01P437 ~~"""""" صفحة رقم 438 """""" # البتي مع الشريف محمد بن عمر ، فإن ابن عمر قال للبتي : أنت والله شمامة ~~ولكنها مسمومة . فقال البتي على النفس : لكنك أيها الشريف شمامة مشمومة ، ~~عطرت الأرض بها ، وسارت البرد بذكرها . وقال نصر بن سيار بخراسان لأعرابي : ~~هل أتخمت قط . قال : أما من طعامك وطعام أبيك فلا . فيقال : إن نصرا حم من ~~هذا الجواب أياما ؛ وقال : ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشيطان . وجرى ~~حديث الذكور والإناث ، فقال الوزير ، قد شرف الله الإناث بتقديم ذكرهن في ~~قوله عز وجل : ' يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ' . فقلت : في ~~هذا نظر ؛ فقال : ما هو : قلت قدم الإناث - كما قلت - ولكن نكر ، وأخر ~~الذكور ولكن عرف ، والتعريف بالتأخير أشرف من النكرة بالتقديم . ثم قال : ~~هذا حسن . قلت : ولم يترك هذا أيضا حتى قال : ' أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ' ~~فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذكران ، فقال : هذا مستوفى . وقال : ما ~~معنى كأس أنف ؟ فكان من الجواب أن يعقوب قال : يقال كأس أنف ، أي لم يشرب ~~منها قبل ذلك ؛ وكذلك يقال : روضة أنف ، إذا لم يكن رعاها أحد . وقال لقيط ~~: إن الشواء والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء والكأس الأنف للطاعنين ~~الخيل . . . والخيل قطف قال : ما النشيل ؟ فإن الشواء والرغف معروفان . قلت ~~: ما ضمته القدر من اللحم وغيره ، لأنه ينشل ويغرف ؛ فقال : هذا باب إن ~~ألححنا عليه جوع . قال : ما تحفظ في حديث الأكل ؟ قلت : الأكل والذم . ومن ~~مليحه ما حضرني . قيل لجميز : ما تشتهي ؟ قال : PageV01P438 # """""" صفحة رقم 439 """""" # بسيس مقلي بين غليان قدور ، على رائحة شواء ، بجنب خبيص . فضحك - أضحك ~~الله سنه بالفرح والسرور . وانتظام الأحوال واتساق الأمور - . وقال : هات ~~حديثا ms306 نخرج به مما كنا فيه . فقلت : كتب سعد بن أبي وقاص إلى رستم صاحب ~~الأعاجم : إسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ؛ وقتالكم أحب إلينا من صلحكم . ~~فبعث إليه رستم : أنتم كالذباب إذ نظر إلى العسل فقال : من يوصلني إليه ~~بدرهمين ، فإذا نشب فيه قال : من يخرجني منه بأربعة ، وأنت طامع ، والطمع ~~سيرديك . فأجابه سعد : أنتم قوم تحادون الله وتعاندون أنفسكم ، لأنكم قد ~~علمتم أن الله يريد أن يحول الملك عنكم إلى غيركم ، وقد أخبركم بذلك ~~حكماؤكم وعلماؤكم ، وتقرر ذلك عندكم ، وأنت دائما تدفعون القضاء بنحوركم ، ~~وتتلقون عقابه بصدوركم ، هذه جرأة منكم وجهل فيكم ، ولو نظرتم لأبصرتم ، ~~ولو أبصرتم لسلمتم ، فإن الله غالب على أمره ، ولما كان الله معكم كانت ~~علينا ريحكم ، والآن لما صار الله معنا صارت ريحنا عليكم ، فانجوا بأنفسكم ~~، واغتنموا أرواحكم ، وإلا فاصبروا لحر السلاح وألم الجراح ، وخزي الافتضاح ~~، والسلام . كتب حذيفة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب قد ~~تغيرت ألوانها ولحومها . فكتب عمر إلى سعد : ارتد للعرب منزلا مراحا . ~~فارتاد لهم الكوفة ، وهي بقعة حصباء ، ورملة حمراء ، فقال سعد : اللهم رب ~~السماء وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، والريح وما ذرت ، بارك لنا في هذه ~~الكوفة . وسمع عمر منشدا ينشد : ما ساسنا مثلك يابن الخطاب . . . أبر ~~بالأقصى وبالأصحاب بعد النبي صاحب الكتاب فنخسه عمرو وقال : أين أبو بكر ويلك . PageV01P439 # """""" صفحة رقم 440 """""" # قال عمر وهو بمكة : لقد كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف ، ~~وكان فظا يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد أمسيت ليس بيني وبين ~~الله أحد ، ثم تمثل : لا شيء مما ترى تبقي بشاشته . . . يبقى الإله ويودي ~~المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه . . . والخلد قد حاولت عاد فما ~~خلدوا ولا سليمان إذ تسري الرياح به . . . والإنس والجن فيما كلفوا عبد أين ~~الملوك التي كانت نوافلها . . . من كل أوب إليها راكب يفد حوض هنالك مورود ~~بلا كذب . . . لابد من وردنا يوما كما وردوا وقال عمر : خير الدواب الحديد ~~الفؤاد ، الصحيح ms307 الأوتاد . وقال عمر : كانت العرب أسدا في جزيرتها يأكل ~~بعضها بعضا ، فلما جمعهم الله بمحمد لم يقم لهم شيء . رأى رستم في النوم أن ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ سلاح فارس وختم عليه ودفعه إلى عمر ، ~~فارتاع رستم من ذلك وأيقن أنه هالك . وقال : أنشدني شيئا ، فأنشدته لبعض آل ~~أبي طالب : ولست بمذعن يوما مطيعا . . . إلى من لست آمن أن يجورا ولكني متى ~~ما أخش منه . . . أحالف صارما عضبا ثؤورا وأنزل كل رابية براح . . . أكون ~~على الأمير بها أميرا وأنشدني لعبد الله بن الزبير ، ولقد تمثل به : إني ~~لمن نبعة صم مكاسرها . . . إذا تقادحت القصباء والعشر PageV01P440 ~~"""""" صفحة رقم 441 """""" # ولا ألين لغير الحق أتبعه . . . حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وحدثته أن ~~المأمون قال : قليل السفه يمحو كثير الحلم ، وأدنى الانتصار يخرج من فضل ~~الاغتفار ، وعلى طالب المعروف المعذرة عند الامتناع ، والشكر عند الاصطناع ~~، وعلى المطلوب إليه تعجيل الموعود ، والإسعاف بالموجود . فقال : من أفضل ~~هؤلاء ؟ يعني بني العباس . فكان الجواب أن المنصور أنقدهم ، والمأمون ~~أمجدهم ، والمعتصم أنجدهم ، والمعتضد أقصدهم . فقال : كذلك هو . وقال : ~~فالباقون ؟ قلت ليس فيهم بعد هؤلاء من يوحد بالذكر ، لأنه في نقصه وزيادته ~~مشاكل لغيره . فقال : لله درك . # الليلة الخامسة والثلاثون # وقال ليلة : ما الفرق بين الإرادة والاختيار ؟ فكان من الجواب أن كل مراد ~~مختار ، وليس كل مختار مرادا ، لأن الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب ~~الولد النجيب وهو لا يريد ، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجىء وهو لا ~~يريد ، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما - وهو الاختيار - لا يحدث إلا عن ~~جولان وتنقير وتمييز ، والآخر - وهو الإرادة - يفجأ ويبغت وربما حمل على ~~طلب المراد بالكره الشديد ؛ وفي عرض الاختيار سعة للتمكن ، وليس ذلك في عرض ~~الإرادة . والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة ، والأول من راغ يروغ ، ~~والثاني من راد يرود ، والهمزة مجتلبة للتعدي . قال : فما الفرق بين المحبة ~~والشهوة ؟ فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطبيعة ، والمحبة أصدر عن النفس ~~الفاضلة ، وهما انفعالان ، إلا أن أحد الانفعالين ms308 أشد تأثرا ، PageV01P441 ~~"""""" صفحة رقم 442 """""" # وهو انفعال الشهوة ، وأنه يقال : شهي وأشهى ، ويقال في الآخر : حب وأحب ، ~~ويتداخلان كثيرا بالاستعمال ، لأن اللغة جارية على التوسع ، كما هي جارية ~~على التضيق ، ومن ناحية التضيق فزع إلى التحديد والتشديد ، ومن ناحية ~~التوسع جري على الاقتدار والاختيار ، وفي عرض هذين بلاء آخر ، لأنه بين ~~الإيجاز والإطناب ، وبين الكناية والتصريح ، وبين الإنجاز والإبطاء . فقال ~~: هذا باب . ثم ناولني رقعة بخطه فيها مطالب نفيسة تأتي على علم عظيم ، ~~وقال : باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن مجاراته فائدة من عالم ~~كبير ، ومتعلم صغير ، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغني ، ولا ~~تحقر أحدا فاه بكلمة من العلم ، أو أطاف بجانب م الحكمة ، أو حكم بحال من ~~الفضل ؛ فالنفوس معادن ، وحصل ذلك كله وحرره في شيء وجئني به ، وكان في ~~الرقعة : ما النفس ؟ وما كمالها ؟ وما الذي استفادت في هذا المكان ؟ وبأي ~~شيء باينت الروح ؟ وما الروح ؟ وما صفته ؟ وما منفعته ؟ وما المانع من أن ~~تكون النفس جسما أو عرضا أو هما ؟ وهل تبقى ؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما ~~كان الإنسان فيه ها هنا ؟ وما الإنسان ؟ وما حده ؟ وهل الحد هو الحقيقة ، ~~أم بينهما بون ؟ وما الطبيعة ؛ وهلا أغنى الروح عن النفس ، أو هلا أغنت ~~النفس عن الروح ؟ وهلا كفت الطبيعة ؟ وما العقل ؟ وما أنحاؤه ؟ وما صنيعه ؟ ~~وهل يعقل العقل ؟ وهل تتنفس النفس وما مرتبته أعني العقل عند الإله ؟ وهل ~~ينفعل ؟ وهل يفعل ؟ وإن كان ينفعل ويفعل فقسط الفعل فيه أكثر من قسط ~~الانفعال ؟ وما المعاد المشار إليه ؟ أهو للإنسان ؟ أم لنفسه ؟ أم لهما ؟ ~~وما الفرق بين الأنفس ، أعني نفس عمرو وزيد وبكر وخالد ؟ ثم ما الفرق بين ~~أنفس أصناف الحيوان ؟ وهل الملك حيوان ؟ PageV01P442 # """""" صفحة رقم 443 """""" # فقد علمت أنه يقال له : حي ، وهل فيه حياة ؟ وعلى أي وجه يقال : إن الله ~~عز وجل حي والملك حي والإنسان حي والفرس حي ؟ وهل يقال : الطبيعة حية ، ~~والنفس حية ، العقل حي ؟ فإن ms309 هذا وما أشبهه شاغل لقلبي ، وجاثم في صدري ، ~~ومعترض بين نفسي وفكري ؛ وما أحب أن أبوح به لكل أحد ، وقد بينته في هذه ~~الرقعة ، فإن أحببت أن تعرضها على أبي سليمان فافعل ، ولكن لا تدع خطي عنده ~~، بل انسخه له ، وحصل ما يجيبك به ، ويصدع لك بحقيقته ، ولخصه ، ورنه بلفظك ~~السهل ، وإفصاحك البين ، وإن وجب أن تباحث غيره فافعل ؛ فهذا هذا ؛ وإن كان ~~الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافيا ، فليس ذلك مثل البحث عنه ~~باللسان ، وأخذ الجواب عنه بالبيان ، والكتاب موات ، ونصيب الناظر فيه ~~منزور ، وليس كذلك المذاكرة والمناظرة والمواتاة ، فإن ما ينال من هذه أغض ~~وأطرأ ، وأهنأ وأمرأ ، واجعل هذه الخدمة مقدمة على كل مهم لك ، فإني ناظرك ~~، طامعا في الجواب المقنع الشافي . فعرضتها كما رسم على أبي سليمان وقرأتها ~~عليه ، وتمهلت في إيرادها بحضرته ، فلما فهمها ووقف عليه عجب وقال : هذه ~~مسائل المتحكمين ، وطلبات المدلين ، واقتراحات المقتدرين ، ومنية الأولين ~~والآخرين . قلت : هو كما قلت أيها الشيخ ، ولابد من جواب يعرض عليه يأتي ~~على بعض مآرب النفس ، وإن لم يأت على قاصية ما في المطلوب ، فقال كلاما ~~كثيرا واسعا أنا أحكيه على وجهه من طريق المعنى ، وإن انحرفت عن أعيان لفظه ~~، وأسباب نظمه ، فإن ذلك لم يكن إملاء ولا نسخا ، وأجتهد أن ألزم متن ~~المراد ، وسمت المقصود - إن شاء الله - عز وجل . قال : أما قوله : ما النفس ~~، فإن التحديد يعوز ، والرسم لا يشفي ، والوصف مقصر عن الغاية ، لأنها لايس ~~لها جنس ولا فصل فينشأ الحد بهما ومنهما ؛ والاسم الشائع - أعني PageV01P443 ~~"""""" صفحة رقم 444 """""" # النفس - أخلص إلى المطلوب ، وأحضر للمقصود من التحديد ، ولهذا ما اختلف ~~الناس قديما وحديثا في حدها ؛ فقال قائل : النفس مزاج الأركان . وقال قائل ~~: النفس تألف الأسطقسات ؛ وقال قائل : النفس عرض محرك بذاته . وقال قائل : ~~النفس هوائية . وقال قائل : النفس روح حارة . وقال قائل : النفس طبيعة ~~دائمة الحركة . وقال قائل : النفس تمام لجسم طبيعي ذي حياة . وقال قائل : ~~النفس جوهر ليس بجسم محرك للبدن . وعلى ms310 هذا ؛ ولعل آخرين يقولون في تحديدها ~~ونعتها أقوالا أخر ، لأن الملحوظ بسيط ، والمدروك بعيد ، والناظرين كثيرون ~~، والباحثين مختلفون ، والكثرة فاتحة الاختلاف ، والاختلاف جالب للحيرة ، ~~والحيرة خانقة للإنسان ، والإنسان ضعيف الأسر ، محدود الجملة ، محصور ~~التفصيل ، مقصور السعي ، مملوك الأول والآخر ، غشاؤه كثيف ، وباعه قصير ، ~~وفائته أكثر من مدركه ، ودعواه أحضر من برهانه ، وخطؤه أكثر من صوابه ، ~~وسؤاله أظهر من جوابه ، فعلى هذا كله الاعتراف بها - أعني بالنفس وبوجدانها ~~- أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها . قال : وإنما صعب هذا لأن الإنسان يريد ~~أن يرعف النفس وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس ، وهو محجوب عن نفسه بنفسه ؛ ~~وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أن كل من كانت نفسه أصفى ، ونوره أشع ، ~~ونظره أعلى ، وفكره أثقب ، ولحظه أبعد ، كان من الشك أنجى ، وعن الشبهة ~~أنأى ، وإلى اليقين أقرب ؛ والإنسان ذو أشياء كثيرة ، من جملتها نفسه ، ~~فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو به واحد ، أي إنسان ، وكيف لا ~~يكون هذا النعت حقا ، وهذا المقول صدقا ، وهو مركب في مربك ، والنفس مبسوطة ~~، وإنما فيه جزء يسير ونصيب قليل من ذلك البسيط ، فكيف يدرك بجزء منها كلها ~~وبقليل منها جميعها ؛ PageV01P444 ~~"""""" صفحة رقم 445 """""" # هذا متعذر إن لم يكن محالا ، وبعيد إن لم يكن معدوما ؛ ويكفي أن تعلم أن ~~النفس قوة إلهية واسطة بين الطبيعة المصرفة للأسطقسات والعناصر المتهيئة ، ~~وبين العقل المنير لها ، الطالع عليها ، الشائع فيها ، المحيط بها ؛ وكما ~~أن الإنسان ذو طبيعة لآثارهما الظاهرة في بدنه كذلك هو ذو نفس ، لآثارها ~~الظاهرة في آرائه وأبحاثه ، ومطالبه ومآربه ؛ وكذلك هو ذو عقل لتمييزه ~~وتصفحه ، واختباره وفحصه واستنباطه ، ويقينه وشكه ، وعلمه وظنه ، وفهمه ~~ورويته وبديهته وذكره ، وذهنه وحفظه وفكره ، وحكمته وثقته وطمأنينته ؛ ~~وكذلك هو ذو اعتراف بالأحد الذي لا سبيل إلى جحده ، والبراء من هويته ، ~~وكيف يجد أثر الجحد ، أو يحس بلمسة من الشك ؟ وسنخه ينبو عن ذلك ، وفطرته ~~تأباه ، ولهذا النبو والإباء يفزع إليه ، ويتوكل عليه ، ويطلب الفرج من ~~عنده ، ويلتمس الخير من ms311 لدنه ، فانظر إلى هذه السلسلة الوثيقة التي لا ~~يفصمها شيء لا في زمان ولا في مكان ، ولا في يقظة ولا في منام ؛ فهذا هذا ؟ ~~وفيه مقنع . وأما فعل النفس ، فقد وضح أنه إثارة العلم من مظانه ؛ ~~واستخلاصه من العقل بشهادته ، مع إفاضات لها أخر ، وإنالات منها جليلة عند ~~الإنسان ، بها ينال ما يكمل به ، وبكماله يجد السعادة ، وبسعادته ينجو من ~~شقوته . وأما قوله : ما الذي استفادت في هذا المكان ، فإنها أفادت وما ~~استفادت ، إلا أن تجعل إفادتها للقابل منها استفادة لها ؛ وفي هذا تجوز ~~ظاهر ، ولا يقال للشمس إذا طلعت على بسيط الأرض والعالم : ما الذي استفادت ~~. ولكن يقال : ما الذي أفادت : فيعلم حينئذ بالعيان أنها أفادت أشياء كثيرة ~~، صورا مختلفة ، ومنافع جمة بالقصد الأول ؛ وأما القصد الثاني فأضداد هذه ، ~~وهذا القصد مفروض باللفظ ليكون معينا على تبليغ الحكمة إلى أهلها . وأما ~~قوله : بأي شيء باينت النفس الروح فهو ظاهر ، وذلك أن الروح جسم يضعف ويقوى ~~، ويصلح ويفسد ، وهو واسطة من البدن والنفس ، وبه تفيض النفس قواها على PageV01P445 ~~"""""" صفحة رقم 446 """""" # البدن ، وقد يحس ويتحرك ، ويلذ ويتألم ؛ والنفس شيء بسيط عالي الرتبة ، ~~بعيد عن الفساد ، منزه عن الاستحالة . وأما المانع أن تكون النفس جسما ~~فللبساطة التي وجدت للنفس ولم توجد للجسم ، وبيان هذا أن كل نعت أطلق على ~~الجسم نزهت عنه النفس ، وكل نعت أطلق على النفس نبا عنه الجسم ؛ فذاك كان ~~المانع من ذلك ، وقد أتت مذاكرة في النفس منذ ليال بشرح مغن ، وبيان تام ، ~~إلا أن هذا المكان أحوج إلى الإلمام ، ولم يأت على ما في النفس . وإذا بطل ~~أن تكون النفس جسما فهي بألا تكون عرضا أقمن وأخلق ، لأنه لا قوام للعرض ~~بنفسه . وأما قوله : وهل تبقى ؟ فكيف لا تبقى وهي مبسوطة لا يدخل عليها ضد ~~، ولا يدب إليها فساد ، ولا يصل إلى شيء منها بلى ، والإنسان إنما يبلى ~~ويفسد ويخلق ويبطل ويموت ويفقد ، لأنه يفارق النفس ، والنفس تفارق ماذا حتى ~~تكون في حكم الإنسان بشكله ؟ ولو ms312 كانت كذلك كانت لعمري تموت وتبلى ، فأما ~~والإنسان بها كان حيا وجب ألا يكون حكمها حكم الإنسان . وأما قوله : أو هما ~~، فقد بان أن النفس متى لم تكن جسما ، ولا عرضا على حدة أنها لا تكون أيضا ~~بهما نفسا ، لأن البينونة التي منعت في الأول هي التي تمنع في الثاني ، ~~وليست النفس والعرض كالخل والسكر حتى إذا جمع بينهما كان كل منهما شيء آخر ~~، لأن الجسم والجسم إذا اختلطا كان منهما شيء ما ، له قوام ما ، وإن ذلك ~~القوام مستل منهما ، وليس كذلك البسيط وغير البسيط ، فهذا هذا . وأما قوله ~~: وهل تفنى ، فقد بان أنها تبقى ولا تفنى ، وليس يطرأ عليها ما يفنيها ، ~~لبساطتها وبعدها من التركيب العجيب المعرض للتحلل . وأما قوله : وهل تعلم ~~ما كان فيه الإنسان ها هنا ، فإن هذا بعيد من الحق لأنها قد وصلت إلى معدن ~~الكرامة وجنة الخلد ، فلا حاجة بها إلى علم العالم السفلي الذي لا ثبات له ~~ولا صورة ، لغلبة الحيلولة عليه ، وتذكر الحيلولة حيلولة ، وذلك دليل النقص ~~، واعتراض الألم ، ولو أن إنسانا نقل من كرب حبس ضيق إلى روض بستان ناضر ~~بهيج مونق ، ثم تذكر ما كان فيه في حال ما هو عليه لكان ذلك مؤذيا لنفسه ، ~~وكاربا لقلبه ، وقادحا في PageV01P446 ~~"""""" صفحة رقم 447 """""" # روحه ، وآخذا من حبوره وغبطته ، ومدخلا للتنغيص عليه في نشوته . وأما ~~قوله : وما الإنسان ، فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطبيعة للمادة ~~المخصوصة بالصور البشرية ، المؤيد بنور العقل من قبل الإله ؛ وهذا وصف يأتي ~~على القول الشائع عن الأولين إنه حي ناطق مائت أي حي من قبل الحس والحركة ، ~~ناطق من قبل الفكر والتمييز ، مائت من قبل السيلان والاستحالة ، فمن حيث هو ~~حي شريك الحيوان الذي هو جنسه ، ومن حيث هو مائت هو شريك ما يتبدل ويتحلل ، ~~ومن حيث هو ناطق هو إنسان عاقل حصيف ، ومن حيث يبلغ إلى مشاكهة الملك بقوة ~~الاختيار البشري ، والنور الإلهي ، أعني ينعت في حياته هذه التي وهبت له ~~بدءا ، بصحة العقيدة وصلاح العمل ms313 وصدق القول - هو ملك ، فإن لم يكن ملكا ~~فهو جامع لصفاته ، ومالك لحليته ، ولما كان جنسه مشتملا على التفاوت الطويل ~~العريض ، كان نوعه مشتملا على التفاوت الطويل العريض ؛ ومن كان نوعه كذك ~~كانت آحاده كذلك ، وكما أن الجنس يرتقي إلى نوع كامل ، كذلك النوع يرتقي ~~إلى شخص كامل . وأما قوله : هل الحد هو الحقيقة أو بينهما بون ، فإن الحد ~~راجع إلى واضعه ومتقصيه بدلالة أنه يضعه ويفصله ، ويخلصه ويسويه ويصلحه . ~~فأما الحقيقة فهي الشيء وبها هو ما هو ، حده صاحبه أم لم يحده ، رسمه قاصده ~~أم لم يرسمه ، فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحد ليس هو عين الشيء . ~~وأما قوله : وما الطبيعة فهي أيضا قوة نفسية ، فإن قلت عقلية لم تبعد ، وإن ~~قلت إلهية لم تبعد ، وهي التي تسري في أثناء هذا العالم محركة ومسكنة ، ~~ومجددة ومبلية ، ومنشئة ومبيدة ، ومحيية ومميتة ، وتصاريفها ظاهرة للحسائس ~~، وهي آخر الخلفاء في هذا العالم ، وهي بالمواد أعلق ، والمواد لها أعشق ؛ ~~وليس لها ترقي النفس في الثاني إلى عالم الروح ، لأنه لا كون هناك ولا فساد ~~، فلو رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة ، وليس كذلك النفس ، فإن لها في عالمها ~~البهجة والغبطة ، والحبور والسرور ، والدوام والخلود والخلافة الإلهية ، PageV01P447 ~~"""""" صفحة رقم 448 """""" # وهذا هناك في مقابلة ما كان لها ها هنا من الفضائل التي لا يأتي عليها ~~إحصاء ، ولا يحصلها استقصاء . وأما قوله : وهلا أغنى الروح عن النفس ، فهو ~~يغني عنها ، ولكن في جنس الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنسانا . فأما في ~~الإنسان فلا ، لأن الإنسان بالنفس هو إنسان لا بالروح ، وإنما هو بالروح حي ~~فحسب . وأما قوله : وهلا أغنت النفس عن الروح ، فإن الروح كالآلة للنفس حتى ~~ينفذ تدبيرها بوساطته في صاحب الروح ، وليس ذلك لعجز النفس ، ولكن لعجز ما ~~ينفذ فيه التدبير ، وإذا حقق هذا الرمز لم يكن هناك عجز لأنه نظام موجود ~~على هذه الصورة ، وصورة قائمة على هذا النظام ، فليس لأحد أن يعلل ذلك بلم ~~ولا بكيف إلا من طريق الإقناع . وأما قوله ms314 : هلا كفت الطبيعة . فقد كفت في ~~مواضعها التي لها الولاية عليها من قبل النفس ، كما كفت النفس في الأشياء ~~التي لها عليها الولاية من قبل العقل ، كما كفي العقل في الأمور التي له ~~الولاية عليها من قبل الإله ؛ وإن كان مجموع هذا راجعا إلى الإله ، فإنه في ~~التفصيل محفوظ الحدود على أربابها ؛ وهذا كالملك الذي له في بلاده جماعة ~~فيصدرون عن رأيه ، وينتهون إلى أمره ، ويتوخون في كل ما يعقدونه ويحلونه ، ~~وينقضونه ويبرمونه ، ما يرجع إلى وفاقه ، وكل ذلك منه وله وبأمره ، وقد ~~كفاه أولئك القوم ذلك كله . فإن قال قائل : فكيف مثلت سياسة إلهية بسياسة ~~بشرية ، وأني هذه من تلك ؟ فالجواب أن البشر المسكين لم يجد هذه السياسة من ~~تلقاء نفسه ، ولا بما هو به مهين ضعيف عاجز مسكين ؛ بل بما فاض عليه من تلك ~~القوى وتلك الصور ، فهو إذا أبرز شيئا أبرز على مثال تلك ، لأنه قد أعطى ~~القالب ، فقد سهل عليه أن يفرغ فيه ، ووهب له الطابع ، فهو يختم به ؛ وهيىء ~~على ذلك فهو يجري عليه ، وهذا سوق إلهي وإن كان الانسياق بشريا ، ونظم ربوي ~~وإن كان الانتظام إنسيا ؛ وفي الجملة إحدى السياستين ، أعني البشرية هي ظل ~~للأخرى ، أعني الإلهية ، والسفليات منقادة منفعلة للعلويات ، والعلويات ~~مستوليات على السفليات ، بحق العدل وما هو مقتضاها ، ولأن هذه فواعل ، أعني ~~العلويات ، وتلك قوابل ، أعني المنفعلات ، ووجب ذلك لأن الصورة في الفاعل أغلب ، PageV01P448 ~~"""""" صفحة رقم 449 """""" # والهيولى في القابل أغلب ، والعالمان متواصلان ، والسياستان متماثلتان ، ~~والسيرتان متعادلتان ، والتدبيران متقابلان ، ولكن التبدير إذا نفذ في ~~السفلي يسمى بشريا ، وإذا نفذ في العلوي يسمى إلهيا ، وإن كان في التحقيق ~~إلهيين ، وإنما اختلفا بحسب الصدور والورود ، والفصول والوصول ، والشخوص ~~والبلوغ ؛ والعادة جارية بأن يشبه الإنسان شيئا من الأشثياء بالشمس والقمر ~~، ولا يشبه الشمس والقمر بشيء آخر ، لأن للأعلى النعت الأول ، وللأسفل ~~النعت الأرذل ؛ فهذا كما ترى . وأما قوله : وما العقل ، وما أنحاؤه ، وما ~~صنيعه ؟ فإن الجواب عن هذا لو وقع في خلد كثير ، لكان محمولا ms315 على التقصير ، ~~وكذلك فيما تقدم ؛ ولكن هذا مكان قد اقترح فيه الإيجاز والتقريب ، وهذان لا ~~يكونان إلا بحذف الزوائد المفيدة ، وإلا بتفريق العلائق الموضحة . وبعد ، ~~فالعقل أيضا قوة إلهية أبسط من الطبيعة ، كما أن الطبيعة قوة إلهية ابسط من ~~الأسطقسات ، وكما أن الأسطقسات أبسط من المركبات ؛ وعلى هذا حتى تنتهي ~~المركبات إلى مركب في الغاية ، كما بلغت المبسوطات إلى مبسوط في النهاية ؛ ~~فالتقى الطرفان على ما يقال له : كل ، فلم يكن بعد ذلك مطلب لا في هذا ~~الطرف ولا في هذا الطرف ؛ والعقل هو خليفة الله ، وهو القابل للفيض الخالص ~~الذي لا شوب فيه ولا قذى ؛ وإن قيل : هو نور في الغاية لم يكن ببعيد ، وإن ~~قيل بأن اسمه مغن عن نعته لم يكن بمنكر ؛ وإنما عجزنا عن تحديد هذه البسائط ~~لأنا حاولنا عند علمها أن تكون في صورة المركبات أو قريبة منها ، وأن تصير ~~لنا أصناما نتمثلها ونوكل بها ؛ وهذا منا تعجرف مردود علينا ، وخطأ يلزمنا ~~الاعتذار منه إلى كل من أحس به منا ؛ وينبغي أن نتوب إلى الله في كل وقت من ~~وصفه بما لا يليق به ، ومن طرح الوهم على شيء قد حجبه عن معارفنا ، ورفعه ~~عن عقولنا ، وقصرنا على حدودنا اللازمة لنا ، وأشكالنا المشتملة علينا ؛ ~~هذا حديث العقل إذا لحظ في ذروته . PageV01P449 # """""" صفحة رقم 450 """""" # فأما إذا فحص عن آثاره في حضيضه فإنه تمييز وتحصيل وتصفح وحكم وتصويب ~~وتخطئة ، وإجازة وإيجاب وإباحة ؛ وإياك أيها السامع أن يكون مفهومك من هذه ~~الأسماء والأفعال والحروف أشياء متمايزة فتجعل شيئا واحدا أشياء ، ومن كثر ~~الواحد فهو أشد خطأ ممن وحد الكثير ، لأن تكثير الواحد انحطاط إلى المركز ؛ ~~وتوحيد الكثير استعلاء إلى المحيط ، بل يجب أن يكون محصولك منها شيئا واحدا ~~لم تصل إليه إلا بترادف هذه الكلمات ، وتصاحب هذه الصفات . وأما أنحاؤه ، ~~فعلى قدر ما يقال : فلان عاقل وفلان أعقل من فلان ، وفلان في عقله لوثة ، ~~وفلان ليس بعاقل ؛ وأصحاب العقل أنصباؤهم منه مختلفة بالقلة والكثرة ، ~~والصفاء والكدر ، والإنارة ms316 والظلمة ، واللطافة والكثافة ، والخفة والحصافة ~~، كما تجدهم مختلفين في الصور والألوان والخلق بالطول والقصر ، والحسن ~~والقبح ، والاعتدال والانحراف ، والرد والقبول ، إلا أن هذا القبيل يدرك ~~بالحس ، ويشهد بالعيان ، ويعاين بالحضور ، وذلك القبيل محجوب عن هذا كله ، ~~فلم يجز أن تكون الإحاطة بتفاوت ما غاب عنا في وزن الإحاطة بتفاوت ما حضر ، ~~فإنهما ما تباينا ليأتلفا ، بل ليختلفا ، وهذا التفاوت معترف به إذا اعتبر ~~من خارج ، وذلك أنك تجد أصحاب المال أيضا يتباينون في مقادير ما يملكون من ~~المال ، ولا يتفقون على مقدار واحد منه عند جماعتهم ، ولا يتفقون على نوع ~~واحد أيضا من أعيان المال ، لأن هذا يملك الصامت ، وذاك يملك الناطق ، وهذا ~~يمارس القز ، وهذا يمارس الصوف ، وهذا ينظر في الصرف ، وهذا يبيع الحيوان ، ~~وكل منهم صاحب مال ومباشر له ؛ وعلى هذا المثال احتذى أهل العقل في مطالبهم ~~، فصار هذا يملك بعقله غير ما يملك الآخر ، أعني أن هذا ينظر في الهندسة ، ~~وهذا في الطب ، وهذا في النحو ، وهذا في الفقه ؛ والعبارة تمنع من إشباع ~~هذا المعنى ، وحصر هذا الفن ، فعلى هذا أنحاؤه ، وإنها لكثيرة إن لم تكن ~~بلا نهاية . وأما صنيعه ، فهو الحكم بقبول الشيء ورده ، وتحسينه وتقبيحه ، ~~إذا كان المعروض PageV01P450 ~~"""""" صفحة رقم 451 """""" # عليه على جهته غير مموه ولا مغشوش ، ولا مشتبه فيه ولا ملبوس ، فإن كان ~~مموها اختلف حكمه ، لأن العقل يرى الباطل حقا في وقت ، ويرى الحق باطلا في ~~وقت ، معاذ الله من هذا ، ذلك للحس المنقوص ، والذهن الملبوس ، لأن العارض ~~موه معروضه على العقل ، فحكم له بما يستحقه ، إلا أن يكون العارض لم يشعر ~~بذلك التمويه ، ولم يفطن لذلك الغش ، فحينئذ يهديه العقل ويرشده ، ويفتح ~~عليه ، وينصح له . وأما قوله : وهل يعقل العقل ، فإن الأولى أن يقال : ~~العاقل يقعل بالعقل معقوله ، ألا ترى أنه يقال : السراج أضاء البيت ، ويبعد ~~أن يقال : أضاء نفسه ، لأنه مضيىء بنفسه ، فليس به فقر إلى أن يضيء نفسه ، ~~وإنما أضاء غيره . . . ولو عقل العقل لعقل بالعقل ، وهذا إذا استمر ms317 كان ~~مردودا ، ونحن إذا قلنا : عقل العاقل معقوله ، فإنما نصفه بأنه انفعل ~~انفعال كمال ، والعقل يرى من هذا الانفعال ألا يتوخى أنه يعقل الإله الذي ~~هو به ما هو ، فإنه يجوز أن يضر به انفعال لائق به يكون عبارة عن شوقه إليه ~~، وكماله به ، واقتباسه منه ، وهذا صراط حديد ، والواطىء عليه على خطر شديد ~~، والوقوف دونه أصدع بالحجة ، وأوضح للعذر ، لأن الإنسان خوار بالطبع ، وإن ~~كان جسورا بالنفس . وأما قوله : وهل تتنفس النفس ، فإن أريد بذلك النفس ~~النامية والحيوانية فهو قريب ، وأما الناطقة فإن ذلك يبعد منها لأن ذلك ~~التنفس استمداد شيء به يكون الشيء حيا أو كالحي ؛ والناطقة غنية عن ذلك . ~~فإن قيل : فهل تقتبس من العقل وتستمد ؟ قيل : هذا لا يسمى تنفسا ، وليس ~~اللفظ يبعده عن الحقيقة تأويل في الوضع ؛ ولا وجه في الاعتمال وإدخال ~~العويص في المكان PageV01P451 ~~"""""" صفحة رقم 452 """""" # الذي يحتاج فيه إلى رفع اللبس وزوال الإشكال ، مداجاة في العلم وخيانة ~~للحكمة وجناية على المستنصح . وأما مرتبته عند الإله فقد وضح بأنه كالشمس ~~تطلع فتحيي ، وتضيء فتنفع . فإن قيل : فالعقل أيضا هكذا ، قيل : العقل أيضا ~~شمس أخرى ، ولكنها تطلع على النفس التي ليست حاوية لجدار وسطح ، وبر وبحر ، ~~وجبل وسهل ، لأنه لما كان العقل أشرق من النفس - لأنه مستخلف للنفس ، ~~والنفس خليفته - كان إشراقه ألطف ، ومنافعه في إشراقه أشرف ، وأيضا فإن ~~الشمس تجدها بالحس لها غروب وطلوع ، وتجل وكسوف ، وليس كذلك العقل ، لأن ~~إشراقه دائم ، ونوره منتشر ، وطلوعه سرمد ، وكسوفه معدوم ، وتجليه غير ~~متوقف . فإن قيل : نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقت ويثوب إليه في وقت . ~~فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو ، ~~وبكر وخالد ، لأن ذلك ينعت بالطلوع والغروب ، وبالحضور والغيوب ، لأنه ها ~~هنا مضاف ومنحاز ، أو كالمنحاز ، وليس كذلك هو ، فإنه هناك على بهجته ~~التامة ، وسلطانه القاهر ، وملكوته الأفيح ، وبسيطه الفائق ، وفضائه العريض ~~. وأما قوله : وهل ينفعل ، فقد مر الكلام عليه في طي ما مر ، وليس ms318 للتكرار ~~وجه ، ولا في التطويل عذر . وأما قوله : فقسط الفعل أكثر ، أم قسط الانفعال ~~، فإن هذا يلحظ من وجهين ، إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر ~~، وإذا لحظ فيضه على النفس فقسط الفعل فيه أكثر ، لأنه بجوده على غيره ~~يشاركه من جاد عليه بجوده ، وهذا لطيف جدا . PageV01P452 # """""" صفحة رقم 453 """""" # وأما قوله : وما المعاد ، فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصعب ~~الهائل الذي كل أمر متعلق به ، وكل رجاء حائم حوله ، وكل طمع متوجه إليه ، ~~وكل شيء مقصور عليه ، وكل إنسان به يهيم ، وكل مصرح عنه يصرح ، وكل كان عنه ~~يكني ، وكل مترنم به يحدو ، وكل لحن إليه يشير ، وكل سامع إليه يطرب ، ~~ونرجع فنقول - على العي والبيان ، وعلى الزحف والعدوان : - إن عود النفس ~~إنما هو تخليتها للبدن إذا حان وقت التخلية ، إما لأن البدن غير محتمل ~~لمادة الحياة ، وإما لأن النفس قد أزمعت أمرا آخر ، ولا يتم لها ذلك إلا ~~بتخلية هذا ؛ وإما لهما . فإن قال قائل : فما نصيب الإنسان من عود النفس ~~الذي هو تخليتها للبدن وخروجها عنه ، وترك استعمالها له . فالجواب من طريق ~~التمثيل ، والرضا بالرأي الأصوب ، والحكم الأجلى أن يقال : لو قيل لرجل من ~~عرض الناس وافر أو ناقص : إنك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة ، ~~وأذنك السامعة ، هل ترى ذلك نعمة عليك ، وإحسانا إليك ، فإن عينك إذا بقيت ~~أبصرت العالم بعدك كما كنت تبصره وهي معك ، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار ، ~~لأنها كانت معك ترمد بسببك ، وتعشى من أجلك ، وربما عرض لها سوء بسوء ~~تدبيرك ، أو باتفاق رديء عليك ، ومن عشى أو عمى وخفش وعمش وعور وآفات كثيرة ~~، وهي آمنة بعدك من هذه الأعراض المكروهة ، والأحوال الداهية ، فإنا نعلم ~~حقا وعيانا أنه يقول : قد رضيت بل أتمنى هذا ، ومن لي به ، أي إن إعطيت هذا ~~فمن مني أسمع وأبصر ، وإذا كنت أكره الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا ~~أحب الدنيا إذا وجدتهما ، فإن كان هذا التمثيل واقعا ، وهذا التقريب نافعا ms319 ~~، والحق في تضاعيفه واضحا ، فليكن ذلك مطردا في بقاء نفس الإنسان التي بها ~~كان إنسانا ، وبها كان ينعم في هذا العالم ، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ~~ويصيب ، ويجد لذة اللذيذ من ناحية العقل والحس ، وبها كان يتمنى البقاء ~~والدوام والخلود ، وإنما استحال ذلك التمني من أجل كونه وفساده اللذين لم PageV01P453 ~~"""""" صفحة رقم 454 """""" # يكن بد من انتهائهما إلى الفناء الذي هو مفارقة النفس الجسد وتخليتها ~~للبدن ، ونسبة نفس الإنسان إلى الإنسان أوكد وألصق من نسبة العين إليه ، ~~ألا ترى أنه بالنفس إنسان ، وبالبدن حافظ لشكل الإنسان ؛ فإذا كان للإنسان ~~في هذا التمثيل فائدة متمناة ، وحالة محبوبة هنيئة ، أعني في بقاء العين ~~والأذن حتى يبصر بإحداهما هذا العالم المحشو بالآفات ، ويسمع بالأخرى ما ~~يجري فيه من ضروب الاستحالات ، فبالحري أن يكون رضاه ببقاء النفس في محل ~~الروح والأمن ، ومقام الكرامة والسكينة على حال الخلود والطمأنينة ، إن هذا ~~لعجيب ؛ وأعجب من هذا العجيب عقل لا يعلق به ، وروح لا يهش لسماعه ، ونفس ~~لا تجد حلاوته ، وصدر لا يتصدع طربا عليه ، والتياحا إليه ، فإن من لم يشعر ~~بهذه الفائدة ، ولم يحمد الله على هذه النعمة ، لعازب الرأي ، ضعيف العقل ، ~~خفيف المثقال ، رديء الاختيار ، قليل الحصافة ، سيء النظر ؛ حيوان خسيس ، ~~في مسك إنسان رئيس ؛ فقد بان - على مذهب التقريب - ما المعاد المشار إليه ، ~~وما الإنسان منه ، وما لنفسه به . وأما قوله : وما الفرق بين الأنفس ، أي ~~نفس زيد وعمرو وبكر وخالد ، وما الفرق أيضا بين أنفس أصناف الحيوان ، فإنما ~~الفرق بين هذه الأنفس بقدر قسط كل واحد منهم منها ، وهذه الأقساط إذا ~~اجتمعت تفاوتت ، وإذا تفاوتت كانت منها نفس باقية حية ، ونفس فانية ميتة ، ~~ألا ترى الشمس كيف تطلع على هذه المواضع المختلفة بالعلو والسفل ، ~~وبالتعريج والاستقامة ، والأشكال الكثيرة ، فيقول كل إنسان : مشرقتي أطيب ~~من مشرقة فلان ، وما أشبه هذا الكلام ، وطلوع الشمس على جميعها طلوع واحد ، ~~ولكن حظوظ البقاع منها مختلفة ؛ فليس بمنكر أن تكون نفس زيد أنجى من الكدر ~~، وأخلص من الآفة ms320 ، وأوصل إلى السعادة ؛ ونفس بكر على خلاف ذلك ، ومراتب ~~هذه الأنفس موقوفة على الإضافات الحاصلة لها بأصحابها ، والأنصباء المذخورة ~~لها باكتسابها . فأما أنفس أصناف الحيوان كالفرس والحمار فإنها أنفس ناقصة ~~غير كاملة ، وهي ضعيفة ، لأنها لم تجد إلا الإحساس والحركات ، لم يشع فيها ~~نور النفس الشريفة ، ولم ينبث فيها شعاع العقل الكريم ؛ فوجب من هذا الوجه ~~أن تكون تابعة لأبدانها ، جارية على فسادها وبطلانها ، لأن الحكمة انتهت ~~إلى ذلك الحد في كونها حشوا لهذا العالم وزينة PageV01P454 ~~"""""" صفحة رقم 455 """""" # ومنافع ومبالغ إلى غايات وأغراض . وأما قوله : وهل الملك حيوان ، فقد ~~علمت أنه يقال له حي ، وهذا وقف على الأسماء الجارية ، والعادات القائمة ، ~~وكأن الحيوان إنما شاع في غير الملك لما فيه من الحس والحركة والاهتداء ~~والتصرف على ما لاق بجنسه ونوعه وشخصه ؛ فأما ما يعلو وينزه عن الصفات فلم ~~يطلق عليه حيوان ، ولكن يقال : حي لأنه أقرب الأسماء إلى المعنى المشار ~~إليه ، وبهذا التقريب قيل أيضا لله : إنه حي ، وأنت إذا حددت الحي أو ~~الحياة لم تقدر على أن تصف الله جل وعلا بشيء من ذلك . . وفي الجملة ما كان ~~أدخل في البساطة كان أخرج من التركيب ، وكل ما كان أخرج من البساطة كان ~~أدخل في التركيب . فأما المركب الذي ليس له من البسيط إلا النصيب النزر ، ~~وإلا طيف الخيال ، فاسمه واضح والإشارة إليه سهلة ، والعيان له مدرك ، لأنه ~~محاط بحدوده في طوله وعرضه وعمقه . وأما المركب البسيط الذي ليس له من ~~التركيب إلا النصيب اليسير ، فاسمه غامض ، والإشارة إليه عسرة ، والعيان ~~عنه مكفوف ؛ وهذا باب إذا حفظ فهم منه شيء كثير مما يقع فيه الغلط من ~~الإنسان بفكره الردىء ؛ وينفع أيضا نفعا بينا في التغالط العارض بين ~~المتناظرين على جهة التنافس والتناصف . قال أبو سليمان : من حرس هذا الثغر ~~أمن من جميع الأعداء ، ومن أهمله كانت جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية ~~عدوه الثائر من ثغره . وأما قوله : على أي وجه يقال لله حي والملك حي ~~والفرس حي ms321 ، فقد دخل الجواب عنه في ضمن ما تشقق القول به ، وتحقق المعنى ~~عليه في حديث المركب والبسيط ؛ ونزيدها هنا حرفا يكون رديفا لما تقدم ، ~~فنقول : أما الإنسان فإنه يقال له : حي بسبب الحس والحركة وما يتبعهما مما ~~هو كمال الحي ، وكذلك الفرس وما أشبهه . وأما الملك فلما كان ما يستحقه ~~ببساطته معدوما عندنا ، لم نقدر على شيء نصفه به إلا ما نصف به أنفسنا ~~بيننا ، ولو كنا في عالم الملك لعلنا كنا ندري بأي شيء ينبغي أن ينعت ويسمى ~~ويذكر ويحكى ، فإن من كان منا في بلاد الصين فإنه يسمى الإنسان والفرس ~~والحمار والبقر بها بتعالم أهلها بينهم ، وإن كان هو معوزا على ما ترى في ~~الملك ، أعني تسميته الحي ، ونعته بالحياة ، فالله الذي لا سبيل للعقل أن ~~يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى أن يمسك عنه عجزا واستخذء ، ~~وتضاؤلا واستعفاء ، إلا بما وقع الإذن به من جهة صاحب الدين الذي هو PageV01P455 ~~"""""" صفحة رقم 456 """""" # مالك أزمة العقول ومرشدها إلى السعادات ، وواقفها عند الحدود ، وزاجرها ~~عن التخطي إلى ما لا يجوز . فعلى هذا قد وضح أن الصمت في هذا المكان أعود ~~على صاحبه من النطق ، لأن الصمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم ، ~~والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة بالقدرة في موضعها ، وليس للخلق من ~~هذا الواحد الأحد إلا الإنية والهوية ، فأما كيف ولم وما هو فإنها طائرة في ~~الرياح كما تسمع وترى . ولما حررت هذه الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها ~~عليه قال لي : هذا والله جهد المقل ، وفي غليلي بقية من اللهب . قلت : أيها ~~الوزير ، قال أبو سليمان : سنقول لك كلاما لا يكون فيه كل الرضا ، فقل له ~~عند ذلك : إنك سألت عن العالم بأسره ، فلا طاقة لأحد أن يعرض عليك العالم ~~بأسره ، ولولا عجلة رسولك في المطالبة ، وإدلاله بالإلحاح ، وقوله : المراد ~~التقريب والإيجاز ، لا التطويل والإسهاب ، لكان النسج على غير هذا المنول ، ~~والعمل على غير هذا الوشي . قال : ومن المعالم التي ليس لها ناظر ، ولا بها ms322 ~~خابر ، أن السائل يحض على التلخيص المفهوم ، ولعل ذلك يزيد الشيء إغلاقا ، ~~فإذا امتثل ما يرسم قال : ما شفاني القول ؛ وإن زيد على ذلك قال : غرق ~~المراد في حواشي التكثير ؛ فليس للعالم تخلص من استزادة المتعلم ، ولا عند ~~المتعلم شكر على مبذول جهد العالم ، وهذا أمر قد تقدمت الاستغاثة منه على ~~مر الدهور ، والأولى فيما لا حيلة فيه الرضا بالميسور منه . ثم قال : وإن ~~أطال الله أيام هذه الدولة ، وحرس على هذه الجماعة القليلة النعمة ، ~~استأنفنا نظرا أبلغ من هذا النظر ، ببيان أشفى من هذا البيان ، وطريق أوضح ~~من هذا الطريق - إن شاء الله . قال الوزير : والله ما قلت قولي ذاك ، لأن ~~هذا الكلام سهل ، وهذا المتناول قريب ، وهذا المرمى كثب ، كلا ، وإني لأظن ~~بل أحق أنه ليس في بضائع أصحابنا الذين حولي من يدرك هذه المعاني على هذه ~~الصفة إذا قرئت عليه ، فكيف من PageV01P456 ~~"""""" صفحة رقم 457 """""" # يفزع في شرحها وتهذيبها إليه . ثم تمطى وقال : وانعاساه ، واضعف منتاه ؛ ~~ثم فارقت المجلس . # الليلة السادسة والثلاثون # وقال - دامت أيامه - كيف تقول عند مهل الشهر شيئا آخر من لفظه ؟ فكان من ~~الجواب : حكى العالم : عند هلول الشهر ومستهله وهله وإهلاله واستهلاله . ~~قال : ورأيت الحاتمي يقول : عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو ، ولم ~~أوثر شرحه لها لثقل روحه ، ومغالاته بنفسه ، وكأنه لا علم إلا عنده ، ولا ~~فائدة إلا هي معه ، فهل في حفظك هذه الكلمات ؟ قلت : لا إله إلا الله ، ~~اليوم ذكر الأندلسي هذه الكلمات وعدها ، وقد حفظتها ، فقال : هات يا مبارك ~~؛ فكان الجواب : منها البعو ، وهو الجناية ، والجعو ، وهو الطين ، والدعو ، ~~مصدر دعا دعوا ، والسعو : الشمع ، والشعو : هو انتفاش الشعر ، والصعو : ~~الرجل الضعيف ، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور ، والقعو : من البكرة ، ~~واللعو : الحريص . والذئب في بعض اللغات ، والمعو : الجني من الرطب ، ~~والنعو : الشق في مشفر البعير . قال : هذا حسن ، لو أتى به الحاتمي للوى ~~شدقه ، وقال : تنح فقد جاء الأسد وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من ~~المغرب ، ما بال ms323 أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء ، ويغلب عليهم النقص ، ~~ويستمكن منهم الشيطان . قلت : قال أبو سليمان : كل من غلب عليه حفظ اللفظ ~~وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللفظ ؛ والمعاني صوغ العقل ، واللفظ ~~صوغ اللسان ، ومن بعد من المعاني قل نصيبه من العقل ، ومن قل نصيبه من ~~العقل كثر نصيبه من الحمق ، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذكر . PageV01P457 # """""" صفحة رقم 458 """""" # الليلة السابعة والثلاثون # وقال الوزير ليلة : ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشجعان وما أشد ~~انتفاع الضيق النفس باستماع أخبار الكرام ، لأن الأخلاق في الخلق أعراض ، ~~والأعراض منها لازم ومنها لاصق . قال : وكان عيسى بن زرعة سرد على سنة ~~سبعين ، ليالي كانت الأشغال خفيفة ، والسياسة بالماضي - نور الله قبره ~~وضريحه - عامة ، والنظر بالحسنى شاملا - أشياء في الخلق أتى بها على عمود ~~ما كان في نفسي ، وذلك أنه ذكر العقل والحمق ، والعلم والجهل ، والحلم ~~والسخف ، والقناعة والشره ، والحياء والقحة ، والرحمة والقسوة ، والأمانة ~~والخيانة ، والتيقظ والغفلة ، والتقى والفجور ، والجرأة والجبن ، والتواضع ~~والكبر ، والوفاء والغدر ، والنصيحة والغش ، والصدق والكذب ، والسخاء ~~والبخل ، والأناة والبطش ، والعدل والجور ، والنشاط والكسل ، والنسك والفتك ~~، والحقد والصفح ، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة ، وتبعثه على ~~إعادة حدودها ، وإشباع القول فيها ، مع إيجاز لا يكون به مدخل للخلل ، ولا ~~تقصير عن إيصال الآخر بالأول . فلقيت عيسى وعرفته الحديث ، وأملي ما رسمته ~~في هذا الجزء ، وعرضته على أبي سليمان ، فرضيه بعض الرضا ، ولم يسخط كل ~~السخط ، وقال : تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضرب من التجوز والتسمح ، وذلك ~~أنها متلابسة تلابسا ، ومتداخلة تداخلا ، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ~~ببينونة واقعة تظهر للحس اللطيف ، أو تتضح للعقل الشريف . ثم قال : ألا ترى ~~أن الفكر مشوب بالروية ، والظن مخلوط بالوهم ، والذكر معني بالتخيل ، ~~والبديهة جانحة إلى الحس ، والاستنباط موصوف بالغوص ، وما هذا المعنى الذي ~~ميز التواضع من شوب الضعة ، أو خلص علو الهمة من شوب الكبر ، أو PageV01P458 ~~"""""" صفحة رقم 459 """""" # فرز عزة النفس من نقص العجب ، أو أبان ms324 الحلم عن بعض الضعف ؟ هذا بالقول ~~ربما سهل وانقاد ، ولكن بالعقل ربما عز واعتاص ، والأخلاق والخلق مختلطة ، ~~فمنها ما اختلاطه قوي شديد ، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل ، ومنها ما اختلاطه ~~نصف بين اللين والشدة ، وهذه ينفع العلاج في بعضها ، وينبو العلاج عن بعضها ~~؛ والحزم يقضي بألا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج . قال : ~~وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج ، والإنسان والإنسان ، ألا ترى أنك لو ~~رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من ~~الروم إلى الجود ، والطمع في جبان الترك أن يتحول شجاعا أقوى من الطمع في ~~جبان الكرد أن يصير بطلا . قال : ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود - وإن كان ~~على ما قدمناه - نافع جدا ، وإضمارها في النفس مثمر أبدا ، فهذا هذا . وأما ~~ما قال أبو علي فإنه هذا . قيل : ما الحلم ؟ قال ضبط الفكر بكف الغضب . ~~وقال شيخنا أبو سعيد السيرافي : اعتباره من ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك ~~أن الحلم شريك التحلم ، فكان الحليم الذي يعد فيمن يحلم في عرض الحليم الذي ~~لا يعاج عليه ولا يكترث له . قال : والتحلم نافع أيضا وهو أحمد من التحالم ~~، لأن الثاني أقرب إلى التأني ، كما أن الأول أقرب إلى الحقيقة . وقيل ~~لعيسى : ما العدل ؟ فقال : القسط القائم على التساوي . وحكى جالينوس قال : ~~إن الناس لشدة حبههم لأنفسهم يظنون أن لهم ما يحبون ، فمن أجل ذلك وقعوا في ~~العجب ؛ فينبغي أن تكون محبتك لنفسك حقيقية ، ويتم ذلك لك إذا أنت صيرت ~~نفسك على الحال التي يرى من يرى أنك عليها . وقال : المعجب يحب نفسه أكثر ~~مما يحق لها ؛ وما أحسن بالإنسان أن يحب PageV01P459 ~~"""""" صفحة رقم 460 """""" # نفسه ، ولكن بالعدل ، فإن أراد أن يحبها جدا فيجب أن يجعلها من أهل ~~المحبة ، ثم يحبها من بعد . قيل : فما الحسد ؟ قال : شدة الأسى على شيء ~~يكون لغيره . قيل : فما الكآبة ؟ قال : إفراط الحزن . قال أبو سليمان : ~~الحزن والغم والهم والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة ومن تعاطى ms325 وصف أغصان ~~شجرة طال عليه ، ولم يحظ بطائل ، ويكفي أن نعرف شجرة التفاح من شجرة المشمش ~~، وشجرة الكمثرى من شجرة السفرجل ؛ فإن عواقب المعارف نكرات ، كما أن فواتح ~~المعارف جهالات . قيل : فما الشجاعة ؟ قال : الإقدام في موضع الفرصة من ~~جميع الأمور . قال أبو سليمان : الشجاعة إذا كانت نطقية كانت فرصتها تعاطي ~~الحكمة والدءوب في بلوغ الغاية ، وبذل القوة في نيل البغية ؛ وإذا كانت ~~غضبية كانت فرصتها شفاء الغيظ إما من مستحق ، وإما من غير مستحق ، وإذا ~~كانت شهوية كانت فرصتها التحلي بالعفة التامة ، أعني في الخلوة والحفل . ~~قال لنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني الشيخ الصالح : العفة واسطة بين ~~المقارفة والعصمة ، والعصمة واسطة بين البشرية والملكية . وحكى عيسى بن ~~زرعة في هذا الموضع - عند تدافع الحديث - أن موريس قال : إني لأعجب من ناس ~~يقولون : كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد ، ومنهاج واحد ، وهذا ما لا ~~يستقيم ولا يقع به نظام . قال : وهب أن يكون الناس وكل واحد منهم ملكا يأمر ~~وينهى ويستمع له ويطاع ، فمن كان المأمور المؤتمر ، والمنهى المنتهى ؛ ~~والعاقل الحصيف يعلم أنه لابد من التفاوت الذي به يكون التصالح ، كالعالم ~~والمتعلم ، والآمر والمأمور والصانع والمصنوع له . ثم قال عيسى : من توابع ~~الأخلاق المذمومة الغضب والكذب والجهل والجور والدناءة . قال أبو سليمان : ~~أما الغضب فلا يكون مذموما إلا إذا أعمل في غير أوانه ، وعلى غير ما يأذن ~~الناموس الحق به ؛ وأما الكذب ففيه أيضا مصالح ، كما أن الصدق ربما أفضى إلى PageV01P460 ~~"""""" صفحة رقم 461 """""" # كثير من المفاسد - وإن كان الصدق قد فاز بالوصف الأحسن ، والكذب قد وصف ~~بالنعت الأقبح - فكم كذب نجى من شر ، وكم صدق أوقع في هوة ، وبقي الآن أن ~~نعرف الصدق مع أوانه ومكانه ، فيؤتى به أو ينهى عنه ، وكذلك الكذب على حذوه ~~ومثاله . قال : وأما الجهل والجور والدناءة فإنها أثافي الرذائل ، فينبغي ~~أن ينتفي منها جملة وتفصيلا ، ولا يسلك أحد إلى شيء منها سبيلا فإنها أعدام ~~؛ - هكذا قال - ؛ والعدم كريه ومهروب منه ms326 ، والوجود على أنقص النعوت وأتم ~~وأشرف من العدم على أزيد الصفات ، وإن كان لا زيادة في العدم إلا من طريق ~~الوهم العارض ما يصح وما لا يصح . قيل : فما العجب ؟ قال وزن النفس بأكثر ~~من مثقالها . وقال أيضا : العجب هو النظر في النفس بعين ترى القبيح جميلا . ~~ويقال : المعجب يدعي أن ما ينبغي أن يعجب منه قد حصل له من غير أن يكون ~~كذلك ؛ فأما إذا كان ذلك حاصلا فالعجب ليس بعجب إلا من طريق الاسم ، وإلا ~~فهو في الحقيقة إحساس بالفضل المعشوق ، وشعور بالكمال الموموق ، واستدعاء ~~للزيادة مما صار به هكذا ، واستعداد لقبول الفيض من معدنه بالاختيار الثاني ~~والاعتياد الأول . قيل : فما الوفاء ؟ قلا قضاء حق واجب ، وإيجاب حق غير ~~واجب ، مع رقة أنسية ، وحفيظة مرعية . قيل : فما الرغبة ؟ قال : حركة تكون ~~من شهوة يرجى بها منفعة . قال أبو سليمان : الرغبة إذا كانت نطقية كانت ~~مبعثة على التحلي بالفضائل ، وإذا كانت سبعية أو بهيمية كانت ملهجة بمواقعة ~~أضدادها من الرذائل . وقيل : ما المهنة ؟ فقال : حركة يتعاطاها الإنسان بلا ~~حفز ولا استكراه . قال علي بن عيسى : المهنة صناعة ، ولكنها إلى الذل أقرب ~~، وفي الضعة أدخل ، والصناعة مهنة ، ولكنها ترتفع عن توابع المهنة ، وفي ~~الصناعات ما يتصل به الذل أيضا ، ولكن ذل ليس من جهة حقيقة الصناعة ؛ ولكن ~~من جهة العرض الذي بين الصناعة PageV01P461 ~~"""""" صفحة رقم 462 """""" # والصناعة ، والمرتبة والمرتبة . قيل : فما العادة ؟ قال : حال يأخذ بها ~~المرء نفسه من غير أن تكون مسنونة يجري عليها مجرى ماهو مألوف طبيعي . قال ~~أبو سليمان : كأن هذا الاسم ليس يخلص إلا لمن أتى شيئا مرارا ، فأما في أول ~~ذلك فليس له هذا النعت ، وإنما يصير مألوفا بالتكرار ، ولهذا ما صيغت ~~الكلمة من عاد يعود واعتاد يعتاد . وأما قوله : طبيعي ، فعلى وجه التشبيه ، ~~لأن الطبيعي أشد رسوخا وأثبت عرقا ، وأبعد من الانتقاض ؛ فأما العادة فكل ~~ذلك جائز عليها ، وغير مأمون من الوقوع فيه . قيل : كم الحركات ؟ قال : ستة ~~أضعاف ، أولها حركة الانتقال ، وهي ضربان ms327 : إما حركة الجسم بكله من مكان ~~إلى مكان ، وإما حركته بأجزائه كالفلك والرحى ، والثاني حركة الكون ، ~~والثاث حركة الفساد ، والرابع حركة الربو ، والخامس حركة النقض والبلى ، ~~والسادس حركة الاستحالة ، وهي ضربان : أما في الجسم فمثل اللون ، وأما في ~~النفس فمثل الغضب والرضا ، والعلم والجهل . والنقلة مكانية ، والكون ~~والفساد جوهريان ، والاستحالة هيئية ، والنمو والاضمحلال مكانيان . قال ~~الكندي : وها هنا حركة أخرى ، وهي حركة الإبداع ، إلا أن بينها وبين حركة ~~الكون فرقا ، لأن هذه لا من موضوع ، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه ~~، ولذلك قيل : إن الكون خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة . قال أبو سليمان ~~: حركة الإبداع عبارة بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنى مركب . قال : وإنما ~~قلت هذا لأن اللفظ نظير اللفظ في أغلب الأمر وليس المعنى نظير المعنى في ~~أغلب الأمر ، واللفظ كله من واد واحد في التركب بلغة كل أمة ، والمعاني ~~تختلف في البساطة على قدر العقل والعقل ، والعاقل والعاقل ، وإنما حركة ~~الإبداع مشار PageV01P462 ~~"""""" صفحة رقم 463 """""" # بها إلى مقوم الأشياء بلا كلفة فاعل ، ولا معاناة صانع ، وإنها بدت ~~بالمبدع من المبدع للمبدع لا على أن الباء ألصقت به شيئا ، ولا على أن من ~~فصلت منه شيئا ، ولا على أن اللام أضافت إليه شيئا ، فإن هذه العلامات ~~والأمارات كلها موجودة في الأشياء التي تعلقت بالإبداع ، فلم يجز أن ينعت ~~بها المبدع ، ولو جاز هذا لكان داخلا فيها ، وموجودا بها ، وهذا بعيد جدا . ~~فلما جل عن هذه الصفات بالتحقيق في الاختيار وصف بها بالاستعارة على ~~الاضطرار ، لأنه لابد لنا من أن نذكره ونصفه وندعوه ونعبده ونقصده ونرجوه ~~ونخافه ونعرفه وننحوه ونطلب ما عنده ونواجهه ونكافحه ؛ وهذه نعمة منه علينا ~~، ولطف منه بنا ، وحكمة بينه وبيننا وإلا كانت العصمة تنبتر ، والطمع ينقطع ~~، والأمل يضعف ، والرجاء يخيب ، والأركان تتخلخل ، والجود والكرم والحكمة ~~والقدرة والجبروت والملكوت تأبى ذلك ؛ فصارت هذه الأسماء والصفات سلالم لنا ~~إليه ، لا حقائق يجوز أن يظن به شيء منها ، على سبيل السياج الممدود ، ~~والمنهاج المحدود ms328 . سقت كلام عيسى في تصنيف الحركات من أجل هذه الفقرة التي ~~كانت محفوظة في حركة الإبداع ، فإني قد وجدت للقوم في هذا الباب حيرة عارضة ~~أو راكدة ، لا يستطيعون التقصي عنها ، ولا يقدرون على البراءة منها ، ~~للضلال الذي قد لزمهم ، والأصنام التي قد تربعت في نفوسهم ، والأمثلة التي ~~قد خالطت عقولهم ، والأفياء التي استصحبوها من إحساسهم ؛ والقائل هذا ينبغي ~~أن يتحرى ويتلبث حتى يعرى من هذه الأشياء ويتريث ؛ فحينئذ أضمن له أن يصح ~~توحيده ، ويتم تجريده ، وإلى التوحيد تنتهي الفلسفة بأجزائها الكثيرة ، ~~وأبوابها المختلفة ، وطرقها المتشعبة . وأنا أعوذ بالله من صناعة لا تحقق ~~التوحيد ولا تدل على الواحد ولا تدعو إلى عبادته ، والاعتراف بوحدانيته ، ~~والقيام بحقوقه ، والمصير إلى كنفه ، والصبر على قضائه ، والتسليم لأمره ؛ ~~ووجدت أرباب هذه الصناعات ، أعني الهندسة والطب والحساب والموسيقى والمنطق ~~والتنجيم معرضين عن تجشم هذه الغايات ، بل وجدتهم تاركين الإلمام بهذه PageV01P463 ~~"""""" صفحة رقم 464 """""" # الحافات ، وهذه آفة نسأل الله السلامة منها ، والعافية من عواقبها ؛ ~~والسلام . قيل : ما التمام ؟ قال : بلوغ الشيء الحد الذي ما فوقه إفراط ، ~~وما دونه تقصير . قال أبو سليمان : التمام أليق بالمحسوسات ، والكمال أليق ~~بالأشياء المعقولة . قال : وليست هذه الفتيا مني جازمة ، ولا عن العرب ~~العاربة مروية ، ولكن إذا لحظنا المعاني مختلفة ، طلبنا لها أسماء مختلفة ، ~~ليكون ذلك معونة لنا في تحديد الأشياء أو في وصف الأشياء من طريق الإقناع ~~الكاف للجدل والتهمة ، أو من طريق البرهان الساطع بالحجة ، الرافع للشبهة ، ~~أو من طريق التقليد الجاري على السنن والعادة . قال : ولهذا إذا قيل : ما ~~أتم قامته كان أحسن ، وإذا قيل : ما أكمل نفسه كان أجمل . قيل له : هل ~~يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به ؟ فقال : أما على الحقيقة ~~فلا ؛ ولكن على السعة ، لأن الكون متصل بالفساد ، إلا أنهما يخفيان في ~~مبادئهما حتى إذا امتد الآنان فصار آنا واحدا فحينئذ بان الكون من الفساد ، ~~وبان الفساد من الكون ، وهذا بالاعتبار الحسي ؛ فأما العقل فيرتفع عن هذا ، ~~لأنه يعلم حقيقة الشيء على ms329 ما هو عليه ، ولا يقبل من الحس حكما ، ولا يحتكم ~~إليه أبدا . وإنما الحس عامل من عمال العقل . والعامل يجور مرة ويعدل مرة ، ~~فأما الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقبه ، فإن وجده جائرا أبطل قضاءه ، وإن ~~وجد عادلا أمضى حكمه ، ومتى استشير الحس في قضايا العقل فقد وضع الشيء في ~~غير موضعه ، ومتى استشير العقل في أحكام الحس فقد وضع الشيء في موضعه . قيل ~~: فما الصورة ؟ قال : التي بها يخرج الجوهر إلى الظهور عند اعتقاب الصور إياه . PageV01P464 # """""" صفحة رقم 465 """""" # قال أبو سليمان : هذه الفتيا جزافية ، الصور أصناف : إلهية وعقلية ، ~~وفلكية وطبيعية ، وأسطقسية وصناعية ، ونفسية ولفظية ، وبسيطة ومركبة ، ~~وممزوجة وصافية ، ويقظية ونومية ، وغائبية وشاهدية . ثم اندفع فقال : أما ~~الصورة الإلهية - وهي أعلاها في الرتبة والحقيقة . وهي أبعد منا في التحصيل ~~إلا بمعونة الله تعالى - فلا طريق إلى وصفها وتحديدها إلا على التقريب ، ~~وذلك أن البساطة تغلب عليها ، إلا أنها مع ذلك ترسم بأن يقال : هي التي ~~تجلت بالوحدة ، وثبتت بالدوام ، ودامت بالوجود . وأما الصورة العقلية فهي ~~شقيقة تلك ، إلا أنها دونها لا بالانحطاط الحسي ، ولكن بالمرتبة اللفظية ، ~~وليس بين الصورتين فصل إلا من ناحية النعت ، وإلا فالوحدة شائعة وغالبة ~~وشاملة ، لكن الصورة الإلهية تلحظ لحظا ، ولا يلفظ بوصفها لفظا ، لمشاكهتها ~~الصورة النفسية ، فإذا كان كذلك أمكن أن ترسم فيقال : هي التي تهدي إلى ~~العاقل ثلجا في الحكم ، وثقة بالقضاء ، وطمأنينة للعاقبة ، وجزما بالأمر ، ~~ودحوضا للباطل ، وبهجة للحق ونورا للصدق . والفرق بين الصورة الإلهية ~~والصورة العقلية أن الصورة الإلهية ترد عليك وتأخذ منك ، والصورة العقلية ~~تصل إليك فتعطيك ، فالأولى بقهر وقدرة ، والثانية برفق ولطافة ؛ وتلك تحجبك ~~عن لم وكيف ، وهذه تفتح عليك لم وكيف ، وتلك لا تنحي ولا تطلب ، وهذه يسعى ~~إليها ، ويسأل عنها وتوجد ، وأنوار الصورة الإلهية بروق تمر ، وأنوار ~~الصورة العقلية شموس تستنير ؛ وتلك إذا حصلت لك بالخصوصية لا نصيب لأحد ~~منها ، وهذه إذا حصلت لك فأنت وغيرك شرع فيها ؛ وتلك للصون والحفظ ، وهذه ~~للبذل والإفاضة . وأما الصورة ms330 الفلكية فداخلة تحت الرسم بالعرض ، وللوهم ~~فيها أثر كثير ، ولأنها مأخوذة من الجسم الأعظم صارت مشاكهتها مقسومة بين ~~البسيط الذي لا تركيب فيه البتة ، وبين المركب الذي لا يخلو من التركيب ~~البتة ؛ ولهذا صار تأثير الفلك في المتحركات عنه أشد من تأثر الفلك عن ~~المحرك له ، وكأنه أول محرك متحرك ؛ وليس هكذا ما علا عنه . PageV01P465 # """""" صفحة رقم 466 """""" # والفلك بما هو جسم منقوص الصورة ، وبما هو دائم الحركة شريف الجوهر . ~~وأما الصورة الطبيعية فتعلقها بالمادة القابلة لآثارها بحسب استعدادها لها ~~، فلذلك ما هي مزحزحة عن الدرجة العليا ، وعشقها للقابل منها أشد من عشقها ~~للمفيض عليها ، ولهذا أيضا كانت منافعها ممزوجة ، ومضارها بحتة ، وهي تجمع ~~بين الحكمة والبله ، وبين الجيد والرديء ، ولو سألنها لم أنت ضارة نافعة ؟ ~~لقالت : بعدت ، فلما بعدت صوبت وصعدت . وسمعت أبا النفيس يقول في وصف ~~الطبيعة كلاما له رونق في النفس وأنا أصل هذه الجملة به . قال : أيتها ~~الطبيعة ، ما الذي أقول لك ، وبأي شيء أؤاخذك ، وكيف أوجه العتب عليك ؟ ~~فإنك قد جمعت أمورا منكرة ، وأحوالا عسرة ، لا يفي نظامك فيها بانتثارك ~~عليها ، ولك بوادر ضارة ، وغوائل خفية تبدو منك ، وتغور فيك ، وترجع إليك ، ~~حتى إذا قلنا في بعضها : إنك حكيمة ، قلنا في بعضها : إنك سفيهة ، فالبله ~~منك مخلوط باليقظة ، والاستقامة فيك عائدة بالاعوجاج ، وفيك فظائع ونزائع ، ~~وقوارع وبدائع ، لأن حركاتك تستن مرة استنانا تعشقين عليه ، وتحبين من أجله ~~، وتزيغ أخرى زيغا تمقتين عليه ، وتبغضين بسببه ، وربما كانت حركتك نقصا ~~للبناء المحكم والصورة الرائعة ، والنظام البهي ، وربما كانت بناء للمنتقض ~~، وتجديدا للبالي وإصلاحا للفاسد ، حتى كأنك عابثة بلا قصد ، عائثة على عمد ~~، وعلى جميع صفاتك من الواصفين لك لم يعلم من ظن ، ولا رأى من تخيل ، ولا ~~بعد لفظ من تأويل ، ولا حال معنى عن توهم ، ولا أسفر حق عن باطل ، ولا تميز ~~بيان عن تمويه ، ولا وضح نصح من غش ، ولا سلم ظاهر من تناقض ، ولا خلت دعوى PageV01P466 ~~"""""" صفحة رقم 467 """""" # من معارض ، فلهذا وأشباهه واجهتك ms331 بخطابي ، وعرضت عليك ما في نفسي ، ~~فبالذي أنت به قائمة ، وبالذي أنت به موجودة ، وبالذي أنت له منقلبة ، ~~وإليه منساقة ، إلا خبرتني عنك ، وشفيت غليلي منك ، ونعت لي غيب شأنك ، ~~وجعلت الخبر عنك كعيانك ، وإنما ضرعت إليك هذا الضرع ، وعرضت عليك هذا ~~الوجع ، لأنك جارتي وصاحبتي ، وليس بيني وبين حجاب إلا ما هو عدو منك أو ~~مني ، أعني بما هو منك لطف سحرك ، وخفاء سرك ، وأعني بما هو مني ما أعجز عن ~~استبانته واستيضاحه إلا بقوة الإله الذي هو سبب لحركتك في أفانين تصرفك ، ~~وأعاجيب عدلك وتحيفك . وكان إذا بلغ هذا الحد وما شاكله أخذ في كلام ~~كالجواب على طريق التأنيس والتسلية والاستراحة ، وهذا بالواجب ، لأن ~~الإنسان بسبب أغراضه المجهولة ، وعوارضه الفاجئة الباغتة من الغيب والشهادة ~~يفتقر افتقارا شديدا إلى هذه النعوت التي تقدم ذكرها ؛ وهذا كالداء والدواء ~~وليس لأحد أن يتهكم فيقول : هلا ارتفع الداء أصلا فيستغني عن الدواء جملة ، ~~وهلا وقع الدواء أبدا على الداء ونفاه وصرفه . فإن هذا كلام مدخول ، من عقل ~~كليل ، ولعمري إن من جهل القسمة الإلهية في الأزل بحسب شهادة العقل لعب به ~~الوسواس في هذه المواضع ، وظن أن الأمر لو كان بخلاف ما هو عليه كان أولى ~~وأتم وأوثق وأحكم . يا ويحه من أين يوجب هذا الحكم ؟ وبأي شيء يثبت هذا ~~القضاء ؟ وكيف يثق بهذا الوهم ؟ وكان يقول أيضا إن الطبيعة تقول : أنا قوة ~~من قوى البارىء ، موكلة بهذه الأجسام المسخرة حتى أتصرف فيها بغاية ما عندي ~~من النقش والتصوير والإصلاح والإفساد الذين لولاهما لم يكن لي أثر في شيء ، ~~ولا لشيء أثر مني ، وكان وجودي وعدمي سواء ، وحضوري وغيابي واحدا ، ولو ~~بطلت بطل ببطلاني ما أنا به ؛ وهذا زائف من القول ، وخطل من الرأي ، وتحكم ~~من الظان ؛ ولو احتمل إيراد كل ما كان يتنفس به هذا الشيخ في حال نشاطه ~~وانقباضه ، لكان ذلك مرادا فسيحا ، ومشرعا واسعا ، ولكن ذلك متعذر لعجزي عن ~~الوفاء به ، ولأن هذه الرسالة تتقلص عنه ، وإنما أجول في ms332 هذه الأكناف لكلفي ~~بالحكمة كيف دارت العبارة بها ، وأمكنت الإشارة إليها ، لا على التقصي لها ~~وبلوغ الغاية PageV01P467 ~~"""""" صفحة رقم 468 """""" # منها ، ومن يقدر على ذلك ؟ ومن يحدث نفسه بذلك ؟ العالم أبعد غورا وأعلى ~~قلة وأثقل وزنا وأحد غربا وألطف أعراضا وأكثف أجراما وأعجب تركيبا وأغرب ~~بساطة من أن يأتي عليه إنسان واحد ، وكل من كان في مسكه ، وإن بلغ الغاية ~~في دقة الذهن وحسن البيان وبلاغة اللفظ ، واستنباط الغامض في حاضره وغائبه ~~؛ هذا ما لا يتوهمه العقل . وأنا أعوذ بالله من هذه الدعوى ، وأسأله أن ~~يلهمنمي الشكر على ما فتح وشرح ، وهدى إليه ومنح ، وأطلع عليه وندح ، فإن ~~الشكر قرع لباب المزيد ، والمزيد باعث على الشكر الجديد ، والشكر - وإن خلص ~~بالعرفان ، وجرى بضروب البيان على اللسان - فإنه يقصر عن تواتر النعمة بعد ~~النعمة ، وتظاهر الفائدة بعد الفائدة . وأما الصورة الأسطقسية ، فهي لائحة ~~لكل ذي حس بالتناظم الموجود فيها ، والتباين الآخذ بنصيبه منها ، ولها ~~انقسام إلى آحادها ، أعني أن صورة الماء مباينة لصورة الهواء ، وكذلك صورة ~~الأرض مخالفة لصورة النار ، فتحديديها بما يقررها مع غوصها في كل أسطقس ~~شديد ، واللفظ لا يصفو ، والمراد لا ينماز . وأما الصورة الصناعية فهي أبين ~~من ذلك ، لأنها مع غوصها في مادتها بارزة للبصر والسمع ولجميع الإحساس ، ~~كصورة السرير والكرسي والباب والخاتم وما أشبه ذلك . وأما الصورة النفسية ~~فهي راجعة إلى العلم والمعرفة وتوابعهما فيما يحققهما أو يخدمهما وهي شقيقة ~~للصورة العقلية بالحق . وأما الصورة البسيطة فلاختلاف مرانب البسيط ما يعز ~~رسمها إلا بالإيماء إليها ، فإن الحق هذا الإيماء سامعه فذاك ، وإلا فلا ~~طمع في عبارة شافية عنها . PageV01P468 # """""" صفحة رقم 469 """""" # وأما الصورة المركبة فهي بادية للحس بآثار الطبيعة في مادتها ، وبادية ~~أيضا للنفس بآثار العقل في سيحه عليها ، وكما أن بين البسيط والبسيط فرقا ~~يكاد البسيط يكون به مركبا ، كذلك بين المركب والمركب فرق يكاد المركب يكون ~~به بسيطا ؛ وهذه جملة تفسيرها معوز . وأما الصورة الممزوجة فهي أخت الصورة ~~المركبة ، وكذلك الصورة الصافية أخت الصورة ms333 البسيطة ، وليس هذا تمايزا في ~~اللفظ واللفظ ، إذ كانتا متصاحبتين ولم تكونا متعاندتين . وأما الصورة ~~اليقظية فهي مجموعة من الإحساس ، لجريانها على وجدان المشاعر كلها ، وما ~~لها وبها . وأما الصورة النومية فهي أيضا متميزة عن أختها ، أعني اليقظية ، ~~لأنها إغضاء عين وفتح عين ، أعني أن النائم قد حيل بينه وبين مثالات ~~الإحساس وعوارض الكون والفساد ، وفتح عليه باب إلى وجدان شيء آخر يجري كظل ~~الشخص من الشخص ، فإن كان ذلك من وادي الطبيعة أومأ إلى آثار الأخلاط ، وإن ~~كان من وادي النفس أومأ إلى نصب التماثيل ، وإن كان من وادي العقل صرح ~~بحقائق الغيب في عالم الشهادة إما بالتقريب وإما بالتهذيب أعني إما بوقوعه ~~عقيب ذلك ، وإما بعد مهلة . وأما الصورة الغائبية والشاهدية فقد اتصل ~~الكلام في شرحها بما تقدم من حديث الصورة اليقظية والنومية ، والعبارة عن ~~الشاهد مقصورة على وجدان المشاعر ، والعبارة عن الغائب مقصورة على ما تغلق ~~على المشاعر ، وفي الغائب شاهد هو الملحوظ من الغائب ، وفي الشاهد غائب هو ~~المبحوث عنه في الشاهد ، فالشاهد غائب بوجه ، والغائب شاهد بوجه ، حتى إذا ~~استجمعا لك كنت بهما في شعارهما . والإلهيون من الفلاسفة هم الذين جمعوا ~~بين هذين النعتين ، وعلوا هاتين الذروتين ، فتوحدوا عند ذلك بخصائصهم ، ~~وانسلخوا عن نقائصهم ، فلو قلت : ما هؤلاء بشر كنت صادقا . PageV01P469 # """""" صفحة رقم 470 """""" # ولقد أحسن الذي قال في وصف العصابة حيث وصف فقال : فينا وفيك طبيعة أرضية ~~. . . تهوي بنا أبدا لشر قرار لكنها مقسورة مأسورة . . . مغلوبة السلطان في ~~الأحرار فجسومهم من أجلها تهوي بهم . . . ونفوسهم تسمو سمو النار لولا ~~منازعة الجسوم نفوسهم . . . نفذت بسورتها من الأقطار عرفوا لروح الله فيه ~~فضل ما . . . قد آثروا من صالح الآثار فتنزهوا وتكرموا وتعظموا . . . عن ~~لؤم طبع الطين والأحجار نزعوا إلى البحر الذي منه أتت . . . أرواحهم وسموا ~~عن الأغوار وهذا وصف بليغ بالإضافة إلى القوم . فأما ما وراء هذا فهناك خبر ~~ثقة بما قرر وقال : وأما الصورة اللفظية فهي مسموعة بالآلة التي هي الأذن ، ~~فإن كانت عجماء فلها ms334 حكم ، وإن كانت ناطقة فلها حكم ، وعلى الحالين فهي بين ~~مراتب ثلاث : إما أن يكون المراد بها تحسين الإفهام ، وإما أن يكون المراد ~~بها تحقيق الإفهام ، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص ما لها في بروزها من ~~نفس القائل ، ووصولها إلى نفس السامع ؛ ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبة ~~أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقار ، فإنها حينئذ تعطي أمورا ~~ظريفة ، أعني أنها تلذ الإحساس ، وتلهب الأنفاس ، وتستدعي الكاس والطاس ، ~~وتروح الطبع ، وتنعم البال ، وتذكر بالعالم المشوق إليه ، المتلهف عليه . ~~هذا منتهى كلامه على ما علقه الحفظ ، ولقنه الذهن ؛ ولو كان مأخوذا عنه ~~بالإملاء لكان أقوم وأحكم ، ولكن السرد باللسان ، لا يأتي على جميع الإمكان ~~في كل مكان ، فهذا هذا . PageV01P470 # """""" صفحة رقم 471 """""" # قال الوزير : هذا باب في غاية الإيفاء والاستيفاء ، ومن يتحكك بالاعتراض ~~عليه فقد صغى ، وأبدى صفحته بالبهت ، ودل من عقله على الدخل ، ومن أخلاقه ~~على الخلل ؛ لقد وهب الله لهذا الرجل مقاما عاليا ، ولا عجب فإنه معوض بهذا ~~عما فاته . وقال : أنشدني في الخمر شيئا غريبا ، فأنشدته : ومورد الوجنات ~~يخ . . . طر حين يخطر في مورد يسقيك من جفن اللجين . . . إذا سقاك دموع ~~عسجد حتى تظن الشمس تن . . . زل أو تظن الأرض تصعد فإذا سقاك بعينه . . . ~~وبفيه ثم سقاك باليد حياك بالياقوت تح . . . ت الدر من فوق الزبرجد قال : ~~أحسنت والله ؛ هات زيادة : فقلت : وعذراء ترغو حين يضربها الفحل . . . كذا ~~البكر تنزو حين يفتضها البعل تدير عيونا في جفون كأنما . . . حماليقها بيض ~~وأحداقها نجل كأن حباب الماء حول إنائها . . . شذور ودر ليس بينهما فصل ~~توهمتها في كأسها فكأنما . . . توهمت شيئا ليس يدركه العقل إذا اشتبكت ~~رجلاي من سورة الكرى . . . درجت إليها مثل ما يدرج الطفل PageV01P471 ~~"""""" صفحة رقم 472 """""" # وأنشدت لآخر : وكم عائب للخمر لو أن أمه . . . تبول مداما لم يزل ~~يستبيلها ولآخر : خليلي لومان على الخمر أو دعا . . . فلن تجدا عندي على ~~اللوم مطمعا وشبا سنا نار لعل نديمنا . . . بنجران أن يلقي سناها فيتبعا ~~فما راعنا إذ أوقدت ms335 فوق ربوة . . . من الأرض إلا راكبان قد أوضعا فهشا ~~إلينا ثم قالا : ألا انعما . . . مساء فقلنا : دام ذاك لنا معا وأنشدت لآخر ~~: سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا . . . جبال شمام ما سقوني لغنت وأنشدت أيضا ~~: الكأس لا تدري ولا الخمر . . . من أي شيء عجل السكر أسكرني من قبل شربي ~~لها . . . من دأبه الإعراض والهجر قلت له والخمر في كأسه . . . كأنها في ~~كفه بدر أنت لعمري الخمر يا سيدي . . . ليس الذي سقيتني الخمر آخر : تركت ~~النبيذ لأهل النبيذ . . . فخار لي الله في تركه وقد كنت قدما به معجبا . . ~~. أروح وأغدو إلى سفكه فقال : قد جرى هذا أيضا على التمام . اختم مجلسنا ~~بدعاء الصوفية . فقلت : سمعت ابن سمعون يدعو في الجامع في آخر مجلسه ويقول ~~: اللهم اجعل PageV01P472 ~~"""""" صفحة رقم 473 """""" # قولنا موصولا بالعمل ، وعملنا محققا للأمل ، ولا تضايقنا فيما نتحول به ، ~~ونتقلب لك فيه ، وكنف علينا بسترك ، وسوغنا برك ، وألهمنا شكرك ، وخفف على ~~أفواهنا ذكرك ، واخصصنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك ؛ اللهم اسمع واستجب وقرب ~~. وانصرفت . # الليلة الثامنة والثلاثون # وجرى ليلة بحضرة الوزير - أعلى الله كلمته ، وأدام غبطته ، ووالى نعمته - ~~أحق من دعي له ، وأشرف من بوهي به ، وأكمل من شوهد في عصره - حديث ابن يوسف ~~وما هو عليه من غثاثته ورثاثته ، وعيارته وخساسته . فقلت له : عندي حديث ، ~~ولاشك أن الوزير مطلع عليه ، عارف به . قال : ماذاك ؟ قلت : حدثني أبو علي ~~الحسن بن علي القاضي التنوخي قال : كنت في الصحبة إلى همذان سنة تسع وستين ~~، وكنا جماعة وفينا ابن حرنبار أبو محمد ، وكان في جنبه ابن يوسف ، فاتفق ~~أن عضد الدولة - برد الله مضجعه - قال لابن شاهويه : سر إلى ابن حرنبار وقل ~~له : ينبغي أن تسير إلى البصرة ، وإنا نجعل لك فيها معونة ، فقد طال مقامك ~~عندنا ، وتوالى تبرمنا بك ، وتبرمك بنا ، وليس لك بحضرتنا ما تحبه وتقترحه ~~، والسلامة لك في بعدك عنا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيرنا . وكلاما في هذا ~~النوع . قال : ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس ms336 يشهد التبليغ والأداء ، ~~ويسمع الجواب والابتداء - على رسم كان معهودا في مثل هذا الباب - فلقي ابن ~~حرنبار وشافهه بالرسالة على التمام ؛ فقال أبو محمد لما سمع : الأمر للملك ~~، ولا خلاف عليه ؛ ولعمري إن الناس بجدودهم ينالون حظوظهم ، وبحظوظهم ~~يستديمون جدودهم ؛ ولو وفقت ما كان عجيبا ، فقد نال من هو أنقص مني ، وبلغ ~~المنى من أنا أشرف منه ، ولكن المقادير PageV01P473 ~~"""""" صفحة رقم 474 """""" # غالبة ، وليس للإنسان عنها مرتحل ؛ وقد قيل : من ساور الدهر غلب ، ولكن ~~أيها الشيخ لي حاجة : أحب أن تبلغ الملك كلمة عني . قال : هاتها ؛ قال : ~~تقول له : أنا صائر إلى ما رسمت ، وممتثل ما أمرت ، بعد أن تقضي لي وطرا في ~~نفسي ، قد تقطع عليه نفسي ، وذاك أن تتقدم فيقام عبد العزيز بن يوسف بين ~~اثنين فيصفعانه مائتين ، ويقولان له : إذا لم تبذل جاهك لمتلهف ، ولا عندك ~~فرج لمكروب ، ولا بر لضعيف ، ولا عطاء لسائل ، ولا جائزة لشاعر ، ولا مرعى ~~لمنتجع ، ولا مأوى لضيف ، فلم تخاطب بسيدنا ، وتقبل لك اليد ، ويقام لك إذا ~~طلعت ؟ ؟ قال ابن شاهويه : فقبل أن لقيت الملك أفصح له الذي كان معي مشرفا ~~علي . فلما دخلت الدار عرف ، فقال : علي به ، فحضرته وابن يوسف قاعد بين ~~يديه على رسمه . فقال لي : هات الجواب عما نفذت فيه ؛ فقلت : الجواب عندك ، ~~فقال : ما أعجب هذا أنت حملت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب ؟ قال : فتلويت ~~حياء من ابن يوسف ، فقال : هات يا هذا الحديث بفصه ، فوالله لا أقنع إلا به ~~، ما هذا التواني والتكاسل ، فكرهت اللجاج ، فسردته على وجهه ، ولم أغادر ~~منه حرفا ، وابن يوسف يتقدد في إهابه ، ويتغير وجهه عند كل لفظة تمر به ، ~~فأقبل عليه الملك وقال : كيف ترى يا أبا القاسم الكيس ؟ فقال : يا مولانا ، ~~إنما أنا أقضي الحاجة بك ، فإذا لم تقضها كيف أكون ؟ فإن الحوائج كلها إليك ~~. قال : صدقت ، أنا لا أقضي حاجة لك ، لأنك لا تقصد بها وجه الله ، ولا ~~تبغي بها مكرمة ، ولا تحفظ بها مروءة ، وإنما ترتشي عليها ، وتصانع بها ms337 ، ~~وتجعلني بابا من أبواب تجارتك وأرباحك ، ولو كنت أعلم أنك تقضي حاجة لله أو ~~لمكرمة أو لرحمة ورقة لكان ذلك سهلا علي ، وخفيفا عندي ، لكنك معروف المذهب ~~في الطمع والحيلة ، وجر النار إلى قرصك ، وشرهك في جيع أحوالك ؛ وليس الذنب ~~لك ، ولكن لمن رآك إنسانا وأنت كلب . PageV01P474 # """""" صفحة رقم 475 """""" # وصدق - صدق الله قوله - فإنه كان أخس خلق الله ، وأنتن الناس ، وأقذر ~~الناس ، لا منظر ولا مخبر . وكانت أمة مغنية من أهل البيضاء ، وأبوه من ~~أسقاط الناس ، ونشأ مع أشكاله ، وكان في مكتب الربضي على أحوال فاحشة ، ~~وورق زمانا ، ثم إن الزمان نوه به ، ونبه عليه ، ومثل هذا يكون ، والأيام ~~ظهور وبطون ؛ وكما يسقط الفاضل إذا عانده الجد ، كذلك يرتفع الساقط إذا ~~ساعده الجد فهذا هذا ؛ فقال : ما كان هذا الحديث عندي ، وإنه لمن الغريب . ~~ثم قال : كيف خبرك في الفتنة التي عرضت وانتشرت ، وتفاقمت وتعاظمت ؟ فكان ~~من الجواب : خبر من شهد أولها ، وغرق في وسطها ، ونجا في آخرها . قال : ~~حدثني فإن في روايته وسماعه تبصرة وتعجبا ، وزيادة في التجربة . وقد قيل : ~~تجارب المتقدمين ، مرايا المتأخرين ، كما يبصر فيها ما كان ، يتبصر بها ~~فيما سيكون ، والشاعر قد قال : والدهر آخره شبه بأوله . . . ناس كناس وأيام ~~كأيام وليس من حادثة ماضية إلا وهي تعرفك الخطأ والصواب منها لتكون على ~~أهبة في أخذك وتركك ، وإقدامك ونكولك ، وقبضك وبسطك ، وهذا وإن كان لا يقي ~~كل الوقاية ، فإنه لا يلقى في التهلكة كل الإلقاء . كان أول هذه الحادثة ~~الفظيعة البشعة التي حيرت العقول وولهت الألباب ، وسافر عنها التوفيق ، ~~واستولى عليها الخذلان ، وعدمت فيه البصائر ، شيء كلا شيء ، وإذا أراد الله ~~تعالى ذكره أن يعظم صغيرا فعل ، وإذا شاء أن يصغر عظيما قدر ، له الخلق ~~والأمر ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، ولا صارف لقدره ؛ وقدرة ~~الإنسان محدودة ، واستطاعته متناهية ، واختياره قصير ، وطاقته معروفة ؛ وكل ~~ما جاوز هذا الحد وهذا PageV01P475 ~~"""""" صفحة رقم 476 """""" # التناهي فهو الذي يجري على الإنسان شاء أو أبى ، كره أو رضي ms338 ، وها هنا ~~يفزع إلى الله من نازل المكروه ، وحادث المحذور . وذاك أن الروم تهايجت على ~~المسلمين ، فسارت إلى نصيبين بجمع عظيم زائد على ما عهد على مر السنين ، ~~وكان هذا في آخر سنة اثنتين وستين ، فخاف الناس بالموصل وما حولها ، وأخذوا ~~في الانحدار على رعب قذف في قلوبهم ، ليكون سببا لما صار إليه الأمر ؛ وماج ~~الناس بمدينة السلام واضطربوا ، وتقسم هذا الموج والاضطراب بين الخاصة ~~والعامة ؛ وصارت العامة طائفتين ، طائفة ترق للدين ولما دهم المسلمين ، ~~وتستعظم ذلك فرقا مما ينتهي إليه ، بعد ما يؤتى عليه ؛ وطائفة وجدت فرصتها ~~في العيث والفساد ، والنهب والغارة بوساطة التعصب للمذهب . وافترقت الخاصة ~~أيضا فرقتين : فرقة أحبت أن تكون للناس حمية للإسلام ، ونهوض إلى الغزو ، ~~وانبعاث في نصرة المسلمين ، إذ قد أضرب السلطان عن هذا الحديث ، لانهماكه ~~في القصف والعزف ، وإعراضه عن المصالح الدينية ، والخيرات السياسية ؛ ~~وطائفة اختارت السكون والإقبال على ما هو أحسم لمادة الوثوب والهيج ، وأقطع ~~لشغب الشاغب ، وأقمع لخلاف المتهم ؛ فإن الاختلاف إذا عرض خفي موضع الاتفاق ~~، والتبس الأمر على الصغار والكبار ؛ وبمثل هذا فتحت البلاد ، وملكت الحصون ~~، وأزيلت النعم ، وأريقت الدماء ، وهتكت المحارم ، وأبيدت الأمم ؛ ونعوذ ~~بالله من غضب الله ومما قرب من سخط الله ؛ وإذا أراد الله أمرا كثر بواعثه ~~، وفرق نوابثه . ولما اشتعلت النائرة ، واشتغلت الثائرة ، صاح الناس : ~~النفير النفير ، وإسلاماه ، وامحمداه ، واصوماه ، واصلاتاه ، واحجاه ، ~~واغزواه ، واأسراه ، في أيدي الروم والطغاة . وكان عز الدول قد خرج في ذلك ~~الأوان إلى الكوفة للصيد ، ولأغراض غير ذلك ؛ فاجتمع الناس عند الشيوخ ~~والأماثل والوجوه والأشراف والعلماء ، وكانت النية بعد حسنة ، وللناس في ظل ~~السلطان مبيت ومقيل ، يستعذبون ورده ، ويستسهلون صدره ، عجوا ، وضجوا ، ~~وقالوا : الله الله ، انظروا في أمر الضعفاء وأحوال الفقراء ؛ واغضبوا لله ~~ولدينه ؛ فإن هذا الأمر إذا تفاقم تعدى ضعفاءنا إلى أقويائنا ، وبطل رأي ~~كبرائنا في تدبير صغرائنا ؛ والتدارك واجب ، وهو الإسلام ، إن لم نذب عنه ~~غلب الكفر ، وهو الأمن والسكون إن لم يحفظا ، فهو الخوف والبلاء وذهاب ~~الحرث والنسل ، وفضيحة ms339 الولد والأهل . فسكن المشايخ منهم ، PageV01P476 ~~"""""" صفحة رقم 477 """""" # وطيبوا أنفسهم ، وقووا منتهم ووعدوهم أن يرتئوا فيه متفقين ، ويجتمعوا ~~عليه مجتهدين ، ويستخيروا الله ضارعين ؛ وانصرف الناس عنهم ، واجتمع القوم ~~: أبو تمام الزينبي ، ومحمد بن صالح بن شيبان ، وابن معروف القاضي ، وابن ~~غسان القاضي ، وابن مكرم - وكان من كبار الشهود في سوق يحيى - وابن أيوب ~~القطان العدل وأبو بكر الرازي الفقيه ، وعلي بن عيسى والعوامي صاحب الزبيري ~~، وابن رباط شيخ الكرخ ، ونائب الشيعة ولسان الجماعة ، وابن آدم التاجر ، ~~والسالوسي أبو محمد ، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ؛ وتشاوروا وتفاوضوا ، وقلبوا ~~الأمر ، وشعبوا القول ؛ وصوبوا وصعدوا ، وقربوا وبعدوا والتأم لهم من ذلك ~~أن تخرج طائفة وراء الأمير بختيار إلى الكوفة وتلقاه وتعرفه ما قد شمل ~~مدينة السلام من الاهتمام ؛ وأن الخوف قد غلبهم ، وأن الذعر قد ملكهم ؛ ~~وأنهم يقولون : لو كان لنا خليفة أو أمير أو ناظر سائس لم يفض الأمر إلى ~~هذه الشناعة ؛ وأن أمير المؤمنين المطيع لله إنما ولاه ما وراء بابه ليتيقظ ~~في ليله ، متفكرا في مصالح الرعايا ، وينفذ في نهاره آمرا وناهيا ما يعود ~~بمراشد الدين ، ومنافع الدانين والقاصين وإلا فلا طاعة ؛ وكلاما على هذا ~~الطابع ، وفي هذا النسج ؛ فاتفق جماع على صريمة الرأي في الحركة إلى الكوفة ~~، منهم أبو كعب الأنصاري ، وأبو الحسن مدرة القوم ، وعلي بن عيسى ، ~~والعوامي ، وابن حسان القاضي صاحب الوقوف ، وأبو أحمد الجرجاني القاضي ~~البليغ ، وابن سيار القاضي أبو بكر ، وأبو بكر الرازي . وأما جعل ، فإنه ~~ذكر ما به من وجع النقرس ، واستعفى . وأما أبو سعيد السيرافي ، فإنه ذكر ~~ضعفا وسنا ، وقال : أنا أعين في هذه النائبة PageV01P477 ~~"""""" صفحة رقم 478 """""" # بإقامة رجل جلد مزاح العلة بالفرس والسلاح ، وقعد الجم الغفير ، وسارت ~~الجماعة إلى الكوفة ، ولحقت عز الدولة في التصيد ، وانتظرته ؛ فلما عاد ~~قامت في وجهه واستأذنت في الوصول إليه على خلوة وسكون بال وقلة شغل ؛ فلم ~~يلتفت إليهم ، ولا عاج عليهم - وكان وافر الحظ من سوء الأدب ، قليل التحاشي ~~من أهل الفضل والحكمة - ثم قيل له ms340 : إن القوم وردوا في مهم لا يجوز التغافل ~~عنه ، والإمساك دونه ، فأذن لهم بين المغرب والعتمة ، فجلسوا بحضرته كما ~~اتفق من غير ترتيب ، فقال : تكلموا . فقال أبو الوفاء المهندس لأبي بكر ~~الرازي : تكلم أيها الشيخ ، فإنك رضا الجماعة ، ومقنع العصابة . فقال أبو ~~بكر : الحمد لله الذي لا موهبة إلا منه ، ولا بلوى إلا بقضائه ، لا مفزع ~~إلا إليه ، ولا يسر إلا فيما يسره ، ولا مصلحة إلا فيما قدره ؛ له الحكم ~~وإليه المصير ، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المبعوث ، إلى الوارث ~~والموروث ؛ أما بعد ، فإن الله تعالى قد حض على الجهاد ، وأمر بإعزاز الدين ~~، والذب عن الحريم والإسلام والمسلمين في الدهر الصالح ، والزمان المطمئن ؛ ~~فكيف إذا اضطرب الحبل وانتكثت مريرته ، وأبرز مصونه ، وعري حريمه ~~بالاستباحة ؛ وينل جانبه بالضيم ، وضعضع مناره بالرغم ، وقصد ركنه بالهدم ، ~~وأنت أيها المولى من وراء سدة أمير المؤمنين المطيع لله ، والحامل لأعباء ~~مهماته ، والناهض بأثقال نوائبه وأحداثه ؛ والمفزع إليك ، والمعول عليك ، ~~فإن كان منك جد وتشمير فما أقرب الفرج مما قد أظل وأزعج ، وإن كان منك توان ~~وتقصير فما أصعبه من خطب ؟ وما أبعده من شعب وقد جئناك نحقق عندك ما بلغك ~~من توسط هذه الطاغية أطراف الموصل وما والاها ، وأن الناس قد جلوا عن ~~أوطانهم ، وفتنوا في PageV01P478 ~~"""""" صفحة رقم 479 """""" # أديانهم وضعفوا عن حقيقة إيمانهم ؛ للرعب الذي أذهلهم ، والخوف الذي ~~وهلهم ؛ وإنما هم بين أطفال صغار ، ونساء ضعاف ، وشيوخ قد أخذ الزمان منهم ~~، فهم أرض لكل واطىء ، ونهب لكل يد ؛ وشباب لا يقفون لعدوهم لقلة سلاحهم ، ~~وسوء تأتيهم في القراع والدفاع ؛ ونحن نسئلك أن تتوخى في أمة محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما يزلفك عنده ، ويكون لك في ذلك ذخر من شفاعته وبحتيار ~~مطرق . ثم اندفع علي بن عيسى فقال : أيها الأمير ، إن الصغير يتدارك قبل أن ~~يكبر ، فكيف يجوز ألا يستقبل بالجد والاجتهاد وهو قد عسا وكبر . والله إن ~~بنا إلا أن يظن أهل الجبل وأذربيجان وخراسان أنه ليس لنا ذاب عن حريمنا ، ~~ولا ms341 ناصر لديننا ، ولا حافظ لبيضتنا ، ولا مفرج لكربتنا ، ولا من يهمه شيء ~~من أمورنا ، فالله الله ، لا تجرن علينا شماتتهم بنا ، وخذ بأيدينا بقوتك ، ~~وحسن نيتك ، وحميد طويتك ، وعزك وسلطانك ، وأوليائك وأعوانك ، واكتب قبل ~~هذا إلى عدة الدولة بما يبعثه على حفظ أطرافه ، وحراسة أكنافه ، مع استطلاع ~~الرأي من جهتك ، ومطالعة أمير المؤمنين برأيك ومشورتك . ثم رفع الأنصاري ~~رأسه وقال : ليس في تكرير الكلام - أطال الله بقاء الأمير - فائدة كبيرة ، ~~ولئن كان الإيجاز في هاذ الباب لا يكفي ، فالإطناب فيه أيضا لا يغني ، ~~والله لو نهضت بنا ونحن أحراض كما ترى لا نقلب مخصرة بكف ، ولا نرمي دحروجة ~~بيد ، ولا نعرف سلاحا إلا بالاسم ، لنهضنا وسرنا تحت رايتك ، وتصرفنا بين ~~أمرك ونهيك ، وفديناك بأرواحنا ضنا بك ، وبعثنا على مثل ذلك أحداثنا ~~وأولادنا اللذين ربيناهم بنعمتك ، وخرجناهم في أيامك ، وادخرناهم للنوازل ~~إذا قامت ، والحوادث إذا ترامت ، فإن كان في المال قلة فخذ من موسرنا وممن ~~له فضل في حاله ، فإنه يفرج عنه طاعة لك ، وطمعا فيما عند الله من الثواب . PageV01P479 # """""" صفحة رقم 480 """""" # وقال العوامي : والله ما سميت للدولة عزا ، إلا لأن الله تعالى قد ذخرك ~~للمسلمين كنزا ، وجعل لهم على يديك وبتدبيرك راحة وفوزا ، ولم يعرضك لهذه ~~الفادحة إلا ليخصك بانفراجها على يدك ويبقي لك بها ذكرا يطبق الأرض ويبلغ ~~أمراء خراسان ومصر والحجاز واليمن فيصيبهم الحسد على ما هيأ الله لك منها . ~~ونظر بختيار إلى ابن حسان القاضي - وكان منبسطا معه لقديم خدمته - فقال : ~~أيها القاضي ، أنت لا تقول شيئا ؟ قال : أيها الأمير ، وما القول وعندك ~~هؤلاء العلماء ، والمصاقع الألباء ؛ وإن سراجي لا يزدهر في شمسهم ، وإن ~~سحابتي لا تبل على بلالهم : وقد قالوا فأنعموا ، وجروا فأمعنوا ، وليس ~~قدامهم إمام ، ولا وراءهم إمام ؛ لكني أقول : ما جشمنا إليك هذه الكلف إلا ~~لتنظر على ضعف أركاننا ، وعلو أسناننا وقلة أعواننا ، لأنا رأيناك أهلا ~~للنظر في أمرنا ، والاهتمام بحالنا ، وبما يعود نفعه على صغيرنا وكبيرنا . ~~فقال عز الدولة : ما زوى عني ms342 ما طرق هذه البلاد ، ولقد أشرفت عليه ، وفكرت ~~فيه ، وما أحببت تجشم هذه الطائفة على هذا الوجه . وما أعجبني هذا التقريع ~~من الصغير والكبير ، وما كان يجوز لي أن أنعس على هذه الكارثة ، وأنعم ~~بالعيش معها ، ولعمري إن الغفلة علينا أغلب ، والسهو فينا أعمل ، ولكن فيما ~~ركبتموه مني تهجين شديد ، وتوبيخ فاحش ، وإن هذا المجلس لمما يتهادى حديثه ~~بالزائد والناقص ، والحسن والقبيح ، وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني ~~عليكم ، وولايتي لأموركم ؛ كلا ، ولكن كما تكونون يولى PageV01P480 ~~"""""" صفحة رقم 481 """""" # علكيم ؛ هكذا قول صاحب الشريعة فينا وفيكم ؛ والله لو لم تكونوا أشباهي ~~لما وليتكم ، ولولا أني كواحد منكم ، لما جعلت قيما عليكم ؛ ولو خلا كل ~~واحد منا بعيب نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ غيره ، وتهجين سلطنه ؛ أيظن هذا ~~الشيخ أبو بكر الرازي أنني غير عالم بنفاقه ، ولا عارف بما يشتمل عليه من ~~خيره وشره ؛ يلقاني بوجه صلب ، ولسان هدار يرى من نفسه أنه الحسن البصري ~~يعظ الحجاج بن يوسف ، أو واصل بن عطاء يأمر بالمعروف ، أو ابن السماك يرهب ~~الفجار ؛ هذا قبيح ، ولو سكت عن هذا لكان عيا وعجزا ؛ جزى الله أبا عبد ~~الله شيخنا خيرا حين جلس ، وكذلك أحسن الله عنا مكافأة أبي سعيد السيرافي ، ~~فإنه لو علم أن فيم مساعدتك رشدا لما توقف ؛ وأما أنت يا أبا الحسن - يريد ~~علي بن عيسى - فوحق أبي إني لأحب لقاءك ، وأوثر قربك ، ولولا ما يبلغني من ~~ملازمتك لمجلسك ، وتدريسك لمختلفتك ، وإكبابك على كتابك في القرآن ، لغلبتك ~~على زمانك ، ولاستكثرت مما قل حظي منه في هذه الحال التي أنا مدفوع إليها ، ~~فإنها وازعة على هو النفس ، وطاعة الشيطان ، ومنازعة الأكفاء ، وجمع المال ~~، وأخذه من حيث يجب أو لا يجب ، وتفرقته فيمن يستحق ومن لا يستحق ، وإلى ~~الله أفزع في قليل أمري وكثيره ، إذا شئتم . قال لي أبو الوفاء - وهو الذي ~~شرح لي المجلس من أوله إلى آخره - : لقد شاهدت من عز الدولة في ذلك المجلس ~~المنصور في جده وشهامته ، وثبات قلبه وقوة لسانه ms343 ، مع بحح لذيذ ولثغة حلوة ~~. قال : ولقد قلت له بعد ذلك : أيها الأمير ، ما ظننت أنك إذا خلعت رداءك ~~ونزعت حذاءك تقول ذلك المقال ، وتجول ذلك المجال ، وتنال ذلك المنال ، لقد ~~انصرف ذلك الرهط على هيبة لك شديدة ، وتعظيم بالغ ، ولقد تداولوا لفظك ، ~~وتتبعوا معانيك ، وتشاحوا على نظمك ، وقالوا : ما ينبغي لأحد أن يسيء ظنه ~~بأحد إلا بعد الخبرة والعيان ، وإلا بعد الشهادة والبيان ؛ أهذا يقال له ~~متخلف أو ناقص ؟ لله دره من شخص ولله أبوه PageV01P481 ~~"""""" صفحة رقم 482 """""" # من فتى مدره ولما بلغ هذا المجلس الذين قعدوا عن المسير إليه - أعني عز ~~الدولة - حمدوا الله تعالى ، وعلموا أن الخيرة كانت قرينة اختيارهم . قال ~~الوزير : قرأت ما دونه الصابي أبو إسحاق في التاجي فما وجدت هذا الحديث فيه ~~. قلت : لعله لم يقع إليه ، أو لعله لم ير التطويل به ، أو لعله لم يستخف ~~ذكر عز الدولة على هذا الوجه . قال : هذا ممكن ؛ فهل سمعت في أيام الفتنة ~~بغريبة ؟ قلت : كل ما كنا فيه كان غريبا بديعا ، عجيبا شنيعا ، حصل لنا من ~~العيارين قواد ، وأشهرهم ابن كبرويه ، وأبو الدود ، وأبو الذباب ، وأسود ~~الزبد ، وأبو الأرضة ، وأبو النوابح ، وشنت الغارة ، واتصل النهب ، وتوالى ~~الحريق حتى لم يصل إلينا الماء من دجلة ، أعني الكرخ . فمن غريب ما جرى أن ~~أسود الزبد كان عبدا يأوي إلى قنطرة الزبد ويلتقط النوى ويستطعم من حضر ذلك ~~المكان بلهو ولعب ، وهو عريان لا يتوارى إلا بخرقة ، ولا يؤبه له ، ولا ~~يبالي به ، ومضى على هذا دهر ، فلما حلت النفرة أعني لما وقعت الفتنة ، ~~وفشا الهرج والمرج ، ورأى هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السيف وأعمله ، ~~طلب سيفا وشحذه ، ونهب وأغار وسلب ، وظهر منه شيطان في مسك إنسان ، وصبح ~~وجهه ، وعذب لفظه ، وحسن جسمه ، وعشق وعشق ، والأيام تأتي بالغرائب ~~والعجائب ، وكان الحسن البصري يقول في مواعظه : المعتبر كثير ، والمعتبر ~~قليل . فلما دعي قائدا وأطاعه رجال وأعطاهم وفرق فيهم ، وطلب الرآسة عليهم ~~، صار جانبه لا يرام ، وحماه ms344 لا يضام . PageV01P482 # """""" صفحة رقم 483 """""" # فمما ظهر من حسن خلقه - مع شره ولعنته ، وسفكه للدم ، وهتكه للحرمة ، ~~وركوبه للفاحشة ، وتمرده على ربه القادر ، ومالكه القاهر - أنه اشترى جارية ~~كانت في النخاسين عند الموصلي بألف دينار ، وكانت حسناء جميلة ، فلما حصلت ~~عنده حاول منها حاجته ، فامتنعت عليه ، فقال لها : ما تكرهين مني ؟ قالت : ~~أكرهك كما أنت . فقال لها : فما تحبين ؟ قالت : أن تبيعني ، قال لها : أو ~~خير من ذلك أعتقك وأهب لك ألف دينار ؟ قالت : نعم ، فأعتقها وأعطاها ألف ~~دينار بحضرة القاضي ابن الدقاق عند مسجد ابن رغبان فعجب الناس من نفسه ~~وهمته وسماحته ، ومن صبره على كلامها ، وترك مكافأتها على كراهتها ، فلو ~~قتلها ما كان أتى ما ليس من فعله في مثلها . قال الوزير : هذا والله طريف ، ~~فما كان آخر أمره ؟ قلت : ومتى سلمت ؟ جاءت النهابة إلى بين السورين وشنوا ~~الغارة واكتسحوا ما وجدوا في منزلي من ذهب وثياب وأثاث ، وما كنت ذخرته من ~~تراث العمر ؛ وجردوا السكاكين على الجارية في الدار يطالبونها بالمال ، ~~فانشقت مرارتها ، ودفنت في يومها ، وأمسيت وما أملك مع الشيطان فجرة ، ولا ~~مع الغراب نقرة . أيها الشيخ - وفقك الله في جميع أحوالك ، وكان لك في كل ~~مقالك وفعالك - إنما نثرت بالقلم ما لاق به ؛ فأما الحديث الذي كان يجري ~~بيني وبين الوزير فكان على قدر الحال والوقت والواجب ؛ والاتساع يتبع القلم ~~ما لا يتبع اللسان ، والروية تتبع الخط ما لا تتبع العبارة ، ولما كان قصدي ~~فيما أعرضه عليك ، وألقيه إليك ، أن يبقى الحديث بعدي وبعدك ، لم أجد بدا ~~من تنميق يزدان به الحديث ، وإصلاح يحسن معه المغزى ، وتكلف PageV01P483 ~~"""""" صفحة رقم 484 """""" # يبلغ بالمراد الغاية ، فليقم العذر عندك على هذا الوصف ، حتى يزول العتب ~~، ويستحق الحمد والشكر . # الليلة التاسعة والثلاثون # وقال الوزير ليلة : يعجبني الجواب الحاضر ، واللفظ النادر ، والإشارة ~~الحلوة ، والحركة الرضية ، والنغمة المتوسطة ، لا نازلة إلى قعر الحلق ، ~~ولا طافحة على الشفة . فكان من الجواب : اقتراح الشيء على الكمال سهل ، ~~ولكن وجدانه على ذلك صعب ، لأن ms345 التمني صفو النفس الحسية ، ونيل المتمني في ~~الفرصة المحشوة بالحيلولة . وقد قال المدائني : أحسن الجواب ما كان حاضرا ~~مع إصابة المعنى وإيجاز اللفظ وبلوغ الحجة . وقال أبو سليمان شارحا لهذا : ~~أما حضور الجواب فليكون الظفر عند الحاجة ، وأما إيجاز اللفظ فيكون صافيا ~~من الحشو ، وأما بلوغ الحجة فليكون حسما للمعاوضة . قال : ما أحسن ما وشح ~~هذه الفقرة بهذه الشذرة وحكى المدائني قال : قال مسلمة بن عبد المكل : ما ~~من شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إلي من جواب حاضر ، فإن الجواب ~~إذا تعقب لم يكن له وقع . وحكى المدائني بإسناده عن عبد الرحمن بن حوشب أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعمرو بن الأهتم التيمي : أخبرني عن ~~الزبرقان بن بدر ، فقال : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ~~ظهره . فقال الزبرقان : يا رسول الله ، إنه ليعلم مني أكثر من هذا ، ولكنه ~~حسدني ، فقال عمرو : أما والله يا رسول الله إنه لزمر المروءة ، ضيق العطن ~~، لئيم الخال ، أحمق الوالد ، وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الأخرى ، ~~ولقد رضيت فقلت أحسن ما PageV01P484 ~~"""""" صفحة رقم 485 """""" # علمت ، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~: ' إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما ' . وقال أبو سليمان : السحر ~~بالقول الأعم والرسم المفيد على أربعة أضرب : سحر عقلي ، وهو ما بدر من ~~الكلام المشتمل على غريب المعنى في أي فن كان ؛ وسحر طبيعي ، وهو ما يظهر ~~من آثار الطبيعة في العناصر المتهيئة والمواد المستجيبة ، وسحر صناعي ، وهو ~~ما يوجد بخفة الحركات المباشرة ، وتصريفها في الوجوه الخفية عن الأبصار ~~المحدقة ، وسحر إلهي وهو ما يبدو من الأنفس الكريمة الطاهرة باللفظ مرة ، ~~وبالفعل مرة . وعرض كل واحد من هذه الضروب واسع ، وكل حذق ومهارة وبلوغ ~~قاصية في كل أمر هو سحر ، وصاحبه ساحر . وقال المدائني : نظر ثابت بن عبد ~~الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم ، فقال له سعيد بن عثمان بن عفان ، ~~أتشتمهم لأنهم قتلوا أباك ؟ فقال ms346 : صدقت ، ولكن المهاجرين والأنصار قتلوا ~~أباك . وقال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد الله بن الزبير : أبوك كان ~~أعلم بك حين شتمك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتدري لم كان يشتمني ؟ إني ~~نهيته أن يقاتل بأهل مكة وأهل المدينة ، فإن الله لا ينصره بهما ، وقلت له ~~، أما أهل مكة فأخرجوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخافوه ، ثم جاؤا ~~إلى المدينة فأخرجهم منها وشردهم . فعرض بالحكم بن أبي العاص - وهو جد عبد ~~الملك - وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفاه . وأما أهل المدينة فخذلوا ~~عثمان حتى قتل بينهم ، لم يروا أن يدفعوا عنه . فقال له عبد الملك : لحاك ~~الله . وقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية : أما والله لو كنت بمكة ~~لعلمت ، فقال معاوية : كنت أكون ابن أبي سفيان ينشق عني الأبطح ، وكنت أنت ~~ابن خالد منزلك أجياد ، أعلاه مدرة ، وأسفله عذرة . PageV01P485 # """""" صفحة رقم 486 """""" # وقال المدائني : قال ابن الضحاك بن قيس الفهري لهشام بن عبد الملك قبل أن ~~يملك - وهو يومئذ غلام شاب - يابن الخلائف ، لم تطيل شعرك وقميصك ؟ قال ~~أكره أن أكون كما قال الشاعر : قصير القميص فاحش عند بيته . . . وشر غراس ~~في قريش مركبا قال : وهذا الشعر لأبي خالد مروان بن الحكم ، هجا به الضحاك ~~ابن قيس . وحكى أيضا ، قال : مر عطاء بن أبي صيفي بعبد الرحمن بن حسان ابن ~~ثابت وعطاء على فرس له ؛ فقال له عبد الرحمن : يا عطاء ، لو وجدت زمام زق ~~الخمر خاليا ما كنت تصنع به ؟ قال : كنت آتي به دور بني النجار فأعرفه فإنه ~~ضالة من ضوالهم ، فإن عرفوه وإلا فهو لك لم يعدك ، ولكن أخبرني أي جديك ~~أكبر ، أفريعة أم ثابت ؟ قال : لا أدري . قال : فلم يعنيك ما كان في كنائن ~~الرجال وأنت لا تدري أي جديك أكبر ؟ بل فريعة أكبر من ثابت ، وقد تزوجها ~~قبله أربعة كلهم يلقاها بمثل ذراع البكر ، ثم يطلقها عن قلى ؟ فقال لها ~~نسوة من قومها : والله يا فريعة إنك لجميلة ، فما بال أزواجك ms347 يطلقونك ؟ ~~قالت : يريدون الضيق ضيق الله عليهم . وحكى أيضا قال : قال أبو السفر : ~~بينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسير إذ رفع بين مكة والمدينة قبر ~~أبي سعيد بن العاص ، فقال أبو بكر : لعن الله صاحب هذا القبر ، فإنه كان ~~يكذب الله ورسوله ، فقال خالد بن أسيد - وهو في القوم - : لا بل لعن الله ~~أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف ، ولا يمنع الضيم ، ولا يقاتل مع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ~~إذا سبني PageV01P486 ~~"""""" صفحة رقم 487 """""" # المشركون فعموهم بالسب ، ولا تسبوا الأموات فإن سب الأموات يغضب الأحياء ~~؟ ' . قال محمد بن عمارة : فذاكرت بهذا الحديث رجلا من أصحاب الحديث من ولد ~~سعيد بن العاص ، فعرفه ، فقال : فيه زيادة ليست عندكم ، قلت : وما هي ؟ ~~فقال : قال خالد بن أسيد : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما يسرني أنه ~~في أعلى عليين وأن أبا قحافة ولده . فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~حتى بدت نواجذه ، وقال : ' لا تسبوا الأموات فإن سبهم يغضب الأحياء ' . ~~وحكى قال : رمى عمر بن هبيرة الفزاري إلى عرام بن شتير بخاتم له فضة - وقد ~~زوج - فعقد عليه عرام سيرا ورده إلى ابن هبيرة . أراد ابن هبيرة قول الشاعر ~~: لقد زرقت عيناك يابن ملعن . . . كما كل ضبي من اللؤم أزرق وعرض له عرام ~~بقول ابن دارة : لا تأمنن فزاريا خلوت به . . . على قلوصك واكتبها بأسيار ~~وقال المدائني : وكان ابن هبيرة يساير هلال بن مكمل النميري ، فتقدمت بغلة ~~النميري بغلة ابن هبيرة . فقال : غض من بغلتك . فالتفت إليه النميري فقال : ~~أصلح الله الأمير ، إنها مكتوبة ، وإنما أراد ابن هبيرة : فغض الطرف فغض ~~الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغة ولا كلابا وأراد النميري قول سالم ~~بن دارة : لا تأمنن فزاريا خلوت به . . . على قلوصك واكتبها بأسيار وقال ~~الوليد العنبري : مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم ، فقال رجل PageV01P487 ~~"""""" صفحة رقم 488 """""" # منهم : أيتها الرسحاء . فقالت المرأة : يا بني نمير ms348 ، والله ما أطعتم ~~الله ولا أطعتم الشاعر ، قال الله عز وجل : ' قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~' . وقال الشاعر : فغض الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغت ولا كلابا ~~وقال : مر الفرزدق بخالد بن صفوان بن الأهتم ، فقال له خالد : يا أبا فراس ~~، ما أنت الذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، فقال له الفرزدق : ولا أنت ~~الذي قالت الفتاة لأبيها فيه : ' يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين ' . قال : ودخل يزيد بن مسلم على سليمان بن عبد الملك ، وكان مصفرا ~~نحيفا ، فقال سليمان : على رجل أجرك رسنك وسلطك على المسلمين لعنة الله . ~~فقال : يا أمير المؤمنين إنك رأيتني والأمر عني مدبر ، فلو رأيتني وهو علي ~~مقبل لا ستعظمت مني يومئذ ما استصغرت اليوم . قال : فأين الحجاج ؟ قال : ~~يجيء يوم القيامة بين أبيك وأخيك ، فضعه حيث شئت . وقال عباد بن زياد : كنت ~~عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه أبو يوسف حاجبه ، فقال : يا أمير المؤمنين ~~، هذه بثينة . قال : أبثينة جميل ؟ قال : نعم ، قال أدخلها ، فدخلت امرأة ~~أدماء طويلة يعلم أنها كانت جميلة ، فقال له يا أبا يوسف ألق لها كرسيا ، ~~فألقاه لها ، فقال لها عبد الملك ، ويحك ما رجا منك جميل ، قالت : الذي رجت ~~منك الأمة حين ولتك أمرها . وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان : إن رهطا من ~~الأنصار دخلوا على معاوية ، فقال : يا معشر الأنصار ، قريش خير لكم منكم ~~لهم ، فإن يكن ذلك لقتلى أحد ، فقد قتلتم يوم بدر مثلهم ؛ وإن يكن لإمرة ~~فوالله ما جعلتم لي إلى صلتكم سبيلا ؛ خذلتم عثمان يوم الدار ، وقتلتم ~~أنصاره يوم الجمل ، وصليتم بالأمر يوم صفين . فتكلم رجل منهم ، فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، أما قولك إن يكون لقتلى أحد فإن قتيلنا شهيد وحينا PageV01P488 ~~"""""" صفحة رقم 489 """""" # تائق ، وأما ذكرك الإمرة ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمر ~~بالصبر عليه . وأما قولك إنا خذلنا عثمان ، فإن الأمر في عثمان إلى قتلته ؛ ~~وأما قولك إنا قتلنا أنصاره يوم الجمل فذلك ما لا ms349 نعتذر منه ، وأما قولك ~~إنا صلينا بالأمر يوم صفين ، فإنما كنا مع رجل لم نأله خبرا ، فإن لمتنا ~~فرب ملوم لا ذنب له . ثم قام هو وأصحابه يجر ثوبه مغضبا ، فقال معاوية : ~~ردوهم ، فردوا فترضاهم حتى رضوا ، ثم انصرفوا . وأقبل معاوية على رهط من ~~قريش ، فقال : والله ما فرغ من منطقه حتى ضاق بي مجلسي . قال سعيد بن عبد ~~الرحمن بن حسان : دخل قيس بن سعد بن عبادة مع قوم من الأنصار على معاوية . ~~فقال معاوية : يا معشر الأنصار ، لم تطلبون ما قبلي ، فوالله لقد كنتم ~~قليلا معي ، كثيرا علي ، ولقد قتلتم جندي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى ~~في أسنتكم ، وهجوتموني بأشد من وخز الأشافي حتى إذا أقام الله ما حاولتم ~~ميله ، قلتم : ارع فينا وصية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ هيهات ، ~~أبى الحقين العذرة ، فقال قيس : نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله لا ~~سواه ، لا بما تمت به إليك الأحزاب ، وأما عداؤنا لك فلو شئت كففنا عنك ؛ ~~وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله ، ويثبت حقه ، وأما قتلنا جندك يوم صفين ~~فإنا كنا مع رجل نرى أن طاعته طاعة الله ؛ وأما استقامة الأمر لك فعلى كره ~~منا كان منا ، وأما وصية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينا ، فمن آمن ~~به رعاها ؛ وأما قولك أبي الحقين العذرة ، فليس دون الله يد تحجزك ؛ فشأنك ~~. فقام معاوية فدخل ، وخرج قيس PageV01P489 ~~"""""" صفحة رقم 490 """""" # ومن كان معه . وقال محمد بن خالد القرشي : دخل زفر بن الحارث الكلابي على ~~عبد الملك بن مروان وعنده خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأمية بن عبد ~~الله بن خالد ، فقال زفر : لو كان لعبد الله سخاء مصعب وكان لمصعب عبادة ~~عبد الله لكانا ما شاء المتمني . فقال عبد الملك : ما كان سخاء مصعب إلا ~~لعبا ، ولا كانت عبادة عبد الله إلا عبثا ، ولكن لو كان للضحاك ابن قيس مثل ~~رجال مروان لكانت قيس أربابا بالشام ، فقال زفر : لو كانت لمروان صحبة ~~الضحاك ms350 لكان ؛ فقال عبد الملك ، والله ما أحب له مثل صحبته ومصرعه ، فقال ~~خالد : لولا أن أمير المؤمنين لايبصر مرعى لما تركناك والكلام . فقال زفر : ~~اربعا على أنفسكما ودعانا وخليفتنا واسحبا ذيولكما على خيانة خراسان ~~وسجستان والبصرة . وقال المدائني : غاب مولى للزبير عن المدينة حينا ، فقال ~~له رجل من قريش لما رجع : أما والله لقد أتيت قوما يبغضون طلعتك ، وفارقت ~~قوما لا يحبون رجعتك . قال المولى : فلا أنعم الله ممن قدمت عليه عينا ، ~~ولا أخلف الله على من فارقت بخير . قال المدائني : كان مرثد بن حوشب عند ~~سليمان بن عبد الملك ، فجرى بينه وبين أبيه كلام حتى تسابا ، فقال له أبوه ~~: والله ما أنت بابني ، قال : والله لأنا أشبه منك بأبيك ، ولأنت كنت أغير ~~على أمي من أبيك على أمك . فقال له سليمان : قاتلك الله ، إنك لابنه . وساب ~~مرثد أخاه ثمامة ، فقال له ثمامة : يا حلقي ، فقال له مرثد : يا خبيث ، ~~أتسابني مسابة الصبيان ، فوالله إنك لابني ، ولقد غلبني حوشب على أمك ، وقد ~~ألقحتها PageV01P490 ~~"""""" صفحة رقم 491 """""" # بك . وقال ابن عياش المنتوف لأبي شاكر بن هشام بن عبد الملك : لو قصرت ~~قميصك ، قال له : ما يضرك من طوله . قال : تدوسه في الطين ، قال وما ينفعك ~~من دوسه . وقال : كان على تبالة رجل من قريش ؛ فقال لرجل من باهلة ، من ~~الذي يقول : إن كنت ترجو أن تنال غنيمة . . . في دور باهلة بن يعفر فارحل ~~قوم قتيبة أمهم وأبوهم . . . لولا قتيبة أصبحوا في مجهل فقال الباهلي : ما ~~أدري غير أني أظنه الذي يقول : يا شدة ما شددنا غير كاذبة . . . على سخينة ~~لولا الليل والحرم قال : وتكلم ابن ظبيان التيمي يوما فأكثر ، فقال له مالك ~~بن مسمع ، إيها أبا مطر ، فإن للقوم في الكلام نصيبا ، فقال : والله ما ~~إليك جئت ، ولو أن بكر بن وائل اجتمعت في بيت بقال لأتيتهم . فقال له مالك ~~، إنما أ، ت سهم من سهام كنانتي . فقال ابن ظبيان : أنا سهم من سهام كنانتك ~~؟ فوالله لو قمت فيها لطلتها ، ولو ms351 قعدت فيها لخرقتها ، وايم الله ما أراك ~~تنتهي حتى أرميك بسهم لم يرش ، تذبل به شفتاك ، ويجف له ريقك . وقال رجل ~~للأحنف : بأي شيء سدت تميما ؟ فوالله ما أنت بأجودهم ولا أشجعهم ولا أجملهم ~~ولا أشرفهم ، قال : بخلاف ما أنت فيه . قال : وما خلاف ما أنا فيه ؟ قال : ~~تركي ما لا يعنيني من أمور الناس كما عناك من أمري ما لا يعنيك . PageV01P491 # """""" صفحة رقم 492 """""" # ووفد عليم بن خالد الهجيمي على هشام وعنده الأبرش الكلبي ، فقال له ~~الأبرش الكلبي : يا أخا بني الهجيم ، من القائل . لو يسمعون بأكلة أو شربة ~~. . . بعمان أصبح جمعهم بعمان ألكم يقوله ؟ قال : نعم ، لنا يقوله ، ولكنكم ~~يا معشر كلب تعبرون النساء وتجزون الشاء ، وتكدرون العطاء ، وتؤخرون العشاء ~~، وتبيعون الماء . فضحك هشام ، فلما خرجا قال الأبرش : يا أخا بني الهجيم ، ~~أما كانت عندك بقية ؟ قال : بلى ، لو كان عندك بقية . قدمت امرأة زوجها إلى ~~زياد تنازعه ، وقد كانت سنه أعلى من سنها فجعلت تعيب زوجها وتقع فيه ، فقال ~~زوجها : أيها الأمير ، إن شر شطري المرأة آخرها ، وخير شطري الرجل آخره . ~~المرأة إذا كبرت عقمت رحمها ، وحد لسانها ، وساء خلقها ، وإن الرجل إذا ~~كبرت سنه استحكم رأيه ، وكثر حلمه وقل جهله . وقال أعشى همدان لامرأته : ~~إنك لسلسة الثقبة ، سريعة الوثبة ، حديدة الركبة ، فقالت : والله إنك لسريع ~~الإراقة ، بطيء الإفاقة ، قليل الطاقة ، فطلقها ، وقال : تقادم عهدك أم ~~الجلال . . . وطاشت نبالك عند النضال وقد بت حبلك فاستيقني . . . بأني ~~طرحتك ذات الشمال وأن لا رجوع فلا تكذبي . . . ن ماحنت النيب إثر الفصال ~~قال الغلابي عن غيره : قال رجل لامرأته : أما إنك ما علمت لسئول منعة ، ~~جزوع هلعة ، تمشين الدفقى وتقعدين الهبنقعة ، فقالت : أما والله إن كان ~~زادي منك PageV01P492 ~~"""""" صفحة رقم 493 """""" # لهدية ، وإن كانت حظتي منك لحذية ، فإنك لابن خبيثة يهودية . وقال ~~المدائني : قبض كسرى أرضا لرجل من الدهاقين ، وأقطعها البحرجان ، فقدم صاحب ~~الأرض متظلما ، فأقام بباب كسرى ، فركب كسرى يوما ، فقعد له الرجل على ~~طريقه يكلمه ، فلما حاذاه شد ms352 عليه حتى صك بصدره ركبته ، ووضع يده على فخذه ~~؛ فوقف له كسرى وكلمه ، فقال له : أرض كانت لأجدادي ورثتها من آبائي قبضتها ~~فأقطعتها البحرجان ؟ ارددها علي ، فقال له كسرى : مذ كم هذه الأرض في أيدي ~~أجدادك وآبائك ؟ فذكر دهرا طويلا ، فقال له كسرى : والله لقد أكلتموها دهرا ~~طويلا ، فما عليك في أن تدعها في يد البحرجان عارية سنيات يستمتع بها ثم ~~يردها عليك ، فقال : أيها الملك ، قد علمت حسن بلاء بهرام جور في طاعتكم ، ~~أهل البيت ، وما كفاكم من حد عدوكم ، ودفعه عنكم كيد الترك وحسن بلاء آبائه ~~قبل ذلك في طاعة آبائك ، فما كان عليك لو أعرته ملكك سنيات يستمتع به ثم ~~يرده إليك ؟ فقال كسرى : يا بحرجان ، أنت رميتني بهذا السهم ، اردد عليه ~~أرضه فردها . قال رجل من القحاطنة لرجل من أبناء الأعاجم : ما يقول الشعر ~~منكم إلا من كانت أمه زنى بها رجل منا فنزع إلينا . فقال له الثنوي : وكذلك ~~كل من لم يقل الشعر منكم ، فإنما زنى بأمه رجل منا فحملت به ، فنزع إلينا ، ~~فمن ثم لم يقل الشعر . وقال رجل من العرب لرجل من أبناء العجم : رأيت في ~~النوم كأني دخلت الجنة فلم أر فيها ثنويا . فقال له الثنوي : أصعدت الغرف ؟ ~~قال : لا . قال : فمن ثم لم ترهم ، هم في الغرف . قال ابن عياش : ما قطعني ~~إلا رجل من قريش من آل أبي معيط ، وكان ماجنا شارب خمر ، وذاك أني وقفت على ~~بيان التبان الذي PageV01P493 ~~"""""" صفحة رقم 494 """""" # أتى به ابن هبيرة الفزاري فأمر بصلبه ، فقال لي : ما وقوفك ها هنا يا أبا ~~الجراح ؟ قلت : أنظر إلى هذا الشقي الذي يقول : إنه نبي ؛ قال : وما أتى به ~~في نبوته ؟ قلت : بتحليل الخمر والزنا - وأنا أعرض به - فقال : لا ، والله ~~لا يقبل ذلك منه حتى يبرىء الأكمه والأبرص . قال المدائني : ابن عياش أبرص ~~. وقال : دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد ، فقال له ابن زياد ~~- وهو يهزأ به - أمسيت يا أبا الأسود العشية جميلا ms353 فلو علقت تميمة تنفي بها ~~عنك العين ؟ فعرف أنه يهزأ به فقال : أصلح الله الأمير - أفنى الشباب الذي ~~فارقت بهجته . . . مر الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لي في طول اختلافهما ~~. . . شيئا تخاف عليه لدغة الحدق وقال المدائني : وقع بين العريان بن ~~الهيثم النخعي وبين بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري كلام بين يدي ~~خالد بن عبد الله القصري وخالد يومئذ على العراق - وكان متحاملا على بلال ، ~~وكان العريان على شرطة خالد - فقال العريان لبلال : إني والله ما أنا بأبيض ~~الراحتين ، ولا منتشر المنخرين ، ولا أروح القدمين ، ولا محدد الأسنان ، ~~ولا جعد قطط ، فقال بلال : يا عريان أتعنيني بهذا ؟ قال : لا والله ، ولكن ~~كلام يتلو بعضه بعضا . فقال بلال : يا عريان ، أتريد أن تشتم أبا بردة ~~وأشتم أباك ، وتشتم أبا PageV01P494 ~~"""""" صفحة رقم 495 """""" # موسى وأشتم جدك ، هذا والله ما لا يكون ، فقال العريان : إني والله ما ~~أجعل أبا موسى فداء الأسود ، ولا أبا بردة فداء الهيثم ، فمثلي ومثلك في ~~ذلك كما قال مسكين الدارمي : أنا مسكين لمن أنكرني . . . ولمن يعرفني جد ~~نطق لا أبيع الناس عرضي إنني . . . لو أبيع الناس عرضي لنفق قال المدائني : ~~جرى بين وكيع بن الجراح وبين رجل من أصحابه كلام في معاوية واختلفا ، فقال ~~الرجل لوكيع : ألم يبلغك أن رسول الل ( صلى الله عليه وسلم ) لعن أبا سفيان ~~ومعاوية وعتبة فقال : ' لعن الله الراكب والقائد والسائق ' ، فقال وكيع : ~~إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ' أيما عبد دعوت عليه فاجعل ذلك ~~له أو عليه رحمة ' ؛ فقال الرجل : أفيسرك أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لعن والديك فكان ذلك لهما رحمة . فلم يحر له جوابا . تكلم صعصعة عند ~~معاوية فعرق ، فقال : وبهرك القول يا صعصعة ؟ فقال : إن الجياد نضاحة ~~بالماء . هكذا قال لنا السيرافي ، وقد قرأت عليه هذه الفقر كلها ، وإنما ~~جمعتها للوزير بعد إحكامها وروايتها . قال علي بن عبد الله : شهدت الحجاج ~~خارجا من عند عبد الملك بن مروان ، فقال له خالد ms354 بن يزيد بن معاوية : إلى ~~متى تقتل أهل العراق يا أبا محمد فقال : إلى أن يكفوا عن قولهم في أبيك : ~~إنه كان يشرب الخمر . قال المدائني : أسرت مزينة حسان بن ثابت - وكان قد ~~هجاهم - فقال : مزينة لا يرى فيها خطيب . . . ولا فلج يطاف به خضيب أناس ~~تهلك الأحساب فيهم . . . يرون التيس يعدله الحبيب فأتتهم الخزرج يفتدونه ؛ ~~فقالوا : نفاديه بتيس ؛ فغضبوا وقاموا ؛ فقال لهم حسان : PageV01P495 # """""" صفحة رقم 496 """""" # يا إخوتي خذوا أخاكم وادفعوا إليهم أخاهم . وقال المدائني : فرق عمر بن ~~الخطاب بين منظور بن أبان وبين امرأته - وكان خلف عليها بعد أبيه - فتزوجها ~~طلحة بن عبد الله ، فلقيه منظور ، فقال له : كيف وجدت سورى ؟ فقال : كما ~~وجدت سور أبيك . فأفحمه . وقال حاطب بن أبي بلتعة : بعثني النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إلى المقوقس ملك الإسكندرية ، فأتيته بكتاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وابلغته رسالته ؛ فضحك ثم قال : كتب إلي صاحبك أن أتبعه ~~على دينه ، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله أن يسلط علي البحر فيغرقني ~~فيكتفي مؤونتي ويأخذ ملكي ؟ قلت : فما صنع عيسى إذ أخذته اليهود فربطوه في ~~حبل وحلقوا وسط رأسه ، وجعلوا عليه إكليل شوك ، وحملوا خشبته التي صلبوه ~~عليها على عنقه ، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة ، ثم طعنوه حيا ~~بحربة حتى مات ؛ هذا على زعمكم ، فما منعه أن يأسل الله فينجيه ويهلكهم ~~فيكفى مؤونتهم ويظهر هو وأصحابه عليهم ؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت ~~امرأة الملك الملك أن يقتله فقتله ، وبعث برأسه إليها حتى وضع بين يديها ، ~~أن يسأل الله تعالى أن ينجيه ويهلك الناس ؟ فأقبل على جلسائه وقال : إنه ~~والله لحكيم إلا من عند الحكماء . قال المدائني : أبطأ علي رجل من أصحاب ~~الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله - وهو على خراسان - وكان يقال للرجل : زامل ~~بن عمرو من بني أسد بن خزيمة ، فدخل على الجنيد يوما فقال : أصلح الله ~~الأمير ، قد طال انتظاري ، فإن رأى الأمير أن يضرب لي موعدا أصير ms355 إليه فعل ~~. فقال : موعدك الحشر ؛ فخرج زامل متوجها إلى أهله ؛ ودخل على الجنيد بعد ~~ذلك رجل من أصحابه فقال : أصلح الله الأمير . أرحني بخير منك إن كنت فاعلا ~~. . . وإلا فميعاد كميعاد زامل قال : وما فعل زامل ؟ قال : لحق بأهله . ~~فأبرد الجنيد في أثره بريدا وبعث يعهده إلى PageV01P496 ~~"""""" صفحة رقم 497 """""" # الكورة التي يدرك بها ، فأدرك بنيسابور ، فنزلها . وامتدح رجل الحسن بن ~~علي بشعر ، فأمر له بشيء ؛ فقيل : أتعطي على كلام الشيطان ؟ فقال : أبتغي ~~الخير لنفي الشر . قال المدائني : أتى العبداني حماد بن أبي حنيفة وقد ملأ ~~عينه كحلا قد ظهر من محاجر عينه ، وعند حماد جماعة . فقال له حماد : كأنك ~~امرأة نفساء . قال : لا ، ولكني ثكلى . قال : على من ؟ قال : على أبي حنيفة ~~. وقال مروان بن الحكم ليحيى : إن ابنتك تشكو تزويجك وتزعم أنه يبول في ~~دثاره . قال : فهو يبول منها فيما هو أعظم من دثاره . وقال معاوية : هذا ~~عقيل عمه أبو لهب . فقال عقيل : هذا معاوية عمته حمالة الحطب . قال : ودخل ~~معن بن زائدة على أبي جعفر فقارب في خطوه ، فقال أبو جعفر : كبرت سنك يا ~~معن . قال : في طاعتك . قال : وإنك لجلد . قال : على أعدائك . قال : إن فيك ~~لبقية . قال : هي لك يا أمير المؤمنين . قال المنصور لسفيان بن معاوية ~~المهلبي ، ما أسرع الناس إلى قومك ؟ قال سفيان : إن العرانين تلقاه محسدة . ~~. . ولن ترى للئام الناس حسادا فقال : صدقت . قال المدائني : حضر قوم من ~~قريش مجلس معاوية وفيهم عمرو بن العاص وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي ~~وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ؛ فقال عمرو : احمدوا الله يا معشر قريش إذ ~~جعل والي أموركم من يغضي على PageV01P497 ~~"""""" صفحة رقم 498 """""" # القذى ، ويتصامم عن العوراء ، ويجر ذيله على الخدائع . قال عبد الله بن ~~صفوان : لو لم يكن هذا لمشينا إليه الضراء ، ودببنا له الخمر ، وقلبنا له ~~ظهر المجن ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مصر . وقال معاوية : يا ~~معشر قريش ، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم ms356 ؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث : إن ~~عمرا وذوي عمرو أفسدوك علينا وأفسدونا عليك ، ما كان لو أغضيت على هذه ؟ ~~فقال : إن عمرا لي ناصح ، قال أطعمنا مما أطعمته ، ثم خذنا بمثل نصيحته ، ~~إنك يا معاوية تضرب عوام قريش بأياديك في خواصها كأنك ترى أن كرامها جاروك ~~دون لئامها ، وايم الله : إنك لتفرغ من إناء فعم في إناء ضخم ، ولكأنك ~~بالحرب قد حل عقالها ثم لا تنظرك . فقال معاوية : يابن أخي ما أحوج أهلك ~~إليك . ثم أنشد معاوية : أغر رجالا من قريش تشايعوا . . . على سفه ، منا ~~الحيا والتكرم ؟ وقال المدائني : كان عروة بن الزبير عند عبد الملك بن ~~مروان يحدثه - وعند الحجاج بن يوسف - فقال له عروة في بعض حديثه : قال أبو ~~بكر - يعني عبد الله بن الزبير - فقال الحجاج : أعند أمير المؤمنين تكنى ~~ذلك الفاسق ؟ لا أم لك . فقال عروة : ألي تقول هذا لا أم لك وأنا ابن عجائز ~~الجنة خديجة وصفية وأسماء وعائشة ، بل لا أم لك أنت يابن المستفرمة بعجم ~~زبيب الطائف . PageV01P498 # """""" صفحة رقم 499 """""" # وقال : لما صنع هشام بن عبد الملك بغيلان الواعظ ما صنع ، قال له رجل : ~~ما ظلمك الله ولا سلط عليك أمير المؤمنين إلا وأنت مستحق ؛ فقال غيلان : ~~قاتلك الله ، إنك جاهل بأصحاب الأخدود . قال عمرو بن العاص : أعجبتني كلمة ~~من أمة ؛ قلت لها ومعها طبق : ما عليه يا جارية ؟ قالت : فلم غطيناه إذا ؟ ~~وقع ابن الزبير في معاوية ، ثم دخل عليه فأخبره معاوية ببعضه ، فقال : أنى ~~علمت ذلك ؟ فقال معاوية : أما علمت أن ظن الحكيم كهانة . وقيل لعمر بن عبد ~~العزيز : ما تقول في علي وعثمان وفي حرب الجمل وصفين ؟ قال : تلك دماء كف ~~الله يدي عنها ، فأنا أكره أن أغمس لساني فيها . وقال : طلق أبو الخندف ~~امرأته أم الخندف ، فقالت له : يا أبا الخندف طلقتني بعد خمسين سنة ، فقال ~~: مالك عندي ذنب غيره . وقال : لقي جرير الأخطل فقال : يا مالك ، ما فعلت ~~خنازيرك قال : كثيرة في مرج أفيح ، فإن شئت قريناك منها ms357 ، ثم قال الأخطل : ~~يا أبا حزرة ما فعلت أعنازك ؟ قال كثيرة في واد أروح ، فإن شئت أنزيناك على ~~بعضها . وقال الشعبي : ذكر عمرو بن العاص عليا فقال : فيه دعابة ، فبلغ ذلك ~~عليا فقال : زعم أن النابغة أنى تلعابة تمراحة ذو دعابة أعافس وأمارس ؛ ~~هيهات ، يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب ومن كان له ~~قلب ففي هذا عن هذا له واعظ وزاجر ، أما وشر القول الكذب - إنه ليعد فيحلف ~~، ويحدث فيكذب ، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام ~~الرجال ، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه . قال ~~المدائني : بعث المفضل الضبي إلى رجل بأضحية ، ثم لقيه فقال : كيف كانت ~~أضحيتك ؟ فقال : قليلة الدم . وأراد قول الشاعر : PageV01P499 # """""" صفحة رقم 500 """""" # ولو ذبح الضبي بالسيف لم تجد . . . من اللؤم للضبي لحما ولا دما وقال ~~المدائني : مر عقيل بن أبي طالب على أخيه علي بن أبي طالب ومعه تيس ، فقال ~~له علي : إن أحد ثلاثتنا أحمق . فقال عقيل : أما أنا وتيسي فلا . وكلم عامر ~~بن عبد قيس حمران يوما في المسجد . فقال له حمران : لا أكثر الله فينا مثلك ~~. فقال عامر : لكن : أكثر الله فينا مثلك ، فقال له القوم : يا عامر ، يقول ~~لك حمران ما لا تقول مثله ؟ فقال : نعم يكسحون طرقنا ، ويحوكون ثيابنا ، ~~ويخرزون خفافنا . فقيل له : ما كنا نرى أنك تعرف مثل هذا ، قال : ما أكثر ~~ما نعرف مما لا تظنون بنا . وقال : مر جرير بن عطية على الأحوص وهو على بغل ~~، فأدلى البغل فقال الأحوص : بغلك يا أبا حزرة على خمس قوائم . قال جرير : ~~والخامسة أحب إليك . ومر جرير بالأحوص وهو يفسق بامرأة وينشد : يقر بعيني ~~ما يقر بعينها . . . وأحسن شيء ما به العين قرت فقال له جرير : فإنه يقر ~~بعينها أن تقعد على مثل ذراع البكر ، أفتراك تفعل ذلك ؟ فقال الوزير : من ~~رأيت من الكبار كان يحفظ هذا الفن وله فيه غزارة وانبعاث وجسارة على ~~الإيراد . قلت : ابن ms358 عباد على هذا ، ويبلغ من قوته أنه يفتعل أشياء شبيهة ~~بهذا الضرب على من حضر ، فقال : الكذب لا خير فيه ، ولا حلاوة لراويه ، ولا ~~قبول عند سامعيه . وقال : أرسل بلال بن أبي بردة إلى أبي علقمة فأتاه ، ~~فقال : أتدري لأي شيء أرسلت إليك ؟ قال : نعم ، لتصنع بي خيرا . قال : ~~أخطأت ولكن لأسىء بك . فقال : أما إذ قلت ذاك لقد حكم المسلمون حكمين ، ~~فسخر أحدهما بالآخر . فقال الوزير : أيقال سخر به فكان الجواب أن أبا زيد ~~حكاه ، وصاحب التصنيف قد رواه ؛ وسخر منه أيضا كلام ، وإنما يقال هو أفصح ، ~~لأنه في كتاب الله عز وجل ، وإلا فكلاهما جائز . وقال حمزة بن بيض الحنفي ~~للفرزدق : يا أبا فراس ، أيما أحب إليك أن تسبق الخير PageV01P500 ~~"""""" صفحة رقم 501 """""" # أم يسبقك قال : ما أريد أن أسبقه ولا أن يسبقني ، بل نكون معا . ولكن ~~حدثني أيما أحب إليك : أن تدخل منزلك فتجد رجلا على حرامك ، أو تجدها قابضة ~~على قمد الرجل . فأفحمه . فلما قرأت الجزء في ضروب الجواب المفحم . قال : ~~ما أفتح هذا النوع من الكلام لأبواب البديهة وأبعثه لرواقد الذهن وما ~~يتفاضل الناس عندي بشيء أحسن من هذه الكلمات الفوائق الروائق ، ما أحسن ما ~~جمعت وأتيت به . # الليلة الأربعون # وقال مرة أخرى : حدثني عن اعتقادك في أبي تمام والبحتري ، فكان الجواب : ~~إن هذا الباب مختلف فيه ، ولا سبيل إلى رفعه ، وقد سبق هذا من الناس في ~~الفرزدق وجرير ومن قبلهما في زهير والنابغة حتى تكلم على ذلك الصدر الأول ، ~~مع علو مراتبهم في الدين والعقل والبيان ، لكن حدثنا أبو محمد العروضي عن ~~أبي العباس المبرد قال : سألني عبيد الله بن سليمان عن أبي تمام والبحتري ؛ ~~فقلت : أبو تمام يعلو علوا رفيعا ، ويسقط سقوطا قبيحا ، والبحتري أحسن ~~الرجلين نمطا ، وأعذب لفظا ؛ فقال عبيد الله : قد كان ذلك ظني . . . فعاد ~~ظني يقينا فقلت : وهذا أيضا شعر . فقال : ما علمت . ققال : هذه حكاية مفيدة ~~من هذا العالم المتقدم ، وحكم يلوح منه الإنصاف ، وقد أغنى هذا القول عن ms359 ~~خوض كثير . ودع ذا ؛ من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا ~~الافتراق ، وتباينوا هذا التباين ، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة ~~الدم والمال ورد الشهادة وإطلاق اللسان بالجرح وبالقذع والتهاجر والتقاطع PageV01P501 ~~"""""" صفحة رقم 502 """""" # فكان الجواب : إن المذاهب فروح الأديان ، والأديان أصول المذاهب ، فإذا ~~ساغ الاختلاف في الأديان - وهي الأصول - فلم لا يسوغ في المذاهب وهي الفروع ~~. فقال : ولا سواء ، الأديان اختلفت بالأنبياء ، وهم أرباب الصدق والوحي ~~الموثوق به ، والآيات الدالة على الصدق ؛ وليس كذلك المذاهب . فقيل : هذا ~~صحيح ، ولا دافع له ، ولكن لما كانت المذاهب نتائج الآراء ، والآراء ثمرات ~~العقول ، والعقول منائح الله للعباد ، وهذه النتائج مختلفة بالصفاء والكدر ~~، وبالكمال والنقص ، وبالقلة والكثرة ، وبالخفاء والوضوح ؛ وجب أن يجري ~~الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق وإن كانت تلك منوطة ~~بالنوبة ؛ وبعد ، فما دام الناس على فطر كثيرة ، وعادات حسنة وقبيحة ، ~~ومناشىء محمودة ومذمومة ، وملاحظات قريبة وبعيدة ، فلابد من الاختلاف في كل ~~ما يختار ويجتنب ، ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما جرى مجرى ~~المذاهب والأديان ؛ ألا ترى أن الاتفاق لم يحصل في تفضيل أمة على أمة ، ولا ~~في تفضيل بلد على بلد ، ولا في تقديم رجل على رجل ، ولو لم يكن في هذا ~~الأمر إلا التعصب واللجاج والهوى والمحك والذهاب مع السابق إلى النفس ، ~~والموافق للمزاج ، والخفيف على الطباع ، والمالك للقلب ، لكان كافيا بالغا ~~بالإنسان كل مبلغ . وشيخنا أبو سليمان يقول كثيرا : إن الدين موضوع على ~~القبول والتسليم ، والمبالغة في التعظيم ، وليس فيه ' لم ' و' لا ' و' كيف ~~' إلا بقدر ما يؤكد أصله ويشد أزره ، وينفي عارض السوء عنه ، لأن ما زاد ~~على هذا يوهن الأصل بالشك ، ويقدح في الفرع بالتهمة . قال : وهذا لا يخص ~~دينا دون دين ، ولا مقالة دون مقالة ، ولا نحلة دون نحلة ، بل هو سار في كل ~~شيء في كل حال في كل زمان ، وكل من حاول رفع هذا فقد حاول رفع الفطرة ونفي ~~الطباع وقلب الأصل ، وعكس الأمر ؛ وهذا غير ms360 مستطاع ولا ممكن ؛ وقد قيل : ' ~~إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون ' . PageV01P502 # """""" صفحة رقم 503 """""" # وقال لنا القاضي أبو حامد المروروذي : أنا منذ أربعين سنة أجتهد مع ~~أصحابنا البصريين في أن أصحح عندهم أن بغداد أطيب من البصرة ، وأنا اليوم ~~في كلامي معهم كما كنت في أول كلامي لهم ، وكذلك حالهم معي ، فهذا هذا . ~~أنظر إلى فضل ومرعوش - وهما من سقط الناس وسفلنهم - كيف لهج الناس بهما ~~وبالتعصب لهما حتى صار جميع من ببغداد إما مرعوشيا وإما فضليا . ولقد اجتاز ~~ابن معروف وهو على قضاء القضاة بباب الطاق فتعلق بعض هؤلاء المجان بلجام ~~بغلته ، وقال : أيها القاضي ، عرفنا ، أنت مرعوشي أم فضلي ، فتحير وعرف ما ~~تحت هذه الكلمة من السفه والفتنة ، وأن التخلص بالجواب الرفيق أجدى عليه من ~~العنف والخرق وإظهار السطوة ؛ فالتفت إلى الحراني - وكان معه وهو من الشهود ~~- فقال : يا أبا القاسم ، نحن في محلة من ؟ قال : في محلة مرعوش ؛ فقال ابن ~~معروف : كذلك نحن - عافاك الله - من أصحاب محلتنا لا نختار على اختيارهم ؛ ~~ولا نتميز فيهم . فقال العيار : امش أيها القاضي في ستر الله ؛ مثلك من ~~تعصب للجيران . فقال الوزير - أحسن الله توفيقه - هذا كله تعصب وهوى وتماحك ~~وتكلف . قيل : هذا وإن كان هكذا فهو داخل فيما عداه من حديث الدين والمذهب ~~والصناعة والبلد . قال أبو سليمان : ولمصلحة عامة نهي عن المراء والجدال في ~~الدين على عادة المتكلمين ، الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين ، وهم في غاية ~~العداوة للإسلام والمسلمين ، وأبعد الناس من الطمأنينة واليقين . ثم حدث ~~فقال : اجتمع رجلان : أحدهما يقول بقول هشام ، والآخر يقول بقول الجواليقي ~~؛ فقال صاحب الجواليقي لصاحب هشام : صف لي ربك الذي تعبده ، فوصفه بأنه لا ~~يد له ولا جارحة ولا آلة ولا لسان ، فقال الجواليقي : أيسرك أن يكون لك ولد ~~بهذا الوصف قال : لا ، قال : أما تستحي أن تصف ربك بصفة لا ترضاها لولدك ~~فقال صاحب هشام : إنك PageV01P503 ~~"""""" صفحة رقم 504 """""" # قد سمعت ما نقول ، صف لي أنت ربك ؛ فقال : إنه ms361 جعد قطط في أتم القامات ~~وأحسن الصور والقوام . فقال صاحب هشام : أيسرك أن تكون لك جارية بهذه الصفة ~~تطؤها ؟ قال : نعم ، قال : أفما تستحي من عبادة من تحب مباضعة مثله وذلك ~~لأن من أحب مباضعته فقد أوقع الشهوة عليه . فقال : هذا من شؤم الكلام ونكد ~~الجدل ، فلو كان هناك دين لكان لا يدور هذا في وهم ولا ينطق به لسان . وحكى ~~أيضا قال : ابتلي غلام أعجمي بوجع شديد ، فجعل يتأوه ويتلوى ويصيح . فقال ~~له أبوه : يا بني اصبر واحمد الله تعالى . فقال : ولماذا أحمده قال لأنه ~~ابتلاك بهذا ؛ فاشتد وجع الغلام ورفع صوته بالتأوه أشد مما كان ، فقال له ~~أبوه : ولم اشتد جزعك فقال : كنت أظن أن غير الله ابتلاني بهذا فكنت أرجوه ~~أن يعافيني من هذا البلاء ويصرفه عني ، فأما إذ كان هو الذي ابتلاني به فمن ~~أرجو أن يعافيني فالآن اشتد جزعي ، وعظمت مصيبتي . قال : ولو علم أن الذي ~~ابتلاه هو الذي استصلحه بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها ~~بحس صحيح وعلم تام لكان لا يرى ما قاله وتوهمه لازما . وحكى أيضا أن رجلا ~~من العجم حج وتعلق بأستار الكعبة فطفق يدعو ويقول : يا من خلق السباع ~~الضارية ، والهوام العادية ، وسلطها على الناس ، وضربهم بالزمامة والعمى ~~والفقر والحاجة ؛ فوثب الناس عليه وسبوه وزجروه وقالوا : ادعو الله بأسمائه ~~الحسنى . فأظهر لهم الندامة ، والتقارف فخلوا عنه بعد ما أرادوا الوقيعة به ~~، فرجع وتعلق بأستار الكعبة ، وجعل ينادي : يا من لم يخلق السباع الضارية ~~ولا الهوام ، ولا سلطها على الناس ، ولم يضرب الناس بالأوجاع والأسقام . ~~فوثبوا عليه أيضا وقالوا له : لا تقل هذا فإن الله خالق كل شيء ؛ فقال : ما ~~أدري كيف أعمل ؟ إن قلت : إن الله خالق هذه الأشياء وثبتم علي ؛ وإن قلت : ~~إن الله لم يخلقها وثبتم علي . فقالوا : هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع ~~الله به . قال أبو سليمان : وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلمين الذين ~~يقولون : لا PageV01P504 ~~"""""" صفحة رقم 505 """""" # يجوز أن ms362 يعتقد شيء بالتقليد ، ولابد من دليل ، ثم يدللون ويختلفون ، ثم ~~يرجعون إلى القول بأن الأدلة متكافئة . وكان ابن البقال يجهر بهذا القول ، ~~فقلت له مرة : لم ملت إلى هذا المذهب ؟ فقال : لأني وجدت الأدلة متدافعة في ~~أنفسها ، ورأيت أصحابها يزخرفونها ويموهونها لتقبل منهم ، وكانوا كأصحاب ~~الزيوف الذين يغشون النقد لينفق عندهم ، وتدور المغالطة بينهم . فقلت له : ~~أما تعرف بأن الحق حق والباطل باطل ؟ قال : بلى ، ولكن لا يتبين أحدهما من ~~الآخر . قلت : أفلأنه لا يتبين لك الحق من الباطل تعتقد أن الحق باطل وأن ~~الباطل حق ؟ قال : لا أجيء إلى حق أعرفه بعينه فأعتقد أنه باطل ، ولا أجيء ~~أيضا إلى باطل أعرفه بعينه فأعتقد أنه حق ، ولكن لما التبس الحق بالباطل ~~والباطل بالحق قلت : إن الأدلة عليهما ولهما متكافئة ، وإنها موقوفة على ~~حذق الحاذق في نصرته ، وضعف الضعيف في الذب عنه . قلت فكأنك قد رجعت عن ~~اعترافك بالحق أنه حق ، وبالباطل أنه باطل . قال : ما رجعت . قلت : فكأنك ~~تدعي الحق حقا جملة والباطل باطلا جملة من غير أن تميز بالتفصيل . قال : ~~كذا هو . قلت : فما نفعك بالاعتراف بالحق وأنه متميز عن الباطل في الأصل ، ~~وأنت لا تميز بينهما في التفصيل ؟ قال : والله ما أدري ما نفعي منه . قلت : ~~فم لا تقول : الرأي أن أقف فلا أحكم على الأدلة بالتكافؤ ، لأن الباطل لا ~~يقاوم الحق ، والحق لا يتشبه بالباطل ، إلى أن يفتح الله بصري فأرى الحق ~~حقا في التفصيل ، والباطل باطلا على التحصيل ، كما رأيتهما في الجملة ، وأن ~~الذي فتح بصري على ذلك في الأول هو الذي غض بصري عنه في الثاني ؟ قال : ~~ينبغي أن أنظر فيما قلت . فقلت : انظر إن كان لك نظر ، ولا تتكلف النظر ما ~~دام بك عمى أو عشا أو رمد . وحكى لنا أبو سليمان قال : وصف لنا بعض النصارى ~~الجنة فقال : ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح . فسمع ذلك بعض المتكلمين فقال ~~: ما تصف إلا الحزن والأسف والبلاء . وقال أبو عيسى الوراق - وكان من حذاق ms363 ~~المتكلمين - إن الآمر بما يعلم أن المأمور لا يفعله سفيه ، وقد علم الله من ~~الكفار أنهم لا يؤمنون ، فليس لأمرهم بالإيمان وجه في PageV01P505 ~~"""""" صفحة رقم 506 """""" # الحكمة . قال أبو سليمان : انظر كيف ذهب عليه السر في هذه الحال ، من أين ~~أتوا ، وكيف لزمتهم الحجة . وقال أبو عيسى أيضا : المعاقب الذي لا يستصلح ~~بعقوبته من عاقبه ، ولا يستصلح به غيره ، ولا يشفي غيظه بعقوبته جائر ، ~~لأنه قد وضع العقوبة في غير موضعها . قال : لأن الله تعالى لا يستصلح أهل ~~النار ولا غيرهم ، ولا يشفي غيظه بعقوبتهم ، فليس للعقوبة وجه في الحكمة . ~~هذا غرض كتابه الذي نسبه إلى الغريب المشرقي . وقال أبو سعيد الحضرمي - ~~وكان من حذاق المتكلمين ببغداد ، وهو الذي تظاهر بالقول بتكافؤ الأدلة - إن ~~كان الله عدلا كريما جوادا عليما رءوفا رحيما فإنه سيصير جميع خلقه إلى ~~جنته ، وذلك أنهم جميعا على اختلافهم يجتهدون في طلب مرضاته ، فيهربون من ~~وقع سخطه بقدر علمهم ومبلغ عقولهم ، وإنما تركوا اتباع أمره لأنهم خدعوا ، ~~وزين لهم الباطل باسم الحق ؛ ومثلهم في ذلك مثل رجل حمل هدية إلى ملك ، ~~فعرض له في الطريق قوم شأنهم الخداع والمكر والاستلال ، فنصبوا له رجلا ، ~~وسموه باسم الملك الذي كان قصده ، فسلم الهدية إليهم ؛ فالملك الذي قصده إن ~~كان كريمأ فإنه يعذره ويرحمه ويزيد في كرامته وبره حين يقف على قصته ، وهذا ~~أولى به من أن يغضب عليه ويعاقبه . وقال أبو سليمان : ذكروا أن رجلا رأى ~~قوما يتناظرون ، فجلس إليهم فرآهم مختلفين ، فأقبل على رجل منهم فقال : ~~أتلزمني أن أقول بقولك وأنا لا أعلم أنك محق فإن قلت لك : إن بعض جلسائك ~~يدعوني إلى مخالفتك واتباعه ، وليس عندي علم بالمحق منكم ؛ وإن ألزمتني أن ~~أتبع كلكم فهذا محال ، وإن قلت : لا يلزمك أن تتبعني ولا غيري إلا بعد ~~العلم بالمحق منكم ، لم يخل العلم بذلك من أن يكون فعلي أو فعل غيري ، فإن ~~كان العلم فعلا لغيري فقد صرت مضطرا ، ولا أستوجب عليه حمدا ولا ذما وإن ~~كان ms364 الفعل لي فمن أعظم جهالة ممن يفعل ما يلزمه الأمر والنهي به ، وإن قصر ~~صيره ذلك إلى العطب والهلاك ، مع أن هذا القول يؤدي إلى أن أكون أنا ~~المعترض على نفسي ، لأنه إنما يلزمني ذلك إذا علمت أني أقدر أن أعلم وألا ~~أعلم . وحكى لنا أيضا قال : سئل عندنا رجل من المتحيرين بسجستان فقيل له : ~~ما دليلك PageV01P506 ~~"""""" صفحة رقم 507 """""" # على صحة مقالتك ؟ فقال لا دليل ولا حجة . فقيل له وما الذي أحوجك إلى هذا ~~؟ قال : لأني رأيت الدليل لا يكون إلا من وجوه ثلاثة : إما من طريق النبوة ~~والآيات ، فإن كان إنما يثبت من هذه الجهة فلم أشاهد شيئا من ذلك ثبتت عندي ~~مقالته . وإما أن يكون ينبت بالكلام والقياس فإن كان إنما يثبت بذلك فقد ~~رأيتني مرة أخصم ومرة أخصم ، ورأيتني أعجز عن الحجة فأجدها عند غيري ، ~~وأتنبه إليها من تلقاء نفسي بعد ذلك ، فيصح عندي ما كان باطلا ، ويفسد عندي ~~ما كان صحيحا ؛ فلما كان هذا الوصف على ما وصفت لم يكن لي أن أقضي لشيء ~~بيصحة من هذه الجهة ، ولا أقضي على شيء بفساد لعدم الحجة . وإما أن تكون ~~ثبتت بالأخبار عن الكتب فلم أجد أهل ملة أولى بذلك من غيرهم ، ولم أجد إلى ~~تصديق كلهم سبيلا . وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما سواها جورا ، لأن ~~الفرق متساوية في الدعوى والحجة والذب والنصرة . فقيل له : فلم تدين بدينك ~~هذا الذي أنت على شعاره وحليته ، وهديه وهيئته ؟ فقال : لأن له حرمة ليست ~~لغيره ، وذاك أني ولدت فيه ، ونشأت عليه ، وتشربت حلاوته ، وألفت عادة أهله ~~، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظل فيه ساعة من نهار والسماء مصحية ، ~~فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبر ولا معرفة بصلاحه ، فبينا هو ~~كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا ، ووكف البيت ، فنظر إلى البيوت التي في ~~الفندق فرآها أيضا تكف ، ورأى في صحن الدار ردغة ، ففكر أن يقيم مكانه ولا ~~ينتقل إلى بيت آخر ويربح الراحة ، ولا يلطخ رجليه ms365 بالردغة والوحل اللذين في ~~الصحن ؛ ومال إلى الصبر في بيته ، والمقام على ما هو عليه ، وكان هذا مثلي ~~، ولدت ولا عقل لي ، ثم أدخلني أبواي في هذا الدين من غير خبرة مني ، فلما ~~فتشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره ، ورأيتني في صبري عليه أعز مني في تركه ، ~~إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلا باختيار مني لذلك ، وأثرة له عليه ؛ ~~ولست أجد له حجة إلا وأجد لغيره عليه مثلها . وحكى لنا ابن البقال - وكان ~~من دهاة الناس - قال : قال ابن الهيثم : جمع بيني وبين عثمان بن خالد ، ~~فقال لي : أحب أن أناظرك في الإمامة ؛ فقلت : إنك لا تناظرني ، وإنما PageV01P507 ~~"""""" صفحة رقم 508 """""" # تشير علي ؛ فقال : ما أفعل ذلك ، ولا هذا موضع مشورة ، وإنما اجتمعنا ~~للمناظرة ؛ فقلت له : فإنا قد أجمعنا على أن أولى الناس بالإمامة أفضلهم ، ~~وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم ، وإنما يعرف فضلهم بالنقل والخبر ؛ ~~فإن أحببت سلمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك ، وتسلم لي ما أرويه ~~أنا وفرقتي في صاحبي ، ثم أناظرك في أي الفضائل أعلى وأشرف ؛ قال : لا أريد ~~هذا ، وذاك أني أروي مع أصحابي أن صاحبي رجل من المسلمين يصيب ويخطىء ، ~~ويعلم ويجهل ؛ وأنت تقول في صاحبك : إنه معصوم من الخطأ ، عالم بما يحتاج ~~إليه . فكيف أرضى هذه الجملة ؟ قلت : فأقبل كل شيء ترويه أنت وأصحابك في ~~صاحبي من حمد أو ذم ، وتقبل أنت كل شيء أرويه أنا وأصحابي في صاحبك من حمد ~~أو ذم ؛ قال : هذا أقبح من الأول ، وذلك أني وأصحابي نروي أن صاحبك مؤمن ~~خير فاضل ، وأنت وأصحابك ترون أن صاحبي كافر منافق ؛ فكيف أقبل هذا منك ~~وأناظرك عليه ؟ قال ابن الهيثم : فلم يبق إلا أن أقول : دع قولك وقول ~~أصحابك ، واقبل قولي وقول أصحابي ؛ قال : ما هو إلا ذاك ؛ قلت : هذه مشورة ~~، وليست مناظرة . قال : صدقت . وحكى لنا الزهيري قال : سال رجل آخر فقال : ~~أتقول إن الله نهانا أن نعبد إلهين ؟ قال : نعم ؛ قال : وأمرنا أن ms366 نعبد ~~إلها واحدا ؟ قال : نعم ؛ قال : فالاثنان اللذان نهانا عن عبادتهما معقولان ~~هكذا ؟ وأشار بإصبعيه ، قال : نعم ؛ قال : فالواحد الذي أمرنا بعبادته ~~معقول هكذا ؟ وأشار بإصبع واحدة ؛ قال : لا ؛ قال : فقد نهانا عما يعقل ~~وأمرنا بما لا يعقل ، وهذا يعلم ما فيه فانظر حسنا . وحكى لنا الزهيري قال ~~: حدثنا ابن الأخشاد قال : تناظر رجلان في وصف الباري سبحانه ، واشتد ~~بينهما الجدال ، فتراضيا بأول من يطلع عليهما ويحكم بينهما ، فطلع أعرابي ، ~~فأجلساه وقصا قصتهما ، ووصفا له مذهبيهما ؛ فقال الأعرابي لأحدهما - وكان ~~مشبها - : أما أنت فتصف صنما ، وقال للثاني : وأما أنت فتصف عدما ، وكلاكما ~~تقولان على الله ما لم تعلما . وقال لنا الأنصاري أبو كعب : قال ابن الطحان ~~الضرير البصري - وكان يقول بقول جهم - : إذا كان يوم القيامة بدل الله ~~سيئات المؤمنين حسنات ، فيندمون على ما قصروا فيه من تناول اللذات ، وقضاء ~~الأوطار بالشهوات ؛ لأنهم كانوا يتوقعون العقاب ، فنالوا PageV01P508 ~~"""""" صفحة رقم 509 """""" # الثواب ؛ وكان يتلو عند هذا الحديث قول الله عز وجل : ' فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات ' . وحكى لنا ابن الثلاج قال ، قال أبو عثمان الآدمي : إن ~~الجنة لا ساتر فيها ، وذلك لأن كل ساتر مانع ، وكل مانع آفة ، وليست في ~~الجنة آفة ، ولهذا روي في الحديث : إن الحور يرى مخ ساقها من وراء سبعين ~~حلة سوى ما تحت ذلك من اللحم والعظم ، كالسلك في الياقوت ؛ فقال له قائل : ~~الجنة إذا أولى من الحمام ، إذ قيل : بئس البيت الحمام ، يذهب الحياء ، ~~ويبدي العورة . وحكى لنا ابن رباط الكوفي - وكان رئيس الشيعة ببغداد ، ولم ~~أر أنطق منه - قال : قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من ~~أين جاء اختلاف الناس في الحديث ؟ فقال : الناس أربعة : رجل منافق كذب على ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) متعمدا ، فلو علم أنه منافق ما صدق ولا ~~أخذ عنه . ورجل سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول قولا أو رآه ~~يفعل فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من قوله أو فعله ، فلو علم أنه ms367 نسخ ما حدث ولا ~~عمل به ولو علم الناس أنه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه ورجل سمع رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول قولا فوهم فيه ، فلو علم أنه وهم ما حدث ~~ولا عمل به . ورجل لم يكذب ولم يهم ، وشهد ولم يغب . قال : وإنما دل بهذا ~~على نفسه ، ولهذا قال : كنت إذا سئلت أجبت ، وإذا سكت ابتدئت . وحكى لنا ~~ابن زرعة النصراني قال : قيل للمسيح : ما بال الرجلين يسمعان الحق فيقبله ~~أحدهما ولا يقبله الآخر ؟ فقال : مثل ذلك مثل الراعي الذي يصوت بغنمه ~~فتأتيه هذه الشاة بندائه ، ولا تأتيه هذه . قال أبو سليمان : هذا جواب ~~مبتور ، وليس له سنن ، ولعل الترجمة قد حافت عليه ، والمعنى انحرف عن ~~الغاية ؛ وليس يجوز أن يكون حال الإنسان كيف كان ، حال الشاة في إجابة ~~الداعي وإبائها ، فإن له دواعي وموانع عقلية وحسية . فقال الوزير : هذا ~~أيضا باب قد مضى مستوفى ، ما الذي سمعت اليوم ؟ فقلت : رأيت ابن برمويه في ~~دعوة ، وترامى الحديث فقال : رأيت اليوم الوزير شديد العبوس ، أهو هكذا PageV01P509 ~~"""""" صفحة رقم 510 """""" # أبدا ، أم عرض له هذا على بختي ؟ فقال ابن جبلة : لعله كان ذاك لسبب ، ~~وإلا فالبشر غالب على وجهه ، والبشاشة مألوفة منه . فقال ابن برمويه : ما ~~أحسن ما قال الشاعر : أخو البشر محمود على حسن بشره . . . ولن يعدم البغضاء ~~من كان عابسا فقال علي بن محمد - رسول سجستان - : ما أدري ما أنتما فيه ، ~~ولكن يقال : ما أرضى الغضبان ، ولا استعطف السلطان ، ولا ملك الإخوان ؛ ولا ~~استلت الشحناء ، ولا رفعت البغضاء ؛ ولا توقي المحذور ، ولا اجتلب السرور ؛ ~~بمثل البشر والبر ، والهدية والعطية . وقال الوزير : هات ملحة المجلس . ~~فكان الجواب : قال أبو همام ذات يوم : لو كان النخل لا يحمل بعضه إلا الرطب ~~، وبعضه إلا البسر ، وبعضه إلا الخلال ، وكنا متى تناولنا من الشمراخ بسرة ~~خلق الله مكانها بسرتين ، ما كان بذلك بأس . ثم قال : أستغفر الله ، لو كنت ~~تمنيت بدل نواة التمر زبدة كان أصوب . وسأل الوزير : هل ms368 يقال في النساء ~~رجلة ؟ فكان الجواب : حدثنا أبو سعيد السيرافي قال : كان يقال في عائشة بنت ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنهما : ' كانت رجلة العرب ' ، وإنما ضاعت هذه ~~الصفة على مر الأيام بغلبة العجمان ؛ فقال : إنها والله لكذلك ، ولقد سمعت ~~من يقول : كان يقال : لو كان لأبيها ذكر مثلها لما خرج الأمر منه . قال : ~~هل تحفظ من كلامها شيئا ؟ فقلت : لها كلام كثير في الشريعة ، والرواية عنها ~~شائعة في الأحكام ، ولقد نطقت بعد موت أبيها بما حفظ وأذيع ، لكني أحفظ لها ~~ما قالته لما قتل عثمان : خرجت والناس مجتمعون ، وعلي فيهم ، فقالت : أقتل ~~أمير المؤمنين عثمان ؟ PageV01P510 # """""" صفحة رقم 511 """""" # قالوا : نعم ، قالت : أما والله لقد كنتم إلى تسديد الحق وتأكيده أحوج ~~منكم إلى ما نهضتم إليه ، من طاعة من خالف عليه ؛ ولكن كلما زادكم الله صحة ~~في دينه ، ازددتم تثاقلا عن نصرته طمعا في دنياكم ، أما والله لهدم النعمة ~~أيسر من بنيانها ، وما الزيادة إليكم بالشكر ، بأسرع من زوال النعمة عنكم ~~بالكفر ؛ أما لئن كان فني أكله ، واخترم أجله ، إنه لصهر رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) مرتين ، وما علمنا خلقا تزوج ابنتي نبي غيره ؛ ولو غير ~~أيديكم قرعت صفاتته لوجد عند تلغلي الحرب متجردا ، ولسيوف النصر متقلدا ، ~~ولكنها فتنة قدحت بأيدي الظلمة ؛ أما والله لقد حاط الإسلام وأكده ، وعضد ~~الدين وأيده ؛ ولقد هدم الله به صياصي أهل الشرك ، ووقم أركان الكفر ؛ لله ~~المصيبة به ، ما أفجعها والفجيعة به ما أوجعها صدع والله مقتله صفاة الدين ~~، وثلمت مصيبته ذروة الإسلام ، تبا لقاتله ، أعاذنا الله وإياكم من التلبس ~~بدمه ، والرضا بقتله . فقال الوزير : ما أفصح لسانها ، وأشجع جنانها ، في ~~ذلك المحفل الذي يتبلبل فيه كل قلقل ورويت أيضا أنها قالت : مكارم الأخلاق ~~عشر : صدق الحديث ، وصدق البأس ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وبذل ~~المعروف ، والتذمم للجار ، والتذمم للصاحب ، والمكافأة بالصنائع ، وقري ~~الضيف ، ورأسهن الحياء . فقال : والله لكأنها نغمات النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ، ما كان أشهمها ، وأعلى نظرها ، وأبين جوابها وحدثني أن ms369 امرأة ~~تظلمت إلى مسلم بن قتيبة بخراسان ، فزبرها ، ولم ينظر في قصتها ؛ فقالت له ~~: إن أمير المؤمنين بعثك إلى خراسان لتنظر هل تثبت خراسان بلا عامل أم لا ؛ ~~فقال لها مسلم : اسكتي ويلك ، فظلامتك مسموعة ، وحاجتك مقضية . PageV01P511 # """""" صفحة رقم 512 """""" # وقال مسلم : ما وخز قلبي قط شيء مثل قول هذه المرأة ، ولقد آليت ألا ~~أستهين بأحد من ذكر أو أنثى . وشبيه بهذا قول المعلى بن أيوب : رأيت في دار ~~المأمون إنسانا فازدريته ، فقلت : لأي شيء تصلح أنت ؟ على غيظ مني وتغضب ؛ ~~فقال : أنا أصلح لأن يقال لي : هل يصلح مثلك لما أنت فيه أو لا . قال : ~~فوالله ما وقرت كلمته في أذني حتى أظلم علي الجو ونكرت نفسي . وكان عبد ~~الملك بن مروان إذا كان له خصي وضيء أمر أن يحجب عن نسائه ، وقال : هو رجل ~~وإن قطع منه ما قطع ، وربما اجتزأت امرأة بمثلها ، وللعين حظها . قال عبد ~~الرحمن بن سعيد القرشي : كان لهشام بن عبد الملك خصي يقال له خالد ، وكان ~~وضيئا تأخذه العين ، مديد القامة ، فخما أبيض ، فأمر هشام مسلمة بالغدو ~~عليه ، فغدا ، فقيل : استأذن لأخي أمير المؤمنين عليه ، فاستخف وقال كلمة ~~سمعها مسلمة ، فحقدها عليه ، فلما دخل مسلمة إلى هشام لم يزل يذاكره شيئا ، ~~ويشير عليه حتى حط عن فرشه وجلسا على البساط ومسلمة في ذلك يرمق الخصي متى ~~يمر به ، فلم يلبث أن مر معمما بعمامة وشي ؛ فقال مسلمة : يا أمير المؤمنين ~~، أي فتياننا هذا ؟ قال : غفر الله لك يا أبا سعد ، هذا خالد الخصي ؛ قال ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، لضمة من هذا خير من مجامعة رجل ، فقلق هشام وجعل ~~يتضور حتى قام مسلمة ، ثم أمر بالخادم فأخرج من الرصافة ، فاتصل ببعض بنيه ~~، فكتب إليه هشام ، إني نحيته لما بلغك ، فجفاه ، فلحق الخادم بالثغر . ~~وجرى حديث النفس وأنها كيف تعلم الأشياء ، فقيل : النفس في الأصل علامة ، ~~والعلم صورتها ؛ لكنها لما لابست البدن ، وصار البدن بها إنسانا ، اعترضت ~~حجب بينها وبين صورتها كثيفة ولطيفة ، فصارت تخرق ms370 الحجب بكل ما استطاعت ~~لتصل إلى ما لها من غيبها ، فصارت تعلم الماضي بالاستخبار والتعرف والبحث ~~والمسئلة والتنقير ، وتعلم الآتي بالتلقي والتوكف والتبشير والإنذار ، ~~وتعلم الحاضر بالتعارف والمشاهدة ومجال PageV01P512 ~~"""""" صفحة رقم 513 """""" # الحس ؛ وهذه المعلومات كلها زمانية ، ولهذا انقسم بين الماضي والآتي ~~والحاضر . فأما ما هو فوق الزمان فإنها تعلمه بالمصادفة الخارجة من الزمان ~~، العالية على حصر الدهر ، وهذه عبارة عن وجدانها ، لما لها في غيبها ~~بالحركة اللائقة بها ، أعني الحركة التي هي في نوع السكون ، وأعني بهذا ~~السكون الذي هو في نوع الحركة ؛ ولما فقد الاسم الخاص بهذا المعنى ، ولم ~~يعرف في الإخبار والاستخبار إلا ما كان مألوفا بالزمان ، التبست العبارة ~~عنه باعتماد السكون فيما يلحظ منه الحركة ، واعتماد الحركة فيما يلحظ منه ~~السكون ، فصار هذا الجزء كأنه ناقض ومنقوض ، وهذا لجذب محل الحس من نبت ~~العقل ، وخصب مراد العقل بكل ما علق بالموجود الحق . فقال الوزير : ما أعلى ~~نجد هذا الكلام وما أعمق غوره وإني لأعذر كل من قابل هذا المسموع بالرد ، ~~واعترض على قائله بالتكبر ؛ ولعمري إذا تعايت الأشياء بالأسماء والصفات ، ~~وعرض العجز عن إبانتها بحقائق الألقاب ، حار العقل الإنساني ، وحير الفهم ~~الحسي ، واستحال المزاج البشري وتهافت التركيب الطيني ، وقدر الناظر في هذا ~~الفن ، والباحث عن هذا المستكن ، أنه حالم ، وأن الحلم لا ثمرة له ، ولا ~~جدوى منه . وهذا كله مادام مقيسا إلى الأمور القائمة بشهادة الإحساس ؛ فأما ~~إذا صفا الناظر ، أعني ناظر العقل من قذى الحس ، فإن المطلوب يكون حاضرا ~~أكثر مما يكون غيره ظاهرا مستبانا ؛ وليست شهادة العبد كشهادة المولى ، ولا ~~نور السهى كنور القمر . قال : أنشدني أبياتا غريبة جزلة ، فأنشدت لهدبة ~~العذري : سآوي إلى خير فقد فاتني الصبا . . . وصيح بريعان الشباب فنفرا ~~أمور وألوان وحال تقلبت . . . بنا وزمان عرفه قد تنكرا أصبنا بما لو أن ~~سلمى أصابه . . . تسهل من أركانه ما توعرا PageV01P513 ~~"""""" صفحة رقم 514 """""" # وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا . . . علينا فإن الله ما شاء يسرا وإن ~~غالنا دهر فقد غال قبلنا ms371 . . . ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا وذي نيرب قد ~~عابني لينالني . . . فأعيا مداه عن مداي فأقصرا فإن يك دهر نالني فأصابني . ~~. . بريب فما تشوي الحوادث معشرا فلست إذا الضراء نابت بجبأ . . . ولا جزع ~~إن كان دهر تغيرا فقيل : ما الجبأ ؟ فقال : الجبان . قال أبو سعيد : حكى ~~العلماء أن فلانا جبأ ، إذا نكل . فقال : ما أمتن هذا الكلام ، وألطف هذا ~~الجدد وما أبعده من تلفيق الضرورة ، وهجنة التكلف ، ولولا أن سامعه ربما ~~تطير به ، وانكسر عليه . فكان الجواب : قد مر في الفأل والزجر والطيرة ~~والاعتياف ما إذا تحقق لم يعج على مثل هذا الاستشعار ؛ ولعمري إن المذكور ~~والمسموع إذا كان حسنا وجميلا ومحبوبا ومتمنى ، كان أخف على القلب ، وأخلط ~~بالنفس ، وأعبث بالروح ؛ وكذلك إذا كان ذلك على الضد ، فإنه يكون أزوى ~~للوجه ، وأكرب للنفس ؛ ولكن الأمور في الخيرات والشرور ليست فاشية من ~~الطيرة والعيافة ، ولا جارية على هذه الحدود المعروفة ، وهي على مقاصدها ~~التي هي غاياتها ، ومتوجهاتها التي هي نهاياتها ؛ وإنما هذه الأخلاق عارضة ~~للنساء وأشباه النساء ، ومن بنينه ضعيفة ، ومادته من العقل طفيفة ، وعادته ~~الجارية سخيفة ؛ وإلا فبأي برهان صح أن الكلام الطيب يجلب المحبوب ويكون ~~علة له ؟ وأن اللفظ الخبيث يجلب المكروه ويكون علة له ؟ هذا خور في طباع ~~قائله ، وتأنث في عنصر مستشعره ؛ ولو سلك العلماء والبصراء هذا الطريق في ~~كل حال وفي كل أمر لأدى ذلك إلى فساد عام ؛ وآثر ما في هذه القصة أن ~~الإنسان إن أعجبه شيء من هذا لا يعول عليه ، وإن شاء منه PageV01P514 ~~"""""" صفحة رقم 515 """""" # شيء لا يحط إليه ، بل يكون توكله على ربه في مسرته ومساءته ، أكثر من ~~تفرده بحوله وقوته ، في اختياره وتكرهه ، وهذا يحتاج إلى عقل رصين ، وهمة ~~صاعدة ، وشكيمة شديدة ، وليس يوجد هذا عند كل أحد ، ولا يصاب مع كل إنسان . ~~فقال الوزير : قد أخذت المسئلة بحقها ، والمستزيد منها ظالم ، والزائد ~~عليها متكلف . وقال أيضا : أريد أن أسألك عن ابن فارس أبي الفتح - فقد كنت ~~عنده بقرميسين أياما - وما ms372 وضح لك من تقدمه وتأخره في صناعته وبضاعته ؟ ~~فكان من الجواب : إنه شيخ فيه محاسن ومساوىء ، إلا أن الرجحان لما يذم به ~~لا لما يحمد عليه ، فمن ذلك أن له خبرة بالتصرف ، وهناك أيضا قسط من العلم ~~بأوائل الهندسة ، وتشبه بأصحاب البلاغة ، ومذاكرة في المحافل صالحة ؛ إلا ~~أن هذا كله مردود بالرعونة والمكر والإيهام والخسة والكذب والغيبة ؛ وقد ~~كان قرينه بقرميسين يظن به خيرا ، ويلحظه بعين ما ؛ فلما سبره ذمه وكره أن ~~يعاجله بالصرف لئلا يحكم على اختياره بالخطأ ، وعلى تصرفه بالهوى . ~~وللكبراء وذوي القدرة زلات فاحشة ، وفعلات موحشة ، ولكن ليس لهم عليها معير ~~للخوف منهم ؛ فلما تمادى قليلا وجه ابن وصيف حتى صرفه ، ولا يلتفت إليه ~~بلحظة ، ومع ذلك يظن أن فقر الدولة إلى نظره كفقر المدنف إلى عافيته . وله ~~مع طاهر بن محمد بن إبراهيم شرار وقبقبة ، وتنديد وشنعة . PageV01P515 # """""" صفحة رقم 516 """""" # وحدثني ابن أحمد أمس أن ابن فارس شارع في أمور خبيثة ، وعازم على أشياء ~~قبيحة ، ومضرب بين أقوام ضمتهم الألفة ، واستحكمت بينهم الثقة ، وخلصوا ~~حفظة للدولة ، وحرسا للنعمة ، وعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم ، وما أخوفني على إخواننا الذين بهم عذب شربنا ، وأمن سربنا ~~كفانا الله فيهم وكفاهم فينا كل مكروه . فقال : هو أضيق مبعرا ، وأقمأ ~~منظرا ، وأذل ناصرا من ذاك ؛ والله لو نفخت عليه لطار ، ولو هممت به لبار . ~~وأما ما قلت لي أيها الشيخ إنه ينبغي أن تكتب رسائلك إلى الوزير ، حتى أقف ~~على مقاصدك فيها ، وأستبين براعتك وترتيبك بها ؛ فأنا أفعل ذلك في هذه ~~الورقات ، ولم أكتب في طول هذه المدة مع هذه الأحوال العجيبة إلا رقعتين ~~ورسالتين ؛ فأما الرقعة الواحدة فإنها تضمنت حديث الخادم وما عزم عليه ، ~~وقد شافهتك به ؛ وأما الأخرى فحوت حديث ابن طاهر وصاحب الرصافة ، وقد ~~شافهتك به ؛ وأما الأخرى فحوت حديث ابن طاهر وصاحب الرصافة ، وقد سمعته مني . # رسالتان كتب بهما المؤلف إلى الوزير # أما الرسالة الأولى بسم الله الرحمن الرحيم : اللهم حلني ms373 بالتوفيق ، ~~وأيدني بالنصرة ، واقرن منطقي بالسداد ، واجعل لي من الوزير وزير الممالك ~~عقبي فارجة من الغمم ، وخاتمة موصولة بالنجاح ، فإنك على ذلك قدير ، ~~وبالإجابة جدير . كنت وصلت إلى مجلس الوزير ، وفزت بالشرف منه ، وخدمت ~~دولته ، وعلاه من صدري بخبيثه ، ومن فؤادي بمحيضته ، وتصرفت من الحديث ~~بإذنه في شجونه وفنونه ، كل ذلك آملا في جدوى آخذها ، وحظوة أحظى بها ، ~~وزلفى أميس معها ، PageV01P516 ~~"""""" صفحة رقم 517 """""" # ومثالة أحسد عليها ؛ فتقبل ذلك كله ، ووعد عليه خيرا ولم يزل أهله ، ~~وانقلبت إلى أهلي مسرورا بوجه مسفر ، ومحيا طلق ، وطرف عازم ، وأمل قد سد ~~ما بين أفق العراق إلى صنعاء اليمن ، حتى إذا قلت للنفس : هذا معان الوزير ~~ومعمره ، وجنابه ومحضره ، فانشرحي مستفتحة ، وتيمني مقترحة ، واطمئني راضية ~~مرضية ، لا كدرة الشرب ، ولا مذعورة السرب ، حصلت من ذلك الوعد والضمان ، ~~على بعض فعلات الزمان ؛ ولا عجب في ذلك من الزمان فهو بمثله مليء ، وله ~~فعول . وبقيت محمولا بيني وبين إذكاره - قرن الله ساعاته بسعاداته ، ووصل ~~عز يومه بسعادة غده ؛ وغده بامتداد يده - حيران لا أريش ولا أبرى ، ثم رفعت ~~ناظري ، وسددت خاطري ، وفصلت الحساب لي وعلي ؛ فوضح العذر المبين ، المانع ~~من استزادة المستزيدين ، وذلك أني رأيت أعباء الوزارة تؤود سره ، وتتعب ~~باله ، والمملكة تفزع ولهي عليه ، وتلقي بجرانها له بين يديه ، والدولة ~~تستمده التدبير الثاقب ، والرأي الصائب ، سوى أمور في خلاف ذلك لا يحررها ~~رسم راسم ، ولا يقررها قسم قاسم ، ولا يحويها وهم واهم ، ولا يفوز بها سهم ~~مساهم ، وهو يخطر في حواشي هذه الأحوال ، متأبطا بواهظ الأثقال ، مفتتحا ~~عويص الأقفا ، سامي الطرف ، فسيح الصدر ، بساما على العلات ، غير مكترث ~~بهاك وهات ، يتلقى ما أعيا من ذلك باللي ، وما أشكل بالإيضاح ، وما عسر ~~بالتدبير ، وما فسد بالإصلاح ، وما أرق بالعتق ، وما خرق بالرتق ، وما خفي ~~بالتكشيف ، وما بدا بالتصريف ، وما أود بالتثقيف ، وما لبس بالتعريف ، حتى ~~أجمع على هواه قاصيها ودانيها ، وجرى على مراده خافيها وباديها ، واستجاب ~~لأمره أبيها ومنقادها ، وأتلف بلفظه نادرها ومعتادها ؛ فلما تيقنت ms374 PageV01P517 ~~"""""" صفحة رقم 518 """""" # ذلك كله وقتلته خبرا ، أمسكت عن إذكاره - نفس الله مدته - سالف عهده ، ~~ومتقدم وعده ، عالما بأن أسرهما مرعي عنده في صدر الكرم ، ومكتوب لديه في ~~صحيفة المجد ، وثابت قبله في ديوان الحسنى . ولكن كان ذلك الامتنان على رغم ~~مني ، لأني قتلت في أثنائه بين جنبي قلبا مغرور الرجاء ، ومنزور العزاء ، ~~على عوارض لم تسنح في خلدي ، ولم أعقد على شيء منها يدي . فالحمد لله الذي ~~جعل معاذي إلى الوزير الكريم ، البر الرحيم ، والمنة لله الذي جعلني من ~~عفاة جوده ، وناشئة عرفه ، ووارد عده ، وقادحي زنده ، ومقتبسي نوره ، ~~ومصطلي ناره ، وحاملي نعمته ، وطالبي خدمته ، وجعل خاصتي وخالصتي من بينهم ~~رواية مناقبه باللسان الأبين ، ونشر فضائله بالثناء الأحسن ، وذكر آلائه ~~باللفظ الأفصح ، والاحتجاج لسداد آرائه بالمعنى الأوضح ؛ فلا زال الوزير - ~~وزير الممالك - ممدوحا في أطوار الأرض على ألسنة الأدباء والحكماء ، وفي ~~نوادي الرؤساء والعظماء ، ما آب آئب ، وغاب غائب ، بمنه ولطفه . قد ناديت ~~الوزير حيا سامعا ، وخيرا جامعا ، وهززت منه صارما قاطعا ، وشهابا ساطعا ، ~~واستسقيت من كرمه سحابا هاطلا ، ونقاخا سائلا ، وأسأله أن يجنبني مرارة ~~الخيبة ، وحسرة الإخفاق ، وعذاب التسويف ، فقد تلطفت بالسحر الحلال ، ~~والعذب الزلال ، جهد المقل المحتال ، وهو أولى بمجده ، في تدبير عبده ، إن ~~شاء الله تعالى . هذا آخر الرسالة الأولى . وحضر وصولها إليه بهرام - لعنه ~~الله - وتكلم بما يشبه نذاالته وخشيته ونتن نيته ، فما كنت آمنه ؛ وما أشد ~~إشفاقي على هذا الوزير الخطير من شؤم ناصية بهرام ، وغل PageV01P518 ~~"""""" صفحة رقم 519 """""" # صدره ، وقلة نصيحته ، ولؤم طبعه ، وخبث أصله ، وسقوط فرعه ، ودمامة منظره ~~، ولآمة مخبره ؛ حرس الله العباد من شره ، وطهر البلاد من عره وضره . وأما ~~الرسالة الثانية فهي التي كانت في هذه الأيام بعد استئذاني إياه في ~~المخاطبة بالكاف ، حتى يجري الكلام على سنن الاسترسال ، ولا يعثر في طريق ~~الكتابة بما يزاحم عليه من اللفظ واللفظ ، وهي : بسم الله الرحمن الرحيم . ~~أيها الوزير ، جعل الله أقدار دهرك جارية على تحكم آمالك ، ووصل توفيقه ~~بمبالغ مرادك في ms375 أقوالك وأفعالك ، ومكنك من نواصي أعدائك ، وثبت أواخي ~~دولتك على ما في نفوس أوليائك . يجب على كل من آتاه الله رأيا ثاقبا ، ~~ونصحا حاضرا ، وتنبها نافعا ، أن يخدمك متحريا لرسوخ دعائم المملكة بسياستك ~~وريادتك ، قاضيا بذلك حق الله عليه في تقويتك وحياطتك . وإني أرى على بابك ~~جماعة ليست بالكثيرة - ولعلها دون العشرة - يؤثرون لقاءك والوصول إليك لما ~~تجن صدورهم من النصائح النافعة ، والبلاغات المجدية ، والدلالات المفيدة ، ~~ويرون أنهم إذا أهلوا لذلك فقد قضوا حقك ، وأدوا ما وجب عليهم من حرمتك ، ~~وبلغوا بذلك مرادهم من تفضلك واصطناعك ، وتقديمك وتكريمك ؛ والحجاب قد حال ~~بينهم وبينك ، ولكل منهم وسيلة شافعة ، وخدمة للخيرات جامعة ؛ منهم - وهو ~~أهل الوفاء - ذوو كفاية وأمانة ، ونباهة ولباقة ؛ ومنهم من يصلح للعمل ~~الجليل ، ولرتق الفتق العظيم ؛ ومنهم من يمتع إذا نادم ، ويشكر إذا اصطنع ، ~~ويبذل المجهود إذا رفع ؛ ومنهم من ينظم الدار إذا مدح ، ويضحك الثغر إذا ~~مزح ؛ ومنهم من قعد به الدهر لسنه العالية ، وجلابيبه البالية ، فهو موضع ~~الأجر المذخور ، وناطق بالشكر المنظوم والمنثور ؛ ومنهم طائفة أخرى قد ~~عكفوا في بيوتهم على ما يعينهم من أحوال أنفسهم ، في تزجية عيشهم ، وعمارة ~~آخرتهم ، وهم مع ذلك من وراء خصاصة مرة ، ومؤن غليظة ، وحاجات متوالية ؛ ~~ولهم العلم والحكمة والبيان والتجربة ، ولو وثقوا بأنهم إذا عرضوا أنفسهم ~~عليك ، وجهزوا ما معهم من الأدب PageV01P519 ~~"""""" صفحة رقم 520 """""" # والفضل إليك حظوا منك ، واعتزوا بك ، لحضروا بابك ، وجشموا المشقة إليك ؛ ~~لكن اليأس قد غلب عليهم ، وضعفت منتهم ، وعكس أملهم ، ورأوا أن سف التراب ، ~~أخف من الوقوف على الأبواب ، إذا دنوا منها دفعوا عنها ؛ فلو لحظت هؤلاء ~~كلهم بفضلك ، وأدنيتهم بسعة ذرعك وكرم خيمك ، وأصغيت إلى مقالتهم بسمعك ، ~~وقابلتهم بملء عينك ، كان في ذلك بقاء للنعمة عليك ، وصيت فاش بذكرك ، ~~وثواب مؤجل في صحيفتك ، وثناء معجل عند قريبك وبعيدك ؛ والأيام معروفة ~~بالتقلب ، والليالي ماخضة بما يتعجب منه ذو اللب ، والمجدود من جد في جده ، ~~أعني من كان جده في الدنيا موصولا بحظه من الآخرة ، ولأن ms376 يوكل العاقل ~~بالاعتبار بغيره ، خير من أن يوكل غيره بالاعتبار به . أيها الوزير ، ~~اصطناع الرجال صناعة قائمة برأسها ، قل من يفي بربها ، أو يتأتى لها ، أو ~~يعرف حلاوتها ، وهي غير الكتابة التي تتعلق بالبلاغة والحساب . وسمعت ابن ~~سورين يقولك آخر من شاهدنا ممن عرف الاصطناع ، واستحلى الصنائع ، وارتاح ~~للذكر الطيب ، واهتز للمديح ، وطرب على نغمة السائل ، واغتنم خلة المحتاج ، ~~وانتهب الكرم انتهابا ، والتهب في عشق الثناء التهابا ، أبو محمد المهلبي ، ~~فإنه قدم قوما ونوه بهم ، ونبه على فضلهم وأحوج الناظرين في أمر الملك ~~إليهم ، وإلى كفايتهم ، منهم أبو الفضل العباس بن الحسين ، ومنهم ابن معروف ~~القاضي ، ومنهم أبو عبد الله اليفرني ، ومنهم أبو إسحاق الصابىء ، وابو ~~الخطاب الصابىء ، ومنهم أحمد الطويل ، ومنهم أبو العلاء صاعد ، ومنهم أبو ~~أحمد ابن الهيثم ، وابن حفص صاحب الديوان ، وفلان وفلان ، هؤلاء إلى غير ~~هؤلاء ، كأبي تمام الزينبي ، وأبي بكر الزهري ، وابن قريعة ، وأبي حامد ~~المروروذي ، وأبي عبد الله البصري ، وأبي سعيد السيرافي ، وأبي محمد ~~الفارسي ، وابن درستويه ، وابن البقال ، والسري ، ومن لا يحصى كثرة من ~~التجار والعدول . وقال لي ابن سورين : كان أبو محمد يطرب على اصطناع الرجال ~~كما يطرب سامع الغناء على الشبابير ، ويرتاح كما يرتاح مدير الكأس على ~~العشائر . PageV01P520 # """""" صفحة رقم 521 """""" # وقال عنه : إنه قال : والله لأكونن في دولة الديلم ، أول من يذكر ، إن ~~فاتني أن كنت في دولة بني العباس آخر من يذكر . فلولا أنك - أدام الله ~~دولتك - أذنت لي أن أكتب إليك كل ما هجس في النفس ، وطلع به الرأي مما فيه ~~مرد على ما أنت فيه من هذا الثقل الباهظ ، وتنبيه على ما تباشره بكاهلك ~~الضخم ، ولم يكن خطري يبلغ مواجهتك بلفظ يثقل ، وإشارة تغلظ ، وكناية تخدش ~~، لكنك والله يأخذ بيدك ، ويقرن الصنع الجميل بظاهرك وباطنك - قد رخصت لي ~~في ذلك ، وخصصتني به من بين غاشية بابك ، وخدم دولتك ، فلذلك أقول ما أقول ~~معتمدا على حسن تقبلك ، وجميل تكلفك ، ومنتظر تفضلك ؛ وليس في أبواب ~~السياسة شيء أجدى وأنفع ms377 ، وأنفى للفساد وأقمع ، من الاعتبار الموقظ للنفس ، ~~الباعث على أخذ الحزم ، وتجريد العزم ؛ فإن الوكال والهوينا قلما يفضيان ~~بصاحبهما إلى درك مأمول ، ونيل مراد ، وغصابة متمني . وقد قال رجل كبير ~~الحكمة ، معروف الحنكة : المعتبر كثير ، والمعتبر قليل . وصدق هذا الرجل ~~الصالح ، وهو الحسن البصري : لو اعتبر من تأخر بمن تقدم ، لم يكن من يتحسر ~~في الناس ويندم ، ولكن الله بنى هذه الدار على أن يكون أهلها بين يقظة ونوم ~~، وبين فرح وترح ، وبين حيطة وورطة ، وبين حزم وغفلة ، وبين نزاع وسلوة ، ~~لكن الآخذ بالحزم - وإن جرى عليه مكروه - أعذر عند نفسه وعند كل من كان في ~~مسكه ، من الملقي بيده ، والمتدلي بغروره ، والساعي في ثبوره ؛ وما وهب ~~الله العقل لأحد إلا وقد عرضه للنجاة ، ولا حلاه بالعلم إلا وقد دعاه إلى ~~العمل بشرائطه ، ولا هداه الطريقين أعني الغي والرشد إلا ليزحف إلى أحدهما ~~بحسن الاختيار . PageV01P521 # """""" صفحة رقم 522 """""" # هذا بالأمس أبو الفضل العباس بن الحسين الوزير - وهو في وزارته وبسطه ~~أمره ونهيه - قيل له ذات يوم : هذا التركي ساسنكر تفيأ بظله ، واعتصم بحبله ~~، واستسق بسجله ، وارتو من سؤره ، ولا يبلغه عنك ، ما يوحشه منك ، ويجفيه ~~عليك . وقد قيل : اسجد لقرد السوء في زمانه وإذا لم تقدر على قطع يد جائرة ~~، فقبلها متهمة منجدة غائرة . فلم يفعل ، حتى وجد أعداؤه طريقا إليه ، ~~فسلكوه وأوفعوه . ثم قيل له في الوزارة الثانية : قد ذقت مرارة النكبة ، ~~وتحرقت بنار الشماتة ، وتأرقت على فرطات العجز والفسالة ، وقد كان من ذلك ~~كله ما كان ، ودار لك بما تمنيت الزمان ؛ فانظر إلى أين تضع الآن قدمك ، ~~وبأي شيء تدير لسانك وقلمك ، فإن مخلصك من ورطتك بالمرصاد ، وقد وعدت من ~~نفسك إن أعاد الله يدك إلى البسطة ، ورد حالك إلى السرور والغبطة ، أنك ~~تجمل المعاملة ، وتنسى المقابلة ، وتلقى وليك وعدوك بالإحسان إلى هذا ، ~~والكف عن هذا ، حتى يتساويا بنظرك ، ويتعبدا لك بتفضلك . فكان من جوابه ما ~~دل على عتوه وثباته ، لأنه قال : أما سمعتم الله تعالى حيث يقول ms378 : ' ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ' ؟ وقال لي لاقومسي - ولم يعلم ما ~~في فحوى هذا الكلام - : ما ذاك ؟ قلت : فحواه ولو عادوا إلى ما نهوا عنه ~~لعدنا إلى مقابلتهم بما استحقوا عليه . وصدق ما قال الله عز وجل ، ما لبث ~~ذلك الإنسان بعد هذا الكلام إلا قليلا حتى PageV01P522 ~~"""""" صفحة رقم 523 """""" # أورده ولم يصدره ، وأعثره ولم ينعشه ، وسلم إلى عدوه حتى استل روحه من ~~بين جنبيه ، شافيا به ومشتفيا منه ، وكان عاقبة أمره خسرا ، ولو اتقى الله ~~لكان آخر أمره يسرا . والله المستعان . وهذا بعده محمد بن بقية طغى وبغى ، ~~واقتحم ظلمات والعسف ، وطار بجناح اللهو والعزف ، والشرب والقصف ، ومل نعمة ~~الله عليه ، وضل بين إمهال الله وإملائه ، فحاق به ما ذهبت عليه نفسه وماله ~~، وخرب بيته ، وافتضح أهله ، وكيف كان يسلم أم كيف كان ينجو وقد قتل ابن ~~السراج بلا ذنب ، والجرجرائث بلا حجة ، وضرب ابن معروف بالسياط وأبا القاسم ~~- أخا لأبي محمد القاضي - وشهره على جمل في الجانب الشرقي ؟ والتشفي حلو ~~العلانية ، ولكنه مر العاقبة ، وكأن الحفيظة إنما خلقت لتعتقد ، والحقد ~~إنما وجد ليبلغ به ما يسر الشيطان . وكأن العفو حرام ، والكظم محظور ، ~~والمكافأة مأمور بها . وهذا بالأمس علي بن محمد ذو الكفايتين ، اغتر بشبابه ~~، ولها عن الحزم والأخذ به فيما كان أولى به ، وظن أن كفايته تحفظه ، ونسبه ~~من أبيه يكنفه ، وبراءته تحتج له ، وذنوبه الصغيرة تغتفر ؛ لبلائه المذكور ~~، وغنائه المشهور ؛ ومشى فعثر ، وراب فخثر ، والأول يقول : من سابق الدهر ~~كبا كبوة . . . لم يستقلها آخر الدهر فاخط مع الدهر إذا ما خطا . . . واجر ~~مع الدهر كما يجري وقال لي الخليل - وكان لطيف المحل عنده ، لما كان يرى من ~~اختصاص أبيه له ، ولما يظهر من فضله عنده - : قلت له يوما : يا هذا ، في أي ~~شيء أنت ؟ وبأي شيء تعلل ؟ وقد شحذت المواسي ، وحددت الأنياب ، وفتلت ~~المرائر ، ونصبت الفخاخ ، والعيون PageV01P523 ~~"""""" صفحة رقم 524 """""" # محدقة نحو القطيعة ، والأعناق صور إلى الفظيعة ، وأنت لاه ساه عما يراد ~~بك بعد ms379 ؛ يسبيك هذا المزرفن وهذا المرخي وهذا المعرض ، وهذا الحليق ، وهذا ~~النتيف ، وهذا المعقرب الصدغ ، وهذا المصفوف الطرة ، وبالكاس والطاس ، ~~والغناء والقصف ، والناي والعود ، والصبوح والغبوق ، والشراب المروق العتيق ~~؛ والله ما أدري ما أصنع ، إن سكت عنك كمدت ، وإن نصحتك خفت منك ؛ ونعوذ ~~بالله من اشتباه الرأي ، واشتباك الأمر ، وقلة الاحتراس ، والإعراض عما ~~يجري من أفواه الناس . يا هذا ، سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة ، وتلقي ~~الأمر بالحزم والشهامة أولى من استدباره بالحسرة والندامة ، ومن لا تجربة ~~له يقتبس ممن له تجربة ، فإذا نقب الخف دمي الأظل . فقال : قد فرغ الله مما ~~هو كائن ، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قال : قلت له : ~~ما أطلعك الله على كائنات الأمور ، ولا أعلمك بعواقب الأحوال ، وإنما عرفك ~~حظك بعد أن وفر عقلك ، وأحضرك استطاعتك ؛ وأوضح لقلبك ما عليك ولك ، حتى ~~يستشف ويستكشف ، وملكك النواصي حتى تمن وترسل ، وما طالبك إلا بعد أن أزاح ~~علتك ، ولا عاقبك إلا بعد أن أنذرك وأنظرك ، وبمثل هذا تطالب أنت من هو ~~دونك من خدمك وحشمك ، وأوليائك وأعدائك ، وهذا الذي أعذلك عليه هو الذي به ~~تعذل غيرك وتراه ضالا في مسلكه ، متعرضا لمهلكه . فقال : أيظلمني ولي نعمتي ~~صراحا بلا ذنب ، ويجتاحني بلا جريمة ؛ ويثلم دولته PageV01P524 ~~"""""" صفحة رقم 525 """""" # بلا حجة ؟ قلت : الله يقيك ويكفيك ، نراك بلا ذنب ، ونجدك بريئا من كل ~~عيب ، وغيرك لا يراك بهذه العين ، ولا يحكم لك بهذا الحكم ؛ فإن كنت ترى ~~فرصة فانتهزها ، وإن كنت تحلم بغصة فاحترز منها ؛ فأبواب النجاة مفتحة ، ~~وطرق الأمان متوجهة ، والأخذ بالاحتياط واجب ، قد قرب الشاخص من هذا المكان ~~، والقيامة قد قامت بالإرجاف ، والطيرة قشعريرة النفس ، كما أن القشعريرة ~~طيرة البدن ، والاسترسال كلال الحس ، والفأل لسان الزمان ، وعنوان الحدثان ~~، ولا يقع في الأفواه إلا ما يوجب الحذر ، ويبعث على الرأي والنظر ، ~~واستقراء الأثر والخبر . قال : أما أنا بعد التوكل على الله فقد استظهرت ~~بمحمد بن إبراهيم صاحب نيسابور ، وبفخر الدولة وهو بهمذان على ثلاثة أيام ، ~~وبعز الدولة ms380 وهو بمدينة السلام ؛ ومتى حرب حارب ، وراب رائب ، أويت إلى ~~واحد من هؤلاء . قال : قلت : ها هنا ما هو أسهل من هذا وإن كان أهول ، ~~وأنجى وإن كان أشجى ، وأقرب وإن كان أعزب . قال : ما هو ؟ فرج عني واهدني . ~~قلت : لما يدخل هذا الوارد الدار ، ويدنو من طرف البساط ، تندر رأسه عن ~~كاهله ، وتلقي شلوه في مزبلة ، فإن الهيبة تقع ، والنائرة تخبو ، والعجب ~~يغمر ، والظنة تزول ، والصدر يشتفي ، والاعتذار ينتفي ؛ ويكتب إلى موفده ~~بأن الرأي أوجب هذا الفعل ، لأنه غلب على الظن باليقين ، ودفعت الشبهة ~~بالجلاء ، واستخلصت النور من الظلام ؛ ولأن تبعد ساقطا من خدمك ، يسوء ظني ~~به من جهتك ، ويقدح في طاعتي لك ، ويضرم في نار التهمة بيني وبينك ؛ خير لي ~~في نصيحتي لدولتك ، وخير لك في بقائي على أمرك ونهيك ، من أن يلتاث ضميري ~~في سياسة دولتك ، وتحول نيتي عما عهدت من القيام بحق جندك ورعيتك ، وحفظ ~~قاصيتك ودانيتك . PageV01P525 # """""" صفحة رقم 526 """""" # فقال : هذا أعظم والله المستعان . وليتني أصبت بهذا الرأي امرأ علا عقله ~~، فيقبلهه ببيان ، أو يرده ببرهان ، فكان يقوى أو يضعف ، ويقدم عليه أو ~~يحجم عنه ، فإن المبرم أقوى من السحيل ، والسمين أحمد من النحيل ؛ ثم كان ~~ما كان . وكان مشايخ العراق والجبل يرون ما حديث بذلك الفتى أمرا فريا ، ~~وظلما عبقريا . وحدثني القومسي أنه لم يتقدم بذلك أمر ، ولا سبق به إذن ، ~~ولكن لما حدث ما حدث ، وقع عنه إمساك ، وسترت الكراهية والإنكار . وللأمور ~~أيها الوزير ظهور وبطون ، وهواد وأعجاز ، وأوائل وأواخر ؛ وليس على الإنسان ~~أن يدرك النجاح في العواقب ، وإنما عليه أن يتحرز في المبادىء ؛ ولهذا قال ~~القائل : لأمر عليهم أن تتم صدوره . . . وليس عليهم أن تتم عواقبه وقال ~~سليمان بن عبد الملك أو غيره من أهل بيته : ما لمت نفسي على فوت أمر بدأته ~~بحزم ، ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز . ها هنا ناس إذا تلاقوا ينفث ~~بعضهم إلى بعض بما هو صريح وكناية ، ويحتاج الأمر إلى ابن يوسف ، ويستملي ~~الخبيث من ms381 الجالس فوق مشرعة مكان الروايا . وليس يصح كل ما يقال فيروى على ~~وجهه ، وليس يخفى أيضا كل ما يجري فيمسك عنه ؛ والأمور مرجة ، والصدور حرجة ~~، والاحتراس واجب ، والنصح مقبول ، والرأي مشترك ، والثقة بالله من اللوازم ~~على من عرفه وآمن به ، وليس من الله عز وجل بد على كل حال . والله أسأل ~~الدفاع عنك ، والوقاية لك ، في مصبحك وممساك ، وفي مبيتك ومقيلك ، وشهادتك ~~وغيبتك ، ولذوي مليحا في هذا الباب نفخ وإيقاد ، وتناقل PageV01P526 ~~"""""" صفحة رقم 527 """""" # وائتمار ، ومسألة وجواب . وعند الشيخ أبي الوفاء من هذا الحديث ومن غيره ~~مما يتصل به من ناحية ابن اليزيدي ما يجب أن يصاخ له بالأذن الواعية ، ~~ويقابل بالنفس الراعية ، ويداوى بالدواء الناجع ، وتحسم مادته من الأصل ، ~~فإن الفساد إذا زال حصل مكانه الصلاح . وليس بعد المرض إلا الإفراق ، ولا ~~بعد النزاع إلا الإغراق . إلى ها هنا انتهى نفسي بالنصح وإن كانت شفقتي ~~تتجاوزه ، وحرصي يستعلي عليه ، لكني خادم ، وكما يجب علي أن أخدم بنيات ~~الصدر ، فينبغي أن ألزم الحد بحسن الأدب . والله إني لواد مخلص ، وعبد طائع ~~، ورجائي اليوم أقوى من رجائي أمس ، وأملي غدا أبسط من أملي اليوم ؛ أشكو ~~إليك الأرق بالليل فكرا فيما يقال ، وتحفظا مما ينال ، وتوهما لما لا يكون ~~إن كان ، وشر العدا ، الذين يتمنون لأولي نعمتهم الردى ، ويبيتون النكائث ، ~~ويكسرون الأجفان ، ويتخازرون بالأعين ، ويتجاهرون بالأذى إذا تلاقوا ، ~~ويتهامسون بالألسن إذا تدانوا ، والله يصرع جدودهم ، ويضرع خدودهم بين يديك ~~؛ وهذه الرقة مني والحفاوة ، وهذه الرعشة والقلق ، وهذا التقبع والتفزع كله ~~، لأني ما رأيت مثلك ، ولا شاهدت شبهك ، كرم خيم ، ولين عريكة ، وجود بنان ~~، وحضور بشر ، وتهلل وجه ، وحسن وعد ، وقرب إنجاز ، وبذل مال ، وحب حكمة . ~~قد شاهدت ناسا في السفر والحضر ، صغارا وكبارا وأوساطا ، فما شاهدت من يدين ~~بالمجد ، ويتحلى بالجود ، ويرتدي بالعفو ، ويتأزر بالحلم ؛ ويعطي بالجزاف ، PageV01P527 ~~"""""" صفحة رقم 528 """""" # ويفرح بالأضياف ، ويصل الإسعاف بالإسعاف ، والإتحاف بالإتحاف ، غيرك . ~~والله إنك لتهب الدرهم والدينار وكأنك غضبان عليهما ، وتطعم الصادر والوارد ~~كأن الله قد ms382 استخلفك على رزقهما ؛ ثم تتجاوز الذهب والفضة إلى الثياب ~~العزيزة ، والخلع النفيسة ، والخيل العتاق ، والمراكب الثقال ، والغلمان ~~والجواري ، حتى الكتب والدفاتر وما يضن به كل جودا ؛ وما هذا من سجايا ~~البشر إلا أن يكون فاعل هذا نبيا صادقا ، ووليا لله مجتبنى ، فإن الله قد ~~أمن هذا الصنف من الفقر ، ورفع من قلوبهم عز المال ، وهون عليهم الإفراج عن ~~كل منفس ، ياقوتا كان أو درا ، ذهبا كان أو فضة ؛ كفاك الله عين الحاسدين ، ~~ووقاك كيد المفسدين ، الذين أنعمت عليهم بالأمس على رءوس الأشهاد ، وكانوا ~~كحصى فجعلتهم كالأطواد ؛ وهم يكفرون أياديك ، ويوالون أعاديك ، ويتمنون لك ~~ما أرجو أن الله يعصبه برءوسهم ، وينزله على أرواحهم ، ويذيقهم وبال أمرهم ~~، ويجعلهم عبرة لكل من يراهم ويسمع بهم ، كان الله لك ومعك ، وحافظك وناصرك ~~. أطلت الحديث تلذذا بمواجهتك ، ووصلته خدمة لدولتك ، وكررته توقعا لحسن ~~موقعه عندك ، وأعدته وأبديته طلبا للمكانة في نفسك . وأرجو إن شاء الله ألا ~~أحرم هبة من ريحك ، ونسيما من سحرك ، وخيرة بنظرك . لم أوفق في هذه الكلمة ~~الأخيرة ، والله ما يمر بي يأس من إنعامك فأقويه بالرجاء ، ولا يعتريني وهم ~~في الخيبة لديك فأتلافاه بالأمل . إنما قصارى أمنيتي إذا حكمت أن أعطى فيك ~~سؤلي بالبقاء المديد ، والأمر الرشيد ، والعدو الصريع ، والولي الرفيع ، ~~والدولة المستتبة ، والأحوال المستحبة ، والآمال المبلوغة ، والأماني ~~المدركة ، مع الأمر والنهي النافذين ، بين أهل الخافقين ؛ والله يبلغني ذلك ~~بطوله ومنه . وآخر ما أقول : أيها الوزير : مر بالصدقات ، فإنها مجلبة ~~السلامات والكرامات ، مدفعة للمكاره والآفات ، واهجر الشراب ، وأدم النظر ~~في المصحف ، وافزع إلى الله في الاستخارة ، وإلى الثقات بالاستشارة ؛ ولا ~~تبخل على نفسك برأي غيرك ، وإن كان خاملا في نفسك ، قليلا في عينك ، فإن ~~الرأي كالدرة التي ربما وجدت في الطريق وفي PageV01P528 ~~"""""" صفحة رقم 529 """""" # المزبلة ، وقل من فزع إلى الله بالتوكل عليه ، وإلى الصديق بالإسعاد منه ~~، إلا أراه الله النجاح في مسئلته ، والقضاء لحاجته ؛ والسلام . فقال لي ~~الوزير بعد ما قرأ الرسالة : يا أبا مزيد ، بيضتها ، وعجبت من تشقيق القول ms383 ~~فيها ، ومن لطف إيرادك لها ، ومن بلة ريقك بها . والله يحقق ما نأمله له ، ~~ونرجوه لأنفسنا ، وينحسر عنا هذا الضباب الذي ركد علينا ، ويزول الغيم الذي ~~استعرض في أمرنا ، وعلى الله توكلنا ، ' ومن يتوكل على الله فهو حسبه ' . ~~رسالة في شكوى البؤس ورجاء المعونة وجه بها المؤلف إلى الشيخ أبي الوفاء ~~المهندس الذي كتب له المؤلف هذا الكتاب . وختم كتابه بها : أيها الشيخ ، ~~سلمك الله بالصنع الجميل ، وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول . هذا آخر الحديث ~~، وختمته بالرسالتين ، ويتقرر جميع ما جرى ودار على وجهه ، إلا ما لممت به ~~شعثا ، وزينت به لفظا ، وزيدت منقوصا ، ولم أظلم معنى بالتحريف ، ولا ملت ~~فيه إلى التحوير ؛ وأرجو أن يبيض وجهي عندك بالرضا عني ، فقد كاد وعدك في ~~عنايتك يأتي علي ، وأنا أسال الله أن يحفظ عنايتك علي ، كسابق اهتمامك ~~بأمري ، حتى أملك بهما ما وعدتنيه من تكرمة هذا الوزير الذي قد أشبع كل ~~جائع ، وكسا كل عار ، وتألف كل شارد ، وأحسن إلى كل مسيء ، ونوه بكل خامل ، ~~ونفق كل هزيل ، وأعز كل ذليل ؛ ولم يبق في هذه الجماعة على فقره وبؤسه ، ~~ومره ويأسه ، غيري ؛ مع خدمتي السالفة والآنفة ، وبذلي كل مجهود ، ونسخي كل ~~عويص ، وقيامي بكل صعب ؛ والأمور مقدرة ، والحظوظ أقسام ، والكدح لا يأتي ~~بغير ما في اللوح . PageV01P529 # """""" صفحة رقم 530 """""" # فصل # خلصني أيها الرجل من التكفف ، أنقذني من لبس الفقر ، أطلقني من قيد الضر ~~، اشترني بالإحسان ، اعتبدني بالشكر ، استعمل لساني بفنون المدح ، اكفني ~~مؤونة الغداء والعشاء . إلى متى الكسيرة اليابسة ، والبقيلة الذاوية ، ~~والقميص المرقع ، وباقلي درب الحاجب ، وسذاب درب الرواسين ؟ إلى متى التأدم ~~بالخبز والزيتون ؟ قد والله بح الحلق ، وتغير الخلق ؛ الله الله في أمري ؛ ~~اجبرني فإنني مكسور ، اسقني فإنني صد ، أغثني فإنني ملهوف ، شهرني فإنني ~~غفل ، حلني فإنني عاطل . قد أذلني السفر من بلد إلى بلد ، وخذلني الوقوف ~~على باب باب ، ونكرني العارف بي ، وتباعد عني القريب مني . أغرك مسكويه حين ~~قال لك : قد لقيت أبا حيان ، وقد أخرجته مع ms384 صاحب البريد إلى قرميسين ؟ ~~والله ثم وحياتك التي هي حياتي ، ما انقلبت من ذلك بنفقة شهر ، والله نظر ~~لي بالعود ، فإن الأراجيف اتصلت ، والأرض اقشعرت ، والنفوس استوحشت ، وتشبه ~~كل ثعلب بأسد ، وفتل كل إنسان لعدوه حبلا من مسد . أيها الكريم ، ارحم ؛ ~~والله ما يكفيني ما يصل إلي في كل شهر من هذا الرز المقتر الذي يرجع بعد ~~التقتير والتيسير إلى أربعين درهما مع هذه المئونة الغليظة ، والسفر الشاق ~~، والأبواب المحجبة ، والوجوه المقطبة ، والأيدي المسمرة ، والنفوس الضيقة ~~، والأخلاق الدنيئة . PageV01P530 # """""" صفحة رقم 531 """""" # أيها السيد ، أقصر تأميلي ، ارع ذمام الملح بيني وبينك ، وتذكر العهد في ~~صحبتي ، طالب نفسك بما يقطع حجتي ، دعني من التعليل الذي لا مرد له ، ~~والتسويف الذي لا آخر معه . ذكر الوزير أمري ، وكرر على أذنه ذكري ، وأمل ~~عليه سورة من شكري ، وابعثه على الإحسان إلي . افتح عليه بابا يغري الراغب ~~في اصطناع المعروف لا يستغني عن المرغب ، والفاعل للخير لا يستوحش من ~~الباعث عليه . أنفق جاهك فإنه بحمد الله عريض ، وإذا جدت بالمال فجد أيضا ~~بالجاه ، فإنهما أخوان . سرحني رسولا إلى صاحب البطائح أو إلى أبي السؤل ~~الكردي أو إلى غيره ممن هو في الجبال ، هذا إن لم تؤهلني برسالة إلى سعد ~~المعالمي بأطراف الشام ، وإلى البصرة ، فإني أبلغ في تحمل ما أحمل ، وأداء ~~ما أؤدي ؛ وتزيين ما أزين ، حدا أملك به الحمد ، وأعرف فيه بالنصيحة ~~وأستوفي فيه على الغاية . دع هذا ، ودع لي ألف درهم ، فإني اتخذ رأس مال ، ~~وأشارك بقال المحلة في درب الحاجب ، ولا أقل من ذا ، تقدم إلى كسج البقال ~~حتى يستعين بي لأبيع الدفاتر . قلت : الوزير مشغول . فما أصنع به إذا فرغ ، ~~فالشاعر يقول : تناط بك الآمال ما اتصل الشغل قد والله نسيت صدر هذا البيت ~~، وما بال غيري ينوله ويموله مع شغله وأحرم أنا ؟ أنا كما قال الشاعر : PageV01P531 # """""" صفحة رقم 532 """""" # وبرق أضاء الأرض شرقا ومغربا . . . وموضع رجلي منه أسود مظلم والله إن ~~الوزير مع أشغاله المتصلة ، وأثقاله الباهظة ، وفكره المفضوض ورأيه ms385 المشترك ~~، لكريم ماجد ، ومفضل محسن ، يرعى القليل من الحرمة ، ويعطي الجزيل من ~~النعمة ، ويحافظ على اليسير من الذمام ، ويتقبل مذاهب الكرام ، ويتلذذ ~~بالثناء إذا سمع ، ويتعرض للشكر من كل منتجع ، ويزرع الخير ، ويحصد الأجر ، ~~ويواظب على كسب المجد ، ويثابر على اجتلاب الحمد ، وينخدع للسائل ، ويتهلل ~~في وجه الآمل ، ولا يتبوأ من الفضائل إلا في ذراها ، رحيم بكل غاد ورائح ، ~~ولكل صالح وطالح . وأنا الجار القديم ، والعبد الشاكر ، والصاحب المخبور ، ~~ولكنك مقبل كالمعرض ، ومقدم كالمؤخر ، وموقد كالمخمد ، تدنيني إلى حظي ~~بشمالك ، وتجذبني عن نيله بيمينك ، وتغذيني بوعد كالعسل ، وتعشيني بيأس ~~كالحنظل ، ومن عتبه علي مظنة عيبك ، فليس ينبغي أن يكون تقصيره على تيقنه ~~بنصرك . نعم ؛ عتبت فأوجعت ، وعرفت البراءة فهلا نفعت ؟ والله ما أدري ما ~~أقول ، إن شكرتك على ظاهرك الصحيح لذعتك لباطنك السقيم ، وإن حمدتك على ~~أولك الجميل ، أفسدت لآخرك الذي ليس بجميل . قد أطلت ، ولكن ما شفيت ، ~~ونهلت وعللت ، ولكن ما رويت . وآخر ما أقول : افعل ما ترى ، واصنع ما ~~تستحسن ، وابلغ ما تهوى ، فليس والله منك بد ، ولا عنك غنى . والصبر عليك ~~أهون من الصبر عنك ، لأن الصبر عنك مقرون باليأس ، والصبر عليك ربما يؤدي ~~إلى رفع هذا الوسواس ، والسلام لأهل السلام . PageV01P532 ms386