######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010521 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (المتوفى: نحو 400هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإمتاع والمؤانسة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010521 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10521 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10521 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1424 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العنصرية، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الجزء الاول # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو حيان التوحيدي: نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى ~~خيرات الآخرة من كان من الزاهدين، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من ~~الخلق أجمعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه وعلى آله ~~الطاهرين. # أما بعد، فإني أقول منبها لنفسي، ولمن كان من أبناء جنسي: من لم يطع ~~ناصحه بقبول ما يسمع منه، ولم يملك صديقه كله فيما يمثله كله، ولم ينقد ~~لبيانه فيما يريغه إليه ويطلعه عليه، ولم ير أن عقل العالم الرشيد، فوق ~~عقل المتعلم البليد، وأن رأي المجرب البصير، مقدم على رأي الغمر الغرير ~~فقد خسر حظه في العاجل، ولعله أيضا يخسر حظه في الآجل، فإن مصالح الدنيا ~~معقودة بمراشد الآخرة، وكليات الحس في هذا العالم، في مقابلة موجودات العقل ~~في ذلك العالم، وظاهر ما يرى بالعيان مفض إلى باطن ما يصدق عنه الخبر، ~~وبالجملة، الداران متفقتان في الخير المغتبط به، والشر المندوم عليه، وإنما ~~يختلفان بالعمل المتقدم في إحداهما، والجزاء المتأخر في الأخرى، وأنا أعوذ ~~بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم الماجد أن أجهل حظي، وأعمى عن رشدي، ~~وألقي بيدي إلى التهلكة، وأتجانف إلى ما يسوءني أولا ولا يسرني آخرا، هذا ~~وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما ~~سلف من أيامه، في حالي سفره ومقامه، وفقره وغنائه، وشدته ورخائه، وسرائه ~~وضرائه، وخيفته ورجائه، فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه ~~واستصلاحه، فإلى الله أفزع من كل ريث وعجل، وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل، ~~وإياه أستعين في كل قول وعمل. # قد فهمت أيها الشيخ - حفظ الله روحك، ووكل السلامة بك، وأفرغ الكرامة ~~عليك، وعصب كل خير بحالك، وحشد كل نعمة في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة- ~~من أبناء الرجاء والأمل- بعنايتك، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم، ولا PageV01P033 # ثنى طرفك عن الرقة لهم، ولا زهدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم، ولا رغب بك ~~عن قبول حقهم لبعض باطلهم، ms001 ولا ثقل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم، وإنالة ~~مستحقهم وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم، ~~من بشر تبديه، وجاه تبذله، ووعد تقدمه، وضمان تؤكده، وهشاشة تمزجها ببشاشة، ~~وتبسم تخلطه بفكاهة فإن هذه كلها زكاة المروءة، ورباط النعمة، وشهادة ~~بالمحتد الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود، والعادة المرضية، وهي مؤذنة ~~بأن المنحة راهنة ، والموهبة قاطنة، والشكر مكسوب، والأجر مذخور، ~~ورضوان الله واقع، وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم» # وجهي عندك، ولا يزل قدمي في خدمتك، ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة ~~إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك، بمنه ولطفه. # فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهما بليغا، ووعيته وعيا تاما، وبان لي ~~الرشد في جملته وتفصيله، والصلاح في طرفيه ووسطه، والغنيمة في ظاهره ~~وباطنه، والشفقة من أوله إلى آخره. وأنا أعيده ههنا بالقلم، وأرسمه بالخط ~~وأقيده باللفظ، حتى يكون اعترافي به أرسى وأثبت، وشهادتي على نفسي أقوى ~~وأوكد، ونكولي عنه أبعد وأصعب، وحكمك به لي وعلي أمضى وأنفذ. # قلت لي- أدام الله تعالى توفيقك في كل قول وفعل، وفي كل رأي ونظر-: # إنك تعلم يا أبا حيان أنك انكفأت من الري إلى بغداد في آخر سنة سبعين بعد ~~فوت مأمولك من ذي الكفايتين - نضر الله وجهه- عاتبا على ابن عباد ~~مغيظا منه، مقروح الكبد، لما نالك به من الحرمان المر، والصد القبيح، ~~واللقاء الكريه، والجفاء الفاحش، والقدع المؤلم والمعاملة السيئة، ~~والتغافل عن الثواب على الخدمة، وحبس الأجرة على النسخ والوراقة، والتجهم ~~المتوالي عند كل لحظة ولفظة. # وذكرت في الجملة شقاء اتصل بك في سفرك ذلك، وعناء نال منك في عرض ~~أحوالك، ولعمري إن السفر فعول لهذا كله ولأكثر منه، فأرعيتك بصري، وأعرتك ~~سمعي، وساهمتك في جميع ما وقرته في أذني بالجزع والتوجع والاستفظاع PageV01P034 # والتفجع، وضمنت لك تلافي ذلك كله بحاق الشفقة وخالص الضمير، ووعدتك ~~صلاح الحال عن ثبات النية، وصحة العقيدة، وقلت: أنا أرعى حقك القديم حين ~~التقينا (بأرجان) ، وأنا على باب (ابن شاهويه) الفقيه، وعهدك الحديث ms002 حين ~~اجتمعنا بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين، وأوصلك إلى الأستاذ أبي عبد الله ~~العارض- أدام الله تأييده- وأخطب لك قبولا منه، وتخفيف الإذن عليك، وامتلاء ~~الطرف بك، ونيل الحظوة بخدمتك وملازمتك، وفعلت ذلك كله حتى استكتبك (كتاب ~~الحيوان) لأبي عثمان الجاحظ، لعنايتك به، وتوفرك على تصحيحه، ثم حضنت ~~لك هذه الحال إلى يومنا هذا، وهو الوزير العظيم الذي افتقرت الدولة إلى ~~نظره وأمره ونهيه، وإلى أن يكون هو المبرم والناقض، والرافع والواضع، ~~والكافي والوافي، والمقرب لخدمها ونصائحها، والمزحزح لحسدتها وأعدائها، ~~والراعي لرعيتها ودهمائها، والناهض بأثقالها وأعبائها، أعانه الله على ما ~~تولاه، وكفاه المهم في دنياه وأخراه، بمنه وقدرته. # نعم، ورتبت ذلك كله، ولم أقطع عنك عادتي معك في الاسترسال والانبساط، ~~والبر والمواساة، والمساعدة والمواتاة، والتعصب والمحاماة. # أفكان من حقي عليك في هذه الأسباب التي ذكرتها، وفي أخواتها التي تركتها ~~كراهة الإطالة بها، أنك تخلو بالوزير- أدام الله أيامه- ليالي متتابعة ~~ومختلفة، فتحدثه بما تحب وتريد، وتلقي إليه ما تشاء وتختار، وتكتب إليه ~~الرقعة بعد الرقعة، ولعلك في عرض ذلك تعدو طورك بالتشدق وتجوز حدك ~~بالاستحقار، وتتطاول إلى ما ليس لك، وتغلط في نفسك، وتنسى زلة العالم، ~~وسقطة المتحري، وخجلة الواثق، هذا وأنت غر لا هيئة لك في لقاء الكبراء، ~~ومحاورة الوزراء، وهذه حال تحتاج فيها إلى عادة غير عادتك، وإلى مران سوى ~~مرانك، ولبسة لا تشبه لبستك، وقل من قرب من وزير خدم فأجاد، وتكلم فأفاد، ~~وبسط فزاد، إلا سكر، وقل من سكر إلا عثر وقل من عثر فانتعش، وما زهد في هذه ~~الحال كثير من الحكماء الأولين والعباد الربانيين، إلا لغلظها وصعوبتها، ~~ومكروه عاقبتها، وشدة الصبر على عوارضها ورواتبها، وتفسخ المتن بين ~~حوادثها ونوائبها. # والعجب أنك مع هذه الخلة تظن أنها مطوية عني وخافية دوني، وأنك قد بلغت ~~الغاية وادع القلب، وملكت المكانة ثاني العنان، وقد انقطعت حاجتك عني وعمن ~~هو PageV01P035 # دوني، ووقع الغنى عن جاهي وكلامي ولطفي وتوصيلي، وجهلت أن من قدر على ~~وصولك، يقدر على فصولك ، وأن من صعد بك حين ms003 أراد، ينزل بك إذا شاء، وأن ~~من يحسن فلا يشكر، يجتهد في الاقتصاد حتى يعذر. # وبعد، فما أطيل، ولعل لهب الموجدة يزداد، ولسان الغيظ يغلو، وطباع ~~الإنسان تحتد، والندم على ما أسلفت من الجميل يتضاعف، ولست أنت أول من بر ~~فعق، ولا أنا أول من جفي فنق. وهذا فراق بيني وبينك وآخر كلامي معك، وفاتحة ~~يأسي منك، قد غسلت يدي من عهدك بالأشنان البارقي، وسلوت عن قربك بقلب معرض ~~وعزم حي، إلا أن تطلعني طلع جميع ما تحاورتما وتجاذبتما هدب الحديث عليه، ~~وتصرفتما في هزله وجده، وخيره وشره، وطيبه وخبيثه، وباديه ومكتومه، حتى ~~كأني كنت شاهدا معكما ورقيبا عليكما، أو متوسطا بينكما، ومتى لم تفعل هذا، ~~فانتظر عقبى استيحاشي منك، وتوقع قلة غفولي عنك، وكأني بك وقد أصبحت حران ~~حيران يا أبا حيان، تأكل أصبعك أسفا، وتزدرد ريقك لهفا، على ما فاتك من ~~الحوطة لنفسك، والنظر في يومك لغدك، والأخذ بالوثيقة في أمرك، أتظنن ~~بغرارتك وغمارتك، وذهابك في فسولتك التي اكتسبتها بمخالطة الصوفية ~~والغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء، أنك تقدر على مثل هذه الحال، وأنام ~~منك على حسن الظن بك، والثقة بصدرك ووردك، وأطمئن إلى حكك وجردك وأتعامى عن ~~حرك وبردك، هيهات، رقدت فحلمت، فخيرا رأيت وخيرا يكون. # على هذا الحد كان مقطع كلامك في موجدتك، وإلى ههنا بلغ فيض عتبك ولائمتك، ~~وفي دون ذلك تنبيه للنائم، وإيقاظ للساهي، وتقويم لمن يقبل التقويم، وقد ~~قال الأول: # ألا إنما يكفي الفتى عند زيغه %~% من الأود البادي ثقاف المقوم # فقلت لك: أنا سامع مطيع، وخادم شكور، لا أشتري سخطك بكل صفراء وبيضاء ~~في الدنيا، ولا أنفر من التزام الذنب والاعتراف بالتقصير، ومثلي يهفو ~~ويجمح، ومثلك يعفو ويصفح، وأنت مولي وأنا عبد، وأنت آمر وأنا مؤتمر، وأنت ~~متمثل وأنا ممتثل، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت منشئ وأنا منشأ، وأنت أول ~~وأنا آخر، وأنت مأمول وأنا آمل، ومتى لم تغفر لي الذنب البكر، والجناية ~~العذراء، والبادرة النادرة، فقد أعنتني على ما كان مني، ودللت على ms004 ملكك لي، ~~وأنك كنت مترصدا لهذه الهفوة ومعتقدا في مقابلتها هذه الجفوة، وكرمك يأبى ~~عليك هذا، ومثولي بين يديك خدمة لك يحظره عليك. PageV01P036 # هذا وأنا أفعل ما طالبتني به من سرد جميع ذلك، إلا أن الخوض فيه على ~~البديهة في هذه الساعة يشق ويصعب بعقب ما جرى من التفاوض، فإن أذنت جمعته ~~كله في رسالة تشتمل على الدقيق والجليل، والحلو والمر، والطري والعاسي، ~~والمحبوب والمكروه. # فكان من جوابك لي: افعل. ونعم ما قلت وهو أحب إلي وأقرب إلى إرادتي، ~~وأحصر لما أريغ منه، وأدخل في الحجة عليك ولك، وأغسل للوسخ الذي بيني ~~وبينك، وأزهر للسراج الذي طفئ عني وعنك، وأجذب لعنان الحجة إن كانت لك، ~~وأنطق عن العذر إن اتضح بقولك، وإذا عزمت فتوكل على الله، وليكن الحديث على ~~تباعد أطرافه، واختلاف فنونه مشروحا، والإسناد عاليا متصلا، والمتن تاما ~~بينا، واللفظ خفيفا لطيفا، والتصريح غالبا متصدرا، والتعريض قليلا يسيرا ~~وتوخ الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيضاحه وإثباته، واتق الحذف المخل ~~بالمعنى، والإلحاق المتصل بالهذر، واحذر تزيينه بما يشينه، وتكثيره بما ~~يقلله، وتقليله عما لا يستغنى عنه، واعمد إلى الحسن فزد في حسنه، وإلى ~~القبيح فانقص من قبحه، واقصد إمتاعي بجمعة نظمه ونثره، وإفادتي من أوله إلى ~~آخره، فلعل هذه المثاقفة تبقى وتروى، ويكون في ذلك حسن الذكرى، ولا ~~تومئ إلى ما يكون الإفصاح عنه أحلى في السمع، وأعذب في النفس، وأعلق ~~بالأدب، ولا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب، وأنفى للريب، فإن ~~الكلام صلف تياه لا يستجيب لكل إنسان، ولا يصحب كل لسان، وخطره كثير، ~~ومتعاطيه مغرور، وله أرن كأرن المهر وإباء كإباء الحرون، وزهو كزهو ~~الملك، وخفق كخفق البرق، وهو يتسهل مرة ويتعسر مرارا، ويذل طورا ويعز ~~أطوارا، ومادته من العقل والعقل سريع الحؤول خفي الخداع، وطريقه على الوهم، ~~والوهم شديد السيلان ومجراه على اللسان، واللسان كثير الطغيان، وهو مركب من ~~اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي، والتأليف الصناعي، والاستعمال الاصطلاحي، ~~ومستملاه من الحجا، ودريه بالتمييز، ونسجه بالرقة، والحجا ms005 في غاية النشاط ~~وبهذا البون يقع التباين ويتسع التأويل، ويجول الذهن، وتتمطى الدعوى، ويفزع ~~إلى البرهان، ويبرأ من الشبهة، ويعثر بما أشبه الحجة وليس بحجة، فاحذر هذا ~~النعت وروادفه، واتق هذا الحكم وقوائفه ، ولا تعشق اللفظ دون المعنى ~~ولا تهو المعنى دون اللفظ، وكن من أصحاب البلاغة والإنشاء في PageV01P037 # جانب، فإن صناعتهم يفتقر فيها أشياء يؤاخذ بها غيرهم، ولست منهم، فلا ~~تتشبه بهم، ولا تجر على مثالهم، ولا تنسج على منوالهم، ولا تدخل في غمارهم، ~~ولا تكثر ببياضك سوادهم، ولا تقابل بفهاهتك براعتهم، ولا تجذب بيدك رشاءهم، ~~ولا تحاول بباعك مطاولتهم، واعرف قدرك تسلم، والزم حدك تأمن، فليس الكودن ~~ من العتيق في شيء، ولا الفقير من الغني على شيء، أما سمعت قول الناس: ~~ليس الشامي للعراقي بصاحب، ولا الكردي من الجندي بساخر، فإن طال فلا ~~تبل، وإن تشعب فلا تكترث، فإن الإشباع في الرواية أشفى للغليل، والشرح ~~للحال أبلغ إلى الغاية، وأظفر بالمراد، وأجرى على العادة. # فكتبت: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، أقول أيها الشيخ- عطف الله قلبك علي، ~~وألهمك الإحسان إلي- في جواب جميع ما قلته واجدا علي وعاتبا، وقابضا، ~~وباسطا، ومرشدا، وناصحا، ما يعرف الحق فيه، ويستبين الصواب منه، غير خائن ~~لك، ولا جانح إلى مخالفتك، ولا مريغ للباطل معك، ولا جاحد لأياديك ~~القديمة والحديثة، ولا منكر لنعمتك الكافية الشافية، ولا غاط على فواضلك ~~المجتمعة والمتفرقة، ولا تارك لشيء هو علي من أجل شيء هو لي، ولا معرض عن ~~شيء هو لي بسبب شيء هو علي، بل أجهز دقة وجله إليك حتى تراه بسده وغباره، ~~وأجلوه عليك حتى تلحظه بردائه وإزاره. # كأني لم أسمع قول الأول : # والكفر مخبثة لنفس المنعم %~% والشكر مبعثة لنفس المفضل # أأنا أدعك واجدا علي، وأرقد وأنت ماقت لي، وأجد حس نعمة أنت وهبتها إلي، ~~وألذ عيشا أنت أذقتني حلاوته. أأنسى أياديك وهي طوق رقبتي، وتجاه عيني، ~~وحشو نفسي، وراحة حلمي، وزاد حياتي، ومادة روحي؟ هيهات، هذا بعيد من ~~القياس، وغير معهود بين أحرار الناس، الذين لهم اهتمام ms006 بصون أعراضهم، وحرص ~~على إكرام أنفسهم، قد عبقوا بفوائح الفتوة، وعلقوا بحبائل المروءة، وشدوا ~~ من الحكمة أشرف الأبواب، واعتزوا من الأدب إلى أعز حرم، وحازوا شرفا ~~بعد شرف، وانحازوا عن نطف بعد نطف ونظروا إلى الدنيا بعين بصيرة، ~~وعزفوا أنفسهم عن زهرتها بتجربة صادقة. PageV01P038 # فأول ما أبدأك به أنني ظننت ظنا لا كيقين أن شيئا مما كنت فيه مع الوزير- ~~أدام الله أيامه، وقصم أعداءه- ليس مما يهمك، ولا هو مما يقرع سمعك سماعك ~~له، وحسبت أيضا أنني إن بدأت بشيء منه رذلتني عليه وتنقصتني به، وزريت علي ~~فيه، وأنك ربما قلت: لم بدأت بما لم أسألك عنه ولم أرخص لك فيه، هلا كظمت ~~على جرتك، وطويت ما بين جنبيك وما علي مما يدور بين الصاحب وخادمه ~~والرؤساء، والناظرين في أمور الدهماء والمتصفحين لأحوال العامة ~~والخاصة، ولهم أسرار وغيوب لا يقف عليها أقرب الناس إليهم، وأعز الناس ~~عليهم، وأنت أيضا فلم تسألني عنه، فكان في تقديري أنك قد عرفت وصولي في وقت ~~دون وقت، وأنك قد حملت أمري على الخدمة التي ليس للعلم بها فائدة، ولا في ~~الإعراض عنها فائتة. # وإذ جرى الأمر على غير ما كان في حسابي وتلبس بظني، فإني أهدي ذلك كله ~~بغثاثته وسمانته، وحلاوته ومرارته، ورقته وخثارته في هذا المكان، ثم أنت ~~أبصر بعد ذلك في كتمانه وإفشائه، وحفظه وإضاعته وستره وإشاعته، وو الله ما ~~أرى هذا أمرا صعبا إذا وصل إلى مرادك ولا كلفة شاقة إذا أكسبني مرضاتك، وإن ~~كان ذلك يمر بأشياء كثيرة ومختلفة، متعصية غريبة، منها ما يشيط به الدم ~~المحقون، وينزع من أجله الروح العزيز، ويستصغر معه الصلب، ولا يقنع فيه ~~بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، وإن كان فيها أيضا غير ذلك مما يضحك ~~السن، ويفكه النفس، ويدعو إلى الرشاد، ويدل على النصح، ويؤكد الحرمة، ويعقد ~~الذمام، وينشر الحكمة، ويشرف الهمة، ويلقح العقل، ويزيد في الفهم والأدب ~~ويفتح باب اليمن والبركة، وينفق بضاعة أهل العلم في السوق الكاسدة، ويوقظ ~~العيون الناعسة، ويبل الشن المتغضف، ms007 ويندي الطين المترشف، ويكون سببا قويا ~~على حسن الحال وطيب العيش، فإن هذه العاجلة محبوبة، والرفاهية مطلوبة، ~~والمكانة عند الوزراء بكل حول وقوة مخطوبة، والدنيا حلوة خضرة وعذبة نضرة، ~~ومن شف أمله شق عمله، ومن اشتد إلحاحه، توالى غدوه ورواحه، ومن أسره ~~رجاؤه، طال عناؤه، وعظم بلاؤه، ومن التهب طمعه وحرصه، ظهر عجزه ونقصه. # وفي الجملة: # من لم يكن لله متهما %~% لم يمس محتاجا إلى أحد # ولابد من فتى يعين على الدهر، ويغني عن كرام الناس فضلا عن لئامهم، ويذلل ~~قعود الصبر، ويجم راحلة الأمل، ويحلي مر اليأس، والعزلة محمودة إلا أنها PageV01P039 # محتاجة إلى الكفاية، والقناعة مزة فكهة ولكنها فقيرة إلى البلغة، وصيانة ~~النفس حسنة إلا أنها كلفة محرجة إن لم تكن لها أداة تجدها وفاشية ~~تمدها، وترك خدمة السلطان غير الممكن ولا يستطاع إلا بدين متين، ورغبة في ~~الآخرة شديدة، وفطام عن دار الدنيا صعب، ولسان بالحلو والحامض يلغ. # قال ابن السماك: لولا ثلاث لم يقع حيف، ولم يسل سيف: لقمة أسوغ من لقمة، ~~ووجه أصبح من وجه، وسلك «أنعم من سلك» ، وليس كل أحد له هذه القوة، ولا فيه ~~هذه المنة والإنسان بشر، وبنيته متهافتة وطينته منتثرة، وله عادة ~~طالبة، وحاجة هاتكة، ونفس جموح، وعين طموح، وعقل طفيف، ورأي ضعيف، يهفو ~~لأول ريح، ويستخيل لأول بارق، هذا إذا تخلص من قرناء السوء، وسلم من سوارق ~~العقل، وكان له سلطان على نفسه، وقهر لشهواته، وقمع لهوائجه وقبول من ~~ناصحه، وتهيؤ في سعيه، وتبوء في معان حظه، وائتمام بسعادته، واستبصار في ~~طلب ما عند ربه، واستنصاف من هواه المضل لعقله المرشد، هذا قليل وصعب ولو ~~قلت معدوم أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد، لما خفت عائقا ~~يعوقني، ولا حسودا يرد قولي. # قال ابن السماك: الله المستعان على ألسن تصف وقلوب تعترف، وأعمال تختلف. # وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- ورآه لا يلي له عملا، ولم ~~يقبل منه نائلا-: يا ابن أخي، هي الدنيا، فإما أن ترضع ms008 معنا، وإما أن ترتدع ~~عنا. # وربما قال بعض المتكلفين: قد قال بعض السلف ليس خيركم من ترك الدنيا ~~للآخرة، ولا من ترك الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه. وهذا ~~كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن. وربما قال آخر من المتقدمين: (اعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا) . وهذا أيضا كلام منمق، لا ~~يرجع إلى معنى محقق، أين هو من قول المسيح- عليه السلام- حين قال: الدنيا ~~والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من الآخر، ومتى قرب ~~من أحدهما بعد من الآخر. وأين هو من قول الآخر: الدنيا والآخرة ضرتان، متى ~~أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى. # وهذا لأن الإنسان صغير الحجم، ضعيف الحول، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته ~~وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربه بأداء ~~فرائضه، والقيام بوظائفه، والثبات على حدود أمره ونهيه. PageV01P040 # فإن صفق وجهه وقال: نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار، فهذا المذبذب ~~الذي لا هو من هذه ولا من هذه، ومن تخنث وتليث لم يكن رجلا ولا امرأة، ولا ~~يكون أبا ولا أما، وهذا كما نرى. # ونرجع فنقول: ونعوذ بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من ~~التقوى، ولا عماد من الصبر، ولا دعامة من الأنفة، ولا اصطبار على المرارة. # وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الربانيين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون ~~غيرهم بفضل صلاحهم، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم، ~~ويوسعون على غيرهم من سعتهم، وكانوا يهتمون بذخائر الشكر المعجل في الدنيا، ~~ويحرصون على ودائع الأجر المؤجل في الأخرى، ويتلذذون بالثناء، ويهتزون ~~للدعاء، وتملكهم الأريحية عند مسألة المحتاج، وتعتريهم الهزة معها ~~والابتهاج وذلك لعشقهم الثناء الباقي، والصنيع الواقي، ويرون الغنيمة في ~~الغرامة، والربح في البذل، والحظ في الإيثار، والزيادة في النقص، أعني ~~بالزيادة: الخلف المنتظر من الله، وبالنقص: العطاء، ورأيت الناس يعيبون ابن ~~العميد حين قال: أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال: # أنت للمال إذا ms009 أمسكته %~% فإذا أنفقته فالمال لك # قال: ولو كان هذا صحيحا كان لا ينبغي أن يكتسب المال، لأنه ليس في ترك ~~كسبه أكثر من إخراجه بالإنفاق. هذا لقولهم بحكمته وعقله وتحصيله، وصواب ~~الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ العاقل. # نعم، وكانوا إذا ولوا عدلوا، وإذا ملكوا أفضلوا، وإذا أعطوا أجزلوا، وإذا ~~سئلوا أجابوا وإذا جادوا أطابوا، وإذا عالوا صبروا، وإذا نالوا شكروا، وإذا ~~أنفقوا واسوا، وإذا امتحنوا تأسوا، وكانوا يرجعون إلى نقائب ميمونة، وإلى ~~ضرائب مأمونة، وإلى ديانات قوية، وأمانات ثخينة، وكان لهم مع الله ~~أسرار طاهرة، وعلانية مقبولة، ومع عباد الله معاملة جميلة، ورحمة واسعة ~~ومعدلة فاشية، وكانت تجارتهم في العلم والحكمة، وعادتهم جارية على الضيافة ~~والتكرمة، وكانت شيمتهم الصفح والمغفرة وربحهم من هذه الأحوال النجاة ~~والكرامة في الأولى والعاقبة، وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير، وتناهوا عن ~~الشر، وتنافسوا في اتخاذ الصنائع، وادخار البضائع (أعني صنائع الشكر، ~~وبضائع الأجر) . # فذهب هذا كله، وتاه أهله، وأصبح الدين وقد أخلق لبوسه، وأوحش مأنوسه، PageV01P041 # واقتلع مغروسه، وصار المنكر معروفا، والمعروف منكرا، وعاد كل شيء إلى ~~كدره وخاثره، وفاسده وضائره، وحصل الأمر على أن يقال: فلان خفيف الروح، ~~وفلان حسن الوجه، وفلان ظريف الجملة، حلو الشمائل، ظاهر الكيس، قوي الدست ~~ في الشطرنج، حسن اللعب في النرد، جيد في الاستخراج، مدبر للأموال، بذول ~~للجهد، معروف بالاستقصاء لا يغضي عن دانق، ولا يتغافل عن قيراط، إلى غير ~~ذلك مما يأنف العالم من تكثيره، والكاتب من تسطيره. # وهذه كلها كنايات عن الظلم والتجديف، والخساسة والجهل وقلة الدين وحب ~~الفساد، وليس فيها شيء مما قدمنا وصفه عن القوم الذين اجتهدوا أن يكونوا ~~خلفاء الله على عباد الله بالرأفة والرقة والرحمة والاصطناع والعدل ~~والمعروف. # وأرجع عن هذه الشكية الطويلة اللاذعة والبلية العامة الشاملة، إلى عين ما ~~رسمت لي ذكره، وكلفتني إعادته، عائذا بالله في صرف الأذى عني وسوق الخير ~~إلي، ولائذا بكرمك الذي رشتني به إلى الساعة، وكفيتني به مؤونة الخدمة ~~لغيرك من هذه الجماعة، والأعمال بخواتيمها، والصدور بأعجازها، ms010 وأنت أولى ~~الناس بالصفح والتجاوز عني إذا عرفت براءتي في كل ما يتعلق بي من ذمامك، ~~ويجب علي من الحق في مودتك، والاعتصام بحبلك والانتجاع من عشبك، ~~والارتغاء من لبنك. PageV01P042 ### || الليلة الأولى # وصلت أيها الشيخ- أطال الله حياتك- أول ليلة إلى مجلس الوزير- أعز الله ~~نصره، وشد بالعصمة والتوفيق أزره- فأمرني بالجلوس، وبسط لي وجهه الذي ما ~~اعتراه منذ خلق العبوس، ولطف كلامه الذي ما تبدل منذ كان لا في الهزل ولا ~~في الجد، ولا في الغضب ولا في الرضا. # ثم قال بلسانه الذليق، ولفظه الأنيق: قد سألت عنك مرات شيخنا أبا الوفاء، ~~فذكر أنك مراع لأمر البيمارستان من جهته، وأنا أربأ بك عن ذلك، ولعلي أعرضك ~~لشيء أنبه من هذا وأجدى، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس، ~~ولأتعرف منك أشياء كثيرة مختلفة تردد في نفسي على مر الزمان، لا أحصيها لك ~~في هذا الوقت، لكني أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض، ~~فأجبني عن ذلك كله باسترسال وسكون بال، بملء فيك، وجم خاطرك، وحاضر علمك، ~~ودع عنك تفنن البغداديين %~% مع عفو لفظك، وزائد رأيك، وربح ذهنك، ولا ~~تجبن جبن الضعفاء، ولا تتأطر تأطر الأغبياء ، واجزم إذا قلت، وبالغ إذا ~~وصفت، واصدق إذا أسندت، وافصل إذا حكمت، إلا إذا عرض لك ما يوجب توقفا أو ~~تهاديا، وما أحسن ما قال الأول: # لا تقدح الظنة في حكمه %~% شيمته عدل وإنصاف # يمضي إذا لم تلقه شبهة %~% وفي اعتراض الشك وقاف # وقد قال الأول: # أبالي البلاء وإني امرؤ %~% إذا ما تبينت لم أرتب # وكن على بصيرة أني سأستدل مما أسمعه منك في جوابك عما أسألك عنه على صدقك ~~وخلافه، وعلى تحريفك وقرافه. # فقلت: قبل كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد مني فإني إن ~~منعته نكلت، وإن نكلت قل إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد، PageV01P043 # وقد طمعت بالنفاق» # وانقلبت بالخيبة، وقد عقدت خنصري على المسألة. # فقال- حرس الله روحه-: قل- عافاك الله- ما بدا لك، فأنت مجاب إليه ما دمت ~~ضامنا ms011 لبلوغ إرادتنا منك، وإصابة غرضنا بك. # قلت: يؤذن لي في كاف المخاطبة، وتاء المواجهة، حتى أتخلص من مزاحمة ~~الكناية ومضايقة التعريض، وأركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوشة ~~ولا انحياش. # قال: لك ذلك، وأنت المأذون فيه، وكذلك غيرك، وما في كاف المخاطبة وتاء ~~المواجهة؟ إن الله تعالى- على علو شأنه، وبسطة ملكه، وقدرته على جميع خلقه- ~~يواجه بالتاء والكاف، ولو كان في الكناية بالهاء رفعة وجلالة وقدر ورتبة ~~وتقديس وتمجيد لكان الله أحق بذلك ومقدما فيه، وكذلك رسوله صلى الله عليه ~~وسلم والأنبياء قبله- عليهم السلام- وأصحابه- رضي الله عنهم- والتابعون لهم ~~بإحسان- رحمة الله عليهم- وهكذا الخلفاء، فقد كان يقال للخليفة: يا أمير ~~المؤمنين أعزك الله، ويا عمر أصلحك الله، وما عاب هذا أحد، وما أنف منه ~~حسيب ولا نسيب، ولا أباه كبير ولا شريف، وإني لأعجب من قوم يرغبون عن هذا ~~وشبهه، ويحسبون أن في ذلك ضعة أو نقيصة أو حطا أو زراية، وأظن أن ذلك ~~لعجزهم وفسولتهم ، وانخزالهم وقلتهم وضؤولتهم، وما يجدونه من الغضاضة ~~في أنفسهم، وأن هذا التكلف والتجبر يمحوان عنهم ذلك النقص، وذلك النقص ~~ينتفي بهذا الصلف، هيهات، لا تكون الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء، ومن ~~مقابح الزهو والكبرياء. # فقلت: أيها الوزير، قد خالطت العلماء، وخدمت الكبراء وتصفحت أحوال الناس ~~في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، فما سمعت هذا المعنى من أحد على هذه السياقة ~~الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين، وقد قال بعض السلف الصالح: «ما ~~تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه» . والتصاغر دواء النفس، ~~وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين، ولذلك قال ابن السماك للرشيد- وقد عجب ~~من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته-: ~~«يا أمير المؤمنين، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك، وإني أظن أن دمعتك هذه ~~قد أطفأت أودية من النار وجعلتها بردا وسلاما» . # قال: هذا باب مفترق فيه، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهي، سيما إذا كان من ~~خطرات العقل، قد خدم بالصواب في نغمة ناغمة، وحروف متقاومة، ولفظ ms012 عذب، PageV01P044 # ومأخذ سهل، ومعرفة بالوصل والقطع، ووفاء بالنثر والسجع، وتباعد من التكلف ~~الجافي، وتقارب في التلطف الخافي، قاتل الله ذا الرمة حيث يقول: # لها بشر مثل الحرير ومنطق %~% رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر # وكنت أنشد أيام الصبا هذا بالذال، وكان ذلك من سوء تلقين المعلم، ~~وبالعراق رد علي وقيل: هو بالزاي، وقد أجاد القطامي أيضا وتغزل في قوله: # فهن ينبذن من قول يصبن به %~% مواقع الماء من ذي الغلة الصادي # قلت: ولهذا قال خالد بن صفوان حين قيل له: أتمل الحديث؟ قال: إنما يمل ~~العتيق، والحديث معشوق الحس، بمعونة العقل، ولهذا يولع به الصبيان والنساء. # فقال: وأي معونة لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم؟ # قلت: ههنا عقل بالقوة وعقل بالفعل، ولهم أحدهما وهو العقل بالقوة، وههنا ~~عقل متوسط بين القوة والفعل مزمع، فإذا برز فهو بالفعل، ثم إذا استمر العقل ~~بلغ الأفق، ولفرط الحاجة إلى الحديث ما وضع فيه الباطل، وخلط بالمحال ووصل ~~بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل وتحقيق، مثل (هزار أفسان) وكل ما ~~دخل في جنسه من ضروب الخرافات، والحس شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث، ~~لأنه قريب العهد بالكون، وله نصيب من الطرافة. ولهذا قال بعض السلف: ~~«حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة الدثور» ، كأنه أراد اصقلوها واجلوا الصدأ ~~عنها، وأعيدوها قابلة لودائع الخير، فإنها إذا دثرت- أي صدئت، أي تغطت، ~~ومنه الدثار الذي فوق الشعار- لم ينتفع بها، والتعجب كله منوط بالحادث، ~~وأما التعظيم والإجلال فهما لكل- ما قدم: إما بالزمان، وإما بالدهر، ومثال ~~ما يقدم بالزمان الذهب والياقوت وما شابههما من الجواهر التي بعد العهد ~~بمبادئها، وسيمتد العهد جدا إلى نهاياتها، وأما ما قدم بالدهر، فكالعقل ~~والنفس والطبيعة، فأما الفلك وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة، ~~ومناطقه الخفية، فقد أخذت من الدهر صورة إلهية، وأحدثت فيما سلف منها صورة ~~زمانية. # فقال: بقي أن يتصل به نعت العتيق والخلق. # فكان من الجواب أن العتيق يقال على وجهين: فأحدهما يشار به إلى الكرم ~~والحسن والعظمة، وهذا موجود في قول العرب: «البيت ms013 العتيق» ، والآخر يشار به ~~إلى قدم من الزمان مجهول. فأما قولهم: «عبد عتيق» ، فهو داخل في المعنى ~~الأول، لأنه أكرم بالعتق، وارتفع عن العبودية، فهو كريم. وكذلك «وجه عتيق» ~~لأنه أعتقته الطبيعة من الدمامة والقبح. وكذلك «فرس عتيق» . PageV01P045 # وأما قولهم: «هذا شيء خلق» ، فهو مضمن معنيين: أحدهما يشار به إلى أن ~~مادته بالية، والآخر أن نهاية زمانه قريبة. وكان ابن عباد قال لكاتبه مرة- ~~أعني ابن حسولة- في شيء جرى %~% «نعم، العالم عتيق ولكن ليس بقديم» أي لو ~~كان قديما لكان لا أول له، ولما كان عتيقا كان له أول، ومن أجل هذا ~~الاعتقاد وصفوا الله تعالى بأنه قديم، واستحسنوا هذا الإطلاق. وقد سألت ~~العلماء البصراء عن هذا الإطلاق، فقالوا: ما وجدنا هذا في كتاب الله- عز ~~وجل- ولا كلام نبيه- صلى الله عليه وسلم- ولا في حديث الصحابة والتابعين. # وسألت أبا سعيد السيرافي الإمام: هل تعرف العرب أن معنى القديم ما لا أول ~~له؟ فقال: # هذا ما صح عندنا عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم، إلا أنهم يقولون: «هذا ~~شيء قديم» و «بنيان قديم» ويسرحون وهمهم في زمان مجهول المبدأ. # فقال: قد مر في كلامك شيء يجب البحث عنه، ما الفرق بين الحادث والمحدث ~~والحديث؟ # فكان من الجواب أن الحادث ما يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلق بالذي ~~كان عنه محدثا. والحديث كالمتوسط بينهما مع تعلق بالزمان ومن كان منه. # وههنا شيء آخر، وهو الحدثان والحدثان، فأما الأول فكأنه لما هو مضارع ~~للحادث، وأما الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط، لأنه يقال: «كان كذا وكذا في ~~حدثان ما ولي الأمير» ، أي في أول زمانه، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث ~~والحادث والحوادث. «وفلان حدث ملوك» كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك ~~واحد. # قال: «ما الفرق بين حدث وحدث» ؟ # قلت: لا فرق بينهما إلا من وجهة أن حدث تابع لقدم، لأنه يقال: أخذه ما ~~قدم وما حدث، فإذا قيل لإنسان: حدث يا هذا. فكأنه قيل له: صل شيئا بالزمان ~~يكون به في الحال، لا ms014 تقدم له من قبل. # ثم رجعت فقلت: ولفوائد الحديث ما صنف (أبو زيد) رسالة لطيفة الحجم في ~~المنظر، شريفة الفوائد في المخبر، تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة ~~والتجربة في الأخبار والأحاديث، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها. وهي ~~حاضرة. # فقال: احملها واكتبها، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث. # قلت: السمع والطاعة. # ثم رويت أن عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه: قد قضيت الوطر من كل شيء ~~إلا من محادثة الإخوان في الليالي الزهر، على التلال العفر. # وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال: والله إني لأشتري ليلة من PageV01P046 # ليالي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال ~~المسلمين. # فقيل: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك؟ فقال: ~~أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين ~~بألوف وألوف دنانير، إن في المحادثة تلقيحا للعقول، وترويحا للقلب، وتسريحا ~~للهم، وتنقيحا للأدب. # قال: صدق هذا الإمام في هذا الوصف، إن فيه هذا كله. # قلت: وسمعت أبا سعيد السيرافي يقول: سمعت ابن السراج يقول: دخلنا على ابن ~~الرومي في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا قوله: # ولقد سئمت مآربي %~% فكأن أطيبها خبيث # إلا الحديث فإنه %~% مثل اسمه أبدا حديث # وقال سليمان بن عبد الملك: «قد ركبنا الفاره، وتبطنا الحسناء، ولبسنا ~~اللين، وأكلنا الطيب حتى أجمناه ، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى ~~جليس يضع عني مؤونة التحفظ ويحدثني بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب» . ~~وهذا أيضا حق وصواب، لأن النفس تمل، كما أن البدن يكل، وكما أن البدن إذا ~~كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح وكما لابد للبدن أن يستمد ~~ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر، كذلك لابد للنفس من ~~أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس، ~~ولهذا يرى بالعين، كما أن النفس لطيفة البدن، ولهذا لا توجد إلا بالعقل، ~~والنفس ms015 صفاء البدن، والبدن كدر النفس. # فقال: أحسنت في هذه الروايات على هذه التوشيحات وأعجبني ترحمك على شيخك ~~أبي سعيد، فما كل أحد يسمح بهذا في مثل هذا المقام، وما كل أحد يأبه لهذا ~~الفعل، هات ملحة الوداع حتى نفترق عنها، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون الحديث. # قلت: حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية، قال: رأيت جحظة قد دعا بناء ليبني له ~~حائطا، فحضر، فلما أمسى اقتضى البناء الأجرة، فتماكسا وذلك أن الرجل ~~طلب عشرين درهما، فقال جحظة: إنما عملت يا هذا نصف يوم وتطلب عشرين درهما؟ # قال: أنت لا تدري، إني قد بنيت لك حائطا يبقى مائة سنة، فبينما هما كذلك ~~وجب الحائط وسقط، فقال جحظة: هذا عملك الحسن؟ قال: فأردت أن يبقى ألف سنة؟ # قال: لا، ولكن كان يبقى إلى أن تستوفي أجرتك. فضحك- أضحك الله سنه-. PageV01P047 ### || الليلة الثانية # ثم حضرت ليلة أخرى، فقال: أول ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقي كيف ~~كان كلامه فينا، وكيف كان رضاه عنا ورجاؤه بنا، فقد بلغني أنك جاره ~~ومعاشره، ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره، وحافظ غاية خبره. # فقلت: والله أيها الوزير، ما أعرف اليوم ببغداد- وهي الرقعة الفسيحة ~~الجامعة، والعرصة العريضة الغاصة- إنسانا أشكر لك، وأحسن ثناء عليك، ~~وأذهب في طريق العبودية معك، منه، ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء ~~الصالح، رفعه الله إليه، والثناء الطيب أشاعه الله، وقد عمل رسالة في وصفك ~~ذكر فيها ما آتاك الله وفضلك به من شرف أعراقك، وكرم أخلاقك وعلو همتك، ~~وصدق حدسك وصواب رأيك، وبركة نظرك، وظهور غنائك، وخصب فنائك، ومحبة ~~أوليائك، وكمد أعدائك، وصباحة وجهك، وفصاحة لسانك، ونبل حسبك، وطهارة غيبك، ~~ويمن نقيبتك، ومحمود شيمتك، ودقيق ما أودع الله فيك وجليل ما نشر الله عنك، ~~وغريب ما يرى منك، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العلية، والخيرات الواسعة ~~والدولة الوادعة، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده- إن شاء الله- وكان هذا ~~منه قياما بالواجب، فإنك نعشت روحه وكان خفت، وبصرته وكان عشي، وأنبت جناحه ~~وكان قد ms016 حص، وبالرسم الذي وصل إليه لأنه كان قنط منه وهو قنوط، وسمعته يقول ~~مرارا: من يذكرني وقد مضى الملك- رضوان الله عليه- ومن يخلفه في مصلحتي، ~~ويجري على عادته معي؟ ومن يسأل عني، ويهتم بحالي؟ هيهات، فقد والله بالأمس ~~من يطول تلفتنا إليه ويدوم تلهفنا عليه، إن الزمان بمثله لبخيل، كان والله ~~شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال، وملتقى القفال، ومحقق الأقوال ~~والأفعال، ومجري لجم الأحوال على غاية الكمال، كان والله فوق المتمنى، ~~وأعلى من أن يلحق به نظير، أو يوجد له مماثل، لذته لمح في تهذيب الأمور، ~~وهواه وقف على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير، ولولا أن عمر ~~الفتى الأريحي قصير، لكنا لا نبتلي بفقده، ولا نتحرق على فوت ما كان لنا ~~بحياته، الدنيا ظلوم، والإنسان فيها مظلوم. PageV01P048 # فلما وصل إليه ذلك الرسم- وهو مائة دينار- وحاجته ماسة إلى رغيف، وحوله ~~وقوته قد عجزا عن أجرة مسكنه، وعن وجه غدائه وعشائه عاش. # ومما زاد في حديث الرسم أنه وصل إليه مع العذر الجميل، والوعد العريض ~~الطويل، ولو رأيته وهو يترفل ويتحنك لعجبت. # فقال: سررتني لسروره بما كان مني، وإن عشت كففت الزمان عن ضيمه، وفللت ~~عنه حد نابه، ولولا الضمانة مانعة عن نفسه، ومتمنع معها بنفسه، لغشي ~~هذا المجلس فيكم فاستأنس وآنس، ولكنه على حال لا محتمل له عليها، ولا صبر ~~عليه معها، أتحفظ ما قال البديهي فيه؟ قلت: نعم، قال: أنشدنيه، فرويت: # أبو سليمان عالم فطن %~% ما هو في علمه بمنتقص # لكن تطيرت عند رؤيته %~% من عور موحش ومن برص # وبابنه مثل ما بوالده %~% وهذه قصة من القصص # فقال: قاتله الله، فلقد أوجع وبالغ، ولم يحفظ ذمام العلم، ولم يقض حق ~~الفتوة. حدثني عن درجته في العلم والحكمة، وعرفني محله فيهما من محل ~~أصحابنا ابن زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى بن ~~عدي وعيسى بن علي. # فقلت: وصف هؤلاء أمر متعذر، وباب من الكلفة شاق، وليس مثلي من جسر عليه، ~~وبلغ الصواب منه، وإنما ms017 يصفهم من نال درجة كل واحد منهم، وأشرف بعد ذلك ~~عليهم، فعرف حاصلهم وغائبهم، وموجودهم ومفقودهم. # فقال: هذا تحايل لا أرضاه لك، ولا أسلمه في يدك، ولا أحتمله منك، ولم ~~أطلب إليك أن تعرفهم بما هو معلوم الله منهم، وموهبه لهم، ومسوقه إليهم، ~~ومخلوعه عليهم، على الحد الذي لا مزيد فيه ولا نقص، إنما أردت أن تذكر من ~~كل واحد ما لاح منه لعينيك، وتجلى لبصيرتك، وصار له به صورة في نفسك، فأكثر ~~وصف الواصفين للأشياء على هذا يجري، وإلى هذا القدر ينتهي. # فقلت: إذا قنع مني بهذا، فإني أخدم بما عندي، وأبلغ فيه أقصى جهدي. أما ~~شيخنا أبو سليمان فإنه أدقهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم ~~بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة من العجمة ~~وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على ~~تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز. PageV01P049 # وأما ابن زرعة فهو حسن الترجمة، صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، ~~محمود النقل إلى العربية، جيد الوفاء بكل ما جل من الفلسفة، ليس له في ~~دقيقها منفذ، ولا له من لغزها مأخذ، ولولا توزع فكره في التجارة، ومحبته في ~~الربح، وحرصه على الجمع، وشدته على المنع، لكانت قريحته تستجيب له، وغائمته ~~تدر عليه، ولكنه مبدد مندد، وحب الدنيا يعمي ويصم. # وأما ابن الخمار ففصيح، سبط الكلام، مديد النفس، طويل العنان مرضي النقل، ~~كثير التدقيق، لكنه يخلط الدرة بالبعرة ويفسد السمين بالغث، ويرقع الجديد ~~بالرث، ويشين جميع ذلك بالزهو والصلف ويزيد في الرقم والسوم، فما يجديه من ~~الفضل يرتجعه بالنقص، وما يعطيه باللطف يسترده بالعنف، وما يصفيه بالصواب، ~~يكدره بالإعجاب. ومع هذا يصرع في كل شهر مرة أو مرتين. # وأما ابن السمح، فلا ينزل بفنائهم، ولا يسقى من إنائهم، لأنه دونهم في ~~الحفظ والنقل والنظر والجدل، وهو بالمتبع أشبه، وإلى طريقة الدعي أقرب، ~~والذي يحطه عن مراتبهم شيئان: أحدهما بلادة فهمه، والآخر حرصه على كسبه، ~~فهو مستفرغ مح البال مأسور ms018 العقل، يأخذ الدانق والقيراط والحبة والطسوج ~~والفلسف بالصروف والوزن والتطفيف، والقلب متى لم ينق من دنس الدنيا لم يعبق ~~بفوائح الحكمة، ولم يتضرج بردع الفلسفة، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة ~~المفضية إلى سعادة الآخرة. # وأما القومسي أبو بكر، فهو رجل حسن البلاغة، حلو الكناية، كثير الفقر ~~العجيبة، جماعة للكتب الغريبة، محمود العناية في التصحيح والإصلاح ~~والقراءة، كثير التردد في الدراسة، إلا أنه غير نصيح في الحكمة، لأن قريحته ~~ترابية، وفكرته سحابية، فهو كالمقلد بين المحققين، والتابع للمتقدمين، مع ~~حب للدنيا شديد، وحسد لأهل الفضل عتيد. # وأما مسكويه، ففقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء، لأنه شاد، وأنا أعطيته ~~في هذه الأيام (صفو الشرح لإيساغوجي) وقاطيغورياس، من تصنيف صديقنا بالري. # قال: ومن هو؟ قلت: أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامري، وصححه معي، ~~وهو الآن لائذ بابن الخمار، وربما شاهد أبا سليمان وليس له فراغ، ولكنه محس ~~في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من قبل. # فقال: يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من كان عنده وهذا حظه! ~~قلت: قد كان هذا، ولكنه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيمائي ~~الرازي، مملوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته مفتونا بكتب أبي زكرياء، PageV01P050 # وجابر بن حيان، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع تقطيع ~~الوقت في حاجاته الضرورية والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات ~~دائمة والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على ~~فواتها تذوب وتحترق، ولقد قطن العامري الري خمس سنين جمعة، ودرس وأملى وصنف ~~وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة، حتى كأنه بينه وبينه ~~سد، ولقد تجرع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ بفمه حنظل الندامة في ~~نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ذلك كله. وبعد فهو ~~ذكي حسن الشعر نقي اللفظ، وإن بقي فعساه يتوسط هذا الحديث، وما أرى ذلك مع ~~كلفه بالكيمياء، وإنفاق زمانه وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان، ms019 واحتراقه في ~~البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة، نعوذ بالله من مدح الجود باللسان، ~~وإيثار الشح بالفعل، وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل، وهذا هو الشقاء ~~المصبوب على هامة من بلي به، والبلاء المعصوب بناصية من غلب عليه. # وأما عيسى بن علي، فله الذرع الواسع والصدر الرحيب في العبارة، حجة في ~~النقل والترجمة، والتصرف في فنون اللغات، وضروب المعاني والعبارات، وقد ~~تصفح ما لم يتصفح كثير من هذه الجماعة، وقلب بخزائن الكبراء والسادات، ~~وأعين بالعمر الطويل والفراغ المديد، ولكنه مع هذا الفضل الكثير بخيل بكلمة ~~واحدة، ونصيح على ورقة فارغة، لسودائه الغالبة عليه، ومزاجه المتشيط بها. # وأما نظيف، فإنه متوسط، لا يسفل عن أقلهم حظا ولا يعلو على أكثرهم نصيبا، ~~ويده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه رفق وحذق في الجدل. # وأما يحيى بن عدي، فإنه كان شيخا لين العريكة فروقة ، مشوه الترجمة، ~~رديء العبارة، لكنه كان متأتيا في تخريج المختلفة وقد برع في مجلسه ~~أكثر هذه الجماعة، ولم يكن يلوذ بالإلهيات، كان ينبهر فيها ويضل في بساطها، ~~ويستعجم عليه ما جل، فضلا عما دق منها، وكان مبارك المجلس. # فقال: ما قصرت في وصف هذه الطائفة، وتقريب البغية التي كانت داخلة في ~~نفسي منهم. # حدثني عن مذاهبهم في النفس وما يقولون فيها، وإلى أين ينتهون من يقينهم ~~بشأنها، وكيف ثقتهم ببقائها بعد فناء أبدانها؟ # فقلت: علمت أني لا أجد ما أريد من حديث النفس عند أصحابنا الباقين، أعني ~~أبا الوفاء علي بن يحيى السامري والصيمري والقوهي والصوفي وغلام زحل PageV01P051 # والصاغاني، وكذلك غيرهم أعني ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش ~~وابن قوسين والحراني، لأن هؤلاء ليسوا يحرثون هذه الأرض، ولا يرقمون هذا ~~البز ولا يجهزون هذا المتاع ولا يتعاملون به، هذا ينظر في المرض والصحة ~~والداء والدواء، وهذا يعتبر الشمس والقمر، وليس فيهم من يذكر كلمة في النفس ~~والعقل والإله، حتى كأنه محظور عليهم، أو قبيح عندهم. # وقلت: إن هؤلاء القوم- أعني الطائفة الأولى- متفقون في الاعتراف بأنها ~~جوهر باق خالد، ms020 فأما اليقين فما الحكم به لهم، لأنهم لو كانوا على ذلك- ~~أعني واجدين لليقين ذائقين لحلاوته- لما كدحوا للدنيا التي تزول عنهم ~~ويزولون عنها مضطرين، فلو أنهم كانوا على ثلج من النفس، ويقظة من العقل، ~~واستبصار من القلب، وسكون من البرهان، لما تعجلوا هذه اللذات المنقوصة، ~~والأوطار الفاضحة، والشهوات الخسيسة، مع التبعات الكثيرة والأوزار الثقيلة، ~~ولا عجب فإنه إذا كانت الركاكة العائقة تمنع الإنسان من العدو والسفر، ومن ~~سرعة الخطو، لأن الحركة قد بطلت بالركاكة الداخلة عليه في أعضائه وآلاته، ~~فأي عجب من أن تكون النفس التي استعبدتها الشهوات الغالبة، والعقيدة ~~الرديئة، والأفعال القبيحة معوقة ممنوعة من الصعود إلى معانق الفلك ومخارف ~~النجوم وعالم الروح ومقعد الصدق ومقام الأمن ومحل الكرامة ومراد الخلد وبلد ~~الأبد ومعان السرمد. # قال: هذا كلام تام، وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ عنهم فيها لكن تمم ~~لي ما كنا فيه، كيف علم أبي سليمان بالنجوم وأحكامها؟ قلت: لا يتجاوز ~~التقويم. ثم قال: فما تقول في الأحكام؟ قلت: أنشدت منذ أيام: # علم النجوم على العقول وبال %~% وطلاب حق لا ينال محال # وقلت أيضا: علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن يكون مدركا مكشوفا مخاطبا ~~به معروفا، ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطرحا مجهولا، بل الحكمة توجب أن ~~يتوسط هذا الفن بين الإصابة والخطأ حتى لا يستغنى عن اللياذ بالله أبدا، ~~ولا يقع اليأس من قبله أبدا، وعلى هذا سخر الله الإنسان وقيضه وخيره بين ~~الأمور وفوضه، ومنع من الثقة والطمأنينة إلا في معرفته وتوحيده وتقديسه ~~وتمجيده، والرجوع إليه، انظر إلى حديث الطب فإن هذه الصناعة توسطت الصواب ~~والخطأ، لتكون الحكمة سارية فيها، واللطف معهودا بها، لأن الطب كما يبرأ به ~~العليل، قد يهلك معه العليل، فليس بسبب أن بعض المدبرين بالطب هلك لا ينبغي ~~أن ينظر في الطب، وليس بسبب أن بعض المرضى برأ بالطب وجب أن يعول عليه، ~~انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ليكون التدبير الإلهي والأمر الربوبي ~~نافذين في هذه الخلائق بوساطة ms021 ما PageV01P052 # بينه وبينها، ولتكون المصلحة بالغة غايتها، وهذه سياسة دار الفناء، ~~الجامعة لسكانها على البأساء والنعماء، وهكذا، فانظر إلى حديث البحر وركوب ~~البأس المتيقن فيه، وجوب الطول والعرض وإصابة الربح، وطلب العلم، كيف توسط ~~بين السلامة والعطب، والنجاة والهلكة، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من ~~يغرق ويهلك، لكان في ذلك مفسدة عامة، ولو استمرت الهلكة حتى لا يوجد من ~~يسلم وينجو، لكان في ذلك مفسدة عامة، فالحكمة إذا ما توسط هذا الأمر حتى ~~يشكر الله من ينجو ويسلم نفسه لله من يهلك. قلت: وبعد هذا فهذا العلم عويص ~~غامض عميق، وقد فقد العلماء به، الملهمون فيه؛ ومعول أهله على الحدس والظن، ~~وعلى بعض التجارب القديمة التي تكذب مرة وتصدق مرة، وبالصدق يعتبر الإنسان، ~~وبالكذب يعرى من فوائده، فالنقص قد دخله، والخلل قد شمله، وليس يجب أن يوهب ~~له زمان عزيز، فوراءه ما هو أهم منه وأجدر وأرشد وأهدى. # قال: هذا حسن، حدثني بالذي أفدت اليوم. # قلت: قال أبو سليمان: العلم صورة المعلوم في نفس العالم، وأنفس العلماء ~~عالمة بالفعل، وأنفس المتعلمين عالمة بالقوة. والتعليم هو إبراز ما بالقوة ~~إلى الفعل. # والتعلم هو بروز ما هو بالقوة إلى الفعل. والنفس الكلية عالمة بالفعل، ~~والنفس الجزئية عالمة بالقوة، وكل نفس جزئية تكون أكثر معلوما وأحكم مصنوعا ~~فهي أقرب إلى النفس الكلية تشبها بها، وتصيرا لها. # قال: هذا في الحسن نهاية، وقد اكتهل الليل، وهذا يحتاج إلى بدء زمان، ~~وتفريغ قلب، وإصغاء جديد. هات خاتمة المجلس. # قلت له: قرأنا يوم الجمعة على أبي عبيد الله المرزباني لعبد الله بن ~~مصعب: # إذا استمتعت منك بلحظ طرفي %~% حيي نصفي ومات عليك نصفي # تلذذ مقلتي ويذوب جسمي %~% وعيشي منك مقرون بحتفي # فلو أبصرتني والليل داج %~% وخدي قد توسط بطن كفي # ودمعي يستهل من المآقي %~% إذا لرأيت ما بي فوق وصفي # وانصرفت. PageV01P053 ### || الليلة الثالثة # قال لي ليلة أخرى: حدثني أبو الوفاء عنك حديث الخراساني، فأريد أن أسمعه ~~منك. # قلت: كنت قائما عشية على زنبرية الجسر في ms022 الجانب الشرقي والحاج ~~يدخلون، وجمالهم قد سدت عرض الجسر- أنتظر جوازها وخفة الطريق منها، فرأيت ~~شيخا من أهل خراسان ذكر لي أنه من أهل سنجان واقفا خلف الجمال يسوقها، ~~ويحفظ الرحال التي عليها، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى الجذع عليه ابن ~~بقية- وكان وزيرا صلبه الملك لذنوب كانت له- فقال: لا إله إلا الله، ما ~~أعجب أمور الدنيا وما أقل المفكر في عبرها وغيرها، عضد الدولة تحت الأرض ~~وعدوه فوق الأرض! قال: هكذا حدثني أبو الوفاء، ولذلك استأذنت في دفنه، وكان ~~كلام الشيخ سببا في ذلك. # قال: بلغني أن أبا سليمان يزور في أيام الجمعة رسل سجستان لما ويظل ~~عندهم طاعما ناعما، ويأنس بأنك معه، فمن يحضر ذلك المكان؟ # فقلت: جماعة، وآخر من كان في هذا الأسبوع الماضي ابن جبلة الكاتب، وابن ~~برمويه، وابن الناظر أبو منصور وأخوه، وأبو سليمان وبندار المغني وغزال ~~الراقص، وعلم وراء الستارة. # فقال: ما الذي حفظت من حديث عنهم، وما يجوز أن يلقى إلينا منهم؟ فقلت: # سمعت أشياء، ولست أحب أن أسم نفسي بنقل الحديث وإعادة الأحوال فأكون ~~غامزا وساعيا ومفسدا. قال: معاذ الله من هذا، إنما تدل على رشد وخير، وتضل ~~عن غي وسوء، وهذا يلزم كل من آثر الصلاح الخاص والعام لنفسه وللناس، واعتقد ~~الشفقة، وحث على قبول النصيحة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد سمع مثل هذا ~~وسأل عنه، وكذلك الخلفاء بعده، وكل أحد محتاج إلى معرفة الأحوال إذا رجع ~~إلى مرتبة عالية أو محطوطة. # فقلت: وجدت ابن برموية: يذكر أشياء هي متعلقة بجانبك، ويرى أنها لو لم ~~تكن PageV01P054 # لكان مجلسك أشرف، ودولتك أعز، وأيامك أدوم، ووليك أحمد، وعدوك أكمد. قال: # ما هذا الاسترسال كله إلى ابن شاهويه؟ وما هذا الكلف ببهرام؟ وما هذا ~~التعصب لابن مكيخا؟ وما هذا السكون إلى ابن طاهر؟ وما هذا التعويل على ابن ~~عبدان؟ وما من هؤلاء أحد إلا يريش عدوه ويبريه ويضل صاحبه ويغويه. أما ابن ~~شاهويه فشيخ إزراء وصاحب مخرقة وكذب ظاهر، كثير الإيهام، شديد ~~التمويه، لا ms023 يرجع إلى ود صادق، ولا إلى عقد صحيح وعهد محفوظ، وإنما كان ~~الماضي يقربه لغرض كان له فيه من جهة هؤلاء المخربين القرامطة، وكان أيضا ~~مذموم الهيئة، فكان لا ينبس إلا بما يقويه ويحرس حاله، واليوم هو رخي اللبب ~~ ، جاذب لكل سبب، وليس هناك كفاية ولا صيانة ولا ديانة ولا مروءة، وبعد، ~~فهو مشؤوم نكد، ثقيل الروح، شديد البهت قوله الإفساد وعادته تأجيل المهنأ ~~والشماتة بالعاثر والتشفي من المنكوب. # وأما بهرام فرجل مجوسي معجب ذميم، لا يعرف الوفاء ولا يرجع إلى حفاظ، ~~غرضه أن يتبجح في الدنيا بجاهه، ولا يبالي أين صار بعاقبته، وهو يحض مع ~~ذلك عليه في كل ما هو مديره ومدبره. # وأما ابن مكيخا، فرجل نصراني أرعن خسيس، ما جاء يوما بخير قط لا في رأي ~~ولا في عمل ولا في توسط، وأصحابنا يلقبونه بقفا وهو منهمك بين اللذائذ، همه ~~أن يتحسى دن الشراب في نفس أو نفسين، ثم يسقط كالجذع اليابس لا لسان ولا ~~إنسان. # وأما ابن طاهر فرجل يدعي للناس أنه لولا مكانته وكفايته وحسبه ورأيه ~~ومشورته لكانت هذه الوزارة سرابا، وهذه المملكة خرابا، وهذا مع الشر الذي ~~في طبعه وعادته، فإن جرى خير انتحله، وزعم أنه من نتائج رأيه، وإن وقع شر ~~عصبه برأس صاحبه، وادعى أنه استبد به، ومع هذا فهو يعيب هذه المراءاة. # وما أدري كيف استكفى هذه الجماعة حوله؟ وكيف يظاهر هو بها ويسكن ~~إليها؟ وما فيهم إلا من وكده الرجس والإفساد والأخذ بالمصانعة وإغراء ~~الأولياء بما يعود بالوبال على البريء والسقيم وعلى الزكي والطنين، هؤلاء ~~سباع ضارية، وكلاب عاوية، وعقارب لساعة، وأفاع نهاشة، وقى الله هذا الإنسان ~~الحر المبارك الكريم PageV01P055 # الرحيم، فإنه شريف النفس طاهر الطوية، لين العريكة، كثير الديانة، وهذه ~~أخلاق لا تصلح اليوم مع الناس، قال الشاعر : # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه %~% يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # وقال: # ومن لا يذد عن حوضه الناس أو يكن %~% له جانب يشتد إن لان جانب # يطأ حوضه المستور دون ms024 وتغشه %~% شوائب لا تبقى عليها النقائب # وما ضاع قولهم: لا تكن حلوا فتؤكل، ولا مرا فتعاف. ليس الحذر يقي فكيف ~~التهور، أههنا لحى تسحب كل يوم، وطوارق تتوقع كل ليلة! والتوكل والاستسلام ~~يليقان بأهل الدين في طلب الآخرة، فأما أصحاب الدنيا وأرباب المراتب، فيجب ~~أن يدعوا الهوينا جانبا، ويشمروا للنفع والضر، والخير والشر ويكون ضرهم ~~أكثر، وشرهم أغلب، ورهبوت خير من رحموت. # ولهذا قال الأعرابي: # أنا الغلام الأعسر %~% الخير في والشر # والشر في أكثر # وهذا معنى بديع، ولم يرد أن البداءة بالشر خير من الخير، وإنما أراد أني ~~أتقي بالشر، وإذا أقبل الشر قلت له: مرحبا، وأدفع الشر ولو بالشر، والحديد ~~بالحديد يفلح . وقد قال الآخر: # وفي الشر نجاة حى %~% ن لا ينجيك إحسان # وقال ابن دارة: # إذا كنت يوما طالب القوم فاطرح %~% مقالتهم واذهب بهم كل مذهب # وقارب بذي حلم وباعد بجاهل %~% جلوب عليك الشر من كل مجلب # فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا %~% ليستمسكوا مما يريدون فاحدب # وإن حلبوا خلفين فاحلب ثلاثة %~% وإن ركبوا يوما لك الشر فاركب # وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد- وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم ~~بالدهاء والزكانة- «لو أخذت من الناس مائة ألف، كان أرضى عني من أن أفرق ~~فيهم مائة ألف» . كان الناس بالأمس مزمومين مخطومين، يقوم كل واحد بنفسه ~~على نفسه، PageV01P056 # ويتهم غده لما جناه في أمسه، لأن الملك السعيد ساسهم، وقوم زيغهم، وقلم ~~أظفارهم، وشغلهم بالحاجة عن البطر والأشر، وبالكفاية عن القلق والضجر، ~~وتقدم إليهم بترك الخوض فيما لا مرجوع له بخير، وكانوا لا يشكرون الله على ~~نعمته عليهم به، وإحسانه إليهم بمكانه، فسلبوه فتنفس خناقهم، واتسع نطاقهم، ~~فامتطى كل واحد هواه، ويوشك أن يقع في مهواه. # قال: وههنا أشياء أخرى غير هذه، ولكن من يسمع ويقبل؟ ومع هذا فالأمور ~~صائرة إلى مصايرها، كما أنها صادرة عن مصادرها. # فقال له ابن جبلة: ما عندي إلا أن الوزير- أبقاه الله- عارف بهم ومستبطن ~~لأمرهم، مع العشرة القديمة، والملابسة المتصلة، والخبرة الواقعة، ولكن لابد ~~لمن ms025 كان في محله ورفعته من جماعة يقربهم، ويرجع إليهم ويسمع منهم، وينظر ~~بأعينهم، ويصغي بآذانهم، ويتناول بأيديهم. # فقال له مجاوبا: إن كان عارفا بهم، ومستبطنا لأمرهم، وخبيرا بشأنهم، فلم ~~سلطهم وبسطهم، وحدد أنيابهم، وقوى أسنانهم، وفتح أشداقهم، وطول أعناقهم ~~وقطع أرباقهم، وأبطرهم فأسكرهم، حتى صاروا يجهلون أقدارهم، وينسون ما كانوا ~~فيه من القلة والذلة؟ هلا رتب كل واحد منهم فيما تظهر به كفايته ولا يرفعه ~~إلى ما يظن معه الظن الفاسد، ولم يضحك في وجوههم، ويغضي على جنايتهم؟ أما ~~بلغه أن ابن يوسف قال: # تشبثه بابن شاهويه لأنه قد أعده للهرب إلى القرامطة إن دهمه أمر؟ وأنسه ~~ببهرام إنما هو لاستمداد الفساد منه، وتقديمه لابن طاهر للسرقة على يده، ~~وفرحه بابن مكيخا للسخرية به، وتقريبه لابن الحجاج للسخف، ولهجه بابن هارون ~~للهزء واللعب. # قال له ابن جبلة: من أراد أن يحسن القبيح عند رضاه، ويقبح الحسن عند سخطه ~~فعل، ولا يخلو أحد تهب ريحه، ويعلو شأنه، وينفذ أمره ونهيه من حاسد وقارف، ~~ومدخل ومرجف، على هذه الأمور بنيت الدار، وعليها جرت الأقدار، إن كنت ~~تنكر هذا الرهط، فاعرف له الرهط الآخر، فإنك تعرف بذلك حسن اختياره وجميل ~~انتقائه ومحمود رأيه. # قال: من هم؟ # قال: أبو الوفاء المهندس، وابن زرعة المتفلسف، وابن عبيد الكاتب، ~~ومسكويه، والأهوازي والعسجدي. فأين هؤلاء الغامطة؟ قوم همهم أن يأكلوا ~~رغيفا ويشربوا قدحا، لا هم ممن يقتبس من علمهم ولا هم يتكلفون له نصحا، ~~وهيبته PageV01P057 # تعوقهم عن ذكر شيء في الدولة من تلقائهم إلا أن يكون شيء يتعلق بهم على ~~معنى خاص، فهو ينود هكذا وهكذا حتى يبلغ منهم ما قدر عليه. # فلما سمع الوزير هذا كله قال: سألقي إليك في جواب هذه المسألة ما تخدمني ~~به إن لاقيتهم في مجلس آخر على وجه يخفي أنك له ملقن محمل كأنك ساه عنه غير ~~حافل به، وقد تقطع الليل، ويحتاج في هذا الحديث إلى استئناف زمان، بعد ~~استيفاء جمام. # ثم أنشدت قول الشاعر: # إني لأصفح عن قومي وألبسهم ms026 %~% على الضغائن حتى تبرأ المئر # ثم قال: ما المئر؟ قلت: هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت، واحدها ~~مئرة، كأنه أراد وألبسهم على الضغائن [حتى تبرأ الضغائن] فرجع من لفظ إلى ~~لفظ ضرورة القافية لما كان معناهما واحدا، قال: لمن هذا البيت؟ قلت: لا ~~أحفظ اسم شاعره، ولكن أحفظ معه أبياتا. قال: هاتها، فأنشدت أول ذلك: # يأيها الرجل المزجي أذيته %~% هل أنت عن قولك العوراء مزدجر # إني إذا عد مبطاء إلى أمد %~% لا يستطيع حضاري المقرف البطر # لاقى قناتي مصرارا عشوزنة %~% لا قادح قد تبغاها ولا خور # إني لأصفح عن قومي وألبسهم %~% على الضغائن حتى تبرأ المئر # قال: اكتبها. قلت: أفعل، وانصرفت، فما أعاد علي بعد ذلك شيئا مما كان. PageV01P058 ### || الليلة الرابعة # قال لي بعد ذلك في ليلة أخرى: كيف رضاك عن أبي الوفاء؟ قلت: أرضى رضا ~~بأتم شكر وأحمد ثناء، أخذ بيدي، ونظر في معاشي، ونشطني وبشرني، ورعى عهدي، ~~ثم ختم هذا كله بالنعمة الكبرى، وقلدني بها القلادة الحسنى، وشملني بهذه ~~الخدمة، وأذاقني حلاوة هذه المزية، وأوجهني عند نظرائي. # قال: هات شيئا من الغزل. فأنشدته: # كلانا سواء في الهوى غير أنها %~% تجلد أحيانا وما بي تجلد # تخاف وعيد الكاشحين وإنما %~% جنوني عليها حين أنهى وأبعد # ثم قال: غالب ظني أن نصرا غلام خواشاذه ما هرب من فنائي إلا برأيك ~~وتجسيرك، فإن ذلك عبد، ولا جرأة له على مثل هذا الندود والشذوذ، فقد قال لي ~~القائل: إنك من خلصانه. # فقلت: والله الذي لا إله إلا هو ما كان بيني وبينه ما يقتضي هذا الأنس ~~وهذا الاسترسال، إنما كنا نلتقي على زنبرية باب الجسر بالعشايا وعند ~~البيمارستان وعلى باب أبي الوفاء، وإنما ركنت إليه لمرقعته وتاسومته عند ما ~~كنت رأيته عند صاحبه بالري سنة تسع وستين وهو متوجه إلى قابوس بجرجان، في ~~المذلة الدائمة والحال المربوطة، ولو نبس لي بحرف من هذا، أو كنت أشعر بأقل ~~شيء منه، لكنت أقوله لأبي الوفاء قضاء لحقه، ووفاء بما له في عنقي من مننه ms027 ~~وخوفا من هذا الظن بي، وقصورا عن اللائمة لي. # قال: أفما تعرف أحدا تسأله عنه ممن كان يخالطه ويباسطه؟ # قلت: ما رأيته إلا وحده، وكم كان زمان التلاقي؟ كان أقل من شهر، أفي هذا ~~القدر يتوكد الأنس وترتفع الحشمة وتستحكم الثقة ويقع الاسترسال والتشاور؟ ~~هذا بعيد. # قال: هذا المتخلف كنت قد قربته ورتبته، ووعدته ومنيته، وتقدمت إلى أبي ~~الوفاء بالإقبال عليه، والإحسان إليه، وإذكاري بأمره في الوقت بعد الوقت، ~~حتى أزيده نباهة وتقديما، فترك هذا كله وطوى الأرض كأنه هارب من حبس، أو ~~خائف PageV01P059 # من عذاب. ويقال في الأثر: إن بعض الصفيحيين قال: لله قوم يقادون إلى ~~الجنة بالسلاسل، ما أكثر من يفر من هذه الكرامة، ويقوى- على ترف جم- على ~~الهوان، ويصبر على البلاء، ويقلق في العافية! إن السجايا لمختلفة، وإن ~~الطباع لمتعادية، قلما يرى شخصان يتشاكلان في الظاهر إلا يتباينان في ~~الباطن. # قلت: كذلك هو. # قال: حدثني لم امتنعت من النفوذ مع ابن موسى إلى الجبل فيما رسمنا له أن ~~يتوجه فيه؟ ولقد أطلت التعجب من هذا وكررته على أبي الوفاء. # فقلت: منعني من ذلك ثلاثة أشياء: أحدها أن ابن موسى لم يكن من شكلي ولا ~~أشد للضد هونا من مصاحبة الضد، لأنه سوداوي وجعد. والآخر أنه قيل: ينبغي أن ~~تكون عينا عليه، وأنا لو قررت لك الحديث لما رأيته لائقا بحالي، فكيف إذا ~~قرنت برجل باطلي لو مر بوهمه أمري لدهدهني من أعلى جبل في الطريق. والآخر ~~أني كنت أفد مع هذا كله على ابن عباد- وهو رجل أساء إلي وأوحشني، وحاول على ~~لسان صاحبه ابن شاهويه أن أنقلب إليه ثانيا، وكنت أكره ذلك، وما كنت آمن ما ~~يكون منه ومني، والمجنون المطاع، مهروب منه بالطباع. # وبعد، فليس لي حاجة في مثل هذه الخدمة، لأن صدر العمر خلا مني عاريا من ~~هذه الأحوال، وكان وسطه أضعف حملا، وأبعد من القيام به والقيام عليه. # فقال: ما كان عندي هذا كله. # قال: إني أريد أن أسألك عن ابن عباد فقد انتجعته وخبرته ms028 وحضرت مجلسه، وعن ~~أخلاقه ومذهبه وعادته، وعن علمه وبلاغته، وغالب ما هو عليه، ومغلوب ما ~~لديه، فما أظن أني أجد مثلك في الخبر عنه، والوصف له، على أني قد شاهدته ~~بهمذان لما وافى، ولكني لم أعجمه، لأن اللبث كان قليلا، والشغل كان عظيما، ~~والعائق كان واقعا. # فقلت: إني رجل مظلوم من جهته، وعاتب عليه في معاملتي، وشديد الغيظ ~~لحرماني، وإن وصفته أربيت منتصفا، وانتصفت منه مسرفا، فلو كنت معتدل الحال ~~بين الرضا والغضب، أو عاريا منهما جملة، كان الوصف أصدق، والصدق به أخلق، ~~على أني عملت رسالة في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتها نفسي الغزير، ~~ولفظي الطويل والقصير، وهي في المسودة ولا جسارة لي على تحريرها، فإن جانبه ~~مهيب، ولمكره دبيب، وقد قال الشاعر: # إلى أن يغيب المرء يرجى ويتقى %~% ولا يعلم الإنسان ما في المغيب PageV01P060 # قال: دع هذا كله، وانسخ لي الرسالة من المسودة، ولا يمنعنك ذاك فإن العين ~~لا ترمقها والأذن لا تسمعها واليد لا تنسخها. # وبعد، فما سألتك إلا وصفه بما جبل عليه، أو بما كسب هو بيديه من خير وشر، ~~وهذا غير منكر ولا مكروه، لأمر الله تعالى، فإنه مع علمه الواسع، وكرمه ~~السابغ، يصف المحسن والمسيء، ويثني على هذا وينثو على ذاك، فاذكر لي من ~~أمره ما خف اللفظ به وسبق الخاطر إليه وحضر السبب له. # قلت: إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان، قد نتف من كل أدب ~~خفيف أشياء، وأخذ من كل فن أطرافا، والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة، ~~وكتابته مهجنة بطرائقهم، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتاب، وهو شديد التعصب ~~على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطب والتنجيم والموسيقى ~~والمنطق والعدد، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر، ولا له فيه عين ولا أثر، وهو ~~حسن القيام بالعروض والقوافي، ويقول الشعر، وليس بذاك، وفي بديهته غزارة. ~~وأما رويته فخوارة، وطالعه الجوزاء، والشعرى قريبة منه، ويتشيع لمذهب أبي ~~حنيفة ومقالة الزيدية، ولا يرجع إلى الرقة والرأفة والرحمة، والناس كلهم ~~محجمون عنه، لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته، ms029 شديد العقاب طفيف الثواب، ~~طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطي كثيرا قليلا (أعني يعطي الكثير القليل) ، ~~مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب، بعيد الفيئة قريب الطيرة، حسود حقود حديد، ~~وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سار إلى أهل الكفاية، أما الكتاب ~~والمتصرفون فيخافون سطوته، وأما المنتجعون فيخافون جفوته، وقد قتل خلقا، ~~وأهلك ناسا، ونفى أمة، نخوة وتعنتا وتجبرا وزهوا، وهو مع هذا يخدعه الصبي، ~~ويخلبه الغبي، لأن المدخل عليه واسع، والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: ~~مولانا يتقدم بأن أعار شيئا من كلامه، ورسائل منثوره ومنظومه، فما جبت ~~الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلا لأستفيد كلامه وأفصح به، وأتعلم ~~البلاغة منه، لكأنما رسائل مولانا سور قرآن، وفقره فيها آيات فرقان، ~~واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان، فسبحان من جمع العالم ~~في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص. فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهى عن كل مهم ~~له، وينسى كل فريضة عليه ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الورق ~~والورق ويسهل له الإذن عليه، والوصول إليه، والتمكن من مجلسه، فهذا هذا. # ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم، ~~ويقول: قد نحلتك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من PageV01P061 # الهمج المنشدين. فيفعل أبو عيسى- وهو بغدادي محكك قد شاخ على الخدائع ~~وتحنك- وينشد، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه ووصفه بلسانه، ومدحه من ~~تحبيره: أعد يا أبا عيسى، فإنك- والله- مجيد زه يا أبا عيسى والله، قد صفا ~~ذهنك، وزادت قريحتك، وتنقحت قوافيك، ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا ~~في العيد الماضي، مجالسنا تخرج الناس وتهب لهم الذكاء، وتزيد لهم الفطنة، ~~وتحول الكودن عتيقا، والمحمر جوادا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة ~~سنية، وعطية هنية، ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم، لأنهم يعلمون أن أبا ~~عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا. # قال يوما: من في الدار؟ فقيل له: أبو القاسم الكاتب وابن ثابت، فعمل في ~~الحال بيتين، وقال لإنسان ms030 بين يديه: إذا أذنت لهذين فادخل بعدهما بساعة ~~وقل: «قد قلت بيتين، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت» وازعم أنك بدهت بهما، ولا ~~تجزع من تأففي بك، ولا تفزع من نكري عليك، ودفع البيتين إليه، وأمره ~~بالخروج إلى الصحن، وأذن للرجلين حتى وصلا، فلما جلسا وأنسا دخل الآخر على ~~تفيئتهما، ووقف للخدمة، وأخذ يتلمظ يري أنه يقرض شعرا، ثم قال: يا مولانا، ~~قد حضرني بيتان، فإن أنت أذنت لي أنشدت. قال: أنت إنسان أخرق سخيف، لا تقول ~~شيئا فيه خير، اكفني أمرك وشعرك. قال: يا مولانا، هي بديهتي، فإن نكرتني ~~ظلمتني، وعلى كل حال فاسمع، فإن كانا بارعين وإلا فعاملني بما تحب. قال: ~~أنت لجوج، هات. فأنشد: # يأيها الصاحب تاج العلا %~% لا تجعلني نهزة الشامت # بملحد يكنى أبا قاسم %~% ومجبر يعزى إلى ثابت # قال: قاتلك الله، لقد أحسنت وأنت مسيء. قال لي أبو القاسم: فكدت أتفقأ ~~غيظا، لأني علمت أنها من فعلاته المعروفة، وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا. ~~ثم حدثني الخادم الحديث بنصه. # والذي غلطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه، أنه لم ~~يجبه قط بتخطئة، ولا قوبل بتسوئة، ولا قيل له: أخطأت أو قصرت أو لحنت أو ~~غلطت أو أخللت، لأنه نشأ على أن يقال له: أصاب سيدنا، وصدق مولانا، ولله ~~دره، ولله بلاؤه، ما رأينا مثله، ولا سمعنا من يقاربه، من (ابن عبدكان) ~~مضافا إليه؟ # ومن (ابن ثوابة) مقيسا عليه؟ ومن (إبراهيم بن العباس) الصولي [إذا جمع ~~بينهما؟] من (صريع الغواني) من (أشجع السلمي) إذا سلك طريقهما، ومتح ~~برشائهما، وقدح بزندهما؟ قد استدرك مولانا على (الخليل) في العروض، وعلى ~~(أبي عمرو بن PageV01P062 # العلاء) في اللغة وعلى (أبي يوسف) في القضاء، وعلى (الإسكافي) في ~~الموازنة، وعلى (ابن نوبخت) في الآراء والديانات، وعلى (ابن مجاهد) في ~~القراءات، وعلى (ابن جرير) في التفسير، وعلى (أرسطوطاليس) في المنطق، وعلى ~~(الكندي) في الجزء ، وعلى (ابن سيرين) في العبارة، وعلى (أبي العيناء) ~~في البديهة، وعلى (ابن أبي خالد) في الخط، وعلى (الجاحظ) ms031 في الحيوان، وعلى ~~(سهل بن هارون) في الفقر، وعلى (يوحنا) في الطب، وعلى (ابن ربن) في ~~الفردوس، وعلى (عيسى بن دأب) في الرواية، وعلى (الواقدي) في الحفظ، وعلى ~~(النجار) في البدل، وعلى (ابن ثوابة) في التفقه، وعلى (السري السقطي) في ~~الخطرات والوساوس، وعلى (مزبد) في النوادر، وعلى (أبي الحسن العروضي) في ~~استخراج المعمى، وعلى (بني برمك) في الجود، وعلى (ذي الرياستين) في ~~التدبير، وعلى (سطيح) في الكهانة، وعلى (ابن المحيا خالد بن سنان العبسي) ~~في دعواه، هو والله أولى بقول (أبي شريح أوس بن حجر التميمي) في (فضالة بن ~~كلدة) : # الألمعي الذي يظن بك الظن %~% كأن قد رأى وقد سمعا # قد يسبق المدح إلى من لا يستحقه، ويصير المال إلى من لا يليق به أن يكون ~~ميلا حتى إذا وجد من كان لذلك مستحقا منحه ووفر عليه. # فتراه عند هذا الهذر وأشباهه يتلوى ويتبسم، ويطير فرحا ويتقسم ويقول: ولا ~~كذا، ثمرة السبق لهم، وقصرنا أن نلحقهم، أو نقفو أثرهم ونشق غبارهم أو نرد ~~غمارهم. وهو في كل ذلك يتشاكى ويتحايل، ويلوي شدقه، ويبتلع ريقه، ويرد ~~كالآخذ، ويأخذ كالمتمنع، ويغضب في عرض الرضا، ويرضى في لبوس الغضب، ويتهالك ~~ويتمالك، ويتقابل ويتمايل، ويحاكي المومسات، ويخرج في أصحاب السماجات، ومع ~~هذا كله يظن أن هذا خاف على نقاد الأخلاق وجهابذة الأحوال، والذين قد فرغهم ~~الله لتتبع الأمور، واستخراج ما في الصدور، واعتبار الأسباب، وذلك أنه ليس ~~بجيد العقل، ولا خالص الحمق، وكل كدر بالتركيب فقلما يصفو، وكل مركب على ~~الكدر فقلما يعتدل، إلا أن الانحراف متى كان إلى جانب العقل كان أصلح من أن ~~يكون إلى طرف الحمق، والكامل عزيز، والبريء من الآفات معدوم، إلا أن العليل ~~إذا قيض الله له طبيبا حاذقا رفيقا ناصحا كان إلى العافية أقرب، وللشفاء ~~أرجى، ومن العطب أبعد، وبالاحتياط أعلق، أعني أن العاقل إذا عرف من نفسه ~~عيوبا معدودة، وأخلاقا مدخولة، استطب لها عقله، وتطبب فيها بعقله، وتولى ~~تدبيرها برأيه ورأي خلصانه، فنفى ما أمكن نفيه، وأصلح ms032 ما قبل إصلاحه، وقلل ~~ما استطاع تقليله، PageV01P063 # فقد يجد الإنسان الرمص في عينه فينحيه، ويبتلى بالبرص في بدنه فيخفيه. # وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به، وتعويله عليه، وقلة سماعه من الناصح فيه، ~~فعذر بازدهاء المال والعلم والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق ~~الجلساء والعادة الغالبة، وهو في الأصل مجدود لا جرم ليس يقله مكان ~~دلالا وترفا، وعجبا وتيها وصلفا، واندراء» # على الناس، وازدراء للصغار والكبار، وجبها للصادر والوارد، وفي الجملة، ~~صغار آفاته كبيرة، وذنوبه جمة. # ولكن الغنى رب غفور # قال: ما صدر هذا البيت؟ فأنشدته الأبيات، وهي لعروة بن الورد في ~~الجاهلية، وكان يقال له عروة الصعاليك، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا: # ذريني للغني أسعى فإني %~% رأيت الناس شرهم الفقير # وأبعدهم وأهونهم عليهم %~% وإن أمسى له حسب وخير # ويقصيه الندي وتزدريه %~% حليلته وينهره الصغير # وتلقى ذا الغنى وله جلال %~% يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم %~% ولكن الغنى رب غفور # فقال: لا شك أن المسودة جامعة لهذا كله. قلت: تلك تجزع في دست كاغد ~~فرعوني. فقال: أجد تحريرها، وعلي بها، ولك الضمان ألا يراها إنسان، ولا ~~يدور بذكرها لسان. قلت: السمع والطاعة. # قال: قد تركنا من حديثه ما هو أولى مما مر بنا، كيف بلاغته من بلاغة ابن ~~العميد؟ وأين طريقته من طريقة ابن يوسف والصابي؟ # قلت: قد سألت جماعة عن هذا، فأجابني كل واحد بجواب إذا حكيته عنه كان ما ~~يقال فيه ألصق، وكنت من الحكم عليه وله أبعد. # قال: صف هذا. # قلت: سألت ابن عبيد الكاتب عن ابن عباد في كتابته فقال: يرتفع عن ~~المتعلمين فيها بدرجة أو بدرجتين. وقال علي بن القاسم: هو مجنون الكلام، ~~تارة تبدو لك منه بلاغة قس، وتارة يلقاك بعي باقل، تحريف كثير في المعاني، ~~وإحالة في الوضع، وغلط في السجع، وشرود عن الطبع. # وقال ابن المرزبان: هو كثير السرقة، سيئ الإنفاق، رديء القلب والعكس، ~~فروقة PageV01P064 # في إيراده، هزيمته قبل هجومه. وإحجامه أظهر من إقدامه. وقال الصابي: هو ~~مجتهد غير موفق، ms033 وفاضل غير منطق ولو خطا كان أسرع له، كما أنه لما عدا كان ~~أبطأ عليه، وطباع الجبلي مخالف لطباع العراقي، يثب مقاربا فيقع بعيدا، ~~ويتطاول صاعدا فيتقاعس قعيدا. # وقال علي بن جعفر: مم كانت الطبائع! هو يكذب نفسه بحسن الظن في البلاغة، ~~وطباعه تصدق عنه بالتخلف، فهو يشين اللفظ ويحيل المعنى، فأما شينه اللفظ ~~فبالجفوة والغلظة والإخلال والفجاجة، وأما إحالته فبالإبعاد عن حومة القصد ~~والإرادة، والعجب أنه يحفظ الطم والرم من النثر والنظم، ثم إذا ادعاهما ~~يقع دونهما سقوطا، أو يتجاوزهما فروطا، هذا مع الكبر الممقوت والتشيع ~~الظاهر، والدعوى العارية من البينة العادلة. # وأما أحسن ما كتب به أحمد بن إسماعيل بن الخطيب إلى آخر: الكبر- أعزك ~~الله- معرض يستوي فيه النبيه ذكرا، والخامل قدرا، ليس أمامه حاجب يمنعه، ~~ولا دونه حاجز يحظره، والناس أشد تحفظا على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء ~~لأفعاله، وتتبعا لمعايبه، وتصفحا لأخلاقه، وتنقيرا عن خصاله منهم عن خامل ~~لا يعبأ به، وساقط لا يكترث له، فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذنب ~~يكبر منه، وقليل الذم يسرع إليه، ولابن هند وفي هذا المعنى: # العيب في الرجل المذكور مذكور %~% والعيب في الخامل المستور مستور # كفوفة الظفر تخفى من مهانتها %~% ومثلها في سواد العين مشهور # وقال الزهيري: قد نجم بأصبهان ابن لعباد في غاية الرقاعة والوقاحة ~~والخلاعة وإن كان له يوم، فسيشقى به قوم. سمعته يقول هذا سنة اثنتين وخمسين ~~في مجلس من الفقهاء. # وقال ابن حبيب: قال بعض الحكماء: إن للنفس أمراضا كأمراض البدن إلا أن ~~فضل أمراض النفس على أمراض البدن في الشر والضرر كفضل النفس على البدن في ~~الخير، وصاحبنا- يعني ابن عباد- مريض عندنا، صحيح عند نفسه، زيف بنقدنا، ~~جيد بنقده، ولو قامت السوق على ساقها، وتناصف المتعاملون فيها، ولم يقع ~~إكراه في أخذ ولا إعطاء، عرف البهرج الذي ضرب خارج الدار والجيد الذي ~~ضرب داخل الدار. # وقال أحمد بن محمد: إذا أنصفنا التزمنا مزية العراقيين علينا بالطبع ~~اللطيف والمأخذ القريب، والسجع الملائم، واللفظ المونق، والتأليف الحلو، ~~والسبوطة ms034 PageV01P065 # الغالبة، والموالاة المقبولة في السمع، الخالبة للقلب العابثة بالروح، ~~الزائدة في العقل، المشعلة للقريحة، الموقوفة على فضل الأدب، الدالة على ~~غزارة المغترف، النائية عن عادة كثير من السلف والخلف، وابن عباد بلي في ~~هذه الصناعة بأشياء كلها عليه لا له، وخاذلته لا ناصرته، ومسلمته لا ~~منقذته، فأول ما بلي به أنه فقد الطبع، وهو العمود، والثاني العادة وهي ~~المؤاتية، والثالث الشغف بالجاسي من اللفظ وهو الاختيار الرديء، ~~والرابع تتبع الوحشي، وهو الضلال المبين، والخامس الذهاب مع اللفظ دون ~~المعنى، والسادس استكراه المقصود من المعنى، واللفظ على النبوة، والسابع ~~التعاظل المجهول بالاعتراض، والثامن إلف الرسوم الفاسدة من غير تصفح ولا ~~فحص، والتاسع قلة الاتعاظ بما كان- للثقة الواقعة في النفس- من الفائت، ~~والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العز، وهذه كلها سبل الضلالة، وطرق ~~الجهالة. قال: وليس شيء أنفع للمنشئ من سوء الظن بنفسه، والرجوع إلى غيره ~~وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تثقيف، ~~والمستعين أحزم من المستبد، ومن تفرد لم يكمل، ومن شاور لم ينقص، وقد ~~يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ، ويشرد اللفظ كما يند المعنى، وينتثر النظم ~~كما ينتظم النثر وينحل المعقد كما يعقد المنحل. # والمدار على اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع، واجتناب النبوة الممجوجة ~~بالسمع، والقريحة الصافية قد تكدر، والقريحة الكدرة قد تصفو، وشر آفات ~~البلاغة الاستكراه، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو. وقال: كان ابن المقفع يقف ~~قلمه كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي ~~لأتخيره. # والكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب، لأن الكاتب مختار والمخاطب مضطر، ومن ~~يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنما ينظر أصبت فيه أم ~~أخطأت، وأحسنت أم أسأت، فإبطاؤك غير إصابتك كما أن إسراعك غير معف على ~~غلطك. # قال: هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا؟ # قلت: في الجملة هو أبلغ من ابن يوسف، وأغزر وأحفظ وأروى وأجم ركية، وأعذب ~~موردا، وأبعد من التفاوت، وليس ابن يوسف من ابن ms035 عباد في شيء. # فأما ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل يقول: سمعت ابن ثوابة يقول: أول من ~~أفسد الكلام أبو الفضل، لأنه تخيل مذهب الجاحظ وظن أنه إن تبعه لحقه، وإن ~~تلاه أدركه، فوقع بعيدا من الجاحظ، قريبا من نفسه، ألا يعلم أبو الفضل أن ~~مذهب PageV01P066 # الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد: ~~بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة ~~والبلوغ، وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد. # وأما ابنه ذو الكفايتين، فلو عاش كان أبلغ من أبيه، كما كان أشعر منه، ~~ولقد تشبه بالجاحظ فافتضح في مكاتبته لإخوانه، ومجانته في كلامه ومسائله ~~لمعلمه التي دلتنا على سرقته وغارته وسوء تأتيه، في تستره وتغطيه، ومن شاء ~~حمق نفسه، وكان مع هذا أشد الناس ادعاء لكل غريبة، وأبعد الناس من كل ~~قريبة، وهو نزر المعاني، شديد الكلف باللفظ، وكان أحسد الناس لمن خط ~~بالقلم، أو بلغ باللسان، أو فلج في المناظرة، أو فكه بالنادرة، أو أغرب في ~~جواب، أو اتسع في خطاب، ولقد لقي الناس منه الدواهي لهذه الأخلاق الخبيثة، ~~وقد ذكرت ذلك في الرسالة، وإذا بيضت وقفت عليها من أولها إلى آخرها إن شاء ~~الله، وانصرفت. PageV01P067 ### || الليلة الخامسة # قال لي ليلة أخرى: ألا تتمم ما كنا به بدأنا. قلت: بلى. # فأما أبو إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقيمة، وأمضاهم على المحجة ~~الوسطى، وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو، وليس ابن عباد في النحو بذاك، ~~ولا كان أيضا ابن العميد إلا ضعيفا، وكان يذهب عنه الشيء اليسير. وأبو ~~إسحاق معانيه فلسفية، وطباعه عراقية، وعادته محمودة، لا يثب ولا يرسب، ولا ~~يكل ولا يكهم ، ولا يلتفت وهو متوجه، ولا يتوجه وهو ملتفت. وقال لنا: ~~إمامي ابن عبد كان، وهو قد أوفى عليه، وإن كان احتذى على مثاله، وفنونه ~~أكثر، ومأخذه أخفى، وخاطره أوقد، وناظره أنقد، وروضه أنضر، وسراجه أزهر، ~~ويزيد على كل من تقدم بالكتاب «التاجي» ، فإنه أبان ms036 عن أمور وكنى في مواضع، ~~وشن الغارة في الصبح المنير مع الرعيل الأول، ودل على التفلسف، وعلى ~~الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في ~~الخطابة، وأعرق الكتاب في الكتابة، هذا ونظمه منثوره، ومنثوره منظومه، إنما ~~هو ذهب إبريز كيفما سبك فهو واحد، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكل عليه، ~~هذا مع الظرف الناصع والتواضع الحسن، واللهجة اللطيفة، والخلق الدمث، ~~والمعرفة بالزمان، والخبرة بأصناف الناس، وله فنون من الكلام ما سبقه إليها ~~أحد، وما ماثله فيها إنسان. # وإني لأرحم من لا يسلم له هذا الوصف، لأنه إما أن يكون جاهلا، وإما ~~عالما، فإن كان جاهلا فهو معذور، وإن كان عالما فهو ملوم، لأنه يدل من ~~نفسه- بدفع ما يعلمه- على حسده، والحاسد مهين. # قال: هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم، ويدخل في زمرتهم؟ # قلت: نعم، أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ملك الديلم ~~بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل، فحسده وطرده، وعض بعد ذلك على ~~ناجذه ندما على سوء فعله، ولقي منه أبو طالب الأمرين، ورسائله مبثوثة. # وأبو الحسن الفلكي، وكان من أهل البصرة، ووقع إلى المراغة ونواحيها وهو ~~حسن الديباجة، رقيق حواشي اللفظ، وهو أحدهم غربا، وأغزرهم سكبا، وأبعدهم ~~مناخا وأعذبهم نقاخا ، وأعطفهم للأول على الآخر وأنشرهم للباطن من ~~الظاهر. وقرأت له: PageV01P068 # «فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطف، إلى نادم متلهف، ويجهل العفو عن فرطته ~~وكفرانه، صدقة عن بسطته وسلطانه، فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على ~~الانتصار، فعل- إن شاء الله تعالى-» . # وله مكاتبات واسعة بينه وبين رجل من أهل المراغة يقال له: محمد بن ~~إبراهيم، من أهل (سر من رأى) وفي الجملة، الفضل في الناس مبثوث، وهم منه ~~على جدود ، والمرذول هو العاري من لبوسه، المتردد بين تخلفه ونقصه. # قال: فكيف يتم له ما هو فيه مع هذه الصفات التي تذكرها؟ # قلت: والله لو أن عجوزا بلهاء، أو أمة ورهاء أقيمت مقامه، لكانت ~~الأمور على هذا السياق. ms037 # قال: وكيف ذاك؟ # قلت: قد أمن أن يقال له: لم فعلت، ولم لم تفعل؟ وهذا باب لا يتفق لأحد من ~~خدم الملوك إلا بجد سعيد، ولقد نصح صاحبه الهروي في أموال تاوية ، ~~وأمور من النظر عارية، فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها، ثم قتل الرافع ~~خنقا. هذا وهو يدين بالوعيد، وله نظائر، ولنظائره نظائر، ولكن ليس له ناظر، ~~ولا فيه مناظر. وقال لي الثقة من أصحابه: ربما شرع في أمر يحكم فيه بالخطأ ~~فيقلبه جده صوابا، حتى كأنه عن وحي، وأسرار الله في خلقه عند الارتفاع ~~والانحطاط خفية في أستار الغيب، لا يهتدي إليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ~~ولا ولي مهذب، ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضية العقل، لكان معلما في ~~مصطبة على شارع، أو في دار لتان ، فإنه يخرج الإنسان بتفيهقه وتشادقه، ~~واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان ولا تنفرهم ~~من المعلمين، ويكون فرحهم بها سببا للملازمة والحرص على التعلم والحفظ ~~والرواية والدراسة. # قال: هذا قدر كاف إلى أن تبيض الرسالة، هات ملحة الوداع. # قلت: قال أبو العيناء: قال أبو دعلج: قال المهدي: بايع، قلت: أبايعكم ~~[علام؟ قال] : على ما بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صفين. قال ~~كردين أبو سيار المسمعي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدرك صفين، ~~إنما كانت صفين بين علي ومعاوية. # فقال درست بن رباط الفقيمي أبو شعيب: قد علم الأمير هذا، ولكن أحب ~~التسهيل على الناس، وانصرفت. PageV01P069 ### || الليلة السادسة # ثم حضرته ليلة أخرى فأول ما فاتح به المجلس أن قال: أتفضل العرب على ~~العجم أم العجم على العرب؟ # قلت: الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند، وثلاث من ~~هؤلاء عجم، وصعب أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع ما ~~لها، وتفاريق ما عندها. # قال: إنما أريد بهذا الفرس. # فقلت: قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي، أروي كلاما لابن المقفع، وهو أصيل ~~في الفرس عريق في العجم، مفضل بين أهل ms038 الفضل، وهو صاحب (اليتيمة) القائل: ~~تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام. # قال: هات على بركة الله وعونه. # قلت: قال شبيب بن شبة: إنا لوقوف في عرصة المربد- وهو موقف الأشراف ~~ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر- إذ طلع ابن المقفع، فما فينا أحد إلا هش ~~له، وارتاح إلى مساءلته، وسررنا بطلعته، فقال: ما يقفكم على متون دوابكم في ~~هذا الموضع؟ فو الله لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي مثلكم ما أصاب ~~أحدا سواكم، فهل لكم في دار ابن برثن في ظل ممدود، وواقية من الشمس، ~~واستقبال من الشمال، وترويح للدواب والغلمان، ونتمهد الأرض فإنها خير بساط ~~وأوطؤه، ويسمع بعضنا من بعض فهو أمد للمجلس، وأدر للحديث. فسارعنا إلى ذلك، ~~ونزلنا عن دوابنا في دار ابن برثن نتنسم الشمال، إذ أقبل علينا ابن المقفع، ~~فقال: أي الأمم أعقل؟ فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد ~~مقاربته، ونتوخى مصانعته. فقال: كلا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علموا ~~فتعلموا، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه، ليس ~~لهم استنباط ولا استخراج. فقلنا له: الروم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم ~~أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما. ~~قلنا: فالصين. قال: أصحاب أثاث وصنعة، لا فكر لها ولا روية. # قلنا: فالترك. قال: سباع للهراش. قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة ~~وشعبذة وحيلة. قلنا: فالزنج. قال: بهائم هاملة. فرددنا الأمر إليه. قال: ~~العرب. فتلاحظنا PageV01P070 # وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منا، وامتقع لونه، ثم قال: كأنكم تظنون في ~~مقاربتكم، فو الله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني ~~الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبين لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ~~ظنة المداراة، وتوهم المصانعة، إن العرب ليس لها أول تؤمه ولا كتاب يدلها، ~~أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره ~~وعقله، وعلموا أن معاشهم من نبات ms039 الأرض فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى ~~جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في ~~الشاة والبعير، ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا، وقيظيا ~~وشتويا، ثم علموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغير ~~الزمان فجعلوا له منازله من السنة، واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا ~~نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد، وجعلوا ~~بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل، ويتجنبون به الدناءة ~~ويحضهم على المكارم، حتى إن الرجل منهم وهو في فج من الأرض يصف المكارم فما ~~يبقي من نعتها شيئا، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر، ليس لهم كلام إلا وهم ~~يتحاضون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد، ~~كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا ~~يتأدبون، بل نحائز مؤدبة، وعقول عارفة، فلذلك قلت لكم: إنهم أعقل ~~الأمم، لصحة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم. هذا آخر ~~الحديث، قال: ما أحسن ما قال ابن المقفع! وما أحسن ما قصصته وما أتيت به! ~~هات الآن ما عندك من مسموع ومستنبط. # فقلت: إن كان ما قال هذا الرجل البارع في أدبه المقدم بعقله كافيا ~~فالزيادة عليه فضل مستغنى عنه، وإعقابه بما هو مثله لا فائدة فيه. # فقال: حد الوصف في التزيين والتقبيح مختلف الدلائل على ما يعتقد صوابه ~~وخطؤه، متباين، وهذه مسألة- أعني تفضيل أمة على أمة- من أمهات ما تدارأ ~~الناس عليه وتدافعو فيه، ولم يرجعوا منذ تناقلوا الكلام في هذا الباب إلى ~~صلح متين واتفاق ظاهر. # فقلت: بالواجب ما وقع هذا، فإن الفارسي ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه ~~أن يعترف بفضل العربي، ولا في جبلة العربي وديدنه أن يقر بفضل الفارسي. ~~وكذلك الهندي والرومي والتركي والديلمي، وبعد، فاعتبار الفضل والشرف موقوف ~~على شيئين: أحدهما ما خص به قوم دون قوم في أيام النشأة بالاختيار للجيد ~~والرديء، والرأي الصائب والفائل، والنظر في الأول والآخر. ms040 وإذا وقف الأمر ~~على هذا فلكل PageV01P071 # أمة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن ومساو، ولكل طائفة من الناس في صناعتها ~~وحلها وعقدها كمال وتقصير، وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور ~~والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضة بين كلهم. # فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللروم العلم والحكمة، وللهند ~~الفكر والروية والخفة والسحر والأناة، وللترك الشجاعة والإقدام، وللزنج ~~الصبر والكد والفرح، وللعرب النجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذمام ~~والخطابة والبيان. # ثم إن هذه الفضائل المذكورة، في هذه الأمم المشهورة، ليست لكل واحد من ~~أفرادها، بل هي الشائعة بينها، ثم في جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم ~~بأضدادها، يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة، خال من الأدب، داخل في ~~الرعاع والهمج، وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طياش بخيل عيي وكذلك ~~الهند والروم وغيرهم، فعلى هذا إذا قوبل أهل الفضل والكمال من الروم بأهل ~~الفضل والكمال من الفرس، تلاقوا على صراط مستقيم، ولم يكن بينهم تفاوت إلا ~~في مقادير الفضل وحدود الكمال، وتلك لا تخص بل تلم. وكذلك إذا قوبل أهل ~~النقص والرذيلة من أمة بأهل النقص والخساسة من أمة أخرى، تلاقوا على نهج ~~واحد، ولم يقع بينهم تفاوت إلا في الأقدار والحدود، وتلك لا يلتفت إليها، ~~ولا يعار عليها، فقد بان بهذا الكشف أن الأمم كلها تقاسمت الفضائل ~~والنقائص باضطرار الفطرة، واختيار الفكرة. ولم يكن بعد ذلك إلا ما يتنازعه ~~الناس بينهم بالنسبة الترابية، والعادة المنشئية والهوى الغالب من النفس ~~الغضبية، والنزاع الهائج من القوة الشهوية. # وها هنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه ~~والإيماء إليه، وهو أن كل أمة لها زمان على ضدها، وهذا بين مكشوف إذا أرسلت ~~وهمك في دولة يونان والإسكندر، لما غلب وساس وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبر ~~وأمر، وحث وزجر، ومحا وسطر، وفعل وأخبر، وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنو ~~شروان وجدت هذه الأحوال بأعيانها، وإن كانت في غلف غير غلف الأول، ومعارض ~~غير معارض ms041 المتقدم، ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس ~~وجدتهم أشجع؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم شجعان. وقد صدق، وعلى هذا كل ~~أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى ~~وأصدق، وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة ~~إلى شيء حاو لطائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، PageV01P072 # إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان، وهذا ~~التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله تعالى على جميع بريته ~~وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من ~~فضله ومن رقي إلى هذه الربوة بعين لا قذى بها، أبصر الحق عيانا بلا مرية، ~~وأخبر عنه بلا فرية، ومتى صدق نظرك في مبادئ الأحوال وأوائل الأمور وضح لك ~~هذا كله كالنهار إذا متع ، واستنار كالقمر إذا طلع، ولم يبق حينئذ ريب ~~في عرفان الحق وحصول الصواب، إلا ما يلتاث بالهوى، ويسمج بالتعصب، ويجلب ~~اللجاج، ويخرج إلى المحك ، فهناك يطيح المعنى ويضل المراد. # فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي، فاسمع ما أرويه، قال ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي: انصرف العباس بن مرداس السلمي من مكة فقال: # «يا بني سليم، إني رأيت أمرا، وسيكون خيرا، رأيت بني عبد المطلب كأن ~~قدودهم الرماح الردينية، وكأن وجوههم بدور الدجنة وكأن عمائمهم فوق الرجال ~~ألوية، وكأن منطقهم مطر الوبل على المحل، وإن الله إذا أراد ثمرا غرس له ~~غرسا، وإن أولئك غرس الله، فترقبوا ثمرته وتوكفوا غيثه، وتفيئوا ظلاله، ~~واستبشروا بنعمة الله عليكم به» . ولقد قرع العباس بهذا الكلام باب الغيب، ~~وشعر بالمستور، وأحس بالخافي، واطلع عقله على المستتر، واهتدى بلطف هاجسه ~~إلى الأمر المزمع، والحادث المتوقع، وهذا شيء فاش في العرب، لطول وحدتها، ~~وصفاء فكرتها، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها، وصحة فطرتها، وخلاء ذرعها، ~~واتقاد طبعها، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها، ~~وجولانها في اشتقاقاتها، ومآخذها ms042 البديعة في استعاراتها، وغرائب تصرفها في ~~اختصاراتها، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها، وفنون تبحبها في أكناف ~~مقاصدها، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها، وهذا وأضعافه مسلم لهم، وموفر ~~عليهم، ومعروف فيهم ومنسوب إليهم، مع الشجاعة والنجدة والذمام والضيافة ~~والفطنة والخطابة والحمية والأنفة والحفاظ والوفاء، والبذل والسخاء، ~~والتهالك في حب الثناء والنكل الشديد عن الذم والهجاء، إلى غير ذلك مما خصت ~~به في جاهليتها قبل الإسلام، مما لا سبيل إلى دفعه وجحوده، والبهت فيه، ~~والمكابرة عليه، وقد سمعنا لغات كثيرة- وإن لم نستوعبها- من جميع الأمم، ~~كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب وأندلس والزنج، ~~فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية، أعني الفرج التي في كلماتها، ~~والفضاء الذي نجده بين حروفها، والمسافة التي بين مخارجها، والمعادلة التي ~~نذوقها في PageV01P073 # أمثلتها، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها، وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا ~~القول، وصحة هذا الحكم، فالحظ عرض اللغات الذي هو بين أشدها تلابسا ~~وتداخلا، وترادفا وتعاظلا وتعسرا وتعوصا، وإلى ما بعدها مما هو أسلس حروفا، ~~وأرق لفظا، وأخف اسما، وألطف أوزانا، وأحضر عيانا، وأحلى مخرجا وأجلى منهجا ~~وأعلى مدرجا، وأعدل عدلا، وأوضح فضلا، وأصح وصلا إلى أن تنزل إلى لغة بعد ~~لغة، ثم تنتهي إلى العربية، فإنك تحكم بأن المبدأ الذي أشرنا إليه في ~~العوائص والأغماض، سرى قليلا قليلا حتى وقف على العربية في الإفصاح ~~والإيماض. # وهذا شيء يجده كل من كان صحيح البنية، بريئا من الآفة، متنزها عن الهوى ~~والعصبية، محبا للإنصاف في الخصومة، متحريا للحق في الحكومة، غير مسترق ~~بالتقليد، ولا مخدوع بالإلف، ولا مسخر بالعادة. # وإني لأعجب كثيرا ممن يرجع إلى فضل واسع، وعلم جامع، وعقل سديد، وأدب ~~كثير، إذا أبى هذا الذي وصفته، وأنكر ما ذكرته، وأعجب أيضا فضل عجب من ~~الجيهاني في كتابه وهو يسب العرب، ويتناول أعراضها ويحط من أقدارها، ويقول: ~~يأكلون اليرابيع والضباب والجرذان والحيات ويتغاورون ويتساورون، ويتهاجون ~~ويتفاحشون، وكأنهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير. # قال: ولهذا كان كسرى يسمي ms043 ملك العرب: «سكان شاه» ، أي ملك الكلاب. قال: # وهذا لشدة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها ، وكلاما كثيرا ~~من هذا الصوب أرفع قدره عن مثله، وإن كان يضع من نفسه بفضل قوله. أتراه لا ~~يعلم لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي ~~والموامي، كل كسرى كان في الفرس، وكل قيصر كان في الروم، وكل بلهور كان ~~بالهند، وكل بغفور كان بخراسان، وكل خاقان كان بالترك وكل أخشاد كان ~~بفرغانة وكل صبهبذ كان من أسكنان وأردوان، ما كانوا يعدون هذه الأحوال، لأن ~~من جاع أكل ما وجد، وطعم ما لحق، وشرب ما قدر عليه، حبا للحياة، وطلبا ~~للبقاء، وجزعا من الموت، وهربا من الفناء. أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي ~~بني أسد وبر (وبار) وسفوح طيبة، ورمل يبرين وساحة هبير، وجاع وعطش وعري، ~~أما كان يأكل اليربوع والجرذان، وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر، وما ~~أسن في تلك الوهدات؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسمل من الثياب وما ~~هو دونه وأخشن؟ بلى والله، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال، وكل ما حمض ~~ومر، وخبث وضر، هذا جهل من قائله، وحيف من منتحله، على أن العرب- رحمك ~~الله- أحسن الناس حالا PageV01P074 # وعيشا إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء ، وازدانت الأرض، فهدلت ~~الثمار، واطردت الأودية، وكثر اللبن والأقط والجبن واللحم والرطب والتمر ~~والقمح، وقامت لهم الأسواق، وطابت المرابع وفشا الخصب، وتوالى النتاج، ~~واتصلت الميرة، وصدق المصاب وأرفغ المنتجع، وتلاقت القبائل على ~~المحاضر، وتقاولوا وتضايفوا، وتعاقدوا وتعاهدوا، وتزاوروا وتناشدوا، وعقدوا ~~الذمم، ونطقوا بالحكم، وقروا الطراق، ووصلوا العفاة، وزودوا السابلة، ~~وأرشدوا الضلال، وقاموا بالحمالات وفكوا الأسرى، وتداعوا الجفلى ، ~~وتعافوا النقرى ، وتنافسوا في أفعال المعروف، هذا وهم في مساقط رؤوسهم، ~~بين جبالهم ورمالهم، ومناشئ آبائهم وأجدادهم، وموالد أهلهم وأولادهم، على ~~جاهليتهم الأولى والثانية، وقد رأيت حين هبت ريحهم وأشرقت دولتهم بالدعوة، ~~وانتشرت دعوتهم بالملة، وعزت ملتهم بالنبوة، وغلبت نبوتهم بالشريعة، ورسخت ~~شريعتهم بالخلافة، ونضرت خلافتهم بالسياسة الدينية والدنيوية، كيف تحولت ~~جميع محاسن الأمم إليهم وكيف ms044 وقعت فضائل الأجيال عليهم من غير أن طلبوها ~~وكدحوا في حيازتها أو تعبوا في نيلها، بل جاءتهم هذه المناقب والمفاخر، ~~وهذه النوادر من المآثر عفوا، وقطنت بين أطناب بيوتهم سهوا رهوا، وهكذا ~~يكون كل شيء تولاه الله بتوفيقه، وساقه إلى أهله بتأييده، وحلى مستحقيه ~~باختياره، ولا غالب لأمر الله، ولا مبدل لحكم الله، ولذلك قال الله تعالى: ~~قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26] . ولله في خلقه أسرار، تتصرف بها دوائر الليل والنهار، ~~وتذللها مجاري الأقدار، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار. # عز إلها معبودا، وجل ربا محمودا مقصودا. وبعد، فالذي لا شك فيه من وصف ~~العرب، ولا جاحد له من حالها، أنه ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون ~~القفر، وينتجعون السحاب والقطر، ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها، ~~ويستبدون في مصالحهم بكل ما عز وهان، وبكل ما قل وكثر، وبكل ما سهل وعسر، ~~ويرجون الخير من السماء في صوبها، ومن الأرض في نباتها، مع مراعاة الأوان ~~بعد الأوان، وثقة بالحال بعد الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب، ما للعرب فيما ~~قدمنا وصفه، وكررنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب، واللين والقسوة، والحر ~~والبرد، PageV01P075 # والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة، والمخايل الصادقة، والأنواء المحمودة ~~والمذمومة، والأسباب الغريبة العجيبة. # وهذا لأنهم مع توحشهم مستأنسون، وفي بواديهم حاضرون، فقد اجتمع لهم من ~~عادات الحاضرة أحسن العادات، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق. # وهذا المعنى على هذا النظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر، لأن ~~الدناءة والرقة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخب تغلب ~~على هؤلاء وتملكهم، لأن مدار أمرهم على المعاملات السيئة، والكذب في الحس، ~~والخلف في الوعد. # والعرب قد قدسها الله عن هذا الباب بأسره، وجبلها على أشرف الأخلاق ~~بقدرته، ولهذا تجد أحدهم وهو في بت حافيا حاسرا يذكر الكرم، ويفتخر ~~بالمحمدة، وينتحل النجدة، ويحتمل الكل ، ويضحك في وجه الضيف ويستقبله ~~بالبشر، ويقول: أحدثه ms045 إن الحديث من القرى. ثم لا يقنع ببث العرف وفعل الخير ~~والصبر على النوائب حتى يحض الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه، ويستنهضه ~~نحوه، ويكلفه مجهوده وعفوه. # وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل : أما تجد البرد يا ~~أخا العرب؟ فقال: أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي. والفارسي لا يحسن هذا النمط، ~~ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللطيفة، وكذلك الرومي والهندي وغيرهما ~~من جميع العجم. # ومما يدل على تحضرهم في باديتهم، وتبديهم في تحضرهم، وتحليهم بأشرف أحوال ~~الأمرين، أسواقهم التي لهم في الجاهلية، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي ~~النصف بين العراق والشأم، كان ينزلها الناس أول يوم من شهر ربيع الأول، ~~فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وكان يعشرهم أكيدر دومة، ~~وربما غلبت على السوق كلب فيعشرهم بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم إلى آخر ~~الشهر، ثم ينتقلون إلى سوق هجر، وهو المشقر في شهر ربيع الآخر، فتقوم ~~أسواقهم، وكان يعشرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم، ثم يرتحلون ~~نحو عمان، فتقوم سوقهم بديار دبا، ثم بصحار، ثم يرتحلون فينزلون إرم، وقرى ~~الشحر فتقوم أسواقهم أياما، ثم يرتحلون فينزلون عدن أبين، ومن سوق عدن ~~تشترى اللطائم وأنواع الطيب، PageV01P076 # ولم يكن في الأرض أكثر طيبا، ولا أحذق صناعا للطيب من عدن، ثم يرتحلون ~~فينزلون الرابية من حضرموت، ومنهم من يجوزها ويرد صنعاء، فتقوم أسواقهم ~~بها، ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبرود، وكانت تجلب إليها من ~~معافر، وهي معدن البرود والحبر ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر ~~الحرم، فتقوم أسواقهم بها، فيتناشدون ويتحاجون ويتحادون، ومن له أسير يسعى ~~في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم، ~~وكان آخرهم الأقرع بن حابس، ثم يقفون بعرفة، ويقضون ما عليهم من مناسكهم، ~~ثم يتوجهون إلى أوطانهم. # وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة، فيحضرها من قرب من العرب ومن بعد. هذا ~~حديثهم، وهم همل لا عز لهم إلا بالسؤدد، ولا ms046 معقل لهم إلا السيف، ولا حصون ~~إلا الخيل، ولا فخر إلا بالبلاغة. # ثم لما ملكوا الدور والقصور والجنان والأدوية والأنهار والمعادن والقلاع ~~والمدن والبلدان والسهل والجبل والبر والبحر، لم يقعدوا عن شأو من تقدم ~~بآلاف سنين، ولم يعجزوا عن شيء كان لهم، بل أبروا عليهم وزادوا، وأغربوا ~~وأفادوا، وهذا الحكم ظاهر معروف، وحاضر مكشوف، ليس إلى مرده سبيل ولا ~~لجاحده ومنكره دليل. # فليستحي الجيهاني بعد هذا البيان والكشف والإيضاح، بالإنصاف من القذع ~~والسفه اللذين حشا بهما كتابه، وليرفع نفسه عما يشين العقل، ولا تقبله حكام ~~العدل، وصاحب العلم الرصين، والأدب المكين، لا يسلط خصمه على عرضه بلسانه، ~~ولا يستدعي مر الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره، فإن العصبية في ~~الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته، وأبدت عورته، واجتلبت مساءته، فكيف إذا ~~كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمة من الأمم جاحدين، كما نعوذ به ~~أن نكون بنقص أمة من الأمم جاهلين. فإن جاحد الحق يدل من نفسه على مهانة، ~~وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور، فهذا هذا، وفي الجملة المسلمة، والدعوة ~~المرسلة، أن أهل البر وأصحاب الصحارى الذين وطاؤهم الأرض، وغطاؤهم السماء، ~~هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول، ومن الترفه والرفاهية أبعد، ~~وبالحول والقوة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع، وعلى المصالح والمنافع ~~أوقع، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف، وهذا للدواعي الظاهرة، والحاجات ~~الضرورية، والعلائق الحاضة على الألفة والمودة، والشدائد المؤدبة، والعوارض ~~اللازبة ، ولهذا يقال: عيب الغنى أنه يورث البلادة، وفضيلة الفقر أنه ~~يبعث الحيلة، وهذا معنى كريم، لا يقر به إلا كل نقاب عليم. PageV01P077 # وقال الجيهاني أيضا: مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو مكاننا، أن ~~الله أفاض علينا النعم، ووسع لدينا القسم وبوأنا الجنان والأرياف، ونعمنا ~~وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذبهم، وضيق عليهم وحرمهم، ~~وجمعهم في جزيرة حرجة، ورقعة صغيرة، وسقاهم بأرنق ضاح، وبهذا يعلم أن ~~المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة. # فأطال هذا الباب بما ظن أنه قد ظفر ms047 بشيء لا جواب عنه، ولا مقابل له، ولو ~~كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلى له، بل قد خصت العرب بعد هذا ~~بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها، ولا يفيد التفاته بالغيظ إليها، وقد دل ~~كلامه على أنه جاهل بالنعمة، غافل عما هو سر الحكمة. # وعنده أن الجاهل إذا لبس الثوب الناعم، وأكل الخبز الحوارى وركب الجواد، ~~وتقلب على الحشية، وشرب الرحيق، وباشر الحسناء، هو أشرف من العالم إذا لبس ~~الأطمار، وطعم العشب، وشرب الماء القراح، وتوسد الأرض، وقنع باليسير من رخى ~~العيش، وسلا عن الفضول، هذا خطأ من الرأي، ومردود من الحكم، عند الله تعالى ~~أولا، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا، وأصحاب التقى والنهى، وعلى طريقته ~~أيضا أن البصير أشرف من الأعمى، والغني أفضل من الفقير. # ألا يعلم أن المدار على العقل الذي من حرمه فهو أنقص من كل فقير، وعلى ~~الدين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كل موسر، ونعمة الله على ضربين: ~~أحد الضربين عم به عباده، وغمر بفضله خليقته، بدءا بلا استحقاق وذلك أنه ~~خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ورهب وأجزل، وهذا هو العدل ~~المخلوط بالإحسان، والتسوية والمعمومة بالتفضل والقدرة المشتملة على ~~الحكمة، والضرب الثاني هو الذي يستحق بالعمل والاجتهاد والسعي والارتياد، ~~والاختيار والاعتقاد، ليكون جزاء وثوابا، ولهذا حرم العاصي المخالف، وأنال ~~الطائع الموافق، فقد بان الآن أن المدار ليس بالجنان والترفه، ولا بالذهب ~~والفضة، ولا الوبر والمدر. # وقد مر هذا الكلام كله فليسكن من الجيهاني جأشه، وليفارقه طيشه، وليعلم ~~أن من أنصف أعطى بيده، وسلم الفضل لأهله، فإن التواضع للحق رفعة، والترفع ~~بالباطل ضعة. # وههنا بقية ينبغي أن يتبصر فيها، من عرف النقص البحت، والنقص المشوب ~~بالزيادة، والفضل الصرف، والفضل الممزوج بالنقيصة لم يجحد بالهوى المغوي ~~فضلا، ولم يدع للعصبية المردية شرفا، ولم ينكر بالحسد مزية، والخلق كلهم في ~~نعم الله تعالى مشتركون، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه متفاضلون، وعلى قدرته ~~متصرفون، وإلى مشيئته صائرون، وعن حكمته ms048 مخبرون، ولآلائه ذاكرون، ولنعمائه PageV01P078 # شاكرون، ولأياديه ناشرون، وعلى اختلاف قضائه صابرون، ولثوابه بالحسنات ~~مستحقون، ولعقابه بالسيئات مستوجبون، ولعفوه برحمته منتظرون، والله خبير ~~بما يعملون، وبصير بما يسرون وما يعلنون، وأبو سليمان يقول من الجماعة: ~~العرب أذهب مع صفو العقل، ولذلك هم بذكر المحاسن أبده، وعن أضدادها أنزه. ~~ولو كانت رويتهم في وزن بديهتهم، كان الكمال، ولكن لما عز الكمال فيهم، عز ~~أيضا في غيرهم من الأمم، فالأمم كلها شرع واحد في عدم الكمال إلا أنهم ~~متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة الأولى، وبالاختيار الثاني، واختلفت ~~أبصارهم في هذا الموضع، فأما ما منعه الإنسان في الأول فلا عتب عليه فيه، ~~لأنه لا يقال للأعمى: لم لا تكون بصيرا، ولا يقال للطويل: لم لا تكون قصيرا ~~وقد يقال للقصير: سدد طرفك، واكحل عينك، ومد ناظرك، كما يقال للطويل، ~~تطامن، في هذا الزقاق حتى تدخل، وتقاصر حتى تصل، وأما ما لم يمنعه الإنسان ~~في الأول، بل أعطيه ووهب له، فهو فيه مطلب بما عليه وله كما أنه مطالب بما ~~له وعليه. # وقال الجيهاني أيضا: ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطي ولا الموسيقي ولا ~~كتاب الفلاحة، ولا الطب ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل ~~في خواص الأنفس. # فليعلم الجيهاني أن هذا كله لهم بنوع إلهي لا بنوع بشري، كما أن هذا كله ~~لغيرهم بنوع بشري لا بنوع إلهي، وأعنى بالإلهي والبشري الطباعي والصناعي، ~~على أن إلهي هؤلاء قد مازجه بشري هؤلاء، وبشري هؤلاء قد شابه إلهي هؤلاء، ~~ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا، وما عندي أنه ~~مكابر فيدعي هذا لهم. فإن قال: هو لليونان، ويونان من العجم، والفرس من ~~العجم، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه، ~~وشهادة على نقصه، لأنه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدعي هذا للفرس، ولا ~~يمكنه أن يقول: نحن أيضا عجم، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متصلة بنا، ~~وراجعة إلينا. ومتى قال جبه ms049 بالمكروه وقوبل بالقذع ، وقيل له: صه، كما ~~يقال للجاهل- إن لم تقل له: «اخسأ» كما يقال- في كل الأحاديث، وإن أغفلته ~~ظلمت نفسي، ومن حابى خصمه غلب. # قال القاضي أبو حامد المروروذي: لو كانت الفضائل كلها بعقدها وسمطها، ~~ونظمها ونثرها، مجموعة للفرس، ومصبوبة على أرؤسهم، ومعلقة بآذانهم، وطالعة ~~من جباههم، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها، وأن يخرسوا عن دقها وجلها، مع ~~نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع، وضعيف بالسماع، PageV01P079 # ومردود عند كل ذي فطرة سليمة، ومستبشع في نفس كل من له جبلة معتدلة. قال: # ومن تمام طغيانهم، وشدة بهتانهم، أنهم زعموا أن هذا بإذن من الله تعالى، ~~وبشريعة أتت من عند الله، والله تعالى حرم الخبائث من المطعومات فكيف حلل ~~الخبائث من المنكوحات؟ قال: وكذب القوم، لم يكن زرادشت نبيا، ولو كان نبيا ~~لذكره الله تعالى في عرض الأنبياء الذين نوه بأسمائهم وردد ذكرهم في كتابه، ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» لأنه لا ~~كتاب لهم من عند الله منزل على مبلغ عنه. وإنما هو خرافة خدعهم بها زرادشت ~~بقوة الملك الذي قبل ذلك منه وحمل الناس عليه طوعا وكرها، وترغيبا وترهيبا، ~~وكيف يبعث الله نبيا يدعو إلى إلهين اثنين؟ وهذا مستحيل بالعقل، وما خلق ~~الله العقل إلا ليشهد بالحق للمحق والباطل للمبطل، ولو كان شرعا لكان ذلك ~~شائعا عند أهل الكتابين، أعني اليهود والنصارى، وكذلك عند الصابئين، وهم ~~كانوا أكثر الناس عناية بالأديان والبحث عنها، والتوصل إلى معرفة حقائقها، ~~ليكونوا من دينهم على ثقة، فكيف صارت النصارى تعرف عيسى، واليهود تعرف ~~موسى، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- يذكرهما ويذكر غيرهما، كداود وسليمان ~~ويحيى وزكريا، وغير هؤلاء، ولا يذكر زرادشت بالنبوة وأنه جاء من عند الله ~~تعالى بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى %~% لكني بعثت ناسخا لكل شريعة، ~~ومجددا لشريعة خصني الله بها من بين العرب. # قال: وهذا بيان نافع في كذبهم، وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه، وإلى حرام ~~بالعقل فأباحوه، وإلى خبيث بالطبع ms050 فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه. # وقد وجدنا في البهائم ما إذا أنزي الفحل منها على أمه لم يطاوع، وإذا ~~أكره وخدع وعرف غضب على أهله وند عنهم، وشرر عليهم، فما تقول في خلق لا ~~ترضاه البهيمة، ولا تطاوعه فيه الطبيعة، بل يأباه حسه مع كلوله وتبرد شهوته ~~مع اشتعالها، ويرضاه هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم، وكبرهم في أنفسهم. # ولو كان زرادشت أقام لهم على هذه الخصلة اللئيمة والفعلة الذميمة كل آية ~~وكل برهان، ونثر عليهم نجوم السماء، وأطلع لهم الشمس من المغرب، وفتت لهم ~~الجبال، وغيض لهم البحار، وأراهم الثريا تمشي على الأرض تخترق السكك وتشهد ~~له بالصدق، لكان من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحمية وبالأنفة وبالتقزز ~~وبالتعزز ألا يجيبوه إلى ذلك، ويشكوا في كل آية يرون منه، ويقتلوه، وينكلوا ~~به. # ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرة، ولو عاملوا زرادشت بما ~~عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا، ولا كان الحق إلا منصورا، ولا كان ~~الباطل PageV01P080 # إلا مقهورا، ولكن اتفق على مزدك ملك عاقل فوضع باطله، واتفق لزرادشت ملك ~~ركيك فرفع باطله، وما نزع الله عنهم الملك إلا بالحق، كما قال تعالى: فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم # [الزخرف: 55] . # ثم قال: وبعد، فكل شيء خارج من الحكمة الإلهية والعقلية والطبيعية فهو ~~ساقط بهرج، ومردود مرذول، إذا فعله جاهل عذر بالجهل، وإذا أتاه عالم عذل ~~للعلم. # قال: وكانت العرب بهذا الخلق الذميم، وهذا الفعل اللئيم، لو فعلته أعذر، ~~لأنهم أشد غلمة من غيرهم وأكثر تهيجا، وأقوى على البضاع، وأوثب على النساء ~~يدلك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم، وتراهم مع هذه ~~الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم يفعلوه، ولو أكرههم على هذا مكره ~~ودعاهم إليه داع لما أطاعوه، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا إلى ~~هذا، ولو كان لكان أول من دق رأسه بالعمد، وبعج بطنه بالخنجر، وما منعهم من ~~هذا إلا الأنفس الكريمة، والطباع المعتدلة، والشكائم الشديدة، والأرواح ~~العيفة، والعادات الرضية، والضرائب الطيبة، وكان ms051 وأد البنات عندهم أنفى ~~للمعاير، وأطرد للقبائح من هذا الذي استحسنه زرادشت وقبل منه الفرس، وهم ~~يدعون الحكم والعلم والحزم والعزم، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم غفلوا عما ~~يجوز أن يكون الله سبحانه مبيحا له أو حاظرا، أو مطلقا أو مانعا، أو محللا ~~أو محرما، هيهات ما كلف الله أهل العقل القيام بالدين والتصفح للحق من ~~الباطل إلا لما شرفهم به في العاجل، وعرضهم له في الآجل، والعاقبة للمتقين. # قال أبو الحسن الأنصاري- وكان حاضرا-: الهند أوضح عذرا في هذا الحديث ~~لأنهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة، ~~ولم ينسبوا إلى الله شيئا منه، ولا استجازوا الكذب عليه، ولا علقوه أيضا ~~على نبي من عند الله، بل رأوه صوابا بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل ~~بالمران والعادة. # وبعد، فعقولهم مدخولة، والبارع منهم قليل، وهم إلى الإفك والوهم والسحر ~~أميل، وفي أبوابها أدخل. # ثم قال أبو الحسن: انظر إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ضعف عقول الفرس ~~في قبولهم منه هذا الفعل، وخير بينها وبين عقول العرب، فإنهم قالوا: # «اغتربوا لا تضووا» . واستفاض هذا منهم حتى سمع من صاحب الشريعة صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أن الضوى مكروه، والعرب قالت هذا بالإلهام، لقرائحهم ~~الصافية، وأذهانهم PageV01P081 # الواقدة، وطينتهم الحرة، وأعراقهم الكريمة، وعاداتهم السليمة: وإنما ~~شعروا بهذا لأن الضوى الواصل إلى الأبدان هو سار في العقول، ولكن الفرس عن ~~هذا السر غافلون، ولا يفطن لهذا وأمثاله إلا الألمعيون الأحوذيون، ثم قال: ~~أنشد الأصمعي عن العرب قول قائلهم في مدح صاحب له: # فتى لم تلده بنت عم قريبة %~% فيضوى وقد يضوى رديد الأقارب # قال: وقالت العرب: «أضواه حقه» : إذا نقصه. قال: وقال آخر لولده: والله ~~لقد كفيتك الضؤولة، واخترت لك الخؤولة. # وقال أيضا: العرب تقول: «ليس أضوى من القرائب، ولا أنجب من الغرائب» وقال ~~الشاعر: # أنذرت من كان بعيد الهم %~% تزويج أولاد بنات العم # ليس بناج من ضوى أو سقم %~% وأنت إن أطعمته لا ينمي # وقال الأسدي يفتخر: # ولست ms052 بضاوي تموج عظامه %~% ولادته في خالد بعد خالد # تردد حتى عمه خال أمه %~% إلى نسب أدنى من السر واحد # ثم قال: والعرب لم ترد بهذا إلا نقص الذهن والعقل، لأنها لو أرادت نقصان ~~الجسم لكانت مخطئة، لأنهم يريدون سمانة الجسم مع السلامة والصلابة. ثم قال: ~~وعلى هذا طباع الأرض، ولذلك يقال: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض، لأن ~~الرياح إذا اختلفت حولت تراب أرض إلى أرض، وإذا كان الاغتراب يؤثر من ~~التراب إلى التراب، فبالحري أن يؤثر الإنسان في الإنسان بالاغتراب، لأن ~~الإنسان أيضا من التراب. # قال أبو حامد: فما ظنك بقوم يجهلون آثار الطبيعة، وأسرار الشريعة؟ ما ~~أذلهم الله باطلا، ولا سلبهم ملكهم ظالما، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلا ~~جزاء على سيرتهم القبيحة، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة، وما الله ~~بظلام للعبيد. # فلما بلغ القول مداه قال: لله در هذا النفس الطويل والنفث الغزير! لقد ~~كنت قرما إلى هذا النوع من الكلام، ففرغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر فيه، ~~وأشرب النفس حلاوته، وأستنتج العقيم منه، فإن الكلام إذا مر بالسمع حلق، ~~وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسف، والمحلق بعيد المنال، والمسف حاضر ~~العين، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكر منه الشيء بعد الشيء بالوهم الذي ~~لا انعقاد له، والخيال الذي لا معرج عليه. فقلت: أفعل سامعا مطيعا- إن شاء ~~الله-. PageV01P082 ### || الليلة السابعة # ولما عدت إليه في مجلس آخر، قال: سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن عبيد، ~~ففيم كنتما؟ # قلت: كان يذكر أن كتابة الحساب أنفع وأفضل وأعلق بالملك، والسلطان إليه ~~أحوج، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء والتحرير، فإذا الكتابة ~~الأولى جد، والأخرى هزل، ألا ترى أن التشادق والتفيهق والكذب والخداع فيها ~~أكثر، وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك والتفصيل. قال: وبعد هذا فتلك ~~صناعة معروفة بالمبدأ، موصولة بالغاية، حاضرة الجدوى، سريعة المنفعة، ~~والبلاغة زخرفة وحيلة، وهي شبيهة بالسراب، كما أن الأخرى شبيهة بالماء. ~~قال: ومن خساسة البلاغة أن أصحابها يسترقعون ويستحمقون، وكان الكتاب قديما ~~في دور الخلفاء ومجالس ms053 الوزراء يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة ~~المنشئين، وحماقة المعلمين، وركاكة النحويين، والمنشئ والمعلم والنحوي إخوة ~~وإن كانوا لعلات، والآفة تشملهم والعادة تجمعهم، والنقص يغمرهم، وإن اختلفت ~~منازلهم، وتباينت أحوالهم. قال: # ولو لم يكن من صنعة الإنشاء إلا أن المملكة العريضة الواسعة يكتفى فيها ~~بمنشئ واحد، ولا يكتفى فيها بمائة كاتب حساب %~% وإذا كانت الحاجة إلى هذه ~~أمس، كانت الأخرى في نفسها أخس، وبعد، فمصالح أحوال العامة والخاصة معلقة ~~بالحساب، على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغار والكبار والعلية والسفلة، ~~وما زال أهل الحزم والتجارب يحثون أولادهم ومن لهم به عناية على تعلم ~~الحساب، ويقولون لهم: هو سلة الخبز. وهذا كلام مستفيض، ومن عبر عما في نفسه ~~بلفظ ملحون أو محرف أو موضوع غير موضعه وأفهم غيره، وبلغ به إرادته، وأبلغ ~~غيره، فقد كفى، والزائد على الكفاية فضل والفضل يستغنى عنه كثيرا، والأصل ~~يفتقر إليه شديدا، قال: # ومن آفات هذه الكتابة أن أصحابها يقرفون بالريبة، ويرمون بالآفة، كآل ~~الحسن بن وهب وآل ابن ثوابة. # قال: هذه ملحمة منكرة، فما كان من الجواب؟ # قلت: ما قام من مجلسه إلا بعد الذل والقماءة، وهكذا يكون حال من عاب ~~القمر بالكلف، والشمس بالكسوف، وانتحل الباطل ونصر المبطل، وأبطل الحق PageV01P083 # وزرى على المحق. قلت: أيها الرجل، قولك هذا كان يسلم لو كان الإنشاء ~~والتحرير والبلاغة بائنة من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة ~~وعقد المؤامرة . فأما وهي متصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها ~~وحاوية لها، فكيف يطرد حكمك وتسلم دعواك؟ ألا تعلم أن أعمال الدواوين التي ~~ينفرد أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة إلى إنشاء الكتب في فنون ما يصفونه ~~ويتعاطونه، بل لا سبيل لهم إلى العمل إلا بعد تقدمة هذه الكتب التي مدارها ~~على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح، وذلك يوجد من الكاتب ~~المنشئ الذي عبته وعضضته، وهذه الدواوين معروفة، والأعمال فيها موصوفة، ~~وأنا أحصيها لك كي تعلم أنك غالط وعن الصواب فيها منحرف: # فمنها ديوان الجيش، وديوان بيت المال، وديوان التوقيع ms054 والدار، وديوان ~~الخاتم، وديوان الفض، وديوان النقد والعيار ودور الضرب، وديوان المظالم ~~وديوان الشرطة والأحداث، هذا إلى توابع هذه الدواوين مثل باب العين ~~والمؤامرات، وباب النوادر والتواريخ، وإدارة الكتب ومجالس الديوان وقبل ~~وبعد، كما يلزم كاتب الحساب أن يعرف وجوه الأموال حتى إذا جباها وحصلها عمل ~~الحساب أعماله فيها، فلا يمكنه أن يجبي إلا بالكتب البليغة والحجج اللازمة ~~واللطائف المستعملة، ومن تلك الوجوه الفيء، وهو أرض العنوة وأرض الصلح ~~وإحياء الأرض والقطائع والصفايا والمقاسمة والوضائع وجزية رؤوس أهل الذمة ~~وصدقات الإبل والبقر والغنم وأخماس الغنائم والمعادن والركاز والمال ~~المدفون، وما يخرج من البحر وما يؤخذ من التجار إذا مروا بالعاشر واللقطة ~~والضالة وميراث من لا وارث له ومال الصدقة، إلى غير ذلك من الأمور المحتاجة ~~إلى المكاتبات البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية، كعهد ينشأ في ~~إصلاح البريد وتقسيط الشرب، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقص منها، وفي حرز ~~الغلة والدياس، وفي الدوالي والدواليب والغرافات، وفي القلب والقسمة، وفي ~~تقدير الخضر المبكرة وفي المساحة وفي الطراز، وفي الجوالي، وفي قبض فرائض ~~الصدقات، وفي افتتاح الخراجات، إلى غير ذلك من كتب المحاسبين. # فإن قلت: «هذا كله مستغنى عنه» كابرت وبهت، لأن مدار المال ودروره، ~~وزيادته ووفوره على هذه الدواوين التي إما أن يكون حظ البلاغة فيها أكثر، ~~وإما أن يكون أثر الحساب فيها أظهر، وإما أن يتكافآ، فعلى جميع الأحوال لا ~~يكون الكاتب كاملا، ولا لاسمه مستحقا، إلا بعد أن ينهض بهذه الأثقال، ويجمع ~~إليها أصولا من الفقه مخلوطة بفروعها، وآيات من القرآن مضمومة إلى سعته ~~فيها، وأخبارا كثيرة PageV01P084 # مختلفة في فنون شتى لتكون عدة عند الحاجة إليها، مع الأمثال السائرة ~~والأبيات النادرة، والفقر البديعة، والتجارب المعهودة، والمجالس المشهودة، ~~مع خط كتبر مسبوك، ولفظ كوشي محوك، ولهذا عز الكامل في هذه الصناعة، حتى ~~قال أصحابنا: # ما نظن أنه اجتمع هذا كله إلا لجعفر بن يحيى فإن كتابته كانت سوادية، ~~وبلاغته سحبانية، وسياسته يونانية، وآدابه عربية، وشمائله عراقية، أفلا ترى ~~كيف غرق ms055 الحساب في غمار هذه الأبواب؟ # ثم اعلم أن البليغ مستمل بلاغته من العقل، ومأخذه فيها من التمييز ~~الصحيح، وليس كذلك الحساب في متناوله فلو ظن ظان بأن مدار الملك على ~~الحساب- فهو صحيح- ولكن بعد بلاغة المنشئ، لأن السلطان يأمر وينهى ويلاطف ~~ويخاطب ويحتج ويعنف ويوعد ويعد ويضمن ويمني ويعلق الأمل ويؤكد الرجاء ويحسم ~~المادة الضارة ويذيق الرعية حلاوة العدل ويجنبهم مرارة الجور، ثم يجبي، ~~فإذا جبى احتاج إلى الحساب حتى يكون بالحاصل عالما، ثم يتقدم بتوزيع ذلك ~~على الحساب حتى يكون من الغلط آمنا، فانظر إلى المنزلتين كيف اختلفتا؟ وكيف ~~حصلت المزية لإحداهما، ولو أنصفت لعلمت أن الصناعة جامعة بين الأمرين، أعني ~~الحساب والبلاغة، والإنسان لا يأتي إلى صناعة فيشقها نصفين ويشرف أحد ~~النصفين على الآخر. # وأما قولك: «إحدى الصناعتين هزل والأخرى جد» فبئسما سولت لك نفسك على ~~البلاغة، هي الجد، وهي الجامعة لثمرات العقل، لأنها تحق الحق وتبطل الباطل ~~على ما يجب أن يكون الأمر عليه، ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق لأغراض تختلف، ~~وأغراض تأتلف، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر، وإباء ~~وإذعان، وطاعة وعصيان، وعدل وعدول ، وكفر وإيمان، والحاجة تدعو إلى ~~صانع البلاغة وواضع الحكمة وصاحب البيان والخطابة، وهذا هو حد العقل والآخر ~~حد العمل. # وأما قولك: «الإنشاء صناعة مجهولة المبدإ، والحساب معروف المبدإ» فقد ~~خرقت، لأن مبدأها من العقل، وممرها على اللفظ، وقرارها في الخط، وأنت إذا ~~قلت هذا دللت من نفسك على أنه ليس لك ما تبصر به هذا المبدأ الشريف وهذا ~~الأول اللطيف. # وأما قولك: «والبلاغة زخرفة وهي شبيهة بالسراب» فقد أوضحنا لك فيه ما ~~كفى، فإن لم يكف فأنت محتاج إلى بينة أخرى. # وأما قولك: «إن أصحابها يسترقعون» فهذا شنع من القول، ولو عرفت الصدق فيه ~~لم تنبس به ولم تنطق بحرف منه، فإن فيه زراية على السلف الصالح والصدر PageV01P085 # الأول، ولو وجب أن يسترقع البليغ إذا كان عاقلا، لوجب أن يستعقل العيي ~~إذا كان أحمق، وهذا خلف. # وأما قولك: «المنشئ ms056 والمعلم والنحوي إخوة في الركاكة» فما يتعلم الناس ~~إلا من المعلم والعالم والنحوي وإن ندر منهم واحد قليل البضاعة من الحق. # وأما قولك: «إن المملكة تكتفي بمنشئ واحد» فقد صدقت، وذلك أن هذا الواحد ~~في قوته يفي بآحاد كثيرة، وهؤلاء الآحاد ليس في جميعهم وفاء بهذا الواحد، ~~وهذا عليك لا لك. لكن بقي أن تفهم أنك محتاج إلى الأساكفة أكثر مما تحتاج ~~إلى العطارين، ولا يدل هذا على أن الإسكاف أشرف من العطار، والعطار دون ~~الإسكاف، والأطباء أقل من الخياطين، ونحن إليهم أحوج، ولا يدل على أن ~~الطبيب دون الخياط. # وأما قولك: «ما زال الناس يحثون أولادهم على تعلم الحساب ويقولون: هو سلة ~~الخبز» فهو كما قلت، لأن الحاجة إليه عامة للكبار والصغار، وأشرف الصناعات ~~يحتاج إليها أشرف الناس، وأشرف الناس الملك، فهو محتاج إلى البليغ والمنشئ ~~والمحرر، لأنه لسانه الذي به ينطق، وعينه التي بها يبصر، وعيبته التي منها ~~يستخرج الرأي ويستبصر في الأمر، ولأنه بهذه الخاصة لا يجوز أن يكون له ~~شريك، لأنه حامل الأسرار، والمحدث بالمكنونات، والمفضى إليه ببنات الصدور. # وأما قولك: «من عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف وأفهم غيره فقد كفى» ~~فكيف يصح هذا الحكم ويقبل هذا الرأي؟ والكلام يتغير المراد فيه باختلاف ~~الإعراب، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء، وكما يتغير المفهوم باختلاف ~~الأفعال، وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف، ولقد قال رجل بالري كان نبيلا ~~في حاله جليلا في مرتبته عظيما عند نفسه: «اقعد حتى تتغدى بنا» وهو يريد: ~~«حتى تتغدى معنا» ، فانظر إلى هذا المحال الذي ركبه بلفظه وإلى المراد الذي ~~جانبه بجهله، ولهذا نظائر غير خافية عليك ولا ساقطة دونك وكفى بالبلاغة ~~شرفا أنك لم تستطع تهجينها إلا بالبلاغة، ولم تهتد إلى الكلام عليها إلا ~~بقوتها، فانظر كيف وجدت في استقلالها بنفسها ما يقلها ويقل غيرها، وهذا أمر ~~بديع وشأن عجيب. # وأما قولك: «ومن آفاتها أن أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب» فهذا ~~ما لا يستحق الجواب، وما يضر الشمس نباح ms057 الكلاب، وصيانة اللسان عن هذا ~~النوع أحسن، قال الله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63] ، وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: لو كان المرء أقوم ~~من قدح لوجد له غامز. وآل ابن وهب وابن ثوابة كانوا أنبل وأفضل وأعقل من أن ~~يظن بهم ما لا يظن بخساس PageV01P086 # العبيد وسفهاء الناس وداصة الرعية وسفلة العامة، على أنا ما سمعنا ~~هذا إلا في مجلس ابن عباد، منه وممن كان يخبط في هواه، ويتحرى بمثل هذه ~~الأحاديث رضاه، وحسده لهم في صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم، ~~فالعجيب أنه يظن أن كذبه على غيره ينفي الصدق عن نفسه، ولو نزه لسانه ~~ومجلسه ومذهبه وأبوته لكان أولى به وأزين له، ولكن النعمة والقدرة إذا ~~عدمتا عقلا سائسا وحزما حارسا ودينا متينا وطريقا قويما أوردتا ولم تصدرا ~~وخذلتا ولم تنصرا، ونعوذ بالله من نعمة تحور بلاء، ومرحبا ببلاء يورث يقظة ~~ويكون تمحيصا لما نقص من التقصير، ولكن من هذا الذي يشرب فلا يسكر ولا ~~يثمل؟ ومن هذا الذي إذا سكر عقل؟ ومن هذا الذي إذا صحا لا يعتقب من شرابه ~~خمارا يصدع الرأس ويمكن الوسواس؟ # فقال: هذه جملة قامعة لمن ادعى دعواه أو نحا منحاه، وأنى لك هذا؟ لم لا ~~تداخل صاحب ديوان ولم ترضى لنفسك بهذا اللبوس؟ # فقلت: «أنا رجل حب السلامة غالب علي، والقناعة بالطفيف محبوبة عندي» . # فقال: كنيت عن الكسل بحب السلامة، وعن الفسولة بالرضا باليسير. # قلت: إذا كنت لا أصل إلى السلامة إلا بالفسولة، ولا أتطعم الراحة إلا ~~بالكسل، فمرحبا بهما. # فقال: لكل إنسان رأي واختيار وعادة ومنشأ ومألوف وقرناء متى زحزح عنها ~~قلق، ومتى أريغ على سواها فرق، أظن أنه قد نصف الليل. قلت: لعله. قال: في ~~الدعة، قد خبأت لك مسألة، وسألقيها عليك بعدها- إن شاء الله تعالى- ~~وانصرفت. PageV01P087 ### || الليلة الثامنة # وقال لي مرة أخرى: أوصل وهب بن يعيش الرقي اليهودي رسالة يقول في عرضها ~~بعد التقريظ الطويل العريض: إن هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذللة مسلوكة ~~مختصرة فسيحة، ليس ms058 على سالكها كد ولا شق في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ما ~~يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة، وإن أصحابنا طولوا وهولوا وطرحوا ~~الشوك في الطريق، ومنعوا من الجواز عليه غشا منهم وبخلا ولؤم طباع وقلة نصح ~~وإتعابا للطالب وحسدا للراغب، وذلك أنهم اتخذوا المنطق والهندسة وما دخل ~~فيهما معيشة ومكسبة، ومأكلة ومشربة، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة ~~والمحبين للحقيقة والمتصفحين لأثناء العالم، وكلاما هذا معناه، وإلى هذا ~~يرجع مغزاه. # فكان من الجواب: قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب، وهو جاري، وكتب هذه ~~الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين، وتقرب بها، ~~ونفعته بالمسألة والتفقد له، فإنه شديد الفقر، ظاهر الخصاصة، لاصق ~~بالدقعاء، وللذي قاله وادعاه، وقصده وانتحاه، وجه واضح وحجة ظاهرة، وللذي ~~قاله أصحابنا- أعني مخالفيه- وجه أيضا وتأويل وللقولين أنصار وحماة، وحفظة ~~ورعاة. # قال: هات- على بركة الله- فإني أحب أن أسمع في هذا الخطب كل ما فيه وأكثر ~~ما يتصل به، فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه الخطبة أن عمر الإنسان ~~قصير، وعلم العالم كثير، وسره مغمور، وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركبة ~~بالوضع المحكم، وذو نضائد مزينة بالتأليف المعجب المتقن، والإنسان الباحث ~~عنه وعما يحتويه ذو قوى متقاصرة، وموانع معترضة، ودواع ضعيفة، وإنه مع هذه ~~الأحوال منتبه بالحس، حالم بالعقل، عاشق للشاهد، ذاهل عن الغائب، مستأنس ~~بالوطن الذي ألفه ونشأ فيه، مستوحش من بلد لم يسافر إليه ولم يلم به وإن ~~كان صدر عنه، فليس له بذلك معرفة باقية ولا ثقة تامة، وإن الأولى بهذا ~~الإنسان المنعوت بهذا الضعف والعجز أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته قريبا ~~ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه، وإن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو ~~في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى، فإنه متى عرف هذه الجملة ~~بالتفصيل، واطلع على هذا التفصيل بالجملة، فقد فاز الفوز الإكبر ونال الملك ~~الأعظم، وكفي مؤونة عظيمة في PageV01P088 # قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير، مع العناء ms059 المتصل في الدرس ~~والتصحيح والنصب في المسألة والجواب، والتنقير عن الحق والصواب. # وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا خارج عن حومة الحق، وإن كان الأمر ~~فيه أيضا صعبا وشاقا وهائلا وعاملا، ولكن ليس لكل أحد هذه القوة الفائضة، ~~وهذه الخصوصية الناهضة، وهذا الاستبصار الحسن، وهذا الطبع الوقاد، والذهن ~~المنقاد، والقريحة الصافية والاستبانة والتأمل، لأن هذه القوة إلهية، فإن ~~لم تكن إلهية فهي ملكية، وإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشرية، وليس يوجد ~~صاحب هذا النعت إلا في الشاذ النادر، وفي دهر مديد بين أمة جمة العدد، ~~والفائق من كل شيء والبائن من كل صنف عزيز في هذا العالم الوحشي، كما أن ~~الرديء والفاسد معدوم في هذا العالم الإلهي، ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى: ~~إن من يتكلم بالإعراب والصحة ولا يلحن ولا يخطئ ويجري على السليقة الحميدة ~~والضريبة السليمة، قليل أو عزيز، وإن الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجية وهذا ~~المنشأ إلى أن يتعلم النحو ويقف على أحكامه، ويجري على منهاجه، ويفي بشروطه ~~في أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها، ومتى ~~اتفق إنسان بهذه الحلية وعلى هذا النجار، فلعمري إنه غني عن تطويل النحويين ~~كما يستغني قارض الشعر بالطبع عن علم العروض، وهكذا يستغني صاحب تلك القوة ~~التي أشار إليها ابن يعيش عن ذلك، ولكن أين ذاك الفرد والشاذ والنادر؟ فإن ~~حضر فما تفعل معه إلا أن تقلده وتأخذ عنه وتتبعه. # وإنما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا لهذه الغاية، ولا سبيل ~~لك إليها من تلقاء نفسك، وإنما هو شيء يأتي من تلقاء غيرك، فإذن بالضرورة ~~وبالواجب ينبغي أن تخطو على آثار المنطقيين والطبيعين والمهندسين بالزحف ~~والعناء والتكلف والدءوب حتى تصير متشبها بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل ~~والبديع النادر، فقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف ~~أيضا وجه ما حث عليه مخالفوه، ولا عيب على المنقوص أن يطلب الزيادة ببذل ~~المجهود، وإن الكامل مربوط بما منح من العطية من غير ms060 طلب. # وأما قوله في صدر كلامه: «إن القوم صدوا عن الطريق وطرحوا الشوك فيه، ~~واتخذوا نشر الحكمة فخا للمثالة العاجلة» ، فما أبعد، بل قارب الحق فإن ~~«متى» كان يملي ورقة بدرهم مقتدري وهو سكران لا يعقل، ويتهكم، وعنده أنه في ~~ربح، وهو من الأخسرين أعمالا، الأسفلين أحوالا. # ثم إني أيها الشيخ- أحياك الله لأهل العلم وأحيى بك طالبيه- ذكرت للوزير ~~مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد ~~السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها. PageV01P089 # فقال لي: اكتب هذه المناظرة على التمام فإن شيئا يجري في ذلك المجلس ~~النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى ~~فوائده، ولا يتهاون بشيء منه. # فكتبت: حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة. فأما علي بن عيسى الشيخ الصالح ~~فإنه رواها مشروحة. # لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات ~~للجماعة- وفيهم الخالدي وابن الأخشاد والكتبي وابن أبي بشر وابن رباح بن ~~كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى الجراح وابن فراس وابن ~~رشيد وابن عبد العزيز الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر ~~والمرزباني صاحب آل سامان-: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث ~~المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب ~~والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق ~~وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه ~~من جهة اسمه على حقائقه. # فأحجم القوم وأطرقوا. قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ~~ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدكم في العلم بحارا، وللدين وأهله ~~أنصارا، وللحق وطلابه منارا، فما هذا الترامز والتغامز اللذان تجلون عنهما؟ ~~فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه فقال: اعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في ~~الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة والعيون ~~المحدقة والعقول الحادة والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة ~~مكسرة، ms061 ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة، وليس البراز في معركة خاصة كالمصاع ~~في بقعة عامة. # فقال ابن الفرات: أنت لها أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار ~~لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك. فقال أبو سعيد: مخالفة ~~الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله ~~من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم. # ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه ~~كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن مرضي وطريقة معروفة. # قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، ~~وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، ~~والشائل من الجانح. # فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف ~~والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية، وفاسد المعنى من صالحه يعرف ~~بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، ~~فمن لك PageV01P090 # بمعرفة الموزون أيما هو حديد أو ذهب أو شبه» # أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة ~~قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه ~~اعتمادك، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعا يسيرا من وجه واحد، وبقيت عليك ~~وجوه، فأنت كما قال الأول: # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # وبعد، فقد ذهب عليك شيء هاهنا، ليس كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما ~~يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح وفيها ما يحزر وهذا وإن ~~كان هكذا في الأجسام المرئية، فإنه على ذلك أيضا في المعقولات المقررة، ~~والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظة ~~والمماثلة الظاهرة. # ودع هذا، إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم ~~عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند ~~والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما ms062 لهم وعليهم، ما شهد لهم ~~به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ # قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني ~~المدركة، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات ~~سواء ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه. # قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها ~~المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة ~~وأنهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت ~~بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التموية. # ولكن مع هذا أيضا إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل ~~إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة ~~إلى معرفة اللغة؟ قال: نعم. قال: أخطأت، قل في هذا الموضع: بلى. قال: بلى، ~~أنا أقلدك في مثل هذا. قال: أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو ~~إلى تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة ~~لا تفي بها؟ وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا ~~يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها، على أنك تنقل من السريانية، ~~فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من ~~هذه إلى أخرى عربية؟ # قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدت ~~المعاني، وأخلصت الحقائق. PageV01P091 # قال أبو سعيد: إذا سلمت لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ~~ووزنت وما جزفت، وأنها ما التاثت ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ~~ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام- وإن ~~كان هذا لا يكون، وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني- فكأنك ~~تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما ~~أبرزوه. # قال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر ~~هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل ms063 به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ~~ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف ~~الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم. # قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في ~~العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل: # العلم في العالم مبثوث %~% ونحوه العاقل محثوث # وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ولهذا غلب علم في مكان ~~دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة، ~~ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع ~~الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو ~~أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة ~~نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم ~~وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم، وهذا جهل ممن يظنه بهم، وعناد ~~ممن يدعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في ~~أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ~~ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال، وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما ~~هو رجل منهم، وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من بعده، وليس هو حجة على هذا ~~الخلق الكثير والجم الغفير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم، ومع هذا فالاختلاف ~~في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ وطبيعة، فكيف يجوز أن ~~يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثر فيه؟ هيهات هذا محال، ~~ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه، فامسح وجهك بالسلوة ~~عن شيء لا يستطاع لأنه منعقد بالفطرة والطباع، وأنت لو فرغت بالك وصرفت ~~عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجارينا فيها، وتدارس ~~أصحابنا بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان بعبارة أصحابها، لعلمت أنك غني عن ~~معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان. PageV01P092 # وهاهنا مسألة، تقول: إن الناس عقولهم مختلفة، وأنصباؤهم منها ms064 متفاوتة. # قال: نعم. قال: وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب؟ قال: ~~بالطبيعة. # قال: فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعي ~~والتفاوت الأصلي؟ قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفا. قال أبو سعيد: ~~فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ودع هذا، أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في ~~كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه من ناحية ~~منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه، وهو (الواو) ما أحكامه؟ وكيف ~~مواقعه؟ # وهل هو على وجه أو وجوه؟ # فبهت متى وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي ~~إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى، والنحو ~~يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى ~~فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى. # فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن الكلام والنطق واللغة واللفظ والإفصاح ~~والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتمني والنهي ~~والحض والدعاء والنداء والطلب كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة، ألا ~~ترى أن رجلا لو قال: «نطق زيد بالحق ولكن ما تكلم بالحق، وتكلم بالفحش ولكن ~~ما قال الفحش، وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح، وأبان المراد ولكن ما أوضح، أو ~~فاه بحاجته ولكن ما لفظ، أو أخبر ولكن ما أنبأ» ، لكان في جميع هذا محرفا ~~ومناقضا وواضعا للكلام في غير حقه، ومستعملا اللفظ على غير شهادة من عقله ~~وعقل غيره، والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم ~~باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، ~~ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان، لأن الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر ~~من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان، لأن مستملي المعنى عقل ~~والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت، وقد بقيت أنت بلا اسم ~~لصناعتك التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى بها، إلا أن تستعير من العربية لها ~~اسما فتعار، ويسلم لك ذلك بمقدار، وإذا لم يكن ms065 لك بد من قليل هذه اللغة من ~~أجل الترجمة فلابد لك أيضا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة ~~والتوقي من الخلة اللاحقة. # فقال متى: يكفيني من لغتكم هذه الاسم والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا ~~القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان. # قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها ~~وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى ~~حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ ~~والفساد PageV01P093 # في المتحركات، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة، على أن هاهنا سرا ~~ما علق بك، ولا أسفر لعقلك، وهو أن تعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة ~~أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها، في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها ~~وتقديمها وتأخيرها، واستعارتها وتحقيقها، وتشديدها وتخفيفها، وسعتها وضيقها ~~ونظمها ونثرها وسجعها، ووزنها وميلها، وغير ذلك مما يطول ذكره، وما أظن ~~أحدا يدفع هذا الحكم أو يشك في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من ~~إنصاف، فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ بل أنت إلى تعرف ~~اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية، على أن المعاني لا ~~تكون يونانية ولا هندية، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية وتركية، ومع هذا ~~فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر، فلم يبق إلا أحكام ~~اللغة، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها، مع جهلك ~~بحقيقتها؟ # وحدثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها ~~حال قوم كانوا قبل واضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبر كما تدبروا، لأن ~~اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي ~~والاعتقاب والاجتهاد. ما تقول له؟ أتقول: إنه لا يصح له هذا الحكم ولا ~~يستتب هذا الأمر، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت؟ ~~ولعلك تفرح بتقليده لك- وإن كان على باطل- أكثر مما تفرح باستبداده وإن كان ~~على ms066 حق، وهذا هو الجهل المبين، والحكم المشين. # ومع هذا، فحدثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق ~~لا يغني عنك شيئا، وأنت تجهل حرفا واحدا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة ~~يونان، ومن جهل حرفا أمكن أن يجهل حروفا، ومن جهل حروفا جاز أن يجهل اللغة ~~بكمالها، فإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها، فلعله يجهل ما يحتاج ~~إليه، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه. وهذه رتبة العامة أو رتبة من هو ~~فوق العامة بقدر يسير، فلم يتأبى على هذا ويتكبر، ويتوهم أنه من الخاصة ~~وخاصية الخاصة، وأنه يعرف سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح ~~البرهان؟ # وإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها، وطالبتك ~~بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز، سمعتكم تقولون: إن ~~«في» لا يعرف النحويون مواقعها، وإنما يقولون: هي «للوعاء» كما يقولون: «إن ~~الباء للإلصاق» ، وإن «في» تقال على وجوه: يقال: «الشيء في الإناء» ~~«والإناء في المكان» «والسائس في السياسة» «والسياسة في السائس» . # أترى أن هذا التشقيق هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها؟ ولا يجوز أن يعقل ~~هذا بعقول الهند والترك والعرب؟ فهذا جهل من كل من يدعيه، وخطل من القول ~~الذي أفاض PageV01P094 # فيه، النحوي إذا قال «في» للوعاء فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح، ~~وكنى مع ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل، ومثل هذا كثير، وهو كاف في موضع ~~التكنية. # فقال ابن الفرات: أيها الشيخ الموفق، أجبه بالبيان عن مواقع «الواو» حتى ~~تكون أشد في إفحامه، وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه، ومع هذا فهو مشنع ~~به. # فقال أبو سعيد: للواو وجوه ومواقع: منها معنى العطف في قولك: «أكرمت زيدا ~~وعمرا» ومنها القسم في قولك: «والله لقد كان كذا وكذا» ومنها الاستئناف في ~~قولك: «خرجت وزيد قائم» لأن الكلام بعده ابتداء وخبر، ومنها معنى رب التي ~~هي للتقليل نحو قولهم : # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # ومنها أن تكون أصلية ms067 في الاسم، كقولك: واصل واقد وافد، وفي الفعل كذلك، ~~كقولك: وجل يوجل، ومنها أن تكون مقحمة نحو قول الله عز وجل: فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103، 104] ، أي ناديناه، ومثله قول الشاعر : # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # المعنى: انتحى بنا، ومنها معنى الحال في قوله عز وجل: ويكلم الناس في ~~المهد وكهلا # [آل عمران: 46] أي يكلم الناس في حال كهولته، ومنها أن تكون بمعنى حرف ~~الجر، كقولك: استوى الماء والخشبة أي مع الخشبة. # فقال ابن الفرات لمتى: يا أبا بشر: أكان هذا في نحوك. # ثم قال أبو سعيد: دع هذا، هاهنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من ~~علاقتها بالشكل اللفظي، ما تقول في قول القائل: «زيد أفضل الإخوة» ؟ قال: # صحيح. قال: فما تقول إن قال: «زيد أفضل إخوتهه» ؟ قال: صحيح، قال: فما ~~الفرق بينهما مع الصحة؟ # فبلح وجنح وغص بريقه. # فقال أبو سعيد: أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة، المسألة الأولى جوابك ~~عنها صحيح وإن كنت غافلا عن وجه صحتها، والمسألة الثانية جوابك عنها غير ~~صحيح وإن كنت أيضا ذاهلا عن وجه بطلانها. # قال متى: بين لي ما هذا التهجين؟ PageV01P095 # قال أبو سعيد: إذا حضرت الحلقة استفدت، ليس هذا مكان التدريس هو مجلس ~~إزالة التلبيس، مع من عادته التمويه والتشبيه، والجماعة تعلم أنك أخطأت، ~~فلم تدعي أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى، والمنطقي ينظر في ~~المعنى لا في اللفظ؟ هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويجيل فكره في ~~المعاني، ويرتب ما يريد بالوهم السانح والخاطر العارض والحدس الطارئ، فأما ~~وهو يريغ أن يبرز ما صح له بالاعتبار والتصفح إلى المتعلم والمناظر، فلابد ~~له من اللفظ الذي يشتمل على مراده، ويكون طباقا لغرضه، وموافقا لقصده. # قال ابن الفرات لأبي سعيد: تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون ~~الفائدة ظاهرة لأهل المجلس، والتبكيت عاملا في نفس أبي بشر. # فقال: ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير، فإن ~~الكلام إذا طال مل. # فقال ابن ms068 الفرات: ما رغبت في سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة، فأما ~~الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر. # فقال أبو سعيد: إذا قلت: «زيد أفضل إخوته» لم يجز، وإذا قلت: «زيد أفضل ~~الإخوة» جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم. # والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل فقال: «من إخوة زيد» لم يجز أن تقول: ~~زيد وعمرو وبكر وخالد وإنما تقول: بكر وعمرو وخالد، ولا يدخل زيد في ~~جملتهم، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل ~~إخوته، كما لم يجز أن تقول: «إن حمارك أفره البغال» لأن الحمير غير البغال، ~~كما أن زيدا غير إخوته، فإذا قلت: «زيد خير الإخوة» جاز، لأنه أحد الإخوة، ~~والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل: «من ~~الإخوة» ؟ عددته فيهم، فقلت: «زيد وعمرو وبكر وخالد» فيكون بمنزلة قولك: ~~«حمارك أفره الحمير» لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير. فلما كان على ~~ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس، فتقول: «زيد أفضل رجل» ~~و «حمارك أفره حمار» فيدل «رجل» على الجنس كما دل الرجال، وكما في «عشرين ~~درهما ومائة درهم» . # فقال ابن الفرات: ما بعد هذا البيان مزيد، ولقد جل علم النحو عندي بهذا ~~الاعتبار وهذا الإسفار. # فقال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع ~~الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير ~~وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك، وإن زاغ شيء عن هذا النعت فإنه لا ~~يخلو من أن يكون سائغا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردودا ~~لخروجه عن عادة القوم الجارية على PageV01P096 # فطرتهم. فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلم لهم ومأخوذ ~~عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل ~~المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا ~~تعرف ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا ms069 لغة هم فيها ضعفاء ~~ناقصون. وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا ~~مع المعنى. # ثم أقبل أبو سعيد على متى فقال: أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام اسم واقع ~~على أشياء قد ائتلفت بمراتب، وتقول بالمثل: هذا ثوب والثوب اسم يقع على ~~أشياء بها صار ثوبا، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دونه لحمته ~~ولحمته لا تكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته ورقة سلكه ~~كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمة كل ~~ما يحتاج إليه فيه. # قال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى، فإن هذا كلما توالى عليه ~~بان انقطاعه، وانخفض ارتفاعه، في المنطق الذي ينصره، والحق الذي لا يبصره. # قال أبو سعيد: ما تقول في رجل يقول: «لهذا علي درهم غير قيراط، ولهذا ~~الآخر علي درهم غير قيراط» . # قال: ما لي علم بهذا النمط. # قال: لست نازعا عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق ، ~~هاهنا ما هو أخف من هذا، قال رجل لصاحبه: «بكم الثوبان المصبوغان» ، وقال ~~آخر: «بكم ثوبان مصبوغان» وقال آخر: «بكم ثوبان مصبوغين» بين هذه المعاني ~~التي تضمنها لفظ لفظ. # قال متى: لو نثرت أنا أيضا عليك من مسائل المنطق أشياء لكان حالك كحالي. # قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه، فإن كان له علاقة ~~بالمعنى وصح لفظه على العادة الجارية أجبت، ثم لا أبالي أن يكون موافقا أو ~~مخالفا، وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك، وإن كان متصلا باللفظ ولكن ~~على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضا لأنه لا سبيل إلى ~~إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها. # ما وجدنا لكم إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب والآلة والسلب والإيجاب ~~والموضوع والمحمول والكون والفساد والمهمل والمحصور، وأمثلة لا تنفع ولا ~~تجدي، وهي إلى العي أقرب، وفي الفهاهة أذهب. # ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على ms070 نقص ظاهر، لأنكم لا تفون بالكتب ولا هي PageV01P097 # مشروحة، فتدعون الشعر ولا تعرفونه وتذكرون الخطابة وأنتم عنها في منقطع ~~التراب، وقد سمعت قائلكم يقول: الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان. فإن كان كما ~~قال فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب، وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل ~~البرهان، فهي أيضا ماسة إلى ما بعد البرهان، وإلا فلم صنف ما لا يحتاج إليه ~~ويستغنى عنه. هذا كله تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق. # وإنما بودكم أن تشغلوا جاهلا، وتستذلوا عزيزا؟ وغايتكم أن تهولوا بالجنس ~~والنوع والخاصة والفصل والعرض والشخص، وتقولوا: الهلية والأينية والماهية ~~والكيفية والكمية والذاتية والعرضية والجوهرية والهيولية والصورية والأيسية ~~والليسية والنفسية؟ ثم تتطاولون فتقولون: «جئنا بالسحر» في قولنا: «لا» ~~في شيء من و في بعض ، ف «لا» في بعض و «لا» في كل و ~~ في كل فإذن «لا» في كل ، هذا بطريق الخلف، وهذا بطريق ~~الاختصاص. # وهذه كلها خرافات وترهات، ومغالق وشبكات، ومن جاد عقله وحسن تمييزه ولطف ~~نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله- بعون الله وفضله- وجودة ~~العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة النفس من منائح الله ~~الهنية، ومواهبه السنية، يختص بها من يشاء من عباده وما أعرف لاستطالتكم ~~بالمنطق وجها، وهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع طريقتكم، وبين ~~خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما ~~قال، وما زدتم على قولكم: لم يعرف غرضنا ولا وقف على مرادنا، وإنما تكلم ~~على وهم. وهذا منكم تحاجز ونكول ورضى بالعجز وكلول، وكل ما ذكرتم في ~~الموجودات فعليكم فيه اعتراض هذا قولكم في «يفعل وينفعل» لم تستوضحوا فيهما ~~مراتبهما ومواقعهما، ولم تقفوا على مقاسمهما، لأنكم قنعتم فيهما بوقوع ~~الفعل من «يفعل» وقبول الفعل من «ينفعل» ، ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم، ~~ومعارف ذهبت عنكم وهذا حالكم في الإضافة. # فأما البدل ووجوهه، والمعرفة وأقسامها، والنكرة ومراتبها، وغير ذلك مما ~~يطول ذكره، فليس لكم فيه مقال ولا مجال. # وأنت إذا قلت لإنسان: ms071 «كن منطقيا» ، فإنما تريد: كن عقليا أو عاقلا أو ~~اعقل ما تقول لأن أصحابك يزعمون أن النطق هو العقل، وهذا قول مدخول، لأن ~~النطق على وجوه أنتم عنها في سهو. # وإذا قال لك آخر: «كن نحويا لغويا فصيحا» فإنما يريد: افهم عن نفسك ما ~~تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك. PageV01P098 # وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ فلا ينقص ~~منه، هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به. فأما إذا حاولت فرش المعنى ~~وبسط المراد فاجل اللفظ بالروادف الموضحة والأشباه المقربة، والاستعارات ~~الممتعة، وبين المعاني بالبلاغة، أعني لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا ~~بالبحث عنها والشوق إليها، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه عز وجلا، ~~وكرم وعلا، واشرح منها شيئا حتى لا يمكن أن يمترى فيه أو يتعب في فهمه أو ~~يعرج عنه لاغتماضه، فهذا المذهب يكون جامعا لحقائق الأشباه ولأشباه ~~الحقائق، وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس، على ~~أني لا أدري أيؤثر فيك ما أقول أو لا؟ # ثم قال: حدثنا هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين، أو رفعتم الخلاف بين ~~اثنين، أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة، وأن الواحد ~~أكثر من واحد، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد، وأن الشرع ما تذهب إليه، ~~والحق ما تقوله؟ هيهات، هاهنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم، وتدق عن ~~عقولهم وأذهانهم. # ودع هذا، هاهنا مسألة قد أوقعت خلافا، فارفع ذلك الخلاف بمنطقك: # قال قائل: «لفلان من الحائط إلى الحائط» ما الحكم فيه؟ وما قدر المشهود ~~به لفلان؟ فقد قال ناس: له الحائطان معا وما بينهما. وقال آخرون: له النصف ~~من كل منهما. وقال آخرون: له أحدهما. هات الآن آيتك الباهرة، ومعجزتك ~~القاهرة، وأنى لك بهما، وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك. # ودع هذا أيضا، قال قائل: «من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم ~~محال، ومنه ما ms072 هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ» . فسر ~~هذه الجملة. واعترض عليه عالم آخر، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض ~~وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل؟ فإن ~~قلت: # كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته، والآخر لم أحصل اعتراضه؟ قيل ~~لك: استخرج بنظرك الاعتراض إن كان ما قاله محتملا له، ثم أوضح الحق منهما، ~~لأن الأصل مسموع لك، حاصل عندك وما يصح به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك، ~~فلا تتعاسر علينا، فإن هذا لا يخفى على أحد من الجماعة. # فقد بان الآن أن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل، والمعاني معقولة ولها ~~اتصال شديد وبساطة تامة، وليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك ~~المبسوط ويحيط به، وينصب عليه سورا، ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج، ولا ~~شيئا من خارجه أن يدخل، خوفا من الاختلاط الجالب للفساد، أعني أن ذلك يخلط ~~الحق بالباطل، ويشبه الباطل بالحق، وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل ~~وضع المنطق، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق، وأنت لو عرفت تصرف PageV01P099 # العلماء والفقهاء في مسائلهم، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في ~~استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة ~~والكنايات المفيدة والجهات القريبة والبعيدة، لحقرت نفسك، وازدريت أصحابك، ~~ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوه عليه أقل في عينك من السها عند القمر، ومن ~~الحصا عند الجبل. أليس الكندي وهو عليم في أصحابك يقول في جواب مسألة «هذا ~~من باب عد» . فعد الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم ~~بلا ترتيب، حتى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها من ~~الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع، فاعتقد فيه أنه صحيح وهو مريض العقل ~~فاسد المزاج حائل الغريزة مشوش اللب. # قالوا له: أخبرنا عن اصطكاك الأجرام، وتضاعف الأركان؟ هل يدخل في باب ~~وجوب الإمكان؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ms073 ما يخفى عن الأذهان؟ # وقالوا له أيضا: ما نسبة الحركات الطبيعية إلى الصور الهيولانية؟ وهل هي ~~ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان، أو مزايلة له مزايلة على غاية ~~الإحكام؟ # وقالوا له: ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع الواجب من ~~وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله؟ وعلى هذا فقد حفظ ~~جوابه عن جميع هذا على غاية الركاكة والضعف والفساد والفسالة والسخف. ولولا ~~التوقي من التطويل لسردت ذلك كله، ولقد مر بي في خطه: التفاوت في تلاشي ~~الأشياء غير محاط به، لأنه يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع، ~~وكل ما يكون على هذا النهج فالنكرة تزاحم عليه المعرفة، والمعرفة تناقض ~~النكرة، على أن النكرة والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسرار ~~الإلهية، لا من باب الإلهية العارضة في أحوال البشرية. # ولقد حدثنا أصحابنا الصابئون عنه بما يضحك الثكلى ويشمت العدو ويغر ~~الصديق، وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق ونسأل ~~الله عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التحصيل، والفعل الجاري ~~على التعديل، إنه سميع مجيب. # هذا آخر ما كتبت عن علي بن عيسى الرماني الشيخ الصالح بإملائه. وكان أبو ~~سعيد قد روى لمعا من هذه القصة. # وكان يقول: لم أحفظ عن نفسي كل ما قلت، ولكن كتب ذلك أقوام حضروا في ~~ألواح كانت معهم ومحابر أيضا، وقد اختل علي كثير منه. # قال علي بن عيسى: وتقوض المجلس وأهله يتعجبون من جأش أبي سعيد الثابت ~~ولسانه المتصرف ووجهه المتهلل وفوائده المتتابعة. PageV01P100 # وقال الوزير ابن الفرات: عين الله عليك أيها الشيخ، فقد نديت أكبادا ~~وأقررت عيونا، وبيضت وجوها، وحكت طرازا لا يبليه الزمان، ولا يتطرق إليه ~~الحدثان. # قلت لعلي بن عيسى: وكم كانت سن أبي سعيد في ذلك الوقت؟ # قال: مولده سنة ثمانين ومائتين، وكان له يوم المناظرة أربعون سنة، وقد ~~عبث الشيب بلهازمه مع السمت والوقار والدين والجد، وهذا شعار أهل الفضل ~~والتقدم، وقل من تظاهر به ms074 أو تحلى بحليته إلا جل في العيون وعظم في النفوس، ~~وأحبته القلوب، وجرت بمدحه الألسنة. # وقلت لعلي بن عيسى: أما كان أبو علي الفسوي النحوي حاضر المجلس؟ # قال: لا، كان غائبا، وحدث بما كان، فكان يكتم الحسد لأبي سعيد على ما فاز ~~به من هذا الخبر المشهور، والثناء المذكور. # فقال لي الوزير عند منقطع هذا الحديث: ذكرتني شيئا قد دار في نفسي مرارا، ~~وأحببت أن أقف على واضحه، أين أبو سعيد من أبي علي، وأين علي بن عيسى ~~منهما، وأين ابن المراغي أيضا من الجماعة؟ وكذلك المرزباني وابن شاذان وابن ~~الوراق وابن حيويه؟ # فكان من الجواب: أبو سعيد أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب وأدخل في ~~كل باب، وأخرج من كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق، وأروى في ~~الحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، وأحضر بركة على المختلفة، ~~وأظهر أثرا في المقتبسة. ولقد كتب إليه نوح بن نصر- وكان من أدباء ملوك آل ~~سامان- سنة أربعين كتابا خاطبه فيه بالإمام وسأله عن مسائل تزيد على ~~أربعمائة مسألة، الغالب عليها الحروف، وباقي ذلك أمثال مصنوعة على العرب شك ~~فيها فسأل عنها، وكان هذا الكتاب مقرونا بكتاب الوزير البلعمي خاطبه فيه ~~بإمام المسلمين، ضمنه مسائل في القرآن وأمثالا للعرب مشكلة. # وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ ~~الإسلام، سأله عن مائة وعشرين مسألة، أكثرها في القرآن، وباقي ذلك في ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم. # وكتب إليه ابن حنزابة من مصر كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل، وسأله فيه ~~عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~السلف. PageV01P101 # وقال لي الدارقطني سنة سبعين: أنا جمعت ذلك لابن حنزابة على طريق ~~المعونة. # وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان على يد شيخنا أبي سليمان كتابا يخاطبه فيه ~~بالشيخ الفرد، سأله عن سبعين مسألة في القرآن، ومائة كلمة في العربية ~~وثلاثمائة بيت من الشعر، هكذا حدثني به ms075 أبو سليمان، وأربعين مسألة في ~~الأحكام وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين. # قال لي الوزير: وهذه المسائل والجواب عنها عندك؟ قلت: نعم. قال: في كم ~~تقع؟ قلت: لعلها تقع في ألف وخمسمائة ورقة، لأن أكثرها في الظهور. قال: ما ~~أحوجنا إلى النظر فيها والاستمتاع بها والاستفادة منها! وأين الفراغ وأين ~~السكون؟ # ونحن كل يوم ندفع إلى طامة تنسي ما سلف، وتوعد بالداهية، اللهم هذه ~~ناصيتي بيدك، فتولني بالعصمة، واخصصني بالسلامة، واجعل عقباي إلى الحسنى. # ثم قال: صل حديثك. # قلت: وأما أبو علي فأشد تفردا بالكتاب وأشد إكبابا عليه، وأبعد من كل ~~ما عداه مما هو علم الكوفيين، وما تجاوز في اللغة كتب أبي زيد، وأطرافا مما ~~لغيره، وهو متقد بالغيظ على أبي سعيد، وبالحسد له، كيف تم له تفسير كتاب ~~سيبويه من أوله إلى آخره بغريبه وأمثاله وشواهده وأبياته ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء # [المائدة: 54] ، لأن هذا شيء ما تم للمبرد ولا للزجاج ولا لابن السراج ~~ولا لابن درستويه مع سعة علمهم، وفيض كلامهم. # ولأبي علي أطراف من الكلام في مسائل أجاد فيها ولم يأتل، ولكنه قعد على ~~الكتاب على النظم المعروف. # وحدثني أصحابنا أن أبا علي اشترى شرح أبي سعيد في الأهواز في توجهه إلى ~~بغداد سنة ثمان وستين- لاحقا بالخدمة المرسومة به، والندامة الموقوفة عليه- ~~بألفي درهم، وهذا حديث مشهور، وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلا من زعم ~~أنه أراد النقض عليه، وإظهار الخطأ فيه. # وقد كان الملك السعيد- رضي الله عنه- هم بالجمع بينهما فلم يقض له ذلك، ~~لأن أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة. # وأبو علي يشرب ويتخالع ويفارق هدي أهل العلم وطريقة الربانيين وعادة ~~المتنسكين. PageV01P102 # وأبو سعيد يصوم الدهر، ولا يصلي إلا في الجماعة، ويقيم على مذهب أبي ~~حنيفة، ويلي القضاء سنين، ويتأله ويتحرج، وغيره بمعزل عن هذا، ولولا ~~الإبقاء على حرمة العلم، لكان القلم يجري بما هو خاف ويخبر بما هو مجمجم ~~ولكن الأخذ بحكم المروءة أولى، والإعراض عما يجلب اللائمة أحرى. ms076 # وكان أبو سعيد حسن الخط، ولقد أراده الصيمري أبو جعفر على الإنشاء ~~والتحرير فاستعفى وقال: هذا أمر يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها، وإلى ~~سياسة وأنا غريب فيها: # ومن العناء رياضة الهرم # وحدثنا النصري أبو عبد الله- وكان يكتب النوبة للمهلبي- بحديث مفند لأبي ~~سعيد هذا موضعه، قال: كنت أخط بين يدي الصيمري أبي جعفر محمد بن أحمد بن ~~محمد، فالتمسني يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني، ~~وكان أبو سعيد السيرافي بحضرته، فظن أنه بفضل علمه أقوم بالجواب من غيره، ~~فتقدم إليه أن يكتب ويجيب، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضرب والإصلاح، ثم ~~أخذ يحرر، والصيمري يقرأ ما يكتبه، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا، مباينا ~~لما يريده ترتيبا. # قال: ودخلت في تلك الحال، فتمثل الصيمري بقول الشاعر: # يا باري القوس بريا ليس يصلحه %~% لا تظلم القوس، أعط القوس باريها # ثم قال لأبي سعيد: خفف عليك أيها الشيخ وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله ~~تلميذك ليجيب عنه، فخجل من هذا القول، فلما ابتدأت الجواب من غير نسخة تحير ~~مني أبو سعيد، ثم قال: أيها الأستاذ، ليس بمستنكر ما كان مني، ولا بمستكثر ~~ما كان منك، إن مال الفيء لا يصح في بيت المال إلا بين مستخرج وجهبذ، ~~والكتاب جهابذة الكلام، والعلماء مستخرجوه. فتبسم الصيمري وأعجبه ما سمع، ~~وقال: على كل حال ما أخليتنا من فائدة. # وكان أبو سعيد بعيد القرين، لأنه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط ~~والفرائض والنحو واللغة والعروض والقوافي والحساب والهندسة والحديث ~~والأخبار وهو في كل هذا إما في الغاية وإما في الوسط. # وأما علي بن عيسى فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، ~~وعيب به، إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة، ~~وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا، هذا مع الدين الثخين، والعقل الرزين. PageV01P103 # وأما ابن المراغي فلا يلحق بهؤلاء، مع براعة اللفظ، وسعة الحفظ، وعزة ~~النفس، وبلل الريق ، وغزارة النفث، وكثرة الرواية، ومن نظر في ms077 كتاب ~~البهجة له عرف ما أقول، واعتقد فوق ما أصف، ونحل أكثر مما أبذل. # وأما المرزباني وابن شاذان وابن القرمسيني وابن حيويه فهم رواة وحملة ليس ~~لهم في ذلك نقط ولا إعجام، ولا إسراج ولا إلجام. # فقال: فصل حديثك عن هؤلاء بحديث أصحابنا الشعراء، صف لي جماعتهم، واذكر ~~لي بضاعتهم، وما خص كل واحد منهم. # قلت: لست من الشعر والشعراء في شيء، وأكره أن أخطو على دحض ، وأحتسي ~~غير محض. # قال: دع هذا القول، فما خضنا في شيء إلى هذا الوقت إلا على غاية ما كان ~~في النفس، ونهاية ما أفاد من الأنس. # فكان من الوصف: # أما السلامي فهو حلو الكلام، متسق النظام، كأنما يبسم عن ثغر الغمام خفي ~~السرقة، لطيف الأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة ~~بالقلب ، وعبث بالروح، وبرد على الكبد. # وأما الحاتمي فغليظ اللفظ، كثير العقد، يحب أن يكون بدويا قحا، وهو لم ~~يتم حضريا، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر، على تشابه بينهما في ~~الجفوة وقلة السلامة، والبعد من المسلوك، بادي العورة فيما يقول، لكأنما ~~يبرز ما يخفي، ويكدر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر ~~سدر ، يتطاول شاخصا، فيتضاءل متقاعسا، إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو ~~مشين. # وأما ابن جلبات فمجنون الشعر، متفاوت اللفظ، قليل البديع، واسع الحيلة، ~~كثير الزوق، قصير الرشاء، كثير الغثاء، غره نفاقه ونفقه نفاقه. # وأما الخالع فأديب الشعر، صحيح النحت، كثير البديع، مستوي الطريقة، PageV01P104 # متشابه الصناعة، بعيد من طفرة المتحير، قريب من فرصة المتخير، كان ذو ~~الكفايتين يقدمه بالري، ويقبله على النشر والطي. # وأما مسكويه فلطيف اللفظ، رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل ~~السكب، بطيء السبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقي، ضعيف ~~الترقي، يرد أكثر مما يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر، ويطير بعيدا ويقع قريبا، ~~ويسقي من قبل أن يغرس، ويمتح من قبل أن يميه، وله بعد ذلك مآخذ كشدو من ~~الفلسفة، وتأت في الخدمة، وقيام برسوم الندامة ، وسنة في ms078 البخل، ~~وغرائب من الكذب، وهو حائل العقل لشغفه بالكيمياء. # وأما ابن نباتة فشاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلا حاسد أو جاهل أو معاند، ~~قد لحق عصابة (سيف الدولة) وعدا معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكان ~~البادية، لطيف الائتمام بهم، خفي المغاص في واديهم، ظاهر الإطلال على ~~ناديهم، هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس. # وأما ابن حجاج فليس من هذه الزمرة بشيء، لأنه سخيف الطريقة بعيد من الجد، ~~قريع في الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له في قرضه مثال، على أنه قويم ~~اللفظ، سهل الكلام، وشمائله نائية بالوقار عن عادته الجارية في الخسار، وهو ~~شريك ابن سكرة في هذه الغرامة ، وإذا جد أقعى، وإذا هزل حكى الأفعى. # وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيبة. قال: ما هي؟ قلت: لما ورد ذو الكفايتين ~~سنة أربع وستين وهزم الأتراك مع أفتكين، وكان من الحديث ما هو مشهور، سأل ~~عن ابن حجاج- وكان متشوقا له لما كان يقرأ عليه من قوافيه، فأحب أن يلقاه، ~~لأنه ليس الخبر كالمعاينة، والمسموع والمبصر كالأنثى والذكر، ينزع كل واحد ~~منهما إلى تمامه، فلما حضره أبو عبد الله احتبسه للطعام، وسمع كلامه، وشاهد ~~سمته، واستحلى شمائله، فقام من مجلسه، فلما خلا به قال: يا أبا عبد الله، ~~لقد والله تهت عجبا منك، فأما عجبي بك فقد تقدم، لقد كنت أفلي ديوانك، ~~فأتمنى لقاءك، وأقول: من صاحب هذا الكلام، أطيش طائش، وأخف خفيف، وأغرم ~~غارم، وكيف يجالس من يكون في هذا الإهاب؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس ~~الكتاب PageV01P105 # وأصحاب الآداب، حتى شاهدتك الآن، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك، وسكون ~~لفظك، وتناسب حركاتك، وفرط حيائك وناضر ماء وجهك، وتعادل كلك وبعضك، وإنك ~~لمن عجائب خلق الله وطرف عباده، والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك، وأن ~~ذلك الديوان لك، مع هذا التنافي الذي بين شعرك وبينك في جدك. فقال أبو عبد ~~الله: أيها الأستاذ، وكان عجبي منك دون عجبك مني، لو تقارعنا على هذا لفلجت ~~عليك ms079 بالتعجب منك. قال: لأني قلت إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقا جافيا ~~وفظا غليظا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليا ديلميا متكائبا متعاظما، حتى ~~رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء، وأرق من الماء، وأغزل من جميل بن معمر، ~~وأعذب من الحياة، وأرزن من الطود، وأغزر من البحر، وأبهى من القمر، وأندى ~~من الغيث، وأشجع من الليث، وأنطق من سحبان، وأندى من الغمام، وأنفذ من ~~السهام، وأكبر من جميع الأنام. # فقال أبو الفتح وتبسم: هذا أيضا من ودائع فضلك ، وباعث تفضلك. ووصله ~~وصرفه. # قال: لم يكن هذا الحديث عندي. # وأما بشر بن هارون فليس من هذه الطبقة في شيء، لكنه يقرص فيحز ويشتم ~~فيهز، ويجرح فيجهز، والمدهوون منه كثير، «وأصحابنا يستحسنون قول ابن ~~الحجاج في الوزير حين يقول: # لله در الحسين من قمر %~% ردت إليه وزارة الشمس # فقال: إن قبلت هذا منهم خفت أن يقال: مادح نفسه يقرئك السلام، وما أصنع ~~بهذا البيت وهو مضموم إلى كل بيت سخيف في القصيدة» . # ثم قال: وجب أن نصف قبل هذا عصابة العلماء، فلم تركنا ذكرهم ونحن لا نخلو ~~في حديثهم من غرة لائحة، وفائدة نافعة، وصواب زائد في العقل وفضيلة على ~~الأدب، وحلم يزدان به في وقت الحاجة، وحكمة يستعان بها في داهمة، ورأي يكون ~~مقيلا للتمييز عند تهجيرنا به. # قلت: أما أبو عبد الله الجعل فقد شاهدته. قال: صدقت، ولكن لم أقف على ~~مذهبه ودخلته وسيرته في اعتقاده. # قلت: كان الرجل ملتهب الخاطر، واسع أطراف الكلام، مع غثاثة اللفظ، وكان ~~يرجع إلى قوة عجيبة في التدريس، وطول نفس في الإملاء، مع ضيق صدر عند لقاء PageV01P106 # الخصم ومعاركة القرن، بعيد العهد بالمصاع والدفاع والوقاع، وكان سبب هذا ~~الجبن والخور قلة الضراوة على هذه الأحوال، ولقد خزي في مشاهد عظيمة. # وأما يقينه فكان ضعيفا، وأما سيرته فكانت واقفة على حب الرياسة وبذل ~~المال والجاه إذا حضرا، مع تعصب شديد لمن قدمه وأحبه، وإنحاء مفرط على من ~~عاداه، وكان خوضه في الدول والولايات- ولهذا رغب عنه الواسطي ms080 وكان أخا ورع ~~ودين وقال: هذا منفر عن الدين والمذهب، ودافع للناس عن القول بالحق، وطارح ~~للشبهة في القلوب-. # وكان يجهر بهذا وأشباهه، ولكن كان جاه الرجل لا ينتقص بهذا القدر وركنه ~~لا يتخلخل على هذا الهد، لأسباب انعقدت له، وأصحاب ذبوا عنه. # وأما ابن الملاح فشيخ حسن المعرفة بالمذهب، شديد التوقي، محمود القناعة ~~ظاهر الرضا، تدل سيرته الجميلة على أنه حسن العقيدة. # وأما ابن المعلم فحسن اللسان والجدل، صبور على الخصم، كثير الحيلة ظنين ~~ السر، جميل العلانية. # وأما أبو إسحاق النصيبي فدقيق الكلام، يشك في النبوات كلها، وقد سمعت منه ~~فيها شبها، ولغته معقدة، وله أدب واسع، ولقد أضل بهمذان كاتب فخر الدولة ~~ابن المرزبان. وحمله على قلة الاكتراث بظلم الرعية، وأراه أنه لا حرج عليه ~~في غبنهم لأنهم بهائم، وما خرج من الجبل حتى افتضح. # وأما ابن خيران فشيخ لا يعدو الفقه، وفيه سلامة. # وأما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة، وهو يأكل الدنيا بالدين، ويغلب ~~عليه اللواط، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة، ولقد تهتك بنيسابور قديما، وببغداد ~~حديثا، هذا مع الفدامة والوخامة، ولقد ند بجعل غلام، وهو اليوم قاضي الري. ~~وابن عباد يكنفه ويقربه ليكون داعية له ونائبا عنه، وليس له أصل وهو من ~~سواد همذان، وأبوه كان فلاحا، ولقد رأيته، إلا أنه تأتى لابن عباد في سمته ~~ولزوم ناموسه حتى خف عليه، وهو اليوم قارون، وقد علت رتبته في الكلام حتى ~~لا مزيد عليها، إلا أنه مع ذلك نغل الباطن، خبيث الخبء، قليل اليقين، ~~وذلك أن الطريقة التي قد لزموها وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك ~~والارتياب، لأن الدين لم يأت بكم وكيف في كل باب، ولهذا كان لأصحاب الحديث ~~أنصار الأثر، مزية على أصحاب الكلام وأهل النظر، والقلب الخالي من الشبهة ~~أسلم من الصدر المحشو بالشك والريبة، ولم يأت PageV01P107 # الجدل بخير قط. وقد قيل: من طلب الدين بالكلام ألحد، ومن تتبع غرائب ~~الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر. وما شاعت هذه الوصية جزافا، بل ms081 ~~بعد تجربة كررها الزمان، وتطاولت عليها الأيام، يتكلم أحدهم في مائة مسألة ~~ويورد مائة حجة لا ترى عنده خشوعا ولا رقة، ولا تقوى ولا دمعة، وإن كثيرا ~~من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجون ولا يناظرون ولا يكرمون ولا ~~يفضلون خير من هذه الطائفة وألين جانبا، وأخشع قلبا، وأتقى لله عز وجل، ~~وأذكر للمعاد، وأيقن بالثواب والعقاب، وأقلق من الهفوة، وألوذ بالله من ~~صغير الذنب، وأرجع إلى الله بالتوبة، ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية، ~~أو دمعت عينه ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، ~~واستأصل شأفتهم، وأراح العباد والبلاد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت ~~آفتهم على صغار الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من ~~الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعا . # قال: فما تقول في ابن الباقلاني؟ قلت: # فما شر الثلاثة أم عمرو %~% بصاحبك الذي لا تصبحينا # يزعم أنه ينصر السنة ويفحم المعتزلة وينشر الرواية، وهو في أضعاف ذلك على ~~مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة. # قال: والله إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن الغلاظ، والأمراض التي ليس ~~لها علاج. # ثم قال: إن الليل قد ولى، والنعاس قد طرق العين عابثا، والرأي أن نستجم ~~لننشط، ونستريح لنتعب، وإذا حضرت في الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق ~~والخلق- إن شاء الله- وأنا أزودك هذا الإعلام ليكون باعثا لك على أخذ ~~العتاد بعد اختماره في صدرك، وتحيل الحال به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن ~~الضعفاء، ولكن قل واتسع مجاهرا بما عندك، منفقا مما معك. وانصرفت. PageV01P108 ### || الليلة التاسعة # وعدت ليلة أخرى فقال: فاتحة الحديث معك، فهات ما عندك. # فكان من الجواب: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان، ~~وذلك أن الإنسان صفو الجنس الذي هو الحيوان، والحيوان كدر النوع الذي هو ~~الإنسان والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع، وما كان صفوا ومصاصا ~~ بهذا النظر انتظم فيه من كل ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر، وظهر ذلك ~~عليه وبطن أيضا بالأقل والأكثر والأغلب والأضعف، كالكمون ms082 الذي في طباع ~~السبع والفأرة، والثبات الذي في طباع الذئب، والتحرز الذي في طباع الجاموس ~~من بنات الليل، والحذر الذي في طباع الخنزير، والتقدم الذي في طباع الفيل ~~أمام قطيعه تمثلا بصاحب المقدمة. # وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثلا بصاحب الساقة، وكالحراسة التي في طباع ~~الكلب، وكاوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدغل والأشب ~~والغياض. # ولهذا قال بعض الحكماء: خذ من الخنزير بكوره في الحوائج، ومن الكلب نصحه ~~لأهله، ومن الهرة لطف نفسها عند المسألة. # وقالت الترك: ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشر خصال من ضروب الحيوان: ~~سخاء الديك، وتحنن الدجاجة، ونجدة الأسد، وحملة الخنزير وروغان الثعلب، ~~وصبر الكلب، وحراسة الكركي، وحذر الغراب، وغارة الذئب، وسمن بعروا، وهي ~~دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء. # ولما وهب الإنسان الفطرة، وأعين بالفكرة، ورفد بالعقل، جمع هذه الخصال ~~وما هو أكثر منها لنفسه وفي نفسه، وبسبب هذه المزية الظاهرة فضل جميع ~~الحيوان حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير والإعمال واستخراج المنافع منها ~~وإدراك الحاجات بها، وهذه المزية التي له مستفادة بالعقل، لأن العقل ينبوع ~~العلم، والطبيعة ينبوع الصناعات، والفكر بينهما مستمل منهما ومؤد بعضها إلى ~~بعض بالفيض الإمكاني PageV01P109 # والتوزيع الإنساني، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل، وصواب روية ~~الفكرة من صحة الطباع، وصحة الطباع من موافقة المزاج، وموافقة المزاج ~~بالمدد الاتفاقي والاتفاق الغيبي، أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا ~~اتفاق، ووجه الحادث المعلوم عند الله عز وجل غيب، فلو ظهر هذا الغيب لبطل ~~الاتفاق، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب. # فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة، وبين نادر لا يدوم ~~العهد به، فدل ما ظهر واستمر على ما جاد به ووهب، ودل ما غاب واستتر على ما ~~تفرد به وغلب. # ولما كان الحيوان كله يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة، وكان ~~الإنسان يتصرف فيها بالاختيار، صح له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدا له في ~~اختياره، وكذلك يكون النحل أيضا، صح له من الاختيار قسط في إلهامه ms083 حتى يكون ~~ذلك معينا في اضطراره، إلا أن نصيب الإنسان من الإلهام أقل كما أن قسط سائر ~~الحيوان من الاختيار أنزر، وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانا بالإلهام ~~أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان ~~مرفودا بالاختيار، لأن قوة الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام ~~في الإنسان كالظل. # ومراتب الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاث أنفس، فأحدهم ملهم فيتعلم ~~ويعمل، ويصير مبدأ للمقتبسين منه، المقتدين به، الآخذين عنه، الحاذين على ~~مثاله، المارين على غراره، القافين على آثاره، وواحد يتعلم ولا يلهم فهو ~~يماثل الأول في الدرجة الثانية، أعني التعلم، وواحد يتعلم ويلهم، فتجتمع له ~~هاتان الخلتان، فيصير بقليل ما يتعلم مكثرا للعمل والعلم بقوة ما يلهم ~~ويعود بكثرة ما يلهم مصفيا لكل ما يتعلم ويعمل. # والكلام في هذه المواضع ربما جمح فلم يمكن كفه، فينبغي أن يضح العذر إذا ~~عرض تفاوت في الترتيب، ودخل الخلل من ناحية التقريب. # وقال أبو سليمان لنا في هذه الأيام: الإنسان بين طبيعته وهي عليه وبين ~~نفسه وهي له، كالمنتهب المتوزع، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هو ~~له من النفس، وضعف ما هو عليه من الطبيعة وإلا فقد قوي ما هو عليه من ~~الطبيعة وضعف ما هو له من النفس. # وحكى لنا فقال: كان للحكماء الأولين مثل يضربونه ويكتبونه في هياكلهم ~~ومتعبداتهم وهو: «الملك الموكل بالدنيا يقول: إن ههنا خيرا وههنا شرا، ~~وههنا ما ليس بخير ولا شر، فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني، ونجا ~~سليما، وبقي كريما، وملك نعيما عظيما. PageV01P110 # ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة، وذلك أني لا أقتله قتلا وحيا يستريح به ~~مني، ولكن أقتله أولا فأولا في زمان طويل، بحسرات على فوت مأمول بعد مأمول، ~~وبلايا يكون بها كالمغلول المكبول» . # قال: هذا كلام شريف في أعلى ذروة الحكمة، لكنك خليت يدك من طرف الحديث في ~~الخلق. # قلت: إذا طاب الحديث باسترسال السجية ووقوع الطمأنينة لها الإنسان عن ms084 ~~مباديه، وسال مع الخاطر الذي يستهويه، ولتحفظ الإنسان في قوله وعمله من ~~الخطل والزلل حد إذا بلغه كل الخاطر واختل. # ثم نعود فنقول: أخلاق الإنسان مقسومة على أنفسه الثلاث: أعني النفس ~~الناطقة، والنفس الغضبية، والنفس الشهوانية، وسمات هذه الأخلاق مختلفة بعرض ~~واسع. # ويمكن أن يقال في نعتها على مذهب التقريب: إنها بين المحمودة وبين ~~المذمومة، وبين المشوبة بالحمد والذم، وبين الخارجة منهما. فمن أخلاق النفس ~~الناطقة- إذا صفت- البحث عن الإنسان ثم عن العالم، لأنه إذا عرف الإنسان ~~فقد عرف العالم الصغير، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، وإذا عرف ~~العالمين عرف الإله الذي بجوده وجد ما وجد، وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ~~ترتب ما ترتب، وبمجموع هذا كله دام ما دام. # بهذا البحث يتبين له ما تشتمل عليه القوة الغضبية والقوة الشهوية فإن ~~توابع هاتين القوتين أكثر، لأنهما بالتركيب أظهر، وفي الكثرة أدخل وعن ~~الوحدة أخرج، فإذا ساستهما الناطقة حذفت زوائدهما، ونفت فواضلهما ووفت ~~نواقصهما، وذيلت قوالصهما أعني إذا رأت غلمة في الشهوية أخمدت نارها، وإذا ~~وجدت السرف في الغضبية قصرت عنانها، فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم، ~~فيعود السفه حلما أو تحالما، والحسد غبطة أو تغابطا والغضب كظما أو تكاظما، ~~والغي رشدا أو تراشدا، والطيش أناة أو تآنيا وصرفت هذه الكوامن في المكامن- ~~إذا سارت سورتها، وثارت ثورتها- على مناهج الصواب، تارة بالعظة واللطف، ~~وتارة بالزجر والعنف وتارة بالأنفة وكبر النفس، وتارة بإشعار الحذر، وتارة ~~بعلو الهمة، وهناك يصير العفو عند القادر ألذ من الانتقام، والعفاف عند ~~الهائج ألذ من قضاء الوطر، والقناعة عند المحتاج أشرف من الإسفاف، والصداقة ~~عند الموتور آثر من العداوة، والمداراة عند المحفظ أطيب من المماراة. # وفي الجملة، الخلق الحسن مشتق من الخلق، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق ~~كذلك لا قدرة على تحويل الخلق، لكن الحض على إصلاح الخلق وتهذيب النفس لم PageV01P111 # يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة. # ومثاله أن الحبشي يتدلك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا، ولكن ليستفيد ~~نقاء شبيها بالبياض. ويقال ms085 للمهذار: «اكفف» لا ليكف عن النطق، ولكن ليؤثر ~~الصمت. # ويقال للموتور: «لا تحقد» لا ليزول عنه ما حنق عليه، ولكن ليتكلف الصبر ~~ويتناسى الجزاء على هذا أبدا. # وقد تقرر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله ~~مختلفة، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضد أو شبيه بالضد ~~كالحياة والموت، والنوم واليقظة، والحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير ~~والشر، والرجاء والخوف، والعدل والجور، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، ~~والحلم والسفه، والطيش والوقار، والعلم والجهل، والمعرفة والنكرة والعقل ~~والحمق، والصحة والمرض، والاعتدال والانحراف، والعفة والفجور والتنبه ~~والغفلة، والذكر والنسيان، والذكاء والبلادة، والغبطة والحسادة والدماثة ~~والكزازة، والحق والباطل، والغي والرشد، والبيان والحصر والثقة والارتياب، ~~والطمأنينة والتهمة، والحركة والسكون، والشك واليقين والخلاعة والوقار، ~~والتوقي والتهور، والإلف والملل، والصدق والكذب والإخلاص والنفاق، والإحسان ~~والإساءة، والنصح والغش، والمدح والذم وعلى هذا الجر والسحب، ولعل هذه ~~الصفات بلا آخر ولا انقطاع. # فما ينبغي أن يعنى الإنسان المحب للتبصرة، المؤثر للتذكرة، الجامع للنافع ~~له، النافي للضار به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرفة- ما ~~استطاع- باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله، ~~أو إطفاء جمرته، أو اجتناء ثمرته، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب، كأن ~~تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أن هذين ليسا من الأخلاق ولا مما يعالج ~~بالاجتهاد، وإلى النوم واليقظة فتعلم أنهما ضروريان للبدن من وجه، وغير ~~ضروريين من وجه، فتنفي منهما ما خرج عن حد الضرورة وتسلم البدن ما دخل في ~~حد الضرورة، ولا يكثرن الإنسان نومه ولا سهره، ولكن يطلب العدل بينهما بقدر ~~جهده. # فأما الحسن والقبيح فلابد له من البحث اللطيف عنهما حتى لا يجور فيرى ~~القبيح حسنا والحسن قبيحا، فيأتي القبيح على أنه حسن، ويرفض الحسن على أنه ~~قبيح، ومناشئ الحسن والقبيح كثيرة: منها طبيعي، ومنها بالعادة، ومنها ~~بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة، فإذا اعتبر هذه المناشئ صدق الصادق ~~منها وكذب الكاذب، وكان استحسانه على قدر ذلك، ومثال ذلك الكبر فإنه معيب ~~بالنظر الأول، لكنه حسن ms086 في موضعه بالعلة الداعية إليه، والحال الموجبة له. PageV01P112 # وأما الصواب والخطأ فأمران عارضان للأقوال والأفعال والآراء، وليسا ~~بخلقين محضين، ولكنهما موكولا إلى نور العقل، فما أشرق عليه العقل بنوره ~~فهو صواب، وما أفل عنه العقل بنوره فهو خطأ. # وأما الخير والشر فهما في العموم والشمول ليسا بدون الصواب والخطأ لهما ~~مناط بكل شيء، ويغلبان على الأفعال، وإن كان أحدهما عدما للآخر. # وأما الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية، ولا يدخلان في ~~باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه وهما كالعمادين للإنسان قد ~~استصلح لهما، وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما. # وأما العدل والجور فقد يكونان خلقين بالفطرة، ويكونان فعلين بالفكرة ~~وجانباهما بالفعل ألصق، وإلى الاكتساب أقرب. # وأما الشجاعة والجبن فهما خلقان متصلان بالخلق، ولهذا يعز على الشجاع أن ~~يتحول جبانا، ويتعذر على الجبان أن يصير شجاعا، وكذلك طرفاهما داخلان في ~~الخلق أعني التهور والتوقي. # وأما السخاء والبخل فهما خلقان محضان أو قريبان من المحض، ولهذا تعلق ~~الحمد والذم بهما وبأصحابهما، والمدح والهجو سريا إليهما واتصلا بهما، وقد ~~يندم السخي على بذله كثيرا خوفا من الإملاق، فلا يستطيع ذلك إذا أخذته ~~الأريحية، وحركته اللوذعية، وقد يلوم البخيل نفسه كثيرا إذا سلقته الألسنة ~~الحداد، وجبه بالتوبيخ، وشمخ عند رؤيته الأنف، وغضن الجبين وأولم بالعذل ~~وقوبل، ومع ذلك فلا يرشح إلا على بطء وكلفة وتضجر، والكلام في هذين الخلقين ~~طويل، لأنهما أدخل في تلاقي الناس وتعاطيهم في عشرتهم ومعاملتهم. # وأما الحلم والسفه فهما أيضا خلقان، والأخلاق تابعة للمزاج في الأصل، ~~ولذلك قلنا: إن الخلق ابن الخلق، والولد شبيه بوالده، وفي الجملة، كل ما ~~يمكن أن يقال فيه للإنسان «لا تفعل هذا» ، «وأقلل من هذا وكف عنه» فإنه في ~~باب الأفعال أدخل، وكل ما لم يجز أن يقال ذلك فيه فهو في باب الأخلاق أدخل، ~~ثم لبعض هذا نسبة إلى الخلق أو الخلق، إما ظاهرة غالبة وإما خفية ضعيفة. # وأما الطيش والوقار فهما يختلطان بالحلم والسفه ويجريان معهما، فليس ~~ينبغي أن ms087 ينشر الكلام ويطول الشرح. # وأما الجهل والعلم فليسا من الأخلاق ولا من الخلق وإنما يبرزان من صاحب ~~الأخلاق والخلق للمزاج أثرين قويين واحدهما عدم والآخر وجدان، والعدم لا ~~يكون أعدم من عدم، والوجدان يكون أبين من وجدان. PageV01P113 # وأما المعرفة والنكرة فهما في جوار العلم وضده، ولكنهما أعلق بالحس وألصق ~~بالنفسين، أي الشهوية والغضبية. # وأما العقل والحمق فليسا من الخلق، والكلام في تفسير العقل مشهور، وعدمه ~~الحمق. # وأما الصحة والمرض فليسا أيضا من الأخلاق، ولكنهما يوجدان في الإنسان ~~بواسطة النفس، إما في البدن، وإما في العقل، ولذلك يقال: أمراض البدن، ~~وأمراض النفس، وصحة البدن وصحة النفس. # وأما الاعتدال والانحراف فهما يدخلان في الخلق بوجه، ويخلصان منه بوجه، ~~ويعمان أعراض البدن وأعراض النفس، ويوصف بهما الإنسان، على أن الانحراف ~~المطلق لا يوجد، والاعتدال المطلق لا يوجد، ولكن كلاهما بالإضافة. # وأما العفة والفجور فخلقان لهما جمرة وهمود، والحاجة تمس إلى العدل في ~~استعمال العفة ونفي الفجور، وإذا قويت العفة حالت عصمة، وإذا غلب الفجور ~~صار عدوانا. # وأما التنبه والغفلة فقريبان من الخلق ويغلبان على الإنسان، إلا أن فرط ~~التنبه موصول بالوحي، وفرط الغفلة موصول بالبهيمية. # وأما الذكر والنسيان فليسا بخلقين محضين، ومنشؤهما بالمزاج، وأحدهما من ~~علائق النفس العالمة، والآخر من علائق النفس البهيمية. # وأما الذكاء والبلادة فهما خلقان، ونعتهما كنعت الذكر والنسيان، إلا أن ~~هذين يعرضان في الحين بعد الحين، والأخريان كالراسخين في الطينة. # وأما الغبطة والحسد فخلقان رسم الأول منهما بأن تتمنى لنفسك ما أوتيه ~~صاحبك ورسم الثاني بأن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك وإن لم يصل إليك. ورسوم ~~هذه الأخلاق أسهل من تحديدها، لكنا تركنا ذلك، لأن الكلام الذي كان يجري هو ~~على مذهب الخدمة. # على أن مراتب هذه الأخلاق مختلفة، فيبعد أن يعمها حد واحد، وإنما اختلفت ~~منازلها لأنها تارة تصفو بقوة النفس الناطقة، وتارة تكدر بالقوتين ~~الأخريين، ولبعضها حدة بالزيادة، ولبعضها كلة بالنقص، فلم يكن التحديد يفصل ~~كل ذاك، فلم نعرج على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه. # ونتم ms088 بقية ما علق بهذه الجملة، فنقول: # وأما الدماثة والكزازة فخلقان محضان تابعان للمزاج، ثم المران يزيدهما ~~قوة PageV01P114 # وضعفا، وهما للنعت أقرب، كالسهولة والعسر، ولذلك يقال: «ما أدمث هذه ~~الأرض» ، أي ما أرخاها وألينها، وفي المثل: # «دمث لجنبك قبل النوم مضطجعا» # وأما الحق والباطل فليسا من الخلق ولا الخلق في شيء، وهما من نتائج ~~المعرفة والنكرة، لأنك تعرف الحق وتنكر الباطل، وذلك لأغراض تتبعهما، ~~ولواحق تلتبس بهما. # وأما الغي والرشد فليسا من الخلق، لكنهما من علائق الأفعال الحميدة ~~والذميمة، وللرأي والعقل فيهما مدخل قوي وحظ تام. # وأما البيان والحصر فليس بينهما وبين الخلق علاقة، وإنما يتبعان المزاج ~~ويزيد فيهما وينقص الجهد والتواني والطلب والقصور. # وأما الثقة والارتياب فخلقان يغلبان ينفعان ويضران ويحمدان ويذمان، ألا ~~ترى أنه يقال: لا تثق بكل أحد، «ولا ترتب بكل إنسان» وهكذا الطمأنينة ~~والتهمة، لأنهما في طيهما. # وأما الحركة والسكون فليسا من حديث الخلق في شيء لأنهما عامان لجميع ~~الأحوال سواء كان العمل مباشرا أم كان معتقدا. # وفي الحركة والسكون كلام واسع، وذلك أن ههنا حركة إلهية، وحركة عقلية، ~~وحركة نفسية، وحركة طبيعية، وحركة بدنية، وحركة فلكية، وحركة كوكبية، وحركة ~~كأنها سكون. فأما السكون فهو ضرب واحد، لأنه في مقابل كل حركة ذكرناها. ~~فإذا اعتبرت هذه المقابلة في كل مقابل لحظ الانقسام في السكون، كما وجد ~~الانقسام في الحركة. والحركة أوضح برهان على كل موجود حسي، والسكون أقوى ~~دليل على كل موجود عقلي، وهذا القدر كاف في هذا الموضع. # وأما الشك واليقين، فمن علائق النفس الناطقة، ولهذا لا يقال في الحيوان ~~الذي لا ينطق: له يقين وشك. # وأما الخلاعة والوقار، فقد تقدم البحث عنهما. # وأما التوقي والتهور، فهما خلقان في جميع الحيوان، ويغلبان على نوع ~~الإنسان، لأن العقل يبطل أحدهما، والحس يغلب الآخر. # وأما الإلف والملل فخلقان محضان، يذمان ويحمدان على قدر المألوف ~~والمملول، وإن كان جريان العادة قد وفر الحمد على الإلف، والذم على الملل. PageV01P115 # وقد مدح زيد فقيل: هو ألوف. وذم عمرو فقيل: هو ملول. ms089 # وأما الصدق والكذب، فمن علائق النفس الناقصة والكاملة، وقد يكونان راسخين ~~فيلحقان بالخلق، إلا أن الصدق ممدوح، والكذب مذموم، هذا في النظر الأول، ~~وقد يعرض ما يوجب المصير إلى الكذب لينجى به، فهما إذن بعد الحقيقة الأولى ~~وقف على الإضافة، وقد وجدنا من كذب لينتفع، ولم نجد من صدق ليكتسب الضرر. # وأما الإخلاص والنفاق، فهما يلحقان بالخلق، ولكنهما يصدران عن عقيدة ~~القلب وضمير النفس. # وأما الإحسان والإساءة، فهما يعمان الأفعال والأقوال، فإذا رسخ اعتيادهما ~~استحالا خلقين. # وأما النصح والغش، فهما خلقان، وطرفاهما يتعلقان بالخلق. # وكذلك الطمع واليأس، والحب، والبغض، واللهج والسلو، وما شاكل هذا الباب. # ولم يجر هذا كله في المذاكرة بالحضرة، ولكن رأيت من تمام الرسالة أن أضم ~~هذا كله إلى حومته، وأبلغ الممكن من مقتضاه في تتمته. # وقال لي: هات الوداع، فإن الليل قد هم بالإقلاع. # قلت: قال أبو سعيد الذهبي الطبيب: لو علم الذي يحمل الباذنجان أن على ~~ظهره باذنجانا لصال على الثيران. # فضحك- أضحك الله سنه، وحقق في كل خير ظنه- وقال: إن كنت تحفظ في غرائب ~~أخلاق الحيوان شيئا فاذكره إذا حضرت، فقد مر في أخلاق الإنسان ما يكفي مجلس ~~الإمتاع والمؤانسة، فإذا ضم هذا إلى ذاك كان للإنسان فيه تبصر كاف، وتذكر ~~شاف. وصدق- صدق الله قوله- لأن الإنسان أشرف الحيوان، وإنما كان هكذا لأنه ~~حاز جميع قوى الحيوان ثم زاد عليه بما ليس لشيء منه، فصار ربا له سائسا، ~~ومصرفا له حارسا، ونظر إلى ما سخر له منه فاعتبر، وقاد نفسه إلى حسن ما ~~رأى، وعزفها عن قبيح ما وجد، ولم يجز في الحكمة أن يحرم الإنسان هذا مع ما ~~فيه من المواهب السنية، والمنائح الهنية، فإن قال قائل: فالملائكة إذن قد ~~حرمت هذه الفضيلة؟ فليعلم هذا القائل أن الملك لما خلق كاملا لم يكلف أن ~~يكمل ويتكامل ويستكمل، فصار كل شيء يطلبه ويتوخاه سببا إلى كماله المعد له ~~وغايته المقصودة. فإن زاد فقال: فهلا خلق كاملا؟ فليعلم أن كلامه على طريق ~~الجدل، لا على طريق البحث ms090 عن العلل، لأنه قد جهل أنه بالحكمة وجب أن يكون ~~الأمر مقسوما بين ما يحوز الكمال بالجبلة، وبين ما يكسب الكمال بالقصد. PageV01P116 # ولما وجب هذا بالحكمة سرت إليه القدرة، وساح به الجود، واشتملت عليه ~~المشيئة، وأحاطت به الحكمة، وشاعت فيه الربوبية. # وههنا زيادة في شرح الخلق يتم بها الكلام، فليس من الرأي أن يقع الإخلال ~~بذكرها، لأنها مكشوفة ظاهرة، وهي أن الإنسان إذا غلبت الحرارة عليه في مزاج ~~القلب يكون شجاعا نزالا، ملتهبا، سريع الحركة والغضب قليل الحقد، زكي ~~الخاطر، حسن الإدراك. # وإذا غلبت عليه البرودة يكون بليدا، غليظ الطباع، ثقيل الروح. # وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب، سمح النفس، سهل التقبل كثير ~~النسيان. # وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابرا، ثابت الرأي، صعب القبول يضبط ويحتد، ~~ويمسك ويبخل، وهذا النعت على هذا التنزيل- وإن كان مفهوما- فأسرار الإنسان ~~في أخلاقه كثيرة وخفية، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي، وعجائب لا تنقضي، وقد ~~قال الأول: # كل امرئ راجع يوما لشيمته %~% وإن تخلق أخلاقا إلى حين # وقال آخر: # إرجع إلي خيمك المعروف ديدنه %~% إن التخلق يأتي دونه الخلق # ولولا أن النزوع عن الخلق شاق لما قالوا: تخلق فلان. # وقد قيل أيضا: «وخالق الناس بخلق حسن» ، وعلى هذا يجري أمر الضريبة ~~والطبيعة والنحيتة والغريزة والنحيزة والسجية والشيمة، وربما قيل: الطبيعة ~~أيضا، ثم العادة تالية لهذه كلها، أو زائدة فيما نقص فيها، وموقدة لما خمد ~~منها. PageV01P117 ### || الليلة العاشرة [والحادية عشرة والثانية عشرة] # ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة، تفضل وقال: ما في العلم ~~شيء إلا إذا بدئ بالكلام فيه اتصل وتسلسل حتى لا يوجد له مقطع ولا منفذ. ثم ~~قرأت عليه نوادر الحيوان، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته، فزاد عجبا وأنا ~~أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرة وفائدة- إن شاء الله تعالى. # يقال: إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سنا. # وأسنان المرأة ثلاثون سنا. # وأسنان الخصي ثمان وعشرون سنا. # وأسنان البقر أربع وعشرون سنا. # وأسنان الشاة إحدى وعشرون سنا. # وأسنان التيس ثلاث وعشرون. # وأسنان العنز ms091 تسع عشرة سنا. # الذي ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلا: البومة والوطواط. # ومن الحيوان الوحشي ما يستأنس سريعا: الفيل. # ويحكى أن الحيوان الذي أسنانه قليلة عمره قصير، والذي أسنانه كثيرة عمره ~~طويل. # الفيل إذا ولد نبتت أسنانه في الحال، فأما أسنانه الكبار وأنيابه الكبار ~~فتظهر إذا شب وكبر. # قلب جميع الحيوان موضوع في الوسط من الصدر ما خلا الإنسان، فإن قلبه مائل ~~إلى الجانب الأيسر. # الأفعى تبيض في رحمها، ثم يصير هناك حيوانا. # الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار والحاجبين. # وأول ما ينبت بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية: # (إن خصي الإنسان قبل احتلامه لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخر نباته، ~~وإن خصي بعد احتلامه فإن ذلك الشعر يزول، ما خلا شعر العانة فإنه يبقى) . PageV01P118 # المرأة إذا احتبس طمثها ربما خرج لها شعر يسير في موضع اللحية. # شعر الحاجبين ربما طال عند الكبر. # وشعر الأشفار لا يطول. # للأرانب في داخل أشداقها شعر، وكذلك تحت أرجلها. # القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه. # والبرية منها تسفد قائمة وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر. # الرجال يشتاقون إلى الجماع في الشتاء، والنساء في الصيف. # الخنزير إذا تمت له من ولادته ثمانية أشهر ينزو على الأنثى. # الكلبة تحمل وتبقى ستين يوما ويوما، وهذا أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن ~~يتم حملها ستين يوما، فإن وضعت قبل ذلك فإنها لا تربي ولا يبقى لها ولد. # الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين، وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع ~~والأنثى تحمل سنتين، ولا تضع إلا واحدا. # إذا باض الطائر وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق ~~بعد ذلك. # كل ما كان من البيض مستطيلا محدد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان مستديرا ~~عريض الأطراف يفرخ الذكور. # وجرب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس على البيض تمرض. # القبج إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر، وهبت الريح من ناحية الذكر ~~مقبلة إلى ناحيتها حملت من ساعتها. # الحمامة ms092 إذا نتفت ريشة من ريشها احتبس بيضها أكثر مما لها بالطبع. # مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة، وغذاؤه من الصفرة، فإذا خرج فرخان كان ~~أحدهما أكبر جثة من الآخر، والذكر منهما من البيضة الأولى ومن الثانية ~~الأنثى. # الفاختة تعيش أربعين عاما. # والحجل يعيش عشرين عاما. # الرخمة تفرخ على صخور مشرفة عالية لا ينالها أحد، ولا توجد رخمة وفراخها ~~إلا في الفرط . # العقاب يجلس على البيض ثلاثين يوما، وكذلك كل طائر عظيم الجثة مثل الإوز ~~وما أشبهه، والمتوسط الجثة يجلس على البيض عشرين يوما، كالحدأة والبزاة وما ~~أشبه ذلك. PageV01P119 # إناث الغربان تجلس على البيض جلوسا دائما، والذكر يأتيها بالطعم حينئذ. # الحجل تعمل عشين يجلس الذكر على واحد، والأنثى على واحد. # الطاوس يعيش خمسا وعشرين سنة، وفي هذه المدة تنتهي ألوان ريشه. # ويحضن بيضه ثلاثين يوما. قيل: وربما أكثر قليلا، ويبيض في كل سنة مرة ~~واحدة، وعدد بيضة اثنتي عشرة بيضة، ويلقي ريشه في زمن الخريف وبعده قليلا، ~~وذلك حين يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا أول الشجر وظهرت فروعه، ونبت ورقه بدأ ~~ريشه ينبت. # الدلفين له لبن، ويرضع، ويحمل عشرة أشهر، وتلد في الصيف ولا تلد في زمان ~~آخر البتة، وربما غاب تحت الموج في الماء ثلاثين يوما لا يظهر، وهو محب ~~لخرئه يأكله. # الجمل الذكر يكره قرب الفرس ويقاتله إذا تمكن منه. # الشاة إن مطرت بعد نزوها انتقض حملها. # الغنم إذا أنزيت والريح جنوب تضع أولادها إناثا، وإن كانت العروق التي ~~تحت ألسن الكباش الفحول بيضا فإن إناث الغنم تضع حملانا بيضا، وإن كانت ~~العروق سودا فإنها تضع حملانا سودا. وإن كانت لونين تكون مختلفة، وإن كانت ~~شقرا خرجت شقرا. # الغنم إذا هاجت المسنة منها أولا فالسنة ذات خصب، وإن هاجت الفتية أولا ~~فالسنة رديئة على الغنم. # الكلب السلوقي ينزو إذا تم له ثمانية أشهر، والأنثى منها تحمل ستين يوما، ~~وربما زادت يوما أو يومين، وجراؤها عمي اثنين وعشرين يوما. ومنها ما تحمل ~~ثلاثة أشهر وتكون جراؤها عميا سبعة عشر يوما. ms093 # إناث الكلاب تطمث في كل سبعة أيام وتبول جالسة، ومنها ما ترفع رجلها عند ~~البول. # ذكور الكلاب ترفع أرجلها للبول إذا تمت لها من ولادتها ثمانية أشهر ~~وبعضها في ستة أشهر. # ذكور الكلاب السلوقية تعيش عشر سنين، وإناثها اثنتي عشرة سنة، ومن ~~أجناسها ما تعيش عشرين سنة، وإناثها كلها أطول أعمارا من الذكور. # قال أوميروس الشاعر: إن كلب أديسوس هلك وهو ابن عشرين سنة. # وليس تلقى الكلاب شيئا من أسنانها سوى النابين، فإذا تم للكلب أربعة أشهر ~~أبقاهما. PageV01P120 # البقر تلقي أسنانها لسنتين، وإذا كثر نزو الذكور منها وحمل الإناث يكون ~~ذلك علامة شتاء وجود أمطار وخصب، وإناثها تطمث. # إناث الخيل تضع أولادها في أحد عشر شهرا، أو في الثاني عشر. # الحيات رغبة نهمة، قليلة شرب الماء، لأنها لا تضبط أنفسها، وإذا شمت ~~الشراب فإنها تشتاق إليه جدا. # الأسد إذا بال رفع رجله كما يرفع الكلب. # البقر تشتهي شرب الماء الصافي النقي، والخيل على الضد فإنها تشرب مثل ~~الجمال الماء الكدر الغليظ. # الغنم في الخريف تشرب الماء الذي تصيبه ريح الشمال، وذلك الوقت أوفق لها. # الدراج إذا هبت الريح شمالا تتزاوج وتخصب، وإن كانت جنوبا ساءت حالها ~~ومرضت. # السمك الذي يأوي إلى الشطوط من ناحية البر ألذ من الذي يأوي اللجج وما ~~كان منها مستطيل الجثة فهو يخصب في الصيف وهبوب الشمال، والعريض الجثة على ~~ضد ذلك، وأكثر ما يصاد السمك قبل طلوع الشمس لكلبه على الرعي، وطلب الطعم. # والسمك الجاسي الجلد يخصب في السنة المطيرة، لأن ماء البحر يحلو فيها. # الكلب له ثلاثة أمراض: الكلب، والذبحة- وهو القاتل لها- والنقرس. # والداء الذي يقال له الكلب يعرض للجمال أيضا، فإذا كلب الجمل بخر ولم ~~يؤكل لحمه. # الخيل إذا ألقت حوافرها وقت تنصل نبت لها حافر آخر عاجلا، لأن نباته يطلع ~~مع نصول الحافر. وعلامة ذلك اختلاج الخصية اليمنى. # ويعرض للخيل داء شبيه بالكلب، وعلامته استرخاء آذانها إلى ناحية أعرافها، ~~وامتناعها من العلف، وليس لهذا الداء علاج إلا التسكين. # لا يكون في بلد الهند ms094 خنزير. لا أنيس ولا بري، وفي أرض تعرف بكذا يجز ~~البقر كما يجز الغنم، وفي أرض النوبة تولد الكباش نابتة القرون. # وإناث الكلاب السلوقية أسرع إلى الأدب من الذكور. # جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع، ما خلا الذئبة، فإنها أصعب ~~خلقا وأجرأ من الذكور. # العقاب والتنين يتقاتلان، والعقاب تأكل الحيات حيثما وجدتها. PageV01P121 # الغداف يخطف بيض البومة نصف النهار فيأكله، لأن البومة لا تبصر بصرا حادا ~~في ذلك الوقت. فإذا كان الليل شدت البومة على بيض الغداف فأكلته. # بين العنكبوت وبين الحرذون شر، لأن الحرذون يأكل العنكبوت. # عصفور الشوك يقاتل الحمار، لأن الحمار إذا مر بالشوك أفسد عشه، فإذا نهق ~~بالقرب منه وقع بيضه، وإن كان فيه فراخ خرجت منه، فلهذه العلة يطير هذا ~~العصفور حول الحمار وينقره. # والغراب يعادي الثور والحمار وينقرهما. # والحية تعادي الخنزير وابن عرس، لأنهما يأكلان الحية حيث وجداها. # الغداف مصادق للثعلب، والثعلب مصادق للحية، «والسبب في عداوة العصفور ~~للحمار أن معاش العصفور من بزر الشوك وفيه يبيض، وهو وكره، والحمار يرعى ~~ذلك الشوك إذا كان رطبا» . # البقر يكون في الجبال إذا ضلت بقرة تبعتها الأخرى، ولذلك الرعاة إذا لم ~~يجدوا بقرة واحدة وعدموها طلبوا سائر البقر وفقدوها من ساعتهم. # الخيل إذا ضلت الأنثى منها أو هلكت ولها ولد فإن إناث الخيل ترضعه ~~وتربيه، وذلك أن جنس الخيل في طباعها حب أولادها. # الأيايل تلقي قرونها في أماكن عسرة صعبة، لا ترتقى لئلا تؤخذ، ولذلك قيل ~~في المثل: حيث تلقي الأيايل قرونها، فإذا ألقتها توقت أن تظهر إلى أن تنبت، ~~كأنها قد ألقت سلاحها. وقيل: إنه لم يعاين أحد القرن الأيسر من قرنيها، لأن ~~فيه منفعة عظيمة. # وإذا وضعت أولادها أكلت مشائمها من ساعتها، ولا يمكن أخذها لأنها تأكل من ~~قبل أن تقع على الأرض. # والأيلة تصاد بالصفير والغناء، ويفعل ذلك رجلان أحدهما يغني ويصفر، ~~والآخر يرشقها بالسهام، فلإصغائها إلى الصفير والغناء لا تحذر السهام. # ويقال إن الأيل إذا كانت أذناه قائمتين فهو يسمع كل شيء ولا ms095 يخفى عليه ما ~~يراد به، وإن كانتا مسترخيتين خفي ذلك عليه. # الفهد إذا أكل العشبة التي تسمى خانقة الفهود يطلب زبل الإنسان فيأكله ~~ويتعالج به. # ابن عرس إذا قاتل الحية أكل السذاب مخالفة للحية. # اللقالق إذا خرجت من قتال بعضها بعضا تضع على الجرح صعترا بريا. # يقال إن ذكور العصافير تبقى سنة فقط، والدليل على ذلك- أنها من قبل ~~أطواقها PageV01P122 # التي في أعناقها- لا تظهر في الربيع، بل بعد ذلك بأيام، لأنها لا تبقي ~~شيئا من الذكور التي كانت من العام الماضي، فأما إناثها فهي أطول أعمارا. # إذا دنا الصياد من عش القبج تخرج الأنثى من بين يديه وتطمعه في صيدها حتى ~~تهرب فراخها، ثم تطير وتدعو فراخها إليها. # وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر منها يطلب موضع بيض أنثاه ~~فيدحرجه- مخافة أن تقعد عليه وتشتغل عنه- فيفسده، وهي تحتال أبدا في الهرب ~~منه وتخفي موضع عشها، فتبيض في أماكن خفية، ومتى قصدها قامت عنه وأطمعت في ~~نفسها حتى تبعد عن أماكن بيضها، فإذا بعد طارت ثم احتالت في الرجوع إليه. # الهدهد يعمل عشه من زبل الإنسان، فلذلك رائحته كريهة. # العقاب تصيد منذ حين الغداة إلى وقت الرواح، فأما من أوان الرواح إلى أن ~~يترحل النهار فهي قاعدة في مكانها لا تتحرك. # ومنقار العقاب الأعلى ينشأ ويعظم ويتعقف حتى يكون ذلك سبب هلاكها لأنها ~~لا تنال به الطعم، فإذا فضلت للعقاب فضلة من طعمه وضعها في عشه لحاجة فراخه ~~إليها. # أصناف الطير المعقفة المخالب لا تجلس على الصخر إلا في الفرط، لأن خشونة ~~الصخر مخالفة لتعقف مخالبها. # النحل تعمل عشها في زمانين: في الربيع والخريف. والعسل الذي تعمله في ~~الربيع أشد بياضا وأجود من الذي تعمله في الخريف. # وأضعف العسل يكون أبدا في أعلى الإناء، والنقي الطيب في أسفله. # الأسد عظامه جاسية جدا، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج ~~من الحجارة. # الحيوان الذي له شعر في أشفار عينيه ليس في أشفار عينيه شعر إلا الشعر ~~الأعلى. # والنعامة لها أشفار ms096 في الجفنين الأعلى والأسفل. # القنفذ تبيض خمس بيضات، وليس هو بيضا بالحقيقة، بل هو على صورة البيض، ~~يشبه الشحم. # قلب كل حيوان طرفه حاد، وهو أصلب من سائر جسده، وهو موضوع في وسط الصدر ~~سوى الإنسان، فإنه مائل فيه إلى الناحية اليسرى، لأنه يكون بإزاء الجانب ~~الأيسر فيعادل الناحية اليمنى، فإن اليسرى من الإنسان أكثر بردا. # وليس في قلوب جميع الحيوان عظم إلا في الخيل، وفي جنس من البقر، فإن في ~~قلب هذين عظما دون غيرهما من الحيوان. PageV01P123 # وكل حيوان له قلب كبير يكون جزوعا. # الكلاب الهندية تتولد من كلب وسبع شبيه بالكلب. # والحمار حيوان بارد، ولذلك لا يكون الوحشي منها إلا في المكان البارد. # ذكور البغال لا تشم أبوال إناثها كسائر ذوات الحافر. # بيض الطير فيه لونان: بياض وصفرة. # وبيض السمك فيه لون واحد. # إذا كانت الريح جنوبا كان المولود أنثى، لأن الجنوب إذا هبت رطبت وإذا ~~أشملت كان المولود ذكرا. # عيون جميع الصبيان ساعة ولادتهم شهل ، ثم تنتقل إلى الطباع الغالبة ~~عليها. # وعيون جميع الحيوان لون واحد، كالبقر فإن عيونها سود. وعيون البشر ألوان ~~كثيرة. # صاحب العين الناتئة لا يبصر ما بعد عنه بصرا جيدا، والغائرة تبصر ما بعد ~~عنها، لأن حركتها لا تتفرق ولا تتبدد. # الفهد ربما نكح الدب فيتولد بينهما سبع مختلف المنظر، لا يتناول الناس ~~ويصيد الكلاب ويأكلها ويستخفي في الشجر، فإذا مر به أيل مفاجأة وثب عليه ~~وأنشب مخالبه في أكتافه ومص دمه حتى يضعف الأيل ويسقط فيجتمع عليه هذا ~~الصنف من السباع فيأكله، فإن اجتاز بها أسد نهضت عنه وتركت الفريسة له ~~تقربا إليه. # بأرض يونان معزى جعدة الصوف، يقال لها: المعزى البرية، فإذا أصابت قرونها ~~شيئا من قضبان الكرم لم ينبت ورقه ولا ثمره، بل يجف مكانه ويسقط ما عليه من ~~الورق والثمر. # السلحفاة تخرج من البحر إلى الرمل فتبيض فيه، حتى إذا بلغ أوانه وخرج ~~أولادها، فما كان ناظرا إلى ناحية البحر كان بحريا، وما كان وجهه إلى ناحية ~~البر كان ms097 بريا. # والسلاحف تمتنع من الذكران، فيأتيها بعود يحمله في فمه، ويدنو منها، فإذا ~~رأت ذلك العود سكنت له. # وما كان من السلاحف بحريا فخرج إلى البر وأصابه حر الشمس لم يستطع الرجوع ~~إلى البحر وبقي حتى هلك. وما كان بريا فوقع إلى ناحية البحر تلف ولم يستطع ~~الرجوع إلى البر وهلك. # الثعلب يهيئ عشه ووكره ذا سبعة أجحرة، فإذا طرقته الكلاب وغيرها مما ~~يتخوف في جحر خرج من غيره. PageV01P124 # وإذا قارب الزرع أن يسنبل دخل الثعلب فيه وتمعك فرحا به، فيفسد ذلك ~~الزرع، ولذلك سمى احتراق الشعر: داء الثعلب، لأنه يسقطه كما يذهب ورق ~~السنبلة والشوكة. # القنفذ يعمد إلى الكرمة فيحركها فيقع منها العنب، فيتمرغ فيه حتى يملأ ~~شوكه ويعود إلى عشه، فإذا بصرت به جراؤه أطافت به تلتقط ذلك الحب من شوكه ~~وتأكله. # الذئب إذا هيئ من معاه وتر وهيئ من معى الشاة وتر، ثم علقا بآلات ~~الملاهي، ثم ضرب بهما، صوت المعمول من الذئب، وخرس الوتر المعمول من الشاة. # وكل شاة يتناول الذئب من لحمها يكون لحمها لذيذا، وكل جزة صوف تهيأ من ~~الشاة التي قد تناول الذئب منها قمل الثوب المعمول منها من قبل سم أسنانه. # الكلب إذا مرض أكل حلفاء رطبة. # والأيل إذا مرض أكل حية. # والضبع إذا مرض أكل كلبا. # الأسد إذا أكل كلبا فإنه يكون قد ضرس فيزول ذلك. # الرخمة إذا ضعف بصرها بقرت مرارة إنسان. # الأعنز البرية تألف حيتانا بحرية، وتدع الجبال وتسلك طريقا بعيدا حتى ~~تأتي البحر لمكان تلك الحيتان، فلما عرف ذلك الملاحون سلخوا جلود تلك ~~الأعنز، ودنوا بها من شاطئ البحر على ظهورهم، فإذا نظرت تلك الحيتان إليها ~~فيصيدها الملاحون. # ليس من السباع شيء صلبه عظم واحد بلا خرز إلا الأسد والضبع. # من ربط على بدنه سنا من أسنان الذئب ولبسه لم يخف الذئاب. # والفرس الذي يعلق عليه شيء من أسنان الذئب يكون سريع الجري. # المعزى البرية تكون صلبة القرون، تأوي أطراف الجبال وما كان مشرفا من ~~الصخور على أودية، ms098 فإن بصرت بالصياد ألقت أنفسها من تلك الصخور لتقيها ~~بقرونها، فإن سقطت على غيرها هلكت، وفي قرونها خرزات مستديرات على قدر ما ~~يكون عدد سنيها. # والعجب أنها تحفظ إناثها عند الكبر وتتعهدها بالمطعم والمشرب تحمله على ~~أفواهها. # المعزى البرية إذا صيد شيء من سخالها تبعته ورضيت بالعبودية مع ولدها وفي ~~أطراف قرونها جحرة تتنفس منها، فإن سدت هلكت مكانها. # الورشان يحترز بأن يضع ورق الغار في عشه. PageV01P125 # والحدأة تضع في عشها ورق العليق تتحرز به. # الخطاب يضع في عشه قضيب كرفس. # التدرج يضع في عشه سرطانا نهريا. # جميع السباع والدواب عند المشي تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى. # لا تكون الزرافة إلا في أرض قليلة الماء. # إذا هم أصحاب الخيل أن ينزو حمارا على فرس جزوا عرفها فتقر حينئذ وتذل ~~لكدم الحمار لها. # بيونان ثيران لها أربعة قرون لا ترضى بمجامعة البقر، بل تجامع إناث ~~الخيل، ويتولد بينهما خيول عجيبة المنظر. # الجاموس لا ينام أصلا وإن أرخى عينيه إرخاء يسيرا، لكنه ساهر الليل ~~والنهار. # الجمل إذا وقع على الناقة وقع الضراب ستر عن الرجال، فإن نظر إليه رجل ~~غضب. # قالت الروم: إن السنور يتولد من مجامعة الفهد لبعض السباع. # لا ينام البوم إلا إغفاءة. # ومن العجب أن السنور يكون صافي العين كثير البريق عند امتلاء الهلال ~~وينقص ذلك الصفاء والبريق عند نقصان الهلال. # الأفعي إذا جامعها الذكر واسمه الأفعوان تحولت إليه، فإن ظفرت به أكلت ~~رأسه من شدة عشقها له. # ذكر العقرب اسمه عقربان، أسود صغير، سريع المشي، جاد الذهاب، الحرذون ~~تفسيره بالعربية الذي يخرج من الزعفران. # التمساح لا يكون إلا في النيل ونهر بأرض الهند يقال له: الرسيس ويبيض ~~كبيض الإوز، وربما يولد منه حراذين صغار، ثم يكبر حتى يبلغ طوله عشر أذرع، ~~ويزداد طولا كلما ازدادت سنو حياته. # وسنه اليسرى نافعة لحمى النافض. # وذكر أنه يجامع ستين مرة في حركة واحدة ومحل واحد. # الحمار الوحشي يتولد بين الفرس والفيل، وله قرن ينبت من أنفه كأنه سيف، ~~وإن ضرب شجرة ms099 قطعها وبه يقاتل الفيل ويبعج بطنه بقرنه، ولم يعاين من هذا ~~الجنس أنثى قط. # في البحر حوت يقال له: البوس، يتولد من الصاعقة إذا كانت في البحر وإن PageV01P126 # وضع ذلك الحوت بين اثنين فأكلا منه تحابا ولا يحقد أحد على صاحبه، ~~ويتآخيان أحسن الإخاء. # كلب الماء أبدا ذنبه على ظهره واقع مع انطباق والتواء، يرعى نبات الأرض، ~~وهو شديد الجزع من النار، فإذا كان الليل خرج الصيادون بأيديهم شعل النار، ~~فيأتون مجثمها، وتلك لا تتحرك لجزعها من النار حتى تؤخذ، وإن كان منها ذكر ~~لم يجامع أنثى قط، وإذا أرادت المجامعة فإنها تجتمع وتجلد فتفرخ. # وإن أخذ منها صياد بشبكة واحدا وثبت كلها حتى تدخل الشبكة آبية فراق ~~بعضها بعضا. # ومن لبس جوربا من جلودها وبه نقرس انتفع به جدا. # وإذا ابتلي إنسان برعاف ثم أخذ قطعة من جلدها، ثم انقعه في لبن واشتمه ~~انقطع ذلك الرعاف. # اليرابيع إذا اجتمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون في موضع مشرف أو ~~على صخرة أو تل ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية، فإن رأى أحدا مقبلا أو ~~سبعا صر بأسنانه وصوت، فإنه سمعته انصرفت عن الموضع إلى جحرتها فإذا أغفل ~~ذلك وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ذلك الرئيس انصرفت إليه ~~وقتلته لتضييعه أو غفلته. # وإذا كان حسن الرصد مضت اليرابيع فقطعت أطرأ ما يكون من الخضرة وأطيب ~~العشب فحملته بأفواهها حتى تأتيه تحية وتكرمة. # وإذا كانت في جحرتها خرج الرئيس أولا فيبصر الطريق، فإن لم ير أحدا صر ~~بأسنانه وصوت لها لتخرج فترعى. # في البحر حوت يقال له: موفى، ضعيف الجسد، قليل القوة، إذا جاع خرج إلى ~~الشاطئ فاستلقى على الرمل فأقام شوكة في رأسه، فإذا نظر إليه حوت آخر جاء ~~مسرعا ليأكله يظن أنه ميت، فيدخل بطنه تلك الشوكة فيقتله بها ويأكله. # وإذا ألقى الملاح صنارته ولقيت ذلك الحوت رمى مكانه بتلك الشوكة الحادة ~~يد الملاح فتخدر ويطرح أداة صيده. # فإذا رأى الحوت أن الصنارة داخلت ms100 أضلاعه غلبت الظلمة على بصره ومات من ~~ساعته. # وفي جلد هذا الحوت عجب، وهو أن الصاعقة لا تدنو من جلده، والملاحون يغطون ~~سفنهم به عند ما يتبينون الصواعق ووقوع المطر، ويدنو هذا الحوت إلى طرف ~~مقدم السفينة فيمسك بطرفه اللطيف، فلو اجتمعت الرياح كلها بأشد هبوبها لم ~~تستطع تحريك تلك السفينة، فمن أخذ من جلدها وسمر به شراع السفينة لم يخف ~~على سفينته غرقا. PageV01P127 # السريع الحضر أربعة: النمر والحريش وعنز الجبل وكباشها. # عدو الحيات أربعة: القنفذ والفيل والأيل والعقعق. # الجبان اثنان: الأرنب والأيل. # ذو الزهو ثلاثة: الفرس والديك والطاوس. # ذو حدة السمع ثلاثة: الذئب والحمار والخلد. # القادر في التزاوج ثلاثة: العصفور والحمام والعقعق. # ذو الشهوة ثلاثة: العصفور والثور والباشق. # المتحارس بالليل اثنان: الكركي والبط. # نافي فراخه ثلاثة: النعام والغداف والعقاب. # محب الظلمة ثلاثة: البوم والخفاش والخلد. # ذو حدة البصر ثلاثة: العقاب والظبي والباشق. # من أخذ لسان ضبع ومر به بين الكلاب لم تكلب عليه. # من مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من أصول عنب الحية هربت منه. # وعنب الحية هو الحنظل. # وذكر الحبارى يقال له: الخرب. # إذا أراد إنسان أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها بعيانه ~~وبين يديه أحدهما. # من الحيوان ما لا يشبه الولد الوالد كالدببة والنحل والدبر. # أما الدببة فتضع أولادها توائم لا صور لها حين تولد، غير أن أمها تهيئ ~~صورها، وتسويها بلحسها إياها بألسنتها ... # وأما الدبر فإنها تلد دودا يتصور بعد ذلك. # الضفادع والغيالم والسرطانات لا ضرر عليها في ماء ولا يبس، لكنهما عندها ~~سيان لا تهلك في بر ولا تخنق في بحر. # كل ما أكل اللحم فهو ذو أسنان قواطع صلاب، وأعناق قصار شداد، ومخالب ~~وأظفار حداد، ومناقير معقفة جذابة. # للأسد ثلاث طبائع: الأولى منها أنه إذا مشي فشم ريح الصيادين عفى على ~~آثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصيادون ويقفوا عليه في عرينه فيتصيدوه. # والثانية أن اللبؤة تلد شبلها ميتا، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في ~~اليوم الثالث فينفخ في منخره فيبعثه. ms101 # والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان. PageV01P128 # ومن تمسح بشحم كلى الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه، وإن افترس ~~الأسد الفريسة ولم يأكلها ميز أن ريحها منتنة جدا. # وأصناف الحيوان التي تلغ الدم بألسنتها: الكلاب والسنانير. # الأسد: تضع أولادها غير منفتحة العيون، وإنما تنفتح بعد ذلك. # وأما الأسد خاصة فليس له من جنسه قرين، ولا يرى شيئا من السباع كفؤا له ~~فيصحبه، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو جهده الجوع ويهر زئيره ~~كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوة. # وإنما تلد اللبؤة واحدا ويخرق بطن أمه بأظفاره ويخرج منه. # الثعلب إذا جاع فلم يقدر على صيد عمد إلى أرض شديدة الحر وإلى موضع الطير ~~إذا حمي، فاستلقى على ظهره ونظر إلى فوق، ثم اختلس نفسه وأخذ به داخلا حتى ~~ينتفخ انتفاخا شديدا فيحسبه الطير قد مات، فيقع عليه ليأكل منه كما يأكل ~~الجيفة، فإذا اجتمع الطير انتفض سريعا وقبض على ما وجد فأكله، لأنه ذو خب ~~ومكر، كذلك طبيعته إن أصابه ضرر فأثر فيه آثارا وكلم فيه كلوما أخذ من صمغ ~~شجرة تدعى قنطوريا فأبرأها به. # القرد أهيأ الحيوان لقبول التعليم، وهو لعوب غضوب سريع الحس، لا يكون في ~~بلد كثير السباع، عدو لجميع الحيوان، مليح الإهاب، نهوش خطوف، إلا أنه إذا ~~شبع نام في غاره ثلاثة أيام، فإذا خرج صاح بصوت عال تخرج منه رائحة طيبة، ~~فيجتمع إليه الحيوان لحسن صوته. # ومن أراد ختله فليتمسح بشحم الضبع ويدخل عليه في غاره، فإنه لا يمتنع، ~~خفيف الجرم، حديد الشد يقظان. # دابة يقال لها بالفارسية (بادستر) إذا طلبه القانص استلقى لظهره وأراه ~~أنه لا خصية له، كأنه قد علم ما يطلب منه. # خلق الجبان من الحيوان الخائف سريع الحضر سريع الحركة، وجعل الصنف الجريء ~~العادي بطيء الحضر مبلدا. # الضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان، وذلك أنها تصير مرة ضبعا ذكرا ومرة ~~أنثى، تلقح أحيانا كالذكر، وتقبل اللقاح أحيانا كالأنثى. # وطبيعتها أنها إذا رأت الكلب في ms102 ليلة مقمرة مشت على الآثار ووطئت ظله ~~فوقع. # «ومن قتل ضبعا وأخذ لسانه ومر بين الكلاب لم تكلب عليه، ولم تعرض له. # ومن مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من حنظل، أسكتها عنه وهربت منه» ~~. PageV01P129 # القنفذ عدو الحيات، إذا قبض على حية تركها تضطرب على شوكه حتى تموت، فإذا ~~ماتت قطعها قطعا. # الدب يقتل الثور، والغالب عليه الانجحار في مغارته. # الفيل ليس له شهوة السفاد، فإذا أراد الولد أتى رياضا وجنانا فيها اللفاح ~~هو وإناثه فهيج له اللفاح برائحته وقوة حرارته شهوته فتسافدت، فإذا ولدت ~~ولدت قائمة، لأن أوصالها ليست مواتية كأوصال التي تلد باركة ورابضة غير ~~أنها تلد في الماء حذرا على دغفلها أن يموت إذا وقع على الأرض، فلذلك تدخل ~~ساحل البحر حتى يبلغ الماء بطنها فتضع ولدها على الماء كالفراش الوثير ~~والذكر في ذلك يحرسها وولدها من الحية. # ما أشد عداوة الفيل للحية، حيثما أصاب الفيل الحية وطئها وقتلها. # وإن هو سقط على جنبه لم يستطع القيام، إنما نومه إذا اتكأ على شجرة. # ومن هناك- لما عرف أهل تلك البلاد كيف نومه- يأتون الشجرة فينشرونها ~~بالمنشار، فإذا أتاها الفيل واتكأ عليها وقعا على الأرض معا، وحينئذ يشتد ~~صياحه بصوت رفيع، ويجتمع إليه لذلك فيلة كثيرة تحاول معاونته على النهوض ~~والانبعاث، فلا تقدر على ذلك، فتصيح جماعتها بصوت واحد جزعا من ضعف حيلتها ~~وعجزها حتى يأتي الفيل الذي هو في الجسم أصغر، وفي الحيلة أكبر منها، فيدخل ~~مشفره تحت الفيل الساقط، وتفعل كفعله جميعا في إدخال مشافيرها تحته حتى ~~تدعمه فينبعث، وإنما كون رأس الفيل في عنق قصير، وكون له بدل العنق الطويل ~~المشفر الطويل ليكتفي به من الضيق، وبه يتناول طعامه وشرابه. # وخلقت قوائمه غير منفصلة، لكنها كالأساطين المصمتة والسواري الوثيقة ~~لتحمل الكثير الثقيل، وربطت بعراقيب صغار غير منحنية ولا منثنية على ~~الأوصال، لكن عظامه مفرغة إفراغا. # تطول أعمارها إلى ثلاثمائة سنة، غير أن القردان والبق تعلق بالفيلة ~~فتؤذيها. # السمندل: دابة لا تخاف النار، لأنها لا تحرقها، وإن ms103 دخلت أخدودا متأججا ~~مضطرما بالنار لم تحفل بذلك، وصارت النار التي تبيد الأجسام مبعثا لهذه ~~الدابة المهينة الحقيرة، تستلذ التقلب فيها استلذاذ القلب بالهواء البسيط ~~وهبوب أرواحه الطيبة، ونضارة جلدها وتنقيته بالنار، فيزداد بالنار حسن لون. # الأرنب من طباعها الجبن والخوف، وهي كثيرة الولادة. # الكلب ذو فحص واقتفاء للأثر، وبشمه يسترشد ويهتدي ويستدل إذا شم المولى ~~عرفه إن كان له أو لغيره. PageV01P130 # ومن طباعه الترضي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه. # ليس في الحيوان أشد حبا لصاحبه منه، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه ~~رافعا ذنبه مستعدا كالفارس البطل والشجاع النجد، مع نشاطه في الطلب وهو ~~يعلم أن الصيد ليس بحاضر، لكن ذلك منه حسن طاعة. # فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأم ولأب فمما قد عهد وشوهد، ~~وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط، فلا يخطف واحد منها ذلك، لكنها ~~تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض، غير مستأثرة به ولا محاربة عليه. # الفرس من طباعه الزهو والحرارة وشهوة الإناث للسفاد. وإن وطيء الفرس أثر ~~وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كله. # الذئب إذا رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه، فإن رآه خاف وجبن ~~اجترأ وحمل عليه وكبسه. # وليس كل ذئب يعدو، ولكن هو الذي يكون ضاريا، وفيه خلتان: إحداهما أن يكون ~~منفردا يمشي وحده، والأخرى حدة سمعه، إن خفي عليه مكان الغنم أتى مكانا ~~وعوى صوتين أو ثلاثة، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب التي مع الغنم ونباحها ~~حين سمعت عواءه، فإذا سمع نباح الكلاب شد مسرعا نحوها، قاصدا إليها، فإذا ~~قرب من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من حرس الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه ~~من الغنم. # حمار الوحش إذا ولدت الأنثى الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي تلك ~~الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد أو تشاركه في طروقة، إلا أن الأنثى ربما ~~وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتد جسمه وتصلب حوافره، ويقوى بالشد على ~~النجاة من الفحل، ولهذا السبب يقل ms104 منها الفحول. # الحريش دابة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا، غير أن لها من قوة الجسم ~~وسرعة الحضر ما يعجز القناص عنها، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد منتصب ~~مستقيم، به تناطح جميع الحيوان فلا يغلبها شيء. # احتل لصيدها بأن تعرض لها فتاة عذراء وضيئة، فإذا رأتها وثبت إلى حجرها ~~كأنها تريد الرضاع، وهذه محبة فيها طبيعية ثابتة، فإذا هي صارت في حجر ~~الفتاة أرضعتها من ثديها على غير حضور اللبن فيها حتى تصير كالنشوان من ~~الخمر والوسنان من النوم، فيأتيها القناص على تلك الحال فيشد من وثاقها على ~~سكون منها بهذه الحيلة. # الأيل عدو الحيات إن قربت منه حية فانجحرت في صدع صفا ملاء الأيل فاه من ~~الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك الصدع، ثم اجتذب الحية إليه بالقوة حتى PageV01P131 # يقتلها، وإن كانت فوق أنزلها، وكذلك إن كانت أسفل، فإن كان جائعا أكل ما ~~أصاب منها، وإن لم يكن به جوع قتلها وتركها فصارت الحيات ذوات السم الزعاف ~~المميت لكل من أصابه أو خالط بدنه غذاء هذه الأيايل، ويكون ملائما لها ~~لذيذا عندها. # وإن دخن البيت الذي فيه الحيات بدخان حريق قرن الأيل فرت منه كلها خوفا. # على أن الأيل نفسه جبان شديد الرعب، إذا أكل الحية بدأ بذنبها حتى ينتهي ~~إلى رأسها، ثم يقطعه بأسنانه، وأكبر من ذلك أنه يتعلق برؤوسها وتبقى في ~~الهواء. وتكثر فيه المرة ويعطش عطشا شديدا فيعوج إلى غدير الماء. # الغزال، يقال: ليس في الحيوان أبصر من الظباء، ويقال لها باليونانية ~~النظارة والمبصرة. # الثور دابة عمول كدود مقدر جسمه بقدر قوته. من طبيعته كثرة المني وتوقد ~~شهوة السفاد، إن لم يخص لم يذلل للعمل ولم يسكن ولم يصح جسمه لأن الغلمة ~~تحل جسمه وتنحله، والخصاء يقطع ذلك كله. وبينه وبين الدب عداوة شديدة. # أعنز الجبل وكباشه وهي الأرواء والتيايل هذا جنس متمرد في الجبال سريع ~~الحضر في الشواهق والتوقل فيها وطبيعتها أن تلد توائم. # قد يوجد من البهائم ما لا يحمل، ms105 فأما أنثى الخيل إذا كانت حاملا فوطئت ~~أثر الذئب بحافرها أجهضت حملها. # الحمار في طبيعته معرفة صوت الإنسان الذي اعتاد استماعه وإيناسه، لا يضل ~~عن طريق سلكه مرة ولا يخطئه، إذا ضل راكبه الطريق هداه وحمله على المحجة. # وأما حدة السمع، فليس في البهائم فيما يذكر أحد سمعا منه. # اليامورة دابة وحشية نافرة، لها قرنان طويلان، كأنهما منشاران تنشر بهما ~~الشجر، إذا عطشت وردت الفرات وعليه غياطل» # وغياض ملتفة أشجارها تفرعت من أغصانها غصون طوال دقاق مشبكة، فإذا شربت ~~ريها وأرادت الصدر اشتهت الاستتار والعدو بين تلك الأشجار «ولجت هناك» فعلق ~~قرناها بتلك الغصون اللدنة المتينة، وكلما عالجتها لتفلت ازدادت ارتباطا ~~فإذا ضجرت مما وقعت فيه عجت جزعا، وسمع القناص صوتها فأتوها فقتلوها. # الجمل: حقود، يرتصد من ضاربه الفرصة والخلوة لينتقم منه، فإذا أصاب ذلك ~~لم يستبق صاحبه، فأما ظهره فذو سنام مقبب يكون لكثرة الحمل واحتمال الثقل، PageV01P132 # وأوصال ركبته وعراقيبه كبار صلاب، وأوتارها وعروقها متينة شديدة، وعصبه ~~وثيق لم يشتد بضغط التحام مفاصله واتصالها ولم يسترخ مطويا، لكنها هيئت على ~~الاعتدال ليهون عليه بذلك البروك والنهوض بحمله، مع تسهيل الارتقاء عليه في ~~ذلك. # البغال: نوع هجين قد أنبئنا أنه لا يلد، إلا أنه أهدى للطريق للناس وأثبت ~~حفظا. # الثيران وكل ذي قرن لا يأخذه الفؤاق. # وأما سباع الطير وآكلات اللحم منها فصلاب الأظفار، حجن المناقير ذات ~~حدة وقوة، قوية الأجنحة. # والنواهض التي فيها القوادم أكثر طيرا. # الديك صلف في طبيعته، غير أن له مع ذلك إيقاظا للنائم بصياحه في آناء ~~الليل، والتبشير بإقبال الصبح وطلوع الشمس، يؤنس السيارات في السفر بصياحه ~~في الليل، ويحرضهم على السير، مع إيقظاه الفلاحين لعملهم، والصناع ~~لصناعتهم، وإذا سمع المرضى صوته داخلهم من ذلك روح وخفة من مرضهم. # الطاوس يحب الزينة، غير عفيف الطبيعة، يدعوه زهوه وحرصه على التزين إلى ~~نشر ذنبه وعقده كالطاق لتراه الأنثى بحسن زينته. # الكراكي تتحارس بالليل، ويجعل الحارس منها يتردد في المحلة ويهتف بصوت ~~يسمع محذرا، فإذا قضى نوبته ms106 استراح وأعقبه الذي كان مستريحا نائبا عنه حتى ~~تقضي كلها ما يلزمها من الحراسة، فإذا طارت لم تطر متقطعة، لكنها تطير نسقا ~~غير مشتتة، يقدمها واحد منها كالرأس والهادي لها حتى تتلوه كلها لازمة ~~صفها، ثم يعقبه بعده آخر متقدم حتى يصير المتقدم الأول متأخرا في آخرها، ~~وتقتسم كرامة المتقدم كلها بالسوية، وفيها ما يبعد سفره وينتقل عن مصيفه ~~إذا هجم الشتاء. # البط له يقظة حارسة تدل على حدة حسه. # الجراد معروف الحال. # العقاب تطلب عين الماء، فإذا أصابتها تحلق طائرة إلى حر الشمس وهو موضوع ~~دورانها فيحترق ريشها وما كان من جناح، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد ~~عادت شابة «وتذهب ظلمة عينيها» . # وأما الطريح فيقيض الله له طائرا يقال له: قاس، فيضمه إليه ولا يدعه ~~يهلك، ولكنه يقويه ويربيه مع أفراخه. PageV01P133 # وأجنحة العقبان مفصلة شبه ريشها. # وبصرها قوي بعيد تحت الشعاع المستنير. # ويقال: إنها أبصر الطير. # الحجل يأتي أعشاش نظرائه فيسرق بيضها ثم يحضنها، فإذا تحركت الفراخ وطارت ~~لحقت بأمهاتها. # البوم مأواه ومحله الخراب، يوافقه الليل، لأنه بالليل بصير وبالنهار ~~كليل، مع حبه التوحد والخلوة بنفسه، وبينه وبين الغربان عداوة ما تنقضي. # النسر يتخذ وكره في المكان العالي المرتفع، وعليه يقع وفيه ينام كالراصد، ~~إما في ذروة الجبل أو في وسطه من شظاياه وثناياه وموضع المنعة. # وإذا حملت زوجته مضى إلى الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة إذا حرك ~~سمع به صوت حجر آخر- يتحرك في وسطه- كصوت الجرس، فإن عسرت على زوجته ~~الولادة جعلت ذلك الحجر تحتها وعلت عليه فيذهب عنها العسر. # قال: ورأيت مرة أنثى من جنس الطير مات زوجها فامتنعت من الطعام والنوم ~~ليالي كثيرة صارت فيها كالنائحة الباكية على زوجها بتنفس الصعداء وزفرات ~~الحزن لا تلقط أياما متتابعة شيئا. # البزاة من طبيعتها أن تداوي أنفسها وفراخها فلا تموت، لأنها تستعمل في ~~بعض المرض والداء نبتة تعرفها وتعرف طبها %~% «ومنه ما ينقص ويزيد» ؟. # النعام: لا يعول أفراخه إلا أياما يسيرة، ثم يدحضها ويطردها من ms107 عنده ~~إنكار لها. # الغداف لا يبيض ولا يفرخ من سفاد، فإذا أفرخت أنثاه فراخا لم يزقها ولم ~~يطعمها، إلا أن البق والبعوض يقع عليها لزهومتها ونتن لحمها، فتفتح أفواهها ~~وتبلغ ما دخل فيها من ذلك البق، فهو يمسكها ويقويها. # أنحاء طيران الطير مختلفة كاختلاف الطير، بعضها يطير قريبا من الأرض ~~كالبط وما أشبهه، وبعضها يرتفع، غير أنه لا يبعد، كالحمام والغربان، وبعضها ~~يحلق تحليقا، كالعقاب والصقور والأجادل والبزاة. # وما كان من الطير بدنه أعظم من جناحه فهو قريب الطيران من الأرض، لسرعة ~~إعياء أجنحته واضطراره إلى الوقوع على الأرض. # البيضاني والأبغث: هذا طائر يحب ولده، فإذا تحركت فراخه ودرجت ضربت وجهه ~~بأجنحتها فيدعوه المحك والغضب المطبوعان فيه إلى قتلها، فإذا ماتت اكتأب ~~عليها الأبوان وأقاما عليها شبه المأتم ثلاثة أيام، ثم إن الأم في اليوم ~~الثالث تشق جنبها حتى يقطر دمها على تلك الفراخ، فيصير ذلك نشورا لها بعد ~~موتها. PageV01P134 # مالك الحزين ينشل الحيتان من الماء فيأكلها وهي طعامه، لا يحسن السباحة، ~~فإن أخطأه انتشال فجاع طرح نفسه على شاطئ النهر في بعض ضحضاحه، فإذا اجتمعت ~~إليه السمك الصغار لتأكله أسرع لأكل ما يؤكل منه. # من الطير ما يلقح من هبوب الريح، لا يحتاج إلى تزاوج ولا إلى سفاد. # والخفاش له خصيتان كخصى الحيوان، وله أربع قوائم وأسنان حداد كأسنان ذوات ~~الأربع، يرضع ولده من اللبن إرضاعا، وجلده أملس. # العقعق لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، ولكنه يهيئ وكره في المواضع ~~المشرفة العالية والعراء الكاشف وجه الهواء الفسيح، وطبيعته الزنا وخيانة ~~الزوج، فإذا باضت الأنثى بيضها حصنته بورق الدلب وغطته كيلا يقربه الخفاش، ~~فإن مسه مرق البيض من ساعته وفسد. # النحل يلد من غير لقاح الذكور. # الحية إذا هرمت وكل بصرها واسترخى جلدها دخلت في صدع صفاة ضيق أو جحر ~~ضاغط يعسر عليها النفوذ فيه حتى ينسلخ عنها جلدها فتأتي عين الماء فتنغمس ~~فيها حتى يقوى لحمها وينعصب، فإذا هي فعلت ذلك عادت شابة كما كانت. فإذا ~~أرادت أن ms108 تضيء عينها أكلت الرازيانج الرطب فاشتفت عيناها واحتد بصرها، وإن ~~ضربت ضربة بقصبة استرخت فلم تستطع الفرار، فإن ثنيتها وثبت وسعت هاربة. # إن أنقع الحسك في الماء ثم نضح ذلك الماء بين يدي جحر الحية فرت من ~~هناك. # وإن وضع في جحرها أصل حمص رطب فرت أيضا. # وإن رأت الحية إنسانا عريانا استحيت منه ولم تقربه. # وإن رأته كاسيا حملت عليه بجرأة شديدة، وما أشد طلبها لثأرها، وإن شدخ ~~رأسها ماتت من ساعتها. # السمسمة، وهي حية حمراء براقة، إذا كبرت وأصابها وجع العين وكمدت ~~التمست حائطا مقابل المشرق، فإذا تبدت الشمس أحدت إليها بصرها قدر ساعة ~~فإذا دخل شعاع الشمس عينها كشط عنها العمى والإظلام، ولا تزال تفعل ذلك ~~سبعة أيام حتى يتجدد بصرها تاما. PageV01P135 # الأفعى تزاوج دابة بحرية، تأتي الأفعى شفير البحر فتصوت، وصوتها مهيج ~~لتلك الدابة البحرية. # من أحرق عقربا طرد برائحة حريقها عقارب ذلك البيت. # فأما حمة العقرب فهي جوفاء كهيئة المزمار معقفة الرأس مكونة للدغ، فإذا ~~ضربت شيئا تحركت فخرج سمها وجرى في حمتها وسرى في الملدوغ. # الإناث من بنات عرس إنما تلقح من أفواهها وتلد من آذانها. # من عادة هذا الجنس أن يسرق ما وجد من حلي الذهب والفضة، ويخبؤه في جحرته، ~~فإن وجد أيضا في البيت حبوبا خلط بعضها ببعض، كأن عمله عمل الطباخين في خلط ~~التوابل. # الفار الفارسي أطيب ريحا من كل طيب. # وإن أخذ إنسان جرذا فربطه في بيت فرت منه الجرذان كلها. # وإن وضع في جحر الجرذ البري ورق الدفلى ماتت الجرذان. # الدودة الهندية هي دودة القز، لها في رأسها قرنان، ثم تتحول بيضة ثم ~~تتصور في هيئة أخرى، ذات جناحين عريضين منتصبين، وصناعتها دمقس الحرير. # النمل عمول مواظب، فإذا جمع الحب قطعه كيلا ينبت إذا أصابه الندى والبلة، ~~ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر، فإذا يبس أدخله. # ومن جرب طبائع النمل أدرك علم أزمان المطر والصحو. # ومن أراد أن يقتل النمل فليدق الكبريت والحبق ويذرهما في جحرته. ولا يولد ~~من تزاوج، ms109 ولكنه يخرج منه شيء قليل صغير فيقع في الأرض فيصير بيضا، ثم ~~يتصور من البيض بالهيئة التي ترى، وإذا شمت الورد موتت وأجنحتها مدمجة ~~لاصقة بها. # البق والبعوض لا نتاج لهما، وإنما تنجل من عفن الماء ووسخه ونتنه. # ومن وضع غصن العنب في موضع تحت سريره لم يقربه بق ولا بعوض. # ومن أراد ألا يتأذى بالبراغيث فليحفر في وسط البيت حفرة ويملأها دم تيس ~~فإن البراغيث تجتمع هناك. # وإن وضع في الحفرة ورق دفلى ماتت البراغيث. # الخلد غير ذي عينين، دائم الحفر في غير نفع، وطعامه من أصول النبت وعروقه ~~الذاهبة في الأرض، فهو يصيب ذلك في خلال حفره. PageV01P136 # يقال: إن في بلد كذا نهرا ماؤه في البحر منحدرا إليه على حال طبيعته ست ~~ساعات، وفي الست الثاني يحتبس ماؤه في ينبوعه ويرى جوفه ناضبا قد يبس. # ونهر آخر يجري في كل سبع سنين نهر كبريت، ولا يكون فيه سمك، لأن ماءه ~~يتغير في كل يوم ثلاث مرات، وينبعث منه شبه ثور ليس له رأس. # وأهل الشأم إذا أرادوا أخذه ألقوه في سفينة، ولا يستطيعون قطعه بفأس ولا ~~كسره بحجر، إنما يؤتى بالماء المنتن ودم الحيض فيخلطان جميعا ثم ينضحان ~~عليه، فإذا وقعا عليه تحلل وتكتل كتلا صغارا، وتستعمل في أشياء ينتفع بها. # عين النار تنبع منها نار تضيء بالليل للسيارات فلا تطفأ ولا تحتاج إلى ~~شيء يمسكها، لكنها محفوظة بالحجارة، إن حمل إنسان منها شعلة قبس إلى موضع ~~لم توقد. # البحر الميت يقال له ذلك لأنه يموت فيه كل حي. # السرطان ينسلخ جلده في السنة سبع مرات، ويتخذ بجحره بابين: أحدهما شارع ~~إلى الماء، والآخر إلى اليبس، وإذا سلخ جلده سد عليه الشارع إلى الماء ~~لكيلا يدخل السمك فيأكله، إلا أنه يدع الذي إلى اليبس مفتوحا فتصيبه الريح ~~وما ينفع لحمه ويعصمه، فإذا اشتد لحمه وعاد إلى حاله فتح ذلك المسدود وسلك ~~في الماء وطلب طعمه وما يقيم حياته. # الزامور حوت صغير الجسم إلف لأصوات الناس، مستأنس باستماعها ولذلك ms110 يصحب ~~السفن متلذذا بأصوات الناس، فإذا رأى الحوت الأعظم يريد الاحتكاك بها ~~وكسرها، وثب الزامور ودخل أذنه، فلا يزال زامرا فيها حتى يفر الحوت إلى ~~الساحل يطلب خزفا أو صخرة، فإذا أصاب ذلك لا يزال يضرب به رأسه حتى يموت. # وركاب السفينة يحبونه ويطعمونه ويتفقدونه، ليدوم إلفه لهم وصحبته ~~لسفينتهم، ويسلموا به من ضرر السمك العادي. # وإذا ألقوا شبكة ليصطادوا السمك فوقع فيها الزامور خلوه حيا وأخذوه ~~وأعتقوا لكرامته أصناف السمك الواقع في الشبكة أحياء. # وإني قرأت هذا الفصل على الوزير- كبت الله كل شانئ له- في ليلتين، فتعجب ~~وقال: ما أوسع رحمة الله، وما أكثر جند الله، وما أغرب صنع الله. قلت: # نعم، وما أغفل الإنسان عن حق الله الذي له هذا الملك المبسوط، وهذا الفلك ~~المربوط، وهذه العجائب التي تصعد فوق العقول التامة بالاعتبار والاختبار ~~بعد الاختبار، وإنما بث الله تعالى هذا الخلق في عالمه على هذه الأخلاق ~~المختلفة والخلق المتباينة، ليكون للإنسان المشرف بالعقل طريق إلى تعرف ~~خالقها، وبيان PageV01P137 # لصحة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها، ونيل لرضوانه بما يتزود من عبره ~~التي يجد فيها، وليكون له موقظ منها وداع حاد إلى طاعة من أبداها وأبرزها، ~~وخلطها وأفردها. # فقال: قد كنت قلت: إنه يجري كلام في النفس منذ ليال، فهل لك في ذلك؟ # قلت: أشد الميل وأوحاه، لكن بشرط أن أحكي ما عندي، وأروي ما حصلت من هذه ~~العصابة بسماعي وسؤالي. فقال: نستأنف الخوض في ذلك- إن شاء الله- فإن ~~النعسة قد جذبت العين، فأنا كما قال: # قد جعل النعاس يغرنديني %~% أدفعه عني ويسرنديني # أنشدني أبياتا ودعني بها، ولتكن من سراة نجد، ليشتم منها ريح الشيح ~~والقيصوم. # فأنشدته لأعرابي قديم: # مطرنا فلما أن روينا تهادرت %~% شقاشق منها رائب وحليب # ورامت رجال من رجال ظلامة %~% وعادت ذخول بيننا وذنوب # ونصت ركاب للصبا فتروحت %~% لهن كما هاج الحبيب حبيب # وطئن فناء الحي حتى كأنه %~% رجا منهل من كرهن نخيب # بني عمنا لا تعجلوا ينضب الثرى %~% غليلا ويشفي المسرفين طبيب # فلو قد تولى النبت ms111 وامتيرت القرى %~% وحثت ركاب الحي حين تؤوب # وصار عيوف الخود وهي كريمة %~% على أهلها- ذو جدتين قشيب # وصار الذي في أنفه خنزوانة %~% ينادي إلى داعي الردى فيجيب # أولئك أيام تبين ما الفتى %~% أكاب سكيت أم أشم نجيب # فعجب وقال: هذا جنى غرس قد جذ أصله، ونزيح قليب قد غار مده وجزره، ~~وانصرفت. PageV01P138 ### || الليلة الثالثة عشرة # فلما حضرت ليلة أخرى قال: هات. # قلت: إن الكلام في النفس صعب، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها ~~وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال، وللوهم عليهم سلطان، وكل ~~قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه، والرأي بعد ~~ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح. # قال بعض الفلاسفة: إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة ~~إلى البدن، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئا فإنه لا يتصوره بآلة كما ~~يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن ~~لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل، فيظن الظان ~~منا أن النفس لا تفعل بالبدن، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية. # وقد تعرف النفس أيضا الآن من الزمان والوحدة واليقظة، وليس لأحد أن يقول: ~~إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس، ففعل النفس إذن يفارق البدن، ~~وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال: للنفس أفعال تخصها خلو من البدن، مثل ~~التصور بالعقل، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند ~~المفارقة. # وقال أيضا: وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت، وذلك أنهم يتصدقون ~~عن موتاهم، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت، ولكنها تنتقل من حال إلى ~~أخرى إما إلى خير وإما إلى شر، ما كانوا يستغفرون لهم، وما كانوا يتصدقون ~~على موتاهم ويزورون قبورهم. # وقال أيضا: النفس لا تموت، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن، إذ كان ~~يدبر البدن ويرأسه. # والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء، والرئيس لها. والبدن أشبه شيء بالشيء ~~الميت من ms112 النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس. # وقال أيضا: النفس قابلة للأضداد، فهي جوهر، فالفائدة أن النفس جوهر. PageV01P139 # وقال: النفس ليست بهيولى، فلو كانت هيولى لكانت قابلة للعظم، فليست النفس ~~إذا بهيولى. # وقال: ليست النفس بجسم، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له ~~نفس، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم، ولا هيولى، لأن النفس لو كانت ~~هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق ~~الضرورة. # وقال آخر: حركة كل متحرك تنقسم قسمين: أحدهما من داخل، وهو قسمان: قسم ~~كالطبيعة التي لا تسكن البتة، كحركة النار ما دامت نارا، وقسم هو كحركة ~~النفس تهيج أحيانا وتسكن أحيانا، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت ~~نفسه وصار جيفة. # والقسم الآخر من خارج، وهو قسمان: أحدهما يدفع دفعا كما يدفع السهم ويطلق ~~عن القوس، والآخر يجر جرا كما تجر العجلة والجيفة. # وقال: فنقول: ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعا دفعا ولا مجرورا جرا ولما كان ~~كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركا لا محالة من داخل، فالجسد إذن ~~متحرك من داخل اضطرارا. # وقال: إن كان جسدنا متحركا من داخل، وكان كل متحرك من داخل إما متحركا ~~حركة طبيعية لا تسكن، وإما نفسية تسكن. # فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة لا تدوم، ~~وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركة طبيعية لا تسكن، بل نفسية ~~من قبل نفس تحركه وتحثثه. # وقال: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه، وكان كل محرك يحرك ~~غيره حيا قائما موجودا، فالنفس إذا حية قائمة موجودة. # وقال أيضا: النفس جوهر لا عرض، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير، ~~وهذا لازم للنفس، لأنها تقبل العلم والجهل، والبر والفجور والشجاعة والجبن، ~~والعفة وضدها، وهذه أشياء أضداد، من غير أن تتغير في ذاتها، فإذا كانت ~~النفس قابلة لحد الجوهر، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر. # وقال: قد استبان أن النفس ms113 هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما ~~كان كل محي محرك للجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر. # وقال: لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهرا ويكون المحيي المحرك غير ~~جوهر، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد، وكان لا يمكن أن يكون المحيي ~~المحرك للموجود غير موجود، فالنفس إذا لا يمكن أن تكون غير موجود. PageV01P140 # وقال: إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد، ~~بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد. # وقال: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد، فما كان ~~قائما بذاته فهو جوهر، فالنفس إذا جوهر. # وقد أملى علينا أبو سليمان كلاما في حديث النفس هذا موضعه، ولا عذر في ~~الإمساك عن ذكره ليكون مضموما إلى غيره، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه ~~بحضرة الوزير- أبقاه الله ومد في عمره- لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالف ~~للإضافة باللسان، لأن القلم أطول عنانا من اللسان، وإفضاء اللسان أحرج من ~~إفضاء القلم، والغرض كله الإفادة، فليس يكثر الطويل. # قال: ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئا ليس بجسم له مدات ثلاث: # أعني الطول والعرض والسمك، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض، ولا حاجة ~~به إلى قوة جسمية، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس. ولما وجدنا ~~فينا شيئا غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته، ورأينا له أحوالا تباين ~~أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض، ثم ~~رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام ~~أجساما والأعراض أعراضا، قضينا أن هاهنا شيئا ليس بجسم ولا جزء من الجسم، ~~ولا هو عرض، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة، ووجدنا هذا الشيء أيضا ~~يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال، ويتضح هذا بشيء ~~أقوله: كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى البتة ~~إلا بعد مفارقته الصورة الأولى، مثل ذلك أن الجسم إذا قبل صورة أو ms114 شكلا ~~كالتثليث، فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل ~~الأول. وكذلك إذا قبل نقشا أو مثالا فهذا حاله، وإن بقي فيه من رسم الصورة ~~الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح، بل تنقش فيه الصورتان، ~~ولا تتم واحدة منهما، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة ~~نقش في الخاتم، ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير ~~نقص ولا عجز، وهذه الخاصة ضد لخاصة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما ~~نظر وبحث وارتأى وكشف. # ويتضح أيضا عن كثب أن النفس ليست بعرض، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره، ~~فهو محمول لا حامل وليس هو قواما، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو ~~الحامل لما لها أن تحمل، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض. # وكان يقول: إذا صدق النظر، وكان الناظر عاريا من الهوى، وصح طلبه للحق PageV01P141 # بالعشق الغالب، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن، وبين ~~البدن المتحرك بالنفس. # قال: ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا ~~أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعا. # وهذا ظن فيه عسف، لأنهما لم يكونا في حال الإرتباط على شكل واحد وصورة ~~واحدة، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما. # ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس؟ هذا ظاهر. # وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن، لأنها واصلته في الأول عند مسقط ~~النطفة، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى، ~~ووجد الإنسان بها، لأن النفس وحدها ليست بإنسان، والبدن وحده ليس بإنسان، ~~بل الإنسان بهما إنسان، فإذا الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من ~~البدن. # وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها، وتوجد في ~~الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة، ~~يضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة، فأمر المعارف ms115 الصحيحة معرفة الله الواحد ~~الحق باليقين الخالص، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان ~~عنه. # وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم ~~والخلود في جوار الله، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه ~~كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة. # فأما من هو عن هذا كله عم، وعما يجب عليه ساه، فهو في قطيع النعم، وإن ~~كان متقلبا في أصناف النعم. # وكان يقول كثيرا: الناس أصناف في عقولهم: فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم، ~~فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها، ~~ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر. # وصنف عقولهم منتبهة، لكنها مخلوطة بسبات الجهل، فهم يحرضون على الخير ~~واكتسابه، ويخطئون كثيرا، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعت ~~موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أن النعت الأول موجود في ~~طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة. # وصنف عقولهم ذكية ملتهبة، لكنها عمية عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ ~~بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية، وهذا نعت موجود في ~~العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حق عندهم الحق اليقين، وقصروا عن PageV01P142 # حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى ~~نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب ~~الراحة. # وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي، ~~والاصطفاء السني، والاجتباء الزكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، ~~فتراهم حضورا وهم غيب، وأشياعا وهم متباينون. # وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ. # وهذا كما تقول: «الملوك ساسة، ولكل واحد منهم خاصة» ، وكما يقولون: # «هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر» ، «وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب» ~~وكما تقول: «علماء ولكل واحد منهم مذهب» . # وعلى هذا أبو سليمان- حفظه الله- إذا أخذ في هذا الطريق أطرب، لسعة صدره ~~بالحكمة، وفيض صوبه من المعرفة، وصحة طبيعته بالفطرة. # وقال: إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفا لم نرسمه بالذكر، ولم نعرض له ~~بالاستيفاء، ms116 وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت: «لا عقول لهم» كنت صادقا، وإن ~~قلت: «لهم أشياء شبيهة بالعقول» كنت صادقا، إلا أنهم في العدد، من جهة ~~النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية، وفي كونهم في هذه الدار ~~عمارة لها ومصالح لأهلها، ولذلك قال بعض الحكماء: «لا تسبوا الغوغاء فإنهم ~~يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق» . # فضحك- أضحك الله ثغره، وأطال عمره، وأصلح شأنه وأمره- فقال: قد جرى في ~~حديث النفس أكثر مما كان في النفس، وفيه بلاغ إلى وقت، وأظن الليل قد تمطى ~~بصلبه، وناء بكلكله . وانصرفت. PageV01P143 ### || الليلة الرابعة عشرة # ومر بعد ذلك في عرض السمر: ما تقلد امرؤ قلادة أفضل من سكينة. فقال: # ذكرتني شيئا كنت مهتما به قديما، والآن قرعت إلي بابه، ما السكينة؟ فإني ~~أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه. # فكان من الجواب: # سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي؟ فقال: السكائن كثيرة: طبيعية، ونفسية ~~وعقلية، وإلهية. ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة، ومقادير متفاوتة ومتباعدة. # والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات، تحدث به لصاحبه شارة ~~تسمى الوقار، ويكون للعقل فيها أثر باد، وهو زينة الرواء المقبول. # والسكينة النفسية مماثلة الروية للبديهة، ومواطأة البديهة للروية، وقصد ~~الغاية بالهيئة المتناسبة، يحدث بها لصاحبها سمت ظاهر ورنو دائم وإطراق لا ~~وجوم معه، وغيبة لا غفلة معها، وشهامة لا طيش فيها. # والسكينة العقلية حسن قبول الاستفاضة بنسبة تامة إلى الإفاضة، ومعنى هذا ~~أن القابل مستغرق بقوة المقبول منه، وبهذه الحال يحدث لصاحبها هدى يشتمل ~~على وزن الفكر في طلب الحق مع سكون الأطراف في أنواع الحركات. # والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد، لأنها كالحلم في الانتباه ~~وكالإشارة في الحلم، وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة، لأن هذين نعتان ~~محمودان في عالم السيلان والتبدل، جاريان على التخيل والتجوز بزوائد لا ~~ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها، روحانية في روحانية، كما يقال: «هذا صفو ~~هذا» ، و «هذا صفو الصفو» ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه الحقيقة ~~استغنى عن رسوم ms117 محدودة بألف ولام، وحقائق مكنونة في عرض الكلام، وإذا جهلنا ~~أشياء هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها، وعبارات أنسوا بها، كيف نجد ~~السبيل إلى الإفصاح والإشارة إليها. # فهذا باب واضح، والطمع في نيله نازح، وإذا كان المنال صعبا في الموضع ~~الذي عمدنا إليه، فكيف يكون حالنا في البحث عما في حيز الألوهية وبحبوحة ~~الربوبية، ولا كون هناك ولا ما نسبته للكون، وأقوى ما في أيدينا أن نتعلل ~~بالوجود، PageV01P144 # فالموجود والوجدان والجود، وهذه كلها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة ~~بالإضافة إلى أعيانها. # فعلى هذا: الصمت أوجد للمراد من النطق، والتسليم أظفر بالبغية من البحث. # قال البخاري: فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله، وغموضه وخفائه، كيف يظهر على ~~جبلة بشرية وبنية طينية وكمية مادية وكيفية عنصرية؟ # فقال: يا هذا، إنما يشع من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من نور ~~العقل، وقبس النفس، وهبة الطبيعة، وصحة المزاج، وحسن الاختيار واعتدال ~~الأفعال، وصلاح العادة، وصحة الفكرة، وصواب القول، وطهارة السر ومساواته ~~للعلانية، وغلبته بالتوحد، وانتظام كل صادر منه ووارد عليه. # وهاهنا تمحى الجبلة البشرية، وتتبدد الجبلة الطينية، وتبيد الكمية ~~المادية وتعفو الكيفية العنصرية، ويكون السلطان والولاية والتصريف والسياسة ~~كلها لتلك السكينة التي قدمنا وصفنا لها، واشتد وجدنا بها، وطال شوقنا ~~إليها ودام تحديقنا نحوها، واتصل رنونا إليها، وتناهت نجوانا بذكرها. # وهذا هو الخلع الذي سمعت بذكره، واللباس الذي سألت عنه، أعني خلع ما أنت ~~منه إنسان، ولبس ما أنت به ملك. الله المستغاث منكم، ما أشد بلواي بكم، لم ~~[لا] تتحركون إلا إلى ما لا سكون لكم فيه؟ ولم تسألون عما لا اطلاع لكم ~~عليه؟ # سلوا ربكم أعينا بصيرة، وآذانا واعية، وصدورا طاهرة، وقوة متتابعة، فإنكم ~~إذا منحتموها هديتم لها، وإذا حرمتموها قطعتم دونها، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # قال البخاري: وقد تركنا يا سيدنا حديث السكينة المجموعة من هذه الجملة ~~بأنصباء مختلفة. # فقال: لا عجب أن ينشأ العالم بكل ما فيه في هذه الحومة التي لذنا بها ~~وحاولنا الوصول إليها، وأي ms118 شيء أعجب في هذا المقام، ورسم أو قوام، أو ثبات ~~أو دوام، إلا له نصيب من عناية الله تعالى الكريم. # نعم، والسكينة المجموعة من كل ما سلف القول فيه تقاسمها نوع الإنسان ~~بالزيادة والنقصان، والغموض والبيان، والقلة والكثرة، والضعف والقوة، وهذا ~~يتبين بأن تقسم الطيش والحدة والعجلة والخفة على أصحابها، فتجد التفاوت ~~ظاهرا. # وكذلك إذا قسمت الهدوء والقرار والسكون والوقار على أهلها، فإنك تجد ~~التباين مكشوفا والاختلاف ظاهرا. # ثم قال: أما السكينة التي هي في أعلى المراتب فهي لأشخاص هم فوق البشر، PageV01P145 # وليس لهم نسبة من الخلق إلا الخلقة الحسية والعشرة البشرية، وإلا فهم في ~~ذروة عالية، ومحلة إلهية. # قال: وأما السكينة التي تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف حظوظهم منها ~~لأنها مرتبات تنقسم بين المنام واليقظة انقساما متفاوتا بالعرض الحامل ~~للصدق وللشبيه بالصدق، وللحق وللقرب من الحق، وللصحيح والتالي للصحيح، ثم ~~يختلف بيانهم عن ذلك بالتعريض والإيضاح، والكناية والإفصاح، والتشبيه ~~والاستعارة. # قال: فأما السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على طائفة تخلف الأنبياء، ~~وذلك أن بقايا قواهم يرثها الذين صحبوهم، واستضاءوا بنورهم، وفهموا عنهم، ~~ولقنوا منهم، ودخلوا في زمرتهم، وحاكوهم في الشمائل والأخلاق، وسلكوا ~~منهاجهم في القياد والسياق، وصلحوا سفراء بين الأبعدين، كما كانوا سجراء ~~ للأقربين، وهم الذين يفسرون الغامض، ويوضحون المشكل، ويبسطون المطوي، ~~ويشرحون المكني، ويبرزون المراد والمعنى، ويوطدون الأساس، ويرفعون ~~الالتباس، وينفون الوحشة ويحدثون الإيناس. # وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على أتباع هؤلاء بالسهام العلوية، ~~والمقادير العدلية، والمناسيب العقلية، من غير جور ولا حيف، ولا انحراف ولا ~~ميل. # فقال البخاري: أهي- أعني السكينة- في معنى فاعلة أو مفعولة؟ # فقال: الفضاء أعرض مما تظن، وإن كان في غاية العرض، والذروة أعلى من أن ~~ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض. # هي بوجه في معنى فاعلة إذا شعرت بتأثيرها، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا ~~شعرت بتأثرها. وبوجه آخر، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في ~~معانيها قبل تأثيرها وتأثرها، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ms119 ~~ووزن الترتيب، بشائع العادة وقائم العرف، والسكينة وراء هذا كله بالحق ~~والواجب والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه، فإذا ~~شهدت المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلة لعبارتك عن أخلاق ~~رضية وأحوال مرضية، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك ~~متلجلجة لا نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال ~~الطارئة، فأحق ما ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر، ~~ويكشف وينقر، ويستقصي ويسبر ويسأل ويستبصر، حتى إذا بلغ هذه الآفاق، وشهد ~~هذه الأعلام، ووجد الصواب الذي لا شوب فيه، وصادف اليقين الذي لا ريب معه، ~~وعرف الاستنابة التي تغني عن البيان، وذاق PageV01P146 # المعنى الذي هو فوق العيان، أمسك وانتهى، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام ~~غشيه، ولكن لسلطان شعاع ملكه، لأن ذلك النور محيط بكل شيء دونه، ومستول على ~~كل شيء تحته. # وكان يقول في هذا الفن إذا جد به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه ~~الخاطر، ما لا يوعى بحفظ، ولا يروى بلفظ. # وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظا لينظموا منه شذرا ~~وعقدا، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كله، وتعاونوا على تحبيره، ~~وتصادقوا على مفهومهم منه، وتجنبوا المنازعة والشغب عليه، وأخذوا بالعفو ~~والممكن منه، لئلا يفوتهم المعنى، ولا يتحيرون في المنتهى. # وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها، ونقصها وكمالها. # فقال: اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور، وفي جميع المعاني والأمور، ~~اشتراكا أتى على أول التفاوت ووسطه وآخره، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست ~~لأختها، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع، وفيما اشتركوا فيه ~~المحمود والمذموم. # ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة، لأن الاشتراك لو سبق بلا ~~تفاوت لم يكن اشتراكا، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسما، فصار ما ~~من أجله يفترقون، به يجتمعون، وما من أجله ينتظمون، به ينتثرون. # فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللغات، والعقائد والصناعات، وجر المنافع ~~ودفع المضار، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع. # ألا ترى أن لغة الهند ms120 غير لغة الروم، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري ~~مجراهما، إلا أنهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة ~~والتنبيه، وبين الاختيار والتقدمة، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث ~~والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان. والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيل ~~والشعبذة للهند. # والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسحر باللسان ~~للعرب، والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبودية ~~والربوبية للفرس. # فأما الترك فلها الشجاعة. والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة، ~~وليس للترك بعد هذا حظ ولا دراية إلا بقسط من الظل من الشخص. # والعرب مع منطقها البارع لها المزية المعروفة على الترك بعد في السياسة ~~وإن كانت قاصرة، وأما الزنج والسودان فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم ~~الضعيفة، كما شاكلت الترك السباع القوية. PageV01P147 # قيل له: إن أبا زيد قد عمل كتابا في أخلاق الأمم. قال: قد رأيته وقرأته ~~وقد أفاد، وكل من تكلم على طريقة الحكماء الذين يتوخون من الأمور لبابها، ~~ويصرفون عنها قشورها، فله السابقة والتقدم على من يخبط كفلان وفلان. # ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كل مجال وتميزها باللسان فقد ~~كابر. # ومن أنكر تقدم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات ~~بأسرها، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت. # ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصة والعامة بحق ما ~~لها وعليها فقد عاند. # وهكذا من دفع ما للهند. # فليس من شخص وإن كان زريا قميئا إلا وفيه سر كامن لا يشركه فيه أحد، وإذا ~~كان هذا في شخص على ما قلنا، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع. وهكذا إذا ~~ارتقيت إلى الجنس، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع، كما أن عرض النوع ~~أوسع من عرض الشخص، وليس دون الشخص تحت، كما أنه ليس فوق الجنس فوق. وأما ~~انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصا بالطرف والوسط والأفق ~~وليكون سحا بالغا من المصدر إلى المورد. # وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع، ولولا النوع لم يوجد شخص. # وكذلك العكس. # قال أبو سعيد ms121 الطبيب: أللعالم العلوي أجناس وأنواع وأشخاص؟ # قال: كيف يخلو العالم العلوي من هذا التقسيم، وإنما هذا الذي لحقنا في ~~العالم السفلي حكاية ذلك العالم العلوي حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. # فقال له مستزيدا: فهل في البسائط الإلهية أجناس وأنواع وأشخاص؟ # فقال: لا، إلا أن يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السفلي بقوة ~~العالم العلوي، وذلك كالبرق إذا خطف، والنسيم إذا لطف. # قال: فهل ينال البسائط نقص بالإخبار بالأجزاء المركبة عنها كما ينال ~~المركبات كمال بالأجزاء البسيطة عنها؟ # فقال، لا، لأن ما علا يؤثر ولا يقبل التأثير، وما سفل يتأثر. ألا ترى أن ~~ما علا من الكواكب لا يتصل بشيء دونه، وما سفل منها يتصل بما علا عنه. # وقال له أيضا: إذا قلنا: الروحانيات، فماذا ينبغي أن يلحظ منها؟ # فقال: الروحانيات على أقسام، فقسم منها متبدد في المركبات من الحيوان ~~والجماد، وقسم منها مكتنف للحيوان والجماد، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط ~~وألطف من القسم الأول المتبدد، وقسم منها فوق القسم المكتنف، وهو الذي منه PageV01P148 # مادة المحيط، وقسم آخر فوق هذا الممتد، ثم فوق هذا ما لا يملكه وهم، ولا ~~يدركه فهم، وذلك أنه في جناب القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى الجن والإنس. # وسألت أبا سليمان فقلت: إن علي بن عيسى الرماني ذكر أن التمكين من القبيح ~~قبيح، لأن التمكين من الحسن حسن. فلو كان التمكين من القبيح قبيحا مع كونه ~~من الحسن حسنا كان حسنا قبيحا، وهذا تناقض، كيف صحة هذا الذي أومأ إليه؟ # فقال: أخطأت، لأن التمكين وحده اسم مجرد لشيء محدد، والأسماء المحددة ~~دلالتها على الأعيان لا على صفات الأعيان أو ما يكون من الأعيان أو ما يكون ~~في الأعيان. # والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به، فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنه ~~علة القبيح، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن. # وهذا كما تقول: هذا الدرهم نافع أو ضار؟ فيقال: إن صرفته فيما ينبغي فهو ~~نافع، وإن أنفقته فيما لا ينبغي ms122 فهو ضار، وكذلك السيف في الآلات، وكذلك ~~اللفظ في الكلمات، والإضافة قوة إلهية سرت في الأشياء سريانا غريزيا قاهرا ~~متملكا قاسرا، فلاجرم لا ترى حسيا أو عقليا أو وهميا أو ظنيا أو علميا أو ~~عرفيا أو عمليا أو حلميا أو يقظيا إلا والتصاريف سارية فيها، والإضافة ~~حاكمة عليها. # وهذا لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحق، لأن مصدرها من الله الحق، ~~فالإضافة لازمة، والنسبة قائمة، والمشابهة موجودة. ولولا إضافة بعضنا إلى ~~بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما تفاهمنا ~~ولا تعاونا. # قال: إذا كنا بالتضايف نتوالى، فبأي شيء بعده نتعادى؟ # قال: هذا أيضا بالإضافة، لأن الإضافة ظل، والشخص بالظل يأتلف، وبالظل ~~يختلف. # وقال: ويزيدك بيانا أن العدم والوجود شاملان لنا، سائران فينا فبالوجود ~~نتصادق، وبالعدم نتفارق. # وسأل مرة عن الطرب على الغناء والضرب وما أشبههما. # فكان من الجواب: قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقي: لم طرب ~~الإنسان على الغناء والضرب؟ فقال: لأن نفسه مشغولة بتدبير الزمان من داخل ~~ومن خارج، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص ما لها. # فإذا سمعت الغناء انكشفت عنها بعض ذلك الحجاب، فحنت إلى خاص ما لها من PageV01P149 # المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم، لأن ذلك وطنها ~~بالحق. # فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه، والإنسان تابع لنفسه، وليست النفس ~~تابعة للإنسان، لأن الإنسان بالنفس إنسان، وليست النفس نفسا بالإنسان، فإذا ~~طربت النفس- أعني حنت ولحظت الروح الذي لها- تحركت وخفت فارتاحت واهتزت. # ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربما مزقه كأنه يريد أن ينسل من إهابه ~~الذي لصق به، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه، ويهرول إلى حبيبه الذي قد ~~تجلى له وبرز إليه. # إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية ~~بالنفس والإنسان وأحوالهما. # وأما غيرهم فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها، وانصرفت. PageV01P150 ### || الليلة الخامسة عشرة # وجرى مرة كلام في الممكن، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلا سمعته يقوله، لا ~~بأس برسمه في هذا الموضع، ms123 فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي لنا ~~أن نبحث عنه بكل زحف وحبو، وبكل كد وعفو. # قال: الممكن شبيه بالرؤيا لا بدن له يستقل به، ولا طبيعة يتحيز فيها. # ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على الأكثر والأقل والتساوي، وكما أن الرؤيا ظل ~~من ظلال اليقظة، والظل ينقص ويزيد إذا قيس إلى الشخص، كذلك الممكن ظل من ~~ظلال الواجب، فطورا يزيد تشابها للواجب، وطورا ينقص تشاكها للمتنع، وطورا ~~يتساوى بالوسط. # قال: والواجب لا عرض له، لأنه حد واحد، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا ~~تغير له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا ~~بالوهم ولا بالعقل، بل العقل ينقاد له، والطبيعة تسلم إليه، والوهم يفرق ~~منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن، ولا يتحكم فيها تجويز، ولا يتسلط عليها ~~دامغ ولا ناسخ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع، لأنه في مقابلته على الضد، ~~أعني أنه لا بدن له، فيكون له عرض، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من ~~الكثرة والقلة والمساواة. # ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادئ الأمر وعارض الشان، واستولى ~~الوجود عليه بباطن الحال وخفيض الأمر وراتب الشان، لكن هذا الفصل الذي ~~اشتمل على الظاهر والباطن ليس ينكشف للحس كما ينكشف للعقل. # ولما كنا بالحس أكثر- وإن كنا لا نخلو في هذه الكثرة من آثار العقل- ~~لزمنا الاعتراف بعوائد الممكن وعلائقه، والعمل عليها، والرجوع إليه إذا ~~أمرنا أو نهينا أو ائتمرنا أو انتهينا. # ولما ظهر لنا بإزاء هذا الذي كنا به أكثر أن لنا شبحا آخر نحن به أقل وهو ~~العقل يشهد لنا بأن صورة الوجوب استولت من مبدأ الأمر إلى منقطعه الذي هو ~~في عرض الواجب إلى آخر الممتنع. # وكما لزمنا الاعتراف الأول لنكون به عاملين ومستعملين، ورافعين وواضعين، ~~ولائمين وملومين، ونادمين ومندمين، كذلك لزمنا الاعتراف بسلطان الواجب الذي ~~لا PageV01P151 # سبيل إلى عزله، ولا محيص عن الإقرار به، ولا فكاك من اطراده بغير دافع أو ~~مانع. # واتصل كلام ابن يعيش على تقطع في عبارته ms124 التي ما كانت أداته تواتيه فيها، ~~مع تدفق خواطره عليها، فقال: الرؤيا ظل اليقظة، وهي واسطة بين اليقظة ~~والنوم، أعني بين ظهور الحس بالحركة، وبين خفائه بالسكون. # قال: والنوم واسطة بين الحياة والموت، والموت واسطة بين البقاء الذي يتصل ~~بالشهود وبين البقاء الذي يتصل بالخلود. # قال: وهذا نعت على تسهيل اللفظ وتقريب المراد والتصور، ودون الثقة شوك ~~القتاد، وازدراد العلقم والصاب، للحواجز القائمة والموانع المعترضة من ~~الإلف والمنشأ وغير ذلك مما يطول تعديده ويشق استقصاؤه. # فقال: هذا كلام ظريف، وما خلت أن ابن يعيش مع فدامته، ووخامته يسحب ذيله ~~في هذا المكان، ويجري جواده بهذا العنان. # قلت له: إن له مع هذه الحال مرامي بعيدة، ومقاصد عالية، وأطرافا من ~~المعاني إذا اعتلقها دل عليها، إما بالبيان الشافي، وإما بما يكون طريقا ~~إلى الوهم الصافي. # وقلت: لقد مر له اليوم شيء جرى بينه وبين أبي الخير اليهودي استفيد منه. # قال: وما ذاك؟ انثر علينا درر هذه الطائفة التي نميل إليها بالاعتقاد وإن ~~كنا نقع دونها بالاجتهاد، ونسأل الله أن يرحم ضعفنا الذي منه بدئنا ويبدلنا ~~قوة بها نجد قربنا في آخرنا. # قلت: ذكر أن العقل لا غناء له في الأشياء التي تغلب عليها الحيلولة ~~والسيلان والتطول، كما أن الحس لا ينفذ في الأمور التي لا تطور لها ~~بالحيلولة والتطول، ولذلك عرفت الحكمة في الكائنات الفاشيات، وخفيت العلل ~~والأسباب في بدوها وخفيتها وتبددها وتآلفها، لكن هذا الفرق والخفاء مسلمان ~~للقدرة المستعلية والمشيئة النافذة. # قال: ولهذا الترتيب سر به حسن هذا النعت، وإليه انتهى هذا البحث وذلك أن ~~خفاء ما خفي بحق الأول ألحق، وبدو ما بدا من نصيب أطلق للذي لا يحتمل غير ~~هذا الثقل، ولو خفف عنه هذا للحق الإنسان البهائم، ولو ثقل عليه هذا للحق ~~الملائكة، فكان حينئذ لا يكون إنسانا، وقد وجب في الأصل أن يكون إنسانا ~~كاملا بالنصب والدأب، ويمتعض من أن تكون صورة الإنسان عنده معارة، لأنه في ~~الحقيقة حيوان غير ناطق، بل يجتهد بسعيه وكدحه أن ms125 يصير إنسانا فاضلا، ويكون ~~في فضله وكماله ملكا، أعني بالمشاكهة الإرادية لا بالمشاكهة النوعية. # قال: وغاية الحكمة منها للمباشرين لها أن المعرفة تقف على حيلولتها ~~ولسيلانها فقط، لا على تصفح أجزائها، لأن الترتيب فيها يستحيل مع الزمان. PageV01P152 # ألا ترى أن الرقم على الماء لا صورة له، لأن صفحة الماء لا ثبات لها، ~~وكذلك الخط في الهواء، وكذلك الكائنات البائدات لا صورة لها، لأنها لا ثبات ~~لها، وأنت إذا وجدت شيئا لا ثبات له لم تضم إليه شيئا آخر لا ثبات له طمعا ~~في وقوع الثبات بينهما، هذا ما لا يدين به وهم، ولا ينقاد له ظن، ولو ساغ ~~هذا لساغ أن يجمع بين ما له ثبات، وبين ما له أيضا ثبات، فيحدث هناك سيلان ~~واستحالة. # وقال: وصف العقل بشهادة الحس، كما يكون وصف الحس بشهادة العقل إلا أن ~~شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولى، وشهادة العقل للحس شهادة المولى ~~للعبد، على أن هاتين الشهادتين لا تطردان ولا تستمران، لأن لكل واحد من ~~الحس والعقل تفردا بخاص ماله، ولذلك ما وجد حيوان لا عقل له البتة، ووجد في ~~مقابلته حي لا حس له. # ثم قال: بل العقل يحكم في الأشياء الروحانية البسيطة الشريفة من جهة ~~الصور الرفيعة، والعلائق التي بين المعقولات والمحسوسات ما نعت العقل، ~~والعاقل من خلص الباقيات الخالدات الدائمات القائمات الثابتات من حومة ~~الكائنات الفاسدات البائنات الذاهبات الحائلات الزائلات المائلات البائدات. # ودخل في هذا التلخيص ضرب من الشك والتماري والخصومة والتعادي والتعنت إلى ~~اختلاف عظيم، ووقفت عن الحكم بعد اليقين. # وقال- أدام الله سعادته- ما السجية؟ # قلت: سمعت الأندلسي يقول: فلان يمشي على سجيته، أي طبعه. # قال: هل يقال: ظفرت عليه؟ # قلت: قد قال شاعرهم: # وكانت قريش لو ظفرنا عليهم %~% شفاء لما في الصدر والنقص ظاهر # قال: هذا حسن. # قلت: الحروف التي تتعدى إلى الأفعال، والأفعال التي تتعدى بالحروف، يراعى ~~فيها السماع فقط لا القياس. هذا كان مذهب إمامنا أبي سعيد، وقد جاء أيضا ~~«ظفر به» ، وجاء «سخرت به ومنه» . # ومن ms126 لا اتساع له في مذهب العرب يظن أن «سخرت به» لا يجوز وهو صحيح. # حكاه أبو زيد. # قال: كيف يقال في جمل به غدة؟ فكان من الجواب: جمل مغد. قال: فكيف يجمع؟ ~~فكان الجواب بأنه في القياس ظاهر، ولكن السماع قد كفى. قال الشاعر- وهو ~~خراش بن زهير: # فقدتكمو ولحظكمو إلينا %~% ببطن عكاظ كالإبل الغداد PageV01P153 # ضربناهم ببطن عكاظ حتى %~% تولوا طالعين من النجاد # وقال- حرس الله نفسه-: مربعة الخرسي إلى أي شيء ينسب؟ فكان من الجواب: # يقال: رجل خراساني وخرسي وخراسي، فنسبت إلى رجل نزلها فاشتهرت به. # فقال: القذال كيف يجمع؟ فكان من الجواب، أن فعالا وفعالا وفعالاو فعيلا ~~وفعولا أخوات تجمع في الأقل على أفعلة، يقال: حمار وأحمرة، وغراب وأغربة، ~~وقذال وأقذلة، وعمود وأعمدة. # قال: نسيت أسألك عن المسألة الأولى- أعني الخرسي- من أين لك تلك الفتيا؟ # فكان من الجواب: قرأته على أبي سعيد الإمام في شرحه كتاب سيبويه. # قال: بردت غليلي، فإن الحجة في مثل هذا متى لم تكن بأهلها كانت متجلجلة. # قال: أنشدني شيئا نختم به المجلس، فقد مرت طرائف. # فأنشدته لعمارة بن عقيل في بنت له: # حبك يا ذات الأنيف الأكشم %~% حب تساقاه مشاش أعظمي # ودب بين كبدي ومحزمي %~% وساطه الله بلحمي ودمي # فليس بالمذق ولا المكتم %~% ولا الذي إن يتقادم يسأم # لقد نزلت من فؤادي- فاعلمي- %~% منزلة الشيء المحب المكرم # وانصرفت. PageV01P154 ### || الليلة السادسة عشرة # ثم عدت وقتا آخر فقال: كنت حكيت لي أن العامري صنف كتابا عنونه (بإنقاذ ~~البشر من الجبر والقدر) ، فكيف هذا الكتاب؟ # فقلت: هذا الكتاب رأيته بخطه عند صديقنا وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم ~~أقرأه على العامري، ولكن سمعت أبا حاتم الرازي يقرؤه عليه، وهو كتاب نفيس، ~~وطريقة الرجل قويمة، ولكنه ما أنقذ البشر من الجبر والقدر، لأن الجبر ~~والقدر اقتسما جميع الباحثين عنهما والناظرين فيهما. # قال: لم قيل الجبر والقدر ولم يقل الإحبار. # فكان الجواب: أن الإجبار لغة قوم، والجبر لغة تميم، يقال: جبر الله الخلق ~~وأجبر الخلق، وجبر بمعنى جبل، واللام تعاقب الراء كثيرا. # قال: فتكلم ms127 في هذا الباب بشيء يكون غير ما قاله العامري، وانقد له إن كان ~~الحق فيما ذهب إليه ودل عليه. # فكان من الجواب: أن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر والأواتي من معدن ~~الألهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف، لأن ~~هذه وإن كانت ناشئة من ناحية البشر، فإن منشأها الأول إنما هو من الدواعي ~~والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق، فهذا هذا. # فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية ~~المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين، فإنه ~~يعلقها بهم ويلصقها برقابهم، ويرى أن أحدا ما أتي إلا من قبل نفسه وبسوء ~~اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه. # والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان، لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول ~~والوصف، لأنه ليس لكل أحد الوصول إلى هذه الغاية، ولا لكل إنسان اطلاع إلى ~~هذه النهاية. # فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيله ~~من ناحية القول والصفة، فهذا هذا. # قال- أطال الله بقاءه:- فما الفرق بين القضاء والقدر؟ PageV01P155 # فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال: إن القضاء مصدره من العلم السابق، ~~والقدر مورده بالأجزاء الحادثة. # فقال: لم ورد في الأثر: «لا تخوضوا في القدر فإنه سر الله الأكبر» . # فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال لنا في هذه الأيام: إن الناموس ينطق ~~بما هو استصلاح عام، ليكون النفع به شائعا في سكون النفس وطيب القلب وروح ~~الصدر. # فإن كان هذا هكذا فقد وضح أن حكمة هذا السر طيه، لأن عجز الناظرين يقضي ~~بهم إلى الحيرة، والحيرة مضلة، والمضلة هلكة. وإذا كانت الراحة في الجهل ~~بالشيء، كان التعب في العلم بالشيء، وكم علم لو بدا لنا لكان فيه شقاء ~~عيشنا، وكم جهل لو ارتفع منا لكان فيه هلاكنا، والعلم والجهل مقسومان بيننا ~~ومفضوضان علينا على قدر احتمال كل واحد منا للذي سبق إليه وعلق به، ألا ترى ~~أن علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو ~~البلاء؟ لكان ذلك ms128 مفسدة لنا، ومحنة شديدة علينا. # فانظر كيف زوى الله الحكيم هذا العلم عنا، وجعل الخيرة فيه لنا. # ألا ترى أيضا أن جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم ~~الفساد الأول، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدم، فمن هذا الذي أشرف على ~~هذا الغيب المكنون والسر المخزون فيغفل عن الشكر الخالص، والاستسلام الحسن، ~~والبراءة من كل حول وقوة. # فالاستمداد ممن له الخلق والأمر، أعني الإبداء والتكليف، والإظهار ~~والتشريف، والتقدير والتصريف. # قال: هذا فن حسن، وأظنك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع لكان لك ~~حظ وافر من السامعين العاملين، والخاضعين والمحافظين. # فكان من الجواب: أن التصدي للعامة خلوقة ، وطلب الرفعة بينهم ضعة، ~~والتشبه بهم نقيصة، وما تعرض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ~~ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم ~~وبذلهم. # وليس يقف على القاص إلا أحد ثلاثة: # إما رجل أبله، فهو لا يدري ما يخرج من أم دماغه. # وإما رجل عاقل فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال. PageV01P156 # وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه، وإلى العامة من وجه، فهو يتذبذب عليه من ~~الإنكار الجانب للهجر، والاعتراف الجالب للوصل، فالقاص حينئذ ينظر إلى ~~تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف، وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية، ولذاته ~~العقلية، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة، إما مقتبسا ~~منهم، وإما قابسا لهم، وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلا درهما ~~وإلا دينارا أو ثوبا، ومناصبة شديدة لمماثليه وعداته. # قال: إن الليل قد دنا من فجره، هات ملحة الوداع. # قلت: قال يعقوب صاحب (إصلاح المنطق) : # دخل أعرابي الحمام فزلق فانشج، فأنشأ يقول: # وقالوا تطهر إنه يوم جمعة %~% فرحت من الحمام غير مطهر # ترديت منه شاريا شج مفرقي %~% بفلسين إني بئس ما كان متجري # وما يحسن الأعراب في السوق مشية %~% فكيف ببيت من رخام ومرمر # يقول لي الأنباط إذ أنا نازل %~% «به لا بظبي بالصريمة أعفر» # وقال- حرس الله نفسه-: كنت أروي قافية هذا البيت ms129 «أعفرا» ، وهذه فائدة ~~كنت عنها في ناحية، وانصرفت. # قد رأيت أيها الشيخ- حاطك الله- عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأول ~~بما أنتهى إليه، وأشفعه بالجزء الثاني على سياج ما سلف نظمه ونثره، غير ~~عائج على ترتيب يحفظ صورة التصنيف على العادة الجارية لأهله، وعذري في هذا ~~واضح لمن طلبه، لأن الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السانح والداعي. # وهذا الفن لا ينتظم أبدا، لأن الإنسان لا يملك ما هو به وفيه، وإنما يملك ~~ما هو له وإليه. # وهذا فصل يحتاج إلى نفس مديد، ورأي يصدر عن تأييد وتسديد: والسلام، ~~والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين، وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. PageV01P157 ### | الجزء الثاني PageV01P159 # بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ- أطال الله يدك في الخيرات، وزاد في ~~همتك رغبة في اصطناع المكرمات، وأجزاك على أحسن العادات في تقديم طلاب ~~العلم وأهل البيوتات- قد فرغت في الجزء الأول على ما رسمت في القيام به، ~~وشرفتني بالخوض فيه، وسردت في حواشيه أعيان الأحاديث التي خدمت بها مجلس ~~الوزير، ولم آل جهدا في روايتها وتقويمها ولم أحتج إلى تعمية شيء منها، بل ~~زبرجت كثيرا منها بناصع اللفظ، مع شرح الغامض وصلة المحذوف وإتمام المنقوص، ~~وحملته إليك على يد (فائق) الغلام، وأنا حريص على أن أتبعه بالجزء الثاني، ~~وهو يصل إليك في الأسبوع إن شاء الله تعالى. # وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد، كما سألتك أولا على طريق الاقتراح، ~~أن تكون هذه الرسالة مصونة عن عيون الحاسدين العيابين، بعيدة عن تناول أيدي ~~المفسدين المنافسين، فليس كل قائل يسلم، ولا كل سامع ينصف، ولا كل متوسط ~~يصلح، ولا كل قادم يفسح له في المجلس عند القدوم. # والبلية مضاعفة من جهة النظراء في الصناعة، وللحسد ثوران في نفوس هذه ~~الجماعة، وقل من يجهد جهده في التقرب إلى رئيس أو وزير، إلا جد في إبعاده ~~من مرامه كل صغير وكبير، وهذا لأن الزمان قد استحال عن المعهود، وجفا عن ~~القيام بوظائف الديانات ms130 وعادات أهل المروءات، لأمور شرحها يطول، وقد كان ~~الناس يتقلبون في بسيط الشمس، (أعني الدين) فغربت عنهم، فعاشوا بنور القمر، ~~(أعني المروءة) فأفل دونهم، فبقوا في ظلمات البر والبحر، (أعني الجهل وقلة ~~الحياء) فلا جرم أعضل الداء، وأشكل الدواء، وغلبت الحيرة، وفقد المرشد، وقل ~~المسترشد، والله المستعان. # وأرجع إلى ما هو الغرض من نسخ ما تقدم في الجزء الأول. PageV01P161 ### || الليلة السابعة عشرة # فلما عدت إلى المجلس قال: ما تحفظ في تفعال وتفعال، فقد اشتبها؟ وفزعت ~~إلى ابن عبيد الكاتب فلم يكن عنده مقنع، وألقيت على مسكويه فلم يكن له فيها ~~مطلع، وهذا دليل على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح في طلبه. # فقلت: # قال شيخنا أبو سعيد السيرافي الإمام- نضر الله وجهه-: المصادر كلها على ~~تفعال بفتح التاء، وإنما تجيء تفعال في الأسماء، وليس بالكثير. قال: وذكر ~~بعض أهل اللغة منها ستة عشر اسما لا يوجد غيرها. قال: هاتها. # قلت: منها التبيان والتلقاء، ومر تهواء من الليل، وتبراك، وتعشار وترباع، ~~وهي مواضع، وتمساح للدابة المعروفة، والتمساح الرجل الكذاب أيضا. وتجفاف ~~وتمثال وتمراد بيت الحمام، وتلفاق، وهو ثوبان يلفقان. وتلقام: سريع اللقم. # ويقال: أتت الناقة على تضرابها، أي على الوقت الذي ضربها الفحل فيه، ~~وتضراب كثير الضرب، وتقصار، وهي المخنقة، وتنبال، وهو القصير. # قال: هذا حسن، فما تقول في تذكار؟ فإن الخوض في هذا المثال إنما كان من ~~أجل هذا الحرف، فإن أصحابنا كانوا في مجلس الشراب، فاختلفوا فيه؟ فقلت: هذا ~~مصدر، وهو مفتوح. # ثم قال: اجمع لي حروفا نظائر لهذا من اللغة، واشرح ما ندر منها، وعرض ~~الشك لكثير من الناس فيها. # فقلت: السمع والطاعة مع الشرف بالخدمة. # وقال أيضا: حدثني عن شيء هو أهم من هذا لي وأخطر على بالي، إني لا أزال ~~أسمع من زيد بن رفاعة قولا ومذهبا لا عهد لي به وكناية عما لا أحقه، وإشارة ~~إلى ما لا يتوضح شيء منه، يذكر الحروف ويذكر النقط، ويزعم أن الباء لم تنقط ~~من تحت واحدة إلا بسبب، ms131 والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة، والألف لم ~~تعر إلا لغرض. وأشباه هذا، وأشهد منه في عرض ذلك دعوى يتعاظم بها ويتنفج ~~ بذكرها، PageV01P162 # فما حديثه؟ وما شأنه؟ وما دخلته؟ وما خبره؟ فقد بلغني أنك تغشاه وتجلس ~~إليه، وتكثر عنده، وتورق له، ولك معه نوادر مضحكة، وبوادر معجبة. ومن طالت ~~عشرته لإنسان صدقت خبرته به، وانكشف أمره له، وأمكن اطلاعه على مستكن رأيه ~~وخافي مذهبه وعويص طريقته. # فقلت: أيها الوزير، هو الذي تعرفه قبلي قديما وحديثا بالتربية والاختبار ~~والاستخدام، وله منك الأخوة القديمة والنسبة المعروفة. # قال: دع هذا وصفه لي. # قلت: هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح متناصرة، ومتسع في ~~فنون النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام ~~الناس، وسماع للمقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن: إما ~~بالشدو الموهم، وإما بالتبصر المفهم، وإما بالتناهي المفحم. # فقال: فعلى هذا ما مذهبه؟ # قلت: لا ينسب إلى شيء، ولا يعرف برهط، لجيشانه بكل شيء، وغليانه في كل ~~باب. ولاختلاف ما يبدو من بسطة تبيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام بالبصرة ~~زمانا طويلا، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة، منهم أبو ~~سليمان محمد بن معشر البيستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون ~~الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني والعوقي وغيرهم، فصحبهم وخدمهم، وكانت هذه ~~العصابة قد تآلفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة ~~والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان ~~الله والمصير إلى جنته، وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دنست بالجهالات، ~~واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، وذلك لأنها ~~حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية. # وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل ~~الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة: علميها وعمليها، ~~وأفردوا لها فهرستا وسموها رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، وكتموا ~~أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ولقنوها الناس، وادعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا ~~ابتغاء وجه الله عز وجل وطلب رضوانه ليخلصوا الناس من ms132 الآراء الفاسدة التي ~~تضر النفوس، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها، والأفعال المذمومة التي ~~يشقى بها أهلها، وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية والأمثال الشرعية ~~والحروف المحتملة والطرق الموهمة. PageV01P163 # فقال: هل رأيت هذه الرسائل؟ # قلت: قد رأيت جملة منها، وهي مبثوثة من كل فن نتفا بلا إشباع ولا كفاية، ~~وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات وقد غرق الصواب فيها لغلبة الخطأ ~~عليها. # وحملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني (محمد بن بهرام) ~~وعرضتها عليه ونظر فيها أياما واختبرها طويلا، ثم ردها علي وقال: تعبوا وما ~~أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا ~~فهلهلوا، ومشطوا ففلفوا ، ظن ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع، ظنوا ~~أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة- التي هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي ~~والمقادير وآثار الطبيعة، والموسيقي التي هي معرفة النغم والإيقاعات ~~والنقرات والأوزان، والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات ~~والكيفيات- في الشريعة، وأن يضموا الشريعة للفلسفة. # وهذا مرام دونه حدد ، وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد ~~أنيابا، وأحضر أسبابا، وأعظم أقدارا، وأرفع أخطارا، وأوسع قوى، وأوثق عرا، ~~فلم يتم لهم ما أرادوه، ولا بلغوا منه ما أملوه، وحصلوا على لوثات قبيحة، ~~ولطخات فاضحة، وألقاب موحشة، وعواقب مخزية، وأوزار مثقلة. # فقال له البخاري أبو العباس: ولم ذلك أيها الشيخ؟ # قال: إن الشريعة مأخوذة عن الله- عز وجل- بوساطة السفير بينه وبين الخلق ~~من طريق الوحي، وباب المناجاة، وشهادة الآيات، وظهور المعجزات، على ما ~~يوجبه العقل تارة، ويجوزه تارة، لمصالح عامة متقنة، ومراشد تامة مبينة، وفي ~~أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه، والغوص فيه، ولابد من التسليم للداعي ~~إليه، والمنبه عليه، وهناك يسقط (لم) ويبطل (كيف) ، ويزول (هلا) ويذهب (لو) ~~و (ليت) في الريح، لأن هذه المواد عنها محسومة، واعتراضات المعترضين عليها ~~مردودة، وارتياب المرتابين فيها ضار، وسكون الساكنين إليها نافع، وجملتها ~~مشتملة على الخير، وتفصيلها موصول بها على حسن التقبل، وهي متداولة بين ~~متعلق بظاهر مكشوف، ومحتج بتأويل معروف، وناصر باللغة الشائعة، وحام بالجدل ms133 ~~المبين، وذاب بالعمل الصالح، وضارب للمثل السائر، وراجع إلى البرهان ~~الواضح، ومتفقه في الحلال والحرام، ومستند إلى الأثر والخبر المشهورين بين ~~أهل الملة، وراجع إلى اتفاق الأمة. # وأساسها على الورع والتقوى، ومنتهاها إلى العبادة وطلب الزلفى. PageV01P164 # ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك ومقادير الأجرام ~~ومطالع الطوالع ومغارب الغوارب. # ولا حديث تشاؤمها وتيامنها، وهبوطها وصعودها، ونحسها وسعدها، وظهورها ~~واستسرارها، ورجوعها واستقامتها، وتربيعها وتثليثها، وتسديسها ومقارنتها. # ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها، وأشكال الأسطقسات، بثبوتها ~~وافتراقها، وتصريفها في الأقاليم والمعادن والأبدان، وما يتعلق بالحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة، وما الفاعل وما المنفعل منها، وكيف تمازجها ~~وتزاوجها، وكيف تنافرها وتسايرها، وإلى أين تسري قواها، وعلى أي شيء يقف ~~منتهاها. # ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها ~~وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومقاطعها، وما الكرة؟ وما الدائرة؟ وما ~~المستقيم؟ وما المنحنى؟ # ولا فيها حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال، ومناسب الأسماء والحروف ~~والأفعال، وكيف ارتباط بعضها ببعض على موضوع رجل من يونان حتى يصح بزعمه ~~الصدق، وينبذ الكذب. # وصاحب المنطق يرى أن الطبيب والمنجم والمهندس وكل من فاه بلفظ وأم غرضا ~~فقراء إليه، محتاجون إلى ما في يديه. # قال: فعلى هذا كيف يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة ~~تجمع حقائق الفلسفة في طريق الشريعة؟ # على أن وراء هذه الطوائف جماعة أيضا لهم مآخذ من هذه الأغراض، كصاحب ~~العزيمة وصاحب الطلسم وعابر الرؤيا ومدعي السحر وصاحب الكيمياء ومستعمل ~~الوهم. # قال: ولو كانت هذه جائزة وممكنة لكان الله تعالى نبه عليها، وكان صاحب ~~الشريعة يقوم شريعته بها، ويكملها باستعمالها، ويتلافى نقصها بهذه الزيادة ~~التي يجدها في غيرها، أو يحض المتفلسفين على إيضاحها بها ويتقدم إليهم ~~بإتمامها، ويفرض عليهم القيام بكل ما يذب به عنها حسب طاقتهم فيها، ولم ~~يفعل ذلك بنفسه، ولا وكله إلى غيره من خلفائه والقائمين بدينه، بل نهى عن ~~الخوض في هذه الأشياء، وكره إلى الناس ذكرها، وتوعدهم عليها، وقال: من أتى ~~عرافا أو طارقا ms134 أو حازيا أو كاهنا أو منجما يطلب غيب الله منه فقد حارب ~~الله، ومن حارب الله حرب، ومن غالبه غلب، حتى قال: PageV01P165 # «لو أن الله حبس عن الناس القطر سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة به ~~كافرين ويقولون: مطرنا بنوء المجدح» ، فهذا كما ترى، والمجدح: الدبران. # ثم قال: ولقد اختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع، ~~وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من الأحكام، والحلال ~~والحرام، والتفسير والتأويل، والعيان والخبر، والعادة والاصطلاح، فما فزعوا ~~في شيء من ذلك إلى منجم ولا طبيب ولا منطقي ولا مهندس ولا موسيقي ولا صاحب ~~عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء، لأن الله تعالى تمم الدين بنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي. # قال: وكما لم نجد في هذه الأمة من يفزع إلى أصحاب الفلسفة في شيء من ~~دينها، فكذلك أمة عيسى عليه السلام وهي النصارى، وكذلك المجوس. # قال: ومما يزيدك وضوحا ويريك عجبا أن الأمة اختلفت في آرائها ومذاهبها ~~ومقالاتها فصارت أصنافا فيها وفرقا، كالمرجئة والمعتزلة والشيعة والسنية ~~والخوارج، فما فزعت طائفة من هذه الطوائف إلى الفلاسفة، ولا حققت مقالتها ~~بشواهدهم وشهادتهم، ولا اشتغلت بطريقتهم، ولا وجدت عندهم ما لم يكن عندها ~~بكتاب ربها وأثر نبيها. # وهكذا الفقهاء الذين اختلفوا في الأحكام من الحلال والحرام منذ أيام ~~الصدر الأول إلى يومنا هذا لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة فاستنصروهم، ولا ~~قالوا لهم: # أعينونا بما عندكم، واشهدوا لنا أو علينا بما قبلكم. # قال: فأين الدين من الفلسفة؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل، من الشيء ~~المأخوذ بالرأي الزائل؟ # فإذا أدلوا بالعقل فالعقل موهبة من الله جل وعز لكل عبد، ولكن بقدر ما ~~يدرك به ما يعلوه، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه، وليس كذلك الوحي، فإنه ~~على نوره المنتشر، وبيانه الميسر. # قال: وبالجملة، النبي فوق الفيلسوف، والفيلسوف دون النبي، وعلى الفيلسوف ~~أن يتبع النبي، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف، لأن النبي مبعوث، ~~والفيلسوف مبعوث إليه. # قال: ولو ms135 كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غناء، على أن منازل ~~الناس متفاوتة في العقل، وأنصباؤهم مختلفة فيه، فلو كنا نستغني عن الوحي ~~بالعقل كيف كنا نصنع، وليس العقل بأسره لواحد منا، وإنما هو لجميع الناس. # فإن قال قائل بالعبث والجهل: كل عاقل موكول إلى قدر عقله، وليس عليه أن ~~يستفيد الزيادة من غيره، لأنه مكفي به، وغيره مطالب بما زاد عليه. PageV01P166 # قيل له: كفاك تماديا في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافق، ولا عليه مطابق، ~~ولو استقل إنسان واحد بعقله في جميع حالاته في دينه ودنياه لاستقل أيضا ~~بقوته في جميع حاجاته في دينه ودنياه، ولكان وحده يفي بجميع الصناعات ~~والمعارف، وكان لا يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه، وهذا قول مرذول ورأي ى ~~مخذول. # قال البخاري: وقد اختلفت أيضا درجات النبوة بالوحي، وإذا ساغ هذا ~~الاختلاف في الوحي ولم يكن ذلك ثالما له، ساغ أيضا في العقل ولم يكن مؤثرا ~~فيه. # فقال: يا هذا، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة ~~بمن اصطفاهم بالوحي، وخصهم بالمناجاة، واجتباهم للرسالة، وأكملهم بما ~~ألبسهم من شعار النبوة، وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين ~~بالعقول المختلفة، لأنهم على بعد من الثقة والطمأنينة إلا في الشيء القليل ~~والنزر اليسير، وعوار هذا الكلام ظاهر، وخطل هذا المتكلم بين. # قال الوزير: أفما سمع شيئا من هذا المقدسي؟ # قلت: بلى قد ألقيت إليه هذا وما أشبهه بالزيادة والنقصان، والتقديم ~~والتأخير، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الوراق في الوراقين، فسكت، وما رآني ~~أهلا للجواب، لكن الجريري غلام ابن طرارة هيجه يوما في الوراقين بمثل هذا ~~الكلام، فاندفع فقال: # الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا ~~يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط. فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون ~~الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح ~~فرق ظاهر وأمر مكشوف، لأن غاية مدبر المريض أن ينتقل به إلى الصحة، هذا إذا ~~كان الدواء ناجعا، والطبع ms136 قابلا، والطبيب ناصحا. وغاية مدبر الصحيح أن يحفظ ~~الصحة، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل، وفرغه لها، وعرضه لاقتنائها، ~~وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى، ومتبوئ الدرجة العليا، وقد صار ~~مستحقا للحياة الإلهية، والحياة الإلهية من الخلود والديمومة والسرمدية. # فإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضا، فليست تلك الفضائل من ~~جنس هذه الفضائل، لأن إحداهما تقليدية، والأخرى برهانية، وهذه مظنونة، وهذه ~~مستيقنة، وهذه روحانية، وهذه جسمية، وهذه دهرية، وهذه زمانية. # وقال أيضا: إنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفة ~~بالشريعة، وإن كانت الشريعة جاحدة لها، وإنما جمعنا أيضا بينهما لأن ~~الشريعة عامة، والفلسفة خاصة، والعامة قوامها بالخاصة، كما أن الخاصة ~~تمامها بالعامة، وهما متطابقتان إحداهما على الأخرى، لأنها كالظهارة التي ~~لابد لها من البطانة، وكالبطانة التي لابد لها من الظهارة. PageV01P167 # فقال له الجريري: أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه كلامك ~~فمثل لا يعبر به غيرك ومن كان في مشكل، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو ~~الذي يجمع بين الأمرين، أعني أنه يبرئ المريض من مرضه، ويحفظ الصحيح على ~~صحته، فأما أن يكون هاهنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح، والآخر يعالج ~~المريض، فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت، وهو شيء خارج عن العادة، فمثلك ~~مردود عليك، وتشنيعك فاضح لك، وكل أحد يعلم أن التدبير في حفظ الصحة ودفع ~~المرض- وإن كان بينهما فرق- واحد، فالطب يجمعهما، والطبيب الواحد يقوم بهما ~~وبشرائطهما. # وأما قولك في الفصل الثاني: إن إحدى الفضيلتين تقليدية، والأخرى برهانية، ~~فكلام مدخول، لأنك غلطت على نفسك، ألا تعلم أن البرهانية هي الواردة ~~بالوحي، الناظمة للرشد، الداعية إلى الخير، الواعدة بحسن المآب، وأن ~~التقليدية هي المأخوذة من المقدمة والنتيجة، والدعوى التي يرجع فيها إلى من ~~ليس بحجة، وإنما هو رجل قال شيئا فوافقه آخر وخالفه آخر، فلا الموافق له ~~يرجع إلى الوحي، ولا المخالف له يستند إلى حق، والعجب أنك جعلت الشريعة من ~~باب الظن، وهي بالوحي، وجعلت الفلسفة من باب اليقين، وهي ms137 من الرأي. # وأما قولك: هذه روحانية- تعني الفلسفة- وهذه جسمية- تعني الشريعة- فزخرفة ~~لا تستحق الجواب، ولمثل هذا فليعمل المزخرفون، على أنا لو قلنا: بل الشريعة ~~هي الروحانية، لأنها صوت الوحي، والوحي من الله عز وجل، والفلسفة هي ~~الجسمية، لأنها برزت من جهة رجل باعتبار الأجسام والأعراض، وما هذا شأنه ~~فهو بالجسم أشبه، وعن لطف الروح أبعد لما أبعدنا. # وأما قولك: الفلسفة خاصة والشريعة عامة، فكلام ساقط لا نور عليه، لأنك ~~تشير به إلى أن الشريعة يعتقدها قوم- وهم العامة- والفلسفة ينتحلها قوم- ~~وهم الخاصة- فلم جمعتم رسائل إخوان الصفاء ودعوتم الناس إلى الشريعة وهي لا ~~تلزم إلا للعامة، ولم تقولوا للناس: من أحب أن يكون من العامة فليتحل ~~بالشريعة، فقد ناقضتم، لأنكم حشوتم مقالتكم بآيات من كتاب الله تزعمون بها ~~أن الفلسفة مدلول عليها بالشريعة، ثم الشريعة مدلول عليها بالمعرفة، ثم ~~هأنت تذكر أن هذه للخاصة، وتلك للعامة، فلم جمعتم بين مفترقين، وفرقتم بين ~~مجتمعين، هذا والله الجهل المبين، والخرق المشين. # وأما قولك: إنا جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة، ~~وإن كانت الشريعة جاحدة للفلسفة، فهذه مناقضة أخرى، وإني أظن أن حسك كليل، ~~وعقلك عليل، لأنك قد أوضحت عذر أصحاب الشريعة، إذ جحدوا الفلسفة، وذلك أن ~~الشريعة لا تذكرها، ولا تحض على الدينونة بها، ومع ذلك فليس لهم علم بأن PageV01P168 # الفلسفة قد حثت على قبول الشريعة، ونهت عن مخالفتها، وسمتها بالناموس ~~الحافظ لصلاح العالم. # ثم قال الجريري: حدثني أيها الشيخ: على أي شريعة دلت الفلسفة؟ أعلى ~~اليهودية، أم على النصرانية، أم على المجوسية، أم على الإسلام، أم على ما ~~عليه الصابئون؟ فإن هاهنا من يتفلسف وهو نصراني كابن زرعة وابن خمار ~~وأمثالهما، وهاهنا من يتفلسف وهو يهودي، كأبي الخير بن يعيش، وهاهنا من ~~يتفلسف وهو مسلم، كأبي سليمان والنوشجاني وغيرهما، أفتقول إن الفلسفة أباحت ~~لكل طائفة من هذه الطوائف أن تدين بذلك الدين الذي نشأت عليه؟ ودع هذا ~~ليخاطب غيرك، فإنك من أهل الإسلام بالهدي والجبلة والمنشإ والوراثة، فما ~~بالنا لا نرى واحدا منكم يقوم ms138 بأركان الدين، ويتقيد بالكتاب والسنة يراعي ~~معالم الفريضة ووظائف النافلة؟ وأين كان الصدر الأول من الفلسفة؟ أعني ~~الصحابة، وأين كان التابعون منها؟ ولم خفي هذا الأمر العظيم- مع ما فيه من ~~الفوز والنعيم- على الجماعة الأولى والثانية والثالثة إلى يومنا هذا وفيهم ~~الفقهاء والزهاد والعباد وأصحاب الورع والتقى، والناظرين في الدقيق ودقيق ~~الدقيق وكل ما عاد بخير عاجل وثواب آجل، هيهات لقد أسررتم الحسو في ~~الارتغاء واستقيتم بلا دلو ولا رشاء، ودللتم على فسولتكم وضعف منتكم ~~وأردتم أن تقيموا ما وضعه الله، وتضعوا ما رفعه الله، والله لا يغالب، بل ~~هو غالب على أمره، فعال لما يريد. # قد حاول هذا الكيد خلق في القديم والحديث، فنكصوا على أعقابهم خائبين، ~~وكبوا لوجوههم خاسرين، منهم أبو زيد البلخي، فإنه ادعى أن الفلسفة مقاودة ~~للشريعة ، والشريعة مشاكلة للفلسفة، وأن إحداهما أم والأخرى ظئر، وأظهر ~~مذهب الزيدية، وانقاد لأمير خراسان الذي كتب له أن يعمل في نشر الفلسفة ~~بشفاعة الشريعة، ويدعو الناس إليها باللطف والشفقة والرغبة، فشتت الله ~~كلمته، وقوض دعامته، وحال بينه وبين إرادته، ووكله إلى حوله وقوته، فلم يتم ~~له من ذلك شيء. # وكذلك رام أبو تمام النيسابوري، وخدم الطائفة المعروفة بالشيعية ولجأ إلى ~~مطرف بن محمد وزير مرداويج الجيلي ليكون له به قوة، وينطق بما في نفسه من ~~هذه الجملة، فما زادته إلا صغرا في قدره، ومهانة في نفسه، وتواريا في بيته. # وهذا بعينه قصد العامري فما زال مطرودا من صقع إلى صقع ينذر دمه ويرتصد PageV01P169 # قتله، فمرة يتحصن بفناء ابن العميد، ومرة يلجأ إلى صاحب الجيش بنيسابور، ~~ومرة يتقرب إلى العامة بكتب يصنفها في نصرة الإسلام، وهو على ذلك يتهم ~~ويقرف بالإلحاد، وبقدم العالم والكلام في الهيولى والصورة والزمان والمكان، ~~وما أشبه هذا من ضروب الهذيان التي ما أنزل الله بها كتابه، ولا دعا إليها ~~رسوله، ولا أفاضت فيها أمته. # ومع ذلك يناغي صاحب كل بدعة، ويجلس إليه كل متهم، ويلقي كلامه إلى كل من ~~ادعى باطنا للظاهر وظاهرا للباطن. # وما عندي ms139 أن الأئمة الذين يأخذ عنهم ويقتبس منهم، كأرسطوطاليس وسقراط ~~وأفلاطون، رهط الكفر ذكروا في كتبهم حديث الظاهر والباطن، وإنما هذا من نسج ~~القداحين في الإسلام، الساترين على أنفسهم ما هم فيه من التهم، وهذا بعينه ~~دبره الهجريون بالأمس، وبهذا دندن الناجمون بقزوين وبثوا الدعاة في أطراف ~~الأرض، وبذلوا الرغائب وفتنوا النفوس. # وقد سمعنا تأويلات هذه الطوائف لآيات القرآن في قوله عز وجل: انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب # [المرسلات: 30] وفي قوله تعالى: باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13] وفي قوله تعالى: عليها تسعة عشر # [المدثر: 30] وفي قوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53] إلى غير ذلك مما يطول ويعول فدعونا من التورية والحيلة ~~والإيهام والكناية عن شيء لا يتصل بالإرادة، والإرادة لشيء لا يتصل ~~بالصريح، فالناس أنقد لأديانهم وأحرص على الظفر ببغيتهم من الصيارفة ~~لدنانيرهم ودراهمهم. # فلما انبهر المقدسي بما سمع وكاد يتفرى إهابه من الغيظ والعجز وقلة ~~الحيلة قال: الناس أعداء ما جهلوا، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ~~ويطرح الشحناء ويقدح زند الفتنة. # ثم كر الجريري كر المدل وعطف عطفة الواثق بالظفر، فقال: يا أبا سليمان، ~~من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى انقلبت حية، وأن البحر انفلق، وأن يدا ~~خرجت بيضاء من غير سوء، وأن بشرا خلق من تراب، وأن آخر ولدته أنثى من غير ~~ذكر، وأن نارا مؤججة طرح فيها إنسان فصارت له بردا وسلاما، وأن رجلا مات ~~مائة عام ثم بعث فنظر إلى طعامه وشرابه على حاليهما لم يتغيرا، وأن قبرا ~~تفقأ عن ميت حيي، وأن طينا دبر فنفخ فيه فطار، وأن قمرا انشق، وأن جذعا ~~حن، وأن ذئبا PageV01P170 # تكلم، وأن ماء نبع من أصابع فروي منه جيش عظيم، وأن جماعة شبعت من ثريدة ~~في قدر جسم قطاة؟ # وعلى هذا، إن كنتم تدعون إلى شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق ~~والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها صحيحة ثابتة كائنة لا ريب فيها ولا مرية، ms140 ~~من غير تأويل ولا تدليس، ولا تعليل ولا تلبيس، وأعطونا خطكم بأن الطبائع ~~تفعل هذا كله، والمواد تواتي له، والله تعالى يقدر عليه، ودعوا التورية ~~والحيلة والغيلة والظاهر والباطن، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة، ~~ولا الشريعة من فن الفلسفة، وبينهما يرمي الرامي ويهمي الهامي، على أنا ما ~~وجدنا الديانين من المتألهين من جميع الأديان يذكرون أن أصحاب شرائعهم قد ~~دعوا إلى الفلسفة وأمروا بطلبها واقتباسها من اليونانيين هذا موسى وعيسى ~~وإبراهيم وداود وسليمان وزكريا ويحيى إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- لم نحق ~~من يعزو إليهم شيئا من هذا الباب، ويعلق عليهم هذا الحديث. # قال الوزير: ما عجبي من جميع هذا الكلام إلا من أبي سليمان في هذا ~~الاستحقار والتغضب، والاحتشاد والتعصب، وهو رجل يعرف بالمنطقي، وهو من ~~غلمان يحيى بن عدي النصراني، ويقرأ عليه كتب يونان، وتفسير دقائق كتبهم ~~بغاية البيان. # فقلت: إن أبا سليمان يقول: إن الفلسفة حق لكنها ليست من الشريعة في شيء، ~~والشريعة حق لكنها ليست من الفلسفة في شيء، وصاحب الشريعة مبعوث، وصاحب ~~الفلسفة مبعوث إليه، وأحدهما مخصوص بالوحي، والآخر مخصوص ببحثه، والأول ~~مكفي، والثاني كادح، وهذا يقول: أمرت وعلمت، وقيل لي، وما أقول شيئا من ~~تلقاء نفسي، وهذا يقول: رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت، وهذا يقول: نور ~~العقل أهتدي به، وهذا يقول: معي نور خالق الخلق أمشي بضيائه، وهذا يقول: ~~قال الله تعالى، وقال الملك، وهذا يقول: قال أفلاطن وسقراط، ويسمع من هذا ~~ظاهر تنزيل، وسائغ تأويل، وتحقيق سنة، واتفاق أمة، ويسمع من الآخر الهيولى ~~والصورة والطبيعة والأسطقس والذاتي والعرضي والأيسي والليسي، وما شاكل هذا ~~مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا مانوي. # ويقول أيضا: من أراد أن يتفلسف فيجب عليه أن يعرض بنظره عن الديانات، ومن ~~اختار التدين فيجب عليه أن يعرد بعنايته عن الفلسفة ويتحلى بهما ~~مفترقين في مكانين على حالين مختلفين، ويكون بالدين متقربا إلى الله تعالى، ~~على ما أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى، ويكون بالحكمة ms141 متصفحا لقدرة ~~الله تعالى في هذا العالم الجامع للزينة الباهرة لكل عين، المحيرة لكل عقل، ~~ولا يهدم أحدهما بالآخرة. PageV01P171 # أعني لا يجحد ما ألقى إليه صاحب الشريعة مجملا ومفصلا، ولا يغفل عما ~~استخزن الله تعالى هذا الخلق العظيم على ما ظهر بقدرته، واشتمل بحكمته، ~~واستقام بمشيئته، وانتظم بإرادته واستتم بعلمه، ولا يعترض على ما يبعد في ~~عقله ورأيه من الشريعة، وبدائع آيات النبوة بأحكام الفلسفة، فإن الفلسفة ~~مأخوذة من العقل المقصور على الغاية، والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من ~~العلم بالقدرة. # قال: ولعمري إن هذا صعب، ولكنه جماع الكلام، وأخذ المستطاع، وغاية ما عرض ~~له الإنسان المؤيد باللطائف، المزاح بالعلل وبضروب التكاليف. # قال: ومن فضل نعمة الله تعالى على هذا الخلق أنه نهج لهم سبيلين ونصب لهم ~~علمين، وأبان لهم نجدين ليصلوا إلى دار رضوانه إما بسلوكهما وإما بسلوك ~~أحدهما. # فقال له البخاري: فهلا دل الله على الطريقين اللذين رسمتهما في هذا ~~المكان؟ # قال: دل وبين، ولكنك عم، أما قال: وما يعقلها إلا العالمون # [العنكبوت: 43] وفي فحوى هذا وما يعلمها إلا العالمون؟ فقد وصل العقل ~~بالعلم، كما وصل العلم بالعقل، لأن كمال الإنسان بهما، ألا ترى أن العاقل ~~متى عري من العلم قل انتفاعه بعقله؟ كذلك العالم متى خلي من العقل بطل ~~انتفاعه بعلمه، أما قال: # وما يذكر إلا أولوا الألباب # ؟ [البقرة: 269] أما قال: فاعتبروا يا أولي الأبصار # [الحشر: 2] أما قال: أفلا يتدبرون القرآن # ؟ [النساء: 82] أما ذم قوما حين قال: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون # ؟ [الروم: 7] أفما قال: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها # ! [الأنعام: 18] أما قال: وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها ~~وهم عنها معرضون # ؟ [يوسف: 105] أما قال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع ~~وهو شهيد # ؟ [ق: 37] وكتاب الله عز وجل محيط بهذا كله، وإنما تقاد إلى طاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بعد هذا ms142 فيما لا يناله عقلك، ولا يبلغه ذهنك، ولا يعلو ~~إليه فكرك، فأمرك باتباعه والتسليم له، وإنما دخلت الآفة من قوم دهريين ~~ملحدين ركبوا مطية الجدل والجهل، ومالوا إلى الشغب بالتعصب، وقابلوا الأمور ~~بتحسينهم وتقبيحهم وتهجينهم، وجهلوا أن وراء ذلك ما يفوت ذرعهم، ويتخلف عن ~~لحاقه رأيهم ونظرهم، ويعمى دون كنه ذلك بصرهم، وهذه الطائفة معروفة، منهم ~~صالح بن عبد القدوس، وابن أبي العوجاء، ومطر بن أبي الغيث، وابن الراوندي، ~~والصيمري، فإن هؤلاء طاحوا في أودية الضلالة، واستجروا إلى جهلهم أصحاب ~~الخلاعة والمجانة. PageV01P172 # فقال البخاري: فما الذي تركت بهذا الوصف للذين جمعوا بين الفلسفة ~~والديانة، ووصلوا هذه بهذه على طريق الظاهر والباطن، والخفي والجلي، ~~والبادي والمكتوم؟ # قال: تركت لهم الطويل العريض، القوم زعموا أن الفلسفة مواطئة للشريعة، ~~والشريعة موافقة للفلسفة، ولا فرق بين قول القائل: قال النبي، وقال الحكيم، ~~وأن أفلاطن ما وضع كتاب النواميس إلا لنعلم كيف نقول؟ وبأي شيء نبحث، وما ~~الذي نقدم ونؤخر، وأن النبوة فرع من فروع الفلسفة، وأن الفلسفة أصل علم ~~العالم، وأن النبي محتاج إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم، والحكيم، ~~والحكيم غني عنه، هذا وما أشبهه، وأن صاحب الدين له أن يعين ويوري ويشير ~~ويكني حتى تتم المصلحة، وتنتظم الكلمة، وتتفق الجماعة، وتثبت السنة، وتحلوا ~~المعيشة، وحتى قال قائل منهم: «أوائل الشريعة أمور مبتدعة، ووسائطها سنن ~~متبعة، وأواخرها حقوق منتزعه» وأين هذا النعت من قولي: «إن الشريعة إلهية، ~~والفلسفة بشرية» ، أعني أن تلك بالوحي، وهذه بالعقل، وأن تلك موثوق بها ~~ومطمأن إليها، وهذه مشكوك فيها مضطرب عليها. # قال له البخاري: فلم لم ينهج صاحب الشريعة هذه الطريق، وكان يزول هذا ~~الخصام، وينتفي هذا الظن، وتكسد هذه السوق؟ # فقال: إن صاحب الشريعة مستغرق بالنور الإلهي، فهو محبوس على ما يراه ~~ويبصره، ويجده وينظره، لأنه مأخوذ بما شهده بالعيان وأدركه بالحس وناله ~~بوديعة الصدر عن كل ما عداه، فلهذا يدعو إلى اقتباس كماله الذي حصل له، ولا ~~يسعد بدعوته إلا من وفق لإجابته، وأذعن ms143 لطاعته، واهتدى بكلمته، والفلسفة ~~كمال بشري، والدين كمال إلهي، والكمال الإلهي غني عن الكمال البشري، ~~والكمال البشري فقير إلى الكمال الإلهي، فهذا هذا، وما أمر الله عز وجل ~~بالاعتبار، ولا حث على التدبر، ولا حرك القلوب إلى الاستنباط، ولا حبب إلى ~~القلوب البحث في طلب المكنونات، إلا ليكون عباده حكماء ألباء أتقياء ~~أذكياء، ولا أمر بالتسليم ولا حظر الغلو والإفراط في التعمق إلا ليكون ~~عباده لاجئين إليه متوكلين عليه، معتصمين به، خائفين منه، راجين له، يدعونه ~~خوفا وطمعا، ويعبدونه رغبا ورهبا، فبين ما بين حرصا على معرفته وعبادته، ~~وطاعته وخدمته، وأخفى ما أخفى لتدوم حاجتهم إليه، ولا يقع الغنى عنه، ~~وبالحاجة يقع الخضوع والتجرد، وبالاستغناء يعرض التجبر والتمرد، وهذه أمور ~~جارية بالعادة، وثابتة بالسيرة الجائرة والعادلة، ولا سبيل إلى دفعها ~~ورفعها وإنكارها وجحدها، فلهذا لزم كل من أدرك بعقله شيئا أن يتمم نقصه بما ~~يجده عند من أدرك ما أدرك بوحي من ربه. PageV01P173 # وقال أيضا: مما يؤكد هذه الجملة أن الشريعة قد أتت على معقول كثير، بنور ~~الوحي المنير، ولم تأت الفلسفة على شيء من الوحي لا كثير ولا قليل. # قال: وليس ليونان نبي يعرف، ولا رسول من قبل الله صادق، وإنما كانوا ~~يفزعون إلى حكمائهم في وضع ناموس يجمع مصالح حياتهم ونظام عيشهم ومنافع ~~أحوالهم في عاجلتهم، وكانت ملوكهم تحب الحكمة وتؤثر أهلها، وتقدم من تحلى ~~بجزء من أجزائها، وكان ذلك الناموس يعمل به ويرجع إليه، حتى إذا أبلاه ~~الزمان، وأخلقه الليل والنهار، عادوا فوضعوا ناموسا آخر جديدا بزيادة شيء ~~على ما تقدم أو نقصان، على حسب الأحوال الغالبة على الناس، والمغلوبة بين ~~الناس، ولهذا لا يقال: # إن الإسكندر في أيام ملكه حين سار من المغرب إلى المشرق كانت شريعته كذا ~~وكذا، وكان يذكر نبيا يقال له: فلان، أو قال: أنا نبي، ولقد واقع دارا ~~وغيره من الملوك على طريق الغلبة في طلب الملك، وحيازة الديار وجباية ~~الأموال والسبي والغارة، ولو كان للنبوة ذكر وللنبي حديث لكان ذلك مشهورا ms144 ~~مذكورا، ومؤرخا معروفا. # قال الوزير: هذا كلام عجيب ما سمعت مثله على هذا الشرح والتفصيل! قلت: إن ~~شيخنا أبا سليمان غزير البحر، واسع الصدر، لا يغلق عليه في الأمور ~~الروحانية والأنباء الإلهية والأسرار الغيبية، وهو طويل الفكرة، كثير ~~الوحدة، وقد أوتي مزاجا حسن الاعتدال، وخاطرا بعيد المنال، ولسانا فسيح ~~المجال، وطريقته هذه التي اجتباها مكتنفة بمعارضات واسعة، وعليها مداخل ~~لخصمائه، وليس يفي كل أحد بتلخيصه لها، لأنه قد أفرز الشريعة من الفلسفة، ~~ثم حث على انتحالهما معا، وهذا شبيه بالمناقضة. وقد رأيت صاحبا لمحمد بن ~~زكرياء في هذه الأيام ورد من الري يقال له: أبو غانم الطبيب، يشاده في هذا ~~الموضع ويضايقه، ويلزمه القول بما ينكره على الخصم، وإذا أذنت رسمت كلامهما ~~في ورقات. # فقال الوزير: قد بان الغرض الذي رمى إليه، وتقليبه بالجدل لا يزيده إلا ~~إغلاقا، والقصد معروف، والوقوف عليه كاف، ومع هذا فليت حظنا منه كان يتوفر ~~بالتلاقي والاجتماع، لا بالرواية والسماع، هات فائدة الوداع، فقد بلغت في ~~المؤانسة غاية الإمتاع. # قلت: أكره أن أختم مثل هذه الفقر الشريفة بما يشبه الهزل وينافي الجد، ~~فإن أذنت رويت ما يكون أساسا ودعامة لما تقدم. # قال: هات ما أحببت، فما عهدنا من روايتك إلا ما يشوقنا إلى رؤيتك. # قلت: قال ابن المقفع: عمل الرجل بما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة ~~العفاف، وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين، وإقدامه ~~على ما لا يعلم أصواب هو أم خطأ لجاج، واللجاج آفة الرأي. PageV01P174 # فقال- حرس الله نفسه-: ما أكثر رونق هذا الكلام! وما أعلى رتبته في كنه ~~العقل! اكتبه لنا، بل اجمع لي جزءا لطيفا من هذه الفقر، فإنها تروح العقل ~~في الفينة بعد الفينة، فإن نور العقل ليس يشع في كل وقت، بل يشع ويبرق مرة، ~~فإذا شع عم نفعه، وإذا برق خص نفعه وإذا خفي بطل نفعه. # قلت: أفعل. فقال: إن كان معك شيء آخر فاذكره، فإن الحديث الحسن لا يمل، ~~وما أحسن ما قال خالد ms145 بن صفوان، فإنه قيل له: أتمل الحديث؟ قال: إنما يمل ~~العتيق. قال: صدق خالد، إن الحديث لا يمل من الزمان إلا فيما يليه، وإلا ~~فكيف يمل في أول زمانه وفاتحة أوانه، وإنما الملل يعرض بتكرر الزمان وضجر ~~الحس ونزاع الطبع إلى الجديد، ولهذا قيل: لكل جديد لذة. # فحكيت أنه لما تقلد كسرى أنوشروان مملكته عكف على الصبوح والغبوق، فكتب ~~إليه وزيره رقعة يقول فيها: إن في إدمان الملك ضررا على الرعية، والوجه ~~تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة. فوقع على ظهر الرقعة بالفارسية بما ~~ترجمته: # يا هذا، إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، ~~وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة؟ # قال: من حدثك بهذا؟ قلت: أبو سليمان شيخنا، قال: فكيف كان رضاه عن هذا ~~الملك في هذا القول؟ # فقلت: اعترض فقال أخطأ من وجوه، أحدها أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم، ~~والآخر أنه جهل أن أمن السبيل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق متى ~~لم يوكل بها الطرف الساهر ولم تحط بالعناية التامة، ولم تحفظ بالاهتمام ~~الجالب لدوام النظام، دب إليها النقص والنقض باب للانتقاض، مزعزع للدعامة. # والآخر أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع، فإن ~~في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ما يستوعب ~~أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا، وكان ما يدعو إليه الهوى كبيرا؟! ~~والآخر أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتار الملك ~~باللذات، وانهماكه في طلب الشهوات، ازدرته واستهانت به، وحدثت عنه بأخلاق ~~الخنازير وعادات الحمير، واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها والقيم ~~بشأنها متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان، وانتشرت في المحافل، والتفت ~~بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع ~~الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من ~~طامع راصد قط وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ولا منازع، وقد ~~ينجم الضد والمنازع PageV01P175 # من حيث لا يحتسب، ms146 وما أكثر خجل الواثق! وما أقل حزم الوامق! وما أقل يقظة ~~المائق ! ثم قال: وعلى الضد متى كان السائس ذا تحفظ وبحث، وتتبع وحزم ~~وإكباب على لم الشعث وتقويم الأود وسد الخلل وتعرف المجهول وتحقق المعلوم ~~ورفع المنكر وبث المعروف، احترست منه العامة والخاصة، واستشعرت الهيبة، ~~والتزمت بينها النصفة، وكفيت كثيرا من معاناتها ومراعاتها، وإن كان للدولة ~~راصد للغرة يئس من نفوذ الحيلة فيها، لأن اللص إذا رأى مكانا حصينا وعهد ~~عليه حراسا لم يحدث نفسه بالتعرض له، وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة، وبابا إليه ~~طريق، والأعراض بالأسباب، وإذا ضعف السبب ضعف العرض، وإذا انقطع السبب ~~انقطع العرض. # فقال- أدام الله أيامه-: هذا كلام كاف شاف. وقال بعد ذلك: حدثني عما تسمع ~~من العامة في حديثنا. # قلت: سمعت (بباب الطاق) قوما يقولون: اجتمع الناس اليوم على الشط، فلما ~~نزل الوزير ليركب المركب صاحوا وضجوا وذكروا غلاء القوت وعوز الطعام وتعذر ~~الكسب وغلبة الفقر وتهتك صاحب العيال، وأنه أجابهم بجواب مر مع قطوب الوجه ~~وإظهار التبرم بالاستغاثة: بعد لم تأكلوا النخالة. # فقال: والله ما قلت هذا، ولا خطر لي على بال، ولم أقابل عامة جاهلة ضعيفة ~~جائعة بمثل هذه الكلمة الخشناء، وهذا يقوله من طرح الشر وأحب الفساد وقصد ~~التشنيع علي والإيحاش مني، وهو هذا العدو الكلب، «يعني ابن يوسف» كفاني ~~الله شره، وشغله بنفسه، ونكس كيده على رأسه، والله لأنظرن لها وللفقراء ~~بمال أطلقه من الخزانة، وأرسم ببيع الخبز ثمانية بدرهم، ويصل ذلك إلى ~~الفقراء في كل محلة على ما يذكر شيخها، ويبيع الباقون على السعر الذي يقوم ~~لهم، ويشتريه الغني الواجد، ففعل ذلك- أحسن الله جزاءه- على ما عرفت ~~وشاهدت، وأبلغته بنشر الدعاء له في الجوامع والمجامع بطول البقاء ودوام ~~العلاء وكبت الأعداء ونصر الأولياء. # ثم كتبت جزءا من الفقر على ما رسم من قبل، فلما أوصلته إليه قال لي: ~~اقرأ، فقرأته عليه، فقال: صل هذا الجزء بجزء آخر من حديث النبي- صلى الله ~~عليه وسلم- والصحابة وبجزء من الشعر، وبشيء من معاني القرآن، ms147 فإنه متقدم ~~على كل شيء بحسب ما رفع الله من خطره، وأحوج إلى فهمه، وندب إلى العمل به، ~~وأثاب على التفكر فيه والتعجب منه. PageV01P176 # وعظ رجل من (جهينة) (عمرو بن العاص) في قصة الحكومة، فقال عمرو له: ~~ما أنت وذاك يا تيس جهينة؟ فو الله ما ينفعك الحق، ولا يضرك الباطل، فاسكت ~~فإن الظلف لا يجري مع الخف. # وقال بعض الحكماء: إن المدن تبنى على الماء والمرعى والمحتطب والحصانة. # وقال الشاعر: # لاح سهيل في الظلام الدامس %~% كأنه نار بكف القابس # قال ربيعة بن عامر بن مالك في عمرو بن الإطنابة- حين دفع أخته وأخذ أخاه ~~وكان أسيرا في قومه، وجعل دفع أخيه إليه صداق أخته، وهو الذي تسميه العرب ~~المساهاة-: فقد حزمي الذي هديت له، وعزمي الذي أرشدت إليه. وقال الشاعر: # وساهى بها عمرو وراعى إفاله %~% فزبد وتمر بعد ذاك كثير # وكانت دية العربي مائة وسق، ودية الهجين خمسين وسقا، ودية المولى عشرة ~~أوسق، وكانت العرب تجعل دية المعم المخول مائة بعير، ودية المولى خمسة ~~وعشرين بعيرا. # وقال جرير: # رأيت بني نبهان أذناب طيئ %~% وللناس أذناب ترى وصدور # ترى شرط المعزى مهور نسائهم %~% وفي شرط المعزى لهن مهور # وقال خالد بن جعفر بن كلاب: # بل كيف تكفرني (هوازن) بعد ما %~% أعتقتهم فتوالدوا أحرارا # وقتلت ربهم زهيرا بعدما %~% جدع الأنوف وأكثر الأوتارا # وجعلت مهر نسائهم ودياتهم %~% عقل الملوك هجائنا وبكارا # وقال جندل بن صخر، وكان عبدا: # وما فك رقي ذات دل خدلج %~% ولا ساق ما لي صدقة وعقول # ولكن نماني كل أبيض خضرم %~% فأصبحت أدري اليوم كيف أقول # وقتل الكلبي عبد الله بن الجوشن الغطفاني بقتله ابنه الجراح بن عبد الله ~~(روادا) وكانوا عرضوا عليه الدية، فقال: # شفيت برواد غليلا وجدته %~% على القلب منه مستسر وظاهر # ألا ليت قبرا بين أدمي ومطرق %~% يحدثه عني الأحاديث خابر PageV01P177 # وقالوا نديه من أبيه ونفتدي %~% فقلت: كريم ما تديه الأباعر # ألم تر أن المال يذهب دثره %~% وتغبر أقوال وتبقى المعاير # أدمي ومطرق: غديران بين فدك وبلاد ms148 طيئ. # سئلت ابنة الخس هل يلقح البازل ؟ قالت: نعم وهو رازم، أي وإن كان لا ~~يقدر على القيام من الضعف والهزال. يقال: جمل بازل وناقة بازل، ويقال: ضربه ~~فبركعه إذا أبركه، وتبركع، ويقال: شم لي هذه الإبل، أي انظر لي خبرها. # ويقال لولد كل بهيمة إذا ساء غذاؤه: جحن ومحثل وجذع، وكل ما غذي بغير أمه ~~يقال له: عجي، وكذلك الجحن والوغل والسغل كله السيئ الغذاء. # سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل، فقال: «مالك ولها؟ معها ~~حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل من الشجر حتى يأتيها ربها» . # سئل- عليه السلام- عن ضالة الغنم، فقال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. # قيل له عليه السلام: فاللقطة؟ قال: «تعرفها سنة وتحصي وكاءها ووعاءها ~~وعفاصها وعددها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه» . # وقال أبي بن كعب: أصبت مائة دينار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: «احفظ عفاصها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها فأخبرك بعددها وعفاصها ~~ووكائها فأدها إليه وإلا فعرفها سنة، ثم استمتع بها» . # قال علي بن الحسن: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بقف ~~النخلتين قال له الأنصار: يا رسول الله، هل لك في السباق؟ قال: نعم، وهو ~~يومئذ على النواضح - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في أخريات ~~الناس، وأسامة بن زيد على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~في أول الناس- فقال: أين أسامة؟ فتنادى الناس حتى بلغ أسامة الصوت، فوضع ~~السوط في الناقة فأقبلت، فلما دنت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~إخواننا من الأنصار قد أرادوا السباق فأنخ ناقتك حتى ترغو، ثم علق الخطام ~~ثم سابقهم، PageV01P178 # ففعل واستبقوا، فسبقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل أسامة ~~يكبر ويقول: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله يقول: سبق ~~أسامة، فلما أكثر من ذلك قال له: أقصر يا أسامة، فإن إخواننا من الأنصار ~~فيهم حياء وحفيظة. # قال: وليس لشيء من الحيوان سنام إلا البعير، ولبعض ms149 البخاتي سنامان، ولبعض ~~البقر شيء صغير على موضع الكاهل. والجمل يبول إلى خلف، وكذلك الأسد. وقضيب ~~الجمل من عصب، وقضيب الإنسان من لحم وغضروف، وقضيب الذئب والثعلب من عظم، ~~وقضيب ذكر الأرانب من عظم على صورة الثقب كأنه نصف أنبوبة مشقوقة. وفي قلب ~~الثور عظم، وربما وجد في قلب الجمل. والمرأة تلد من قبل، والناقة من خلف. ~~وزمان نزو الجمال في (شباط) . والإناث في الإبل تحمل اثني عشر شهرا وتضع ~~واحدا وتلقح إذا بلغت ثلاث سنين، وكذلك الذكر، ثم تقيم الأثنى سنة ثم ينزى ~~عليها. # وزعم صاحب المنطق أن الجمل لا ينزو على أمه، وإن اضطر كرهه. # قال: وقد كان رجل في الدهر السالف ستر الأم بثوب ثم أرسل بكرا عليها، ~~فلما عرف ذلك لم يتم وقطع، وحقد على الجمال فقتله. # قال: وقد كان لملك فرس أنثى، وكان لها أفلاء ، فأراد أن تحمل من ~~أكرمها، فصد عنها وكرها، فلما سترت وثب فركبها، فلما رفع الثوب ورآها هرب ~~ومر حضرا حتى ألقى نفسه في بعض الأودية فهلك .... # هذا كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # قال حذيفة: كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا لبن فيحلب. # قال ديوجانس: إن المرأة تلقن الشر من المرأة، كما أن الأفعى تأخذ السم من ~~الأصلة. # وقال فيثاغورس: إن كثيرا من الناس يرون العمى الذي يعرض لعين البدن ~~فتأباه أنفسهم، فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم، فلذلك ~~لا يستحيون. # وقال أيضا: كما أن الذي يسلك طريقا لا يعرفه لا يدري إلى أي موضع يؤديه، ~~كذلك الذي يسمع كلاما لا يعرف الغرض فيه لا يربح منه إلا التعب. # قيل لديوجانس: أيهما أولى، طلب الغنى، أم طلب الحكمة؟ فقال: للدنيا ~~الغنى، وللآخرة الحكمة. PageV01P179 # وقيل له: متى تطيب الدنيا؟ قال: إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها. # فقال الوزير- أسعده الله-: عندي أن هذا الكلام مدخول، لأن الفلسفة لا تصح ~~إلا لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة، فكيف يكون الملك رافضا للدنيا ms150 ~~وقاليا لها، وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي ~~مفاسدها، وله أولياء يحتاج إلى تدبيرهم وإقامة أبنيتهم والتوسعة عليهم ~~ومواكلتهم ومشاربتهم ومداراتهم والإشراف على سرهم وعلانيتهم، والملك أتعب ~~من الطبيب الذي يجمع معالجة كثيرة بضروب الأدوية المختلفة والأغذية المتبا ~~ينة، هذا والطبيب فقير إلى تقديم النظر في نفسه وبدنه، ونفي الأمراض ~~والأعراض عن ظاهره وباطنه، ومن كان هكذا ومن هو أكثر منه وأشد حاجة وعلاقة ~~كيف يستطيع أن يكون ملكا وحكيما؟! ولعل قائلا يظن هذا ممكنا، ويكون الملك ~~واعيا في الحكمة بالدعوى، وقائما بالملك على طريق الأولى، وهذا إلى التياث ~~الأمر واختلاله واختلاطه في الملك والفلسفة أقرب منه إلى إحكام الأصل ~~وإثبات الفرع. قال: ولهذا لم نجد نحن في الإسلام من نظر في أمر الأمة على ~~الزهد والتقى وإيثار البر والهدى إلا عددا قليلا، والمجوس تزعم أن الشريعة ~~معرجة عن الملك، أي الذي يأتي بها ليس له أن يعرج على الملك، بل له أن يكل ~~الملك إلى من يقوم به على أحكام الدين، ولهذا قال ملكنا الفاضل: الدين ~~والملك أخوان، فالدين أس، والملك حارس، فما لا أس له فهو مهدوم، وما لا ~~حارس له فهو ضائع. # فقلت له: هذا باب إن توزع القول فيه طال، وإن رمي بالقصد جاز، وللأئمة ~~كلام كثير في الإمامة والخلافة وما يجري مجرى النيابة عن صاحب الديانة على ~~فنون مختلفة، وجمل متعددة، إلا أن الناظر في أحوال الناس ينبغي أن يكون ~~قائما بأحكام الشريعة، حاملا للصغير والكبير، على طرائقها المعروفة، لأن ~~الشريعة سياسة الله في الخلق، والملك سياسة الناس للناس، على أن الشريعة ~~متى خلت من السياسة كانت ناقصة، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة، ~~والملك مبعوث، كما أن صاحب الدين مبعوث، إلا أن أحد البعثين أخفى من الآخر، ~~والثاني أشهر من الأول. # قال- أطال الله بقاءه-: كنت أحب أن أعلم من أين قلت: إن الملك مبعوث ~~أيضا؟ فإن هذه الكلمة ما ثبتت في أذني قط، ولا خطرت لي على بال. # قلت: ms151 قال الله عز وجل في تنزيله: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا # [البقرة: 247] . فعجب وقال: كأني لم أسمع بهذا قط. # ذكر للإسكندر سوء أحوال رؤساء مذهبه لما كان أبوه احتاز أموالهم وسلب ~~أحوالهم. فقال: يجب للآباء على الأبناء إزالة الذم عنهم، ومحو الإثم، ~~واستعطاف القلوب عليهم، ونشر المحامد عنهم، وأمر برد أموالهم عليهم، وزاد ~~في الإحسان PageV01P180 # إليهم. وقال: قد بلغ من فرط شفقة الآباء على الأبناء أن يسيئوا إلى ~~أنفسهم لتكون الإساءة سببا للإحسان إلى أولادهم، لأنهم يرون أولادهم ~~كأنفسهم لأنهم من أنفسهم. # فقلت: أيها الوزير، إني لأعجب من الإسكندر في الفعل الرشيد والقول ~~السديد، فهذا المنصور أبو جعفر صاحب الشهامة والصرامة أخذ من وجوه العراق ~~أموالا بخواتيم أصحابها وأفقرهم، وجعلها في خزائنه بعد أن كتب على تلك ~~الخرائط والظروف أسماء أهلها، ثم وصى المهدي بردها على أصحابها بعد موته، ~~ووكد ذلك عليه، وقال: يا بني، إنما أريد بهذا أن أحببك إلى الناس، ففعل ~~المهدي ذلك، فانتشر له الصيت وكثر الدعاء وعجت الأصوات، وقال الناس: هذا هو ~~المهدي الذي ورد في الأثر. فقال: هذا عجب. # وقال سقراط: ينبغي لمن علم أن البدن هو شيء جعل نافعا للنفس مثل الآلة ~~للصانع أن يطلب كل ما يصير البدن به أنفع وأوفق لأفعال النفس التي هي فيه، ~~وأن يهرب من كل ما يصير البدن غير نافع ولا موافق لاستعمال النفس له. # قال أوميروس: لا ينبغي لك أن تؤثر علم شيء إذا عيرت به غضبت، فإنك إذا ~~فعلت هذا كنت أنت القاذف لنفسك. # وقال ديوجانس: من القبيح أن تتحرى في أغذية البدن ما يصلح له ولا يكون ~~ضارا، ولا تتحرى في غذاء النفس الذي هو العلم لئلا يكون ضارا. # وقال أيضا: من القبيح أن يكون الملاح لا يطلق سفينته في كل ريح، ونحن ~~نطلق أنفسنا في غير بحث ولا اختبار. # ذكر لنا أبو سليمان أن فيسلوفا ورد مدينة فيها فيلسوف، فوجه إليه المدني ~~كأسا ملآى، يشير بها إلى أن الاستغناء عنه واقع عنده، ms152 فطرح القادم في الكأس ~~إبرة، يعلمه أن معرفته تنفذ في معرفته. # وقال فيلسوف يوناني: التقلب في الأمصار، والتوسط في المجامع، والتصرف في ~~الصناعات، واستماع فنون الأقوال، مما يزيد الإنسان بصيرة وحكمة وتجربة ~~ويقظة ومعرفة وعلما. # قال الوزير: ما البصيرة؟ # قلت: لحظ النفس الأمور. قال: فما الحكمة؟ قلت: بلوغ القاصية من ذلك ~~اللحظ. قال: فما التجربة؟ قلت: كمال النفس بلحاظ مالها. قال: هذا حسن. # قال أنكساغورس: كما أن الإناء إذا امتلأ بما يسعه من الماء ثم تجعل فيه ~~زيادة على ذلك فاض وانصب، ولعله أن يخرج معه شيء آخر، كذلك الذهن ما أمكنه ~~أن يضبطه فإنه يضبطه، وإن طلب منه ضبط شيء آخر أكثر من وسعه تحير، ولعل ذلك ~~يضيع عليه شيئا مما كان الذهن ضابطا له، وهذا كلام صحيح، وإني لأتعجب من PageV01P181 # أصحابنا إذا ظنوا وقالوا: إن الإنسان يستطيع حفظ جميع فنون العلم والقيام ~~بها والإبقاء عليها، ولو كان هذا مقدورا عليه لوجد، ولو وجد لعرف، ولو عرف ~~لذكر، وكيف يجوز هذا وقلب الإنسان مضغة، وقوته مقصورة، وانبساطه متناه، ~~واقتباسه وحفظه وتصوره وذكره محدود؟ ولقد حدثني علي بن المهدي الطبري قال: ~~قلت ببغداد لأبي بشر: لو نظرت في شيء من الفقه مع هذه البراعة التي لك في ~~الكلام، ومع هذا اللسان الذي تحير فيه كل خصم. قال: أفعل، قال: فكنت أقرأ ~~عليه بالنهار مع المختلفة الكلام، وكان يقرأ علي بالليل شيئا من الفقه، ~~فلما كان بعد قليل أقصر عن ذلك، فقلت له: ما السبب؟ قال: والله ما أحفظ ~~مسألة جليلة في الفقه إلا وأنسى مسألة دقيقة في الكلام، ولا حاجة في زيادة ~~شيء يكون سببا لنقصان شيء آخر مني. # وسأل رجل آخر أن يقرضه مالا، فوعده ثم غدر به، فلامه الناس، فقال: لأن ~~يحمر وجهي مرة أحب إلي من أن يصفر مرارا كثيرة. # وولي أريوس ولاية فقال له أصدقاؤه: الآن يظهر فضلك. فقال: ليست الولاية ~~تظهر الرجل، بل الرجل يظهر الولاية. # وقال ديوجانس: الدنيا سوق المسافر، فليس ينبغي للعاقل أن ms153 يشتري منها شيئا ~~فوق الكفاف. # وقيل لاسطفانس: من صديقك؟ قال: الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد ~~مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها. # وقال أفلاطون: إن للنفس لذتين: لذة لها مجردة عن الجسد، ولذة مشاركة ~~للجسد، فأما التي تنفرد بها النفس فهي العلم والحكمة، وأما التي تشارك فيها ~~البدن فالطعام والشراب وغير ذلك. # وقيل لسقراط: كيف ينبغي أن تكون الدنيا عندنا؟ قال: لا تستقبلوها بتمن ~~لها، ولا تتبعوها بتأسف عليها، فلا ذلك مجد عليكم، ولا هذا راجع إليكم. # وقال سقراط: القنية مخدومة، ومن خدم غير نفسه فليس بحر. # وقال بعض ندماء الإسكندر له: إن فلانا يسيء الثناء عليك، فقال: أنا أعلم ~~أن فلانا ليس بشرير، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك، ~~فبحث عن حاله فوجدها رثة، فأمر له بصلة سنية، فبلغه بعد ذلك أنه يبسط لسانه ~~بالثناء عليه في المحافل، فقال: أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خير ~~أو شر. # قيل لطيماثاوس: لم صرت تسيء القول في الناس؟ قال: لأنه ليس يمكنني أن ~~أسيء إليهم بالفعل. وكان مرة في صحراء، فقال له إنسان: ما أحسن هذه ~~الصحراء! قال: لو لم تحضرها أنت. PageV01P182 # وقال غالوس: ما وجه الاهتمام بما إن لم يكن، أجزئ فوته، وإن كان فالمنفعة ~~به وبحضوره قليلة منقطعة. # وقال سقراط: ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو، ولكن بشكل من ~~يسعط أو يكوي بعلاجه داء بصديق له، وإذا وعظت أيضا بشيء فيه صلاحك، فينبغي ~~أن تتشكل بشكل المريض للطبيب. # ركب مقاريوس في حاجة، فمر بزيموس وقد تعلق به رجل يطالبه بمال اختدعه عنه ~~وعليهما جماعة من الناس، وهو يسأله تنجيم ذلك المال عليه نجوما ليؤديه، ~~ويتضرع أشد التضرع. فقال منقاروس: ما طلبتك عند هذا الرجل؟ فقال: أتاني ~~فخدعني بالزهد والنسك عن مالي، ووعدني أن يملأ بيتي ذهبا من صنعته، فلم أزل ~~في الاسترسال إلى ظاهره السليم حتى أفقرني باطنه السقيم. فقال له مقاريوس: ~~إن كل من بذل شيئا ms154 إنما يبذله على قدر وسعه، وكان زيموس أتاك على حاله التي ~~هو عليها، ولم يكن ليتسع لأكثر من ذلك القول، وأما عمل الذهب فبين ظاهر، ~~لأن فقره يدل على عجزه وضعفه عنه، ومن أمل الغنى عند الفقير فغاية ما يمكن ~~أن يبلغه أن يصير مثله، وآخر ما يؤمل عند الفقير نيل الفقر. فقد أصبت ما ~~كنت تحب أن تجده عند زيموس، وهو حظ إن تمسكت به لم يغل بما تلف من مالك، ~~ولئن كان وعدك أن يفيدك مالا باطلا فلقد أفادك معدنا حقا، من غير قصد إلى ~~نفعك. ثم أقبل على زيموس وقال له: ما أبعد شبه معدنك من المعادن الطبيعية! ~~إن المعادن تلفظ الذهب، ومعدنك هذا يبتلع الذهب، ومن جاور معدنا منها ~~أغناه، ومن جاور معدنك أفقره، والمعادن الطبيعية تثمر من غير قول، ومعدنك ~~يقول من غير إثمار. فقال زيموس: # أيها الفاضل، لئن عبتني فلست بأول حكيم لقي من الناس الأذى. فقال له: ~~أجل، ولا آخرهم ولا أوسطهم، لكنك من الجهال الذين لقي الناس منهم الأذى. # فقال- أعلى الله قوله-: فهل لهذا الأمر- أعني الكيمياء- مرجوع؟ وهل له ~~حقيقة؟ وما تحفظ عن هذه الطائفة؟ # فكان الجواب: أما يحيى بن عدي- وهو أستاذ هذه الجماعة- فكان في إصبعه ~~خاتم من فضة يزعم أن فضته عملت بين يديه، وأنه شاهد عملها عيانا، وأنه لا ~~يشك في ذلك. # وأما أصحابه كابن زرعة وابن الخمار، فذكروا أن ذلك تم عليه من فعل لم ~~يفطن له من بعض من اغتره من هؤلاء المحتالين الخداعين. # وأما شيخنا أبو سليمان فحصلت من جوابه على أنه ممكن، ولم يذكر سبب إمكانه ~~ولا دليل حقيقته. PageV01P183 # وأما أبو زيد البلخي- وهو سيد أهل المشرق في أنواع الحكمة فذكر أنه محال ~~ولا أصل له، وأن حكمة الله تعالى لا توجب صحة هذا الأمر، وأن صحته مفسدة ~~عامة، والله لا يحب الفساد # [البقرة: 205] . # وأما مسكويه- وها هو بين يديك- فيزعم أن الأمر حق وصحيح، والطبيعة لا ~~تمنع من إعطائه، ولكن الصناعة شاقة، والطريق إلى إصابة المقدار عسرة، وجمع ~~الأسرار ms155 صعب وبعيد، ولكنه غير ممتنع، فقد مضى عمره في الإكباب على هذا ~~بالري أيام كان بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع رجل يعرف بأبي الطيب، ~~شاهدته ولم أحمد عقله، فإنه كان صاحب وسواس وكذب وسقط، وكان مخدوعا في أول ~~أمره، خادعا في آخر عمره. # وأبين ما سمعته في هذا الحديث أن الطبيعة فوق الصناعة، وأن الصناعة دون ~~الطبيعة، وأن الصناعة تتشبه بالطبيعة ولا تكمل، والطبيعة لا تتشبه بالصناعة ~~وتكمل، وأن الطبيعة قوة إلهية سارية في الأشياء واصلة إليها، عاملة فيها ~~بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة، إما على ~~التمام، وإما على النقصان. وقيل: إن الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ما في ~~المادة أبعد الطرق، ولا تترك أقرب الطرق، فلما كانت المعادن هي التي تعطي ~~هذه الجواهر على قدر المقابلات العلوية والأشكال السماوية والمواد السفلية ~~والكائنات الأرضية، لم يجز أن تكون الصناعة مساوية لها، كما لم يجز أن تكون ~~مستعلية عليها، لأن الصناعة بشرية مستخرجة من الطبيعة التي هي إلهية، ولا ~~سبيل لقوة بشرية أن تنال قوة إلهية بالمساواة، فأما التشبيه والتقريب ~~والتلبيس، فيمكن أن يكون بالصناعة شيء كأنه ذهب أو فضة، وليس هو في ~~الحقيقة، لا ذهب ولا فضة، وإذا كان ظهور القطن بالطبيعة وظهور الثوب ~~بالصناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه، ولا لهذه أن تعرض لهذه، والأمور موزونة، ~~والصناعات متناهية، فإن ادعي في شيء من الصناعة ما يزيد عليها حتى تكون ~~كأنها الطبيعة، احتيج إلى برهان واضح، وإلى عيان مصرح، لأنا نعلم أنه ما من ~~صناعة ولا علم ولا سياسة ولا نحلة ولا حال إلا وقد حمل عليها، وزيد فيها ~~وكذب من أجلها بما إذا طلبت صحته بالبرهان لم تجد، أو بالعيان لم تقدر. # فأما أصحاب النسك ومن عرف بالعبادة والصلاح، فقد ادعي لهم أن الصفر يصير ~~لهم ذهبا، وشيئا آخر يصير فضة، وأن الله عز وجل يزلزل لهم الجبل وينزل لهم ~~القطر، وينبت لهم الأرض، وغير ذلك مما هو كالآيات للأنبياء الذين يأتون من ~~قبل ms156 الله بالكتب والوصايا والأحكام والمواعظ والنصائح، وربما يسمي كثير من ~~الناس ما يظهر للزهاد والعباد من هذا الضرب كرامات ولا يسميها معجزات، ~~والحقائق لا تنقلب بالأسماء، فإن المسمى بالكرامة هو المسمى بالمعجزة ~~والآية. PageV01P184 # والخوض في هذا الطرف قديم، وفضله في الحق شاق، والتنازع فيه قائم، والظن ~~يعمل عمله، واليقين غير مظفور به، ولا موصول إليه، والطبيعة قد أولعت الناس ~~بادعاء الغرائب، وبعثتهم على نصرتها بالرفق والخرق، والتسهيل واللجاج، ~~والمواتاة والمحك، ولله في طي هذا العالم العلوي أسرار وخفايا وغيوب ومكامن ~~لا قوة لأحد من البشر بالحس ولا بالعقل أن يحوم حولها، أو يبلغ عمقها، أو ~~يدرك كنهها، ومن تصرف عرف، ومن عرف سلم، والسلام. # وحكى لنا أبو سليمان أن أرسطوطاليس كتب إلى رجل لم يشفعه في رجل سأله ~~الكلام له في حاجة: إن كنت أردت ولم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت ولم ترد ~~فسوف يجيء وقت تريد ولا تقدر. # وقال بعض الحكماء: لا ترفهوا السفلة فيعتادوا الكسل والراحة، ولا تجرئوهم ~~فيطلبوا السرف والشغب، ولا تأذنوا لأولادهم في تعلم الأدب فيكونوا لرداءة ~~أصولهم أذهن وأغوص، وعلى التعلم أصبر، ولا جرم فإنهم إذا سادوا في آخر ~~الأمر خربوا بيوت العلية أهل الفضائل. # وقال فيلسوف: للنفس خمس قوى: الحس والوهم والذهن والاختبار والفكر. # فأما الحس فلحاق الأشياء بلا فحص، ولا يحتاج في ذلك اللحاق إلى شيء آخر، ~~إلا أن يكون ممنوعا بمانع، وذلك إذا وجد شيئا أبيض حكم بأنه أبيض بلا فكر ~~ولا قياس. # وأما الوهم، فإنه يقع على الأشياء بتوسط الحس. # وأما الاختبار فيوافق الفكر، كقولك: النفس لا تموت، فهذا قول اختباري بعد ~~الفكر، فإن كان هذا هكذا فالاختبار ليس بقياس، ولكنه أفق القياس. # وأما الذهن فإنه لا يهجم على أوائل الأشياء. # وقال آخر شبيها بهذا الكلام، ولا بأس أن يكون مضموما إليه، ليكون شمل ~~الفائدة أكثر نظاما وأقرب مراما. # قال: ليس للحواس والحركات فعل دون أن تبعثها القوة المميزة، فلذلك لا يحس ~~السكران ولا النائم، وكذلك أيضا البهائم فإنها لا تصيح ms157 إلا بعد أن يعرض في ~~فكرها شيء، ولا تتحرك إلا بانبعاث القوة المميزة. # ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة: نفسية في ~~الدماغ، وحيوانية في القلب، وطبيعية في الكبد. PageV01P185 # وفي كل واحد منها قوة مميزة بها يتم عمله، فالتي في الدماغ هي العقل ~~المميز الحارس للبدن، ومنه ينبعث الحس والحركة، والتي في القلب تنبعث منها ~~الحرارة الغريزية في جميع البدن، وزعموا أن تلك الحرارة هي الروح، والتي في ~~الكبد هي موضع الهضم والنضج، وهي التي تنضج الطعام وتغيره وتحيله دما وتوزع ~~في كل عضو ما هو ملائم له، وبالجاذبة تجذب، وبالحابسة تحبس، وبالهاضمة ~~تهضم، وبالدافعة تدفع. # فأما الدماغ فينقسم ثلاثة أقسام يحجز بينها أغشية، أحدها في مقدم الرأس ~~موضع التخيل، والثاني في وسط الرأس موضع العقل والفكر والتمييز، والثالث في ~~مؤخر الرأس موضع الحفظ والذكر والقبول، فكل واحد مما ذكرنا يخدم الآخر، وإن ~~ضعف أحدها ضعف لضعفه الآخر، وباعتدالهن وسلامتهن قوام البدن والنفس. # ولكل واحد منها آلة بها يستعين على خدمة الآخر. # قال: فكما أن الرحى إذا نقصت شيئا منها أو زدت أفسد الطحن، إما بزيادة أو ~~نقصان، كذلك سائر خدمه وآلاته. # وقال: الدماغ مسكن العقل، وخدمه الحس والحركة، والقلب مسكن الحرارة ~~الغريزية، وخدمه العروق الضوارب، والكبد مسكن النضج والهضم، وخدمها العروق ~~غير الضوارب. # وقال: النار تحرق، فإذا كانت موجودة فالدخان والرماد موجودان، والدخان ~~رماد لطيف، والرماد دخان كثيف. # وقال أبو سليمان: ذكر بعض البحاثين عن الإنسان أنه جامع لكل ما تفرق في ~~جميع الحيوان، ثم زاد عليها وفضل بثلاث خصال: بالعقل والنظر في الأمور ~~النافعة والضارة، وبالمنطق لإبراز ما استفاد من العقل بوساطة النظر، ~~وبالأيدي لإقامة الصناعات وإبراز الصور فيها مماثلة لما في الطبيعة بقوة ~~النفس. # ولما انتظم له هذا كله جمع الحيل والطلب والهرب والمكايد والحذر، وهذا ~~بدل السرعة والخفة التي في الحيوان، واتخذ بيده السلاح مكان الناب والمخلب ~~والقرن، واتخذ الجنن لتكون وقاية من الآفات، والعقل ينبوع العلم، والطبيعة ~~ينبوع الصناعات، والفكر بينهما قابل ms158 منهما، مؤد من بعض إلى بعض، فصواب ~~بديهة الفكر من صحة العقل، وصواب روية الفكر من صحة الطباع. # وقال أبو العباس: الناس في العلم على ثلاث درجات، فواحد يلهم فيعلم فيصير ~~مبدأ، والآخر يتعلم ولا يلهم فهو يؤدي ما قد حفظ، والآخر يجمع له بين أن ~~يلهم وأن يتعلم. فيكون بقليل ما يتعلم مكثرا بقوة ما يلهم. PageV01P186 # وقال: الإنسان بين طبيعته- وهي عليه- ونفسه- وهي له- منقسم، فإن اقتبس من ~~العقل قوى نوره ما هو له من النفس، وأضعف ما هو عليه من الطبيعة، فإن لم ~~يكن يقتبس بقي حيران أو متهورا. # وقال سقراط: الكلام اللطيف، ينبو عن الفهم الكثيف. # وحكى لنا أبو سليمان قال: قيل لفيلسوف: ما بال المريض إذا داواه الطبيب ~~ودخل عليه فرح به وقبل منه وكافأه على ذلك، والجاهل لا يفعل ذلك بالعالم ~~إذا علمه وبين له؟ فقال: لأن المريض عالم بما عند الطبيب، وليس الجاهل ~~كذلك، لأنه لا يعلم ما عند العالم. # وقال ديوجانس لصاحبه: أما تعلم أن الحمام إذا كان سمائيا كان أغلى ثمنا، ~~وإذا كان أرضيا كان أقل ثمنا. # قال- أبقاه الله:- هذا مثل في غاية الحسن والوضوح. # وقال ديوجانس: المأكول للبدن، والموهوب للمعاد، والمحفوظ للعدو. # وقال فيلسوف: التهاون باليسير أساس للوقوع في الكثير. # وقال أفلاطون: مثل الحكيم كمثل النملة تجمع في الصيف للشتاء، وهو يجمع في ~~الدنيا للآخرة. # وقال فيلسوف: من يصف الحكمة بلسانه ولم يتحل بها في سره وجهره فهو في ~~المثل كرجل رزق ثوبا فأخذ بطرفه فلم يلبسه. # وقال السيد المسيح: إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا ~~تدركه اللصوص، فافعل. # قال فيلسوف: إذا نازعك إنسان فلا تجبه، فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها ~~فحلها، وإن تركت إجابتها بترتها وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها، فكم من ~~ولد ينمو بينهما في بطن واحد. # وقال فيلسوف: إن البعوصة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت. # وقال ديوجانس: إن تكن ملحا يصلح، فلا تكن ذبابا يفسد. # وقيل لديوجانس: من أين تأكل؟ فقال: من حيث يأكل عبد له رب. ms159 # وقال ديوجانس: كن كالعروس تريد البيت خاليا. # قيل لأرسطوطاليس: إن فلانا عاقل. قال: إذا لا يفرح بالدنيا. # وقيل لفيثاغورس: ما أملك فلانا لنفسه! قال: إذا لا تصرعه شهوته، ولا ~~تخدعه لذته. PageV01P187 # وقيل لأسقلبيوس: فلان له همة. قال: إذا لا يرضى لنفسه بدون القدر. # ومدح رجل ثيودوروس على زهده في المال قال: وما حاجتي إلى شيء البخت يأتي ~~به، واللؤم يحفظه، والنفقة تبدده، إن قل غلبك الهم بتكثيره، وإن كثر تقسمك ~~في حفظه، يحسدك من فاته ما عندك. # ويخدعك عنه من يطمع فيه منك. # وقال سقراط: ما أحب أن تكون النفس عالمة بكل ما أعد لها، قيل: ولم؟ # قال: لأنها لو علمت طارت فرحا ولم ينتفع بها. # وقال ديوجانس: القلب ذو لطافة، والجسم ذو كثافة، والكثيف يحفظ اللطيف ~~كضوء المصباح في القنديل. # وقال أفلاطون: العلم مصباح النفس، ينفي عنها ظلمة الجهل، فما أمكنك أن ~~تضيف إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل. # قال أبو سليمان: ما أحسن المصباح إذا كان زجاجه نقيا، وضوءه ذكيا، وزيته ~~قويا، وذباله سويا. # قيل لسقراط: ما أحسن بالمرء أن يتعلمه في صغره؟ قال: ما لا يسعه أن يجهله ~~في كبره. # قال أبو سليمان: ومن ههنا أخذ من قال: يحسن بالمرء التعلم ما حسنت به ~~الحياة. # قيل لهوميروس: ما أصبرك على عيب الناس لك! قال: لأنا استوينا في العيب، ~~فأنا عندهم مثلهم عندي. # وقيل للإسكندر: أي شيء أنت به أسر؟ قال: قوتي على مكافأة من أحسن إلي ~~بأحسن من إحسانه. # وقال ديوجانس: إن إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزلة من وضع ~~المائدة على مقبرة. # ورأى ديوجانس رجلا يأكل ويتذرع ويكثر، فقال له: يا هذا، ليست زيادة القوة ~~بكثرة الأكل، وربما ورد على بدنك من ذلك الضرر العظيم، ولكن الزيادة في ~~القوة بجودة ما يقبل بدنك منه على الملاءمة. # وقال ديوجانس: الذهب والفضة في الدار بمنزلة الشمس والقمر في العالم. PageV01P188 # قال أبو سليمان: هذا مليح، ولكن ينبغي أن تبقى الشمس والقمر فإنهما ~~يكسفان فيكونان سببا لفساد كثير، ويذوبان ms160 ويحميان فيكونان ضارين. # وقال أفلاطون: موت الرؤساء أصلح من رآسة السفلة. # وقال: إذا بخل الملك بالمال كثر الإرجاف به. # وقال سولون: العلم صغير في الكمية، كبير في الكيفية. # وقال أبو سليمان: يعني أن القليل منه إذا استعملته على وجه كان له إتاء ~~ونفع فائض ودر سائح، وغاية محمودة، وأثر باق. وهذه كلها كيفيات من تلك ~~الكمية. # وقال أفلاطون: لا يسوس النفوس الكثيرة على الحق والواجب من لا يمكنه أن ~~يسوس نفسه الواحدة. # وقال سقراط: النفس الفاضلة لا تطغى بالفرح، ولا تجزع من الترح، لأنها ~~تنظر في كل شيء كما هو، لا تسلبه ما هو له ولا تضيف إليه ما ليس منه، ~~والفرح بالشيء إنما يكون بالنظر في محاسن الشيء دون مساوئه، والترح إنما ~~يكون بالنظر في مساوئ الشيء دون محاسنه، فإذا خلص النظر من شوب الغلط فيما ~~ينظر فيه انتفى الطغيان والجزع، وحصل النظام وربع . # قال ديوجانس: ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة، فإن كان وجهه حسنا استقبح ~~أن يضيف إليه فعلا قبيحا، وإن كان وجهه قبيحا امتعض أن يضيف قبيحا إلى قبيح ~~حتى يتضاعف القبح. # وقال إبقراط: منزلة لطافة القلب في الأبدان بمنزلة لطافة الناظر في ~~الأجفان. # وقال: للقلب آفتان، وهما: الغم والهم، فالغم يعرض منه النوم، والهم يعرض ~~منه السهر، وذلك أن الهم فكر في الخوف مما سيكون، فمنه يغلب السهر، والغم ~~لا فكر فيه، لأنه إنما يحدث لما قد مضى وكان. # وقال أفلاطون: من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته، كما لا يجزع الغواص من ~~ملوحة البحر. # قال أبو سليمان: هذا كلام ضره أكثر من نفعه، وإنما نفقه صاحبه بالمثال، ~~والمثال يستجيب للحق كما يستجيب للباطل، والمعول على ما ثبت بالدليل، لا ~~على ما يدعى بالتمثيل، وقد يجب أن يجتنب جانب السلطان بغاية الاستطاعة ~~والإمكان، إلا إذا كان الدهر سليما من الآفات الغالبة. فقال له الأندلسي: ~~وما صورة الزمان PageV01P189 # الخالي من الآفات؟ فقال: أن يكون الدين طريا، والدولة مقبلة، والخصب ~~عاما، والعلم مطلوبا، والحكمة مرغوبا فيها، والأخلاق ms161 طاهرة، والدعوة شاملة، ~~والقلوب سليمة، والمعاملات متكافئة، والسياسة مغروسة، والبصائر متقاربة. ~~فقال: هذا لو صح لارتفع الكون والفساد اللذان هما سوس هذا المكان، فقال: ~~غلطت يا أبا عبد الله، فإن الكون والفساد يكونان على حاليهما، ولكنهما ~~يقعان على معلومين للصورة الثابتة، والسياسة العامة الغالبة، كأنك لا تحس ~~بالفرق بين زمان خصب الأرض وجدبها، وكما أن للأرض خصبا وجدبا، كذلك للأحوال ~~والأديان وللدول صلاح وفساد، وإقبال وإدبار، وزيادة ونقصان، ولو كان ما ~~خلته لازما، لكنا لا نتمنى ملكا عادلا، ولا سائسا فاضلا، ولا ناظرا ناظما، ~~ولا مدبرا عالما، وكان هذا لا يعرف ولا يعهد، ويكون في عرض المحال كونه ~~ووجدانه، وليس الأمر هكذا فقد عهدنا مثل أبي جعفر بسجستان، وكان والله ~~بصيرا خبيرا، عالما حكيما، يقظا حذرا، يخلق ويفري، ويريش ويبري، ويكسو ~~ويعري، ويمرض ويبري، وهكذا مثل أبي جعفر بالأمس ملك العراق في حزامته ~~وصرامته وقيامه في جميع أموره، بنظره وتدبيره، وكذلك قد عهد الناس قبلنا ~~مثل هذا، فلم يقع التعجب من شيء عليه مدار الليل والنهار. # وقال ديوجانس لصاحب له: اطلب في حياتك هذه، العلم والمال، تملك بهما ~~الناس، لأنك بين الخاصة والعامة، فالخاصة تعظمك لفضلك، والعامة تعظمك لمالك ~~ . # وقال أفلاطون: إن الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع الرزق، قال أبو ~~سليمان: لأن العلم والمال كضرتين قلما يجتمعان ويصطلحان، ولأن حظ الإنسان ~~من المال إنما هو من قبيل النفس الشهوية والسبعية، وحظه من العلم إنما هو ~~من قبيل النفس العاقلة، وهذان الحظان كالمتعاندين والضدين. قال: فيجب على ~~الحصيف والمميز أن يعلم بأن العالم أشرف في سنخه وعنصره، وأوله وآخره، ~~وسفره وحضره، وشهادته ومغيبه من ذي المال، فإذا وهب له العلم فلا يأس على ~~المال الذي يجزئ منه اليسير، ولا يلهب نفسه على فوته حسرة وأسفا، فالعلم ~~مدبر، والمال مدبر، والعلم نفسي، والمال جسدي، والعلم أكثر خصوصية بالإنسان ~~من المال، وآفات صاحب المال كثيرة وسريعة، لأنك لا ترى عالما سرق علمه وترك ~~فقيرا منه، وقد رأيت جماعة سرقت أموالهم ms162 ونهبت وأخذت، وبقي أصحابها محتاجين ~~لا حيلة لهم، والعلم يزكو على الإنفاق، ويصحب صاحبه على الإملاق، ويهدي إلى ~~القناعة، ويسبل الستر على الفاقة، وما هكذا المال. PageV01P190 ### || الليلة الثامنة عشرة # وقال مرة: تعال حتى نجعل ليلتنا هذه مجونية، ونأخذ من الهزل بنصيب وافر، ~~فإن الجد قد كدنا، ونال من قوانا، وملأنا قبضا وكربا هات ما عندك. # قلت: قال حسنون المجنون بالكوفة يوما- وقد اجتمع إليه المجان يصف كل واحد ~~منهم لذات الدنيا- فقال: أما أنا فأصف ما جربته، فقالوا: هات، فقال: الأمن ~~والعافية، وصفع الصلع الزرق، وحك الجرب، وأكل الرمان في الصيف، والطلاء في ~~كل شهرين، وإتيان النساء الرعن والصبيان الزعر ، والمشي بلا سراويل بين ~~يدي من لا تحتشمه، والعربدة على الثقيل، وقلة خلاف من تحبه والتمرس بالحمقى ~~ومؤاخاة ذوي الوفاء، وترك معاشرة السفلة وقال الشاعر: # أصبحت من سفل الأنام %~% إذ بعت عرضي بالطعام # أصبحت صفعانا لئى %~% م النفس من قوم لئام # في است ام ربات الخيام %~% ومن يحن إلى الخيام # نفسي تحن إلى الهلا %~% م الموت من دون الهلام # من لحم جدي راضع %~% رخص المفاصل والعظام # هذا لأولاد الخطا %~% يا والبغايا والحرام # حي القدور الراسيا %~% ت وإن صممن عن الكلام # وقصاعهن إذا أتى %~% نك طافحات بالسنام # لهفي على سكباجة %~% تشفي القلوب من السقام # يا عاذلي أسرفت في %~% عذل الخليع المستهام # رجل يعض إذا نصح %~% ت له على فأس اللجام # دع عذل من يعصي العذو %~% ل ولا يصيخ إلى الملام # خلع العذار وراح في %~% ثوب المعاصي والأثام # شيخ يصلي قاعدا %~% وينيك عشرا من قيام PageV01P191 # ويعاف نيك الغانيا %~% ت ويشتهي نيك الغلام # وتراه يرعد حين يذ %~% كر عنده شهر الصيام # خوفا من الشهر المعذ %~% ب نفسه في كل عام # سلس القياد إلى التصا %~% بي والملاهي والحرام # من للمروءة والفت %~% وة بعد موتي والندام # من للسماح وللرما %~% ح لدى الهزاهز والحسام # من للواط وللحلا %~% ق وللملمات العظام # كان محمد بن الحسن الجرجاني متقعرا في كلامه، فدخل الحمام يوما، فقال ~~للقيم: أين الجليدة التي تسلخ بها ms163 الضويطة من الإخفيق ؟ قال: فصفع ~~القيم قفاه بجلدة النورة وخرج هاربا، فلما خرج من الحمام وجه إلى صاحب ~~الشرطة، فأخذ القيم وحبسه، فلما كان عشاء ذلك اليوم كتب إليه القيم رقعة ~~يقول فيها: قد أبرمني المحبوسون بالمسألة عن السبب الذي حبست له، فإما ~~خليتني وإما عرفتهم. فوجه من أطلقه، واتصل الخبر بالفتح، فحدث المتوكل، ~~فقال: ينبغي أن يغنى هذا القيم عن الخدمة في الحمام. وأمر له بمائتي دينار. # قال: وكان بالبصرة مخنث يجمع ويعشق بعض المهالبة، فلم يزل المخنث به حتى ~~أوقعه، قال: فلقيته من غد فقلت له: كيف وقعة الجفرة عندكم البارحة؟ # فقال: لما تدانت الأشخاص، ورق الكلام، والتفت الساق بالساق، ولطخ باطنها ~~بالبزاق، وقرع البيض بالذكور، وجعلت الرماح تمور ، صبر الكريم فلم ~~يجزع، وسلم طائعا فلم يخدع، ثم انصرف القوم على سلم، بأفضل غنم، وشفيت ~~الصدور، وسكنت حرارة النفوس، ومات كل وجد، وأصيب مقتل كل هجر، واتصل الحبل، ~~وانعقد الوصل. قال: فلو كان أعد هذا الكلام لمسألتي قبل ذلك بدهر لكان قد ~~أجاد. # وقال أبو فرعون الشاشي: # أنا أبو فرعون فاعرف كنيتي %~% حل أبو عمرة وسط حجرتي # وحل نسج العنكبوت برمتي %~% أعشب تنوري وقلت حنطتي PageV01P192 # وحالف القمل زمانا لحيتي %~% وضعفت من الهزال ضرطتي # وصار تباني كفاف خصيتي %~% أير حمار في حرام عيشتي # أبو عمرة: صاحب شرطة المختار بن عبيد، كان لا ينزل بقوم إلا اجتاحهم، ~~فصار مثلا لكل شؤم وشر. ويقال أيضا: إن أبا عمرة اسم الجوع، هكذا حدثني به ~~أبو الحسن البصري. # وأنشد بشر بن هارون في أبي طاهر: # أبا عبد الإله وأنت حر %~% من الأحرار منزوع القلاده # سألتك بالإله لتخبرني %~% أجهلك مستفاد أم ولاده # فإن يك فيك مولودا فعذر %~% وإن يك حادثا لك باستفاده # فواعجبا يزيد الناس فضلا %~% وأنت تزيد نقصا بالزياده! # حكى الصولي: حدثنا ميمون بن مهران قال: كان معنا مخنث يلقب مشمشة- وكان ~~أميا- فكتب بحضرته رجل إلى صديق له كتابا، فقال المخنث: اكتب إليه: # مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد فعلت- وما كان فعل- فقال: أرني، فقال: ms164 ~~هذا اسمك، فقال: هيهات، اسمي في الكتاب شبه داخل الأذن، فعجبنا من جودة ~~تشبيهه. # قال نضلة: مررت بكناسين أحدهما في البئر والآخر على رأس البئر، وإذا ضجة، ~~فقال الذي في البئر: ما الخبر؟ فقال: قبض على علي بن عيسى؟ فقال: من أقعدوا ~~بدله؟ # قال: ابن الفرات، قال: قاتلهم الله، أخذوا المصحف ووضعوا بدله الطنبور. # كتب أبو العيناء ابن مكرم: قد أصبت لك غلاما من بني ناعظ، ثم من بني ~~ناشرة، ثم من بني نهد. فكتب إليه: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. # وقدم رجل مع امرأة إلى القاضي ومعها طفل، فقالت: هذا ابنه، فقال الرجل: # أعز الله القاضي ما أعرفه، فقال القاضي: اتق الله فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» ، فهذا وأمه على فراشك، ~~قال الرجل: ما تنايكنا إلا في PageV01P193 # الاست، فمن أين لي ولد؟ فقالت المرأة: أعز الله القاضي، قل له: ما رأيت؟ # يعرفه ، فكف الرجل، وأخذ بيد ولده وانصرف. # قال: وسمعت آخر يقول لشاطر : أسكت، فإن نهرا جرى فيه الماء لا بد أن ~~يعود إليه. فقال له الآخر: حتى يعود إليه الماء تكون قد ماتت ضفادعه. # ومن كلام الشطار: أنا البغل الحرون، والجمل الهائج، أنا الفيل المغتلم لو ~~كلمني عدوي لعقدت شعر أنفه إلى شعر استه حتى يشم فساءه، كأنه القنفذة. # وقال بعض القصاص: في النبيذ شيء من الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] والنبيذ يذهب الحزن. # قال وسمعت ماجنة تقول: ضر وسر، وقد وارقد، واطرح واقترح. # قال ابن أبي طاهر: دعا مرة قوما وأمر جاريته أن تبخرهم، فأدخلت يدها في ~~ثوب بعضهم فوجدت أيره قائما، فجعلت تمرسه وتلعب به وأطالت، فقال مولاها: # أيش آخر هذا العود؟ أما احترق؟ قالت: يا مولاي، هو عقدة. # قال مزبد: كان الرجل فيما مضى إذا عشق الجارية راسلها سنة، ثم رضي أن ~~يمضغ العلك الذي تمضغه، ثم إذا تلاقيا تحدثا وتناشدا الأشعار، فصار الرجل ~~اليوم إذا عشق الجارية لم يكن له هم إلا أن ms165 يرفع رجلها كأنه أشهد على ~~نكاحها أبا هريرة. # قال ابن سيرين: كانوا يعشقون من غير ريبة، فكان لا يستنكر من الرجل أن ~~يجيء فيحدث أهل البيت ثم يذهب. قال هشام: ولكنهم لا يرضون اليوم إلا ~~بالمواقعة. # قل الأصمعي: قلت لأعرابي: هل تعرفون العشق بالبادية؟ قال: نعم، أيكون أحد ~~لا يعرفه. قلت: فما هو عندكم؟ قال: القبلة والضمة والشمة، قلت: ليس هو هكذا ~~عندنا. # قال: وكيف هو؟ قلت: أن يتفخذ الرجل المرأة فيباضعها. فقال: قد خرج إلى ~~طلب الولد. PageV01P194 # قال بشر بن هارون: # إن أبا موسى له لحية %~% تدخل في الجحر بلا إذن # وصورة في العين مثل القذى %~% ونغمة كالوقر في الأذن # كم صفعة صاحت إلى صافع %~% بالنعل من أخدعه: خذني # وقال لنا أبو يوسف: قال جحظة: حضرت مجلسا فيه جماعة من وجوه الكتاب، ~~وعندنا قينة محسنة حاضرة النادرة، فقال لها بعضهم: بحياتي عليك غني لي: # لست مني ولست منك فدعني %~% وامض عني مصاحبا بسلام # فقالت: أهكذا كان أبوك يغنيك؟ فأخجلته. # اشترى مديني رطبا، فأخرج صاحب الرطب كيلجة صغيرة ليكيل بها، فقال ~~المديني: والله لو كلت بها حسنات ما قبلتها. # سئل أبو عمارة قاضي الكوفة: أي بنيك أثقل؟ قال: ما فيهم بعد الكبير أثقل ~~من الصغير إلا الأوسط. # اجتمع جماعة عند جامع الصيدناني، فقال أحدهم: ليس للمخمور أنفع من سلحه، ~~فقال جامع: أخذتها والله من فمي. # قال رجل لرؤبة: أتهمز الخرأ؟ قال: بإصبعك يابن الخبيثة. # وقف أعرابي على قوم يسائلهم، فقال لأحدهم: ما اسمك؟ قال: مانع، وقال ~~للآخر: ما اسمك؟ قال: محرز، وقال للآخر: ما اسمك؟ قال: حافظ، قال: قبحكم ~~الله، ما أظن الأقفال إلا من أسمائكم. # من كلام العامة: «منارة الإسكندرية عندك خشخاشة فارغة .... » . # قال جحظة: قرأت على فص ماجنة: ليلة عرسي، ثقبوا بالأيركسي. وعلى فص ماجنة ~~أخرى: السحق أخفى والنيك أشفى. # وقال جحا لأبي مسلم صاحب الدعوة: إني نذرت إن رأيتك آن آخذ منك ألف درهم. ~~فقال: رأيت أصحاب النذور يعطون لا يأخذون، وأمر له بها. # قال السري: رأيت ms166 المخنث الذي يعرف بالغريب، وإنسان من العامة قد آذاه ~~وطال ذلك، فالتفت إليه وقال له: يا مشقوق، نعلك زائفة، وقميصك مقرون ~~الحاجبين، وإزارك صدف أزرق، وأنت تتلاهى بأولاد الملوك والأمراء. قال ~~السري: # فخجل العامي ومر، فقلت له: فسر لي هذا الغريب. فقال: امض إلى ثعلب. فقلت: # ليس هذا من عمله، فسره لي. قال: النعل الزائفة التي تجرف التراب جرفا، ~~والقميص المقرون، هو الخلق الذي في كتفيه رقعتان أجود منه، فهما تفصحان ~~بيانا، والإزار PageV01P195 # صدف أزرق، أي مخرق مفتت. فقلت: فقولك: يا مشقوق؟ قال: قطيع الظهر. # قيل للشعبي: أيجوز أن يصلى في البيعة؟ قال: نعم. ويجوز أن يخرأ فيها. # وقال سعيد بن جبير: القبلة رسول الجماع. # وقال الرشيد للجماز: كيف مائدة محمد بن يحيى، يعني البرمكي. قال: شبر في ~~شبر، وصحفته من قشر الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف مضرب كرة، وبين اللون ~~واللون فترة نبي. قال: فمن يحضرها؟ قال: الكرام الكاتبون، فضحك وقال: # لحاك الله من رجل. # قال نضلة: دخلت ساقية في الكرخ فتوضأت، فلما خرجت تعلق السقاء بي وقال: ~~هات قطعة، فضرطت ضرطة وقلت: خل الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلاني. # وعد رجل بعض إخوانه أن يهدي إليه بغلا، فطال مطله، فأخذ قارورة وبال فيها ~~وجاء إلى الطبيب وقال: انظر إلى هذا الماء، هل يهدي إلي بعض إخواني بغلا. # حدثنا ابن الخلال البصري قال: سمعت ابن اليعقوبي يقول: رأيت على باب ~~المربد خالدا الكاتب وهو ينادي: يا معشر الظرفاء، والمتخلقين بالوفاء، أليس ~~من العجب العجيب، والنادر الغريب، أن شعري يزنى به ويلاط منذ أربعين سنة ~~وأنا أطلب درهما فلا أعطى، ثم أنشأ يقول: # أحرم منكم بما أقول وقد %~% نال به العاشقون من عشقوا # صرت كأني ذبالة نصبت %~% تضيء للناس وهي تحترق # وسمعت الماجن المعروف بالغراب يقول: ويلك أيش في ذا؟ لا تختلط الحنطة ~~بالشعير، أو يصنع الباذنجان قرعا، أو يتحول الفجل إلى الباقلاء، ويصير ~~الخرنوب إلى الأرندج. # وسمعت دجاجة المخنث يقول لآخر: إنما أنت بيت بلا باب، وقدم بلا ساق، ms167 ~~وأعمى بلا عصا، ونار بلا حطب، ونهر بلا معبر، وحائط بلا سقف. # وشتم آخر فقال: يا رأس الأفعى، ويا عصا المكاري، ويا برنس الجاثليق، يا ~~كودن القصار، يا بيرم النجار، يا ناقوس النصارى، يا ذرور العين، يا تخت ~~الثياب، يا طعن الرمح في الترس، يا مغرفة القدور، ومكنسة الدور، لا تبالي ~~أين وضعت؟ # ولا أي جحر دخلت؟ ولا في أي خان نزلت، ولا في أي حمام عملت، إن لم تكن في ~~الكوة مترسا فتح اللصوص الباب، يا رحى على رحى، ووعاء في وعاء، وغطاء على ~~غطاء، وداء بلا دواء، وعمى على عمى، ويا جهد البلاء، ويا سطحا بلا ميزاب، PageV01P196 # ويا عودا بلا مضراب، ويا فما بلا ناب، ويا سكينا بلا نصاب، ويا رعدا بلا ~~سحاب، ويا كوة بلا باب، ويا قميصا بلا مئزر، ويا جسرا بلا نهر، ويا قرا على ~~قر، ويا شط الصراة، ويا قصرا بلا مسناة ويا ورق الكماه، يا مطبخا بلا ~~أفواه، يا ذنب الفار، يا قدرا بلا أبزار، يا رأس الطومار، يا رسولا بلا ~~أخبار، يا خيط البواري، يا رحى في صحاري، يا طاقات بلا سواري. # دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي فقال لها: # لو رأى في البيت جحرا %~% لنزا حتى يموتا # أو رأى في البيت ثقبا %~% لتحول عنكبوتا # فأجابته: # زوجوا هذا بألف %~% وأظن الألف قوتا # قبل أن ينقلب الدا %~% ء فلا يأتي ويوتى # فقال- أدام الله دولته، وبسط لديه نعمته:- قدم هذا الفن على غيره، وما ~~ظننت أن هذا يطرد في مجلس واحد، وربما عيب هذا النمط كل العيب، وذلك ظلم، ~~لأن النفس تحتاج إلى بشر. وقد بلغني أن ابن عباس كان يقول في مجلسه بعد ~~الخوض في الكتاب والسنة والفقه والمسائل: احمصوا، وما أراه أراد بذلك إلا ~~لتعديل النفس لئلا يلحقها كلال الجد، ولتقتبس نشاطا في المستأنف، ولتستعد ~~لقبول ما يرد عليها فتسمع، والسلام. PageV01P197 ### || الليلة التاسعة عشرة # ورسم بجمع كلمات بوارع، قصار جوامع، فكتبت إليه أشياء كنت أسمعها من ~~أفواه أهل العلم والأدب على مر ms168 الأيام في السفر والحضر، وفيها قرع للحس، ~~وتنبيه للعقل، وإمتاع للروح، ومعونة على استفادة اليقظة، وانتفاع في ~~المقامات المختلفة، وتمثل للتجارب المخلفة، وامتثال للأحوال المستأنفة. # من ذلك: # «الحمد لله» مفتاح المذهب. البر يستعبد الحر. القناعة عز المعسر. الصدقة ~~كنز الموسر. ما انقضت ساعة من أمسك إلا ببضعة من نفسك. درهم ينفع خير من ~~دينار يضر. من سره الفساد، ساءه المعاد. الشقي من جمع لغيره فضن على نفسه ~~بخيره. زد من طول أملك في قصر عملك. لا يغرنك صحة نفسك، وسلامة أمسك، فمدة ~~العمر قليلة، وصحة النفس مستحيلة. من لم يعتبر بالأيام، لم ينزجر بالملام. # من استغنى بالله عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من ذكر المنية، نسي ~~الأمنية. # البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته. لكل امرئ من دنياه ما يعينه على عمارة ~~أخراه. # من ارتدى بالكفاف، اكتسى بالعفاف. لا تخدعنك الدنيا بخدائعها، ولا تفتننك ~~بودائعها. رب حجة، تأتي على مهجة، ورب فرصة، تؤدي إلى غصة. كم من دم، سفكه ~~فم. كم إنسان، أهلكه لسان. رب حرف، أدى إلى حتف. لا تفرط، فتسقط. # الزم الصمت، واخف الصوت. من حسنت مساعيه، طابت مراعيه. من أعز فلسه، أذل ~~نفسه. من طال عدوانه، زال سلطانه. من لم يستظهر باليقظة، لم ينتفع بالحفظة. ~~من استهدى الأعمى عمي عن الهدى. من اغتر بمحاله، قصر في احتياله. # زوال الدول، باصطناع السفل. من ترك ما يعنيه، دفع إلى ما لا يعنيه. ظلم ~~العمال، من ظلمة الأعمال. من استشار الجاهل ضل، ومن جهل موضع قدمه زل. لا ~~يغرنك طول القامة، مع قصر الاستقامة، فإن الذرة مع صغرها، أنفع من الصخرة ~~على كبرها. تجرع من عدوك الغصة، إن لم تنل منه الفرصة، فإذا وجدتها ~~فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك، أو يصيبك الفلك، فإن الدنيا دول تبنيها ~~الأقدار، ويهدمها الليل والنهار. من زرع الإحن، حصد المحن. من بعد مطمعه، ~~قرب مصرعه. الثعلب في إقبال جده، يغلب الأسد في استقبال شده. رب عطب، تحت ~~طلب. اللسان، رق PageV01P198 # الإنسان. من ثمرة الإحسان، كثرة الإخوان. ms169 من سأل ما لا يجب، أجيب بما لا ~~يحب، وأنشدت: # وليس لنا عيب سوى أن جودنا %~% أضر بنا والبأس من كل جانب # فأفنى الندى أموالنا غير ظالم %~% وأفنى الردى أعمارنا غير عائب # أبونا أب كان للناس كلهم %~% أب مثله أغناهم بالمناقب # قال حميد بن الصيمري لابنه: اصحب السلطان بشدة التوقي كما تصحب السبع ~~الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة، واصحب الصديق بلين الجانب ~~والتواضع، واصحب العدو بالإعذار إليه والحجة فيما بينك وبينه، واصحب العامة ~~بالبر والبشر واللطف باللسان. # وقع عبد الحميد الكاتب على ظهر كتاب: يا هذا، لو جعلت ما تحمله القراطيس ~~من الكلام مالا حويت جمالا وحزت كمالا. # ووقع السفاح مرة: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وحاشيتنا خارجون منها، ~~فعجل أرزاقهم، وزد فيها على قدر كل رجل منهم إن شاء الله. # قال الحسن بن علي: عنوان الشرف، حسن الخلف. # وقال جعفر بن محمد- عليهما السلام-: إن لم تجف، فقلما تصفو. # وقال أعرابي: النخلة جذعها نماء، وليفها رشاء، وكربها صلاء، وسعفها ~~ضياء، وحملها غذاء. # وقال الأصمعي: سمعت كساحا يقول لغلام له: ألم أضع إزارك، ألم أصنع عود ~~مجرفتك؟ ألم أجعلك كساحا على حمارين؟ # وجد كتاب باليمن فيه: أنا فلانة بنت فلان التبعي، كنت آكل البقل الرطب من ~~الهند وأنا باليمن، ثم جعنا حتى اشترينا مكوك بر بمكوك در، من يوسف بن ~~يعقوب بمصر، فمن رآنا فلا يغتر بالدنيا. # وقال علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- لرجل من بني تغلب يوم صفين: أآثرتم ~~معاوية؟ فقال: ما آثرناه، ولكنا آثرنا القسب الأصفر، والبر الأحمر، ~~والزيت الأخضر. # قيل للحسن بن علي- رضي الله عنه- لما صالح معاوية: يا عار المؤمنين. # فقال: العار خير من النار. PageV01P199 # نظر الحجاج يوما على المائدة إلى رجل وجأ عنق رجل آخر، فدعا بهما، فقال ~~للواجئ: علام صنعت؟ فقال: غص بعظم فخفت أن يقتله، فوجأت عنقه فألقاه، فسأل ~~الآخر فقال: صدق، فدعا بالطباخ فقال له: أتدع العظام في طعامك حتى يغص بها؟ ~~فقال: إن الطعام كثير، وربما وقع العظم في المرق فلا ms170 يزال. قال: تصب المرق ~~على المناخل. فكان يفعل. # قال سلمة بن المحبق: شهدت فتح الأبلة، فوقع في سهمي قدر نحاس، فنظرت فإذا ~~هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتبت في ذلك إلى عمر، فأجاب بأن يحلف سلمة ~~بأنه أخذها يوم أخذها وهي عنده، فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين ~~المسلمين، قال: فحلفت فسلمت إلي، فأصول أموالنا اليوم منها. # قال بعض الحكماء: لا يصبر على المروءة إلا ذو طبيعة كريمة. # .... # أصاب عبد الرحمن بن مدين- وكان رجل صدق بخراسان- مالا عظيما فجهز سبعين ~~مملوكا بدوابهم وأسلحتهم إلى هشام بن عبد الملك، ثم أصبحوا معه يوم الرحيل، ~~فلما استوى بهم الطريق نظر إليهم فقال: ما ينبغي لرجل أن يتقرب بهؤلاء إلى ~~غير الله. ثم قال: اذهبوا أنتم أحرار، وما معكم لكم. # وقال أعرابي: من قبل صلتك فقد باعك مروءته، وأذل لقدرك عزه. # كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المهدي: # أنا ناديت عفوك من قريب %~% كما ناديت سخطك من بعيد # وإن عاقبتني فلسوء فعلي %~% وما ظلمت عقوبة مستقيد # وإن تصفح فإحسان جديد %~% عطفت به على شكر جديد # وقال رجل لمحمد بن نحرير: أوصني، فقال: اسمع ولا تتكلم، واعرف ولا تعرف، ~~واجلس إلى غيرك ولا تجلسه إليك. # وقال رجل لابن أسيد القاضي: إن أمي تريد أن توصي فتحضر وتكتب، فقال: # وهل بلغت مبلغ النساء؟ # ودخل صاحب المظالم بالبصرة على رجل مبرسم وعنده طبيب يداويه، فأقبل على ~~الطبيب وأهل المريض، وقال: ليس دواء المبرسم إلا الموت حتى تقل حرارة صدره، ~~ثم حينئذ يعالج بالأدوية الباردة حتى يستبل. PageV01P200 # واجتاز به بائع دراج فقال: بكم تبيع الدراجة؟ فقال: بدرهم، فقال له: ~~أحسن. # قال: كذا بعت. قال: نأخذ منك اثنتين بثلاثة. قال: هما لك. قال: يا غلام ~~خذ منه، فإنه يسهل البيع. # ودخل حجاج بن هارون على نجاح الكاتب، فذهب ليقبل رأسه، فقال له: لا تفعل، ~~فإن رأسي مملوء بالدهن، فقال: والله لو أن عليه ألف رطل خراء لقبلته. # قدم لابن الحسحاس سكباجة فقال لصديق له: كل فإنها ms171 أم القرى. # وعزى ابن الحسحاس صديقا له ماتت ابنته، فقال: من أنت حتى لا تموت ابنتك ~~البظراء! قد ماتت عائشة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. # أخذ يعقوب بن الليثي في أول أمره رجلا فاستصفاه، ثم رآه بعد زمان، فقال ~~له: أبا فلان، كيف أنت الساعة؟ قال له: كما كنت أنت قديما. قال: وكيف كنت ~~أنا؟ فقال: كما أنا الساعة، فأمر له بعشرة آلاف درهم. # قال ابن المبارك: إذا وضع الطعام فقد أذن للآكل. # وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إن العرب لا تصلح ببلاد لا تصلح بها ~~الإبل. # وقال إبراهيم بن السندي: نظر رجل من قريش إلى صاحب له قد نام في غداة من ~~غدوات الصيف طيبة النسيم، فركضه برجله وقال: مالك تنام عن الدنيا في أطيب ~~وقتها، نم عنها في أخبث حالاتها، نم في نصف النهار لبعدك عن الليلة الماضية ~~والآتية، ولأنها راحة لما قبلها من التعب، وجمام لما بعدها من العمل، نمت ~~في وقت الحوائج، وتنبهت في وقت رجوع الناس، وقد جاء: «قيلوا فإن الشياطين ~~لا تقيل» . # وقال إبراهيم بن السندي: أيقظت أعرابية أولادا لها صغارا قبل الفجر في PageV01P201 # غداوت الربيع وقالت: تنسموا هذه الأرواح، واستنشقوا هذا النسيم، وتفهموا ~~هذا النعيم، فإنه يشد من منتكم. # ويقال في الوصف: كأنه محراك نار، وكأنه الجأم صدى. # وإذا وصفوه بالقصر قالوا: كأنه عقدة رشا، وأبنة عصا. وإذا كان ضعيفا ~~قالوا: # كأنه قطعة زبد، والمولدون يقولون: كأنه أسكرجة. # قال بعض السلف في دعائه: اللهم لا أحيط بنعمك علي فأعدها، ولا أبلغ كنه ~~واحدة منها فأحدها. # دعا عطاء السندي فقال: أعوذ بك من عذابك الواقع، الذي ليس له دافع، ~~وأسألك من خيرك الواسع، الذي ليس له مانع. # ودعا بعض السلف: اللهم إن قلبي وناصيتي بيدك لم تملكني منهما شيئا، وإذ ~~فعلت ذلك فكن أنت وليهما، فاهدنا سواء السبيل. # ودعا بعض الصالحين: اللهم ما كان لي من خير فإنك قضيته ويسرته وهديته، ~~فلا حمد لي عليه، وما كان مني من سوء فإنك وعظت وزجرت ms172 ونهيت فلا عذر لي فيه ~~ولا حجة. # ودعا آخر: اللهم إني أعوذ بك من سلطان جائر، ونديم فاجر، وصديق غادر، ~~وغريم ماكر، وقريب مناكر، وشريك خائن، وحليف مائن، وولد جاف، وخادم هاف، ~~وحاسد ملافظ، وجار ملاحظ، ورفيق كسلان، وخليل وسنان، و .... # ضعيف، ومركوب قطوف، وزوجة مبذرة، ودار ضيقة. # قال المدائني: قال بعض السلف لابنه: اشحذ طبعك بالعيون والفقر وإن قلت، ~~فإن الشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كان ثمرها نافعا، وأكلها ناجعا. # وقيل للأوزاعي: ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه. # قال مجاهد في قول الله تعالى: ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات: 24] قال: # قيامه عليهم بنفسه. # وقال عمر بن عبد العزيز: ليس من المروءة أن تستخدم الضيف. # وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال أربع للشريف لا ينبغي أن يأنف منهن وإن ~~كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته للعالم يتعلم منه، ~~وإن سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. PageV01P202 # حاتم كان يقول: العجلة من الشيطان إلا في خمسة أشياء، فإنها من السنة: ~~إطعام الضيف إذا حل، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من ~~الذنب. # وقال: من أطعم الضيف لحما وخبز حنطة وماء باردا فقد تمم الضيافة. # وقال حاتم: المزور المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة إبراهيم الخليل، ~~وإذا ضافه إنسان حدثه بزهد عيسى بن مريم. # وقال ميمون بن ميمون: من ضاف البخيل صامت دابته، واستغنى عن الكنيف، وأمن ~~التخمة. # وقال بعض السلف الصالح: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من عتق ~~رقبة. # قال الأعمش: كان الربيع بن خيثم يصنع لنا الخبيص ويقدمه ويقول: اللهم ~~اغفر لأطيبهم نفسا، وأحسنهم خلقا، وارحمهم جميعا. # وقال أنس بن مالك: كل بيت لا يدخله الضيف لا تدخله الملائكة. # ولما قرأته على الوزير- بلغه الله آماله، وزكى أعماله، وخفف عن قلبه ~~أثقاله- قال: ما علمت أن مثل هذا الحجم يحوي هذه الوصايا والملح، وهذه ~~الكلمات الغرر ما فيها ما لا يجب أن يحفظ، والله لكأنها بستان في زمان ~~الخريف، لكل عين فيه منظر، ms173 ولكل يد منه مقطف، ولكل فم منه مذاق. إذا فرغت ~~فأضف لي جزءا أو جزءين أو ما ساعدك عليه النشاط، فإن موقعها يحسن، وذكرها ~~يجمل، وأثرها يبقى، وفائدتها تروى، وعاقبتها تحمد. # فقلت: السمع والطاعة. PageV01P203 ### || الليلة العشرون # وقال لي مرة أخرى: اكتب لي جزءا من الأحاديث الفصيحة المفيدة. # فكتبت: قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت أجالس في ظل الكعبة أيام الموسم ~~عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير، وكنا نخوض في الفقه ~~مرة، وفي الذكر مرة، وفي أشعار العرب وآثار الناس مرة، فكنت لا أجد عند أحد ~~منهم ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في ~~فنون العلم والفصاحة والبلاغة، وحسن استماعه إذا حدث، وحلاوة لفظه إذا حدث، ~~فخلوت معه ذات ليلة فقلت: والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك ~~وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إنك إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة ~~إلي والأعناق قاصدة نحوي، فلا عليك أن تعمل إلي ركابك. فلما أفضت إليه ~~الخلافة شخصت أريده، فوافيته يوم جمعة وهو يخطب الناس، فتصديت له، فلما ~~وقعت عينه علي بسر في وجهي، وأعرض عني، فقلت: لم يثبتني معرفة ولو عرفني ما ~~أظهر نكرة. لكنني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل، فلم ألبث أن خرج ~~الحاجب إلي فقال: مالك بن عمارة، فقمت، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، فلما رآني ~~مد يده إلي وقال: إنك تراءيت في موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض ~~والانقباض، فمرحبا وأهلا وسهلا، كيف كنت بعدنا؟ وكيف كان مسيرك؟ قلت: # بخير، وعلى ما يحبه أمير المؤمنين. قال: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت: نعم، ~~وهو الذي أعملني إليك، فقال: والله ما هو بميراث ادعيناه، ولا أثر وعيناه، ~~ولكني أخبرك عن نفسي خصالا سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى، ما لاحيت ذا ~~ود ولا ذا قرابة قط، ولا شمت بمصيبة عدو قط، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي، ~~ولا قصدت كبيرة من محارم الله ms174 متلذذا بها وواثبا عليها، وكنت من قريش في ~~بيتها، ومن بيتها في وسطه، فكنت آمل أن يرفع الله مني، وقد فعل، يا غلام، ~~بوئه منزلا في الدار. فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق إلى رحلك، فكنت في أخفض ~~حال، وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر عشاؤه أو غذاؤه ~~أتاني الغلام وقال: إن شئت، صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس، فأمشي بلا ~~حذاء ولا رداء فيرفع مجلسي، ويقبل على محادثتي، ويسألني عن العراق مرة، وعن ~~الحجاز مرة، PageV01P204 # حتى مضت لي عشرون ليلة. فتغديت عنده يوما، فلما تفرق الناس نهضت للقيام، ~~فقال: على رسلك أيها الرجل، أي الأمرين أحب إليك: المقام عندنا، ولك النصفة ~~في المعاشرة والمجالسة مع المواساة، أم الشخوص ولك الحباء والكرامة؟ فقلت: # فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين، فإن أمرني اخترت فناءه على ~~الأهل والولد، قال: بل أرى لك الرجوع إليهم، فإنهم متطلعون إلى رؤيتك، ~~فتجدد بهم عهدا ويجددون بك مثله، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك وقد ~~أمرنا لك بعشرين ألف دينار، وكسوناك وحملناك، أتراني ملأت يدك أبا نصر؟ ~~قلت: يا أمير المؤمنين، أراك ذاكرا لما رويت عن نفسك. قال: أجل، ولا خير ~~فيمن ينسى إذا وعد، ودع إذا شئت، صحبتك السلامة. # قال الوزير: ما أحلى هذا الحديث! هات ما بعده. # قلت: قال يحيى بن أبي يعلى: لما قدم المال من ناحية عمر بن عبد العزيز- ~~رحمه الله- على أبي بكر بن حزم، قسمه بين الناس في المدينة، فأصاب كل إنسان ~~خمسين دينارا، فدعتني فاطمة بنت الحسين- عليه السلام- فقالت: اكتب، فكتبت: # بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة بنت ~~الحسين سلام الله عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، ~~فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما تولاه، وعصم به دينه، فإن أمير ~~المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم فينا مالا من الكتيبة، ويتحرى ~~بذلك ما كان يصنع من قبله من الأئمة الراشدين المهديين، وقد بلغنا ms175 ذلك، ~~وقسم فينا، فوصل الله أمير المؤمنين، وجزاه من وال خير ما جزى أحدا من ~~الولاة، فقد كانت أصابتنا جفوة، واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحق، فأقسم ~~بالله يا أمير المؤمنين لقد اختدم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~لا خادم له، واكتسى من كان عاريا، واستقر من كان لا يجد ما يستقر به. وبعثت ~~إليه رسولا. # قال يحيى: فحدثني الرسول قال: قدمت الشام عليه، فقرأ كتابها وإنه ليحمد ~~الله ويشكره، فأمر لي بعشرة دنانير، وبعث إلى فاطمة خمسمائة دينار، وقال: # استعيني بها على ما يعوزك، وكتب إليها كتابا يذكر فيه فضلها وفضل أهل ~~بيتها، ويذكر ما فرض الله لهم من الحق. # فرق الوزير عند هذا الحديث وقال: أذكرتني أمر العلوية، وأخذ القلم، ~~واستمد من الدواة، وكتب في التذكرة شيئا، ثم أرسل إلى نقيب العلوية العمري ~~في اليوم الثاني بألف دينار، حتى تفرق في آل أبي طالب، وقال لي: هذا من ~~بركة الحديث. # ثم قال: كيف تطاول هؤلاء القوم إلى هذا الأمر مع بعدهم من رحم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقرب بني هاشم منه؟ وكيف حدثتهم أنفسهم بذلك؟ إن PageV01P205 # عجبي من هذا لا ينقضي، أين بنو أمية وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم ~~المشهورة في الدين والدنيا؟ # فقلت: أيها الوزير، إذا حقق النظر واستشف الأصل لم يكن هذا عجيبا، فإن ~~أعجاز الأمور تالية لصدورها، والأسافل تالية لأعاليها، ولا يزال الأمر ~~خافيا حتى ينكشف سببه فيزول التعجب منه، وإنما بعد هذا على كثير من الناس، ~~لأنهم لم يعنوا به وبتعرف أوائله والبحث عن غوامضه، ووضعه في مواضعه، ~~وذهبوا مذهب التعصب. # قال: فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التعجب ولزم التسليم؟ # فكان من الجواب: لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم توفي وعتاب بن أسيد على مكة، وخالد بن سعيد على صنعاء، وأبو ~~سفيان بن حرب على نجران، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وسعيد بن ~~القشب الأزدي حليف ms176 بني أمية على جرش ونحوها، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي ~~على كندة والصدف، وعمرو بن العاص على عمان، وعثمان بن أبي العاص على ~~الطائف. فإذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم أسس هذا الأساس، وأظهر أمرهم ~~لجميع الناس، كيف لا يقوى ظنهم، ولا ينبسط رجاؤهم، ولا يمتد في الولاية ~~أملهم؟ وفي مقابلة هذا، كيف لا يضعف طمع بني هاشم، ولا ينقبض رجاؤهم، ولا ~~يقصر أملهم؟ وهي الدنيا، والدين عارض فيها، والعاجلة محبوبة، وهذا وما ~~أشبهه حدد أنيابهم، وفتح أبوابهم، وأترع كأسهم، وفتل أمراسهم، ودلائل ~~الأمور تسبق، وتباشير الخبر تعرف. # قال ابن الكلبي: حدثني الحكم بن هشام الثقفي قال: مات عبيد الله بن جحش ~~عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت معه بأرض الحبشة، فخطبها النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى النجاشي، فدعا بالقرشين فقال: من أولاكم بأمر هذا المرأة؟ ~~فقال خالد بن سعيد بن العاص: أنا أولاهم بها. قال: فزوج نبيكم. قال: فزوجه ~~ومهر عنه أربعمائة دينار، فكانت أول امرأة مهرت أربعمائة دينار، ثم حملت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعهما الحكم بن أبي العاص، فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكثر النظر إليه، فقيل له: يا رسول الله، إنك لتكثر النظر ~~إلى هذا الشاب. قال: أليس ابن المخزومية؟ قالوا: بلى، قال: إذا بلغ بنو هذا ~~أربعين رجلا كان الأمر فيهم، وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلام قال ~~لمعاوية: والله إني لأبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، وما بقي إلا عشرة حتى ~~يكون الأمر في، فيقول معاوية بن أبي سفيان: أخذها والله من عين صافية. # فهذا- كما تسمع- إن كان حقا فلا سبيل إلى رده، وإن كان مفتعلا فقد صار ~~داعية إلى الأمر الذي وقع نزاع فيه، وجال الخصام عليه. # وهاهنا شيء آخر. PageV01P206 # قال القعقاع بن عمرو: قلت لعلي بن أبي طالب- عليه السلام- ما حملكم على ~~خلاف العباس بن عبد المطلب وترك رأيه؟ وهذا يعني به أن العباس كان قال ~~لعلي- عليه السلام- في مرض النبي صلى الله عليه وسلم: قم بنا إليه ms177 لنسأله ~~عن هذا الأمر، فإن كان لنا أشاعه في الناس، وإن كان في غيرنا وصى فينا، ~~وكان علي عليه السلام أبى على عمه العباس ولم يطاوعه. قال القعقاع: قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام- في جوابه لي: لو فعلنا ذلك ~~فجعلها في غيرنا بعد كلامنا لم ندخل فيها أبدا، فأحببت أن أكف، فإن جعلها ~~فينا فهو الذي نريد، وإن جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منا ممدواد، ~~ولم ينقطع منا ولا من الناس. قال القعقاع: فكان الناس في ذلك فرقتين: فرقة ~~تحزب للعباس وتدين له، وفرقة تحزب لعلي وتدين له. وما أشبهه يضعف نفوسا، ~~ويرفع رؤوسا. # وبعد فهذا البيت خص بالأمر الأول، أعني الدعوة والنبوة والكتاب العزيز، ~~فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم، وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد ~~وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: رحمك الله يا أبا عمارة، لقد ~~قاتلتنا على أمر صار إلينا. # فإن قال قائل: فقد وصل هذا الأمر بعد مدة إلى آل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فالجواب: # صدقت، ولكن لما ضعف الدين وتحلحل ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر، ~~فتطاول له ناس من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعجم وبقوتهم ونهضتهم ~~وعادتهم في مساورة الملوك، وإزالة الدول وتناول العز كيف كان، وما وصل إلى ~~أهل العدالة والطهارة والزهد والعبادة والورع والأمانة، ألا ترى أن الحال ~~استحالت عجما: كسروية وقيصرية، فأين هذا من حديث النبوة الناطقة، والإمامة ~~الصادقة، هذا الربيع- وهو حاجب المنصور- يضرب من شمت الخليفة عند العطسة، ~~فيشكى ذلك إلى أبي جعفر المنصور، فيقول: # أصاب الرجل السنة وأخطأ الأدب. وهذا هو الجهل، كأنه لا يعلم أن السنة ~~أشرف من الأدب، بل الأدب كله في السنة، وهي الجامعة للأدب النبوي والأمر ~~الإلهي، ولكن لما غلبت عليهم العزة، ودخلت النعرة في آنافهم، وظهرت ~~الخنزوانة بينهم سموا آيين العجم أدبا، وقدموه على السنة التي هي ~~ثمرة النبوة، هذا إلى غير ذلك من الأمور المعروفة، والأحوال المتعالمة ~~المتداولة ms178 التي لا وجه لذكرها، ولا فائدة لنشرها، لأنها مقررة في التاريخ، ~~ودائرة في عرض الحديث. # ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت، وأواسطها على ما وصفت كان من ~~نتائجها هذه الفتن والمذاهب، والتعصب والإفراط، وما تفاقم منها وزاد ونما ~~وعلا وتراقى، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه، وصارت العامة مع جهلها، تجد ~~قوة من خاصتها مع علمها، فسفكت الدماء، واستبيح الحريم، وشنت الغارات، ~~وخربت PageV01P207 # الديارات، وكثر الجدال، وطال القيل والقال، وفشا الكذب والمحال، وأصبح ~~طالب الحق حيران، ومحب السلامة مقصودا بكل لسان وسنان، وصار الناس أحزابا ~~في النحل والأديان : فهذا نصيري، وهذا إسحاقي، وهذا جارودي، وهذا قطعي، ~~وهذا جبائي، وهذا أشعري، وهذا خارجي، وهذا شعيبي، وهذا قرمطي، وهذا راوندي، ~~وهذا نجاري، وهذا زعفراني، وهذا قدري، وهذا جبري، وهذا لفظي، وهذا مستدركي، ~~وهذا حارثي، وهذا رافضي، ومن لا يحصي عددها إلا الله الذي لا يعجزه شيء، لا ~~جرم شمت اليهود والنصارى والمجوس بالمسلمين، وعابوا وتكلموا، ووجدوا آجرا ~~وجصا فبنوا، وسمعوا فوق ما تمنوا فرووا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزداد الأمر إلا صعوبة، ولا الناس ~~إلا اتباع هوى، حتى تقوم الساعة على شرار الناس» . # وقال أيضا: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء من ~~أمتي» . # وقلت لابن الجلاء الزاهد بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة: ما صفة هذا ~~الغريب؟ فقال لي: يا بني هو الذي يفر من مدينة إلى مدينة، ومن قلة إلى قلة، ~~ومن بلد إلى بلد ومن بر إلى بحر، ومن بحر إلى بر، حتى يسلم، وأنى له ~~بالسلامة مع هذه النيران التي قد طافت بالشرق والغرب، وأتت على الحرث ~~والنسل، فقدمت كل أفوه، وأسكتت كل ناطق، وحيرت كل لبيب، وأشرقت كل شارب، ~~وأمرت على كل طاعم، وإن الفكر في هذا الأمر لمختلس للعقل وكارث للنفس، ~~ومحرق للكبد. # فقال الوزير: والله إنه لكذلك، وقد نال مني هذا الكلام، وكبر علي هذا ~~الخطب، والله المستعان. # ونظرت إليه وقد دمعت عينه ورق فؤاده وهو- كما تعلم- كثير التأله، شديد ~~التوقي، يصوم ms179 الاثنين والخميس، فإذا كان أول رجب أصبح صائما إلى أول يوم من PageV01P208 # شوال، وما رأينا وزيرا على هذا الدأب وبهذه العادة، لا منافقا ولا مخلصا، ~~وقد قال الله تعالى: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30] تولاه الله أحسن الولاية وكفاه أكمل الكفاية، إنه قريب مجيب. # فلما رأيت دمعته، قلت: أيها الوزير، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «حرمت النار على عين بكت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في ~~سبيل الله وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله» ، فقال- أحسن الله ~~توفيقه-: هو الهلاك إن لم ينقذ الله بفضله، ولم يتغمد بعفوه، لو غرقت في ~~البحر كان رجائي في الخلاص منه أقوى من رجائي في السلامة مما أنا فيه. قلت: ~~إذا علم الله من ضميرك هذه العقيدة ألبسك ثوب عفوه، وحلاك بشعار عافيته ~~وولايته، وكفاك كيد أعدائك، وعصب برؤوسهم ما يريدونه بك إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] . # فقال: اجمع لي جزءا من رقائق العباد وكلامهم اللطيف الحلو، فإن مراميهم ~~شريفة، وسرائرهم خالصة، ومواعظهم رادعة، وذاك- أظن- للدين الغالب عليهم، ~~والتأله المؤثر فيهم، فالصدق مقرون بمنطقهم، والحق موصول بقصدهم، ولست أجد ~~هذا المعنى في كلام الفلاسفة، وذاك- أظن أيضا- لخوضهم في حديث الطبائع ~~والأفلاك والآثار وأحداث الزمان. قلت: أفعل، فكتبت تمام ما تقدم به، ثم ~~كتبت بعد ورقات في حديث النساك. # قال عتبة بن المنذر السلمي: سئل رسول صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى ~~موسى- عليه السلام-؟ فقال: أكثرهما وأوفاهما، ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن موسى- عليه السلام- لما أراد فراق شعيب أمر امرأته تسأل ~~أباها أن يعطيها من نتاج غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالب ~~لون ذلك العام، فلما وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة ~~إلا ضرب جنبها بعصاه، فوضعت قوالب ألوان كلها ووضعت اثنتين أو ثلاثة كل ~~شاة، ليس فيهن فشوش ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكف، فإن افتتحتم ~~الشام ms180 وجدتم بها بقايا منها، فاتخذوها، وهي السامرية» . PageV01P209 # قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي في حديث: بعث الله تعالى رسولا فينا نعرف ~~صدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده، وأمرنا ~~بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم ~~والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. # وقال صاحب التاريخ: ولدت لعمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- أم كلثوم بنت ~~علي بن أبي طالب- عليه السلام- زيدا ورقية، وأم أم كلثوم فاطمة بنت النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قال أنس بن مالك: صلى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ~~أفرادا لم يؤمهم عليه أحد. # ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، هلك عبد المطلب، وهو ~~شيبة أبو الحارث، وذلك بعد الفيل بثمان سنين، وتوفيت آمنة أمه وهو ابن ست ~~سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به على أخواله من بني عدي بن ~~النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة إلى مكة. PageV01P210 ### || الليلة الحادية والعشرون # وسأل مرة عن المغني إذا راسله آخر لم يجب أن يكون ألذ وأطيب، وأحلى ~~وأعذب؟ # فكان من الجواب: أن أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع من ~~اقتضاب قول وتكلف جواب، ذكر أن المسموع الواحد إنما هو بالحس الواحد، وربما ~~كان الحس الواحد أيضا غليظا أو كدرا، فلا يكون لنيله اللذة به بسط ونشو ~~ولذاذة، وكذلك المسموع ربما لم يكن في غاية الصفاء على تمام الأداء ~~بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء، فلا تكون أيضا إنالته للذة على التمام ~~والوفاء، فإذا ثني المسموع- أعني توحد النغم بالنغم- قوي الحس المدرك، فنال ~~مسموعين بالصناعة، ومسموعا واحدا بالطبيعة، والحس لا يعشق المواحدة ~~والمناسبة والاتفاق إلا بعد أن يجدها في المركب، كما أن العقل لا يعشق إلا ~~بعد أن ينالها في فضاء البسيط، فكلما قوي الحس باستعماله، التذ صاحبه بقوته ~~حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحس أو أكثر، وكماأن الحس إذا كان كليلا كان الذي ~~يناله كليلا، ms181 كذلك الحس إذا كان قويا كان ما يناله قويا. # قال: هذا كله موهوب للحس، فما للعقل في ذلك؟ فإنا نرى العاقل تعتريه دهشة ~~وأريحية واهتزاز. # قلت: قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو سليمان في مذاكرته لابن الخمار، ~~وذكر أن من شأن العقل السكون، ومن شأن الحس التهيج، ولهذا يوصف العاقل ~~بالوقار والسكينة، ومن دونه يوصف بالطيش والعجرفة، والإنسان ليس يجد العقل ~~وجدانا فيلتذ به، وإنما يعرفه إما جملة وإما تفصيلا، أعني جملة بالرسم ~~وتفصيلا بالحد، ومع ذلك يشتاق إلى العقل، ويتمنى أن يناله ضربا من النيل ~~ويجده نوعا من الوجدان، فلما أبرزت الطبيعة الموسيقى في عرض الصناعة ~~بالآلات المهيأة، وتحركت بالمناسبات التامة والأشكال المتفقة أيضا، حدث ~~الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه وانجلائه، فبهر الإحساس، وبث ~~الإيناس، وشوق إلى عالم الروح والنعيم، وإلى محل الشرف العميم، وبعث على ~~كسب الفضائل الحسية PageV01P211 # والعقلية، أعني الشجاعة والجود والحلم والحكمة والصبر، وهذه كلها جماع ~~الأسباب المكملة للإنسان في عاجلته وآجلته، وبالواجب ما كان ذلك كذلك، لأن ~~الفضائل لا تقتنى إلا بالشوق إليها، والحرص عليها، والطلب لها، والشوق ~~والطلب والحرص لا تكون إلا بمشوق وباعث وداع، فلهذا برزت الأريحية والهزة، ~~والشوق والعزة، فالأريحية للروح، والهزة للنفس، والشوق للعقل، والعزة ~~للإنسان. وما يجب أن يعلم أن السمع والبصر أخص بالنفس من الإحساسات ~~الباقية، لأنهما خادما النفس في السر والعلانية، ومؤنساها في الخلوة، ~~وممداها في النوم واليقظة، وليست هذه الرتبة لشيء من الباقيات، بل الباقيات ~~آثارها في الجسد الذي هو مطية الإنسان، لكن الفرق بين السمع والبصر في ~~أبواب كثيرة: ألطفها أن أشكال المسموع مركبة في بسيط، وأشكال المبصر مبسوطة ~~في مركب. # قلت: وقد حكيت هذا لأبي زكرياء الصيمري فطرب وارتاح وقال: ما أبعد نظر ~~هذا الرجل! وما أرقى لحظه! وما أعز جانبه! PageV01P212 ### || الليلة الثانية والعشرون # وقال لي مرة أخرى: ارو لي شيئا من كلام أبي الحسن العامري، فإني أرى ~~أصحابنا يرذلونه ويذيلونه، فلا يرون له في هذه العصبة قدما، ولا يرفعون له ~~في هذه ms182 الطائفة علما. # فقلت: كان الرجل لكزازته وغلظ طباعه وجفاء خلقه ينفر من نفسه، ويغري ~~الناس بعرضه، فإذا طلب منه الفن الذي قد خص به وطولب بتحقيقه وجد على غاية ~~الفضل. # فمن كلامه قوله: الطبيعة تتدرج في فعلها من الكليات البسيطة، إلى ~~الجزئيات المركبة، والعقل يتدرج من الجزئيات المركبة، إلى البسائط الكلية، ~~والإحاطة بالمعاني البسيطة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني المركبة، ليتوصل ~~بتوسطها إلى إثبات إنياتها، والإحاطة بالمعاني المركبة تحتاج إلى الإحاطة ~~بالمعاني البسيطة ليتوصل بتوسطها إلى تحقيق إثباتها. وكما أن القوة الحسية ~~عاجزة بطباعها عن استخلاص البسائط الأوائل، بل تحتاج معها إلى القوة ~~العاقلة، وإن قويت لصار العقل فضلا- كذلك أيضا القوة العاقلة لا تقوى ~~بذاتها على إثبات إنياتها المركبات إلا من جهة القوة الحساسة، ولو قويت ~~عليه لصار الحس فضلا للعاقلة. # قال: هذا كلام بارع من صدر واسع، وأحب أن تزيدني من نمطه. # قلت: وقال أيضا: الكلي مفتقر إلى الجزئي لا لأن يصير بديمومته محفوظا بل ~~لأن يصير بتوسطه موجودا، والجزئي مفتقر إلى الكلي لا لأن يصير بتوسطه ~~موجودا، بل لأن يصير بديمومته محفوظا. # وقال: الحال في جميع السبل- أعني مسالك الأشياء في تكونها صناعية كانت أو ~~تدبيرية أو طبيعية أو اتفاقية- واحدة، مثاله أن الإنسان وإن التذ ~~بالدستنبان فلن يعد موسيقارا إلا إذا تحقق بمبادئه الأول التي هي ~~الطنينات وأنصاف الطنينات، وكذلك الإنسان وإن استطاب الحلو فلن يسمى ~~حلوانيا إلا إذا عرف بسائطه وأسطقساته. # وقال: العلم لا يحيط بالشيء إلا إذا عرف مبادئه القريبة والبعيدة ~~والمتوسطة. PageV01P213 # وقال: نتوصل إلى كرية القمر بما نراه من اختلاف أشكاله، أعني أنا نراه في ~~الدورة الواحدة هلاليا مرتين ومنصفا مرتين وبدرا مرة واحدة، وهذه الأشكال ~~وإن كانت متقدمة عندنا فإن كونه كريا هو المتقدم بالذات. # وقال: ما هو أكثر تركيبا فالحس أقوى على إثباته، وما هو أقل تركيبا ~~فالعقل أخلص إلى ذاته. # وقال: الأحداث- وهي الذوات الإبداعية- الوقوف على إثباتها يغني عن البحث ~~عن ماهياتها. # وقال: كل معنى يوجد بوجوده غيره لا يرتفع بارتفاع ذلك الذي هو غيره، ms183 بل ~~يرتفع غيره بارتفاعه، فإنه أقدم ذاتا من غيره، مثاله الجنس لا يرتفع ~~بارتفاع واحد من أنواعه، والأنواع ترتفع بارتفاع الجنس، وكذلك حال النوع مع ~~الشخص، فالجنس أقدم من النوع، والنوع أقدم من الشخص، وأعني بالجنس والنوع ~~الطبيعيين لا المنطقيين. # وقال: معرفتنا أولا تتعلق بالأشخاص الجزئية ثم بتوسطها ثبتت الأجناس فإذا ~~المتقدم بالذات غير المتقدم إلينا. # وقال: مسلك العقل في تعرف المعاني الطبيعية مقابل لمسلك الطبيعة في ~~إيجادها، لأن الطبيعة تتدرج من الكليات البسيطة إلى الجزئيات المركبة، ~~والعقل يتدرج من الجزئيات المركبة إلى البسائط الكلية. # قال أبو النضر نفيس: إنما كان هذا هكذا لأن الطبيعة متناولة من العقل ~~والعقل مناول للطبيعة، فوجب أن يختلف الأمران، فإن قال قائل: فهلا تم ~~الأمران معا بواحد منهما، أعني الطبيعة أو العقل؟ فالجواب أن أحدهما في ~~العلو، والآخر في السفل، فليس للعالي أن يهبط، ولا للسافل أن يعلو، فلما ~~كان هذا محالا توسط بينهما- أعني العالي والسافل- المناولة والتناول حتى ~~اتصل الأول بالثاني، وغص الفضاء بينهما بضروب الأفراد والأزواج، وانتظم ~~الكل فلم يكن فيه خلل، ولا دونه مأتى، ولا وراءه متوهم. # وقال: الإنسان مركب من الأعضاء الآلية بمنزلة الرأس واليدين والرجلين ~~وغيرها، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من الأعضاء المتشابهة الأنواع ~~بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشريان، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من ~~الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمرتان، ثم كل واحد من هذه الأخلاط ~~مركب من الأسطقسات الأربعة التي هي النار والهواء، والأرض والماء، ثم كل ~~واحد من هذه الأسطقسطات مركب من الهيولى والصورة. PageV01P214 # وقال: كما أن لكل عضو قوة تخصه بتدبيرها، كذلك لجميع البدن قوة أخرى ~~ضامنة لتدبيره. # قال: وقال الحكيم في كتاب «السماء» : علة الأنواع والأجناس ودوامها هي ~~الفلك المستقيم، وعلة كون الأشخاص وتجدد حدوثها هي الفلك المائل، فأما ~~الكليات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة القياسية المستتبة لها عند تكون ~~الحس على واحد منها. # قال أبو النضر نفيس: هذا حكم بالوهم، ورأي خرج من الظن، الفلك المستقيم ~~والفلك المائل ms184 هما بنوع الوحدة ونسبة الاتفاق، فليس لأحدهما اختصاص ~~بالأنواع والأجناس، ولا بتجدد الأشخاص، والدليل على هذا أن قالبا لو قلب ~~قالبه ذلك لم يكن له عنه انفصال. وللرأي زلات، كما أن للسان فلتات، وللحكيم ~~هفوات، كما أن للجواد عثرات، وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ما لا يعرف، ~~وما أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري، ومن الذي حقق عنده أن الفلك ~~المستقيم هذا نعته، والفلك المائل تلك صفته، هذا توهم وتلفيق، لا يرجع ~~مدعيه إلى تحقيق، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليد، كما أن دعوى ذاك ~~الحكيم توهم، ومحبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول الباطل، وبغض الرجال ~~للرجال فتنة حاملة على رد الحق؟ وهذا أمر قد طال منه الضجيج، وفزع إلى الله ~~منه بالتضرع. # قال أبو الحسن: الموجود له حقيقة واحدة لا تدرك إلا عقلا، وليس له مبدأ، ~~ولو كان له مبدأ لشاركه المبدأ في طبيعة الوجود، وليس بمتحرك لأنه لا مقابل ~~له فيتحرك إليه. # وقال أبو النضر نفيس: عنى بهذا الموجود الحق الأول الذي هو علة العلل، ~~وهو البارئ الإله، وما أنصف، لأنه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه، ويصف مرتبة ~~كل موجود على ما هي عليه وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى ~~إلى آخر الموجود الأسفل، أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود ~~الأعلى، فإنه مما يعقل ويحس إلا وله من هذا الوجود نصيب به استحق أن يكون ~~موجودا، وإن كان ذلك النصيب قليلا. # وقال: قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو كثير بالأسماء، ويوصف بأنه ~~واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى، ويوصف بأنه واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع، ~~ويوصف بأنه واحد بالنوع وهو كثير بالشخوص، ويوصف بأنه واحد بالاتصال وهو ~~كثير بالأجزاء، وقد نقول في شيء: إنه واحد بالموضوع وهو كثير بالحدود، ~~كالتفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللون والطعم والرائحة، وقد يكون واحدا في ~~الحد وكثيرا في الموضوع، كالبياض الذي يوجد في الثلج والقطن والإسفيداج، ~~وقد يكون ms185 كثيرا بالحد PageV01P215 # والموضوع كالعلم والحركة، فإن موضوع هذا الجسم، وموضوع ذاك النفس، وحد ~~أحدهما غير حد الآخر، وقد يكون واحدا بالموضوع والحد بمنزلة السيف ~~والصمصام، وقد نقول أشياء تكون واحدة بالفعل، وهي بالقوة كثيرة، كالسراج ~~الواحد، فأما أن يكون واحدا بالقوة وكثيرا بالفعل من وجه واحد، فلا يكون، ~~بل من جهات مختلفة. # قال أبو النضر نفيس: الواحد الذي ينقسم فتنشأ منه الكثرة غير الواحد الذي ~~لا ينقسم، والكثير الذي يتوحد حتى يكون واحدا غير الكثير الذي لا يتوحد، ~~فالواحد الذي لا ينقسم علة الواحد المنقسم، والكثير الذي يتوحد هو علة ~~الكثير الذي لا يتوحد، وبالحكمة الإلهية، ما كان هكذا حتى يكون الكثير الذي ~~يتوحد في مقابلة الكثير الذي لا يتوحد، والواحد الذي ينقسم في مقابلة ~~الواحد الذي لا ينقسم، وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة التمام الحاصل للكل، ~~وليست هي عبارة عن صورة مزاحمة لصورة، أو كثرة غالبة لكثرة، المستغاث بالله ~~من قصور العبارة عن الغاية، وتقاعس اللفظ عن المراد. # وقال: يعجبني من جملة الحكم الأمثال التي يضربونها، والعيون التي ~~يستخرجونها، والمعاني التي يقربونها. # قلت: صدقت، مثل قول فيلسوف: البدن للنفس بمنزلة الدكان للصانع، والأعضاء ~~بمنزلة الآلات، فإذا انكسرت آلات الصانع وخرب الدكان وانهدم، فإن الصانع لا ~~يقدر على عمله الذي كان يعمله إلا أن يتخذ دكانا آخر، وآلات جددا أخر. # قال: أحب أن أسمع شيئا من منثور كلامهم في فنون مختلفة. # قلت: قال فيلسوف: العاقل يضل عقله عند محاورة الأحمق. قال أبو سليمان: # هذا صحيح، ومثاله أن العاقل إذا خاطب العاقل فهم وإن اختلفت مرتبتاهما في ~~العقل، فإنهما يرجعان إلى سنخ العقل، وليس كذلك العاقل إذا خاطب ~~الأحمق، فإنهما ضدان، والضد يهرب من الضد، وقد قيل لأبي الهذيل العلاف- ~~وكان متكلم زمانه-: إنك لتناظر النظام وتدور بينكما نوبات، وأحسن أحوالنا ~~إذا حضرنا أن ننصرف شاكين في القاطع منكما والمنقطع، ونراك مع هذا يناظرك ~~زنجويه الحمال فيقطعك في ساعة. فقال: يا قوم إن النظام معي على جادة واحدة ~~لا ينحرف أحدنا ms186 عنها إلا بقدر ما يراه صاحبه فيذكره انحرافه، ويحمله على ~~سننه فأمرنا يقرب، وليس هكذا زنجويه الحمال فإنه يبتدئ معي بشيء، ثم يطفر ~~إلى شيء بلا واصلة ولا فاصلة، وأبقى، فيحكم علي بالانقطاع، وذاك لعجزي عن ~~رده إلى سنن الطريق الذي فارقني آنفا فيه. PageV01P216 # وقال فيلسوف آخر: العادات قاهرات، فمن اعتاد شيئا في السر فضحه في ~~العلانية. # قال أبو سليمان: وهذا صحيح، لأن حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد ~~عوده، فهي- أعني العادة- الاستمرار الذي يقهر من اعتاده، والخلوة حال، ~~والعلانية حال، والعادة بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق، ولهذا ما قيل: ~~العادة هي الطبيعة الثانية، كأن الطبيعة عادة، ولكنها الأولى بالجبلة، ~~والعادة طبيعة ولكنها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار. # وقال فيلسوف: ما أكثر من ظن أن الفقير هو الذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا ~~فقير من جهة العرض، فأما الفقير الطبيعي فالذي شهواته كثيرة وإن كان كثير ~~المال، كما أن الغني الطبيعي لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال، أي الذي ~~ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب إرادته، وقد ظن قوم أن الذين منعوا من ~~الشهوات، ووصوا بالزهد في اللذات، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم، ~~وحرموهم ما هو لهم، وصدوهم عن محبوباتهم، وهذا ظن خطأ، وأي مراد في هذا ~~للواعظين والمزهدين، والذين وصوا وأشفقوا، وردعوا عن الخوض في لذات النفوس ~~الغضبية والبهيمية؟ # والله ما كان ذلك منهم إلا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار، ~~إلا أن يكون الذين ظنوا هذا إنما ظنوه لأنهم رأوا بعض المزهدين راغبا، وبعض ~~الناصحين غاشا، وبعض الآمرين مخالفا، وليس العمل على المحتال، وعلى من آثر ~~الغش في المقال، ولكن المرجع إلى ما يدل عليه الحق، ويشهد له العقل، ويصح ~~فيه البرهان، أترى الفيلسوف غش في قوله لأصحابه: اقنعوا بالقوت، وانفوا عن ~~أنفسكم الحاجة، ليكون لكم قربة إلى الله، لأن الله غير محتاج، كلما احتجتم ~~أكثر كنتم منه أبعد، واهربوا من الشر والإثم، واطلبوا من الخير أعمه ~~وأعظمه، وأبقاه وأدومه، واعرفوا الأبد، واطلبوا ms187 السرمد، فإن من طلب الأبد ~~ثم وجد بقي على الأبد، ومن طلب الأمد ثم وجد فنى على الأمد. # الحاجة ذل، والغنى عز، والعز ضد الذل، فمن طلب العز في العاجلة فقد طلب ~~الذل وهو لا يدري، ومن طلب العز في الآجلة فقد وجد العز وهو يدري. # في الحكمة أن يقال: اصبر على الذل لتنال العز، وليس في الحكمة اثبت على ~~العز لتنال الذل، هذا معكوس. PageV01P217 ### || الليلة الثالثة والعشرون # وكان الوزير رسم بكتابة لمع من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فأفردت ~~ذلك في هذه الورقات، وهي: # قال صلى الله عليه وسلم: «أشد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، ~~ومواساة الأخ من مالك، وشكر الله تعالى على كل حال» . # وقال الواقدي: لما غالظ خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف قال النبي- صلى ~~الله عليه وسلم- يا خالد: ذروا لي أصحابي، لو كان أحد ذهبا تنفقه قراريط في ~~سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من عبد الرحمن . # وقال عليه السلام: «إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله إليه، وإن ~~أخرها أعرض عنه» وقال عليه السلام: «إنما فدك طعمة أطعمنيها الله حياتي، ثم ~~هي بين المسلمين» . PageV01P218 # وقال عليه السلام: «المقوم قد يأثم ولا يغرم» . # وقال عليه السلام في دعائه: «اللهم اجمع على الهدى أمرنا، وأصلح ذات ~~بيننا، وألف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا، واهدنا سواء السبيل ~~وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ~~اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ومعايشنا، اللهم اجعلنا ~~شاكرين لنعمتك، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم» . # وقيل له صلى الله عليه وسلم: إن فلانا استشهد، فقال: «كلا، إن الشملة ~~التي أخذها من الغنائم يوم حنين اشتعلت عليه نارا» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «من اطلع من صير باب ففقئت عينه فهي هدر» . PageV01P219 # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يذبح شاة: «ارهف شفرتك، فإذا فريت فأرح ~~ذبيحتك، ودعها تخب وتشخب، فإن ذلك أمرى للدم وأحلى للحم» . # وقال عليه السلام: «خير الناس الغني ms188 الخفي التقي» . # وقال: «التاجر الصدوق إن مات في سفره كان شهيدا، أو في حضره كان صديقا» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «ظهر المؤمن مشجبه، وبطنه خزانته، ورجله مطيته، ~~وذخيرته ربه» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة ، فتصدقوا، ولا عفا ~~رجل عن مظلمة إلا زاده الله عز وجل عزا وعفوا، فاعفوا، ولا فتح رجل على ~~نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر، فاستعفوا» . # وقال عليه السلام: «أجود الأعمال: الجود في العسر، والقصد في الغضب، ~~والعفو عند المقدرة» . PageV01P220 # وقال عليه السلام: «إن بين مصراعي باب الجنة مسيرة مائة عام، وليأتين ~~عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» . # وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول قوم من بني عامر يستأذنه في ~~المرعى حول المدينة، فقال عليه السلام: إنها ديار لا تضيق عن جارنا، وإن ~~جارنا لا يظلم في ديارنا، وقد ألجأتكم الآزمة ، فنحن نأذن لكم في ~~المرعى ونشرككم في المأوى، على أن سرحنا كسرحكم، وعانينا كعانيكم، ولا ~~تعينوا علينا بعد اليوم، فقال: لا نعين عدوا ما أقمنا في جوارك، فإذا رحلنا ~~فإنما هي العرب تطلب آثارها، وتشفي ذحولها، فقال عليه السلام: يا بني عامر، ~~أما علمتم أن اللؤم كل اللؤم أن تنحاشوا عند الفاقة، وتثبوا عند العزة، ~~فقال: وأبيك إن ذلك للؤم، ولن نبغيك غائلة بعد اليوم، فقال: اللهم اشهد، ~~وأذن لهم. # وسئل صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيه الوحي؟ فقال: «في مثل صلصلة الجرس، ~~ثم ينفصم» . PageV01P221 # وقد روى ابن الكلبي عن أبيه عن ابن صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم ~~بدر،- قال علي- عليه السلام- للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا. قال: فركبه ووتر قوسه ~~ورمى فأصاب أذن الفرس فصرمه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسك على ~~فيه، فلما رأى علي ضحكه غضب فسل سيفه، ثم شد على المشركين: فقتل ثمانية قبل ~~أن يرجع، فقال علي- عليه السلام-: لو أصابني شر ms189 من هذا كنت أهله حين يقول: ~~«أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا» ، فعصيته. # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن امرأ عرف الله وعبده وطلب رضاه وخالف هواه ~~لحقيق بأن يفوز بالرحمة» . # لما ورد محمد بن مسلمة على عمرو بن العاص من جهة عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، صنع عمرو له طعاما ودعاه إليه، فأبى محمد، فقال عمرو: أتحرم طعامي؟ ~~قال: لا، ولكني لم أومر به. فقال عمرو: لعن الله زمانا عملنا فيه لابن ~~الخطاب، لقد رأيته وأباه وإنهما لفي شملة ما تواري أرساغهما، وإن العاصي بن ~~وائل لفي مقطعات الديباج مزررة بالذهب. فقال محمد: أما أبوك وأبو عمر ففي ~~النار، وأما أنت فلولا ما وليت لعمر لألفيتك معتقلا عنزا يسرك غزرها ويسوءك ~~بكؤها ، فقال عمرو: المجالس أمانة، فقال محمد: أما ما دام عمر حيا ~~فنعم. # دخل النبي صلى الله عليه وسلم على فاطمة- عليهما السلام- يعودها من علة، ~~فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ فقالت: قلة الطعم، ~~وشدة السقم، وكثرة الهم. # قال عبد الله بن مسعود: شر الأمور محدثاتها، وشر الغنى غنى الإثم، PageV01P222 # وخير الغنى غنى النفس، والخمر جماع الإثم، والدنيا حبالة الشيطان، ~~والشباب شعبة من الجنون. قيل له: أتقول هذا من تلقائك؟ قال: لا، بل من ~~تلقاء من فرض الله علي طاعته. # وقال أبو ذر رحمة الله عليه: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا ~~أبا ذر: إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ~~ولا تولين مال يتيم . # وقال أبو هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: ستحرصون على الإمارة، ~~وستكون حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة . # أبو أمامة يرفعه، قال: ما من رجل يلي أمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة ~~مغلولا، أطلقه العدل، أو أوثقه الجور. # قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: أمرني يا رسول الله فأصيب. # قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن رجلا جاء إلى النجاشي فقال له: # أقرضني ألف دينار إلى أجل، ms190 فقال: من الكفيل بك؟ فقال: الله. فأعطاه ~~الألف، فلما بلغ الأجل أراد الرد، فحبسته الريح، فعمل تابوتا وجعل فيه ~~الألف وغلفه، وألقاه في البحر، وقال: اللهم أد حمالتك، فخرج النجاشي إلى ~~البحر فرأى سوادا، فقال: # ائتوني به. فأتوه بالتابوت، ففتحه، فإذا فيه الألف، ثم إن الرجل جمع ألفا ~~بعد ذلك، وطابت الريح وجاء إلى النجاشي فسلم عليه، فقال له النجاشي: لا ~~أقبلها منك حتى تخبرني بما صنعت فيها. فأخبره بالذي صنع، فقال النجاشي فقد ~~أدى الله عنك، وقد بلغت الألف في التابوت، فأمسك عليك ألفك. # رأى أبو هريرة رجلا مع آخر، فقال: من هذا الذي معك؟ قال: أبي. قال: فلا ~~تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له. # قال أبو هريرة: كان جريج يتعبد في صومعته، فأتت أمه فقالت: يا جريج، أنا ~~أمك، كلمني، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت ثم أتته ثانية ~~فقالت: يا جريج، كلمني، فصادفته يصلي فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار ~~صلاته، PageV01P223 # ثم جاءته فصادفته يصلي، فقالت: اللهم إن هذا ابني قد عقني فلم يكلمني فلا ~~تمته حتى تريه المومسات، ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، قال: وكان راعي ضأن ~~يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي، فحملت فولدت ~~غلاما، فقيل لها: ممن هذا؟ فقالت: من صاحب هذه الصومعة، فأقبل الناس إليه ~~بفؤوسهم ومساحيهم فبصروا به، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم، فأخذوا يهدمون ~~ديره، فنزل وتبسم ومسح رأس الصبي وقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن. ~~فلما سمع القوم ذلك راعهم، وعجبوا، وقالوا: نحن نبني لك ما هدمنا بالذهب ~~والفضة. قال: لا، أعيدوها كما كانت ترابا، ثم عاد. # وقال أبو الدرداء: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواب. # وقال أيضا: ليس على سارق الحمام قطع. # وقال: إذا اخترتم أرضا فلا تختاروا أرمينية، فإن فيها قطعة من عذاب الله، ~~يعني البرد. # أبو هريرة يرفعه: ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة ~~أنهم كانوا متعلقين بين السماء والأرض يتذبذبون من الثريا، وأنهم ms191 لم يلوا ~~عملا. # قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة، ~~فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت ~~عليها» . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير ~~راع على الناس PageV01P224 # وهو مسئول أقام أمر الله فيهم أم ضيع، والمرأة راعية على بيتها وما وليت ~~من زوجها، ومسؤولة عنهم أقامت أمر الله فيهم أم ضيعت، والخادم مسؤول عن مال ~~سيده أقام أمر الله فيه أم ضيع» . هكذا رواه ابن عتبة عن نافع عن ابن عمر. # قال عياض الأشعري: قدم أبو موسى على عمر ومعه كاتب له، فرفع حسابه، فأعجب ~~عمر. وجاء إلى عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على ~~الناس؟ قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: لم؟ أجنب هو؟ قال: إنه نصراني. # قال: فانتهره، وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم ~~الله، ولا تأتمنهم وقد خونهم الله. # قال عبد الله بن نافع: جاء رجلان من الأنصار إلى النبي- صلى الله عليه ~~وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : إنكم لتختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته ~~من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه ~~شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار، يأتي بها إسطاما في عنقه ~~يوم القيامة. قال: فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: أما إذ قلتما هذا فاذهبا فاستهما، وتوخيا الحق، وليحلل كل ~~واحد منكما صاحبه. وفي رواية أخرى: اذهبا فاصطلحا. # وروى ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى النجاشي أصحمة: ~~سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد ~~أن PageV01P225 # عيسى بن مريم روح الله وكلمته، فكتب النجاشي: إلى محمد رسول صلى الله ~~عليه وسلم من النجاشي أصحمة بن أبجر: سلام عليك يا نبي الله ms192 من الله ورحمته ~~وبركاته . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكافر خب ضب، والمؤمن دعب لعب» . # وقال رجل للنبي- صلى الله عليه وسلم-: اعدل فإنك إلى الآن لم تعدل. فقال: ~~ويلك! إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ؟ PageV01P226 # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الواجد يبيح ظهره وعرضه» . # وقال عمر: ردد الخصوم كي يصطلحوا. # وقال عليه السلام: لا تحلفوا بأيمانكم، ومن حلف بالله فليصدق، ومن حلف له ~~فليقبل . # وقال: من حلف يمينا كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه ~~غضبان . PageV01P227 # وقال: من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن ~~يمينه . # وقال- عليه السلام-: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم . # حدثنا أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد قال: حدثنا محمد بن المرزبان قال: # حدثنا المغيرة قال: حدثنا محمد بن العباس المنقري قال: كان شريك بن عبد ~~الله على القضاء بالكوفة، فقضى على وكيل لعبد الله بن مصعب بقضاء لم يوافق ~~عبد الله، فلقي شريكا ببغداد، فقال له: قضيت على وكيلي قضاء لا يوافق الحق. # قال: من أنت؟ قال: من لا تنكر. قال: قد نكرتك أشد النكير. قال: أنا عبد ~~الله بن مصعب. قال: فلا كبير ولا طيب. قال: كيف لا تقول هذا وأنت تشتم ~~الشيخين. # قال: من الشيخان؟ قال: أبو بكر وعمر. قال: والله لا أشتم أباك وهو ~~دونهما، فكيف أشتمهما وهما فوقي وأنا دونهما؟ # وقال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل ~~يؤتى الدنيا ويوسع له فيها وهو لله على غير ما يحب إلا وهو مستدرج، لأن ~~الله تعالى يقول: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين # [الأنعام: 44، 45] » . قال ابن الأنباري: قوله صلى الله عليه وسلم إلا ~~وهو مستدرج، معناه إلا وهو مستدع هلكته، مأخوذ من الدراج، وهو الهالك، يقال ~~هو أعلم من ms193 دب ودرج، ويراد بدرج: هلك، وبدب: مشى. # وقال سعيد بن عامر بن حزيم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله أمناء ~~على خلقه يضن بهم على القتل يعيشهم في عافية، ويميتهم في عافية» . PageV01P228 # قال ناشرة بن سمي: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية: ~~إني قد نزعت خالد بن الوليد وأمرت أبا عبيدة، فقال رجل: والله لقد نزعت ~~عاملا استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغمدت سيفا سله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواء شده رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال ~~عمر: إنك لشاب قريب القرابة، وهذا القائل هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ~~ابن عم خالد. # قال قبيصة بن المخارق: نهى رسول الله عن الطرق والعيافة والخط. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم ~~اثنتان: # صلة وصدقة» . # قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة من ~~جبل فعلا أعلاها حجرا، وقال: يا بني عبد مناف، يا بني فهر، إنما مثلي ~~ومثلكم كمثل رجل رأى العدو PageV01P229 # فانطلق يريد أهله، وخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف وا صباحاه. # النعمان بن بشير وقبيصة قالا: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن ~~الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا تجلى لشيء من ~~خلقه خشع» تزوج رجل امرأة فمات قبل أن يدخل بها، ولم يسم لها صداقا، ~~فسئل ابن مسعود فقال: لها صداق إحدى نسائه، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ~~ولها الميراث. فقام أبو سنان في رهط من أشجع، فقالوا: لقد قضى فيها بقضاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق الأشجعية . # عقبة السلمي قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إذا تباطأت ~~المغازي وكثرت الغرائم واستؤثر بالغنائم فخير جهادكم الرباط» . PageV01P230 # حبان الأنصاري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم حنين ~~فأحل ms194 لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس ~~يحللونها: أحل لهم أكل لحوم الأضاحي، وزيارة القبور، والأوعية ، ونهاهم ~~عن بياع المغنم حتى يقسم، ونهاهم عن النساء من السبابا ألا يوطأن حتى يضعن ~~أولادهن، ونهاهم ألا تباع ثمرة حتى يبدو صلاحها، ويؤمن عليها من العاهة. # وهب بن حذيفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل أحق بمجلسه . # حسان بن ثابت قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور. PageV01P231 # قال مالك بن عبادة الغافقي: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله ~~بن مسعود فقال: لا تكثر همك، ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك. # خالد بن عدي الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بلغه معروف ~~من أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه ~~الله إليه. # رافع بن مكيث- أخو جندب بن مكيث- شهد الحديبية قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم، والصدقة تدفع ميتة ~~السوء، والبر زيادة في العمر» . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يوم الجمعة يوم زينة كيوم الفطر ~~والنحر. # خباب بن الأرت- وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلى يوما إلى جدار كثير الجحرة إما ظهرا أو عصرا، ~~فلما صلى خرجت إليه عقرب فلدغته، فغشي عليه، فرقاه الناس فأفاق، فقال: «إن ~~الله شفاني وليس برقيتكم» . # قال الوزير: ما أحسن هذا المجلس. PageV01P232 ### || الليلة الرابعة والعشرون # وجرى حديث الفيل ليلة فأكثر من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدة تعاد، ولا ~~غريبة تستفاد، فحكيت: إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا تتولد ~~إلا في جزائر البحار الجنوبية، وتحت مدار برج الحمل، والزرافة لا تكون إلا ~~في بلاد الحبشة، والسمور وغزال المسك لا يكونان إلا في الصحاري الشرقية ~~الشمالية، وأما الصقور والنسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها لا تفرخ ~~إلا في رؤوس الجبال الشامخة والعقاب. والنعام ms195 لا تفرخ إلا في البراري ~~والقفار والفلوات. والوطواط والطيطوى وأمثالهما من الطير لا تفرخ إلا على ~~سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام، والعصافير والفواخت وما ~~شاكلها من الطير لا تفرخ إلا بين الأشجار والدحال والقرى والبساتين. # وحدث ابن الأعربي عن هشام بن سالم- وكان مسنا من رهط ذي الرمة- قال: # أكلت حية بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو منها، حتى إذا ~~فتحت فاها تريده وهمت به ألقى في فيها حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت. # وأنشد أبو عمرو الشيباني قول الأسدي: # إن كنت أبصرتني قلا ومصطلما %~% فربما قتل المكاء ثعبانا # فقال- حرس الله نفسه-: من أين للحيوان غير الإنسان هذه الفطنة وهذه ~~الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة؟ # فقلت: شيخنا أبو سليمان يقول في هذه الأيام- وقد جرى حديث الحيوان وعجائب ~~أفاعليه- إن الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرض عظيم، وبذلك الغرض ~~لها تفاوت عظيم ظاهر وخاف، وأفعال معهودة ونادرة، ولها أخلاق معروفة، ~~ومعارف موصوفة، ولولا ذلك ما كان يقال: أصول من جمل، وأغدر من ذئب، وأروغ ~~من ثعلب، وأجبن من صفرد، وأجمع من ذرة ، وآلف من كلب، وأهدى من PageV01P233 # قطاة، [وأحمق] من عقعق، وأزهى من غراب، وأظلم من حية. وأشد عداوة من ~~عقرب. وأخبث من قرد، وأحمق من حبارى، وأكذب من فاختة، وألأم من كلب على ~~جيفة، وأعق من ضب، وأبر من هرة، وأنفر من ظليم ، وأجرأ من ليث، وأحقد ~~من فيل، وعلى هذا. # قال: وكما أن بين آحاد نوع الإنسان تفاوتا في الأخلاق، كذلك بين آحاد نوع ~~الحيوان تفاوت، وكما أنه يزل بعض العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله، ~~كذلك يزل ويغلط بعض الحمقى فيأتي بما لا يحسب أن مثله يهتدي إليه، فليس ~~العقل بحاظر على صاحبه أن يندر منه ما يكون من الحيوان، وأصناف الحيوان من ~~الناس وغير الناس تتقاسم هذه الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان ~~المتباعدة، والأماكن المتنازحة، تقاسما محفوظ النسب بالطبيعة المستولية، ~~وإن كان ذلك التقاسم مجهول النسب للغموض الذي يغلب عليه، وإذا عرف هذا ~~الشرح وما ms196 أشبهه مما يزيده وضوحا، زال التعجب الناشئ من جهل العلة وخفاء ~~الأمر. # قال: ومن العجب أنا إذا قلنا: أروغ من ثعلب، وأجبن من صفرد، وأحقد من ~~فيل، أن هذا الروغ وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصناف ليست لتكون عدة ~~لها مع نوع الإنسان، ولكن لتتعاطى أيضا بينها، وتستعملها عند الحاجة إليها، ~~وكما يشبه إنسان لأنه لص بالفأرة، أو بالفيل لأنه حقود، أو بالجمل لأنه ~~صؤول، كذلك يشبه كل ضرب من الحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه ~~إنسان. # ويقال للبليد من الناس: كأنه حمار، ويقال للذكي من الخيل: كأنه إنسان، ~~ولولا هذا التمازج في الأصل والجوهر، والسنخ والعنصر، ما كان هذا التشابه ~~في الفرع الظاهر، والعادة الجارية بالخبر والنظر. # - فقال: هذا كلام لا مزيد عليه-. # وقالت العلماء: إن هذا الاعتبار واصل في الحقيقة إلى جنس النبات، فإن ~~النخل والموز لا ينبتان إلا في البلدان الدافئة والأرض اللينة التربة، ~~والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلا في البلدان الباردة والأرض ~~الجبلية. والدلب وأم غيلان في الصحارى والقفار، والقصب والصفصاف على شطوط ~~الأنهار. # قالوا: وهكذا أيضا وصف الجواهر المعدنية، كالذهب، فإنه لا يكون إلا في ~~الأرض الرملية والجبال والإحجار الرخوة. والفضة، والنحاس والحديد لا تكون ~~إلا في الأرض الندية والتراب اللين والرطوبات الدهنية، والأملاح لا تنعقد ~~إلا في الأراضي PageV01P234 # والبقاع السبخة، والجص والاسفيداج لا يكونان إلا في الأرض الرملية ~~المختلطة ترابها بالحصى، والزاج لا يكون إلا في التراب العفص، وقد أحصى بعض ~~من عني بهذا الشأن هذه الأنواع المعدنية فوجدها سبعمائة نوع. # وقالوا: من الجواهر المعدنية ما هو صلب لا يذوب إلا بالنار الشديدة، ولا ~~يكسر إلا بالفأس كالياقوت والعقيق، ومنها ترابي رخو لا يذوب ولكن ينفرك، ~~كالملح والزاج، والطلق، ومنها مائي رطب ينفر من النار كالزئبق، ومنها هوائي ~~دهني تأكله النار، كالكبريت والزرنيخ، ومنها نباتي كالمرجان، ومنها حيواني ~~كالدر، ومنها طل منعقد، كالعنبر والبادزهر، وذلك أن العنبر إنما هو طل يقع ~~على سطح ماء البحر، ثم ينعقد في مواضع ms197 مخصوصة في زمان مقدر، وكذلك ~~البادزهر، فإنه طل يقع على بعض الأحجار، ثم يرشح في خللها، ويغيب فيها، ~~وينعقد في بقاع مخصوصة، في زمان معلوم، وكالترنجبين الذي هو طل يقع على ضرب ~~من الشوك، وكذلك اللك فإنه يقع على نبات مخصوص ينعقد عليه، وكذلك الدر فإنه ~~طل يرسخ في أصداف نوع من الحيوان البحري، ثم يغلط ويجمد وينعقد فيه، وكذلك ~~الموميا، وهي طل يرسخ في صخور هناك ويصير ماء ثم ينز من مسام ضيقة ويجمد ~~وينعقد. # والطل هو رطوبة هوائية تجمد من برد الليل، وتقع على النبات والشجر والحجر ~~والصخر، وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنية، فإن مادتها إنما هي رطوبات ~~مائية، وأنداء وبخارات تنعقد بطول الوقوع ومر الزمان. # وقالت الحكماء الأولون: هاهنا طبيعة تألف طبيعة أخرى، وطبيعة تلزق بطبيعة ~~أخرى، وطبيعة تأنس بطبيعة، وطبيعة تتشبه بطبيعة، وطبيعة تقهر طبيعة، وطبيعة ~~تخبث مع طبيعة، وطبيعة تطيب مع طبيعة، وطبيعة تفسد طبيعة، وطبيعة تحمر ~~طبيعة، وطبيعة تبيض طبيعة، وطبيعة تهرب من طبيعة، وطبيعة تبغض طبيعة، ~~وطبيعة تمازج طبيعة. # فأما الطبيعة التي تألف طبيعة فمثل الماس فإنه إذا قرب من الذهب لزق به ~~وأمسكه، ويقال: لا يوجد الماس إلا في معدن الذهب في بلد من ناحية المشرق. # ومثل طبيعة المغناطيس في الحديد، فإن هذين الحجرين يابسان صلبان، وبين ~~طبيعتيهما ألفة، فإذا قرب الحديد من هذا الحجر حتى يشم رائحته ذهب إليه ~~والتصق به وجذب الحديد إلى نفسه وأمسكه كما يفعل العاشق بالمعشوق. وكذلك ~~يفعل الحجر الجاذب للخز والحجر الجاذب للشعر، والجاذب للتبن، وعلى هذا ~~المثال ما من حجر من أحجار المعدن إلا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلف ~~واشتياق، عرف ذلك أو لم يعرف، ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل، ~~وذلك أن من خاصة كل عضو عليل اشتياقه إلى طبيعة الدواء التي هي ضد طبيعة ~~العلة التي به، فإذا PageV01P235 # حصل الدواء بالقرب من العضو العليل وأحس به جذبته القوة الجاذبة إلى ذلك ~~العضو وأمسكت الممسكة واستعانت بالقوة المدبرة لطبيعة ms198 الدواء على دفع ~~الطبيعة المؤلفة للعلة وقويت عليها ودفعتها عن العضو العليل، كما يستعين ~~ويدفع المحارب والمخاصم بقوة من يعينه على خصمه وعدوه ويدفعه عن نفسه، وأما ~~الطبيعة التي تقهر طبيعة أخرى فمثل طبيعة السنباذج الذي يأكل الأحجار عند ~~الحك أكلا ويلينها ويجعلها ملساء. ومثل طبيعة الأسرب الوسخ في الماس القاهر ~~لسائر الأحجار الصلبة، وذلك أن الماس لا يقهره شيء من الأحجار، وهو قاهر ~~لها كلها، ولو ترك على السندان وطرق بالمطرقة لدخل في أحدهما ولم ينكسر، ~~وإن جعل بين صفيحتين من أسرب وضمتا عليه تفتت، ومثل طبيعة الزئبق الطيار ~~الرطب القليل الصبر على حرارة النار، إذا طلى به الاحجار المعدنية الصلبة ~~مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد أوهنها وأرخاها حتى يمكن أن تكسر بأهون ~~سعي، وتتفتت قطعا. # ومثل الكبريت المنتن الرائحة المسود للأحجار النيرة البراقة، المذهب ~~لأوانها وأصباغها، يمكن النار منها حتى تحترق في أسرع مدة. والعلة في ذلك ~~أن الكبريت رطوبة دهنية لزجة جامدة، فإذا أصابته حرارة النار ذاب والتزق ~~بأجساد الأحجار ومازجها، فإذا تمكنت النار منها احترق وأحرق معه تلك ~~الأجساد ياقوتا كانت أو ذهبا أو غيرهما. # وأما الطبيعة التي ترسب في طبيعة أخرى وتنيرها، فمثل النوشاذر الذي يغوص ~~في قعر الأشياء ويغسلها من الوسخ. # وأما الطبيعة التي تعين طبيعة أخرى فمثل البورق الذي يعين النار على سبك ~~هذه الأحجار المعدنية الذائبة، ومثل الزاجات والشبوب التي تجلوها وتنيرها ~~وتصبغها، ومثل المغنيسيا والقلى المعينين على سبك الرمل وتصفيته حتى يكون ~~منه زجاج، وعلى هذا المثال جميع الأحجار المعدنية. # النار هي الحاكمة بين الجواهر المعدنية بالحق. # ويقال: من أدمن الأكل والشرب في أواني النحاس أفسدت مزاجه، وعرض له أمراض ~~صعبة، وإن أدنيت أواني النحاس من السمك شممت لها رائحة كريهة وإن كبت آنية ~~النحاس على سمك مشوي أو مطبوخ بحرارته حدث منه سم قاتل. # القلعى قريب من الفضة في لونه، ولكن يخالفها في ثلاث صفات: الرائحة ~~والرخاوة والصرير، وهذه الآفات دخلت عليه وهو في معدنه كما تدخل الآفات على ~~المفلوج ms199 وهو في بطن أمه، فرخاوته لكثرة زئبقه، وصريره لغلظ كبريته. # ويقال: إن لون الياقوت الأصفر والذهب الإبريز، ولون الزعفران وما شاكلها ~~من الألوان المشرقة منسوبة إلى نور الشمس وبريق شعاعها، وكذلك بياض الفضة PageV01P236 # والملح والبلور والقطن وما شاكله من ألوان النبات منسوبة إلى نور القمر ~~وبريق شعاعه، وعلى هذا المثال سائر الألوان. # وقال أصحاب النجوم: السواد لزحل، والحمرة للمريخ، والخضرة للمشتري، ~~والزرقة للزهرة، والصفرة للشمس، والبياض للقمر، والتلون لعطارد. # ويقال: إن العلة الفاعلة للجواهر المعدنية هي الطبيعة، والعلة الطينية ~~الزئبق والكبريت، والعلة الصورية دوران الأفلاك وحركات الكواكب حول الأركان ~~الأربعة التي هي: النار والهواء والماء والأرض، والعلة التمامية المنافع ~~التي ينالها الإنسان والحيوان. # ويقال: إن الجواهر المعدنية ثلاثة أنواع: منها ما يكون في التراب والطين ~~والأرض السبخة، ويتم نضجه في السنة وأقل كالكباريت والأملاح والشبوب ~~والزاجات وما شابهها، ومنها ما يكون في قعر البحار وقرار المياه، ولا يتم ~~نضجه إلا في السنة أو أكثر كالدر والمرجان، فإن أحدهما نبات وهو المرجان، ~~والآخر حيوان، وهو الدر. # ومنها ما يكون في وسط الحجر وكهوف الجبال وخلل الرمال فلا يتم نضجه إلا ~~في السنين، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص وما شاكلها، ومنها ما لا ~~يتم نضجه إلا في عشرات السنين، كالياقوت والزبرجد والعقيق وما شاكلها. # وقال بعض من حضر المجلس- وهو الرجل الفدم الثقيل-: إن الزارع لا يزرع ~~طالبا للعشب، بل قصده للحب، ولابد للعشب من أن ينبت إن أحب أو كره، فلم ~~ذلك؟ فقيل له: قد يصحب المقصود ما ليس بمقصود، من حيث لا يتم المقصود إلا ~~بما ليس بمقصود، والعشب هو فضلات الحب، وبه صفاء الحب وتمامه، ولولا القوة ~~التي تصفي الحب وتصوره بصورته الخاصة به، وتنفي كدره وتحصل صفوه لكان العشب ~~في بدن الحب، وحينئذ لا يكون الحب المنتفع به المخصوص باسمه المعروف بعينه، ~~بل يكون شيء آخر، فلما تميزت تلك الشوائب التي كانت ملابسة له من أجزاء ~~الأرض والماء وآثار الهواء والنار، خلص منتفعا به، مقصودا بعينه، فوجب بهذا ~~الاعتبار ms200 أن يكون الحب بالذات، والعشب بالعرض. # فقال- أدام الله دولته-: هل تعرف العرب الفرق بين الروح والنفس في ~~كلامها؟ # وهل في لفظها من نظمها ونثرها ما يدل على ما بينهما، أو هما كشيء واحد ~~لحقه اسمان؟ # فكان الجواب: إن الاستعمال يخلط هذا بهذه وهذه بهذا في مواضع كثيرة، وإذا ~~جاء الاعتبار أفرد أحدهما من الآخر بالحد والرسم، وعلى هذا اتفق رأي ~~الحكماء، لأنهم حكموا بأن الروح جسم لطيف منبث في الجسد على خاص ماهيته فيه ~~فأما PageV01P237 # النفس الناطقة فإنها جوهر إلهي، وليست في الجسد على خاص ماهيته ولكنها ~~مدبرة للجسد، ولم يكن الإنسان إنسانا بالروح، بل النفس، ولو كان إنسانا ~~بالروح لم يكن بينه وبين الحمار فرق، بأن كان له روح ولكن لا نفس له. فأما ~~النفسان الأخريان اللتان هما الشهوية والغضبية فإنهما أشد اتصالا بالروح ~~منهما بالنفس، وإن كانت النفس الناطقة تدبرهما وتمدهما وتأمرهما وتنهاهما، ~~فهذا أيضا يوضح الفرق بين الروح والنفس، فليس كل ذي روح ذا نفس، ولكن كل ذي ~~نفس ذو روح، وقد وجدنا في كلام العرب مع هذا الفرق بينهما، فإن النابغة قد ~~قال للنعمان بن المنذر: # وأسكنت نفسي بعد ما طار روحها %~% وألبستني نعمى ولست بشاهد # وقال أبو الأسود: # لعمرك ما حشاك الله روحا %~% به جشع ولا نفسا شريرة # قال: هذا من الفوائد التي كنت أحن إليها، وأستبعد الظفر بها، وما أنفع ~~المطارحة والمفاتحة وبث الشك واستماحة النفس، فإن التغافل عما تمس إليه ~~الحاجة سوء اختيار، بل سوء توفيق. # وما أحسن ما قال بعض الجلة: توانيت في أوان التعلم عن المسألة عن أشياء ~~كانت الحاجة تحفز إليها والكسل يصد عنها، فلما كبرت أنفت من ذكرها وعرضها ~~على من علمها عنده، فبقيت الجهالة في نفسي، وركدت الوحشة بين قلبي وفكري. # ثم جرى في حديث النفس ذكر بعض العلماء فإنه قال: إن نفسك هي إحدى الأنفس ~~الجزئية من النفس الكلية، لا هي بعينها، ولا منفصلة عنها، كما أن جسدك جزء ~~من جسد العالم لا هو كله ولا منفصل ms201 عنه، وقد مر من أمر النفس ما فيه إيضاح ~~تام واستبصار واسع، وإن كان الكلام في نعت النفس لا آخر له، ولا وقوف عنه. # ولو قال قائل: إن جسدك هو كل العالم لم يكن مبطلا، لأنه شبيه به، ومسلول ~~منه، وبحق الشبه يحكيه، وبحق الانسلال يستمد منه، وكذلك النفس الجزئية هي ~~النفس الكلية، لأنها أيضا مشاكهة لها، وموجودة بها، فبحق الشبه أيضا تحكي ~~حالها، وبحق الوجود تبقى بقاءها، فليس بين الجسد إذا أضيف إلى العالم، ~~والنفس إذا قيست بالأخرى فرق، إلا أن الجسد معجون من الطينة، والنفس مدبرة ~~بالقوة الإلهية، ولهذا احتيج إلى الإحساس والمواد، وإلى الاقتباس والالتماس ~~حتى تكون مدة الحياة الحسية بالغة إلى آخرها من ناحية الجسد، ويكون مبدأ ~~الحياة النفسية موصولا بالأبد بعد الأبد. # فقال- أدام الله سعادته-: لو كان ما يمر من هذه الفوائد الغرر والمرامي ~~اللطاف مرسوما بسواد على بياض، ومقيدا بلفظ وعبارة، لكان له ريع وإتاء، ~~وزيادة ونماء. PageV01P238 # فكان الجواب، إن هذا غير متعذر ولا صعب إن نفس الله في البقاء، وصرف هذه ~~الهموم التي تقسم الفكر بالعوارض التي لا تحتسب، والأسباب التي لا تعرف، ~~فأما والأشغال على تكاثفها، والزمان على تلونه فكيف يمكن ذلك، والعجب أنه ~~يجري حرف من هذه الأمور الشريفة في هذه الأوقات الضيقة. # ولقد قال أبو سليمان أمس: كيف نشاط الوزير- أدام الله سعادته- في شأنه، ~~وكيف كان تقبله لرسالتي إليه، وتلطفي له، وخدمتي لدولته؟ # فقلت: ما ثم شيء يحتاج إلى الزيادة من فهم ودراية، وبيان واستبانة، ~~وهشاشة ورفق، واطلاع وتأن، ولكن الوقت مستوعب بالتدبير والنظر، وكف العدو ~~بالمداورة مرة، وبالإحسان مرة. فقال: الله يبقيه، ويرينا ما نحبه فيه. # وقال أيضا أبو سليمان: كيف لا يكون ما تقلده ثقيلا، وما تصدى له عظيما، ~~وما يباشره بلسانه وقلمه صعبا، والأولياء أعداء، والأعداء جهال، والحض عليه ~~من ورائه شديد، ونصيحه غاش، وثقته مريب، والشغب متصل، وطلب المال لا آخر ~~له، والمصطنع مستزيد، والمحروم ساخط، والمال ممزق، والتجديف من الطالب ~~واقع، والتحكم بالإدلال دائم، والاستقالة من ms202 الكبير والصغير زائدة، والكلام ~~ليس ينفع، والتدبر ليس يقمع، والوعظ هباء منثور، والأصل مقطوع مبتور، والسر ~~مكشوف، والعلانية فاضحة، وقد ركب كل هواه، وليس لأحد فكر في عقباه، واختلط ~~المبرم بالسحيل، وضاق على السالك كل سبيل، ومنابع الفساد ومنابت التخليط ~~كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة؟ وإنما ~~سؤلها تعجيل حظ وإن كان نزرا، واستلاب درهم وإن كان زيفا، ولعمري ليس يكون ~~الكدر إلا بعد الصفو، كما لا يكون الصفو إلا بعد الكدر، هكذا الليل ~~والنهار، والنور والظلام، هذا يخلف هذا، وهذا يتلو هذا. # قال: أعني بهذا أنه لما فقد الملك السعيد- رضي الله عنه- بالأمس حدث هذا ~~كله، فإنه كان قد زم وخطم، وجبر وحطم، وأسا وجرح، ومنع ومنح، وأورد وأصدر، ~~وأظهر وستر، وسهل ووعر، ووعد وتوعد، وأنحس وأسعد، ووهب زمانه وحياته لهذا، ~~لأنه جعل لذته فيه، وغايته إليه، واشتهى أن يطير صيته في أطراف الأرض فيسمع ~~ملوكها بفطنته وحزمه، وتصميمه وعزمه، وجده وتشميره، ورضاه في موضع الرضا، ~~وسخطه في وقت السخط، ورفعه لمن يرفعه بالحق، ووضعه لمن يضعه بالواجب، يجري ~~الأمور بسنن الدين ما استجابت، فإن عصت أخذ بأحكام السياسة التي هي الدنيا، ~~ولما كانت الأمور متلبسة بالدين والدنيا لم يجز للعاقل الحصيف، والمدبر ~~اللطيف أن يعمل التدبير فيها من ناحية الدين فحسب، ولا من ناحية الدنيا ~~فقط، لأن دائرة الدين إلهية، ودائرة الدنيا حسية، وفي الإحسان أحقاد لا PageV01P239 # بد من إطفاء ثائرتها، وصنائع لابد من تربيتها، وموضوعات لابد من إشالتها ~~ومرفوعات لابد من إزالتها، وتدبيرات لابد من إخفائها، وأحوال لابد من ~~إبدائها، ومقامات لابد من الصبر على عوارض ما فيها، وأمور هي مسطورة في كتب ~~السياسات للحكماء لابد من عرفانها والعمل بها والمصير إليها، والزيادة ~~عليها، فليس الخبر كالعيان، ولا الشاهد كالغائب، ولا المظنون كالمستيقن. # ثم قال:- أعني أبا سليمان- وهذا كله منوط بالتوفيق والتأييد اللذين إذا ~~نزلا من السماء واتصلا بمفرق السائس تضامت أحواله على الصلاح، وانتشرت على ~~النجاح، وكفي كثيرا من همومه، ثم دعا للوزير ms203 بالبقاء المديد، والعيش الرغيد ~~والجد السعيد، وأمن الحاضرون على ذلك، وكانوا جما غفيرا، لا فائدة في ذكر ~~أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم، وكلهم لما سمعوا هذا الكلام الشريف عجبوا ~~منه، وعوذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالة في السياسة، فقال: قد رسمت شيئا منذ ~~زمان، وقد شاع وفشا، وكتب وحمل في جملة الهدية إلى قابوس بجرجان، فهذا- ~~أيها الشيخ- نمط أبي سليمان وأنت عنه مشغول، قد رضيت بترك النظر في أمره، ~~وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه، والله ما هذا لسوء عهدك فيه، ولا لحيلولة ~~نيتك عنه، ولكن لقلة حظه منه وإنحاء الزمان على كل من يجري مجراه، مع عوز ~~مثله في عصره، وكيف تتهم بسوء اعتقاد وقلة حفاظ، وتوان عن رعاية عهد، وقيام ~~بحق، وأنت من فرقك إلى قدمك فضل وخير وجود ومجد وإحسان وكرم ومعونة ورفد ~~وإنعام وتفقد وتعهد وبذل وعرف، ولو كان امرؤ من الذهب المصفى لكنته ولو كان ~~أحد من الروح الصرف لكنته، ولو كان أحد من الضياء المحيط لكنته، فسبحان من ~~خلقك صرفا بلا مزاج، وصفوا بلا كدر، وواحدا بلا ثان، لقد فخر بك الشرق على ~~الغرب، وسلم لك بلا خصومة ولا شغب، فأدام الله لك ما آتاك وأفاض عليك من ~~لدنه ما ينور مسعاك، وبلغك السعادة العظمى في عقباك، كما بلغك السعادة ~~الصغرى في دنياك. # أعرض أيها الشيخ هذا الحديث على ما ترى، والكلام ذو جيشان، والصدر ذو ~~غليان، والقلم ذو نفيان ومتدفقه لا يستطاع رده، ومنبعثه لا يقدر على ~~تسهيله، وخطبه غريب، وشأنه عجيب، وإنما يعرف دقه وجله من يذوق حلوه ومره، ~~ومع هذا كله، فإني أذكرك أمري لتلحظه بعين الرعاية، وأعرض عليك حديثي ~~لتحفظه في صحيفة العناية، فلقد أمسيت بين صديق يشق علي حزنه لي، وبين عدو ~~تسوءني شماتته بي، وقد صح عندي أن إقبالك علي يسر، كما أن إعراضك عني عسر، ~~وأرجع إلى تمام هذين الجزأين وإنه أحرى. # وأما حديث الزهاد وأصحاب النسك، فإنه كان تقدم بإفراد جزء فيه، وقد أثبته ~~في هذا الموضع، ولم ms204 أحب أن أعزله عن جملته، فإن فيه تنبيها حسنا، وإرشادا PageV01P240 # مقبولا، وكما قصدنا بالهزل الذي أفردنا فيه جزءا جماما للنفس قصدنا بهذا ~~الجزء الذي عطفنا عليه إصلاحا للنفس وتهذيبا للخلق، واقتداء بمن سبق إلى ~~الخير واتباعا لمن قصد النصح، وشرف الإنسان موقوف على أن يكون فاتحا لباب ~~من أبواب الخير على نفسه وعلى غيره، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن يكون ~~مقتفيا لأثر من كان فاتحا قبله، ومن تقاعس عن هذين الأمرين فهو الخاسر الذي ~~جهل قيمة نفسه، وضل عن غاية حياته، وحرم التوفيق في إصابة رشده، والله ~~المستعان. # قال ابن مسعود: لو عرفت البهائم ما عرفتم ما أكلتم سمينا. # وقال أبو هريرة: اللهم إني أسألك قلبا قارا، ورزقا دارا، وعملا سارا. # وقال بعض السلف: اللهم إني أسألك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا صابرا. # وقال صالح بن مسمار: لا أدري أنعمته علي فيما بسط لي أفضل، أم نعمته فيما ~~زوى عني، لأنه فيما بسط لي أحياني، وفيما زوى عني حماني، نظر لي بما يزيد ~~على نظري لنفسي، وآتاني من عنده أكثر مما عندي. # وقال الله عز وجل- لموسى- عليه السلام: حببني إلى عبادي. قال: وكيف ~~أحببك؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي. # وقال شداد بن حكيم لبعض الواعظين: أي شيء تقول إذا جلست على المنبر؟ # قال: أذكرهم آلاء الله ليشكروا، وأذكرهم جفاءهم ليتوبوا، وأخبرهم عن ~~إبليس وأعوانه حتى يحذروا. # وقال بعض الصالحين: مثل الدنيا ونعيمها كخابية فيها سم وعلى رأسها عسل، ~~فمن رغب في العسل سقي من السم، ومثل شدة الدنيا كمثل خابية مملوءة من العسل ~~وعلى رأسها قطرات من سم، فمن صبر على أكلها بلغ إلى العسل. # جاء رجل إلى حاتم الزاهد بنميمة، فقال: يا هذا أبطأت عني وجئت بثلاث ~~جنايات، بغضت إلي الحبيب، وشغلت قلبي الفارغ، وأعلقت نفسك التهمة، وأنت ~~آمن. # وكان خالد بن صفوان يقول: قبول قول النمام شر من النميمة، لأن النميمة ~~دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز. # وقال ابن السماك الواعظ: يدرك ms205 النمام بنميمته ما لا يدرك الساحر بسحره. # وقال معمر: ما نزلت بعبد نازلة فكان مفزعه إلى الله إلا فرج الله عنه. # وقال عمر: ما أسأل الله الرزق وقد فرغ منه، ولكن أسئله أن يبارك لي فيه. # وقال مالك بن دينار: الجلوس مع الكلب خير من الجلوس مع رفيق سوء. # وقال أبو هريرة: تهادوا عباد الله يتجدد في قلوبكم الود، وتذهب السخيمة. PageV01P241 # وقال حاتم: صاحب الضغن غير ذي دين، والغائب غير ذي عبادة. والنمام ~~غير صدوق، والحاسد غير منصور. # وقال بعض السلف: من استقصى عيوب الناس بقي بلا أصدقاء. # وقال محمد بن واسع: ينبغي للرجل أن يكون مع المرأة كما يكون أهل المجنون ~~مع المجنون، يحتملون منه كل أذى ومكروه. # قيل لمالك بن دينار: لو تزوجت، قال: لو استطعت لطلقت نفسي. # قال شقيق: اشتريت بطيخة لأمي، فلما ذاقتها سخطت. فقلت: يا أمي، على على ~~من تردين القضاء ومن تلومين، أحارثها أم مشتريها أم خالقها؟ فأما حارثها ~~ومشتريها فما لهما ذنب، فلا أراك تلومين إلا خالقها. # ويقال: إن عبدا حبشيا ناوله مولاه شيئا يأكله، وقال: أعطني قطعة منه ~~فأعطاه، فلما أكله وجده مرا، فقال: يا غلام، كيف أكلت هذا مع شدة مرارته. ~~قال: يا مولاي، قد أكلت من يدك حلوا كثيرا، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهة ~~لمرارته. # وأوحى الله تعالى إلى عزير: إذا نزلت بك بلية لا تشكني إلى خلقي كما لم ~~أشكك إلى ملائكتي عند صعود مساوئك إلي، وإذا أذنبت ذنبا فلا تنظر إلى صغره، ~~ولكن انظر من أهديته إليه. # وقال لقمان: إن الذهب يجرب بالنار، وإن المؤمن يجرب بالبلاء. # وقال بعض السلف: عليكم بالصبر فإن الله تعالى قال: وبشر الصابرين # [البقرة: 155] وقال: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] وقال: # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # [الفرقان: 75] . وقال: اصبروا وصابروا # [آل عمران: 200] . وقال: سلام عليكم بما صبرتم # [الرعد: 24] . # وقال الأوزاعي: المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل. والمنافق يكثر الكلام ~~ويقل العمل. # وقال فضيل بن عياض: الخوف ما دام الرجل صحيحا ms206 أفضل، فإذا نزلت الموت ~~فالرجاء أفضل. # وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: إياكم والخيانة، فإنها بئست البطانة ~~ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: PageV01P242 # «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه لفح النار يوم القيامة» . # وروي: من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شرة الشباب. # وقيل لابن المبارك: إنك لتحفظ نفسك من الغيبة. قال: لو كنت مغتابا أحدا ~~لاغتبت والدي، لأنهما أحق بحسناتي. # وقال بعض الصالحين: لو أن رجلا تعشى بألوان الطعام وقد أصاب من النساء في ~~الليل، ورجلا آخر رأى رؤيا على مثال ما أصاب الأول في اليقظة، فإذا مضيا ~~صار الحالم والآخر سواء. # وقال شقيق: من أبصر ثواب الشدة لم يتمن الخروج منها. # وقال شقيق لأصحابه: أيما أحب إليكم، أن يكون لكم شيء على المليء، أو يكون ~~شيء للمليء عليكم؟ فقالوا: بل نحب أن يكون لنا على المليء. فقال: إذا كنتم ~~في الشدة يكون لكم على الله، وإذا كنتم في النعمة يكون لله عليكم. # وقال بعض السلف: شتان ما بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل ~~تذهب مؤونته ويبقى ذخره. # وقال الرقاشي في مواعظه: خذوا الذهب من الحجر، واللؤلؤ من المزبلة. # وقال يحيى بن معاذ: العلم قبل العمل، والعقل قائد الخير، والهوى مركب ~~المعاصي، والمال داء المتكبر. PageV01P243 # وقال: من تعلم علم أبي حنيفة فقد تعرض للسلطان، ومن تعلم النحو والعربية ~~دله بين الصبيان، ومن علم علم الزهاد بلغ إلى العرش. # وقال بعض الصالحين: إن العلماء يسقون الناس، فبعضهم من الغدران والحياض، ~~وبعضهم من العيون والقلب، وبعضهم من البحار الواسعة. # وقال حاتم: لا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال. # وقال مالك بن دينار: إني لا أقدر أن أعمل بجميع ما أقول. # وقال وهيب بن الورد: مثل عالم السوء كمثل الحجر يقع في الساقية فلا هو ~~يشرب الماء، ولا يخلي عن الماء فيذهب إلى الشجرة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأنا من غير الدجال أخوف عليكم. قيل: ومن ~~هو؟ قال: # الأئمة المضلون. # وقال الثوري: ms207 نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر، وفتنة القائد الجاهل. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون في أمتي علماء فساق، وقراء جهال» ~~. # وقال الثوري: العلم طبيب الدين، والمال داؤه، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء ~~إلى نفسه فكيف يعالج غيره. # وقال عيسى بن مريم: ما ينفع الأعمى ضوء الشمس وهو لا يبصرها. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس حسرة يوم القيامة عالم علم ~~الناس ونجوا به، وارتهن هو بسوء عمله» . # وقال أحمد بن حرب: إن منازل الدنيا لا تقطع بالكلام، فكيف يقطع طريق ~~الآخرة بالكلام. # وقال أبو مسلم الخولاني: العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه وعاش به الناس، ~~ورجل عاش بعلمه ولم يعش به الناس، ورجل عاش بعلمه الناس وهلك هو. # وشاور رجل محمد بن أسلم فقال: إني أريد أن أزوج بنتي، فبمن أزوج؟ قال: # لا تزوجها عالما مفتونا، ولا كاسبا كاذبا، ولا عابدا شاكا. # قيل: نصح إبليس فقال: إياك والكبر، فإني تكبرت فلعنت، وإياك والحرص فإن ~~أباك حرص على أكل الشجرة فأخرج من الجنة، وإياك والحسد فإن أحد بني آدم قتل ~~أخاه بالحسد. # ومر حاتم بقوم يكتبون العلم فنظر إليهم وقال: إن لم يكن معكم ثلاثة أشياء ~~لن تفلحوا. قالوا: وما هي؟ قال: هم أمس، واغتمام اليوم، وخوف الغد. # وقال ابن عمر: كان في بني إسرائيل ثلاثة خرجوا في وجه، فأخذهم المطر PageV01P244 # فدخلوا كهفا، فوقع حجر عظيم على باب الكهف، وبقوا في الظلمة وقالوا: لا ~~ينجينا إلا ما عملناه في الرخاء. فقال أحدهم: إني كنت راعيا فأرحت وحلبت، ~~وكان لي أبوان وأولاد وامرأة فسقيت أولا الوالدين ثم الأولاد، فجئت يوما ~~فوجدت أبوي قد ناما فلم أوقظهما لحرمتهما ولم أسق الأولاد وبقيت قائما إلى ~~الصبح، فإن كنت يا رب قبلت هذا مني فاجعل لنا فرجا. فتحرك الحجر ودخل عليهم ~~الضوء. # وقال الثاني: إني كنت صاحب ضياع، فجاءني رجل بعد ما متع النهار، وكان لي ~~أجراء يحصدون الزرع، فاستأجرته، فلما تم عملهم أعطيتهم أجورهم، فلما بلغت ~~إلى ذلك الرجل أعطيته وافيا ms208 كما أعطيت غيره، فغضبوا وقالوا: تعطيه مثل ما ~~أعطيتنا. # فأخذت تلك الأجرة واشتريت بها عجولا ونمى حتى كثر البقر، فجاء صاحب الأجر ~~يطلب فقلت: هذه البقر كلها لك، فسلمتها إليه، فإن كنت يا رب قبلت مني هذا ~~الوفاء ففرج عنا. فتحرك الحجر ودخل منه ضوء كثير. # وقال الثالث: كانت لي بنت عم فراودتها، فأبت، حتى أعطيتها مائة دينار ~~فلما أردت ما أردت اضطربت وارتعدت. فقلت لها: ما لك؟ فقالت: إني أخاف الله. # فتركتها ورجعت عنها، إلهي فإن كنت قبلت ذلك مني ففرج عنا. فتحرك الحجر ~~وسقط عن باب الكهف وخرجوا منه يمشون. # وقال حاتم: لو أدخلت السوق شياه كثيرة لما اشترى أحد المهزول، بل يقصد ~~السمين للذبح. # وقال يحيى بن معاذ: في القلب عيون يهيج منها الخير والشر. # وقال بعض الصالحين في دعائه: اللهم إن أحدنا لا يشاء حتى تشاء، فاجعل ~~مشيئتك لي أن تشاء ما يقربني إليك، اللهم إنك قدرت حركات العبد، فلا يتحرك ~~شيء إلا بإذنك، فاجعل حركاتي في هواك. # وقال قاسم بن محمد: لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم. # وقال الشعبي: لم يكن مجلس أحب إلي من هذا المجلس، ولأن أبعد اليوم عن ~~بساطه أحب إلي من أن أحبس فيه. # وقال حاتم: إذا رأيت من أخيك عيبا فإن كتمته عليه فقد خنته، وإن قلته ~~لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته، قيل له: كيف أصنع؟ قال: تكني ~~عنه، وتعرض به، وتجعله في جملة الحديث. # وقال: إذا رأيت من أخيك زلة فاطلب لها سبعين وجها من العلل، فإن لم تجد ~~فلم نفسك. PageV01P245 # وقال إبراهيم بن جنيد: اتخذ مرآتين، وانظر في إحداهما عيب نفسك، وفي ~~الأخرى محاسن الناس. # وقال يحيى بن معاذ: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة ~~دار عمران، وأعمر منها قلب من يعمرها. # وقال ابن السماك: الدنيا كالعروس المجلوة تشوفت لخطابها وفتنت بغرورها، ~~فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي ~~لأزواجها قاتلة. # وقال بعض ms209 العارفين: الدنيا أربعة أشياء: الفرح والراحة والحلاوة واللذة، ~~فالفرح بالقلب والراحة بالبدن، واللذة بالحلق، والحلاوة بالعين. # وقال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان، فمن سكر منها لم يفق إلا في مسكن ~~النادمين. # وقال بعض السلف: الزهد خلع الراحة، وبذل الجهد، وقطع الأمل. # وقال الأنطاكي أحمد بن عاصم: الزهد هو الثقة بالله، والتبرؤ من الخلق، ~~والإخلاص في العمل، واحتمال الذل. # وقال داود- عليه السلام- في دعائه: يا رازق النعاب في عشه. # وقال بعض السلف: لو كنت على ذنب الريح لم تفر من رزقك. # وقال آخر: الإنسان بين رزقه وأجله، إلا أنه مخدوع بأمله. # وقال عيسى بن مريم عليه السلام: خلقك ربك في أربع مراتب، فكنت آمنا ساكنا ~~في ثلاث، وقلقلت في الرابعة، أولاها في بطن أمك في ظلمات ثلاث، والثانية ~~حين أخرجك منه وأخرج لك لبنا من بين فرث ودم. والثالثة إذا فطمت أطعمك ~~المري الشهي، حتى إذا اشتدت عظامك وبلغت تمامك صرت خائنا وأخذت في السرقة ~~والحيلة. # وقال أنس: رأيت طائرا أكمه فتح فاه فجاءت جرادة فدخلت فمه. # وقال عيسى- عليه السلام-: يا ابن آدم اعتبر رزقك بطير السماء، لا يزرعن ~~ولا يحصدن وإله السماء يرزقهن. فإن قلت: لها أجنحة فاعتبر بحمر الوحش وبقر ~~الوحش ما أسمنها وما أبشمها وأبدنها! وقال ابن السماك: لو قال العبد: يا رب ~~لا ترزقني، لقال الله: بل أرزقك على رغم أنفك، ليس لك خالق غيري، ولا رازق ~~سواي، إن لم أرزقك فمن يرزقك؟ # وقيل لراهب: من أين تأكل؟ فقال: إن خالق الرحى يأتي بالطحين. PageV01P246 # وقال حاتم: الحمار يعرف طريق المعلف، والمنافق لا يعرف طريق السماء. # وقال إبراهيم بن أدهم: سألت راهبا من أين تأكل؟ قال: ليس هذا العلم عندي، ~~ولكن سل ربي من أين يطعمني. # وقال حاتم: مثل المتوكل مثل رجل أسند ظهره إلى جبل. # وقال بعض الأبرار: حسبك من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لرزقك ~~خازنا غيره، ولا لعملك شاهدا غيره. # وقال عبد الحميد بن عبد العزيز: كان لأبي صديق وراق، فقال له أبي ms210 يوما: # كيف أصبحت؟ قال: بخير ما دامت يدي معي، فأصبح الوراق وقد شلت يده. # قال أبو العالية: لا تتكل على غير الله فيكلك الله إليه، ولا تعمل لغير ~~الله فيجعل ثواب عملك عليه. # وقال رجل لأبي ذر: أنت أبو ذر؟ قال: نعم. قال: لولا أنك رجل سوء ما أخرجت ~~من المدينة. فقال أبو ذر: بين يدي عقبة كؤود إن نجوت منها لا يضرني ما قلت، ~~وإن أقع فيها فأنا شر مما تقول. # وقيل لفضيل: إن فلانا يقع فيك. فقال: لأغيظن من أمره بذلك، اللهم اغفر ~~له. # وقال رجل لأبي هريرة: أنت أبو هريرة؟ قال: نعم. قال: سارق الذريرة ؟ ~~قال: # اللهم إن كان كاذبا فاغفر له، وإن كان صادقا فاغفر لي، هذاك أمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقال رجل لابن مكدم: يا كافر. قال: وجب علي الشكر، حيث لم يجر ذلك على ~~لساني، ولم تجب علي إقامة الحجة فيه، وقد طويت قلبي على جملة أشياء. # قال: وما هن؟ قال: إن قلت ألف مرة لا أجيبك مرة، ولا أحقد عليك، ولا ~~أشكوك إلى أحد، وإن نجوت من الله عز وجل بعد هذه الكلمة شفعت لك. فتاب ~~الرجل. # كان للحسن جار نصراني، وكان له كنيف على السطح، وقد نقب ذلك في بيته، ~~وكان يتحلب منه البول في بيت الحسن، وكان الحسن أمر بإناء فوضع تحته، فكان ~~يخرج ما يجتمع منه ليلا، ومضى على ذلك عشرون سنة، فمرض الحسن ذات يوم فعاده ~~النصراني، فرأى ذلك، فقال: يا أبا سعيد: مذ كم تحملون مني هذا الأذى؟ # فقال: منذ عشرين سنة. فقطع النصراني زناره وأسلم. # وجاءت جارية لمنصور بن مهران بمرقة فهراقتها عليه، فلما أحس بحرها نظر ~~إليها، فقالت: يا معلم الخير اذكر قول الله. قال: وما هو؟ قالت: # والكاظمين الغيظ # [آل عمران: 134] قال: كظمت. قالت: واذكر والعافين عن PageV01P247 # الناس # [آل عمران: 134] قال: قد عفوت. قالت: واذكر والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134] . قال: اذهبي فأنت حرة. # قال الحسن: ما جزعة أحب إلي من جزعة ms211 مصيبة ردها صاحبها بصبر، وجزعة غضب ~~ردها صاحبها بحلم. # وكان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول: ما أشبهك بسيدك؟ # وقال أبو ذر: كيف يكون حليما من يغضب على حماره وسخله وهره. # ومات ابن للرشيد فجزع جزعا شديدا، فوعظه العلماء فلم يتعظ، فدخل مخنث ~~وقال: أتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم. فكشف عن رأسه وقام بين يديه، وقال: ~~يا أمير المؤمنين، أنا رجل، وقد تشبهت بالنساء كما ترى، فأي شيء كنت تصنع ~~لو كان ابنك في الأحياء وكان على صورتي، فاتعظ به وأخرج النواحات من الدار. # قال وهب: مكتوب في الكتب القديمة: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا عبادي. # وقال جعفر بن محمد- عليهما السلام-: حسن الجوار عمارة الديار ومثراة ~~المال. # ولما قرأ هذا الجزء- حرسه الله- ارتاح وقال: أين نحن من هذه الطريقة، إلى ~~الله المشتكى. PageV01P248 ### || الليلة الخامسة والعشرون # وقال- أدام الله دولته- ليلة: أحب أن أسمع كلاما في مراتب النظم والنثر، ~~وإلى أي حد ينتهيان، وعلى أي شكل يتفقان، وأيهما أجمع للفائدة، وأرجع ~~بالعائدة، وأدخل في الصناعة، وأولى بالبراعة؟؟ # فكان الجواب: إن الكلام على الكلام صعب. قال: ولم؟ قلت: لأن الكلام على ~~الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ~~ما يكون بالحس ممكن، وفضاء هذا متسع، والمجال فيه مختلف. فأما الكلام على ~~الكلام فإنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه، ولهذا شق النحو وما أشبه ~~النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر وعلى ذلك. # وقد قال الناس في هذين الفنين ضروبا من القول لم يبعدوا فيها من الوصف ~~الحسن، والإنصاف المحمود، والتنافس المقبول، إلا ما خالطه من التعصب ~~والمحك، لأن صاحب هذين الخلقين لا يخلو من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ~~ذلك يصير له مدخل فيما يراد تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من ~~البلوغ بها، وهذه آفة معترضة في أمور الدين والدنيا، ولا مطمع في زوالها، ~~لأنها ناشئة من الطبائع المختلفة، والعادات السيئة، لكني مع هذه الشوكة ~~الحادة، والخطة الكادة، أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشأن، ms212 والمنتمين لهذا ~~الفن، وإن عن شيء يكون شكلا لذلك وصلته به تكميلا للشرح، واستيعابا للباب، ~~وصمدا للغاية، وأخذا بالحياطة، وإن كان المنتهى منه غير مطموع فيه، ولا ~~موصول إليه، والله المعين. # قال شيخنا أبو سليمان: الكلام ينبعث في أول مبادئه إما من عفو البديهة، ~~وإما من كد الروية، وإما أن يكون مركبا منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقل، ~~فضيلة عفو البديهة أنه يكون أصفى، وفضيلة كد الروية أنه يكون أشفى، وفضيلة ~~المركب منهما أنه يكون أوفى، وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقل، ~~وعيب كد الروية أن تكون صورة الحس فيه أقل، وعيب المركب منهما بقدر قسطه ~~منهما: الأغلب والأضعف، على أنه إن خلص هذا المركب من شوائب التكلف، وشوائن ~~التعسف، PageV01P249 # كان بليغا مقبولا رائعا حلوا، تحتضنه الصدور، وتختلسه الآذان، وتنتهبه ~~المجالس، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس، والتفاضل الواقع بين البلغاء في ~~النظم والنثر، إنما هو في هذا المركب الذي يسمى تأليفا ورصفا، وقد يجوز أن ~~تكون صورة العقل في البديهة أوضح، وأن تكون صورة الحس في الروية الوح إلا ~~أن ذلك من غرائب آثار النفس ونوادر أفعال الطبيعة، والمدار على العمود الذي ~~سلف نعته، ورسا أصله. # وسمعت أبا عائذ الكرخي صالح بن علي يقول: النثر أصل الكلام، والنظم فرعه، ~~والأصل أشرف من الفرع، والفرع أنقص من الأصل، لكن لكل واحد منهما زائنات ~~وشائنات، فأما زائنات النثر فهي ظاهرة، لأن جميع الناس في أول كلامهم ~~يقصدون النثر، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعية عارضة، وسبب باعث، ~~وأمر معين. # قال: ومن شرفه أيضا أن الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ~~ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلها منثورة مبسوطة، متباينة ~~الأوزان، متباعدة الأبنية، مختلفة التصاريف، لا تنقاد للوزن، ولا تدخل في ~~الأعاريض، هذا أمر لا يجوز أن يقابله ما يدحضه، أو يعترض عليه بما يحرضه ~~ . # قال: ومن شرفه أيضا أن الوحدة فيه أظهر، وأثرها فيه أشهر، والتكلف منه ~~أبعد، وهو إلى الصفاء أقرب، ولا توجد الوحدة غالبة على ms213 شيء إلا كان ذلك ~~دليلا على حسن ذلك الشيء وبقائه، وبهائه ونقائه. # قال: ومن فضيلة النثر أيضا كما أنه إلهي بالوحدة، كذلك هو طبيعي بالبدأة، ~~والبدأة في الطبيعيات وحدة، كما أن الوحدة في الإلهيات بدأة، وهذا كلام ~~خطير. # قال: ألا ترى أن الإنسان لا ينطق في أول حاله من لدن طفوليته إلى زمان ~~مديد إلا بالمنثور المتبدد، والميسور المتردد، ولا يلهم إلا ذاك، ولا يناغى ~~إلا بذاك، وليس كذلك المنظوم، لأنه صناعي، ألا ترى أنه داخل في حصار العروض ~~وأسر الوزن وقيد التأليف، مع توقي الكسر، واحتمال أصناف الزحاف، لأنه لما ~~هبطت درجته عن تلك الربوة العالية، دخلته الآفة من كل ناحية. # قال: فإن قيل: إن النظم قد سبق العروض بالذوق، والذوق طباعي، قيل في ~~الجواب: الذوق وإن كان طباعيا فإنه مخدوم الفكر، والفكر مفتاح الصنائع ~~البشرية، كما أن الإلهام مستخدم للفكر، والإلهام مفتاح الأمور الإلهية. # قال: ومن شرف النثر أيضا أنه مبرأ من التكلف، منزه عن الضرورة، غني عن ~~الاعتذار والافتقار، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرير، وما هو أكثر من ~~هذا مما PageV01P250 # هو مدون في كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم فيها. # وقال عيسى الوزير: النثر من قبل العقل، والنظم من قبل الحس، ولدخول النظم ~~في طي الحس دخلت إليه الآفة، وغلبت عليه الضرورة، واحتيج إلى الإغضاء عما ~~لا يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر. # وقال ابن طرارة- وكان من فصحاء أهل العصر بالعراق-: النثر كالحرة، والنظم ~~كالأمة، والأمة قد تكون أحسن وجها، وأدمث شمائل، وأحلى حركات، إلا أنها لا ~~توصف بكرم جوهر الحرة ولا بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها. # وقال: ولشرف النثر قال الله تعالى في التنزيل إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا # [الإنسان: 19] ولم يقل: لؤلؤا منظوما، ونجوم السماء منتثرة وإن كان ~~انتثارها على نظام، إلا أن نظامها في حد العقل، وانتثارها في حد الحس، «لأن ~~الحكمة إذا غطيت نفسها كانت الغلبة للصورة القائمة بالقدرة» . # وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدولة: الكلام المنثور أشبه بالوشي، ~~والمنظوم ms214 أشبه بالمنير المخطط، والوشي يروق ما لا يروق غيره. # ويقال: كنا في نثار فلان، ولا يقال: كنا في نظام فلان. # وقال ابن هندو الكاتب: إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما ~~وشرائطهما، والاطلاع على هواديهما وتواليهما كان أن المنظوم فيه نثر من ~~وجه، والمنثور فيه نظم من وجه، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ~~ولا اختلفا. # وقال ابن كعب الأنصاري: من شرف النثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~ينطق إلا به آمرا وناهيا، ومستخبرا ومخبرا، وهاديا وواعظا، وغاضبا وراضيا، ~~وما سلب النظم إلا لهبوطه عن درجة النثر، ولا نزه عنه إلا لما فيه من ~~النقص، ولو تساويا لنطق بهما، ولما اختلفا خص بأشرفهما الذي هو أجول في ~~جميع المواضع، وأجلب لكل ما يطلب من المناف. # فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرة لباغي هذا الشأن، ولمن يتوخى حديثه عند ~~كل إنسان. # وأما ما يفضل به النظم على النثر فأشياء سمعناها من هؤلاء العلماء الذين ~~كانت سماء علمهم درورا، وبحر أدبهم متلاطما، وروض فضلهم مزدهرا، وشمس ~~حكمتهم طالعة، ونار بلاغتهم مشتعلة، وأنا آتي على ما يحضرني من ذلك، منسوبا ~~إليهم، ومحسوبا لهم، ليكون حقهم به مقضيا، وذكرهم على مر الزمان طريا. # قال السلامي: من فضائل النظم أن صار لنا صناعة برأسها، وتكلم الناس في ~~قوافيها، وتوسعوا في تصاريفها وأعاريضها، وتصرفوا في بحورها، واطلعوا على PageV01P251 # عجائب ما استحزن فيها من آثار الطبيعة الشريعة، وشواهد القدرة الصادقة، ~~وما هكذا النثر، فإنه قصر عن هذه الذروة الشامخة، والقلة العالية، فصار ~~بذلك بذلة لكافة الناطقين من الخاصة والعامة والنساء والصبيان. # وقال أيضا: من فضائل النظم أنه لا يغنى ولا يحدى إلا بجيده ولا يؤهل للحن ~~الطنطنة، ولا يحلى بالإيقاع الصحيح غيره، لأن الطنطنات والنقرات، والحركات ~~والسكنات لا تتناسب إلا بعد اشتمال الوزن والنظم عليها، ولو كان فعل هذا ~~بالنثر كان منقوصا، كما لو لم يفعل هذا بالنظم لكان محسوسا، والغناء معروف ~~الشرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معابثة الروح، ms215 ومناغاة ~~العقل، وتنبيه النفس، واجتلاب الطرب وتفريج الكرب، وإثارة الهزة، وإعادة ~~العزة، وإذكار العهد، وإظهار النجدة، واكتساب السلوة، وما لا يحصى عدده. # ويقال: ما أحسن هذه الرسالة لو كان فيها بيت من الشعر، ولا يقال: ما أحسن ~~هذا الشعر لو كان فيه شيء من النثر، لأن صورة المنظوم محفوظة، وصورة ~~المنثور ضائعة. # وقال ابن نباتة: من فضل النظم أن الشواهد لا توجد إلا فيه، والحجج لا ~~تؤخذ إلا منه، أعني أن العلماء والحكماء والفقهاء والنحويين واللغويين ~~يقولون: «قال الشاعر» ، و «هذا كثير في الشعر» ، و «الشعر قد أتى به» ، ~~فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجة، والشعر هو الحجة. # وقال الخالع: للشعراء حلبة، وليس للبلغاء حلبة، وإذا تتبعت جوائز الشعراء ~~التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم ~~المؤرخة، ومجالسهم الفاخرة، وأنديتهم المشهورة، وجدتها خارجة عن الحصر، ~~بعيدة من الإحصاء، وإذا تتبعت هذه الحال لأصحاب النثر لم تجد شيئا من ذلك، ~~والناس يقولون: ما أكمل هذا البليغ لو قرض الشعر! ولا يقولون: ما أشعر هذا ~~الشاعر لو قدر على النثر! وهذا لغنى الناظم عن الناثر، وفقر الناثر إلى ~~الناظم، وقد قدم الناس أبا علي البصير على أبي العيناء، لأن أبا علي جمع ~~بين الفضيلتين، وضرب بالسيفين في الحومتين، وفاز بالقدحين المعليين في ~~المكانين. # وقال لنا الأنصاري: سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول: لو تصفحنا ما صار إلى ~~أصحاب النثر من كتاب البلاغة، والخطباء الذين ذبوا عن الدولة، وتكلموا في ~~صنوف أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به، مما فتق به الرتق، ورتق به ~~الفتق، وأصلح به الفاسد، ولم به الشعث، وقرب به البعيد، وبعد به القريب، ~~وحقق به الحق، وأبطل به الباطل، لكان يوفي على كل ما صار إلى جميع من قال ~~الشعر ولاك القصيد، ولهج بالقريض، واستماح بالمرحمة، ووقف موقف المظلوم، ~~وانصرف انصراف المحروم، PageV01P252 # وأين من يفتخر بالقريض، ويدل بالنظم، ويباهي بالبديهة، من وزير الخليفة، ~~ومن صاحب السر، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة، ولا بين أذنه ms216 وأذنه ~~حجاب؟! ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء؟! ومتى قام وزير ~~لشاعر للخدمة أو للتكرمة؟! ومتى قعد شاعر لوزير على رجاء وتأميل؟! بل لا ~~ترى شاعرا إلا قائما بين يدي خليفة أو وزير أو أمير باسط اليد، ممدود الكف، ~~يستعطف طالبا، ويسترحم سائلا، هذا مع الذلة والهوان، والخوف من الخيبة ~~والحرمان، وخطر الرد عليه في لفظ يمر، وإعراب يجري، واستعارة تعرض، وكناية ~~تعترض، ثم يكون مقليا مشينا بما يظن به من الهجاء الذي ربما دلاه في حومة ~~الموت، وقد برأ الله تعالى بإحسانه القديم ومنه الجسيم صاحب البلاغة من هذا ~~كله، وكفاه مؤونة الغدر به، والضرر فيه. # قال: وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق شأوه، ولا يشق ~~غباره، ولا يطمع في جوابه. # قال: وله مناظرات واسعة في هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه ~~وعارضوه، وكاشفوه وواجهوه، فثبت لهم، وانتصف منهم، وأربى عليهم، ولم يقلع ~~عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم، وراجعوا ما هو أولى بهم. # قال أبو سليمان: المعاني المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس، لا يحوم عليها ~~شيء قبل الفكر، فإذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم الدقيق ألقى ذلك إلى ~~العبارة، والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو النظم للشعر، وبين وزن هو سياقة ~~الحديث، وكل هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة، وصورة حسناء أو قبيحة، ~~وتأليف مقبول أو ممجوج، وذوق حلو أو مر وطريق سهل أو وعر، واقتضاب مفضل أو ~~مردود، واحتجاج قاطع أو مقطوع، وبرهان مسفر أو مظلم، ومتناول بعيد أو قريب، ~~ومسموع مألوف أو غريب. # قال: فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته التي لا ~~تنكر، وللنظم شرفه الذي لا يجحد ولا يستر، لأن مناقب النثر في مقابلة مناقب ~~النظم، ومثالب النظم في مقابلة مثالب النثر، والذي لابد منه فيهما السلامة ~~والدقة، وتجنب العويص، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص. # وقد قال بعض العرب: خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام. # ووقف أعرابي ms217 على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار ~~وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: # أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا. PageV01P253 # وقال أعرابي آخر: # ما زال أخذهم في النحو يعجمني %~% حتى سمعت كلام الزنج والروم # وقال أبو سليمان: نحو العرب فطرة، ونحونا فطنة، فلو كان إلى الكمال سبيل ~~لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم. # وقال: لما تميزت الأشياء في الأصول، تلاقت ببعض التشابه في الفروع، ولما ~~تباينت الأشياء بالطبائع، تألفت بالمشاكلة في الصنائع، فصارت من حيث افترقت ~~مجتمعة، ومن حيث اجتمعت مفترقة، لتكون قدرة الله- عز وجل- آتية على كل شيء، ~~وحكمته موجودة في كل شيء، ومشيئتة نافذة في كل شيء. # وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا المكان رسمه فيه، لأنه موافق لما نحن ~~فيه في ذكره ووصفه. # قال: # ماذا لقيت من المسعربين ومن %~% تأسيس نحوهم هذا الذي ابتدعوا # إن قلت قافية فيه يكون لها %~% معنى يخالف ما قاسوا وما وضعوا # قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض %~% وذاك نصب وهذا ليس يرتفع # وحرشوا بين عبد الله واجتهدوا %~% وبين زيد وطال الضرب والوجع # إني نشأت بأرض لا تشب بها %~% نار المجوس ولا تبنى بها البيع # ولا يطا القرد والخنزير ساحتها %~% لكنها بها الهيق والسيدان والصدع # ما كل قولي معروف لكم فخذوا %~% ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا # كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم %~% وآخرين على إعرابهم طبعوا # وبين قوم رأوا شيئا معاينة %~% وبين قوم رووا بعض الذي سمعوا # فهذا هذا. # وقال أبو سليمان: البلاغة ضروب: فمنها بلاغة الشعر ومنها بلاغة الخطابة ~~ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة ~~البديهة، ومنها بلاغة التأويل. # قال: فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولا، والمعنى من كل ناحية ~~مكشوفا، واللفظ من الغريب بريئا، والكناية لطيفة، والتصريح احتجاجا، ~~والمؤاخاة موجودة، والمواءمة ظاهرة. # وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللفظ قريبا، والإشارة فيها غالبة، والسجع ~~عليها مستوليا، والوهم في ms218 أضعافها سابحا، وتكون فقرها قصارا، ويكون ركابها ~~شوارد إبل. PageV01P254 # وأما بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولا، والمعنى مشهورا، والتهذيب ~~مستعملا، والتأليف سهلا، والمراد سليما، والرونق عاليا، والحواشي رقيقة، ~~والصفائح مصقولة، والأمثلة خفيفة المأخذ، والهوادي متصلة، والأعجاز مفصلة. # وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضبا، والحذف محتملا، والصورة محفوظة، ~~والمرمى لطيفا، والتلويح كافيا، والإشارة مغنية، والعبارة سائرة. # وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النفس من ~~مسموعه إلى الأذن، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترصيع اللفظ، ~~وتقفية الحروف، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب، ويكون المقصود ملحوظا ~~في عرض السنن، والمرمى يتلقى بالوهم لحسن الترتيب. # وأما بلاغة البديهة فأن يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى ~~للمعنى، وهناك يقع التعجب للسامع، لأنه يهجم بفهمه على ما لا يظن أنه يظفر ~~به كمن يعثر بمأموله، على غفلة من تأميله، والبديهة قدرة روحانية، في جبلة ~~بشرية، كما أن الروية صورة بشرية، في جبلة روحانية. # وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح، وهذان ~~يفيدان من المسموع وجوها مختلفة كثيرة نافعة، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار ~~معاني الدين والدنيا، وهي التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله عز ~~وجل وكلام رسوله- صلى الله عليه وسلم- في الحرام والحلال، والحظر والإباحة، ~~والأمر والنهي، وغير ذلك مما يكثر، وبها تفاضلوا، وعليها تجادلوا، وفيها ~~تنافسوا، ومنها استملوا، وبها اشتغلوا، ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح ~~كله، وبطل الاستنباط أوله وآخره، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان ~~بهذا النمط في أعماق هذا الفن، وهاهنا تنثال الفوائد، وتكثر العجائب، ~~وتتلاقح الخواطر، وتتلاحق الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة ~~بالصفات الممثلة، حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون، وإنارة ~~المراد المخزون. # وأمثلة هذه الأبواب موجودة في الكتب، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل ~~فن مثالا وشكلت شكلا، ولو فعلت ذلك لكنت مكررا لما قد سبق إليه، ومتكلفا ما ~~قد لقن من قبل. على أن الزهد في هذا الشأن قد وضع ms219 عنا وعن غيرنا مؤونة ~~الخوض فيه، والتعني به، والتوفر عليه، وتقديمه على ما هو أهم منه، أعني طلب ~~القوت الذي ليس إليه سبيل إلا ببيع الدين، وإخلاق المروءة، وإراقة ماء ~~الوجه، وكد البدن، وتجرع الأسى، ومقاساة الحرفة، ومض الحرمان، والصبر على ~~ألوان وألوان، والله المستعان. PageV01P255 # وقد كان هذا الباب يتنافس فيه أوان كان للخلافة بهجة، وللنيابة عنها ~~بهاء، وللديانة معتقد وللمروءة عاشق، وللخير منتهز، وللصدق مؤثر، وللأدب ~~شراة، وللبيان سوق، وللصواب طالب، وفي العلم راغب، فأما اليوم واليد عنه ~~مقبوضة، والذيل دونه مشمر، والمتحلي بجماله مطرود، والمباهي بشرفه مبعد، ~~فما يصنع به، ولله أمر هو بالغه. # وقال ابن دأب: قال لي ابن موسى: اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان فقال: # أي الآداب أغلب على الناس؟ فقلنا فأكثرنا في كل نوع، فقال عبد الملك: ما ~~الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون القول، ~~ويتعاطون البيان، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ~~ويجمعون ما تفرق منها، إن الكلام فارق للحكم بين الخصوم، وضياء يجلو ظلم ~~الأغاليط، وحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى مواد الأغذية. # وقد قال زهير: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده %~% فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # فقلنا: لم يقله زهير، إنما قاله زياد الأعجم، فقال: لا، قاله من هو أعظم ~~تجربة وأنطق لسانا منه. # وقال أبو العيناء: سمعت العباس بن الحسن العلوي يصف كلام رجل فقال: # كلامه سمح سهل، كأن بينه وبين القلوب نسب، وبينه وبين الحياة سبب، كأنما ~~هو تحفة قادم، ودواء مريض، وواسطة قلادة. # ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو يعجب من فصل قرأه من كتاب ورد عليه، وهو: ~~أشعر قلبك يأس مجاوز السبيل، مقصر عن الشوط. # وقال ابن ذكوان: سمعت إبراهيم بن العباس الصولي يقول: ما سمعت كلام محدثا ~~أجزل في رقة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العباس بن ~~الأحنف: # تعالي نجدد دارس العهد بيننا %~% كلانا على طول الجفاء ملوم # أناسية ما كان بيني وبينها %~% وقاطعة حبل الصفاء ظلوم ms220 # وفي الجملة، أحسن الكلام ما رق لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت ~~صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم، يطمع مشهوده بالسمع، ويمتنع مقصوده ~~على الطبع، حتى إذا رامه مريغ حلق، وإذا حلق أسف، أعني يبعد على المحاول ~~بعنف، ويقرب من المتناول بلطف. # وما رأيت أحدا تناهى في وصف النثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة بن جعفر PageV01P256 # في المنزلة الثالثة من كتابه، قال لنا علي بن عيسى الوزير: عرض علي قدامة ~~كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن، وتفرد في وصف ~~فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ ~~والمعنى، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب. ولقد شاكه فيه ~~الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكني وجدته هجين اللفظ، ركيك البلاغة في ~~وصف البلاغة، حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدل به غير ما يدل ~~عليه. والعرب تقول: فلان يدل ولا يدل، حكاه ابن الأعرابي، وهذا لا يكون إلا ~~من غزارة العلم، وحسن التصور، وتوارد المعنى، ونقد الطبع، وتصرف القريحة. ~~قال: ولولا أن الأمر على ما ذكرت لكان ذلك الطريق الذي سلكه، والفن الذي ~~ملكه، والكنز الذي هجم عليه، والنمط الذي ظفر به، قد برز في أحسن معرض، ~~وتحلى بألطف كلام، وماس في أطول ذيل، وسفر عن أحسن وجه، وطلع من أقرب نفق، ~~وحلق في أبعد أفق. # وابن المراغي يقول كثيرا- وهو شيخ من جلة العلماء، وله سهم واف في زمرة ~~البلغاء-: ما أحسن معونة الكلمات القصار، المشتملة على الحكم الكبار، لمن ~~كانت بلاغته في صناعته بالقلم واللسان، فإنها توافيه عند الحاجة، وتستصحب ~~أخواتها على سهولة، وهكذا مصاريع أبيات الشعر، فإنها تختلط بالنثر متقطعة ~~وموزونة، ومنتثرة ومنضودة. # قال لي ابن عبيد الكاتب: بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ، فبلوته بالتتبع ~~فوجدته على ما قال، وما أشبه ما ذكره إلا بالصرة المعدة عند الإنسان، ~~لما يحتاج إليه في الوقت المهم والأمر الملم، فهذا هذا. # فقال- أدام الله دولته، وكبت أعداءه-: ms221 قدم هذا الباب فقد أتى على ما لم ~~أظن أنه يؤتى عليه ويهتدى إليه- إذا شئت، وانصرفت. PageV01P257 ### || الليلة السادسة والعشرون # ثم قال: وما أمثلة الكلمات القصار التي أومأ إليها ذلك الشيخ؟ # فكان من الجواب: إن هذا الباب واسع، نحو قول القائل: ما خاب من استخار، ~~ولا ندم من استشار. كل عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل. غنم من أدبته الحكمة، ~~وأحكمته التجربة. التضاين رائد التباين. المرء ما عاش في تجريب. # الدهر يوم ويوم %~% والعيش عذل ولوم # وأكثر أسباب النجاح مع الياس # من لم يقدمه حزم أخره عجز. كم مستدرج بالإحسان إليه، ومغتر باليسر عليه. # الحرب متلفة العباد مذهبة للطارف والتلاد. # ليس المقل عن الزمان براضي # من ضاق صدره اتسع لسانه. # وحسبك داء أن تصح وتسلما # العيال سوس المال. ظمأ قامح خير من ري فاضح. احذروا نفاد النعم، فما كل ~~شارد مردود. خير الأمور أوساطها. يكفيك من شر سماعه. الكريم لا يلين على ~~قسر، ولا يقتسر على يسر. ما أدرك النمام ثارا، ولا محا عارا. # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # إن المطامع فقر والغنى الياس # والأمر تحقره وقد ينمي # رب كبير هاجه صغير # ذهب القضاء بحيلة الأقوام # وقد يستجهل الرجل الحليم # وإذا مضى شيء كأن لم يفعل # من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالهيبة. البطنة تذهب الفطنة، إن المقدرة PageV01P258 # تذهب الحفيظة. من ثقل على صديقه خف على عدوه. زيادة لسان على عقل خدعة، ~~وزيادة عقل على منطق هجنة. # وحاجة من عاش لا تنقضي # من أطاع هواه، أعطى عدوه مناه. # عند الشدائد تذهب الأحقاد # احذر صرعات البغي وفلتات المزاح. # ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه # «المرء يعجز لا المحالة» # ذل الطالب بقدر حاجته، إذا ازدحم الجواب خفي الصواب. الكريم للكريم مجل. ~~موت في قوة وعز خير من حياة في ذل وعجز. عدل السلطان خير من خصب الزمان. من ~~توقى سلم، ومن تهور ندم، من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا ~~يعلمون. الضر خير من الفاقة، عي صامت خير من عي ناطق. ms222 ربما سود المال غير ~~السيد، وقوى غير الأبد. وهل يدفع ريب المنية الحيل. # الموت حتم في رقاب العباد # كفى بالإقرار بالذنب عذرا، وبرجاء العفو شافعا. قليل يوعى، خير من كثير ~~ينسى، ليس على طول الخدم ندم، ومن وراء المرء ما لم يعلم. مروءتان ظاهرتان: # الرآسة والفصاحة. من أطال الأمل أساء العمل. لا تكلف ما كفيت، ولا تضيع ~~ما وليت. احتمل من أدل عليك، واقبل ممن اعتذر إليك. # إن الشجاعة مقرون بها العطب %~% إن الكرام على ما نابهم صبر # لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف. لا عذر في غدر. ليس من العدل سرعة ~~العذل. أقبح عمل المقتدرين الانتقام. شر من الموت، ما يتمنى له الموت. من ~~جاع جشع. المكيدة في الحرب أبلغ من النجدة. لك من دنياك، ما أصلح مثواك. من ~~أحب أن يطاع، لا يسأل ما لا يستطاع، إذا غلبتك نفسك بما تظن، فأغلبها بما ~~تستيقن. الرد الجميل أحسن من المطل الطويل. القبر خير من الفقر. شفيع ~~المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره. صحبة الأشرار، تورث سوء الظن بالأخيار، لا ~~كثير مع تبذير، ولا قليل مع تقدير. من صان لسانه نجا من الشر كله. # ولربما نفع الفتى كذبه %~% فمن يعدي إذا ظلم الأمير PageV01P259 # إذا فزع الفؤاد فلا رقاد # ما العلم إلا ما وعاه الصدر # إن الكريم على الإخوان ذو المال # إن الفرار لا يزيد في الأجل # إن الشفيق بسوء ظن مولع # لا تبل على أكمة، ولا تفش سرك إلى أمة. إذا أقبلت الدنيا على المرء ~~أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. في التجارب علم ~~مستأنف. قد خاطر من استغنى برأيه. عليك لأخيك مثل الذي عليه لك. الحق ظل ~~ظليل. المودة قرابة مستفادة. معدم وصول خير من مكثر جاف. من الفراغ تكون ~~الصبوة. من نال استطال. في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال. الشكر عصمة من ~~النقمة. اللب مصباح العلم. من ركب العجلة، لم يأمن الكبوة. إزالة الرواسي، ~~أيسر من تأليف القلوب. # قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم، وترتع ms223 في حدائقهم. عاشر أخاك ~~بالحسنى. # الحسد أهلك الجسد. خذ على خلائقك ميثاق الصبر. خير ما رمت ما ينال. # كل امرئ في شأنه ساعي # قد يدرك المتأني بعض حاجته %~% وقد يكون مع المستعجل الزلل # غم الفقير لا يكشفه إلا الموت. خفة الظهر أحد اليسارين. أصول الأسقام من ~~فضول الطعام. طلاق الدنيا مهر الجنة. من عز النفس إيثار القناعة، التواضع ~~بالغني أجمل، والكبر بالفقير أسمج. من استعان بغير الله لم يزل مخذولا. من ~~لم يقبل من الدهر ما آتاه طال عتبه على الدهر. عجب المرء بنفسه أحد حساد ~~عقله. العجز والتواني ينتجان الفاقة. إن صبرت صبر الأحرار، وإلا سلوت سلو ~~الأغمار. العلم بالعمل ينمو. معاشرة الإخوان تجلو البصر، وتطرد الفكر. لا ~~توحشك الغربة ما أنست بالكفاية، فإن الفقر أوحش من الغربة. الغنى أنس في ~~غير الوطن. الغني في الغربة موصول، والفقير في الأهل مصروم. أوحش قرينك إذا ~~كان في إيحاشه أنسك. # إذا أيسرت فكل أهل أهلك، وإن أعسرت فأنت غريب في قومك. من أخلاق الصبيان، ~~إلف الأوطان، والحنين إلى الإخوان. من لم يأنف، لم يشرف، خير المودة ما لم ~~تكن حذار عادية، ولا رجاء فائدة. من حمل الأمور على القضاء استراح في ~~الإقبال والإدبار حتى ينتهيا. لو استحسن الناس ما أمر به العقل استقبحوا ما ~~نهى عنه العقل. أقدر الناس على الجواب من لا يغضب. الكلام في وقت السكوت ~~عي، والسكوت في وقت الكلام خرس. الهم يهدم البدن، وينغص العيش، ويقرب ~~الأجل. # الموت رقيب غير غافل. المرء نهب الحوادث. إذا تم العقل نقص الكلام. هب ما PageV01P260 # أنكرت لما عرفت، واغفر ما أغضبك لما أرضاك. اليأس إحدى الراحتين. المطل ~~أحد العذابين. الكظم مر، ولا يتجرعه إلا حر. الرأي لا يصلح إلا بالشركة، ~~والملك لا يصلح إلا بالتفرد. من كبر عنصره، حسن محضره. # ولرب مطمعة تعود رياحا # والحمد لا يشترى إلا بأثمان # ولكن نكء القرح بالقرح أوجع # من أزهر بقول، حقيق أن يثمر بفعل. السلام أرخى للبال، وأبقى لنفوس ~~الرجال. حسبك من عقلك ما ms224 أوضح غيك من رشدك. التسويف بطاعة الله اغترار، ~~وحياة المرء كالشيء المعار. من بذل بعض عنايته لك، فاجعل جميع شكرك له. # وللحر من مال الكريم نصيب # اليوم فعل، وغدا ثواب. # الخير مختار شهي المطلب %~% والشر محذور كريه مجتنب # رب سكوت من كلام أبلغ %~% ورب قول من عمود أدمغ # من سلم الناس على لسانه %~% أصبح منصورا على سلطانه # من القليل يجمع الكثير %~% رب صغير قدره كبير # من باع من يفنى بما يبقى غنم %~% وآثر الدنيا على الأخرى ندم # قد يحرم الراجي ويعطى القانط %~% ويبعد الأدنى ويدنى الشاحط # من لم ينلك البر في حياته %~% لم تبك عيناك على وفاته # المال ما تنفق لا ما تجمعه %~% والزرع ما تحصد لا ما تزرعه # يا رب هزل كان منه الجد %~% ورب مزح كان منه الحقد # البحر مستغن عن الفرات # فقال- أدام الله أيامه-: هذا فن موف على الغاية. PageV01P261 ### || الليلة السابعة والعشرون # وقال- أدام الله أيامه- في ليلة أخرى: كنت أحب أن أسمع كلاما في كنه ~~الاتفاق وحقيقته، فإنه مما يحار العقل فيه، ويزل حزم الحازم معه، وأحب أيضا ~~أن أسمع حديثا غريبا فيه، فكان الجواب: إن الرواية في هذا الباب أكثر وأفشى ~~من الاطلاع على سره، والظفر بمكنونه، فقال: هات ما يتعلق بالرواية. # قلت: حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أن ثيودسيوس ملك يونان كتب إلى ~~إيبقس الشاعر أن يزوده بما عنده من كتب فلسفية، فجمع ماله في عيبة ضخمة، ~~وارتحل قاصدا نحوه، فلقى في تلك البادية قوما من قطاع الطريق، فطعموا في ~~ماله وهموا بقتله، فناشدهم الله ألا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ويخلوه، فأبوا، ~~فتحير ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد، فرفع رأسه إلى ~~السماء، ومد طرفه في الهواء، فرأى كراكي تطير في الجو محلقة، فصاح: أيتها ~~الكراكي الطائرة، قد أعجزني المعين والناصر، فكوني الطالبة بدمي، والآخذة ~~بثأري. فضحك اللصوص، وقال بعضهم لبعض: هذا أنقص الناس عقلا، ومن لا عقل له ~~لا جناح في قتله، ثم قتلوه وأخذوا ماله واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم، فلما ms225 ~~اتصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ذلك، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم ~~يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء، وحضر اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم ~~لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة والعظة، وحضر الناس من كل قطر وأوب، ~~وجاء القتلة واختلطوا بالجمع، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل، فهم على ذلك ~~إذ مرت بهم كراكي تتناغى وتصيح، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ~~ينظرون ما فيه فإذا كراكي تصيح وتطير، وتسد الجو، فتضاحكوا، وقال بعضهم ~~لبعض: هؤلاء طالبو دم إيبقس الجاهل- على طريق الاستهزاء- فسمع كلامهم بعض ~~من كان قريبا منهم فأخبر السلطان فأخذهم وشدد عليهم، وطالبهم فأقروا بقتله، ~~فقتلهم، فكانت الكراكي المطالبة بدمه، لو كانوا يعقلون أن الطالب لهم ~~بالمرصاد. # وقال لنا أبو سليمان: إن إيبقس وإن كان خاطب الكراكي فإنه أشار به إلى رب ~~الكراكي وخالقها، ولم يطل الله دمه ولا سد عنه باب إجابته، فسبحانه كيف ~~يهيئ الأسباب، ويفتح الأبواب، ويرفع الحجاب بعد الحجاب. PageV01P262 # فقال: هذا عجب. # قلت: قال لنا أبو سليمان: كل ما جهل سببه من ناحية الحس بالعادة، ومن ~~ناحية الطبيعة بالإمكان، ومن ناحية النفس بالتهيئة، ومن ناحية العقل ~~بالتجويز، ومن ناحية الإله بالتوفيق فهو معجوب منه، معجوز عنه، مسلم لمن له ~~القدرة المحيطة، والمشيئة النافذة، والحكمة البالغة، والإحسان السابق. # ولقد حكى أبو الحسن الفرضي في أمر الاتفاق شيئا ظريفا عن بعض إخوانه قال: ~~خرجنا إلى بعض المتنزهات ومعنا جر نصيد به السمانى، وكنا جماعة، فقال حدث ~~كان معنا- وكان أصغرنا سنا-: أنتم تصيدون بجر ، وأنا أصيد بيدي، يقول ~~ذلك على جهة المزح، فرمى بعد قليل فاتفق له أن أثار سمانى، فأسرع إليه ونحن ~~لا نعلم أنه أخذ شيئا، فقلنا له على طريق العبث: احذر الخنزير- من غير أن ~~نكون رأينا خنزيرا- فالتفت فزعا وفر موليا، فاتفق له أن رأى خنزيرا منه غير ~~بعيد، فأقبل إلينا مسرعا هاربا من الخنزير والسماني بيده وقد صاده. # وكنت في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفا من الحج ومعي جماعة من ~~الصوفية، فلحقنا جهد من عوز القوت ms226 وتعذر ما يمسك الروح في حديث طويل- إلا ~~أنا وصلنا من زبالة - بالحيلة اللطيفة منا، والصنع الجميل من الله ~~تعالى- إلى شيء من الدقيق، فانتعشت أنفسنا به، وغنمناه، ورأيناه نفحة من ~~نفحات الله تعالى الكريم، فجعلناه زادنا، وسرنا، فلما بلغنا المنزل قعدنا ~~لنمارس ذلك الدقيق، ولقطنا البعر ودقاق الحطب، فلما أجمعنا على العجن ~~والملك لم نجد الحراق- وكان عندنا أنه معنا، وأننا قد استظهرناه- ~~فدخلتنا حيرة شديدة، وركبنا غم غالب، وسففنا من ذلك الدقيق شيئا، فما ساغ ~~ولا قبلته الطبيعة، وبتنا ليلتنا طاوين ساهرين، قد علانا الكمد، وملكنا ~~الوجوم والأسف، فقال بعضنا: هذا لما وجدنا الدقيق؟! وأصبحنا وركبنا قد ~~استرخت، وعيوننا غارت، وأحدنا لا يحدث صاحبه غما وكربا. وعدنا إلى ما كنا ~~فيه قبل بزيادة حسرة من النظر إلى الدقيق، وقال صاحب لنا: نرمي بجراب ~~الدقيق حتى نلقي حمله وثقله في طول هذا الطريق، فقلنا: ليس هذا بصواب، وما ~~يضرنا أن يكون معنا، فلعلنا أن نرى ركبا أو نلقى حطبا. وكانت البادية خالية ~~في ذلك الوقت، لرعب لحق قوما من بني كلاب من جهة أعدائهم، فلم يكن يجتاز ~~بها في ذلك الوقت غريب. وبقينا كذلك إلى اليوم الثالث، ونحن نلاحق ونجاهد ~~في المشي، PageV01P263 # فلما كان العصر من ذلك اليوم كنت أسير أمام القوم أجرئهم وأسألهم، وكنت ~~كالحاطب لهم: «إذا عثرنا بحراق وظفرنا بفتيلة» ، فوجدوا خرقة ملفوفة فيها ~~حراق، فهللوا وكبروا، ورفعوا أصواتهم، فقلت كالمتعجب: ما الخبر؟ قالوا: ~~البشرى، قلت: وما ذاك؟ قالوا: هذه خرقة ملئت حراقا، فلا تسل عما دهانا من ~~الفرح والاستبشار، وثاب إلينا من السرور والارتياح، وزال عنا من الانخذال ~~والانكسار، وقعدنا في مكاننا ذلك، ولقطنا البعر، وأثرنا الوقود، وأججنا ~~نارا عظيمة، وملكنا الدقيق كله ملكة واحدة وكان أربعين رطلا، وكان ذلك ~~بلاغنا إلى القادسية، فلما دنونا منها تلقانا بشر من أهلها، وقالوا لنا: ~~كيف سلمتم في هذه الطريق مع العوز والخوف؟ فقلنا: لطف الله يقرب كل بعيد، ~~ويسهل كل شديد، ويصنع للضعيف حتى يتعجب القوي. # وليس أحد من خلق الله يجحد ms227 هذا القول، وينكر هذا الفضل، ويرجع إلى دين ~~وثيق أو واه إن الله لذو فضل على الناس # [البقرة: 243] . # وحدثني أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني القاضي صاحب المذهب قال: # اصطحب رجلان في بعض الطرق مسافرين: مجوسي من أهل الري، والآخر يهودي من ~~أرض جي ، وكان المجوسي راكبا بغلة له عليها سفرة من الزاد والنفقة وغير ~~ذلك، وهو يسير مرفها وادعا، واليهودي يمشي بلا زاد ولا نفقة، فبينا هما ~~يتحادثان إذ قال المجوسي لليهودي: ما مذهبك وعقيدتك يا فلان؟ قال اليهودي: ~~أعتقد أن في هذه السماء إلها هو إله بني إسرائيل، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع ~~إليه، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل، مع صحة البدن، ~~والسلامة من كل آفة، والنصرة على عدوي، وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني في ~~ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أن من يخالفني دمه لي يحل، ~~وحرام علي نصرته ونصيحته والرحمة به. ثم قال للمجوسي: قد أخبرتك بمذهبي ~~وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري، فخبرني أنت أيضا عن شأنك وعقيدتك وما تدين ~~به ربك؟ فقال المجوسي: # أما عقيدتي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي، ولا أريد لأحد ~~من عباد الله سوءا، ولا أتمنى له ضرا، لا لموافقي، ولا لمخالفي. فقال ~~اليهودي: وإن ظلمك وتعدى عليك؟ قال: نعم، لأني أعلم أن في هذه السماء إلها ~~خبيرا عالما حكيما لا تخفى عليه خافية من شيء، وهو يجزي المحسن بإحسانه، ~~والمسيء بإساءته. فقال اليهودي: يا فلان، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق رأيك. ~~قال المجوسي: كيف ذاك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وبشر مثلك، وتراني أمشي ~~جائعا نصبا مجهودا، وأنت راكب وادع مرفه شبعان. فقال: صدقت، وماذا تبغي؟ ~~قال: # أطعمني من زادك، واحملني ساعة، فقد كللت وضعفت. قال: نعم وكرامة. فنزل PageV01P264 # ومد من سفرته وأطعمه وأشبعه، ثم أركبه، ومشى ساعة يحدثه، فلما ملك ~~اليهودي البغلة وعلم أن المجوسي قد أعيا، حرك البغلة وسبقه، وجعل المجوسي ~~يمشي ولا يلحقه، فناداه: يا فلان، قف لي وانزل، فقد ms228 انحسرت وانبهرت. فقال ~~اليهودي: ألم أخبرك عن مذهبي وخبرتني عن مذهبك، ونصرته وحققته؟ فأنا أريد ~~أيضا أن أحقق مذهبي وأنصر رأي واعتقادي. وجعل يحرك البغلة، والمجوسي يقفوه ~~على ظلع وينادي: قف يا هذا واحملني، ولا تتركني في هذا الموضع فيأكلني ~~السبع وأموت ضياعا، وارحمني كما رحمتك. واليهودي لا يلوي على ندائه ~~واستغاثته، حتى غاب عن بصره، فلما يئس المجوسي منه وأشفى على الهلكة، ذكر ~~اعتقاده وما وصف به ربه، فرفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي قد علمت أني ~~اعتقدت مذهبا ونصرته، ووصفتك بما أنت أهله، وقد سمعت وعلمت، فحقق عند هذا ~~الباغي علي ما مجدتك به، ليعلم حقيقة ما قلت. فما مشى المجوسي إلا قليلا ~~حتى رأى اليهودي وقد رمت به البغلة، واندقت عنقه، وهي واقفة ناحية منه ~~تنتظر صاحبها، فلما أدرك المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله، وترك اليهودي ~~معالجا لكرب الموت، فناداه اليهودي: يا فلان، ارحمني واحملني ولا تتركني في ~~هذه البرية أهلك جوعا وعطشا، وانصر مذهبك، وحقق اعتقادك. قال المجوسي: قد ~~فعلت ذلك مرتين، ولكنك لم تفهم ما قلت لك ولم تعقل ما وصفت. فقال اليهودي: ~~وكيف ذلك؟ قال: لأني وصفت لك مذهبي في قولي، حتى حققته بفعلي، وذاك أني ~~قلت: إن في هذه السماء إلها خبيرا عادلا لا يخفى عليه شيء، وهو ولي جزاء ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال اليهودي: قد فهمت ما قلت، وعلمت ما ~~وصفت. قال المجوسي: فما الذي منعك من أن تتعظ بما سمعت؟ قال اليهودي: ~~اعتقاد نشأت عليه، ومذهب تربيت به، وصار مألوفا معتادا كالجبلة بطول الدأب ~~فيه، واستعمال أبنيته، اقتداء بالآباء والأجداد والمعلمين من أهل ديني ومن ~~أهل مذهبي، وقد صار ذلك كالأس الثابت، والأصل النابت، ويصعب ما هذا وصفه أن ~~يترك ويرفض ويزال. فرحمه المجوسي، وحمله معه حتى وافى المدينة، وسلمه إلى ~~أوليائه محطما موجعا، وحدث الناس بحديثه وقصته، فكانوا يتعجبون من شأنهما ~~زمانا طويلا. # وقال بعض الناس للمجوسي بعد: كيف رحمته بعد خيانته لك، وبعد إحسانك إليه؟ ~~قال المجوسي: اعتذر ms229 بحاله التي نشأ فيها، ودأب عمره في اعتقادها، وسعى لها ~~واعتادها، وعلمت أن هذا شديد الزوال عنه، وصدقته ورحمته، وهذا مني شكر على ~~صنع الله بي حين دعوته عندما دهاني منه، وبالرحمة الأولى أعانني ربي، ~~وبالرحمة الثانية شكرته على ما صنع بي. # هذا كله سردناه لسبب الأمر الذي يبدو من غير جنان، والعارض الذي يبرز من ~~غير توهم. PageV01P265 # وأبو سليمان يقول: الأمور مقسومة على الحدود الطبيعية والقوى النفسية ~~والبسائط العقلية والغرائب الإلهية، فبالواجب، ما كان هاهنا مألوف له نسبة ~~إلى الطبيعة، ونادر له نسبة إلى النفس، وبديع له نسبة إلى العقل، وغريب له ~~نسبة إلى الإله، والفلتات في الأحوال من هذا القبيل، أعني ما يتخلل هذه ~~المراتب. # فقال له البخاري: أيقال لما يصدر عن الإله فلتة؟ # قال: بحسب مصيره إلينا، ووصوله إلى عالمنا، لا بحسب صدوره عن الباري، ~~فليس هناك هذا ولا ما يشبه، لأن هذه السمات لحقت المركبات، من الأوائل ~~المزدوجات، والثواني المكررات، والثوالث المحققات، والروابع المتممات، ~~والخوامس المدبرات، والسوادس المضاعفات، والسوابع الظاهرات، والثوامن ~~المعقبات، والتواسع العاليات، والعواشر الكاملات، وما بعد العواشر داخل في ~~المكررات. # قال له البخاري مستزيدا: أكان التوفيق من الاتفاق؟ # فقال: هما يتوحدان من وجه، ويفترقان من وجه، فوجه توحدهما أن الاتفاق ~~وليد التوفيق، والتوفيق غاية الاتفاق، ووجه افتراقهما أن الاتفاق يبرز إلى ~~الحس، وأصحابه يشتركون في التعجب منه، والاستطراف له، والتوفيق يستر عن ~~الحس، ولهذا لا تسلك مسالكه. وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتفاق ~~فمتلابسة المعاني، ولما لم يكن بين المعنى والمعنى مسافة محصلة حسب هذا في ~~حيز هذا، وعد هذا في جملة هذا. # وقال- أبقاه الله وأدام أيامه-: ما اليمن والبركة؟ والفأل والطيرة ~~وأضدادها؟ # فكان الجواب: إن اليمن عبارة عن شيء يبشر به ويبتغى ويراد، ويقال: فلان ~~ميمون الناصية، وميسور الناصية، أي هو سبب ظاهر في نيل مأمول وإدراك محبوب، ~~واشتقاقه في اليمين، وهو القوة، ولذلك يقال لليسار: شمال، لأنها أضعف منها، ~~وتسمى أيضا: الشؤمى. ويقال: يمن فلان عليهم، وشؤم، وهو ميمون ومشئوم، جعل ~~الفعل على ms230 طريق ما لم يسم فاعله، لأنه شيء موصول به من غير إرادته ~~واختياره. وإنما نزعوا إلى قولهم: فلان مشئوم ليكون الفعل واقعا به- أعني ~~المكروه- وإلا فهو شائم في الأصل. ويقال: شأم فلان قومه، وكذلك يمنهم، ~~وكأنهما قوتان علويتان تصحبان مزاجين مختلفين، وإذا اعتيد منهما هذان ~~العرضان اللذان يصدران عن هاتين القوتين العلويتين، قيل: فلان كذا، وفلان ~~كذا. # وأما البركة فهي النماء والزيادة والريع، من حيث لا يوجد بالحس ظاهرا ~~مكشوفا يشار إليه، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافيا عن الحس قيل: هذه ~~بركة، واشتقاقها من البروك، وهو اللزوم والسعة، ومن ذلك: البركة. والبركة PageV01P266 # يوصف بها كل شيء، وليس لضدها اسم مشهور، لذلك يقال: قليل البركة. # وأما الفأل ففسر بأنه جريان الذكر الجميل على اللسان معزولا عن القصد، ~~إما من القائل، وإما من السامع. وقد سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- لما ~~نزل المدينة على أبي أيوب الأنصاري- أبا أيوب يقول لغلام له: يا سالم يا ~~غانم. فقال لأبي بكر: «سلمت لنا الدار في غنم إن شاء الله» . وهذا مشهور ~~بين الناس. # وضده الطيرة والإشعار. ويروى أنه نهى عن الطيرة، وكان يحب الفأل صلى الله ~~عليه وسلم، وليس لهما علل راتبة، ولا أسباب موجبة، ولا أوائل معروفة، ولهذا ~~كره الإفراط في التطير والتعويل على الفأل، لأنهما أمران يصحان ويبطلان، ~~والأقل منهما لا يميز من الأكثر، وللمزاج من الإنسان فيهما أثر غالب، ~~والعادة أيضا تعين، والولوع يزيد، والتحفظ مما هذا شأنه شديد، ولقد غلب هذا ~~حتى قيل: فلان مدور الكعب، وفلان مشئوم، وحتى تعدى هذا إلى الدابة والدار ~~والعبد، وكل هذا ظهر في هذه الدار حتى لا يكون للعبد طمأنينة إلا بالله، ~~ولا سكون إلا مع الله، ولا مطلوب إلا من الله، ولهذا- عز وجل- يطلع الخوف ~~من ثنية الأمن، ويسوق الأمن من ناحية الخوف، ويبعث النصر وقد وقع اليأس، ~~ويأتي بالفرج وقد اشتد البأس. وأفعال الله تعالى خفية المطالع، جلية ~~المواقع، مطوية المنافع، لأنها تسري بين الغيب الإلهي، والعيان الإنسي، وكل ~~ذلك ليصح التوكل عليه، والتسليم ms231 له، واللياذ به، ويعرج على كنف ملكه، ~~ويتبوأ معان خلده، وينال ما عنده بطاعته وعبادته. # فقال الوزير- كبت الله أعداه، وبلغه مناه-: هذا كلام ليس عليه كلام، أرى ~~النعاس يخطب إلى عيني حاجته، وإذا شئت فاجمع لي فقرا من هذا الضرب الذي مر ~~من حديث الطيرة والفأل والاتفاق. PageV01P267 ### || الليلة الثامنة والعشرون # وعدت ليلة أخرى وقرأت عليه أشياء من هذا الفن. # منها: عقد هشام بن عبد الملك لسعيد بن عمرو الجرشي أيام الترك، فقال ~~سعيد: يا فتح، يا نصر، خذا اللواء. فقام هشام: أعمدا قلت هذا؟ قال: لا، ~~ولكنهما غلاماي دعوتهما. قال هشام: هو الفتح والنصر إن شاء الله. وكان ذلك ~~كذاك. # وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يعرض، فمر به حية بن نكاز، فقال: # لا حاجة لنا في هذا، هذا حية وأبوه ينكز. # ورمى رجل الجمار، فأصاب صلعة عمر بحصاة فشجه. فقال رجل: أشعرت يا أمير ~~المؤمنين لا يقوم عمر هذا المقام أبدا. فكان ذلك كذلك. # وخرج رجل ينظر الحسن بن علي- صلوات الله عليه- فلقي رجلا، فقال له: # ما اسمك؟ قال: عقال. قال: ابن من؟ قال ابن عقيل. قال: من بني من؟ قال: من ~~بني عقيل. قال عقلته عقلك الله. # هذا الجزء أيها الشيخ- أبقاك الله ما تمنيت البقاء- هو الجزء الثاني، ~~والثالث يتلوه، والظن الجميل بك، يعدنا بالحسنى منك، وقد علمت الغرض في جمع ~~هذا كله والتعب فيه، وأرجو ألا يخيب الأمل، ولا يبور العمل، وإن كان ذلك لا ~~يخلو من بعض الخلل والزلل. فإذا أخذت بحكم الفضل الذي هو عادتك وديدنك مع ~~الصغير والكبير، والقريب والبعيد، فاز قدحي، وصدق نوئي، وصح زجري وفألي. # حرس الله نفسك، وصان نعمتك، وكبت كل عدو لك. PageV01P268 ### | الجزء الثالث PageV01P269 # بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ وصل الله قولك بالصواب، وفعلك ~~بالتوفيق، وجعل أحوالك كلها منظومة بالصلاح، راجعة إلى حميد العاقبة، ~~متألفة بشوارد السرور، ووفر حظك من المدح والثناء، فإنهما ألذ من الشهد ~~والسلوى، ومد في عمرك لكسب الخير، واستدامة النعمة بالشكر، وجعل تلذذك ~~باصطناع المعروف، وعرفك عواقب الإحسان ms232 إلى المستحق وغير المستحق، حتى تكلف ~~ببث الجميل، وتشغف بنشر الأيادي، وحتى تجد طعم الثناء، وتطرب عليه طرب ~~النشوان على بديع الغناء. لا طرب البرداني على غناء علوة جارية ابن علويه ~~في درب السلق إذا رفعت عقيرتها فغنت بأبيات السروي: # بالورد في وجنتيك من لطمك %~% ومن سقاك المدام لم ظلمك؟ # خلاك لا تستفيق من سكر %~% توسع شتما وجفوة خدمك # معقرب الصدغ قد ثملت فما %~% يمنع من لثم عاشقيك فمك؟ # تجر فضل الإزار منخرق الن %~% علين قد لوث الثرى قدمك # أظل من حيرة ومن دهش %~% أقول لما رأيت مبتسمك # بالله يا أقحوان مضحكه %~% على قضيب العقيق من نظمك؟ # ولا طرب ابن فهم الصوفي على غناء «نهاية» جارية ابن المغنى إذا اندفعت ~~بشدوها: # أستودع الله في بغداد لي قمرا %~% بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني %~% صفو الحياة وأني لا أودعه # فإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض، وتمرغ في التراب وهاج وأزبد، ~~وتعفر شعره، وهات من رجالك من يضبطه ويمسكه، ومن يجسر على الدنو منه، فإنه ~~يعض بنابه، ويخمش بظفره، ويركل برجله ويخرق المرقعة قطعة قطعة، ويلطم وجهه ~~ألف لطمة في ساعة، ويخرج في العباءة كأنه عبد الرزاق المجنون صاحب الكيل في ~~جيرانك بباب الطاق. # ولا طرب ابن غيلان البزاز على ترجيعات «بلور» جارية ابن اليزيدي المؤلف PageV01P271 # بين الأكباد المحرقة، والمحسن إلى القلوب المتصدعة والعيون الباكية إذا ~~غنت. # أعط الشباب نصيبه %~% ما دمت تعذر بالشباب # وانعم بأيام الصبى %~% واخلع عذارك في التصابي # فإنه إذا سمع هذا منها انقلبت حماليق عينيه، وسقط مغشيا عليه، وهات ~~الكافور وماء الورد، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين، ويرقى بهيا ~~شراهيا . # ولا طرب أبي الوزير الصوفي القاطن في دار القطان عند جامع المدينة على ~~«قلم القضيبية» إذا تناوأت في استهلالها، وتضاجرت على ضجرتها، وتذكرت شجوها ~~الذي قد أضناها وأنضاها، وسلبها منها وأنساها إياها. ثم اندفعت وغنت بصوتها ~~المعروف بها. # أقول لها والصبح قد لاح نوره %~% كما لاح ضوء البارق المتألق # شبيهك قد ms233 وافى وحان افتراقنا %~% فهل لك في صوت ورطل مروق # فقالت حياتي في الذي قد ذكرته %~% وإن كنت قد نغصته بالتفرق # ولا طرب الجراحى أبي الحسن مع قضائه في الكرخ وردائه المحشى، وكميه ~~المفدرين ووجنتيه المتخلجتين، وكلامه الفخم، وإطراقه الدائم، فإنه يغمز ~~بالحاجب إذا رأى مرطا، وأمل أن يقبل خدا وقرطا، على غناء شعلة: # لابد للمشتاق من ذكر الوطن %~% واليأس والسلوة من بعد الحزن # وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها. # لو أن ما تبتليني الحادثات به %~% يلقى على الماء لم يشرب من الكدر # فهناك ترى شيبة قد ابتلت بالدموع، وفؤادا قد نزا إلى اللهاة، مع أسف قد ~~ثقب القلب، وأوهن الروح، وجاب الصخر، وأذاب الحديد، وهناك ترى والله ~~أحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدرة، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقة عليه، ~~ومساعدة لحاله، وهذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك، ~~وغاية لا تدرك، لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو صبابة، أو حسرة على فائت، ~~أو فكر في متمنى، أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، وهذه ~~أحوال معروفة، والناس منها على جديلة معهودة. PageV01P272 # ولا طرب ابن غسان البصري المتطبب إذا سمع ابن الرفاء يغني: # وحياة من أهوى فإني لم أكن %~% أبدا لأحلف كاذبا بحياته # لأخالفن عواذلي في لذتي %~% ولأسعدن أخي على لذاته # وابن غسان هذا مليح الأدب، وهو الذي يقول في ابن نصر العامل- وقد عالجه ~~من علة فلم يتفقده ولم يقض حقه-: # هب الشعراء تعطيهم رقاعا %~% مزورة كلاما عن كلام # فلم صلة الطبيب تكون زورا %~% وقد أهدى الشفاء من السقام # عجبت لمن نمته أرض لؤم %~% وبخل لم يعد من الكرام # نسبت إلى السماجة لا لشيء %~% سوى نقصان لؤمك في اللئام # عنى بها أنه من أصبهان ، وكان آخر حديث ابن غسان ما عرفته، فإنه غرق ~~نفسه في كرداب كلواذي، وذلك لأسباب تجمعت عليه من صفر اليد، وسوء ~~الحال، وجرب أكل بدنه، وعشق أحرق كبده على غلام (الآمدي الحلاوي) بباب ~~الطاق، وحيرة عزب ms234 معها عقله، وخذله رأيه، وملكه حينه، ونسأل الله حسن ~~العقبى بدرك المنى، وليس للإنسان من أمره شيء، وما هو آئض إليه فهو ~~مملوك عليه، يصرفه فيما يصرف فيظن أنه أتى من قبله، ولعمري من غلط غلط، ومن ~~غولط غالط، والكلام في هذا غاش والإغراق فيه موسوس، والإعراض عنه أجلب ~~للأنس، وما أحسن ما قال القائل: # إذا استعفيت من أسر الليالي %~% تصرفني فأسري في خلاصي # ولولا طيش القلم وتشعب الخاطر، وشرود الرأي، ما عثرت بهذا الموضع ولا ~~علقت بهذا الحبل، نعم. # ولا طرب ابن نباتة الشاعر على صوت الخاطف إذا غنت. # تلتهب الكف من تلهبها %~% وتحسر العين إن تقصاها # كأن نارا بها محرثة %~% تهابها مرة وتغشاها # نأخذها تارة وتأخذنا %~% فنحن فرسانها وصرعاها PageV01P273 # ولا طرب ابن العوذي إذا سمع غناء ترف الصابئة في صوتها، عند نشاطها ~~ومرحها، وهواها حاضر، وطرفها إليه ناظر: # لب الهوى كلما دعاكا %~% ولاح في الحب من لحاكا # من لام في الحب أو نهاكا %~% فزده في غيك انهماكا # إن لم تكن في الهوى كذاكا %~% نال لذاته سواكا # ولا طرب المعلم غلام الحصري شيخ الصوفية إذا سمع ابن بهلول يغني في رحبة ~~المسجد بعد الجمعة وقد خف الزحام: # وقال لي العذول تسل عنها %~% فقلت له: أتدري ما تقول؟ # هي النفس التي لابد منها %~% فكيف أزول عنها أو أحول؟ # ولا طرب ابن الغازي على جارية العمي في مجلسها الغاص بنبلاء الناس بين ~~السورين : # يلحى، ولو أرقه ميعاد %~% أو راعه الإعراض والإبعاد # أو هره الأعداء والحساد %~% أو سلقته الألسن الحداد # ما لام من ليس له فؤاد # ولا طرب ابن صبر القاضي قبل القضاء على غناء درة جارية أبي بكر الجراحي ~~في درب الزعفراني التي لا تقعد في السنة إلا في رجب، إذا غنت: # لست أنسى تلك الزيارة لما %~% طرقتنا وأقبلت تتثنى # طرقت ظبية الرصافة ليلا %~% فهي أحلى من جس عودا وغنى # كم ليال بتنا نلذ ولهو %~% ونسقى شرابنا ونغنى # هجرتنا فما إليها سبيل %~% غير أنا نقول: كانت وكنا # وإذا بلغت «كانت وكنا» ms235 رأيت الجيب مشقوقا، والذيل مخروقا، والدمع منهملا، ~~والبال منخذلا، ومكتوم السر في الهوى باديا، ودليل العشق على صاحبه مناديا. # ولا طرب ابن حجاج الشاعر على غناء قنوة البصرية، وهي جارته وعشيقته، وله ~~معها أحاديث، ومع زوجها أعاجيب، وهناك مكايدات، ورمي ومعايرات، وإفشاء ~~نكات، إذا أنشدت: # يا ليتني أحيا بقربهمو %~% فإذا فقدتهم انقضى عمري PageV01P274 # ثم ثنت بصوتها الآخر: # هبيني امرأ إما بريئا ظلمته %~% وإما مسيئا تاب بعد فأعتبا # فكنت كذي داء تبغى لدائه %~% طبيبا فلما لم يجده تطببا # ولا طرب ابن معروف قاضي القضاة على غناء علية إذا رجعت لحنها في حلقها ~~الحلو الشجي بشعر ابن أبي ربيعة: # أنيري مكان البدر إن أفل البدر %~% وقومي مقام الشمس ما استأخر الفجر # ففيك من الشمس المنيرة نورها %~% وليس لها منك المحاجر والثغر # ولا طرب ابن إسحاق الطبري على صوت درة البصرية إذا غنت: # يا ذا الذي زار وما زارا %~% كأنه مقتبس نارا # قام بباب الدار من زهوه %~% ما ضره لو دخل الدارا # لو دخل الدار فكلمته %~% بحاجتي ما دخل النارا # نفسي فداه اليوم من زائر %~% ما حل حتى قيل قد سارا # ولا طرب ابن الأزرق الجرجرائي على غناء سندس جارية ابن يوسف صاحب ديوان ~~السواد إذا تشاجت وتدللت، وتفتلت وتقتلت ، وتكسرت وتيسرت، وقالت: # أنا والله كسلانة مشغولة القلب بين أحلام أراها رديئة، وبخت إذا استوى ~~التوى، وأمل إذا ظهر عثر، ثم اندفعت وغنت: # مجلس صبين عميدين %~% ليسا من الحب بخلوين # قد صيرا روحيهما واحدا %~% واقتسماه بين جسمين # تنازعا كأسا على لذة %~% قد مزجاها بين دمعين # الكأس لا تحسن إلا إذا %~% أدرتها بين محبين # ولا طرب ابن سمعون الصوفي على ابن بهلول إذا أخذ القضيب وأوقع ببنانه ~~الرخص، ثم زلزل الدنيا بصوته الناعم، وغنته الرخيمة، وإشارته الخالبة، ~~وحركته المدغدغة، وظرفه البارع، ودماثته الحلوة، وغنى: # ولو طاب لي غرس لطابت ثماره %~% ولو صح لي غيبي لصحت شهادتي # تزهدت في الدنيا وإني لراغب %~% أرى رغبتي ممزوجة بزهادتي # أيا نفس ما الدنيا بأهل لحبها %~% دعيها لأقوام عليها ms236 تعادت PageV01P275 # ولا طرب ابن حيويه على غلام الأمراء إذا غنى: # قد أشهد الشارب المعذل لا %~% معروفه منكر ولا حصر # في فتية ليني المآزر لا %~% ينسون أخلاقهم إذا سكروا # وغلام الأمراء هو الذي يقول فيه القائل: # أبو العباس قد حج %~% وقد عاد وقد غنى # وقد علق عنازا %~% فهذا هم كما كنا # وأصحابنا يستملحون قوله (هم) هاهنا، ويرونه من العي الفصيح. # ولا طرب أبي سليمان المنطقي إذا سمع غناء هذا الصبي الموصلي النابغ الذي ~~قد فتن الناس وملأ الدنيا عيارة وخسارة، وافتضح به أصحاب النسك والوقار، ~~وأصناف الناس من الصغار والكبار، بوجهه الحسن، وثغره المبتسم، وحديثه ~~الساحر، وطرفه الفاتر، وقده المديد، ولفظه الحلو، ودله الخلوب، وتمنعه ~~المطمع، وإطماعه الممنع وتشكيكه في الوصل والهجر، وخلطه الإباء بالإجابة، ~~ووقوفه بين لا ونعم. إن صرحت له كنى، وإن كنيت له صرح، يسرقك منك، ويردك ~~عليك، يعرفك منكرا لك، وينكرك عارفا بك، فحاله حالات، وهدايته ضلالات، وهو ~~فتنة الحاضر والبادي، ومنية السائق والهادي، في صوته الذي هو من قلائده: # عرفت الذي بي فلا تلحني %~% فليس أخو الجهل كالعالم # وكنت أخوفه بالدعا %~% وأخشى عليه من الماثم # فلو كنت أبصرت مثلا له %~% إذا لمت نفسي مع اللائم # فلما أقام على ظلمه %~% تركت الدعاء على الظالم # ولا طرب أبي عبد الله البصري على إيقاع ابن العصبي إذا أوقع بقضيبه وغنى ~~بصوته: # أنسيت الوصل إذ بت %~% نا على مرقد ورد # واعتنقنا كوشاح %~% وانتظمنا نظم عقد # وتعطفنا كغصنى %~% ن فقدانا كقد # وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطي، وقدح في دينه، وألصق به الريبة، واستحل ~~في عرضه الغيبة، ولقبه بالمنفر عن المذهب، وقاطع الطريق على المسترشد. # ولا طرب ابن الوراق على روعة جارية ابن الرضي في الرصافة إذا غنت: # وحق محل ذكرك من لساني %~% وقلبي حين أخلو بالأماني # لقد أصبحت أغبط كل عين %~% تعاينها فتسعد بالعيان PageV01P276 # ولا طرب السندواني على ابن الكرخي إذا غنى: # هجرتني ثم لا كلمتني أبدا %~% إن كنت خنتك في حال من الحال # فلا انتجيت نجيا في خيانتكم %~% ولا جرت ms237 خطرة منه على بال # فسوغيني المنى كيما أعيش بها %~% ثم احبسي البذل ما أطلقت آمالي # أو ابعثي تلفا إن كنت قاتلتي %~% إلي منك بإحسان وإجمال # ولا طرب الحريري الشاهد على حلية جارية أبي عائذ الكرخي «إذا أخذت في ~~هزارها» ، واشتعلت بنارها وغنت: # قالت بثينة لما جئت زائرها %~% سبحان خالقنا ما كان أوفاكا # وعدتنا موعدا تأتي لنا عجلا %~% وقد مضى الحول عنا ما رأيناكا # إن كنت ذا غرض أو كنت ذا مرض %~% أو كنت ذا خلة أخرى عذرناكا # ولا طرب أبي سعيد الصائغ على جاريته ظلوم إذا قلبت لحنها إلى حلقها ~~واستنزلته من الرأس، ثم أوقعت فغنت: # فيا لك نظرة أودت بعقلي %~% وغادر سهمها مني جريحا # فليت مليكتي جادت بأخرى %~% وأعلم أنها تنكا القروحا # فإما أن يكون بها شفائي %~% وإما أن أموت فأستريحا # ولا طرب الزهري على خلوب جارية أبي أيوب القطان إذا أهلت واستهلت، ثم ~~اندفعت وغنت: # إذا أردت سلوا كان ناصركم %~% قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر # فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم %~% فكل ذلك محمول على القدر # وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم %~% حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر # وأبو عبد الله المرزباني شيخنا إذا سمع هذا جن واستغاث، وشق الجيب وحولق ~~وقال: يا قوم أما ترون إلى العباس بن الأحنف، ما يكفيه أن يفجر حتى يكفر؟ ~~متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر؟ ومتى قدر ~~الله هذه الأشياء وقد نهى عنها، ولو قدرها كان قد رضي بها، ولو رضي بها لما ~~عاقب عليها، لعن الله الغزل إذا شيب بمجانة، والمجانة إذا قرنت بما يقدح في ~~الديانة. ورأيت أبا صالح الهاشمي يقول له: هون عليك يا شيخ، فليس هذا كله ~~على ما تظن، القدر يأتي على كل شيء، ويتعلق بكل شيء، ويجري بكل شيء، وهو سر ~~الله المكتوم، كالعلم الذي يحيط بكل شيء، وكل ما جاز أن يحيط به علم جاز أن ~~يجري به قدر، وإذا جاز هذا جاز أن ينشره خبر، وما هذا التضايق والتحارج في ~~هذا ms238 PageV01P277 # المكان، والشاعر يهزل ويجد، ويقرب ويبعد، ويصيب ويخطئ، ولا يؤاخذ بما ~~يؤاخذ به الرجل الديان، والعالم ذو البيان. # ولا طرب ابن المهدي على جارية بنت خاقان المشهورة بعلوة إذا غنت: # أروع حين يأتيني الرسول %~% وأكمد حين لا يأتي الرسول # أؤ ملكم وقد أيقنت أني %~% إلى تكذيب آمالي أؤول # ولا طرب أبي طاهر بن المقنعي المعدل على علوان غلام ابن عرس فإنه إذا حضر ~~وألقى إزاره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم بل عبدكم ~~لأخدمكم بغنائي، وأتقرب إليكم بولائي، وأساعدكم على رخصي وغلائي، من أرادني ~~مرة أردته مرات، ومن أحبني رياء أحببته إخلاصا، ومن بلغ بي بلغت به، لم ~~أبخل عليكم بحسني وظرفي، ولم أنفس بهما عليكم، وإنما خلقت لكم، ولم أغاضبكم ~~وأنا آملكم غدا إذا بقل وجهي، وتدلى سبالي، وولى جمالي، وتكسر خدي، وتعوج ~~قدي، ما أصنع؟ حاجتي والله إليكم غدا أشد من حاجتكم إلي اليوم، لعن الله ~~سوء الخلق، وعسر الطباع، وقلة الرعاية، واستحسان الغدر. فيمر في هذا وما ~~أشبهه كلام كثير، فلا يبقى من الجماعة أحد إلا وينبض عرقه، ويهش فؤاده، ~~ويذكر طمعه ويفكه قلبه، ويتحرك ساكنه، ويتدغدغ روحه، ويومئ إليه بقبلته، ~~ويغمزه بطرفه، ويخصه بتحية، ويعده بعطية، ويقابله بمدحة، ويضمن له منحة، ~~ويعوذه بلسانه، ويفضله على أقرانه، ويراه واحد أهل زمانه، فيرى ابن المقنعي ~~وقد طار في الجو، وحلق في السكاك، ولقط بأنامله النجوم، وأقبل على الجماعة ~~بفرح الهشاشة، ومرح البشاشة، فيقول: كيف ترون اختياري وأين فراستي من فراسة ~~غيري، أبي الله لي إلا ما يزينني، ولا يشينني، ويزيد في جمالي، ولا ينقص من ~~حالي، ويقر عيني ولبي، ويقصم ظهر عدوي، هات يا غلام ذلك الثوب الدبيقي وذلك ~~البرد الشطوي، وذلك الفروج الرومي، وتلك السكة المطيبة، والبخور المدخر في ~~الحقة، وهات الدينار الذي فيه مائة مثقال أهداه لنا أمس أبو العلاء الصيرفي ~~فإنه يكفيه لنفقة أسبوع، ما أحسن سكته، وأحلى نقشه! ما رأيت في حسن ~~استدارته شبها، وعجل لنا يا غلام ما أدرك عند الطباخ، من ms239 الدجاج والفراخ، ~~والبوارد والجوزيات وتزايين المائدة، وصل ذلك بشراء أقراط وجبن وزيتون من ~~عند كبل البقال في الكرخ، وقطائف حبش، وفالوذج عمر، وفقاع زريق، ومخلط ~~خراسان من عند أبي زنبور، ولو كنا نشرب لقلنا: وشراب صريفين من عند ابن ~~سورين، ولكن إن أحببتم أن أحضر بسببكم ومن أجلكم فليس في الفتوة أن أمنعكم ~~من أربكم بسبب ثقل روحي وقلة مساعدتي، لعن الله الشهادة، فقد حجبتني عن كل ~~شهوة وإرادة، وما أعرف في العدالة، إلا فوت الطلبة والعلالة. PageV01P278 # وما أحسن ما قال من قال: # ما العيش إلا في جنون الصبى %~% فإن تولى فجنون المدام # هذا كله يمر وما هو أشجى منه وأرق، وأعجب وأظرف، ثم يندفع علوان ويغني في ~~أبيات بشار: # ألا يا قوم خلوني وشاني %~% فلست بتارك حب الغواني # نهوني يا عبيدة عن هواكم %~% فلم أقبل مقالة من نهاني # فإن لم تسعفي فعدي ومني %~% خداعا لا أموت على بيان # ولا طرب أبي سعيد الرقي على غناء مذكورة إذا اندفعت وغنت: # سررت بهجرك لما علمت %~% بأن لقلبك فيه سرورا # ولولا سرورك ما سرني %~% ولا كان قلبي عليه صبورا # ولكن أرى كل ما ساءني %~% إذا كان يرضيك سهلا يسيرا # ولا طرب ابن مياس على غناء حبابة جارية أبي تمام إذا غنت: # صددنا كأنا لا مودة بيننا %~% على أن طرف العين لابد فاضح # ومد إلينا الكاشحون عيونهم %~% فلم يبد منا ما حوته الجوانح # وصافحت من لاقيت في البيت غيرها %~% وكل الهوى مني لمن لا أصافح # وحبابة هذه كانت تنوح أيضا، وكانت في النوح واحدة لا أخت لها، والناس ~~بالعراق تهالكوا على نوحها، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به. وقدم من ~~شاش خراسان أبو مسلم- وكان في مرتبة الأمراء- فاشتراها بثلاثين ألف درهم ~~معزية، وخرج بها إلى المشرق، فقيل: إنها لم تعش به إلا دون سنة لكمد لحقها، ~~وهوى لها ببغداد ماتت منه. # ورأيت لها أختا يقال لها صبابة، وكانت في الحسن والجمال فوقها، وفي ~~الصنعة والحذق دونها، وزلزلت هذه بغداد في وقتها، ولم يكن ms240 للناس غير ~~حديثها، لنوادرها، وحاضر جوابها، وحدة مزاجها، وسرعة حركتها، بغير طيش ولا ~~إفراط، وهذه شمائل إذا اتفقت في الجواري الصانعات المحسنات خلبن العقول، ~~وخلسن القلوب، وسعرن الصدور، وعجلن بعشاقهن إلى القبور. # ولا طرب الكناني المقرئ الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها: # عهود الصبى هاجت لي اليوم لوعة %~% وذكر سليم حين لا ينفع الذكر # بأرض بها كان الهوى غير عازب %~% لدينا وغض العيش مهتصر نضر PageV01P279 # كأن لم نعش يوما بأجراع بيشة %~% بأرض بها أنشا شبيبتنا الدهر # بلى إن هذا الدهر فرق بيننا %~% وأي جميع لا يفرقه الدهر # ولا طرب غلام بابا على جارية أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنت: # ليت شعري بك هل تع %~% لم أني لك عاني # فلقد أسررته من %~% ك وأطلعت الأماني # وتوهمتك في نف %~% سي فناجاك لساني # فاجتمعنا وافترقنا %~% بالأماني في مكان # ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين، والأغاني من الرجال والصبيان ~~والجواري والحرائر- لطال وأمل، وزاحمت كل من صنف كتابا في الأغاني ~~والألحان، وعهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة. # وقد أحصينا- ونحن جماعة في الكرخ- أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ~~ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذق ~~والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته ~~وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا ~~نشط في وقت، أو ثمل في حال، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه، وترنم ~~وأوقع، وهز رأسه، وصعد أنفاسه، وأطرب جلاسه، واستكتمهم حاله، وكشف عندهم ~~حجابه، وادعى الثقة بهم، والاستنامة إلى حفاظهم. # ثم إني أرجع إلى منقطع الكلام في الصفحة الأولى من هذا الجزء الثالث ~~وأصله بالدعاء الذي أسأل الله أن يقبله فيك، ويحققه لك وبك، وأقول: وأبقاك ~~لي خاصة، فقد تعصبت لي غائبا وشاهدا، وتعممت بسببي سرا وجهرا، وبدأت ~~بالتفضل، وعدت بالإفضال، وتظاهرت بالفضل، فإن استزدتك فللنهم الذي قلما ~~يخلو منه بشر، وإن تظلمت فللدالة التي تغلط بها الخدم، وإن خاشنت فللثقة ~~بحسن الإجاب، ms241 وإن غالظت فلعلمي بغالب الحلم وفرط الاحتمال، وما افترق الكرم ~~والتغافل قط، وما افترق المجد والكيس قط، وليس إلا أن يظلم السيد نفسه ~~لعبده في الحقوق اللازمة وغير اللازمة، ويعرض عن الحجة وإن كانت له، والناس ~~يقولون: الحق مر، وأنا أقول: السؤدد مر، والرئاسة ثقيلة، والنزول تحت الغبن ~~شديد، لكن ذلك كله منبت العز، ودليل على صحة الأصل، وباب إلى اكتساب الحمد، ~~وإشادة الذكر، وإبعاد الصيت، ومكرم النفس بإهانة المال وبذل الجاه وإيثار ~~التواضع أربح تجارة، وأحمى حريما، وأعز ناصرا من مهين النفس بصيانة المال ~~وحبس الجاه واستعمال التكبر، هذا PageV01P280 # ما لا يشك فيه أحد وإن أباه طباعه، ولم يساعده اختياره، وكان في طينه ~~يبس، وفي منبته شوك، وفي عرقه خور، وفي خلقه تيه. # وقد رأيت ناسا من عظماء أهل الفضل والمروءة عابوا مذهب الرجل الذي ماكس ~~في شيء تافه يسير اشتراه، قيل له: أنت تهب أضعاف هذا، فما هذا المكاس؟! ~~فقال: هذا عقلي أبخل به، وتلك مروءتي أجود بها. # وأكثر الناس الذين لم يغوروا في التجارب، ولا أنجدوا في الحقائق، يرون ~~هذا حكمة تامة، وفضيلة شريفة. # فأما الذين ذكرتهم في أول الحديث فإنهم قالوا: لا تتم المروءة وصاحبها ~~ينظر في الدقيق الحقير، ويعيد القول ويبدئه في الشيء النزر الذي لا مرد له ~~ظاهر، ولا جدوى حاضرة. # وذكروا أيضا أن العقل أشرف من أن يذال في مثل هذه الحال، ويستخدم على هذا ~~الوجه، قالوا: هذا وما هو في بابه بالكيس أشبه، والكيس يحمد في الصبيان، ~~وهو من مبادئ اللؤم، وفوائح صدإ الخلق، وقد قال الأول: # وقد يتغابى المرء عن عظم ماله %~% ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو # ولذلك يقال للحيوان الذي لا ينطق: هو كيس. # هذا والله الصدق، فإني سمعت بمكة أعرابيا يقول: ما أكيس هذا القط؟! ~~قالوا: ولذلك لا يقال للشيخ المجرب والحكيم البليغ والأصيل في الشرف ~~والمشهور بالزماتة والسكينة: كيس. والكيس هو حدة الحس في طلب المثالة ودفع ~~الكريهة وبلوغ الشهوة. والحس بعيد من العقل، والعالي في الحس ms242 كأنه يرتقي في ~~وادي الحيوان الذي لا نطق له، والعالي في العقل كأنه مطمئن في وادي الملك ~~الذي لا حس له، والملك لم يعدم الحس لنقصه، ولكن لكماله، لأنه غني عنه، كما ~~أن الحمار لم يعدم العقل لكماله، ولكن لنقصه ولما لم يرد من الحمار أن يكون ~~إنسانا جبل على ما هو له وبه كامل في نقصه، أي هو كامل بما هو به حمار ~~وناقص بما ليس هو به إنسانا، ولما لم يرد من الإنسان أن يكون حمارا حفظ ~~عليه ما هو به إنسان، ودرج إلى كمال الملك الذي هو به شبيه، وهذا التدريج ~~طريقه على الاختيار الجيد والتوفيق السابق. # وبعدت- جعلني الله فداك- عن منهج القول وسنن الحديث، وأطعت داعية ~~الوسواس، وذهبت مع سانح الوهم، وقد قيل: «الحديث ذو شجون» . # وقد قال الأول: # ولما قضينا من منى كل حاجة %~% ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا %~% وسالت بأعناق المطي الأباطح PageV01P281 # فأرجع وأقول: # قد أوصلت إليك الجزأين الأول والثاني على يد غلامك فائق، وهذا الجزء- وهو ~~الثالث- قد والله نفثت فيه كل ما كان في نفسي من جد وهزل، وغث وسمين، وشاحب ~~ونضير، وفكاهة وطيب، وأدب واحتجاج، واعتذار واعتلال واستدلال، وأشياء من ~~طريف الممالحة على ما رسم لي، وطلب مني، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة ~~وصلتها بكلام في خاص أمري ستقف عليه، وتستأنف نظرا في حالي، يكون- إن شاء ~~الله- كظني بك، ورجائي فيك، وفيه بعض العربدة لم أخرج منه إلى كفران لنعمة، ~~ولا جحد لإحسان، ولا ستر ليد، ولا إنكار لمعروف، ولا شك في عناية، وإنما ~~تكلمت على مذهب المدل المقل الذي يبعثه إقلاله على تجاوز قدره بالدالة، ~~ويريع به إدلاله عن حسن أدبه بفرط الثقة، ورب واثق خجل، وبالله المعاذ من ~~ذلك، وفي الحالين صاحب هذا المذهب لا يخلو من ولاء صحيح المعتقب، وعقيدة ~~كسبيكة الذهب، وأنت بكرم طباعك، وسعة باعك، تجبر نقصي، وتأسو ما غث من ~~جراحي، وأمات اهتمامي، ومن كان إحسانك إليه مشكورا، وتعذيرك عنده مستورا، ~~لخليق أن يكون على ms243 بالك خاطرا، وبلسانك مذكورا، والسلام. # وها أنا آخذ في نشر ما جرى على وجهه إلا ما اقتضى من الزيادة في الإبانة ~~والتقريب، والشرح والتكشيف. # وقد جمعت لك جميع ما شاهدته في هذه المدة الطويلة، ليكون حظك من الكرم ~~والمجد موفورا، ونصيبي من اهتمامك بأمري وجذبك بباعي وإنقاذك إياي من أسري ~~تاما، فظني واعد بأنك تبلغ بي ما آمله فيك وتتجاوزه وتتطاول إلى ما فوقه، ~~لأزداد عجبا مما خصك الله به، وأفردك فيه، وأتحدث على مر الأيام بغريبه، ~~وأحث كل من أراه بعدك على سلوك طريقك في الخير، ولزوم منهاجك في الجميل، ~~والدينونة بمذهبك المستقيم، وأكايد أصحابنا ببغداد، وأقول لهم: هل كان في ~~حسبانكم أن يطلع عليكم من المشرق من يزيد ظرفه على ظرفكم، «ويبعد بعلمه على ~~علمكم» ، ويبرز هذا التبريز في كل شيء تفخرون به على غيركم، فأناظرهم فيك ~~وبسببك، لا مناظرة الحنبليين مع الطبريين، وأتعصب لك، لا تعصب المفضليين ~~والبرغوثيين، وأجادل من أجلك، لا جدل الزيديين مع الإماميين، وأدعي في ~~فضائلك الظاهرة والباطنة دعوى أقوى من دعوى الشيعيين، وأضرب في ذلك كل مثل، ~~وأستعين بكل سجع، وأروي كل خبر، وأنشد كل بيت، وأعبر كل رؤيا، وأقيم كل ~~برهان، وأستشهد كل حاضر وغائب، وأتأول كل مشكل وغامض، وأضيف إليك الآية بعد ~~الآية، والمعجزة بعد المعجزة، وأنصلت لكل ضريبة، وأدعي كل غريبة، هذا ولا ~~أخلط كلامي بالهزل، ولا أشين دعواي بالمحال، ولا أبعد الشاهد، ولا أتعلق PageV01P282 # بالمستعجم، ولا أجنح إلى التلفيق والتلزيق، وكيف لا أفعل هذا ولي في قول ~~الحق فيك مندوحة، وفي تقديم الصدق على غيره كفاية، وفي نشر المطوي من فضلك ~~بلاغ؟ وإنما يميل إلى الكذب من قعد به الصدق، ويتيمم بالصعيد من فاته ~~الماء، ويحلم بالمنى من عدم المتمنى في اليقظة، فأما أنت وقد ألبسك الله ~~رداء الفضل، وأطلعك من منبت كريم، ودرجك من بيت ضخم، وآتاك الحكمة، وفتق ~~لسانك بالبيان، وأترع صدرك بالعلم، وخلط أخلاقك بالدماثة، وشهرك بالكرم، ~~وخفف عليك النهوض بكل ما يكسبك الشكر من القريب ms244 والبعيد، وبكل ما يدخر لك ~~الأجر عند الصادر والوارد، حتى صرت كهفا لأبناء الرجاء، ومفزعا لك لبني ~~الآمال، فبابك مغشي مزور، وفناؤك منتاب وخوانك محضور، وعلمك مقتبس، وجاهك ~~مبذول، وضيفك محدث، وكتبك مستعارة، وغداؤك حاضر، وعشاؤك معجل، ووجهك مبسوط، ~~وعفوك محمود، وجدك مشكور، وكل أمرك قائم على النهاية، وبالغ الغاية، والله ~~يزيدك ويزيدنا بك، ولا يبتلينا بفقد ما ألفناه منك، بمنه وجوده. PageV01P283 ### || الليلة التاسعة والعشرون # قال الوزير- أعز الله نصره، وأطاب ذكره، وأطار صيته- ليلة: أحب أن أسمع ~~كلاما في قول الله عز وجل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن # [الحديد: 3] ، فإن هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر. # فكان من الجواب: إن الإشارة في «الأول» إلى ما بدأ الله به من الإبداع ~~والتصوير، والإبراز والتكوين، والإشارة في «الآخر» إلى المصير إليه في ~~العاقبة على ما يجب في الحكمة من الإنشاء والتصريف، والإنعام والتعريف، ~~والهداية والتوقيف. # وقد بان بالاعتبار الصحيح أنه عز وجل لما كان محجبا عن الأبصار، ظهرت ~~آثاره في صفحات العالم وأجزائه، وحواشيه وأثنائه، حتى يكون لسان الآثار ~~داعيا إلى معرفته، ومعرفته طريقا إلى قصده، وقصده سببا للمكانة عنده ~~والحظوة لديه. على أنه في احتجابه بارز، كما أنه في بروزه محتجب، وبيان هذا ~~أن الحجاب من ناحية الحس والبروز من ناحية العقل، فإذا طلب من جهة الحس وجد ~~محجوبا، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى، ~~ولكنها للإنسان الذي له الحس والبروز من ناحية العقل، فإذا طلب من جهة الحس ~~وجد محجوبا، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا، وهاتان الجهتان ليستا له ~~تعالى، ولكنها للإنسان الذي له الحس والعقل، فصار بهما كالناظر من مكانين، ~~ومن نظر إلى شيء واحد من مكانين كانت نسبته إلى المنظور إليه مفترقة. وإنما ~~شق هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه، لأنهم راموا تحقيق ما لا يحس ~~بالحس، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوب من الحس، لكان المروم يسبق ~~الرائم، والمطلوب يلوح قبالة الطالب من غير شك لابس، ولا ms245 ريب موحش، لأنه ~~ليس في العقل والمعقول شك، وإنما الريب والشك والظن والتوهم كلها من علائق ~~الحس وتوابع الخلقة، ولولا هذه العوارض لما اغبر وجه العقل، ولا علاه شحوب، ~~ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته. ولما كان الإنسان مفيض هذه الأعراض ~~في الأول، صار مفيض هذه الأحوال في الثاني، فاستعار من العقل نوره في وصف ~~الأشياء الجسمية جهلا منه وخطأ، واستعار من ظلام الحس في وصف الأشياء ~~الروحانية عجزا منه ونقصا، ولو وفق لوضع كل شيء موضعه ونسبه إلى شكله، ولم ~~يرفع الوضيع إلى محل الرفيع، ولم يضع الرفيع في موضع الوضيع. # فلما بلغ الحديث هذا الحد، عجب الوزير وقال: ما أعذب هذا المورد! وما PageV01P284 # أعجب هذا المشهد! وما أبعد هذا المقصد! وما أرى لمصنف من الموحدين متصرفا ~~في هذا النوع إلا لهذه العصابة الكريمة المخصوصة باليقظة. # وسأل عن جشم في اسم الرجل ما معناه؟ # فكان من الجواب: إن أبا سعيد السيرافي الإمام ذكر عن ابن الأعرابي أنه ~~يقال: # «رجل عظيم الجشم» ، يعني وسطه، ومنه سمي جشم. # وقال: ما الحمحم؟ وما الخمخم؟ # فقيل: أما الحمحم فبقل يهيج في أول الصيف وينبت فيؤكل في ذلك الوقت، وأما ~~الخمخم فبقل آخر خبيث منتن الريح. # وقال: فأرة المسك، أتقولها بالهمز؟ # فكان من الجواب: حكاه ابن الأعرابي بالهمز. # قال: عارضا الرجل ما يعنى بهما؟ # قيل: قال أبو سعيد السيرافي: هما شعر خديه، ولو قلت لأمرد: امسح عارضيك ~~كان خطأ. # وقال: سمعت اليوم في كلام ابن عبيد: لايثه، وظننت أنه أراد: لاوثه من ~~اللوث لوث العمامة. # فقيل: بل يقال: لايثه إذا تشبه بالليث. # وقال: ما الشاكد؟ # فقيل: المعطي من غير مكافأة. # قال: أوتهمز الكلمة؟ # فقيل: إني لو لم أهمز لكان مفاعلة من كفيت. # قال: والثانية؟ تكون من كفأت الإناء. فما معناه؟ # قيل: قال أبو سعيد: كأنه قلب الحال إليه بالمثل. # قال: الذود، ما قدر عدده من الإبل؟ # فكان من الجواب: أن ابن الأعرابي قال: الذود ما بين الثلاثة إلى العشرة. ~~وإذا بلغت العشرين أو قاربت ms246 فهي قطعة وصبة وفرقة وصرمة حتى تبلغ الثلاثين ~~والأربعين. # ثم هي حدرة وعكرة وعجرمة حتى تبلغ مائة. ثم هنيدة. فإذا بلغت مائتين فهي ~~خطر. # وكذلك الثلاثمائة. فإذا بلغت أربعمائة فهي عرج إلى الألف، والجماعة عروج. ~~فإذا كثرت عن الأربعين والخمسين فبلغت مائة وزادت فهي جرجور، وإنما سميت ~~جرجورا لجراجرها وأصواتها. وقد تستعير العرب بعض هذا فتجعله في بعض. # وقال: ما الفرق بين القبص والقبض؟ PageV01P285 # فقيل: القبص لعدد ما كان قليلا أو كثيرا، قال ابن الأعرابي: وأنشدني ~~العامري لابن ميادة: # عطاؤكم قبض ويحفن غيركم %~% وللحفن أغنى للفقير من القبص # وقال: القبص بأطراف الأصابع، والقبض بالكف، والحفن بالكف والراحة إلى فوق ~~مفتوحة قليلا. هذا لفظه. # وقال: الإل الذي هو العهد هل يجمع؟ # فقيل: حكى ابن الأعرابي في جمعه، فقال: إلال وألول. # وقال: آم الرجل ماذا؟ # فقيل: هذا على وجوه، يقال: آم الرجل يؤوم أواما من العطش، ويقال آم الرجل ~~يؤوم إياما، وهو الدخان. وآم الرجل يئيم إذا بقي بغير حليلة، والأيم مستعمل ~~في الرجل والمرأة. # قال: هذا نمط مفيد، ويجب أن يجمع منه جزء أو جزآن ليسهل على الطرف المجال ~~فيه، فإن الكتب الطوال مسئمة، وإذا تداخل اللطيف بالكثيف وما رق بما غلظ ~~نبت النفس، ودب الملل والإنسان كسله من طينه، ونشاطه من نفسه، والطين أغلب ~~من النفس. # فكان الجواب: السمع والطاعة للأمر المشرف. # قال: هات حديثا يكون مقطعا للوداع، فإن الليل قد عبس وجهه، وجنح كاهله، ~~وأهدى إلى العين سنة تسرق الذهن وتسبي الرأي. # فكان من الجواب أنه مر بي اليوم حديث يضارع ما جرى منذ ليال في فساد ~~الناس وحؤول الزمان، وما دهم الخاص والعام في حديث الدين الذي هو العمود ~~والدعامة في عمارة الدارين، وقد طال تعجبني منه، وصح عندي أن الداء في هذا ~~قديم، والوجع فيه أليم. # قال: فهات فتشبيبك قد رغب شديدا، وغرامك قد بعث جديدا. # فكان من ذلك الحديث أن محمد بن سلام قال فيما حدثنا به أبو السائب القاضي ~~عتبة بن عبيد الله قال: حدثنا ms247 السكري أبو سعيد قال: قال محمد بن سلام: # سمعت يونس يقول: فكرت في أمر فاسمعوه. قلنا: هاته. قال: كل من أصبح على ~~وجه الأرض من أهل النار إلا أمتنا هذه، والسلطان ومن يطيف به هلكى إلا ~~قليلا، PageV01P286 # فإذا قطعت هذه الطبقة حتى تبلغ الشأم فأكلة ربا وباغية وشربة خمر وباعتها ~~إلا قليلا، فإذا خلفت هذا الرمل حتى تأتي رمل يبرين وأعلام الروم فلا غسل ~~من جنابة، ولا إسباغ وضوء، ولا إتمام صلاة، ولا علم بحدود ما أنزل الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا، فإذا صرت إلى الأمصار فأصحاب هذه ~~الكراسي ليس منهم إلا ذئب مستغر بذنبه، يختلك عن دينارك ودرهمك، يكذب، ~~ويبخس في الميزان، ويطفف في المكيال، إلا قليلا، فإذا صرت إلى أصحاب الغلات ~~الذين كفوا المؤونة وأنعم عليهم وجدتهم يمسي أحدهم سكران ويصبح مخمورا، إلا ~~قليلا، ومعي والله منهم قطيع في الدار، فإذا صرت إلى قوم لم ينعم عليهم بما ~~أنعم على هؤلاء، وهم يشتهون ما يشتهي هؤلاء، فواحد لص، وآخر طرار ، ~~وآخر مستقف إلا قليلا، فإذا صرت إلى أصحاب هذه السواري ، فهذا يشهد ~~على هذا بالكفر. وهذا يبرأ من هذا، والله لئن لم يعمنا الله برحمته إنها ~~للفضيحة. # فقال الوزير: لقد شردت النوم عن عيني، وملأت قلبي عجبا، فإن الأمر لكما ~~قال، فإذا كان هذا قوله في عصره، وشجرة الدين على نضارة أغصانها وخضرة ~~أوراقها، وينع ثمارها، فما قوله- ترى- فينا لو لحقنا، وأدرك زماننا، إنا ~~لله وإنا إليه راجعون. PageV01P287 ### || الليلة الثلاثون # وقال الوزير- أدام الله أيامه-: سراويل يذكر أم يؤنث، ويصرف أم لا؟ # فكان الجواب: أن علي بن عيسى حدثنا عن شيخه ابن السراج قال: سألت المبرد ~~فقلت: إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصرف في مثل شعره ~~هراميل وهذه سراويل وما أشبهه، فقال: ألحقه بالجمع فامنعه الصرف، لأنه مثله ~~وشبيهه. # قال: وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: أخبرنا سلمة عن الفراء قال: # ألحقه بأحمد فامنعه الصرف في المعرفة، واصرفه في النكرة ms248 حتى يكون بين ~~الواحد والجمع فرق. # وسأل فقال: ما واحد المناخيب والمناجيب وما حكمهما؟ # فكان من الجواب: واحد المناخيب منخاب، يمدح به ويذم، فإذا كان مدحا فهو ~~مأخوذ من النخب، وهو الاختيار، وإذا كان ذما فهو مأخوذ من النخبة، وهي ~~الاست. قال: وهكذا المنجاب يكون مدحا وذما، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من ~~الانتجاب، وهو الاختيار، وإذا كان ذما فهو مأخوذ من النجب، وهو قشر الشجر. # قال: ما معنى قولهم: امرأة عروب؟ # فكان من الجواب أن محمد بن يزيد قال- على ما حدثنا به أبو سعيد وابن ~~السراج عنه- إنه من الأضداد، وهي المتحببة إلى زوجها، وهي الفاسدة، مأخوذ ~~من قولهم: عربت معدته إذا فسدت. # وقال: الضهياء يمد ويقصر؟ # فكان من الجواب أن ابن الأعرابي قال: الذي حصلته عن الأعراب أن الضهياء ~~الممدودة هي التي لا تحيض، وأن المقصورة هي الياسمين، وجمع الأول ضهي وجمع ~~المقصور ضهايا. # قال: ما معنى المندلي المطير؟ # فكان من الجواب: أن ابن الأعرابي قال: هو مقلوب المطرى. # وقال: أنشدني غزلا. فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابي: # أمر مجنبا عن بيت سلمى %~% ولم ألمم به وبه الغليل # أمر مجنبا وهواي فيه %~% وطرفي عنه منكسر كليل PageV01P288 # وقلبي فيه مقتتل فهل لي %~% إلى قلبي وقاتله سبيل # وقال: أتحفظ الأبيات التي فيها: # تكفيه فلذة كبد إن ألم بها %~% من الشواء ويكفي شربه الغمر # فأنشده ابن نباتة، وذاك لأني قلت: ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا، وهو ~~لأعشى باهلة يرثي المنتشر: # إني أتتني لسان لا أسر بها %~% من علو عجب منها ولا سخر # فبت مرتفعا للنجم أرقبه %~% حيران ذا حذر لو ينفع الحذر # وجاشت النفس لما جاء جمعهم %~% وراكب جاء من (تثليث) معتمر # يأتي على الناس لا يلوي على أحد %~% حتى التقينا وكانت دوننا (مضر) # نعيت من لا تغب الحي جفنته %~% إذا الكواكب أخطأ نوأها المطر # من ليس في خيره شر يكدره %~% على الصديق ولا في صفوه كدر # طاوي المصير على العزاء منصلت %~% بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر # لا تنكر البازل ms249 الكوماء ضربته %~% بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر # وتفزع الشول منه حين تبصره %~% حتى تقطع في أعناقها الجرر # لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه %~% وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر # يكفيه حزة فلذان ألم بها %~% من الشواء ويكفي شربه الغمر # لا يتأرى لما في القدر يرقبه %~% ولا يعض على شرسوفه الصفر # لا يغمز الساق من أين ومن وصب %~% ولا يزال أمام القوم يقتفر # مهفهف أهضم الكشحين منخرق %~% عنه القميص بسير الليل محتقر # عشنا بذلك دهرا ثم فارقنا %~% كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر # لا تأمن الناس ممساه ومصبحه %~% من كل أوب وإن لم يأت ينتظر # إما يصبك عدو في مناوأة %~% يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر # لو لم تخنه نفيل وهي خائنة %~% ألم بالقوم ورد منه أو صدر # وراد حرب شهاب يستضاء به %~% كما يضيء سواد الطخية القمر # إما سلكت سبيلا كنت سالكها %~% فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر # من ليس فيه إذا قاولته رهق %~% وليس فيه إذا ياسرته عسر PageV01P289 ### || الليلة الواحدة والثلاثون # وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتيقظ وقلة الاستهانة بالخصم. # فقال ابن عبيد الكاتب: أنا أستحسن كلاما جرى أيام الأمين والمأمون، وذاك ~~أن علي بن عيسى بن ماهان لما توجه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد، سأل ~~قوما وردوا من الري عن طاهر، فقالوا: إنه مجد. فقال: وما طاهر؟ إنما هو ~~شوكة من أغصاني، وشرارة من ناري، ثم قال لأصحابه: والله ما بينكم وبين أن ~~ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصفة إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، لأن ~~السخال لا تقوى على النطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسود، فإن يقم ~~طاهر بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح. فقال يحيى بن علي ~~لعلي بن عيسى: # أيها الأمير، إن العساكر لا تساس بالتواني، والحروب لا تدبر بالاغترار، ~~وإن الشرارة الخفية ربما صارت ضراما، والنهلة من السيل ربما صارت بحرا ~~عظيما. # فقال: إنما حجب علي بن عيسى عن وثيق الرأي هذا الاستحقار بالكلام، ~~والاقتدار على اللفظ، ومن صدق فكره ms250 في طلب الرأي النافع، قل كلامه بالهذر ~~الضائع. # وقال في هذه الليلة: ما رأيت من يفي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها. # فكان من الجواب: أن الأخفش قد ذكر عشرة أوجه، وهي أكثر ما قدر عليه، ~~والتصفح قد دل على أربعين وجها وزيادة. # قال: فما أغرب ما مر بك منها؟ # فقيل: فعيل بمعنى فعل. فقال: هذا والله غريب، فهات له شاهدا. فقيل: يقال ~~مكان دميث ودمث، ويقين ويقن، ورصيف ورصف، وللفرس العتيد للعدو: العتد، ~~والنقيل من العدو: نقل، والخبيط من الورق: خبط، وللعديم: عدم، والبئر ~~النزيح: # نزح، وللجسم العميم: عمم. # وقال ابن الأعرابي: القفيل الشوك اليابس، والجمع قفل. وقال أحمد بن يحيى: ~~هو مني بعد أي بعيد، والبعد يكون للجمع والواحد. # فعجب وقال: ينبغي أن يعنى بهذه الوجوه كلها. فإن الزيادة على مثل الأخفش PageV01P290 # ظفر حسن، وامتياز في الغرارة جميل، وما تفاضلت درجات العلماء إلا بتصفح ~~الأخير قول الأول واستيلائه على ما فاته. # وسأل- أباد الله عداه، وحقق مناه- وقال: هل يسلم على أهل الذمة؟ وهل ~~يبدأون؟ # فكان أبو البختري الداودي حاضرا- فحكى أن عمر بن عبد العزيز سئل عن هذا ~~بعينه، فقال: يرد عليهم السلام، ولا بأس بأن يبدءوا، لقول الله عز وجل: # فاصفح عنهم وقل سلام # [الزخرف: 89] . # وحكى في معرض حديث أبي بكر قال: كتب مجنون إلى مجنون: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، حفظك الله، وأبقاك الله، كتبت إليك ودجلة تطغى، وسفن الموصل ها هي، ~~وما يزداد الصبيان، إلا شرا، ولا الحجارة إلا كثرة، فإياك والمرق فإنه شر ~~طعام في الدنيا، ولا تبت إلا وعند رأسك حجر أو حجران، فإن الأخبر يقول: ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60] . وكتبت إليك لثلاث عشرة وأربعين ليلة خلت من عاشوراء سنة ~~الكمأة» . # قال: وكتب مجنون آخر: «أبقاك الله من النار وسوء الحساب، وتفديك نفسي ~~موفقا إن شاء الله» . # قال: وكتب مجنون آخر إلى مجنون مثله: وهب الله لي جميع المكاره فيك، ~~كتابي إليك من الكوفة حقا حقا حقا، أقلامي تخط، والموت عندنا كثير، إلا أنه ~~سليم ms251 والحمد لله، أحببت ليعرفه إعلامكم ذلك إن شاء الله. # فضحك- أضحك الله سنه- حتى استلقى، وقال: ما الذي يبلغ بنا هذا الاستطراف ~~إذا سمعنا بحديث المجانين؟ # فقال ابن زرعة: لأن المجنون مشارك للعاقل في الجنس، فإذا كان من العاقل ~~ما يحسب أن يكون من المجنون كره ذلك له، وإذا كان من المجنون ما يعهد من ~~العاقل تعجب منه، والعقل بين أصحابه ذو عرض واسع، وبقدر ذلك يتفاضلون ~~التفاضل الذي لا سبيل إلى حصره، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع، وبحسب ~~ذلك يتفاوتون التفاوت الذي لا مطمع في تحصيله، وكما أنه يبدر من العاقل بعض ~~ما لا يتوقع إلا من المجنون كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا يتوقع إلا من ~~العاقل، ولا يعتد بذلك ولا بهذا، أعني أن العاقل بذلك المقدار لا يرى ~~مجنونا، والمجنون بذلك المقدار لا يسمى عاقلا، وإنما اجتمعا في النادر ~~القليل، لاجتماعهما في الجنس الذي يعمهما، والنوع الذي يفصلهما، وفي الجملة ~~الإنسان بما هو به حيوان سبع وحمار، وبما هو به نفسي إنسان، وبما هو به ~~عاقل نبي وملك، وهذه الأعراض- وإن تداخلت PageV01P291 # لانتظامها في طينة واحدة- فإنها تتميز بقوة العقل في الصورة المخلوطة إما ~~مفارقة، وإما مواصلة. ومر له في هذا الموضع كلام بليغ تام مكشوف . # ثم ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين، والذين يهشون عند المائدة، ~~والذين يعبسون ويجمون ويطرقون، والذين يصخبون ويلغطون، ويضجرون ويغتاظون. # فقال: أحب أن أسمع في هذا أكثر ما فيه، ويمر بي أعجبه، فإن في معرفة هذا ~~الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا. # فكان من الجواب: إن الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفن خوضا بعيدا، ~~وما وقفوا منه عند حد، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة، ~~والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع ~~المستفيد ولا للرواية المفيد. # قال: قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا: الحث على الأكل أحسن، أم الإمساك ~~حتى يكون من الأكل ما يكون؟ # فكان من الجواب: أن هذه المسألة بعينها جرت بالأمس بالري عند ابن ms252 عباد ~~فتنوهب الكلام فيها، وأفضى إلى الأولى الحث والتأنيس والبسط والطلاقة ولين ~~اللفظ وقلة التحديق وإسجاء الطرف مع اللطف والدماثة، من غير دلالة على تكلف ~~في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح. # وحكى ابن عباد في هذا الموضع أن بعض السلف قال: الطعام أهون من أن يحث ~~على تناوله. # وقال الحسن بن علي: الطعام أجل من أن لا يحث على تناوله. ومذهب الحسن ~~أحسن. # قال: ولقد حضرت موائد ناس لا أظن بهم البخل فلم يحثوني ولم يبسطوني ~~فقبضني ذلك، وكأن انقباضي كان بمعونتهم، وإن لم يكن بإرادتهم. # قال الوزير: هذه فائدة من هذا الرجل الذي يتهادى قوله، وتتراوى أخباره. # ثم حكيت له أن أسماء بن حارجة قال: ما صنعت طعاما قط فدعوت عليه نفرا إلا ~~كانوا أمن علي مني عليهم. فقال: زدنا من هذا الضرب ما كان، قلت: لو أذن لي ~~في جمعه كان أولى، قال: لك ذلك فما يضرنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا. # فكان من الجواب أن الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلا ما شذ عنه مما ~~لم يقع إليه، فإن العالم- وإن كان بارعا- ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط ~~بكل PageV01P292 # باب، أو بالباب الواحد إلى آخره، على أنه حدث من عهد الجاحظ إلى وقتنا ~~هذا أمور وأمور، وهنات وهنات، وغرائب وعجائب، لأن الناس يكتسبون على رأس كل ~~مائة سنة عادة جديدة، وخليقة غير معهودة، وبدء هذه المئين هو الوقت الذي ~~فيه تنعقد شريعة، وتظهر نبوة، وتفشو أحكام، وتستقر سنن، وتؤلف أحوال بعد ~~فطام شديد، وتلكؤ واقع، ثم على استنان ذلك يكون ما يكون. # وقال ميمون بن مهران: من ضاف البخيل صامت دابته، واستغنى عن الكنيف، وأمن ~~التخمة. # وقال حامد اللفاف المتزهد: المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة إبراهيم، ~~وإذا ضافه إنسان حدثه بزهد عيسى بن مريم. # وقال مالك بن دينار: دخلنا على ابن سيرين فقال: ما أدري ما أطعمكم؟ ثم ~~قدم إلينا شهدة. # وقال الأعمش: كان خيثمة يصنع الخبيص ثم يقول: كلوا فو ms253 الله ما صنع إلا من ~~أجلكم. # وقال بكر بن عبد الله المزني: أحق الناس بلطمة من إذا دعي إلى طعام ذهب ~~بآخر معه، وأحقهم بلطمتين من إذا قيل له: اجلس هاهنا، قال: بل هاهنا، وأحق ~~الناس بثلاث لطمات من إذا قيل له: كل، قال: ما بال صاحب البيت لا يأكل ~~معنا. # وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهن وإن ~~كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عما لا ~~يعلم ممن هو أعلم منه، وخدمة الضيف بنفسه إكراما له. # وقال حاتم الأصم: كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، فإنها من سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إطعام الضيف إذا حل، وتجهيز الميت إذا مات، ~~وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا حل ووجب، والتوبة من الذنب إذا ~~وقع. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فمن ~~أصبح بفنائه فهو أحق به إن شاء أخذ، وإن شاء ترك» . # وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد وفي يدها قدح، فسألت عسلا وقالت: زوجي ~~مريض، فأمر لها براوية عسل، فقالوا: يا أبا الحرث: إنما تسأل قدحا. قال: ~~سألت على قدرها ونعطيها على قدرنا. # خرج ابن المبارك يوما إلى أصحابه، فقال لهم: نزل بنا ضيف اليوم فقال: # اتخذوا لي فالوذجا، فسرنا ذلك منه. PageV01P293 # وقال الحسن في الرجل يدخل بيت أخيه فيرى السلة فيها الفاكهة: لا بأس أن ~~يأكل من غير أن يستأذنه. # وقال ابن عمر: أهديت لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- شاة فقال: ~~أخي فلان أحوج إليها، وبعث بها إليه، فلم يزل يبعث بها واحد بعد واحد حتى ~~تداولها تسعة أبيات، ورجعت إلى الأول، فنزلت الآية: ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] . # قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ظهر ~~فليعد على من لا ظهر له، ومن كان له زاد فليعد على من لا زاد له، حتى ms254 رأينا ~~أنه لا حق لأحد منا في الفضل» . # وسئل ابن عمر: ما حق المسلم على المسلم؟ قال: ألا يشبع ويجوع، وألا يلبس ~~ويعرى، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه. # وكان ابن أبي بكرة ينفق على جيرانه أربعين دارا سوى سائر نفقاته، وكان ~~يبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد، وكان يعتق في كل يوم عيد مائة ~~مملوك. # وكان حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا، وإذا ~~كان يوم الفطر كساهم ثوبا ثوبا وأعطاهم مائة مائة. # وقال الشاعر: # أراك تؤمل حسن الثناء %~% ولم يرزق الله ذاك البخيلا # وكيف يسود أخو بطنة %~% يمن كثيرا ويعطي قليلا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله يأخذه ~~بيده كلما عثر» . # وقال عليه السلام: «من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وآوى في النائبة، فقد وقي ~~شح نفسه» . # وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أف للبخل، لو كان طريقا ما ~~سلكته، ولو كان ثوبا ما لبسته، ولو كان سراجا ما استضأت به. # وقال الأصمعي: قال بعض العرب: ليست الفتوة الفسق ولا الفجور، ولا شرب ~~الخمور، وإنما الفتوة طعام موضوع، وصنيع مصنوع، ومكان مرفوع، ولسان معسول، ~~ونائل مبذول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف. # وقال أبو حازم المدني: أسعد الناس بالخلق الحسن صاحبه، نفسه منه في راحة، ~~ثم زوجته، ثم ولده، حتى إن فرسه ليصهل إذا سمع صوته، وكلبه يشرشر بذنبه إذا ~~رآه، وقطه يدخل تحت مائدته، وإن السيئ الخلق لأشقى PageV01P294 # الناس، نفسه منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، ثم خدمه، وإنه ليدخل وهم في ~~سرور فيتفرقون فرقا منه، وإن دابته لتحيد عنه إذا رأته، مما ترى منه، وكلبه ~~ينزو على الجدار، وقطه يفر منه. # وكان على باب ابن كيسان مكتوب: ادخل وكل. # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها على النبي صلى الله عليه وسلم: ~~بأبي من لم ينم على الوثير، ولم يشبع من خبز الشعير. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يخلق وعاء ملئ شرا ms255 من بطن، ~~فإن كان لابد فاجعلوا ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للريح» . # قال الشاعر: # ليسوا يبالون إذا أصبحوا %~% شبعى بطانا حق من ضيعوا # ولا يبالون بمولاهم %~% والكلب في أموالهم يرتع # وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بجرجان- إمام الدنيا- قال: رأيت أبا ~~خليفة المفضل بن الحباب، وقد دعي إلى وليمة فرأى الصحاف توضع وترفع، فقال: # أللحسن والمنظر دعينا، أم للأكل والمخبر؟ فقيل: بل للأكل والمخبر، قال: ~~فاتركوا الصحفة يبلغ قعرها. # وكان سليمان بن ثوابة ضخم الخوان، كثير الطعام، وافر الرغيف، وكان معجبا ~~بإجادة الألوان، واتخاذ البدائع والطرائف والغرائب على مائدته، وكانت له ~~ضروب من الحلوى لا تعرف إلا به، وكان خبزه الذي يوضع على المائدة الرغيف من ~~مكوك دقيق، ولذلك قال أبو فرعون العدوي: # ما الناس إلا نبط وخوزان %~% ككهمس أو عمر بن عمران # ضاق جرابي عن رغيف سلمان %~% أير حمار في حر أم قحطان # وأير بغل في است أم عدنان # وعشق رجل جارية رومية كانت لقوم ذوي يسار، فكتب إليها يوما: جعلت فداك، ~~عندي اليوم أصحابي، وقد اشتهيت سكباجة بقرية فأحب أن توجهي إلينا بما يعمنا ~~ويكفينا منها، ودستجة من نبيذ لنتغذى ونشرب على ذكرك، فلما وصلت الرقعة ~~وجهت إليه بما طلب، ثم كتب إليها يوما آخر: فدتك نفسي، إخواني مجتمعون ~~عندي، وقد اشتهيت قلية جزورية فوجهي بها إلي وما يكفينا من النبيذ والنقل، ~~ليعرفوا منزلتي عندك، فوجهت إليه بكل ما سأل، ثم كتب إليها يوما آخر: جعلت ~~فداك، قد اشتهيت أنا وأصحابي رؤوسا سمانا، فأحب أن توجهي إلينا بما يكفينا، ~~ومن النبيذ بما PageV01P295 # يروينا، فكتبت الجارية عند ذلك: إني رأيت الحب يكون في القلب، وحبك هذا ~~ما تجاوز المعدة. وكتبت أسفل الرقعة: # عذيري من حبيب جا %~% ءنا في زمن الشده # وكان الحب في القلب %~% فصار الحب في المعده # وقال جرير: # ولا يذبحون الشاة إلا بميسر %~% كثير تناجيها لئام قدورها # وقالت عادية بنت فرعة الزبيرية في ابنها دوس: # تشبه دوس نفرا كراما %~% كانوا الذرى والأنف والسناما # كانوا لمن خالطهم إداما ms256 %~% كالسمن لما سغبل الطعاما # يقال سغبل رأسه بالدهن وسغسغه ورواه وأمرعه. # قال الواقدي: قيل لأم أيوب: أي الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد عرفتم ذلك بمقامه عندكم؟ فقالت: ما رأيته أمر بطعام يصنع له ~~بعينه، ولا رأيناه أتي بطعام فعابه قط. وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ~~ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة فيها طفيشل فرأيته ينهك تلك القصعة ما ~~لم ينهك غيرها، فرجع إلي فأخبرني، فكنا نعملها له. وكنا نعمل له الهريسة، ~~وكانت تعجبه، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة إلى عشرة كما يكون الطعام في ~~القلة والكثرة. # وكان أسعد بن زرارة يعمل له هريسة ليلة وليلة لا، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسأل عنها: # أجاءت قصعة أسعد أم لا؟ فيقال: نعم، فيقول: هلموها، فنعرف بذلك أنها ~~تعجبه. # قدم صهيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ومعه أبو بكر وعمر، بين ~~أيديهم رطب قد جاءهم به كلثوم بن الهدم أمهات جراذين وصهيب قد رمد في ~~الطريق، وأصابته مجاعة شديدة، فوقع في الرطب، قال صهيب: فجعلت آكل، فقال ~~عمر: يا رسول الله، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أتأكل الرطب وأنت رمد؟» فقال صهيب: أنا آكل بشق عيني ~~الصحيحة، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV01P296 # وقال الأعشى: # لو أطعموا المن والسلوى مكانهم %~% ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا # وقال الكميت: # وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا %~% ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب # يقول إذا جاورنا جار لم نكلفه أن يطبخ من عنده، ويكون ما يطبخه من عندنا ~~بما نعطيه من اللحم لينصب قدره. ويقال للحيس سويطة. وقال: الرغيغة لبن ~~يطبخ. # وقال: هي العصيدة، ثم الحريرة ثم النجيرة، ثم الحسو. واللوقة: الرطب ~~بالسمن، والسليقة: الذرة تدق وتصلح باللبن، والرصيعة: البر يدق بالفهر ويبل ~~ويطبخ بشيء من السمن، والوجيئة: التمر يوجأ ثم يؤكل باللبن. # وقال أعرابي: ليس من الألبان ms257 أحلى من لبن الخلفة. والنخبسة والقطيبة يخلط ~~لبن إبل بلبن غنم. # وقال أعرابي: الحمد لله الذي أغنانا باللبن عما سواه. ويقال أكل خبزا ~~قفارا وعفارا وعفيرا: لا شيء معه وعليه العفار والدمار وسوء الدار، وأكل ~~خبزا جبيزا أي فطيرا يابسا. وجاء بتمر فض وفضا وفذ وحث: لا يلزق بعضه ببعض. # قال أبو الحسن الطوسي: أخبرني هشام قال: دخل علي فرج الرخجي وقد تغديت ~~واتكأت، فقال: يا أبا عبد الله: إنما تحسن الأكل والاتكاء. قال: فتركت ~~الأكل عنده أياما، وبلغه ذلك، فبعث إلي: إن كنت لا تأكل طعامنا فليس لنا ~~فيك حاجة. قال: «فأكلت شيئا ثم أتيته» فلم يعتذر مما كان. # قال أبو الحسن: أخبرني الفراء قال: العرب تسمي السكباجة الصعفصة. وأنشد: # أبو مالك يعتادنا في الظهائر %~% يجوء فيلقي رحله عند عامر # أبو مالك: الجوع، هكذا تقول العرب ويجيء ويجوء لغتان. وقال الآخر: # رأيت الغواني إذ نزلت جفونني %~% أبا مالك إني أظنك دائبا # أبو مالك هاهنا الشيب. # قال أبو الحسن: أخبرني الثوري عن أبي عبيدة في الحديث الذي يروى عن عمر ~~بن الخطاب أنه رأى في روث فرسه حبة شعير، فقال: لأجعلن لك في غرز PageV01P297 # النقيع ما يشغلك عن شعير المسلمين. قال: والنقيع: موضع بالمدينة أحماه ~~عمر بن الخطاب لخيل المسلمين، خلاف البقيع بالباء. # قال الطوسي: العرب تقول: «أيدي الرجال أعناقها» أي من كان أطول على ~~المائدة تناول فأكل، الهاء ترجع على الإبل، أي أيدي الرجال أعناق الإبل، أي ~~من طال نال. # قال الأصمعي: سألت بعض الأكلة فيمن كان يقدم على ميسري: الناس كيف تصنع ~~إذا جهدتك الكظة- والعرب تقول: «إذا كنت بطنا فعدك زمنا-؟ قال: آخذ روثا ~~حارا وأعصره وأشرب ماءه، فأختلف عنه مرارا، فلا ألبث أن يلحق بطني بظهري ~~فأشتهي الطعام. # قال ابن الأعرابي: قال الكلابي: هو يندف الطعام إذا أكله بيده، ويلقم ~~الحسو، واللقم بالشفة، والندف: الأكل باليد. وقال الزبيري: يندف. # وأنشد ابن الأعرابي: # ويظل ضيف بني عبادة فيهم %~% متضمرا وبطونهم كتم # أي ممتلئة. والتضمر: الهزال والنحافة، كالنخل المضمر، ms258 أي الذي قد ذوت ~~جذوعه. قال الشنبوذي في قول الله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا # [الكهف: 103، 104] . قال: الذين يثردون ويأكل غيرهم. قال أبو الحسن: كانت ~~لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفا كأنها طلعة، في ذراع كأنها جمارة، ~~فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، وصار يجلس معي على ~~المائدة ابن لي، فيبرز لي كفا كأنها كرنافة، في ذراع كأنها كربة ، فو ~~الله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها. # وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: إني نذرت إذا بلغتني ناقتي أن ~~أنحرها وآكل من كبدها. # قال: «بئسما جازيتها» . PageV01P298 # أضل أعرابي بعيرا له، فطلبه، فرأى على باب الأمير بختيا، فأخذه وقال: هذا ~~بعيري، فقال: إنك أضللت بعيرا وهذا بختي. فقال: لما أكل علف الأمير تبخت. # فضحك منه وتركه يعيد قوله ويعجبه. # الكدنة: غلظ اللحم وتراكمه، ومنه قول هشام لسالم- وقد رآه فأعجبه جسمه-: ~~ما رأيت ذا كدنة أحسن منك، فما طعامك؟ قال: الخبز والزيت. قال: أما تأجمه ~~ ؟ قال: إذا أجمته تركته حتى أشتهيه، ثم خرج وقد أصاب في جسمه برصا. # فقال: لقعني الأحول بعينه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه. # وقال عبد الأعلى القاص: الفقير مرقته سلقة، وغذاؤه علقة، وخبزته فلقة، ~~وسمكته شلقة، أي كثيرة الشوك. # قال رجاء بن سلمة: الأكل في السوق حماقة. # قيل لذؤيب بن عمرو: إنك مفلس لا تقدر على قرص ولا جمع ولا حفالة، وبيتك ~~عامر بالفأر. # قال علي بن عيسى: الطلاق الثلاث البتة إن كان يمنعهم من التحول عنه إلا ~~أنهم يسرقون أطعمة الناس يأكلونها في بيته لأمنهم فيه، لأنه لا هر هناك ولا ~~أحد يأخذ شيئا ولا يؤذون، وإن لهم لمسقاة مملوءة ماء كلما جفت سكب لهم فيها ~~ماء. # جعل الخبر عن الفأر على التلمح، كالخبر عن قوم عقلاء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الخبز فإن الله أكرمه وسخر له ~~بركات السموات والأرض» . # وقال آخر: # كأن ms259 صوت سحبها الممتاح %~% سعال شيخ من بني الجلاح # يقول من بعد السعال آح # قال الأصمعي: الرجيع: الشواء يسخن ثانية. والنقيعة ما يحرزه رئيس القوم ~~من الغنيمة قبل أن تقسم والجمع نقائع. وقال: أنشدني عيسى بن عمر لمعاوية بن ~~صعصعة: # مثل الذرى لحبت عرائكها %~% لحب الشفار نقائع النهب PageV01P299 # وقال مهلهل: # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم %~% ضرب القدار نقيعة القدام # القدار: الجزار. والقدار: الملك أيضا. والقدام: رؤساء الجيوش، والواحد ~~قادم. # وقال معن بن أوس يصف هدير قدر: # إذا التطمت أمواجها فكأنها %~% عوائذ دهم في المحلة قيل # إذا ما انتحاها المرملون رأيتها %~% لوشك قراها وهي بالجزل تشعل # سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت %~% كهدر الجمال رزما حين تجفل # وقال آخر: # إذا كان فصد العرق والعرق ناضب %~% وكشط سنام الحي عيشا ومغنما # وكان عتيق القد خير شوائهم %~% وصار غبوق الخود ماء محمما # عقرت لهم دهما مقاحيد جلة %~% وعادت بقايا البرك نهبا مقسما # قال: وإذا كان القحط فصدوا الإبل وعالجوا ذلك الدم بشيء من العلاج لها ~~كما يصنع الترك، فإنها تجعله في المصران، ثم تشويه أو تطبخه، فيؤكل كما ~~تؤكل النقانق وما أشبه ذلك. # وأما قوله: «والعرق ناضب» فإنما يعني قلة الدم لهزال البعير، وكذلك جميع ~~الحيوان، وأكثر ما يكون دما إذا كان بين المهزول والسمين. # وقالت أم هشام السلولية: ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل وأجدى على ~~أحد بخير، وهكذا روي. # وقال الأندلسي: إن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت ~~أشبعت. # قال أبو الحسن الهيثم، عن عبد العزيز بن يسار قال: قدمت يا جميرى بخمس ~~سفائف دقيق، وذاك في زمن مصعب وهو معسكر بها فلقيني عكرمة بن ربعي الشيباني ~~فقال: بكم أخذتها؟ قلت: بتسعين ألفا. قال: فإني أعطيك مائة وخمسين ألفا على ~~أن تؤخرني. فدفعتهن إليه، وما في المعسكر يومئذ دقيق. قال: فجاء بنو تيم ~~الله فأخذوا ذلك الدقيق، فجعل كل قوم يعجنون على حيالهم، ثم جاءوا إلى رهوة ~~من الأرض فحفروها، ثم جعلوا فيها الحشيش، ثم طرحوا ذلك العجين ms260 فيها، ثم ~~أقبلوا فأخذوا فرسا وديقا %~% فخلوا عنه، ثم أقبلوا وهو يتبعهم حتى ~~انتهوا إلى الحفيرة، فدفعوا PageV01P300 # الفرس الوديق فيها، وتبعها الفرس، وتنادى الفريقان: إن فرس حوشب وقع في ~~حفيرة عكرمة فما أخرجوه إلا بالعمد. قال: فغلبه عكرمة. # قال الشاعر: # لا أشتم الضيف إلا أن أقول له: %~% أباتك الله في أبيات عمار # أباتك الله في أبيات معتنز %~% عن المكارم لا عف ولا قاري # جلد الندى زاهد في كل مكرمة %~% كأنما ضيفه في ملة النار # وقال آخر: # وهو إذا قيل له: ويها كل %~% فإنه مواشك مستعجل # وهو إذا قيل له: ويها فل %~% فإنه أحج به أن ينكل # قيل لصوفي: ما حد الشبع؟ قال: لا حد له، ولو أراد الله أن يؤكل بحد لبين ~~كما بين جميع الحدود. وكيف يكون للأكل حد، والأكلة مختلفوا الطباع والمزاج ~~والعارض والعادة، وحكمة الله ظاهرة في إخفاء حد الشبع حتى يأكل من شاء على ~~ما شاء كما شاء. # وقيل لصوفي: ما حد الشبع؟ فقال: ما نشط على أداء الفرائض، وثبط عن إقامة ~~النوافل. # وقيل لمتكلم: ما حد الشبع؟ فقال: حده أن يجلب النوم، ويضجر القوم، ويبعث ~~على اللوم. # وقيل لطفيلي: ما حد الشبع؟ قال: أن يؤكل على أنه آخر الزاد، ويؤتى على ~~الجل والدق. # وقيل لأعرابي: ما حد الشبع؟ قال: أما عندكم يا حاضرة فلا أدري، وأما ~~عندنا في البادية فما وجدت العين، وامتدت إليه اليد، ودار عليه الضرس ~~وأساغه الحلق، وانتفخ به البطن، واستدارت عليه الحوايا، واستغاثت منه ~~المعدة، وتقوست منه الأضلاع، والتوت عليه المصارين، وخيف منه الموت. # وقيل لطبيب: ما حد الشبع؟ قال: ما عدل الطبيعة، وحفظ المزاج وأبقى شهوة ~~لما بعد. # وقيل لقصار: ما حد الشبع؟ قال: أن تثب إلى الجفنة كأنك سرحان وتأكل وأنت ~~غضبان، وتمضغ كأنك شيطان، وتبلع كأنك هيمان، وتدع وأنت سكران، وتستلقي كأنك ~~أوان. # وقيل لحمال: ما حد الشبع؟ قال: أن تأكل ما رأيت بعشر يديك غير عائف ولا ~~متقزز، ولا كاره ولا متعزز. PageV01P301 # وقيل لملاح: ما حد الشبع؟ ms261 قال: حد السكر. قيل: فما حد السكر؟ قال: ألا ~~تعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض، ولا النافلة من الفرض، من شدة ~~النهس والكسر والقطع والقرض. قيل له: فإن السكر محرم، فلم جعلت الشبع مثله؟ # قال: صدقتم، هما سكران: أحد السكرين موصوف بالعيب والخسار، والآخر معروف ~~بالسكينة والوقار. قيل له: أما تخاف الهيضة؟ قال: إنما تصيب الهيضة من لا ~~يسمي الله عند أكله، ولا يشكره على النعمة فيه. فأما من ذكر الله وشكره ~~فإنه يهضم ويستمرئ ويقرم إلى الزيادة. # وقيل لبخيل: ما حد الشبع؟ قال: الشبع حرام كله، وإنما أحل الله من الأكل ~~ما نفى الخوى، وسكن الصداع، وأمسك الرمق، وحال بين الإنسان وبين المرح، وهل ~~هلك الناس في الدين والدنيا إلا بالشبع والتضلع والبطنة والاحتشاء، والله ~~لو كان للناس إمام لوكل بكل عشرة منهم من يحفظ عليهم عادة الصحة، وحالة ~~العدالة، حتى يزول التعدي، ويفشو الخير. # وقيل لجندي: ما حد الشبع؟ قال: ما شد العضد، وأحمى الظهر، وأدر الوريد، ~~وزاد في الشجاعة. # وقيل لزاهد: ما حد الشبع؟ قال: ما لم يحل بينك وبين صوم النهار وقيام ~~الليل. وإذا شكا إليك جائع عرفت صدقه لإحساسك به. # وقيل لمدني: ما حد الشبع؟ فقال: لا عهد لي به، فكيف أصف ما لا أعرف؟ # وقيل ليمني: ما حد الشبع؟ قال: أن يحشى حتى يخشى. # وقيل لتركي: ما حد الشبع؟ قال: أن تأكل حتى تدنو من الموت. # وقيل لسمويه القاص: من أفضل الشهداء؟ قال: من مات بالتخمة، ودفن على ~~الهيضة. # قيل لسمرقندي: ما حد الشبع؟ قال: إذا جحظت عيناك، وبكم لسانك، وثقلت ~~حركتك، وارجحن بدنك، وزال عقلك، فأنت في أوائل الشبع. قيل له: إذا كان هذا ~~أوله، فما آخره؟ قال: أن تنشق نصفين. # قيل لهندي: ما حد الشبع؟ قال: المسألة عن هذا كالمحال، لأن الشبع من ~~الأرز النقي الأبيض، الكبار الحب، المطبوخ باللبن الحليب، المغروف على ~~الجام البلور، المدوف بالسكر الفائق، مخالف للشبع من السمك المملوح ~~وخبز الذرة، وعلى هذا يختلف الأمر في ms262 الشبع. فقيل له: فدع هذا، إلى متى ~~ينبغي أن يأكل الإنسان؟ قال: إلى أن يقع له أنه إذا أراد لقمة زهقت نفسه ~~إلى النار. PageV01P302 # قيل لمكار: ما حد الشبع؟ قال: والله ما أدري، ولكن أحب أن آكل ما مشى ~~حماري من المنزل إلى المنزل. # قيل لجمال: ما حد الشبع؟ قال: أنا أواصل الأكل فما أعرف الحد، ولو كنت ~~أنتهي لوصفت الحال فيه، أعني أني ساعة ألت الدقيق، وساعة أمل الملة، وساعة ~~أثرد، وساعة آكل وساعة أشرب لبن اللقاح؛ فليس لي فراغ فأدري أني بلغت من ~~الشبع، إلا أنني أعلم في الجملة أن الجوع عذاب وأن الأكل رحمة، وأن الرحمة ~~كلما كانت أكثر، كان العبد إلى الله أقرب، والله عنه أرضى. # قال الوزير لما بلغت هذا الموضع من الجزء- وكنت أقرأ عليه-: ما أحسن ما ~~اجتمع من هذه الأحاديث! هل بقي منها شيء؟ قلت: بقي منها جزء آخر. # قال: دعه لليلة أخرى وهات ملحة الوداع. # قلت: قيل لصوفي في جامع المدينة: ما تشتهي؟ قال: مائدة روحاء عليها جفنة ~~رحاء، فيها ثريدة صفراء، وقدر حمراء بيضاء. # قال: أبيت الآن ألا تودع إلا بمثل ما تقدم؟ وانصرفت. PageV01P303 ### || الليلة الثانية والثلاثون # ثم حضرت فقرأت ما بقي من هذا الفن. # قال رجل من فزارة: # تنبح أحيانا وأحيانا تهر %~% وتتمطى ساعة وتقدحر # تعدو على الضيف بعود منكسر %~% يسقط عنها ثوبها وتأتزر # لو نحرت في بيتها عشر جزر %~% لأصبحت من لحمهن تعتذر # بحلف سح ودمع منهمر %~% يفر من قاتلها ولا تفر # المقدحر: المتهيئ للسباب. # وقال أبو دلامة الأسدي. # قد يشبع الضيف الذي لا يشبع %~% من الهبيد والحراد تسع # ثم يقول ارضوا بهذا أو دعوا # وقال آخر: # حتى إذا أضحى تدرى واكتحل %~% لجارتيه ثم ولى فنثل # ذرق الأنوقين القرنبى والجعل # وقال آخر: # إذا أتوه بطعام وأكل %~% بات يعشي وحده ألفي جعل # وقال أبو النجم: # تدنى من الجدول مثل الجدول %~% أجوف في غلصمة كالمرجل # تسمع للماء كصوت المسحل %~% بين وريديها وبين الجحفل # يلقيه من طرق أتتها من عل %~% قذف لها ms263 جوف وشدق أهدل # كأن صوت جرعها المستعجل %~% جندلة دهدهتها في جندل # وقال آخر: # يقول للطاهي المطري في العمل %~% ضهب لنا إن الشواء لا يمل # بالشحم إما قد أجمناه بخل %~% عجل لنا من ذا وألحق بالبدل PageV01P304 # وأنشد ابن الأعرابي: # أعددت للضيف وللرفيق %~% والجار والصاحب والصديق # وللعيال الدردق اللصوق %~% حمراء من معز أبي مرزوق # تلحس خد الحالب الرفيق %~% بلين المس قليل الريق # كأن صوت شخبها الفتيق %~% فحيح ضب حرب حنيق # في جحر ضاق أشد الضيق # وأنشد أيضا: # هل لك في مقراة قيل ني %~% وشكوة باردة النسي # تخرج لحم الرجل الضوي %~% حتى تراه ناهد الثدي # وأنشد ابن حبيب: # نعم لقوح الصبية الأصاغر %~% شروبهم من حلب وحازر # حتى يروحوا سقط المآزر %~% وضع الفقاح نشز الخواصر # وأنشد الآمدي: # كأن في فيه حرابا شرعا %~% زرقا تفض البدن المدرعا # لو عض ركنا وصفا تصدعا # وقال محمد بن بشير: # لقل عارا إذا ضيف تضيفني %~% ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي # فضل المقل إذا أعطاه مصطبرا %~% ومكثر في الغنى سيان في الجود # لا يعدم السائلون الخير أفعله %~% إما نوالي وإما حسن مردودي # قال الأعرابي: نعم الغداء السويق، إن أكلته على الجوع عصم، وإن أكلته على ~~الشبع هضم. # وقال العوامي- وكان زوارا لإخوانه في منازلهم-: العبوس بوس، والبشر بشرى، ~~والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطبيعة. # ورأيت الحنبلوني ينشد ابن آدم- وكان موسرا بخيلا-: # وما لامرئ طول الخلود وإنما %~% يخلده حسن الثناء فيخلد # فلا تدخر زادا فتصبح ملجأ %~% إليه وكله اليوم يخلفه الغد # وحكى لنا ابن أسادة قال: كان عندنا- يعني بأصفهان- رجل أعمى يطوف ويسأل، ~~فأعطاه مرة إنسان رغيفا، فدعا له وقال: أحسن الله إليك، وبارك عليك، PageV01P305 # وجزاك خيرا، ورد غربتك. فقال له الرجل: ولم ذكرت الغربة في دعائك، وما ~~علمك بالغربة؟ فقال: الآن لي هاهنا عشرون سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا. # وقال آخر: # يرى جارهم فيهم نحيفا وضيفهم %~% يجوع وقد باتوا ملاء المذاخر # وقال الكروسي: # ولا يستوي الاثنان للضيف: آنس %~% كريم، وزاو بين عينيه قاطب # وأنشد: # طعامهم فوضى فضى في رحالهم %~% ولا ms264 يحسنون السر إلا تناديا # وأنشد آخر: # يمان ولا يمون وكان شيخا %~% شديد اللقم هلقاما بطينا # العرب تقول: إذا شبعت الدقيقة لحست الجليلة. # قال ابن سلام: كان يخبز في مطبخ سليمان- عليه السلام- في كل يوم ستمائة ~~كر حنطة، ويذبح له في كل غداة ستة آلاف ثور وعشرون شاة، وكان يطعم الناس ~~ويجلس على مائدته بجانبه اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ويقول لنفسه: ~~مسكين بين مساكين. # ولما ورد تهامة وافى الحرم وذبح للبيت طول مقامه بمكة كل يوم خمسة آلاف ~~ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة. وقال لمن حضر: إن هذا المكان سيخرج ~~منه نبي صفته كذا وكذا. # وقال أعرابي: # وإذا خشيت من الفؤاد لجاجة %~% فاضرب عليه بجرعة من رائب # وروى هشيم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: من كرم المرء أن يطيب زاده ~~في السفر. # وقال ابن الأعرابي: يقال: جاء فلان ولقد لغط رباطه من الجوع والعطش. # وأنشد: # ربا الجوع في أونيه حتى كأنه %~% جنيب به إن الجنيب جنيب # أي جاع حتى كأنه يمشي في جانب متعقفا . # وقال أيضا: إن من شؤم الضيف أن يغيب عن عشاء الحي، أي لا يدركه، فيريد ~~إذا جاءهم أن يتكلفوا له عشاء على حدة. PageV01P306 # وأنشد: # حياك ربك واصطبحت ثريدة %~% وإدامها رز وأنت تدبل # واللقمة واللقمة إذا جمعتا من الثريد والعصائد يقال لهما دبلة، ومنه سميت ~~الدبيلة، وهي الورم الذي يخرج بالناس. وأنشد: # أقول لما ابتركوا جنوحا %~% بقصعة قد طفحت تطفيحا # دبل أبا الجوزاء أو تطيحا # وقال الفرزدق: # فدبلت أمثال الأثافي كأنها %~% رؤوس أعاد قطعت يوم مجمع # وقال سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطيبوا الطعام ~~فإنه أنفى للسخط، وأجلب للشكر، وأرضى للصاحب» . # قال بشار: # يغض إذا نال الطعام بذكركم %~% ويشرق من وجد بكم حين يشرب # المسعور: الجائع. قال هميان بن قحافة: # لاقى صحافا بطنا مسعورا # وقال شاعر: # يمشي من البطنة مشي الأبزخ # البزخ: دخول البطن وخروج الثنة أسفل السرة. # وقال آخر: # أغر كمصباح الدجنة يتقي %~% شذى الزاد حتى تستفاد أطايبه # شداه: طيبه. # وقال ms265 أعرابي: بنو فلان لا يبرزون ولا يقدرون . # وقال الثوري: بطنوا غداءكم بشربة. # وقال الشاعر: # لا يستوي الصوتان حين تجاوبا %~% صوت الكريب وصوت ذئب مقفر # الكريب: الشوبق وهو المحور والمسطح. # وقال الشاعر: # إذا جاء باغي الخير قلنا بشاشة %~% له بوجوه كالدنانير: مرحبا PageV01P307 # وأهلا فلا ممنوع خير تريده %~% ولا أنت تخشى عندنا أن نؤوبا # قال الشعبي: استسقيت على خوان قتيبة، فقال: ما أسقيك؟ فقلت: الهين الوجد، ~~العزيز الفقد، فقال: يا غلام، اسقه الماء. # مر مسكين بأبي الأسود ليلا وهو ينادي: أنا جائع! فأدخله وأطعمه حتى شبع، ~~ثم قال له: انصرف إلى أهلك، وأتبعه غلاما وقال له: إن سمعته يسأل فاردده ~~إلي. # فلما جاوزه المسكين سأل كعادته، فتشبث به الغلام ورده إلى أبي الأسود. ~~فقال: ألم تشبع؟ فقال: بلى. قال: فما سؤالك؟ ثم أمر به فحبس في بيت وأغلق ~~عليه الباب، وقال: لا تروع مسلما سائر الليلة ولا تكذب. فلما أصبح خلى ~~سبيله، وقال: لو أطعنا السؤال صرنا مثلهم. # وسمع دابة له تعتلف في جوف الليل، فقال: إني لأراك تسهرين في مالي والناس ~~نيام، والله لا تصبحين عندي. وباعها. # وأبو الأسود يعد في الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج ~~والنحويين والقضاة والعرج والمعلمين. # وقال الشاعر: # أنفق أبا عمرو ولا تعذرا %~% وكل من المال وأطعم من عرا # لا ينفع الدرهم إلا مدبرا # كان مسلم بن قتيبة لا يجلس لحوائج الناس حتى يشبع من الطعام الطيب، ويروى ~~من الماء البارد، ويقول: إن الجائع ضيق الصدر، فقير النفس، والشبعان واسع ~~الصدر، غني النفس. # وقال أعرابي: # هلكت هريئة وهلكت جوعا %~% وخرق معدتي شوك القتاد # وحبة حنظل ولباب قطن %~% وتنوم ينظم بطن وادي # وقال الفرزدق: # وإن أبا الكرشاء ليس بسارق %~% ولكنه ما يسرق القوم يأكل # ولديك الجن: # إذا لم يكن في البيت ملح مطيب %~% وخل وزيت حول حب دقيق # فرأس ابن أمي في حرام ابن خالتي %~% ورأس عدوي في حرام صديقي PageV01P308 # وقال آخر: # وما جيرة إلا كليب بن وائل %~% ليالي تحمي عزة منبت البقل # وقال مسعر بن مكدم لرقبة ms266 بن مصقلة: أراك طفيليا. قال: يا أبا محمد، كل من ~~ترى طفيلي إلا أنهم يتكاتمون. # وقال شاعر: # قوم إذا آنسوا ضيفا فلم يجدوا %~% إلا دم الرأس صبوه على الباب # قال المفجع: الرأس الرئيس. # اشتد بأبي فرعون الشاشي الحال فكتب إلى بعض القضاة بالبصرة: # يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر %~% إليك أشكو ما مضى وما غبر # عفا زمان وشتاء قد حضر %~% إن أبا عمرة في بيتي انحجر # يضرب بالدف وإن شاء زمر %~% فاطرده عني بدقيق ينتظر # فأجابه إلى ما سأل. # ويقال: وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري رحمة الله عليه فقال: رحم الله ~~من أعطى من سعة، وواسى من كفاف، وآثر من قلة. فقال الحسن: ما أبقى أحدا إلا ~~سأله. # وقال ابن حبيب: يقال أحمق من الضبع، وذلك أنها وجدت تودية في غدير، فجعلت ~~تشرب الماء وتقول: «يا حبذا طعم اللبن» حتى انشق بطنها فماتت. # والتودية: العود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه. # دعا رجل آخر فقال له: هذه تكسب الزيارة وإن لم تسعد، ولعل تقصيرا أنفع ~~فيما أحب بلوغه من برك. فقال صاحبه: حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف ~~لي. # قيل لأعرابي: لو كنت خليفة كيف كنت تصنع؟ قال: كنت أستكفي شريف كل قوم ~~ناحيته، ثم أخلوا بالمطبخ فآمر الطهاة فيعظمون الثريدة ويكثرون العراق ~~، فأبدأ فآكل لقما، ثم آذن للناس، فأي ضياع يكون بعد هذا؟! وقال أعرابي ~~لابن عم له: والله ما جفانكم بعظام، ولا أجسامكم بوسام، ولا بدت لكم نار، ~~ولا طولبتم بثار. PageV01P309 # وقيل لأعرابي: لم قالت الحاضرة للعبد: باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا ~~نعري جلده، ونطيل كده، ونجيع كبده. # وقال طفيلي: إذا حدثت على المائدة فلا تزد في الجواب على نعم، فإنك تكون ~~بها مؤانسا لصاحبك، ومسيغا للقمتك، ومقبلا على شأنك. # وقيل لأعرابي: أي شيء أحد؟ قال: كبد جائعة، تلقي إلى أمعاء ضالعة . # وقيل لآخر: أي شيء أحد؟ قال ضرس جائع، يلقي إلى معى ضالع وقال آخر: # أحب أن أصطاد ضبا سحبلا %~% وورلا يرتاد رملا ms267 أرملا # قالت سليمى لا أحب الجوزلا %~% ولا أحب السمكات مأكلا # الجوزل: فرخ الحمام. والورل: دابة. أرمل: صفة للورل. وإذا كان كذلك كان ~~أسمن له، وهو يسفد فيهزل. # ويقال: أقبح هزيلين: المرأة والفرس، وأطيب غث أكل غث الإبل، وأطيب الإبل ~~لحما ما أكل السعدان ، وأطيب الغنم لبنا ما أكل الحربث. # ويقال: أهون مظلوم سقاء مروب، وهو الذي يسقى منه قبل أن يمخض وتخرج ~~زبدته. # ويقال: سقانا ظليمة وطبه، وقد ظلمت أوطب القوم. # وقال الشاعر: # وصاحب صدق لم تنلني شكاته %~% ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر # يعني وطب لبن. # وكان الحسن البصري إذا طبخ اللحم قال: هلموا إلى طعام الأحرار. # قال سفيان الثوري: إني لألقى الرجل فيقول لي مرحبا فيلين له قلبي، فكيف ~~بمن أطأ بساطه، وآكل ثريده، وأزدرد عصيده؟ # حكى أبو زيد: قد هجأ غرثي : إذا ذهب، وقد أهجأ طعامكم غرثي: إذا ~~قطعه. قال الشاعر: # فأخزاهم ربي ودل عليهم %~% وأطعمهم من مطعم غير مهجئ # قال: ويقال: بأرت بؤرة فأنا أبأرها، إذا حفرت حفيرة يطبخ فيها وهي الإرة. # ويقال: أرت إرة فأنا أثرها وأرا. PageV01P310 # وقال حسان: # تخال قدور الصاد حول بيوتنا %~% قنابل دهما في المباءة صيما # قال أبو عبيدة: كان الأصمعي بخيلا، وكان يجمع أحاديث البخلاء ويوصي بها ~~ولده ويتحدث بها. # وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعي أنشد: # عظم الطعام بعينه فكأنه %~% هو نفسه للآكلين طعام # ويقال: أسأرت، إذا أبقيت من الطعام والشراب أو غيرهما، والاسم السؤر ~~وجماعته الأسآر. ويقال: فأدت الخبزة في الملة أفأدها إذا خبزتها فيها. ~~والمفأد: الحديدة التي يخبز بها ويشوى. ويقال: تملأت من الأكل والشراب ~~تملؤا، إذا شبعت منهما وامتلأت. ويقال: لفأت اللحم عن العظم لفأ إذا جلفت ~~اللحم عن العظم. واللفيئة هي البضعة التي لا عظم فيها نحو النحضة والهبرة ~~والوذرة. # وأنشد يعقوب: # سقى الله الغضا وخبوت قوم %~% متى كانت تكون لهم ديارا # أناس لا ينادي الضيف فيهم %~% ولا يقرون آنية صغارا # قال الأصمعي: قال ابن هبيرة: تعجيل الغداء يزيد في المروءة، ويطيب ~~النكهة، ويعين على قضاء ms268 الحاجة. # قال بعض العرب: أطيب مضغة أكلها الناس صيحانية مصلبة. # ويقال: آكل الدواب، برذونة رغوث وهي التي يرضعها ولدها. # قال أبو الحارث حميد: ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من قدر سقيت ~~اللبن كثيرة السكر. # وقال الشاعر: # وإني لأستحي رفيقي أن يرى %~% مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # ضم عثمان بن رواح السفر ورفيقا له، فقال له الرفيق: امض إلى السوق فاشتر ~~لنا لحما. قال: والله ما أقدر. قال: فمضى الرفيق واشترى اللحم ثم قال ~~لعثمان: قم الآن فاطبخ القدر. قال: والله ما أقدر. فطبخها الرفيق. ثم قال: ~~قم الآن فاثرد. PageV01P311 # قال: والله إني لأعجز عن ذلك. فثرد الرقيق. ثم قال: قم الآن فكل. فقال: ~~والله لقد استحييت من كثرة خلافي عليك، ولولا ذلك ما فعلت. # قال يونس: أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولي إنه نائم. # فقلت: معي خبيص. فقال: مكانك حتى أخرج إليك. # قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. # قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر بن عبد الله: هلاك الرجل أن ~~يحتقر ما في بيته أن يقدمه إلى ضيفه، وهلاك الضيف أن يحتقر ما قدم إليه. # وقال الشاعر: # يا ذاهبا في داره جائيا %~% بغير معنى وبلا فائده # قد جن أضيافك من جوعهم %~% فاقرأ عليهم سورة المائده # وقال ابن بدر: # ونحن نبذل عند القحط ما أكلوا %~% من السديف إذا لم يؤنس القزع # وننحر الكوم عبطا في أرومتنا %~% للنازلين إذا ما استنزلوا شبعوا # وقال آخر: # أطعمني بيضة وناولني %~% من بعد ما ذقت فقده قدحا # وقال أي الأصوات تسئلني؟ %~% يزيد، إني أراك مقترحا # فقلت صوت المقلى وجردقة %~% إن خاب ذا الاقتراح أو صلحا # فقطب الوجه وانثنى غضبا %~% وكان سكران طافحا فصحا # فقلت: إني مزحت، قال: كذا %~% رأيت حرا بمثل ذا مزحا؟ # قال ابن حبيب: كان الرجل إذا اشتد عليه الشتاء تنحى ونزل وحده لئلا ينزل ~~به ضيف فيكون صقعا مستحبا. # وهذا ضد قول زهير: # بسط البيوت لكي تكون مطية %~% من حيث توضع ms269 جفنة استرفد # فإذا كان الشتاء انحاز الناس من الجدب والجهد، وإذا أخصبوا أغاروا للثأر ~~لا للسؤال. # وقال الشاعر في عبيد الله بن عباس: # ففي السنة الجدباء أطعمت حامضا %~% وحلوا وشحما تامكا وسناما # وقال مجاهد في قول الله عز وجل: وأعتدت لهن متكأ # [يوسف: 31] ، أي طعاما، يقال: اتكأنا عند فلان، أي طعمنا. PageV01P312 # ذكر الأصمعي أن أعرابيا خرج في سفر ومعه جماعة، فأرمل بعضهم من ~~الزاد، وحضر وقت الغداء وجعل بعضهم ينتظر بعضا بالغداء، فلما أبطأ ذلك ~~عليهم عمد بعضهم إلى زاده فألقاه بين يدي القوم، فأقبلوا يأكلون، وجلس صاحب ~~الزاد بعيدا للتوفير عليهم، فصاح به أعرابي: يا سؤدداه! وهل شرف أفضل من ~~إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه؟ لقد آثرت في مخمصة ويوم ~~مسغبة، وتفردت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك، فلا زالت نعم الله عليك ~~غادية ورائحة. # وفي مثله يقول حاتم الطائي: # أكف يدي من أن تنال أكفهم %~% إذا ما مددناها وحاجاتنا معا # وإني لأستحيي رفيقي أن يرى %~% مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # قال: المخمصة: المجاعة. والخمص: الجوع. # قال شاعر يذم رجلا: # يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة %~% يبت قلبه من قلة الهم مبهما # وقال المرقش الأكبر: # إن يخصبوا يغنوا بخصبهم %~% أو يجدبوا فجدوبهم ألم # وكتب بعضهم إلى أخ له: إن رأيت أن تروي ظمأ أخيك بقربك، وتبرد غليله ~~بطلعتك، وتؤنس وحشته بأنسك، وتجلو غشاء ناظره بوجهك، وتزين مجلسه بجمال ~~حضورك، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكن، وتممت له السرور بك ~~باقي يومك، مؤثرا له على شغلك، فعلت- إن شاء الله-. # وقال الشاعر: # وكأن هدر دمائهم في دورهم %~% لغط القبيل على خوان زياد # قال بعض الخطباء: العجب من ذي جدة منعم عليه يطوي جاره جوعا وقرا، وأفرخه ~~شعث جرد من الريش، وهو مبطان محتش من حلوه وحامضه، مكتن في كنه ودفئه، مزين ~~له شهوة عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي حلة بطر رفه، كيف يأمن سلبا ~~مفاجئا؟ أما لو وجه بعض فضله إلى ms270 ذي حاجة إليه كان مستديما لما أولي، ~~مستزيدا مما أوتي. # قال الشاعر : # وإذا تأمل شخص ضيف مقبل %~% متسربل سربال محل أغبر # أوما إلى الكوماء هذا طارق %~% نحرتني الأعداء إن لم تنحري PageV01P313 # وفي هذه الأبيات ما يستحسن: # كم قد ولدتم من كريم ماجد %~% دامي الأظافر أو غمام ممطر # سدكت أنامله بقائم مرهف %~% وبنشر عائدة وذروة منبر # يلقى السيوف بوجهه وبنحره %~% ويقيم هامته مقام المغفر # ويقول للطرف: # اصطبر لشبا القنا %~% فعقرت ركن المجد إن لم تعقر # وقال آخر: # وقال وقدم كشكية %~% فكل شبعا إنها في النهايه # تطفي المرار وتنفي الخمار %~% وما بعدها في النهايات غايه # ولا تتوقع أخيرا بجيك %~% ففي أول المستطاب الكفايه # وقال آخر: # كأنما فوه إذا تمددا %~% للقم أخلاق جراب أسودا # كأنه مخترص قد جودا %~% جاني جراد في وعاء مقلدا # وصاحب صاحبت غير أبعدا %~% تراه بين الحربتين مسندا # الحربة: الغرارة. # وقال جابر بن قبيصة: ما رأيت أحلم جليسا، ولا أفضل رفيقا، ولا أشبه سريرة ~~بعلانية، من زياد. # وقال جابر أيضا: شهدت قوما ورأيتهم بعيني، فما رأيت أقرأ لكتاب الله، ولا ~~أفقه من دين الله، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وما رأيت رجلا أعطى من ~~صلب ماله في غير ولائه، من طلحة بن عبيد الله. وما رأيت رجلا أسود من ~~معاوية. # وما رأيت رجلا أنصع ظرفا، ولا أحضر جوابا، ولا أكثر صوابا، من عمرو بن ~~العاص. وما رأيت رجلا المعرفة عنده أنفع منها عند غيره، من المغيرة بن ~~شعبة. # ويقال: ما كان الطعام مريئا ولقد مرأ، وما كان الرجل مريئا وقد مرؤ. # وقال لنا القطان أبو منصور رئيس أهل قزوين: الرجل من أرض أردبيل إذا دخل ~~بلدا يسأل فيقول: كيف الخبز والمبرز، ولا يسأل عن غيرهما. فقيل له: لم ذلك؟ # فقال: يأخذ الخبز والمبرز، يأكل ويسلح إلى الصباح. # قال الشاعر: # وما تنسنا الأيام لا ننس جوعنا %~% بدار بني بدر وطول التلدد # ظللنا كأنا بينهم أهل مأتم %~% على ميت مستودع بطن ملحد PageV01P314 # يحدث بعض بعضنا عن مصابه %~% ويأمر بعض بعضنا ms271 بالتجلد # وقال آخر: # دعوني فإني قد تغديت آنفا %~% فإن مس كفي خبزكم فاقطعوا يدي # وقال آخر يصف دار قوم: # الجوع داخلها واللوح خارجها %~% وليس يقربها خبز ولا ماء # قال الهلالي: أتى رجل أبا هريرة فقال: إني كنت صائما فدخلت بيت أبي فوجدت ~~طعاما، فنسيت فأكلت. قال: الله أطعمك. قال: ثم دخلت بيتا آخر فوجدت أهله قد ~~حلبوا لقحتهم فسقوني، فنسيت فشربت. فقال: يا بني هون عليك فإنك قلما اعتدت ~~الصيام. # وقال الشاعر: # وجدت وعدك زورا في مزورة %~% ذكرت مبتدئا إحكام طاهيها # فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها %~% ولا علت كف ملق كفه فيها # فاحبس رسولك عني أن يجيء بها %~% فقد حبست رسولي عن تقاضيها # قال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه: قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقلنا: # يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت أطولنا علينا طولا، وأنت الجفنة الغراء. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان فإنما ~~أنا عبد الله ورسوله» . # وقال آخر: # وأحمر مبيض الزجاج كأنه %~% رداء عروس مشرب بخلوق # له في الحشا برد الوصال وطعمه %~% وإن كان يلقاه بلون حريق # كأن بياض اللوز في جنباته %~% كواكب در في سماء عقيق # قال يونس: أشد طعام ضرا ما كان من عام إلى عام، وهو اللبأ الذي لا يوجد ~~إلا في الولادة كل عام وإن كان مزبدا. # حكى يونس: التنافيط، أن ينزع شعر الجلد، ثم يلقى في النار ثم يؤكل، وذلك ~~في الجدب. # وقال الشاعر: # جاورت شيبان فاحلولى جوارهم %~% إن الكرام خيار الناس للجار # وكتب ابن دينار إلى صديق له: وكتبت تفضلا منك تعتذر من تأخرك عن قضاء PageV01P315 # حق زيارتي بقصور يديك عن بر يشبهني ويشبهك، فأما ما يشبهني في هذا الوقت ~~فرغيف وسكرجة كامخ حريف يثقب اللسان بحرافته. # وكان ابن أبي البغل إذا أنشد: # أروني من يقوم لكم مقامي # يقول: لو شهدت قائله لقلت: كلب الحارس يقوم مقامك. هذه قصة في حضور ما ~~يشبهني، فأما ما يشبهك فمتعذر كما قيل: ms272 # ومطلب مثلي إن أردت عسير # وقال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما أعددت في كنانتي سهما غيرك. # فقال: لا تعدني في كنانتك فو الله لو قمت فيها لطلتها، ولو جلست فيها ~~لخرقتها. # ولئن انتظرت بي ما يشبهك طال الانتظار، والعامة تتمثل- على خساسة لفظها-: ~~«إذا أردت ألا تزوج ابنتك فغال بمهرها» . وأملى فيك على الأحوال بعيد، وظني ~~فيك جميل، ولست أخشى فيما لي عندك الفوت فأعجله. # وهل يلقم الكلب إلا الحجر # العرب تقول: لئيم جبان. # وقال أعرابي: لا يكن بطن أحدكم عليه مغرما، ليكسره بالتميرة والكسيرة ~~والبقيلة والعليكة. # قال ابن الأعرابي: الفرزدق، الرغيف الواسع. # قيل لابن القرية: تكلم. فقال: «لا أحب الخبز إلا يابسا» . أراد لا أحب أن ~~أتكلم إلا بعد الارتئاء. # وروى أبو عبيدة في تفسير بيت الأعشى في ديوانه: # إذا ما هم جلسوا بالعشي %~% فأحلام عاد وأيدي هضم # قال: شبههم بأنسال عاد، وهم ثمانية ذوو أحلام وسؤدد: مالك- وهو سيد ~~الثمانية- وعمار وطفيل، وشمر، وقرزعة، وحممة، ونئض، ودفيف، وهم الذين بعث ~~لقمان بن عاد جارية بعس من لبن، فقال لها: ايتي الحي فادفعيه إلى سيدهم لا ~~تسألي عنه. فأتت الجارية الحي، فرأتهم مختلفين بين عامل ولا عب، وثمانية ~~على رؤوسهم الطير وقارا، ورأت جارية من الحي، فأخبرتها بما قال لقمان، ~~قالت: هؤلاء سادة الحي، وسأصف لك كل واحد منهم، فادفعي العس إلى من شئت أما ~~هذا فعمار، أخاذ ودار، لا تخمد له نار، للمعشبات عقار (المعشبة: التي تسمن ~~على شحم قديم) ، وأما هذا فحممة، غداؤه كل يوم ناقة سنمة، وبقرة شحمة، وشاة PageV01P316 # كدمة. وأما هذا فقرزعة، إذا لقي جائعا أشبعه، وإذا لقي قرنا جعجعه، وقد ~~خاب جيش لا يغزو معه. وأما هذا فطفيل، غضبه حين يغضب ويل، ورضاه حين يرضى ~~سيل، ولم تحمل مثله على ظهرها إبل ولا خيل، وأما هذا فشمر، ليس في أهله ~~بالشحيح القتر، ولا المسرف البطر، ولا يخدع الحي إذا اؤتمر . وأما هذا ~~فدفيف، قاري الضيف، ومغمد السيف، ومعيل الشتاء والصيف، وأما هذا فنئض، أسنت ms273 ~~الحي فمرض، فعدل مرضه عندهم إسناتهم (أي قحطهم) ، فقاموا عليه فأوسعهم ~~دقيقا ولحما غريضا، ومسكا رميضا، وكساهم ثيابا بيضا، وأما هذا فمالك، ~~حاميتنا إذا غزونا، ومطعهم ولداننا إذا شتونا، ودافع كل كريهة إذا عدت ~~علينا. فدفعت العس إلى مالك، فكان سيدهم. # بشرت امرأة زوجها بأن ابنها منه قد اتغر ، فقال: أتبشرينني بعدو ~~الخبز، اذهبي إلى أهلك. # قال الشاعر: # من يشتري مني أبا زين %~% بكر بن نطاح بفلسين # كأنما الآكل من خبزه %~% يقلع منه شحمة العين # وأنشد غليم من بني دبير: # يابن الكرام حسبا ونائلا %~% حقا أقول لا أقول باطلا # إليك أشكو الدهر والزلازلا %~% وكل عام نقح الحمائلا # التنقيح: القشر، أي قشروا حمائل سيوفهم فباعوها لشدة زمانهم. وأنشد: # سلا أم عباد الريح أعصفت %~% وجلل أطراف الرعان قتامها # وجفت بقايا الطرق إلا نضية %~% يصد الأشافي والمواسي سنامها # وضم إلي الليل منزل رفقة %~% ترامت بهم طخياء داج ظلامها # تكاد الصبا تهتزهم من ثيابهم %~% شديدا بأرياط الرجال اعتصامها # لقد علمت أني مفيد ومتلف %~% ومطعم أيام يحب طعامها # وقال آخر: # إن بني غاضرة الكراما %~% إن يقم الضيف بهم أعواما # يكن قراه اللحم والسناما %~% أو يصبح الدهر لهم غلاما # يكن ظريفا وجهه كراما PageV01P317 # وقال سماعة بن أشول: # رأت إلبلا لابني عبيد تمنعت %~% من الحق لم تورك بحق إيالها # فقالت ألا تغدو لقاحك هكذا %~% فقلت أبت ضيفانها وعيالها # فما حلبت إلا الثلاثة والثنى %~% ولا قيلت إلا قريبا مقالها # وأنشد أبو الجراح: # أرى الخلان قد صرموا وصالي %~% وأضحوا لا سلام ولا كلام # وما أذنبت من ذنب إليهم %~% سوى خف المنائح والسوام # وقال آخر: # خرق إذا وقع المطي من الوجا %~% لم يطو دون دقيقه ذو المزود # حتى تؤوب به قليلا %~% ... حمد الرفيق نداك أو لم يحمد # وقال آخر: # تزودت إذ أقبلت نحوك غاديا %~% إليك ونحو الناس لا أتزود # أراني إذا ما جئت أطلب نائلا %~% نظرت إلى وجهي كأنك أرمد # ويقال: أزواد الركب من قريش أبو أمية بن المغيرة، والأسود بن المطلب بن ~~أسد بن عبد العزى، ومسافر بن أبي ms274 عمرو بن أمية عم عقبة، كانوا إذا سافروا ~~خرج معهم الناس فلم يتخذوا زادا، ولم يوقدوا نارا كانوا يكفونهم. # وقال الشاعر: # وبالبدو جود لا يزال كأنه %~% ركام بأطراف الإكام يمور # وقال آخر: # والناس إن شبعت بطونهم %~% فغيرهم من ذاك لا يشبع # وقال آخر: # دور تحاكي الجنان حسنا %~% لكن سكانها خساس # متى أرى الجند ساكنيها %~% وفي دهاليزها يداس # وقال آخر: # لولا مخافة ضعفي عن ذوي رحمي %~% وحال معتصم بي من ذوي عدم # وحاجة الأخ تبدو لي فأنجحها %~% لم أثن في عمل كفي على قلمي # وقال آخر: # وأوثر ضيفي حين لا يوجد القرى %~% بقوتي أحبوه وأرقد طاويا PageV01P318 # وما استكثرت نفسي لباذل وجهه %~% نوالا وإن كان النوال حياتيا # وقال المبرد: البطن: الذي لا يهمه إلا بطنه. والرغيب: الشديد الأكل. # والمنهوم: الذي تمتلئ بطنه ولا تنتهي نفسه. # وأنشد ابن الأعرابي: # وإن قرى أهل النباج أرانب %~% وإن جاء بعد الريث فهو قليل # إذا صد مثغور وأعرض معرض %~% فيوم على أهل النباج طويل # وقال آخر: # يمينك فيها الخصب والناس جوع %~% وقد شملتهم حرجف ودبور # وقال آخر: # ألقت قوائمها خسا وترنمت %~% طربا كما يترنم السكران # يعني قدرا. وقوائمها، يعني الأثافي. وخسا: فرد. # وأنشد: # بئس غذاء العزب المرموع %~% حوأبة تنقض بالضلوع # الرماع: داء. وحوأبة: دلو كبيرة. والحوب والحوب: الإثم. والحيبة: الحال. # والحوباء: النفس. # العرب تقول: ماء لا تبن معه ولا غيره. خبز قفار: لا أدم معه. وسويق جاف ~~هو الذي لم يلت بسمن ولا زيت. وحنظل مبسل، وهو أن يؤكل وحده. # قال الراجز: # بئس الطعام الحنظل المبسل %~% ياجع منه كبدي وأكسل # وييجع أيضا. # وقال أبو الجراح: المبسل يحرق الكبد. والمبكل: أن يؤكل بتمر أو غيره، ~~يقال بكلوه لنا، أي اخلطوه. قال: وعندنا طعام يقال له: الخولع وهو أن يؤخذ ~~الحنظل فينقع مرات حتى تخرج مرارته، ثم يخلط معه تمر ودقيق فيكون طعاما ~~طيبا. # وقال: الخليطة والنخيسة والقطيبة: أن يحلب لبن الضأن على لبن المعزى، ~~والمعزى على لبن الضأن، أو حلب النوق على لبن الغنم. # قال: # اسقني وابرد غليلي ms275 # مليء الرجل: سمن بعد هزال. # قيل لطفيل العرائس: كم اثنين في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة. PageV01P319 # وقيل له: حكي أن العرب تقول نحن العرب أقوى الناس للضيف، فقال: إن هذا ~~النصب على المدح. # وقال العماني: # من كل جلف لم يكن مصرما %~% جعد يرعى منه التصنع ريثما # لم يتجشأ من طعام بشما # ............... # ... # ولم يبت من فترة موصما %~% يغمز صدغيه ويشكو الأعظما # إذا أجاع بطنه تحزما %~% لم يشرب الماء ولم يخش الظما # يكفيه من قارصة ما يمما %~% وخلة منه إذا ما أعيما # أصاب منه مشربا ومطعما %~% لا يعقر الشارف إلا محرما # ولا يعاف بصلا وسلجما %~% يوما ولم يفغر لبطيخ فما # فهو صحيح لا يخاف سقما %~% أسود كالمحراث يدعى شجعما # صمحمح من طول ما تأثما %~% لم يبل يوما سورة من العمى # ولم يحج المسجد المكرما %~% ولم يزر حطيمه وزمزما # ولا تراه يطلب التفهما %~% لو لم يرب مسلما ما أسلما # ما عبد اثنان جميعا صنما %~% عات يرى ضرب الرجال مغنما # إذا رأى مصدقا تجهما %~% وهز في الكف وأبدى المعصما # هراوتين نبعة وسلما %~% يترك ما رام رفاتا رمما # وإن رأى إمرة تزعما %~% لم يعطه شيئا وإن ترغما # وإن قرا عهدا له منمنما %~% هان عليه شق ما قد رقما # وأن يدق طينه المختما %~% صمصامه ماض إذا ما صمما # إذا اعترته عزة ثم انتمى %~% في ثروة الحي إذا ما يمما # ظل يرى حكما عليه مبرما %~% أن يظلم الناس وألا يظلما # وقال آخر: # ما كان ينكر في ندي مجاشع %~% أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل # وقال آخر: # بلاد كأن الجوع يطلب أهلها %~% بذحل إذا ما الضيف صرت جنادبه PageV01P320 # وقال آخر: # كريه لا يطعم الكريا %~% بالليل إلا جرجرا مقليا # محترقا نصفا ونصفا نيا # وقال الأصمعي: قال الهيثم بن جراد- وذم قوما-: والله ما أنتم آل فلاة ~~فتعصمكم، ولا أنتم آل ريف فتأكلون. فقيل: لو زدت؟ فقال: ما بعد هذا شيء. # قال: وما أشبه هذا الجواب بقول عقيل بن علفة حين قيل له: لم لا تطيل ~~الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط ms276 بالعنق. # وقيل لابن عمر: لو دعوت الله بدعوات؟ فقال: اللهم عافنا وارحمنا وارزقنا. # فقيل له: لو زدتنا؟ فقال: نعوذ بالله من الإسهاب. # قال شاعر: # إذا أغلق الباب الكريم من القرى %~% فليس على باب الفرزدق حاجب # فتى يشتري حسن الثناء بماله %~% إذا اغبر من برد الشتاء الكواكب # قال: وكل لحم وخبز أنضج دفينا فهو مليل، وما كان في تنور فهو شواء، وما ~~كان في قدر فهو حميل. # قال الأحنف لعمر بن الخطاب: إن إخواننا من أهل الكوفة والشام نزلوا في ~~مقلة الجمل وحولاء الناقة من أنهار متفجرة، وثمار متدلية، ونزلنا بسبخة ~~نشاشة يأتينا ماؤنا في مثل حلقوم النعامة أو مرئ الحمل ، فإما أن ~~تشق لنا نهرا، وإما أن ترفعنا إليك. # قال جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ~~والفقراء باتخاذ الدجاج . PageV01P321 # والعرب تقول: أكرموا الإبل إلا في بيت يبني، أو دم يفدى، أو عزب يتزوج، ~~أو حمل حمالة. # وقال معاوية لأعرابي: ما تجارتك؟ قال: أبيع الإبل، قال: أما علمت أن ~~أفواها حرب، وجلودها جرب، وبعرها حطب، وتأكل الذهب. # وقال خالد بن صفوان: الإبل للبعد، والبغال للثقل، والبراذين للجمال ~~والدعة، والحمير للحوائج، والخيل للكر والفر. # وقال آخر: # يقذفن في الأعناق والغلاصم %~% قذف الجلاميد بكف الراجم # يريد بالأعناق بالحلوق. # وقال آخر: # نغار إذا ما الروع أبدى عن البرى %~% ونقري عبيط اللحم والماء جامس # وقال آخر: # تلك المكارم لا ناق مصرمة %~% ترعى الفلاة ولا قعب من اللبن # وقال أبو الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن %~% شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # ووصف بعض البلغاء التجار فقال: لا يوجد الأدب إلا عند الخاصة والسلطان ~~ومدبريه، وأما أصحاب الأسواق فإنا لا نعدم من أحدهم خلقا دقيقا ودينا ~~رقيقا، وحرصا مسرفا، وأدبا مختلفا، ودناءة معلومة، ومروءة معدومة وإلغاء ~~اللفيف ، ومجاذبة على الطفيف، يبلغ أحدهم غاية المدح والذم في علق ~~واحد في يوم واحد مع رجل واحد، إذا اشتراه منه أو باعه إياه، إن بايعك ~~مرابحة وخبر بالأثمان، قوى الأيمان على البهتان، وإن قلدته ms277 الوزن أعنت لسان ~~الميزان، ليأخذ برجحان أو يعطي بنقصان، وإن كان لك قبله حق لواه محتجا في ~~ذلك بسنة السوفيين، يرضى لك ما لا يرضى لنفسه، ويأخذ منك بنقد ويعطيك ~~بغيره، ولا يرى أن عليه من الحق في المبايعة مثل ما له، إن استنصحته غشك، ~~وإن سألته PageV01P322 # كذبك، وإن صدقته حربك متمردهم صاعقة على المعاملين، وصاحب سمتهم نقمة على ~~المسترسلين، قد تعاطوا المنكر حتى عرف، وتناكروا المعروف حتى نسي، يتمسكون ~~من الملة بما أصلح البضائع ، وينهون عنها كلما عادت بالوضائع، يسر ~~أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفقها، وغيلة لمسلم يحميه الإسلام، فإذا أحكم ~~حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده، فغر وضر، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه ~~مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه، يعد الذي كان منه حذقا ~~بالتكسب، ورفقا بالمطلب، وعلما بالتجارة، وتقدما في الصناعة. # فلما بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير: إن كان هذا الوصف عنى العامة ~~بهذا القول دخل في وصفه الخاصة أيضا، فو الله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق ~~إلا شائعة في أصناف الناس من الجند والكتاب والتناء والصالحين وأهل العلم، ~~لقد حال الزمان إلى أمر لا يأتي عليه النعت، ولا تستوعبه الأخبار، وما عجبي ~~إلا من الزيادة على مر الساعات، ولو وقف لعله كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس ~~منه، واعترض القنوط دونه. # فقال ابن زرعة وكان حاضرا: هذا لأن الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدين ~~رائع، وذا يد من السياسة بسيطة، فأخلق اللبوس وبلى، بل تمزق وفني، وضعفت ~~اليد بل شلت وقطعت، ولا سبيل إلى سياسة دينية لأسباب لا تتفق إلا بعلل ~~فلكية، وأمور سماوية، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها، في مقابلة ~~حران الأمور الجامحة عنها، وذلك منتظر في وقته، وتمني ذلك قبل إبانة وسواس ~~النفس، وخور الطباع، والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلبون بحوادث الدهور، ~~ولا فكاك لهم من المكاره، ولا اعتلاق لهم بالمحاب إلا بالدواعي والصوارف ~~التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه، ولا ms278 إلى تبديل هذه بهذه، ~~واختيارهم للتوجه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف طفيف، ولولا ذلك ~~لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنى، وهذا ~~شأو محكوم به بقوة النفس، غير مستيقظ إليه بقوة الحس. # فقال الوزير: أحسنت يا أبا علي في هذا الوصف، «وإن نفثك ليدل على أكثر من ~~ذلك» ، ولو كان البال ظافرا بنعمة، والصدر فارغا من كربة، لكنا نبلغ من هذا ~~الحديث مبلغا نشفي به غليلنا قائلين ونشفى به مستمعين، ولكني قاعد معكم ~~وكأني غائب، بل أنا غائب من غير كاف التشبيه، والله ما أملك تصرفي ولا فكري ~~في أمري، أرى وحدا PageV01P323 # في فتل حبل، وآخر في حفر بئر، وآخر في نصب فخ، وآخر في دس حيلة، وآخر في ~~تقبيح حسن، وآخر في شحذ حديد، وآخر في تمزيق عرض، وآخر في اختلاق كذب، وآخر ~~في صدع ملتئم، وآخر في حل عقد، وآخر في نفث سحر، وناري مع صاحبي رماد، ~~وريحه علي عاصفة، ونسيمي بيني وبينه سموم، ونصيبي منه هموم وغموم، وإني ~~أحدثكم بشيء تعلمون به صدقي في شكواي، وتقفون منه على تفسخي تحت بلواي، ~~ولولا أني أطفئ بالحديث لهبا قد تضرم صدري به نارا، واحتشى فؤادي منه ~~أوارا، لما تحدثت به، ولو استطعت طيه لما نبست بحرف منه، ولكن كتماني ~~للحديث أنقب لحجاب القلب من العتلة لسور القصر. # دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس، فقال لي: قد أعدت الخلعة فالبسها على ~~الطائر الأسعد، فقلت: أفعل، وفي تذكرتي أشياء لابد من ذكرها وعرضها. # فقال: هات، فقلت: يتقدم بكذا وكذا، ويفعل كذا وكذا. فقال: عندي جميع ~~ذلك، أمض هذا كله، واصنع فيه ما ترى، وما فوق يدك يد، ولا عليك لأحد ~~اعتراض، فانقلبت عن المجلس إلى زاوية في الحجرة، وفيها تحدرت دموعي، وعلا ~~شهيقي، وتوالى نشيجي، حتى كدت أفتضح فدنا مني بعض خدمي من ثقاتي، فقال: # ما هذا؟ الناس وقوف ينتظرون بروزك بالخلعة المباركة والتشريف الميمون، ~~وأنت في نوح وندم؟ فقلت: تنح عني ساعة حتى ms279 أطفئ نار صدري، وإنما كان ذلك ~~العارض لأني كنت عرضت على صاحبي تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة، فأمضاها ~~كلها، ولم يناظرني في شيء منها، ولا زادني شيئا فيها، ولا ناظرني عليها، ~~ولعلي قد بلوته بها، وأخفيت مغزاي في ضمنها، فخيل إلي بهذه الحال أن غيري ~~يقف موقفي، فيقول في قولا مزخرفا، وينسب إلي أمرا مؤلفا، فيمضي ذلك أيضا له ~~كما أمضاه لي، فوجدتني بهذا الفكر الذي قد فتق لي هذا النوع من الأمر كراقم ~~على صفحة ماء، أو كقابض في جو على قطعة من هواء، أو كمن ينفخ في غير فحم، ~~أو يلعب في قيد، ولقد صدق الأول حيث قال: # وإن امرأ دنياه أكبر همه %~% لمستمسك منها بحبل غرور # غير أني أذكر لكم ما عن لي من هذا الأمر: # اعلموا أني ظننت أن ما نظمه الماضي- رحمه الله- وأصلحه، وبناه وقومه، ~~ونسجه ونوقه لا يستحيل في ثلاثين سنة ولا خمسين سنة، وأن الحال تدوم على ~~ذلك المنهاج، وتستمر على ذلك السياج، ونكون قد أخذنا بطريق من السعادة، ~~وبلغنا PageV01P324 # لأنفسنا بعض ما كنا نسلط عليه التمني من الإرادة فنجمع بين علو المرتبة، ~~وشرف الرياسة، ونيل اللذة، وإدراك السرور، واصطناع العرف، وكسب الثناء، ~~ونشر الذكر، وبعد الصيت، فعاد ذلك كله بالضد، وحال إلى الخلاف ووقف على ~~الفكر المضني، والخوف المقلق، واليأس الحي، والرجاء الميت، وما أحسن ما قال ~~القائل: # أظمتني الدنيا فلما جئتها %~% مستسقيا مطرت علي مصائبا # فقال له ابن زرعة: إن الأمور كلها بيد الله، ولا يستنجز الخير إلا منه، ~~ولا يستدفع الشر إلا به، فسله جميل الصنع وحسن النية وانو الخير، وبث ~~الإحسان، وكل أعداءك إلى ربك الذي إذا عرف صدقك وتوكلك عليه فلل حدهم، وعفر ~~خدهم، وسيح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها، وسلط الأرضة على أبدانهم حتى ~~تقرضها، وشغلهم بأنفسهم، وخالف بين كلمتهم، وصدع شمل جميعهم، وردهم إليك ~~صاغرين ضارعين، وعرضهم عليك خاضعين، وما ذلك على الله بعزيز، وإن الله مع ~~المحسنين على المسيئين. # قال: والله لقد وجدت روحا كثيرا بما ms280 قلت لكم وما سمعت منكم، وأرجو أن ~~الله يعين المظلوم، ويهين الظالم. قد تمطى الليل، وتغورت النجوم، وحن البدن ~~إلى الترفه، فإذا شئتم. فانصرفنا متعجبين. PageV01P325 ### || الليلة الثالثة والثلاثون # عدنا إلى ما كنا فيه من حديث الممالحة- وكان قد استزادني- فكتبت له هذه ~~الورقات وقرأتها بين يديه، فقال كلاما كثيرا عند كل ما مر مما يكون صلة ~~لذلك الحديث، خزلته طلبا للتخفيف. # قال حماد الراوية: عن قتادة قال زياد لغيلان بن خرشة: أحب أن تحدثني عن ~~العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النعمة التي أصبحنا بها. فقال ~~غيلان: # حدثني عمي قال: توالت على العرب سنون سبع في الجاهلية حصت كل شيء، فخرجت ~~على بكر لي في العرب، فمكثت سبعا لا أذوق فيهن شيئا إلا ما ينال بعيري من ~~حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم، فإذا ببيت جحش عن الحي، فملت ~~إليه، فخرجت إلي امرأة طوالة حسانة، فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. ~~فقالت: لو كان عندنا شيء آنرناك به، والدال على الخير كفاعله، جس هذه ~~البيوت فانظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه. ففعلت حتى دنوت ~~إليه، فرحب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقال: يا فلان، ~~فأجابه، فقال: هل عندك (من) طعام؟ قال: لا، قال: فو الله ما وقر في أذني ~~شيء كان أشد علي منه. فقال: هل عندك من شراب؟ قال: لا، ثم تأوه وقال: قد ~~أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها، ~~فحدثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذف وكور الأهواز وفارس، ~~وجاهد عند السلطان وكثر ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قط كان ألذ إلي من ~~شخب تلك الناقة في تلك العلبة، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها وارتفعت ~~عليها رغوة كجمة الشيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من ~~يده، فحدثني أنه أصيب بأبيه وأمه وولده وأهل بيته، فما أصيب بمصيبة أعظم ~~عليه من ذهاب العلبة، فلما ms281 رآني كذلك رب البيت خرج شاهرا سيفه، فبعث الإبل ~~ثم نظر إلى أعظمها سناما، على ظهرها مثل رأس الرجل الصعل ، فكشف عن ~~فوهته ثم أوقد نارا، واجتب سنامها، ودفع إلي مدية وقال: يا عبد الله، اصطل ~~واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار، فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم PageV01P326 # مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي، وكان قد قحل على عظمي حتى كأنه شن، ~~ثم شربت ماء وخررت مغشيا علي، فما أفقت إلى السحر. # فقطع زياد الحديث وقال: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به. # قلت: عامر بن الطفيل. قال: أبو علي؟ قلت: أبو علي. # واستعادني الوزير أدام الله علوه هذا الحديث مرتين وأكثر التعجب، وقال: # صدق القائل في العرب: منعوا الطعام وأعطوا الكلام. # تغدى أبو العيناء عند ابن مكرم، فقدم إليه عراقا ، فلما جسه قال: ~~قدركم هذه طبخت بشطرنج ؟ # وقدم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام، فقال: هذه قدر أم قبر؟ # وأكل عنده أبو العيناء يوما، فسقي ثلاث شربات باردة، ثم طلب الرابعة فسقي ~~شربة حارة، فقال: لعل مزملتكم تعتريها حمى الربع. # قال سلمة، بقي أبو القمقام ببغداد وكنا نأتيه ونسمع منه، فجاءنا بجفنة ~~فيها جوذاب فجعل أصحابنا يأكلون، ثم أتاهم بسفود فيه يرابيع فسلتها في ~~الجفنة، فعلم القوم أنهم قد دهوا، فجعلوا يستقيئون ما أكلوا. # وقالت عائشة: رضي الله عنها: يا رسول الله، لي جارتان بأيتهما أبدأ؟ قال: # «بأدناهما بابا منك» . # وقال حكيم: ينبغي ألا يعطى البخيل أكثر من قوته، لحيكم عليه بمثل ما حكم ~~به على نفسه. # وقال الشاعر: # أفلح من كانت له قوصره %~% يأكل منها كل يوم مرة # أفلح من كانت له مزخه %~% يزخها ثم ينام الفخه # أفلح من كانت له دوخله %~% يأكل منها كل يوم مله # أفلح من كانت له هرشفه %~% ونشفة يملأ منها كفه # أفلح من كانت له كرديده %~% يأكل منها وهو ثان جيده # وقال أبو فرعون الشاشي يخاطب الحجاج: # يا خير ركب سلكوا طريقا %~% ويمموا مكة والعقيقا # وأطعموا ذا الكعك والسويقا ms282 %~% والخشكنان اليابس الرقيقا PageV01P327 # وقال آخر: # رأيت الجوع يطرده رغيف %~% وملء الكف من ماء الفرات # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» ~~ . # قبل مزبد جارية بخراء، فقال لها: أظنك تعشيت بكرش، أو احتشيت صحنا، ~~فقالت: ما أكلت إلا خردلا، قال: قد ذهب النصف الثاني وبقي ما قبله. # قال الشاعر: # وباتوا يعشون القطيعاء ضيفهم %~% وعندهم البرني في جلل دسم # وقال آخر: # وما أطعمونا الأوتكى من سماحة %~% ولا منعوا البرني إلا من البخل # سمعت الحجاجي يقول: كل الخبز أو السمك، فإن أكل أحدهما كان مطيعا، فإذا ~~نفيت فقلت: لا تأكل الخبز والسمك، فإن أكل أحدهما لم يعصك، وإذا قلت: # لا تأكل الخبز أو السمك، لم يكن له أن يأكل أحدهما لأن التقدير في النفي ~~لا تأكل أحدهما، والتقدير في الإيجاب ائت أيهما شئت، فهذه خاصية أو. ~~السويق: # الجشيش، لأنه رض وكسر. المجشة: رحى صغيرة يجش بها. روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى الشبرم عند أسماء بنت عميس فقال: «حار حار» ، وأمر ~~بالسنا. # ويقال: أكل البطيخ مجفرة، أي يقطع ماء النكاح. # ويقال: فلان عظيم المجرأش أي الوسط، فرس مجرئش الجنبين واجرأشت الإبل، ~~إذا بطنت، وإبل مجرئشة أي بطان، ويقال: كثأة قدركم، وهي ما ارتفع منها عند ~~الغلي. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس قال: سمعته يقول: «ليس ~~بمؤمن من بات شبعان ريان وجاره جائع طاو» . PageV01P328 # قال عمر: مدمن اللحم كمدمن الخمر. # وقال لقيط بن زرارة يذم أصحابه يوم جبلة: # إن الشواء والنشيل والرغف %~% والقينة الحسناء والكأس الأنف # للضاربين الهام والخيل قطف # قيل لدب: لم تفقر رجلا في ليلة من كثرة ما تأكل من عنبه؟ فقال: لا تلمني، ~~فإن بين يدي أربعة أشهر أنجحر فيها فلا أتلمظ إلا بالهواء. # قال ابن الأعرابي: إذا أقدح الرجل مرة بعد مرة فأطعم لحمه المساكين ~~سمي متمما، وبه سمي ابن نويرة، ومن ذلك قول النابغة: # إني أتمم أيساري وأمنحهم %~% مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما # الثرتم من فتات الطعام ms283 ويقال الترتم أيضا ما فضل من الطعام في الإناء، ~~ويقال: طعام ذو نزل. والمليح والملح: السمن، يقال: تملحت الجارية وتحلمت ~~إذا سمنت. # وقال أبو الطمحان القيني: # وإني لأرجو ملحها في بطونكم %~% وما كشطت من جلد أشعث أغبرا # هكذا سمعت. ويقال: سمن حتى كأنه خرس، والخرس: الدن بعينه. وفي المثل: «إن ~~آخر الخرس لدردي» أي آخر الدن دردي. # وأنشد: # حبذا الصيف حبذا من أوان %~% وزمان يفوق كل زمان # زمن الخمر والمساور والجش %~% ن وورد الخلاف والريحان # زمن كانت المضائر فيه %~% بلحوم الجداء والحملان # وصدور الدجاج بالخل والم %~% ري ونثر السذاب والأنجذان # وسمان من الفراريج تغلى %~% بعصير الأعناب والرمان # وشوا الوزة اللذيذة والقا %~% رص بين الحليب والألبان # ونقي السويق بالسكر المن %~% خول في الثلج في الزجاج اليماني # وقلال تحط من بكرات %~% مرويات غلائل العطشان # واعترض حديث العلم، فأنشد ابن عبيد الكاتب لسابق الزبيري قوله: # العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه %~% كما يجلي سواد الظلمة القمر PageV01P329 # وقال أيضا: # إذا ما لم يكن لك حسن فهم %~% أسأت إجابة وأسأت فهما # آخر: # العلم ينعش أقواما فينقعهم %~% كالغيث يدرك عيدانا فيحييها # فقال الوزير: عندي في صحيفة حفظ الصبا: العلم سراج يجلي الظلمة، وضياء ~~يكشف العمى. # التذلل مكروه إلا في استفادته، والحرص مذموم إلا في طلبه، والحسد منهي ~~عنه إلا عليه. # ثم عاد الحديث إلى الممالحة: # حدثني مطهر بن أحمد الكاتب عن ابن قرارة العطار قال: اجتمع ذات يوم عندي ~~على المائدة أبو علي بن مقلة وأبو عبد الله اليزيدي، وكان ابن مقلة يفضل ~~الهريسة، وكان اليزيدي يفضل الجوذابة، وكان كل واحد منهما يصف النوع الذي ~~يقول به ويؤثره، فقال اليزيدي: الهريسة طعام السوقيين والسفلة، وليست ~~الجواذبة بهذه الصفة، فقال لي ابن مقلة: ما اسم الجوذابة بالفارسية؟ فقلت ~~جوزاب، فقال: # ضم الكاف . وفهمت ما أراد، فقلت: نسأل الله العافية، والله لقد ~~عافتها نفسي، وسكت اليزيدي. # قال يزيد بن ربيع: الكباب طعام الصعاليك، والماء والملح طعام الأعراب، ~~والهرائس والرؤوس طعام السلاطين، والشواء طعام الدعار، والخل والزيت طعام ~~أمثالنا. ms284 # وحدثني ابن ضبعون الصوفي قال: قال لي أبو عمر الشاري صاحب الخليفة: # انهض بنا حتى نتغدى، فإن عندي مصوصا وهلاما وبقية مطجنة، وشيئا من ~~الباذنجان البوراني البائت المخر. قلت: هذه كلها تزايين المائدة، فأين ~~الأدم؟ # كان عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس يكثر أكل الجوذاب ولا يؤثر ~~عليه شيئا، وكان يقول: يشد العضدين، ويقوي الساعدين، ويجلو الناظرين، ويزيد ~~في سمع الأذنين، ويحمر الوجنتين، ويزيد في المني، وهو طعام شهي، فأي شيء ~~بقي؟ # وبلغ المنصور وصفه هذا، فقال: بحق ما وصفه، ولا نقبل أكله. # وقال وكيع بن الجراح: التمتين على المائدة خير من زيادة لونين، وكمال ~~المائدة كثرة الخبز، والسميذ الأبيض أحلى من الأصفر. PageV01P330 # وكان يحيى بن أكثم يحب الجوذاب، فبلغه أن رجلا ممن يحضر عنده يعيب ~~الجوذاب، فقال يحيى: إن ثبت عندي هذا توقفت عن شهادته، وحكمت عليه بضعف ~~الحس وقلة التمييز، فبلغ الرجل ذلك، فاحترس، فقال له يحيى يوما: ما قولك في ~~الجوذاب؟ فقال: أشرف مأكل وأطيبه، سهل المدخل، لذيذ المطعم، جيد الغذا، ~~قليل الأذى. قال: أصبت، هكذا أريدك. # أبو صالح عن ابن عباس قال: ما من داخل إلا وله حيرة، فابدءوه بالسلام، ~~وما من مدعو إلا وله حشمة، فابدءوه باليمين. # قال حمدان: قلت لجارية أردت شراءها- وكانت ناعمة البدن رطبة شطبة غضة ~~بضة-: ما كان غذاؤك عند مولاك؟ قالت: المبطن. قلت: وما المبطن؟ قالت: الأرز ~~الريان من اللبن، بالفالوذج الريان من العسل، والخبيصة الريانة من الدهن ~~والسكر والزعفران. قلت: حق لك. # وقال ابن الجصاص الصوفي: دخلت على أحمد بن روح الأهوازي فقال: # ما تقول في صفحة أرز مطبوخ، فيها نهر من سمن، على حافاتها كثبان من السكر ~~المنخول، فدمعت عيني. فقال: مالك؟ قلت: أبكي شوقا إليه، جعلنا الله وإياك ~~من الواردين عليه بالغواصة والردادتين. فقال لي: ما الغواصة والردادتان؟ ~~قلت: الغواصة الإبهام، والردادتان: السبابة والوسطى. فقال: # أحسنت، بارك الله عليك. # شكا رجل إلى عمر الجوع فقال: أكذك وأنت تنث نث الحميت؟ أي ترشح كما يرشح ~~الزق. ms285 # وقال ابن سكرة: # أطمعني في خروفكم خرفي %~% فجئت مستعجلا ولم أقف # وجئت أرجو أطرافه فغدت %~% في طرف والسماك في طرف # وحذروني من ذكر رزته %~% يا حر صدري لها ويا لهفي # عاينته والذي يفصله %~% والقلب مني على شفا جرف # ما حل بي منك عند منصرفي %~% ما كنت إلا فريسة التلف # ويقال: القانع غني وإن جاع وعري، والحريص فقير وإن ملك الدنيا. # قيل لإبراهيم الخليل- عليه السلام-: بأي شيء اتخذك الله خليلا؟ قال: بأني ~~ما خيرت بين أمرين إلا اخترت الذي لله، وما اهتممت لما تكفل لي به، وما ~~تغديت وما تعشيت إلا مع ضيف. PageV01P331 # واعترض حديث فقال: أنشدني بيتي ابن غسان البصري في حديث بختيار، يعني عز ~~الدولة، فأنشدته: # أقام على الأهواز ستين ليلة %~% يدبر أمر الملك حتى تدمرا # يدبر أمرا كان أوله عمى %~% وأوسطه ثكلا وآخره خرا # فقال: ما أعجب الأمور التي تأتي بها الدهور! عد إلى قراءتك، فعدت وقرأت. # روي في الحديث: لا تأكلوا ذروة الثريد، فإن البركة فيها. # وقال أعرابي: اللبن أحد اللحمين، وملك العجين أحد الريعين، والمرقة أحد ~~اللحمين، والبلاغة أحد السيفين والتمني أحد السكرين. # أراد مزبد أضحية فلم يجدها، فأخذ ديكا ليضحي به، فوجه إليه جيرانه شاة ~~شاة حتى اجتمع عنده سبع شياه، فقال: ديكي أفضل عند الله من إسحاق لأنه فدى ~~بكبش، وديكي بسبعة. # الكتل: اللحم، والعيمة: شهوة اللبن، والقرم: شهوة اللحم. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يرق قلبه فليكثر من أكل البلس» ~~. قيل: هو التين. # وقال أعرابي: # يمن علي بالتزويج شيخي %~% وفي التزويج لي هم وشغل # وكنت من الهموم رخي بال %~% فحل من الهموم علي ثقل # فقلت له: مننت بغير من %~% ومالك بالذي أسديت فضل # أعزاب العشيرة لو علمتم %~% بحالي حين لي بيت وأهل # علمتم أنكم في حال عيش %~% رخي ماله يا قوم عدل # قال إسحاق الموصلي: أملى بعض الفقهاء بالكوفة أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كره السمر إلا في الفقه، يريد كثرة السمر إلا في الفقه. # قيل لميسرة الرأس: ms286 ما أكثر ما أكلت؟ قال: مائة رغيف بكيلجة ملح، فقيل: ~~هذا أكلك في بيتك؟ قال: آكل في بيتي رغيفين، وأحتشي إلى الليل فشل الخيل. # تناول الفضل بن العباس تفاحة فأكلها، فقيل: ويحك، تأكل التحيات؟ فقال: # والصلوات والطيبات. PageV01P332 # يقال: الطعمة: الكسب. ويقال: جئت بالطعمة. والطعم: الطعام: والطعم: # الذوق. وهذه الأرض طعمة لك وطعمة. # قال إسحاق: كنت يوما عند أحمد بن يوسف الكاتب، فدخل أحمد بن أبي خالد ~~الكاتب ونحن في الغناء، فقال: والله ما أجد شيئا مما أنتم فيه. قال إسحاق: ~~فهان علي وخف في عيني، فقلت له كالمستهزئ به: جعلت فداك، قصدت إلى أرق شيء ~~خلقه الله وألينه على الأذن والقلب، وأظهره للسرور والفرح، وأنفاه للهم ~~والحزن، وما ليس للجوارح منه مؤونة غليظة، وإنما يقرع السمع وهو منه على ~~مسافة، فتطرب له النفس، فذممته!؟ ولكنه كان يقال: لا يجتمع في رجل شهوة كل ~~لذة، وبعد، فإن شهوة كل رجل على قدر تركيبه ومزاجه. قال: أجل، أما أنا ~~فالطعام الرقيق أعجب إلي من الغناء. # فقلت: إي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبلية بالبازنجان المبزر ~~أيضا تقدمه؟ # فقال: الغناء مختلف فيه، وقد كرهه قوم. قلت: فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى ~~تجمعوا على تحريمه، أعلمت- جعلت فداك- أن الأوائل كانت تقول: من سمع الغناء ~~على حقيقته مات. فقال: اللهم لا تسمعناه على الحقيقة إذا فنموت. فاستظرفته ~~في هذه اللفظة، وقدموا إليه الطعام فشغل عن ذم الغناء. # قال سعيد بن أبي عروة: نزل الحجاج في طريق مكة، فقال لحاجبه: انظر أعربيا ~~يتغدى معي، وأسأله عن بعض الأمر، فنظر الحاجب إلى أعرابي بين شملين، فقال: ~~أجب الأمير، فأتاه، فقال له الحجاج: إذن فتغد معي. فقال: إنه دعاني من هو ~~أولى منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله عز وجل دعاني إلى الصوم فصمت، ~~قال: أفي هذا اليوم الحار؟ قال: نعم، صمته ليوم هو أشد منه حرا. قال: فأفطر ~~وصم غدا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف ~~تسألني عاجلا بآجل لا ms287 تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب. قال: إنك لم تطيبه ولا ~~الخباز، ولكن العافية طيبته، ولم يفطر، وخرج من عنده. # قال أعرابي: هذا الطعام مطيبة للنفس، محسنة للجسم. # قال أبو حاتم: حدثنا الأصمعي قال: قال أبو طفيلة الحرمازي: قال أعرابي: # ضفت رجلا فأتانا بخبز من بر كأنه مناقير النغران ، وأتانا بتمر ~~كأعناق الورلان» # ، يوحل فيه الضرس. # وقال آخر: ونظر إلى رجل يأكل بالعين والفم واليد والرأس والرجل: لو سألته ~~عن اسمه لما ذكره، ولو طلع ولده الغائب عليه ما عرفه: # يلعب بالخمسة في قصعة %~% لعب أخي الشطرنج بالشاه PageV01P333 # قال ابن الأعرابي: كان المحسن الضبي شرها على الطعام، وكان دميما، فقال ~~له زياد ذات يوم: كم عيالك؟ قال: تسع بنات .... قال: فأين هن منك. فقال: أنا ~~أحسن منهن وهن آكل مني، فضحك. وقال: جاز ما سألت لهن. وأمر له بأربعة آلاف ~~درهم، فقال: # إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم %~% فناد زيادا أو أخا لزياد # يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله %~% إذا ضن بالمعروف كل جواد # وقال سنان بن أبي حارثة: # ثمة أطعم زادي غير مدخر %~% أهل المحلة من جار ومن جادي # قد يعلم القوم إذ طال اغترابهم %~% وأرملوا الزاد أني منفد زادي # وقال السفاح بن بكر: # والمالئ الشيزي لأضيافه %~% كأنها أعضاد حوض بقاع # لا يخرج الأضياف من بيته %~% إلا وهم منه رواء شباع # أورد أعرابي إبله، فأبى أهل الماء أن يجيزوه، وقالوا: إبلك كثيرة، فإن ~~أوردت فشرط أن تقف بعيدا عن الماء وتسقي ما جاءك منها، ولا تحاجز بها، قال: ~~أفعل، وأنشأ يقول: # رب طبيخ مرجل ملهوج %~% يسلته القوم ولما ينضج # حش بشيء من ضرام العرفج # فانقضت الإبل كلها على الماء فشربت. # قال الشاعر: # شرب النبيذ على الطعام قليله %~% فيه الشفاء وصحة الأبدان # وإذا شربت كثيره فكثيره %~% مزج عليك ركائب الشيطان # فتكون بين الضاحكين كبومة %~% عمياء بين جماعة الغربان # فاحذر بجهدك أن ترى كجنيبة %~% بعد العشاء تقاد بالأرسان # قال حمزة المصنف في بعض كتبه: قال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان ~~الفارسي: ms288 أن اتخذ لنا سورا، أي طعام كطعام الوليمة، وهي فارسية. # قال شيخنا أبو سعيد السيرافي: أخطأ هذا المتأول، وإنما أراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أن سلمان اتخذ لنا خندقا يوم الأحزاب، لأنه حض على ذلك، ~~وليس ذا من ذلك إلا باللفظ. # وقال جعيفران الموسوس في وصف عصيدة: # وماء عصيدة حمراء تحكي %~% إذا أبصرتها ماء الخلوق # تزل عن اللهاة تمر سهلا %~% وتجري في العظام وفي العروق PageV01P334 # قال الحسن بن سهل: أشياء تذهب هباء: دين بلا عقل، ومال بلا بذل وعشق بلا ~~وصل. فقال حميد: بقي عليه مائدة بلا نقل، ولحسة بلا فضل. # قيل لصوفي: ما حد الشبع؟ قال: الموت. # وقيل لآخر: ما حد الشبع؟ قال: آكل حتى يقع علي السبات فأنام على وجهي ~~وتتجافى أطرافي عن الأرض. # وقيل لآخر: ما حد الشبع؟ قال: أن أدخل إصبعي في حلقي فيصل إلى الطعام. # قال يعقوب: أصبحت خالفا: لا أشتهي الطعام. وخلوف البطن تغيره. # ويقال: مغسني بطني، وهو المغس، ورجل ممغوس. # ويقال: غمزني بطني وملكني. # والعامة تقول: كل ما في القدر تخرجه المغرفة، ورجل مقرضب وقراضب وقرضاب ~~إذا كان أكولا، وكذلك السيف واللص، قال الشاعر: # وليس يرد النفس عن شهواتها %~% من القوم إلا كل ماضي العزائم # ومر ابن عامر بن عبد القيس وهو يأكل بقلا بملح، فقال: لقد رضيت باليسير. # فقال: أرضى مني باليسير من رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة. # قال عبد الملك بن مروان: لا تستاكن إلا عرضا، ولا تأكلن إلا عضا ولا ~~تشربن إلا مصا، ولا تركبن إلا نصا ، ولا تعقدن إلا وصا. # ويقال: ماء قراح، وخبز قفار: لا أدم معه، وسويق جاف، ولبن صريح: لم ~~يخالطه شيء. # وقال سعيد بن سلمة: شيئان لا تشبع منهما ببغداد: السمك والرطب. # قال أعرابي: أكلت «فرسكة» وعلى خوخة، فجاء غلام حزور فنظر حرتي. # الفرسكة: الخوخة المقددة. والخوخة: القميص الأخضر بطن بفرو. # والحرة: الأذن. # قيل لحاتم الأصم: بم رزقت الحكمة؟ قال: بخلاوة البطن، وسخاوة النفس، ~~ومكابدة الليل. # وقال شقيق البلخي: العبادة حرفة، وحانوتها الخلوة، وآلتها ms289 الجوع. # قال لقمان: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء ~~عن العبادة. PageV01P335 # وقال عمر: لولا القيامة لشاركناكم في لين عيشكم. # وقال بعض العرب: أقلل طعامك تحمد منامك. # قال يحيى بن معاذ: الشبع يكنى بالكفر. # وقال غيره: الجوع يكنى بالرحمة. # وقال أعرابي: # تحيز مني خيفة أن أضيفها %~% كما انحازت الأفعى مخافة ضارب # وذكر المهلب اللحم فقال: إذا التقى الوارد والغابر فتوقع الفساد. PageV01P336 ### || الليلة الرابعة والثلاثون # وقال الوزير في بعض الليالي: قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن ~~العامة من خوضها في حديثنا، وذكرها أمورنا، وتتبعها لأسرارنا، وتنقيرها عن ~~مكنون أحوالنا، ومكتوم شأننا، وما أدري ما أصنع بها، وإني لأهم في الوقت ~~بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد، لعل ذلك يطرح الهيبة ويحسم ~~المادة، ويقطع هذه العادة، لحاهم الله، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم ~~المهمة، ومعايشهم النافعة، وفرائضهم الواجبة؟ ولم ينقبون عما ليس لهم، ~~ويرجفون بما لا يجدي عليهم، ولو حققوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا ~~فائدة، وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتى كأنه من الفرائض ~~المحتومة، والوظائف الملزومة، وقد تكرر منا الزجر، وشاع الوعيد، وفشا ~~الإنكار بين الصغار والكبار، ولقد تعايى علي هذا الأمر وأغلق دوني بابه، ~~وتكاثف علي حجابه، والله المستعان. # فقلت: أيها الوزير، عندي في هذا جوابان: أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي ~~سليمان، وهو من تفوق في الفضل والحكمة والتجربة ومحبة هذه الدولة والشفقة ~~عليها من كل هبة ودبة، والآخر مما سمعته من شيخ صوفي، وفي الجوابين فائدتان ~~عظيمتان، ولكن الجملة خشناء، وفيها بعض الغلظة، والحق مر، ومن توخى الحق ~~احتمل مرارته. # قال: فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين، فليس ينتفع بالدواء إلا بالصبر على ~~بشاعته، وصدود الطبع عن كراهته. # قلت: أما أبو سليمان، فإنه قال في هذه الأيام: ليس ينبغي لمن كان الله عز ~~وجل جعله سائس الناس: عامتهم وخاصتهم وعالمهم وجاهلهم، وضعيفهم وقويهم، ~~وراجحهم وشائلهم، أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة، ms290 ~~منها: # أن عقله فوق عقولهم، وحلمه أفضل من حلومهم، وصبره أتم من صبرهم، ومنها: ~~أنهم إنما جعلوا تحت قدرته، ونيطوا بتدبيره، واختبروا بتصريفهم على أمره ~~ونهيه، ليقوم بحق الله تعالى فيهم، ويصبر على جهل جاهلهم، ويكون عماد حاله ~~معهم الرفق بهم، والقيام بمصالحهم، ومنها: أن العلاقة التي بين السلطان ~~وبين الرعية قوية، لأنها إلهية، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين الوالد ~~والولد، والملك والد كبير، كما أن الولد ملك صغير، وما يجب على الوالد في ~~سياسة ولده من الرفق به، والحنو عليه، والرقة له، واجتلاب المنفعة إليه، ~~أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده، وذلك أن الولد PageV01P337 # غر، وقريب العهد بالكون، وجاهل بالحال، وعار من التجربة، كذلك الرعية ~~الشبيهة بالولد، وكذلك الملك الشبيه بالوالد، ومما يزيد هذا المعنى كشفا، ~~ويكسبه لطفا، أن الملك لا يكون ملكا إلا بالرعية، كما أن الرعية لا تكون ~~رعية إلا بالملك، وهذا من الأحوال المتضايفة، والأسماء المتناصفة، وبسبب ~~هذه العلاقة المحكمة والوصلة الوشيجة، ما لهجت العامة بتعرف حال سائسها، ~~والناظر في أمرها، والمالك لزمامها، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها، ~~وطيب حياتها، ودرور مواردها، بالأمن الفاشي بينها، والعدل الفائض عليها، ~~والخير المجلوب إليها، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة، ومندوب إليه أيضا في ~~أحكام الشريعة. # قال: ولو قالت الرعية لسلطانها: لم لا نخوض في حديثك، ولا نبحث عن غيب ~~أمرك، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك؟ ولم لا نقف على حقيقة ~~حالك في ليلك ونهارك، ومصالحنا متعلقة بك، وخيراتنا متوقعة من جهتك، ~~ومسرتنا ملحوظة بتدبيرك، ومساءتنا مصروفة باهتمامك، وتظلمنا مرفوع بعزك، ~~ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك، وشائع رحمتك وبليغ اجتهادك، ما ~~كان جواب سلطانها وسائسها؟ أما كان عليه أن يعلم أن الرعية مصيبة في دعواها ~~التي بها استطالت، بلى والله، الحق معترف به وإن شغب الشاغب، وأعنت المعنت. # قال: ولو قالت الرعية أيضا: ولم لا تبحث عن أمرك؟ ولم لا تسمع كل غث ~~وسمين منا! وقد ملكت نواصينا، وسكنت ms291 ديارنا، وصادرتنا على أموالنا، وحلت ~~بيننا وبين ضياعنا، وقاسمتنا مواريثنا، وأنسيتنا رفاغة العيش، وطيب ~~الحياة، وطمأنينة القلب، فطرقنا مخوفة، ومساكننا منزولة، وضياعنا مقطعة، ~~ونعمنا مسلوبة، وحريمنا مستباح، ونقدنا زائف، وخراجنا مضاعف، ومعاملتنا ~~سيئة، وجندينا متغطرس، وشرطينا منحرف، ومساجدنا خربة، ووقوفها منتهبة، ~~ومارستاناتنا خاوية، وأعداؤنا مستكلبة، وعيوننا سخينة، وصدورنا مغيظة، ~~وبليتنا متصلة، وفرحنا معدوم. ما كان الجواب أيضا عما قالت وعما لم تقل، ~~هيبة لك، وخوفا على أنفسها من سطوتك وصولتك؟ # وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنه رفع إلى الخليفة المعتضد أن طائفة من ~~الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكان شيخ تبان، ويخوضون في الفضول ~~والأراجيف وفنون من الأحاديث، وفيهم قوم سراة وتناء وأهل بيوتات سوى من ~~يسترق السمع منهم من خاصة الناس، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم، فلما عرف ~~الخليفة ذلك ضاق ذرعا، وحرج صدرا، وامتلأ غيظا، ودعا بعبيد الله بن سليمان، ~~ورمى بالرفيعة إليه، وقال: # انظر فيها وتفهمها. ففعل، وشاهد من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، ~~وشرد PageV01P338 # آلف صبره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين. قال: فما الدواء؟ قال: تتقدم ~~بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإن العقوبة إذا اختلفت، كان ~~الهول أشد، والهيبة أفشا، والزجر أنجع، والعامة أخوف. # فقال المعتضد- وكان أعقل من الوزير-: والله لقد بردت لهيب غضبي بفورتك ~~هذه، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة، وحططت علي الرفق، من حيث أشرت بالخرق، ~~وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك، ولو أمرتك ببعض ما رأيت ~~بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة ~~الجاهلة أن تسألني الكف عن الجهل، وتبعثني على الحلم، وتحبب إلي الصفح ~~وترغبني في فضل الإغضاء على هذه الاشياء. وقد ساءني جهلك بحدود العقاب وبما ~~تقابل به هذه الجرائر، وبما يكون كفأ للذنوب، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ~~ودللت على قسوة القلب وقلة الرحمة ويبس الطينة ورقة الديانة، أما تعلم أن ~~الرعية وديعة الله عند سلطانها؟ وأن الله يسائله عنها كيف سستها؟ ولعله لا ~~يسألها، وإن سألها ms292 فليؤكد الحجة عليه منها، ألا تدري أن أحدا من الرعية لا ~~يقول ما يقول إلا لظلم لحقه أو لحق جاره، وداهية نالته أو نالت صاحبا له؟ ~~وكيف نقول لهم: كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم، غير خائضين في ~~حديثنا، ولا سائلين عن أمرنا، والعرب تقول في كلامها: غلبنا السلطان فلبس ~~فروتنا، وأكل خضرتنا. وحنق المملوك على المالك معروف، وإنما يحتمل السيد ~~على صروف تكاليفه، ومكاره تصاريفه، إذا كان العيش في كنفه رافغا، والأمل ~~فيه قويا، والصدر عليه باردا، والقلب معه ساكنا، أتظن أن العمل بالجهل ~~ينفع، والعذر به يسمع، لا والله ما الرأي ما رأيت، ولا الصواب ما ذكرت، وجه ~~صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، ومعروفا بخير وصدق، حتى يعرف حال هذه الطائفة، ~~ويقف على شأن كل واحد منها في معاشه، وقدر ما هو متقلب فيه ومنقلب إليه، ~~فمن كان منهم يصلح للعمل فعلقه به، ومن كان سيئ الحال فصله من بيت المال ~~بما يعيد نضرة حاله، ويفيده طمأنينة باله، ومن لم يكن من هذا الرهط، وهو ~~غني مكفي، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو، فادع به، وانصحه، ~~ولاطفه، وقل له: إن لفظك مسموع، وكلامك مرفوع، ومتى وقف أمير المؤمنين على ~~كنه ذلك منك لم تجدك إلا في عرصة المقابر، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها من ~~سلطانك، وتحمد عليها عند إخوانك، وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعدما كان ~~غيرك عظة لك، ولولا أن الأخذ بالجريرة الأولى مخالف للسيرة المثلى، لكان ~~هذا الذي تسمعه ما تراه، وما تراه تود أنك لو سمعته قبل أن تراه. فإنك يا ~~عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة، وملكت طرفي المصلحة، وقمت ~~على سواء السياسة، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة. PageV01P339 # قال: وفارق الوزير حضرة الخليفة، وعمل بما أمر به على الوجه اللطيف، ~~فعادت الحال ترف بالسلامة العامة، والعافية التامة، فتقدم إلى الشيخ التبان ~~برفع حال من يقعد عنده حتى يواسى إن كان محتاجا، ويصرف إن كان متعطلا، ~~وينصح إن ms293 كان متعقلا. # فقال الوزير: ما سمعت مثل هذا قط، وما ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا ~~القدر، فهات الجواب الآخر الذي حفظته عن الصوفي. # فقلت: إن كان هذا كافيا فإن ذلك فضل. # فقال: هكذا هو، وإن فيما مر لكفاية، وما يزيد على الكفاية، ولكن الزيادة ~~من العلم داعية إلى الزيادة من العمل، والزيادة من العمل جالبة الانتفاع ~~بالعلم، والانتفاع بالعلم دليل على سعادة الإنسان، وسعادة الإنسان مقسومة ~~على اقتباس العلم والتماس العمل، حتى يكون بأحدهما زارعا، وبالآخر حاصدا، ~~وبأحدهما تاجرا، وبالآخر رابحا. # فوصلت الحديث وقلت: حدثني شيخ من الصوفية في هذه الأيام قال: كنت ~~بنيسابور سنة سبعين وثلاثمائة، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة، وتبلبلت دولة آل ~~سامان بالجور وطول المدة، فلجأ محمد بن إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين، وهي ~~حصنه ومعقله، وورد أبو العباس صاحب جيش آل سامان نيسابور بعدة عظيمة، وعدة ~~عميمة، وزينة فاخرة، وهيئة باهرة، وغلا السعر وأخيفت السبل، وكثر الإرجاف، ~~وساءت الظنون، وضجت العامة، والتقس الرأي، وانقطع الأمل، ونبح كلب كلب من ~~كل زاوية، وزأر كل أسد من كل أجمة، وضبح كل ثعلب من كل تلعة. # قال: وكنا جماعة غرباء نأوي إلى دويرة الصوفية لا نبرحها، فتارة نقرأ، ~~وتارة نصلي، وتارة ننام، وتارة نهذي، والجوع يعمل عمله، ونخوض في حديث آل ~~سامان، والوارد من جهتهم إلى هذا المكان، ولا قدرة لنا على السياحة لانسداد ~~الطرق، وتخطف الناس للناس، وشمول الخوف، وغلبة الرعب، وكان البلد يتقد نارا ~~بالسؤال والتعرف والإرجاف بالصدق والكذب، وما يقال بالهوى والعصبية، فضاقت ~~صدورنا، وخبثت سرائرنا واستولى علينا الوسواس، وقلنا ليلة: ما ترون يا ~~صحابنا ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة، كأنا والله أصحاب نعم وأرباب ~~ضياع نخاف عليها الغارة والنهب، وما علينا من ولاية زيد، وعزل عمرو، وهلاك ~~بكر، ونجاة بشر، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة، ولهذه الحياة ~~القصيرة، بكسرة يابسة، وخرقة بالية، وزاوية من المسجد مع العافية من بلايا ~~طلاب الدنيا. فما هذا الذي يعترينا من هذه ms294 الأحاديث التي ليس لنا فيها ناقة ~~ولا جمل، ولا حظ ولا أمل، قوموا بنا غدا حتى نزور أبا زكريا الزاهد، ونظل ~~نهارنا عنده لاهين عما نحن فيه، ساكنين معه، مقتدين به. PageV01P340 # فاتفق رأينا على ذلك، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزاهد، فلما دخلنا ~~رحب بنا، وفرح بزيارتنا، وقال: ما أشوقني إليكم، وما ألهفني عليكم! الحمد ~~لله الذي جمعني وإياكم في مقام واحد، حدثوني ما الذي سمعتم، وماذا بلغكم من ~~حديث الناس، وأمر هؤلاء السلاطين؟ فرجوا عني، وقولوا لي ما عندكم، فلا ~~تكتموني شيئا فمالي والله مرعى في هذه الأيام إلا ما اتصل بحديثهم، واقترن ~~بخبرهم! فلما ورد علينا من هذا الزاهد العابد ما ورد، دهشنا واستوحشنا، ~~وقلنا في أنفسنا: انظروا من أي شيء هربنا، وبأي شيء علقنا، وبأي داهية ~~دهينا. # قال: فخففنا الحديث وانسللنا، فلما خرجنا قلنا: أرأيتم ما بلينا به، وما ~~وقعنا عليه، إن هذا لهو البلاء المبين # [الصافات: 106] . ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزاهد فله فضل وعبادة وعلم ~~وتفرد في صومعته حتى نقيم عنده إلى آخر النهار، فقد نبا بنا المكان الأول، ~~وبطل قصدنا فيما عزمنا عليه من العمل. فمشينا إلى أبي عمرو الزاهد ~~واستأذنا، فأذن لنا، ووصلنا إليه فسر بحضورنا، وهش لرؤيتنا، وابتهج بقصدنا، ~~وأعظم زيارتنا، ثم قال: يا أصحابنا ما عندكم من حديث الناس؟ فقد والله طال ~~عطشي إلى شيء أسمعه، ولم يدخل علي اليوم أحد فأستخبره، وإن أذني لدى الباب ~~لأسمع قرعة أو أعرف حادثة، فهاتوا ما معكم وما عندكم، وقصوا علي القصة ~~بفصها ونصها، ودعوا التورية والكناية، واذكروا الغث والثمين، فإن الحديث ~~هكذا يطيب، ولولا العظم ما طاب اللحم، ولولا النوى ما حلا التمر، ولولا ~~القشر لم يوجد اللب. # فعجبنا من هذا الزاهد الثاني أكثر من عجبنا من الزاهد الأول، وخاطفناه ~~الحديث، وودعناه، وخرجنا، وأقبل بعضنا على بعض يقول: أرأيتم أظرف من أمرنا ~~وأغرب من شأننا؟ انظروا من أي شيء كان تعريجنا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5] وتلددنا وتبلدنا وقلنا: يا أصحابنا: انطلقوا إلى ms295 أبي الحسن ~~الضرير، وإن كان مضربه بعيدا فإنا لا نجد سكوننا إلا معه، ولا نظفر بضالتنا ~~إلا عنده، لزهده وعبادته وتوحده وشغله بنفسه مع زمانته في بصره، وورعه، ~~وقلة فكره في الدنيا وأهلها. وطوينا الأرض إليه، ودخلنا عليه، وجلسنا ~~حواليه في مسجده، ولما سمع بنا أقبل على كل واحد منا يلمسه بيده ويرحب به، ~~ويدعو له ويقرب، فلما انتهى أقبل علينا وقال: أمن السماء نزلتم علي؟ والله ~~لكأني قد وجدت بكم مأمولي، وأحرزت غاية سولي، قولوا لي غير محتشمين: ما ~~عندكم من أحاديث الناس؟ وما عزم عليه هذا الوارد؟ وما يقال في أمر ذلك ~~الهارب إلى قايين، وما الشائع من الأخبار؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس؟ ~~وما يقع في هواجسكم ويستبق إلى نفوسكم؟ فإنكم برد الآفاق، وجوالة الأرض، ~~ولقاطة الكلام، ويتساقط إليكم من الأقطار ما يتعذر على عظماء الملوك وكبراء ~~الناس. PageV01P341 # فورد علينا من هذا الإنسان ما أنسى الأول والثاني، ومما زاد في عجبنا أنا ~~كنا نعده في طبقة فوق طبقات جميع الناس فخففنا الحديث معه، وودعناه، وخنسنا ~~من عنده، وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم، وظهر لنا ~~من حالهم، وازدريناهم. # وانقلبنا متوجهين إلى دويرتنا التي غدونا منها مستطرقين كالين، فلقينا في ~~الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن العامري، وله كتاب في التصوف قد ~~شحنه بعلمنا وإشارتنا، وكان من الجوالين الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على ~~أسرار الله في العباد، فقال لنا: من أين درجتم، ومن قصدتم. فأجلسناه في ~~مسجد، وعصبنا حوله، وقصصنا عليه قصتنا من أولها إلى آخرها، ولم نحذف منها ~~حرفا. فقال لنا: # في طي هذه الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه، وسر لا تهتدون إليه، وإنما ~~غركم ظنكم بالزهاد، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة، ~~لأنهم الخاصة، ومن الخاصة خاصة الخاصة، لأنهم بالله يلوذون، وإياه يعبدون، ~~وعليه يتوكلون، وإليه يرجعون، ومن أجله يتهالكون، وبه يتمالكون. # قلنا له: فإن رأيت يا معلم الخير أن تكشف عنا هذا ms296 الغطاء، وترفع هذا ~~الستر، وتعرفنا منه ما وهب الله لك من هذا الغيب، لنكون شاكرين، وتكون من ~~المشكورين. # فقال: نعم، أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها وساستها لما ترجو من ~~رخاء العيش وطيب الحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال الجلب ونفاق السوق ~~وتضاعف الربح، فأما هذه الطائفة العارفة بالله، العاملة لله، فإنها مولعة ~~أيضا بحديث الأمراء، والجبابرة العظماء، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم، ~~وجريان أحكامه عليهم، ونفوذ مشيئته في محابهم ومكارههم في حال النعمة ~~عليهم، والانتقام منهم، ألا ترونه قال جل ثناؤه: حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44] ، وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته، ويطلعون على تتابع ~~نعمته وغرائب نقمته، وهاهنا يعلمون أن كل ملك سوى ملك الله زائل، وكل نعيم ~~غير نعيم الجنة حائل، ويصير هذا كله سببا قويا لهم في الضرع إلى الله، ~~واللياذ بالله، والخشوع لله، والتوكل على الله، وينبعثون به من حران ~~الإباء، إلى انقياد الإجابة، ويتنبهون من رقدة الغفلة، ويكتحلون باليقظة من ~~سنة السهو والبطالة، ويجدون في أخذ العتاد، واكتساب الزاد إلى المعاد، ~~ويعملون في الخلاص من هذا المكان الحرج بالمكاره، المحفوف بالرزايا، الذي ~~لم يفلح فيه أحد إلا بعد أن هدمه وثلمه، وهرب منه، ورحل عنه إلى محل لا داء ~~فيه ولا غائلة، ساكنه خالد، ومقيمه مطمئن، والفائز به منعم، والواصل إليه ~~مكرم، وبين الخاصة والعامة في هذه الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع الله ~~طرفه إليه، وفتح باب السر فيه عليه، قد يتشابه الرجلان في فعل، PageV01P342 # وأحدهما مذموم، والآخر محمود، وقد رأينا مصليا إلى القبلة وقلبه معلق ~~بإخلاص العبادة، وآخر إلى جانبه أيضا يصلي إلى القبلة وقلبه في طر ما في كم ~~الآخر، فلا تنظروا من كل شيء إلى ظاهره إلا بعد أن تصلوا بنظركم إلى باطنه، ~~فإن الباطن إذا واطأ الظاهر كان توحدا، وإذا خالفه إلى الحق كان وحدة، وإذا ~~خالفه إلى الباطل كان ضلالة، وهذه المقامات مرتبة لأصحابها، وموقوفة على ~~أربابها، ليس لغير أهلها فيها ms297 نفس، ولا لغير مستحقها منها قبس. # قال الشيخ الصوفي: فو الله ما زال ذلك الحكيم يحشو آذاننا بهذه وما ~~أشبهها، ويملأ صدورنا بما عنده حتى سررنا وانصرفنا إلى متعشانا وقد استفدنا ~~على يأس منا فائدة عظيمة لو تمنيناها بالغرم الثقيل والسعي الطويل لكان ~~الربح معنا، والزيادة في أيدينا. # فلما سمع الوزير هذا عجب وقال: لا أدري: أكلام أبي سليمان في ذلك ~~الاحتجاج أبلغ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى، أم رواية الشيخ الصوفي أطرف، ~~وما علمت أن في البحث عن سر الإرجاف هذه اللطيفة الخفية، وهذه الحجة ~~الجلية، وكنت أرى أن الصوفية لا يرجعون إلى ركن من العلم، ونصيب من الحكمة، ~~وأنهم إنما يهذون بما لا يعلمون، وأن بناء أمرهم على اللعب واللهو والمجون. # فقلت: لو جمع كلام أئمتهم وأعلامهم لزاد على عشرة آلاف ورقة عمن نقف عليه ~~في هذه البقاع المتقاربة، سوى ما عند قوم آخرين لا نسمع بهم، ولا يبلغنا ~~خبرهم. # قال: فاذكر لي جماعة منهم. # قلت: الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي العالم، والحارث بن أسد المحاسبي، ~~ورويم، وأبو سعيد الخراز، وعمرو بن عثمان المكي، وأبو يزيد البسطامي، ~~والفتح الموصلي، وهو الذي سمع وهو يقول: إلى متى ترددني في سكك الموصل، أما ~~آن للحبيب أن يلقى حبيبه؟ فمات بعد جمعة. # فقال: هذا عجب. ولقد مر في هذا الفن ما كان فوق حسباني وأكثر مما كان في ~~ظني، وكم من شيء حقير يطلع منه على أمر كبير. # وقال: أنشدني شيئا، فأنشدته قول الشاعر: # رجعت على السفيه بفضل حلمي %~% وكان تحلمي عنه لجاما # وظن بي السفاه فلم يجدني %~% أسافهه وقلت له: سلاما # فقام يجر رجليه ذليلا %~% وقد كسب المذلة والملاما # وفضل الحلم أبلغ في سفيه %~% وأحرى أن ينال به انتقاما # فقال: ما أعجب أمر العرب، تأمر بالحلم مرة، والصبر والكظم مرة، وتحث PageV01P343 # بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر، وتذم السفه وقمع العدو! وهكذا شأنها في ~~جميع الأخلاق، أعني أنها ربما حضت على القناعة والصبر والرضا بالميسور، ~~وربما خالفت هذا، فأخذت تذكر ms298 أن ذلك فسألة ونقصان همة ولين عريكة ومهانة ~~نفس، وكذلك أيضا تحث على البسالة والإقدام والانتصار والحمية والجسارة، ~~وربما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال، في أوقات ~~يحسن فيها بعضها، ويقبح بعضها، ويعذر صاحبها في بعضها، ويلام في بعضها، ~~وذلك لأن الطبائع مختلفة، والغرائز متعادية، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم، ~~وهذا يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط، وهذا يذم الشجاعة في عرض طلب ~~السلامة، وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كل زمان وفي كل مكان، ومع كل ~~إنسان، بل لكل ذلك وقت وحين وأوان. # قال: ولعمري إن القيام بحقائق هذه الأشياء وحدودها صعب، لأنها لا توجد ~~إلا متلابسة ومتداخلة، وتخليص كل واحد منها بحده وحقيقته ووزنه مما يفوت ~~ذرع الإنسان الضعيف المنة، المنتثر الطينة. # قال: ومنه أن الحكيم قال للإسكندر: «أيها الملك أرد حياتك لرجالك، ولا ~~ترد رجالك لحياتك» ، ولو قلب عليه قالب فقال: لا: «ولكن أرد رجالك لحياتك، ~~ولا ترد حياتك لرجالك» ، لكان الفضل واقعا، والدعوى قائمة. # وكان يحكى عن أعرابي حديث مضحك: قيل لأعرابي: أتريد أن تصلب في مصلحة ~~الأمة؟ فقال: لا، ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي. # قال: وليس يجوز أن يكون الناس مختلفين في ظاهرهم بالصور والحلى حتى يعرف ~~بها زيد من عمرو، وبكر من خالد، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعا ~~على الشح وإن مدح الجود، وهذا مجبولا على الجبن، وإن تشيع للشجاعة، وليس ~~يجوز في الحكمة أن يكثروا ولا يختلفوا، وليس يجوز أيضا أن يضم الجنس والنوع ~~ولا يأتلفوا، وكل ما أساغته الحكمة أبرزته القدرة، وكل ما جادت به القدرة ~~شهدت له الحكمة، فسبحان من له هذا التدبير اللطيف، وهذا العز الغالب، وهذا ~~السر الخافي، وهذه العلانية البادية، وهذا الفعل المحكم، وهذا النعت ~~المستعظم. # وحكيت أيضا في شيء جرى، قال حكماء فارس: قد جربنا الملوك، فإذا ملكنا ~~السمح الجواد جادت علينا السماء والأرض، وإذا ملكنا البخيل بخلت علينا ~~السماء والأرض. # قال أبو سليمان: هذا إذا صح فهو شاهد ms299 الفيض الإلهي المتصل بالملك السمح، ~~ونضوبه عن الملك البخيل لأن الملك إله بشري. # وقال مرة: ما التمني؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السؤال عنه-. PageV01P344 # فقلت: أحفظ نصا لبعض الحكماء: إن التمني فضل حركة النفس. فقال: # جواب رشيق وإن كان فقيرا إلى البسط. فقال: هات من حديث يونان شيئا آخر. # فقلت: قال أرسطوطاليس: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم ~~بنقيضه، ولكنا نطلبه لننقص كل يوم من الجهل، ونزداد كل يوم من العلم. # قال: حدثني بشيء فيه جواب حاضر، وللبديهة فيه توقد ظاهر. # فحدثت أن رجلا أتى الزهري فسأله أن يحدثه ويروي له، فأبى عليه، فقال له ~~الرجل: إن الله لم يأخذ الميثاق على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ الميثاق على ~~العلماء أن يعلموا، فقال: صدقت، وحدثه. # وحدثنا القاضي أبو حامد المروروذي، قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا ~~في جامع البصرة وفي المجلس ابن عبدل المنصوري، وابن معروف، وأبو تمام ~~الزينبي، فسأل وألح، فقلت له من بين الجماعة- وقد ضجرت من إلحاحه وصفاقة ~~وجهه-: يا هذا: نزلت بواد غير ذي زرع. قال: صدقت، ولكن يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء. فضحكت الجماعة، ووهبنا له دراهم. # ومن الجواب الحاضر المسكت الذي حز الكبد ونقب الفؤاد ما جرى لأبي الحسين ~~البتي مع الشريف محمد بن عمر، فإن ابن عمر قال للبتي: أنت والله شمامة ~~ولكنها مسمومة. فقال البتي على النفس: لكنك أيها الشريف شمامة مشمومة، عطرت ~~الأرض بها، وسارت البرد بذكرها. # وقال نصر بن سيار بخراسان لأعرابي: هل أتخمت قط. قال: أما من طعامك وطعام ~~أبيك فلا. فيقال: إن نصرا حم من هذا الجواب أياما، وقال: ليتني خرست ولم ~~أفه بسؤال هذا الشيطان. # وجرى حديث الذكور والإناث، فقال الوزير: قد شرف الله الإناث بتقديم ذكرهن ~~في قوله عز وجل: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور # [الشورى: 49] فقلت: في هذا نظر، فقال: ما هو؟ # قلت: قدم الإناث- كما قلت- ولكن نكر، وأخر الذكور ولكن عرف، والتعريف ~~بالتأخير أشرف من النكرة بالتقديم. ثم ms300 قال: هذا حسن. قلت: ولم يترك هذا ~~أيضا حتى قال: أو يزوجهم ذكرانا وإناثا # [الشورى: 50] فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذكران، فقال: هذا مستوفى. # وقال: ما معنى كأس أنف؟ # فكان من الجواب أن يعقوب قال: يقال كأس أنف، أي لم يشرب منها قبل ذلك، ~~وكذلك يقال: روضة أنف، إذا لم يكن رعاها أحد. PageV01P345 # وقال لقيط: # إن الشواء والنشيل والرغف %~% والقينة الحسناء والكأس الأنف # للطاعنين الخيل والخيل قطف # قال: ما النشيل؟ فإن الشواء والرغف معروفان. # قلت: ما ضمته القدر من اللحم وغيره، لأنه ينشل ويغرف، فقال: هذا باب إن ~~ألححنا عليه جوع. # قال: ما تحفظ في حديث الأكل؟ قلت: الأكل والذم. ومن مليحه ما حضرني: قيل ~~لجميز: ما تشتهي؟ قال: بسيس مقلي بين غليان قدور، على رائحة شواء، بجنب ~~خبيص. # فضحك- أضحك الله سنه بالفرح والسرور، وانتظام الأحوال واتساق الأمور-. # وقال: هات حديثا نخرج به مما كنا فيه. # فقلت: كتب سعد بن أبي وقاص إلى رستم صاحب الأعاجم: إسلامكم أحب إلينا من ~~غنائمكم، وقتالكم أحب إلينا من صلحكم. فبعث إليه رستم: أنتم كالذباب إذ نظر ~~إلى العسل فقال: من يوصلني إليه بدرهمين، فإذ نشب فيه قال: من يخرجني منه ~~بأربعة، وأنت طامع، والطمع سيرديك. فأجابه سعد: أنتم قوم تحادون الله ~~وتعاندون أنفسكم، لأنكم قد علمتم أن الله يريد أن يحول الملك عنكم إلى ~~غيركم، وقد أخبركم بذلك حكماؤكم وعلماؤكم، وتقرر ذلك عندكم، وأنتم دائما ~~تدفعون القضاء بنحوركم، وتتلقون عقابه بصدوركم، هذه جرأة منكم وجهل فيكم، ~~ولو نظرتم لأبصرتم، ولو أبصرتم لسلمتم، فإن الله غالب على أمره، ولما كان ~~الله معكم كانت علينا ريحكم، والآن لما صار الله معنا صارت ريحنا عليكم، ~~فانجوا بأنفسكم، واغتنموا أرواحكم، وإلا فاصبروا لحر السلاح وألم الجراح، ~~وخزي الافتضاح، والسلام. # كتب حذيفة إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: إن العرب قد تغيرت ألوانها ~~ولحومها. فكتب عمر إلى سعد: ارتد للعرب منزلا مراحا. فارتاد لهم الكوفة، ~~وهي بقعة حصباء، ورملة حمراء، فقال سعد: اللهم رب السماء وما أظلت، والأرض ms301 ~~وما أقلت، والريح وما ذرت، بارك لنا في هذه الكوفة. # وسمع عمر منشدا ينشد: # ما ساسنا مثلك يا بن الخطاب %~% أبر بالأقصى وبالأصحاب # بعد النبي صاحب الكتاب # فنخسه عمر وقال: أين أبو بكر ويلك. # قال عمر وهو بمكة: لقد كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة PageV01P346 # صوف، وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني ~~وبين الله أحد، ثم تمثل: # لا شيء مما ترى تبقى بشاشته %~% يبقى الإله ويودى المال والولد # لم تغن عن هرمز يوما خزائنه %~% والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا # ولا سليمان إذ تسري الرياح به %~% والإنس والجن فيما كلفوا عبد # أين الملوك التي كانت نوافلها %~% من كل أوب إليها راكب يفد # حوض هنالك مورود بلا كذب %~% لابد من وردنا يوما كما وردوا # وقال عمر: خير الدواب الحديد الفؤاد، الصحيح الأوتاد. # وقال عمر: خير الدواب الحديد الفؤاد، الصحيح الأوتاد. # وقال عمر: كانت العرب أسدا في حزيرتها يأكل بعضها بعضا، فلما جمعهم الله ~~بمحمد لم يقم لهم شيء. # رأى رستم في النوم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أخذ سلاح فارس وختم ~~عليه ودفعه إلى عمر، فارتاع رستم من ذلك وأيقن أنه هالك. # وقال: أنشدني شيئا، فأنشدته لبعض آل أبي طالب: # ولست بمذعن يوما مطيعا %~% إلى من لست آمن أن يجورا # ولكني متى ما أخش منه %~% أحالف صارما عضبا ثؤورا # وأنزل كل رابية براح %~% أكون على الأمير بها أميرا # وأنشدني لعبد الله بن الزبير، ولقد تمثل به: # إني لمن نبعة صم مكاسرها %~% إذا تقادحت القصباء والعشر # ولا ألين لغير الحق أتبعه %~% حتى يلين لضرس الماضغ الحجر # وحدثته أن المأمون قال: قليل السفه يمحو كثير الحلم، وأدنى الانتصار يخرج ~~من فضل الاغتفار، وعلى طالب المعروف المعذرة عند الامتناع، والشكر عند ~~الاصطناع، وعلى المطلوب إليه تعجيل الموعود، والإسعاف بالموجود. # فقال: من أفضل هؤلاء؟ يعني بني العباس. # فكان الجواب أن المنصور أنقدهم، والمأمون أمجدهم، والمعتصم أنجدهم، ~~والمعتضد أقصدهم. فقال: كذلك هو. وقال: فالباقون؟ قلت ليس فيهم بعد هؤلاء ms302 ~~من يوحد بالذكر، لأنه في نقصه وزيادته مشاكل لغيره. فقال: لله درك. PageV01P347 ### || الليلة الخامسة والثلاثون # وقال ليلة: ما الفرق بين الإرادة والاختيار؟ # فكان من الجواب أن كل مراد مختار، وليس كل مختار مرادا، لأن الإنسان ~~يختار شرب الدواء الكريه وضرب الولد النجيب وهو لا يريد، ويختار طرح متاعه ~~في البحر إذا ألجئ وهو لا يريد، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما- وهو ~~الاختيار- لا يحدث إلا عن جولان وتنقير وتمييز، والآخر- وهو الإرادة- يفجأ ~~ويبغت وربما حمل على طلب المراد بالكره الشديد، وفي عرض الاختيار سعة ~~للتمكن، وليس ذلك في عرض الإرادة. والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة، ~~والأول من راغ يروغ، والثاني من راد يرود، والهمزة مجتلبة للتعدي. # قال: فما الفرق بين المحبة والشهوة؟ # فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطبيعة، والمحبة أصدر عن النفس الفاضلة، ~~وهما انفعالان، إلا أن أحد الانفعالين أشد تأثرا، وهو انفعال الشهوة، وأنه ~~يقال: # شهي وأشهى، ويقال في الآخر: حب وأحب، ويتداخلان كثيرا بالاستعمال، لأن ~~اللغة جارية على التوسع، كما هي جارية على التضيق، ومن ناحية التضيق فزع ~~إلى التحديد والتشديد، ومن ناحية التوسع جري على الاقتدار والاختيار، وفي ~~عرض هذين بلاء آخر، لأنه بين الإيجاز والإطناب، وبين الكناية، والتصريح، ~~وبين الإنجاز والإبطاء. فقال: هذا باب. # ثم ناولني رقعة بخطه فيها مطالب نفيسة تأتي على علم عظيم، وقال: باحث ~~عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن في مجاراته فائدة من عالم كبير، ~~ومتعلم صغير، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغني، ولا تحقر أحدا ~~فاه بكلمة من العلم، أو أطاف بجانب من الحكمة، أو حكم بحال من الفضل، ~~فالنفوس معادن، وحصل ذلك كله وحرره في شيء وجئني به، وكان في الرقعة: # ما النفس؟ وما كمالها؟ وما الذي استفادت في هذا المكان؟ وبأي شيء باينت ~~الروح؟ وما الروح؟ وما صفته؟ وما منفعته؟ وما المانع من أن تكون النفس جسما ~~أو عرضا أو هما؟ وهل تبقى؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما كان الإنسان فيه ~~هاهنا؟ وما الإنسان؟ ms303 وما حده؟ وهل الحد هو الحقيقة، أم بينهما بون؟ وما ~~الطبيعة، وهلا أغنى PageV01P348 # الروح عن النفس، أو هلا أغنت النفس عن الروح؟ وهلا كفت الطبيعة؟ وما ~~العقل؟ # وما أنحاؤه؟ وما صنيعه؟ وهل يعقل العقل؟ وهل تتنفس النفس! وما مرتبته ~~(اعني العقل) عند الإله؟ وهل ينفعل؟ وهل يفعل؟ وإن كان ينفعل ويفعل فقسط ~~الفعل فيه أكثر من قسط الانفعال؟ وما المعاد المشار إليه؟ أهو للإنسان؟ أم ~~لنفسه؟ أم لهما؟ وما الفرق بين الأنفس، أعني نفس عمرو وزيد وبكر وخالد؟ ثم ~~ما الفرق بين أنفس أصناف الحيوان؟ وهل الملك حيوان؟ فقد علمت أنه يقال له: ~~حي، وهل فيه حياة؟ # وعلى أي وجه يقال: إن الله عز وجل حي والملك حي والإنسان حي والفرس حي؟ # وهل يقال: الطبيعة حية، والنفس حية، والعقل حي؟ فإن هذا وما أشبهه شاغل ~~لقلبي، وجاثم في صدري، ومعترض بين نفسي وفكري، وما أحب أن أبوح به لكل أحد، ~~وقد بينته في هذه الرقعة، فإن أحببت أن تعرضها على أبي سليمان فافعل، ولكن ~~لا تدع خطي عنده، بل انسخه له، وحصل ما يجيبك به، ويصدع لك بحقيقته، ولخصه، ~~وزنه بلفظك السهل، وإفصاحك البين، وإن وجب أن تباحث غيره فافعل، فهذا هذا، ~~وإن كان الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافيا، فليس ذلك مثل البحث ~~عنه باللسان، وأخذ الجواب عنه بالبيان، والكتاب موات، ونصيب الناظر فيه ~~منزور، وليس كذلك المذاكرة والمناظرة والمواتاة، فإن ما ينال من هذه أغض ~~وأطرأ، وأهنأ وأمرأ، واجعل هذه الخدمة مقدمة على كل مهم لك، فإني ناظرك، ~~طامعا في الجواب المقنع الشافي. # فعرضتها كما رسم على أبي سليمان وقرأتها عليه، وتمهلت في إيرادها بحضرته، ~~فلما فهمها ووقف عليها عجب وقال: هذه مسائل المتحكمين، وطلبات المدلين، ~~واقتراحات المقتدرين، ومنية الأولين والآخرين. # قلت: هو كما قلت أيها الشيخ، ولابد من جواب يعرض عليه يأتي على بعض مآرب ~~النفس، وإن لم يأت على قاصية في المطلوب. فقال كلاما كثيرا واسعا أنا أحكيه ~~على وجهه من طريق المعنى، وإن ms304 انحرفت عن أعيان لفظه، وأسباب نظمه، فإن ذلك ~~لم يكن إملاء ولا نسخا، وأجتهد أن ألزم متن المراد، وسمت المقصود- إن شاء ~~الله عز وجل-. # قال: أما قوله: ما النفس؟ فإن التحديد يعوز، والرسم لا يشفي، والوصف مقصر ~~عن الغاية، لأنها ليس لها جنس ولا فصل فينشأ الحد بهما ومنهما، والاسم ~~الشائع- أعني النفس- أخلص إلى المطلوب، وأحضر للمقصود من التحديد، ولهذا ما ~~اختلف الناس قديما وحديثا في حدها، فقال قائل: النفس مزاج الأركان. وقال ~~قائل: النفس تألف الأسطقسات، وقال قائل: النفس عرض محرك بذاته. وقال قائل: # النفس هوائية. وقال قائل: النفس روح حارة. وقال قائل: النفس طبيعة دائمة PageV01P349 # الحركة. وقال قائل: النفس تمام لجسم طبيعي ذي حياة. وقال قائل: النفس ~~جوهر ليس بجسم محرك للبدن. وعلى هذا، ولعل آخرين يقولون في تحديدها ونعتها ~~أقوالا أخر، لأن الملحوظ بسيط، والمدروك بعيد، والناظرين كثيرون، والباحثين ~~مختلفون، والكثرة فاتحة الاختلاف، والاختلاف جالب للحيرة، والحيرة خانقة ~~للإنسان، والإنسان ضعيف الأسر، محدود الجملة، محصور التفصيل، مقصور السعي، ~~مملوك الأول والآخر، غشاؤه كثيف، وباعه قصير، وفائته أكثر من مدركه، ودعواه ~~أحضر من برهانه، وخطؤه أكثر من صوابه، وسؤاله أظهر من جوابه، فعلى هذا كله ~~الاعتراف بها- أعني بالنفس وبوجدانها- أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها. # قال: وإنما صعب هذا لأن الإنسان يريد أن يعرف النفس وهو لا يعرف النفس ~~إلا بالنفس، وهو محجوب عن نفسه بنفسه، وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أن كل ~~من كانت نفسه أصفى، ونوره أشع، ونظره أعلى، وفكره أثقب، ولحظه أبعد، كان من ~~الشك أنجى، وعن الشبهة أنأى، وإلى اليقين أقرب، والإنسان ذو أشياء كثيرة، ~~من جملتها نفسه، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو به واحد، أي ~~إنسان، وكيف لا يكون هذا النعت حقا، وهذا المقول صدقا، وهو مركب في مركب، ~~والنفس مبسوطة، وإنما فيه جزء يسير ونصيب قليل من ذلك البسيط، فكيف يدرك ~~بجزء منها كلها وبقليل منها جميعها، هذا متعذر إن لم يكن محالا، وبعيد إن ~~لم يكن معدوما، ms305 ويكفي أن تعلم أن النفس قوة إلهية واسطة بين الطبيعة ~~المصرفة للأسطقسات والعناصر المتهيئة، وبين العقل المنير لها، الطالع ~~عليها، الشائع فيها، المحيط بها، وكما أن الإنسان ذو طبيعة لآثارها الظاهرة ~~في بدنه كذلك هو ذو نفس، لآثارها الظاهرة في آرائه وأبحاثه، ومطالبه ~~ومآربه، وكذلك هو ذو عقل لتمييزه وتصفحه، واختباره وفحصه واستنباطه، ويقينه ~~وشكه، وعلمه وظنه، وفهمه ورويته وبديهته وذكره، وذهنه وحفظه وفكره، وحكمته ~~وثقته وطمأنينته، وكذلك هو ذو اعتراف بالأحد الذي لا سبيل إلى جحده، ~~والبراء من هويته، وكيف يجد أثر الجحد، أو يحس بلمسة من الشك؟ وسنخه ينبو ~~عن ذلك، وفطرته تأباه، ولهذا النبو والإباء يفزع إليه، ويتوكل عليه، ويطلب ~~الفرج من عنده، ويلتمس الخير من لدنه، فانظر إلى هذه السلسلة الوثيقة التي ~~لا يفصمها شيء لا في زمان ولا في مكان، ولا في يقظة ولا في منام، فهذا هذا؟ ~~وفيه مقنع. # وأما فعل النفس، فقد وضح أنه إثارة العلم من مظانه، واستخلاصه من العقل ~~بشهادته، مع إفاضات لها أخر، وإنالات منها جليلة عند الإنسان، بها ينال ما ~~يكمل به، وبكماله يجد السعادة، وبسعادته ينجو من شقوته. # وأما قوله: ما الذي استفادت في هذا المكان؟ فإنها أفادت وما استفادت، إلا ~~أن PageV01P350 # تجعل إفادتها للقابل منها استفادة لها، وفي هذا تجوز ظاهر، ولا يقال ~~للشمس إذا طلعت على بسيط الأرض والعالم: ما الذي استفادت. ولكن يقال: ما ~~الذي أفادت: # فيعلم حينئذ بالعيان أنها أفادت أشياء كثيرة، صورا مختلفة، ومنافع جمة ~~بالقصد الأول، وأما القصد الثاني فأضداد هذه، وهذا القصد مفروض باللفظ ~~ليكون معينا على تبليغ الحكمة إلى أهلها. # وأما قوله: بأي شيء باينت النفس الروح؟ فهو ظاهر، وذلك أن الروح جسم يضعف ~~ويقوى، ويصلح ويفسد، وهو واسطة بين البدن والنفس، وبه تفيض النفس قواها على ~~البدن، وقد يحس ويتحرك، ويلذ ويتألم، والنفس شيء بسيط على الرتبة، بعيد عن ~~الفساد، منزه عن الاستحالة. # وأما المانع أن تكون النفس جسما فللبساطة التي وجدت للنفس ولم توجد ~~للجسم، وبيان هذا أن ms306 كل نعت أطلق على الجسم نزهت عنه النفس، وكل نعت أطلق ~~على النفس نبا عنه الجسم، فذاك كان المانع من ذلك، وقد أتت مذاكرة في النفس ~~منذ ليال بشرح مغن، وبيان تام، إلا أن هذا المكان أحوج إلى الإلمام، ولم ~~يأت على ما في النفس. وإذا بطل أن تكون النفس جسما فهي بألا تكون عرضا أقمن ~~وأخلق، لأنه لا قوام للعرض بنفسه. # وأما قوله: وهل تبقى؟ فكيف لا تبقى وهي مبسوطة لا يدخل عليها ضد، ولا يدب ~~إليها فساد، ولا يصل إلى شيء منها بلى، والإنسان إنما يبلى ويفسد ويخلق ~~ويبطل ويموت ويفقد، لأنه يفارق النفس، والنفس تفارق ماذا حتى تكون في حكم ~~الإنسان بشكله؟ ولو كانت كذلك كانت لعمري تموت وتبلى، فأما والإنسان بها ~~كان حيا وجب ألا يكون حكمها حكم الإنسان. # وأما قوله: أو هما؟ فقد بان أن النفس متى لم تكن جسما، ولا عرضا على حدة ~~أنها لا تكون أيضا بهما نفسا، لأن البينونة التي منعت في الأول هي التي ~~تمنع في الثاني، وليست النفس والعرض كالخل والسكر حتى إذا جمع بينهما كان ~~منهما شيء آخر، لأن الجسم والجسم إذا اختلطا كان منهما شيء ما، له قوام، ~~وإن ذلك القوام مستل منهما، وليس كذلك البسيط وغير البسيط، فهذا هذا. # وأما قوله: وهل تفنى؟ فقد بان أنها تبقى ولا تفنى، وليس يطرأ عليها ما ~~يفنيها، لبساطتها وبعدها من التركيب العجيب المعرض للتحلل. # وأما قوله: وهل تعلم ما كان فيه الإنسان هاهنا؟ فإن هذا بعيد من الحق ~~لأنها قد وصلت إلى معدن الكرامة وجنة الخلد، فلا حاجة بها إلى علم العالم ~~السفلي الذي لا ثبات له ولا صورة، لغلبة الحيلولة عليه، وتذكر الحيلولة ~~حيلولة، PageV01P351 # وذلك دليل النقص، واعتراض الألم، ولو أن إنسانا نقل من كرب حبس ضيق إلى ~~روض بستان ناضر بهيج مونق، ثم تذكر ما كان فيه في حال ما هو عليه لكان ذلك ~~مؤذيا لنفسه، وكاربا لقلبه، وقادحا في روحه، وآخذا من حبوره وغبطته، ومدخلا ~~للتنغيص عليه ms307 في نشوته. # وأما قوله: وما الإنسان؟ فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطبيعة ~~للمادة المخصوصة بالصور البشرية، المؤيد بنور العقل من قبل الإله، وهذا وصف ~~يأتي على القول الشائع عن الأولين إنه حي ناطق مائت أي حي من قبل الحس ~~والحركة، ناطق من قبل الفكر والتمييز، مائت من قبل السيلان والاستحالة، فمن ~~حيث هو حي شريك الحيوان الذي هو جنسه، ومن حيث هو مائت هو شريك ما يتبدل ~~ويتحلل، ومن حيث هو ناطق هو إنسان عاقل حصيف، ومن حيث يبلغ إلى مشاكهة ~~الملك بقوة الاختيار البشري، والنور الإلهي- أعني ينعت في حياته هذه التي ~~وهبت له بدءا، بصحة العقيدة وصلاح العمل وصدق القول- هو ملك، فإن لم يكن ~~ملكا فهو جامع لصفاته، ومالك لحيلته، ولما كان جنسه مشتملا على التفاوت ~~الطويل العريض، كان نوعه مشتملا على التفاوت الطويل العريض، ومن كان نوعه ~~كذلك كانت آحاده كذلك، وكما أن الجنس يرتقي إلى نوع كامل، كذلك النوع يرتقي ~~إلى شخص كامل. # وأما قوله: هل الحد هو الحقيقة، أو بينهما بون؟ فإن الحد راجع إلى واضعه ~~ومتقصيه بدلالة أنه يضعه ويفصله، ويخلصه ويسويه ويصلحه. فأما الحقيقة فهي ~~الشيء وبها هو ما هو، حده صاحبه أم لم يحده، رسمه قاصده أم لم يرسمه، ~~فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحد ليس هو عين الشيء. # وأما قوله: وما الطبيعة؟ فهي أيضا قوة نفسية، فإن قلت عقلية لم تبعد، وإن ~~قلت إلهية لم تبعد، وهي التي تسري في أثناء هذا العالم محركة ومسكنة، ~~ومجددة ومبلية، ومنشئة ومبيدة، ومحيية ومميتة، وتصاريفها ظاهرة للحسائس، ~~وهي آخر الخلفاء في هذا العالم، وهي بالمواد أعلق، والمواد لها أعشق، وليس ~~لها ترقى النفس في الثاني إلى عالم الروح، لأنه لا كون هناك ولا فساد، فلو ~~رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة، وليس كذلك النفس، فإن لها في عالمها البهجة ~~والغبطة، والحبور والسرور، وهذا هناك في مقابلة ما كان لها هاهنا من ~~الفضائل التي لا يأتي عليها إحصاء، ولا يحصلها استقصاء. # وأما قوله: وهلا أغنى الروح عن ms308 النفس؟ فهو يغني عنها، ولكن في جنس ~~الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنسانا. فأما في الإنسان فلا، لأن الإنسان ~~بالنفس هو إنسان لا بالروح، وإنما هو بالروح حي فحسب. PageV01P352 # وأما قوله: وهلا أغنت النفس عن الروح؟ فإن الروح كالآلة للنفس حتى ينفذ ~~تدبيرها بواسطته في صاحب الروح، وليس ذلك لعجز النفس، ولكن لعجز ما ينفذ ~~فيه التدبير، وإذا حقق هذا الرمز لم يكن هناك عجز لأنه نظام موجود على هذه ~~الصورة، وصورة قائمة على هذا النظام، فليس لأحد أن يعلل ذلك بلم ولا بكيف ~~إلا من طريق الإقناع. # وأما قوله: هلا كفت الطبيعة؟ فقد كفت في مواضعها التي لها الولاية عليها ~~من قبل النفس، كما كفت النفس في الأشياء التي لها عليها الولاية من قبل ~~العقل، كما كفى العقل في الأمور التي له الولاية عليها من قبل الإله، وإن ~~كان مجموع هذا راجعا إلى الإله، فإنه في التفصيل محفوظ الحدود على أربابها، ~~وهذا كالملك الذي له في بلاده جماعة فيصدرون عن رأيه، وينتهون إلى أمره، ~~ويتوخون في كل ما يعقدونه ويحلونه، وينقضونه ويبرمون، ما يرجع إلى وفاقه، ~~وكل ذلك منه وله وبأمره، وقد كفاه أولئك القوم ذلك كله. # فإن قال قائل: فكيف مثلت سياسة إلهية بسياسة بشرية، وأين هذه من تلك؟ # فالجواب: أن البشر المسكين لم يجد هذه السياسة من تلقاء نفسه، ولا بما هو ~~به مهين ضعيف عاجز مسكين، بل بما فاض عليه من تلك القوى وتلك الصور، فهو ~~إذا أبرز شيئا أبرز على مثال تلك، لأنه قد أعطي القالب، فقد سهل عليه أن ~~يفرغ فيه، ووهب له الطابع، فهو يختم به، وهيئ على ذلك فهو يجري عليه، وهذا ~~سوق إلهي وإن كان الانسياق بشريا، ونظم ربوبي وإن كان الانتظام إنسيا، وفي ~~الجملة، إحدى السياستين، أعني البشري هي ظل للأخرى، أعني الإلهية، ~~والسفليات منقادة منفعلة للعلويات، والعلويات مستوليات على السفليات، بحق ~~العدل وما هو مقتضاها، ولأن هذه فواعل، أعني العلويات، وتلك قوابل، أعني ~~المنفعلات، ووجب ذلك لأن الصورة في ms309 الفاعل أغلب، والهيولى في القابل أغلب، ~~والعالمان متواصلان، والسياستان متماثلتان، والسيرتان متعادلتان، ~~والتدبيران متقابلان، ولكن التدبير إذا نفذ في السفلي يسمى بشريا، وإذا نفذ ~~في العلوي يسمى إلهيا، وأن كانا في التحقيق إلهيين، وإنما اختلفا بحسب ~~الصدور والورود، والفصول والوصول، والشخوص، والبلوغ، والعادة جارية بأن ~~يشبه الإنسان شيئا من الأشياء بالشمس والقمر، ولا يشبه الشمس والقمر بشيء ~~آخر، لأن للأعلى النعت الأول، وللأسفل النعت الأرذل، فهذا كما ترى. # وأما قوله: وما العقل، وما أنحاؤه، وما صنيعه؟ فإن الجواب عن هذا لو وقع ~~في خلد كثير، لكان محمولا على التقصير، وكذلك فيما تقدم، ولكن هذا مكان قد ~~اقترح فيه الإيجاز والتقريب، وهذان لا يكونان إلا بحذف الزوائد المفيدة، ~~وإلا بتفريق العلائق الموضحة. وبعد، فالعقل أيضا قوة إلهية أبسط من ~~الطبيعة، كما أن الطبيعة PageV01P353 # قوة إلهية أبسط من الأسطقسات، وكما أن الأسطقسات أبسط من المركبات، وعلى ~~هذا حتى تنتهي المركبات إلى مركب في الغاية، كما بلغت المبسوطات إلى مبسوط ~~في النهاية، فالتقى الطرفان على ما يقال له: كل، فلم يكن بعد ذلك مطلب لا ~~في هذا الطرف ولا في هذا الطرف، والعقل هو خليفة الله، وهو القابل للفيض ~~الخالص الذي لا شوب فيه ولا قذى، وإن قيل: هو نور في الغاية، لم يكن ببعيد، ~~وإن قيل بأن اسمه مغن عن نعته، لم يكن بمنكر، وإنما عجزنا عن تحديد هذه ~~البسائط لأنا حاولنا عند علمها أن تكون في صورة المركبات أو قريبة منها، ~~وأن تصير لنا أصناما نتمثلها ونوكل بها، وهذا منا تعجرف مردود علينا، وخطأ ~~يلزمنا الاعتذار منه إلى كل من أحس به منا، وينبغي أن نتوب إلى الله في كل ~~وقت من وصفه بما لا يليق به، ومن طرح الوهم على شيء قد حجبه عن معارفنا، ~~ورفعه عن عقولنا، وقصرنا على حدودها اللازمة لنا، وأشكالنا المشتملة علينا. # هذا حديث العقل إذا لحظ في ذروته. # فأما إذا فحص عن آثاره في حضيضه فإنه تمييز وتحصيل وتصفح وحكم وتصويب ~~وتخطئة، وإجازة وإيجاب وإباحة، ms310 وإياك أيها السامع أن يكون مفهومك من هذه ~~الأسماء والأفعال والحروف أشياء متمايزة فتجعل شيئا واحدا أشياء، ومن كثر ~~الواحد فهو أشد خطأ ممن وحد الكثير، لأن تكثير الواحد انحطاط إلى المركز، ~~وتوحيد الكثير استعلاء إلى المحيط، بل يجب أن يكون محصولك منها شيئا واحدا ~~لم تصل إليه إلا بترادف هذه الكلمات، وتصاحب هذه الصفات. # وأما أنحاؤه، فعلى قدر ما يقال: فلان عاقل وفلان أعقل من فلان، وفلان في ~~عقله لوثة، وفلان ليس بعاقل، وأصحاب العقل أنصباؤهم منه مختلفة بالقلة ~~والكثرة، والصفاء والكدر، والإنارة والظلمة، واللطافة والكثافة، والخفة ~~والحصافة، كما تجدهم مختلفين في الصور والألوان والخلق بالطول والقصر، ~~والحسن والقبح، والاعتدال والانحراف، والرد والقبول، إلا أن هذا القبيل ~~يدرك بالحس، ويشهد بالعيان، ويعاين بالحضور، وذلك القبيل محجوب عن هذا كله، ~~فلم يجز أن تكون الإحاطة بتفاوت ما غاب عنا في وزن الإحاطة بتفاوت ما حضر، ~~فإنهما ما تباينا ليأتلفا، بل ليختلفا، وهذا التفاوت معترف به إذا اعتبر من ~~خارج، وذلك أنك تجد أصحاب المال أيضا يتباينون في مقادير ما يملكون من ~~المال، ولا يتفقون على مقدار واحد منه عند جماعتهم، ولا يتفقون على نوع ~~واحد أيضا من أعيان المال، لأن هذا يملك الصامت، وذاك يملك الناطق، وهذا ~~يمارس القز، وهذا يمارس الصوف، وهذا ينظر في الصرف، وهذا يبيع الحيوان، وكل ~~منهم صاحب مال ومباشر له، وعلى هذا المثال احتذى أهل العقل في مطالبهم، ~~فصار هذا يملك بعقله غير ما يملك الآخر، PageV01P354 # أعني أن هذا ينظر في الهندسة، وهذا في الطب، وهذا في النحو، وهذا في ~~الفقه، والعبارة تمنع من إشباع هذا المعنى، وحصر هذا الفن، فعلى هذا ~~أنحاؤه، وإنها لكثيرة إن لم تكن بلا نهاية. # وأما صنيعه، فهو الحكم بقبول الشيء ورده، وتحسينه وتقبيحه، إذا كان ~~المعروض عليه على جهته غير مموه ولا مغشوش، ولا مشتبه فيه ولا ملبوس، فإن ~~كان مموها اختلف حكمه، لأن العقل يرى الباطل حقا في وقت، ويرى الحق باطلا ~~في وقت، معاذ الله من هذا، ms311 ذلك للحس المنقوص، والذهن الملبوس، لأن العارض ~~موه معروضه على العقل، فحكم له بما يستحقه، إلا أن يكون العارض لم يشعر ~~بذلك التمويه، ولم يفطن لذلك الغش، فحينئذ يهديه العقل ويرشده، ويفتح عليه، ~~وينصح له. # وأما قوله: وهل يعقل العقل؟ فإن الأولى أن يقال: العاقل يعقل بالعقل ~~معقوله، ألا ترى أنه يقال: السراج أضاء البيت، ويبعد أن يقال: أضاء نفسه، ~~لأنه مضيء بنفسه، فليس به فقر إلى أن يضيء نفسه، وإنما أضاء غيره .... ولو ~~عقل العقل لعقل بالعقل، وهذا إذا استمر كان مردودا، ونحن إذا قلنا: عقل ~~العاقل معقوله، فإنما نصفه بأنه انفعل انفعال كمال، والعقل يرى من هذا ~~الانفعال ألا يتوخى أنه يعقل الإله الذي هو به ما هو، فإنه يجوز أن يضر به ~~انفعال لائق به يكون عبارة عن شوقه إليه، وكماله به، واقتباسه منه، وهذا ~~صراط حديد، والواطئ عليه على خطر شديد، والوقوف دونه أصدع بالحجة، وأوضح ~~للعذر، لأن الإنسان خوار بالطبع، وإن كان جسورا بالنفس. # وأما قوله: وهل تتنفس النفس؟ فإن أريد بذلك النفس النامية والحيوانية فهو ~~قريب، وأما الناطقة فإن ذلك يبعد منها لأن ذلك التنفس استمداد شيء به يكون ~~الشيء حيا أو كالحي، والناطقة غنية عن ذلك. # فإن قيل: فهل تقتبس من العقل وتستمد؟ قيل: هذا لا يسمى تنفسا، وليس اللفظ ~~يبعده عن الحقيقة تأويل في الوضع، ولا وجه في الاعتمال وإدخال العويص في ~~المكان الذي يحتاج فيه إلى رفع اللبس وزوال الإشكال، مداجاة في العلم ~~وخيانة للحكمة وجناية على المستنصح. # وأما مرتبته عند الإله فقد وضح بأنه كالشمس تطلع فتحيي، وتضيء فتنفع. # فإن قيل: فالعقل أيضا هكذا، قيل: العقل أيضا شمس أخرى، ولكنها تطلع على ~~النفس التي ليست حاوية لجدار وسطح، وبر وبحر، وجبل وسهل، لأنه لما كان ~~العقل أشرق من النفس- لأنه مستخلف للنفس، والنفس خليفته- كان إشراقه ألطف، ~~ومنافعه في إشراقه أشرف، وأيضا فإن الشمس تجدها بالحس لها غروب وطلوع، وتجل ~~وكسوف، وليس كذلك العقل، لأن إشراقه دائم، ونوره منتشر، وطلوعه سرمد، ~~وكسوفه ms312 معدوم، وتجليه غير متوقف. PageV01P355 # فإن قيل: نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقت ويثوب إليه في وقت. # فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو، ~~وبكر وخالد، لأن ذلك ينعت بالطلوع والغروب، وبالحضور والغيوب، لأنه هاهنا ~~مضاف ومنحاز، أو كالمنحاز، وليس كذلك هو، فإنه هناك على بهجته التامة، ~~وسلطانه القاهر، وملكوته الأفيح، وبسيطه الفائق، وفضائه العريض. # وأما قوله: وهل ينفعل؟ فقد مر الكلام عليه في طي ما مر، وليس للتكرار ~~وجه، ولا في التطويل عذر. # وأما قوله: فقسط الفعل أكثر، أم قسط الانفعال؟ فإن هذا يلحظ من وجهين، ~~إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر، وإذا لحظ فيضه على النفس ~~فقسط الفعل فيه أكثر، لأنه بجوده على غيره يشاركه من جاد عليه بجوده، وهذا ~~لطيف جدا. # وأما قوله: وما المعاد؟ فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصعب الهائل ~~الذي كل أمر متعلق به، وكل رجاء حائم حوله، وكل طمع متوجه إليه، وكل شيء ~~مقصور عليه، وكل إنسان به يهيم، وكل مصرح عنه يصرح، وكل كان عنه يكني، وكل ~~مترنم به يحدو، وكل لحن إليه يشير، وكل سامع إليه يطرب، ونرجع فنقول- على ~~العي والبيان، وعلى الزحف والعدوان:- إن عود النفس إنما هو تخليتها للبدن ~~إذا حان وقت التخلية، إما لأن البدن غير محتمل لمادة الحياة، وإما لأن ~~النفس قد أزمعت أمرا آخر، ولا يتم لها ذلك إلا بتخلية هذا، وإما لهما. # فإن قال قائل: فما نصيب الإنسان من عود النفس الذي هو تخليتها للبدن ~~وخروجها عنه، وترك استعمالها له؟ فالجواب من طريق التمثيل، والرضا بالرأي ~~الأصوب، والحكم الأجلى أن يقال: لو قيل لرجل من عرض الناس وافر أو ناقص: # إنك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة، وأذنك السامعة، هل ترى ذلك ~~نعمة عليك، وإحسانا إليك، فإن عينك إذا بقيت أبصرت العالم بعدك كما كنت ~~تبصره وهي معك، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار، لأنها كانت معك ترمد بسببك، ~~وتعشى من أجلك، وربما عرض ms313 لها سوء بسوء تدبيرك، أو باتفاق رديء عليك، من ~~عشى أو عمى وخفش وعمش وعور وآفات كثيرة، وهي آمنة بعدك من هذه الأعراض ~~المكروهة، والأحوال الداهية، فإنا نعلم حقا وعيانا أنه يقول: قد رضيت بل ~~أتمنى هذا، ومن لي به، أي إن أعطيت هذا فمن مني أسمع وأبصر، وإذا كنت أكره ~~الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا أحب الدنيا إذا وجدتهما، فإن كان هذا ~~التمثيل واقعا، وهذا التقريب نافعا، والحق في تضاعيفه واضحا، فليكن ذلك ~~مطردا في بقاء نفس الإنسان التي بها كان إنسانا، وبها كان ينعم في هذا ~~العالم، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ويصيب، ويجد لذة اللذيذة من ناحية العقل ~~والحس، وبها كان يتمنى البقاء PageV01P356 # والدوام والخلود، وإنما استحال ذلك التمني من أجل كونه وفساده اللذين لم ~~يكن بد من انتهائهما إلى الفناء الذي هو مفارقة النفس الجسد وتخليتها ~~للبدن، ونسبة نفس الإنسان إلى الإنسان أوكد وألصق من نسبة العين إليه، ألا ~~ترى أنه بالنفس إنسان، وبالبدن حافظ لشكل الإنسان، فإذا كان للإنسان في هذا ~~التمثيل فائدة متمناة، وحالة محبوبة هنيئة، أعني في بقاء العين والأذن حتى ~~يبصر بإحداهما هذا العالم المحشو بالآفات، ويسمع بالأخرى ما يجري فيه من ~~ضروب الاستحالات، فبالحري أن يكون رضاه ببقاء النفس في محل الروح والأمن، ~~ومقام الكرامة والسكينة على حال الخلود والطمأنينة، إن هذا لعجيب، وأعجب من ~~هذا العجيب عقل لا يعلق به، وروح لا يهش لسماعه، ونفس لا تجد حلاوته، وصدر ~~لا يتصدع طربا عليه، والتياحا إليه، فإن من لم يشعر بهذه الفائدة، ولم يحمد ~~الله على هذه النعمة، لعازب الرأي، ضعيف العقل، خفيف المثقال، رديء ~~الاختيار، قليل الحصافة، سيئ النظر، حيوان خسيس، في مسك إنسان رئيس، فقد ~~بان- على مذهب التقريب- ما المعاد المشار إليه، وما الإنسان منه، وما لنفسه ~~به. # وأما قوله: وما الفرق بين الأنفس، أي نفس زيد وعمرو وبكر وخالد، وما ~~الفرق أيضا بين أنفس أصناف الحيوان. فإنما الفرق بين هذه الأنفس بقدر قسط ~~كل واحد منهم منها، ms314 وهذه الأقساط إذا اجتمعت تفاوتت، وإذا تفاوتت كانت منها ~~نفس باقية حية، ونفس فانية ميتة، ألا ترى الشمس كيف تطلع على هذه المواضع ~~المختلفة بالعلو والسفل، وبالتعريج والاستقامة، والأشكال الكثيرة، فيقول كل ~~إنسان: مشرقتي أطيب من مشرقة فلان، وما أشبه هذا الكلام، وطلوع الشمس على ~~جميعها طلوع واحد، ولكن حظوظ البقاع منها مختلفة، فليس بمنكر أن تكون نفس ~~زيد أنجى من الكدر، وأخلص من الآفة، وأوصل إلى السعادة، ونفس بكر على خلاف ~~ذلك، ومراتب هذه الأنفس موقوفة على الإضافات الحاصلة لها بأصحابها، ~~والأنصباء المذخورة لها باكتسابها. # فأما أنفس أصناف الحيوان كالفرس والحمار فإنها أنفس ناقصة غير كاملة، وهي ~~ضعيفة، لأنها لم تجد إلا الإحساس والحركات، لم يشع فيها نور النفس الشريفة، ~~ولم ينبث فيها شعاع العقل الكريم، فوجب من هذا الوجه أن تكون تابعة ~~لأبدانها، جارية على فسادها وبطلانها، لأن الحكمة انتهت إلى ذلك الحد في ~~كونها حشوا لهذا العالم وزينة ومنافع ومبالغ إلى غايات وأغراض. # وأما قوله: وهل الملك حيوان؟ فقد علمت أنه يقال له حي، وهذا وقف على ~~الأسماء الجارية، والعادات القائمة، وكأن الحيوان إنما شاع في غير الملك ~~لما فيه من الحس والحركة والاهتداء والتصرف على ما لاق بجنسه ونوعه وشخصه، ~~فأما ما يعلو PageV01P357 # وينزه عن الصفات فلم يطلق عليه حيوان، ولكن يقال: حي لأنه أقرب الأسماء ~~إلى المعنى المشار إليه، وبهذا التقريب قيل أيضا لله: إنه حي، وأنت إذا ~~حددت الحي أو الحياة لم تقدر على أن تصف الله جل وعلا بشيء من ذلك .... وفي ~~الجملة كل ما كان أدخل في البساطة كان أخرج من التركيب، وكل ما كان أخرج من ~~البساطة كان أدخل في التركيب. # فأما المركب الذي ليس له من البسيط إلا النصيب النزر، وإلا طيف الخيال، ~~فاسمه واضح والإشارة إليه سهلة، والعيان له مدرك، لأنه محاط بحدوده في طوله ~~وعرضه وعمقه. # وأما المركب البسيط الذي ليس له من التركيب إلا النصيب اليسير، فاسمه ~~غامض، والإشارة إليه عسرة، والعيان عنه مكفوف، وهذا باب إذا ms315 حفظ فهم منه ~~شيء كثير مما يقع فيه الغلط من الإنسان بفكره الرديء، وينفع أيضا نفعا بينا ~~في التغالط العارض بين المتناظرين على جهة التنافس والتناصف. # قال أبو سليمان: من حرس هذا الثغر أمن من جميع الأعداء، ومن أهمله كانت ~~جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية عدوه الثائر من ثغره. # وأما قوله: على أي وجه يقال لله حي والملك حي والفرس حي؟ فقد دخل الجواب ~~عنه في ضمن ما تشقق القول به، وتحقق المعنى عليه في حديث المركب والبسيط، ~~ونزيد هاهنا حرفا يكون رديفا لما تقدم، فنقول: أما الإنسان فإنه يقال له: # حي، بسبب الحس والحركة وما يتبعهما ما هو كمال الحي، وكذلك الفرس وما ~~أشبهه. وأما الملك فلما كان ما يستحقه ببساطته معدوما عندنا، لم نقدر على ~~شيء نصفه به إلا ما نصف به أنفسنا بيننا، ولو كنا في عالم الملك لعلنا كنا ~~ندري بأي شيء ينبغي أن ينعت ويسمى ويذكر ويحكى، فإن من كان منا في بلاد ~~الصين فإنه يسمي الإنسان والفرس والحمار والبقر بها بتعالم أهلها بينهم، ~~وإذا كان هذا معوزا على ما ترى في الملك، أعني تسميته الحي، ونعته بالحياة، ~~فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى ~~أن يمسك عنه عجزا واستخذاء، وتضاؤلا واستعفاء، إلا بما وقع الإذن به من جهة ~~صاحب الدين الذي هو مالك أزمة العقول ومرشدها إلى السعادات، وواقفها عند ~~الحدود، وزاجرها عن التخطي إلى ما لا يجوز. فعلى هذا قد وضح أن الصمت في ~~هذا المكان أعود على صاحبه من النطق، لأن الصمت عن المجهول أنفع من الجهل ~~بالمعلوم، والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة بالقدرة في موضعها، وليس ~~للخلق من هذا الواحد الأحد إلا الإنية والهوية، فأما كيف ولم وما هو فإنها ~~طائر في الرياح كما تسمع وترى. PageV01P358 # ولما حررت هذه الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها عليه قال لي: هذا والله ~~جهد المقل، وفي غليلي بقية من اللهب. # قلت: أيها الوزير، قال أبو ms316 سليمان: سنقول لك كلاما لا يكون فيه كل الرضا، ~~فقل له عند ذلك: إنك سألت عن العالم بأسره، فلا طاقة لأحد أن يعرض عليك ~~العالم بأسره، ولولا عجلة رسولك في المطالبة، وإدلاله بالإلحاح، وقوله: ~~المراد التقريب والإيجاز، لا التطويل والإسهاب، لكان النسج على غير هذا ~~المنوال، والعمل على غير هذا الوشي. # قال: ومن المعالم التي ليس لها ناظر، ولا بها خابر، أن السائل يحض على ~~التلخيص المفهوم، ولعل ذلك يزيد الشيء إغلاقا، فإذا امتثل ما يرسم قال: ما ~~شفاني القول، وإن زيد على ذلك قال: غرق المراد في حواشي التكثير، فليس ~~للعالم تخلص من استزادة المتعلم، ولا عند المتعلم شكر على مبذول جهد ~~العالم، وهذا أمر قد تقدمت الاستغاثة منه على مر الدهور، والأولى فيما لا ~~حيلة فيه الرضا بالميسور منه. # ثم قال: وإن أطال الله أيام هذه الدولة، وحرس على هذه الجماعة القليلة ~~النعمة، استأنفنا نظرا أبلغ من هذا النظر، ببيان أشفى من هذا البيان، وطريق ~~أوضح من هذا الطريق- إن شاء الله. # قال الوزير: والله ما قلت قولي ذاك، لأن هذا الكلام سهل، وهذا المتناول ~~قريب، وهذا المرمى كثب، كلا، وإني لأظن بل أحق أنه ليس في بضائع أصحابنا ~~الذين حولي من يدرك هذه المعاني على هذه الصفة إذا قرئت عليه، فكيف من يفزع ~~في شرحها وتهذيبها إليه. # ثم تمطى وقال: وانعاساه، واضعف منتاه، ثم فارقت المجلس. PageV01P359 ### || الليلة السادسة والثلاثون # وقال- دامت أيامه-: كيف تقول عند مهل الشهر شيئا آخر من لفظه؟ # فكان من الجواب: حكى العالم: عند هلول الشهر ومستهله وهله وإهلاله ~~واستهلاله. # قال: ورأيت الحاتمي يقول: عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو، ولم ~~أوثر شرحه لها لثقل روحه، ومغالاته بنفسه، وكأنه لا علم إلا عنده، ولا ~~فائدة إلا هي معه، فهل في حفظك هذه الكلمات؟ # قلت: لا إله إلا الله، اليوم ذكر الأندلسي هذه الكلمات وعدها، وقد ~~حفظتها، فقال: هات يا مبارك، فكان الجواب: منها البعو، وهو الجناية، ~~والجعو، وهو الطين، والدعو، مصدر دعا دعوا، والسعو: الشمع، ms317 والشعو: هو ~~انتفاش الشعر، والصعو: الرجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور ~~والقعو: من البكرة، واللعو: الحريص. والذئب في بعض اللغات، والمعو: الجني ~~من الرطب، والنعو: # الشق في مشفر البعير. # قال: هذا حسن، لو أتى به الحاتمي لملوي شدقه، وقال: تنح فقد جاء الأسد ~~وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من المغرب، ما بال أصحابنا تعتريهم ~~هذه الخيلاء، ويغلب عليهم النقص، ويستمكن منهم الشيطان. # قلت: قال أبو سليمان: كل من غلب عليه حفظ اللفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله ~~بعد من معاني اللفظ، والمعاني صوغ العقل، واللفظ صوغ اللسان، ومن بعد من ~~المعاني قل نصيبه من العقل، ومن قل نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق، ومن ~~كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذكر. PageV01P360 ### || الليلة السابعة والثلاثون # وقال الوزير ليلة: ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشجعان! وما أشد ~~انتفاع الضيق النفس باستماع أخبار الكرام، لأن الأخلاق في الخلق أعراض، ~~والأعراض منها لازم ومنها لاصق. # قال: وكان عيسى بن زرعة سرد علي سنة سبعين، ليالي كانت الأشغال خفيفة، ~~والسياسة بالماضي- نور الله قبره وضريحه- عامة، والنظر بالحسنى، شاملا- ~~أشياء في الخلق أتى بها على عمود ما كان في نفسي، وذلك أنه ذكر العقل ~~والحمق، والعلم والجهل، والحلم والسخف، والقناعة والشره، والحياء والقحة، ~~والرحمة والقسوة، والأمانة والخيانة، والتيقظ والغفلة، والتقى والفجور، ~~والجرأة والجبن، والتواضع والكبر، والوفاء والغدر، والنصيحة والغش، والصدق ~~والكذب، والسخاء والبخل، والأناة والبطش، والعدل والجور، والنشاط والكسل، ~~والنسك والفتك، والحقد والصفح، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة، ~~وتبعثه على إعادة حدودها، وإشباع القول فيها، مع إيجاز لا يكون به مدخل ~~للخلل، ولا تقصير عن إيصال الآخر بالأول. # فلقيت عيسى وعرفته الحديث، وأملى ما رسمته في هذا الجزء، وعرضته على أبي ~~سليمان، فرضيه بعض الرضا، ولم يسخط كل السخط، وقال: تحديد الأخلاق لا يصح ~~إلا بضرب من التجوز والتسمح، وذلك أنها متلابسة تلابسا، ومتداخلة تداخلا، ~~والشيء لا يتميز عن غيره إلا بينونة واقعة تظهر للحس اللطيف، أو تتضح للعقل ~~الشريف. ms318 # ثم قال: ألا ترى أن الفكر مشوب بالروية، والظن مخلوط بالوهم، والذكر معني ~~بالتخيل، والبديهة جانحة إلى الحس، والاستنباط موصوف بالغوص، وما هذا ~~المعنى الذي ميز التواضع من شوب الضعة، أو خلص علو الهمة من شوب الكبر، أو ~~فرز عزة النفس من نقص العجب، أو أبان الحلم عن بعض الضعف؟! هذا بالقول ربما ~~سهل وانقاد، ولكن بالعقل ربما عز واعتاص، والأخلاق والخلق مختلطة، فمنها ما ~~اختلاطه قوي شديد، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل، ومنها ما اختلاطه نصف بين ~~اللين والشدة، وهذه ينفع العلاج في بعضها، وينبو العلاج عن بعضها، والحزم ~~يقضي بألا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج. PageV01P361 # قال: وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج، والإنسان والإنسان، ألا ترى ~~أنك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل ~~من الروم إلى الجود، والطمع في جبان الترك أن يتحول شجاعا أقوى من الطمع في ~~جبان الكرد أن يصير بطلا. # قال: ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود- وإن كان على ما قدمناه- نافع جدا، ~~وإضمارها في النفس مثمر أبدا، فهذا هذا. # وأما ما قال أبو علي فإنه هذا. # قيل: ما الحلم؟ قال: ضبط الفكر بكف الغضب. # وقال شيخنا أبو سعيد السيرافي: اعتباره من ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك ~~أن الحلم شريك التحلم، «فكان الحليم الذي يعد فيمن يحلم» في عرض الحليم ~~الذي لا يعاج عليه ولا يكترث له. قال: والتحلم نافع أيضا، وهو أحمد من ~~التحالم، لأن الثاني أقرب إلى التأني، كما أن الأول أقرب إلى الحقيقة. # وقيل لعيسى: ما العدل؟ فقال: القسط القائم على التساوي. # وحكى جالينوس قال: إن الناس لشدة حبهم لأنفسهم يظنون أن لهم ما يحبون، ~~فمن أجل ذلك وقعوا في العجب، فينبغي أن تكون محبتك لنفسك حقيقية، ويتم ذلك ~~لك إذا أنت صيرت نفسك على الحال التي يرى من يرى أنك عليها. # وقال: المعجب يحب نفسه أكثر مما يحق لها، وما أحسن بالإنسان أن يحب نفسه، ~~ولكن بالعدل، فإن أراد أن يحبها ms319 جدا فيجب أن يجعلها من أهل المحبة، ثم ~~يحبها من بعد. # قيل: فما الحسد؟ قال: شدة الأسى على شيء يكون لغيره. # قيل: فما الكآبة؟ قال: إفراط الحزن. # قال أبو سليمان: الحزن والغم والهم والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة، ~~ومن تعاطى وصف أغصان شجرة طال عليه، ولم يحظ بطائل، ويكفي أن نعرف شجرة ~~التفاح من شجرة المشمش، وشجرة الكمثري من شجرة السفرجل، فإن عواقب المعارف ~~نكرات، كما أن فواتح المعارف جهالات. # قيل: فما الشجاعة؟ قال: الإقدام في موضع الفرصة من جميع الأمور. # قال أبو سليمان: الشجاعة إذا كانت نطقية كانت فرصتها تعاطي الحكمة ~~والدؤوب في بلوغ الغاية، وبذل القوة في نيل البغية، وإذا كانت غضبية كانت ~~فرصتها شفاء الغيظ إما من مستحق، وإما من غير مستحق، وإذا كانت شهوية كانت ~~فرصتها التحلي بالعفة التامة، أعني في الخلوة والحفل. # قال لنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني الشيخ الصالح: العفة واسطة بين ~~المقارفة والعصمة، والعصمة واسطة بين البشرية والملكية. PageV01P362 # وحكى عيسى بن زرعة في هذا الموضع- عند تدافع الحديث- أن أمورس قال: إني ~~لأعجب من ناس يقولون: كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد، ومنهاج واحد، ~~وهذا ما لا يستقيم ولا يقع به نظام. # قال: وهب أن يكون الناس وكل واحد منهم ملكا يأمر وينهى ويستمع له ويطاع، ~~فمن كان المأمور المؤتمر، والمنهي المنتهي، والعاقل الحصيف يعلم أنه لا بد ~~من التفاوت الذي به يكون التصالح، كالعالم والمتعلم، والآمر والمأمور ~~والصانع والمصنوع له. # ثم قال عيسى: من توابع الأخلاق المذمومة الغضب والكذب والجهل والجور ~~والدناءة. # قال أبو سيلمان: أما الغضب فلا يكون مذموما إلا إذا أعمل في غير أوانه، ~~وعلى غير ما يأذن الناموس الحق به، وأما الكذب ففيه أيضا مصالح، كما أن ~~الصدق ربما أفضى إلى كثير من المفاسد- وإن كان الصدق قد فاز بالوصف الأحسن، ~~والكذب قد وصف بالنعت الأقبح- فكم كذب نجى من شر، وكم صدق أوقع في هوة، ~~وبقي الآن أن نعرف الصدق مع أوانه ومكانه، فيؤتى به أو ينهى ms320 عنه، وكذلك ~~الكذب على حذوه ومثاله. # قال: وأما الجهل والجور والدناءة فإنها أثافي الرذائل، فينبغي أن ينتفى ~~منها جملة وتفصيلا، ولا يسلك أحد إلى شيء منها سبيلا، فإنها أعدام،- هكذا ~~قال-، والعدم كريه ومهروب منه، والوجود على أنقص النعوت أتم وأشرف من العدم ~~على أزيد الصفات، وإن كان لا زيادة في العدم إلا من طريق الوهم العارض ما ~~يصح وما لا يصح. # قيل: فما العجب؟ قال: وزن النفس بأكثر من مثقالها. # وقال أيضا: العجب هو النظر في النفس بعين ترى القبيح جميلا. # ويقال: المعجب يدعي أن ما يعجب منه قد حصل له من غير أن يكون كذلك، فأما ~~إذا كان ذلك حاصلا فالعجب ليس بعجب إلا من طريق الاسم، وإلا فهو في الحقيقة ~~إحساس بالفضل المعشوق، وشعور بالكمال الموموق، واستدعاء للزيادة مما صار به ~~هكذا، واستعداد لقبول الفيض من معدنه بالاختيار الثاني والاعتياد الأول. # قيل: فما الوفاء؟ قال: قضاء حق واجب، وإيجاب حق غير واجب، مع رقة أنسية، ~~وحفيظة مرعية. # قيل: فما الرغبة؟ قال: حركة تكون من شهوة يرجى بها منفعة. # قال أبو سليمان: الرغبة إذا كانت نطقية كانت مبعثة على التحلي بالفضائل، ~~وإذا كانت سبعية أو بهيمية كانت ملهجة بمواقعة أضدادها من الرذائل. PageV01P363 # وقيل: ما المهنة؟ فقال: حركة يتعاطاها الإنسان بلا حفز ولا استكراه. قال ~~علي بن عيسى: المهنة صناعة، ولكنها إلى الذل أقرب، وفي الضعة أدخل، ~~والصناعة مهنة، ولكنها ترتفع عن توابع المهنة، وفي الصناعات ما يتصل به ~~الذل أيضا، ولكن ذل ليس من جهة حقيقة الصناعة، ولكن من جهة العرض الذي بين ~~الصناعة والصناعة، والمرتبة والمرتبة. # قيل: فما العادة؟ قال: حال يأخذ بها المرء نفسه من غير أن تكون مسنونة ~~يجري عليها مجرى ما هو مألوف طبيعي. # قال أبو سليمان: كأن هذا الاسم ليس يخلص إلا لمن أتى شيئا مرارا، فأما في ~~أول ذلك فليس له هذا النعت، وإنما يصير مألوفا بالتكرار، ولهذا ما صيغت ~~الكلمة من عاد يعود واعتاد يعتاد. # وأما قوله: طبيعي، فعلى وجه التشبيه، لأن ms321 الطبيعي أشد رسوخا وأثبت عرقا، ~~وأبعد من الانتفاض، فأما العادة فكل ذلك جائز عليها، وغير مأمون من الوقوع ~~فيه. # قيل: كم الحركات؟ قال: ستة أصناف، أولها حركة الانتقال، وهي ضربان: إما ~~حركة الجسم بكله من مكان إلى مكان، وإما حركته بأجزائه كالفلك والرحى، ~~والثاني حركة الكون، والثالث حركة الفساد، والرابع حركة الربو، والخامس ~~حركة النقض والبلى، والسادس حركة الاستحالة، وهي ضربان: أما في الجسم فمثل ~~اللون، وأما في النفس فمثل الغضب والرضا، والعلم والجهل. # والنقلة مكانية، والكون والفساد جوهريان، والاستحالة هيئية، والنمو ~~والاضمحلال مكانيان. # قال الكندي: وهاهنا حركة أخرى، وهي حركة الإبداع، إلا أن بينها وبين حركة ~~الكون فرقا، لأن هذه لا من موضوع، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه، ~~ولذلك قيل: إن الكون خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة. # قال أبو سليمان: حركة الإبداع عبارة بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنى ~~مركب. قال: وإنما قلت هذا لأن اللفظ نظير اللفظ في أغلب الأمر وليس المعنى ~~نظير المعنى في أغلب الأمر، واللفظ كله من واد واحد في التركب بلغة كل أمة، ~~والمعاني تختلف في البساطة على قدر العقل والعقل، والعاقل والعاقل، وإنما ~~حركة الإبداع مشار بها إلى مقوم الأشياء بلا كلفة فاعل، ولا معاناة صانع، ~~وإنها بدت بالمبدع من المبدع للمبدع لا على أن الباء ألصقت به شيئا، ولا ~~على أن من فصلت منه شيئا، ولا على أن اللام أضافت إليه شيئا، فإن هذه ~~العلامات والأمارات كلها موجودة في الأشياء التي تعلقت بالإبداع، فلم يجز ~~أن ينعت بها المبدع، ولو جاز هذا لكان PageV01P364 # داخلا فيها، وموجودا بها، وهذا بعيد جدا. فلما جل عن هذه الصفات بالتحقيق ~~في الاختيار وصف بها بالاستعارة على الاضطرار، لأنه لابد لنا من أن نذكره ~~ونصفه وندعوه ونعبده ونقصده ونرجوه ونخافه ونعرفه وننحوه ونطلب ما عنده ~~ونواجهه ونكافحه، وهذه نعمة منه علينا، ولطف منه بنا، وحكمة بينه وبيننا ~~وإلا كانت العصمة تنبتر، والطمع ينقطع، والأمل يضعف، والرجاء يخيب، ~~والأركان تتخلخل، والذرائع ترتفع، والوسائل ms322 تمتنع، والقواعد تسيح، والرغبات ~~تسقط، والجود والكرم والحكمة والقدرة والجبروت والملكوت تأبى ذلك، فصارت ~~هذه الأسماء والصفات سلالم لنا إليه، لا حقائق يجوز أن يظن به شيء منها، ~~على سبيل السياج الممدود والمنهاج المحدود. # سقت كلام عيسى في تصنيف الحركات من أجل هذه الفقرة التي كانت محفوظة في ~~حركة الإبداع، فإني قد وجدت للقوم في هذا الباب حيرة عارضة أو راكدة، لا ~~يستطيعون التفصي عنها، ولا يقدرون على البراءة منها، للضلال الذي قد لزمهم، ~~والأصنام التي قد تربعت في نفوسهم، والأمثلة التي قد خالطت عقولهم، ~~والأفياء التي استصحبوها من إحساسهم، والقائل هذا ينبغي أن يتحرى ويتلبث ~~حتى يعرى من هذه الأشياء ويتريث، فحينئذ أضمن له أن يصح توحيده، ويتم ~~تجريده، وإلى التوحيد تنتهي الفلسفة بأجزائها الكثيرة، وأبوابها المختلفة، ~~وطرقها المتشعبة. # وأنا أعوذ بالله من صناعة لا تحقق التوحيد ولا تدل على الواحد ولا تدعو ~~إلى عبادته، والاعتراف بوحدانيته، والقيام بحقوقه، والمصير إلى كنفه، ~~والصبر على قضائه، والتسليم لأمره، ووجدت أرباب هذه الصناعات، أعني الهندسة ~~والطب والحساب والموسيقى والمنطق والتنجيم معرضين عن تجشم هذه الغايات، بل ~~وجدتهم تاركين الإلمام بهذه الحالات، وهذه آفة نسأل الله السلامة منها، ~~والعافية من عواقبها، والسلام. # قيل: ما التمام؟ قال: بلوغ الشيء الحد الذي ما فوقه إفراط، وما دونه ~~تقصير. # قال أبو سليمان: التمام أليق بالمحسوسات، والكمال أليق بالأشياء ~~المعقولة. # قال: وليست هذه الفتيا مني جازمة، ولا عن العرب العاربة مروية، ولكن إذا ~~لحطنا المعاني مختلفة، طلبنا لها أسماء مختلفة، ليكون ذلك معونة لنا في ~~تحديد الأشياء أو في وصف الأشياء من طريق الإقناع الكاف للجدل والتهمة، أو ~~من طريق البرهان القاطع بالحجة، الرافع للشبهة، أو من طريق التقليد الجاري ~~على السنن والعادة. # قال: ولهذا إذا قيل: ما أتم قامته! كان أحسن، وإذا قيل: ما أكمل نفسه! ~~كان أجمل. PageV01P365 # قيل له: هل يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به؟ فقال: أما ~~على الحقيقة فلا، ولكن على السعة، لأن الكون متصل بالفساد، إلا أنهما ~~يخفيان ms323 في مبادئهما حتى إذا امتد الآنان فصار آنا واحدا فحينئذ بان الكون ~~من الفساد، وبان الفساد من الكون، وهذا بالاعتبار الحسي، فأما العقل فيرتفع ~~عن هذا، لأنه يعلم حقيقة الشيء على ما هو عليه، ولا يقبل من الحس حكما، ولا ~~يحتكم إليه أبدا. # وإنما الحس عامل من عمال العقل. والعامل يجور مرة ويعدل مرة، فأما الذي ~~هذا هو عامله فهو الذي يتعقبه، فإن وجده جائرا أبطل قضاءه، وإن وجده عادلا ~~أمضى حكمه، ومتى استشير الحس في قضايا العقل فقد وضع الشيء في غير موضعه، ~~ومتى استشير العقل في أحكام الحس فقد وضع الشيء في موضعه. # قيل: فما الصورة؟ قال: التي بها يخرج الجوهر إلى الظهور عند اعتقاب الصور ~~إياه. # قال أبو سليمان: هذه الفتيا جزافية الصور أصناف: إلهية وعقلية، وفلكية ~~وطبيعية، وأسطقسية وصناعية، ونفسية ولفظية، وبسيطة ومركبة، وممزوجة وصافية، ~~ويقظية ونومية وغائبية وشاهدية. # ثم اندفع فقال: أما الصورة الإلهية- وهي أعلاها في الرتبة والحقيقة. وهي ~~أبعد منا في التحصيل إلا بمعونة الله تعالى- فلا طريق إلى وصفها وتحديدها ~~إلا على التقريب، وذلك أن البساطة تغلب عليها، إلا أنها مع ذلك ترسم بأن ~~يقال: هي التي تجلت بالوحدة، وثبتت بالدوام، ودامت بالوجود. # وأما الصورة العقلية فهي شقيقة تلك، إلا أنها دونها بالانحطاط الحسي، ~~ولكن بالمرتبة اللفظية، وليس بين الصورتين فصل إلا من ناحية النعت، وإلا ~~فالوحدة شائعة وغالبة وشاملة، لكن الصورة الإلهية تلحظ لحظا، ولا يلفظ ~~بوصفها لفظا، لمشاكهتها الصورة النفسية، فإذا كان كذلك أمكن أن ترسم فيقال: ~~هي التي تهدي إلى العاقل ثلجا في الحكم، وثقة بالقضاء، وطمأنينة للعاقبة، ~~وجزما بالأمر، ودحوضا للباطل، وبهجة للحق ونورا للصدق. # والفرق بين الصورة الإلهية والصورة العقلية أن الصورة ترد عليك وتأخذ ~~منك، والصورة العقلية تصل إليك فتعطيك، فالأولى بقهر وقدرة، والثانية برفق ~~ولطافة، وتلك تحجبك عن لم وكيف، وهذه تفتح عليك لم وكيف، وتلك لا تنحى ولا ~~تطلب، وهذه يسعى إليها، ويسأل عنها وتوجد، وأنوار الصورة العقلية الإلهية ~~بروق تمر، وأنوار الصورة شموس تستنير، وتلك ms324 إذا حصلت لك بالخصوصية لا نصيب ~~لأحد منها، وهذه إذا حصلت لك فأنت وغيرك شرع فيها، وتلك للصون والحفظ، وهذه ~~للبذل والإفاضة. # وأما الصورة الفلكية فداخلة تحت الرسم بالعرض، وللوهم فيها أثر كثير، PageV01P366 # ولأنها مأخوذة من الجسم الأعظم صارت مشاكهتها مقسومة بين البسيط الذي لا ~~تركيب فيه البتة، وبين المركب الذي لا يخلو من التركيب البتة، ولهذا صار ~~تأثير الفلك في المتحركات عنه أشد من تأثر الفلك عن المحرك له، وكأنه أول ~~محرك متحرك، وليس هكذا ما علا عنه. # والفلك بما جسم منقوص الصورة، وبما هو دائم الحركة شريف الجوهر. # وأما الصورة الطبيعية فتعلقها بالمادة القابلة لآثارها بحسب استعدادها ~~لها، فلذلك ما هي مزحزحة عن الدرجة العليا، وعشقها للقابل منها أشد من ~~عشقها للمفيض عليها، ولهذا أيضا كانت منافعها ممزوجة، ومضارها بحتة، وهي ~~تجمع بين الحكمة والبله، وبين الجيد والرديء، ولو سألتها لم أنت ضارة ~~نافعة؟ لقالت: # بعدت، فلما بعدت صوبت وصعدت. # وسمعت أبا النفيس يقول في وصف الطبيعة كلاما له رونق في النفس وأنا أصل ~~هذه الجملة به. # قال: أيتها الطبيعة، ما الذي أقول لك، وبأي شيء أؤاخذك، وكيف أوجه العتب ~~عليك؟! فإنك قد جمعت أمورا منكرة، وأحوالا عسرة، لا يفي نظامك فيها ~~بانتثارك عليها، ولك بوادر ضارة، وغوائل خفية تبدو منك، وتغور فيك، وترجع ~~إليك، حتى إذا قلنا في بعضها: إنك حكيمة، قلنا في بعضها: إنك سفيهة، فالبله ~~منك مخلوط باليقظة، والاستقامة فيك عائدة بالاعوجاج، وفيك فظائع ونزائع، ~~وقوارع وبدائع، لأن حركاتك تستن مرة استنانا تعشقين عليه، وتحبين من أجله، ~~وتزيغ أخرى زيغا تمقتين عليه، وتبغضين بسببه، وربما كانت حركتك نقضا للبناء ~~المحكم والصورة الرائعة، والنظام البهي، وربما كانت بناء للمنتقض، وتجديدا ~~للبالي وإصلاحا للفاسد، حتى كأنك عابثة بلا قصد، وعائثة على عمد، وعلى جميع ~~صفاتك من الواصفين لك لم يعلم من ظن، ولا رأى من تخيل، ولا بعد لفظ من ~~تأويل، ولا حال معنى عن توهم، ولا أسفر حق عن باطل، ولا تميز بيان عن ~~تمويه، ولا ms325 وضح نصح من غش، ولا سلم ظاهر من تناقض، ولا خلت دعوى من معارض، ~~فلهذا وأشباهه واجهتك بخطابي، وعرضت عليك ما في نفسي، فبالذي أنت به قائمة، ~~وبالذي أنت به موجودة، وبالذي أنت له منقبلة، وإليه منساقة، إلا خبرتني ~~عنك، وشفيت غليلي منك، ونعت لي غيب شأنك، وجعلت الخبر عنك كعيانك، وإنما ~~ضرعت إليك هذا الضرع، وعرضت عليك هذا الوجع، لأنك جارتي وصاحبتي، وليس بيني ~~وبينك حجاب إلا ما هو عدو منك أو مني، أعني بما هو منك لطف سحرك، وخفاء ~~سرك، وأعني بما هو مني ما أعجز عن استبانته واستيضاحه إلا بقوة الإله الذي ~~هو سبب لحركتك في أفانين تصرفك، وأعاجيب عدلك وتحيفك. PageV01P367 # وكان إذا بلغ هذا الحد وما شاكله أخذ في كلام كالجواب على طريق التأنيس ~~والتسلية والاستراحة، وهذا بالواجب، لأن الإنسان بسبب أغراضه المجهولة، ~~وعوارضه الفاجئة الباغتة من الغيب والشهادة يفتقر افتقارا شديدا إلى هذه ~~النعوت التي تقدم ذكرها، وهذا كالداء والدواء! وليس لأحد أن يتهكم فيقول: ~~هلا ارتفع الداء أصلا فيستغنى عن الدواء جملة، وهلا وقع الدواء أبدا على ~~الداء ونفاه وصرفه. فإن هذا كلام مدخول، من عقل كليل، ولعمري إن من جهل ~~القسمة الإلهية في الأزل بحسب شهادة العقل لعب به الوسواس في هذه المواضع، ~~وظن أن الأمر لو كان بخلاف ما هو عليه كان أولى وأتم وأوثق وأحكم، يا ويحه! ~~من أين يوجب هذا الحكم؟ وبأي شيء يثبت هذا القضاء؟ وكيف يثق بهذا الوهم؟ # وكان يقول أيضا: إن الطبيعة تقول: أنا قوة من قوى البارئ، موكلة بهذه ~~الأجسام المسخرة حتى أتصرف فيها بغاية ما عندي من النقش والتصوير والإصلاح ~~والإفساد اللذين لولاهما لم يكن لي أثر في شيء، ولا لشيء أثر مني، وكان ~~وجودي وعدمي سواء، وحضوري وغيابي واحدا، ولو بطلت بطل ببطلاني ما أنا به، ~~وهذا زائف من القول، وخطل من الرأي، وتحكم من الظان. # ولو احتمل إيراد كل ما كان يتنفس به هذا الشيخ في حال نشاطه وانقباضه، ~~لكان ذلك مرادا فسيحا، ms326 ومشرعا واسعا، ولكن ذلك متعذر لعجزي عن الوفاء به، ~~ولأن هذه الرسالة تتقلص عنه، وإنما أجول في هذه الأكناف لكلفي بالحكمة كيف ~~دارت العبارة بها، وأمكنت الإشارة إليها، لا على التقصي لها وبلوغ الغاية ~~منها، ومن يقدر على ذلك؟ ومن يحدث نفسه بذلك؟ العالم أبعد غورا وأعلى قلة ~~وأثقل وزنا وأحد غربا وألطف أعراضا وأكشف أجراما وأعجب تركيبا وأغرب بساطة، ~~من أن يأتي عليه إنسان واحد، وكل من كان في مسكه، وإن بلغ الغاية في دقة ~~الذهن وحسن البيان وبلاغة اللفظ، واستنباط الغامض في حاضره وغائبه، هذا ما ~~لا يتوهمه العقل. # وأنا أعوذ بالله من هذه الدعوى، وأسأله أن يلهمني الشكر على ما فتح وشرح، ~~وهدى إليه ومنح، وأطلع عليه وندح، فإن الشكر قرع لباب المزيد، والمزيد باعث ~~على الشكر الجديد، والشكر- وإن خلص بالعرفان، وجرى بضروب البيان على ~~اللسان- فإنه يقصر عن تواتر النعمة بعد النعمة، وتظاهر الفائدة بعد ~~الفائدة. # وأما الصورة الأسطقسية، فهي لائحة لكل ذي حس بالتناظم الموجود فيها، ~~والتباين الآخذ بنصيبه منها، ولها انقسام إلى آحادها، أعني أن صورة الماء ~~مباينة لصورة الهواء، وكذلك صورة الأرض مخالفة لصورة النار، فتحديدها بما ~~يقررها مع غوصها في كل أسطقس شديد، واللفظ لا يصفو، والمراد لا ينماز. PageV01P368 # وأما الصورة الصناعة فهي أبين من ذلك، لأنها مع غوصها في مادتها بارزة ~~للبصر والسمع ولجميع الأحسان، كصورة السرير والكرسي والباب والخاتم وما ~~أشبه ذلك. # وأما الصورة النفسية فهي راجعة إلى العلم والمعرفة وتوابعهما فيما ~~يحققهما أو يخدمهما وهي شقيقة للصورة العقلية بالحق. # وأما الصورة البسيطة فالاختلاف مراتب البسيط ما يعز رسمها إلا بالإيماء ~~إليها، فإن لحق هذا الإيماء سامعه فذاك، وإلا فلا طمع في عبارة شافية عنها. # وأما الصورة المركبة فهي بادية للحس بآثار الطبيعة في مادتها، وبادية ~~أيضا للنفس بآثار العقل في سيحه عليها، وكما أن بين البسيط والبسيط فرقا ~~يكاد البسيط يكون به مركبا، كذلك بين المركب والمركب فرق يكاد المركب يكون ~~به بسيطا، وهذه جملة تفسيرها معوز. # وأما الصورة الممزوجة ms327 فهي أخت الصورة المركبة، وكذلك الصورة الصافية أخت ~~الصورة البسيطة، وليس هذا تمايزا في اللفظ واللفظ، إذا كانتا متصاحبتين ولم ~~تكونا متعاندتين. # وأما الصورة اليقظية فهي مجموعة من الأحساس، لجريانها على وجدان المشاعر ~~كلها، وما لها وبها. # وأما الصورة النومية فهي أيضا مميزة عن أختها، أعني اليقظية، لأنها إغضاء ~~عين وفتح عين، أعني أن النائم قد حيل بينه وبين مثالات الإحساس وعوارض ~~الكون والفساد، وفتح عليه باب إلى وجدان شيء آخر يجري كظل الشخص من الشخص، ~~فإن كان ذلك من وادي الطبيعة أومأ إلى آثار الأخلاط، وإن كان من وادي النفس ~~أومأ إلى نصب التماثيل، وإن كان من وادي العقل صرح بحقائق الغيب في عالم ~~الشهادة إما بالتقريب وإما بالتهذيب أعني إما بوقوعه عقيب ذلك، وإما بعد ~~مهلة. # وأما الصورة الغائبية والشاهدية فقد اتصل الكلام في شرحها بما تقدم من ~~حديث الصورة اليقظية والنومية، والعبارة عن الشاهد مقصورة على وجدان ~~المشاعر، والعبارة عن الغائب مقصورة على ما تغلق على المشاعر، وفي الغائب ~~شاهد هو الملحوظ من الغائب، وفي الشاهد غائب هو المبحوث عنه في الشاهد، ~~فالشاهد غائب بوجه، والغائب شاهد بوجه، حتى إذا استجمعا لك كنت بهما في ~~شعارهما. والإلهيون من الفلاسفة هم الذين جمعوا بين هذين النعتين وعلوا ~~هاتين الذروتين، فتوحدوا عند ذلك بخصائصهم، وانسلخوا عن نقائصهم، فلو قلت: ~~ما هؤلاء بشر كنت صادقا. # ولقد أحسن الذي قال في وصف العصابة حيث وصف فقال: # فينا وفيك طبيعة أرضية %~% تهوي بنا أبدا لشر قرار PageV01P369 # لكنها مقسورة مأسورة %~% مغلوبة السلطان في الأحرار # فجسومهم من أجلها تهوي بهم %~% ونفوسهم تسمو سمو النار # لولا منازعة الجسوم نفوسهم %~% نفذت بسورتها من الأقطار # عرفوا لروح الله فيه فضل ما %~% قد آثروا من صالح الآثار # فتنزهوا وتكرموا وتعظموا %~% عن لؤم طبع الطين والأحجار # نزعوا إلى البحر الذي منه أتت %~% أرواحهم وسموا عن الأغوار # وهذا وصف بليغ بالإضافة إلى القوم. # فأما ما وراء هذا فهناك خبر ثقة بما قرر وقال: # وأما الصورة اللفظية فهي مسموعة بالآلة التي ms328 هي الأذن، فإن كانت عجماء ~~فلها حكم، وإن كانت ناطقة فلها حكم، وعلى الحالين فهي بين مراتب ثلاث: إما ~~أن يكون المراد بها تحسين الإفهام، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام، ~~وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص مالها في بروزها من نفس القائل، ووصولها ~~إلى نفس السامع، ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبة أخرى إذا مازجها اللحن ~~والإيقاع بصناعة الموسيقار، فإنها حينئذ تعطي أمورا ظريفة، أعني أنها تلذ ~~الأحساس، وتلهب الأنفاس، وتستدعي الكاس والطاس، وتروح الطبع، وتنعم البال، ~~وتذكر بالعالم المشوق إليه، المتلهف عليه. # هذا منتهى كلامه على ما علقه الحفظ، ولقنه الذهن، ولو كان مأخوذا عنه ~~بالإملاء لكان أقوم وأحكم، ولكن السرد باللسان، لا يأتي على جميع الإمكان ~~في كل مكان، فهذا هذا. # قال الوزير: هذا باب في غاية الإيفاء والاستيفاء، ومن يتحكك بالاعتراض ~~عليه فقد صغى، وأبدى صفحته بالبهت، ودل من عقله على الدخل، ومن أخلاقه على ~~الخلل، لقد وهب الله لهذا الرجل مقاما عاليا، ولا عجب فإنه معوض بهذا عما ~~فاته. # وقال: أنشدني في الخمر شيئا غريبا، فأنشدته: # ومورد الوجنات يخ %~% طر حين يخطر في مورد # يسقيك من جفن اللجين %~% إذا سقاك دموع عسجد # حتى تظن الشمس تن %~% زل أو تظن الأرض تصعد # فإذا سقاك بعينه %~% وبفيه ثم سقاك باليد # حياك بالياقوت تح %~% ت الدر من فوق الزبرجد # قال: أحسنت والله، هات زيادة. فقلت: # وعذراء ترغو حين يضربها الفحل %~% كذا البكر تنزو حين يقتضها البعل PageV01P370 # تدير عيونا في جفون كأنما %~% حماليقها بيض وأحداقها نجل # كأن حباب الماء حول إنائها %~% شذور ودر ليس بينهما فصل # توهمتها في كأسها فكأنما %~% توهمت شيئا ليس يدركه العقل # إذا اشتبكت رجلاي من سورة الكرى %~% درجت إليها مثل ما يدرج الطفل # وأنشدت لآخر: # وكم عائب للخمر لو أن أمه %~% تبول مداما لم يزل يستبيلها # ولآخر: # خليلي لوماني على الخمر أو دعا %~% فلن تجدا عندي على اللوم مطمعا # وشبا سنا نار لعل نديمنا %~% بنجران أن يلقى سناها فيتبعا # فما راعنا إذ أوقدت فوق ms329 ربوة %~% من الأرض إلا راكبان قد أوضعا # فهشا إلينا ثم قالا: ألا انعما %~% مساء فقلنا: دام ذاك لنا معا # وأنشدت لآخر: # سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا %~% جبال شمام ما سقوني لغنت # وأنشدت أيضا: # الكأس لا تدري ولا الخمر %~% من أي شيء عجل السكر # أسكرني من قبل شربي لها %~% من دأبه الإعراض والهجر # قلت له والخمر في كأسه %~% كأنها في كفه بدر # أنت لعمري الخمر يا سيدي %~% ليس الذي سقيتني الخمر # آخر: # تركت النبيذ لأهل النبيذ %~% فخار لي الله في تركه # وقد كنت قدما به معجبا %~% أروح وأغدو إلى سفكه # فقال: قد جرى هذا أيضا على التمام. اختم مجلسنا بدعاء الصوفية. # فقلت: سمعت ابن سمعون يدعو في الجامع في آخر مجلسه ويقول: اللهم اجعل ~~قولنا موصولا بالعمل، وعملنا محققا للأمل، ولا تضايقنا فيما نتحول به، ~~ونتقلب لك فيه، وكنف علينا بسترك، وسوغنا برك، وألهمنا شكرك، وخفف على ~~أفواهنا ذكرك، واخصصنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك، اللهم اسمع واستجب وقرب. ~~وانصرفت. PageV01P371 ### || الليلة الثامنة والثلاثون # وجرى ليلة بحضرة الوزير- أعلى الله كلمته، وأدام غبطته، ووالى نعمته- أحق ~~من دعي له، وأشرف من بوهي به، وأكمل من شوهد في عصره- حديث ابن يوسف وما هو ~~عليه من غثاثته ورثاثته، وعيارته وخساسته. # فقلت له: عندي حديث، ولا شك أن الوزير مطلع عليه، عارف به. قال: ما ذاك؟ ~~قلت: حدثني أبو علي الحسن بن علي القاضي التنوخي قال: كنت في الصحبة إلى ~~همذان سنة تسع وستين، وكنا جماعة وفينا ابن حرنبار أبو محمد، وكان في جنبه ~~ابن يوسف، فاتفق أن عضد الدولة- برد الله مضجعه- قال لابن شاهويه: سر إلى ~~ابن حرنبار وقل له: ينبغي أن تسير إلى البصرة وإنا نجعل لك فيها معونة، فقد ~~طال مقامك عندنا، وتوالى تبرمنا بك، وتبرمك بنا، وليس لك بحضرتنا ما تحبه ~~وتقترحه، والسلامة لك في بعدك عنا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيرنا. وكلاما في ~~هذا النوع. # قال: ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس يشهد التبليغ والأداء، ويسمع ~~الجواب والابتداء- على رسم ms330 كان معهودا في مثل هذا الباب- فلقي ابن حرنبار ~~وشافهه بالرسالة على التمام، فقال أبو محمد لما سمع: الأمر للملك، ولا خلاف ~~عليه، ولعمري إن الناس بجدودهم ينالون حظوظهم، وبحظوظهم يستديمون جدودهم، ~~ولو وفقت ما كان عجيبا، فقد نال من هو أنقص مني، وبلغ المنى من أنا أشرف ~~منه، ولكن المقادير غالبة، وليس للإنسان عنها مرتحل، وقد قيل: من ساور ~~الدهر غلب، ولكن أيها الشيخ لي حاجة: أحب أن تبلغ الملك كلمة عني. قال: # هاتها، قال: تقول له: أنا صائر إلى ما رسمت، ومتمثل ما أمرت، بعد أن تقضي ~~لي وطرا في نفسي، قد تقطع عليه نفسي، وذاك أن تتقدم فيقام عبد العزيز بن ~~يوسف بين اثنين فيصفعانه مائتين، ويقولان له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهف، ولا ~~عندك فرج لمكروب، ولا بر لضعيف، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى ~~لمنتجع، ولا مأوى لضيف، فلم تخاطب بسيدنا، وتقبل لك اليد، ويقام لك إذا ~~طلعت؟؟ # قال ابن شاهويه: فقبل أن لقيت الملك أفصح له الذي كان معي مشرفا علي. # فلما دخلت الدار عرف، فقال: علي به، فحضرته وابن يوسف قاعد بين يديه على ~~رسمه. فقال لي: هات الجواب عما نفذت فيه، فقلت: الجواب عندك، فقال: ما PageV01P372 # أعجب هذا! أنت حملت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب؟ قال: فتلويت حياء من ~~ابن يوسف، فقال: هات يا هذا الحديث بفصه، فو الله لا أقنع إلا به، ما هذا ~~التواني والتكاسل، فكرهت اللجاج، فسردته على وجهه، ولم أغادر منه حرفا، ~~وابن يوسف يتقدد في إهابه، ويتغير وجهه عند كل لفظة تمر به، فأقبل عليه ~~الملك وقال: كيف ترى يا أبا القاسم الكيس؟ فقال: يا مولانا، إنما أنا أقضي ~~الحاجة بك، فإذا لم تقضها كيف أكون؟ فإن الحوائج كلها إليك. # قال: صدقت، أنا لا أقضي حاجة لك، لأنك لا تقصد بها وجه الله، ولا تبغي ~~بها مكرمة، ولا تحفظ بها مروءة، وإنما ترتشي عليها، وتصانع بها، وتجعلني ~~بابا من أبواب تجارتك وأرباحك، ولو كنت أعلم أنك تقضي ms331 حاجة لله أو لمكرمة ~~أو لرحمة ورقة لكان ذلك سهلا علي، وخفيفا عندي، لكنك معروف المذهب في الطمع ~~والحيلة، وجر النار إلى قرصك، وشرهك في جميع أحوالك، وليس الذنب لك، ولكن ~~لمن رآك إنسانا وأنت كلب. # وصدق- صدق الله قوله- فإنه كان أخس خلق الله، وأنتن الناس، وأقذر الناس، ~~لا منظر ولا مخبر. # وكانت أمه مغنية من أهل البيضاء، وأبوه من أسقاط الناس، ونشأ مع أشكاله، ~~وكان في مكتب الربضي على أحوال فاحشة، وورق زمانا، ثم إن الزمان نوه به، ~~ونبه عليه، ومثل هذا يكون، والأيام ظهور وبطون، وكما يسقط الفاضل إذا عانده ~~الجد، كذلك يرتفع الساقط إذا ساعده الجد فهذا هذا. # فقال: ما كان هذا الحديث عندي، وإنه لمن الغريب. # ثم قال: كيف خبرك في الفتنة التي عرضت وانتشرت، وتفاقمت وتعاظمت؟ # فكان من الجواب: خبر من شهد أولها، وغرق في وسطها، ونجا في آخرها. # قال: حدثني فإن في روايته وسماعه تبصرة وتعجبا، وزيادة في التجربة. وقد ~~قيل: تجارب المتقدمين، مرايا المتأخرين، كما يبصر فيها ما كان، يتبصر بها ~~فيما سيكون، والشاعر قد قال: # والدهر آخره شبه بأوله %~% ناس كناس وأيام كأيام # وليس من حادثة ماضية إلا وهي تعرفك الخطأ والصواب منها لتكون على أهبة في ~~أخذك وتركك، وإقدامك ونكولك، وقبضك وبسطك، وهذا وإن كان لا يقي كل الوقاية، ~~فإنه لا يلقي في التهلكة كل الإلقاء. # كان أول هذه الحادثة الفظيعة البشعة التي حيرت العقول وولهت الألباب، ~~وسافر عنها التوفيق، واستولى عليها الخذلان، وعدمت فيه البصائر، شيء كلا ~~شيء، PageV01P373 # وإذا أراد الله [تعالى ذكره] أن يعظم صغيرا فعل، وإذا شاء أن يصغر عظيما ~~قدر، له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا صارف لقدره، ~~وقدرة الإنسان محدودة، واستطاعته متناهية، واختياره قصير، وطاقته معروفة، ~~وكل ما جاوز هذا الحد وهذا التناهي فهو الذي يجري على الإنسان شاء أو أبي، ~~كره أو رضي، وهاهنا يفزع إلى الله من نازل المكروه، وحادث المحذور. # وذاك أن الروم تهايجت على المسلمين، فسارت إلى نصيبين بجمع ms332 عظيم زائد على ~~ما عهد على مر السنين، وكان هذا في آخر سنة اثنتين وستين، فخاف الناس ~~بالموصل وما حولها، وأخذوا في الانحدار على رعب قذف في قلوبهم، ليكون سببا ~~لما صار إليه الأمر، وماج الناس بمدينة السلام واضطربوا، وتقسم هذا الموج ~~والاضطراب بين الخاصة والعامة، وصارت العامة طائفتين، طائفة ترق للدين ولما ~~دهم المسلمين، وتستعظم ذلك فرقا مما ينته إليه، بعد ما يؤتى عليه، وطائفة ~~وجدت فرصتها في العيث والفساد، والنهب والغارة بوساطة التعصب للمذهب. # وافترقت الخاصة أيضا فرقتين: فرقة أحبت أن تكون للناس حمية للإسلام، ~~ونهوض إلى الغزو، وانبعاث في نصرة المسلمين، إذ قد أضرب السلطان عن هذا ~~الحديث، لانهماكه في القصف والعزف، وإعراضه عن المصالح الدينية، والخيرات ~~السياسية، وطائفة اختارت السكون والإقبال على ما هو أحسم لمادة الوثوب ~~والهيج، وأقطع لشغب الشاغب، وأقمع لخلاف المتهم، فإن الاختلاف إذا عرض خفي ~~موضع الاتفاق، والتبس الأمر على الصغار والكبار، وبمثل هذا فتحت البلاد، ~~وملكت الحصون، وأزيلت النعم، وأريقت الدماء، وهتكت المحارم، وأبيدت الأمم، ~~ونعوذ بالله من غضب الله ومما قرب من سخط الله، وإذا أراد الله أمرا كثر ~~بواعثه، وفرق نوابثه . # ولما اشتعلت النائرة، واشتغلت الثائرة، صاح الناس: النفير النفير، ~~وإسلاماه، وا محمداه، وا صوماه، وا صلاتاه، وا حجاه، وا غزواه، وا أسراه، ~~في أيدي الروم والطغاة. وكان عز الدولة قد خرج في ذلك الأوان إلى الكوفة ~~للصيد، ولأغراض غير ذلك، فاجتمع الناس عند الشيوخ والأماثل والوجوه ~~والأشراف والعلماء، وكانت النية بعد حسنة، وللناس في ظل السلطان مبيت ~~ومقيل، ويستعذبون ورده، ويستسهلون صدره، وعجوا وضجوا، وقالوا: الله الله، ~~انظروا في أمر الضعفاء وأحوال الفقراء، واغضبوا لله ولدينه، فإن هذا الأمر ~~إذا تفاقم تعدى ضعفاءنا إلى أقويائنا، وبطل رأي كبرائنا في تدبير صغرائنا، ~~والتدارك واجب، وهو الإسلام، إن لم نذب عنه غلب الكفر، وهو الأمن والسكون ~~إن لم يحفظا، فهو الخوف والبلاء وذهاب الحرث PageV01P374 # والنسل، وفضيحة الولد والأهل. فسكن المشايخ منهم، وطيبوا أنفسهم، وقووا ~~منتهم ووعدوهم أن يرتئوا فيه متفقين، ms333 ويجتمعوا عليه مجتهدين، ويستخيروا ~~الله ضارعين، وانصرف الناس عنهم. # واجتمع القوم: أبو تمام الزينبي، ومحمد بن صالح بن شيبان، وابن معروف ~~القاضي، وابن غسان القاضي، وابن مكرم- وكان من كبار الشهود في سوق يحيى- ~~وابن أيوب القطان العدل وأبو بكر الرازي الفقيه، وعلي بن عيسى والعوامي ~~صاحب الزبيري، وابن رباط شيخ الكرخ، ونائب الشيعة ولسان الجماعة، وابن آدم ~~التاجر، والشالوسي أبو محمد، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وتشاوروا وتفاوضوا، ~~وقلبوا الأمر، وشعبوا القول، وصوبوا وصعدوا، وقربوا وبعدوا والتأم لهم من ~~ذلك أن تخرج طائفة وراء الأمير بختيار إلى الكوفة وتلقاه وتعرفه ما قد شمل ~~مدينة السلام من الاهتمام، وأن الخوف قد غلبهم، وأن الذعر قد ملكهم، وأنهم ~~يقولون: لو كان لنا خليفة أو أمير أو ناظر سائس لم يفض الأمر إلى هذه ~~الشناعة، وأن أمير المؤمنين المطيع لله إنما ولاه ما وراء بابه ليتيقظ في ~~ليله، متفكرا في مصالح الرعايا، وينفذ في نهاره آمرا وناهيا ما يعود بمراشد ~~الدين، ومنافع الدانين والقاصين وإلا فلا طاعة، وكلاما على هذا الطابع، وفي ~~هذا النسج، فاتفق جماعة على صريمة الرأي في الحركة إلى الكوفة، منهم أبو ~~كعب الأنصاري، وأبو الحسن مدره القوم، وعلي بن عيسى، والعوامي، وابن حسان ~~القاضي صاحب الوقوف، وأبو أحمد الجرجاني القاضي البليغ، وابن سيار القاضي ~~أبو بكر، وأبو بكر الرازي. # وأما جعل، فإنه ذكر ما به من وجع النقرس، واستعفى. # وأما أبو سعيد السيرافي، فإنه ذكر ضعفا وسنا، وقال: أنا أعين في هذه ~~النائبة بإقامة رجل جلد مزاح العلة بالفرس والسلاح، وقعد الجم الغفير، ~~وسارت الجماعة إلى الكوفة، ولحقت عز الدولة في التصيد، وانتظرته، فلما عاد ~~قامت في وجهه واستأذنت في الوصول إليه على خلوة وسكون بال وقلة شغل، فلم ~~يلتفت إليهم، ولا عاج عليهم- وكان وافر الحظ من سوء الأدب، قليل التحاشي من ~~أهل الفضل والحكمة- ثم قيل له: # إن القوم وردوا في مهم لا يجوز التغافل عنه، والإمساك دونه، فأذن لهم بين ~~المغرب والعتمة، فجلسوا بحضرته كما اتفق من غير ترتيب، فقال: ms334 تكلموا. # فقال أبو الوفاء المهندس لأبي بكر الرازي: تكلم أيها الشيخ، فإنك رضا ~~الجماعة، ومقنع العصابة. # فقال أبو بكر: الحمد لله الذي لا موهبة إلا منه، ولا بلوى إلا بقضائه، ~~ولا مفزع إلا إليه، ولا يسر إلا فيما يسره، ولا مصلحة إلا فيما قدره، له ~~الحكم وإليه PageV01P375 # المصير، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المبعوث، إلى الوارث والموروث، ~~أما بعد، فإن الله تعالى قد حض على الجهاد، وأمر بإعزاز الدين، والذب عن ~~الحريم والإسلام والمسلمين في الدهر الصالح، والزمان المطمئن، فكيف إذا ~~اضطرب الحبل وانتكثت مريرته، وأبرز مصونه، وعري حريمه بالاستباحة، ونيل ~~جانبه بالضيم، وضعضع مناره بالرغم، وقصد ركنه بالهدم، وأنت أيها المولى من ~~وراء سدة أمير المؤمنين المطيع لله، والحامل لأعباء مهماته، والناهض بأثقال ~~نوائبه وأحداثه، والمفزع إليك، والمعول عليك فإن كان منك جد وتشمير فما ~~أقرب الفرج مما قد أظل وأزعج، وإن كان منك توان وتقصير فما أصعبه من خطب؟ ~~وما أبعده من شعب!! وقد جئناك نحقق عندك ما بلغك من توسط هذه الطاغية أطراف ~~الموصل وما والاها، وأن الناس قد جلوا عن أوطانهم، وفتنوا في أديانهم ~~وضعفوا عن حقيقة إيمانهم، للرعب الذي أذهلهم، والخوف الذي وهلهم، وإنما هم ~~بين أطفال صغار، ونساء ضعاف، وشيوخ قد أخذ الزمان منهم، فهم أرض لكل واطئ، ~~ونهب لكل يد، وشباب لا يقفون لعدوهم لقلة سلاحهم، وسوء تأتيهم في القراع ~~والدفاع، ونحن نسألك أن تتوخى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما يزلفك ~~عنده، ويكون لك في ذلك ذخر من شفاعته. وبختيار مطرق. # ثم اندفع علي بن عيسى فقال: أيها الأمير، إن الصغير يتدارك قبل أن يكبر، ~~فكيف يجوز ألا يستقبل بالجد والاجتهاد وهو قد عسا وكبر. والله إن بنا إلا ~~أن يظن أهل الجبل وأذربيجان وخراسان أنه ليس لنا ذاب عن حريمنا، ولا ناصر ~~لديننا، ولا حافظ لبيضتنا، ولا مفرج لكربتنا، ولا من يهمه شيء من أمورنا، ~~فالله الله، لا تجرن علينا شماتتهم بنا، وخذ بأيدينا بقوتك، وحسن نيتك، ~~وحميد ms335 طويتك، وعزك وسلطانك، وأوليائك وأعوانك، واكتب قبل هذا إلى عدة ~~الدولة بما يبعثه على حفظ أطرافه، وحراسة أكنافه، مع استطلاع الرأي من ~~جهتك، ومطالعة أمير المؤمنين برأيك ومشورتك. # ثم رفع الأنصاري رأسه وقال: ليس في تكرير الكلام- أطال الله بقاء الأمير- ~~فائدة كبيرة، ولئن كان الإيجاز في هذا الباب لا يكفي، فالإطناب فيه أيضا لا ~~يغني، والله لو نهضت بنا ونحن أحراض كما ترى لا نقلب مخصرة بكف، ولا نرمي ~~دحروجة بيد، ولا نعرف سلاحا إلا بالاسم، لنهضنا وسرنا تحت رايتك، وتصرفنا ~~بين أمرك ونهيك، وفديناك بأرواحنا ضنا بك، وبعثنا على مثل ذلك أحداثنا ~~وأولادنا الذين ربيناهم بنعمتك، وخرجناهم في أيامك، وادخرناهم للنوازل إذا ~~قامت، والحوادث إذا ترامت، فإن كان في المال قلة فخذ من موسرنا وممن له فضل ~~في حاله، فإنه يفرج عنه طاعة لك، وطمعا فيما عند الله من الثواب. PageV01P376 # وقال العوامي: والله ما سميت للدولة عزا، إلا لأن الله- تعالى- قد ذخرك ~~للمسلمين كنزا، وجعل لهم على يديك وبتدبيرك راحة وفوزا، ولم يعرضك لهذه ~~الفادحة إلا ليخصك بانفراجها على يدك ويبقي لك بها ذكرا يطبق الأرض ويبلغ ~~أمراء خراسان ومصر والحجاز واليمن فيصيبهم الحسد على ما هيأ الله لك منها. # ونظر بختيار إلى ابن حسان القاضي- وكان منبسطا معه لقديم خدمته- فقال: ~~أيها القاضي، أنت لا تقول شيئا؟ قال: أيها الأمير، وما القول وعندك هؤلاء ~~العلماء، والمصاقع الألباء، وإن سراجي لا يزدهر في شمسهم، وإن سحابتي لا ~~تبل على بلالهم، وقد قالوا فأنعموا، وجروا فأمعنوا، وليس قدامهم إمام، ولا ~~وراءهم أمام، لكني أقول: ما جشمنا إليك هذه الكلف إلا لتنظر على ضعف ~~أركاننا، وعلو أسناننا وقلة أعواننا، لأنا رأيناك أهلا للنظر في أمرنا، ~~والاهتمام بحالنا، وبما يعود نفعه على صغيرنا وكبيرنا. # فقال عز الدولة: ما زوي عني ما طرق هذه البلاد، ولقد أشرفت عليه، وفكرت ~~فيه، وما أحببت تجشم هذه الطائفة على الوجه. وما أعجبني هذا التقريع من ~~الصغير والكبير، وما كان يجوز لي أن أنعس على هذه الكارثة، وأنعم بالعيش ~~معها، ولعمري ms336 إن الغفلة علينا أغلب، والسهو فينا أعمل، ولكن فيما ركبتموه ~~مني تهجين شديد، وتوبيخ فاحش، وإن هذا المجلس لمما يتهادى حديثه بالزائد ~~والناقص، والحسن والقبيح، وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم، ~~وولايتي لأموركم، كلا، ولكن كما تكونون يولى عليكم، هكذا قول صاحب الشريعة ~~فينا وفيكم، والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم، ولولا أني كواحد منكم، ~~لما جعلت قيما عليكم، ولو خلا كل واحد منا بعيب نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ ~~غيره، وتهجين سلطانه، أيظن هذا الشيخ أبو بكر الرازي أنني غير عالم بنفاقه، ~~ولا عارف بما يشتمل عليه من خيره وشره، يلقاني بوجه صلب، ولسان هدار يري من ~~نفسه أنه الحسن البصري يعظ الحجاج بن يوسف، أو واصل بن عطاء يأمر بالمعروف، ~~أو ابن السماك يرهب الفجار، هذا قبيح، ولو سكت عن هذا لكان عيا وعجزا، جزى ~~الله أبا عبد الله شيخنا خيرا حين جلس، وكذلك أحسن الله عنا مكافأة أبي ~~سعيد السيرافي، فإنه لو علم أن في مساعدتكم رشدا لما توقف، وأما أنت يا أبا ~~الحسن- يريد علي بن عيسى- فوحق أبي إني لأحب لقاءك، وأوثر قربك، ولولا ما ~~يبلغني من ملازمتك لمجلسك، وتدريسك لمختلفتك، وإكبابك على كتابك في القرآن، ~~لغلبتك على زمانك، ولا استكثرت مما قل حظي منه في هذه الحال التي أنا مدفوع ~~إليها، فإنها وازعة على هوى النفس، وطاعة الشيطان، ومنازعة الأكفاء، وجمع ~~المال، وأخذه من حيث يجب أو لا يجب، وتفرقته فيمن يستحق ومن لا يستحق، وإلى ~~الله أفزع في قليل أمري وكثيره، إذا شئتم. PageV01P377 # قال لي أبو الوفاء- وهو الذي شرح لي المجلس من أوله إلى آخره-: لقد شاهدت ~~من عز الدولة في ذلك المجلس، المنصور في جده وشهامته، وثبات قلبه وقوة ~~لسانه، مع بحح لذيذ ولثغة حلوة. # قال: لو قد قلت له بعد ذلك: أيها الأمير، ما ظننت أنك إذا خلعت رداءك ~~ونزعت حذاءك تقول ذلك المقال، وتجول ذلك المجال، وتنال ذلك المنال، لقد ~~انصرف ذلك الرهط على هيبة لك شديدة، وتعظيم بالغ، ولقد ms337 تداولوا لفظك، ~~وتتبعوا معانيك، وتشاحوا على نظمك، وقالوا: ما ينبغي لأحد أن يسيء ظنه بأحد ~~إلا بعد الخبرة والعيان، وإلا بعد الشهادة والبيان، أهذا يقال له متخلف أو ~~ناقص؟ لله دره من شخص! ولله أبوه من فتى مدره! ولما بلغ هذا المجلس الذي ~~قعدوا عن المسير إليه- أعني عز الدولة- حمدوا الله تعالى، وعلموا أن الخيرة ~~كانت قرينة اختيارهم. # قال الوزير: قرأت ما دونه الصابي أبو إسحاق في (التاجي) فما وجدت هذا ~~الحديث فيه. # قلت: لعله لم يقع إليه، أو لعله لم ير التطويل به، أو لعله لم يستخف ذكر ~~عز الدولة على هذا الوجه. # قال: هذا ممكن، فهل سمعت في أيام الفتنة بغريبة؟ # قلت: كل ما كنا فيه كان غريبا بديعا، عجيبا شنيعا، حصل لنا من العيارين ~~قواد، وأشهرهم، ابن كبرويه، وأبو الدود، وأبو الذباب، وأسود الزبد، وأبو ~~الأرضة، وأبو النوابح، وشنت الغارة، واتصل النهب، وتوالى الحريق حتى لم يصل ~~إلينا الماء من دجلة، أعني الكرخ. # فمن غريب ما جرى أن أسود الزبد كان عبدا يأوي إلى قنطرة الزبد ويلتقط ~~النوى ويستطعم من حضر ذلك المكان بلهو ولعب، وهو عريان لا يتوارى إلا ~~بخرقة، ولا يؤبه له، ولا يبالى به، ومضى على هذا دهر، فلما حلت النفرة أعني ~~لما وقعت الفتنة، وفشا الهرج والمرج، ورأى هذا الأسود من هو أضعف منه قد ~~أخذ السيف وأعمله، طلب سيفا وشحذه، ونهب وأغار وسلب، وظهر منه شيطان في مسك ~~إنسان، وصبح وجهه، وعذب لفظه، وحسن جسمه، وعشق وعشق، والأيام تأتي بالغرائب ~~والعجائب، وكان الحسن البصري يقول في مواعظه: المعتبر كثير، والمعتبر PageV01P378 # قليل. فلما دعي قائدا وأطاعه رجال وأعطاهم وفرق فيهم، وطلب الرآسة عليهم، ~~صار جانبه لا يرام، وحماه لا يضام. # فمما ظهر من حسن خلقه- مع شره ولعنته، وسفكه للدم، وهتكه للحرمة، وركوبه ~~للفاحشة، وتمرده على ربه القادر، ومالكه القاهر- أنه اشترى جارية كانت في ~~النخاسين عند الموصلي بألف دينار، وكانت حسناء جميلة، فلما حصلت عنده حاول ~~منها حاجته، فامتنعت عليه، فقال لها: ما تكرهين مني؟ ms338 قالت: أكرهك كما أنت. # فقال لها: فما تحبين؟ قالت: أن تبيعني، قال لها: أو خير من ذلك أعتقك ~~وأهب لك ألف دينار؟ قالت: نعم، فأعتقها وأعطاها ألف دينار بحضرة القاضي ابن ~~الدقاق عند مسجد ابن رغبان، فعجب الناس من نفسه وهمته وسماحته، ومن صبره ~~على كلامها، وترك مكافأتها على كراهتها، فلو قتلها ما كان أتى ما ليس من ~~فعله في مثلها. # قال الوزير: هذا والله طريف، فما كان آخر أمره؟ قلت: صار في جانب أبي ~~أحمد الموسوي وحماه، ثم سيره إلى الشأم فهلك بها. # قال: وكيف سلمت في هذه الحالات؟ # قلت: ومتى سلمت؟ جاءت النهابة إلى بين السورين وشنوا الغارة واكتسحوا ما ~~وجدوا في منزلي من ذهب وثياب وأثاث، وما كنت ذخرته من تراث العمر، وجردوا ~~السكاكين على الجارية في الدار يطالبونها بالمال، فانشقت مرارتها، ودفنت في ~~يومها، وأمسيت وما أملك مع الشيطان فجرة، ولا مع الغراب نقرة. # أيها الشيخ- وفقك الله في جميع أحوالك، وكان لك في كل مقالك وفعالك- إنما ~~نثرت بالقلم ما لاق به، فأما الحديث الذي كان يجري بيني وبين الوزير فكان ~~على قدر الحال والوقت والواجب، والاتساع يتبع القلم ما لا يتبع اللسان، ~~والروية تتبع الخط ما لا تتبع العبارة، ولما كان قصدي فيما أعرضه عليك، ~~وألقيه إليك، أن يبقى الحديث بعدي وبعدك، لم أجد بدا من تنميق يزدان به ~~الحديث، وإصلاح يحسن معه المغزى، وتكلف يبلغ بالمراد الغاية، فليقم العذر ~~عندك على هذا الوصف، حتى يزول العتب، ويستحق الحمد والشكر. PageV01P379 ### || الليلة التاسعة والثلاثون # وقال الوزير ليلة: يعجبني الجواب الحاضر، واللفظ النادر، والإشارة ~~الحلوة، والحركة الرضية، والنغمة المتوسطة، لا نازلة إلى قعر الحلق، ولا ~~طافحة على الشفة. # فكان من الجواب: اقتراح الشيء على الكمال سهل، ولكن وجدانه على ذلك صعب، ~~لأن التمني صفو النفس الحسية، ونيل المتمنى في الفرصة المحشوة بالحيلولة. # وقد قال المدائني: أحسن الجواب ما كان حاضرا مع إصابة المعنى وإيجاز ~~اللفظ وبلوغ الحجة. # وقال أبو سليمان شارحا لهذا: أما حضور الجواب فليكون الظفر عند ms339 الحاجة، ~~وأما إيجاز اللفظ فليكون صافيا من الحشو، وأما بلوغ الحجة فليكون حسما ~~للمعارضة. # قال: ما أحسن ما وشح هذه الفقرة بهذه الشذرة! وحكى المدائني قال: قال ~~مسلمة بن عبد الملك: ما من شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إلي من ~~جواب حاضر، فإن الجواب إذا تعقب لم يكن له وقع. # وحكى المدائني بإسناده عن عبد الرحمن بن حوشب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لعمرو بن الأهتم التميمي: أخبرني عن الزبرقان بن بدر، فقال: مطاع ~~في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله، ~~إنه ليعلم مني أكثر من هذا، ولكنه حسدني، فقال عمرو: أما والله يا رسول ~~الله إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال، أحمق الوالد، وما كذبت في ~~الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، ولقد رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت ~~أسوأ ما علمت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا وإن ~~من الشعر لحكما» . # . PageV01P380 # وقال أبو سليمان: السحر بالقول الأعم والرسم المفيد على أربعة أضرب: سحر ~~عقلي، وهو ما بدر من الكلام المشتمل على غريب المعنى في أي فن كان، وسحر ~~طبيعي، وهو ما يظهر من آثار الطبيعة في العناصر المتهيئة والمواد ~~المستجيبة، وسحر صناعي، وهو ما يوجد بخفة الحركات المباشرة، وتصريفها في ~~الوجوه الخفية عن الأبصار المحدقة، وسحر إلهي وهو ما يبدو من الأنفس ~~الكريمة الطاهرة باللفظ مرة، وبالفعل مرة. وعرض كل واحد من هذه الضروب ~~واسع، وكل حذق ومهارة وبلوغ قاصية في كل أمر هو سحر، وصاحبه ساحر. # وقال المدائني: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، ~~فقال له سعيد بن عثمان بن عفان: أتشتمهم لأنهم قتلوا أباك؟ فقال: صدقت، ~~ولكن المهاجرين والأنصار قتلوا أباك. # وقال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد الله بن الزبير: أبوك كان أعلم بك ~~حين شتمك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتدري لم كان يشتمني؟ إني نهيته أن ~~يقاتل بأهل مكة وأهل المدينة، ms340 فإن الله لا ينصره بهما، وقلت له، أما أهل ~~مكة فأخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخافوه، ثم جاؤوا إلى المدينة ~~فأخرجهم منها وشردهم.- فعرض بالحكم بن أبي العاص- وهو جد عبد الملك- وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفاه.- وأما أهل المدينة فخذلوا عثمان حتى قتل ~~بينهم، لم يروا أن يدفعوا عنه. فقال له عبد الملك: لحاك الله. # وقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: أما والله لو كنت بمكة ~~لعلمت، فقال معاوية: كنت أكون ابن أبي سفيان ينشق عني الأبطح، وكنت أنت ابن ~~خالد منزلك أجياد، أعلاه مدرة، وأسفله عذرة. # وقال المدائني: قال ابن الضحاك بن قيس الفهري لهشام بن عبد الملك قبل أن ~~يملك- وهو يومئذ غلام شاب-: يا بن الخلائف، لم تطيل شعرك وقميصك؟ قال أكره ~~أن أكون كما قال الشاعر: # قصير القميص فاحش عند بيته %~% وشر غراس في قريش مركبا # قال: وهذا الشعر لأبي خالد مروان بن الحكم، هجا به الضحاك بن قيس. # وحكى أيضا، قال: مر عطاء بن أبي صيفي بعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعطاء ~~على فرس له، فقال له بعد الرحمن: يا عطاء، لو وجدت زمام زق الخمر PageV01P381 # خاليا ما كنت تصنع به؟ قال: كنت آتي به دور بني النجار فأعرفه فإنه ضالة ~~من ضوالهم، فإن عرفوه وإلا فهو لك لم يعدك، ولكن أخبرني أي جديك أكبر، ~~أفريعة أم ثابت؟ قال: لا أدري. قال: فلم يعنيك ما في كنائن الرجال وأنت لا ~~تدري أي جديك أكبر؟ بل فريعة أكبر من ثابت، وقد تزوجها قبله أربعة كلهم ~~يلقاها بمثل ذراع البكر، ثم يطلقها عن قلى؟ فقال لها نسوة من قومها: والله ~~يا فريعة إنك لجميلة، فما بال أزواجك يطلقونك؟ قالت: يريدون الضيق ضيق الله ~~عليهم. # وحكى أيضا قال: قال أبو السفر: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير ~~إذ رفع بين مكة والمدينة قبر أبي سعيد بن العاص، فقال أبو بكر: لعن الله ~~صاحب هذا القبر، فإنه كان يكذب الله ورسوله، فقال خالد بن ms341 أسيد- وهو في ~~القوم-: لا بل لعن الله أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف، ولا يمنع الضيم، ~~ولا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سبني المشركون فعموهم بالسب، ~~ولا تسبوا الأموات فإن سب الأموات يغضب الأحياء» ؟. # قال محمد بن عمارة: فذاكرت بهذا الحديث رجلا من أصحاب الحديث من ولد سعيد ~~بن العاص، فعرفه، فقال: فيه زيادة ليست عندكم، قلت: وما هي؟ فقال: # قال خالد بن أسيد: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما يسرني أنه في أعلى ~~عليين وأن أبا قحافة ولده. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت ~~نواجذه، وقال: «لا تسبوا الأموات فإن سبهم يغضب الأحياء» . # وحكى قال: رمى عمر بن هبيرة الفزاري إلى عرام بن شتير بخاتم له فضة- وقد ~~زوج- فعقد عليه عرام سيرا ورده إلى ابن هبيرة. أراد ابن هبيرة قول الشاعر: # لقد زرقت عيناك يا بن ملعن %~% كما كل ضبي من اللؤم أزرق # وعرض له عرام بقول ابن دارة: # لا تأمنن فزاريا خلوت به %~% على قلوصك واكتبها بأسيار # وقال المدائني: وكان ابن هبيرة يساير هلال بن مكمل النميري، فتقدمت بغلة ~~النميري بغلة ابن هبيرة. فقال: غض من بغلتك. فالتفت إليه النميري فقال: ~~أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة. وإنما أراد ابن هبيرة: # فغض الطرف إنك من نمير %~% فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وأراد النميري قول سالم بن دارة: # لا تأمنن فزاريا خلوت به %~% على قلوصك واكتبها بأسيار # وقال الوليد العنبري: مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم، فقال رجل PageV01P382 # منهم: أيتها الرسحاء. فقالت المرأة: يا بني نمير، والله ما أطعتم الله ~~ولا أطعتم الشاعر، قال الله عز وجل: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم # [النور: 30] . وقال الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير %~% فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وقال: مر الفرزدق بخالد بن صفوان بن الأهتم، فقال له خالد: يا أبا فراس، ~~ما أنت الذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، فقال له الفرزدق: ولا أنت الذي ms342 ~~قالت الفتاة لأبيها فيه: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين # [القصص: 26] . # قال: ودخل يزيد بن مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان مصفرا نحيفا، فقال ~~سليمان: على رجل أجرك رسنك وسلطك على المسلمين لعنة الله. فقال: يا أمير ~~المؤمنين إنك رأيتني والأمر عني مدبر، فلو رأيتني وهو علي مقبل لاستعظمت ~~مني يومئذ ما استصغرت اليوم. قال: فأين الحجاج؟ قال: يجيء يوم القيامة بين ~~أبيك وأخيك، فضعه حيث شئت. # وقال عباد بن زياد: كنت عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه أبو يوسف حاجبه، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هذه بثينة. قال أبثينة جميل؟ قال: نعم، قال ~~أدخلها، فدخلت امرأة أدماء طويلة يعلم أنها كانت جميلة، فقال له: يا أبا ~~يوسف ألق لها كرسيا، فألقاه لها، فقال لها عبد الملك: ويحك ما رجا منك ~~جميل، قالت: الذي رجت منك الأمة حين ولتك أمرها. # وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: إن رهطا من الأنصار دخلوا على معاوية، ~~فقال: يا معشر الأنصار، قريش خير لكم منكم لهم، فإن يكن ذلك لقتلى أحد، فقد ~~قتلتم يوم بدر مثلهم، وإن يكن لإمرة فو الله ما جعلتم لي إلى صلتكم سبيلا، ~~خذلتم عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وصليتم بالأمر يوم صفين. ~~فتكلم رجل منهم، فقال: يا أمير المؤمنين، أما قولك: «إن يكن لقتلى أحد» فإن ~~قتيلنا شهيد وحينا تائق، وأما ذكرك الإمرة، فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر بالصبر عليها. # وأما قولك إنا خذلنا عثمان، فإن الأمر في عثمان إلى قتلته، وأما قولك إنا ~~قتلنا أنصاره يوم الجمل فذلك ما لا نعتذر منه، وأما قولك إنا قتلنا فإنما ~~كنا مع رجل لم نأله خبرا، فإن لمتنا فرب ملوم لا ذنب له. # ثم قام وأصحابه يجر ثوبه مغضبا، فقال معاوية: ردوهم، فردوا فترضاهم حتى ~~رضوا، ثم انصرفوا. وأقبل معاوية على رهط من قريش، فقال: والله ما فرغ من ~~منطقه حتى ضاق بي مجلسي. # قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ms343 دخل قيس بن سعد بن عبادة مع قوم PageV01P383 # من الأنصار على معاوية. فقال معاوية: يا معشر الأنصار، لم تطلبون ما ~~قبلي، فو الله لقد كنتم قليلا معي، كثيرا علي، ولقد قتلتم جندي يوم صفين ~~حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني بأشد من وخز الأشافي حتى إذا ~~أقام الله ما حاولتم ميله، قلتم: ارع فينا وصية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، هيهات، «أبى الحقين العذرة» ، فقال قيس: # نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله لا سواه، لا بما تمت به إليك ~~الأحزاب، وأما عداؤنا لك فلو شئت كففنا عنك، وأما هجاؤنا إياك فقول يزول ~~باطله، ويثبت حقه، وأما قتلنا جندك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى أن طاعته ~~طاعة الله، وأما استقامة الأمر لك فعلى كره كان منا، وأما وصية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فينا، فمن آمن به رعاها، وأما قولك «أبى الحقين العذرة» ~~، فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك. فقام معاوية فدخل، وخرج قيس ومن كان معه. # وقال محمد بن خالد القرشي: دخل زفر بن الحارث الكلابي على عبد الملك بن ~~مروان وعنده خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأمية بن عبد الله بن خالد، ~~فقال زفر: لو كان لعبد الله سخاء مصعب وكان لمصعب عبادة عبد الله لكانا ما ~~شاء المتمني. فقال عبد الملك: ما كان سخاء مصعب إلا لعبا، ولا كانت عبادة ~~عبد الله إلا عبثا، ولكن لو كان للضحاك بن قيس مثل رجال مروان لكانت قيس ~~أربابا بالشام، فقال زفر: لو كانت لمروان صحبة الضحاك لكان، فقال عبد ~~الملك: والله ما أحب له مثل صحبته ومصرعه، فقال خالد: لولا أن أمير ~~المؤمنين لا يبصر مرعى لما تركناك والكلام. فقال زفر: اربعا على أنفسكما ~~ودعانا وخليفتنا واسحبا ذيولكما على خيانة خراسان وسجستان والبصرة. # وقال المدائني: غاب مولى للزبير عن المدينة حينا، فقال له رجل من قريش ~~لما رجع: أما والله لقد أتيت قوما يبغضون طلعتك، وفارقت قوما لا يحبون ~~رجعتك. قال ms344 المولى: فلا أنعم الله ممن قدمت عليه عينا، ولا أخلف الله على ~~من فارقت بخير. # قال المدائني: كان مرثد بن حوشب عند سليمان بن عبد الملك، فجرى بينه وبين ~~أبيه كلام حتى تسابا، فقال له أبوه: والله ما أنت بابني، قال: والله لأنا ~~أشبه بك منك بأبيك، ولأنت كنت أغير على أمي من أبيك على أمك. فقال له ~~سليمان: قاتلك الله، إنك لابنه. # وساب مرثد أخاه ثمامة، فقال له ثمامة: يا حلقي، فقال له مرثد: يا خبيث، PageV01P384 # أتسابني مسابة الصبيان، فو الله إنك لابني، ولقد غلبني حوشب على أمك، وقد ~~ألقحتها بك. # وقال ابن عياش المنتوف لأبي شاكر بن هشام بن عبد الملك: لو قصرت قميصك، ~~قال له: ما يضرك من طوله. قال: تدوسه في الطين، قال وما ينفعك من دوسه. # وقال: كان على تبالة رجل من قريش، فقال لرجل من باهلة: من الذي يقول: # إن كنت ترجو أن تنال غنيمة %~% في دور باهلة بن يعفر فارحل # قوم قتيبة أمهم وأبوهم %~% لولا قتيبة أصبحوا في مجهل # فقال الباهلي: ما أدري غير أني أظنه الذي يقول: # يا شدة ما شددنا غير كاذبة %~% على سخينة لولا الليل والحرم # قال: وتكلم ابن ظبيان التيمي يوما فأكثر، فقال له مالك بن مسمع: إيها أبا ~~مطر، فإن للقوم في الكلام نصيبا، فقال: والله ما إليك جئت، ولو أن بكر بن ~~وائل اجتمعت في بيت بقال لأتيتهم. فقال له مالك: إنما أنت سهم من سهام ~~كنانتي. فقال ابن ظبيان: أنا سهم من سهام كنانتك؟ فو الله لو قمت فيها ~~لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها، وايم الله ما أراك تنتهي حتى أرميك بسهم لم ~~يرش، تذبل به شفتاك، ويجف له ريقك. # وقال رجل للأحنف: بأي شيء سدت تميما؟ فو الله ما أنت بأجودهم ولا أشجعهم ~~ولا أجملهم ولا أشرفهم، قال: بخلاف ما أنت فيه. قال: وما خلاف ما أنا فيه؟ ~~قال: تركي ما لا يعنيني من أمور الناس كما عناك من أمري ما لا يعنيك. # ووفد عليم ms345 بن خالد الهجيمي على هشام وعنده الأبرش الكلبي، فقال له الأبرش ~~الكلبي: يا أخا بني الهجيم، من القائل: # لو يسمعون بأكلة أو شربة %~% بعمان أصبح جمعهم بعمان # ألكم يقوله؟ قال: نعم، لنا يقوله، قال: ولكنكم يا معشر كلب تعبرون ~~النساء وتجزون الشاء، وتكدرون العطاء، وتؤخرون العشاء، وتبيعون الماء. فضحك ~~هشام، فلما خرجا قال الأبرش: يا أخا بني الهجيم، أما كانت عندك بقية؟ قال: ~~بلى، لو كان عندك بقية. # قدمت امرأة زوجها إلى زياد تنازعه، وقد كانت سنة أعلى من سنها فجعلت تعيب ~~زوجها وتقع فيه، فقال زوجها: أيها الأمير، إن شر شطري المرأة آخرها، وخير PageV01P385 # شطري الرجل آخره. المرأة إذا كبرت عقمت رحمها، وحد لسانها، وساء خلقها، ~~وإن الرجل إذا كبرت سنه استحكم رأيه، وكثر حلمه وقل جهله. # وقال أعشى همدان لامرأته: إنك لسلسة الثقبة، سريعة الوثبة، حديدة الركبة، ~~فقالت: والله إنك لسريع الإراقة، بطيء الإفاقة، قليل الطاقة، فطلقها، وقال: # تقادم عهدك أم الجلال %~% وطاشت نبالك عند النضال # وقد بت حبلك فاستيقني %~% بأني طرحتك ذات الشمال # وأن لا رجوع فلا تكذبى %~% ن ما حنت النيب إثر الفصال # قال الغلابي عن غيره: قال رجل لامرأته: أما إنك ما علمت لسؤل منعة، جزوع ~~هلعة، تمشين الدفقي وتقعدين الهبنقعة ، فقالت: أما والله إن كان زادي ~~منك لهدية ، وإن كانت حظوتي منك لحذية ، فإنك لابن خبيثة يهودية. # وقال المدائني قبض كسرى أرضا لرجل من الدهاقين، وأقطعها البحرجان، فقدم ~~صاحب الأرض متظلما، فأقام بباب كسرى، فركب كسرى يوما، فقعد له الرجل على ~~طريقه يكلمه، فلما حذاه شد عليه حتى صك بصدره ركبته، ووضع يده على فخذه، ~~فوقف له كسرى وكلمه، فقال له: أرض كانت لأجدادي ورثتها من آبائي قبضتها ~~فأقطعتها البحرجان؟ ارددها علي، فقال له كسرى: مذ كم هذه الأرض في أيدي ~~أجدادك وآبائك؟ فذكر دهرا طويلا، فقال له كسرى: والله لقد أكلتموها دهرا ~~طويلا، فما عليك في أن تدعها في يد البحرجان عارية سنيات يستمتع بها ثم ~~يردها عليك، فقال: أيها الملك، قد علمت ms346 حسن بلاء بهرام جور في طاعتكم، أهل ~~البيت، وما كفاكم من حد عدوكم، ودفعه عنكم كيد الترك وحسن بلاء آبائه قبل ~~ذلك في طاعة آبائك، فما كان عليك لو أعرته ملكك سنيات يستمتع به ثم يرده ~~إليك؟ فقال كسرى: # يا بحرجان، أنت رميتني بهذا السهم، اردد عليه أرضه فردها. # قال رجل من القحاطنة لرجل من أبناء الأعاجم: ما يقول الشعر منكم إلا من ~~كانت أمه زنى بها رجل منا فنزع إلينا. فقال له الثنوي: وكذلك كل من لم يقل ~~الشعر منكم، فإنما زنى بأمه رجل منا فحملت به، فنزع إلينا، فمن ثم لم يقل ~~الشعر. # وقال رجل من العرب لرجل من أبناء العجم: رأيت في النوم كأني دخلت الجنة ~~فلم أر فيها ثنويا. فقال له الثنوي: أصعدت الغرف؟ قال: لا. قال: فمن ثم لم ~~ترهم، هم في الغرف. PageV01P386 # قال ابن عياش: ما قطعني إلا رجل من قريش من آل أبي معيط، وكان ماجنا شارب ~~خمر، وذاك أني وقفت على بيان التبان الذي أتي به ابن هبيرة الفزاري فأمر ~~بصلبه، فقال لي: ما وقوفك هاهنا يا أبا الجراح؟ قلت: أنظر إلى هذا الشقي ~~الذي يقول: إنه نبي، قال: وما أتى به في نبوته؟ قلت: بتحليل الخمر والزنا- ~~وأنا أعرض به- فقال: لا، والله لا يقبل ذلك منه حتى يبرئ الأكمه والأبرص. # قال المدائني: ابن عياش أبرص. # وقال: دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد، فقال له ابن زياد- ~~وهو يهزأ به-: أمسيت يا أبا الأسود العشية جميلا فلو علقت تميمة تنفي بها ~~عنك العين؟ # فعرف أنه يهزأ به فقال: أصلح الله الأمير-. # أفنى الشباب الذي فارقت بهجته %~% مر الجديدين من آت ومنطلق # لم يتركا لي في طول اختلافهما %~% شيئا تخاف عليه لدغة الحدق # وقال المدائني: وقع بين العريان بن الهيثم النخعي وبين بلال بن أبي بردة ~~بن أبي موسى الأشعري كلام بين يدي خالد بن عبد الله القسري وخالد يومئذ على ~~العراق- وكان متحاملا على بلال، وكان العريان على شرطة خالد- فقال العريان ~~لبلال: ms347 إني والله ما أنا بأبيض الراحتين، ولا منتشر المنخرين، ولا أروح ~~القدمين، ولا محدد الأسنان، ولا جعد قطط، فقال بلال: يا عريان، أتعنيني ~~بهذا؟ قال: لا والله، ولكن كلام يتلو بعضه بعضا. فقال بلال: يا عريان، ~~أتريد أن تشتم أبا بردة وأشتم أباك، وتشتم أبا موسى وأشتم جدك، هذا والله ~~ما لا يكون، فقال العريان: إني والله ما أجعل أبا موسى فداء الأسود، ولا ~~أبا بردة فداء الهيثم، فمثلي ومثلك في ذلك كما قال مسكين الدارمي: # أنا مسكين لمن أنكرني %~% ولمن يعرفني جد نطق # لا أبيع الناس عرضي إنني %~% لو أبيع الناس عرضي لنفق # قال المدائني: جرى بين وكيع بن الجراح وبين رجل من أصحابه كلام في معاوية ~~واختلفا، فقال الرجل لوكيع: ألم يبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن ~~أبا سفيان ومعاوية وعتبة فقال: «لعن الله الراكب والقائد والسائق» ، فقال ~~وكيع: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما بعد دعوت عليه فاجعل ذلك ~~(له أو عليه) رحمة» ، فقال الرجل: # أفيسرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن والديك فكان ذلك لهما رحمة. ~~فلم يحر إليه جوابا. # تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: وبهرك القول يا صعصعة؟ فقال: إن ~~الجياد نضاحة بالماء. # هكذا قال لنا السيرافي، وقد قرأت عليه هذه الفقر كلها، وإنما جمعتها ~~للوزير بعد إحكامها وروايتها. PageV01P387 # قال علي بن عبد الله: شهدت الحجاج خارجا من عند عبد الملك بن مروان، فقال ~~له خالد بن يزيد بن معاوية: إلى متى تقتل أهل العراق يا أبا محمد! فقال: ~~إلى أن يكفوا عن قولهم في أبيك: إنه كان يشرب الخمر. # قال المدائني: أسرت مزينة حسان بن ثابت- وكان قد هجاهم- قال: # مزينة لا يرى فيها خطيب %~% ولا فلج يطاف به خضيب # أناس تهلك الأحساب فيهم %~% يرون التيس يعدله الحبيب # فأتتهم الخزرج يفتدونه، فقالوا: نفاديه بتيس، فغضبوا وقاموا، فقال لهم ~~حسان: يا إخوتي خذوا أخاكم وادفعوا إليهم أخاهم. # وقال المدائني: فرق عمر بن الخطاب بين منظور بن أبان وبين ms348 امرأته- وكان ~~خلف عليها بعد أبيه- فتزوجها طلحة بن عبد الله، فلقيه منظور، فقال له: كيف ~~وجدت سؤري؟ فقال: كما وجدت سؤر أبيك. فأفحمه. # وقال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ~~المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ~~وأبلغته رسالته، فضحك ثم قال: كتب إلي صاحبك أن أتبعه على دينه، فما يمنعه- ~~إن كان نبيا- أن يدعو الله أن يسلط علي البحر فيغرقني فيكتفي مؤونتي ويأخذ ~~ملكي؟ قلت: فما صنع عيسى إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه، ~~وجعلوا عليه إكليل شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه ~~وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيا بحربة حتى مات، هذا على ~~زعمكم، فما منعه أن يسأل الله فينجيه ويهلكهم فيكفى مؤونتهم ويظهر هو ~~وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله ~~فقتله، وبعث برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله تعالى أن ينجيه ~~ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: إنه والله لحكيم، وما يخرج الحكيم إلا ~~من عند الحكماء. # قال المدائني: أبطأ على رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله- وهو ~~على خراسان- وكان يقال للرجل: زامل بن عمرو من بني أسد بن خزيمة، فدخل على ~~الجنيد يوما فقال: أصلح الله الأمير، قد طال انتظاري، فإن رأى الأمير أن ~~يضرب لي موعدا أصير إليه فعل. فقال: موعدك الحشر، فخرج زامل متوجها إلى ~~أهله، ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال: أصلح الله الأمير: # أرحني بخير منك إن كنت فاعلا %~% وإلا فميعاد كميعاد زامل # قال: وما فعل زامل؟ قال: لحق بأهله. فأبرد الجنيد في أثره بريدا وبعث ~~يعهده إلى الكورة التي يدرك بها، فأدرك بنيسابور، فنزلها. PageV01P388 # وامتدح رجل الحسن بن علي- عليه السلام- بشعر، فأمر له بشيء، فقيل: # أتعطي على كلام الشيطان؟ فقال: أبتغي الخير لنفي الشر. # قال المدائني: أتى العبداني حماد بن أبي حنيفة وقد ملا عينه كحلا قد ظهر ~~من ms349 محاجر عينه، وعند حماد جماعة. فقال له حماد: كأنك امرأة نفساء. قال: لا، ~~ولكني ثكلى. قال: على من؟ قال: على أبي حنيفة. # وقال مروان بن الحكم ليحيى: إن ابنتك تشكو تزويجك وتزعم أنه يبول في ~~دثاره. قال: فهو يبول منها فيما هو أعظم من دثاره. # وقال معاوية: هذا عقيل عمه أبو لهب. فقال عقيل: هذا معاوية عمته حمالة ~~الحطب. # قال: ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر فقارب في خطوه، فقال أبو جعفر: # كبرت سنك يا معن. قال: في طاعتك. قال: وإنك لجلد. قال: على أعدائك. قال: # إن فيك لبقية. قال: هي لك يا أمير المؤمنين. # قال المنصور لسفيان بن معاوية المهلبي: ما أسرع الناس إلى قومك؟ قال ~~سفيان: # إن العرانين تلقاها محسدة %~% ولن ترى للئام الناس حسادا # فقال: صدقت. # قال المدائني: حضر قوم من قريش مجلس معاوية وفيهم عمرو بن العاص وعبد ~~الله بن صفوان بن أمية الجمحي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال عمرو: ~~احمدوا الله يا معشر قريش إذ جعل والي أموركم من يغضي على القذى، ويتصامم ~~عن العوراء، ويجر ذيله على الخدائع. قال عبد الله بن صفوان: لو لم يكن هذا ~~لمشينا إليه الضراء، ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجن، ورجونا أن يقوم ~~بأمرنا من لا يطعمك مال مصر. # وقال معاوية: يا معشر قريش، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ # فقال عبد الرحمن بن الحارث: إن عمرا وذوي عمرو أفسدوك علينا وأفسدونا ~~عليك، ما كان لو أغضيت على هذه؟ فقال: إن عمرا لي ناصح، قال: أطعمنا مما ~~أطعمته، ثم خذنا بمثل نصيحته، إنك يا معاوية تضرب عوام قريش بأياديك في ~~خواصها كأنك ترى أن كرامها جاروك دون لئامها، وايم الله: إنك لتفرغ من إناء ~~فعم في إناء ضخم، ولكأنك بالحرب قد حل عقالها ثم لا تنظرك. فقال معاوية: يا ~~بن أخي ما أحوج أهلك إليك. ثم أنشد معاوية: # أغر رجالا من قريش تشايعوا %~% على سفه، منا الحيا والتكرم؟ PageV01P389 # وقال المدائني: كان عروة بن الزبير ms350 عند عبد الملك بن مروان يحدثه- وعنده ~~الحجاج بن يوسف- فقال له عروة في بعض حديثه: قال أبو بكر- يعني عبد الله بن ~~الزبير- فقال الحجاج: أعند أمير المؤمنين تكني ذلك الفاسق؟ لا أم لك. فقال ~~عروة: # ألي تقول هذا لا أم لك وأنا ابن عجائز الجنة خديجة وصفية وأسماء وعائشة، ~~بل لا أم لك أنت يا بن المستفرمة بعجم زبيب الطائف. # وقال: لما صنع هشام بن عبد الملك بغيلان الواعظ ما صنع، قال له رجل: ما ~~ظلمك الله ولا سلط عليك أمير المؤمنين إلا وأنت مستحق، فقال غيلان: قاتلك ~~الله، إنك جاهل بأصحاب الأخدود. # قال عمرو بن العاص: أعجبتني كلمة من أمة، قلت لها ومعها طبق: ما عليه يا ~~جارية؟ قالت: فلم غطيناه إذا؟ # وقع ابن الزبير في معاوية، ثم دخل عليه فأخبره معاوية ببعضه، فقال: أنى ~~علمت ذلك؟ فقال معاوية: أما علمت أن ظن الحكيم كهانة. # وقيل لعمر بن عبد العزيز: ما تقول في علي وعثمان وفي حرب الجمل وصفين؟ ~~قال: تلك دماء كف الله يدي عنها، فأنا أكره أن أغمس لساني فيها. # وقال: طلق أبو الخندف امرأته أم الخندف، فقالت له: يا أبا الخندف طلقتني ~~بعد خمسين سنة، فقال: مالك عندي ذنب غيره. # وقال: لقي جرير الأخطل فقال: يا مالك، ما فعلت خنازيرك! قال: كثيرة في ~~مرج أفيح، فإن شئت قريناك منها، ثم قال الأخطل: يا أبا حزرة ما فعلت ~~أعنازك؟ # قال: كثيرة في واد أروح، فإن شئت أنزيناك على بعضها. # وقال الشعبي: ذكر عمرو بن العاص عليا فقال: فيه دعابة، فبلغ ذلك عليا ~~فقال: زعم ابن النابغة أني تلعابة تمراحة ذو دعابة أعافس وأمارس، هيهات، ~~يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب ومن كان له قلب ففي ~~هذا عن هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب- إنه ليعد فيخلف، ويحدث ~~فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، ~~فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه. # قال المدائني: بعث ms351 المفضل الضبي إلى رجل بأضحية، ثم لقيه فقال: كيف كانت ~~أضحيتك؟ فقال: قليلة الدم. وأراد قول الشاعر: # ولو ذبح الضبي بالسيف لم تجد %~% من اللؤم للضبي لحما ولا دما # وقال المدائني: مر عقيل بن أبي طالب على أخيه علي بن أبي طالب عليه ~~السلام ومعه تيس، فقال له علي: إن أحد ثلاثتنا أحمق. فقال عقيل: أما أنا ~~وتيسي فلا. PageV01P390 # وكلم عامر بن عبد قيس حمران يوما في المسجد. فقال له حمران: لا أكثر الله ~~فينا مثلك. فقال عامر: لكن: أكثر الله فينا مثلك، فقال له القوم: يا عامر، ~~يقول لك حمران ما لا تقول مثله؟ فقال: نعم يكسحون طرقنا، ويحوكون ثيابنا، ~~ويخرزون خفافنا. فقيل له: ما كنا نرى أنك تعرف مثل هذا، قال: ما أكثر ما ~~نعرف مما لا تظنون بنا. # وقال: مر جرير بن عطية على الأحوص وهو على بغل، فأدلى البغل، فقال ~~الأحوص: بغلك يا أبا حزرة على خمس قوائم. قال جرير: والخامسة أحب إليك. # ومر جرير بالأحوص وهو يفسق بامرأة وينشد: # يقر بعيني ما يقر بعينها %~% وأحسن شيء ما به العين قرت # فقال له جرير: فإنه يقر بعينها أن تقعد على مثل ذراع البكر، أفتراك تفعل ~~ذلك؟ # فقال الوزير: من رأيت من الكبار كان يحفظ هذا الفن وله فيه غزارة وانبعاث ~~وجسارة على الإيراد؟ # قلت: ابن عباد على هذا، ويبلغ من قوته أنه يفتعل أشياء شبيهة بهذا الضرب ~~على من حضر، فقال: الكذب لا خير فيه، ولا حلاوة لروايه، ولا قبول عند ~~سامعيه. # وقال: أرسل بلال بن أبي بردة إلى أبي علقمة فأتاه، فقال: أتدري لأي شيء ~~أرسلت إليك؟ قال: نعم، لتصنع بي خيرا. قال: أخطأت ولكن لأسيء بك. # فقال: أما إذ قلت ذاك لقد حكم المسلمون حكمين، فسخر أحدهما بالآخر. فقال ~~الوزير: أيقال سخر به! فكان الجواب أن أبا زيد حكاه، وصاحب التصنيف قد ~~رواه، وسخر منه أيضا كلام، وإنما يقال هو أفصح، لأنه في كتاب الله عز وجل، ~~وإلا فكلاهما جائز. # وقال حمزة بن بيض ms352 الحنفي للفرزدق: يا أبا فراس، أيما أحب إليك أن تسبق ~~الخير أم يسبقك! قال: ما أريد أن أسبقه ولا أن يسبقني، بل نكون معا. ولكن ~~حدثني أيما أحب إليك: أن تدخل منزلك فتجد رجلا على حرامك، أو تجدها قابضة ~~على قمد الرجل. فأفحمه. # فلما قرأت الجزء في ضروب الجواب المفحم. قال: ما أفتح هذا النوع من ~~الكلام لأبواب البديهة! وأبعثه لرواقد الذهن! وما يتفاضل الناس عندي بشيء ~~أحسن من هذه الكلمات الفوائق الروائق، ما أحسن ما جمعت وأتيت به. PageV01P391 ### || الليلة الأربعون # وقال مرة أخرى: حدثني عن اعتقادك في أبي تمام والبختري. # فكان الجواب: إن هذا الباب مختلف فيه، ولا سبيل إلى رفعه، وقد سبق هذا من ~~الناس في الفرزدق وجرير ومن قبلهما في زهير والنابغة حتى تكلم على هذا ~~الصدر الأول، مع علو مراتبهم في الدين والعقل والبيان، لكن حدثنا أبو محمد ~~العروضي عن أبي العباس المبرد قال: سألني عبيد الله بن سليمان عن أبي تمام ~~والبحتري، فقلت: # أبو تمام يعلو علوا رفيعا، ويسقط سقوطا قبيحا، والبحتري أحسن الرجلين ~~نمطا، وأعذب لفظا، فقال عبيد الله: # قد كان ذلك ظني %~% فعاد ظني يقينا # فقلت: وهذا أيضا شعر. فقال: ما علمت. # فقال: هذه حكاية مفيدة من هذا العالم المتقدم، وحكم يلوح منه الإنصاف، ~~وقد أغنى هذا القول عن خوض كثير. # ودع ذا، من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا الافتراق، ~~وتباينوا هذا التباين، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة الدم والمال ورد ~~الشهادة وإطلاق اللسان بالجرح وبالقذع والتهاجر والتقاطع! فكان الجواب: إن ~~المذاهب فروع الأديان، والأديان أصول المذاهب، فإذا ساغ الاختلاف في ~~الأديان- وهي الأصول- فلم لا يسوغ في المذاهب وهي الفروع. # فقال: ولا سواء، الأديان اختلفت بالأنبياء، وهم أرباب الصدق والوحي ~~الموثوق به، والآيات الدالة على الصدق، وليس كذلك المذاهب. # فقيل: هذا صحيح، ولا دافع له، ولكن لما كانت المذاهب نتائج الآراء، ~~والآراء ثمرات العقول، والعقول منائح الله للعباد، وهذه النتائج مختلفة ~~بالصفاء والكدر، وبالكمال والنقص، وبالقلة والكثرة، وبالخفاء والوضوح، وجب ms353 ~~أن يجري الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق وإن كانت تلك ~~منوطة بالنبوة، وبعد، فما دام الناس على فطر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ~~ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلابد من الاختلاف في كل ما ~~يختار ويجتنب، PageV01P392 # ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما جرى مجرى المذاهب والأديان، ألا ~~ترى أن الاتفاق لم يحصل في تفضيل أمة على أمة، ولا في تفضيل بلد على بلد، ~~ولا في تقديم رجل على رجل، ولو لم يكن في هذا الأمر إلا التعصب واللجاج ~~والهوى والمحك والذهاب مع السابق إلى النفس، والموافق للمزاج، والخفيف على ~~الطباع، والمالك للقلب، لكان كافيا بالغا بالإنسان كل مبلغ. # وشيخنا أبو سليمان يقول كثيرا: إن الدين موضوع على القبول والتسليم، ~~والمبالغة في التعظيم، وليس فيه «لم» و «لا» و «كيف» إلا بقدر ما يؤكد أصله ~~ويشد أزره، وينفي عارض السوء عنه، لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشك، ~~ويقدح في الفرع بالتهمة. # قال: وهذا لا يخص دينا دون دين، ولا مقالة دون مقالة، ولا نحلة دون نحلة، ~~بل هو سار في كل شيء في كل حال في كل زمان، وكل من حاول رفع هذا فقد حاول ~~رفع الفطرة ونفي الطباع وقلب الأصل، وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع ولا ممكن، ~~وقد قيل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» . # وقال لنا القاضي أبو حامد المروروذي: أنا منذ أربعين سنة أجتهد مع ~~أصحابنا البصريين في أن أصحح عندهم أن بغداد أطيب من البصرة، وأنا اليوم في ~~كلامي معهم كما كنت في أول كلامي لهم، وكذلك حالهم معي، فهذا هذا. أنظر إلى ~~فضل ومرعوش- وهما من سقط الناس وسفلتهم- كيف لهج الناس بهما وبالتعصب لهما ~~حتى صار جميع من ببغداد إما مرعوشيا وإما فضليا. # ولقد اجتاز ابن معروف وهو على قضاء القضاة بباب الطاق فتعلق بعض هؤلاء ~~المجان بلجام بغلته، وقال: أيها القاضي، عرفنا، أنت مرعوشي أم فضلي، فتحير ~~وعرف ما تحت هذه الكلمة من السفه والفتنة، وأن التخلص ms354 بالجواب الرفيق أجدى ~~عليه من العنف والخرق وإظهار السطوة، فالتفت إلى الحراني- وكان معه وهو من ~~الشهود- فقال: يا أبا القاسم، نحن في محلة من؟ قال: في محلة مرعوش، فقال ~~ابن معروف: كذلك نحن- عافاك الله- من أصحاب محلتنا لا نختار على اختيارهم، ~~ولا نتميز فيهم. فقال العيار: امش أيها القاضي في ستر الله، مثلك من تعصب ~~للجيران. # فقال الوزير- أحسن الله توفيقه-: هذا كله تعصب وهوى وتماحك وتكلف. قيل: # هذا وإن كان هكذا فهو داخل فيما عداه من حديث الدين والمذهب والصناعة ~~والبلد. # قال أبو سليمان: ولمصلحة عامة نهي عن المراء والجدل في الدين على عادة ~~المتكلمين، الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين، وهم في غاية العداوة للإسلام ~~والمسلمين، وأبعد الناس من الطمأنينة واليقين. PageV01P393 # ثم حدث فقال: # اجتمع رجلان: أحدهما يقول بقول هشام، والآخر يقول بقول الجواليقي، فقال ~~صاحب الجواليقي لصاحب هشام: صف لي ربك الذي تعبده، فوصفه بأنه لا يد له ولا ~~جارحة ولا آلة ولا لسان، فقال الجواليقي: أيسرك أن يكون لك ولد بهذا الوصف! ~~قال: لا، قال: أما تستحي أن تصف ربك بصفة لا ترضاها لولدك! فقال صاحب هشام: ~~إنك قد سمعت ما نقول، صف لي أنت ربك. فقال: إنه جعد قطط في أتم القامات ~~وأحسن الصور والقوام. فقال صاحب هشام: أيسرك أن تكون لك جارية بهذه الصفة ~~تطؤها؟! قال: نعم، قال: أفما تستحي من عبادة من تحب مباضعة مثله!! وذلك لأن ~~من أحب مباضعته فقد أوقع الشهوة عليه. # فقال: هذا من شؤم الكلام ونكد الجدل، فلو كان هناك دين لكان لا يدور هذا ~~في وهم ولا ينطق به لسان. # وحكى أيضا قال: ابتلي غلام أعجمي بوجع شيد، فجعل يتأوه ويتلوى ويصيح. ~~فقال له أبوه: يا بني اصبر واحمد الله تعالى فقال: ولماذا أحمده! قال: # لأنه ابتلاك بهذا، فاشتد وجع الغلام ورفع صوته بالتأوه أشد مما كان، فقال ~~له أبوه: # ولم جزعك! فقال: كنت أظن أن غير الله ابتلاني بهذا فكنت أرجوه أن يعافيني ~~من هذا البلاء ويصرفه عني، فأما إذ كان ms355 هو الذي ابتلاني به فمن أرجو أن ~~يعافيني! فالآن اشتد جزعي، وعظمت مصيبتي. قال: ولو علم أن الذي ابتلاه هو ~~الذي استصلحه بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها بحس صحيح ~~وعلم تام، لكان لا يرى ما قاله وتوهمه لازما. # وحكى أيضا أن رجلا من العجم حج وتعلق بأستار الكعبة فطفق يدعو ويقول: # يا من خلق السباع الضارية، والهوام العادية، وسلطها على الناس، وضربهم ~~بالزمانة والعمى والفقر والحاجة، فوثب الناس عليه وسبوه وزجروه وقالوا: ادع ~~الله بأسمائه الحسنى. فأظهر لهم الندامة، والتقارف فخلوا عنه بعد ما أرادوا ~~الوقيعة به، فرجع وتعلق بأستار الكعبة، وجعل ينادي: يا من لم يخلق السباع ~~الضارية، ولا الهوام، ولا سلطها على الناس، ولم يضرب الناس بالأوجاع ~~والأسقام. فوثبوا عليه أيضا وقالوا له: لا تقل هذا فإن الله خالق كل شيء، ~~فقال: ما أدري كيف أعمل؟ إن قلت: إن الله خالق هذه الأشياء وثبتم علي، وإن ~~قلت: إن الله لم يخلقها وثبتم علي. فقالوا: # هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع الله به. # قال أبو سليمان: وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلمين الذين يقولون: ~~لا يجوز أن يعتقد شيء بالتقليد، ولابد من دليل، ثم يدللون ويختلفون، ثم ~~يرجعون إلى القول بأن الأدلة متكافئة. PageV01P394 # وكان ابن البقال يجهر بهذا القول، فقلت له مرة: لم ملت إلى هذا المذهب؟ # فقال: لأني وجدت الأدلة متدافعة في أنفسها، ورأيت أصحابها يزخرفونها ~~ويموهونها لتقبل منهم، وكانوا كأصحاب الزيوف الذين يغشون النقد لينفق ~~عندهم، وتدور المغالطة بينهم. فقلت له: أما تعرف بأن الحق حق والباطل باطل؟ ~~قال: بلى، ولكن لا يتبين أحدهما من الآخر. قلت: أفلأنه لا يتبين لك الحق من ~~الباطل تعتقد أن الحق باطل وأن الباطل حق؟ قال: لا أجيء إلى حق أعرفه بعينه ~~فأعتقد أنه باطل، ولا أجيء أيضا إلى باطل أعرفه بعينه فأعتقد أنه حق، ولكن ~~لما التبس الحق بالباطل والباطل بالحق قلت إن الأدلة عليهما ولهما متكافئة، ~~وإنها موقوفة على حذق الحاذق في نصرته، ms356 وضعف الضعيف في الذب عنه. قلت: ~~فكأنك قد رجعت عن اعترافك بالحق أنه حق، وبالباطل أنه باطل. قال: ما رجعت. ~~قلت: فكأنك تدعي الحق حقا جملة والباطل باطلا جملة من غير أن تميز ~~بالتفصيل. قال: كذا هو. قلت: فما نفعك بالاعتراف بالحق وأنه متميز عن ~~الباطل في الأصل، وأنت لا تميز بينهما في التفصيل؟ # قال: والله ما أدري ما نفعي منه. قلت: فلم لا تقول: الرأي أن أقف فلا ~~أحكم على الأدلة بالتكافؤ، لأن الباطل لا يقاوم الحق، والحق لا يتشبه ~~بالباطل، إلى أن يفتح الله بصري فأرى الحق حقا في التفصيل، والباطل باطلا ~~على التحصيل، كما رأيتهما في الجملة، وأن الذي فتح بصري على ذلك في الأول ~~هو الذي غض بصري عنه في الثاني؟ قال: ينبغي أن أنظر فيما قلت. فقلت: انظر ~~إن كان لك نظر، ولا تتكلف النظر ما دام بك عمى أو عشا أو رمد. # وحكى لنا أبو سليمان قال: وصف لنا بعض النصارى الجنة فقال: ليس فيها أكل ~~ولا شرب ولا نكاح. فسمع ذلك بعض المتكلمين فقال: ما تصف إلا الحزن والأسف ~~والبلاء. # وقال أبو عيسى الوراق- وكان من حذاق المتكلمين-: إن الآمر بما يعلم أن ~~المأمور لا يفعله سفيه، وقد علم الله من الكفار أنهم لا يؤمنون، فليس ~~لأمرهم بالإيمان وجه في الحكمة. # قال أبو سليمان: انظر كيف ذهب عليه السر في هذه الحال، من أين أتوا، وكيف ~~لزمتهم الحجة. # وقال أبو عيسى أيضا: المعاقب الذي لا يستصلح بعقوبته من عاقبه، ولا ~~يستصلح به غيره، ولا يشفي غيظه بعقوبته جائر، لأنه قد وضع العقوبة في غير ~~موضعها. قال: لأن الله تعالى لا يستصلح أهل النار ولا غيرهم، ولا يشفي غيظه ~~بعقوبتهم، فليس للعقوبة وجه في الحكمة. هذا غرض كتابه الذي نسبه إلى الغريب ~~المشرقي. PageV01P395 # وقال أبو سعيد الحضرمي- وكان من حذاق المتكلمين ببغداد، وهو الذي تظاهر ~~بالقول بتكافؤ الأدلة-: إن كان الله عدلا كريما جوادا عليما رؤوفا رحيما ~~فإنه سيصير جميع خلقه إلى جنته، وذلك أنهم جميعا ms357 على اختلافهم يجتهدون في ~~طلب مرضاته، فيهربون من وقع سخطه بقدر علمهم ومبلغ عقولهم، وإنما تركوا ~~اتباع أمره لأنهم خدعوا، وزين لهم الباطل باسم الحق، ومثلهم في ذلك مثل رجل ~~حمل هدية إلى ملك، فعرض له في الطريق قوم شأنهم الخداع والمكر والاستلال، ~~فنصبوا له رجلا، وسموه باسم الملك الذي كان قصده فسلم الهدية إليهم، فالملك ~~الذي قصده إن كان كريما فإنه يعذره ويرحمه ويزيد في كرامته وبره حين يقف ~~على قصته، وهذا أولى به من أن يغضب عليه ويعاقبه. # وقال أبو سليمان: ذكروا أن رجلا رأى قوما يتناظرون، فجلس إليهم فرآهم ~~مختلفين، فأقبل على رجل منهم فقال: أتلزمني أن أقول بقولك وأنا لا أعلم أنك ~~محق؟ فإن قلت: نعم، قلت لك: إن بعض جلسائك يدعوني إلى مخالفتك واتباعه، ~~وليس عندي علم بالمحق منكم، وإن ألزمتني أن أتبع كلكم فهذا محال، وإن قلت: # لا يلزمك أن تتبعني ولا غيري إلا بعد العلم بالمحق منكم، لم يخل العلم ~~بذلك من أن يكون فعلي أو فعل غيري، فإن كان العلم فعلا لغيري فقد صرت ~~مضطرا، ولا أستوجب عليه حمدا ولا ذما وإن كان الفعل لي فمن أعظم جهالة ممن ~~يفعل ما يلزمه الأمر والنهي به، وإن قصر صيره ذلك إلى العطب والهلاك، مع أن ~~هذا القول يؤدي إلى أن أكون أنا المعترض على نفسي، لأنه إنما يلزمني ذلك ~~إذا علمت أني أقدر أن أعلم وألا أعلم. # وحكى لنا أيضا قال: سئل عندنا رجل من المتحيرين بسجستان فقيل له: ما ~~دليلك على صحة مقالتك؟ فقال لا دليل ولا حجة. فقيل له: وما الذي أحوجك إلى ~~هذا؟ قال: لأني رأيت الدليل لا يكون إلا من وجوه ثلاثة: # إما من طريق النبوة والآيات، فإن كان إنما يثبت من هذه الجهة فلم أشاهد ~~شيئا من ذلك ثبتت عندي مقالته. # وإما أن يكون ينبت بالكلام والقياس فإن كان إنما يثبت بذلك فقد رأيتني ~~مرة أخصم ومرة أخصم، ورأيتني أعجز عن الحجة فأجدها عند غيري، وأتنبه إليها ~~من ms358 تلقاء نفسي بعد ذلك، فيصح عندي ما كان باطلا، ويفسد عندي ما كان صحيحا، ~~فلما كان هذا الوصف على ما وصفت لم يكن لي أن أقضي لشيء بصحة من هذه الجهة، ~~ولا أقضي على شيء بفساد لعدم الحجة. # وإما أن تكون ثبتت بالأخبار عن الكتب فلم أجد أهل ملة أولى بذلك من PageV01P396 # غيرهم، ولم أجد إلى تصديق كلهم سبيلا. وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما ~~سواها جورا، لأن الفرق متساوية في الدعوى والحجة والذب والنصرة. # فقيل له: فلم تدين بدينك هذا الذي أنت على شعاره وحليته، وهديه وهيئته؟ # فقال: لأن له حرمة ليست لغيره، وذاك أني ولدت فيه، ونشأت عليه، وتشربت ~~حلاوته، وألفت عادة أهله، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظل فيه ساعة من ~~نهار والسماء مصحية، فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبر ولا ~~معرفة بصلاحه، فبينا هو كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا، ووكف البيت، فنظر ~~إلى البيوت التي في الفندق فرآها أيضا تكف، ورأى في صحن الدار ردغة، ففكر ~~أن يقيم مكانه ولا ينتقل إلى بيت آخر ويربح الراحة، ولا يلطخ رجليه بالردغة ~~والوحل اللذين في الصحن، ومال إلى الصبر في بيته، والمقام على ما هو عليه، ~~وكان هذا مثلي، ولدت ولا عقل لي، ثم أدخلني أبواي في هذا الدين من غير خبرة ~~مني، فلما فتشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره، ورأيتني في صبري عليه أعز مني في ~~تركه، إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلا باختيار مني لذلك، وأثرة له عليه، ~~ولست أجد له حجة إلا وأجد لغيره عليه مثلها. # وحكى لنا ابن البقال- وكان من دهاة الناس- قال: قال ابن الهيثم: جمع بيني ~~وبين عثمان بن خالد، فقال لي: أحب أن أناظرك في الإمامة، فقلت: إنك لا ~~تناظرني، وإنما تشير علي، فقال: ما أفعل ذلك، ولا هذا موضع مشورة، وإنما ~~اجتمعنا للمناظرة، فقلت له: فإنا قد أجمعنا على أن أولى الناس بالإمامة ~~أفضلهم، وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم، وإنما يعرف فضلهم ms359 بالنقل ~~والخبر، فإن أحببت سلمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك، وتسلم لي ما ~~أرويه أنا وفرقتي في صاحبي، ثم أناظرك في أي الفضائل أعلى وأشرف، قال: لا ~~أريد هذا، وذاك أني أروي مع أصحابي أن صاحبي رجل من المسلمين يصيب ويخطئ، ~~ويعلم ويجهل، وأنت تقول في صاحبك: إنه معصوم من الخطأ، عالم بما يحتاج ~~إليه. # فكيف أرضى هذه الجملة؟ قلت: فأقبل كل شيء ترويه أنت وأصحابك في صاحبي من ~~حمد أو ذم، وتقبل أنت كل شيء أرويه أنا وأصحابي في صاحبك من حمد أو ذم، ~~قال: هذا أقبح من الأول، وذلك أني وأصحابي نروي أن صاحبك مؤمن خير فاضل، ~~وأنت وأصحابك تروون أن صاحبي كافر منافق، فكيف أقبل هذا منك وأناظرك عليه؟ # قال ابن الهيثم: فلم يبق إلا أن أقول: دع قولك وقول أصحابك، واقبل قولي ~~وقول أصحابي، قال: ما هو إلا ذاك، قلت: هذه مشورة، وليست مناظرة. # قال: صدقت. PageV01P397 # وحكى لنا الزهيري قال: سأل رجل آخر فقال: أتقول إن الله نهانا أن نعبد ~~إلهين؟ قال: نعم، قال: وأمرنا أن نعبد إلها واحدا؟ قال: نعم، قال: فالاثنان ~~اللذان نهانا عن عبادتهما معقولان هكذا؟ وأشار بإصبعيه، قال: نعم، قال: ~~فالواحد الذي أمرنا بعبادته معقول هكذا؟ وأشار بإصبع واحدة، قال: لا، قال: ~~فقد نهانا عما يعقل وأمرنا بما لا يعقل، وهذا يعلم ما فيه فانظر حسنا. # وحكى لنا الزهيري قال: حدثنا ابن الأخشاد قال: تناظر رجلان في وصف الباري ~~سبحانه، واشتد بينهما الجدال، فتراضيا بأول من يطلع عليهما ويحكم بينهما، ~~فطلع أعرابي، فأجلساه وقصا قصتهما، ووصفا له مذهبيهما، فقال الأعرابي ~~لأحدهما- وكان مشبها-: أما أنت فتصف صنما، وقال للثاني: وأما أنت فتصف ~~عدما، وكلاكما تقولان على الله ما لم تعلما. # وقال لنا الأنصاري أبو كعب: قال ابن الطحان الضرير البصري- وكان يقول ~~بقول جهم-: إذا كان يوم القيامة بدل الله سيئات المؤمنين حسنات، فيندمون ~~على ما قصروا فيه من تناول اللذات، وقضاء الأوطار بالشهوات، لأنهم كانوا ~~يتوقعون العقاب، فنالوا الثواب، وكان ms360 يتلو عند هذا الحديث قول الله عز وجل: ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] . # وحكى لنا ابن الثلاج قال، قال أبو عثمان الآدمي: إن الجنة لا ساتر فيها، ~~وذلك لأن كل ساتر مانع، وكل مانع آفة، وليست في الجنة آفة، ولهذا روي في ~~الحديث: إن الحور يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة سوى ما تحت ذلك من اللحم ~~والعظم، كالسلك في الياقوت، فقال له قائل: الجنة إذا أولى من الحمام، إذ ~~قيل: بئس البيت الحمام، يذهب الحياء، ويبدي العورة. # وحكى لنا ابن رباط الكوفي- وكان رئيس الشيعة ببغداد، ولم أر أنطق منه- ~~قال: قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام-: من أين جاء اختلاف ~~الناس في الحديث؟ فقال: الناس أربعة: رجل منافق كذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متعمدا، فلو علم أنه منافق ما صدق ولا أخذ عنه. ورجل سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من ~~قوله أو فعله، فلو علم أنه نسخ ما حدث ولا عمل به، ولو علم الناس أنه نسخ ~~ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه. ورجل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~قولا فوهم فيه، فلو علم أنه وهم ما حدث ولا عمل به. ورجل لم يكذب ولم يهم، ~~وشهد ولم يغب. # قال: وإنما دل بهذا على نفسه، ولهذا قال: كنت إذا سئلت أجبت، وإذا سكت ~~ابتدئت. PageV01P398 # وحكى لنا ابن زرعة النصراني قال: قيل للمسيح، ما بال الرجلين يسمعان الحق ~~فيقبله أحدهما ولا يقبله الآخر؟ فقال: مثل ذلك مثل الراعي الذي يصوت بغنمه ~~فتأتيه هذه الشاة بندائه، ولا تأتيه هذه. # قال أبو سليمان: هذا جواب مبتور، وليس له سنن، ولعل الترجمة قد حافت ~~عليه، والمعنى انحرف عن الغاية، وليس يجوز أن يكون حال الإنسان كيف كان، ~~حال الشاة في إجابة الداعي وإبائها، فإن له دواعي وموانع عقلية وحسية. # فقال الوزير: هذا أيضا باب قد مضى مستوفى، ما الذي سمعت اليوم؟ # فقلت: ms361 رأيت ابن برمويه في دعوة، وترامى الحديث فقال: رأيت اليوم الوزير ~~شديد العبوس، أهو هكذا أبدا، أم عرض له هذا على بختي؟ فقال ابن جبلة: لعله ~~كان ذاك لسبب، وإلا فالبشر غالب على وجهه، والبشاشة مألوفة منه. فقال ابن ~~برمويه: ما أحسن ما قال الشاعر: # أخو البشر محمود على حسن بشره %~% ولن يعدم البغضاء من كان عابسا # فقال علي بن محمد- رسول سجستان-: ما أدري ما أنتما فيه، ولكن يقال: ما ~~أرضى الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا ملك الإخوان، ولا استلت الشحناء، ~~ولا رفعت البغضاء، ولا توقي المحذور، ولا اجتلب السرور، بمثل البشر والبر، ~~والهدية والعطية. # وقال الوزير: هات ملحة المجلس. # فكان الجواب: قال أبو همام ذات يوم: لو كان النخل لا يحمل بعضه إلا ~~الرطب، وبعضه إلا البسر، وبعضه إلا الخلال، وكنا متى تناولنا من الشمراخ ~~بسرة خلق الله مكانها بسرتين، ما كان بذلك بأس. # ثم قال: أستغفر الله، لو كنت تمنيت بدل نواة التمر زبدة كان أصوب. # وسأل الوزير: هل يقال في النساء رجلة؟ # فكان الجواب: حدثنا أبو سعيد السيرافي قال: كان يقال في عائشة بنت أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنهما: «كانت رجلة العرب» ، وإنما ضاعت هذه الصفة على ~~مر الأيام بغلبة العجمان. # فقال: إنها والله لكذلك، لقد سمعت من يقول: كان يقال: لو كان لأبيها ذكر ~~مثلها لما خرج الأمر منه. # قال: هل تحفظ من كلامها شيئا؟ # فقلت: لها كلام كثير في الشريعة، والرواية عنها شائعة في الأحكام، ولقد ~~نطقت بعد موت أبيها بما حفظ وأذيع، لكني أحفظ لها ما قالته لما قتل عثمان: PageV01P399 # خرجت والناس مجتمعون، وعلي فيهم، فقالت: أقتل أمير المؤمنين عثمان؟ # قالوا: نعم، قالت: أما والله لقد كنتم إلى تسديد الحق وتأكيده أحوج منكم ~~إلى ما نهضتم إليه، من طاعة من خالف عليه، ولكن كلما زادكم الله صحة في ~~دينه، ازددتم تثاقلا عن نصرته طمعا في دنياكم، أما والله لهدم النعمة أيسر ~~من بنيانهها، وما الزيادة إليكم بالشكر، بأسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر، ms362 ~~أما لئن كان فني أكله، واخترم أجله، إنه لصهر رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم مرتين، وما علمنا خلقا تزوج ابنتي نبي غيره، ولو غير أيديكم قرعت ~~صفاته لوجد عند تلظي الحرب متجردا، ولسيوف النصر متقلدا، ولكنها فتنة قدحت ~~بأيدي الظلمة، أما والله لقد حاط الإسلام وأكده، وعضد الدين وأيده، ولقد ~~هدم الله به صياصي أهل الشرك، ووقم أركان الكفر، لله المصيبة به، ما ~~أفجعها! والفجيعة به ما أوجعها! صدع والله مقتله صفاة الدين، وثلمت مصيبته ~~ذروة الإسلام، تبا لقاتله، أعاذنا الله وإياكم من التلبس بدمه، والرضا ~~بقتله. # فقال الوزير: ما أفصح لسانها، وأشجع جنانها، في ذلك المحفل الذي يتبلبل ~~فيه كل قلقل! ورويت أيضا أنها قالت: مكارم الأخلاق عشر: صدق الحديث، وصدق ~~البأس، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وبذل المعروف، والتذمم للجار، والتذمم ~~للصاحب، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء. # فقال: والله لكأنها نغمات النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان أشهمها، ~~وأعلى نظرها، وأبين جوابها!! وحدثني أن امرأة تظلمت إلى مسلم بن قتيبة ~~بخراسان، فزبرها، ولم ينظر في قصتها، فقالت له: إن أمير المؤمنين بعثك إلى ~~خراسان لتنظر هل تثبت خراسان بلا عامل أم لا، فقال لها مسلم: اسكتي ويلك، ~~فظلامتك مسموعة، وحاجتك مقضية. # وقال مسلم: ما وخز قلبي قط شيء مثل قول هذه المرأة، ولقد آليت ألا أستهين ~~بأحد من ذكر أو أنثى. # وشبيه بهذا قول المعلى بن أيوب: رأيت في دار المأمون إنسانا فازدريته، ~~فقلت: لأي شيء تصلح أنت؟ على غيظ مني وتغضب، فقال: أنا أصلح لأن يقال لي: ~~هل يصلح مثلك لما أنت فيه أولا. قال: فو الله ما وقرت كلمته في أذني حتى ~~أظلم علي الجو ونكرت نفسي. PageV01P400 # وكان عبد الملك بن مروان إذا كان له خصي ووضيء أمر أن يحجب عن نسائه، ~~وقال: هو رجل وإن قطع منه ما قطع، وربما اجتزأت امرأة بمثلها، وللعين حظها. # قال عبد الرحمن بن سعيد القرشي: كان لهشام بن عبد الملك خصي يقال له ~~خالد، وكان ms363 وضيئا تأخذه العين، مديد القامة، فخما أبيض، فأمر هشام مسلمة ~~بالغدو مسلمة، فحقدها عليه، فلما دخل مسلمة إلى هشام لم يزل يذاكره شيئا، ~~ويشير عليه حتى حط عن فرشه وجلسا على البساط ومسلمة في ذلك يرمق الخصي متى ~~يمر به، فلم يلبث أن مر معمما بعمامة وشيء، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين، ~~أي فتياننا هذا؟ # قال: غفر الله لك يا أبا سعد، هذا خالد الخصي، قال: فقال: يا أمير ~~المؤمنين، لضمة من هذا خير من مجامعة رجل، فقلق هشام وجعل يتضور حتى قام ~~مسلمة، ثم أمر بالخادم فأخرج من الرصافة، فاتصل ببعض بنيه، فكتب إليه هشام: ~~إني نحيته لما بلغك، فجفاه، فلحق الخادم بالثغر. # وجرى حديث النفس وأنها كيف تعلم الأشياء. # فقيل: النفس في الأصل علامة، والعلم صورتها، لكنها لما لابست البدن، وصار ~~البدن بها إنسانا، اعترضت حجب بينها وبين صورتها كثيفة ولطيفة، فصارت تخرق ~~الحجب بكل ما استطاعت لتصل إلى ما لها من غيبها، فصارت تعلم الماضي ~~بالاستخبار والتعرف والبحث والمسألة والتنقير، وتعلم الآتي بالتلقي والتوكف ~~والتبشير والإنذار، وتعلم الحاضر بالتعارف والمشاهدة ومجال الحس، وهذه ~~المعلومات كلها زمانية، ولهذا انقسم بين الماضي والآتي والحاضر. # فأما ما هو فوق الزمان فإنها تعلمه بالمصادفة الخارجة من الزمان، العالية ~~على حصر الدهر، وهذه عبارة عن وجدانها، لما لها في غيبها بالحركة اللائقة ~~بها، أعني الحركة التي هي في نوع السكون، وأعني بهذا السكون الذي هو في نوع ~~الحركة، ولما فقد الاسم الخاص بهذا المعنى، ولم يعرف في الإخبار والاستخبار ~~إلا ما كان مألوفا بالزمان، التبست العبارة عنه باعتماد السكون فيما يلحظ ~~منه الحركة، واعتماد الحركة فيما يلحظ منه السكون، فصار هذا الجزء كأنه ~~ناقض ومنقوض، وهذا لجذب محل الحس من نبت العقل، وخصب مراد العقل بكل ما علق ~~بالموجود الحق. # فقال الوزير: ما أعلى نجد هذا الكلام! وما أعمق غوره! وإني لأعذر كل من ~~قابل هذا المسموع بالرد، واعترض على قائله بالتكبر، ولعمري إذا تعايت ~~الأشياء بالأسماء والصفات، وعرض العجز عن إبانتها ms364 بحقائق الألقاب، حار ~~العقل الإنساني، وحير الفهم الحسي، واستحال المزاج البشري وتهافت التركيب ~~الطيني، وقدر الناظر PageV01P401 # في هذا الفن، والباحث عن هذا المستكن، أنه حالم، وأن الحلم لا ثمرة له، ~~ولا جدوى منه. # وهذا كله هكذا ما دام مقيسا إلى الأمور القائمة بشهادة الإحساس، فأما إذا ~~صفا الناظر- أعني ناظر العقل- من قذى الحس، فإن المطلوب يكون حاضرا أكثر ~~مما يكون غيره ظاهرا مستبانا، وليست شهادة العبد كشهادة المولى، ولا نور ~~السهى كنور القمر. # قال: أنشدني أبياتا غريبة جزلة. # فأنشدت لهدبة العذري: # سآوي إلى خير فقد فاتني الصبا %~% وصيح بريعان الشباب فنفرا # أمور وألوان وحال تقلبت %~% بنا وزمان عرفه قد تنكرا # أصبنا بما لو أن سلمى أصابه %~% تسهل من أركانه ما توعرا # وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا %~% علينا فإن الله ما شاء يسرا # وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا %~% ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا # وذي نيرب قد عابني لينالني %~% فأعيا مداه عن مداي فأقصرا # فإن يك دهر نالني فأصابني %~% بريب فما تشوي الحوادث معشرا # فلست إذا الضراء نابت بجبإ %~% ولا جزع إن كان دهر تغيرا # فقيل: ما الجبأ؟ فقال: الجبان. # قال أبو سعيد: حكى العلماء أن فلانا جبأ، إذا نكل. # فقال: ما أمتن هذا الكلام، وألطف هذا الجدد! وما أبعده من تلفيق الضرورة، ~~وهجنة التكلف، لولا أن سامعه ربما تطير به، وانكسر عليه. # فكان الجواب: قد مر في الفأل والزجر والطيرة والاعتياف ما إذا تحقق لم ~~يعج على مثل هذا الاستشعار، ولعمري إن المذكور والمسموع إذا كان حسنا ~~وجميلا ومحبوبا ومتمنى، كان أخف على القلب، وأخلط بالنفس، وأعبث بالروح، ~~وكذلك إذا كان ذلك على الضد، فإنه يكون أزوى للوجه، وأكرب للنفس، ولكن ~~الأمور في الخيرات والشرور ليست فاشية من الطيرة والعيافة، ولا جارية على ~~هذه الحدود المعروفة، وهي على مقاصدها التي هي غاياتها، ومتوجهاتها التي هي ~~نهاياتها، وإنما هذه الأخلاق عارضة للنساء وأشباه النساء، ومن بنينه ضعيفة، ~~ومادته من العقل طفيفة، وعادته الجارية سخيفة، وإلا فبأي برهان صح أن ~~الكلام ms365 الطيب يجلب المحبوب ويكون علة له؟! وأن اللفظ الخبيث يجلب المكروه ~~ويكون علة له؟! هذا خور في طباع قائله، وتأنث في عنصر مستشعره، ولو سلك ~~العلماء والبصراء هذا الطريق في كل حال وفي كل أمر لأدى ذلك إلى فساد عام، ~~وآثر ما في هذه القصة أن PageV01P402 # الإنسان إن أعجبه شيء من هذا لا يعول عليه، وإن ساء منه شيء لا يحط إليه، ~~بل يكون توكله على ربه في مسرته ومساءته، أكثر من تفرده بحوله وقوته، في ~~اختياره وتكرهه، وهذا يحتاج إلى عقل رصين، وهمة صاعدة، وشكيمة شديدة، وليس ~~يوجد هذا عند كل أحد، ولا يصاب مع كل إنسان. # فقال الوزير: قد أخذت المسألة بحقها، والمستزيد منها ظالم، والزائد عليها ~~متكلف. # وقال أيضا: أريد أن أسألك عن ابن فارس أبي الفتح- فقد كنت عنده بقرميسين ~~أياما- وما وضح لك من تقدمه وتأخره في صناعته وبضاعته؟ # فكان من الجواب: إنه شيخ فيه محاسن ومساوئ، إلا أن الرجحان لما يذم به لا ~~لما يحمد عليه، فمن ذلك أن له خبرة بالتصرف، وهناك أيضا قسط من العلم ~~بأوائل الهندسة، وتشبه بأصحاب البلاغة، ومذاكرة في المحافل صالحة، إلا أن ~~هذا كله مردود بالرعونة والمكر والإيهام والخسة والكذب والغيبة، وقد كان ~~قرينه بقرميسين يظن به خيرا، ويلحظه بعين ما، فلما سبره ذمه وكره أن يعاجله ~~بالصرف لئلا يحكم على اختياره بالخطأ، وعلى تصرفه بالهوى. وللكبراء وذوي ~~القدرة زلات فاحشة، وفعلات موحشة، ولكن ليس لهم عليها معير للخوف منهم، ~~فلما تمادى قليلا وجه ابن وصيف حتى صرفه وقيده بعد ما وبخه وفنده وها هو ذا ~~ألقي ههنا لا يقبل بقبصة، ولا يلتفت إليه بلحظة، ومع ذلك يظن أن فقر الدولة ~~إلى نظره كفقر المدنف إلى عافيته. # وله مع طاهر بن محمد بن إبراهيم شرار وقبقبة، وتنديد وشنعة. # وحدثني ابن أحمد أمس أن ابن فارس شارع في أمور خبيثة، وعازم على أشياء ~~قبيحة، ومضرب بين أقوام ضمتهم الألفة، واستحكمت بينهم الثقة، وخلصوا حفظة ~~للدولة، وحرسا للنعمة، وعلموا أن الله لا ms366 يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم، وما أخوفني على إخواننا الذين بهم عذب شربنا، وأمن سربنا، كفانا ~~الله فيهم وكفاهم فينا كل مكروه. # فقال: هو أشيق مبعرا، فو أقمأ منظرا، وأذل ناصرا من ذاك، والله لو نفخت ~~عليه لطار، ولو هممت به لبار. # وأما ما قلت لي أيها الشيخ إنه ينبغي أن تكتب رسائلك إلى الوزير، حتى أقف ~~على مقاصدك فيها، وأستبين براعتك وترتيبك بها، فأنا أفعل ذلك في هذه ~~الورقات، ولم أكتب في طول هذه المدة مع هذه الأحوال العجيبة إلا رقعتين ~~ورسالتين، فأما الرقعة الواحدة فإنها تضمنت حديث الخادم وما عزم عليه، وقد ~~شافهتك به، وأما الأخرى فحوت حديث ابن طاهر وصاحب الرصافة، وقد سمعته مني. PageV01P403 ### || رسالتان كتب بهما المؤلف إلى الوزير ### ||| أما الرسالة الأولى: # بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم حلني بالتوفيق، وأيدني بالنصرة، واقرن ~~منطقي بالسداد، واجعل لي من الوزير وزير الممالك عقبى فارجة من الغمم، ~~وخاتمة موصولة بالنجاح، فإنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. # كنت وصلت إلى مجلس الوزير، وفزت بالشرف منه، وخدمت دولته، وعلاه من صدري ~~بخبيئته، ومن فؤادي بمحيضته، وتصرفت من الحديث بإذنه في شجونه وفنونه، كل ~~ذلك آملا في جدوى آخذها، وحظوة أحظى بها، وزلفى أميس معها، ومثالة أحسد ~~عليها، فتقبل ذلك كله، ووعد عليه خيرا ولم يزل أهله، وانقلبت إلى أهلي ~~مسرورا بوجه مسفر، ومحيا طلق، وطرف عازم، وأمل قد سد ما بين أفق العراق إلى ~~صنعاء اليمن، حتى إذا قلت للنفس: هذا معان الوزير ومعمره، وجنابه ومحضره، ~~فانشرحي مستفتحة، وتيمني مقترحة، واطمئني راضية مرضية، لا كدرة الشرب، ولا ~~مذعورة السرب، حصلت من ذلك الوعد والضمان، على بعض فعلات الزمان، ولا عجب ~~في ذلك من الزمان فهو بمثله مليء، وله فعول. وبقيت محمولا بيني وبين ~~إذكاره- قرن الله ساعاته بسعاداته، ووصل عز يومه بسعادة غده، وغده بامتداد ~~يده- حيران لا أريش ولا أبري، ثم رفعت ناظري، وسددت خاطري، وفصلت الحساب لي ~~وعلي، فوضح العذر المبين، المانع من استزادة المستزيدين، وذلك أني رأيت ~~أعباء ms367 الوزارة تؤود سره، وتتعب باله، والمملكة تفزع ولهى عليه، وتلقي ~~بجرانها له بين يديه، والدولة تستمده التدبير الثاقب، والرأي الصائب، سوى ~~أمور في خلاف ذلك لا يحررها رسم راسم، ولا يقررها قسم قاسم، ولا يحويها وهم ~~واهم، ولا يفوز بها سهم مساهم، وهو يخطر في حواشي هذه الأحوال، متأبطا ~~بواهظ الأثقال، مفتتحا عويص الأقفال، سامي الطرف، فسيح الصدر، بساما على ~~العلات، غير مكترث بهاك وهات، يتلقى ما أعيا من ذلك باللي، وما أشكل ~~بالإيضاح، وما عسر بالتدبير، وما فسد بالإصلاح، وما أرق بالعتق، وما خرق ~~بالرتق، وما خفي بالتكشيف، وما بدا بالتصريف، وما أود بالتثقيف، وما لبس PageV01P404 # بالتعريف، حتى أجمع على هواه قاصيها ودانيها، وجرى على مراده خافيها ~~وباديها، واستجاب لأمره أبيها ومنقادها، وأتلف بلفظه نادرها ومعتادها، فلما ~~تيقنت ذلك كله وقتلته خبرا، أمسكت عن إذكاره- نفس الله مدته- سالف عهده، ~~ومتقدم وعده، عالما بأن أسرهما مرعي عنده في صدر الكرم، ومكتوب لديه في ~~صحيفة المجد، وثابت قبله في ديوان الحسنى. # ولكن كان ذلك الامتنان على رغم مني، لأني قتلت في أثنائه بين جنبي قلبا ~~مغرور الرجاء، ومنزور العزاء، على عوارض لم تسنح في خلدي، ولم أعقد على شيء ~~منها يدي. # فالحمد لله الذي جعل معاذي إلى الوزير الكريم، البر الرحيم، والمنة لله ~~الذي جعلني من عفاة جوده، وناشئة عرفه، ووارد عده، وقادحي زنده، ومقتبسي ~~نوره، ومصطلي ناره، وحاملي نعمته، وطالبي خدمته، وجعل خاصتي وخالصتي من ~~بينهم راوية مناقبه باللسان الأبين، ونشر فضائله بالثناء الأحسن، وذكر ~~آلائه باللفظ الأفصح، والاحتياج لسداد آرائه بالمعنى الأوضح، فلا زال ~~الوزير- وزير الممالك- ممدوحا في أطوار الأرض على ألسنة الأدباء والحكماء، ~~وفي نوادي الرؤساء والعظماء، ما آب آئب، وغاب غائب، بمنه ولطفه. # قد ناديت الوزير حيا سامعا، وخيرا جامعا، وهززت منه صارما قاطعا وشهابا ~~ساطعا، واستسقيت من كرمه سحابا هاطلا، ونقاخا سائلا، وأسأله أن يجنبني ~~مرارة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وعذاب التسويف، فقد تلطفت بالسحر الحلال، ~~والعذب الزلال، جهد المقل المحتال، وهو أولى بمجده، في تدبير عبده، إن شاء ms368 ~~الله تعالى. # هذا آخر الرسالة الأولى. # وحضر وصولها إليه بهرام- لعنه الله- وتكلم بما يشبه نذالته وخسته ونتن ~~نيته، فما كنت آمنه، وما أشد إشفاقي على هذا الوزير الخطير من شؤم ناصية ~~بهرام، وغل صدره، وقلة نصيحته، ولؤم طبعه، وخبث أصله، وسقوط فرعه، ودمامة ~~منظره، ولآمة مخبره، حرس الله العباد من شره، وطهر البلاد من عره وضره. # وأما الرسالة الثانية فهي التي كانت في هذه الأيام بعد استئذاني إياه في ~~المخاطبة بالكاف، حتى يجري الكلام على سنن الاسترسال، ولا يعثر في طريق ~~الكتابة بما يزاحم عليه من اللفظ واللفظ، وهي: # بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الوزير، جعل الله أقدار دهرك جارية على ~~تحكم آمالك، ووصل توفيقه بمبالغ مرادك في أقوالك وأفعالك، ومكنك من نواصي ~~أعدائك، وثبت أواخي دولتك على ما في نفوس أوليائك. PageV01P405 # يجب على كل من آتاه الله رأيا ثاقبا، ونصحا حاضرا، وتنبها نافعا، أن ~~يخدمك متحريا لرسوخ دعائم المملكة بسياستك وريادتك، قاضيا بذلك حق الله ~~عليه في تقويتك وحياطتك. وإني أرى على بابك جماعة ليس بالكثيرة- ولعلها دون ~~العشرة- يؤثرون لقاءك والوصول إليك لما تجن صدورهم من النصائح النافعة، ~~والبلاغات المجدية، والدلالات المفيدة، ويرون أنهم إذا أهلوا لذلك فقد قضوا ~~حقك، وأدوا ما وجب عليهم من حرمتك، وبلغوا بذلك مرادهم من تفضلك واصطناعك، ~~وتقديمك وتكريمك، والحجاب قد حال بينهم وبينك، ولكل منهم وسيلة شافعة، ~~وخدمة للخيرات جامعة، منهم- وهو أهل الوفاء- ذوو كفاية وأمانة، ونباهة ~~ولباقة، ومنهم من يصلح للعمل الجليل، ولرتق الفتق العظيم، ومنهم من يمتع ~~إذا نادم، ويشكر إذا اصطنع، ويبذل المجهود إذا رفع، ومنهم من ينظم الدر إذا ~~مدح، ويضحك الثغر إذا مزح، ومنهم من قعد به الدهر لسنه العالية، وجلابيبه ~~البالية، فهو موضع الأجر المذخور، وناطق بالشكر المنظوم والمنثور، ومنهم ~~طائفة أخرى قد عكفوا في بيوتهم على ما يعنيهم من أحوال أنفسهم، في تزجية ~~عيشهم، وعمارة آخرتهم، وهم مع ذلك من وراء خصاصة مرة، ومؤن غليظة، وحاجات ~~متوالية، ولهم العلم والحكمة والبيان والتجربة، ولو وثقوا بأنهم إذا عرضوا ~~أنفسهم عليك، ms369 وجهزوا ما معهم من الأدب والفضل إليك حظوا منك، واعتزوا بك، ~~لحضروا بابك، وجشموا المشقة إليك، لكن اليأس قد غلب عليهم، وضعفت منتهم، ~~وعكس أملهم، ورأوا أن سف التراب، أخف من الوقوف على الأبواب، إذا دنوا منها ~~دفعوا عنها، فلو لحظت هؤلاء كلهم بفضلك، وأدنيتهم بسعة ذرعك وكرم خيمك، ~~وأصغيت إلى مقالتهم بسمعك، وقابلتهم بملء عينك، كان في ذلك بقاء للنعمة ~~عليك، وصيت فاش بذكرك، وثواب مؤجل في صحيفتك، وثناء معجل عند قريبك وبعيدك، ~~والأيام معروفة بالتقلب، والليالي ماخضة بما يتعجب منه ذو اللب، والمجدود ~~من جد في جده، أعني من كان جده في الدنيا موصولا بحظه من الآخرة، ولأن يوكل ~~العاقل بالاعتبار بغيره، خير من أن يوكل غيره بالاعتبار به. # أيها الوزير، اصطناع الرجال صناعة قائمة برأسها، قل من يفي بربها ، ~~أو يتأتى لها، أو يعرف حلاوتها، وهي غير الكتابة التي تتعلق بالبلاغة ~~والحساب. # وسمعت ابن سورين يقول: آخر من شاهدنا ممن عرف الاصطناع، واستحلى الصنائع، ~~وارتاح للذكر الطيب، واهتز للمديح، وطرب على نغمة السائل، واغتنم خلة ~~المحتاج، وانتهب الكرم انتهابا، والتهب في عشق الثناء التهابا، أبو محمد PageV01P406 # المهلبي، فإنه قدم قوما ونوه بهم، ونبه على فضلهم وأحوج الناظرين في أمر ~~الملك إليهم، وإلى كفايتهم، منهم أبو الفضل العباس بن الحسين، ومنهم ابن ~~معروف القاضي، ومنهم أبو عبد الله اليفرني، ومنهم أبو إسحاق الصابئ، وأبو ~~الخطاب الصابئ، ومنهم أحمد الطويل، ومنهم أبو العلاء صاعد، ومنهم أبو أحمد ~~ابن الهيثم، وابن حفص صاحب الديوان، وفلان وفلان، هؤلاء إلى غير هؤلاء، ~~كأبي تمام الزينبي، وأبي بكر الزهري، وابن قريعة، وأبي حامد المروروذي، ~~وأبي عبد الله البصري، وأبي سعيد السيرافي، وأبي محمد الفارسي، وابن ~~درستويه، وابن البقال، والسري، ومن لا يحصى كثرة من التجار والعدول. # وقال لي ابن سورين: كان أبو محمد يطرب على اصطناع الرجال كما يطرب سامع ~~الغناء على الشبابير، ويرتاح كما يرتاح مدير الكأس على العشائر. وقال عنه: # إنه قال: والله لأكونن في دولة الديلم، أول من يذكر، إن ms370 فاتني أن كنت في ~~دولة بني العباس آخر من يذكر. # فلولا أنك- أدام الله دولتك- أذنت لي أن أكتب إليك كل ما هجس في النفس، ~~وطلع به الرأي مما فيه مرد على ما أنت فيه من هذا الثقل الباهظ، وتنبيه على ~~ما تباشره بكاهلك الضخم، لم يكن خطري يبلغ مواجهتك بلفظ يثقل، وإشارة تغلظ، ~~وكناية تخدش، لكنك- والله يأخذ بيدك، ويقرن الصنع الجميل بظاهرك وباطنك- قد ~~رخصت لي في ذلك، وخصصتني به من بين غاشية بابك، وخدم دولتك، فلذلك أقول ما ~~أقول معتمدا على حسن تقبلك، وجميل تكفلك، ومنتظر تفضلك، وليس في أبواب ~~السياسة شيء أجدى وأنفع، وأنفى للفساد وأقمع، من الاعتبار الموقظ للنفس، ~~الباعث على أخذ الحزم، وتجريد العزم، فإن الوكال والهوينا قلما يفضيان ~~بصاحبهما إلى درك مأمول، ونيل مراد، وإصابة متمني. وقد قال رجل كبير ~~الحكمة، معروف الحنكة: المعتبر كثير، والمعتبر قليل. وصدق هذا الرجل ~~الصالح، وهو الحسن البصري. # لو اعتبر من تأخر بمن تقدم، لم يكن من يتحسر في الناس ويندم، ولكن الله ~~بنى هذه الدار على أن يكون أهلها بين يقظة ونوم، وبين فرح وترح، وبين حيطة ~~وورطة، وبين حزم وغفلة، وبين نزاع وسلوة، لكن الآخذ بالحزم- وإن جرى عليه ~~مكروه- أعذر عند نفسه وعند كل من كان في مسكه، من الملقي بيده، والمتدلي ~~بغروره، الساعي في ثبوره، وما وهب الله العقل لأحد إلا وقد عرضه للنجاة، ~~ولا حلاه بالعلم إلا وقد دعاه إلى العمل بشرائطه، ولا هداه الطريقين (أعني ~~الغي والرشد) إلا ليزحف إلى أحدهما بحسن الاختيار. PageV01P407 # هذا بالأمس أبو الفضل العباس بن الحسين الوزير- وهو في وزارته وبسطة أمره ~~ونهيه- قيل له ذات يوم: هذا التركي ساسنكر تفيأ بظله، واعتصم بحبله، واستسق ~~بسجله، وارتو من سؤره، ولا يبلغه عنك، ما يوحشه منك، ويجفيه عليك. وقد قيل: # اسجد لقرد السوء في زمانه # وإذا لم تقدر على قطع يد جائرة، فقبلها متهمة منجدة غائرة. فلم يفعل، حتى ~~وجد أعداؤه طريقا إليه، فسلكوه وأوقعوه. # ثم قيل له في الوزارة الثانية: قد ذقت مرارة النكبة، وتحرقت ms371 بنار ~~الشماتة، وتأرقت على فرطات العجز والفسالة، وقد كان من ذلك كله ما كان، ~~ودار لك بما تمنيت الزمان، فانظر أين تضع الآن قدمك، وبأي شيء تدير لسانك ~~وقلمك، فإن مخلصك من ورطتك بالمرصاد، وقد وعدت من نفسك إن أعاد الله يدك ~~إلى البسطة، ورد حالك إلى السرور والغبطة، أنك تجمل المعاملة، وتنسى ~~المقابلة، وتلقى وليك وعدوك بالإحسان إلى هذا، والكف عن هذا، حتى يتساويا ~~بنظرك، ويتعبدا لك بتفضلك. # فكان من جوابه ما دل على عتوه وثباته، لأنه قال: أما سمعتم الله تعالى ~~حيث يقول: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # [الأنعام: 28] . # وقال لي القومسي- ولم يعلم ما في فحوى هذا الكلام-: ما ذاك؟ قلت: # فحواه ولو عادوا إلى ما نهوا عنه لعدنا إلى مقابلتهم بما استحقوا عليه. # وصدق ما قال الله عز وجل، ما لبث ذلك الإنسان بعد هذا الكلام إلا قليلا ~~حتى أورده ولم يصدره، وأعثره ولم ينعشه، وسلم إلى عدوه حتى استل روحه من ~~بين جنبيه، شافيا به ومشتفيا منه، وكان عاقبة أمره خسرا، ولو اتقى الله ~~لكان آخر أمره يسرا. والله المستعان. # وهذا بعده محمد بن بقية طغى وبغى، واقتحم ظلمات الظلم والعسف، وطار بجناح ~~اللهو والعزف، والشرب والقصف، ومل نعمة الله عليه، وضل بين إمهال الله ~~وإملائه، فحاق به ما ذهبت عليه نفسه وماله، وخرب بيته، وافتضح أهله، وكيف ~~كان يسلم؟ أم كيف كان ينجو وقد قتل ابن السراج بلا ذنب، والجرجرائي بلا ~~حجة، وضرب ابن معروف بالسياط وأبا القاسم- أخا لأبي محمد القاضي- وشهره على ~~جمل في الجانب الشرقي؟! والتشفي حلو العلانية، ولكنه مر العاقبة، وكأن ~~الحفيظة إنما خلقت لتعتقد، والحقد إنما وجد ليبلغ به ما يسر الشيطان. PageV01P408 # وكأن العفو حرام، والكظم محظور، والمكافأة مأمور بها. # وهذا بالأمس علي بن محمد ذو الكفايتين، اغتر بشبابه، ولها عن الحزم ~~والأخذ به فيما كان أولى به، وظن أن كفايته تحفظه، ونسبه من أبيه يكنفه، ~~وبراءته تحتج له، وذنوبه الصغيرة تغتفر، لبلائه المذكور، وغنائه المشهور، ~~ومشى فعثر، وراب ms372 فخثر، والأول يقول: # من سابق الدهر كبا كبوة %~% لم يستقلها آخر الدهر # فاخط مع الدهر إذا ما خطا %~% واجر مع الدهر كما يجري # وقال لي الخليل- وكان لطيف المحل عنده، لما كان يرى من اختصاص أبيه له، ~~ولما يظهر من فضله عنده- قلت له يوما: يا هذا، في أي شيء أنت؟! وبأي شيء ~~تعلل؟! وقد شحذت المواسي، وحددت الأنياب، وفتلت المرائر، ونصبت الفخاخ، ~~والعيون محدقة نحو القطيعة، والأعناق صور إلى الفظيعة، وأنت لاه ساه عما ~~يراد بك بعد، يسبيك هذا المزرفن وهذا المرخي وهذا المعرض ، وهذا ~~الحليق، وهذا النتيف، وهذا المعقرب الصدغ، وهذا المصفوف الطرة، وبالكاس ~~والطاس، والغناء والقصف، والناي والعود، والصبوح والغبوق، والشراب المروق ~~العتيق، والله ما أدري ما أصنع، إن سكت عنك كمدت، وإن نصحتك خفت منك، ونعوذ ~~بالله من اشتباه الرأي، واشتباك الأمر، وقلة الاحتراس، والإعراض عما يجري ~~من أفواه الناس. # يا هذا، سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة، وتلقي الأمر بالحزم والشهامة ~~أولى من استدباره بالحسرة والندامة، ومن لا تجربة له يقتبس ممن له تجربة، ~~فإذا نقب الخف دمي الأظل. # فقال: قد فرغ الله مما هو كائن، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون. # قال: قلت له: ما أطلعك الله على كائنات الأمور، ولا أعلمك بعواقب ~~الأحوال، وإنما عرفك حظك بعد أن وفر عقلك، وأحضرك استطاعتك، وأوضح لقلبك ما ~~عليك ولك، حتى يستشف ويستكشف، وملكك النواصي حتى تمن وترسل، وما طالبك إلا ~~بعد أن أزاح علتك، ولا عاقبك إلا بعد أن أنذرك وأنظرك، وبمثل هذا تطالب أنت ~~من هو دونك من خدمك وحشمك، وأوليائك وأعدائك، وهذا الذي أعذلك عليه هو الذي ~~به تعذل غيرك وتراه ضالا في مسلكه، متعرضا لمهلكه. PageV01P409 # فقال: أيظلمني ولي نعمتي صراحا بلا ذنب، ويجتاحني بلا جريمة، ويثلم دولته ~~بلا حجة؟ # قلت: الله يقيك ويكفيك، نراك بلا ذنب، ونجدك بريئا من كل عيب، وغيرك لا ~~يراك بهذه العين، ولا يحكم لك بهذا الحكم، فإن كنت ترى فرصة فانتهزها، وإن ~~كنت تحلم بغصة فاحترز منها، ms373 فأبواب النجاة مفتحة، وطرق الأمان متوجهة، ~~والأخذ بالاحتياط واجب، قد قرب الشاخص من هذا المكان، والقيامة قد قامت ~~بالإرجاف، والطيرة قشعريرة النفس، كما أن القشعريرة طيرة البدن، والاسترسال ~~كلال الحس، والفأل لسان الزمان، وعنوان الحدثان، ولا يقع في الأفواه إلا ما ~~يوجب الحذر، ويبعث على الرأي والنظر، واستقراء الأثر والخبر. # قال: أما أنا بعد التوكل على الله فقد استظهرت بمحمد بن إبراهيم صاحب ~~نيسابور، وبفخر الدولة وهو بهمذان على ثلاثة أيام، وبعز الدولة وهو بمدينة ~~السلام، ومتى حرب حارب، وراب رائب، أويت إلى واحد من هؤلاء. # قال: قلت: هاهنا ما هو أسهل من هذا وإن كان أهول، وأنجى وإن كان أشجى، ~~وأقرب وإن كان أعزب. # قال ما هو؟ فرج عني واهدني. # قلت: لما يدخل هذا الوارد الدار، ويدنو من طرف البساط، تندر رأسه عن ~~كاهله، وتلقي شلوه في مزبلة، فإن الهيبة تقع، والنائرة تخبو، والعجب يغمر، ~~والظنة تزول، والصدر يشتفي، والاعتذار ينتفي، ويكتب إلى موفده بأن الرأي ~~أوجب هذا الفعل، لأنه غلب على الظن أنه وافى لكيد يوصله إلي، وبلاء يفرغه ~~علي، فأزلت هذا الظن باليقين، ودفعت الشبهة بالجلاء، واستخلصت النور من ~~الظلام، ولأن تبعد ساقطا من خدمك، يسوء ظني به من جهتك، ويقدح في طاعتي لك، ~~ويضرم في نار التهمة بيني وبينك، خير لي في نصيحتي لدولتك، وخير لك في ~~بقائي على أمرك ونهيك، من أن يلتاث ضميري في سياسة دولتك، وتحول نيتي عما ~~عهدت من القيام بحق جندك ورعيتك، وحفظ قاصيتك ودانيتك. # فقال: هذا أعظم، والله المستعان. # وليتني أصبت بهذا الرأي امرأ علا عقله، فيقبله ببيان، أو يرده ببرهان، ~~فكان يقوى أو يضعف، ويقدم عليه أو يحجم عنه، فإن المبرم أقوى من السحيل، ~~والسمين أحمد من النحيل، ثم كان ما كان. وكان مشايخ العراق والجبل يرون ما ~~حدث بذلك الفتى أمرا فريا، وظلما عبقريا. # وحدثني القومسي أنه لم يتقدم بذلك أمر، ولا سبق به إذن، ولكن لما حدث ما ~~حدث، وقع عنه إمساك، وسترت الكراهية والإنكار. PageV01P410 # وللأمور أيها ms374 الوزير ظهور وبطون، وهواد وأعجاز، وأوائل وأواخر، وليس على ~~الإنسان أن يدرك النجاح في العواقب، وإنما عليه أن يتحرز في المبادئ، ولهذا ~~قال القائل: # لأمر عليهم أن تتم صدوره %~% وليس عليهم أن تتم عواقبه # وقال سليمان بن عبد الملك أو غيره من أهل بيته: ما لمت نفسي على فوت أمر ~~بدأته بحزم، ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز. # هاهنا ناس إذا تلاقوا ينفث بعضهم إلى بعض بما هو صريح وكناية، ويحتاج ~~الأمر إلى ابن يوسف، ويستملي الخبيث من الجالس فوق مشرعة مكان الروايا. # وليس يصح كل ما يقال فيروى على وجهه، وليس يخفى أيضا كل ما يجري فيمسك ~~عنه، والأمور مرجة، والصدور حرجة، والاحتراس واجب، النصح مقبول، والرأي ~~مشترك، والثقة بالله من اللوازم على من عرفه وآمن به، وليس من الله عز وجل ~~بد على كل حال. # والله أسأل الدفاع عنك، والوقاية لك، في مصبحك وممساك، وفي مبيتك ومقيلك، ~~وشهادتك وغيبتك، ولذوي مليحا في هذا الباب نفخ وإيقاد، وتناقل وائتمار، ~~ومسألة وجواب. # وعند الشيخ أبي الوفاء من هذا الحديث ومن غيره مما يتصل به من ناحية ابن ~~اليزيدي ما يجب أن يصاخ له بالأذن الواعية، ويقابل بالنفس الراعية، ويداوى ~~بالدواء الناجع، وتحسم مادته من الأصل، فإن الفساد إذا زال حصل مكانه ~~الصلاح. وليس بعد المرض إلا الإفراق، ولا بعد النزع إلا الإغراق. # إلى هاهنا انتهى نفسي بالنصح وإن كانت شفقتي تتجاوزه، وحرصي يستعلي عليه، ~~لكني خادم، وكما يجب علي أن أخدم بنيات الصدر، فينبغي أن ألزم الحد بحسن ~~الأدب. # والله إني لواد مخلص، وعبد طائع، ورجائي اليوم أقوى من رجائي أمس، وأملي ~~غدا أبسط من أملي اليوم، أشكو إليك الأرق بالليل فكرا فيما يقال، وتحفظا ~~مما ينال، وتوهما لما لا يكون إن كان، وشر العدا، الذين يتمنون لأولي ~~نعمتهم الردى، ويبيتون النكائث، ويكسرون الأجفان، ويتخازرون بالأعين، ~~ويتجاهرون بالأذى إذا تلاقوا، ويتهامسون بالألسن إذا تدانوا، والله يصرع ~~خدودهم، ويضرع خدودهم بين يديك، وهذه الرقة مني والحفاوة، وهذه الرعشة ~~والقلق، وهذا ms375 التقبع والتفزع كله، لأني ما رأيت مثلك، ولا شاهدت شبهك، كرم ~~خيم، ولين عريكة، وجود بنان، وحضور بشر، وتهلل وجه، وحسن وعد، وقرب إنجاز، ~~وبذل مال، وحب حكمة. PageV01P411 # قد شاهدت ناسا في السفر والحضر، صغارا وكبارا وأوساطا، فما شاهدت من يدين ~~بالمجد، ويتحلى بالجود، ويرتدي بالعفو، ويتأزر بالحلم، ويعطي بالجزاف، ~~ويفرح بالأضياف، ويصل الإسعاف بالإسعاف، والإتحاف بالإتحاف، غيرك. # والله إنك لتهب الدرهم والدينار وكأنك غضبان عليهما، وتطعم الصادر ~~والوارد كأن الله قد استخلفك على رزقهما، ثم تتجاوز الذهب والفضة إلى ~~الثياب العزيزة، والخلع النفيسة، والخيل العتاق، والمراكب الثقال، والغلمان ~~والجواري، حتى الكتب والدفاتر وما يضن به كل جواد، وما هذا من سجايا البشر ~~إلا أن يكون فاعل هذا نبيا صادقا، ووليا لله مجتبى، فإن الله قد أمن هذا ~~الصنف من الفقر، ورفع من قلوبهم عز المال، وهون عليهم الإفراج عن كل منفس، ~~ياقوتا كان أو درا ذهبا كان أو فضة، كفاك الله عين الحاسدين، ووقاك كيد ~~المفسدين، الذين أنعمت عليهم بالأمس على رؤوس الأشهاد، وكانوا كحصى فجعلتهم ~~كالأطواد، وهم يكفرون أياديك، ويوالون أعاديك، ويتمنون لك ما أرجو أن الله ~~يعصبه برؤوسهم، وينزله على أرواحهم، ويذيقهم وبال أمرهم، ويجعلهم عبرة لكل ~~من يراهم ويسمع بهم، كان الله لك ومعك، وحافظك وناصرك. # أطلت الحديث تلذذا بمواجهتك، ووصلته خدمة لدولتك، وكررته توقعا لحسن ~~موقعه عندك، وأعدته وأبديته طلبا للمكانة في نفسك. # وأرجو إن شاء الله ألا أحرم هبة من ريحك، ونسيما من سحرك، وخيرة بنظرك. ~~لم أوفق في هذه الكلمة الأخيرة، والله ما يمر بي يأس من إنعامك فأقويه ~~بالرجاء، ولا يعتريني وهم في الخيبة لديك فأتلافاه بالأمل. إنما قصارى ~~أمنيتي إذا حكمت أن أعطى فيك سؤلي بالبقاء المديد، والأمر الرشيد، والعدو ~~الصريع، والولي الرفيع، والدولة المستتبة، والأحوال المستحبة، والآمال ~~المبلوغة، والأماني المدركة، مع الأمر والنهي النافذين، بين أهل الخافقين، ~~والله يبلغني ذلك بطوله ومنه. # وآخر ما أقول، أيها الوزير: مر بالصدقات، فإنها مجلبة السلامات ~~والكرامات، مدفعة للمكاره والآفات، واهجر الشراب، وأدم النظر ms376 في المصحف، ~~وافزع إلى الله في الاستخارة، وإلى الثقات بالاستشارة، ولا تبخل على نفسك ~~برأي غيرك، وإن كان خاملا في نفسك، قليلا في عينك، فإن الرأي كالدرة التي ~~ربما وجدت في الطريق وفي المزبلة، وقل من فزع إلى الله بالتوكل عليه، وإلى ~~الصديق بالإسعاد منه، إلا أراه الله النجاح في مسألته، والقضاء لحاجته، ~~والسلام. # فقال لي الوزير بعد ما قرأ الرسالة: يا أبا مزيد، بيضتها، وعجبت من تشقيق ~~القول فيها، ومن لطف إيرادك لها، ومن بلة ريقك بها. PageV01P412 # والله يحقق ما نأمله له، ونرجوه لأنفسنا، وينحسر عنا هذا الضباب الذي ركد ~~علينا، ويزول الغيم الذي استعرض في أمرنا، وعلى الله توكلنا، ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه # [الطلاق: 3] . ### ||| رسالة في شكوى البؤس ورجاء المعونة وجه بها المؤلف إلى الشيخ أبي الوفاء المهندس الذي كتب له المؤلف هذا الكتاب وختم كتابه بها # أيها الشيخ، سلمك الله بالصنع الجميل، وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول. # هذا آخر الحديث، وختمته بالرسالتين، ويتقرر جميع ما جرى ودار على وجهه، ~~إلا ما لممت به شعثا، وزينت به لفظا، وزيدت منقوصا، ولم أظلم معنى ~~بالتحريف، ولا ملت فيه إلى التحوير، وأرجو أن يبيض وجهي عندك بالرضا عني، ~~فقد كاد وعدك في عنايتك يأتي علي، وأنا أسأل الله أن يحفظ عنايتك علي، ~~كسابق اهتمامك بأمري، حتى أملك بهما ما وعدتنيه من تكرمة هذا الوزير الذي ~~قد أشبع كل جائع، وكسا كل عار، وتألف كل شارد، وأحسن إلى كل مسيء، ونوه بكل ~~خامل، ونفق كل هزيل، وأعز كل ذليل، ولم يبق في هذه الجماعة على فقره وبؤسه، ~~ومره ويأسه، غيري، مع خدمتي السالفة والآنفة، وبذلي كل مجهود، ونسخي كل ~~عويص، وقيامي بكل صعب، والأمور مقدرة، والحظوظ أقسام، والكدح لا يأتي بغير ~~ما في اللوح. # فصل خلصني أيها الرجل من التكفف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد ~~الضر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، استعمل لساني بفنون المدح، اكفني ~~مؤونة الغداء والعشاء. # إلى متى الكسيرة اليابسة، والبقيلة الذاوية، والقميص المرقع، ms377 وباقلي درب ~~الحاجب، وسذاب درب الرواسين؟ # إلى متى التأدم بالخبز والزيتون؟ قد والله بح الحلق، وتغير الخلق، الله ~~الله في أمري، اجبرني فإنني مكسور، اسقني فإنني صد، أغثني فإنني ملهوف، ~~شهرني فإنني غفل، خلني فإنني عاطل. # قد أذلني السفر من بلد إلى بلد، وخذلني الوقوف على باب باب، ونكرني ~~العارف بي، وتباعد عني القريب مني. PageV01P413 # أغرك مسكويه حين قال لك: قد لقيت أبا حيان، وقد أخرجته مع صاحب البريد ~~إلى قرميسين؟! والله ثم وحياتك التي هي حياتي، ما انقلبت من ذلك بنفقة شهر، ~~والله نظر لي بالعود، فإن الأراجيف اتصلت، والأرض اقشعرت، والنفوس استوحشت، ~~وتشبه كل ثعلب بأسد، وفتل كل إنسان لعدوه حبلا من مسد. # أيها الكريم، ارحم، والله ما يكفيني ما يصل إلي في كل شهر من هذا الرزق ~~المقتر الذي يرجع بعد التقتير والتيسير إلى أربعين درهما مع هذه المؤنة ~~الغليظة، والسفر الشاق، والأبواب المحجبة، والوجوه المقطبة، والأيدي ~~المسمرة، والنفوس الضيقة، والأخلاق الدنيئة. # أيها السيد، أقصر تأميلي، ارع ذمام الملح بيني وبينك، وتذكر العهد في ~~صحبتي، طالب نفسك بما يقطع حجتي، دعني من التعليل الذي لا مرد له، والتسويف ~~الذي لا آخر معه. # ذكر الوزير أمري، وكرر على أذنه ذكري، وأمل عليه سورة من شكري، وابعثه ~~على الإحسان إلي. # افتح عليه بابا يغري الراغب في اصطناع المعروف لا يستغني عن المرغب، ~~والفاعل للخير لا يستوحش من الباعث عليه. # أنفق جاهك فإنه بحمد الله عريض، وإذا جدت بالمال فجد أيضا بالجاه، فإنهما ~~أخوان. # سرحني رسولا إلى صاحب البطائح أو إلى أبي السؤل الكردي أو إلى غيره ممن ~~هو في الجبال، هذا إن لم تؤهلني برسالة إلى سعد المعالمي بأطراف الشام، ~~وإلى البصرة، فإني أبلغ في تحمل ما أحمل، وأداء ما أؤدي، وتزيين ما أزين، ~~حدا أملك به الحمد، وأعرف فيه بالنصيحة وأستوفي فيه على الغاية دع هذا، ودع ~~لي ألف درهم، فإني أتخذ رأس مال، وأشارك بقال المحلة في درب الحاجب، ولا ~~أقل من ذا، تقدم إلى كسج البقال، ms378 حتى يستعين بي لأبيع الدفاتر. قلت: الوزير ~~مشغول. فما أصنع به إذا فرغ، فالشاعر يقول: # «تناط بك الآمال ما اتصل الشغل» قد والله نسيت صدر هذا البيت، وما بال ~~غيري ينوله ويموله مع شغله، وأحرم أنا؟! أنا كما قال: # وبرق أضاء الأرض شرقا ومغربا %~% وموضع رجلي منه أسود مظلم PageV01P414 # والله إن الوزير مع أشغاله المتصلة، وأثقاله الباهظة، وفكره المفضوض ~~ورأيه المشترك، لكريم ماجد، ومفضل محسن، يرعى القليل من الحرمة، ويعطي ~~الجزيل من النعمة، ويحافظ على اليسير من الذمام، ويتقبل مذاهب الكرام، ~~ويتلذذ بالثناء إذا سمع، ويتعرض للشكر من كل منتجع، ويزرع الخير، ويحصد ~~الأجر، ويواظب على كسب المجد، ويثابر على اجتلاب الحمد، وينخدع للسائل، ~~ويتهلل في وجه الآمل، ولا يتبوأ من الفضائل إلا في ذراها، رحيم بكل غاد ~~ورائح، ولكل صالح وطالح. # وأنا الجار القديم، والعبد الشاكر، والصاحب المخبور، ولكنك مقبل كالمعرض، ~~ومقدم كالمؤخر، وموقد كالمخمد، تدنيني إلى حظي بشمالك، وتجذبني عن نيله ~~بيمينك، وتغذيني بوعد كالعسل، وتعشيني بيأس كالحنظل، «ومن كان عتبه على ~~مظنة عيبك، فليس ينبغي أن يكون تقصيره على تيقنه بنصرك» . # نعم، عتبت فأوجعت، وعرفت البراءة فهلا نفعت؟ والله ما أدري ما أقول، إن ~~شكرتك على ظاهرك الصحيح لذعتك لباطنك السقيم، وإن حمدتك على أولك الجميل، ~~أفسدت لآخرك الذي ليس بجميل. # قد أطلت، ولكن ما شفيت، ونهلت وعللت، ولكن ما رويت. # وآخر ما أقول: افعل ما ترى، واصنع ما تستحسن، وابلغ ما تهوى، فليس والله ~~منك بد، ولا عنك غنى. # والصبر عليك أهون من الصبر عنك، لأن الصبر عنك مقرون بالياس، والصبر عليك ~~ربما يؤدي إلى رفع هذا الوسواس، والسلام لأهل السلام. PageV01P415 ms379