######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010916 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (المتوفى: نحو 400هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المقابسات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010916 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10916 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10916 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: حسن السندوبي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1992 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار سعاد الصباح #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقابسة الأولى # في تطهير النفس وتجريدها من الشوائب البدنية # سمعت أبا سليمان المنطقي يقول: بالإعتبار تظهر الأسرار، وبقديم الاختبار ~~يصح الاختيار، ومن ساء نظره لنفسه قل نصحه لغيره؛ وكما تنظف الآنية من وسخ ~~ما جاورها ولا بسها، ووضر ما خالطها ودنسها، لتشرب فيها، وتنظر إليها، ~~وتستصحبها وتحفظها، ولتكون غنيا بها، ولا تريدها إلا طاهرة نقية مجلوة، ~~ومتى لم تجدها كذلك عفتها وكرهتها ونفرت منها وطرحتها، لأن طبيعتك لا ~~تساعدك عليها، ونفرتك لا تزول منها، وإباؤك لا يفارقك من أجلها، وقشعريرتك ~~لا تذهب من شناعة منظرها؛ وكذلك فاعلم أنك لا تصل إلى سعادة نفسك وكمال ~~حقيقتك، وتصفية ذاتك، إلا بتنقيتها من دون بدنك، وصفائها من كدر جملتك، ~~وصرفها عن جملة هواك، وفطامها عن إرتضاع شهوتك، وحسمها عن الضراوة على سوء ~~عادتك، وردها عن سلوك الطريق إلى هلكتك وتلفك وثبورك واضمحلالك. فاسعد أيها ~~الإنسان بما تسمع وتحس وتعقل، فقد أردت لحال نفيسة، ودعيت إلى غاية شريفة، ~~وهيئت لدرجة رفيعة، وحليت بحلية رائعة، وتوجت بكلمة جامعة، ونوديت من ناحية ~~قريبة. # PageV01P119 ### | المقابسة الثانية # في علم النجوم # وهل هو خال من الفائدة دون سائر العلوم؟ وكيفية ارتباط السلفيات ~~بالعلويات # هذه مقابسة دارت في مجلس أبي سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، ~~وعنده أبو زكريا الصميري، والنوشجاني أبو الفتح، والعروضي أبو محمد ~~المقدسي، والقومسي، وغلام زحل، وكل واحد من هؤلاء إمام في شأنه، وفرد في ~~صناعته؛ سوى طائفة دون هؤلاء في الرتبة، وهم أحياء بعد؛ فاستخلصتها جهدي، ~~ورسمتها في هذا الموضع، وقد كادت تضيع في جملة تعليق كثير ضاع إستعضت منه ~~الحسرة والأسى. ومن حق العلم، وحرمة الأدب، وذمام الحكمة، أن يتحمل كل مشق ~~دونها، ويصبر على كل شديد في اقتنائها وتحصيلها. ولا أنسب فضلا إلى واحد ~~منهم بعينه، لأن شديد في اقتنائها وتحصيلها. ولا أنسب فضلا إلى واحد منهم ~~بعينه، لأن الكلام بينهم كان يلتف ويلتبس، وكانت المباهاة والمنافسة يدخلان ~~فيه، ويظهران عليه؛ وينالان منه؛ وهذا من ذوي الطبائع المختلفة معروف، ومن ~~أصحاب التنافس ms001 معتاد، ولو استتب القول بين سائل ومسؤل لحكيت الحال مقربا ~~ومبعدا ومصوبا ومصعدا؛ ولكن الأمر على ما عرفتك، فكن عاذري عند خلل يمر، إن ~~أبيت أن تكون شاكري عند صواب تظهر عليه؟ إن شاء الله تعالى. # قيل: لم خلا علم النجوم من الفائدة والثمرة؟ وليس علم من العلوم كذلك؟ ~~فإن الطب ليس على هذا، بل الناظر فيه والشادي منه، والكامل من أهله، يقصد ~~بالطب استدامة الصحة ما دامت الصحة موجودة، وصرف العلة إذا كانت العلة ~~عارضة، # PageV01P120 # وكذلك النحو الذي قصد به الماهر فتق المعاني، وصحة الألفاظ، وتوخي ~~الإعراب، واعتياد الصواب، ومجانبة اللحن، على حدود ما في غرائز العرب ~~وطبائعها وسلائقها. # وكلك الفقه الذي قصد به صاحبه إصابة الحكم، واقتضاب الفتيا، وإيجاب الحق، ~~ورفع الخلاف، وإقماع الخصم، وحسم مواد التنازع، ورد أهله إلى الرضى ~~والتسليم. # وكذلك الشعر الذي منتهاه قائم في نفس صاحبه، ثابت في قريحته، يجيش به ~~صدره، ويجود به طبعه، ويصح عليه ذوقه؛ من مدح مأمول، وترقيق غزل، وهجو ~~مسيء، واستنزال كريم، وتوشية لفظ، وتحلية وزن، وتقريب مراد، وإحضار خدعة، ~~واستمالة غرير، وضرب مثل، واختراع معنى، وانتزاع تشبيه؛ مع تصرف في ~~الأعاريض بين، وقيام بالقوافي ظاهر وكذلك الحساب الذي نفعه ظاهر، ومحصوله ~~حاضر، وفائدته عامة. ونتيجته منجذبة، وثمرته دانية، وغبه محمود، وجدواه ~~موجودة، به صحت المعاملة، وقامت الدولة، وحرس الملك، وجبي المال، وأمن ~~الغبن، وقام الديوان، وقوى السلطان، وقرت الرعية، واستفاضت السيرة، واستمرت ~~القضية؛ هذا إلى أسرار فيه عجيبة، وغوامض ترجع إليه شريفة، وخواص لا توجد ~~لغيره غريبة. # وكذلك البلاغة التي قد علم صاحبها وطالبها ما ينتهي إليه، ويقف عليه، من ~~تنميق لفظ، وتزويق غرض، وتغطية مكشوف، وتعمية معروف، وإحضار بينة، وإظهار ~~بصيرة، واختصار آت، وتقليق بات، وتأليف شارد، وتسكين مارد، وهداية متحير، ~~وإرشاد متسكع، وإقامة حجة، وإرادة برهان، واستعادة مزيد، وتليطف قول في ~~عتب، وتسهيل طريق في إعتاب، وتهنئة مسرور، وتسلية مخزون، وتلهية عاشق، ~~وتزهيد # PageV01P121 # راغب، ونضح عن عرض، وحسم مادة من طمع، وقلب حال عن حال حتى ms002 تضم بها أمور ~~منتشرة، وتندمل بها صدور منفطرة، وتتسق بها أحوال متعاندة، وتستدرك بها ~~حسرات فائته، وتخمد نيران ملتهبة. # وكالصناعات كلها: كالهندسة في شرفها، والهيئة في علو رتبتها. وحدود هذه ~~العلوم بعيدة، وفوائدها جمة. وليس هذا القدر آتيا على حقائقها، ولكنه مشير ~~إلى موضع، المسألة والبحث عنها. فقد وضح لكل ذي حس مقيد، وعقل متأيد، ورأي ~~صحيح، وذكاء صريح، أن هذه العلوم كثيرة المنافع، عامة المصالح، حاضرة ~~المرافق. وأن الناس لو خلوا منها، وعروا عنها، لتبدد نظامهم، وانقطع ~~قوامهم، وكانوا نهبا لكل يد، وحيارى طول الأبد. # وليس علم النجوم كذلك! فإن صاحبه وإن استقصى، وبلغ الحد الأقصى، في معرفة ~~الكواكب وتحصيل مسيرها، واقترانها ورجوعها، ومقابلتها وتربيعها، وتثليثها ~~وتسديسها، وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها، ومقاطعها ومطالعها، ~~ومشارقها ومغاربها، مذاهبها، حتى إذا حكم أصاب، وإذا أصاب حقق، وإذا حقق ~~جزم، وإذا جزم حتم، فإنه لا يستطيع البتة قلب عين شيء، ولا صرف أمر إلى ~~أمر، لا تنفير حال قد دنت، ولا نفي ملمة قد كتبت، ولا دفع سعادة قد أجمعت ~~وأظلت. أعني أنه لا يقدر على أن يجعل الإقامة سفرا، ولا الهزيمة ظفرا، ولا ~~العقد حلا، ولا الإبرام نقضا، ولا الإياس رجاء، ولا الإخفاق دركا، ولا ~~العدو صديقا، ولا الولي عدوا، ولا البعيد قريبا، ولا القريب بعيدا. # وهذا باب طويل، والحديث فيه ذو شجون، وكأن العالم به، الحاذق فيه، ~~المتناهي في حقائقه، بعد هذا التعب والنصب، وبعد هذا الكد والدأب، وبعد هذه ~~الكلفة الشديدة، والمؤنة الغليظة، مستسلم للمقدار، ومستجد # PageV01P122 # لما يأتي به الليل والنهار، وعادت حاله مع علمه الكبير، وبصيرته الناقدة، ~~إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي انقياده كانقياده، واعتباره كاعتباره! ولعل ~~توكل الجاهل به أحسن من توكل العالم، ورجاءه في الخير المتوقع، والشر ~~المتوقى، أقوى وأرسخ من رجاء هذا المدل بزيجه وحسابه، وتقويمه واصطرلابه؟ ~~قالوا: ولهذا روى الصالحون أن الثوري لقي ما شاء الله فقال له: أنت تخاف ~~زحل وأنا أخاف رب زحل، وأنت ترجو المشتري وأنا أرجو رب ms003 المشتري، وأنت تغدو ~~بالاستشارة وأنا أغدو بالاستخارة، فكم بيننا؟ فقال له ما شاء الله: كثير ما ~~بيننا؟ حالك أرجى، وأمرك أنجح وأحجى. # قال: وهذا أنو شروان، وكان من المغفلين الأفاضل، روى عنه أنه كان لا يريغ ~~بالنجوم، فقيل له في ذلك فقال: صوابه شبيه بالحدس، وخطاؤه شديد على النفس. # هكذا ترجم وهو كما ترى. # قال: فمتى أفضى هذا الفاضل التحرير، والحاذق البصير، إلى هذا الحد ~~والغاية، كان علمه عاريا من الثمرة، خاليا من الفائدة، حائلا عن النتيجة، ~~لا عائدة، ولا مرجوع؛ وأن أمرا أوله على ما قررنا، وآخره على ما ذكرنا، ~~لحرى بأن لا يشغل الزمان به، ولا يوهب العمر له، ولا يعار الهم والكدر، ولا ~~يعاد عليه بوجه ولا سبب. هذا إذا كانت الأحكام صحيحة ومدركة # PageV01P123 # محققة، أو مصانة ملحقة، ومعروفة محضة، ولم يكن المذهب ما زعم. وأرباب ~~الكلام والدين يأبون تأثير هذه الأجرام العالية، في هذه الأجسام السافلة، ~~وينفون الوسائط والوصائل، ويدفعون الفواعل والقوابل. فحصلت حفظك الله ~~المسألة بعد تشذب الكلام فيها، ووعيتها جهدي من أولها إلى آخرها، بطولها ~~وعرضها، ودخلها ومغزاها. ولا أشك في أطراف زلت عني عند اختلاقها واقتباسها، ~~وقد ثقفت الجواب عنها على أوجه أنا أجتهد في الأعراب عنها في هذا الموضع ~~بمبلغ وسعى؛ فإني بين فائتة لا علم لي بها. وبين زيادة لا يطمئن متن الكلام ~~إلا بها، وكلتاهما خطة صعبة لولا كلف النفس بالعلم ومحبتها للفائدة، لكان ~~الإضراب عنها أذب عن العرض، وأصون للقدر، وأبعد من استدعاء اللائمة ممن ~~لعله لو أتى بهذا المقدار لكان عندي عظيم المنة، حقيقا بالشكر والمحمدة. # فأول ما قيل في ضد هذا الكلام: هذه العلوم والمعارف كلها من أثار هذه ~~الأجرام العلوية، وسهام الخواطر السريعة والبطيئة والمتوسطة، على أشكال ~~صحيحة دائبة، وأسباب على الطبيعة جارية. # ثم رجع إلى الجواب، فقال قائل: عن هذه المسألة، لا على هذا التهويل، ~~جوابان مختلفان، من وجهين مختلفين: أحدهما هو زجر عن النظر فيه لئلا يكون ~~هذا الإنسان مع ضعيف مخيلته، واضطراب غريزته، ms004 وانفتات طينته، وانبتات ~~مريرته، عن ربه بحاثا، متكبرا على عباده، ظانا بأنه مأتي في شأنه، قائم ~~بجده وقدرته، وحوله وقوته وتشميره وتقليصه، وتهجيره وتعريسه، فإن هذا النمط ~~يحجز الإنسان عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربه، ويبعده عن التسليم لمدبره، ~~ويحول بينه وبين # PageV01P124 # طرح الكل بين يدي من هو أملك له، وأولى به. # وأما الجواب الآخر فهو بشرى عظيمة، على نعمة جسيمة، لمن حصل له هذا ~~العلم، وذلك غيب لو اطلع عليه، وسر لو وصل إليه، لكان ما يجده الإنسان فيه ~~من الروح والراحة، والخير في العاجلة والآجلة، يكفيه مؤونة هذا الخطب ~~الفادح، وينهيه عن تجشم هذا الكد الكادح، فاجعل أيها المفكر لشرف هذا العلم ~~بدل طلبك ما يخفي عنك خفيه ومكنونه، تذللا لله تقدس اسمه، فيما استبان لك ~~معلومه، وصح عندك مظنونه. # ثم قال: اعلم أن العلم حق، ولكن الإصابة بعيدة، وما كل صواب معروفا، ولا ~~كل محال موصوفا، وإنما كان العلم حقا، والاجتهاد في طلبه مبلغا، والقياس ~~فيه صوابا، والسعي دونه محمودا، لامتثال هذا العالم السفلي، بذلك العالم ~~العلوي، واتصال هذه الأجسام القابلة، بتلك الأجرام الفاعلة، واستحالة هذه ~~الصور بحركات تلك المتحركات المتشاكلة بالوحدة. وإذا صح هذا الاتصال ~~والتشابك، وهذه الحبائك والربط، صح التأثير من السفلى بالمواصلات الشعاعية، ~~والمداءبات والأحوال الخفية والجلية. وإذا صح التأثير من المؤثر وقبوله من ~~المقابل، صح الاعتبار، واتسق القياس، وصدق الرصد، وثبت الألف، واستحكمت ~~العادة، وانكشفت الحدود، وانثالت العلل، وتعاضدت الشواهد، وصار الصواب ~~غامرا، والخطأ مغمورا، والعلم جوهرا راسخا، والظن عرضا زائلا. # ثم تشقق الكلام في وجوه مختلفة، حتى كاد لا يحصل منه ما يكون تلو المسألة ~~والجواب، ولم أزل أرقى وأنفث، وأغزل وأنكث، حتى نظمت هذا الذي يمر بك في ~~هذا المكان، على تنافر كثير، وتعاند شديد، وبين أول وآخر، # PageV01P125 # وصدر وعجز، وسلامة ودخل، واقباس اقتباس؛ فمن جملة ذلك وحومته أن قيل: هل ~~تصح الأحكام أم لا تصح؟ فكان من محصول الجواب أن قال قائل: الأحكام لا تصح ~~بأسرها، ولا تبطل من أصلها. وتلك ms005 ليست بالهوينا، إذا أنعم النظر، ونشط ~~للإصغاء، وصمد نحو الفائدة، بغير متابعة الهوى، وإيثار التعصب، لأن الأمور ~~الموجودة على ضربين: ضرب له الوجود الحق، فالأمور الموجودة بالحق قد أعطت ~~البقية نسبة من جهة الوجود، وارتجعت منها حقيقة ذلك؛ فالحاكم بالاعتبار، ~~الفاحص عن هذه الأسرار، إن أصاب فبنسبة الوجود الذي لهذا العالم السفلي من ~~ذلك العالم العلوي، وإن أخطأ فيما فات هذا العالم السفلي من ذلك العالم ~~العلوي. والإصابة في هذه الأمور السيالة المتبدلة عرض، والإصابة في أمور ~~الفلك جوهر. وقد يكون هناك ما هو كالخطأ، ولكن بالعرض لا بالذات. فلهذا صح ~~بعض الأحكام، وبطل بعض الأحكام. # ومما يكون إبادا لهذا الفصل وشاهدا قويا: أن هذا العالم السفلي مع تبدله ~~في كل حال، واستحالته في كل طرف ولمح، متقبل لذلك العالم العلوي، شوقا إلى ~~كماله، وعشقا لجماله، وطلبا للتشبه به، وتحقيقا بك ما أمكن من شكله، فهو ~~بحق التقبل يعطي هذا العالم السفلي ما يكون مشابها للعالم العلوي. # ومن هذا الباب تقبل الإنسان الكامل من البشر، من الملك، وتقبل الملك من ~~الباري، وكذلك تقبل الطبيعة للنفس، والنفس للعقل؛ والعقل للباري. # قال آخر: وإنما وجب هذا التقبل والتشبه، لأن وجود هذا العالم وجود متهافت ~~مستحيل، لا صورة له ثابتة، ولا شكل دائم، ولا هيئة معروفة. # PageV01P126 # وكان من هذا الوجه فقيرا إلى ما يمده ويشده، وأما سنخه وسوسه فهو موجود ~~ثابت، مقابل لذلك العالم الموجود الثابت. وإنما عرض ما عرض لأن أحدهما ~~مؤثر، والآخر قابل، فبحق هذه المرتبة ما وجد التباين، وبحق تلك المرتبة ما ~~وجد التواصل. # وقال آخر: وقد يغفل، مع هذا كله، المنجم اعتبار حركات كثيرة من أجرام ~~مختلفة؛ لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها، ومزجها وتسييرها، وتفسير أحوالها، ~~وتحصيل خواصها، مع بعد حركة بعضها، وقرب حركة بعضها، وبطئها وسرعتها، ~~والتفاف صورها، والتباس مقاطعها، وتداخل أشكالها، ومن الحكمة في هذا ~~الإغفال أن الله تقدس إسمه، يتميز بذلك القدر المغفل، والقليل الذي لا يؤبه ~~له، والكثير الذي لا يحاول البحث عنه، أمرا لم ms006 يكن في حساب الخلق، ولا فيما ~~علموا فيه القياس واختلط بالتقدير والتوهم. # قال: ولهذا يحكم هذا الحاذق في صناعته لهذا الملك، وهذا الماهر في علمه ~~لهذا الملك، ثم يلتقيان فتكون الدائرة على أحدهما، مع شدة الدفاع، وصدق ~~المصاع. هذا وقد حكم له بالغلب والظفر. # قال في هذا الموضع النوشجاني: إنما يؤتى أحد الحاكمين لأحد الملكين، لا ~~من جهة غلط في الحساب، ولا من قلة مهارة في العمل، ولكن يكون في طالعه أن ~~يصيب في ذلك الحكم، ويكون في طالع ذلك الملك ألا يصيب منجمه في تلك الحرب؛ ~~فمقتضى حاله وحال صاحبه يحول بينه وبين الصواب، ويكون الآخر مع صحة حسابه ~~وحسن إدراكه، قد وجب في طالع نفسه وطالع صاحبه ضد ذلك، فيقع الأمر الواجب، ~~ويبطل الآخر الذي ليس بواجب. وقد كان المنجمان من جهة العلم والحساب أعطيا ~~الصناعة حقها، ووفيا ما عليهما فيها ووقفا موفقا واحدا على غير مزية بينة؛ ~~ولا علة قائمة # PageV01P127 # قال أبو سليمان: ما أحسن هذا! وطالما يسكت عن هذه المسألة فانقضت عن ~~جوابها؟ قالوا: ولولا هذه المشيئة المندفئة، والغاية المستترة، التي استأثر ~~الله بها، لكان لا يعرض هذا الخطأ مع صحة الحساب ودقة النظر، وشدة الغوص ~~وتوخي المطلوب، وتبع غلبة الهوى والميل إلى المحكوم له؛ وهذه البقية دائرة ~~في أمور هذا الخلق، فاضلهم وناقصهم ومتوسطهم، وفي دقيقها وجليلها، وصعبها ~~وذلولها؛ ومن كان له من نفسه باعث على التصفح والنظر والتخير والاعتبار، ~~وقف على ما أومأت إليه عن كثب، وسلمه من غير منكر ولا صخب. # ثم قيل: ولحكمة جليلة ضرب الله دون هذه العلل بالأسداد، وطوى حقائقه عن ~~أكثر العباد، وذلك أن للعالم بما سيكون ويحدث ويستقبل، علم خلق للنفس، واقع ~~عند العقل، فلا أحد إلا وهو يتمنى أن يعلم الغيب ويطلع عليه، ويدرك ما سوف ~~يكون في غد، ويجد سبيلا إليه، ولو دل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس ~~يهرعون إليه، ولا يؤثرون سبيلا آخر عليه، لحلاوة هذا العلم عند الروح، ~~ولصوقه بالنفس، وغرام كل أحد ms007 به، وفتنة كل إنسان فيه؛ فبنعمة من الله لم ~~يفتح هذا الباب، ولا انكشف من دونه الغطاء، حتى يرتعي كل أحد روضه، ويلزم ~~حده، ويرغب فيما هو أجدى عليه وأنفع له، أما عاجلا فقد علمت أن علم ما يكون ~~أحب إلى جميع الناس من كل فقه وكلام وأدب وهندسة وشعر وحساب وطب، لأن هذه ~~رتبة إلآهية، وهي الفاصلة الكبرى. فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب، ونشر ~~لهم نبذا منه، وشيئا يسيرا يتعللون به، ليكون هذا العلم محروصا عليه كسائر ~~العلوم، ولا يكون مانعا عن غيره. # قال: ولولا هذه البقية التي فضحت الكاملين، وأعجزت القادرين، لكان # PageV01P128 # تعجب الخلق من غرائب الأحاديث، وعجائب الضروب، وظرائف الأحوال، عبثا ~~وسفها، وتوكلهم على الله لهوا ولعبا. # ثم قيل: وهذا يتضح بمثال، وليكن ذلك المثال ملكا في زمانك وبلادك واسع ~~الملك، عظيم الشأن، بعيد الصيت، شائع الذكر، معروفا بالحكمة، مشهورا ~~بالحزامة، متصل اليقظة، قد صح عنه أنه يضع الخير في موضعه، ويوقع الشر في ~~موقعه، عنده جزاء كل سيئة، وثواب كل حسنة، قد رتب لبريده، وأصلح الأولياء ~~له، وكذلك نصب لجباية أمواله أقوم الناس بها، ويعاقب ويثيب، ويفقر ويغني، ~~ويحسن ويسيء. # وكذلك لعمارة الأرض أنهض الناس بها، وأنصحهم فيها! وشرف آخر بكتابته ~~لحضرته، وآخر بخلافته ووزارته، في حضره وسفره. إذا نظرت إلى ملكه وجدته ~~موزونا بسداد الرأي، ومحمود التدبير وأولياؤه حواليه، وحاشيته بين يديه، ~~وكل يخف إلى ما هو منوط به، ويبذل وسعه دونه. والملك يأمر وينهي، ويصدر ~~ويورد، ويحل ويعقد، وينظم ويبدد، ويعد ويوعد، ويبرق ويرعد، ويقدم ويؤخر، ~~ويخلع ويهب، وقد علم صغير أوليائه وكبيرهم، ووضيع رعاياه وشريفهم، ونبيه ~~الناس وخاملهم، أن الرأي الذي يطلق بأمره كذا وكذا صدر من الملك إلى كاتبه، ~~لأنه من جنس المكاتبة وعلائقها، وما يدخل في شرائطها ووثائقها. والرأي ~~الآخر صدر إلى صاحب بريده، لأنه من أحكام البريد وفنونه وما يجري في كليته، ~~والأمر الآخر ألقى إلى صاحب المعونة، لأنه من جنس ما هو مرتب له ومنصوب من ~~أجله؛ والحديث ms008 الا الآخر صدر إلى القاضي، لأنه من باب الدين والحكم ~~والقضاء. في كل هذا مسلم إليه ومعصوم به، لا يفتات عليه في شيء، ولا يستبد ~~بشيء دونه، فالأحوال على هذا كلها # PageV01P129 # جارية على أذلالها وقواعدها في مجاريها، لا يزل منها شيء إلى غير شكله، ~~ولا يرتقى إلى ما ليس من خليقته، وهكذا ما عدا جميع ما حددناه باسمه ~~وحكيناه برسمه، فلو وقف رجل له من الحزم نصيب، ومن الفطنة قسط على هذا ~~الملك العظيم، وعلى هذا الملك الجسيم، وسدد فكره، وحدد وهمه، وصرف ذهنه، ~~وتصفح حالا حالا، وحسب شيئا شيئا، وقدر أمرا أمرا، وتأمل بابا بابا، وتخلل ~~شيئا شيئا، ورفع سجفا سجفا، وتقفر وجها وجها، لأمكنه أن يعلم ما يتم له هذا ~~النظر، ويسره هذا القياس، ويصدره هذا الحدس، ويقع عليه هذا الإمكان، لما ~~سيعمله هذا الملك غدا، أو يسديه بعد غد، وما يتقدم به إلى شهر، وما يكاد ~~يكون منه إلى سنة وسنين، لأنه على الأحوال مليا؟ ويجلوها جلوا، ويقايس ~~بينها قياسا، ويلتقط من الناس لفظا لفظا، ولحظا لحظا، ويقول في بعضها: يترك ~~كذا وكذا، ويفعل كذا وكذا وهذا يدل على كذا وكذا، وإنما جرؤ هذه الجرأة على ~~هذا الحكم والبت، لأنه قد ملك لحظ الملك ولفظه، وحركته وسكونه، وتعريضه ~~وتصريحه، وجده وهزله وسجيته وتجعده، واسترساله، ووجومه ونشاطه، وانقباضه ~~وانبساطه، وغضبه ومرضاته، ونادره ومعتاده، وسفره وحضره، وبشره وقطوبه، ثم ~~يهجس في نفس هذا الملك يوما هاجس، ويخطر بباله خاطر، فيقول: أريد أن أعمل ~~عملا، وأوثر أثرا، وأحدث حالا لا يقف عليها أوليائي، ولا المطيفون بي، ولا ~~المختصون بقربي. ولا المتعلقون بحبالي، ولا أحد من أعدائي والمتتبعين ~~لأمري، والمحصين لأنفاسي، والمترقبين لعطاسي ونعاسي؛ ولا أدري كيف أقترحه، ~~لأني متى تقدمت في ذلك بشيء إلى كل من يلوذ بي ويطيف بناحيتي، كان الأمر في ~~ذلك نظير جميع أموري؛ وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه، ويجب على التيقظ ~~فيه. فيقدح له الفكر الثاقب، والذكاء اللاهب، أنه ينبغي أن يتأهب للصيد ذات ~~يوم ms009 فيتقدم بذلك ويذيعه ويطالب # PageV01P130 # به، فيأخذ أصحابه وخاصته في أهبة ذلك وإعداد الآلة، فإذا تكامل ذلك له ~~أصحر للصيد وتشوف له، وتطلبه في البيداء، وصمم على بعض ما يلوح له، وأمعن ~~قبله، وركض خلفه جواده، وشدد في طلبه بداده، ونهى من معه أن يتبعه حتى إذا ~~وغل في تلك الفجاج الخاوية، والمدارج المتنائية، وتباعد من متن الجادة، ~~وواضح المحجة، صادف إنسانا فوقف عليه وحاوره وفاوضه، فوجده حصيفا محصلا، ~~يتقد فهما، وينتقد إفهاما، وقال له: أفيك خير؟ فقال: نعم، وهل الخير إلا في ~~وعندي؟ وإلا معي؟ ألق إلى ما بدا لك وخلني وذلك؟ فقال له: إن الواقف عليك ~~والمكلم لك، ملك هذا الإقليم، فلا ترع واهدأ ولا تقلق؟ فيكفر له عند سماع ~~هذا ويقول: السعادة قيضتني لك، والجد أطلعك علي، فيقول له الملك: إني أريد ~~أن أصطفيك لأرب في نفسي، وأبلغ بك إن بلغت ذلك لي، وأريد منك أن تكون عينا ~~على نفسك زكية، وصاحبا لي نصوحا، فقم لي بذلك بجهدك ووسعك، واطو سري عن ~~مسانح فؤادك فضلا عما خلا ذلك. فإذا بلغ منه غاية الوثيقة والتوكيد ألقى ~~إليه عجرته وبجرته، ويعثه على السعي والنصح وتحري الرضى، ووصاه بما أحب ~~وأحكمه وأزاح علته في جميع ما يتعلق المراد به، ولا يتم إلا بحضوره. ثم ثنى ~~عنان دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحق بهم، وتعلل بقية النهار في قضاء ~~وطره من صيده. ثم # عاد إلى سريره في داره، ومقره في ملكه. وليس عند أحد من رهطه وبطانته ~~وغاشيته وحاشيته وخاصته وعامته، علم بما قد أسره إلى ذلك الكهل الصحراوي ~~وبما حادثه فيه. والناس على سكناتهم وغفلاتهم حتى أصبحوا ذات يوم عن حادث ~~عظيم، وأمر جسيم، وشأن هائل، وعارض محير. وكل عند ذلك تهول: ما أعجب هذا؟ ~~من فعل هذا؟ متى تهيأ هذا؟ من ارتصد لهذا؟ من انتصب لهذا؟ وكيف تم هذا؟ هذا ~~صاحب البريد وليس عنده منه أثر! وهذا صاحب المعونة وهو عن الخبرة به بمعزل! ~~وهذا الوزير الأكبر # PageV01P131 # وهو متحير! وهذا ms010 القاضي وهو متفكر! وهذا حاجبه وهو ذاهل! وكلهم عن الأمر ~~الذي دهم مشدوه، وهو منه متعجب! ... وقد قضى الملك مأربته، وأدرك حاجته، ~~وأصاب طلبته، وبلغ غايته، وأنفذ رأيه، ونال أربه، كذلك ينظر هذا المنجم إلى ~~زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر، وإلى البروج وطبائعها، ~~والرأس ولا ذنب وتقاطعهما، والهيلاج والكد خذاة، وإلى جميع ما دانى هذا ~~وقاربه، وكان له فيه نتيجة وثمرة، فيحسب ويمزج، ويرسم ويقلب. عند أشياء ~~كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطية، وآثار مطوية، فينبعث بما أغفله ~~وأهمله وأضرب عنه ولم يتسع له، ما يملك عليه حسه وعقله وفكره ورويته، حتى ~~لا يدري من حيث أتى، ولا من أين دهى، وكيف امتزج عليه الأمر، وانسد دونه ~~الطلب، وفاته المطلوب، وعزب عنه الرأي؟! هذا ولا خطأ في الحساب، ولا تقصير ~~في الحق، وهذا كي يلاذ بالله عز وحل في الأمور ويعلم أنه مالك الدهور، ~~ومدبر الخلائق، وصاحب الدواعي والعوائق، والعالم على كل نفس، والخاطر عند ~~كل نفسس؛ وأنه إذا شاء نفع، وإذا شاء ضر، وإذا شاء أسقم، وإذا شاء شفى وإذا ~~شاء أغنى، وإذا شاء أفقر، وإذا شاء أحيا، وإذا شاء أمات؛ وأنه كاشف الكربة، ~~والمؤنس في الغربة، وأنه المجلي الغمة، وصارف الأزمة، ليس فوق يده يد، وهو ~~الأحد الصمد، على الأبد والسرمد. # وكنت سمعت الحراني الصوفي يقول قديما بمكة وكان شام شيئا من الحكمة، وعرف ~~ذروا من حديث الأوائل فقال: هذه الأمور وإن كانت منوطة بهذه العلويات، ~~مربوطة بالفلكيات، عنها تحدث، ومن جهتها تنبعث، فإن في عرضها ما لا يستحق ~~أن ينسب إلى شيء منها إلا على وجه التقريب. قال: ومثال ذلك، ملك له سلطان ~~واسع، ونعمة جمة، # PageV01P132 # يفرد كل أحد بما هو لائق به، وبما هو ناهض فيه، فيولي مثلا بيت المال ~~خازنا مليئا، كافيا شهما، يفرق على يده، ويجمع على يده، ثم إن هذا الملك قد ~~يضع في هذه الخزانة شيئا لا علم للخازن به، وقد يخرج منها شيئا لا يقف ~~الخازن عليه، ms011 ويكون هذا منه دليلا على ملكه واستبدادة، وعلى تصرفه وقدرته. # إلى ها هنا كان كلام الحراني، ومثله هذا وإن كان نظيرا للمثل الأول فإنه ~~شاهد له، وجار معه. # وقيل أيضا في عرض الكلام الذي كان بين أولئك المشايخ ما هو زجر عن تعاطي ~~هذا العلم، ومانع عن التحقيق بباب الحكم: لما كان عالم النجوم، وصاحب الشغف ~~بالأحكام، يريد أن يقف على أحداث الزمان في مستقبل الوقت، من خير وشر، وخصب ~~وجدب، وسعادة نحس، وولاية وعزل، ومقام وسفر، وغم وفرح، وفقر ويسار، ومحبة ~~وبغض، وجدة وعدم، وعافية وسقم، وألفة وشتات، وكساد ونفاق، وإصابة وإخفاق، ~~وراحة ومشقة، وقسوة ورقة، وتيسير وتعسير، وتمام وانقطاع، والتئام وانصداع، ~~وافتراق واجتماع، واتصال وإنبتات، وحياة وممات، وهو إنسان ناقص في الأصل، ~~زائد في الفرع، وزيادته في الفرع لا ترفع نقصانه في الأصل، لأن نقصانه ~~بالطبع، وكماله بالعرض، وهو بهذه الحال المحطوطة بالسنخ، المزوقة بالطين، ~~قد بارى باريه، وجاري مجربه، ونازع ربه، وتتبع غيبه، وتوغل علمه، وتخلل ~~حكمه، وعارض مالكه، حرمه الله فائدة هذا العلم، وقصر قوته عن الانتفاع به، ~~والاستثمار من شجرته، وأضافه إلى من لا يحيط بشيء منه، ولا تجلى بشيء في ~~باب القسر والقهر، وجعل غاية سعيه فيه الخيبة، ونهاية علمه منه الحيرة، ~~وسلط عليه في صناعته الظن والحدس، والحيلة والزرق، والكذب والختل. # PageV01P133 # ولو شئت لرويت من ذلك صدرا، وهو مبثوث في الكتب، ومنشور في المجالس، ~~ومتداول بين الناس؛ بذلك وأشباهه حط رتبته، ورده على عقبيه، ليعلم أنه لا ~~يعلم إلا ما علم، وأنه ليس له أن يتمطى بما علم على ما جهل، فإن الله لا ~~شريك له في غيبه، ولا وزير له في ربوبيته، وأنه يؤنس بالعلم ليطاع ويعبد، ~~ويوحش بالجهل ليفزع إليه ويقصدن عز ربا، وجل إلاها، وتقدس مشارا إليه، ~~وتعالى معتمدا عليه. وهذا كما ترى. # قال العروضي: قد يقوى هذا العلم في بعض الدهر، حتى يشغف به ويدان بتعلمه، ~~بقوة سماوية وشكل فلكي، فيكثر الاستنباط والبحث، وتستبد العناية والفكر، ~~فتغلب الإصابة حتى ms012 يزول الخطأ؛ وقد يضعف هذا العلم في بعض الدهر، فيكثر ~~الخطأ فيه لشكل آخر يقتضي ذلك، وحتى يسقط النظر فيه، ويحرم البحث عنه، ~~ويكون الدين حاظرا لطلبه والحكم به؛ وقد يعتدل الأمر في دهر آخر، حتى يكون ~~الخطأ في وزن الصواب، والصواب في قدر الخطأ، وتكون الدواعي والصوارف ~~متكافئة، ويكون الدين لا يحث على طالبه كل الحظر. # قال: وهذا إذا صح تعلق الأمر كله بما يتصل بهذا العلم السفلي من ذلك ~~العالم العلوي، فإذا الصواب والخطأ محمولان على القوى المنبثة، والأنوار ~~الشائعة، والآثار الرائعة، والعلل الموجبة، والأسباب الموافقة. # ورأيت أبا سليمان يرتضى بهذا القول، ويقوي هذا الرأي قال النوشجاني: إنما ~~القوم اختصروا الكلام، وقربوا البغية، فإن الإطالة مصدة عن الفائدة، ومضلة ~~الفطن والفهم. # قيل هل تصح الأحكام؟ فقال غلام زحل: ليس عن جواب يتسبب على كل وجه؟ فقيل: ~~ولم بين؟ قال: لأن صحتها وبطلانها متعلقان بآثار الفلك، وقد يقتضي شكل # PageV01P134 # الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء وإن غيص على دقائقها، وبلغ إلى ~~أعماقها؛ وقد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه، وإن قورب في ~~الاستدلال؛ وقد يتحرك هذا الشكل في وقت آخر إلى أن يكثر الصواب فيهما ~~ويتقاربان، ومتى وقف الأمر على هذا الحد لم يثبت على قول قضاء، ولا يوثق ~~بجواب. # فقال أبو سليمان: هذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الباب، وهو الذي من ~~كلام الشيخ ألي محمد. # قيل بعد هذا كله: فأما الجواب الذي هو كالبشرى بفائدة هذا العلم وثمرة ~~هذه الحال، على ما تقدم من قول من قال من الجماعة، فهو ما أختم به هذا ~~المقابسة إن شاء الله تعالى. وإنما أحيز في الرواية قليلا لأن كلام القوم ~~اختلط اختلاطا منع من أداء ما جرى من ذلك على كنهه وخاصته، بعضه بالطول، ~~وبعضه بالتحريف، وبعضه بالدقة والغموض، وبعضه بالكناية والتعريض؛ ولولا أني ~~خلعت الحياء خلعا، وتصديت للوم تصديا، في تحرير هذا الكلام على ما به من ~~اضطراب اللفظ، وانتثار المعنى، ms013 وزيغ التأليف، وترامي الحكاية، لكان ذلك كله ~~منسيا في جملة ما نسي، ومغمورا في غمار ما جهل، وفائتا في عرض ما فات، ~~والعلم، حرسك الله، وحشي، والحكمة نفور، والبيان حروف، والبلاغة ظنون، ~~والجهل صاحب، والسفه طباع، والعي ألوف، والقلب شعاع. وعلى ذلك فقد نسقت في ~~هذا الكتاب ما إن لم تكن فيه فائدة لغيري، لم يعد أن تكون تذكرة لنفسي ~~وتبصرة لمن يعزو معزاي. إلى الله نشكو تسوالنا في إيثار الصدق، وتحقيق ~~العقد، وتصفية الخلق، وما قد حل بنا، ونزل بساحتنا، من فقد الناصر، وإسلام ~~المعين، فنحن كما قال القائل: افتضحنا فاصطلحنا. # قال بعض الحاضرين: إن الله تعالى وتقدس، اخترع هذا العالم وزينه ورتبه، ~~وحسنه ووشحه، ونظمه وهذبه، وقومه وأظهر عليه البهجة، # PageV01P135 # وأبطن في أفنائه الحكمة، وحفه بكل ما اطبا العقول تصفحه ومعرفته، وحشاه ~~بكل ما حث النفوس إلى تقليبه، والتعجب من أعاجيبه، وأمتع الأرواح بمحاسنه، ~~وأودعه أمورا، واستجن به أسرار، ثم حرك أولئك عليها حتى استثارتها ولقطتها ~~واجتلتها وعشقتها وولهت عليها، لأنها عرفت بها ربها وخالقها تبارك وتقدس ~~مزج بعبض ما فيها ببعض، وركب بعضه على بعض، وأحال بعضه إلى بعض، بوسائط من ~~أشخاص وأحساس وظبائع وأنفس وعلوم وعقول، وتصرف في ملكه بقدرته وحكمته، لا ~~معيب الفضل، ولا مقلى الاختيار، ولا مردود الحكم، ولا مجحود الذات، ولا ~~محدود الصفات؛ وهو سبحانه مع هذا كله لم يستفد شيئا، ولم ينتفع بشيء؛ بل ~~استفاد منه كل شيء؛ بحسب مادته المنقادة، وصورته المعتادة؛ ولم يثبت بشيء؛ ~~وثبت به كل شيء؛ ولم يحظ بشيء، وحظى به كل شيء، فهو الفاعل القادر، والجواد ~~الواهب، والمنيل المفضل، والأول السابق، والواحد المطلق. فلما كان الباحث ~~عن العالم العلوي يتصفح سكانه، ويتعرف أماكنه وآثاره، ومواقعه وأسراره، ~~متعرضا لأن يكون مشابها لباريه، مناسبا لربه. بهذا الوجه المعروف، استحال ~~أن يستفيد بعلمه، كما استحال وبطل أن يستفيد خالقه بعلمه. لأن نعته لصق به، ~~وحكمه لزمه، وحليته بدت منه، وصفته عادت عليه، وهيئته تعلقته. هذه حال إذا ~~فطن لها، وأشرف ms014 عليها، ببصيرة ثاقبة، وتحقق حقيقتها وتولى للخبرة بنسي ما ~~فيها، علم اضطرارا عقليا أنها أجل وأعلى، وأنفس وأسنى، وأرفع وأوفى، وأعظم ~~وأزكى، وأدوم وأبقى، من جميع فوائد سائر العلوم التي حازها إليك العالمون. ~~لأن أولئك أعملوا فوائد علومهم فيما حفظ عليهم حد الإنسان وخلقه، ومادته ~~وشهوته، وأخذوا في اجتلاب نفع، ودفع ضر، ونقصت رتبتهم بمشاكهته ومناسبته، ~~والتشبه بخاصيته، والتحلي # PageV01P136 # بحليته. وكذلك خبر الله نقصهم في علمهم بفوائد نالوها، ومنافع حازوها، ~~وأوطار قضوها بسببها، فأما من أراد معرفة هذه الخفايا والأسرار، في هذه ~~الأجرام والأنوار، على ما هيئت له، وعبئت عليه، ونظمت به، ورتبت فيه، وزينت ~~بمحاسنه، فهو حرى جدير أن يعرى من جميع ما وجده صاحب كل علم من المرافق ~~والمنافع على ما اتسع القول به في فاتحة هذه المقابسة وينفرد بحكم من رتبها ~~على ما هي عليه، غير مستفيد بذلك فائدة ولا جدوى. وهذه لطيفة متى وقف عليها ~~حق الوقوف، وتقبلت حق التقبل، كان المدرك لها أجل من كل طلب وإن عز، لأنها ~~بشرية صارت آلهية، وجسمية استحالت روحانية، وطينية إنقلبت نورية ومركب عاد ~~بسيطا، وجزء حال كلا. وهذا فن قلما يهتدى إليه، ويتنبه عليه. ثم إني بعد ~~هذا كله قلت لأبي سليمان في خلوة أيها الشيخ، تكررت في هذه المسألة كلمات ~~جافية بشعة ماينة مكروهة، لا أراها تسلم أو تسلم؟ قال: ما هي؟ قلت: مثل قول ~~القائل: مشاكها لربه، ومناسبا لباريه؛ ومثل قوله: نعته لصق به، وحكمه لزمه، ~~وحيلته بدت منه، وصفته عادت عليه! فقال: لعمري إن تقديس الباري يمحق هذا ~~كله ويذهب به، ويطرحه وينفيه، ولكن إذا عرفه وأشار إليه وكنى عن ربوبته، ~~وأفصح عن آلهيته، لم يجد بدا من هذه الكلمات التي هي ألطف ما في ملكه، ~~وأشرف ما في قوته والمراقى التي هي فوق المرام التي تتراسل بين الخلق في ~~عباراتهم وإشاراتهم لكنها مستعارة في حمى التوحيد وحرم المعرفة، مرفوعة ~~المقادير عما يدنسها ويذيلها، ويفسدها ويحيلها، على عادة أهل اللسان في ~~الأسماء والصفات والحروف والأحداث، ms015 وإنما يوحى إلى هذه الغايات بهذه ~~العبارات إيحاء، لأنها تفوت ذرع القول كما تفوت ذرع العقل، وتسبق ظن المقدر ~~كما تسبق وهو المستشعر. وهذا اضطرار اشترك جميع أهل اللغات فيه عند إخبارهم ~~عن # PageV01P137 # آلهتهم، إلا من كانت معرفته من جنس معرفة العامة، واستبصاره من قبيل ~~استبصارها، وعبارته في طريق عبارتها، والعامة لا توحيد لها، ولا حقيقة ~~معها، ولا مبالاة بها. # قلت لأبي سليمان في هذا الموضع: حصل لنا في هذه المسألة جوابان: أحدهما ~~زجر عن النظر في هذا العلم، على ما طال الشرح فيه، والآخر على هذه الفائدة ~~التي تكاد الروح تطير معها طربا عليها، فهل يجوز أن نعتقد فساد أحد ~~الجوابين؟ وهو ما نهى عن التبصر فيه والأخذ بالحظ الوافر منه ليكون الجواب ~~الآخر جامعا لوجوب الحق؟ فقال: الجوبان صحيحان، وذلك أن ها هنا أنفسا ~~خبيثة، وعقولا رديئة، ومعارف خسيسة، لا يجوز لأربابها أن ينشقوا ريح ~~الحكمة، أو يتطاولوا إلى غرائب الفلسفة، فالنهي ورد من أجلهم، وهو حق ~~والحال هذه الحال. فأما النفوس التي قوتها الحكمة، وبلغتها العلم، وعدتها ~~الفضائل، وعقدتها الحقائق، وذخرها الخيرات، وعمارتها المكارم، وهمتها ~~المعالي، فإن النهي لم يتوجه إليها، والعيب لم يوقع عليها؛ كيف يكون ذلك ~~وقد بان بما تكرر القول فيه، أن فائدة هذا العلم أجل فائدة، وثمرته أحلى ~~ثمرة، ونتيجته أشرف نتيجة؟ فليكن هذا كله كافا عن سوء الظن، وكافيا لك عما ~~وقع القول فيه وطال بين هؤلاء السادة الجحاجحة في الفهم والعلم والبيان ~~والتصفح. # هذا أبقاك الله آخر ما نقلت به من حكاية هذه المقابسة بين هذه الطائفة ~~الفاضلة، وقد اعتذرت إليك في خلالها مرارا من قصور لا حيلة لي فيه، ومن ~~تقصير لم أقصد اختياري إليه، وظني بايثارك لستر القبيح على إخوانك، ونشر ~~الجميل عن أصدقائك جميل، والله كافي وكافيك، ونعم الوكيل. # PageV01P138 ### | المقابسة الثالثة # في أن الإنسان قد يجمع أخلاقا متباينة # جرى عند ابن سعدان يوما كلام في الأخلاق، وحضره جماعة منهم عيسى بن ثقيف ~~الرومي أبو السمح، وغير هؤلاء من ms016 مشايخ النصارى، وكانوا متحرمين بالفلسفة ~~ومحبين لأهلها، وكان محصول ذلك: من أراد أن يكسب نفسه هيئة جميلة، وسجية ~~محودة، بتهذيب الأخلاق وتقويمها وتطهير من الأدناس التي نعتريها، تقسمه ~~أمران متباينان: أحدهما عسر ذلك وإباؤه، وتعذره والتواؤه، فيظن لذلك أن ~~الأمر الذي يحاوله معجوز عنه، وأنه غير مقدور عليه، وأن الوصول إليه محال. ~~والآخر استجابة ذلك وانقياده، ومطاوعته وإمكانه، فيظن ذلك أن الغاية التي ~~يؤمها باجتهاده وقصده نظافة بدنه، وتدليك أعضائه، وتقليم أظافره، ونفي ~~القذى عن عينيه، وتسريح شعره، وترجيل جمته، وتنقية أرفاغه وإزالة الدرن عن ~~مغابنه بيده ويد غيره، والقيم في الحمام وغيره، وقدر على ذلك ووجد السبيل ~~إليه سهلا حتى يخرج من الحمام ناضر البدن نقي الأطراف قد اكتسب صاحبه صباحة ~~ونظافة وضياء وخفة ظاهرة من ثقل ما كان راكبه وملازمه من الوسخ والدرن، فإن ~~أراد بعد ذلك أن يحول فطس أنفه قفا، وزرقة عينه حورا، ولفف لسانه استمرارا، ~~أراد المحال، وحاول # PageV01P139 # المعجوز عنه، وقرف بسوء الاختيار، وحكم عليه ببوار السعي وبطلان ~~الاجتهاد. ومع هذا فليس له أن ييأس من إصلاح ما هو مستطاع، ليأسه من إصلاح ~~ما هو غير مستطاع. وليس له أيضا أن يرجو إصلاح ما ليس بمستطاع، لاقتداره ~~على إصلاح ما هو مستطاع. # قطب هذه المذاكرة في الأخلاق، على أن تهذيبها وتطهيرها وردها إلى مقارها، ~~وتسويتها وتعديلها من الصعب المتعسر، والممتنع المتعذر، لكنها مع هذا كله ~~ممكنة من نفسها في أشياء خاصة، وفي مواضع معلومة، بعض الإمكان، وضامنة ~~الاستحالة فيها بعض الضمان، فعلى هذا لا ينبغي أن يطمع في إصلاحها كل ~~الطمع، ولا يقطع الرجاء عن إصلاح الممكن منها كل القطع. # وكان في كلامهم حشو كثير حصلت خالصة زبدته ما أعدت ههنا، وذكرته في جملة ~~الكلام والناس من أول الدهر إنما يتكلمون في الأخلاق، على هذا تدل الكتب ~~السالفة، والأشعار المتقدمة، والمواعظ القائمة، والمزاجر المترددة، ومع ذلك ~~كله من طبع على الجبن ليس يجيء منه شجاع، ومن طبع على الغيرة لم يمكنه أن ~~يغفل، ومن وجد ms017 في سوسه شيئا أبداه، ومن كان في قوته شيء أظهره، ومن استكن ~~في مزاجه شيء أبانه والأصل طالع على رابية الأيام، والاختيار في الأشياء ~~قوة ضعيفة جدا لا ثبات لها مع الضرورة التي ترد قاهرة، وتوافي مجبرة، فإن ~~الاختيار أيضا في الأول من جملة تلك الضرورة في عرض القسمة السماوية، إن ~~أذن له بدا وظهر، وسعى وسفر؛ وإن تكن الآخر بطل حكمه ورسمه، وارتفع عيبه ~~وفعله. وقد شاهدنا من يمدح الجود ويحث عليه، ويحسنه ويدعو إليه، وهو أبعد ~~الناس من العمل به، والقيام بحكمه. وقد وجدنا من يلوم التغافل في الحرمة ~~وما يجري معها، ويبعث على الغيرة والصرامة فيها، وخوض الدم # PageV01P140 # من أجل عارض في بابها، وهو أشد الناس انحلالا فيها، وأظهرهم اختلالا ~~عليها. فكأن ما يقوله أحدهم ذاما ومادحا، هو غير ما ينبغي أن يأتيه أو ~~يتركه مجتنبا. # وكان أبو سليمان يقول: كثير من أخلاق الإنسان تخفى عليه، وتطوى عنه؛ وذلك ~~جلي لصاحبه وجاره وعشيره. وهو يدرك أخفا من ذلك على صاحبه وجليسه ومعامله ~~وقريبه وبعيده، وكأنه في عرض هذه الأحوال عالم جاهل، ومتيقظ غافل، وجبان ~~شجاع، وحليم طائش. يرضى عن نفسه في شيء هو المغتاظ على غيره من أجله. قال: ~~وهذا كله دليل على أن الخلق في وزن الخلق وعلى نساجه، يعسر منه ما يعسر من ~~هذا، ويسهل من هذا ما يسهل من ذاك. # قلت له عند التفاف الكلام في هذا الحد: ما الخلق؟ قال: شعار. # قلت: فما المحمود منه؟ قال: ما أنشأته النفس الفاضلة في ذي المزاج ~~المعتدل. # قلت: فما المذموم منه؟ قال: ما توريه الطبيعة في ذي المزاج المتفاوت. # والكلام في الأخلاق مطرب، وكل هذا الكتاب فيها، ولهذا ما يجب أن يخطى، ~~وإن أمكن عدت إليها في أثناء غيرها. فالغرض كله تقديرها بالقسطاس، وتطهيرها ~~من الأدناس، التي عليها جمهور هذا الخلق. # PageV01P141 ### | المقابسة الرابعة # في الناموس الآلهي ووضعه بين الخلق # سمعت ابن مقداد يقول: لا بد في وضع الناموس الآلهي الذي يتوجه به إفاضة ~~الخير، وترتيب السياسة، ms018 وما يورث سكون البال، ويحسم مواد الشر، ويوطد دعائم ~~السنن، ويبعث على تشريف النفوس وتزيين الأخلاق، ويقرب الطريق إلى السعادة ~~المطلوبة، ويواصل أسباب الحكمة، ويشوق الأرواح إلى طلب الحق وإيثار العقد، ~~ويقدم دواعي العدل والنصفة والرحمة والمكرمة من الأخبار التي تنقسم بين ما ~~هو صدق محض، وبين ما هو صدق ممزوج، وتكون الألفاظ التي تدور بها، واللغات ~~التي ترجع إليها، كثيرة الوجود، سمحة عند التأويل، وإنما وجب ذلك لأن الناس ~~في أصل جبلتهم وبدء خلقهم وأول سنخهم، قد افترقوا مجتمعين، واجتمعوا ~~مفترقين، واختلفوا مؤتلفين، وائتلفوا مختلفين، وإحساسهم متوقدة، وظنونهم ~~جوالة، وعقولهم متفاوتة، وأذهانهم عاملة، وآراؤهم سائحة، وكل منهم منفرد ~~بمزاج وشكل وطباع وخلق ونظر وفكر، وأصل وفرع واختيار وإلف وعادة، وضراوة ~~ونفرة، واستحسان واستقباح، وتوق ووقفة وإقدام وجسارة، واعتراف وشهادة، وبهت ~~ومكابرة. هذا سوى أعراض كثيرة مختلفة لا أسماء لها عندنا خالصة، ولا صفات ~~متميزة. # قال: ومصل هذا كمثل رجل أصلح طعاما كثيرا واسعا مختلفا من كل لون وجنس ~~ومذاق ورائحة ووضع وقصد وحرارة وبرودة، وحلاوة وحموضة، ونصبه على مائدة ~~واسعة عظيمة، فجمع ذوي عدد جم، فمتى # PageV01P142 # لم تكن المائدة ذات ألوان مختلفة، وأطعمة مركبة، متباينة في القلة ~~والكثرة والملوحة والحرافة، ومرقة المتقدمة، لم يقبل كل إنسان على ما يفيق ~~به شهوته الخاصة لهن ولم تمتد يده إليه باللون الذي تدعو إليه العين، لأن ~~للعين نوعا من الطلب ليس للغم، وللنفس أيضا مثل ذلك؛ أعني النفس المتغذية، ~~فهذا غير ما هو مطلوب للنفس الناطقة من الترتيب والتكرمة والإيناس ~~والمحادثة. # قال: فلما كان الناموس الآلهي نصحية عامة لدكانة، وجب أن يستعان عليها ~~بكل ما يكون ردأ لها ورفدا معها، وفارشا لما انطوى فيها، وموضحا لما خفى ~~عنها، وداعيا باللطف إليها، وضامنا لحسن الجزاء عليها. # وهذا قدر كالخالصة مما وقع التفاوض به، سقته على ما أمكن والحمد لله ~~وحده. ### | المقابسة الخامسة # في شرف الزمان والمكان وتفاوت الناس في الفضيلة # قلت لأبي بكر القومسي وكان كبيرا في الأوائل: بأي معنى يكون هذا الزمان ms019 ~~أشرف من هذا الزمان، وهذا المكان أفضل من هذا المكان، وهذا الإنسان أشرف من ~~هذا الإنسان؟ فقال: هذا يشعر بإفاضة الزمان إلى سعادة شائعة، وعز غامر، ~~وبركة فائضة، وخصب عام وشريعة مقبولة، وخيرات مفعولة، ومكارم مأثورة من جهة ~~شكل الفلك بما تقتضيه بعض أدواره؛ وكذلك المكان إذا قابله أثر من هذه ~~الأجرام الشريفة، والأعمال المنيفة. وأما الزمان الذي هو رسم الفلك بحركته ~~الخاصة فليس فيه جزء أشرف من جزء، وكذلك المكان لأنه # PageV01P143 # رديف الزمان. ولا سبيل في مثل هذه المسائل إلى معرفة الحقائق إلا ~~بالأمانة التي هي شاملة للعالم، غالبة عليه من محيطه إلى مركزه. وأما ~~الإنسان فلا شرف له أيضا على إنسان آخر، من جهة حده الذي هو الحياة والنطق ~~والموت، لأن الحد في كل أحد واحد، فإذا لا شرف من هذا الوجه، فإن اعتبر بعد ~~هذا، فعل هذا وفعل ذاك، من جهة الاختيار والإيثار والاكتساب والإجتلاب، ~~فذاك يقف على الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى، بحسب ما يوجد منظوما في ~~نفسه، نافعا لغيره، واقعا موقعه الأخص منه. ### | المقابسة السادسة # في علة تفاوت وقع الألفاظ في أتسمع، والمعاني في النفس # قلت لأبي بكر القومسي وكان كبير الطبقة في الفلسفة، وقد لزم يحيى بن عدي ~~زمانا، وكتب لنصر الدولة، وكان حلو الكتابة، مقبول الجملة: ما معنى قول بعض ~~الحكماء: الألفاظ تقع في السمع، فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في ~~النفس، فكلما اتفقت كانت أحلى؟ فقال: هذا كلام مليح، وله قسط من الصواب ~~والحق، إن الألفاظ يشملها السمع، والسمع حسن ومن شأن الحس التبدد في نفسه، ~~والتبدد بنفسه. والمعاني تستفيدها النفس، ومن شأنها التوحد بها والتوحيد ~~لها، # PageV01P144 # ولهذا تبقى الصورة عند النفس قنية وملكة، وتبطل عن الحس بطولا، وتمحى ~~محوا، والحس تابع للطبيعة، والنفس متقبلة للعقل. وكانت الألفاظ على هذا ~~التدريج والتنسيق من أمة الحس، والمعاني المقولة فيها من أمة العقل. ~~فالاختلاف في الأول بالواجب، والاتفاق في الثاني بالواجب، وبالجملة الألفاظ ~~وسائط بين الناطق والسامع، فكلما اختلفت مراتبها على عادة أهلها كان ms020 وشيها ~~أروع وأجهر، والمعاني جواهر النفس. فكلما ائتلفت حقائقها على شهادة العقل ~~كانت صورتها أنصع وأبهر، وإذا وفيت البحث حقه فإن اللفظ يجزل تارة ويتوسط ~~تارة، بحسب الملابسة التي تحصل له من نور النفس وفيض العقل وشهادة الحق ~~وبراعة النظم؛ وقد يتفق هذا لتعويل الإنسان بمزاجه الصحيح وطبيعته الجيدة ~~واختياره المحمود، وقد يفوته هذا الوجه فيتلافاه بحسن الإقتداء بمن سبق ~~بهذه المعاني إليه، فيكون إقتداؤه حافظا عليه نسبة البيان على شكله المعجب، ~~وصورته المعشوقة،؛ ومدار البيان على صحة التقسيم وتخير اللفظ وترتيب النظم ~~وتقريب المراد، ومعرفة الوصل والفصل، وتوخي الزمان والمكان، ومجانبة العسف ~~والاستكراه، وطلب العفو كيف كان. ### | المقابسة السابعة # في كتم السر وعلة ظهوره # قلت لأبي سليمان وقد جرى كلام في السر وطيه والبوح به ما السبب في أن ~~السر لا ينكتم البتة؟ فقال: لأن السر إسم لأمر موجود قد ضرب دونه حجاب، ~~وأغلق عليه باب، فعليه من الكتمان والطي والخفاء والستر مسحة من القدم، # PageV01P145 # وهو مع ذلك موجود العين، ثابت الذات، محصل الجوهر؛ فباتصال الزمان ~~وامتداد حركة الفلك، يتوجه نحو غاية هي كماله، فلا بد له إذا من النمو ~~والظهور، لأن انتهاءه إليها، ووقوفه عليها؛ ولو بقي مكتوما خافيا أبدا لكان ~~والمعدوم سواء؛ وهذا غير سائغ. أعني أن يكون الموجود معدوما! ولو قبل الوهم ~~هذا لقبل أن يكون المعدوم موجودا. # وهذه مسألة في الهوامل، ولها جواب آخر في الشوامل، لكن هذا القدر يستفاد ~~من الشيخ الفاضل، ومر أيضا في كلامه أن الحجاب المضروب على هذا السر يرث ~~ويخلق، لأنه لا يبقى على هيئته الأولى يوم يقع سرا ويحدث مكتوما. ثم قال: ~~كذلك الخواطر والسوانح على لطفها ودقتها، وشدة حقائقها، وعموم مشاربها، ~~تبدو وتظهر، وتقوى وتكثر، حتى يعرف فيها الشيء بعد الشيء، باللحظة والسنحة ~~والتلفت وضروب أشكال الوجه، فكف ما إبتذله اللسان ونسجته العبارة، وظعن من ~~مكان إلى مكان؟! ### | المقابسة الثامنة # في أن الأسباب التي هي مادة الحياة # فيوزن الأسباب التي هي علة الموت # سمعت الإنطاكي أبا القاسم، وكان ms021 يعرف بالمجتبي يقول: الأسباب التي هي ~~مادة الحياة، هي وزن الأسباب التي هي جالبة للموت # PageV01P146 # قيل له: فلم كان الموت على هذا أولى بالإنسان من الحياة؟ فقال: لأن الموت ~~طبيعي، وكل طبيعي لا محيص عنه. وإنما أطلقت الكلام الأول لأنك ترى من نجا ~~من الموت بشيء، به يخلص غيره إلى الموت! فلو أستطيع حصر هذه الأبواب: ما به ~~يموت من يموت في عدد ما به يحيى من يحيى! ثم قال: وها هنا موت طبيعي معرف ~~به، وفي مقابلته حياة طبيعية؛ وهكذا أيضا هاهنا موت عرضي، وفي مواجهته حياة ~~عرضية. فالموت الطبيعي قد قامت منه الشهادة من الكافة. فأما الحياة ~~الطبيعية فحياة العقل بالمعقول، والموت بالعرض ألجهل الشائع في الإنسان. ~~وأما الحياة العرضية فحس الإنسان وحركته بسلامة بدنه، وسكون أخلاطه، وقوة ~~طبيعته، وتصرف سائر ما هو مركب من جهته. ثم قال: ومن فتح الله بصيرة عقله ~~ولحظ هذه الحقائق، ترقى في درجات المعارف، وسلاليم الفضائل، وانتهى إلى أفق ~~الروح والراحة، ونجا من هذه المعادن التي هي معادن العطب والتلف، ومساكن ~~الآفات والهلاك. # وتفجر في هذا الفصل بكل كلام شريف، وكل موعظة حسنة، وكان من القادرين على ~~أمثاله، وممن قد أيده الله بتوفيقه ومعونته. ### | المقابسة التاسعة # في ولوع كل ذي علم بعلمه # ودعواه أن ليس في الدنيا أشرف من علمه # سأل أبو محمد الأندلسي النحوي عيسى بن علي بن عيسى الوزير وأنا عنده ~~فقال: # PageV01P147 # لم قال صاحب كل علم: ليس في الدنيا أشرف من علمي الذي أنظر فيه؟ هكذا تجد ~~الطبيب، والمنجم، والنحوي، والفقيه، والمتكلم، والمهندس، والكاتب، والشاعر، ~~قال: وأنا لمكاني من النحو أقول هذا، وهكذا أجد جميع من سميت؟ قال الشيخ ~~عيسى بن علي: هذا لأن صورة العلم في كل نفس واحدة، وكل أحد يجد تلك الصور ~~بعينها، فيمدح العلم بها، ويظن أن تلك الصورة إنما هي لعلمه وحده، وكذلك ~~صاحبه. وتلك أطال الله بقاك صورة العلم الأول، فأما إذا قسمت العلم كما ~~قسمه أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الفيلسوف ms022 في كتابه أقسام العلوم وتتبعت ~~مراتبه فإنك حينئذ تجد # PageV01P148 # علما فوق علم، بالموضوع أو بالصورة، وعلما دون علم، بالفائدة والثمرة. ~~وهذا المعنى الذي أشير إليه يصح لك، ولو فرضت نفسك عالمة كل شيء لكنت حينئذ ~~لا يحضرك علم دون علم، بل كنت تطلع على جميعه بنوع الوحدة، مع اختلاف ~~مراتبه من نواحي مواده وصوره، وفوائده وثمره، وكنت تجدها كلها واحدة، لأن ~~حد العلم كان يسبق من كل فن منها على ما هو به من غير خلل عارض، ولا فساد ~~واقع. # قال الأندلسي: قد كنا أيها السيد نترامى هذه المسألة تحقيرا لها وامتهانا ~~لقدرها، وفيها هذا الجواب الذي لو رحل إليه من قطر شامع، وغرم عليه مال ~~كثير، لكان ذلك دون حقه؟ وما أكثر ما يحقر الشيء فيصير صلة لشيء لا يحقر! ~~لولا أن عمري يستهلكه النحو لكنت ألبس لهذا العلم صدار المنكمش، وأصبغ نفسي ~~صبغة المتحققين! ### | المقابسة العاشرة # في فعل الباري تعالى # هل هو ضرورة أو اختيار أو ماذا؟ # قال أبو زكريا الصميري لأبي سليمان: إذا كان الباري لا يفعل ما يفتعل ~~ضرورة ولا اختيارا، فعلى أي نحو يكون فعله؟ فإنه إن كان كاستنارة الهواء عن ~~الشمس فهو ضروري، وإن # PageV01P149 # كان كفعل أحدنا فهو اختياري، وما خلا هذين فغير معقول، وما لا يعقل فغير ~~مقبول؟ # قال أبو سليمان: قد قال كبار الأوائل: إنه يفعل بنوع أشرف من الاختيار، ~~وذلك النوع لا اسم له عندنا، لأنا إنما نعرف الأسماء التي قد عهدنا أعيانها ~~أوشبها لها، والناس إذا عدموا شيئا عدموا إسمه، لأن إسمه فرع عليه وعينه ~~أصل له، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع. هذا ما لا دفاع له ولا امتناع منه. ~~وخواص الخواص معدومة الأسماء، ونحن نحس بمعاني جمة وفوائد كثيرة، لا نستطيع ~~صرفها عن أنفسنا، وقد التبست بها، وقرت في أفنائها، ومع ذلك إذا حاولنا ~~أسماءها عجزنا، بل قد نعتاض من الأسماء الفائتة إشارات بصفات وتشبيهات تقوم ~~لنا من بعد مقام الأسماء الفائتة، ولكن له أحيانا أعمال رديئة، وإبهامات ~~عندنا ms023 فاسدة. ولكن ليس لنا في هذا توجه من الوجود جملة، فمن جملة ذلك هذا ~~الذي نحن فيه؟ إنه قد صح البرهان أن فعل الله تقدس وعلا ليس باضطرار، لأن ~~هذا نعت عاجز، ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضا، لأن هذا نعت عاجز، ~~ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضا، لأن في الاختيار معنى قويا من ~~الانفعال، وهذا مسلم عند من ألف شيئا من الفلسفة وشدا بعض علوم الأوائل. ~~فلم يبق بعد هذا إلا إنه بنحو عال شريف يضيق عنه الاسم مشارا إليه، والرسم ~~مدلولا به عليه. ولو قال لك رجل: لم خبرت عن الله بالتذكير دون التأنيث؟ ~~لما كان عندك إلا أن تقول: هذا ما أقدر عليه، وليس عندي لما هو حقه في ~~الخبر عنه إسم يحضر، وأكثر ما أمكنني أنني لم أنعت به الأنثى، وهذا لأن ~~التذكير والتأنيث معنيان يوجدان فينا، وبهما أشبهنا سائر الحيوان، وهما ~~منفيان عن الله تعالى من كل وجه وكل وهم. ثم قال بعد هذا الذي قدم من ~~القول: والذي اختاره في هذا الجواب مع هذا التضييق الواقع قولنا: يفعل. لا ~~يصح معناه في الباري تعالى البتة، # PageV01P150 # بل قولنا: يفعل. عبارة عن انفعال الأشياء له، لأن الأشياء له، وأن ~~الأشياء كلها مشتاقة إليه، متوجهة نحوه، مستأنسة به مقتسبة منه، وذلك ~~اتصالات وجوده، فدخول الأشياء إلى ذاته، وشوقها إلى قربه، وبث الوسائط ~~بينها وبينه ثم ضرب مثلا فقال: ألا ترى أن الطبل يضرب عند الرحيل من قبل ~~الملك فترى كل أحد قد تحرك حركة لائقة به، موقوفة عليه، نحو الملك من غير ~~أن يكون قد تقدم إلى واحد منهم بما هو إليه، بل هو على سكوته وحاله ~~السابقة، فإنما لاح لهم منه لائح فتحركوا مشتاقين متشبهين؟ ثم قال: وينبغي ~~أن تعلم أنه لا فاعل إلا ويعتريه نوع من أنواع الانفعال في فعله، كما أنه ~~لا منفعل إلا وهو يعتريه نوع من أنواع الفعل في انفعاله؟ إلا أن الفعل في ~~الانفعال خفي جدا، والفعل في المنفعل ms024 خفي جدا. فلهذا لا يطلق على الفاعل ~~إلا الاسم الأشمل له الأدل عليه وكذلك لا يطلق على المنفعل إلا الاسم الأخص ~~له والأعم لجملته. وهذا وإن كان الإطلاق والاستعمال على حد ما حقق القول، ~~فإن المفعول لا سبيل إلى إنكاره، ومن عرف الحقيقة لا طريق إلى جحوده. فقد ~~بان أن قولنا: يفعل ولا يفعل، وفاعل وغير فاعل، كلمات مطلقة على حد المجاز ~~والعادة. ### | المقابسة الحادية عشرة # في أن الطبيعة تعمل في تخالف الناس # على المذاهب والمقالات والآراء والنحل # سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول لأبي الخطاب الصابي: إعلم أن المذاهب ~~والمقالات والنحل والآراء وجميع ما اختلف فيه الناس # PageV01P151 # وعليه، كدائرة في العقل، فمتى فرض فيها قول وجعل مبدأ لأقوال انتهى منه ~~إلى آخر ما يمكن أن يقال، فليس من قول إلا وقد قيل أو يقال، وليس من فعل ~~إلا وقد فعل أو سيفعل، وليس من شيء إلا وقد علم أو سيعلم، وهكذا في الظن ~~والرأي وغير ذلك، وأمثال هذا بين في كل ما أردته، وذلك أنك لا تشير إلى رأي ~~أو نحلة إلا أمكنك أن تظن به كل ما ظن ويظن، وتقول كما قيل ويقال، وإنما ~~يضيق مجم أحدنا، وينفسح مشرب الآخر، لأن الخاطر يسنح مرة ولا يسنح مرة، ~~والقلب يتسع تارة ولا يتسع تارة، واللسان ينطق وقتا ويمسك وقتا. # قال أبو الخطاب: هل للخواطر والألفاظ والآراء والمقالات نسبة إلى المزاج ~~والطينة والهواء، وإلى العناصر بالجملة؟ # فقال: نعم، لها نسبة قوية، وعلاقة شديدة، ورباط متين، إلى هذه الأمور ~~التي تنظر فيها، أو تطيف بها، أو تطل عليها، ولا سبيل مع ذلك إلى اتفاق ~~الناس في حال من الأحوال، وسبيل من السبل ولو أمكن ذلك لوجد! ألا ترى أنه ~~لا سبيل إلى أن يكون الناس كلهم طوال القدود أو قصورها، وضخام الرؤوس أو ~~صغارها، وفصحاء الألسنة أو لكنها، أو على مذهب واحد أو حد، ومقابلة واحدة؟ ~~كيف يكون هذا أو يظن والطبيعة إنما تعطي صورتها لكل شيء بحسب قبوله وتهيئته ~~ومواتاته؟ ms025 فليس الزند من عطية الطبيعة، ولكن على قدر قبوله، وصلابة الحجر ~~من عطية الطبيعة ولكن على قدره، فاختلاف الصور إنما ينشأ من اختلاف المواد، ~~وهذا أصل لا أصل له، وعلة لا علة لها، لأنه لم يفعله فاعل على ذلك، بل صورة ~~من شأنها هذا، والمادة من شأنها ذلك، والأمر مسبب على سنن ما ترى، فعلى هذا ~~كل أحد ينتحل ما شاكله مزاجه، ونبض عليه عرقه، ونزع إليه شوطه، وعجن به ~~طينه، وجرى بعد ذلك على دأبه وديدنه؟ # PageV01P152 ### | المقابسة الثانية عشرة # في أن إنشاء الكلام الجديد أيسر على الأدباء # من ترقيع القديم # سمعت الخوارزمي الكاتب يقول لأبي اسحق الصابي بن هيثم ابن هلال: لم إذا ~~قيل لمصنف أو كاتب أو خطيب أو شاعر، في كلمة من كلام، وقد اختل شيء منه، ~~وبيت قد انحل نظمه، ولفظ قلق مكانه: هات بدل هذا اللفظ لفظا. ومكان هذه ~~الكلمة كلمة، وموضع هذا المعنى معنى؟ تهافتت قوته، وصعب عليه تكلفه، وبعل ~~بمزاولة ذلك رأيه؟ ولو رام إنشاء قصيدة مفردة، أو تحبير رسالة مقترحة، كان ~~عسرها عليه أقل، وكان نهوضه بها أعجل؟ # PageV01P153 # فقال: وقع ما وهي يحتاج إلى تدبير قد فات أوله من جهة صاحبه الأول، ومن ~~كان أولى به، وكان كالأب له، وذلك شبيه بعلم الغيب، وقل من ينفذ في حجب ~~الغيب مع العوائق التي دونه، وليس كذلك إذا افترع هو كلاما، وابتدأ فعلا، ~~واقتضب حالا، يستقل حينئذ بنفسه ولا يحتاج فيه إلى شيء كان من غيره، أو ~~يكون تعلقه بيقظته يعطيه تمام ما قد فتح عليه سده، وقدح عليه زنده، ولم يكن ~~هكذا حاله في كلام معروض عليه لم يهجس قط في نفسه، ولا أعدله شيئا من فكره، ~~فقد يعجزه ما لم يتأهب له ولم يرض نفسه عليه؛ نوفي الجملة: كل مبتدئ شيئا ~~فقوة البدء فيه تفضي به إلى غاية ذلك الشيء، وكل متعقب أمرا قد بدأ به غيره ~~فإنه بتعقيبه يفضي إلى حد ما بدأ به في تعقيبه ويصير ذلك مبداله، ثم تنقطع ms026 ~~المشاكلة بن المبتدئ وبين المتعقب. ### | المقابسة الثالثة عشرة # في قول القائل العلة قبل المعلول # لا مدخل للزمان فيه # قال يحيى بن عدي: قول القائل: العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه، ~~وكذلك قول النحويين: الاسم قبل الفعل لا يتضمن معنى الزمان، وكأنه جار في ~~فضايا الدهر؛ والفرق بين الزمان والدهر بين. # ولعله سيمر في موضع من هذا الكتاب. # قال له البديهي: فقولنا: الأب قبل الابن، أين هو من الزمان؟ # PageV01P154 # قال: من جهة لا مدخل للزمان بينهما، وذلك أن الغرض فيهما أن هذا علة هذا؛ ~~ومن جهة يدخل، لأنه يصير مؤذنا بأن هذا كان في الزمان قبل هذا في الزمان. ~~وأما قول النحويين إن الاسم قبل الفعل، فمعقول إن ترتيبه مقدم عليه، وإلا ~~فمتى وجد الاسم وجد الفعل، ومتى وجد الفعل وجد الحرف، فمرتبة الوجود واحدة ~~في الجميع، ومراتب الأعيان مختلفة في الجميع. # ثم قال: وينبغي أن يصفوا اللحظ الذي تجرد في نحو الأشياء الأول التي هي ~~كثيرة بالأسماء والنعوت عند الاستعمال، وواحدة بالحقائق والذوات، فإن هذا ~~النظر إذا صفي وتم، كفى مؤنة عظيمة، وحاز أمرا عزيزا. # PageV01P155 ### | المقابسة الرابعة عشرة # في أن بدأ الجوهر الصورة والمادة # ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ الكيف السكون والحركة # قال يحيى بن عدي في درس البديهي عليه سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأنا ~~حاضر: مبدأ الجوهر الصورة والمادة، ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ ~~الكيف السكون والحركة. قال: # وهذه المبادئ هي أوائل العالم العلوي والسفلي والعقلي والحسي، وصار ~~إيضاحه بهذا التخليص ببحث العقل، واستنباط النفسي، وشهادة الحال، وحقيقة ~~المطلوب؛ إن حاول محاول زيادة على هذا لم يستطع، وإن رام رائم نقصا منه لم ~~يقدر، لأن انتظامه بالعلة الأولى، وتمامه من أجلها، ودوامه بدوامها. ~~والحركة والسكون والنقطة والوحدة والمادة والصورة لم تختلف في أعيانها، بل ~~القوابل التي هي بها، وبحسبها انقسمت النعوت عليها، واشتركت العبارات فيها، ~~ومتى أمكن تسديد اللحظ إلى الغاية وإلى النهاية المتناهية لم يوجد إلا الحق ~~الذي هو هولا لشيء هو به، بل كل شيء هو ms027 به، وهو له، وهو من أجله، ثم قال: ~~النقطة في الجوهر صورة، والصورة هي في الكم نقطة، والوحدة في جميعها ~~مستولية شاملة، محتوية غالبة؛ فإليها يجب أن يرمى الرامي، وعنها يجب أن ~~يحمى الحامي، فليس فوقها مذهب ولا دونها مبتغى. # قال العروضي: إذا كانت الوحدة مستولية كما بان من القول، فما بال الكثرة ~~أدنى ألينا، وأسبق إلى نواظرنا، وأغنى عن طلب الدليل فيها؟ # PageV01P156 # فقال: لأنا بها وهي بنا، فمن هذه الجهة وجب أن تشتد العناية في تحصيلها ~~وتقليبها حتى تظهر الوحدة في الثاني كما ظهرت الكثرة في الأول، وهو الذي ~~يسمى سعادة، وإليها وقع التوجه، وعليها قصر السعي. # ودخل أبو العلا صاعد فانقطع الكلام وفات أن يبلغ أقصى ما عنده. ### | المقابسة الخامسة عشرة # في قولهم لم صارت الكيفية تسري في المكيف # إلى الأول والثاني # قلت لوهب بن يعيش الرقي: لم صارت الكيفية تسري من المكيف إلى الأول ~~والثاني؟ مثال ذلك: الرائحة التي للتفاح، فإنها تسري إلى الدماغ، وليس كذلك ~~الكمية من ذي الكم، مثال ذلك: تفاحتان وثلاث عند زيد لا تسري كميتها إلى ~~عمرو؟ فقال: # PageV01P157 # الكمية أقرب إلى الجوهر وأشد توحدا به وأدل على المواصلة والتشبث ~~والوحدة، وليس كذلك الكيفية بحسب الكثرة، مخالفا لمقتضى الكيفية بحسب ~~الوحدة، ألا ترى أن الكيفية تابعة لما ترى، أي الحس وأسبق عن الطبيعة؟ ألا ~~ترى أن الكمية تابعة لما ترى، أي العقل ومتصل بالنفس؟ ### | المقابسة السادسة عشر # في قولهم لم صار الإنسان إذا صور كلاما # يريد تأييده بطبعه جبرا عليه؟ # لم صار الإنسان إذا زور كلاما لمجلس يحضره، وخصم يناظره، وصاحب يعاتبه، ~~لا يمكنه أداؤه في حال ما يباشر المراد، وينحى على الغرض، ويتوخى غاية ما ~~في النفس. # فقال: لأنه في الحال الثانية يصير أسيرا في يد ما قدمه وقومه، فهو يحتاج ~~في تلك الحال إلى قوة حافظة، وقوة مؤدية، وربما خانتاه أو خانته إحداهما، ~~وليس كذلك إذا ارتجل كلاما، وافترع معنى، فإنه يكون مطلق العنان في ضروب ~~التصرف، وأفانين التزويق، غير موقوف على ms028 شيء متقدم، ولا متق شيئا متوقعا ~~يخاف فجأته، على خلاف تقديره في وهمه ووضعه في نفسه، بخلوص الحال وسلامة ~~البال، يفضيان به إلى آخر ما في نفسه، لأن الواسطة الحائلة ساقطة، والحجب ~~مخروقة، والأولية مغيبة، والوحدة مساعدة. # لا تسرع أيدك الله إلى الطعن والعيب في هذه المواضع التي نزل قليلا، ولا ~~يبلغ ظنك بها، فإن الجميع أخذ عن هؤلاء الجلة الأعلام # PageV01P158 # حسب ما كانت المذكرة والمقابسة تمتدان بهم ويقرءان عليهم، وكان الغرض كله ~~أن يستفاد كل ما تنفسوا به وتنافسوا فيه، فإن شاركتني على ذلك فالحكمة فوضى ~~بيننا، والحق مشاع عندنا، والفائدة حاصلة لنا؟ فإن أنجبت نجدتك وفطنتك لم ~~تخرج من جميع وجوه العدل إلى الظلم، لكن تبعد عن الخلق الجميل، وعما يليق ~~بالرجل الأصيل، وأساس التلافي والاجتماع، والتصافي والاستمتاع، والمفاوضة ~~بين الناس بكل ما ينطق بالتودد والإيناس على الكرم والتفضيل، والرعاية ~~والحياء والإبقاء والإغضاء، لا على الشراسة والعناد، ولا على ما لا يجمل ~~بذوي الحكمة والفضل والحفاظ، والله يبلغ بك ويحسن على اقتباس الحمة عونك، ~~ويقر أعيننا بمكانك، ويهدينا جميعا للزلفى عنده، والمكانة فيه، بمنه ~~وإحسانه؛ على أنك إذا استشففت هذا الكتاب كله، وقبلته وعرفت غرائبه ~~وعجائبه، وعلمت أنك ظالم إذا عتبت، وأني مظلوم في يدك إذا استزريت، ووالله ~~لقد تعبت في تحصيل ما قالوه، وخاطرت الآن برواية ما تقابسوه، ولو قمت مقامي ~~لما أخطأ بك حالي، ولا خلوت في عبري من بعض ما تتجنى به علي، كان الله لك، ~~وأخذ بيدك، وأدام الصنع الجميل لك. # PageV01P159 ### | المقابسة السابعة عشرة # في هل ما عليه الناس من السيرة والاعتقاد حق كله # أو أكثره حق أو باطل كله أو أكثره باطل؟ # سئل بن سوار وكان ابن السمح بباب الطاق: هل فيه الناس من السيرة، وما هم ~~عليه من الاعتقاد، حق كله أو أكثره حق، أو كله باطل أو أكثره! فقال: ~~المسألة هائلة، والجواب هين. # قيل: أفدنا أفادك الله فإن ركية العلم لا تنزح وإن اختلفت عليها الدلاء ~~وكثر على حافاتها الواردة؟ # PageV01P160 # فقال: ms029 صدقتم، واعلموا أنه إذا لحظ استيلاء الطبيعة عليهم، وغلبة آثارها ~~فيهم، في الرأي المعتقد، والسيرة المؤثرة، فأكثر ذلك باطل، لأن سلطان العقل ~~في بلاد الطبيعة غريب، والغريب ذليل، وإن لحظ حكم العقل ما يجب به، ويليق ~~بجوهره، ويحسن مضافا إليه، فأكثر ذلك حق، كان الملحوظ رأيا وسيرة وعادة أو ~~خليقة، وعلى حسب هاتين القبيلتين يكون القضاء، ويقع الحكم، والحق لا يصير ~~حقا بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلا بقلة من تحليه، وكذلك الباطل، ولكن قد ~~يظن بالرأي الذي قد سبق إليه الاتفاق من جلة الناس وأفاضلهم أنه أولى ~~بالتقديم والإيثار، وأحق بالتعظيم والاختيار، لأنه يكون مقوما بالبحث، ~~وجبورا بالفكر، مصقولا على الزمان، تلمسه كل يد، وتجتليه كل عين، ويصير ~~ثباته على صورته الواحدة، دليلا قويا وشاهدا زكيا على حقيقته، لأنه يبرأ ~~حينئذ من هوى منتحله ويعرى من تعصب ناصره، ويبقى بصورته الخاصة، ويحرى مجرى ~~السكينة التي لا تحتاج إلى علاج المعالج، وتمويه المموه، وانتقاد المنتقد، ~~وتنفيق المنفق، وحيلة المحتال. ### | المقابسة الثامنة عشر # في قول الإنسان حدثتني نفسي بكذا وكذا # سألت أبا زكريا الصيمري عن الإنسان يقول: حدثتني نفسي بكذا وكذا، وحدثت ~~نفسي بكذا وكذا، هذا، فإني أجد الإنسان ونفسه كجارين متلاصقين يتلاقيان ~~فيتحدثان؛ ويجتمعان فيتحاضران، وهذا يدل على بينونة بين الإنسان ونفسه؟ # PageV01P161 # فقال: الإنسان إنما هو إنسان بالنفس، والنفس ما هو إنسان، والإنسان له ~~صورة بحسب قبوله من النفس، والنفس نفس بحسب ملابستها للبدن وتصريفها له ~~وتدبيرها فيه؟ فإذا قال الإنسان: حدثتني نفسي أو حدثت نفسي، فإنما ذلك ~~لشعوره بشرف نفسه، بقد ما استفاد من صورتها الخاصة به واستنارة العقل عليه، ~~هذا إن كان الحديث مواتيا للحق، آخذا بقسطه منه، وإن تكن الأخرى دخل الفساد ~~من ناحية المادة والخلط والمزاج والقابل، ألا ترى أنك لا تقول: حدثني عقلي ~~بكذا وكذا، ولا حدثت عقلي بكذا وكذا؟ لأن أفق العقل أعلى، وعالمه أرفع، ~~وأثره ألطف وأنقى، ونسبه أشرف وأسنى، والإنسان متقوم بالنفس حتى إذا لحظها ~~بعينه التي له منها ساغ له أن يحدثها ms030 ويحدث عنها ويحقق بناءها وحالها! وهي ~~العقل بوجه آخر، والعقل هي بوجه آخر، ولكن العبارة عن هذه الخفيات قاصرة، ~~وإن كانت النفس بها مستنيرة، فعلى هذا الإنسان يحدث نفسه بما يغلب منها، ~~وتحدثه نفسه بما يغلب عليها منه، وهو هي وهي هو، ولكن بنوع ونوع، وحال ~~وحال، واسم واسم، وملخوص وملخوص، وتقريب وتقريب. # وهذه معان اختلست من مذاكرات هؤلاء المشايخ فلم يمكن أن تورد تامة ~~مستقصاة، لأن الكتب التي توضح هذه الحقائق موجودة، ومن يشرح مشكلها ويفتح ~~مستغلقها حاضر، فليكن التعويل في بلوغ غايات هذه الواضع على العلماء والكتب ~~والقرائح. # PageV01P162 ### | المقابسة التاسعة عشرة # في السماع والغناء وأثرهما في النفس # وحاجة الطبيعة إلى الصناعة # خرج أبو سليمان يوما ببغداد إلى الصحراء، بعض أيام الربيع، قصدا للتفرج ~~والمؤانسة، وصحبته، وكان معنا أيضا صبي دون البلوغ جهم الوجه بغيض ~~المحياشتيم المنظر، ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنما نديا عن جرم ترف، ~~وصوت شج، ونغمة رخيمة، وإطراق حلو، وكان معنا جماعة من طراق المحلة، فلما ~~تنفس الوقت أخذ الصبي في فنه، وبلغ أقصى ما عنده، فترنح أصحابنا وتهادوا ~~وطربوا. فقلت لصاحب لي ذكي: أما ترى ما يعمل بنا شجن هذا الصوت، وندى هذا ~~الحلق، وطيبة هذا اللحن، وتفنن هذه النغمة؟! فقال: لو كان لهذا من يخرجه ~~ويعني به، ويأخذه بالطرائق المؤلفة والألحان المختلفة، لكان يظهر أنه آية، ~~ويصير فتنة، فإنه عجيب الطبع، بديع الفن، غالب الدين والشرف. # فقال أبو سليمان، فلتة: حدثوني بما كنتم فيه عن الطبيعة، لم احتاجت إلى ~~الصناعة؟ وقد علمنا أن الصناعة تحكي الطبيعة وتروم اللحاق بها والقرب منها، ~~على سقوطها دونها؟ وهذا رأي صحيح وقول مشروح، وإنما حكتها وتبعت رسمها وقصت ~~أثرها لانحطاط رتبتها عنها، وقد زعمت أن هذا الحدث لم تكفه الطبيعة ولم ~~تغنه، وأنها تعنيه وأنها قد احتاجت إلى الصناعة حتى يكون الكمال مستفادا ~~ومأخوذا من جهتها، والغاية مبلوغة بمعونتها وإصدارها؟ فقلنا له: ما ندري! ~~وإنها المسألة؟ # PageV01P163 # فقال: فكروا؟ قعدنا له وقلنا: إنا قد ثلجنا، ولو مننت ms031 بالبيان ونشطت لنشر ~~الفائدة كان ذلك محسوبا في بيض أياديك وغرر فضائلك؟ فقال: إن الطبيعة إنما ~~احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان، لأن الصناعة ها هنا تستملى من النفس ~~والعقل، وتملى على الطبيعة؟ وقد صح أن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، ~~تقبل أثارها وتمتثل أمرها، وتكمل بكمالها، وتعمل على استعمالها، وتكتب ~~بإملائها، وترسم بإلقائها، والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها، على نوع لطيف ~~وصنف شريف، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبه، وقريحة ~~مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا، وتأليفا ~~معجبا، وأعطاها صورة معشوقة، وحلية مرموقه، وقوته في ذلك تكون مواصلة النفس ~~الناطقة. فمن ها هنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة، لأنها وصلت إلى كمالها من ~~ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها استملاء ما ليس ~~لها وإملاء ما يحصل فيها، استكمالا بما تأخذ وكمالا لما تعطي. # فقال له البخاري، وكان من تلامذته: ما أشكرنا على هذه الصلات السنية، وما ~~أحمدنا لله على ما يهب لنا منك من هذه الفوائد الدائمة؟! # فقال: هذا بكم اقتبست، وبحجركم قدحت، وإلى ضوء ناركم عشوت وإذا صفي ضمير ~~الصديق للصديق، أضاء الحق بينهما، واشتمل الخير عليهما، وصار كل واحد منهما ~~ردءا لصاحبه، وعونا على قصده، وسببا قويا في نيل إرادته ودرك بغيته. ولا ~~عجب من هذا، فالنفوس تتقادح، والعقول تتلاقح والألسنة تتفاتح، وأسرار هذا ~~الإنسان الذي هو العالم الصغير في هذا العالم الكبير، كثيرة جمة، واسعة ~~منبثة، وإنما يحتاج الناظر في هذا النمط إلى عنايته بنفسه في طلب سعادته، ~~ورعايته لحاله في السلوك إلى غايته، غير عائج على زهرة العين ونضرة الحس ~~ولذة الوقت، فإنه بهذه المقدمات يصل إلى تلك # PageV01P164 # الغايات، ويجني تلك الثمرات، ويجد تلك السكاين مرتفعا عن هذه الأقذاء ~~والقاذورات، وأول هذا الأمر وآخره بالله ومن الله. اللهم طهر قلوبنا من ~~ضروب الفساد، وحبب إلى أنفسنا طرائق الرشاد، وكن لنا دليلا، وبنجاتنا ~~كفيلا، بمنك وجودك الذين ما خلا منهما شيء من خلقك العلوي والسفلي، ولا ~~فاتنا شيء من ms032 صنعك الجلي والخفي، يا من الكل به واحد، وهو في الكل موجود. # هذا ما خلص ن هذا الاجتماع، وهو ظاهر الشرف، أتيت به على ما لقيته، ~~فاشركني في استحسانه وقبوله، وكن معينا على طلب نظيره، والتعاقب على الخير، ~~والتناصر على البر، سيرة الفاضلين، وعادة أهل التقى والدين. ### | المقابسة العشرون # في أن النظر في حال النفس بعد الموت مبني على الظن والوهم # قال ماني المجوسي وكان ذا حظ وافر من الحكمة لأبي الحسن محمد بن يوسف ~~العامري وكان من أعلام عصره: أيها الشيخ، إني أجد النظر في حال النفس بعد ~~الموت مبنيا على الظن والتوهم، وذلك أن الإنسان كما يستحيل منه أن يعلم ~~حاله قبل كونه ووجوده كذلك يستحيل منه أن يعلم حاله بعد كونه، لأنه يصير ~~مشفى علمه ومستنبط مراده عدما، والعدم لا يقتبس منه علم شيء بوجه، ولا ~~يستفاد منه معرفة حال، لا فيما يتعلق بالحق، ولا فيما يتعلق بالباطل؟ فقال ~~في الجواب: ليس النظر في حال النفس بعد الموت مبنيا على الظن وإن كان شبيها ~~به، ولن يجب أن يثبت القضاء في هذا المعنى بالظن للمشابهة بينه وبين غيره، ~~لأن الفصل حاضر، والفرق ظاهر، وذلك أن الإنسان لم يجهل # PageV01P165 # حاله قط فيما سلف، لأن الطريق إلى تبيين ذلك وتحصيله مسلوك، والشاهد على ~~ثمرة المطلوب قايم، والتقريب يدل على ذلك في هذا الوقت، وإن كان البرهان في ~~الصناعة موجودا إذا أخذت على ترتيبها الخاص لها في معرفة المنطق، الذي هو ~~آلة في استقراء الطبيعة، التي هي مراق، وفي معرفة النفس التي هي طلبة كل ~~ناظر في علم ومتحقق بنحلة، كان الإنسان لآخر سيرته في هذا العالم، فلما ~~صمدت النفس لها حركت الطبيعة على تأليفها وتوزيع الحالات المختلفة فيها، ~~وأعطتها النفس بواساطة الطبيعة صورة خصتها بها ودبرت أخلاطها وهيأت مزاجها، ~~فظهر الإنسان في الثاني بشكل غير الشكل الذي كان لأجزائه التي مردها في آخر ~~البحث إلى الهيولى بالقول المجمل. والكلام في هذا ذو شعب وذوائب، ثم إن ~~الإنسان في معارفه ms033 التي يترقى في درجاتها يجد لنفسه قنية ليست كسائر ~~القنيات، وهيئة ليست لجميع الهيئات، أعني الحكمة التي هي علم الحق والعمل ~~بالحق، فيجول طالبا لبقائها، ناظرا وباحثا عن حقيقة ذلك، حائرا إلى أن يبلغ ~~بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل، إلى الحد الذي يفصح له بأن ~~النفس ليست تابعة للمزاج، ولا حادثة بالأخلاط؛ بل هي مستتبعة للمزاج ومقومة ~~للأخلاط بوكالة الطبيعة التي هي ظل من ظلالها، وقوة من قواها، وأن النفس ~~ليس لها استعانة بالبدن ولا بشيء منه، وأنها خالصة لا شوب فيها، وقائمة ~~بجوهرها غنية النفس عما يفسدها ويحللها ويتخونها ويؤثر فيها، وكيف يكون ذلك ~~وهي لا تنفعل البتة، ولا رداءة فيها البتة؟ فبهذا وأشباهه ينفتح للإنسان أن ~~النفس يمكن أن تطلب علم حالها بعد مفارقة البدن بالأمر الطبيعي، والسبب ~~الضروري، فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثا عن عدم مطلق، بل هو بحث ~~عن أحوال منزلة مشهودة، مرتبة محدودة، بل هو بحث عما يتصور غايته ويطمأن ~~إليه، تارة بالبرهان المنطقي، وتارة بالدليل العقلي، وتارة بالإيماء الحسي، ~~والأمر الإلهي. # PageV01P166 # وقال أيضا في مثل هذا الموضع ما يجب إيراده وإن طال الفصل وأسام ذكره إن ~~الحسيات معابر إلى العقليات، ولا بد لنا ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ولا ~~نقدر أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة من سبيل نسلكها، ومثل نستصحبها، وشواهد ~~نستنبطها ونثق بها، ولو أمكننا الوصول إلى عرصات القول وبلاده كان التفاتنا ~~إلى الحواس فضلا، لا لأننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتسبب ~~بها كل التسبب، ونطالب بها المعقولات كل المطالب، بل الذي يحكم به الحق ~~ويقتضيه الحزم، أن نأخذ الأمثلة من الحس، فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ ~~فارقناها اعتناء عنها مستريحين منها، ومن حرجها واضطرابها، ولما كنا بالحس ~~في أصل الطبيعة لم ننفك منه، ولما كنا بالعقل في أول الجوهر لم نجهل فصله، ~~فلهذا ما اشتغلنا بالحس ولم نقض به، ووصلنا إلى العقل ولم نميز عليه. # وهذا اقتضاه قول عرض في ms034 جملة كلامه، وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول، ~~وليس في كل معقول ظل من الحسن ومتى وجدنا شيئا في الحس فله أثر عند العقل، ~~به وقع التشبيه، وإليه كان التشوق، وبه حدث المقدار، والإنسان متى لم يخلع ~~آثار الحس خلعا، لم يتحل لبوس العقل تحليا، وإنما شق الإقرار بمعرفة حال ~~النفس بعد الموت لأن الحس لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها، وإن ~~كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البينة عليها. # وفي الجملة هذه المسئلة عذراء ضيقة، وعجماء مشكلة، ولكن العقل الذي هو ~~خليفة الله في هذا العالم يجول في هذه المضايق، ويدفع هذه الموانع ~~والعوائق، ولولا هذه العناية المرموقة، والحالة المعشوقة، بهذه الأوائل ~~المشروحة، والأبواب المفتوحة، لكان اليأس يزهق الأرواح ويتلف الأنفس، ولكان ~~العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد لشيء لا حقيقة له، ولا حكمة ~~فيه، وأنه شبيه بالعبث واللعب، وليس له محصول ولا # PageV01P167 # فيه شيء معقول. ولاحاجة بعد هذا البيان الذي غر دحاديه، وطرب سامعه في ~~هذا المكان، إلا قلة الصبر على النظر، وسوء العناية في طلب الحق، وإيثار ~~الراحة بالراحة، وقطع أيام العمر بالتمني، وتوجيه التهمة إلى الحق، وتسليط ~~الجدل على الاستنصار، والاعتماد على البهت والوقاحة، وإلا فإن الحق معرض ~~لك، بل بارك عليك، بل نازل عندك، بل حاضر معك، بل متجلل بك موجود فيك، ~~وإنما تؤتى من جفائك في الطلب وسوء العناية في التحري، لا من توارى الحق ~~عنك، ولا من اشتباهه عليك، وليس مع الجفاء والعنف وصول إلى الحق، ولا مع ~~الرفق يأس من الحق، ألحق أسبق إليك منك إليه وأعطف عليك منك عليه وأرأف بك ~~منك به وأظهر فيك منك فيه وكان وفيا بهذا الباب قيما عليه، وسقط عني شيء ~~كثير مع هذا كله، وفيما حصل تعلل؛ وعلى الله التمام. ### | المقابسة الواحدة والعشرون # في أن فضيحة حسيب لا أدب له أفظع وأشنع # من فضيحة أديب لا حسب له # سمعت أبا سليمان يقول: فضيحة حسيب لا أدب ms035 له، أفظع وأشنع من فضيحة أديب ~~لا حسب له. # فقال: ابن الوراق النحوي: ولم ذاك؟ فقال: لأن هذا عدم ما يقوم نفسه ويكمل ~~ذاته، وذاك فقد ما يقوم أصله ويستر قديمه، والنفس أرفع من الأصل، لأن الأصل ~~راجع إلى الولادة، والنفس دالة على النقص والزيادة، نعم، وعلى الشقاء ~~والسعادة، # PageV01P168 # وقد يحس الإنسان بنفسه الجيدة سقوط أبويه فيتلافى ذلك في تكسب الخير ~~وإيثار الجميل، وشدو الأدب، وقصد العلم، كل ذلك سلف له، كما يحس الإنسان ~~بشرف أبويه فيتكل على ما سبق لأوليته، ولا يشغل زمانه العزيز في تحلية نفسه ~~بحلى آبائه وأجداده أخواله وأعمامه، ليكون ذلك زينة له في حياته، وذكرا ~~لعقبه من بعده، فلا جرم أنه أحرى من صاحبه كثيرا ثم قال: سمعت بباب الطاق ~~في هذه الأيام، وإنسان من أنكاد السوقة يقول لأخر من ضربائه: شرفك ميت ~~وشرفي حي، وشرفك أخرس وشرفي ناطق، وشرفك أعمى وشرفي بصير؛ قيل له: ماذا ~~أراد بهذا؟ قال: أراد: إني بنفسي على هذه الفضائل الشريفة والحال المتمناة، ~~وأنت بنفسك على أضدادها، لا تحيي ولا تنطق ولا تبصر، لم تنفعك أرومتك ~~البضاء، ولم تضرني جرثومتي السوداء، ومتى نابك أمر فتحدث بشرف غيرك، فكنت ~~بمنزلة الخصي المدل بهن غيره، وهذا ما لا يجدي عليه عند البضاع. ### | المقابسة الثانية والعشرون # في ما بين المنطق والنحو من المناسبة # قلت لأبي سليمان: إني أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة، ~~وعلى ذلك فما الفرق بينهما، وهل يتعاونان بالمناسبة، وهل يتفاوتان بالقرب ~~به؟ فقال: النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي، وجل نظر المنطقي في المعاني، ~~وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض، # PageV01P169 # وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي ~~لها كالحقائق والجواهر؛ ألا ترى أن المنطقي يقول بخبر وهو ينفعل، والنحوي ~~فيما خلاه اللفظ؟ ونظائر هذا المثال شوائع ذوائع في عرض الفنين والنظرين، ~~أعني المنطق والنحو، وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، ~~فكذلك التقصير ms036 في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط، وحد الإفهام والتفهم ~~معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف، والحاجة إلى الإفهام والتفهم على عادة ~~أهل اللغة، أشد من الحاجة إلى الخطابة والبلاغة، لأنها متقدمة بالطبع، ~~والطبع أقرب إلينا، والعقل أبعد عنا، والبديهة منوطة بالحس، وإن كانت معانة ~~من وجهة الحس، وليس ينبغي أن يكتفي بالإفهام كيف كان، وعلى أي وجه وقع، فإن ~~الدينار قد يكون رديء ذهب، وقد يكون رديء طبع، وقد يكون فاسد السكة، وقد ~~يكون جيد الذهب عجيب الطبع حسن السكة، فالناقد الذي عليه المدار، وإليه ~~العيار، يبهرجه مرة برداءة هذا، ومرة برداءة هذا، ويقبله مرة بحسن هذا، ~~ومرة بحسن هذا، والإفهام إفهامان: رديء وجيد، فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك ~~غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح ~~والمنافع، فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيدة بالوزن والبناء، ~~والسجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واختصار الزينة، بالرقة ~~والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد ~~الإفهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان. # قلت له: فما النحو؟ فقال: على ما يحضرني الساعة من رسمه على غير تصفية ~~حده وتنقيحه: إنه نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده، أو ~~تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه وتخليه، أو تأباه وتذهب عنه، وتستغني بغيره. # PageV01P170 # قلت: فما المنطق؟ قال: آلة بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال: هو حق أو ~~باطل، فيما يعتقد، وبين ما يقال: هو خير أو شر، فيما يفعل، وبين ما يقال: ~~هو صدق أو كذب، فيما يطلق باللسان، وبين ما يقال: هو حسن أو قبيح بالفعل. # قلت: فهل يعين أحدهما صاحبه؟ قال: نعم، وأي معونة إذا اجتمع المنطق ~~الحسي؟ فهو الغاية والكمال! قال: ويجب أن تعلم أن فوائد النحو مقصورة على ~~عادة العرب بالقصد الأول، قاصرة عن عادة غيرهم بالقصد الثاني. والمنطق ~~مقصور على عادة جميع أهل العقل من أي جيل كانوا وبأي جيل كانوا وبأي لغة ~~أبانوا، إلا أن يتعذر ms037 وجود أسماء عند قوم وتوجد عند قوم، فحينئذ الحال في ~~التقصير يتورك على تعذر الأسماء أو على وضعها على الخلاف، إما بالتواطؤ ~~والاصطلاح، وإما بالطبع والأسماع. # قال: وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيبا يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى ~~العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيبا يؤدي إلى الحق المعترف به من ~~غير عادة سابقة. والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو ~~مأخوذة من العرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي. والنحو مقصور، ~~والمنطق مبسوط. والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف، ~~والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس. وهو مستمر على الائتلاف. والحاجة إلى ~~النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق، كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر ~~من الحاجة إلى البلاغة، لأن ذلك أول، وهذا ثان. والنحو أول مباحث الإنسان، ~~والمنطق آخر مطالبه. وكل إنسان منطقي بالطبع الأول، ولكن يذهب عن استنباط ~~ما عنده بالإهمال، وليس # PageV01P171 # كل إنسان نحويا في الأصل. والخطأ في النحو يسمى لحنا، والخطأ في المنطق ~~يسمى إحالة. والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل. وقد ~~يزول اللفظ إلى اللفظ، والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول؛ فأما المعنى فإنه ~~متى زال إلى معنى آخر تغير المعقول ورجع إلى غير ما عهد في الأول. والنحو ~~يدخل المنطق، ولكن مرتبا له. والمنطق يدخل النحو، ولكن محققا له. وقد يفهم ~~بعض الأغراض وإن عرى لفظه من النحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. ~~فالعقل أشد انتظاما للمنطق، والنحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. ~~فالعقل أشد انتظاما للمنطق، والنحو أشد التحاما بالطبع. والنحو شكل سمعي، ~~والمنطق شكل عقلي. وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية. وما يستعار ~~للنحو من المنطق حتى يتقوم، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ~~ويستحكم. فالمنطق وزن لعيار العقل، والنحو كيل بصاع اللفظ؛ ولهذا قيل في ~~النحو الشذوذ والنادر، ورديء المنطق ما جرى مجراهما. # فهذا ما استدف من قوله، وهو باب مفتوح يمكن أن يقال فيه من ms038 هذا الجنس ما ~~يكون شاهدا لما قال والسلام. ### | المقابسة الثالثة والعشرون # في ظرف الزمان وظرف المكان # قلت لأبي سليمان: كنا أمس في مجلس أبي علي القومسي فجرى كلام في الظرف ~~فقال له الأندلسي: أيها الشيخ، لم صار الظرف المخصوص بالزمان أطثر من الظرف ~~المخصوص بالمكان # PageV01P172 # فسكت هنية ثم قال: لا أدري. وليس هذا من النحو، وإنما النحو في هذا أن ~~تعرف أن الظرف ظرفان، ظرف زمان وظرف مكان، وتحصي أسماء هذا وتميزها من ~~أسماء هذا، وتقف على المواضع المخصوصة بهما والأعراب اللازم لهم أوبهما. # فقال أبو سليمان: صدق أبو علي، فلقد ظلمه الأندلسي! من أين يعلم ذلك وليس ~~عليه في صناعته أن يبحث عنه؟ لأن مبادئ كل صناعة مأخوذة من ناس آخرين ~~قوامين عالمين؟ قلت: فلو أقدتنا فيه شيئا؟ فقال: الظرف الزماني ألطف من ظرف ~~المكان، والمكاني أكثف من ظرف الزمان، وكأن المكان من قبيل الحس، والزمان ~~من قبيل النفس، وكأن الزمان من حد المحيط، والمكان من حد المركز، فوفر لهذا ~~أن يكون تصرف الألطف اكثر من تصرف الأكثف، وبحسب تصرفه تكون أسماء أحواله ~~في تصرفه أكثر، والزمان منسوب إلى حركات الفلك، فجوهره شريف. والمكان من ~~جوهر المحيط، فجوهره محطوط. والفلك أقرب من الأمور العالية، فكذلك مرسومه ~~الذي هو الزمان. # قال: ومما يشهد أن الزمان ألطف، أنك تقول: زمان حاضر، وزمان ماضي، وزمان ~~مستقبل. هذا بالنظر الأول، وقد أحس به كل الناس، وهو يزيد بالمنطق على هذه ~~القسمة زيادة بينة، ومن أجل تصرف الزمان في الوجوه الكثيرة، استخرج يحيى بن ~~عدي المنطقي من قول القائل: القائم غير القاعد، وجوها تزيد على عشرين ألف ~~وجه بآلاف، ورسالته في ذلك حاضرة. # ثم قال: ومما يزيد لطافة الزمان وضوحا أن الزمان الواحد يجر إلى أكثر من ~~واحد، إلى مالا آخر لهما، والمكان الواحد متى شغل بالواحد عجز عن الثاني. # PageV01P173 # ثم قال: وأي نظر أشرف من نظر الفيلسوف الذي يرتقي من السفل فيجول في ~~الوسائط، ويبلغ إلى العلو، وربما انحدر من العلو فخرق بمدة ms039 الحجب كلها، ~~مبينا عنها وعن جملتها وتفصيلها، بمعرفة موزونة من العقل، وروية مؤيدة ~~بالبصيرة، وحقائق بالعدل موزونة، وتصفح بالغ إلى الحد الأقصى، بلا ظرف ولا ~~ترقب ولا شك ولا مرية، بل علم ثابت ومعرفة راسخة، وبيان جلي، وشاهد قائم، ~~وبرهان موجود، وللمشغوف بالحكمة في هذه المواضع مراد ومسرح، ومرمي ومفتح، ~~وذلك لأن الآلهية عالية، وعلائقها متشاكلة متناسبة، ومواهبها متقاربة ~~متواصلة، ومتى كشف الغطاء بالنظر والفحص بأن منها ما يبهر كشعاع الشمس. # وكان نضر الله وجهه إذا سلك هذا الوادي سال عرقاه، ولم يدرك طرفاه، وكان ~~يخرج من باب إلى باب، ومن صنف إلى صنف، استراحة من طول جمامه، وإنسا بمن ~~يفهم عنه بعض مرامه، وذلك أنه كان مهجورا مطرحا، فيطول سكوته ويتضاعف أربه، ~~فإذا حرك أدنى تحريك انفتح وانفرج وترك التقية الموحشة، والمداراة الثقيلة، ~~وكان ربما أنشد بعد هذا الشوط الطويل، والنفس المديد، قول الشاعر: # لو كنت أقدر أن أقولا ... لشفيت من قلبي غليلا # لكن لساني صارم ... ملئت مضاربه فلولا ### | المقابسة الرابعة والعشرون # في الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة # سألني أبو سليمان يوما عن الطبيعة وقال: كيف هي عند أهل النحو واللغة؟ ~~أهي فعلية بمعنى فاعلة، أو بمعنى مفعولة؟ # PageV01P174 # قلت له: أكره أن أرتجل الجواب عنها، لعلي أدفع فيه إلى الاعتذار منه، ~~وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافي غدا إن شاء الله، وهو اليوم عالم ~~العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض. # فقال: إنه كذلك، اجعله منك على بال، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه ~~المسئلة. # فسألت أبا سعيد عنها فقال: هذا من قبيل الأسماء المحضة، لا من قبيل ~~الأسماء المشوبة، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، ~~ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول، كذبيح بمعنى مذبوح ولكن يقال هو فعل في ~~أصله كجبير وأثير، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه، ولفعيل ~~أسرار ووجوه، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الأمراء، وإذا لم يكن بد من ~~اعتباره على ms040 طريقة هذا السائل، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى، وذلك أنا نقول: ~~طباعه كذا وكذا، وطبيعته، أي ما طبع عليه، وبمعنى فعل، والمفعول فيه أبين، ~~وأخواته يدللن على ذلك، أعني الضريبة، والسليقة، والسجية، والغريزة، ~~والنحيزة. # قال: وهذا كلام كاف في الحرف. # فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها ههنا كالحواجب، وإن لم تكن محتاجا ~~إليها من كل وجه، ولكن الكلام له صورة لا تملك، وغاية لا تدرك، وإذا أعادها ~~زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه، وتسهل له، وتحدث عنه، فقد برئنا ~~من العنف واللوم والإفراط في التوبيخ، إن شاء الله تعالى. # قال: واعلم أن للأفعال مراتب مختلفة، ومواضع متباينة، فالظاهر منها مرتبة ~~ضرب، وما ماثله فإنه نافر، أي مبعد، ولست أعني بما مائله ما كان ملاشيا، بل ~~ما زاد عليه أيضا، ولكن بعد أن يكون له أثر منفصل من فاعله، ثم ما عدا هذا ~~أيضا مراتب أعلى ما يلزم كقولك خلا، وعدا، وكرم وظرف، وعلم، وسلم، وثبت، ~~ورتب، # PageV01P175 # ثم قال: ما زاد أيضا مثاله، هذا حكمه، كقولك: تدحرج، واحر نجم: والإنسان ~~له في كل شيء من هذه الأشياء شكل يباين شكله الآخر ضربا منه المباينة، يشعر ~~به مرة ويسهى عنه أخرى، ومجموع الأفعال فعل يحدث بك من غيرك، مثل ما يحدث ~~لغيرك منه، مثاله: ضرب، وضرب يحدث بك منك، مثاله: حسن وسمع، وضرب يحدث فيك، ~~مثاله: خجل ووجل، ونسي، وفي نوع ما يحدث بك ما يجوز أن يؤمر به وأن ينهى ~~عنه، مثاله: إشجع ولا تحببن، وأعلم لا تجهل، وها هنا ضرب تحدث أنت فيه أو ~~تحدث به، مثاله: كن وجد واعدم، وإذا حققت النظر كنت للمطاوعة أغلب على جميع ~~هذه الضروب إلا ما تميز عنها، ولم يلتبس بها. # إلى ها هنا حصل ما اتصل بما كنا فيه، وكرهت اختزاله عنه، وأعود فأتمم ~~صدرا بدات به في هذه المقابسة بعجزه، نعم فبادرت بالجواب إلى أبي سليمان ~~وقصصته قراءة عليه. # فقال: هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا ms041 الشيخ، غيض من فيض، ~~وشرارة من حريق. # ثم قال: وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من ~~قبولها من النفس، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها، فإن الطبيعة ~~كالهدف لما عنى النفس، وكالشيء الشاحي فاه المنتظر لما يلقى إليه ويرسم له، ~~لا يتعدى حكمه، ولا يعصي أمره، ولا يخالف نهجه، وهذا شأن النفس مع العقل، ~~ولكن أعلى من هذا، لأن الفيض الأول والجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا ~~عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا ~~اعتراض، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس، ثم التنزيل ~~والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها، وبقوافيها ~~ومعاينها وتظهر عند # PageV01P176 # ذلك الأشكال المختلفة في الأشخاص، وتبدو قواه بوسائط المسانح والإحساس، ~~فأما إذا وفى حقها فيما يقبل منها ما دونها، وينقاد لها ويأتمر لأمرها، ~~ويجري على رسمها، ويظهر تشكلها في الأجزاء المتشابهة المختلفة العناصر، ~~المختلطة والمتميزة، والمواد المستعدة والأبية، والأشتات المتلائمة ~~والمتباينة، فإنها في حد الفاعلة التي تطبع وتنقش، وتصلح وتجمع، وتؤلف ~~وتنقض، وتحظر وتبيح، وتندر وتستخرج. وهذه الرتبة حصلت لها من تقبلها للنفس ~~لأنها أعطتها صورتها وكانت فاعلة بها، ولأنها قبلت منها فكانت منفعلة لها، ~~فلها المرتبتان والحدان، بنظر ونظر، ووجه ووجه. # قال: وإذا وقف على هاتين الحالتين، الأولى بموجب اللسان العربي، والثانية ~~بقضية الاعتبار النظري، لم يبق في الطبيعة من هذا النسق ما يفتقر إلى ~~إيضاحه والإبانة عنه، لأن التصفح قد أتى على كل ما كان في القوة من هذين ~~الوجهين. فأما حدها الذي هو لها بالتحقيق وهو ما قال أرسطو طاليس إنه مبدأ ~~الحركة والسكون. وإيضاح هذا بين في الكتب الموضوعة فيه وفي أشكاله، وإنما ~~قويت العناية في شرح هذا القول على قدر ما بدا من المسئلة والجواب. # تابعت حاطك الله من هذه المقابسات الثلاث لأنها متواخية في بابها، أعني ~~أنها في حديث النحو واللغة والمنطق والنظر، وبهذا تبين لك أن البحث عن ~~المنطق قد ms042 يرمى بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب ~~المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويا، ~~والنحوي منطقيا، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها. ~~والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح. # PageV01P177 ### | المقابسة الخامسة والعشرون # في معارف الناس وأقسامها بالقول المجمل على التقريب # قال: سمعت شيخنا أبا سليمان يقول: معارف الناس بالقول المجمل على التقريب ~~تنقسم أصولها إلى الظن والوهم، والحدس والعقل، واليقين والشك، والغالب ~~والسابق، ولا إيهام والايجاس والخاطر والسائح واللائح، ثم إن هذه كلها ~~تتخالف مرة وتتلابس مرة، وتراآي مرة وتتوارى، ولن يخلص مطلب من المطالب، ~~ولا مذهب من المذاهب، من شوب مثلها، على قدر القلة والكثرة، والضعف والقوة، ~~واللين والشدة، وعلى حسب المزاج والهيئة، والخلط والطبيعة، والمنشأ ~~والعادة، وعلى ما يعجب الإنسان من استبداده أو تقليده؛ ولو خلص مظنونه من ~~موهومه، وتميز محسوسه من معقوله، وانفصل معلومه من مجهوله، وبان ملتمسه من ~~هواه، لكان لا يدخل الظنة في العلم، ولا يدب الحس في العقل، ولا يتفشى ~~العقل في الحس، ولا يكدر الحق بالباطل، ولا يصفو الباطل بالحق، ولتوضحت ~~الأشباء بأعيانها، ونقيت من أدرانها، وزال شك الناظر في أثنائها، ووقع على ~~حقائقها وأنبائها، وعاد ثلج الصدر باليقين، معمور النفس بالسكون، غنيا عن ~~تأليف القياس والبرهان، وتصنيف فنون القول والبيان؛ ولكن الإنسان مضروب ~~بالظن والحدس، ومصنوع بالعقل والحس، ومردد بين النقص والزيادة، ومعرض في كل ~~وقت للشقاوة والسعادة، لا فكاك له من جميع ذلك ما دام في مسكه الطبيعي، ~~وعقله الجزئي، وجهله الكلى. اللهم إلا أن يلبسه الله لباس الرحمة، وينشيه ~~غشاء العصمة، فحينئذ إن قال قال الصواب، وإن فعل الواجب، وإن اعتقد اعتقد # PageV01P178 # الحق، وإن هم هم بالخير، وإن نوى نوى الجميل، وإن حث حث على الصلاح وإن ~~زجر زجر عن الفساد، وإن لحظ لحظ العلو، وإن غض غض عن السفل. فقال له بعض ~~الحاضرين: فكأنه يفارق الطبيعة البشرية، وينسلخ من العوائق ms043 العنصرية؟ # فقال: يفارقها من وجه ولا يفارقها من وجه يفارقها بأن يميت هواجسها ~~إماتة، ويسكن سونحها تسكينا، ويخمد لواهبها إخمادا، ويقتدر على بلوغ هذه ~~الغاية اقتدارا. ولا يفارقها بأن يبقى إنسانا لا طبيعة له ولا مزاج ولا ~~بشرية! هذا ما لا يجب ولا يكون وقدر ما أمكن من ذلك قدرا يجاوز كل أمنية، ~~ويشرف على حال سنية؛ وهذه هي حال الفلاسفة الكبار، وحال البررة الأخيار، ~~وحال من قد خصه بالزلفى، وأناف به على الذروة العليا واندفع في هذا وما ~~شاكله يقوى بدر وتبر وتمر. وكان كاملا بهذا الفن لا يؤتي فيه من عي ومس، ~~ولا من نقص ولبس، وقام جلساؤه عنه في هذه العشية وكأنما قد نهلوا من الخمرة ~~الصرف والشراب العتيق، وكان كلامه أكثر من هذا ولكن إلى ها هنا بلغ حفظي ~~وتتبعي، وسيمر عنه ما يشفي القرم، ولا يورث السأم، إن شاء الله تعالى. ### | المقابسة السادسة والعشرون # في أن اليقظة التي لنا بالحس هي النوم # والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة # سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول: رأيت ثابت بن قرة الحراني في المنام ~~قاعدا على سرير في وسط دجلتنا هذه، وحوله ناس كثير، كأن # PageV01P179 # كل واحد منهم من قطر، وهم على خلق مختلفة، وهو يعظهم وينسبهم في خلال ~~وعظه وكلامه، وحصلت عنه نكتة شريفة ذهبت مني في اليقظة وساءني ذلك. هذا ~~وكنت أسرح تفكري كثيرا في الظفر بها والوقوع عليها، فلا يعود بطائل، فلما ~~كان بعد دهر، وبعد اختلاف أحوال، ذكرت أنه قال: خذ يا إبراهيم ثمرة الفلسفة ~~من هذه الكلمات الشافية التي هي خير لك من أهلك وولدك ومالك ورتبتك: اعلم ~~أن اليقظة التي هي لنا بالحس هي النوم، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة، ~~ولغلبة الحس علينا قد اتفقنا أن الأمر بخلاف هذا، وإلا فغلب العقل مكان ~~الحس يتصدع لك الحق في هذا الحلم، فإذا وضح هذا فبالواجب أن ينبغي أن ينقص ~~من الحس، وإن ظننا أن اليقظة من ناحيته، ويلتبس بالعقل وإن ظننا أن ms044 الحلم ~~من ناحيته. # وكان أبو اسحق يقول: وهذه النكتة مقر وشيها، ولكن بقي أن تفهم منتفعا ~~بها، وتسمع على وجه التقبل لها، لا على معنى الاعتراض لها: الفلسفة هي ~~لطائف العقل، فكل من لطف وصل إليها، ولطف الإنسان في طلبها هو تأتيه عند ~~التفهم، وصبره عند الطلب، وشأنه على السيرة التي ندب إليها المشفقون ~~الناصحون، فإن النفس تزكو عند ذلك، والصدر ينشرح، والخاطر يتوالى، فلا يبقى ~~حينئذ باب إلا انفتح، ولا مشكل إلا وضح. # PageV01P180 ### | المقابسة السابعة والعشرون # في هل يقال الإنسان ذو نفس # كما يقال هو ذو ثوب؟ # سئل أبو سليمان: هل يجوز أن يقال: الإنسان ذو نفس، كما يقال هو ذو ثوب ~~وذو مال؟ قال: أما على التحقيق فلا، وذلك أن الإنسان قد يكون ذا ثوب وذا ~~مال، وقد لا يكون، ويستحيل أن يكون الإنسان إنسانا إلا وهو ذو نفس، إلا على ~~السعة والمجاز. # قيل له: فهل تقول: إن النفس ذات إنسان؟ قال: لا، لأنها غنية عن الإضافة، ~~ألا ترى أنه لا يقال إن الثوب ذو إنسان، وإن اليد ذات إنسان، كما يقال ~~الإنسان ذو ثوب؟ وذويد؟ لأنه لا حاجة بالثوب إلى الإنسان، وإنما الحاجة ~~بالإنسان إلى الثوب واليد. # ثم قال: واعلم أنه ينبغي أن يفهم من قولنا: الإنسان ذو نفس، أنه بالنفس ~~إنسان، لأن الإنسان عرف بالنفس أنه إنسان. ومما يزيدك بيانا أنك إذا قلت: ~~ذو نفس، فقد أضمرت في الإنسان نفسا في الأول، ثم ميزته بعد بقولك: ذو نفس. ~~وهذا رجوع فيما أعطيت، ألا ترى أنك إذا قلت: الإنسان ذو ثوب، لم يتضمن ~~الثوب في الإنسان، بل تميزه منه حتى تكون إشارتك إلى هذا غير إشارتك إلى ~~هذا؟ فقد انكشف أن الإنسان لا يقال هو ذو نفس إلا على سعة وتجوز؛ ومما ~~يزيدك أيضا استبانة أن معنى الملك يستحيل في هذا الكلام، وقولك: الإنسان ذو ~~ثوب، إيضاح للملك والملك غير المملوك، وليس الإنسان مع النفس، فإنه لا يملك ~~النفس، بل النفس تملكه، ألا ترى أنها تصرفه وتكلفه ms045 وتستعمله وتستكمله؟ فأين ~~معنى الملك الذي يقتضيه اللفظ في جميع نظائر هذا القول؟ والسلام. # PageV01P181 ### | المقابسة الثامنة والعشرون # في هل هنا غير المعقول والمحسوس؟ # قيل لأبي سليمان: هل ها هنا غير المعقول المحسوس؟ # فقال: الترتيب في القسمة الصحيحة يضاعف هذا ويزيد عليه، وذلك أن لنا ~~أشياء كثيرة في هذا الباب، أولها محسوس، ثم محسوس معقول، ثم معقول بحت، ثم ~~معقول محسوس. # فأما المحسوس البحت، فما للبهيمة وما يجري في حكمها. # وأما المعقول المحض، فما للفلك بأسره. # وأما المحسوس المعقول، فما يتخيله الإنسان الذي لم يصف بعد. # وأما المعقول المحسوس، فما يدركه النظر بالبحث. وكلما أمعن في هذا بلغ ~~إلى عالم الأجرام الناطقة الحية التي قد غنيت عن الحس بفضل ما لها من الفيض ~~الدائم. # قيل له: فماذا يبلغ؟ قال: قد قلنا مرارا بأن تستنير نفسه بالمعارف ~~الصحيحة، وتعتدل سيرته على الطريقة العقلية، وتطهر أخلاقه من الأوساخ ~~الطينية، وتنفذ قوته في الأمور العالية. # قيل له: فلم استغنى في نهاية المعقول عن الحس، ولم يستغن في نهاية الحس ~~عن العقل؟ فقال: لأن المعقول في نهايته حس، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه، ~~ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم، ولا بد من عقل يوصل به إلى الباري ~~على الخصوص. والحس رائد، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه، والعقل # PageV01P182 # مستريد، لكنه يستريد ممن هو دونه، فوردت العلة في الأصل والفرع، اصل ~~الوجود وفرع العدم مزاجه، انتهت الحال تامة إلى مالا يعرفه الجاهل عمى، ولا ~~يدركه استحسارا، ولا يناله المترف كسلا، والسلام. ### | المقابسة التاسعة والعشرين # في أن الفاعل الأول هو علة المحسوسات والمعقولات # سمعت النوشجاني يقول: قد وضح بالعبرة الصحيحة، والتصفح الشافي، والنظر ~~البليغ، أن الفاعل الأول هو علة كل ما يرى ويوجد ويعقل ويحس لا قصد له في ~~أفعاله، ولا غرض، ولا مراد، ولا اختيار، ولا روية، ولا توجه، ولاعزيمة، ولا ~~معالجة، ولا مباشرة، ولا مزاولة، ولا محاولة فقال له بعض الحاضرين: لو أيدت ~~هذا القول ببرهان ساطع، أو بدليل مقنع، كنت ms046 قد شيدت ما أسست، وقويت ما ~~بنيت؟ فقال: إن هذه كلها دخلت أفعالنا لعجزنا وفسولتنا، وانحطاطنا وضعفنا ~~وتهافتنا وتحولنا، وتبدلنا وسيلاننا، وجبرت مكاسر نابها، وتمت نواقصنا ~~بمواصلتها، وانسدت مفاقرنا باستعمالها، فأما الباري الحق الذي هو واهب كل ~~كامل كماله، وجابر كل ناقص نقصه، فهو علي عن الأغراض والعلل والمسالك. # قال له السائل: فكيف اتفقنا على أنه منعوت بالحكمة، وأفعاله على ما زعمت؟ ~~وكيف يبان عن هذا ويتحقق حتى يخلص من خوائن اللحظ والقلوب، وسرائر اللفظ من ~~الألسنة؟ # PageV01P183 # فقال: لعمري إن في إيضاحه لصعوبة وعسرا، وإن كان العقل قد قضى بما قدمته، ~~وعلى صعوبة ذلك فإني اولف على التقريب قولا عسى أن يكون للسامع فيه رضى ~~ومقنع، إن لم يكن فيه مرآى ومسمع. # ثم ابتدأ فقال: قد وجدنا في أفعالنا ما يبدر في بعض الزمان من غير قصد ~~مفروض، ولا مراد متوجه، ويشتمل مع ذلك على النظم والإتقان والصواب، ~~والإحكام، والمواءمة والسلامة، حتى نتعجب من أنفسنا غاية التعجب ونتهادى ~~الحديث به، وليس منا أحد إلا وهو يجد هذا لنفسه من فعله، أعني البادر ~~والخارج عن قصد متقدم، وعزم مستحكم، ورأى مثبت، ومقدمة مرتبة، وحتى يظن ~~كثير منا أن ذلك انقلب بلا مؤامرة وانبجس بلا فكرة، وانبعث بلا روية، وتم ~~بلا قصد، وحدث بلا تقدمة وعرض بلاعلة، وكأنه كالشيء الباين بنفسه، القائم ~~بذاته، وعند اتفاق الأمر على التئامه وانتظامه، يكثر شكرنا لله عز وجل ~~وحمدنا إياه، فترى أنه كان صنعا منه لنا، ولطفا منه بنا، ويدا سبقت بالحسنى ~~إلينا، ونعمة من الله تعالى توالت علينا، وقد تتصل ببعض أفعالنا وأعمالنا ~~أيضا بالقصد والغريزة والرأي والهمة والروية، وسائر مقدمات العقل وأوائله، ~~ودواعيه وتوابعه، ومع ذلك تزل عن شرح النظام، وتعدل عن طريق التمام، وتحيد ~~عن سنن الغاية، ونزول عن بلوغ الحد والنهاية؛ فالأول البادر منها منهاج لنا ~~أن نعلم أن الفاعل الأول أحكم فعله ذلك الإحكام بل أجل منه أيضا كثيرا ~~وإنما ضربنا هذا المثل تمثيلا، وأن الذي كان منا في الفينة بعد ms047 الفينة، ~~والفرط بعد الفرط، هو الذي يكون منه على الديمومة والسرمدية على هيئة أشرف ~~مما يعتاد ويستأنف، والثاني البادر منه أيضا طريق لنا إلى أن نعلم نقصنا في ~~كمالنا، وعجزنا في قدرتنا، لأن القدرة تخص، والرؤية تتقدم، والغرض ينتصب، ~~والفعل يمكن، والتحليل يقع، ومع ذلك لا يتم الفعل ولا يصح المقصود. وفي ~~البادر الأول يتم ذلك كله، وليس هناك داع قوي ولا ضعيف، ولا شيء # PageV01P184 # من مواجباته واه ولا حصيف؛ وبين هذين من البادرين محجة الأفعال ~~بالاستطاعة والقدرة والقوة والتمكين والدواعي، لا يد فيها دافع، ولا يمتنع ~~من الاعتراف بذلك ممتنع. فقد شهد العقل في مراتب هذه الأفعال بين ما بدر في ~~الطرفين، ولين ما استمر بينهما، بأن الفاعل الأول يفعل ما يفعل بغير قصد ~~ولا روية ولا اختيار ولا غرض، بشهادة ما بدر من الإنسان في وقت دون وقت، ~~ولو تمت أفعال الإنسان أبدا بلا قصد ولا رؤية ولا غرض ولا إرادة وصار هذا ~~البادر منه مألوفا، كانت هذه القوى فيه فضلا أو غبثا؛ ولو كانت أيضا تتم ~~أبدا بها ومعها وعندها ومن أجلها، كان مضافا إليها ومحمولا عليها، غير موقظ ~~في عرضها على أسراراها، ولا مدعو إلى البحث عنها، ولا منبه على اعتبارها ~~واستتارها، فأعار الله هذا الإنسان هذه القوى إعارة وألبسه هذه الجلابيب ~~إلباسا، وصرفه فيها تصريفا، فإن يمر بها شيء فلأن المعوق حاش هذا الإنسان ~~إلى الإذعان والطاعة. # قلت له، وقد بلغ بهذا الموضع بعد انبهار وجهد: ولم بدر من الإنسان ما بدر ~~في الأول؟ قال: لأن فيه جنية آلهية، وجزءا ربانيا، يتسق به ما يتسق، ومن ~~أجله يتفق ما يتفق. # قلت: فلم بدر منه البادر الثاني؟ قال: لأن هيولاه عالية، وطينته سافلة، ~~وصورته التي هو بها ما هو ممتزجة، ولا بد للهيولى من الانفعال الذي هو من ~~شأنها، كما لا بد للصورة من الفعل الذي هو من شأنها، وكل متقدم منها فله ~~أثر منها ظاهر إلى أن يغلب سلطان الصورة فيبطل حكم الانفعال، أو يغلب ms048 سلطان ~~الهيولى فيبطل حكم الكمال. والترجح بين هذين هو الذي يسلك إلى الغاية التي ~~يسعد بها وإلى النهاية التي يشقى بها. ونحن نسأل الله عصمة تقي ونعمة تزيد ~~وتنمى # PageV01P185 # قد زال أبقاك الله عن سمعي وبصري وصدري كثير مما كان صلة لهذه الجملة ~~والبقية كما تراها، ويصالحها العقل بالتحية والرحب، فيتلقاها إبالبشاشة ~~والبشر، وليس يوصل إلى أعماق الفلسفة وعويص الحكمة الآلهية لا بالإشارة ~~والإيماء، والرمز والإيماض. ### | المقابسة الثلاثون # في هل يقال أن الباري تعالى لا شيء؟ # قيل لأبي زكريا الصيمري بباب الطاق في الوراقين وأبو سليمان حاضر: بلغنا ~~أنك لا تقول إن الباري شيء؟ وهذا مذهب كالشنع إن لم يكن كالمحال، والمعروف ~~غيره عند كافة الناس؟ # فقال: قولنا شيء، ليس باسم، ولا فعل ولا حرف، ولا نعت، ولا مصدر، ولا ~~ظرف، ولا حال! ولست واجدا نصابا يقر فيه، ولا منزعا ينزع إليه، وإنما صار ~~له مفهوم بحسب اتصاله بغيره، وانضمامه إلى ما يتم به، كقولك، هذا شيء إذا ~~أضفت إلى نفسك. وهذا شيئك، إذا أضفت إلى مخاطبك. وهذا شيء فلان، على هذه ~~الوتيرة المعترف بها. وأما قولك شيء على نكرته وأصله وتجرده، فليس يجلب ~~فائدة ولا يحدث ثمرة ولا يوجب علما. والنفس لا تأخذ منه معنى، والفهم لا ~~يحلو منه بجملة، والحس ينفي عنه ضربة واحدة، فأما إن عرفتة بالألف واللام ~~فقلت الشيء، فإنه لا يكون له أيضا ثمرة حتى تتصل المعرفة المجتلبة إليه ~~بغيره وتنكشف، اللهم إلا أن يكون بينك وبين صاحبك عهد بشيء من الأشياء، ~~فحينئذ ذلك العهد يشير إلى غير ذلك الشيء الذي في نفسك، ويذكر عهدك به ~~وعهده بك # PageV01P186 # ثم قال: فان قلت مستزيدا: لم لا يكون للأسماء؟ قيل: لأنه لا ينبغي أن ~~يوجد شيء من الأشياء ثم يولى اسما بأنه زيد أو نعتا بأنه يسيل؛ أو حالا ~~بأنه قائم، وخاصة بأنه ضاحك، وسائر ما يتبع هذه الأوائل مما لا يحصى كثرة، ~~وهو مشهور عند كل أحد. فإن سميت ما لم يوجد فذلك لأنك أعرته اسم ms049 آخر ~~موجودا. فإن قلت: فلم لا يكون نعتا؟ قيل لك: لأنه قبل أن ينعت يكون شيئا. ~~وإنما النعت يقرره ويميزه ويحليه ويوضح عنه. فإن قلت: ومن أين كان هذا ~~هكذا؟ قيل: لاشتمال قولك الشيء واحتوائه. ألا ترى أنك تطلقه على المعدوم، ~~على تفاوت درجاته؛ كما تطلقه على الموجود، على تباين طبقاته؟ وتعين به ما ~~في الحس تعيينا، كما تشير به إلى ما في العقل إشارة؟ وتستعمله فيما يفرضه ~~فرضا من غير حقيقة، كما تستعمله في ما هو موجود وله حقيقة؟ فلوقوعه على كل ~~ما عدم ووجد، ويعدم ويوجد، ما وجب أن لا يطلق على من كان يعلو على كل شيء، ~~وهو منبعث بكل شيء، ومعطي كل شيء ما على ما هو به من جسم وجوهر، ومحسوس ~~ومعقول، ومفروض ومعلوم، ومشهود وموهوم، وبائد وثابت؟ وكنت سمعت الشيخ علي ~~بن عيسى الرماني النحوي الصالح يقول: الشيء مصدر شاء يشاء شيئا، كقولك جاء ~~جيئا، والمشية كالمجية، وإنما أعمل على ما ترى لتعلق ما نجد حسا وعقلا وظنا ~~ووهما. فالمشيئة ولاشيء بهذا المعنى بعض خصائص الاسم، وخرج به عن أصل ~~المصدر. ولهذا أشباه. # وقال أبو سليمان في هذا المجلس، زائدا في هذه الفائدة: لا ينبغي أن يطلق ~~على الباري موجود! قلنا: ولم؟ قال: لأن الموجود مقتض للواجد لا محالة، ~~والواجد في صيغته مقتض # PageV01P187 # للموجود لا محالة، فالرباط قائم، والتعلق بين، والله تعالى يجل عن هذه ~~الرتبة لأنه لا واجد له، ولو كان له واجد لكانت مرتبة الواجد فوق مرتبة ~~الموجود بدلالة سائر الأسماء والصفات. # قلنا له: قد قيل: معبود ومحمود وموجود، وما ضارع ذلك؟ فقال: أما إذا ~~تجوزت في الكلام، وتفسحت في العبارة، فكل هذا على باج واحد. وإنما الخصوصية ~~للذين دققوا في التوحيد من هذه الجهات الغامضة والإشارات اللطيفة. على أن ~~الذين أباحوا هذه الأسماء أعاروه إياها لأنهم نقلوها عن غيرها ونعتوه بها؛ ~~وذلك غاية طاقتهم، ومبلغ علمهم، ونهاية جهدهم. # ثم قال: إن أطلق الموجود على أنه اسم فقط جاز؛ لأن الموجود في ms050 الأول إنما ~~اقتضى الواجد وصار مضمنا به، لأنه التبس بالصفة. فأما إذا جرد اللفظ من ~~معنى النعت واستعمل على مدرجة الأسماء لم يكن كبير تقصير إلا من وجه واحد، ~~وهو أن هذا الاسم بعينه هو صفة في مكان آخر. فالشركة حاصلة ضرورة، والتوحيد ~~مباين للشركة، كانت الشركة مجازا أو إشارة أو تثبيتا وحقيقة. وهذا كما ~~تسمع. وما أزيدك استبصارا وتعجبا منه واستغرابا له، وهو نمط ما سمعته من ~~صنف من أصناف الناس، فإن سرك فاستفده. وإن سقط عليك فدعه لأهله فلست الغيار ~~على هذا الخلق. ### | المقابسة الواحدة والثلاثون # في أنه لو اقتضت إرادة الباري عدم البعث والنشر # لما قدح ذلك في ألوهيته # سمعت مقدادا يقول: لو انتهى غرض من تقدس وعلا في الإنسان مع هيئته ~~المعروفة وحليته المألوفة، إلى أن يموت ثم لا يكون له بعث ولا نشور، # PageV01P188 # ولا معاد ولا منقلب، لما كان ذلك قادحا في آلهيته، ولا متحيفا لطرف من ~~أطراف حكمته، ولا معاند لما يليق بربوبيته؛ فكيف وقد نصب العلامات، وأحكم ~~الشواهد والبينات، وأقام البرهان والآيات، على تحقيق المعد وحصول السعادة ~~والشقاء، بحسب الصور الموجودة لواحد واحد؟ ثم قال: لو سألنا العقلاء ~~بأسرهم، وسألنا أعقلهم فقلنا: ما تقول في بدنك إذا بطل بأسره ولم يبق منه ~~شيء إلا العين التي من شأنها أن تبصر الأشياء؟ فإن جوابه لا يعدو أن يكون: ~~إذا لم يكن بد من فناء جميع البدن بأجزائه فلأن تبقى العين وهي أشرف ما ~~فيه، أو السمع وهو في الشرف بمكان خير من أن لا يبقى شيء ويبيد كله ويضمحل ~~جميعه؟ قال: فيقال له: فكذلك النفس في بقائها بعد أن يصرخ عنها قشورها ~~وتفارق مختارة لبوسها؟ قال: وإنما ضربت هذا المثل، وعرضت هذا التشبيه، لأنه ~~قال لي قائل: ألإنسان لا يبقى فإذا لم يبق الإنسان فأية فائدة فيما يبقى ~~منه أوله أو آخره؟ قال: وهذا لو ضرب المثل بمن له ولد، أعني لو قيل لا سبيل ~~إلى بقائك بذاتك لأنك لا تحتمل ذلك بعنصرك ولكن ms051 يبقى بعدك ولدك الذي هو ~~بضعة منك وفاضل عنك، لآثر بقاء ولده من بعده إيثارا حسنا طيب النفس به، ~~فإنه يرى أن ولده منه أو هو هو، لأنه يرى مصاصته وخلاصته وبصاصته وسلالته، ~~ولا يكاد يفصل بينه وبين نفسه إلا بالشخص، والشخص فقط. # ثم قال موضحا لما اتصل بصدد كلامه: إعلم أن الإنسان لا يبقى إنسانا لأن ~~الإنسان إنما هو إنسان بحده المنطقي فإذا صفا مما كان به كدرا، وانبسط إلى ~~ما كان عنه مركبا، وانتهى عما كان به محدودا، وارتقى مما كان به هابطا ~~محظوظا، وخلع الصورة الملابسة للحس، والغشاء اللاصق به من ظاهره، فإنه ~~حينئذ يكون الباقي الذي كان مرة إنسانا، لأن الإنسان اسم للحد المعروف، ~~أعني الحي الناطق المائت. فإذا ارتفع الحد ارتفع الاسم وحقت الحقيقة التي ~~كانت النفس موجودة بها حاصلة. ألا ترى أن الإنسان إذا قدم فكره في # PageV01P189 # حالة خالية الأيام الماضية، قبل أن حوى حده، وملك صورته واقتنى به خاصته. ~~ونوعه وفصله وجنسه وعرضه، ثم إنه كان على حال أخرى ولم يكن يحب من ذلك أن ~~لا يكون في الثاني على هذه الجملة؛ فكذلك إن كان الآن على ما هو عليه، ثم ~~تحول عنه إلى ما ليس الآن عليه، ليس ينبغي أن يكون منكرا مردودا، متعجبا ~~منه مجحودا، لأن الذات باقية كما كانت في الأول، وإنما تخللت حجبا، وقطعت ~~طرقا، واستعملت أشكالا، وأظهرت أحوالا، واستكملت استكمالا، ونالت شرفا ~~وعلوا وجلالا. ### | المقابسة الثانية والثلاثون # في علة امتناع الرؤيا في المنام # سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبي محمد العروضي وكان أبو محمد يتفلسف ولزم ~~يحيى بن عدي دهرا أنا قليل الرؤيا، وقد ساءني هذا، وقد خلت أن ذا من عمى ~~القلب؟ فقال أبو محمد: هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين: أحد الأمرين ~~كدر النفس بالجهل، وظلمتها بالغباوة، وامحاء صورتها بصدأ الدهر، وقلة ~~اقتناء المعارف، وشدة انجرادها من الغير، وهذه حال دهماء العوام. وأما ~~الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعي رياض العلم، فيصير حالها ~~في ms052 الحلم قسيمة حالها في اليقظة، إلى الكهانة، حتى إذا حدس قرطس، وإذا ظن ~~ظن، وإذا وهم هجم، وإذا اعتبر عبر، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط ~~باستخراج الدقائق، وتأليف المقدمات، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد ~~الحق وبحبوحة الصواب؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط، أي ~~من غير إعمال أداة وإحضار آلة. # PageV01P190 # قال: وهذه كبها من درجات النفس، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر ~~والتقليب، وتارة بالوحي والإلهام، والإلقاء والسنوح، والموافقة والمصارفة، ~~وما جرى في نظائر هذه المعاني، والتبس بما يكون شطرا لها، وهذه حال تقع ~~أولا في مزاج مهيا، وترتيب معدل، وطنية حرة. ثم يظهر ثانيا بتهذيب النفس، ~~وتطهير الأخلاق، وتصفية الأعمال، وقمع الشهوات. وكل من كان قسطه من الحال ~~الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر. # وهذا باب طويل الذيل مياس، وفيما وقع النص عليه، ووصلت الإشارة إليه، ~~بلاغ لمن آثر رشده، وقصد حظه، وبذل سعيه، وأم غايته. وفقنا الله لما يجب ~~واستعملنا فيما يرضى، أنه قريب مجيب. ### | المقابسة الثالثة والثلاثون # في الحركة والسكون وأيهما أقدم؟ # سئل أبو محمد العروضي مرة عن الحركة والسكون أيهما أقدم؟ فقال: أما عند ~~الحس فالحركة أقدم، وأما عند العقل فالسكون أقدم. وبعد فالسكون عدم الحركة، ~~وكل حس فقوامه بالحركة، وكل عقل فصورته بالسكون، ونظامه بالهدوء، وخاصته ~~بالطمأنينة، وأثره بالقرار، وقوته بالنفس؛ وكأن من فيض العلة الأولى وجوده، ~~لأن هذا النعت لكل ما دونه، فالاستعارة له بالواجب والحقيقة، والسكون عند ~~العقل عدم الحس، والحركة عند الحس تأثير العقل. # وأطال إطالة شذ بها عني أكثر قوله. # وسمعت أبا سليمان يقول ما هو رفد لهذا القول وجار معه: فإن سكون العقل في ~~نوع الحركة، وحركة الحس في نوع السكون، لأن حركة الحس # PageV01P191 # إلى الاضمحلال والنكول، وسكون العقل إلى الكمال والمحصول. وقال: إنما ~~الحركة التي نعتقد لها ضدا، أعني السكون، هي الحركة التي للقفار وبلاد ~~الحس، فأما الحركة لنوع السكون فلا ضد لها بوجه، لأن العقل كل بمعنى واحد، ~~وواحد بمعنة كل. وله هذا ms053 باشتمال العلة الأولى عليه واقتباسه منها، وقد وضح ~~أن السكون عدمها، فكيف يكون ههنا وجود؟ قيل له في هذا المكان: فالعالم ساكن ~~أو متحرك؟ فقال: لو كان متحركا الحركة المعروفة لقلق وارجح، ومال وتهافت، ~~ولو كان ساكنا لبقي ذلك على حال، ولكنه متحرك حركة استداره، فلذلك ما يظن ~~به السكون. وساكن لسكون قابل للفيض، فلذلك ما يظن به الحركة. فالتشوق حركة، ~~ولكن عقلية. والدوام على التشوق سكون ما، ولكن عقلي، فكل ما قد فاض من ~~العلة الأولى ويقبله المعلول الثاني، وهو موجود على مراتبه المتباينة ~~ودرجاته المختلقة، بين الطرف الأدنى إلى الطرف الأقصى ومع ذلك فقد وقف ~~الجميع تجاه كل متصفح، وقبالة كل باحث، فليس بذهب من جميع ذلك بشيء إلا ~~بسوء الاختيار، وقلة الإقتداء بالأفضل الأخيار حفظك الله، ولو انتفعنا ببعض ~~هذه الفقر الكريمة سعدنا ونلنا منيتنا، فسل ربك ذلك بالتضرع إليه، والخضوع ~~بين يديه، مع العبادة الدائمة، والبحث اللطيف، والتؤدة المعتادة، والإحسان ~~إلى البرية، فإنك تعطي بغيتك، وتبلغ غايتك، وتنول سعادتك، إن شاء الله ~~تعالى. ### | المقابسة الرابعة والثلاثون # في أن الموجود على ضربين موجود بالحس وموجود بالعقل # سمعت البديهي يقول وكان صحب يحيى بن عدي دهرا، وهو حملني # PageV01P192 # بدعوته اللطيفة إلى مجلسه: من البين أن الموجود على ضربين: موجود بالحس ~~وموجود بالعقل. ولكل واحد من هذين الموجودين وجود بحسب ما هو به موجود، إما ~~حسي، وإما عقلي. فعلى هذا ألنفس لها عدم في أحد الموجودين، وهو الحسي. ولها ~~وجود في القسم الآخر، وهو العقلي. وقد كان الدليل على هذه الحال حاضر في ~~هذا العالم، وذلك أنها كانت تنقله وتستنبطه وتعقل وتستبطئ وتنظم المقدمات، ~~وتدل على ينابيع المعلومات، وتعلو إلى غاية الغايات. وليس للحس معها شركة، ~~ولا له عندها معونة ومادة، فكيف لا تكون النفس التي هي عنوان كتابتها، ~~وصريح كنايتها، وفاضل عنايتها، بعد مفارقة القشور والحواجز، والحيطان ~~والحواجب، والغواشي والملابس، عن الحس أغنى، وبجوهرها أعلى، وبخاصتها أسنى؟ ~~وهذه الاشياء عنها أبعد، وعن شرفها أهبط؟ وهل هذه الشهادة إلا ms054 عادلة، وهذه ~~البينة إلا مقبولة، وهذا الحكم إلا مرضي، وهذا المثال إلا بين؟ ثم قال: ~~ولطائف الحكمة لا يصل إليها الحس الجافي، والغليظ الفدم، والجلف العبام، ~~والهلباجة العلفوف، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه، واتسع فكره، ودق بحثه، ورق ~~تصفحه، واستقامت عادته، واستنار عقله، وعلت همته، وخمد شره، وغلب خيره، ~~وأصل رأيه، وجاد تميزه، وعذب بيانه، وقرب إتقانه. قيل له: هذا عزيز جدا ~~الآن؟! واتباع في هذا الفن وتمطي، وحاز كل غاية وتخطى. ومحصولي من ذلك ما ~~سمعته الآن، فسر نفعنا الله به، وحلانا بأزينه، وأسعدنا بقبوله. # PageV01P193 ### | المقابسة الخامسة والثلاثون # في عجيب شأن أهل الجنة # وكيف لا يملون النعيم والأكل الخ # سمعت أبا إسحق النصيبي المتكلم وكان من غلمان جعل يقول: ما أعجب أمر أهل ~~الجنة؟ قيل: وكيف؟ قال: لأنهم يبقون أبدا هناك لا عمل لهم إلا الأكل والشرب ~~والنكاح؟! أما تضيق صدورهم؟! أما يكلون؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال ~~الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال ~~الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يأنفون؟! أما يضجرون؟! وأخذ في ~~هذا وشبهه يبوح مستعظما؟! وكان يقول بتكافؤ الأدلة، ويجيب عن أكثر الناس ~~ويفاتح فيه ابن الخليل ويناقله عليه، ولعمري إن من طلب طمأنينة النفس، ~~ويقين القلب، ونعمة البال، بطريقة أصحاب الجدل وأهل البلاء، حل به هذا ~~البلاء، وأحاط به هذا الشقاء. والكلام كله جدل ودفاع، وحيلة وإيهام، وتشبيه ~~وتمويه، وترقيق وتزويق، ومخاتلة وتورية، وقشر بلا لب، وأرض بلا ريع، وطريق ~~بلا منار، وإسناد بلا متن، وورق بلا ثمر، والمبتدئ فيه سفيه، والمتوسط شاك، ~~والحاذق فيهم متهم؛ وفي الجملة آفته عظيمة، وفائدته قليلة. نعم، فا عدت على ~~أبي سليمان قوله بنصه، وحكيت له شمائله فيه، فقال في الجواب: إنما غلب عليه ~~هذا التعجب من جهة الحس لا من جهة شيء آخر، وهكذا كل ما فرض بالحس أو لحظ ~~بالحس. لأنه قد صح أن شان الحس أن يورث الملال والكلال، ويحمل على الضجر ~~والانقطاع، وعلى السآمة # PageV01P194 # والارتداع. ms055 وهذا منه في ذوي الإحساس ظاهر معروف، وقائم موجود وليس كذلك ~~الأمر في امعاد إذا فرض من جهة العقل، لأن العقل، لا يعتريه الملل، ولا ~~تصيبه الكلفة، ولا يمسه اللغوب، ولا يناله الصمت، ولا يتحيفه الضجر. وهكذا ~~حكمه في الشاهد الحاضر، والعيان القاهر، لولا عقل النصيبي ونظرائه! ألم ~~يعلم أنه كان في هذه الدار على شوبها وفسادها وكدرها وثبورها كان العقل لا ~~يكل معقوله أبدا، ولا ينقضي منه أبد البتة، ولا يطلب الراحة عنه بوجه، بل ~~كان العقل إذا وجد معقوله وتوحد به، صار هذا قد أحيي، لا يوجد بينهما بين ~~بحال، فكيف إذا كان المنقلب إلى عالمه الصرف الذي لا حيلولة ولا تعير له، ~~وهو الوجود الوجود المحض، والأمر الصرف، والشيء الذي كلما عرفته بالصفة بعد ~~الصفة، كان عنها أعلى، وكلما أوضحته بالعبارة بعد العبارة كان عنها أخفى. # وأطال هذا الفصل وعلقت من جميعه قدر ما قررته في هذا المكان، ولعلك تجد ~~به ما أكون منصورا فيه عندك، غير ملوم على إساءتك، وفي الجملة القول في ~~حصول النفس بعد خلع الحد الذي خص به الإنسان صعب، ولولا أمثلة توضح إيضاحا ~~يثق به الإنسان مرة بعد مرة لكان باب معرفة حالها قد أرتج، والطريق قد سد، ~~وقد بين هذا كله بالبرهان المنطقي في مواضعه المعروفة، إن كانت الثقة تقع ~~كذلك، فأما هذا المقدار فإنه جرى في عرض مقابسة هؤلاء المشايخ بينهم ~~بالحديث والاسترسال، فليكن العذر فيه مقبولا عندك بحسب الحال التي قلبت ~~ظهرها لبطنها لك، مرة بعد أخرى، فهذا الولوع من بالاعتذار إحساس بالتقصير، ~~أما من جهتي فلسوء الرواية، وأما من جهتك فلقلة الدراية، فأنا أسأل الله رب ~~العالمين أن يفرغني لبلوغ غاية هذا الأمر بقية عمري، فإنها فيما إخال ~~قليلة، وما يرجو المرء بعد الالتفات إلى خمسين حجة قد أضاع أكثرها، وقصر في ~~باقيها؟ إذ أراد الله نجاة عبد تولاه بلطف من عنده. # PageV01P195 ### | المقابسة السادسة والثلاثون # في أن الحق الأول منبجس الأشياء ومنبعها # سمعت النوشجاني يقول: البارئ الحق الأول ms056 والأحد منبجس الأشياء كلها ~~ومنبعها، عنه تفيض فيضا، وفيه تغيض غيضا، لا على حد اللفظ الذي يرسم في عن ~~فصلا، وفي في وصلا، بل على حد العقل الذي بالشيء على الشيء من غير إثبات ~~بينونة، ولا تأسيس كينونة، فإن الأشكال والحدود من الأقوال والأغراض منفية ~~في ساحة الألهية، لكنها رسوم محركة للنفوس تحريكا، وكلمات مقربات من الحق ~~تقريبا، تبلغ بالسامع إلى ما وراء ذلك كله تبليغا، وكلما كانت هذه الرسوم ~~أتم وأحسن، والكلمات أبهى وأبين، كان التحريك ألطف، والإدراك أشرف. ولهذا ~~ما يضرب عن بيان إلى بيان، ويؤثر كلام على كلام، ومثال هذا التحريك حاضر من ~~الأشكال والخطوط والصور والنقوش. # ثم قال: الوحدة شائعة في جميعها، ومحيطة بها كلها، ومشتملة عليها بأسرها، ~~فصارت على هذه الأشياء بالوحدة تتشاكل وتتكامل، وبالكثرة تتخالف وتتفاضل، ~~فالمعنى بالتصفح المولع بالتعرف، قد يلوح له تارة كالمركز من المحيط، وتارة ~~كالمحيط من المركز، وتارة كالدرة في النحر، أعني بهذه الفقر ملائما بينهما، ~~فافطن له. فإذا لحظ الأول فكأنه صادر مع الصوادر، وإذا الحظ الثاني فكأنه ~~وارد مع الموارد، وإذا لحظ الحشو بين الطرفين فكأنه كل هذا وكل ذاك، ومن ~~أجل الإحاطة الشائعة والاشتمال الأول ما انقسم المطلوب عند الطالب بين ~~المحيط والمركز انقساما مفروضا # PageV01P196 # لا محقوقا، فالنسبة على هذا واحدة، والوصلة ثابتة، ولكن القوابل مختلفة، ~~والوجوه والأمكنة متباينة النواحي والأزمنة، فعلى هذا تختلف الفروع، ~~والراجعة إلى الأصل المبدئ للفرع. # وهذا كلام غامض من وجه، ومن رجع إلى فطنة ربانية، وقريحة صافية، لحظ من ~~هذا أكثر مما ضمنت العبارة، وأتت عليه الإشارة. ### | المقابسة السابعة والثلاثون # في أن الإنسانية أفق والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع # قال أر سطو طاليس فيما ترجم من كلامه عيسى بن زرعة المنطقي البغدادي أبو ~~علي: الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه إلا ~~إنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية، ومن رفع عصاه عن نفسه وألقى حبله ~~وسيب هواه في مرعاه ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان لبن العريكة ms057 ~~لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلى أرذل من البهيمية لسوء ~~إيثاره. # PageV01P197 # هذا آخر ما ترجمه من هذا الفصل، وهو كما ترى وعظ بحكمة، وإيقاظ برأفة، ~~وتعليم بنصيحة، وإرشاد ببيان. لو روى هذا الحسن البصري ومنصور بن عمار ~~وضرباؤهما ما زادا على ذلك، وقد اتفقت آراء الأوائل كلها على إصلاح السيرة، ~~وتصحيح الاعتقاد، والسعي فيما أثمر وأجدى، والإعراض عن كل ما شغل البال ~~وأثار الشهوة، لتبلغ النفس غايتها وتسعد في عاقبتها، ولا يكون لها عكس في ~~هذا العالم، ولا تردد على ما قد خوف من ذلك كثير منهم، والسلام. ### | المقابسة الثامنة والثلاثون # في معنى قولهم العقل يحرم كذا ونطق بكذا # قلت لأبي علي هذا ما معنى قول القائل: العقل يحرم كيت وكيت، العقل نطق ~~بكيت وكيت؟ فقال: معنى ذلك استحسانه الحسن واستقباحه القبيح، والاستحسان ~~تحسين لك، والاستقباح تقبيح عليك، والتحسين إطلاق، والتقبيح حظر، وإنما كان ~~هذا من العقل هداية لذي الطبيعة، لأنه يمر مع الأول، والطبيعة هي معنا من ~~لدن خلقنا، فإذا استحكم سوء أدب ذي الطبيعة وطال انفسد حتى يصير كأنه بعض ~~هذه البهائم في الجهل، أو بعض هذه السباع في التنزي والوثوب، وكان في الأصل ~~محدودا بالنطق، ويسر أمره، وأظهر مكنونه، وذلك كله تنبيه العقل وتحريكه، ~~وتحسينه وتقبيحه، فمن # PageV01P198 # استجاب كف عرام طبيعته، وأمات هائج شهوته بالتدريج والترتيب، ليكونه ممن ~~إصغاؤه إلى نصح العقل وهدايته أتم، ويكون استضاءته بنوره أشمل وأعم، فلهذا ~~كان للعقل تحريم وتحليل، وحظر وإباحة، ومنع وإجازة، وكف وحث، وإطلاق وقيد، ~~وحبس وبعث، لا على ما يظنه من لا خبرة له بالحقائق، ولا استجابة له عند ~~داعي الرشد. ### | المقابسة التاسعة والثلاثون # في كيف يفعل العاقل اللبيب ما يندم عليه؟ # قيل لأبي سليمان: كيف يفعل العاقل اللبيب والحازم الأريب، ما يندم عليه؟ ~~وكيف يقدم على ما يعقبه تبعة، ويأتي ما يأباه بعقله، ويكرهه بدينه، ويعافه ~~بمروءته، وينكره بعادته، ويمنع منه غيره بنصيحته؟ هذا مع اختياره الذي هو ~~إليه، واستطاعته التي هي حاصلة لديه، ومع ms058 عقله الذي هو كاللجام والزمام، ~~والقاضي والإمام؟ # فقال: الاختيار والاستطاعة، القوة والقدرة، والحزامة والعزيمة، والرأي ~~والروية، والشهامة والصريمة، والتحصيل واليقظة، وكلما كان في قبيلها، ~~وجاريا في حلبتها، ومشاكلا لها، ونازعا إليها، وداخلا في حرمتها، ليست هي ~~للإنسان على طريق الملك يصرفها كيف يشاء، ويقلبها كيف يريد، بل هي له من ~~جهة التمليك، فلو كانت على جهة الملك ما زل زلة ولا ضل ضلة، ولا ندم ندامة ~~لاذعة، ولا التزم مؤلمة موجعة، ولا زحم زحمة موحشة، ولا نكص على عقبيه ~~متحيرا، ولا بقي منكسا مبهورا، متى كانت عنده على وجه التمليك من مالكها، ~~بقيت منها بقايا عند مالكها متى شاء تمام فعله أمده منها بما يتم له فعله، ~~لئلا يظن ظان أن ذلك لاستقلاله # PageV01P199 # بنفسه، وكماله بقدرته، واستغنائه عن مملكته، بل يتم له شيء ليرتاح له ~~ويشكر مقيضه لينيله بلاغه أم بانقطاع شيء آخر ليفزع إلى ربه ويلوذ به ~~بمسألته، ويتبرأ من حوله وقوته، ومن علمه وبصيرته، ومن جلده ونجدته ومن ~~أنفته وشيمته، ويلوذ بمن هو أولى به، ويستمد ممن هو أملك له، ويستأمر إلى ~~من هو اقدر عليه، ويلقي مقاليده كلها إليه، ويطرح كله بين يديه؛ وهذا بيان ~~في موجب الربوبية ومقتضى العبودية، لا ينكره إلا من لا يبالي الله به في أي ~~واد هلك، وبأي ريح انتثر، وفي أي بحر غرق، وفي أي غثاء طاح. # قلت له: هذا كلام على الصالحين وأهل الديانة من أصحاب الشرائع. # قال: يا بني لا تعجب من هذا، فالأنبياء والأصفياء ومن دونهم يدندنون حول ~~خلوص النفس في العاجلة، وخلاصها في الآجلة، والقول وإن اشتبه والإشارة وإن ~~غمضت، فالمراد بين والمطلوب متيقن، وهل الحكمة إلا مولدة الديانة؟ وهل ~~الديانة إلا متممة للحكمة؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس؟ وهل الديانة إلا ~~سيرة النفس؟ وكنت قد حدثتني عن شيخكم الحضرمي الصوفي أنه قال: النقب كثيرة، ~~والعروس واحدة. فقد ارتفع التناقض وسقط التنافي! وإنما قطعت هذا الأمر في ~~طلب الحياة الدائمة التي لا شوب فيها من ألم، ولا ms059 عارض من أذى، ولا خوف من ~~انقطاع. # PageV01P200 ### | المقابسة الأربعون # في أن العلم حياة الحي في حياته # والجهل موت الحي في حياته # قال أبو بكر الصيمري، لجماعة عنده ونحن في طاق الخواني في الوراقين وقد ~~ذهب به القول في كل عروض، وجذبه إلى كل باب: العلم حياة الحي في حياته، ~~والجهل موت الحي في حياته، فإذا كان الجاهل ميتا في حياته فماذا ترى يكون ~~بعد مماته؟ وإذا كان العلم حياة الحي في حياته فلا شك أنه يكون حياة له بعد ~~وفاته. # ثم قال: العلوم الآلهية في السر لأنه بساط العمل الصالح، والحق المعتقد، ~~والخلق الطاهر، والطاعة الحسنة، والراحة في المعاقبة، ومن عري من العلم ~~ولزم العمل، كان كخابط عشواء، ما يفوته أكثر مما يجده، وما يفسده أكثر مما ~~يصلحه؛ ومن لزم العلم وخلا من العمل، كان كلابس ثوبي زور. والعلم فنون، ~~وأشرفه معرفة الحق الأول، والعلم قوام المعقول، والعمل قوام المحسوس، ولولا ~~المحس لا ستغنى عن العمل، لأن العمل إنما هو رياضة النفسين اللتين تعاندان ~~النفس الناطقة، أعني الشهوية والغاضبة، فأما العلم فهو كله في تقديس ~~المعقول بالعقل والتشوق إليه، وطلب الاتصال به، والفرق في بحره، والوصول ~~إلى وحدته، والعمل مقوم للقوى التي تريع كثيرا بالزيادة والنقصان، وبالخمود ~~والهيجان؛ والعلم مبلغ إلى الغاية التي لا مطلوب ورائها، والعمل مهيئ لك ~~نحو المسلك إلى سعادتك، والعلم مشرف بك على سعادتك، والعمل يوصل، والعلم ~~وصول، والعمل حق عليك لا بد من أدائه، والعلم حق لك لا بد لك من اقتضائه ~~والعلم كله نور # PageV01P201 # وأنواره ما أضاءك وسطع عليك وأسفر بك وجلا عن حقيقتك، وتحلى بعقيدتك ونحي ~~قشورك عنك، وأبرز لبك منك، وصقلك وصفاك وزينك، وأبهجك ونورك، واهلك لدرك ~~حدك، وأحلك دار كرامتك وقرارك، وصار ألصق بك من شعارك ودثارك، هناك تبقى ~~ولا تبلى، وتغنى ولا تضنى، هناك الواصل والموصول، والعالم والمعلوم، ~~والعاقل والمعقول، في فضاء الوحدة، ومغاني القدس، وخطة الراحة، ومراد ~~الطمأنينة، والجدة والثقة والسكينة، وعرصة آلهية لا تفرقه ولا تمييز، ولا ~~كثرة ms060 ولا اختلاط، ولا تمازج ولا اختلاف؛ حال تجل عن إمارات الحال، وأمر ~~يلطف عن رسوم الأمر، على هذا سكبت العبرات، وطالت الزفرات، أتظن أن الرقي ~~في سلاليم المعرفة، والتناهي في غايات التوحيد، هين سهل، وقريب ممكن؟ هيهات ~~أن يكون ذلك كذلك، ولكن لواحد بعد واحد، يخص به الواحد، في عالم بعد عالم، ~~وفي دور بعد دور. # وكان كلامه أطول من هذا وأشفى، وهذا حاصل منه، والله أسأل تقبله والوفاء ~~به والقيام عليه. ### | المقابسة الواحدة والأربعون # في أن المغمض من الحكماء يدرك ما لا يدركه المحدق من الدهماء # قال أبو الحسن العامري: إن المغمض من أرباب الحكمة يدرك بفكره # PageV01P202 # ما لا يدركه المحدق ببصره من غيرهم. وذلك أن الحس محطوط عن سماء العقل، ~~والعقل مرفوع عن أرض الحس، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه، ومجال ~~العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره. والحس ضيق الفضاء قلق الجوهر، سيال ~~العينن مستحيل الصورة، متبدل الاسم، متحول النعت. والعقل فسيح الجو، واسع ~~الأرجاء، هادئ الجوهر، قار العين، واحد الصورة، ثابت الجسم، متناسب الحلية، ~~صحيح الصفة. والفكر من خصائص النفس الناطقة. والنطق في النفس بتصفح العقل ~~بنور ذاته، والحس رائد النفس بالوقوع على خصائصه. وكما قد صح أن الحس كثير ~~الإحالة والاستحالة، فكذلك قد وضح أن العقل ثابت على ما له في كل حالة. ~~والحس يفيدك ما يفيد في عرض الآلة التي أصلها المادة؛ والعقل يفيدك ما يفيد ~~على هيئة محضة، لأنه نور. # قيل: لم! ألسنا نرى عاقلا يتحول من معقول إلى معقول، وينتقل من رأي إلى ~~رأي، وينصرف من معتقد إلى معتقد؟ فهل هذا إلا لأن السيلان الذي ادعى في ~~الحس تدرب إليه وعمل فيه؟ وما هكذا يرى من اعتقد معتقدا بشهادة الحس! فإنه ~~أثبت رأيا، وأرسخ يقينا، وأظهر سكونا، وعلى هذا: ألحس يفيد العلم الذي تسكن ~~معه النفس. والعقل يفيد العلم الذي كأنه مظنون؟ # فقال: هذا كلام من لم يرتض بحكمة القدماء، ولم يرتق عما عليه العامة ~~والضعفاء؛ والأحساس حفظك أو ms061 من إليه من جهة النفس لا من العقل ولا من جهته، ~~وليس لها حكم على شيء من أحواله إلا من جهة النطق النفسي، والذي يوضح هذا ~~أن البهائم كلها ذوات إحساس قوية، وليس لها قضايا منها ولا نتائج بها، ~~لأنها خادمة للقوة القاضية بالحق، الدالة على الصحة، المفضية إلى المقدمات، ~~المستخرجة للثمرات، وإنما وقع لك هذا القول لأنك ظننت أن ما يعتقده كثير من ~~الناس الذين يظنون بأنفسهم # PageV01P203 # أنهم خاصة من ناحية الحق؟ بل ليس الأمر كذلك؟ لأنهم يعتقدون أشياء ممزوجة ~~مشوبة مختلطة كدرة يحكمون فيها أحلام العقل وسماء دره ومحايله، يأخذونها من ~~أشباح الأمور وصفحات الأحوال وظواهر الأشياء، ولذلك ما يزولون عنها بشرعة، ~~ويستوحشون منها عند كل شبهة، وليس كذلك الفلسفة، فإنها علم العلوم، وصناعة ~~الصناعات، لا تعطيك في موضح الشك اليقين، ولا موضح الظن العلم، ولكها تعطيك ~~في كل شيء ما هو خاصته وحقيقته، إن شكا فشكا، وإن يقينا فيقينا. # وسنصل بهذه المقابسة في الكتاب ما يكون بيانا وشاهدا بصحته، ولو أن هذه ~~الأوراق اشتملت على نكتة ما فيها فقط، وكان ذلك لا ينكر أنه كاف في معناه، ~~موف على أقصاه، لأن بحر هذا العلم عميق، وقيمته غالية، ولكنا وصلنا نكتة ~~بنكتة، ومقابسة بمقابسة، تذكيرا للعالم، وتفريجا للنفس، واستدعاء للنشاط، ~~ودلالة علة مواضع السعة والغزارة، ولا تصل منها إلا وهو يوفي على كتاب ضخم ~~إذا حويت على كل ما فيه وكل ما يتعلق به ويصرف فيه وشبهه، فإذا عتبت علي ~~أبقاك الله في بعض التقصير فقارب وأقصد، فلم أضمن لك خلوص ما أقوله عن بعض ~~الشوائب، وإنما عزوت ذلك كله إلى هؤلاء الأعلام الذين كانوا مذكورين في ~~الوقت من غير أن استبددت بشيء عليهم، إلا بما لا بال به، ليحسن ظنك ويقل ~~تعبك بها في تهجينهم، والله يعينك بلطفه، ويواصلك بتوفيقه، إنه قريب مجيب. # PageV01P204 ### | المقابسة الثانية والأربعون # في معرفة الله تعالى أضرورية هي أم استدلالية؟ # قيل لأبي الخير حدثنا عن معرفة الله تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ ms062 فإن ~~المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب ~~أن يحصل لنا جواب فيفسر على حد الاختصار مع البيان؟ فقال: هي ضرورة من ~~ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن ~~يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، قال: وهذا هو الشاهد ~~والغائب. وساغ أن يظن مرة أن معرفة الله اكتساب واستدلال، لأن الحس يتصفح ~~ويستقوي بموازرة العقل ومظاهرته وتحصيله، وأن يظن تارة أخرى أنها ضرورة. إن ~~العقل السليم من الأفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس ~~اسمه، ويحظر على صاحبه بجحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل، ~~لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس، وذلك أن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، ~~وحمل وإكراه، فأما ضرورة العقل فهي لطيفة جدا لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويحقق. # وكان بعض أصحابنا في الوراقين ببغداد يضرب في هذا مثلا: زعم أن مثال الحس ~~في هذا كامرأة حسناء متبرجة، ذات وقاحة وخلاعة، قد جلست إلى شاب طرير، له ~~شطر جمالها، وعليه مسحة من حسنها، تخدعه بحديثها، وتراوده عن نفسه لنفسها، ~~وتبدي له محاسنها، وتطمعه في تمكينه منها، # PageV01P205 # وتستعجله في حاجتها، وتحثه على قضاء اللذة والوطر منها؟ فأما مثال العقل ~~فكأنه شيخ هم قاعد على بعد، ليس به نهضة للزحوف إليه والحيلولة بينه وبين ~~ما نزل به من صاحبته الوقحة الفاضحة، إلا إنه مع ذلك يصيح ويتأوه وينادي ~~بصوت يحرك رأسه ويبسط يده، ويعظ ويلطف، ويعد ويخوف، ويضمن ويرفق، ويشفق ~~ويحنو، فأين تأثير هذا الشيخ الهم المحطم من تأثير هذه الخالبة الغالبة ~~المحتالة المغتالة؟ هذا مع قلة إصغاء الشاب إلى الشيخ وسيلانه مع هذه. # وأراد بهذا المثل، الفرق بين العقل فيما يدعوك إليه لتسعد، والحس فيما ~~يكلمك عليه لتشقى، هذا في جميع ما يزاوله ويحاوله ويهم به ويتوجه نحوه، ~~فعلى هذا فإن الله تعالى وتقدس معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في ~~وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيرا ولا يثبت أصلا، ms063 فمن استدل ~~ترقى من الجزئيات، ومن دعى الاضطرار إنحدر من الكليات، وكلا الطرفين قد وضح ~~بهذا الاعتبار، وكفى مؤنة الخبط والإكثار، وهكذا كل شيء يطلب أصله وفصله ~~بالنظر الفلسفي، والبحث المنطقي، والاقتراء الإلهي، فأما ما ينظر منه في ~~الجدال فلا يرث الإنسان منه إلا الشك والمرية، والحسبان والظنة، والاختلاف ~~والفرقة، والحمية والعصبية، وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استلاء ~~وجولة، وللحيرة ركود وإقامة، أخذ الله بأيدينا وكفانا الهوى الذي يؤذينا، ~~وصنع لنا بالذي هو أولى به منا والسلام. # PageV01P206 ### | المقابسة الثالثة والأربعون # في أن الطبيب أخو المنجم وشبيهه # قال العامري: الطبيب أخو المنجم، ونظير له وشبيه الحال به، وذاك أن ~~الطبيب قد يرسم بأنه حفظ الصحة بالتدبير المحمود، وأزال العلة بالرأي ~~الصحيح. وكمال علم الطب أشرف من موضوعه، وموضوع علم النجوم أشرف من كماله. ~~أو الصناعة محتملة للحيلة والزرق. كما أنها راجعة إلى الصحة والحذق، وقد ~~يتفق في زرق الزارق صواب كبير، كما يعرض في حذق الحاذق خطأ يسير؛ وللحيرة ~~بين هذين الإتفاقين مجال، وللمعترض عليها مقال، وفصل الحال بين الرجلين ~~صعب، والخطب مشكل. وليس للمصيب بالزرق أن يجعل ذلك قاعدة وأساسا؛ ولا ~~للمخطئ أن يقطع منه يأسا. # قال: وقفت هذه الصناعة هذا الموقف، وتدرجت هذا التدرج، لأن الله تقدس كما ~~أراد بالعافية والبرء والسلامة والنجاة إنعاما وامتنانا، كذلك أراد بالعلة ~~والمرض واليأس اختبارا وامتحانا، ثم أشاع الله العلم بالطب تعليلا للطبيب ~~بسبب رزقه منه، وتعليلا للمريض بسبب تخفيفه عنه، فكلا الرجلين، أعني ~~المعافى والعليل إلى غاية مضروبة، على أسباب محسوبة وغير محسوبة، ولو عافى ~~الله تبارك وتعالى بالطب أبدا لا تخذ الناس الطبيب ربا، ولو لم ينفع بالطب ~~أحدا لهجر الناس الطب هجرا، بل جعله علالة مرة مع إحصاء أيام العافية، وسبب ~~العافية مرة مع التنبيه على موقع النعمة ولذع البلية. # قال: وما هذا مرده ومرجعه إلى أمر الدار وما أسست عليه. ودبر أهلها به، ~~وصرف سكانها فيه، فمن لم يفتح بصره لم ير ما فوقه ولا ما تحته، # PageV01P207 # ولا ما ms064 عن يمينه، ولا ما عن يساره، كذلك للغيب سبحا لم يطلع على سر هذا ~~الشاهد، ومكنون هذا الجلي، وباطن هذا الظاهر، ومعقول هذا الذي تم عليه ~~الحس، وخفي هذا الذي وقع عليه الحدس. # قال: والمرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال، والغنى ~~والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب، والعلم والجهل في القلوب ~~بمنزلة العمى والبصر في العيون، والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشك ~~واليقين في الصدور، والشك واليقين في الصدور بمنزلة الغش والنصح في ~~المعاملات، والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال، ~~والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب، والحق ~~والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال، والخير والشر في ~~الأفعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع، والكراهة والمحبة في الطباع ~~بمنزلة الهجر والوصل في العشرة، والهجر والوصل في العشرة بمنزلة الرداءة ~~والجودة في الأشياء، والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في ~~الأمور، والصلاح والفساد في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب، ~~والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصورة، والقبح الحسن في ~~الصورة بمنزلة العي والفصاحة في الألسنة، والعي والفصاحة في الألسنة بمنزلة ~~الأعوجاج والاستقامة في الأعضاء، والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة ~~الحياة والموت في الأجساد، والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء ~~والسعادة في العواقب. فما أحوج هذا الإنسان بعد قيام هذه الأمور إذاعته ~~ومحله وصرفه إلى يقظة بها يكيس في معاشه، ومنها يقتبس لمعاده، ويقتنى ما ~~يحمد ريعه وجدواه، ويجتنب ما يصير سببا لشقائه في عقباه؟ فباب الخير مفتوح، ~~وداعي الرشاد ملح، وخاطر الحزم معترض، ووصايا الأولين والآخرين قائمة، ~~ومزاحمتهم موجودة، والخوف عارض، # PageV01P208 # والأمن مظنون، والسلامة متمناة. فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه ~~الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، ~~والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول ~~على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، ~~واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيرا فخير، ms065 وإن شرا فشر؟ بلى ~~يعلم، ولكن علما مدخولا، ويعقل، ولكن عقلا كليلا، ويحس ولكن حسا عليلا، كما ~~قال الأول: # أشكو إلى الله جهلا قد منيت به ... بل ليس جهلا ولكن علم مفتون # واعلم أن الغرض كله من هذا الكتاب، وجميع ما اثبت عن هؤلاء الشيوخ، إنما ~~هو في إيقاظ النفس، وتأييد ألعقل، وإصلاح السيرة، واعتياد الحسنة، ومجانبة ~~السيئة. فاستصحب الغرض بالنية الجميلة فلعلك تؤهل للفلاحة والسعادة عند ~~توزيع هذه الجملة المشتبكة، وانحلال هذه الحبائل المنعقدة. ### | المقابسة الربعة والأربعون # في معنى الإمكان وما قيل فيه # رأيت فضلاء من الفلاسفة، وهم الذين قد نوهت بأسمائهم مرارا يكثرون الخوض ~~في معنى الإمكان، ويتداولون المسئلة والجواب فيه، وقد اقتبست منهم ما رسمته ~~في هذا الكتاب، على طريقة قريبة وألفاظ معهودة، فأشركني في تقبل الفائدة إن ~~كنت طالب فائدة، ولا تسبق إلى الاستحسان والاستقباح، والتخطئة والتصويب، ~~قبل التفهم والتصفح، والتقليب والتنقير، فإنها مسئلة صعبة. # PageV01P209 # فمن ذلك قول القائل: زعم أن لا طبيعة للمكن وإنما هو موقوف على فرض ~~الفارض، ووهم الواهم، ووضع الواضع، وظن الظان، وليس كالواجب الذي هو ثابت ~~على وتيرة واحدة، وجديلة محدودة معلومة، والحد قائم الطبيعة، كالممتنع الذي ~~هو أيضا على هيئة واحدة، لا يرتقي صعدا ولا يتمايل سفلا. والبرهان على ذلك ~~أن الواجب لا يستحيل ممتنعا البتة، لا بزمان ولا في مكان، بل لا ينحط ~~الواجب إلى الإمكان، لا معقولا ولا موهوما ولا مفروضا ولا مظنونا، وكذلك لا ~~يسمو الممتنع إلى الإمكان في حال من حالاته على ما سلف البيان عنه. # وقال آخر من هؤلاء الجلة: ما يؤيد هذه المضادة ويحققها ويوضح مشكلا إن ~~كان عرض منها، أنك إذا قلبت هذه الألفاظ الثلاثة وفحصت عن عناصرها، ورتبت ~~معنى كل اسم منها، من جهة وزنه وترتيبه وصفته وخلقته، وجدت وجوهها المختلفة ~~دالة على معانيها المختلفة، وذلك أنك إذا قلت: هذا واجب، وهذا الوزن وزن ~~فاعل من جهة اللفظ؛ وإنما قلت من جهة اللفظ. # قال: لأن الفاعل من جهة المعنى مقتضى لمفعول، والواجب ms066 مثبت لنفسه عما ~~يكون هو به مفعولا، وعما يكون هو له فاعلا، والفاعل من المضاف، وكذلك ~~المفعول، ليس الكلام فيهما. وإذا اعترض من ناحية وزن الاسم وتبرأ من كل صفة ~~موهومة هذا التبرؤ، ولقيامه بنفسه واستغنائه بجوهره وكماله بذاته، أعطى ~~المؤنة الأولى والحد الأعلى. والممتنع إذا قلبت معناه من ناحية وزنه وجدت ~~فيه معنى من معاني الانفعال ونظائره، فالبينة تشهد بذلك. وهذا نظر يستهلك ~~نظر النحوي ويوفي عليه، لا بل فوقه في الشرف وإن كانت قوة النحو مقتصرة ~~وشهادته مستعارة له، فكأنه قد استضاف فعلا ما إلى نفسه، كما استضاف محتمل ~~ومشتبه وملتبس ومقتصد، وتقرين # PageV01P210 # هذا لطيف إلى التقريب دوه ما طال وامتد، وكما استوفى الواجب الصورة ~~بالكمال استيفاء وجود، انتفى الممتنع من الصورة في كل حال انتفاء عدم، فليس ~~في الواجب من أجزاء العدم شيء، ولا في الممتنع من أجزاء الموجود شيء، ~~وبالاضطرار لفظنا بآخر الممتنع. ثم إن الإمكان بعد هذا كله استعارة من ~~الواجب شبها، واقتطع منه ظلا، السعار أيضا من الممتنع شبها، واسترق منه ~~ظلا. وذلك هو عدم ما. فصار من أجل الاستعارة والاستراق ينقسم إلى مراتب ~~ثلاث: إلى الأكثر، والأقل، والأوسط. # فقال بعض من حضر هذه المقابسة: العجب أنه أخذ الشبه من اثنين وانقسم إلى ~~ثلاثة؟! فقال له قائل في الجواب: إنه قد أخذ الشبه من الواجب في الأغلب، ~~لقوة الواجب في صحة نفسه وثبات جوهره وصفاء عينه، وفي الأقل أخذ من ~~الممتنع، وقوة الممتنع بإزاء قوة الواجب وضعا وتمثيلا، وقد تقاسمت القوتان ~~الطرفين على تغايرهما، ألا ترى أن الكثرة من الموجود، والقلة من العدم؟ ~~أعني أن صورة الوجود في الكثرة أظهر منها في العدم، والوجود بأسره في ~~الوجود، والعدم في الامتناع، ونفي ما هو بهما أعني ما ائتلف من الشبه ~~المأخوذ من الواجب، والشبه المأخوذ من الممتنع، لأنه إذا وفى ما قد استعاره ~~من الشبه من الطرفين، وفي أيضا ما له بالتوسط. واختلاف أبنية هذه الكلمات ~~دليل بين وحجة واضحة على تفاوت ما بينها من ms067 الحقائق. فإذا ألأمكان قد خلا ~~من طبيعة يستقل بها، وعرى من صورة ينسب إليها، وعاد وحكمه حكم المركبات في ~~الحس، والمفروضات بالوهم. # قال: ومما يزيد ما يمضي من القول وضوحا أن الواجب لا يقف على إيجاب موجب ~~في وجوبه، والممتنع لا يقف على منع مانع في امتناعه. فإن عرض في نفسك ~~الواجب فاعلم أنه قد اقتضى شيئا ولكنه الموجب، واستوفاه # PageV01P211 # ولم يفضل منه ما يقتضي شيئا آخر، ولا بقي لضامنه ما يقتضيه شيء آخر. ~~وهكذا المانع في قياد ذلك قد اقتضى الممنوع واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضي ~~شيئا آخر، ولا بقي منه أيضا ما يقتضيه شيء آخر. وخرج حكم الممكن من الحكم ~~الذي للواجب، والحكم الذي للممتنع، لأن الممكن كأنه الطالب لكانه والداعي ~~لنفسه، فيكون مكانا. وهذا كله لتقلقه في قضائة وقلة استقراره في بابه، لأنه ~~عادم لحده وطبيعته، وإنما يغلب عليه تارة ما يغيره الواجب من نفسه وصورته، ~~فيصير الإمكان القريب من الوجوب في الوسط، لا يظن به رفع إلى جانب، ولا ~~انحراف لمكان الواجب عن الحقيقة، عن الكثرة والقلة والانقسام والعلة، وعن ~~استعارة صورة عن ذي صورة. فصار الممكن المنقسم إلى الكثرة والقلة والوسط. ~~لأن الكثرة والقلة قدران، وإذا بطل ما يكون ذا قدر بطل القدر. # ومما جرى بين هؤلاء الأفاضل في هذا الفصل ما يدخل في حاشية هذا الكلام ~~الذي قد أعجزني عن أدائه على وجهه بالقسطاس المستقيم سوء التأتي فيما يحقق ~~المراد ويحط ثقل الهم. وقول آخر: إن الواجب واجب أن يكون واجبا،، والممكن ~~واجب أن يكون ممكنا، الممتنع واجب أن يكون ممتنعا. فالوجب صورة الجميع، ~~لأنه نعت للعلة الأولى. وأما الإمكان والامتناع فإنه يشار إليهما بعد ~~الاعتراف بالوجوب الذي قد نفذ سلطانه فيهما وملكت سمته جملتهما واحتوت صفته ~~عليهما. والواجب لطبيعته لم ينقسم، لأن الوحدة إلى الكثرة وتشعبت عما هي ~~عليه في الحقيقة، وكذلك الممتنع، لأنه يكون في الطرف الآخر يعطي صورة ~~الانتفاء من نفسه توقيرا لحد الواجب. ولا ضير أن يختصر لهذه الجملة ms068 مثال ~~يكون كالوحي إلى الحق لئلا يطيح ما طال القول فيه وتتابع البحث عنه، وواجب ~~ا، يكون الفاعل # PageV01P212 # قبل المفعول، وممتنع أن يكون المفعول قبل الفاعل، ويمكن أن فاعلان معا في ~~مكان، أو منفعلان معا في زمان، وممكن أن لا يكون فاعلان معا ولا منفعلان، ~~بل يكون كل واحد منهما منفردا عن فاعل آخر، وكل منفعل منفصلا عن منفعل آخر. ~~فهذا كما ترى. مثال آخر: واجب أن يكون الفلك محيطا بالأرض، وممتنع أن يكون ~~المركز محيطا بالفلك، ومكن أن يركب الأمير غدا. فلو كان الإمكان حد غير ~~معترف مما تقدم القول فيه، لكان لا يقف على الوضع والفرض والرسم والوهم ~~والظن التخيل، ألا ترى أنك لو نسبت هذا الإمكان إلى الفلك لم يصح! أعني أنه ~~يستحيل أن يقال ممكن عند الفلك وعند الله أن يركب زيد غدا، وفي الأول جاز ~~عندنا ذلك لأنا قلناه تقديرا وتظنينا ووضعا وتوهما! ولا فرض عند الفلك، ولا ~~ظن ولا تقدير ولا توهم أيضا عند الله، تقدس اسمه وتعالى جده. # وقال آخر من جلة القوم: ليس لشيء وجود ولا وجوب إلا الباري الحق، ولا ~~حقيقة إذا لشيء إلاله، لأنه هو الواجب، وكل ما عداه فإنما هو واجب به ~~وممتنع به وممكن به، والودود الحق له. فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع ~~فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه، فإذا انسلخ كما عدى العلة ~~الأولى من الوجوب ومن الوجود، إلا على قدر ما يبلغه الفيض ويصل إليه الجود، ~~ويخلص ما هو بالحقيقة وبالتحقيق هو فيه. # هذا مبلغ حاصلي من قول هؤلاء المشايخ، وهم الذين نشرت لك حديثهم وذكرت ~~أسماءهم، وذكرت على مقاماتهم مرارا في هذا الكتاب، وجل النظر في هذه ~~المسئلة على ما انفرشت من الفلسفة الداخلة، أعني الآليهة المحضة. فلهذا ما ~~أتفادى من زيادة لعلها تحط قدر المغزى الذي سلف القول فيه، وسقت المعنى ~~عليه، والسلام. # PageV01P213 ### | المقابسة الخامسة والأربعون # في شيء من مذكرات المؤلف مع بعض الأطباء # ذاكرت طبيبا شاهدته بجند يسابور بشيء من العلم، فما ms069 أذكر تلك المذاكرة، ~~وتلك المسئلة، وتلك الفائدة إلا سنح شخص ذلك الشخص وكان يكني أبا الطيب ~~لعيني، وتمثل في وهمي وحتى كأني أراه قريبا معي، وحاضرا عندي! وطال عجبي من ~~ذلك؟ فرأيت أبا سليمان في المنام فسألته عن الحالة التي قد شغلتني بالتعجب ~~منها، والأمر الذي توالى على من أجلها؟ فقال لي في الجواب قولا ميقظا تما ~~التأم من جملته في اليقظة ما أثار اسمه وحاكيه في هذا الموضع. # قال: أما تعلم أن المبدأ الأول والأصل والعلة مفتقر إليه بالطبع ~~والضرورة، ومعترف به بالوجوب الذي ليس فيه مرية ولا شبهة؟! قلت: بلى. # قال: فالثاني مشعر أبدا بالأول، والأول مشعر بنفسه، والثاني مشعور به ~~أيضا، ولكن الأول، والأول مع هذا هو الثاني، والثاني هو الأول. ولكن اختلفت ~~الرسوم ولم تختلف الحقائق. إلى ههنا يخلص لي ما تبينته، وهو ظاهر كما به ~~قال: لما كان من صدور المذاكرة من جهته وتمت بمطاولته، وحصلت الفائدة ~~بوساطته، إشتاقت النفس وتلبست بصورته، وجدانا منها للمبدأ، ونزاعا نحو ~~الأول، واستشعارا للسكون معه، لأنها تعشق بالذات أبدا الأول، ويعشق كل أول ~~للشبه القائمة فيه والشبه الموجودة به من الأول بالإطلاق، فكل مريد من كل ~~ضرب طبيعي وإرادي وفكري وخلقي # PageV01P214 # صناعي وآلهي يحييها ويؤنسها وينفي وحشتها ويعللها، ويستعمل بذلك فوقها، ~~إلى الأول الحق الذي هو أول بالإطلاق، واستكمالها ذلك الشوق هو استدامتها ~~لحالها. وثباتها في صورتها، وطربها على ما حصل لها. # والكلام في الأول والمبدأ في كل ما ضرب فيه بسهم وانتهى إليه بوجه لا يمل ~~ولا يمل ولا يشبع منه. ولولا أن بضاعتي في هذا الفن مزجاة، وعبارتي عنه ~~منقطعة، لكان ما يعقل من ذلك ويستبان أبين مرأى وأحلى مسمعا، وعلى كل حال ~~فقد كتبت ما أمكن التصرف فيه والشغل به، والزيادة على ذلك تقتضي بجزيل ~~القول على تقدير السؤال والجواب والتمثيل والإيضاح، فإن نفس الله الخناق ~~قيلا وأزاح هما لازما، وجمع شملا منقطعا، أتيت على ذلك متوسعا أو أطمت عليه ~~متلافيا، إن شاء الله تعالى. ### | المقابسة ms070 السادسة والأربعون # في أقسام الموجود # قال النوشجاني يوما في جملة كلام اقتضبه في أقسام الموجود: إن كل صنف من ~~أصناف الموجود في حكم المعدوم لخساسته ونقصه وتهافته وفساد طبيعته، وطموس ~~ضيائه، وقبح صورته، وإمحاء بهجته، وخمود شعاعه، وفقد تمامه، وتقطع نظامه، ~~واستيلاء رذيلته، وبطلان فضيلته، فلا ينكر أن يكون في مقابلة صنف آخر من ~~المعدوم في حكم الموجود بصحة صورته، ونفاسة جوهره، وكمال فضيلته، وظاهر ~~عفته ونجدته، وبهاء همته، وغلبة عدالته، ونقاء سنخه، وصفاء سوسه، وطهارة ~~عينه، وظاهر زينته، دوام نضرته، وتناسب جملته وتفصيله، وسائر ما لا يحيط ~~القول به. # PageV01P215 # قال: والإشارة في هذين الفصلين بينة مكشوفة، ومتى لم تقف عليها من تلقاء ~~نفسك بضياء عقلك وذكاء قريحتك، فصل إليها من جهة أرباب الحمة وأعلام ~~الفلسفة، فإنك متى جربت هذه الأعراض، وتخللت هذه المعارف، وثبت على سمة ~~العدل، تكنفتك الخيرات عاجلا، والسعادات آجلا، فتكون حينئذ موجودا وإن ~~عدمت، وباقيا وإن فنيت، وحاصلا وإن فقدت، وثابتا وإن نفيت، ومغبوطا وإن ~~رجمت، وحيا وإن مت، وظاهرا وإن بطنت، وجليلا وإن خفيت، وواضحا وإن أشكلت، ~~وشاهدا وإن غبت، وقادرا وإن عجزت، ومعروفا وإن أنكرت، وعالما وإن جهلت؛ ~~هناك تصل إلى غنى بلا قنية، وتنطق بلا عبارة، وتفعل بلا آلة، وتصيب بلا ~~مشورة، وتعقل بلا مقدمة، وتبقى بلا آفة، وتلتذ بلا استحالة، وتنال بلا كدح، ~~وتحيا بلا أذية، وتسعد بلا شؤم؛ آلهية ورثتها من البشرية، وربوبية وصلت ~~إليها من العبودية، ومملكة استوليت عليها بالإنسية، وحال جلت عن رقم قلم ~~وتزويق حبر، واستقصاء بيان، وتخيل وهم. # ثم قال: وقد مر الكلام فيما تقدم عن حال الإنسان في وجوده الثاني عن ~~السعادة التي حصلت له، والحبور الذي ظفر به. # قال: وإنما تلطف هذا القول عليك لأنك تنظر إلى هذا الإنسان من قبل وهو في ~~أستار الحس، وحد الجسم، وقشور البدن، وتحلل التركيب، وتصرف الطبيعة، وسيلان ~~الطين، وذوبان العنصر. هذا مع سوء الاختيار، وفساد العقيدة، وقلة إيثار ~~العفة والنجدة، والأخذ بالرخصة بعد الرخصة في مساعدة الشهوة، وتسلط ms071 ~~الإرادات المردية المهلكة! ومتى يكون لهذا مرجوع وثمرة وفايدة؟ ولعمري لو ~~قدس نفسه، وباين هواه، واختار الحق معتقدا، وآثر الخير مجتهدا، ونال من ~~ضرورات الطبيعة مقتصدا، لانتعشت روحه، واستنار عقله، وذكت بصيرته، وصفت ~~قريحته، # PageV01P216 # وصدق ظنه، ووضح حدسه، وأصابت فراسته، وكان التوفيق قائده، والسعادة ~~غانيته، والغبطة حليته، والبقاء حليفه، والأبد نعته. وما أسهل هذا الوصف؟ ~~على ما أقول، وعليك بالسماع، وما أصعبه علينا جميعا بالعقل! وكيف لا يكون ~~ذلك صعبا، والإنسان منوط بالطبيعة من طرف، ومضاف إلى العقل من طرف؟ ~~فبالطبيعة يفزع إلى ما هو فساده وهلاكه، وبالعقل يختار ما هو صلاحه وكماله، ~~لكن اختياره ضعيف فيه، لأنه عال في أفق العقل الذي هو موجب الواجب ومحسن ~~الحسن، وإرادته الطبيعة قوية فيه، لأنها ناشئة منه، وكامنة فيه، ومترددة ~~عليه، والنقص على الجمهور في كل حال وأمر. وأن العجب كل العجب ممن يكمل في ~~دار النقص، أو يصح في عرصة العلل، أو يسلم في خطة البلوى، أو يلذ الصاب ~~والعلقم، ويغفل عن غائلتهما وينعم؟! # وكان بعض الألهيين يقول: الإحسان من الإنسان زلة، والجميل منه فلتة، ~~والعدل منه غريب، والعفة فيه عرض ضعيف. ومما يزيدك ثقة بما يصرف من القول ~~به نقص هذا الإنسان الذي قد اكتنفه الفساد من كل جهة، وملكه الجهل بكل حال، ~~أنا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد أغن بالكلأ قد استحلست الأرض به ~~خضرة وندى وحسنا، فخف حين خالف عينه في أطرافه وبلغ به العجب إلى أن قال: ~~ليتني كنت بقرة فكنت آكل من هذا كله أكلا ذريعا، وهكذا من أعلاه إلى أسفله، ~~ومن أسفله إلى أعلاه. وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف، لا سبيل للعلم إلى ~~تقريره وإلى أدائه على وجهه وحقيقته، واللسان أيضا لا يأتي على خواصه ~~ومعانيه، وهو متحسر في قوله، على هيئة المجنون، لغلبة الإرادة الطبيعية، ~~وقوة الحركة الحيوانية، وموت العقل الإنساني، وبطلان الشرف الجوهري فلما ~~فشا عنه هذا الحديث وكثر، قال له بعض الفقهاء معنفا ولائما ومنبها له على ms072 ~~خساسته: يا هذا، هل رأيت قط من تمنى وهو إنسان أن يكون بقرة # PageV01P217 # بسبب مكان معشب وكلأ كثير؟! فقال له مجيبا، وهو وادع النفس رخي البال، ~~حاضر الفكر ساكن الطباع: أيها الشيخ، لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت أن ~~تكون كما تمنيت. وهذا يدل على أن الذي أثار شهوته في ذلك المكان لم يكن ~~جوعا قد توالى، ولا نهمة قد غلبت، بل كان نذالة النفس ولؤم الطباع، وسقوط ~~الجوهر، وغباوة الروح، وقلة العقل. # فهل تظن حفظك الله بعد هذا بمن هذا حديثه وجملته وتفصيله، أن ينتعش من ~~صرعته، أو يستبصر في شأنه، أو يهتدي لسعادته، أو يلتفت إلى معاده؟ وهل بين ~~هذا وبين الحمار الذي هو حيوان نهاق فرق؟ بل قد سمعت بمن قال إن الحمار خير ~~من هذا بكثير، لأن الحمار لازم لحده غير منحرف إلى ما ليس في قوته، وهذا قد ~~بطل حده بإدارته، وجمع النقص كله لنفسه بقبح شهوته وفساد أمنيته. على أني ~~شاهدت قبل هذا إنسانا متماسكا وكان له حظ من التجربة بالسنن العالية والسفر ~~البعيد، وكان متميزا بمذاهب الصوفية، يقول يوما، وقد أبصر حمارا يمشي: ~~ليتني كنت هذا الحمار! فعجبت منه فضل عجب، وانكشف لي أنه إنما تمنى ذلك ~~ليكون ناجيا من قلائده ومؤنة ما هو بعرضه وصدده عاجلا، وما هو مأخوذ به، ~~ومخوف منه ومعد له آجلا، فكان عذر هذا عندي أخرج من كل الجهل، وأدخل في بعض ~~الوهم. وإنما هجس هذا في ضميره وجاش على لسانه وافصح بذكره والتشدد فيه، ~~لأنه كان جاهلا بالجوهر الذي هو أشرف من الإنسان بحده الخالص من كل شوب، ~~فنزل عن تلك الربوة العالية والذروة الشماء، أعني الجواهر العلوية الأبدية، ~~وتمنى أن يكون حيوانا هو أخس من الإنسان عند كل إنسان، إلا إنه يحتاج في ~~تسليم هذا ومعرفته إلى مقدمتين ونتيجة، بل العلم به أول والتسليم له ضرورة، ~~لا لشيء إلا ليتخلص من عوارض الدنيا وكلف الحياة وضروات الطبيعة ومطالب ~~الحواس، ولو أدرك بقوته شيئا وعقله وحكم به، ms073 لصمد نحوه، وطلب الانتساب ~~إليه، والإشراف # PageV01P218 # عليه، والنظام فيه، والتمام به، والبقاء معه. ولم يعد ناكصا على عقبيه ~~متمنيا لأن يكون على هيئة شيء هو الآن بنفسه أشرف نفسا وأكمل وزنا وأبقى ~~شخصا وأكرم جوهرا. # وأواصل هذا الفصل بحديث آخر دفعنا إليه في هذه الأيام لتكون هذه المقابسة ~~مستوفاة، ولعلك لا تخلو فيه أيضا من فائدة تكون رفدا لما سبق وإيقاظا لنفسك ~~في المستقبل، ترى الإنسان يبصر فيها، بل هي عيونه التي يرى فيها، بل هي ~~حقوله التي يستثمرها، ونواضحه التي إذا نيل منها عرف كيف المعرس والمسرى ~~وكيف الصبح إذا بدا وانجلى، وأبصر بين يديه كلما دب ودرج ونشأ. # شاهدنا في هذه الأيام شيخا من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه واشتد نفور ~~الناس عنه، ومقت معارفه له، فلما توالى هذا عليه دخل يوما منزله ومد حبلا ~~إلى سقف البيت واختنق به، وكانت نفسه في ذلك. فلما عرفنا حاله جزعنا ~~وتوجعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه كل متصرف فقال بعض الحاضرين: لله دره! ~~لقد عمل عمل الرجال! نعم ما أتاه واختاره! هذا يدل على عزازة النفس وكبر ~~الهمة! لقد خلص نفسه من شقاء كان طال به، وحال كان ممقوتا فيه مهجورا من ~~أجله، مع فاقة شديدة، وإضاقة متصلة، ووجه كلما أمه أعرض عنه، وباب كلما ~~قصده أغلق دونه، وصديق إذا سأله اعتل عليه؟! فقيل لهذا العاذر: إن كان قد ~~تخلص من هذا الذي وصفت على أنه لم يوقع نفسه في شقاء أخر، أعظم مما كان فيه ~~وأهول، وأدوم وأبقى، فلعمري نعم ما عمل؟ لله أبوه ما أحسن ما اهتدى إليه ~~وقوي عليه؟! وينبغي لكل عاقل أن يدفع إلى ما دفع إليه، ويقتدي به ويصير إلى ~~رأيه واختياره؟ وإن كان قد سمع بلسان الشريعة أي شريعة شئت، القديمة ~~والحديثة - النهى عن هذا وأشباهه، فقد أتى بما عجل الله به العقوبة والعار، ~~وأجرى عليه عذاب النار. سبحان الله! أما كان يسمع من كل عاقل ولبيب، وعالم ~~وأديب، ومن كل من يرجع إلى ms074 # PageV01P219 # مسكه، ويعرف أدنى فضيلة دع من يرجع إلى قوله وينتهي إلى صواب أمره، ~~ويتهادى فنون سيرته وحاله النهي عن مثله والزجر عن ركوب ما هو دونه بكثير؟! ~~فكيف لم يتهم نفسه، ولم يتعقب رأيه، ولم يشاور نصيحا له! أهذا كله بسبب حال ~~لو أنها كانت تنكشف عنه بما يتمنى بعد انحسارها إلى كثير مما ينسى معه ~~القاسي؟ وقد علم أن أدنى ما في هذا الفعل المكروه بالعقل، الفاحش بالسماع، ~~المقشعر منه بالطبع، ما يجب عليه التوقي بسبب ما قد انتشر بالشرائع وأجمع ~~عليه الأول والآخر من كل جيل وطرف، في النهي عنه واستسقاط ما أقدم عليه؟ ~~لأنه أمر متى ركب بالظن والتوهم للذين لم يؤيدا ببصيرة من عقل ولا عرضا على ~~عاقل، ثم استبان له في الثاني عوار ما آثره وخطأ ما عمل به، فاته التلافي ~~ولم يمكنه الاستدراك ولا الرجوع! فلو لم يكن في هذه إلا ما يوجب عليه الشغل ~~والاستبصار من أجل ما قاله العقل أو ورد به الإنباء بالعقل والوحي، لوجب أن ~~لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يختار ما يهجنه عليه أهل الروية والبديهة ~~وأصحاب الديانة والمروءة، ولا ينقض العادة القائمة، ولا يخالف الآراء ~~الحصيفة، ولا يستبدل برأي الطبيعة؟ فكيف وقد قضى العقل قضاء جزما، وأوجب ~~النظر إيجابا حتما، أنه لا يجب أن يفرق الإنسان بين هذه الأجزاء الملتحمة ~~والأعضاء الملتئمة، وليس هو رابطها ولا هو على الحقيقة مالكها، بل هو ساكن ~~في هذا الهيكل لمن أسكنه فيه وجعل عليه أجرة السكنى بعمارة المسكن وحفظه ~~وتنقيته وإصلاحه وتصريفه على ما يعينه على طلب السعادة في العاجل والآجل؟! ~~وكان سعيه مقصورا على التزود إلى مبوأ صدق، ولا بد له من المصير إليه ~~والمقام فيه، على أمر شامل، وخير غامر، وراحة متصلة، وغبطة دائمة، وحبور ~~مستصحب. يث لا آفة ولا حاجة، ولا أذى ولا حسرة ولا أسف، ولا كمد، ولا فوت ~~ولا تعذر. وهذا مع السيرة المرضية # PageV01P220 # وإيثار الأخلاق السنية، ومع اعتقاد الحق، وبث الصدق والإحسان إلى جميع ms075 ~~الخلق. فأما إذا كانت الحال على خلاف هذا، فالشقاء الذي يتردد فيه وينعقد ~~به، ويدفع إليه، يكون في وزن ذلك ومقابله. # نسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يهدينا للتي هي أرشد في العاجلة ~~وأسعد في العاقبة، فإنا إن خلونا من صنعه اللطيف، وبره المألوف، هلكنا ~~وخسرنا أنفسنا، وعدنا في الثاني شر معاد، مع طول حسرة وشدة أسف. # اللهم فارحم ضعفنا واشملنا بإحسانك وتوفيقك حتى نتوجه إليك قاصدين، ونفوض ~~أمرنا إلى تدبيرك راضين، ونتوكل عليك منيبين، ونصير إلى جوارك مشتاقين ~~مخلصين يا رب العالمين. # قد تضمنت هذه المقابسة فنونا من القول، وما أظن أني أسلم فيها عليك لشدة ~~نظرك وتقليبك، ومع ذلك فهي غير خالية من بعض الفائدة وأنا أسألك أن تقبلها ~~على تخيلها، وتهب بعضها بعضا لتكون آخذا بحكم المروة جاريا على هدى ذوي ~~الفضل في حسن الإغماض عن شيء لعله يختل منه بعض الاختلال، ولا ينال من ~~الصواب كل المنال، وأنت تفعل ذلك إيجابا لحق أخيك، وذهابا مع أحسن أخلاقك ~~التي هي فيك. # PageV01P221 ### | المقابسة السابعة والأربعون # في أن العقل مع شرفه وعلو مكانه لا يخلو من انفعال # قيل لأبي سليمان بأي شيء تعرف أن في العقل مع شرفه وعلو مكانه انفعالا؟ ~~فقال: باستحسانه واسقباحه. لأن هذين انفعالين، ولكنهما انفعالان على طريق ~~الاستحاله؛ وكأنه يدور على نفسه أو يقتبس من الذي هو أعلى منه، ويثب عما ~~دونه ويشنع عليه، فهذا يوهم بالانفعال على جهة التقريب، لأن مرتبة هذا ~~الانفعال فوق مرتبة كل فعل مما هو دون العقل. ومما يزيدك استبانة لهذا ~~المعنى واستقامة إليه، أن هذا الانفعال هو الانفعال الأول الذي ليس فوقه ~~انفعال البتة فالحق أن الأولية نسبة إلى الفاعل الأول الذي لا فاعل فوقه ~~البتة. وكما هبط الانفعال في المنفعل بعد بعد المنفعل حسن وبعد عن ذلك ~~الشرف الذي كان بالنسبة الأولى كالفعل الذي كلما هبط أيضا في الفاعل بعد ~~الفاعل يحسن ويبعد من شرف الفاعل الأول بالإطلاق الذي هو علة كل ما هو علة ~~له. ms076 فأنت إذا اعتبرت فاعلا بعد تفاعل حتى تنتهي من عندك إلى الدرجة القصوى، ~~مررت بأقسام الفاعلين ومراتبهم أيضا، كذلك إذا اعتبرت أيضا منفعلا بعد ~~منفعل حتى تنتهي من هناك إلى ناحيتك الدنيا، مررت بأقسام المنفعلين. وهذه ~~أمور بينة أتم بيان وثابتة على أكمل بهجة وأفضل رابة، لا يتخللها خلل بوجه ~~ولا سبب إلا ما يخيل منها الحس الكذوب الذي لا يوثق بقضائه، ولا يسكن إلى ~~حكمه فأما التصفح العقلي فقد أتى على هذه كلها بما أهدى إلى النفس من ~~السكون ونفى عن حقائقها الظنون، والسلام. # PageV01P222 ### | المقابسة الثامنة والأربعون # في الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة # قلت لأبي سليمان: ما الفرق بين طريقة المتكلمين وبين طريقة الفلاسفة؟ ~~فقال: ما هو ظاهر لكل ذي تمييز وعقل وفهم، طريقتهم يعني المتكلمين مؤسسة ~~على مكايل اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء إما بشهادة من العقل مدخولة، وإما ~~بغير شهادة منه البتة. والاعتماد على الجدل، وعلى ما يسبق إلى الحس أو يحكم ~~به العيان، أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخليل مع ~~الإلف والعادة والمنشأ وسائر الأعراض التي يطول إحصاؤها ويشق الإتيان ~~عليها، وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتفق، وإتمام ~~القول الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له، مع بوادر لا تليق بالعلم، ومع سوء ~~أدب كثير؛ نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخلة، ورفض الورع بجملته. ~~والفلسفة أدام الله توفيقك، محدودة بحدود ستة، كلها تدلك على أنها بحث عن ~~جميع ما في العالم مما ظهر للعين، وبطن للعقل، ومركب بينهما، ومائل إلى حد ~~طرفيهما، على ما هو عليه. واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله، ومسموعه ~~ومرئيه، وموجوده ومعدومه، من غير هوى يمال به على العقل، ولا إلف يفتقر معه ~~إلى جناية التقليد. مع إحكام العقل الاختياري، وترتيب العقل الطبيعي، ~~وتحصيل ما ند وانقلب من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حسا وعيانا، وكانت ~~محققة عقلا وبيانا، ومع أخلاق آلهية، واختيارات علوية، وسياسات عقلية. ومع ~~أشياء كثير ذكرها وتعدادها، ms077 ولا يبلغ أقصى ما لها من حقها في شرفها. # PageV01P223 # ثم قال: وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إني لأعجب كثيرا من قول أصحابنا ~~إذا ضمنا وإياهم مجلس: نحن المتكلمون، ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا، بنا ~~كثر وانتشر وصح وظهر! كأن سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام؟ ~~لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت! أما يتكلم يا قوم الفقيه، والنحوي، ~~والطبيب، والمهندس، والمنطقي، والمنجم، والطبيعي، والآلهي، والحديثي، ~~والصوفي؟ قال: وكان يلهج بهذا، وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولا ~~وجعلوا ما يدعونه محمولا عليها ومتناولا من عرضها، وإن كانت المغالطات تجري ~~عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى. # قال: وكان يصل هذا كثيرا بقوله: والدليل على أن النحو، والشعر، واللغة ~~ليس بعلم، أنك لو لقيت في البادية شيخا بدويا قحا محرما، لم ير حضريا ولا ~~جاور أعجميا، ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي ~~لا يشق غباره فيها أحد منا وإن كلف، فقلت له: هل عندك علم؟ لقال: لا. هذا، ~~وهو يسير المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد ~~من الحاضرة وعاه، واتخذه أدبا ورواه، وجعله حجة. # وكان يقول: هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت ~~الزمان، لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه لأبواب ~~معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الآلهي والإقناع الفلسفي! قد بين ~~هذا الباب أرسطو طاليس في الكتاب الخامس، وهو الجدل، كل ما في الإمكان من ~~التعليق به والاحتجاج منه، مع التمويه والمغالطة، بل كثير من المتكلمين لا ~~يصلون إلى غايات ما كشفه ورسمه وحذر منه وأبان عنه، وإن أنضوا مطيهم، ~~وأبلوا جهدهم، سوى ما أتى عليه قبل هذا الكتاب وبعده مما هو شفاء الصدور ~~وقرة الأعين وبصيرة الألباب؟ والكلام في هذا طويل. # PageV01P224 ### | المقابسة التاسعة والأربعون # في أن صورة الحركة واحدة وإن وجدت في مواد كثيرة # قال يحيى بن عدي: الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ms078 ومحال ~~مختلفة، وبحسب ذلك تولى أسماء مختلفة، وقد يظن من أجلها أنها في نفسها ليست ~~واحدة، وأن لها أخوات ونظائر. والبحث الفلسفي قد قرن واحدة بواحدة على ما ~~دل الاسم عليه في الأصل، وذلك أنه يقال: الحكة كون وفساد، ونمو ونقصان، ~~واستحالة وإمكان؛ وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار ~~الصحيح. فالحركة في النار لهب، وفي الهواء ريح، وفي الماء موج، وفي الأرض ~~زلزلة. هذا باب كما ترى قد حصل في الاستقصات ولم يغادر منه شيء. ثم إن ~~الحركة بعد ذلك في العين طرف، وفي الحاجب اختلاج، وفي اللسان منطق، وفي ~~النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوف، وفي العقل ~~إضاءة واستضاءة، وفي الطبيعة كون وفساد، وفي العالم بأسرة شوق إلى الذي به ~~نظامه، وبوجوده قوامه، وإليه توجهه، وبه تشبهه، ونحوه تولهه وتدلهه. # ثم قال: وهذا بين الحجة، وكل شاد من الفلسفة شيئا يسلم بهذه الإشارة ~~ويتوصل بها إلى ما هو من جنسها اقتداء بما يتراءى منها ويشيع عنها. والكلام ~~في الحركة في غاية الشرف لأنه دال على كل ما قد اشتمل العالم عليه من ~~العلويات والسفليات، ولا مانع من تقصيه إلا العجز عن جله، والكسل عن بعضه، ~~وبين هذين ذهاب العلم وضلال الفهم. وهكذا حكم من قلت دواعيه إلى الشيء، ~~وكثرت صوارفه عنه. # PageV01P225 # إلى الله نلتجئ فيما دهمنا وفيما نزل بنا من غيرنا، فما خسر من لاذ به في ~~السراء، ولا خاب من عاذبه في الضراء، إنه نعم الرب والكافي، والمعين ~~والكالئ، والمرشد والناصر، به يوجد كل مطلوب، ويملك كل محبوب، وينجي من كل ~~أذية، ويتعرى عن كل رزية، لطيف التدبير، عجيب التقدير، خبير بجميع الأمور، ~~لا تنكر ذاته، ولا يدرك كنهه، جل معبودا وعز موجودا مشهودا. ### | المقابسة الخمسون # في الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب # سئل أبو سليمان عن الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب، وعن التنجيم وما ~~يقدر به على أحكام المستقبل، وعن النبوة التي هي في محلها الأعلى ms079 ومكانها ~~الأشراف؟ فتصرف في الجواب أحسن تصرف، على سعة من اللفظ والمعنى. ولكن لو ~~نقلت كثيرا منه لنسبوه للكفر وقلة العناية. ومقدار الحاصل منه قد أثبته في ~~هذا الموضع خوفا من أن يذهب نسيا. فإن وافتني فيه معاندة حاصلة، أو حصلت لي ~~محالة محتملة، فما على إلا الجهد وبذل المطاق، وإذا عذرني المتكلم المنصف، ~~لم أحفل بالمتعنت المسرف، والله يعين أهل الحق بلطفه. # قال: الكهانة قوة إلهية توجد في شخص بعد شخص بسهام سماوية، وأسباب فلكية، ~~وأقسام علوية، فإذا توسطت صارت في منصف البشرية والربوبية، فحينئذ يكون ما ~~يبدو بها مشيرا إلى غيب أمور الدنيا وإلى غيب أمور الآخرة على حد يكون على ~~سواء. والغلب مع ذلك لأمور الدنيا، لأن الإنسان بالطبيعة أكثر منه بغيرها، ~~في الأعم الأغلب والشائع الأشمل، فإن تحدرت هذه القوة قليلا كانت الإشارة ~~إلى أمور عالية شريفة. ومحل النبوة بين أبناء هذه القوة بالترقي والتحدر، ~~وكلما كان # PageV01P226 # التباس النفس بالمزاج الموافق، وكان النور المقتبس من هذه القوة أسطع ~~وأعلى، فعلى هذه تتبع قوة المنجم لآثار الكواكب تتبعا ضعيفا، لأن الآلة لا ~~تساعده والصبر لا يوافيه، وذلك أنه يتلقى هذه الأمور المنتشرة من تلقاء ~~نفسه ومن ناحية اختياره وقصده وبحثه وليست قوى الكاهن كذلك، أعني ليست تتبع ~~بل هي كالإلقاء والوحي والسانح والطارئ فإن اجتمعت القوتان، أعني قوة ~~التتبع بالصناعة وقوة الاقتباس بالكهانة، ظهر له كل أمر عجيب، وسمع كل قول ~~غريب. # ثم قال: وعلى ما تبين فإن الكهانة أقوى إذا كان صاحبها لا يشوبها بشيء من ~~الحس، وألقاها على صفائها ونقائها، لأن قوتها تنسكب من المحل الأعلى ~~بنسبتها بالعلة الأولى تامة قوية وصحيحة واضحة. # قلت له: فهل يخطئ الكاهن كما يخطئ المنجم؟ فقال: نعم، وليس الخطأ محالا ~~منه، لأن قوته لا تبلغ الغاية في الخلاص أبدا بسبب تركيبه الذي هو سبب ~~استحالة ما يحاوره بنفسه. # قال له أبو العباس البخاري: فهل يخطئ صاحب النبوة؟ قال: لا، ولكن يسهو، ~~كما في حديث ذي اليدين وسهوه وخطاؤه لا ms080 يقدحان في الحال التي رشح لها، ووشح ~~بها، جعل سفيرا إلى الخلق من أجلها! بل يحرس حراسة إن لم تنف عنه كل الظنة ~~لم تعلقه كل قرفة. # قلت له في هذا الموضع: فهل يخطئ بقوة النبوة من غير أن يستقرها ويعرض ~~للخلق من أحلها؟ # PageV01P227 # فقال: لا ولكن يعرض له خيال كما في حديث تأبير نخل الأنصار ثم رجع عن ~~رأيه، وقال لهم: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ولا مانع من ذلك. ولولا هذه القوة ~~التي على حدودها ومائيتها في أشخاص العلماء والبررة ما كان يصح حدس، ولا ~~تصدق نفس، ولا تتحقق ظن، ولا يتوضح وهم. بل هذا أمر في غاية الغلبة ~~والظهور، حتى في كثير من أنفس العوام. # ثم حكى هذا الفاضل، أن رجلا كان له خدام، وكان مكاريا صاحب حمير، ويخدمه ~~عليها غلمان ويثق به في عمله تجار كبار، وأنه في بعض طرقه وأسفاره سيب ~~الحمير وطرح الأثقال وقال: ليأخذ من شاء ما شاء! وعاد إلى بيته على وله ~~شديد لا ينطق بحرف، ولا يتعلق بأمر، ولا يستوضح خياله شيء، فساء أهله ذلك ~~ومعارفه فعاتبوه وأطالوا عليه، فلما كان في بعض الأيام وقد احتوشوه بكل ~~قول، ورموه عن كل قوس، توجه نحو الحائط وقال: يا قوم مالكم ومالي! وما هذا ~~التعجب والإكثار؟ أما رأيتم من كان قاعدا على مزبلة فنبعت من بين يديه عين ~~صافية بماء كالزلال عذب حلو فشرب منها وتبجح بها وعاشت نفسه بمجاورتها ~~وكانت سبب ريه الذي لا ظمأ بعده وطهره الذي لا دنس معه؟! هذا تمام الحكاية. # قال قائل عند هذا الفصل لأبي سليمان: حدثنا عن قلبه في هذا الموضع، فإنه ~~قد جرى ما لا مزيد عليه ولا تقصير معه، ولا بد من انتهاز كل فرصة يحتملها ~~هذا الباب؟ فقال: الكلام الذي يأتي به صاحب هذه القوة يظهر محتملا للطعن ~~وهدفا للتهمة، وطريقا إلى الغاية الشنيعة. # فقال: هذا بالواجب إن صاحب هذه القوة يرسل الكلام إرسالا بحدة قوته مرة، ~~وبتوسطها أخرى، ولها في نفسها شأن بالإضافة ms081 إلى مزاج صاحبها، بل بالإضافة ~~إلى كل حال عارضة، وإلى كل سبب واقع. والسنة عاملة عملها، والبشرية جارية ~~على خاصتها، فحينئذ يخرج # PageV01P228 # ذلك الكلام بين مراتب ثلاث: في الغاية التي لا غاية وراءها، وفي الوسط ~~الذي يعتدل فيه، وفي الطرف الأدنى، وفيما بين ذلك كله بالأرجح والأنقص ~~والأقل والأكثر. والتأويل يركب منشورها، والظن يسري في أطرافها، والقلة تجد ~~سبيلا إلى التشنيع عليه. فلذلك وأشباهه يكون ذلك. على أن هذا إذا تؤمل ~~بالنصفة مقيسا إلى الطبائع المختلفة، والعادات المتباينة، والأعراض ~~المتشعبة، كان في نصاب الحكمة ثابتا، وعلى مدارجها جاريا، وإلى أصولها ~~وفروعها نازعا. ولولا ضيق أعطعان الناظرين في هذه الغوامض عن التبت ~~والإنصاف لكان يتجلى هذا كل التجلي، ويزول عنه الخلاف كل الزوال. # قلت لأبي سليمان: أليس لو صفت الحال ها هنا من عارض خطأ وسانح تأويل ~~ومضروب مثل، كانت أبلغ في المعنى وأنفى للتهمة من القذى؟ قال: بلى، ولكن ~~ليس كل ما شهد به العقل بصفائه وطهارته وبعده من الدنس والدرن في أفقه ~~وعالمه، يجوز أن يوجد ذلك على كماله في عالم الحس المشوب الكدر الذي لا ~~ثبات له ولا مستقر. وكيف يجوز أن يوجد كل ما هو بالقوة في كل شيء بالفعل في ~~حال واحدة؟ كأنك تريد أن تعري البشرية! وهذا ما لا يكون ولا يجوز أن يكون. ~~بل تتفاوت مراتب أصحاب هذه القوة بحسب أنصابهم منها حين انقسمت عليهم ~~فتحلوا بها على مقادير مزاجهم وطباعهم ونهوضهم واحتمالهم، وذلك التفاوت هو ~~الذي يعلي حال هذا عن هذا، ويحط شأن هذا عن هذا، إلى أخر أفق الإنسانية ~~المحتملة لغاية هذه القوة العالية الشريفة. ثم إن الأخلاق والألفاظ تابعة ~~لها على ما يبدو به من ضعف العقل والقوة والبيان واللغز والتوسط. # ثم قال: والبلاء الأعظم في أمر الأنبياء أن من الناس من يظن بهم أنهم ~~كذبة أصحاب حيل، ومنهم من يظن أنه لا يجوز أن يقع منهم شيء من القول والفعل ~~يتعلق بما يوجب التهمة ويجلب الشك، وكان وراء هذين # PageV01P229 # الرأيين ms082 من هذين الصنفين القول الحق الذي لا يكون بعده تلبيس ولا تأويل، ~~وذلك أنه ينبغي أن يعلم أن الشخص المخصوص بهذه القوة على الدرجة بها، رفيع ~~المكان معها، ما دام يخبر بها وعنها ولا يمزجها بغيرها، فإنه حينئذ ينبئ عن ~~أعيان الأمور وقلوب الأحوال وعواقب الأيام. فأما إذا عاد إلينا مفارقا ~~للاقتباس، داخلا في عادة ذوي الإحساس، فهو كواحد من ضربائه ولداته، إن أصاب ~~فبفطنته، وإن أخطأ فبفطرته. لأنه في مسلك غيره من البشر، ومسلوب من الطين ~~الأول، ذو طبائع أربع متعادية، وعناصر متشابكة، لا فرق بينه وبين غيره ~~البتة ما دام الحال على ما وصفنا وحددنا، وإنما إذا انبعثت القوة بسلطانها، ~~وانبجست النفس ببرهانها، فإن هذا الشخص يأتي بكل ما يهدي العقول، ويصلح ~~الأحوال، ويقنع النفوس، وينظم المصالح، ويقوم الأخلاق، ويهذب الطبائع، ~~ويكون نورا للعالمين ورحمة للخلق أجمعين. # ثم خرج من سياجه هذا للفرق بين الشريعة والفلسفة. وحضر الجماعة المساء ~~ولم يستوف ذلك على حقه. ولعلي أعود على هذه المقابسة فآتي بما يكون محيطا ~~بأكثر قوله في موضع آخر عن غير قصد يغلب حدا، بالكلام الذي يعقد أوله ~~بآخره، وساء تأليفه من جميع حواشيه، وبان التقصير في نشره وروايته. على أنك ~~أدام الله حياتك لو علمت على أي حال نقل هذا القدر، وفي أي وقت قلب، ومع أي ~~شغل، لا ستكثرت قليله، وحمدت الموافق له. وما أكثر ما أخذت نفسي بتحويل ذلك ~~كله إلى نمط آخر بطراز آنق من هذا الطراز، واحتراز أشد من هذا الاحتراز، ~~إذا أذن الله بزوال ما هم النفس والبال، وانحسار ما دهم الصغار والكبار، ~~بمنه الشائع وفضله المشهور. # PageV01P230 ### | المقابسة الواحدة والخمسون # في أن تقرير لسان الجاحد أشد من تعريف قلب الجاهل # قلت لأبي سليمان: لم قيل لسان الجاحد أشد من تعريف قلب الجاهل؟ # فقال: لأن تعريفك يوصل إلى قلبه مرادك من غير أن يقدر على محاجزتك بالمنع ~~والامتناع، وذلك أنه لا حجاب على قلبه ولا حاجز دون عقله، وليس هكذا تقريرك ~~للسانه، لأنه ينكر ms083 به ما يعرف بقلبه، ويميل إلى البهت، شرادا على الحق، ~~وذهابا مع العنت، واللسان يطاوعه على السكوت، والقلب لا يطاوعه على الجحود. # قيل له: قد يكون دون القلب أيضا كن الجهالة، وغطاء الغباوة وضباب ~~البلادة، فلا يكون تعريفك موصلا إليه مرادك. # فقال: متى كان الأمر على هذا لا يكون قلبه جاحدا، إنما يكون بما يرد عليه ~~جاهلا، وإنما استقام الكلام الأول على قلب عرف فعرف، فكان التعريف أسهل على ~~القلب من الإقرار على اللسان، واستشهد فكذب، فكانت ذات برهان واضح، فمن ~~المحال أن يقال بعد هذا: قد يكون دون القلب مانع، كما يكون دون اللسان ~~مانع، لأن ما حددنا به المسألة قد فصل الحال، وبين المراد. # PageV01P231 ### | المقابسة الثانية والخمسون # في هل دون فلك القمر فلكان هما سبب المد والجزر؟ # سمعت غلام زحل ببغداد يقول: ألسماء هي الجسم الذي فيما بين نهاية كرة فلك ~~القمر التي تلينا إلى نهاية العالم، وجميع كرات السماء على ما صح عند ~~الحكماء تسع كرات أقربها إلينا كرة القمر. # وسمعت بعد هذا ابن بكير يقول: دون فلك القمر فلكان، هما سبب المد والجزر، ~~يقطعان الفلك في كل يوم وليلة مرتين. # وكان هذا من آراءه التي تفرد بها، ولم أجد أحدا يوافقه على شيء منها، ~~وخاصة هذا الرأي. ولأنه ليس لنا في هذه الصناعة مدخل ولا منفذ لم نقصد الرد ~~عليه، ولكنا عجبنا من مخالفته الأوائل الذين قد أقاموا البرهان على خلاف ~~دعواه. والصناعة برهانية. فليت شعري أي برهان قام له على هذه الدعوى؟ ~~والبرهان معروف وهو القياس الذي يعطي صورة الحق غير مشوبة ولا حاملة؟ وله ~~أيضا أشياء أخر أنشأها من تلقاء نفسه وانتحلها ودعا إليها وأعجب بها إعجابا ~~شديدا. والطبيعيات والآلهيات قد ذكرناها في رسالة إلى بعض الناس، ولهذا لا ~~عائدة في حكايتها ها هنا. # ومات هذا الرجل، أعني أبا سعيد صاحب هذه الأقوال لسبع خلون من ذي القعدة ~~سنة 386 ست وثمانين وثلثمائة. # PageV01P232 ### | المقابسة الثالثة والخمسون # في علة اختلاف الأجوبة في المسائل العلمية # قيل ms084 لأبي بكر الصيمري: لم لم يكن لكل مسألة من العلم جواب واحد؟ فقال: من ~~المسائل ما هو كذب، ومن المسائل مسائل لها توجهات وحواش، فيختلف الجواب من ~~المجيبين بحسب نظرهم من تلك الجهات والحواشي، أو بحسب العبارات التي تجزل ~~مرة وتضعف أخرى؟ قال: وبعد، فالأشياء متشاهدة متعاضدة، أعني أن بعضها يشهد ~~لبعض، وبعضها يعضد بعضا، لأن الفيض الأول والجود العام، واصلان إلى كل شيء ~~بمقدار ملائم لكل شيء، فإذا وقع بحث عن شيء مجهول وتعاضدت الأدلة فيه. ~~وتشاهدت المشابهة له، وتقاطرت النظائر عليه، فصار الجواب من رجه مخالفا ~~لجواب آخر من وجهن فلهذا وأمثاله كان ما سألت عنه وطالبت به، وليس الحق ~~مختلفا في نفسه، بل الناظرون إليه اقتسموا الجهات فقابل كل منهم من جهة ما ~~قابله، فأبان عنه تارة بالإشارة إليه، وتارة بالعبارة عنه، وظن الظان أن ~~ذلك اختلاف صدر عن الحق، وإنما هو اختلاف ورد من ناحية الباحثين عن الحق. # PageV01P233 ### | المقابسة الرابعة والخمسون # في فضيلة العقل وقيمة الحياة ومزية العافية # سمعت عيسى يقولك لو أن الأولين اجتمعوا في صعيد واحد واعتبر كل واحد قوة ~~الباقين لم يجدوا العقل مصيبين مسهلين، ووجدوا شعاعه ونوره، وشرفه وبهاءه ~~ونبله وكماله، وبهجته وجماله، وزينته وفعاله، لما بلغوا منه حدا ولا ~~استوعبوا من ذلك جزأ. أنظر إلى من فقده ولم يوهب له شيء منه كيف يرفض ~~ويخذل، ويعادي ويسترذل، ويهرب منه، ويستوحش من قربه وكلامه، وحتى الذي قد ~~ولده وفصل منه ويجري مجراه؟ قال: فأما الحياة فإنها ينبوع للفرح والهم، ~~واللذة والمعرفة، والحس والحركة، لا تمام للإنسان إلا بها، ولا قوام إلا ~~معها، ولذلك إذا نظر إلى الميت استوحش منه، وتبرم به، وعوجل به إلى القبر، ~~وأبعد في الأقطار. لأن الحياة التي كانت مهاد الأنس، ورباطا بين النفس ~~والنفس، فقدت. # قال وتجري العافية بعد هذين مجراهما، وذلك أن العليل متى طالت علته ~~واشتدت وعظمت تلكأ عنه آنس الناس به، وهرب منه أحدب الناس عليه. فالعقل ~~والحياة والعافية أثا في النعمة الكبرى، ودعائم العطية ms085 الأولى، وكل ما ~~عاداهن فهو دونهن، وكلما فارقهن يسقط عنهن. والحياة وعاء، والعقل متاع، ~~والعافية استعمال. # ثم قال: نسأل الله حياة طيبة، وعقلا نافعا، وعافية متصلة. # قيل له: لم لم يذكر الفقر وهو من قبيل الموت، ولا الغنى وهو من حيز ~~الحياة؟ # PageV01P234 # فقال: كل هذه الأشياء بعد الحياة والعقل والعافية، فروع. فإن الإنسان ~~بعقله يصبر على الفقر، وبعقله يجتلب الغنى، وبعافيته يبلغ الغاية ويكتسب ~~السعادة، والعقل في جميع أحواله. فيتصرف بثمرة الراحة مرة، وبالصبر مرة ~~ويريه الحكمة فيما فشا وسر، ويؤديه إلى السعادة في كل ما أقبل وأدبر، لأن ~~العقل متى حل شخصا أضاءه وأناره، ومتى فارق شخصا كدره وأباره. # والكلام في العقل مضطرب جدا، خاصة إذا ترنم بتمجيده من وفر الله حظه منه، ~~وصبغ كله أو بعضه به، وغمس ظاهره وباطنه فيه، وبسط سداه ولحمته عليه. ولا ~~بأس مع هذا الاعتراف بشرفه أن أكتب لك في هذا الموضع ما يغذو روحك ويحدث ~~الأريحية في نفسك، ويشحذ ما كل من ذهنك، وينزح ما غار من فهمك، ويفتح تغميض ~~بصرك، ويطرد سنة قلبك، ويؤلف بينك وبين حقك. # اعلم أن العامة وكثيرا من الخاصة، لا يعرفون العقل ولا يحقون حده، ولا ~~يتصرفون في وصفه، ويكتفون في معرفته بأن يقولوا: هو عرض أو جسم أو آلة بها ~~يتميز هذا التمييز، ومن أجلها يتكلف هذا التكليف، أو يكيف هذا التكيف، ~~وربما قال الحاذق منهم: هو مأخوذ من العقال. وسمعت البصري المنبز بجعل ~~يقول: العقل هو مجموع علوم هذه اللفظة. والعبارة عن العقل أكرمك الله ~~مقسومة على قدر ما يريك منه ويلحظ به ويؤكد السبيل إليه، فإما أن يقال إنه ~~موجود ومكشوف، فهو سعة الكلام واقتدار القائل وتقريب المعرف. وسمعت في بعض ~~ما يقال أيضا في وصفه أنه مطبوع ومصنوع. هذا قريب من الذي تقدم. والذي ~~يقربك من الحق في هذا ويدنيك إلى اليقين ويلبسك جلباب السكون، أن تعلم أن ~~العقل بأسره لا يوجد في شخص إنسي، وإنما يوجد منه قسط بالأكثر والأقل، ~~والأشد والأضعف. ms086 والموجود في العامة وأشباه العامة إنما هو قوة متصاعدة عن ~~الطبيعة قليلا بعد التباسها بها قد فاءت عليها بظل النفس الناطقة، على # PageV01P235 # ضعف دون ضعف، وتزايد، وبها باينوا كل حيوان دونها مباينة تامة من وجه، ~~وضارعوا مع ذلك كل حيوان دونها مضارعة مختلفة من وجه. فأما وجه المباينة ~~فظاهر بالشكل والتخطيط وانتصاب القامة وسائر الخواص الدالة على ذلك، فله ~~الجزء الذي هو للجنس بالنظر المنطقي. وأما المضارعة المختلفة فمعترف بها ~~بشهادة التصفح وثمرة الاستقراء، ألا ترى أن الإنسان يوجد له زهو كزهو ~~الفرس، وتيه كتيه الطاوس، وحكاية كحكاية القرد، ولقن كلقن الببغاء، ومكر ~~كمكر الثعلب، وسرقة كسرقة العقعق، وعيافة كعيافة الغراب، وجرأة كجرأة ~~الأسد، وجبن كجبن الصفرد، وإلف كألف الكلب. وأشياء من هذا النحو تكثر، وهي ~~تجاه العيون وإزاء العقول؟ فقد بان ووضح القدر الذي حصل لهذه الطائفة وما ~~هو وكم هو، بهذا التعريف والتمثيل. # ثم إن هذه القوة قد ترقى ترقيا بعد ترق حتى تلتبس بالنفس الناطقة التباسا ~~ما، إلا إنه يكون معها ظل من الطبيعة على قلة وكثرة وزيادة ونقصن فيكون ~~الصواب أغلب، العرفان أقرب، والوجدان أكثب، والثقة أكثر، والإستبانة به ~~أخص. وهذه هي قدر ما حصل لجميع من فضل عن العامة في حاله وعلمه. # ثم إن هذه القوة تصفوا في تلك الخطط والمعاني التي هي العقل فيلحظ صاحبها ~~الأمور بحقائقها، مستوعبة بحدودها، مخلصة من موادها، على خاص ما لها من ~~بسائطها. وها هنا يقال: إن الولاية للخبر الآلهي والمعنى الربوبي. وعند ذلك ~~تكون القوتان الأخريان ضعيفتين، أعني قوة الشهوة وقوة الغضب. والجملة تكون ~~الطبيعة معزولة وحكمها كحكم بعض الرعية المسوسة بعزة الساكان الملك العدل. ~~وهذه حال من وصل إليها وحصل عليها، فقد أوفى على رياض القدس وحاز ذخائر ~~النفس، ونقى من أدناس الأنس. # وذكرت ها هنا كلمات تلتاط بما سلف، كنت سمعت أبا سليمان تناقل بها # PageV01P236 # في عروض حديثه عند طيب نفسه. قلت له: لم نسمع من المجنون الحكمة بعد ~~الحكمة؟ # فقال: أتسمع من الذي ليس بمجنون ms087 الحماقة بعد الحماقة؟ فالبادر من هذا ~~كالبادر من ذاك. # فقال له البخاري: فما هذه الأشباه، وما الجزء فيها وما العلة الجالبة ~~لها؟ فقال: المجنون من جنس العقلي، فبحق هذه المشابهة ما ينطبق بالفائدة ~~ويسبق إلى الحكمة ويطلع على البديهة. وكذلك الغافل من جنس المجنون، فبحق ~~هذا الشبه أيضا ما يهذي في وقت ويزل في آخر، وينطق بالخطأ وينصر الباطل، ~~وهذا منسوب للذي فيه من حصة الهيولى، يبدر منه هذا النقص، ولذلك القسط الذي ~~فيه من صفة الصورة يبدر منه ذلك الفضل، إلا أن هذين البادرين في هذين ~~الشخصين لا يرفعان الحالين الظاهرين على الشخصين، أعني أن المجنون بقدر ما ~~بدر منه لا يكون عاقلا، والعاقل بقدر ما بدر منه لا يكون مجنونا، ثم أيضا ~~جميع العقلاء والمجانين مختصين على هذا المنهاج. # ثم قال: فهذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم، ليس بعقل، وإنما هو ~~شبيه به أو شيء معه ظله أو حكمته وخياله، ولهذا ما ما خالطهم الهوى واستحوذ ~~عليهم التعصب، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم، وخذلهم اللجاج والصياح، ~~وانفتح باب الحيرة عليهم، وسد باب اليقين عنهم. قال: ولهذا قل تألههم ~~وتنزههم، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين على هذا وجدنا أعلامهم ~~وكبراءهم، ولولا إبثار التقي لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم. # سمعت ابن عباد بالري سنة خمسين يقول: طبع العقل على أن يشهد للباطل كما ~~يشهد للحق، ولهذا اختلف العقلاء في جميع أمر الدين والدنيا وهذا أبقاك الله ~~كلام خبيث، وقد تكلمت عليه في كتاب النوادر مع # PageV01P237 # جميع علائقه وغواشيه، ولولا ذلك لكان يجب أن لا يثبت هذا القول ها هنا ~~على وجهه، ولعمري إن عقله وعقل ضربائه كذلك، ولا أزيد على تهجينه بما يخرج ~~عن حد الأدب المرضي، ويزايل أحكام الخلق الزكي، وقد جرى هذا الكتاب في ~~ترتيب العقل وتحقيق المعقول وبلوغهما إلى ما يكون به العاقل عقلا ومعقولا ~~ما يشفي الغلة، فانتبه واسعد به. ### | المقابسة الخامسة والخمسون # في أن بعض المسائل توجد بالفكر والروية # وبعضها بالخاطر والإلهام # سئل ms088 أبو سليمان فقيل له: لم وحد فينا شيء لا يبرز إلا بالروية والفكر ~~والتصفح والقياس، وشيء بالخاطر والبديهة والإلهام والوحي والكلفة حتى كأنه ~~كان حاضرا بنفسه مترصدا لبروزه؟ فقال: لأن البديهة تحكي الجزء الآلهي ~~بالانبجاس، وتزيد على ما يغوص عليه القياس ويسبق الطالب والمتوقع. والروية ~~تحكي الجزء البشري، وكذلك الفكر والتتبع والإستمداد والتوقع، فمن أجل ~~انقسام الإنسان بين شيء ينبعث به مسشتاقا إلى مطلوبه، وبين شيء يبعثه شائقا ~~إلى مطلوبه، ما وجب أن يكون له روية، وهي به، وبديهة هي إليه. وكان يقول: ~~ولهذا لا تتوفر القوتان معا بالإنسان الواحد، أي لا يوجد الإنسان غاية في ~~البديهة غاية في الروية، لأن إحدى القوتين إذا اشتغلت قمعت الأخرى وحاجزتها ~~عن بلوغ الغاية القصوى. # قلت له: فأي القوتين أشرف؟ فقال: كلتاهما على غاية الشرف، إلا أن البديهة ~~أبعد من معاني الكون # PageV01P238 # والفساد، وإغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال، والروية ألصق بكمال الجوهر ~~وأشد تصفية للطينة من الكدر. # ثم قال: والروية والبديهة تجريان من الإنسان مجرى منامه ويقظته، وحلمه ~~وانتباهه، وغيبته وشهوده، وانبساطه وانقباضه، ولا بد من هاتين الحالتين، ~~ومن ضعف فيهما فاته الحظ المطلوب في الحياة والثمرة الحلوة من السعي. # فقال: ليس حكمهما في اللسان أظهر من حكمهما في القلب، فإن للقلب بديهة ~~بالسانح، وروية بالاستقرار، أحدهما في حيز الهيولى والثاني في حيز الصورة. ~~ولما كان الإنسان متقوما بهما كانت نسبته فيما يفرغ إليه على حد حصته فيما ~~تأهل عليه. # ثم قال: على الإنسان حالات بحسب المواد الحاضرة والأسباب المؤثرة ~~والقابلة، تعتدل بديهته ورويته فيها، أو يسبق أحدها ثم يستمر ذلك الاستمرار ~~ولا يدوم ذلك السبق، وهما قوتان آلهيتان إلا أن إحداهما متصلة به والأخرى ~~واصلة إليه، وليس كل متصل به ينفصل بسهولة، ولا كل واصل إليه يصل بسرعة. # ثم قال له في هذا الموضع أبو زكريا الصيمري: الكمال عزيز؟ قال له: أو ~~تدري لم؟ قال: أفدنا أبقاك الله على عادتك ولا تندمنا نقصنا بمطالبتك. # قال: لأن الكون والفساد واسطة لهما، فالمقوم بها ms089 لا كمال له، لأن الكمال ~~في الوسط لا في الطرف، ولكن ليس الرقي كالهوى، ولا الهبوط كالصعود، ولا ما ~~يزان به مثل ما يشان به، ولا ما نعذب به مثل ما نثاب عليه، إنك لعلى جدد لو ~~كان لي منك مدد. # واندفع في هذا وشبهه حتى فرق بينه وبيننا المساء، فسقى الله تيك الساعات ~~التي كانت تتضمن بهذه الراحات، أنظر إلى بقاياها المرسومة بالخط، المدونة ~~بالقلم، المحكية باللفظ، والله إن مساربها في النفس والعقل والروح كانت ~~تنسي كل # PageV01P239 # حال مشهودة، وتسلى عن كل غاية محدودة، ومذ ضرب الزمان بالإسداد دون هذه ~~الرياض والأنوار، كبا كل زند؛ وخاب كل أمل، وخبت كل جمرة، وكل كل حد، وحتى ~~لو أعدنا النظر في هذا القدر المذكور دارسين، لخرجنا منه عارين، وانقلبنا ~~من الخاسئين، وإلى الله الشكوى فهو المعين. ### | المقابسة السادسة والخمسون # في مراتب الإضافة # قلت لأبي سليمان: أحب أن أسمع كلاما في مراتب الإضافة التي هي مستولية في ~~جمل حالاتها مثل قولي: هذا، وهذا لي، وهذا مني، وفي، وعلي، وإلي، ولدي، ~~وعندي، وما ضارع ذلك؟ فقال: أما تعلم أن الإضافة في هذا الموضع كلها إلى ~~الجزء الآلهي؟ لأن الإنسان محدود بأنه حي ناطق مائت، فالحي في أحد الطرفين ~~في السكون والمائت في الطرف الآخر بالدثور، والحال المفروضة بين الطرفين ~~تكون إنسانا، وهذا الاسم هو له بالحقيقة ما دام في الكليات، أعني الطبائع ~~والعناصر والشمائل، وبه يكمل هذا النوع من الكمال، فإذا أضاف هذا الإنسان ~~شيئا إلى نفسه فإنما يضيفه إلى الآلة التي تستحق الإضافة كلها بالإطلاق، ~~لأن مراتب الإضافة مختلفة من مرتبتين الحائط، وماء النهر، وسرج الدابة، إلى ~~يد الإنسان، إلى فضل زيد، إلى ما لعمرو، إلى كوكب الفلك، إلى العلة الأولى. ~~فمحار كل هذا إلى شيء واحد، ولكن الصوادر عنه متباينة، والقوابل منه ~~مختلفة، وكيف كان ذاك فقد بان ووضح أن إضافة الإنسان # PageV01P240 # إنما هي إلى شيء مستحق للإضافة، وليست على باب التحريف والإضافة. # ثم قال: إن مبدأ المضيف إلى المضاف إليه ms090 للمضاف، ومبدأ المضاف إلى المضاف ~~إليه هو مبدأ المضيف، ومبدأ المضيف هو مبدأ الإضافة. ألا تعجب أن الحال في ~~هذا المقول دائرة متى فرضت شيئا منها كان مفروضا على ذلك؟ لأنك تجد مطلوبك ~~من أي ناحية التمسته، وتلقى محبوبك من أي جهة أتيته قال: وهذا لأن الكل هو، ~~وهو الكل والكم. ### | المقابسة السابعة والخمسون # في الحظوظ والأرزاق # قال أبو العباس البخاري لأبي سليمان وقد جرى كلام في الحظوظ والأرزاق: ~~لعل الذي عنى لي في أن العالم والأدبة؟ في الحكمة والتبين والاستنباط هو ~~الذي إليه هذا الأمر دون غيره من الأمور، فلما تولاني بما هو إليه بلغ بي، ~~فأما ماعدا هذا من الحظ والرزق والكفاية فلعله إلى غيره فلذلك ما تركت ~~مهملا في شيء وتوليت ملقنا في آخر، ولوعني في صاحب المال لبلغت غاية ~~الكمال، ولو كنت أغني عن ملاحاة الرجال، وعن إعادة القيل والقال؟ فقال له: ~~ليس كذلك، بل المعنى بهما واحد، وإنما تختلف هذه الحكمة ويشكل القضاء عليه ~~في عالم الحس وعرصة الزخرف وأرجاء الماء والطين. والدليل على ذلك أن الحائك ~~لا يزرع القطن، والخياط لا ينسج الثوب، والخباز لا يذبح الشاة، والعطار لا ~~يدبغ الجلد، والزفان لا يضرب بالعود، # PageV01P241 # ولو أمكن لفعل كل واحد جميع ذلك، وكان الإنسان يكمل بوفائه بكل شيء ~~وإتمامه لكل شيء، وبالواجب خالف حكم الحس حكم العقل في المعقول. كل مختلف ~~متفقا، وكل كثير واحدا، وكل بعيد قريبا؛ وكل متعذر سهلا، وكل عصي سمحا؛ وكل ~~مظنون متيقنا. وذلك لأن الوحدة العقلية في الكثرة الحسية مدمجة ولو استوى ~~الطرفان لسقط البحث وزال المراء، ولكان لا يشتاق الغريب إلى وطنه، ولا يحن ~~إلى معدنه؟ ثم أنشد في هذا الموضع بيتا ولم أدر من قائله وهو: # حن الغريب إلى أوطانه طربا ... إن الغريب إلى الأوطان حنان # قال: فعلى هذا موليك في العلم حتى منحك ما تراه هو موليك في الرزق حتى ~~زوي عنك ما تتمناه؟ لإبائك قبول الكمال في الحاشيتين، لا لانقطاع الجود عنك ~~في الوجهين. وهذا ms091 الإباء ليس لك فيه ذنب، وذلك الفيض ليس فيه عجز، ولكن ~~هكذا هو؛ وأنا أستحسن بيتا يأتي على أصل الباب وفرعه لقائله ولله دره وهو: # فإن تصبرا فالصبر خير مغبة ... وغن تجزعا فالأمر ما تريان # ثم قال: على أنه وإن كان قد شرفك بما منحك من الحكمة، فقد نظر لك فيما ~~قلل حظك منه، وكفاك مؤنة سياستة ومؤنة الأسف عليه، وخلصك فصرت أربح الساعين ~~وأغبط المجدودين بما تعلمه أنك مفضل فيه على كثير من بني جنسك ولداتك ~~الناشئين معك، والضاربين بسهمك، فلا تكثر الأسى على شيء هو الظل الزائل، ~~والحلم الباطل، وعليك في حياتك بما يكملك في الجملة، وبحملك من الأدب، ~~ويفضلك من البيان وينبل من ألخلق، ودع ما سوى ذلك فإنه جلل. # PageV01P242 ### | المقابسة الثامنة والخمسون # في أننا نساق بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة # سمعت أبا سليمان يقول: نحن نساق بالطبيعة إلى الموت، ونساق بالعقل إلى ~~الحياة، لأن الذي هو بالطبيعة قد أحاطت به الضرورة، والذي بالعقل قد أطاف ~~به الاختيار، ولهذا الفرق الذي استبان وجب أن نستسلم لأحدهما ونتحرم للآخر، ~~ولا يصح الاستسلام إلا بطيب النفس فيما لا حيلة في دفعه، ولا يتم التحرم ~~إلا بإيثار الحد فيما لا ينال إلا به، والضروري لا يسعى له لأنه واصل، ~~والاختياري لا يكسل عنه لأنه غير حاصل لديك، فانظر أين تدع توكلك فيما ليس ~~إليك، ومن أين تطلب ثمرة اجتهادك فيما هو متعلق بك. # ثم قال: نحن نقضي ما علينا، ونجتهد في ما لدينا، ويجري الدهر بما شئنا أو ~~أبينا. # ثم قال أيضا في هذا الفصل على تقطع علائق الحديث ومحادثة بعض الحاضرين: ~~الإنسان مسجون بالضرورة والاختيار، وعلى ذلك فمعاده إلى غايته التي هو ~~متوجه إليها من جهة اختياره، ومتوجه به نحوها من جهة اضطراره. وهذه كالحيرة ~~ولا سبيل إلى محيرها واستبانة كنهها بحق ما عرض، لأن الصورة عنونت ~~الاختيار، والهيولى رسمت الاضطرار، والذي يكونه بهما يضرب على حديهما ~~ووتيرتيهما، وإنما كا الاختيار منسوبا إلى الصورة بحق الشرف، وإنما كان ms092 ~~الاضطرار منسوبا إلى الهيولى بحسب الخسة. والإنسان كالإناء لهما، وبالتباسه ~~بهما والتباسهما به ما عرض هذا الصراخ والعويل، واحتيج فيه إلى القال ~~والقيل، والله المستعان في كل ما عز وهان، فليكن هذا مقنعا إن لم يكن ~~شافيا، والسلام. # PageV01P243 ### | المقابسة التاسعة والخمسون # في أن الحس قد يحتد بالنفس الغضبية # سمعت عيسى بن علي بن عيسى يقول: لما كان الحس يحتد بالنفس الغضبية حتى ~~ترى لصاحبه تعدي محسوسه بالحياة كرجل يتعرض للسيف والحرب، والمقام الصعب، ~~ليفشو ذكره، ويطير صيته، ويعلو شأنه، ويشار إليه بالإصابع، ويتحدث بحديثه ~~في المجامع. لم يكن للعقل أن يشرق بالحق ويستنير بالخير، ويلتذ بالصدق، ~~ويتملى بالصواب، وتستملي النفس عنه حقائق الموجودات، ويشرف به على عواقب ~~المطلوبات والمقصودات، حتى يجد صاحبه تعدى معقوله بهذه الحياة المموهة ~~الباطلة، لينال حياة تامة كاملة دائمة خالدة لا إثم فيها ولا تبعة ولا كدر ~~ولا مشقة. هي حدة إلهية، ونهاية عقلية، وهيئة وجدية، وجال ليس عليها بيان ~~موصوف، بلفظ مستور أو مكشوف. # وتكلم بهذا عند حديث رواه في الوقت بعض الحاضرين: زعم أنه رأى رجلا قد ~~ضربه السلطان بالسياط، بالجناية، وأنه كان يطاف به وهو عريان على جمل بين ~~الأشهاد، فبلغ مكانا وقف فيه الجمل لعارض، فدنا منه صبي وشاوره بشيء، فقام ~~المضروب هذا على ظهر الجمل قائما وبسط يده على حائط كان إلى جانبه ثم سمرها ~~بيده الأخرى بخنجر وبقي معلقا، وعبر الجمل وهو كذلك، فتعجب الناس من نفسه ~~ومرارته ومن الأمر الذي هجم به على ذلك وزينه في عينه! فأفادنا بعقب هذا ~~الحديث هذه الفائدة ومدارها على أن صاحب العقل الذي لحظ به الرتبة الكبرى، ~~وأشرف به على الغاية # PageV01P244 # القصوى، واستهان من اجله بالحياة الدنيا، أجدر أن يفزع عن خلائقه ووتائره ~~التي قد ارتبطته وأورطته، وأنه أهلا لذلك وهو به أليق وعليه أقدر وفيه ~~أعذر، وأن الصواب موكل به وناصر له، بقدر ما كان الخطأ مؤكلا بالأول وواضعا ~~منه. ### | المقابسة الستون # في النثر والنظم وأيهما أشد أثرا في النفس # قال أبو ms093 سليمان، وقد جرى كلام في النظم والنثر: النظم أدل على الطبيعة، ~~لأن النظم من حيز التركيب. والنثر أدل على العقل، لأن النثر من حيز ~~البساطة. وإنما تقبلنا المنظوم بأكثر مما تقلبنا المنثور لأنا للطبيعة أكثر ~~منا بالعقل، والوزن معشوق للطبيعة والحس؛ ولذلك يفتقر له عند ما يعرض ~~استكراه في اللفظ. والعقل يطلب المعنى، فلذلك لا حظ للفظ عنده وإن كان ~~متشوقا معشوقا. والدليل على أن المعنى مطلوب النفس دون اللفظ الموشح بالوزن ~~المحمول على الضرورة؛ أن المعنى متى صور بالسانح والخاطر وتوفي الحكم لم ~~يبل بما يقويه من اللفظ الذي هو كاللباس والمعرض والإناء والظرف. لكن العقل ~~مع هذا يتخير لفظا بعد لفظ، ويعشق صورة دون صورة، ويأنس بوزن دون وزن، ~~ولهذا شقق الكلام بين ضروب النثر وأصناف النظم. وليس هذا للطبيعة؟ بل الذي ~~يستند إليها ما كان حلوا في السمع، خفيفا على القلب، بينه وبين الحق صلة، ~~وبين الصواب وبينه آصرة، وحكمها مخلوط بإملاء النفس، كما أن قبول النفس ~~راجع إلى تصويب العقل. # ثم قال: ومع هذا ففي النثر ظل النظم، ولولا ذلك ما خف ولا حلا ولا طاب ~~ولا تحلا، وفي النظم ظل من النثر، ولولا ذلك ما تميزت # PageV01P245 # أشكاله، ولا عذبت موارده ومصادره، ولا بحوره وطرائقه، ولا ائتلفت وصائله ~~وعلائقه. # وقال كلاما أكثر من هذا وقد أخرته إن شاء الله لرسالة معدودة في الكلام ~~على الكلام، ثمرة هذا بتمامه فيها مع سائر ما يكون له بشرح تام وعناية ~~بالغة، إن ساق الله إلى غايتها، ورفع هذا الفساد الذي قد منع من كل ما تهم ~~النفس به من الخير، وصد عن كل ما يكون سببا للسعادة. ولا ملجأ إلا إلى الله ~~في كشف هذه الضراء، وإماطة هذه الأواء، فهو أول كل خير، وميسر كل طالب ~~وناصره. ### | المقابسة الواحدة والستون # في أن النفس قابلة للفضائل والرذائل والخيرات والشرور # قال أبو سليمان، وأنا أقرأ عليه كتاب النفس للفيلسوف سنة 371 إحدى وسبعين ~~وثلثمائة بمدينة السلام. # إن النفس قابلة للفضائل والرذائل، ms094 والخيرات والشرور، والأخلاق التي تعسر ~~من وجه في تهذيبها ويتأتى ذلك من وجه آخر لعلة عجيبة، ولذلك أن الحيوانية ~~منه للإنسان أخلاقا، وهي لا تستحيل ولا تتغير. ولناطقة أيضا أخلاق تترقى ~~بها وتكمل، فما أخذ من الأخلاق في طريق الطهارة والصفاء، فهو في قبيل القوى ~~الناطقة، وما صعب منها، فهو في قبيل الحيوانية. وليس يجب على الناظر ~~المتحرز، والمجتهد المتعزز، أن ييأس من صلاح ما يمكن صلاحه لتعذر ما لا ~~يمكن ذلك فيه. وقد شفي الكلام في هذا الباب أبو زيد البلخي في كتابه الذي ~~سماه باختيار السيرة ومن استوعب ذلك بفهمه وتذوقه بعلمه لحظ من هذا الباب ~~أبعد مرام، وفاز # PageV01P246 # منه بأوفر السهام، وعلى كل حال فاقصد مؤثر، والاجتهاد مثمر، والراية ~~منصوبة، والطريق جدد، والشوق باعث، والنزاع متصل، والنداء عال، والاستجابة ~~ممكنة، والتقرير أخذ الأهبة وتقديم العدة. فلعلك ترتقي بطهارة أخلاقك، ~~وتهذيب سيرتك، وإصلاح حركاتك، وتمييز نومك من يقظتك، إلى معادن عزك، ومعدن ~~فوزك، حيث لا حاجة ولا مذلة، ولا كثرة ولا قلة، حيث يكتنفك الغبطة والسرور، ~~ويعمرك الروح والحبور، حيث لا تحتاج إلى ذكر، لأنه لا يعتريك نسيان، ولا ~~تفزع إلى طبيب، لأنه لا يصيبك داء، ولا تتمنى شيئا، لأنه لا يفوتك محبوب. ~~ذاك محل لولاه ما اندفع الخطيب المصقع والعاقل المبين دهرا ودهرا لتنظيف ~~بهجته وزينته، وشرفه وكرامته، ورفعته وسناه. ولم يلم بأدنى حقائقه، ولا ~~بأخف ما يتشتت الوهم به، وإن أعانه بنو جنسه وفتحوا عليه أبوابا فوق ~~أبوابه. وكيف لا تكون تلك الغاية نفيسة، وتلك النهاية عزيزة، وتلك العرصة ~~مأنوسة، وتلك العقوة مقدسة، ولا شرع إلا وهو مشوق إليها، ولا عقل إلا وهو ~~يحث عليها، ولا بال إلا وهو منوط بها، ولا لسان إلا وهو آثر عنه، ولا روح ~~إلا وهو متعلق به طمعا فيها، فكل ما دونها سراب وكل سعي دون تحصيلها تباب، ~~وكل تجارة في غيرها خاسرة، وكل أمنية دونها خائبة. والله لو أن أحدنا حاول ~~وصلة بينه وبين أحد يشرف بجده عنده، وعز ms095 يناله به، وراحة يتعجلها منه، بكل ~~عزم وجد، وكل كذح وجهد، مع يقينه بزواله واضمحلاله، إذا نال وأدرك، كان غير ~~ملوم في سعيه، ولا معذول عن غدوه ورواحه، ولا يهجن الرأي في ملتمسه؟ فكيف ~~إذا قصر همه على طلب الزلفة في دار الخلود، ونزع إلى مواصلة من به وجد كل ~~موجود؟ والسلام. # PageV01P247 ### | المقابسة الثانية والستون # في كلمات قبلت في الطبيعة والصورة والهيولى # على نمط كلمات لبطليموس # هذه المقابسة أثارها قولنا لأبي سليمان المنطقي: ما أحسن كلمات لبطليموس ~~في الثمرة؟ فإنها كالشذور المنتخبة، والدرر الثمينة، والأعلاق النفيسة، ~~ولقد شرفها أناس أفادوا فيها وأفادوا منها، وما أحوجنا إلى إخراجهن في ~~الفلسفة الآلهية والطبيعية! فإنها توعي وتحفظ، وتروي وتلفظ، وتصير كالجواهر ~~التي تصلح للذاخر، والأشجار التي تثمر في كل إبان، والمواد التي خير فيها ~~الإنسان؟ فقال: خذوا إذا من ذلك ما يسمح به الوقت، ويجود به واهب العقل، ~~فإن فسح الزمان كررنا عليه بالتنقيح والإصلاح، وما يكون له كالشرح ~~والإيضاح. # ثم قال: الطبيعة عش الكون والفساد؛ والكون والفساد ركبا من البقاء ~~الكاذب، والبلي الصادق. والنفس معدن الفكر والوهم، وهما بابا التمييز ~~والذهن والفهم. العقل نهاية الشرف والكمال، به يكون نيل السعادة الكبرى من ~~العلة الأولى. والطبيعة كذوب لا تصدقك إلا بإكراه النفس. والنفس صدوق لا ~~تكذبك إلا بإكراه الطبيعة، والعقل رقيب يحفظ، وشاهد يؤدي، وثقة يؤمن؛ فمن ~~استشاره منتصحا أصاب، ومن أضرب عنه مغترا طاح وخرج عن إصابة الحق. وبين ~~الفساد فيه فرق يفيت أو يفيد، فنظر أمرا لنفسه ذلك عدمان بهما يكون ويفسد ~~ذلك وجود واحد به يبقى ويسعد. إنما دخل الخلل الإنسان من ناحية اعتداده في ~~عالمه هذا # PageV01P248 # حتى نسي بطبيعته ما كان يزود نفسه من عالمه ذاك. أعرف حقائق الأمور ~~بالتشابه فإن الحق واحد، ولا تستفزك الأسماء وإن اختلفت فتقول: مات غير ~~نام. وفني غير بلي. وبطل غير ذهب. وعدم غير تحول. وفقد غير غاب. فإن السرور ~~هو الفرح، والغم هو الهم، والمعرفة هي العلم، والقول هو الكلام، والبيان هو ms096 ~~الإيضاح؛ لكن بدرجة ودرجة. وهيئة وهيئة، ومكان ومكان، وزمان وزمان، ومعرض ~~ومعرض. شكول في هذا العالم في أغشية متكافئة بين أهوال مختلفة على طرق ~~محفوفة. فأشكل عليك بلدك الذي أنت منه فانتسبت في الغربة لبلد لست من أهله، ~~وأخذت بعادة كنت غنيا عنها لو عرفت مرماك فيها، فإذا نبهت فخذ في إصلاح ما ~~يرحك إلى مقرك حتى تستريح من هذا القلق الدائم، ومن هذا الهول القائم. # فخذ عليك بذاتك ولا تبخل بما لا بال به فيفوتك ما لا بد لك منه. اعرف ~~تركيبك ثم اطلب به بسيطك، فإن لكل مركب بسيطا إليه ينتهي. لست طينا وإنما ~~أنت طيني فانتف مما أنت به منقوص، وانتسب إلى ما أنت به موفور. شقاؤك في ~~انفعالك في الأول والثاني، وإن عجزت عن ارتجاع ما فاتك فلا تعجز عن حفظ ما ~~معك، ولا ينفعك الآن جهدك، فبذلك تتصل بالأجرام التي لا ينفعك إلا مكان ~~وجد، فإن وجه إليك وتوجه وراءك فتوجه أمامك وتغافل عما ورائك، فإن الذي ~~وراءك في حكم ما ليس لك، فمتى التفت إليه فاتك، ومتى رجعت إلى الآخر فبه. # الناموس الحق يعترف بأكثر مما يعرف به، وأنت مجموع معادن إن انسبكت حصلت، ~~وإن تركت فسدت. الصورة غنية عن الانفعال، والهيولى محتاجة إلى الصورة، ~~فانفعالها على قدر حاجتها: الصورة نوبة والهيولى بحسب العلة الأولى، معادن ~~النفس إذا كانت خالصة ولها إليه عزوة، فهي أوثق من # PageV01P249 # جميع الوثائق والأواصر. الإنسان حي ناطق مائت، فمن أبرز هذا الحد بالفعل ~~كما حواه بالقوة لم يرتق عن أن يكون إنسانا كيف تقلبت حاله، ومن تطاول إلى ~~إحراز ما هو به ناطق على تهاون بما هو به حي مائت، علا عما هو به إنسان، ~~وصار جرما علويا وجوهرا نقيا. ولا مثال له عندنا إلا المشتري وما هو في ~~شكله. الهيولى في عالم الكون والفساد أقوى، لأنها في محل عزها، والصورة في ~~عالم الحق أعلى لأنها في معدن كمالها. الفلسفة حب الحكمة ولا يصح حب الحكمة ~~والطبيعة فيما يؤثره ms097 الإنسان. إذا غلبت الصورة على الهيولى بطلت حكمة ~~الهيولى. العلم ثمرة العقل. العقل سلم إلى الله. بدء الخير كدورة. # الإنسان موزون بكفتي العقل والطبيعة، والرجحان بعد هذا بالسيرة المقتناة، ~~وكذلك النقصان. الطبيعة بالرياضة خادم العقل، وبالوضع منشئ لذي العقل. ~~النفس عقل بعد الاستنارة، والعقل نفس بعد الفكرة، والطبيعة مميزة بالنظر في ~~الأول محرفة بالنظر في الثاني. لا تبلى الهيولى ولا تبيد، لكنها أبدا في ~~الإحالة والاستحالة والتأثير والقبول، والمتقوم بهما هو المكفي بينهما. لا ~~فتور في النفس. لا كدر في العقل. لا حقيقة في شيء من العلة الأولى، لأن كل ~~شيء بما هو به مخلوط بحكمة الباري وبما هو مشبه به مرفوع إلى الباري، لأنه ~~محل الاعتدال في عالم الكون والفساد، لأنه لا واسطة. شرف الإنسان في تراثه ~~في الهواء والهواء أشرف الإنسان من تركيبه وهو انفعال خسيس. قبول الحق ~~انفعال أيضا، ولكن في غاية الوجوب، وفي ذروة الشرف، وفي نظام ما ينبغي. # العلم شرح العقل بالتفصيل، والعمل شرح العلم بالتحصيل. العمل عملان: عمل ~~القلب لا تملك إلا أحد طرفيه، وعمل المباشرة أنت مالك له، فمتى # PageV01P250 # حسن إيثارك للحق صنع لك في الذي لا تملك لوفاتك بحق ما تملك. الهيولى ~~عاشقة للصورة مع المنافاة بينهما، لأنها بها تكمل، والصورة قابلة للهيولى، ~~لأنها بها تحسن، إلا أن يكون المقوم منها وافر النصيب من الأول. الخذلان كل ~~الخذلان في الحرص على سماع الحكمة مع مخالفتها. الإصرار على الشر مع تمني ~~الإقلاع عنه زيادة في الشر. العكوف على الخير مع الشك خسران العاجلة ~~والآجلة. تمني الخير في الظاهر مع ملابسة الشر في الباطن معاندة. تقبل ~~الاهتمام بالخير مبدأ، والاهتمام بالشر غاية، المعطي لا يتبع المعطى ولا ~~العطاء. # قيل له في هذا الفصل زدنا شرحا؟ فقال: محال أن تكون قوى الأجرام العلوية ~~في الإنسان الجزئي تابعة في البيود والبطلان. لا يستجيب شكل المادة لطابع ~~العقل، فلذلك يوجد الزيغ في كل معقول ومحسوس. المحل محل نقص بالبيوس، فلا ~~جرم متى وجدت عالما وجدته خفيف المال، ms098 ومتى وجدت موسرا وجدته خفيف البصيرة، ~~فإن ندر شيء فذاك خارج عن القياس، كالعلم بين الناس. ليس لنا إلا الآليهة ~~والبشرية، فإذا لا بد من سنن آليهة لتصير إنسانا، وسلاليم وعلائق بين ~~البشرية والآليهة يرقى منها العاجز ويكمل بها الناقص. إنما أحوجت إلى غيرك ~~لنقصك، وشوقت إلى من هو أشرف منك بنفسك، فاكمل تغن، وافن تبق، واغضض تبصر، ~~أنسى تذكر، واعرف تنج، وخاطر تحرس. # واعلم في الجملة أنك داؤك، ولكن فيك دواؤك، فإذا تسلط داؤك على دوائك غار ~~داؤك بدوائك. إنك واضح فلا تشكل، ونير فلا تظلم. للصورة سرار لا يفهم إلا ~~بتأييد العقل، والهيولى خلافة لا يتخلص منها إلا بتشمير النفس. العقل سرح ~~النفس مرعاها فيه، والنفس قليب الطبيعة مستقاها منه، والطبيعة صراط الإنسان ~~مد له غيه. حاكم الطبيعة إلى النفس # PageV01P251 # يحكم لك، وبلغ إلى العقل ما يفهمه عن النفس يردك. وإعرف الشر لئلا تقع ~~فيه جاهلا به. الشر شران: شرنا شيء منك فأنت قادر على قمعه بموارزة الخير ~~المؤثر عليه، وشر وارد عليك أنت محتاج إلى دفعه بمعاونة أهل الخير الكارهين ~~له. الشر عدم فمتى لبسته عدمت، والخير وجود فمتى لا بسته ظفرت وبقيت. ومن ~~خلط الخير بالشر وقف بين العدم والوجود وساء عيشه، ومن رجح به الشر باد، ~~ومن فاز بالخير نال السعادة. لين الشر أكثر من عدم الخير، ولين الخير أكثر ~~من معرفة الحق، والعمل به. قد يعرف الشيء منكورا وينسى مذكورا، فأما عرفانه ~~فمن ناحية ظهوره وغلبته، وأما نكرته فمن ناحية حجبه ووسائطه. الموجود فيه ~~ظل المعقول بدلالة الواجب له، وهذا يلم، لأن الموجود جلبه لغيره منه. # صحح توحيدك بالمعرفة، وصف معرفتك بنفي ما يخامر سرك. هو الأول والآخر، ~~والظاهر والباطين، والشاهد والغائب. أول بلا مبدأ، وآخر بلا نهاية، وظاهر ~~بلا تحصيل، وباطن بلا فكرة، وشاهد بلا ملابسة، وغائب بلا مشافهة، وإياك ~~أودع سره، وعليك أقام بره، ومنك استعارك، ولك أعار ما أعارك، ليكون أزجا ~~منك ذلك، أو لا يكون بد إذا جار عليك بذلك. ms099 من الحيف أن تجحده وهو يناغيك ~~في ضميرك، ويستولي عليك في ظاهرك، ومن الجهل أن تسمه بنقصك، وتصفه بحد ~~نفسك، وتخبر عنه كما تخبر عما تركب عنك وفصل منك فيك. لعمري فمن الضعف أن ~~تكون ذا طبيعة صم تروم أن تكون ذا معرفة، ولكن ليس لك ذلك بحال لأنك متى ~~محوت آثارها وجلوت أصداءها أبصرت ما بين طرفك عنها، وتسأل إلفك منها، أو ~~ترقيك إلى المحل الأشرف الأسنى. # كن بطبيعتك إنسانا فاضلا، وبنفسك جرما عاليا، وبعقلك إلها غنيا. والطريق ~~إلى هذه الغاية أمم إن حركت همتك، وقوية شوقك، ونفيت # PageV01P252 # الشك عن قلبك، وصحبت القين بعقلك، وهجرت الحس الذي يكذبك وواصلت الناصح ~~لك، ولزمت فناءه، واستعنت وأعنت، وعرفت واعترفت. من غمس نفسه في غمار ~~الطبيعة هلك وطاح، ومن احتلي نفسه بزينة العقل طرب وارتاح، ومن صمد للغاية ~~بجده وجهده نشر وباح، ومن تهاون بتحصيل ما له وعله خسر وناح. لا يسخرنك ما ~~يرجرج لعينك عما يبهج لعقلك. لا تتمن الموت طلبا للراحة مما أنت مخنوق به ~~مسحوب عليه دون أن تثق بما تستريح إليه، فإنك متى أهملت هذا النظر حقت عليك ~~أن تكون استراحتك مما أنت فيه بالموت طريقا إلى شقوتك فيما بعد الموت، فمن ~~أخس منك إذا؟ لا عيب على من جهل النفس الفاضلة أن يخدم الطبيعة الجاهلة، ~~إنما العيب على من لحظ العيب في معدنه، وشعر بالخير من متوجهه. ثم أعرض عنه ~~سادرا، ورضى أن يرحل عن هذه الدنيا حائرا بائرا. أقرق بين متحرك من كذا ~~وكذا، وبين متحرك من كذا إلى كذا، حتى يصفو عزمك في طلب ما لا بد لك منه، ~~ثم لا تقف حتى يلحظ المتحرك على كذا وكذا فيه شرفك الأعلى، وإليه كان سعيك ~~الأدنى والأقصى. # ألطبيعة شائعة في الأجسام ومحركة لها مبدية قواها فيها، فأما النفس فإنها ~~تتحرك في الأرواح النقية، والجواهر الصافية، وهناك يبرز عينها بالحدس ~~والظن، والعلم واليقين، والحق والصواب، ثم العقل بعد هذا كله حركة أخرى في ~~البسائط العالية والغايات البعيدة، ms100 وبهذا تنال السعادة ويستحق الخلود ويصار ~~إلى ما لا يحويه وصف، ولا يرسمه رصف، هناك يقف الشوق عن الإزعاج، ويحاز ~~الشرف كله بلا ممارسة ولا علاج. # حركة الطبيعة في الأجسام نقش موموق، وحركة النفس في الأرواح الشريفة وشيء ~~معشوق، وحركة العقل في الأنفس الفاضلة معنى أنيق. # العفة خليفة النفس الناطقة عند الطبيعة المغضبة، والعدالة كمال للجميع # PageV01P253 # صحة جسدك بإزاء عفة نفسك، وشجاعة نفسك بإزاء قوة جسدك، وتمام جسدك بازاء ~~حكمة نفسك، وعدالة نفسك بإزاء حسن جسدك، فلا تقطع بين هذه القرائن فبها ~~شرفك وإليها توجهك. أنت من نفس وبدن، تبيد بالبدن وتخلد النفس، فاقصر سعيك ~~على ما يبقى ولا تلتفت إلى ما تبيد معه. أنت صورة لنفسك وبدنك إلا أنك ~~مستقيم من حقيقة ورثتها من نفسك ومجاز داخل عليك من بدنك، فوفر عنايتك على ~~مستخلص حقيقتك من مجازك وتفضي به إلى شرف غايتك. أخذ النفس أكثر من إعطائها ~~للطبيعة، وتقبل الباري أكثر من فيضه على النفس، وبروز العقل بالطبيعة أشد ~~من استجابتها للنفس، وذو النفس والطبيعة في جهاد دائم وكدح متصل. يقبل ~~العقل والفعل ولكن في الأفق الأعلى، وشوق النفس انفعال ولكن في الرتبة ~~الوسط، وبث الطبيعة انفعال ولكنه في السياح الأول من ذي الطبيعة. كذب روائك ~~الخمس إلا إذا شهد لدعواها العقل الرضي. كنت بددا في حكم المعدوم. فنظمت ~~بعيدا من العيب مشهودا له بالعجب، فلست إلا لأمر هو أعجب منك، فإن شبهت ~~معادك بمبدئك بشهادة الحس أخطأت، وإن رجحته على ذلك فيوشك أن تكون مصيبا. ~~لك وجودك الثاني على هذا الشرح وجودك الأول، فكذا لا يشبه وجودك الثالث هذا ~~الذي أنت عليه. الطبيعة تسوس مزاج البدن، والنفس تسوس دواعي الطبيعة، ~~والعقل يسوس سكان النفس بالنظام المحم ولكن المنتظم مستهدم، أنت مسكن لغيرك ~~فاجتهد أن لا يتحول عنك ساكنك كارها لك، واعلم أنه إن اصطفاك حولك معه. ~~الإنسان الجاهل ميت، والعالم المتجاهل عليل، والمؤثر للخير حي صحيح. إذا ~~كنت تجد حيا تحكم عليه بالموت بسبب اقتضى ذلك فلا تنكر ms101 أن تجد ميتا تحكم له ~~بالحياة بسبب يقتضي ذلك. لا تتخذ مراد الطبيعة مقيلا فإنك تزعج عنه أهدأ ما ~~تكون # PageV01P254 # فيه، وأسر ما تكون منه، فبدنك طبيعي فتهاون به، ونفسك عقيلة فتوفر عليها. ~~احرص على أن تعلم جيدا، لا على أن تقول جيدا، وعلى أن تهوى خيران لا على أن ~~تحب خيرا، وعلى أن تعمل بما ينبغي، لا على أن تدعي ما ينبغي. فيك درة الحق ~~فلا تخدع عنها، ومعك رائد الشرف فلا تعيبه، وإليه رشدك فلا تفت نفسك ما لها ~~ألهمك. ملكت مالا تستحق فأحسن سياسته حتى يستحقك. في التجارب مرآى النفس ~~فاستكثر منها فإنها أنجع من كل دواء، وأبلغ من كل شفاء، إن احتميت دامت لك ~~الصحة، وإن شرهت حالفك السقم، وأفضى بك إلى الندم. ما حمد المتواني عاقبة ~~حاله، ولا ذم الرصد فرصة غب أمره. ارحم نفسك قبل أن تسترحم غيرك، فإنها إذا ~~رحمتها أكرمتك، وإذا استرحمت غيرك لم يرحمك، فإن رحمك أهانك وأمتن عليك، ~~فلا تنفك عن غصة تهون عليك الموت وتسوقك إلى العدم. كن عاقلا حتى لا تغتر، ~~وخبيرا حتى لا تغر، وفي الجملة كاملا حتى لا تنقص، فإن قلت: أني لي ~~بالكمال؟ فاعلم أن كمالك في نفي نقصك بما تعمره لا بما تزيله، لأن نقصك من ~~جهة التركيب لا من جهة البساطة. لا تنم بين الإيقاظ، ولا تغفل عن الرقباء، ~~ولا تدع عنها المكذبين، ولا ترجي ما لك اليوم إلى غد، فإن غدا ليس لكن فإن ~~كان لك فإنه شاغلك عن يومك. ساء ما منتك نفسك أن تنال لذتك وتبلغ شهوتك ثم ~~تدرك بعد هذا سعادتك؟ ليتك إذا دفنك التراب، وغسلك الماء، ولطفك الهواء، ~~وأحرقك النار، وتقلبت بك الأستقصات، وعاد سفلك علوا، ودرنك نقاء، وظاهرك ~~باطنا، وصرت مقبولا بكل شكل، ومرقى إلى كل فضل، ومجلوا على كل عين، ومذكورا ~~بك لسان، ومتمني بكل قلب، ومعهودا بكل إصبع، ومقدسا بكل مجد، ومدعي في كل ~~زمان، وآويا إلى كل مكان، وموجودا في كل أوان، ومخبرا عنه ms102 بكل عيان، كنت ~~أهلا للبقاء والخلود والكرامة # PageV01P255 # والغبطة، ومشاكهة ما لا يزول ولا يحول ولا يبور ولا يحور، ولا يصل إليك ~~شيء إلا ممزوجا، ولا تضل إلى شيء إلا مكدودا، لأن الواصل إليك من العلو ~~يخرق حجبا يتشبث به ما يمر به ويتعلق هو ما يجتاز عليه، وأما الكيف الذي ~~يصحبك فلأنك في مركز يتطاول إلى المحيط. وهذه حال خطر وغرر إلا أن يكون ~~الجد صاحبك، والتوفيق كافلك. أنت سماء فيك كواكب تزهر، وأرض فيك يجور تزخر، ~~وهواء فيك رياح تهب، وجبل فيك عيون تنبع. أقصد بكثرتك قلة، وبقلتك توحدا، ~~وبتوجهك بقاء سرمدا، لا راحة لمخوف دون الأمن، ولا دعة لراج دون المطلوب، ~~ولا سكون لمحتاج دون الغني، ولا غري # دون درك المنى. ما أجهد الطبيعة في غمر البلاء بك. ما ألطف النفس في ~~إهداء النصيحة إليك، وما أشرف العقل فيما يجود به عليك، افرج عن الطبيعة ~~يفرج عنك. أي لا تسمح لها بالهواء فإنها لا تعتدل، الطبيعة تستهوي ذا اللب ~~الوافر، وتخدم الحازم الموفور، وتفل غرب المدل الجسور، لها في البدن صلاح ~~وفساد، فقط، إذا اعتبرت أفعال الله وجدت القدرة في وزن الحكمة، والحكمة في ~~وزن القدرة، وفي بعضها تجد القدرة والحكمة خافيتين، وفي بعضها تجدهما ~~ظاهرتين، فلهذا وأشباهه أشكلت المطالب، وثارت الشبه، واختلفت الطرق ~~والمظان، وصار الباحث وإن كان حريرا نقابا يزل من شق إلى شق، ويميل من جانب ~~إلى جانب، ولو استتب بالبحث على جدده، واستتب القول في صدده، كان العرفان ~~على قدر الوجدان، والبيان على قدر العرفان، إنما أشكل المطلوب لأنك أردت أن ~~تجد بالحس ما لا يوجد إلا بالعقل، وتجد في العقل ما لا يوجد في الحس، ولو ~~رتبت كل شيء موضعه ووفيته، لم يسم المطلوب أن يكون يقينا، ولم يسم اليقين ~~أن يكون مظنونا، إلا بعكس حدك في ترتيبه. واحفظ نظامك منه فإن تمامك به. ~~أحي بالطبيعة غير بطر، وتصفح بالنفس غير ملون، ونل بالعقل كل ما تريد، # PageV01P256 # فبهذا تسعد وبه تدرك بقاء الأبد. ms103 مت بالطبيعة قامعا لها، تحي بالنفس ~~رفيعا بها. لا تستشر العقل ملتطخا بأوساخ الطبيعة، فإنه يعافك ولا ينصحك، ~~ولكن توجه إليه طاهرا من كل دنس، عاريا من كل فساد، ثم اسمع منه فإنك لا ~~ترى إلا الرشد ولا تجني إلا الغبطة. الاختيار مركب من قوى النفس والطبيعة، ~~ولذلك كان معنى الانفعال فيه بالواجب أظهر من معنى الفعل منه بالإمكان، ~~لأنه في انتسابه إلى النفس ذو صورة، وقيامه بالطبيعة ذو هيولى، وعلى هذا ~~فنونه الأفعال كلها إلا ما بان في أوليته عنها. # وفي هذا الكلام إشباع لعله يقع في موضع آخر. ### | المقابسة الثالثة والستون # في سبب عدم صفاء التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون # قلت لأبي سليمان يوما: لم لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون ~~وأمثلة الألفاظ، كما صفا ذلك في الفلسفة؟ وقد سمعناك تقول غير مرة: إن ~~الشريعة إذا كانت حقا لا تكون كذلك إلا بقوة الآلهية وبعائد النمط الذي قد ~~ورد وانتشر وصار عقد الدهماء ونحلة الجمهور، وحتى صار في غمار هؤلاء من ~~يشبه التشبيه الفاحش، ويشير إليه الإشارة الخفية؟ # فقال في الجواب: قد قلنا مرارا في المذكرات التي سلفت، والمعاني التي ~~سنحت وعرفت، إن الكلام الذي يراد به إستصلاح العامة، واستجماع الكافة، لا ~~بد أن يكون مرة مبسوطا، ومرة موجزا، ومرة مستقصى بالإيضاح والإفصاح، ومرة ~~مجموعا بالرمز والتعريض، ومرة مرسلا على الكنانة والمثل، ومرة مقيدا بالحجج ~~والعلل، وعلى فنون كثيرة لا وجه # PageV01P257 # لاستيفائها إذا بان المراد في عرضها وأثنائها، وإذا استقر هذا مفهوما ~~وتوضح بيانا، فالواجب كان جميع ما يحديه الشرع من هذا الضرب ليجد الخاصى ~~فيه إشارة تشفيه، والعامي عبارة تكفيه. # فقال بعض الحاضرين: إنا قد وجدنا للأوائل في التوحيد كلاما كثيرا ~~متقاربا، ولم يكن صفا لهم أيضا ما كدر على غيرهم، وهذا يدل على أن ماس نطق ~~به الناموس، قريب مما يسنح في النفوس. # فقال: إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم وعرف ~~حقيقة أقوال متقدميهم، بل كان ms104 في القوم من رآى رأي العامة وحط إلى ما حطت ~~إليه، ولم يبن منهم كثير شيء مع قدم الزمان ولقاء المحقين الفاضلين. وهذا ~~إذا حصل لا يكون قادحا فيما نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به ~~خلصان الحكمة وفرسان الصناعة. على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية، ~~ومن العبرانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، قد أخلت بخواص ~~المعاني في أبدان الحقائق، إخلالا لا يخفى على أحد. ولو كانت معاني يونان ~~تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع. وتصرفها الواسع، وإفتنانها المعجز، ~~وسعتها المشهورة، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، وكاملة بلا نقص. ~~ولو كنا نفقه عن الأوائل إغراضهم بلغتهم كان ذلك أيضا ناقعا للغليل، وناهجا ~~للسبيل، ومبلغا إلى الحد المطلوب. ولكن لا بد في كل علم وعمل من بقايا لا ~~يقدر الإنسان عليها، وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها؛ وهذا لكي يكون ~~الله تعالى ملاذا للخلق ومعاذا للعالم، وهذا الذي سرى بين الجميع في ~~الانقياد والطاعة حتى حصل هذا مستجيبا لما هو صامد له بطباعه، وهذا صائر ~~إلى ما هو مدعو إليه، فإنه وكنه. هذه العيوب معترف به في الجملة، ومسلم ~~إليه في التفصيل. # PageV01P258 # فقال له البخاري: فعلى هذا أفدنا كلاما في التوحيد؟ فقال: أما من اعترف ~~بالوحدانية ثم شبه فقد ارتجع ما قال، ونقض ما اعتقد. وأما من ذكر أكثر من ~~واحد فقد ضل عن الحق كل الضلال. وأما من أشار إلى الذات فقط بعقله البري ~~السليم، من غير تورية باسم، ولا تحلية برسم، مخلص مقدسا، فقد وفي حق ~~التوحيد بقدر طاقته البشرية، لأنه أثبت الآنية، ونفى الآنية والكيفية، ~~وعلاه عن كل فكر وروية. # ثم قال: لقد أحسن من قال: إن حاولت وصفه فات فوتا بعيدا، وإن أزمعت جحوده ~~بان فيك موجودا مشهودا. # وكان ذيل الكلام أطول من هذا ثمرته خوفا من جناية اللسان في الحكاية، ~~ونزوة القلم في الكتابة، وإيثارا للحياطة فيما يجب على الإنسان إذا نشر ~~حديثا، وروى خبرا، وأثار دفينا، ms105 وأوضح مكنونا. خاصة إذا كان ذلك في شيء ~~غامض، ومعنى عويص، ولفظ مشترك، وغرض متوزع، ينبو عنه كل قول فان، ويتجافى ~~عنه كل نازع وإن أغرق. ### | المقابسة الرابعة والستون # في أن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه # ولا أخطاؤه في كل وجوهه # سمعت أبا سليمان يقول: قال أفلاطن: إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه، ~~ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب منه كل إنسان جهة. قال: ومثال ذلك عميان ~~انطلقوا إلى فيل وأخذ كل واحد منهم جارحة منه فجسها بيده ومثلها في نفسه، ~~فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مدورة شبيهة بأصل الشجرة وجذع ~~النخلة، وأخبر الذي مس # PageV01P259 # الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة العالية والرابية المرتفعة، وأخبر الذي مس ~~أذنه أنه منبسط دقيق يطويه ونشره. فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك، وكل ~~ما يكذب صاحبه ويدعي عليه الخطأ والغلط والجهل فيما يصفه من خلق الفيل. ~~فانظر إلى الصدق كيف جمعهم، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى ~~فرقهم؟ # وكان يقول، أعني أبا سليمان: هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء ~~بها عند من سمعها بتحصيل، ويؤيدها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلا في مذهب ~~يقول شيئا إلا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه، والملائم ~~لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق ~~والغلج بالتدبير. ### | المقابسة الخامسة والستون # في نوادر مفيدة في الفلسفة العالية # هذه مقابسة نذكر فيها نوادر سمعناها في الفلسفة العالية من أبي سليمان ~~مفيدة، وإذا وهب الله نشاطا وتمكينا عدنا إلى نظائرهن فرويناهن فإنها كثيرة ~~نافعة غريبة. # سمعته يقول: نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، ~~وأيدي الصين. # وقال أيضا: إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض، وإنما تظهر النار من الحجر ~~بالقدح، وإنما تستبان النجابة من الإنسان بالتعليم، والمعدن لا يعطيك ما ~~فيه إلا بالكدح، والغاية لا تبلغها إلا بالقصد. ومن نشأ بالراحة الحسية ~~فاتته الراحة العقلية، والعاجلة تتصرم ms106 والآجلة تدوم. # PageV01P260 # وقال: الحرف الذي يدعي في العربية وينسب إلى الأدب موروث من العرب، وذلك ~~أن أرضها ذات جدب، والخصب فيها عارض، وهم من أجل ذلك أصحاب فقر وضر، وربما ~~دفعوا إلى وصال وطي وكل من تشبه بهم في كلامهم وطريقتهم وعبارتهم إرتضخ ما ~~هو غالب عليهم من الحرف والإخفاق اللذين عليهما إلفهم، ألا ترى أن الشبع ~~غريب عندهم، والرعب مذموم منهم؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة ~~والبادية، وقد زادتهم جزيرتهم شرا لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة، والبيان ~~الرائع، والتصرف المفيد، والاقتدار الظاهر، لأن أجسامهم نقيت من الفضول، ~~ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول، وصار المنطق الذي بان به غيرهم ~~بالاستخراج مركوزا في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات ~~متميزة، بل فشا فيهم كالإلقاء والوحي، لسرعة الذهن وجودة القريحة. # وقلت له: قد صنف أبو اسحق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم؟ فقال: قد ~~كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له: النثر أشرف جوهرا، والنظم أشرف عرضا. ~~قال: وكيف؟ قلت: لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة أقرب. فمرتبة ~~النظم دون مرتبة النثر، لأن الواحد أول والتابع له ثان. # فقلت له: فلم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ فقال: لأنا منتظمون، فما ~~لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة، فلذلك إذا ~~أنشدنا ترنحنا، هذا في أغلب الأمر وفي أعم الأحوال، أو في أكثر الناس. وقد ~~نجد مع ذلك أيضا في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند ~~فصل منثور، وما يهدي لهذا # PageV01P261 # الذي نصرناه والمعنى الذي اجتبيناه، أن الكتب السماوية وردت بألفاظ ~~منثورة، ومذاهب مشهورة، حتى إن من اصطفى بالرسالة في آخر الأمر غلبت عليه ~~تلك الوحدة، فلم ينظم من تلقاء نفسه، ولم يستطعه، ولا ألقى إلى الناس عن ~~القوة الآلهية شيئا على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن ذلك، وخص في عرض ما ~~كانوا يعتادونه ويألفونه، بإسلوب حير كل سامع، وبرد غلة كل مصيخ، وأرشد كل ~~غاو، وقوم كل معاند، وأفاد كل ms107 لبيب وأوجد كل طالب، وخسأ كل معرض، وهدى كل ~~ضال، ورفع كل لبس، وأوضح كل مشكل، ونشر كل علم، وأقاد كل شارد، وقمع كل ~~رديء وهذا لا يكون، ولا يجب أن يكون إلا في الشخص المخصوص الذي يؤهل لنظم ~~الكلمة المنتثرة، بإظهار الدعوة الغريزية في أيام السعادة المنتظرة بين خير ~~أعوان. ثم يكون لهذا كله زمان محدود ينتهي إليه على السياح الأول مع ~~العوارض التي تختلف من عجائب الزمان وأفانين الدهر، فإذا كان كذلك كر على ~~سالفه بتجديد شأن شبيه بالدارس إلى أن تعود نضرته المعهودة فتزول خلوقته ~~العارضة. ### | المقابسة السادسة والستون # في حكم بعض الحكماء # وفي بيان حال العالم غير العامل # نعود في مقابسة أخرى إلى أشياء لأبي سليمان فنأتي بها على وجهها ونذكر في ~~هذه حكما سمعناها من الحراني أبي الحسن وغيره، فقد كانت المجالس لا تتصرم ~~إلا عن فوائد كثيرة فلسفية وغير فلسفية. # قال الحراني: قال بعض السلف من الحكماء الصلحاء والفضلاء: العلم # PageV01P262 # ما تمت فضيلته بالعمل به، على أن العالم وإن لم يعمل، حرى أن تتوق نفسه ~~إلى حال من الأحوال، إلى محاسن من علم وحفظ. والجاهل منقطع النسب منه، ~~والعالم ينفع وإن لم يعمل، وليس ذلك للجاهل، والعالم كاسب على الجاهل ~~والجاهل كاسب للعالم. # قال ابن زرعة: قال بعض القدماء: العقل دال على الفضيلة، فمن أتاها استحقه ~~لعلمه بدلالته، وذام للرذيلة، فمن آثرها استحق اسم الجهل، فما كان مميزا ~~لتركه العمل بدلالته. # وقال الصابي: قال الأولون: الشكر الإقرار بالنعمة للمعبود، وأجزاؤها ~~بالحسنى في الضمير والقول والفعل، فأما أجزاء الضمير فالنية والمحبة ~~والطاعة، وأما أجزاء القول فالثناء والدعاء والنشر، وأما أجزاء الفعل ~~فالصبر والسعي فيما يرضى المنعم. # قال: والشكر ثلاث طبقات: لمن فوقك بالطاعة والنصيحة، ولأكفائك بالمكافأة، ~~ولمن دونك بالتفضل عليه. والشاكر إن قصر عن ثلث لم يشكر، ويحتاج إلى معرفة ~~وطباع وعمل، فبالمعرفة يعرف كنة النعم وقدر ما يجب عليه من الشكر، وبالعمل ~~يبلغ كنه ما هو عليه، وبالطباع يكون الدوام على ما وجب عليه. ms108 والشكر مراتب: ~~فشاكر قصر عن قدر النعمة ولا عذر له إلا أن يكون ذلك منتهة طاقته، وشاكر ~~اقتصر على السوية فأتى كفاء ما أوتى إليه وليسى بمحسن إن أطاق الزيادة، ~~وشاكر زاد تنفلا وكرما، فهذه أعلى مراتب الشكر. # قال القومسي: السلطان في تدبير الرعية كالشمس في تفصيل الأزمان، والجند ~~كالريح في التلقيح، والعلماء من الجميع كالنبت والحيوان، والعوام في نقل ~~الأمور كالأرض في حمل الأنام، وما يكون منه منافع الإنسان. # وقال علي بن عيسى: ليس يري مجد الحكمة إلا من كان بصر عينيه # PageV01P263 # في قلبه لا بصر قلبه في عينيه، وما أحسن ما فتق لسان البدوي بهذا المعنى ~~في نظمه السائر: # ما الفضل فيما تريك عين ... بل هو فيما ترى القلوب # وقال علي بن عيسى: قال افلاطن: من اتصلت الحكمة بطباعه فتحتها أخرجت منها ~~أنواع البيان المخالف لها في السكل والقوة والصورة. # وقال غيره: قال سقراط: كل مصغر ليس بمحمود ما أمكن منه الاختيار. # قال أبو سليمان، وقد سمع هذه الحكاية: ما أحسن ما قال بطليموس في كلماته ~~في الثمرة حين قال: إذا طلب المختار المختار الأفضل فليس بينه وبين المطبوع ~~فرق. # وقد شرح هذه الكلمة في أخواتها من الثمراة كاتب آل طولون وأربى على كل ~~فائدة. # قلت لأبي سليمان: إذا كان في الاختيار انفعال لا محالة فلم لا يكون ~~المطبوع أفضل منه، وإن سميته مضطرا؟ فقال: قد وضح لك قديما أن الانفعال على ~~ثلثة أنحاء: فنحو ينحط به المنفعل عن خاصية جوهره، باستحالة صورته، وانحلال ~~كينونته؛ وضرب يتحرك به المنفعل على نفسه إما نقصا لما اجتمع فيه أو ~~استجلابا لما انحل عنه؛ وضرب يتطاول به المنفعل إلى ما هو فوقه، مقتبسا ~~بالقوة شوقا إلى القدرة، جار على الشرك الواحد، فهو بالقوة الآلهية أفضل من ~~المختار، ولكن شرف المختار عليه من جهة القدرة الموهوبة له يتخير بها، وفي ~~هذا معنى التهليل؛ وشرف المطبوع من جهة القدرة الموجودة فيه يدوم عليها، ~~وفي هذا المعنى العيش. # وقال آخر، وهو عيسى بن علي: ms109 قيل لبعض القدماء: كيف يكون المحرك ساكنا؟ ~~فقال في الجواب: كالمغناطيس الذي يحرك الحديد، وكذلك الشهوة للبدن، فإن ~~الحجر والشهوة ساكنان، وكذلك المعشوق فقال القومسي وغيره أيضا من الحكماء ~~البينة: قول الأول إنما يدرك # PageV01P264 # الشيء من جهة علته المحيطة به، فإذا لم يكن الشيء علة فلا محالة أنه غير ~~مدرك. # وقال عيسى بم علي: الملك بحق من ملك رقاب الأحرار بالمحبة. # وقال الصابي: قال ثابت بن قرة: الخرافات توجد من أربعة أشياء، وهي: عجائب ~~البحر، وحديث السحر، وحديث العشق، وحديث الجن. ### | المقابسة السابعة والستون # في أن البياض ينشر البصر والسواد يجمعه # قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعين: البياض ينشر البصر، لأنه من جنس ~~النار. ولا سواد مجمع للبصر، لأنه من جنس الماء. # قال: وقال آخر: الفصل بين الجوهر والعرض أن الجوهر لا يقبل الزيداة ولا ~~النقصان، والعرض يقبلهما. # وقال: كل خير حسن، وليس كل حسن خير. # وقال: كلما فعلته النفس بالأدب، فعلته الطبيعة بالعادة، وفعله العقل ~~بالتقبل، وفعله الباري بالجود. # وقال: الغضب يتحرك من داخل إلى خارج، والحزن يتحرك من خارج إلى داخل. # وقال بعض الأوائل: معرفة الدواب أولادها بالرائحة، ومعرفة الطير أفراخها ~~بالألوان، ومعرفة الناس بالصورة. # وقال: متى كانت الحركة بشوق طبيعي لم تسكن البتة، ومتى كانت باختيار جاز ~~أن تتحرك مرة وتسكن أخرى. # وقال سقراط: إن لم تكن لي استطاعة فإني محرك غير محرك. # ثم قال أبو سليمان: هو محرك إذا كان محركا، لأنه محرك. فقيل له: قد نظن ~~بالباري إذا كان محركا أن يكون محركا لأنه يحرك؟ فقال: لا يجب # PageV01P265 # هذا لأمرين: أحدهما أن في القسمة قد تبين أن ها هنا محركا، لأن في ~~مقابلته محرك غير محرك، والثاني أن معقولنا من قولنا الباري محرك الأشياء ~~لأنها تنحوه وتصمد إليه وتتشوقه وتفعل به وتنفعل له، لأنه تقدس وعلا يوسم ~~ما يوسم به أصناف ما تحرك أو محرك. # وقال بعض الأوائل: العلم والعمل حدا الفلسفة، وكل واحد منهما بين ضين: ~~فالعلم بين الصدق والكذب، والعمل بين الخير والشر. ms110 ثم قال: هذه الرذائل ~~كلها إعدام هذا لفظه فمن ألفها واستعملها وانقاد لها وغلب عليها فقد أعدم ~~نفسه وعدمها وعدم معها واضمحل فيها، والعدم حال سيئة مكروهة فاحشة، لا يأتي ~~عليها نعت وإن كان بليغا، ولا يحيط بها قول وإن كان شافيا. فأما الفضائل ~~فعلى خلاف هذه كلها؟ هي موجودة ولها الوجود المستفاد من الوجود الأول. فمن ~~اقتناها واستعملها وراض نفسه بها إليها، وأجرى عادته عليها، وألان عريكته ~~لها، انقطاعا عما عداها وانقطع إليها، وكمل مناقصه بالازدياد منها، بقي ~~موجودا بوجودها؛ وجودا لائقا به على قدر اشتماله عليها، وتصريفه لها، ~~وإمعانه فيها، فما ظنك بحال توضح لك الفصل بين الموجود والمعدوم، وترشحك ~~لنيل ملك عظيم، وتحليك للظفر بشأن جسيم، توقفك على صراط الله المستقيم؟ ثم ~~قال: وليس في التحلي بالحكمة تعب كثير، قد والله شاهدنا قوما تحملوا آلاما ~~كثيرة وركبوا أهوالا عظيمة لسبب إغراض باطلة، وأعراض زائلة، لسبب هوى سول ~~لهم، وقرين أغواهم، واعتقاد رديء غلب عليهم، وشيء حقير تعجلوه بشهواتهم! ~~وطلب السعادة بإصلاح السريرة وانتحال الصواب أهون من ذلك أجمع. فلا يصدنك ~~عن سلوك هذه المحجة البيضاء أمر مبهم، ولا حال مستعجمة، فإن فيما تدركه ~~وتشرف عليه وتنال الروح به خلفا كثيرا وفائدة عظيمة. فلا تكل نفسك إلى ~~اختيار السوء، وإلى قرناء السوء، فإنك إن فعلت ذلك خسرت خسرانا مبينا وضللت ~~ضلالا # PageV01P266 # بعيدا، وتحرقت أسفا، وتقطعت ندما، وإن نعشت نفسك، وأخذت يدك بيدك، ~~واستمررت في أمرك، واستترت بدائك، ورفضت كل كل عنك، وعرفت المراد منك؛ فزت ~~فوزا عظيما، ونلت ملكا ونعيما، وبقيت بقاء لا انقطاع، وسعدت سعادة بلا ~~شقاء، وصفوت وعلوت، وعرفت وأنفت، وقدرت وظهرت، ومجدت وشرفت، ولظتك عين ~~الجود غامرة، واكتنفتك الخيرات ظاهرة وباطنة. واحدا لا ينقسم، وناظرا لا ~~يغمض، وموجودا لا يعدم، وبينا لا يخفى، وشاهدا لا يغيب، وحاضرا لا يفقد، ~~وعلانية لا تنكتم، ومتصلا لا ينقطع، وحبيبا لا يقلى، ومعشوقا لا يخفى، ~~وموصولا لا يبعد، وصاحبا لا يمل، ومجموعا لا يفترق، وآمنا لا يخاف، وساكنا ~~لا ms111 يقلق، وناطقا لا يعيى، وصحيحا لا يسقم. أمر يجل عن نعت الناعتين، وحال ~~تعلو قول الواصفين، وشأن تدق على خبر المخبرين. فاجمع أكرمك الله بالقبول ~~أطرافك، وشمر إلى الغاية ذيلك، وكن رقيبا على نفسك، فلا مشفق عليك سواك، ~~ولا ناظر في أمرك غيرك، وعلى الدعاء والتلطف، وعليك الاجتهاد والسعي. فما ~~بعد نصح الداعي وقبول السامع إلا نيل الأماني وبلوغ الآمال. ### | المقابسة الثامنة والستون # في أن الوسط فيه الطرفان # قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعيين: الوسط فيه الطرفان، فإن الماء الفاتر ~~توجد فيه الحرارة والبرودة. ثم قال: وهذا بيان قول الأوائل: الإنسان لب ~~العالم، وهو في الوسط، لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سفل ~~عنه بالمشاكلة. ففيه الطرفان، أعني فيه شرف الأجرام الناطقة بالمعرفة ~~الإستبصار، ولا بحث والاعتبار؛ وفيه صفة الأجسام الحية الجاهلة التي # PageV01P267 # لم توشح بشيء من الخير ولا فيها انقياد له، فما أحرى من هذا حده وشأنه، ~~ومقره ومكانه، أن ينجذب إلى ما يعز به ولا يذل، ويوجد به ولا يفقد، وينال ~~به ولا يخفق؟ وما أشقى من هذا حديثه مع التمكين والاستطاعة، والقدرة ~~والقوة، والتذكرة والتبصر، إن تردى من ربوته، وذهب في هوته وبقي خاسئا ~~حسيرا، ومقيد أسيرا، بلا فكاك ولا إطلاق، ولا رحمة ولا إشفاق؟! قال أيضا: ~~قال أفلاطن: من ملك منطقه سمي حليما، ومن ملك غضبه سمي شجاعا، ومن ملك ~~شهوته سمي عفيفا. قال: وقيل لأفلاطن: أي الأمرين أعلى درجة، أن يقول ما ~~يعلم أو يعلم ما يقول؟ فقال: أن يقول ما يعلم، لا، مرتبة العلم فوق مرتبة ~~القول. قال: وهذا كما قال؟ فالقول تابع للعلم، وهذا هو الحق ليكون العلم ~~أولا وأصلا، وإذا علم ما يقول. فكأن العلم مقصور على قوله من غير أ، يكون ~~قائما بنفسه، ثابت في معدنه، جار من ينبوعه. # وهذا آخر ما فهمناه عنه في هذا الفصل، ولعل المطالبة بزيادة شرح ممكنة، ~~فإن المغزى فيه لطيف، والبيان عنه عزيز. # وقال بعض الأوائل: الإنسان الذي لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة ms112 لا ثمر ~~لها. وقال آخر: البخيل الغني كالجبان القوي. وقال آخر: من الصورة والهيولى ~~يكون الحد، ومن الصورة والعلة يكون الإيضاح. ثم قال: وهذا صحيح، لأنه لا ~~وجود لشيء إلا بصورته وهيولاه، فأما الهيولى بذاتها فغير موجودة، وكذلك ~~الصورة، فكل ما يقوم قائما يتقوم بهما ثم يصير ذلك المتقوم صورة أخرى ~~محفوظة الظاهر والباطن إلى الأولين اللذين هما الهيولى والصورة. ثم على حسب ~~ما عليه الصورة في هذا المتقوم يكون شرف جوهره لأنه يستفيد البساطة من ~~الصورة، والتركيب من الهيولى، وذلك على حسب ما عليه هولاء فيه ضعة جوهره ~~وسلان عنصره. فكل حيوان غير # PageV01P268 # ناطق عادم لشرف الصورة، وكل حيوان ناطق واجد لشرف الصورة، إلا إن الناطق ~~ناطقان: ناطق في الذروة، وناطق في الوسط، فالذي في الذروة الأجرام الناطقة ~~الحية النيرة العلوية، والذي في الوسط الإنسان الذي قد حوى بحده معنى ~~النطق، ويظهر منه هذا المعنى في الطرفين بالفطرة التي له، فإنه يحس ويعقل، ~~والآخر بالرياضة المحمودة، والإلف الحسن، والاختيار الجيد، والقبول الدائم. ~~ولما علت الأجرام الناطقة عن هذه المهابط التي انتصف فيها الإنسان استغنت ~~عن الرياضة والتحديد والطلب والاجتهاد والاختيار، ولما سفلت الأجسام الأخر ~~التي هي في آخر الأطراف لم يطمع لها في ثمرة النظر وعاقبة الرياضة ما يفيد ~~الاختيار ويتوقع بالقبول. وكما حصل الإنسان دون الجوهر الناطقة، كذلك حصل ~~سائر الحيوان الذي هو دونه، دون الإنسان، إلا إن خساسة ما تباعد عن الإنسان ~~من أصناف الحيوان أشد وأبين، لأنها خساسة طينية لا طمع في رفعها، ولا رجاء ~~في دفعها. فأما ما حازه الإنسان في مكانه الذي هو كالمنتصف من النواطق ~~العالية النيرة الشريفة الدائمة الأبدية، وبين ما سفل عنه من سائر الحيوان ~~فهو على شرف الطبع في صلاحه واستجابته وانقياده، حتى يجود اختياره، ويذكو ~~ذهنه، ويطهر عقله، ويصير ما هو في قوته كامن باديا، وما هو معجون في طينته ~~ظاهرا، وحينئذ إذا بلغ هذا المبلغ علم أنه ناصح من ناحية الطبيعة، وأنه متى ~~نزع يده من يد الغاش ms113 ووضعها في يد الناصح، وثبت نسبه إلى الشرف، واستقرت ~~قدمه على الصراط، وأبصرت عينه كل ما غاب، ووثقت نفسه بالكرامة، وارتاحت إلى ~~ما بين يديها من الغبطة، ونسيت أن هذا الإنسان في هذه المنزلة الصعبة ~~والمنزلة المخوفة، ما قد لا ينجع فيه الدواء، ولا يسري إليه الشفاء، فيعطب ~~للذي من أجله صرنا نتنادى بشاهد التنادي، ونتحارس في هذا العالم هذا ~~التحارس، ونتواصى هذا التواصي، لئلا يخطف فجأة إلى مهوى البلاء ومعدن ~~الشقاء قد والله لجيء إلينا بالنجاة، # PageV01P269 # وصرح لنا بالحق، ونصب أمامنا العلم، وتلى علينا بيان الرشد والغي، ليكون ~~جأشنا على يقظة وبيان، وتحولنا إلى مقام أمن ودار سلام، ونحن كما ترى ساهون ~~لاهون، إلى الله المشتكى والسلام. # وقال أيضا أبو سليمان: قال بعض الطبائعيين: منزلة الكواكب من الشمس منزلة ~~الحديد من حجر المغناطيس، أما تراهن إذا بعدن تجذبهن إليها؟ قال بعض ~~الحاضرين: وهذا القول فيه نظر. فقال أبو سليمان: كل من لا يعرف ما يجب عليه ~~فلا يعرف. فقال: ليس هذا من كيسي. وقال آخر: الدين حجة لا يحتج عليها، ~~وللشبهة سبيل لا يعرض لها. ### | المقابسة التاسعة والستون # في اختلاف العلماء بين بطلان الرقى والعزائم وبين صحتها # وفي شيء من أقوال الحكماء # سمعت القومسي أبا بكر يقول: قال بعض الأوائل: الرقي باطلة. فقيل له: بل ~~هي حق، لأنا نرى الوعيد يقطع العرق، وإنما هي كلمات تدخلها النفس على ~~الطبيعة فتشغلها بتلك الكلمات عن عملها. قال: وهكذا تفعل الرقى إذا كررت ~~على الإنسان. # وقال أيضا: قال بعض الأولين، في السياسة والأخلاق: من ملك حقيق أن يحصن ~~عقله من العجب، ووقاره من الكبر، وعفوه من تعطيل الحدود. # وقال ابقراط: الحمية أن تدع الشهوة تقية. وقال بعض الأوائل: استضاءة ~~الجسد من النفس كاستضاءة القمر من الشمس، واستضاءة النفس من العقل كاستضاءة ~~النفس للنفس، واستضاءة الروح من الطبيعة كاستضاءة المركز # PageV01P270 # من المحيط، واستضاءة العقل من العقل الأول كاستضاءة العاشق من المعشوق ~~وقد قال بعض الأوائل: لا يقال هذا حق ولكن يقال: هذا عدل ms114 بحق، لأن الحق أو ~~العدل به وقد قيل لأفلاطون: فلان لا يعرف شيئا من الشر؟ قال: فليس إذا يعرف ~~شيئا من الخير. قال: فهذا مكشوف، لأنه يريد أن تكون الأمور متميزة عند ~~الإنسان الفاضل. فإنه بعد تمييزها يختار منها، وفيها ما يجب أن يجتنب، ~~وفيها ما ينبغي أن يكتسب. وإذا استعزت عليه ولم يوضحها التمييز بطل اختياره ~~منها، وإذا بطل اختياره منها خيف عليه الهلاك فيها. قال بعض الطبيعيين: ~~الدليل على أن الفعل غير الفاعل وغير المفعول، الصوت من اصطكاك الجرمين، ~~والنغم من اليد والوتر. وقال بعض الأوائل: الطبيعة والعقل مكان النفس، ~~والباري محيط بكل ذلك، وهو بكل مكان لا يخلو منه شيء، وهو العالم بكل شيء، ~~لأنه علة كل شيء. ثم قال: وهذا على السعة المعروفة والمجاز المعتاد، وإلا ~~فقولك علم ويعلم وعالم، خبر عن ضرب من ضروب الانفعال، والباري لا انفعال له ~~بوجه البتة. # وقال: قال بعض الأوائل: حد الشيء الصناعي خارج عنه، وحد لشيء الطبيعي ~~موجود فيه. قال: وإنما كان هذا لأن، الصناعي يصدر عن ذي هيولى بأداة جسيمة ~~وآلة عملية، والطبيعي يبرز عماله صورة نفسية بأداة روحية وآلة لطيفة. ~~فالطبيعة من الآلهة، لأنها تستملى عما فوقها وتملي على ما يتصل بها. وقال ~~أيضا: قال سقراطيس: لو قبل الماء السكون لكان أرضا، ولو قبلت الأرض الحركة ~~لكانت ماء، ولو كان الهواء حاد الزاوية لكان نارا، ولو كانت النار منفرجة ~~الزاوية لكانت هواء. # وسمعت أبا الحسن الحراني يقول: قرأت في كتبنا، يعني كتب الصابئين: إذا ~~أردت أن تكثر النحل في مكان فضع نحلة من ذهب واجعلها في سقف # PageV01P271 # بيت النحل، فإن النحل يزيد ولا ينقص ولا يهرب. # قيل للقومسي: لم تقبل النادرة ولا ترد؟ فقال: كأن المعنى في هذا القول أن ~~النادرة ليست مملولة، لأنها غير معهودة ولا مرددة، فهي لا تستحق الرد. ألا ~~ترى أنها تعهد إذا قدرت، ولها حرمتان تقدمنها: حرمة الغريبة، وذمام الزائرة ~~البعيدة، فهي لذلك ليست كأخرى قد عهدت وملت وقليت. ### | المقابسة السبعون # في ms115 أن التماس الرخصة عند المشورة خطأ # سمعت أبا سليمان يقول: من التمس الرخصة من الإخوان عند المشورة ومن ~~الفقهاء عند الشبهة، ومن الأطباء عند المرض، أخطأ الرأي، وتحمل الوزر، ~~وازداد سقما. وسمعته أيضا يقول: لا يجوز أن يصدر فعلان متضادان من جوهر ~~واحد، ولا يجوز فعل واحد بالذات، من جوهرين مختلفين بالذات. وسمعته يقول: ~~من أراد أن يجود على الناس كلهم فلينوي لكهلم خيرا. # وسألته عن الفرق بين المعرفة والعلم؟ فقال: المعرفة أخص بالمحسوسات ~~والمعاني الجزئية: والعلم أخص بالمعقولات والمعاني الكلية. # قال غيره: ولهذا يقال في الباري: يعلم، ولا يقال يعرف ولا عارف وسئل عن ~~الرطوبة واليبوسة فقال: الرطوبة كيفية سهلة التشكل بالأشكال الغريبة. ~~واليبوسة كيفية عسرة التشكل بالأشكال الغريبة. وكل قابل لكيفية من الكيفيات ~~فإنه يقبله إذا كان عادما له. # وتكلم عشية يوم في التوحيد بكلام طال ودق فقلت له: هذا مشكل؟ فقال: ~~إشكاله يدلك على وضوحه. # PageV01P272 # فلما خرجنا من بين يديه قال لي النوشجاني: أراد أن إشكاله على شواهد الحس ~~تدل على وضوحه عند شواهد العقل؛ لأنه تجتمع إيضاح العقل والحس في معاني ~~الآله، وذلك إن الحس يدرك ذا الأشكال فيكون الشكل مدركا له بوساطة ذي ~~الشكل. والعقل قد يجرد الأشكال عن عوامها وموادها فيلحظها، ولكن يلحظها ~~متميزة، فإذا علا اللحظ عن الأشكال كما علا عن ذوي الأشكال حينئذ يصير ~~العقل والمعقول شيئا واحدا، وينتفي كل شكل لاستيلاء الوحدة فيعتاض كل بيان ~~لاستيلاء الخيرة. فعلى هذا معنى قوله إشكاله يدل على وضوحه في نفسه بحسب ~~حقه الذي في ذاته. # وصفيت هذا المقدار بعد استفهام كثير ومراجعة شديدة، لأن الإشارة غامضة ~~والإيماء خفي، على سعة المواد، وتوضح المقصد، وقرب المأخذ، وانكشاف الغطاء، ~~واستتار المسلك. وإذا أراد الله تيسير عسير وتقريب بعيد فعل إنه ماجد وهاب. # وقال أيضا: النفس تدبر أولى الألباب، والطبيعة أولى الغفلات، والفكر في ~~مرآة النفس يريها خيرها وشرها. وظنه العاقل كهانة. وخدم الملوك خزان ~~أرواحهم. وإشفاق الإنسان يجب أن يكون على فناء الزمان ومن أحب أن ms116 يبقى في ~~عالم الحس سليما من آفات الدهر فليغن عن عقله فقد مات، ومن أحب أن لا تجري ~~عليه أحكام الفلك فليجد سقفا غير هذا السقف. # PageV01P273 ### | المقابسة الواحدة والسبعون # في حقيقة الضحك وأسبابه # سألت أبا سليمان عن الضحك: ما هو؟ فأملى فقال: الضحك قوة ناشئة بين قوتي ~~النطق والحيوانية، وذلك أنه حال للنفس باستطراق وارد عليها. وهذا المعنى ~~متعلق بالنطق من جهة، وذلك الاستطراق إنما هو تعجب، والتعجب هو طلب السبب ~~والعلة للأمر الوارد، ومن جهة تتبع القوة الحيوانية عند ما تنبعث من النفس، ~~فإنها إما أن تتحرك إلى داخل، وإما إلى خارج. فأما أن يكون دفعة فيحدث منها ~~الغضب، وإما أولا وأولا باعتدال فيحدث السرور والفرح. فأما أن تتحرك من ~~خارج إلى داخل دفعة فيحدث منها الخوف، وإما أولا فأولا فيحدث منها ~~الإستهزال وإما أن تتجاذب مرة إلى داخل، ومرة إلى خارج، فيحدث منها أحوال ~~أحدثها الضحك عند تجاذب القوتين في طلب السبب، فيحكم مرة أنه كذا ومرة أنه ~~ليس كذا، ويسري في ذلك الروح حتى ينتهي إلى الغضب فتحرك الحركتين ~~المتضادتين، وتعرض منه القهقهة في الوجه لكثرة الحواس، ويعلو الغضب واحدا ~~واحدا منها. # PageV01P274 ### | المقابسة الثانية والسبعون # في حديث النفس وما يغلب عليها ويصير ديدنا لها # قال أبو زكريا الصميري يوما لأبي سليمان في حديث النفس وما يغلب عليها ~~ويصير ديدنا لها لا يفارقها ولا يزول عنها: أيها الشيخ، إني أجد في نفسي ~~أشياء هي أركان فكري ودعائم همي وأسس وساوسي. # أحدها: حديث الوالدة، فإني لا أكاد أنساها ولا أذهل عن شأنها وشأني معها، ~~هذا على بعد عهدي بها، وامتداد الزمان بيني وبينها، لأنها صارت إلى جوار ~~الله وأنا غلام. # والثاني: حديث صاحب الشريعة، فإني أسبح فيه أيضا متعجبا مما خص به وأفرد ~~منه، مع ما عاناه من أقاربه وأباعده، ومع الذي نهض به من أعمال حاله وتدبير ~~أصحابه، ونظم جل أمره ودقة ما كان يلقي، وهي الحال التي توحد بها من بين ~~أهل عصره في نشر الغيب والدعاء ms117 إلى الرشد حتى صارت أعجوبة عند من أنكره، ~~وبركة ورحمة على من عرفه ونصره، وسائر ما كان به مشهورا من أمره الغالب، ~~وشأنه المعجز، ومع الأحوال التي اختلفت وائتلفت ووضحت على الذين عاينوه ~~وخبروه وجاوروه واستنبطوه مما يطول ذكره، وهو بارز لكل أحد، وموضوع على كل ~~مرصد. # والثالث: الموت، وذلك أني ممنوع بتخيله عن كل استمتاع ولذة، أتخيله تخيلا ~~غالبا موحشا، وربما غشي فؤادي من ذكره، وباشر صدي من كربه، ما يبلغ بي أني ~~أتمناه لأستريح. # والرابع: الباري عز وجل، وأنه في أعلى أرجاء الفكر، وفي الحد الأقصى # PageV01P275 # من حديث النفس، لا يخلو من ذكره بالي وقلبي، ولا ينصرف عن مناغاته سري ~~وجهري. على أنه لا صورة له عندي ولا عيار ولا تخيل. ولكن أبت علياؤه إلا ~~شعورا به، ووجدا ناله، وإعرابا عنه، وإيماء نحوه؟ فقال أبو سليمان: هذا خبر ~~عن محل رفيع في الاستنارة، وشأن عجيب في حصول الطهارة، واتصال السفارة. وقد ~~يظن من لا شرب له من هذه العين أن هذا وسواس يغلب من جهة المزاج إذا انحرف، ~~والاعتدال إذا فقد، وليس كذلك، بل يوشك أن يكون مصطفى الغاية المتمناة، ~~والنهاية المتواخاة. # لأن الوالدة يلحظ منها المبدأ الحسي فيعشق لذلك. ومن سجايا النفس ~~الفاضلة، ومن عادة الفطرة النقية والطينة الحرة، أن يكون المبدأ ملحوظا ~~فيها وعندها. وهذا كله للشعور بالمبدأ الذي هو الأول بالإطلاق، مع أحوال ~~تتناصر وتتشابه في خلال هذه الفكرة، تتفلل بها النفس تعللا مؤنسا مطربا ~~ودافعا للوقت موجبا. # قيل له: فلم لم تكن المنزلة دون الأم؟ # فقال: الأم شأنها في الحس أعظم، وتدبيرها في المباشرة أظهر، وشفقتها بحسب ~~ضعف قوتها أكثر، والأب هو الفاعل الحسي أيضا، ولكن لا مباشرة له متصلة، ولا ~~ولاية له متمادية. إنما هو أول فقط؛ والأم حاملة واضعة، وفاطمة ومرضعة، ~~وحاضنة ومربية. فالكلفة عليها أغلظ وحسها للولد آلف، وهو بها أشعف. # ثم قال: وأما تخيل الموت فلأن النفس تلحظ المعاد وتنزع إليه وتتقلب نحوه، ~~لأن المعاد هو المحيط الذي منه أبدأ ms118 وإليه يجب أن يكون المنتهى؛ ولاستعجام ~~الحال في الثاني ما فتئ قلبه في الفكر فيه، فيعتريه السهر الشديد والفكرة ~~الغالبة، نفورا من الشقاء وتحسرا على ما يكاد يقرب من الخير؛ ولا سبيل ~~للنفس إلى هذه العاقبة إلا بتخيله البدن الذي هو السور المانع # PageV01P276 # بينه وبين الخلاص من أسر هذا العالم وتدبيره بهذه الإستقصات. وهذه ~~التخلية هي التي تسمى موتا؛ وإنما هي تحول من مكان إلى مكان. فالفرق مصحوب، ~~والخوف قائم، والظن مترجح، والأمل بين رياح عواصف. فكلما كان استعجام الحال ~~أشد كان الأمل أضعف، وكلما كان الأمر أبين كان الشوق إليه أعظم. # فأما ما يتعلق بحديث الناموس الآلهي الشارع لطرق الخيرات القائدة إلى ~~غاية السعادات، فإنه أيضا إنما يشتد ذلك ويكثر ويتضاعف، لأن للنفس الفاضلة ~~مباحث كثيرة في شأن من هذا نعته وكميته. تلك المباحث هي مسالك الخير ~~المأمول، ومراقي السر المعلوم والمجهول، فالشغف والفكر والنظر إنما يتضاعف ~~في شأن هذا الشخص ليقبس من نوره، ويهتدي بأمره ونهيه، ويظفر بتنقية النفس ~~من جهته بقوله وفعله ويمنه وبركته. # فأما ما يرتقي عن هذه الحدود إلى الغاية الأولى والغاية القصوى، فذلك ~~بطلب النفس وسكونها سكونا لا قلق بعده، وطمأنينة لا يخطل بعدها. فبحق كانت ~~هذه الخواطر سانحة، وهذه المشاعر فاتحة، وهذه الأواخر مشهودة، وهذه الأوائل ~~موجودة. وبقدر تواليها وتعاقبها، وتوافيها وتقاربها، تكون نقطة الإنسان في ~~اكتساب الآلهية الحسنة، والقنية الباقية، والأخلاق الآلهية من العلم ~~والحمة، والجود والسماحة، والعفاف والهمة العالية، والشجاعة البينة، ولا ~~خير والعدالة، والتقديس والنزاهة. فلا عدة للنفس الحكيمة، والطبيعة ~~الكريمة، إلا هذه الفضائل التي هي ينابيع الخيرات، ومصابيح الغايات، وثمرات ~~هذه الحياة. ثم قال: والله نسأل توفيقا ندوم به على هذه المحجة البيضاء، ~~واللقم الأفيح ثم نزداد بصيرة إلى التمسك بما عادت جدواه علينا عاجلا ~~وآجلا، ببذل الغاية، وتقديم الحرص، ورفض الدنيا، ومجانبة قرناء البطالة ~~وأبناء الهوى والشهوة، فإنه مجيب من دعاه، وكافي من استكفاه. # PageV01P277 # وأقول: ما أحوجنا جميعا إلى أن نهب أنفسنا لكسب هذا المجد، وتشييد هذا ~~البناء، ms119 واقتناء هذا الذخر؟ فوالله الذي لا إله إلا هو لو تزينا بهذه ~~المقابسة وحدها من هذا الشيخ كانت زينة لنا إلى آخر الأبد، فكيف ولها أخوات ~~تعضدها، وأمهات تشهد بصحتها؟ ### | المقابسة الثالثة والسبعون # في بيانه الدهر وحقيقة وحده # أملى علينا أبو سليمان فقال: الدهر هو إشارة إلى امتداد وجود ذات من ~~الذوات، وهو ينقسم قسمين: أحدهما مطلق، والآخر بسيط، من قبل أن الذوات إما ~~أن تكون موجودة وجود إطلاق، أو بالحقيقة من غير أن تقترن بمبدأ نهاية، وإما ~~أن تكون متناهية، إذا فهم منه وجود ذات لا ابتداء لها ولا انتهاء، فهو ~~الدهر المطلق، وإذا فهم منه امتداد وجود ذات ذي نهاية فيكون الدهر الذي ~~بالإضافة والشرط. مثال ذلك: أنا نقول إن فلانا دهره يفعل كذا، أو كنت أفعل ~~الدهر كذا. توأما المثال على الأول بالإطلاق فهو الذي يرجع منه إلى الذات ~~التي هي أقدم الذوات وأتمها وأمدها إلى غير غاية ومن غير بدء. والزمان هو ~~عدد حركة الفلك المشرقي بالتقديم والتأخير قال: ومن الناس من قال إنه مدة ~~تعدها الحركة. وهذا الحد توهم أن الحركات كالمكيال للمعنى المفهوم من اسم ~~الدهر، وليس هذا معنى الزمان على الحقيقة وجوده إنما هو في عدد الحركة ~~معدودة ليس هو الدهر، وإنما هو الحركة. فالأشياء الحادثة على ضربين: منها ~~ما هو جار مع الدهر ويتعلق في وجوده بالذات الأولى، وتلك لا يلزمها التناهي ~~وغر التناهي، والقبل والبعد الذي من قبل # PageV01P278 # الزمان، بل التي تمن قبل المعنى الذي يتعلق بالتصور والإضافة إلى وجود ~~الذات الأولى؟ والضرب الثاني الحادثة في الزمان، وهو محصور بين ظرفين بقبل ~~وبعد. فإذا حقق النظر فيه رجع إلى فعل وانفعال، والجملة إلى حركات من ~~الحركات، إما كون وإما فساد، وإما نقلة، وإما استحالة، وإما نمو، وإما ~~اضمحلال. من غير أن يتعلق بوجود ذات من الذوات. ### | المقابسة الرابعة والسبعون # في الفرق بين الوحدة والنقطة # وإملاء علي أيضا: الفرق بين الوحدة والنقطة أن الوحدة هي نقطة ما لا وبضع ~~لها، والنقطة هي ms120 وحدة ما لها وضع. فالوحدة هي مبدأ الواحدية وهي الكم ~~المنفصل بمنزلة العدد المؤتلف من الوحدات التي تجتمع من غير اتصال أحداتها ~~بالأخرى. والنقطة هي مبدأ الكم المتصل بمنزلة الخط الذي يتصل أجزاؤه بعضها ~~ببعض بجد مشترك هي النقطة. فالنقطة إذا هي وحدة ما لها وضع، والواحد هو ~~نقطة ما لا وضع لها. ولذلك ما كان وجود الوحدة موضوعها النفس في التوهم. ~~ووجود النقطة موضوعها الجوهر الطبيعي. ومتعلقا بالحس وإن كان متعلقها بتوسط ~~الحس. # PageV01P279 ### | المقابسة الخامسة والسبعون # في بيان الفرق بين الفعل والعمل # سألت أبا سليمان عن الفرق بين الفعل والعمل فقال: الفعل يقال على ما ~~ينقضي، والعمل يقال على الآثار التي تثبت في الذوات بعد انقضاء الحركة. ~~قال: والفعل أيضا يعم كل معنى صادر عن ذات، وحد الفعل أنه كيفية صادرة عن ~~ذات، والانفعال كيفية واردة على ذات. فالفعل يقال على التحقيق على هذا ~~المعنى، وهو الذي يقال إنه مقولة من القولات العشر. ويقال على العموم، أي ~~على أي معنى صدر عن ذات. ### | المقابسة السادسة والسبعون # في أن النفس ليست قائمة بذاتها # لأنا لا نجدها إلا في الجسم المركب # قيل لأبي سليمان: النفس ليست قائمة بذاتها لأنا لا نجد النفس إلا في ~~الجسم المركب. # فقال: هذا كلام من لا إلف له في هذا الفن، وقد يعرف الشيء من ناحية ~~إعتياصه ودقته، وقد يعرف من ناحية بلادة الناظر فيه. إذا قلنا: النفس قائمة ~~بذاتها، فإنا نريد بهذا أنه لا علاقة لها مع الجسم ولا صلة، ولا وصل ولا ~~انفصال، ولا تحريك ولا تصريف. بل إن قلنا: إن النفس في الجسم فالمراد به أن ~~قواها هي السابحة فيه أو بادية عليه. وإن قلنا: إن النفس قائمة من دون ~~الجسم بذاتها فالمراد بذلك أيضا أنها غير ملابسة له كملابسة الدهن # PageV01P280 # الماء؛ ومدار الخير على النفس والبدن، على تصفية المعقول منه، لا على ~~تسلط الحس عليه، ونقل التمثيل والتشبيه إليه؛ ألا تعلم أن الشيء على فنون، ~~كالسياسة في السائس، وكالسائس في السياسة، وكالماء ms121 في الحب، وكالحب في ~~البيت، وكالبيت في الفضاء؛ فقد يلحظ الجوهر على خلاف ما يلحظ في الجوهر، ~~ويلحظ البسيط في المركب على شكل غير شكل المركب في البسيط ثم بين الذي قسطه ~~من البسيط على قدر آخر فرق بالضعف والقوة، وهكذا الحال في المركب والتركيب، ~~وبهذا الفرض الموهوم حصل بين الشبيهين فرق غامض لا يقف عليه إلا من توغل ~~وتغلغل، وحصل بين المتباينين شبه خاف لا يسبق إليه إلا من تخلل وتوصل؛ ~~ولهذا صار جل النظر والبحث، بل الغالب الغامر إنما هو في إيضاح الفرق بين ~~متماثلين لشدة تماثلهما، وإيضاح الشبه بين متباينين لشدة تباينهما، فليكن ~~هذا من دعائم العلم عندك حتى يخف عليك طلب ما أشكل واستيضاح ما غمض. # وقد سلف في حديث النفس ما فيه شفاء النفس، وسيمر فيما بقي من الكتاب أيضا ~~ما يكون نافيا لكثير من الشبه، ودافعا للكثير من الاعتراض، وهذا اللهج في ~~حديث النفس إنما هو لغلبة عشق البقاء الدائم والحياة الصافية من الكدر، ~~وكيف ما نعتنا النفس وأنبأنا عنها فإنها بائنة الشكل والحال، والظاهر ~~والباطن، والفعل والانفعال، والحقائق ولخصائص، عما عليه البدن. أعني إن ~~قلنا: إن النفس في البدن على سعة، عرض الحلول في مواضعه، أو قلنا مصرفة ~~الجسم على سعة، عرض التصريف في مواقفه، أو قلنا الجسم منفعل لها أو بها على ~~سعة، عرض الانفعال. واختلاف معان لها وبها. فعلى جميع هذه الوجوه قد وضح أن ~~شأنها غريب، وأن سرها عجيب، والنظر في أمرها واجب، واليسير مما يستفاد من ~~حديثها كثير، وإني لأعجب ممن يظن أنها تابعة للمزاج، فهلا نامت عند نوم ~~الإنسان؟ فإن المزاج قد جبل على النوم # PageV01P281 # بحسب الضرورة التي دخلت على الجسم من اليقظة الكادة والحركة الجادة، بل ~~الأمر كان بخلاف ذلك، فإنها عند النوم عطفت على ما هو أخص بها وأعشق لها ~~فتصرفت فيه وأملت، وأنبأت عنه وأنذرت، فكيف يكون هذا الشأن مع شرفه وجلالته ~~وشدة التعجب منه مجهولة القدر محمولا على أحسن الوجوه؟ هذا ما لا يسمح ms122 به ~~عقل من له معرفة في الصواب بسبب صحيح أو لصاحبه في مواصلة الحق رغبة تامة. ~~وقال أبو سليمان في هذا الموضع: هذا ما جاء في الجواب، وهو حسرة الطبيب، ~~والمهندس، والمنجم، والموسيقار، والمنطقي، والكلامي، وجميع أصحاب النظر ~~والقياس. ### | المقابسة السابعة والسبعون # في استيلاء المحبة على الأجسام # واستيلاء الغلبة عليها ونتايج كل منهما # قرئ على أبي سليمان من كلام أبندقليس: إذا استولت المحبة على الأجسام # PageV01P282 # التي منها تركيب العالم كان منها العالم الكري، وإذا إستولت الغلبة كان ~~منها الإستقصات، والعالم الكائن الفاسد. # فقال مفسرا: إنه أراد باستيلاء المحبة على العالم استيلاء القوة العقلية، ~~فإنها هي التي تحيط بجميع الموجودات إحاطة كلية، وتؤلف بينها تأليفا نظاميا ~~موفقا بين جميع أجزائها. وهذا الفعل منها شبيه بتأليف الأكر بعضها مع بعض، ~~وإحاطة بعضها ببعض، حتى لا يتخللها شيء آخر. قال: ومعنى قوله: إذا استولت ~~الغلبة حدث منها الإستقصات المتباعدة الأفطار، المتميزة بعضها من بعض، ~~المباين كل واحد منها غيرها؟ وهذا تشبيه بالقوى الحسية المتشذبة المفارق ~~بعضها بعضا فيما يخصها من الإكدادات مع ما يقع فيه من الخطأ والغلط ~~والزيادة والنقصان. وهذه صفة الأشياء المتغالبة والمتنافرة. # هذا آخر تفسيره، وليس به غنى عن بقية بها ينكشف فضل انكشاف ويغترف من ~~سجلها أكثر من هذا الاغتراف، ولكني قد بلغت هذا الموضع من الكتاب وما بي ~~طرف ولا معي ذهن، لأحوال إن شرحتها أثرت الشماتة من العدو، وأعنت العدو على ~~المحب، وحركت ساكن الخصم الآن وأسأت الصديق بعض المساءة، وإن كان لا صديق، ~~وإلى الله أشكو غربتي وكربتي ومعاداتي لمن لا يسمح ولا يوالي، فبيده تفريج ~~ما ألقى وتسويغ ما أشقى، وهو المولى والمعين. # PageV01P283 ### | المقابسة الثامنة والسبعون # في التضاد بن السلب والإيجاب # أملى على أبو سليمان فيما أملى: السلب هو نفي شيء من شيء، والإيجاب هو ~~إثبات شيء لشيء، والحد ليس فيه حكم ولا إثبات شيء لشيء، ونفي شيء عن شيء، ~~لكنه قول دال على أمر دلالة مفصلة، كما أن الاسم دال عليه دلالة مجملة، ~~مثال ms123 ذلك: النقطة، فإنه سواء قلت شيء ما لا جزء له، أو قلت نقطة من قبل أن ~~قولي نقطة ليس فيه حكم، كذلك قولي شيء ما لا جزء له لا حكم فيه. وأما إن ~~جعلت أحدهما موضوعا والأخر محمولا، حتى تقول النقطة هي شيء ما لا جزء له، ~~وله يصير حينئذ الحد محمولا على النقطة، وتختلف دلالته عما كان عليه. ### | المقابسة التاسعة والسبعون # في أن الطبيعة اسم مشترك يدل على معان # قال أو سليمان أيضا إملاء: الطبيعة اسم مشترك يدل على معان: أحدها ذات كل ~~شيء عرضا كان أو جوهرا، أو بسيطا أو مركبا، كما يقال: طبيعة الإنسان، ~~وطبيعة الفلك، وطبيعة البياض، والحرارة معنى ذاته. ويقال أيضا على المركب ~~منها، ويقال على المزاج الأول اللاحق لكل مركب من الإستقصات، ويقال على ~~المزاج العام بتنوع الإنسان الذي هو موضوع للنظر فيه، وقد يستعمله الطبيب ~~على المزاج العام، ويقال على المزاج الخاص # PageV01P284 # بنوع الإنسان الذي موضوع للنظر فيه. وقد يستعمله الطبيب على المزاج الخاص ~~بشخص شخص من نوع الإنسان، وأما بحسب النظر الطبيعي العام الذي يخص الفيلسوف ~~الطبيعي فهو المعنى الذي حده أرسطو طاليس: بأنه مبدأ الحركة والسكون للشيء ~~الذي هو فيه أولا بالذات لا بطريق العرض. وهذا المعنى يعم مسمى المركب، ~~أعني المادة والصورة. فإن المادة مبدأ للتحرك والسكون، والصورة مبدأ ~~التحريك والتسكين. والأولى بهذا الاسم عند أرسطو طاليس الصورة دون المادة ~~وعند قوم من القدماء مثل المادة دون الصورة بحسب النظر الفلسفي، وحد ~~الطبيعة هو المعنى الذي يقال إنها حياة تنفذ في الأجسام فتعطيها التخلق ~~والتصور بالصورة الخاصية بواحد واحد منها، وكأنها القوة السارية من المبدأ ~~الأول إلى جميع الأشياء المنفعلة بها والقابلة لها، الرابطة بينه وبينها، ~~وهي بوجه ما الصورة المؤتلفة من جزئي المركب التي هي غير كل واحد منهما على ~~الإفراد، وبحسب موضوع اللغة هي فعيلة من الطبع، ولذلك ما صار أشبه بالصورة ~~من المادة، وإن كان المطبوع هو المادة إلا أن الصورة هي الطابعة، وهي ~~المعطية ذاتها لها ms124 وحاصلة فيها. ### | المقابسة الثمانون # في أن الموجود هو الذي من شأنه أن يفعل أو ينفعل # قال أبو سليمان أيضا: الموجود هو الذي من شأنه أن يفعل أو ينفعل فكل ذات ~~موجودة، فإما أن تكون فاعلة فقط، أو منفعلة فقط، أو فاعلة ومنفعلة، ~~فالمنفعلة فقط هي المادة الموضوعة لقبول الصورة والفاعل فقط هو المعطي صورة ~~كل ذي صورة، والفاعل المنفعل هو المركب من مادة # PageV01P285 # وصورة يفعل بصورته وينفعل لمادته. وقال أيضا: كل موجود إما أن يكون ~~بالقوة، وإما أن يكون بالفعل فقط، وإما أن يكون بالفعل من جهة وبالقوة من ~~جهة. وإما أن يكون بالفعل فقط، وإما أن يكون بالفعل من جهة وبالقوة من جهة. ~~فالمنفعل الذي بالقوة دائما هو الهيولى المستحيل المتبدل الأحول بالصورة ~~التي يعطيها الوجود بالفعل، والموجود بالفاعل دائما من غير أن يشوبه شيء من ~~القوة هو الذات الأبدية الوجود الذي هو سبب كل موجود بالقوة، والفعل ~~الموجود بالقوة تارة وبالفعل أخرى هي المركبات من المادة الموجودة فإن لها ~~القوة من جهة الهيولى، والفعل من جهة الصورة. ### | المقابسة الواحدة والثمانون # في أن الخير على الحقيقة هو المراد لذاته # والخير بالاستعارة هو المراد لغيره # وسمعت أبا سليمان يقول: الخير على الحقيقة هو المراد لذاته، والخير ~~بالاستعارة هو المراد لغيره، والمراد لغيره، والمراد، منه ما يراد لذاته ~~فقط وما يراد لغيره فقط، ومنه ما يراد لذاته ولغيره، والذي يراد لغيره فقط ~~بمنزلة الدواء، والذي يراد لذاته فقط بمنزلة السعادة، والذي يراد لغيره ~~بمنزلة الصحة. ### | المقابسة الثانية والثمانون # في أن الواحد اسم مشترك يدل على # PageV01P286 # معان كثيرة # وأملى أبو سليمان على جماعة، كنت أحدهم سنة إحدى وتسعين وثلثمائة وقد سئل ~~عن الواحد فقال: الواحد أسم مشترك يدل على معادن كثيرة، أحدها وهو أحقها ~~بهذا الاسم، فهو واحد بالعدد، وهو إما أن يوجد من حيث هو مطلق، وموضوعها ~~النفس من غير أن يوجد معه أمر من الموجودات، وهو بهذا الوجه يعني المعاد، ~~وعلى هذا سواء أخذ واحدا أو أخذت وحدة، ويكون مبدأ ms125 العدد الذي هو جمع ~~الوحدات كما يقال فرس واحد، وإنسان واحد. وهذا الوجه يعني المعدود. قال: ~~ويقال أيضا الواحد على ما هو واحد في الجنس، كما يقال: إن الإنسان والفرس ~~واحد في الحيوانية، ويقال أيضا: واحد بالنوع كما يقال: زيد وعمرو واحد في ~~الإنسانية، ويقال أيضا واحد بمعنى أنه غير متجزئ بمنزلة النقطة، والآن وعلى ~~هذا الوجه أيضا يقال في الشخص إنه واحد وإنه متجزئ من قبل أنه جزئي فشذ؛ ~~ويقال أيضا واحد في الموضوع. وهذا الضرب يقال منه المتصل الذي هو واحد ~~بالفعل، وكثير بالقوة، ومنه ما هو واحد في الذات وكثير في الحد، كما يقال ~~إن زيدا لكاتب، إذا كان طبيبا أو منجما أو ذا صناعات كثيرة، إنه الطبيب ~~والكاتب والمنجم واحد في الموضوع من قبل أن الذي هو كائن هو بعينه فاسد ~~وكثير في أحد، لأن حد الفاسد خلف حد الكائن، ويقال أيضا على ما هو واحد في ~~المناسبة، كما يقال: إن النقطة الواحدة وقلب الحيوان وعين النهر واحدة ~~بالمناسبة، معناه إن نسبة كل واحد منها إلى ما له مثل نسبة واحدة. ويقال ~~أيضا على ما هو واحد في الحد وكثير في الاسم، كما يقال: إن الثوب والرداء ~~والإنسان والبشر واحد في الحد، وكثير في الاسم، وكذلك الخمر والخندريس ~~وسائر الأسماء المترادفة على معنى واحد. ويقال أيضا على ما هو واحد في ~~الاسم كثير في الحد، بمنزلة الكلب والعين، فإن الكلب يدل على النابح ~~والكواكب وحديده الحداد، وكذلك العين على العضو الذي يبصر به، وعلى عين ~~الذهب، وعين الماء، وعين الركبة. وأليق هذه المعاني أن يوصف به الموجود ~~الأول ما كان واحدا بالموضوع # PageV01P287 # وكثيرا بالحد والصفة، إذ لا يجوز أن يكون واحدا بالعدد من حيث هو معدود، ~~إذ الواحد على أنه واحد من هذا الوجه كانت الكمية لاحقة به، الذات الأولى ~~متعالية عن أن يلحقها أو يحيط بها صفة ما لمحق غيره من الموجودات المفعولة ~~له، وذلك أن القوة التي تلحظ شيئا من الأشياء ومعانيها معلولة مفعولة، ms126 ~~ولحظها لها إنما هو على سبيل ما يلحقه من الفيض وإفادة الوجود من تلك ~~الذات، فثبتت عندها آنية ذلك فقط من غير أن يمكنها نقل شيء من أحكامها ~~وأحكام ما يحيط بها مما هو بدونها إليها، والواحد بمعنى وهو ذات ما له معنى ~~الوحدة، وهذا يوجب الكثرة، فأليق الأشياء التي يجوز أن يشار بها إليها من ~~جميع معاني الوحدة والآحاد التي ذكرناها هو الوحدة المجردة التي لا توجد من ~~حيث هي في النفس فتكون حاكمة عليها بها، ولا التي موضوعها أمر من الأمور ~~الموجودة ليكون بها هو واحد وعلى هذا الترتيب يصير الواحد الذي هو أول ~~موجود يستحق أن يوصف بما هو القوة الأولى التي ذكرناها أو لمعقول للذات ~~الأولى، فيكون بتلك الأنية التي يلزمها الوحدة التي وصفنا، وهي الفعل، ~~فيكون الترتيب الجاري على النظام اللازم في مراتب الموجودات أنها الوحدة ~~المحضة، وتاليها في الوجود المحض الذي هو المفعول الثاني، وثالثها الأنيان ~~المحضان التي هي النفس من قبل أنه حصل لها من الذات الأولى الوجود، ومن ~~الذات الثانية الصورة التي صارت بها كمالا لك موجود لما هو دونه؛ ولما كان ~~الإنسان الذي هو الموجود الذي ينتهي إليه جميع القوى من الموجود الأول ~~والثاني والثالث من الأجسام السماوية والإستقصات الكائنة الفاسدة، والغاية ~~التي إليها تبلغ القوى، يسلك بما معه من جميع ما فوقه إلى مواصلة كل واحد ~~منها بحسب الرباط الذي بينه وبينها إلى أن ينتهي إلى المبدأ الأول والذات ~~الأولى، فيفصح عنه بما لحقه في ذاته عبارة جسمانية بالمنطق الخارج. # PageV01P288 # ويشير إليه إشارة روحانية بمطابقة عقله المفعول الأول حتى يصير هو هو، ~~ويلحظ أثر الفيض الواصل إلى تلك الذات فقدر مشاركته إياه ونفي عنه جميع ~~الصفات التي نفاها عنه المفعول الأول. ويقال لهذا الفعل منه توحيد، أي ~~تجريد تلك الذات عن جميع الكثرات التي تتعلق على الذوات وتحيط بها من ~~الصفات. ### | المقابسة الثالثة والثمانون # في أن اسم العقل يدل على معان كثيرة # قال أبو سليمان: اسم العقل يدل على معان، ms127 وتنقسم تلك المعاني إلى أقسام ~~بحسب ما ينقسم كل ذي عقل. وذلك له ابتداء وانتهاء: واحدها وهو بمعنى ~~الابتداء بالطبع، هو العقل الفعال، وهو الشبه الفاعل. والثاني بحسب ~~الانتهاء، وهو العقل الإنساني ويسمى هيولانيا، وهو في نسبة المفعول. ~~والثالث بحسب معنى الوسط وهو العقل المستفاد وهو في نسبة الفعل والعقل ~~الإنساني الذي بمنزلة المفعول هو في حيز القوة التي يحتاج أن تخرج إلى ~~الفعل، وحده أن الشيء الذي من شأن، الجزء منه أن يصير كلاما، ومعناه أن في ~~قوة كل واحد من هذه العقول الجزئية أن يدرك جميع المعقولات التي من شأنها ~~أن تدرك. ولما كان الذي بالقوة يحتاج إلى شيء موجود بالفعل يخرجه إلى ~~الفعل، كان ذلك الشيء هو العقل الفعال إذا اشتبه بفعل في شبيهه والمستفاد ~~بمنزلة الفعل الملابس للقوة والفعل جميعا. # PageV01P289 ### | المقابسة الرابعة والثمانون # في أن الخلاء يدل عند الأوائل عن مكان عادم جسما طبيعيا # أملى على أبو سليمان أيضا فقال: الخلاء يدل عند الأوائل على مكان عادم ~~جسما طبيعيا. واختلفوا في وجوده فمنهم من قال: إنه تلا وجود لشيء ما هذه ~~سبيله. منهم أرسطو طاليس وأصحابه، ومنهم من قال بوجوده. ومنهم من قال: هذا ~~المعنى مبثوث في جميع العالم، به يكون الانقباض الانبساط للأجسام، والتخلل ~~والتكاثف، والثقل والخفة، اللطافة والغلظ. ومن أجله يمكن حركة الأجسام، إذ ~~لا يجوز أن يكون حركة في الملإ لما يلزم من مداخلة الأجسام بعضها بعضا. ~~ومنهم من قال: إن وجوده خارج العالم ولا نهاية له وسبقيته الأجسام التي في ~~هذا العالم، فتعرض لها به المعاني التي ذكرناها. فأما بطلان وجوده عند من ~~رأى ذلك المعنى. # بعدا أعني له طول وعرض وعمق يحصره أبعاد الجسم من قبل أن ينطبق طوله على ~~طوله، وعرضه على عرضه، وعمقه على عمقه. والجسم إنما يشغل هذا المكان بهذه ~~الأبعاد فقط، لا بأنه بارد أو حائر، وأبيض أو أسود، وثقيل أو خفيف، إذا كان ~~أبعاد الجسم يحتاج إلى أبعاد المكان بما هي أبعاد، فأبعاد الخلاء إنما هي ms128 ~~أبعاد يحتاج أيضا أبعاده. ثم الكلام فيه إلى ما لا نهاية. # PageV01P290 ### | المقابسة الخامسة والثمانون # في الفرق بين الكلي والكل # سمعت أبا سليمان يقول: الفرق بين الكلي والكل أ، الكل متأخر عن أجزائه، ~~والكلي متقدم على جزئياته، والفرق بين الأجزاء أن طبيعة الكلي بمنزلة ~~العشرة فطبيعة غير موجودة في كل واحد من أجزائه بمنزلة الإنسان والفرس وأما ~~الكل بمنزلة العشرة فطبيعة غير موجودة في كل واحد من أجزائه بطلت صورة ~~الكل. وأما الكلي فإنه إن رفع جزئياته تبقى طبيعة الكلي محفوظة بمنزلة ~~الحيوان فإنه إن رفع الإنسان أو أي واحد من الحيوان لم يبطل طبيعة الحيوان. ### | المقابسة السادسة والثمانون # في أن الجوهر اسم مشترك يدل على معان # قال: أملى على أبو سليمان: الجوهر اسم مشترك يدل على سبيل العموم على ~~الذات، أي ذات كان، جوهرا كان أو عرضا، كما يقال: جوهر الحرارة، وجوهر ~~البياض، بمعنى ذات البياض، وذات الحرارة. وقد يقال على الخصوص لا على الذات ~~التي وجودها ليس في موضوع. ومعناه أنه ليس يحتاج في وجوده إلى شيء يوجد به ~~أو فيه، فينبغي أن يفهم هذا المعنى من الرسم الذي وصف به. وهو القائل: ~~الجوهر هو الذي ليس في موضوع، وهذا الصنف ينقسم أقساما بحسب معاني أحوالها ~~في الموجود، فيقال: منه بسيط، ومنه # PageV01P291 # مركب، وهذه القسمة بحسب الوجود الطبيعي. ويقال: منه هيولى ومنه صورة، ~~وهذا بحسب حالها في ذاتها وإضافة بعضها إلى بعض. ويقال: منه كائن وفاسد، ~~ومنه غير كائن ولا فاسد، وهذه القسمة بحسب حالها فيما يقبل من التأثير ولا ~~يقبل. ويقال: منه سرمدي ومنه حادث، وهذا بحسب امتداد وجودها في الزمان، ~~ويقال: منه محسوس ومنه معقول، وهذا بحسب حالها عند الإدراك. ومنه أول وهو ~~الشخص، ومنه ثان وهو الأجناس والأنواع. وهذه القسمة بحسب اعتيادنا في باب ~~العموم والخصوص. وهذا الصنف هو الذي الواحد منه بالعدد قابل للمتضادات ~~بتغيره في ذاته. على أن في هذا الصنف شكا وهو هل الأشخاص العلوية، أعني ~~الأفلاك والكواكب، هل يصدق عليها الرسم أم ms129 لا؟ فإن من الناس من رأى أن هذا ~~الرسم مشتمل على جميع الجواهر الشخصية، ومنهم من قال أنه يخص الجواهر ~~الشخصية المركبة من المادة والصورة التي تحت الكون والفساد. ### | المقابسة السابعة والثمانون # في مناظرة منامية بين أبي سليمان وبين ابن العميد # سمعت أبا سليمان يقول: رأيت فيما يرى النائم كأني أناظر ابن العميد أبا ~~الفضل في مسائل من السماع الطبيعي، وبقينا نقسم الموجودات فقلت: الموجود ~~أيضا ينقسم بنوع آخر أن يكون إما خفي الذات خفي الفعل، أو ظاهر الذات ظاهر ~~الفعل، أو خفي الذات ظاهر الفعل، أو ظاهر الذات خفي الفعل. ثم قلت: الأول ~~هو الباري جل وعز، والثاني الحرارة والبرودة وما أشبههما، والثالث الطبيعة، ~~والرابع الكواكب. # PageV01P292 # أعدنا هذه المقابسة على الشيخ المجتبى فقال: هذا والله لحكمة وفصل ~~الخطاب، قسمة مستوفاة، وحقيقة ذات برهان، وكلمة ما عليها مزيد. ### | المقابسة الثامنة والثمانون # في ماهية البلاغة والخطابة # وهل هناك بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ # سألت أبا سليمان عن البلاغة ما هي، وقلت: أحببت أن أعرف قولا على نهج هذه ~~المطابقة لأن لهم كتاب الخطابة في عرض الكتاب الفيلسوف وقد بحثوا عن نهج ~~هذه المطابقة لأن لهم كتاب الخطابة في عرض كتاب الفيلسوف وقد بحثوا عن ~~مراتب اللفظ واللفظ وطبائع الكلمة والكلمة، موصلة ومفصلة، وخواتيم، أحق ما ~~اعتمد؟ فقال: هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف، ~~وإصابة اللغة وتحري الملاحة المشاكلة برفض الاستكراه ومجانبة التعسف. # فقال له أبو زكريا الصيمري: قد يكذب البليغ ولا يكون بكذبه خارجا عن ~~بلاغته؟ فقال: ذلك الكذب قد ألبس لباس الصدق، وأعير عليه حلة الحق، فالصدق ~~حاكم، وإنما رجع معناه إلى الكذب الذي هو مخلف لصورة العقل الناظم للحقائق، ~~المهذب للأعراض، المقرب للبعيد، المخضر للقريب. # فقلت لأبي سليمان: فهل بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ فقال: هذا لا يبين لنا ~~إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة ~~واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكما بريئا من الهوى ~~والتقليد ms130 والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه # PageV01P293 # إلا ذو عاهة؟ ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها، أعني من أفاضلهم ~~وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا وخيل إلينا لم نجد لغة كالعربية، وذلك لأنها ~~أوسع مناهج، وألطف مخارج، وأعلى مدارج، وحروفها أتم، وأسماؤها أعظم، ~~ومعانيها أوغل، ومعاريضها أشمل، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق ~~من العقل، وهذه خصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام ~~أجناس الناس، وعلى ما ترجم لنا أيضا من ذلك؛ ولولا أن النقص من سوس هذا ~~العالم وتوسه لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية، وكانت بسوق العربية ~~إلى طبائع اليونانية، فكانت المعاني طباقا للألفاظ والألفاظ طباقا للمعاني، ~~وحينئذ كان الكمال ينحط إليه عن كثب، والجمال بصادفه بلا رغب ولا رهب. # قال أيضا: أصل الدور بعد الدور، والكور بعد الكور، ينسيان هذا الذي شمناه ~~لقوم يكونون بعد ما فات العالم، مشتاق إلى الكمال، ومشتاق إلى الجمال، ~~عندهما يكون الغاية، وإليهما تقف النهاية. # وقال: ومما يوضح هذا المشكل، وبين هذا المجمل، صورة العالم، فكل وقت ~~وساعة على حال لم يكن عليها قبل ذلك بما يفض عليه ويسري إليه من الحق الأول ~~والوسائط الأولى بالجود الأعظم والأشمل، وإذا كان للعالم ولك ما فيه صورة ~~محدودة وشكل فاضل يصير في كل وقت ولحظة إلى هيئة لم تكن عليها من قبل، فهل ~~ذلك إلا لأن العالم متوجه نحو الكمال والجمال ينالهما حالا فحال؟ ثم يكون ~~له بجود الحق الأول مبتدأ به يتحدد ويسوقه وتمتد عليه نقلته من غير انفعال ~~بتوسط ولا نحو أمر يعرض، وهذا المبدأ مفروض، وإلا فالحال متصلة اتصال ~~الواحد بالواحد من حيث يلحظ ما هو واحد، واتصال الوحدة بالوحدة من حيث يلحظ ~~ما له وحدة. # وقال أيضا: وهو الذي أشرنا إليه: العالم إنما هون من ناحية قوله وانفعاله ~~وما هو بسبيله، وإلا فالجود الأول هو الجود الثاني، والثاني هو الأول، # PageV01P294 # وإلى ما لا غاية معلومة ولا نهاية موهومة، إلا أن هذا لائق بالآله ms131 الذي ~~له ينبغي وبه يليق، فأما العالم فتجدده وحسنه وكماله وتمامه فمضاف إليه ~~وملحوظ فيه. # ولما دق كلامه، واعتاص لفظه، وتسلسل إيماؤه، وسقط عني إتقان جل ما كنت ~~حويته ورأيت الحظ لي ولمن يرى رأيي أن لا أخل بما أمكن من ذلك، فأثبته على ~~ما تجده من الفتق والرتق والرقع والخرق، وأنت أبقاك الله أولى من تدارك ~~حله، وستر خلله، وأرجو أن لا تخرج من حسن الظن بي، ولا تغلط الفراسة فيك، ~~ولا تدخل في غمار من لا يساوي عيانه خبرك ولا يلحق كله بعضك، كان الله لك ~~ومعك، وهو حافظنا لك ودافعنا عنك ومؤنسنا بك. ### | المقابسة التاسعة والثمانون # في كلمات في الزهد وترك الدنيا # نذكر في هذه المقابسة أشياء سمعناها من أبي سليمان في مجالس الأنس إن لم ~~تكن في صدد الفلسفة فإنها لا تخرج من جملتها، ولها فائدتها التي يحتاج ~~إليها ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها، قلت له يوما: كيف أصبحت؟ قال: ~~مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدوا، ولا التذ إلا عفوا، إن حزنت حزنت ~~طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعا، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت ~~الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ~~ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط، # PageV01P295 # واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من ~~أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى. # وحدثنا يوما قال: اجتزت بالري متوجها إلى سجستان سنة من السنين، وكان بها ~~أبو جعفر الخازن فزرته فاضيا لحقه وسنه، لما انصرفت ابتعني برقعة يصحبها، ~~يروي في الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم: من استحقر في قضاء حقوق الإخوان ~~ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والإضاعة، لأن الأيام لا تكاد ~~تسعف بكل المراد، ولا تزول من عادتها في الفساد. # وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا ~~منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته ~~على ms132 علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون # PageV01P296 # كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعرا ~~كما ترى، معدودا في عصره ثم أنشدنا له مستحسنا: # وتأخذ من جوانبنا الليالي ... كما أخذ المساء من الصباح # أما في أهلها رجل لبيب ... يحس فيشتكي ألم الجراح؟ # أرى التشمير فيها كالتواني ... وحرمان العطية كالنجاح # ومن لبس التراب كمن علاه ... وقد تخدعك أنفاس الرياح # وكيف يكد مهجته حريص ... يرى الأرزاق في ضرب القداح # ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها. # وقلت لأبي سليمان يوما: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ~~ابن محارب الفيلسوف لنفسه: # صدفت عن الدنيا على حبي الدنيا ... ولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا # وأدفعها عني بكفي ملالة ... وأجذبها جذب المخادع بالأخرى # فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن ~~صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول ~~شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب: # PageV01P297 # لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى # لو تفرغت لاستطالت ليلي ... ولرعى النجوم كنت مخلا # فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد: # إن يكن لا دري إلا المخلا ... لست تدري إن كنت تدري أم لا # أو تكن داريا بذاك فهلا ... كنت تدري أطال ليلك أم لا؟ # قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في ~~وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي ~~حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، ~~والستر عليه أحسن بنا. # وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله: # لا تحسدن على تظاهر نعمة ... شخصا تبيت له المنون بمرصد # أوليس بعد بلوغه آماله ... يفضي إلى عدم كان لم يوجد؟ # لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري ... حسد النجوم على بقاء سرمدي # فقال: ما أفلح البديهي قط إلا ms133 في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع ~~القول. # فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه ~~عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة ~~وخسارة، فمن قوله: # PageV01P298 # وإن عزوف النفوس عمن يخونني ... ومعطى قيادي للحبيب المؤالف # أشاطره روحي ومال وأتقي ... حذارا عليه من رياح عواصف # فإن خان عهدي لم أخنه وإن أكن ... على ما أرى من غدره بمواقف # وأترك عقباه لعقبي فعاله ... ففي عقب الأيام كل التناصف # ومن قوله أيضا: # بكيت على مفارقة الشباب ... وأيام البطانة التصابي # وأيام التغازل والدلال ... وأيام التجني والعتاب # مضت فكأنها لما تولت ... معقبة نفيسا بالعقاب # لتبلي كل ملبوس جديد ... وتمزج كل معسول بصاب # بياض الشيب أعلام المنايا ... نشرن نذيرة لك بالذهاب # هو الكفن الذي يبلى وشيكا ... ويأتي بعده كفن التراب # ثم قال: ألا قلال من هذا الباب أولى بنا، فلسنا من أهل هذا الفن، وسمة ~~التقصير لائحة علينا، ودالة على نقصنا، وإن خفي ذلك بنظرنا، لأن الإنسان ~~عاشق نفسه وليس بمؤاخذها على تقصيره. ثم قال لي: أنشدنا ما سمعنا منك لبعض ~~الآلهيين فأنشدته: # لما تجاوز حسي ... وفات مسي ولمسي # ولم أزل أتقرا ... دليل أبناء جنسي # فلم يكن ذاك يجدي ... ولا يعود بالسي # رجعت نحوى بشرط ... يغيب عني حسي # فلاح تحت ضلوعي ... ما قد من قرن شمسي # فقلت هذا طريقي ... من غير شك ولبس # وغصت حتى تجلى ... وأشرقت منه نفسي # فقال أبو سليمان: ما أحسن الأدب والحكمة إذا كان هذا من ثمرها؟ # PageV01P299 # وسمعت أبا سليمان يقول للجرجاني الكاتب، وكان يحدث نفسه بالوزارة: أيها ~~الرجل، إن الدنيا نار ذات دخان، فلو سلوت عن صلائها لدخانها، لكان أجدى ~~وأسلم؟ فقال: أفلا أصبر على دخانها لا تنفع بضيائها، واستمتع بصلائها؟ ~~فقال: ما أحسن هذه العارضة! لو كنت في الاستمتاع بضيائها على ثقة ومن ~~الانتفاع بصلائها على يقين؟ وكنت إذا أدركت ذلك دام عليك وصفا لك! فأما ~~والعادة جارية بخلاف قولك وبضد اقتراحك وتوهمك، فلا. فقال الجرجاني: الله ms134 ~~الموفق وهو حسبي. # فقال أبو سليمان: حكم الكتاب وأصحاب الخطابة مخايل، تصدق قليلا وتكذب ~~كثيرا، ليس لها رسوخ في القلب، ولا ثبات في العقد. فلما قتل الجرجاني قال ~~أبو سليمان: مسكين ذلك الرجل، صبر على دخانها إلى أن اختنق، وتعرض لصلائها ~~حتى احترق. ثم قال: اللهم لا تكلنا إلا إليك، ولا ترغبنا إلا فيما لديك، ~~ولا تعرضنا إلا لطلب ما عندك، إنا لعجزة عن قدرة نطلبها بنا، وضعفة عن قوة ~~ندعيها فينا، أرنا الحق حقا ثم هيئنا لإتباعه، وأرنا الباطل باطلا ثم وفقنا ~~للإعراض عنه، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر. # قد قوي رأيي أدام الله توفيقك أن لا تكون هذه المقابسة في هذا الموضع ~~كأنها ناكبة عن أخواتها المواضي ولكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن، ~~ولعها تفيد بعض الفائدة. # قيل لأبي سليمان: لماذا إذا جد السؤال جد المنع به. # فقال: لأن الحال يلتبس بشيء كالإغراء والإكداء والأرجاء، فيقع للمسؤل أنه ~~قد ظلم، وأن السائل قد اعتدى، فإذا استقر هذا في نفسه # PageV01P300 # وتردد على باله لم يجد في عقابه شيئا أقرب ولا أخصر من منعه ليكون ما ~~أتاه من جنيته من جنس ما أتاه السائل من جنايته. # وهذا حفظك الله وإن لم يكن من سراة الفلسفة، ومن بحبوبة الحكمة، ومن غامض ~~الفوائد، كان يجري مع إخوانه في مجالس هؤلاء الأعلام لسبب من الحفظ ولم ~~يعرض لفائدة فكرهت أن لا يكون لها رسم في عرض ما روينا، وهذا الاعتذار مني ~~قد تكرر، ولولا سوء ظني بالزمان وأهله لما رأيت أن إعادته تنفع وتكريره ~~يفيد، والسلام. ### | المقابسة التسعون # في حكم فلسفية من كلام أبي الحسن العامري # هذه مقابسة تشتمل على كلمات شريفة من كلام أبي الحسن محمد بن يوسف ~~العامري، علقت وسمعت أكثرها منه، وهي التي مرت في شرحه لكتابه الموسوم ~~"بالنسك العقلي" ويصلح أن يأتي عليها هذا الكتاب فأتيت بها على وجهها قصدا ~~لتكثير الفائدة وأخذا بجماع الحزم. # قال: أعرفه لا بالنفس بل بغيان النفس، وأشبهه ms135 لا بالكمال بل بكمال ~~الجمال، وأطلبه لا للاتحاد لكن لاستخلاص الاتحاد. # وقال أيضا: لن يوثق بالصديق بل بميزان الصدق، ولن يخاف السبعية بل كلب ~~السبعية، ولن يهجر الكذب بل آفات الكذب. # وقال: أنظر من جعلك مريدا فاجعله مرادك، وجر الانتساب إلى من هو أولك ~~وآخرك. # وقال: وزن النفس بالنفس هو العبادة بالنفس، وردع النفس بالنفس # PageV01P301 # هو العلاج للنفس، وعون النفس بالنفس هو التدبير للنفس، وانتساب النفس ~~بالنفس هو التعرف للنفس، وعشق النفس هو الممرض. # وقال: سل واهب العقل إضاءة العقل، ولاحظ الحقائق بنور الحق. # وقال: إبدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرب الأولى بإيثار الأول. # وقال: مبدأ وصال الأحسن هجران الأقبح، ومنشور الرأي الأقوم وجدان الأصلح. # وقال: المختار الأول عاشق للأحسن، والمقدم الأول مريد الأتقن. # وقال: آمن والمؤنة أشرف القينات، وإخلاص العمل أشرف الأعمال، وعداوة ~~الشيطان أشرف من المجاهدات، والتهيؤ لإجابة الداعي أشرف الأفعال، وتميز ~~البقاء من الفناء أشرف من النظر. # وقال: دوام الصحة للفضلاء من السادة، يروض الطبع على الحميد من العادة، ~~وإجالة الفكر في نظام الخليقة، يحلي النفس بجمال الفضيلة. # وقال: ليس اللطف في تزيين الشيء بل اللطف في تأنيق التزيين، وليست المهنة ~~تأدية الصناعة بل المهنة سهولة التأدية، وليس الكمال المطلق اقتناء الفضيلة ~~الإنسية بل بما يتبع اقتناءها من الجود المزين لها، أجل النعم هي الاستقبال ~~بشر المنعم، وأشرف المواهب هو الفوز بالخلوص لرب المواهب، ومن لم يؤيد من ~~نفسه بإحكام الحكمة وبأمان العقل، فقد صيرهما حجة علية لا له، ألفائز ~~بالإشراف إما أن يوجد مستوليا على المشروف، وإما أن يوجد مستغنيا عنه، ~~والمقتصر على المشروف أن يستمد بالاستيلاء على الإشراف أو يستعين ~~بالاستغناء عنه. الوضيع أشر حالا من الخسيس، فإن الوضيع مذموم في حال دون ~~حال، والخسيس مرذول على كل حال. أشرف العبيد أخلصهم للمولى، وأشرف أفعال ~~العبيد أرضاها عند المولى، وأشرف أغراض العبيد هو أن يصفو له المولى، وأشرف ~~همم العبيد أن يتحد بالمولى. من خصائص المذلة سلوك النفس إلى النقص بعد ~~الفوز بالتمام، ومن خصائص ms136 المعزة التشبه # PageV01P302 # بالضعاف مع وفور بالطاقة. الحكمة مقتضية لوجود العقل، والمعاني الثلثة في ~~الأقل شيء واحد، وهو هو ذاته الحق، فأما فيمن دونه فمختلفة في حدودها وإن ~~اتحدت في وجودها. النفس العزيزة هي التي لا تؤثر فيها النكبات، والنفس ~~الكريمة هي التي لا تثقل عليها المؤونات. مقابل العزيز هو الذليل في التلون ~~في أحواله بسرعة عمله، ومقابل الكريم اللئيم، والرضى من أفعاله بالخلل ~~عامة. مراتب العبودية بحسب القوة القوة العلمية أربع: أولها مرتبة المتقين، ~~وهي من علائق الخوف، والثانية مرتبة المحسنين، وهي من علائق الرجاء، ~~والثالثة مرتبة الأولياء، وهي من علائق المحبة، والرابعة مرتبة الصالحين، ~~وهي من علائق الاستقامة. صورة الكل واحدة. هجر القذورات مدرجة إلى الخيرات، ~~والتمسك بالخيرات محصنة عن الهفوات، والأمن من الهفوات مرفعة للمقامات، ~~ومعالي المقامات مجمعة للسرور واللذات. متى لم يجلب الموانع فقد يسير ~~الجوهر الجسماني نحو كماله الأخص. العلم الصحيح أبلغ من صلاح العمل السديد ~~من الاعتبار بالعكس فإن الرئاسة والتدبير إليه. فاتحة السعي في طلب المولى ~~ترك جميع من هو دون المولى، وتمام السعي في طلب المولى الاستغناء عن جميع ~~من هو دون المولى. متى جاوز البعض البعض فقد استغنى الجميع عن الجميع، ومتى ~~اتكل البعض على البعض فقد اضطر الجميع إلى الجميع. بدؤ التعاون افتقار ~~وتمامه استغناء، وبدؤ التواصل استغناء وتمامه افتقار. متى استتبت الحرفة ~~على هذا العرض الحقيقي فقد سلم المحترف بها عن وصمة التقليد فيها. فراق ~~العبد للمولى يكون على صور أربع، وهي: القطع، والطرد، والحسر، والحجب. ~~انبعاث الخاطر النفساني وإن عرض منه التأدي إلى الحرص فلن يجوز أن يعد ~~مرذولا، فإن لكل واحد منهما مقصودا آخر عظيم الجدوى ذاتا له وبمثله الحال ~~من كافة ما ينبعث في النفس كما أن المتدين يفتتح تدينه من درجة التقليد ثم ~~يترقى منها رويدا رويدا إلى معلوم التحقيق، ومهما اقتصر من تدينه على ~~الرتبة كان مذموما، وإن لم يجد # PageV01P303 # في البدأة مختصا بالكنه. الحال في اللذة والكرامة والثروة والرئاسة، ~~المعونة والحرمة قد تقع بحسب ms137 القرب، وقد تقع بحسب تقريب مراتب التقريب ~~وبحسب العمل يفتقر إلى الآت، وهي الاتصال والتفويض والتوبة، ومراتب التقريب ~~بحسب العمل تنقسم إلى ثلاث مراتب، وهي الخدمة، والطاعة والعبادة. # وقال: الحال لا يجب أن تكون حال الصبى، والوقت لا يجب أن يكون قريبا من ~~أحوال الصبا، ولا طبيعة لا يجب أن تكون ذات أفعال أو ذات انحلال، والسبب ~~الداعي لا يجب أن يكون إما الثروة، وإما اللذة، وإما الرئاسة، وإما ~~المحمدة، بل يجب أن يكون إما شرف الفضيلة، أو تحصيل السعادة، والرفقاء لا ~~يجب أن يكونوا سبعيين أو بهيميين. # وقال: النعمة الموضوعة في غير موضعها قد تحسن بالعرض لجهات ثلاث: وهي ~~المحبة، والغيرة، والمدرجة. أفعال القلوب أربعة، أولها الزيغ، ثم الرين، ثم ~~الغشاوة، ثم الختم، وعلاجها الإيمان، والنداء، واليقين بالأخرة، والتصديق ~~للرسالة. # انحلال الأنفس يكون على أربعة أوجه، أولها: الكسل، ثم الغباوة، ثم القحة، ~~ثم الانتهاك. وعلاجه استشعار التقوى، والمحافظة على العبادات والاتفاق في ~~سبيل الأنفس. أعلى النفس همما هو أن لا يفرح بشيء من السنخ كفرحه بصحته. # مالك الملوك وهو الحال الفصلي للطبيعة الإنسانية اختصاص كل موجود بفعل له ~~على حدة يحقق أن وجدانه ليس بعيب، وانخسار العقل عن أن يتوهم لذلك الفعل ~~موجودا آخر أصلح له منه تحقق له أنه ليس بناقص الذات إذ قد تفرع كل من ~~الموجودات بفعل له على حدة، فمن أين تتعرف وبالذي يصدر من مجموعها من الفعل ~~المختص به من # PageV01P304 # وجد مجموعا أن ينتفع بسياقه الشيء إلى الكمال إذا لم يحفظ علته، ولن ~~ينتفع بحفظ علته إذا لن يصر ذاته بنفسه مستحفظا لطباعه على أخص كماله وما ~~لم يصر آمنا في سربه من طغيان آلاته المغيرة إلا عنده، ولن ينتفع بالأمن ~~عنده إلا إذا لم يكن الأمن أبديا على الإطلاق. إن شرف الإنسان هو الفوز ~~بالسعادة العظمى ونيل المنزلة عند ربه ومن الواجب أ، يكون عرض الصناعة ~~المعينة بشأن الإنسان ما هو إنسان أعني النسك والزهد، هو تحصيل السعادة ~~العظمى والمنزلة عند الله تعالى ms138 وكان الشخص الواحد من أشخاص الناس غير صالح ~~لإستبانة صور الموجودات كلها في ذاته فيصر بذلك عالما على حدته حسب ما في ~~أشخاص الحيوانات للآخر، لما امتنع أن يفنى فناء أبديا ويخلفه الآخر مكانه. ~~ازدحام الصور المتقابلة في الجوهر النفساني ليس بممتنع، وازدحام الصور ~~الكثيرة إلى ما يتناهى ليس بمموه، فبورود التلاشي عليه إذا ليس بواجب، ~~وحصرها إذا تحلت بالأبديات الكلية بطباعنا الخاصية. غير بعيد أن يكون ~~الكمال المطلق هو أن يصير جوهره بحسب السعي الاختياري حكيما قادرا جوادا. ~~وهو يصير العبد ربانيا بالحقيقة. لما جعل الشخص الحيواني توليد المثل لبقاء ~~نوعه فقد أهدى بالطبع المتمم لغايته. وبالعكس لما حرم الكمال الأشراف بنفس ~~حياته قصر طباعه عن التصور له رأسا فلو ضاهاه الإنسان في هذا الكمال لشاكله ~~في القصور عن التصور. إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت ~~دنياه آخرته، وموته حياته، وفقره غناه، ومرضه صحته، ونومه يقظته، وضعفه ~~قوته، وهمه فرجه. وإذا شقى بالحجب عن مولاه فقد انقلب الأمر بالضد. # مراتب العبودية في العيشة الدنياوية على الحقيقة أربع: أولها الاهتمام ~~للسعادة، ثم السلوك إليها، ثم الحصول عليها، ثم الاستمساك بها. وفي العيشة # PageV01P305 # الأخروية رتبتان: وهما الاغتباط بنيلها، والاغتباط بالأمن من زوالها. كما ~~امتنع عليه إبراز فعله المختص به فقد صار وجوده على ما هو عليه مضاهيا ~~لعدمه. وتلك هي خساسة ذاته. # صلح الواحد ينزل منزلة الملك، وصلاح الجميع ينزل منزلة الملك، وحيث وجد ~~الملك وجد الملك، ولا ينعكس؛ فإذا الإنسان لن يشرف بأن يصير مالكا بل يشرف ~~إذا صار ملكا. وفعل المالك حفظه القنية على صورتها، وحفظ الملك حفظ مراتب ~~القنيات على درجاتها متى علم أن الشيء مما يجب أن يعلم وأنه ليس بعلم، فقد ~~صار المعقول عنه محروصا عليه، وذلك هو مفتتح السعي، وهو في الحقيقة أكثر من ~~نصف جملته، كما أنه ليس يسكن العقل الصريح إلى معرفة المبدأ القريب من ~~الشيء دون أن يعرف المبدأ الأول على الإطلاق، وما بين المبدئين من الوسائط، ~~إن كان ms139 الأول المحض والآخر المحض بالذات شيئا أحدا، وإن اختلف الوصفان عليه ~~بالإضافة فبالأحرى أن يكون المبدأ والغرض المحض غير مختلفين بالذات، وإن ~~اختلفا بالإضافة. التعرف للذات بحسب المنتهى أربعة، وهي: أن تعرف لماذا هو، ~~وكيف السبيل إليه، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه وما الذي يعوقه عن ~~بلوغه. مراتب التعرف للذات بحسب المبتدأ أربعة، وهي: أن تعرف ما هو، ومن ~~جاء به، ومن داجى به، وكيف كان مجيئه. ومن أجل أن المستخدم قد يضطر الحال ~~إلى استصلاحها واستحفاظها فيصير فعله فيهما عند ذلك شبيها بفعل الخادم لها ~~في الظاهر، فليس بعجيب أن يعرض منه الغلط، أو يبدو من جهته الانخلاع. من ~~سوس العقل الصريح التفرقة بين الحسن والقبيح، ومن سوسه أيضا السكون إلى ~~الحسن والالتفات عن القبيح، لأن الشيء متى كان مفرطا في الحسن فإنه يبهر ~~العقل الجريء # PageV01P306 # فيحتاج معه إلى التدريج إليه، والتمرين عليه. خصوصية هذه الصناعة رياضة ~~الأنفس الناطقة على تأدية الأفعال البشرية بصور مستصلحة لاكتساب الزلفى عند ~~خالق البرية. لن يكفي أن تكون الغاية محدودة في نفسها موجودة بذاتها، بل ~~يجب مع ذلك أن تكون متصورة عند القاصد لها على ما هي عليه، وأن تكون أيضا ~~متشوقة محبوبة عنده. يجب أن تتعرف من درك الغاية أهو من جملة النعم أم ليس ~~هو من جملة النعم، وأنه إن كان من جملة النعم، أهو مما ينال بحسب الاتصال ~~أم بحسب التعويض أم بحسب المثوبة. # هذا آخر التعليق عنه نضر الله وجهه، وقد كان قادرا على هذا الجنس من ~~الكلام لطول ارتياضه به وكثرة فكره فيه؛ مع سيرة جميلة. ولقد ورد بغداد سنة ~~أربع وستين وثلثمائة في صحبة ذي الكفايتين فلقى من أصحابنا البغداديين عنتا ~~شديدا ومناكدة، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى ~~من غير بلدهم، وذلك كله جالب للتنافس، مانع من التناصف، وهو خلق تابع ~~لهواهم، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة، وقل من ~~يتخلص إلى غاية هذا الباب ms140 لغلبة الطباع، وسوء العادة، وشرارة النفس. ~~والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من ~~بذلهم الواجب عليهم، وهذا باب وإن كان فاشيا في جميع الناس فكأنه في ~~أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى، وهو على ذلك لا يعشر واحدا منهم إذا برز ~~في فن عشرة من غيرهم، وإذا كان الكمال عزيزا في النوع كيف لا يكون عزيزا في ~~الواحد؟ نسأل الله خلقا طاهرا، وعملا صالحا، وعلما نافعا. # PageV01P307 ### | المقابسة الواحدة والتسعون # في كلمات بليغة وحكم رائعة وتعاريف فلسفية # قد مر في هذه المقابسة التي تقدمت فنون من الحكمة وأنواع من القول ليس لي ~~في جميعها إلا حظ النفس الراوية عن هؤلاء الشيوخ، وإن كنت قد استنفدت ~~الطاقة في تنقيتها وتوخي الحق فيها، بزيادات يسيرة لا تصح إلا بها، أو نقص ~~خفي لا يبالي به، وأنا أسألك أن تأخذ منها ما وافقك وتدع على ما بار عليك، ~~ولأجل ما سلف من القول في المسائل ما أحببت أن أحكي لك حدودا حصناها على مر ~~الزمان، بعضها أخذ من أقوال العلماء وبعضها لقط من بطون الكتب، بعد أن عرض ~~الجميع من يوثق بصناعته، ويرجع إلى نقد واختياره، فاشركني في فوائدها وهب ~~لي من بعضي استحسانك لها، وتغمدني بكرمك وفضلك اللذين لا يستغني مثلي ~~عنهما، واستقر أني نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير ~~دوني منسدة، بثقل المؤنة وقلة المعونة، وفقد المؤنس بعد المؤنس، واشتعال ~~الشيب، وخمود النار، وأفول شمس الحياة، وسقوط نجم العمر، وقلة حصول الزاد، ~~وقرب الرحيل، وإلى الله التوجه، وعليه التوكل، وبه المستعان، ولا موفق ~~غيره، ولا معين سواه. وفي الجملة أسألك بالملح الذي يتقاسم به الفتيان ظرفا ~~أن تعذرني في تقصير تعثر عليه، فوالله ما شرعت في تحبير هذا الكلام، وإيراد ~~هذه الوجوه، إلا شغفا بالعلم لا ثقة ببلوغ الغاية، وأنت أولى من عذر، كما ~~أني أحق من اعتذر. وهذا كله يجري في مجالس مختلفة بين مشايخ الوقت بمدينة ~~السلام. # PageV01P308 # ورأيت أن إخلالي بتحصيل على ms141 أي وجه كان، أشد من إخلالي بتقصير يمر في ~~جملة ذلك، فتعرضت له على علم مني بقلة السلامة، على أن من أنحا علي بحده، ~~وكشر لي عن نابه، وجعل صوابي خطأ، وخطأي فيه عارا، احتملت وصبرت وتغافلت ~~وعذرت، وإذا كنت في جميع ذلك راوية عن أعلام عصري وسادة زماني، فأنا أفدى ~~أعراضهم بعرضي، وأقي أنفسهم بنفسي، وأناضل دونهم بلساني وقلمي، ونظمي ~~ونثري، وأرجو أن لا أخرج عند التصميم وضيق العطن عند الخصام إلى مفارقة ~~الأدب، وإلى ما يقبح الأحدوثة، فأقول قولا يورث الندامة، وأبرز بروزا يجلب ~~الملامة، ولست أنافس أحدا على هذا الحديث إلا بعد أن يرسم بقلمه في هذا ~~الفن عشر أوراق يسلم فيها كل السلامة، ويتبرأ فيها من كل قالة، وهذا ما لا ~~يتطاول له كل أحد، ولا يعثر به كل إنسان، والطعن بالقول سهل من بعيد، ~~والعنف خفيف على لسان كل غائب، والتعقب مركز في كل وقت، ولكن الستر أجمل، ~~والإبقاء أحمد، ولأن يطلب التأويل في سهو يعرض أحسن من أن يستبان الخلل ~~فيما لعله يتسبب، على أن الحسناء لا تعدم ذاما، كما أن المحسنة لا تعدم ~~ملاما، والسلام. # والمقابسة التي من قول العامري قد جعلناها مقصورة على حدود حصلناها، وفي ~~نثرها فوائد جمة، ولو كان الوقت يتسع لوصلنا جميع ذلك بما يكون شرحا له ~~وشاهدا معه، وإذا عاق ما لا خفاء به من المكروه والعلم في النفس، والحال في ~~الإخوان، فلا بد من الرضى بالممكن والنزول عند التسهيل والقناعة. # قال: ما حد الكلام؟ الجواب: أنه مؤلف من صوت وحرف ومعان. يقال: كيف يحصل؟ ~~الجواب: بجذب الإنسان الهواء بالحركة الطبيعية وحصره في قصبة الرئة ودفعه # PageV01P309 # ومصاكته بالحركة الإرادية للهواء الخارج بحروف تجذبها آلة اللهوات. وهذه ~~مركبة دالة بحروف اتفاق واتساق مع معاني فكر النفس بالمنطقية، بقدر الهواجس ~~الطارئة، والخواطر السانحة، والصواب المؤيد من العقل، والأثر الحاصل في ~~القلب. # يقال: ما الشعر؟ الجواب: كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة، بقواف ~~متواترة، ومعاني معادة، ومقاطع موزونة، ومتون معروفة. # يقال: ms142 ما الغناء؟ الجواب: شعر ملحن داخل في الإيقاع والنغم الوترية ~~منعطفة على طبيعة واحدة ترجع مشاكلة إليها. # يقال: ما الإيقاع؟ الجواب: فعل يكيل زمان الصوت بفواصل متناسبة متشابهة ~~متعادلة. # يقال: ما اللحن؟ الجواب: صوت بترجيع خارج من غلظ إلى حدة ومن حدة إلى ~~غلظ، بفصول بينة للسمع واضحة للطبع. # يقال: ما النغم الوترية؟ الجواب: استحالة الصوت من نسبة شريفة إلى نسبة ~~غير شريفة المقاطع، ومواضع استراحات الأنفاس، مع تمام دور من أدوار ~~الإيقاع. # يقال: ما الطنين؟ الجواب: هو رجوع الهواء من جرم المقروع إلى جزء منه، ~~وذلك أن الجرم العميق الأملس إذا قرعه شيء نبا عنه ثم عاد إليه كالكرة إذا ~~ضرب بها الأرض. وكذلك الصدى من المتكلم. # يقال: ما الجدل؟ الجواب: مباحث مقصود بها إيجاب الحجة على الخصم من حيث ~~ألا يقوى، ومن حيث لا يقدر أن يدفع. # يقال: ما المحال؟ الجواب: الجمع بين المتباينين في شيء ما في زمان واحد ~~وجزء واحد، وإضافة واحدة. وسمعت أبا سليمان يقول: المحال لا صورة له في ~~النفس. فقيل له: الباري في هذا ما يقول فيه أمحال هو؟ فقال: لا، # PageV01P310 # لأن عليه شهادة من العقل، فبشهادته ثبتت أنيته، وبارتفاع صورته اتفقت ~~كيفيته، وهذا غير التوحيد. # وقد مر كلام في التوحيد عن هذا الشيخ وعن غيره على سعة أطرافه وضيق ~~عباراته، فلا وجه للإطالة في هذا الموضع. ولولا أن هذا القدر كالبيضاء ما ~~اقترن به واشتمل عليه، لكان تركه أولى، وعلى كل حال ففيه تحديد لهذا الباب ~~وبعث على ما تنزع النفس إليه من هذه الحقائق، وليس من فصل في هذه الرسالة ~~ألا وهو متحل بضروب من البيان وأصناف من القول، ولكن الاقتصار أليق بالحال، ~~وأحسم لمادة الشغب والجدال. # يقال: ما الكون؟ الجواب: خروج الشيء من القوة إلى الفعل. # يقال: ما الفساد؟ الجواب: خروج الشيء من الفعل إلى القوة. # يقال: ما الجمع؟ الجواب: انضمام المادة إلى نفسها وتلاقي أجزائها. # يقال: ما الانفراد؟ الجواب: انفصال المادة بأقسام لطيفة صغيرة القدر. # يقال: ما الباطل؟ الجواب: ms143 هو ما به نافي الموجود هو ما هو. # يقال: ما الخير بالحقيقة؟ الجواب: هو ما يراد بالاستعارة لذاته. # يقال: ما الشر؟ الجواب: هو ما يهرب منه لأجل ذاته، وأيضا الشر هو ما يهرب ~~منه لأجل أنه يؤدي إلى الاستعارة وإلى ما يهرب منه لأجل ذاته. # يقال: ما الذكر؟ الجواب: إحضار الذهن ما تقدم وجوده في النفس. # يقال: ما الذهن؟ الجواب: جودة التمييز بين الأشياء. # يقال: ما الذكاء؟ الجواب: سرعة الإنقداح نحو المعارف. # يقال: ما التواني؟ الجواب: هو نهاية الفكر. # يقال: ما الشك؟ الجواب: هو تردد النفس بين الإثبات والنفي. # يقال: ما الإرتياء؟ الجواب: هو تجارب. # يقال: ما اليقين؟ الجواب: هو مطابقة العقل معقوله. # PageV01P311 # يقال: ما العلم؟ الجواب: هو وجدان النفس المنطقية الأشياء بحقائقها. # يقال: ما الحكمة؟ الجواب: هي حقيقة العلم بالأشياء القائمة ووضع كل شيء ~~في موضعه الذي يجب أن يكون فيه الوضع فقط. # يقال: ما التمييز؟ الجواب: هو جمع القضايا واستخراج النتائج. # يقال: ما العزم؟ الجواب: الرأي على العقل. # يقال: ما اليقين؟ الجواب: سكون الفهم مع ثبوت القضية ببرهان. وأيضا هو ~~وضوح حقيقة الشيء في النفس. # يقال: ما المعرفة؟ الجواب: هي رأي غير زائل. والرأي هو الظن مع ثبات ~~القضية عند التأدي فهو إذا سكون الظن. # يقال: ما الجزم؟ الجواب: هو قوة تحدثها قوة الثقة بأوائل الأمور مع سكون ~~الظن بعواقبها. # يقال: ما الوهم؟ الجواب: هو الوقوف بين الطرفين لا تدري في أيهما القضية ~~الصادقة. # يقال: ما التوهم؟ الجواب: هو موافقة الظن العقل من غير إثبات حكم. # يقال: ما التصور؟ الجواب: هو حصول صورة الموجودات العقلية في النفس. # يقال: ما الذكر؟ الجواب: هو سلوك النفس الناطقة إلى تلخيص المعاني ومعرفة ~~ما هياتها. # يقال: ما الحفظ؟ الجواب: هو ثبات صور المعقولات والمحسوسات في النفس. # يقال: ما الحس؟ الجواب: هو قبول صور الحسوسات دون حواملها. # يقال: ما التخيل؟ الجواب: هو حصول صور المحسوسات بعد مفارقتها وزوالها عن ~~الحس. # يقال: ما الإدراك؟ الجواب: هو تصور نفس المدرك بصورة المدرك. # PageV01P312 # يقال: ما المعرفة؟ ms144 الجواب: هي إدراك صور الموجودات مما يتميز عن غيرها، ~~وهي بالمحسوسات أليق لأنها تحصل بالوسم، والوسوم مأخوذة من الأعراض ~~والخواص، والعلم بالمقبولات أليق لأنه يخصك بالحدود والمعاني الثابتة ~~للشيء. # يقال: ما الإستقصى؟ الجواب: هو ما يكون فيه الشيء ويرجع إليه منحلا منه، ~~الكائن بالقوة. # يقال: ما الصورة؟ الجواب: هي التي بها الشيء هو ما هو. # يقال: ما المكان؟ الجواب: هو حيث التقى الأفقان، المحيط والمحاط به. ~~وأيضا هو ما بين سطح الجسم الحاوي وانطباقه على الجسم المحوي. # يقال: ما الزمان؟ الجواب: هو مدة تعدها الحركة ثابتة الأجزاء. # يقال: ما الجرم؟ الجواب: هو ماله ثلثة أبعاد: طول وعرض وعمق. # يقال: ما الكثرة؟ الجواب: هي انفصال الهيولى بأقسام كثيرة عظيمة القدر. # يقال: ما الملازمة؟ الجواب: هي إمساك نهايات الجسمين بجسم ثالث بينهما. # يقال: ما الاجتماع؟ الجواب: هو حال تقارب الأجسام بعضها من بعض. ~~والافتراق تباعدها. # يقال: ما الحال؟ الجواب: هو كيفية سريعة الزوال. # يقال: ما الاتصال؟ الجواب: هو اتحاد النهايات، والانفصال تباين المتصلات. # يقال: ما الرطوبة؟ الجواب: هي علة سهولة انحصار الشيء بذات غيره وغير ~~انحصاره بذاته، وأيضا هي الكيفية التي لا تحيط بشكل الجسم الذي هي فيه على ~~شكل محدود ولا تمنعه أن يتشكل بشكل ما يحيط به بسهولة. # يقال: ما اليبس؟ الجواب: هو علة انحصار الشيء بذاته وعسر انحصاره بغيره، ~~وأيضا هو الكيفية التي تحفظ شكل الجسم الذي هي فيه حتى لا يتشكل بشكل ما ~~يحيط به بسهولة. # PageV01P313 # يقال: ما البرودة؟ الجواب: هي جمع الأشياء من جواهر مختلفة، والتفريق بين ~~التي هي من جواهر واحدة. # يقال: ما الحرارة؟ الجواب: هي علة جمع الأشياء التي هي من جوهر واحد، ~~وتفريق الأشياء التي هي من جواهر مختلفة. # يقال: ما المؤلف؟ الجواب: هو المركب من أشياء متفقة بالحس مختلفة بالحد. # يقال: ما الروية؟ الجواب: هي التمثيل بين خواطر النفس. # يقال: ما العقل؟ الجواب: هو تأثير في مؤثر يأتي للتأثير، وأيضا هو الحركة ~~التي تكون من نفس المحرك، والقابل عنه. # يقال: ما الاختيار؟ الجواب: ms145 هو إرادة تقدمتها رؤية مع تمييز. # يقال: ما التحديد؟ الجواب: هو جمع ذوات مختلفة إلى ذات واحدة. # يقال: ما النفع؟ الجواب: هو الشيء المشوق من الكل. # يقال: ما النسمة؟ الجواب: هي لفظة تجمل ما يفصله الكتاب. # يقال: ما المدخل؟ الجواب: هو قول يفصل من المعاني ما تحتاج إليه في معرفة ~~ما هو مدخل إليه. # يقال: ما المنطق؟ الجواب: هو صناعة أدوية تميز بها بين الصدق والكذب في ~~الأقوال، والحق والباطل في الاعتقادات، والخير والشر في الأحوال. # يقال: ما الصناعة؟ الجواب: بالإطلاق هي قوة للنفس فاعلة بإمعان مع تفكر ~~وروية في موضوع من الموضوعات، نحو عرض من الأعراض. # يقال: ما الصدق؟ الجواب: هو قوة مركبة من الحق يقصد بها العدل والحق. # يقال: ما اليقظة؟ الجواب: هي استعمال النفس المنطقية لاستعمال آلات البدن ~~من غير مرض عارض والإنسان على طباعه. # يقال: ما الحياة؟ الجواب: هي رباط الحركة، وحس، وعقل، ونماء، وتربية. ~~والموت ضد ذلك. # PageV01P314 # يقال: ما الشجاعة؟ الجواب: هي قوة مركبة من العز والغضب تدعو إلى شهوة ~~الانتقام. الجبن ضده. # يقال: ما الفرح؟ الجواب: هو انبساط النفس من داخل إلى خارج على المجرى ~~الطبيعي. والخوف ضد ذلك. # يقال: ما العجول؟ الجواب: هو الذي لا يقنع ما يتخيل في وهمه تخيلا ضعيفا ~~من غير نظر ولا فحص. والغيظ هو ابتداء الغضب. # يقال: ما الركيز؟ الجواب: هو الذي تكون العزيمة منه مع تميز وتفكر. # يقال: ما الحسود؟ الجواب: هو الذي لا يحب لأحد خيرا، ويجتهد في الإضرار ~~بهم وبنفسه كي يلحقهم بذلك مكروه. # يقال: ما الذحل؟ الجواب: هو حقد يقع معه رصد الفرصة والانتقام. # يقال: ما الحقد؟ الجواب: هو غضب يبقي في النفس على وجه الدهر. # يقال: ما الغضب؟ الجواب: هو غليان دم القلب لشهوة الانتقام، وهو الحركة ~~لقهر ما أضر بالبدن. # يقال: ما العجب؟ الجواب: هو ظن الإنسان بنفسه أنه على الحال التي يجب أن ~~يكون عليها من غير أن يكون عليها. # يقال: ما الرضى؟ الجواب: هو قناعة النفس بما كانت غير قانعة ms146 به. # يقال: ما الحياء؟ الجواب: هو خوف الإنسان من تقصير يقع من هذا فضل منه في ~~شيء ما أوفى كل شيء. # يقال: ما الاستطاعة؟ الجواب: هو التهيؤ لتنفيذ الفعل بإدارة المختار من ~~غير مانع ولا عائق. # يقال: ما الشهوة؟ الجواب: هي التشوق على طريق الانفعال إلى استرداد ما ~~نقص بما في البدن، وإلى نقص ما زاد فيه. قال: نريد بالانفعال أنه شيء يجري ~~على خلاف ما يجري به الأمر الذي هو بالتمييز والفكر. # PageV01P315 # يقال: ما المحبوب؟ الجواب: هو مطلوب النفس، ومتممه القوة التي هي علة ~~اتحاد ما من شأنه أن يتحد. # يقال: ما الوقت؟ الجواب: هو بقاء الزمان المفروض للعمل. # يقال: ما الحد؟ الجواب: هو قول دال على طبيعة الشيء الموضوع بمنزلة ما هو ~~سواه. # يقال: ما الرسم؟ الجواب: هو قول مميز للموضوع من غيره مركب عن صفات عرضية ~~أكثر من واحد. # يقال: ما الخاصة؟ الجواب: هي كالرسم إلا إنها من صفة واحدة عرضية. # يقال: ما الإنسان؟ الجواب: هو حي ناطق مائت، فالحي دلالة على الحس والنطق ~~والحركة، والناطق دلالة على العقل والروية، والمائت دلالة على السيلان ~~والاستحالة. # يقال: ما الممكن؟ الجواب: هو الذي بالقوة تارة، وبالفعل فيما يوصف تارة. # يقال: ما الممتنع؟ الجواب: هو الذي ليس بالفعل ولا بالقوة فيما وصف به ~~أبدا. # يقال: ما القول المطلق؟ الجواب: هو مالا يثبت بثباته آخر. # يقال: ما الكيفية؟ الجواب: ما هو شبيه وغير شبيه. # يقال: ما الكمية؟ الجواب: ما احتمل المساواة وغير المساواة. # يقال: ما الصدق؟ الجواب: هو مطابقة القول لما عليه الأمر، ويقال أيضا: ~~الإخبار عن الشيء بما هو عليه. # يقال: ما الكذب؟ الجواب: هو ما لا مطابقة للقول لما عليه الأمر، وأيضا ~~الإخبار عن الشيء بخلافه. # PageV01P316 # يقال: ما الحق؟ الجواب: هو ما وافق الموجود وهو ما هو. # يقال: ما العنصر؟ الجواب: هو طبيعة كل ذي طبيعة. # يقال: ما الهيولى؟ الجواب: هي قوة موضوعة تحمل الصور منفعلة. # يقال: ما الجوهر؟ الجواب: هو القائم بنفسه الحامل للأعراض لا يتغير ذاته، ~~موصوف ms147 لا واصف. # يقال: ما النفس؟ الجواب: هي تمام جوهر ذي آلة قابلة للحياة، وأيضا هي ~~جوهر عقلي متحرك من ذاته بعدد مؤتلف، وأيضا هي جوهر علامة مؤلفة بالفعل. # يقال: ما العقل؟ الجواب: هو جوهر بسيط يدرك الأشياء بحقيقتها لا بتوسط ~~زمان دفعة واحدة، وأيضا هو الذي من شأن الجزء منه أن يصير كلا، وفي معنى ~~هذا القول: من شأن عقل زيد مثلا، وهو عقل جزئي، أن يعقل كل المعقولات التي ~~من شأنها أن تعقل، أن يقصر به الزمان أو يعترضه عائق، وليس شيء من ~~الموجودات له هذا المعنى سواه. # يقال: ما الفعال للخير؟ الجواب: هو الذي لا يبخل على أحد في شيء من ~~الأشياء. # يقال: ما الأزلي؟ الجواب: هو الذي لم يكن ليس، وما لم يكن ليس، لا يحتاج ~~في قوامه إلى غيره، والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره لا علة له. # يقال: ما القائم بذاته؟ الجواب: هو الذي حده داخل فيه، وما ليس هو قائما ~~بذاته هو الذي حده خارج منه. # يقال: ما العلة الأولى؟ الجواب: هو مبدع الكل، متمم الكل، # PageV01P317 # غير متحرك، وأيضا أنية فقط، وأيضا غير محض، يشتافه كل شيء سواه، ولا ~~يشتاق إلى شيء سواه، وأيضا هو وجود مطلق لكل وجود عقلي وحسي، وأيضا هو ~~الواحد بالقول المطلق، لا كالجنس الواحد، ولا كالشخص الواحد. # يقال: ما النفس أيضا؟ الجواب: هو روح الله منبجسة بتوسط العقل. # يقال: ما الحس؟ الجواب: هو قوة روحانية تفعل فعلها من خارج. # يقال: ما الحركة؟ الجواب: هي على ثلثة أوجه: مستوية، ومستديرة، ومنفرجة. # يقال: ما الطبيعة؟ الجواب: هي صورة عنصرية ذات قوى متوسطة بين النفس ~~والجرم لها مد وحركة وسكون عن حركة. # يقال: ما السماء؟ الجواب: هي جوهر مستدير مركب متحرك حركة شوق دائمة. # يقال: ما الفرح أيضا؟ الجواب: هو انبساط الطبيعة من داخل إلى خارج، ~~والطبيعة هنا الحرارة الغريزية. والحزن انقباض الطبيعة من خارج إلى داخل. # يقال: ما النوم أيضا؟ الجواب: الجواب هو غوص القوى في عمق النفس. # يقال: ما ms148 الإرادة؟ الجواب: هي بدو حركة قوة بسيطة نفسانية عن فهم يعمه ~~الشوق. # يقال: ما اللذة؟ الجواب: هو انطباق الشهوة الطبيعية من النفس بلا مانع. # يقال: ما الكل؟ الجواب: هو جوهر محيط بالأجزاء لا شخص له. # هذا آخر المقابسة التي أتت على حدود هذه الأشياء، وهي وإن كانت تحتمل ~~التخفيف فبعض المطالبة والاعتراض ببعض الإستقصات قد حوت معاني غريبة وطرقا ~~واضحة، وقد كنت عرضت أكثر هذا على أبي سليمان وعلى غيره فما أصبت عند أحد ~~منهم ما يحكى إلا ما قاله جماعة # PageV01P318 # من النحويين فإنهم بهرجوا كلمة بعد كلمة منها من ناحية الإعراب والصوغ، ~~فأعدت على أبي سليمان ذلك فقال: إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته ~~الخاصية فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ؟ قال: وليس هذا مني في تصحيح ~~اللفظ واختلاف التزويق وتخير البيان، ولكن أقول: متى جمح اللفظ ولم يوات، ~~واعتاص ولم يسمح، فلا تفت نفسك خصائص المطلوبات وغايات المقصودات، فلأن ~~تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الإصلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي ~~يرتقي إلى الإيضاح. ولولا هذا الذي قاله هذا الشيخ لما اخترت نثر هذه ~~الحدود على ما عرفتك من أعلامها واطراد القول عليها، ومن بحر الحكمة تدفقة ~~فقد أوتى فضلا كثيرا وفاز فوزا عظيما وأحرز ملكا كبيرا. ### | المقابسة الثانية والتسعون # في أن شرف العلم والمعرفة والفضائل هو سبب قلتها # في هذا العالم # قال أبو سليمان: إنما صار العلم والمعرفة واليقين والفضائل بأسرها قليلة ~~في هذا العالم لشرفها في أنفسها واتصالها بعالمها، وهكذا أعزه كل شيء شريف ~~في نفسه وعزيز في جوهره، أنظر إلى المعادن في الأرض وإلى قلتها إذا تدبرت ~~سائر الأجسام، ثم انظر إلى قلة الأشرف منها، وهو معدن الذهب، ثم انظر إلى ~~بخل المعدن بما فيه إلا لمستحقه بالطلب والجهد والمعاناة والكدح، وهكذا ~~المعارف والفضائل تعرف في هذا الجناب لأنها تنبو عنه فلا تقر فيه ولا تأنس ~~به، فعلى هذا كلما اشتهر وفشا وكثر، فإما ذلك بمعونة الطبيعة وكثرة # PageV01P319 # المادة وغلبة الهيولى، ms149 ولاختلاف النفوس بأصناف المزاج والتربية، وإما ~~كيفية النفس وارتضاء العقل وإنارة الفكر، وكان من باب الحقائق واليقين ~~والطمأنينة والسكون وروح البال وطيب النفس قائما ذلك بمعونة العقل واتصال ~~بحوره وغزارة فيضه وغلبة سنخه، وتعهد الباري الذي إليه ينتهي القول والوهم، ~~وعنده يقف النثر والنظم، وعليه يشتد اللهف، والذي هو الكل المستولي على ~~الكل. ### | المقابسة الثالثة والتسعون # في القول في قدم العالم وحدوثه # قال أبو سليمان: إنما عرض الاختلاف من الناظرين في العالم: أقديم هو أم ~~محدث، لأمر لطيف. وذلك أن الناظر إلى المركز وجد الشيء الكائن ثم وجد الشيء ~~الفاسد، فحكم أن الحدوث والقدم قد تعاقبا عليه، قدم بالزمان وحدوث أيضا ~~بالزمان فجاء الحكم بأنه محدث واجب، والناظر إلى هذه الأجرام العلوية وجد ~~ما لا يكون ولا يفسد ولا يعتريه دثور، فحكم بأنه قديم، وكان النظر أن ~~صحيحين من الجهتين المختلفتين، والشرف على الحقائق وهو الذي يقضي بالواجب ~~لأنه ينسى السفلي إلى العلوي، أو يبتدئ النظر من العلوي إلى السفلي، فعند ~~هذا التصفح والإستبانة يحكم بالحق ويقول: قديم بالسوس حديث بالتخطيط، وكيف ~~لا يكون كذلك وآثار الصورة فيه ظاهرة، وآثار الهيولى فيه حاضرة، فآثار ~~الهيولى هي التي درست وعفوت وبادت وانتشرت، وآثار الصورة هي التي ثبتت ~~واستمرت وبقيت وشرفت وحسنت ولطفت، وظاهر هذا عند من لا دربة له بهذا البحث ~~متناقض، وأنه قد جمع في هذا الحكم بين السلب والإيجاب. # PageV01P320 ### | المقابسة الرابعة والتسعون # في حقيقة النفس وبين بعض حقائق الأشياء # قال أبو زكريا الصيمري عند أبي سليمان في مذاكرة طويلة: إن كانت النفس ~~واعتبار حالها بمنزلة الدرة في الحقة، والجوهرة في عمق البحر، وما أشبه ذلك ~~فليست النفس في حكم البدن، ولا حالها اللائقة بها حال الكائن الفاسد، لأن ~~الدرة ليست في الحقة التي فيها والغشاء الذي هو عليها في شيء، وإن كنت ~~كالبصل وقشوره فهي بائدة لا بقاء لها ولا خير فيها، وفي المنكر أن تكون مع ~~خواصها الشريفة وعجائبها الغريبة في حكم البائد الذي دثر والدارس العافي. # وقد ms150 أتت المقابسات الأول على فقر بليغة في تحقيق شأن النفس وإثبات أمرها ~~وما خصت به دون البدن والمزاج وتوابعها ولواحقها، ولا وجه للولوع بالإكثار، ~~فإن ذلك ربما جر إلى التقصير وحمل على الاعتذار. وهذا علم كلما قلت الحروف ~~فيه كان المعنى بها أتم وأخلص، وكلما كثر اللفظ كان ما يراد به ويعني فيه ~~أنقص، وليس كذلك باقي العلم. والسبب في ضيق هذا العلم أنه بحث عن حقائق ~~الموجودات، وقصد أعيان المعقولات والخصائص، عرية من العلل والشبهات، بعيدة ~~من الشكوك والمعارضات غنية عن التأويلات والاحتمالات، لأنها تصون أغراضها ~~عن زخارف القول، وترتفع عن مواقع الاستعارة والغلط وألتجوز والأتساع، ولهذا ~~ما انساق نظرهم إلى حصر الموجودات في دائرة العشرة حتى لحظوا الجوهر والكم ~~والكيف والمضاف والأين، وكذلك متى، والواحد له، ويفعل وينفعل، وفصلوا ~~خواصها، وحققوا حدودها، وأوضحوا علاماتها، واستوفوا جميع # PageV01P321 # أحكامها المفصلة بين المعاني اللفظية، والحقائق الآلهية، والخواص ~~الطبيعية، والمناسبات الكلية والجزئية. وفي ضمن هذه الكلمات الشريفة ~~الحاوية لكل ما علا وسفل معنى هو الجنس الأعلى، ومعنى هو النوع الأقصى، ~~ومعان بينهما إذا أضيفت إلى ما علا منها كانت أنواعا، وإذا أضيفت إلى ما ~~سفل عنها كانت أجناسا. ولما فات سائر العلماء هذا البحث تاهوا واضطربوا ~~وحاروا واحتربوا، وصار ذلك ثقوبا للعداوة وسببا للاختلاف. وبهذا النظر أيضا ~~عرفوا القوى الأول من النفس، ألا تراهم إذا سموا شيئا بالباقي كيف يعنون به ~~الجسم المتنفس، أي الذي له جملة القوى النفسانية: القوة المولدة وبها تكون ~~المثل، والقوة المربية وبها يكون البقاء، ولا قوة الغادية وبها تكون ~~الزيادة؟ وبهذا النظر استملوا من العقل ما لاشيء الذاتي، وما ذلك الذي ليس ~~بذاتي، وما الأعيان والذوات والمواد، وما المعاني المنطقية التي إنما تضيف ~~الإضافة؛ وكيف حصل معنى به عم الحيوان الذي هو جنس للثور والفرس والإنسان، ~~وكيف حصل الناطق الذي هو فصل بين الإنسان والفرس حتى تميزت الأشياء بالجنس ~~والنوع والخاصة والعرض ما هو بالموضوع، وما هو بالطبع، وما له مبدأ وما له ~~من المبدأ، وما علته ms151 فيه، وما علته في سواه، وما علة له علة لما هو أو ل في ~~العقل، وما هو علة في النفس، وما هو أول بالطبيعة، وما هو أول بالزمان، وما ~~هو أول بالدهر، وما هو أول بلا سبب، أعني بالإطلاق، وما هو بسيط، وما هو ~~ممزوج، وما هو حق، وما هو باطل. وهذه تلاع لا يرقاها إلا الأقوياء ~~الأصفياء، وبحور لا يركبها إلا السعداء الفضلاء. وأنا أعتذر من انشقاق ~~الكلام في هذا الموضع وتصرف الحديث به، مع تباعدي عن كثير مما هو أولى بي ~~وأنفع لي، ولكن الكلام صوب لا يملك إذا هطل، # PageV01P322 # وجمان لا يحصر إذا انتثر، ووسمي يتبعه الولي، وخيره ما كان عفوا، وشره ما ~~كان تكلفا، ولست أعني بهذا بلاغة البلغاء ولا خطابة الخطباء، ذلك شأن عن ~~غير هذا المحكم، لأنه ملحوظ بالهذر، وربما يستغني عنه في الأكثر، وإنما ~~أعني ما يطبق الفصل ويحقها، ويحثها بالمعنى ويأتي على المراد، ويشفي غليل ~~النفس، ويهدي لليقين. فذاك كالعرض لا ثبات له ولا سكون معه، وقد يعرض أيضا ~~في تحقيق المعاني وتحصيل الأغراض بعض التجوز والسعة، ولا يكون ذلك معتمدا ~~بالقصد الأول، ولكنه يكون كالشيء الذي لا يعري عن مجاورة الأمر الذي لا ~~يخلو من ضده. وكيف يصدر عن الإنسان المركب الممزوج شأن لا عيب فيه؟ أو كيف ~~يصح له فعل لا عتب عليه به؟ وإنما يصدر من المركب مركب مثله، ومن الممزوج ~~ممزوج شبيهه، ولكن بين المركب والمركب بسيط، وبين الممزوج والممزوج صاف، ~~وبين المعقول والمعقول صلات، وبين المظنون والمظنون فنون تشير إلى اليقين. ~~فما أحرى من فتح الله بصره وأيقظ نفسه، أن يعترف بنعمته عليه، وينشر ما قد ~~وهب له. وقد رويت في هذا المكان عهدا وجدته لبعض أصحابنا كتبه بيده، وكان ~~تذكرة نفسه، ومتخير لسانه، ومشهد طرفه، وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه الله فلان ابن # PageV01P323 # فلان وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه لا تدعوه إلى ~~هذه المعاهدة ضرورة نفس ms152 ولا بدن، فلا يوالي مخلوقا ولا يستجلب منفعة من ~~الناس، ولا يستدفع مضرتهم عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع، ~~فيعف، ويشجع، ويحكم وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف ~~على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته. وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه ~~الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة، ولا غضب في غير موضعه. وعلامة حكمته أن ~~يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف ~~الصالحة ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي ~~العدالة. وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل ~~بموجبها. وهي خمسة عشر بابا هي: # PageV01P324 # إيثار الخير على الشر في الأفعال، والحق على الباطل في الاعتقادات والصدق ~~على الكذب في الأقوال وذكر السعادة وأن تحصيلها يكون باختيار دائما وكثرة ~~الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة بين المرء ونفسه والتمسك بالشريعة ولزوم ~~وظائفها وحفظ المواعيد حتى أنجزها وأول ذلك ما بيني وبين الله عز وجل وقلة ~~الثقة بالناس بترك الاسترسال ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك والصمت في ~~أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل وحفظ الحال التي تحصل بشيء ~~شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال والإقدام على كل ما كان صوابا ~~والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهم دون غيره وترك الخوف ~~من الموت والفقر بعمل ما ينبغي، وترك الدنية وارك الاكتراث لأقوال أهل الشر ~~والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، والانفعال لهم وحسن احتمال الغنى والفقر ~~والكرامة والهوان بجهة وجهة وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور والرضى ~~عند الغضب ليقل الطغي والبغي وقوة الأمل، وحسن الرجاء، والثقة بالله تعالى ~~وصرف جميع البال إليه فإذا يسر الله تعالى أصلح نفسه بما جاهد عليه تفرغ ~~بعد ذلك إلى إصلاح غيره. وعلامة ذلك أنه لا يبخل على أحد بنصيحة، ولا يمنع ~~أحدا رتبة يستحقها، ولا يستبد دون الإخيار بما يتسع له، فإذا أكمل الله له ~~ذلك ورفع عنه العوائق ms153 والموانع، وبلغه ما في نفسه من هذه الفضائل ليصير بها ~~من أوليائه الفائزين، وأنصاره الغالبين، وعباده الآمنين، الذين # PageV01P325 # لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقد استجاب له بحمده إلى كل ما دعاه به ووثق ~~بعد ذلك من جانبه إلى كل ما وكله إلى جوده من إعطائه ما لا يحسن أن يرغب ~~فيه، وإعاذته مما لا يحسن أن يستعيذ منه. وهو حسبه وعليه توكله ولا قوة إلا ~~به. # وهذا آخر العهد، وهو غني عن تقريظي ودلالتي على حسنه لظهور الحق عليه، ~~فمن جعل هذه نبيلة صدره، وعقيدة سره، ووسيلة بينه وبين ربه، فهو الفيلسوف ~~الحق المبرز المحقق. ### | المقابسة الخامسة والتسعون # في كلام لبعض الصوفية # لم يرق أبا سليمان فجاء بخير منه # رويت لأبي سليمان كلاما لبعض الصوفية فلم يفكه ولم يهش عنده، وقال: لو ~~قلت أنا في هذه الطريقة شيئا لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ~~ممالك، فمن خاص نفسه من المهالك قوى على المسالك، ومن قوى على المسالك أشرف ~~على الممالك شرفا يوصله إلى المالك. # قال أبو الخطاب الكاتب: أيها الشيخ، هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم، ~~فلو زدتنا منه؟ فقال: الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مدلة، فمن اهتدى ~~في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث، ومن أدرك في الثالث فقد أفلح. ومن ~~ضل في الأول وزل في الثاني خاف ومن خاف في الثالث فهو من الهمج. # واستزاده مظهر الكاتب البغدادي فاستعفى وقال: هذا حديث قوم أباعد منا على ~~بعض المشاكهة وما قلناه كاف فيما قصدنا، فإن استتب خفت العار واستحليت ~~الغار، ولكل أفق يدورون عليه، ومركز يطمئنون إليه، وجو يتنفسون فيه، وفنن ~~يقطفون منه. # PageV01P326 # ولولا هذه اللطائف التي هي مشغلة النفوس الوافرة والناقصة، لكانت الصدور ~~تتقرح بأسا، والعقول تتحير يأسا، والأرواح تزهق كمدا، والأكباد تتفتت صمدا، ~~فسبحان من له هذه القدرة وهذه الخليقة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة. ### | المقابسة السادسة والتسعون # في كلمات في الحكمة منقولة عن المشايخ # هذه مقابسة رسمنا فيها كلمات نافعة كانت متفرقة ms154 في ديوان الحفظ ولم ~~ننسبها إلى شيخ واحد لأنها كانت تجري في مجالس مختلفة، وهذا موضع يقتضى ~~حصولها فيه لتكون مجاورة لأخواتها، وداخلة في جملة ما لاق بها. وفي النفس ~~بعد هذا جمع النوادر للفلاسفة مع التصفح والإيضاح، إن أخر الله ما لابد ~~منه، وأعان على إظهار ما تتحدث النفس به يكون شرفا لجامعه، وفائدة للظافر ~~به، وغنيمة للطالب له. وبيده تسهيل ما عسر، وهو ولي الحمد في الأول والآخر. ~~ولكل طائر صائد، وما كل تربية تصلح للعقبان، وما كل طبيعة محتاجة إلى ~~برهان. # وقال: الحق بين منهاجه، ومنير سراجه، ومعقول بيانه، ومعلوم برهانه، منه ~~استضاء به أفلح، ومن سلك سبيله نجح. # قال قائل: أنواع الاختلاف ستة: الإضافة، والتضاد، والقنية، والعدم ~~والإيجاب، والسلب. والمضاف مثل الضعف، والمنصف والتضاد مثل الصالح والطالح، ~~والقنية والعدم مثل البصر والعمى، والموجب والسالب مثل فلان جالس، فلان ليس ~~بجالس. # قال قائل: لكل صانع صناعة، ولكل طابع طبيعة، ولكل مدبر # PageV01P327 # تدبير، وما كل صانع حكيم، وما كل طابع كريم، وما كل مدبر مصيب ولكل إنسان ~~لسان، ولكل لسان سنان، وليس لكل لسان سنان، ولا لكل بيان برهان، وما كل ذي ~~قلب بلبيب، وكل إنسان ذو نطق، وما كل ذي نطق بلبيب، وكل إنسان ذو نفس، وما ~~كل ذي نفس بأريب، وكل إنسان ذو حس، وما كل ذي حس بلطيف، وكل إنسان ذو عقل، ~~وما كل ذي عقل بعاقل. # وقال آخر: ما ترى هذا الرباط المعقود، والسرج المشدود، والأفق الممدود، ~~والمركز الممهود، والحد المحدود؟ وقال آخر: التعليم الهندسي صناعة من ~~الصناعات العقلية والأنسية ويقع بحثا على المقادير والأبعاد والأشكال ~~والزوايا، وما يقع تحت كل مقدار وبعد من الزوايا الخطية والسطحية الجسمية. ~~وقال: الهندسة صناعة معروفة المقادير وطبائعها وحدودها وخواصها وما يقع ~~تحتها من أجزائها وأشخاصها، والمقادير هي الأشياء ذوات الأبعاد، وهي ثلاثة: ~~طول، وعرض، وعمق. والمقدار الخطي بعد واحد، وهو الطول، والمقدار السطحي ~~بعدان، وهما الطول والعرض. والمقدار الجسمي ثلاثة أبعاد، وهي: الطول والعرض ~~والعمق، فالجسم المقدار ms155 التام. # وقال قائل: إذا غاص الإنسان في البحر واستخرج درة فيها غناه فقد حاز ~~سعادته وملك إرادته، لأنه ليس من شرط الغنى أن يستخرج جميع ما في قعر البحر ~~من الدر والجوهر، فإن طالب هذا مغرور، وعقله مختل، ولكن إذا حصل له الغنى ~~بدرة واحدة، وخاصة إذا كانت ثمينة، فقد كفى وغني. وهذا معناه على ما سبق ~~إلى الفهم، أي لا يلهج بالاستكثار بالعلم وبالتوغل في فنونه، وكذلك في ~~السير المختلفة الأحوال المتباينة، فإن الرشد إذا أصيب، والغبطة إذا أنلت، ~~والخير إذا وجد، فقد سعد المرء ونجا من # PageV01P328 # العطب، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية ~~الزيادة. ولعمري إن الاجتهاد حسن، وطلب الأقصى شجاعة. ولكن الغاية المتوخاة ~~موهومة ولا سبيل إلى بلوغها، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ~~ومصارفة الزمان بكل حال. وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين ~~قال: إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها، ونشح على ~~ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها. وهذا كلام عال، وينبغي أن يكون ~~الحرص نقيا من الكد والاجتهاد، بريا من التعب المؤدي إلى العطب. # وقال آخر: إنما أنت لب في قشرة، فاحفظ لبك بصيانة قشرك، ولا تصن قشرك ~~بإضاعة لبك، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة، وتنقيتك من قشورك صعب، ~~وقيامك بلبك أصعب. والأمر الأمم الذي يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشرا بعد ~~قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا ~~في قشرك، فإن من إيلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد، وستنقشر عن ~~ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكما فيك، ~~وهو الذي نظمك وأنت بدد، وجمعك وأنت مفرق، ونظر لك وأنت مغيب، وأوجدك وأنت ~~عدم، وأقدرك وأنت عاجز، وأهمك وأنت ساه، وأنبهك وأنت راقد، ولاطفك وأنت ~~جاف، وألفك وأنت متناف، وقادك إلى حظك وأنت كاره، وأتاح ms156 لك الخير وأنت ~~يائس. وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى، ولطائف لا ~~تستقصى، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق؟! # PageV01P329 ### | المقابسة السابعة والتسعون # في عيون من كلام الأوائل المنقولة بالترجمة # هذه مقابسة استفدتها من مواضع مختلفة هي أعيان كلام الأوائل بالترجمة ~~المنقولة إلينا، وهي وإن كانت محتاجة في بعض حروفها إلى تفصيل وشرح، فإنها ~~صالحة الفوائد كثيرة العوائد، ولعلها تتعلق ببعض ما يكون إيضاحا لها عند ~~الرواية، إن نظائرها قد مرت شافية بالبيان، مستوفاة بالبرهان والقليل من ~~هذا الفن كثير، والصغير كبير: فأول ذلك: قال بعض الأوائل: الكرم والنبات ~~المشتبه به إذا أخذ منه الجزء نبت من القضيب الكرمة والتفاحة والرمانة، فإن ~~هذا منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت إلا في أصله، وعلة ذلك أن صورة الكرمة وما ~~أشبهها، غالبة على صورتها، فلا تنمى ولا تنبت إلا بالأصل الذي تجتمع فيه ~~القوى الطبيعية، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. # وقال أيضا: النفس والعقل صورتان يحتملهما أو أحدهما، فإذا أتممت تلك ~~الصورة وأمكنتها أعطتها النفس تمام ما تهيأت له، فتكون أول طبقات الأنفس ~~وهي النامية، وتكون في الحيوانية ولا تكون في الإنسانية، فتمام الشيء الذي ~~انبعث منه على قدر احتماله فتصير له مثال حقا، وصنم مشبها لطيفا من الأنفس ~~العاقلة منها وغير العاقلة. # وقال قائل: لم كان للعقل ثلاث جهات: جهة إلى ربه، وجهة إلى معقولاته، ~~وجهة إلى ذاته؟ فقيل له: إن جهته إلى الباري هي التي جعلته # PageV01P330 # عقلا أولا، ثم نظره إليه إنما هو استمداده من الصورة التي صورت فيه بديا، ~~لأنه وقع فيه جميع الصور، فاستمداده ليس بزيادة صور لم تكن وكانت. ولكنه ~~ليبقى ويقوى كما يستمد الهواء من نور الشمس، فهو يزداد من غير صورة تحدث ~~فيه، كذلك النفس إنما تستمد من العقل الصور وهي على حالها، وكذلك الطبيعة ~~تستمد من النفس وتقوي بها، ولكن إشراقها عليها يبقي قواها، ولولا ذلك لضعفت ~~وانتقصت. # وقال: لنا علمان، أحدهما علم محض، كعلمنا بالأشياء الأوائل ms157 بلا روية ولا ~~فكر، كما نعلم أن عدد كل زوج أو فرد، فإنه لا يمكن أن يكون الشيء الواحد في ~~حالين مختلفين، كالإنسان لا يمكن أن يكون قائما قاعدا معا، وكعلمنا أن كل ~~متحرك من ذاته دائم الحركة، وكقولنا كل دائم الحركة بجوهره دائم الحياة، ~~ولنا علم فكري مثل علم القياس الذي يستنبط منه الشيء من شيء آخر، كقولنا: ~~الإنسان حي والجوهر حي، فالإنسان إذا جوهر. # وقال قائل: إذا قويت الهيولى علينا لم نقو على وجدان الذي فينا إلا بطلب ~~وبحرص وبسبح وغوص، فإذا استولينا نحن نعقل العقل الأول وكانت الأشياء فيه ~~وهي هو فكيف يمكن أن نتذكر الأشياء والأشياء فيها، والتذكر إنما يكون في ~~أثناء الأوقات لأنا ننسى في وقت ونذكر في وقت آخر، وهناك الدهر لا الوقت. # وقال الفيلسوف: الذكر إنما هو حركات الفكر على الوهم الحاري حتى يرد ما ~~في خزانته على ما كانت الفكرة تحركت به. # وقال قائل: الفكرة إنما تقع على الشيء المفقود، والعلم يقع على الشيء ~~الموجود، والأشياء في العقل الأول حاضرة أبدا. # قال: إذا أردنا أن نحس بأنفسنا فإن نعلم العلوم الشريفة حرصنا على # PageV01P331 # تعارف أنفسنا الهيولانية فنكون كأنا نصير خالصة بتردداتنا، فإذا رأينا ~~ذاتنا استفدنا منها علوما شريفة، وكنا نحن الناظر والمنظور إليه، والعالم ~~والمعلوم، وقد قيل لأرسطو: لم لا نذكر العالم العلوي، ومنه هبطنا إلى هذا ~~العالم؟ فقال: إنما صرنا لا نذكر العالم العلوي لأنا صرنا في هذا العالم ~~الحسي واختلطنا بالأشياء الهيولانية وفارقنا ذلك العالم لأنا لا نقدر على ~~أن نكون هناك وفينا لطخ من الأشياء الهيولانية، فصرنا كأنا لم نصر هناك ~~لاستيلاء الهيولى علينا، وصرنا كأنا إنما بدئنا من هذا العالم لشدة ميلنا ~~إليه وإلى الآثار التي كانت منه، فإن هذه الأشياء الهيولانية إنما هي ~~آثارنا، وذلك إن كانت النفس هي التي أثرت الآثار الحسية بمعرفة العقل ~~وتسديده إياها، وكنا نحن العقل فلا محالة أن هذه الآثار إنما هي آثارنا ~~واختلطنا بها كنا ذاتا مكنونين وكأننا آثار من آثارنا، ms158 وإنما هي آثارنا لا ~~نحن من آثارها، وقال: إنما صرنا لا نذكر ذلك العالم لأنا قبل أن نصير في ~~هذا العالم لم نكن أصحاب ذكر، وذلك أن الأشياء هناك حاضرة ظاهرة، وليس هناك ~~مستقبل ولا ماض، بل كلها حاضرة بحضورها الآن عندنا، فلذلك لم نكن نحتاج إلى ~~الذكر لأنا لم نكن من أبناء الزمان بل الزمان من أبنائنا، لأنا كنافي حيز ~~الدهر، فحيث الدهر فليس هناك تذكر البتة، وإنما نحتاج إلى التذكر في ~~الأشياء الزمانية التي تكون مرة وقد لا تكون مرة، فحيث التمني هناك التذكر، ~~فأما الموضع الذي ليس للتمني فيه مساغ فليس هناك تذكر. وقال أيضا: الأشياء ~~التي علمناها لم نعلمها في وقت من الأوقات فنحتاج إلى أن نذكرها، بل قد ~~علمناها بنوع الدهر لا بنوع الزمان. وقال أيضا: إنا قبل أن نتلطخ بأوساخ ~~الهيولى ونحن في العالم الأعلى كنا علماء ولم نكن أصحاب ذكر، ولم نكن نحتاج ~~إلى أن نذكر ما قد علمنا، لأن الأشياء قد علمناها حاضرة تحت أيدينا لا يغيب ~~منها شيء ولا يستتر، وقال: كل أثر لزمنا في هذا العالم الحسي فإنه لا ~~يلزمنا في ذلك العالم العقلي مثل التمني والحس والوهم والقياس والتذكر، وما ~~أشبه هذه # PageV01P332 # القوى. وقال: الأشياء التي لزمتنا في هذا العالم فإن خلافها يلزمنا في ~~ذلك العالم، وذلك أن الذي يلزمنا ها هنا التمني والحس والروية، ونحن هناك ~~لا نتمنى ولا نحس ولا نروي، فلذلك لا نقدر على أن نذكر ذلك العالم لا تحت ~~التذكر، وكل شيء هناك إنما يعلم ولا يذكر، لأن الأشياء هناك حاضرة بحال ~~واحدة ولم تكن بم كانت، لأن كان ويكون من باب الزمان، والزمان أثر من آثار ~~هذا العالم. والأشياء التي في العالم العقلي دائمة لا تتغير ولا تستحيل عن ~~حالها، وهي أفضل وأكرم من الدوام لأن الدوام بها كائن دواما، ولم تكن هي ~~دائمة الدوام، وليس الدوام غيرها بل هي الدوام، وذلك أن الصفة والموصوف ~~هناك شيء واحد. قيل: فما حاجة النفس والعقل إلى ms159 العلة الأولى؟ قال: حاجة ~~المعلوم إلى العلة، فإنه ليس من معلول طبيعي ولا صناعي تنقطع عنه علته إلا ~~فسد وباد، كالحي فإنه إذا فارقته حياته باد وفسد، وكالنامي إذا فارقه ~~النماء باد وفسد، وكذلك الصناعات والتجارات والبناء. وقال: العقل الأول ~~يدرك الأشياء بغتة، والعقل الثاني أيضا يدركها بغتة، إذا كان متحدا بالعقل ~~الأول، ولا تعوقه عنه الأشياء الهيولانية، فإذا عاقته احتاج أن يتوصل ~~بالمقاييس ويدرك بشيء بعد شيء، وأيضا العقل الثاني بالوهم هو الذي عليه ~~الأقدار والمسافات الجسمية، وإنما كان الوهم كذلك لأنه يقبل آثار الجسم ~~فيجسم الأشياء وينكر الصورة المجردة، وأما إذا مال إلى العقل الأول اتحد ~~به، فإذا أدى إليه الوهم الإثار التي قبلها من الحس علمها علما عقليا، ~~وألقى عنها الأقدار والمسافات، وذلك أنه يعلمها علما صوريا. وقال: للعقل ~~النفساني طرفان، أحدهما طرف الوهم، والآخر طرف العقل الأول، فأما إذا مال ~~إلى الوهم كان فكرا وروية لا يلتبس عليه الوهم فيريد أن يتخلص، وأما إذا ~~مال إلى العقل الأول كان عقلا مدركا بلا روية ولا فكر ولا زمان، فالفكر ~~إنما هو العقل الوهمي والعقل النفساني المدرك بلا وهم ولا فكر، ولا يقدر ~~الوهم على أن يتوهم شيئا بلا شكل ولا قدر جرى. # PageV01P333 # وقال الفيلسوف: العقل وحده لا يموت. أراد بذلك أن يميزه من قوى النفس ~~النامية والحسية، لان الحس والنماء يضمحلان، ولأن النفس استفادتهما من ~~العالم الهيولاني، وأما العقل فلم يستفد من هذا العالم، فلذلك بقي. # قال فرفوريوس، وهو المفسر: إن هذا المرء الفاضل قال في كتاب النفس: إن ~~العقل النفساني إذا اتصل بالعقل الأول الخالص كان عاقلا دائما، ولم يكن ~~عاقلا مرة، ومرة غير عاقل، فإذا فارق البدن كان أحرى أن تلزمه هذه الصفة ~~ولا تفارقه، وأما لآخر من الحس والنماء والتوه والفكر فإنها كلها تبطل مع ~~بطلان الجسم، وذلك أنها أثر النفس في الجسم، فإذا بطل الجسم وفارقته النفس ~~بطلت هذه. وأما العقل فليس من قبل الجرم كان، ولا من قبل النفس، بل النفس ~~كانت ms160 من أجله وصورتها. # وقال آخر: الرسم من حيز الحلو من حيز المر، فأما الحريف والمر والعفص ~~والحامض ما بينهما يعني بين الحلو والمر. قال: ويكاد يكون عدد صور الطعوم ~~مثل عدد صور الألوان، هذه سبعة وتلك سبعة، فالطعم حلاوة ومرارة وملوحة ~~ومزوزة وحرافة وعفوصة وحموضة، والألوان بياض وسواد وقتمة وخضرة واسما جوين ~~وشقرة ولون السماء، وأنكر أن تكون # PageV01P334 # الصفرة منفردة فجعلها بين الشقرة والخضرة، وقيل: ما بال الطعم منبعث من ~~الشكل ضد، وكذلك في الألوان وليس كذلك في الأشكال لأنه لا ضد لها؟ فقال: إن ~~الشكل واحد منه منبعث كل شيء، وهو المدور، والأشكال كلها مأخوذة منه لكثرة ~~زواياه. وقيل: ما بال الشيء ذي الرائحة إذا لم يكن من حيز الغذاء؟ فيقال: ~~إن الدهن وما أشبهه لا ينقسم إلى حنس إنما الجنس واحد والشهوة كلها تكون في ~~ذلك الجنس، فلا يجذبه به جنس آخر إليه مثل التفاح، فإنه لا يجذبه إليه حسن ~~الطعم مع حسن الرائحة، والشهوة لطعمه مما ينقص رائحته عنج الشم، وإذا كان ~~الطعم وحده لا يجاذب حاسة أخرى كان أقوى له. قال: فأما أهل دهرنا فإنهم ~~يخلطون قوة الطعم والرائحة يريدون بذلك اجتماع اللذتين، فإما إذا كان ذلك ~~كذلك لم يكن الشام الذائق يجد ما يجده الذائق وحده، ولا الشام وحده. وقال: ~~الرائحة الطيبة تصحح الأعضاء، كما أن الغذاء ينميها. # وقال: زعم بعض الأولين أن الجسد يكون مواتا وهو بهيئة من الهيئات ومقدار ~~من مقادير المزاج، ثم يكون حيوانا إذا تغيرت هيئته ومزاجه إلى بعض ضروب ~~التغيير، وضرب مثلا فقال: لم نر آلة قط من آلات الصناعات بعمل الآلهية سوى ~~هيئة غيرها من الآلات، ورأينا هيأتها إذا فارقتها استحالت إلى غير ما كانت ~~عليه، كقدوم النجارة ينحت قدوما فإذا قلبت هيئتها إلى المنشار بطل النحت ~~بها وحدث النشر بها، لأن ما في الحديدة المصنوعة قدوما أو منشارا أمر يبس ~~أو لان، إذا زاد على مزاجها أو نقص لم تكن الحديدة بالحال التي تقطع بها، ~~فلو أن يبسها ms161 أسرف لنقصت، وكذلك لو أسرف لينها لما مضت فيما تحمل عليه من ~~الأبدان، فالمزاج الذي مزج بها طبيعة الحديدة كانت الحديدة ماهية، فإجتماع ~~قدر المزاج والهيئة تكون الأعمال للعمل. وزعم أن الطبائع الأربع لما كانت ~~بمقادير معتدلة في بدن الحيوان المهيأ بهذه الهيئة القابل للحس كان # PageV01P335 # البدن حيا، وإذا تغير المزاج وانقلبت الهيئة كان مواتا. ومنهم من زعم أن ~~البدن يكون على قدر المزاج، وبهيئة من الهيئات ليحدث في ذلك البدن عرض يكون ~~حياة ونفسا، وضرب مثلا فقال: إنا لم نر شيئا مفردا من العالم يفعل بوحدته، ~~فإذا زاوجه غيره نتجا فعلا، وذلك إنا لم نر برد الحجر يهبطه ولا حره ولا ~~لونه ولا عرفه ولا طعمة ولا صوته، فلما ازدوجت كان الهبوط لها فعلا، قال: ~~فلم آثر الإنفراد بفعل! ورأينا الحيوان ركب من أشياء مفردة قلنا إن الحياة ~~ثمرة أفراد ازدوجت وهي عرض في البدن لأن العرض واقع عليها لأنه لا يكون ولا ~~يفسد، بل الإفساد للموضوع، فلما رأينا الحياة تكون وتبطل بلا فساد البدن ~~جعلناها عرضا حادثا في البدن. وضربوا مثلا وقالوا: إنما مثلها في حدوثها ~~بين الاثنين كمثل الصوت الحادث بين الندين المتضادين، أو كاللون الحادث بين ~~لونين، كالسواد الحادث من بين العفص والزاج، وكغير ذلك من الأشياء، الألوان ~~والطعوم والأعراض الحادثة من بين الألوان المختلفة، ويضاف هذا القول إلى ~~زينون وهذا ظن زائف ورأى مضعوف. # وقد سبق في صدر هذا الكتاب ما يستبان معه تأوه النفس من البدن واستقلالها ~~بجوهرها وغناها بحقيقتها وأنها محتاجة إلى البدن إلا إذا أخذت البدن ~~واستعملته وصرفته عن لوازمه وأعراضه اللائقة به، وأما النفس ذات النطق ~~والعلم والحكمة والبيان والفكر والإستنباط والعقل والنظر فهي أعلى وأشرف من ~~أن يكون لها الوصف بمعونة البدن وارفاده، والأسباب الحادثة بالبدن العارضة ~~له معروفة محصاة، وليست تلك من حقيقة النفس # PageV01P336 # بسبب، وإن كان مجموعا. هذا كله يوجد في الإنسان وبالإنسان، ونعوذ بالله ~~من الخبط في القول والعمل. # وقال آخر: إن البدن يستحيل من حال إلى ms162 حال فيكون مرة مواتا ومرة حيوانا، ~~وضرب مثلا فقال: لما رأينا الأجسام تستحيل عن طبائعها وتستحدث أفعالا لم ~~تكن لها كالماء يستحيل بخارا صاعدا بعد أن بدأ هابطا، وكالماء يغذو ثمر ~~الأزهار ويستحيل دهنا ثم يعود الدهن نارا عند قلب إناه واغتذائها به، فلم ~~لم يكن في طبعه من استحالته ألا يستحدث فعلا وانسلخ من فعل غيره قضينا على ~~أبدان الحيوان بالاستحالة والتكفؤ بين الموت والحياة، والحركة والسكون ~~فقلت: الحي هو الميت مستحيلا، ولاميت هو الحي مستحيلا، وضرب مثلا فقال: ~~مثال ذلك عصير العنب يكون عذبا حلوا غير مسكر، ثم يستحيل خمرا مرا مسكرا، ~~ثم يعود خلا حامضا مخدرا، والعنبة واحدة لم تبرح إلا أنها استحالت فتغيرت ~~أفاعيلها لتغير حالاتها، وكذلك البلحة تكون بسرة، ثم رطب، ثم تمرة فهذه ~~جملة أقاويلهم في أن النفس ليست بعين. # وأما من زعم أن النفس عين فإنهم اختلفوا في كيفيتها وموضعها وزمانها ~~وحركتها وسكونها وجمع أفعالها، فزعم منهم زاعم أنها عين سوى البدن ذات موضع ~~يعلم بمفارقتها البدن. وزعم آخر أنها في جميع أجزاء البدن النامية. زعم آخر ~~أنها ليست تكون إلا في مواضع الحس. واحتج آخر أنها لا تعلم إلا بمفارقة ~~الجسد. وقال: لم نر النفس تعلم إلا صوتا او عرفا أو طمعا أو لونا أو لمسا، ~~وهذه الأشياء الخمسة لا تقع إلا في هذه الأجزاء الخمسة البقية من البدن، ~~وهي: العين والأنف والأذن واللسان وسائر البدن للحس، فلما رأينا النفس ~~محتاجة إلى هذه الحواس الخمس قضينا عليها بالجهل إذا كانت مفردة # PageV01P337 # وحدها، وقضينا لها بالعلم إذا قارنت البدن. وضربوا مثلا فقالوا: إنما مثل ~~النفس في حاجتها إلى ذكرنا كمثل النور الذي لا يرى إلا على بدن لا يرى ذلك ~~البدن إلا به. وكالنافخ في المزمار لا يسمع لنفخته صوت إلا بالمزمار، ولا ~~يسمع للمزمار صوت إلا بالنفخ. وأما الذين قالوا إنها في جميع البدن فإنهم ~~قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمى علمنا أن النفس حيث ~~الأجزاء النامية، لذهاب النمو ms163 عند مفارقتها. وأما الذين قالوا أنها في جميع ~~البدن فإنهم قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمي علمنا أن ~~النفس حيث الأجزاء النامية، لذهاب النمو عند مفارقتها. وضربوا مثلا فقالوا: ~~مثل ذلك مثل النار التي لا تكون إلا حيث تجد غذاءها، فإذا فارقها غذاؤها ~~بطلت. فالنار كالبدن، والغذاء كالنفس. وأما الذين قالوا لا تكون إلا في ~~الأعضاء المحسة فقالوا: لما رأينا النفس لا تفارق البدن إلا علمت ولم نرها ~~علمت إلا في بعض البدن، علمنا أنها ليست في جميع البدن. وضربوا مثلا ~~فقالوا: إنما مثل أعضاء الحس للنفس مثل المغناطيس الجرار للحديد، فهو أفق ~~بين الحديد والحجر، وكمثل البخار الذي لا يحتاج آلة الحس لذلك. ومنهم من ~~زعم أنها غير ذات موضع تغتذي من البدن بما يشاكلها، وأنها تعلم بالحدقة ~~والصماخ والخياشيم، وما أشبه ذلك، مما لا يقال له ظاهر ولا باطن. وزعموا ~~أنها تفعل بالمعدة والرئة والطحال والدماغ والدم والمرتين والبلغم من ~~الفواعل التي لا حس لها. وزعموا أنها تعمل وتفعل بالكبد والقلب المصطفى من ~~دم الكبد المستخلص من تصفيح الغذاء. وزعموا أن هذه الروح تنبعث من القلب في ~~عرق أجوف ذي طرفين حتى تصل إلى الدماغ منتشرا في عصب الحس والحركة. واحتجوا ~~بقول أسندوه إلى بعض سلفهم وأظنه أفلاطون حيث يقول: إن في البدن ثلاثة ~~ينابيع، ولكل ينبوع جداول تفيض ما حملت إلى أقطار البدن، فأحد الينابيع ~~الثلاثة الكبد وهو ينبوع الغذاء، وجداوله عروق الدم الساقية لجميع الأعضاء # PageV01P338 # والأجرام، والآخر القلب وهو ينبوع روح الحياة، وجداوله عروق الأوراد ~~الضوارب الناشرة لروح الحياة في جميع الأعضاء، والآخر الدماغ وهو ينبوع ~~الحس، وجداوله العصب المحس الشامل لجميع الأعضاء المحسة. وقالوا أيضا: لما ~~رأينا الطبيعة تحكم أفعالها وتفصلها لعلة، ورأينا العلة غاية الفعال، ~~ورأينا غاية أفعالها استيلالها روح الحياة، لأن الحياة أفضل أفعال الطبيعة ~~التي إياها عمدت وإليها صمدت، وأول فعلة فعلتها من هضمها الغذاء في المعدة. ~~واحتجوا على ذلك بأن قالوا: لما رأينا أفضل الأفعال وأكثرها وأقواها ~~للحرارة ms164 ورأينا ذلك في جملة العالم في الجنس المستحيل منه الجنس النامي ~~والجنس الحي فلما قضينا للحرارة بشرف الفعال، ورأينا الفعال أشرف أفعال ~~الطبيعة شهدنا أن روح الحياة جزءا من الحرارة. وضربوا مثلا فقالوا: إنما ~~مثل النفس في البدن كالشمس في العالم المسخنة بنفسها الفائضة بخيرها على ~~جميع العالم. وزعم آخر أنها ذات موضع وتغتذي بما يشاكلها من غذاء البدن، ~~وأنها عين سوى البدن تكون في البدن، وأنها علامة بنفسها متحركة، ووصفوها ~~بصفتها فقالوا: النفس نور مفرد لا حر فيه ولا برد ولا طعم ولا عرف ولا صوت، ~~وضربوا مثلا فقالوا: لما لم نر الأبصار تدرك إلا الألوان والآثار بالنور ~~علمنا أن الأبصار عاجزة عن العلم بالألوان إلا بإفادة النور إياها ذلك ~~العلم، ولما لم يكن للشيء أن يفيد ما ليس من جوهره علمنا أن العلم من جوهر ~~النور، فلما رأينا العلم من جوهر النور علمنا أنه معلول واحد، والمعلول ~~الواحد لا يكون من علتين متضادتين، كالحر لا يكون من النار # والثلج، فلما صح هذا عندنا علمنا أن النفس ليست بمخالفة للنور، فقضينا ~~على النفس والنور بالموافقة وأنهما من جنس واحد. # قلنا: ورأينا الآذان لا تدرك الأصوات إلا بالهواء الموصول للأصوات إلى ~~الأصمخة، ولم نر الهواء أوصل ذلك إلا برقته وصفائه المشتبهين بالنور ~~وصفائه، قالوا: وكذلك رأينا الخياشيم لا تدرك الأعراف إلا بالهواء، ورأينا # PageV01P339 # اللسان المدرك للطعوم لا يدركها إلا بالرطوبة واللين المشبهين لرطوبة ~~الهواء ولينه، قالوا: ثم رأينا المحسة تدرك الحر والبرد في الهواء والماء ~~ورقيق الأبدان، وأن غليظ الأبدان مستغلق على ما فيه محسوس لا يظهر منه إلا ~~الأرق من الأبدان يمازحه فيظهر منه كرامته فتوصله إلى الحس قالوا: فلما ~~رأينا الأشياء الموصلة متفقة على صفة واحدة من الرقة واللين التي في صفة ~~النور قضينا للنور بجميع وجوه إيصال المحسوس إلى الحواس، وجعلناه سنخ العلم ~~ومفيده ومستفيده فقلنا النفس النور. وضربوا مثلا فقالوا: مثلها مثل السراج ~~المنير عن نفسه المنير عن غيره المفيد للعلم لغيره. وكذلك النفس حيث كانت ms165 ~~علمت وأفادت العلم. # قد حوت أبقاك الله هذه المقابسة ضروبا من الكلام في النفس مختلفة ~~ومؤتلفة، وأنت إذا عنيت بما سبق في الكتاب وبما يتلوه أيضا في الثاني غنيت ~~عن الإكثار الذي ربما صد عن تحقيق المراد، والكلام كله بين زيادة ربما جلبت ~~الفساد وفتحت بابا إلى الشك، وبين نقصان ربما جلب الأشكال وصار طريقا إلى ~~اللبس. وهذا إذا كان المتكلم عليه من باب الجلي ومن فن الواضح، فكيف إذا ~~كان في الغامض الخفي اللطيف المحتجب؟ وهذا اقتصاد مني وتحفظ واستدعاء ~~للمراقبة والتيقظ، فقل من استرسل وخطب مطنبا وأعجب بما يأتي به مستحسنا إلا ~~دخل على صوابه ما يثلمه ويكسره، وغلب على خطله ما يتأدى به ويشهره. وخير ~~الكلام في الواضح الجلي أن يكون لطيفا يستجمع إلى السامع ما يربط مراده، ~~وفي الغامض الخفي أن يكون مكشوفا ليلحق السامع منه ما نحاه ببحثه وطلابه. ~~فأما إذا تهافتت المعاني تارة بسوء التأليف، وتارة بالإكثار، وتارة ~~بالتعريض، دخلها الخلل ولم يبلغ المحصل لها على ما قد ثبت رأيه وساق نظره ~~وسعيه إليه، على أني أعذر كل خطيب مصقع، وكل بليغ وكل باحث متوغل، وكل طالب ~~مترفق، إذا تكلم في النفس وبحث عن شأنها أن يعيا ويحصر ويقصر، فإن المطلوب ~~في هذا الأمر صعب، والغاية بعيدة، والشوط بطيء، والعجز شامل، والناصر # PageV01P340 # مفقود، والتعاضد مرتفع، والقوة محدودة، والقدم زلالة، والمنتهى حيرة. ~~وإذا كان النظر في النفس على ماأصف مع روادف لا أفي بتسطيرها في هذا ~~المكان، فكيف الكلام في العقل وهو البحر العميق، والمعنى الذي هو في ذلك ~~أنيق! فكيف الكلام في العلة الأولى وهو الذي كان إليه القصد، وعليه وقف ~~العمد، ومن أجله يحمل عبء هذا الأمر! واشتعل بارق هذه الحال وصبر على آثار ~~الكون والفساد، وترقى في سلاليم الغرر والخطر، وتجرع كل كأس هي أمر من ~~الصاب والصبر، وفقد شرف الإتصال بالباري، ودق البحث، ولطف النظر؟ وبقدر ~~رتبة العقل التذ الكلام عليه وطرب على الخبر عنه، وبقدر محاسن النفس عرض ~~العشق وبذل ms166 الصوت وجرد السعي، ويتلي عن كل إلف، وكيف لا يكون الكلام في هذه ~~المعاني صعبا والبحث شديدا والقوة عاجزة، وأنت لو أردت آثار الطبيعة في ~~عرصة الكون والفساد من هذه الرتبة المكلة للأبصار بعد استنفاد قواها، ~~والمسددة للآذان بقدر استيفاء ما فيها، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه، نعم ~~ولو كان كل من هو في مسكك ظهيرا لك ونظيرا معك؟ وكان أبو سليمان إذا رأى ~~بعض أصحابه يتشدد في هذه الوجوه قال له: يا هذا أرفق فالإستقصاء فرقة إكتف ~~من هذا المطلوب بما يجاد به عليك ويساق بزمامه إليك، ولا تعنف فالعنف ~~محرمة. وعليك بالرفق فإنه سحر النفس، والشاعر يقول: # والدر يقطعه جفاء المحالب # وقد والله صدق وقال الحق، إن طلب ما لا ينقاد لك لتبر به مثل ما لا تنقاد ~~له بحسرك عنه شقاء ومذلة وتضييع زمان وإمارة بسعي واحتمال خسف واختراع أسف. # النفس حاطك الله قوة شريفة آلهية بهية، واصلت أبناء الطبيعة على قدر ~~قوابلهم # PageV01P341 # بجود العقل الذي له الرتبة الأولى بقدر ما له من الفيض من العلة الأولى. ~~ومراتب أبناء الطبيعة مختلفة اختلافا لا نهاية له، وكل قد نال شيئا فلا ما ~~ناله به عرفه وطلبه ولا ما حرمه حرمه لإبائه إياه وكرهه، ولكن هكذا كان ~~وعلى هذا بان، فليكن الرضى واقعا بحسب الموجود ذلك المجود به عليك. # واعلم أن الصورة التي هي محيطة من الأول إلى الآخر شائعة بين الطرفين لا ~~بينونة هناك ولا فضل، ولا حيلولة ولا نقص، فكيف يكون على هذا النهج شيء عن ~~شيء، أو شيء سوى شيء، أو شيء في شيء؟ وإنما ثبتت هذه الأسماء بالنظر الثاني ~~لما لحظت مواصلة لآثارها ومواصلة لقوابل آثارها، وعلى الحالين كان الإختلاف ~~والإئتلاف، والتباين والتواصل، والتفرق والتجمع، والجيئة والذهاب، والورد ~~والصدر، والعظم واللطف، والكبير والصغير، وجميع ما يتجوز إلى هذا الجانب ~~ويبرز بهذا المثال في بلاد القوابل، لا في بلاد الفواعل، فسدد نحو هذين ~~النجدين طرفك وسرب إليها رفقك ولطفك، فإنك تجد المواد التي من شأنها ms167 أن ~~تفعل على مراتب الإنفعال، وتجد الصور التي من شأنها أن تفعل على مراتب ~~الفعل، وتعلم أن الاعتبار تارة ينفرد بالصورة، وتارة بالمواد، وأن ما تركب ~~منهما وبينهما واستبد بهما واستند إليهما هو في عرض ذلك الاعتبار وفي حومة ~~ذلك النظر، وأن الشك إن قدح، والغلط إن سنح، فإنما هو من إضافة شيء إلى غير ~~شكله، أو تحليته بغير ما هو لائق به وقد طال الغناء والحداء في هذه ~~المواضع، فإن كان لك سمع فاطرب وترنح وخذ وجد واعدل واعقل واسلم وأقدم ~~وانعم وارق وابق، وإن كان بك صمم فاعطف على دائك وسل عن دوائك فليس يحسن ~~بالأخشم أن يفتري على من يشم، والسلام. # PageV01P342 ### | المقابسة الثامنة والتسعون # في المعاد وهل هو حق أو تواطؤ من الأقدمين؟! # حضرت القومسي أبا بكر المتفلسف، وكتب لنصر الدولة عامين، وكان كثير الفضل ~~فقيل له: هل يجوز أن يكون إثبات الناس للمعاد والمنقلب اصطلاحا منهم ومن ~~أكابرهم وعقلائهم في بدء الناس وسالف الزمان، ثم ألف الناس ذلك وهتفوا ~~بنشرة ولهجوا بذكره، مع تأكيد الشرائع وتأييد الكتب الناطقة به؟ # فقال: المعاد أثبت في أنفس الناس وأرسخ في عقولهم وأعلق بأذهانهم من أن ~~يكون أصله راجعا إلى التواطؤ والتشاعر، ومردودا إلى الإصطلاح والتناد! وهذا ~~ظن بهرج، ورأي فائل، وعقل مغرور، وقول رذل من خلط فاسد ومزاج مؤف. وهلا وقع ~~الاصطلاح على دفعه وإبطاله وأنه لا حقيقة له ولا دليل عليه؟ ولم لم ترد ~~الكتب باحالته وبنفيه وصرف الظنون عنه ومنع الخلق اعتقاد صحته؟ ولم لم يعرض ~~في إبطاله وترك الإيمان به أرب ومراد وبغية وسبب والناس من جهة الحواس ~~والشهوات وحب العاجلة ونيل اللذة أكثر نظرا وأقوى وأنفذ عزما وأشد انقيادا ~~وأسرع ارتكابا وأثقل احتقابا وأبين سماعا وأقرب نزاعا؟ ولكن العقول أبت ذلك ~~إباء ظاهرا ودعت إلى إثبات الثواب والعقاب في الثاني دعوة مشهورة متصلة على ~~اختلاف لغات أربابها وتباين إشارات المخبرين بها، ولم تكن هذه الدعوة عن ~~قسر وتمويه، ولا حيلة ولا مكر، بل دعوة وتحقيق ms168 وإيضاح وبينة وإفصاح! وكيف ~~يسع عاقل يظن أن الناس على ماهم عليه في أديانهم # PageV01P343 # ونحلهم وعاداتهم ومصارمتهم وتعاديهم وتظالمهم مع الإستطاعة الحاضرة، ~~والتكليف العام، ومعرفة الأصلح والأفسد والأحسن والأقبح، يفنونن ويتبددون ~~ويهلكون عن حال باقية بها يحسن المحسن ويثاب الخير فيعرف المتعني؟ هذا ما ~~لا يجوز بجوازه عقل وإن قسر، ولا يلين له قياد وإن استميل، ولا يدنس به وهم ~~وإن استكره، وإنما يتحرك عند هذا الظن من ضاق مجمه، وقل علمه، ونبا سماعه ~~وفهمه، وفسد حسه ومزاجه، وجعل نفسه مصبا لكل ريح، ومغيضا لكل سخف، ومجازا ~~لكل حافر فأما الناظر في أثناء الأمور، الواعي أحاديث الزمان، الفاحص عن ~~السرائر، الطالب لظاهر الأحوال وباطنها، فإنه يربأ بنفسه عن هجنة هذا ~~الرأي، وانحلال هذا العقد، ويشتمل على ما نطقت به الكتب القديمة، وتضمنت ~~الأسفار الصحيحة، وأتت به الشرائع الصادقة، وبنيت عليه الأذهان الحديدة، ~~وشهدت له الفطرة السليمة، ودعت إليه العقول الراجحة،؟ وهذا وإن تمادت في ~~الأحداث الأغمار، وغلب على من لا خبرة له بما يأتي به الليل والنهار، فأما ~~من له رغبة في حياطة دينه، وهمة في معرفة التغمض والواضح من نفسه وعالمه، ~~وبحث عن الراشد والمصالح في الظاهر والباطن، ونظر في السياسة الآلهية ~~والإنسية وخبر بالمورد والمصدر ليصير ذلك المتولد عليه، فقد حماه الله ~~غائلة هذا الرأي، وكفاه مؤنة هذا الخطر، وجعله في الأعلين في حظيرة القدس ~~وحضرة الأنس، حيث لا عبء ولا ثقل، ولا فراغ ولا شغل، ولا هجر ولا وصل، ولا ~~ذنب ولا عذر. # PageV01P344 ### | المقابسة التاسعة والتسعون # في أن العالم من حيث هو كائن فاسد ومن حيث هو فاسد كائن # سمعت بعض مشايخنا ببغداد، وغالب ظني أنه نظيف الرومي يقول: العالم من حيث ~~هو كائن فاسد، ومن حيث هو فاسد كائن، فلذلك نظمه بدد، وبدده نظم، ومتصله ~~مفصول، ومفصوله متصل، وغفله موسوم، وموسومه غفل، يقظته رقاد، ورقاده يقظة، ~~وغناه فقر، وفقره غنى، وحياته موت، وموته حياة؛ قال: فلا أطيل، ها هنا مثل ~~ينزع إلى الحس ضرورة ويعترف به ms169 العقل اضطرارا: أنظر إلى السماء نظرا شافيا، ~~وتأملها تأملا بليغا، وجل في آفاقها ببحثك ونظرك مليا، واستقر صورها ~~استقراء تاما، فإنك تجد نجومها منتثرة متساقطة كأن سلكها قد وهى، ونظمها قد ~~انخرط. على هذا إدراك الحس، وسابق العيان، وشهادة النظر، وظاهر الخبر ~~والأثر، ثم إنك لا تستثبت بعد إمعان النظر وإنعام الفحص ومواصلة # PageV01P345 # البحث أن تجدها متسقة إتساقا، ومتفقة اتفاقا، وموزونة وزنا، ومعدلة ~~تعديلا، ومنظومة نظما، ومعبأة تعبئة، ومزينة بكل زينة، ومحلاة بكل حيلة، ~~حتى يقضي اختيارا واضطرارا وانتهارا واقتدارا أنها زالت عن حالتها ~~المعروفة، أو حالت عن صورتها المألوفة، بأقل من مثقال ذرة أو هباءة تربة، ~~تهافت أصله، وبطل بعضه وكله، واضمحل خفيفه وثقيله، وبار كثيفه ولطيفه، ~~واضطرب أوله وآخره، واختل محيطه ومركزه؟ وهذا لأن الحس حس قضى في الأول ~~قضاء بما في الطبيعة من الخل والنقص والتلون، وقديما قيل الحس حاكم مؤنس، ~~وساع مفسد، ومتوسط عياب، وقاض خصم، ودليل سوء، ومشاطة مشوطة؟ وموضح لابس، ~~وناقد مدلس وخاطر ملفق، وصديق متملق، ومعلم مضل، ومقوم مزل، وناصح مزور، ~~ومرشد مغرر، وجار مخاتل، وشريك سروق، ووافد كذاب. لا مقنع به ولا مفزع ~~إليه، ولا خير فيه ولا معول عليه. فأما العقل فإنه يقضي بانتظامه ودوامه ~~وسلامته وصحته وثباته واتصاله والتئامه، وذلك لأن العقل رفيق عفيف، وقاض ~~عدل، وصديق مشفق، ووالد حدب، وجار محسن، وشريك ناصح، وهاد صدوق، وصاحب ~~مؤنس، وخطيب محقق، وزاد مبلغ، ومداح مفهم، ومحدث مطرب، وجليس فكه، ونور ~~شائع، وضياء ساطع، وقول فصل، وركن وثيق، وجوهر شريف، وطود منيف، ونقطة ~~متصلة، وذات مقدسة، وخير محض، وجود بحت. من ذا يقدر على مدحه وتقريظه ونشر ~~خصائصه وتحصيل فضائله؟ له الوجود الحق من الموجود الحق وله الحكم الفصل من ~~الحكيم العدل. # وإنما أومأ هذا الشيخ إلى المعنى إيماء خفيا اتسع عنه هذا الذي تراه ~~وتقرؤه، والعلم ظاهر لنا، فلهذا يزكو على البذل، ويزيد على الإنفاق، وثمرته ~~حلوة، وعوده ناضر، وسلطانه قوي، وعزه أقعس، وذروته عالية. من تحلى به ظهرت ~~عليه جدته، ms170 واستقامت له عادته، ومن تعرى عنه بخست قيمته، وبدت عورته. # PageV01P346 ### | المقابسة المائة # في معنى قولهم فلان ملء العين والنفس # سأل أبو سليمان يوما الطبيب المعروف بفيروز: فلان ملء العين والنفس، ما ~~معناه؟ فقال فيروز: لا أدري فإن شئت أن تصدق علينا بفائدة؟ فإن زكاة العلم ~~أوجب على ربه من زكاة المال على صاحبه. # فقال أبو سليمان: هذا سهل جدا، وما أحب أن يقال هذا، فإنه يدل منك على ~~عجز قد محاه الله عنك، وعلى ملق قد رفع الله منه قدرك. # فقال فيروز: ما أحوجني إلى أن أملك رضاك باتباع أمرك، وأبلغ إرادتك فيما ~~يشرفني بالطاعة لك، وما أنضاءل العلم إلا للعلم، لا أتملق إلا لأهله وليس ~~بعد هذه المراجعة المحمودة إلا إسعاف بما في طي المسألة؟ # فقال: معنى قولهم: فلان ملء العين والنفس أي يجمع بين المنظر المقبول ~~بالعين إذا نظر إليه، وبين المخبر الممدوح باللسان إذا أشرف عليه. وكان هذا ~~كالزجر من الناس بالفرق بين الشخص والنفس، فإن أحدهما إذا لابسه الآخر كمل ~~الإنسان بهما، وإذا أخطأه أحدهما كان نقصه من جهته، وإذا لم يكن من النقص ~~بد فلأن يكون من قبل ما للعين أولى، أعني أن يكون الإنسان ملء النفس إذا لم ~~يكن ملء العين، لأنه إذا كان ملء النفس غير ملء العين كان روحا كله لطيفا ~~وديعة، وإذا كان ملء العين غير ملء النفس كان بدنا كله كثافة وغلظا، وكان ~~أحدهما نصيبه من الهيولى أكثر، والآخر قسمه من الصورة أوفر، فإذا ائتلفا ~~كان الكمال المطلوب. وإنما قيل في اللغة العربية هذا ملء هذا أي ملاؤه، ~~ومنه الملاوة ومنه الملأ والملا والملا، والإشتقاق # PageV01P347 # معروف لا يدفعه إلا ضعيف. فقال فيروز: عين الله عليك أيها السيد فوالله ~~ما نجد شفاء لداء الجهل إلا عندك، ولا نظفر بقوت النفس إلا على لسانك، ولا ~~نعلم يقينا إلا بحسن تعريفك إذا فاتحناك، ولا يجمل ظننا بأنفسنا إلا إذا ~~أبعدنا عن مجلسك، ولو كانت هذه الفائدة عندنا بعينها أنى لنا أن نأتي بها ms171 ~~على هذه الطراوة والحسن؟ أمتع الله الأرواح برؤيتك، والعقول بهدايتك. # فقال أبو سليمان: سمع الله منك، وأجاب مثله فيك، فما أعلقني بمودتك وما ~~أوثقني بمروءتك، جزاك الله خيرا. ### | المقابسة الأولى بعد المائة # في أنه ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان فيها إلى نفسه # ويحمد عليها إلا العلم # قال أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى: ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان ~~فيها إلى نفسه ويحمد عليها إلا العلم وما يدخل معه كالصبر والكظم والتغافل ~~والاغضاء، فأما الخصال البواقي فإن الإنسان يحمد بها إذا أحسن إلى غيره، أو ~~شكره في ذلك الإحسان غيره. # أكرمك الله وأبقاك إنما يبعثني على رواية كل ما سمعته من هؤلاء الجلة ~~الأفاضل عشقي لهم وحمدي لله تعالى على ما أتاح منهم، فلا تقرأن هذا الفصل ~~ثم تقول وما في هذا من الفائدة؟ فإن درجات الحكمة مختلفة، ولك كلمة قائل، ~~ولك قول داع، ولك عمل عامل، ولكل عامل راع. وهذا الشيخ ممن قد أعلى الله ~~كعبه في علم الأوائل، ووفر حظه من الحكمة المبثوثة في هذا العالم، وفيما ~~قال حث على حسن معرفة فضل # PageV01P348 # الحكمة، وفي معرفة فضل الإنبعاث على اكتسابه والاستكثار منه، فإن الحكمة ~~سكينة آلهية، وحلية ملكية، وقنية عقلية، وقد أطلقه الناموس الحق على الله ~~عز وجل، فما ظنك بما يبعث رب العالمين به وخالق الخلائق أجمعين ثم يبحث به ~~بشر خلق من الماء والطين، وأبرز لعيون الناظرين، تبارك الله رب العالمين. ### | المقابسة الثانية بعد المائة # في أن كل شيء في اليقظة يجوز في المنام # إلا التركيبات # قال بعض أصحابنا: كل شيء أجوزه من آثار النفس فإني أجوزه في اليقظة، وكل ~~شيء أجوزه في اليقظة أجوزه في المنام، إلا التركيبات، لأن النفس تخترع بها ~~أمورا لا تستجيب المواد لها. قال: وإنما أعني بما أجوزه الإنذارات ~~والإطلاعات وقوة الكهانة وما أشبه ذلك. # وهذا الذي قاله هذا الشيخ يحتاج إلى شرح، ولعمري للنفس هذه القوة، وهي ~~لها بالحق والواجب، ولكن البيان عن كون ذلك على التحقيق بالفعل ms172 عزيز، ولعل ~~الزمان يتسهل فيمكن التخلف عليه بما يزيده شرحا ووضوحا إن شاء الله عز وجل، ~~وعلى ذلك فإني أقول في هذه الحال ما تعين من الحق الذي إياه نقصد، وفي طلبه ~~نسعى ونحفد، وأرجو أن لا يكون هذا الاعتزام والتجرؤ يعتاقني بعد ذلك ~~الأستعفاء والتلافي، وليس ينبغي لنا أن نجترء على العلم منخدعين في طلبه ~~فندعي ما لا نفي به، ولا يحسن بنا أن نتحل بما وهبه الله تعالى لنا وفتحه ~~علينا فتوهمت أنا مقصرون فيه، وكما أن إظهار التشحح مع إخفاء الجود قبيح، ~~فكذلك إظهار التفاخر مع كتمان القدرة قبيح، الخير أبدا بين الطرفين والوسط ~~مطلوب كل ذي عقل وعين، فإذا # PageV01P349 # لا بأس أن يكون ذلك العطف على ما سبق من قول هذا الفيلسوف في هذه ~~المقابسة في موضعنا هذا فيكون هذا قد أفدنا بمبلغ علمنا ووكلنا المستفيد ~~منا في الزيادة منها إلى غيرنا، ممن قد رفع الله درجته علينا وجعله المحسن ~~إلينا. # إعلم أن الحال التي قد وضعت الفرق بين النوم واليقظة، وهي التي يتحد ~~الإنسان بقوة أحديهما فتشرح له أمورا قد سبقته بأعيانها وجواهرها وأعراضها، ~~وأمورا هي مشهورة في الآن على ما هي عليه من حقائقها وزخارفها، وأمورا هي ~~على الزماع في الثاني من أوقاتها وهذا الإنجلاء والشرح يستفادان من جهتين: ~~إحداهما هي الهيئة الحاصلة للشخص في السنخ والأصل الذي يتفقان بالقسمة ~~السماوية والقوى العلوية، والأخرى هي الهيئة الحاصلة للشخص في الفرع، ~~والثاني بالروية النفسية والقوى الفكرية وهاتان الهيئتان إنما تختلفان في ~~النظر الطبيعي، وإلا فالإتفاق واقع بالنظر العقلي والأول الآلهي، فعلى هذا ~~لا فرق بين اليقظة والنوم ما دام الحكم يصدر من صاحبهما على اطلاع النفس ~~وراحة الليل والفيض السابق، وهذه حال لها مناسب كثيرة إلى القوة والضعف ~~والشدة واللين والعمود المنصوب، وبحسب ذلك يصح الإنذار ويصدق الزجر وتحق ~~الكهانة، وإنما لم يتدافع الحال في هذا الموضع لأن النظر كان موصلا بالأمور ~~المجردة والمباحث الصافية والحقائق المثمرة للسكون والثقة، فأما ما اتصل ~~بالتركيب فإن النفس ms173 تفعل قوتها وتبدع أصنافها وضروبا لا سبيل إلى رؤية شيء ~~منها من القوة إلى الفعل لعسر الهيولى وعدم أعيانها، لأن الطبيعة لا تلهيها ~~ولا تعطف عليها، وإنما تقف الطبيعة عنها لأن النفس لا تأذن لها في توليها ~~ولا تلقي إليها أماثيلها ورسومها، والنفس في هذا تتشبه بالعقل فما لم تجد ~~منه لم تحمد به وما أخذت عنه لا تحبسه عما يطلبه الجود وإن كان في الغاية ~~والنهاية. # فإن قال قائل: الجود لا يعدم طوره، ولا يجوز طوقه، ولا يتطاول إلى ما ليس ~~له. فقد تيسر الآن ما تراه من إيضاح ما قاله هذا الشيخ في تجويزه # PageV01P350 # في المنام جميع ما تجوزه في اليقظة إلا التركيب، لأن التركيب ورث في ~~الطبيعة في قابل، وفي آثار النفس أيضا تركيب ولكن الآهي، ألا ترى التحاب في ~~العدد والتباغض والتكعيب والتثليث إنما هو من فنون التركيب ولكن بنوع خارج ~~من آثار الطبيعة في المواد المنقادة حتى إذا علوت من هذه الربوة إلى ~~اللوائق بالعقل وجدت هناك أمورا يضل عنها وصف اللسان ورصف البيان، ولهذا ~~الفعل خصوصية ليس بعدها سعي ولا دونها رضى جعلنا الله وإياك من صفوته بجوده ~~وقدرته. ### | المقابسة الثالثة بعد المائة # في أن الأشياء التي توجد بالعقل وبالحس كلها اتبعت العلل # قلت لعيسى بن زرعة أبي علي، وابن عبدان الطبيب حاضر: أنا شديد الحرص على ~~معرفة شيء قد طال تخلجه في صدري مع مواصلة مسألتي عنه وحسن استفهامي لما ~~فيه. فقال: ما هو؟ قلت أريد أن أعلم أن الإشياء التي نجدها بالحس والعقل ~~كلها اتبعت العلل والعلل الأشياء؟ فقال لي: من أين ثارت عليك هذه المسألة؟ ~~فقلت: رأيت جالينوس في منافع الأعضاء يذكر أمورا ويكشف دقائق وينثر عجائب ~~وينشر حكما جليلة، ولعمري إن ما خلده في ذلك الكتاب وقاله واستنبطه يكاد ~~يكون عن وحي وإلهام فضلا عن غير ذلك! فمما نزع إلى هذا البحث أني رأيته يصف ~~العين ويذكر مكانها من الإنسان وأنها كالربيئة له والطليعة، وما دانا هذا ~~وجرى معه، وذكر ms174 أيضا الإحتياط في العين لكثرة آفات هذا العضو خاصة. فقيل له ~~لو وجدت إحدى العينين في نقرة القفا والأخرى في وسط الجبهة لأمكن أن يقال ~~جعلنا إحدى العينين من خلف لتكون وقاية وحراسة مما يكون هناك # PageV01P351 # ويحدث ويذكر الضرر الذي يعرض من تلك الجهة، فكأنك أيها الحكيم لما وجدت ~~هذه الأمور على ما نظمت به وعنيت أثرت منها هذه الأغراض من المعاني بفضل ~~عقلك وقوة بيانك ولطف إشارتك، فكأن الأشياء تابعة للعلل على هذا، والمتبع ~~بمقالتك يقتضي أن العلل تابعة للأشياء، ليس الأشياء تابعة للعلل، بدليل ما ~~ضربنا من المثل، لأنك هكذا وجدتها فعلى ما وجدتها بينتها ولو وجدتها على ~~غير ما هي عليه لكان استنباطك على ما كنت تجدها عليه بفضل فحصك واستقرائك، ~~فعلى هذا عللك التي شرحتها وحكمك التي استخرجتها تابعة لا موجبة؟ # فقال في جواب ذلك ما أحكيه على قصوري عنه، وكان ابن عبدان الطبيب ينصر ما ~~يقوله ويرتضيه، ولقد اضطرب على كثير مما قال. زعم في أول الجواب أن للمسألة ~~غوصا وأنها معروفة عند الأوائل، وقد أوسعونا فيها كلاما كثيرا في الكتب ~~معروفة، وأقول في هذا المكان ما يكون مقنعا إن لم يكن كافيا: إن الأشياء ~~التي من شأنها أن تكون معلولة هي تابعة لا محالة لعللها وإن اختلفت سبلها ~~في اتباعها كما اختلفت أحوالها في كونها وفسادها والعلة ما دامت علة فإنها ~~تقتضي شيئا خاصا، والشيء ما دام مقتضيا فإنه يتبع علته الخاصة به، وهي مع ~~ذلك موجودة معه لا على معنى القران ولكن على معنى الوجوب، فقد قضى العقل أن ~~مرتبة التابع دون مرتبة المتبوع، ودرجة المتبوع فوق درجة التابع. والعلل ~~بنظر ما على ضربين: علل موضوعة، وعلل مصنوعة، والصناعة منقلبة للموضوع، لأن ~~الوضع هو بالطبيعة في الأول، فإذا صحت هذه العبرة إنكشف أن الأشياء كلها ~~عللها ومعلولاتها على وتيرة واحدة وسنن واحد في الوجود فمن العقل، وإن كانت ~~موسومة بالتركيب بالعقل فالأشياء تابعة لعللها ما دامت العلل عللا لها ~~والعلة مستتبعة للأشياء ما ms175 دامت تابعة لها، فالإتصال بين العلل والمعلول # PageV01P352 # إتصال آلهي لا فضل له ولا بينونة فيه، وهذا كله إذا لحظت مبدأ الوجود ~~بحسب حدك ونظرك واستخراجك، فأما ما عليه العلة في وجودها وما عليه المعلول ~~في وجوده معلولا، فأمر لا يتميز إلا بالترتيب الذي تكرر القول فيه. ~~فجالينوس قد هجم بنظره وفحصه على علتين: إحداهما موضوعة لذلك ومطبوعة على ~~ذلك، والأخرى يدنيها منها وضيفها إليها ويشبهها بها اقتدارا بالعقل البشري ~~وتصرفا بالقياس الأنسي، وإثارة للحكمة الآلهية، واستنارة بالحال التوحيدية. ~~فالعلة الأولى طباعية، والأخرى صناعية. والقياس المشار إليه من الأولى ~~برهاني، والقياس المدلول عليه من الأخرى بياني، وإنمايفزع في وقت بعد وقت ~~إلى ما هو دون البرهان، لأن خفايا الأشياء وأسرارها وزواياها في أعماقها ~~كثيرة. والعقل الهيولاني لا يفني في هذا الجسم الجزئي كل الإضاءات ولا ترى ~~كل ذلك. فلذلك ما ترى صاحب هذا العقل يطمئن مرة ويقلق مرة، لأن النفس تمر ~~به كالبرق إذا استنار أو كالنجم إذا هوى. # قال: والكلام في هذا الباب أطول مما يظن قد تجلى بهذا القدر شيء يمكن أن ~~يكتفي به مع التخليص فيه. وأعدت هذا بعد على أبي سليمان فقال لي: قد تجد ~~علة في شيء من الأشياء تكون ذاتية فلا ثمرة لها عندك إلا أن تعرف أنها كذلك ~~فقط، وقد تجد علة أخرى لشيء آخر ولا تكون ذاتية له لأن أخرى تزاحمها، إلا ~~أن العقل يرتع فيها وينبسط في استنباط الحكمة منها. والحال الأولى من العقل ~~شبيهة بما في العقل، وكل ما في القوة فليس للعق منه إلا الأينية والكمية ~~والكيفية. ثم قال: فعلى هذا التأسيس الأشياء تابعة للعلل لأنها معلولاتها، ~~والعلل مستتبعة للمعلولات لأنها علل لها. وهذا بشرح العقل لا بترتيب الحس، ~~ولا يتجرد لحظ العقل إلا بشركة من المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلا لم تجد ~~ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلا لم تجد ~~ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول، وإنما ms176 ترسم هذه الأسماء ~~والألقاب ما دامت تتصفح الأمور وتقيس بعضها ببعض، وتستعمل أسماءها وتثبت ~~صفاتها، ولو خلص النظر من هذا كله # PageV01P353 # لم يشهد الأوجد وإلا واحد وإلا ما اخترعته لفظي ولا بيان له قوى؟ فائتة ~~في هذه المضايق بقوى نفسك وتهدي عقلك، ودع عنك الغامض وغامض الغامض فإن ذلك ~~يهيضك ويكدك. ### | المقابسة الرابعة بعد المائة # في أن الأشياء كمالها محرك أول # فلم لا يكون لها مسكن أول؟ # حضرت أبا سليمان يوما فقيل له: إذا كان للأشياء محك أول فلم لا يكون لها ~~مسكن أول؟ لأ، الأشياء تسكن تارة وتتحرك آخرى؟ فقال: الأشياء تتحرك كما قلت ~~وتسكن، ومعنى تسكن أنها لا تتحرك فمحركها في الحقيقة هو مسكنها، لأنها إليه ~~تتحرك إذا تحركت، وبه تسكن إذا سكنت، ولو سكنت بغيره لا حتاجت في التحريك ~~إلى محرك، وفي التسكين إلى مسكن غيره، ولكانت إما أن تأتلف السكون من جهة ~~المسكن، أو تأتلف الحركة من جهة المحرك، وكانت تستمر على الحركة والسكون، ~~أو كان المسكن لا يخليها فتتحرك بالمحرك، وكان المحرك لا يدعها فتسكن. # والوحدة التي تكرر الإيماء إليها، وترددت العبارة على ألطف الوجوه عنها، ~~في هذا الكتاب، تأبي هذا الوصف وتمتنع من هذه السمة. وذلك أن المحرك هو ~~المسكن، والمسكن هو الأول، لانقسام الأول المحرك بين الحالين المختلفتين، ~~ولكن لانقسام الموجودات التي من شأنها الانفعال بالحركة مرة، وبالسكون مرة، ~~ولو كانت الأشياء تحتاج في كل عرض إلى من تنسب إليه لبطل التوحيد رأسا، ~~أعني أنها كانت إذا تضامت تحتاج إلى ضام لها، وإذا تبددت تحتاج إلى مبدد ~~لها، وعلى هذا سائر السمات، وليس يطرد هذا البحث ولا يلزم هذا الإعتراض، بل ~~المحرك الأول بالتحريك الأول # PageV01P354 # على ما يليق به. وهو الذي جمع وفرق، وحرك وسكن، وأعاج وأبدى وأفاد، كل ~~شيء ما كان محتملا له، غير باخس ولا ناقص. # وهذا كلام من سره التوحيد، فليكن إكثارك له على قدره وقدر حظك منه. ثم ~~قال: وعلى أن الأشياء بنظر آخر تنقسم انقاساما آخر، وذلك أن ms177 منها ما سكونه ~~طبيعة له، ومنها ما حركته طبيعة له، ومنها ما هو مهيأ للسكون في وقت ~~وللتحريك في وقت، فلا يتحرك في وقت السكون ولا يسكن في وقت الحركة. فلو أن ~~مجموع هذا الباب راجع إلى واحد متى تحرك شيء فإليه يتحرك، ومتى سكن شيء فيه ~~يسكن، ومتى لزم شيء نهجا واحدا فله يلزم، كان الخلل يدخل، والنظام يزول، ~~والفساد يقع. فإن ظن من لا خبرة له ولا معقول عنده مع هذا أن الخلل والفساد ~~قد وقعا بما تشاهد من تغير الأمور، وتصرف الدهور، وتلف الأنفس، وزوال ~~النعم، وتنغص المرائر، واعتراض الآفات والعلل، فليعلم أن هذا ليس من قبيل ~~ما كنا فيه. وذلك أن كل من أوجب الحركة العلوية بالفعل أوجب الحركة السفلية ~~بالإنفعال، فبحسب ذلك تمزج هذه الأركان، ويوجد منها اختلاف الشأن. ولو كان ~~هذا العالم السفلي ثابتا على صورة واحدة كالعالم العلوي الذي هو على صورة ~~واحدة، لكان لا خلاف بين العالمين، وكان لا يكون أحد العالمين أولى بتحريك ~~الآخر من العالم الآخر بتحريكه، فحينئذ كان يسقط العلوي والسفلي فلا يبين ~~الفاعل من المنفعل، ولا المؤثر من القابل، ولا البسيط من المركب، ولا ~~البائد من الدائم، ولا الصافي من الكدر، ولا الطري من الداثر. وهذا كلام ~~مرذول ليس عليه بهجة ولا نور. فالبواجب تحرك ما تحرك إلى واحد وسكن ما سكن ~~بذلك الواحد، لأن هذه الفروع جارية على أصولها، وهذه الأواخر تابعة لتلك ~~الأوائل، أعني أن كل هيولي مهيئة لصورتها الخاصة بها، وكل صورة مهيأة ~~لهيولاها الخاصة لها. فلا تعادي ولا فساد ولا تظالم ولا # PageV01P355 # عناد في هذه العناصر والجواهر مادامت سالكة نحو غاياتها ساحبة لقوامها ~~إلى ما لها. # قال: ومن ظن في هذين العالمين غير ما هما عليه فهو في وادي الوهم وأسر ~~الحسبان، أو به غلبة من مرة أوفساد من خلط، أو لعل تقليد من تقدمه قد أضله ~~وأعماه وأصمه، لأن الحكمة بارزة، والأساس محكم، والقدرة ظاهرة، والعجائب ~~منتشرة، والنظر مستخرج، والعقل مجد، والنفس بحاثة، ms178 والطبيعة متصرفة، ~~والأمور موروثة، والأسرار مكتومة، والشواهد ناطقة، والأدلة حاضرة، والأعلام ~~منصوبة. أنظر إلى الشمس في إشراقها، والنار في إحراقها، والنجوم في ~~إئتلاقها، والبحور في أعماقها، والأرض في إثباتها، والجبال في انتصابها، ~~والأودية في انسكابها، وإلى الغرائب في أضعافها وأثنائها، تعلم أن الذي هو ~~واحد في الحقيقة هو أملك بها وأولى وأقدر عليها وأعلى عنها. وما أحسن ماقال ~~بعض بلغاء الحكماء فإنه قال: لأمر ما ربطت الجواهر بالأعراض، ولأمر ما ~~تحركت الكواكب والأفلاك، ولأمر ما تباينت العقول والأزمان، ولأمر ما تصرفت ~~الليالي والأيام، ولأمر ما وضع هذا المهاد مركزا لهذه الأوتاد، ولأمر ما لا ~~يحجز المعاني المحرك عن تقديره أحد. # صدق هذا الحكيم الفاضل، لأمر ما ترى على سنن لا حب ودليل إما شاهد وإما ~~غائب، وإمامن جهة الحس وإما من جهة العقل. وقد بان بما تشقق القول فيه من ~~هذه المقابسة أن المتحرك الذي سكن في الثاني إلى مسكن غير من سلبه الحركة ~~التي سكن بعدها، وليس المحرك مجبرا على التحريك فيحرك ولا يسكن، بل هو واهب ~~الحركة للمتحرك ونازعها من الساكن، فالمحرك هو بعينه المسكن، والمتحرك ~~بعينه هو الساكن، ومن كان طاهر النفس صافي القريحة صائب النظرن قصد الجواب ~~ولحظ الحق بدون ما التأم ها هنا من البيان، ولم يحوج نفسه إلى شك مود إلى ~~وحشة، فالحق أنس كل عقل، والباطل وحشة كل نفس. # PageV01P356 ### | المقابسة الخامسة بعد المائة # في أن النوم شاهد على المعاد # سمعت أبا سليمان يقول: لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه شاهد على ~~المعاد لكفى، دع مافيه من راحة الأعضاء، وسكون الجرم، واستجلاب القوة إليها ~~بعد العياء والكد، ولو كان النوم حالا مصمتة لا شعور لصاحبها بها من أولها ~~إلى آخرها لكانت الوحشة داخلة، والشك قائما، والتهمة واقعة ولكنها حلا ~~يتزود الإنسان منها أمورا غريبة وأحوالا عجيبة، ويتلقف منها غيبا كثيرا، ~~ويستقبل منها عيانا ظاهرا، فهل هذا الرمز من اليقين إلا على ما سلف القول ~~فيه من ثبات النفس على حال واحد ms179 لا تنام والنوم شبيه بالموت؟ فإذا لا تموت، ~~لأن الموت شبيه بالنوم؟ فالحالان جميعا قد زالتا عنها وحطتا دونها. # وفاتحة هذه المقابسة مدخولة، ولكن الشيخ كذا قال: والإعتراض عليه مع علو ~~رتبته في الحكمة وجميل ظننا به في الإجابة والإصابة، ليس من حقه علينا ولا ~~مما يجمل في الحال التي تجمعنا، أعني أنه كان الأولى أن يقول: لو لم يكن في ~~النوم من الحكمة إلا أنه راحة لأبداننا، وجمام لأرواحنا وتخفيف عنا أثقال ~~ما عملنا في اليقظة بضروةب التصرف واصاف الحركات لكفى. دع مافيه من الشاهد ~~على المعاد الذي تعنه نبحث مجتهدين، وعليه نكون مضطرين، ومن أجله ننفث ما ~~في صدورنا متروحين، وما أحق أكرمك الله هذه الغاية بالسعي إليها والتشمير ~~لها، وبذل كل موجود ومذخور دونها، والإستعانة بكل صاحب وقريب فيها، # PageV01P357 # واستخلاص الروية في تحصيل حقيقتها، ورفض الراحة والدعة عند فرصة تلوح من ~~ناحيتها، وبالحق وجب هذا الإجتهاد والإحتشاد، وهذا الفرق وهذا التحفظ ~~والتيقظ، وهذا التباري والتحارس، وهذا التنادي والتنافس، وهذا الغدو ~~والرواح، وهذا التثبت والسياح، لأن الإنسان في هذا العالم وإن بلغ المنتهى ~~في أماني نفسه من كل علم كالهندسة والحساب والنجوم والطب وسائر أجزاء ~~الفلسفة، وكذلك إن اشرف على غاية كل علم ويعرف منقلبه، وكذلك أيضا إذا بلغ ~~في الدنيا كل حال علية، وكل دولة سنية، من المال والثروة واليسار والعزة ~~والأمر والنهي والتأييد على أصناف البرية، ونيل كل شهوة ولذة، وبلغ كل ~~إرادة وأمنية، فإن آخر ما يقترحه أن يقف على ما يتحول إليه ويصير مرتهنا به ~~ومفكوكا منه، فقد صار النظر ف يهذه الخاصة والخالصة من أشرف ما في قوة ~~الإنسان وأعلى ما في همته وأعظم فوائده، ولغبة هذا المطلوب على جميع ~~الخلائق حاموا حوله، ورادوا مراداه، ووردوا شرائعه، وسلكوا شوارعه، وعلوا ~~روابيه، وخاضوا سوابيه ودوابيه، حتى اتفقوا على إثبات هذه الغاية لشدة ~~حاجتهم إليها وتوقد حسرتهم عليها. هذا مع اختلافهم في تحقيقها على ما ينبغي ~~لها حتى هتف قوم بما ألقى على السنة الأنبياء، ms180 وهينم قوم بما رأوه من ~~التناسخ في الأدوار، وتخافت قوم آخرون بأمور تبهرجها معوز، والإطناب في ~~إحصائها متعب. فاستخلص أكرمك الله نيتك وعزيمتك في البحث عن هذه الغاية مع ~~الرفق الذي كل من لابسه وصل به إلى ما طلب منه، فإن المكث تحت هذا السقف ~~على هذا الظهر يسير، والتنقل وشيك، ولاحاجة إلى الزاد ماسة، والعائق مع هذا ~~كله عظيم، والتناصر مرفوض ولولا لطف الله الذي به تماسكت السموات والأرض ~~وانتظم كل ما بعد بالحس والعقل، لكان اليأس يغلب ويستولي، والقنوط يستحكم ~~ويستعلي. # PageV01P358 ### | المقابسة السادسة بعد المائة # في الصديق وحقيقة الصداقة وفلسفة العشق والحب # وفي تعريفات فلسفية صالحة # سمعت النوشجاني يقول! وقد جرى حديث الصديق وحكى في عرضه الحد الذي ~~للفيلسوف وهو: الصديق آخر هو أنت. ويقال: الصديق هو أنت إلا إنه بالشخص ~~غيرك. # فقال: الحد صحيح، ولكحن المخحجوج غير موجود. # فتعجبنا منه، فلما رأى ما اعترانا: قال: تأيدوا وتثبتوا فليس التسرع ~~بالإنكار من أخلاق بغاة الخير وسجايا طالبي الحق. إن الحد الذي قلتم حاكين ~~عن الحكيم صنع من ناحية العقل المحدود وفرض في عالم الحس فتناصفنا هناك ~~بالدلالة عليه لم يكن أن يوجد ها هنا بالإشارة إليه، وذلك أن الوحدة التي ~~في العقل تصور كل شيء بصورته التي لا كثرة فيها ولات اختلاف والتعاند إما ~~ظاهرين وإما خفيين. وقد صح أن الإنسان ذو طبيعة ومزاج وشكل وأعراض متفاوتة ~~كثيرة، فإذا ما صادف آخر وهو أيضا ذو طبيعة أخرى وخواص أخرى، إما زائدة على ~~ما لصاحبه، وإما ناقصة عنه، عرض حينئذ التفاوت والإختلاف بالواجب لا محالة. ~~فمتى يكون هذا الإنسان على ما وصفنا هذا الإنسان والحال على ما وقفت عليه ~~وبانت لك حقيقته وأيهما ينبغي أن يتبع صاحبه ويأخذ عنه ويقتدي به ويأخذ ~~بيده # PageV01P359 # وينطق بلسانه ويهم بقلبه ويتصرف على إرادته وكلاهما على رتبة واحدة ف ~~يالحد الذي وصفت في الصديق، فإن أوجبت على أحدهما طاعة الآخر والإقتداء به ~~فهذا خلاف الصداقة التي تقدم حالها، لأن هذهالحال بالعالم والمتعلم أشبه ms181 ~~وبالتابع والمتبوع أشكل. # فقلت له: فعلى هذا فائدة هذا الحد؟ ولم قال الفيلسوف شيئا لا حقيقة له ~~ولا دلالة عليه ولا يوجد في الشاهد أصله؟ فقال: قد قصد بهذا الحد المبالغة ~~في الحس على توخي الصديق لصديقه حالا لا يكاد يفصل بينهما في إرادة وإيثار ~~وقصد ومحبة وكراهية ومرضاة، فإن هذا الحد إذا لحظ أفقه العلي سلك إليه ~~بالهمة الشريفة والعزيمة التامة والجد البليغ والإجتهاد المستخرج للوسع، ~~فيكون لك داعية إلى الغاية التي كلما قرب منها كانت الحال أعني الصداقة إلى ~~الحقيقة أقرب، وعليها أشمل، وبشرائطها أجمع، وعما يخالف هذه الصفات أبعد. ~~ثم قال: وكيف يصح هذا الحد في الشاهد والحس، والإنسان إن كان وحده لا يلائم ~~نفسه ولا يوافق أبدا رأيه، ولعله يترجح وينكفئ في كل يوم، بل في كل ساعة ~~مرارا كثيرة مثل أبي براقش كل لون لونه يتخيل. # وقال أيضا: إن الإنسان وإن كان واحدا بوجه فإنه كثير بوجه آخر فالكثرة ~~التي حالت بينه وبين صديقه في جمهور أحواله، فلولا التفرق الذي فيه ~~والكحثرة التي تتوزعه، ما كنت تجد إنسانا إلا على هيئة واحدة وشكل واحد، ~~أعني أنك كنت تجده أبدا إماطلق الوجه، ومبتسم الثغر سهل الخلق، ناشئ الخلق، ~~جوادا بالمال، عسر المرام، بعيد المنال، مولعا بالخلاف، أو فيما بين ه1ه ~~الأضداد بالزيادة والنقصان والإنحراف والإعتدال. فلما وجدته على أحوال ~~مختلفة وأشكال مفترقة وأخلاق لا تتلائم ولا تتلاحم # PageV01P360 # علمت أنه إذا صادف من هذا بعينه وطينته، وعلى هذا ديدنه وإليه حنينه ~~ونزوعه، وفيه غروبه وطلوعه، كان المعنى الذي انبني عليه الحد عنهما أبعد ~~وهما عنه أنفر وأشرد، وأن ذلك الحد صدر عن فضاء العقول وعرصة الحق حيث لا ~~نتزاحم الأشياء لا بالمشاكلة ولا بالمعتاندة، فلذلك ما كان حلوا في السمع ~~مقبولا، كريها عند العمل مهجورا. # وهكذا حكم ما يوضع بالعقل ويحد به إذ كان لا يكمل ذلكإلا بالمباشرة ~~الحسية الكلف البشرية والعادة الإنسية، ولكن الزماع والصبر والاجتهاد ~~والاعتياد والرياضة والدربة والتسبب والتعود مطايا مبلغة أو مقدمة، وأسباب ms182 ~~محققة أو مقومة، ولولا هذه الفضائل التي يسلك إليها هذا السبيل لما وجد أحد ~~في صدره برد اليقين ولا طمأنينة الحق، ولا ظفر بسرور النفس ولا عرف روح ~~العقل، ولا أحس بسكون الطباع، ولا طمع في إصابة المطلوب، ولكان اليأس أغلب ~~من الرجاءن والقنوط أرسخ من الأمل، والعدم آنس من الوجد، وليس الأمر كذلك، ~~بل النعمة سابغة، والدواعي محركة، والإستطاعة حاضرة، والعناية معرضة، ~~والرجاء مطمع، والمراد مزمع والنداء عال، والنجاء متوال، والله موفق. وليس ~~يبقى حاطك الله إلا الفسولة والكسل، وحب الهوينا والضجر، ومتى تدرج في نفي ~~هذه الرذائل المكروهة والأرادات الذميمة، بالزهد في الدنيا، ورفض الشهوات، ~~ومخلطة أقران الخير، ومجانبة خلطاء السوء، عاد البعيد قريبا، والعسير ~~منقادا، والممتنع مستجيبا، والعاصي طائعا. # قيل له: إن الحد قد حوى هذا كله لأنه قيل: هو أنت إلا أ، ه غيرك بالشخصن ~~فبالموافقة يكون أحد الصديقين الآخر، وبالمخالفة يكون الشخص آخر. # فقال: ليس بجائز أن يكون في الحد تناقض، ومتى استجيز هذا جاء # PageV01P361 # الفساد الذي لا يخيل على أحد إن كان المراد بأنه بالشخص غير كأنه يوجد ~~سواك، وتوجدسواه، فهذا لا مرية فيه ولا شبهة على أحد منه، والعدو أيضا ~~كذلك. وإن كان المراد به يوافقك ويجري على هواك وإرادتك، فقد قلنا إن هذا ~~الوصف يدخله ذلك التعاند الذي تسلف استشفافه واستكشافه من جهة الطباع ~~والطباع، والعادة والعادة، والمراد والمراد، والهوى والهوى، والشكل والشكل، ~~فإذا الحد يصح ملحوظا بشرح العقل في عالمه النقي البهي المشرق المؤتلق ~~الخالص النير البحت، لا إذا قصد به وجدانه فيساحة الحس الكدر المظلم السيال ~~المتموج المضمحل المستحيل. ولهذا المعنى كان الوصف أبدا زائدا على الموصوف، ~~والقول فاضلا عن المقول عليه في أمور هذه الدار، وتفصيل أحوال سكانها في ~~جميع ما يتقلبون فيه ويتفرقون عليه. # قيل له: قد حصلنا حميع ما قلته ووجدنا في أنفسنا زيادة كثيرة لمعرفته ~~أفدنا الآن الفرق بين الصداقة والألفة؟ فقال قد يألف الإنسان ثوبا وزيا ~~وطعاما وهديا ومذهبا ومكانا، ولا يصادق شيئا منها، والصداقة ms183 إذا أخذتها من ~~جانب اشتاق لفظها كانت من الصدق، ولاصدق ميزان النفس وصورة العقل وكمال ~~الجملة وزينة التفصيل، وإذا ألف إنسان إنسانا فقد أجراه مجرى جميع ما ~~سميناه، وإذا صادقه فقد رفع شأنه وأعلى مكانه وميز قدره وأفرد حاله فيما لا ~~يصدف إذا حدث ولا ينصف إذا عومل. # قيل: فعلى هذا يتمم هذه المقابسة التي حركت منا سواكن، وأثارت علينا ~~كوامن. # فقال: إعملوا ما بدا لكم من الخير فالحكم خلس، والفوائد قرص، وليس كل وقت ~~يوافق نشاط السائل في سؤاله رغبة المسئول في إجابته، ولا في كل حال يمكن ~~للإنسان أن يثقف ما يقول ويقوم ما يعمل ويحقق ما ينوي قبل وبعد، وإني ~~أحدثكم عن الصداقة شيئا حسنا. # PageV01P362 # قرأت في أخبار الملك الحكيم الإسكندر أنه كتب إلى معلمه أرسطو طاليس يصف ~~له ما رآى في مسيره إلى الهند تمن الأمور العجيبة، والأحوال الهائلة، فكان ~~فيما كتب له: أيها الحكيم، إننا انتهينا إلى خليج من البحر من ورائه مدينة ~~عظيمة من مدائن الهند، ورأينا في اللجة من ذلك الخيلج شيئا ناشزا بارزا ~~كهيئة الجزيرة فأردت عبوره فمنعني منه صديقي فليون وقال بل أعب أنا أولا، ~~فإن كان هناك مكروه وقع في دونك، فإنه إن هلك فليون وجد الإسكندر منه خلفا، ~~وإن فقد لاإسكندر، لا فقد، لم يكن على وجه الأرض خلف. فعبر فليون وعدة من ~~خلاني وخلصاني، فإذا ذلك الذي رأينا في البحر دارة عظيمة من دوابه، فلما ~~دنا أصحابي منها غاصت في البحر فاضطرب الماء وغشى الموج سفائن أصحابي ~~فأغرقها، فلما شاهدت ذلك اشتد جزعي على صديقي فليون ومن غرق معه من خلاني، ~~وانصرفت عن ذلك بقلب مصدوع، وطرف مولع بالدموع. # فسئل عند هذه الحكاية عن مسائل من شكل حقائق الصديق فأجاب عنها غير متكلف ~~ولا متعسف بعد تفاد ظهر واستعفاء قدم وأخر. # وقال: كل مسألة من هذه المسائل تستوعب فكر النفس، وتفرق بال الإنسان، ~~وتأخذ به في أقطار العلم، وتضله في قفار البحث؛ وما أحب أ، تسجل علي بكل ms184 ما ~~يسمع مني، فرشائي قصير، ووردي ثمد، وحظي نزر. # فقيل له على ذلك: أخبرنا ما العشق؟ فقال: تشوق إلى كمال ما بحركة دالة ~~على صبوة ذي شكل إلى شكله. # قيل له: فما المحبة؟ قال: هي منوال العشق، إلا إنها محاولة الحال إلى ~~الإتصال، إتصالا يرفع التميز رفعا، ويقطع التحيز قطعا، وتحدث الكلف، وتورث ~~التلف. # قيل: فما الكلف؟ قال: كأنه اللزوم للشيء. # PageV01P363 # قيل له: فما الشغف؟ قال: قريب من الكلف، وهو أشد ارتفاعا في ملازمته من ~~الأول على أنا إن أنصفنا لم نقل في هذه الأسماء شيئا لأن حدودها وحقائقها ~~لم تنته إلينا صحيحة تامة غير مخرومة ولا مثلومة، وإنما نصفها ائتناسا بها ~~وببعض علائقها لا إطلاعا على جميع غوامضها وخوافيها، وعلى جميع ما دخل فيها ~~وفي غمار أخواتها. فلتكن الحال معروفة عند المعيب والعائب إذا عثر على زلة ~~لم يعر منها أحد من البشر وإن لطف عقله ورقت حاشية كلامه وتهودى سماع لفظه ~~بسمع كلامه وتزين في بديع خطابته، ولا غضاضة على من إذا قصر قصر من جهة ~~يشاركه فيها بنو جنسه. # قيل له: إنما الصداقة لغة، وهي أم هذه المقابسة. # فقال: صحة الظاهر بالموافقة، وسلامة الباطن من المخالفة، واستقرارها على ~~حد المواصلة بالمناصفة والمساعفة والإيثار، مع الإهتمام بكل دقيقة وجليلة، ~~والإحتياط في كل ما حرس أسباب القوى الزلفة، واطرح كل ما أشار إلى المؤنة ~~والكلفة. # وقيل: إن رأيت زدت في المحبة كلاما؟ فقال: المحبة أريحية منتفثة من النفس ~~نحو المحبوب لأنها تغذو الروح وتضني البدن ولأنها تنقل القوى كلها إلى ~~المحبوب بالتحلي بهيئته، والتمني بحقيقته، بالكمال الذي يشهد فيه. فالشوق ~~يتوفر عليه، والشوق شاغل عن كل ما عدا المشتاق إليه، وهو وقوة تسافر من هذا ~~إلى هذا، زادها الأطراق والتفكير والوجوم والسهر والتتبع والتحير. # قيل: فما المعرفة؟ قال: إن كانت ضرورة فهي نتيجة الفطرة، وإن كانت ~~استدلالا فهي ثمرة الفطكنة، ولا بد فيها من البحث الطويل والعريض، والسماع ~~الواسع # PageV01P364 # الكبير، لأن النفس الناطقة لا تعطيك مكنون ما فيها إلا ms185 بتصفحك كل ما هو ~~دونها من أجلها. # قيل فما العلم؟ قال: قال بعض الأوائل: هو الرأي الواقع على كنة حقائق ~~الأشياء وقوعا ثابتا لا ينتقل عنه. # قيل له: قد استفدناه فيما يحكي، وإنما نرغب إليك فيما حاكه فضلك واستنبطه ~~فكرك، وجاد به عقلك، وانتهى إليه فضلك؟ فقال: العلم وجدان النفس مطلوبها ~~توحدت به واتحدت فيه لهما، وهذه صورته عندنا، وشك الإنسان بعد ذلك بالرأي ~~الضعيف الظن السخيف من ناحية الطبيعة والعادة، لأن ما جرى مجراهما لا يتحيف ~~بحصولها ولا يسلبها ما صار بالواجب لها. # وقال: والعلم انفعال ما ولكن باستكمال يؤدي إلى النفس سرورها، وحبورها ~~اللذان هما خاصان لهما. والمعرفة تنفذ في الأشباح المائلة والإحساس ~~القابلة. والعلم ينفذ في الأرواح القابلة للمعقول، وقد يتعادلان عند العامة ~~كثيرا لدقة الفرق وغموض الفصل، وذلك أن العامة تطلق كلامها تحريفا وتخويفا، ~~فتزل عن كنه الحقائق لإلفها حضيض الأمور بما تراه العين وتسمعه الآذان، ومن ~~وراء البصر والمسموع معادن الحكمة الآلهية وبحار الأسرار الملكوتية، ومصادر ~~نفس الأنفس الزكية، وموارد طمأنينة الأرواح الطينية، ومعارج رواد العقول ~~الصافية. # قيل: فما التوحيد؟ قال: اعتراف النفس بالواحد لوجدانها إياه واحدا من حيث ~~هو واحد لا من حيث قيل إنه واحد. وهذا هو الحد بين توحيد الجمهور بالتقليد ~~وبين توحيد الخاصة بالتحقيق. فأما اعتراف اللسان فهو ثابت عن اعتراف النفس # PageV01P365 # إذا كانت هذه النيابة على حد الكمال ولم تكن تليقينا من عامة الناس. # ثم قال: وليس معنى قولنا وحد فلان أنه قال هو واحد، هذا مفهوم العامة لا ~~معقول الخاصة؛ بل معنى قولنا وحد أي عرفه واحدا، وعلمه واحدا، وأثبته ~~واحدا، ووجده واحدا، لا لأنه نفى عنه الثاني والثالث فصاعد، وكيف ذلك، ولا ~~ثاني له فينفي، ولكن لأنه واحد وحده، بل هو وحده واحد لا على سبيل تنسيق ~~العبارة على عادة أصحاب اللفظ، لا على تعقيب يقتضيه إلف أكثر الخلق، بل على ~~لحظ ذات لا شوب فيها وتجريد أنية لا نعت لها وإشارة إلى هوية لا عبارة ~~عنها. # ثم ms186 قال: وهذا موضع يزيغ عنه العقل الإنسي، ويوسوس منه الإنسان العنصري، ~~وذلك لأن العقل يجد العلة الأولى وجدانا على أتم صورة وأشرف نعت، وأبلغ ~~قول، فيهش إليه ويتهالك عليه، قابلا لفيضه، ومقتبسا من ذاته، وسابحا في ~~جوده، ومتشبها بحقيقته، ومناسبا بنعته، يتحلى به من كان به عاقلا ومن كان ~~به كاملا على ما دونه وعزوفا عما سواه، فلذلك يظن الإنسان إذا سما عقله إلى ~~هذه الآفاق العلية ودنا نحو هذه الغايات البعيدة أنه خولط وجن وأنه وسوس، ~~وهذا عار يحل على بؤبؤة العين وناظر الحدقة في حيث هذه الحدائق المؤنقة، ~~والظلال الريحة، والثمرات الحلوة والنعمة الدائمة، والسعادة الحاصلة، ~~والأمنية الشاملة. # قيل: ينزل قليلا عن هذه الربوة فإنها قد أخذتنا عن درجاتنا ومقاماتنا إلى ~~ما هيئنا لمعرفة هذه الدقائق والتوغل في هذه الأعماق ما الفتوة؟ # قال: طهارة الحدة والطراوة في كل حال مباشرة، لأنها متى فقدت جاءت ~~الخلوقة والرثاثة، ومن ذلك سمي الفتى فتى، والفتى فتيا لأن الكرم والمجد ~~والجود والعفة والنجدة وكبر النفس وعلو الهمة وسائر خصال الفضل والخير غضة ~~في كل زمان طرية في كل مكان، كان الطاهر بها والمطهر لها والمؤثر لأجكامها ~~والمجدد لرسومها فتى وصاحب فتوة. # PageV01P366 # قيل له: فما المرؤة، فإنها تتبع الفتوة؟ فقال: هي القيام بخواص ما ~~الإنسان يكون عليه محمودا وبه ممدوحا، وهي أعني المرؤة أشد لصوقا بباطن ~~الإنسان، وأما الفتوة فهي أشد ظهورا من الإنسان، فكأن الأولى أخص، والثانية ~~أعم، أني لا فتوة لمن لا مرؤة له، وقد يكون ذو مرؤة ولا فتوة له، فإما ~~إذااجتمعا فقد أخذ الحبل بطرفيه، وملك الأمر بجنوبه. # قيل له: إن الحسن بن وهب قال: غزل الصداقة أرق من غزل العلاقة. فما وجه ~~هذا القول؟ قال: صدق، هذه نفثة فاضل قد أحس كمال الصداقة، لأنها مؤثرة ~~بالعقل ومجراة على أحكامه ومحمولة على رسومه، فأما العلاقة فهي من قبيل ~~الحس، والطبيعة عليها أغلب وآثارها فيها أبين. وفي الجملة ينبغي أن يعلم أن ~~ذا الطبيعة مشاكل لذى الطبيعة، وكذلك ذو النفس ms187 مشاكل لذي النفس، وكذلك ذو ~~العقل مشاكل لذي العقل، وهذه التفرقة لم تقع من جهة الطبيعة الأولى لأنها ~~واحدة سارية في الجميع، ولكنها وقعت من جهة المواد والقوابل بالزائد ~~والناقص، وهكذا الحال في النفس والعقل، لأن شأنهما أعلى ومحلهما أسنى ~~وأسمى، وذلك أن الطبيعة إنما تنهي الشيء اليسير مما تجده وتحصله من ناحية ~~النفس والعقل، والطبيعة نفس في الأصل، والنفس عقل في الأول، والعقل هو ~~المبدأ، وكل هذا واحد إذا لحظت القوة القائمة والجود المنبجس، والواحد كل ~~إذا لحظ الجود المحض ومتى # PageV01P367 # خلص النظر من شوائبه، وصفا البحث من عواقبه. وارتفع الحاجز الذي قصد ~~وانتفى العارض الذي تعرض، وجدت حقيقة هذه الحال من غير تجوز ولتا اختلاف. ~~فالهوى من عوارض الطبيعة، والحب من علائق النفس، والعشق من محاسن العقل. ~~وكل واجد من هؤلائ الذين سمينا هو صاحبه تفي موضعه، وحكمه بحكمه في مكانه. ~~ومتى اقتص الفاضل الحكيم هذه الأوائل وساق إليها هذه الثواني رقي من الأدنى ~~إلى الأشرف، وانتسب إلى الأقوى دون الأضعف، وهي كالطرق المذللة، والسلاليم ~~الموصلة بخلانيتي وينسب بغيره؟ حتى إذا أنيل الفوز بمعانية الغاية التي هي ~~الغرض الأول والمراد الأفضل، أدرج ما عدا ذلك كله إدراجا، وطوى ما سواه ~~طيا. وهذه كالرؤيا لا تأويل لها إلا رياضة الإنسان طبيعته؛ حتى لا يتم إلا ~~ما ينبغي ولا يأتي إلا ما يحب، ولا يقول إلا ما يحق حنينه، لا يتطاول إلى ~~ما ينحط عنه، ولا يتشرف بما يزدهيه، ولن يتم له ذلك أولا وآخرا إلا بمواصلة ~~العقل وصحبته والعمل برسمه والتسرع إلى قبول نصحه. والعقل وإن لم يكن بأسره ~~عنده فمعه جزء ينزع بشرفه إلى أصله يضيء له بأنوار السيرة الفاضلة والأخلاق ~~الحميدة، ويكف هوائج الطبيعة، ويحسم مواد العادة الرديئة، ويحث على ~~استعدادها لا يستغني عنه في العاقبة، ويوزع العدل الذي هو صورته على ~~الأحوال الراسخة والطارئة، ولن يتم هذا كله إلا بهذا الإنسان دون، يكون ~~مهيئا له بالأصل معرضا له في الفرع. # ثم قال: ولأن تمت فيك ما ms188 أحياه الله لك، ولا تزعج على نفسك ما كفه الله ~~عنك، وخذ بآداب أهل الحكمة نفسك وغذ بها روحك، واستر عليها عادتك، واجعل ~~الخير كله إرادتك، ولا تكترث بسيلان طينتك، وذوي عودك، وتعادي أخلاطك، ~~وتزايل أوصالك، وارتداد نفسك، ومفارقة إلفك، واستحالة عنصرك، وفساد مزاجك، ~~ودوام اختلاجك، وتعذر # PageV01P368 # تدبيرك في عاجلك، فإنك باق بحقيقتك، دائم بجوهرك، موجود بذاتك، واحد ~~بأنيتك، كامل في جملتك، سعيد في تفصيلك، عجيب في شرك، ظريف في خيرك، بديع ~~في شأنك، صلة الدهر، وعنوان الغيب، ومحجوب الشاهد، وتمام العين، ونظام ~~السلك، وضالة كل طالب، ورضى كل واجد، ونافي كل وحشة، ومحضور كل أنسة، ورقيب ~~كل حاضر، ونجي كل غائب. هذا بعض حديثك وجزء من شأنك، وبعض ما يترآى بعينك، ~~ويتناجى في أذنك، وينسرب في فؤادك، ويدغدغ في روحك ويجيب عنك ورقك، ويسيغ ~~فيك طرفك، ويريك فيك، ويحول عليك، ويعرضك فيك لك، ويعرفك إباك، ويحدثك بك، ~~ويدنيك منك، ويقربك إليك، ويحضرك بين يديك، ويعيشك ويعشقك، ويجودك ويرودك، ~~ويريحك ويحيطك، ويحبط بك ويحتاط لك. فيا لها عطية يا لها سعادة! لو كان ~~للسامع فطنة بل عزمة بل قصد بل توفيق، إنها لبشرى. أما سرك في الثاني حسن ~~حصلت في الأول من البشر، أما يسرك أن تصفو من هذا الكدر، وتنقى من هذا ~~القشر والقذر، وتصير في زمرة الملأ الأكبر؟ حيث لا بلاء ولاذوب ولا شؤب ولا ~~غير. حيث لا يصل إليك البطلان، ولا تتسلط عليك الأحزان. حيث تبدو عينك في ~~بهاء شعاع في معدن الأمن والقرار، بعد استيفاء مدة هذا الليل والنهار حيث ~~لا تنطق بلسان يناله عي ولا حصر، ولا تهينم بنفس يعتريها طيش وضجر، ولا ~~تسمع بأذان يلجها أذى، ولا تنظر بعين يغشاها قذى. حيث تستهلك الآلهية ~~البشرية، وتستغرق الربوبية العبودية. حيث لا تنعقد بطين، ولا تنحل بماء، ~~ولا تقلب بهواء، ولا تحرق بنار، ولا تكمل بمزاج ولا تعتدل باخلاط. وبالجملة ~~حيث لا سلطان للطبيعة عليك، ولا سريان لهواها فيك، ولا تخطيط من رسومها ~~وأشكالها عندك. حيث ms189 لا تظن فتخظئ ولا تتمنى فتخسر، ولا تأمل فتخاف، ولا ~~تجرك فتسكن، ولا تسكن # PageV01P369 # فتتحرك. حال ثابتة بائنة عما يعتاد من هذا البلد الذي أنت فيه غريب، وإلى ~~وطنك مشتاق. وإن سميتها سكونا فذلك سكون بهدوء وطمأنينة وأمن وسكينة، وإن ~~سميتها حركة فهي حركة تشويق وتشبه واستمداد واستلذاذ، لا كارادتك التي ~~ألفتها، وعادتك التي عرفتها، وخلالك التي أسلفتها، فلا تسحرنك الأسماء ~~والكنى لهذه الأشكال، ولا يستهوينك هذا الزبرج الذي تلحظ وترى، فوراء حسك ~~نفس، ووراء نفسك عقل، وفي أثناء العقل أنت بما أنت أنت لا بما به أنت ~~وغيرك، ولا بما أنت به غيرك وأنت، ولكن بما أنت به كنت مرة أنت، وإذا حللت ~~هذا العالم لم تكن هناك، لأن الكون يعقبه فساد ولا فساد هناك. فإذا لا كون ~~ولافساد. ومن الكون والفساد رقوك، ومن الشيء وضده علوك وبالشيء الذي لاإسم ~~له عندنا حلوك. يا هذا أنت خلاصة ذلك العالم في هذا العالم، ولكن علاك من ~~الغربة هنا شحوب، ونالك عناء وكد ودروب ومسلك كلال وتعب ولغوب، فأنكرت ~~نفسك، وأنكرك الناظر إليك، لأنك ثبت فيك ما غيرك، ولهج بك من كذبك وغشك، ~~وصحبك من استعزك وغرك، وملكك ما عافك وصدك، فلما ضللت الطريق لزمت. مكانك، ~~وعكفت على ما يعلك، فألفت ذلك المألف الوضيع، فلما أراد فطامك ظلت تجزع ~~وتفزع، وتستغيث وتستصرخ، وأنت الجاني على نفسك. فمن يصرخك، وأنت الموبق ~~لنفسك فمن ينقذك؟ هيهات! لا رجعة للطبيعة إليك، ولا عطفة للنفس عليك، ولا ~~أثر عند العقل منك، ولا نسبة لما حل عن هذه كلها فيك. شقيت فبدت، ولو سعدت ~~لبقيت. ومن تمام مصابك أنه لا مفجوع به غيرك. ولا باك لك سواك، فعلى نفسك ~~نح إن كنت لا بد تنوح. # فلما غمرنا هذا الشيخ بهذا الفن وطرحنا في هذا الوادي سكت سكتة # PageV01P370 # أوجب علينا حسن الأدب التفرق عنه. فما مرت أيام حتى نظمنا ذلك المجلس ~~وضمنا مثل ذلك الأنس، فقال له بعض أصحابنا، وأظنه أبا الخير اليهودي: إن ~~أذنت لنا في ms190 تمام الذي من تلك الجهة العذبة؟ فأنا صدرنا عنها وبنا برح، ومن ~~وهب الله له ما وهب لك خليق بالجود على المستحق، ومن عرفه الله ما عرفك حرى ~~بالتلطف في المسألة، وأنت بحر الله في الخلق تقذف بالجواهر، وشجرة العقل في ~~العالم تخرج ضروب الثمر في كل حين وإبان، فلا زلت مكنوفا بالمعرفة، مؤيدا ~~بالنصرة، جوادا بالعطية، بداء بالرفد، محببا إلى القلوب حاليا بالعيون، ~~ممدحا بالألسنة، وصحوبا بالتوفيق، مذكورا بالثناء الفائق متنافسا عليه ~~بالطارف والتالد. # فقال: لولا أني أعلم أن عشق الحكمة حرككم بهذه الكلمات الغر وهذه الفقر ~~التي توفي حسنا على الدر، لأثنيت عليكم، ورددت أنفاسكم إليكم، شفقة على ~~مروءتكم من عادة المتملقين، وصيانة لأعراضكم عن دنس المماذقين، فجولوا الآن ~~فيما أحببتم فما يبخل بالحق على أهل إلاشقي، ولا ينفس بالصواب على طالبه ~~إلا دني ردي. # فقيل له: فما العقل؟ فقال: العقل خليفة العلة الأولى عندك، يناجيك عنه ~~ويناغيك به، ويبلغ إليك منه ويدلك على قصده والسكون في حرمه، ويدعوك إلى ~~مواصلته والتوحيد به، والإهتزاز إليه، والإعتزاز به. وهذا كله نصح لا غش ~~فيه، ورفق لا عنف معه، وبيان لم يخلط به تلجج، ويقين لا يطيف به تخلج. # قيل له: فقد قيل إن العقل مأخوذ من العقال. # فقال: هذا كلام خلف، ومعناه دنس، ودعوى متهافتة، إنما يدل الإشتقاق من ~~الكلمة على جهة واحدة، والمطلوب المتنازع، لأنه مأخوذ من تركيب الحروف ~~وتأليف اللفظ وصورة المسموع. أترانا إذا نطقنا بلغة أخرى، بالرومية أو ~~الهندية، بمعنى العقل لكنا نريد به معنى العقال؟ لا والله! بل هذا المعنى ~~موجود # PageV01P371 # أيضا في صفاته، ومذكور أيضا عرض ما ينعت به، لأن العقل يعقل أي يمنع ~~ويحبس، وهو أيضا ينتج ويطلق ويسرح ويفرح، ولكن في حال دون حال، أمر دون ~~أمر، ومكان دون مكان، وزمان دون زمان، بل العقل إذا دنوت إليه وهو في يفاع ~~القدس ومعنى الآله ينعت إنه صورة أحدية أبدية سرمدية مشاكهة للمبدأ الأول ~~مشاكهة يكاد بها كأنه هو، فكل من نال من ms191 هذه الصورة وهذا الجوهر وهذه العين ~~نصيبا وحصة بمزاجه المعتدل والمنحرف، وطبيعة المواتية والأنية، وطينته ~~الندية واليابسة، وقوته الفاعلة والمنفعلة، ونفسه السمحة والجامحة، وآدابه ~~الحسنة والسيئة، وعاداته الكريمة واللئيمة، كان ذلك مطية سعادته وشقاوته، ~~ومبلفا إلى صحة بقائه وفنائه، وبابا إلى تمامه ونقصه، وطريقا إلى استقلاله ~~وشذوذه، وكلا ائتلف له بعض مضموم إلى بعض، ومجموعا انتظم من مفرقه، وخصوصا ~~صفا له من عمومه أو مركبا عاد إلى بسيطه، وبددا صار إلى نظامه، ومنقوصا قدر ~~على تمامه، وباغيا تخلص من نشدانه بوجدانه، ومهجرا وصل إلى حبيبه، ومقيدا ~~أطلق من قيده، ومنفيا اعترف بنسبه، وذليلا ألبس ثوب عزه، وضالا هدى إلى ~~روحه ونعيمه. # ثم قال: والكلام في العقل والعاقل والمعقول واسع، ولسنا نقدر على أكثر من ~~هذا الإيضاح في هذا الوقت مع تقسم البال وانبتات الوقت. # قيل له فما: الروح؟ قال: قوة منبثة في الجسم بها قوامه في الحس والحركة ~~والسكون والطمأنينة ومبدؤها من ائتلاف الاسقصات، ومادتها في جميع ما لاءمها ~~ووافقها من ضروب الأغذية، النبات وغير النبات، وهي تابعة في الأصل خواص ~~المركبات. وقد ظنت العامة وكثير من أشباه الخاصة أن النفس هي الروح، وأنه ~~لا فرق بينهما إلا في اللفظ والتسمية، وهذا ظن مردود، لأن النفس جوهر قائم ~~بنفسه لا حاجة بها إلى ما تقوم به، وما هكذا الروح، فإنها محتاجة # PageV01P372 # إلى مواد البدن وآلاته، وبها يوجد ويصح، وبها يبطل ببطلان البدن، ولو ~~أردنا استقصاء الفرق بين هذين احتجنا إلى الحدين المعروفين مع الشرح ~~الطويل. وهذا القدر كاف في جملة هذه المسائل. # قيل له: فما الرأي؟ قال: شيء من تلقيح الظن والتوهم بشركة العقل ~~والتجربة. # قيل: فما السعاد؟ قال: نيل النفس طلبتها. # قيل: فما طلبتها؟ قال: عودها إلى معادها برية من كل دنس وروب، خالصة من ~~كل عارض وشوب. # قيل: فما تفسير عودها؟ # قال: كلمة مشكلة والإشارة دقيقة، قال: يجب أن يقال على التقريب: عودها ~~إنما هو استكمالها وبلوغها غايتها التي كانت قبلتها ومقصدها. # قيل: فما الجود؟ قال: بذل ما ms192 حواه الملك من المال وما حوته النفس من ~~الحكمة، بصفاء من المن، وخلوص من الكدر. # قيل له: فما الظن؟ قال: قوة وهم لا دعامة له من العقل ولا إياد له من ~~العيان. # قيل له: فما الوعد؟ قال: قول يحاسن به قلب الموعد بانتظار الخير. # قيل له: فما الوعيد؟ قال: كلام ينفر به عن توقع المروه وحلوله. # قيل له: فما الحكمة؟ قال: القيام بحقائق الإعتقاد في العلم، والتناهي في ~~الإجتهاد ببذل الوسع في صلاح العمل. # PageV01P373 # قيل: فما العالم؟ قال: صنم مزين. # قيل: أفقديم هو أم محدث؟ فقال: محدث ولكن في هيئة قديم، وقديم ولكن في ~~معرض محدث، فأما القدم له فبحق المماثلة للعلة الأولى والتوشيح للعالم عن ~~الجود الدائم، وأما الحدوث فبحق العيان الذي يشهد من ناحية المعلول الثاني. # قيل: فما الدنيا؟ قال: لعب ولهو وغفلة وسهو، وهي في غيب ظاهر عيان ومصحوب ~~حسن ومفارق لحقيقة عقل. # قيل: ثم ماذا؟ قال: شاهد كذوب، وزخرف خلوب. # قيل: ثم ماذا؟ قال: موجود ولكنه معدوم، وحقيقة ولكنه باطل، ويقظة ولكنها ~~حلم وكون ولكنه في طي اضمحلال، واضمحلال ولكنه في طي كون، ومتصرم يشير إلى ~~الدوام، وغاش في جلباب نصيح، وعدو في ثياب صديق. # قيل: فما الإنسان؟ قال: شخص بالطينة، ذات بالروح، جوهر بالنفس، ألة ~~بالعقل، كل بالوحدة، واحد بالكثرة، فان بالحس، باق بالنفس، ميت بالإنتقال ~~حي بالإستكمال، ناقص بالحاجة، تام بالطلب، حقير في المنظر، خطير في المخبر، ~~لب العالم. فيه من كل شيء شيء، وله بكل شيء تعلق، صحيح بالنسب إلى من نقله ~~من العدم، قوى النسب لمن يستفيد عن أمم. أخبار الإنسان كثيرة، وأسراره ~~عجيبة، من عرفه فقد عرف سلالة العالم ومصاصته، وقد حوى جوهره شبها من كل ما ~~يعرف ويرى، فهو مثال لكل غائب، وبيان لكل شاهد، هيوب عجيب الشان، شريف ~~البرهان، غريب الخبر والعيان. # PageV01P374 # قيل له: فما الشريعة؟ قال: هيئة في آخر الذروة البشرية، تصدر عن القوة ~~الآلهية، وتنشأ لها من النفس فواتح طبيعية، وأوائل حسية. # قيل له: أفما صدر من ms193 العلو أشرف أم ما نشأ عن السفل. # فقال: فاتحة القوة الصادرة من هناك أشرف، وغاية الناهية من ها هنا أسرف. ~~قال: وما يوضح هذا أن تلك ترسخ في الزمان بعد الزمان لأنها في غايتها تقوي ~~وتصح وتظهر وتنبث وتتمكن وتثبت. وسعادة الشريعة علمية وفيها أفناء الحكمة، ~~وسعادة الفلسفة عملية وفيها حقائق العمل، والعمل وصف آلهي، والعمل نعت ~~بشري، وتلك استصلاح القوب النافرة، واستجماع النفوس الشاردة الآبية. وهذه ~~روح للنفوس المكروبة، وجلاء للصدور الصدية، وارتقاء إلى المعارف العلية، ~~بالسيرة المحمودة المرضية. وتلك تعطيك جملة مقنعة، وهذه تعطيك مفصلة مونقة. ~~ومتى أراد شرعي أن يعرف الطبيعة والنفس والعقل والأول وآثارها وأسرارها ~~وعيونها وودائعها وما في أعماقها، قد ألقي إليه، وقصر باله عليه، ونبطت ~~عروقه، وفجر ينبوعه منه، لم يجد سبيلا إلى حرف منها إلا برمز غير شاف، ~~وعلامة غير بالغة، ودعوى غير مثبتة. ومتى رام فيلسوف أن يضع ناموسا إلهيا ~~محلا بالكلمات الصحيحة، مؤيدا بالعقول السليمة، مجموعا فيه مصالح البرية، ~~قدر علىذلك. وقد تم هذا في قديم الدهر عند مس الحاجة إليه ثم دثر على ~~الأيام كما دثر سائر ما يأتي عليه الزمان. # وكان جميع ما ثقفناه ولقناه عن الشيوخ في مجالس مختلفة مع جماعة متفاوتة ~~فلذلك ما استوثق هذا القدر الذي ملكته هذه المقابسة، وقد بقي شيء يسير وأنا ~~أجمله بتمامه إن شاء الله تعالى. # قيل: فما الموجود؟ قال: ليس فوقه ما ينعت به، ولا دونه ما يحط إليه، لأنه ~~لولان فوقه # PageV01P375 # غيره لكان أيضا موجودا ولو كان دونه لكان أيضا موجودا. فعلى هذا كما ~~تراءى للعين، أوثبت للحس، أو انتصب للنفس، أو تحقق بالعقل، من غير فرض ولا ~~توهم ولا وضع، فهو موجود إما بالقوة وإما بالفعل. # قيل له: فما الغنى؟ # قال: صورة العقل بالحس المتناهى، مطلوب بكل غاية، محفوظ بكل رعاية، مؤثر ~~بكل إيثار، مختار بكل اختيار، غاية كل طالب، ويقين كل شاك، وسكون كل قلق، ~~وراحة كل متحيز، بسيط العقل، مركب بالحس، مظنون بالظن، موهوم بالوهم، نظام ~~كل ms194 موجود، وقوام كل محدود، وتمام كل مشهود. ثم قالف: ومن عجائبه أن من حاول ~~إظهار باطل لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه بوجه ولا بسبب حتى ~~يشوبه به أو بشيء منه، لا يقبل وهو صرف، ولا ينقاد وهو بحت. هذا يدل على أن ~~هذا العالم الذي هو في هيئته باطل لكونه وفساده، ومفتقر إلى ذلك العالم ~~الذي هو في حقيقته حق لصحته وتمامه، واستقامته والتئامه، ولأنه لا طريق ~~للكون والفساد إليه. هذا إذا كان المبطل قاصدا الباطل باختياره وحوله وقد ~~يكون الإنسان على غيرهذا الرأي تبأن يقصد الحق المحض والصواب المجرد فلا ~~يبلغ أيضا غاية مراده إلا بشيء يخلص إليه من غير أن يستصحبه أو يريده أو ~~يرومه. وهذا لأن الناظر في الحق الطالب للحق، ممزوج مركب ومشوب مخلط، لا ~~يكمل له شيء من حظيرة العقل الإنسي يلتبس به من ناحية الحس، وهو في الأصل ~~متهيء لقبول ذلك. لأن معجون طينته ومركب نصابه وأول سوسه هكذا وقع وعليه ~~استمر، ولهذا يعينه بالتكثر عليه أسهل من التوحد، والتوحد عليه أعسر من ~~التكثر. ومن له بالبراءة من هذه الحال، وتقديس نفسه من هذا الدنس، وهو ذو ~~أنفس ثلاث: ناطقة هو بها أقل، وبهيمة هو بهتا أكثر، وسبعية هو بها أظهر؟ ~~وهذا الإعتبار يقتضي أن يكون بالأكثر أكثر، وبالأقل أقل. ولما اتفق بالعرض ~~أن # PageV01P376 # يكون هذا الإنسان واحدا في الغاية طلبت له صورة الوحدة من الثلاثة. وهذه ~~الصورة تلتئم من الثلاثة، واستحال أن يكون مركبا بالنفس الواحدة، أعني ~~الناطقة، لأنها لا تقبل التركيب. ولهذا تجد الأجرام العلوية بواطن لأنها ~~عادمة للمزاج والتركيب والشوق. فلما كان الإنسان متقوما من جزء ناطق، وجزء ~~حي، وجزء مائت، وكان بالناطق يفهم ويرتب ويهذب، وبالحي يحس ويتحرك ويسكن، ~~وبالمائت ينتهي ويفسد ويبطل، كان جميع ما يحيط به عقلا، أو يدركه حسا، أو ~~يفرضه مدخولا، ناقصا متخفيا متلوما. حتى إذا قوى الجزء الناطق الآلهي ~~واقتنى خصائصه وملك ما هو اللائق به من العلم الحق والعمل الحق، حينئذ ms195 أهل ~~الجزءين، أعني ما هو متحرك حساس وما هو ميت باطل، وإن شئت ما هو بهيمي وبه ~~يسعى؟ خلص إلى أفقه العلي ومكانه البهي، خلوصا يريحه من كل ما عاق التركيب ~~والتقليب والإستحالة والإستبادة والعفاء والدثور، والصواب المتحلي، والجود ~~المعتاد، والزهد المقدم، ورفض سائر ما عاند الفضائل وحجب عنها وحال دونها، ~~فلا زال هناك باقيا بقاء لا آخر له. وكيف يكون له آخر وانقطاع وحيلولة ~~وارتجاع، وقد استفاد ذلك البقاء من الحق الأول والموجود الذي ليس قبله ~~موجود بالتشبيه والإقتداء والمماثلة والإهتداء والتعمم والإرتداء؟ هذا مالا ~~يجوز أن يظن بحس أو بعقل. وأنت ترى في الشاهد ملكا حكيما صارما شهما سائسا ~~جلدا يرغب كل أحد من خدمه وخاصته، ورعيته وأوليائه في خدمتهن وحضور مجلسه ~~في التشبه به وبأخلاقه وهممه، طلبا للكرامة منه، والحظوة عنده، وعلما بأن ~~القرب منه والدنو إليه مصرفة للآفات عنه، مجلبة للعزلة، مدعاة للأماني ~~عنده، وأن الأطماع تنقطع عنده، والجاه والقدرة يعظمان به، والعزة والمجد ~~يسعان به عليه، وترى كل واحد من الخاصة والعامةيبذل وسعه، وينفد جهده، ~~ويسأل عما يمكنه يمينه لينال تلك الحال، وتلك المنزلة، وتلك السعادة، وتلك ~~الغبطة، # PageV01P377 # فإذا كان هذا في المثال الحسي على ما تجده من غير شك ولا مرية، فما قولك ~~في الحقيقة العالية والغاية الآلهية والنهاية الأصلية؟! يا هذا إن الأمر ~~لعظيم، وإن الشأن لخطير، وإن المطلوب لعزيز، وما هو إلا أن تصمد نحو ~~السعادة بتطهير الأخلاق، وتجريد العادة، وإصلاح السيرة، وتقديم الجد في ~~الرأي، وقصد العزم بالجزم، وتوخي العمل بما له مرجوع، في العاجل بالثقة، ~~وفي الآجل بالحقيقة، مع الإشفاق على تضييع الزمان وتصرم العمر وتقطع أنفاس ~~الحياة حتى تلقط المشتري والزهرة بيدك، وتخرق كل حجاب دونهما بجوهرك وتصير ~~فوقهما بحقيقتك، وتنال حينئذ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا سنح على بال ~~أحد من الإنس. فليكن ميل مثلكم إلى الحكمة ميل من يتخذها مطية لدرك الأمل، ~~فإنه سيجدها كنزا نافعا في آخر العمل لا ميل من عادل بها، ms196 وليسع بذكرها ~~ويعرضها في أسواق الجهال، وينادي عليها بين السفهاء والأنذال، ويرضى بعرض ~~الدنيا خلفا وبدلا عنها، فكل ما كان هذا دأبه فقد انغمس في بحر الشقاء وسقط ~~في مثوى البلاء والفناء لا يرتجي لدائه برء، ولا لعلته شفاء، ولا لصرعتهه ~~انتعاش، ولا لأسره فكاك. أخذ الله بنواصينا ونواصيكم إلى ما أعده للأخيار ~~الأبرار. تحولوا عن هذه الدار بحسن الاختيار لا بقبح الاضطرار. والسلام. # تمت المقابسات ولواهب العقل المجد سرمدا، وصلاته وسلامه وتحياته وإكرامه ~~على سيدنا محمد النبي المبعوث إلى الخلق كافة وآله، لا إله إلا الله، ولا ~~معبود سواه PageV01P378 ms197