######OpenITI# #META# comp: 1 #META# الكتاب: المنية والأمل #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# الناشر: دار المطبوعات الجامعية - الإسكندرية #META# authinf: القاضي عبد الجبار ( 000 - 415 ه = 000 - 1025 م) ¶ عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين المعتزلي: قاض، أصولي. ¶ كان شيخ المعتزلة في عصره. وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره. ¶ ولي القضاء بالري، ومات فيها. له تصانيف كثيرة، منها: (تنزيه القرآن عن المطاعن - ط) و (الأمالي) و (المجموع في المحيط بالتكليف - ط) الأول منه، و (شرح الأصول الخمسة - ط) و (المغني في أبواب التوحيد والعدل - ط) أحد عشر جزءا منه، و (تثبيت دلائل النبوة - ط) و (متشابه القرآن - ط). وللدكتور عبد الكريم عثمان: (قاضي القضاة عبد الجبار ابن أحمد - ط). ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي ¶ #META# ad: 415 #META# bkord: 11855 #META# المؤلف: القاضى عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (المتوفى: 415 ه) #META# تحقيق: الدكتور سامي النشار - الدكتور عصام الدين محمد #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المنية والأمل ¶ المؤلف: القاضى عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (المتوفى: 415 ه) ¶ تحقيق: الدكتور سامي النشار - الدكتور عصام الدين محمد ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: دار المطبوعات الجامعية - الإسكندرية ¶ تاريخ الطبع: 1972 م ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 37746 #META# higrid: 415 #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# iso: المنيه والامل #META# archive: 19 #META# max: 204 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# auth: القاضى عبد الجبار #META# cat: الفرق والردود #META# authno: 1367 #META# تاريخ الطبع: 1972 م #META# ndata: الكتاب: 29FCA9C8شمية 177 #META# idx: 1 #META# bk: المنية والأمل #META# Lng: القاضى عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين المعتزلي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO [الجزء الأول] باب ذكر المعتزلة وطبقاتهم # الجزء الاول PageV01P001 ~~كتاب: المنية والأمل فى شرح كتاب: الملل والنحل # وهو الجزء السادس من كتاب: غايات الأفكار ونهايات الأنظار المحيطة بعجائب ~~البحر الزخار # خط سنة 1061 (186) ورقة ومصور عن مكتبة الجامع الكبير بصنعاء رقم 11 علم ~~الكلام ميكروفيلم رقم 109 (رقم مسلسل 427 من قائمة المخطوطات. # وقد جمع هذه المادة: أحمد يحيى المرتضى # وألفها: قاضى القضاة عبد الجبار الهمذانى # كما تبين للمحقق بعد التثبت بحمد الله وفضله. PageV01P002 # اعلم، أنا قد ذكرنا في المختصر، أسماءهم، وعلة تلقيبهم بها، وسند مذهبهم، ~~وما أجمعوا عليه، ثم تعيين طبقاتهم، ثم اعداد فرقهم، وانتهائها الى ثلاث ~~عشرة فرقة: «1» PageV01P003 ### || AUTO [أسماء المعتزلة وبيان أسباب التسمية] # أما أسماؤهم، فقد قلنا: يسمون «المعتزلة» (1) لما سيأتي، و«العدلية» PageV01P004 ~~PageV01P005 PageV01P006 ~~لقولهم بعدل الله وحكمته، «والموحدة» لقولهم: لا قديم مع الله، ويحتجون ~~للاعتزال، أي لفضله، بقوله تعالى: «وأعتزلكم» «1» ونحوها، وهو قوله تعالى: ~~«واهجرهم هجرا جميلا» «2»، وليس إلا بالاعتزال عنهم. واحتجوا من السنة، ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: «من اعتزل من الشر سقط فى الخير». # واحتجوا أيضا بالخبر، الذي رواه سفيان الثوري «3»، عن ابن الزبير، عن ~~جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من اعتزل من الشر ~~سقط فى الخير». واحتجوا أيضا بالخبر، الذي رواه سفيان الثورى عن ابن ~~الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها ~~الفئة المعتزلة» «4»، وهو تمام الخبر. ثم قال سفيان لأصحابه: «تسموا بهذا ~~الاسم، لانكم اعتزلتم الظلمة»، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه. ~~فكان سفيان، بعد ذلك يروى: «واحدة ناجية». # مسألة: وكان السبب، في أنهم سموا بذلك، أي معتزلة، ما ذكر أن واصلا، ~~وعمرو بن عبيد، اعتزلا حلقة الحسن، واستقلا بأنفسهما، ذكره ابن PageV01P007 ~~قتيبة فى المعارف، قال الشهرستاني: وروى أنه دخل واحد على الحسن البصري، ~~فقال: يا إمام الدين، لقد ظهر فى زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، ms001 ~~والكبيرة عندهم لا تضر مع الايمان، بل العمل عندهم ليس من الايمان ركنا ولا ~~يضر مع الايمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الامة، فكيف ~~تحكم أنت لنا فى ذلك، اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب، قال واصل ~~بن عطاء: «أنا لا أقول، إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو ~~فى منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر ثم قام، واعتزل الى اسطوانة من ~~اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به، على جماعة من أصحاب الحسن. فقال الحسن: ~~اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه: «معتزلة» «1». # قال الشهرستاني «2» وقرره بأن قال: الايمان عبارة عن خصال خير، إذا ~~اجتمعت سمى المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، فلا ~~يستحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر أيضا لأن الشهادة وبعض ~~اعمال الخير موجودة فيه لا وجه لانكاره، ولكنه إذا خرج من الدنيا على ~~كبيرة، من غير توبة، فهو من أهل النار خالدا فيها، إذ ليس فى الآخرة إلا ~~الفريقين: فريق فى الجنة وفريق فى السعير، لكنه يخفف عليه العذاب، وتكون ~~دركته فوق دركة الكفار. وتابعة على ذلك عمرو بن عبيد «3»، PageV01P008 ~~بعد أن كان موافقا له فى العدل، وانكار المعاني فى صفات الله تعالى، ومن ~~ثم، قلنا: «وسموا بذلك منذ اعتزل واصل، وعمرو بن عبيد، حلقة الحسن»، وقيل ~~لقول قتادة- وكان من أصحاب الحسن-: «ما يصنع المعتزلة؟»، فكان تسميتهم بهذا الاسم. # روي عن عثمان الطويل «1». قال: لقيت قتادة فقال: ما حبسك عنا؟ لعل هؤلاء ~~المعتزلة، حبستك عنا. قلت نعم!، حديث رويته أنت عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: ما هو؟ قال: رويت أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: # «ستفترق أمتي على فرق، خيرها وأبرها المعتزلة». وقيل: سموا بذلك، لرجوع ~~عمرو بن عبيد، الى قول واصل في الفاسق، وخالف الحسن. # ذلك أنه لما خالف واصل، أقوال أهل زمانه، في الفاسق، واعتزلها كلها، ~~واقتصر على المجمع عليه، وهو تسميته فاسقا، ورجع عمرو بن ms002 عبيد الى قوله، ~~بعد مناظرة وقعت بينهما، سمى وأصحابه معتزله، لاعتزالهم كل الأقوال ~~المحدثة. # والمجبرة «2» تزعم، أن المعتزلة، لما خالفوا الاجماع في ذلك، سموا ~~معتزلة، قلت: لم يخالفوا الاجماع، بل عملوا بالمجمع عليه، في الصدر الأول، ~~ورفضوا المحدثات المبتدعة. ### || AUTO وأما أصل المجبرة، فقد بينا فيما سبق أن مذهبهم انما حدث في ~~دولة معاوية وملوك بنى مروان، فهو حادث مستند الى من لا ترضى طريقته، ~~وسيأتي ما ورد عن أفاضل الصحابة في رده، فكيف يستند إليهم. # [سند مذهب المعتزلة] # وأما سند مذهبهم فقد قال أبو اسحاق بن عياش: وسند مذهبهم أصح أسانيد أهل ~~القبلة، إذ يتصل الى واصل، وعمرو بن عبيد، قلت: وبيان ذلك أن الأمة سبع فرق ~~كما مر، فالخوارج «3» مذهبهم حدث في أيام علي عليه PageV01P009 ~~السلام «1»، فقد ظهرت تخطئة إياهم ومناظرته لهم وقتال من بقي على ذلك ~~الاعتقاد، وأما الرافضة فحدث مذهبهم بعد مضي الصدر الأول ولم يسمع عن أحد ~~من الصحابة من يذكر أن النص في علي جلي متواتر ولا في اثنى عشر كما زعموا، ~~فان زعموا أن عمارا وأبا ذر الغفاري والمقداد ابن الاسود كانوا سلفهم ~~لقولهم بامامة علي عليه السلام، أكذبهم كون هؤلاء لم يظهروا البراءة عن ~~الشيخين ولا السب لهما، الا ترى أن عمارا كان عاملا لعمر بن الخطاب في ~~الكوفة، وسلمان الفارسي في المدائن، وقد مر أن أول من أحدث هذا القول: # عبد الله بن سبأ ولم يظهر قبله «2» PageV01P010 ### || AUTO [الحشوية لا سلف لهم وإنما تمسكوا بظواهر الأخبار] # وأما الحشوية فلا سلف لهم، وإنما تمسكوا بظواهر الأخبار، ولا يرجعون الى ~~تحقيق ولا نظر كما قدمنا، فظهر لك أن هذه المذاهب لا سند لها معمول به، ~~بخلاف سائر المذاهب، ألا ترى إلى سند القراءات كلها كيف اتصل، حتى انتهى ~~الى علي عليه السلام «1»، وعثمان. وابن مسعود، وأبي بن كعب «2» PageV01P011 ~~وغيرهم. # وكذلك فقه العراق: أخذوه عن أبي حنيفة، عن حماد بن سلمة، عن علقمة ~~والأسود، عن على عليه السلام وابن مسعود. وكذلك أخذ أهل الحجاز ms003 عن مالك ~~وغيره، ومالك عن ربيعة وأبي الزناد وغيرهما، وهم أخذوا عن أفاضل من ~~الصحابة، وكذلك أهل الحديث واللغة والنحو كيف أخذ بعضهم عن بعض. قال: وسند ~~المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق إذ يتصل إلى واصل وعمرو اتصالا ظاهرا ~~شاهرا، وهما أخذا عن محمد بن علي بن أبي طالب، وابنه أبي هاشم عبد الله بن ~~محمد، ومحمد هو الذي ربى واصلا وعلمه حتى تخرج واستحكم، ومحمد أخذ عن أبيه ~~علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، «وما ~~ينطق عن الهوى» قال الحاكم: وبيان اتصاله بواصل وعمرو، أنه أخذه القاضي عن ~~أبي عبد الله البصري، وأبو عبد الله أخذه عن ابي إسحاق ابن عياش، وأبو ~~إسحاق أخذه عن أبي هاشم وطبقته، وأبو هاشم أخذه عن أبيه أبى علي الجبائى، ~~وأبو علي أخذه عن أبي يعقوب الشحام أخذه عن أبي الهذيل، وأبو الهذيل أخذه ~~عن عثمان الطويل وطبقته، وعثمان أخذه عن واصل وعمرو، وهما أخذا عن عبد الله ~~بن محمد، وعبد الله أخذ عن أبيه محمد بن علي بن الحنفية، ومحمد أخذ عن أبيه ~~علي عليه السلام، وعلي عليه السلام أخذ عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وما ~~ينطق عن الهوى. «1» PageV01P012 ### || AUTO مسألة إجماع المعتزلة # وأما ما أجمعوا عليه: «فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثا قديما ~~قادرا عالما حيا لا لمعان، ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، عينا واحدا، لا يدرك ~~بحاسة، عدلا حكيما، لا يفعل القبيح ولا يريده، كلف تعريضا للثواب، ومكن من ~~الفعل، وأزاح العلة، ولا بد من الجزاء من وجوب البعثة حيث حسنت، ولا بد ~~للرسول صلى عليه وآله من شرع جديد، أو إحياء مندرس، أو فائدة لم تحصل من ~~غيره، وأن آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والقرآن معجزة له، ~~وأن الايمان قول ومعرفة وعمل، وان المؤمن من أهل الجنة، وعلى المنزلة بين ~~المنزلتين، وهو: أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، إلا من يقول بالارجاء، ~~فإنه يخالف ms004 فى تفسير الايمان: وفي المنزلة فيقول: «الفاسق يسمى مؤمنا»، ~~واجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه، وأجمعوا على تولي الصحابة، واختلفوا ~~في عثمان بعد الأحداث التى أحدثها، فأكثرهم تولاه، وتأول له، كما مر وكما ~~سيأتي، وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص، وأجمعوا على وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تعداد علمائهم مصنفات عدة، كالمصابيح ~~لابن يزداد وغيره» وبتمام هذه الجملة تم الكلام على ما أجمعوا عليه # وفيما يلى نورد المسائل التى اتفق فيها المعتزلة وأجمعوا عليها- كما جاء ~~بكتاب الفرق بين الفرق «1» وهي: # 1 - نفيهم جميعا عن الله عز وجل صفاته الأزلية، وقولهم بأنه ليس لله عز ~~وجل علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على ~~هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن في الأزل اسم ولا صفة والدارس المتأمل لفكر PageV01P013 ~~المعتزلة يدرك انهم جمعوا بين الصفات والذات ووحدوا بينها للتنزيههن. # 2 - ومنها قولهم: باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار، وزعموا أنه لا يرى ~~نفسه، ولا يراه غيره، واختلفوا فيه: هل هو راء لغيره أم لا؟ فأجازه قوم ~~منهم وأباه آخرون منهم ومن المعلوم ان المعتزلة قصدوا الاستحالة رؤية الله ~~تعالى فى الدنيا وهذا حق ... # 3 - ومنها اتفاقهم على القول بحدوث كلام الله عز وجل، وحدوث أمره ونهية ~~وخبره، وكلهم يزعمون أن كلام الله عز وجل حادث، وأكثرهم اليوم يسمون كلامه ~~مخلوقا وعندنا أن كلام الله لا يوصف بالقدم او الحدوث وانما معه تعالى. # 4 - ومنها قولهم جميعا: بأن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس، ولا بشيء ~~من أعمال الحيوانات، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم، وأنه ليس ~~لله عز وجل فى اكسابهم، ولا في أعمال سائر الحيوانات، صنع وتقدير، ولأجل ~~هذا القول سماهم المسلمون قدريه وسبق واشرنا الى ان معنى لفظ القدرية لا ~~يشير الى ذلك. # 5 - ومنها: اتفاقهم على دعواهم في الفاسق من أمة الاسلام بالمنزلة بين ~~المنزلتين- وهي أنه فاسق، لا مؤمن ولا كافر- ولهذا سماهم المسلمون: معتزلة ~~لاعتزالهم ms005 قول الأمة بأسرها وهذا حق وهو خلاف فى الفروع. # 6 - ومنها: قولهم: إن كل ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال ~~العبادة لم يشأ الله شيئا منها وهذا مخالف تماما لعقيدة المعتزلة. # وزعم الكعبي فى مقالاته أن المعتزلة أجمعت على أن الله عز وجل شيء ~~كالأشياء، وأنه خالق الأجسام والأعراض، وأنه خلق كل ما يخلقه لا من شيء، ~~وعلى أن العباد يفعلون أعمالهم بالقدرة التي خلقها الله سبحانه وتعالى ~~فيهم. قال: وأجمعوا على أنه لا يغفر لمرتكب الكبائر بلا توبة. وفي هذا ~~الفصل من كلام الكعبي، غلط منه على أصحابه من وجوه «1». PageV01P014 # منها قوله «1»، إن المعتزلة أجمعت على أن الله تعالى شيء، لا كالأشياء. # وليست هذه خاصية الله تعالى وحده عند جميع المعتزلة فإن الجبائي وابنه ~~أبا هاشم قد قالا: «إن كل قدرة محدثة، شيء لا كالأشياء، ولم يخصوا ربهم ~~بهذا المدح». # ومنها حكايته عن جميع المعتزلة قولهم: «بأن الله عز وجل خالق الأجسام ~~والأعراض». # قد علم أن «الأصم» من المعتزلة ينفي الأعراض كلها، وأن المعروف منهم ~~«بمعمر» يزعم أن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض، وأن «ثمامة» يزعم أن ~~الأعراض المتولدة لا فاعل لها. # فكيف يصح دعواه إجماع المعتزلة على أن الله سبحانه خالق الأجسام ~~والأعراض. # وفيهم من ينكر وجود الأعراض، وفيهم من يثبت الأعراض، ويزعم أن الله تعالى ~~لم يخلق شيئا منها، وفيهم من يزعم أن المتولدات أعراض لا فاعل لها. # «والكعبي» مع سائر المعتزلة زعموا أن الله تعالى لم يخلق أعمال العباد ~~وهي أعراض عند من أثبت الأعراض. فبان غلط «الكعبي» فى هذا الفصل على ~~أصحابه. # 7 - ومنها: دعوى إجماع المعتزلة على أن الله خلق ما خلق، لا من شيء. وكيف ~~يصح إجماعهم على ذلك؟ # «والكعبى» مع سائر المعتزلة- سوى «الصالحى» - يزعمون أن الحوادث كلها، ~~كانت قبل حدوثها، أشياء. # والبصريون منهم، يزعمون أن الجواهر والأعراض كانت- فى حال عدمها- جواهر ~~وأعراضا وأشياء. PageV01P015 # والواجب على هذا الفصل، أن يكون الله خلق الشيء من شيء، وإنما يصح القول ms006 ~~بأنه خلق الشيء لا من شيء، على أصول أصحابنا «الصفاتية»، الذين أنكروا كون ~~المعدوم شيئا. # وأما دعوى إجماع المعتزلة، على أن العباد يفعلون أفاعيلهم بالقدرة التى ~~خلقها الله تعالى فيهم، فغلط منه عليهم لأن «معمرا» منهم زعم «أن القدرة ~~مثل الجسم القادر بها وليست من فعل الله تعالى» و«الأصم» منهم ينفي وجود ~~القدرة، لأنه ينفي الأعراض كلها، وكذلك دعوى إجماع المعتزلة على أن الله ~~تعالى لا يغفر لمرتكبي الكبائر من غير توبة منهم غلط منه عليهم. # هذا ما أجمع واتفق عليه المعتزلة/ فيما بينهم كما ورد بالفرق «1». # وينبغى الاسارة هنا الى اننا تناولنا فى الجزء الثانى من هذا الكتاب ~~حقيقة نظر المعتزلة لجميع تلك المسائل التى اوردناها عن البغدادى. PageV01P016 ### || AUTO تعيين طبقات المعتزلة # وأما تعيين طبقاتهم فنقول: قد رتب القاضي عبد الجبار طبقاتهم، ونحن نشير ~~الى جملتها وقد تضمنتها مسألة مستقلة وهى: أن طبقاتهم على ما فصله القاضى ~~القضاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حده هي عشر، وإنما ذكر في كل ~~طبقة المشهورين من رجال زمانهم، لتعذر احصاء ذوي المعارف منهم في كل حين، ~~وربما يدخل بعضهم فى بعض في الأعصار. ### ||| AUTO الطبقة الاولى # الخلفاء الأربعة وهم: علي عليه السلام، وأبو بكر «1» وعمر «2»، وعثمان، ~~وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود وغيرهم: كعبد الله بن عمر، وأبي ~~الدرداء «3»، وأبي ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت. أما علي عليه السلام «4». # فقصة الشيخ الذي سأله عند انصرافه من صفين.- أكان المسير بقضاء الله ~~وقدره- الى آخره مصرح بالعدل وإنكار الجبر، وذلك أنه لما انصرف من صفين قام ~~إليه شيخ فقال: «أخبرنا عن مسيرنا الى الشام أكان بقضاء وقدر؟». # فقال عليه السلام: «والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما هبطنا واديا ولا ~~علونا قلعة الا بقضاء وقدر». فقال الشيخ: «عند الله احتسب عنائي، ما لي من ~~الأجر شيء». فقال: «بل أيها الشيخ عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ~~سائرون، وفي منقلبكم وأنتم منقلبون، ولم تكونوا فى شيء من حالاتكم PageV01P017 ~~مكرهين، ولا إليها ms007 مضطرين». فقال الشيخ: «وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا، ~~وعنهما كان مسيرنا؟» فقال عليه السلام: «لعلك تظن قضاء واجبا، وقدرا حتم، ~~لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد ولما كانت تأتي من ~~الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن بثواب الاحسان أولى من ~~المسيء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن- تلك مقالة إخوان ~~الشياطين، وعبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب ~~في الأمور، هم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمر تخييرا، ونهى ~~تحذيرا ولم يكلف مجبرا، ولا بعث الأنبياء عبثا «ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار». فقال الشيخ: «وما ذلك القضاء والقدر اللذان ~~ساقانا؟» فقال: «أمر الله بذلك وإرادته» ثم تلا: «وقضى / ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه/ وبالوالدين إحسانا «1»». فنهض الشيخ مسرورا بما سمع، وأنشأ يقول: # أنت الامام الذي نرجو بطاعته ... يوم النشور من الرحمن رضوانا # أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا ... جزاك ربك بالاحسان إحسانا # وقول أبي بكر، وعبد الله بن مسعود «2»، في بعض اجتهاداتهما، حيث سئل أبو ~~بكر عن الكلالة، وابن مسعود معن المرأة المفوضة في مهرها، فقال كل واحد ~~منهما حين سئل: «أقول فيها برأي فان كان صوابا فمن الله، وإن كان خطا فمني ~~ومن الشيطان». فهذا القول يقضي بذلك، أى بالتصريح بالعدل وانكار الجبر. ~~وتعزير عمر لمن ادعى أن سرقته كانت بقضاء الله، مصرح بنفي PageV01P018 ~~الجبر، لأنه أتى بسارق فقال: «لم سرقت؟» فقال: «قضى الله علي»، فأمر به، ~~فقطعت يده، وضرب أسواطا، فقيل له في ذلك فقال: «القطع للسرقة، والجلد لما ~~كذب على الله». # ولما قال محاصرو عثمان حين رموه: «الله يرميك»، قال: «كذبتم لو رماني ما ~~أخطأنى»، وهذا أيضا يقتضي إنكار الجبر. وقول عبد الله بن عمر حين قال له ~~بعض الناس: يا أبا عبد الرحمن ان أقواما يزنون ويشربون الخمر، ويسرقون ~~ويقتلون النفس ويقولون: كان فى علم الله،؟؟؟ نجد بدا منه، فغضب ثم قال: # «سبحان الله العظيم، قد كان ذلك فى علمه أنهم ms008 يفعلونها، ولم يحملهم علم ~~الله على فعلها. حدثني (أبي) عمر بن الخطاب أنه مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # «مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما ~~لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض، كذلك لا تستطيعون الخروج من علم ~~الله، كما لا تحملكم السماء مو الأرض على الذنوب، كذلك لا يحملكم علم الله ~~علما. ثم قال ابن عمر «1»: «لعبد يعمل المعصية ثم يقر بذنب على نفسه أحب ~~الى من عبد يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقول: إن الله تعالى يفعل الخطيئة ~~فيه» فهذا الخبر مصرح أيضا بإنكار القول بالجبر. # وأما ابن عباس «2»، ففي مناظراته لمجبرة الشام ما يقطع كل عذر، وذلك أنه PageV01P019 ~~روى عنه مجاهد، أنه كتب الى قراء المجبرة بالشام. # «أما بعد أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون. وتنهون الناس عن ~~المعاصي وبكم ظهر العاصون، يا أبناء سلف المقاتلين، وأعوان الظالمين، وحزان ~~مساجد الفاسقين، وعمار سلف الشياطين، هل منكم إلا مفتر على الله يحمل ~~إجرامه عليه وينسبها علانية إليه، وهل منكم إلا من السيف قلادته، والزور ~~على الله شهادته، أعلى هذا تواليتم أم عليه تماليتم؟ حظكم منه الأوفر ~~ونصيبكم منه الأكبر، عمدتم الى موالاة من لم يدع لله مالا إلا اخذه، ولا ~~منارا إلا هدمه، ولا مالا ليتيم إلا سرقه أو خانه، فأوجبتم لأخبث خلق الله ~~أعظم حق، وتخالفتم مع أهل الحق حتى ذلوا وقلوا وأعنتم أهل الباطل حتى عزوا ~~وكثروا، فأنيبوا الى الله وتوبوا، تاب الله على من تاب وقبل من أناب». # وعن علي بن عبد الله أن عباس «1» قال: «كنت جالسا عند أبي إذ جاءه رجل ~~فقال: «يا ابن العباس! إنها هاهنا قوما يزعمون أنهم أتوا من قبل الله وأن ~~الله أجبرهم على المعاصي فقال: «لو أعلم أن منهم هاهنا أحد لقبضت على حلقه ~~فعصرته حتى تذهب روحه عنه، لا تقولوا جبر الله على المعاصي، ولا تقولوا PageV01P020 ~~لم يعلم الله، ما العباد عاملوه فتجهلوه». وعن أنس: ما هلكت أمة قط حتى ~~يكون ms009 الجبر قولهم». وعن أبي بن كعب: «السعيد من سعد بعمله، والشقى من شقي ~~بعمله». وعن الحسن: أن رجلا من فارس جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: «رأيتهم ينكحون أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، فاذا قيل لم تفعلون ذلك ~~قالوا: قضاء الله وقدره». فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أما إنه سيكون فى ~~أمتي من يقولون مثل ذلك، قال أولئك مجوس أمتي» «1» وسئل صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن تفسير: «سبحان الله» فقال: «هو تنزيهه من كل شر». وكان يقول في بعض ~~توجهاته فى الصلاة: والشر ليس إليك. «2» PageV01P021 ### ||| AUTO الطبقة الثانية # الحسنان عليهما السلام: فقد اشتهر منهما القول بالتوحيد والعدل «1». قلت: # ومن ذلك كتاب الحسن بن على «2» - عليهما السلام- الى أهل البصرة حيث قال ~~فيه: «من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد ~~فجر، إن الله لا يطاع استكراها ولا يعصى لغلبة، لأنه المليك لما ملكهم، ~~والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما ~~فعلوا، وإن عملوا بالمعصية فلو شاء حال بينهم وبين ما فعلوا، فاذا لم ~~يفعلوا، فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الله الخلق على الطاعات، ~~لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي، لأسقط عنهم العقاب، ولو ~~أهملهم، لكان عاجزا فى القدرة، ولكن له فيهم المشيئة التى غيبها عنهم، فان ~~عملوا بالطاعات، كانت له المنة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت له الحجة ~~عليهم» تم كلامه عليه السلام، وهو على ذهني عن بعض التواريخ المصحح سندها، ~~ولم أظفر به حال التأليف ولا ذكرته بعينه، فيبحث عنه. وعن كلام الحسين بن ~~علي عليه السلام «مطموس» وعلى بن الحسين، ومحمد بن علي فكلماتهم فى العدل ~~مشهورة. أما الحسنان فقد مر طرف من كلامهما فيه، وأما PageV01P022 ~~محمد بن الحنفية «1»: فقد مر أن واصلا أخذ علم الكلام عنه، وصار كالأصل ~~لسنده، وله منزلة عظيمة في الفضل والعلم. قال الحاكم: وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أذن لعلي عليه السلام إذا ms010 حدث له مولد أن يسميه باسمه ~~ويكنيه بكنيته، فلما ولد سماه: «محمدا» نوكناه: «أبا القاسم» وكلامه فى علم ~~الكلام أوسع من كلام الحسنين، وإن كانا أفضل منه لمكانهما من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإمامتهما. وسئل أبو هاشم عن محمد بن علي عن مبلغ ~~علمه، فقال: إذا أردتم معرفة ذلك، فانظروا الى أثره في واصل بن عطاء. # وقال شبيب بن شبة: «ما رأيت في غلمان ابن الحنفية أكمل من عمرو ابن عبيد ~~«2»» فقيل له: متى اختلف عمرو بن عبيد الى ابن الحنفية؟ فقال: إن عمرا غلام ~~واصل، وواصل غلام محمد، ومقامات بقية أهل البيت فى العدل كثيرة، كمقام على ~~بن الحسين مع زياد وغيره، فإنه لما وصل الى زياد «مطموس». «3». # ومن هذه الطبقة من التابعين: سعيد بن المسيب «4» فاله ذكره جماعة من PageV01P023 ~~أهل التواريخ في أهل العدل، وفضله وعلمه مشهور، ومنها: طاوس اليمانى «1» ~~وهو من أصحاب علي عليه السلام أخذ عنه، اختصم إليه رجلان، فقال أحدهما عند ~~المخاصمة: «لهذا خلقنا». فقال طاوس: «كذبت» فقال الرجل: «أليس الله تعالى ~~يقول: «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» «2» فقال طاوس: ~~«إنما خلقهم للرحمة والجماعة». # ومن هذه الطبقة أصحاب علي عليه السلام: كأبي الأسود الدؤلي «3» وغيره، ~~وأصحاب عبد الله بن مسعود وهم: علقمة والأسود وشريح وغيرهم. ### ||| AUTO الطبقة الثالثة # هذه الطبقة منقسمة، فمن العترة الطاهرة: الحسن بن الحسن وابنه عبد الله ~~بن الحسن وأولاده النفس الزكية وغيره، ومن أولاد علي عليه السلام: أبو هاشم ~~عبد الله بن محمد بن الحنفية وهو الذي أخذ عنه واصل، وكان معه في المكتب، ~~فأخذ عنه وعن أبيه. وكذلك أخوه: الحسن بن محمد أستاذ غيلان، ويميل الى ~~الارجاء، ولهذا قالت به الغيلانية من المعتزلة. # ومن هذه الطبقة: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس «4» أبو الخلفاء، بعثه PageV01P024 ~~أبوه الى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ومنها: زيد بن علي، حيث ~~قال حين سأله أبو الخطاب عما يذهب إليه: «أبرأ من القدرية ms011 الذين حملوا ~~ذنوبهم على الله، ومن المرجئة «1» الذين أطمعوا الفساق في عفو الله»، فهذا ~~اخر الخبر. # ومن هذه الطبقة: محمد بن سيرين بن محمد «2». وفضله في فنون العلم مشهور، ~~وقد روى عنه: أنه وأصحابه مروا برجل مجلود فقال قائل: الحمد لله الذي ~~عافانا مما ابتلى به»، فقال ابن سيرين: «لا تقولوا هكذا ولكن قولوا: # الحمد لله الذي عافانا مما سولت له نفسه»، ثم ذكر حديث عمر مع السارق وقد ~~مر. وروى أن رجلا قال عنده: «إن فلانا كما شاء الله فقال: «صه! فإن الله لا ~~يشاء إلا خيرا لا» # ومنهم: الحسن بن أبي الحسن البصري «3» وهو أبو سعيد، كان أبوه من ميسان ~~(بنيسابور)، ولد في المدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ومات وهو ابن سبع ~~وثمانين سنة، وكانت أمه مولاة لأم سلمة، وكانت ربما غابت في حاجة لأم سلمة ~~«4»، وأم سلمة تأخذ الحسن فتسكته بثديها، وقيل إن الحكمة التي رزق كانت من ~~ذلك. وروي أن أم سلمة رضي الله عنها أخرجته الى أصحاب PageV01P025 ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمر: «اللهم فقهه فى الدين»، وروى ~~الحسن: «أن أمير المؤمنين لما بلغه قتل عثمان وهو في ناحية المسجد رفع يده، ~~وقال: اللهم لمز أرض، ولم أمال». # وهو سيد التابعين. ومحله في الفضل والعلم ودعاء الناس الى الدين مشهور. # وروى داود بن أبي هند «1» قال: سمعت الحسن يقول: «كل شيء بقضاء الله ~~وقدره إلا المعاصي»، ورسالاته الى عبد الملك مشهورة. وذكر أن الحجاج كتب ~~الى الحسن: «بلغنا عنك في القدر شيء، فاكتب إلينا». فكتب إليه رسالة طويلة، ~~نحن نذكر أطرافا منها قوله: «سلام عليك أما بعد، فإن الامير أصبح فى قليل ~~من كثير مضوا، والقليل من اهل الخير مغفول عنهم، وقد أدركنا السلف الذين ~~قاموا لأمر الله، واستنوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم ~~يبطلوا حقا، ولا الحقوا بالرب تعالى إلا ما لحق بنفسه، ولا يحتجون الا ما ~~يحتج الله تعالى به على خلقه، وقوله الحق: «وما ms012 خلقت الجن والإنس. إلا ~~ليعبدون «2»» ولم يخلقهم لأمر ثم حال بينهم وبينه، لأنه تعالى ليس بظلام ~~للعبيد، ولم يكن أحد في السلف يذكر ذلك، ولا يجادل فيه، لأنهم كانوا على ~~أمر واحد، وإنما أحدثنا الكلام فيه لما أحدث الناس النكرة له، فلما أحدث ~~المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث الله للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به ~~المحدثات ويحذرون به من المهلكات، ومنها قوله: «فافهم أيها الأمير ما ~~أقوله: «فإن ما ينهى الله عنه فليس منه، لأنه لا يرضى ما يسخطه من العباد، ~~لأنه تعالى يقول: «ولا يرضى لعباده الكفر «3» فلو كان الكفر من قضائه ~~وقدره، لرضي عمن عمله» ومنها قوله: «ولو كان الأمر كما قال المخطئون، لما كان PageV01P026 ~~للمتقدم حمد فيما عمل، ولا على متأخر لوم، ولقال تعالى (جزاء بما عملت ~~بهم)، ولم يقل: «جزاء بما كانوا يعملون» «1». ومنها قوله: إن أهل الجهل ~~قالوا: «فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء» «2»، ولو نظروا إلى ما قبل ~~الآية وبعدها، لتبين لهم أن الله تعالى لا يضل إلا بتقدم الفسق، والكفر، ~~لقوله تعالى «ويضل الله الظالمين» أى يحكم بضلالهم، وقال «فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم، وما يضل به إلا الفاسقين «3»»، قلت: وسيأتي الخلاف بين ~~أصحابنا فى جواز سلب اللطف عقوبة، و؟؟؟ لكلام يوسم جوازه، كقول الزمخشرى ~~والحاكم والامام المنصور بالله ومنها قوله: «واعلم أيها الأمير! أن ~~المخالفين لكتاب الله وعدله يعولون «4» في أمر دينهم بزعمهم على القضاء ~~والقدر، ثم لا يرضون في أمر دنياهم إلا بالاجتهاد والبحث والطلب والأخذ ~~بالحزم فيه، ولا يعولون في أكثر دنياهم على القضاء والقدر». ومنها قوله ~~محتجا بقوله تعالى: «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها «5» فلو كان هو ~~الذي دساها لما خيب نفسه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا». # وله مع الحجاج مناظرات، وكان لا يرد عليه أحد، كما يرد الحسن، ولما توفي ~~الحجاج، وبلغه قال: فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين، ~~اللهم كما أمته فأمت عنا سنته. # ومر الحسن بلص ms013 يصلب فقال: «ما حملك على هذا؟» فقال: «قضاء الله وقدره» ~~فقال: «كذبت. أيقضي الله عليك أن تسرق، وقضي عليك أن صلب؟». # وسئل أنس «6» عن مسألة فقال: «سلوا مولانا الحسن» فقيل له: «أتقول PageV01P027 ~~ذلك له؟» فقال: «سلو مولانا الحسن، فإنه سمع، وسمعنا، وحفظ ونسينا». # وسمعت عائشة رضي الله عنها كلام الحسن فقالت: «من هذا الذي يشبه كلامه ~~كلام الأنبياء؟» وروى نحوه عن محمد بن علي. # وروى أبو عبيدة قال: لما فرغ الحجاج «1» من خضراء واسط، نادى في الناس أن ~~يخرجوا، فيدعوا له بالبركة، وخرج الحسن، فاجتمع عليه الناس، وخاف أهل الشام ~~فرجع وهو يقول: «قد نظرنا يا أفسق الفاسقين، ويا أخبث الأخبثين، فأما أهل ~~السماء فمقتوك، وأما أهل الأرض فيلعنوك»، ثم قال: # «إن الله أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه»، فبلغ ذلك ~~الحجاج فقال: «يا أهل الشام، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة، فيتكلم بما ~~تكلم، ولا يكون عند أحدكم نكير»، ثم قال: «علي به»، وأمر بالنطع والسيف، ~~فاستعجل والحاجب على الباب، فلما دنا الحسن، حرك شفتيه، والحاجب ينظر، فلما ~~دخل قال له الحجاج: هاهنا، فأجلسه قريبا منه وقال «ما تقول في علي وعثمان؟» ~~قال: «أقول قول من هو خير مني، عند من هو شر منك». قال فرعون لموسى: «ما ~~بال القرون الأولى، قال علمها عند ربي» «2» قال: «أنت سيد العلماء يا أبا ~~سعيد»، ودعا بغالية وغلف بها لحيته، فلما خرج تبعه الحاجب فقال له: «ما ~~الذي كنت قلت حين دخلت عليه». # قال قلت: «يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا ولي نعمتي، ويا ~~إلهي وإله آبائي ابراهيم وإسحاق ويعقوب، ارزقني مودته واصرف عني أذاه»، PageV01P028 ~~ففعل ربي عز وجل. وقيل له وهو متوار: قتل الحجاج سعيد بن جبير «1» فقال: # «لعن الله الفاسق بن يوسف، والله لو أن أهل المشرق والمغرب اجتمعوا على ~~قتل سعيد لأدخلهم الله النار»، وعنه أربع خصال فى معاوية «2». لو لم تكن ~~فيه إلا واحده لكانت موبقة: خروجه على هذه الامة بالسفهاء، حتى ابتزها ms014 ~~أمرها بغير مشورة منهم، واستخلافه يزيد، وهو سكير خمير يلبس الحرير، ويضرب ~~بالطنانير، وادعاؤه زيادا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حجر بن عدى. فيا له؟؟؟ حجر وأصحاب حجر، فان ~~قلت: فقد روى أيوب أتيت الحسن فكلمته في القدر فكف عن ذلك. قد روى أنه خوفه ~~بالسلطان فكف عن الحوض فيه، وذلك لا يقتضي مخالفة ما قدمنا. وقد روي عن ~~حميد قال: وددت أنه قسم علينا عزم، وأن الحسن لم يتكلم بما تكلم به، يعني ~~في القدر. # وكان الحسن في زمانه، عظيم الحذر من بني أمية، وربما يتقي فيظن به ما ~~ظنوا، وكان الحسن أخذ المذهب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~لقيت ثلاثمائة من الصحابة منهم سبعون بدريا. PageV01P029 ### ||| AUTO الطبقة الرابعة # غيلان بن مسلم الدمشقي «1» قال أبو القاسم: هو غيلان بن مروان. قال ~~الحاكم: هو مولى لعثمان بن عفان، أخذ المذهب عن الحسن بن محمد بن الحنفية، ~~ولم تكن مخالفته لأبيه وأخيه إلا في شيء من الإرجاء. وروى أن الحسن كان ~~يقول إذا رأى «غيلان» في الموسم، أترون؟. هذا هو حجة الله على أهل الشام، ~~ولكن الفتى مقتول. وكان واحد دهره في العلم والزهد والدعاء الى الله ~~وتوحيده وعدله، وقتله هشام بن عبد الملك «2»، وقتل صاحبه صالحا وسبب قتله، ~~أن غيلان لما كتب الى عمر بن عبد العزيز «3» كتابا قال فيه: «أبصرت PageV01P030 ~~؟؟؟ وما؟؟؟. ونظرت وما؟؟؟؟، اعلم يا عمر انك؟؟؟؟؟؟ # خلقا باليا. ورسما حافيا. فيا ميت بين الأموات، لا ترى أثرا فتتبع، ولا ~~تسمع صوتا فتنتفع، طفا أمر السنة وظهرت البدعة، أخيف العالم فلا يتكلم، ولا ~~يعطى الجاهل فيسأل، وربما نجت الأمة بالامام، وربما هلكت بالامام، فانظر أي ~~الامامين أنت. فإنه تعالى يقول: «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا» «1» فهذا ~~إمام هدى ومن اتبعه شريكان، وأما الآخر، فقال تعالى «وجعلناهم أئمة يدعون ~~إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون» «2». ولن تجد داعيا يقول تعالى الى ~~النار، إذ لا يتبعه أحد، ولكن الدعاة الى النار ms015 هم الدعاة الى معاصي الله. ~~فهل وجدت يا عمر حكيما يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، ~~أو يقضى ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيدا يدعوا الى الهدى ثم يضل عنه؟ أم هل ~~وجدت رحيما يكلف العباد فوق الطاقة، أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلا ~~يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب ~~والتكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بيانا وبالعمى عنه عمى ... فى كلام كثير». ~~فدعا عمر «غيلان» وقال: «أعني على ما أنا فيه». فقال غيلان: «ولئن بيع ~~الخزائن ورد المظالم». فولاه، فكان بيعها وينادي بها ويقول: «تعالوا الى ~~متاع الخونة، تعالوا الى متاع الظلمة، تعالوا الى متاع من خلف الرسول فى ~~أمته بغير سنته وسيرته». وكان فيما نادى عليه جوارب خز، فبلغ ثمنها ثلاثين ~~ألف درهم، وقد أنكل بعضها، فقال غيلان: «من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا ~~أئمة هدى، وهذا ينكل والناس يموتون من الجوع»، فمر به هشام بن عبد الملك ~~قال: «أرى هذا يعبني ويعيب آبائي والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه. ~~فلما ولي هشام، خرج غيلان وصاحبه صالح الى أرمينية، فأرسل هشام في طلبهما، ~~فجيء بهما، فحبسهما أياما، ثم PageV01P031 ~~أخرجهما وقطع أيديهما وأرجلهما، وقال لغيلان: «كيف ترى ما صنع بك ربك؟ ~~فالتفت غيلان فقال: «لعن الله من فعل بي هذا» «1»، واستسقى صاحبه، وقال بعض ~~من حضره: «لا نسقيكم حتى تشربوا من الزقوم»، فقال غيلان: «ولعمري! لان ~~كانوا صدقوا، إن الذي نحن فيه ليسير في جنب ما نصير إليه بعد ساعة من روح ~~الله، فاصبر يا صالح. ثم مات صالح وصلى عليه غيلان، ثم أقبل على الناس ~~وقال: «قاتلهم الله: كم من حق أماتوه، وكم من باطل قد أحيوه، وكم من ذليل ~~في دين الله أعزوه، وكم من عزيز في دين الله أذلوه». فقيل لهشام: قطعت يدي ~~غيلان» ورجليه، وأطلقت لسانه، إنه قد أبكى الناس ونبههم على ما كانوا عنه ~~غافلين، فأرسل إليه من ms016 قطع لسانه، فمات رحمه الله. فذكر أبو الهذيل في ~~إسناد له: أن امرأة في تلك القرية قتل ابنها بنحو من أربعين سنة، وكانت على ~~مسكة من دينها، اتخذت المسجد بيتا لا تنصرف إلا الى الأوطار، أو تقوم لصلاة ~~أو وضوء، فانتبهت في ذلك اليوم مبتسمة فظن أهلها أن الجنون قد تكامل بها. ~~فقالت: «لقد رأيت عجبا! كأن ابني أتاني، وقال: إن الله أحضر أرواح الشهداء ~~لقتل رجل فى مكان كذا، فانظروا هل ترون قتيلا»، فسارع أهلها، فاذا غيلان ~~يشحط فى دمه. # ومن هذه الطبقة واصل بن عطاء «2». قال المبرد: «ويكنى بأبي حذيفة، PageV01P032 ~~ويلقب بالغزان، ولم يكن عزالا لكنه يلزم الغزالين، وكان طويل العنق، وكان ~~إحدى الأعاجيب! وذلك أنه كان ألثغ الراء، قبيع اللثغة فيها، فكان يخلص ~~كلامه من الراء، ولا يفطن لذلك لاقتداره وسهولة ألفاظه، وفيه يقول بعض ~~الشعراء باطالته الخطب وتجنبه الراء: # يجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر # ولم يقل مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر # وقيل أنه مولى لضبة، وقيل لبني مخزوم، وقيل بني هاشم، وقال الجاحظ: «وقيل ~~له الغزال، كما قيل لخالد الحذاء ولم يكن حذاء. وأبو سعيد المقبري لأنه كان ~~ينزل المقابر»، وكان واصل يلزم أبا عبد الله الغزال صديقا له، ليعرف ~~المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن، وكان يعجبه ذلك. # قيل، ولد سنة ثمانين، ذكره أبو الحسين الخياط، وولد في المدينة. قال ~~الجاحظ: # «لم يشك أصحابنا أن واصلا لم يقبض دينارا ولا درهما». وفي ذلك قال بعضهم ~~في مرثيته: # ولا مس دينارا ولام مس درهما ... ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه # وقد روى فيه حديث، ذكره ابن يزداد بسنده عن علي عليه السلام، عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «يكون في امتي رجل يقال له واصل بن عطاء، يفصل بين PageV01P033 ~~الحق والباطل. وكان واصل يلازم مجلس الحسن، يظنون به الخرس من طول صمته، ~~فمر ذات يوم بعمرو بن عبيد، فأقبل عليه بعض مستحبي واصل فقال: «هذا الذي ~~تعدونه ms017 فى الخرس، ليس أحد أعلم بكلام غالية الشيعة، ومارقة الخوارج، وكلام ~~الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين، والرد عليهم منه، قال عمرو: ~~أنى هذا؟ # وله عنق لا يأتي معها بخير، وكان واصل طويل العنق، ثم قال عمرو بعد ذلك: # «وأشهد أن الفراسة باطلة، إلا أن ينظر رجل بنور الله». قال الجاحظ: «ولما ~~قال بشار بن برد «1» بالرجعة وتكفير جميع الأمة، تبرأ منه واصل»، وكان ~~صديقا له، ومدحه بشار، وذكر خطبته التي ألغى منها الراء، وكانت على ~~البديهة، وهي مع ذلك أوسع من خطبة خالد بن صفوان وشبيب بن شبه فقال بشار: # تكلف القول والاقوام قد ضلوا ... وحبروا خطبا ناهيك من الخطب # وقال مرتجلا تغلي بداهته ... كمرجل القين ما حف باللهب # وجانب الراء لم يشعر به أحد ... قبل التصفح والاغراق فى الطلب # فلما تبرأ منه هجاه فقال: # ما لى أشايع غزالا له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا # عنق الزرافة ما بالى وبالكم ... تكفرون رجالا كفروا رجلا # فعابه بطول عنقه، النقنق بنونين وقافين، ذكر النعام شبهه به لطول عنقه. ### |||| AUTO فرع: # وسئلت أخت عمرو بن عبيد، وكانت زوجة واصل: «أيهما أفضل؟» فقالت: بينهما ~~كما بين السماء والأرض»، فقيل: «كيف كان علمهما؟» قالت: «كان واصل إذا جنه ~~الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة موضوعان، فإذا مرت به آية فبها حجة على ~~مخالف، جلس فكتبها ثم عاد في صلاته. PageV01P034 ### |||| AUTO فرع: # وبلغ من بأسه وعمله أنه أنفذ أصحابه الى الآفاق، وبث دعاته في البلاد، ~~قال أبو الهذيل: بعث عبد الله بن الحارث الى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث ~~الى خراسان حفص بن سالم «1»، فدخل ترمذ، ولزم المسجد حتى أسهر «2»، ثم ناظر ~~جهما فقطعه، ورجع الى قول أهل الحق. فلما عاد حفص الى البصرة، رجع جهم الى ~~قول الباطل، وبعث القاسم الى اليمن، وبعث أيوب الى الجزيرة، وبعث الحسن بن ~~ذكوان الى الكوفة «3»، وعثمان الطويل «4» الى أرمينية. فقال يا أبا حذيفة: ~~«إن رأيت أن ترسل غيري، فأشاطره جميع ما أملك، حتى أعطيه فرد نعالي. ms018 فقال: ~~«يا طويل أخرج، فلعل الله أن ينفعك». فخرج للتجارة، فأصاب مائة ألف، وأجابه الخلق. # فرع: # وروى أن واصلا دخل المدينة، ونزل على ابراهيم بن يحيى، فسارع إليه زيد بن ~~على «5»، وابنه يحيى بن زيد «6»، وعبد الله بن الحسن وأخوته، ومحمد بن ~~عجلان، وأبو PageV01P035 ~~عباد الليثى. فقال جعفر بن محمد الصادق «1» لأصحابه: «قوموا بنا إليه». ~~فجاء والقوم عنده- أعني- زيد بن علي وأصحابه فقال جعفر: «أما بعد فإن الله ~~تعالى، بعث محمدا بالحق والبينات. والنذر والآيات، وأنزل عليه، (وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) «2»، فنحن عترة رسول الله، وأقرب ~~الناس إليه، وأنت يا واصل أتيت بأمر يفرق الكلمة، وتطعن به على الأئمة، ~~وأنا أدعوكم الى التوبة». # فقال واصل: «الحمد لله العدل في قضائه، الجواد بعطائه، المتعالي عن كل ~~مذموم، والعالم بكل خفي مكتوم، نهى عن القبيح ولم يقضه، وحث على الجميل ولم ~~يحل بينه وبين خلقه، وإنك يا جعفر وابن الأئمة، شغلك حب الدنيا، فأصبحت بها ~~كلفا، وما أتيناك إلا بدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصاحبه وضجيعيه ~~ابن أبي قحافة، وابن الخطاب، وعثمان وعلى بن أبي طالب، وجميع أئمة الهدى، ~~فإن تقبل الحق تسعد به، وإن تصدف عنه تبوء بإثمك. فتكلم زيد بن علي، فأغلظ ~~لجعفر، أي أنكر عليه ما قال، وقال: «ما منعك من اتباعه إلا الحسد لنا، ~~فتفرقوا». # قلت: «روى ذلك الحاكم وغيره، والله أعلم بصحتها». قال ابن برد: «إذ كان ~~زيد بن علي لا يخالف المعتزلة، الا في المنزلة بين المنزلتين». ومن كلام ~~جعفر بن محمد الصادق، وقد سئل عن القدر: «ما استطعت أن تلوم العبد عليه، ~~فهو فعله، وما لم تستطع، فهو فعل الله. يقول الله للعبد: لم كفرت؟ ولا يقول ~~لم مرضت؟ فلا تقول أن جعفرا انكر على واصل القول بالعدل، بل المنزلة بين ~~المنزلتين»، إن صحت الرواية. PageV01P036 ### |||| AUTO فرع: # وروى أن بعض السمنية «1» قالوا لجهم بن صفوان: «2»، «هل يخرج المعروف عن ~~المشاعر الخمسة؟ قال: «فحدثنا عن معبودك هل عرفته بأيها». قال: «لا» ms019 قالوا: ~~«فهو إذا مجهول»، فسكت. وكتب بذلك الى واصل بن عطاء، فأجاب وقال: «كان ~~يشترط وجها سادسا وهو الدليل، فتقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، ~~فأسألهم: هل تفرقون بين الحي والميت؟ والعاقل والمجنون؟ فلا بد من: # «نعم». وهذا عرف بالدليل، فلما أجابهم جهم بذلك، قالوا: «ليس هذا من ~~كلامك»، فأخبرهم، فخرجوا الى واصل وكلموه وأجابوه الى الاسلام. # وعن عمرو الباهلي، قرأت لواصل الجزء الأول من كتاب (الألف مسألة في الرد ~~على المانوية «3»)، قال: «فأحصيت في ذلك الجزء نيفا وثمانين مسألة». # ويقال، إنه فرغ من الرد على مخالفيه، وهو ابن ثلاثين سنة. ويقال، إن أبا PageV01P037 ~~الهذيل أتى إلى زوجته أخت عمرو، وهي أم يوسف، فدفعت إليه قمطرين، فعسى أن ~~يكون جل كلامه من ذلك. ومات وهو ابن إحدى وخمسين سنة. # وخمسين سنة. ### |||| AUTO فرع: # ومن ملح كلامه حين قال له خالد بن عبد الله القسري «1»: «بلغني أنك قلت ~~قولا، فما هو؟» قال: «يحبون أن يحمدوا أنفسهم، ويلوموا خالقهم». فقال: «لا، ~~ولا كرامة الزم شأنك». قلت: «وملحه كثيرة اختصرنا منها ما ذكرنا» # ومن هذه الطبقة، عمرو بن عبيد بن ثاب، وثاب من سبي بابل من ثغور بلخ، وهو ~~مولى لآل عرادة من يربوع بن مالك، وكنية عمرو أبو عثمان. روى ابن يزداد «2» ~~باسناده عن صالح بن عمرو بن زيد قال: «كان عمرو بن عبيد من أعلم الناس بأمر ~~الدين والدنيا» قال صالح: وسئل ابن السماك، فقيل، صف لنا عمرو بن عبيد» ~~فقال: «كان عمرو إذا رأيته مقبلا، توهمته جاء من دفن والديه، ولما رأيته ~~جالسا، توهمته أجلس للقعود، وإذا رأيته متكلما، توهمت أن الجنة والنار لم ~~يخلقا إلا له». وعن يحيى بن معين «3» قال: حدثنا سفيان بن PageV01P038 ~~عيينة قال: قال ابن نجيح: «ما رأيت أحدا أعلم من عمرو بن عبيد «1»، وكان ~~رأى مجاهدا وغيره»، قال الجاحظ: «صلى عمروا أربعين عاما صلاة الفجر بوضوء ~~المغرب، وحج أربعين حجة ماشيا، وبعيره موقوف على من أحصر، وكان يحيى الليل ~~بركعة واحدة، ويرجع آية واحدة». ms020 ### |||| AUTO فرع: # وقد رويت مناظرته لواصل في الفاسق، يعرف الله تعالى، وإنما خرجت المعرفة ~~من قلبه عند قذفه (للايمان)، فان قلت لم يزل يعرف الله، فما حجتك؟ # وأنت لم تسمه منافقا قبل القذف وإن زعمت أن المعرفة خرجت من قلبه عند ~~قذفه، قلنا لك: فلم لا أدخلها في القلب بتركه القذف، كما أخرجها بالقذف؟ ~~وقال له: «أليس الناس يعرفون الله بالأدلة، ويجهلونه بدخول الشبهة؟ # فأي شبهة دخلت على القاذف؟» فرأى عمرو، لزوم هذا الكلام، فقال: # «ليس بيني وبين الحق عداوة»، فقبله وانصرف ويده في يد واصل. وكان يقول: ~~«اللهم أغنني بالافتقار أليك». وقيل قال: «يا أبا عثمان .. لم استحق مرتكب ~~الكبائر اسم النفاق؟» قال: لقوله تعالى «والذين يرمون PageV01P039 ~~المحصنات «1»» إلى قوله «وأولئك هم الفاسقون». ثم قال: إن المنافقين هم ~~الفاسقون، فكان كل فاسق منافقا، إذ كان الألف واللام، موجودين في باب ~~الفسق. فقال واصل: أليس الله تعالى قال «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون» «2»، وقد قال تعالى في آية أخرى «والكافرون هم الظالمون «3»، ~~فعرف بالألف واللام كما فى القاذف، فسكت عمرو، ثم قال واصل: «ألست تزعم أن ~~الفاسق يعرف الله؟ ... » وذكر ما قدمنا ... الى آخره على ما روينا، ثم قال: ~~«يا أبا عثمان أيما أولى أن يستعمل من أسماء المحدثين، ما اتفقت عليه الفرق ~~من أهل القبلة، أم ما اختلفت فيه؟» فقال عمرو: «بل ما اتفقت عليه». فقال: ~~«أفليس تجد أهل الفرق- على اختلافهم- يسمون صاحب الكبيرة فاسقا، ويختلفون ~~فيما عداه من أسمائه، فالخوارج تسميه كافرا وفاسقا، والمرجئة تسميه مؤمنا ~~فاسقا، والشيعة تسميه كافر نعمة فاسقا، والحسن يسميه منافقا، فأجمعوا على ~~تسميته بالفسق، فنأخذ بالمتفق عليه، ولا نسميه بالمختلف فيه، فهو أشبه بأهل ~~الدين. فقال عمرو: # «وما بينى وبين الحق من عداوة، والقول قولك، وأشهد من حضر، أنى تارك ما ~~كنت عليه من المذهب، قائل بقول أبي حذيفة». فاستحسن الناس ذلك من عمرو، إذ ~~رجع عن قول كان عليه، الى قول آخر، من غير شغب، واستدلوا بذلك على ديانته. ms021 # قال الشريف المرتضى: «ما أورده واصل لعمرو غير لازم له، لأن عمروا كان ~~يسميه فاسقا، وإنما كان عليه أن يبين، هل يسمى بغير ذلك أم لا؟». # قال الحاكم، «وهذا اعتراض فاسد، لأن واصلا ألزمه في مسألة القذف كما ~~ذكرنا، ثم جعل هذا تأكيدا، بأن هذا القول مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه، ~~ولم يقم عليه حجة، ولو جعل ذلك ابتداء دليل، لم يصح». قلت: # «بل يصح عندنا، مع قولنا بصحة الاستدلال بالاجماع المركب، كدليل قصر PageV01P040 ~~الامامة فى الباطنية، وصورته هنا: أنهم أجمعوا على تسميته فاسقا، اختلفوا ~~فيما عداه، وهو حكم شرعي، فلا يثبت الا بدليل، ولا دليل على ما عدا المجمع ~~عليه هاهنا. ### |||| AUTO فرع: # وكان المنصور العباسي «1» يبالغ في تعظيمه، حتى قيل له: إن عمروا خارج ~~عليك. فقال: هو يرى أن يخرج علي، إذا وجد ثلاثمائة وبضعة عشر مثله، وذلك لا ~~يكون. ومر بقبره في مروان فصلى عليه ودعا له وقال: # صلى الاله عليك من متوسد ... قبرا مررت به على مروان # قبرا تضمن مؤمنا متخففا ... عبد الاله ودان بالقرآن # واذا الرجال تنازعوا في شبهة ... فصل الحديث بحجة وبيان # ولو أن هذا الدهر أبقى صالحا ... أبقى لنا عمروا أبا عثمان # ومن هذه الطبقة: مكحول بن عبد الله «2» قال بعض المجبرة «3»: لا نعلم ~~أحدا ممن ينسب الى القدر، أجل من الحسن ومكحول. ومن هذه الطبقة: # قتادة بن دعامة السدوسي «4»، لم يختلف به أنه من أهل العدل، أخذ عن الحسن ~~البصري، وله مناظرات بالكوفة والبصرة. ومنهم صالح الدمشقي صاحب غيلان، وقد ~~مر ذكره. # ومن هذه الطبقة: بشير الرجال، وسمى رحالا، أنه كان له فى كل سنة رحلة فى ~~حج أو غزاة، وكان ممن خرج من المعتزلة مع ابراهيم بن عبد الله الحسن، PageV01P041 ~~وبايعوه، وقاتلوا معه، وقتل معه. وقيل له: «ما يسرع بك الى الخروج على ~~المنصور؟» فقال: «أرسل علي- بعد أخذه عبد الله بن الحسن- فأتيته، فأمرني ~~بدخول بيت فدخلته، فاذا بعبد الله بن الحسن مقتول، فسقطت مغشيا علي، فلما ~~أفقت أعطيت الله (كذا).». ms022 ### ||| AUTO [الطبقة الخامسة] # عثمان بن خالد الطويل وكنيته أبو عمرو، وهو أستاذ أبي الهذيل، وهو الذي ~~بعثه واصل الى أرمينية، كما قدمنا، وله في الفضل والعلم منزلة لا تخفى. # ومن هذه الطبقة: حفص بن سالم، وهو الذي بعثه واصل الى خراسان، وناظر ~~(جهما)، فقطعه، وأجابه خلق كثير، وغيره من أصحاب واصل، كالقسم ابن السعدي ~~الذي بعثه الى اليمن داعيا، وعمرو بن حوشب، وقيس بن عاصم وعبد الرحمن بن ~~قرة وابنه الربيع، والحسن بن ذكوان، أجابه في الكوفة خلق كثير، وسائر ~~الدعاة الذين بعثهم. # ومن هذه الطبقة: من أصحاب عمرو بن عبيد: خالد بن صفوان، حفص ابن العوام، ~~وصالح بن عمرو، والحسن بن حفص بن سالم، وبكر بن عبد الأعلى، وابن السماك، ~~وعبد الوارث بن سعيد، وأبو غسان، وبشر بن خالد، وعثمان بن الحكم، وسفيان بن ~~حبيب، وطلحة بن زيد، وابراهيم بن حيى المدني، أخذ مذهبه عن عمرو بن عبيد، ~~وحضر هو وأبو يوسف عند الرشيد «1»، فسأل أبو يوسف عن مائة مسألة، فأجاب، ثم ~~حل ازاره وقال: # «أسألك؟ فاستعفاه أبو يوسف، وكان مالك بن أنس «2» يعاديه، لأن ابراهيم ~~كان يزعم أن مالكا من موالى أصبح، ومالك يزعم أنه رجل منهم. قال قاضي ~~القضاة: «وهذا ابراهيم هو الذي أخذ عنه الشافعي محمد بن ادريس، وأخذ أيضا- ~~أي الشافعي- عن مسلم بن خالد الزنجي قبل ابراهيم، ومسلم هو من PageV01P042 ~~أصحاب غيلان أيضا، فاجتمع للشافعي رجلان من أهل الحق، من القائلين بالعدل ~~والتوحيد- ابراهيم ومسلم- ونقم ابراهيم على الشافعي لما تولى القضاء». ### ||| AUTO الطبقة السادسة # أبو الهذيل: محمد بن الهذيل العبدي «1»، قال صاحب المصابيح: كان نسيج ~~وحده، وعالم دهره، ولم يتقدمه احد من الموافقين له ولا من المخالفين، PageV01P043 ~~وكان يلقب بالعلاف، لأن داره بالبصرة كانت في العلافين، وهذا كما قيل، أبو ~~سلمة الحذاء، وأبو سعيد المقبري، كما مر. وحكي عن يحيى بن بشر: أن لأبي ~~الهذيل ستين كتابا، فى الرد على المخالفين في دقيق الكلام وجليله، وأخذ ~~العلم عن عثمان الطويل، وكان ابراهيم النظام من أصحابه. ثم خرج ms023 الى الحج، ~~وانصرف على طريق الكوفة، فلقي بها هشام بن الحكم وجماعة من المخالفين، ~~فناظرهم في أبواب دقيق الكلام فقطعهم، ونظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلما ~~ورد البصرة كان يرى أنه قد أورد من لطيف الكلام، ما لم يسبق علمه الى أبي ~~الهذيل. قال ابراهيم: «فناظرت أبا الهذيل في ذلك، فخيل إلي أنه لم يكن ~~متشاغلا قط إلا به، لتصرفه فيه، وحذقه في المناظرة فيه». قال القاضي: # «ومناظراته مع المجوس والثنوية وغيرهم طويلة ممدودة، وكان يقطع الخصم ~~بأقل كلام». يقال أنه أسلم على يده زيادة على ثلاثة آلاف رجل ومن محاسنه ~~أنه أتاه رجل فقال له: «أشكل علي أشياء من القرآن، فقصدت هذا البلد، فلم ~~أجد عند أحد ممن سألته شفاء لما أردته فلما خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: ~~إن بغيتك عند هذا الرجل فاتق الله وأفدني». فقال أبو الهذيل: «فما ذا أشكل ~~عليك؟» قال: آيات من القرآن توهمني أنها متناقضة، وآيات توهمني أنها ~~ملحونة». قال: «فما ذا أحب إليك، أن أجيبك بالجملة، أو تسألني عن آية آية؟» ~~قال: بل تجيبني بالجملة». فقال أبو الهذيل: «هل تعلم أن محمدا كان من أوسط ~~العرب، وغير مطعون عليه في لغته، وأنه كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن ~~مطعونا عليه؟» فقال: «اللهم نعم». # قال أبو الهذيل: «فهل تعلم أن العرب كانوا أهل جدل» قال: «اللهم نعم» ~~قال: «فهل اجتهدوا فى تكذيبه؟» قال: «اللهم نعم» ... قال PageV01P044 ~~«فهل تعلم أنهم عابوا عليه بالمناقصة أو باللحن؟» قال: «لا» ... قال أبو ~~الهذيل: «فتدع قولهم، مع علمهم باللغة، وتأخذ بقول رجل م الأوساط» قال: ~~«فأشهد أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله». # قال: «كفاني هذا، وانصرف، وتفقه في الدين». قال المبرد: «ما رأيت أفصح من ~~أبي الهذيل والجاحظ»، وكان أبو الهذيل أحسن مناظر شهدته في مجلس، وقد ~~استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت. # قال ثمامة: وصفت أبا الهذيل للمأمون، فما دخل عليه جعل المأمون يقول لى: ~~(يا أبا حفص)، وأبو الهذيل يقول: ms024 (يا ثمامة)، فكدت أتقد غيظا، فلما احتفل ~~المجلس، استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت، فقلت: «إن شئت فكنني، وإن شئت ~~فسمني». # وحكى يحي بن بشير الارجائى عن النظام، قال: «ما اشفقت على أبي الهذيل قط، ~~في استشهاد شعر، إلا يوم قال له الملقب ببرغوث «1»: «أسألك عن مسألة فرفع ~~أبو الهذيل نفسه عن مكالمته، فقال برغوت: # وما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # ولم أعرف في نقيضه بيتا يتمثل به، فبرز أبو الهذيل وقال: لا بل كما قال ~~الشاعر: # وارفع نفسي عن بجيلة أنني ... أذل بها عند الكلام وتشرف # وناظر صالح بن عبد القدوس، لما قال في العالم أنه من أصلين: نور وظلمة، ~~كانا متباينين فامتزجا. فقال أبو الهذيل: «فامتزاجهما أهو هما أم غيرهما؟» ~~قال: «بل أقول هو هما». فألزمه أن يكونا ممتزجين متباينين، إذا لم يكن هناك ~~معنى غيرهما، ولم يرجع ذلك إلا إليهما، فانقطع، وأنشأ يقول: PageV01P045 # أبا الهذيل جزاك الله من رجل ... فانت حقا لعمري مفصل جدل # وصالح هذا، كان ثنويا معروفا، وروى أنه ناظره مرة وقطعه، فقال: «على أي ~~شيء تعزم يا صالح؟» قال: «استخير الله وأقول بالاثنين». فقال أبو الهذيل: ~~«فأيهما استخرت لا أم لك»، إلى غير ذلك من مناظراته، كما روى محمد بن عيسى ~~عن النظام قال: مات لصالح بن عبد القدوس ابن، فمضى إليه أبو الهذيل، ومعه ~~النظام وهو غلام حدث، فرآه حزينا، فقال: «لا أعرف لجزعك وجها، إلا إذا كان ~~الانسان عندك كالزرع»، فقال: «انما أجزع لأنه لم يقرأ كتاب «الشكوك» قال: ~~«وما كتاب الشكوك»؟ # قال: «كتاب وضعته، من قرأ فيه، شك فيما كان، حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما ~~لم يكن، حتى يظن أنه قد كان. قال أبو الهذيل: «فشك أنت فى موت ابنك، واعمل ~~على أنه لم يمت، وإن كان قد مات، فشك أنه قد قرأ لك الكتاب، وإن كان لم ~~يقرأه!». # ومات أبو الهذيل وهو ابن مائة وخمسين سنة، ذكره القاضي عن محمد بن زكريا ~~الغيلاني. وذكر الغيلاني في كتاب ms025 المشايخ، أن عمره مائة سنة، وقيل مائة ~~وخمس، وذكر المرتضى، أنه مات أول أيام المتوكل، سنة خمس وثلاثين ومائتين. # قال ابن يزداد، فى كتاب المصابيح قال: حدثني أبو بكر الزبيرى قال: كنت ~~«بسر من رأى»، لما مات أبو الهذيل فجلس الواثق في مجلس التعزية، وهذا يدل ~~على أنه مات أيام الواثق. وذكروا أنه صلى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي، ~~فكبر عليه خمسا، ثم لما مات هشام بن عمرو، كبر عليه أربعا فقيل له في ذلك ~~فقال: «إن أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم، فصليت عليه صلاتهم، وأبو الهذيل ~~كان يفضل عليا على عثمان، وكان الشيعي في ذلك الزمان من يفضل عليا على ~~عثمان. ومات الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ومات أحمد بن دؤاد فى سنة ~~ثلاث وستين ومائتين، وهذا يدل على أن أبا الهذيل مات سنة خمس وثلاثين ~~ومائتين، على ما ذكره المرتضى. # قال أبو القاسم: ولد أبو الهذيل سنة أربع وثلاثين ومائة، وكان مولى لعبد PageV01P046 ~~القيس، وذكر أبو الحسين الخياط، أنه ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة. # كان أبو الهذيل يأخذ من السلطان فى كل سنة «ستين ألف درهم»، ويفرقه على ~~أصحابه، وأنشد بن يزداد لبعضهم فى مدح أبى الهذيل: # بير فابى أبي الهذيل حسام ... بيد الدين مرهف في صقال # قد رأيناه والخليفة يقول ... بيمين من رأيه وشمال # عل لأهل الاجبار شاهت وجوه ... وقلوب ولدن تحت الظلال # من يقم في دجى من الشك ... فالنور مناط بغرة الاعتزال # وفيه يقول المأمون: أظل أبو الهذيل على الكلام، كاطلال الفحام على ~~الأنام. # ومن طبقته: أبو إسحاق ابراهيم بن سيار النظام «1»، وهو مولى. # قال أبو عبيدة: «ما ينبغى أن يكون فى الدنيا مثله، فإنى امتحنته، فقلت PageV01P047 ~~له: «ما عيب الزجاج؟» فقال- على البديهة-: «يسرع إليه الكسر ولا يقبل ~~الجبر». وروي أنه كان لا يكتب ولا يقرأ، وقد حفظ القرآن، والتوراة، ~~والإنجيل، والزبور، وتفسيرها، مع كثرة حفظه للاشعار والأخبار، واختلاف ~~الناس فى الفتيا. وناظر أبا الهذيل فى الجزء، فالزمه أبو الهذيل. مسألة ~~الذرة والنعل، هو ms026 أول من استنبطه، فتحير النظام، فلما جن عليه الليل، نظر ~~إليه أبو الهذيل، وإذا النظام قائم، ورجله فى الماء، يتفكر. فقال: «يا ~~ابراهيم هكذا حال من ناطح الكباش»، فقال «يا أبا الهذيل! جئتك بالقاطع، أنه ~~يظفر بعضا، ويقطع بعضا»، فقال أبو الهذيل: «ما يقطع كيف يقطع؟» وذكر جعفر ~~بن يحيى البرمكي أرسطاطاليس، فقال النظام: «قد نقضت عليه كتابه». فقال ~~جعفر: «كيف؟ وأنت لا تحسن أن تقرأه» فقال: «أيما أحب أليك، أن أقرأه من ~~أوله الى آخره، أم من آخره الى أوله؟» ثم اندفع يذكر شيئا فشيئا، وينقض ~~عليه، فتعجب منه جعفر ويكفيك أن الجاحظ كان من تلامذته. قال الجاحظ: ~~«الاوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فان كان ذلك صحيحا، فهو أبو ~~إسحاق النظام». قيل، وله أشعار تأخذ بالقلب والسمع ملاحة. وروى أن الخليل ~~قال له- وهو شاب ممتحنا له، وفي PageV01P048 ~~يد الخليل قدح زجاج- «يا بنى صف لى هذا»، فقال: «أمدح أم أذم»، قال: «بل ~~امدح». فقال: «نعيم يريك القذى، لا يقبل الأذى ويستر ما روى». قال: «فذمها» ~~قال «سريع كسرها، بطيء جبرها»، قال: «فصف لى هذه النخلة». فقال مادحا: «حلو ~~مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها». وقال فى ذمها: «صعبة المرتقى، بعيدة ~~المجتنى محفوفة بالأذى». فقال الخليل: «يا بنى! نحن الى التعلم منك أحوج، ~~الى غير ذلك من المحاسن». روى أنه كان يقول، وهو يجود بنفسه: # «اللهم! إن كنت تعلم أني أقصر في نصرة توحيدك، اللهم! ولم أعتقد مذهبا ~~الا سنده التوحيد، اللهم! إن كنت تعلم ذلك مني، فأغفر لي ذنوبي، وسهل علي ~~سكرة الموت». قالوا: فمات فى ساعته. قال الجاحظ: «ما رأيت أحدا أعلم ~~بالكلام والفقه من النظام. # ومن هذه الطبقة: أبو سهل بشر بن المعتمر الهلالي. قال أبو القسم: وهو من ~~أهل بغداد، وقيل بل من أهل الكوفة، ولعله كان كوفيا ثم انتقل الى بغداد، ~~وهو رئيس معتزلة بغداد، وله قصيدة «أربعون ألف بيت» رد فيها على جميع ~~المخالفين، وقيل للرشيد أنه رافضي، فحبسه، فقال في ms027 الحبس شعرا: # لسنا من الرافضة الغلاة ... ولا من المرجئة الحفاة # لا مفرطين بل نرى الصديقا ... مقدما والمرتضى الفاروقا # نبرأ من عمرو، ومن معاوية # إلى آخر ما ذكره، فلما بلغت الرشيد أفرج عنه. # قال القاضي: وكان زاهدا عابدا الى الله تعالى. وقال بعض المجبرة لأصحاب ~~بشر: «أنتم تحمدون الله على إيمانكم». فقالوا: «نعم»، فقال المجبرة: # «فكأنه يحب أن يحمد على ما يفعل، وقد ذم ذلك في كتابه»، فأقبل ثمامة، ~~فقال: «هؤلاء أجابوك، وهذا أبو مضر، فأسأله»، فقال: «لا بل هو يحمدني على ~~الايمان، لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به والتقوية عليه، ~~فانقطع المجبرة»، فقال بشر: «شنعت المسألة فسهلت، قال الجاحظ: «لم أر أحدا ~~أقوى على المخمس والمزدوج، ما أقوى عليه بشر، وهو PageV01P049 ~~القائل # أن كنت تعلم ما أقول ... وما تقول فأنت عالم # أو كنت تجهل ذا وذاك ... فكن لأهل العلم لازم # أهل الرئاسة من ينازعهم ... رياستهم فظالم # سهرت عيونهم وأنت ... عن الذي قاسوه نائم # لا تطلبن رئاسة ... بالجهل أنت لها مخاصم # لو لا مقامهم رأيت ... الدين مضطرب الدعائم # وثمامة من تلامذة بشر بن المعمر «1»، ومن شعر البشر، قوله لهشام بن الحكم: # تلعبت بالتوحيد حتى كأنما ... تحدث عن غول ببيداء سملق # لأن «الغول» عند العرب تقلب نفسها من صورة الى صورة، كذلك هشام ابن الحكم ~~«2»، قال فيه مقالات كثيرة، فمرة قال: «نور يتلألأ»، ومرة قال: «من حيث ~~جئته، رأيته»، ومرة قال: «هو مثل الانسان». # ومن هذه الطبقة: معمر بن عباد السلمي «3»، يكنى أبا عمرو، وكان عالما ~~عدلا، وتفرد بمذاهب نذكرها ان شاء الله تعالى، وكان بشر بن المعتمر وهشام ~~ابن عمر، وأبو الحسين المدائني، من تلامذته. # قال القاضي: «ولما منع الرشيد من الجدال في الدين، وحبس أهل علم الكلام، ~~كتب إليه ملك السند: انك رئيس قوم لا ينصفون، يقلدون الرجال، ويغلبون ~~بالسيف، فإن كنت على ثقة من دينك، فوجه الى من أناظاره، فإن كان الحق معك ~~اتبعناك، وان كان معي تبعتني. فوجه إليه قاضيا، وكان عند PageV01P050 ~~الملك رجل من ms028 السمنية، وهو الذي حمله على هذه المكاتبة، فلما وصل القاضي ~~إليه، أكرمه، ورفع مجلسه، فسأله السمني: فقال: «أخبرني عن معبودك هل هو ~~القادر؟» قال: «نعم» قال: «أفهو قادر على أن يخلق مثله؟» فقال القاضي: «هذه ~~المسألة من علم الكلام، وهو بدعة، أصحابنا ينكرونه». فقال السمني: «من ~~أصحابك؟ فقال: «فلان وفلان» ... # وعد جماعة من الفقهاء. فقال السمنى للملك: «قد كنت أعلمتك دينهم، وأخبرتك ~~بجهلهم وتقليدهم، وغلبتهم بالسيف» .. قال: «فأمر ذلك الملك القاضي ~~بالانصراف، وكتب معه الى الرشيد: إني كنت بدأتك بالكتاب، وأنا على غير ~~يقين، مما حكي لي عنكم، فالآن قد تيقنت ذلك، بحضور القاضي» وحكى له في ~~الكتاب ما جرى، فلما ورد الكتاب على الرشيد، قامت قيامته، وضاق صدره وقال: ~~«أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟» قالوا: «بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين ~~نهيتهم عن الجدال في الدين، وجماعة منهم، في الحبس»، فقال: «أحضروهم»، فلما ~~حضروا قال: «ما تقولون في هذه المسألة؟» فقال صبى من بينهم: «هذا السؤال ~~محال، لأن المخلوق لا يكون إلا محدثا والمحدث لا يكون مثل القديم، فقد ~~استحال أن يقال: يقدر على أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما استحال أن يقال، ~~يقدر أن يكون عاجزا أو جاهلا». فقال الرشيد: «وجهو بهذا الصبي الى السند، ~~حتى يناظرهم»، فقالوا: «إنه لا يؤمن أن يسألوه عن غير هذا، فيجب أن توجه من ~~يفي بالمناظرة في كل العلم». قال الرشيد: «فمن لهم؟» فوقع اختيارهم على ~~معمر، فلما قرب من السند، بلغ خبره ملك السند، فخاف السمني أن يفتضح على ~~يديه، وقد كان عرفه من قبل، فدس من سمه في الطريق فقتله. # قلت: وجواب الصبى الذي قدمنا حكايته، غير سديد من أحد طرفيه، لأنه قال: ~~(يحال السؤال)، والصحيح أنه (لا يحال) هنا بل يجاب، بأنه مستحيل لما ذكره، ~~والمستحيل غير مقدور، ولا يستلزم تعذره للعجز، كما سيأتي: # وكان الرشيد نهى عن الكلام، وأمر بحبس المتكلمين، حمله على ذلك قوم لم PageV01P051 ~~يعرفوه، والمرء عدو ما جهله. وحكي أنه اجتمع عند الرشيد ms029 رجلان من ~~المتكلمين، فتكلما في مسألة، فقال لبعض الفقهاء: «احكم بينهما» فقال: # «هذا أمر لا يعنيني، وأنا لا أحكم في أمر لا يعنينى، فأمر له بصلة وقال ~~هذا جزاء من لا يشتغل بما لا يعنيه». وحكى أنه اجتمع عنده رجلان يتكلمان في ~~مسألة من الكلام، فبعث بهما الى الكسائي لينظر ما بينهما، فلما دخلا عليه ~~وتكلما، وبلغا الى موضع لا يعرفه قال: «هما زنديقان يقتلان». # ومن هذه الطبقة: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، وكان من أفصح الناس، ~~وأفقههم، وأورعهم، حكي أنه كان يخطئ عليا عليه السلام في كثير من أفعاله، ~~ويصوب معاوية في بعض أفعاله. قال القاضي: «ويجرى منه حيف عظيم على أمير ~~المؤمنين»، وكان بعض أصحابه يعتذر له فيقول: بلى بمناظرة هشام بن الحكم «1» ~~فنقلوا هذا، ونقلوا هذا والله أعلم. وله تفسير عجيب، وكان جليل القدر، ~~يكاتبه السلطان، قيل كان يصلي ومعه في مسجده، بالبصرة ثمانون شيخا، وهو أحد ~~من له الرئاسة، ولأبى الهذيل معه مناظرات، وكان أبو علي «2» لا يذكر أحدا ~~فى تفسيره الا «الأصم»، واذا ذكره قال: «لو أخذ في فقهه ولغته، لكان خيرا ~~له، وأخذ عنه ابن علية. # ومن هذه الطبقة أبو شمر الحنفى، وكان يخالف في شيء من الارجاء، وكان ~~يناظر وهو لا يتحرك منه شيء، ويرى كثرة التحركات عيبا. فكلمه النظام، فى ~~مجلس الحسن بن أيوب الهاشمي أمير البصرة، فضغطه الكلام، فحل حبوته وتحرك في ~~مجلسه، وما زال يزحف حتى قبض على يد النظام، فتبين الأمير ومن حضر انقطاعه، ~~فترك الأمير القول بالارجاء. قال الجاحظ: «وكان أبو شهر يكلم متبعيه، فلما ~~كلمه النظام أخرجه عن طبعه». # ومن هذه الطبقة جماعة- غيرهم- أي هؤلاء الذين ذكرناهم، كإسماعيل PageV01P052 ~~بن ابراهيم أبي عثمان الأدبي، وكان عالما فاضلا، زاهدا جدلا، حاذقا في ~~مسائل الكلام، ومنهم، أبو مسعود عبد الرحمن العسكرى، كان مقدما في الكلام، ~~والحديث. ومنهم أبو خلدة، وكان شيخا مقدما في الكلام، وكان مذهبه مذهب ~~(معمر) في أفعال الطبائع، لا في المعاني. قيل: وكان يقول بشيء من ms030 الارجاء، ~~وقيل انه الذي وجهه هارون الى الهند للمناظرة، فدس إليه خصمه من سمه في ~~الطريق. حكى أبو الحسن الخياط، أن بعض ملوك الهند كتب الى الرشيد فقال: ~~«ليوجه الي رجل من علماء المسلمين ليعرفنا الاسلام»، وذكر أن عنده رجلا، من ~~أهل علم الكلام حتى يحاجه، فوجه إليه رجل من المحدثين، شيخا بهيا، وكتب ~~إليه: «إني قد وجهت أليك شيخا عالما»، فخاف الرجل الهندي، الذي كان عند ~~الملك، أن يكون من أهل الكلام فيفضحه، فوجه إليه رجلا في السر. ليتعرف ~~خبره، فلقيه في الطريق، فوجده صاحب حديث، فرجع الى صاحبه، فأخبره به، فتسر ~~بذلك، فلما ورد على الملك، جمع بينه وبين صاحبه، وجمع علماء أهل مملكته، ~~فقال له الهندي: # «ما الدليل على أن دينك حق؟» فقال المحدث: «حدثنا سفيان الثورى «1» هكذا ~~وحدثنا الشعبي بكذا، وحدثنا ابن عون بكذا»، والهندي ساكت. فلما أتى على ما ~~أراد، قال له الهندى: «من أين علمت أن هذا الذي روى لك هذه الروايات عنه ~~صادق فيما ادعاه من النبوة؟» فتلا آيات من القرآن نحو قوله تعالى: «محمد ~~رسول الله «2»»، فقال له الهندى: «ومن أين علمت أن هذا الكلام من عند الله، ~~ولعل صاحبك وضعه، فلم يدر ما يقول وسكت، فأجازه الملك. وكتب الى هارون ~~يخبره، وذكره أن الذي وجهه لا يصلح لما أردناه، وانما نريد رجلا متكلما ~~ليحتج لأصل دينه ولأصل الاسلام، فلما ورد الكتاب والمحدث على هارون قال: ~~«أطلبوا لي متكلما»، فوجدوا أبا خلدة، فقيل له «أتثق بنفسك في مناظرته»؟ ~~فقال: «أنا له إن شاء الله تعالى»، فوجه به الرشيد في مركب، وكتب الى ملك ~~الهند: «إنى قد وجهت إليك رجلا متكلما من أهل ديني»، فلما كان فى بعض ~~الطريق وجه الهندي إليه من PageV01P053 ~~يختبره، فوجده متكلما، فدس إليه سما فقتله، قبل أن يصل الى الملك. # ومنهم، أبو عامر الانصاري، وكان عظيم القدر في الفقه والكلام. # ومنهم، عمرو بن قايد، كان متكلما جدلا، بعث إليه سليمان بن علي لما بلغه ~~عنه أنه لا يقول ms031 «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، ودعاه، فلما ~~دخل، فكان يرتقي إليه درجة، وهو شيخ، وكلما وضع قدمه على درجة قال: # «لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم»، وسليمان يسمع، فلما صعد، إذا ~~بين يديه سيف مسلول، ومصحف منشور، فقال سليمان: أخرج من هذه الآية، «وما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله «1»» فقال عمرو: «يا أيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا ... فآمنوا بالله «2»» فأي إذن أكبر من هذا؟ فقال له ~~سليمان: «أكانت في كمك؟» فقال: «لا، ولكن بتأييد الله». وله تفسير كبير، ~~وهو القائل: # سيعلمون إذا الميزان شال بهم ... أهم جنوها أم الرحمن جانيها # ومنهم موسى الأسواري: فسر القرآن ثلاثين سنة، ولم يتم تفسيره. ويقال: # كان في مجلسه العرب والموالي، فيجعل العرب في ناحية، والموالي فى ناحية، ~~ويفسر لكل بلغته، ويخالف في شيء من الارجاء. # ومنهم، هشام بن عمرو الغوطي «3». قال أبو القسم: «هو شيباني من أهل ~~البصرة». قال القاضى: «وكان عظيم القدر، عند الخاصة والعامة»، حكى عن يحي ~~بن أكثم: «كان إذا دخل على المأمون، يتحرك حتى يكاد يقوم». # وفيه يقول بعضهم: # أمد الواحد الذي قد حبانا ... بهشام في علمه وكفانا # قد أقام المنار بالسس النهج ... منيرا وأحكم البنيانا PageV01P054 ~~ليس يخفى عليك أن هشاما ... يتحرى بقوله الرحمانا # تابع واصلا وعمروا فما ... يغتر في دينه ولا يتوانا # وقد تفرد هشام بمسائل سنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. ### ||| AUTO الطبقة السابعة # أبو عبد الله أحمد بن داود، وآثاره مشهورة. # ومن هذه الطبقة: ثمامة بن الأشرس «1»، ويكنى أبا معن النميرى. وكان واحد ~~دهره فى العلم والأدب، وكان جدلا حاذقا. قال أبو القسم: قال ثمامة يوما ~~للمأمون «2»: «أنا أبين لك القدر بحرفين، وأزيد حرفا للضعيف» - قال: # «ومن الضعيف؟» قال: «يحيى بن أكثم»، قال: «هات»، قال، «لا تخلو أفعال ~~العباد من ثلاثة أوجه، إما كلها من الله ولا فعل لهم، ولم يستحقوا ثوابا ~~ولا عقابا ولا مدحا ولا ذما- أو تكون منهم ومن الله، وجب المدح والذم لهم ~~جميعا- أو ms032 منهم فقط كان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم». # قال: «صدقت». وقال يوما للمأمون: «إذا وقف العبد بين يدي الله يوم ~~القيامة، فقال الله تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا ~~رب إنك خلقتني كافرا، وأمتني بما لا أقدر عليه، وحلت بيني وبين ما أمرتني ~~به، ونهيتني عما قضيته علي، وحملتني عليه، أليس هو بصادق؟» قال: # «بلى»، قال: فان الله تعالى يقول «هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم «3»» ~~أفينفعه صدقه؟ قال بعض الهاشميين: ومن يدعه يقول هذا أو يحتج به؟ # قال ثمامة: «أليس إذا منعه من الكلام والحجة، يعلم أنه منعه من ابانة ~~عذره، أو متركه لأبان عذره؟» فانقطع. وقال أبو العتاهية يوما PageV01P055 ~~للمأمون: «أنا أقطع ثمامة»، فقال: عليك بشعرك فلست من رجاله»، فلما حضر ~~ثمامة، قال أبو العتاهية وقد حرك يده: «من حرك يدي» قال «1»: «من أمه ~~زانية؟» قال: يا أمير المؤمنين شتمني». # قال ثمامة: «ترك مذهبه يا أمير المؤمنين». فقال له أبو العتاهية بعد ذلك: # «أما كانت لك في الحجة مندوحة غير السفه؟». فقال له: «إن خير الكلام ما ~~جمع الحجة والانتقام». # وجاءه رجل من الحشوية «2» فقال له: «دع مذهبك، فلقد رأيت فيك رويحا ~~قبيحة»، فذهب به الى ربيعة وسألهم: «ما الذي ترون في القس»،؟ # فذكروا المقامات العجيبة، فأقبل على الحشوي وقال: «تتنصر»؟، وكان أخذه عن ~~أبي الهذيل. وله أقوال انفرد بها، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. وكان اتصل ~~بالخلفاء وخدمهم ليتوصل الى معرفة أهل الدين، ولذلك قد ينقل في كلامه بعض ~~الهزل، كقصته مع رجل ادعى النبوة، فأرسله المأمون وآخر معه إليه، ليفهما ما ~~عنده، فلما سألاه إظهار معجزة تدل على صدقه قال: # «نعم! من شاء منكما فليأتني بأمه، لأحبلها تلد الساعة ولدا سويا، يقوم ~~بين أيديكما» فقال ثمامة: «أما أمي فقد ماتت منذ مدة، أما أخونا هذا، لعل ~~أمه باقية (يعني صاحبه)، فيأتي بها أليك. وهذا مجون كما ترى. # وعن ثمامة قال: «كان المأمون قد هم بلعن معاوية على المنابر، وأن يكتب ~~بذلك كتابا يقرأ ms033 على الناس». قال: فنهاه يحيى بن أكثم «3» عن ذاك وقال: PageV01P056 # «يا أمير المؤمنين!»، إن العامة لا تحتمل ذلك سيما أهل خراسان، فلا تأمن أن ~~تكون لهم نفرة، فلا تدري ما عاقبتها، الرأى أن تدع الناس على ما هم عليه فى ~~أمر معاوية، ولا تظهر أنك تميل الى فرقة من الفرق، فركن المأمون الى قوله، ~~فلما دخلت عليه قال: «يا ثمامة قد علمت ما كنا فيه ودبرناه في أمر معاوية، ~~وقد عارضنا تدبير هو أصلح فى تدبير المملكة، وأبقى ذكرا فى العامة»، ثم ~~أخبرني أن يحي بن أكثم خوفه العامة فقلت: يا أمير المؤمنين! والعامة في هذا ~~الموضع الذي وضعها به يحي بن أكثم، والله لو وجهت انسانا على عاتقه سواد ~~ومعه عصا، لساق أليك بعصاه عشرة آلاف منها، والله يا أمير المؤمنين! ما رضي ~~الله أن سواها بالأنعام، حتى جعلها أضل منها. فقال: «إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا» «1» والله يا أمير المؤمنين لقد مررت منذ أيام فى شارع، وأنا ~~أريد الدار، فاذا انسان قد بسط كساه، وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي: ~~«هذا دواء لبياض العين والغشاوة والظلمة، وإن احدى عينيه لمطموسة، والأخرى ~~موشوكة، والناس قد اجتمعوا، فدخلت فى غمار تلك العامة» ثم قلت: «يا هذا إن ~~عينيك أحوج من هذه الأعين الى العلاج وأنت تصف هذا الدواء، وتخبر أنه شفاء ~~فوجع العين فلم لا تستعمله؟» فقال: # «أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة، فما مر بي شيخ أجهل منك». # قلت: وكيف ذلك؟ قال: «يا جاهل! أتدري أين اشتكت عيني» قلت: # «لا» فقال: «اشتكت بمصر عين، واشتكت بمصر عين، وكيف ينفعها دواء بغداد؟ ~~قال: «فأقبلت عليه الجماعة وقالوا: صدق الرجل، أنت جاهل»، فقلت: «لا والله، ~~ما علمت أن عينيه اشتكت بمصر، فما تخلصت منهم إلا بهذه الحجة». فضحك ~~المأمون وقال: «ما لقيت العامة منكم؟» قلت: «ما لقيت من الله أكبر» قال: ~~«أجل» قال القاضي عن أبي الحسن فى كتاب المشايخ: «أن سبب اتصال ثمامة ~~بالخلفاء، أن محمد ms034 بن PageV01P057 ~~سليمان قطع يدي عيسى الطبرى، وكان زاهدا متكلما فى عباد الله الصالحين، ~~فلما بلغ ثمامة قال، قتلني الله إن لم أقتله» وكان ثمامة قد تفرد للعبادة، ~~فاتصل بالرشيد، وتمكن منه لعلمه وفضل أدبه، إلى أن عاد له فى طريق مكة، ~~فكان يملي أذنيه علما، الى أن حج معه، وحوله بتدبيره الى طريق البصرة في ~~منصرفة، وهجم به على سلاح لمحمد بن سليمان، فكان من الرشيد ما كان. # ومن هذه الطبقة: عمرو بن بحر بن الجاحظ «1»، وكنيته أبو عثمان. # قال أبو القسم: وهو كناني من صلبهم. # قال المرتضى: بل هو مولى لهم، أخذ عن النظام. # قال ابن يزداد وهو نسيج وحده فى جميع العلوم، جمع بين علم الكلام ~~والأخبار، والفتيا، والعربية، وتأويل القرآن وأيام العرب مع ما فيه من ~~الفصاحة. # وله مصنفات كثيرة نافعة في التوحيد، واثبات النبوة، وفي الامامة، وفضائل ~~المعتزلة وغير ذلك. # قال أبو علي «ما أحد يزيد على أبي عثمان، وأغرى بشيئين- كون المعارف ~~ضرورية، والكلام على الرافضة». # قال الحافظ: «قلت لأبي يعقوب الحرمي، من خلق المعاصي؟» قال: # «الله» قلت: «فمن عذب عليها؟» قال: «الله» قلت: «فلم؟» قال: «لا أدري ~~والله». # وروى أنه كان في حداثته مشتغلا بالعلم، وأمه تمونه، فجاءته يوما بطبق ~~عليه كراريس، فقال: «ما هذا؟» قالت: «هذا الذي تجبئ به»، فخرج مغتما، وجلس ~~فى الجامع، وموسى بن عمران جالس، فلما رآه مغتما، قال له: «ما شأنك؟» فحدثه ~~الحديث، فأدخله المنزل وقرب إليه الطعام، PageV01P058 ~~وأعطاه خمسين دينارا، فدخل السوق واشترى الدقيق وغيره، وحمله الحمالون الى ~~داره، فأنكرت الأم ذلك، وقالت: «من أين لك هذا؟» قال: من الكراريس التي ~~قدمتها الى، ثم اتصل بعد ذلك بابن الزيات، فأقطعه أربعمائة جريب فى ~~الأعالى، قال الحاكم: وهي تعرف بالجاحظية الى الآن. # قال المبرد: «وسمعت الجاحظ يقول، احذر ممن تأمن، فأنك حذر ممن تخاف». # قال المبرد: قال الجاحظ يوما، أتعرف مثل قول اسماعيل بن القسم: # ولا خير في من لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب # قلت: «نعم، قول ms035 كثير ومنه أخذ». # فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وكان مختصا بابن الزيات، منحرفا عن أحمد بن أبي داود «1»، فلما قتل ابن ~~الزيات، حمل الجاحظ مقيدا من البصرة، وفي عنقه سلسلة، وعليه قميص سمل، فلما ~~دخل على القاضي أحمد بن أبي دؤاد، قال القاضي له: «ما علمتك إلا متناسيا ~~للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساويء، وما فتنتني باستصلاحي لك، ولكن ~~الأيام لا تصلح منك، لسفاد طويتك، ورداءة طبيعتك، وسوء اختيارك، وغالب ضغنك». PageV01P059 # فقال الجاحظ: «خفض عليك ايدك الله فو الله، لأن يكون لك الأمر علي خير من ~~إن يكون لي عليك. وإن أسيء، وتحسن أحسن في الأحدوثة عليك من أن أحسن وتسيء. ~~ولإن تعفو عني في حال قدرتك، أجمل بك من الانتقام منى». # فقال: «أحمد الله، ما علمتك إلا كثير مزويق الكلام». فحل عنه الغل والقيد ~~وأحسن إليه، وصدره في المجلس، وقال: «هات الآن حديثك يا أبا عثمان». # ومات الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين في أيام المهتدي. # ومن هذه الطبقة: عيسى بن صبيح، كنيته، أبو موسى بن المردار. # وقال ابن الاحشيد: هو من علماء المعتزلة، ومن المتقدمين فيهم، وكان ممن ~~أجاب بشر بن المعتمر. # ومن جهة أبي موسى، انتشر الاعتزال ببغداد، ويقال: أنه كان من أحسن عباد ~~الله قصصا، وأفصحهم منطقا، وأثبتهم كلاما، وروى أن أبا الهذيل وقف عليه، ~~فبكى وقال: «هكذا شهدنا أصحاب واصل وعمرو» # ويسمى راهب المعتزلة، ولما حضرته الوفاة، شك فيما في يده، فأخرجه قبل ~~موته الى المساكين، تحرزا واشفاقا. # وهو أستاذ الجعفرين «1»، وناهيك بهما، علما وورعا. # ومن هذه الطبقة: موسى بن عمران الفقيه. # ذكر أبو الحسن، أنه كان واسع العلم في الكلام والفتيا، وكان يقول ~~بالارجاء. PageV01P060 # ومنهما: محمد بن شبيب، وكنيته أبو بكر، وله كتاب جليل في التوحيد، ولما قال ~~بالارجاء، تكلم عليه المعتزلة بالنقض، فقال: «إنما وضعت هذا الكتاب في ~~الارجاء لاجلكم، فأما غيركم فانى لا أقول ذلك له». # ومنها: محمد بن اسماعيل العسكري، كان من أورع الناس وأعلمهم، قال: ms036 # وكان شديد الشكيمة فى دين الله، حتى أنه أتاه كتاب من السلطان فقال: # «هذا الكتاب أهون علي من هذا التراب». # وأخذ العلم عن أبي عمر الأنصارى. # ومنها أبو يعقوب يوسف بن عبد الله بن إسحاق الشحام «1»، من أصحاب أبي ~~الهذيل، وإليه انتهت رئاسة المعتزلة فى البصرة في وقته، وله كتب فى الرد ~~على المخالفين وفي تفسير القرآن، وكان من أحذق الناس فى الجدل وعنه أخذ أبو علي. # قال أبو الحسن: سألت أبا علي عن عذاب القبر فقال: سألت الشحام فقال: ما ~~منا أحد أنكره، وإنما يحكى ذلك عن ضرار بن عمرو، وروي أن الواثق أمر أن ~~يجعل مع أصحاب الدواوين رجال من المعتزلة، ومن أهل الدين والطهارة ~~والنزاهة، لانصاف المتظلمين من أهل الخراج، فاختار القاضي ابن أبي داود أبا ~~يعقوب الشحام فجعله ناظرا على الفضل بن مروان، فقمعه وقبض يده عن الانبساط ~~في الظلم. # قال القاضي عبد الجبار: كان من أصغر غلمان أبي الهذيل وأعلمهم. عاش ~~ثمانين سنة. # ومنها: أبو علي الاسواري، قال أبو القسم: وكان من أصحاب أبي الهذيل ~~وأعلمهم، فانتقل الى النظام. وروي أنه صعد بغداد لفاقة لحقته، فقال النظام: # ما جاء بك؟ فقال: لحاجة، فأعطاه ألف دينار، وقال له: ارجع من PageV01P061 ~~ساعتك. فقيل: انه خاف أن يراه الناس فيفضل عليه # ومنها: أبو الحسين محمد بن مسلم الصالحى، وكان عظيم القدر في علم الكلام، ~~وكان يميل الى الارجاء، وله في ذلك مناظرات مع أبي الحسين الخياط. # ومنها: صالح قبة «1»، وسيأتي بيان سبب تسميته بذلك. وله كتب كثيرة. # وخالف الجمهور في أمور، منها: كون المتولدات فعل الله ابتداء، وكون ~~الادراك معنى. # ومنها: الجعفران، أولهما: جعفر بن حرب، يكنى أبا الفضل. قال محمد ابن ~~يزداد: كان جعفر بن حرب واحد دهره فى العلم والصدق والورع والزهد والعبادة، ~~له كتب كثيرة فى الجلي من لكلام والدقيق. وبلغ من زهده في آخر عمره، أن ترك ~~ضياعه وماله وكل ما ملك، وتعرى وجلس فى الماء في بعض الأنهار، حتى مر به ~~بعض أصحابه، ms037 وكساه قميصا. وإنما فعل ذلك لأن أباه كان من أصحاب السلطان. ~~واعتزل الناس في آخر عمره، وترك الكلام في الدقيق، وأقبل على التصنيف في ~~الجلي الواضح، مثل كتاب: الايضاح، ونصيحة العامة، والمسترشد، والمتعلم ~~والاصول الخمسة، وما أشبه ذلك، وكان ينسخ ذلك، ويدفعه الى امرأة، ويأمرها ~~أن تبيعه بكل ما يطلب منها، ويشترى منها الكاغد بقدر ما يحتاج إليه، ويشترى ~~بباقى ذلك قوت نفسه وعياله، كان ذلك الى أن توفى رحمه الله تعالى. قال أبو ~~القسم «2» عن أبي الحسين الخياط قال: حضر جعفر مجلس الواثق للمناظرة، فحضر ~~وقت الصلاة، فقاموا لها، وتقدم الواثق وصلى بهم، وتنحى جعفر، فنزع خفه وصلى ~~وحده، وكان أقربهم إليه يحيى بن كامل، فجعلت الدموع تسيل من عينيه، خوفا ~~على جعفر من القتل. قال: ثم لبس جعفر خفه، وعاد الى المجلس، وأطرق. ثم ~~أخذوا فى PageV01P062 ~~المناظرة، فلما خرجوا، قال له القاضي أحمد بن أبي داود: «إن هذا لا يحتملك ~~على هذا الفعل، فان عزمت عليه، فلا تحضر مجلسه». فقال جعفر: «ما أريد ~~الحضور، لو لا أنك تحملني عليه، فلما كان المجلس الثانى، نظر الواثق، ثم ~~قال «أين الشيخ الصالح؟». # فقال ابن أبي دواد: «إن به السل، وهو يحتاج الى أن يتكئ ويضطجع» قال ~~الواثق: «فذاك». # قيل: وجمع المأمون بين أبي الهذيل وبين زاذان بخت الثنوي، فجرت بينهما ~~مناظرة. قال جعفر: «فبلغني المجلس لأني لم أحضر، فصرت الى زاذان بخت، فدخلت ~~على شيخ له هيئة وجمال، فجلست إليه، وأعدت عليه المجلس، فقال: «المجلس كما ~~بلغك، إلا أن المجلس لكم والرئيس أمامكم، وفي دون هذا، يحق الحصر وتغرب ~~الحجة». # فقلت: فأنا أسألك عن المسألة التي سألك عنها أبو لهذيل حتى تجيبني. # فقال لي: «قبل كلى شيء، ينبغي للعاقل أن ينصف في القول، كما يجب عليه أن ~~يحسن في الفعل». فقلت له: «صدقت، فخبرني من وعظك بهذه الموعظة: النور فهو ~~مستغنى عنها، لأنه لا خير فى العالم إلا منه، ولا يكون منه الشر البتة، أما ~~الظلمة فلا يكون منها الخير ms038 أبدا، وهي مطبوعة على الشر، فلا معنى لهذا ~~الوعظ» قال: ثم قال لي: «أنت غافل عما عليك في هذا الباب إن من مذهبك، أن ~~الله تعالى قد وعظ قوما، يعلم أنهم لا يتعظون، ويأمرهم بالخير، ويعلم أنهم ~~لا يفعلون، وأرسل إليهم ويعلم أنهم يكذبون، فليس بمستنكر أن أعظ من لا يقبل ~~الوعظ، ولا يكون منه الخير». قال جعفر: «بل أنت غافل، لأنك لا تعلم كيف ~~قولنا، لأنا تقول: إن الله قد أقدر، من أمره بالخير، عليه. فهل تقول في ~~الظلمة، أنها تفعل الاقدار على الخير؟» فقال: # «أوليس من مذهبكم، أن الكافر لا يقدر أن يؤمن، والمؤمن لا يقدر أن يكفر؟» ~~قال جعفر: «ليس هذا من مذهبنا، ومن قال بهذا من أمتنا، فهو شر حالا منك، ~~عندنا، فانقطع وقمت». PageV01P063 # ويقال: إن جعفرا كان في صغره يمر على أصحاب أبي موسى، فيعبث بهم ويؤديهم، ~~فشكوه الى أبي موسى، فقال: اجتهدوا أن تعيدوه الى مجلسي، فلما صار الى ~~مجلسه، وسمع كلامه ونمطه، مر حتى دخل فى الماء عاريا من ثيابه، وبعث الى ~~أبي موسى ليبعث إليه ثيابا، فلبسها، ولزم أبا موسى، فخرج في العلم بما عرف به. # ومن كلامه أنه يقول: «المؤمن بمنزلة التاجر البصير، العاقل، الذي ينظر، ~~أي التجارة أربح وأسلم لبضاعته فيقصد إليها، كذلك المؤمن، لا يزال متصرفا ~~في أعمال البر، فرائضها ونوافلها، والاستعانة عليها بطلب الحلال من المعاش، ~~مع ما قد أباح الله من الاستمتاع في غير محرم، ثم يكون شديد الاشفاق ~~والوجل، يخشى أن يكون مقصرا، ويخاف أن يكون ذلك التقصير مهلكا له عند الله، ~~لأنه لا يدرى، هل أدى حقوق الله؟ وهل راعى حدوده؟ لعله قد ضيع بعض ذلك، ~~وقصر فيه تقصيرا أسخط الله، أو أحبط عمله، ويرجو مع ذلك أن لا يكون كذلك، ~~وأن يكون دأبه على التوبة والاستغفار مما يعلم، ومما لا يعلم، من كل صغير ~~وكبير، ولا يزال كذلك في ذلك، حتى يأتيه أمر الله فيصير الى أرحم ~~الراحمين». # والثاني: أبو محمد جعفر بن مبشر ms039 الثقفي، وكان مشهورا بالعلم والورع. # قال الخياط: سألت جعفر بن مبشر عن قوله تعالى: # «فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء» «1»، وعن الختم والطبع فقال: «أنا ~~مبادر الى حاجة، ولكني ألقي عليك جملة تعمل عليها: اعلم، أنه لا يجوز على ~~أحكم الحاكمين أن يأمر بمكرمه ثم يحول دونها، ولا أن ينهى عن قاذورة ثم ~~يدخل فيها، وتأول الآيات بعد هذا كيف شئت». # قال ابن يزداد: «ولقد بلغ في العلم والعمل هو، وجعفر بن حرب، حتى كان ~~يضرب بهما المثل، فكان يقال: «علم الجعفرين وزهدهما»، كما يضرب المثل في ~~حسن السيرة بالعمرين. وروي أن جعفر بن بشر، أضرت به الحاجة، PageV01P064 ~~حتى كان يقبل القليل من زكاة اخوانه، فحضره يوما بعض التجار، فتكلم خضرته ~~فى خطبة نكاح، فأعجب به ذلك التاجر، فسأل عنه، فأخبره بمسكنته، فبعث إليه ~~بخمسمائة دينار، فردها، فقيل له: عذرناك فى رد مال السلطان للشبهة، وهذا ~~تاجر ماله من كسبه، فلا وجه لردك. فقال جعفر: # «إنه استحسن كلامي .. أفتراني أن آخذ على دعائي إلى الله وموعظتي ثمنا؟ ~~لو لم أكن فعلت هذا ثم ابتدائى لقبلت». # وروي أن بعض السلاطين وصله بعشرة آلاف درهم، فلم يقبل، وحمل إليه بعض ~~أصحابه بدرهمين من الزكاة فقبل، قيل له فى ذلك فقال: «أرباب العشرة آلاف ~~أحق بها مني، أنا أحق بهذين الدرهمين، لحاجتي إليهما، وقد ساقها الله الى ~~من غير مسألة، وأغناني بهما عن الشبهة والحرام» ولقد قال الواثق لأحمد بن ~~أبى داود: «لم لا تولي أصحابي القضاء، كما تولي غيرهم؟» فقال: «يا أمير ~~المؤمنين! إن أصحابك يمتنعون من ذلك، وهذا جعفر بن مبشر، وجهت إليه بعشرة ~~آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فذهبت إليه بنفسي، واستأذنت بأبى أن يأذن لى، ~~فدخلت من غير إذن، فسل سيفه في وجهي وقال: الآن حل لي قتلك، فانصرفت عنه. ~~فكيف أولي القضاء مثله؟!». # ومنها أبو عمران موسى بن الرقاشي: حكى الخياط عن البلخي وأبي زفر أنهما ~~قالا: ما رأينا أحدا أعلم بالكلام منه، فقيل لأبي زفر: سبحان ms040 الله وقد رأيت ~~أبا الهذيل. وأبا موسى. وصالحا الأسواري، وتقول هذا؟! فقال: «كان أبو عمران ~~يجيب في المسألة الواحدة بسطر واحد، بجواب يفهمه العالم والجاهل، وكان يحرم ~~المكاسب، ويزعم أن الدار دار كفر». # ومنها: عباد بن سليمان «1»، وله كتب معروفة، وبلغ مبلغا عظيما، وكان من PageV01P065 ~~أصحاب هشام الغوطى، وله كتاب يسمى الأبواب، نقضه أبو هاشم «1». # ومنها: أبو جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي، قال ابن يزداد: كان عالما ~~فاضلا، وله سبعون كتابا في الكلام. # قال أبو القسم عن أبي الحسين الخياط قال: كان الاسكافي خياطا، وكان عمه ~~وأمه يمنعانه من الاختلاف فى طلب العلم، ويأمر انه بلزوم الكسب. فضمه جعفر ~~بن حرب الى نفسه، وكان يبعث الى أمه كل شهر «عشرين درهما» حتى بلغ ما بلغ. ~~قال أبو القسم عن أبي الحسين الخياط: مات الاسكافي سنة أربعين ومائتين. # ومنها غيرهم: كأبي عبد الله الدباغ، ويحيى بن بشر الارجائي، من أصحاب أبي ~~الهذيل، وروي عنه القول بتناهي الحركات، وروي أنه تاب من ذلك. # ومنها: أبو عفان النظامي من أصحاب النظام. # ومنها: زرقان من أصحاب النظام أيضا، وله كتاب «المقالات». قال أبو الحسين ~~الخياط: حدثنى الأدمى قال: أحضر الواثق يحيى بن كامل، وأمر (زرقان) أن ~~يناظره، فناظره في الإرادة حتى الزمه الحجة، ثم ناظره الواثق بنفسه، فألزمه ~~الحجة فقال الادمي: «يا أمير المؤمنين قامت حجة الله عليه، فان تاب، والا ~~فاضرب عنقه». # ومنها: عيسى بن الهيثم الصوفي، وهو الذي تمثل عند موت جعفر ابن حرب بقول ~~الشاعر: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفرد بالسؤدد # فقيل له: يكفي الله ذلك بأبي جعفر الاسكافي. # وكان عيسى من أصحاب جعفر بن حرب، وصحب أبا الهذيل. # ومنها: أبو سعيد أحمد بن سعيد الأسدى. PageV01P066 # قال أبو الحسن بن زفرويه في كتاب «المشايخ»: كان احفظ الناس للفقه والحديث، ~~واسناده كاسناد جعفر بن مبشر، الا ما اختص به عن أصحاب الحسن، وأصحاب بن ~~عياش «1». وكان من أشد الناس على المجبرة والمشبهة، وما كان يضعف الا فى ~~الوعيد، ms041 ثم صار في «ارجا» وهي بلد معروف، فناظر يحيى بن بشر الارجائي، فقال ~~بالوعيد حتى قال: «إن عشت لأصنفن فيه الكتاب». # وكان يقول: قنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح، وأبو بكر وعمر وعثمان ~~ست سنين بعد الركوع، وست سنين قبل الركوع، وله كتاب «شرح الحديث». ### ||| AUTO الطبقة الثامنة # أبو على محمد بن عبد الوهاب «2» الجبائي «3»: قال أبو بكر أحمد بن علي: PageV01P067 # وهو الذي سهل علم الكلام، ويسره وذلله، وكان مع ذلك فقيها، ورعا، زاهدا، ~~جليلا، نبيلا، ولم يتفق لأحد من اذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدم ~~والرئاسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتفق له هو أشهر أمرا، وأظهر أثرا. ~~وكان شيخه أبا يعقوب الشحام، ولقى غيره من متكلمي زمانه، وكان على حداثة ~~سنه، معروفا بقوة الجدل. # حكى القطان، أنه اجتمع جماعة لمناظرة، فانتظروا رجلا منهم، فلم يحضر، ~~فقال بعض أهل المجلس: أليس هنا من يتكلم؟ وقد حضر من علماء المجبرة رجل ~~يقال له صقر، فاذا غلام أبيض الوجه زج نفسه في صدر صقر وقال له: # «أسألك»، فنظر إليه الحاضرون، وتعجبوا من جرأته مع صغر سنه، فقال له: ~~«سل»، فقال: «هل الله تعالى يفعل العدل؟» قال: «نعم» قال: «أتسميه بفعله ~~العدل عادلا؟» قال: «نعم»، قال: «فهل يفعل الجور؟» قال: «نعم»، قال: ~~«أفتسميه جائرا؟» قال: «لا»، قال: «فيلزم أن لا تسميه بفعله العدل عادلا». ~~فانقطع صقر. # وجعل الناس يسألون من هذا الصبي؟ فقيل: هو غلام من جباء. قيل: # وكان مع علمه حسن التواضع، وسأله بعض المجبرة: «ما الدليل على وعيد أهل ~~الصلاة؟» قال: «الحدود والأحكام». قال الخالدي: «فان النائب PageV01P068 ~~يحد». قال أبو علي: «ذلك امتحان»، فسكت الخالدي. # وسأل البركاني أبا علي فقال: «ما تقول في حديث أبي الزياد، عن الأعرج، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا ~~على خالتها»؟ «1» فقال أبو علي: «هو صحيح». قال البركاني: «فبهذا الاسناد ~~نقل حديث «حج آدم موسى». فقال أبو علي: «هذا الخبر باطل». فقال البركاني: ms042 ~~حديثان باسناد واحد، صححت أحدهما، وأبطلت الأخر». قال أبو علي: «لأن القرآن ~~يدل على بطلانه، واجماع المسلمين، ودليل العقل». # فقال: «كيف ذلك؟» قال أبو علي: «أليس في الحديث أن موسى لقي آدم في ~~الجنة، فقال يا آدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ~~ملائكته، أفعصيته؟ فقال آدم: يا موسى! أترى هذه المعصية فعلتها أنا، أم ~~كتبها الله علي، قبل أن اخلق بألفي عام؟» قال موسى: «بل شيء كان كتب عليك». ~~قال: «فكيف تلومني على شيء كان قد كتب علي؟» قال: «فحج آدم موسى». «2» قال ~~أبو علي للبركاني: «أليس هو الحديث هكذا؟» قال: «بلى» قال أبو علي: أليس ~~إذا كان عذرا لآدم، يكون عذرا لكل كافر وعاصي من ذريته؟ وأن يكون من لامهم ~~ممجوجا؟» فسكت البركاني. قلت: «ولعله يحمل الحديث الذي قطع ببطلانه، وان ~~كان راويه عدلا، على أنه حذف في سنده أول الرواة ارسالا أو تدليسا، كما في ~~كثير من الأخبار، وهو غير عدل، وان ظن عدالته الراوي عنه، فلا يقدح رواية ~~الخبر في عدالة المذكورين، إذا الخلل إنما جاء من جهة الراوى المحذوف اسمه ~~والإرسال مع ظن العدالة جائز». PageV01P069 # قال أبو الحسن: وكان أصحابنا يروون أنهم حرروا ما أملاه أبو علي، فوجدوه ~~مائة ألف وخمسين ألف ورقة. # قال: «وما رأيته ينظر في كتاب إلا يوما نظر في زيج الخوارزمي «1»، ورأيته ~~يوما أخذ بيده جزءا من الجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وكان يقول: إن الكلام ~~أسهل شيء لأن العقل يدل عليه». # قال أبو الحسن: وكان من أحسن الناس وجها وتواضعا. وأكثرهم موعظة، فبينما ~~هو في طلاقته، حتى ذكر الموت، فتنحدر دموعه، ويأخذ فى العظة، حتى كأنه غير ~~ذلك الرجل. وكان إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لعلي والحسن ~~والحسين وفاطمة: «انا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم». # يقول: «العجب من هؤلاء النوائب، يروون هذا الحديث، ثم يقولون بمعاوية!». # وروي عن علي عليه السلام أن رجلين أتياه، فقالا: «أتأذن لنا أن نصير إلى ms043 ~~معاوية، فنستحله من دماء من قتلنا من أصحابه؟» فقال علي عليه السلام: # «أما أن الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما». # وروي أن أبا علي ناظر بعضهم في الإرجاء، وأبو حنيفة والزبير «2» حاضران، ~~فقال أبو حنيفة: «إن أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد فقال له: يا أبا ~~عثمان إنك أعجمي، ولست بأعجمي اللسان، ولكنك أعجمي الفهم، إن العرب إذا ~~وعدت أنجزت، وإذا وعدت أخلفت». وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # فقال أبو علي: «إن أبا عثمان أجابه بالمسكت، قال له: إن الشاعر قد يكذب ~~ويصدق. ولكن حدثني عن قول الله تعالى: # «لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين» «3» إن ملأها، أتقول صدق؟» قال: ~~«نعم»، قال: «فان لم يملأها، أفتقول صدق؟»، فسكت أبو حنيفة. PageV01P070 # وروي أن عمرو بين عبيد قال لأبي عمرو: شغلك الأعراب عن معرفة الصواب إن ~~الله يتعالى عن الخلف، والشاعر قد يقول: الشيء وخلافه، فهلا قلت في انجاز ~~الوعد والوعيد ما قال الشاعر: # إن أبا ثابت لمجتمع الرأي ... شريف الآباء والبيت # لا يخلف الوعد والوعيد ولا ... يبيت من ثاره على فوت # فسكت أبو عمرو. # وكان أبو علي يقول: «ليس بينى وبين أبي الهذيل خلاف، إلا في أربعين ~~مسألة، وما كان في الدنيا، بعد الصحابة، أعظم عنده من أبي الهذيل، إلا من ~~أخذ عنه كواصل، وعمرو». # وسئل أبو علي عن وجه الحكمة، في إماتة الرسول، وابقاء إبليس، فقال: # «إن الذي لا يستغنى عنه هو الله وحده، وأما الأنبياء، فقد يغنى الله عنهم ~~بالطاعة. وأما ابليس، فلو علم الله في إماتته مصلحة لفعل، ولو علم في بقائه ~~مفسدة لما بقي، لكن كان يفسد مع موته من فسد مع حياته». # قال أبو الحسن: «والرافضة، لجهلهم بأبي علي ومذهبه، يرمونه بالتعصب وكيف ~~وقد نقض كتاب عباد في تفضيل أبي بكر، ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمى ~~«المعيار والموازنة» في تفضيل علي على أبي بكر». # وتوفى أبو علي سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان أوصى إلى أبي هاشم أن يدفنه ms044 في ~~العسكر، وأن لا يخرجه عنها، فلما مات صلى عليه أهل العسكر، وأبى أبو هاشم ~~إلا أن يحمله إلى جباء، فحمل إلى مقبرة كان فيها أم أبي علي وأم أبي هاشم، ~~في ناحية بستان أبي علي. # قال أبو الحسن: «كنت أمر مع أبي علي بالغدوات، إلى ذلك البستان، فاذا ~~دخله، بدأ بالقبور، فدعا لأهلها». # ومن هذه الطبقة: أبو مخالد (مجالد)، واسمه أحمد بن الحسني البغدادي. # قال أبو الحسن: ما رأى أحفظ منه. قال: وحدثني أبو القسم الصفار أن جماعة ~~من أصحاب الحديث كانوا ببغداد، فصاروا إليه، وسألوه أن يحدثهم في PageV01P071 ~~الدقائق، قال: فأملا «1» علينا من حفظه خمسة آلاف حديث، حتى ضجر. # فقال: كان يحفظ مائة ألف حديث، وكان أفقه الناس، وأعلمهم بالشروط، وكان ~~من أصحاب الجعفرين، ومن أصحاب أبي موسى، وأخذ عنه أبو الحسين الخياط. # ومن هذه الطبقة: أبو الحسين الخياط «2» عبد الرحمن بن محمد بن عثمان، ~~أستاذ أبي القاسم البلخي، وعبد الله بن أحمد، وكان أبو علي يفضل البلخي على ~~أستاذه أبي الحسين. # قال القاضى: «كان الخياط عالما فاضلا من أصحاب جعفر، وله كتب كثيرة فى ~~النقوض على ابن الراوندي، وكان فقيها، صاحب حديث، واسع الحفظ لمذاهب ~~المتكلمين. قيل، سأل أبو العباس الحلبي أبا الحسين الخياط فقال: «أخبرني عن ~~ابليس هل أراد أن يكفر فرعون؟» قال: «نعم»، قال الحلبي: «فقد غلب ابليس ~~إرادة الله». قال أبو الحسين: «هذا لا يجب، فان الله تعالى قال «الشيطان ~~يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا» «3» وهذا لا ~~يوجب أن يكون أمر ابليس غلب أمر الله، فكذلك الإرادة، وذلك لأن الله تعالى ~~لو أراد أن يؤمن فرعون كرها لآمن». # وسئل عن قوله تعالى: «وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت «4»» ~~فقيل: قد أخبر أنه جعل منهم عبد الطاغوت فقال: معناه حكم أنهم عبد الطاغوت، ~~وسماهم بذلك. قلت: وسؤال السائل، إنما يستقيم على قراءة ما قرأ. # وعبد الطاغوت بضم الباء في «عبد» هو جمع عابد، لا على قراءة من قرأ ~~بالفتح، لأنه إخبار ms045 عن ماضي وليس داخلا في المجعول «5» PageV01P072 ~~وسئل عن أفضل الصحابة فقال: «أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ~~لأن الخصال التي فضل الناس بها، متفرقة في الناس، وهي مجتمعة فيه» وعد ~~الفضائل. فقيل: فما منع الناس من العقد له بالامامة. فقال: # «هذا باب لا علم لي به، إلا بما فعل الناس، وتسليمه الأمر على ما أمضاه ~~عليه الصحابة، لأني لما وجدت الناس قد عملوا، ولم أره أنكر ذلك، ولا خالف، ~~علمت صحة ما فعلوا». قلت: «وبيان صحة اجتماع خصال الفضل في علي عليه ~~السلام، وتفرقها في الصحابة، ما قد صح نقله، من أن السابقين إلى الاسلام، ~~ثلاثة: علي، وأبو بكر، وزيد بن حارثة. وعلماء الصحابة، ثلاثة، علي، ومعاذ ~~بن جبل، وابن مسعود، والزهاد ثلاثة: علي، وعمر، وأبو ذر. # والمجاهدون ثلاثة: علي، والزبير، وأبو دجانة. والقراء ثلاثة: علي، ~~وعثمان، وأبي بن كعب. والمفسرون ثلاثة: علي، وابن عباس، وابن مسعود. # والأسخياء ثلاثة: علي، وأبو بكر، وعثمان. وأفاضل أقارب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثلاثة: علي، وجعفر، والعباس. وأهل البيت الذين أذهب الله ~~عنهم الرجس من الرجال ثلاثة: علي والحسن والحسين. # وعن أبي الدرداء أنه قال: «العلماء ثلاثة، رجل بالشام، يعني نفسه، ورجل ~~بالكوفة، يعني ابن مسعود، ورجل بالمدينة، يعني عليا عليه السلام. ثم قال، ~~والذي بالشام يسأل الذي بالكوفة، قال والذي بالكوفة يسأل الذي بالمدينة، ~~والذي بالمدينة لا يسأل أحدا». # وعن النبي أنه قال: «الصديقون ثلاثة، حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار ~~مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب وهو أفضل الثلاثة». «1» # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اشتاقت الجنة إلى ثلاثة، علي، ~~وعمار، وسلمان» «2» PageV01P073 ~~وعن الباقر «1» عليه السلام أنه قال: «أعتق علي عليه السلام ألف عبد، وكان ~~يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة». قلت: «والذي روي عن الباقر فيه بعد، ~~والله أعلم، إذ قد اجتهد بعض الصالحين، فلم تتسع له الليلة لأكثر من ~~ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والاخلاص». # وكان من تلاميذه، أبو الحسين أبو القسم البلخي، ولما أراد ms046 الانصراف عنه ~~إلى خراسان، أراد أن يمر على أبي علي الجبائي فسأله أبو الحسين بحق الصحبة ~~ألا يفعل، لأنه خاف أن ينسب إلى أبي علي، وهو من أحفظ الناس، لاختلاف ~~المعتزلة في الكلام، وأعرفهم بأقوالهم. # وكان أبو القسم يكاتبه بعد العود إلى خراسان حالا بعد حال، ليعرف من جهته ~~ما خفي عليه. # ومن هذه الطبقة: أبو القسم عبد الله بن أحمد محمود البلخي الكعبي، وهو ~~يعد من معتزلة بغداد، لأخذه عن أبي الحسين الخياط، ونصرته لمذهب ~~البغداديين. # وهو رئيس نبيل، غزير العلم بالكلام والفقه، وعلم الأدب، واسع المعرفة في ~~مذاهب الناس. # وله مصنفات جليلة الفوائد «عيون المسائل» وغيرها من مصنفاته، آثاره جليلة ~~في مناظرة المخالفين، واهتدى به أناس كثير من خراسان. # قال القاضى: وله كتاب في التفسير وقد أحسن. وذكر عند أبي علي فقال: # «هو أعلم من أستاذه». # قال القاضى: وروي أنه دخل عليه بعض أصحاب أبى هاشم، وكان يظهر الاستفادة منه. # وروي أنه حضر مجلس أبي أحمد المنجم- والمتكلمون مجتمعون- فعظموه غاية ~~الإعظام، ولم يبق أحد إلا قام له. ودخل يهودي، فتكلم معه بعضهم في نسخ ~~الشرائع، وبلغوا موضعا حكموا أبا القسم فيه، فقال لليهودي: «إن PageV01P074 ~~الكلام عليك» فقال اليهودي: «وما يدريك ما هذا؟» فقال أبو القسم: # «أتعلم ببغداد مجلسا أجل من هذا؟» قال: «لا» قال: «أفتعلم أحدا من ~~المتكلمين لم يحضره؟» فقال: «لا» قال: «أفرأيت أحدا لم يعظمني» قال: «لا»، ~~قال: «أفتراهم فعلوا هذا وأنا فارغ؟!» قال: «لا». # قلت: ومن أحسن مناظراته ما حكاه عن نفسه، في كتابه المعروف بمقالات أبي ~~القسم، وذلك أنه وصل إليه رجل من السوفسطائية «1»، راكبا على بغل، فدخل ~~عليه، فجعل ينكر الضروريات ويلصقها بالخيالات، فلما لم يكن يتمكن من حجة ~~يقطعه، قام من المجلس، موهما أنه قام في بعض حوائجه، فأخذ البغل وذهب إلى ~~مكان آخر، ثم رجع لتمام الحديث، فلما نهض السوفسطائي للذهاب، ولم يكن قد ~~انقطع بحجة عنده، طلب البغل حيث تركه، فلم يجده، فرجع إلى أبي القسم وقال: ~~«إني لم أجد البغل» ms047 فقال أبو القسم: «لعلك تركته في غير هذا الموضع الذي ~~طلبته فيه، وخيل لك أنك وضعته في غيره، بل لعلك لم تأت راكبا على بغل، ~~وإنما خيل إليك تخيلا، وجاءه بنوع من هذا الكلام، فأظن أنه ذكر أن ذلك كان ~~سببا في رجوع السوفسطائي عن مذهبه، وتوبته عنه. # وكان أبو القسم معروفا بالسخاء والجود، والهمة العالية، وثبات القلب، حتى ~~أنهم ارادوا اختبار ثبات قلبه، فرموا من مكان عال، بطشت، على غفلة، حتى ~~تكسر، فلم يتحرك لذلك. # وكان تولى بعض أعمال السلطان، ثم تاب من ذلك وأصلح. # وكان له الجلالة العظمى في مجالس العلماء، وتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة ~~في أيام المقتدر. # ومن هذه الطبقة: أبو بكر محمد بن ابراهيم الزبيري، ومن ولد الزبير بن ~~العوام. # قال القاضى: يقال إن له ثلاثة وثلاثين كتابا في الدقيق والجليل، وبلغ PageV01P075 ~~حظه في الدين، أنه كان مطالبا بمال من جهة السلطان، وقد غرز في أظافيره ~~أطرف القصب. # وكان ينقض، مع ذلك، على ابن الراوندي «1» كتبه الأربعة. # وبلغ من السلطان بأصفهان المبلغ العظيم حتى كان يقال: ربما يحضر الجامع ~~فيكون بين يديه نحو ألف رجل. # وكان يدعو الله أن يميته فقيرا، فحكى عمن دخل عليه في آخر عمره، وتأمل كل ~~الذي في داره، فعساه لا تبلغ قيمته إلا الشيء اليسير. # قال القاضي: رأيت ابنته بأصفهان، ولها سن كبير، وهي على طريقة أبيها في الزهد. # وأخذ المذهب عن يحيى بن بشر الإرجائى، وقد كان ورد عليه، وكانت طريقته في ~~الأكثر طريقة أبي الهذيل خاصة. # ومن هذه الطبقة، أبو الحسن أحمد بن عمر بن عبد الرحمن البرذعي. # قال القاضي: وكان نبيلا فاضلا، ينسب إلى عباد بن سليمان، وعباد من تلامذة ~~هشام الفوطي، وحكي عن أبي علي أنه قال: «كان أبو الحسن، إذا كلمني في ~~الخلوة، يلين للحق، وإذا كلمني في جمع، أجده بخلاف ذلك. # وكان معظما ببغداد إذ قيل أنه سأل أبو العباس الحلبي أبا الحسن البرذعى: ~~«ما الدليل على أن الاستطاعة قبل الفعل؟» فقال: قوله تعالى ms048 «عفريت من الجن ~~أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين «2». فأخير أنه قوى ~~قبل أن يفعل. قال الحلبى: «كذب العفريت PageV01P076 ~~وقوله غير مقبول، كقوله المعتزلة» فقال البرذعى: ما أجرأك، ويحك إن الله ~~تعالى لم يكذب، ولم ينكر عليه سليمان، الله تعالى إذا أخبر عن قوم يكذب ~~كذبهم ألا ترى إلى قوله تعالى «غلت أيديهم «1»». وقوله «لو استطعنا لخرجنا ~~معكم» «2»، ثم قال «وإنهم لكاذبون» «3» أفتكذب من لم يكذبه الله، وتنكر على ~~من لم ينكر عليه سليمان نبي الله؟» فانقطع الحلبي. # وعن أبي الحسن البرذعي، قال في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ذكر ~~القدر، فأمسكوا أن تضيفوا إلى الله تعالى، ما لا يليق بقوله، ولا تقولوا ما ~~قاله الكفار، إن الله أمرهم بالفواحش وقدرها عليهم». «4» # ونظيره، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ذكرت النجوم فأمسكوا». ~~معناها أمسكوا عما يقول به جهال الفلاسفة، من أنها المدبرة للعالم بما فيه. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ذكر اصحابي فأمسكوا، لم يرد أمسكوا ~~عن محاسبتهم، لكن أراد أمسكوا عن ال؟؟؟ القبيح فيهم، وكذلك قوله في القدر. ~~وللبرذعي مناظرات كثيرة وكتب واصحاب. # ومنها: أبو مضر بن أبي الوليد بن أحمد بن ابي داود القاضي. ومن هذه ~~الطبقة: غيرهم، أي غير هؤلاء الذين ذكرناهم بأسمائهم، فمنهم: أبو مسلم محمد ~~بن بحر الأصفهاني، صاحب التفسير، والعلم الكبير. # وجمعت حضرة الداعي، محمد بن زيد، بينه وبين أبي القسم البلخي، والناصر ~~للحق عليه السلام، وكل واحد فريد عصره، ووحيد دهره. PageV01P077 # وكان ابن الراوندي المخذول، من أهل هذه الطبقة، ثم جرى منه ما جرى، وانسلخ ~~عن الدين، وأظهر الإلحاد والزندقة، وطردته المعتزلة، فوضع الكتب الكثيرة في ~~مخالفة الإسلام. # وصنف كتاب «التاج في الرد على الموحدين» و«بعث الحكمة فى تقوية القول ~~بالاثنين»، «والدامغ في الرد على القرآن»، و«الفريد في الرد على الأنبياء» ~~و«كتاب الطبائع»، و«الزمرد»، و«الإمامة»، فنقض أكثرها الشيخ أبو «1» علي، ~~والخياط «2»، والزبيري، ونقض أبو هاشم «3» كتاب الفريد وصنف كتابا سماه ~~«فضائح المعتزلة» ms049 فنقضه أبو الحسين ويسمى النقض «الانتصار». # قال القاضى: ويقال أنه تاب في آخر عمره. # قال الحاكم: لكني رأيت عن أبي الحسين إنكار ذلك. # وكنية ابن الراوندي أبو الحسين، واسمه أحمد بن يحي، واختلفوا في سبب ~~إلحاده، فقيل: فاقة لحقته. وقيل: تمنى رئاسة ما نالها، فارتد. فكان يصنع ~~هذه الكتب للإلحاد. وصنف لليهود، والنصارى، والثنوية، وأهل التعطيل. # قيل: وصنف «الإمامة» للرافضة، وأخذ منهم ثلاثين دينارا. # ولما ظهر منه ما ظهر، قامت المعتزلة في أمره، واستعانوا بالسلطان على ~~قتله، فهرب، ولجأ إلى يهودي في الكوفة، فقيل: مات في بيته. # ومنها: الناشئ، عبد الله بن محمد، وكنيته أبو العباس «4»، من أهل ~~الأنبار، نزل ببغداد، وله كتب كثيرة نقض فيها كتب المنطق، وهو شاعر، PageV01P078 ~~وله قصيدة على روي واحد، قافية واحدة، وأربعة آلاف بيت. # وخرج في آخر عمره إلى مصر، وقام فيها بقية عمره، وله مناظرات كثيرة، إلا ~~أن في كلامه طولا، ومن قصيدة له قوله: # ما في البرية أخرى عند فاطرها ... ممن يدين باجبار وتشبيه # ومنها: أبو الحسن أحمد بن علي الشطوى، كان من أهل العلم، ويعظم العلم ~~وأهله، ويصغر قدر العامة. # يحكى عنه: أن غلامه كان بين يديه يطرق له، فالتفت إليه رجل فقال: # إن هذه الطريقة مشتركة، لم تخلق لك دوني. فقال له: إنما خلقت لنا، وانتم ~~مسخرون لنا، إلى نحو ذلك. # وله، من هذا الجنس، أخبار وحكايات، وله مناظرات مع الناشئ وغيره. # وروي عنه أنه قال في الناشئ: لئن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. # وروي أن القائل لذلك، هو أبو مجاهد حين ناظر الناشئ. # ومنها: أبو زفر محمد بن علي المكى. قال أبو القسم: وهو إمام نيسابور. # ومنها: محمد بن سعيد زنجة، وكان أيضا إمام بنيسابور. ### ||| AUTO الطبقة التاسعة # أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائى «1»، رحمه الله. PageV01P079 # قال القاضي: وإنما قدمناه، وإن تأخر في السن، عن كثير ممن نذكر في هذه ~~الطبقة لتقدمه في العلم. # وذكر أبو الحسن: أنه لم يبلغ غيره مبلغه في علم ms050 الكلام. وكان من حرصه ~~يسأل أبا علي حتى يتأذى به. # فسمعت أبا علي، في بعض الأوقات، عند الحاجة يقول: لا تؤذنا، ويزيد فوق ذلك. # وكان يسأل طول نهاره ما قدر عليه، فاذا كان في الليل سبقه الى موضع PageV01P080 ~~مبيته لئلا يغلق دونه الباب، فيستلقي أبو علي على سريره، ويقف أبو هاشم بين ~~يديه قائما، يسأله حتى يضجره، فيحول وجهه عنه، فيتحول إلى وجهه، فلا يزال ~~كذلك حتى ينام، وربما سبقه هو، فأغلق الباب دونه. # وكان أبو علي، ينظر في شيء من النجوم، وكان يقول: أكثره يجري مجرى ~~الامارات، وله كتاب في الرد على المنجمين. # فلما ولد أبو هاشم، نظر في الطالع فقال: رزقت ولدا يخرج من بين فكيه كلام ~~الأنبياء. # وكان أبو عبد الله البصري يحكي من ورعه وزهده، ما يدل على الدين العظيم. # قيل: واجتمع بأبي الحسن الكرخي، فجرى بينهما ما أدى الى الكلام في الصلاة ~~في الدار المغصوبة، فكأن أبا الحسن أنكر قوله وقول أبيه في ذلك، وأخذا ~~يتكلمان في ذلك، فقال أبو هاشم: إن ادعيت الإجماع في ذلك سكت، وإن لم يكن ~~اجماع، فالكلام بين في المسألة، فلم يزالا يتكلمان، حتى ادعى أبو الحسن ~~الاجماع فيما انتهى الكلام إليه. # قال القاضي: وكان أبو هاشم من أحسن الناس (أخلاقا)، وأطلقهم وجها، وقد ~~استنكر بعض الناس خلافه على أبيه، وليس مخالفة تابعا للمتبوع، في دقيق ~~الفروع، بمستنكر. فقد خالف أصحاب أبي حنيفة أبا حنيفة. وخالف أبو علي أبا ~~الهذيل والشحام. وخالف أبو القسم استاذه، وقال أبو الحسن في ذلك: (شعرا): # يقولون بين أبي هاشم ... وبين أبيه خلاف كثير # فقلت: وهل ذلك من ضائر ... وهل كان في ذلك مما يضير # فخلوا عن الشيخ لا تعرضوا ... لبحر تضايق عنه البحور # وان أبا هاشم تلوه ... إلى حيث دار أبوه يدور # ولكن جرى من لطيف الكلام ... كلام خفي وعلم غزير # وإنما عني بذلك ما ظهر من محمد بن عمر الصيمري، وغيره من إكفارهم فه في ~~مسألة استحقاق الذم والأحوال وغير ذلك، فان أصحاب ms051 أبى علي، كان فيهم PageV01P081 ~~من يوافقه في ذلك، أو في بعضه، ومنهم من يتوقف، ومنهم من يعظم خلافه، ~~وينتهي به الى إكفاره في بعضه، وله عليهم الكتب الكثيرة. # ولقد كان أغلظهم في ذلك، محمد بن عمر الصيمري، فكان فيه خشونة، حتى كان ~~ربما أنكر على أبي علي بعض ما يأتيه. # فقد حكى أن بعضى المتصرفين للسلطان احتبسه الطعام، فأجابه، فأنكر عليه ~~الصيمري ذلك، فقال له: الست تعلم أن طعامه الذي يقدمه إلينا مما يشتريه! ~~وأن الغالب أنهم يشترون لا بعين المال، فما تعلم أن ذلك ملكه، وأنه مما يحل ~~له تناوله، إلى كلام يشبه ذلك. # قيل: وكان يأخذ علم النحو عن المبرد، وكان في المبرد سخف، فقيل لأبى ~~هاشم: كيف تحتمل سخفه؟ فقال: رأيت احتماله أول من الجهل بالعربية. # هذا معنى كلامه. # ولما قل ما في يده، قدم الى بغداد سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وتوفي في ~~شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. # ومن هذه الطبقة: محمد بن عمر الصيمري، كان عالما زاهدا، أخذ عن أبي علي، ~~وكان قد أخذ قبله عن معتزلة بغداد أبي الحسين وغيره، وله كتب ومناظرات. ~~وكان عند ضيق الأمر به، ربما يعلم الصبيان، فيرزق ويكتسب من هذا الوجه. # وكان ورعا حسن الطريقة، إلا ما كان منه الغلو في معاداة أبي هاشم، حتى ~~أكفره بسبب قوله في الأحوال، حتى جاء الى أهله وأوهمها أن الفرقة قد وقعت ~~بينها وبينه أبي هاشم، فقالت: «فما تقول إذا كنا على مثل رأيه؟» فانصرف. # وكان مذهبه في الدار، كمذهب الهدوية، أن الدار إذا غلب عليها الجبر ~~والتشبيه، فهي دار كفر. # ومنها أبو عمر سعيد بن محمد الباهلي. # قال القاضي: كان أوحد زمانه في علم الكلام، والأخبار، والمواعظ والشعر، ~~وأيام الناس، أخذ عن أبي علي، ولازمه كل عمره لا يفارقه، إلا ما يقضى حق ~~أهله بالعسكر، ثم يرجع. وعامة كلام أبي علي بخط أبي عمر، واستملائه. PageV01P082 # وكان لا يخفى عليه دقيق الكلام وجليله، حفظه من لسان أبي علي، كان أبصر ~~الناس بالدعاء الى ms052 الدين، لا يكاد يسمع قصصه مخالف إلا لان له. # وخرج الى بغداد لبعض الحوائج من السلطان، مما فيه صلاح جهته، فمات هنالك ~~في أيام المقتدر بالله، سنة ثلاثمائة، فعظم مصابه على أبي علي، وعزى إليه ~~فيه، فجوب أبو علي، على عبد الرحمن الصيدلانى، وقد عزى له فيه فقال: # وأما أبو عمر، فما أطمع أن يكون مثله الى يوم القيامة. # قيل: ولقي أبا «1» عمر خالا له، وكان مجبريا، فخشي أن يظن الناس أنه على ~~مذهب أبي عمر، فقال: يا أبا عمر، إنك وإن كنت على غير مذهبنا، فانك منا، ~~ولا يصلح أن نقطع على أهلك. قال أبو الحسن: «فأقبلت أنا فقلت، هذا الذي ~~نقمت على أبي عمر، أهو شيء يقدر على تركه أم لا؟» فقال: # «ليس عندي مناظرتك، ولكن هذا كلبنا أدعوه حتى يناظرك»، يعني رئيسا ~~للمجبرة، لقب نفسه كلب السنة. فقلت «ليس بينى وبين الكلاب عمل». قال أبو ~~الحسن: وأنشدني أبو عمر: # رأت عيني المسوس وذا السياسة ... فلم يحظ العيان ولا الفراسة # ولم أر هالكا في الناس إلا ... وباب هلاكه طلب الرئاسة # ومن هذه الطبقة: أبو الحسن بن الخباب، من أهل المعسكر، المعروف بابن ~~السقطي، وهو من التابعين لمذهب أبي علي «2» المتعصبين له. # ومنها: أبو محمد عبد الله بن العباس الرامهرمزي، وهو من أصحاب أبي علي، ~~رحل إليه حالا بعد حال. # قال القاضي «3»: وهو ممن له الرئاسة العظيمة، والأخلاق العجيبة، وله كتب ~~حسان في نقضه كتب المخالفين، وله مسجد كبير برامهرمز. قال القاضي: PageV01P083 # وكنت أقعد فيه كثيرا، قال: وفيه ابتدأت كتاب «المغنى» ببركاته. # وحكى عن الرامهرمزي قال: أردت الخروج من عند أبي علي، والانصراف إلى ~~بلدي، فلما استعدت للركوب في السفينة انا ورفاقي، ذهبت لتوديع أبي علي، ~~ورفاقي منتظرون لي، وجئت وهو يملي، فودعته، فقال: «اصبر»، فضاق صدري بذلك ~~خوفا من ضجر رفقائي، فرجعت إلى توديعه، فقال لي: # «اصبر»، فلما قرب الغروب قال: «الآن في ودائع الله»، فعلمت أنه أخرني ~~لشيء يتعلق بالاختيار ... يعني اختيار ساعة صالحة. وهذا يدل على ms053 أن أبا علي ~~كان له تعلق بعلم النجوم، وأنه يقول بجواز العمل على ذلك، من دون اعتقاد ~~تأثير لها، لكنها علامات لما أجرى الله العادة أن يفعله، عند المقارنات ~~المعروفة. # ومما يدل على ذلك ما حكاه أبو هاشم قال: كتب إلي أبو علي في بعض الأيام، ~~وأنا في البدو، أن أجمع ما حصل، وأرجع قبل هجوم الليل، ففعلت. # فلما جن الليل، وقع برد ومطر، فسد لاجلهما أموال الناس. ولأبي علي كتب في ~~الرد على أهل النجوم، ويذكر، أن كثيرا منها يجري مجرى الأمارات، التي يغلب ~~الظن عندها. # وكان أبو محمد الرامهرمزي من أخص أصحاب أبي علي يستملي منه، كان يجيب ~~كثيرا من المسائل التي ترد على أبي علي. # كان له حظ عظيم، لا يوجد في زمانه، وكتب بيده مصحفين، صار أحدهما إلى ~~الصاحب الكافي، وكان الصاحب يتبجح بذلك، ويقول: إن حروف خطه تصلح أن ينقض ~~بها شبه المجبرة، التي قالوا فيها: لو كان الخط من فعلنا، لأمكننا أن نكتب ~~ثانيا، مثل ما كتبناه أولا، من غير إختلاف بين الخطين بوجه من الوجوه. # ومنها: رزق الله، قرأ على أبي علي أولا، ثم على أبي هاشم، وبلغ مبلغا عظيما. # قال القاضي: وكان شيخا حسنا، حسن التعصب للمذهب، لقى أبا علي ثم أبا ~~هاشم، ثم أصحابه، ثم صار إلى بغداد، وكان يحضر عندي. PageV01P084 # ومنها أيضا غيرهم، أى غير هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم، هم جماعة، منهم: أبو ~~الحسن الأسفندياني، وله كتب صنفها في الكلام والتفسير والحديث، فقال: «مثل ~~الصيمري، كمثل دار واسعة، كبيرة البيوت، فيها عامر وخراب، ومثل أبي الحسن ~~الاسفندياني، كمثل حجرة لطيفة متناسبة في العمارة». فكأنه أشار في أبي ~~الحسن إلى أن عمله، وان كان أقل، فهو أحسن نظاما وترتيبا، وأن علم الصيمري، ~~وإن كان أكثر، فانه يختلف في الاصابة وعدمها. # ومنهم: أبو بكر أحمد بن علي الإخشيد. قال المرزباني: أبو بكر، وأبو الحسن ~~بن المنجم، كان هذان الشيخان آخر من شاهدنا من رؤساء من بقي من المتكلمين، ~~وعليهما وفي مجالسهما، كان ms054 اعتماد المتكلمين ببغداد، وانتفع بهما خلق كثير، ~~إلا أن أبا بكر زاد على غيره، بما صنفه من الكتب، وأودعه إياها، ولم يطل ~~عمره، ولو طال، أظهر علوما كثيرة، لكنه توفى سنة عشرين وثلاثمائة، وكان ~~عمره حينئذ ستا وخمسين سنة. # وله تعصب على أبي هاشم، وأصحابه، حتى أنه حضر مجلس أبي الحسن الكرخي، ~~ينفر أصحابه الذين يعمرون مجلسه، ويوهم أنه خالف أبا علي، وساير الشيوخ في ~~مسائل، عظم خلافه فيها. # ودخل الشيخ أبو عبد الله، على أبي بكر ليمتحنه في مسألة، فقال له في جملة ~~الكلام: «إما أن تكون مناظرا أو مستفيدا»، قال: «لست بهذين الوصفين»، قال: ~~«فلما ذا تتكلم؟» قال: «لأجرب معرفتك في أدلة التوحيد». # قال القاضي: قد كان في كثير من ذلك يخالف، ويتمسك بالضعيف من المذهب. # ومنهم: أبو الحسن أحمد بين يحي بن علي المنجم، كان متكلما خطيبا فاضلا ~~زاهدا، وله حلقة يجتمع فيها المتكلمون، ويعد من معتزلة بغداد، وليس في درجة ~~من ذكرنا من الشيوخ، وإن كان فاضلا نبيلا، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ~~وعمره سبعون سنة أو قريبا من ذلك. # ومنهم: أبو الحسن ابن فرزويه. PageV01P085 # قال القاضي: وكان من الدين بمكان، وكثر الانتفاع به في بساتين البصرة، وكان ~~يدرس هنالك، وكثر أصحابه، وكان يفضل عليا، وله حظ وافر في الأدب، والشعر ~~ومعرفة الناس، وأخذ عن أبي علي، وكان يميل إلى أبي هاشم، ويمدحه ويعظمه. # ومنهم: أبو بكر بن حرب التستري. كان من أصحاب أبي علي، وله مسائل كثيرة ~~أجاب عنها، وهو في الدين والعلم بمنزلة عظمى. # ومنهم: الخراسانيون الثلاثة الذين خرجوا إلى أبي علي، وأخذوا عنه. الأول: # أبو سعيد الأشروسي، ويقال له البرذعي أيضا، وكان يكثر اختلاف أبي الحسن ~~الكرخي إليه فكثر انتفاعه به. # والثانى: من الخراسانيين أبو الفضل الكشي، فانه لازم أبا علي، وله إليه ~~مسائل، وصنف كتابا حسنا في الأبواب الثلاثة، في المخلوق، والاستطاعة ~~والادارة، جمع فيها ما لا يوجد في غيرها. # والثالث: أبو الفضل الجحندي، سلك طريقة صاحبيه في العدل والتوحيد، ~~واستملى كتاب ms055 اللطيف، وانفرد به، وبخل به على الأصحاب، فجاءوا إلى أبي علي ~~وشكوا عليه، فأملى عليهم ذلك مرة أخرى. ويقال أنه جمع بين الكتابين ~~فتفاوتا. # ومنهم: أبو حفص القرميسيني. # وكان من المتقدمين في علم الكلام، ويقال أنه لما نفض كتاب الأبواب لعباد، ~~وهو الذي أملاه أبو هاشم، كان يتعجب من تلك الخواطر التي أوردها. # قال القاضي: ورأيت له مسألة في البقاء، يسلك فيها موافقة لشيخنا في أمر ~~الملائكة، والجن، وصورهم، وكان يمنع من صورهم على الحال الذي يقال من ~~الدقة، وله في ذلك كتاب، قد تكلم عليه مشايخنا. # ومنهم: أبو القسم العامري من «سر من رأى» وكان مقدما فى علم الكلام، وله ~~كتب ومناظرات، وروي أن الحبال الرازي سأله، فقال: «لم قلت إن القدرة لا ~~تتعلق إلا بأن تخرج الشيء من العدم إلى الوجود؟». # قال: «لأنها لو تعلقت بغير ذلك، لتعلقت بالقديم، كالعلم، فانقطع». # وروى أن هذه المناظرة، كانت لغيره، مع الحبال، من أصحاب أبى القسم. PageV01P086 # ومنهم: أبو بكر الفارسى، فإنه بعد درسه على أبى العباس بن شريح جاء إلى ~~بلخ، وكان من أهل فارس، فأخذ عنه، وله فى أصول الفقه كتاب كبير، يدل على ~~فضل كثير، وقد كان ببغداد حلقة، ينسبون إليه أيضا ممن يحقق الاعتزال، مثل ~~ابن المنجم، وقد مضى خبره. # ومنهم: أبو بكر محمد بن ابراهيم المقانعى الرازي، فأنه من العلماء، وأن ~~لم يبلغ درجة من ذكرنا. # قال القاضي: وكان بأصفهان أيضا جماعة أخذوا عن أبي بكر الزبيري. # ومنهم: ابن حمدان وهو أبو محمد بن حمدان. وكان من الصلاح والزهد بمحل ~~كبير، وبلغ من أمره، أنه إذا حضر مجلس النظر، وسمع كلام المشبه، والمجبرة ~~يكاد تلحقه الرعشة إعظاما لله تعالى. # ومنهم: أبو عثمان العال. فانه من أهل الدين والتقدم في العلم، وهو الذي ~~أراده القاضى، حيث قال: وقد كان بأصفهان رئيس يقل له أبو عبد الله ابن ~~الحكم، وكانت داره كالمجمع لأهل الفضل. ويقال إنه حضر في داره، في بعض ~~الأوقات، أبو القسم البلخي، وأبو بكر الزبيري، وأنهم ms056 لم يأنفوا من الحضور ~~عنده. ولحقته من أهل أصفهان فتن. وكان يخلو بنفسه، وينظر في العلم. # فيقال، كان لا يخرج في السنة إلا مرة واحدة. # وكان يقال في ضيعة له، أنها تغل عشرين ألف درهم، فيصرفها في نفقته، فلما ~~مات عاد دخلها ما يقارب ألف درهم. # ومنهم: أبو مسلم النقاش من أصحاب الزبيري، وبلغ في الدين والفضل النهاية، ~~وبلغ من دينه، أنه حضر خادم من دار بدر، لينقش فصا للأمير، فامتنع، فقال ~~له: «إن امتنعت لقة الأجرة فاني أزيدك»، وبلغ الزيادة مائة دينار، فأبى، ~~حتى سمع صيحة من دار نسائه، يشكونه على ترك ذلك، لسوء حالهن، فلما كان بعد ~~ذلك، دخل إليه تاجر، وأعطاه على نقش بعض الفصوص عشرة دراهم، فلما فرغ من ~~ذلك، حمل تلك الدراهم إلى نسائه، ورمى بها إليهن. وقال: «منذ أربعين سنة ~~أجتهد في أن لا اطعمكم الحرام». # وقيل، بلغ من حسن قراءته، أن المخالفين كانوا يجتمعون على باب المسجد، ~~يسمعون قراءته في التراويح ويصلون معه، إلا رجلا أو اثنين، فقيل له في ذلك، PageV01P087 ~~فقال: «ما يسرني منهم أن يصلوا خلفي، كما لا يسرني أن يصلي خلفي اليهود». # ومنهم إمامية: كالحسن بن موسى النوبختي، فان محله في العلم والاطلاع على ~~المذاهب، بخلاف محل غيره. وهو منسوب إلى نوبخت. ### ||| AUTO الطبقة العاشرة # اعلم أن هذه الطبقة تشتمل على ذكر من أخذ عن أبي هاشم، وعمن هو من طبقته، ~~مع اختلاف درجاتهم، وتفاوت أحوالهم. وقدمنا أصحاب أبي هاشم لكثرتهم، ~~وبراعتهم. # فمنهم: أبو علي بن خلاد «1». صاحب كتاب «الأصول والشروح»، درس على أبي ~~هاشم بالعسكر، ثم ببغداد، وكان في الابتداء بعيد الفهم، فربما بكى، لما لم ~~يجد نفسه عليه، فلم يزل مجاهدا لنفسه حتى تقدم على غيره. # قال القاضي: كان على إتمام الشرح، فاتفق له المقام في البصرة، وكان هناك ~~الخالدي، وهو أصل في الإرجاء، فقدم الكلام في الوعيد، وكان ينسب إلى أدب ~~ومعرفة، ومات ولم يبلغ حد الشيخوخة. # ومنهم: الشيخ المرشد أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، ms057 أخذ عن أبي علي ~~بن خلاد أولا، ثم أخذ عن أبي هاشم، لكنه بلغ بجده، واجتهاده ما لم يبلغه ~~غيره من أصحاب أبي هاشم. # وكما صبر على ذلك في علم الكلام، صبر على مثله في الفقه، فانه لازم مجلس ~~أبي الحسن الكرخي الزمان الطويل، حالا بعد حال، ولم يحظ في الدنيا بما جرت ~~به العادة للعلماء، بل كان في بغداد، يصبر على الشدائد وهو مكب على طلب العلم. PageV01P088 # ولقد دخل عليه أبو الحسن الأزرق يوما، وهو يصنف كتابا، فطلب في حجرته ماء، ~~فلم يجده، فقال: «أتصنف، ولا طعام ولا شراب عندك، وأنت جائع؟»، فوضع قلمه ~~والجزء وقال: «إذا تركت التعليق، هل يحصل الطعام والشراب؟» قال: «لا» فقال: ~~«فلأن أعلق ولا أضيع وقتي أولى». # وكان أبو الحسن الأزرق يمده بالنفقة كثيرا، وكان يحب الأكل معه، فاذا دخل ~~عليه اشترى طعاما ليأكلا جميعا، ولو كان عنده شيء موجود. # وبلغ من أمره في علم الكلام، أن أبا الحسن كان يرجع إليه، وربما حضر عنده ~~يسمع ما يجري. # وورد عليه مسألة في الاجتهاد، من ناحية عضد الدولة، فرأى الصواب أن يجيب ~~عنها الشيخ أبو عبد الله. وهو الكلام في أن كل مجتهد مصيب، وفي الأشبه. ~~وكان يغلو في تعظيم أبي الحسن، حتى قال: «ما رأيت أبا الحسن منقطعا قط، وإن ~~كان الكلام له فإنه يتجلى، وان كان عليه يورد ما لا يعرف معه ذلك». # قال: ومن ظريف أمره أنه يطيل في أماليه، ويختصر في تدريسه، والغالب من ~~حال العلماء خلاف ذلك. # وكان، في بعض الأوقات، ربما يظهر الندم على تطويل أماليه، ويقول: «إن ~~الاختصار أقرب إلى أن ينتفع به، لكني إذا وجدت لنفسي خاطرا، أؤمل أن ينتفع، ~~أحببت أن أمليه، فكان يطول المسألة بالأسئلة لزيادة الايضاح». # وكان شديد التقرر في الطهارة، حتى كان يتخذ لبيت الخلوة نعلا، ولنفس ~~الطهارة نعلا آخر، ولسائر الأعمال نعلا مع ضيق المعيشة. # وبلغ من ورعه، أن الملك عضد الدولة، قد رسم أن يحمل إليه سلة من الطعام ~~لخاصيته، فكان ms058 لا يتناول منها شيئا، ويجري في أكله على عادته، ويجمع على ~~ذلك من يأنس به. # وكان من تلامذته من أهل البيت عليهم السلام، أبو عبد الله الداعي. وكان ~~يقول لغيره من تلامذته: «لا تتكلموا في حضرة الشريف في مسألتين فان قلبه PageV01P089 ~~لا يحتمل مسألة النص، ومسألة سهم ذوي القربى»، وكان يميل إلى علي «1» عليه ~~السلام ميلا عظيما، وصنف كتاب التفضيل «2» وأحسن فيه غاية الإحسان. # وكانت كتبه تتصل بقاضي القضاة، حين صار إلى الري، حيث ولي القضاء فانقطعت كتبه. # وتوفى سنة سبع وستين وثلاثمائة. # ومنهم: أبو إسحاق بن عياش وهو ابراهيم بن عياش البصري «3». # قال القاضي: وهو الذي درسنا عليه أولا، وهو من الورع والزهد والعلم على ~~حد عظيم. # وكان رحل إليه من بغداد قوم، فيجمعون مجلسه إلى مجلس أبي عبد الله، وكان ~~مع مواصلته لأبي هاشم، كثر أخذه عن أبي علي بن خلاد، ثم عن الشيخ أبي عبد ~~الله، ثم انفرد، وله كتاب في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام وفضلهما، ~~وكتب أخرى حسان. # ومنهم: السيرافيان، وهما اثنان، أحدهما أبو القاسم السيرافي. # قال القاضي: شهدت له مجلسا، يدرس فيه الأصول والنحو. # قال: ولقد عقد أبو القاسم بن سعيد الأصفهاني، وزير السلطان في البصرة، ~~مجلسا عظيما للجمع بين أصحاب أبي هاشم وبين الإخشيدية، فقد كانت الفتنة، ~~عظمت بينهم، فحضرنا ذلك المجلس، فاتفق من زعيمهم الحبشى أنه قال في بعض ما ~~جرى من كلام يجري مجرى التوبيخ له باحضار العامة. # فقال: «إنهم من أهل القرآن والسنن». فقال: «وما الذي يفعل بالحركة ~~والسكون؟» فأقبل أبو القاسم عليه بالتعنيف العظيم. # وقال: «كأنك ذممت ما جعله الله طريق معرفته»، وأخذ يورد في ذلك ما يقوي ~~به كلامه، وعظم الانتفاع به لنيته الصالحة. PageV01P090 # قيل: ودخل عليه أبو القاسم الواسطي، فأخذ يظهر النغم، لشدة علته فقال له: ~~«أبشر فقد نطقت أحوالي بحسب طاقتي». # ومضى ولم يخلف من الدنيا إلا اليسير. قيل: ومات عن اثنتين وثلاثين سنة. # والثاني هو: أبو عمران السيرافي، درس على أبي هاشم أولا، ثم فارقه ms059 واختلف ~~إلى أبي بكر بن الإخشيد. وكان يدعو الناس إلى التوحيد والعدل، لحقه بسبب ~~ذلك المحن العظام. # ومنهم: أبو بكر بن الإخشيد، وقد مر شرح أحواله. # ومنهم: أوب الحسن الأزرق وهو أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن بهلول ~~الأنباري التنوخي، وقد كان من بيت الرئاسة وبيت الحديث. أخذ الكلام عن أبي ~~هاشم، والفقه عن الكرخي، والقرآن عن مجاهد، والنحو عن ابن السراج. # وجمع إلى ذلك من حسن الأخلاق والتواضع، ما يزين به علمه، فإنه مع عظم ~~شأنه، كان يأتي المتفقهة، ويطلب التعاليق. # قال القاضي: وكان يأتينا ويطلب التعاليق، ويظهر الاستفادة في ذلك، وكان ~~له من الأفضال على أبي هاشم وأصحابه شيء كثير. # ومن هذه الطبقة غيرهم، أى غير هؤلاء المذكورين، وهم جماعة. منهم: # أبو الحسين الطوائفي البغدادي، أخذ عن أبي هاشم العلم الكثير، وهو من ~~فقهاء أصحاب الشافعي، وله كتاب في أصول الفقه. # ومنهم: أحمد بن أبي هاشم، وهو النجيب من أولاد أبي هاشم بن أبي علي، وله ~~درجة في العلم، وأمه جارية، اشتراها أبو الحسن بن فرزويه لأبي هاشم. # وذلك أنه دخل عليه يوما فقال: «أنا أرغب في شيء من البياض»، ففهم مراده، ~~واشتراها له بثمن كبير. # ومنهم: أخت أبي هاشم بنت لأبي علي، بلغت في العلم مبلغا، وسألت أباها عن ~~مسائل، فأجاب عنها، وكانت داعية للنساء، انتفع بها في تلك الديار. # ومنهم: أبو الحسن بن النجيح من أهل بغداد، أخذ عن أبي إسحاق بن عياش، ثم ~~اختلف الى أبي هاشم ببغداد، واستفاد منه علما كثيرا، وصار بمنزلة PageV01P091 ~~عظيمة. # ومنهم: أبو بكر البخارى، كان يلقب «بجمل عائشة» لتعصبه لها، أخذ عن أبي ~~هاشم الكلام، وعن أبي الحسن الفقه، وبلغ في العلم مبلغا. # ومنهم: أبو أحمد العبدكي، أخذ عن أبي هاشم، وادعى في الجامع أنه من ~~تصانيفه، وكان قد حفظه، وخرج إلى خراسان، فحضر مجلس أبي القاسم، فحكى من ~~إنصافه ورجوعه إلى كثير مما يورد عليه، ما يليق بفضائله ودينه. # ثم إن العبدكي خلط القول في الإمامة، وتنقل ms060 من قول إلى قول. # ولقد عظمه أبو القاسم، حيث كتب إلى أبي سهل محمد بن عبد الله، فقال في ~~كتابه: وقد ورد علينا فتى يعرف بابن عبدك، ما رأيت رجلا أعرف بدقيق الكلام ~~وجليله منه. # ومنهم: أبو حفص المصري: أخذ عن الإخشيد، وكثر الانتفاع به في البصرة. # ومنهم: أبو عبد الله الحبشي، أخذ عن أبي حفص المصري. # ومنهم: أبو الحسن علي بن عيسى، صاحب التفسير، والعلم الكثير. كان يقال ~~له: علي الجامع، لأنه جمع بين علوم الكلام، والفقه، والقرآن والنحو واللغة. # وقيل للصاحب: «هلا صنفت تفسيرا». فقال: «وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا؟». # وكان مع قلة ذات يده، وشدة فقره، يسلك طريق المروءة. وكان يقول: # (تفسيرى بستان يجتنى منه ما يشتهى). # وله تصانيف كثيرة في كل فن، وشرح كتاب سيبويه، وأخذ عن أبي بكر الإخشيد، ~~وذهب مذهبه. # وكان يتعصب على أبي هاشم. قال البلخى: وحضرته لأعرف طريقته، فتجاوز كل حد ~~في التعصب، فلم اعد إليه. # وله كتاب على أبي هاشم، فيما خالف فيه أبا علي. # ومنهم: الخالدي في البصرة، وكان يميل إلى الإرجاء، ويتشدد فيه. وهو أبو PageV01P092 ~~الطيب محمد بن ابراهيم بن شهاب، وكان فقيها متكلما، أخذ الكلام عن البرذعي، ~~وهو بغدادي المذهب، يتعصب لهم على البصرة. # ومنهم: محمد بن زيد الواسطي، متكلم، جدل، وله مناظرات. # ومنهم: أبو الحسين بن علي من أهل نيسابور. # منهم: أبو القاسم بن سهلويه «1»، من أهل العراق، وكان يشار إليه في جودة ~~البيان، وقوة النظر، وكان حسن القراءة للقرآن. # ولما فرغنا من الطبقات التي ذكرها القاضي، ذكرنا طبقتين اخريتين، حادية ~~عشرة وثانية عشرة، ذكرهما الحاكم. ### ||| AUTO الطبقة الحادية عشرة # هم: أبو الحسن قاضي القضاة «2» عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار ~~الهمذاني. # كان في ابتداء حاله يذهب في الأصول مذهب الأشعرية، وفي الفروع مذهب ~~الشافعي، فلما حضر مجلس العلماء ونظر وناظر، عرف الحق، فانقاد له، وانتقل ~~إلى أبي إسحاق بن عياش، فقرأ عليه مدة، ثم رحل إلى بغداد، وقام عند الشيخ ~~أبي عبد الله ms061 مدة مديدة، حتى فاق الأقران، وخرج فريد دهره. # قال الحاكم: وليس تحضرني عبارة تحيط بقدر محله في العلم والفضل، فإنه ~~الذي فتق علم الكلام ونثر برده، ووضع فيه الكتب الجليلة، التي بلغت المشرق ~~والمغرب، وضمنها من دقيق الكلام وجليله، ما لم يتفق لأحد مثله، وطال عمره PageV01P093 ~~مواظبا على التدريس والإملاء، حتى طبق الأرض بكتبه، وأصحابه، وبعد صيته، ~~وعظم قدره. # وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة، حتى صار شيخها، وعالما غير مدافع. # وصار الاعتماد على مسائله وكتبه، ونسخ كتب من تقدمه من المشايخ. # وشهرة حاله تغني عن الاطناب في الوصف. # واستدعاه الصاحب «1» إلى الري بعد سنة ستين وثلاثمائة، فبقى فيها مواظبا ~~على التدريس. إلى أن توفي رحمه الله، سنة خمس عشرة أو ست عشرة، وأربعمائة. # وكان الصاحب يقول فيه: هو أفضل أهل الأرض، ومرة يقول هو أعلم أهل الأرض. # وأراد أن يقرأ فقه أبي حنيفة على أبي عبد الله، فقال له: هذا علم، كل ~~مجتهد فيه مصيب، وأنا في الحنفية، فكن أنت في أصحاب الشافعي، فبلغ في الفقه ~~مبلغا عظيما. وله اختيارات، لكن وفر أيامه على الكلام. # ويقول: للفقه أقوام يقومون به طلبا لأسباب الدنيا، وعلم الكلام لا غرض ~~فيه ما سوى الله تعالى. PageV01P094 # قال الحاكم: ويقال إن له أربعمائة ألف ورقة مما صنف في كل فن. # ومصنفاته أنواع: منها في الكلام كتاب، الدواعي والصوارف، وكتاب الخلاف ~~والوفاق، وكتاب الخاطر، وكتاب الاعتماد، وكتاب المنع والتمانع، وكتاب ما ~~يجوز فيه التجاوز وما لا يجوز، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده. وأماليه كثير: ~~كالمغني، والفعل والفاعل، وكتاب المبسوط، وكتاب المحيط، وكتاب الحكمة ~~والحكيم، وشرح الأصول الخمسة. # ومنها نوع في الشروح: كشرح الجامعين، وشرح الأصول، وشرح المقالات، وشرح ~~الأعراض. # ومنها في أصول الفقه: النهاية، والعمد وشرحه. # وله كتب في النقض على المخالفين: كنقض اللمع، ونقض الإمامة. # ومنها جوابات مسائل وردت من الآفاق: كالرازيات، والعسكريات، والقاشانيات، ~~والخوارزميات، والنيسابوريات. # ومنها في الخلاف: نحو كتابه في الخلاف بين الشيخين «1» ومنها في المواعظ: # كنصيحة المتفقهة ثم له كتب في ms062 كل فن، بلغني اسمه، ومن لم يبلغني، أحسن ~~فيها وأبرع، وعلى الجملة فحصر مصنفاته كالمتعذر. # ومنهم: الإمام أبو عبد الله الداعي محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن ~~زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. # أخذ الكلام عن أبي عبد الله البصري «2»، والفقه عن الكرخي، وبلغ فيهما ~~مبلغا لا وراءه. # وقد كان قبل ذلك أخذ في فقه الزيدية، عن أبي العباس الحسني، وأبو عبد ~~الله، ممن قام ودعا، كما سيأتى في سيرة الأئمة، إن شاء الله تعالى. PageV01P095 # توفي (بهوسم) سنة سنتين وثلاثمائة، وقبره مشهور هناك مزور. # ومنهم: أبو العباس الحسني اسمه أحمد بن ابراهيم، وكان فاضلا، عالما، ~~جامعا بين الكلام والفقه، وله كتب، كشرح الأحكام والمنتخب وغيرهما. # ومنهم: الإمام المؤيد بالله، جمع بين الكلام والفقه، وأخذ عن قاضي ~~القضاة، وأخوه الإمام أبو طالب، أخذ الكلام عن أبي عبد الله البصري. # وسيأتى طرف من سيرتهما في السير. # ومنهم: يحيى بن محمد العلوي، له مرتبة في العلم، وكان يميل إلى الإرجاء، ~~وكان إماميا، وتوفي بعد انصرافه من الحج، في حضرة الصاحب بجرجان، سنة خمس ~~وتسعين وثلاثمائة، وللصاحب تعزية إلى أولاده، في غاية الحسن تدل على عظم ~~فضله، وعلو منزلته. # ومن هذه الطبقة: أبو أحمد بن أبي غيلان، أخذ عن أبي عبد الله، ودرس ~~بالأهواز، وكثر الانتفاع به، وله تصانيف وتفسير، وكان يتعصب لأبي هاشم على ~~الإخشيدية «1». # ومنهم: أبو إسحاق النصيبيني، أخذ عن أبي عبد الله. # ومنهم: أبو يعقوب البصري البستاني. # ومنهم: الأحدب أبو الحسن، من أصحاب أبي القاسم، متكلم، جدل، حاذق، يتعصب ~~لأبي القاسم، وكثيرا ما يسلك مذاهب ضعيفة، ويضيفها إلى أبي القاسم. # ومنهم: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ضيف، قرأ على أبي عبد الله البصرى، ~~وبلغ مبلغا عظيما، وله تصانيف في أصول الفقه والجدل. # ومنهم: أبو الحسين بن صافي، من الإخشيدية. # ومنهم: أبو الحسين القاضي بن عبد العزيز الجرجاني جمع بين الكلام وفقه ~~الشافعي، وله محل عظيم، وهو القائل: # يقولون لي فيك انقباض وإنما ... راوا رجلا عن ms063 موقف الذل أحجما # ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لا أخدما PageV01P096 ~~أشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فاتباع الجهل قد كان أسلما # ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس تعظما # ولكن أذلوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما # ومن هذه الطبقة: الصاحب الكافي، وأبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، إمام ~~اللغة، مصنف الصحاح، ومن شعره في ذم رجل من النواصب: # رأيت فتى أشقرا أزرقا ... قليل الدماغ كثير الفضول # يفضل من حمقه دانيا ... يزيد بن هند علي ابن البتول ### ||| AUTO الطبقة الثانية عشرة # هم أصحاب قاضي القضاة منهم: أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري، وكان ~~بغدادي المذهب، فاختلف إلى القاضي وله تصنيف، فدرس عليه وقبل عنده أحسن ~~قبول، وصار من أصحابه. وإليه انتهت الرئاسة، بعد قاضي القضاة، انتقل إلى ~~الري وتوفي بها، وله تصانيف جيدة. منها: ديوان الأصول، وابتدأ فيه بالجواهر ~~والأعراض، ثم بالتوحيد والعدل. واعترض في ذلك، فجعل نسخة أخرى قدم فيها الجلى. # وكان القاضي يخاطبه «بالشيخ» ولا يخاطب به غيره، وله إليه مسائل كثيرة ~~أجاب عنها. # قال الحاكم: وسمعت الشيخ الإمام، أبا محمد عبد الله بن الحسين، قال: # «كان له حلقة في نيسابور، قبل خروجه إلى الري، يجتمع بها المتكلمون». # قال: وسمعت غير واحد من مشايخنا يقول: «إن قاضي القضاة، سئل أن يصنف ~~كتابا في فتاوى الكلام، يقرأ ويعلق، كما هو في الفقه، وكان مشغولا بغيره من ~~التصانيف، فأحال على ابي رشيد، فصنف كتاب ديوان الأصول. # ومنهم: أبو محمد عبد الله بن سعيد اللباد، أخذ عن القاضي، وكان خليفته في ~~الدرس، وبقي بعده. وله كتب كثيرة حسنة منها، كتاب النكت، أحسن كتاب. PageV01P097 # ومنهم: الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، أخذ عن قاضي ~~القضاة، عند انصرافه من الحج، وعن النصيبيني، والمرزباني، وهو إمامي ويميل ~~للإرجاء، وشهرة علمه تغني عن التكثير في اخباره. # ومنهم: الإمام أبو الحسين الحقيني، جمع بين الكلام والفقه والورع، ومنهم: ~~الناصر والراعي النازلان بآمل، وأبو جعفر الناصر الصغير. # ومنهم: ms064 أبو القاسم البستي إسماعيل بن أحمد، أخذ عن القاضي، وله كتب جيدة، ~~وكان جدلا حاذقا، ويميل إلى مذهب الزيدية، وناظر الباقلاني فقطه، لأن قاضي ~~القضاة ترفع عن مكانته. # ومنهم: أبو الفضل العباسى بين شروين، عالم، متكلم، أديب، فصيح، زاهد. # قيل: كان يحفظ مائة ألف بيت، وله كتب في الكلام الحسان، ومواعظه تشبه ~~كلام الحسن. # أخذ عن القاضي، ومن أحسن مواعظه، ما تمثل به لأحمد بن علي بن مخلد، وقد ~~نهاه أن يضيع عمره، فأنشد # ضاع عمر الشباب عني فأخشى ... أن عمر المشيب أيضا يضيع # ومنهم: أبو القسم المتروكي، أحمد بن علي، جمع بين العلم والقرآن، والأدب، ~~والزهد. نزل نيسابور، فاستدعاه الصاحب إلى حضرته، فأنشأ يقول: شيئا عظيما، ~~وبويع له، كما سيأتي في شرحه، إن شاء الله. # قل للذي لقب بالصاحب ... ولست فيما قلت باللاعب # تعتقد العدل ولا ترعوي ... أف لهذا القول من كاذب # وتدعي أنك مستبصر ... يا شاهدا في صورة الغائب # عاديت من واليت إن لم أكن ... منك ومن فعلك في جانب # ومنهم: أبو محمد الخوارزمي، أخذ عن القاضي، وظهر فضله في العلم. # ومنهم: أبو الفتح الأصفهاني، جمع في آخر عمره بين فضل وعلم، وكان في ~~عنفوان شبابه، دنس نفسه، وتابع الرؤساء، ثم تاب، وورد الكتاب من محمود ~~سلطان زمانه، يحمل المعتزلة إلى حضرته «بغزية» فحمل من نيسابور ثلاثة PageV01P098 ~~نفر، هو، وأبو صادق إمام مسجد الجامع، وأبو الحسن الصابري، المعروف ~~«بسيبويه»، لعلمه بالنحو، فبعث يهم الى «غزدار» فماتوا هنالك، وقبورهم بها، ~~وكانوا يدعون بها الناس. # ومنهم: أبو الحسن الرقا، والقاضي أبو بشر الجرجاني، وزيد بن صالح، وأبو ~~حامد أحمد بن محمد بن إسحاق النجار، قرأ على القاضي أبي نصر بن سهيل، وأبي ~~محمد الخوارزمي، وأبي الحسن الأهوازي، ثم خرج الى الري وقرأ على قاضي ~~القضاة. # ومنهم: أبو بكر الرازي، وأبو حاتم الرازي، وأبو بكر الدينوري، وأبو الفتح ~~الصغار، وأبو الفتح الدماوندي، وأبو الحسن الكرماني، وأبو الفضل الجلودي، ~~وأبو القسم بن متكا، وأبو عاصم المروزي، وأبو نصر من مرو، وأبو الحسن ms065 ~~الخطاب، وأبو طالب بن أبي شجاع من آمل. # ومنهم: أبو الحسين البصري، محمد بن علي، صاحب المعتمد في أصول الفقه، أخذ ~~عن القاضي، ودرس ببغداد، وكان جدلا حاذقا، وله كتب كثيرة منها: تصفح ~~الأدلة، ونقض الشافي في الإمامة، ونقض المقنع في الغيبة، وكان للبهاشمة عنه ~~نقرة لأمرين، أحدهما: أنه دنس نفسه بشيء من الفلسفة وكلام الأوائل، ~~وثانيهما: ما ورد على المشايخ في نقض أدبهم في كتبه، وذكر أن ذلك الاستدلال ~~لا يصح. # قال الحاكم: وبهذين الأمرين، لم يبارك في علمه. قلت: وهذا نوع تعصب، بل ~~قد نفع الله بعلمه أبلغ من غيره، ألا ترى إلى كتاب المعتمد في أصول الفقه ~~«1»، فانه أصل لأكثر الكتب التي صنفها المتأخرون في هذا الفن، واعتمده # وكذلك غيره من كتب أصول الدين كالفائق. # ومن تلامذته: الشيخ التحرير محمود بن الملاحي، مصنف المعتمد الأكبر، وقد ~~تابعهما خلق كثير من العلماء المتأخرين، كالإمام يحيى بن حمزة، وأكثر ~~الإمامية. # والفخر الرازي من المجبرة، اعتمد على رأيه في اللطيف وغيره. PageV01P099 # ومنهم: البخارى أبو طاهر عبد الحميد بن محمد، أخذ عن القاضي. # وكان حسن القصص، والوعظ، والدعاء الى الخير. # ومنهم: البخاري أبو طاهر عبد الحميد بن محمد، أخذ عن القاضي. وكان حسن ~~القصص، والوعظ، والدعاء إلى الخير. # ومنهم: السمان أبو سعيد، وحيد عصره في علوم الكلام، والفقه، والحديث، وله ~~من الزهد والورع ما ليس لغيره، كان يصوم الدهر، وربما درس في الري، وربما ~~درس في الديلم. # ومنهم: أبو محمد الحسن بن أحمد بن متويه، أخذ عن القاضي. وله كتب مشهورة: ~~كالمحيط في أصول الدين، والتذكرة في لطيف الكلام. # ومنهم: أبو عمر القاشاني، وعلى الطالقاني، وأبو محمد الزعفراني، وهو من ~~بيت الرئاسة. # هؤلاء المشهرون شهرة باقية، وقد تركنا كثيرا ممن شهرته دون ذلك، وإن كان ~~فاضلا عالما، لتعذر حصر رجالهم، واتساع الكلام في ذلك. # إلى هنا وينتهى عرض ابن المرتضى لطبقات المعتزلة التي سجلها قاضي القضاة: ~~عبد الجبار الهمذاني، وأكملها الحاكم بالطبقتين الحادية عشرة والثانية ~~عشرة. وقد ضمت هذه الطبقات أسماء ms066 أدت الى الاسلام خدمات جليلة، نبعت عن ~~ايمان قوي، وعقيدة صادقة، عن طريق علم الكلام الذي هو علم الحجاج عن ~~العقائد الايمانية بالأدلة العقلية. وتتهافت بذلك الفكرة القائلة، بأنه ~~ليست لنا حاجة في شيء سوى كتاب الله وسنة نبينا الكريم. وانه وان كان هذا ~~الأمر هو سندنا الحق المتين، إلا أن الاسلام، قد جاءت عليه أوقات، وهو في ~~أشد الحاجة لمن يبسط دعائمه، ويبين أركانه، استنادا لأصول عقيدة التوحيد ~~الخالدة، وليس أدل على ذلك، مما نشاهد ونسمع ونلمس في أيامنا تلك عن حركات ~~التنصير المتصاعدة في العالم، فما أحوجنا دائما لدفاع العقل زودا عن الحصن ~~الحصين، «ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز» «1». PageV01P100 ### | AUTO [الجزء الثانى] فلسفة وفرق المعتزلة PageV01P101 ### || AUTO نشأة الاعتزال وظهوره # مع بداية القرن الثاني، بدأت المعتزلة القدرية، وترجع غالبية المصادر ~~بداية ظهور المعتزلة، وتسميتهم بذلك، إلى القصة التي أوردها الشهرستاني في ~~كتاب الملل والنحل «1»، والتى أوردها ابن المرتضى في صدر كتاب المنية ~~والأمل، الذي حققناه في الجزء الأول من هذا الكتاب «2». والتي تحكي ما دار ~~من حوار بين الحسن البصري وواصل بن عطاء. # أما الأسفراييني «3»: فإنه يقول عن سبب تسميتهم بالمعتزلة: «وهم سموا ~~أنفسهم معتزلة، وذلك عند ما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم ~~إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وكانوا من أصحاب علي- ~~ولزموا مساجدهم ومنازلهم وقالوا: «نشتغل بالعلم والعبادة»، فسموا لذلك ~~معتزلة. # ونخرج من هذا القول بأن المعتزلة قد سموا أنفسهم بهذا الاسم، أو قد أطلقه ~~عليه غيرهم، وفي ذلك روايات وأقوال كثيرة. ### || AUTO مميزات رجال المعتزلة: # لا شك أن المعتزلة قد أدوا للاسلام خدمة جليلة، حين وقفوا يستخدمون الحجج ~~العقلية، في الدفاع عن دين الله، في براعة فائقة، واستطاعوا في حذق تام، أن ~~يضمنوا لأنفسهم كثيرا من المؤيدين المتحمسين لآرائهم وعقائدهم. # وعن مميزات رجال المعتزلة يقول الأشعري «4»: # إنهم كانوا من أهل البراعة واللسن، وقد كانت براعتهم في الحديث، سببا في ~~صداقتهم للأمراء والخلفاء، فكان عمرو بن عبيد من أحسن أصدقاء الخليفة ms067 أبو ~~جعفر المنصور، وكان أبو الهذيل العلاف أستاذا للخليفة المأمون. # ويذكر صاحب المقالات، أن صلة المعتزلة، كانت وثيقة للغاية بعضهم PageV01P103 ~~بالآخر. # ولكن الأسفراييني «1» يخالف قول الأشعري هذا، حيث يقول: «كان المعتزلة ~~يكفر بعضهم بعضا، وحالهم في هذا المعنى، كما وصفه الله تعالى من حال ~~الكفار، حيث قال تعالى «إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب» «2» # ويحكى الأسفراييني: أن سبعة من رءوس القدرية تناظروا في مجلس واحد في أن ~~الله تعالى، هل يقدر على ظلم وكذب يختص به؟ فافترقوا من هذا المجلس، وكل ~~منهم كان يكفر الباقين. # ونحن نرى تعقيبا على قول الأسفراييني هذا أن الأسفراييني في قوله هذا، لا ~~يستطيع أن يخرج، مستخلصا تكفير المعتزلة لبعضهم البعض، إذ أن هذا، لا يعني ~~أبدا اختلافا جوهريا، فطالما أنهم جميعا متفقون في الأصول، لا يخرجون عنها، ~~فلا خلاف بينهم، أما الخلاف في الفروع، فلا يعنى أبدا خلافا في الجوهر، أو ~~خروجا على الاجماع. بل اننا نجد الأشعري في المقالات يقول «3»: # «لقد تعاون المعتزلة على ما هم بسبيله، وصلة بعضهم ببعض الصلة الوثيقة ~~العروة، وعطف بعضهم على بعض، حتى ضرب الأدباء المثل بتآلفهم». # كتب أبو محمد العلوي إلى أبي بكر الخوارزمي يقول: «إن اعتداده به اعتداد ~~العلوي بالشيعي، والمعتزلي بالمعتزلي» # والحقيقة أن المعتزلة، قد تناولت مسائل الله، والانسان، والعالم، بالنظر ~~العقلي الخالص، وكانت كفرقة اسلامية، وهي تبحث في هذه المباحث، لا تخرج عن ~~الدفاع عن الاسلام، ضد الفرق الأخرى، ولم تخرج عن كونها فرق اسلامية مخلصة. # وان كان أستاذنا الدكتور النشار، لا يرى أن المذهب المعتزلي أقرب إلى روح ~~الاسلام، ويرى أن الأشعرية هي آخر ما وصل إليه العقل الاسلامى الناطق PageV01P104 ~~بالكتاب والسنة، المعبر عنها في أصالة وقوة «1». فان هذه العبارات، لم يخرج ~~بها أستاذنا المذهب المعتزلي عن روح الاسلام، وانما قرب مذهبا اكثر صلة منه ~~بالاسلام في رأيه. # ولقد انفق المعتزلة في آرائهم، وعلى أصولهم الخمسة وهى: التوحيد، والعدل، ~~ولهذين الأصلين ترد الاصول الخمسة، ثم الأمر بالمعروف، ms068 والنهي عن المنكر، ~~والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، ولقد ظهر الاعتزال أول ما ظهر ~~بالبصرة ثم ببغداد. ### || AUTO اتفاق المعتزلة: # يجمع المعتزلة على المسائل الآتية: # 1 - نفي صفات الباري تعالى: وهدفهم من وراء ذلك التوحيد المطلق. # 2 - كلام الله مخلوق: وهدفهم من وراء ذلك التنزيه المطلق. # 3 - أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وأفعال الحيوانات خارجة عن قدرة الله ~~بمعنى فعلها وليس بمعنى خلقها أو تقديرها فالانسان حر، ويتبع ذلك مسئوليته ~~عن كل ما يفعل، ليحق حسابه. # 4 - حال الفاسق منزلة بين المنزلتين، وذلك إلى أن يتوب. # 5 - وجوب كثير من الأشياء على العبد، من غير أن يكون من أمر الله تعالى ~~فيه أمر، مثل: النظر، والاستدلال، وشكر المنعم. لوقوعها في مقدور المخلوق ~~باقدار الخالق تعالى. # 6 - إنكار مفاخر زائدة لرسول الله زائدة على الأنبياء: كالشفاعة ~~والمعراج. # ولقد تفرعت مدرسة المعتزلة فرعين هما: # فرع بغداد، وفرع البصرة. ونحن نورد على الصفحتين التاليتين جدولين يبينان ~~بالتفصيل تلاميذ كل فرع وشيوخه. # فرع البصرة واصل بن عطاء (311 ه) عمرو بن عبيد (143) عثمان الطويل حفص بن ~~سالم الحسن بن زكون خالد بن صفوان (133) ابراهيم بن يحيى المدني أبو الهذيل ~~العلاف (230) أبو بكر الأصم PageV01P105 ~~معمر بن عباد (220) النظام (231) الشحام (223) الفوطي (318) بشر بن المعتمر ~~(210) مؤسس فرع بغداد الأسوارس (200) عباد بن سليمان (250) الجاحظ (256) ~~أبو علي الجبائي (203) أبو هاشم الجبائي (231) أبو الحسن الأشعري # فرع بغداد المؤسس: بشر بن المعتمر (210) أبو موسى المردار (226) أحمد بن ~~أبي داود (240) تمامة بن الأشرس (213) جعفر بن حرب (236) جعفر بن مبشر ~~(234) الإسكافى (240) عيس بن الهيثم الصوفى الخياط (290) أبو القاسم البلخى ~~الكعبى (319) # () () PageV01P106 ### || AUTO فلسفة المعتزلة # في هذا المكان، نعرض للمسائل الفلسفة التي تعرض لها المعتزلة في مباحثهم، ~~في إطار: الله، والانسان والعالم. # كما نعلم، فإنه في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، ظهرت ثلاث مسائل ~~جوهرية في الاسلام: # 1 - مشكلة الخلافة # 2 - قدرة الانسان على أعماله. # 3 - نفي الصفات. # وشغلت هذه المسائل الأذهان، والمفكرين، وتعرض المعتزلة لهذه المسائل ~~جميعا، في مناقشة وحوار دقيق. وفيما يلي ms069 نعرض لأهم النواحي الفلسفية التي ~~ضمنها المذهب المعتزلي «1». ### ||| AUTO أولا: التوحيد ### |||| AUTO 1 - نفى الصفات: # نفت المعتزلة الصفات عن الله، وذلك للتوحيد المطلق. ولقد قال واصل بن ~~عطاء بها، وأراد بذلك أن يرد أقانيم النصارى. # وعنده: أن من أثبت معنى وصفة قديمة، فقد أثبت إلهين. # ومن ناحية أخرى، فلقد رد المعتزلة الصفات- لاعتبارات ذهنية- للذات، ~~وحجتهم في ذلك، أنه لو قامت الحوادث بذات الباري، لا تصف بها بعد أن لم ~~يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث، إذ لا بد من مغير. # فاذا ما تكلمنا عن الله مثلا، لا يجوز أن نعتبر العلم صفة قائمة بذاته ~~تعالى، لأنه إما أن تكون هذه الصفة أزلية كالذات وإما أن تكون حادثة، فاذا ~~كانت أزلية، فكيف يمكنها أن تحل في الذات؟ PageV01P109 # وإذا حلت فيها، كان هناك أزليان، وإذا كانت حادثة، وحلت في الذات، لكانت ~~الذات قد تغيرت، من حال (حال عدم العلم) إلى حال (حال العلم)، والتغير دليل ~~الحدوث، فتكون الذات حادثة في صفاتها. وهذا ما لا يتفق وكماله تعالى. وبهذا ~~يتبين السبب الحقيقي في نفي الصفات. وهو التوحيد الكامل لله «1». ### |||| AUTO 2 - تعريف الله: # الله عند المعتزلة واحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير والله، لا ~~يمنح سوى الوجود للخلق، وكل ما عدا الوجود، فلا يوجد أي تشابه بينه وبين الله. # وتعريف المعتزلة السابق لله سبحانه، يعتبر بمثابة رد على النظريات ~~الفلسفية المنتشرة في عصر المعتزلة، في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ~~وذلك حيث قرر الرافضة: «أن الله جسم» ورأي المشبهة: «أنه يشبه الخلق»، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وردا على مذاهب المجسمة، والمشبهة قال المعتزلة: # لا نعلم شيئا عن ماهيته سوى أنه الواحد. وهذا توحيد وتنزيه مطلق لذات ~~البارى. ### |||| AUTO 3 - ما يترتب على التعريف السابق: # على فكرة التوحيد التي تأكدت بنفي الصفات عن الله بنى المعتزلة: # مسألة الخلق: وهي مسألة مرتبطة ارتباطا وثيقا: بمبدإ نفي كل مشابهة، بين ~~ماهية الله، وماهية العالم المخلوق. # وبما أن هاتين الماهيتين مختلفتان، ومتباينتان تماما في عرف ms070 المعتزلة، ~~فقد قالوا: إن الماهية المحدثة، المخلوقة، ليست حاصلة من الماهية القديمة، ~~لذلك قالوا بالعدم، واعتبروه شيئا، وذاتا، وعينا، وحقيقة يمنحها الله ~~الوجود ليصير كائنا. ### |||| AUTO 4 - صفات الله هي مجرد اعتبارات ذهنية: # وأنكر المعتزلة وجود صفات في الله حقيقية، وقديمة، ومتميزة عن الجوهر. # الصفات عند المعتزلة، هي الجوهر نفسه. PageV01P110 ### |||| AUTO 5 - صفات الذات وصفات الأفعال: # صفات الذات: ولا يوصف الله بأضدادها، وذلك مثل: عالم. # صفات الأفعال: وهى التى يجوز وصف الله بضدها، مثل: الرضى والحب. # وإن الذات الإلهية، ذات واحدة، غير منقسمة، ولما كنا عاجزين عن ادراكها، ~~تصورنا فيها هذه الاعتبارات الذهنية، التي نطلق عليها اسم الصفات. # معنى الصفات عند المعتزلة: ليست الصفات حقيقية في الذات، ومتميزة عنها، ~~بل هي الذات نفسها، تعبر عنها تارة بصفة، وتارة بصفة أخرى، بينما الذات هي ~~واحدة، لا قسمة فيها ولا تمييز «1». ### |||| AUTO 6 - لا تشبيه بين الله والمخلوقات: # إن المعتزلة لا تقول بأي تشابه، بين المتناهي المحدث، واللامتناهي ~~القديم، وهم يقاومون بشدة كل تشبيه: بين الله، والمخلوقات. # مصدر هذه الفكرة: ولقد استمد المعتزلة هذه الفكرة، من عدة مصادر. # أولها: القرآن الكريم، «ليس كمثله شيء» «2» قررها صراحة وحقيقة، لا تسمح بجدل. # ثانيا: مطالعة كتب الفلاسفة مثل تيماوس لأفلاطون. الله في عرف أفلاطون: ~~«لا يكون العالم على صورته، بل على صورة المثل الأزلية». ومن ناحية أخرى، ~~فان أرسطو: يقلد الحياة الإلهية بحركة مستمرة، وأزلية وهي الحركة الدائرية. # ثالثا: حركة الترجمة العربية لكتب الفلاسفة اليونانيين، التي قام بها، ~~السريانيون من جهة، والترجمات التي قام بها الفرس من جهة أخرى، ساعدت هذه ~~الترجمات المعتزلة على مطالعة الفكر اليوناني، وقدمت لهم ما يلزم من براهين ~~للدفاع عن التوحيد كما فهموه. ### |||| AUTO 7 - علم الله: # يرى العلاف أن علم الله هو هو (أي الله)، وأن الله يعلم نفسه، وأن نفسه ~~ليست بذي غاية ولا نهاية، وبهذا فان المعتزلة، تصل إلى أن PageV01P111 ~~علم الله لا متناهي، كما أن الذات لا متناهية. ### ||||| AUTO مصدر الفكرة السابقة: # يقول الأشعري «1»: إن العلاف ms071 أخذ هذا القول عن أرسطو، في مقالته الثانية ~~عشرة، من كتاب ما بعد الطبيعة: الله علم كله، قدرة كله، سمع كله، بصر كله. # ولقد نفى العلاف القول: بأن العالم بعلم، هو ذاته، حتى يرد الأقانيم عند ~~النصارى. # قدم علم الله: لما كان علم الله هو الله، ولما كانت ذاته تعالى تتصف ~~بالقدم فاذا علمه قديم أيضا. # هل ما يعلمه الله، وما يقدر عليه، قديم مثل علمه به، وقدرته عليه؟ # وترى المعتزلة: أن علم الله قديم، وبناء على هذا التصور، يكون العالم ~~قديما، من حيث هو جزء من موضوع هذا العلم، وحادثا، من حيث أنه متحقق في ~~الزمان. والجواهر والأعراض في حال العدم، لم تزل معلومة من الله، فما يعلمه ~~الله قديم، ولا يمكن لأي شيء كان، أن يزيد في علمه تعالى. ### ||||| AUTO هل يجوز كون ما علم الله أنه لا يكون؟ # عند المعتزلة: يستحيل ذلك، والمعتزلة تردد دائما، إن الله لم يزل عالما ~~بالأشياء كلها، ولا يجوز حدوث شيء، إلا وهو لم يزل يعلمه. # علم الله ومصير الانسان في الآخرة: يقول هشام الغوطي، «من كان كافرا، ~~ولكن في علم الله أنه يموت مؤمنا، فإنه الآن عند الله مؤمن، ومن هو الآن ~~مؤمن عابد، ولكن في علم الله أنه يموت كافرا، فانه الآن عند الله كافر». # مما سبق نستخلص، أن جل هم المعتزلة هو رد الصفات، ومن ضمنها صفة العلم، ~~إلى ذات الله تعالى. # وبما أن هذه الذات قديمة لا متناهية ثابتة، فيكون العلم أيضا قديما لا ~~متناهيا ثابتا. PageV01P112 # ثم إن الله لم يزل يعلم كل الأمور، وإذا كان العالم قديما بالنسبة إلى علمه ~~تعالى، فإنه يتحقق في الزمان تبعا لهذا العلم. # أما فيما يختص بمسألة قدرة الانسان على أعماله، فالمعتزلة تحلها بقولها: # «إننا نشعر بحرية الاختيار، واننا نجهل علم الله، وأن عدل الله يضطرنا ~~إلى القول بهذه الحرية، وكل المسألة الاخلاقية متوقفة عليها «1». ### |||| AUTO 8 - قدرة الله: # ما يقدر الله عليه، قدره مثل علمه، منبسطة على كل شيء «إن الله ms072 على كل ~~شيء قدير» «2» هو بكل شيء عليم»، ولا شيء يغيب عن علمه، ولا شيء يخرج عن قدرته. # وإذا كان ما تحقق، وما يتحقق من الأشياء، محدودا في العدد، والكم، ~~والأبعاض، فإن هذا شيء، لا يعني أن قدرة الله تقف عند هذا الحد، لأنها غير ~~متناهية. # تجنب المعتزلة للمذهب الحلولي: إن صفتى العلم والقدرة عند الله لا ~~متناهيتان. والمعتزلة دائما، تميز بين ماهية الفعل، وماهية الموضوع، ~~واعتبار العدم متميزا تماما عن ماهية الله، لتجنب المذهب الحلولى، وهو خلط ~~الله وادماجه في العالم. # العلاقة بين علم الله وقدرته تعالى: يقول علي الأسواري: إن من علم الله ~~أنه سيموت ابن ثمانين سنة، فان الله لا يقدر أن يميته قبل ذلك، ولا أن ~~يبقيه طرفة عين بعد ذلك. # وأن من علم الله من مرضه، يوم الخميس مع الزوال مثلا، فان الله تعالى لا ~~يقدر على أن يبرئه قبل ذلك، لا بما قرب، ولا بما بعد، ولا على أن يزيد في ~~مرضه، طرفة عين فما فوقها. # هل الله مكلف بفعل الأصلح؟ يقول المعتزلة: الله مكلف بفعل الأصلح، وأن ~~الله سبحانه، لا يوصف بالقدرة على ترك الأصلح من الأفعال إلى ما ليس PageV01P113 ~~بأصلح. # التفاؤل عند المعتزلة: إن الله عز وجل ليس في قوته، أحسن مما فعل بنا، ~~وأن هذا الذي فعل، هو منتهى طاقته، وآخر قدرته، التى لا يمكنه ولا يقدر على ~~أكثر، والله لا يقر أن يفعل بعباده، خلاف ما فيه صلاحهم. # فإذا كل ما يحصل في الدنيا وفي الآخرة، هو أصلح ما يمكن للعباد. وهذه ~~نتيجة منطقية، لنفي جميع الصفات عن الله، وردها إلى الذات، والذات غاية ~~الكمال، لا يعترضها أي عجز أو نقص، لذلك يلزم أن تكون ما تعلمه كاملا. # مصدر الفكرة السابقة: فكرة التفاؤل التي قال بها النظام، تأثر فيها ~~بقدماء الفلاسفة، ويقول البغدادي: إن النظام تأثر بالمنانية القائلين، إن ~~إله الخير، لا يمكنه أن يفعل إلا الخير، ولا يمكنه أن يفعل الشر، لأن الشر ~~لا يصدر إلا عن إله الشر، ms073 ولكن من ناحية أخرى، فلقد رد النظام على المنانية ~~قولها بالاثنين: إله الخير، وإله الشر. # وبهذا تكون المعتزلة قد بحثت أقوال قدماء الفلاسفة، وأقوال المنانية، ~~واستخلصت منها قولا، يتفق وكمال الله تعالى، وجاء قولها نمقا أيضا وفكرة ~~المسيحيين في الألم، كطريق لخير أعظم. تقول المعتزلة: «إن الله لا يفعل إلا ~~الأصلح، وأن قدرته لا تأتي إلا بما هو كمال» # هناك نقطتان لهما أهمية كبرى وهما: التوفيق بين قدرة الله تعالى، وحرية ~~الاختيار عند الانسان. # ومن جهة أخرى: مسألة الظلم: هل يمكن أن يفعله أم لا يمكن؟ والله تعالى مع ~~قدرته على فعل الظلم، لا يفعله، لأن العدل من أخص صفاته. # والانسان عند المعتزلة، يصبح بمحض إرادته مطيعا أو كافرا، ولا قدرة له في ~~ذلك. وهذا يتفق تماما مع حكمة التكليف. # الحكمة في أعمال الله: يفعل الله تعالى لا لينتفع، وإنما لينفع غيره، ~~ولما كان الله في غاية الحكمة، فهو لا يفعل إلا الأصلح. # وأصل التخليق والتكليف، عند معتزلة البصرة، صلاح، والجزء صلاح. # وفي الطبيعة: الشيء نفسه بالنسبة للأخلاق، فاتلاف الله للزرع صلاح، لأن ~~فيه اختبارا للصبر على المكاره. PageV01P114 # ويرى المعتزلة: أن خلق العالم لا يعني أن الله في حاجة إليه، بل بالعكس، ~~العالم من حيث هو مخلوق، محتاج إلى خالقه، والعاقل يدرك ذلك. ### ||||| AUTO تعريف الصلاح والأصلح # تعريف الصلاح: الصلاح عند الفساد. # تعريف الأصلح: إذا كان هناك صلاحان، وخيران، وكان أحدهما أقرب إلى الخير ~~المطلق، فهو الأصلح. # ونحن نلمس أثر «أرسطو» بين في هذين التعريفين، للصلاح والأصلح. # لما قال «أرسطو» الفعل سابق على القوة اطلاقا، استنتج من ذلك، أن المبدأ ~~ليس القوة، بل الموجود التام، أي الفعل. # وعند المعتزلة: هذا الموجود التام هو الله. # ولقد كان أرسطو معارضا لمن سبقه من اللاهوتيين، الذين وصفوا- في الأصل- ~~الليل والسديم (أي الاختلاط والقوة) زمنا غير متناه، ولقول ديمقريطس، ~~وأنباذوقليس، وأفلاطون: الذين قالوا، بحالة اتفاق وفوضى، قبل حالة النظام. ~~وهذا هو الفارق الأساسي بين الماديين والعقليين، بين الكفرة والمؤمنين. # ويقول أرسطو: إن السموات تشتهي أن ms074 تحيا حياة شبيهة بحياة المحرك ما أمكن، ~~ولكنها لا تستطيع، لأنها مادية، فتحاكيها بالتحرك، حركة متصلة دائمة، هي ~~الحركة الدائرية. # وتقول المعتزلة: بعالم منظم، كامل، وكل ما يحدث فيه، صلاح. فكأنهم أخذوا ~~فكرة النظام في العالم من أرسطو، وفسروها تفسيرا يتفق وقولهم «بأن الله ~~كمال، وكل ما يصنعه فهو كامل أيضا». ### ||||| AUTO هل يقدر الله على الظلم؟ # لقد جاء المعتزلة بحلين لهذه المسألة: # الحل الأول: القول بالقدرة، فالله يمكنه أن يفعل الظلم، ولكنه لا يفعله ~~أبدا، فذات الله هي الكمال، والظلم لا يقع إلا عن كائن غير كامل. # الحل الثاني: القول بعدم القدرة، فالله لا يوصف بالقدرة على الظلم، ~~والكذب، ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم. # النتيجة للحلين السابقين: الله لا يظلم أبدا، ولو قدر على الظلم. PageV01P115 ### |||| AUTO 9 - إرادة الله: # إختلاف أرادته سبحانه عن إرادتنا: إن الفعل الإرادي للانسان، يشمل إدراك ~~غاية، ومشاورة، والله لا يعرف المشاورة، لأنها دليل على الضعف، تعريف ~~المعتزلة لارادة الله: إرادة الله في مذهب المعتزلة، من الاعتبارات الذهنية ~~التي يقولون بها، مثل: العلم، القدرة، والتي لا توجد حقيقة، لأن ماهية الله ~~بسيطة وكاملة، وبناء على ذلك، تكون الإرادة هي ذات الماهية، أعني، أنها ~~قديمة، لا متناهية وكاملة. # هل يريد الله بإرادة حادثة: يقول البغداديون، لم يزل مريدا بإرادة أزلية. # ويقول البصريون: إنه تعالى مريد، بإرادة حادثة لا في محل. # إرادة الله وخلق العالم: إن إرادة الله، سواء أكانت أزلية، أو حادثة، ~~سابقة على خلق العالم، فعليه يكون العالم بالنسبة لها: حادثا. # والخلق عند المعتزلة: بداية الوجود، الذي يمنحه الله لشيء كان غير موجود ~~«1». ونري لنظام، يميز بين إرادة الله، والخلق وهو منح الوجود، أى تكوينه. ~~وهكذا فان النظام، يميز بين إرادة الله، وبين موضوع هذه الإرادة، وهو ~~العالم المخلوق. ولكن النظام لا يقول إن هذه الإرادة متميزة عن ماهية الله. # وبناء على ذلك، تكون هذه الإرادة فاعلة منذ الأزل، فمسألة خلق العالم ~~مرتبطة ارتباطا وثيقا، بمسألة إرادة الله. # المعتزلة والمذهب الحلولي: إن تمييز ms075 المعتزلة لارادة الله، عن موضوع ~~الإرادة، ضد المذهب المحلولي، ولا يمكن أن يتفق معه بحال من الأحوال. # إرادة الله والشرع: إن الخلق متعلق بإرادة الله، كذلك الشرع، «القانون ~~الخلقي» متعلق بهذه الإرادة أيضا. # وقول المعتزلة: إن الإرادة توافق الأمر، يجعلهم يميزون هذه الإرادة، عن ~~الشريعة التي تأمر بها. # ويرى العلاف: أن إرادة الله للايمان، هي غيره، وغير الأمر به، والخير خير PageV01P116 ~~في ذاته، والشر شر في ذاته وليس بموجب إرادة الله، والله يريد الخير ويأمر ~~به لأنه خير في ذاته، وينهى عن الشر، لأنه شر في ذاته. # عدل الله ولطفه تعالى: الله سبحانه وتعالى عادل بالنسبة لمخلوقاته، وهو ~~يفعل العدل طباعا، وهو لم يزل عادلا، لا يقع الظلم منه، وصفات الله ~~اعتبارات ذهنية، وهي قديمة. ومن أصول التوحيد عند المعتزلة: الله ذات فقط، ~~وكل ما نطلق عليه من صفات، ما هو إلا أوجه لذات واحدة، بسيطة، لا قسمة ~~فيها، ولا كثرة. # والعدل: يتحقق في الزمان. والله لم يزل عادلا، ولكنه يطبق عدله، عند ظهور ~~الشر، من الكائن العاقل، المحدث، المختار لأفعاله. # لطف الله: الله لا يهب الكافر لطفا ليؤمن ويستحق النعيم. # ويرى العلاف أن مثل هذا اللطف، يكون خرقا لعدل الله، وإذا كان الله يعلم ~~أن هذا اللطف أصلح، لفعله. # معنى لطف الله: يقول الجبائي: شرع الشرائع، والتنبيه على الطريق الأصوب، ~~كلها ألطاف. # وموقف المعتزلة من مسألة العدل، واللطف، واضح، وهو يرتكز على تعريفهم ~~لله، بأنه ذات كاملة، فهو لا يفعل إلا الأصح لعباده، ويطبق عدله على من ~~يستحقه. ### |||| AUTO 10 - كلام الله: # في هذا الموضوع، يقرر المعتزلة صراحة، أن كلام الله محدث، وأنه ليس ~~أزليا، وذلك للقول بخلق القرآن. # ويقول المعتزلة، لو كان كلامه تعالى أزليا، لوجب اثبات أمر ونهي، وخبر ~~واستخبار، في الأزل. وهذا محال للأسباب الآتية: # أولا: محال أن يكون أمر الله أزليا. # ثانيا: استحالة كلام الله تعالى مع نفسه. وفي هذه الحجة، يقول القاضي عبد ~~الجبار الهمذاني «1» «إنه تعالى لا يجوز أن يكون متكلما لنفسه، على ms076 أن كونه ~~متكلما للنفس، فرع على اثباته متكلما». PageV01P117 # وقد بينا، أن الذي به ثبت متكلما، هو حدوث الكلام من جهته، فكيف يقال أنه ~~للنفس؟. # ولقد بين أبو هاشم «1»: أن صفات النفس فيه تعالى، يجب أن يقتضيها الفعل، ~~أو يقتضيها ما يقتضيه الفعل، لأن ما لا يتأتى فيه ذلك، لا يصح إثباته من ~~صفاته سبحانه، لأن طريق العلم به، إذا كان هو الفعل، فيجب أن يكون الطريق ~~إلى ما يختص به من الصفات، وألا يصح إثباته على صفة، لا يقتضيها الفعل على ~~وجه، كما أن ما طريق إثباته الإدراك، لا يصح- إثباته على صفة يختص بها، إلا ~~من جهة الإدراك. ولذلك أوجبنا إدراك الشيء، على سائر صفاته النفسية، لو حصل ~~له صفات للنفس. # ولذلك قلنا: لو كان السواد حموضة، لوجب كونه مدركا من الوجهين، فاذا صح ~~ذلك، ولم تقتض مجرد أفعاله كونه متكلما، ولا وقوعها على بعض الوجوه، ولا ~~شيء من صفاته، اقتضى ذلك فيه. # فيجب إحالة القول بأنه متكلم لنفسه، على أنه لو كان متكلما لنفسه، لوجب ~~كونه متكلما، بسائر أقسام الكلام وضروبه، لأن ذلك مما يصح، من كل متكلم أن ~~يتكلم به، إذا لم تكن به آفة، كما أنه إذا كان قادرا لنفسه، صح أن يقدر من ~~كل جنس، على مثال ما يصح كونه مقدورا لغيره، وإن كان لا يجب كونه مقدورا ~~على ما يقدر عليه غيره، ولا متكلما بنفس ما يتكلم به غيره، من حيث كان ~~المقدور يختص بقادر دون غيره، وكذلك الكلام. # وتفارن حالهما، حال المعلوم، ولذلك أوجبنا كونه عالما بكل معلوم، من ~~الأجناس والأعيان، لما كان عالما لنفسه. # ولم نوجب كونه قادرا على كل عين، وإن كان قادرا لنفسه. وإذا صح ذلك، فيجب ~~أن يكون متكلما بالكذب، والصدق، والأمر بالقبيح، والنهي. # عن الحسن ويخبر عن كل ما يصح الإخبار عنه، ويأمر بكل ما يصح الأمر به. # وهذا شيء متى قيل به، أدى إلى الخروج من الدين، وألا يوثق بكتاب ولا شرح، ~~ولا خبر عن كل ما يصح ms077 الأخبار عنه، ولا أمر بكل ما يصح الأمر PageV01P118 ~~به، وهذا مخالف لقوله تعالى «منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك» «1». # ثالثا: القول بقدم كلام الله، يجعله من صفاته، والمعتزلة ترد جميع الصفات للذات. # إبطال القول بأنه سبحانه متكلم بكلام قديم: «2» يبرهن القاضي على ذلك ~~بقوله، إن الذي يحتاج أن يتكلف بيانه، أن الكلام الذي بينا، أنه كلام من ~~تعالى ذكره، لا يجوز أن يكون إلا محدثا. # والذي يدل على حدوث كلامه، الذي ثبت أنه كلام له، أن الكلام على ما ~~قدمناه، لا يكون إلا حروفا منطوقة، وأصواتا مقطوعة، وقد ثبت- فيما هذه ~~حاله- أنه محدث، لجواز العدم عليه، على ما بيناه في حدوث الأعراض. # فاذا صح أن كلامه تعالى، من جنس هذا الكلام، فيجب استحالة قدمه، لأن كل ~~مثلين استحال في أحدهما أن يكون قديما فيجب أن يستحيل في الآخر، لأن من حق ~~القديم أن يكون قديما لنفسه، مما شاركه في جنسه فيجب كونه قديما. فاذا ثبت ~~كون كلامه من جنس كلامنا، وجب القضاء بحدوثه، كما يجب القضاء بحدوث احسانه، ~~وانعامه. # الدليل على حدوث كلامه تعالى: وينقل القاضي الأحاديث التي رويت عن رسول ~~الله عليه السلام، كدليل على حدوث القرآن فيقول: # وما روي عن رسول صلى الله عليه وسلم من قوله: «كان الله ولا شيء، ثم خلق ~~الذكر». # وقوله: «ما خلق الله عز وجل من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي في ~~البقرة» «3»، يدل على حدوث القرآن. # وما روي أنه قال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله PageV01P119 ~~أيديهم «1» يدل على حدوثه. # رابعا: إذا كان الكلام واحدا، رفعت أقسامه، وهذا محال، لأن قصة يوسف، غير ~~موسى وعيسى، فكيف يمكن القول باتحاد الأخبار كلها، على اختلاف، في خبر واحد؟. # خامسا: الصفات بما فيها صفات الله، مجرد اعتبارات ذهنية، مناسبة لنا فقط، ~~وليس لها وجود حقيقي في الله، وما نطلق عليه اسم صفات، هو في الحقيقة الذات ~~اللامتناهية الكاملة المطلقة. # هذا ويتفرع من مسألة خلق القرآن مسائل أهمها: # (ا) ms078 كيف يتكلم الله: الله يخلق ما يوجب الكلام، أي الفكرة التي سيعبر ~~عنها، بواسطة كلام من أي لغة. # وكلام النبي: أي صورة القرآن ولغته فعل النبي، أما الموحى به- أي جوهر ~~الكلام- فمن الله. # ويقول الجبائي: لا يوصف الله بأنه متكلم، لأن معنى متكلم، أنه فعل ~~الكلام. ويميز المعتزلة بين مادة أو جوهر الكلام، وصورته: # المادة من الله، أي إلهام إلهي. # والصورة، أي اللغة: فهي فعل من يتكلم. # (ب) مكان الكلام: الله ليس محلا للكلام، ويقول الكلام، ويقول العلاف: إن ~~الكلام يوجد في الأماكن بالتلاوة، والحفظ، والكتابة. # نخلص من هذا: أن القرآن وحي إلهي، وأنه حادث، ويلزمه مكان ليقوم به، وحسب ~~رأي بعض المعتزلة، هذا المكان هو النبي الذي حل فيه القرآن، وحسب البعض ~~الآخر، كل من يحمل القرآن هو محل له. PageV01P120 ### |||| AUTO اعجاز القرآن ### ||||| AUTO طريق معرفة القرآن: # يقول القاضي عبد الجبار «1»: إنه بالنقل المتواتر يعرف القرآن، كما تعرف ~~نفس النبي، صلى الله عليه وسلم، بهذه الطريقة، وقد بينا أن ما حل هذا ~~المحل، لا تقع فيه مناظرة، وأن الواجب فيه التصادق، ولأن العلم به مشترك، ~~ولا مزية لواحد من المكلفين على الآخر، كما لا مزية لأحدهم على الآخر، في ~~معرفة المشاهدات الدالة على التوحيد. ويقول القاضي: «وإذا قال معترض، كيف ~~يصح ما ادعيتم في القرآن، وفي الإمامية، من قد يجوز فيه التغيير والتبديل، ~~وأثبت فيه النقصان، وزعم أنه فى الأمة، من غيره وبدله، وحذف عنه الزيادات، ~~الدالة بزعمهم، على الأئمة وأحوالهم، إلى غير ذلك، فما تقولون؟ وأما طريق ~~الضرورة لا يصح فيه هذا الضرب من المخالفة والمنازعة، ولذلك لم يختلفوا في ~~أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، كان في الدنيا، وأنه المختص بصفاته، لما كان ~~طريقة الاضطرار». # ويرد القاضي قائلا «وبعد ... فقد علمتم أن كثيرا من الحشو وأهل الحديث، ~~يزعم في القرآن أنه متلقى في أخبار الآحاد، وأن عثمان بن عفان جمعه،- بعد ~~ما كان متفرقا في الصدور والقلوب- وعمر بن الخطاب، كان يجمعان من ذلك الآية ~~والآيتين، حتى دوناه في المصحف، ms079 وضماه بعد الانتشار، والفاه ... فكيف يصح ~~ما ادعيتم، وقد وقع الاختلاف، بين الصحابة، حتى جرى على «عبد الله بن ~~مسعود» ما جرى، وحتى وقع الخلاف، في المعوذتين، وفي سورتي القنوت، وفي آية ~~الرجم، وفي غير ذلك من الحروف التي تميزت بها المصاحف، والضرورى لا يصح فيه ~~هذا الاختلاف، لأنه إن كان نقله في الظهور والانتشار، والعلم به بالصفة ~~التي ذكرتموها، فهل الخلاف فيه، إلا كالخلاف في سائر المعارف الضرورية. # وإن كان التنازع فيه لا يصح من ذمي، ولا ملحي، لأن اختلاف الديانات لا PageV01P121 ~~يؤثر في ذلك، فكذلك القول في القرآن، لو كان طريقه الاضطرار». # ويستطرد القاضي قائلا: «وليس لأحد أن يقول، إذا جاز في المخالف، أو بعض ~~الموافقين، ان لا يعرفوا حرفا من كلمة، وأنها من القرآن، فيجب أن يجوز ذلك، ~~في الكلمة، ثم في الآية، ثم في السورة، وذلك يقدح في العلم الضروري به، على ~~الجملة، وذلك لأنا نعلم أن أحدنا، فيما يعرفه من شعر امرئ القيس، لا يجب ~~إذا شك في حرف منه، أو كلمة، أن يشك في البيت والقصيدة، وكذلك الحال، في ~~الكتب المصنعة، والتعلق بمثل ذلك جهل. # وقد ذكر أبو هاشم في ذلك، ما يصح أن يمثل به، لأنه قال: «لا يجب إذا جاز ~~أن نشكل الطويل بما يقاربه، وتشكل ما يقارب بما هو دونه، ثم كذلك أبدا لجاز ~~أن يلتبس الطويل بجزء لا يتجزأ. ولذلك مثال في المشاهدة، لأن أحدنا إذا ~~شاهد جسما في مكان، ثم عاد إليه، جاز أن يكون قد تحرك إلى أقرب الأماكن ~~منه، ثم كذلك أبدا، ولا يجب أن يلتبس عليه حاله، إذا تحرك إلى مكان بعيد، ~~لما كان قد يلتبس ذلك على التدريج، وعند تكرار المشاهدة. ### ||||| AUTO في اختصاص القرآن: # في بيان ما يجب أن يعلم من حال القرآن في الاختصاص، ليصح الاستدلال على ~~نبوته عليه السلام، يقول القاضي: «إن شيخنا أبا هاشم- رحمه الله- يقول، على ~~ما ذكره. ويذكر في المواضع، وربما ذكر في دفع سؤال السائل. هل جوزتم أنه، ~~صلى ms080 الله عليه وسلم، أخذ القرآن من غيره، وادعى النبوة كاذبا، إن ذلك لا ~~يجوز، لأن العلم قد حصل؟؟؟ بأنه قد اختص بذلك، وعليه ظهر دون غيره، وهذا ~~إنما يدفع هذا السؤال» ### ||||| AUTO في فصاحة الكلام والقرآن: # يقول أبو هاشم «1»: «إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه، وحسن معناه، ~~ولا بد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى، لم يعد ~~فصيحا، فاذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين. وليس فصاحة الكلام بأن يكون ~~له نظم مخصوص، لأن لخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف، إذا ~~أريد بالنظم اختلاف الطريقة، وقد يكون النظم واحدا، وتقع المزية في ~~الفصاحة، فالمعتبر ما ذكرناه، لأنه الذي يتبين في كل نظم وطريقه، وإنما ~~يختص النظم بأن يقع لبعض PageV01P122 ~~الفصحاء، يسبق إليه، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء، فيساويه في ذلك النظم، ~~ومن يفضل عليه بفضله في ذلك النظم. # ويقول القاضى: «ولذلك لا يصح عندنا، أن يكون اختصاص القرآن، بطريقة في ~~النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعني». ### ||||| AUTO في تعذر المعارضة للقرآن والرسول: # تحدى رسول الله العرب، بطريقة معروفة، وهى طريقة النبوة، والزام الشريعة ~~واتباع القرآن، دون طريقة الغلبة والملك، والقهر بالسلطنة، وجعل الذي لأجله ~~يلزم الانقياد، العلامة والمعجزة وهي القرآن، والذي يدعو إلى إبطال أمره، ~~هو الذي يدعو للمعارضة، ولقد عرض العرب عن المعارضة، لتعذرها عليهم، رغم ~~بذلهم من تضحيات، وفشلوا في ذلك. # ويقول القاضي «1»: «فلو قال معارض، إن الذين أمكنهم أن يأتوا بالمعارضة، ~~قليل من كثير، لأن العرب وإن كانت كثيرة في العدد، فمن يوصف بالتقدم في ~~البلاغة قليل والفصاحة، ثم يترتبون ويتفاضلون، فيعود الأمر فى متقدميهم، ~~فجوزوا أنهم اتهموا بالمعارضة، وتواطئوا على كتمانه، أو عدلوا عن المعارضة، ~~مع التمكن، محبة للمشاركة في رئاسته، ووجوه المنافع من قبله، أو دفعا ~~للمضار المخوفة من جهته، وتجويز ذلك يبطل ما ادعيتموه». # قيل له: ليس الأمر كما قدرته، لأن من يعد من الفصحاء، قد كان فيهم كثرة، ~~لا تجوز على مثلهم ms081 الطريقة التي ذكرتها، وهذا بين عند من يعرف أحوال ~~الشعراء والخطباء، والمتقدمين في هذا الباب. # ويقول أبو هاشم: «إن المعارضة لو وقعت من القليل، كانت لا تلبث أن تنكشف ~~على الأيام، إن لم تنكشف في الحال، لأن العادة لم تجر في كتمان مثل ذلك ~~باستمرار، ولو جوزنا مثله، لم نأمن في زمن كل متقدم في الشعر، وفي زمن كل ~~عالم مبرز، أن جماعة شاركوه وساووه، ومع ذلك أنكرتم أمرهم البتة، في سائر ~~الأوقات، والمتعالم من حال أسرار الملوك، مع تشددهم في كتمها، أنها قد ~~انكشفت، على الأوقات، فكيف يجوز في مثل ذلك أن ينكتم أبدا. PageV01P123 # فلو عارضت هذه الفرقة القليلة القرآن، لوجب أن يظهر آخرا، على الأيام، إن ~~لم يظهر أولا، على أن العادة لم تجر، بأن يتمكن العاقل من فضل باهر، يساوي ~~به من تقدم كل التقدم، ويجب كتمانه لبعض الأغراض، وأن أوجب ذلك في وقت ~~لتقية وخوف، فلا بد من أن يجب نشره من بعد، فلا يجوز فيما حل هذا المحل، أن ~~لا يظهر في الواحد، فكيف في الجماعة «1» # ويقول القاضى: «فلو قال معارض أليس القرآن نزل بلغة العرب، فلا بد من أن ~~يكون في قدرة فصاحته عن العادة، قيل له: ليس المراد بأنه نزل بلغتهم، إلا ~~أن الكلمات التي يشتمل القرآن عليها في لغتهم، قد تواضعوا عليها، فأما على ~~النظام المخصوص فليس في اللغة، كما أن شعر من ابتدأ الشعر ليس في اللغة، ~~على ذلك الحد، وإن لم يخرج عن أن يكون منطوقا، من لغة العرب، ولو جاز بمثل ~~هذا الوجه اخراجه عن العادة، لوجب أن لا يكون للشاعر المتقدم فضله على ~~المفحم وغيره، ولهذه العلة، ولا لمن ينسج الديباج فضله على غيره، لأن ~~المنسوج يؤلف من الغزول المختلفة الألوان، وهذا في غاية الركاكة. # فان رد المعترض قائلا: أليس «اقليدس»، وصاحب كتاب «المجسطي»، وصاحب ~~«العروض»، و«سيبويه» وغيرهم، قد اختصوا فيما ظهر عنهم من العلوم، بما بانوا ~~به من غيرهم، ولم يدل ذلك على نبوتهم، ولا صلح منهم ms082 التحدي لذلك!. # فهلا وجب مثله في القرآن، وإن اختص بالمزية، لأن مزيته ليس بأكثر من مزية ~~ما ظهر، من كتب ما ذكرناه «2». # قلنا للمعترض: إن «أبا هاشم» أجاب عن ذلك، بان هذه المسألة توجب أن هذه ~~الأمور معجزة، لا أنها تقدح في اعجاز القرآن، لأنا قد بينا وجه كونه دلالة ~~ومعجزا، فان كان الذي أو ردوه بمنزلته، فيجب أن يكون معجزا، وهذه الطريقة ~~واجبة في كل دلالة. # والمسألة: أن وجودهما يقتضي تعلق الحكم بهما، لا أنه يقدح فيما دل على PageV01P124 ~~أنهما علة أو دلالة، وانما يعترض على الكلام، بالأمور التي تجرى مجرى ~~الضرورة، فيكون كاشفا، عن خروج الدلالة، من أن تكون دلالة. # وأجاب أبو هاشم بقوله: «بأن التحدي بهذه الكتب لا يصح، لأنه لو صح لكان ~~إنما يقع التحدي، بمعناه لا بلفظه، ومعناه لا يقع على وجه يتفاضل، لأن ~~الحساب والهندسة لا يجريان إلا على وجه واحد، لأن أصله الضرب والقسمة، ~~والحال فيهما لا تختلف، وإنما يتقدم فيهما المتقدم للدربة، وفضل المحاضرة ~~والفطنة، فلا يصح أن تقع فيه طريقة التحدي، وليس كذلك الكلام، لأنا قد ~~بينا: أنه يقع في قدر الفصاحة، على مراتب ونهايات، فيصح فيه طريقة التحدي». # ويعقب القاضي بعد ذلك قائلا: «وبعد ... فان من الزم هذا السؤال، قد دل من ~~حاله على قلة فهم، بما تقول في القرآن، لأنا بينا أولا من جهة الاضطرار ~~كونه، واختصاص الرسول، عليه السلام به، وبينا ما وقع فيه من التقريع ~~والتحدي، والحرص الشديد على إبطال حال النبي، صلى الله عليه وسلم، وبينا ~~تعذر المعارضة، بالوجوه التى بيناها، وإنما يلزم ما سأل عنه، لو تساوى ~~القرآن في هذه الوجوه، فمن أين أنه وقع فيه الحرص، على الحد الذي وقع في ~~القرآن؟». # وقد يجوز أن يكون في وقت «اقليدس»، لم يكن له بما صنعه من الرئاسة، ما ~~يقتضي التنافس والحرص، ثم من أين أنه لم يفعل مثله، مع تجويزنا لبعد العهد، ~~أن يكون في الزمن من كان يفوقه، وإن لم يصنف أو يكون قد ms083 صنف ولم ينقل ~~تصنيفه، لأن بعد العهد، فيما لا تشتد الحاجة إليه، والدواعي، تقتضي جوازا ~~أن لا ينتقل ما جرى هذا المجرى، ثم من أين، إن لم يثبت ما ذكرنا، أن الذي ~~صنفه انفرد به، دون أن يكون تلقنه من العلماء، وجمعه من كلامهم، كما يجمع ~~العالم غيره، فيختص بالجمع، لا بالابداع، على ما نعلمه من حال علماء ~~الاسلام، لأن المتعالم من حال أهل العراق في تقريع الفقه أنهم بانوا من ~~غيرهم، لا لأنهم أبدعوا ذلك، لكنهم أخذوه عن الغير ثم بذلوا الجهد في ~~التفريع. # وكذلك القول في «سيبويه» فيما جمعه من النحو، فاذا أمكن ذلك فمن أين أنه ~~كالقرآن؟ # ويقول أبو هاشم في «نقض الفريد»: ما يدل على أن العلم قد وقع، لمن PageV01P125 ~~يعرف الأخبار، بأن القوم علموا مزية القرآن، فى الفصاحة، واعتقدوا ذلك فيه، ~~وأن عدولهم عنه، وتركهم المعارضة، والاحتجاج، لأجل معرفتهم بحاله، وتعظيمهم ~~لشأنه، وذكر أن المتقدمين منهم في الفصاحة علموا ذلك، وغيرهم يعلم من ~~جهتهم، ويخبرهم في بطلان القول، بأن القرآن يجب الايمان به، دون معرفة ~~معناه. مما سبق فإن ذلك يدل على فساد من يقول، إن القرآن يجب الإيمان به ~~دون معرفة معناه». # ويستطرد القاضي قائلا «1»: «قد بينا أنه يقع منه تعالى على وجه يدل على ~~المراد، كوقوعه من أحدنا، إذا تكامل على شرط دلالته، فيجب أن لا يصح منه ~~تعالى، أن يخاطب به، وهو موضوع لفائدة إلا وهو يريدها به، وإلا كان في حكم ~~العابث». # وقد ذكر أبو هاشم: «أنه لو كان كذلك، لوجب أن لا تنفصل حاله، وهم عرب، ~~بين أن يكون عربيا، أو أعجميا، لأنه إذا لم يكن له معنى يستدل به عليه، أو ~~به ويغيره، فلا فرق بين كونه على هاتين الصفتين، وبين أن يكون الكلام من ~~المخاطب بهذه الصفة أحد وجوه القبح، ولا يختلف في ذلك الغائب والشاهد». # ودل أبو هاشم على ذلك أيضا: «بأنه تعالى، لو لم يرد بكلامه الفائدة، لكان ~~لا فرق بينه وبين التصويت، وايراد ما لم ms084 تقع عليه المواصفة البتة، وبين أنه ~~كان لا وجه لانقسامه إلى كونه أمرا وخبرا، أو وعدا ووعيدا، وبين أنه لا ~~يمكن أن يدعي أن وجه حسنه التعبد بالتلاوة، لأنه كان لا ينفصل، لو كان هذا ~~هو الغرض، حاله وهو عربي، من حاله وهو بالزنجية». # ويقول القاضي: وقد بينا جملة من ذلك في «العمد» «2»، ودللنا على أن حسن ~~التلاوة ووجوبها لا يخرج الكلام، لو لم يكن له معنى، من أن يكون عبثا، بل ~~كان يجب أن يكون بمنزلة الفعل، الذي يصح أن يفيد، من وجهين، أو فعله تعالى ~~لأحدهما، في خروجه من أن يكون حسنا، هذا لو لم يكن التعبد بالتلاوة، يتبع ~~في الحسن كونه مفيدا، فأما إذا كان يتبعه بالحسن، حتى لو لا معرفة ما PageV01P126 ~~يتضمن، مما يعتبر به التالي على جملة أو تفصيل، لم يكن يحسن التعبد به، ~~فالكلام أبين، على أن العلم بأنه صلى الله عليه وسلم، كان يظهر ويعتقد، أن ~~القرآن يقيد وأن له معاني، مما يحصل باضطرار، فمن صدق بالرسول، ودفع ذلك، ~~يقرب من أن يكون كافرا، ولا خلاف أيضا بين المسلمين، أن القرآن يدل على ~~الحلال والحرام، والكتاب قد نطق بذلك، لأنه تعالى قال: «أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم» «1». # وقال تعالى «أفلا يتدبرون القرآن «2»»، وقال: «ما فرطنا في الكتاب من شيء «3»». # وقال تعالى: «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة» «4» وقال ~~سبحانه: «هدى للناس»، إلى غير ذلك مما بين به أنه يفيد، فكيف يصح مع ذلك ما ~~قالوه!!. # ويقول القاضي: ولقد بين شيوخنا، أنه لو لم يكن له معنى، كان لا يكون ~~معجزا، لأن اعجازه هو بما يحصل له من المزية والرتبة، في قدر الفصاحة، ولا ~~يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه، وموقعه واستقامته كما لا يكون فصيحا إلا ~~بجزالة لفظه، ولو أن واحدا من المتكلمين ألف من الكلام المهمل. جملة، وتكلم ~~بها، من غير مواضعة، لم يعد من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة، ~~لم يعد منه، وكما ms085 لو رك لفظة لم يعد في ذلك، فكيف يصح لو أقر بأنه معجز، أن ~~يزعم أنه لا معنى له وأنه لا فائدة فيه!. # ولما قدمناه كان الصحيح عندنا، انه تعالى لا يجوز أن يخاطب الملائكة ~~بالقرآن، قبل انزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا وهم يعرفون معناه، ~~ولهم فيه مصلحة، ولم يجز أن تكون لا فائدة فى تقديمه، تكليفهم بحمل ذلك فقط. # ويقول القاضي: «إنه ليس لأحد أن يقول، إذا جاز من الواحد منا، أن يتكلم ~~باللغة في بعض الحالات، وإن لم يرد به معنى، فجوزوا مثله، في كلامه تعالى!. PageV01P127 # وذلك لأن أحدا لم تثبت حكمته، فلا يجب ان يجعل أصلا لكلام الحكيم، ولأن ~~أحدنا قد يفعل الكلام، لاجتلاب نفع، ودفع مضرة، ولأمور تتعلق بحاجته فلا ~~يمتنع ما ذكرته في كلامه، وإنما يمتنع ذلك، إذا كان مقصده الافادة، وهذا ~~سبيل كلامه تعالى، لأنه إنما يفعل الخطاب للافادة، ويتعالى عن الحاجة، فلا ~~بد في كلامه من الفائدة التى بيناها». # في بطلان طعنهم على القرآن بالتناقض والاختلاف: # يبطل القاضي طعن من طعن على القرآن، بأن فيه تناقضا واختلافا، فيما يتصل ~~باللفظ، والمعنى، والمذهب. # ويقول القاضي: «1» وقد تقصى شيخنا «أبو علي» القول في ذلك، في نقض كتاب ~~«الدامغ» «2» وشفى الصدر رحمة الله، بما أورده، وقد نبهنا على الأصل في ~~ذلك، ولو لا أن الكلام فيه يطول لذكرنا بعضه، والذي قدمناه في شبه ~~المخالفين، في المخلوق والاستطاعة، يبين فساد هذا القول، لأنهم إنما ~~يتعلقون بمثل هذه الشبه، عند ادعائهم التناقض، ونحن نورد اليسير مما أورده ~~«ابن الراوندي» في كتاب «الدامغ» وادعى به المناقضة، ليعرف به سخفه، فيما ~~ادعاه وتمرده، وتجرؤه، فالقليل من الأمور يدل على الكثير ونحيل في الباقي، ~~على ما نقض به شيخنا «أبو علي» رضي الله عنه كلامه. # ادعى «3» أن قوله تعالى: فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم «4». # مناقض لقوله تعالى: «وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه «5»»، وقوله ~~تعالى: «أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم» ms086 «6»، إلى PageV01P128 ~~غير ذلك من الآيات. # فقال شيخنا «1» إن قوله تعالى «فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم» ~~أراد به الحجج والقرآن، دون العلم بصحة ما جهلوه، لأنه تعالى أطلق العلم، ~~ولم يقيده. # وأراد بقوله: «وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه» تشبيههم، لإعراضهم عن ~~النظر فيما أتاهم من الحجج، بمن هذا حاله، وكذلك، فانما ذكر الطبع، لأنهم ~~إذا أعرضوا، وجهلوا، وكفروا، حصل في قلوبهم لكفرهم، ما يسمى طبعا وختما. # فلا تناقص في الكلام، وقد تسمى الحجة علما، إذا كانت طريقا للمعرفة، ~~وربما سمي الكتاب علما، كما نقول: هذا علم «أبي حنيفة»، وعلم «الشافعى»، ~~لما أمكن به التوصل لعلمهما، والحجج في ذلك أولى، على أنه تعالى إذا لم ~~يذكر العلم بما ذا، فمن أين أن المراد به العلم بصحة ما كلفوا، دون أن يكون ~~العلم المقتضى لكمال العقل، والمصحح للاستدلال والنظر؟ # وقد بينا في معنى الطبع، فيما تقدم ما يغنى، وإنما الغرض أن نبين تعسف من ~~ادعى في ذلك التناقض. # ومنها قوله تعالى: «ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده «2»». # ينقض قوله سبحانه: «فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم «3»» وادعى ~~ابن الراوندي، أن إحدى الآيتين تقتضي، أن لا ولي للكفار. # والثانية تقتضي، أن لهم وليا، وأولياؤهم الشيطان، لأن المراد به الجنس، ~~لا العين. # فبين «أبو على» بعده في هذا الباب، لأن قوله، فما له من ولي من PageV01P129 ~~بعده»، المراد به في الآخرة، عند اضلال الله لهم بالعقوبة، وأراد تعالى ~~بقوله «فهو وليهم اليوم» في دار الدنيا، وتقييده بذكر اليوم يدل على ذلك، ~~ثم بين أنه لو كان المراد، في وقت واحد، لم يتناقض، لأن المراد فما لهم من ~~ولي، ينفع وينصح وكون الشيطان وليا، لا يقتضي أن ينصر، وينفع، ويخلص من ~~الاضلال، فكيف تكون مناقضة. ومنها ما ادعى ابن الراوندي أن قوله جل وعز: ~~«إن كيد الشيطان كان ضعيفا «1»» # ينقض قوله سبحانه: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله» «2». # وقوله: «وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين» ms087 «3»، ~~وزعم أن ما يستحوذ عليه، وعلى قلبه، ويصده، لا يجوز أن يكون ضعيف الكيد، ~~وأن التناقض في ذلك ظاهر. # ويقول أبو علي: إن المراد بأن كيد الشيطان ضعيف، أنه لا يقدر على أن يضر ~~بالكافر، وإنما يوسوس ويدعو فقط، فان اتبعه لحقته المضرة، وإلا فحاله على ~~ما كان، فهو بمنزلة فقير يوسوس إلى الغني في دفع ماله إليه، وهو يقدر على ~~الامتناع، فان وافقه فليس ذلك لقوة كيد الفقير، لكن لضعف رأيه واتباعه. # وهذه طريقة الكفار مع الشيطان، وإنما استحوذ عليهم، لما اتبعوه، على طريق ~~المجاز. # وقال: «فصدهم» لما اتبعوه، على طريق المجاز»، كما يقال في الملك العظيم، ~~قد استحوذ واستولى عليه خادمه، وقد صده عن العدل والاحسان، وذلك لا يمنع من ~~أنه ضعيف في نفسه وفي كيده، فكذلك القول (ذكر)، وانما نبه تعالى بذلك، على ~~ضعف الكفار، لما تمكن الشيطان منهم، مع ان حاله ما وصفنا، وتركهم الحزم، ~~عدولهم عن الصواب، وإلا فالشيطان لا يمكن PageV01P130 ~~منه إلا الوسوسة، التى لولاها لكان الكافر سيكفر أيضا، لأنه لا يجوز أن ~~يكفر عند ادعائه، على وجه، لولاه كان لا يكفر، فلا يكون لوسوسته تأثير. # وهذا الموضوع هو الذي خالف فيه «أبو هاشم» «أبا علي»، فجوز أن يجري دعاء ~~الشيطان مجرى زيادة الشهوة، في أنه لا يجب أن يمنع تعالى منه، إذا علم أن ~~عنده يكفر، ولولاه لأمن، لأنه جار مجرى التمكن، خارج عن طريقة المفسدة. # بطلان طعنهم على القرآن بالتكرار والتطويل: # فأما ما يطعنون به، مما يزعمون، أنه تكرار فى سورة «قل يا أيها ~~الكافرون»، فقد بين أبو على، أنه وإن أشبه فى اللفظ التكرار، فليس بتكرار، ~~لأن المراد به، ألا أعبد ما تعبدون اليوم، وأراد بقوله «ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد»، أنكم غير عابدين لما أعبد اليوم. # وأراد بقوله: «ولا أنا عابد ما عبدتم»: أي أني عابد ما عبدتموه، فيما ~~سلف، لأنهم كانوا يعبدون، في المستقبل، من الحجارة والأوثان، غير ما عبدوه ~~من قبل. # وعنى بقوله «ولا أنتم عابدون ما أعبد»، ms088 أنكم لا تعبدون ما أعبده بعد ~~اليوم ... وإنما أنزل عز وجل ذلك، لأن قوما من الكفار، قالوا لرسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم: # أعبد ما نعبده اليوم سنة، حتى نعبد ما تعبده أنت اليوم سنة، واعبد أنت ما ~~نعبده سنة أخرى، حتى نشترك في العبادة على هذا السبيل، فأنزل الله تعالى ~~هذه السورة، جوابا لهم «1». # وأما طعنهم على القرآن تطويلا: فقد بين «أبو هاشم» أن فصاحة الكلام، إذا ~~كانت تظهر بحسن معانيه، واستقامتها، والحاجة إليها، فيجب أن يكون الكلام ~~بحسبها، فلا بد إذا اختلفت أطوال المعانى، أن يختلف الكلام فى PageV01P131 ~~التطويل والايجاز، لأنه ليس فى قول الله لفظة تعمم قوله تعالى «حرمت عليكم ~~أمهاتكم، وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم» «1». # فلا بد إذا كان الحال هذه، ووجب بيان المحرمات من النساء، أن يجري تعالى ~~الخطاب على هذا الحد، فمن قال: كان يجب أن تكون هذه الآية بمنزلة قوله «ثم ~~نظر» فقد ظلم، وأبان عن جهله، بطريقة اللغة .. ويقول أبو هاشم: «ولذلك ~~اختلفت الآيات، في الطول والقصر، لأن الذي جعله آية، قد كان قصة تامة، أو ~~يحل هذا المحل». # وقد بين أهل هذا الشأن، أن التطويل إنما يعد عيبا، في المواضع التى يمكن ~~الايجاز، ويغني عن التطويل فيها، فأما إذا كان الايجاز متعذرا، أو ممكنا، ~~ولا يقع به المعنى ولا يسد مسد التطويل، فالتطويل هو الأبلغ فى الفصاحة، ~~ولذلك استحبوا فى الخطب، وعند الحمالات، والعوارض، التى يحتاج فيها إلى ~~اصلاح ذات البين، وتقرير الأحوال فى النفوس، التطويل وعابوا فيه الايجاز». ### |||| AUTO رؤية الله تعالى: # نفى المعتزلة رؤية الله تعالى بالأبصار، حيث أن البصر يدرك المادي، والله ~~لا مادى. # وعند المعتزلة، القول برؤيته تعالى هدم للتنزيه، وتشويه لفكرة الله، ~~وتشبيهه والمشبه كافر بالله. # ويخالف أهل السنة المعتزلة فى رؤية الله، فلقد قرر أهل السنة، أن القديم ~~سبحانه يرى، وتجوز رؤيته بالأبصار، إذ أن ما صح وجوده، جازت رؤيته كسائر ~~الموجودات، وآياته قوله تعالى «تحيتهم يوم يلقونه سلام» «2» واللقاء PageV01P132 ~~يقع لغة على الرؤية، وبخاصة حيث ms089 لا يجوز التلاقى بالذوات والتماس بينهما. # وقوله تعالى «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» «1». # وفى قصة موسى عليه السلام قال «رب أرني أنظر إليك قال لن تراني» «2» ولو ~~لم تكن الرؤية جائزة ما تمناها نبي. # وقد قال: عليه الصلاة والسلام لصحابته «انكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ~~ترون القمر ليلة البدر لا تضامون، ولا تضارون في رؤيته» «3». # الصحابة يجمعون على إثبات رؤية الله: ولقد أجمع الصحابة على اثبات رؤية ~~الله، وكذلك من يعدهم من سلف الأمة، على اثبات رؤية الله تعالى. # وقد رواها نحو من عشرين صحابيا، عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ~~وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها، لها أجوبة مشهورة، في ~~كتب المتكلمين من أهل السنة. # ثم مذهب أهل الحق، أن الرؤية قدرة يجعلها الله في خلقه، ولا يشترط فيها ~~اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي، ولا غير ذلك. # وقد روى عن ابن عمر، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن أدنى أهل ~~الجنة منزلة، لمن ينظر إلى جناته وأزواجه، ونعيمه وخدمة، مسيرة ألف سنة، ~~وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية. ثم قرأ رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم: «وجوه يومئذ ناضرة» «4». # رسول الله يقرر الرؤية، ويورد الشهرستاني «5» ما قاله جرير بن عبد الله في PageV01P133 ~~هذه الرؤية، فيقول جرير: (كنا عند رسول الله، فنظر إلى القمر ليلة البدر، ~~وقال «انكم سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فان ~~استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا») «1». # وعن أبي هريرة، أن أناسا قالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم ~~القيامة؟) فقال الرسول: (هل تضارون في القمر ليلة البدر؟) قالوا: # (لا يا رسول الله) قال: (هل تضارون فى الشمس، ليس دونها سحاب؟) قالوا: ~~(لا يا رسول الله)، قال رسول الله: (فإنكم سترونه كذلك). # وعن صهيب أن الرسول قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك ~~وتعالى: «تريدون شيئا أزيدكم؟» فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا ms090 الجنة ~~وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر ~~إلى ربهم تبارك تعالى؟) «2». ### |||| AUTO 14 - برهان المعتزلة على وجود الله # يقول المعتزلة: (يصل الإنسان بالعقل إلى إدراك وجود الله). # ويقول النظام: (إن في الكون برهانا على وجوده تعالى). # وللمعتزلة برهانان على وجود الله تعالى: ### ||||| AUTO البرهان الأول بالعلة الفاعلية: # يقول العلاف، لكل حركة محرك، وهكذا، ولا يمكننا التسلسل في مجموعة العلل. PageV01P134 # إذن، هناك محرك أول لا يتحرك بآخر وهو الله. # ويقول النظام: إن جميع الحركات متناهية ومحدثة، وكل محدث يحدث عن علة ولا ~~يمكن التسلسل. # إذن، هناك علة أولى، غير محدثة وهي الله. # وبهذا يكون برهان المعتزلة السابق، أساسه نظريات فلسفية، تتعلق بماهية ~~الكون، وبتركيبه من جواهر وأعراض، وبمروره من حالة العدم، إلى حالة وجود، ~~فقط هذا المرور وهو (الحركة الأولى للكون) يتطلب عاملا خارجا عن العالم، ~~ومميزا عنه، أما الحركات الأخرى، وكل ما يتعلق بالجواهر من أعراض، ~~فالمعتزلة تقول، بأنه عمل طبيعى للجواهر، ولا يمكن أن يكون برهانا حاسما، ~~على وجود الله، لذلك لجئوا للأجسام في إثباتهم لوجوده تعالى. ### ||||| AUTO البرهان الثاني، البرهان بالعلة الغائية: # ويتمثل في برهان النظام الموجود منه الكون، فعند ما يدرك العقل النظام، ~~لا بد أن يدرك أن له مدبرا نظمه ودبره. # وإثبات الله بالعقل، يترتب عليه أيضا، إثبات الشريعة عقلا، وهذا ما تقوله ~~المعتزلة، وتبني عليه كل المسألة الأخلاقية، وهذا الأصل، من أهم الأصول ~~التي يتمسكون بها، وهو أكبر ركن لفلسفة المعتزلة. # ثانيا: العالم # العدم: العالم كان معدوما، واستمد وجوده من الله تعالى، والعدم: مادة ~~العالم. والوجود: صورة العالم. # والمادة لا تتحقق بدون صورة، فالعدم لا يتحقق بدون وجود، والوجود من الله فقط. PageV01P135 # تعريف المعتزلة للعدم: المعدوم شيء، ولقد أحدث الشحام القول، بأن المعدوم ~~شيء وذات، وعين، وأثبت له خصائص المتعلقات فى الوجود، مثل قيام العرض ~~بالجوهر، وكونه، عرضا، ولونا، وكونه سوادا وبياضا. # الشرط الأساسى للمعدوم: إن المعدوم «الممكن» «1»، هو شيء، بمعنى ثابت ~~متقرر في الخارج، منفكا عن صفة ms091 الوجود، وبهذا يكون المعدوم- حسب قولهم- ~~شيئا، قبل أن يتحقق في الوجود، وعلى شرط أن يكون في امكانه، أن يقبل ~~الوجود، وإلا فلن يكن شيئا، ولن يتحقق أبدا. # وفيما يتعلق بالمعدوم ينقسم المعتزلة إلى فريقين: # الفريق الأول: يرى أن المعدوم ذات فقط، وهؤلاء هم البغداديون ويقولون: إن ~~المعدوم شيء ومعلوم، وليس بجوهر ولا عرض، والمقدورات مقدورات قبل كونها، ~~والمعلومات معلومات قبل كونها. ويرى هؤلاء، صفة واحدة للمعلوم وهي الشيئية. # وهذه الفكرة- فكرة المعدوم المعرى عن كل صفة، ما عدا الذاتية- تذكرنا ~~بالهيولى التى قال بها أرسطو، وهي عنده: المادة الخالية من كل صورة، والتى ~~يمكنها أن تقبل كل صورة عند الوجود، وتزعم المعتزلة كما زعم أرسطو، أن هذه ~~المادة الأولى قديمة. # ويرى الفريق الثاني أن المعدوم ذات وصفات وتنقسم الصفات إلى: # صفات جوهرية: وهى # 1 - الجوهرية، # 2 - الوجود، يمنحها الله، # 3 - التحيز (الكون) # والرابعة: الصفة المعللة بالتحيز بشرط الوجود. # صفات عرضية: وتتمثل في قبول الذات للأعراض (صفة العرضية)، صفة تحيز العرض ~~في الذات، لأن لكل عرض مكان، ومكان العرض هنا هو الذات. PageV01P136 # أقوال متطرفة في المعدوم: وهي أقوال المعدومية. فالقول بالمعدوم عندهم، هو ~~الحل الوحيد لمسألة الخلق، ولتفسير التباين الجوهري بين الله والمخلوقات. # والذي أدى بالمعتزلة إلى هذه النتيجة، هي محاولتهم الدفاع عن التوحيد، ~~وحفظ فكرة الله، مجردة عن كل ما يشوب المادة، وجعل المادة، بعيدة كل البعد، ~~عنه تعالى. وهم لا يلجئون إلى الله، إلا في تكوين هذه المعدومات. # مرور الشيء من العدم إلى الوجود: إن شرط إمكان الوجود، شرط أساسي ليصير ~~المعلوم كائنا. # خلاصة فكرة المعتزلة هنا: إن تأثير القدرة- أي قدرة الله- في الوجود فقط، ~~والقادر يعطي الوجود، والممكن في ذاته لا يحتاج إلى القادر، إلا من جهة ~~الوجود، فتكون هكذا وظيفة الفاعل- أي الله- محدودة، إذ أنها محصورة في منح ~~الوجود فقط للمعدومات «الممكنة» لأنه لو منح أيضا ماهية المعدوم لأصبحت ~~ماهيته تعالى- في نظر المعتزلة- مشابهة لماهية المخلوقات، ولكن «ليس كمثله شيء». # الحد من وظيفة الفاعل في هذا المرور: الصفات الذاتية للجواهر والأعراض، ~~لها ذواتها، ms092 التي لا تتعلق بفعل الفاعل، وقدرة القادر، إذا أمكن أن نتصور ~~الجوهر جوهرا وعينا وذاتا. # فعلى ذلك، تكون وظيفة الله في خلق العالم، محصورة في منح الوجود فقط ~~للمعدوم، وليس في خلق الماهيات المعدومات. # وقد وصل المعتزلة لهذه النتيجة، لرد كل مشابهة بين الله والعالم المخلوق. ### |||||| AUTO 1 - مرور الشيء من الوجود إلى العدم # يقول المعتزلة باستحالة عدم الأجسام بعد كونها، وإن فناء الشيء يقوم ~~بغيره، وإن الله يقدر أن يفني العالم بأسره، بأن يخلق شيئا غيره، يحل فيه PageV01P137 ~~فناؤه، كما أنه يقدر أن يفني ذلك الشيء، الذي يحل فيه فناء العالم، بأن ~~يخلق شيئا غيره يحل فيه فناؤه. # الفناء يكون عاما كاملا: يقول المعتزلة إن الله إذا أراد أن يفني العالم، ~~فهذا الفناء يكون شاملا لا جزئيا، ولو خالف الأمر ذلك، لكان الله ظالما. # ويقول أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم: إن الله لا يستطيع أن يفني ذرة من ~~العالم، مع بقاء السماوات والأرض. # تعريف الوجود: الوجود معناه أن الكائن وجد آنين، ومر عليه زمانان، ~~يتجددان دائما، فالوجود هو استمرار في البقاء. # مذهب المعتزلة يمثل الوجودية المسرفة: تزعم المعتزلة أن لكل فكرة مقابل،- ~~أي أن المعلوم يجب أن يكون شيئا- حتى يتوكأ عليه العلم، وبما أنه عندنا ~~فكرة العدم، فيكون العدم شيئا. # وفي رأيهم أن بعض الأجناس والأنواع، مثل: (الجوهرية، والجسمية، والعرضية، ~~واللونية)، أشياء ثابتة في العدم، لأن العلم قد تعلق بها. # وهذا يذكرنا بالوجودية المسرفة، عند أفلاطون، وعند (فريد يجيردي تور)، ~~أحد تلاميذ (الكوين)، في عهد شرلمان. # الوجودية المسرفة وعلم الله: لما ردت المعتزلة، علم الله إلى ذاته قالت: # إن العلم قديم، وكذلك موضوع هذا العلم، ولما كان الله لم يزل يعلم ~~الأشياء قبل وجودها، فلزم أن تكون هذه الأشياء حقيقة قبل وجودها. ويقول ~~المعتزلة: ومن جهة أخرى، لا يوجد أي تشابه بين الله والمخلوقات، لذلك ~~زعموا، أن الله لا يمنح إلا الوجود فقط، للماهيات القديمة المعدومة، التي ~~لم يزل هو تعالى يعلمها. # ويبدو أن المعتزلة، كانت تميل إلى هذا ms093 الحل، أي أنها كانت تقول بوجود ~~تفاوت بين قديمين: (الله والمعدومات). ولجأ المعتزلة إلى هذا الحل، حتى لا ~~يقولون بالشرك. PageV01P138 # وإنها لمحاولة جريئة من قبلهم، قاموا بها، لصيانة التوحيد، والرد على ~~التشبيه، ولتفسير الخلق، والقول بأن المادة حقيقية، ولتنزيه الله عن كل ما ~~يتعلق بالمادة ويشوبها. # مصدر فكرة المعدوم: مما لا شك فيه، أن المعتزلة قد اقتبسوا هذه الفكرة من ~~اليونان. # ويؤكد الشهرستاني ذلك الاقتباس، وأنه من «أرسطو» بالذات. ويقول أرسطو في ~~كتاب (السماع الطبيعي): إن الهيولى- أي المادة الأولى- أزلية أبدية، ولو ~~كانت الهيولى حادثة، لحدثت عن موضوع، ولكنها هي موضوع تحدث عنها الأشياء، ~~بحيث يلزم أن توجد قبل أن تحدث، وهذا خلف، ولو كانت فاسدة، لوجبت هيولى ~~أخرى تبقى، لتحدث عنها الأشياء، بحيث تبقى الهيولى بعد أن تفسد، وهذا خلف كذلك. # وإذا اقتبست المعتزلة، فكرة المعدوم من أرسطو، فإن مذهبهم الوجودي متشبع، ~~بنظرية المثل الأفلاطونية. # والمعتزلة قرأت بلا ريب، جمهورية أفلاطون، ومحاورة (تيماوس) وقالت: إن ~~المعرفة الحقيقة هي معرفة الكليات. # لذلك قالت، بموضوع لهذه الكليات، هذا الموضوع هو هذا المعدوم، الذي قالوا ~~به، ووصفوه خارج الزمان. # ولقد ردت المعتزلة فكرة المثل الأفلاطونية وحافظت على جوهر المذهب ~~الأفلاطونى، القائل بوجود موضوعات الأفكار، وزادت بأن الله وحده، يمنح ~~الوجود لهذه الموضوعات المعدومة. فيمكننا القول بأن فكرة العدم عند ~~المعتزلة، مقتبسة من فلسفة أفلاطون وأرسطو. # وفي الوقت نفسه، أخذوا عن أفلاطون فكرة المثل، بدون أن يقولوا بوجودها ~~الحقيقي، خارج الزمان. فقط هذه المثل، ساعدت على تكوين المذهب الوجودي ~~المعتزلى. PageV01P139 # وأخذوا عن أرسطو فكرة الهيولى، وهي المادة الأولى للخلق، والتي تكتسب ~~صورتها النهائية مع الوجود. # وهكذا، يكون أرسطو وأفلاطون، قد ساعدا جهود المعتزلة، في صيانة التوحيد، ~~وفي رد التشبيه، وفي القول بالخلق في الزمان. # فمسألة العدم، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتوحيد، عند المعتزلة، إنهم يرجعون ~~دائما إلى تعريفهم لله، ويحاولون أن يفسروا الخلق، بالنسبة للفكرة التي ~~كونوها عن الله، إن الله لا متناه، واحد، كامل، قادر على كل شيء؛ وعالم بكل ~~شيء ليس بينه وبين ms094 العالم أي مشابهة فيما يختص بماهيته، لأن ماهية العالم ~~ناقصة وحادثة، فعليه تكون ماهية العلم غير صادرة عن ماهيته تعالى، ولكن ~~العالم محتاج إلى الله، فيما يختص بوجوده. # هذه العقيدة راسخة عند المعتزلة، ويدافعون عنها بكل حزم. ### |||||| AUTO 2 - المخلوقات # قانون الحتمية: ينطبق هذا القانون على العالم الطبيعي، وعلى الأحياء، ~~وتخضع الأجسام لقوانين ثابتة، ولقد خلق الله العالم، بمجرد حريته، لا ~~بطباعه. # وتعتبر المعتزلة «الماهيات»، في حاله العدم، حائزة على خصائص معينة، تظهر ~~مع الوجود. # الكمون والظهور: كل شيء عند المعتزلة بالقوة، وكل قوة تتحقق، أي تمر إلى الفعل. # ويقول النظام: إن خلق آدم لم يتقدم على خلق أولاده، ولا تقدم خلق الأمهات ~~على خلق الأولاد، وإن الله خلق ذلك أجمع في وقت واحد، غير أن الله أكمن بعض ~~الأشياء في بعض، فالتقدم والتأخر، إنما يقع في ظهورها من أماكنها، دون ~~خلقها واختراعها. PageV01P140 # قصة الخلق: يقول أتباع النظام «1»، إن الله خلق الخلق في دار سوى تلك، ~~وأطاعه أناس، وعصاه آخرون، فمن أطاعه فللنعيم، ومن عصاه في النار ومن عصاه ~~في البعض وأطاعه في الآخر، أخرجه للدنيا، ويصبح الانسان فقط في هذه الدنيا ~~خاضع للتكليف: # في إمكانه عمل الخير والشر، فإذا فعل الخير، استحق الثواب، وإذا فعل ~~الشر، استحق العقاب. # مصدر هذه القصة: استمد المعتزلة هذه القصة من التوراة، والمسيحية، ومن ~~فيوضات افلوطين. # نصيب هذه القصة عند المعتزلة: ولقد قبل القصة السابقة، تلاميذ النظام، ~~ولكن لم يأخذ بها باقى المعتزلة. # ولقد كان أثر أرسطو، أقوى من أثر أفلاطون وافلوطين عند المعتزلة، لأن ~~أرسطو قال بالهيولى، وهي المادة الأولى الأزلية للعالم، وفكرة العدم عند ~~المعتزلة، كبيرة الشبه بقول أرسطو. # ثالثا: الاجسام الطبيعية # معنى الجسم في لغة المعتزلة: هو أصغر جزء طبيعي، له خواص معينة. # الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ: هو أصغر جزء خال من الصفات ~~الطبيعية للمادة، ولكنه يدخل في تكوين الأجسام. # تكوين الأجسام: تتكون الأجسام من ذرات، أو جواهر فردة، أو هي الأجزاء ~~التي لا تتجزأ. وهذا هو المعنى ms095 الشائع، وهي عبارة عن عنصر بسيط مكون للجسم. # عدد العناصر المكونة للجسم: اختلف المعتزلة في حصر عدد هذه العناصر PageV01P141 ~~فبينما يراها العلاف ستة، يراها أبو علي الجبائي ثمانية. # مصدر هذا القول: يلاحظ أن الذرات التي يقول بها المعتزلة، ليست هي ذرات ~~(ديمقريطس)، وإنما هم اتفقوا معه، في رد أقل الأجزاء في الأجسام الطبيعية، ~~إلى عدد من الذرات، واختلفوا في تحديد هذا العدد. # ولكن هنا نجد أن أثر أرسطو، أقوى من أثر ديمقريطس، على المعتزلة، في ~~نظريتهم الخاصة بالجسم، لأن أرسطو كان يعتبر العناصر في ذاتها مركبات: # هيولى وصورة، وهي ليست مبادي كما زعم (أنباذوقليس). # ويضيف أرسطو، أن الهيولى لا توجد مفارقة، وهي موجودة أولا في هذه ~~البسائط، فبالقياس إلى المركبات الطبيعية، العناصر- مبادي وأصول- لا تنحل ~~إلى أبسط منها، والمركب الطبيعى المتجانس، وطبيعة واحدة، أي صورة في هيولى، ~~ويسمى مزيجا، وهذا المزيج جسم متجانس، كل واحد من أجزائه شبيه بالكل، وبأى ~~جزء آخر. # ويقول المعتزلة إن العناصر لا توجد مفارقة، بل الجسم الحقيقي الطبيعي، هو ~~المركب من هذه العناصر، فكأن نظرية الجسم عند المعتزلة، نتيجة لتأثير ~~نظريات ديموقريطس، وأنباذوقليس، وأرسطو. # الذرة أو الجزء الذي لا يتجزأ # قول من لا يعترف بأي صفة للجزء: يقول العلاف، إن الجزء لا طول له ولا ~~اجتماع .. إلى آخر هذه الصفات، ينفيها عنه. # قول من يعترف للجزء ببعض الصفات: يقول الجبائي، يجوز على الجوهر الواحد ~~الذي لا ينقسم، ما يجوز على الجسم، من اللون والطعم والرائحة، إذا انفرد. # وهنا، نلاحظ تطورا في فكرة الجزء عند المعتزلة، فبينما أوائل المعتزلة، ~~كانوا ينظرون إلى الجزء كنقطة هندسية، متأثرين بمذهب ديمقريطس، نرى PageV01P142 ~~الجبائي، وهو من متأخرى المعتزلة، يعترف للجزء بصفات الجسم، فكأن تأثير ~~ديمقريطس على المعتزلة قد ضعف، وازداد تأثير أبيقوروس، على المتأخرين منهم. # كيف تحدث الصفات في الأجسام: يرى العلاف وفريقه، أن كل صفات الجسم أعراض، ~~ناتجة عن الحركة، وليس لها أي وجود ثابت وحقيقي، وهذا عن مذهب ديمقريطس، ~~فعنده الحركة، تعصف بالجواهر منذ القدم، وتوجهها إلى كل صوب ms096 في الخلاء ~~الواسع، فتتقابل وتتشابك، وتكتسب سائر الكيفيات المحسوسة من لون، وطعم، ~~وحرارة، وغيرها. ويرى الاسكافي أن الجزء الواحد يحتمل اللون، والطعم، ~~والرائحة، وجميع الأعراض، إلا التركيب «1». # والجبائي يقول: إن الجوهر، إذا وجد، كان حاملا للأعراض «2». # ويجيز عليه الحركة، والسكون، والممارسة، والطعم، والرائحة إذا كان ~~منفردا. # فحسب قول الاسكافي والجبائي: تكون الأعراض ملازمة للأجزاء، ولا تنفك ~~عنها، وهي التي تعين الأجزاء وتميزها الواحد عن الآخر، فتصبح إذن الأعراض ~~ثابتة وحقيقية، إذ أنها صادرة عن الأجزاء، وليست ناتجة عن مجامعة الأجزاء، ~~كما قال العلاف وفريقه. # وقول الفريق الآخر: ترديد لمذهب «ابيقورس»، مع بعض التصرف، لأن «ابيقورس» يقول: # إن الجواهر ليست متجانسة، ومتى كان الأمر كذلك، فيلزمها أعراض، حتى ~~تميزها الواحد عن الآخر. PageV01P143 # ويقول أيضا: إن الأجزاء الداخلة في تركيب أفراد النوع، صالحة على صورة، ~~ومقدار، لا يتغيران، وطبيعي أن الصورة هي ما يميز عنصر عن عنصر. # فلما أخذ هذا الفريق بقول: «ابيقورس» هذا، أضافوا للجزء الذي لا يتجزأ، ~~صفات الأجسام. # أعراض الأجسام: القائلون بالجزء، يميزون بين الجوهر والعرض، فقط من اعتبر ~~الجزء معرى عن كل صفة، مثل العلاف، والفوطي، ومعمر، والاسكافي والبلخي ~~يقولون: إن الأعراض حاصلة، من تماس الأجزاء المكونة للجسم، بينما من اعتبر ~~الجزء حاصلا على صفات، مثل الجبائي يقول: إن الأعراض موجودة في الأجزاء ~~المكونة للجسم، ولكنها متميزة عن جوهر هذه الأجزاء. # ومن الأعراض ما يبقى، مثل الألوان، وتبقى ببقاء لا في مكان، ومنها؟ # ما لا تبقى، مثل الحركات. # والجبائي يشاطر العلاف قوله، في أن الألوان، والطعوم، والأراييح، ~~والحياة، والقدرة، والصحة تبقى. # مما تقدم تخلص للآتى: إن نظرية المعتزلة الخاصة بالأجسام الطبيعية، لا ~~ترتكز على فكرة مجردة، أي فكرة الجزء الذي لا يتجزأ، أو الذرة، بل على ~~وقائع حسية، أي أقل قسم محسوس في الجسم. # وإذا تكلموا في الجزء، فكان ذلك مجرد تصور، ثم إنهم جميعا- فيما عدا ~~النظام- اعتبروا الجسم كحامل للأغراض. # بينما النظام: رد جميع الأعراض إلى أجسام. وهكذا يكون أساس المعرفة ~~الحسية، مرتكزا في العالم الطبيعي المركب من ms097 هذه الأقسام المحسوسة. PageV01P144 # الحركة: # يطرح المعتزلة السؤال التالي: ### |||||| AUTO هل الأجسام متحركة عند خلقها؟ # ويقول الخياط: إنها لا ساكنة، ولا متحركة، والحركة والسكون مكتسبتان من ~~الوجود. # ويقول الجبائي والعلاف: إن الجسم ساكن، حال خلق الله له. # وعند النظام: الحركة تتبع حتما الوجود، وأنها ليست صفة من صفات المعدوم، ~~بل يكتسبها المعدوم من الوجود. # ويتفق جميع المعتزلة على أن الحركة ليست من صفات المعدوم، بل هي صفة ~~تكتسبها الموجودات حين توجد. ### |||||| AUTO تعريف الحركة والسكون: # يعرف العلاف الحركة، بأنها انتقال الجسم من المكان الأول للمكان الثاني. # ويعرف السكون بأنه لبث الجسم في المكان زمانين متتاليين «1». وتعريف ~~العلاف هذا، بأن الحركة هي السكون في المكان الثاني، مهد الطريق لقول ~~النظام، بأن الحركة مبدأ تغير ما، وأن السكون معناه، أن الجسم كان في ~~المكان وقتين «2». كما أنه مهد الطريق لقول الجبائي بأن الحركة والسكون ~~أكوان «3». وأن معنى الحركة، حسب رأي الجبائي، هو معنى الزوال، فلا حركة ~~إلا وهي زوال، وأنه ليس معنى الحركة معنى الانتقال- ولقد اعتبر كل من أبو ~~الهذيل، والنظام، والجبائي، الحركة كونا في المكان الثاني. # ويقول معمر: إن السكون هو الكون. # الحركة إذن في رأي المعتزلة كون، بمعنى «أرسطو» القائل، بأن الكون PageV01P145 ~~هو تحول جوهر أدنى إلى جوهر أعلى. # أين توجد الحركة: يقول العلاف والجبائي، وابنه أبو هاشم إن الحركة تحصل ~~في الجسم، وهو في المكان الثاني، لأنها أول كون في المكان الثاني «1». # ويضيف أبو الهذيل العلاف قائلا: إنه لا بد للحركة من مكانين وزمانين، ولا ~~بد للسكون من زمانين. ### |||||| AUTO كيف تحل الحركة في الجسم: # ويقول العلاف: حركة الجسم جائزة، بحركة تحل في بعض أجزائه. # ويقول الجبائي: الجسم إذا تحرك، ففيه من الحركات، بعدد أجزاء المتحرك، في ~~كل جزء حركة «2». # والمعروف، أن الجبائي يعترف ببعض الصفات للجزء الذي لا يتجزأ. # بينما العلاف وباقي المعتزلة، عروا الجزء من كل صفة، إلا من صفة المماسة، ~~وهي الصفة التي بها يجامع الجزء أجزاء أخرى، ليكون الجسم. # فكل من العلاف والجبائي وباقي المعتزلة يحافظ ms098 على تعريفه للجسم، وعلى ~~نظريته في الجزء، ويطبق عليها كل ما يتعلق بالحركة. # فحسب رأي العلاف، يكفي أن تحل الحركة في جزء من أجزاء الجسم، حتى يكون ~~الجسم متحركا، وذلك بفضل المماسة الموجودة بين جميع أجزائه. # تلك كانت أهم المسائل الفلسفية، التي خاض فيها فلاسفة المعتزلة، ~~ومتكلموهم. وتتميز هذه المسائل بطابعين أساسيين، كما تناولها المعتزلة: # الطابع الأول: أن هذه المسائل، دارت واستمرت وانتهت في نطاق المسألة ~~الأولى لهم وهي التوحيد. # الطابع الثانى: أن هناك تأثرا واضحا، في المسائل الطبيعية التى تعرضوا ~~لها بالفكر والفلسفة اليونانية، التي نعلم أنها نفذت للعالم الإسلامى، عن طريق PageV01P146 ~~حركة الترجمة الشهيرة في العصر العباسى. ### ||| AUTO اختلاف أهل الأصول: # في بداية حديث الشهرستاني، عن أهل الأصول واختلافهم في: # التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والسمع والعقل يفرق بين معنى «الأصول» ~~و«الفروع». # معنى الأصول والفروع: يقول الشهرستاني «1»، قال بعض المتكلمين: # «الأصول» معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم ~~وبيناتهم. وبالجملة، كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين، فهي من ~~الأصول. ومن المعروف أن «الدين»، إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة ~~أصل، والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في ~~الطاعة والشريعة كان فروعيا. # والفروع: هو موضوع علم الفقه. # وقال بعض العقلاء: كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال. # فهو من «الأصول». # وكل ما هو مظنون، ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد، فهو من «الفروع». # معنى التوحيد: وأما «التوحيد»، فقد قال «أهل السنة» وجميع «الصفاتية»: ~~«إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير ~~له، وواحد في أفعاله لا شريك له». # وقال أهل «العدل» «2»: إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسمة ولا صفة له. # وواحد في أفعاله، لا شريك له. فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ~~ومحال وجود قديمين، ومقدور بين قادرين، وذلك هو التوحيد. # معنى العدل: ويقول الشهرستاني: وأما العدل- فعلى مذهب «أهل PageV01P147 ~~السنة» - أن الله تعالى «عدل» في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ملكه. ms099 # يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # فالعدل: وضع الشيء موضعه، وهو التصرف في الملك، على مقتضى المشيئة، ~~والعلم. والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم، وظلم في التصرف «1». # معنى العدل عند المعتزلة: وعند أهل الاعتزال، «العدل» ما يقتضيه العقل من ~~الحكمة، وهو إصدار الفعل، على وجه الصواب والمصلحة. # الوعد والوعيد عند أهل السنة: وأما الوعد والوعيد، فقد قال أهل السنة ~~«الوعيد والوعيد» كلامه الأزلى، وعد على ما أمر، وأوعد على ما نهى، فكل من ~~نجا واستوجب الثواب فبوعده، وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده، فلا يجب ~~عليه شيء من قضية العدل. # معنى الوعد والوعيد عند أهل العدل: وقال المعتزلة، لا كلام في الأزل، ~~وإنما أمر ونهي، ووعد ووعيد، بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن ~~خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك. # السمع والعقل عند أهل السنة: وأما السمع والعقل، فقد قال أهل السنة: # الواجبات بالسمع، والمعارف كلها بالعقل. # فالعقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يقتضي ولا يوجب، والسمع لا يعترف، أي لا ~~يوجد المعرفة، بل يوجب. # معنى السمع والعقل عند المعتزلة: وقال «أهل العدل»: # المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ~~ورود السمع، والحسن والقبح، صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح. # هذا ما ذكره الشهرستاني متعلقا باختلاف أهل الأصول: المعتزلة، وأهل السنة ~~وغيرهم. ويفرد الشهرستاني، بعد هذا، مكانا لعرض آراء عن المعتزلة بصفة عامة ~~ثم فرقها «2». PageV01P148 # المعتزلة: يقول الشهرستاني، ويسمون أصحاب «العدل» و«التوحيد»، ويلقبون ~~«بالقدرية» و«العدلية». # وهم قد جعلوا لفظ «القدرية» مشتركا، وقالوا لفظ «القدرية» يطلق على كل من ~~يقول «بالقدر» خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان ~~الذم به متفقا عليه، لقول النبي عليه السلام، «القدرية مجوس هذه الأمة» «1» # وكانت الصفاتية تعارضهم، بالاتفاق على أن «الجبرية» و«القدرية» متقابلتان ~~تقابل التضاد، فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟. # وقد قال النبي عليه السلام: «القدرية خصماء» في القدر» «2»، والخصومة في ~~القدر، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد، لن ms100 يتصور على مذهب من ~~يقول بالتسليم والتوكل، وبإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم ~~المحكوم. ### |||| AUTO اجماع المعتزلة: # ويقول الشهرستاني: والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد، القول بأن الله ~~تعالى قديم، «والقدم» أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلا. # فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة، هي ~~صفات قديمة، ومعان قائمة به، لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص ~~الوصف، لشاركته في الالهية. # واتفقوا على أن العبد قادر، خالق «3» لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على كتب ~~أمثاله في المصاحب حكايات عنه، فإن ما وجد في المحل عرض، قد فني PageV01P149 ~~في الحال. # واتفقوا على أن الإرادة، والسمع، والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن ~~اختلفوا في وجود وجودها، ومحامل معانيها «1». # واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار، في دار القرار، ونفي التشبيه ~~عنه من كل وجه: جهة، ومكانا، وصوره، وجسما وتحيزا، وانتقالا وزوالا وتغيرا، ~~وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها. # وسموا هذا النمط «توحيدا». # واتفقوا على أن كلامه محدث، مخلوق في محل، وهو حرف وصوت، ما يفعله ثوابا ~~وعقابا، في الدار الآخرة. # والرب تعالى: منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو ~~خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا. # واتفقوا على أن الله تعالى، لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث ~~الحكمة، رعاية مصالح العباد. # وأما «الأصلح» «واللطف» ففي وجوبه خلاف عندهم ... # وسموا هذا النمط «عدلا». # واتفقوا على أن المؤمن، إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة، استحق الثواب ~~والعوض، والتفضل معنى آخر وراء الثواب. # وإذا خرج من غير توبة، عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن ~~يكون عقابه أضعف من عقاب الكفار ... # وسموا هذا النمط «وعدا ووعيدا» # واتفقوا على أن أصول المعرفة، وشكر النعمة، واجبة قبل ورود السمع. # والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح، واجب كذلك. # وورود التكاليف، الطاف للباري تعالى، أرسلها إلى العباد، بتوسط الأنبياء ~~عليهم السلام، امتحانا واختبارا، «ليهلك من هلك ms101 عن بينة، ويحيا من حي PageV01P150 ~~عن بينة» «1» ### || AUTO فرق المعتزلة # سبق لنا الإشارة، في صدر كتاب المنية والأمل هذا، تعليقا عن فرق ~~المعتزلة، وذكرناها عددا، كما سجلها البغدادي في كتابه: «الفرق بين الفرق». ~~ونظرا لأهمية هذه الفرق، في عرض وبيان آراء المعتزلة، وما اختلفوا فيه، وما ~~اتفقوا عليه، فإننا هنا نعرض بيانا مفصلا لهذه الفرق كما أورده الشهرستاني «2». ### ||| AUTO 1 - الواصلية # أصحاب أبي حذيفة: واصل بن عطاء الغزال، «الألثغ»، كان تلميذا «للحسن ~~البصرى»، يقرأ العلوم والأخبار، وكان في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن ~~عبد الملك. # وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة، في بلد «إدريس بن عبد الله الحسيني»، ~~الذي خرج «بالمغرب» في أيام «أبي جعفر المنصور». # ويقال لهم «الواصلية» واعتزالهم يدور على أربع قواعد: # القاعدة الأولى: القول بنفى صفات البارى تعالى، من العلم، والقدرة، ~~والإرادة، والحياة. # وكانت هذه المقالة في بدئها، غير نضيجه، وكان «واصل بن عطاء» يشرع فيها ~~على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين، أزليين، قال: ~~«ومن أثبت معنى وصفة قديمة، فقد أثبت إلهين». # وإنما شرعت أصحابه فيها، بعد مطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها، ~~إلى رد جميع الصفات إلى كونه: عالما، قادرا، ثم الحكم بأنهما صفتان PageV01P151 ~~ذاتيتان، هما «اعتباران» للذات القديمة، كما قال الجبائي «1»، أو حالان كما ~~قال «أبو هاشم» «2». # وميل «أبي الحسين البصري» إلى ردهما إلى صفة واحدة، وهي العالمية، وذلك ~~عين مذهب الفلاسفة. # وكان «السلف» يخالفهم في ذلك، إذ وجد الصفات مذكورة في الكتاب والسنة. «3» # القاعدة الثانية: القول بالقدر، وإنما سلكوا في ذلك، مسلك «معبد الجهني» ~~و«غيلان الدمشقي». # وقرر «واصل بن عطاء» هذه القاعدة، أكثر مما كان يقرر قاعدة «الصفات». # فقال: إن الباري تعالى حكيم عادل، لا يجوز ان يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا ~~يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا، ثم يجازيهم عليه. # فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو ~~المجازى على فعله، والرب تعالى أقدر على ذلك كله. # وأفعال العباد محصورة ms102 في: الحركات، والسكنات، والاعتمادات، والنظر، ~~والعلم. # قال: ويستحيل أن يخاطب العبد «بافعل»، وهو لا يمكنه أن يفعل، ولا هو يحس ~~من نفسه الاقتدار والفعل، ومن أنكره، فقد أنكر الضرورة. # واستدل بآيات على هذه الكلمات. # ويقول الشهرستاني: ورأيت رسالة، نسبت إلى «الحسن البصري»، كتبها إلى عبد ~~الملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق ~~مذهب «القدرية»، واستدل فيها بآيات من الكتاب، دلائل من العقل، ولعلها ~~«لواصل بن عطاء»، فما كان «الحسن» ممن يخالف PageV01P152 ~~«السلف»، في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع ~~عليها عندهم. # والعجب، أنه حمل هذا اللفظ، الوارد في الخير، على البلاء والعافية، ~~والشدة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة «1» .... إلى غير ذلك من ~~أفعال الله تعالى، دون الخير والشر، والحسن والقبيح، الصادرين من اكتساب ~~العباد. # وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم. # القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد ~~على «الحسن البصري»، فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون ~~أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم «وعيدية ~~الخوارج»، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، ~~بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما ~~لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم «مرجئة الأمة»، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ # فتكفر «الحسن» في ذلك، وقبل أن يجيب، قال «واصل بن عطاء»: # أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا. ولا كافر مطلقا، بل هو في ~~منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من ~~اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب «الحسن»، فقال الحسن ~~«اعتزل عنا واصل» فسمي هو أصحابه «معتزلة». # ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمى ~~المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، ولا أستحق اسم ~~المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا ms103 أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال ~~الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا، على كبيرة، من ~~غير توبة، فهو من أهل النار خالدا فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: ~~«فريق في الجنة، وفريق في السعير» «2» لكنه يخفف عنه العذاب، PageV01P153 ~~وتكون دركته فوق دركة الكفار «1» # وتابعه على ذلك عمر بن عبيد، بعد أن كان موافقا في القدر وإنكار الصفات. # القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين، من أصحاب «الجمل، وأصحاب «صفين»، إن ~~أحدهما مخطئ لا بعينه، وكذلك قوله في «عثمان»، وقاتليه وخاذليه. # قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا ~~محالة، لكن لا بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق، وأقل درجات الفريقين، أنه ~~لا يقبل شهادتهما، كما لا يقبل شهادة المتلاعنين، فلا يجوز قبول شهادة ~~«علي» «وطلحة» «الزبير» على باقة بقل، وجوز أن يكون «عثمان» و«علي» على ~~الخطأ. هذا قوله، وهو رئيس المعتزلة، ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة، ~~وأئمة العترة. # ووافقه «عمرو بن عبيد» على مذهبه، وزاد عليه في «2» تفسيق أحد الفريقين، ~~لا بعينه، بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل «علي» ورجل عسكره، أو ~~«طلحة» و«الزبير» لم يقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين، وكونهما من أهل ~~النار «3». # وكان «عمرو بن عبيد» من رواة الحديث، معروفا بالزهد. و«واصل» مشهورا ~~بالفضل والأدب عندهم. ### ||| AUTO 2 - الهذيلية # أصحاب «أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف» شيخ المعتزلة، ومقدم الطائفة، ~~ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن «عثمان بن خالد الطويل» عن ~~«واصل» عن «أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية»، PageV01P154 ~~ويقال أخذه عن «الحسن بن أبي الحسن البصري». وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد: # الأولى: أن البارى تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته. # حي بحياة، وحياته ذاته. # وإنما اقتبس هذا الرأي، من الفلاسفة الذين اعتقدوا، أن ذاته واحدة، لا ~~كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات، ليست وراء الذات، معاني قائمة بذاته، بل هي ~~ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي. # والفرق بين ms104 قول القائل: (عالم بذاته لا بعلم)، وبين قول القائل: (عالم ~~بعلم هو ذاته)، أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة، أو ~~إثبات صفة هي بعينها ذات «1». # وإذا أثبت «أبو الهذيل» هذه الصفات، وجوها للذات، فهي بعينها «أقانيم» ~~النصارى، أو «أحوال» أبي هاشم «2». # الثانية: أنه أثبت إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها. # وهو أول من أحدث هذه الماقلة، وتابعه عليها المتأخرون. # الثالثة: قال في كلام الباري تعالى. إن بعضه لا في محل، وهو قوله. # «كن»، وبعضه في محل، كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، وكأن أمر ~~التكوين عنده، غير أمر التكليف. # الرابعة: قوله في «القدر» مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري ~~الآخرة، فإن مذهبه في حركات أهل الخلدين في الآخرة، إنها كلها ضرورية، لا ~~قدرة للعباد، وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا ~~مكلفين بها. # الخامسة: قوله: إن حركات أهل الخلدين تنقطع، وإنهم يصيرون الى سكون PageV01P155 ~~دائم خمودا، وتجتمع الذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك ~~السكون لأهل النار. # وهذا قريب من مذهب «جهم»، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم «أبو ~~الهذيل» هذا المذهب، لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم، أن الحوادث التى ~~لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى. قال: # (إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، ~~بل يصيرون إلى سكون دائم). وكانه طن أن ما يلزمه في الحركة، لا يلزمه في ~~السكون «1». # السادسة: قوله في «الاستطاعة»، إنها عرض من الأعراض، غير السلامة والصحة، ~~وفرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقال: (لا يصح وجود أفعال القلوب ~~منه مع عدم القدرة). # «فالاستطاعة» معها في حال العقل، وجوز ذلك في أفعال الجوارح، وقال ~~بتقدمها، فيفعل بها في الحال الأولى، وإن لم يوجد الفعل إلا فى الحال ~~الثانية قال: «فحال يفعل» غير «حال فعل». # ثم ما تولد من فعل العبد، فهو فعله، غير اللون والطعم ms105 والرائحة، وكل ما ~~لا يعرف كيفيته. # وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره، عند اسماعه وتعليمه: (إن الله ~~تعالي يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد). # السابعة: قوله في «المكلف»، قبل ورود السمع. بأنه يجب عليه أن يعرف الله ~~تعالى بالدليل، من غير خاطر، وإن قصر المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم ~~أيضا، حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على «الحسن»، كالصدق ~~والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور. # وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله، ولا يقصد بها التقرب إليه، كالقصد ~~إلى النظر الأول، والنظر الأول، فإنه لم يعرف الله بعد، والفعل عبادة. PageV01P156 # وقال في «المكره». إذا لم يعرف التعريض والتورية، فيما أكره عليه، فله أن ~~يكذب، ويكون وزره موضوعا عنه. # الثامنة: قوله في «الآجال» و«الأرزاق» إن الرجل إن لم يقتل، مات في ذلك ~~الوقت، ولا يزداد في العمر أو ينقص «1» # والأرزاق علي وجهين: أحدهما، ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها، ~~يجوز أن يقال، خلقها رزقا للعباد. فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع، ~~بما لم يخلقه الله رزقا، فقد أخطا، لما فيه: أن في الأجسام ما لم يخلقه ~~الله تعالى. # الثانى: ما حكم الله به، من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها، فهو رزقه، ~~وما حرم، فليس رزقا، أي لي مأمورا بتناوله. # التاسعة: حكى «الكعبي» عنه أنه قال: (إرادة الله غير المراد، فإرادته لما ~~خلق له، وخلق الشيء عنده غير الشيء، بل «الخلق» عنده قول لأنه محل). # وقال: إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر. وكذلك غفورا، ~~رحيما، محسنا، خالقا، رازقا معاقبا مواليا معاديا آمرا ناهيا. بمعنى أن ذلك ~~سيكون منه. # العاشرة: حكى «الكعبي» عنه أنه قال: (الحجة لا تقوم فيما غاب، إلا بخبر ~~عشرين، فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر. # ولا تخلو الأرض عن جماعة، هم أولياء الله: معصومون، لا يكذبون، ولا ~~يرتكبون الكبائر، فهم الحجة، لا «التواتر» إذ يجوز أن يكذب جماعة، ممن لا ~~يحصون عددا إذ لم يكونوا أولياء الله، ms106 ولم يكن فيهم واحد معصوم. # وصحب «أبا الهذيل». «أبو يعقوب الشحام»، و«الآدمي»، وهما على مقالته. # وكان سنه، مائة سنة، توفي في أول خلافة «المتوكل»، سنة خمس وثلاثين ~~ومائتين «2». PageV01P157 ### ||| AUTO 3 - النظامية # أصحاب «ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام»، وقد طالع كثيرا من كتب ~~الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل: # الأولى منها: أنه زاد على القول «بالقدر» خيره وشره، قوله: إن الله تعالى ~~لا يوصف بالقدرة على الشرور، والمعاصي، وليست هي مقدره للباري تعالى، خلافا ~~لأصحابه، فإنهم قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها، لأنها قبيحة. # ومذهب «النظام» أن «القبح» إذا كان صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من ~~الإضافة إليه فعلا، ففي تجويز وقوع القبيح منه، «قبح» أيضا، فيجب أن يكون ~~مانعا، ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم. # وزاد أيضا على ذلك فقال: إنما يقدر على فعل ما لم يعلم أن فيه صلاحا ~~لعباده، ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا، ما ليس فيه صلاحهم. هذا في ~~تعلق قدرته، بما يتعلق بأمور الدنيا، وأما أمور الآخرة فقال، لا يوصف ~~البارى تعالى بالقدرة، على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ~~ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة، ولا أن يخرج أحدا من أهل ~~الجنة، وليس ذلك مقدورا له. # فقد ألزم: عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا، مجبورا على ما يفعله، فإن ~~القادر على الحقيقة، من يتخير بين الفعل والترك. # وأجاب النظام عن هذا الإلزام: إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في ~~الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا، فلا فرق، وإنما أخذ هذه ~~المقالة من قدماء الفلاسفة، حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا ~~يفعله، فما أبدعه وأوجده هو المقدور، ولو كان في علمه تعالى، ومقدوره، ما ~~هو أحسن وأكمل مما أبدعه: نظاما، وترتيبا، وصلاحا لفعله. # الثانية: قوله في الإرادة إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة، ~~فإذا وصف بها شرعا في أفعاله، فالمراد ms107 بذلك، أنها خالقها ومنشئها، على حسب ~~ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد، فالمعنى به، أنه آمر بها، وناه PageV01P158 ~~عنها. وعنه أخذ «الكعبي» مذهبه في الإرادة. «1». # الثالثة: قوله إن أفعال العباد كلها حركات فحسب، والكون حركة اعتماد، ~~والعلوم والإرادات حركات النفس، ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة. وإنما ~~الحركة عنده مبدأ تغير ما، كما قالت الفلاسفة، من إثبات حركات في الكيف، ~~والكم، والوضع، والأين، والمتى .... إلى أخواتها. # الرابعة: وافقهم أيضا في قولهم إن الانسان في الحقيقة هو «النفس»، ~~و«الروح»، و«البدن» آلتها وقالبها. غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم، فمال ~~إلى قول الطبيعيين منهم. # إن «الروح» جسم لطيف مشابك للبدن، مداخل للقلب بأجزائه، مداخلة المائية ~~في الورد، والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن. # وقال: إن «الروح» هي التي لها: قوة، واستطاعة، وحياة، ومشيئة، وهي ~~مستطيعة بنفسها، ولا استطاعة قبل الفعل. # الخامسة: حكى «الكعبي» عنه أنه قال: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل، ~~فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، ~~وخلقه خلقة، إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها، عاد الحجر الى ~~مكانه طبعا. # وله في «الجواهر» وأحكامها خبط ومذهب، يخالف المتكلمين والفلاسفة. # السادسة: وافق «الفلاسفة» في نفي الجزء الذي لا يتجزأ. # وأحدث القول «بالطفرة» لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف، أنها ~~قطعت ما لا يتناهى، فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ قال: # تقطع بعضها بالمشي، وبعضها بالطفرة، وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة ~~وسط البئر، طوله خمسون ذراعا، وعليه دلو معلق، وحبل طوله خمسون ذراعا، علق ~~عليه معلاق فيجر به الحبل المتوسط، فإن الدلو يصل إلى رأس PageV01P159 ~~البئر، وقد قطع مائة ذراع، بحبل طوله خمسون ذراعا، في زمان واحد، وليس ذلك ~~إلا أن بعض القطع «بالطفرة» ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية ~~لمسافة، فالإلزام لا يندفع عنه. # وإنما الفرق بين المشي والطفرة، يرجع إلى سرعة الزمان وبطئه. # السابعة: قال إن الجواهر مؤلفة ms108 من أعراض اجتمعت، ووافق «هشام ابن الحكم» ~~في قوله إن الألوان، والطعوم، والروائح، أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام ~~أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير. # الثامنة: من مذهبه، أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة، على ما هي ~~عليه الآن: «معادن، ونباتا، وحيوانا، وإنسانا)، ولم يتقدم خلق آدم عليه ~~السلام خلق أولاده، غير أن الله تعالى «أكمن» بعضها في بعض، فالتقدم ~~والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكانها، دون حدوثها ووجودها. وإنما أخذ هذه ~~المقالة، من أصحاب «الكمون» و«الظهور» من الفلاسفة. # وأكثر ميل النظام- أبدا- إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم، دون الإلهيين. # التاسعة: قوله في إعجاز القرآن، إنه من حيث الاخبار عن الأمور الماضية ~~والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا ~~تعجيزا، حتى لو خلاهم، لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله: # بلاغة، وفصاحة، ونظما. # العاشرة: قوله في «الإجماع»، إنه ليس «بحجة» في الشرع، وكذلك «القياس» في ~~الأحكام الشرعية، لا يجوز أن يكون «حجة»، وإنما «الحجة» في قول الإمام ~~المعصوم. # الحادية عشرة: ميله إلى «الرفض» ووقيعته في كبار الصحابة، قال: # أولا: لا إمامة إلا «بالنص» و«التعيين» ظاهرا مكشوفا، وقد رضي النبي صلى ~~الله عليه وسلم، على «علي» رضي الله عنه في مواضع، وأظهره إظهارا لم يشتبه ~~على الجماعة، إلا أن «عمر» كتم ذلك، وهو الذي تولى بيعة أبي بكر، يوم PageV01P160 ~~«السقيفة». # ونسبة الى الشك يوم «الحديبية»، في سؤاله الرسول عليه السلام، حين قال: ~~ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: «نعم»، قال «عمر»: # فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: هذا شك وتردد في الدين، ووجدان حرج في ~~النفس مما قضى وحكم. وزاد في الفرية. فقال: إن «عمر» ضرب بطن «فاطمة» يوم ~~البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: (أحرقوا دارها بمن فيها). ~~وما كان في الدار غير «علي»، و«فاطمة»، و«الحسن»، و«الحسين». وقال: تغريبه ~~«نصر بن الحجاج» من «المدينة» إلى «البصرة»، وإبداعه «التراويح»، ونهيه عن ~~متعة الحج، ومصادرته العمال .... كل ذلك أحداث. # ثم وقع ms109 في أمير المؤمنين «عثمان»، وذكر أحداثه، من رده «الحكيم بن أمية» ~~إلى المدينة، وهو طريد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونفيه «أبا ذر» إلى ~~«الربذة»، وهو صديق رسول الله، وتقليده «الوليد بن عقبة» الكوفة، وتزويجه ~~«مروان بن الحكم» ابنته، وهم أفسدوا عليه أمره، وضربه «عبد الله بن مسعود»، ~~على إحضار المصحف، وعلى القوى الذي شاقه به .... كل ذلك أحداثه. # ثم زاد على خزيه ذلك. بأن عاب «عليا» و«عبد الله بن مسعود» لقولهما: ~~(أقول فيها برأيي)، وكذب «ابن مسعود» في روايته: # «السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه»، وفي روايته: ~~انشقاق القمر، وفي تشبيه «الجن» «بالزط» وقد أنكر الجن رأسا ... إلى غير ~~ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين. # الثانية عشرة: قوله في المفكر، قبل ورود السمع ض إنه كان عاقلا، متمكنا ~~من النظر، يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى، بالنظر والاستدلال. # وقال: بتحسين العقل وتقبيحه، في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله. # وقال: لا بد من خاطرين، أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر بالكف، ليصح ~~الاختيار. PageV01P161 # الثالثة عشرة: قد تكلم في مسائل «الوعد والوعيد»، وزعم أن من خان في مائة ~~وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك، حتى تبلغ خيانته «نصاب ~~الزكاة»، وهو مائتا درهم فصاعدا، فحينئذ يفسق، وكذلك في سائر «نصب الزكاة». # وقال في «المعاد»: إن الفضل على الأطفال، كالفضل على البهائم. # ووافقه «الأسواري» في جميع ما ذهب إليه، وزاد عليه بأن قال: # إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما أخبر ~~أنه لا يفعله مع أن الانسان قادر على ذلك، لأن قدرة العبد صالحة للضدين، ~~ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد، دون الثانى. # والخطاب لا ينقطع عن «أبي لهب»، وإن أخبر الرب تعالى بأنه «سيصلى نارا ~~ذات لهب». # ووافقه «أبو جعفر الاسكافي» وأصحابه من «المعتزلة»، وزاد عليه بأن قال: ~~(إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، وإنما يوصف ms110 بالقدرة على ظلم ~~الأطفال والمجانين). # وكذلك «الجعفران»، «جعفر بن مبشر» و«جعفر بن حرب» وافقاه وما زاد عليه، ~~إلا أن «جعفر بن مبشر» قال: (في فساق الأمة من هو شر من «الزنادقة» ~~و«المجوس». # وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في ~~«الحدود»، «النص» و«التوقيف». # وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق، منخلع من الإيمان. # وكان «محمد بن شبيب» و«أبو شمر» و«موسى بن عمران» من أصحاب «النظام»، إلا ~~أنهم خالفوه في «الوعيد» وفي «المنزلة بين المنزلتين»، وقالوا: (صاحب ~~الكبيرة لا يخرج من الإيمان بمجرد ارتكاب الكبيرة). # وكان «ابن مبشر» يقول في «الوعيد»: ان استحقاق العقاب، والخلود في النار ~~بالكفر، يعرف قبل ورود «السمع». # وسائر أصحابه يقولون: التخليد لا يعرف إلا «بالسمع»، ومن أصحاب PageV01P162 ~~«النظام»: «الفضل الحدثي»، «أحمد بن خابط». قال «الراوندي»: (إنهما كانا ~~يزعمان أن للخلق خالقين، أحدهما قديم، وهو الباري تعالى، والثاني محدث، وهو ~~المسيح عليه السلام، لقوله تعالى «إذ تخلق من الطين كهيئة الطير» «1». # وكذبه «الكعبي» في رواية «الحدثي» خاصة. لحسن اعتقاده فيه. ### ||| AUTO 4 - الخابطية والحدثية # الخابطية: أصحاب أحمد بن خابط. # والحدثية: أصحاب الفضل الحدثي. # كان من أصحاب «النظام»، وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، وضما إلى مذهب ~~«النظام» ثلاث بدع. # البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في «المسيح» عليه السلام، ~~موافقة «للنصارى» على اعتقادهم، أن «المسيح» هو الذي يحاسب الخلق في ~~الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى «وجاء ربك والملك صفا صفا» «2»، وهو الذي ~~يأتي في ظل من الغمام وهو المعنى بقوله تعالى: «أو يأتي ربك» وهو المراد ~~بقول النبي عليه السلام «إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن» «3» ~~وبقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» «4» # وزعم أحمد بن خابط: أن «المسيح» تدرع بالجسد الجسماني، وهو الكلمة ~~القديمة المتجسدة، كما قالت «النصارى». PageV01P163 # البدعة الثانية: القول «بالتناسخ»، زعما أن الله تعالى أبدع خلقه، أصحاء ~~سالمين، عقلاء، بالغين، في دار سوى هذه الدار التى هم فيها اليوم، وخلق ~~فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن ms111 يكون أول ما يخلق إلا: # عاقلا، ناظرا، معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما ~~أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن ~~أطاعه في الكل، أمره «1» في دار النعيم التى ابتدأهم فيها، ومن عصاه في ~~الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض ~~وعصاه في البعض، أخرجه إلى دار الدنيا، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، ~~وابتلاه بالبأساء، والضراء، والشدة، والرخاء، والآلام. واللذات .... # على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات، على قدر ذنوبهم، فمن كانت ~~معصيته أقل، وطاعته أكثر، كانت صورته أحسن، وآلامه أقل، ومن كانت ذنوبه ~~أكثر، كانت صورته أقبح وآلامه أكثر. # ثم لا يزال يكون الحيوان فى الدنيا، كرة بعد كرة، وصورة بعد أخرى، ما ~~دامت معه ذنوبه وطاعته وهذا عين القول «بالتناسخ». # وكان في زمانهم شيخ المعتزلة، أحمد بن أيوب بن مانوس، وهو أيضا من تلامذة ~~النظام، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في «التناسخ»، وخلق البرية دفعة ~~واحدة، إلا أن قال: متى صارت «النوبة» إلى البهيمية، ارتفعت التكاليف، ومتى ~~صارت النوبة» إلى رتبة النبوة والملك، ارتفعت التكاليف أيضا، وصارت ~~النوبتان عام الجزاء. # ومن مذهبهما أن «الدار» خمس: داران للثواب إحداهما: فيها أكل وشرب وبعال ~~وجنات وأنهار. # والثانية: دار فوق هذه الدار، ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال، بل ملاذ ~~روحانية، وروح وريحان، غير جسمانية. # والثالثة: دار العقاب المحضة، وهي نار «جهنم»، ليس فيها ترتيب، بل هي على ~~نمط التساوي. PageV01P164 # والرابعة: دار الابتداء، التي خلق الخلق فيها، قبل أن يهبطوا إلى دار ~~الدنيا، وهي الجنة الأولى. # والخامسة: دار الابتلاء، وهي التى كلف الخلق فيها، بعد أن اجترحوا في ~~الأولى. # وهذا التكوير والتكرير لا يزال في الدنيا، حتى يمتلئ المكيالان. مكيال ~~الخير ومكيال الشر، فاذا امتلأ مكيال الخير، صار العمل كله طاعة، والمطيع ~~خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، ولم يلبث طرفة عين، فإن مطل الغني ظلم، وفي ~~الحديث «أعطوا الأجير أجره قبل ms112 أن يجف عرقه» وإذا امتلأ مكيال الشر، صار ~~العمل كله معصية، والعاصي شريرا محضا، فينقل إلى النار، ولم يلبث طرفة عين، ~~وذلك قوله تعالى «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» «1». # البدعة الثالثة: حلمهما كل ما ورد في «الخبر». من رؤية الباري تعالى، مثل ~~قوله عليه السلام «إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة ~~البدر، لا تضامون في رؤيته» على رؤية العقل الأول، الذي هو أول مبدع، وهو ~~العقل الفعال، الذي عنه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عنى النبي عليه ~~السلام بقوله «أول ما خلق الله تعالى (العقل) فقال له: (أقبل) فأقبل، ثم ~~قال له: (أدبر) فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحسن منك! بك أعز، ~~وبك أذل، وبك أعطي، وبك أمنع. فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه ~~وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر، فأما واهب ~~(العقل) فلا يرى البته، ولا يشبه إلا مبدع بمبدع. # وقال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات (أمة) على حيالها، لقوله ~~تعالى. (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) «2» ~~وفي كل أمة، رسول من نوعه، لقوله تعالى: «وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) «3» PageV01P165 ~~ولهما طريقة أخرى في (التناسخ)، وكأنهما مزجا كلام (التناسخية)، ~~و(الفلاسفة) و(المعتزلة) بعضها ببعض. ### ||| AUTO 5 - البشرية # أصحاب «بشر بن المعتمر» كان من أفضل علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول ~~«بالتولد» وأفرط فيه «1». # وانفرد عن أصحابه بمسائل ست: # الأولى منها: أنه زعم، أن اللون، والطعم، والرائحة، والادراكات كلها من ~~السمع والرؤية ... يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا كانت أسبابها من ~~فعله، وإنما أخذ هذا من «الطبيعيين»، إلا أنهم لا يفرقون بين «المتولد» ~~والمباشر بالقدرة، وربما لا يثبتون القدرة على «منهاج» المتكلمين. وقوة ~~الفعل، وقوة الانفعال، غير القدرة التى يثبتها المتكلم. # الثانية: قوله، إن الاستطاعة هي سلامة البنية، وصحة الجوارح، وتخليتها من ~~الآفات. وقال، لا أقول يفعل بها في الحالة الأولى ولا في الحالة ms113 الثانية، ~~لكني أقول، الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية. # الثالثة: قوله، إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك كان ~~ظالما إياه، إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال، لو فعل ذلك ~~كان الطفل بالغا، عاقلا، عاصيا بمعصية ارتكبها، مستحقا للعقاب، وهذا كلام ~~متناقض. # الرابعة: حكى «الكعبي» عنه أنه قال، إرادة الله تعالى فعل من أفعاله، وهي ~~على وجهين، «صفة ذات» و«صفة فعل» فأما صفة الذات فهي: أن الله تعالى لم يزل ~~مريدا لجميع أفعاله، ولجميع الطاعات من عباده، فإنه حكيم، ولا يجوز أن يعلم ~~الحكيم صلاحا وخيرا، ولا يريده. PageV01P166 # وأما صفة الفعل: فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه، فهي خلقه له، وهي ~~قبل الخلق، لأن ما به يكون الشيء، لا يجوز أن يكون معه، وإن أراد بها فعل ~~عباده، فهي الأمر به. # الخامسة: قال، إن عند الله تعالى «لطفا» لو أتى به، لآمن جميع من في ~~الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب، استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده، وأكثر ~~منه، وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده. # ولا يجب عليه رعاية الأصلح، لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح، فما ~~من «أصلح» إلا وفوقه «أصلح»، وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدرة والاستطاعة، ~~ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. # و«المفكر» - قبل ورود السمع- يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وإذا ~~كان مختارا في فعله، فيستغني عن «الخاطرين»، لأن الخاطرين لا يكونان من قبل ~~الله تعالى، وإنما هما من قبل الشيطان. # والمفكر الأول، لم يتقدمه شيطان، يخطر الشك بباله، ولو تقدم، فالكلام في ~~الشيطان كالكلام فيه. # السادسة: قال: من تاب عن كبيرة، ثم راجعها، عاد استحقاق العقوبة الأولى، ~~فإنه قبلت توبته، بشرط أن لا يعود. ### ||| AUTO 6 - المعمرية # أصحاب «معمر بن عباد السلمي»، وهو من أعظم «القدرية» فرية، في تدقيق ~~القول، بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى، والتكفير ~~والتضليل على ذلك. وانفرد عن أصحابه بمسائل: # منها، أنه قال، إن الله تعالى ms114 لم يخلق شيئا غير «الأجسام». فأما ~~«الأعراض» فإنها من اختراعات «الأجسام»، إما طبعا: كالنار التي تحدث ~~الإحراق، والشمس: الحرارة، والقمر: التلوين. # وإما اختيارا: كالحيوان يحدث الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق. PageV01P167 # ومن العجب، أن حدوث الجسم وفناءه، عنده، «عرضان» فكيف يقول إنها من فعل ~~الأجسام؟، وإذا لم يحدث الباري تعالى «عرضا» فلم يحدث الجسم وفناءه؟ فإن ~~الحدوث «عرض»، فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا. # ثم ألزم، أن كلام الباري تعالى، إما «عرض»، أو (جسم). # فإن قال هو «عرض»، فقد أحدثه الباري تعالى، فإن المتكلم على أصله، هو من ~~فعل الكلام، أو يلزمه، أن لا يكون لله تعالى كلام هو «عرض». # وإن قال هو «جسم»، فقد أبطل قوله، إنه أحدثه في محل، فإن الجسم لا يقوم ~~بالجسم، فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأزلية، ولا قال بخلق الأعراض، فلا ~~يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه. وإذا لم يكن له كلام، لم ~~يكن آمرا ناهيا، وإذا لم يكن أمر ونهي. لم تكن شريعة أصلا، فأدى مذهبه إلى ~~خزي عظيم. # ومنها أنه قال إ: إن «الأعراض» لا تتناهى في كل نوع. # وقال: كل «عرض» قام بمحل، فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام، وذلك يؤدي ~~إلى «التسلسل». # وعن هذه المسألة، سمي هو وأصحابه «أصحاب المعاني». وزاد على ذلك، فقال: ~~«الحركة» إنما خالفت «السكون»، لا بذاتها، بل بمعنى أوجب المخالفة. # وكذلك، مغايرة المثل المثل، ومماثلة، وتضاد الضد الضد، كل ذلك عنده بمعنى. # ومنها، ما حكى «الكعبي» عنه: أن الإرادة من الله تعالى للشيء، غير الله، ~~وغير خلقه للشيء، وغير الأمر، والأخبار، والحكم، فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف. # وقال: ليس للإنسان فعل سوى «الإرادة»، مباشرة كانت، أو توليدا. # وأفعاله التكليفية: من القيام، والقعود، والحركة، والسكون، في الخير ~~والشر ... كلها مستندة إلى إرادته، لا على طريق المباشرة، ولا على طريق ~~«التوليد»، وهذا عجب، غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان. PageV01P168 # وعنده: الإنسان معنى أو جوهر، غير الجسد، وهو: عالم، قادر، مختار، ms115 حكيم، ~~ليس بمتحرك، ولا ساكن، ولا متكون، ولا متمكن، ولا يرى، ولا يمس، ولا يحس، ~~ولا يجس، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحويه مكان، ولا يحضره زمان، لكنه ~~مدبر للجسد، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف. # وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ~~ما، هو جوهر قائم بنفسه، لا متحيز، ولا متمكن. وأثبتوا من جنس ذلك موجودات ~~عقلية، مثل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل «معمر بن عباد» إلى مذهب ~~«الفلاسفة»، ميز أفعال النفس التى سماها «إنسانا»، وبين القالب الذي هو ~~جسده، فقال: فعل النفس هو «الإرادة»، فحسب، والنفس إنسان ففعل الإنسان هو ~~«الإرادة» وما سوى ذلك من الحركات، والسكنات، والاعتمادات، فهي من فعل الجسد. # ومنها، أنه يحكى عنه: أنه كان ينكر القول، بأن الله تعالى «قديم»، لأن ~~«قديم» أخذ من قدم يقدم فهو «قديم»، وهو «فعل» كقولك: أخذ منه ما قدم وما حدث. # وقال أيضا: هو يشعر بالتقادم الزماني، ووجود الباري تعالى ليس بزماني. # ويحكى عنه أيضا أنه قال: الخلق غير المخلوق، والإحداث غير المحدث. # وحكى «جعفر بن حرب» عنه أنه قال: إن الله تعالى، محال أن يعلم نفسه، لأنه ~~يؤدى إلى ألا يكون العالم والمعلوم واحدا، ومحال أن يعلم غيره، كما يقال: ~~محال أن يقدر على الموجود، من حيث هو موجود. ولعل هذا الفعل فيه خلل، فإن ~~عاقلا ما، لا يتكلم بمثل هذا الكلام الغير المعقول. # لعمري! لما كان الرجل يميل إلى «الفلاسفة»، ومن مذهبهم، أنه ليس «علم» ~~الباري تعالى علما انفعاليا، أي تابعا للمعلوم، بل علمه علم فعلي، فهو من ~~حيث هو عاقل «عالم»، وعلمه هو الذي أوجب الفعل، وإنما يتعلق بالموجود حال ~~حدوثه لا محالة، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه، وأنه «علم» ~~و«عقل»، وكونه عاقلا، ومعقولا، شيء واحد، فقال «ابن عباد»: لا يقال يعلم ~~نفسه، لأنه يؤدى إلي تمايز بين العالم والمعلوم، ولا يعلم غيره، لأنه يؤدي ~~إلى كون «علمه» من غيره يحصل. فإما أن لا يصح PageV01P169 ~~النقل، ms116 وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل. ولسنا من رجال «ابن عباد»، فنطلب ~~لكلامه وجها. ### ||| AUTO 7 - المردارية # أصحاب «عيس بن صبيح» المكنى «بأبي موسى»، الملقب «بالمردار». وقد تتلمذ ~~«لبشر بن المعتمر»، وأخذ العلم منه، وتزهد، ويسمى راهب المعتزلة. # وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل: # الأولى منها: قوله في «القدر»، إن الله تعالى، يقدر على أن يكذب، ويظلم، ~~ولو كذب وظلم، كان إلها كاذبا ظالما، تعالى الله عن قوله. # والثانية: قوله في «التولد»، مثل قول أستاذه، وزاد عليه، بأن جوز وقوع ~~فعل واحد، من فاعلين، على سبيل «التولد». # الثالثة: قوله في «القرآن»، إن الناس قادرون على مثل القرآن، فصاحة، ~~ونظما، وبلاغة، وهو الذي بالغ في القول، بخلق القرآن، وكفر من قال بقدمه ~~بأنه قد أثبت قديمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا ~~يورث. وكفر أيضا من قال: إن اعمال العباد مخلوقة لله تعالى. ومن قال: إنه ~~يرى بالأبصار. وغلا في التكفير، حتى قال: هم كافرون في قولهم «لا إله إلا الله». # وقد سأله «إبراهيم السندي» مرة، عن أهل الأرض جميعا، فكفرهم. # فأقبل عليه «إبراهيم»، وقال: الجنة التي عرضها السموات والأرض، لا يدخلها ~~إلا أنت. وثلاثة وافقوك؟! فخزى ولم ويحر جوابا. # وقد تتلمذ له أيضا: «الجعفران»، و«أبو زفر»، و«محمد بن سويد». وصحب «أبو ~~جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي» و«عيس بن الهيثم» «جعفر بن حرب الأشج». # وحكى «الكعبي» عن «الجعفرين»، أنهما قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في ~~«اللوح المحفوظ»، ولا يجوز أن ينقل، إذ يستحيل أن يكون الشيء PageV01P170 ~~الواحد في مكانين، في حالة واحدة، وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب في اللوح ~~المحفوظ، وذلك فعلنا وخلقنا. # قال: وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن. # وقال في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب معرفة الله تعالى، بجميع ~~أحكامه وصفاته، قبل ردع الشرع، وعليه أن يعلم أنه إن قصر، ولم يعرفه، ولم ~~يشكره، عاقبه عقوبة دائمة، فأثبت التخليد واجبا بالعقل. ### ||| AUTO 8 - الثمامية # أصحاب «ثمامة بن أشرس النميري»، ms117 كان جامعا بين سخافة الدين، وخلاعة ~~النفس، مع اعتقاده بأن «الفاسق» يخلد فى النار، إذا مات على فسقه من غير ~~توبة. وهو فى حال حياته، فى منزلة بين المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل: # منها قوله: «إن الافعال المتولدة» لا فاعل لها، إذ لم يمكنه إضافتها الى ~~فاعل أسبابها، حتى يلزمه أن يضيف الفعل الى ميت، مثل ما إذا فعل السبب، ~~ومات، ووجد المتولد بعده. ولم يمكنه إضافتها الى الله تعالى، لأنه يؤدى إلى ~~فعل القبيح، وذلك محال، فتحير فيه، قال: المتولدات أفعال لا فعال لها. # ومنها: قوله في «الكفار» و«والمشركين» و«المجوس» و«اليهود» و«النصارى» ~~و«الزنادقة» و«الدهرية»: إنهم يصيرون في القيامة ترابا، وكذلك قوله في ~~البهائم، والطيور، وأطفال المؤمنين. # ومنها قوله: «الاستطاعة» هي السلامة وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات، ~~وهي قبل الفعل. # ومنها قوله: إن «المعرفة» متولدة من «النظر»، وهو فعل لا فاعل له، كسائر ~~«المتولدات». # ومنها، قوله في «تحسين العقل وتقبيحه» وإيجاب المعرفة، قبل ورود «السمع»، ~~مثل قول أصحابه، غير أنه زاد عليهم، فقال: من «الكفار» من لا يعلم خالقه، ~~وهو معذور. وقال: إن «المعارف» كلها ضرورية، وإن لم يضطر الى معرفة الله ~~سبحانه وتعالى، فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة، والسخرة، كسائر ~~الحيوان. PageV01P171 # ومنها، قوله: لا فعل للانسان إلا «الإرادة»، وما عداها فهو حدث لا محدث له. # وحكى «ابن الراوندي» عنه أنه قال: «العالم» فعل الله تعالى بطباعه، ولعله ~~أراد بذلك ما تريده «الفلاسفة» من «الإيجاب» بالذات، دون «الإيجاد» على ~~مقتضى «الإرادة»، لكن يلزمه، على اعتقاده ذلك، ما لزم «الفلاسفة»، من القول ~~بقدم العالم، إذ «الموجب» لا ينفك عن «الموجب» وكان «ثمامة» في أيام ~~«المأمون» وكان عنده بمكان. ### ||| AUTO 9 - الهشامية # أصحاب «هشام بن عمرو الفوطي»، ومبالغته في القدر، أشد وأكثر من مبالغة ~~أصحابه. وكان يمتنع عن إطلاق «إضافات» أفعال إلى الباري تعالى، وإن ورد بها ~~التنزيل. # منها قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون ~~باختيارهم، وقد ورد في التنزيل «ما ألفت بين قلوبهم ولكن ms118 الله ألف بينهم» ~~«1». ومنها قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في ~~قلوبهم، وقد قال تعالى: # «ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم» «2». # ومبالغته في نفي إضافات «الطبع» و«الختم» و«السد»، وأمثالها، أشد وأصعب، ~~وقد ورد بجميعها التنزيل، قال تعالى: «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم» ~~«3»، وقال: «بل طبع الله عليها بكفرهم» «4» «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا» «5». وليت شعري! ما يعتقده الرجل؟ # إنكار ألفاظ التنزيل، وكونها وحيا من الله تعالى؟ فيكون تصريحا بالكفر! أو PageV01P172 ~~إنكار ظواهرها من نسبتها إلى الباري تعالى، ووجوب تأويلها؟ وذلك عين مذهب ~~الصحابة؟ # ومن بدعه في الدلالة على «الباري» تعالى قوله: إن «الأعراض» لا تدل على ~~كونه خالقا، ولا تصلح «الأعراض» «دلالات»، بل «الأجسام» تدل على كونه ~~خالقا، وهذا أيضا عجب. # ومن بدعه في «الإمامة» قوله: إنها لا تنعقد في أيام الفتنة، واختلاف ~~الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة. # وكذلك «أبو بكر الأصم» من أصحابه، كان يقول: الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع ~~الأمة، عن بكرة أبيهم. # وإنما أراد بذلك الطعن، في إمامة «على» - رضي الله عنه، إذ كانت «البيعة» ~~في أيام الفتنة، من غير اتفاق من جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة. # ومن بدعه: أن «الجنة» و«النار»، ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في ~~وجودهما، وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما، وبقيت هذه المسألة منه ~~اعتقادا «للمعتزلة». # وكان يقول: «بالموافاة»، وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت. # وقال: من أطاع الله جميع عمره، وقد علم أنه يأتي بما يحبط أعماله، ولو ~~بكبيرة، لم يكن مستحقا للوعد، وكذلك على العكس. # وصاحبه «عباد» من المعتزلة، وكان يمتنع من إطلاق القول، بأن الله تعالى ~~خلق «الكافر» لأن «الكافر»: كفر، وإنسان، والله تعالى لا يخلق «الكفر». # وقال: «النبوة» جزاء على عمل، وإنها باقية ما بقيت الدنيا. # وحكى «الأشعري» عن «عباد»، أنه زعم أنه لا يقال: إن الله تعالى لم يزل ~~قائلا، ولا غير قائل، ووافقه «الإسكافي» على ذلك. # قالا: ولا ms119 يسمى «متكلما». وكان «الفوطي» يقول: إن «الأشياء» قبل كونها ~~«معدومة» وليست أشياء، وهي بعد أن تعدم عن وجود، تسمى «أشياء». PageV01P173 # ولهذا المعنى، كان يمنع القول: بأن الله تعالى، قد كان لم يزل «عالما» ~~بالأشياء قبل «كونها»، فإنها لا تسمى «أشياء». # قال: وكان يجوز القتل و«الفيلة» على المخالفين لمذهبه، وأخذ أموالهم، ~~غصبا وسرقة، لاعتقاده كفرهم، واستباحة دمائهم وأموالهم. ### ||| AUTO 10 - الجاحظية # أصحاب «عمر بن بحر» أبي عثمان «الجاحظ». # كان من فضلاء المعتزلة، والمصنفين لهم، وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، ~~وخلط وروج كثيرا، من مقالاتهم بعباراتهم البليغة، وحسن براعته اللطيفة. # وكان في أيام «المعتصم» و«المتوكل». وانفرد عن أصحابه بمسائل: # منها قوله: إن «المعارف» كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال ~~العباد، وليس للعبد كسب سوى «الإرادة»، وتحصل أفعاله منه «طباعا»، كما قال ~~«ثمامة». # ونقل عنه أيضا: أنه أنكر أصل «الإرادة»، وكونها جنسا من «الأعراض» فقال: ~~إذا انتفى السهو عن الفاعل، وكان عالما بما يفعله، فهو «المريد» على ~~التحقيق، وأما «الإرادة» المتعلقة بفعل الغير، فهو ميل النفس إليه. # وزاد على ذلك، بإثبات «الطبائع» للأجسام، كما قال «الطبيعيون» من ~~«الفلاسفة»، وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها. # وقال باستحالة عدم الجواهر، فالأعراض تتبدل، والجواهر لا يجوز أن تنفى. # ومنها قوله في «أهل النار»: إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى ~~طبيعة «النار». # وكان يقول: «النار» تجذب أهلها إلى نفسها، من غير أن يدخل أحد فيها. # ومذهبه مذهب «الفلاسفة» في نفي «الصفات»، وفي إثبات «القدر» خيره وشره من ~~العبد «مذهب المعتزلة». PageV01P174 # وحكى «الكعبي» عنه أنه قال: يوصف «الباري» تعالى بأنه «مريد»، بمعنى أنه لا ~~يصح عليه «السهو» في أفعاله، ولا «الجهل» ولا يجوز أن يغلب ويقهر. # وقال: إن الخلق كلهم من العقلاء، عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون ~~بأنهم محتاجون إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم. # ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد، وجاهل به، فالجاهل معذور، والعالم محجوج ومن ~~انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم، ولا صورة، ولا يرى ~~بالأبصار، وهو ms120 عدل لا يجوز ولا يريد المعاصي، وبعد الاعتقاد واليقين، أقر ~~بذلك كله، فهو «مسلم» حقا. # وإن عرف ذلك كله، ثم جحده وأنكره، وقال «بالتشبيه والجبر»، فهو «مشرك ~~كافر» حقا. # وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله، واعتقد أن الله تعالى ربه، وأن محمدا ~~رسول الله، فهو «مؤمن» لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك. # وحكى «ابن الراوندي» عنه أنه قال: إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا ~~ومرة حيوانا. وهذا مثل ما يحكى عن «أبي بكر الأصم»، أنه زعم: # أن القرآن جسم مخلوق، وأنكر «الأعراض» أصلا، وأنكر «صفات» الباري تعالى. # ومذهب «الجاحظ»، هو بعينه مذهب الفلاسفة إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى ~~الطبيعيين منهم، أكثر منه إلى الإلهيين. ### ||| AUTO 11 - الخياطية والكعبية # أصحاب «أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط»، أستاذ أبي القاسم بن محمد الكعبي، ~~وهما من «معتزلة بغداد»، على مذهب واحد، إلا أن «الخياط» غالى في إثبات ~~«المعدوم» شيئا، ر. «الشيء» ما يعلم ويخبر عنه، و PageV01P175 ~~«الجوهر» جوهر في العدم، و«العرض» عرض في العدم، وكذلك أطلق جميع أسماء ~~الأجناس والأصناف، حتى قال: # السواد سواد في العدم، فلم يبق إلا «صفة الوجود» أو الصفات التي تلزم ~~الوجود والحدوث، وأطلق على «المعدوم» لفظ «الثبوت». # وقال في نفي الصفات عن «الباري»، مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في ~~القدر، والسمع، والعقل. # وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل: # منها قوله: إن «إرادة الباري» تعالى، ليست صفة قائمة بذاتها، ولا هو مريد ~~لذاته، ولا إرادته حادثة في محل، أو لا في محل، بل، إذا أطلق عليه أنه ~~مريد، فمعناه أنه: عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. # ثم إذا قيل: هو «مريد» لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، ~~وإذا قيل: هو «مريد» لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. # وقوله في كونه «سميعا» «بصيرا»، راجع إلى ذلك أيضا، فهو «سميع»، بمعنى ~~أنه عالم بالمسموعات. «بصير» بمعنى أنه عالم بالمبصرات. # وقوله في «الرؤية»، كقول أصحابه، نفيا ms121 وإحالة، غير أن أصحابه قالوا: # يرى الباري تعالى لذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك، زائد على كونه عالما. # وقد أنكر «الكعبي» ذلك، قال: معنى قولنا: يرى ذاته، ويرى المرئيات، أنه ~~عالم بها فقط. ### ||| AUTO 12 - الجبائية والبهشمية # أصحاب «أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائى»، وابنه «أبي هاشم عبد ~~السلام»، وهما من «معتزلة البصرة» «1» # انفردا عن أصحابهما بمسائل، وانفرد أحدهما عن صاحبه بمسائل، أما PageV01P176 ~~المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما. # فمنها: أنهما أثبتا «إرادات» حادثة، لا في محل، يكون الباري تعالى بها ~~موصوفا، مديدا. «وتعظيما» لا في محل، إذا أراد أن يعظم ذاته، و«فناء» لا في ~~محل إذا أراد أن يفنى العالم. # وأخص أوصاف هذه «الصفات» يرجع إليه، من حيث أنه تعالى أيضا، لا في محل. # وإثبات موجودات، هي «أعراض» أو في حكم «الأعراض»، لا محل لها كإثبات ~~موجودات، هي «جواهر» أو في حكم «الجوهر» لا مكان لها، وذلك قريب من مذهب ~~«الفلاسفة»، حيث أثبتوا «عقلا»، هو جوهر، لا في محل، ولا في مكان. وكذلك ~~«النفس الكلية» و«العقول المفارقة». # ومنها: أنهما حكما بكونه تعالى «متكلما»، بكلام يخلقه في محل، وحقيقة ~~«الكلام» عندهما، أصوات مقطعة، وحروف منظومة، والمتكلم من فعل «الكلام»، لا ~~من قام به الكلام. # إلا أن «الجبائي»، خالف أصحابه خصوصا بقوله: يحدث الله تعالى، عند قراءة ~~كل قارئ، كلاما لنفسه، في محل القراءة، وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه ~~القارئ، ليس بكلام الله، والمسموع منه، ليس من كلام الله، فالتزم هذا ~~المحال، من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع، وهو إثبات كلامين فى محل واحد. PageV01P177 ms122