######OpenITI# #META# المؤلف: القاضي عبد الجبّار بن أحمد الهمذاني #META# المحقق: الدكتور عدنان محمّد زرزور #META# الناشر: مكتبة دار التراث #META# الطبعة: ٠ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ٠ هـ.ق #META# الصفحات: ٨١٣ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * وصلواته على نبيه ### |||| ** 1 مسألة : فى كيفية الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه. # اعلم أن كل فعل لا تعلم صحته ولا وجه دلالته إلا بعد أن يعرف حال فاعله ، ~~« ولا يمكن (1) أن يستدل به على إثبات فاعله ولا على صفاته ، وإنما يمكن أن ~~يستدل به على ما سوى ذلك من الأحكام ، لأنه إن دل على حال فاعله ، ولا يعلم ~~صحته إلا وقد علم فاعله ؛ أدى ذلك إلى أنه لا يدل عليه إلا بعد المعرفة به ~~، ومتى علم الشيء استغنى عن الدلالة عليه! # ويبطل ذلك من وجه آخر : وهو أنه يؤدى إلى أن لا تعلم صحة القرآن إلا بعد ~~معرفة الله تعالى ، ولا يعرف تعالى إلا بعد معرفة القرآن ، وذلك يوجب أن ~~يدل كل واحد منهما على ما عليه ، وأن يكون دليلا على نفسه! # فإن قال : ومن أين أن صحة القرآن لا تعلم إلا بعد معرفة الله؟ # قيل له : لأن الخبر لا يعلم بصيغته أنه صدق أو كذب « حتى إذا علم حال ~~المخبر صح أن نعلم ذلك (2)» وقد علمنا أن ما أخبر جل وعز عنه فى القرآن لم ~~يتقدم لنا العلم بحال مخبره ، فيجب أن لا يعلم أنه صدق إلا بعد العلم بحال ~~المخبر وأنه حكيم. والقول فى الأمر والنهى كالقول فى الخبر. # فان قال : ومن أين أن وجه دلالته لا تعلم إلا بعد معرفة الله تعالى؟ PageV01P001 # قيل له : لأنه إنما يدل بأن يصدر من حكيم لا يجوز أن يختار الكذب والأمر ~~بالقبيح ، ومتى لم يكن فاعله بهذه الصفة لم يعلم وجه دلالته ، فيجب أن يعلم ~~أولا أنه عز وجل حكيم لا يختار القبيح ، حتى يصح أن يستدل بالقرآن على ما ~~يدل عليه ، وذلك يمنع من أن يستدل به على إثباته تعالى وإثبات حكمته. # وبعد ، فليس يخلو من خالف فى ذلك من أن يقول : أخبار القرآن تدل ، مع ~~التوقف فى لونها من قبيل الصدق ، أو يقول : إنها لا تدل إلا وقد علم أنها صدق. # ولا شبهة فى ms001 فساد الأول ، لأن كل خبر كونه كذبا غير دال على حال مخبره ، ~~وإذا صح ذلك فلا بد من أن يعلم [ كونه ] صدقا ، ولا يخلق العلم بذلك دون ~~(1) أن يرجع فيه إلى نفس الخبر ، أو إلى خبر سواه ، او إلى دليل العقل. # ولا يصح أن يعلم أن الخبر صدق بنفسه ، لأنه إنما يدل على حال غيره لا على ~~حال نفسه. # وإن علم أنه صدق بخبر آخر لم يخل من أن يكون واردا عن الله عز وجل أو عن ~~غيره ، ولا يجوز أن يرجع إلى خبر غيره. وخبره عز وجل إذا رجع إليه ولما علم ~~حاله فى الحكمة فكأنه استدل على أنه صادق فى سائر أخباره ، ومتى جوز فى ~~سائر أخباره الكذب يجوز فى هذا الخبر مثله ، فلا يصح النقد به. ولذلك قلنا ~~: إن المجبرة إذ (2) جوزت عليه عز وجل أن يفعل القبيح لا يمكنها المعرفة ~~بصدقه عز وجل ، لا من جهة العقل ، ولا من جهة السمع! PageV01P002 # وكل ذلك يوجب أن يرجع فى دلالة القرآن إلى أن يعرف تعالى بدليل العقل ~~وأنه حكيم لا يختار فعل القبيح ، ليصح (1) الاستدلال بالقرآن على ما يدل ~~عليه (2). # فإن قال : إن صح أن يستدل عليه تعالى بسائر أفعاله قبل أن يعرف ، فهلا ~~جاز أن يستدل بالقرآن عليه قبل أن يعرف (3)؟! # قيل له : قد بينا أن الكلام لا يدل على ما يدل عليه لأمر يرجع اليه ، ~~وإنما يدل لكون فاعله حكيما ، ولذلك لم يدل كلام النبى صلى الله عليه وسلم ~~على الأحكام إلا بعد العلم بأنه رسول حكيم لم يظهر المعجز عليه إلا لكونه ~~صادقا فى سائر ما يؤديه ، وليس كذلك دلالة الفعل (4) على أن فاعله قادر ، ~~ولأنه إنما يدل « لأمر يرجع (5) إليه لا يتعلق باختيار مختار. وهو أن الفعل إذا صح PageV01P003 # من واحد وتعذر على من هو بمثل حاله فلا بد من أن يختص بأمر له صح الفعل ~~منه ، وهذه الجملة لا تتعلق بالاختيار ، فلذلك يصح أن يستدل بالحوادث التى ~~لا يجوز أن تحدث من الأجسام ms002 على الله تعالى وعلى أنه قادر عالم ، وليس كذلك ~~حال القرآن. # يبين أيضا ما ذكرناه أنه لا شبهة فى أن فعل النبى صلى الله عليه وسلم قبل ~~ظهور المعجز يدل على أنه قادر عالم ، ولم يجب أن يدل كلامه على الأحكام على ~~هذا الحد بل احتيج إلى ظهور المعجز ومعرفة حال المرسل وحكمته ، وكذلك القول ~~فيما قدمناه. # فإن قال : إن كان الأمر كما ذكرتم فيجب أن تكون الأخبار الواردة فى ~~القرآن ، الدالة على الله عز وجل وعلى حكمته ، عبثا لا فائدة فيها ؛ لأن ~~الاستدلال بها لا يمكن ، ويجب أن يعرف عز وجل بتوحيده وعدله أولا ، ثم يعلم صحتها! # قيل له : إنه عز وجل إنما خاطب بذلك ليبعث السائل على النظر والاستدلال ؛ ~~بما ركب فى العقول من الأدلة. أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه ~~يكون أقرب إلى الاستدلال عليه ، منه لو لم يسمع ذلك ، فهذه الفائدة تخرج ~~الخطاب من حد العبث. # يبين ذلك أن الداعى منا إلى الله عز وجل متى قصد إلى جاهل به فدعاه وعرفه ~~طريقة معرفته ومعرفة توحيده وعدله ، لا يجوز أن يعد عابثا فى دعائه ، وان ~~لم يصح من المدعو أن يعرفه جل وعز بنفس دعائه دون أن ينظر ويتدبر ، فكذلك ~~القول فى كلامه عز وجل ، سيما ومن اعتقد فى القرآن ، قبل أن يعرف الله ، ~~أنه كلامه عز وجل على جهة التقليد ، وأنه تعالى لا يجوز أن يكذب ، كان PageV01P004 # ذلك أدعى له إلى النظر ، من خطاب الداعى الذى لا يعتقد تعظيم حاله ، ~~ولهذه الجملة عول الأنبياء عليهم السلام ، عند مسألة قومهم لهم عن الله عز ~~وجل ، على ذكر أفعاله تعالى من خلق السموات والأرضين وغير ذلك. # فإن قيل : فيجب أن لا يعلم بالقرآن الحلال والحرام إلا على هذا الوجه! # قيل له : كذلك نقول ؛ لأنه ما لم يعلم أن المخاطب بالقرآن حكيم لا يجوز ~~أن يكذب فى أخباره أو يعمى أو يأمر بالقبيح أو ينهى عن الحسن ، لم يصح أن ~~يعرف به الحلال والحرام ، لكن ms003 الأحكام يمكن أن تعلم بالقرآن من غير مقدمة ، ~~إذا كانت المعرفة بالله عز وجل قد تقدمت ، ولا يصح أن يعلم بقوله : ( ~~@QUR@03 ليس كمثله شيء ) (1)، من غير تقدم العلم بأنه تعالى ليس بجسم ، ~~أنه تعالى لا يشبه الأشياء ، لما قدمنا من أنه لا يصح أن يعرف الفاعل ~~وحكمته بالفعل الذى يصدر عنه ، إذا كان العلم بصحته ووجه دلالته لا بد من ~~أن يرجع فيه إلى حال الفاعل. # وعلى هذا الوجه قلنا : إن المعجزات لما كانت بمنزله الأخبار فى أنها لا ~~يمكن أن يعلم أنها صحيحة إلا بعد العلم بحال الفاعل وحكمته ؛ لم يمكن أن ~~يستدل بها على النبوات من أجاز (2) على الله عز وجل فعل القبيح ، وقلنا يجب ~~أن لا نأمن أنه تعالى أظهرها على [ من ] يدعو الى الضلال والفساد ، ويصد عن ~~الهدى والرشاد! ### |||| ** 2 مسألة : إن سأل سائل فقال : أتقولون إن المحكم من القرآن له مزية على المتشابه فيما ~~يدل عليه أو لا مزية له؟ # فإن قلتم : إنهما سواء فذلك خلاف الإجماع ؛ لأن الأمة تقول إن المحكم أصل ~~للمتشابه وإن له من الحظ ما ليس للمتشابه ، وكتاب الله عز وجل قد نطق PageV01P005 # بذلك فى قوله : ( @QUR@011 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب ) (1). # وإن قلتم : إنه يدل على وجه لا يدل عليه المتشابه ، نقضتم الأصل الذى ~~قدمتم الآن. لأنكم ذكرتم أن جميع كلامه تعالى سواء فى أنه إنما يدل ، بعد ~~أن يعرف عز وجل أنه حكيم ، وإذا كان الأمر كذلك فما الفائدة فى الفصل بين ~~المحكم والمتشابه؟ وهلا دلكم ذلك على فساد هذا الأصل!! # قيل له : إن الذى تقوله فى هذا الباب لا ينقض ما ذكرناه من الأصل ، ولا ~~يخرج عن الإجماع والكتاب ، وذلك أن المحكم كالمتشابه من وجه ، وهو يخالفه ~~من وجه آخر : # فأما الوجه الذى يتفقان فيه فما قدمنا من أن الاستدلال بهما أجمع لا يمكن ~~إلا بعد معرفة حكمة الفاعل وأنه لا يجوز أن يختار القبيح ، لأن الوجه الذى ~~له قلنا ذلك ، لا يميز ms004 المحكم من المتشابه ، كما أن خطابه صلى الله عليه ~~وسلم لما لم يمكن أن تعلم صحته إلا بالمعجز ولم يميز ذلك بين المحتمل من ~~كلامه وبين المحكم منه ، حلا محلا واحدا فى هذا الباب. # وأما الوجه الذى يختلفان (2) فيه ، فهو أن المحكم إذا كان فى موضوع اللغة ~~أو لمضامة القرينة ، لا يحتمل إلا الوجه الواحد ، فمتى سمعه من عرف طريقة ~~الخطاب وعلم القرائن أمكنه أن يستدل فى الحال على ما يدل عليه. وليس PageV01P006 # كذلك المتشابه ، لأنه وإن كان من العلماء باللغة ويحمل القرائن (1)، ~~فإنه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدأ ونظر مجدد ليحمله على الوجه الذى يطابق ~~المحكم أو دليل العقل. # ويبين صحة ذلك أنه عز وجل بين فى المحكم أنه أصل للمتشابه ، فلا بد أن ~~يكون العلم بالمحكم أسبق ليصح جعله أصلا له ، ولا يتم ذلك إلا على ما قلناه. # فأما إذا كان المحكم والمتشابه واردين فى التوحيد والعدل فلا (2) بد من ~~بنائهما على أدلة العقول ، لأنه لا يصح ممن لم يعلم أنه جل وعز واحد حكيم ~~لا يختار فعل القبيح ، أن يستدل على أنه جل وعز بهذه الصفة بكلامه. # فالمحكم فى هذا الوجه كالمتشابه ، وإنما يختلفان فى طريقة أخرى ، وهى أن ~~المخالفين فى التوحيد والعدل يمكن أن نحاجهم بذكر المحكم ونبين مخالفتهم ~~لما أقروا بصحته فى الجملة ، ويبعد ذلك فى المتشابه ، فلذلك نجد كتب ~~مشايخنا رحمهم الله مشحونة « بذكر هذا (3) الباب ليبينوا أن القوم كما خرجوا ~~عن طريقة العقول ، فكذلك (4) عن الكتاب. فأما أن يمكن أن نبين للجاهل بالله ~~تعالى وبحكمته أن الله عز وجل لا يختار فعل القبيح وأنه لا يشبه الأعراض ~~والأجسام ، والقرآن محكمه ومتشابهه ، فذلك مما لا يصح ؛ على ما قدمنا. # ولهذه الجملة يجب ان يرتب المحكم والمتشابه جميعا على أدلة العقول ، ~~ويحكم بأن ما لا يحتمل إلا ما تقتضيه هذه الجملة يجب أن يثبت محكما ؛ وما ~~احتمل هذا PageV01P007 # الوجه وخلافه فهو المتشابه ، فأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم ~~والمتشابه ادلة العقول ؛ وإن كان ms005 ربما يقوى ذلك بما يتقدم المتشابه أو ~~يتأخر عنه ، لأنه هو الذى يبين أن المراد به ما يقتضيه المحكم ، ومما يبين ~~ذلك أن موضوع اللغة يقتضي أنه لا كلمة فى مواضعتها إلا وهى تحتمل غير (1) ~~ما وضعت له ، فلو لم يرجع إلى أمر لا يحتمل لم يصح التفرقة بين المحكم ~~والمتشابه. ### |||| ** 3 مسألة : فان سأل فقال : إن كان المحكم فى اللغة العربية كالمتشابه. وقد قلتم إن من ~~حق هذه اللغة أن يصح فيها الاحتمال ويسوع فيها التأويل ، فبما ذا يعلم ~~المحكم متميزا من المتشابه فى الوجه الذى بينتم أنه لا بد من أن يكون له ~~مزية فيه؟ # وبعد ، فاذا كان الناس قد تنازعوا فى المحكم والمتشابه ؛ كما اختلفوا فى ~~نفس المذهب لأن ما يعده المشبه محكما عند الموحد من المتشابه ، وما يعده « ~~الموحد محكما (2) عند المشبه بخلافه ، وكذلك (3) القول فيمن يعتقد الجبر ~~وفيمن يقول بالعدل ، وهذه الطريقة معروفة من حالهم عند المناظرة والمباحثة ~~فيحب أن لا يصح أن يميز أحدهما من الآخر إلا بأن يرجع فيه إلى محكم آخر ، ~~والقول فيه كالقول فيما يتنازعه ، أو بأن يرجع فيه إلى أدلة العقول ، وفى ~~ذلك إسقاط التعلق بالمحكم وإثبات مزيته على المتشابه! # قيل له : إنا قد بينا أن الذى أوردته هو الذى يلجئ إلى الرجوع إلى أدلة ~~العقول فيما يتصل الخلاف فيه بالعدل والتوحيد ، وقد بينا صحة ذلك لأنا قد PageV01P008 # دللنا على أن العلم بصحة خطابه عز وجل يفتقر إلى العلم بأنه لا يختار فعل ~~القبيح ، والعلم بأنه لا يفعل ذلك يتعلق بالعلم وصفاته الذاتية ومفارقتها ~~لصفات الفعل ، ولا بد من أن تقدم معرفة ذلك ليصح من بعد أن يعرف أن كلامه ~~عز وجل صحيح ، وأن الاحتجاج به ممكن. # فأما إذا كان الكلام مما يدل على الحلال والحرام فلا بد (1) من أن يكون ~~للمحكم مزية على المتشابه من الوجه الذى قدمناه ، وهو فى أن يدل ظاهره على ~~المراد ، أو يقتضى (2) ما يضامه أنه مما لا يحتمل إلا الوجه الواحد من حمل ~~الأدلة ms006 ، وليس كذلك المتشابه ، لأن المراد به يشتبه على العالم باللغة ~~ويحتاج (3) إلى قرينة محددة فى معرفة المراد به : إما بأن يحمل على المحكم ~~، أو بأن يدل عليه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى ما يجرى مجراه. ~~فالمزية له قد ظهرت فى هذا الباب. # وقد بينا فيما يتعلق بالتوحيد والعدل أن للمحكم فى باب الاحتجاج على ~~المخالف مزية ليست للمتشابه ؛ لأنه يمكن أن تبين له أنه مخالف للقرآن ، وأن ~~ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه ، وأنه قد تمسك بالمتشابه من القرآن ~~وعدل عن محكمه ، كما تمسك بالشبه فى باب (4) العقليات وعدل عن الأدلة ~~الصحيحة ، وفى ذلك لطف وبعث على النظر ؛ لأن المخالف إن أورد ذلك عليه وهو ~~من أهل الدين مس فى قلبه وأثر فيه ، فحمله ذلك على النظر والتفكر. فلا (5) ~~يجب إذا قلنا فى المحكم والمتشابه ما قدمناه أن لا تثبت للمحكم المزية التى ~~ذكرناها. PageV01P009 # وبعد ، فإن اللغة وإن وقعت محتملة فإنها تتفاوت ؛ ففيها ما بنى للاحتمال ~~ووضع له ، وفيها ما ظاهره يدل على أمر واحد وإن جاز صرفه إلى غيره بالدليل ~~ثم يختلف ذلك ؛ ففيه (1) ما يكون صرفه لما يصرف إليه فى طريقة (2) اللغة ~~مستبعدا ، وفيه ما يكون سهلا معروفا ، ولذلك قلنا إن المتكلم قد يكون ~~مناقضا فى كلامه ومحيلا ، ولو كان الأمر على ما قاله (3) السائل لم يصح ~~إثبات مناقضته فى الكلام ولا إحالة فيه. فاذا صح ذلك وكان للمحكم فى ظاهره ~~المزية على المتشابه بأحد الأمرين اللذين ذكرناهما ، فيجب فساد القول بأنه ~~لا مزية لأحدهما على الآخر على ما أصلناه. ### |||| ** 4 مسألة : فإن سأل فقال : إنكم بنيتم جميع ما تقدم : فى دلالة القرآن على ما يدل عليه ~~؛ وفى الفرق بين المحكم والمتشابه (4) على أن القرآن من فعله عز وجل فقلتم ~~: إن من حق الفعل إذا لم تعلم صحته ولا وجه دلالته إلا بعد معرفة الفاعل أن ~~لا يمكن أن يعرف به الفاعل وأنه حكيم ، وهذا إنما يصح متى لم يقل المخالف ~~فى القرآن إنه ms007 من صفات ذاته ، وأنه تعالى صادق لنفسه ، فما الذى يبطل هذا ~~القول ليتم لكم ما قلتموه؟! # قيل له : إن من حق المذهب أن يبنى على الأصول الصحيحة وإن لم يوافق الخصم ~~عليها ، وقد ثبت أن الكلام فعل ، لأنه محدث على وجه مخصوص ، كما تثبت مثله ~~فى الإحسان والإنعام ، ولا وجه للاعتراض على ما قلناه بقول الخصم! # وبعد ، فان أحدا ممن يعقل الخلاف لا يقول فى القرآن الذى يتلى ويسمع إنه PageV01P010 # من صفات ذاته تعالى ، « وإن من (1) يثبت ما يخالف هذا الكلام (2) فيزعم ~~أنه من صفات الذات ، فقد وافق فى أن القرآن الذى صفته ما ذكرناه (3) من ~~أفعاله عز وجل ، فالذى أصلناه فيه صحيح. # وبعد ، فان الذى قالوه لو ثبت لأوجب صحة ما قلناه ، لأن صفات الذات لا ~~يصح أن تدل إلا بعد أن يعرف الموصوف ، ويعلم كيف يستحق هذه الصفات # انظر فتح البارى : 13 / 388 # والمؤلف يلزم المخالف بهذا الاعتبار ، بغض النظر عن رفض المعتزلة لهذا ~~التقسيم ليصح له ما أصل فى الاستدلال من أن القرآن مخلوق ، وأنه من فعله عز وجل. # انظر : شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار : 527 فما بعدها. الفصل لابن ~~حزم 3 / 4 الملل والنحل للشهرستانى ( بهامش الفصل ): 1 / 123. # وانظر فى تحقيق ما ذهب إليه الامام الأشعرى فى الموضوع : مقدمة فى نقد ~~مدارس علم الكلام ، التى صدر بها الأستاذ الدكتور محمود قاسم كتاب : مناهج ~~الأدلة لابن رشد لطبعة الثانية. ص 66. وقارن ما قاله القاضي هنا فى وصف ~~القرآن : ( الذى يتلى ويسمع ) وما رمي به الأشعرى المعتزلة من تدليس الكفر ~~لقولهم بخلق القرآن ، اعتمادا على أنهم يقولون فيه : كلام ملفوظ به!! # أنظر الابانة ، الطبعة المنيرية بالقاهرة ، ص 30 PageV01P011 # فلا (1) بد على هذا القول لو سلم من تقدم معرفة الله تعالى ، وإبطال ~~القول بأنه يوصل إلى معرفة الله عز وجل بالقرآن! # على أن الذى « يقوله من حصل (2) منهم أنه لا بد من أن يثبت القرآن صحيحا ~~وأخباره صدقا ، لكى (3) يصح أن يكون حكاية للكلام الذى هو من صفات ms008 الذات أو ~~عبارة (4) عنه ، ولا يصح الاستدلال به إلا على هذا الحد ، فيجب أن يعلم ~~أولا صحته على الحد الذى « قلنا ليمكن (5) الاستدلال به ، وفى هذا تحقيق ~~على ما قدمناه. فأما الكلام فى أنه صادق لنفسه فانه لا يؤثر فى هذا الباب ، ~~لأنا إنما قصدنا إلى بيان حال القرآن الذى هو عند الكل محدث من قبله عز وجل ~~، وبينا أن الاستدلال به إنما يمكن بعد أن يعرف أن فاعله حكيم وأنه لا ~~يختار فعل القبيح. فالذى ذكروه من أنه صادق لنفسه لو ثبت لم (6) يؤثر فى ~~هذا الباب ، فكيف وقد بينا فساد ذلك بوجوه كثيرة؟! منها : أن الصدق قد يكون ~~من جنس الكذب ، فلا (7) يتميز أحدهما من الآخر بكونه صدقا أو كذبا ، فلا ~~(8) يجوز أن يختص الموصوف بأحدهما دون الآخر لذاته ، كما لا يصح ذلك فى ~~سائر الأفعال ، ولا فرق والحال هذه بين من قال إنه صادق لنفسه فلا (9) يجوز ~~أن يكذب. وبين من قلب ذلك على قائلة و[ قال ] كان يجب لو كان صادقا لنفسه ~~أن يكون صادقا بالإخبار عن كل ما يجوز أن يخبر عنه ، كما يجب لما كان عالما ~~لنفسه أن يعلم كل ما يصح أن يعلمه. وتقصى ذلك يخرج عن الغرض. وما أوردناه ~~فيه كاف. PageV01P012 ### |||| ** 5 مسألة : فان سأل فقال : إنكم بنيتم (1) الكلام فى المتشابه على أنه من الباب الذى ~~يمكن أن يستدل به ، كالمحكم ، وإن كان يحتاج إلى قرينة محددة ، وهذا إنما ~~كان يتم لو صح أن المتشابه مما يمكن أن يعرف المراد به ولا يكون الغرض ~~بإنزاله الإيمان به فقط. فبينوا فساد هذا القول ، فان كثيرا من الناس ~~يعتمده فيقول : إن المتشابه هو الذى لا يعلم تأويله الا الله ، وهو الذى لا ~~سبيل للمكلف الى العلم به وانما كلف الإيمان به. وانما يفارق المحكم بأن لا ~~يمكن أن يعلم المراد به كالمحكم ، ولا يصح كونه دلالة كما يصح ذلك فى ~~المحكم. وعلى هذا الوجه قال قوم إن المتشابه هو نحو قوله عز وجل : ( ~~@QUR@01 المص ms009 )، ( @QUR@01 كهيعص ) إلى ما يشا كله مما لم يوضع فى اللغة ~~لشيء ، فيكون دلالة على المراد بوجه من الوجوه ، وقوله عز وجل : ( @QUR@05 ~~وما يعلم تأويله إلا الله ) (2) بعد تقدم ذكر المتشابه يدل أيضا على صحة ~~هذا القول. # فأنتم بين أمرين : إما أن تقولوا بما قدمتم فيبطل بهذا الوجه ، أو تقولوا ~~فى المتشابه إنه لا يمكن أن يعلم المراد به فيؤدى إلى كونه عز وجل عابثا فى ~~إنزاله له (3) تعالى الله عن ذلك! # قيل له : لا يجوز عليه عز وجل أن يخاطب إلا لغرض يرجع الى المكلف لأنه ~~يستحيل عليه المنافع والمضار ؛ فإنما يقصد بخطابه نفع المكلف ، كما يقصد ~~بسائر أفعاله PageV01P013 # مصالح العباد ، وقد ثبت أن النفع لا يقع بالخطاب بجنسه ولا بسائر صفاته ، ~~وإنما يقع به لأمر يرجع إلى معناه ، ولذلك يقبح من أحدنا إذا كان غرضه ~~إفهام الغير ومخاطبته أن يخاطبه بالزنجية مع تمكنه من أن يخاطبه بالعربية ، ~~ولا سبيل له إلى معرفة الزنجية البتة. فإذا صح أنه عز وجل خاطب بلغة مخصوصة ~~وغرضه نفع المكلف على ما بيناه ، فلا (1) بد فى جميع كلامه من أن يكون ~~دلالة يمكن أن يستدل به على المراد ، ولو جوزنا والحال هذه فى بعض خطابه أن ~~لا يكون عز وجل أراد به ما يصح من المكلف أن يعرفه ، لجوزنا ذلك فى سائره. ~~وذلك يوجب أن لا يوثق بشيء من خطابه ، وأن يكون عابثا فى ذلك ، وأن لا يكون ~~بينه وبين أن يخاطبنا ونحن عرب بالزنجية فرق! وفساد ذلك يبطل هذا القول. # فأما قول من يقول إن الواجب فى المتشابه الإيمان به فقط فذلك بعيد ، لأنه ~~يجب أن يعلم على أى وجه يصح أن يخاطب عز وجل به ، ثم يؤمن المكلف به على ~~ذلك الوجه. وإن كان المخالف يقول انه نؤمن (2) بأنه من كلامه تعالى وأنه لم ~~يرد به شيئا ، فهو الذى بينا فساده. وان قال : نؤمن أنه قد أراد به ما ~~للمكلف فيه نفع ولا يمكنه أن يعرف ذلك ، فهذا يوجب كونه عابثا ، وكأنه ms010 أوجب ~~على الخلق فى المتشابه أن يعتقدوا فيه أنه لا فائدة فيه ، ويتعالى الله عن ~~ذلك. وكتاب الله عز وجل ينطق بما قلناه ، لأنه بهن أنه أنزله فيكون (3) ~~شفاء وهدى ورحمة ، وبين أن فيه البيان ، والكفاية واقعة به ، ولو كان لا ~~يفهم به المراد لم يصح ذلك فيه. PageV01P014 # وأما قوله عز وجل : ( @QUR@05 وما يعلم تأويله إلا الله ) فقد تأوله ~~العلماء على وجهين : أحدهما : أنه عطف بقوله : ( @QUR@03 والراسخون في ~~العلم ) عليه ، فكأنه قال : وما يعلم تأويله الا الله والا الراسخون فى ~~العلم ، وبين أنهم مع العلم بذلك يقولون آمنا به فى أحوال علمهم به ، ليكمل ~~مدحهم ، لأن العالم بالشيء اذا أظهر التصديق به فقد بالغ فيما يلزمه ، ولو ~~علم وجحد كان مذموما. # والثانى : أن قوله تعالى : ( @QUR@05 وما يعلم تأويله إلا الله ) مستقل ~~بنفسه ، ثم ابتدأ بقوله : ( @QUR@06 والراسخون في العلم يقولون آمنا به ). ~~وحمل أصحاب هذا القول التأويل على أن المراد به المتأول ، لأنه قد يعبر ~~بأحدهما عن الآخر ؛ ألا تراه عز وجل قال : ( @QUR@07 هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله (1)) والمراد به المتأول والمعلوم من حال المتأول الذى هو ~~يوم القيامة والحساب ومقادير العقاب أنه عز وجل يختص بالعلم به وبوقته ، ~~لأن تفصيل ذلك لا يعلمه أحد من العباد. # فعلى هذا القول لا يجب أن يكون المتشابه مما لا يعلم المكلف تأويله. # ولو كان المراد به ما قاله المخالف ، من أن المتشابه لا يعلم تأويله الا ~~الله ، وأن سائر المكلفين انما كلفوا الإيمان به ، لم يكن لتخصيصه العلماء ~~فى باب الإيمان به بالذكر معنى!! لأن غير العلماء لا يلزمهم الا ما يلزم ~~العلماء ، فلما قال : ( @QUR@06 والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) فخصهم ~~بذلك ، علم أن المراد به أنهم لما علموا المراد بالمتشابه صح منهم الإيمان ~~به فخصهم (2) بالذكر دون غيرهم. # ولو لا أن الأمر كما قلناه (3) لم يكن لجعله تعالى المحكم أصلا للمتشابه ~~معنى ان لم يلزم الا (4) الايمان به!. PageV01P015 # ولو لا صحة ذلك لم يكن لذمة من يتبع المتشابه ابتغاء ms011 الفتنة معنى ، لأنه ~~كان يجب فى كل من اتبع المتشابه أن يكون مذموما ، لأنه انما يلزم الإيمان ~~به فقط ، فلما ذمهم على اتباعهم المتشابه لابتغاء الفتنة ، علم أن من اتبع ~~المتشابه للدين وعلى الوجه الصحيح ، يكون محمودا. # فكل ذلك يبين أنه ليس فى كتاب الله عز وجل شيء الا وقد أراد عز وجل به ما ~~يمكن المكلف أن يعرفه ، وان اختلفت مراتب ذلك ؛ ففيه ما يستقل بنفسه ويمكن ~~معرفة المراد بظاهره وفيه ما يحتاج الى قرينة على الجملة ، وفيه ما يحتاج ~~الى قرينة (1) مفصلة. # فأما قوله عز وجل فى فواتح السور ، وذلك مثل : ( @QUR@01 المص ) (2) و ( ~~@QUR@01 الم ) (3) الى ما شاكله ، فليس من المتشابه. وقد أراد عز وجل به ما ~~اذا علمه المكلف كلن صلاحا له. وأحسن ما قيل فيه ما روى عن الحسن (4) وغيره ~~من أنه عز وجل PageV01P016 # أراد أن يجعله اسما للسور (1)، وإثبات الكلمة اسما للسورة ، والقصد بها ~~إلى ذلك مما يحسن فى الحكمة ، كما يحسن من سائر من عرف شيئا وفصل بينه وبين ~~غيره أن يجعل له اسما ليميزه به من غيره. ولم نقل : إن جميع القرآن يدل على ~~الأحكام التى ترجع إلى العباد ، وكيف نقول ذلك (2) وفيه الخبر عمن مضى وعن ~~أحوالهم ، وفيه الوعد والوعيد ، وكل ذلك لا يتضمن الحلال والحرام!. وإنما ~~قلنا : إنه لا بد فى جميعه من أن يكون قد قصد به ما إذا وقف العبد عليه كان ~~صلاحا له. # وقد قيل فى ذلك إنه عز وجل أراد بهذه الحروف المقطعة أن « يبين أن (3) ~~كتابه المنزل مركب من هذه الحروف ، وأنه ليس بخارج عن هذا الجنس المعقول ، ~~وأنه مع ذلك قد اختص من الفصاحة بما عجز الخلق عنه. وذلك يبين قوة إعجازه ، ~~ويبطل قول من يظن أن كلامه عز وجل مخالف لكلامنا. # وقد قيل فيه غير ما ذكرناه ، والغرض أن نبين أنه ليس فى القرآن ما يخرج ~~عن أن يقع به فائدة ، فلا (4) وجه لتقصى الأقاويل فى ذلك. # ( م 2 متشابه القرآن ) PageV01P017 # فإن قال : فإذا كان ms012 المتشابه بانفراده لا يعرف المراد منه فيجب أن يكون عبثا!! # قيل له : إنه إذا أمكن أن يعرف المراد به وبغيره معا فقد اختص بوجه فى ~~(1) الحكمة ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح فى بعض الأدلة أن يستقل بنفسه ~~فيعرف المراد به بانفراده ، وفى بعضها أن لا يعرف المراد به إلا مع غيره ، ~~ألا ترى أن العادة قد جرت أنا نعلم المدركات الواضحة بالإدراك ، ولا نعلم ~~بالأخبار ما تتناوله إلا إذا تكررت ، وكذلك المدركات إذا غمضت. فإذا جاز ~~اختلاف المصالح فيما يفعله تعالى من هذه العلوم ، ففيها ما يفعله تعالى ~~ابتداء. وفيها ما يفعله عند سبب واحد ، وفيها ما يفعله عند سبب واحد ، ~~وفيها ما يفعله عند أسباب بحسب ما يعلم من الصلاح فكذلك ما يكلفناه عز وجل ~~من العلوم لا يمتنع أن تختلف المصلحة فيه ، على ما بيناه فى المحكم ~~والمتشابه. على أنا قد بينا أن المحكم أيضا يحتاج إلى مقدمات ليصح أن يعرف ~~به المراد ، فإن (2) كان ما قاله السائل يقدح فى المتشابه فيجب أن يقدح فى ~~إثبات المحكم ، وفساد ذلك (3) ظاهر. ### |||| ** 6 مسألة : فإن (4) سأل فقال : قد بينتم أن المتشابه يمكن أن يعلم به المراد (5) على ~~بعض الوجوه ، كالمحكم ، وإن كان للمحكم المزية فى هذا الباب ، فبينوا ~~المتشابه بحد يفصل بينه وبين المحكم ، وقد خالفكم فيه كثير من العلماء ، ~~ففيهم من قال : إن المتشابه هو المنسوخ ، والمحكم هو الناسخ. وفيهم من قال ~~: إن المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه هو القصص والأمثال PageV01P018 # وفيهم من قال : إن المحكم هو ما بين لنا مقاديره وشروطه من الأحكام ، ~~والمتشابه هو ما لم يبين لنا حاله من الصغائر والكبائر. إلى غير ذلك من ~~الخلاف. # قيل له : إن المحكم إنما وصف بذلك لأن محكما أحكمه ، كما أن المكرم إنما ~~وصف بذلك لأن مكرما أكرمه ، وهذا بين فى اللغة. وقد علمنا أنه تعالى لا ~~يوصف بأنه أحكم هذه الآيات المحكمات من حيث تكلم بها فقط ، لأن المتشابه ~~كالمحكم فى ذلك ، وفى سائر ما يرجع ms013 إلى جنسه وصفته ، فيجب أن يكون المراد ~~بذلك أنه أحكم المراد به بأن جعله على صفة مخصوصة لكونه عليها تأثير فى ~~المراد وقد علمنا أن الصفة التى تؤثر فى المراد هى أن توقعه على وجه لا ~~يحتمل إلا ذلك المراد فى أصل اللغة ، أو بالتعارف ، أو بشواهد العقل. فيجب ~~فيما اختص بهذه الصفة أن يكون محكما ، وذلك نحو قوله تعالى : ( @QUR@06 قل ~~هو الله أحد الله الصمد ) (1) ونحو قوله : ( @QUR@06 إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ) (2) إلى ما شاكله. # فأما المتشابه فهو الذى جعله عز وجل على صفة تشتبه على السامع لكونه ~~عليها المراد به من حيث خرج ظاهره عن أن يدل على المراد به ، لشيء يرجع إلى ~~اللغة أو التعارف ، وهذا نحو قوله تعالى : ( @QUR@04 إن الذين يؤذون الله ) ~~(3) إلى ما شاكله ، لأن ظاهره يقتضى ما علمناه مجالا ، فالمراد به مشتبه ~~ويحتاج فى معرفته الى الرجوع إلى غيره من المحكمات. PageV01P019 # وهذا هو حقيقة المحكم والمتشابه ، واللغة شاهدة بصحة ما ذكرناه فيهما ، ~~فأما أن يجعل الناسخ محكما والمنسوخ متشابها فبعيد ، لأن اللغة لا تقتضى ~~ذلك ، وقد يكون المنسوخ مما يدل ظاهره على المراد فيكون محكما فيما أريد به ~~وان نسخ وقد يكون الناسخ غير مستقل بنفسه فيكون متشابها وإن كان المراد به ~~ثابتا (1) وكذلك (2) القول فى القصص إنه إذا كان المراد به جليا وجب أن ~~يكون محكما ، فالذى قال من خالفنا فى هذا الباب يبعد قوله عن الصواب ، وصح ~~أن المحكم والمتشابه هما ما ذكرناه ، وقوله (3) عز وجل فى المحكمات : ( ~~@QUR@03 هن أم الكتاب ) يدل على ذلك ، لأنه جعل لها هذه المزية على ~~المتشابه (4)، وذلك لا يصح إلا على الوجه الذى قلناه (5) دون ما حكيناه. ### |||| ** 7 مسألة : فإن سأل (6) فقال : كيف يصح ما ذكرتموه وقد وصف عز وجل جميع القرآن بأنه ~~محكم ، بقوله تعالى : ( @QUR@04 الر ، كتاب أحكمت آياته ) (7) ووصف جميعه ~~بأنه متشابه بقوله : ( @QUR@06 الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) (8)، ~~وهذا يمنع ما ذكرتموه من انقسام القرآن إلى القسمين اللذين ذكرتموهما! # قيل له : إن الذى ms014 ذكرناه من أن فيه محكما ومتشابها قد ورد الكتاب بصحته ~~فى قوله عز وجل : ( @QUR@013 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب ، وأخر متشابهات ) ويجب أن يفصل بينهما بما ذكرنا. فأما PageV01P020 # وصف جميعه بأنه محكم فليس المراد به ما قدمناه ، وإنما (1) أريد به أنه ~~تعالى أحكمه فى باب الإعجاز والدلالة على وجه لا يلحقه خلل ، ووصف جميعه ~~بأنه متشابه ، المراد به أنه سوى بين الكل فى أنه أنزل على وجه المصلحة ودل ~~به على النبوة ؛ لأن الأشياء المتساوية فى الصفات المقصود إليها يقال فيها ~~متشابهة. فإذا صح ذلك لم يطعن ما ذكره السائل فيما قدمنا ذكره من حقيقة ~~المحكم والمتشابه. ### |||| ** 8 مسألة : وإن سأل فقال : ما وجه المصلحة فى أن جعل تعالى بعض القرآن محكما وبعضه ~~متشابها ، وما أنكرتم أن الصلاح فى أن يجعله كله محكما ، وأن فى المتشابه ~~فسادا ؛ لأنه يؤدى إلى الجبر فى الدين ، ولو كان عز وجل قد بين المراد ~~بالجميع على حد (2) واحد ولم يجعل فى ظاهره (3) ما يشبه التناقض لكان أقرب ~~إلى البصيرة وزوال الشكوك ، وإلى أن لا يدل ظاهره إلا على الحق. وهذا ينقض ~~ما ذكرتموه من أنه عز وجل يخاطب العباد لنفعهم وصلاحهم ، لأن المتعالم ممن ~~يقصد بخطابه إفهام المخاطب أن يقبح منه ألا يجلى مراده إذا أمكنه ذلك ، ~~ومتى لبس مراده وأوقع خطابه محتملا كان ذلك ناقضا لما قصده ، فكيف (4) يصح ~~أن يكون عز وجل قد أراد إفهام المكلف بما أنزله من القرآن ، وأن يجعله ~~بيانا وشفاء وهدى ورحمة ، وجعله مع ذلك مشتبها ملتبسا وهو قادر على أن ~~يجعله واضحا جليا لا يشتبه على أحد من السامعين!؟ # وبعد ، فلو حسن من المخاطب أن يخاطب تارة بالمحكم وتارة بالمتشابه ، PageV01P021 # لوجب أن يكون الخطاب بالمحكم أولى وأقرب إلى البيان ، ولا يفعل عز وجل فى ~~خطابه إلا الأولى فى الحكمة والمصلحة ، فيجب من هذا الوجه ألا يحسن أن ينزل ~~بعضه متشابها. # وكيف يصح ذلك وقد نفى عز وجل عن كتابه الاختلاف بقوله ms015 : ( @QUR@010 ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (1)؟ ومتى أثبت فيه ~~المحكم والمتشابه أدى إلى الاختلاف والتناقض ، وكل ذلك يوجب القدح فى ~~القرآن وإبطال ما ذكرتموه فى المحكم والمتشابه! # قيل له : إن هذا السائل لا يخلو من أن يكون قد سلم أنه عز وجل حكيم لا ~~يفعل القبيح أو لم يسلم ذلك وينازع فيه. # فإن كان مخالفا فيه لم نكلمه فى هذا الفرع ، لأنا قد بينا فيما تقدم أن ~~جميع القرآن إنما يمكن أن يستدل به ويعلم صحته ، ووجه دلالته متى علم من ~~حال فاعله أنه حكيم لا يكذب فى أخباره ، ولا يفعل الخطاب على وجه يقبح عليه ~~(2). ومحال أن يكلم من يجحد ذلك فى فرع من فروعه. # فأما إن سلم ذلك فإن مكالمته فى هذا الباب تصح ، وإن كان تسليمه مع القول ~~بأن القرآن من فعله يقتضى إبطال مسألته ، لأنه قد سلم فى الجملة أنه جل وعز ~~حكيم لا يفعل إلا الحكمة والصواب ، واشتباه وجه الحكمة علينا لا يؤثر فى ~~هذا الوجه الذى قد ذكرناه. وهذا بمنزلة أن يعلمن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لا يكذب فى أخباره ، فمتى أخبر بشيء ولم يعلم كيفيته فيجب أن يسلم به (3) PageV01P022 # أنه صدق وإن لم يعلم حال المخبر عنه ، فكذلك القول فيما قدمناه. # وأكثر ما يجب فى إبطال هذه المسألة أن نبين أن المصلحة قد تتعلق ~~بالمتشابه فقط ، ومتى بين ذلك بطل ما أوردوه (1): # واعلم أن الغرض بكتاب الله جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما ~~(2) يتصل بذلك من الثواب والعقاب ، والقصص وغيره. والعلوم قد يجوز أن يكون ~~الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة. ومتى كانت ضرورية فقد يكون ~~الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة ، وقد يكون الصلاح فى خلافه. وكذلك المكتسب ~~قد يكون الصلاح فى (3) أن ينجلى طريقه ، وقد تكون المصلحة فى أن يغمض ذلك. ~~وصارت العلوم فى هذا الوجه بمنزلة سائر الأفعال التى يفعلها تعالى والتى ~~يكلفناها. # فإذا ثبت ذلك ، فكما ليس لأحد من أصحاب ms016 المعارف (4) أن يقول : ما الفائدة ~~فى أن نكلف اكتساب المعرفة بالله عز وجل وبتوحيده وعدله ، وهلا جعل ذلك ~~أجمع فى العلوم الضرورية ؛ ليكون أجلى ولتزول عنه الشبه والشكوك ، فكذلك لا ~~يجوز لهذا السائل مثله فى طرق الأدلة فيقول : هلا جعلها عز وجل متفقة فى ~~الوضوح!. وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفى القياس والاجتهاد إذا عول على ~~أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها ، فقلنا : إن ~~المصلحة قد تختلف فى طرق الأحكام # أنظر الملل والنحل للشهرستانى بهامش الفصل لابن حزم 1 / 94. # وانظر شرح الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ص 55 فما بعدها. PageV01P023 # كما تختلف فى نفس الأحكام ، فكما لا يجوز أن يقال فيها : إنه يجب أن يجرى ~~على وجه واحد ، فكذلك القول فى طريقها وأدلتها. ولا فرق بين من قال ذلك ~~وبين من قال إن الرسول صلوات الله عليه إذا جاز أن يبين الشرع بأن يضطر إلى ~~مراده ، فيجب فى كل شرع أن يبينه على هذا الحد ، وكما (1) لا يجب ذلك ، بل ~~يجب التسليم للعالم بالمصالح ، ففيه ما يقع البيان فيه على هذا الوجه ، ~~وفيه ما يعلم باكتساب « ثم يختلف (2) وينقسم ، فكذلك (3) القول فى كتابه عز ~~وجل. ولا فرق بين من سلك هذه الطريقة وبين من قال فى العلوم المكتسبة من ~~جهة العقل : إذا كان بعضها يعلم بأن يرد إلى أصل ضرورى فيجب فى جميعها ~~ذلك!. فكما لا يجب هذا لاختلاف أحوال طرق العلوم واختلاف المصلحة فيهما ، ~~فكذلك (4) القول فى السمعيات. وكما ليس لأحد فى نفس المحكم (5) أن يقول : ~~هلا جرى على طريقة واحدة فى الوضوح ، لأنه قد يختلف فى هذا الوجه وإن اتفق ~~الكل فى أنه قد أحكم المراد به ، فكذلك ليس له أن يلزم فى البيان السمعى أن ~~يجعل بابا واحدا فلا يكون إلا محكما ، ولا فى (6) نسخه فلا يجعله إلا بابا واحدا. # ونحن نبين الآن أن (7) المتشابه قد يكون له مزية على المحكم فى المصلحة ، ~~والذى قدمناه من الأصل قد بين إبطال قدح ms017 الملحدة وغيرهم بما أوردناه فى ~~القرآن : # اعلم أنه قد ثبت أن كل شيء كان أدعى للمكلف إلى فعل ما كلفه وأقرب ، وأشد ~~صرفا له عما يقبح ، ففعله فى الحكمة واجب ، وربما كان أولى من غيره PageV01P024 # وعلى هذا الوجه بنينا الكلام فى اللطف بأن قلنا : إنه عز وجل يفعل ~~بالمكلف كل (1) كل ما يكون أدعى له إلى فعل ما كلف ، وهو الذى أراده عز وجل ~~بقوله ( @QUR@012 ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ) (2). # فاذا صح ذلك (3) وثبت أن الواجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالنظر فى ~~الأدلة ويحرم عليه الرجوع إلى التقليد فى ذلك ، فكل أمر يبعث على النظر ~~ويصرف عن التقليد فهو أولى فى الحكمة مما الأقرب فيه أنه يدعو إلى التقليد ~~« وإنزاله عز وجل القرآن محكما ومتشابها هو أقرب إلى ذلك من وجوه ، فيجب أن ~~يكون حسنا فى الحكمة ، وأن يكون أولى من أن يجعله كله محكما (4). # فمنها : أن السامع للقرآن والقارئ له إذا رأى المحكم والمتشابه كالمتناقض ~~فى الظاهر لم يكن بأن يتبع أحدهما أولى من الآخر فيما يرجع إلى اللغة ، ~~فيلجئه ذلك ، إذا كان ممن يطلب الدين والبصيرة ، إلى (5) الرجوع إلى أدلة ~~العقول لينكشف له بها الحق من الباطل ، فيعلم عند ذلك أن الحق فى المحكم ، ~~وأن المتشابه يجب حمله على موافقته. # ومنها : أنه عند نظره فيهما جميعا ، والتباس الأمر عليه يحوج إلى مذاكرة ~~العلماء ومباحثتهم ومساءلتهم ما يحتاج إليه فى أمر دينه إذا كان ممن يطلب ~~الفوز والنجاة ، ومتى رجع إليهم وحصلت المباحثة كان ذلك أقرب إلى أن يقف ~~على ما كلف من معرفة الله تعالى ، وكل أمر أدى إلى ما يؤدى إلى معرفة الله ~~فهو أولى. PageV01P025 # ومنها : أن كون القرآن كذلك يصرفه أن يعول على تقليده ، لأنه يرى أنه ليس ~~بأن يقلد كلامه عز وجل فى نفى التشبيه ؛ لقوله عز وجل ( @QUR@03 ليس كمثله ~~شيء ) (1) أولى من أن يقلده فى خلافه ، لقوله عز وجل : ( @QUR@02 وجاء ربك ~~) (2) فكما أن اختلاف العلماء ms018 فى الديانات ، وقول بعضهم فى المذهب بخلاف ~~قول صاحبه يصرف المميز عن تقليدهم ، لأنه يعلم أنه ليس تقليد بعضهم بأولى ~~من تقليد سائرهم ، فكذلك انقسام القرآن إلى الوجهين اللذين ذكرناهما يصرف ~~عن ذلك لا محالة ، وما (3) صرف عن التقليد المحرم وبعث على النظر ~~والاستدلال فهو فى الحكمة أولى (4). # فان قيل : إن كان الأمر كما ذكرتم فيجب فى الواحد منا إذا قصد (5) ~~بتأليفه وخطابه الإفهام والبيان أن يكون كلامه كلما كان أشد اختلافا ، ~~وأقرب (6) إلى الالتباس والتناقض فى الظاهر ، أولى فى الحكمة. فإذا قبح ذلك ~~فى الشاهد وجب مثله فى خطابه عز وجل ، لأنكم قد بينتم أن غرضه عز وجل به ~~البيان والتعريف!. # قيل له : إنه تعالى يعلم مصالح العباد ، فيفعل الخطاب وغيره على ما تقتضيه PageV01P026 # الحكمة والمصلحة ، وقد دل بالعقل على أنه تعالى لا يريد بذلك أجمع إلا ~~الوجه الصحيح ، فصارت الأدلة المبينة لذلك فى الحكم كأنها مقارنة لكل خطاب ~~صدر عنه ولكل فعل فعله ، فحسن (1) منه فى الحكمة أن يجرى خطابه على ما ~~ذكرناه ، وليس كذلك حال الواحد منا ؛ لأن الأدلة لم تؤمن الخطأ فى (2) فعله ~~، ولا هو عارف بالمصالح. وإذا كان غرضه الإفهام ثم فعل ما ينقض ذلك وجب ~~فساده ، ولذلك « جوزنا على (3) الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان المعجز ~~أمن فيه الخطأ أن يخاطب مرة بالمحكم والمفسر أخرى بالمجمل المشتبه (4) بحسب ~~المصالح. وقد يظن الواحد منا إذا كان عالما بطريق المتعلمين أن بعضهم إذا ~~وكل إلى نفسه ولم يبالغ له (5) فى التفسير يكون أقرب إلى كثرة الفكر فيما ~~يتعلمه ، فيحسن ذلك منه ، وإن لم يحسن فى غيره إلا المبالغة فى البيان. ~~وغلبة الظن تقوم مقام العلم فيما له (6) تحسن وتقبح الأمور التى تتعلق ~~بمنافع الغير ودفع المضار عنه. فإذا حسن ما ذكرناه فى الشاهد لم يمتنع مثله ~~فى أفعاله « تعالى إذ » (7) كان عالما بالمصالح والعواقب. # ولهذه الجملة ، صح فيما (8) ذكره عز وجل فى القرآن من وجوه الأدلة أن ~~يقتصر فيها على الجملة والتنبيه ، دون الاستقصاء فى ms019 شروطه ، لأن ذلك مما ~~يعلم بظاهره المراد ، وإنما أنزله عز وجل ليبعث على النظر والفكر ، ~~فالاقتصار فيه على الجملة ربما يكون أدعى إلى كثرة الفكر من المبالغة فى ~~تفسيره. وعلى هذا الحد حصل فى كتاب (9) الله عز وجل التكرار والتأكيد ~~والإطالة والإيجاز PageV01P027 # فيما يتصل بالعقليات ، وفى الأحكام السمعية ، لأنه جل وعز خاطب به على ~~حسب ما علم من الصلاح فيه. # وقد قيل فى وجه الحكمة فى ذلك : إنه (1) تعالى علم أن ذلك أدعى إلى نظر ~~جميع المختلفين فى القرآن بأن يظن كل واحد منهم أن يجد فيه ما ينصر به (2) ~~قوله ومذهبه ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@09 فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ) فنبه بذلك على أنهم ينظرون فيه لهذا (3) القصد ، ~~فقصدهم وإن قبح فإن نظرهم فيه يحسن ، ومن هو من أهل الدين ينظر فيه لا على ~~هذا الحد (4). # فإذا صح أن ذلك أدعى إلى نظر الجميع فيه ، والتدبر والتفكر فى آياته ~~ومعانيه وعجائب ما أودع تعالى فيه من الأدلة والبيان ، فيجب أن يكون أولى ~~فى الحكمة من أن يجعله كله (5) محكما فيعلم المحق والمبطل أنه إنما يدل ~~ظاهره على طريقة واحدة. # وليس لأحد أن يقول إن ذلك إذا كان أدعى إلى النظر فيه ابتغاء الفتنة فيجب ~~أن يقبح! وذلك لأن النظر فى الأدلة وما يجرى مجراها يحسن على كل حال ، ~~وإنما يقبح من الناظر أن يقصد بنظره الفتنة ، والقصد من قبله ، فإذا كان ~~كذلك لم يؤد جعله عز وجل القرآن محكما ومتشابها إلى ما ظنه من الفساد. # ومما يقوى ذلك ، أن المتشابه يحتاج إلى نظر زائد ، فيه تعريض لثواب زائد ~~، فكما لا يجوز فى سائر ما شق فى التكليف أن يقال إن فيه فسادا ، بل PageV01P028 # يجب أن يقال إنه حسن فى الحكمة و[ فيه ] تعريض لمزيد منفعة ، فكذلك القول ~~فى المتشابه ، ولم نقل ذلك ؛ لأنه يحسن منه تعالى أن يكلفه للثواب فقط ، بل ~~لا بد فيما كلفه من أن يختص بوجه له يستحق الثواب فيه ، فإذا حصل فى ms020 ~~المتشابه ذلك الوجه صح أن يعرض به تعالى لزيادة الثواب ، وحسن فى الحكمة من ~~هذا الوجه ، كما يحسن التكليف السمعى بعد التكليف العقلى. # ومما يبين ذلك أنه لو كان أجمع محكما لكان الأكثر يتكلون على التقليد ، ~~لأنهم الآن ربما اتكلوا على تقليده وفيه متشابه ، فكيف به لو كان جميعه ~~محكما؟ ومتى انقسم إلى الأمرين كان أقرب إلى أن يطلبوا الترجيح فى أحدهما ~~بالنظر والتفكر. وأنت ترى من يطلب التفقه ، إذا اختلفت الأقاويل والروايات ~~يكون أطلب لوجوه الترجيح وأكثر تفكرا فيها منه إذا لم يجد فى الروايات ~~اختلافا. فإذا كانت هذه العادة معقولة لم يمتنع أن يعلم تعالى أنه إذا ~~أنزله محكما ومتشابها يكون ذلك أدعى لهم إلى كثرة الفكر ، ليميزوا ما يجب ~~أن يعتقد ظاهره مما يجب أن يرجع فيه إلى الدليل ، فيجب أن يكون ذلك فى ~~الحكمة أولى. # وقد بينا أن القديم عز وجل قد ثبت أنه لا يختار فعل القبيح لكونه عالما ~~به ، وبأنه (1) غنى عنه ، فيجب إذا وجدنا فى أفعاله ما يشتبه ظاهره أن ~~نحمله على الوجه الذى يحسن وقوعه عليه ، كما قلنا فى الآلام التى يفعلها ~~الله تعالى بالمكلف وغيره ، فقلنا : إذا لم يجز كونها قبيحة ، لهذه الدلالة ~~، فلا بد من إثباتها حسنة ، فإذا لم يصح أن يحسن الاستحقاق ؛ لأنه لا ذنب ~~مقدم للطفل المؤلم ، ولم يجز أن يكون PageV01P029 # لدفع الضرر لأنه تعالى قادر على دفعه من دون الألم ، فيجب أن يكون للنفع ~~والاعتبار. وكذلك إذا خاطب بالمحكم والمتشابه والتبس ظاهره ، فالواجب أن ~~نصرف الأمر فيه إلى وجه تقتضيه الحكمة ، وقد بينا الوجوه التى يمكن صرف ذلك إليها. # وهذه جملة كافية فى هذا الباب. ### |||| ** 9 مسألة : وإن سأل فقال : قد دللتم على إثبات المحكم والمتشابه ، وعلى مفارقة أحدهما ~~للآخر ، وعلى حسنهما فى الحكمة ، فبينوا الوجه الذى به يعرف مراد الله ~~تعالى بخطابه المحكم (1) والمتشابه ، وما يحتاج المتشابه إليه من الزيادة ~~فى ذلك ليعرف ، ويعلم أن من عرفه أمكنه الاستدلال بالقرآن ، ومن جهله تعذر ~~ذلك عليه. # قيل ms021 له : إن المكلف إذا عرف الله تعالى بما يختص به فى ذاته ، بأن علمه ~~موجودا ، قديما ، قادرا ، عالما بصحة الأفعال المحكمة منه (2) التى تتعذر ~~على سائر القادرين. وعلم أنه حى مدرك سميع بصير ، من حيث علم أن القادر لا ~~يكون إلا حيا ، والحى الذى تستحيل عليه الآفات لا بد من كونه سميعا بصيرا ~~مدركا. وعلم أنه ليس بجسم ، لأن من حق الجسم أن يكون مؤلفا متحيزا لا يخلو ~~من الحوادث ، وما هذه حاله يجب كونه محدثا ، وقد ثبت أنه تعالى قديم. وعلم ~~أنه غنى ، لأن المحتاج لا بد من جواز الشهوة عليه ، ومن هذه حاله يجوز عليه ~~الزيادة والنقصان ، ويتعالى الله عن ذلك. وعلم أنه يعلم جميع المعلومات ، ~~من حيث هو عالم لذاته. فلا (3) يختص بمعلوم دون معلوم ، وإنما يختص أحدنا بذلك PageV01P030 # لأنه يعلم بعلوم ، ومن حقها أن تتعلق بمعلومات مخصوصة ؛ لأن كل علم فإنما ~~يتعلق بمعلوم واحد. # فإذا علم ذلك ، وعلم بالاختبار فى الشاهد أن المستغنى عن القبيح ، العالم ~~بقبحه لا يختاره ، وأنه إنما يختار ذلك إما لجهل بحال القبيح ، أو بحاله [ ~~هو ] فى استغنائه عنه ، فيقدر فى القبيح أنه حسن ، أو يقدر أنه محتاج إليه ~~، أو لأنه يعلم أنه يحتاج إليه فى الحقيقة. فأما إذا زالت هذه الوجوه أجمع ~~، فإنه لا يختار القبيح ، كما لا يختار أحدنا والحال هذه التشويه بنفسه ~~والإضرار بها. # فإذا صح بالاختبار عنده ما ذكرناه ، وعلم أنه تعالى عالم بكل قبيح ، ~~وبأنه مستغن عنه ، لم يجز أن يختاره. # فإذا صح عند العارف بالله عز وجل أنه لا يفعل القبيح ، وعلم بالاختبار أن ~~الخبر يقبح إذا كان كذبا ، والأمر يقبح إذا كان أمرا بقبيح ، وجب أن ينفى ~~عن أخبار القرآن الكذب ، وعن أوامره أن تتعلق بالقبيح. # ومتى علم أن الألغاز والتعمية إنما يحسن من أحدنا أن يستعملها لحاجة إلى ~~اجتلاب منفعة أو دفع مضرة ، ولا يحسن استعمالها متى كان الغرض البيان ~~والإفادة فقط. وثبت أنه تعالى لا يجوز عليه المنافع والمضار ، وأنه يخاطب ~~المكلف لمصالحه ms022 ويقصد بالخطاب البيان والتعريف. فلو جوزنا والحال هذه فى ~~بعض خطابه التعمية لجوزنا فى سائره ، وفى ذلك إخراج القرآن أجمع من أن يكون ~~حجة وبيانا ، فيجب إذا علمنا أنه تعالى لا يفعل القبيح ، ولا يكذب فى ~~أخباره ، ولا يعمى أن يعلم أن القرآن حجة ؛ لأن الذى يخرجه من أن يكون حجة ~~بعض ما قدمنا ذكره. فإذا أمناه علم بأن الخبر صدق ، وأن الأمر حق ، فيصح ~~الاستدلال به على ما دل به عليه. PageV01P031 # ولهذه الجملة قلنا : إن المجبرة لما أضافت القبائح إلى الله لم يمكنها ~~معرفة صحة القرآن ولا أنه دلالة ، لأنه يلزمها (1) أن تجوز أن يكون كذبا ~~وأمرا بباطل. وكذلك قلنا : إن من يقول من المرجئة بالوقف على وجه مخصوص ، ~~لا يمكنه أن يعرف بالقرآن شيئا ، لأنه يلزمه تجويز التعمية فى سائر كلامه ~~عز وجل ، وأن يسوى بين الخاص والعام فيه (2). # فحصل من هذه الجملة أنه يجب أن يعرف المكلف أنه تعالى لا يفعل القبيح ، ~~وأن الخبر يقبح إذا كان كذبا ، فإذا لا يجوز عليه الكذب والأمر بالقبيح ، ~~ويعلم أنه لا يجوز أن يعمى مراده فإذا يجب أن يكون مراده بالخطاب ما يقتضيه ~~ظاهره أو القرينة الدالة على المراد به من عقل أو سمع. # فبهذا الوجه يمكن أن يعلم أن القرآن حجة ، لكن المتشابه يحتاج إلى زيادة ~~فكر من حيث كان المراد به غير ما يقتضيه ظاهره ، فلا (3) بد أن يكون السامع ~~يعرف الوجه الذى يجوز أن يحمل عليه فى اللغة ، ويتأمل الدلالة التى لها يجب ~~أن يحمل على ما يحمل عليه. ولا يحتاج المحكم عند ما يطرق السمع إلا إلى ما ~~قدمناه فقط. فبهذا يفترقان وإن كان لا بد فى الاحتجاج بهما إلى الجملة التى ~~قدمناها. PageV01P032 # فأما خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكخطابه عز وجل فى أنه يجب أن ~~ينفى عنه ما قدمناه من الكذب والتعمية ، أو أن يكون واقعا على وجه منفر ، ~~لأن المعجز قد صير خطابه بمنزلة خطابه عز وجل ، فما يجب أن ينفى عن خطابه ms023 ~~تعالى يجب كونه منفيا عنه ، من حيث ثبت أن الحكيم لا يرسل الرسول وغرضه ~~بإرساله (1) البيان والتعريف ويعلم أنه يكذب عليه أو يعمى أو يحرف أو يكتم ~~(2) أو ينفر. ومتى علم من حاله انتفاء جميع هذه الوجوه عنه صح الاحتجاج بسنته. # والعلم بأن قوله صلى الله عليه وسلم حجة تابع للعلم بأنه عز وجل لا يفعل ~~القبيح ، وأن خطابه حجة ، فمن لم يعلم ذلك من حاله تعالى وحال خطابه لم ~~يمكنه أن يحتج بقول النبى صلى الله عليه وسلم. ولذلك قلنا إن من أجاز على ~~الله القبيح يلزمه أن يجوز فى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون داعيا إلى ~~الضلال وإن كان تعالى قد اختار بعثته وإظهار المعجز عليه ؛ لأنه إذا جاز أن ~~يضل جاز أن يفعل ما يكون كالسبب له وكالداعى إليه! ### |||| ** 10 مسألة : فإن سأل فقال : بينوا اختلاف الوجوه التى عليها يقع الاستدلال بالقرآن على ~~ما هو حجة فيه إن اختلفت عندكم ، ولا بد من ذلك ؛ لأنكم قد بينتم أن ~~الاحتجاج بالمحكم يقع على خلاف الوجه الذى يقع عليه الاحتجاج بالمتشابه. ~~وكذلك القول فى المجمل والمفسر والحقيقة والمجاز. # قيل له : إن الكلام فى ذلك ينقسم إلى وجهين : أحدهما يتصل بنفس الخطاب ~~وموضوعه ، والآخر بما يدل الخطاب عليه من الأحكام العقلية والسمعية ؛ لأن ~~لكل واحد من هذين تأثيرا فيما سألت عنه (3). PageV01P033 # واعلم أن الخطاب على ضربين : أحدهما يستقل بنفسه فى الإنباء عن المراد ، ~~فهذا لا يحتاج إلى غيره فى كونه حجة ودلالة. # والثانى لا يستقل بنفسه فيما يقتضيه ، بل يحتاج إلى غيره ، ثم ينقسم ذلك ~~(1) إلى قسمين : # أحدهما : يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما ، والثانى يعرف المراد به ~~(2) بذلك الغير بانفراده ، ويكون هذا الخطاب لطفا وتأكيدا. # ولا يخرج خطاب الله أجمع عن هذه الأقسام الثلاثة. والقرائن قد تكون متصلة ~~سمعا ، وقد تكون منفصلة سمعا وعقلا ، وقد بينا أن الدليل العقلى وإن انفصل ~~فهو كالمتصل فى أن الخطاب يترتب عليه ، لأن قوله جل وعز : ( @QUR@05 يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم ms024 ) (3) مع الدليل العقلى الدال على أنه لا يكلف من ~~لا عقل له ، آكد فى بابه من أن يقول : يا أيها العقلاء اتقوا ربكم. # وهذا الخطاب الذى لا يستقل بنفسه قد اختلف الناس فى العبارة عنه. وليس ~~المعتبر بالعبارات ؛ لأن وصف بعضه بأنه محكم (4)، وبعضه بأنه متشابه وبعضه ~~بأنه مجاز ، وبعضه بأنه محذوف ، إلى ما شاكله ، لا يؤثر فى أنه متفق فى ~~الوجه الذى ذكرناه ، وفى أنه يحتاج فيه إلى طلب قرينة يعرف بها المراد ، ~~لكنه قد يختلف ، ففيه ما يحتاج إلى قرائن ، وفيه ما يحتاج إلى قرينة واحدة ~~ويتفاوت فى ذلك ، وربما ظهر الحال فى تلك القرينة وربما غمض ، ولذلك يكثر ~~(5) اختلاف الفقهاء وأهل العلم فيما هذا حاله. PageV01P034 # فمتى ورد الخطاب وأمكن حمله على ظاهره وكان الخطاب ظاهرا فى وضع اللغة ، ~~أكان عاما أو خاصا ، فالواجب حمله على ما يقتضيه ، ولحق بالباب الذى يستقل ~~بنفسه ، ومتى امتنع حمله على ظاهره فالواجب النظر فيما يجب أن يحمل عليه ، ~~والنظر هو بأن تطلب القرائن على الوجه الذى ذكرناه ، فإن كان السامع قد ~~تمهدت له الأصول ، وعرف العقليات وما يجوز فيها وما لا يجوز ، وعلم ما يحسن ~~التكليف فيه وما لا يحسن ، وعلم من جمل اللغة ما يعرف به أقسام المجاز ~~ومفارقتها للحقائق ، حمله على ما أريد به فى الحال ، وإلا احتاج إلى تكلف ~~نظر عند سماعه ذلك ، فإن تكاملت الآلات له أمكنه النظر فى الحال ، وإلا ~~احتاج إلى التشاغل بما فى الأصول حتى تتكامل آلاته ، ويصير من أهل الاجتهاد ~~، فيمكنه أن يحمل الخطاب على حقه. # واعلم أن الخطاب على ضربين : أحدهما يدل على ما لو لا الخطاب لما صح أن ~~يعلم بالعقل ، والآخر يدل على ما لولاه لأمكن أن يعرف بأدلة العقول. ثم ~~ينقسم ذلك ، ففيه ما لو لا الخطاب لأمكن أن يعلم بأدلة العقول ، ويصح أن ~~يعلم مع ذلك الخطاب ، فيكون كل واحد كصاحبه فى أنه يصح أن يعلم به الغرض. ~~وفيه ما لو لا الخطاب لأمكن أن يعلم بالعقل ولا ms025 يمكن أن يعلم إلا به. # فالأول هو الأحكام الشرعية ، فإنها إنما تعلم بالخطاب وما يتصل به ، ~~ولولاه لما صح أن يعلم بالعقل الصلوات الواجبة ولا شروطها (1) ولا أوقاتها ~~، وكذلك سائر العبادات الشرعية. PageV01P035 # والثانى هو القول فى أنه عز وجل لا يرى ، لأنه يصح أن يعلم سمعا وعقلا ، ~~وكذلك كثير من مسائل الوعيد. # والثالث بمنزلة التوحيد والعدل ؛ لأن قوله عز وجل : ( @QUR@03 ليس كمثله ~~شيء ) (1) ( @QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ) (2) و ( @QUR@04 قل هو الله أحد ) ~~(3) لا يعلم به التوحيد ونفى (4) التشبيه والقول بالعدل ، لأنه متى لم ~~يتقدم للإنسان المعرفة بهذه الأمور ، لم يعلم أن خطابه تعالى حق ، فكيف ~~يمكنه أن يحتج فيما إن لم تتقدم معرفته به لم يعلم صحته؟! # فإن قال : فيجب أن لا تقولوا فى القول القرآن : إنه كله حجة! # قيل له : إنا نطلق ذلك فى جميعه من حيث حصل بجميعه الغرض (5) المقصود ، ~~وإن كنا نعلم أن فيه ما يجرى مجرى القصص من الإخبار عن الأمور الماضية ، ~~لكنه لما كان الغرض بها الاعتبار (6) الذى له تأثير فى التكليف ، وتم به ~~ذلك الغرض ، حل محل الأمر فيه والنهى ، فقيل فى الجميع إنه حجة. # ولسنا نقول فيما يدل على التوحيد إنه ليس بدلالة ، لكنا نقول إن وجه ~~الاستدلال به لا يصح إلا بعد معرفة الله تعالى ، ولذلك نصفه بأنه لطف ، ~~وتأكيد وبعث على النظر والحجاج (7)، وقد بينا ما يدل على ذلك فيه ، فلا ~~وجه لإعادته (8). PageV01P036 # وحصل من هذه الجملة أن القرآن يتفق جميعه فى أن إنزاله مصلحة تعود على ~~المكلف ، ثم يختلف حاله ، « ففيه ما يختص (1) مع ذلك بأنه دلالة على ما ~~لولاه لما علم ، وفيه ما يكون بعثا على النظر والفكر فيما نبه عليه ، وفيه ~~ما يجتمع فيه معنى اللطف ومعنى الدلالة ، كما أن جميعه قد اتفق فى كونه ~~معجزا إذا بلغ القدر المخصوص ، وإن كان حاله فى سائر فوائده تختلف. # وهذه جملة كافية فى هذا الباب. ### |||| ** 11 مسألة : وإن سأل فقال : إذا كان الأمر فيما يدل على التوحيد والعدل ما ذكرتموه ms026 فى ~~أنه لطف وتأكيد إذا دل ظاهره على الحق ، ومتى كان من المتشابه ، فالواجب أن ~~يحمل على ما يقتضيه دليل العقل ، فما الوجه فى المنازعة الشديدة فى المحكم ~~والمتشابه المختصين بهذا الباب؟ وهلا وجب الرجوع فيما يقع فيه الخلاف من ~~ذلك إلى أدلة العقول وترك التشاغل به! وذلك يبطل الفائدة فيما تكلفه ~~المشايخ من بيان المراد بالمتشابه ، وذكر وجوهه ، وبيان المحكم والفرق ~~بينهما. # قيل له : إنا قد بينا أن المعرفة بالله تعالى وبتوحيده وعدله لو لم تتقدم ~~لم يمكن أن نعلم أن القرآن حجة أصلا ، وشرحنا ذلك بما لا طعن فيه ، ولا ~~يوجب ما قلناه فى ذلك ترك التشاغل ببيان المحكم والمتشابه ، وذلك لأن فى ~~بيان ذلك إبطال ما يظنه الخصم حجة له على مذهبه الفاسد ، وفيه بيان زوال ~~التناقض عن القرآن ، وفيه بيان موافقة المتشابه للمحكم ، وموافقهما جميعا ~~لحجة (2) العقل ، وفيه تعريف المخالف أنه لا عذر له فى قيامه على الخلاف ~~للتمسك بهذه الآيات ، PageV01P037 # وأن الواجب عليه أن يعدل عن ذلك لما بينته ، كما يجب عليه النظر فى أدلة ~~العقول والتمسك بموجبها ، وكل ذلك فوائد معقولة ، يصح لأجلها التشاغل بما ذكرنا. # فأما إذا كان المتشابه من الباب الذى ذكرنا أنه يعلم بالقرآن ، فالكلام ~~فيه ظاهر ؛ لأنا نجتهد فيه لكى نصل به إلى العلم بما كلفناه ، وذلك لا يتم ~~إلا بأن ترتب الأدلة على حقها ، وكما يجب فى الأدلة العقلية أن ترتب وتعرف ~~صفاتها وشروطها ، فكذلك القول فى الأدلة السمعية. ### |||| ** 12 مسألة : فإن سأل فقال : إنكم فيما تدعون من المتشابه الذى يتعلق المخالف به ، وأنه ~~لا يدل على مذهبه ، وأنه مبطل فى الوجه الذى يصرفه إليه ، وفيما تدعون من ~~أن المحكم يدل على مذاهبكم ، وعلى الحق تنازعون ، فيجب أن تبينوا الوجه فى ~~ذلك ، ولا تقتصروا فيه على الدعوى! # قيل : إن الكلام فى ذلك يتعلق بتفصيل المحكم والمتشابه ، فالسائل عند ذلك ~~بمنزلة من سأل فقال : إنكم فى جملة ما تدعونه من المذاهب التى تعتقدونها ~~تخالفون ، فدلوا عليها! فكما أن الجواب عن ms027 ذلك إلا بذكر تفصيل المسائل ، ~~لأنه لا دليل يشملها ، والدليل على كل واحد منها غير الدليل على الآخر ، ~~فكذلك القول فيما سأل عنه ، وكما لا يصح أن يجيب المجيب ، وقد سئل عن سعر ~~البر على الجملة ، إلا بذكر تفصيله ، لأن السعر الواحد لا يجمعه ، فكذلك ما ~~ذكرناه فى باب الدين. # ونحن نبين الآن فى جمل (1) المتشابه أن ظاهره لا يدل على ما يقوله PageV01P038 # المخالف البتة ، « فإنه وإن كان آحاده كجميعه فى ذلك ، فإن الوجه (1) ~~الذى له لا يدل عليه ، يختلف ، فربما رجع فيه إلى اللغة ، وربما عول فيه ~~على التعارف وربما علم ذلك بما يتقدمه أو يتأخر [ عنه ]. إلى وجوه تكثر. # ونبين عند ذكر المتشابه فى كل سورة ما يدل من المحكمات على الحق ، ونوجز ~~القول فى ذلك ، ونحيل على سائر الكتب فى شرحه والوقوف على غايته. PageV01P039 ### | [ سورة الفاتحة ] ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### |||| ** 13 مسألة : قالوا : قد قال عز وجل فيها : ( @QUR@04 إياك نعبد وإياك نستعين ) [5] فأمر ~~بالاستعانة به ، وذلك يدل على أن المعونة (1) تتجدد حالا بعد حال ، وهى ~~القدرة ، وأنها مع الفعل (2)، ولو كانت متقدمة لكانت المعونة قد حصلت ، ~~فكان لا يكون للمسألة معنى! # الجواب : واعلم أن الفزع إليه عز وجل والاستعانة به يدل على قولنا فى ~~المخلوق ، وذلك لأن العبد لو لم يكن يفعل فى الحقيقة لم يكن للاستعانة معنى ~~، لأنه إنما يستعين بغيره على فعل يفعله ، ولذلك لا يصح الاستعانة على ~~الأمور الضرورية ، كاللون والهيئة والصحة ، والاعتماد على ذلك فى أن العبد ~~يفعل فى الحقيقة هو أولى. # ووجه آخر يدل على ما نقول ، وذلك لأنه قال تعالى : ( إياك نعبد ) فيجب أن ~~تصح العبادة منا ، والعبادة هى الفعال (3) التى يقصد بها الخضوع والتذلل ~~للمعبود مع العلم بأحواله ، وذلك يدل على أن العبد يفعل ويختار. # انظر : مقالات الاسلاميين للأشعرى ، نشر مكتبة النهضة بمصر 1369 ، 1 / ~~275 شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ؛ 390 408. الفعل فى الملل ~~والأهواء والنحل ، لابن حزم 3 / 33. PageV01P041 # ويدل على قولنا من وجه آخر ، وذلك لأن قوله ms028 : ( @QUR@02 إياك نعبد ) ~~تخصيص له بأنا نعبده دون غيره ، وذلك لا يصح إلا بأن يكون العبد مختارا ~~لفعل على فعل ، لأنه « قد تقع العبادة [ على وجه الإلجاء ] (1) وإنما ينصرف ~~الفعل إلى أن يكون عبادة لله عز وجل ، باختياره وبأمور تتعلق به ، وفى ذلك ~~إبطال القول بأن هذه الأفعال لله عز وجل يخلقها فى العبد. # ويمكن أن يستدل على نحو ذلك بأمره تعالى لنا أن نستفتح القرآن وغيره بسم ~~الله الرحمن الرحيم ، لأن ذلك هو استعانه به من حيث نستفتح بذكره الأمور ~~التى نريدها ونعزم عليها ، والاستعانة به فى ذلك إنما تصح متى كنا ~~المختارين للفعل ، العادلين عن غيره إليه ، ولذلك لا يصح أن نستعين بذكر ~~اسمه على الأمور الضرورية التى يخلقها فينا. # فإن قيل : فهل يدل الظاهر على ما سأله القوم؟ # قيل له : لا ؛ لأن الاستعانة تقتضى التماس المعونة من قبله ، ولا تدل على ~~تفصيل المعونة ، وما يفعله عز وجل من الأمور المعينة على الطاعة أشياء ~~كثيرة ، فمن أين أن المراد به القدرة دون غيرها؟! نحو الصحة والخواطر ~~والدواعى والتنبيه! # وبعد ، فإن المراد به لو كانت القدرة لكان إنما يدل على أنها تتجدد ، ولا ~~يدل على أنها مع الفعل ، وهذا مذهب كثير من أهل العدل (2)، # 1 / 274 275. PageV01P042 # فكيف (1) يصح اعتمادهم عليه؟. # واعلم أن السائل إذا سأل عن شيء فلا يجب من حيث حسنت المسألة أن يقطع بأن ~~المطلوب يفعل أو يحسن أن يفعل ؛ لأن الطلب فعل الطالب ، والمطلوب فعل من ~~سئل ، وليس لأحدهما تعلق بالآخر ، فكيف (2) يستدل بحسن الاستعانة على أن ~~الملتمس يفعل لا محالة؟! ### |||| ** 14 مسألة : فإن قالوا : وقد قال عز وجل فيها : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) [6] ~~ولو كان المراد بالهداية الدلالة لكان قد دلهم وبين لهم فلا يكون للمسألة ~~معنى ، فاذا بطل ذلك فيجب أن يكون المراد : الإيمان أو القدرة الموجبة ~~للإيمان ، فمن هذا الوجه يدل على ما نقوله (3). # والجواب عن ذلك أن المسألة على ما بينا من قبل من فعل السائل ، والمطلوب ~~فعل الله عز وجل ، فيجب أن ينظر ms029 فى كل واحد منهما لما ذا يحسن ، وهل يجب أن ~~يتبع أحدهما الآخر فى الحسن والقبح ، وقد ثبت أنه لا يحسن من السائل أن ~~يطلب من المسئول ما هو قبيح ولا بد من كونه حسنا لو فعله ، لكنه PageV01P043 # قد يكون الصلاح أن يفعله وقد يكون بخلافه ، ولذلك قلنا فى الدعاء : إن ~~الواجب أن يفعله بشرط ، فيدعوه بأمور الدين والدنيا ، بشرط أن لا يكون ~~فسادا وأن يكون داخلا فى الصلاح. وقلنا إنه لا بد فى هذا الشرط من أن يكون ~~بالنية وإن لم يظهر ، وقلنا في من لا يشترط ذلك : إنه جاهل بكيفية الدعاء. # فإذا صح ذلك لم يكن فى ظاهر قوله : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) ~~دلالة على أن الهداية لم تتقدم ، ولا دلالة على أنه تعالى يفعلها فى ~~المستأنف ، لأنه لا يمتنع أن نتعبد بالانقطاع إليه تعالى فى المسألة والطلب ~~، وإن كان ما سألنا (1) لا يجوز أن يفعل. ومعلوم من حاله أنه يفعل أو لا يفعل. # وعلى هذا الوجه قال تعالى : ( @QUR@03 رب احكم بالحق ) (2) وقال حاكيا عن ~~إبراهيم صلى الله عليه : ( @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون ) (3) وقال : ( ~~@QUR@07 ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) (4). وعلى هذا الحد نستغفر ~~للأنبياء والصالحين ونطلب من الله عز وجل الصلاة عليهم والرحمة ، وإن كان ~~كل ذلك معلوما أنه يفعله عز وجل أو لا يفعله. فكيف يصح التعلق بما ذكرناه؟! # وبعد ، فإنما يدل ذلك على أنه عز وجل يصح أن يفعل الهداية فى المستقبل ، ~~ولا يدل على أن تلك الهداية ما هى؟ ولا يمتنع أن يكون تعالى قد دل على ~~الدين المستقيم ، وتجدد الأدلة عليه حالا بعد حال ، أو يجوز ذلك منه وإن ~~كان لا يفعله. # وقد بينا أن حسن المسألة لا يقتضى أن المطلوب يفعل لا محالة ، لأنه قد يكون PageV01P044 # الصلاح فى أن لا يفعل ، والطالب إنما يطلب على شرط ، على ما بينا القول ~~فيه. على أن ما قالوه إنما كان يصح لو لم « يكن الهدى (1) إلا الدلالة أو ~~الإيمان ، فإذا طعنوا فى أحدهما ثبت الآخر ms030 ، وليس الأمر كذلك ؛ لأن اللطف ~~(2) وزيادة الأدلة والخواطر قد (3) يوصف بذلك ؛ كما قال تعالى : ( @QUR@04 ~~والذين اهتدوا زادهم هدى ) (4). وذلك يبطل تعلقهم بالظاهر ، ويبين أن ~~المراد بالآية : دلنا على الدين المستقيم حالا بعد حال. أو يكون المراد : ~~زدنا فى الأدلة والألطاف والخواطر التى عندها يزداد شرح صدورنا (5). وكل ~~ذلك حسن وإن لم يكن هو الذى قالوه. PageV01P045 ### |||| ** 15 مسألة : قالوا : وقد قال فيها : ( @QUR@04 صراط الذين أنعمت عليهم ) [7] فأراد دين ~~الذين أنعمت بالإيمان (1) عليهم. ولو لم يكن الإيمان من فعله ، لم يكن لهذا ~~القول معنى. # والجواب عن ذلك أن ظاهره إنما يدل على أنهم طلبوا أن يهديهم ( @QUR@04 ~~صراط الذين أنعمت عليهم ) ولم يذكر بما ذا أنعم ، فمن أين المراد به نفس ~~الإيمان!؟ # فإن قال : لأنه لا شيء يختص به المؤمن من الكافر المغضوب « عليه والضال ~~(2) إلا نفس الإيمان ، فيجب أن يحمل عليه! # قيل له : ليس الأمر كذلك ؛ لأنه قد يجوز أن يكون للمؤمن فى المعلوم ألطاف ~~يختص بها دون الكافر ، ويؤمن عندها ، وكذلك التنبيه والخواطر. وكل ذلك من ~~نعمته تعالى ، فكيف يقطع بأن المراد بذلك هو الإيمان!؟ # وبعد ، فإن صح أنه المنعم بالإيمان عليهم لم يدل على أنه ليس بفعل لهم ؛ ~~لأنه تعالى قد ينعم علينا بما نفعله من الطاعة والإيمان إذا كنا إنما نناله ~~بمعونته وألطافه وتيسيره وتسهيله ، فيصير من حيث فعل هذه المقدمات التى ~~لولاها لم يصح ولم نختر الإيمان ولا كان لنا إليه داع ، كأنه قد فعل ~~الإيمان فيضاف إلى أنه من نعمه ، كما أن صلاح الولد يضاف إلى والده ، وإن ~~كان هو الذى تأدب وتعلم ، لما فعل من المعونة والأحوال ما عنده أمكنه ذلك ~~واختاره ، وقد يهب أحدنا لغيره المال ، فإذا صرفه فى المأكول والملبوس ~~فانتفع به كانت تلك المنافع PageV01P046 # مضافة إليه ، وإن كان من فعل المنتفع ، لما كان إنما وصل إليه بما كان من ~~قبله من المال ، وهذا بين. # ثم يقال للقوم : إن السائل لو لم يكن متمكنا قادرا فاعلا مختارا لم تصح ~~منه المسألة ولا كان فيها ms031 فائدة ، لأنه تعالى هو الذى خلقها فيه ، وخلق (1) ~~[ له ] ما طلب ، وإنما يتم للمسألة فائدة على ما نقوله. # ويقال لهم : إذا كان الله تعالى هو الذى يخلق فيهم الهدى والإيمان ، فلا ~~يخلو من أن يكون قد أراد ذلك أو لم يرده ، فإن أراده وجب حصوله كانت ~~المسألة أم لم تكن ، وإن لم يرده لم يحصل على كل حال ، فما فائدة المسألة ~~على قولكم؟! # ثم يقال لهم : وكيف يجوز أن يقسمهم تعالى فيجعل بعضهم ممن أنعم عليهم ، ~~وبعضهم ممن غضب عليهم ، وبعضهم ممن ضل ، إن كان جميع ذلك من خلقه فيهم وهو ~~الذى أراده وشاءه وأحبه؟ ولم صار المؤمن أن يكون ممدوحا ومنعما عليه بأولى ~~من الكافر؟! # وصحة ذلك يقتضى ما نقوله من أن هذه الأفعال أفعال لهم ، فإذا اختار بعضهم ~~الطاعة مدح عليها ، كما يذم من اختار المعصية. # ويقال لهم : كيف يصح أن يقول تعالى : ( @QUR@04 صراط الذين أنعمت عليهم ) ~~فيضيف ( الذين )، إليهم ولا فعل لهم فى الحقيقة؟! وإنما تصح هذه الإضافة ~~إذا كانوا قد فعلوا ما لزمهم من الطاعات ، وسلكوا فيه الاستقامة. # وهذه الجملة تبين أنه لا يصح تعلقهم بشيء ، مما أرادوه (2)، فإنه (3) ~~يدل ما على نقوله من وجوه كثيرة قد ذكرنا بعضها. PageV01P047 ### | ومن سورة البقرة ### |||| ** 16 مسألة : قالوا (1): وقد قال (2) فيها عز وجل : ( @QUR@05 لا ريب فيه هدى للمتقين ) ~~[2] ولو كان الهدى هو الدلالة لما صح أن يكون للمتقين دون غيرهم ، وذلك ~~يبطل قولكم ، ويبين أن الهدى ما نقوله. # والجواب عن ذلك أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل « على حكم (3) ما عداه (4) ~~، وإنما خص تعالى المتقين بأن الكتاب هدى لهم ، ولم يقل : وليس بهدى لغيرهم ~~، فلا ظاهر يدل على ما قالوه. # وبعد ، فانه لا يصح أن يحمل على ما يذهبون إليه فى الهدى من أنه الايمان ~~، لأنه تعالى وصف الكتاب بأنه هدى للمتقين ، ولا شبهة فى أن الكتاب ليس ~~بايمان ، لأن الإيمان هو فعل المؤمن ، والكتاب كلامه (5) تعالى ، فلا (6) ~~بد من أن يرجع إلى أن المراد به أن الكتاب دلالة ms032 وبيان ، وقد بين فى غير ~~موضع ذلك بقوله : ( @QUR@08 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ) ~~(7)، أنه دلالة للجميع ، وإنما خص المتقين فى هذا (8) الموضع ؛ لأنهم ~~اهتدوا به ، فصار من حيث انتفعوا به كأن الهدى هدى لهم دون غيرهم ، وهذا ~~كقوله تعالى فى صفة نبيه صلى الله عليه وآله : ( @QUR@05 إنما أنت منذر من ~~يخشاها ) (9) وإن كان منذرا للخلق كلهم ، كما PageV01P048 # قال تعالى : ( @QUR@07 وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (1) ~~وإنما خص من يخشى بذلك ، من حيث اختص بأنه انتفع بالإنذار. # ثم يقال للقوم : إن الدلالة على وجه يخص أو يعم ، لا تصح إلا على قولنا ؛ ~~لأنه تعالى إن كان يخلق الطاعة والمعصية فسواء كانت الدلالة أو لم تكن ، ~~فالحال واحدة! لأنه إن أراد تعالى خلق ذلك فيهم وجد ، كان الكتاب أو لم يكن ~~، استدلوا به أو لم يستدلوا ، وإن لم يرد (2) ذلك لم يحصل على كل حال. # ومن وجه آخر يدل على قولنا ؛ لأن وصف المتقى بأنه متق لا يصح إلا بأن ~~يختار التحرز من المضار ، فيكون متقيا ، ومتى لم يختر ذلك لم يوصف به (3)، ~~فإن لم يكن للعبد فعل البتة ، فكيف يوصف بذلك؟! # وبعد ، فان التحرز والاتقاء إنما يصح من العقاب يفعل الطاعة ومجانبة ~~المعصية ، فلو كان تعالى يخلق ذلك ، لكان يجب أن يكون دافعا للمضرة عنهم ~~بخلق ذلك فيهم ، ولا يصح وصفهم بأنهم اتقوا ، كما لا يوصف من دفعنا عنه ~~المكاره بأنه متق. # وبعد ، فإن كان تعالى يفعل القبيح ، فكيف (4) الأمان من أنه لا يعاقب ~~الطائع! فتكون الطاعة ومجانبة المعصية تقوى؟ وكل ذلك يدل على ما نقول. فمن ~~العجب أن يتعلقوا بمثل ذلك مع دلالته على قولنا من هذه الوجوه! ### |||| ** 17 مسألة : قالوا (5): وقد ذكر فيها ما يدل على أن الذين كفروا لا يقدرون على الإيمان ~~، فقال : ( @QUR@011 إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون ) [6] فلو قدروا عليه لآمنوا لا محالة ؛ لأنه لا يصح # ( م 4 متشابه القرآن ) PageV01P049 # أن يقدروا على « ما خبر وأعلم (1) أنه ms033 لا يقع ، # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنهم لا يؤمنون ، وذلك يدل على ~~أنهم لا يفعلون الإيمان ، وليس فى أن لا يفعل الموصوف دلالة على أنه « يقدر ~~عليه أو (2) لا يقدر عليه ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به ، وقد ثبت بالدليل ~~أن القادر قد يقدر على ما يعلم أنه يختاره وعلى خلافه ؛ لأن القدرة تتعلق ~~بالضدين ، وإنما يقع أحدهما (3)؛ ولأنه تعالى قادر فيما لم يزل غير فاعل ؛ ~~ولأنه يقدر على الضدين ، ولا يفعل أحدهما ؛ ولأنه يقدر على ما لا نهاية له ~~من الأجناس لا يفعلها (4) وهو قادر على أن يقيم القيامة الآن ولا يفعلها ، ~~وكل ذلك يبطل قولهم إن ما علم أنه لا يقع ، لا تصح القدرة عليه (5). # وبعد ، فإن العلم يتعلق بالشيء على ما هو عليه (6) ولا يؤثر فيه ، فيجب ~~أن يعلم ما له يفعل القادر أو لا يفعله ، ثم نثبت العلم علما به (7) على ~~حقيقته. وقد شرحت هذه المسألة فى مواضع ، وصحتها يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية. PageV01P050 # ثم يقال للقوم : إن إضافته تعالى الكفر إليهم يدل على أنه فعلهم ، وإلا ~~لم يصح وصفهم به ، وكان لا يصح أن يذمهم إن كان قد خلقه فيهم ، وكان لا يصح ~~أن يصفهم بأنهم لا يؤمنون ، أنذروا أم (1) لم ينذروا ، لأن الإنذار على ~~قولهم فيهم وفى غيرهم : لا (2) فائدة فيه ؛ لأنه تعالى إن خلق الإيمان ~~حصلوا مؤمنين على كل حال ، وإن لم يرد ذلك ولم يخلقه ، ولا خلق القدرة ~~الموجبة له ، لم يحصلوا مؤمنين ، فأى فائدة « للانذار ، ولما ذا (3) خصهم ~~بأنهم لا يؤمنون على كل حال. وكيف يصح أن يوصفوا بأنهم لا يؤمنون ، فينفى ~~الفعل عنهم ولا يصح الفعل منهم؟ وكل ذلك يبين أنها بأن تدل على ما نقوله أولى. ### |||| ** 17 مسألة : وقد قال تعالى : ( @QUR@09 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة ) [7] وذلك يدل على أنه منعهم بالختم والغشاوة من الإيمان! وذلك يدل ~~على أنه الخالق للايمان والكفر ، وللأسباب الموجبة لهما (4). # والجواب فى ذلك ، أن الختم فى اللغة ms034 لا يعقل منه القدرة على الكفر ، ولا ~~الكفر ، وإنما يستعمل فى العلامة الحاصلة بنقش الخاتم وما شاكلها ، وإن كان ~~قد يراد به انتهاء الشيء ، وقد يراد به الحكم عليه بأنه لا ينتفع بما سمعه ~~، كما يقال فيمن نوظر كثيرا وبين له طويلا : ختمت عليك أنك لا تفهم ... إلى ~~ما يشا كله ، # (فخبرونا عن الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، أتزعمون أنه هداهم ~~وشرح للاسلام صدورهم وأضلهم؟) وزعم أنه إن قالوا : نعم (تناقض قولهم)، ~~أورد عليهم بعض الشواهد القرآنية التى توضح أنه لا يجتمع الهدى مع الضلال ، ~~وشرح الصدر مع الضيق ، حاملا إياهم على مذهبه فى (الهدى) و (الختم) وإنكار ~~الطف : ليخلص إلى القول بأن (هذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم). ~~الإبانة : ص 54 55. PageV01P051 # وحقيقته ما ذكرناه أولا (1)، فإذا صح ذلك لم يكن لهم فيما أوردوه ظاهر ~~يصح التعلق به. # ويحب أن يحمل على أن المراد به أنه علم على قلوبهم (2) بعلامة تعرف بها ~~الملائكة أنهم من أهل « الذم ، كما كتب فى قلوب المؤمنين الإيمان ؛ لكى ~~تعلم الملائكة أنهم من أهل (3) المدح (4) وعرفنا أن ذلك لطف ، لأن أحدنا ~~إذا علم مع عظم حال الملائكة عنده ، أنه إن أقدم على المعاصى ذموه فيما ~~بينهم وفضحوه بكثرة اللوم ، كان إلى أن ينصرف « عن المعصية (5) أقرب. # فان قال : أتقولون إن هذا الختم علامة فيمن لا يؤمن أبدا أو فيمن هو كافر ~~فقط (6)؟ قيل له : إنه عز وجل وصف الذين لا يؤمنون على كل حال ، لكنا إذا ~~علمنا أن الفائدة به (7) ما ذكرناه ، وكان من سيؤمن فى المستقبل أو الفاسق ~~الذى ليس بكافر يختص بالذم ، لم يمتنع أن يستوى حال الجميع فيه. # فان قال : إذا دل ذلك الختم وتلك العلامة على أنه لا يؤمن ، فهو مانع من ~~الإيمان ، وقد عادت المسألة عليكم! # وقيل : بل المراد به ظاهره ، وهو المنع ، ولكن المنع منعان : منع بسلب ~~القدرة ، ومنع بالخذلان ، والذى يجوز على الله تعالى فعله منهما : الخذلان ~~، وحبس التوفيق ، عقوبة لهم على كفرهم ، انظر وضح ms035 البيان فى مشكلات القرآن ~~، مصور دار الكتب ورقة : 13 14. PageV01P052 # قيل له : إذا تمكن من إزالته بفعل الإيمان ، فلا يعد ذلك منعا (1) كما أن ~~[ من ] أغلق الباب عليه لا يوصف بالمنع إذا أمكنه فتحه والتصرف بالخروج ، ~~وكما لا يوصف الختم على الكتاب بأنه مانع من قراءته ، لأنه يمكن أن يفك ~~فيقرأ ، فكذلك ما قلنا ، ولو أن أحدنا كتب على جبين الإنسان بأنه لا يؤمن ، ~~وكان المعلوم ذلك من حاله ، لم يصح كونه مانعا من الإيمان ؛ لأن حال القدرة ~~عليه لا تتغير بذلك (2)، فكذلك (3) القول فى العلامة التى ذكرناها ، وقد ~~صح أنه عز وجل قد كتب فى اللوح المحفوظ جميع ما يكون من العباد ، ولا يوجب ~~ذلك وإن كان دلالة للملائكة على أنهم ممنوعون من الفعل ، أو محمولون على ما ~~اختاروه ، فكذلك ما ذكرناه. # ثم يقال للقوم : لو كان الختم منعا لما جاز أن يذم تعالى الكفار الذين ~~وصف بأنه ختم على قلوبهم ، ولما جاز أن يقول : ( @QUR@03 ولهم عذاب عظيم ) ~~(4)؛ لأنه إن كان تعالى منعهم عن الخروج من الكفر ، وأوجد ذلك فيهم ، حتى ~~لا يصح منهم الانفكاك ، فكيف يحسن أن يعذبهم؟ ولئن جاز ذلك ، ليجوزن أن ~~يعذبهم على طولهم ، ولونهم ، وصحتهم. # وبعد ، فإن الختم إن كان مما (5) يمنع من الإيمان أو قدرة الإيمان ، فلما ~~ذا خص الكفار به ، وعندكم أن كل مكلف لا يؤمن ، فقد منعه الله عز وجل على ~~حد واحد؟ وكذلك حال الكافر الذى المعلوم أنه لا يؤمن والذى المعلوم أنه ~~يؤمن سواء فى أنه قد منعه فى الحال ، فأى وجه للتخصيص على قولكم؟ PageV01P053 # ويجب أن يدل ذلك على أن المراد : ما بقوله بعض شيوخنا رحمهم الله ، من أن ~~المراد به العقوبة ؛ لأنه خصهم بضرب من العقوبة ، من حيث كفروا ودانوا ~~بالكفر فبين أنه تعالى يعاقبهم على ذلك فى الدنيا بالذم والتوبيخ وإظهار ~~ذلك ، وسماه ختما ، ثم لهم فى الآخرة عذاب عظيم. # وبعد ، فلو احتمل الختم أن يكون مفيدا « للمنع ، ولما (1) ذكرنا. لوجب ~~صرفه إلى ما قلناه من حيث ثبت ms036 بالعقل أنه تعالى لا يجوز أن يأمر بالإيمان ~~ويرغب فيه ويعد عليه ويزجر عن خلافه ، ويمنع مع ذلك منه ، ولا يجوز ذلك ~~عليه وهو يقول : ( @QUR@04 فما لهم لا يؤمنون ) (2) ( @QUR@05 وما منع ~~الناس أن يؤمنوا ) (3). وكل ذلك يوجب صحة ما قلناه. # وإنما أراد بذكر الغشاوة ، أنهم لا ينتفعون بما يبصرون ويسمعون. ~~فلإخراجهم أنفسهم من الانتفاع بذلك بترك الفكر فيه والاستدلال به ، صاروا ~~بمنزلة من بينه وبين ما يراه ويسمعه حائل ، فصار ما فعلوه من الكفر ~~والإعراض عن الطاعة والإيمان ، حالا بعد حال ، كالساتر لهم عما يسمعون ~~ويبصرون. ولم يضف تعالى الغشاوة إلى نفسه ، كما أضاف الختم إليه ، فليس ~~لأحد أن يدفع ما ذكرناه بهذا الوجه. ### |||| ** 19 مسألة : قالوا : وقد قال تعالى ( @QUR@06 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) (4) ~~يعنى : كفرا وشكا ، وذلك يدل على أنه عز وجل يفعل الشك والكفر فى قلوب ~~الكافرين والمنافقين. PageV01P054 # والجواب عن ذلك ، أن المرض فى حقيقة اللغة لا يعقل فيه (1) الكفر ، ولذلك ~~لا يوصف الكافر بأنه مريض ولا الفاسق ، كما لا يوصف المؤمن ، لأجل إيمانه ~~وزوال الكفر عنه ، بأنه صحيح. وقد يكون مؤمنا مريضا وكافرا صحيحا ، فلا ~~ظاهر له يتعلقون به. # وإنما ظن القوم أن المنافقين فى قلوبهم الكفر ، وهو المرض ، فيجب أن يكون ~~المراد بقوله : ( @QUR@03 فزادهم الله مرضا ) ما أريد بالأول ، فبنوا فاسدا ~~على فاسد. # والمراد بذلك ، ما قاله أبو على (2) من أن فى قلوبهم غما وقلقا بأحوال ~~النبى صلى الله عليه ، وعظم نعم الله عز وجل عليه فأراد بقوله : ( @QUR@03 ~~فزادهم الله مرضا ) يعنى : غما ، بأن زاد فى تعظيم النبى عليه السلام وعظم ~~أحواله ، وعرفهم ذلك ، فكان ذلك هو الغم الذى فعله فى قلوبهم ، ومرض القلب ~~لا يعقل فى اللغة إلا الغم. ولذلك يقول الفصيح فيمن خبره بما يسوؤه : قد ~~أمرضت قلبى!. وهذا ظاهر فى اللغة. # ثم يقال للقوم : إنما يصح أن يقول تعالى ذلك ، على قولنا دون قولكم ، ~~لأنه جل وعز ، إذا كان قد خلق فيهم الكفر الأول والثانى ، فكيف جعل زيادة PageV01P055 # المرض فى حكم ms037 الجزاء على ما فى قلبهم (1) من المرض ، مع أنهما جميعا من ~~خلقه؟ وإنما (2) يصح ذلك بأن يكون الأول من فعلهم ، والثانى على سبيل ~~العقوبة من الله عز وجل لهم ، وكذلك نقول : إن المنافقين بتكذيبهم ~~واعتقادهم أنه صلى الله عليه وآله ، لا يجب أن تعتقد نبوته ويظهر ذلك من حاله ~~فى كل وقت ، مع مشاهدتهم لأحواله (3) أمرضوا قلوبهم ، فكان ذلك منهم معصية ~~، فعاقبهم الله عز وجل بالأمر الثانى ، ويبين ذلك أنه قال : ( @QUR@03 ولهم ~~عذاب أليم )، ولو كان كل ذلك من خلقه فيهم ، لما جعل العذاب كالجزاء على ~~فعلهم ؛ لأن المرض الذى ذكره أولا وثانيا ، والتكذيب الذى ذكره آخرا كله من ~~خلقه فيهم ، فكيف يستحقون العذاب عليه ، على أنه عز وجل قد أضاف إلى ~~المنافقين فى هذه الآيات من الأفعال والأقوال وذمهم بذلك ، فكل ذلك يبين أن ~~نفاقهم من فعلهم. ### |||| ** 20 مسألة : قالوا : قد قال تعالى : ( @QUR@07 الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون ) [15] فذكر أن الطغيان من فعله تعالى فيهم ، وأضاف الاستهزاء إلى ~~نفسه ، وكل ذلك يبين ما نقوله : من أنه يخلق هذه الأفعال فيهم. # والجواب عن ذلك أن المخالف لا يجوز على الله الاستهزاء فى الحقيقة ؛ لأنه ~~لا يكون إلا قبيحا وذما ، ولا يصح إلا على من تضيق به الأفعال ، فإذا احتال ~~وفعل الضرر بغيره « من حيث لا يشعر (4) وعلى وجه مخصوص ، وصف بذلك ، ~~ويستحيل ذلك على الله عز وجل ، وإنما أراد أنه يعاقبهم على ما وقع منهم من ~~الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه لأنه قد ثبت فى اللغة أنه قد يجرى PageV01P056 # اسم الشيء على ما هو جزاء له ، كما يجرى اسم الجزاء على الفعل ، ولذلك ~~قالوا : الجزاء بالجزاء (1) ولذلك قال عز وجل : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها ) (2) وإن كان ما يفعله تعالى ليس سيئة ، وهذه الطريقة فى مذهب العرب ~~معروفة ، فيجب أن تحمل الآية عليها. # فأما قوله : ( @QUR@04 ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) فليس فى ظاهر قوله ( ~~@QUR@01 ويمدهم (3)) أن الطغيان من فعله فيهم ، وإنما أراد أنه يمدهم فى ~~العمر نعمة منه عليهم ؛ لكى ms038 يستدركوا ما فاتهم فيتوبوا ، وهم مع ذلك يعمهون ~~فى طغيانهم ، ولا يزدادون إلا شرا ، فالذى يضاف إليه هو المد فى العمر ، ~~والطغيان والعمه إليهم يضاف ، على ما بيناه. # ثم يقال للقوم : لو كان الطغيان من فعله تعالى ، لما صح أن يضيف العمه ~~إليهم ، فيقول : ( @QUR@01 يعمهون ) وهو تعالى قد « خلقه ، ولما حسن (4) أن ~~يذمهم ويوبخهم على ذلك. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) (5) ~~« يدل على ما نقوله ، لأنه لا يوصف الإنسان بذلك إلا إذا اختار الضلالة على ~~الهدى (6)، فلو كان ذلك من فعل غيره ، لم يصح أن يكون مشتريا لأحدهما ~~بالآخر ، فكيف يصح أن يصفهم تعالى ، بقوله : ( @QUR@03 فما ربحت تجارتهم ) ~~وهو الذى اضطرهم إلى الضلالة؟ وكيف يضرب لهم الأمثال ، وهو الذى خلق فيهم ~~الضلال؟! PageV01P057 # وقد قيل : إنه عز وجل لما خلى بينهم وبين العمه ، عند تبقيتهم جاز أن ~~يقال : ( @QUR@04 ويمدهم في طغيانهم يعمهون )، من حيث كان قادرا على أن ~~يمنعهم ، فخلاهم فى ذلك. # وقد قيل : إنه وصفهم بذلك على العاقبة ، فكأنه (1) قال : يمدهم (2) ~~ومعلوم من حالهم أنهم فى طغيانهم يعمهون. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) وهو من تمام ما ضرب ~~به من المثل (3)، أراد (4) بذلك أنه لا يستنقذهم من الظلمة ، فأجرى وصف ~~الترك (5) عليه ، والترك فى الحقيقة إنما يجوز على (6) من يكف بفعل على ~~فعل. وذلك يقتضى أن يكون الفعل يحله ويوجد فى أبعاضه ، والله يتعالى عن ذلك!. ### |||| ** 21 مسألة : « قالوا : وقد قال تعالى فى وصفهم : ( @QUR@03 صم بكم عمي ... ) (7) [18] ~~وذلك يدل على أنهم ممنوعون من الإيمان ، وإلا لم يكن لذلك معنى! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن المنافقين كانوا بهذه الصفات أو ~~الكفار ، ومعلوم من حالهم أنهم كانوا بخلافه ، ولا شيء أدل على فساد ~~المتعلق بالظاهر من أن يعلم بالعيان خلافه ؛ لأن ذلك يوجب ضرورة صرفه إلى ~~خلاف ظاهره. # والمراد بذلك : أنهم لما لم ينتفعوا بهذه الحواس والآلات فيما خلقت له ، ~~وأنعم عليهم بها لأجله ، صاروا كأنهم « قد سلبوها (8)، وهذا يكثر فى اللغة ~~أن يقول ms039 (9) الواحد وقد بين لغيره الشيء وبالغ فيه : إنه أصم أعمى ، وقد طبع PageV01P058 # على قلبه ، وربما تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا : إنه ميت لا يعقل ولا يفهم ، ~~وقد قال تعالى : ( @QUR@08 إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) (1) ~~فى هذا المعنى ، وقد قال الشاعر : # لقد أسمعت لو ناديت حيا %~% ولكن لا حياة لمن تنادى (2) # وربما شبهوه (3) بالحمار والبهيمة ، لذهابه عن فهم ما أورد عليه. وكل ذلك ~~يبين صحة ما قلناه. # ثم يقال للقوم : إنه تعالى وصفهم بذلك على طريقة الذم ، ولو كان ذلك ~~حقيقة ، لما صح أن يذمهم ، وقد قال عز وجل : ( @QUR@03 فهم لا يرجعون ) ~~[18] فنسب ترك الرجوع إليهم ، وذلك لا يصح لو كان قد منعهم. ### |||| ** 22 مسألة : قالوا : وقد قال عز وجل : ( @QUR@06 يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) فخبر ~~بأنه يضل الضال ويهدى المهتدى ، وفى ذلك دلالة على أن الهدى والضلال جميعا ~~من فعله. ولا يصح أن تتأولوا ذلك على الهدى بمعنى البيان ، والضلال (4) ~~بمعنى الذهاب عن الطريق ، لأنه عز وجل ذكر ذلك (5) عقيب قوله : ( @QUR@011 ~~إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) إلى أن قال : ( ~~@QUR@03 يضل به كثيرا ) (6) يعنى بما تقدم من ضرب المثل ، ( @QUR@02 ويهدي ~~به ). وفى ذلك دلالة على أن (7) المراد به الكفر والإيمان بالمثل. ولو كان ~~المراد بالهدى البيان لما قال أيضا : ويهدى به كثيرا ؛ لأن الدلالة فى ~~المكلفين عامة! # والجواب عن ذلك لا يكاد يتضح إلا بذكر جملة من الكلام فى الهدى PageV01P059 # والضلال ، وما يجوز عليه « عز وجل (1) منهما (2) وما لا يجوز ، ثم نذكر ~~عند الفراغ منها (3) معنى الآية. # واعلم أن الهدى قد اختلف فيه العلماء ، فمنهم من يقول : إن حقيقته (4) ~~الفوز والنجاة ، وبين أن سائر ما يستعمل فيه إنما يوصف به ؛ لأنه متعلق ~~بذلك وطريق إليه ، فقيل فى القرآن هدى ، وفى الأدلة وفى الإيمان وغير ذلك ، ~~لما كان الإنسان يفوز بها وينجو ، ولذلك يقال فيمن دل على طريق ينفع : إنه ~~قد هدى إليه ، ولا يقال ذلك إذا عدل به إلى طريق يضر. ms040 ومنهم من قال : إن ~~الهدى فى الحقيقة هو الدلالة والبيان ، وإنما يوصف الفوز بالمنفعة والنجاة ~~[ بالهدى ] ، لأنهما يوصلان إليها (5) ويتأول سائر ما تستعمل فيه هذه ~~اللفظة على أن المراد به ما (6) يتصل بذلك. # ولم يذكر أحد من أهل العلم أن الهدى فى الحقيقة : هو نفس الطاعة والإيمان ~~، إلا من جعله مذهبا! فأما أن تكون اللغة شاهدة لذلك ، أو القرآن ، فبعيد ~~(7). ونحن نبين ما فى القرآن من الشواهد فى قولنا ، ونذكر ما يجوز عليه ~~وما لا يجوز. PageV01P060 # اعلم أن الهدى بمعنى الدلالة كثير فى الكتاب ، قال الله تعالى فى وصف ~~القرآن : ( @QUR@02 هدى للناس ) (1) ( @QUR@04 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ~~(2) ولا يجوز أن يراد بذلك إلا كونه دلالة وبيانا. وقال تعالى : ( @QUR@07 ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) (3) ولو كان المراد بذلك ~~أنه جعلهم مؤمنين ، لما صح أن يقول : ( @QUR@04 فاستحبوا العمى على الهدى ) ~~(4) وقوله تعالى : ( @QUR@03 أولئك على هدى # ورمى ابن حزم القائلين بمثل هذه التفسيرات بالجهالة ، فقال : (وقال بعض ~~من يتعسف القول بلا علم إن قول الله عز وجل : ( وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى )، وقوله تعالى : ( إنا هديناه السبيل ) وقوله ~~تعالى : ( وهديناه النجدين ) إنما أراد تعالى بكل ذلك المؤمنين خاصة) ثم ~~قال : (وهذا باطل من وجهين : أحدهما تخصيص الآيات بلا برهان ، والثانى : أن ~~نص الآيات يمنع من التخصيص ولا بد .. الخ). # وفى رأى أبى محمد رحمه الله أن الهدى فى اللغة العربية من الأسماء ~~المشتركة. وأنه يكون بمعنى : الدلالة ، ويكون كذلك بمعنى التوفيق والعون ~~على الخير والتيسير له ، وخلقه تعالى لقبول الخير فى النفوس. وعنده أن ~~الأول قد أعطاه الله للكافر والمؤمن ، وخص بالثانى جماعة المؤمنين وحدهم. # ولعل المعتزلة على كل حال أن يحملوا ما يدل بظاهره على المعنى الثانى ، ~~على اللطف والدواعي والثواب ونحو ذلك. # انظر : الابانة : 60 61. والملل والنحل : 3 / 43 46. PageV01P061 # @QUR@02 من ربهم ) (1) يدل على أنه البيان ؛ لأن حمله على غيره لا يصح ، ~~وقال تعالى : ( @QUR@03 إنا هديناه السبيل ) (2) يعنى : الطريق. ولا يجوز ~~أن يرد بذلك إلا الدليل. وقال تعالى : ( @QUR@02 وهديناه ms041 النجدين ) (3). ~~وقال فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم ) (4) يعنى : تبين وتدل ، وقال فيه : ( @QUR@06 إنما أنت منذر ، ~~ولكل قوم هاد ) (5) يعنى : مبين. وقال تعالى : ( @QUR@04 وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا ) (6) ولا يجوز أن يقال : إنهم يفعلون الإيمان ، فالمراد به ~~الدلالة والبيان. وكذلك قوله عز وجل : ( @QUR@08 ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون ) (7). وقوله : ( @QUR@07 إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم ) (8). وقوله : ( @QUR@07 إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) (9) ~~. وقوله : ( @QUR@07 مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق ) (10). وقوله : ( ~~@QUR@03 وبالنجم هم يهتدون ) (11)... إلى غير ذلك مما يكثر ذكره. كل ذلك ~~مما يدل على أن الهدى يراد به الدلالة والبيان. # وقد ذكر عز وجل الهدى بمعنى زيادة الهدى ، فقال : ( @QUR@05 ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى ) (12) وقال : ( @QUR@05 وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم ) ~~(13) وقال : ( @QUR@08 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (14) ~~والمراد بذلك أجمع : ما يفعله الله تعالى من الألطاف والتأييد ، والخواطر ، ~~والدواعى. وإنما يوصف (15) ذلك بأنه هدى لأنه يحل محل الأدلة « فى أنه (16) ~~كالطريق لفعل الطاعة والباعث عليه. PageV01P062 # وقد ورد بمعنى نفس الثواب ، فقال تعالى : ( @QUR@011 والذين قتلوا في ~~سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ويصلح بالهم ) (1)، والمراد به ~~الثواب ، لأنه بعد القتل لا يجوز أن يراد به الإيمان ، ولا نصب الأدلة ، ~~وقال تعالى : ( @QUR@012 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ) (2) فبين أن المراد بالهدى هو الثواب ~~الذى وصفه آخرا. # وقد يراد بالهدى أن يسلك به طريق الجنة والمنفعة ، وهو الذى « أراده ~~تعالى (3) بقوله : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) (4) على أحد ~~التأويلين ، لأن « المراد به : اسلك بنا (5) طريق الجنة. وقد ذكر تعالى ذلك ~~فى طريق الجحيم على جهة التشبيه ، فقال : ( @QUR@04 فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم ) (6). وقال عز وجل فى وصف الكفار : ( @QUR@015 إن الذين كفروا ~~وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم ) (7) ~~والمراد بذلك الهدى بمعنى الأخذ بهم فى طريق دون غيره ، فبين أنهم مع كفرهم ~~وظلمهم لا (8) يأخذ بهم فى طريق الجنة ، ثم بين ms042 أنه يسلك بهم طريق الجحيم. # فإن قال : فقد قال تعالى : ( @QUR@06 عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) ~~(9) وهذا لا يمكن أن يحمل على ما ذكرتم : لأنه تعالى قد بين ودل ، فلا يصح ~~أن يقول نبى من أنبيائه : ( @QUR@04 عسى ربي أن يهديني ) وقد تقدم من الله ~~الدلالة والبيان على سواء السبيل! PageV01P063 # قيل له : المراد بذلك الدلالة ، لكنه أراد به أن يبين له بألطافه الطريق ~~الذى قصده وتوجه إليه ، فأما الدلالة على الدين فقد فعلها عز وجل له ~~ولغيره. # وأما قوله : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) (1) فالمراد به ~~غير الدلالة والبيان ، لأنه قد دلهم وبين لهم. والمراد به الثواب أو زيادة ~~الهدى ، على ما بينا. # وقوله عز وجل : ( @QUR@05 إنك لا تهدي من أحببت ) (2) كمثل ، فى أن ~~المراد به الثواب وما شاكله ، ولو أريد به البيان لما صح أن يقول فيه : ( ~~@QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) (3) ويقول فيه ( @QUR@06 إنما أنت ~~منذر ولكل قوم هاد ) (4) ويقول : ( @QUR@07 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ) (5). # فأما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@02 وزدناهم هدى ) (6) على أن الهدى هو ~~الإيمان ، فإنما كان يتم لهم لو شهدت به « اللغة العربية ولم (7) يحتمل ~~الكلام سواه ، وقد بينا أن المراد به أنه زادهم لما آمنوا واتقوا ألطافا ~~وأدلة بعثهم بها على التمسك بالإيمان ، وعلى هذا الوجه ، قال تعالى : ( ~~@QUR@08 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (8)، لأنه دعاه بذلك ~~إلى الثبات على الإيمان ، كما دعاه بضيق الصدر الذى أورثه الكافر إلى ~~مجانبة الكفر والعدول عنه. # فحصل من هذه الجملة أنه تعالى يهدى ، بمعنى (9): الدلالة والبيان وذلك ~~عام فى كل مكلف ، لأنه كما عمهم بالتكليف فلا بد أن يعمهم بما يدل عليه ، ~~وإلا كان تكليفا بما لا يمكن أن يفعل. PageV01P064 # وقد يضاف إليه ذلك ، بمعنى زيادة الهدى ، ويخص بذلك تعالى من قد اهتدى ~~وآمن ، لأنه كاللطف وكالثواب له فيخصه بذلك دون الكافر الذى (1) اللطف فيه ~~أن يضيق صدره بما هو فيه ؛ ليكون أقرب إلى أن يقلع عن الكفر. # وقد يضاف إليه ، بمعنى الثواب على ms043 ما ذكرناه : لأنه المختص بأنه يثيب دون ~~غيره ، وذلك مما يختص به المؤمن. # وقد يضاف إليه ذلك ، بمعنى الأخذ بهم فى طريق الفوز والنجاة ، وذلك أيضا ~~مما يختص به المؤمن. # فأما إضافة الهدى ، بمعنى خلق الإيمان والطاعة ، فغير موجود فى اللغة ولا ~~فى الكتاب ، وإنما يوصف المؤمن بأنه قد اهتدى ، ويوصف تعالى ، من حيث دله ~~وسهل سبيله « إليه بأنه قد هداه (2)). # فأما الضلال : فالأصل فيه أنه الهلاك ، ويستعمل فيما يجرى مجرى الطريق ~~إليه ، أو يكون حقيقة فيما يؤدى إلى الهلاك (3)، على ما بيناه فى الهدى. # وقد ورد الكتاب فيه بوجوه : منها أنه تعالى أضافه إلى نفسه بمعنى العقاب ~~وسماه ضلالا : فقال ( @QUR@05 وما يضل به إلا الفاسقين ) (4) ( @QUR@03 ~~ويضل الله الظالمين (5)) # ( م 5 متشابه القرآن ) PageV01P065 # فتخصيصه الفاسق به ونفيه عن غيره ، يدل على أن المراد به العقاب الذى ~~يختص به دون ما سواه. وقال تعالى : ( @QUR@05 إن المجرمين في ضلال وسعر ) ~~(1) وقال : ( @QUR@09 بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ~~) (2) وقال : ( @QUR@06 إن أنتم إلا في ضلال كبير ) (3) وكل ذلك يراد به ~~العقاب. # ووصف تعالى ما يجرى مجرى إبطال العمل الذى يؤدى إلى النجاة بذلك ، فقال : ~~( @QUR@09 والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ) (4) وقال : ~~( @QUR@06 الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) (5) وقال : ( @QUR@08 الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) (6). # وقد أضاف ذلك إلى نفسه بمعنى الضلال عن زيادة الهدى ؛ لأنه إذا سلبهم ذلك ~~للمصلحة ، أو على سبيل العقوبة ، جاز أن يقول : ( @QUR@04 ومن يرد أن يضله ~~) (7) يعنى : عن الزيادات المؤدية إلى شرح الصدر ، ( @QUR@04 يجعل صدره ~~ضيقا حرجا ) (7) ولا يكون ذلك منعا من الإيمان ، بل يكون بعثا عليه! لأن من ~~ضاق صدره بالشيء وتحير فيه طلب الخلاص منه ، نحو ما نعلمه من حال الشاك ~~المتحير فى أمر الدين والدنيا ، وهذا هو المراد بقوله تعالى ، حكاية عن ~~موسى : ( @QUR@05 فعلتها إذا وأنا من الضالين ) (8) لأنه أراد بذلك : من ~~الذاهبين عن العلم بحاله وأنه معصية ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز أن ~~يضلوا عن الحقيقة ، وهو ms044 المراد بقوله : ( @QUR@01 أن PageV01P066 # @QUR@05 تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (1) بأن يذهب عنه ويسهو ، ~~وهو الذى أراده بقوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) (2) أى : ذاهبا ~~عن النبوة والأحوال العظيمة ، فهداك إليها. # ويجوز أن يضاف الضلال إليه تعالى ، بمعنى أن يذهب بهم عن طريق الجنة إلى ~~طريق النار. وكما أن أحدنا فى الشاهد إذا عدل به الإنسان عن طريق نجاته إلى ~~طريق هلاكه يقال : أضله ، فكذلك فيه تعالى ، وإن كان ما فعله يحسن من حيث ~~استوجبوا بكفرهم وبسوء اختيارهم. # فعلى هذه الوجوه يجوز أن ينسب الضلال إليه تعالى (3)، فأما بمعنى خلق ~~نفس الكفر فيهم أو الدعاء إليه ، أو تلبيس الأدلة ، فذلك مما لا يجوز عليه ~~تعالى ، وقد وصف به الشيطان وذمه بذلك ، فقال تعالى : ( @QUR@05 ولقد أضل ~~منكم جبلا كثيرا ) (4) وقال : ( @QUR@05 وأضل فرعون قومه وما هدى ) (5) ~~وقال : ( @QUR@05 لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) (6) « وقال فى قريب من ذلك : ~~( @QUR@07 ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) (7) وقال فيهم : ( @QUR@07 ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ) (8) وقال : ( @QUR@08 وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا ) (9)، وقال : ( @QUR@08 ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ~~ضلالا مبينا ) (10). وقال : ( @QUR@05 يبين الله لكم أن تضلوا ) (11) # وانظر فيما يره غيرهم فيه : الابانة : 59. الفصل : 3 / 46 51. PageV01P067 # بمعنى (1) النفى والإنكار ، ولو أنه تعالى أضل ، بأن خلق الكفر ، أو (2) ~~بأن دعا إليه ، لم ينسب ذلك إلى غيره ولا « ذم عليه (3)، ولكان الضال ~~معذورا ؛ لأنه تعالى اضطره إليه (4)، وفعله فيه! # ثم نعود إلى الآية فنقول : # قد بينا أن ظاهر الضلال ليس هو الكفر بل هو الهلاك ، وإنما سمى الكفر به ~~من حيث يؤدى إليه ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟ # وبعد ، فلو كان محتملا مشتركا ، لكان لا تعلق لهم فى الظاهر ؛ لأنه ليس ~~بأن يحمل على ما قالوه ، أولى من أن يحمل على ما قلناه ، من أنه يهلك ~~ويعاقب من يستحق ذلك. # وبعد ، فإن حمله على هذا الوجه أولى ؛ لأنه تعالى قد ذكر فى آخره ما يشهد ~~له فقال : ( @QUR@05 وما يضل به إلا الفاسقين ) فخبر أنه إنما يضل بما تقدم ms045 ~~ذكره الفاسق ، ولو كان المراد به الكفر والمعصية ، لكان قد أضل به الفاسق ~~والكافر والمؤمن ، إذا ارتد ، والمبتدئ بالكفر وما تقدم منه إيمان ولا فسق! # فإن قال : فكيف يريد به العقوبة وقد قال : ( @QUR@03 يضل به كثيرا ) ~~فنسبه إلى المثل الذى ضربه. وليس للعقوبة بها تعلق؟ # قيل له : إذا ثبت أن المراد به العقوبة ، حمل الكلام على أن فيه حذفا ، ~~ويكون التقدير فيه أن نقول : يضل بالكفر كثيرا فى الآخرة ، لأن من كفر PageV01P068 # بذلك يضله فى الآخرة ، بمعنى أنه يعاقبه ، أو يأخذ به عن طريق الجنة إلى ~~طريق النار. # وأراد بقوله : ( @QUR@03 ويهدي به كثيرا ) أحد أمرين : إما الدلالة ~~والبيان. وخص به كثيرا ؛ لأنهم الذين اهتدوا ، كما خص المتقين بذلك فيما ~~قدمناه من الآية ، لهذه الجملة (1)، وتجوز. وإما أن يريد به : ويهدى ~~بالإيمان به فى الآخرة إلى طريق الجنة كثيرا ، وكل ذلك يبين أنه لا يدل على ~~ما ذهبوا إليه. # وقد قيل : إنه أضاف الضلال إلى نفسه لما ضلوا عند ضربه المثل ، على مجاز ~~الكلام ، كقوله : ( @QUR@02 وأضلهم السامري ) (2) لما ضلوا عند دعائه ، ~~وكقوله : ( @QUR@06 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) (3) لما ضلوا عندها ~~وبسببها ، وكقول العربى لمن فعل ما عنده ظهر فى الغير التعب أو البخل أو ~~الجبن : إنه (4) أتعبه وأبخله. وهذا كثير فى اللغة. # ثم يقال للقوم : لو لا أن المراد بالضلال العقوبة ، على ما نقوله ، لم ~~يذمهم بذلك ، ولما صح أن يقول : ( @QUR@012 وما يضل به إلا الفاسقين الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) (5)... إلى آخره ، فيصفهم بماله استوجبوا ~~العقاب ، « ولما صح أن يضيف إليهم الفسق ونقض العهود ، إلى غير ذلك مما ~~نسبه إليهم (6)، ولما صح أن يصفهم بأنهم الخاسرون (7)، لأن الخاسر فى ~~اللغة ، هو الذى فعل PageV01P069 # ما أورثه الحرمان والمضرة ، ولو لم يكن منهم فعل لما وصفهم بذلك ، ولو لا ~~صحة ما قلناه ، لما جاز أن يقول تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) (1)؟ فيذمهم ويوبخهم ، ويؤكد ذلك بذكر نعمة ~~الله عليهم ، وهم (2) مع ذلك كالظروف لا يفعلون ms046 ، وإنما يفعل فيهم. # وقد بين شيوخنا أن على قولهم لا يكون لله عز وجل على الكفار (3) نعمة ، ~~ولا يمكن القول بأنه يلزم شكره وعبادته ، بل يجب القول بأنه يستحق الذم ، ~~بل أعظم الذم!! وبيان ذلك أن النعمة هى المنفعة التى « لا يعقبها مضرة (4) ~~أعظم منها ، إذا كانت حسنة (5)، ولذلك (6) لا يعد من أطعم غيره خبيصا ~~مسموما بأنه من المنعمين. فإذا صح ذلك وكان عند القوم أن الله تعالى خلق ~~الكفار للنار ، وما خلقهم إلا لها ، وعلى ذلك يحملون قوله عز وجل : ( ~~@QUR@07 لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) (7) ويروون عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( قال الله تعالى : خلقت هؤلاء للجنة ولا ~~أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالى (8)) ومن خلق PageV01P070 # الحى ليستدرجه إلى الكفر ، ولكى يعاقبه بين أطباق النيران أبد الآبدين ~~ودهر الداهرين ، ولم يخلقه إلا لذلك وما أراد منه سواه ، وما مكنه إلا منه ~~، لا يجوز أن يكون منعما عليه ، وذلك كفر عند الأمة ورد لنص الكتاب الذى ~~ذكرناه وغيره ، وصح أن الشكر إنما يلزم المنعم عليه ؛ لأنه اعتراف بالنعمة ~~على وجه مخصوص (1)، فإذا كان عند القوم أنه تعالى لم ينعم على الكافر ، ~~لزمهم ذلك « على ما بيناه (2)، ولم يمكنهم أن يقولوا بوجوب الشكر عليه ، ~~وذلك كفر عند الأمة ، لأنهم يقولون : إن (3) من قال بأنه لا يلزم أحدا من ~~العقلاء شكر الله فهو كافر. والعبادة إنما تجب للنعم العظيمة التى هى أصول ~~النعم التى تستقل بنفسها (4) ولا تتم سائر النعم إلا بها ، ولذلك اختص ~~تعالى بأنه يستحق (5) العبادة دون غيره ، لما اختص بأن فعل أصول النعم ، ~~على ما بيناه ، وقد بينا # انظر مختصر سنن أبى داود للحافظ المنذرى ، ومعالم السنن للخطابى 7 / 71 ~~73 الأسماء والصفات للبيهقى بتحقيق الشيخ زاهد الكوثرى 325 326 مطبعة ~~السعادة بمصر. ولا تعرف هذه الرواية إلا من هذا الطريق ، والرواية التى ~~ذكرها المؤلف أقرب الروايات منها ما ذكره السيوطي فى الفتح الكبير فى قصة ~~خلق آدم السابقة ( هؤلاء فى الجنة ولا أبالى ms047 ، وهؤلاء فى النار ولا أبالى ) ~~أخرجه ابن عساكر عن أبى الدرداء ، ويكتفى السيوطي عادة بذكر ابن عساكر عن ~~النص على ضعف الحديث ، على ما ذكره فى مقدمته. الفتح الكبير : 2 / 89. # وانظر فى نقض كلام المعتزلة فى وجوب شكر المنعم عقلا : المستصفى للغزالى ~~1 / 39 الطبعة الأولى 1356. PageV01P071 # أنه لا نعمة لله على الكافر ، على قولهم ، فكيف يصح أن تلزمهم عبادته؟ # وعلى قولهم ، هو الذى تعالى خلق فيهم الضلال والقدرة الموجبة للكفر ، ~~وسلبهم قدرة الإيمان ونفس الإيمان ، وجعلهم بحيث لا يمكنهم الانفكاك عماهم ~~فيه من الكفر والضلال ، فيجب أن يكون ضرره على هذا الكافر أعظم من ضرر ~~إبليس وجنوده ؛ لأنهم إنما يدعون إلى الضلال فقط. ولا سلطان لهم على الكافر ~~إلا بالوسوسة فقط ، وفاعل المضرة أعظم حالا فى الذم والإساءة من الداعى ~~إليه ، فيجب على قولهم أن يكون تعالى أحق بالذم من إبليس عليه اللعنة. ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا!. ### |||| ** 23 مسألة : قالوا : وقد قال تعالى ما يدل على أنه جسم (1) يجوز عليه المكان فقال : ( ~~@QUR@012 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ) (2) ~~والاستواء (3) إنما يصح على الجسم ، كما أن القيام والقعود إنما (4) يصحان ~~عليه ، ويوجب جواز الانتقال عليه أيضا. PageV01P072 # والجواب عن ذلك ، أن الاستواء محتمل فى اللغة (1)، وتختلف مواقعه بحسب ~~ما يتصل به من القول : فقد يراد به الاستيلاء والاقتدار ، وهو الذى عناه ~~الشاعر بقوله : # قد استوى بشر على العراق %~% من غير سيف ودم مهراق (2) # وإنما أراد أن بشر بن مروان استولى على العراق واقتدر عليها وعلا وظهر ؛ ~~لأنه لا يجوز أن يمدحه بأنه جالس فى موضع بالعراق! ولأنه لو أراد المكان ~~لذكر موضعا مخصوصا ؛ لأن كل العراق لا يكون مكانا لاستوائه ، وقد يقول ~~الفصيح : قد استوى لفلان هذه المملكة واستوى له هذا الأمر. # وقد يراد بالاستواء تساوى الأجزاء المؤلفة. وذلك نحو قولهم استوى الحائط ~~، واستوت الخشبة : إذا تألفت على وجه مخصوص. # وقد يستعمل ذلك بمعنى القصد « فيقال : استويت على هذا الأمر واستقام # ومنها : استقامة ما ms048 كان فيه أود من الأمور والأسباب ، يقال منه : استوى ~~لفلان أمره ، اذا استقام له بعد أود. ومنه قول الطرماح بن حكيم : |طال على رسم مهدد أبده||وعفا واستوى به بلده| # يعنى : استقام به. # ومنها : الاقبال على الشيء بالفعل ، كما يقال : استوى فلان على فلان بما ~~يكرهه ويسوؤه بعد الاحسان إليه. # ومنها : الاحتياز والاستيلاء ، كقولهم : استوى فلان على المملكة ، بمعنى ~~: احتوى عليها وحازها. # ومنها : العلو والارتقاع ، كقول القائل. استوى فلان على سريره ، يعنى به ~~: علوه عليه. # انظر : جامع البيان : 1 / 191 192 طبع البابى 1373. PageV01P073 # لى ، بمعنى : قصدت إليه (1). # وقد يقال : (2) استوى حال فلان فى نفسه وماله ، ويراد بذلك زوال الخلل ~~والسقم. # وقد يراد بذلك الانتصاب جالسا أو راكبا أو قائما ، كما يقال : استوى فلان ~~على الكرسى ، وعلى دابته. # وإذا كانت اللفظة تستعمل على هذه الجهات ، فكيف يصح للمشبهة التعلق بها؟ # وقد ذكر أبو على (3) رحمه الله أن المراد بذلك : ثم قصد لخلق (4) السماء ~~وأراد ذلك ، ولذلك (5) عداه ب « إلى » ولا يكاد يعدى ب « إلى » ذلك إذا ~~أريد به الاستواء على المكان. # ويبين ذلك أنه لو أريد به الاستواء على المكان لوجب أن تكون السماء ~~مخلوقة من قبل هذا الاستواء ، ليصح أن يستوى عليها وينتقل إليها ، والآية ~~تدل على خلافه (6)؛ لأنه تعالى قال : ( @QUR@07 ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات )، يبين ذلك أنه تعالى ذكر هذه الآية على جهة الامتنان ~~، ولو أراد به PageV01P074 # أنه (1) انتقل إلى السماء جالسا لم يكن علينا بذلك نعمة ، لأن حالنا فيما ~~يختصنا من النعم لا يختلف بأن تتغير أماكنه لو جازت عليه ، تعالى الله عن ~~ذلك ، فيجب أن تحمل الآية على أن المراد بها أن خلق لنا ما فى الأرض ، وخلق ~~لنا السموات وسواها ، لتتكامل بخلقها النعم علينا من الوجوه التى لا تحصى. # ثم يقال للقوم : إن كان الأمر كما ظننتم فيجب أن يكون تعالى محتاجا إلى ~~مكان ، لأنه كان على الأرض ثم استوى إلى السماء وانتقل إليها ، وهذا يوجب ~~حاجته إلى المكان فيما لم يزل ، وفى ms049 ذلك قدم الأجسام ، ونقض القول بأنه خلق ~~السموات والأرضين. بل يوجب أن يكون تعالى محدثا ، لأن من جاز عليه الانتقال ~~والمجيء والذهاب ، فلا بد من (2) أن يكون جسما مؤلفا ، وما هذا حاله لا ~~يخلو من الحوادث ، وفى هذا إبطال الصانع أصلا ، فضلا عن أن يتكلم فى ~~صفاته!. # وإن سأل المجبر (3) فقال : إن قوله تعالى : ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا )، وفى الأرض الفساد والظلم وأفعال العباد ، فيجب أن يدل ~~ظاهره على أنه الخالق لها (4)!. # الملل والنحل : 1 / 108 مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية : 5 / 142. ~~ضحي الاسلام 3 / 56 57. PageV01P075 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أنه خلق ما فى الأرض ، ولا يعلم أن فى ~~تلك الحال التى خلق هذه الأمور كان هناك فساد على ما ذكرته. فظاهره لا ~~دلالة لك فيه. # وبعد ، فإن قوله. ( @QUR@03 ما في الأرض ) يقتضى كون ذلك الشيء فى الأرض ~~، والأرض ظرف له ومكان ، وهذا إنما يصح فى الأجسام دون أفعال العباد ، يبين ~~ذلك أنه تعالى قال : ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) فيجب ~~أن « يكون المخلوق (1) لنا ، فلا يجوز أن يراد به فعلنا ، بل يجب أن يكون ~~الأمور التى ينتفع بها ، وهذا لا يكون إلا الأجسام. # فإن سأل من يقول بالإباحة فقال : إن قوله تعالى : ( @QUR@06 خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا ) يدل على أن هذه الأمور كلها مباحة ولنا التصرف فى جميعها ~~، فكيف قولكم فيه؟ # فالجواب عن ذلك : أنه تعالى فى الجملة خلق ما فى الأرض للعباد لكى ~~ينتفعوا بها (2)، فالظاهر فى الجملة لا يخالف ما ثبت بالدليل ، فأما من ~~جهة التفصيل فلا بد من شرط ، ولا فرق بين أن يكون منطوقا به أو معروفا ~~بالعقل ، وهو أن لنا أن نتصرف فيه ، ما لم يؤد إلى مضرة على وجه ، لأنه لا ~~شبهة فى أنه تعالى إذا خلق السموم فليس لنا تناولها (3)؛ لما أدى إلى مضرة ~~، فالمراد به (4) ما ذكرناه ، والمضرة قد تكون « عاجلة وآجلة ، وقد تكون ~~(5) فينا وفى غيرنا ، فمتى انتفت كان ms050 لنا الانتفاع بما فى الأرض. وهذه ~~الجملة مبينة فى باب الحظر PageV01P076 # والإباحة من أصول الفقه (1). # فإن قال : إن كان فى جملة ما فى الأرض ما يحرم التصرف فيه ، فكيف امتن ~~علينا فى جميعه بأنه خلقه لنا؟ # قيل له : إن ما يحرم تناوله قد ينتفع به بالاعتبار وبالاستدلال ، وبأن ~~تميزه من غيره فى أنه يجب تجنبه ، فإذا شق ذلك علينا انتفعنا به من جهة ~~الثواب ، فربما يزيد النفع بالمحرم ، من الوجه الذى قلنا ، على النفع ~~بالمحلل ؛ لأن ذلك عاجل منقطع ، وهذا آجل دائم. ### |||| ** 25 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وهو بكل شيء عليم ) يبين فساد قول المشبهة ؛ لأنه لو كان جسما ذا ~~قلب ، لوجب أن تكون علومه متناهية ، فكان لا يصح أن يكون عالما بكل شيء. ### |||| ** 26 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى فيها بعد ذلك ما يدل على أنه يريد الفساد (2) بقوله ~~: ( @QUR@010 وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا : # المغنى : 17 / 145 148. وانظر : بدائع الصنائع : 5 / 118 فما بعدها وأصول ~~التشريع الاسلامى للأستاذ على حسب الله / ص : 168 : الطبعة الثالثة. PageV01P077 # @QUR@012 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~) [30] فلما لم ينكر ذلك من قولهم ) دل على أنه أراد الفساد! # والجواب عن ذلك : أن العلم بأن « العاصى يعصى (1) فى المستقبل لا يوجب ~~كون العالم مريدا (2)، لأنا نعلم ذلك من إبليس ، ومن الكفار ولا نريدها ~~منهم بل نكرهها ونسخطها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم من أبى لهب ~~وغيره أنه يستمر على كفره ولم يكن يريد ذلك ، بل كان يكرهه وينهى عنه ويزجر ~~عن فعله ، فإذا لم يقتض إلا أنه تعالى علم أنهم يفسدون فى الأرض فقط ، وهذا ~~لا يوجب كونه مريدا لفسادهم ، فقد (3) بطل تعلقهم بالظاهر. # فإن هم فزعوا إلى أن يقولوا : إنه تعالى إذا علم أنهم يفسدون ثم اخترع ~~وكلف وأسكن الأرض ، دلت هذه الجملة على أنه يريد فسادهم ، فهذا تعلق بغير ~~الظاهر ، وهو مع ذلك فاسد ؛ لأن الواحد منا قد يفعل الآلة ويغلب فى ms051 ظنه ~~أنها تستعمل فى الفساد ، ولا يجب أن يريد ذلك ، وهذا مما نجده فى أنفسنا. # وكذلك إذا قالوا : إنه تعالى لما فعل ذلك وهو متمكن من المنع منه # والمسألة أيضا فيما يبدو متصلة بخلافهم فى خلق الأفعال ، فحين ثبت عند ~~الأشاعرة أن أفعال العبد مخلوقة لله ، وفى العالم القبائح والشرور قالوا : ~~إنها منه سبحانه ، وأنه قد أراد لعباده العاصين الكفر (وأراد لكل ما كان ) ~~فى حين لم يلزم المعتزلة شيء من هذا ، لتنزيههم إرادة الله تعالى ، وقولهم ~~: إن أفعال العباد مخلوقة لهم. # انظر فى تفصيل هذا الموضوع : مقدمة فى نقد مدارس علم الكلام للأستاذ ~~الدكتور محمود قاسم ( مع مناهج الأدلة لابن رشد ) الطبعة الثانية ، ص : 88 104. PageV01P078 # ولم يمنع ، دل على أنه يريد الفساد ، فذلك باطل ؛ لأن النصراني الضعيف قد ~~نتمكن من منعه من الاختلاف إلى البيع ، ولا يجب أن نريد اختلافه إليها (1). # ثم يقال للقوم : إنه تعالى بما حكاه عن الملائكة من فصلهم بين الطاعة ~~والمعصية ، وبين المفسد فى الأرض والمسبح والمقدس لله ، دل على أنه تعالى ~~إنما أراد الطاعة دون الفساد ؛ لأنه لو كان أرادهما جميعا لم يكن لهذا ~~القول منهم معنى. # وبعد ، فلو كان الفساد والتسبيح والتقديس من قبله تعالى وبإرادته ، لم ~~يكن ليمدحوا أنفسهم ، وليفضلوها بأنهم يسبحون ويقدسون على من يفسد فى الأرض ~~؛ لأن الأسود لا يصح أن يفتخر على الأبيض ، على هذا الحد ، لما كانا جميعا ~~من قبله تعالى. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 قال إني أعلم ما لا تعلمون ) يدل على أنه أراد ~~به أن يعلم أن (2) الصلاح أن يجعل ذلك الخليفة فى الأرض ، وإن كان المعلوم ~~أنه يقع من بعض ولده الفساد ، وأن قصده بجعله إياه خليفة فى الأرض ، هو ذلك ~~الوجه من الصلاح ، دون الفساد الواقع منهم. ### |||| ** 27 مسألة : قالوا : وقد ذكر بعد ذلك ما يدل على أنه تعالى يكلف العبد ما لا يطيقه ، ~~ولا سبيل له إلى إيجاده فقال : ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها PageV01P079 # @QUR@011 ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين ... ) [31] ومعلوم ms052 من حالهم أنه لم يمكنهم أن يخبروه بهذه الأسماء ، ~~لفقد معرفتهم « بها ، وهذا يدل على قولنا فى الاستطاعة والمخلوق جميعا (1). # والجواب عن ذلك ، أن ظاهره لا يدل على ما قالوه ؛ لأنه إن كان أمرا فهو ~~أمر بشرط أن يكونوا صادقين ، فإن لم يكن معهم العلم بكونهم صادقين فيما ~~يخبرون به ، زال التكليف عنهم أصلا. # فإن قال : قد يكون (2) صادقا وإن لم يعلم ذلك ، فما قلتموه لا يجب؟ # قيل له : متى جعل ذلك شرطا فى التكليف ، وجب أن يعلمه المكلف ؛ ليعلم أنه ~~قد أدى ما كلف عند حصول شرطه ، ويعلم خلافه عند زوال الشرط ، فإذا وجب ذلك ~~ولم يكن لهم إلى العلم به سبيل ، فالتكليف زائل ، فلم يحصل من ذلك أنه ~~كلفهم على كل حال ، فيكون لهم فيه متعلق ، وذلك بمنزلة أمره تعالى المصلى ~~بأن يتطهر إن وجد الماء ، فإذا لم يجده « لا يجب عليه (3) أن يكون مأمورا ~~به ، فيتعلق بذلك فى أنه قد كلف ما لا يقدر عليه! فهذا الوجه يمنع من ~~التعلق بالظاهر (4). PageV01P080 # وبعد ، فإن الظاهر إنما يدل على أنه أمرهم بما لا سبيل لهم إلى معرفته ~~وتمييزه من غيره ، وذلك ما لا يجيزه أكثر المجبرة ؛ لأنهم إنما يجيزون ~~الأمر بما لا يطاق إذا كان لا يحتاج المأمور فى ذلك إلا إلى القدرة فقط (1) ~~، فأما إذا احتاج إلى غيره من علم وعقل وجارحة وآلة ، فإنهم « لا يجيزونه ~~ويجرونه (2) مجرى تكليف العاجز الذى يمتنع عليه الفعل والترك جميعا. وهذا ~~الوجه أيضا يمنع من التعلق بالظاهر. # هذا ، وقد علمنا أنه ليس بتكليف ولا أمر ، بل هو تقريع وتقرير ، وذلك أنه ~~تعالى بين أنه خص آدم عليه السلام بأن علمه الأسماء ليكون معجزا له ، فأراد ~~أن يبين للملائكة أن هذا الاختصاص يوجب نبوته ، فقررهم بقوله : ( @QUR@06 ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) على ذلك ، ونبه من حالهم على أنهم ~~إذا لم يختصوا بما اختص به آدم مما فيه انتقاض عادة ، فيجب أن يكون نبيا ، ~~ولذلك حكى عنهم ما يدل على الانقياد ، وهو قولهم ms053 : ( @QUR@08 قالوا سبحانك ~~لا علم لنا إلا ما علمتنا ) (3) فبين أنه تعالى لما لم يختصهم بهذا العلم ~~لم يحصل لهم كما حصل # والشريف المرتضى يدير الكلام فى هذه النقطة على لسان المعترض ، فيقول : ( ~~كيف يأمرهم أن يخبروا بما لا يعلمون ، أو ليس ذلك أقبح من تكليف ما لا يطاق ~~، الذى تأبونه؟ والذى جوز أن يكلف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوزه! ) ثم ~~يذكر وجهين فى تأويل الآية بما الا يخرج عن كلام القاضى رحمهما الله. ~~الأمالى : 2 / 68. PageV01P081 # لآدم صلى الله عليه. وهذا بين لمن يدبره (1). # وصيغة الأمر قد ترد ولا تكون أمرا ، بل تكون تهديدا وتقريرا وتقريعا ~~وإباحة ، ويعلم حاله بما يتقدم من الكلام ويتأخر ، وقد بينا أن صدر الكلام ~~يدل على أنه تقريع وليس بأمر. وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@023 قال يا آدم ~~أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (2) يدل جميعه على أن ~~الغرض بالأول هو التقرير ، لأنه لو كان تكليفا لكان لا يتغير حاله بأن ~~يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء ، ولم يكن لقوله تعالى عند ذلك : ( @QUR@05 ~~إني أعلم غيب السماوات والأرض ) معنى ، وإذا حمل على (3) أنه تقرير يحسن ~~موقعه ؛ لأنه تعالى بعد إخبار آدم عليه السلام بين لهم (4) أنه قد خصه بما ~~أفرده من الأسماء مفصلا ، وأنه تعالى يعلم الغيب ، فلذلك صح أن يعرفه ~~الأمور المستقبلة ، ولذلك صح أن يخصه بذلك (5). وهذا بين. # فإن سأل بعض أصحابنا فقال : يجب أن تكون الآية دالة على أن الأسماء كلها ~~توقيف ، وأنها لا تقع بالمواضعة ، وقال : إذا صح أن يعلم آدم جميع الأسماء ~~لم يمتنع فى كل العباد أن يعلموا ذلك ويفهموا ، فمن أين أن فيها ما وقع ~~بالمواضعة؟. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر القول يدل على أنه تعالى علم آدم عليه السلام ~~فقط الأسماء كلها ، ولا يدل « على أن (6) ابتداء اللغات من أربابها وقع ~~بالمواضعة أو التعليم ، فلا يمتنع فى أرباب اللغات أن يكونوا تواضعوا عليها ، PageV01P082 # وإن كان ms054 آدم عليه السلام قد عرف حالهم فيها. # واعلم أن الأسماء إنما توصف بذلك لا لصيغتها (1)، لكن لأنه قصد بها وجها ~~مخصوصا. وقوله تعالى : ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها ) ظاهره يقتضى تقدم ~~كونها أسماء ؛ لأنها إذا لم تكن قد اختصت بذلك من قبل ، كان تعالى مبتدئا ~~باللغة. ومن علم غيره ما تواضع عليه فى الحال لا يوصف بذلك ، فيجب أن يكون ~~المراد بذلك أنه علمه ما تقدمت المواضعة عليه ، أو ما ستقع المواضعة عليه ، ~~وفى هذا إبطال ما تعلقوا به وتحقيق ما نقوله (2). # وقد بين شيخنا أبو هاشم (3) رحمه الله ، أنه تعالى لا يصح أن يعرف المكلف ~~الأسماء كلها ؛ لأنه لا بد من مواضعة متقدمة على لغة واحدة ، ليفهم بها ~~سائر اللغات ، فمتى لم تتقدم ، لم يصح أن يعرفه مع التكليف ؛ لأن تعريف ~~الأسماء يقتضى تعريف المقاصد ، ولا يصح فيمن يعرف الله باستدلال أن يعرف مقاصده PageV01P083 # ضرورة (1)، حتى إذا عرف لغة واحدة صح أن يخاطبه بها فيعرفه سائر اللغات ~~، فلا بد أن يكون آدم قد عرف مواضعة الملائكة على لغة ما ، ثم علمه (2) ~~الله الأسماء فى سائر اللغات بتلك اللغة. # وقد قيل : إن الله عز وجل ذكر الأسماء وأراد المسميات (3)، ولذلك قال ~~تعالى : ( @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ) وذلك لا يليق بالأسماء ، لكنه ~~لما لم يصح من آدم عليه السلام ، تعريف ما علم من المسميات إلا بذكر الأسماء ~~، جاز أن يقول : ( @QUR@03 أنبئوني بأسماء هؤلاء )، وجاز أن يقول : ( ~~@QUR@03 فلما أنبأهم بأسمائهم ). # والظاهر (4) على الوجه الأول أدل (5)، ولا يجب إذا دخل المجاز فى بعض ~~الكلام أن يصرف سائره عن الحقيقة. ### |||| ** 28 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يرد من إبليس السجود ، وهو ~~قوله : ( @QUR@013 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين ) [34]. # فلو كان أراد منه ذلك لم يصح أن يأبى ويستكبر ؛ لأن ذلك يؤدى إلى جواز ~~المنع عليه ، تعالى عن ذلك. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الآية إنما يدل على أنه امتنع عن ذلك ؛ لأن ms055 ~~الإباء هو بمعنى المنع والامتناع فى اللغة ، وامتناعه لا يدل (6) على أنه ~~تعالى لم PageV01P084 # يرده منه ، فليس لهم فى الظاهر دلالة (1). # بل يدل الظاهر على ما نقوله ؛ لأنه تعالى لو لم يكن قد أمره بالسجود فى ~~جملة الملائكة ، وأراده منه. لم يكن ليستثنيه من جملتهم ؛ لأنه إذا لم يكن ~~منهم اسما فلا بد من مشاركته لهم فى المعنى ، ليصح الاستثناء ، وليس ذلك ~~إلا أنه داخل فى جملتهم فى أنه قد كلف السجود ، وقد بينا أن الأمر والتكليف ~~يقتضيان الإرادة ، وكيف يصح أن لا يريده منه ، ويذمه على امتناعه ، ويصفه ~~بأنه استكبر وكان من الكافرين؟! # وقد تعلق شيوخنا المتقدمون بهذه الآية فى أن العبد يفعل ويقدر على الشيء ~~وتركه ؛ لأن العرب لا تصف الإنسان بأنه أبى الفعل إلا ويمكنه أن يفعله ~~ويتركه ، وهذا ظاهر من حالهم (2)، والممنوع الذى لا يمكنه الانفكاك مما ~~منع منه لا يصح أن يوصف عندهم بذلك ، فاذا صح ذلك ، فالواجب أن تدل هذه ~~الآية على أن إبليس كان قادرا على أن يسجد. وفى ذلك دلالة على تقدم القدرة ~~، وعلى أنها قدرة على الشيء وضده. # انظر : المحيط بالتكليف ، للقاضي عبد الجبار ، نشر عمر السيد عزمى ، ص ~~303 304. PageV01P085 # فإن سأل فقال : أليس هذه الآية تدل على أن السجود قد يحسن لغير الله عز ~~وجل (1)!؟ قيل له : إن السجود لآدم لا يدل على أنه تعظيم لآدم وعبادة له ، ~~وإنما كان يصح ما ذكرته لو دل على هذا الموضع ، ولو أن أحدنا قال لغيره : ~~صل للقبلة واسجد لها ، لم يدل ذلك على أنها المعبود. وقد قالت الفقهاء : إن ~~فلانا سجد للسهو والمراد بذلك أنه سبب السجود ، لا أنه المعبود بالسجود. # فإن قال : فإن كان الأمر كذلك فيجب أن لا يكون لآدم فيه مزية ، وإن كان ~~كالقبلة! وفى هذا إبطال تعظيمه لذلك وتفضيله! # قيل له : ليس الأمر كما زعمته ؛ لأنه (2) وإن لم يكن عبادة له فقد يقصد ~~به تعظيمه على بعض لوجوه ، فيحصل له المزية. وهذا نحو أن يأمر النبى صلى ~~الله ms056 عليه بالصلاة فنفعلها ، فيكون فى فعلها له المزية والتعظيم من حيث ~~أطعناه بفعلها ، وعظمناه بالتلقى والقبول ، فكذلك لا يمتنع مثله فى آدم ~~صلوات الله عليه. ### |||| ** 29 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أن الهدى من الله تعالى ، فقال : ~~( @QUR@017 قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [38]. PageV01P086 # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الهدى فى الحقيقة هو الدلالة والبيان ، ~~وذلك منه لا من غيره ، وإنما ينكر أنه تعالى يخلق فى قلب المؤمن الإيمان ، ~~ولا ينكر أن يقال فى الإيمان : إنه من الله عز وجل ، من حيث إنه أعلن عليه ~~وسهل ويسر ولطف. وظاهر الآية إنما (1) يدل على ما نقول ؛ لأنه أراد : فإما ~~يأتينكم منى (2) دلالة وبيان ، فمن تبع ذلك بأن تمسك به وعمل بموجبه فلا ~~خوف عليهم. # ثم يقال للقوم : لو كان الهدى هو الإيمان لما صح أن يقول تعالى : ( ~~@QUR@03 فمن تبع هداي ) لأن الكلام يقتضى أن فعلهم هو غير الهدى الذى ~~اتبعوه ، ولذلك أضاف الهدى إلى نفسه والاتباع إليهم. وذلك يدل على تغاير ~~الأمرين ، وأن الهدى غير الإيمان ، ولو كان تعالى خلق الإيمان فيهم لم يجز ~~أن يجعل الجزاء على ذلك أنه (3) ( @QUR@06 فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ~~لأن الجزاء إنما يستحق على فعل المجازى. ### |||| ** 30 مسألة : قالوا : وقد قال تعالى بعده ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المكان واللقاء ، ~~فقال : ( @QUR@08 الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) (4) ~~والملاقاة تدل على ما قلناه ، والرجوع إليه كمثل (5)، فكيف يصح لكم هذا مع ~~نفى التشبيه عنه تعالى؟ PageV01P087 # والجواب عن ذلك : أن الظاهر (1) يقتضى أنهم ظنوا ذلك ، ولا يجب فى الظن ~~أن يكون مظنونه على ما تناوله ، فلا يصح تعلقهم به! والمفسرون حملوه على أن ~~المراد به العلم (2)، « لكن ذلك مجاز ، فالذى قلناه من تركهم الظاهر صحيح (3). # فإذا حمل على العلم فالمراد به عند شيوخنا رحمهم الله ، أنهم يعلمون أنهم ~~ملاقو ما وعدهم به (4) من الثواب ، وأنهم ms057 راجعون (5) إلى حيث لا يملك ~~الأمور سواه ، فذكر تعالى نفسه وأراد فعله ، كقوله تعالى : ( @QUR@06 ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم ) (6) وقوله : ( @QUR@05 إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~) (7) وقوله : ( @QUR@02 يخشون ربهم ) (8). إلى ما شاكله مما يكثر ذكره. ~~وليس اللقاء هو التجاور على جهة المشاهدة ؛ لأن الضرير قد يلقى غيره إذا ~~سمع خطابه وإن لم يشاهده ، و (9) قد يبعد من مخاطبه ويعد ملاقيا له. # ثم يقال للقوم : يجب على ما ذكرتم أن يكون تعالى فى موضع دون موضع ؛ PageV01P088 # ليصح فيه الملاقاة والرجوع إليه ، ولو كان كذلك لوجب أن لا يصح أن يعلم ~~إلا ما يختص بذلك المكان ، ولوجب أن لا يصح أن يفعل إلا هناك ، ولوجب أن ~~يحتاج إلى المكان فيما لم يزل. فكل ذلك يبين بطلان تعلقهم بالظاهر. ### |||| ** 31 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعده (1) ما يدل على أنه الخالق للإيمان والطاعة ، ~~والمفضل بها المؤمن على الكافر ، فقال : ( @QUR@012 يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) [47] فبين أنه أنعم ~~عليهم بأن فضلهم ، وذلك التفضيل ليس إلا بما اختصوا به من الطاعات. # والجواب عن ذلك : أن ما ذكره إنما كان يتم لو لم يقع التفضيل إلا ~~بالإيمان فقط ، فلا ظاهر إذن يصح تعلقهم به ، ولا يمتنع أن يكون تعالى ~~فضلهم بالألطاف والتأبيد والخواطر وضروب (2) التنبيه على الخير ؛ لعلمه بأن ~~ذلك أجمع يؤثر فى حالهم ، وأنه (3) لا يؤثر فى حال غيرهم ممن (4) المعلوم ~~أنه يكفر على كل حال. وفى ذلك بطلان ما تعلقوا به. # وبعد ، فإن التفضيل لو كان بالإيمان لم يدل على أنه من خلقه تعالى فيهم ، ~~بل يجب أن يحمل على أنه نسبه إلى نفسه من حيث فعل « المعونة والتسهيل ~~والألطاف ، وما عنده وقع ذلك منهم ، فجاز أن يضيف الإيمان إلى نفسه من حيث ~~فعل (5) المقدمات التى « عندها يختاره (6)، « على ما بيناه من أن أدب الولد PageV01P089 # يضاف إلى الوالد إذا فعل من المقدمات ما عنده يختار التأدب (1). ### |||| ** 32 دلالة لنا : وهو قوله عز وجل بعد ذلك : ( @QUR@019 واتقوا يوما ms058 لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) [48] يدل على أن من ~~استحق العقاب لا يشفع النبى صلى الله عليه ، له ولا ينصره (2)، لأن الآية ~~وردت فى صفة اليوم ولا تخصيص فيها ، فلا يمكن صرفها إلى الكفار « دون أهل ~~الثواب (3)، وهى واردة فيمن يستحق العذاب فى ذلك اليوم ؛ لأن هذا الخطاب ~~لا يليق إلا بهم ، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأنه يمنع الشفاعة ~~للمؤمنين أيضا (4). ولو كان النبى صلى الله عليه ، يشفع لهم لكان قد أغنى ~~عنهم وأجزى ، فكان لا يصح أن يقول تعالى : ( @QUR@06 لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا ). ولما صح أن يقول : ( ولا يقبل منها شفاعة ) وقد قبلت شفاعته صلى ~~الله عليه ، فيهم. ولما صح أن يقول : ( @QUR@04 ولا يؤخذ منها عدل ) لأن ~~قبول الشفاعة وإسقاط العقاب إلى المغفرة ، أعظم من كل فداء يسقط به ما قد ~~استحقوه من المضرة ، بل كان يجب أن تكون الشفاعة فداء لهم عما قد (5) ~~استحقوه من حيث تزول بها ولمكانها (6)، ولما صح أن يقول : ( @QUR@01 ولا PageV01P090 # @QUR@02 هم ينصرون ) (1) وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم ~~بالشفاعة. فالآية دالة على ما نقوله من جميع (2) هذه الوجوه. ### |||| ** 33 مسألة : قالوا : وقد قال عز وجل ما يدل على أن المعاصى من قبله ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@018 وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ، يذبحون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) [49] فذكر أن المعاصى ~~المتقدم ذكرها بلاء عظيم من ربهم ، فأضافها إلى نفسه. # والجواب عن ذلك : أن المراد بقوله : ( @QUR@05 وفي ذلكم بلاء من ربكم ) ~~أنه إحسان عظيم منه من حيث نجاهم ممن إذا « تمكنوا منهم عاملوهم (3) بهذه ~~المعاملة وذلك فى الحقيقة مضاف إليه تعالى. والكلام فى أن الأيادى والإحسان ~~تسمى بلاء ، ظاهر فى اللغة (4)، فليس فى الآية ما يدل على ما قالوه. # ثم يقال للقوم : لو كان ما (5) ذكره منه تعالى (6) لما ذمهم ووبخهم عليه ~~، ولما وصف تخليصهم منهم (7) بأنه نعمة ، ولوجب أن يكون إنما نجاهم ms059 بفعله ~~من فعله ، وهذا متناقض فى اللفظ والمعنى جميعا! # انظر : الطبرى : 1 / 274 275. أمالى المرتضى : 2 / 108 109. PageV01P091 # 34 دلالة : فأما قوله عز وجل : ( @QUR@08 ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم ~~تشكرون ) [52]. وقد ثبت أنه تعالى ممن لا يجوز عليه الشك ، فيجب أن يكون ~~المراد بذلك : لكى تشكروا ، على طريقة اللغة ، وذلك يدل على أنه لم يرد من ~~جميعهم إلا الشكر ، وذلك يبطل القول بأنه أراد منهم ما يختارون ، فأراد من ~~الكافر الكفر ومن الشاكر الشكر ، ولذلك لم يذكر تعالى فى شيء من كتابه : ~~لعلكم تكفرون وتعصون ، وإنما ذكر ذلك فى الطاعات. ### |||| ** 35 مسألة : قالوا : وقد قال بعد ذلك ما يدل على جواز الرؤية عليه تعالى (1)، فقال : ( ~~@QUR@011 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) [55] فترك موسى ~~عليه السلام إنكار ذلك ، وهذا يدل على أنه مجوز ؛ وإن كان الصلاح أن لا تروه ~~إلا فى الآخرة. # (كل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن ). # انظر : شرح الأصول الخمسة : 232 277. ضحي الاسلام : 3 / 26 28 وانظر أدلة ~~الأشعرية على (جواز رؤية البارى عقلا ، ووجوبها سمعا ) مع نقاش أدلة ~~المعتزلة : نهاية الإقدام للشهرستانى : القاعدة السادسة عشرة ص 356 369. ~~وانظر كذلك الخلاصة الجامعة ، التى كتبها الأستاذ الدكتور محمود قاسم تحت ~~عنوان : (الرؤية ) في مقدمته النقدية لدارس علم الكلام ، على مناهج الأدلة ~~لابن رشد : 81 88. وارجع إن شئت إلى ما ألقى به جولد تسهر من كلام حول هذا ~~الموضوع ، وما صوره به وتسقط له من الأخبار : مذاهب التفسير الاسلامى : 124 129. PageV01P092 # والجواب على ذلك : أن ليس فى الظاهر إلا قولهم والحكاية عنهم ، فكيف يدل ~~ذلك على أنه هو الحق ، مع علمنا أنه لا خلاف بين الجميع أن هذا القول منهم ~~باطل؟ لأنه ليس لأمة النبى صلى الله عليه ، وقد دعاهم إلى الإيمان ، أن ~~يحتجوا بأنهم لا يؤمنون حتى يروا ربهم جهرة ؛ لأن من يقول بجواز الرؤية على ~~الله تعالى أيضا ، لا يجوز للمكلف أن يؤخر إيمانه إلى أن يراه ، وأن يقول ms060 ~~ذلك ، ويجعله عذرا فى ترك الإيمان. # وبعد ، فإن الآية تدل على ضد قولهم ؛ لأنه تعالى خبر أنه عاقبهم بإنزال ~~الصاعقة بهم لما قالوا ذلك (1)، وإنزال العقوبة على الشيء يدل على أنه ~~باطل ؛ لأن الله عز وجل لا يعاقب على الحق ، وإنما سأل قوم موسى عليه السلام ~~ذلك ؛ لكى يرد الجواب من قبله تعالى فى أنه لا يرى حسب ما سمعوه من موسى ، ~~وإنما سأل صلى الله عليه ، عن لسان قومه ، فلحقه ولحقهم ما ذكره تعالى ، ثم ~~أحياهم بعد أن أماتهم ؛ لكى يطيعوه ويحولوا عن هذه الطريقة ، فلهذا قال عز ~~وجل : ( @QUR@07 ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) (2) يعنى : لكى ~~تشكروا بالتمسك بالطاعة والعدول عن المعصية. ### |||| ** 36 دلالة : وقوله عز وجل بعد ذلك : ( @QUR@05 كلوا من طيبات ما رزقناكم ) [57] يدل على ~~أن الرزق لا يكون من قبله إلا طيبا حلالا (3)، لأن الحرام PageV01P093 # قد نهى تعالى عن تناوله وتوعد عليه وزجر عن ذلك ، فلا يصح دخوله تحت ما ~~أباح تناوله. ### |||| ** 37 دلالة أخرى : وقوله (1): ( @QUR@06 وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) [57] يدل على ~~بطلان قول المشبهة والمجبرة ؛ لأنه لو كان تعالى جسما لصح أن يغتم ويألم ، ~~وكان يصح أن يظلم ، تعالى الله عن ذلك ، فلما نفى عن نفسه ذلك ، علم ~~استحالة ذلك عليه (2). # وقوله : ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) يدل على أنه تعالى لم يخلق ~~فيهم المعاصى ، وإلا كان هو الظالم لهم ؛ لأنه إذا خلق فيهم القدرة الموجبة ~~للكفر ، والكفر وإرادة الكفر ، وسلبهم قدرة الإيمان والإيمان ، فقد جعلهم ~~بحيث لا يمكنهم الانفكاك من الظلم والضرر ، فكيف يصح مع هذا أن ينسب ظلمهم ~~إلى أنفسهم؟! ### |||| ** 38 دلالة اخرى لنا : وقد قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@010 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ~~خذوا ما آتيناكم بقوة ) [63] فدل ذلك على أن قوة الأخذ حاصلة ؛ ليصح منه ~~تعالى هذا القول ، ولو كانت القوة (3) توجد منه # انظر نهاية الاقدام ، ص 415 416. PageV01P094 # تعالى مع الأخذ ، لكان لا يصح أن يقول لهم ، ولم يعطهم القوة كما لم ~~يعطهم الأخذ : ( @QUR@04 خذوا ما آتيناكم بقوة ms061 )، وذلك يدل على إثبات ~~القوة ، وأنها متقدمة للأخذ. # 39 : وقوله تعالى : ( @QUR@05 واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) يدل على أنه ~~تعالى (1) أراد من جميعهم التقوى ، على ما تقدم ذكره (2). ### |||| ** 40 مسألة : قالوا : وقد قال تعالى بعد ذلك ما يدل على أن التوبة والطاعة (3) من قبله ~~تعالى فقال : ( @QUR@014 ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل الله عليكم ~~ورحمته لكنتم من الخاسرين ) [64] فبين أنه لو لا خلقه التوبة فيهم والطاعة ~~لحلت (4) بهم الخسارة. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه تعالى قد فضل الطائع التائب بمقدمات هى ~~: المعونة والألطاف والتأييد والأحوال التى عندها يؤمن ويتوب ، ولولاها لما ~~صح منه الإيمان ، فقد فضلهم بذلك ورحمهم بأن بقاهم على هذا الوجه ؛ ~~ليتمكنوا من التوبة ، ويزيلوا العقاب عن أنفسهم ، وليس فى الظاهر صفة ذلك ~~الفضل حتى يصح تعلقهم به ، فهى إذا محتملة ، نتجاذب تأويلها من غير أن يدل ~~الظاهر عليها. # ثم يقال للقوم : لو كان الأمر كما قلتم لم ينسب إليهم التولى ، بل كان ~~يجب أن يكون منه تعالى ، ولما ذمهم بذلك ، ولما جعل الخسران جزاء عليه. PageV01P095 ### |||| ** 41 مسألة : قالوا : وقد ذكر بعد ذلك ما يدل على أنه يريد من خلقه ما يفعلون ، فقال جل ~~من قائل : ( @QUR@017 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ) [70] فبين أن الاهتداء يقع منهم بمشيئة ~~الله تعالى. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أنه تعالى إن شاء اهتدوا ، ولا يدل ~~على غير ذلك. وهذا قولنا ؛ لأنه عز وجل لو لم يكلف الاهتداء لم يصح من ~~العبد أن يفعله ، وإنما يصح ذلك متى جعله تعالى بحيث يمكنه أن يهتدى ، وشاء ~~ذلك منه ، فهذا قولنا فى الطاعات كلها ، فلا يصح تعلقهم به. # وبعد ، فإن العادة فى الخطاب جارية فى أن الإنسان لا يخبر عن المستقبل ~~إلا ويعلق ذلك بالمشيئة ، فلذلك قال تعالى : ( @QUR@05 وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون )، ولا يدل ذلك على مشيئة حاصلة فى اللغة ، وإنما الغرض إخراج ~~الخبر من أن ms062 يكون قاطعا من حيث لا يعلم أحدنا الأحوال فى المستقبل ، فيقيد بذلك. ### |||| ** 42 دلالة : وقوله تعالى ( @QUR@024 فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون ) [79] يدل على أن هذه الأفعال ليست من خلقه تعالى ؛ لأنه لو كان قد ~~خلقها لم يصح أن تنفى عنه ؛ لأن أقوى الإضافات فى الفعل أن يضاف إلى فاعله ~~، فلو كان تعالى خلق ما كتبوه لما صح أن ينفيه عن نفسه ، مع أنه الذى خلقه ~~وأوجده. # فإن قال : أولستم قد تضيفون إليه الطاعة وإن لم يفعلها؟ PageV01P096 # قيل له : إن الذى قلناه : إن (1) ما يفعله (2) لا يجوز أن ينفى عنه ، فلا ~~يضاف إليه ، ولم نقل : إن كل ما أضيف إليه فهو فعله ، وقد يضاف الشيء إلى ~~من فعله ، وقد يضاف إلى من أعان عليه ، وسهل السبيل إليه ، ولطف فيه ، وقد ~~يضاف إلى من فعل ما يجرى مجرى السبب له ، ولذلك قد يضاف ما يفعله (3) أحدنا ~~من الإحسان إليه ؛ لأنه فعله ، وقد يضاف أدب ولده إليه ، وإن كان من فعل ~~الولد ، لما فعل المقدمات التى عندها يتأدب (4). ويضاف إليه تنعم الغير ~~بداره وأحواله ، إذا كان هو الذى أعطاه من الأموال ما اكتسبها أجمع به! ~~وهذا الظاهر فى اللغة ، ولا يعرف فى اللغة قطع إضافة الفعل عن فاعله البتة ~~، فإذا بين تعالى أن كتابتهم ليست من عنده ، ففي ذلك دلالة على أنها من ~~فعلهم ، ولو كان هو الذى خلقها لم يستحقوا الويل بهذه الإضافة ، ولا ~~باكتسابهم لها (5). ### |||| ** 43 دلالة أخرى : وقال عز وجل : ( @QUR@07 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) (6) فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون فدل بذلك على أن من غلبت كبائره على طاعاته لأن ~~هذا هو المعقول من الإحاطة فى باب الخطايا ، لأن ما سواه من الإحاطة التى ~~تستعمل فى الأجسام يستحيل فيها هو من أهل النار (7) مخلدا فيها. # ( م 7 متشابه القرآن ) PageV01P097 ### |||| ** 44 وقوله بعد ذلك : ( @QUR@010 والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ms063 أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~) [82] يدل على أن الجنة لا تستحق بالإيمان (1) الذى هو القول ، دون أن ~~ينضاف إليه الأعمال الصالحة ، وذلك (2) يبطل قول المرجئة فى الوعيد ، وفى ~~الأسماء جميعا (3). ### |||| ** 45 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه (4) يخلق الكفر فى الكفار ، ~~فقال : ( @QUR@09 واسمعوا ، قالوا : سمعنا وعصينا ، وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم ) (5) فبين أنه خلق الإشراك فى قلوبهم. وهو الكفر بعينه. # والجواب عن ذلك. أنه تعالى وصفهم بذلك ، ولم يبين من الذى فعله ، ومتى لم ~~يسم الفاعل عند ذكر الفعل ، لم يعلم بالظاهر من الفاعل ، فالتعلق بذلك بعيد. # والمراد بذلك أنهم بتمسكهم بذلك ، وشدة أخذهم به ، جعلوا أنفسهم بهذه # وفى مسألة الايمان يكاد المرجئة أن يجمعوا على أن العمل ليس ركنا من ~~أركانه ، ولا داخلا فى مفهومه ، على خلاف بينهم فى اعتبار الاقرار باللسان ~~ركنا ثانيا مع التصديق بالقلب ، أو عدم اعتباره ، وقد تفرع عن هذا قولهم فى ~~مرتكب الكبيرة : إنه لا يخلد فى النار. وذهب المعتزلة والخوارج إلى اعتبار ~~الأعمال جزءا من الإيمان ، وجعلت الخوارج من أتى بالكبيرة كافرا ، ووضعته ~~المعتزلة فى المنزلة بين المنزلتين ، فلم (تسمه ) كافرا ولا مؤمنا. PageV01P098 # الصفة ، وهذا كما يقال للغير : إنك معجب برأيك ، إذا اشتد تمسكه بما ~~يقتضى أن يكون جاعلا نفسه كذلك ، وقد يقول الفصيح لمن يخاطبه إذا لم يقع ~~منه القبول : أين يذهب بك؟ ويريد بذلك أنه صير نفسه كذلك ، لا أن غيره ~~أنزله هذه المنزلة. # ثم يقال : لو كان تعالى جعلهم كذلك لما صح أن يقول : ( @QUR@05 وأشربوا ~~في قلوبهم العجل بكفرهم ) فيجعل ذلك متعلقا بالكفر وجزاء عليه ، ولما صح أن ~~يذمهم ، وينسب المعصية إليهم! ### |||| ** 46 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعد ما يدل على أن السحر من قبله وأنه إنما يضر ~~بإرادته وأمره ، فقال : ( @QUR@013 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ... ) الآية (1). # والجواب عن ذلك : أنه ليس فى الظاهر أكثر من أن الشياطين يعلمون ما أنزل ~~تعالى على الملكين من أنواع السحر ms064 ، وقد علمنا أنه تعالى قد ينزل على الملك ~~وعلى أنبيائه تعليم الخير والشر ، فالخير ينزله عليه ليفعل ، والشر ليعرف ~~فيجتنب ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@09 وما يعلمان من أحد حتى يقولا : إنما ~~نحن فتنة ) يعنى بالفتنة : زيادة التكليف أو مشقته ، فلا تكفر. فيعلمان ~~السحر والكفر ، ويضيفان إلى ذلك النهى عن التمسك به ، ولا يجب إذا تعلم ~~منهما الغير ما يفرق بين PageV01P099 # المرء وزوجته أن يكون ذلك بمرادهما ومشيئتهما (1)، وقوله : ( @QUR@02 ~~بإذن الله ) لا يدل على أن المراد هو الأمر (2) والإرادة ، لأن الإذن كما ~~يراد به الأمر والإباحة ، فقد يراد به الإعلام ، ومن ذلك يسمى « الأذان ~~أذانا (3)) ، وقال تعالى : ( @QUR@04 وأذان من الله ورسوله ) (4)، وقال : ~~( @QUR@05 فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) (5) فليس له فى الظاهر تعلق على ~~وجه (6). # وقد اختلف شيوخنا رحمهم الله فى المراد بهما (7)، فمن قول الحسن رحمه الله ~~أن المذكور بالآية ليس هو الملك (8)، وإنما أراد تعالى ملكين كانا هناك ~~كافرين يعلمان الفساد ، وكذلك (9) قرئ ، ويقوى ذلك بأن السحر وتعليمه لا ~~تجوز إضافته إلى الله تعالى ، لأنه من ضروب الباطل. # وشيخنا أبو على رحمه الله يقول : إن ظاهر القراءة هو ( @QUR@03 وما أنزل على PageV01P100 # @QUR@01 الملكين ). فيجب أن يكون هو المراد ، ويقول : إنه تعالى قال : ~~إن الفرقة التى نبذت كتاب الله وراء ظهورهم ، تتبع مع ذلك ما تتلو الشياطين ~~على ملك سليمان (1)، يريد ما تخبره عن سليمان وترويه عنه مما هى كاذبة فيه ~~من أنواع السحر ، فتموه بالرواية (2) عن سليمان ؛ لكى تكون الحيلة به (3) ~~أنفذ ، والقبول فيها (4) أقرب. ثم قال منزها لسليمان عن ذلك : ( @QUR@03 ~~وما كفر سليمان ) لأن الأنبياء منزهة عن الكبائر ( @QUR@02 ولكن الشياطين ) ~~لهذا الكذب ( @QUR@01 كفروا ) ثم قال : ( @QUR@03 يعلمون الناس السحر ) ~~ويعلمونهم ( @QUR@04 ما أنزل على الملكين ) لأنه أيضا من ضروب السحر ، وإن ~~كان أنزل عليهما لكى يتحرز منه ويجتنب ، لكن الشياطين أقدموا عليه ، وذلك ~~بمنزلة بيانه تعالى ضروب المعاصى لكى تتقى ، وإن كان فى المكلفين من يقدم ~~عليه. ثم قال : ( @QUR@02 وما يعلمان ) يعنى : الملكين ( @QUR@02 من أحد ) ~~يعنى السحر ، ( @QUR@07 حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ms065 تكفر ) فيضمان إلى ~~تعليمه النهى عنه. ثم قال : ( @QUR@02 فيتعلمون منهما ) يعنى السحرة من ~~شياطين الإنس والجن ، ( @QUR@06 ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) وإن كان ~~إقدامهم على ذلك معصية. # ثم قال من بعد ما يدل على أن السحر لا يوجب المضرة فقال : ( @QUR@09 وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) يعنى : والله تعالى عالم بذلك ، لأن ~~السحر « فى الحقيقة لا يوجب ) (5) المضرة ؛ لأنه ضرب من التمويه والحيلة. ~~وإنما يقع به التقريع والتخويف ، فيؤدى ذلك إلى أمراض ومضار ، ويكون بنفسه ~~إقداما على مضرة على وجه يلطف ، فسمى بذلك. PageV01P101 # وينقسم السحر : ففيه ما هو كفر ، وهو ما يدعون من أنه يمكنهم إحياء ~~الموتى بالحيل ، وطى البلاد ، وأن يزيلوا عن المصروع ما نزل به فى الوقت من ~~غير تداو ، وأن يقرعوا الصحيح السليم ، وإنما صار ذلك كفرا ؛ لأن معه لا ~~يمكن التمسك بالنبوات ، لأنه متى جوز فى ذلك وإن كان فيه نقض عادة وكان من ~~الباب الذى يتعذر على الناس فعل مثله أن يكون من فعل السحرة ، جوز فى ~~الأنبياء ، صلوات الله عليهم ، أن يكونوا محتالين وإن كانوا فعلوا المعجزات ~~، ولا يمكن مع ذلك العلم بالنبوات ، ولا بالفرق بين ما يختص تعالى بالقدرة ~~عليه وبين مقدور العباد. وهذا كفر ، فلذلك قال كثير من الفقهاء فى الساحر : ~~إنه يقتل إذا اعترف بالسحر فى الحقيقة ، على هذا الوجه. فأما السحر الذى ~~يجرى مجرى الشعبذة والحيل المفعول بخفة اليد إلى ما شاكله ، فذلك ليس بكفر ~~وإن كان معصية ، وجميعه منفى عن الله تعالى أن يكون خالقا وفاعلا [ له ] ~~وإن كان لا ينفى عنه الدلالة عليه والتعريف لكى يجتنب ويتقى. # وذكر أبو مسلم (1) رحمه الله فى كتابه أن المراد بقوله : ( @QUR@07 ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان )، أنهم اتبعوا ما كذبوا فيه ~~على سليمان وعلى ما أنزل على الملكين فعطف بما (2) أنزل على الملكين على ~~ملك سليمان ، من حيث اجتمعا « فى أن (3) الشياطين كذبوا عليهما جميعا ، وإن ~~كان أحدهما قد انقطع عن الآخر بكلام تخللهما ، وذلك غير ms066 ممتنع فى اللغة (4) ~~، وقوله عز وجل : PageV01P102 # ( @QUR@09 وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) كلام ~~تخلل هاتين الجملتين ، مستقل بنفسه يدل على تنزيه سليمان ، وأن الشياطين ~~كفروا وكذبوا بما كذبوا به عليه. # قال رحمه الله : ويجب تنزيه الملكين عن السحر والقول به وتعليمه ، فكيف ~~يصح أن يحمل الكلام على خلاف ما ذكرته؟ ، ويجب تنزيه الملكين عما حكته ~~الشياطين ، كما يجب تنزيه سليمان عن ذلك ، وأن يقال فى الملكين إنهما ~~كالأنبياء فى أنه ما نزل عليهما ولا أنزلا إلا الحق ، وما علما إلا الدين ~~والشرع. # قال رحمه الله : وأراد بقوله : ( @QUR@02 فيتعلمون منهما ) يعنى من السحر ~~والكفر ولم يرد من الملكين ، « ما يفرقون به بين المرء وزوجته ) لأن الكفر ~~والسحر قد يؤثران ذلك ، وأراد بهما جميعا : الطريقة التى تسمى كفرا و (1) ~~سحرا ، على ما قدمنا القول فيه. وهذه الجملة تبين المراد فى الآية ، وأنه ~~لا يدل بظاهره على ما قالوه. ### |||| ** 47 دلالة : وقوله عز وجل (2) ( @QUR@011 ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها ) [106] فجوز النسخ على الآية وهو الإبدال والإزالة (3) وجوز النسيان ~~عليهما (4)، وكل ذلك يدل على حدث (5) الآية ؛ لأنها لو كانت قديمة لم يصح ~~فيها ذلك. # وأن يأتى بخير منها يدل على أنها محدثة ، لأن القديم لا يوصف بأن القادر ~~يأتى بخير منه. PageV01P103 # ومن وجه آخر : وهو أن أحد الشيئين إنما يكون خيرا من الآخر إذا كان أكثر ~~نفعا منه ، وذلك يستحيل على القديم ؛ لأن المنافع وما يؤدى إليها لا تكون ~~إلا محدثة. # وقوله : ( أو مثلها ) يدل أيضا على ذلك ؛ لأن مثل الشيء بالخيرية ~~والمنفعة لا يكون إلا محدثة (1). # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) (2) ~~يدل على ما تقدم ذكره ، فدخل فى المقدور ، وقوله تعالى فيه من الاختصاص ما ~~ليس لغيره ، على بعض الوجوه ، وذلك يمنع من كونه قديما. ### |||| ** 48 دلالة : وقال تعالى : ( @QUR@08 ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) ~~[108] وهذا يدل على أن الكفر من فعله باختياره ، لأن ما ms067 يفعل فيه قد (3) ~~يضطر إليه ويمنع من خلافه ولا يوصف بأنه يتبدل أحدهما من الآخر ، « كما لا ~~يقال اختار أحدهما على الآخر (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فقد ضل سواء السبيل ) يدل عليه ؛ لأنه لا يجوز ~~أن يذمهم بذلك ويضيف الضلال إليهم والذهاب عن الطريق المستقيم ، وهو الذى ~~أوردهم ذلك وحملهم عليه. PageV01P104 # 49 دلالة : وقال تعالى : ( @QUR@015 ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من ~~بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ) [109] فإضافته ذلك إليهم وقطعه أن ~~يضيفه إلى نفسه ، من أدل الدلالة على أن المعاصى لا تكون من قبله تعالى ، ~~وأكد بتوبيخهم على ذلك بقوله : ( @QUR@06 من بعد ما تبين لهم الحق ) (1)) ~~وذلك لا يصح لو كان من خلقه تعالى فيهم. ### |||| ** 50 مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أنه جسم يجوز عليه الأبعاض ~~والأعضاء ، فقال تعالى : ( @QUR@08 ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ) [115] ومن حق المضاف أن يكون غير المضاف إليه فى حقيقة اللغة ، ~~فيجب أن يكون له تعالى وجه ، ولا يكون الوجه هو نفسه!!. # والجواب عن ذلك : أن ظاهرها لا يصح لأحد التمسك به ، فلا بد ضرورة من ~~العدول عنه ، لأنه يقتضى أن وجهه تعالى « فى كل مكان (2)، وذلك ما لا يصح ~~القول به مع القول بالتجسيم ؛ لأنه لو كان جسما وله وجه وأعضاء فلا بد من ~~أن يكون فى جهة دون جهة (3)، ومن هذا الوجه دل شيوخنا بذلك على أن المراد ~~به غير ظاهر الآية لما قال : ( @QUR@05 فأينما تولوا فثم وجه الله ). ولو ~~أريد به الحقيقة لم يصح. فالمراد إذا ذاته ، وقد يذكر الوجه ويراد (4) به ~~نفس الشيء ، كما يقال : هذا وجه الطريق ، ووجه الرأى (5). PageV01P105 # وإنما بعث عز وجل المكلف بهذا الخطاب على أن يقصد بالعبادة طاعته والخضوع ~~له والتقرب إليه ، ولا تعتبر الأماكن فى هذا الباب. ونبه به على أن القبلة ~~لا مدخل لها فى صحة الصلاة ، وأنه متى اجتهد فصلى إلى أى جهة كان ، فهو مؤد ~~لما كلف (1)، مستحق للثواب عليه. ### |||| ** 51 مسألة : قالوا : ثم ms068 ذكر تعالى بعده ما يدل على أن كلامه قديم فقال : ( @QUR@011 ~~بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) [117] فلو ~~كان محدثا لكان من جملة الأمر الذى قضاه وكان يجب أن يقول له : كن (2)، ~~حتى يؤدى ذلك إلا ما لا نهاية له ، وبطلان ذلك يوجب أنه قديم. وإذا صح فى ~~بعض كلامه ذلك ، صح مثله فى سائره (3). # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@03 وإذا قضى أمرا ) لا يدل على ~~الخلق ؛ لأن القضاء إذا علق بالشيء قد يتصرف على وجوه ، فمن أين التعلق ~~بالظاهر؟. # وبعد ، فإن حقيقة « الأمر ) هو قول القائل لغيره : افعل ، وإنما يستعمل ~~فى سائر الأفعال توسعا ، فإن تعلقوا بالظاهر فإنه يدل على أنه محدث القول الذى PageV01P106 # هو الأمر ، بأن يقول له : كن ، ولا يدل على ما عداه من الحوادث. # وبعد ، فإن الظاهر يدل على أنه يقول له : كن ، وقد قضاه ، فلا يدل على ~~أنه يصير خالقا بقوله : ( كن ) وذلك يمنع من تعلقهم به (1)، بل يوجب تناقض ~~الكلام ؛ لأن أوله يدل على أنه قد تقدم قضاؤه له ، وآخره يدل على أنه لا ~~يكون إلا بعد أمر آخر. # وبعد ، فإن الظاهر يدل على أن ( كن ) التى هى الكاف والنون ، والكاف فيها ~~متقدمة للنون ، فالنون فيها حادثة بعد الكاف ، هو الذى تكون به الأشياء ، ~~فيجب أن يكون ما هذا صورته قديما. وهذا يوجب كونه قديما محدثا ؛ لأن توالى ~~حدوث هذين الحرفين على ما بيناه يوجب حدوثهما ، وما ذكره يوجب قدمهما ، ~~وهذا محال. # ويوجب الاستحالة من وجه آخر : وهو أن النون إنما تتصل بالكاف على وجه ~~يكون النطق به قولنا « كن ) بأن يحدث بعده ، لأنهما لو حدثا معا ، لم يكن ~~بأن يقول : « كن ) أولى من أن يقول : نك ، وهذا يوجب كون النون حادثة ، فإن ~~حدثت الكاف (2) وحدها فقد تركوا الظاهر ، وإن حدث يكن آخر ، فالقول فيه وفى ~~نونه كالقول فى هذا ، وذلك يلزمهم ما لا نهاية له. وإن قالوا : هى حادثة لا ~~بشيء (3)، فقد تركوا الظاهر. وكل هذا يبين جهل ms069 القوم فى تعلقهم بذلك ~~وأمثاله. # وإنما أراد تعالى بهذا الكلام أن يبين أنه فى باب الاقتدار واستحالة ~~المنع عليه ، بخلاف سائر القادرين الذين يحتاجون إلى زمان فى الأفعال ويصح PageV01P107 # « عليهم المنع (1)، فقال : ( @QUR@03 بديع السماوات والأرض ) يعنى : ~~مخترعهما لا على مثال سبق ، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن ، فيكون ، ~~يعنى : أنه يكون من دون تراخ ومعاناة ومشقة ، وأنه فى حدوثه بأيسر مدة ~~بمنزلة قول القائل : # كن ، ولو لا أن الأمر كذلك لما صح منه أن يفعل ما يقدر عليه إلا ب كن ؛ ~~لأنه لا يجوز أن يحتاج هو فى أفعاله إلى أمر يستغنى عنه. # والعرب قد تذكر القول تريد به سرعة الاستجابة (2)، كما يقول قائلهم : # وقالت له العينان : سمعا وطاعة (3). # وكقول الشاعر : # امتلا الحوض وقال قطنى (4) # وكقوله : # تخبرنى العينان ما الصدر كاتم # وقد قال تعالى فى نظيره ؛ ( @QUR@03 قالتا : أتينا طائعين ) (5)، وفى ~~صفة جهنم : # ( @QUR@04 وتقول هل من مزيد ) (6)؟ وهذا بين. ### |||| ** 52 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده تعالى ما يدل على أنه الخالق لأفعال العباد ، فقال (7) ~~: ( @QUR@011 وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : إني جاعلك للناس ~~إماما ) [124] فبين أنه جعله بالصفة التى لها كان (8) # المغنى للقاضى : 7 / 166. لسان العرب : 11 / 574 طبع بيروت. PageV01P108 # إماما ، وهو ما عليه من الدين والإسلام والنزاهة والطهارة. # والجواب عن ذلك : أن « ظاهر الآية (1) إنما يدل على أنه جعله إماما ، ولم ~~يذكر ماله صار كذلك ، فمن أين أن المراد به ما يختص بفعله دون ما يختص بفعل ~~الله تعالى فيه ، مع علمنا أن الكلام يحتمل الأمرين على سواء؟. # والمراد بذلك : أنه تعالى جعله نبيا ، وكونه نبيا من فعله تعالى ؛ لأنه ~~لو لا إرساله تعالى له وإظهار المعجز « عليه لم يختص بذلك ، فما به صار ~~نبيا من فعله تعالى ، وهو الذى جعله كذلك ، وصار إماما من حيث كان نبيا ، ~~فنحن متمسكون بالظاهر على هذا التأويل. وعلى أن الزام الغير التأسي به (2) ~~هو الذى له يكون إماما ، وهذا أيضا من فعله تعالى ، وإن كان لا يكون كذلك ~~إلا بأفعاله. # ثم ms070 يقال للقوم : إن جعله تعالى (3) إياه إماما يقتضى التعظيم والتبجيل ، ~~فكيف يصح أن يقال : إن ذلك من قبله تعالى ، ولو لم يكن هو الفاعل المختار ~~لما يختص به من الطاعة والنزاهة والأحوال العظيمة ، لم يحسن أن يعظم بأن ~~يجعل إماما للناس. # ثم يقال لهم : إن الأنبياء إذا جعلهم تعالى أئمة وقدوة ، فقد دل ذلك على ~~أن العبد هو المختار ؛ لأنه تعالى إذا (4) اضطرهم (5) إلى الطاعة أو ~~المعصية ، فسواء دعاهم النبى أم لا ، وسواء كان إماما أم لم يكن ؛ لأن ذلك ~~لا يؤثر فى نفوذ إرادته (6) إذا أراد. فإن أراد تعالى خلق الكفر فيهم ~~فالدعاء والإنذار لا ينفع. وإن أراد خلق الإيمان فيهم فكمثل. PageV01P109 # وبعد ، فقد بين تعالى من (1) بعد بقوله : ( @QUR@04 لا ينال عهدي ~~الظالمين ) (2) أن الإمامة يستحقها من ليس بظالم ، ولو كان لا اختيار للعبد ~~، كان الظالم وغيره بمنزلة فى أن لا تأثير لقولهما فيما يختاره القديم ~~تعالى « فى العباد (3)، وإنما يختلف حالهما إذا كان العبد يختار ، فمتى ~~كان النبى والإمام مختصا بالطهارة والنزاهة كان المدعو إلى القبول أقرب ، ~~وإذا كان ظالما فى حال ، كان أبعد من القبول ، وهذا يقتضى أن العبد مختار ~~لفعله ، ويتصرف فيه بحسب دواعيه ، ولو كان ما به صار إماما من فعله ، لم ~~يمتنع فى الكلام أن يقال : إن الله جعله كذلك ، إذا فعل المقدمات التى ~~عندها (4) اختص به ، كما يقول الوالد لولده إذا تأدب : إنى صيرتك أديبا ، ~~إذا فعل به أسباب التأديب ، على ما قدمناه (5). ### |||| ** 53 مسألة : قال : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الذى يخلق الإسلام فى قلب (6) ~~المسلم ، فقال (7): ( @QUR@09 ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك ) [128] وهذا يدل على أنه الجاعل المسلم مسلما ، والمؤمن مؤمنا. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أن المراد بهذا الإسلام الاستسلام ~~والانقياد ، من حيث أضافه إليه تعالى ؛ لأنه لا يقال فى الإسلام الذى يراد ~~(8) به العبادات أن فاعلها مسلم لله تعالى ، فهذا التقييد ينبئ عما PageV01P110 # ذكرناه ، والانقياد له تعالى قد يكون بفعله ، وقد ms071 يكون بفعل العبد ، فليس ~~فى الظاهر لهم دلالة. # وبعد ، فإنه تعالى هو الفاعل لما عنده يصير العبد مسلما من التأييد ~~والمعونة والألطاف ، فالداعى إذا دعا بذلك فانما يريد ما ذكرنا. كما أن ~~المخبر منا بأنه صير ولده أديبا عالما ، يعنى أنه فعل ما عنده صار كذلك ~~واختاره. # وبعد ، فانا قد بينا أن الداعى إذا دعا بأمر من الأمور ، فإنما يحسن على ~~شرائط ، فيجب أن يبين القوم أن الشرائط التى حسن عليها هذا الدعاء يقتضى ما ذكروه. # ثم يقال للقوم : إذا كان الأمر كما تقولون ، فيجب أن لا يكون كون (1) ~~المسلم مسلما من مدائحه ، فانه كاللون فى بابه. ويقال لهم : إن كان تعالى ~~يجعله مسلما ، بمعنى أنه يخلق إسلامه ، فلا فائدة فى قوله : ( @QUR@04 ~~وأرنا مناسكنا وتب علينا ) (2) لأن تعريف المناسك : الغرض به أن يفعلوه ، ~~ولأن قبول التوبة إنما يكون فيه فائدة إذا كان منهم ومن قبلهم معاص ~~فيتلافونها بالتوبة ، ويسألونه جل وعز قبولها. # وقد قال تعالى قبل ذلك : ( @QUR@03 ربنا تقبل منا ) (3) فإن كان الإسلام ~~وخلافه من قبله تعالى فلا فائدة فى التقبل ؛ لأن التقبل معناه : أن يجازيهم ~~على طاعتهم بالثواب والتعظيم ، وذلك لا يصح لو كان تعالى قد اضطرهم إليه. PageV01P111 # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 ولقد اصطفيناه في الدنيا ) (1) المراد به ~~: قد اختصه بالوحى والإرسال ، فلا يصح أن يتعلقوا به فى أن صلاحه من فعل ~~الله تعالى. ### |||| ** 54 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يختص (2) بعض عباده بالهدى ، ~~فقال : ( @QUR@010 قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ~~(3) ولو كان قد هدى الكل لم يصح ذلك فيه!! # والجواب عن ذلك : أن ظاهر إطلاق الهدى يقتضى الدلالة والبيان ، وهو الذى ~~يختص تعالى بفعله ، وإذا هدى الكل صح وصفه بأنه يهدى من يشاء ، كما لو هدى ~~البعض صح ذلك فيه ، فليس لهم فى الظاهر تعلق. # وبعد ، فلو حمل على أن المراد به الثواب الذى يختص به تعالى من قد آمن ~~واهتدى لم يمتنع ذلك ولم يخالف الظاهر ، وذكر الصراط ms072 المستقيم فى الآية يدل ~~على أن المراد بالهدى الدلالة والتعريف ، وعلى أن المراد به الأخذ بهم إلى ~~طريق الجنة ، وقد بينا القول فى ذلك من قبل (4). ### |||| ** 55 وأما قوله عز وجل : ( @QUR@04 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) (5) فيجب أن يكون المراد به ما قدمناه ~~من قبل ، فليس لهم أن يتعلقوا به فى أنه الذى PageV01P112 # يخلق فيهم ما به يصيرون مطيعين و (1) متمسكين بالأمور التى يكون لها كل ~~واحد منهم عدلا خيارا. ### |||| ** 56 مسألة : ثم ذكر تعالى بعده (2) ما يدل على أن الهدى هو الإيمان ، فإنه (3) خص بها ~~المؤمن فقال : ( @QUR@08 وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) فجعل ~~الصلاة شاقة إلا على المؤمن ، وجعل المؤمن مخصوصا بأنه قد هداه. # والجواب عن ذلك : أنا لا نمتنع من القول بأنه تعالى هدى المؤمن ، وإن كان ~~قد هدى غيره ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر ، وقد بينا شرح ذلك (4). # والمراد بهذه الآية أنها شاقة صعبة ، إلا على من ألفها واعتادها وتصور ما ~~أعد له من ثوابها ، فلما كان هذا الوصف يختص به المؤمن المستحق للثواب جاز ~~أن يقول تعالى : إنها كبيرة إلا على من هداه (5) إلى الثواب. # ثم يقال للقوم : إن كانت الصلاة من خلقه فيهم فلم صارت تشق على قوم (6) ~~دون غيرهم ، وهل هذا القول إلا بمنزلة القول بأن اللون « والصفة والهيئة ~~(7) يشق على بعض دون بعض؟ وهذا يدل على أنها من فعل العبد ، فإذا استشعر ~~ماله فيها من المنفعة سهلت ، وإذا لم يكن كذلك وقل اعتياده لها صعبت. # ( م 8 متشابه القرآن ) PageV01P113 # 57 وقوله تعالى : ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم ) (1) يدل على أن ~~الإيمان من فعلهم لمكان الإضافة ، ولأنهم قد استحقوا بها الثواب ، فبين أن ~~ورود نسخ القبلة على الصلاة لا يوجب تضييعها. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله بالناس لرؤف رحيم ) عقيب ذلك ، يدل على ~~أن هذه الأفعال من قبلهم يستحقون عليها الجزاء ، وأنه تعالى مع رأفته ~~ورحمته وأنواع تفضله لا يجوز أن يبطل على العبد عمله. ### |||| ** 58 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل ms073 على أنه تعالى فى مكان ، فقال : ( ~~@QUR@010 الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) [156] ~~والرجوع إليه يوجب أنه فى مكان! # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه قد يقال : رجع أمر زيد إلى فلان ، إذا ~~صار هو المتولى للنظر فيه (2)، وإنا رجعنا إلى الحاكم ، إذا عدلوا عن ~~التوسط وجعلوه هو الناظر فى أمرهم ، فقوله : ( @QUR@02 إنا لله ) هو تسليم ~~له فيما يفعله من المصالح ؛ لأن العبد يلزمه فيما يخلقه تعالى فيه أن ~~يستسلم وينقاد ، وهذا القول ينبئ عن هذا المعنى. # وقوله : ( @QUR@03 وإنا إليه راجعون ) المراد به أنا نرجع إلى حيث لا يتولى PageV01P114 # الحكم سواه ؛ لأنه تعالى فى دار الدنيا قد ملك غيره الأحكام ، وفى الآخرة ~~يختص تعالى بأمر عباده. # ثم يقال للقوم : لو كان فى مكان يرجع إليه لوجب كونه محدثا ، على ما ~~بيناه من قبل (1)، ولوجب أن لا يصح أن يفعل إلا فى مكانه وفيما قاربه. # ولو كان المراد ما قالوه لم يكن هذا القول تسلية لمن نزلت به المصيبة (2) ~~، وإنما يختص بذلك متى أريد به المعنى الذى قلناه بأن « يتصور كل واحد أنه ~~(3) ينزل به الموت ، وأنه يرجع (4) إلى الله تعالى وإلى الآخرة على ما بيناه. # ثم يقال لهم : إن (5) كان المراد ما قلتم ، فكيف جعله الله تأديبا لمن ~~يختص بالمصيبة دون غيره ، وحال الجميع سواء معه تعالى إذا كان فى مكان؟ # ويقال للمجبرة : إن كان الكفر من قبله تعالى ، فيجب أن يكون أعظم فى ~~المصيبة من سائر ما ينزل بالمرء من موت حميم وقريب ، فكيف يجب أن يجعل هذا ~~القول سلوة له؟! ### |||| ** 59 مسألة : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الكافر كالممنوع من الإيمان ، فقال : ( ~~@QUR@018 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم ~~بكم عمي فهم لا يعقلون ) [171]. # والجواب عن ذلك قد تقدم من قبل ، فإنا (6) قد بينا أن المراد بذلك تشبيه PageV01P115 # حالهم ؛ لشدة تمسكهم بالكفر وإخراجهم أنفسهم « من أن (1) ينتفعوا بما (2) ~~يسمعون ويبصرون ، من أن يكونوا بمنزلة السميع ms074 البصير ، وبينا شواهد ذلك (3). # وهذه الآية تدل على ما قلناه ؛ لأنه تعالى جعل مثلهم كمثل الناعق ~~والمنعوق (4)، وجعل سبيلهم سبيل الأصم ، ونبه بذلك على أنهم ليسوا بهذه ~~الصفة ، وأن المراد بذلك عدولهم عن طريقة الانتفاع بما كلفوه (5). # وقوله : ( @QUR@03 فهم لا يعقلون ) عقيب ذلك يدل عليه ؛ لأن المراد به لو ~~كان التحقيق ، وقد يكون الأصم والأبكم عاقلا ، لم يكن لذلك تعلق بما تقدم ، ~~ومتى حمل على معنى التشبيه كان له به تعلق. # ثم يقال للقوم : إن كان ظاهر الآية على ما قلتم ، فيجب أن يكون الكافر ~~معذورا إذا كان الله عز وجل قد منعه عن الإيمان كما منع الأصم عن استماع ~~الصوت ، ولوجب ألا يذم ولا يوبخ ، وهذا القول من الله توبيخ له وذم. ### |||| ** 60 دلالة : وقوله تعالى (6) ( @QUR@05 وعلى الذين يطيقونه فدية طعام PageV01P116 # @QUR@01 مسكين (1) @QUR@06 فمن تطوع خيرا فهو خير له (2)) فبين تعالى ~~بذلك أن من أطاق ذلك فعليه الفدية ، فلا يخلو من أن يريد : من أطاقه وفعله ~~(3)، أو من أطاقه فلم يفعله. وقد علمنا أن فاعل الصوم لا فدية عليه ، ~~فالمراد هو الثانى ، وذلك يدل على أن من لا يصوم قد يطيق الصوم ، وهذا يدل ~~على أن القدرة (4) قبل الفعل ، وأن العاصى يقدر على الإيمان. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فمن تطوع خيرا فهو خير له ) يدل على أنه متمكن ~~من أن يفعل الصوم وإن لم يفعله وعدل عنه إلى الفدية ، ولذلك قال بعده : ( ~~@QUR@04 وأن تصوموا خير لكم ) ومن لا يمكنه إلا الصوم لا يصح أن يوصف بذلك. ### |||| ** 61 دلالة اخرى : وقال تعالى : (5) ( @QUR@018 ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ، ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) (6) فبين « عز وجل أنه (7) لا ~~يريد العسر « الذى يحتمل المشقة فى الصوم (8)، وأنه يريد اليسر الذى هو ~~الإفطار. وقد علمنا أن فى الناس من يتحمل المشقة ويفعل الصوم ، وقد بين ~~تعالى أنه لا يريد ذلك. فذلك يدل على أن فى أفعال العباد ما لم يرده تعالى ~~إذا لم يكن طاعة ، ولهذا ، قال صلى ms075 الله عليه ، PageV01P117 # فيمن يتحمل المشقة المؤذنة بالمخوف : (1) « ليس من البر الصيام فى السفر ~~) (2). # ومن وجه آخر ، وهو أنه تعالى إذا امتن علينا بأنه لا يريد بنا العسر الذي ~~هو تحمل المشقة بالصوم : رحمة بنا ورأفة ، فكيف يجوز أن نتصور أنه يريد مع ~~ذلك بالعبد أن يكفر ويخلد بين أطباق النيران؟. ولو أن أحدنا أقبل على ولده ~~فقال : لا أريد منك مع إشفاقى عليك أن تنصرف فى أيام القيظ ، لم يجز أن ~~يتصور مع ذلك أنه يريد أن يعذبه بالنار ، وهذا مما يأباه العقل!. # ويمكن أن يستدل بظاهر الآية فيقال : إنه تعالى أطلق الكلام فقال : ( ~~@QUR@08 يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وإن كان عقيب ذكر الصوم. ~~ولا يجب فى الكلام المطلق المستقل بنفسه أن يحمل على سببه (3)، وإطلاقه ~~يقتضى أنه تعالى لا يريد بنا العسر على كل وجه. ولو أراد الكفر والمعاصى ~~لكان قد أراد ذلك ؛ لأنه أعظم ما يوصف بذلك ، لأن العسر هو الذى يضر ، أو ~~يؤدى إلى مضرة عظيمة ، وليس فى جملة الأفعال أعظم فى هذا الباب من الكفر. PageV01P118 # 62 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد الفساد ، فقال ~~: ( @QUR@09 فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه يأمر بالفساد والاعتداء ~~، وليس ذلك بمذهب لأحد ، لأن من يجوز أن يريد الفساد لا يجوز أن يأمر به ~~ويبيحه. # والمراد بذلك : أنه أمرنا بالمجازاة على الاعتداء والانتصاف من المعتدى ، ~~وأجرى الاسم عليه على سبيل المجاز ، على ما قد بيناه من قبل (2). # ثم يقال للقوم : يجب على قولكم أن يكون تعالى فعل الاعتداء أولا ثم فعله ~~ثانيا ، وما حل هذا المحل لا يكون حسنا ، ولا يصح كونه جزاء ومقابلة. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@02 واتقوا الله ) يدل على أنه أمر فيما تقدم ~~بالمجازاة وأن لا يتجاوز المكلف ذلك إلى المحظور فلا يكون متقيا. وقد بينا ~~أن الأمر والنهى ، والمدح ، والذم ، والتوبيخ ، واللوم ، والاستبطاء ، ~~والثواب ، والعقاب ، والوعظ ، والإنذار ms076 ، وسائر ما فى القرآن من ذلك ، لا ~~يصح إلا إذا قيل : إن العبد يفعل ويختار فيختص بهذه الأحكام. ### |||| ** 63 مسألة : وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 واعلموا أن الله مع المتقين ) لا تعلق ~~للمشبهة به (3)، لأنه إنما أراد : أنه معه فى معونته وتأييده وإثابته ~~وحفظه فى هذه الوجوه ، والدفع عنه ، ولذلك خص به المتقين. ### |||| ** 64 مسألة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@010 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين ) [195] من أوضح ما يدل على العدل ، لأنه PageV01P119 # تعالى إن صيرهم كفارا أو خلق فيهم المعاصى وما يؤدى إلى الهلاك ، كيف يصح ~~أن ينهاهم عن ذلك؟ وكيف يصح على طريق الإنعام أن يقول ذلك ، وهو الذى ~~يطرحهم فى المهالك!؟ # وكيف يقول تعالى : ( @QUR@05 وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) وهو الذى ~~خلق الإحسان؟ ومحبته للإساءة والفساد عندهم كمحبة الإحسان ؛ لأن المحبة هى ~~الإرادة ، ولذلك كل ما (1) أحبه الإنسان فقد أراده ، وكل ما (2) أراده ، ~~فقد أحبه ، ما لم يستعمل فى إحدى اللفظتين على جهة الاتساع ، فليس لأحد أن ~~يجعل المراد بالمحبة المدح أو ما يجرى مجراه (3). ### |||| ** 65 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المجيء والذهاب (4)، ~~فقال : ( @QUR@011 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة ) [210] # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام لا يصح أن يقول به قوم ؛ لأنه يوجب أنه ~~تعالى يأتيهم فى ظلل من الغمام ، بمعنى أنه مكان له وظرف ، وهذا يوجب أنه ~~أصغر من الظلل والظلل أعظم ، ويوجب أن تكون الملائكة معه فى الظلل ؛ لمكان ~~العطف. وذلك يوجب اجتماعه والملائكة فى الظلل ، # انظر المغنى : الجزء السادس ( الارادة ) ص : 51 فما بعدها PageV01P120 # وليس ذلك مما يقوله القوم ، ومتى تأولوه على وجه فقد زالوا عن الظاهر. ~~ومن حمل ذلك على حقيقته فلا بد من أن يعترف فيه تعالى بأنه جسم مؤلف مصور ، ~~وذلك يوجب فيه الحدوث ، على ما قدمناه من قبل (1). # والمراد بذلك عندنا : أن متحملى أمره يأتون على هذا الوجه ، وقد بين ذلك ~~فى سورة النحل فقال ms077 : ( @QUR@010 هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~أمر ربك ) (2) ونبه بذلك على أنه ذكر نفسه فى هذا الموضع وأراد أمره ، ولو ~~صح حمل ذلك على ظاهره لوجب مثله فى قوله تعالى : ( @QUR@05 فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد ) (3) وفيما شاكله من آى التشبيه. ### |||| ** 66 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أنه المزين للكفر وغيره ، فقال : ~~( @QUR@05 زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) [212] وهذا هو الذى نقول. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أن ذلك زين ، ولم يذكر الفاعل له ، ~~وقد بينا أن ذكر الفعل مع حذف ذكر الفاعل لا يدل على من الفاعل فى الحقيقة (4). # وبعد ، فإن ظاهره يدل على أنه زين لهم الحياة ، ولا يمتنع أن يزين ~~للانسان أحوال الدنيا ، وما يوجب امتداد حياته ؛ لأن ذلك قد يكون من ~~المباحات. PageV01P121 # والمراد بذلك عند شيوخنا رحمهم الله ، أن الكفار هم الذين زينوا لأنفسهم ، ~~وزين بعضهم لبعض ، وزين الشيطان ذلك ، ولذلك قال من بعد : ( @QUR@04 ~~ويسخرون من الذين آمنوا ) (1)، وذلك يدل على أنهم زينوا ما هم عليه ، وأنه ~~من شدة تمسكهم بهذه الأمور سخروا من الذين آمنوا واتقوا وتهاونوا بهم ، من ~~حيث زهدوا فى الدنيا وقل ركونهم إليها (2) وتمسكهم بأحوالها. ### |||| ** 67 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أنه خص المؤمن بالهدى دون غيره ، ~~فقال : ( @QUR@010 فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) (3). # والجواب عن ذلك : قد تقدم أنا قد بينا أن تخصيصه المؤمن بأنه هداه لا يدل ~~على أنه لم يهد غيره (4)، وإنما خصه ؛ لأنه الذى انتفع بالهدى دون غيره ، ~~« وبينا أنه قد (5) يخص المؤمن بالهدى الذى هو بمعنى الثواب ، أو طريقه ~~المؤدى إليه ، إلا أن المراد فى هذا الموضع : الدلالة ، ولذلك قال تعالى : ~~( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ولذلك علق الهدى بالحق ~~فيما اختلفوا فيه. ### |||| ** 68 دلالة (6) ### |||| ** : وقوله عز وجل : ( @QUR@04 ولو شاء الله لأعنتكم ) (7) يدل على أنه لم يشأ ~~إعناتهم ؛ لأن هذه اللفظة إذا دخلت فى الكلام أنبأت عن PageV01P122 # خلاف ما ms078 يأتى بعدها ، فإن جاء بعدها إثبات فالمراد النفى ، وإن جاء النفى ~~(1) فالمراد الإثبات ، ولذلك لا يجوز أن يقول أحدنا : لو كان زيد عندنا ~~لأكلنا (2) إلا وزيد ليس عنده ، فإذا صح ذلك دل ظاهر الكلام على أنه تعالى ~~لم يشأ (3) إعناتهم ، ولو كان قد أراد الكفر وسائر المعاصى لكان قد شاء ذلك ~~لا محالة. # والإعنات : هو ما يؤدى إلى المضرة على وجه مخصوص ، فإذا كان عندهم أنه ~~تعالى قد أراد جميع ما يقع من ذلك ، فكيف يصح أن ينفى أن يكون شائيا له؟ ~~وهذا يدل على نفى المشيئة من كل وجه ؛ لأن هذا حق الكلام إذا دل على النفى. # ولا يجرى مجرى قوله تعالى : ( @QUR@06 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) (4) ~~وإلى ما شاكله ؛ لأن ذلك فى الإثبات إنما يدل على أنه قد شاء ، ولا يستغرق ~~جميع وجوه المشيئة ، وهذا بين فى اللغة فى الفرق بين النفى والإثبات. ### |||| ** 69 دلالة لنا : وهو قوله عز وجل : ( @QUR@09 أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة ) (5) يدل على أنه إنما (6) أراد من عباده ما يؤديهم (7) إلى ~~الجنة ؛ لأن الدعاء إنما يفارق التهديد دون غيره ؛ لأن لداعى يريد ما دعا ~~إليه ، ولا يفارقه بالصيغة ؛ لأنها قد تكون واحدة. ### |||| ** 70 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) يدل على أنه PageV01P123 # يريد بالبيان أن يتذكروا ، ولا يريد ممن يعصى فى ذلك الإعراض وترك التذكر ~~وإن كان ذلك مما « يقع (1). # 71 وقوله عز وجل بعد ذلك ( @QUR@06 إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~) [222] يدل على أنه يريد التوبة والطاعة دون المعاصى ، ولذلك خصهم بأنه ~~يحبهم دون غيرهم. ولا فرق بين أن تحمل المحبة للتائب على أنها محبة لفعله ، ~~على ما يقوله أبو على ، وبين أن يحمل الأمر على أن المحبة هى المحبة ~~لتعظيمه ورفعته ؛ لأن ذلك أيضا يدل على أنه يريد منهم الأمور التى عندها ~~يحب تعظيمهم وتبجيلهم. ### |||| ** 72 وأما قوله عز وجل : ( @QUR@03 واعلموا أنكم ملاقوه ) [223] فقد بينا الكلام فى نظيره على ~~المشبهة (2). ### |||| ** 73 دلالة : قوله عز وجل : ( @QUR@011 لا ms079 يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم ) [225] يدل على أن هذه الأفعال من قبلهم ؛ لأنه لا يجوز ~~أن نؤاخذ بما تعمدناه ، ولا نؤاخذ بخلافه إلا وذلك الفعل لنا. ولو كان هو ~~الذى خلق فينا لكان حال الكل سواء فى هذا الوجه وكان يجب فى اللغو ألا يكون ~~لغوا ؛ لأن فاعله قد أراده وقصده ، ولا يتغير حاله بصفة المفعول فيه ؛ ألا ~~ترى أن أحدنا إذا تعمد ضرب المجنون والساهى لم يكن الضرب لغوا لحال المفعول به. # وهذه الآية تدل على أن أفعال القلوب كأفعال الجوارح ، وأنها يستحق بها PageV01P124 # العقاب بخلاف ما يظنه بعضهم أنه إذا لم ينضف إليها فعل الجارحة لم يؤاخذ ~~المرء عليها. ولو قلبت القضية على القوم فقيل : إن أفعال القلوب نؤاخذ بها ~~؛ لأنها إذا انفردت استحق الذم. ولو انفرد فعل الجارحة عن فعل القلب حتى لا ~~يكون به عالما ولا إليه قاصدا لم يستحق ذلك لكان أقرب. وأفعال الجوارح ~~تفتقر إلى أفعال القلوب فى تعلق المدح والذم بها ، وأفعال القلوب لا تفتقر ~~إليها فى ذلك فكيف يصح ما قالوه؟ (1). # وما روى عن النبى صلى الله عليه أنه قال : « إن الله عز وجل تجاوز لأمتى ~~عما حدثت به نفسها ما لم تعمل به ) (2)، لا يصح لهم التعلق به فى ذلك ؛ ~~لأن ظاهره إنما يقتضى أنه قد تجاوز عن أمته فى أمر مخصوص ، وهو حديث النفس. ~~فالظاهر إنما يريد به الخبر دون الإرادة والاعتقاد ، ولا يؤاخذ الإنسان بأن ~~يتصور الشيء ويتصور الخبر عنه. # ويحتمل أن يراد بذلك الخواطر التى تخطر من قبل الغير ، لأن ذلك قد يوصف ~~بأنه حديث النفس ، ولذلك قال : « ما لم تعمل به ». ولو كان الأول عملا لما ~~اتسق ظاهر الكلام. # ويحتمل أن يريد به : تجاوز عن ذلك ؛ لأن المعلوم أنه يقع فى حكم الصغائر ~~إذا لم ينضم إليه المعاصى ، ولو كان من الباب الذى لا يؤاخذ به لم يكن ~~لقوله « تجاوز عن أمتى » معنى ؛ لأن ذلك إنما يصح فى المعاصى التى عرض فيها ms080 ~~ما يقتضى التجاوز عنها. ولو لا العارض لكان فاعلها مؤاخذا بها وهذا بين (3). PageV01P125 # 74 دلالة : وهو قوله عز وجل : ( @QUR@05 والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين ) إلى قوله : ( @QUR@05 لا تكلف نفس إلا وسعها ) (1) يدل على بطلان ~~قول القوم فى أنه تعالى قد كلف الكافر الإيمان ولم يقدره عليه ولا أوجد له ~~السبيل إليه ، بل خلق فيه الكفر والقدرة الموجبة للكفر والإرادة له ؛ لأنه ~~لو كان كذلك لكان قد كلف الإيمان عندهم وليس فى طوقه. والمؤمن قد كلف ترك ~~الكفر وليس فى طوقه وعندهم أن النهى كالأمر فى أنه تكليف ، فالطائع قد كلف ~~أن لا يعصى وليس ذلك فى طوقه وقد بينا أن خروج القول على سبب ، لا يوجب ~~قصره عليه إذا كان مما يستقل بنفسه (2)، ويجرى على العموم لو كان منفردا. ### |||| ** 75 وقوله عز وجل من بعد : ( @QUR@07 ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) [236] يدل أيضا على ~~ذلك ؛ لأنه إنما كلف كل واحد بقدر طاقته. ولو صح أن يكلف تعالى ما لا (3) ~~يطاق ، كان لا يمتنع أن يكلف المقتر ما كلف الموسع. ### |||| ** 76 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن اكتساب العباد من فعله (4)، فقال ~~: ( @QUR@010 وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) إلى قوله : ( ~~@QUR@05 والله يؤتي ملكه من يشاء ) (5) فخبر بأن ما أوتيه من PageV01P126 # الملك هو من قبله تعالى (1). # والجواب عن ذلك : أنه تعالى المختص بأنه يملك كل واحد ما تعلق بالنعم ~~والأرزاق ؛ لأن الرزق عندنا منحة (2) من الله وفضل ، وليس من قبل الإنسان ؛ ~~لأن أحوال الناس تختلف فيه ، فمن مقدم فى العمل مؤخر فى الرزق ، ومن متأخر ~~فى العمل متقدم فى الرزق ؛ لأنه يقع باختلاف إرادته وقصده (3)، فقد يرزق ~~عفوا من غير قصده بميراث وهبة ، وقد يتكلف طلبه ويحرمه ، فإذا صح ذلك علم ~~أنه من الله تعالى. # فلسنا ننكر أن يكون تعالى يؤتى طالوت ما خصه به من صنوف النعم ، بل لا ~~ننكر أن يصطفيه ويخصه بالملك الذى هو نفاذ الأمر والتدبير فى الغير ؛ لأن ms081 ~~ذلك لا يمتنع عندنا فى غير الأنبياء صلوات الله عليهم ، فليس لهم فى ظاهر ~~الآية متعلق. ### |||| ** 77 وقوله تعالى : ( @QUR@06 قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) (4) اختلف (5) القول فيه!! ### |||| ** 78 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن غلبة بعض العباد لبعض من قبله ~~تعالى ، فقال : ( @QUR@09 كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) (6). # بدليل تقدم شرح موضوع الملاقاة بالنسبة لله عز وجل. انظر فيما مضى الفقرة : 30. PageV01P127 # والجواب عن ذلك : أن الإذن لا يدل بظاهره على أن المراد به (1) الخلق ، ~~وإنما يراد به الأمر أو 2 التخلية والإطلاق أو (2) العلم ، ولا خلاف أنه ~~تعالى لا يجوز أن يريد به (3) الأمر إذا كانت الغلبة معصية ؛ لأنه تعالى لا ~~يأمر بها عند الجميع ، فيجب أن تحمل على الوجهين الآخرين ، وإن كانت الغلبة ~~طاعة صح حمله على الوجوه الثلاثة. ### |||| ** 79 مسألة : قالوا : (4) ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الصبر وتثبيت القدم وما شاكله ~~« مما يفعله (5) المقاتل من قبله تعالى فقال : ( @QUR@015 ولما برزوا ~~لجالوت وجنوده قالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين ) [250]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن سؤال السائل لا يدل على أن المسئول يفعل ~~ذلك ، ولا يدل أيضا (6) على نه يحسن منه أن يفعل ما يقتضيه ظاهره ؛ لأنه ~~إنما يحسن بشرط مظهر أو مضمر ، وكشفنا القول فيه (7). # والمراد بذلك : أنهم سألوا الله تعالى أن يفعل من الألطاف ما يقوى نفوسهم ~~ويفضى منهم بالصبر. وأن يتفضل « بما يعينهم (8) على تثبت أقدامهم ، من أمور ~~يفعلها فيهم أو فيمن ناوأهم ، وأن يفعل ما يؤدى إلى ظفرهم ونصرتهم. # ثم يقال للقوم : إن مدحه لهم بالانقطاع إليه تعالى فى هذه الأدعية ، يدل ~~على أن هذه الأمور تقع باختيارهم ، عند مقدمات من قبله تعالى ، فلو كان كل PageV01P128 # ذلك من قبله لم يكن لهم فيه فضل (1)، ولما لحقهم المشقة بالصبر ، ولما ~~اختصوا بالظفر والنصرة ، بل كان يجب أن يكون تعالى نصر بعضا على بعض بفعل ~~(2) يفعله فى الفريقين. ### |||| ** 80 مسألة ms082 : قالوا : ثم ذكر بعد ذلك ما يدل على أنه تعالى يريد القتال الواقع بين ~~الكافر (3) والمؤمن ، فقال : ( @QUR@031 ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~، ولو شاء الله ما اقتتلوا ، ولكن الله يفعل ما يريد ) (4). # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@08 ولو شاء الله ما اقتتل الذين ~~من بعدهم )، إنما يدل على أنه لم يشأ ذلك ، ولا يدل على أنه قد شاء خلافه. # والمراد بذلك « عند شيخنا أبى على رحمه الله (5)، أنه لو شاء أن لا ~~يجعلهم بصفات المكلفين ما اقتتلوا ؛ لأن ذلك إنما يقع منهم على هذا الحد ، ~~إذا كانوا مكلفين وعلى ذلك قادرين. ثم قال : ( @QUR@02 ولكن اختلفوا ) بعد ~~التكليف ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ( @QUR@05 ولو شاء الله ما اقتتلوا ) ~~يعنى لو شاء أن يمنع من ذلك بالنهى وإزالة التكليف فى باب القتال لم ~~يقتتلوا ؛ لأن المعلوم من حالهم كان ذلك. ( @QUR@05 ولكن الله يفعل ما يريد ~~) بأن يكلف بحسب ما يعلم من المصالح. # وأما غيره فقد قال : إن المراد بذلك أنه لو شاء أن يلجئهم أو يمنعهم من PageV01P129 # القتال لم يقتتلوا ، لكنه لم يشأ ذلك بل مكن وأقدر وأمر ؛ لكى يستحق ~~المكلف الثواب إذا اختار الطاعة على المعصية (1). فإن قالوا : إن أراد ~~الله تعالى مقاتلة المؤمن الكافر فيجب أن يكون مريدا لمقاتلة الكافر [ ~~المؤمن ] ؛ لأن ذلك لا يتم إلا بهذا!. # قيل له : ليس بواجب إذا أراد ما عنده يقع غيره ، أن يكون مريدا لذلك ~~الغير ؛ لأن أحدنا قد يريد من غيره المداواة وإن لم يرد ما يحدث عنده من ~~الآلام ويريد دعاء الغير ومناظرته فى باب الدين ، وإن لم يرد منه الرد الذى ~~لا يتم إلا بهذا الدعاء!. ### |||| ** 81 وقوله عز وجل : ( @QUR@03 أنفقوا مما رزقناكم ) (2) يدل على أن المحرم ليس برزق من الله ~~تعالى ؛ لأنه قد نهاه عن الإنفاق منه وحظره عليه ، ومنعه أشد منع بالزجر ~~والتخويف (3). ### |||| ** 82 دلالة : وقوله عز وجل : ( @QUR@019 الله لا إله ms083 إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ~~ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض ) [255] وتنزيهه نفسه عن أن تأخذه ~~السنة والنوم ، يدل على أنه ليس بجسم ؛ لأن الحى إذا كان # انظر : المغنى : 6 / م : 2 / ص : 262 فما بعدها. PageV01P130 # جسما فلا بد (1) من صحة ذلك عليه (2). # فإن قال. فأهل الجنة أجسام ، وقد روى أنهم لا ينامون (3)! # قيل له : إنا لم نقل : إن الحى إذا كان جسما يجب ذلك عليه ، وإنما جوزناه ~~عليه ، وحكمنا بأن من لا يجوز ذلك عليه يجب نفى كونه جسما. ### |||| ** 83 وقوله تعالى : ( @QUR@08 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) يدل على أنه ليس بجسم ؛ ~~لأنه كان يجب أن يكون معلوماته متناهية ، فكان لا يمتنع فى غيره أن يساويه ~~فى العلم ، بل كان لا يجب ألا يفتقر غيره (4) فى المعرفة إليه ؛ لأن الجسم ~~إنما يصح أن يعلم بالاستدلال والنظر ، أو بالاضطرار ، ولا يجوز أن يفعل ~~الجسم فى غيره العلم الضرورى. ### |||| ** 84 فإن سأل المخالف فقال : إن هذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بعلم (5)، لأنه قال : ( @QUR@05 ولا ~~يحيطون بشيء من علمه ) فجوابه : أن ظاهره يدل PageV01P131 # على أن علمه يتبعض ؛ لدخول لفظة التبعيض فيه ، فإن تمسكتم بالظاهر فقولوا ~~بذلك ، وإن عدلتم إلى أن المراد بذلك المعلومات ليصح التبعض (1) فيها بذلك ~~سقط التعلق بالظاهر. # والمراد بذلك أنهم لا يحيطون بشيء من معلوماته إلا بما شاء أن يعلمهم أو ~~يدلهم عليه. ### |||| ** 85 وإن سأل فقال : وقد ذكر ما يدل على أنه جسم ، فقال : ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات والأرض ~~) وذلك يدل على أنه يستوى عليه ، وإلا لم يكن لإضافته إليه معنى؟! # وجوابه : أن ظاهر الآية يدل على أن الكرسى بهذه الصفة ، فأما أنه تعالى ~~يستوى عليه ، أو يكون مكانا له (2) فليس له فى الآية ذكر. والإضافة قد تكون ~~على وجوه ، فلا ظاهر له يصح تعلقهم به. ألا ترى أنه يقال : إحسانه ، بمعنى ~~الفعلية ، ويقال : لونه بمعنى الصفة ، ويقال : رأسه ويده ، إذا كان بعضا ~~له. ويقال : داره وبيته ، وقد صح ms084 بالإطباق أن يقال فى (3) الكعبة : إنها ~~بيت الله ، لا لأنه (4) يسكنها ، تعالى الله عن ذلك ، لكن لمزية لها فى باب ~~العبادة الراجعة إلى العباد. وكذلك (5) القول فى الكرسى : إن إضافته إليه ~~تعالى ، هو # انظر : اللمع : 26 31. شرح الأصول الخمسة : 182 فما بعدها ، الاقتصاد فى ~~الاعتقاد للغزالى / الطبعة الأولى 1320 / ص : 60 فما بعدها ، حيث عرض لمذهب ~~المعتزلة بالنقد الشديد. PageV01P132 # لما بيناه ، لا لما ذهبوا إليه (1). ### |||| ** 86 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه الذى خلق الإيمان فى المؤمن فقال : ( ~~@QUR@09 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) (2) فإذا كان ~~تعالى هو المخرج لهم من الكفر إلى الإيمان فذلك فعله. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن المؤمن الذى يثبت كونه مؤمنا يخرجه ~~تعالى من الكفر إلى الإيمان ، وذلك يتناقض ؛ لأن إخراجه من الكفر إلى ~~الإيمان يجب أن يكون قد تقدم ، وظاهر قوله : ( @QUR@01 يخرجهم ) يقتضى ~~الاستقبال فحمله على من ثبت كونه مؤمنا لا يصح ، وظاهره يقتضى أنه يخرجه ~~تعالى من ظلمة إلى نور ، واستعمالها (3) فى الإيمان والكفر مجاز ، فلا ظاهر ~~له إذا فيما تعلقوا به ، ولا فرق بين من حمله على الكفر والإيمان ، وبين من ~~(4) حمله على الجنة والنار ، فقال : إن الذين آمنوا يخرجهم تعالى عن طريق ~~النار الذى هو ظلمات إلى طريق الجنة الذى هو النور. # ثم يقال للقوم : إن دلت الآية على ما قلتم ، فيجب أن تدل على أن الطاغوت # الفصل : 2 / 167 168. PageV01P133 # يخرج الكفار من النور إلى الظلمات (1)، وعلى أن الكفر (2) من فعله (3). ~~ومتى تأولوا ذلك على بعض الوجوه عدلوا عن الظاهر!. # وبعد ، فلم صار تعالى وليا للذين آمنوا إن كان الإيمان من قبله تعالى ولا ~~صنيع لهم فيه؟ ولم فصل بين المؤمن والكافر ، فجعل أولياء الكافر الطاغوت ، ~~وخص نفسه بأنه يتولى المؤمن؟ إنما يدل ذلك على أن الكفر والإيمان من قبل ~~العبد فيستحق بأحدهما الولاية ، وبالآخر العداوة (4). ### |||| ** 87 دلالة : وقوله (5) عز وجل : ( @QUR@08 ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) (6) ~~يدل على بطلان قول ms085 من نفى النظر وأبطل صحته ، ويوجب أن معرفة الله تعالى ~~تقع باكتساب (7). ووجه لدلالة فيه ظاهر ، وإنما بين إبراهيم له بما لا يصح ~~وقوعه من فعل (8) العباد ، على أن للعالم صانعا مخالفا له ، فلما كابر فى # انظر مقدمة الأستاذ الدكتور إبراهيم مدكور لهذا الجزء ص : د ، وشرح ~~الأصول الخمسة ؛ ص 52 فما بعدها. PageV01P134 # بعض ما أورده عدل إلى نظيره ، وهذه طريقة واضحة ؛ لأن المستدل بما لا يصح ~~من العبد فعله مخير بين ذكر الجسم واللون والحياة .. إلى سائر ما هذا وصفه ~~، فإذا وقعت المكابرة فى أحدهما فهو مخير بين أن يدفع الشبهة فيه. وبين أن ~~يذكر فى تلك الطريقة « ما هو أوضح منه (1)، لأن جهة (2) الاستدلال فى الكل ~~يتفق ولا يختلف. ### |||| ** 88 وقوله تعالى : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) يجب أن يحمل على أن المراد به ~~الهداية بمعنى الثواب والأخذ بهم فى طريق الجنة ، أو بمعنى زيادة الهدى. ~~وقد بينا من قبل شرح ذلك. وحمله على معنى الدلالة لا يصح ، لأنه تعالى قد ~~دل الظالم على ما كلفه ، كما دل غيره ، [ و] لو لا ذلك لم يستحق الذم بظلمه. ### |||| ** 89 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الأنبياء صلوات الله عليهم يجوز ~~عليهم الكفر والجهل بالله ، فقال تعالى : ( @QUR@011 وإذ قال إبراهيم رب ~~أرني كيف تحي الموتى قال : أولم تؤمن ) إلى آخر الآية [260]. # والجواب عن ذلك : أن طلبه من الله تعالى أن يريه (3) عيانا من غير تدريج ~~، أن يحيى الموتى ، لا يدل على أنه لم يؤمن ولم يعرف ربه ، لكنه أراد بذلك ~~الازدياد من الإيمان ، فهو بمنزلة أن يطلب منه تعالى شرح الصدر بالألطاف ~~والتأييد ، وهذا مما يحسن طلبه ، وقد بينا من القول فى باب الدعاء ما يغنى ~~عن الإعادة. PageV01P135 # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قال أولم تؤمن؟ قال : بلى ) يدل على بطلان ما ~~سألوا عنه ، وعلى أن المراد ما قلناه ، ولمشاهدة إحياء الموتى على طريقة ~~التدريج المعتاد ، فى باب الدلالة ، ضرب من الظهور والكشف لا يمتنع لأجله ~~أن يطلب الرسول ms086 من الله تعالى أن يفعله ليزداد طمأنينة قلب وشرح صدر. ### |||| ** 90 دلالة : قوله تعالى : ( @QUR@024 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ~~ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ~~[262] يدل على أن الحسنات تبطل بالكبائر (1) وأن فاعلها إنما يستحق ثوابها ~~إذا لم تبطل بالمعاصى ، [ و] لو لا ذلك لم يكن لقوله ( @QUR@08 ثم لا ~~يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) معنى. # ويدل على بطلان قول من قال : إن من (2) فعل الطاعات لا يجوز أن يحبطها ~~شيء (3)، وأنه لا بد من أن يموت مؤمنا ؛ لأنه عز وجل قد بين أنه إنما ~~يستحق الأجر متى لم يبطل الصدقات بالمن والأذى ؛ لأنه قد (4) يبطلها بهما ~~جميعا!. ### |||| ** 91 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن الهدى ليس من البيان فى شيء فقال : ( ~~@QUR@08 ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [272] # وهذا مما قد بينا القول فيه. وإنما أراد به أنه ليس عليه أن يهتدوا ، # وانظر فيه ما كتبه عن الاحباط والتكفير ؛ 624 637. PageV01P136 # « ويريد بذلك أنه ليس عليه إثابتهم (1) والأخذ بهم فى طريق الجنة ، وأنه ~~تعالى هو المختص بذلك. # بدلالة قوله ( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) و ( @QUR@06 إنما ~~أنت منذر ولكل قوم هاد ). # أو يريد بذلك أنه ليس عليه إلا الدعاء ، فأما القبول فإليهم ، وإنما ~~خاطبه بذلك على طريق التسلية والتعزية والتصبير له على ما يقع من الكفار ، ~~كما قال عز وجل : ( @QUR@06 لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) (2) وكقوله ~~عز وجل : ( @QUR@04 إن عليك إلا البلاغ ) (3) إلى ما شاكله. ### |||| ** 92 دلالة : وقوله عز وجل : ( @QUR@017 فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا ~~يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ) (4) يدل على أن من ليس بفاعل للشيء ~~قد يستطيعه ؛ لأنه تعالى بين أن من لا يستطيع أن يمل يملل وليه ، فلو كانا ~~جميعا لا يستطيعان قبل الفعل لم يكن لهذا القول معنى! # وقوله : ( @QUR@03 فليملل وليه بالعدل ) يدل على أنه يقدر (5) أن يملى ~~على وجهين ، فأمره ms087 بذلك على وجه مخصوص ، وهذا يدل على أن الإملاء يقع منه ~~بالاختيار (6). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) (7) يدل على أن ~~الإباء يصح منهم. وقد بينا أن اللغة تقتضى أن من هذه حاله يقدر على الشيء ~~وخلافه (8). PageV01P137 # وقوله عز وجل : ( @QUR@03 ولا تكتموا الشهادة ) (1) كمثل فى أنه يدل على ~~أنه قادر على الإعلان والكتمان. ### |||| ** 93 وقوله : ( @QUR@05 ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) يدل على أن فعل القلب يستحق به ~~العقاب (2). ### |||| ** 94 مسألة : قالوا : تم ذكر بعد ذلك ما يدل على أنه يفعل فيهم الكفر والضرر ، فقال : ( ~~@QUR@011 ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) (3) ودل ~~أيضا على أنه يجوز أن يكلف ما لا يطاق ، فقال : ( @QUR@08 ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به ) (4). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن المسألة لا تدل على أن الشيء كيف حاله ~~إذا فعل ، وكشفنا القول فى ذلك (5)، فلا ظاهر لما قالوه : والمراد بذلك : ~~أنهم طلبوا من الله التخفيف فى التكليف ؛ لأن الإصر : هو الأمر الشاق ، وللعبد PageV01P138 # أن يطلب ذلك بشرط المصلحة ، ولو فعله تعالى لحسن ، بل قد فعله تعالى بهذه ~~الأمة ولذلك (1) قال صلى الله عليه وسلم : بعثت بالحنيفية السمحة (2). # فأما قوله : ( @QUR@08 ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) فقد يؤول (3) ~~على وجوه منها : أن المراد به ما قدمناه من طلب التخفيف فى التكليف ، لأن ~~الفصيح قد يقول : الأمر الشاق لا طاقة لى به ، وإن كان لو حاوله لأمكنه. # والثانى : أنه أراد (4) بذلك المغفرة وإزالة العقاب ؛ لأن العبد لا يكاد ~~يطيق العقاب العظيم ، بمعنى أنه لا يطيق تحمله ، ويعظم عليه الصبر فيه. # والثالث : أنه أراد بذلك ما يقتضيه ظاهره ، وهو أن لا يكلفهم بما (5) لا ~~يطيقون وإن كان المعلوم أنه لا يفعله ، كما (6) قال : ( @QUR@07 رب احكم ~~بالحق ولا تخزني يوم يبعثون ) (7) وإن كان ذلك معلوما أنه لا يفعله أو ~~سيفعله لا محالة. # وعلى هذا الوجه يسأل الأنبياء والمؤمنون الرحمة والمغفرة ، وتكون الفائدة ~~فى ذلك الانقطاع إلى الله تعالى فى ms088 المسألة على كل حال ، ويكون فى ذلك (8) ~~الصلاح التام. # * * * PageV01P139 ### | سورة آل عمران ### |||| ** 95 دلالة : قوله عز وجل : ( @QUR@015 نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ) [443] يدل على حدوث القرآن من جهات : # منها : أنه وصفه بأنه أنزله ، وذلك لا يصح إلا فى الحادث ؛ لأن القديم ~~يستحيل ذلك عليه ، والكلام إن لم يصح إنزاله لأنه لا يبقى ، فقد يصح إنزال ~~الكتاب وإنزال ما يقوم مقامه من الحكاية. # ومنها : أنه بين أنه أنزله بالحق ، وتخصيص الإنزال يدل على حدثه. # ومنها : أنه جعله متأخرا عن التوراة والإنجيل وجعلهما قبله ، وما غيره ~~قبله لا يكون إلا محدثا. ### |||| ** 96 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يفعل (1) الكفر فى القلوب ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@07 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) [8]. # والجواب عن ذلك قد مضى ؛ لأنا قد بينا أن من سأل ربه ألا يفعل فعلا لا ~~تدل مسألته على أنه تعالى يختار ذلك ويفعله (2). # والمراد بذلك أن لا يشدد علينا المحنة فى التكليف ، فيؤدى ذلك إلى زيغ ~~القلب بعد الهداية ، على ما بيناه فى قوله : ( @QUR@04 ولا تحمل علينا إصرا ~~) (3) ويجوز PageV01P140 # أن يراد بذلك أن لا يعدل بهم عن زيادة الهدى والألطاف فى هذا الباب. ### |||| ** 97 وقوله عز وجل : « من قبل (1) ( @QUR@08 هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) [7] قد ~~بينا من قبل الوجه فيه (2). ### |||| ** 98 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن النصر من قبله تعالى فقال : ( @QUR@05 ~~والله يؤيد بنصره من يشاء ) [13] وقد علمنا أن النصر هو الذى يقع من ~~المنصور الغالب. # والجواب « عن ذلك (3) أنه تعالى لم يقل إنه الفاعل للنصر ، وإنما أضافه ~~إلى نفسه وذكر أنه يؤيد بنصره من يشاء. وقد بينا أن الإضافة لا تدل على أن ~~المضاف من فعله ، وإنما تنقسم إلى جهات (4)، فلا يصح لهم التعلق بالظاهر. ~~والتأييد من الله تعالى ، إنما يكون بضروب (5) من الألطاف ، وهكذا نقول ~~فيمن نصر من المؤمنين على العدو « إن الله (6) يلطف له ، ويكون ذلك ms089 تأييدا. # واعلم أن النصرة قد تكون بالحجة إذا ظهرت للمؤمن على العدو ، وقد تكون ~~بما يحصل له من المنزلة الرفيعة ، وللكافر من الاستخفاف والإهانة. وقد تكون ~~فى الحرب بالظفر الحاصل والغلبة. وقد تكون بتحمل المشقة فيما يؤدى إلى ~~الثواب والسبق فى المستقبل ، ولذلك قلنا : إن المؤمنين إذا غلبوا فى الدنيا ~~لم يخرج الكفار من أن يكونوا مخذولين ، من حيث يؤدى ما فعلوه إلى عقاب PageV01P141 # عظيم ، والمؤمنون (1) من أن يكونوا منصورين من حيث يستحقون بذلك الأمر ~~الثواب الجزيل. # والله تعالى قد ينصر المؤمن فى الحرب بأن يمده بالملائكة ، وقد ينصره بأن ~~يخطر بباله ما أعد له فى الجنة فتقوى نفسه وتثبت قدمه ، وقد يؤيده بإنزال ~~ضعف النفس بالعدو ؛ لأن ذلك يوهن حاله ويضعف قلبه ، فيؤدى إلى استيلاء ~~المؤمن وغلبته. # وربما علم تعالى أن الصلاح فى المؤمن أن لا يؤيده بشيء فيحمله الصعب ~~ويلزمه الشاق من حيث يعلم أن له فيه المصلحة ، فلا يكون مؤيدا له فى باب ~~الظفر ، وإن كان فاعلا به ما هو الأصلح والأولى. ### |||| ** 99 وقوله : ( @QUR@07 زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ) [14] قد مضى ما يدل ~~على الكلام فيه (2)، فلا وجه لإعادته. ### |||| ** 100 دلالة : وقوله عز وجل : ( @QUR@012 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط ) [18] يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يريده ، ولأن من ~~كان كل قبيح من قبله ويقع بإرادته لا يكون قائما بالقسط. ### |||| ** 101 وقوله من بعد : ( @QUR@04 فإن الله سريع الحساب ) (3) يدل على أن الفعل للعباد ، فلذلك تصح ~~فيه المحاسبة. ### |||| ** 102 وقوله عز وجل : ( @QUR@04 قل اللهم مالك الملك ) (4) لا تعلق فيه للمخالف PageV01P142 # لأن الملك الذى يؤتيه من يشاء هو أحوال الدنيا ، وذلك لا يكون إلا من ~~قبله ، وليس لأفعال العباد فى ذلك مدخل ، وهو الذى يعز ويذل ، بالتعظيم فى ~~المؤمن والإهانة فى الكافر ، وبتفضيل البعض على البعض. # فإن قال : فإنه تعالى إذا نزع الملك الذى آتاه غيره فقد ظلمه ؛ لأن أحدنا ~~إذا وهب من غيره ثم استرده كان ظالما ، وإذا حسن ms090 ذلك منه دل على صحة مذهب ~~القوم (1)!. # قيل له : إن التمليك قد يكون مطلقا دائما وقد يكون مؤقتا ، وقد بين ~~الفقهاء ذلك فى الهبات والعوارى والعمرى والرقبى (2)، فلا يجب أن يجعل ~~الباب واحدا ، فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يكون تعالى إنما ملك إلى غاية ، ~~فإذا نزع كان له (3) ذلك ، كما يكون مثله (4) للمعير والمعمر ، على بعض ~~الوجوه. PageV01P143 # فأما استرجاع الهبة للأجنبى أو للوالد (1)، فذلك يعلم بالسمع (2)، ~~والواجب من جهة العقل أنه لا يحل الرجوع فيه ، لأنه كسائر ماله بعد التمليك ~~، فكما ليس له أخذ ما عدا الهبة من غير تراض فيه ، فكذلك القول فى الهبة ، ~~والشرع هو الذى ورد بجواز ذلك ، فلا يصح أن يجعل ذلك جوابا لهذا السائل. # ومن وجه آخر ، وهو أنه إذا حسن أن يبيح استرجاع الهبة لأعواض عظيمة ، لم ~~يمتنع أن يحسن منه تزع الملك لعوض عظيم. # ومن وجه آخر : وهو أنه قد يجوز أن يعلم أن استدامة الملك فى ذلك العبد ~~مفسدة ، فيجب فى الدين نزعه لا محالة. ### |||| ** 103 مسألة : فإن قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خص الأنبياء صلوات الله ~~عليهم بما هم عليه من الفضل والصلاح ، فقال : ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [33]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن ظاهر الاصطفاء لا يدل إلا على أنه اختار ~~لأمر خاص دون غيره (3)، فمن أين أن (4) المراد ما اختصوا به من الفضيلة؟ ويجب PageV01P144 # أن يكون (1) المراد بذلك أنه اختارهم فى باب الإرسال ، وذلك فعله تعالى ~~فيهم ، فلا تعلق لهم بالظاهر. # وإن سأل فى ذلك من يقول : إن (2) الأنبياء صلى الله عليهم أفضل من ~~الملائكة عليهم السلام ، فقال : « إنه تعالى بين أنه اصطفى الأنبياء على ~~العالمين ، وقد دخل (3) فى ذلك الملائكة كدخول الناس فيه. # فالجواب عن ذلك : أن العلماء قد اختلفوا فى العالمين ، فبعضهم قال : هم ~~جماعات الناس ، وبعضهم قال بدخول الملائكة فيهم ، فما لم يثبت بالدليل ~~القاطع لا يحكم بتناول الآية [ له ] ؛ لأن الاسم إذا ms091 ثبت كونه مفيدا لشيء ~~ولم يقطع فى غيره على أنه المراد ، فالأصل أنه ليس بمراد إلا بدليل (4). # وبعد. فلو ثبت دخول الملائكة عليهم السلام فيه لم يدل ظاهر الكلام على أن ~~الأنبياء عليهم السلام أفضل ؛ لأنه تعالى لا يجب إذا اختار فى الإرسال واحدا ~~على غيره أن يكون أفضل من ذلك الغير. وإنما علمنا أن الرسل أفضل من أممهم ~~(5) للاجماع ، لا لأنهم قد اختيروا فى أداء الرسالة. # وبعد ، فإن الاصطفاء ينبنى على حال متقدمة ، فمن أين أن تلك الحال هى فضل ~~من هذا حاله على غيره؟. وهلا جاز أن يكون مساويا لغيره ، أو غيره أفضل منه!. ### |||| ** 104 وقوله تعالى من بعد (6) ### |||| ** : ( @QUR@06 وإذ قالت الملائكة يا مريم إن # ( م 10 متشابه القرآن ) PageV01P145 # @QUR@03 الله اصطفاك وطهرك ) [42] القول فيه كالقول فيما تقدم. ### |||| ** 105 وقوله تعالى : ( @QUR@08 إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) [47] قد تقدم مشروحا (1). ### |||| ** 106 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ) [55] يدل على صحة ما تأولنا عليه من ~~قبل : الرجوع إلى الله تعالى ، و[ أن ] المراد به الحكم دون المكان (2). ### |||| ** 107 وقوله تعالى : ( @QUR@03 ومكروا ومكر الله ) [54] قد بينا القول فيه وأن المراد به أنه ~~عاقبهم على كفرهم ، وأراد وأمر بالاستخفاف بهم (3). ### |||| ** 108 وقوله تعالى : ( @QUR@013 إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا ) [55] لا يمكنهم حمله على ظاهره ؛ لأنه « لم ذكر (4) الكفر ، وإنما ~~ذكر تطهيره من الكفار ، وذلك إنما يكون بتخليصه منهم. # ويجوز أن يكون المراد بذلك أنه مطهره من أعمال الذين كفروا وأحكام كفرهم ~~، بأن يعزه وقد أذلهم ، ويعظمه وقد استخف بهم. وهذا ظاهر. ### |||| ** 109 وقوله عز وجل : ( @QUR@09 وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) [55] ~~فظاهره أن يجعلهم فوق الكفار ، ولم يبين في ماذا؟ فلا ظاهر لهم فيه متعلق. PageV01P146 # والمراد بذلك : أنه يجعل من اتبعه ، بالتعظيم والتبجيل والظفر بالحجة ، ~~إلى ما شاكله ، فوق الكفار ، وكل ذلك من جعله وفعله تعالى. ### |||| ** 110 وقوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن الهدى هدى الله ) [73] قد مضى القول ms092 فيه ، وأن المراد به ~~أن الأدلة هى أدلته ، والدين الذى يشتمل على (1) الدليل وغيره. ### |||| ** 111 وقوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن الفضل بيد الله ) (2) المراد به (3) أن الفضل هو الأموال ، ~~والأموال من قبله تعالى و (4) لا ذكر لأفعال العباد فى ذلك. ويجوز أيضا أن ~~يراد به النبوة. ### |||| ** 112 مسألة : فان سأل عن قول الله عز وجل : ( @QUR@08 وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها ) (5) فقال : أثبت الإسلام « بهذين الأمرين (6)، وليس هذا ما ~~تقولون به؟. # فالجواب عن ذلك : أن المراد به الاستسلام والخضوع ، ولم يرد به الإسلام ~~الذى يستحق به الثواب ، وقد بينا أن الإسلام إذا علق به تعالى لم يحمل على ~~الإسلام المطلق (7)، كما أن الإيمان إذا قيل فيه : إنه بالله وبرسوله ، ~~فهو اللغوى وإن كان إطلاقه يدل على خلافه. # وإنما أراد تعالى بذلك أن أحدا لا يمتنع عليه تعالى فيما يريد إنفاذه فيه. PageV01P147 # فأما الإسلام فمتى وقع كرها فإنه لا يستحق به الثواب ، وهو تعالى إنما ~~كلف ذلك تعريضا للمنفعة ، فلا يجوز أن يقع إلا على طريقة الاختيار. ### |||| ** 113 دلالة : وقوله عز وجل : ( @QUR@023 وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه ~~من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ... ~~) الآية [78] ، يدل على أن فعل العبد ليس من خلق الله ؛ لأنه تعالى نفى (1) ~~فى تحريفهم وفى ليهم ألسنتهم أن يكون من عنده تعالى ، وأن يكون من الكتاب. ~~وقد بينا أن أقوى ما يضاف إلى الغير هو أن يكون فعلا له (2)، فلا يجوز ~~والله خالق ذلك أن ينفى أن يكون من عنده. # ولا يمكن أن يحمل قوله عز وجل : ( @QUR@05 وما هو من عند الله ) على (3) ~~أنه أريد به ليس مما أنزله ؛ لأن ذلك قد دل عليه بقوله : ( @QUR@04 وما هو ~~من الكتاب ) فيجب أن يكون المراد به غير المراد بنفيه أن يكون من الكتاب. # وحقق تعالى ما ذكرناه بقوله : ( @QUR@06 ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون ) (4) فبين أن ما ذكروه كذب (5) من أنه فى الكتاب ومن أنه من ms093 عنده ~~تعالى ، وبين أنهم يعلمون ذلك ؛ لأن هذه الفرقة كانت معاندة مكذبة مع العلم ~~والبصيرة ، وإن كان فيهم من يشك فى نبوته صلى الله عليه فى صحة ما أتى به. PageV01P148 # 114 ومن عجيب أمر القوم أن عندهم أنه تعالى هو يلبس الحق بالباطل ويفعل ~~الشبه ، بل هو الذى يضل ، وهو يقول جل وعز : ( @QUR@09 يا أهل الكتاب لم ~~تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق ) (1) ومعلوم فى الشاهد أنه لا يصح ممن ~~الفساد كله من قبله أن يوبخ غيره على بعضه ، وهو الذى أدخله فيه واضطره ~~إليه. وهذا كقوله عز وجل : ( @QUR@04 فما لهم لا يؤمنون ) (2) [ فى ] أنه ~~يدل على أنه عز وجل لم يمنع من الإيمان ، وإلا كان هذا القول لغوا. # ومن وجه آخر ، وهو أن الشبه (3) إنما يجوز ورودها مع القول بالاختيار ، ~~فأما إذا كان تعالى هو الذى يفعل اعتقاد الباطل فى (4) المبطل ، فسواء وردت ~~الشبهة أو لم ترد فالحال واحدة ، وإن فعل فيه تعالى اعتقاد الحق فكمثل. فأى ~~تأثير للبس الحق بالباطل على هذا القول؟ وإنما يتم ذلك على ما نقول من حيث ~~قد يختار المكلف عنده ، لدخول الشبهة ، ما لولاه ما كان يختاره. # وبعد ، فكتمان الحق ، على مذهبهم ، وإظهاره بمنزلة ، فلا وجه للنهى عنه ~~لأنه تعالى إن خلق فى العبد الحق فالكتمان لا يضر ، وإن خلق فيه الباطل ~~فالكتمان والإبداء بمنزلة. ### |||| ** 115 دلالة : وقوله عز وجل : ( @QUR@08 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) (5) ~~يدل على أن الدين هو الإسلام و[ أن ] الإيمان والإسلام PageV01P149 # واحد ؛ لأنه لا بد من القول بأن الإيمان يقبل منه ، فلو كان الدين ~~والإيمان غير الإسلام لدخلا فى باب ما لا يقبل منه ، فإذا يجب أن يكونا (1) ~~الإسلام. ويدخل فى ذلك جميع الواجبات والطاعات ، كانت من أفعال الجوارح أو ~~أفعال القلوب (2). والإسلام فى هذا الموضع هو الشرعى لا اللغوى ؛ لأنه لو ~~كان المراد به الاستسلام والخضوع لكان فى أعماله ما يجب أن يقبل لا محالة ، ~~كالصلاة وغيرها. # وليس لأحد أن يقول : إنما بين أن غير الإسلام ms094 لا يقبل فمن أين أن (3) ~~الإسلام مقبول؟ وذلك لأن الغرض بالكلام أن يبين مفارقة الإسلام لغيره فى ~~القبول ، فلو كان الإسلام لا يقبل لبطل هذا الغرض! ### |||| ** 116 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بالهدى المؤمن دون الكافر ~~الظالم ، فقال : ( @QUR@018 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ~~أن الرسول حق وجاءهم البينات ، والله لا يهدي القوم الظالمين ) [86]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن فى الهدى ما يكون خاصا ، وهو الهدى ~~بمعنى الثواب ، وبمعنى أن يسلك بهم طريق الجنة (4)، فلا يمتنع أن يقول : PageV01P150 # ( @QUR@07 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) بمعنى : كيف يثيبهم ~~ويسلك بهم طريق الجنة ، مع أن كلمة العذاب قد حقت عليهم لكفرهم. # وقوله تعالى ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الظالمين ) يدل أيضا على ذلك ~~، لأنه خص الظالم بأنه لا يهديه ، فالمراد به الثواب « أو طريق الجنة ، على ~~ما بيناه. ولذلك قال بعده : ( @QUR@06 أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ) ~~فبين أن جزاءهم الإبعاد من الثواب (1) والخير فكيف يهدون لهما؟ ### |||| ** 117 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن التوبة لا يجب قبولها ، وأنه ~~متفضل بذلك « وله أن يمنع منها (2)، فقال : ( @QUR@05 إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ) (3) ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون [90]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@03 لن تقبل توبتهم ) لا يدل على ~~أن التوبة على أى وجه وقعت ، وقد تقع عندنا على وجه لا يجب قبولها ؛ لأن ~~المعاين إذا حضره الموت وحصل مضطرا إلى معرفة الله تعالى ، لا تقبل توبته ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@014 وليست التوبة للذين يعملون السيئات ، حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) (4) ولذلك (5) لا تقبل توبة أهل النار ~~لما كانوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح ، ولذلك لا يلزم المساء إليه أن ~~يقبل الاعتذار من العاجز عن إساءته. PageV01P151 # فإذا صح ذلك ، فمن أين أنه تعالى لا يقبل توبتهم وقد وقعت على الوجه الذى ~~يجب قبولها! ، وظاهر الكلام على ما بيناه لا يدل على ms095 ذلك ؛ لأنه أضاف ~~التوبة إليهم ، وهى لا تقع منهم على كل وجه يصح وقوعها ، فادعاء العموم فى ~~جهاتها لا يصح. # ويجوز أن يكون المراد بذلك أن التوبة المتقدمة لا تقبل ، وقد ازدادوا ~~الآن كفرا ، ليتبين بذلك أن التوبة وقعت محبطة بالكفر الذى وليها ، وأنها ~~إنما تنفع (1) إذا استمر التائب على الصلاح (2). وبين أنه تعالى إذا لم ~~يقبل توبتهم وقد ازدادوا كفرا ، فهم ضالون ؛ لأن العقاب على ما بينا هو ~~الضلال والهلاك. ### |||| ** 118 وقوله تعالى بعده : ( @QUR@016 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به ) [91] يدل على أن المراد ما قدمنا ، من أن من مات على ~~كفره لا توبة له ، ولا يقبل منه الفداء. ### |||| ** 119 دلالة : وقوله عز وجل بعد ذلك : ( @QUR@09 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ) [97] يدل على أن القدرة قبل الفعل ؛ لأنه تعالى بين أن الحج على ~~المستطيع ، وقد ثبت وجوبه قبل الدخول فيه ؛ لأن من ليس بحاج يجب أن يدخل ~~فيه ، فإذا صح ذلك فيجب أن تكون الاستطاعة للحج حاصلة لمن لم يحج ، وفى هذا ~~صحة ما نقول من أنها متقدمة للفعل (3)، وأن الكافر والعاصى يقدران على ~~الإيمان والطاعة. PageV01P152 # فإن قال : المراد به الزاد والراحلة ، لقوله صلى الله عليه وقد سئل عن ~~ذلك إن الاستطاعة الزاد والراحلة (1). # قيل له : إن قيام الدلالة على أنهما قد أريدا بالاستطاعة لا يمنع من أن ~~تكون الحقيقة مرادا ، وإنما بين صلى الله عليه أن القادر ببدنه لا يلزمه ~~ذلك حتى ينضاف إليه وجود الزاد والراحلة. # فإن قال : كيف يجوز أن يراد الحقيقة والمجاز بالكلمة الواحدة؟ # قيل له : ذلك لا يمتنع عندنا إذا دل الدليل عليه (2). # وبعد ، فكيف يجوز أن يشترط وجودهما فى لزوم الحج ولا تكون القدرة شرطا؟ ~~مع أنها إن وجدت صح فعل الحج ، وإن وجدا دونها لم يصح وكان وجودهما ~~كعدمهما؟ وكيف يصح أن يخفف تعالى هذا التكليف فلا يلزمه إلا مع وجودهما ، ~~وقد يلزم ذلك من لا يقدر البتة؟ ms096 وهل هذا القول إلا بمنزلة من امتن على غيره ~~بسلوك طريق بأن (3) أوضح له الطريق وإن كان لم يقدره على سلوكه ، # راجع : أصول التشريع الإسلامى ، للأستاذ على حسب الله ص : 223 224 الطبعة ~~الثالثة. PageV01P153 # بل أعجزه عنه. وقد علمنا أن تأثير الزاد والراحلة إنما هو على وجه التبع ~~للقدرة ، وكيف يشترطان ولا يعتبر بالقدرة. # وإنما سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه عما لا يدل عليه الظاهر ؛ لأنهم ~~كانوا يعقلون من الاستطاعة « القدرة فاستغنوا (1) فيها عن المسألة ، ورأوا ~~بأن أركان الدين ، مما يحتاج فيه إلى سفر ، لا يلزم إلا مع المال ، فسألوه ~~صلى الله عليه وأجاب بذكر الزاد والراحلة ، ليتبين أن هذا كالجهاد وغيره فى ~~سقوطه عن الفقراء. # وبعد ، فان الزاد والراحلة إنما « يصح أن (2) لهما تأثيرا على قولنا إن ~~الإنسان يقدر على الحج وتركه فيستعين بهما (3) على الحج ، فأما على قولهم ~~فحاله لا يخلو من وجهين : إما أن يفعل فيه قدرة الحج فلا بد من كونه حاجا ~~ولو عدم الزاد والراحلة ، أو لا يوجد فيه ، فلا بد من أن يكون غير حاج ولو ~~ملك الدنيا ، فأى تأثير لهما على قولهم؟!. ### |||| ** 120 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن من ليس بكافر لا يدخل النار (4)، ~~فقال : ( @QUR@016 يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم # راجع : شرح الأصول الخمسة : 722 723. PageV01P154 # @QUR@011 تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون ) ~~[ 106 107 ]. # والجواب عن ذلك : أنه لا تعلق للخارجى بظاهر ذلك ؛ لأنه تعالى ذكر قسمين ~~من الناس ، ولم ينف أن هناك فرقة ثالثة ؛ ولأنه لا بد لهم من القول بهذه ~~الطريقة ؛ لأنه تعالى بين أن الذين اسودت وجوههم هم الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ، وإذا سئل (1) عن الكافر الأصلى فلا بد من أن يقول : إنه من أهل ~~النار ، وإن لم يذكر فى الآية ، فكذلك الفاسق عندنا. # وليس له أن يتأول قوله : ( @QUR@03 أكفرتم بعد إيمانكم ) على أنه كفر بعد ~~الإيمان الذى ms097 يثبت بالفطرة لا بالفعل ، لأن ذلك ليس بحقيقة ، فإن صح أن ~~يحمله عليه ليستقيم مذهبه ليجوزن لنا أن نحمل الكفر (2) على أن المراد به ~~كفر النعمة بالإقدام على الكبائر والمعاصى فيدخل الفاسق فيه!. ### |||| ** 121 دلالة : وقد قال تعالى ما يدل على أنه لا يريد القبيح فقال : ( @QUR@05 وما الله ~~يريد ظلما للعالمين ) [108] ولو كان كل ظلم فى العالم يقع بارادته ومشيئته ~~لم يصح أن يقول ذلك وكان الخبر كذبا ، وكان لا يصح أن ينزه نفسه عن ذلك مع ~~أنه المريد لكل ظلم فى العالم. # فان قال : أراد بذلك أنه لا يريد أن يظلمهم وإن أراد أن يظلم بعضهم بعضا (3). PageV01P155 # قيل له : إن النفى فى الآية عام فلا يصح تخصيصه. # وبعد ، فلو قلبت القضية كان أقرب ، لأنه تعالى نفى أن يريد الظلم المضاف ~~إلى العالمين (1)، وظاهر ذلك يقتضى أن الفعل منهم ؛ لأن إطلاق الظلم إذا ~~أضيف عقل منه الإضافة إلى فاعله دون المفعول به ، ولذلك يقع الذم بقولنا : ~~إن هذا الظلم من زيد ، وهذا الظلم له (2). # وبعد ، فان القوم يقولون إنه تعالى مريد للكثير من الظلم الذى يضاف إليه ~~وينفرد به ، كتعذيب أطفال المشركين ، وتكليف من يعلم أنه يكفر ، وخلقه إياه ~~للكفر والنار ، فلا يصح لهم ذلك التأويل. ومتى قالوا : إن هذا التعذيب ليس ~~بظلم فليرونا صفة للظلم ليس بحاصل فيه (3). لأنه تعالى إن أراد أن يظلم ، ~~ما كان يفعل إلا ما قد فعله عندهم. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) ~~[117] يدل أيضا على أن الظلم من فعل العبد ؛ لأنه لو كان تعالى خلقه فيه لم ~~يصح أن ينزه نفسه عنه ويضيفه إلى العبد. # وبعد ، فإن مذهبهم يقتضى أن من الظلم من قبله ولا يصح وجوده إلا من خلقه ~~منزه (4) عن الظلم ، ومن لا يصح أن يفعل ذلك فيه غير منزه عنه!! وهذا ~~كسلطان (5) جائر يأخذ أصحابه على جهة الإكراه بالفساد ، وينزه نفسه عنه PageV01P156 # ويضيفه إليهم ، بل هذا أعظم ؛ لأن من أكره « على الفساد (1) يجوز على بعض ~~الوجوه ms098 ألا يختاره إذا تحمل المشقة وآثر الصبر العظيم للثواب والمنفعة ، ~~ولا يصح ذلك من العبد إذا خلق الله فيه قدرة الظلم ونفس الظلم ، فكيف يجوز ~~والحال هذه أن يوصف بأنه الظالم لنفسه وينزه القديم عن ذلك. وهذا بين فى ~~أنه تعالى لا يختار فعل الظلم البتة ، وأن ذلك من فعل العباد ، وأنه يصح ~~منهم إيثار العدل على الظلم ، فمتى أقدموا على الظلم ذموا ووصفوا (2) بأنهم ~~ظلموا أنفسهم. ### |||| ** 122 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ما يدل على أن ظفر المؤمن بالكافر من قبله تعالى ~~فقال : ( @QUR@010 ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فاتقوا الله لعلكم ~~تشكرون ) [123]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا وجوه النصرة (3)، وأنها تكون من الله ~~تعالى إذا كانت بالفلج بالحجة ، وإذا كانت بالظفر بالعدو ، وإذا كانت ~~بالإمداد بالملائكة ، أو بإلقاء الرعب فى نفس العدو ، أو بتقوية قلب المؤمن ~~بالألطاف (4) وغيرها. # فإذا صح ذلك فيجب أن يضاف النصرة يوم بدر إلى الله تعالى ؛ لأنه نصر ~~الرسول صلى الله عليه والمؤمنين مع قلة عددهم ، من حيث أمدهم بالملائكة على ~~الكفار ، مع كثرة عددهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وأنتم أذلة ) يعنى : عند الكفار ، من حيث قل ~~عددهم فى PageV01P157 # رأى العين ، وإلا فقد ثبت أنهم أعزاء (1)، وأنه تعالى أمر بتعظيمهم ، ~~والرفع من أقدارهم ، فلا يصح إطلاق هذه الكلمة فيهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) يعنى : لكى تشكروا ، ~~وذلك يدل على أنه تعالى أراد من جميعهم الشكر على ما تقدم ذكره (2). # ثم يقال للقوم ؛ يجب على قولكم ألا يكون لما فعله تعالى من إمدادهم ~~بالملائكة ونصرتهم لهم بهذا الوجه فائدة ؛ لأنه إن فعل فى العدو الهزيمة ~~فوجودهم كعدمهم ، وإن لم يفعل ذلك فكمثل. فأى فائدة فى هذا الفعل من الله ~~تعالى؟ وكذلك القول فى سائر وجوه النصرة ، إنه على قولهم لا فائدة فيه. # ويجب فى التحقيق أن يكون تعالى أنزل الملائكة وفعل سائر وجوه النصرة لكى ~~يخلق فى المؤمنين الظفر وفى المشركين الهرب ، وهو تعالى قادر على ذلك على ~~كل حال ، فيجب أن يكون ms099 ذلك عبثا. # 123 وقوله تعالى بعد ذلك. ( @QUR@06 وما النصر إلا من عند الله ) (3) يجب ~~أن يحمل على ما قلناه ، وفيه من الفائدة أن يبين أن الواجب عليهم الانقطاع ~~إلى الله تعالى وطلب النصرة « من قبله (4) وأن يعلموا أنهم إذا لزموا ~~الطاعة وطريقة الاستقامة فهو سينصرهم لا محالة ، وقد بينا من قبل أن وقوع ~~الغلبة بالمؤمن لا يخرجه من أن يكون منصورا (5)، من حيث يستحق الثواب ~~ويؤديه ذلك إلى منافع ، ولا يخرج العدو من أن يكون مخذولا ، من حيث يستحق ~~العقاب العظيم الذى يصغر بالإضافة إليه ما لحق قلبه من السرور بالغلبة. PageV01P158 # 124 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن جميع تصرف العبد من ~~قبله ، فقال : ( @QUR@010 ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) ~~[128] فإذا صار ذلك حال الرسول عليه السلام ، فكذلك حال غيره. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر ذلك يقتضى ما لا يقول به مسلم ، لأنه تعالى قد ~~ثبت أنه قد جعل لرسوله أن ينذر ويبين ويدعو الى سبيل ربه بالحكمة ، وقال ~~(1): ( @QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك ) (2) وكل ذلك يوجب أن إليه أمورا ~~كثيرة ، ولو لا ذلك لم يستحق الرفعة ولم يميز بالفضيلة ولم يلزم اتباعه ~~والانقياد له فيما يأمر وينهى فلا ظاهر يصح تعلقهم به. # والمراد بذلك : أنه ليس فى تدبيره مصالح العباد وما يصلح أحوالهم عليه فى ~~الدين شيء ، لأنه عليه السلام ما كان يعرف ذلك. وكان إذا رأى من الكفار ~~التشدد فى تكذيبه والرد عليه سأل الله تعالى أن يأذن له فى أن يدعو عليهم ~~بالاستئصال ، كسائر الأنبياء قبله ، فعزاه تعالى بهذا القول وبين أنه ~~العالم بمصالحهم ، ولذلك قال تعالى بعده (3): ( @QUR@07 أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون ) (4) فبين أن من كفر به إما أن يتوب عليهم فيصيروا من ~~المؤمنين وإما أن يعذبهم فى الآخرة بما يكون أعظم من عذاب الدنيا. # ثم يقال للقوم : إن لم يكن له من الأمر شيء فما ذا يستحق الرفعة والمدح ، ~~ولما ذا خص بما ليس لغيره فى ms100 باب لزوم الطاعة؟ ولما ذا يلزم اتباعه؟ فإن كان PageV01P159 # سائر ما يفعله بمنزلة لونه وهيئته فى أنه ليس له (1) فيه شيء ، فمن أين ~~أنه يستحق المدح؟ # وبعد ، فإن « الأمر ) فى الحقيقة هو قول القائل : افعل ، فيجب أن يقتضى ~~ظاهره أنه ليس له أن يأمر وينهى ، وهذا مما لا يقول به مسلم! ### |||| ** 125 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لا يدخل النار إلا كافرا (2)، وهذا ~~يصحح (3) مذهب الخوارج (4)، فقال ( @QUR@05 واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين ) [131]. # والجواب عن ذلك : أن كونها معدة « للكافر لا يمنع أن تكون معدة (5) ~~لغيرهم ، فإنما تدل على أنها معدة لهم ، وحال غيرهم موقوف على الدليل. # وبعد ، فإنه عرف النار ثم وصفها بأنها معدة للكافرين ، فمن أين أنه أراد ~~بذكرها جميع النيران ، مع تجويز أن يريد بها نارا مخصوصا (6)؟ # وقد يقال إذا كان الغالب على الشيء قوم (7) دون قوم : إنه معد لهم ، كما ~~يقول من اتخذ الطعام الكثير : أعددت ذلك للأضياف ، وإن كان يريد تناول PageV01P160 # من فى الدار منه (1). # ثم يقال للقوم : أليس قد قال الله تعالى بعده : ( @QUR@06 وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين ) (2) ولم يمنع من أن يكون فيها الأطفال وحور ~~العين والولدان وإن لم يستحقوا هذا الوصف ، فكذلك لا يمنع أن يدخل النار ~~الفاسق وان لم يستحق أن يوصف « بأنه كافر (3). ### |||| ** 126 وقوله تعالى : ( @QUR@05 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) من أقوى ما يدل على أن العبد هو ~~الفاعل المختار ؛ لأنه إن كان تعالى يخلق المشى فيه ، فإن قدمه وجب حصول ~~المسارعة ، وإن أخره استحالت المسارعة ، فكيف يصح أن يأمره بذلك ويرغبه فيه؟ # على أن المراد بقوله : ( @QUR@05 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ): أى : ~~سارعوا إلى ما تستحقون « المغفرة به دون نفس المغفرة مما (4) ينفرد تعالى ~~به ، فلا يجوز دخوله فى تكليفهم ، والمراد بذلك التوبة والإنابة (5)، لكى ~~يقع « التلافى فتستحق (6) المغفرة ، وهذا لا يصح إلا والعبد يؤثر فعلا على فعل. # ومدحه تعالى لهم بأنهم ينفقون فى السراء والضراء (7) على قول القوم لا ~~وجه له ؛ لأن الحال ms101 إنما يختلف إذا تكلف المنفق مع الضراء ما لا يكاد يلحق ~~مع السراء ، وهذا لا يصح إذا كان الإنفاق من خلقه تعالى فيهم ؛ لأن الأحوال ~~« كلها فى ذلك (8) تتفق. # ( م 11 متشابه القرآن ) PageV01P161 # 127 وكذلك مدحه لهم بقوله تعالى : ( @QUR@05 والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس ) لأن كظم الغيظ انما يعظم وقعه متى تحمل الكلفة فى كظمه ومنع نفسه ~~ما تقتضى (1) شهوته وهواه ، وذلك لا يصح اذا كان تعالى هو الخالق لذلك فيهم. ### |||| ** 128 وقوله تعالى : ( @QUR@03 والله يحب المحسنين ) وتخصيصه لهم بالذكر ، يدل على أنه تعالى ~~محب لإحسانهم (2) « ولو كان إرادته الاساءة (3) كإرادته الإحسان ، لكان حال ~~المسيء والمحسن فى ذلك سواء. ### |||| ** 129 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@011 والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ) (4) يدل على أن العبد هو الفاعل ويبين أنه الذى أضر بنفسه ، من ~~حيث أقدم على ذنب يؤديه إلى العقاب ؛ ولو كان تعالى هو الذى خلق فيه ذلك لم ~~يكن ظالما لنفسه (5) فكان ربه الظالم له ، وكان لا يحسن « أن يلزم (6) ~~التوبة ؛ لأن الندم على ما (7) لم يفعله قبيح ولم يكن لإضافة الذنب اليه ~~معنى إذا كان الفاعل فيه غيره. # ثم أضاف تعالى إلى نفسه المغفرة لما كانت من فعله فقال : ( @QUR@05 ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ). # ثم بين أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن ضم الى توبته الإقلاع واستمر على ~~ذلك ، فأما اذا أصر فليس بأهل لها (8). وكل ذلك يبين ما قلناه. PageV01P162 # 130 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ~~) [138] يدل على أن ما تقدم ذكره دلالة للجميع ، وأنه تعالى يعم كل مكلف ~~بالبيان والتعريف وإزاحة العلة ، وإنما علق (1) الله تعالى الهدى بالمتقين ~~لما كانوا هم الذين اهتدوا به ، على ما تقدم ذكره (2)، فصاروا من حيث ~~انتفعوا به كأن الهدى ليس الا لهم ، كما أن الوالد قد يتخذ المعلم على ~~أولاده ، فإذا رأى النجابة والتقدم والتعلم فى أحدهم جاز أن يقول : إنما ~~تكلفت اتخاذ المؤدب لك ، وإن كان باتخاذه تأدب الكل. ### |||| ** 131 مسألة : وقالوا ms102 : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن ما نال المسلمين من الكفار يوم أحد « ~~من قبله تعالى (3) فقال : ( @QUR@013 إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (4) فأضاف ذلك إلى نفسه. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يداول الأيام بين الناس ، وليس فيه ~~ذكر الأفعال ، فلا تعلق لهم بالظاهر. # فإن قالوا : قد علم أن المراد به ما يحدث فى الأيام # قيل له : لكن الحوادث فيها تختلف ، فلا بد من دليل يعلم به المراد بعينه ~~، وما هذا حاله لا يصح التعلق بظاهره. # والمراد بذلك : أنه تعالى بين لأصحاب الرسول عليه السلام أن الحروب PageV01P163 # لا تستمر على طريقة واحدة ، فربما كانت (1) لهم وربما كانت (2) عليهم ، ~~وإن كانت النصرة على جميع الأحوال للمؤمنين ؛ لأنه تعالى لا يجوز أن يخذلهم ~~وإن غلبوا من حيث أعد لهم الثواب العظيم لصبرهم ، وأعد للكفار العقاب ~~الأليم لغلبتهم ، ولا بد من اعتبار العاقبة فى النصرة والخذلان ، فظن ~~المؤمنون أن الله لما نصرهم يوم بدر بالوجوه التى فعلها أن ذلك واجب فى كل ~~حرب ، فلما لحقهم من الكفار ما لحقهم صبرهم بهذا القول ، ليبين لهم أن ~~الدنيا منغصة ، وأن أحوالها فى السراء لا تستمر ، « وأن الأحوال تختلف ~~عليهم فيها 3 ، لكيلا يكثر ركونهم إليها ويعلموا أن الواجب طلب الآخرة. # فإن قال : فيجب إذا جعل الغلبة مرة للكافر ومرة للمؤمن أن يكون قد خذل ~~المؤمنين. # قيل له : قد بينا أنه تعالى قد يفعل ذلك على جهة (3) المصلحة ليكونوا الى ~~الطاعة وإلى الزهد فى الدنيا أقرب. # وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم ~~شهداء ) يدل على أن ما فعله هو لضرب من المصلحة ، لكى يتميز المؤمن من ~~المنافق ، ويحصل لبعضهم الشهادة المؤدية إلى النعيم العظيم. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 والله لا يحب الظالمين ) من بعد ، يبين أن ما ~~حصل من الكفار لم يقع لمحبته ، وأنه إذا كان ساخطا فهو إلى الخذلان أقرب ، ~~ليبين أنهم وإن غلبوا فى الظاهر فليس ذلك بنصرة فى الحقيقة. PageV01P164 # 132 مسألة ms103 : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن القاتل لا ذنب له ، ~~فقال : ( @QUR@010 وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) (1) ~~فإذا كان موته بإذنه فلا بد من حصوله فى وقت معلوم ، فلا ذنب لمن قتل. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يدل على أنه ليس لها أن تموت إلا باذن ~~الله ، ولم يذكر تعالى أنها إذا ماتت كيف الحال ، فلا تعلق لهم بالظاهر. # وبعد ، فان الظاهر إنما يدل على أن من يموت حكمه ما ذكره ، ولا يدخل فيه ~~المقتول ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر أيضا من هذا الوجه. # على أنه لا يمتنع ما ذكره القوم ؛ لأن عندنا أن المقتول لا يموت إلا ~~باذنه تعالى (2). والمراد بالإذن هاهنا العلم ؛ لأن أحدا لا يقول : إنه ~~يموت بأمره ؛ لأن الأمر إنما يؤثر فى فعله من طاعة وغيرها ، والموت من قبل ~~الله تعالى. ونقول : إنه « لا يقتل إلا فى الوقت (3) الذى جعله الله أجلا له. # فان قال : فيجب ألا يكون ظالما! # المقالات : 1 / 295 ، شرح الأصول : 782 783. PageV01P165 # قيل له : إنما صار ظالما من حيث أدخل عليه الآلام على وجه الظلم ، فلا ~~فرق بين أن يصادف أجله « أم لا (1)، فى أنه ظالم فى الحالين ، ولو آلمه فى ~~غير الأجل لمنفعة لم يكن ظالما له ، فليس المعتبر فى ذلك مصادفة الأجل ، ~~والمعتبر بصفة الألم الذى فعله. # وإنما أراد تعالى الترغيب فى الثبات على قتال الكفار ، بأن بين أن الموت ~~يحصل لا محالة فى الوقت الذى علم نزوله بالعباد ، وأن امتناع من امتنع من ~~المقاتلة من المنافقين أو من ثبطهم المنافقون لا يؤخر عنهم الأجل ، وهذا ~~ظاهر بحمد الله. # ولذلك قال تعالى من بعد : ( @QUR@06 ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) ~~يعنى رغبة بعضهم فى الغنائم يوم أحد : ( @QUR@06 ومن يرد ثواب الآخرة نؤته ~~منها ) يعنى من شدد فى المقاتلة لما أعد له (2) فى الآخرة. # وبين من بعد أن من أراد الآخرة جمع الله له ما أراده ، فقال : ( @QUR@07 ~~فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) [148] مبينا ms104 بذلك أن فضل ~~النعمة فى جنته للمخلصين العاملين بطاعة الله تعالى ، على كل حال. ### |||| ** 133 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده تعالى ما يدل على أن ما لحق المؤمنين يوم أحد من ~~انصرافهم عن الكفار ، من قبله تعالى ، فقال : ( @QUR@04 ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم ) (3). PageV01P166 # والجواب عن ذلك : أنه لو تولى صرفهم على ما يقتضيه الظاهر (1) لم يكن ~~ليذمهم بما ذكره من قبل ، وقد قال : ( @QUR@013 حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) يعنى يوم بدر (2) ( @QUR@08 منكم ~~من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) فأضاف أفعالهم إليهم (3) وذمهم بها ~~، وبين أن التنازع كان من قبلهم ، وأنهم عصوا بذلك من حيث لم يثبتوا على ما ~~رسم لهم الرسول صلى الله عليه فى المحاربة وعدلوا عنه رغبة فى الغنائم ، ~~وأنهم فعلوا ذلك و (4) قد عظمت نعمة الله عليهم يوم بدر ، ليبين لهم (5) أن ~~المعصية تقع لمكان تقدم النعمة ، فلما بين ذلك أجمع ، ذكر أنه صرفهم عنهم ، ~~من حيث لم يلطف لهم ولا أعانهم. كفعله بهم (6) يوم بدر ، لأنهم لما عصوا ~~كان الصلاح التشديد عليهم بترك المعونة ، فصار قوله : ( @QUR@03 ثم صرفكم ~~عنهم ) كالجزاء على ما تقدم ذكره من معاصيهم ، ولا يكون ذلك الا والمراد ما ~~قلنا. « ولذلك قال (7): ليبتليكم : يعنى ليمتحنكم ؛ لأن لله تعالى أن ~~يمتحن العباد بما يكون نفعا لهم فى العاقبة وإن كان يضر ويغم فى الحال ، ~~ولو كان تعالى خلق الصرف PageV01P167 # فيهم لم يصح أن يكون مبتليا لهم به ؛ لأن ذلك انما يصح فى الألطاف التى ~~يختار المؤمن عندها (1) الطاعة دون غيرها. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@03 ولقد عفا عنكم ) يدل على أنهم عصوا ، ولو ~~كان انصرافهم عن الكفار من فعله تعالى لم يكن للعفو معنى. # ثم بين تعالى أن له الفضل على المؤمنين على كل حال ؛ لأنه إذا عفا عمن ~~عصى منهم ، وأثاب من لم يعص ، فقد شملت نعمته الكل. ### |||| ** 134 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه تعالى فعل فى المؤمنين الهزيمة يوم أحد ~~فقال ms105 : ( @QUR@03 فأثابكم غما بغم ) [153]. # والجواب عن ذلك : أن هذا الكلام لا ظاهر له. فإنما يدل على أنه تعالى ~~ألحقهم غما بغم ، وليس للأفعال فيه ذكر ، وليس فعلهم هو الغم بنفسه ، ~~وتسمية الغم إثابة مجاز فيما يعلم بالتعارف. وقوله تعالى ( @QUR@02 غما بغم ~~) لا بد فيه من اتساع. وما هذا حاله لا يصح التعلق بظاهره. # والمراد بذلك : أنه تعالى ألحق قلوبهم غما بعد غم ، « وكرر ذلك عنهم عند ~~(2) فشلهم ومعصيتهم ؛ لأنه تعالى إنما يضمن لهم النصرة بشرط استمرارهم على ~~الطاعة ، فلما خالف بعضهم أمر الرسول صلى الله عليه رغبة فى الغنائم ألحقهم ~~الغموم لما علم من الصلاح ، ولما تكرر الغموم وعاقب بعضها بعضا جاز أن يقول ~~غما بغم وأراد : غما مع غم « وبعد غم (3) وهو فى باب الدلالة على كثرته ~~وتضاعيفه آكد من سائر ما ذكرناه من الألطاف. PageV01P168 # 135 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لا صنيع للعبد ~~فقال : ( @QUR@07 يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) « وحقق ذلك بقوله : (1) ~~( @QUR@05 قل إن الأمر كله لله ) [154] # والجواب عن ذلك : أن أول الكلام حكاية عنهم ، وقد ذمهم الله تعالى ، ~~فظاهره يوجب أنهم ليس لهم فيما يسمى أمرا ، صنع. والأفعال إذا سميت بذلك ~~فمجاز (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 قل إن الأمر كله لله ) ظاهره إنما يدل على أن ~~التكليف والأمر هو (3) الذى يختص به ، وليس فيه ذكر الأفعال ، وقد ذمهم ~~تعالى على ذلك بقوله ، من بعد : ( @QUR@022 يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا هاهنا ، قل : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم ) (4) فبين بذلك فساد ما أظهروه فى باب الزهد فى الجهاد ، ورغب ~~تعالى بذلك فى الثبات على الحروب ، وبين أن من كتب عليه القتل على كل حال ، ~~فلن ينفعه التوقف عن الحرب وترك الخروج مع الرسول عليه السلام فى الجهاد. ### |||| ** 136 دلالة : وقوله تعالى فى وصف نبيه عليه السلام : ( @QUR@08 ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك ) (5) يدل على أن أفعال العباد من قبلهم واختيارهم (6)؛ ~~لأنه تعالى لو ms106 خلق فعلهم فيهم لكان حال النبى عليه السلام فى أخلاقه لا يؤثر ~~فى ذلك ؛ لأنه إن فعل فيهم مخالفته فالحال واحدة ، وإن لم يفعل فيهم (7) فكمثل. PageV01P169 # وإنما يصح ذلك بأن يكون العبد مختارا قادرا على الفعل والترك ، فيعلم بأن ~~كون النبى عليه السلام غليظ القلب داعية إلى مخالفته ، وخلاف ذلك يحدوه على ~~القبول منه والتمسك بطاعته. ### |||| ** 137 فأما قوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) [160] فقد بينا أن النصرة من الله ~~تكون بوجوه (1)؛ فلا يصح أن يتعلقوا به فى أن نفس الغلبة من فعله تعالى. ~~وبين أن نصرته متى حصلت لم يجز أن يكون لهم غالب ؛ لأنه إنما ينصر لكى ~~يغلبوا ، فلو جوزنا ، والحال هذه ، أن يغلبوا لأدى إلى ممانعته تعالى. فأما ~~إذا لم يرد أن ينصرهم لضرب من المصلحة فقد يجوز أن يغلبوا ، وقد بينا أنه ~~لا يجوز أن يكون خاذلا لهم من حيث لم ينصرهم. # وشيخنا أبو على رحمه الله يقول فى النصرة : إنها لا تكون إلا ثوابا فلا ~~تفعل إلا بالمؤمنين ، والخذلان لا يكون إلا عقابا فلا يفعل إلا بالكفار. # وأبو هاشم رحمه الله يقول فى الخذلان بمثل قوله ، فأما النصرة فقد تكون ~~عنده بمنزلة الثواب ، وقد تكون لطفا ، وتقصى القول فى ذلك يطول. ### |||| ** 138 وقوله تعالى من قبل : ( @QUR@011 لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ~~ظاهره إنما يدل على أن القتل كتب عليهم ، ولا يمنع ذلك من كون القتل فعلا ~~للقاتل ، كما إذا أخبر أحدنا عن قتله وكتب ذلك لا يؤثر فى كونه قاتلا. PageV01P170 # واعلم أن الخبر والدلالة والعلم بمنزلة سواء فى أنها لا تؤثر فيما تتعلق ~~به ، وإنما تتناوله على ما هو عليه. # ولو أثرت فيه لوجب اذا أخبرنا ودللنا وعلمنا عن القديم تعالى وأوصافه ، ~~أن نكون قد جعلناه على ما هو به بالخبر والدلالة والعلم! # وكان يجب اذا كان فعلنا يقع (1) لأجل علمه تعالى ، ألا يكون لنا فى ذلك ~~صنع البتة وأن يزول الذم والمدح. # وكان لا ms107 يكون العلم بأن يوجب كون المعلوم بأولى من أن يكون المعلوم موجبا ~~للعلم ، لأنه كما يجب أن يكون على ما يتناوله ، فكذلك العلم بأن يكون علما ~~لوقوع المعلوم على الحد الذى يتناوله. وهذا ظاهر الفساد. ### |||| ** 139 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا؟ قل هو من عند أنفسكم ) [165] يدل على أن أفعالهم تقع منهم ، وهم الذين ~~يوجدون ويحدثون ؛ لأنه تعالى لو كان هو الخالق فيهم ، لم يجز أن يقول ~~لرسوله عليه السلام مجيبا لهم عن قولهم : ( @QUR@05 قل هو من عند أنفسكم ) ~~كما لا يجوز أن يجعل ذلك جوابا عن ألوانهم وصورهم إذا هم سألوا عنه وشكوا فيه. # ولا يمتنع أن يكون المراد بذلك : أنهم لما أصابهم يوم أحد من المشركين ما ~~أصابهم ، وقد أصابوهم يوم بدر بأكثر منه ، بين تعالى أن ما كان يوم بدر كان ~~بلطفه ومعرفته ، وأن ما كان (2) يوم أحد انما كان ؛ لأنه تعالى خلاهم ~~ورأيهم ، من حيث PageV01P171 # لم يثبتوا على الطاعة فى المجاهدة ، لكن هذا وإن احتمله الكلام فالظاهر ~~ما قدمناه. # وعلى الوجهين جميعا يدل على ما نذهب إليه. ### |||| ** 140 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) [166] لا يجوز أن ~~يتعلقوا بظاهره ؛ لأن الإذن ان أريد (1) به الأمر لم يصح ؛ لأنه تعالى لم ~~يأمر بما أصابهم يوم أحد من المشركين ، لأن ذلك معصية فلا بد من أن يحمل ~~على أن المراد به العلم والتخلية ، كأنه تعالى بين أنه لم يكن ليصيبهم ذلك ~~إلا وهو عالم به ، ولمكان معصيتهم خلاهم ووكلهم إلى أنفسهم ، « فلم ينصرهم ~~(2) حتى نالهم ، وان كان فيه مصلحة. على ما بينا. ### |||| ** 141 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه فى مكان ، فقال : ( @QUR@013 ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [169] # والجواب عن ذلك قد تقدم من قبل (3)، لأنا قد بينا أن هذا الكلام قد يطلق ~~والمراد به غيره ، وأن ذلك تعارف ظاهر. # وقد قال شيخنا أبو على رحمه ms108 الله : ان المراد به أنهم أحياء فى معلومه ، ~~كما يقول أحدنا لصاحبه : لا تظنن أن الأمر كما تقوله ، بل هو كذا وكذا عندى ~~، وعند الله! وإنما يعنى بذلك أنه كذلك فى معلومه ، وهذا هو (4) ظاهر ~~الكلام فلا تعلق لهم به. PageV01P172 # وعنده رحمه الله : (1) أن الشهداء كانوا فى حال هذا الخطاب أحياء فى ~~الحقيقة ويرزقون ، على ما يقتضيه ظاهر الخطاب ، لأنه لا ضرورة توجب ترك ~~ظاهره ، وقد دل رحمه الله على أن هذا هو المراد ، بأنه تعالى بشر رسوله ~~عليه السلام به ولو كان المراد بقوله ( @QUR@04 بل أحياء عند ربهم ) الإشارة ~~إلى حال الحشر لم يكن للشهداء فيه اختصاص ، ولا عد ذلك من البشارات ، لأنه ~~(2) معلوم فيهم وفى غيرهم. ### |||| ** 142 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لا يريد الإيمان من الكفار ، بل ~~يريد (3) الكفر ، فقال : ( @QUR@019 ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم ~~لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) [176] فبين أنه ~~يريد ألا يكون لهم حظ ، وذلك يقتضى أنه يريد منهم الكفر وأن يصيروا إلى جهنم. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يريد ألا يجعل لهم حظا ، وليس فيه ~~ذكر الكفر ، بل يتناقض ظاهره إن لم يحمل على ما نقوله (4)، لأن المريد لا ~~يريد فى الحقيقة أن لا يكون الشيء ، وإنما يريد حدوث الشيء وكونه ، فلا بد ~~من اثبات حذف فى الكلام. فإذا لم يعلم ما ذلك المحذوف لم يكن له ظاهر يتعلق ~~القوم به. # والمراد بذلك : أنه تعالى بين أنهم كفروا وسارعوا إلى الكفر ، وبين أنهم ~~لن يضروا بذلك إلا أنفسهم. ثم قال من بعد : إنه تعالى يريد وقد PageV01P173 # تقدم منهم الكفر أن يعاقبهم فى الآخرة. وهذا قولنا ، لأنه يريد عقاب ~~الكفار على سبيل الجزاء بعد وقوع الكفر منهم. ولو لا أن الأمر على ما قلناه ~~لم يكن ليعزى الرسول عليه السلام بذلك ، ولا كان له (1) فيه سلوة. # ثم يقال للقوم : كيف يصح أن ينسب تعالى المسارعة إلى الكفر إليهم ms109 وهو ~~تعالى خلقه فيهم. وكيف يصف ذلك بأنه ضر لهم إن كان تعالى أضرهم به؟ وكيف ~~يقول : ( @QUR@03 ولهم عذاب أليم ) (2) وهو الذى « صيرهم فيه (3) ### |||| ** 143 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد من الكفار الزيادة فى الكفر ~~، فقال : ( @QUR@014 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما ) [178] وكما يدل قوله : ( @QUR@06 وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) (4) على أنه أرد من جميعهم العبادة ، فكذلك هذا يدل ~~على أنه (5) أراد زيادة الكفر. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه أراد الكفر ، وإنما يدل على ~~أنه أراد العقوبة ؛ لأن ظاهر الإثم منبئ عن الجزاء ، لا عن نفس الفعل ، فى ~~التعارف ، ونحن لا نمنع من أن يريد تعالى ذلك ، وإنما نأبى إرادته الكفر ~~وسائر المعاصى. # وبعد ، فإن هذه اللفظة قد يراد بها العاقبة « كما تدخل بمعنى كى فى ~~الكلام (6)، وقد قال تعالى : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا ) (7) من حيث كان إلى ذلك مصيره ، فهو المراد بقوله : ( @QUR@03 أنما ~~نملي لهم PageV01P174 # @QUR@02 ليزدادوا إثما ) لأنه تعالى لو مد لهم فى العمر لأجل ذلك لكان ~~ظالما لهم ؛ لأنه أراد أن يكفروا ويدخلوا النار. وكيف يصح ذلك وهو يرغب فى ~~الإيمان بكل وجوه الترغيب ويزجر عن الكفر بكل وجوه الزجر؟! # والمراد بالآية : أن حال الكفار فيما اختاروه فى عمرهم ليس بخير لهم من ~~حال المؤمنين الذين ثبتوا على الجهاد ، لأن من نافق وثبط عن الجهاد ليس ~~حاله كحال من ثبت عليه ورغب فيه. # ثم قال من بعد : إنما نمد لهم فى العمر ، وإن علمنا أنهم يستمرون على ~~الكفر ، لكى يصلحوا ، لأن الآية (1) واردة فى باب الجهاد ، فيجب أن تكون ~~محمولة على ما قلناه. ### |||| ** 144 وقوله تعالى « من بعد (2) ### |||| ** : ( @QUR@014 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب ) (3) لا يدل على أنه الذى يجعلهم بهذه الصفة ؛ لأن تميز المنافق من ~~المؤمن ليس هو بفعل النفاق والإيمان ، وإنما هو بالبيان والدلالة ، فكأنه ~~تعالى ms110 فعل من الألطاف ما يميز به حال المنافقين ؛ لئلا يركن إليهم ويقبل ~~منهم ما يأتون به من التزهيد فى الجهاد والتثبيط عنه. ### |||| ** 145 دلالة : قوله تعالى : ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) (4) قد يدل على أن ~~الظلم من فعل العباد ، لأنه قد تنزه بهذا الكلام عن الظلم ، PageV01P175 # فلو كان جميعه من قبله تعالى لم يصح ذلك ؛ لأنه تمدح بذلك. ولا يصح ذلك ~~وهو الخالق لجميع الظلم. # فإن قال : إنما نفى أن يكون ظالما للعبيد ، ولم ينف نفس الظلم (1) # قيل له : لا يخلو من أن يكون قد تنزه عن أن يسمى بذلك ، أو تنزه عن الظلم ~~، ولا يجوز أن يحمل على الاسم ، فليس إلا أنه تنزه عن فعل الظلم والإكثار ~~منه ، ولا يجرى هذا مجرى نفيه أن يتخذ الصاحبة والولد أو تأخذه السنة ~~والنوم ؛ لأن هناك تنزه عما لا يجوز على ذاته ؛ لأن إضافة تلك الأمور إلى ~~من تضاف إليه يكون من جهة الفعلية ، فالتنزه بنفيه (2) يجب أن يقع على هذا ~~الحد (3). # ومما يبين ذلك أنه تعالى أضاف إلى العبد جناياته وبين أنه لا يجازيه ~~عليها إلا بالحق ، ثم قال هذا القول ، فقال ( @QUR@022 لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) (4) ثم قال : ( @QUR@04 ذلك بما قدمت ~~أيديكم ) مبينا بذلك أنه أذاقهم العذاب بما كان منهم من قتلهم ، وحقق ذلك ~~بقوله : ( @QUR@05 وأن الله ليس بظلام للعبيد ) ولو كان هو الذى خلق فيهم « ~~هذا القول وخلق فيهم (5) قتل الأنبياء لم يصح « أن يقول ذلك ، ولا كان فيه ~~زيادة فيه فى توبيخهم (6) وتأكيد ما كان منهم. PageV01P176 # 146 دلالة : قوله تعالى : ( @QUR@011 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ~~وما للظالمين من أنصار ) [192] يدل على أن الظالم لا تلحقه شفاعة رسول الله ~~صلى الله عليه ، ولا يتخلص من النار إذا مات على ظلمه وإصراره. # فان قالوا : إنما أراد : من أدخل النار من الظالمين لا ناصر له ، ونحن ~~نقول إنهم بشفاعته لا يدخلون النار ms111 أصلا # قيل له : إن قوله : ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) مستقل بنفسه فلا ~~يجب أن يختص لأجل ما تقدمه. # وبعد ، فليس فيما تقدم دلالة على أنهم دخلوا النار ، وإنما قال : ( ~~@QUR@07 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) وقد يقال ذلك فيمن لم يدخل ~~النار ، بل هو الأظهر فى الكلام ، لما يدل عليه من الاستقبال ، فلا يصح إذا ~~ما سألوا عنه. # * * * # ( م 12 متشابه القرآن ) PageV01P177 ### | ومن سورة النساء ### |||| ** 147 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@013 إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [10] يدل على أن الفاسق من أهل الصلاة ~~متوعد بالنار ، وأنه سيصلاها لا محالة ما لم يتب ؛ لأن الذى يأكل أموال ~~اليتامى ليس هو الكافر فلا يصح حمله عليه. ويجب كونه عاما (1) فى كل من هذا ~~حاله ، والأغلب ممن يوصف بذلك أن يكون من أهل الصلاة ، وأقل أحواله أن يدخل ~~الجميع فيه ، فيجب أن (2) يقال بعمومه. # فإن قال : وكيف يأكل مال اليتيم ظلما؟ # قيل له : لأن أكله له إتلاف ، فإذا أتلفه وأبطله فهذا الوجه (3) ليس ~~القصد به النفع لليتيم ، فهو ظالم له (4)، فسواء حملته على الأكل الذى ~~يقتضيه الظاهر ، أو قلت : إنه ذكر الأكل وأراد به سائر وجوه الإتلاف ، ~~فدلالة الآية على ما تدل عليه واجبة. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنما يأكلون في بطونهم نارا ) تفخيما لهذا الأمر ~~وتعظيما لموقع الجناية فيه على جهة العاقبة ، كأنه تعالى قال : إنه وإن كان ~~طيبا فى الحال لذيذا فمن حيث يؤدى إلى النار ؛ كأنه بهذه الصفة فى الحال. ### |||| ** 148 دلالة : وقوله تعالى بعد ذكر المواريث وما حد فيه (5): ( @QUR@010 ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) (6) يدل على أن PageV01P178 # من فعل ذلك من أهل الصلاة يخلد فى النار ما لم يتب. # فإن قال : فليس فيه ذكر التوبة ، فيجب أن يكون مخلدا فى النار وإن تاب. ~~قيل له : إن اشتراط التوبة معلوم بالعقل ؛ لأنه تعالى لا يجوز أن يعاقب من ~~بذل مجهوده فى تلافى ما كان منه ، كما لا يحسن ممن « أسىء ms112 إليه وقد (1) بذل ~~المسيء مجهوده فى الاعتذار على الوجه الصحيح أن يذمه. وما دل العقل (2) على ~~اشتراطه هو فى حكم المتصل بالقول ، وان كان تعالى قد بين كونه شرطا فى مواضع. # فإذا صح ذلك جعلناه مشروطا ، وحملنا الكلام فيما عدا ذلك على ظاهره # فإن قال : فإنه تعالى إنما توعد من يعصى ويتعدى (3) الحدود ، ومن هذا ~~حاله ، بأن تعدى جميع الحدود ، لا يكون إلا كافرا ، فلا يصح تعلقكم ~~بالظاهر! # قيل له : إن الظاهر « يقتضى أن من تلحقه سمة العاصى ويوصف بأنه قد تعدى ~~الحدود يحله فى النار. ومن تجاوز من حدود الله أقل الجمع يقع هذا الاسم ~~عليه ، ولا يجب بذلك أن يكون كافرا ، فالتعلق بالظاهر (4) صحيح. # وبعد ، فإن من لم يتمسك بكل حدود الله وخرم منها واحدا ، يقال : قد تعدى ~~حدود الله ، لأن تعديها هو ترك المحافظة بها. ولا فرق فى ذلك بين واحدها ~~والكثير منها. وهذا يوجب أنه إذا عصى معصية واحدة لحقه الوعيد. # فإن قال : فيجب فى صاحب الصغيرة أن يكون من أهل الوعيد ، لأنه قد عصى ~~وتعدى الحدود! # قيل له : العقل قد دل على أنه لا يستحق العقوبة ، ولا يجوز أن يتوعد ~~تعالى بالعقاب من (5) لا يستحق العقوبة. PageV01P179 # 149 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يمنع من التوبة وقد ~~لا يقبلها ، فقال : ( @QUR@019 وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ... ) [18] # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل إلا على أن التوبة ليست لمن يعمل ~~السيئات وقد حضره الموت ، وليس فيه بيان كيفيتها ولا الوجه الذى لأجله ليس ~~له توبة. # والمراد بذلك : أن من عمل السيئات وحضره الموت وصار عند المعاينة عارفا ~~بالله ضرورة وملجأ إلى أن لا يفعل المعصية ، لم تكن له إذ ذاك التوبة ، لأن ~~من حق التوبة أن تسقط العقاب إذا كان التائب متمكنا من فعل أمثال ما تاب ~~منه ، ولو أن العاجز عن أفعال الجوارح اعتذر إلى من قتل ms113 ولده « من قتل ولده ~~(1)، لم يجب قبول اعتذاره فى العقل ، لأنه قد خرج من أن يكون متمكنا من ~~ذلك. ولهذا لا يقبل تعالى توبة أهل النار وإن ندموا على ما كان منهم لما ~~كانوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح ، مضطرين إلى معرفته تعالى ، ولذلك ~~سوى تعالى بين أن يتوبوا فى حال المعاينة وبين أن يموتوا على كفرهم ، مبينا ~~بذلك أن العقاب قد حق على الجميع. # وهذا يدل على أنه تعالى قد مكن وأزاح العلة فى التوبة ، وأنه يقبلها لا ~~محالة فى أحوال السلامة ، فهو بالضد مما ظنوه فى باب الدلالة. PageV01P180 # ثم يقال للقوم : إنه تعالى لو كان يخلق التوبة فى التائب مع السلامة ، ~~وكذلك (1) فى حال المعاينة ، لم يكن ليفصل (2) إحدى حالتيه من الأخرى ، ~~فيجوز أن يقبلها فى حال دون حال ، وإنما يصح ما ذكره تعالى إذا كان العبد ~~هو الفاعل لها ، فمتى (3) اختارها مع السلامة قبلت وسقط عقاب فاعلها ، وإذا ~~اختارها والحال ما قلناه لم يعتد بها لورود الإلجاء والاضطرار اللذين ~~يخرجان فعله عن الصحة ، وعن أن يستحق به المدح. ### |||| ** 150 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@04 يريد الله ليبين لكم ).. [26] يدل على أنه تعالى ~~قد أراد البيان والأدلة ، ومن حق الدلالة « ألا تكون دلالة إلا (4) وفاعلها ~~قد أراد من المستدل أن يستدل بها ، ولذلك لا يوصف اللص بأنه قد دل على نفسه ~~بأثره ، لما لم يرد ذلك ، فيجب أن يدل (5) ما ذكرناه على أنه تعالى أراد من ~~جميع من أراد أن يبين لهم أن يستدل ويتبين ، وفى ذلك إبطال قولهم إنه لم ~~يرد ذلك ممن أعرض وتولى. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~) (6) يدل على مثل ما ذكرناه ؛ لحق العطف الذى فيه. ### |||| ** 151 دلالة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@021 والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا ) [ 27 28 ] يدل على أنه تعالى يريد PageV01P181 # الطاعة من العباد دون المعاصى ؛ لأنه تعالى أضاف إرادة ms114 الميل الواقع من ~~العاصى إلى غيره ، وأضاف إرادة التوبة إليه ، وامتن بأنه تعالى أراد ~~التخفيف علينا. ولو كان قد أراد الكفر لم يصح هذا الامتنان. # ومن وجه آخر ، وهو أن من يريد الله منه التوبة فى المستقبل لا بد من أن ~~يكون عاصيا فى الحال ؛ لأنه تعالى لا يريد ممن لم يعص البتة أن يتوب ؛ لأن ~~التوبة هى الندم على ما كان منه ، ولا يصح الندم على الطاعة والحسن ، وإنما ~~يصح أن يريد التوبة فى المستقبل من الكافر والفاسق ، فلو كان تعالى يريد أن ~~تتجدد المعصية فيهم حالا بعد حال ، لم يصح أن يصف نفسه بأنه يريد فيهم خاصة ~~أن يتوب عليهم. ### |||| ** 152 دلالة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@037 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما ، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على ~~الله يسيرا ) [ 29 30 ] فدل تعالى على أن من يفعل أكل المال بالباطل وقتل ~~النفس (1) يدخله النار لا محالة ، وقد يوصف بذلك الفاسق من أهل الصلاة ، ~~كالكافر ، فيجب حمل الآية على العموم ، ومعقول من حال الكلام أنه يريد ~~النهى عن أن يأكل بعضنا أموال بعض ، لأن من ملك المال لا ينهى عن أكله ، ~~والوعيد وارد عليه على (2) الحد الذى وقع النهى عنه ، فليس لأحد أن يتعلق بذلك. # فأما قتل النفس فالنهى يتناول فيه أن يقتل بعضنا بعضا و (3) أن يقتل نفسه ، PageV01P182 # وكلاهما سواء فى صحة النهى فيهما ، فإن حمل على الأمرين ورد الوعيد ~~عليهما جميعا. # وإنما قال العلماء إن المراد به : ولا يقتل بعضكم بعضا ، من حيث ثبت أن ~~الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، فلا يصح وحاله هذه أن ينهى عن القتل ، ~~فيجب إذا صرف النهى إلى الوجه الثانى ، والوعيد إنما ورد على هذا الحد. فكل ~~ذلك لا يؤثر فى صحة دلالة الآية على ما ذكرناه. ### |||| ** 153 وقوله تعالى عقيب ذلك : ( @QUR@09 إن تجتنبوا كبائر ما ms115 تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ).. [31] يدل ~~على أن من لم يجتنب الكبائر لا تكفر سيئاته ، من حيث جعل اجتنابها شرطا فى ~~تكفير السيئات. وهذا يدل على أن من ارتكب الكبائر فهو من أهل النار ، وإنما ~~يغفر تعالى الصغائر لمن اجتنبها. # وذكر هذه الآية عقيب ما تقدم من أكل المال بالباطل وقتل النفس ، يدل على ~~أن ذلك من الكبائر ، فليس لأحد أن يحمله على أن المراد به الكفر دون غيره ، ~~وكيف يصح ذلك وقد ثبت فى الشريعة فى كثير من المعاصى أنها كبائر ، كعقوق ~~الوالدين ، والزنا ، وشرب الخمر ، والقتل ، إلى ما شاكله (1). ### |||| ** 154 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه هو الذى يفعل الإصلاح بين ~~الزوجين فقال : ( @QUR@017 وإن خفتم شقاق بينهما ، فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ). [35] PageV01P183 # فبين أنه يوفق (1) بينهما إذا أراده الحكمان. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@03 يوفق الله بينهما ) لا ~~يدل (2) على أنه الفاعل لما يؤثر أنه من الصلاح ، لأن قول القائل : وفق ~~فلان بين فلان وفلان ، إنما يدل على أنه فعل التوفيق ولا يدل على غيره ، ~~كما إذا قيل ضرب بينهما ، دل على أنه فعل التضريب دون فعلهما ، فلا يصح ~~تعلقهم بالظاهر. # واعلم أن « التوفيق ) هو اللطف إذا اتفق عنده من العبد الطاعة والإيمان ~~(3) ويقال لفاعله عند ذلك ، إنه قد وفقه ، وإن كان من قبل لا يوصف بذلك ، ~~كما يوصف فعل زيد بأنه موافقة إذا تقدم فعل عمرو ، ولولاه لم يوصف بذلك ، ~~فمتى وصفناه تعالى بأنه وفق العبد فالمراد أنه فعل لما يدعوه إلى اختيار ~~الطاعة ، وأنه اختاره ، فوافق وقوعه ما فعله تعالى ، واتفقا فى الوجود ، ~~فصار تعالى موفقا وصار هو موفقا. # فإذا صح ذلك فيجب أن يكون المراد بقوله : ( @QUR@03 يوفق الله بينهما ) ~~أنه تعالى عند إرادتهما الإصلاح ، يفعل من الألطاف ما يدعو إلى قبولهما ، ~~فمتى قبلا كان موفقا بينهما ، فكيف يصح تعلق القوم بهذا الظاهر؟ # ثم يقال للقوم : إن الآية بكمالها تؤذن ببطلان قولكم ms116 ، لأنه تعالى إن كان # وقد عرف القاضى (التوفيق ) بقوله : (وأما التوفيق فهو اللطف الذى يوافق ~~الملطوف فيه فى الوقوع ، ومنه سمى توفيقا. وهذا الاسم قد يقع على من ظاهره ~~السداد ، وليس يجب أن يكون مأمون الغيب حتى يجرى عليه ذلك ). شرح الأصول ~~الخمسة : 779 780. PageV01P184 # يفعل شقاق بينهما فنصب الحكمين فى ذلك عبث ، وإرادتهما الإصلاح كمثل ، ~~لأنه متى فعل ذلك حصل (1) ما بينهما من الشقاق ، كان ذلك من الحكمين أو لم ~~يكن ، و (2) إن لم يختر تعالى ذلك فيهما لم يحصل بينهما شقاق كان الحكمان ~~وإرادتهما الصلاح أو لم يكونا ، فما الفائدة على قولكم فى بعثة الحكمين ~~ونصبهما وإرادتهما الصلاح؟ ويجب ألا يكون للتوفيق معنى ، لأنه تعالى إن خلق ~~فيهما قدرة الشقاق ، فلو فعل من الألطاف ما لا نهاية له لم يقع منهما ~~الإصلاح ، وإن لم يخلق ذلك وقع ، فما الفائدة فى التوفيق؟ # وكيف يجوز أن يعلق التوفيق بإرادة الصلاح على مذهبهم ، وإنما يجب أن يكون ~~موقوفا على خلق قدرته تعالى فيهما على ذلك ، لأنه إن لم يخلقها (3) لم يوجد ~~التوفيق وإن أرادا (4) الإصلاح ، وان خلقها وجد وان لم يريدا (5)، فكيف ~~يجعل ذلك كالشرط؟ وإنما يصح ذلك على قولنا من حيث قد علم من حال المكلف أنه ~~قد يختار الأفعال عند دواع وأغراض ، وقد تكون من فعله ومن فعل غيره ومن خلق ~~الله تعالى ، فإذا علم تعالى ذلك من حاله صح أن يخبر عنه. ### |||| ** 155 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@010 إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ) ~~.. [40] دل على أنه تعالى لا يختار فعل القبيح على وجه من الوجوه ، لأن ذلك ~~مبالغة فى نفى القبائح عنه وتنزيهه عن الظلم. وقد بينا القول فى ذلك ~~وشرحناه (6)، ومن عجيب الأمور أن ينزه نفسه عن « أن يظلم (7) PageV01P185 # مثقال ذرة ، وكل ظلم فى العالم لا يكون إلا من قبله. # فإن قال : إنه نزه نفسه عن أن يكون متفردا! # قيل له : ليس فى الآية تخصيص ، فيجب أن تحمل على العموم. # وبعد ، فإن المقصد بها التمدح ms117 ، ولا تمدح فى أنه لا ينفرد بالظلم ويفعل ~~كل ظلم يقع من العباد!!. # على أن قولهم فى الظلم يضاد ذلك ؛ لأن أحدنا اذا قتل غيره أو ضربه ، ~~فالظلم هو ما وجد من الألم فى جسم المضروب والمقتول ، وعندهم أن الله تعالى ~~تفرد بذلك ، الا أن يتجاهلوا فيقولوا : إن ذلك ليس بظلم فى الحقيقة وإنما ~~الظلم هو حركات يده ، وهذا جهل ، لأنها لو انفردت لم تكن ظلما ، ولو انفردت ~~تلك الآلام لكانت ظلما. # وبعد ، فلو سلم لهم أن العبد له فى الظلم صنع لم يخرج ذلك الظلم عن أن ~~يكون منسوبا إلى الله تعالى ، لأنه فعل من القدرة ما لولاه لم يقع ، ولأنه ~~خلق الظلم على وجه لو لا خلقه لم يصح من العبد أن يكتسب ، فيجب أن تكون ~~إضافته إلى الله أحق من إضافته إلى هذا العبد الذى لا يصح منه أن ينفرد به ~~ولا أن يحدثه ، ولا أن ينفك منه ومن القدرة عليه ، ولو أن الواحد منا فعل ~~فى يد الضعيف الظلم والقتل ، لم يجب أن يضاف ذلك الى الضعيف دون القوى الذى ~~حرك يده. ### |||| ** 156 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لاكتساب العبد ، فقال : ( ~~@QUR@04 وكان أمر الله مفعولا ) [47] وإنما أراد بأمره مأموره. PageV01P186 # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الأمر يتناول القول المخصوص ، وإنما يدل ذلك ~~على أن أقواله تعالى هى أمر مفعوله ، وأن كلامه محدث فتعلقهم بالظاهر لا ~~يصح. وحمل الأمر على أن المراد به المأمور ، مجاز. # وبعد ، فإن ظاهر الكلام يقتضى أن أمره مفعول. ولو حملناه على المأمور ~~لكان فيه ما يكون مفعولا وفيه خلافه ، فحمله على ما يؤدى الى توفية الكلام ~~حقه أولى. # ولو حملناه على أن المراد به الأمر الذى هو الفعل ، لوجب أن يحمل على (1) ~~أفعاله تعالى ، للإضافة الحاصلة فيه ، دون أفعال العباد (2). ### |||| ** 157 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يغفر ، ما دون الشرك والكفر ، لأهل ~~الكبائر من أهل الصلاة ، فقال (3): ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك ms118 به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (4) [48]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنه لا يغفر الشرك قطعا ؛ لأن ~~الخبر فيه غير مشروط ، وأن ما دون الشرك يغفره (5) لمن يشاء ، وهذه اللفظة ~~إذا دخلت فى الكلام اقتضت فيه الإبهام والاحتمال ؛ لأن أحدنا إذا قال : لا ~~أؤاخذ أهل العلم بذنوبهم وأؤاخذ غيرهم من أشاء ، لم يعلم بكلامه إلا ما صدر ~~بذكره ، ووجب التوقف فيما ثنى بذكره. PageV01P187 # فإن قال (1): فيجب أن تجوزوا أن يغفر تعالى الكفر الذى ليس بشرك!! # قيل له : إنه أراد بالشرك كل أنواع الكفر ، وذلك هو المتعارف فى الشرع ~~وإن كانت اللغة بخلافه ، كما نقول فى الأسماء الشرعية. # ولا خلاف أيضا فى أن جميع أنواع الكفر لا تختلف فى هذا الباب ، وإنما ~~اختلفوا فى بعض أنواعه من حيث اعتقد فيه بعضهم أنه ليس بكفر أصلا ، كما ~~يقوله أصحاب المعارف فى الشك والجهل بالله تعالى (2). # فإن قال : فيجب أن يدل الظاهر على تجويز غفران من ليس بكافر. # قيل له : هذا لا يقال إن الظاهر يدل عليه ؛ لأن هذا التجويز هو شك ، ولا ~~يجوز أن يستدل بكتاب الله تعالى على الشك ، فتجويز غفران ما دون الشرك قد ~~كان فى العقل ، من حيث فقدنا الدليل على أنه تعالى يعذبهم قطعا ، والآية ~~وردت ناقلة لنا فى الشرك عن حكم العقل ، مبقية فيما دون الشرك ، على ما كنا ~~عليه ، فيجب أن ينظر : فإن كان فى السمع ما يدل على أنه تعالى يعاقب غير ~~الكفار فيجب أن يقال فيه ، ولا يصح فى هذه الآية « أن تكون مانعة ، كما # وينسب القاضى إليهم هنا وقد رد على نظريتهم مطولا فى المغنى أنهم لا يرون ~~الشك والجهل بالله تعالى من الأمور المكفرة ، بناء على مذهبهم هذا ، لأن ~~المعاند قد نظر فعجز عن إدراك الحق وبقى على غير ملة الاسلام ، وهذا ما ~~نسبه الغزالى إلى الجاحظ وفصل القول فيه. انظر : المغنى 12 / 316 فما بعدها ~~الملل والنحل 1 / 90 ، 94 المستصفى 2 / 106. PageV01P188 # لا يصح ذلك فى طريقة ms119 العقل. وإنما المقصد بما ذكرناه أن تخرج هذه الآية ~~من (1) أن يكون للقوم فيها تعلق ، لا أنا ندعيها دلالة لنا. # والمراد بذلك : أنه تعالى يغفر لأهل الصغائر ، من حيث بين ذلك بقوله ~~تعالى : ( @QUR@09 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) (2) ~~فخبر بأنه إنما يكفرها بشرط اجتناب الكبائر ، وذلك يوجب حملها على الصغائر ~~دون الكبائر (3). ### |||| ** 158 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بالفضل من يستحق المدح ، ~~فقال : ( @QUR@011 ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) [49]. # والجواب عن ذلك : أن التزكية تفيد المدح والإخبار عن الأحوال الحسنة ~~للمزكى ، ولا تدل على أفعاله ، فهو تعالى يزكى ، بمعنى أنه يخبر عن أحوالهم ~~، وما اختصوا به من الفضائل ، ولا يدل ذلك على أنه الخالق لأفعالهم. # وإنما أراد تعالى المنع من تولى الإنسان مدح نفسه على الافتخار وبين (4) ~~أنه تعالى يزكيهم « وقد يجوز أن يراد بذلك أن تزكيتهم (5) من حيث لا تؤثر PageV01P189 # يصير وجودها كعدمها ، وأنه تعالى هو المزكى من حيث ثبتت بتزكيته الأحوال ~~التى أخبر عنها. # وهذا كما يقول الواحد منا لغيره إذا ذم شاهدا ونسبه إلى الكذب : ما الذى ~~ينفع من تزويرك ، إنما التزوير للحاكم ، من حيث كان ذلك هو الذى يقتضى ثبات ~~ذلك الأمر دون قول غيره. ### |||| ** 159 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يعاقب من لا يستحق ، فقال : ( ~~@QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ... ) [56] ~~فبين أنه يعذب الجلود المبدلة التى لم تكن له فى حال معصيته! # والجواب عن ذلك : أن المعذب هو صاحب الجلد ، دونه ، وليس فى الظاهر دلالة ~~على أنه يعاقب من غير استحقاق. والمراد عندنا أنه يعيد طراوة الجلد لكى ~~يتجدد من العذاب مثل الذى كان ميتا ، كذلك أنه يديم العذاب عليهم على حد ~~واحد ، ولو لا أنه تعالى يفعل ذلك لاحترق الجلد وصار بحيث تبطل عنه الحياة ~~، ويستحيل أن تلحقه الآلام ، ولا يمتنع إذا جعله كذلك أن يقال : إنه بدل ~~الجلد بغيره كما ms120 يقال فى الماء إذا صار عذبا بعد ملوحة : إنه تغير وانه غير ~~الذى عهدنا. وهذا ظاهر فى اللغة. # قال شيخنا أبو على رحمه الله : ولو أراد تعالى بذلك أنه يخلق لهم جلدا بعد ~~جلد ، لأدى إلى أن يعظم جسمهم حتى لا تسعهم النيران ، لأن ذلك إذا فعل أدى ~~إلى ما لا نهاية له ، فلا بد أن (1) يبلغ حالهم فى العظم ما ذكرناه ، وذلك ~~مما لا يصح PageV01P190 # وقوى به هذا التأويل ، وأفسد به قول من تأوله : على أنه تعالى يعيد جلدا ~~بعد جلد سوى جلودهم. # ولا يمتنع أن يصحح ذلك بأن يقال : إنه تعالى يعيد جلدا بعد جلد ، ويدع ~~الجلد (1) الأول يحترق ويتفرق ، فيصير من أجزاء النيران ، فلا يؤدى (2) ذلك ~~الى ما ذكره رحمه الله ، ويصح كلا التأويلين. # فأما قول من ظن أن الجلد يعاقب ، أو له مدخل فى الباب ، فبعيد ، لأن ~~الجملة هى المستحقة للذم والمدح ، ولذلك (3) يحسن منا مدح السمين بعد ~~النحافة على فعله المتقدم ، ولذلك جوزنا فى يد السارق أن تعاد ، إذا تاب ~~(4)، وهو فى الجنة. # وعلى هذا الوجه يصح ما تظاهرت فيه الرواية عن رسول الله صلى الله عليه من ~~أنه يعظم أجسام أهل النار ، إذا هو عاقبهم (5)، ولو وجب أن يعتبر بأجزاء PageV01P191 # العاصى لم يصح ذلك ، وهذا بين. ### |||| ** 160 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@08 وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) [64] ~~يدل على أنه تعالى أراد من المبعوث إليه طاعة الرسول عليه السلام ، من حيث ~~بين أنه أرسله لكى يطاع ، وهذا كما دل الظاهر عليه يدل عليه العقل ، لأنه ~~تعالى لا يجوز أن يكون قصده بإرسال النبى منفعة الخلق ويريد من بعضهم أن ~~يعصيه ويكذبه ويستخف بحقه ، لأن ذلك ينقض الغرض الذى ذكرناه بالبعثة. وإنما ~~يجوز ما قاله القوم متى كان غرضه بالبعثة أن يضل قوما ويهدى آخرين ، فأما ~~إذا كان الغرض الطاعة من جميعهم ، بإرساله ، سواء ، فلا بد من أن يريد من ~~كلهم أن يطيعوه. # وقوله : ( @QUR@02 بإذن الله ) يجوز أن يراد به : بأمره (1)، لأنه تعالى ~~قد ms121 أمر أن تطاع رسله ، ولم يبعثهم إلا لهذه (2) العلة. ### |||| ** 161 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يجوز أن يكلف تعالى عباده ما لا ~~يستطيعون (3)، فقال : ( @QUR@016 ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ... ) [66] وقتل النفس هو بمنزلة ~~ما لا يستطاع ، فما الذى يمنع من أن يكلف الكافر الإيمان؟ PageV01P192 # والجواب عن ذلك : أن الواحد منا قادر فى الحقيقة على قتل نفسه ، كما يقدر ~~على الخروج من داره ، وإن شق ذلك عليه من حيث الألم ، ومن جهة أنه يقطعه عن ~~الحياة والمنافع ، فلو أنه تعالى كلف المرء ذلك لم يكن قد كلف ما لا يطاق. ~~ويفارق ما يقوله القوم من تكليف الكافر الإيمان ولم يقدره عليه ، ولا أوجده ~~السبيل إليه. بل فعل فيه أضداده ، ولو لم يكن ذلك ممكنا مقدورا لم يصح أن ~~يقع من القليل منهم (1)، لأن ما لا يستطاع لا يقع من أحد البتة. # وإنما أراد تعالى بذلك أن يبين أنهم لن يفوزوا بالثواب إلا بعد تكليف ~~طاعة الله وطاعة رسوله عليه السلام ، وأن لا يعدلوا عما قضاه الله وقضاه ~~رسوله ، بعثا لهم على التمسك بالتكليف وإن شق. # فإن قال : فيجوز عندكم أن يكلف الإنسان قتل نفسه فى الحقيقة أم لا؟ # قيل له : إن ظاهر الآية لا يدل فى ذلك على منع أو جواز ، لأنه تعالى قال ~~: ( @QUR@03 ولو أنا كتبنا ) وقد يقدر الشيء الذى لا يجوز كما يقدر الجائز. # فإن قال : فما قولكم فيه وإن لم يدل الظاهر عليه؟ # قيل له : يبعد فى كمال العقل أن يكون واجبا على المرء ، لأنه لو وجب لم ~~يكن ليجب إلا لكونه لطفا فى غيره ، ومن حق اللطف أن يتقدم الملطوف فيه ، ~~وليس بعد القتل حال تكليف ، وإنما يصح ذلك على مذهب من يقول : إن اللطف ~~يضام ما هو لطف فيه ، فأما مع وجوب تقدمه فبعيد (2). # ( م 13 متشابه القرآن ) PageV01P193 # فأما مقدمة القتل وفعل أوائله فلا يمتنع أن يكلفه تعالى العبد (1)، ثم ms122 ~~يفعل تعالى « من بعد (2) ما يؤدى إلى بطلان حياته ، أو يقع ذلك متولدا ، ~~على طريقة التكليف. فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى هذا الباب. ### |||| ** 162 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@013 أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [82] يدل على بطلان قول المجبرة ، وعلى صحة ~~النظر والقياس ، وعلى أن القرآن يعرف معناه ، وعلى أنه معجز. # وإنما يدل على بطلان الجبر ؛ لأنه تعالى بين أنه لو كان من عند غيره لكان ~~مختلفا ، وقد علمنا أنه لم يرد الاختلاف فى الصورة وفى الجنس ، لأن الكلام ~~لا يأتلف إلا من المختلف فى الجنس والصورة ، وإنما أراد بذلك أنه كان يختلف ~~فى طريقة الحكمة ، فيكون بعضه حسنا وبعضه قبيحا ، وبعضه مستقيم المعنى ~~وبعضه مضطربا ، وكان لا يتفق فى جزالة اللفظ وحسن المعنى ، ولو كان ما يقع ~~فى العالم من القبائح والتفاوت ، والقبيح والحسن كله (3) من عنده تعالى ، ~~لم يكن ليصح أن يجعل ذلك أمارة لكون القرآن من عنده. # فأما دلالته على صحة النظر فبين ، لأنه تعالى أمر بتدبر القرآن ، وبين ~~طريقة التدبر ، فلو لم يكن (4) يلزم فيه النظر والفكر ، لكى يعلم حاله ، ~~لكان ذلك عبثا. # ولأن التدبر فى الحقيقة هو الفكر إذا لم يرد به (5) التأمل الذى يرجع إلى ~~النظر والروية. وقد علم أنه لم يأمر بتدبر القرآن على طريقة الإدراك ~~لغوامضه (6) PageV01P194 # فليس إلا ما ذكرناه من الفكر والنظر فيه ، لكى تعلم أحواله. # ودلالته على أن القرآن يعرف معناه بين ؛ لأنه لو كان كله أو بعضه لا يعرف ~~معناه ، كما يقوله بعضهم ، لوجب ألا يحسن الفكر والنظر فيه وتدبر معانيه ؛ ~~لأنه لا يجوز منه تعالى أن يبعث على تدبر لفظه ؛ لأن ذلك « مدرك معلوم (1) ~~وتدبر معانيه يقتضى صحة العلم بالمراد به ، على ما نقوله. # فإن قال : قد يعلم المراد به بغيره! قيل له : إن الظاهر يقتضى (2) أن ~~يعلم المراد به فقط. # وأما دلالته على أنه معجز « فبين ؛ لأن المتعالم من حال المتكلمين إذا ~~كثر (3) كلامهم أن لا يخلو من تناقض فى ms123 المعنى ، وتفاوت فى طريقة الفصاحة ، ~~فإذا وجد القرآن سليما من الأمرين دل على أنه من عند علام الغيوب ، وهذا بين. # وإنما الكلام فى أنه قد ينفرد بنفسه فى الدلالة أو ينضاف إلى غيره. وليس ~~هذا موضع شرحه. ### |||| ** 163 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه أدخل المنافق فى نفاقه وأنه أضله ~~، وأن من أضله لا يجد السبيل إلى الهدى ، فقال : ( @QUR@022 فما لكم في ~~المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ، أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) [88]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@01 أركسهم ) لا يدل [ ما ] ذكروه ~~، لأن الإركاس إنما يراد به الإنكاس فى الشيء ، والله تعالى ، لنفاقهم ، ~~أذلهم وأمر PageV01P195 # بالاستخفاف بهم وجعلهم مركوسين فى ذلك ، متردين فيه ، فمن أين أن المراد ~~به النفاق؟ # ويبين ما قلناه أنه تعالى علق إركاسهم بكسبهم ، فقال : ( @QUR@04 والله ~~أركسهم بما كسبوا ) فيجب أن يكون ذلك غير كسبهم النفاق ، ليصح معنى الجزاء فيه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟ ) معناه : من ~~أضله بالعقاب والأخذ به إلى طريق النار. # وقد يراد بذلك أنه أضله بسوء فعاله عن زيادات الهدى ، من حيث أخرج نفسه ~~من أن يصح فيه وعليه ذلك ، ولعمرى إن من أضله الله بهذه الوجوه لا يصح من ~~أحد أن يهديه إلى الجنة والثواب البتة. وإنما ذكر تعالى ذلك منكرا على ~~الفئة التى أحبت من المنافقين النجاة والفوز ، ولذلك قال فى صدر الكلام : ( ~~@QUR@05 فما لكم في المنافقين فئتين ) (1). # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أى : الخلاص ~~من الضلال ؛ لأن هذه الكلمة إذا أطلقت لم تستقل بنفسها ، فيجب حملها على ما ~~تقدم ؛ لأن أحدنا لو قال : إن زيدا لا يستطيع سبيلا ، لا يفهم بكلامه ~~المراد ، فإذا تقدم ذكر الضلال فيجب حمله عليه. # ثم يقال للقوم : إن كان تعالى أوقعهم فى النفاق على ما زعمتم وأضلهم PageV01P196 # بفعل الكفر فيهم ، فكيف ذمهم ونسب الكسب إليهم ولام من برأهم من النفاق ~~والذم؟! ### |||| ** 164 مسألة ms124 : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن الحسنات والسيئات من عنده فقال : ~~( @QUR@029 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ، وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا : هذه من عند الله ، وإن تصبهم سيئة يقولوا : هذه من عندك ، قل ~~: كل من عند الله ... ) [78]. # والجواب عن ذلك : أن القضية واردة على أمر معلوم ؛ لأنه تعالى حكى عن ~~الكفار أنهم عند وقوع الحسنة والسيئة قالوا : إن الحسنة من عنده تعالى ، ~~والسيئة من محمد عليه السلام (1)، وما هذا حاله لا يصح أن يدعى فيه العموم ~~، لأنه لا يجوز فى ذلك الواقع أن يكون إلا على صفة واحدة. # وبعد ، فإن الظاهر من قوله : ( @QUR@03 وإن تصبهم حسنة ) وقوله : ( ~~@QUR@03 وإن تصبهم سيئة ) يدل على أن ذلك من فعل غيرهم فيهم ، لأن ما ~~يختاره الإنسان لا يطلق ذلك فيه ، ويبين ذلك أنه إن حمل على أفعال العباد ~~أدى إلى أن القوم كانوا يقولون إن الحسنات من فعل الله تعالى وسيئاتنا من ~~فعل محمد صلى الله عليه وسلم! وليس هذا بمذهب لأحد ؛ لأنه لا فرق بين ~~إضافتهما إليه عليه السلام فعلا ، وبين إضافتهما إلى غيره. ولو كان ذلك ~~مذهبا لحكى ودون ؛ لأنه قد حكى ما هو أخفى منه وأقل ، وكل ذلك يمنع من ~~التعلق (2) بظاهره. # والمراد بذلك : ما قد حكى أنهم كانوا يقولون إذا أصابهم الرخاء والخصب PageV01P197 # والسعة ، قالوا : هذه (1) من الله ، وإذا لحقهم الشدة والقحط ، قالوا : ~~إن (2) هذا لشؤم محمد ، حاشاه صلى الله عليه وآله من ذلك! فقال تعالى مكذبا ~~لهم : ( @QUR@05 قل كل من عند الله ) (3) لأن هذه الأمور من فعله تعالى ~~يفعلها بحسب المصالح ، وقد ذكر تعالى فى قوم موسى صلى الله عليه مثله ، ~~فقال : ( @QUR@013 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه ) (4) وقال تعالى مكذبا لهم (5) لذلك : ( @QUR@05 ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) (6) فبين فى هذين الأمرين أنه ~~يفعله بلوى ومصلحة ، لكى يرجع العاصى ويقلع عن كفره ومعصيته. # وما قلناه يدل على أن هذين قد يوصفان بالحسنة والسيئة ، فليس لأحد أن ms125 ~~يدفع ذلك من حيث اللغة ، فأما فى الحقيقة ، فالسيئة لا تكون إلا قبيحة ، ~~كما يقولون (7) فى الشر : إنه لا يكون إلا ضررا (8) قبيحا ، لكنه قد يجرى ~~على المضار من فعله تعالى ، على جهة المجاز. ### |||| ** 165 دلالة : وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@012 ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ) [79] يدل ظاهره على أن العبد هو الفاعل للسيئات فى الحقيقة ~~: لأنه تعالى لو أوجدها وفعلها لم يكن يضيفها إلى نفس الإنسان. PageV01P198 # وهذه الآية تدل على صحة تأويلنا فى الآية المتقدمة ؛ لأنه لو كان المراد ~~بتلك نفس ما أريد بهذه ، لكان الكلام يتناقض عن قرب ، لأنه فى الأولى ~~أضافها إلى نفسه ، وفى الثانية إلى العبد ، ويتعالى الله عن ذلك ، فكأنه ~~قال : ما أصابكم من الرخاء والشدة فكله من عنده تعالى. وليس كذلك السيئات ~~والحسنات ، لأنها من عند أنفسكم. # فأما إضافته تعالى الحسنة إلى نفسه ؛ فلأنه تعالى أعان عليها وسهل السبيل ~~إليها ولطف فيها ، فلم تقطع منا إلا بأمور من قبله تعالى ، فصح أن تضاف ~~إليه ، ولا يمنع ذلك كونها من فعل العبد ؛ لأن الإضافة قد تقع على هذين ~~الوجهين ، ولو كانت السيئة من فعله تعالى لم يكن لإضافتها إلى العبد وجه ، ~~« ولا كان للفصل بينها وبين الحسنة (1) فى قطع إضافتها عن الله معنى ، مع ~~أنه الخالق لهما جميعا. # وقد قيل : إن المراد أن الحسنة بتفضل الله تعالى ، وأن السيئة التى هى ~~الشدة ، لأمور من قبلكم ارتكبتموها ، تحل محل العقوبة ، فلذلك أضافه إليهم. ~~وهذا وإن احتمل فالأول أظهر. # فأما من (2) حرف (3) التنزيل لكيلا يلزمه بطلان مذهبه ، وزعم أن المراد ~~به : فمن نفسك؟! على جهة الإنكار ، فقد بلغ فى التجاهل ، ورد التلاوة ~~الظاهرة الى حيث يستغنى عن مكالمته! ### |||| ** 166 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه هو الخالق PageV01P199 # لانصراف المؤمن عن اتباع الشيطان (1)، فقال : ( @QUR@010 ولو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) (2). # والجواب عن ذلك قد (3) تقدم ؛ لأنا قد بينا أن ظاهره يقتضى أنه لو لا ~~فضله ms126 لأقدمنا على المعصية ؛ وليس فيه بيان ذلك الفضل. وقد بينا أن المراد ~~به الألطاف والتأييد وسائر ما يصرف المرء عن اتباع الشيطان والمعاصى. وبين ~~تعالى أن ذلك الفضل لو لم يفعله لكان فيهم من لا يتبع الشيطان (4). مبينا ~~(5) بذلك أن المعلوم من حال كثير منهم أنه يؤمن وينصرف عن اتباع الشيطان ~~وإن لم يلطف له. وهذا يصدق قولنا فى اللطف إنه قد يختص بمكلف دون مكلف (6). # وإن حملت الكلام على أنه لو لا فضله على الكل لا تبعوا الشيطان إلا قليلا ~~منهم ، فإنهم مع فضله عليهم يتبعونه ، فإنه يدل على مثل ما قدمناه فى أن ~~اللطف قد يختص ، وقد يفعل بمكلفين فيكون لطفا لأحدهما دون الآخر ، كما أن ~~رفق الوالد بأحد ولديه قد يكون لطفا له فى التعليم ، ولا يكون لطفا فى الآخر. ### |||| ** 167 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه المسلط للكافر على المؤمن فى المقاتلة. ~~فقال : ( @QUR@05 ولو شاء الله لسلطهم عليكم ) (7). # والجواب عن ذلك : أن التسليط قد يكون بوجوه : أحدها بالقهر. ومنها بالأمر ~~والترغيب. ومنها بالتخلية ، ولذلك (8) متى بعث الإنسان غلمانه على الظلم ، ~~قيل فى اللغة : قد سلطهم على ظلم الناس ، وقد يقال فيمن خلى بين كلبه PageV01P200 # وبين (1) الناس : لم سلطت كلبك على الناس؟ متى لم يشده ويمنعه. # فإذا صح ذلك فمن أين أن المراد ما قالوه؟ ولا يعرف « سلط ) بمعنى : خلق ~~نفس الفعل! وإنما يستعمل ذلك فيما يحمل على الفعل أو يجرى مجراه ، فلا ظاهر ~~للقوم يتعلقون به. # والمراد بالآية أنه منع من مقاتلة الذين يصلون إلى قوم بينهم وبينهم ~~ميثاق فقال تعالى : لو قاتلتموهم ، وقد منعكم من مقاتلتهم ، لسلطهم عليكم ، ~~بأن أتيح لهم المقاتلة والدفع عن أنفسهم ، وصدر الآية يدل على هذا المعنى ، ~~فيجب حمله عليه (2). ### |||| ** 168 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) ~~[93] يدل على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود فى النار ، ~~وذلك (3) يبطل قول من يقول : إنه يجوز ألا يدخلهم النار ، « أو يخرجهم منها ms127 ~~(4)، لأنه تعالى جعل ذلك « حق القتل (5)، ومن حق الجزاء أن لا يكون ~~موصوفا بذلك إلا فى حال وقوعه ، فأما المستحق الذى لم يفعل فإنه لا (6) ~~يوصف به ، فليس لأحد أن يقول إنما تدل الآية على أن ذلك جزاءه فمن أين أنه ~~يفعل به لا محالة؟! # وكأنه تعالى قال : إن ما يفعل به على جهة الجزاء هو أن يدخل نار جهنم ~~خالدا فيها ، وليس يجب ، من حيث خص قتل المؤمن بالذكر ، أن يكون قتل من ليس ~~بمؤمن ذمى أو فاسق ، بخلافه! لأنه لا يمتنع أن تسوى الدلالة بينهما ، PageV01P201 # وان خص تعالى أحدهما بالذكر فى هذه الآية ، ولا يمكن حمل الكلام على (1) ~~الكافر إذا قتل متعمدا ، من وجهين : # أحدهما : أنه عام ، لأن لفظة « من » إذا وقعت فى المجازاة كانت شائعة فى ~~كل عاقل. # والثانى : أنه تعالى جعل ذلك جزاء لهذا الفعل المخصوص ، ولا يعتبر بحال ~~الفاعلين ، بل يجب متى وقع من أى فاعل كان (2)، أن يكون هذا الجزاء لازما له. # فإن قال : أراد : فجزاؤه جهنم إن اختار ذلك ، أو (3) إن جازاه (4)، أو ~~(9) إن لم يشفع فيه. # [ قيل له : إن ] ذلك يبطل ؛ لما فيه من العدول عن الظاهر ، ولأنه يوجب ~~دخول هذا الشرط فى قوله : ( @QUR@04 وغضب الله عليه ولعنه ) (5) والأمة ~~بخلافه ، ولما ذكرنا أن الجزاء اسم للواقع ، فمتى شرط ذلك فيه تناقض! ### |||| ** 169 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@012 إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) [98] يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكلف ~~العبد ما لا يطيقه ؛ لأنه تعالى عذرهم ؛ من حيث كانوا فى حكم الممنوعين وفى ~~أيدى غيرهم كالمأسورين ، فى ترك الهجرة ، وأزال (6) عنهم العذاب والذم ، مع ~~أنهم على بعض الوجوه كان يمكنهم المهاجرة ، فكيف PageV01P202 # يجوز أن يجعل ذلك عذرا فيهم ، ويكلف مع ذلك الكافر الإيمان مع فقد القدرة ~~، « ولا يعذره فى (1) ألا يفعل ما لا يطيق ، بل يعاقبه بالنار الدائمة؟ لأن ~~ذلك مما لا يستجاز على السفهاء فضلا على الحكماء.! # ومن وجه آخر. وذلك أنه تعالى خص المستضعفين ms128 بأنهم لا يستطيعون حيلة فيما ~~ذكره تعالى من الهجرة ، ولو كان الأمر كما قالوا لكان كل واحد لا يستطيع ~~حيلة قبل أن يفعل الهجرة ، فكان لا يصح لتخصيصهم معنى! ### |||| ** 170 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@016 يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ، ~~إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) [108] يدل على أن المعاصى لا يرضاها الله ~~تعالى ؛ وأنها (2) ليست من قبله لأنه (3) لا يجوز أن يفعل ما لا يرضاه ~~ويسخطه ؛ لأنه ذكر أنهم يبيتون من القول والفعل ، ويعزمون عليه ، وأنه ~~تعالى لا يرضاه ، مبينا بذلك أنهم يعصون فيه. # وذلك يدل على ما قلناه ، لأنه أثبته معصية وذمهم عليه ، من حيث استخفوا ~~من الناس دون الله تعالى ، ثم بين أنه لا يرضاه ، وكل ذلك يبين أن المعاصى ~~ليست برضاه ، ولا هى من قبله ، على ما قلناه. # والآية إنما أنزلت فى رجل خان فى درع ، ثم نسبة إلى يهودى ألقاه فى داره ~~، ونصره على ذلك قوم من المؤمنين ، فمال الرسول صلى الله عليه إلى براءة ~~ساحته من ذلك ، فأنزل الله تعالى مؤدبا لنبيه عليه السلام : ( @QUR@04 ولا ~~تكن للخائنين خصيما ) إلى قوله : ( @QUR@03 يستخفون من الناس ) (4) مبينا ~~بذلك أنه لن يخفى عليه # وسبب نزولها مع الآية 109 ، هو ما ذكره القاضي رحمه الله . # وانظر فى تفصيل هذا السبب : الطبرى : 5 / 267 271. PageV01P203 # ما أقدم عليه هذا الخائن ، وأنه تعالى مع كل عاص ، بمعنى أنه يعلم باطنه ~~وظاهره ، كما يعلم من جاوره أحواله الظاهرة ، مخوفا بذلك عن المعاصى وعن ~~إضافة الخيانة إلى السليم منها. # ثم قال تعالى : ( @QUR@07 إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) مبينا بذلك أن ~~هذه الأمور ليست من قبله ، ولا تقع برضاه على ما شرحناه. ### |||| ** 171 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@014 ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا ) [112] يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يخلق أفعال ~~العباد ثم يعاقبهم عليها ؛ لأنه إن (1) كان هو الخالق لها ، فهم برآء منها ~~بأكثر من كون زيد بريئا من فعل عمرو ms129 ، فإذا كان عمرو إذن اكتسب المعصية ~~ورمى زيدا بها فقد احتمل البهتان بذلك. والله تعالى ، لو كان الأمر كما ~~يزعم القوم ، أولى ، تعالى الله عن ذلك. # فأما قولهم : إن العبد يكسب فليس يبرأ فى الحقيقة مما خلقه الله فيه فجهل ~~؛ لأن اكتسابه لا (2) يؤثر فى أنه تعالى قد أدخله فى الفعل وجعله بحيث لا ~~يمكنه المحيص منه ، وبحيث لا بد من أن يكون مختارا مكتسبا ، إن صح للكسب ~~معنى ، فلا يخرج العبد من أن يكون بريئا من ذلك. # هذا ، ولا يصح إذا قيل إنه تعالى أوجد الفعل وأحدثه وأوجد القدرة ~~والاختيار فى القلب والفعل لا يتجزأ ، لأنه معنى واحد « أن يقال (3): إنه ~~كسب للعبد ، بل لو أراد المريد (4) أن ينفيه عن العبد بكل جهده لم يفعل إلا ~~ما قاله القوم من أن الله تعالى خلقه بسائر جهاته وخلق ما أوجبه من القدرة ~~والإرادة. ### |||| ** 172 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@04 ليس بأمانيكم ولا أماني PageV01P204 # @QUR@07 أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) [123] يدل على أن العبد يفعل ~~ويعمل ويستحق الجزاء عليه. # ويدل أيضا على أن المرتكب للكبائر لا بد من أن يجازى عليها ؛ لأنا قد ~~بينا أن الجزاء هو الواقع (1)، فاذا أخبر أن من يعمل سوءا يجز به وثبت ~~صدقه فى إخباره وجب القطع على ذلك. # وكان الحسن رحمه الله يقول : « إن أناسا غرتهم أمانى المغفرة ، خرجوا من ~~الدنيا وليست لهم حسنة ، يقولون : نحسن الظن بربنا ، لو أحسنوا الظن به ~~لأحسنوا الطاعة له )،! ### |||| ** 173 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق أفعال العباد ، وعلى أنه ~~جسم يجوز عليه الإحاطة ، فقال : ( @QUR@012 ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض ، وكان الله بكل شيء محيطا ) [126]. # والجواب عن ذلك : أن اللغوى إذا أطلق هذه اللفظة فإنما يريد بها ما لا ~~يعقل من الأعيان ؛ لأنه لو قيل لأحدهم : ما عندك؟ لأجاب بما هذا حاله ، ولم ~~يحسن أن يجيب « بذكر الحركات (2) والسكنات ، وعندنا أن ما فى السموات ~~والأرض لله تعالى ومن فعله. # وبعد ، فإن قولنا فى ms130 الشيء : إنه لله ، لا يدل على أنه فعله ؛ لأن هذه ~~الإضافة تتصرف على جهات ، فمن أين أن المراد بها الإضافة الفعلية دون سائر ~~الإضافات؟ # فإن قال : فإذا دلت الآية ، من حيث الإضافة ، على أنه تعالى مالكها ، دل ~~على أنه القادر عليها ، وذلك يعود إلى ما قلناه. PageV01P205 # قيل له : إن الموجود إذا قيل إنه تعالى مالكه فهو مجاز ، لأن القدرة على ~~الموجود تستحيل ، وإنما يراد به « أنه يملك أمرا سواه (1) له به تعلق ، كما ~~يراد بقولنا : إن زيدا يملك الدار ، أنه يملك التصرف فيها ، وهو تعالى لا ~~يمتنع أن يوصف بأنه مالك أفعال العباد ، بمعنى أنه يقدر على إعدامها ، أو ~~يقدر فيما لم (2) يوجد منها على المنع منها ، وليس فى ذلك ما يدل على ما ~~توهموه. # وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 وكان الله بكل شيء محيطا ) فإن حمل على ~~ظاهره اقتضى كونه محتويا على « كل الأجسام (3)، وذلك يتناقض ، لأن الشيء ~~إذا احتوى على جمل الأشياء (4) استحال كونه محتويا على كل واحد منها ، لما ~~فيه من إيجاب كونه ، أو كون (5) بعضه ، فى مكانين ، ولأن احتواء الشيء على ~~الأشياء يقتضى أنه أزيد منها فى بعض جهات تركيبه ، وهذا يستحيل عند الكل ~~عليه تعالى ، فلا ظاهر يصح تعلقه به على قول المجسمة. # والمراد بذلك : أنه تعالى مقتدر على الأشياء ، لأن هذه اللفظة فى ~~الاقتدار متعارفة ، ولأن صدر الكلام يدل عليه. # ولا يقال بهذا (6) اللفظ إنه مقتدر على المعدوم ، لأن نفس الإحاطة إذا ~~كانت إنما تصح فى الموجود ، فإذا اتسع بها فى الاقتدار على الشيء من سائر ~~جهاته تشبيها بالإحاطة ، فيجب كونه موجودا! وقد بينا أن المراد بالموجود ~~إذا قيل إنه مقتدر عليه ، أنه قادر على إعدامه وتفريقه ، فلا يصح التعلق ~~بذلك فى أنه الخالق لأفعال العباد! PageV01P206 # 174 مسألة (1): قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن صاحب العدد (2) ~~من النساء لا يستطيع أن يعدل بينهن ، وإن كان قد كلف ذلك ، فقال : ( ~~@QUR@012 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~) [229] وهذا يدل ms131 على تجويز تكليف ما لا يطاق. (3) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنهم لا يستطيعون أن يسووا بين النساء ، ~~ولم يذكر الأمر الذى يسوى بينهن فيه ، وما هذا حاله لا يستقل بنفسه ، فلا ~~يصح التعلق بظاهره ؛ لأن أحدنا لو قال لغيره : لا تستطيع أن تسوى بين زيد ~~وعمرو ، لم يعقل المراد به إلا بذكر الأمر المخصوص الذى أراده. # والمراد بالآية : أن أحدنا لا يستطيع فيما يتعلق بميل النفس والشهوة ، أن ~~يسوى بين النساء ؛ لأن ذلك من خلق الله تعالى فيه ، ولذلك ترى بعض الناس لو ~~اشتد حرصه على أن يشتهى ما يسهل عليه تناوله ليتمكن من القناعة ، لم يتمكن ~~من ذلك ، فلو أراد قصر شهوته (4) على ما تحويه يده لما أمكنه ، فصارت ~~الشهوة بمنزلة الصحة والهيئة واللون (5) وغيرها ، فى أنه لا قدرة للعبد فيه ~~ولا استطاعة ، والله تعالى لم يكلف أن يسوى المرء بين نسائه فى هذا الوجه ، ~~وإن ألزمه التسوية بينهن فى القسم والأحكام المتعلقة بأفعال الجوارح ، ~~ولذلك قال عليه السلام : « هذا قسمى فيما أملك ، فلا تؤاخذنى فيما (6) لا ~~أملك (7)) يعنى ما يتعلق بشهوة القلب. PageV01P207 # وبعد ، فإن ظاهره يقتضى أنه تعالى قد كلف ما لا يستطيعه الإنسان ولو حرص ~~عليه ، وليس ذلك مذهب القوم ؛ لأن عندهم أن الكافر لو كان المعلوم من حاله ~~أن لو اشتد حرصه على الإيمان فأراده ، كان لا يقع الإيمان ، لم يحسن أن يكلف! ### |||| ** 175 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه أضل الكافر ولم يهده السبيل ، ~~فقال : ( @QUR@020 إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) [137]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا الوجوه التى ينصرف الهدى عليها ، وأنه لا ~~ظاهر له بالإطلاق إلا الدلالة ، ما لم يكن فى الكلام ما يوجب صرفه إلى غيره ~~، وفى هذا الظاهر ما يوجب أن المراد به أنه (1) متى مات على كفره أنه لا ~~يهديه سبيل الجنة ، بل يضله عنها ، ولذلك جعله جزاء على كفره ms132 والزيادة فيه ~~(2)، كما جعل قوله : ( @QUR@05 لم يكن الله ليغفر لهم ) بهذه المثابة. # ويبين ما قلناه أنه بين حال الكافر وما أقدم عليه من الكفر حالا بعد حال ~~، ثم بين أنه فى المستقبل لا يغفر له ولا يهديه السبيل ، وهذا لا يصح إلا ~~بأن يحمل على ما بيناه. # ولو أراد بذلك أنه لم يهده من قبله بل أضله بخلق الكفر لوجب أن يكون # وفى الترمذى بلفظ : ( ... |اللهم هذه قسمتى فيما أملك||فيما تملك ولا أملك| # صحيح الترمذى : 5 / 80. وفى النسائى وابن ماجة (. ثم يقول : اللهم هذا ~~فعلى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك ) 2 / 157. ابن ماجة : 1 / 311. PageV01P208 # الكلام دالا على الماضى غير مؤذن بالاستقبال ، ولما صح أن يكون ذلك جزاء ~~وعقابا ، ولا أن يجرى مجرى الذم والتخويف من الكفر ، وهذا بين. ### |||| ** 176 دلالة : وقوله تعالى ( @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) [144] يدل على ~~أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه إذا لم تكن عليه الحجة لم يحسن فى ~~الحكمة تعذيبه ؛ لأنه تعالى نهاهم أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين. ثم قال : ( @QUR@07 أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) ~~وقد علمنا أنه لم يرد اقتداره عليهم ، لأن ذلك حاصل على كل حال ، أتخذوهم ~~أولياء أو اتخذوا المؤمنين. فالمراد بذكر السلطان الحجة. # وهذا يبين أنه تعالى لا يعاقب إلا من الحجة لله تعالى عليه ظاهره ، ولو ~~أنه كلف من لا يقدر لم يصح ذلك ، لأنه يجب أن تكون الحجة له على الله ، على ~~كل وجه ، من حيث لم يزح علته فيما كلفه ، ولا أوجد له السبيل إليه. وهذا ظاهر. ### |||| ** 177 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@010 لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) ~~[148] يدل على أن ما يقع (1) من الجهر بالسوء من القول من العباد لا يجوز ~~أن يكون مريدا له ، لأن المحبة فيه تعالى هو ، بمعنى الإرادة. وهكذا ~~حقيقتها فينا وإن استعملت توسعا فى باب الشهوة ms133 ، والشهوة تستحيل على الله ~~تعالى. فأما استعمالها بمعنى المدح فبعيد (2)، لأن الإنسان قد يحب من يذم # ( م 14 متشابه القرآن ) PageV01P209 # وما يذم بأن يظهر خلاف ما فى الضمير ، وقد لا يحب من يظهر له المدح. # وبين تعالى أن من لا يكون مغتابا بذلك ومستعملا فيمن لم يظهر فسقه وكان ~~هو المظلوم أنه يجوز له استعمال الجهر بالسوء من القول ، وهذا قد ثبت ~~بالعقل ، لأن المظلوم المساء إليه ، له من الذم ما ليس لغيره ، وله أن يذم ~~على كل حال وليس لغيره ذلك ، ما لم يصر حال الظالم فى حد الظهور. ### |||| ** 178 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@022 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ~~فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ، فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ~~بظلمهم ) [153]. # يدل على نفى الرؤية عن الله تعالى ؛ لأنه عظم من قوم موسى هذه المساءلة ~~وأكبرها وجعلها لعظمها مثلا فى تكذيب القوم بالنبى صلى الله عليه فى المعجز ~~، واقتراحهم عليه فى المعجز ما اقترحوا ، وتركهم الإيمان به مع ما قد ظهر ~~عليه من القرآن وسائر المعجزات ، وبين أنهم عند هذا السؤال أخذتهم الصاعقة. ~~وبين أنهم ظلموا فيما سألوا ، لأن مسألتهم وإن لم تكن ظلما للغير فهى (1) ~~ظلم لأنفسهم وكل ذلك يبين ما قلناه. # فإن قال : إذا كان ما سأله أهل الكتاب من إنزال كتاب من السماء سوى ~~القرآن أمرا (2) مجوزا ، فيجب فيما شبه به من مسألة الرؤية أن يكون مجوزا. # قيل له : يجب أن ينظر إلى وجه التشبيه دون ما عداه من الأحكام ، وإنما ~~شبه تعالى أحد الأمرين بالآخر ، لأنه تضمن الرد على الرسول ، والتكذيب له ، ~~والعدول عن تصديقه ، والتماس أمر آخر مع ظهور الحجة وقيام الدلالة. PageV01P210 # فأما فى الوجه الذى قال ، فلم يقع التشبيه ، وإنما يفارق أحدهما الآخر ~~(1) فى هذا الباب ؛ لأن ما سأله أهل الكتاب ، يتعلق بالاختيار من إنزال ~~الكتاب ، وما سألوه يتعلق بصفات ذاته ، فلا يجب أن يكون بمنزلته (2). ### |||| ** 179 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يمنع الكافر من ms134 الإيمان فقال : ( ~~@QUR@022 فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف. بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) [155]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الطبع هو مثل الختم ، وأنه علامة يعرف ~~بها حال المطبوع على قلبه (3)، وبينا الفائدة فى ذلك ، وأنه لطف للعباد ~~إذا علموا أن الملائكة تعلم به من يستحق الذم فتذمه بذكر أحواله ، وبينا ~~أنه ليس يمنع ، وأن العلامة كالكتابة والخبر فى أنها لا تكون منعا ، وأنه ~~بمنزلة الختم على الكتاب فى أنه لا يمنع من قراءته. # وقوله تعالى فى هذه الآية ، ( @QUR@04 فلا يؤمنون إلا قليلا ) يدل على ~~أنه ليس يمنع ؛ لأنه كان يجب أن يمنع الكل على حد واحد ، فلا يصح الإيمان من PageV01P211 # قليلهم كما لا يصح من كثيرهم ، لأن المنع إذا عم فالممنوع فيه يجب أن يعم ~~فى أن لا يحصل. # فإن قال : المراد بقوله : ( إلا قليلا ) أنهم يؤمنون إيمانا قليلا وإن لم ~~يكونوا مؤمنين فى الحقيقة ، فحصول الطبع فيهم منع من الإيمان. # قيل له : إن قوله : ( إلا قليلا ) يجب أن يعود فى الإثبات إلى ما تقدم ~~نفيه (1) والذى تقدم من ذلك قوله : ( فلا يؤمنون ) على الإطلاق ، فيجب أن ~~يراد بقوله : ( إلا قليلا ) أنهم يؤمنون ، بالإطلاق ، ومتى حمل على ما قاله ~~فلا بد من تقدير حذف فى الكلام ، وفى ذلك زوال عن الظاهر. # ثم يقال للقوم : إن قوله : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) يقتضى أن الطبع ~~هو كالجزاء على الكفر ، ولأجله فعل بهم ، وكيف يجوز أن يكون منعا من ~~الإيمان ولا يجوز من الله أن يعاقب الكافر بأن يمنعه من الإيمان ؛ لأنه لو ~~جاز ذلك لجاز أن يبعث أنبياءه بأن يمنعوا قومهم من الإيمان على سبيل ~~العقوبة ، كما أنه لو جاز أن يعاقب بأن يتولى العقاب ، جاز أن يأمرهم ~~بإقامة الحدود عقابا! # فإن قال : أليس قد قال تعالى بعد ذلك : ( @QUR@09 فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) [160]. # فجعل التحريم كالجزاء على الظلم ، وإن لم يصح ذلك عندكم ms135 ، فكذلك نقول فى الطبع. # قيل له : إن من حق هذا الكلام أن يقتضى ظاهره أن الثانى متعلق بالأول ~~ويقع بسببه ، فمتى دل الدليل على خلافه فهو عدول عن الظاهر ، ولا يجب PageV01P212 # إذا عدلنا عنه فى موضع أن يبطل ما اعتمدناه فى قوله : ( @QUR@05 بل طبع ~~الله عليها بكفرهم ). # والمراد بما سألوا عنه : أنه (1) لأجل ظلمهم كان الصلاح تحريم ما حرم ~~عليهم ، فله به تعلق من هذا الوجه ؛ لأنه لا يجوز فى التحريم أن يكون عقوبة ~~، مع أنه تعريض للثواب ، لأن ذلك يتناقض. # فإن قال : المراد بقوله : ( @QUR@05 بل طبع الله عليها بكفرهم ) مثله ؛ ~~لأنه تعالى علم (2) أن الصلاح أن يطبع على قلوبهم لتقدم كفرهم!. # قيل له : هذا يدل على أن الطبع لا يمنع من الإيمان ، لأنه يجوز أن يكون ~~الصلاح للمرء (3) على جهة الابتداء (4) وعند فعل من الأفعال ، أن يمنعه مما ~~فيه نجاته ومنفعته! # فإن قال : إذا لم يكن الطبع منعا ، أفيجوز أن يكون مصلحة؟ أو تجعلونه ~~عقوبة؟. # قيل له : إن شيخنا أبا على رحمه الله يقول : إنه عقوبة كالذم والاستخفاف. ~~وعند شيخنا أبى هاشم رحمه الله أنه يكون مصلحة ، وإن كان لا يمتنع أن يجرى ~~مجرى الذم فى بعض حالاته ، لكنه لما كان القصد به ارتداع المكلف عن المعصية ~~والعدول إلى الطاعة ، حل محل الوعيد فى هذا الوجه. # وربما وقع هذا (5) الخلاف بينهما فى الوعيد أيضا ، على بعض الوجوه ، ~~ولتقصى ذلك موضع سوى هذا المكان. PageV01P213 # 180 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@010 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ... ) [172] مما اعتمده شيوخنا رحمهم الله فى أن ~~الملائكة أفضل من عيسى ؛ لأن الاستنكاف هو الأنفة ، ولا يجوز فى اللغة أن ~~يقول الإنسان : إن فلانا لا يأنف من خدمتى ولا فلان ، إلا والمذكور الثانى ~~أفضل حالا (1) من الأول وأشهر فضلا منه (2) فى الوجه المقصود إليه. وهو ~~تعالى إنما ذكر أعظم الأحوال فى باب الفضل الواقع بالطاعات دون غيره من ~~الأحوال. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ولا الملائكة المقربون ) مع أن قرب المكان ~~يستحيل فيهم ، يدل على ms136 أنه أراد فضلهم وعظم ما لهم فى ذلك ، فإذا صرح بذكره ~~كان الأولى أن يحمل الكلام عليه ، وإذا صح أنهم أفضل من عيسى فكذلك من سائر ~~الأنبياء بالإجماع (3). # انظر الأشعرى : مقالات الاسلاميين ؛ 1 / 272. البغدادى : أصول الدين ص ~~295 الفرق بين الفرق ، ص : 343. أمالى المرتضى : 2 / 333 339. # وانظر فى نقض كلام القاضى هنا ، والرد عليه وعلى الزمخشرى ، من الناحية ~~اللغوية والبلاغية ومن وجوه أخرى : فتح البارى لابن حجر : 13 / 330 331. PageV01P214 # « وإذا صح زيادة حالهم على حال عيسى ولم يجز أن يعتبر فيه الشهود (1)، ~~فليس إلا الفضل (2)). ### |||| ** 181 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يهدى مرة إلى الجنة ومرة إلى النار ، ~~فقال : ( @QUR@06 ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم ) (3). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا الهدى كيف هو فى اللغة ، وكيف ينصرف فى ~~كلام الله تعالى ، فلا وجه لإعادته. # والمراد بهذه الآية : أنه لا يهديهم ، مع كفرهم ، طريق الجنة. ثم حقق أنه ~~يعاقبهم فقال : ( @QUR@03 إلا طريق جهنم ). وقد بينا أن استعمال الهدى فى ~~الطريق وفى البيان يتعارف (4)، وبينا أنه إذا استعمل « فى الطريق (5) ~~فإنما يستعمل فى الحقيقة فيما يؤديه إلى المنافع ، لكنه تعالى جرى على ~~طريقتهم فى الخطاب ، فاتسع به فى طريق النار ، لما كان موصلا إلى الغرض ~~المراد فيهم. PageV01P215 ### | ومن سورة المائدة ### |||| ** 182 دلالة : قوله تعالى : ( @QUR@07 ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) (1) عقيب ما ~~أوجبه الله من الطهور بالماء إن وجد ، والتيمم بالتراب إن لم يوجد ، يدل ~~على انه تعالى لا يريد تكليف ما لا يطاق ، لأنه لفى أن يريد ما يضيق على ~~المكلف فعله ، وإن كان قد يمكنه « أن يفعل (2) إذا التزم المشقة ، فبأن لا ~~يريد ما لا يطاق ويتعذر فعله على كل وجه أولى. ### |||| ** 183 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) يدل على (3) أنه لا يريد ~~الكفر والفساد ، لأنه لو أراد أن يخلق الكفار للكفر وللنار ، لم يكن مريدا ~~للانعام عليهم ولا لتطهيرهم ، لأن ما خلقهم له : نهاية الإضرار بهم ~~والإساءة إليهم ms137 من حيث خلقهم للنار الدائمة. ### |||| ** 184 وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) يدل على ما قلناه ، لأن المراد به لكى تشكروا ، ~~ولو لم يكن فى كتاب الله تعالى إلا ما كرره من هذه النظائر [ لكفى فى ~~الدلالة على ذلك ] لأنه تعالى يقول : ( @QUR@02 لعلكم تشكرون ) و ( @QUR@02 ~~لعلكم تتقون ) و ( @QUR@02 لعلكم تفلحون ) و ( @QUR@02 لعلكم تهتدون ) و ( ~~@QUR@02 لعلكم تذكرون ) إلى ما شاكله مبينا بذلك أنه أراد منهم هذه الأحوال ~~وليس فيه : لعلكم تعصون وتظلمون. ولو كان تعالى قد أراد كلا الأمرين على ~~وجه واحد ، لكان من حق الكلام فيمن أريد منه الظلم أن يقال PageV01P216 # لعلكم تظلمون ، كما أن من حقه ممن أريد منه الفلاح والتقوى أن يقال : ~~لعلكم تتقون وتفلحون ، وهذا ظاهر فى بطلان مذهب القوم. ### |||| ** 185 مسألة : قالوا : وذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يخلق الكفر فى قلب الكافر ، فقال : ~~( @QUR@011 فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ... ) [13] ومعلوم من قوة قلوبهم أنه بالكفر ، فإذا جعلها الله ~~قاسية فقد خلق الكفر فيها. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قسوة القلب فى اللغة يراد به قلة الرحمة ، ~~ولذلك متى (1) رأوا من هذا حاله وصفوه بقسوة القلب ، وإذا رأوا الرحيم ~~الرقيق القلب ، قالوا هو رقيق القلب ، ولا يعرفون فى هذا الباب ما يتصل ~~بالكفر والإيمان ، ولو أنهم رأوا المؤمن قليل الرحمة لوصفوه بقسوة القلب ، ~~ولو رأوا الكافر حسن الرفق كثير الرحمة ، لنفوا عنه ذلك ، فلا ظاهر للقوم ~~يتعلقون به! # والمراد بالآية : أنه تعالى لعنهم وحكم عليهم بأن قلوبهم قاسية لشدة ~~تمسكهم بالكفر ، وهذا كما يقول أحدنا لمن ينسب غيره إلى الفسق والكفر : ~~جعلته كافرا وفاسقا ، سيما إن كان قوله فيه مؤثرا. # وقد يحتمل « أن يراد (2) بذلك أنه تعالى لما (3) أضلهم عن الزيادات من ~~الهدى الذى يخص بها من قد اهتدى وآمن ، وسلبه الخواطر والألطاف ، لعلمه ~~بأنه لا يؤمن عندهما ؛ جعله قاسى القلب لشدة تمسكه بالكفر الذى هو عليه. # ثم يقال للقوم : إنه تعالى بين أنه لعنهم وجعل قلوبهم قاسية على سبيل PageV01P217 # الجزاء (1) لنقضهم ms138 الميثاق ، فكيف يجوز حمل ذلك على أن المراد به نفس ~~الكفر الذى لا فرق بين أن يقع عقيبا لغيره أو مبتدأ عندكم ، فى أن ذلك لا ~~يكون جزاء وهذا يبين أن المراد بذلك ما يجرى مجرى اللعن من الذم والاستخفاف ~~والاسم والحكم ، على ما بينا. # ولو كان تعالى خلق ذلك فيهم ، لم يجز أن ينسب نقض الميثاق إليهم ؛ لأن ~~ذلك يتناقض. ### |||| ** 186 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه المغرى بين الكفار حتى يقدموا ~~على الكفر والمعصية ، فقال : ( @QUR@016 ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) [14]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الإغراء هو البعث على بعض (2) الأمور بتقوية ~~الدواعى ، ولم يذكر تعالى أنه أغرى بينهم في ماذا ، فيكون للقوم به تعلق! # وظاهره إذا أطلق لم يعلم المراد به ، لأنه لا يمكن أن يدعى فيه العموم ، ~~لأن لفظه ينبئ عن الإخبار عن أنه تعالى فعل ما سمى إغراء ، فكما أن المخبر ~~عن أنه ضرب ، لا يقتضى كلامه العموم ، فكذلك إذا قيل أغرى. # فإن قيل : فقد ذكر تعالى العداوة والبغضاء! # قيل له : فهذا يبطل قولك : إن المراد به الكفر والمعصية! # فإن قال : إن عداوة بعضهم لبعض هو كفر ، فلذلك حملت الآية عليه! # قيل له : ليس الأمر كذلك ، لأن اليهودى إذا عادى النصرانى من حيث PageV01P218 # قال : « إن الله (1) ثالث ثلاثة ، فقد فعل الواجب ، ومتى عادى النصرانى ~~اليهودى فى تكذيبه بعيسى ، فقد فعل اللازم ، وتمسكهما بأنواع الكفر لا يخرج ~~هذه العداوة منهما من أن تكون صحيحة. # وإنما أراد تعالى أن يبين لكل واحد من الفريقين معاداة الآخر (2) فى هذا ~~الباب ، فأمرهم بذلك وبعثهم عليه. وهذا هو المراد بقوله تعالى بعد ذلك : ( ~~@QUR@07 وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) (3). # ولو حملت الآية على أنه تعالى أكثر من إخطار ذلك ببالهم فلم يغفلوا عن ~~سبب عداوة بعضهم لبعض ، ولا ضلوا عنه فصار ذلك مغريا ، جاز أيضا ، وكل ذلك ~~يفسد ما تعلقوا به. ### |||| ** 187 مسألة : قالوا ms139 : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يخص بالهدى من آمن به واتبع ~~رضوانه ، فقال : ( @QUR@015 قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ) (4). وذلك يوجب أن الهدى من الله هو الإيمان. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى بين أنه جاءهم من الله نور ، يعنى : الكتاب ، ~~وسماه نورا على جهة التشبيه لما كان يهتدى به ، من حيث كان دليلا ، كما ~~يهتدى بالنور فى ظلم الليل ، ولم يخص فى هذا الباب مكلفا من مكلف ، فيجب ~~كونه دلالة للجميع. PageV01P219 # وقوله : ( @QUR@02 وكتاب مبين ) يدل على ذلك ؛ لأنه لم يخص فى كونه بيانا ~~واحد دون واحد. # وقوله : ( @QUR@08 يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) مقيد ؛ لأنه ~~تعالى بين أنه يهدى بذلك إلى سبل السلام ، يعنى : إلى طريق الجنة ، وهذه ~~الهداية تختص من اتبع رضوانه ، لأنه المستحق لهذا دون غيره ممن اتبع سخطه ~~وعدل عن رضوانه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) يجوز أن ~~يراد به العدول عن طريق النار إلى طريق الجنة ، ويجوز أن يراد به أن الكتاب ~~يدلهم ويبعثهم على الإيمان والطاعة ، فيخرجهم من الظلمات إلى النور ، وليس ~~للقوم فيه تعلق ؛ لأن الظلمة والنور إذا لم يرد به الأجسام الرقيقة المختصة ~~بالضياء والسواد ، فهو مجاز ، فلا ظاهر لهم يتعلقون به! ### |||| ** 188 وقوله تعالى : ( @QUR@04 ويهديهم إلى صراط مستقيم ) يعنى : الدين المستقيم ، أو طريق ~~الجنة ، على ما بيناه فى فاتحة الكتاب (1). ### |||| ** 189 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن أخذ البرىء بجرم غيره يجوز ، وعلى ~~أن إرادة (2) القبيح قد تحسن ، فقال : ( @QUR@022 لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ~~ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك ) [ 28 29 ] ... فحكى تعالى عن المطيع منهما « من غير أن يذمه ~~أو يكذبه أنه يريد أن ينزل (3) به إثمه واثم غيره وهو الذى ذكرناه! PageV01P220 # والجواب عن ذلك : أن قوله : ( @QUR@06 إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) ~~ظاهره يقتضى أنه يريد أن ms140 ينزل به عقابهما جميعا ، أو تقع منه معصيتهما! ~~وذلك يتناقض! لأن ما يكون عقابا بالواحد لا يصح أن ينزل بالآخر. # وإنما الذى يصح « فى ذلك (1) أن يفعل بالآخر أمثال ذلك العقاب ؛ لأن من ~~حق العقاب أن يوصف به الواقع على طريق الاستحقاق ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به. # والمراد (2) بذلك أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية أن ابني آدم قربا قربانا ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر (3) فدل بذلك على أنه لم يتقبل منه ~~لمعصية وقعت منه ، وأنه حسد أخاه الذى قبل قربانه فهم بقتله ، فعند ذلك قال ~~: إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك ، بمعنى : بإثم قتلك لى ، فلما كان القتل ~~متعلقا به جعل الإثم مضافا إليه. # وأراد بقوله : ( @QUR@01 وإثمك ) يعنى : إثم المعصية التى أقدمت عليها ، ~~ورد قربانك لأجلها ، وهذا كما يقول القائل فيمن ظلمه : أريد أن تلعن وتعاقب ~~على ظلمى ، فمن حيث كان ذلك الظلم متعلقا به ، أضافه إلى نفسه. # ولم يرد بالإثم فى هذا المكان : المعصية ، فيكون هابيل مريدا للمعصية من ~~أخيه قابيل ، بل أراد به المستحق على المعصبة. ولذلك قال بعده : ( @QUR@07 ~~فتكون من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين ) (4) فبين أنه يريد أن ينزل به ~~كلا (5) العقوبتين فيدخل النار ويحلان به (6)، وأن ذلك هو الذى يستحقه ~~الظالم القاتل للنفس المحرمة. PageV01P221 # واختلفوا فى المذكورين فى الآية ، فمنهم من يقول : إنه قابيل وهابيل ، ~~وهما ولدا آدم لصلبه ، على ما يقتضيه ظاهر الكلام ، وإليه يذهب أبو على ~~رحمه الله وكثير من المتقدمين ، فأما الحسن وغيره فإنهم يقولون : إن المراد ~~بهما بعض بنى إسرائيل ، وتعلقوا بقوله تعالى : ( @QUR@010 من أجل ذلك كتبنا ~~على بني إسرائيل أنه من قتل ) (1) وبأن القرابين (2) كانت من عباداتهم. ~~وليس هذا مما يختلف به الكلام فيما يتعلق بالمخالفين (3). ### |||| ** 190 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن قاتل النفس قد يؤخذ « بذنب غيره ~~من القتلة ، فقال (4): ( @QUR@021 من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه ~~من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ms141 ) [32]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن قاتل النفس المحرمة مشبه بمن قتل ~~الناس جميعا ؛ وليس فيه بيان وجه التشبيه. ومتى قيل : إن زيدا القاتل كعمرو ~~، فليس فيه بيان الوجه الذى فيه مثل ، وما هذا حاله ، لا ظاهر له ؛ لأنه لا ~~يمكن من حيث اللفظ أن يدعى فيه العموم ، فلا بد إذا من الدخول تحت التأويل. ~~ومتى تشاغلوا بالدلالة على أن المراد ما قالوه خرجوا من التعلق بالظاهر ، ~~وصاروا يتنازعون المراد بذكر الأدلة والقرائن. # والمراد بذلك : أن المبتدئ بقتل النفس المحرمة ، من حيث يتأسى به فى PageV01P222 # القتل الكثير (1). يصير كأنه القاتل لجميع النفوس إذا وقع على هذا الحد. ~~ولذلك قال تعالى : # ( @QUR@06 ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) (2)، وهذ هو معنى ما ~~روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال « من سن سنة حسنة قله أجرها وأجر ~~من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) (3). # فإن قال : إن هذا التأويل لا يزيل عنكم الكلام ؛ لأنه يوجب أن القاتل ~~الأول يستحق زيادة العقوبة بقتل غيره. # قيل له : إنما يستحقها ، لأن المعلوم فى قتله من حيث يقتدى به « فيه أنه ~~(4) يعظم ؛ فيكثر عقابه (5)، وقد يعظم الفعل لأمور مستقبلة : ألا ترى أن ~~الواحد منا إذا تكلف اتخاذ مصنعة فى طريق يكثر سلوكه والانتفاع بما فعله ، ~~أن ثوابه يكون أعظم من ثواب من أنفق مثله باتخاذ مصنعة فى طريق منقطعة ، ~~فلذلك صح ما نقوله (6) من أن الرسول عليه السلام أفضل الأنبياء ، من حيث وقع ~~بدعائه فى النفع ما لم يقع بغيره. وهذا ظاهر. ### |||| ** 191 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@010 والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ~~نكالا من الله ) [38] يدل على أن السرقة المخصوصة المرادة بالآية يستحق بها ~~العقاب ، وأنها أكبر من سائر طاعات فاعلها ، لأنه PageV01P223 # تعالى عم بإيجاب القطع فيها على سبيل الجزاء والنكال ، ولم يخص سارقا من ~~سارق ، والكل فى الدخول تحته على حد واحد. # وليس لأحد أن يحمل ذلك على الكفار لمكان العموم (1)، لأن قوله : ( ~~@QUR@02 والسارق والسارقة ) تعريف ms142 (2) فإذا لم يكن هناك عهد يتوجه الخطاب ~~نحوه ، فالمراد به الجنس من غير تخصيص واحد من واحد ، وإن كان لفظه لفظ ~~الواحد ، ولذلك صح منه تعالى أن يستثنى منه ، فقال ( @QUR@06 فمن تاب من ~~بعد ظلمه وأصلح ) (3) وهذا بمنزلة الاستثناء ، وهذا كقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 والعصر إن الإنسان لفي خسر ) (4) فلما عرف الإنسان وفقد العهد ~~انصرف إلى الجنس ، فصح أن يقول : ( @QUR@05 إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) (5). # ولأن دخول الجزاء على جهة الزجر عن السرقة يقتضى العموم ، وإلا كان لا ~~يكون زجرا للجميع ، ويجرى مجرى قوله : من سرق فاقطعوا يده ، لمكان معنى ~~الشرط والجزاء. # ولأنه من حيث تعلق القطع بالسرقة وأخرج الفاعل من أن يكون له تأثير فى ~~الخطاب ، فوجب تعلق القطع بها كيفما حصلت ، وصار ذلك بمنزلة قوله : إن من ~~حق السرقة أن يستحق بها القطع على جهة الجزاء والنكال. # وكل ذلك يوجب أنها إذا وقعت من أهل الصلاة دخلوا تحت الوعيد ، كهى إذا ~~وقعت من الكفار. # وقد وصف الله تعالى هذا القطع بصفة العقاب ، لأنه تعالى جعله جزاء PageV01P224 # ونكالا ، فنبه بذلك على أنه مستحق وأنه مفعول على وجه الذل والاستخفاف ، ~~فليس يمكن حمل ذلك على أنه محنة كما نقوله فى التائبين. # فثبت بذلك أن من حق السرقة إذا وقعت على الوجه الذى أجمعوا على أنه يستحق ~~بها القطع ، أن فاعلها مستحق للعقاب. ولا يجوز مع ذلك أن يكون مستحقا ~~للثواب! لأنه يتضاد أن يستحق أن يدام عليه النعيم من غير شوب ، والعقاب من ~~غير لذة ، فيجب بثبوت أحدهما (1) انتفاء الأمر (2) الآخر لا محالة ، على ما ~~نقوله فى الإحباط والتكفير (3). ### |||| ** 192 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يريد الكفر ، فقال : ( @QUR@010 ~~ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ) (4). # والجواب عن ذلك : أنهم أخطئوا فى ظنهم أن الفتنة هى الكفر ، والكفر متى ~~سمى بذلك فعلى جهة المجاز ، من حيث يؤدى إلى الهلاك ، وقد سمى تعالى العذاب ~~فتنة ، فقال : ( @QUR@04 هم على النار يفتنون ) (5) وأراد به العقوبة ، وقد سمى # ( م ms143 15 متشابه القرآن ) PageV01P225 # الامتحان بالتكليف فتنة ، ولهذا قال تعالى ( @QUR@04 إن هي إلا فتنتك ) (1). # وعلى هذا الوجه يقول الرجل : إن فلانا لمفتون بولده ، فلا ظاهر لما ~~توهموه لما ذهبوا إليه. # والمراد بذلك أن من يرد الله أن يعاقبه لكفره وسوء فعاله ، فلن تملك له ~~من الله شيئا ، وإنما بعث بذلك المكلف على التلافى ، من حيث بين أن عقابه ~~لا يزول إلا بما يكون منه من التوبة (2)، وبين للرسول عليه السلام أن محبته ~~لوصولهم إلى الجنة لا تنفعهم إذا ماتوا على الإصرار! ### |||| ** 193 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) لا يدل على أنه لم يرد ~~منهم الإيمان ؛ لأن ذلك لا يعقل من تطهير القلب إلا على جهة « التوسع ، لأن ~~(3) قوله : ( @QUR@06 لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) يقتضى نفى كونه مريدا ، ~~وليس فيه بيان الوجه الذى لم يرد ذلك عليه ، فلا ظاهر له فيما توهموه!. # والمراد بذلك : أنه لم يرد تطهير قلوبهم مما يلحقها من الغموم بالذم ~~والاستخفاف والعقاب ، ولذلك قال : ( @QUR@09 لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم ) ولو كان أراد (4) ما قالوه لم يجز أن يجعل ذلك ذما ولا أن PageV01P226 # يعقبه بالذم ، ولا أن يجعله فى حكم الجزاء على ما لأجله عاقبهم وأراد ذلك فيهم. ### |||| ** 194 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ~~كافر ، كما أنه ظالم فاسق ، فقال : ( @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون ... ) [44] « وهذا يوجب صحة قول الخوارج (1). # والجواب عن ذلك من وجوه : منها : أن المراد بالآية اليهود فقط ، لأنه ~~تعالى قال من بعده : ( @QUR@06 وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ) [46] ~~وذلك يوجب تخصيص الكلام ، ويقتضى أن من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود ~~فهو كافر. # فإن قال : إذا صح فيهم ذلك من حيث لم يحكموا بما أنزل الله ، استمر فينا ~~أيضا ، وصار عاما من هذا الوجه! # قيل له : إنه لا يمتنع « فيما هو كفر (2) أن يختلف بالشرائع ، فكذلك ms144 ~~الكبائر ، لأنه يختلف مواقعه لأحوال ترجع إلى المكلف (3)، فهو كالمصالح فى ~~ذلك ، فلا يجب ما ذكرته. # ومنها : أن ظاهر الآية يقتضى أن من لم يحكم بكل ما أنزل الله فهو كافر ؛ ~~لأن لفظة : « ما ) فى المجازاة يعم ، ومن هذا حاله لا بد أن يكون كافرا ، ~~لأن فى جملة الأحكام ما يعلم من دين (4) الرسول عليه السلام ضرورة ، فمتى لم ~~يحكم به وبصحته فهو كافر لا محالة. PageV01P227 # ومنها : أن ظاهر الكلام لا يقتضى أن المراد بالحكم الفعل دون القول ؛ أو ~~ما يتعلق بغيره دون ما يخصه ، ومن لم يحكم بالمذاهب وصحتها بما أنزل الله ~~فهو كافر ، وكل ذلك يمنع من تعلق القوم به (1). ### |||| ** 195 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يرد من جميع المكلفين الإيمان ~~، فقال : ( @QUR@06 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) (2) ولو أراد من ~~جميعهم الإيمان ، وأن (3) يتفقوا فى ذلك ، لكان قد شاء أن يجعلهم أمة واحدة. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أنه لم (4) يشأ أن يجعلهم أمة ~~واحدة ، وإرادته (5) منهم أن يؤمنوا « ليس بإرادة (6) أن يجعلهم هم مؤمنين PageV01P228 # فلا تعلق للقوم بظاهره. # وبعد ، فإن قوله ( @QUR@02 ولو شاء ) يدل على أنه لم يشأ ، ولا يدل على ~~أنه لم يشأ من جميع الوجوه ، فمتى كان ذلك الباب مما يراد على وجهين لا ~~يجتمعان ، فبنفى أحدهما لا يجب نفى الآخر ، فلا يصح ادعاء العموم فيه. # وبعد ، فإنه لم يقل : لو شاء لجعلهم أمة واحدة فى أمر مخصوص ، فظاهر ذلك ~~يقتضى أن يجعلهم جماعة واحدة متساوية فى باب ما ، فمن أين بظاهره أن المراد ~~ما قالوه؟. # والمراد بالآية : أنه لو شاء لألجأهم إلى أن يصيروا أمة واحدة مجتمعين ~~(1) على الهدى والإيمان ، ولذلك أضاف ذلك إلى جعله ، لكنه لم يرد ذلك لما ~~فيه من زوال التكليف ، وأراد أن يؤمنوا طوعا على وجه يستحقون به الثواب ~~العظيم ، ولهذا قال : ( @QUR@05 ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ) منبها بذلك على ~~ما ذكرناه (2). ### |||| ** 196 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل ms145 على أنه جعل الكافر كافرا فقال : ( ~~@QUR@019 هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) [60] فبين أنه تعالى خلق عبد الطاغوت ~~وجعله كذلك ، وهو الذى نقول به. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه جعل وخلق من يعبد الطاغوت ، كما أنه ~~جعل منهم القردة والخنازير ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@03 أولئك شر مكانا ) (3) PageV01P229 # وإنما يدل على أنه خلق الكافر ، فمن أين أنه جعله كافرا أو خلق كفره؟ # وقال شيخنا أبو على رحمه الله : إن تقدير الكلام : قل هل أنبئكم بشر من ~~ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ، ومن عبد الطاغوت ، ومن جعل ~~منهم القردة والخنازير ، مبينا بذلك من حال الكفار (1) من بنى إسرائيل أنهم ~~أشر حالا ، وأولى بالذل واللعنة ممن عدل عن طريقهم وآمن بالرسول صلى الله ~~عليه (2). ### |||| ** 197 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جسم وأن له يدين فقال : ( ~~@QUR@016 وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء ).. [64]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى إثبات يدين له تعالى خارجتين عن الوجه ~~الذى نعقله. # ويدل على أنهما مبسوطتان لا يصح فيهما غير ذلك ؛ لأنه « إن جاز (3) فيهما ~~القبض والبسط لم يكن لهما « فى هذا الوجه (4) تخصيص يوجب (5) كونهما ~~مركبتين ذاتى أصابع ، ليصح معنى البسط ، وأن تكون مؤلفة متغايرة ، PageV01P230 # وذلك مما لا يرتكبه المتكلمون منهم ، ولذلك يقولون فيه (1) إنه جسم لا ~~(2) كالأجسام ، وأنه له يدين (3) لا كالأيدى ، وأن التبعيض والتجزى لا يصح ~~عليه ، وأنه ليس بذى أعضاء. فلا يصح تعلقهم بالظاهر. # ومن يقول من الحشوية (4) بأنه مصور كصورة الإنسان ، لا يقول فى يديه ~~إنهما مبسوطتان أبدا ، وأن الإنفاق يقع منه بهما ، فله تعلق بهما! # والمراد بذلك : أن نعمتيه مبسوطتان على العباد ، « وأراد به (5) نعمة ~~الدين والدنيا ، والنعمة الظاهرة والباطنة ، وقد يعبر باليد عن النعمة ، ~~فيقال (6): لفلان عندى يد وأياد ويد جسمية. # وعلى هذا الوجه قال تعالى مؤدبا لرسوله صلى ms146 الله عليه : ( @QUR@010 ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) (7) وإنما أراد أن يمنعه ~~من البخل والتبذير ، وأن يسلك مسلك الفضل. # ويجب على قولهم إذا تمسكوا بالظاهر أن يقولوا : إن لله أيد ؛ لأنه قال : ~~( @QUR@09 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) (8) فإذا ~~انصرفوا عن ظاهر ذلك ، فكذلك ما قلناه. # ثم يقال للقوم : إن اليد إذا ذكر فيها البسط مع ذكر الإنفاق ، لم يوجد فى ~~اللغة أن المراد بها الجارحة ، والله تعالى ذكرهما على هذا الحد ، فمن أين ~~أن (9) المراد به ما قلتم؟ PageV01P231 # وبعد ، فإن إثبات الجارحتين لا تعلق له بالإنفاق على وجه ، فيجب حمل ~~الكلام على ما يفيد هذا الوجه ويفيد نقض قول اليهود فيما قالوه ، ومعلوم من ~~حالهم أنهم لم يريدوا أن يد الله مغلولة فى الحقيقة ، وإنما نسبوه إلى ~~البخل ، وأنه يقتر أرزاق العباد ، فيجب فيما أورده تعالى على جهة التكذيب ~~لهم أن يكون محمولا على نقيض قولهم ، وذلك يقتضى ما قلناه. # والعرب قد تصف اليد بما ينبئ عن البخل مرة والجود مرة أخرى ، فتقول : ~~فلان جعد اليد ، وكز اليد ، وواسع اليد ، إلى غير ذلك ، والقرآن نزل بلغتهم ~~« فيجب حمل الكلام (1) على ما تقتضيه. ### |||| ** 198 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على أن القرآن يزيد كثيرا من المكلفين ~~كفرا ، فقال : ( @QUR@010 وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا ) (2) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن الكتاب هو الذى يزيدهم كفرا ، وهذا ~~مما لا يقول به أحد ، فلا بد من حذف فى الكلام والدخول تحت التأويل ، ~~والإقرار بأن حالهم فى الظاهر كحالنا (3) فيه ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟. # والمراد بذلك : أنهم يزدادون عند إنزاله تعالى ذلك (4) طغيانا وكفرا ، من ~~حيث يكفرون به ولا يؤمنون ، وهذا كقوله : ( @QUR@011 وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيمانا ) (5)؟ وكقوله تعالى : ( @QUR@06 ~~رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) (6) وقد ثبت فى اللغة صحة إضافة PageV01P232 # الشيء إلى سببه وإلى ما عنده حصل ، فيقولون : فلان أبخل ms147 فلانا بمسألته ، ~~إذا ظهر عنده بخله. وإنه أتعبه ، إذا سأله حاجة فتعب عندها. # ثم يقال للقوم : إنه تعالى قد وصف إنزاله إلى رسوله بأنه هدى وشفاء ونور ~~ورحمة ، فكيف يصح أن يكون موجبا لزيادة الكفر؟ # وإنما يدل ذلك على ما قلناه ، وإلا تناقض كلامه ، تعالى عن ذلك! ### |||| ** 199 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يمنع من المعاصى ، فقال : ( ~~@QUR@015 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ) (1) والله يعصمك من الناس ... [67] # والجواب عن ذلك : أن الغرض بذلك أنه يمنعك من الناس ويمنعهم منك حتى ~~تستكمل الإبلاغ والأداء ، ولم يرد أنه يمنعهم من ظلمه أو ما يجرى هذا ~~المجرى ؛ لأنه قد علم أنهم قد قدموا عليه ، غير دفعه بوجوه من المضار ، ~~وأنه كان يخاف على نفسه منهم ، فيهرب ويستتر ويتعمد الحيل فى دفع المكاره. # « والمراد به ما قلناه (2) من أنه يمنع من يؤتى عليه فيفوت الإبلاغ ~~والأداء. وليس فى ظاهره أنه يمنع أحدا مما أمر به أو نهى عنه ؛ لأن منعه من ~~الناس بالعصمة لا يقتضى رفع ذلك فيه أو فيهم ، كما أن أحدنا إذا امتنع ~~بالحواجز عن غيره لا يكون فى ذلك رفع الأمر والنهى والتمكن منهما! PageV01P233 # 200 دلالة : وقوله تعالى بعد ذكر اليمين والكفارة : ( @QUR@02 واحفظوا ~~أيمانكم ) (1) يدل على أن الإنسان قادر على أن يبر ويحنث ؛ لأن حفظ اليمين ~~يقتضى أن اليمين قد وجد ، ومتى وجد لا يقع حفظها إلا بالوجه الذى قلناه ، ~~وهو مجانبة الحنث « وتعمد البر (2)، وهذا لا يصح إلا وهو قادر على الأمرين ~~متمكن منهما ، ولو كان تعالى يخلق فيه الحنث على وجه لا يمكنه أن ينفك عنه ~~، وإن اجتهد فى محافظة اليمين ، لم تكن للمحافظة معنى على وجه! ### |||| ** 201 دلالة أخرى : وقوله تعالى : ( @QUR@018 ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا ~~حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) (3) يدل على أنه تعالى لم ~~يجعل السائبة بهذه الصفة على ما كانوا يعملون ؛ لأنهم لم ms148 يكذبوا فى إضافة ~~نفس السائبة إلى أن الله جعلها ، وإنما كذبهم فى زعمهم أنه جعلها كذلك ، ~~فإذا نفى تعالى أن يكون جعلها كذلك بهذه الصفة ، فقد دل على أن أفعال ~~العباد مضافة إليهم ، ولو كان هو الخالق فيهم تسييب السائبة وامتناعهم من ~~أكل لحمها وركوبها وجز وبرها ، لم يجز أن ينفى عن نفسه ذلك ، لأن ما به ~~صارت كذلك هو من قبله ومن فعله. # فإن قالوا : إنما نفى عن نفسه التعبد بذلك والأمر به! # قيل له : إن الأمر بذلك غيره « والبغى عليه دخل (4)، فمتى صرف الى ~~التعبد والأمر ، فهو عدول عن الظاهر من الوجه الذى استدللنا عليه. PageV01P234 ### | ومن سورة الأنعام ### |||| ** 202 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن للانسان أجلين ، وأنه يجوز أن ~~يقطع القاتل على المقتول أحدهما ، فقال ( @QUR@014 هو الذي خلقكم من طين ثم ~~قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ) [2]. # والجواب عن ذلك : « أن الظاهر (1) إنما يقتضى أنه قضى أجلا ، وإثبات أجل ~~(2) مسمى عنده ، وليس فيه أن كلا الأجلين فى الدنيا ، وهو موضع الخلاف ، ~~وليس فى الظاهر أيضا أن الأجل المسمى عنده هو (3) لمن قضى له الأجل الأول. # والمراد بذلك : أنه قضى لهم الآجال فى الدنيا ؛ لأنه لا واحد إلا وقد حكم ~~تعالى بوقت موته ، والوقت الذى يمتد كونه حيا فيه ، فلا يموت إلا فى الوقت ~~المعلوم ، ولا يحيا إلا فى الوقت المقدور. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وأجل مسمى عنده ) أراد به وقت حياتهم فى الآخرة ~~، ولذلك أضافه إليه الإضافة الدالة على أن المراد بها الموضع الذى لا ينفذ ~~الحكم فيه إلا له. # وأراد بقوله : ( @QUR@05 هو الذي خلقكم من طين ) أنه خلق أصلكم من طين ، ~~فلما تفرعنا عما هذا حاله جاز أن نوصف بهذه الصفة. # فمتى حملنا الآية على هذا الوجه ، وفيناها حقها فى التعميم ، وإذا حملت على PageV01P235 # ما قاله المخالف أدى ذلك إلى التخصيص ، وأن يكون واردا فى المقتول فقط ، ~~[ والأول (1) ] أولى. # وقوله : ( @QUR@03 ثم أنتم تمترون ) يقوى ما قلناه ، لأنه أنكر عليهم ~~التوقف والشك فى ms149 القيامة والحشر والإعادة. وهذا بين (2). ### |||| ** 203 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه جسم يجوز عليه الأماكن ، فقال : ~~( @QUR@09 وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) [3]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه فى الوقت الواحد فى السموات والأرض ~~، وهذا يستحيل على الأجسام المحتاجة إلى مكان ؛ لأن ثبوتها فى مكان يمنع من ~~كونها فى غيره ، ولو أراد تعالى أن يدل على أنه ليس بجسم لم يكن ليزيد على ~~هذه الصفة ، لأن وصفه نفسه بأنه فى السموات والأرض يقتضى أنه لم يجعلها ~~مكانا له ، لاستحالة ذلك (3) فيما يجوز عليه المكان ، فيجب أن يحمل الأمر ~~على أنه جعلها ظرفا لتدبيره واقتداره وتصريفه (4) لهما على إرادته ، أو ~~يحمل الأمر على أنه محيط بهما علما ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@03 يعلم ~~سركم وجهركم ) فنبه بذلك على أنه فيهما ، بمعنى أنه لا يخفى عليه أحوالهما ~~، كما لا يخفى على الحاضر # ومنها آية سورة الأنعام هذه. PageV01P236 # حال من يشاهده ، وعلى هذا الوجه يجرى القول فى أوصاف الله تعالى بأنه بكل ~~مكان ، واستجاز المسلمون إطلاقه ، لأنهم عنوا به فى الصنع والتدبير ، أو فى ~~الإحاطة به علما. # ويبين ما قلناه أن قوله تعالى : ( @QUR@03 يعلم سركم وجهركم ) لا يليق ~~إلا بما ذكرناه ، لأنه إذا كان فى كل مكان لم يجب أن يكون عالما بسرنا ~~وجهرنا ، لأن الحاضر معنا « لا يجب أن يكون مطلعا (1) على أسرارنا ، فكيف ~~من هو فى غير المكان الذى نحن فيه؟ # ومتى ذكر تعالى المكان ثم عقبه بذكر العلم وغيره ، فيجب صرف الكلام إلى ~~ذلك الوجه ، ولهذا قلنا إن قوله تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي في السماء إله ~~وفي الأرض إله ) (2): المراد به الاقتدار منه على المكانين ، والتنبيه ~~بذكرهما على أنه مقتدر على كل شيء ، وكذلك لما عقب الكلام بذكر العلم دل ~~على أن المراد « بما تقدم ذكره أنه محيط (3) بما فيهما علما. ### |||| ** 204 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده فيها ما يدل على أن المكان يجوز عليه ، فقال : ( ~~@QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) [18] و « فوق » إنما ms150 تستعمل فى اللغة بمعنى ~~المكان إذا علا على مكان غيره. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى قد نبه فى الكلام على ما أراد ، بقوله ( ~~@QUR@01 وهو PageV01P237 # @QUR@01 القاهر ) « ثم ذكر ما يقتضى [ بيان ] حاله فى ذلك فقال (1) ( ~~@QUR@02 فوق عباده ) وهذا كقوله : ( @QUR@04 يد الله فوق أيديهم ) (2) ومتى ~~قيل هذا القول فى بعض الأوصاف فالمراد به المبالغة فى تلك الصفة ؛ لأنا إذا ~~قلنا : زيد عالم « فوق غيره (3) فإنما يفهم منه المبالغة فيما قدمناه من ~~الصفة ، يبين ذلك أنا إن حملنا الآية على ظاهرها وجب كونه فى السماء فقط ، ~~وينقض ما تقدم من استدلالهم على أنه فى السموات والأرضين. ### |||| ** 205 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعد ما يدل على أن الكذب قد يحسن ، وأنه قد يجوز على ~~أهل الآخرة وإن كان قبيحا! فقال تعالى : ( @QUR@017 ثم لم تكن فتنتهم إلا ~~أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ، انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) (4) ~~فخبر عنهم بأنهم كذبوا فى الآخرة ، وهو الذى قلناه. # والجواب عن ذلك : أن الكذب قد ثبت أنه يقبح لكونه كذبا ، وإن كان لا يكون ~~كذلك إلا بأن يقصد المخبر به الوجه الذى يقع عليه كذبا ، ولو لا صحة ذلك ~~وكان إنما يقبح ؛ لأنه لا نفع فيه ولا دفع ضرر ولا مصلحة لكان كالصدق فى ~~بابه ، فكان يجب إذا دفع العاقل إليهما عند نفع أو دفع مضرة ، أن يجوز أن ~~يكون حالهما عنده سواء ، وقد علمنا فساد ذلك ، وثبت أيضا أنه تعالى يلجئ ~~أهل الآخرة إلى أن لا يفعلوا القبيح ؛ لأنهم لو كانوا كأهل PageV01P238 # الدنيا فى التمكن وزوال الإلجاء ، لعاد حالهم إلى حال التكليف ، وقد ~~علمناه زائلا عنهم (1). # فإذا صح ذلك وجب صرف الآية لو كان ظاهرها ما قالوه إلى خلاف ما حملوه ~~عليه ، بأن يقال : إنما أراد بقوله تعالى : ( @QUR@05 انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم ) فى دار الدنيا بإخبارهم عنها أنهم مصيبون وأنهم غير مشركين ، ~~فأرادوا بقولهم : ( @QUR@03 ما كنا مشركين ) أنا لم نكن عند أنفسنا وفى ~~ظننا واعتقادنا ، فكيف والظاهر لا يدل إلا على أنهم كذبوا ms151 على أنفسهم ، من ~~غير ذكر وقت! فمن أين أنهم كذبوا فى الآخرة دون الدنيا؟ # ولو صرف ظاهره إلى الدنيا لكان أقرب ؛ لأن الفعل ماض غير مستقبل ومضى ~~الفعل من غير توقيت لا يخصص زمانا دون زمان. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وضل عنهم ما كانوا يفترون ) (2) يدل على ذلك (3)؛ لأنه # انظر الطبرى : 7 / 165 169. وإن كان لا يمتنع عند المرتضى أن تكون الآية ~~تتناول ما يجرى فى الآخرة. ثم تتلوها آية تتناول ما يجرى فى الدنيا (لأن ~~مطابقة كل آية لما PageV01P239 # بين أنه ذهب عنهم ما أقدموا عليه من الكذب والافتراء ، وهذا يشاكل ما ~~قدمناه من التأويل. ### |||| ** 206 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد منع الكافر من الإيمان بمنع ~~فعله فى قلبه وسمعه ، فقال : ( @QUR@013 ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) [25]. # والجواب عن ذلك : أن المعلوم من حال الكفار ، فى زمن رسول الله صلى الله ~~عليه ، أنهم لم يكونوا بهذه الصفة ، وكيف يجوز ذلك وقد ثبت أن رسول الله ~~صلى الله عليه كان يدعوهم وينذرهم ويحذرهم ويبعثهم على تدبر القرآن ، ~~ويتوعدهم على الإعراض عنه ، ولا يجوز أن يكون هذا حالهم وقد منعوا من أن ~~يفقهوه ، وصرفوا عن أن يسمعوه ؛ لأن ذلك يتناقض! # وبعد (1)، فان ظاهر الكلام يقتضى أنهم يستمعون إليه ، وأنهم مع ذلك ~~بالصفة التى ذكروها ، وهذا متناف إذا حمل على ظاهره! # وبعد ، فإنه تعالى ذمهم بذلك ، وذمهم أيضا إعراضهم (2) عن الآيات فقال : ~~( @QUR@07 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) (3) ونبه بذلك على أنه لو كان ~~فى المعلوم « ما يؤمنون عنده (4) لفعله تعالى ، ولا يصح والحال هذه أن يكون ~~قد منعهم من أن يفقهوا وأن يسمعوا! PageV01P240 # والمراد بذلك : أن قوما من الكفار كانوا يرصدون الرسول عليه السلام ليقفوا ~~على مكانه ، ويستدلوا بقراءته القرآن على موضعه ، فيؤذونه بالقول والفعل. ~~وهو الذى أراده بقوله تعالى : ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) (1) فكان تعالى يحدث فيهم شواغل ، ~~كالنوم وغيره ms152 ، فيذهبون عما يريدون ويفوتهم ما يحاولون ، فوصف تعالى ذلك ~~بأنه كن على قلوبهم ووقر فى آذانهم ، على جهة التشبيه ، ولو كانوا فى ~~الحقيقة لا يفقهون ولا يميزون القرآن من غيره ، ولا الرسول من سواه لم يكن ~~لهذا القول معنى ، ولزال عن الرسول عليه السلام أذاهم على كل حال. ولو كان ~~تعالى صيرهم بهذه الصفة لم يكن لجعله بينهم وبينه حجابا مستورا معنى ، لأن ~~حصول ذلك كعدمه فى أنهم كانوا لا يسمعون ولا يميزون. # ويحتمل أن يريد بذلك : أن تمكن الكفر فى قلوبهم لما منعهم من أن يفقهوا ~~القرآن ويسمعوه سماع المتدبر ، صار بمنزلة الكن والوقر ، فأضافه تعالى إلى ~~نفسه لما بين من حالهم هذه الطريقة ، فكما يقال لمن بين حال غيره : جعله ~~فاسقا ولصا ، فكذلك لا يمتنع ما ذكرناه (2) # ويحتمل أن يكون المراد به : أنهم بمنزلة الممنوع لإعراضهم عن سماع ذلك ~~وتدبره ، وكما يقال لمن بين له فلم يتبين : إنه حمار بهيمة على جهة ~~المبالغة ، فكذلك ما قلناه. ولو لا ما ذكرناه لم يكن لقوله ( @QUR@07 وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) معنى ، لأن من لا يمكنه أن يسمع ويفقه لا يجوز ~~أن يوصف بذلك ، PageV01P241 # وكان لا يصح أن يصفهم بأنهم كذبوا بآياته وغفلوا عنها! وكل ذلك يبين صحة ~~ما قلناه. ### |||| ** 207 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن أهل الآخرة يكذبون فى الآخرة ، ~~فقال : ( @QUR@08 ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) (1) # والجواب عن ذلك : أنه تعالى حكى عنهم من قبل تمنى الرجوع ، فقال : ( ~~@QUR@017 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين ) [27] ( @QUR@08 بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~) (2) من وقد علمنا أن الكذب لا يقع فى التمنى ، وإنما يقع فى الأخبار ؛ ~~لأن القائل إذا قال : لئن حضرنى فلان وحادثى ، فسواء حضر أو لم يحضر ، فإن ~~قوله لا يوصف بصدق ولا كذب ، فلا يجوز إذا أن يكونوا كاذبين فيما خبر عنهم ~~أنهم تمنوه من ردهم إلى ms153 الدنيا ، وأن لا يكذبوا بآيات ربهم ، وأن يكونوا من ~~المؤمنين ؛ لأن جميع ذلك وقع على حد التمنى ، فإذا يجب أن يكون إنما وصفهم ~~بأنهم كاذبون فى دار الدنيا (3). # وقوله تعالى من بعد على جهة الحكاية عنهم ( @QUR@06 وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا ) (4) يدل على ما قلناه ؛ لأنه حكاية عنهم فى الدنيا دون ~~الآخرة ، ولأنهم لا يجوز أن ينكروا الإعادة وقد أعيدوا فى المحشر! # فإن قال : كيف يجوز أن يقول تعالى : ( @QUR@06 ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) PageV01P242 # ومعلوم من حالهم وقد عرفوا الله ضرورة فى دار الآخرة ، أن تكليفهم بعد ~~ذلك لا يصح؟ # قيل له : ليس فى الظاهر أنهم لو ردوا لعادوا « لمثل ما نهوا عنه (1) فى ~~حالهم تلك ، فكما يجوز أن (2) يقدر ذلك بردهم ، فكذلك يقدر بما ثبت من جهة ~~العقل من ردهم على الأحوال التى يصح معها أن يكونوا مكلفين. # وهذه الآية تبين أنه تعالى لرأفته بعباده لا يقطعهم عن الطاعة ، وأنه لو ~~علم أنهم يؤمنون ويستحقون الثواب فى حال من الأحوال لكان لا يخترمهم دونه ، ~~وقد كلفهم على جهة التعريض للثواب. # ويجوز فى الآية أن يريد بها أنهم كاذبون فيما تمنوه ، من حيث كان المعلوم ~~أنه لا يقع على ذلك الحد ، ويكون مجازا فيه (3)، لأن حقيقته إنما تقع فى ~~الأخبار. ### |||| ** 208 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يشأ ممن كلفه الاجتماع على ~~الهدى ، فقال : ( @QUR@06 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) (4) لأنه لو كان ~~شاء ذلك لم يصح أن يقول هذا القول. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه تعالى قد شاء منهم ذلك على جهة # الأمالى : 2 / 273. PageV01P243 # الاختيار والطوع (1)، وقد يصح أن يشاء على جهة الحمل والإكراه ، وبينا ~~أنهما كالمتنافيين ؛ لأنه لا يصح أن يشاء منهم الهدى على كلا الوجهين ، ~~وبينا أن ما هذا حاله لا يصح أن يحمل النفى فيه على العموم ، فلا يصح ~~تعلقهم بالظاهر. # وبعد ، فإنه تعالى « إنما نفى أن يجمعهم على الهدى ، ولم ينف أن يشأ أن ~~يجتمعوا على ms154 الهدى. وجمعه (2) لهم على غير اجتماعهم ، لأن ذلك فعله وهذا ~~فعلهم ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر. # وبعد ، فقد بينا أن حقيقة الهدى ليس هو الإيمان ، ومتى حمل عليه فهو مجاز ~~، فهذا أيضا يمنع من تعلقهم بالظاهر ، ويوجب حاجة القوم إلى الدخول تحت ~~التأويل. # والمراد بالآية : أنه تعالى وجد نبيه عليه السلام شديد الحرص على إيمانهم ~~، فبين له أن ذلك لا يدخل فى مقدوره ، وإنما يتعلق باختيارهم ، أو بأن ~~يلجئهم تعالى إليه : فقال : ( @QUR@016 وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن ~~استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء ) بأن يبلغ غايته ( ~~@QUR@02 فتأتيهم بآية ) (3) « لم يكونوا ليؤمنوا (4) عندها على الحد الذى ~~أردته ، وجعل ذلك كالإنكار على الرسول عليه السلام ، أو بمنزلة التسلية له ، ~~ثم قال تعالى : ( @QUR@06 ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) مبينا بذلك أنه ~~المقتدر على ذلك ، لكنه لو فعل لزال التكليف ، ولما نفعهم إيمانهم ~~واهتداؤهم ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 فلم يك ينفعهم PageV01P244 # @QUR@04 إيمانهم لما رأوا بأسنا ) (1) وهذا نظير قوله : ( @QUR@010 ولئن ~~أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) (2) فبين للرسول ~~عليه السلام أنه قد علم من حالهم أنهم لن يصلحوا عند شيء من الآيات ، وأنهم ~~إذا كانوا بهذه الصفة ، وقد بين لهم بما حصل من الآيات ، وأزيحت عللهم ، ~~فنهاية الحجة عليهم قد تمت وحصلت. ### |||| ** 209 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يكلف من لا يعقل ، فقال ( ~~@QUR@012 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) [38]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره أنها أمثالنا فى أنها أمم ، وليس فيه ما يدل ~~على أنها بمنزلتنا فى التكليف ، أو يدل على أنها جماعات أمثالنا. ولم يبين ~~الوجه الذى صارت أمثالا لنا فيه ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر. # والمراد بذلك : أنها جماعات أمثالنا ، لأن الأمة حقيقتها أنها جماعة ، ~~فإذا قيل : من الناس ، فالمراد به جماعة من الناس ، وإنما أراد تعالى : ~~أمثالنا فى أنه تعالى خلقها وتكفل بأرزاقها وقدر أقواتها ، ولا يصح أن يريد ~~التكليف ؛ لأن من حقه ألا يصح ms155 إلا فى المميز العاقل ، وذلك بالضد من حالها ~~، وقد صح أن الطفل ومن لم يقارب حال البلوغ أمثل حالا فى التمييز من الطير ~~، ولا يصح مع ذلك أن يكلف! # فأما ما يتعلقون به من قوله تعالى : ( @QUR@07 وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير ) (3) PageV01P245 # فالمراد به الإنس والجن دون الدواب وغيرها من الحيوان (1)، لما بيناه من ~~الدلالة ، لأن المقصد بالنذير أن يحذر من المعاصى ويبعث على مجانبتها ، ~~وذلك لا يصح فى الدواب!. ### |||| ** 210 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جعل الكفار ممنوعين ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@017 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) [39] فبين أنه يصرفهم فى المنع والإطلاق ~~كيف شاء!. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى لم يذكر الوقت الذى هم فيه بهذه الصفة ، ولا ~~يصح ادعاء عموم الأحوال فى ذلك ؛ لأن الظاهر لا يقتضيه ، لأنه تعالى علقه ~~بأمر ، فقال : ( @QUR@02 في الظلمات ) ولا يعلم بظاهره المراد منه ، ولو ~~كان عاما باطلاقه لمنع هذا التقييد من حمله على ظاهره ، فلا يصح تعلقهم ~~بالظاهر. # ويحتمل أن يريد تعالى : أنه جعلهم بهذه الصفة فى الآخرة ؛ لأنه ذكر ذلك ~~عقيب ذكر الحشر ، فقال : ( @QUR@04 ثم إلى ربهم يحشرون ) (2)، والذين ~~كذبوا بآياتنا ، ومتى حمل هذا على هذا الوجه كان محمولا على حقيقته ، وقوله ~~تعالى : ( @QUR@08 ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) (3) ~~مما يدل على ذلك. # [ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ] وقد قال تعالى : [ وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ] فدل بقوله [ أمم أمثالكم ] ~~أنهم مكلفون كما نحن مكلفون! ) وعنده أن هذا النوع أكثر ما يروج على ( ~~المتكلم الذى لم يقو فى معرفة شرائط النظم ). # انظر مقدمته فى التفسير ص 403. PageV01P246 # ويحتمل أيضا أن يريد فى دار الدنيا ، أنهم لشدة تمسكهم بالكفر والتكذيب ~~بآيات الله ، وإعراضهم عما يسمعون ، وعن المذاكرة بما أريد منهم ، شبههم ~~بمن هو فى الحقيقة بهذه الصفة ، على ما بيناه فى نظائره. ### |||| ** 211 مسألة : قالوا ms156 : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يأخذ سمع المكلف وبصره ~~ويختم على قلبه ، فقال تعالى : ( @QUR@010 قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم وختم على قلوبكم؟! ) [46]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر أنه إن فعل ذلك لم يجز أن تعيد لهم هذه ~~الأحوال ما يدعوه من الآلهة. وليس فيه أنه قد جعلهم بهذه الصفة ، فلا ظاهر ~~للقوم يتعلقون به! # والمراد به تبكيت من اتخذ معه إلها ، ظنا منه بأنه يسمع أو يبصر فقال : ~~قل أرأيتم إن سلبكم تعالى هذه الحواس أتؤملون أن يكون فيمن تعبدون من ~~الأصنام من يخلقها فيكم؟! مبينا بذلك أن لا وجه لعبادتها ، وأن الواجب أن ~~يعبدوه مخلصين غير متخذين معه إلها سواه. ### |||| ** 212 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد أراد من بعض المؤمنين أن ~~يطعنوا فى بعض ، وأن يظهروا لهم الحسد والعداوة فقال : ( @QUR@011 وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) [53]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه فتن بعضهم ببعض إرادة منه لأن ~~يقولوا هذا القول ؛ لأنه قد يجوز أن يريد أن يقولوه على جهة الاستفهام PageV01P247 # لا على جهة إظهار العداوة ، سيما وظاهر الكلام يقتضى الاستفهام ، فلا يصح ~~تعلقهم بالظاهر. # والمراد بالآية : أنه صلى الله عليه لما قرب فقراء المسلمين وألزمهم ~~مجلسه شق ذلك على أشراف العرب ، فألزمهم الله تعالى الصبر ، وسمى ذلك فتنة ~~« لما يقتضيه (1) من المشقة ، فقال تعالى : ( @QUR@04 وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) حكاية ~~عنهم أنهم عند ذلك يستفهمون بهذا القول ؛ لأنهم لا يجوز أن يكونوا منكرين ~~لذلك مع إيمانهم واختصاصهم بالرسول صلى الله عليه ؛ لأن ذلك يوجب الكفر. ### |||| ** 113 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد نهى عن النظر والتدبر (2) ~~فقال تعالى : ( @QUR@013 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره ... ) [68]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أن الخوض فى آياته يقتضى أن ms157 يعرض ~~لأجله ، وهذا مما لا يذهب إليه مسلم ، لأنهم أجمع يقولون : إنه يحسن # راجع المغنى : 12 ( النظر والمعارف ) ص : 4 ، ص 122 مع مقدمة المحقق ~~الأستاذ الدكتور إبراهيم مذكور. PageV01P248 # أن تعرف وتتدبر! وإن كانت مما يحفظ أن تحفظ ويعرف معناها ، فحمله على (1) ~~ما ذكروه يوجب الخروج من جملة الآية ، وإذا حمل على خوض مخصوص فقد ترك ~~الظاهر!. # وبعد ، فإن هذه الآية عقبت ذمهم بإعراضهم عن الآيات ، ونسبهم إلى أنهم ~~اقترحوا سوى إنزاله من الآيات والقرآن (2)، وذلك يوجب أنهم خاضوا فيه لطلب ~~الطعن فيه والتكذيب ، فلذلك أمره تعالى أن يعرض عنهم. ولا يجوز أن يأمرهم ~~بتدبره والنظر فيه ، ومع ذلك يذمهم متى خاضوا فيها على هذا الوجه! ### |||| ** 214 دلالة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ) (3) ~~يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ، لأنه لو جاز أن يفعله لم يجز أن يوثق ~~بأنه خلقها بالحق : « لأنه كان لا يؤمن أن يكون (4) خلقها باطلا وعبثا ~~وفسادا ، وأن يكون خبره هذا (5) كذبا ، ولا يمكن أن يعلم به شيئا. ### |||| ** 215 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@02 قوله الحق ) يدل أيضا على ما قلناه ، لأنه إن كان جميع الكذب ~~والأقاويل الباطلة من عنده وفعله ، فغير جائز أن يوصف بأن قوله الحق. ### |||| ** 216 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@03 وهو الحكيم الخبير ) يدل على مثله ؛ لأنه لو كان فاعلا لكل قبيح ~~لم يجز أن يوصف بأنه حكيم ؛ لأن الحكيم هو الذى يفعل الحكمة والصواب. PageV01P249 # 217 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يجوز أن يشاء ~~الشرك والكفر ، فقال تعالى : ( @QUR@018 وحاجه قومه ، قال : أتحاجوني في ~~الله وقد هدان. ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ... ) [80] ~~فبين أنه لا يخاف شركهم إلا بإرادة الله تعالى. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أنه لا يخاف ما يشركون به وهو ~~الأصنام. ثم قال : ( @QUR@05 إلا أن يشاء ربي شيئا ) فنكر الشيء ، فظاهره ~~لا يدل على المراد ، ويجوز (1) فى الاستثناء أن يكون راجعا إلى ms158 ذكر الخوف ~~وإلى ما يشركون ، فمن أين أن المراد به ما قالوه؟! # والمراد بالآية : أنه لما حاج قومه فنبههم على أن الأصنام لا تنفع ولا ~~تضر ، وأنه لا يخافها على وجه ، قال : ( @QUR@05 إلا أن يشاء ربي شيئا ) من ~~ضروب ما يخاف منه فأخاف ذلك. ومتى لم يحمل على هذا الوجه لم يستقم الكلام. # وقد قيل : إن المراد به (2) ( @QUR@05 ولا أخاف ما تشركون به ) من ~~الأصنام ، إلا أن يشاء تعالى أن يجعلها حية قادرة على الإقدام على الضار ، ~~فأخافها إذ ذاك. ### |||| ** 218 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص المؤمن بالهدى والإيمان ، ~~فقال : ( @QUR@09 ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ، واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم ). [87]. # والجواب عن ذلك : أنه بين تعالى أنه خص الأنبياء بأن اجتباهم واصطفاهم ~~بأن اختارهم للرسالة دون غيرهم ، وهذا مما لا يضاف إلا إليه تعالى. PageV01P250 # وقوله تعالى : ( @QUR@01 وهديناهم ) يعنى بالدلالة والبيان ، وذلك أيضا ~~من فعله. ### |||| ** 219 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ... ) [88] قد (1) يجوز ~~أن يحمل على معنى الدلالة ، كأنه قال تعالى هى أدلته الدالة على طاعته ~~وعبادته ، يهدى بها من يشاء من المكلفين. ويحتمل أن يريد به الفوز والنجاة ~~، على ما بيناه من قبل. ### |||| ** 220 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خلق أعمال العباد ، فقال : ( ~~@QUR@028 بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شيء ، وهو بكل شيء عليم ، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ... ) ~~[ 101 102 ] وهذا وما تقدم مما لا ريب فى عمومه ، فيجب دخول اكتساب العبد تحته. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@01 وخلق ) يقتضى أنه قدر ، ودبر ~~، ولا يوجب فى اللغة أنه فعل ذلك وأحدثه (2)، ولذلك قال الشاعر : # ولأنت تفرى ما خلقت وبع %~% ض القوم يخلق ثم لا يفرى (3) # 10 / 87 طبع بيروت. # وفى خطبة الحجاج المشهورة : ( ولا أخلق إلا فريت ). PageV01P251 # فأثبته خالقا من حيث قدر ودبر ، وإن لم يفر الأديم. # ومتى حمل الكلام ms159 على هذا الوجه كان حقيقته : أنه تعالى وإن لم يحدث أفعال ~~العباد ، فقد قدرها ودبرها وبين أحوالها ، فهذا وجه. # وقد قال بعض العلماء : إن هذه اللفظة فى الإثبات ليس المقصد بها التعميم ~~، كما يقصد ذلك فى النفى ؛ لأن القائل يقول : أكلت كل شيء ، وتحدثنا بكل ~~شيء ، وفعلت كل شيء ، وقال تعالى : ( @QUR@03 تبيانا لكل شيء ) (1) و ( ~~@QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (2) وقال تعالى : ( @QUR@05 تدمر كل ~~شيء بأمر ربها ) (3) وقال : ( @QUR@05 يجبى إليه ثمرات كل شيء ) (4) وإنما ~~المقصد بذلك المبالغة فى الكثير من ذلك النوع المذكور ، قال : ولا يعرف هذا ~~(5) الكلام فى باب الإخبار عما يفعل الإنسان عما يحدث من الأمور مستعملا ~~إلا على هذا الوجه ، فلا يصح أن يدعى فيه العموم ، فهذا وجه ثان. # ومما يقال فى ذلك : وقوله تعالى : ( @QUR@03 خالق كل شيء ) على ما يصح أن ~~يقدر عليه فيجب أن يبين أن (6) أفعال العباد يصح ذلك فيها (7) حتى يتضمنها ~~العموم ، كما أن الدلالة العقلية إذا دلت على أنه تعالى يفعل أمورا ، فإنما ~~تدل بعد تقدم العلم (8) بأن كان قادرا عليها. وما ترتب على شرط غير مذكور ~~تجب معرفته ، لا يمكن ادعاء العموم فيه. PageV01P252 # ومما يقال فى ذلك : إنه تعالى قال : ( @QUR@04 خالق كل شيء فاعبدوه ) ~~فعلق العبادة ولزومها (1) لنا بكونه خالقا لكل شيء ، فيجب أن يتناول ما ~~للزوم العبادة به تعلق ، وذلك ليس إلا ما خلقه من النعم فى الأجسام وما ~~اختصت به من الملاذ. فأما أفعال العباد فإن لم تكن لم يؤثر ذلك فى لزوم ~~العبادة على حقها. # ومما يقال فى ذلك : إنه تعالى أورد هذه الآية مورد المدح فيما أثبت فيه ~~وفيما نفى ، فلا يجوز أن يحمل الكلام على ما يقتضى الذم ؛ لأنه ينقض المقصد ~~بهذه الآيات ، فيجب أن يكون المراد بقوله : وخلق كل شيء ، من النعم الواسعة ~~عليكم. يبين ذلك أنه لو صرح بذكر ما قالوه لكان لا يليق بالمدح ، ولو قال ~~تعالى : وخلق كل شيء من الحق ، والباطل ، والجور ، والعدل ، والظلم ، ~~والسفه ، والفساد ، فاعبدوه ، لكان قد أورد ms160 ما لو أراد أن ينفر (2) عن ~~عبادته لم يصح أن يزاد عليه! # ومما يقال فى ذلك : إن لفظ الشيء قد يقع على الموجود والمعدوم جميعا (3) ~~، ولذلك يقول القائل : علمت ما كنت فعلته ، كما تقول : أعلم الأجسام ، ~~ولذلك (4)، قال تعالى : ( @QUR@08 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~) (5) فإذا صح PageV01P253 # ذلك ، فحمله على العموم يقتضى أنه خلق المعدوم والموجود ، وذلك يتناقض ، ~~وما حل هذا المحل مما إن حمل على العموم يتناقض ، فالواجب أن يوقف فيه على ~~الدليل. وليس هو من الباب الذى يحمل على ما عدا ما دل عليه الدليل ، لأن ~~ذلك إنما يفعل فيما يمكن حمله على عمومه ، أو يتميز كل متقدم على (1) ما ~~يحمل عليه مما لا يجوز حمله عليه. # ومما يقال فى ذلك : إنه تعالى كما بين فى هذه الآية العموم ، فقد قال : ( ~~@QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ) (2) إلى غير ذلك ، فإذا جمعنا بين ~~الكلامين اقتضى ذلك أنه تعالى خلق القبيح ، وهذا أنه لم يخلق إلا الحسن ، ~~فلا بد من أن يكون كل واحد منهما مانعا الآخر من التعميم ، ويوجب الرجوع ~~إلى الدلالة. بل لو قيل : إن هذا أخص لجاز ، لأن ذلك يتناول الحسن والقبيح ~~، وهذا يخص الحسن! # وبعد ، فلو كان ظاهره يقتضى ما قالوه لوجب بدلالة العقل صرفه إلى ما ~~ذكرناه ، لأنه يختص بالحسن ، ولأنه تعالى (3) لا يجوز أن يكون خالقا لسب ~~نفسه وسوء الثناء عليه ، والقول بأنه ثالث ثلاثة ، وأنه اتخذ صاحبة وولدا ، ~~فلا يجوز أن يخلق ذلك ثم يعاقب عليه ، ويقدم النار لمن خلق الكفر فيه ، ~~والجنة لمن خلق فيه الإيمان ، ويقول مع ذلك : ( @QUR@08 وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) (4) ( @QUR@04 فما لهم لا يؤمنون ) (5) لأن ذلك ~~عبث لا يقع من الحكيم ، فكل ذلك يبين أن المراد بالآية ما قلناه. PageV01P254 # 221 دلالة : وقوله تعالى ( @QUR@06 لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ~~.. [103] يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يرى بالأبصار والعيون ، على وجه ، ~~فى كل وقت ، من غير تخصيص ، لأنه تعالى عم بالنفى ، وذكر ذلك ms161 (1) على جهة « ~~التنزه والمدح (2) وما تمدح بنفيه (3)، مما يرجع إلى ذاته ، لم يقع إثباته ~~إلا ذما ، فيجب أن يدل الظاهر على ما قلناه ، كما كان يدل لو قال : لا تراه ~~الأبصار ، لأن الإدراك إذا قرن بالبصر زال عنه الاحتمال ، ولا يجوز (4) فى ~~اللغة أن يراد به إلا الرؤية بالبصر ، ولذلك يجريان (5) فى النفى والإثبات ~~على حد واحد. ### |||| ** 222 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@011 قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ... ) ~~[104] يدل على أن ما تقدم ذكره هى أدلة الله تعالى ، وأن الواجب عليهم ~~تدبره والتفكر فيه ، وهذا بين. ### |||| ** 223 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد من المكلف الرد على الرسول ~~عليه السلام ، فقال : ( @QUR@05 وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ) [105]. # والجواب عن ذلك : أن دخول الواو بين الجملتين يمنع من أن يحمل بظاهره على ~~أن المراد بالأول أن يفعل الثانى ، لأن من حق هذا الباب أن يكون فى حكم ~~الجملة الواحدة ، لاتصال الثانى بالأول ، فلا يمكنهم التعلق بالظاهر. PageV01P255 # والمراد بذلك : أنه تعالى يصرف الآيات وتوالى حدوثها حالا بعد حال لئلا ~~يقولوا : درست ، مثل قوله تعالى : ( @QUR@05 يبين الله لكم أن تضلوا ) يعنى ~~: لئلا تضلوا ، ومتى حمل على هذا الوجه كان الثانى مشاكلا للأول. # ويحتمل أن تكرر (1) إحداث الآيات ، ليقولوا : دارست ذلك علينا وتلوته مرة ~~بعد مرة ، فيكون محمولا على ظاهره ، ولذلك قال من بعده : ( @QUR@03 ولنبينه ~~لقوم يعلمون ) (2) ### |||| ** 224 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لو شاء لم يشركوا ، وإنما أشركوا ، ~~بمشيئته ، فقال : ( @QUR@09 ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ~~) (3). # والجواب عن ذلك : أن المراد بالآية : ولو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان ~~ويجمعهم على الهدى ما أشركوا. لكنه لما أراد تعريضهم للثواب أزال الإلجاء ، ~~فاختار بعضهم الشرك لسوء اختيارهم. # وقد بينا أن الظاهر لا يمكن التعلق به من قبل ، ولذلك ذمهم ، قال تعالى : ~~( @QUR@03 وأعرض عن المشركين ) (4)، على جهة الاستخفاف بهم ؛ لما أقدموا ~~عليه من المعاداة. ثم بين أنه تعالى لو أراد ms162 أن يلجئهم إلى ترك الشرك لفعل ~~، وعزى رسول الله صلى الله عليه فى ذلك فقال : ( @QUR@08 وما جعلناك عليهم ~~حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ) ولو كان المراد به مشيئة الإجبار لم يكن لهذا ~~القول عقيب ذلك معنى! PageV01P256 # 225 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه زين لكل أمة ما ~~يعملون من كفر وإيمان فقال تعالى : ( @QUR@05 كذلك زينا لكل أمة عملهم ) [108]. # والجواب عن ذلك : أن من يخالفنا فيزعم أنه تعالى قد شاء الكفر من الكفار ~~، كما شاء الإيمان ، لا يبلغ جهله أن يقول : قد زين للكافر الكفر ، بل إنه ~~عندهم قد قبح عليهم وزين خلاف ما اختاروه ، وكما لا يقولون إنه تعالى رغب ~~فى الكفر وأمر به « فكذلك لا يقولون (1): زينة؟ فلا يصح لمسلم التعلق بهذا ~~الظاهر. ولا بد فيه ضرورة من الرجوع إلى التأويل. # والمراد بذلك : أنه تعالى زين لكل أمة العمل الذى كلفهم وأمرهم به ونهاهم ~~عن خلافه ، ولو أن الرجل منا أقبل على بعض أولاده فقال : ليكن عملك اليوم ~~تدبير الضيعة ، وأقبل على الآخرين فقال : ليكن عملكم الاشتغال بالعلم ، صلح ~~أن يقول : قد رغبت كلا الفريقين ، وزينت لكل واحد منكم عمله ، ولا يعنى ما ~~أقدم عليه ، وإنما يريد ما يزينه له. # « ولو كان الأمر (2) كما قالوا من أنه تعالى زين الكفر ، لم يكن ليضيف ~~إلى الشيطان أنه زين أعمال الكفار ، ولا كان لقوله تعالى : ( @QUR@04 ثم ~~إلى ربهم مرجعهم ) (3) معنى. ### |||| ** 226 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يغير القلوب والأبصار ، ويقلبها ~~من حال إلى حال ، فقال تعالى ( @QUR@05 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم # (م 17 متشابه القرآن) PageV01P257 # @QUR@08 يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) [110] # والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر تقلب ذلك فيهم فى المستقبل ، فمن أين أن ~~المراد به فى الدنيا ، ولا توقيت فى الكلام؟ # وبعد ، فإنه تعالى بين أنه يفعل ذلك ، من حيث لم يؤمنوا به ، ولا يكون ~~ذلك على جهة العقوبة إلا فى الآخرة ، وهذا هو المراد ؛ لأنه تعالى يفعل ms163 بهم ~~ذلك فى النار حالا بعد حال ، لأجل كفرهم وسوء أفعالهم. # ولو حمل على أن المراد به أن يفعل بهم ذلك فى الدنيا بأن يضيق صدورهم بما ~~يرد عليهم من الغم لتعظيم المؤمنين ، وبما يرد عليهم من الشبه ، وبما يقع [ ~~للمؤمنين ] من الظفر بالحجة وغيرها ، لم يمتنع. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) ظاهره يقتضى التخلية ~~فقط ، وهو تعالى قد ثبت أنه خلى بين الكافر وكفره ؛ لأنه لو منعه قهرا لزال ~~التكليف والذم والمدح ، وإنما منعه بالنهى والزجر ، وذلك لا يخرجه عن ~~التخلية. ### |||| ** 227 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يشأ منهم الإيمان ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@019 ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) [111]. # والجواب عن ذلك : أن المراد به : إلا أن يشاء الله أن يلجئهم ويحملهم على ~~الإيمان ، وقد بينا فى نظائر ذلك الكلام فيه (1). PageV01P258 # وإنما أراد تعالى أن هؤلاء الكفار معلوم من حالهم أنهم قد انتهوا فى ~~التمرد وشدة التمسك بالكفر إلى حد لا يؤثر فيهم شيء من الآيات ، وأنه لو ~~كان المعلوم أن شيئا منها يؤثر لفعله تعالى ، لكنه قد أقام الحجة بما فعل ~~وأزاح العلة ، ولم يدع ما لو (1) فعل كانوا إلى الإيمان أقرب ، فمن قبل ~~أنفسهم أتوا. # وهذا أقوى فى الدلالة على أنه تعالى يلطف لعباده ، وأنه متى علم من حالهم ~~أو حال بعضهم ، أنه يؤمن عند شيء فلا بد من أن يفعله (2)؛ لأنه لو جاز أن ~~لا يفعله ؛ لم يكن لهذا القول الدال على أنه لم يفعل هذه الآيات ؛ من حيث ~~علم أنهم لا يؤمنون ، معنى. ### |||| ** 228 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه تعالى جعل لكل نبى عدوا ، وأنه خلق ~~فيهم عداوتهم ، صلوات الله عليهم ، فقال تعالى : ( @QUR@05 وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا ) الآية ... [112]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على ما قالوه ، وذلك أنه تعالى قال ( ~~@QUR@05 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) وليس فيه أنه الخالق ms164 لعداوتهم (3)، ~~فالظاهر لا يدل على موضع الخلاف ؛ لأنا لا نأبى (4) أنه تعالى يخلق أعداء ~~الأنبياء من شياطين الإنس والجن (5). # فإن قال : فلما ذا أضاف [ الفعل ] إلى نفسه؟ # قيل له : المراد بذلك أنه بين للأنبياء شدة عداوتهم لهم ، فمن حيث بين PageV01P259 # ذلك فيهم ، قيل إنه جعلهم أعداء كما يقال فى الحاكم : إنه أبطل إقرار ~~فلان ، وصحح إقرار فلان ، وزور فلانا ، إلى ما شاكله. ### |||| ** 229 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولو شاء ربك ما فعلوه ) محمول على أنه لو ألجأهم إلى ترك (1) ما ~~فعلوه لما وقع منهم ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@03 فذرهم وما يفترون ) ~~مبينا بذلك أنه لما أزال الإلجاء حصلت التخلية. ### |||| ** 230 وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ) [113] إن رجع إلى ~~أول الكلام فمحمول على العاقبة ، وإن رجع إلى قوله : ( @QUR@04 يوحي بعضهم ~~إلى بعض )، فمحمول على الحقيقة. ### |||| ** 231 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@011 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم ) [115] يدل على التوحيد والعدل. # فأما دلالته على التوحيد ، فإنه بين أن كلمات الله يجوز فيها التبديل ~~ويصح عليها التمام ، وذلك يقتضى أنها محدثة. # وأما دلالته على العدل ، فلأنه تعالى وصفها بأنها صدق ، وعدل ولو كان كل ~~الكذب من عنده لم يصح ذلك. # ويدل أيضا على ما نقوله فى الوعيد ؛ لأنه وصفها بأنها صدق ، فإذا أخبر ~~بأنه يعاقب الفجار. فالواجب أن نقطع بذلك ولا نقف فيه ، ولا يجوز فيه الكذب ~~، ولا الخلف ، ولا الشرط ، ولا (2) التخصيص من غير دلالة. ### |||| ** 232 مسألة : قال : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه زين للكافر PageV01P260 # ما (1) يعمله ، فقال تعالى : ( @QUR@011 أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس ... ) إلى آخر الآية (2) [122]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر أنه زين لهم ، ولم يبين ما الذى زينه ، ~~وهذا لا ظاهر له فى إثبات الفاعل على ما بينا فى نظائره (3). # والمراد بذلك : أن شياطين الإنس والجن زينوا (4) لهم ما كانوا يعملون على ~~ما صرح بذكره فى سائر الآيات. وإنما أراد أن يبين الترغيب والترهيب ، فذكر ms165 ~~حال من رغبه فى الإيمان ولطف به فاتبع ذلك ، فى وصفه بأنه أحياه وجعل له ~~نورا يمشى به فى الناس ، وبين أنه بخلاف من مثله فى الظلمات وقد زين له ~~الشياطين عمله فتبعه واقتدى به ، وهذا ظاهر فى الترغيب والترهب. ### |||| ** 233 مسألة : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يريد المكر ممن يقدر عليه ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@09 وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) [123]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى أراد به أن عاقبة أمرهم أن يمكروا فى القرى ~~التى سكنهم الله تعالى فيها ، كقوله تعالى : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا ) (5) وكقول الشاعر : # وأم سماك فلا تجزعى %~% فللموت ما تلد الوالدة # ولا يجوز أن يكون تعالى يجعلهم أكابر ليمكروا ويعصوا ، وقد قال تعالى PageV01P261 # ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (1) يبين ذلك أنه متى أبرز ~~المحذوف من الكلام وكشف ، لم يستقم على ظاهره ، فلو قال تعالى : وكذلك ~~جعلنا فى كل قرية أكابر مجرميها وأمرناهم ألا يمكروا فيها ليمكروا ، لكان ~~ذلك يتناقض ، وهذا مما لا بد من تقديره ؛ لأنه لا يجوز أن يكون غرضه تعالى ~~أن لا يمكروا ، بأن يجعلهم فى القرى أكابر ؛ لأنه لو لم يكلفهم لم يصح ذلك. # فأما ما ذكرناه فلو أبرز فيه المحذوف لاستقام ، بأن يقول : وما خلقت الجن ~~والإنس وأكملت عقولهم وأمرتهم بالعبادة إلا ليعبدون ، لاستقام الكلام ~~وانتظم (2)، فعلى هذه الطريقة يجب أن يحمل ما يراد به العاقبة ، ومفارقته ~~لما يراد به الإقدام على ذلك الفعل. وهذا واضح. ### |||| ** 234 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه أراد الهدى من قوم والضلال من ~~آخرين ، فقال تعالى : ( @QUR@08 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) ~~إلى آخر الآية (3) [125]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى لم يذكر فيمن أراد أن يهديه إلى ما ذا؟ ~~والهدى مما يتعلق بغيره ، فمتى حذف ذلك المعنى وزال التعارف ، لم يكن له ~~ظاهر ، وقد بينا من قبل أنه يحتمل الدلالة ، ويحتمل الأخذ بهم فى طريق ~~الجنة ، ويحتمل الثواب ، وأن ms166 كل ذلك مما يجوز عليه تعالى (4)، فمن أين أن ~~المراد بهذه الآية نفس الإيمان؟ PageV01P262 # فإن قال : لأنه تعالى قال : ( @QUR@03 يشرح صدره للإسلام ) فجعل شرح ~~الصدر كالموجب عما أراده به من الهدى. # قيل له : لو قلنا ذلك ، لكان إنما يدل على أنه تعالى قد أراد التمسك ~~بالإيمان ، ولا يدل على أنه خلق!! وهذا قولنا. # فإن قالوا : أفيلزم أن تقولوا بمثله فى قوله تعالى : ( @QUR@04 ومن يرد ~~أن يضله ). # قيل له : لا يجب إذا حملنا الظاهر الأول على حقيقته أن نحمل الثانى مع ~~قيام الدلالة المضطرة إلى حمله على التوسع ؛ لأن القياس لا يستعمل فيما هذا ~~حاله (1). # وبعد ، فإن ظاهر الكلام يقتضى أنه أراد بقوله : ( @QUR@04 ومن يرد أن ~~يضله ) عما هدى إليه الفرقة الأولى ، بأن يضله عن الأدلة والبيان (2) وهذا ~~مما يطلقه القوم ؛ لأنهم لا يجوزون التكليف مع فقد الأدلة والبيان ، كما ~~يجيزونه مع فقد القدرة. # والمراد عندنا بالآية : أنه أراد بقوله : فمن يرد الله أن يهديه إلى ~~الثواب فى الآخرة جزاء له على إيمانه ، يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن ~~يضله عن الثواب فى الآخرة يجعل صدره ضيقا حرجا ، وظاهر الكلام يقتضى (3) أن ~~المراد مستقبل ، ولا يمكن أن يمنع من حمله على ما قلناه! # فإن قيل : فما الفائد فى شرح الله الصدر وضيقه فى الفريقين ، وأى تعلق ~~لهما (4) بالهداية والضلالة اللذين ذكرتموهما؟ PageV01P263 # قيل له : إنه تعالى بين أن من يرد الله أن يهديه إلى الثواب فى الآخرة. ~~يلطف له (1) فى الدنيا بضروب من الألطاف والتأييد وزيادات الهدى ، فيشرح ~~بذلك صدره للإيمان ، ومن يرد عقابه يفعل فيه ما يقتضى ضيق صدره بما هو فيه ~~من إظهار الأدلة ، إلى ما شاكله ، وهذا يؤذن أنه أراد من كل واحد منهما ~~الطاعة ؛ لأنه إن أراد شرح صدر المؤمن كان أقرب إلى تثبيته « على إيمانه ، ~~وإذا ضيق صدر الكافر كان أقرب إلى أن يقلع عن الكفر (2)؛ لأن المتعالم من ~~حال من ضاق صدره بشيء وتحير فيه ، أن يطلب التخلص منه. # وقوله تعالى بعده : ( @QUR@08 كذلك يجعل الله الرجس ms167 على الذين لا يؤمنون ~~) يدل على أن ما تقدم ذكره عقوبة فى الحقيقة ، ويقوى ما قدمناه من التأويل ، # فإن قال : إنا نجد الكافر غير ضيق الصدر بما هو فيه ، والظاهر منه خلافه ~~، فكيف يصح فى خبره تعالى الخلف؟ # قيل له : إنه تعالى بين أنه يجعل صدره ضيقا حرجا ، ولم يقل : فى كل حال ، ~~ومعلوم من حاله فى أحوال كثيرة أنه يضيق صدره بما هو عليه ، عند ورود الشبه ~~والشكوك ، وعند مجادلة المؤمن له فى أدلة الله. وهذا القدر هو الذى يقتضيه ~~الظاهر. # وبعد ، فإن ما ظهر منه لا ينافى أن يكون صدره ضيقا ؛ لأن مجاحدة ذلك لا ~~تمنع ، لفقد معرفتنا بالبواطن ، فما قالوه لا يمنع من حمل الكلام على ظاهره. # وتحتمل الآية وجها آخر ، وهو أنه أراد بقوله تعالى : ( @QUR@05 فمن يرد ~~الله أن يهديه ) PageV01P264 # زيادة الهدى الذى وعد بها المؤمن بشرح صدره بتلك الزيادة ، لأن من حقها ~~أن تزيد المؤمن بصيرة إلى بصيرة ، ( @QUR@04 ومن يرد أن يضله ) عن تلك ~~الزيادة ، بمعنى يذهب به عنها ، من حيث أخرج نفسه من أن تصح عليه ، يجعل ~~صدره ضيقا حرجا لمكان فقد تلك الزيادة ، لأنها إذا اقتضت فى المؤمن ما قلنا ~~، أوجبت فى الكافر ما يضاده. وتكون الفائدة فى ذلك ما قدمناه من الرغبة فى ~~الإيمان والزجر عن الكفر ، وهذا واضح بحمد الله ومنة. ### |||| ** 235 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يسلط بعض الظالمين على بعض ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@08 وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) [129]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر ذلك عقيب ما اقتضاه من شأن أهل النار ~~ومجادلة (1) بعضهم لبعض ممن كان يتبعه ويقبل منه (2)، ثم قال تعالى عند ~~ذلك : ( @QUR@05 وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) وأراد أنه تعالى يكل بعضهم ~~إلى بعض ، مبينا بذلك أن المتبوع لا ينفع إذ ذاك التابع ، فإن الذى يوجب ~~النجاة هو العمل الصالح. # وليس فى ظاهر قوله تعالى : ( @QUR@01 نولي ) ما ذكروه ؛ لأن الأصل فى هذه ~~العبارة أن يجعل إليه ما يتولاه من ms168 « أمر غيره (3)، فإذا لم يذكر ذلك لم ~~يكن له ظاهر. ولو أن الفصيح قال : وليت فلانا ، ولم يذكر الأمر الذى ولاه ، ~~كان الكلام مبهما ، فكذلك إن زاد فقال : وليت بعض أولادى بعضا ؛ فلا يصح ~~للقوم التعلق بما ذكروه. والواجب حمل الآية على ما قدمناه بشهادة ما تقدمه له. PageV01P265 # 236 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه زين للمشركين قتل ~~أولادهم ، فقال تعالى : ( @QUR@08 وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم ) (1)... [137]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى بين فى آخر الكلام أن الذى زين : هم شركاؤهم ~~، فلا شبهة فى هذا الباب ، ولا ننكر أن شركاء الكفار زينوا لهم هذه المعصية ~~وسائر المعاصى ورغبوهم فيها ، وأمروهم بذلك ، وبعثوهم عليه. ### |||| ** 237 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 ولو شاء الله ما فعلوه ) يجب أن يحمل على أن المراد به : لو شاء ~~أن يحملهم على خلاف ما فعلوه ، لكنه تضمن بالتكليف التخلية التى معها يصح ~~استحقاق الثواب ، فلما يشأ ذلك ، فلا يصح للمجبرة التعلق بهذه الكلمة! ### |||| ** 238 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه قد يجازى على المعاصى بتشديد ~~التكليف ، وأنه إذا جاز ذلك لم يمتنع أن يضل من قد عصى ، على هذا الحد ، ~~فقال : ( @QUR@028 وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا ، أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) [146]. # والجواب عن ذلك : أنه يمتنع أن يكلف تعالى على طريق العقوبة على ذنب (2) ~~سلف ؛ لأن الغرض بالتكليف التعريض للمنافع ، والغرض بالعقوبة استيفاء ما ~~يستحقه من الضرر على ما سلف (3)، والصفتان تتنافيان ، فلا يجوز فى التكليف ~~أن يكون عقوبة. PageV01P266 # فإن قال : فأنتم تقولون فى التكليف فى الحدود إنها قد تكون عقوبة! # قيل له : لأنها من فعل الغير فيهم ، ولا يمتنع ذلك فيها على بعض الوجوه ، ~~وليس كذلك حال التكليف. # فإن قال : فأنتم تقولون فى الكفارات : إنها عقوبة ، وذلك ينقض ما ذكرتم. # قيل له : لا يصح فى الكفارات التى يلزم ms169 المرء توليها أن تكون عقوبة ، لما ~~قدمناه ، وإنما يقال فى بعضها : إنها تجرى مجرى العقوبة فى أنها تثبت مع ~~المأثم كثبوت العقاب ، فأما أن تكون فى الحقيقة كذلك فمحال. # وإذا صح ذلك ، وجب حمل قوله تعالى : ( @QUR@03 ذلك جزيناهم ببغيهم ) على ~~أنه علم أن الصلاح عند بغيهم تشديد التكليف عليهم ، فصار ذلك ، لتعلق كونه ~~صلاحا له ولولاه لم يحصل لذلك جزاء ، ولا يعقل فى اللغة فى الشيء أنه جزاء ~~ما ذكروه من العقوبة فقط ؛ لأنهم يستعملون ذلك فيما يقابل غيره ويتعلق به. ### |||| ** 239 دلالة : وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@037 سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون ) [148]. # يدل على ما نقوله ، من أنه لا يريد القبيح من شرك وغيره ، من جهات : # منها : أنه تعالى حكى عن الذين أشركوا وقالوا : لو شاء الله ما أشركنا ~~وذلك يدل على أن من حالهم أنهم اعتقدوا أنهم أشركوا لأجل مشيئة الله ، ~~ولولاها لم يقع منهم فقال تعالى : ( @QUR@05 كذلك كذب الذين من قبلهم ) « وقد PageV01P267 # قرئ ذلك مخففا ومشددا (1) فإذا قرئ (2) مخففا فالكلام ظاهر فى أنه تعالى ~~كذبهم فى المقالة ، من حيث ذكر أن من قبلهم كذبوا فى مثل هذه المقالة. وإذا ~~قرئ مشددا ، فالمراد به : كذلك كذب الذين من قبلهم الرسل (3) فيما دعوهم ~~إليه ، فلا يخلو من أن « يكونوا دعوهم (4) إلى مثل هذه المقالة ، أو إلى ضدها. # فإن كانوا دعوا إلى مثلها ، فالقول به ليس بتكذيب ، بل يجب أن يكون ~~تصديقا فلم يبق إلا أنهم دعوهم إلى ضدها ، وهو القول بأنه تعالى (5) لم يشأ ~~الشرك وأنه لا يقع من المشركين لأجل مشيئته. # « ومن وجه آخر (6) وهو قوله تعالى : ( @QUR@03 حتى ذاقوا بأسنا ) لأن ~~المراد بذلك : عذابنا ، ولا يجوز أن يقال ذلك إلا فى ارتكاب الباطل من ~~المذاهب. # ومن جهة أخرى ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@07 قل هل عندكم من علم فتخرجوه ms170 ~~لنا ) ولا يقال ذلك عقيب حكاية قول ومذهب إلا على جهة التحقيق لبطلان ذلك ~~المذهب والقول به ، ونسب القائل إلى أنه عدل عن طريقة الحجة وسلك طريقة ~~الشبهة. # « ومن جهة أخرى ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@04 إن تتبعون إلا الظن ) لأن ~~ذلك إذا ذكر فى المذاهب فهو من أقوى الدلالة على بطلان التمسك بذلك (7). # ومن جهة أخرى ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@04 وإن أنتم إلا تخرصون ) يعنى : ~~تكذبون. كما قال : ( @QUR@02 قتل الخراصون ) فكل من أخبر بما لا يحققه ~~مقدرا فيه الصدق وهو فى الحقيقة كاذب ، يقال إنه متخرص. وكل ذلك يبين صحة ~~ما نقوله PageV01P268 # من أن الله تعالى لا يريد من العباد إلا الطاعة. ### |||| ** 240 وقوله تعالى عقيب ذلك : ( @QUR@04 قل فلله الحجة البالغة ) (1) يدل على أن المقصد بما « تقدم ما ~~(2) بيناه. ### |||| ** 241 وقوله : ( @QUR@04 فلو شاء لهداكم أجمعين ) يدل على ذلك ؛ لأنه لما أنكر قولهم : إن ~~الشرك يقع بمشيئة الله ، وبين بطلان ذلك ، لم يؤمن أن يظن ظان أنه تعالى لا ~~يقدر على أن يحملهم على الطاعة ، وأن ذلك إذا كان يقع وضده باختيارهم لم ~~يكن مقتدرا عليهم ، فقال الله عند ذلك : ( @QUR@04 فلو شاء لهداكم أجمعين ) ~~مبينا أنه إنما لم (3) يفعل ذلك ؛ لأن التكليف لا يصح إلا مع التخلية ، ~~وأنه لو شاء الإكراه والإلجاء لهداهم كلهم. ### |||| ** 242 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 لا نكلف نفسا إلا وسعها ) [152] يدل على أنه لا يكلف ما لا يطاق ~~، وأن الكافر قادر على الإيمان الذى لم يفعله ، وإنما أتى فى ذلك من قبل ~~نفسه ، وقد بينا وجه دلالة ذلك من قبل. ### |||| ** 243 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@03 وإذا قلتم فاعدلوا ) (4) يدل على أن العبد يحدث فعله ؛ لأنه لو ~~كان مفعولا فيه لم يتمكن من أن يعدل فى قوله ، وصار الأمر فيه إلى غيره. ### |||| ** 244 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يجوز أن يتفضل PageV01P269 # بأمثال الثواب ، وأن جميع ذلك يقع بتفضله من غير استحقاق ، وأنه يجوز أن ~~أن يبتدئ بذلك وبالعقاب أيضا ، فقال : ( @QUR@013 من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ms171 ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ... ) [160]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يقتضى أن من جاء بالحسنة فله من الله ~~تعالى عشر أمثالها ، ولم يذكر أنها أمثال لها فى أى وجه! وقد بينا أن بهذا ~~القدر لا يعلم المراد. # وبعد ، فقد بينا أن ذكر التماثل مع تقدم (1) وصف ، يقتضى حمله عليه ، ~~والذى تقدم من الوصف هو كونها حسنة ، فيجب فى العشر أن تكون « أمثالا لها ~~(2) فى أنها حسنة ، ولا يفهم من ذلك أنها جزاء أو تفضل ؛ لأنه تعالى إذا ~~تضمن فعل الأمرين جاز أن يقال إن لفاعل الطاعة ذلك من قبله ، كما إذا كان ~~مستحقا جاز أن يقال هذا القول ، فمن أين أنه تعالى يثيب لا على الفعل! # والمراد عندنا (3) بالآية : أنه تعالى يفعل ما يستحق بها الثواب ويعطى ~~المثاب على جهة التفضل تسع حسنات ، فيكون ذلك تفضلا ، والحسنة الواحدة ~~ثوابا وإن كانت فى العدد تزيد على (4) التسعة لأنه إذا كان وجه التماثل ~~كونها حسنة ، لا العدد ، لم يمتنع فيها ما ذكرناه. # ولو لا أن الأمر كما قلناه لوجب القطع على أن (5) الطاعات لا تتفاضل فيما ~~يستحق بها من الثواب ، ولوجب القطع على أن المستحق بجميعها هذا القدر. وهذا ~~لا يصح عند الكل. PageV01P270 # وإنما أراد تعالى الترغيب فى الطاعة بتضمن التفضل مع الثواب ، فأما ~~المعصية فيما لا يجوز أن يفعل فى عقابها أكثر من المستحق ، لا عقابا ولا ~~تفضلا ، لأن الابتداء بذلك ظلم ، تعالى الله عنه! فزجر عنه تعالى بالقدر ~~الذى يصح الزجر به ، لأن الزيادة فيه قبيحة ، فلا يجوز أن يتوعد تعالى بها ~~، ولذلك قال عقيبه : ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) (1) مبينا بذلك أنه لا يفعل ~~إلا القدر المستحق ولو كان الأمر كما قالوا ، فالواجب لو فعل اضعاف ذلك أن ~~لا يكون ذلك ظلما ، فكان لا يكون لهذا القول معنى! # وربما سألت المرجئة عن هذه المسألة فقالت : إنه تعالى بين أن الذى يستحق ~~على الطاعة أكثر مما يستحق على المعصية ، فيجب فى الجامع بين الأمرين أن ~~تكون طاعته أغلب وباستحقاق ms172 الجنة أولى ، وهذا يوجب فى مرتكبى الكبائر من ~~أهل الصلاة أنهم من أهل الجنة!! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يوجب إزالة هذين القدرين فى الطاعة ~~والمعصية ، ولا يدل على أن جميع ما تضمنه على الطاعة مستحق ، فمن أين أن ~~الثواب للطائع إذا ارتكب كبيرة أكثر من عقابه. # وقد بينا أن الآية لا تدل على المقدار ، فلا يصح تعلقهم بهذا (2) من هذا ~~الوجه أيضا. # على أن هذا القول يوجب أن يقطعوا بأن الجامع بين الأمرين إذا كان عدد (3) ~~طاعاته أكثر ، « أن يكون (4) من أهل الجنة ، وليس ذلك قولهم ، لأنهم يجوزون ~~أن يخلد فى النار ، وأن يعفى عنه بأن لا يدخلها ، أو بأن يخرج عنها. PageV01P271 # ويوجب أن يقطعوا بمثله فيمن كثرت طاعاته ووقعت منه فى آخر عمره معصية وكفر. # ويوجب عليهم القول بأن من كثرت معاصيه وزادت على طاعاته ، وهو من أهل ~~الصلاة ، أن يكون من أهل النار قطعا ، وكل ذلك بخلاف مذهبهم. ### |||| ** 245 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@07 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ) [161] يدل ~~على أن الهدى بمعنى الدلالة ، ولذلك قال تعالى بعده : ( @QUR@05 دينا قيما ~~ملة إبراهيم حنيفا ) (1) مبينا بذلك المراد بالصراط المستقيم. # وقال بعده : ( @QUR@03 ملة إبراهيم حنيفا ) (2) وقد بينا أن تخصيصه بهذا ~~الهدى الرسول وغيره من المتقين والمفلحين لا يمنع من أن يكون دلالة لغيرهم (3). ### |||| ** 246 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) (4) يدل على أن العبد موجد لما ~~يفعله ؛ لأنه لو كان مخلوقا فيه لوجب أن يكون خالق ذلك هو الذى جنى عليه ~~إذا كان ذلك مضرة ، فكان لا يصح أن يلام وتقام عليه الحجة ، بأن يقال : ( ~~@QUR@06 ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) وكان لا يصح أيضا ما ذكره من قوله : ( ~~@QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى )؛ لأنه كان يجب أن يكون كاذبا ، تعالى ~~الله عن ذلك ، من حيث لا يزر الإنسان إلا بفعل غيره ولأجل ما يخلق فيه. ~~وهذا واضح فى الدلالة على ما نقوله من العدل. PageV01P272 ### | ومن سورة الأعراف ### |||| ** 247 دلالة : وقوله تعالى فيها ms173 : ( @QUR@012 فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا ~~إنا كنا ظالمين ) [5] فبين أنهم عند مشاهدة العذاب التجئوا إلى هذا القول ، ~~ولم يتعلقوا إلا به ، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لكان الأولى من ~~ذلك أن يقولوا عند رؤية العذاب : إنك أوقعتنا فى الظلم ومنعتنا من خلافه ~~وصرفتنا عن ذلك ، وختمت على قلوبنا ، ولم « توجد لنا (1) السبيل إلى ~~الإيمان ، بل منعتنا منه بسلب القدرة عليه ، وبوجود القدرة على ضده « ~~وبوجود ضده (2) إلى غير ذلك ، لأن المتقرر فى العقول أنه لا عذر لمن يعامل ~~بمضرة أوضح من أن يظهر أنه لم يقدر على خلاف ما فعل ، وهذا بين. ### |||| ** 248 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@06 فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ) [6] يدل على أنه ~~تعالى يسائل يوم القيامة ، ولو كان هو الخالق فيهم ما تقدم منهم من الكفر ~~والإيمان لم يكن لمسألته إياهم معنى ، بل كان يجب أن يكون طريقا إلى إقامة ~~الحجة عليه (3)، فكان بأن يهرب من مسألتهم أولى ، بل كان يجب أن يسائل ~~نفسه فيما فعله ويحاسبها ، جل الله عن ذلك! # وهذه الآية تدل على أنه تعالى يسائل المؤمنين والكافرين والأنبياء ، على ~~خلاف ما يظنه بعض الحشوية. ### |||| ** 249 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@05 والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت # ( م 18 متشابه القرآن ) PageV01P273 # @QUR@04 موازينه فأولئك هم المفلحون ) [8] يدل على أن ما يفعله تعالى ~~مستحق لا محالة ليكون عدلا ، ولو كان كما يقول المجبرة لم يصح ذلك ، لأنه ~~ليس من الحق والعدل أن يدخل الأنبياء النار ، على ما جوزوه ، ولا أن يعذب ~~أطفال المشركين فى النار ، على ما قاله بعضهم (1). # وهذه الآية تدل على نصب الموازين فى الحقيقة يوم القيامة ، لأنه تعالى ~~ذكرها ، وذكر فيها الخفة والثقل ، وقد بينا أن وزن الأعمال مع أنها عرض ، ~~وهى متقضية ، يستحيل ، فالمراد بذلك أنه تعالى يجعل فيها أمارة ليتبين ~~برجحان البعض أن المطيع من أهل الجنة ، فيعظم سروره إذا وقف العالم هناك ~~على حاله ، ويكون داعية له فى حال التكليف إلى التمسك بالطاعة والمثابرة ~~عليها ، وبارتفاع ms174 البعض وخفته يعلم حال العاصى وأنه من أهل النار ، فيكون ~~ذلك فضيحة له ، وحلول غم عظيم به ، وردعا له فى حال التكليف ، إذا علم ذلك ~~من عاقبة أمره ، عن المعاصى. # وهذا أحد ما يقوى العدل ، لأنه تعالى قد فعل ما يكون المكلف [ معه ] إلى ~~الطاعة ومجانبة المعصية أقرب ، ولو كان هو الخالق لهما فيه لكان تصور ~~الموازين لا يؤثر فى حاله إن أراد فيه المعصية أو أراد الطاعة ، ولكان ذلك عبثا. # وهذا يبطل القول بأن الغرض فى هذه الأمور تعرف الأحوال! فاذا كان تعالى ~~عارفا بأحوال المكلف فما فائدة الموازين؟ لأنا قد بينا أن الفائدة فيها ~~ترجع إلى المكلف لا إليه تعالى ؛ لأنه عالم لنفسه ، فكما يحسن من أحدنا أن ~~يبكت غيره بوزن الشيء وتعرف مقداره ليعرفه بطلان ما قال أو PageV01P274 # عمل ، وإن كان هو عارفا بمقداره ، فكذلك ما ذكرناه. ### |||| ** 250 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه أغوى إبليس وأوقعه فى المعاصى ، ~~فقال : ( @QUR@07 قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) [16]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الغواية ليس ما ذكروه من المعصية ، وقد « ذكر ~~أهل اللغة أنه قد (1) تكون بمعنى الحرمان وحلول المضار والهلاك ، وأنشدوا ~~فى ذلك قول الشاعر : # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره %~% ومن يغو لا يعدم على الغى لائما (2) # وبينوا أن المراد به الخيبة والحرمان « الذى يكون نقيضا (3) للخير الذى ~~يلقاه ، فإذا صح ذلك وجب حمل الآية على أن المراد بها هذا المعنى ؛ لانه ~~تعالى خيب إبليس من رحمته ونعمته ، وحرمه (4) ذلك وأظهر ذلك من حاله ، فعند ~~ذلك لحقه اليأس ، فقال : ( @QUR@06 فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ~~) يريد به (5) أنه يبذل الجهد فى ردهم عن الطريقة المستقيمة إلى ما يدعوهم ~~إليه من المعاصى « لا أنه (6) أراد القعود فى الحقيقة ، وهذا ظاهر فى اللغة. |ألا يا أسلمي لا صرم لى اليوم فاطما||ولا أبدا ما دام وصلك دائما| # انظر المفضليات ، تحقيق وشرح : أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون ، طبعة ~~دار المعارف ستة 1964. ص : 247. PageV01P275 # فان قال ms175 : فما الفائدة فى أن يخلقه تعالى لتكون هذه حاله فى رد العباد عن ~~الطاعة! وتمكينه من دعائهم ، وتوليته من نعمه ليكون إلى ذلك أقرب ، وهل (1) ~~يجوز أن يكون هذا من فعل حكيم؟! # قيل له : إنه تعالى خلقه لكى يؤمن ويطيع ، وعرضه بذلك للنعيم ، فأبى إلا ~~التمرد مع التمكن مع الطاعة ، وإنما أتى من قبل نفسه. # فأما دعاؤه الخلق إلى المعاصى فذلك غير مدخل لهم فيها ولا مانع لهم من ~~الطاعة ، لأنه أضعف فى ذلك من دعاء شياطين الإنس ، لأنهم يجبهون ويجهرون ~~بالقول ويوردون الشبه ، وما يفعله من الوسوسة بخلاف ذلك ، وإذا لم يكن ~~حاملا على المعصية فبأن لا يكون دعاؤه كذلك أولى. # ويجوز أن يكون تعالى علم أنه إذا (2) أشعر الناس أمره ، « وقد ضمن له ~~البقاء (3)) ، كانوا إلى التحرز أقرب ، وتحرزهم منه يدعوهم إلى التحرز من ~~سائر المعاصى ، وكما يجب أن نقول فى خلق الحيات والعقارب : إنها نعمة من ~~حيث دعانا تعالى بما نعلمه من حالها إلى التحرز الشديد ، وذلك يؤدى إلى ~~التحرز من المعاصى ، فكذلك ما قلناه. # وقد قال شيخونا رحمهم الله : إنه لو علم تعالى أن عند دعائه يكفر بعضهم ~~على وجه لو لا دعاؤه لآمن لا محالة ، لمنعه تعالى من ذلك ، وإنما يخلى بينه ~~وبين دعاء من المعلوم أنه يفسد على كل حال ، أو يفسد لو لا دعاؤه لأمر آخر يحدث PageV01P276 # من قبله ، ولذلك حكى تعالى عن الشيطان أنه لم يكن له عليهم سلطان ، وأنهم ~~إنما ضلوا بسوء اختيارهم عند دعائه. # ثم يقال للقوم فى هذه المسألة : إن كان تعالى هو الذى يخلق الضلال والكفر ~~فما الوجه فى دعاء إبليس ، وهل وجوده إلا كعدمه؟ وكيف يمكن أن يقال إنه يضل ~~العباد ، والضلال هو من فعل الله تعالى! ولو اجتهد إبليس فى خلافه لم يكن ~~الضال إلا ضالا ، من حيث خلق الضلال فيه ، فيجب على قولكم أن يكون خلقه ~~إبليس وخلقه فيه الدعاء عبثا ، بل يجب أن يكون بعثه للأنبياء بهذه المنزلة! ~~لأن وجود دعائهم كعدمه [ لأنه ] إن ms176 أراد تعالى خلق الإيمان وجد لا محالة فى ~~المدعو ، وإن أراد خلافه فكمثل ، ويجب أن لا يكون إبليس بالذم أحق من ~~الأنبياء ، لأنه تعالى لو خلق فيه الدعاء إلى الخير لكان مثلهم ، ولو خلق ~~فيهم الدعاء إلى الشر لكانوا مثله ، فإنما ينقلبون وتختلف بهم الأحوال بحسب ~~تصريفه عز وجل لهم ، فما وجه الفضيلة والحال هذه؟! ### |||| ** 251 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن آدم عليه السلام وقع منه الظلم ~~والكبائر ، وأنه مع ذلك لم يخرج عن أن يكون نبيا مؤمنا فقال : ( @QUR@012 ~~قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [23] ~~فنسبا أنفسهما إلى الظلم الذى يقتضى الذم ، وخبرا (1) من حالهما بأنه لو لم ~~يغفر لهما لكانا من الخاسرين ، وذلك لا يصح فيمن ذنبه مغفور ومعصيته صغيرة (2). PageV01P277 # والجواب عن ذلك : أنه بين من حالهما أنهما أقدما على ما نهاهما عنه وإن ~~كان ذلك عند ذهابهما عن الاستدلال على طريق التعمد ؛ لأنهما لم يتناولا مما ~~أشير إليه بالتحريم ، لكنهما دلا على أن المراد الجنس فظناه العين ، وكان ~~الواجب عليهما أن يستدلا بما نصب من الدليل ، فيعرفا المراد به ، فلما ذهبا ~~عن ذلك ، وأقدما على الأكل منه ، كانا ظالمين لأنفسهما ؛ لأنهما حرماها بعض ~~ما حصل لهما من الثواب ، والمفوت [ على ] نفسه المنافع كالجالب إليها ~~المضار ، فى أنه يوصف بأنه ظالم لنفسه ، ولذلك نسبا أنفسهما إلى الظلم ، ~~ووصف الظالم بأنه ظالم ليس بذم ؛ لأنه يجرى على طريق الاشتقاق ، ولذلك قالت ~~العرب : هو أظلم من حية ، وإن لم يصح فيها الذم ، وإذا أريد به الذم صار ~~منقولا ، ويخالف وصف الفاسق بأنه فاسق ؛ لأن ذلك وضع للذم فى الشرع ، ولذلك ~~متى استعمل فى الذم استعمل على خلاف طريقته فى اللغة ، وليس كذلك (1) وصف ~~الظالم بأنه ظالم ، فلا يدل ذلك على أنهما أقدما على كبير واستحقا الذم. # وقولهما : ( @QUR@08 وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) محمول على # مقالات الإسلاميين : 1 / 213. الفصل : 3 / 2. عصمة الأنبياء للرازى ص : 4. # وانظر فيه : عصمة آدم ms177 عليه السلام ، ص : 11 فما بعدها. PageV01P278 # ظاهره ؛ لأنه تعالى لو لم يغفر لهما ذلك وأخذهما بعقابه لكانا من ~~الخاسرين فى الحقيقة ، وليس فى الكلام أنه لو فعل ذلك لحسن ، والتقدير فى ~~الفعل لا يدل على حال (1) المقدر إذا وقع كيف يكون فى الحسن والقبيح ، ولو ~~لا أن الأمر على ما قلناه لوجب أن يحسن ذمهما وأن يجوز لعنهما ؛ لأن من ~~استحق العقاب يحسن ذلك فيه ، وهذا باطل على لسان الأمة فى الأنبياء صلوات ~~الله عليهم! # وأما تعلقهم بأنه تعالى عاقبهما على المعصية بالإخراج من الجنة ، وذلك ~~يدل على أنها كانت كبيرة ، فبعيد ؛ لأن حرمان المنفعة لا يدل على أنه على ~~سبيل العقوبة ، كما أن نزول المضرة لا يدل على ذنب ؛ لأنه قد يجوز أن يكون ~~على طريقة المحنة والاعتبار ، كما يفعله الله تعالى فى الأنبياء ~~عليهم السلام من الأمراض والأسقام ، ويجوز أن يكون عقوبة. فإذا تصرف على ~~وجوه فمن أين أن ذلك وقع لهما على طريق العقوبة؟ وكيف يصح ذلك وقد تابا ~~وأنابا؟ ولا يقول المخالف فى التائب الباذل مجهوده إنه يعاقب على ذنبه!! ~~ولو جاز أن يعاقب لجاز أن نتعبد بذمهما ولعنهما ، وكل ذلك يبين أن ما فعله ~~تعالى بهما من الإهباط من الجنة كان على طريق المحنة والمصلحة ، لا على ~~سبيل العقوبة! ### |||| ** 252 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بعض عباده بالهدى وبعضهم ~~بالضلال ، فقال : ( @QUR@013 وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) (2). # والجواب عن ذلك : أنه تعالى أراد به البعث على الطاعة ، فبين أنه من يعاد ~~بعد الابتداء ينقسم حاله فى الجزاء بحسب ما كان منه فى الابتداء من طاعة PageV01P279 # ومعصية ، فقال : ( @QUR@05 كما بدأكم تعودون فريقا هدى ) يعنى : إلى ~~الثواب ، ( @QUR@04 وفريقا حق عليهم الضلالة ) يعنى : العقاب ؛ مبينا بذلك ~~أن كلا منهم يجازى بحسب اختياره وعمله. # وقد بينا من قبل الكلام فى الهدى والضلال ، وما ينقسمان إليه فى ~~الاستعمال فلا وجه لإعادته (1). ### |||| ** 253 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ms178 بعده ما يدل على أن من له أجل لا يجوز أن يتقدمه ولا ~~يتأخره ، وذلك يوجب أن القدرة على خلاف المعلوم لا تصح (2) فقال : ( ~~@QUR@011 ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) [34]. # والجواب عن ذلك : أن الأجل هو الوقت الحادث ، وإن كان من جهة الاستعمال ~~قد غلب على أوقات الحياة والممات ، فإذا صح ذلك فكل وقت قد علم تعالى أن ~~العبد يموت فيه وحكم بذلك وأخبر عنه ؛ فقد جعله أجلا لموته ، فلا يجوز أن ~~يتقدم موته هذا الوقت ولا يتأخر ، لا لأنه تعالى لا يقدر على تقديم موته ، ~~وتأخيره ، لأنه عز وجل لو لم يقدر على ذلك ، من حيث علم أنه لا يقع ، لوجب ~~أن لا يوصف بالقدرة على الضدين ، لأنه قد علم فى أحدهما أنه لا يقع ، ولوجب ~~ألا يوصف ، بالقدرة على أن يزيد فى المكلفين من علم أنه لا يكلفه ولا يخلقه ~~، ولوجب إذا علم أن الشيء يوجد لا محالة أن لا يقدر على خلافه ، وهذا يوجب ~~وقوع أفعاله على طريقة الاضطرار ، وكفى بهم خزيا أن تؤديهم هذه المقالة إلى أن # المغنى : 11 ( التكليف ): 4 6. PageV01P280 # « يقولوا فى الله تعالى (1) بمثل مقالتهم فى العبد بالجبر. ### |||| ** 254 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه المطهر لقلوب المؤمنين ، بفعل ~~الإيمان ، عن الكفر ، فقال تعالى : ( @QUR@016 ونزعنا ما في صدورهم من غل ، ~~تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ... ) [43]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام لا يدل على أن الغل الذى نزعه من صدورهم ~~ما هو؟ لأن ذلك قد يستعمل فى الغموم والأحزان ، ويستعمل فى المضار ، فمن ~~أين أن المراد ما قالوه؟ # ويجب أن تحمل الآية على ما يليق بأهل الثواب وأهل الجنة ، وهو أنه تعالى ~~سلبهم ما يلحق فى دار الدنيا من الحسد والتنافس على الرتب ، والغموم لأجل ~~ذلك ، فقال تعالى مبينا من أحوال أهل الجنة بحيث لا يشوب نعيمهم كدر : ( ~~@QUR@06 ونزعنا ما في صدورهم من غل ) لأن الظاهر من حال من اشترك ms179 فى النعيم ~~فى دار الدنيا على جهة التفاضل أنهم لا يعرون من غموم وحسد وغبطة ، وأهل ~~الجنة مطهرون من ذلك ، وهذا ظاهر ، ولهذا قال تعالى عقيبه : ( @QUR@04 تجري ~~من تحتهم الأنهار ) فبين عند ذلك حال الثواب ، وبين من قولهم ما يدل على ~~نفى الحزن والغموم ، وخلوص السرور والنعيم. وهذا ظاهر. ### |||| ** 255 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@010 ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ، هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون ) [52] يدل على أن الكتاب محدث ، من جهات : # منها : أنه وصفه بأنه جاءهم بالكتاب ، ولا يصح ذلك إلا فى ما كان محدثا وفعلا. PageV01P281 # ومنها : أنه وصفه بأنه مفصل ، والتفصيل إنما يصح فى الأفعال الموقعة على ~~وجه دون وجه. # ومنها : أنه بين أنه هدى ورحمة ، والدلالة لا تكون إلا حادثة ، وكذلك ~~النعيم الواقع من المنعم لا يكون إلا حادثا ، ولذلك يستحق عليه الشكر ~~العظيم. # وقد بينا أن هذا الكتاب كلامه ، فإذا صح فيه أنه محدث صح مثله فى كلامه ~~تعالى (1). # وقد بينا أن تخصيص المؤمن بأنه هدى له ، هو لأنه قد اهتدى به وانتفع ، ~~وذلك لا يمنع من كونه هدى لغيره. ### |||| ** 256 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن أمره ليس بخلق له : فقال : ( ~~@QUR@04 ألا له الخلق والأمر ) (2) ويدل أيضا على أنه لا صنع للعبد إذا كان ~~كل (3) الخلق والأمر له (4). # وفى موضوع الأمر عامة وقول الأشعرية إنه تعالى لم يزل آمرا لكل من أمره ~~بما يأمره به إذا وجد ، يقول ابن حزم إن الأمر مخلوق ، قال تعالى [ وكان ~~أمر الله مفعولا ] PageV01P282 # والجواب عن ذلك : أن إفراده ذكر الأمر عن ذكر الخلق لا يدل على أنه غير ~~داخل فى الخلق ، وإنما يدل على أنه غير مراد بما تقدم ذكره ، بحق العطف ~~الذى يقتضى أن المعطوف غير المعطوف عليه ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر. وقد ذكر ~~تعالى لذلك نظائر ، فقال : ( @QUR@05 إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (1) ~~وإن كان الإحسان داخلا فى العدل ، وكذلك الفحشاء تدخل فى المنكر ، وإن ميز ~~بين ذكرهما. وقال تعالى : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) (2) ~~والنذير ms180 هو البشير. وقال تعالى : ( @QUR@08 من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال ) (3) وهما من جملة الملائكة. وكل ذلك يشهد لما ذكرنا ~~بالصحة. # وبعد ، فإن الخلق فى اللغة غير المخلوق ، وإن كان فى التعارف يوضع أحدهما ~~موضع الآخر ، ولذلك جاز فى اللغة أن يقال : هو خالق وليس بفاعل (4) لما قدر. # قال الشاعر : # ولأنت تفرى ما خلقت وبع %~% ض القوم يخلق ثم لا يفرى (5) # فأثبت له الخلق ولم يقطع (6) ما قدره ، فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يكون ~~الأمر غير الخلق ، ويكون مع ذلك مخلوقا على ما قدمناه. PageV01P283 # وبعد ، فإن « الأمر ) يطلق فى اللغة على وجهين : أحدهما : قول القائل ~~لغيره : افعل ، وهذا لا بد من كونه حادثا ؛ لأن بعض حروفه يتقدم بعضا ، ~~ويتواتر حدوثه. # والثانى : بمعنى الأفعال الواقعة ، وهذا أيضا يقتضى حدوثه وكونه مخلوقا ~~إذا كان من فعله تعالى. # فكيف يصح أن يقال لما أفرد تعالى ذكر الأمر عن الخلق : وجب أن يكون قديما ~~غير محدث؟ # وأما إثبات أمر لا يعقل ولا يكون منظوما من حروف ، فلا يعرف فى اللغة ، ~~وما هذا حاله لا يصح دخوله تحت الخطاب. # فأما التعلق بذلك فى أنه لا يصنع للعبد فبعيد ، لأنه تعالى بين أن له ~~الخلق والأمر ، ولم يعم فى الكلام جميع ما يسمى أمرا وخلقا ، فلا يصح ~~التعلق بالظاهر. # وقد بينا أن إضافة الشيء إليه باللام قد يكون « على معنى الفعلية وعلى ~~(1) وجوه كثيرة ، فلا يصح التعلق بظاهره بأن له الخلق والأمر من جهة ~~الفعلية. وقد بينا أن أفعال العباد قد تضاف إليه ، فيقال : إنها له ، من ~~حيث يوصف بالقدرة على المنع منها ، وعلى التمكين والتخلية منها ، إلى غير ~~ذلك مما بيناه (2). # وبعد ، فإن لفظة الخلق والأمر ، تفيد كونهما واقعين ؛ لأن المعدوم لا ~~يسمى بذلك ، ومتى حمل على الواقع لم يصح أن يراد به القدرة عليه ؛ فلا بد من حمل PageV01P284 # الإضافة على غير وجه الفعلية ، وفى ذلك إبطال تعلقهم بالظاهر. # ثم يقال للقوم : لو كان التمييز بين الأمرين فى الكلام يقتضى قدم الأمر ~~لم ms181 يكن لإضافته ذلك إليه على حد إضافته الخلق ، معنى ؛ أن ذلك لا يصح فى ~~القديم ، ولا كان ذلك مما يصح فيه الامتنان والتمدح ، والآية وقعت على هذا الحد. # ويقال لهم : إن كانت الإضافة تدل على أنه الفاعل لكل شيء ، فيجب أن تدل ~~على أنه القادر على كل شيء فقط ، ويجب أن تدل على أن العبد لا يستحق ذما ~~ولا مدحا. # وإنما ذكر تعالى ممتدحا اقتداره فقال : ( @QUR@07 إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ) (1) ثم انتهى إلى قوله : ( @QUR@04 ألا له الخلق والأمر ~~) منبها بذلك [ على ] أنه المقتدر على الأمور التى تقدم ذكرها ، مما بها ~~يقوم أمر الناس والنفع العام ، لأنه ذكر الأرض والسماء والشمس والقمر ~~والليل والنهار ، ولو أراد (2) به أفعال العباد لم يكن لذكره عقيب خلقه هذه ~~الأمور فائدة! ويحل محل قول القائل : إنه خلق السموات والأرض وما فيهما من ~~الشمس والقمر والنجوم السائرات ، وما تقتضيه حركاتها من ليل ونهار ، ألا له ~~الخلق والأمر الذى هو حركات العباد ، وهذا « مما يعد لكنة (3) فى الكلام ، ~~يتعالى الله عن ذلك. ### |||| ** 257 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد الكفر وأنه لأجل مشيئته يقع ~~من الكافر ، ولو لا إرادته لم يقع منه ، فقال تعالى فى قصة PageV01P285 # شعيب : ( @QUR@025 قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ ~~نجانا الله منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ... ) ~~[89] فبين أنه ليس لهم أن يعودوا فى ذلك إلا بمشيئته. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أن لهم أن يكفروا ، وهذا مما لا ~~يطلقه أحد ، لأنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : وما كان لنا أن نعود فيها ، ~~وهذا نفى ، ثم قال : ( @QUR@05 إلا أن يشاء الله ربنا ) وهذا يوجب إثبات ما ~~نفوه ، وإثبات أن لهم أن يعودوا فيها إن شاء تعالى. وذلك يوجب القول بأن ~~لهم أن يكفروا ، وهو الذى قلنا إنه خلاف الآية! # وبعد ، فإن الملة هى الدين ، وقد يراد بها الشرعيات التى قد تختلف على ms182 ~~لسان الأنبياء ، كما يراد بها ما لا يختلف من العبادات ، فمن أين بظاهره ~~(1) أن المراد بها ما لا يختلف دون ما يجوز أن يختلف التعبد فيه ، فصح حمله ~~على ظاهره بأن يريد الله تعالى أنه ليس لنا أن نعود فى الملة المنسوخة إلا ~~أن يشاء ربنا إثبات التعبد فيها من بعد ، ليكون من الباب الذى يعلم اختلافه ~~بالمشيئة. # وعلى هذا تأوله أبو على رحمه الله ، وقال : إنما طلب الكافرون من قوم شعيب ~~أن يعود (2) من آمن به فى ملة شرعية نسخت عنهم ، فقالوا : ( @QUR@09 قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ) وأرادوا أنهم إن عادوا فيها على ~~ذلك الحد الذى « هم عليه (3) من التكذيب به ، وعلى جهة الاستحلال ، قد ~~افتروا على الله تعالى الكذب ، ثم قالوا : ( @QUR@06 وما يكون لنا أن نعود ~~فيها ) يعنى فى الملة ، إلا أن يشاء الله تعالى التعبد بها من حيث يعلمها ~~صلاحا فى المستقبل ، بعد أن نسخها عنهم وأزالها. وهذا مطابق للظاهر ، مشاكل ~~لما يقتضيه القول بالعدل ، وقد بينا ذلك. PageV01P286 # وقيل إن المراد بالآية : لم يكن لهم أن يعودا فى القرية (1) إلا أن يشاء ~~الله تعالى أن يعودوا فيها ، لأن ذكر القرية قد تقدم ، كتقدم ذكر الملة (2) ~~وتقدم ذكر الإخراج من القرية ، كما تقدم ذكر خروجهم من ملتهم (3). فمتى ~~حمل عليه لم يكن فى الظاهر ما يمنع منه. # وقد قيل : إن المراد بذلك : وما كان لنا أن نعود فيها مكرهين وكارهين ، ~~إلا ان يشاء الله ربنا أن يتعبدنا بذلك مع الإكراه ، لأن إظهار (4) كلمة ~~الكفر على هذا الوجه ، يحسن إذا تعبد تعالى به وأباحه. وقوله تعالى ( ~~@QUR@04 قال أولو كنا كارهين ) كالدلالة على هذا الوجه. # وقد قيل : إنه أراد تعالى تبعيد (5) عودهم إليها من حيث علقه بمشيئته ، ~~وقد علم أنه تعالى لا يشاء العود الى الكفر على وجه من الوجوه ، وذلك كقوله ~~تعالى : ( @QUR@09 ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) (6) وكما ~~يقول العربى : لا كلمتك ما لاح كوكب ، وأضاء الفجر ، وما كر الجديدان. # وقد ms183 قيل : إن المراد بذلك : وما كان لنا أن نعود فيها والعبادة قائمة ، ~~إلا أن يشاء ربنا أن يلجئنا الى العود إليها فيزول التكليف. # والوجه الأول أقرب الوجوه فى ذلك. # وفى الآية دلالة على إبطال مذهب المجبرة فى الإرادة ؛ لأنه تعالى بين أن PageV01P287 # لهم العود فى الملة إذا شاء تعالى ، وذلك يدل على أنه لو لم يشأ ذلك لم ~~يكن لهم العود ، وعلى قولهم : إنه تعالى إذا أمرنا بالشيء فللعبد أن يفعله ~~وإن لم يرده البتة. ### |||| ** 258 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لما يكتبه العبد ، فقال : ( ~~@QUR@07 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ... ) [95] فأضاف تبديل ~~أحدهما بالآخر إليه ، وذلك لا يصح إلا وهو الفاعل لهما. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن ما قد وقع سيئة يجعلها تعالى حسنة ، ~~وهذا مما لا يصح القول به ، لان إبدال الفعل بالفعل إنما يصح ، ولما يقع ، ~~لأن من يجوز البدل فى الكفر والإيمان إنما يجوز على جهة التقدير ، ولا يحكم ~~بأنه قد وقع وكان. # وبعد ، فإن الظاهر يقتضى أنه تعالى قد بدل مكان كل السيئات الحسنات ، ~~وهذا يوجب أن الكفار قد حصلوا على الحسنات ، وكذلك كل من أقدم على السيئة ، ~~وليس ذلك بقول لأحد على وجه! # والمراد بذلك : أنه تعالى بدل مكان ما كانوا عليه من القحط والشدة وضروب ~~المضار والمصائب ، الخصب والرخاء وضروب المنافع ، على طريقة العرب (1) فى ~~تسمية « ما ظهر (2) فيه فى الحال المنفعة بالحسنة ، وضد ذلك بالسيئة ، ~~ولذلك قال تعالى بعده : ( @QUR@06 وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ~~(3). وذلك لا يليق إلا (4) بما ذكرناه. ### |||| ** 259 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يمنع من الإيمان PageV01P288 # كما يعاقب على الذنوب فقال : ( @QUR@019 أولم يهد للذين يرثون الأرض من ~~بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) ~~(1) إلى قوله : ( @QUR@06 كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الطبع فى اللغة هو الختم والعلامة ، ~~وليس يمنع عن ms184 الإيمان ، وبينا أنه تعالى يفعل ذلك بقلوب الكافرين فى ~~الحقيقة ، كما يكتب الإيمان فى قلوب المؤمنين ، وذلك أنا قد بينا أن ذلك ~~إنما يفعله لما فيه من اللطف والمصلحة ، وبينا أنه لو كان منعا لوجب حمله ~~على التشبيه (2)، كما حملنا قوله تعالى : ( @QUR@03 صم بكم عمي ) على هذا ~~الوجه ، وفى الآية ما يدل « على هذا ؛ لأنه (3) قال تعالى : ( @QUR@03 فهم ~~لا يسمعون ) ولو كان يمنع فى الحقيقة لما منع عن السماع ، وإنما كان يمنع ~~الفهم والتمييز ، فلا يكون لذلك معنى على قولهم (4)، ومتى حمل على التشبيه ~~حسن موقعه ، لأنه كأنه قال : إن من وسم قلبه لا يفلح (5) لسوء اختياره ~~وكفره المتقدم. وهو بمنزلة من لا يسمع الأدلة ولا يفهمها ولا يعرفها. # وقوله : ( @QUR@03 ونطبع على قلوبهم ) (6) عقيب قوله : ( @QUR@05 أن لو ~~نشاء أصبناهم بذنوبهم ) يدل على أنه عقوبة على كفرهم المتقدم ، فلا يجوز أن ~~يكون منعا عن الإيمان ، لأن المنع منه هو نفس الكفر ، ولا يجوز أن يكون ~~الجزاء على الفعل هو نفس الفعل. # وبعد ، فليس فى ظاهر الآية أنه تعالى قد فعل ذلك ، وإنما قال فيمن قدم # ( م 19 متشابه القرآن ) PageV01P289 # ذكره ( @QUR@08 أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم ) وذلك ~~يقتضى أنه لم يشأ ذلك ، فلا يصح التعلق به فى أنه تعالى قد فعله. # وإنما يدل على أنه يصح أن يفعله لو شاء ذلك ، وهذا مما لا تمنع منه لو ~~كان الطبع كما قالوه ، لأنه تعالى قادر على أن يمنع الكافر من الإيمان ~~بضروب من الموانع (1)، لكنه مع التكليف والتخلية لا يجوز أن يفعله ، لأنه ~~يقتضى كونه فاعلا للقبيح ، تعالى عن ذلك! # وإنما ذكر تعالى [ ذلك ] عقيب ما أورده من إنزاله البأس بأهل القرى ، ~~وإحلاله المكر بهم ، لينبه تعالى على (2) ما يوجب الاعتبار بأحوالهم ، وعلى ~~أنه قادر على إنزال ذلك بجميع الكفار ، وإن كان قد لا يفعله ببعضهم لما ~~يعلمه من المصلحة ، ولهذا قال تعالى : ( @QUR@06 تلك القرى نقص عليك من ~~أنبائها ) إلى آخر الآية ، مبينا بذلك أنه أورد أحاديثهم لكى يقع بها ms185 ~~الاعتبار. ### |||| ** 260 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل فى العبد ما يكسبه ويتصرف ~~فيه ، فقال : ( @QUR@07 وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين ) (3) ~~فأضاف ما فعلوه من السجود إليه. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن ذكر الفعل مع حذف ذكر الفاعل لا يعلم به ~~من الفاعل ؛ لأن اللغوى إذا أراد أن يكتم من الفاعل ذكر الفعل على هذا الحد ~~، فلا ظاهر للكلام على الوجه الذى تعلقوا به. # ولو كان الله تعالى ألقاهم ساجدين لم يستحقوا على ذلك مدحا ، ولا أضيف ~~السجود إليهم ، ولا الإيمان الذى يقتضيه السجود. PageV01P290 # وإنما ذكر تعالى ذلك على طريق العرف فى الفعل الذى تقوى فيه الدواعى ~~والباعث ؛ لأن الأولى عندهم فيها حذف ذكر الفاعل ، فيكون أفصح من إضافته ~~إلى الفاعل « والحال هذه (1). # فأما السحر وتأثيره والكلام فيه فلا يتعلق بشبه المخالفين ، وقد بينا أنه ~~لا يجوز أن يقع من الساحر ما علم بالدليل أنه تعالى يختص بالقدرة عليه ، ~~ولا (2) الأمور التى لا يجوز من العبد أن يوقعها ، إما لكثرتها ، وإما لوجه ~~مخصوص لا يتأتى منه إيقاعها عليه ، ولذلك لا يصح منه بالحيلة إحياء الموتى ~~، ولا نقل الجبال ، وطفو البحار ، والطيران فى الهواء. # وقد بينا أن من يجوز ذلك على السحرة لا يمكنه معه (3) معرفة النبوات ، ~~فيكون كافرا وأن الساحر إذا ادعى لنفسه ذلك فكمثل ، وأنه يستحق القتل إذا ~~كان هذا حاله ، وبينا مخالفة حال هذا الساحر لمن يزعم أنه ينفذ فى أنواع ~~المضار بضروب من الحيل ، لأن ذلك مما قد يمكن بالعادة (4)، وليس فى ذلك « ~~أجمع ، ما (5) للمخالف فيه متعلق. ### |||| ** 261 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يجوز أن يرى ، وما يدل على أنه ~~يجوز أن يظهر ويتجلى ويحتجب ، فقال : ( @QUR@011 ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ) (6) فلو لم تجز PageV01P291 # الرؤية عليه لم يكن ليسأل ذلك ، كما لا يجوز أن يسأل ربه اتخاذ الصاحبة ~~والولد ، إلى ما شاكله من الأمور المستحيلة عليه. # ثم ms186 قال : ( @QUR@06 فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) فبين أنه جسم يجوز ~~عليه التجلى ، كما يجوز عليه الاحتجاب! # [ أ] والجواب عن ذلك : أن مسألة السائل لا تدل على أن ما سأله يجوز أو لا ~~يجوز ، لأن الملتمس بها قد يختلف فربما كان الإجابة بالفعل ، وربما كان ~~الإجابة بالقول ، وقد يدل القول على المنع كما يدل على الجواز ، ولذلك قلنا ~~إن المسألة لا تكون جهالة ولا تدخل فى باب المحال ، وإن كان الجواب قد ~~ينقسم إلى ذلك فلا يجب ، من حيث كان الجواب محالا ، أن تكون المسألة كمثل ، ~~ولذلك صح أن يسأل السائل عن جواز اجتماع الضدين ، ويسأل عن جواز ثان مع ~~الله! إلى غير ذلك مما قد علم استحالة ما سأل ، لكنه لما صح أن يكون القصد ~~تفهم الجواب ، « وإن كان المسئول عنه محالا بأن يبين استحالته ، حسنت ~~المسألة. وقد يسأل السائل عما لا يجوز إذا كان له فى ورود الجواب (1) من ~~جهة المسئول غرض يتعلق به أو بغيره ، ولذلك يحسن من أحدنا مع علمه بأن غيره ~~لا يجيب إلى الملتمس فى باب غيره ، أن يسأله بحضرته ، لكى يتحقق أنه بذل ~~مجهوده فى الشفاعة والمسألة. # وإذا كان لقول المسئول (2) مزية فى الإبانة والدلالة ، فقد يحسن منه أن ~~يسأل لكى يرد الجواب من قبله ، فتنكشف الشبه. PageV01P292 # فإذا انقسمت المسألة إلى ما ذكرناه وإلى غيره من الوجوه ، فكيف يصح أن ~~يستدلوا بوقوعها من موسى عليه السلام على أن الرؤية على الله جائزة؟! # وقد اختلفت أجوبة شيوخنا رحمهم الله فى ذلك ، فمنهم من قال إنما سأل ذلك ~~عن لسان قومه ، لأنهم سألوه ذلك فأجابهم بأن الرؤية لا تجوز عليه ، فلم ~~يقنعوا بجوابه ، وأرادوا أن يرد ذلك من الله تعالى « ولذلك قال تعالى : ( ~~@QUR@019 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) ولذلك قال تعالى (1): ( @QUR@05 ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) (2) ولو كانت المسألة صدرت عنه لأمر يخصه لم ~~يجز أن يقول ذلك ، وقد بينا أن ms187 السائل إذا سأل لأجل غيره حسن أن يسأل ما ~~يعلم أنه محال ؛ لكى يرد الجواب فتقع به الإبانة ، إذا كان عنده أن ذلك إلى ~~زوال الشبه أقرب. # ولا يمتنع ، وإن سأل عن لسان قومه ، أن يضيف السؤال إلى نفسه ، كما يفعله ~~من يشفع منا لغيره ، لأنه يصيف المسألة إلى نفسه ، والفائدة فى ذلك أن يحقق ~~ما يرد من الجواب ، كأنه له ولأجله. # فإن قال : فلما ذا تاب إن كان إنما سأل عن قومه ، وذلك مما لا يعد خطأ ~~فيتوب منه؟. # قيل له : ليس فى ظاهر قوله : ( @QUR@04 قال سبحانك تبت إليك ) أنه تاب من ~~المسألة ، فمن أين أن (3) الأمر كما سألوا عنه؟ # وإنما تاب عندنا لإقدامه على المسألة مع تجويز أن يكون الصلاح فى خلافه PageV01P293 # وليس للأنبياء فيما يظهر الحال فيه لأممهم أن يقدموا عليه إلا بعد إذن ~~منه تعالى فلذلك تاب ، لا لنفس المسألة. # فإن قال : فإن كان الأمر كما قلتم فلما ذا عاقبه تعالى؟ # قيل له : ليس فى الكلام ما يدل على أن ما فعل به خاصة هو عقوبة ، ويجوز ~~أن يكون امتحانا كالأمراض والأسقام. # فإن قال : فإذا كان إنما سأل عن لسان قومه ، فكيف يكون قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 لن تراني ) جوابا؟. # قيل له : إذا صح فى السؤال أن يضيفه إلى نفسه ، والمقصد به غيره ، على ما ~~بيناه ، لم يمتنع أن يرد الجواب على الحد الذى وقع السؤال عليه! : # وقد قيل : إنه التمس من الله تعالى أن يعرفه نفسه ضرورة بقوله : ( ~~@QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) لأن الرؤية قد تنطلق على المعرفة ، فكأنه قال ~~: عرفنى نفسك باضطرار لأكون عن الشبه أبعد ، وإلى السكون والطمأنينة أقرب ، ~~وأراد (1) أن يظهر تعالى من الآيات العظيمة ما عنده تحصل هذه المعرفة ، ~~فذكر (2). نفسه فى قوله : ( @QUR@02 أنظر إليك ) وإنما أراد الآيات التى ~~يحدثها ، فقال تعالى : ( @QUR@02 لن تراني ) مبينا له أن مع التكليف لا ~~يجوز أن يعرفه باضطرار! # وقوله : ( @QUR@04 فلما تجلى ربه للجبل ) يعنى : فلما أظهر لأهل الجبل ما ~~يقتضى المنع مما سأله جعله دكا ، لأنه إنما ms188 قبل ذلك بعد الإبانة وإقامة الحجة. PageV01P294 # وقد قيل : إنه سأل الرؤية لنفسه ، وأن ذلك لا يمتنع أن لا يعرفه النبى ، ~~أو يطلب الزيادة فى المعرفة « بزيادة الأدلة (1): وترادفها ، لأنه من ~~الباب الذى يعرف ذلك بالسمع. # والوجه الأول أولى ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز أن يجهلوا ما يرجع ~~إلى معرفة الله تعالى ، لما فى ذلك من التنفير عنهم ؛ لأنه يؤدى إلى جواز ~~أن يسألوا عن ذلك فيجهلوه وغيرهم يعرفه. # فإن قال على الجواب الأول : أفيجوز أن يسأل عن قومه اتخاذ الصاحبة والولد ~~، وأن يكون جسما ينتقل ويصعد وينزل ، لكى يرد الجواب من قبله عليهم؟ وإن ~~امتنع ذلك عندكم فيجب مثله فى الرؤية ؛ لأن حالهما فى استحالتهما عليه ~~تعالى واحد. # قيل له : إن فى شيوخنا من أجاز ذلك ، إذا غلب على ظن النبى « أنه إذا ورد ~~(2) الجواب عنه تعالى يكون القوم إلى معرفته وتدبره أقرب ، ويكون ذلك فى ~~جوازه وامتناعه موقوفا على اجتهاد النبى عليه السلام ، وما يؤدى إليه رأيه ، ~~ويورد لفظ المسألة على الحد الذى لا يوهم الجهل بما سأل. # ومنهم من امتنع من ذلك ، وفصل بينه وبين الرؤية ، بأن مع (3) الجهل بهذه ~~الأمور لا يصح معرفة الله تعالى على حد يمكن أن يستدل بكلامه ، لأنه إنما ~~يصح ذلك بعد العلم بالتوحيد ، وبعد العلم بأنه تعالى لا يختار القبيح ، ~~فالجواب إذا ورد عن الله تعالى لم يمكنهم الاستدلال به على وجه ، فلا تقع ~~به الفائدة الملتمسة ، PageV01P295 # وليس كذلك حال الرؤية ؛ لأن الجهل بها مع العلم بنفى التشبيه يمكن معه ~~العلم بصحة كلامه على وجه يمكن الاستدلال به ، فورود الجواب على من يجهل ~~ذلك يؤثر (1)، من حيث يمكنه أن يعلم به الملتمس بالسؤال. # فأما شيوخنا رحمهم الله ، فقد استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى لا يرى ؛ ~~لأنه تعالى قال : ( @QUR@02 لن تراني ) وذلك يوجب نفى رؤيته تعالى فى ~~المستقبل أبدا ، فإذا صح ذلك من موسى وجب مثله فى الأنبياء والمؤمنين. # فإن قال : فإذا كان سأل الرؤية فى الحال ، فالجواب يجب أن يقتضى ms189 نفيها فى ~~الوقت ، فمن أين أنه يعم فى المستقبل؟ # قيل له : قد يتضمن الجواب ما سأل السائل وغيره إذا كان ظاهر الجواب ~~يقتضيه ، لأنه فى الإبانة أبلغ ، من حيث بين حال ما سأل عنه وحال غيره من ~~الأوقات ، ولو لا أن الأمر كذلك لم يعلم بهذا القول أنه لا يراه إلا فى ~~أقرب الأوقات إلى مسألته فقط ، والمتعالم خلافه! # وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~) يدل أيضا على أنه لا يرى ، من حيث علق الرؤية باستقراره ، والمعلوم أنه ~~لا يستقر ، وذلك طريقة العرب إذا أرادوا تأكيد اليأس من الشيء علقوه بأمر ~~يبعد كونه. فلما جعله تعالى دكا ، وظهر بعد استقراره ، لذلك ، فى النفوس ، ~~حل محل الأمور التى يبعد بها الشيء إذا علق بها فى الكلام ، لأن استقراره ، ~~وقد جعله دكا ، يستحيل ، لما فيه من اجتماع الضدين ، فما علق به يجب أن PageV01P296 # يكون بمنزلته. فمن هذا الوجه يدل أيضا على نفى الرؤية. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) (1) وبيانه ذلك ~~بقوله : ( @QUR@03 فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) (2) بعد ذكره أنهم سألوه رؤية ~~الله جهرة ، يدل على نفى الرؤية أيضا (3). # [ ب ] فأما التجلي فإنما يصح أن يتعلق به من يزعم أنه تعالى جسم يجوز ~~عليه الانتقال ، فأما من لا يقول بذلك ، ويقول إنه لا كالأجسام ، وأنه ليس ~~بمؤلف فتعلقه بهذا الظاهر ، وإن أطلق هذا القول فيه تعالى ، لا يصح. # وقوله : ( @QUR@04 رب أرني أنظر إليك ) يوجب أيضا أنه التمس أن ينظر إليه ~~، والنظر : هو تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته ، وذلك لا يصح إلا ~~والمنظور إليه فى جهة مخصوصة ، فهذا لا يصح أن يتعلق بظاهره القائل بالرؤية ~~إذا نفى التشبيه ، وإنما يصح أن يتعلق به المشبهة ، والمشبه لا وجه ~~لمكالمته فى الرؤية ، # ولا يبدو فى الآية على كل حال أنها تعقيب على سؤال الرؤية وتوبة موسى منه ~~حتى يصح بها الاستدلال على ما ذكره ، وإنما جاءت بعد ذكر الألواح ورجوع ~~موسى إلى قومه وقد اتخذوا العجل ، فذهب موسى عليه السلام ms190 بمن اختارهم من ~~قومه للوقت الذى وعده الله تعالى أن يلقاه بهم فيه ، للتوبة مما أقدم عليه ~~سفهاؤهم فى أمر العجل. انظر الطبرى : 9 / 72. PageV01P297 # لأنه إن صح ما قاله « من أنه جسم (1) فلا بد من أن يرى (2)، بل يجوز أن ~~يلامس ويعانق ، تعالى الله عن ذلك! ... # والمراد بقوله : ( @QUR@04 فلما تجلى ربه للجبل ): فلما أظهر من آياته ~~وقدرته ما أوجب أن يصير دكا. وقد يقال تجلى بمعنى جلى ، كما يقال. حدث ~~وتحدث ، ولذلك قال فى الساعة : ( @QUR@05 لا يجليها لوقتها إلا هو ) (3) ~~وظاهر جلى وتجلى : هو الإظهار ، فيجب أن يحمل على إظهار القدرة ، يبين ذلك ~~أنه تعالى علق جعله الجبل دكا بالتجلى ولو أراد به تجلى ذاته لم يكن لذلك ~~(4) معنى ؛ لأنه لو كان الجبل يجب أن يصير دكا أو أراد : تجلى ، بمعنى ~~المقابلة لوجب أن لا يستقر له مكان ، بل كان يجب فى العرش أن يصير دكا ، ~~وأن يكون بهذه الصفة أحق! # ولو كان فى الحقيقة تجلى الجبل ، بمعنى أنه أظهر وزال الحجب ، لكان من ~~على الجبل يراه أيضا ، فكان لا يصح مع ذلك قوله : ( @QUR@02 لن تراني ) ~~وكان لا يصح أن يعلق نفى الرؤية بأن لا يستقر الجبل ، والمعلوم أنه لا ~~يستقر بأن ينكشف ويرى ؛ لأن ذلك فى حكم أن يجعل الشرط فى أن لا يرى ما يوجب ~~أن يرى ، وذلك متناقض. ### |||| ** 262 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 إن هي إلا فتنتك ) المراد به الامتحان وشدة ما ناله. وقد بينا أن ~~الفتنة قد تكون على هذا الوجه (5). # وقوله ( @QUR@04 تضل بها من تشاء ) يعنى : أن هذه المضار التى تكون محنة PageV01P298 # على الصالحين ، قد يضل بها على جهة العقوبة من يشاء ، ممن قد كفر وفسق ؛ ~~لأن الإشارة إذا كانت إلى جنس المضار صلح ذلك فيها ، ( @QUR@03 وتهدي من ~~تشاء ) بأن يجعله لطفا ومصلحة ؛ لأن المضار قد تنقسم إلى هذه الوجوه أجمع. # ولو كان المراد بالفتنة العذاب لم يكن لقوله : ( @QUR@07 تضل بها من تشاء ~~وتهدي من تشاء ) معنى ؛ لأن ذلك لا يصح فى نفس العذاب كما ms191 يصح فى جنس ~~المضار. # ولو كان المراد بالفتنة المعصية لم يصح أيضا أن يقول : ( @QUR@03 وتهدي ~~من تشاء ) فلا بد للمخالف من تأويل ذلك على وجه يخرج عن الظاهر ، فلا يصح ~~إذا تعلقه به. ### |||| ** 263 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يصرف الكافر عن الإيمان بالآيات ~~التى أنزلها ، وعن أن يهتدى بها ويتمسك ، فقال : ( @QUR@09 سأصرف عن آياتي ~~الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) [146]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن يصرفهم عن الآيات نفسها ، ولا يعقل ~~منها الإيمان ، وإنما يعقل منها الأدلة ، أو آيات الكتاب ، أو الأمور ~~الناقضة للعادة فى الأغلب ، فلا يصح إذا تعلقهم بالظاهر ، إلا أن يقولوا : ~~إنه تعالى قد صرف المكلف عن الأدلة ، وذلك يوجب الخروج من الدين ، وليس ~~يقول لأحد ؛ لأنهم وإن جوزوا التكليف مع عدم القدرة لم يجوزوه مع عدم ~~الدلالة (1). # والمراد عندنا بالآية : أنه يصرف من المعلوم من حاله أنه لا يؤمن عند (2) PageV01P299 # زيادات المعجزات التى يظهرها على الأنبياء عليهم السلام ، بعد ما أقام ~~الحجة بالمعجز الأول ، وأزاح العلة عما عداها ؛ لأن الغرض فى إظهارها أن ~~يعلم من حال من يشاهدها أنه لا يؤمن عندها ، « ولولاها كان (1) لا يؤمن ، ~~فإذا كان المعلوم من حاله أنه لا يؤمن على كل حال لم يكن لإظهارها (2) معنى ~~، ولا لمشاهدته لها وجه ، فيصرفه عنها بأن لا يظهرها ، أو بأن يظهرها بحيث ~~يشاهدها غيره ممن ينتفع بها ولا يشاهدها هو لحاجز أو لضرب من التشاغل. ~~ولهذا قال تعالى بعده : ( @QUR@07 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) (3) ~~فنبه على أنه إنما صرفهم عنها لتكبرهم ، ولأن المعلوم أنهم لا يؤمنون عند ~~شيء منها ، وهذا تصريح بما ذكرناه ، ومتى (4) حمل على هذا الوجه كان حملا ~~له على ظاهره. # وقد يجوز أن يحمل ذلك على أنه يصرفهم (5) عما يستحقه من تمسك بالآيات ، ~~من العز والكرامة والرفعة ؛ لأنهم إذا تكبروا فى الأرض بغير الحق ، فلا بد ~~من أن يصرفهم عن ذلك ، ويكون صرفه لهم فى ذلك كالموجب عن تكبرهم ، ولذلك ~~قال ms192 فى آخر الآية : ( @QUR@07 ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ). # وقد قيل : إن المراد أنه يصرفهم عن الآيات (6) بالهلاك والاستئصال ، لأن ~~ذلك أحد وجوه صرفهم عن الآيات ، وكل ذلك يبطل ما تعلقوا به. # ولو كان تعالى يصرف عن الأدلة وعن الإيمان بخلق الكفر ، كان لا يجوز أن ~~يذم الكافر على كفره ، ويخبر بأنه يفعل ذلك به لتكبره ، ولأنه كذب ، وكان ~~لا يصح تعليق صرفه عن (7) الآيات بمن كذب وتكبر ، لأنه PageV01P300 # على قولهم قد صرف عنها من لم يكذب ولم يتكبر ، ممن يبتدئ بالكفر ويرتد ~~بعد إيمان ، وهذا ظاهر. ### |||| ** 264 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يأمر بما ليس فى الطاقة ، فقال ~~تعالى ( @QUR@011 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) [166]. # والجواب عن ذلك : أن لفظة الأمر قد تنصرف على وجوه ، وإنما تكون أمرا متى ~~أراد الآمر « ما تناوله من الأمور (1) وليس فى الناس من يقول إنه تعالى ~~يأمر المكلف بأن ينقلب من حال إلى حال فى الخلقة ، فالتعلق بظاهر ذلك لا يصح! # والمراد به أنه تعالى جعلهم قردة خاسئين بأن أراد ذلك فكان (2)، فأجرى ~~عليه هذا القول على طريقة اللغة ، كما يقول القائل : قلت للقلم اكتب فكتب ، ~~إذا استجاب له فيما أراده. وكقوله : # وقالت له العينان سمعا (3) وطاعة. # وكقوله تعالى فى السموات والأرضين : ( @QUR@03 قالتا أتينا طائعين ) (4). # وقد بينا أنه تعالى لا يحتاج فى إيجاد ما يفعله إلى أن يقول له : كن ، ~~بما فيه مقنع (5)، وإن دل ذلك على تكليف ما لا يطاق ليدلن على تكليف ~~العاجز والجماد والمعدوم ، وذلك مما لا يرتكبه القوم إلا من فاجر (6) وتهتك ~~، فقال : إنه تعالى مكلم للكل بقوله لهم : كونوا ، وأن ذلك بمنزلة الأمر ، ~~وذلك سخف من قائله ، ولا وجه للتشاغل به. PageV01P301 # 265 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@014 وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ~~وظنوا أنه واقع بهم : خذوا ما آتيناكم بقوة ) [171] يدل على أن (1) المكلف ~~قوى على الأخذ والترك قبل أن يفعل أحدهما ، بالقوة التى أعطاه الله تعالى. ### |||| ** 266 ms193 وقوله تعالى من بعد فى قصة موسى : ( @QUR@06 فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ) (2) يدل على ذلك أيضا ، ~~والأخذ إذا أمر الله تعالى به يدل على أن العبد قادر فاعل ؛ لأن من ليس ~~كذلك لا يصح أن يأخذ (3) ويترك ، وهو فى بابه بمنزلة الإيثار والاختيار ~~الدالين على قدرة من أمر بهما. ### |||| ** 267 مسألة : قالوا : ثم ذكر (5) تعالى بعده ما يدل على أنه يجوز أن يأخذ المواثيق على ~~المعدوم ، وعلى من لا يذكر العهد الميثاق ، ثم يؤاخذه بذلك ، فقال : ( ~~@QUR@026 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) [172]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام بخلاف ما يتعلق به الحشوية ؛ لأنهم ~~يزعمون أنه تعالى أخذ الميثاق على كل أولاد آدم وهم بمنزلة الذر فى ظهره ، ~~وهذا بخلاف الظاهر ، لأنه قال : ( @QUR@09 وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم ) PageV01P302 # وذلك يقتضى أن المراد هم بنو آدم ، وهذا الاسم لا يقع على الأجزاء ~~المركبة فى ظهر آدم ، ويقتضى أن المراد به ظهورهم ، يعنى : ظهور بنى آدم ~~التى خرج منها ذريتهم ، وذلك بخلاف ما قالوه ، ولأنه لو كان كل ولد آدم فى ~~ظهره لوجب أن يكون ظهره فى العظم بالحد الذى قد علمنا خلافه ، ولأنه تعالى ~~قد بين أنه يخلق الإنسان من نطفة ، وأقل ما يخلق منه ما يقع هذا الاسم عليه ~~، وقد علمنا أن ظهر آدم لم يشتمل على القدر الذى يخلق منه سائر أولاده. # وبعد ، فإن الأجزاء إذا كانت غير حية لم يصح أخذ الميثاق عليها ولا ~~إشهادها على أنفسها ، فكيف يصح التعلق بما ذكره؟ # وبعد ، فإنه تعالى ذكر فى آخر الآية ما يدل على أن المراد بالآية الكفار ~~؛ لأن المؤمنين لا يجوز أن يقولوا : ( @QUR@05 إنا كنا عن هذا غافلين ) لأن ~~من غفل عن أنه تعالى ربه ومالكه لا يكون مؤمنا. وكل ذلك يمنع مما يذكرون من ~~الجهالة. # والمراد بالآية : أنه تعالى أخذ فى الحقيقة الميثاق ms194 على طائفة من ذرية ~~آدم الخارجين من ظهور بنى آدم المخلوقين من أصلابهم ، بأن أرسل إليهم الرسل ~~وعرفهم ذلك من قبلهم بالحجج ، ثم بين أنهم خالفوا وتركوا التمسك بذلك ، ~~وأنهم يوم القيامة يعتذرون بالغفلة! # ومتى حمل على هذا الوجه طابق الظاهر ووافق ما يقتضيه العقل من أن الغرض ~~بأخذ العهد والميثاق أن يتذكره من يؤخذ ان عليه ، ليكون ذلك حجة عليه إذا ~~عذب وأخذ بذنبه ، وذلك لا يصح إلا فى العاقل المميز المتذكر للخطاب. PageV01P303 # ولو كان الأمر كما قالوا من أنه تعالى قد أخذ العهد على كل ولد آدم عند ~~كونهم فى ظهره لوجب أن يذكروا (1) ذلك على بعض الوجوه ، لأن من حق العاقل ~~أن يذكر بعض أحواله المتقدمة ، فى حال كمال عقله وإن تطاول بينهما الزمان ، ~~إلا أن يقولون : إنه تعالى أخذ الميثاق والعهد عليهم ولما يحيهم. # وقد بينا أن ذلك عبث!. ### |||| ** 268 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه إذا هدى قوما فلا بد من أن يهتدوا ~~، وذلك يدل على أن الهدى ليس هو الدلالة وأنه الإيمان ، فقال : ( @QUR@010 ~~من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) [178]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا وجوه القول فى الهدى والضلال ، وأنه لا يصح ~~التعلق بظاهرهما (2). # والمراد بهذه الآية : من يهد الله بالإثابة أو بالأخذ به إلى طريق الجنة ~~فهو المهتد ؛ لأنه الناجى الفائز ، ومن يضلل عن الثواب بالعقوبة فهو ~~الخاسر. # وإن حمل على أن المراد به الدلالة صلح ، فكأنه قال : من يهد الله فاهتدى ~~وتمسك بذلك فهو المهتدى ، ومن يضلل ، بمعنى : يعاقب ، أو يذهب عن زيادة ~~الهدى لكفره المتقدم ، فهو الخاسر. PageV01P304 # 269 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خلق الكفار لجهنم ~~وللكفر ، وأنه أراد بهم ذلك ومنهم : فقال : ( @QUR@07 ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس ) [179] ثم حقق ذلك بقوله : ( @QUR@05 لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ) (1) فبين أنه جعلهم بحيث لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه خلقهم ms195 وأراد بهم جهنم ؛ لأنه المراد ~~المذكور فى الكلام : وقد علمنا أن ذلك لا يدل على أنه أراد الكفر وسائر ما ~~يستوجب به جهنم ، فظاهره لا يدل على ما قالوه. # فإن قال : إذا أراد بهم جهنم فلا بد أن يريد ما يؤدى إليها ، فذلك غلط ؛ ~~لأنه تعالى يريد العقاب عندنا وإن لم يرد ما يستحق به ، كما قد يريد من ~~الغير التوبة وإن لم يرد ما لأجله تجب التوبة من المعاصى. وقد يريد الإمام ~~إقامة الحجة على السارق والزانى وإن لم يرد السرقة والزنا ، فلا يمتنع من ~~أن يريد تعالى بهم العقوبة ، بشريطه أن يكفروا! بعد إقامة الحجة وإزاحة ~~العلة. فمن أين بظاهره أن المراد به أنه يريد منهم الكفر؟. # ويخالف ذلك ما قلناه من أن قوله تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ) (2) يدل على إرادته العبادة من جميعهم ، لأن هناك دخلت اللام ~~على نفس ما ادعيناه مرادا له ، وفى هذه الآية دخلت على أمر سوى ما زعم ~~المخالف أنه أراده. # ويبين ما نقوله فى ذلك أن قوله تعالى : ( @QUR@05 وما خلقت الجن والإنس إلا # (م 20 متشابه القرآن) PageV01P305 # @QUR@01 ليعبدون ) لا بد معه أن يقدر فيه حذف ليستقيم الكلام ، وهو : # وما خلقت الجن والإنس (1) وما أمرتهم بالطاعة وكلفتهم ( @QUR@02 إلا ~~ليعبدون ) لأن بنفس الخلق لا يصح تكليف العبادة. ومتى قرر ذلك حسن أن يعلق ~~به ( @QUR@01 ليعبدون )، فإذا قرر مثله فيما ذكروه لم يصح ؛ لأنه لو قال ~~تعالى : ولقد ذرأنا الخلق وأمرناهم بمجانبة الكفر وزجرناهم عنه لجهنم ~~لتناقض القول ؛ لأن ما تقدم يقتضى « أنه خلقهم (2) لا لجهنم ، والثانى ~~يقتضى أنه خلقهم لها ، وهذا فى التناقض كما ترى! # فيجب أن يحمل الكلام على أن المراد به العاقبة ، فكأنه قال : ولقد ~~ذرأناهم والمعلوم أن مصيرهم وعاقبه حالهم « دخول جهنم (3) لسوء اختيارهم ، ~~وهذا كقوله تعالى : ( @QUR@07 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) من ~~حيث كان ذلك هو العاقبة وإن كانوا إنما التقطوه ليفرحوا به ويسروا ، وهذا ~~ظاهر فى اللغة والشعر (4). ### |||| ** 270 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ms196 بعده ما يدل على أنه يستدرج العبد إلى المضار بالكفر ~~، من حيث لا يعلم ، وأنه يمد له فى العمر لذلك ، فقال : # ( @QUR@013 والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين ) [ 182 183 ]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يستدرج من كذب بآياته ، ولم يذكر ما ~~يستدرجه إليه ، فلا يصح التعلق به فى أمر مخصوص! ولا ننكر أنه PageV01P306 # تعالى يستدرج الكفار بأن يحل بهم النقمات وينزل بهم العذاب (1) والعقوبات ~~من حيث لا يشعرون ، لأنهم استحقوه على كفرهم ، ولا ننكر أن يمد لهم فى ~~العمر ، وإن كان لا يريد منهم إلا الطاعة ، دون ما يعلم من حالهم أنهم ~~يختارونه (2). # وإنما وصف نفسه بالكيد وإن كان يستحيل ذلك عليه لما كان ما يفعله بهم يقع ~~على وجه لا يشعرون [ به ] ولا يجدون عنه مذهبا ، فسماه من هذا الوجه كيدا. ### |||| ** 271 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يضل عن الإيمان والحق ، وأنه يدع ~~العاصى فى العمه والطغيان فلا يخلصه منهما ، فقال تعالى : ( @QUR@010 من ~~يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ) [186]. # والجواب عن ذلك قد تقدم ، لأنا قد بينا أن الضلال « قد يكون (3) على وجوه ~~(4) فمما يليق بهذا الموضع : الإضلال بمعنى العقوبة ، وبمعنى الذهاب بهم عن ~~طريق الجنة ؛ لأن من جعله الله كذلك فلا هادى له ؛ لأن أحدنا لا يقدر على ~~استنقاذه ، وليس فى الآية أنه تعالى فعل ذلك ، وإنما فيه أن من أضله فلا ~~هادى له ، وقد يصح هذا الكلام وإن كان ذلك مما لا يقع البتة. # وقوله : ( @QUR@04 ويذرهم في طغيانهم يعمهون ) ظاهره أنه لا يستنقذهم مما ~~ينزل بهم ، وهذا صحيح ، لأنه لا يجب عليه تعالى إزالة العقوبات عن المستحق ~~لها ، ولا يجب عليه أيضا إخراج الكافر من كفره ومعصيته على جهة القسر ، PageV01P307 # وإنما يجب أن يمكنه من تخليص نفسه وإزالة العقاب بالتوبة ما دام التكليف قائما. ### |||| ** 272 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن العبد لا يقدر من أمره ms197 على شيء ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@011 قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~... ) [188] # والواجب عن ذلك : أن ظاهر الآية يدل على أن العبد يملك لنفسه من الضر ~~والنفع ما شاء الله أن يملكه ، ولو كان كما قالوا لم يصح دخول الاستثناء فى ~~الكلام! # وبعد ، فإن إطلاق الضر والنفع يفيد ما ينزل بالإنسان من الرخاء والشدة ، ~~إلى غير ذلك مما لا يتصل باختياره ، وهذا مما لا يملكه العبد ، بل يتعلق ~~بمشيئته [ تعالى ]. # وبعد ، فلا يمتنع فى نفس فعل العبد أن يقال : إنه لا يملك الضر والنفع ~~إلا ما شاء : من حيث كان تعالى الممكن له فيه بالقدرة وغيرها ، والقادر على ~~منعه منه ، والمعين له عليه إذا كان طاعة ، فقد يجوز من هذا الوجه أن يقال ~~: إنه لا يملك لنفسه منه الضر والنفع ، ويراد به أنه لا يصح أن يستبد بذلك ~~على وجه يستغنى فيه عن تفضله تعالى وإحسانه. # ثم يقال للقوم : إن كان الكلام على ظاهره فيجب أن لا يملك الرسول ~~عليه السلام لنفسه التوصل إلى الثواب بالطاعات ، والتخلص من العقاب باجتناب ~~المعاصى ، ولو كان كذلك لم يكن له مزية فى الفضل والرفعة ، ولزال عنه المدح ~~والذم ، ولما صح منه تعالى أن يؤنبه على [ بعض ] الأمور ، ويتوعده إن هو ~~أقدم على الشرك وغيره ، وهذا ظاهر الفساد. PageV01P308 # 273 مسألة قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الكفر والشرك يجوز ~~وقوعهما من الأنبياء عليهم السلام فقال : ( @QUR@037 هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به ~~فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما ~~آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ... ) [ 189 190 ] # ولم يتقدم إلا ذكر آدم وحواء ، فيجب أن يكون الشرك مضافا إليهما ، وهو ~~الذى قلناه (1). # والجواب عن ذلك : [ أنه ] كما تقدم ذكر آدم فقد تقدم ذكر من خلق منه ~~بقوله : (2) ( @QUR@06 هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) لأن ذلك عبارة عن ولده ~~، وقد تقدم أيضا ms198 ذكر ولد آدم بقوله : ( @QUR@03 فلما آتاهما صالحا ) لأن ~~المذكور بذلك غيرهما ، « فلم صار (3) قوله ( @QUR@03 جعلا له شركاء ) بأن ~~يرجع إليهما أولى من أن يرجع إلى ولدهما؟ # فإن قال : لأنه تعالى أجرى الكلام على التثنية ، والذى تقدم ذكره على هذا ~~الحد هو آدم وحواء ؛ لأن ذكر ولده إنما جرى على الجمع والواحد. # قيل له : لم صرت بأن تستدل بهذا الوجه على أن الكلام يرجع إليهما بأولى ~~منا بأن نستدل بقوله تعالى فى آخر الكلام : ( @QUR@04 فتعالى الله عما ~~يشركون ) على أن الكلام رجع إلى الجمع المذكور متقدما. # وبعد ، فإذا تقدم ذكر أمرين ودل الدليل فى أحدهما على امتناع الحكم عليه ~~، فالواجب أن يرد ذلك الحكم إلى المذكور الآخر باضطرار ، وقد علم أن PageV01P309 # آدم لا يجوز أن يكون قد أشرك فى الحقيقة ، وكذلك حواء ، فإذا علم نفى ذلك ~~عنهما لم يبق إلا رجوع الكلام إلى المذكور الآخر. # فإن قال : إن من حق الضمير أن يرد إلى المذكور المصرح فيجب أن يرد ذلك ~~إليهما! # قيل له : لا فرق بين أن يكون الذكر قد تقدم على حد الجملة أو التفصيل أو ~~الإضمار أو الاظهار ، فى أن الكلام الثانى قد يجوز رجوعه إلى أحدهما ، ~~خصوصا إذا ثبت ذلك بالدليل ، فلا وجه للمنع مما ذكرناه. # واعلم أن تقدير الكلام : أنه خلق كل نفس منكم من نفس واحدة : الذكر ~~والأنثى ، وجعل منها زوجها من النفس الواحدة ، ثم ساق الكلام فى وصف آدم ~~وحواء ، وبين أنهما دعوا الله أن يرزقهما ذرية صالحة ، أو ولدا صالحا ، ~~وأراد بذلك الجنس دون ولد واحد ، فقال تعالى : ( @QUR@03 فلما آتاهما صالحا ~~) (1) يعنى فلما : أجابهما إلى ما طلبا فرزقهما الولد الصالح المشتمل على ~~الذكر والأنثى ( @QUR@05 جعلا له شركاء فيما آتاهما ) يعنى : الولد الذى ~~رزقهما دونهما. # ومتى قدر الكلام على هذا الوجه (2) استقام أيضا فيه الجمع ، فيصح تعلق ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 فتعالى الله عما يشركون ) بذلك ، لانه إذا أريد به ~~الذكر والأنثى من الأنفس المخلوقة من النفس الواحدة صلح رد الكلام إليهما ~~بذكر التثنية ، وإذا أريد به ms199 الأنفس المخلوقة التى هى جمع صلح وصفها ~~بالجمع. # فإن قال : إذا كانا طلبا منه تعالى الولد الصالح ، فكيف يجوز أن يقول : ( ~~@QUR@03 فلما آتاهما صالحا ) فبين أنه أجابهما ثم ، يصف الولد الصالح بأنه ~~أشرك مع الله غيره؟ # قيل له : إنه أراد بقولهما : ( @QUR@03 لئن آتيتنا صالحا ) ولدا صالحا : ~~صحيحا ، قوى PageV01P310 # الخلقة ، سليم الأعضاء ، لكى يسرا به ويفرحا ، ويكون عونا لهما على ~~الأمور وذلك لا ينافى أن يكون مشركا ، أو يكون منهم من يشرك! # وبعد ، فلو ثبت أنهما أرادا الصلاح فى الدين لا فى الجسم ، فلا يمتنع أن ~~يأتيهما بالولد الصالح ثم يقع منه من بعد الشرك ، لان ذلك لا يتنافى (3) فى ~~حالين وكل ذلك ظاهر فيما حملنا الآية عليه ، والحمد لله. PageV01P311 ### | ومن سورة الانفال ### |||| ** 274 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@027 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ... ) [ 2 4 ]. # يدل على أشياء : # منها : أن وصف المؤمن (1) بذلك يقع على طريق التعظيم فى الشرع ؛ لأنه لو ~~جرى على طريقة اللغة لم يصح أن يجعل تعالى المؤمن هو الذى يفعل ما ليس ~~بتصديق ، كما لا يجوز أن يجعل الضارب هو « من يفعل (2) ما ليس بضرب. # ومنها : أن الإيمان ليس هو القول باللسان أو اعتقاد القلب ، على ما ذهب ~~المخالف إليه ، ولكنه كل واجب وطاعة ، لأنه تعالى ذكر فى صفة المؤمن ما ~~يختص بالقلب وما يختص بالجوارح ؛ لما اشترك الكل فى أنه من الطاعات ~~والفرائض (3). # ومنها : أنه يدل على أن الإيمان يزيد وينقص ، على ما نقوله ، لأنه إذا ~~كان عبارة عن هذه الأمور التى يختلف التعبد فيها على المكلفين ، فيكون اللازم PageV01P312 # لبعضهم أكثر مما يلزم الغير ، فتجب صحة الزيادة والنقصان ، وإنما كان ~~يمتنع ذلك لو كان الإيمان خصلة واحدة ، وهو القول باللسان ، أو اعتقادات ~~مخصوصة بالقلب. # ومنها : أنه يدل على أن الرزق هو الجلال ؛ لأنه تعالى جعل (1) من صفات ~~المؤمن ، ومن جملة ما يمدح عليه أن ينفق ms200 مما يرزق ، ولو كان ما (2) ليس ~~بحلال يكون رزقا لم يصح ذلك! # ومنها : أن الواجب على من سمع ذكر الله تعالى والقرآن أن يتدبر معناه ، ~~وهذا هو الغرض فيه ، لأن وجل القلب والخوف والخشية لا يكون بأن يسمع الكلام ~~فقط ، من غير تدبر معناه ، وإنما (3) يقع بالتدبر والتفكر ، فيجب أن يلزم ~~الأمر الذى معه يصح وجل القلب والخوف والخشية. ويدل ذلك على وجوب النظر ~~والتدبر فى الأمور والأدلة (4)، لأنه يقتضى ما ذكرناه من الوجل والخشية. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) يدل ~~صريحه على أن الزيادة فى الإيمان تجوز. # ومنها : أنه يدل على أن التوكل على الله تعالى واجب ، وأنه من صفات ~~المؤمن ، وذلك يقتضى الرجوع إليه تعالى فى طلب الرزق والمنافع ، ودفع ~~المضار ، بالوجوه التى تحل ، لأن هذا هو التوكل ، دون ما يقوله الجهال من ~~أنه العدول عن طريق المكاسب وإهمال النفس! PageV01P313 # وما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : ( لو توكلتم على الله حق توكله ~~لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا (1)) يدل على أن السعى فى ~~طريقة الكسب ، من الوجوه التى « تجوز ، هو (2) التوكل ، وأنه قد يكون واجبا ~~فى كثير من الأحوال ، إذا كان من باب الدنيا ، فأما من باب الدين فهو ألزم. # وإنما يكون العبد متوكلا على الله بأن لا يلتمس الرزق وغيره ، إلا منه ، ~~ولا يجزع إذا لم يعط ، ولا يعدل فى طلبه إلى جهات الحرام. # ومنها : أن قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~) يدل على أن اللازم لمن تتلى عليه الآيات أن يتفكر فيها فيعرف ما تضمنها ~~من وجوب فيقدم عليه ، ومن قبيح فيفارقه. # وفيه دلالة على ما نقوله من أنه قد يقع للإنسان زيادة الهدى والبصائر إذا ~~تدبر الآيات حالا بعد حال. # ومنها : أن الاسم الشرعى لا يكون مشتقا ؛ لأن وصف المؤمن بأنه مؤمن إذا ~~ثبت بأفعال مختلفة ، ولا يصح فى مجموعها أن يقع الاشتقاق منها ، علم أن ~~المختص بها إنما وصف بذلك على طريقة الشرع لا ms201 على جهة الاشتقاق من الإيمان. # صحيح الترمذى بشرح ابن العربى : 9 / 207 208 ، ونقله ابن حجر بلفظ : ( لو ~~توكلتم على الله حق توكله .. ) وقال فيه : أخرجه الترمذى والحاكم وصححاه. ~~فتح البارى : 11 / 256. PageV01P314 # فإن قال : كيف يجوز أن يصير مؤمنا حقا بما ذكر فى « الآيات وفى (1) ~~العبادات الواجبة ما لم يجئ له الذكر فيها ، والإخلال بها يخرجه من أن يكون مؤمنا؟ # قيل له : إذا صح بالدلالة فى بعض العبادات ما قلته صار كالمنطوق به فى ~~الآية ؛ لأنه لا فرق بين ما يقتضيه الدليل مما يجب (2) كونه شرطا فى الآية ~~أو مضموما إلى المذكور وبين المنطوق « به هنا (3). # ولا يمتنع أن يقال : إن قوله : ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون ) يتضمن ~~القيام بالعبادات ؛ لأن من توكل عليه فى التماس الجنة فلا بد من أن يفعل ما ~~به يستحقها ، كما أن من توكل عليه فى طلب الرزق فلا بد من أن يفعل ما يلتمس ~~به ، وأكد تعالى ذلك بأن ذكر (4) إقامة الصلاة والإدامة على فعلها حالا بعد ~~حال ، فنبه بذلك على ما عداه من أفعال الجوارح. # ولا يمتنع دخول جميع الواجبات المتعلقة بالأموال تحت (5) قوله : ( ~~@QUR@03 ومما رزقناهم ينفقون ) لأن ذلك إنفاق من المال الذى رزقوه فى الوجه ~~الذى تعبدوا به. # وفى الآية دلالة على أنه لا يجوز أن يكون مؤمنا إلا وهو يستحق الدرجات ~~عند ربه والمغفرة ، وذلك بخلاف ما يقوله المرجئة من أن فى المؤمنين من يجوز ~~أن يكون من أهل النار أبد الآبدين ، ومنهم من لا يستحق إلا العقاب ، وإن ~~جاز أن يعفو عنه تعالى ؛ لأنه جل وعز يقول : ( @QUR@04 لهم درجات عند ربهم ~~) وقد بين أنهم يستحقون ذلك ، وعم ولم يخص. PageV01P315 # 275 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الظفر الحاصل ~~المؤمن من فعله تعالى ، فقال : ( @QUR@06 وما النصر إلا من عند الله ) [10]. # والجواب عن ذلك قد تقدم من قبل ، لأنا قد بينا وجوه (1) النصر ، وأنه ~~الظفر بالمطلوب الذى يقتضى التأثير فى العدو (2)، ويكون ذلك بالحجة ~~والتعظيم والرفعة ، وقد يكون بالغلبة فى ms202 الحرب بالوجوه التى تقتضى ذلك من ~~إلقاء الرعب فى نفس العدو ، ومن تثبيت قدم المؤمنين ، إما لأمر يرجع إلى ~~ربط قلبه وإلى تقويته بالخواطر وغيرها ، أو لأمر يرجع إلى صلابة المستقر ، ~~وقد يكون بالإمداد بالملائكة ، وقد يكون بعوارض تقتضى اعتقاد العدو كثرة ~~المؤمنين ، واعتقاد المؤمن قلة عدد العدو ، وكل ذلك منه تعالى لا ينافى أن ~~يكون العبد فاعلا متصرفا فى الحرب. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) ~~(3) يشهد لما ذكرناه بالصحة ، لأنه تعالى إنما ينصر بهذه الوجوه التى منها ~~ربط القلب وشده ، إما بما يحدثه من الخواطر والتنبيه على ما أعد للصابر ، ~~أو بذكر وعده بالظفر. وتثبيت القدم قد تكون على الوجهين الذين ذكرناهما. # وقد قيل : إنه تعالى أمطر لهم السماء يوم بدر فصليت لهم الأرض الرخوة ~~الرملة ، فاقتضى ذلك فيهم تثبيت القدم ، وكثرة المطر للعدو وكثرة الوحل ، ~~فأوجب ذلك ضررا فيهم. ### |||| ** 276 مسألة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم PageV01P316 # @QUR@026 الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ، ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير ) [ 15 16 ] يدل على ثبوت الوعيد فى فساق أهل الصلاة ، لأن المعلوم ~~أن الذى يلقى الكفار بالمحاربة لا يكون إلا من المصدقين بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، وقد أزال الله تعالى الشبهة فى ذلك بقوله : ( @QUR@04 يا أيها ~~الذين آمنوا ) وبين أن من يولهم دبره بالهزيمة فقد استحق النار والغضب ، ~~وبين أن من ولاهم دبره متحرفا لقتال عادلا من جهة إلى جهة ، لظنه بأنه أقرب ~~إلى الظفر فذلك مباح ، وكذلك من ولاهم دبره متحيزا إلى فئة مقويا لها ~~ومتقويا بها ، ليكون إلى الظفر أقرب ، لا يكون منهزما. # وبين تعالى أنه إذا ولى القوم الدبر لا على هذا الوجه أن الوعيد لا حق بهم. # وقوله : ( @QUR@02 ومأواه جهنم ) دلالة على أن كونه فى النار مؤبد ؛ لأنه ~~لو كان فيها أوقاتا ثم يكون فى الجنة لم يجز أن يطلق القول بأن مأواه ms203 جهنم ~~، فيجعل مأواه ما ينقطع ولا يجعل مأواه ما يدوم كونه فيها. # وقوله : ( @QUR@02 وبئس المصير ) يدل على أن مصير أمره لا يكون إلى دخول ~~الجنة ؛ لأنه لو كان كذلك لم يصح هذا الإطلاق. ### |||| ** 277 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لتصرف العبد وكسبه ، فقال ~~: ( @QUR@012 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ، وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ... ) [17] فأضاف قتلهم ورميهم إلى نفسه. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أنه تعالى هو الذى قتل PageV01P317 # الكفار دون المؤمنين ، وذلك يوجب فى كل قتل أن يكون تعالى فعله ، وأن ~~يوصف بأنه قتل الأنبياء والصالحين! # ويلزمهم أن تكون الأسماء المشتقة من هذه الأفعال لله تعالى دون العبد ، ~~وهذا مما لا يبلغه مسلم ؛ لأن القوم إن أضافوا الفعل إلى الله ، فمن قولهم ~~إن الظالم القاتل المجبر هو العبد ، دونه ، لعلل باطلة يذكرونها فى ذلك! ~~والآية تنقض هذا القول منهم ، فتعلقهم بظاهرها لا يمكن. # ويجب بالآية أن لا يجوز وصف العبد بأنه قتل وهو قاتل ، وهذا مما لا يقول ~~به أحد ، ويوجب أن يكون تعالى هو الموصوف بأنه رمى ؛ من الرمى الواقع من العبد. # وفى ذلك ما قدمناه من وجوب وصفه تعالى بكل اسم مشتق من فعل العبد! # وبعد ، فإن حمله على ظاهره يوجب التناقض ؛ لأنه تعالى أثبت الرمى له ~~بقوله : ( @QUR@02 إذ رميت ) ثم نفاه عنه بقوله : ( @QUR@02 وما رميت )، ( ~~@QUR@03 ولكن الله رمى )، فلا بد من تأويله على خلاف الظاهر ، ومتى وجب ~~الدخول فى التأويل بطل التعلق لهم بالظاهر! # والمراد بالآية : أنه تعالى بين للمؤمنين أن ما فعلوه من قتل الكفار ، لم ~~يكن على جهة الاستبداد منهم وبحولهم وقوتهم ، وأنهم وصلوا إليه بمعونته ~~تعالى وألطافه ؛ لأنهم لو لم ينصرهم بالإمداد بالملائكة ، والربط على القلب ~~وتثبيت القدم ، وإلقاء الرعب فى قلوب الكفار ؛ لم يتم لهم من قتلهم ما تم ، ~~وقد بينا جواز إضافة الطاعة إليه تعالى إذا وقعت بتيسيره وألطافه ومعونته ، ~~فلا وجه لإعادة ذكره (1). PageV01P318 # فأما قولى تعالى : ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن ms204 الله رمى ) فقد يصح ~~حمله على ما قلناه ، لأنه بألطافه وتأييده تم له فى الرمى ما تم. # ويجوز أن يريد به (1): وما بلغت الرمى حيث بلغ إذ رميت ، ولكن الله بلغه ~~؛ لأنه على ما روى تناول التراب والحصى فرمى به وجوه الكفار فقال : ( شاهت ~~الوجوه ) (2)، فوصل ذلك إلى عيونهم وأوهى قلبهم ، وذلك منه تعالى PageV01P319 # وإن كان صلى الله عليه وسلم ابتدأ الرمى. # ثم يقال للقوم : إن كان تعالى قتل ورمى فيجب أن لا يكون للمؤمنين فيه صنع ~~ولا يستحقون المدح ، وكان لا يصح التمدح بقوله تعالى : ( @QUR@09 لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) (1) لأن ذلك القتل والقتال من الله ~~تعالى لا منهم. وهذا ظاهر الفساد. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) (2) يدل على أن ~~القتل والرمى فعلهم ؛ وأنه تعالى أضافهما إلى نفسه من الوجوه التى بيناها ، ~~فكأنه بين أنه لفضل ألطافه يبتلى المؤمنين وينعم عليهم ويحسن ؛ لأن كل ذلك ~~من نعمه وأفضاله ، ولو كان الأمر كما قالوا لم يصح أن يوصفوا بأن ما فعلوه ~~من البلاء الحسن ، وكل ذلك بين. ### |||| ** 278 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد منع الكفار من الإيمان فقال : ~~( @QUR@021 إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ، ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) [ 22 23 ]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الكلام لو كان على ظاهره لوجب أن يكون ~~شر الدواب المجانين والبهائم ؛ لأنهم يختصون بهذه الصفة ، خصوصا إذا كانوا ~~صما بكما ، وهذا مما لا يقول به أحد! # وبينا من قبل أنه تعالى يصف الكفار بذلك تشبيها بمن هذا حاله ، من PageV01P320 # حيث حل محله فى أنه لا ينتفع بما يسمع ويبصر فيتفكر فيه ، ويعقل (1)، ~~وإن كان أهل اللغة إذا ذكروا البيان وأوضحوا الحجة فعدل المخاطب عن معرفته ~~قالوا فيه : إنه بهيمة وهو حمار مطبوع على قلبه لا يعقل ولا يبصر رشده (2) ~~، حتى إنهم يقولون فيه إذا تجاوز هذا الوصف هو ميت ms205 جماد ، وقد قال أبو ~~الهذيل (3) رحمه الله : إنهم لشدة تمسكهم بالكفر صاروا كأنهم منعوا أنفسهم ~~من الانتفاع بما يسمعون ويبصرون ويعقلون ، فقيل فيهم ذلك ، كما قيل فى ~~المثل : حبك الشيء يعمى ويصم ، من حيث يصرف عن طريقة الرشاد. ### |||| ** 279 وقوله : ( @QUR@06 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) من أقوى ما يدل على مذهبنا فى ~~اللطف ، لأنه بين تعالى أنه لو علم فيهم قبولا لأسمعهم ما اقترحوا من ~~الآيات ؛ لأنهم اقترحوا ذلك ، وقد أظهر الله المعجز فقال مبينا بأنه لو كان ~~فى المعلوم أنهم يؤمنون عنده لأسمعهم ، لكنه قد علم أنهم وإن سمعوه يتولون ~~ويعرضون فلا يقبلون. ### |||| ** 280 وأما قوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) (4) فلا يصح أن يتعلق به ~~المجبرة فى أنه تعالى يمنع من الإيمان ؛ لأن ظاهره يقتضى أنه يحول بين ~~المرء وقلبه لا بينه وبين أفعال قلبه ، ولأنه لو أراد الحيلولة فى الحقيقة ~~لم يكن فيه فائدة ؛ لأن بيننا وبين القلب حائلا ، ولذلك لا نراه كما لا نرى ~~المستور المحجوب ، فلا ظاهر للقوم! # انظر طبقات المعتزلة ، ص 44 أمالى المرتضى 1 / 178. # (م 21 متشابه القرآن). PageV01P321 # والمراد بذلك : أن يحول بين المرء وقلبه بالإماتة فيخرج من أن يمكنه ~~التلافى بالتوبة والندم ، ورغب تعالى بذلك فى المبادرة إلى التوبة وتلافى ~~المعصية ، ويؤكد ذلك ما تقدمه من قوله : ( @QUR@07 استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم ) « فأمر بالمبادرة إلى طاعة الله ورسوله قبل حلول ~~الموت الذى يفوت ذلك. # وقوله ( @QUR@02 لما يحييكم ) (1) قد حمله أبو على رضى الله عنه على ~~وجهين : أحدهما : # أن المراد به حال الثواب ، لأنه يقتضى الإحياء الدائم. # والثانى : أنه أراد به المبالغة فى الجهاد لكيلا يقوى العدو فيقدم عليهم ~~بالقتل ، فيكون ذلك إحياء فى المعنى ويقارب قوله تعالى : ( @QUR@04 ولكم في ~~القصاص حياة ) (2). ### |||| ** 281 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن ما يقع من العبد يقع بقضائه ، ~~فقال : ( @QUR@06 ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) (3). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن الله يقضى ms206 (4) أمرا ، وذلك الأمر كان ~~مفعولا ولا ننكر أن يكون (5) كثير من الأمور هذا حاله ، لأنه تعالى ذكر ~~الأمر ولم يعرف ، فلا يمكن التعلق بعمومه. # وظاهر الكلام أيضا يقتضى أنه بعد وقوع الأمر المفعول يقتضيه ، وهذا لا ~~يصح على قولهم إذا قالوا إن القضاء بمعنى الخلق ؛ لأنه لا يجوز أن يخلق ما ~~قد تقدم كونه ، فالظاهر يمنع مما قالوه. # وإذا حمل على معنى الاختيار والحكم والدلالة صح ؛ « لأن كل (6) ذلك PageV01P322 # لا يمتنع فيما (1) قد وقع ، كما لا يمتنع فى الأمر والمستقبل. # وإنما أراد تعالى أن يبين للمؤمنين فى المقاتلة أن الأمر لا يتعلق بهم ~~وبذاتهم ، وأنه إنما قد يحصل ما قد علمه وقدره من الأمور. ### |||| ** 282 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@015 وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) [44] يبين ما قلناه ، لأنه دل بذلك على أن ~~الغرض بما يفعله إنما هو لكى يتم ما علم من المصالح فى الظفر بهم. # فإن قال من خالف فى الرؤية : إذا جاز أن يقلل الكثير فى العين الصحيحة ~~فهلا جاز مع صحتها وارتفاع الموانع ، أن نراه (2) جل وعز. # قيل له : إن الظاهر يقتضى أنه قلل (3) العدد فى أعين المؤمنين ، وليس فيه ~~أنه فعل ذلك من غير مانع ، ومن قولنا إن ذلك يجوز للموانع ، وإنما أنكرنا ~~القول بأن المرئى لا نراه بالعين الصحيحة مع ارتفاع جميع الموانع. # فإن قال : وما تلك الموانع التى هى تمنع رؤية بعضهم دون بعض؟ # قيل له : إن العبرة قد تقع (4) على وجه لا يشاهده الرجل من بعد ، إلا بعض ~~الناس دون بعض ، فلا يمتنع أن يكون تعالى فعل ذلك أو غيره فقلوا فى أعينهم ~~، وقل المؤمنون فى أعين القوم ، ليكونوا أجرأ على الإقدام ، فيتم قضاؤه ~~تعالى فيهم ، وهذا ظاهر بحمد الله. ### |||| ** 283 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله PageV01P323 # @QUR@03 ليس بظلام للعبيد ) [51] من أقوى ما يدل على أن المرء يؤخذ بذنبه ~~، وأنه تعالى لا يخلق فيه المعصية ، فنزه نفسه عن أن ms207 يكون ظالما ، ولو كان ~~هو الذى أدخله فى الذنب لوجب أن لا يكون ما فعل بهم بما قدمت أيديهم ، وأن ~~يكون (1) ظلاما حتى لا يستحق هذه المبالغة إلا هو ، من حيث لا يقع الظلم ~~إلا منه. وقد بينا من قبل ذلك مشروحا. ### |||| ** 284 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه المؤلف للقلوب والموفق بينها ، ~~بأن جعل فيها الأمور التى تشترك فيه من الإيمان والولاية ، فقال : ( ~~@QUR@022 هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) (2). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه تعالى هو الفاعل للنصر ، والمؤيد له ~~صلى الله عليه وسلم بالملائكة وغيرها (3). فأما ظاهر قوله : ( @QUR@03 ~~وألف بين قلوبهم ) فلا (4) يقتضى أنه فعل الإيمان وسائر ما يشتركون فيه ؛ ~~لأنه لا شيء من ذلك إلا وقد يكون معه الألفة وتثبت عنده العداوة. # وبعد ، فإن التأليف بين القلوب حقيقة أن ينضم بعضها إلى بعض. وذلك مما لا ~~يصح أن يكون مرادا. # وبعد ، فإن الظاهر يقتضى أنه ألف بين قلوبهم ، والتأليف إنما يكون فيما ~~يرجع إلى الفاعلين بينهم لا بين قلوبهم ، ومتى ذكر القلب فى ذلك فهو مجاز! # والمراد بذلك : أنه تعالى أزال ما كان من العداوة بين الكفار (5) أو يقال PageV01P324 # إن المراد بذلك ما كان بين الأوس والخزرج فجمعهم الله على نصرته صلى الله ~~عليه وسلم ، بأن قوى دواعيهم فيه. ### |||| ** 285 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يجوز أن يخونه الإنسان ، ~~وذلك من صفات الأجسام ، فكيف يصح القول بأنه لا يشبهها؟ فقال : ( @QUR@010 ~~وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ... ) [71] ، # والجواب عن ذلك : أن الظاهر يقتضى أنه تعالى يجوز عليه المضار ، لأن ~~الخيانة لا تصح إلا على من ينال بمكروه ويتوصل إلى ذلك من حاله على جهة ~~الاستدراج من حيث لا يشعر (1)، وليس ذلك بقول لأحد ، فالتعلق بظاهره لا يصح. # ويجب أن يحمل على أن المراد به أنهم خانوا ms208 الرسل من قبل ، فجعل خيانتهم ~~للرسل خيانة له ، كما قال : ( @QUR@04 إن الذين يؤذون الله ) (2) إلى ما ~~شاكله. ولذلك صح فى هذا الكلام أن يكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكأنه ، قال تعالى : تصبر عليهم ، فإنهم وإن كانوا يريدون خيانتك فقد سبق ~~من أمم الأنبياء والرسل (3) مثل ذلك ، فأمكن منهم بالعقوبة العاجلة ~~والآجلة. PageV01P325 ### | من سورة براءة ### |||| ** 286 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@012 يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ... ) [32] يدل على أنه لا يجب أن يريد ما أراده العاصى من جهات : # منها : أنه تعالى بين أنه تعالى يأبى ذلك ، والإباء هو الامتناع إذا كان ~~متعلقا بفعله ، والمنع إذا كان فى فعل غيره ، ولا يجوز أن يكون مريدا للشيء ~~وممتنعا منه أو مانعا ؛ لأن الإرادة قد تدعو إلى الفعل ، فلا يجوز معها أن ~~يمتنع منه ، أو يقتضى فى الغير الترغيب فى الفعل ، فلا يجوز معها أن يمنعه ~~، فإذا خبر تعالى بأنه أبى ذلك فقد دل على أنه لم يرده (1). # فإن قال : إنما قال تعالى : إنه يأبى إلا أن يتم نوره ، ولم يذكر أنه ~~يأبى ما أرادوه من إطفاء النور ، فلا يصح ما ذكرتم. # قيل له : إن الكلام لا بد من أن يحمل على ما قلناه ، لكى يفيد ، وذلك أنه ~~لو لم يرد بقوله ( @QUR@01 ويأبى ) ما تقدم ذكره من إطفاء النور لم يكن ~~لقوله تعالى : ( @QUR@04 إلا أن يتم نوره ) معنى ، فكأنه ذكر أنه يأبى فى ~~النور إلا تمامه ، والإطفاء (2) فيه غير الإتمام ، فيجب دخوله تحت الإباء ~~لا محالة! # ومنها : أنه لو كان يريد ما أرادوه لنفذت إرادته تعالى على قولهم لا ~~محالة ؛ لأنه لا يجوز أن يريد أمرا من غيره فلا يكون عند القوم ، ولو كان ~~كذلك لم # وانظر فيما مضى الفقرة : 28 مع التعليق. PageV01P326 # يصح وصفه بأنه يتم النور مع ذلك ؛ لأنه من حيث أراد (1) ما أرادوه يجب أن ~~يقع منه إطفاء النور و (2) من حيث أتمه يجب وقوع الإتمام ، وفى ذلك حدوث ~~الضدين ووجودهما ، وهذا محال! # ومنها ms209 : أنه تعالى قال عقيبه : ( @QUR@03 ولو كره الكافرون ) (3) فدل ~~بذلك على أن ما أراده تعالى من إتمام النور كرهوه ، ولو كان هو تعالى كارها ~~من حيث كان المعلوم أنه يقع منهم خلافه ، لم يكن « لقوله تعالى ذلك حاكيا ~~عنهم معنى إذا كان حاله كحالهم فى كراهته! (4) # فإن قال : إن الغرض بالكلام أنهم أرادوا (5) التوصل إلى إبطال دينه ~~وشريعة رسوله وظهور كلمة الحق ، فأبى الله تعالى ذلك ، وهذا مما لا يقع ، ~~فلا نقول إنه تعالى أراد ذلك. # قيل له : إن إقدامهم على ما أقدموا عليه ظنا منهم بأنه يؤدى إلى إطفاء ~~النور ، لا بد (6) من وقوعه ، وقد ثبت بما ذكرناه أنه تعالى لا يجوز أن ~~يكون مريدا له ، فأما أن غرضهم يصلح أولا؟ فذلك لا يتعلق بإرادتهم فقط ، ~~فلا مدخل له فى هذا الكلام. ### |||| ** 287 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يضل الكفار بأمور من قبله ، فقال ~~: ( @QUR@013 إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ... ) [37]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن النسيء زيادة فى الكفر ، وأن PageV01P327 # الذين كفروا يضلون به ، وهذا مما لا نأباه ، لأن الكفار قد يضلون غيرهم ~~بكفرهم وبالزيادة فى كفرهم. # فإذا قرئ : ( @QUR@04 يضل به الذين كفروا ) فالكلام أبين ، لأنه إنما يدل ~~على أن الكفار يضلون به ، من غير بيان إضافة الإضلال إلى غيرهم ، فلا ظاهر ~~للكلام يقتضى ما قالوه. # « والمراد بذلك ما كانوا يشتغلون به (1) فى باب الحج من تأخير شهر لشهر ~~فى توالى السنين ، وهو النسيء الذى جعله تعالى زيادة فى الكفر ، وبين أن ~~ذلك مما يضل به الكفار ويضلون به غيرهم ، من حيث يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~؛ لأن إقدامهم على ذلك مع الرد على الرسول عليه السلام ، من حيث كان يدعوهم ~~إلى خلافه ، كفر لا محالة ؛ لأنه لا يجوز أن يصفه تعالى بأنه زيادة فى ~~الكفر ، وليس بكفر ، لأن الزيادة فى الشيء يجب أن تشاركه فى اسمه ومعناه ، ~~حتى تكون زيادة فيه ، ولذلك لا يقال فى المباح ms210 والطاعة إنهما زيادة فى ~~الكفر ، ولا يقال فى المعصية التى ليست بكفر : « إنها زيادة فى الكفر ، (2) ~~وإنما يقال فيها : إنها زيادة فى معاصيه. # وهذه الآية تدل على أن فى أفعال الجوارح ما يكون كفرا ، لأن النسيء على ~~ما ذكرناه من أفعال الجوارح ، وقد جعله تعالى كفرا ، فإذا صح ذلك لم يمتنع ~~فى تركه الواقع بالجوارح أن يكون إيمانا. # وقوله من بعد : ( @QUR@04 زين لهم سوء أعمالهم ) (3) فقد بينا القول فى ~~مثله ، وأنه لا ظاهر له (4). PageV01P328 # والمراد بذلك : أن الكفار المضلين لهم ، أو الشياطين ، زينوا لهم سوء ~~أعمالهم. # فإن قال : إن فى الكلام ما يدل على أنه إنما صار كفرا ، من حيث أحلوا به ~~ما حرم الله وحرموا ما أحل الله. # قيل له : إنه تعالى حكى أن ذلك صنيعهم ، ولم يذكر أن النسيء إنما صار ~~كفرا لأجله ، فلا يجب من ذلك أن كل من حرم ما أحله الله أو أحل ما حرمه ~~الله فهو كفر. ### |||| ** 288 وقوله تعالى فى آخر الآية : ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم الكافرين ) وقيل هذه الآية : ( @QUR@05 ~~والله لا يهدي القوم الظالمين ) (1) ( @QUR@05 والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ) (2) بعدها أيضا فى السورة (3) « لأنه تعالى كرر (4) فى مواضع لا ~~يمكن أن يتعلق به المخالف ، لأن المراد بذلك : « أنه لا يهديهم (5) طريق ~~الجنة ولا يثيبهم ، ولذلك ذكره فى [ غير ] موضع فى هذه السورة عقيب كفرهم ~~وظلمهم ، مبينا بذلك أن الفوز والظفر والثواب لا يناله إلا المؤمن فقط. # وقد بينا أنه لا يجوز أن يريد به الدلالة والبيان وسائر ما يجب أن يعم به ~~المكلف ، فلا وجه لإعادته. # وبعد ، فإنه ذكر (6) تعالى ذلك فى هذه الآيات عقيب وصف كفرهم PageV01P329 # وسوء اختيارهم ، فلا يجوز أن يراد به نفس الكفر والصرف عن الإيمان ، على ~~ما يذهبون إليه! ### |||| ** 289 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جعل كلمة الذين كفروا السفلى ، كما ~~جعل كلمته العليا و « الجعل » يقتضى بظاهره (1) الإحداث ، فيجب أن يدل ذلك ~~(2) على خلقه أفعالهم ، فقال تعالى : # ( @QUR@09 وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة ms211 الله هي العليا ) (3) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى أنه جعل نفس كلمتهم ، وإنما يقتضى ~~أنه جعلها سفلى ، فهو كقول القائل : جعلت زيدا قائما ، [ فى ] أن ذلك يقتضى ~~إضافة قيامه إليه دون ذاته. # وقد علمنا أن وصف الكلمة بذلك مجاز ، لأن السفل والعلو إنما يصح فى ~~الأجسام ، فلا بد من الاعتراف بأن الكلام مجاز ، فالمراد بذلك أنه تعالى ~~حكم فى كلمتهم أنها بهذه الصفة ، من حيث أبطلها وذم عليها وأزال تأثيرها ~~وبين حالها ، وهذا كقوله تعالى : ( @QUR@07 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا ) (4) لما وصفوها بذلك ، وإن علم أنه يستحيل منهم خلق ~~الملائكة وإنشاؤهم. ### |||| ** 290 دلالة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@012 وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ) (5) يدل على أنهم كذبوا فى قولهم ~~: ( @QUR@04 لو استطعنا لخرجنا معكم ) ولا يكونون فى ذلك كذبة PageV01P330 # إلا وهم يستطيعون ؛ لأنهم لو لم يستطيعوا ذلك كما ذكروا لكانوا صادقين ، ~~وهذا يدل على أن المنافقين المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ~~الجهاد كانوا يستطيعون الخروج معه وإن لم يخرجوا ، وفى ذلك دلالة على أن ~~العبد ، يستطيع (1) ما لا يفعل ، ويقدر على الشيء قبل أن يفعل. # فإن قيل : إنه تعالى لم يقل : وإنهم لكاذبون فى هذا الخبر ، فلا يصح ما ~~اعتمدتموه. # قيل له : إن الكلام على هذا الحد دل على أنهم كذبوا فيما حكى عنهم من ~~الخبر ، وإلا لم يفد ، ولم يكن لآخر الكلام بأوله تعلق ، ولو أن أحدنا قال ~~: إن زيدا يقول كيت وكيت والله يعلم إنه كاذب ، لم يجوز أحد ممن (2) يعرف ~~اللغة أنه كذبه فى غير الخبر الذى حكاه عنه ، وكذا لو قيل : إن زيدا ضرب ~~عمرا والله يعلم إنه ظالم ، لم يحمل ذلك إلا على ما تقدم ، وهذا أوضح فى ~~الكلام من أن يقع فيه شبهة. # ومن وجه آخر تدل الآية على ما نقول ، وذلك لأنه تعالى حكى نفس مقالة ~~المجبرة فى أنهم لو قدروا على الشيء لفعلوه ، على طريقتهم : أن القدرة مع ~~الفعل ms212 ، ومحال وجودها ولا فعل (3)، فبين الله تعالى أن القوم استطاعوا ولم ~~يخرجوا ، وذلك يدل على ما قلناه. # فإن قال : إنما استطاعوا أمرا سوى الخروج ، فلا يدل الظاهر على ما قلتم. PageV01P331 # قيل له : هذا محال ، لأنهم جعلوا ذلك كالعذر فى تخلفهم ، فلو أرادوا ~~استطاعة أمر سوى الخروج فيما نفوه لكان وجوده كعدمه فى أن لا تأثير [ له ] ~~فى الكلام على وجه من الوجوه ، فيجب أن يكون المراد بذلك ما ذكرناه دون غيره. # ويجب على قول القوم : أن يكون المنافقون فيما ذكروه صادقين ، والله تعالى ~~فى تكذيبهم غير صادق ، لأنهم قالوا : لا قدرة لنا على ما نفعله ، وكذبهم ~~الله فى ذلك ، وكل قول يؤدى إلى مثل هذا فهو باطل! ### |||| ** 291 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه أمر بالشيء وكرهه ، وهذا لا يتم ~~إلا على قولنا إنه تعالى لا يجب أن يريد الطاعات التى يعلم أنه لا يفعلها ~~العبد ، بل يجب أن يكره حدوثها ، فقال تعالى : ( @QUR@011 ولو أرادوا ~~الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) [46] فبين الله ~~تعالى أنه كره منهم الانبعاث والخروج ، وقد أمرهم مع ذلك به فى جملة ~~المجاهدين (1). # ويدل أيضا على أنه تعالى قد يمنع « مما يأمر به (2)، لأنه قال ( @QUR@01 ~~فثبطهم ). # والجواب عن ذلك : أنه تعالى إنما ذكر أنه كره انبعاثهم وخروجهم ، ولم # انظر : نهاية الإقدام فى علم الكلام ، للشهرستانى ص 254. PageV01P332 # يبين على أى وجه كرهه ، وقد يجوز أن يكرهه على كل وجه ، وأن يكرهه على ~~وجه مخصوص ، نحو أن يكره خروجهم قصدا إلى الإضرار والإفساد ، وإن أراد ~~خروجهم قصدا إلى الجهاد والمعاونة ، وما هذا حاله لا يصح العموم فيه ، لأنه ~~ربما تنافى أن يكره على كلا الوجهين ، وربما صح أن يكره على وجه دون وجه ، ~~وليس فى اللفظ إلا أنه كره ، من دون بيان الوجوه (1) فى العموم والاختصاص. # وبعد ، فلو دل الظاهر على ما قالوه لدل على أنه أمرهم بالقعود دون الخروج ~~، لأنه قال تعالى : ( @QUR@04 وقيل اقعدوا مع القاعدين ) (2) وإذا صح حمل ~~ذلك ms213 على خلاف الأمر من حيث صح أنه تعالى أمرهم بالخروج وتوعدهم على خلافه ، ~~فكذلك يجب (3) أن تحمل الآية على أن المراد بها أنه كره منهم الخروج ، لما ~~علم من قصدهم الفساد وطرح الفتنة والتصريف لنفاقهم ، ولم يكره منهم الخروج ~~على الحد الذى أراده من المؤمنين. # وقد بين تعالى [ ذلك ] فيما بعد بقوله : ( @QUR@011 لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ... ) [47] ومعنى قوله ~~تعالى : ( @QUR@01 فثبطهم ) أنه تعالى فعل ما يقتضى تركهم الخروج على هذا ~~الحد ، لما فيه من الفساد ولو أراد بذلك المنع لكان قد منعهم من الخروج على ~~كل وجه ، وهذا يوجب كونه تعالى آمرا بالشيء ومانعا منه ، والمخالف لا يرتكب ~~ذلك ، لأنهم لا يقولون إنه تعالى قد منع الكفار من الإيمان وثبطهم عن ~~الإيمان ، وإن قالوا إنه أمره بما لا يقدر عليه لتشاغله بضده ، على ما ~~يهذون به فى هذا الباب (4) PageV01P333 # وقد يجوز أن يكون المراد بقوله : ( @QUR@01 فثبطهم ) أنه فعل من الألطاف ~~ما يختارون عنده ترك الخروج على هذا الوجه ، ولهذا قال تعالى : ( @QUR@04 ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين ). # ويجوز أيضا أن يكون المراد به أنه تعالى بين للرسول أنهم لو خرجوا على ~~هذا الوجه لمنعوا ، فصار ذلك تثبيطا منه تعالى ، وبمنزلة أن يأمرهم ~~بالقعود. ### |||| ** 292 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق فيهم الكفر وأنهم قد يرغبون ~~إليه أن لا يضلهم فقال : ( @QUR@011 ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ، ألا ~~في الفتنة سقطوا ).. [49] # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الفتنة ليس هو الكفر والمعاصى ، وقد بينا أنه ~~ينطلق على الامتحان والتشديد فى التكليف (1)، ولذلك أطلقه تعالى على ~~العذاب ، بقوله : ( @QUR@05 يوم هم على النار يفتنون ) (2) وعلى البلاء ~~النازل من الأمراض وغيرها ، فقال تعالى : ( @QUR@010 أولا يرون أنهم يفتنون ~~في كل عام مرة أو مرتين ) (3) وقال ( @QUR@04 إن هي إلا فتنتك ) (4) فلا ~~ظاهر لما تعلقوا به. PageV01P334 # وبعد ، فليس فى الكلام إلا أنهم سألوا أن لا يفتنوا ، وقد بينا أن ~~المسألة بأن لا يفعل الشيء لا تدل على أن ms214 المسئول يفعل ذلك ، أو يجوز أن ~~يختاره ، وبينا نظائر ذلك (1). # وقوله : ( @QUR@04 ألا في الفتنة سقطوا ) ليس فيه إضافة ما سقطوا فيه إلى ~~الله تعالى ، فلا ظاهر للكلام يصح تعلقهم به! # والمراد بذلك : أن فى المنافقين من كان يقول للرسول عليه السلام : ائذن لى ~~فى التخلف عن الجهاد ، ولا تفتنى : يعنى : لا تشدد التكليف على بالخروج ، ~~فقال الله تعالى : ( @QUR@04 ألا في الفتنة سقطوا ) يعنى : أنهم طلبوا « ~~التخفيف و (2) التيسير والتخلص من المشقة بالخروج ، وقد سقطوا فى العقاب ~~وما أعده لهم من النيران ولذلك قال تعالى [ بعده ] ( @QUR@04 وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين ) (3) مبينا بذلك أن المراد (4) تهجين رأيهم فى طلبهم ~~التخلص من مشقة يسيرة ، [ وأنهم ] قد أوقعوا أنفسهم فى الأمر العظيم من ~~العقاب بنفاقهم وكفرهم. ### |||| ** 293 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعد ما يدل على أن العبد لا يصيبه إلا ما كتب له أو ~~عليه ، وأن السعى فى خلاف ذلك عبث ، وأن الواجب الاتكال على ما قدر على ~~المرء وكتب عليه ، وأن يعلم أن خلافه لا يجوز ولا يكون ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@014 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون ) [51] # والجواب عن ذلك أن ظاهره إنما يقتضى أنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله PageV01P335 # لهم وخبر عن وقوعه ، وهذا قولنا. وإنما الخلاف فى هل يقدر على خلاف ما ~~علمه تعالى وكتبه ، وهل يحسن التعبد به ، وليس فى ظاهر الكلام بيان ذلك فلا ~~يصح تعلقهم به. # وقد بينا أنه لو كان لا يقدر العبد على خلاف ما علمه تعالى وكتبه ، لوجب ~~أن يكون كالمحمول على ذلك وكالممنوع من خلافة ، وأن يكون هذا حال القديم ~~تعالى فيما يقدر عليه من المتضادات وتقديم الأمور وتأخيرها ، وبينا أن ذلك ~~يوجب كونه تعالى فى حكم المجبر على الفعل المحمول عليه ، فضلا عن العبد! # والمراد بالآية ما ينزل بالعبيد من الرخاء والشدة : لأنه تعالى قال قبله ~~: ( @QUR@013 إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل ) (1) ثم بين تعالى أنه لا ms215 يصيبهم إلا ما كتبه وقدره ، مما علمه صلاحا ~~وأنه لا معتبر بقولهم ولا بفرحهم وبجزعهم. ### |||| ** 294 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@012 قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم ~~قوما فاسقين ) [53]. يدل على أن إنفاقهم لا يتقبل ولا يستحق به الثواب ~~لمكان فسقهم ، لأن قوله : ( @QUR@04 إنكم كنتم قوما فاسقين ) عقيب ذلك ~~يقتضى أن له به تعلقا ، ولا يكون كذلك إلا أن نجعله كالعادة فى أنه لن ~~يتقبل منهم ، وهذا يقتضى ظاهره أن الفاسق مع فسقه لا تقبل منه الطاعة. # فإن قال : إن الآية واردة فى المنافقين والكفار ، فيجب أن يكون التقبل ~~إنما لا يقع فيهم (2)! PageV01P336 # قيل : إنه لم نستدل بحال من وردت فيه ، وإنما تعلقنا بظاهر الكلام من حيث ~~اقتضى أن نفى التقبل هو لأجل الفسق ، من غير تخصيص فسق من فسق ، وفاسق من فاسق. # فإن قال : فقد قال بعده : ( @QUR@011 وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله ) (1). وهذا يدل على أن المانع من التقبل كفرهم. # قيل له : لا يمتنع أن يكون ذلك مانعا ، والفسق كمثل ، حتى لو انفرد كل ~~واحد يمنع من التقبل ، فالكلام سليم. # وبعد ، فقد ضم إلى الكفر ما يجرى مجرى الفسق ، فقال : ( @QUR@06 ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) وذلك يحقق ما قدمناه. # فإن قيل : إنه جعل المانع من التقبل كفرهم وتركهم الصلاة وأنهم لا ينفقون ~~إلا مع الكراهة ، فلا يجوز أن يجعل المانع إلا الكل معا. # قيل له : إن الذى تقدم ذكره يقتضى أنه ذكر الجميع من حيث يمنع كل واحد من ~~التقبل ، كما أنه إذا ذكر أنواعا من المعاصى وعلق الوعيد بها ، فهو يتعلق ~~بكل واحد منها. وكذلك ما قلناه. # فإن قال : فإنه تعالى بين أنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون ، فيجب أن يكون ~~هذا هو المانع من التقبل ؛ لأن كل من أنفق على هذا الوجه لا يتقبل منه ذلك ~~على كل حال. # قيل له : فهذا يوجب أن لا يكون للكفر ولا للفسق تأثير فى ذلك ، وقد # (م 22 متشابه القرآن). PageV01P337 # نص ms216 الكتاب على خلافه ، وحمله على الوجه الصحيح ظاهر ؛ لأنه تعالى بين أن ~~إنفاقهم المستقبل لا يتقبل ، لتقدم الكفر والفسق وترك الصلاة والإنفاق (1) ~~على غير وجهه منهم ، وأحد الإنفاقين غير الآخر. ### |||| ** 295 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد كفرهم كما يزيد تعذيبهم ، ~~فقال : ( @QUR@017 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ، إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [55]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام أنه تعالى يريد تعذيبهم للأحوال التى ~~ذكرها ، وإزهاق أنفسهم كذلك. وليس فيه أنه يريد كفرهم ، وإنما ذكر أنهم فى ~~حال ما أراد منهم كافرون ، ولا يجب إذا أراد منهم الشيء وهم على حال وصفة ~~أن يريد كونهم كذلك ، لأن أحدنا قد يريد من الطبيب معالجة ولده فى حال مرضه ~~« ولا يريد مرضه وإن كان (2) لو زال لم يرد المعالجة ، فكذلك أراد تعالى ~~ذلك بهم (3) وهم كفار ، ولو زال كفرهم لم يرده ، وكل ما يريده تعالى من ~~العقاب وما شاكله فإنما يريده بالعبد إذا كان كافرا ، خصوصا إذا كان الكلام ~~فى حال التكليف. # فبين عز وجل أن أموالهم وأولادهم ، وإن كان ظاهره نعمة ويعجب بمثله ، ~~فإنه تعالى يريد أن يعذبهم بها فى الدنيا بإحلال الغموم والأحزان بهم (4) ~~وصرفهم لها (5) إلى ما يوجب العقاب ، ولأنها صارت فى حكم السبب لكفرهم ، ثم ~~بين أنه يريد إزهاق أنفسهم وإهلاكهم لسوء اختيارهم فى ثباتهم على الكفر مع ~~تمكنهم من الإقلاع ، وهذا بين ظاهر. PageV01P338 # 296 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@09 يحلفون بالله لكم ليرضوكم ، والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه ... ) [62] يدل على أنهم لم يفعلوا ما أراده الله منهم ~~، لأنهم لو فعلوا ذلك لكانوا قد أرضوه تعالى ، لأن الفاعل إنما يكون مرضيا ~~غيره فى فعله إذا فعل كمال مراده منه. وعلى قولهم ، قد فعل جميع العبيد ~~كمال مراده تعالى منهم ، فيجب أن يكونوا مرضين لله تعالى ، وهذا يخالف (1) ~~ما يقتضيه الظاهر. ويوجب أيضا أن يكون (2) إرضاؤهم له بأمر سوى الأمر الذى ~~يكون إرضاء له تعالى ، لأنه لو كان واحدا ms217 لم يصح هذا الكلام! # فإن قال : فإنما أراد بذلك أنه تعالى أحق أن يرضى بأن يفعل ما أمره ، ~~وليس للارادة فى ذلك مدخل! # قيل له : إنه (3) لا معتبر بالقول (4) فى الإرضاء. ألا ترى أن السيد قد ~~يتهدد عبده ليأتى الأمر (5)، ولو فعله العبد لم يكن مرضيا له ، ولو علم من ~~حاله أنه يريد منه أن يسقيه الماء نائما لكان إذا فعله مرضيا له وإن عدم ~~القول ، فلا معتبر بالإرضاء إلا بما قلناه. # ولهذا قال شيوخنا رحمهم الله : إن على قولهم يجب أن يكون الكافر فاعلا لما ~~يرضاه تعالى كالمؤمن ، من حيث فعل ما أراده منهما ، وأن يكونا مرضيين له ~~على حد واحد. وأن لا يجوز والحال هذه أن يعاقب أحدهما ويثيب الآخر ، وهذا بين. ### |||| ** 297 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق فى قلب PageV01P339 # المنافق النفاق حالا بعد حال ، فقال (1): ( @QUR@015 فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ، وبما كانوا يكذبون ) ~~[77] وذلك يدل أيضا على أنه يضل من تقدم منه الكفر ، على سبيل العقوبة. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه تعالى أعقبهم نفاقا فى قلوبهم ~~؛ لأنه كما تقدم ذكره ، فقد تقدم ذكر بخلهم بما عاهدوا الله عليه وغير ذلك ~~(2) فمن أين أن ذلك يضاف إليه تعالى والحال هذه؟ # وبعد ، فإنه تعالى لو فعل فى قلوبهم النفاق لوجب أن يكون ظاهره يقتضى أنه ~~فعله فى قلبهم إلى يوم اللقاء (3)، وهذا مما لا يصح ظاهره ؛ لأن يكون ~~المراد بيوم (4) اللقاء اليوم الذى يلقون فيه ما وعدوا وأعد لهم ، وكان يجب ~~أن يكون يوم اللقاء كالعلة فى انقطاع ما يستحقون على توليهم وإعراضهم عنه ، ~~وهذا بالضد مما ثبت من (5) أن التعذيب إنما يكون فى ذلك الوقت ، وإنما يقدم ~~تعالى بعض العذاب للمصلحة ، كالحدود وغيرها فى المصرين ، وهذا يوجب أن يحمل ~~ظاهره إن كان الأمر كما قالوا على أنه أعقبهم نفاقا فى قلوبهم ، ما دام ~~التكليف حاصلا ، فعاقبهم بذلك على كفرهم ، ولو كان ms218 كذلك لكان النفاق الأول ~~يجب أن يكون من فعلهم ، وأن يكون الثانى ، من حيث كان جزاء ، من فعله فيهم ~~، ومن حيث كان الثالث جزاء عليه ، من فعلهم ؛ لأن نفاقهم يتكرر حالا بعد ~~حال ، وهذا يتناقض! PageV01P340 # فيجب أن يحمل الكلام على ما قلناه ، من أن بخلهم بما عاهدوا الله عليه ~~وتوليهم وإعراضهم اقتضى استمرارهم على النفاق وشدة تمسكهم به ، ولو كان لا ~~يحتمل الكلام إلا إضافته إليه لحملناه على أن المراد « به العقوبة على ~~النفاق (1) وسماه به ، كقوله : ( @QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ) إلى ما شاكله. ### |||| ** 298 فأما قوله تعالى : ( @QUR@03 إلى يوم يلقونه ) فلا يصح للمشبهة التعلق به فى أنه جسم ، وفى ~~أنه يرى ؛ لأن القوم لا يقولون بذلك فى المنافقين ، وإنما يختص عندهم ~~بالرؤية المؤمنون. # وهذا يوجب أن اللقاء إذا ذكر فيه تعالى فالمراد به لقاء ما وعد وأعد ، أو ~~يراد به عند حدوث الموت ، على ما يقوله الناس : إن فلانا قد لقى الله ، إذا ~~مات ، وقد روى عنه صلى الله عليه أنه قال : « من أحب لقاء الله أحب الله ~~لقاءه (2)) وقد روى عنه أيضا ما يدل على الوجه الأول فى اللقاء ، لأنه قال ~~: « من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان » (3) # فتح البارى : 11 / 300 303. # ( من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها ... ) الحديث. قال أبو عيسى : # وحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح. قال ابن حجر : ويمين الصبر بفتح الصاد ~~وسكون الباء هى التى تلزم ، ويجبر عليها حالفا. # انظر فتح البارى : 11 / 473 ، صحيح الترمذى بشرح ابن العربى 5 / 271. PageV01P341 # وإن كان لا يمتنع أن يريد به الموت أيضا. # وظاهر « اللقاء ) فى اللغة يقتضى ما لا يقوله القوم ، لأنه يقتضى المماسة ~~، ولذلك يستعمل فى الأجسام إذا تضامت (1)، ويستعمل فيما نقيضه المفارقة ~~(2)، وإنما استعمل ذلك فى الإنسان مع غيره ، لأنه يدنو منه عند اللقاء ، ~~فيصير فى حكم المضام له ، وهذا مما لا يجوز فيه تعالى ، فكيف يستدل بذلك ~~على الرؤية؟! ### |||| ** 299 مسألة : قالوا : ثم ذكر ms219 تعالى بعده ما يدل على أنه منع من تخلف عن الجهاد وطبع على ~~قلبه ، فقال : ( @QUR@08 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم ) [87]. # والجواب عن ذلك قد تقدم من قبل ، من حيث بينا أن الطبع سمة وعلامة يعرف ~~بها حال المطبوع عليه ، لما فيه من الصلاح واللطف ، وبينا أن ذلك لا يمنع ~~فى الحقيقة ، ودللنا عليه بوجوه (3). # والتعلق به فى هذا الموضع أبعد ؛ لأنه تعالى لم يضف طبع قلوبهم إلى نفسه ~~، وبينا فيما هذا حاله أنه لا ظاهر له فى أن الفاعل من هو (4)؟ # وقد يجوز أن يراد بذلك : أنهم لشدة تمسكهم بالنفاق صار ذلك بمنزلة أن ~~يفعل فى قلوبهم الطبع ، وهذا كقوله : ( @QUR@07 بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون ) (5) فجعله. « ربنا » لأنه يصير كالصدإ الذى يلحق القلب ويتركب PageV01P342 # فيصير فى حكم المانع ، ولذلك نرى المستمر على المعاصى المجترئ على الله ~~فى ارتكابها يصعب عليه العدول عن هذه الطريقة ، بخلاف صعوبته على المقدم ~~عليها خائفا وجلا ، ولو أضيف إليهم طبع قلوبهم على هذا الحد لصلح ، وبطل ~~تعلقهم به لو (1) كان الطبع منعا فى الحقيقة ، فكيف وقد بينا الحال فيه؟ ### |||| ** 300 وقوله تعالى بعد ذلك بآيات (2) ### |||| ** : ( @QUR@07 وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) (3) يجب أن يحمل على ما قلناه. # فإن قال : لا يصح ذلك ؛ لأنه تعالى قال : ( @QUR@03 فهم لا يعلمون ) « ~~فبين أن الذى أزال علمهم أنه طبع على قلوبهم. # قيل له : إن أكثر ما يجب فى ذلك أن يكون لقوله : ( @QUR@03 فهم لا يعلمون ~~) (4) تعلق بالطبع ، « وأولى التعلق به أن يحمل على أنهم لا يعلمون (5) هذا ~~الطبع المذكور ؛ لأنه لم يجر لما عداه ذكر ، وهذا مما لا نأباه. أو يحمل ~~على كلام (6) كالمبتدإ ، فكأنه تعالى أعظم فعلهم ووكد توبيخهم ؛ من حيث بين ~~أنهم (7) لا يعلمون ما لهم وعليهم ، لإعراضهم وسوء اختيارهم ، وإن كان قد ~~فعل بهم من الطبع وسائر الألطاف ما يوجب الردع والإقلاع. PageV01P343 # 301 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@018 ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ms220 إذا نصحوا لله ورسوله ) [91]. # يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكلف العبد ما لا يقدر عليه ؛ لأنه تعالى ~~قد عذر هؤلاء ، من حيث ضعفوا عن الخروج ، ومرضوا ولم يجدوا النفقة ، ولو ~~كان تعالى يجوز أن يكلف العبد الإيمان ولا يقدر عليه ولا يعذر إذا لم يفعل ~~ذلك ، لكان هؤلاء بأن لا يعذروا أولى! # وبعد ، فإن على قوله لا فائدة فى هذا الباب ؛ لأنه إن خلق فيهم قدرة ~~الخروج خرجوا لا محالة ، ولم يؤثر فى ذلك مرض ولا ضعف ولا فقد نفقة ، وإن ~~لم يخلق القدرة فيهم لم يصح وقوع الخروج وان لم يكونوا مرضى أو فقراء ، بل ~~كانوا أصحاء أغنياء ، وكل قول يؤدى فيمن عذره الله تعالى بأمر أنه لا يعذر ~~بمثله ، وأن حاله كحال من لا عذر له ، قول فاسد! ### |||| ** 302 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن من خلط عملا صالحا بعمل سيئ أن ~~الله يغفر له ، وإن كان من أهل الكبائر ، بخلاف قولكم فى الوعيد ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@013 وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم ).. [102]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام إنما يقتضى أنه تعالى يتوب عليهم ؛ لأن ~~« عسى ) من الله واجبة ، وليس فيه أنه تعالى يغفر لهم! # فإن قال : لا يجوز أن يتوب عليهم إلا ويغفر لهم! PageV01P344 # قيل له : وكذلك لا يجوز أن يتوب عليهم إلا وقد تابوا ؛ لأن كلا الأمرين « ~~فى ضمن الكلام (1)، بل الذى قلناه أولى ؛ لأنه لا يقال فيه : إنه تعالى ~~يتوب عليهم ولما (2) تقدمت التوبة منهم ، لأن معنى ذلك أن تقبل توبتهم ، ~~والتقبل فى (3) الفعل يقتضى تقدم وقوعه ، فكان تقدير الكلام أنهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا وتابوا منها وأنابوا ، فتاب الله عليهم ، ولا يدل ذلك ~~على أنه يغفر لأصحاب الكبائر من غير توبة. # وبعد ، فإن ظاهره يقتضى الإخبار عن قوم مخصوصين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا ~~الصالح بالسيئ (4)، وما هذا حاله إذا كان حكاية عن أمر متقدم لم يصح ادعاء ~~العموم فيه ، بل يجب ms221 أن يعلم على أى وجه وقع ذلك منهم ، وفى هذا إبطال ~~التعلق بالظاهر. # وبعد ، فإن قوله تعالى ، على طريقة المدح لهم : ( @QUR@03 وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم ) يدل على أنهم أتوا بالاعتراف على طريق التوبة ، ولذلك قال فى ~~آخره : ( @QUR@05 عسى الله أن يتوب عليهم ) وهذا بين. ### |||| ** 303 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@09 وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم ... ) [106] يدل على أن المقدم على ما يستحق به العقاب من المعاصى ~~ليس فيه إلا أحد طريقين : إما أن يتوب فيتوب الله عليه ، ويغفر له ، وإما ~~أن يعذبه ؛ لأن قوله : ( @QUR@03 أو يتوب عليهم ) يتضمن بعده التوبة منهم ، ~~على ما بيناه. # انظر الطبرى : 11 / 12 16. PageV01P345 # وهذا يبطل قول من قال فى أهل الكبائر : إن الله يجوز أن يغفر لهم من غير ~~توبة ، فكأنه قسم من أقدم على المعاصى مع صالح عمله قسمين ، فبين فى أحدهما ~~أنه من أهل الجنة لا محالة ، من حيث تاب واعترف بالذنب ، وبين فى الآخر لما ~~لم يفعل ذلك أن أمرهم مترقب ، فإما أن تقع التوبة منهم فيتوب عليهم ، أو ~~يعذبهم إن لم يفعلوا ذلك ، وهذا صريح قولنا! ### |||| ** 304 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن من هداه لن يضله بعده ، وذلك يدل ~~على أن الضلال هو الكفر ، والهدى هو الإيمان إذا أتى بهما المرء ، فقال : ( ~~@QUR@013 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) [115]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا فى الضلال والهدى ما فيه مقنع فى جميع ما ~~يرد من ذكرهما فى الكتاب (1)، وإنما نحوج إلى ذكر تأويله ، فأما إبطال ~~تعلق القوم بظاهره فقد سلف ذكره. # والمراد بهذه الآية : أنه تعالى لا يضل قوما بالهلاك والأخذ بهم عن طريق ~~الجنة بعد إذ هداهم فاهتدوا ، لأن ذلك مضمر فى الكلام ، من حيث لا يستحقون ~~(2) نفى هذا الضلال عنهم إلا بأن يهتدوا. # وقوله : ( @QUR@05 حتى يبين لهم ما يتقون ) يدل على ما قلناه ، لأنه فى ~~التقدير كأنه (3) قال : لا يضلهم بالعقوبة إلا بعد إزاحة العلة من ms222 جميع ~~الجهات ، بأن يبين لهم ما يتقون من القبائح ويعزمون عليه من الطاعات. # ويمكن أن يحمل الكلام على أنه لم يكن ليضلهم بالعقوبة إلا بعد البيان PageV01P346 # التام ، لأن قوله تعالى : ( @QUR@03 بعد إذ هداهم ) يعنى : دلهم. # ثم ذكر بقوله : ( @QUR@03 حتى يبين لهم ) زيادة بيان ودلالة يصح معه ~~الإنقاذ من هذا الضلال والهلاك. # ويقال للقوم : إن هذه الآية تبطل قولكم فى الضلالة ، لأنه تعالى نفى أن ~~يضل بعد إذ هدى (1)، ومن قولكم إن المرتد قد أضله الله بعد إذ هداه ، فيجب ~~أن يدل ذلك على أنه تعالى لا يضل بخلق الكفر ، على ما نذهبون إليه (2). # وبعد ، فإن البيان وتقدمه لا يؤثر على قولهم فى حال الضلال ، لأنه موقوف ~~على إرادته ، وله أن يفعله ، فما الفائدة فى قوله : ( @QUR@05 حتى يبين لهم ~~ما يتقون )، على أن بيان ذلك لا يفيد ، لأنه إن (3) خلق فيهم الضلال ضلوا ~~، تقدم البيان أولم يتقدم ، وإن لم يخلق ذلك فيهم لم يؤثر فى حالهم فقد ~~البيان ، وذلك يوجب تناقض الكلام! ### |||| ** 305 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يزيدهم إيمانا بإنزال السورة ، ~~ويزيد الكفار كفرا بها ، لأنه لا يجوز إضافة الزيادة إلى نفس السورة ، فيجب ~~أن تكون إلى المنزل ، فقال تعالى : # ( @QUR@011 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ).. [124]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنهم أضافوا زيادة الإيمان إليها ، وليس ~~ذلك بقول أحد ، ثم التنازع فيما المراد به : رجوع إلى تأويل الآية ، ~~واعتراف بأن التمسك بظاهرها لا يصح. وقد بينا أن المراد بذلك أنها سبب PageV01P347 # زيادة الإيمان من المؤمنين ، وما هذا حاله قد يضاف إلى الفعل ، كما يقول ~~القائل : أتعبنى المشى والركوب ، من حيث تعب بسببهما ، كما يقال : أتعبنى ~~زيد ، إذا سأله فتعب عنده ، فلما فعل المؤمنون زيادة إيمان عند نزولها لأن ~~نزولها يقتضى زيادة التعبد جاز إضافة ذلك فى الكلام إليها ، وكذلك القول ~~(1) فى إضافة زيادة كفرهم إليها. # وقد يحتمل أن يراد به أنه تعالى بإنزال السورة زادهم إيمانا فى الحقيقة ms223 ، ~~لأن زيادة البصائر « على ما بيناه (2) قد تكون إيمانا وهدى ، وزاد الكفار ~~رجسا إلى رجسهم يعنى غما إلى غمهم وذما وإهانة إلى ما استحقوه من ذلك. ### |||| ** 206 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@016 أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا ~~هم يذكرون ) [126] يدل على أنه تعالى يفعل بالعباد ما يكون أقرب وأدعى لهم ~~إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى وإلى التمسك بالطاعة ، وإن لم يدل على ~~وجوب ذلك. # ويدل على أن الأمراض وما ينزله بالعباد من المصائب لا بد من أن يكون فيها ~~صلاح وتذكر واعتبار ، وذلك لا يتم على مذهب القوم ؛ لأنه (3) تعالى إن خلق ~~الإيمان والتوبة كان مؤمنا تائبا ، تذكر أو لم يتذكر ، واعتبر أم لا! وإن ~~لم يخلق فيه ذلك لم يصح أن يقع منه ، ولو تذكر ما تذكر. # وإنما يصح الدعاء والترغيب والتسهيل والألطاف والعبر والتذكر إذا كان ~~العبد « مختار الفعلية (4) يصح منه أن يختار كل واحد منهما على الآخر ، ~~فيرغب وتقوى دواعيه ، لكى يختار أحد الأمرين. PageV01P348 # 307 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يصرف عن الإيمان ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه صرف نفس قلوبهم ، وليس فيه أنه ~~صرفهم عن إيمان أو غيره من الأفعال ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به ، ومتى ~~ادعوا فى الكلام أمرا محذوفا فقد تعدوا التعلق بالظاهر ودخلوا تحت التأويل ~~؛ يبين ذلك أنه ذكر أن بعضهم نظر إلى بعض ، فقال : ( @QUR@017 وإذا ما ~~أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ، هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم ) فظاهره يقتضى انصرافهم فى الحقيقة بعد التلاقى. وإذا قيل بعده : ( ~~@QUR@03 صرف الله قلوبهم ) ولم يتقدم للكفر ذكر ، فحمله عليه لا يجوز فى ~~الكلام. # وبعد : فإنه لو راد بذلك الكفر والمنع من الإيمان لما جاز أن يجعله ~~كالجزاء على انصرافهم ، لأن انصرافهم هو الكفر ، فلو جعل الجزاء عليه كفرا ~~آخر لوجب فى الثالث أن يجعله ms224 مثله جزاء على الثانى. وهذا يوجب ما قدمناه من ~~أن فعله تعالى فيه وعقابه ؛ من حيث كان جزاء ، وفعل العبد من حيث جوزى ~~وعوقب عليه. # وبعد ، فإن الكلام يوجب أنه تعالى إنما صرف قلوبهم إذا انصرفوا ، وعند ~~القوم أنه المبتدئ بالكفر [ وأن ] الله صرف قلبه وإن لم ينصرف ، وكذلك ~~المرتد بعد إيمان ، فلا يجوز أن يحمل إلا على أن المراد به : فلما انصرفوا PageV01P349 # عاقبهم الله على انصرافهم ، فسمى العقوبة عليه باسمه ، كما قال : ( ~~@QUR@04 وجزاء سيئة سيئة مثلها ) (1) وقالت العرب : الجزاء بالجزاء ، ~~والأول ليس بجزاء ، إلى غير ذلك من الشواهد فى الشعر وغيره (2). # فإن قال : إن (3) كان المراد به العقوبة فلما ذا ذكر القلب وعلق الصرف به ~~، وهلا دل على أن المراد به الكفر الذى محله القلب!! # قيل له : إن الكفر أيضا قد يكون فى غير القلب ، كالجحود والتكذيب اللذين ~~يكونان باللسان ، وكالاستهزاء بالرسول ، وكشف العورة ، إلى ما شاكله مما ~~يكون بالجوارح ، فما الفائدة والحال هذه فى تعليقه الصرف بالقلب على قولكم؟ ~~فإذا هم تأولوه على وجه ما ، فقد سوغوا لنا مثله ، بل الذى نقوله أولى ؛ ~~لأنه تعالى لما علم أن انصرافهم عن طاعته وإعراضهم عن أدلته لا يكون إلا ~~بالقلب أو بأفعال لا بد أن تضامها أفعال القلب ، صار كأنه قال : فلما ~~انصرفوا بقلوبهم ، ثم (4) أجرى اسم العقوبة على الحد لنقدر فى ذلك ، فقال : ~~( @QUR@03 صرف الله قلوبهم ) وهذا كما يقال (5) لمن بين له فلم يتبين : قد ~~أعمى الله عينيه وأصم سمعه ، فتذكر الآلات التى بها يقع الإعراض وترك ~~التذكر ، فكذلك القول فيما بيناه. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 بأنهم قوم لا يفقهون ) يدل على أن صرف قلوبهم هو ~~بالعقوبة التى استحقوها بالإعراض وترك التفقه والنظر فيما أنزله من السورة ~~وسائر الدلائل ، وهذا بين. PageV01P350 ### | من سورة يونس عليه السلام ### |||| ** 308 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه جسم يجوز عليه الاستواء والمكان ~~، فقال تعالى : ( @QUR@023 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما ms225 من شفيع إلا من بعد إذنه ) [3]. # والجواب عن ذلك قد تقدم : لأنا قد بينا أن المراد بالاستواء هو الاستيلاء ~~والاقتدار ، وبينا شواهد ذلك فى اللغة والشعر (1) وبينا أن القول إذا احتمل ~~هذا والاستواء الذى هو بمعنى الانتصاب ، وجب حمله عليه (2)، لأن العقل قد ~~اقتضاه ، من حيث دل على أنه تعالى قديم ، ولو كان جسما يجوز عليه الأماكن ~~لكان محدثا ، تعالى الله عن ذلك ، لأن الأجسام لا بد من أن يلزمها دلالة ~~الحدث ، وهى أيضا لا تنفك من الحوادث ولا تخلو منها. # فإن قالوا : لو أراد الاستيلاء لم يجز أن يدخل فيه ( @QUR@01 ثم ) لأنها ~~تدل على الاستقبال ، وذلك لا يصح إلا فيما ذكرناه من الاستواء ، دون ~~الاقتدار. # قيل له : إن ( @QUR@01 ثم ) وإن وليها ذكر الاستواء فإنما دخلت على ~~التدبير المذكور ، والله تعالى يدبر الأمر فى المستقبل ، وهذا كقوله : ( ~~@QUR@04 حتى نعلم المجاهدين منكم ) (3) فدخلت ( @QUR@01 حتى ) فى الظاهر ~~على العلم وأريد بها الدخول فى الجهاد الذى يقع مستقبلا ، والكلام (4) على ~~ذلك ، لأن الفصيح إذ قال : ثم استقر زيد فى الدار يدبر أحوالها ، فالمراد ~~بذلك أن تدبيره PageV01P351 # وقع وهو (1) بهذه الصفة ، ولذلك يقال هذا القول وإن كان حصوله فى الدار ~~متقدما. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) يبين أن المراد ما ~~قلناه لأنه تعالى دل به على أنه للاقتدار والاستيلاء ينفرد بالتدبير من غير ~~شفيع ينضاف إليه فى تدبيره ، ولو كان المراد بالاستواء الانتصاب لم يكن ~~لذكر ذلك معنى ، لأن الجسم لا فرق بين « أن ينتصب (2) ويضطجع ، فى أن ~~تدبيره واقتداره لا يتغير! ### |||| ** 309 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@03 إليه مرجعكم جميعا ) (3) لا يصح تعلق المشبهة به (4) فى أنه ~~تعالى فى مكان يرجع إليه ، لأنا قد بينا فى نظيره أن المراد أن مرجعكم إلى ~~ما وعد به وتوعد (5)، ولذلك قال (6) عقيبه ( @QUR@03 وعد الله حقا ) فبين ~~بذلك أن ما يرجعون إليه حق لا ريب فيه. # وهذه الكلمة إذا أطلقت فى اللغة فليس المراد بها المكان ؛ لأن القائل إذا ~~قال : رجع أمرنا إلى فلان ms226 ، فإنه يعنى به فى بعض الأمور ، لا فى نفس الذات ~~والشخص. فجرى تعالى فى هذا الخطاب على طريقتهم. ### |||| ** 310 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) (7). # يدل على أنه منزه عن كل قبيح ؛ لأنه لو جاز أن يفعل شيئا من القبيح لم ~~يوثق فيما خلقه من أحوال الشمس والقمر وتقدير المنازل أنه خلقه على وجه PageV01P352 # الصواب والحكمة ، بل لا يمكن على هذا القول الثقة بأن شيئا من أفعاله حسن ~~على وجه ، لتجويز أن يكون قصد به بعض الوجوه التى يقبح لها الفعل ؛ لأن ~~الملك ملكه ، والأمر أمره ، يفعل فى سلطانه ما يريد! # فإن قالوا : المراد بقوله : ( @QUR@02 إلا بالحق ) هو أنه خلق الأشياء ب كن! # قيل له : هذا لا يعقل من ظاهره ، لأنه متى قيل فى الفاعل : إنه ما فعل ~~كيت وكيت إلا بالحق ، فالمعقول من ذلك أنه فعله على وجه الحكمة والصواب ، ~~ولا يستفاد منه ما ذكره فى لغة ولا شرع. هذا ، وقد بينا أنه تعالى لا يخلق ~~الأشياء ب كن وأن ذلك يستحيل ؛ لأنه إنما يخلقها لكونه قادرا عليها ، فلا ~~تأثير لهذا القول لو فعله عند خلقها ، وقد بينا أنه لا يجوز أن يفعله عند ~~خلق الأشياء ، لأن ذلك عبث (1). # والمراد به أن الأمور لا تتعذر عليه ، بل تنقاد له وتستجيب عند إرادته ~~على كل وجه ، فرقا بينه وبين القادر منا المحتاج إلى الآلات والأدوات وزوال ~~الموانع. ### |||| ** 311 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 يفصل الآيات لقوم يعلمون ) يدل على حدثها ؛ لأن التفصيل إنما يصح ~~فى الفعل الصادر من الفاعل إذا قصد به بعض الوجوه ، وقد بينا القول فى ذلك (2). ### |||| ** 312 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@014 إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) [6]. يدل # (م 23 متشابه القرآن). PageV01P353 # على وجوب النظر ، وأنه يفضى إلى المعرفة والحق ؛ لأنه نبه بهذه الآية على ~~الدلالة ، فى الوجه الذى قد ذكره ، وتقصى وجه دلالة ذلك يطول ، فلذلك عدلنا ~~عنه (1). ### |||| ** 313 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما ms227 يدل على أنه جسم يجوز عليه المكان ، فقال : ( ~~@QUR@08 إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ) [7]. # والجواب عن ذلك قد تقدم (2)؛ لأنه تعالى جعل لقاء ما وعد به لقاء له ، ~~على جهة التوسع ، كما جعل الهجرة إلى حيث أمر هجرة إليه ، والدعاء إلى ما ~~أمر به دعاء إليه ، بقوله : ( @QUR@05 وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) (3) ~~و ( @QUR@04 إني مهاجر إلى ربي ) (4) على أن ظاهر القول يقتضى ما قلناه ؛ ~~لأن من حق الرجاء أن لا يدخل إلا (5) فى المنافع الواصلة إلى الخائف ، ~~ولذلك لا يستعمل الرجاء فى خلاف هذا الوجه إلا على وجه (6) التوسع ، فإذا ~~صح ذلك لم يمكن حمل الآية على رجاء (7) لقائه فى الحقيقة ، لأن ذلك ليس ~~ينفع ، ووجب حمله على لقاء (8) ما وعد من الدرجات الرفيعة ، إلا أن يرتكب ~~مرتكب فيقول فى الله تعالى : إنه ينتفع برؤيته ، وذلك يوجب أنه ممن يشتهى ~~النظر إليه ، أو يلحق القلب عليه الرحمة والرقة ، لأن أحدنا لا يصح أن يلتذ ~~وينتفع بالنظر إلى الغير إلا على أحد هذين الوجهين ، ومن قال ذلك فى الله ~~تعالى فقد ألحد فى الدين. PageV01P354 # وقوله تعالى : ( @QUR@03 ورضوا بالحياة الدنيا ) يدل على أنه أراد بالآية ~~: أنهم (1) نفوا الحشر والمعاد ؛ لأنهم لو كانوا إنما نفوا الرؤية لم يكن ~~لتعقيب ذلك فائدة! # وبعد ، فإن الظاهر يقتضى أن المراد أنهم لا يظنون لقاءنا ؛ لأن الرجاء هو ~~الظن ، وقد علمنا أن نفى الظن من لقاء الله محمود عند كل أحد ، لأنه إن « ~~أراد به (2) لقاء ما وعد ، فنفى الظن فيه محمود عندنا ، وإن أريد به اللقاء ~~بمعنى الرؤية فنفى الظن فيه محمود عندهم ، لأن الواجب فى ذلك العلم دون ~~الظن (3)، فصار الظاهر مما لا يمكن استعماله على وجه! فلا بد إذا من ~~الرجوع الى ما قلناه. ### |||| ** 314 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) [9] من ~~أقوى ما يدل على أن الهدى قد يكون بمعنى الثواب ، لأنه تعالى بين أنه ~~يهديهم جزاء على ايمانهم ، ثم فسر ذلك فقال : ( @QUR@07 تجري من ms228 تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم ) (4) وقد سلف القول فى ذلك (5). ### |||| ** 315 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يمهل الكفار ويستدرجهم إلى الكفر ~~ويكلهم إلى أنفسهم فى ذلك ، فقال : ( @QUR@08 فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ~~في طغيانهم يعمهون ) (6). # والجواب عن ذلك : أنه تعالى بين أحوال (7) الكفار الذين لا يؤمنون PageV01P355 # بالمعاد ، وبين أنه لو عاجلهم بالعقوبة لقضى إليهم أجلهم (1) فكان الموت ~~يرد عليهم عند إنزال العقوبة ، من حيث لا تحتمل ابنيتهم العذاب الشديد الذى ~~يفعل بهم فى الآخرة وتحتمله أبدانهم [ فيها ] لأنه تعالى يصلبها ويقويها ~~ويعظمها ، أو يريد بذلك أنه كان يزول التكليف عنهم بورود العذاب بحصول ~~الإلجاء عنده إلى الطاعة ، فينقضى أجل التكليف عنهم. # ثم قال ما يدل على أنه أمهلهم ، ليستدركوا ويتوبوا فقال : ( @QUR@05 فنذر ~~الذين لا يرجون لقاءنا ) يريد أنه « يمد لهم (2) فى العمر ويخلى بينهم وبين ~~التكليف ، ليكون قد أعذر وأقام الحجة. # ثم قال ما يدل على أنه قد علم أنهم يتسترون على الله ، فقال : ( @QUR@03 ~~في طغيانهم يعمهون ) وليس فى ذلك دلالة على أنه تعالى جعلهم كذلك ، ولم يضف ~~إلى نفسه إلا تخليته بينهم وبين التكليف ، فهذا من فعله تعالى لا محالة ، ~~وقد يقال فيمن يقدر على منع الغير مما هو فيه ، إذا هو خلاه ولم يمنعه ، ~~إنه تركه فى ذلك الأمر ، وهذا ما يجوز عليه تعالى ، لأنه أراد منهم العدول ~~عن العمه والكفر على وجه الاختيار لا على وجه الإلجاء. ### |||| ** 316 فأما قوله تعالى : ( @QUR@06 كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) (3) فقد بينا فى نظيره أنه ~~لا ظاهر له (4)، ويجب أن يكون المراد أن شياطين الإنس والجن زينوا ~~للمسرفين على أنفسهم فى الإقدام على المعاصى ، ما هم عليه من تعجيل الشهوات ~~والعدول عن طريقة الآخرة. PageV01P356 # 317 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@016 وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) [15] يدل على أن القرآن ~~محدث وأنه فعل ، لأن التبديل لا يصح فيما ثبت كونه قديما ، وقد بين أن ~~التبديل يصح فيه ms229 ، وان (1) كان لا يبدل ذلك من تلقاء نفسه صلى الله عليه. # ولتماسهم أن يأتى بقرآن غير هذا يدل على حدوثه أيضا ، لأنه قد دل بذلك ~~على أنه مما يجوز أن يفعل مثله ، وما هو غير له. ### |||| ** 318 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه إذا قضى أمرا لم يجز خلافه ، ~~فقال : ( @QUR@011 ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) (2). # والجواب عن ذلك : أنه ليس فى ظاهره إلا أنه لو لا كلمة سبقت نقضى بينهم ~~فى اختلافهم ، وليس فيه بيان تلك الكلمة ولا بيان القضاء ، فلا يصح التعلق ~~بظاهره! # والمراد بذلك : أنه لو لا أنه علم وخبر بأن الصلاح أن يكلف ويمهل لقضى ~~بإنزال العقوبة على ما أقدموا عليه من الكفر ، ولزال التكليف ، لكنه فعل ~~الصلاح ، فالمراد بالكلمة ما كتبه تعالى فى اللوح لتعتبر به الملائكة من ~~حيث يدل على موقع الصلاح فى التكليف (3)، على ما ذكرناه. PageV01P357 # 319 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يفعل المكر فقال : ~~( @QUR@09 قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) (1). # والجواب عن ذلك : أنه تعالى أضاف إليهم المكر ، فقال : ( @QUR@013 وإذا ~~أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ) (2). وأراد ~~(3) بذلك أنهم قابلوا نعم الله تعالى بعد مس الضر لهم بالكفر والتكذيب ، ~~فقال تعالى عنده : ( @QUR@04 قل الله أسرع مكرا ) وأراد أنه أسرع عقابا ، ~~وأن ما يريده من ذلك أسرع نفوذا فيهم ، وأجرى اسم المكر (4) على العقاب على ~~المكر ، من حيث كان جزاء عليه ، ومن حيث يفعل بهم من حيث لا يشعرون. ~~والسرعة فى المكر مجاز ، كما أنه توسع ؛ لأن المكر لا يكون إلا قبيحا ~~كالسيئة ، وإذا أراد تعالى العقوبة علم أنه مجاز ، وعلم فى السرعة أن ~~المراد به أنه مستغن فيما يريد أن ينزله بهم عن الاحتيال والإبطاء فى الفعل ~~، مع جواز ألا يقع منهم ما أرادوه والحال هذه. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) يدل على أنه أراد ~~بما تقدم ms230 العقوبة ؛ لأنه ذكر عقيبه ما يدل على أن [ جميع ] مكرهم ومعاصيهم ~~مكتوب معروف لكى لا يجازوا عليه إلا بمثله ، ولو كان تعالى يمكر فى الحقيقة ~~ويفعل الظلم والقبيح لم يكن لهذا القول معنى! ### |||| ** 320 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لحركات العباد فى البر ~~والبحر ، فقال : ( @QUR@011 هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في ~~الفلك ).. [22]. PageV01P358 # والجواب عن ذلك : أن ما يحصل من سير راكب الفلك فى البحر ، هو من فعله ~~تعالى فى الحقيقة ؛ لأنه المجرى له مجرى الماء ، والاعتماد الذى فيه هو من ~~فعله تعالى ، وإذا كان من الملاح جدف له فليس يخرج من أن يكون تعالى هو ~~المسير ؛ من حيث جعل الماء بالصفة التى يصح التسيير عليها ، وجعلها فى ~~الاعتماد بحيث تعين الملاح ، فصار فعله لا يتم إلا بأفعاله تعالى ولا يمتنع ~~أن يضاف إليه ؛ لأن من حق أجزاء الفعل إذا وقعت من فاعلين ، والمعلوم من ~~حال أحدهما أنه كان يتم منه التفرد [ و] من حال الآخر أن ذلك لا يصح منه ، ~~صار جميعها كأنه من فعل من يصح منه التفرد ، فهو بالإضافة إليه أحق ، ولذلك ~~لو حمل القوى منا والضعيف جسما ثقيلا وحالهما ما وصفنا لوجب أن ينسب ذلك ~~إلى القوى ، ولهذا صح أن يضيف تعالى سيرهم فى البحر إلى نفسه على كل حال ، ~~وإن كان هناك فى بعض الأحوال من العباد جدف [ و] تحريك. # فأما سير (1) العباد فى البر فقد يضاف إلى الله تعالى ، من حيث أمر به ~~وبعث عليه إذا كان السير طاعة ، فأما إذا كان معصية فلا يجوز أن يراد ~~بالكلام ، لأنه لا يصح أن يضاف إليه تعالى على وجه من الوجوه. # وقد يحتمل أن يريد تعالى أنه مهد لهم الأرض ووطأها على الحد الذى صح معه ~~السير عليها ، فصار ذلك السير فى الحكم كأنه من قبله ، وعده عليهم فى جملة نعمه. # والوجه الأول هو الذى اختاره أبو على رضى الله عنه ، لأن ما معه يصح ~~الفعل لا ms231 يوجب حسن الإضافة ، وإلا كان يجب جواز إضافة المعاصى إليه ، لأنه ~~الذى قوى عليها بوجوه التقوية والتمكين. PageV01P359 # لكن لقائل أن يقول : إن فى المعاصى قد حصل ما يوجب قطع الإضافة ، من جهة ~~(1) النهى والزجر والتخويف ، فكان قطع الإضافة أغلب عليه من الإضافة ، وليس ~~كذلك ما لم (2) يحصل فيه هذا المعنى ، من حيث جعل تعالى الأرض فى الصلابة ~~والاستواء بحيث يمكن العباد (3) السير عليها ، فيقوى بذلك ما ذكرناه ثانيا. ### |||| ** 321 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بالهدى من يشاء ، فقال : # ( @QUR@011 والله يدعوا إلى دار السلام ، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~) [25]. # والجواب عن ذلك قد تقدم ؛ لأنا قد بينا أن فى أقسام الهدى ما يصح فيه ~~التخصيص وما يجب فيه (4) التعميم ، وما يجوز أن يضاف إليه تعالى منه. وما ~~لا يضاف ؛ مما يبين المراد بكل ما يرد بعده من المسائل (5). # والمراد بهذه الآية : أنه يهدى من يشاء إلى الدين المستقيم ، وهم ~~المكلفون أجمع. ويجوز أن يريد به زيادة الهدى « ويريد به المؤمن (6) ويجوز ~~أن يريد بالصراط طريق الجنة. # وقال شيخنا أبو على « رضى الله عنه (7): إن هذه الآية قوية فى باب PageV01P360 # الدلالة على العدل ، لأنه تعالى لا يجوز أن يصف نفسه بأنه يدعو إلى دار ~~السلام وهو مع ذلك يصد عن الإيمان ويصرف عنه ويمنع منه ، إلا أن يقول ~~المخالف إنه تعالى إنما يدعو إلى دار السلام من قضى عليه الإيمان دون سائر ~~العباد ، فيزول بذلك عن ظاهر القول ويخرج عن دين الإسلام (1)، لأن الأمة ~~تصفه تعالى بأنه يدعو جميع المكلفين إلى دار السلام ، ولأن الدعاء هو الأمر ~~من الله تعالى ، ولا شك أنه قد أمر الكل بالإيمان الذى يؤدى إلى استحقاق ~~دار السلام. ### |||| ** 322 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [26] ربما تعلق به من يقول بجواز ~~الرؤية على الله تعالى ، ويروى فيه ما يقوى تأويله (2)، وليس للآية ظاهر ؛ ~~لأنه لم يذكر ما تلك الزيادة ، فمن أين أن المراد بها ما قالوه؟ PageV01P361 # ولو قيل ms232 : إن ظاهره يدل على أن المراد بها من جنس الحسنى المتقدم ذكره ~~الذى هو النعيم ، لكان أقرب ؛ لأن إطلاق هذه الكلمة بعد تقدم ذكر بعض ~~الأمور يقتضى أن الزيادة من ذلك الباب بالتعارف ، إلا أن يمنع منه دليل! # ولو كان المراد به الرؤية على مذهبهم لكانت الزيادة أعظم من الحسنى (1)! ~~ويوجب أن يكون تعالى يلتذ بالنظر إليه ويشتهى ، فيكون ذلك من جملة النعيم ~~واللذات!! وهذا خروج من الدين ، وإن كان القول بأنه جسم يقتضيه ، لأنه إذا ~~صح فيه ذلك لم يمتنع أن يشتهى النظر إليه ، بل لمسه ومعانقته ، تعالى الله ~~عن ذلك (2)! ### |||| ** 323 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@014 والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ، بمثلها وترهقهم ~~ذلة ، ما لهم من الله من عاصم ) [27] يدل على أنه تعالى لا يعاقب المسيء ~~إلا بقدر ما يستحقه ، ولذلك فصل بينه وبين المحسن ، فضم له الزيادة تفضلا ، ~~واقتصر (3) فى المسيء على مجازاته بمثل إساءته. # ولو كان تعالى على ما تقوله المجبرة من أنه يجوز أن يفعل القبيح ، ويعذب ~~أطفال المشركين ، ومن لا يستحق العذاب ، لم يكن لتنزيهه نفسه فيمن اكتسب ~~السيئات عن أن يجازيه إلا بمثلها ، معنى. # انظر المغنى : 4 / ص ، 223. PageV01P362 # وهذه الآية تدل على قولنا فى الوعيد ؛ لأنه تعالى بين فيمن اكتسب السيئات ~~أنه لا عاصم له من الله (1)، ولو كان يقبل فيه الشفاعة لم يصح ذلك ، ثم ~~ذكر من بعد أنه تعالى يخلدهم فى النار ، فدل به على أنه لا ينقطع عنهم ~~العذاب. ### |||| ** 324 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن قضاءه وقدره يوجبان على الفاسق أنه ~~لا يؤمن ، فقال تعالى : ( @QUR@010 كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم ~~لا يؤمنون ) [33]. # والجواب عن ذلك يقتضى أن كلمته تعالى حقت عليهم أنهم لا يؤمنون ، وذلك ~~خبر من الله تعالى ، وخبره لا يجوز أن يتبدل فلا يكون إلا صدقا وحقا ، وليس ~~فيه بيان أنه يمنع الفاسق من الإيمان ، أو يخرجه من أن يقدر على خلاف الفسق ~~، فلا ظاهر لهم فى هذه الآية! ### |||| ** 325 مسألة ms233 : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه منع الكفار من القبول من الرسول ~~عليه السلام ، وجعلهم بحيث لا يعقلون (2) ولا يسمعون ولا يبصرون. وهذا يحقق ~~ما نقوله ، فقال (3) تعالى : ( @QUR@022 ومنهم من يستمعون إليك ، أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ، ومنهم من ينظر إليك ، أفأنت تهدي العمي ~~ولو كانوا لا يبصرون ) [ 42 43 ]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أنه صلى الله عليه وسلم لا يسمع ~~الصم ولا يهدى العمى ، وليس فيه بيان حال الكفار وأنهم فى الحقيقة PageV01P363 # لا يسمعون ولا يعقلون ، وظاهر الكلام عن الاستفهام ، وإن كان به التقرير. # والمراد بالآية : أن قوما من الكفار كانوا يستمعون إليه صلى الله عليه ~~وسلم فيما يتلوه قصدا منهم إلى التكذيب والأذى ، دون التفكر والتقبل ، فبين ~~تعالى أنهم بمنزلة الصم الذين لا يعقلون ، من حيث اشتد تمسكهم بالتكذيب ~~وعدلوا عن طريقة التبين ، كما يقول أحدنا لمن بين له فلم يتبين راجعا إلى ~~نفسه باللائمة : أفيمكنني أن أسمع الصم وأبين للجماد ، وأعرف البهيمة؟ ~~وكذلك : ( @QUR@03 أفأنت تهدي العمي ) لأنهم كانوا يشاهدون المعجزات ، كما ~~يسمعون القرآن ، ويقصدون الطعن دون تبين الحق ، فبين أنهم كالعمى فى أنهم ~~لا يعرفون. ### |||| ** 326 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@010 إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) [44] ~~يدل على قولنا فى العدل ؛ لأنه بين أن هؤلاء الكفار الذين عدلوا عن طريقة ~~الدين فاستحقوا العقاب والهلاك ، هم الذين ظلموا أنفسهم ، وأنه تعالى إذا ~~عاقبهم لم يكن ظالما لهم ، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لم يصح أن ~~ينزه نفسه عن الظلم ، مع أن جميعه من قبله ، ولا يصح أن ينفى عن نفسه فعل ~~الظلم ، وهو الخالق له ، ويضيفه إلى من لم يفعله! ### |||| ** 327 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@013 ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون ~~إلا بما كنتم تكسبون ) [52] يدل على أنه تعالى لا يفعل إلا الحق والصواب ، ~~من حيث نزه نفسه عن أن يعاقب ويحازى إلا بما كسبه المرء. PageV01P364 # وفيه دلالة على أن العذاب يدوم ms234 بالظالم ؛ لأنه تعالى وصفه بأنه عذاب ~~الخلد ، وهذا لا يكون إلا دائما ، كما أنه لو وصف الجنة بالخلد أنبأ ذلك ~~(1) عن دوامها. ### |||| ** 328 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل للحق والجاعل له حقا! فقال ~~: ( @QUR@07 ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) [82]. # والجواب عن ذلك : أنه ليس فى ظاهره أنه خلق الحق وفعله ، ولو دل الظاهر ~~عليه لم يكن فيه أن الحق المذكور هو من أفعال العباد ، فلا يصح تعلقهم به. # والمراد بذلك أنه يبين الحق ويدل عليه بكلماته ؛ لأنها الأدلة التى يعلم ~~بها أكثر الحق ، ويستدل بها الملائكة وغيرهم عليه (2). # ولو لا أن المراد ما قلناه ؛ لم يكن لذكر الكلمات معنى ، لأنه تعالى لا ~~يخلق الحق بالكلمات ؛ لأنها أيضا من خلقه ، فلو جوزنا أن يخلقها بمثلها ~~فذلك يؤدى إلى ما لا نهاية له ، وقد بينا القول فى أنه تعالى لا يجوز أن ~~يخلق الأشياء ب كن (3). ومن يخالف فى ذلك لا يمكنه التعلق بهذه الآية : ~~لأنها تدل على أنه يخلق الحق بكلمات ، وليس هذا طريقة القوم ، بل قولهم إنه ~~يستحيل على كلامه تعالى الجمع ، وإنما هو معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ، ~~وقد بينا (4) فى قوله تعالى : ( @QUR@04 ليحق الحق ويبطل الباطل ) الكلام ~~(5) فلا وجه لإعادته (6). PageV01P365 # 329 مسألة : قالوا ثم ذكر بعده ما يدل على أنه يجعل العباد فتنة لبعض ~~فقال : ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) (1). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا الكلام فى المسألة والدعاء ، وأنهما لا ~~يدلان على أن المطلوب يفعل ، أو يحسن أن يفعل بلا شرط ، وبينا أن الداعى ~~متى لم يشترط فى دعائه فقد وضعه فى غير موضعه ، وشرحنا القول فى ذلك (2). # والمراد بهذه الآية : أنهم سألوه تعالى أنه لا يجعلهم فتنة للكفار ، بأن ~~ينزل بهم من المحن والخذلان (3)، وظفرهم بهم ما تقوى معه نفوسهم ويطمئنوا ~~إلى الكفر ، فيكون ذلك فتنة عليهم ، وربما يكون فتنة على المؤمنين ، لما ~~يحصل لهم من ضعف النفس بورود هذه الأمور! # وقد قيل : إنهم سألوا أن ms235 يخلصهم من أسر (4) الكفار الذين كانوا ~~يستعبدونهم ويتخذونهم خولا ورقيقا ؛ لأن ذلك فتنة عليهم فى الدين وشدة ~~ومحنة. وهذا ظاهر. ### |||| ** 330 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يضل الكفار عن الحق ، ويفيض ~~عليهم النعم لكى يضلوا ، فقال : ( @QUR@016 وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون ~~وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ... ) [88]. PageV01P366 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه أنعم عليهم بالأموال والأحوال فى ~~الدنيا إرادة أن يضلوا ، وليس ذلك مذهب القوم ، لأن عندهم هو مريد فيما لم ~~يزل لضلالتهم ، وما خلقهم الله إلا له ، ولا يصح مع هذا القول تعليق الضلال ~~بالأموال والأحوال ، وإنما يصح ذلك مع القول بأن الإرادة حادثة مع الفعل ~~(1)، فتعلقهم بالظاهر لا يصح! # وبعد ، فإن من قولهم أنه تعالى يخلق فيهم الضلال عن السبيل فيضلوا كانت ~~الأموال « أولم (2) تكن ، فكيف يصح تعليق ضلالهم بهذه الأمور مع أنه لا ~~يتعلق عندهم إلا بخلقه تعالى ، فإن خلقه وجدوا ضالين عن سبيله ، كانت ~~الزينة والأموال « أولم (3) تكن ، وإن لم يخلقه فيهم لم يوجدوا كذلك ، وإن ~~كانت الأموال ، فتعلقهم بذلك لا يصح ، بل الأولى أن يستدل به على أن الضلال ~~من قبلهم ، فصارت الأموال كالداعية إلى اختيارهم له ، حتى يكون لتعلقه بها معنى. # وبعد ، فإنه تعالى إن خلق فيهم الضلال فما الوجه فى نسبة الضلال إليهم ~~وما فعلوا ضلالا فى الحقيقة؟ فذلك يدل على خلاف ما قالوه. # والمراد بالآية عند أبى على رضى الله عنه : أنه أعطاهم الزينة والأموال ~~لئلا يضلوا ، فحذف عن الكلام لفظة « أن ) وهذا كقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~يبين الله لكم أن تضلوا ) (4) إلى ما شاكله. ودل على ذلك بأنه لو لم يحمل ~~على هذا الوجه PageV01P367 # لحمل (1) على أنه أراد الضلال منهم ، وذلك لا يصح عقلا وسمعا ، لأنه ~~تعالى قد دعاهم إلى خلاف الضلال ، وبعث الأنبياء ليدعوهم إلى خلافه ، وقد ~~قال تعالى : ( @QUR@010 ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون ) (2) فبين أنه أراد منهم خلاف الضلال ، وقال لموسى وهارون : ( ~~@QUR@08 فقولا له ms236 قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) فبين أنه لا يريد منهم ~~إلا التذكر والخشية ، وذلك لا يطابق إرادته الضلال منهم ، بل يناقض ذلك ~~وينافيه. # قال رحمه الله : ولئن جاز أن يعطيهم الزينة والأموال لكى يضلوا ، ليجوزن ~~أن يبعث إليهم الأنبياء ليدعوهم إلى الضلال ، وذلك يوجب زوال الثقة بالكتاب ~~والسنة والدلائل والنبوات! # وقد قيل : إن المراد به الإنكار لأن يعطيهم الأموال فى الدنيا لكى يضلوا ~~، لأنه لا يمتنع أن يكون القوم مجبرة ينسبون الضلال إليه تعالى وإلى أنه ~~واقع بإرادته ، فقال موسى منكرا لذلك : ( @QUR@04 ربنا ليضلوا عن سبيلك )! ~~بمعنى أنك لم تفعل يا رب ما فعلته من الإنعام لكى يضلوا! وهذا كما يقول ~~أحدنا لولده عند العتب واللوم : قد أعطيتك الأموال وأديتك وعلمتك لكى ~~تعصينى ، على طريق الزجر عن معصيته. # وقد قيل : إن المراد به الاستفهام وإن حذف حرف الاستفهام عنه ، لما فى ~~الكلام من الدلالة عليه ، فكأنه عليه السلام قال (3): يا رب أعطيتهم ~~الأموال والزينة والأحوال فى الدنيا ليضلوا عن سبيلك؟ وأراد به نفى أن يكون فعل PageV01P368 # ذلك لهذا الوجه ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله ) (1) وإرادته الإنكار لذلك دون الاستفهام فى الحقيقة. # وقد قيل فى تأويله : إن المراد باللام : العاقبة ، فكأنه قال : آتيتهم ~~الزينة والأموال وأنت عالم بأن مصيرهم إلى الضلال عن سبيلك والاستمرار على ~~الكفر ، ولكل واحد من هذه الوجوه مجال فى طريقة اللغة ، فلا يصح تعلق القوم ~~بالآية. ### |||| ** 331 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد لا يقبل الإيمان ، وقد يقبله ، وأن ~~الأمر فى ذلك إليه لا اختيار للعبد فيه ، فقال : ( @QUR@024 وجاوزنا ببني ~~إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ... ) [90] ثم قال : ( ~~@QUR@04 آلآن وقد عصيت قبل ... ) [91] فبين أن إيمانه غير مقبول. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى بين أن عند إدراك الغرق صار ملجأ إلى ما ~~أظهره فلم ينفعه ذلك (2)، كما قال تعالى : ( @QUR@07 فلم ms237 يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا ) (3) وكما قال : ( @QUR@010 وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ) (4) وإنما كان ذلك لأن الإنسان ~~إذا فعل ، على طريقة الإلجاء ، الطاعة والإيمان لم يستحق المدح عليه ، وصار ~~فعله عند الإلجاء # (م 24 متشابه القرآن). PageV01P369 # فى حكم فعل غيره ، ولذلك قلنا : إن ندم أهل النار لا يكون توبة ولا ينفع ~~، لما وقع منهم على جهة الإلجاء ، وإذا أعلمهم تعالى أنهم إن حاولوا القبيح ~~منعهم منه لم يستحقوا على ذلك مدحا. كما أن أحدنا إذا علم أنه إن قصد ظالما ~~بالقتل وغيره لمنع منه ، لم يمدح على امتناعه. # وليس فى ذلك دلالة على أن الإيمان لو وقع منهم اختيارا لم ينفعهم ، بل فى ~~ظاهر الكلام دلالة عليه ، وهو قوله : ( @QUR@04 آلآن وقد عصيت قبل ) فبين ~~أن لهذه الحال تأثيرا فى أن لا ينفعه ما أظهره ، ولو كانت الأحوال متساوية ~~لم يكن لهذا القول معنى. وفى الآية دلالة على العدل ، لأنه تعالى إن كان ~~يخلق الإيمان فى الكل فلم تختلف أحوال المختار والملجأ ، وهما بمنزلة سواء ~~فى أنه تعالى خلق الإيمان فيهما؟ # وبعد ، فإن كان الإلجاء يمنع من الانتفاع بالإيمان فبأن يمتنع كونه ضرورة ~~من خلقه تعالى أولى ، فلو كان الأمر كما يقولون لوجب أن يكون المختار أسوأ ~~حالا من الملجأ ؛ لأنه قد أوجد فيه الإيمان وقدرته وإرادته ، ومنع من قدرة ~~الكفر ، حتى لا يمكنه الانفكاك ، والملجأ قد يصح منه خلاف ما ألجئ إليه على ~~بعض الوجوه. وكل ذلك يبين أن العبد قادر فاعل ، فلذلك اختلفت الأحوال. ### |||| ** 332 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد فعل ما يمنع به الكافر من ~~الإيمان ، فقال ( @QUR@05 إن الذين حقت عليهم كلمت ) (1) ربك لا يؤمنون ... [96] # والجواب عن ذلك قد تقدم ؛ لأنا قد بينا أن ظاهره أن كلمته تعالى الدالة PageV01P370 # على أنهم لا يؤمنون إذا تقدمت وهى صدق وحق ، فالمعلوم أنهم لا يؤمنون ، ~~وليس فيه أنهم لا يقدرون على الإيمان ، أو لا يجدون السبيل إليه (1). ### |||| ** 333 وقوله ms238 تعالى من بعد : ( @QUR@08 ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [97] يدل على أنه لا ~~لطف (2) لهم ، وأن المعلوم من حالهم أنهم يكفرون على كل حال. # وفيه دلالة على أنه لو كان فى المعلوم لطف لكان سيفعله ، على ما نقوله. ### |||| ** 334 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه لم يرد الإيمان من الكفار ، فقال : ( ~~@QUR@09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [99] ولو كان قد أراد ~~الإيمان من الكل ، لم يصح أن ينفى ذلك بهذا القول. # والجواب عن ذلك ، أنا قد بينا أن نفى المشيئة لا يدل على أنه لم يشأ على ~~كل حال ؛ لأنه قد يشاء الإيمان على وجهين هما كالمتنافيين ، فليس فى النفى ~~ما يدل على العموم ، فإذن يجب أن ينظر فى المشيئة المنفية ما هى ، بضرب من ~~الدليل ، وذلك يبطل تعلقهم بالظاهر! # وقد بينا أن المراد بذلك أنه لو شاء أن يكرههم ويلجئهم إلى الإيمان ~~لآمنوا أجمع (3)، ودل على أن هذا هو المراد بقوله تعالى آخرا : ( @QUR@06 ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (4) منبها بذلك على أنه المقتدر على ~~ذلك دون الرسول عليه السلام ، وأن شدة محبة الرسول فى ذلك لا تنفع إذا هم لم ~~يؤمنوا اختيارا. PageV01P371 # 335 مسألة : وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 وما كان لنفس أن تؤمن إلا ~~بإذن الله ) [100] لا يصح للقوم « التعلق به (1) فى أن المؤمن لا يؤمن إلا ~~بمشيئته ؛ لأن عندنا (2) أن الإيمان خاصة لا بد من أن يريده تعالى ، وإنما ~~نمنع من أن يريد الكفر ، ولو احتججنا (3) نحن به كان أقرب فى أنه تعالى ~~يريد الإيمان من الجميع دون الكفر ، فلذلك خص الإيمان بأنه علقه بإذنه دون غيره. # والمراد بالآية : أن أحدا لن يؤمن إلا وقد كلف تعالى وأمر وأزاح العلة ، ~~والإذن إذا لم يرد به العلم والإباحة فالمراد به الأمر والإلزام ، وهو الذى ~~أراده تعالى بالآية ؛ لأنه لو لا التكليف والأمر والإلزام ، لم يصح من أحد ~~أن يؤمن على الحد الذى أمر به وأربد منه ، واستعمال الإذن فى الإرادة ms239 غير ~~معروف ، فتعلقهم بذلك لا يصح. PageV01P372 ### | ومن سورة هود عليه السلام ### |||| ** 336 دلالة : وقوله تعالى (1): ( @QUR@010 الر ، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير ) [1] يدل على أن الكتاب محدث ، وأن كلامه مفعول ؛ لأنه تعالى وصفه ~~بأنه [ أحكم ] والإحكام لا يكون إلا فى الفعل الذى ينفصل حاله بالإحكام من ~~حال المختل المنتقض من الأفعال. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 ثم فصلت ) يدل أيضا عليه ؛ لأن التفصيل لا يصح ~~فى القديم ، وإنما يصح فى الفعل المدبر إذا فعل على وجه يفارق الأفعال ~~المجملة التى لم تنفصل بالتدبير والتقدير. # وقوله : ( @QUR@04 من لدن حكيم خبير ) يدل أيضا على حدوثه ؛ لأن القديم ~~لا يجوز أن يضاف إلى أنه من لدن غيره ، وإنما يطلق (2) ذلك فى الأفعال ~~الصادرة عن الفاعل ، فيقال : إنها من لدنه ، ومن قبله ، ولو كان الكتاب ~~والقرآن قديما لم يكن بأن يضاف إلى الله تعالى وأنه من لدنه ، بأولى من أن ~~يكون تعالى مضافا إليه ، على هذا الوجه. # ولمثل هذا قلنا : إن قول الناس فى القرآن : « منه بدأ وإليه يعود (3)) ~~من أقوى ما يدل على حدثه ؛ لأن البداية والإعادة إنما يصحان فى المحدث الذى # انظر : المناظرة فى العقيدة الواسطية ( مجموع الرسائل الكبرى ) 1 / 411. # وانظر فيه كذلك : العقيدة الواسطية : 1 / 396. PageV01P373 # يبتدأ به مرة ويعاد أخرى ، وإنما يصح إضافة بدوه إلى الغير ، من حيث فعله ~~وأحدثه ، فكأن (1) القوم صرحوا بحدثه (2)، من حيث توهم قوم أنهم نفوا عنه الحدث! ### |||| ** 337 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن المكان يجوز عليه ، وعلى أنه ~~يبتلى العباد ويختبر [ هم ] بأن يفعل فيهم المعصية والطاعة ، فقال تعالى : ~~( @QUR@016 وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا ).. [7] # والجواب عن ذلك : أنه لا ظاهر لإضافة العرش إليه فى أنه مكانه ؛ لأن ~~الإضافات على هذا الحد تفترق وتنقسم ، على ما بينا القول فيه (3). # وقد قيل : إن المراد بالعرش العز والاقتدار ، دون الجسم العظيم ، وهذا ~~يبطل تعلقهم به. # فأما أبو على رحمه الله ، فإنه حمل الكلام ms240 على العرش فى الحقيقة. فقال : ~~كان الماء ساكنا واقفا لتعتبر (4) به الملائكة قبل خلق السموات والأرضين ، ~~ثم نقله تعالى إلى فوق السموات [ والأرض ] بعد خلقه لهما ، وبين بذلك (5) ~~اقتداره. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) يدل على أنه أراد أن ~~يستدل بهذه الأمور ، والبلوى هو التكليف منه وإن كان فى ظاهره يوهم أن ~~المبتلى يتعرف ويستخبر ما لا يعرف ، لكن ذلك يستحيل على الله تعالى. PageV01P374 # وليس فيه دلالة على أنه الخالق لأفعالهم ، بل يدل على خلافه ، لأن ~~الابتلاء والامتحان والتكليف لا يصح إلا مع القدرة والتمكين من الأفعال ، ~~على ما نقوله فى هذا الباب. ### |||| ** 338 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على إثبات علم له يعلم به الأشياء ، فقال : ( ~~@QUR@08 فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ) [14]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يوجب أن إنزال القرآن بالعلم ، ويدل على أنه ~~به (1) يوصل إليه حتى يكون كالقدرة والآلة ، وذلك ليس بقول لأحد ، وقد بينا ~~القول فى ذلك فى آخر سورة النساء (2). # والمراد بالآية : التنبيه على إعجاز القرآن ؛ لأنه تعالى بين قبل هذه ~~الآية ما يجرى مجرى التحدى ، فقال : ( @QUR@09 أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات ) [13] ثم قال منبها على تعجيزهم : ( @QUR@03 فإلم ~~يستجيبوا لكم ) يعنى : فى المعارضة ، فاعلموا أنما أنزل من قبله تعالى ، ~~ولاختصاصه بكونه عالما بما هو عليه من الفصاحة والنظم ، ولا مدخل لإثبات ~~العلم فى هذا الباب ، يبين ذلك أنه تعالى قرر أنه أنزل بعلمه ، من حيث تعذر ~~عليهم ، وإثبات علمه لا يتقرر بهذا الوجه ، وإنما يتقرر به أنه معجز من ~~قبله ، من حيث تعذر عليهم فعل مثله. ### |||| ** 339 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@019 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في PageV01P375 # @QUR@011 الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) [ ~~15 16 ]. # يدل على أمور : # منها : أنه تعالى يؤخر جزاء (1) المعصية من غير بخس ونقص ، وفى ذلك. ~~إبطال القول بأنه تعالى يغفر ويسقط العقاب. # وفيه ms241 دلالة على أنه تعالى لا يزيد المعاصى على قدر ما تستحقه من العقاب ، ~~ولو كان تعالى يجوز أن يبتدئ بالعقاب من لا يستحقه لم يكن لهذا القول معنى! # ويدل قوله : ( @QUR@08 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ) على ~~أنهم لا يخرجون عنها ويدخلون الجنة ؛ لأن ذلك يوجب أن لهم فى الآخرة الجنة ~~، كما أن لهم النار ، بل بأن (2) تضاف إليهم الجنة وكونهم فيها يدوم أولى. # وقوله : ( @QUR@08 وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) يدل على ~~قولنا فى الإحباط ؛ لأن المراد بذلك أن ما صنعوا من الطاعات حبط ثوابه وزال ~~، ولذلك قال تعالى بعده : ( @QUR@04 وباطل ما كانوا يعملون ) يعنى أنهم ~~أفسدوه ، وأخرجوا أنفسهم ، بالإقدام على الكبائر ، من (3) أن ينتفعوا ~~بثوابه ، فصار باطلا من هذا الوجه. ### |||| ** 340 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المكان ، فقال : ( ~~@QUR@011 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ، أولئك يعرضون على ربهم ) [18]. # والعرض عليه إنما يكون بأن يحصلوا (4) بالقرب منه. PageV01P376 # والجواب عن ذلك : أن حقيقة العرض عليه يستحيل ؛ لأن العرض على أحدنا فى ~~الشاهد ، هو بأن يصير رائيا لما يعرض عليه بعد أن لم يكن كذلك ، ومتى كان ~~مشاهدا له فى كل حال لم يوصف بذلك ، والله تعالى راء للمرئيات فى كل حال ، ~~لا ينتقل فى ذلك من حال إلى حال ، فحقيقة العرض إذا لا يصح عليه ، فلا بد ~~من تأويل الآية. # والمراد بها : أنهم (1) يعرضون على الموضع الذى أعده الله للمحاسبة ، ~~فيسألون ويحاسبون ، فجعل تعالى العرض على الموضع عرضا عليه ، على جهة ~~التوسع ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@07 ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ) (2) لما بان بالمحاسبة حالهم عند الإشهاد ، وكل ذلك يبين أنه تعالى ~~إنما يفعل ذلك لطفا للمكلف لكى (3) إذا علم ذلك فى دار الدنيا كان أقرب إلى ~~مفارقة القبائح. ### |||| ** 341 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الكفار لم يعطوا « قوة ما (4) كلفوا ~~ولا وجد فيهم الاستطاعة له ، فقال : ( @QUR@021 أولئك لم يكونوا معجزين ms242 في ~~الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ، ما كانوا ~~يستطيعون السمع ) (5). # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى نفى (6) استطاعتهم عن السمع ، ~~والسمع ليس بفعل للعبد فى الحقيقة ، ولا يصح أن يخلق فيه القدرة PageV01P377 # والاستطاعة على كل حال ، فتعلقهم بالظاهر لا يصح ، وإنما كان يصح ذلك لو ~~نفيت الاستطاعة عما يصح أن يقدر عليه العبد (1) ويفعله. # وبعد ، « فإنهم قد ذموا بأن وصفوا (2) بأنهم لا يستطيعون السمع ، ولو ~~أريد به نفى الاستطاعة لم يستحقوا الذم بذلك ؛ لأن أحدنا لا يذم على أن لم ~~يخلق فيه القدرة والحياة ، وإنما يذم على أفعاله ، فإذن يجب أن يكون المراد ~~بالآية أنهم كانوا يستثقلون الاستماع إلى ما يرد عليهم من الحجج والأدلة ، ~~ويقل اكتراثهم به وقبولهم له. وهذا ظاهر فى الشاهد ؛ لأن المعرض عن سماع ~~كلامنا المستثقل له قد يقال فيه : إنك لا تستطيع أن تسمع الحق ، ولا أن ~~تقبله. ومتى حمل على هذا صح جعله ذما لهم ، على ما قد بيناه. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وما كانوا يبصرون ) مع علمنا من حالهم بأنهم ~~كانوا يرون ، يدل على ما قلناه ؛ لأن المراد بذلك أنهم فى حكم من لا يبصر ، ~~من حيث لم ينتفع بما يرى ويسمع ، على ما بيناه فى شواهده من قبل. ### |||| ** 342 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق الغى والفساد والكفر ، فقال ~~: ( @QUR@014 ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم ) (3). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه تعالى قد فعل الغواية ، وإنما ~~يدل على أن نصحه لا ينفع إن كان تعالى يريد ذلك ، وهل يريده ويفعله أم لا؟ ~~لا يتناول من الظاهر ولا يدل عليه ، فالتعلق به بعيد! PageV01P378 # وقد قال جعفر بن حرب (1) رحمه الله : « الآية تتعلق (2) بأنه كان فى قوم ~~نوح طائفة تقول بالجبر وبأنه تعالى يريد الفساد ، فخاطبهم منبها لهم على ~~بطلان قولهم ، فقال : ولا ينفعكم نصحى فيما أدعوكم إليه وأنبهكم عليه (3)، ~~إن كان ms243 الأمر كما ذكرتم من أنه تعالى المريد لفسادكم ويخلق الكفر فيكم. # وهذا كما نقوله فى (4) المجبرة : إن كان الأمر كما تقولون فلا منفعة فى ~~بعثة الله الأنبياء ، ولا فى الدعاء إلى الله تعالى ، ولا فى الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ لأن ذلك أجمع لا يمنعه تعالى من خلق ما يريد ، ~~ولا يصح فيه تعالى المغالبة ، فسلك صلى الله عليه فى محاجة قومه هذه ~~الطريقة. # وأما أبو على رحمه الله فإنه يقول إنما أراد أن يؤكد توبيخهم على كفرهم ~~وتمسكهم به ، فقال : ( @QUR@03 ولا ينفعكم نصحي ) فيما أدعوكم إليه ، والله ~~تعالى قد أراد أن يحرمكم الثواب وينزل بكم العقاب ، إلا أن تتلافوا بالتوبة ~~، ورغبهم بذلك فى الرجوع والإنابة. # وذكر أن المراد بالغى هو الخيبة ، لأن من فاته الخير ولم يدركه وخاب منه ~~، يوصف بذلك فى اللغة. # وقال غيره إن المراد به : إن كان تعالى قد حكم بأنه يريد أن يعاقبهم ، ~~فنصحى لا ينفع ، من حيث كان المعلوم أنكم تستمرون على المعاصى ، لسوء PageV01P379 # اختياركم ، وقد سمى الله العقاب غيا بقوله : ( @QUR@03 فسوف يلقون غيا ) ~~(1) وكل ذلك واضح. # وأما قوله تعالى من بعد : ( @QUR@02 وإليه ترجعون ) فقد مضى (2) القول ~~فيه (3). ### |||| ** 343 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على جواز الجوارح عليه ، فقال : ( @QUR@04 ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) [37] ، وإذا جازت الأعين عليه جاز سائر ~~الأعضاء ، على ما تقوله المجسمة! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه (4) أمره أن يصنع الفلك بأعينه ، ~~ولا يقول أحد من المجسمة إن (8) الفاعل منا يفعل بعينه تعالى ، أو بأعينه ، ~~وإنما يفعل بقدرة ، وبحسب آلاته وعلومه. # وبعد ، فإنه يقتضى أن لله أعينا (5)، وليس ذلك مذهب القوم ، لأنهم ~~يقولون إن له عينا واحدة ، ومنهم من يثبت له عينين ، وهذا يقتضى أن له ~~أعينا (9)، من غير أن بوقف على عدده ، لأن لفظة الجمع لا تخصص ، وهذا ~~بخلاف دين المسلمين ، فلا بد ضرورة للقوم من الرجوع إلى أن يتأولوا الآية ، ~~ويعترفوا بأن الظاهر لا يدل ولا يشهد بصحة قولهم. # والمراد بذلك : أن اصنع الفلك بما ms244 أعطيناك من البصيرة (6) والمعرفة ، وسمى PageV01P380 # ذلك أعينا ، على جهة التوسع كما يقول القائل لغيره : افعل ذلك بمرأى منى ومسمع. # وقد قيل : إنه أراد تعالى : واصنع الفلك مستعينا بالملك (1) وما حمله من ~~الوحى فى تعريفك كيف تصنعه فسمى الملك (2) أعينا له ، من حيث كان يبلغ ~~ويبين ، كما يقال فى رسول الإنسان ، وقد ورد متعرفا : إن هذا عين فلان ، ~~يراد بذلك أنه المتعرف (3) عنه الأحوال ، أو المبين لغيره ما صدر عنه من ~~الدلالة والبيان. ### |||| ** 344 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أن لوطا اعترف بأنه لا قوة له على ما لم ~~يفعل ، فقال : ( @QUR@010 لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) (4) [80]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل إلا على أنه لا قوة له على أمر ما ، ~~ولم يذكر فى الكلام ذلك الأمر ، ونحن لا نخالف فى أن لا قوة له ولا لسائر ~~العباد على أمور كثيرة ، فلا ظاهر للكلام!! # وبعد ، فإن ظاهره يقتضى أن لا قوة له البتة ، وذلك مما لا يصح عند ~~المخالف ، لأنهم يثبتون له قوة على ما كان يفعله فى الحال ، فلا بد إذا من ~~دخولهم تحت التأويل واعترافهم بأن لا يصح تعلقهم بالظاهر! # والمراد به : أنه تمنى أن تكون له القوة على إهلاكهم أجمع ، لعظيم ما كان ~~يرد عليه من معايبهم وإقدامهم على المنكر ومحاجتهم له بالباطل ، ولذلك قال : PageV01P381 # ( @QUR@05 أو آوي إلى ركن شديد ) فتمنى مع ذلك أن تكون فى قومه كثرة وقوة ~~لينزل بهم ما يستحقون. # وما تقدم من الكلام وما تأخر عنه يدل على ما ذكرناه. ### |||| ** 345 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه الموفق للعباد ، وأن الأمور كلها إليه ، ~~لا يقدر العباد على ضر ونفع فقال : ( @QUR@020 وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه ~~توكلت ) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أنه لا توفيق للعبد إلا بالله ، وهذا ~~صريح قولنا ؛ لأن التوفيق هو عبارة عن اللطف ms245 الذى يفعله تعالى ، لكى يختار ~~العبد عنده الطاعة ويترك المعصية ، فإذا كان المعلوم من حال العبد أنه يفعل ~~ذلك عند أمر من قبله تعالى ، فذلك الأمر يسمى لطفا ؛ وإذا اتفق عنده فعل ~~الطاعة يسمى توفيقا ، فلا توفيق إذا إلا بالله تعالى ، فلا يدل الظاهر إذا ~~على ما ظنوه. # وكذلك « فى التوكل (2) لا يكون عندنا إلا عليه ؛ لأن المراد بذلك سلوك ~~الاستقامة فى طاعته وفى طلب الرزق من قبله ومجانبة الجزع ، وذلك يبطل ظن ~~الجهال ، أنا إذا قلنا إن العبد يقدر على الطاعة والمعصية فقد أخرجناه من ~~أن يكون معتمدا على الله تعالى فى التوفيق ، متوكلا عليه ، وربما تجاهلوا ~~فقالوا : كيف يصح على قولكم أن يرجع الإنسان إلى الله ، فيقول : لا حول ولا ~~قوة الا بالله؟ PageV01P382 # وهذا جهل ؛ لأن ذلك إنما يتم على قولنا ، من حيث ثبت أنه تعالى المحسن ~~بالحول والقوة علينا ، لكى نطيع ونجتنب المعاصى ، وعرضنا بذلك لنيل الثواب ~~والأمانى. # فأما إذا قالوا إنه تعالى قد خذل الكفار بقوة الكفر وأضلهم بها وأعماهم ، ~~فكيف يصح إضافة ذلك إليه تعالى ، وأن يجعل ذلك من جملة مدائحه؟ # ثم يقال للقوم : إن جميع الآية يدل على قولنا فى العدل ، لأنه حكى عن ~~نبيه عليه السلام أنه قال : ( @QUR@08 وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه ) فبعثهم بذلك على الإيمان والقبول ، ولو كان تعالى ينهاهم عن الكفر ~~ويخالفهم إلى فعله ، بأن يخلفه فيهم ، لكان لهم أن يقولوا : إن ربك هو (1) ~~المقتدر على الأشياء يفعل ذلك ، فما الوجه فى أن تتبرأ منه وترغبنا بذلك فى ~~الإيمان؟ # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) يدل على أن ~~الاستطاعة قد تتقدم ، لأن ظاهر الكلام يدل على الاستقبال ، ويشترط فيه ~~الاستطاعة الثابتة فى الحال. # ويدل على أنه تعالى لا يريد الإفساد ، لأنه لو أراده لكان لهم أن يقولوا ~~: إذا كان من هو أقدر منك قد أراد منا الكفر والفساد ، فإرادتك الصلاح غير مؤثرة! # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما توفيقي إلا بالله ) لا يصح مع القول بالجبر ~~، لأنه إن ms246 خلق الإيمان وأراده فوجود التوفيق كعدمه ، وكذلك إن أراد الكفر ، ~~وإنما يصح التوفيق إذا كان العبد هو المختار لفعله ، فيوفق بالألطاف ~~والدواعى ، ويبعث بها على اختيار الحسن. PageV01P383 # وقوله تعالى : ( @QUR@02 عليه توكلت ) إنما يصح على قولنا ؛ لأن تخصيص ~~بعض العباد بالتوكل عليه دون بعض يقتضى أنه قادر على اختيار سلوك الطريقة ~~المستقيمة ، والعدول عن ترك الرضا بما قسم له ، وعلى قولهم حال جميع العباد ~~سواء فى أنهم قد فعل فيهم ما هم عليه ، ويجب على قولهم أن يرضوا بما أعطوا ~~دينا ودنيا من كفر وإيمان ، وغنى وفقر ، فلا يصح التخصيص فى باب التوكل. # وكل ذلك يقتضى التعجب من تعلقهم بهذه الآية ، وحالها فى باب الدلالة على ~~العدل ما ذكرناه. ### |||| ** 346 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يجعل الشقى شقيا والسعيد سعيدا ، وعلى ~~أن الشقى فى النار إلى وقت وغاية ثم يخرج منها ، فقال : # ( @QUR@029 يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ، فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك ) (1) # والجواب عن ذلك : أنه تعالى وصف بأن فيهم شقيا وسعيدا ، ولم يذكر أن الذى ~~جعلهم كذلك هو الله ، فلا ظاهر للقوم من هذا الوجه. # وعندنا أن منهم شقيا ومنهم سعيدا بما اختاروه ، مما أوجب فيهم الشقاء ~~والسعادة فلا خلاف فى وصفهم بذلك ، وإنما الكلام فى من الفاعل له؟ ولو كان ~~تعالى قد فعله لم يذمهم بذلك ، ولما أوجب فيهم النار ، وقد بينا القول فى ذلك! PageV01P384 # فأما تعلقهم فى انقطاع العقاب فلا يصح ، لأنه ليس فى ظاهره إلا أنهم فى ~~النار ما دامت السموات والأرض ، ولم يذكر أن المراد به دوامهما قبل الفناء ~~أو بعده ، والكلام محتمل فلا يصح. # وإن ثبت أن ذلك « شرط فالواجب أن يحمل (1)» على أن المراد حال انقطاعهما ~~دون حال دوامهما. # والمراد بالآية عند بعض (2) شيوخنا رحمهم الله التبعيد دون الشرط ، مبينا ~~بذلك أنهم لا يخرجون من النار أبدا ، وهذا كقولهم : لا حييتك ms247 ما لاح كوكب ~~وأضاء الفجر ، إلى ما شاكله ، فجرى تعالى على طريقتهم فى الخطاب ، لأن أبعد ~~الأمور زوالا فى عقولهم كان السموات والأرضين ، فعلق ذلك بهما ، على ما ~~ذكرناه ، ودل على أن هذا هو المراد بوصفه الذين سعدوا بمثله ، ولا خلاف أن ~~كونهم فى الجنة لا يجوز أن يكون منقطعا ، فلا بد من حمل الكلام فيهم على ~~هذا الوجه ، وكذلك القول فى الذين شقوا. # يبين ذلك : أن فى الذين شقوا الكفار ، ولا خلاف فى دوام عقابهم فلا بد من ~~هذا الوجه أيضا من (3) حمل الكلام على ما قلناه. # وقد قيل فى تأويله : إنه محمول على الشرط ، وأنه تعالى أراد أن كونهم فى ~~النار فى الآخرة يكون فى الدوام كدوام السموات والأرضين فى الآخرة ، لأن ~~الخطاب يقتضى ذلك ، ويوجب أن حال الشرط حال المشروط ، ولهذا يبطل تعقلهم ~~بالظاهر. # (م 25 متشابه القرآن). PageV01P385 # فأما قوله (1) ( @QUR@04 إلا ما شاء ربك ) فالمراد به : إلا ما شاء ربك ~~أن يوقفهم فى الموقف للمحاسبة ، لأنهم فى تلك الحال غير كائنين فى النار ، ~~وليس لأحد أن يقول : كيف يستثنى ذلك من كونهم فى النار ويريد قبل الدخول ~~(2)، لأن الاستثناء وقع على حد يصح فيه ذلك من حيث قال : ( @QUR@05 فأما ~~الذين شقوا ففي النار ) فلو انفرد الظاهر لوجب القطع على كونهم فيها دائما ~~، فاستثنى حال وقوفهم فى الموقف ، لأنه فى دخوله فى الكلام الأول لو انفرد ~~بمنزلة دخول سائر الأحوال فيه. # وقد قيل : إن المراد بقوله : ( @QUR@04 إلا ما شاء ربك ): « وما شاء ربك ~~(3) فكأنه تعالى بين كونهم فى النار قدر بقاء السموات والأرضين وما شاء ~~بعده ، وأراد الدوام ، وهذا شائع فى اللغة ، لأن أحدنا قد يقول لغيره : قد ~~أحسنت إليك بأن أعطيتك وعلمتك ، سوى ما فعلته من تربيتى لك ، وإلا ما ~~أعطيتك كيت وكيت ، فيكون المراد بالجميع الإثبات. ### |||| ** 347 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه إذا أراد الشيء فعله لا محالة ، ~~فقال : ( @QUR@05 إن ربك فعال لما يريد ) وهذا يدل على قولنا فى أن مراده ms248 ~~لا بد من أن يقع. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه فعال لما يريد ، ولم يبين ما يريد ~~أن يفعله أو يفعله الغير ، أو يحملهم عليه ، فلا ظاهر للكلام يصح تعلقهم به. # وبعد ، فإن ظاهر الكلام يقتضى أنه فعال لما يريد أن يفعله ؛ لأن ذكر PageV01P386 # المراد فى صدر الكلام يقتضى أن الإرادة إذا ذكرت بعده ، فالمراد بها أن ~~تكون إرادة لذلك الأمر ؛ ألا ترى أن أحدنا إذا قال : إن فلانا متى وعد حقق ~~وهو فاعل لما يريد ، فالمراد بذلك لما يريد أن يفعله ، ولا يتوهم منه : ما ~~يريده « من غيره من طاعة أو معصية (1). # وبعد ، فإن الظاهر إن دل على أنه تعالى إذا أراد أمرا وقع ، فيجب أن يدل ~~على أنه إذا خلق الكفر كسبا أنه قد أراد كونه كذلك ، وليس كذلك مذهب القوم! # وبعد ، فإن الآية وردت بعد وصفه نفسه بأن يجعل الشقى فى النار إلا ما شاء ~~، وذلك يقتضى رجوع الكلام إليه ، وأن لا يكون مطلقا ، على ما بيناه فى ~~تعارف الخطاب. ### |||| ** 348 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يرد من جميع المكلفين الإيمان ~~، وأنه خلقهم لكى يختلفوا فيه ، فقال : # ( @QUR@016 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم ) (2). # والجواب عن ذلك : أنه إنما أراد : ولو شاء ربك أن يلجئهم إلى (3) أن أن ~~يتفقوا فى الإيمان فيكونوا أمة واحدة ، لفعل ذلك ، لكنه أراد لذلك منهم ~~طوعا ، فاختلفوا بحسب اختيارهم ، وقد بينا فى نظير ذلك أنه لا ظاهر PageV01P387 # له (1) يصح التعلق به ، وأنه لا بد فيه من تأويل (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) يعنى : إلا ~~الطائفة السالكة للطريقة الصحيحة. # ثم قال : ( @QUR@02 ولذلك خلقهم ) يعنى : ولأن يرحمهم خلقهم ؛ لأن الكلام ~~يجب أن يجعل متعلقا بأقرب ما يمكن تعلقه به إذا أمكن ذلك فيه ، ولم يمكن ~~(3) تعليقه بالكل ، وهذا مطابق لقوله تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ) (4). ### |||| ** 349 وقوله تعالى فى آخر السورة ms249 : ( @QUR@04 وإليه يرجع الأمر كله ) (5) لا يدل على أن له مكانا وموضعا ، ولا ~~يدل أيضا على أنه لا قدرة (6) للعبد ، لأن قوله : ( @QUR@04 وإليه يرجع ~~الأمر كله ) ظاهره يقتضى أن الأمر جعل لغيره ثم رجع إليه ، فبأن يدل ذلك ~~على إثبات القوة والفعل أولى ، وإنما أراد تعالى أن الأمور ترجع إلى حيث لا ~~يحكم فيه سواه ، كما يقال فى الشاهد إذا انتهى الحال فى الأمر إلى أن لا ~~ينظر فيه إلا الأمير : رجع أمرنا إلى الأمير. والمراد « به هذا (7) المعنى ~~، وهذا لأنه تعالى فى حال التكليف قد ملك العباد الأمور والنظر فى الأحكام ~~، وانفرد بذلك فى الآخرة ، فلذلك صلح أن يقال ما ذكرناه. PageV01P388 ### | من سورة يوسف عليه السلام ### |||| ** 350 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنا أنزلناه قرآنا عربيا ) [2] يدل من وجوه على ~~حدث القرآن : # منها : أنه وصفه بأنه منزل ، وذلك يستحيل فى القديم. # ومنها : وصفه إياه بأنه قرآن ، وقد علم أن الجمع لا يصح إلا على الأفعال ~~التى قد تفترق مرة وتجتمع ، ويصح فيها النظام. # فإن قال : فإن الكلام فى الحقيقة لا يصح فيه الجمع ، فكيف يصح تعلقكم (1) بهذا؟ # قيل له : إن المراد بالجمع « فى الكلام (2) هو توالى حروفه ، فيصير من ~~هذا الوجه بمنزلة اجتماع الأجسام وتألفها. وهذا المعنى لا يصح إلا على ~~المحدث ، كما لا يصح التأليف فى الحقيقة إلا على المحدث. فالدلالة صحيحة. # ومنها : أنه وصفه بأنه عربى ، وهذه الإضافة تقتضى تقدم المواضعة من العرب ~~على كلماته ، وإن لم يكن فى لغتها ما يبلغ هذا الحد فى الفصاحة ، وهذا يوجب ~~حدثه ، لأنه حدث بعد مواضعة العرب. # ووصفه له من قبل بأنه (3) « مبين (4)) يدل أيضا على حدثه ، لأن ذلك إنما ~~يصح فيما يحدثه المحدث على وجه يصير دلالة وبيانا ، والقديم يستحيل ذلك فيه. PageV01P389 # ووصفه له « بالجمع وبأنه آيات (1) إنما يدل على حدثه أيضا. ### |||| ** 351 وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلكم تعقلون ) (2) يدل على أنه أراد من جميع المكلفين أن يعقلوا ~~عن الله تعالى ويفهموا أوامره ، وذلك يبطل قول الجبرية فى أنه تعالى أراد ~~من بعضهم أن ms250 يكفروا ويجهلوا ، وقد بينا الوجه فى ذلك (3). ### |||| ** 352 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعدها ما يدل على أنه يختص بالطاعة بعض عباده ، فقال : ~~( @QUR@07 وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ) [6]. # والجواب عن ذلك قد سلف فى نظائره ، ولأن (4) الاجتباء هو الاختصاص ، ولم ~~يقل تعالى إنه خصه بخلق الطاعة فيه ، فالمراد إذا أنه اختاره واختصه بأن ~~حمله الرسالة ، وكان يعقوب صلى الله عليه يعلم أنه تعالى سيبعثه رسولا ~~ويختصه بذلك ، فقال ما قال ، وبين أنه يعلمه من تأويل الأحاديث ، ويعنى ~~بذلك كلام الله ؛ لأنها الأحاديث التى يعرف تأويلها الأنبياء عليهم السلام . ### |||| ** 353 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على جواز المعاصى العظيمة على الأنبياء ~~عليهم السلام ، وعلى أنه يوقعهم فيها ، ويصرفهم عنها ، بحسب ما يريد ويشاء ، فقال : # ( @QUR@016 ولقد همت به وهم بها ، لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء ).. [24]. PageV01P390 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إضافة الهم إليهما ، وليس فيه أنه تعالى فعله ~~فيهما (1) فلا تعلق للمجبرة بذلك. # وبعد ، فإنه ليس فى ظاهره إضافة الهم إليهما مطلقا : لأنه قال : ( ~~@QUR@06 لو لا أن رأى برهان ربه ) فكان تحقيق الكلام : أنه لو لا رؤيته ~~البرهان لقد همت به وهم بها ، كما يقول القائل : فلان ضرب غلامه ضربا شديدا ~~لو لا أنى استنقذته من يده! فمن أين أنه هم فى الحقيقة بذلك ، مع ما ذكرناه ~~من الشرط فى الكلام؟ يبين ذلك أنه تعالى وصفه بأنه صرف عنه السوء والفحشاء ~~، ولو كان هم فى الحقيقة كما يقولون بأن عزم على مواقعتها وأظهر ذلك واجتمع ~~معها ، لكان ذلك من الفحش العظيم ، فكان لا يصح وصفه بأنه قد صرف عنه ~~الفحشاء! # وقد قال أبو على رضى الله عنه : المراد بالآية أنه اشتهى ما دعته إليه ، ~~كما اشتهت ما أرادته منه ، وقد تسمى الشهوة هما ، ولذلك يقول القائل فى ~~الذى يشتهيه إن هذا من همى ، كما يقوله فيما يريده ويعزم عليه ، فيجب حمل ~~الكلام على الشهوة تنزيها للأنبياء عن الفاحشة. ودل على أنه المراد ms251 بقوله : ~~( @QUR@05 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ). # وسائر ما ذكره تعالى من تنزيهه يوسف عليه السلام فى السورة ، يدل على ما ~~قلناه ، لأنه تعالى وصفه بأنه يجتبيه ، وهذه صفة من لا يعزم على الفواحش. # ووصفه بأنه من عباده المخلصين ، وذلك أيضا لا يليق به الإقدام على العزم ~~على الزنا (2). # وخبر عن النسوة أنهن قلن : حاش لله ما علمنا عليه من سوء ، ولو كان قد ~~عزم وقعد مقعد الزنا لم يصح ذلك. PageV01P391 # وحكى عنها أنها (1) راودته عن نفسه وإنه من الصادقين ، وكل ذلك يبين صحة ~~ما قلناه. # فأما قوله تعالى : ( @QUR@05 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) فالغرض [ ~~به ] بين ؛ لأنه تعالى ذكر أنه أراه البرهان فعدل عما (2) اشتهاه وانصرف ~~عنه ، ثم عطف على ذلك بقوله (3) ( @QUR@04 كذلك لنصرف عنه السوء ) فى سائر ~~أفعاله بأن نلطف له كما لطفنا له بإظهار البرهان فيما تقدم ، فالمراد ~~بالصرف هو أنه يفعل من الألطاف ما يقوى به دواعيه إلى أن ينصرف عنه ، على ~~ما ذكرناه فى نظائر ذلك. ### |||| ** 354 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه منعه من الإقدام فيما أرادته ، ~~وعلى أن يوسف أحب المعصية ، فقال : ( @QUR@05 ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ~~) (4) ثم : ( @QUR@05 قال رب السجن أحب إلي ) [33]. # وإن كان حبسهم إياه « فى السجن (5) معصية! # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يدل على ما قلناه ؛ لأنه تعالى حكى عنها ~~أنها قالت عند اجتماع النسوة ( @QUR@04 فذلكن الذي لمتنني فيه ) لما ~~شاركنها من ظهور محبتهن لما أحبت ، ثم قالت : ( @QUR@05 ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم ) أرادت فامتنع ، لأن العصمة هى المنع والامتناع. # وهذا أيضا يدل على أنه لم يرد أن يواقعها ، لأن ظاهر امتناعه يدل على أنه ~~امتنع من كل ما أرادته ، من غير تخصيص. PageV01P392 # فأما قوله تعالى ( @QUR@08 قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ... ) ~~فليس يدل (1) على أنه أحب المعصية ، لأن اعتصامه بالكون فى السجن عما أريد ~~منه من المعصية ، طاعة منه ، وإن كان فعلهم معصية ، كما أن الظالم لو أكره ~~غيره على ملازمة الحبس بالقتل ms252 ، يحسن ملازمة الحبس افتداء من القتل وإن قبح ~~ذلك من الحابس! # هذا إن ثبت أن المراد ظاهر الكلام ، فكيف وقد يجوز أن يكون يوسف ~~عليه السلام فزع إلى هذا القول كما يفزع المضروب إلى الاستغاثة. وأظهر بذلك ~~شدة التمسك بالتفادى من المعصية ، فقال : إن الحبس مع ما فيه من المشقة ~~الشديدة آثر عندى مما دعيت إليه من المعصية! وهذا بين. ### |||| ** 355 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@04 وإلا تصرف عني كيدهن ) (2) يجب أن يحمل على أنه سأله عز وجل أن ~~يلطف له بضرب من اللطف ينصرف عنده عما أريد منه من المعصية ، فلذلك قال ~~تعالى من بعد : ( @QUR@06 فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ) [34] ولو كان قد ~~اضطره إلى ذلك لم يكن يمدحه عليه! # وقد قال بعض شيوخنا رحمهم الله : إن هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان ~~الجبر ؛ لأنه تعالى بين أنه صرفه عن كيدهن بأن أراه الآيات ، قال : وكيف ~~يصح وهو تعالى خلق فيه إرادة ذلك ومحبته ، وعلى ما رووه : أقعده منها مقعد ~~الطالب للفاحشة فكيف يصح أن يفعل ذلك ، ويوصف بأنه صرفه عن كيدهن ، وأنه ~~أراه الآيات لكى ينصرف عن ذلك؟ وهل هذا إلا وصف لنفسه بالمغالبة ، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P393 # 356 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الأمور الواقعة من ~~العباد ، بقضاء منه وحتم ، فقال : ( @QUR@05 قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) (1). # والجواب عن ذلك : أنه صلى الله عليه إنما قال ذلك لما تأول ما رأياه فى ~~المنام ، لأنه روى أن الذى تأول منامه على أنه سيصلب فتأكل الطير من رأسه ، ~~أظهر تكذيب نفسه ظنا منه بأن ذلك يعصمه من نزول ذلك فيه ، فقال مؤيسا له من ~~هذا : قضى الأمر الذى فيه تستفتيان. # ويحتمل أن يريد أنه لما أخبر عن هذا الأمر وإخبار الأنبياء لا يكون إلا ~~صدقا قال لهما : قضى الأمر الذى فيه تستفتيان ، تحقيقا لصدقه فيما خبر ؛ ~~لأن القضاء قد يكون بمعنى الخبر ، كقوله تعالى : ( @QUR@06 وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب ) (2) فالتعلق ms253 بذلك بعيد. ### |||| ** 357 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يوقع المعصية تارة ويرحم العبد ~~فى إزالتها عنه أخرى ، فقال : ( @QUR@011 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي ) [53]. # والجواب عن ذلك : أن الآية قوية فى الدلالة على إضافة السوء إلى العباد ، ~~دونه تعالى ؛ لأنه تعالى لو فعله فيهم لم يضف إلى الأنفس ، وظاهره أيضا ~~يقتضى أن النفس أمارة بالسوء لا أنها فاعلة له ، فالتعلق بظاهره لا يمكن. # والمراد بالآية : وصف النفس بأنها تدعو إلى السوء للشهوة الحاصلة التى ~~تقتضى التوقان إلى المعصية. # وقوله : ( @QUR@04 إلا ما رحم ربي ) بأن يلطف ويعصم من الإقدام على ما تشتهيه PageV01P394 # الأنفس ، وقد يقول أحدنا عند رجوعه على نفسه بالملامة : إنها تدعو إلى ~~المعصية وتأمرنى بها ، فأنا أجتهد فى التخلص ، وهذا ظاهر فى اللغة ~~والتعارف. ### |||| ** 358 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن الأمر كله لله ، فقال : # ( @QUR@013 وما أغني عنكم من الله من شيء ، إن الحكم إلا لله عليه توكلت ~~) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن الحكم له ، ولا ينطلق الحكم على ~~أفعال العباد ، ولو انطلق عليها أيضا لم تدل هذه الإضافة على أنه فاعلها ، ~~بل ظاهر الكلام أن ما سماه حكما بعد حصوله حكما هو لله ، وهذا يوجب الإضافة ~~بعد خروجه إلى الوجود ، فكيف يدل على أنه الموجد له والمحدث؟ # وإنما أراد يعقوب عليه السلام بهذا الكلام إظهار الاعتماد على الله فيما ~~أراده وفى سائر أحواله ، فقال ما ذكره على هذا الوجه. ### |||| ** 359 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه فعل الكيد ليوسف ولأجله ، وهذا مما ~~تمتنعون منه ، فقال : ( @QUR@010 كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك ) (2). # ثم ذكر ما يدل على أن ذلك يكون بمشيئته ، فقال : ( @QUR@04 إلا أن يشاء ~~الله ). # وكل ذلك يصحح قولنا فى المخلوق. PageV01P395 # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الكيد يستحيل على الله تعالى ، لأنه ~~توصل إلى الأمور بضروب من الحيل ، وذلك إنما يصح على من يمتنع ms254 عليه مراده ~~فى بعض الأحوال ، ويتعالى الله عن ذلك ، ولهذا قد يوصف أحدنا بالكيد إذا هو ~~توصل إلى أمر ، ولو فعله السلطان وهو مقتدر عليه وعلى غيره لم يوصف بذلك ، ~~فإذا لم يصح تعلقهم بالظاهر. # والمراد بذلك : أنه تعالى فعل من الألطاف ليوسف ما أوجب وصوله إلى المراد ~~فسماه كيدا ، تشبيها بما يفعله العباد إذا هم توصلوا بضروب من الأفعال إلى ~~مرادهم وإلى التحرز من المكروه المراد بهم. ولو لا ما فعله تعالى به وسهل ~~فى أمر أخيه لم يكن ليجتمع مع أبيه ويحصل ما حصل ، مما أراده الله تعالى وسهله. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إلا أن يشاء الله ) يعنى : أنه لو لا تلك ~~الألطاف لم يحصل له فى أخيه المراد ، إلا أن يشاء الله ، يعنى : أن يفعل ~~ذلك على كل حال ، لأنه قادر على ذلك ، فالتعلق بما ذكره لا يصح. ### |||| ** 360 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الأمور تتم بمشيئته ، وعلى أن ~~السجود لغير الله يصح ، فقال : ( @QUR@021 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه ، وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا ) (1). # والجواب عن ذلك : أن إدخال المشيئة فى الخبر عن المستقبل مما أدبنا الله ~~به ، تخليصا للكلام من الكذب ، وإنقاذا له عن أن يكون خبرا جزما ، لأن العبد PageV01P396 # لا يعلم ما سيكون فى المستقبل ، فالواجب عليه أن يورد الخبر على هذا ~~الوجه ، وكما يلزمه تعليق خبره بالمشيئة فكذلك القول فى أمر غيره ، لأنه لا ~~يقطع من حال غيره على التمكين من ذلك على كل حال. # وقد يجوز أن يكون قد شك فى حال ما أمرهم بذلك ، فى أنهم إذا دخلوها (1) ~~هل يحصلوا آمنين أو خائفين ، فعلق ذلك بالمشيئة. # وقد يجوز أن يكون أظهر ذلك محققا لهم بأنهم الآن (2) قد أمنوا ، وعلق ~~الدخول بالمشيئة للأدب (3)، وقد يجوز أن يراد بالمشيئة الوقف ، على ما ~~قدمناه. # فأما السجود ، فإنهم إنما سجدوا لله وعبدوه به كما سجدت الملائكة إلى جهة ~~آدم عليه السلام ، على ms255 هذا الوجه ، وان كان فى ذلك ليوسف من التعظيم ما لا ~~يجهل ، كما أنا إذا (4) فعلنا الصلاة عبادة لله فقد عظمنا بها الرسول ~~عليه السلام ، من حيث اتبعنا مراده وانقدنا له فى فعلها ، وإن لم تكن عباده ~~له (5). # وإن كان قد يجوز أن يحمل ذلك على شدة خضوعهم! لأن السجود هو الخضوع ، ~~فلما خضعوا ليوسف « كل الخضوع (6) على ما استحقه استعمل فى ذلك المبالغة فى ~~الخضوع فقال : ( @QUR@03 وخروا له سجدا )، لكن الأولى ما قدمناه. ### |||| ** 361 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@011 وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون ) [105]. PageV01P397 # يدل على أنه قد حث على النظر وبعث عليه ، وذم على تركه. # وفيه دلالة على أن المعرفة بالله تعالى وبالعبادات لا تكون ضرورة ؛ لأن ~~العارف بالشيء اضطرارا لا يذم بأن يعدل عن النظر والتفكر فى الآيات ، بل لو ~~فعل ذلك لكان أقرب إلى الذم! ### |||| * تم القسم الأول ### |||| * ويليه القسم الثانى مبدوءا بسورة الرعد PageV01P398 PageV01P400 ![](https://books.rafed.net/Books/1140_motashabeh-alqoran/images/image001.gif) PageV01P401 ### | ومن سورة الرعد ### |||| ** 362 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المكان والاستواء ~~واللقاء ، فقال : ( @QUR@014 الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، ثم ~~استوى على العرش وسخر الشمس والقمر ... ) (1) إلى قوله : ( @QUR@04 لعلكم ~~بلقاء ربكم توقنون ). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا من قبل أن الاستواء : المراد به الاستيلاء ~~والاقتدار ، وكشفنا ذلك بما يغنى عن ذكره الآن (2). وبينا أن لفظة : « ثم ~~» وإن اقتضت الاستقبال فإنها فى هذا المكان داخلة على تسخير الشمس والقمر ~~وتدبير الأمر ، دون الاستواء ، فكأنه قال تعالى : ثم سخر الشمس والقمر ، ~~يدبر الأمر ، يفصل الآيات وهو مستو على العرش ؛ لأنه لا يجوز أن يصير ~~مقتدرا عليه بعد أن لم يكن كذلك ؛ لأن هذا المعنى لا يصح فى صفات ذاته. # وقد استدل شيوخنا ، رحمهم الله ، بهذه الآيات ضد المشبهة ، لأنه بين تعالى ~~أنه رفع السموات بغير عمد يرونها ، وذلك لا يصح فى الأجسام ، لأنه إنما يصح ~~أن يفعل رفع الثقيل بعمد هو بعضه أو غيره ، ومتى لم يعمده بذلك لم يصح ms256 منه ~~رفعه ، فدل على أنه تعالى قادر لذاته ، وأنه ليس بجسم. # فإن قال : لم ينف تعالى العمد ، وإنما نفى عمدا نراها ، فلا يمتنع إثبات ~~عمد لا نراها! PageV01P403 # قيل : هذا يسقط ؛ لأنه لو رفعها بعمد ، لوجب كونه ثقيلا ، وكان يحتاج إلى ~~عمد أخر ، ويؤدى إلى ما لا نهاية له ، أو إلى تقبل رفعه لا بعمد ، فيتم ما ~~قلناه. ولا يكون بأن تكون هذه الصفة أولى من السموات نفسها. # « وبعد ، فإنه تعالى يبعد فيما يثبت عمدا للسماوات أن يكون بحيث لا يرى ~~مع وجوب كونه عظيما كثيفا ، وليصح أن تعمد عليه السماوات (1). # وبعد ، فإن الغرض بالآية ذكر اقتداره على الوجه الذى يختص به. ورفع ~~الثقيل بعمد يصح من كل قادر. فإذن (2) يجب أن يكون رفعها من جهته لا بعمد أصلا. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وسخر الشمس والقمر ) من حيث أجراهما على طريقة ~~واحدة لا تتفاوت مع عظمهما ، يدل أيضا على أنه ليس بجسم ، لأن الجسم لا بد ~~من أن يختل حاله فيما يدبره من هذه الأمور ، لحاجته إلى الآلات التى يصح ~~عليها الاختلال والضعف! # وقد بينا من قبل أن تفصيله الآيات يدل على أنها محدثة (3). # وقد بينا أن المراد بلقائه هو لقاء ما وعد به من الثواب والدرجات الرفيعة ~~، فلا وجه لإعادته (4). ### |||| ** 363 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لا شيء إلا PageV01P404 # وهو المقدر له : كان من فعله أو من فعل العباد ، فقال : ( @QUR@04 وكل ~~شيء عنده بمقدار ) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أن كل شيء يعلم مقداره وما يختص ~~به ؛ لأن المراد بقوله : ( @QUR@01 عنده ) فى هذا المكان : فى علمه ، وصدر ~~الكلام يدل عليه ، لأنه قال تعالى : ( @QUR@011 الله يعلم ما تحمل كل أنثى ~~وما تغيض الأرحام وما تزداد ) (2) ثم عطف على ذلك ، فقال : ( @QUR@04 وكل ~~شيء عنده بمقدار ) ليبين أن ما ذكره وما لم يذكره من الأمور سواء فى أنه ~~تعالى يعلم مقداره ، وأن علمه لا يختص بمعلوم دون معلوم ، فمن أين أن ~~المراد بذلك ما قالوه ، والظاهر لا ms257 يقتضيه؟ # وبعد ، فلو أراد بذلك أنه قدره لوجب حمله على أنه بين أحواله ؛ لأن « ~~التقدير ) فى اللغة قد يتناول فى الظاهر ذلك ، فمن أين أن المراد به الخلق؟ ~~ومتى حملنا الكلام على أن المراد به العلم والبيان وفينا العموم حقه ؛ لأنا ~~نجعله متناولا للمعدوم والموجود ، والماضى والحاصل ، ومتى حمل على ما قالوه ~~وجب تخصيصه ، وألا يتناول إلا الموجود ، فالذى قلناه أولى بالظاهر. ### |||| ** 364 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه بغير أحوال الناس من طاعته إلى معصيته ~~، ومن معصيته إلى طاعته ، وأنه قد يريد بهم السوء ، وأن ما يريده لا مرد له ~~، ولا بد (3) من وقوعه ، فقال : ( @QUR@018 إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ) (4). PageV01P405 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن العبد هو الذى يغير ما بنفسه ، وأنه ~~تعالى يغير عند ذلك بعض أحواله ، وليس فيه بيان ما يغيره تعالى ، فلا ظاهر ~~إذا يدل على ما قالوه ، بل يدل ظاهره على أن العبد قد يفعل ، كما أنه تعالى يفعل! # والمراد بالآية : أنه تعالى لا يغير بالعبد ما أنعم عليه من الصحة ~~والسلامة وسائر النعم ، ولا ينزل به العقوبات إلا بعد أن يغير ما بنفسه من ~~الإيمان إلى الكفر. وهذا يدل على أنه تعالى لا يفعل العقاب إلا على جهة ~~الجزاء على ما يكون من العبد ، ويبطل قول المجبرة فى أنه تعالى يعذب أطفال ~~المشركين فى النار من غير ذنب وجرم ، ويبطل قول من قال منهم : لو شاء أن ~~يعذب الأنبياء لحسن منه! # وقوله تعالى : ( @QUR@08 وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ) لا ظاهر ~~له « فى أنه قد أراد (1) ذلك ؛ لأن هذا اللفظ إنما ينبئ عن أنه إذا أراد لم ~~يكن له مرد ، وهل أراده أم لا؟ لا (2) ظاهر له « يدل عليه (3). # والمراد بذلك : أنه إذا أراد بقوم إنزال العقوبة وسماها سوءا على جهة ~~التوسع « فلا يصح (4) لما كانت فى كونها مضرة جارية مجرى السوء ، على ما ms258 ~~بيناه من قبل « لم يمكن (5) أحد أن يرده ؛ لأنه تعالى هو الغالب فلا يصح أن ~~يمنع مما يريده من إنزال العقوبات بالعصاة (6). PageV01P406 ### |||| ** 365 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يفعل له السجود كرها كما يفعل طوعا ~~، وأنه المصرف للعباد فيما يفعلون من الطاعة والمعصية ، فقال : ( @QUR@08 ~~ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ... ) [15]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن العباد فيما يفعلون من السجود تختلف ~~أحوالهم ، ففيهم من يسجد طوعا ، ومنهم من يسجد كرها ، وقد علمنا أن الأمر ~~بخلاف ذلك ، لاتفاق حالهم فيما يفعلون من السجود. # وبعد ، فإن ذلك لا يتم على قول المجبرة ؛ لأن عندهم أن السجود الواقع من ~~العباد أجمع يقع بأن يفعل تعالى فيهم القدرة الموجبة له ، ويخلق فيهم نفس ~~السجود ، وذلك يوجب أن حالهم لا يختلف فيه ، فيكون الساجد مرة طائعا ومرة ~~مكرها ، فإذا استحال ذلك على قولهم ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟ # فإن قيل : المكره على السجود هو من فعل ذلك فيه « بلا قدرة (1). # قيل لهم : إن هذا يوجب أن يكون الجماد مكرها على ما فيه ، وكذلك الميت!! ~~وأهل اللغة لا يطلقون ذلك إلا فيمن يتمكن من الأفعال ، فيمنع منها أو يحمل عليها! # والمراد بالآية : أنه تعالى ، لاقتداره ، يخضع له من فى السموات والأرض : ~~ففيهم من يفعل الخضوع طوعا ويعترف به ويظهر الانقياد ، ومنهم من يفعل ذلك ~~بأن يستجيب فيما يريده فلا يصح منه الامتناع ، مثل سائر الحيوان PageV01P407 # الذى ليس بمكلف ، وأن السجود فى اللغة قد يراد به الخضوع ، ظاهر لا يحتاج ~~فيه إلى شاهد. ### |||| ** 366 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه المختص بأن يخلق ويفعل ، وأن ~~العبد لا صنع له ، فقال : ( @QUR@024 قل هل يستوي الأعمى والبصير ، أم هل ~~تستوي الظلمات والنور ، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~قل الله خالق كل شيء ) (1). # فبين أن إثبات شريك معه هو بأن يعتقد فيه بأنه يخلق كخلقه ، فلو كان ~~العبد فى الحقيقة يخلق ويفعل لوجب كونه ms259 شريكا لله ، ثم حقق ذلك بقوله : ( ~~@QUR@05 قل الله خالق كل شيء ). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يقتضى أن ما يخلق كخلقه تعالى يكون شريكا ~~له ، وليس يدل على أن إثبات خالق سواه يجب إثبات شريك معه ، بل لو قيل : إن ~~الظاهر يدل على خلافه لصح ، وذلك أنه تعالى أنكر أن يكون له شريك إلا بأن ~~يخلق كخلقه ، فيجب إذا كان يخلق لا كخلقه ألا يكون بهذه الصفة. # ويجب على هذا القول أن يكون تعالى قد أثبت لنفسه شريكا بقوله : ( @QUR@04 ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ) (2)! وبقوله : ( @QUR@02 وتخلقون إفكا ) (3) ~~وبقوله : ( @QUR@06 وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) (4) وأن يكون عيسى ~~شريكا له ، إذ أثبته تعالى خالقا من الطين كهيئة الطير ، وهذا بين الفساد. PageV01P408 # والمراد بالآية : أنه تعالى أثبت الحجة على من يعبد الأصنام « واتخذها ~~شريكا له (1)، بأن بين أنه إذا لم يصح أن تخلق الأجسام وتظهر النعم الجسام ~~، لم يصح أن تكون معبودة ؛ لأن الذى يستوجب العبادة هو خالق هذه الأمور ، ~~فإذا تعذر ذلك عليها واستحال فيها. فيجب أن لا يصح أن تعبد وتستحق العبادة. # فإن قال : فقوله تعالى : ( @QUR@03 فتشابه الخلق عليهم ) يجب أن يدل على ~~أن غيره تعالى لا يفعل ما يشبه فعله ؛ لأن ذلك يوجب تشابه خلقه بخلق غيره ، ~~وقد نفى الله ذلك. # قيل له : إنما يقع هذا التشابه متى قيل إن غيره تعالى يخلق العبد ويحييه ~~وينعم عليه بالقدرة وغيرها ، [ ومتى قيل ذلك ] فقد تشابه ما يفعله تعالى ~~بما يفعله غيره ، فلا يعلم عنده من المستحق للعبادة. فأما إذا قيل : إن ~~جميع ذلك يختص تعالى بالقدرة عليه ، والعبد إنما يفعل الحركات والتأليف وما ~~شاكلهما ، مما لا يلتبس حاله بحال ما يستوجب به العبادة ، فلا شبهة ولا ~~اشتباه. # وبعد ، فإن هذا الكلام للمجبرة ألزم ، وذلك لأنهم يقولون إن نفس « الشيء ~~الذى (2) يفعله العباد هو الذى يفعله تعالى ، والتشابه فى هذا الوجه أعظم ، ~~لأن نفس الشيء الذى يفعله إذا ثبت فعلا للعباد ، كان الاشتباه أو التشابه ~~آكد منه. إذا ثبت فعله غيرا ms260 لما يفعله تعالى ، وبين طريقيهما حتى يعلم ~~انفصال أحدهما من الآخر. PageV01P409 # وأما قوله : ( @QUR@05 قل الله خالق كل شيء ) فيجب أن يكون راجعا إلى ما ~~للعبادة به تعلق ، ليكون يدخل فيما تقدم ذكره ، وهو خلق الأجسام وسائر ~~النعم التى يختص تعالى بالقدرة عليها ، مما عنده يستحق العبادة ، وقد بينا ~~من قبل الكلام فى هذا الظاهر فى سورة الأنعام ، فلا وجه لإعادته (1). ### |||| ** 367 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الخالق للحق والباطل ، فقال ( ~~@QUR@05 كذلك يضرب الله الحق والباطل ) (2). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه الفاعل لهما ، وإنما يوجب أنه ~~يضرب الحق والباطل ، وليس يقيد ذلك فى اللغة الخلق. # والمراد بذلك : أنه يضرب الأمثال للحق والباطل ، ليبين حالهما فيرغب فى ~~الحق ، ويزجر عن الباطل ، وظاهر الضرب إنما يدخل فى الأمثال لا فى الخلق ، ~~فإذا كان لا بد من تقدير محذوف ، فبأن يجعل المحذوف ما تقتضيه اللغة أولى ~~من غيره!. ### |||| ** 368 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يهد جميع الناس ، وخص المؤمن ~~بأن هداه دون غيره ، فقال : ( @QUR@011 أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا ) (3). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنه لو شاء لهداهم جميعا ، ولم ~~يبين الوجه الذى كان يهديهم عليه ، وقد بينا من قبل أن هذه الوجوه تتنافى ، PageV01P410 # فلا يجوز أن تراد بعبارة واحدة فيدعى فيها العموم ، فإذا بطل ذلك فلا بد ~~من أن يراد به بعض الوجوه دون بعض ، فإذا لم يكن الظاهر مبينا لذلك فلا بد ~~من كونه مجملا محتاجا إلى بيان. # والمراد بذلك : أو لم يعلم الذين آمنوا أنه لو شاء أن يكره العباد لهداهم ~~جميعا على جهة الإكراه ، لكنه إنما أراد أن يؤمنوا طوعا ، لكى يستحقوا ~~الثواب والنفع ، وقد بينا القول فى ذلك فى مواضع (1). ### |||| ** 369 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه قد يبدو له فى الأمور ، وأنه قد يريد ~~الشيء ثم يكرهه ، فقال تعالى : ( @QUR@08 يمحوا الله ms261 ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب ) [39]. # ويدل ذلك على أنه لا يفعل ما يفعله بحسب الصلاح ، لأنه إن فعله بحسب ~~الصلاح لم تتغير إرادته ، مع كونه عالما بالمصالح (2). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ~~، وليس فيه أن الذى محاه هو الذى أثبته ، وقد يجوز أن يكون # وفى كتاب (الفرق ) للبغدادى أن الكيسانية يجمعهم القول بجواز البداء على ~~الله عز وجل وقد حكم عليهم بالكفر لهذه البدعة. انظر المغنى : 11 / 25 ~~الفرق بين الفرق. ص : 38 وانظر فى الفرق بين النسخ والبداء : شرح الأصول ~~الخمسة ، ص 584 585. PageV01P411 # أحدهما غير الآخر ، كما يجوز أن يكون هو الآخر ، والظاهر لا يدل على أحد ~~الأمرين. فمن أين أن المراد ما قالوه؟ # وبعد ، فإن المحو ظاهره لا يدل على الكراهة ، ولا الإثبات على الإرادة ، ~~فكيف يصح أن يستدل بظاهره على ما قالوه؟! # والمراد بذلك عند بعض شيوخنا ، رحمهم الله : أنه تعالى يمحو المعاصى ~~المثبتة فى الصحف عند التوبة والإنابة ، وقد يثبت ذلك عند الإصرار ، ويثبت ~~الطاعة عند ذلك. # ومتى حمل على هذا الوجه كان محمولا على ظاهره ، فهو أولى. # وعند بعضهم : المراد بذلك أنه يمحو بعض ما يتعبد به بأن ينسخه ، أو ينسيه ~~من صدور الرجال ، ويثبت ما يشاء ، وهو الناسخ لذلك ، فذكر المحو والإثبات ~~فيه ، وأراد به ما يتعلق به من الأحكام. # وعند بعضهم : المراد بذلك أنه يمحو عن الصحف ما أثبت فيه من المباحات ~~التى لا مدخل لها فى الثواب والعقاب ، ويثبت المعاصى والطاعات ، لتعلق ~~الثواب والعقاب بهما. وكل ذلك مما يصح أن يكون مرادا فيجب حمل الكلام ~~والآية عليه ، دون ما ذهبوا إليه. PageV01P412 ### | ومن سورة إبراهيم عليه السلام ### |||| ** 370 مسألة : قالوا : ثم ذكر فيها ما يدل على أن ما يقع من العبد إنما يقع بإرادته ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@012 الر ، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم ) [1] والإذن لا يجوز أن يكون إلا الإرادة التى لها ~~يقع الخروج ، دون العلم والأمر ms262 اللذين لا يؤثران فى هذا الباب. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام إنما يقتضى أنه أنزل الكتاب إليه صلى ~~الله عليه ، لكى يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومعلوم أنه لا يخرجهم ~~بالقسر والإكراه ، وإنما أريد بذلك أن يبعثهم على ذلك ويدعوهم إليه ، وشبه ~~الإيمان بالنور ، والكفر بالظلمة ، على مجاز الكلام. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 بإذن ربهم ) المراد به : بأمره ، لأن الإذن إذا ~~أطلق فالأولى به الأمر والإباحة ، وقد علمنا أن الإباحة لا تدخل فى العدول ~~عن الكفر إلى الإيمان ، فالمراد به الأمر ، وكأنه تعالى بين أنه أنزل ~~الكتاب عليه ، صلى الله عليه ، ليعدل بهم بأمر الله تعالى عن الكفر إلى ~~الإيمان ، وهذا بين. ### |||| ** 371 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بالهدى بعض عباده ، والضلال ~~بعضا ، فقال : ( @QUR@016 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) [4] # والجواب عن ذلك قد تقدم عند بيان الهدى والضلال ، وينبغى أن يكون المراد ~~فى هذا الموضع أنه يضل من يشاء بأن يعاقبه ويهلكه جزاء له على كفره ، ويهدى ~~من يشاء إلى الثواب وطريق الجنة ، جزاء له على إيمانه ، ولا بد من تقدير PageV01P413 # حذف فى الكلام ، فكأنه قال تعالى : ليبين لهم ، فمن قبل يهده ، ومن رد ~~ذلك يضله ، فيكون ما يقع فى الهدى والضلال جزاء عليه محذوفا ذكره ، وهذا قد ~~تقدم القول فيه. ### |||| ** 372 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخص بالإيمان بعض عباده ، فقال : ( ~~@QUR@08 ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) (1). # والجواب عن ذلك قد تقدم ؛ لأنا قد بينا أن ظاهره لا يقتضى الإيمان ~~والطاعة ، ولا ننكر أن يخص تعالى بعض عباده بالنعم المتصلة بالدنيا ، وقد ~~بينا أنه لا يمتنع أن يريد به الإيمان أيضا ، وبينا أن إضافة ذلك إليه ~~تعالى ووصفه بأنه من نعمه صحيح من حيث لم يصل المؤمن إليه إلا بألطافه ~~ومعونته وضروب التمكين الذى أعطاه. ### |||| ** 373 وقوله بعد ذلك : ( @QUR@09 وما لنا ألا نتوكل على الله وقد ms263 هدانا سبلنا ) [12] يجب أن يكون ~~محمولا على ظاهره ، وهو أنه هداهم الطريق ، وفيه دلالة على أن للتوكل (2) ~~تعلقا بالبيان ، لأنه لو لا ذلك لم يكن لقوله : ( @QUR@03 وقد هدانا سبلنا ~~) معنى ، وذلك يبين أن التوكل عليه تعالى فى باب الدين هو سلوك الطريق الذى ~~بينه طلبا للثواب ، كما أن التوكل عليه تعالى فى الدنيا هو السعى فى طلب ~~الرزق من جهته دون الجهات المحرمة. ### |||| ** 374 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يهد بعض PageV01P414 # عباده إلى الإيمان والنجاة ، فقال : ( @QUR@025 وبرزوا لله جميعا ، فقال ~~الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله ~~من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم ) (1)! # وهذه الآية تدل على أنه تعالى جسم ، ليصح أن يبرز إليه عباده. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى إنما ذكر ذلك عنهم فى القيامة وقد زال ~~التكليف وحصل وقت الجزاء ، فلا يجوز أن يريد بقوله : ( @QUR@05 قالوا لو ~~هدانا الله لهديناكم ) ما ذكروه من الإيمان. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ) يدل على أن ~~المراد بما تقدم ذكره من الهدى ما يتصل بما يتعذر التخلص منه ، فإذا يجب أن ~~يكون المراد بذلك أنه تعالى لو جعل لهم إلى النجاة طريقا لنجوا ، وتخلصوا ، ~~وخلصوا أتباعهم ، فإذا لم يجعل لهم إلى ذلك طريقا فالنجاة فيهم وفى أتباعهم ~~ميثوس منها ، ولذلك قالوا : ( @QUR@05 سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ). # وقد قيل : إنهم أرادوا بذلك أنه تعالى لو هداهم فى دار الدنيا إلى ما ~~اختاروه من الكفر ، بأن جعله دينا صحيحا ، لهدوا أتباعهم الذين دعوهم إلى ~~طريقهم! والأول أقوى. ### |||| ** 375 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 وقال الشيطان لما قضي الأمر ) « وفرغ من ذكر القضاء (2) ( ~~@QUR@07 إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ) [22]. PageV01P415 # يدل على تنزيه القديم تعالى من القبائح ؛ لأنه تعالى لو كان هو الفاعل ~~لها لما صح أن يوصف بأنه الحق فى الوعد ، ويجوز فيه أعظم مما يقع من ~~الشيطان ؛ لأنه الفاعل فى العباد المعاصى أجمع ، وفى الشيطان الدعاء ms264 إلى ~~الضلال والترغيب فيه. ### |||| ** 376 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@015 وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ، فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم ) (1) يدل على بطلان القول بالجبر من جهات : # منها : أنه تعالى لو كان الخالق فيهم الضلال لم يصح وصفهم بأنهم استجابوا ~~للشيطان ، لأن المستجيب لغيره إنما يوصف بذلك إذا اختار لأجل قوله ما لولاه ~~لكان يصح أن يختار خلافه ، ولذلك لا يوصف من رمى من شاهق فانهبط إلى الأرض ~~أنه يستجيب فى ذلك لغيره ، لما لم يمكنه الانفكاك منه. # ومنها : أنه أضاف اللوم إليهم ونفاه عن نفسه ، ولو كان تعالى هو الذى خلق ~~فيهم الضلال والكفر لكان الواجب فى الخطاب أن يقال : فلا تلومونى ولوموا ~~خالقكم الذى فعل فيكم الكفر ، وأوجبه بالقدرة الموجبة له ، وجعلكم بحيث لا ~~محيص لكم. وبطلان ذلك يبين صحة ما نقول. # ومنها : أن الوجه الذى له زال اللوم عن الشيطان على قولهم هو موجود فى ~~العبد نفسه ، فهو بأن يزول عنه اللوم أحق ، لأنه بدعائه إياهم إلى الضلال ~~لم يخلق فيهم ذلك ولا اضطرهم إليه ، ولا أزالهم عن طريقة الاختيار PageV01P416 # و[ أما ] العبد فحاله مع الكفر فى ذلك أبعد! لأنه لم يفعله ولا حصل له ~~سبيل إلى إزالته عن نفسه ؛ لأنه تعالى هو المختار لفعله فيه ، ولا يجوز أن ~~يقف اختياره على إرادته ، فكان يجب أن يكون بزوال اللوم عنه أحق. # ومنها : أنه كان يجب على قولهم أن لا يكون لهذه المخاطبة الجارية بين ~~الشيطان ومن اتبعه معنى ؛ لأنه تعالى هو الذى فعل فيه الدعاء ، وفيمن اتبعه ~~الاستجابة ، وهما كالظرف لفعله ، فما وجه هذا الخطاب الذى يقتضى تحقيق الذم ~~فى أحدهما دون الأخر؟ وقد كان الأولى أن يظهر العذر ويذكر أنهما محمولان ~~على ما وقع فيهما ، مضطران إليه ، فاللوم عنهما جميعا زائل. ### |||| ** 377 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يفعل الإيمان والتوحيد فى القلوب ~~والألسنة ويثبتهما ، فقال تعالى : ( @QUR@014 يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ms265 ، ويضل الله الظالمين ) [27]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يثبت الذين آمنوا ، وليس فيه بيان ~~الأمر الذى يثبته عليه ، وقوله تعالى. ( @QUR@02 بالقول الثابت ) لا يدل ~~ظاهره على أنه الأمر الذى يثبته عليه ؛ بل يحتمل أن يراد به أنه يثبته لأجل ~~ذلك ، كما قال تعالى : ( @QUR@03 يهديهم ربهم بإيمانهم ) (1) وكما قال : ( ~~@QUR@04 فبظلم من الذين هادوا ... ) (2) إلى ما شاكله ، فلا يصح إذا أن ~~يتعلقوا بالظاهر. # والمراد بذلك : أنه تعالى يثبتهم فى نعيم الدنيا وفيما يختصون به من ~~الإكرام # (م 27 متشابه القرآن). PageV01P417 # والتعظيم فى الآخرة ، ويثبتهم فى الثواب والنعيم لأجل القول الثابت الذى ~~هو الإيمان وسائر الطاعات ، وعبر عن ذلك جميعه بالقول ، على طريق المجاز ، ~~كما يعبر عن الدين بكلمة الحق ، وكما يقال : إن فلانا يفعل بمذهب أبى حنيفة ~~، ويراد بذلك أنه يدين به ويتمسك. # وقد قيل : إن المراد بذلك أنه يثبتهم لأجل الإيمان ، بأن يفعل بهم زيادات ~~الهدى من شرح الصدر وسكون النفس. # وقد قيل : إنه يثبتهم بالقول الثابت الذى هو الوعد والترغيب على الإيمان ~~؛ لأنه داعية لهم إلى الثبات عليه واستجلاب نعيم الآخرة. والأول أقوى. ### |||| ** 378 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن الفلك يجرى فى البحر بإذنه ، وقد يجرى ~~فى كثير من الأحوال باكتساب العباد ، وذلك يوجب أنه إنما يقع بمشيئته ~~وإرادته ، فقال : # ( @QUR@07 وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) (1). # والجواب عن ذلك : أن الأمر إذا أطلق فحمله على الإرادة توسع ، ولا يصح ~~التعلق بظاهره ، ويجب أن يتأول الكلام على أنه يجرى بما يختاره من الفعل ~~فيه ، لكنه لما كان يستجيب وينقاد فيما يريده فيه ، قيل إنه بأمره : كما ~~قال : ( @QUR@08 فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) (2) وكما قال : ( ~~@QUR@03 قالتا أتينا طائعين ) (3). PageV01P418 # 379 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يفعل فى العبد مجانبة ~~عبادة الأصنام فقال : ( @QUR@05 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) (1). # فدعا الله تعالى أن يجعله بهذه الصفة. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الدعاء إنما يقتضى أن الداعى أراد منه تعالى ~~ذلك الأمر ms266 الذى سأل ، وهل ذلك مما يفعله أم لا ، وهل يفعله مع بقاء التكليف ~~أم لا ، وكيف الحال فيه إذا فعله؟ لا يعلم بهذا الظاهر ، فمن أين أن الأمر ~~على ما قالوه؟ # ويجب أن يكون المراد بذلك : أنه سأل الله تعالى أن يلطف له بما عنده ~~يجتنب عبادة الأصنام ، ودعا مثل ذلك لبعض ولده. ### |||| ** 380 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ) [40] يجب أن يحمل على مثل ما ~~قلناه : لأنه إنما سأل اللطف الذى عنده يختار إقامة الصلاة « وقد بينا أنه ~~متى لم يحمل الدعاء على هذا الوجه لم يكن فيه فائدة ؛ لأنه تعالى إن فعل ~~الصلاة (2) ومجانبة الكفر ، فلا بد من أن يكونوا كذلك ، سألوا أم كفوا عن ~~السؤال. وإن لم يفعل فيهم ذلك فالحال واحدة ، فلا يكون للمسألة على قولهم ~~فائدة ومعنى ، ولا للرغبة إليه تعالى فى أن يجعلهم بهذه الصفة فائدة ، ~~وإنما يفيد ذلك على ما نقول ، لأنه تعالى وإن كلف وأزاح العلة ، فقد يصح أن ~~يكون فى مقدوره ما إذا فعله اختار المكلف عنده الإيمان والطاعة ، ولو لاه ~~كان يضل ويعصى ، فيحسن منه الرغبة والمسألة ، على ما ذكرناه. PageV01P419 # 381 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن المكر من قبله ، ~~فقال : ( @QUR@06 وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم ) [46]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه الفاعل لذلك ، لأن هذه الكلمة ~~تقع محتملة قد يراد بها الفعل ، كما يراد بها غيره ، فلا ظاهر له إذا. # ويفارق هذا ما تعلقنا به من أنه تعالى قال فى تحريفهم : ( @QUR@05 وما هو ~~من عند الله ) (1) أن ذلك يدل على أنه ليس من فعله ، لأن ما هو من فعل ~~الفاعل لا ينفى أن يكون من عنده ، وقد يقال فى الشيء : إنه عنده ، « ومن ~~عنده (2)، لا على طريقة الفعلية ، والإثبات فيه يفارق النفى. # وبعد ، فإن قولنا فى الشيء : إنه من عنده لو دل على أنه فعله لكان القول ~~بأنه عنده ، لا يدل على ذلك ، لأن الأول يؤذن بحصوله ms267 من قبله ، على بعض ~~الوجوه ، والثانى لا يؤذن بذلك ، ولهذا يجوز أن يقال : عند فلان مال ، ولا ~~يقال من عنده المال ، إذا لم يكن له فيه صنع ، ويقال : عند فلان خبرى وما ~~أنا عليه ، بمعنى : أنه عالم به وإن لم يكن ذلك من قبله ، ولا يقال فيما حل ~~هذا المحل : إنه من عنده ولا صنع له فيه. فإذا ثبت أنه لا ظاهر له ، ~~فالمراد بذلك أحد أمرين : # إما أنه عالم بحال مكرهم ، وأنه غير مؤثر فيما أراده (3). # وإما أن عنده معاقبتهم على مكرهم ، من حيث لا يشعرون. PageV01P420 # ثم يقال للقوم : لو كان ما ذكرتموه يدل على أن المكر من قبله لما جاز أن ~~يضيفه إليهم ، فيقول : مكرهم ، ولما جاز أن يذمهم عليه! وذلك يدل على ما ~~قلناه فى تأويله. # وبعد ، فإنه تعالى نسب المكر إليهم ، ثم بين أنه عنده (1)، فإن أراد به ~~أنه فعله أدى ذلك إلى التناقض من حيث يوجب أن يكون مكرهم ، ويكون فعلا له ~~تعالى ، وإن كان كذلك فإضافته إليه لا وجه له! # وبعد ، فإن « عند ) لا تستعمل إلا فى موجود ، لأن المعدوم لا يصح ذلك فيه ~~إلا مجازا ، فإذا صح ذلك ، ثم وقع منهم المكر ووجد ، فيجب أن يكون فى تلك ~~الحال عنده تعالى ، وفى تلك الحال قد خرج من أن يكون فعلا له ، وذلك يوجب ~~إثبات الفعل فى حال يجب نفيه ، وهذا محال ، فيجب أن يكون المراد بالظاهر ما قلناه. ### |||| ** 382 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه جسم يصح أن يبرز إليه ، فقال : ( ~~@QUR@04 وبرزوا لله الواحد القهار ) (2). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على ما توهموه ؛ لأنه لم يقل : برزوا ~~إليه ، فيقرب أن يكون له ظاهر ، وإنما قال : برزوا له ، وهذا قد يذكر ويراد ~~به الغرض ، كما يقول القائل : صليت لله ، وحججت له ، وطفت. والمراد بذلك ~~أنه فعل ذلك لأجله على جهة التقرب. فمن أين أن ظاهر ذلك أنهم ظهروا له فى ~~مكان واحد؟ PageV01P421 # والمراد بذلك : أنهم برزوا للمحاسبة والجزاء ، وفى ms268 آخر الآية دلالة عليه ~~؛ لأنه تعالى قال : ( @QUR@06 ليجزي الله كل نفس ما كسبت ) (1)... [51] ~~فبين بذلك أن بروزهم لهذا المعنى ، ولو كان بروزهم لله تعالى من جهة ~~الانكشاف فى المكان لم يكن لهذا القول فائدة! وإنما تقع به الفائدة إذا ~~أراد ما ذكرنا. # أو يريد به : أنهم برزوا إلى حيث لا يجرى فيه إلا حكمه تعالى ، فيكون ~~كقولنا : إن فلانا ارتفع إلى الأمير ، والمراد بذلك أنه الذى يقوم بفصل ~~أمره دون غيره. ### |||| ** 383 وقد قال أبو على ، رحمه الله ### |||| ** ، فى قوله : ( @QUR@04 إن الله سريع الحساب ) (2) إن ذلك يدل على بطلان قول المجسمة ، ~~لأنه لو كان جسما لوجب كونه متكلما بآلة ، ولو كان كذلك لوجب ألا يصح منه ~~الإسراع فى المحاسبة والجمع بين الكل فيه ، وفى وقت واحد ، خصوصا على قول ~~من يثبته بصورة آدم ، « على ما ذهب إليه بعضهم (3)، تعالى الله عن ذلك! ### |||| ** 384 وقوله تعالى : ( @QUR@06 ليجزي الله كل نفس ما كسبت ) (4) يدل على العدل : لأنه لو جاز أن ~~يفعل القبيح لجاز أن يبتدئ بالثواب والعقاب من لا يستحقه ، فكان لا يعلم ~~فيما يفعله من ثواب أو عقاب أنه جزاء. # وبعد ، فإن كان تعالى فعل فى العباد الطاعة والمعصية ، فيجب أن يكون PageV01P422 # مجازيا لنفسه دونهم ، لأنه لا يصح أن يكون الفعل من قبله ، ولو لاه لم ~~يقع منهم البتة ، ثم يجازيهم. # ولو كان كما يذهبون إليه من أن العبد يكتسب حقيقة ، كان لا يصح أن ~~يجازيهم ؛ لأنه كان يجب أن يكون هو الموجب بخلقه أن يكونوا مكتسبين على وجه ~~لا محيص لهم منه ؛ لأنه متى خلق الكسب والقدرة فلا بد من وقوعه ، وإذا هو ~~تعالى لم يخلقهما استحال وقوعه ، وهذا يوجب أن يجازيهم بما لم يمكنهم ~~مفارقته والخلوص منه على وجه ، وهذا ، فى أن المجازاة تقبح منه ، بمنزلة ~~مجازاة الإنسان على ما لا يتعلق به البتة. PageV01P423 ### | ومن سورة الحجر ### |||| ** 385 دلائل : ا وقوله : ( @QUR@07 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل ، فسوف يعلمون ) ~~[3] قد صح أنه تهديد وتقريع (1) والمقصد به بعثهم على الطاعة ، والعدول ms269 عن ~~خلافها ، ولا يصح ذلك وليس للعبد فعل ، كما لا يصح التوبيخ واللوم والذم ~~إلا (2) على فعل ، ولو كان تعالى هو الخالق للأكل والتمتع لما صح أن يهددهم ~~عليه (3). # ب وقوله تعالى « من قبل (4) ( @QUR@07 ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين ) [2] يدل على أنهم كانوا يمكنهم الإسلام ، ولو لا ذلك لما تمنوه ~~على هذا الحد. # ج وقوله تعالى « من بعد (5) ( @QUR@05 ما ننزل الملائكة إلا بالحق ) [9] ~~يدل على أنه ليس فاعلا للقبيح ، لأنه لو جاز أن يفعله كان لا يؤمن أن ~~ينزلهم بغير حق ، بل كان لا يوثق بشيء مما أنزل من الرسل والكتب. # د وقد بينا من قبل أن قوله : ( @QUR@07 ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون ) [5] يدل على ما نقوله فى الآجال (6)، وأنه الوقت الذى يعلم أن ~~موته وهلاكه يحصل PageV01P424 # فيه ، فلا يجوز أن يتقدم أو يتأخر ، وإن كان تعالى يقدر على تقديمه ~~وتأخيره ، لكنه إذا حكم بأنه يحدث فى ذلك الوقت لم يجز خلافه. ### |||| ** 386 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن الكفر من قبله ، فقال : ( ~~@QUR@012 كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ) ~~[ 12 13 ]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على ما قالوه ، من وجوه : # منها : أنه لم يتقدم للكفر ذكر ، فترجع الكناية إليه ، والذى تقدم ذكره ~~هو القرآن والذكر ، فى قوله ( @QUR@07 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~) [9] فيجب أن يكون هو المراد. # ومنها : أن سلوك الشيء فى المكان من صفات الأجسام دون الأعراض ، وهو ~~بمنزلة الورود والوصول والمرور ، فى أنه لا يصح إلا فى (1) الجسم ، وظاهره ~~لا يدل على ما قالوه ، لأن الكفر يحل القلب ولا يسلكه ، ومتى قالوا فيه إنه ~~مجاز فقد تركوا الظاهر. # ومنها : أنه تعالى قال بعده : ( @QUR@07 لا يؤمنون به وقد خلت سنة ~~الأولين ) وإنما أراد الذكر دون الكفر ، فكذلك القول فى الكتابة الأولى ، ~~لأنهما جميعا تعودان إلى مذكور واحد. # فإن قال : إذا حملتم الآية على أنه أريد بها الذكر ، والذكر عرض ، فقد ms270 ~~دخلتم فيما عبتم علينا. PageV01P425 # قيل له : إنا لم نحمله على الذكر لأن الظاهر يقتضيه ، لكن على وجه المجاز ~~، ودللنا عليه بما تقدم ذكره ، وأنتم أردتم الخلق بظاهره وبينا أنه لا ظاهر ~~لكم فيه. # على أن للذكر فى هذا الباب مزية ، وذلك أنه تعالى إذا أسمعهم ذلك وأورده ~~عليهم ، حتى قرع أسماعهم ، صار بمنزلة السالك إلى القلب والوارد عليه ، وحل ~~محل الجسم إذا ورد على جسم ، وليس كذلك حال الكفر ، لأنه يبتدأ به فى القلب ~~، فلا يصح فيه معنى السلوك ، لا مجازا ولا حقيقة ، يبين ذلك أنه خص القلب ~~به لما كان المقصد بإيراد الذكر أن يفهم القلب ثم يعمل به ، ولو كان المراد ~~به الكفر والمعصية لم يكن للقلب فيه مزية ، لأنهما قد يحلان فى غيره ، كما ~~يحلان فيه! # ثم يقال لهم : لو كان تعالى يسلك الكفر فى قلوبهم لم يجز أن يذموا ~~ويكلفهم تركه ، ولما جاز أن يقول تعالى ، على جهة التوبيخ ، ( @QUR@07 وكيف ~~تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ) (1) إلى غير ذلك! # فإن قال : فلما ذا خص المجرمين بالذكر ، وهو تعالى يورد القرآن على ~~الجميع؟ # قيل له : إنه تعالى أراد أن يبين لهم أنهم وإن عدلوا عن الإيمان بالرسول ~~عليه السلام والذكر ، واجتهدوا فى جحدهما ، فلا بد من أن يورد ذلك على ~~قلوبهم ، فيكون مزيحا للعلة ومقيما عليهم (2) الحجة ، وليبين أنهم من قبل ~~أنفسهم أتوا ، لا من قبله تعالى ، وذلك مما لا يتأتى فيمن قد آمن ، فلذلك ~~خصوا بالذكر. PageV01P426 # 387 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن المعاصى من عنده ، ~~فقال : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) [21]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه لا شيء إلا وله عند الله (1) مكان ، ~~لأن الخزائن هى الأماكن التى تدخر فيها الأشياء ، وهذا لا يصح فى أفعال ~~العباد ؛ لأنه لا يمكن فيها أن تكون فى مكان ، ولا يصح أيضا قبل وقوعها من ~~العباد أن تكون موجودة ، فضلا عن أن تكون فى مكان ، يبين ذلك أنه تعالى قال ~~بعده : ( @QUR@05 وما ms271 ننزله إلا بقدر معلوم ) (2) فيجب أن يكون المراد به ~~ما يصح أن ينزل ، وذلك لا يصح فى أفعال العباد : فلا بد إذا من تأويله على ~~خلاف الظاهر. فبطل تعلقهم! # والمراد بذلك : ما ينزله تعالى من الغيث الذى يحمله السحاب ، ولذلك قال ~~تعالى بعده : ( @QUR@08 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه ) [22]. # ومتى حمل على هذا الوجه حمل على ما يصح كونه فى الأماكن ، ويصح فيه (3) ~~الإنزال ، ولذلك قال تعالى بعده : ( @QUR@05 فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين ) (4) فنبه على أنه تعالى خزنه فى مكان مخصوص ثم أنزله ، وأنه ينزل ~~ذلك بقدر الحاجة إليه ، على ما قال : ( @QUR@05 وما ننزله إلا بقدر معلوم ). # ولو حمل على سائر ما يريده تعالى من أمر العباد ، ويكون المراد بذكر PageV01P427 # الخزائن الملك والاقتدار ، لصح أيضا. وعلى الوجهين جميعا سقط تعلق ~~المخالف به ، يبين ذلك أنه لا يصح عند الأمة إضافة القبائح إلى خزائنه « ~~حتى يقال إن فى خزائنه (1) الفساد والكفر ، وإنما تضاف إليها الرحمة ~~والنعمة ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ) ~~(2) إلى غير ذلك. وكل ذلك يبين بطلان تعلقهم به. ### |||| ** 388 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@011 فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون ~~مع الساجدين ) [ 30 31 ] يدل على أنه كان قادرا على السجود ؛ لأن من ليس ~~بقادر على الشيء لا يوصف بالإباء والامتناع ، كما لا يوصف بالإيثار ~~والاختيار ، ولذلك لا يقال فى الزمن : إنه أبى المشى ، وفى الأخرس : إنه ~~يأبى الكلام ، وإنما يقال ذلك فى المتمكن (3). ### |||| ** 389 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يضل ويغوى ، فقال : ( @QUR@010 قال رب ~~بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) [39]. # والجواب عن ذلك قد تقدم فى سورة الأعراف (4)، وبينا أن المراد بذلك (5) ~~هو الحرمان والخيبة ، وأن ذلك فائدته « فى اللغة (6)، وإن كان قد يراد به ~~غيره ، يبين ما ذكرناه أن إبليس جعل ذلك كالعلة فى أنه يزين لهم الفساد ، ~~ولا يليق ذلك بالضلال ؛ لأن إضلاله تعالى لا يكون داعيا له إلى ذلك ، ~~وتخييبه يجوز ms272 أن يكون PageV01P428 # داعيا له إليه ، فكأنه قال : وإذ قد حرمتنى الثواب وجنبتنى الإحسان وحكمت ~~على بالعقوبة ؛ فسأصير فى ذلك شركاء يستحقون ما أستحقه ، لأن المشاركة فى ~~النقمة قد تسأل (1) فى الدنيا على بعض الوجوه. # وقوله تعالى ، حاكيا عنه : ( @QUR@02 ولأغوينهم أجمعين ) يمكن حمله على ~~التخييب أيضا ، فكأنه قال لأخيبنهم (2) بأن أنسب إلى كفرهم وضلالهم ~~بالتزيين والدعاء. ويمكن أن يحمل على الإضلال والإهلاك ، فيكون سببا ~~للحرمان. ### |||| ** 390 فأما قوله تعالى من بعد : ( @QUR@011 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) [42] ~~فإنه يدل على ما نقوله فى أفعال العباد ؛ لأنه تعالى لو خلق فيهم الضلال لم ~~يكونوا متبعين له ، وكان يجب أن يكون له على من اتبعه من السلطان الأعلى ~~مثل من لم يتبعه ؛ لأن ما يقع عند دعائه إليه هو الفاعل [ له ] فيهم ، ~~فيفعل فى البعض الضلال والقبول ، وفى البعض الامتناع والإيمان ، فكان لا ~~معنى للتفرقة بينهما! # ثم يقال للقوم : إذا كان تعالى يفعل فيمن اتبع إبليس الضلال والغواية ، ~~كما يفعله فى إبليس ، فلم أصاف إلى نفسه ضلال إبليس ، دون ضلال من اتبعه ، ~~فقال : ( @QUR@03 رب بما أغويتني )، ثم قال : ( @QUR@02 لأغوينهم أجمعين ) ~~؟ ويجب على مذاهبهم أن يكون كأنه قال : بما أغويتنى لتغوينهم ، لأن كلا ~~الأمرين من قبله ، ولو لا خلقه فيهم لما حصل. ### |||| ** 391 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه ينزع الكفر PageV01P429 # من القلوب بفعل الإيمان ، فقال تعالى ( @QUR@010 ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل إخوانا ، على سرر متقابلين ) [47]. # والجواب عن ذلك : أن « الغل ) لا يدل على الكفر ولا يفيده ، ولذلك يصح فى ~~الكافر أن يقال : ليس فى قلبه غل ولا غش ، إذا سلم الناس غائلته ، وزال عنه ~~الحسد والتنافس ، فالظاهر إذن لا يدل على ما قالوه. # وبعد ، فإن الآية واردة فى أهل الجنة ، فيجب أن يكون المراد بها بيان ~~مفارقتها (1) للدنيا فى المنافسات وضروب الحسد والبغضاء ؛ لأن الآخرة ليست ~~دار تكليف ، فيزول الكفر عن القلوب بالإيمان ، ولأن من أهل الجنة من لم يكن ~~فى قلبه الكفر ms273 قط ، كالأنبياء وغيرهم ، فلا يمكن حمل الآية على ما قالوه. # والمراد بها : أن ما يلحق القلب من طلب الرتب ، والاعتصام بقصور الأحوال ~~لا يلحق أهل الجنة ؛ لأنه تعالى قصرهم على ما أعطاهم ، وصيرهم فى هذا الباب ~~بمنزلة الواحد منا الآن فى أنه لا يطلب مرتبة الرسول عليه السلام فى التبجيل ~~والتعظيم ، ولا يلحقه بفقد ذلك غم. ### |||| ** 392 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 لا يمسهم فيها نصب ) [48] يدل على أن فى الدنيا يصيبهم ذلك ، ولو ~~كان فعلهم من خلقه تعالى لكان لا يصح عليهم النصب والتعب ، كما لا يلحق ~~الزنجى بلونه التعب. ### |||| ** 393 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يقدر على المعاصى وسائر أفعال ~~العباد ، ويقضيها ، فقال : ( @QUR@06 إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) [60]. PageV01P430 # ثم قال بعده : ( @QUR@09 وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ~~مصبحين ) [66]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@03 إنها لمن الغابرين ) إنها لمن ~~الباقين ، فخبر (1) تعالى أنها خارجة عن جملة من ينجو من آل لوط ، داخلة فى ~~جملة من يهلك ، فمن حيث بقيت فى جملتهم وأخبر تعالى بذلك فيها ، جاز أن ~~يطلق فيها لفظة التقدير ، والمراد بذلك الإخبار عن حالها. # ولو كان المراد بذلك ما فعله بها مع قوم لوط ، لكان ذلك غير دال على ما ~~ذكره أن الذى حل بها وبهم هو من فعله تعالى ، لا من أفعال العباد. ولهذا ~~استدللنا بهذه الآية على أن لفظة « القدر ) قد تطلق على أفعال العباد ، على ~~بعض الوجوه ، من حيث أخبر تعالى عنه وحكم به. # فأما قوله تعالى : ( @QUR@04 وقضينا إليه ذلك الأمر ) فالمراد به الإعلام ~~والإخبار ، ولذلك قال بعده : ( @QUR@05 أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) ولا ~~يليق ذلك إلا بأن يكون المراد بما تقدم : الإخبار دون الإيجاد. وقد بينا من ~~قبل الكلام فى القضاء والقدر ، وما يجوز على الله ، وما لا يجوز ، فلا وجه ~~لإعادته. # وقد قال بعض شيوخنا رحمهم الله : إن « القضاء ) فى حقيقة (2) اللغة : هو ~~الفراغ من الشيء وبلوغ آخره ونهايته ، وإذا استعمل « ذلك فى الخبر ms274 (3) فمن ~~حيث يدل من حال الفعل على ما ذكرناه ، ولهذا يقال فيما يتم ويلزم عند حكم PageV01P431 # الحاكم : إنه قضاء (1)، ويقال فى سائر ما خلقه تعالى : « إنه يقتضى به ~~(2)، من حيث خلقه على تمامه ، فيما تقتضيه المصلحة ، « وهذا هو (3) المراد ~~بقوله : ( @QUR@05 إن ربك يقضي بينهم بحكمه ) (4). # ولهذا لا يوصف « الخبر بأنه قضى به (5) إلا إذا اقتضى فى المخبر هذه ~~الفائدة ، فيقال فى خبر الحاكم إذا كان ملزما للحق : هو قضاء منه ، ولا ~~يقال فى خبر غيره ذلك. # فعلى هذا يجب أن لا يقال : إنه تعالى قضى أعمال العباد الحقيقة ؛ لأنه لم ~~يخلقها على تمام ، ويقال فى أخباره على أحوالها ذلك ، على جهة التعارف ، ~~لما حقق ذلك فيها ، ويقال فى إلزامه المكلف الواجبات ذلك ، لما صار فى ~~الحكم بهذه الصفة ؛ لأن الإلزام آكد من الإخبار ، ولذلك لم يطلق شيوخنا ~~رحمهم الله على أفعال العباد إنها بقضاء الله ، دون التقييد ، لئلا يوهم ~~الفساد ، وما لا يجوز القول به فى الدين! ### |||| ** 394 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@08 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) ~~.. [85] يدل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ؛ لأنه لو فعل الكفر وسائر ~~المعاصى وهى من حيث محلها بين السموات والأرض يقال إنها بينهما لوجب أن ~~يكون الكفر حقا ، وكذلك المعاصى. ولو جاز إطلاق ذلك عليه لجاز أن يكون ~~صوابا وحكمة! PageV01P432 # ويدل من وجه آخر على ما نقوله ، وذلك أن قوله : ( @QUR@02 إلا بالحق ) ~~يقتضى أنه خلقهما وما بينهما على وجه لا يكون عبثا ، بل يكون حكمة ، وذلك ~~لا يتم مع القول بأنه يخلق القبائح ، وأن كل ما يفعله : الحال فيه واحدة ، ~~من حيث كان الأمر أمره والعباد عباده ، فله أن يفعل فيهم ما يشاء على ما ~~يقوله القوم! ### |||| ** 395 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@07 فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) [ 92 93 ]. # يدل على قولنا فى العدل ؛ لأنه تعالى لو خلق فيهم المعصية والطاعة لما صح ~~أن يسألهم ، بل كان ينبغى أن يكون سائلا نفسه عما خلقه فيهم ، ولم يكن ~~لإضافته إلى ms275 أنه عملهم معنى ولا فائدة. ### |||| ** 396 وقوله تعالى من قبل : ( @QUR@07 وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم ) (1) # يدل على قولنا ؛ لأن الانتقام والمجازاة لا تصح من الفاعل إلا على فعل ~~غيره فكما لا ينتقم من نفسه ، فكذلك لا ينتقم من نفسه ، فكذلك لا ينتقم ~~لأجل فعله. # (م 28 متشابه القرآن). PageV01P433 ### | ومن سورة النحل ### |||| ** 397 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خص بالهدى بعض المكلفين دون بعض ~~، فقال تعالى : ( @QUR@010 وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم ~~أجمعين ) [9]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يقتضى أن عليه تعالى قصد السبيل ، ليكون ~~مزيحا لعلة المكلف ومبينا له ما كلفه ، ليفصل بينه وبين الخارج عنه ، وأنه ~~لو شاء لهدى الخلق أجمعين ، ولم يبين ما الذى أراده بالهدى ، وقد علمنا أنه ~~لا يجوز أن يريد بالهدى الدلالة والبيان ؛ لأن ذلك ينقض صدر الآية ، ويدل ~~على أنه لم يفعل ما عليه أن يفعله ، وما التزمه بالتكليف ، ويتعالى الله عن ~~ذلك ، فإذا يجب أن يكون المراد به الثواب. # وقد بينا من قبل : أن الأصل فى الهدى هو الفوز والنجاة ، وأن الأدلة إنما ~~توصف بذلك ، من حيث تفضى إليه ، فمتى حملناه على هذا الوجه لم يخرج عن ~~الحقيقة ، فكأنه تعالى قال : على بيان السبيل الحق الذى من سلكه فاز ، وفى ~~السبيل ما هو جائر وباطل ، وخارج من الاستقامة ، ويفضى بصاحبه إلى الهلاك ؛ ~~ولو شئت لأثبت الجميع ، لكن لا أفعله إلا بمن يستحقه ممن يسلك قصد السبيل. # ثم يقال للقوم : لو كان تعالى هو الذى يخلق فيهم الهدى ، ويوجبه بالقصد ~~والإرادة لم يكن لقوله : ( @QUR@04 وعلى الله قصد السبيل ) معنى ؛ لأنه إذا ~~جعلهم كذلك فقد حصلوا مهتدين ، بين لهم ذلك أم لم يبين. فالآية إذا دالة ~~على قولنا فى العدل. PageV01P434 # ويجوز أن يحمل قوله تعالى : ( @QUR@04 ولو شاء لهداكم أجمعين ) على أنه ~~لو شاء أن يحملهم ويلجئهم إليه لفعل ، على نحو ما بيناه من قبل فى نظائر ~~هذه الآية وقد بينا هناك أنه لا ظاهر ms276 لأمثاله (1)، فلا وجه لإعادته. ### |||| ** 398 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه المختص بأنه يفعل ويخلق ، دون غيره ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@07 أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) [17]. # ثم قال بعده : ( @QUR@010 والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ) [20]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يوجب أن من يخلق ليس كمن لا يخلق ، وأن ~~من يدعونه من دون الله ، من الأصنام لا يخلق ، وهذا مما لا خلاف فيه ، فمن ~~أين أن غير الله تعالى لا يجوز أن يفعل إذا كان حيا قادرا؟ # وقوله تعالى : ( @QUR@05 أفمن يخلق كمن لا يخلق ) ليس فيه بيان أن من ~~يخلق : هو الله تعالى فقط ، فكيف يصح تعلقهم بهذا الظاهر ، وقد علم أن لفظة ~~: « من ) تتناول الواحد من العقلاء وتتناول الكثير ، فلا دلالة إذن فيما قالوه. # وبعد ، فلو صح أن يستدل به ، كان لا يدل إلا على أن غيره تعالى لا يخلق ، ~~وليس فيه أنه لا يفعل ، وقد بينا أن إطلاق الخلق إنما يصح فى الله عز وجل ، ~~لما كان مقدرا لجميع ما يحدثه ، ولا يخرج شيء من أفعاله عن هذه الطريقة (2)، PageV01P435 # دون من يختلف حاله فيما يحدثه مرة بقدر (1) ومرة ببخت ، ومتى استعمل ذلك ~~فى أحدنا ، فعلى تقييد وبيان. # والمراد بالآية تبكيت عباد الأصنام وتوبيخهم على عبادتهم ، من حيث لا يصح ~~منها أن تخلق وعدولهم وتنعم عن عبادة الله الذى هو الخالق للأعيان ، ~~والمنعم يساير وجوه الإنعام ، ولذلك قال فى الآية الثانية : ( @QUR@010 ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) فبين معنى ما ذكرناه ~~، بعد أن ذكر نعمه وأنها لا تحصى ، منبها بذلك على أنه المختص باستحقاق ~~العبادة ، من حيث يختص بخلق النعمة التى بها يستوجب العبادة ، وهذا ظاهر. # فإن قال : فقد كان فيمن يدعون من دون الله من هو فاعل فى الحقيقة عندكم ، ~~كنحو من عبد عيسى وغيره ، فيجب أن يدل ذلك على أنه لا يجوز أن يخلق! # قيل له : المقصد بالكلام هو من يعبد الأصنام ، ولذلك قال بعده ms277 : ( ~~@QUR@05 أموات غير أحياء وما يشعرون ... ) [21] ولو دخل تحته ما ذكرته لكان ~~ما تقدم يسقطه ؛ لأنا قد بينا أن العبد لا يخلق على الإطلاق ، وقد بينا ~~أيضا أن ما به تستحق العبادة لا يصح من العبد أن يفعله ، وكل ذلك يسقط ما ذكرته. ### |||| ** 399 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن العبد قد يؤخذ بذنب غيره ، فقال ~~تعالى : ( @QUR@011 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم ... ) [25]. PageV01P436 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنهم يحملون أوزار الذين أضلوهم ~~ودعوهم إلى ما هم عليه من المذاهب ، وهذا القدر مما لا يقول به القوم ؛ لأن ~~أحدا منهم لا يقول إن العبد يستحق عقوبة غيره إذا كان مكلفا ، ومن قال منهم ~~: إن الطفل يؤخذ بذنب أبيه ، لم يقل بمثله فى المكلف ، إلا من قال منهم ~~آخرا : إن لله أن يفعل بهم من العقوبة ما شاء ، وهذا القائل يجوز أن يعاقب ~~الله الأنبياء ، وأن يبتدئ المكلف العقوبات ، فلا وجه لأن يستدل بهذه الآية ~~مع هذا (1) القول (2). # وبعد ، فإن الظاهر يوجب أنهم يحملون أوزارهم وأوزار غيرهم ، وذلك يوجب فى ~~ذلك الغير أن يزول عنه ذلك الوزر ، ومتى قالوا : فالمراد مثل أوزارهم ، فقد ~~تركوا الظاهر! # والمراد بالآية : أنهم يحملون أوزارهم ، من حيث ضلوا وأخطئوا ، ومن أوزار ~~من دعوهم وأضلوهم من حيث كانوا السبب فى ضلالتهم ، ويكون المراد بذلك أن ~~وزرهم يعظم من حيث تأسى بهم القوم فى الضلال ، على مثال ما روى عنه صلى ~~الله عليه فى قوله : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ومثل وزر من عمل بها ». # وقد بينا أن فعل الضال يعظم ما يستحق عليه ، من حيث يكون سببا لضلال ~~الغير ، كما تعظم الطاعة بالتأسى ، وعلى هذا حملنا أمر النبى صلى الله عليه ~~وسلم على أنه إنما زاد فى الفضل على سائر الأنبياء عليهم السلام مع قصور فى PageV01P437 # المدة وكثرة المشقة ، عن كثير منهم ، من حيث كثر مستجيبوه والمتبعون له. # ويبين صحة هذا التأويل ، قوله تعالى : ( @QUR@04 ومن ms278 أوزار الذين يضلونهم ~~) فنبه على أنهم يحملون البعض من ذلك ، وفيما أقدموا عليه يحملون الأوزار ~~كاملة ، وهذا إنما يتم على هذا التأويل ، وإلا فلم صار البعض بأن يحملوه ، ~~من حيث أضلوهم ، بأولى من بعض؟ # ويجوز أن يريد تعالى بذلك أنهم يحملون أوزار إضلالهم غيرهم ، ومن حيث ~~تعلق هذا الإضلال بغيرهم (1) جاز أن يقول : يحملون أوزارهم. # وقد قال أبو على ، رحمه الله : إن هذه الآية تدل على أن المعارف ليست ~~ضرورة من حيث قال : ( @QUR@03 يضلونهم بغير علم ) ولو كانت باضطرار لما صح ~~ذلك ، ولكانوا مع فقد العلم غير ضالين. # وتدل الآية على قولنا ، وذلك أنه إن كان تعالى هو المضل ، لم يكن لإضافة ~~ضلالهم إليهم معنى ، مع أنه تعالى هو الذى خلقه فيهم على وجه لولاه لكانوا ~~لا يضلون ، حصل الدعاء أو لم يحصل. ### |||| ** 400 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جسم يجوز عليه الحركة والإتيان ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@010 قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد ... ) [26]. # والجواب عن ذلك : أنه ليس فى المشبهة أحد يجوز على الله تعالى ما يقتضيه PageV01P438 # هذا الظاهر ، من أنه تعالى يأتى من القواعد ، وأنه كائن فى هذه المواضع ، ~~فلا يجوز تعلقهم به. # والمراد بذلك ظاهر فى أول الآية وآخرها ؛ لأنه تعالى بين أنهم مكروا ~~وأقدموا على ما يوجب تعذيبهم ، ثم بين أنه أتاهم عذاب الله تعالى من قواعد ~~البنيان ، فخر عليهم السقف وانخسفت بهم الأرض ، ومتى لم يحمل على هذا لا ~~يصح كونه عقوبة على مكرهم. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فخر عليهم السقف من فوقهم ) (1) يقتضى تعلق ذلك ~~بما تقدم ذكره ، ولا يكون له معنى إلا والمراد به أنه أتاهم ابتداء الهلاك ~~من قواعد البنيان ، ثم خر السقف لأجل ذلك عليهم (2) فصاروا لا يشعرون بموقع ~~العذاب. # وقد قيل : إن المراد بذلك أنهم مكروا فأتوا فيما أنزل الله بهم من العذاب ~~من قبل أنفسهم ، حتى نزل بهم العذاب بغتة ؛ من حيث لم يعرفوا ابتداءه. ### |||| ** 401 فأما قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@012 وقال الذين أشركوا ms279 لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) الآية ~~(3). فقد (4) بينا فى سورة الأنعام وجه الاستدلال بها على أنه لا يريد ~~الكفر والشرك ، وأن القائل بذلك مخطئ ومتخرص وقائل بالظن ، وكاذب على الله ~~تعالى ، ومكذب لرسله (5)! PageV01P439 # وقوله عقيب هذه الآية : ( @QUR@06 فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) يدل ~~على أنهم بينوا لهم خلاف قولهم إن الشرك بمشيئة الله ، فلما لم يقبلوا ، ~~بين تعالى أنهم لم يؤتوا (1) من قبل البيان فقد ظهر وبان ، وإنما أتوا فيه ~~(2) من قبل أنفسهم. ### |||| ** 402 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يهدى ويصل ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@020 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، ~~فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ) [36]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن فى الهدى ما لا يجوز فى الحكمة أن يفعله ~~تعالى إلا ببعض عباده ، وكذا الضلال ، وإنما كان يصح تعلقهم بالظاهر لو كان ~~الهدى والضلال لا يصح فيهما إلا العموم. # والمراد بالآية : أن فى كل أمة من انقاد الرسول وقبل منه واستحق الثواب ، ~~فهداه تعالى إليه ، وفيهم من خالف فحقت عليه الضلالة. # قال أبو على رحمه الله : ظاهر قوله : ( @QUR@05 ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~) يمتنع من أن يراد به (3) الكفر ، لأنه باطل وليس بحق ، ولا يقال ذلك إلا ~~فى الحق والعدل إذا استحقه العبد ، وهذا مثل قوله تعالى : ( @QUR@06 ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين ) (4) « ولو أن (5) قائلا قال : إن PageV01P440 # أضل (1) العباد من حقت عليه المعاصى وحق عليه الكفر ، لكان خارجا عن ~~اللغة والدين. # ثم يقال للقوم : إذا كان المراد بالآية ما قلتم ، فيجب أن لا يكون لإرسال ~~الرسل إلى الفريقين معنى ، لأن من هداه الله تعالى بخلق الإيمان فيه ، يصير ~~كذلك مع فقد الرسول ووجوده ، ومن أضله فكمثل ، فكيف يجوز أن يكون تعالى ~~يجعل الهدى فيهم والضلال متعلقا ببعثة الرسل؟ ولا بد (2) إذا بطل ذلك من ~~حمله (3) على أنه بعث الرسل فدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، واجتناب عبادة ~~الطاغوت ، فمنهم من ms280 قبل فهداه الله ، ومنهم من أبى فحقت عليه الضلالة ، ~~وهذا بين. ### |||| ** 403 وقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@010 إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ) [37] لا ظاهر له ~~فيما يقولون فى الهدى والضلالة ؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى لرسوله : لا ~~تحرص على إيمانهم فإنى أخلق الكفر فيهم! كما لا يجوز أن يقول : لا تحرض على ~~إقامة الأدلة فإنى أعميهم عنها ، وأخلق فيهم خلاف ما تدعوهم إليه ، تعالى ~~الله عن ذلك! # فالمراد بالآية : أنه من يضله تعالى ويعاقبه لكفره ، وفسقه ، لا يهديه ~~إلى الجنة ولا يثيبه ، وإذا كان تعالى لا يثيبه ولا يهديه ، على هذا الوجه ~~، من حيث لا يستحقه ، فلا تحرص على أن يكون من أهل الثواب. وهذا بمنزلة ~~قوله تعالى : ( @QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) (4). PageV01P441 # وتكون الآية جامعة لأمرين : أحدهما : تسلية الرسول صلى الله عليه فى ~~عدولهم عما أراده منهم. # والثانى : بعث المكلف على أن يطيع فيستحق الهدى والثواب (1)، من حيث لا ~~يجوز أن يفعل إلا على جهة الاستحقاق ، وهذا بين. ### |||| ** 404 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) (2) يمكن أن يستدل به على قولنا فى الشفاعة ~~؛ لأنه صلى الله عليه وآله ، لو كان يشفع لأصحاب الكبائر لكان ناصرا لهم ، وقد ~~بينا أن الضلال إذا أريد به العقاب دخل فيه الفاسق والكافر على سواء. ولم ~~يخص تعالى أحدهما دون الآخر ، ولا خص أمة رسول دون سائر الأمم. ### |||| ** 405 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يرد من الكافر الإيمان ، وأنه ~~لو أراده لكان ، فقال تعالى : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ) [40] فلو كان الإيمان مما أراده. لمكان سيكون لا محالة ~~من الكافر. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا فى نظير هذه الآية أن المراد به ما يفعله ~~تعالى ويدبره ، وأنه لا يمتنع عليه المراد كما يجوز أن يمتنع على غيره ، ~~وأنه لا يجوز أن يخلق الأشياء ب « كن ) وتقصينا القول فيه (3). # ولو حملت هذه الآية ms281 على ظاهرها لوجب أن يكون تعالى قائلا لإيمان PageV01P442 # الكافر : كن ، وأن يكون آمرا الإيمان بذلك ، وقائلا له ذلك ، وهذا ليس ~~بقول لأحد ، والعقل يمنع منه ، لأن ما أمر به الكافر من الإيمان معدوم ، ~~وليس ممن يصح منه الفعل ولا أن يكون يقتضيه (1)، ومتى عدلوا فى تأويل ~~الآية عن هذا الوجه ، فقد تركوا الظاهر ، وصاروا ينازعونا تأويله ، فعند ~~ذلك نبين أن تأويلنا أولى مما قالوه بالدلالة ، فثبت بطلان تعلقهم بالظاهر ~~، على كل وجه. ### |||| ** 406 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن كل شيء مضاف إليه ، وهو الذى يقدر ~~عليه ويملكه ، فقال : ( @QUR@011 وله ما في السماوات والأرض وله الدين ~~واصبا ، أفغير الله تتقون ) [52]. # والجواب عن ذلك : أن الإضافة ، على هذا الوجه ، قد تكون على وجوه فلا ~~ظاهر لها ، لأنه قد يقال ذلك بمعنى الملك « وبمعنى الفعلية (2) وبمعنى ~~الولادة وبمعنى الأفضال ، وبمعنى المالك والفاعل ، فيقال : له دار ، وله ~~ولد ، وله إحسان وأفضال ، وله يد ورجل وله رب وخالق ، إلى ما لا يحصى. وذلك ~~يبين أنه لا ظاهر للآية إذا تجردت. # وبعد ، فلو دلت على أنه المالك لما ذكره لصح ؛ لأن السموات والأرض قد ثبت ~~أنه الخالق لهما والمتصرف ، وقد صح فى الدين أنه الذى شرعه وبينه وأوجبه ، ~~فمن أين أن أفعال العباد من خلقه؟ وقد بينا أنه لو قيل فى أفعال العباد إنه ~~تعالى يملكها ، من حيث يصح أن يمكن منه ويمنع منه ، فيكون وجوده PageV01P443 # وتعذره لأمر من قبله ، لصح ، لأن المالك قد يملك الشيء على وجوه ويختلف ~~تصرفه فيما يملك. وذلك يبطل « تعلقهم بالظاهر (1). ### |||| ** 407 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن الإيمان من فعله ومن قبله ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@06 وما بكم من نعمة فمن الله ) [53] فليس يخلو الإيمان من أن يكون ~~نعمة ، فيجب أن يكون من الله ، أو لا يكون نعمة ، فيكون القول به خروجا عن ~~العقل والدين ، وموجبا للتسوية بينه وبين الكفر ، أو بينه وبين المباح! # والجواب عن ذلك : أننا نقول (2) فى الإيمان : إنه نعمة ، وإنه ms282 من أعظم ~~النعم ، لأنه يؤدى إلى الثواب الدائم ، ونقول : إنه من الله تعالى ، لكن ~~هذه الإضافة لا تدل على الفعلية ، فمن أين من جهة الظاهر أن الإيمان من ~~فعله؟ ولم يقل تعالى : وما بكم من نعمة فمن فعل الله. # فإن قال : لا فرق بين قوله : ( @QUR@02 فمن الله ) وبين قوله : « من فعل ~~الله ) فى هذا الباب. # قيل له : إن ادعيت فى التسوية بينهما لغة أو تعارفا ، فبينه ، وإلا إذا ~~اختلفت اللفظتان لم يجب اتفاقهما فى الفائدة إلا بدليل ، وقد علمنا أنه قد ~~يقال فيما يتخذه الإنسان من دار وغيرها إذا أعانه غيره ببذل النفقة عليها : ~~إنها من فلان ، وإن لم يكن له فيها فعل! ويقال فيما يحصل للولد من الأدب ~~والعلم : إنه من أبيه ، لما أعان عليه ، وإن لم يكن « الأدب من (3) فعله ، ~~وإذا وصل بأدبه PageV01P444 # إلى ممالك فقد يضاف إلى والده ، لما كان الأدب (1) هو السبب فيما هو ~~السبب فيه ، فما ادعاه من الظاهر لا يصح. وعلى هذا الحد يطلق فى المعاصى ، ~~فيقال : هى من الشيطان ، لما كان دعاؤه إليها كالسبب والمعونة ، وربما قويت ~~هذه الإضافة فيتسع فيها بذكر الفعل لقوتها ، فيقال فى أدب الولد ، إنه من ~~عمل أبيه ، وقد قال تعالى فى مثله : ( @QUR@05 قال هذا من عمل الشيطان ) (2). # وعلى هذا الحد نقول فى الطاعات أجمع : إنها من الله تعالى ، لما وصلنا ~~إليها بألطافه ومعونته وتيسيره ، ولا نقول ذلك فى المعاصى ، وإن مكن تعالى ~~منها ، لما منع منها بالنهى والزجر والتهديد. # وعلى هذا الوجه نقول فيما يصل إلينا من العطايا والهبات : إنها من نعم ~~الله ، وإن كان آخر السبب الذى به ملكنا من فعلنا ، وما قبله من فعل المعطى ~~، لما كان لا يتم كونه نعمة إلا بأمور من قبله تعالى فى الحال ومن قبل ، و[ ~~لأنه ] أراد ذلك ولم يمنع منه (3). # فإن قيل : أليس تعالى يشكر على نعمه أجمع ، فيجب أن يستحق الشكر على ~~الإيمان والمدح والتعظيم ، وهذا يوجب كونه مستحقا لذلك على فعلنا! # ولئن جاز ذلك ليجوزن ما قالت ms283 المجبرة ، من أنا نستحق المدح والذم والثواب ~~والعقاب على فعله تعالى فينا! # وبعد ، فيجب أن يكون القرآن من جملة النعم التى بها يستحق القديم تعالى PageV01P445 # علينا العبادة ، وذلك يوجب أن تكون العبادة مستحقة علينا بنفس الشيء الذى ~~هو عبادة منا ، وهذا يتناقض!! # قيل له : إن المنعم يستحق الشكر والتعظيم. وقد يكون منعما بأن يفعل ~~النعمة ، وقد يكون كذلك بأن لا يفعل بعض الأفعال ، وقد يكون كذلك بأن ينوب ~~عنه غيره ، فبأى وجه فعل صار منعما يستحق الشكر (1)، ولذلك يستحق أحدنا ~~الشكر إذا جاء (2) أجل الدين ولم يطالب الغريم ، ويستحق تعالى الشكر (3) لو ~~غفر للكفار والفساق ، فالمعتبر فى كون المنعم منعما بأن يكون النعيم من ~~قبله يحصل ، والتمكن من ذلك من قبله. أو زوال الضرر عنه ، أو التمكن من ذلك ~~يحصل من قبله ، فمتى حصل « ذلك أو (4) بعضه بفعل وجب الشكر ، وإن حصل من ~~غير فعل وجب الشكر ، ولو لا أن الأمر كذلك لما استحققنا الشكر على من نعمه ~~ويأكل ؛ لأن الأكل والتنعم من فعله ، لكنا لما مكنا منه وأتحناه له كنا ~~منعمين عليه ، وعلى هذا يكون الإنسان منعما على غيره إذا أعطاه المال وسائر ~~ما ينتفع به. # فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون تعالى منعما بالإيمان ، وإن كان من فعلنا لما ~~وصلنا إليه بأمور من قبله وتمكينه فيه ودواعيه إليه ، فإذا صح ذلك وجب أن ~~يستحق الشكر إذا كان منعما ، وإن لم يكن فاعلا لنفس النعمة ؛ إذا فعل ما هو ~~السبب فيها. وليس كذلك حال الذم والمدح ، لأنه قد ثبت أن أحدا لا يستحق على ~~فعل غيره هذين ، كما ثبت أن المستحق للذم على القبيح من فعله لا يجوز أن PageV01P446 # يكون مستحقا للمدح وإن لم يجب أن لا يستحق الشكر. وكل واحد من هذا له باب ~~وطريقة لا يجب استعمال المقايسة فيه ، كما لا يجوز أن يقال : إن أحدنا إذا ~~جاز أن يستحق العوض على الفعل [ و] لا يفعله ، فيجب أن يستحق المدح والذم ، ~~على هذا الحد! # ومن شيوخنا ، رحمهم ms284 الله ، من أجاب عن ذلك بأنه تعالى يستحق التعظيم ~~والشكر على الإيمان ، كما يستحق المولى إذا أمر غلامه بالعطية ، الشكر على ~~العطية ، وإن لم تكن من فعله لما صحت بفعله ، فصارت كأنها واقعة منه ، ~~فكذلك الإيمان ، وأجراه من هذا الوجه مجرى المسبب (1) عن فعله فى هذه ~~القضية. # وفى شيوخنا ، رحمهم الله ، من قال : إنه تعالى إنما استحق الشكر على فعله ~~من التمكين والتسهيل والألطاف لا على نفس الإيمان ، لكنه لما عظم ما يستحقه ~~عند مصادفة وقوع الإيمان صلح إطلاق ذلك ، وإلا فالحقيقة ما ذكرناه. والذى ~~نختاره ما ذكرناه أولا. # فأما العبادة فلا يجب أن نستحق بهذه النعم ، بل يستحق عندنا بالنعم ~~المتقدمة للتكليف إذا حصلت ثم دامت ، فنفس « ما يقع به التكليف (2) لا ~~نجعله شرطا فى استحقاق العبادة ، بل بعده رائدا فى النعمة ، ولو جعلناه ~~شرطا لتناقض ، على ما ذكره السائل. # وهكذا الجواب لمن سأل عن مثل ذلك فى الشكر ، فقال : إن قيام العبد بالشكر ~~من نعم الله تعالى ، يستحق بها الشكر ، فيجب أن يكون المستحق به PageV01P447 # هو المستحق عليه ؛ لأنا قد نجعل المستحق به ذلك ما تقدمه ، فلا يلزم هذا ~~التناقض. # فأما ما يقولون من أنه تعالى لو وجب أن يشكر على النعم وأراد ذلك ، لوجب ~~فى كل شكر نفعله أن يلزمه به شكر ثان فيؤدى إلى ما لا نهاية له ، فغلط ، ~~لأن الشاكر إذا شكر على سائر النعم بشكر واحد ، فقد أدى ما عليه ، ويدخل ~~نفس قيامه بالشكر « فى جملة (1) ما شكر عليه حالا بعد حال ، ولا يؤدى إلى ~~ما لا نهاية له ، وهذا بين (2). ### |||| ** 408 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يختص بالهدى المؤمن ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@014 وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون ) [64]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أن يكون الكتاب هو الهدى لا ~~الإيمان ، فإذا صح ذلك فليس إلا القول بأنه دلالة لهم. # وإذا ثبت ذلك وجب كونه دلالة للجميع ؛ لأن القوم لا ms285 يخالفونا فى ذلك ~~ولأنه تعالى قد بين فى غير موضع أنه هدى الجميع ، وإنما خص بذلك المؤمن ؛ ~~لأنه الذى اهتدى به دون غيره ، فصار كأنه هدى له. وقد تقدم القول فى نظائر ~~ذلك (3). ### |||| ** 409 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@010 ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ~~(4) الكلام فيه كالكلام فى هذه الآية. PageV01P448 # 410 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن العبد لا يقدر على شيء ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@09 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) [75]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يوجب نفى القدرة أصلا ، وليس ذلك مما يقوله ~~القوم ، ويقضى أن الذى لا يقدر هو العبد إذا كان مملوكا ، وهذا التخصيص مما ~~لا يقوله أحد!. # والمراد بذلك : أنه لا يقدر على الإملاك كقدرة الأحرار من حيث جعل ، ~~لمكان الرق (1) غير مالك لما (2) تحتوى عليه يده. فصار كالفقير الذى لا ~~يقدر على شيء من الرزق ، ولذلك ذكر بعده أمر الرزق والانفاق ، لينبه بذلك ~~على ما ذكرناه. ### |||| ** 411 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن تصرف العبد من قبله ، فقال : ( ~~@QUR@012 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ).. [79] # فدل على أن وقوف الطير فى الجو من قبله ، وإذا صح ذلك فى الطير وجب مثله ~~فى العبد!. # والجواب عن ذلك : أن الظاهر إنما يقتضى أنها مسخرات إذا كانت فى جو ~~السماء ، وأنه تعالى يمسكها ، وهذا يدل (3) على أن وقوفها وطيرانها من فعله ~~تعالى ؛ لأن المسخر لغيره يوصف بذلك ، إذا فعل الأمور التى لولاها لما صح من # (م 29 متشابه القرآن). PageV01P449 # ذلك الغير التصرف ، فمن حيث يفتقر ذلك الغير فى تصرفه إلى هذه الأمور من ~~قبله ، يصح أن يوصف بأنه مسخر ، هذا هو الظاهر فى التعارف ؛ لأن المسخر ~~لغيره إنما يوصف بذلك متى كان ذلك الغير متصرفا ، لكنه يتعلق تصرفه به ، ~~فيكون مانعا له عن سواه ، أو حاملا له عليه ، إلى ما شاكله. # وأما الممسك فقد يوصف بذلك متى فعل ما عنده ms286 يصير ذلك الغير ممسكا ، بحيث ~~هو لا ينحدر ولا يسقط ، وإن كان سكونه من فعله ، فلما كان تعالى بخلقه ~~الهواء تحت الطير. يصح منها الوقوف والطيران ، جاز أن يقال إنه الممسك لها ~~بذلك ، ولذلك لا يصح منها الوقوف إلا عند بسط الجناح ، ومتى كسرته سقطت إلا ~~أن تحركه للطيران. فبالهواء ما يصح كل ذلك منها ، فيجب أن يكون تعالى هو ~~الممسك لها من هذا الوجه وإن كانت فاعلة لحركتها وسكونها ، ويكون تعالى ~~مسخرا لها ، من حيث يقوى دواعيها إلى الطيران فى الجو والوقوف فيه ، ~~ويلهمها زوال المضار بذلك ، وكل ذلك متسق مع ما نقوله. ### |||| ** 412 مسألة : قالوا : ثم ذكر ما يدل على أنه لم يشأ الهدى من جميعهم بل أراد من بعضهم ~~الضلال ، فقال : ( @QUR@013 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء ).. [93]. # والجواب عن ذلك قد تقدم فى نظائر هذه الآية ، وبينا أنه لا « ظاهر له (1) ~~؛ لأنه لم يقل تعالى : ولو شاء الله كيت وكيت. وإذا كان ما شاء محذوفا ~~والوجه الذى عليه شاء محذوف ، وكان ذلك قد يتنافى ؛ لم يجز أن يقتضيه PageV01P450 # الظاهر ، فلا يمتنع أن يكون تعالى قد شاء من جميعهم الهدى ، على جهة ~~الاختيار ويقول مع ذلك : ولو شاء أن يلجئهم إلى الهدى لجعلهم أمة واحدة (1). # وبعد ، فإنه تعالى لم يبين « الوجه الذى جعلهم أمة واحدة فيه ، فمن أين ~~أن المراد بذلك الهدى دون أن يكون المراد سائر ما تجتمع الجماعات فيه (2). ~~ولو أن قائلا قال : أراد تعالى بذلك : أنه لو شاء أن يسوى بينهم فى العقل ~~والحياة والقدرة لجعلهم أمة واحدة ، لكان حاله كحال المخالف إذا استدل بذلك ~~على الهدى ، وليس بعد ذلك إلا التنازع فى تأويله ، وقد دللنا عليه من قبل ، ~~وقد بينا أن الضلال من الله هو العقاب ، وأن من استوجبه يضله إن شاء ، ~~ويهدى إلى الثواب من « شاء ممن (3) يستحق ذلك ، ولو أنه تعالى جعلهم ~~مختلفين فأضل البعض وهدى البعض ، لما جاز أن يقول فى آخر الآية : ( @QUR@04 ~~ولتسئلن ms287 عما كنتم تعملون ) (4). ### |||| ** 413 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن أفعاله لا تقع بحسب اختياره ، فقال : ( ~~@QUR@08 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) [98]. # ولو لا ذلك لم يكن للاستعاذة بالله من شر الشيطان معنى (5) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنه تعالى أمر بالاستعاذة منه ~~بالله تعالى. فمن أين أنه تعالى هو الخالق (6) لأفعالنا! وقد بينا من قبل ~~أن الأمر PageV01P451 # من الله تعالى بالفعل ، يدل على أنه من قبلنا ، فمن هذا الوجه يجب أن يدل ~~على قولنا. # ومن وجه آخر ، وهو أن الشر الذى نستعيذ بالله منه لو كان الله خالقا له ~~فينا لم يكن للاستعاذة معنى ؛ لأنه تعالى إن خلقه فينا « وجب كونه (1): ~~وجدت الاستعاذة أم عدمت. # ومن وجه آخر : وهو أنه (2) كان يجب أن نستعيذ بالله من شره لا من شر ~~الشيطان ؛ لأنه تعالى هو الفاعل لذلك فينا ، دون الشيطان! # ومن وجه آخر : وهو أن هذه الاستعاذة تقتضى الانقطاع إلى الله تعالى ، ~~والاستعاذة فيما يريده من قراءة القرآن ، وذلك لا يصح إن كان تعالى هو الذى ~~يخلق فينا القراءة المستقيمة ؛ لأنه متى خلقها كذلك استقامت ، وإن خلق فينا ~~السهو اختلفت ، فلا وجه لذلك إلا على ما نقوله ، يبين ذلك أنه تعالى قال ~~بعده : ( @QUR@07 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ) [99] وقد أمرهم تعالى ~~بالاستعاذة ، فبين أنه لا سلطان له. فلو لم يكن الفعل للعبد ، لكان لا وجه ~~لذلك إلا التحرز مما يخلقه تعالى! والتحرز من ذلك محال. # ومن وجه آخر ، وهو أن ما يفعله الشيطان من الوسواس أيضا من فعله تعالى ، ~~فإن كان التحرز بالاستعاذة منه وطلب المعونة فيه ، فقد عاد الأمر إلى أنا ~~نتحرز من الله ، لكنه يلزم التحرز منه بشيئين : أحدهما : الوسواس ، والآخر ~~: ما يقع فينا من السهو ، وإذا كان تعالى يريد أن يفعل فينا ذلك ، PageV01P452 # ولا يحتاج إلى الوسواس فى أفعله فهو إذن عبث! فإذا كان عبثا فليس للشيطان ~~فيما يلحق العبد مدخل البتة ، فكيف تجب الاستعاذة بالله منه؟! ms288 # ومن وجه آخر : وهو أن الشيطان إذا وسوس ، فالوسوسة فيه واجبة لأمر لا ~~يتعلق بنا ، وإذا أخطأنا فذلك واجب فينا ، لأمر (1) لا يتعلق بالشيطان ، ~~فلم صرنا بأن نستعيذ من الشيطان بأولى من أن يستعيذ الشيطان منا فى هذا ~~الفعل خاصة؟ # ومن وجه آخر : وهو أنه تعالى بين أنه لا سلطان له على الذين آمنوا ، وأن ~~سلطانه على الذين يتولونه ، ولو كان ما يحدث فى المؤمن وفيمن يتولاه ، من ~~قبله تعالى ، لكان حاله فيهما سواء ، فى أنه لا سلطان له عليهما. # فإن قال : فهذا يلزمكم إذا قلتم إن المؤمن ومن يتولاه يتساويان ، فى أن ~~ما فعلاه من قبلهما!. # قيل له : لا يجب ذلك ؛ لأن من يتولاه صار الوسواس الواقع من الشيطان ~~داعية له إلى الفعل ، فأقدم عليه لأجله ، وعلى جهة القبول منه ، وليس كذلك ~~المؤمن ؛ لأنه أبى أن يقبل منه ، ولم يؤثر وسواسه فيه ، فلذلك افترقا ولو ~~كان تعالى هو الخالق لفعلهما ولا يجوز أن يقال فى وسوسته إنه يدعو (2) ~~القديم إلى الفعل أو يفعله لأجل قبوله منه ، فوجب ما ذكرناه على المخالف. # فإن قيل : إذا كان يدعو من يتولاه على الحد الذى يدعو المؤمن ، فكيف يجوز ~~أن يقول تعالى : ليس له سلطان على الذين آمنوا ، وإنما سلطانه PageV01P453 # على الذين يتولونه ، وحال فعله معهما لا تختلف؟ # قيل له : إن المؤمن ، لما كان لقوة بصيرته وشدة رغبته فى الطاعة ومعرفته ~~بموقع المعصية تصير وسوسته غير مؤثرة فيه ، جاز أن يقول : « لا سلطان له ~~(1) عليه. ومن يتولاه لما خرج عن هذه الصفة ، وصير نفسه كالمنقاد له فيما ~~يخطر له من الشر ، جاز أن يقول : له عليه سلطان ، وإلا فلو كان يفعل بمن ~~يتولاه أكثر من الوسوسة حتى يحمله على المعصية وقدر على ذلك ، لكان يفعل ~~مثله بالمؤمن ؛ لأنه إلى الإضرار بالمؤمن أقرب ، ومحبته لصرفه عن الإيمان أشد. # وهذه الآية ، من هذا الوجه ، تدل على بطلان قول الحشوية أن الشيطان يقدر ~~على أن يصرع الإنسان ويخبطه ، لأنه لو قدر على ذلك لكان له سلطان ms289 على الذين ~~آمنوا ، لأن فيهم من قد يلحقه ذلك. # وتدل أيضا على أن الشيطان لا يقدر على أن يرفع الصوت على وجه نسمعه ؛ ~~لأنه لو قدر على ذلك لأفشى سر المؤمن ، ولبث عنه ما يضره انتشاره وظهوره ، ~~وكان يكون له عليه سلطان من بعض الوجوه. # ومن وجه آخر ، وهو أن قوله تعالى : ( @QUR@03 وعلى ربهم يتوكلون ) (2) ~~يدل على أن العبد يفعل ، لأن توكله عليه إنما هو بأن يطلب الشيء من جهته ~~ولا يعدل عنه إلى غير وجهه ، ولو لم يكن فاعلا لما صح ذلك فيه ، كما لا يصح ~~أن يتوكل على الله فى لونه وسائر ما اضطر إليه! PageV01P454 # ومن وجه آخر : وهو أنه تعالى بين أن توكل المؤمن على الله هو كالسبب (1) ~~فى أن لا سلطان له عليه ، ولا يكون كذلك إلا بأن يكون داعيا له إلى الطاعات ~~، ولو كان تصرفه خلقا لله تعالى لما صح ذلك فيه. ### |||| ** 414 وأما قوله تعالى ، بعد ذلك : ( @QUR@09 إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ) [104] ، المراد ~~به : أنه لا يثيبهم. وقد تقدم القول فى نظائره. PageV01P455 ### | ومن سورة « بنى اسرائيل » ### |||| ** 415 مسألة : قالوا : ثم ذكر فيها ما يدل على أنه يقضى الفساد ، فقال : # ( @QUR@013 وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ، ~~ولتعلن علوا كبيرا ) [4]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن القضاء قد ينطلق على الإعلام والإخبار ، ~~وهو المراد بهذه الآية. يبين ذلك أنه ذكر الفساد على وجه الاستقبال ، ~~والقضاء على وجه الماضى ، ولو كان المراد له الخلق لما صح ذلك ، ولأن لفظ « ~~القضاء ) إذا عدوى ب « إلى » فظاهره الخبر ، ومتى أريد به الفعل عدى بغير ~~ذلك ، أو لم يعد بحرف. فإذا صح ذلك دل الظاهر على أنه تعالى خبر بفسادهم ~~الذى يكون ، ودل على (1) ذلك لضرب من المصلحة ، وهذا مما لا ننكره ، وإنما ~~ندفع القول بأنه تعالى يقضى الفساد ؛ بمعنى الخلق والإيجاد ، والتقدير ~~والتدبير ، لما فى ذلك من ارتفاع الحمد والذم وبطلان التكليف ، ولما فيه من ~~وجوب الرضا بالفساد ، أو القول ms290 بأن فى قضائه ما لا يجب الرضا به ، وقد ~~شرحنا ذلك من قبل (2). ### |||| ** 416 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يريد من العباد القتل والظلم ~~ويبعثهم عليه ، فقال : ( @QUR@014 فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ) [5]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يدل على أنه يبعث عليهم من هذا حاله ، PageV01P456 # وليس فيه أن الذى يقدمون عليه فساد ، وقد يجوز أن يكون ذلك صلاحا ، ويجوز ~~أن يكون فسادا ، فلا يصح تعلقهم به. # وبعد ، فلو كان الفساد مذكورا فيه ، لما صح تعلقهم بالظاهر ، لأنه كان ~~يجب أن يكون تعالى يبعث من يفسد ويأمر بذلك ، وليس هذا بمذهب القوم ؛ لأنهم ~~وإن قالوا إنه تعالى يريد ذلك ، فمن قولهم إنه قد نهى عنه وزجر عن فعله ، ~~ولا يجوز أن يكون باعثا لهم عليه ، أو إليه مع النهى والزجر ، فلا يصح إذن ~~تعلقهم بالظاهر! # والمراد عندنا بذلك : أنه تعالى بعث ، لما وقع الفساد الأول من بنى ~~إسرائيل ، من حاربهم وغزاهم ، فيكون الكلام على ظاهره ، ثم قال تعالى : ( ~~@QUR@08 ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ) [6]. # فجعل لهم الظفر لما تابوا وعدلوا عن طريق الفساد ، فبعض ذلك يصدق بعضا فى ~~الوجه الذى ذكرناه. # وفى شيوخنا ، رحمهم الله ، من قال : إنه تعالى لما خلى بين القوم وبينهم ~~ولم يمنعهم من محاربتهم ، جاز أن يقول ( @QUR@02 بعثنا عليكم ) كما قال : ( ~~@QUR@07 أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) (1) من حيث خلى ولم ~~يمنع على بعض الوجوه. ### |||| ** 417 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لكل شيء ، فقال : ( ~~@QUR@04 وكل شيء فصلناه تفصيلا ) (2). PageV01P457 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه فصل بين الأشياء ، وقد ينطلق ذلك ~~على تعريف حاله ، كما قد يراد به الإحداث على وجه ، فمن أين أن المراد ما ذكروه! # وبعد ، فإن الفاعل للشيء الواحد لا يقال : « فصله ) وإذا فعل الأشياء ~~متميزة يقال ذلك من حيث ميزها ، فإذا هو ميز ما ليس بفعل له جاز ms291 أن يقال ~~ذلك فيه. # وبعد : فإنه تعالى عدد علينا نعمه بما يفعله من ليل ونهار إلى غير ذلك ~~(1) ثم عقبه بقوله : ( @QUR@04 وكل شيء فصلناه تفصيلا ) فبين [ أن المراد ] ~~بذلك ما تقدم ذكره ، فحمله على العموم لا يمكن. # ويبين أن الظاهر لا يصح تعلقه به : أنه يوجب فى الشيء الواحد أنه مفصل ، ~~وذلك يتأتى فى الأشياء ، فالمراد إذن ما قدمناه. # ولا يمنع ذلك من تعلقنا بقوله تعالى : ( @QUR@06 الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت ) (2) فى حدث القرآن ، لأن الإشارة هناك إلى نفس الكتاب الذى هو جملة ~~، فإذا وصف بالتفصيل فقد وجب حدثه ، لأنه لا يصح التفصيل فى القديم. ### |||| ** 418 دلالة : [ قوله تعالى ] : ( @QUR@021 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [15] PageV01P458 # يدل على أمور : منها : أن العبد هو الذى يفعل الاهتداء والضلال. # ومنها : أنه يؤتى فى أن يضل من قبل نفسه. # ومنها : أنه لا يجوز أن يضر أحدا ضلاله ؛ لأنه لو أضر به ذلك لم يكن ~~ضلاله على نفسه ، بل كان عليها وعلى غيره ، وذلك يدل على أن أحدا لا يؤخذ ~~بذنب غيره ، كما يدل قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) على ذلك. # ومنها : أنه تعالى نبه بهذا على أن العبد لا يجوز أن يؤخذ بما يخلق فيه ؛ ~~لأنه لو جاز ذلك لكان الضلال من الخالق ، ولا يكون حكمه وعقوبته عليه ، بل ~~يكون على من أوجده (1) فيه ، ولو جاز ذلك لجاز أن يؤخذ بفعل غيره. ### |||| ** 419 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) يدل على بطلان قولهم فى المخلوق ~~من جهات : # منها : أنه لو عذبهم على ما خلقه فيهم لم يكن لبعثه الرسول معنى ، فضلا ~~عن أن يجعل شرطا فى تعذيبهم! # ومنها : أنه تعالى نبه بذلك على أن تعذيبهم لا يقع إلا بعد إزاحة العلة ~~ببعثه الرسل ، فإن لم يكن تصرفهم يقع من قبلهم لم يحتج إلى ذلك ، لأن وجوده كعدمه. # ومنها : أنه بين « أنه لا يعذبهم حتى ms292 يبعث إليهم رسولا (2) فبأن لا ~~يعذبهم على ما لا يقدرون عليه أولى ، لأنه إذا لم يعذب القادر العاقل على ~~فعله من حيث لم يبعث إليه من يبين له الأمور ، فبأن لا يعاقب من لا يتمكن ~~من الفعل أولى! PageV01P459 # فإن قال : فما المراد بذلك ، وعندكم أن المكلف بالتكليف العقلى يحسن ~~تعذيبه وإن لم تبعث إليه الرسل؟ # قيل له : إن المراد به العذاب المعجل فى دار الدنيا ؛ لأن عادة الله ~~تعالى لم يجرها إلا بعد بعثه الرسل ، ووقوع التكذيب منهم. # وقد قيل : إن المراد بذلك : من المعلوم من حاله أن مصالحه موقوفة على ~~شريعة الرسل ؛ لأن من هذه حاله لا يجوز أن يخلى من رسول يبعث إليه ، ولو لم ~~يبعث إليه لم يحسن تعذيبه! # وقد قيل : إن المراد بذلك الخواطر الواردة على المكلف على كل حال ؛ لأن ~~التكليف كان لا يصح إلا بعدها. وعلى جميع الوجوه ؛ فالذى ذكرناه من الأدلة صحيح. ### |||| ** 420 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى يريد الكفر والفسق والهلاك ~~، فقال : ( @QUR@012 وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ، ~~فحق عليها القول ).. [16]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إن دل فإنه يدل على أنه تعالى أمر بذلك ، وليس ~~هذا بقول لأحد ، فكيف والظاهر لا يدل على ما قالوه ، لأنه لم يذكر تعالى ~~المأمور به ، وحذف ذكره ، وإنما بين أنهم فسقوا فيها ، فكيف يصح التعلق ~~بظاهره؟ # وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 وإذا أردنا أن نهلك قرية ) فالهلاك المراد ~~قد يكون حسنا إذا كان عقابا أو محنة ، فلا ظاهر له فى أنه قد أراد القبيح ، ~~تعالى الله عن ذلك! PageV01P460 # وبعد ، فإن قوله : ( @QUR@02 ففسقوا فيها ) يدل على أن المأمور به هو ~~الشيء الذى بفسقهم خرجوا عنه ، ولو لا ذلك لم يصح أن يتعلق به. # فالمراد بالآية : أنه أمرهم بالطاعة ففسقوا بالخروج عن ذلك ، فحق عليهم ~~القول والوعيد ، لأنه تعالى كان خبر عنهم أنهم سيهلكون بسوء اختيارهم (1). # أما الزمخشرى رحمه الله ، فقد رد هذا الوجه بإطلاق ، وقال فى ذلك كلاما ~~دقيقا ms293 ننقله بنصه تعقيبا على اختيار القاضى وترجيح الطبرى ، قال : (فإن قلت ~~: هلا زعمت أن معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا! قلت : [ لا يصح ] لأن حذف ~~ما لا دليل عليه [ غير ] جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه؟ وذلك ~~أن المأمور به إنما حذف لأن (فسقوا ) يدل عليه ، وهو كلام مستفيض ؛ يقال : ~~أمرته فقام ، وأمرته فقرأ ، ولا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام وقراءة. ~~ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب ) (ولا يلزم على هذا قولهم ~~: أمرته فعصانى ، أو : فلم يمتثل أمرى ؛ لأن ذلك مناف للأمر ، مناقض له ، ~~ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ، فكان محالا أن يقصد أصلا ، حتى يجعل ~~دالا على المامور به ، فكان المأمور به فى هذا الكلام غير مدلول عليه ولا ~~منوى ؛ لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورا به ، وكأنه ~~يقول : كان منى أمر فلم تكن منه طاعة ، كما أن من يقول : فلان يعطي ويمنع ~~ويأمر وينهى ، غير قاصد إلى مفعول ، ثم يفعل. (فإن قلت : هلا كان ثبوت ~~والعلم بأن لله لا يأمر بالفحشاء ، وإنما يأمر بالقصد والخير ، دليلا على ~~أن المراد : أمرناهم بالخير ففسقوا قلت لا يصح ذلك ؛ لأن قوله : ففسقوا ، ~~يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي إضمار خلافه ). # أما الوجه عنده ، فهو صرف الأمر إلى المجاز ، قال فى قوله تعالى : [وإذا PageV01P461 # فإن قيل : فقد قرئت الآية على وجه يدل على أنه تعالى يريد الفسق والفساد ~~، وهو بتشديد الميم من : « أمرنا ) (1) وإذا أمرهم بهذا ، فيجب أن يكون قد ~~أراده منهم. # قيل له : هذا كالأول فى أنه لا يدل على أنه أمرهم ومكنهم لكى يفسقوا ، ~~فيجب أن يكون المقصود بتأميرهم غير مذكور ، وأن يحمل الأمر فيه على أنه جعل ~~إليهم الإصلاح ومكنهم من ذلك ففسقوا وأفسدوا ، وليس التأمير والتمكين بأكثر ~~من الإقدار والتمكين بالآلات فى العصاة. وذلك يحسن عندنا ، لأن العبد معه ، ~~وعنده ، لا يخرج من أن يكون ممكنا من الطاعة ومن مفارقة المعصية. # فأما إذا قرئ ( @QUR@01 أمرنا ) بالتخفيف ms294 (2) فيجب أن يكون المراد به ؛ PageV01P462 # كثرناهم ، ولله تعالى أن يكثر المكلفين ويمكنهم من الطاعات ، ومتى عصوا ~~فإنما أتوا من قبل أنفسهم. ### |||| ** 421 مسألة : قالوا ثم ذكر بعده ما يدل على أنه تعالى يريد ما يريده العباد من تعجيل ~~الشهوات التى قد تكون حسنة وقبيحة ، فقال : ( @QUR@011 من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أن مرادهم قبيح ، ولا على أن الذى ~~عجله لهم كمثل ، فليس له ظاهر فى الوجه الذى تعلقوا به ، ولو كان مرادهم ~~فعل القبائح لكان تعالى إذا عجل لهم الدنيا لا يجب أن يكون قبيحا ؛ لأن ~~التمكين من اللذات يحسن وإن كان المتمكن بمثله يكون مقدما على القبيح ، على ~~بعض الوجوه. وقد صح أن التمكين من القبيح بالإقدار لا يقبح « بخلق الأجسام ~~المشتهاة ، فهذا أولى (1)، يبين ذلك أنه يمكنه مع وجودها أن يمتنع منه على ~~وجه يشق فيستحق الثواب ، كما يمكنه الإقدام ، فلو قبح ذلك لوجب قبح PageV01P463 # النعم التى يتمكن منها فى حال الصيام ، وهذا ليس بقول لأحد. # وإنما أراد تعالى أن يبين أن من المعلوم من حاله أن مقصده الدنيا ، وأنه ~~لا صلاح له فى شيء من الأفعال يختار عنده الآخرة ، فإنه سيمكنه من العاجلة ~~ثم يعاقبه بما يستحقه (1) ومن أراد الآخرة ، فإنه سيلطف له بما فى المقدور ~~ثم يثبته على ما بينه تعالى. ### |||| ** 422 مسألة : قالوا ثم ذكر بعده ما يدل على أنه يقضى أفعال الخلق ، فقال : @QUR@08 وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [23] # فإذا صح أنه يقضى الطاعات من فعلهم ، فكذلك المعاصى. # والجواب عن ذلك : أن المراد بالقضاء قد يختلف إذا أطلق ، وإنما يعرف ~~المراد بضرب من التقييد أو الدلالة. وقد بينا ذلك من قبل (2). # فالمراد بهذه الآية : أنه ألزمهم ذلك وأمرهم به ، ولذلك خص الواجب بالذكر ~~دون غيره ، والكلام فى أنه يقال فيمن ألزم غيره الشيء : إنه قضاء ، وقضى به ~~عليه ، مشهور ، وقد تقدم ذكره. ### |||| ** 423 دلالة : فأما قوله تعالى ، بعد ذكر ms295 الزنا والقتل وغيرهما من المعاصى ، ( @QUR@07 كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) فإنه يدل على أنه يكره المعاصى ولا يريدها ؛ ~~لأنه لا يجوز أن يكون كارها مع كونه مريدا لها ، لأن ذلك يتضاد ، ولا يمكن ~~أن يقال : إنه تعالى يكره منها ما لا يقع ، لأنه تعالى عم ولم PageV01P464 # يخص ، وفى جملة من نهى عن ذلك ، من يقدم عليه ، كما أن فيهم من يمتنع منه ~~، فيجب كون الجميع مكروها. ولا يمكن حمل ذلك على أنه يكره ما يقع أن لا يقع ~~، وما لا يقع يكره أن يقع ؛ لأن الكراهة يجب أن تكون على حسب ما جرى ذكره ~~فيما تقدم. وقد علمنا أنه جل وعز إنما نهى عن فعله ، فيجب أن يكون كارها لفعله. ### |||| ** 424 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه تعالى قد يمنع المكلف من الطاعة ، ~~فقال : ( @QUR@012 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا ) [45]. # والجواب عن ذلك : أن هذه الآية ظاهرها يدل على ما ليس بقول لأحد ، لأنه ~~لا يجوز عند الجميع أن يمنع تعالى من سماع الأدلة مع التكليف ، فلو كان ~~تعالى يمنع كل من لا يؤمن من سماع قراءته ، صلى الله عليه ، لما جاز أن ~~يكلفهم عند جماعة الأمة. # وبعد ، فقد علمنا أن الحال كان بخلاف ذلك ؛ لأنه صلى الله عليه كان يقرأ ~~القرآن على الكفار ويتحداهم به ، ولا يجوز أن يريد تعالى بذلك ما يعلم ~~خلافه ، لأنه منزه عن الكذب! # وقد علمنا أيضا أنه لم يكن فى الكفار من إذا أراد سماع قرآنه جعل الله ~~بينه وبينه حجابا حادثا ، فيجب أن يكون المراد بالآية غير ظاهرها وهو : # أنه صلى الله عليه كان يتأذى ببعض الكفار بالقول والفعل إذا هو قرأ ~~القرآن ، فشغلهم الله عنه بضرب من الشغل ، من مرض أو غيره ، وهو المراد # (م 30 ىمتشابه القرآن). PageV01P465 # بالحجاب. وهذا إنما يفعله بعد قيام الحجة وسماعهم القرآن مرة بعد مرة ، ~~لأنه إذا علم تعالى ، فيمن هذا حاله ، أنه لا مصلحة له ms296 فى سماع قراءته من ~~بعد ، وأن فيه تأذى الرسول عليه السلام جاز أن يمنعهم منه. ### |||| ** 425 فأما قوله تعالى : ( @QUR@09 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) [46] ، ~~فالمراد به التشبيه. وقد بينا ذلك فى سورة الأنعام (1). ### |||| ** 426 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن العبد لا يقدر إلا عند الفعل ، فقال : ( ~~@QUR@09 انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) [48] ولو ~~قدروا على خلاف ما هم عليه لما صح أن يقول ذلك! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على ما أخبر أنهم لا يستطيعونه ، من ~~حيث لم يذكر ما لا يستطيعون (2) السبيل إليه ، بل الظاهر يقتضى خلاف ما ~~قالوه ، وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم ضربوا الأمثال للرسول صلى الله عليه ~~بما لا يليق به ، وأنهم ضلوا بذلك (3)، ثم قال : ( @QUR@03 فلا يستطيعون ~~سبيلا ) إلى ما تقدم ذكره ؛ لأنهم كانوا لا يقدرون على أن يثبتوا أنه ساحر ~~أو مجنون ، وليس فيه أنهم كانوا لا يقدرون على مفارقة الضلال والكفر ، ~~فالتعلق به لا يصح. ### |||| ** 427 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ، ما يدل على أنه الفاعل فى العبد PageV01P466 # تصرفه ومسيره فى البر والبحر ، فقال : ( @QUR@07 أم أمنتم أن يعيدكم فيه ~~تارة أخرى ) (1) ثم قال بعده : ( @QUR@04 وحملناهم في البر والبحر ) (2). # والجواب عن ذلك : أنه ليس فى ظاهره أنه فعل ذلك أو سيفعله. وإنما قال ~~تعالى : ( @QUR@06 أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ) [68] ثم قال بعده مبينا ~~لهم أنه المسلم ، وأن الواجب التوكل عليه والانقطاع إليه : ( @QUR@07 أم ~~أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ) مبينا لهم أنهم لا يؤمنون بذلك ، وليس فيه ~~أنه يفعله بهم ، أو قد فعله بهم. ولو أخبر أنه يفعله بهم لوجب أن يقول : ~~إنه يعيدهم إلى البحر بفعل يفعله. فلا يدل ذلك على أنه الخالق لسائر ~~أفعالهم! # فأما قوله : ( @QUR@04 وحملناهم في البر والبحر ) فظاهر « حملناهم ) لا ~~يدل على أنه خلق فيهم تصرفهم فى الموضعين ؛ لأن خالق ذلك فى الحقيقة لا ~~يقال فيه : إنه حملهم ، لأن الحمل هو فعل مخصوص لا ms297 يصح إلا على الأجسام. ~~ومتى حمل على خلافه فهو توسع ، وإن ظهر فيه التعارف. # وهذا هو المراد عندنا ؛ لأنه تعالى بين أنه الذى يمكنهم من التصرف فى ~~البر والبحر ، ويعطيهم الآلات التى يركبونها فتصير حاملة لهم ، كالدواب فى ~~البر ، والسفن فى البحر ، وإنما ذكر ذلك على طريق الامتنان بهذه النعم ~~العظيمة ، ولو أراد به أنه يضطرهم إلى ذلك ويخلقه فيهم ، لم يكن له معنى! ### |||| ** 428 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يثبت المطيع على الطاعة ، ولو لم ~~تكن من فعله لما صح ذلك ، فقال : ( @QUR@010 ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا ) [74] PageV01P467 # والجواب عن ذلك : أن التثبيت على الشيء ليس هو الشيء بنفسه ، لأن الفعل ~~قد يحصل ولا يثبت الفاعل عليه ، وقد يحصل ويثبت عليه ، فلا يدل ظاهره على ~~أنه تعالى إذا ثبته فقد فعل فيه الإيمان ، وعلى هذه الطريقة تجرى هذه ~~اللفظة ؛ لأنه يقال : فلان قد ثبت على هذا الأمر ، وقد ثبت على الفعل ، ~~ويراد بذلك غير الفعل ، لكنا قد علمنا أن الفاعل لا يجوز أن يثبت على فعله ~~لعلة سوى فعله ، فلا بد من أن تحمل الآية على أنه تعالى يثبته بالألطاف ~~والمعونة والتأييد والعصمة (1)، فلا تدل الآية على ما قاله القوم ، ولو ~~كان تعالى ثبته صلى الله عليه بأن خلق فيه الفعل ونهاه لم يكن لقوله : ( ~~@QUR@06 لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) معنى ؛ لأنه كان يجب أن يكون ~~ممنوعا من هذا الركون ، فإنما يصح على ما قلناه. ### |||| ** 429 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يريد الكفر والقبيح ، فقال : ( ~~@QUR@013 وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا ) [82] فإذا علمنا أن القرآن لا يجوز أن يزيدهم ، علمنا أن منزله ~~هو الذى زادهم ، وهذا يدل على أنه أراد منهم الخسران وفعله. # انظر شرح الأصول الخمسة ، ص : 779 780. وانظر ص 749 فما بعدها مع تعليق ~~الأستاذ المحقق الدكتور عبد الكريم عثمان. PageV01P468 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره ms298 إنما يدل على أن القرآن لا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا ، فمن أين أنه تعالى يريد ذلك أو يخلقه ، ولم صاروا ، إذا لم يمكنهم ~~حمل الآية على ظاهرها ، أن يتأولوها على أنه تعالى يزيدهم ، دون أن تحمل ~~على وجه آخر؟ لأن ما أمكن فيه الوجوه الكثيرة فحمله على البعض دون البعض ~~يحتاج إلى دلالة. ولم صاروا بتأويلهم أولى منا بأن نقول : إن نزول القرآن ~~لما كان كالسبب فى أن كفروا جاز أن يضاف ذلك إليه ، كما أضاف تعالى زيادة ~~الرجس إلى السورة ، فى قوله : ( @QUR@04 فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) (1). # ولو لا أن الأمر على ما قلناه لم يستحقوا الذم بذلك ، ولم يكن القرآن ~~شفاء ورحمة للمؤمنين ، لأنه تعالى هو الذى خلق فيهم الإيمان وفى غيرهم ~~الكفر ، فلا يكون للقرآن تأثير فى ذلك ، وهذا ظاهر البطلان. ### |||| ** 430 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@08 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) [94] ~~يدل على أن المكلف يتمكن من الإيمان ، قادر عليه ، مزاح العلة فيه ، وإنما ~~يؤتى من قبل نفسه. # ولو كان تعالى لم يقدره عليه ، بل خلق فيه الكفر وقدرة الكفر ، لكان ~~تعالى قد منعه من الإيمان ، فكان لا يصح أن يوبخ بهذا القول أو يقرع بذكره. # ومن وجه آخر : وهو أنه قال : ( @QUR@07 إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا ) (2) فبين أنه لا مانع لهم إلا هذا بزعمهم ، وبين أن هذا غير مانع أيضا ؛ PageV01P469 # لأن بعثه الملك إليهم فيه فساد ، ولو كان تعالى منعهم ، بما ذكرناه عن ~~القوم ، لم يكن لهذا القول معنى. وكيف يجوز ، وقد منعوا بوجوه كثيرة ، ~~كالكفر ، وقدرة الكفر ، وإرادة الكفر ، وقدرة إرادة الكفر ، أن يقول تعالى ~~لا مانع لهم من الإيمان إلا هذه الشبهة!! ### |||| ** 431 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ... ) [105] يدل على أنه تعالى منزه ~~عن القبيح ؛ لأنه لو جاز أن يفعله لم يعلم أنه بالحق أنزله ، ولم يكن ~~لإنزاله معنى ولا فائدة ، ولا لإرسال الرسل مبشرين ومنذرين وجه ، ويجرى ذلك ~~مجرى إنزال كتاب يشتمل على الأمر والنهى عن الألوان والهيئات ، والوعد ms299 ~~والوعيد فيها ، وإرسال الرسل فى ذلك ، وهذا مما تنافيه الحكمة. ### |||| ** 432 وقوله تعالى : ( @QUR@012 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ~~).. [110] يدل على ما نقوله ؛ لأن حسن الاسم هو لحسن معناه لا لأمر يرجع ~~إليه ؛ لأن اللغات يجوز فيها أن تتبدل وتتغير ، وتقع المواضعة فى الاسم على ~~الشيء وخلافه ، والذى لا يتغير هو المستفاد بالاسم ، فإذا صح ذلك فلو كان ~~تعالى يفعل الظلم والجور لم يصح أن توصف جميع أسمائه بالحسنى! # * * * PageV01P470 ### | ومن سورة الكهف ### |||| ** 433 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه الخالق للإيمان والهدى ، فقال : ~~( @QUR@014 نحن نقص عليك نبأهم بالحق ، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~وربطنا على قلوبهم ) (1). # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الهدى لا يقع على الإيمان حقيقة ، وإنما ~~بوصف به من حيث يؤدى إلى الفوز والنجاة ، فلا ظاهر لما تعلقوا به فى الوجه ~~الذى ذكروه ؛ ويبين ذلك أنه تعالى عطف الزيادة على الإيمان ، فيجب أن تكون ~~غيره ؛ لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. # والمراد عندنا بذلك أنه زادهم لطفا وأدلة ، على جهة التأكيد ، لكى يكونوا ~~إلى الثبات على الإيمان أقرب كما بينا ، فى قوله تعالى : ( @QUR@08 فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (2). # ويحتمل أن يريد بذلك : الثواب والتعظيم ؛ لأنه تعالى يعظم من قد آمن ~~ويثيبه ويحكم بذلك فيه. # وأما قوله : ( @QUR@03 وربطنا على قلوبهم ) فلا ظاهر له فيما قالوه ، لأن ~~فائدته الشد والعقد ، وذلك إنما يصح فى الأجسام إذا شدت بغيرها ، وذلك لا ~~يتأتى فى الإيمان وسائر الأفعال ، فيجب أن يحمل الأمر فيه على أن المراد ~~بذلك : الألطاف وضروب المعونة التى معها يثبت الإنسان على إيمانه. # أو يراد بذلك : أنه قوى قلوبهم حين أظهروا الإيمان ، ولذلك قال : ( ~~@QUR@07 إذ قاموا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ) (3) فبين أن ذلك ~~كالعلة فى قيامهم وإظهارهم هذا القول. PageV01P471 # 434 فأما قوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@012 من يهد الله فهو المهتد ، ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) (1) فقد بينا فى ms300 نظائره أنه لا يصح التعلق ~~بظاهره ، وإنما المراد بذلك الثواب والعقاب ، وما يجرى هذا المجرى. ### |||| ** 435 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن أفعال العباد لا تقع إلا بمشيئته ~~تعالى ، فقال : ( @QUR@011 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء ~~الله ) (2). # ولم يخص شيئا من شيء ، فدخول المعصية فيه كالطاعة ، وذلك يوجب أنه متى ~~فعل ، فإنما يفعله بمشيئة الله ، ولو لا ذلك لم يكن لهذا القول معنى! # والجواب عن ذلك : أن ظاهر ذلك ليس بقول لأحد ، لأن أحدا من المسلمين لا ~~يقول إنه يجوز « أن يقول الرجل (3): أزنى غدا إن شاء الله ، وأسرق وأقطع ~~الطريق ، وأقتل إن شاء الله ، بل يمنعون من ذلك أشد منع ، ويجيزون هذا ~~القول فيما يخبر به الإنسان من الأمور الحسنة ، وذلك يمنع من (4) تعلقهم ~~بهذا الظاهر. # وبعد ، فليس فى الظاهر بيان هذه المشيئة ، والوجه الذى تحصل عليه ، وقد ~~بينا أنه تعالى قد يشاء من العبد الفعل على جهة الإلجاء ، وعلى طريق ~~الاختيار ، فإذا لم يكن فى الظاهر بيان ذلك فمن أين أن (5) المراد بهذا ~~القول الذى أدب الله تعالى نبيه به مشيئة الاختيار ، ليصح أن يتعلق به!! PageV01P472 # والمراد عندنا بذلك : أنه أدب رسوله عليه السلام والعباد ، بأن لا يخبروا ~~فى الأمور المستقبلة على القطع ، لأن المخبر لا يأمن أن يخترم دونه ويمنع ~~منه ، فيكون كاذبا أو واقعا موقع التهمة ، فإذا أدخل فيه اشتراط المشيئة ~~خرج عن هذا الباب ، فحسن منه. # وقد اختلف الناس فى المراد بهذه المشيئة ، وذكروا فيها وجوها : فمنهم من ~~قال : ينبغى أن يريد بذلك مشيئة الإلجاء. ومنهم من قال : يجب أن يريد به ~~مشيئة المنع والحيلولة : ومنهم من قال : يجب أن يريد به كل مشيئة تمكن فيه. ~~وفى العلماء من قال : إن المقصد به إيقاف (1) الكلام على الوجه الذى ابتدئ ~~عليه ، لئلا يعتقد فى المتكلم أنه قاطع على ما أخبر به ، ولا يجب أن ينوى ~~فى ذلك الإلجاء ولا غيره ، وقد حكى ذلك عن الحسن ، رحمه الله . وطريقة ms301 ~~الإلجاء هو مذهب أبى على ، رحمه الله ، ولذلك قال فى الحالف : إنه إنما لم ~~يحنث إذا اشترط المشيئة فى يمينه ، من حيث يريد به الإلجاء ، ولو أراد به ~~الاختيار وعينه ولم يقصد به سواه ، وما كان ما حلف عليه مما يعلم أنه قد ~~أراده ، يحنث. وقد بينا ذلك (2) فى مواضع (3)، وتقصيه هاهنا يطول. ### |||| ** 436 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق فى قلب العبد الجهل والغفلة « ~~ويمنعه من (4) الإيمان ، فقال : ( @QUR@07 ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~) (5). PageV01P473 # والجواب عن ذلك : أن ظاهر ذلك قد ينطلق على السهو الذى قد يكون من فعله ~~تعالى ، كما ينطلق على غيره ، فلا يصح تعلقهم به. # وبعد ، فإن الغفلة إذا استعملت فيما يفعله المرء من الجهل والتشاغل عن ~~ذكر الله والطعن فيه ، لا تكون إلا مجازا ؛ لأن من هذا حاله هو ذاكر للشيء ~~عالم به وبأحواله ، فلا يوصف بأنه غافل. # وخروج الكلام على (1) طريق الذم يمنع من أن يكون ظاهره ما قالوه ؛ لأنه ~~تعالى لو أغفل قلوبهم (2) بأن منعهم من الإيمان بالذكر (3) لما جاز أن ~~يذمهم! ولما صح أن يصفهم بأنهم اتبعوا الهوى ، وليس يمتنع فى الكلام أن ~~يكون له ظاهر إذا تجرد (4)، فإذا اقترن به غيره ، أو علم أنه قصد بعض ~~الوجوه ، خرج عن ذلك الظاهر. # والمراد بذلك عندنا : ما ذكره أبو على ، رضى الله عنه ، من أنه أراد : ~~ولا تطع من « صادفنا قلبه غافلا (5) ووجدناه كذلك ، كما يقال فى اللغة : ~~أجبنت فلانا وأبخلته وأفحمته ، إذا صادفه كذلك ، وهذا ظاهر فى اللغة. # قال : ويمكن أن يراد بذلك أنا عرينا قلبه عن سمة الإيمان ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@05 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) (6)، فبقى غفلا لا سمة عليه ، ~~فصح أن يقول لذلك : ( @QUR@02 أغفلنا قلبه ). # ومتى حمل على أحد هذين الوجهين لم ينقضه قوله ( @QUR@05 واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا ) (7) لأن كل ذلك ذم لا يصح لو كان منعه من الإيمان بالذكر. PageV01P474 # 437 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الكفر (1) والإيمان ms302 ~~فى أنهما من قبله تعالى وبمشيئته ، فقال : ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم فمن ~~شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ... ) [29]. # فإذا صح أن ذلك لا يكون أمرا ، فيجب أن يكون دالا على إرادته الأمرين ، ~~ولذلك قال فى صدر الكلام : ( @QUR@04 وقل الحق من ربكم ). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه أمر بالكفر ، وهذا ليس بقول لأحد ، ~~فلا بد من أن يكون المراد به التهديد والتقريع! # وقوله تعالى : ( @QUR@04 وقل الحق من ربكم ) المراد به أن الحق بالأدلة ~~والبيان قد ظهر وعرف ثمرة التمسك به ، وما يلحق العادل عنه ، فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ، على جهة التهديد ، كما يقول أحدنا لغلامه ، وقد ~~بين له الشيء الذى يلزمه التمسك به ، ويضره العدول عنه : إن سلكت ما أقوله ~~، وإلا فاعمل ما شئت ، على طريق التهديد. وهذا ظاهر. ### |||| ** 438 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ) (2). # يدل على أنه منزه عن الظلم ، ولو كان يفعل الظلم على ما يقوله القوم لكان ~~إنما ينزه نفسه عن العبارة والاسم ، لا عن الظلم فى الحقيقة. والتنزيه لا ~~يقع فى العبارات ، وإنما يقع فى المعانى ، وإنما تنزه تعالى عن كثير من ~~الأسماء ، لأن معانيها لا تصح عليه ، أو لأنها توهم ما يتعالى عنه. ### |||| ** 439 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@06 وما منع الناس أن يؤمنوا إذ PageV01P475 # @QUR@02 جاءهم الهدى ) [55] يدل على أنه مكنهم من الإيمان وأزاح سائر ~~عللهم فيه ، وإلا لم يكن ليصح هذا القول منه ، ألا ترى أن أحدنا لو قيد ~~غلامه بالقيد الثقيل وأغلق الباب عليه ، لم يصح أن يقول له مع ذلك : ما ~~منعك أن تتصرف فى الأسواق؟ ، ومتى وقع ذلك منه عد سخفا ، تعالى الله عن ذلك! ### |||| ** 440 وأما قوله : ( @QUR@010 إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ، وفي آذانهم وقرا ) (1) ~~فقد تقدم القول فى نظائره ، فلا وجه لإعادته (2). ### |||| ** 441 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن العبد إنما يقدر على ما هو فاعله ، وأنه ~~غير قادر على ما ليس بفاعل له ، فقال : ( @QUR@014 قال إنك لن تستطيع معي ~~صبرا ms303 ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) [ 67 68 ] فبين أنه غير مستطيع ~~للصبر ، من حيث لم يقع الصبر منه (3)! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على ما قالوه ، لأنه يقتضى أن لا ~~يستطيع الصبر فى المستقبل ، لأن « لن ) إذا دخلت فى الكلام أفادت الاستقبال ~~، وهذا مما لا يمتنع عندنا ، سواء قيل إن القدرة مع الفعل ، أو قبله ، ~~وإنما كان يصح تعلقهم بالظاهر لو أفاد أنه غير مستطيع فى الوقت ، من حيث لم ~~يحصل الصبر منه. وليس فى الظاهر ذلك. # وقول موسى عليه السلام فى جواب ذلك : ( @QUR@06 قال ستجدني إن شاء الله ~~صابرا ) [69] يدل على الاستقبال ، ويدل أيضا على فساد تعلقهم به ، من وجه ~~آخر ، وذلك أن صاحب موسى لو أراد بقوله : ( @QUR@04 لن تستطيع معي صبرا ) نفى PageV01P476 # قدرته على الصبر فى الحقيقة ، لم يكن قول موسى : ( @QUR@05 ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ) جوابا له ، بل كان الذى يليق به : ستجدنى إن شاء الله مستطيعا ~~للصبر ، فلما أجاب بذلك دل على أن المراد بالأول نفس الصبر. فكأنه قال : ~~إنك لن تصبر ، ويثقل ذلك عليك ، فأجابه بما ذكره. # ويبين ذلك قوله لموسى : ( @QUR@08 وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) فلو ~~كان لا قدرة له على الصبر لكان لا يجوز أن يصبر : لا على ما عرف علته ، ولا ~~على ما لم يعرف ، ولكان حالهما سواء. فلما بين بهذا القول أنه لا يصبر على ~~ما يعجب ظاهره ، ولا يعرف علته علم أن المراد بالأول : ( @QUR@03 إنك لن ~~تستطيع ) بمعنى : أن ذلك يثقل عليك ولا يخف ، لأن المعلوم من حال الطباع ~~أنها تحب الوقوف على علل الأمور الحادثة ، إذا كانت معجبة فى الظاهر ~~ومشتبهة. # يبين ذلك أنه قال فى الجواب : ( @QUR@04 لا تؤاخذني بما نسيت ) [73] ولو ~~كان لا يقدر عليه ، لكان الأولى أن يقول : لا تؤاخذنى بما لست أقدر عليه ، ~~لأن مع النسيان قد يقع الفعل ، ومع فقد القدرة يستحيل عليه على كل حال. # ويبين ذلك : أنه لما سئل عن سبب قتل الغلام أعاد هذا ms304 القول ، ولو لا أنه ~~أراد بالأول أن ذلك يثقل عليه لم يكن لإعادته عليه معنى! ولكان لا يجوز أن ~~يوبخه على ذلك! ولما صح من موسى أن يجعل العذر فى ذلك فى قوله : ( @QUR@013 ~~قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ) [76] لأنه ~~إذا كان لا يقدر على الصبر عن ذلك فى الحقيقة ، لم يصح أن يكون هذا جوابا ~~له ولذلك قال فى آخره : ( @QUR@012 قال هذا فراق بيني وبينك ، سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) [78] فبين أنه إنما أراد بالقول الأول أنه يثقل PageV01P477 # عليه الكف عن المسألة عما شاهده من الأمور التى لا يقف على سببها. وقد ~~يقال فى مثل هذا القول : ألا ترى إلى قول القائل : إن فلانا لا يستطيع أن ~~يسمع كلام فلان ، « فى أن (1) يراد بذلك أنه يثقل عليه ، ولا يخف على ~~طباعه! وكل ذلك يبين فساد تعلقهم بهذه الآية. ### |||| ** 442 وقد استدل شيوخنا ، رحمهم الله ، بقوله : ( @QUR@010 وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ~~) [80] على القول فى اللطف ، لأنه تعالى بين أنه إنما قتله ، وحسن منه ذلك ~~« من حيث (2) لو بقى لكان فى بقائه مفسدة لأبويه. وكانا يختاران لأجله ~~الكفر ، وذلك يوجب أن منع ما هو مفسدة فى التكليف واجب ، وأن فعل ما يدعو ~~إلى ترك الكفر ، وللإيمان ، لا بد منه فى إزاحة العلة. # ويدل على قولنا فى أفعال العباد ، وذلك أنه تعالى لو كان يخلق فيهما ~~الكفر إذا بلغ ، لكان وجود قتله كعدمه ، فى أنه لا تأثير له فى ذلك ، وإذا ~~كان يتقيه الغلام لا يحمل القديم تعالى على فعل الكفر فيهما ، فما الفائدة ~~فى أن يقتل لهذه العلة. ### |||| ** 443 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن الاستطاعة مع الفعل وأن من لا يفعل ~~الفعل لا يكون مستطيعا له ، فقال : ( @QUR@016 وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين ~~عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا ) [ 100 101 ]. PageV01P478 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يدل على أن ms305 العبد لا يستطيع السمع الذى هو ~~إدراك الصوت ، وهذا قولنا ، لأن مشايخنا يختلفون فيه ؛ فمنهم من يثبت للصوت ~~إدراكا ويجعله مقدورا لله تعالى فقط ، ومنهم من يقول فيه : إنه ليس بمعنى ، ~~وإنما يدرك الصوت ويسمع بصحة الحاسة وارتفاع الموانع ، فلا يثبت ما يصح ~~إثبات القدرة عليه ، أو نفيها ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟ # ويجب أن يحمل الكلام على أنهم كانوا يستثقلون ما يسمعون والتفكر فيه ~~فيعرضون عنه وعن التدبر له ، فوصفوا بذلك ، على ما يقال فى الشاهد ، فيمن ~~يستثقل المسموع : إنى لا أستطيع « أن أسمع (1) هذا الكلام ، ومقصده ليس إلا ~~ما ذكرناه. # وقوله : ( @QUR@07 الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) لا يمكن حمله على ~~ظاهره ؛ لأنه يوجب إثبات غطاء لأعينهم ، والمعلوم خلافه ، فإذن يجب أن يحمل ~~على التشبيه ، من حيث لم ينتفعوا بما رأوا. على ما بيناه فى الختم والطبع. ### |||| ** 444 فأما قوله تعالى ، قبل ذلك : ( @QUR@04 وما أنسانيه إلا الشيطان ) (2) فقد استدل شيوخنا ، رحمهم الله ، ~~به على بطلان قول القوم ، لأنه لو كان كما يقولون لوجب أن يقول : وما ~~أنسانيه إلا الرحمن ، لأنه الذى يخلق فيهم ذلك على وجه لا يمكنهم التخلص ~~منه. وإنما يصح ذلك على ما نقوله من حيث كان الشيطان يوسوس ، فيتشاغل العبد ~~عند ذلك عن الأمر الذى كلف ، فيصح عنده أن يقال : إن الشيطان أنساه ذلك ~~وعلى مذهبهم لا يمكن ذلك ، ولا يكون له معنى! PageV01P479 ### | ومن سورة مريم ### |||| ** 445 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يجعل المؤمن مؤمنا ويخلق الطاعة ~~فيه ، فقال : ( @QUR@03 واجعله رب رضيا ) (1)، فلو لم يكن رضيا بفعله ، ~~لما صح لهذا الدعاء معنى! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إن دل ، فإنما يدل على أنه تعالى يصح أن يجعله ~~رضيا ويقدر عليه ، وذلك مما لا نأباه ، وإن كنا نقول : إن العبد يفعل ويقدر. # وبعد ، فإن الرضى قد يكون رضيا بأمور من قبله ، وقد يكون كذلك بأمور من ~~قبل الله تعالى ، نحو كمال خلقه وعقله وسائر ما يفضله الله تعالى به (2) ~~على غيره ms306 وليس فى الظاهر عموم ، فمن أين أن المراد بذلك أحدهما دون الآخر؟ ~~وقد بينا من قبل أن الداعى إذا دعا بالشيء فلا ظاهر لدعائه ، لأنه إنما ~~يحسن منه القصد ، فما لم يعلم إلى ما ذا قصد لا يعرف فائدته ، لأنه لا بد ~~من شرط فى الدعاء مضمر إذا لم يظهر فيه ذلك ، وكل ذلك يبطل تعلقهم به. # والمراد عندنا بذلك : أنه سأل الله تعالى أن يلطف له ويعينه ليختار ما ~~يصير به رضيا ، كما ذكرنا فى قوله تعالى : ( @QUR@03 واجعلنا مسلمين لك ) ~~(3) إلى ما جرى هذا المجرى ، وهذا أصل معروف فى اللغة : أنه متى أضيف إلى ~~الغير أمر من الأمور بلفظ يقتضى فى غيره الفعلية ، فيجب أن يكون محمولا على ~~أسبابه ، فلما كان وصف PageV01P480 # المسلم بذلك يفيد أن الإسلام من قبله اقتضت الإضافة ما ذكرناه ، وكذلك ~~القول فى الرضى إنه لا يكون رضيا فى الدين إلا بأمور من قبله ، فإذا جعله ~~غيره رضيا ، فالمراد به الألطاف وسائر الأسباب فى ذلك ، وهذا كما يقول ~~أحدنا لولده : قد جعلتك عالما صالحا ، فيكون المراد ما ذكرناه! ### |||| ** 446 دلالة : وقد استدل شيوخنا ، رحمهم الله تعالى ، بقوله : ( @QUR@05 يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة ) [12] على أن قوة الفعل يجب أن تكون حاصلة قبل الفعل ؛ لأنه تعالى ~~أمره بالأخذ قبل حصول الأخذ منه ، وأمره أن يفعل بقوة حاصلة. # وهذه الآية وإن كان المراد بها غير ظاهرها ، فوجه الاستدلال بها صحيح ؛ ~~لأنه تعالى أمره أن يعرف الكتاب الذى أنزله ويتلقاه بالقبول ، ويحمله على ~~وجه يقوم بأدائه ، وكل ذلك مما لا يصح إلا بقوة ، فيجب أن تكون حاصلة. ### |||| ** 447 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن ما يصير به الإنسان (1) مؤمنا طاهرا من ~~قبله ، فقال : ( @QUR@06 وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ) [13]. # والجواب عن ذلك : أنا لا نمنع فى طاعة الإنسان أن نقول : إنها (2) من ~~الله ، على ما بيناه. ويجوز أن يقول تعالى فيه : ( @QUR@02 من لدنا ) ويريد ~~المعونة والألطاف والتسهيل ؛ لأنه إنما صار زكيا تقيا بهذه الأمور الكائنة ~~من قبله ms307 تعالى ، ولولاها لم يكن كذلك. # ولو لا أن الأمر كما ذكرناه لم يصح أن يقول تعالى : ( @QUR@02 وكان تقيا ~~) (3) فينسب PageV01P481 # ذلك إليه ؛ لأن التقى هو القاصد بفعله توقى المخوف من العقاب ، فلا بد من ~~أن تكون الطاعة من قبله ، ليصح ذلك فيها. # ولو قيل : إن المراد أنه رحمة من الله تعالى على أمته ، تطهيرا لهم من ~~الذنوب ، فوصفه بأنه زكاة من هذا الوجه ، لصح ، ويكون محمولا على الظاهر ؛ ~~لأن هذه الصفة ، خاصة (1) إنما حصلت فيه من حيث أرسله الله وحمله الرسالة ، ~~وقد علمنا أن شخص يحيى عليه السلام لا يسمى زكاة إلا على جهة التوسع ، فيجب ~~حمله لا محالة « على ما ذكرناه (2). ### |||| ** 448 وقوله تعالى فى قصة عيسى : ( @QUR@09 قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ) [19] يجب أن يكون ~~محمولا على نظير ما ذكرناه ، بل الكلام فيه أكشف! لأنه ليس فى ظاهره أنه ~~تعالى يجعله كذلك ، وإنما يدل ظاهره على أنه يهب لها الغلام ، ثم بما ذا ~~يصير زكيا؟ ليس فى الظاهر ، فلا تعلق لهم به! ### |||| ** 449 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن النبى إنما يصير ثابتا على ~~الإيمان ومقدما عليه يخلق الله ذلك فيه ويجعله ، فقال : # ( @QUR@010 قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا ) (3). # وقد علمنا أنه إنما يصير كذلك بطاعاته ، فيجب أن تكون « من فعل (4) ~~القديم تعالى. # والجواب عن ذلك : أنه لو أراد ما قالوه لم يصح ما ذكره بعده ، من قوله : PageV01P482 # ( @QUR@06 وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ) (1) لأنه لا (2) يصير ~~مباركا « على ما ذكروه (3) إلا بالصلاة والزكاة ، فكان يجب أن يكون داخلا ~~فى جملة ما جعله الله عليه ، فلا يكون لتوصيته به معنى. ومتى ثبت أنه لا ~~يكون مباركا فى المستقبل ، على ما ذكروه ، إلا بأمور من قبله تعالى ، فكذلك ~~القول فيما تقدم. # وبعد ، فلو صح ما قالوه لأمكن حمله على أن المراد به : أنه تعالى جعله ~~مباركا على أمته بإرساله ، وتحميله إياه الرسالة ويثبتون على الطاعات ، ~~فصار سببا لثباتهم على ms308 ذلك ، فوصف بأنه مبارك ، لهذه الوجوه ، لأن البركة ~~هو الثبات ، والتقى هو لزوم الخير. # ويجوز أن يراد بذلك : أنه تعالى فعل به من الألطاف ما يثبت معه على ~~طاعاته وإيمانه ، فكان جاعلا له كذلك ، على ما بيناه فيما تقدم ذكره. ### |||| ** 450 وقوله تعالى : من بعد : ( @QUR@02 وبرا بوالدتي ) (4) يجوز أن يحمل على ما يكون من قبله ~~تعالى ويجعله ، فى الأحوال التى يكون عليها ، مما لا يدخل تحت فعله ، لأن ~~ذلك قد يكون برا بها ، أو يحمل على الألطاف على ما بيناه ، لأن البر ~~بوالديه يوصف بذلك على جهة الفعلية ، فإضافته إلى غيره يجب أن تكون إضافة ~~سببه ، كما ذكرناه فى إضافة علم الولد وصلاحه إلى والده. ### |||| ** 451 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 ولم يجعلني جبارا شقيا ) لا يدل على أنه لو كان كذلك لكان يجعله ~~تعالى ، وإنما يدل على أنه لم يجعله بهذه الصفة ، فقط ، فلا ظاهر له فيما ~~يقولون! PageV01P483 # والمراد بذلك : أنه تعالى خلقه على صفة الخضوع والخشوع واللين وخفض ~~الجناح ، وقد يكون ذلك بأمور ترجع إلى ما يخلق الله عليه العبد وقلبه (1)، ~~فلا يتعلق بما ذكروه. ### |||| ** 452 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما كان لله أن يتخذ من ولد ). [35] يدل على نفى ~~الظلم عنه ؛ لأن اتخاذ الولد لا يجوز أن يحمل على أمر محال غير معلوم ، فلو ~~أريد به الولادة فى الحقيقة لم يصح ؛ لأنه لما هو عليه فى ذاته يستحيل ذلك ~~فيه ، فيجب أن يحمل على أمر يتعلق بالفعل ، وهو أنه ما كان له أن يصف نفسه ~~بذلك ، أو يفعل ما يوهمه كما يدعيه النصارى. # فإذا ثبت أنه ليس له ذلك ، لقبحه ، فكذلك القول فى سائر القبائح. # ويبطل ذلك أيضا ما يقوله القوم من أن لله تعالى أن يفعل كل شيء ، لأنه ~~مالك ، وإلى ما شاكل ذلك من عللهم ، ويبين أن الصحيح أن يقال : ليس لله أن ~~يفعل الظلم والجور. تعالى الله عن ذلك. ### |||| ** 453 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@011 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا ) [59] يدل ms309 على أن الصلاة من قبلهم ؛ لأنها لو كانت بخلق الله فيهم لم ~~يصح أن يكونوا المضيعين لها ، كما لا يصح أن يوصف الإنسان بأنه أضاع لونه ~~وهيئته. واتباع الشهوات لا يصح لو كان تعالى يضطر إليه ، وإنما يصح ذلك متى ~~اختار الفعل للدواعى والشهوة. وهذا ظاهر. ### |||| ** 454 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قادر على أفعال PageV01P484 # العباد ، فقال : ( @QUR@06 رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ).. ~~[65] والرب هو المالك القادر ، والمعاصى (1) داخل فيما بينهما ، فيجب أن ~~تدل هذه الآية على قولنا! # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يتناول إلا الأجسام لأنه قال : ( @QUR@01 ~~فاعبده ) (2) فبين أن خلقه لما تقدم ذكره هو الموجب لعبادته ، وليس لأفعال ~~العباد مدخل فى ذلك ، ولا يجوز أن يراد به إلا النعم التى بها يستوجب تعالى ~~العبادة ، ولذلك قال بعده : ( @QUR@04 هل تعلم له سميا ) يعنى : مثلا ~~ونظيرا فى هذا الأمر الذى به يستحق العبادة ، مبينا بذلك أن الواجب إخلاص ~~العبادة له فقط ، دون غيره. # وقد بينا من قبل أنا لو قلنا : إنه تعالى مالك لأفعال العباد ، من حيث ~~يقدر على تمكينهم منها ومنعهم منها لصح ، ولجرى ذلك على طريق الحقيقة ، لأن ~~المراد بالملك فى المملوك على ما ذكرناه ، قد يختلف. ### |||| ** 455 مسألة : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه يورد المؤمن النار يوم القيامة ، ثم ينجيه منها ~~، وعلى أن له أن يفعل بكل عباده ما يريد ، فقال : ( @QUR@09 وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا ) [71]. # والجواب عن ذلك : أن الورود لا يوجب الوقوع فى الشيء ، وإنما يقتضى الدنو ~~والمقاربة وعلى هذا الوجه يحمل قوله تعالى : ( @QUR@010 ولما ورد ماء مدين ~~وجد عليه أمة من الناس يسقون ) (3) لأن المتعالم فى ذلك « أنه لم يخض الماء (4) PageV01P485 # وإنما قرب منه فذكر تعالى من قبل ما يدل على أنه أحضر الجميع حول جهنم ~~جثيا ، على ما ذكره (1)، ثم بين أن الكل وارد عليه ، على هذا الحد ، ثم ~~بين أنه ينجى الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا ، وإنما أراد تعالى بذلك ms310 ~~أن المؤمنين إذا قربوا منها وعاينوها وعلموا أن المخلص لهم منها ما فعلوه ~~من الطاعات فيما سلف ، وأن أعداءهم يقعون فيها لأجل معاصيهم السابقة عظم ~~عند ذلك سرورهم ، فيكون ذلك زائدا فى سرورهم ونعيمهم. # ولو لم يحمل على ما قلناه لوجب أن يقال فى الأنبياء والمؤمنين : إن الله ~~يدخلهم النار ، وليس ذلك بمذهب لأحد ، ولو كان فيه خلاف لم يمتنع أن يقال : ~~إنهم يردون النار ويجنبهم تعالى الضرر فيها ، كما نقوله فى الملائكة ~~الموكلة بالعذاب. ### |||| ** 456 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يرسل الشياطين على الكافرين ، فإذا ~~جاز أن يفعل ذلك جاز أن يضلهم ، فقال : ( @QUR@09 ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) [83]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه أرسل الشياطين لهذه العلة ، كما ~~أرسل الأنبياء للدعاء إلى سبيل ربهم (2)، وليس ذلك بقول لأحد. # والمراد عندنا به : أنه تعالى خلى بينهم وبين الكافرين مع قدرته على ~~المنع والحيلولة من كل وجه ، فقيل توسعا : إنه أرسلهم ، كما يقال فيمن « ~~يمكنه أن (3) يمنع كلبه من الإقدام على الإضرار بغيره إذا تركه وذاك : إنه ~~أرسل كلبه PageV01P486 # على الناس ، وكما يقال فى الملك إذا أمكنه ضبط جنده وكفهم عن الفساد وقطع ~~الطريق : إنه قد أرسلهم على الناس ، إذا هو لم يمنعهم. # ثم يقال لهم : إن مذهبكم ينافى ما تقتضيه الآية ، لأنه تعالى إذا كان هو ~~الذى يؤزهم ويخلق فيهم الكفر فلا تأثير للشيطان ، ولا فرق بين أن يرسل ~~عليهم أو لا يرسل ، على أنه إذا عدى الإرسال ب « على » لم يقتض ظاهره ~~الرسالة والأمر (1)، وإنما يفيد ما ذكرناه ، فأما إذا عدى ب « إلى » ~~فالمراد به الرسالة ، ولذلك لا يقول أحدنا : أرسلت غلامى على فلان ، إذا ~~بعثه إليه برسالة. وهذا ظاهر. ### |||| ** 457 فأما قوله تعالى ، من قبل : ( @QUR@05 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) [76] فقد بينا أنه لا ظاهر له ، ~~وأنه يتأول على زيادة الألطاف والأدلة والبيان ، أو على الثواب والتعظيم. PageV01P487 ### | ومن سورة طه ### |||| ** 458 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@014 طه ما أنزلنا عليك ms311 القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن ~~يخشى ، تنزيلا ممن خلق الأرض .. ) (1) يدل على حدوث القرآن ، من جهات : # أحدها : أنه وصفه بالتنزيل ، وذلك لا يصح إلا فى الحوادث. # وثانيها : أنه وصفه بأنه تذكرة ، وذلك لا يصح إلا فيما يفيد بالمواضعة ، ~~ولا يصح ذلك إلا فيما يحدث على وجه مخصوص ، ولو كان قديما لاستحال جميع ذلك ~~فيه ، لأن ما لا مواضعة عليه لا يصح أن يعلم به الفائدة المقصود إليها. وما ~~هذا حاله لا يجوز أن يكون له معنى ، فيصير تذكرة لمن يخشى. # وثالثها : أنه تعالى بين أنه أنزله عليه لهذا الغرض ، والقصد إنما يؤثر ~~فى الحوادث ، ومتى قالوا : إن المراد بذلك أنه أنزل العبارة عنه فقد تركوا ~~الظاهر وادعوا أمرا مجهولا ، وسلموا أن القرآن محدث ، وهو الذى نريده. # فإن قالوا : إذا كان القرآن عندكم عرضا ، والأعراض لا يصح فيها الإنزال ، ~~فكيف يصح تعلقكم بالظاهر؟ # قيل له : إن الكلام وإن كان عرضا ، ولا يصح فيه ما ذكرته فى الحقيقة ، ~~فقد يقال فى التعارف : إنه أنزل ، إذا تحمله من يحكيه ويؤديه على جهته ، وهذا PageV01P488 # بالتعارف قد صار كالحقيقة ، لأن المنشد منا لقصيدة امرئ القيس (1) يقال : ~~إن ما أنشده هو شعر امرئ القيس ، ولا يدعى فى ذلك الخروج عن التعارف ~~والحقيقة ، فيصح من هذا الوجه ما تعلقنا به. ### |||| ** 459 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك ) (2) يدل أيضا على حدث ~~النداء ، من حيث علقه بإتيانه المكان ، والقديم لا يصح ذلك فيه ، لأن ~~التوقيت إنما يصح فى الحوادث. من حيث تحدث فى وقت دون وقت. # ومن وجه آخر : وهو أنه لو كان قديما لكان لم يزل قائلا : ( @QUR@07 يا ~~موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك ) وقد علمنا أن ذلك يقتضى النقص من جهات ~~كثيرة : أحدها أن المتكلم إنما يكون حكيما متى استفاد بكلامه أو أفاد غيره ~~، وذلك يستحيل فيما لم يزل ، فإثباته على هذا الوجه نقص ، يتعالى الله عنه ~~، كما أن أحدنا لو قال وهو منفرد : السماء فوقى والأرض تحتى ، ولم يزل ms312 ~~يكرره ، فإن ذلك وإن كان صدقا ، فإنه من أقوى الدلالة على السفه والنقص. # ومنها : أنه لا يجوز أن يكون مناديا على جهة المخاطبة للمعدوم ، لأن ذلك ~~يتعالى الله عنه. PageV01P489 # ومنها : أنه [ لا ] يجوز فيما لم يزل أن يقول : ( @QUR@03 إنك بالواد ~~المقدس ) وهو معدوم ؛ لأن ذلك كذب ، تعالى الله عن ذلك ، فلا يجوز إذن إلا ~~أن يكون حادثا فى ذلك الوقت. ### |||| ** 460 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يخلق فى العبد الإيمان وسائر ما ~~يشرح به صدره ، فقال : ( @QUR@08 قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ) [ 25 26 ] # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه قد يلتمس منه تعالى انشراح الصدر ، ~~وهذا مما لا ندفعه ، ولا نمنع من كونه تعالى قادرا عليه ، ولا يجب إذا صح ~~ذلك منه ، أن لا يقدر العبد على الأفعال!. # وقد بينا من قبل الكلام فى الدعاء ، وأنه لا يدل على أن المدعو به يجوز ~~أن يفعل ، فإنه متى فعل فهو (1) من الباب الذى من حقه أن يكون من أفعال ~~العباد! # وبعد ، فلسنا نمتنع أن يكون تعالى يفعل فى القلب وفى الصدر من المعانى ما ~~يكون النبى والمؤمن أقرب إلى سكون النفس عن الأمور التى يشاهدها ؛ لأن ~~العلوم الضرورية قد تقتضى ذلك ، وهى (2) من فعل الله تعالى ، على أن ~~استعمال شرح الصدر فى الأعراض التى يفعلها العبد مجاز ، وحقيقته يجب أن ~~تفيد ما عليه الجسم من الصفة ، التى تضاد الحرج والضيق ، وهذا لا يكون إلا ~~من فعله. ومتى استعملناه فى الاستدلال والمعارف المكتسبة فذلك توسع ، فلا ~~يصح تعلقهم به. PageV01P490 # والمراد بالآية : أنه سأله أن يكثر تعالى ألطافه ومعونته له وتقوية قلبه ~~، ليكون أقرب إلى القيام بما ألزم نفسه ، وكلف تبليغه إلى غيره. ### |||| ** 461 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن أفعال العباد من جهته ، فقال : ( ~~@QUR@014 قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [ ~~49 50 ] # وقد دخل تحت « كل شيء ) أفعال العباد. وإذا كانت من ms313 عطيته فهى (1) من فعله. # والجواب عن ذلك : أن العطية لا نصح إلا فيما يصح من المعطى تناوله ورده. ~~هذا هو الذى تقتضيه اللغة والتعارف ، ولذلك يقال فى أحدنا إذا ناول غيره ~~الثوب : إنه أعطاه ، ولو أقامه وأقعده لم يقل ذلك فيه. # فإذا صح ما ذكرناه لم يدخل تحت الظاهر إلا الأجسام ، فتعلقهم به لا يصح ؛ ~~يبين ما ذكرناه أنه دل بهذا القول على الله تعالى ، وقد علمنا أنه يمكن أن ~~يدل عليه بالأفعال التى لا تصح من العباد ، كالأجسام وغيرها ، فيجب أن لا ~~(2) يتناول الظاهر سواهما ، فكأنه قال : ربنا الذى فعل الأجسام وسائر ما لا ~~يتأتى منا ، ثم هدى وكلف (3)؛ لأن كلا الوجهين مما لا يصح وقوعه من العبد ~~، يبين ذلك أنه ذكر ذلك بلفظ الماضى لينبه به على الأمور الموجودة الدالة ~~على ربه. وذلك لا يصح فى أفعال العباد التى لا تثبت وتوجد على هذا الوجه! # يبين ذلك أن الكلام يقتضى أنه أعطاهم ثم هداهم ، وأن ما أعطاهم له تعلق PageV01P491 # بالهدى ، وهذا يوجب أن يكون المراد : النعم التى معها يصح التكليف. وذلك ~~لا يكون إلا من فعله. # وبعد ، فلو لم يكن هذا هو المراد لكان الكلام فاسدا ؛ لأنه صلى الله عليه ~~أورد ذلك على جهة الحجاج على عدو الله .. ولو أنه (1) عند قوله : ( @QUR@04 ~~فمن ربكما يا موسى ) دل على ربه بتصرفه وتصرف العباد ، لكان الكلام سخفا ، ~~فضلا عن أن يفسد. فالمراد إذن (2) بذلك ما يقنع فى الدلالة ، وهو الذى ~~ذكرناه ، ولذلك كف عن الطعن فيه ، وعدل عنه إلى مسألة سواها. وهذا كله بين. (3) ### |||| ** 462 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@011 قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) [52] يدل على ~~نفى التشبيه ؛ لأنه تعالى لو كان جسما كما يقولون لوجب لا محالة جواز ~~النسيان عليه ، ولصح أن يضل عنه بعد ما عرفه ، فلما نزه عن ذلك دل على أنه ~~عالم لذاته ، وأنه لا يصح أن يكون جسما البتة. ### |||| ** 463 مسألة : قالوا : ثم ذكر ما يدل على أن فعل ms314 الساجد (4) من قبله تعالى ، فقال : ( ~~@QUR@08 فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى ) (5) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره أنهم ألقوا سجدا ، وليس فيه ذكر فاعل الإلقاء ~~فيهم ، فالتعلق به بعيد. PageV01P492 # فإن قيل : فإذا لم يصح أن يلقيهم سجدا إلا الله ، دون سائر الناس ، وجب ~~حمله على ما قلناه. # قيل له : لم صرتم بأن تحملوه على هذا ، عند امتناع الظاهر ، أولى من أن ~~يحمل على أنهم سجدوا وألقوا أنفسهم سجدا ، لأن فى كل واحد من الأمرين خروجا ~~عن الظاهر ، وإنما قال تعالى ذلك ، وإن بعد أن يستعمل فيما يكتسب الإنسان ~~مثله ؛ لأن الذى له سجدوا هو أمرهم به ، فصاروا كالمدفوعين عنده إلى ذلك ، ~~لعظم ما عاينوه من ابتلاع العصا المنقلبة حية للحبال والعصى التى ألقوها مع ~~عظمها ، فاستعمل فيه من العبارة ما استعمل مثله فيمن يفعل فيه الفعل. ### |||| ** 464 وأما قوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ) (1) فقد بينا أن الفتنة لا ظاهر ~~لها فى الكفر والمعصية ، وأن الواجب أن يحمل على أن المراد به تشديد ~~التكليف والمحنة ، وقد ذكرنا ذلك من قبل (2). ### |||| ** 465 فأما قوله تعالى : ( @QUR@02 وأضلهم السامري ) فمن أقوى ما يدل على أنه تعالى لا يضل ، لأنه ~~لو كان قد أضل من عبد العجل بأن خلق فيهم الضلال ، لم يكن لدعاء السامرى ~~تأثير ، وكان وجوده كعدمه ، وقد بينا القول فى نظائر ذلك أيضا (3). ### |||| ** 466 وأما قوله تعالى : ( @QUR@012 يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) ~~[109] يدل على قولنا فى الشفاعة « وأنها لا تكون لأعداء الله ، لأنه تعالى ~~بين أنها لا تنفع إلا من يختص بهذين الشرطين : أحدهما أن يكون PageV01P493 # الإذن واقعا فى بابه. والثانى أن يكون مرضى الطريقة فى القول. فمن يقول ~~الكذب وما لا يجوز ، لا يجب أن يكون داخلا فى الشفاعة (1)، على وجه. ### |||| ** 467 وقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@09 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) [82] يدل على أن ~~من شرط من يغفر له بالشفاعة أو غيرها ، أن ms315 يكون تائبا مؤمنا عاملا للأعمال ~~الصالحة ، سالكا طريقة الهدى ، وهذا يوجب أن لا شفاعة للكفار والفساق. ### |||| ** 468 وقوله تعالى ، من بعد : ( @QUR@010 وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ) ~~[113] يدل على أمور ، منها : حدث القرآن ، لأنه جعله عربيا ، ولا يكون كذلك ~~إلا وهو حادث بعد تقرر العربية ، لتصح هذه الإضافة. # ووصفه بأنه قرآن يقتضى أيضا حدوثه ، لأن الأمور المقرونة بعضها ببعض لا ~~تكون إلا حادثة ، لاستحالة هذا الوجه على القديم. # وقوله : ( @QUR@02 وصرفنا فيه ) يقتضى حدثه ، لأن التصريف لا يصح إلا فى ~~الأفعال الواقعة على بعض الوجوه ، وهذا بمنزلة التصريف (2) فى الأمور ، ~~التى تقتضى هذا المعنى. # وقوله : ( @QUR@02 لعلهم يتقون ) يدل على أنه قصد بذلك أن يتقى العباد ~~وأراد ذلك منهم ، ولم يخصص ، فيجب كونه مريدا للتقوى ممن لا يتقى أيضا على ~~خلاف ما يقوله القوم. PageV01P494 # 469 فأما قوله تعالى : ( @QUR@04 وعصى آدم ربه فغوى ) [121] فقد تكلمنا ~~عليه فى سورة البقرة (1). ### |||| ** 470 وقوله : ( @QUR@05 ثم اجتباه ربه فتاب عليه ) [122] فقد بينا أن الاجتباء والاختصاص ~~يراد به اختياره لرسالته ، ففعله غير داخل فيه ، فلا يصح تعلقهم به فى هذا الباب. PageV01P495 ### | ومن سورة الأنبياء ### |||| ** 471 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) (1) # يدل على حدث القرآن ؛ لأنه تعالى قد نص على أن الذكر محدث ، وبين بغير ~~آية أن الذكر هو القرآن ، بقوله : ( @QUR@06 إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) ~~(2) وقوله. ( @QUR@04 وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) (3). فإذا صح أنه ذكر ، ~~وثبت بهذه الآية حدوث الذكر ، فقد وجب القول بحدوث القرآن. # فإن قالوا : الوصف بالحدوث يرجع إلى قوله : ( @QUR@02 ما يأتيهم ) لا إلى الذكر. # قيل له : إن الذى يقتضيه الظاهر أن الذكر هو المحدث دون ما ذكرته ، فلا ~~يصح تعلقك به ؛ لأنه جعله صفة للذكر ، ثم قال : ( @QUR@02 إلا استمعوه ) ~~فبين أن الذى يصح أن يسمع هو المختص بالحدث. # وقد قال بعض الجهال : إن هذا القول يوجب أن فى الأذكار ما ليس هذا حاله ، ~~وهذا جهل ؛ لأنه تعالى إنما ذكر الذكر من حيث عقبه بما يعمله (4) الكفار ms316 ~~عند استماعه ، فلذلك نكره ، وخصه ، لا لأن ما عداه ليس بحادث ، ومتى صح فى ~~بعض الأذكار أنه محدث وجب مثله فى سائره ، لأن القرآن فى هذا الحكم لا يجوز ~~أن يتبعض ، فيكون بعضه حادثا وبعضه قديما (5). PageV01P496 # فإن قالوا : المراد بذلك العبارة عن كلام الله ، « دون نفس الكلام (1). # قيل لهم : إنما يدل على حدث ما نعقله من القرآن ، فأما ما يدعون من إثبات ~~أمر لا يعقل فمحال أن يتكلم فى حدثه أو قدمه ، لأن القول فى ذلك فرع على ~~إثبات ذاته على كونه معقولا. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) ~~[16] يدل على أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد : لأنه لو خلقها وفيها لعب ، ~~لوجب كونه لاعبا بها ، فكان لا يصح أن ينزه عن ذلك! # هذا إن حمل على ظاهره. وإن أريد به : إنى ما خلقتهما وما بينهما على وجه ~~(2) العبث ، فهو أقوى فى الدلالة ، من الوجه الذى قدمنا ذكره ، فى غير موضع. ### |||| ** 473 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على قولنا فى المخلوق ، وعلى أنه تعالى ، ~~وإن فعل القبيح ، فإنه لا يقبح منه ، بل يكون حسنا ، وإنما يقبح من غيره ، ~~فقال : ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) [23]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أنه تعالى لا يسأل عما يفعل (3) ~~وليس فيه بيان ما يفعل مما لا يفعل من الأمور المعيبة ، فالتعلق بظاهره لا يصح! # (م 32 متشابه القرآن). PageV01P497 # وبعد ، فإنه لا خلاف بيننا وبينهم فى أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، لكنا ~~نقول : إن الذى يفعله هو الأمور الحسنة ، وهم يقولون : إنه يفعل مع (1) ذلك ~~القبائح. والخلاف فى ما الذى يدخل فى أفعاله ولا يعلم صحيحه من سقيمه ، فمن ~~حيث ثبت أنه لا يسأل عما يفعل ، لأن إحدى المسألتين غير الأخرى ، ولهذا صح ~~الوفاق فى أحدهما مع الخلاف فى الأخرى. # وبعد ، فإن الخلاف بيننا وبينهم فى العلة التى لها [ لا ] يسأل عما يفعل ~~وفى حكمها ، فنقول : إن كان (2) الأمر كما تقولون من أنه يفعل ms317 كل قبيح ، ~~فينبغى أن يسأل عما يفعل ، وإنما يسلم ذلك متى نزه عن القبيح. ويقول القوم ~~: إنما لا يسأل عما يفعل لأنه مالك ، إلى غير ذلك من عللهم ، وهذا الخلاف ~~لا تعرف صحة الصحيح منه من ثبوت القول بأنه لا يسأل عما يفعل! # وقد استدل شيوخنا ، رحمهم الله ، بهذه الآية على ما نقول ؛ لأنه تعالى ~~إنما وصف نفسه بذلك من حيث كان لا يفعل إلا الحكمة والعدل ، ومن لا يكون ~~فعله إلا بهذه الصفة لم يجز أن يسأل « عن فعله ، لأن المحسن منا إذا ظهر ~~فيما يفعله وانكشف أنه إحسان لم يجز أن يسأل (3) فيقال له : لم فعلت؟ وإنما ~~يسأل عن ذلك الظالم والمسيء والفاعل للقبيح ، فلو لا أنه تعالى منزه عن ~~القبائح لم يصح أن يوصف بذلك. # وبعد ، فإنه تعالى قال : ( @QUR@02 وهم يسئلون ) فلا يخلو من أن يريد به ~~: أنهم يسألون عما يفعله ، أو عن فعلهم ، وقد علمنا فساد الوجه الأول ، ~~فليس إلا أنهم يسألون عن فعلهم ، وهذا يوجب فى فعلهم أنه ليس بفعل له ، ~~وإلا لم يصح أن يقع السؤال عنه لأجل قوله : ( @QUR@04 لا يسئل عما يفعل ). ~~ولوجب دخوله تحت هذا PageV01P498 # العموم. يبين ذلك أن العبد إذا كان لا يصح أن يتصرف إلا بأن يخلق الله ~~تعالى فيه الفعل ، فمتى لم يسأل : لم فعلت؟ عادت المسألة إلى أنها تتجه على ~~من خلقها فيه ؛ لأنه لو لا خلقه لما صح أن يكسب ويتصرف ، فيجب أن يكون ~~الصحيح متى يسأل عن ذلك أن يقول : فعلت لأنه تعالى خلقه فى ، فمتى قيل مرة ~~ثانية : ولم خلق فيك؟ عادت المسألة إلى أنها متجهة إلى الله تعالى فيما فعل ~~، وقد نزه الله نفسه عن ذلك بقوله : ( @QUR@04 لا يسئل عما يفعل ) فلو لم ~~يكن فى القرآن ما يدل على قولنا فى « المخلوق والعدل إلا هذه الآية لكفى (1). ### |||| ** 474 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [28] # يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية ، وأن الكافر ~~والفاسق ليسا من أهلها. # فإن ms318 قال : الآية واردة فى الملائكة لا فى النبى صلى الله عليه! (2). # قيل له : إذا ثبت فيهم أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى وكان هذا حاله ، ~~فكذلك القول فى الأنبياء ؛ لأن الكل يتفقون فى أنهم من أهل الشفاعة ، لعظيم ~~منزلتهم. ### |||| ** 475 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق الخير والشر ، فقال : ( @QUR@04 ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) (3) # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يبتلى بذلك ويمتحن ، وليس فيه : ~~أنهما من خلقه تعالى وفعله ، فلا ظاهر للقوم فيما ذكروه. PageV01P499 # والمراد : أنه تعالى يمتحن العباد فى دار التكليف ، فمرة يفعل فيهم ~~السراء ، ومرة يفعل فيهم الضراء. وأجرى اسم الشر على ذلك من حيث كان الشر ~~من حقه أن يكون ضررا. وشابهه ما يلحق العبد من العلل والأمراض وسائر الآفات ~~فى ذلك ، فإما يفعله الله تعالى أو يكلفه ، فلا يصح أن يكون شرا فى الحقيقة ~~؛ لأن الشر هو الضر والقبيح ، ويتعالى الله عن أن يفعل المضار على وجه ~~يقبح. ولو كان ما يفعله يوصف بذلك فى الحقيقة ، لوجب أن يكون موصوفا منه ~~بأنه شرير ، وبأنه شر الأشرار ، وهذا كفر من قائله. وهذا أحد ما يدل على أن ~~الشر الواقع من العباد ليس من قبله ، وإلا وجب كونه موصوفا بما ذكرناه. ### |||| ** 476 وقوله تعالى : ( @QUR@02 وإلينا ترجعون ) (1) قد بينا أنه لا تعلق للشبهة به ، وأن المراد ~~بذلك أن حكمهم فى الآخرة يرجع إليه تعالى ، من حيث لا ينظر فيه سواه. ### |||| ** 477 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@020 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفى بنا حاسبين ) [47]. # يدل على ما نقوله فى العدل ، من وجوه : # منها : أنه بين أنه لا تظلم نفس شيئا ، فيتنزه عن ذلك ، وقد بينا أن ذلك ~~تنزه عن فعل « الظلم لا عن تسميته بذلك. وبين أنه لا يبخس المستحق مثقال ~~حبة من خردل ، ومن وصف بذلك على طريق المدح لا يجوز أن يوصف بأن جميع (2) ~~الظلم من قبله. PageV01P500 # وبين بوضع الموازين بالقسط وبالمحاسبة ms319 أنه تعالى لا يفعل إلا العدل ؛ ~~لأنه لو جاز أن يفعل الظلم أو يكون ذلك من قبله لكان وصف نفسه بذلك عبثا وسفها! # ويدل ذلك على أنه تعالى لم يخلق الضلال والإيمان ؛ لأنه لو فعلهما لكانت ~~المحاسبة راجعة إليه دون العبد. # ويدل ذلك على أنه تعالى لا يجوز أن يعذب أطفال المشركين من غير ذنب ؛ ~~لأنه بين بهذا الكلام أنه لا يفعل بهم إلا ما يستحقون ، دون ما يكون ظالما ~~بفعله. ولا صفة للظلم تعقل إلا وهى حاصلة فى تعذيب أطفال المشركين لو فعله ~~تعالى فقول من يقول : إنه تعالى يفعل ذلك ولا يكون ظالما ، مناقضة ، وهو ~~بمنزلة أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه ولا يكون كذبا. ومن بلغ به الأمر ~~إلى هذا المبلغ لم يمكنه إثبات شيء من الحقائق ، على وجه. ### |||| ** 478 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يجعل المؤمن مؤمنا ، فقال : ( ~~@QUR@04 وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) [73]. # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن إضافة الشيء الذى من حقه أن يكون فعلا ~~لفاعله إلى الله تعالى ، يقتضى أنه ليس المراد به أنه فعله ، كما أن قول ~~القائل فى صلاح ابنه وعلمه ، إنى جعلته عالما صالحا ، يقتضى ذلك ، وقد بينا ~~أن الكلام يتغير ظاهره بالقرائن (1)، وبينا فى ذلك ما كفى (2) فلا يصح ~~تعلقهم بذلك إذا (3) كان إنما يصير كذلك بأمور من قبله. PageV01P501 # فأما أن تحمل الآية على أنه تعالى جعلهم كذلك بأن حملهم الرسالة ، فهذا ~~صحيح عندنا ، ويمكن معه (1) حمل الكلام على الظاهر ، ولذلك قال : ( @QUR@02 ~~يهدون بأمرنا ) فنبه على هذا الوجه الآخر. ### |||| ** 479 وقوله تعالى من قبل : ( @QUR@08 ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ) [72] يجب أن ~~يحمل على ما ذكرناه ، وإن لم يمتنع أن يقال : إنه تعالى جعلهم فى الحقيقة ~~صالحين فى خلقتهم وأحوالهم ، ويكون ذلك من خلقه تعالى. # ولا يمتنع أن يراد بكل ذلك أنه تعالى أخبر بذلك وحكم به ، وذلك بالعادة ~~والتعارف صار كالحقيقة ، ألا ترى أن الرجل يقول فيمن يخبر عن ms320 غيره بأنه ~~سارق أو لص : قد جعلتنى سارقا لصا ، إذا كان لقوله تأثير فى هذا الباب ، ~~فلما أخبر تعالى من حالهم ، بما ذكرنا ، جاز أن يضاف إليه على هذا الحد من ~~الإضافة. ### |||| ** 480 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه قد يفهم بعض المؤمنين والأنبياء الصواب ~~، ويضل عنه غيره فقال : ( @QUR@014 وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ ~~نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ) [88]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره ليس إلا أنهما حكما فى القضية المذكورة ، وأنه ~~تعالى عالم بحكمهما ، وأنه فهم سليمان. ولا يدل شيء من ذلك على ما ظنه ~~القوم ؛ لأنه ليس فى تخصيصه سليمان بالذكر دلالة على أنه لم يفهم داود ولم ~~يدله على الحق ، ولو صح أنه ذهب فى القضية عن الصواب كان ذلك لا يدل على ~~أنه تعالى أضله ، لأن مع البيان قد يجوز أن لا يتبين المكلف على بعض ~~الوجوه. PageV01P502 # والمراد بهذه الآية ما قاله أبو على ، رضى الله عنه ، من أنه تعالى قد ~~كان نسخ الحكم الذى حكم به داود على لسان سليمان ، وأنزل عليه النسخ لذلك ~~وألزمه أن يعرف داود ذلك ، فلذلك خصه بأن فهمه الحكم لما كان (1) إنزال ~~النسخ عليه خاصة ، وغيره إنما يعرفه من قبله ، وهذا لا يمنع أن يكون داود ~~مصيبا وإن حكم بالمنسوخ ؛ لأن المكلف ، ما لم يثبت عنده دليل النسخ ، فهو ~~مصيب بالمنسوخ. وإنما يحصل مخطئا متى حكم به وقد قامت دلالة النسخ عليه. ~~ولذلك قال تعالى : ( @QUR@04 وكلا آتينا حكما وعلما ) (2) ولو كان قد أخطأ ~~فى الحكومة لما صح هذا الثناء من الله تعالى عليهما جميعا. # وهذا دليل على بطلان قول من يظن فى هذه الآية أنها تدل على أن الحق فى ~~واحد من مسائل الاجتهاد ، لأن ما اختلف حكمهما فيه على ما ذكرناه ليس هو من ~~هذا الباب ، ولأنه تعالى صوبهما جميعا ، فكيف يدل ذلك على أن أحد القولين ~~خطأ فى غير هذه القضية ، مع أن الآية لا تدل على ذلك فى هذه القضية ms321 نفسها؟ # ولو صح أن ما اختلفا فيه : طريقه الاجتهاد على ما تأوله بعضهم لما دل إلا ~~على قولنا فى أن كل مجتهد مصيب ؛ لأنه تعالى صوبهما جميعا وأثنى عليهما ~~معا! وإنما يدل على أنه تعالى فهم سليمان فى ذلك ما لم يعرفه (3) داود ، ~~فما (4) فى هذا ما (5) يوجب خلاف ما قلناه. ### |||| ** 481 وقوله تعالى ، من بعد : ( @QUR@05 ووهبنا له يحيى وأصلحنا له PageV01P503 # @QUR@01 زوجه ) (1) لا يدل على أن فعل الصلاح من قبله ، وذلك أنه تعالى ~~ذكر بأنه أصلح له زوجته ، وذلك قد يراد به الصلاح الراجع إلى الجسم ، لأن ~~ذلك مما يبتغى فى الأزواج. فمن أين أن المراد به الصلاح فى الدين؟ # وبعد ، فإنا نصف الله تعالى بأنه أصلح فى الدين من لم يختر الصلاح على ~~بعض الوجوه ، لأن الصلاح فى الدين من الله تعالى لا يوجب أن يكون العبد ~~صالحا [ إلا ] إذا أقبل واختار ، كما أن النفع فى الدين لا يوجب انتفاعه ~~إلا على هذا الحد ، فلا يمتنع أن يفعل الصلاح فى الدين وإن كان العبد يصلح ~~عند اختياره لكنه إذا قبل العبد يوصف بأنه أصلحه ، وإذا لم يقبل يقال : ~~استصلحه ؛ لأن إطلاق القول بأنه أصلحه يوهم أنه قد صلح. فأما إذا قيل بما ~~يزيل الإيهام ، فذلك سائغ. وهذا بين فيما تأولنا عليه. ### |||| ** 482 وأما قوله تعالى : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) [98] ، فالمراد به ~~الأصنام والأوثان دون ما عبدوه من الملائكة والأنبياء ، ولا (2) يمتنع أن ~~يعلم الله تعالى أن الصلاح أن يعرفهم بأنهم وما يعبدون من هذه الجمادات ~~يجتمعون فى النار ، وأنها لا تغنى عنهم فيما وقعوا فيه وحل بهم ، ليتنبهوا ~~على أن الواجب عليهم إخلاص العبادة لله الذى (3) ينفع ويضر ، ولهذا قال ~~تعالى من بعد : ( @QUR@09 إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~) [101] لئلا يظن ظان أن من عبدوه من المسيح وغيره من الملائكة داخلون فى ~~الآية الأولى ؛ لأنهم بما سبق منهم من الحسنى يجب إبعادهم من النار. PageV01P504 # فإن قيل : فإذا كانت الحسنى فعلهم ، فلما ذا ms322 قال : ( @QUR@06 إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى ) وهذا يوجب أنه من فعله! # قيل له : قد بينا أن الطاعات قد تضاف إلى الله تعالى على وجوه ، بما يغنى ~~عن إعادته (1). # ولا يمتنع أيضا أن يكون المراد بذلك أنهم سبقت لهم الحسنى الذى هو الوعد ~~بأنهم يدخلون الجنة ويبعد بهم من النار ؛ لأنه ليس فى الظاهر أنه الطاعات ، ~~دون ما ذكرناه ، فمتى حمل على هذا كان محمولا على حقيقته. # * * * PageV01P505 ### | ومن سورة الحج ### |||| ** 483 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يضل من يتولاه ويجعله ضالا بعد ~~الاهتداء ، فقال : ( @QUR@011 كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى ~~عذاب السعير ) [4] # والجواب عن ذلك : أن « الهاء » من « تولاه » ترجع إلى الشيطان الذى تقدم ~~ذكره : ( @QUR@04 ويتبع كل شيطان مريد ) (1) وقال بعده : ( @QUR@05 كتب ~~عليه أنه من تولاه ) يعنى : الشيطان ، ( @QUR@01 فأنه ) يعنى : الله تعالى ~~( @QUR@01 يضله )، لأنه استحقه باتباعه الشيطان وإقدامه على الكفر ، ~~والمراد بهذا الضلال هو العقوبة التى يستحقها على كفره وتوليه للشيطان ~~واتباعه إياه. ### |||| ** 484 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن الوطء الذى يكون منه (2) العلوق ~~من فعله وخلقه ، وذلك يوجب فى كل أفعال العباد مثله (3)، فقال ( @QUR@05 ~~ونقر في الأرحام ما نشاء ) (4). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يقتضى أنه يقر فى الأرحام ما يشاء ، وليس ~~فيه بيان ما يقره ، فلا تعلق لهم به فى أن الإنزال يجب أن يكون من فعله ~~وخلقه ، فأما ذكر الوطء فى ذلك فيبعد من أن يذكر ، لأن الذى فيه شبهة هو PageV01P506 # الإنزال الذى يحصل فى الرحم ، فإما أن يقره تعالى فيه على وجه. فيصير ~~علوقا وإما أن يزول. # وبعد ، فإن الإنزال لا يجب أن يكون فعلا للعبد ، وإن كان عند فعله يحصل ، ~~فهو كنزول الدمعة عند البكاء ؛ لأنه من فعل الله تعالى ، ولذلك تختلف أحوال ~~الناس فيه ، ولو كان من فعل العبد الواطئ لوجب أن يكون متولدا عن الحركة ~~المخصوصة ، فكان لا يختلف فيمن يقدم على هذا الفعل ، وكان يجب أن لا يتأخر ms323 ~~عن الحركة الأولى! أو كان يجب أن تكون موجبة لليسير من الإنزال عقيبها إن ~~كانت الحركات أجمع هى الموجبة لكل الإنزال ، وبطلان ذلك يبين صحة ما ~~ذكرناه. # فإذا كان من فعله تعالى فبأن يكون استقراره فى الرحم من قبله أولى ، ولو ~~ثبت أن الإنزال أولا من فعل العيد كان لا يمتنع أن يكون لبثه واستقراره من ~~فعل الله تعالى ، فقد سقط تعلقهم بالظاهر على كل وجه وإنما ذكر تعالى ذلك ~~منبها على التوحيد ، ولذلك قال : ( @QUR@013 يا أيها الناس إن كنتم في ريب ~~من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) [5] ثم بين ما يزيل هذا الريب من خلق ~~الإنسان وتدريجه فى الخلق من حال إلى حال. ### |||| ** 485 مسألة : قالوا : ثم ذكر ما يدل على أنه يفعل كل ما يريده ، فإذا صح كونه مريدا ~~للطاعات فيجب أن تكون عن فعله ، ويجب فيما يقع من المعاصى أن يكون مريدا ~~لها ، فقال : ( @QUR@05 إن الله يفعل ما يريد ) (1) وقوى ذلك من بعد PageV01P507 # بقوله : ( @QUR@05 وأن الله يهدي من يريد ) (1) وكذلك بقوله : ( @QUR@05 ~~إن الله يفعل ما يشاء ) (2). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره (3) إنما يدل على أنه يفعل ما يريد أن يفعله ~~ولا يدل على « أنه يفعل ما يريد غيره (4) مما ليس بفعل له ، وهذا هو ~~المعقول بالتعارف ؛ لأن القائل إذا قال : أفعل ما أريد ، لم يعقل منه إلا ~~إرادة ما تقدم ذكره ، كما إذا قال : آكل ما أريد ، « فالمراد به (5) ما ~~أريد أكله ، وأضرب من أريد : يعنى « من أريد (6) ضربه ، ومتى لم يحمل ذلك ~~عليه تناقض الكلام وفسد ولم يكن لآخره تعلق بأوله ، وهذا مما لا يقع ، فإذا ~~صح ذلك فالذى اقتضاه الظاهر أنه تعالى يفعل ما يريد أن يفعله ، وهذا مما لا ~~نخالف فيه. ومتى قالوا : إن فعل العبد مما يريد أن يفعله ، يلزمهم أن يدلوا ~~أولا على أنه من فعله (7)، ثم (8) يستقيم لهم ذلك ، وإذا كان لا بد من ~~تقديم الدلالة على ذلك ، فكيف يمكن أن يستدل به عليه؟! # وبعد ، فإنه تعالى ذكر قبل ذلك : أن ms324 الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ، ثم قال : ( @QUR@05 إن الله يفعل ما ~~يريد ) (9) مبينا بذلك أنه مريد لما تقدم ، فاعل له لا محالة ، لا يجوز عليه PageV01P508 # فعل المنع. ومتى قال القائل مثل هذا (1) القول عقيب بعض الأفعال المخصوصة ~~أو بعض الأمور التى تقدمها ، فالظاهر أنه المراد بالقول ، لأنا قد بينا أن ~~فى الكلام حذفا ، فإذا تقدم ذكر ما يمكن أن يكون هو المحذوف فبأن يقال « ~~إنه المراد أولى (2). # وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 وأن الله يهدي من يريد ) فالتعلق به يبعد ، ~~لأنه ذكر أمرا مخصوصا ، وبين أنه يريده ، ولم يعم ، وذلك الأمر هو الثواب. ~~أو يكون المراد به : الهداية والدلالة (3)، وهذا أشبه بالكلام ، لأنه ذكر ~~عقيب قوله : ( @QUR@09 وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد ) ~~[16] فكأنه بين أنه يهدى بالآيات من يريد أن يكلفه دون من لا يبلغه هذا ~~الحد ، وأراد به يهدى بذلك أمة دون أمة من المكلفين ، لأن الشرائع قد تختلف ~~فى مثل ذلك. وعلى جميع الوجوه فتعلقهم بذلك قد بطل. # وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله يفعل ما يشاء ) الكلام فيه كالكلام ~~فى الآية الأولى فى كل ما ذكرناه ، فلا وجه لإعادته. ### |||| ** 486 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الذى يخلق العبادات ، فقال : ( ~~@QUR@04 ولكل أمة جعلنا منسكا ) [34] والمنسك هو العبادة ، ولذلك قال من ~~بعد : ( @QUR@06 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) [36] # والجواب عن ذلك : أن المنسك هو محل العبادة ، وهو ما أمر الله بذبحه ، ~~وذلك من خلقه تعالى ، وإن كان ما نفعله فيه من الذبح من جهتنا ، وهو الذى PageV01P509 # يقتضيه الظاهر ، وهو الصحيح. وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@06 والبدن ~~جعلناها لكم من شعائر الله ) يعنى : خلقناها وبينا وعرفنا وأشعرناكم ~~العبادة التى عليكم فيها ، فخلقها من قبله ، وهو الذى جعلها من الشعائر ~~بالبيان والإظهار ، وإن كان النحو من فعلنا ، فلا تعلق للقوم فى ذلك. ### |||| ** 487 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يفعل فى العباد محاربة الغير ومدافعته ~~فقال : ( @QUR@07 ولو لا دفع ms325 الله الناس بعضهم ببعض ) (1). # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قول القائل : إن فلانا دفع فلانا بفلان لا ~~يقتضى أن ذلك الفعل وذلك الدفع من قبله ، وإنما يقتضى أن له فيه مدخلا ؛ ~~إما بالأمر والتزيين ، وإما بالإلجاء. # فلما كان تعالى دفع عادية الكفار وأذيتهم بالمؤمنين ، من حيث قمعوهم ~~وأذلوهم ومنعوهم من الإقدام على إذلال الإسلام ، جاز أن يقول تعالى هذا ~~القول مبينا بذلك أنه لو لا تعبده لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد. ### |||| ** 488 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لا رسول إلا والشيطان يتسلط (2)، ~~فقال : ( @QUR@036 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ، ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم ، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ) (3). # فبين أنه تعالى يجعل ما يلقى الشيطان « فتنة وفسادا (4): ولو لا أنه من ~~قبله لما صح ذلك. PageV01P510 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أن الشيطان يلقى أمرا ، وأن ذلك ~~الأمر يزال ويرفع ، ولا يدل على أنه تعالى يفعل ذلك ، أو على أن ما يفعله ~~الشيطان يؤثر فى الرسول ، ولا ينافى ذلك ما ذكره تعالى من أنه لا سلطان له ~~على المؤمنين ، وذلك أنهم إذا لم يقبلوا وعدلوا عن ذلك زال سلطانه ، وإن ~~كان قد يلقى إليهم ما ذكره تعالى. # وأما قوله : ( @QUR@05 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ) فظاهره أنه تعالى ~~يجعله تشديدا فى المحنة ، وهذا مما لا نمنع منه ، وقد بينا أن الفتنة تنصرف ~~على وجوه (1)، وأن (2) ظاهرها فى التعارف ينطلق على تشديد المحنة ، وهو ~~الذى أراد بقوله : ( @QUR@04 إن هي إلا فتنتك ) (3) وبقوله : ( @QUR@011 ~~الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) (4) وكل ذلك ~~يمنع من تعلقهم بهذا الظاهر. # والمراد « بالآية عند أبى على ، رحمه الله ، أنه ما من رسول إلا إذا قرأ ~~كتاب الله تعالى ووحيه ألقى الشيطان بوسوسة (5) ما يشغله عن الاستمرار ، ~~فربما لحقه سهو فى القراءة وغلط يجوز عليه ، فينسخ الله ms326 ذلك ، لئلا يقدر ~~أنه من القرآن ، ويحكم آياته ، لكى يعلم أنه لا يلتبس بغيره ، ويبين أن ~~التمنى ينطلق على القراءة بيت حسان (6): PageV01P511 تمنى كتاب الله أول ليله %~% وآخره (1) لاقى حمام المقادر # ويبين فساد ما ذكره بعضهم من أنه صلى الله عليه غلط فى القرآن حتى أدخل ~~فيه : تلك الغرانيق العلا ، شفاعتهم ترتجى ، وأن المشركين بمكة لما سمعوا ~~ذلك سجدوا شكرا وفرحا ، وظنوا أن الرسول صلى الله عليه ، قد عظم آلهتهم (2) ~~، بأن يقال : إن مثل ذلك لا يجوز أن يقع من الأنبياء على سبيل # انظر الزبيدى : المصدر السابق. الرازى : التفسير الكبير : 6 / 166. # انظر : الطبرى : 17 / 186 190. # الرازى : وبهامشه أبو السعود ، 6 / 165 166. # فتح البارى 8 / 354 355. PageV01P512 # الغلط أيضا ، لما فيه من التنفير ، كما لا يجوز أن يقع منهم ، على جهة ~~السهو ، العبادة لغير الله ، وإن جاز السهو عليهم فى الأفعال ، وبين أن ~~المتعالم من قارئ القرآن أنه لا يجوز أن يغلط فيه بمثل هذا ، وإنما يغلط ~~بما هو متشابه فى القرآن ، كما لا يجوز أن يغلط فيدخل فى القرآن شعر امرئ ~~القيس ، ومتى علم ذلك من حال بعض القراء عد زائل العقل ، فكيف يجوز مثل ذلك ~~على الرسول صلى الله عليه! وكيف يجوز ، والمعلوم من حاله بمكة أنه كان ~~يستسر بالصلاة خوفا ، فكيف اتفق ذلك منه فى ملأ منهم ، وقد صح أن المشركين ~~كانوا مضطرين إلى قصده فى الدعاء إلى عبادة الله والاستخفاف بمعبودهم ، ~~فكيف ظنوا هذا الغلط الواقع حتى سجدوا شكرا ، وكيف زال عن قلوبهم العداوة ~~الشديدة لهذا الأمر اليسير ، حتى أقدموا على هذا الصنع. وكل ذلك يبين جهل القوم. # « وأما قوله (1): ( @QUR@05 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ) فالمراد بذلك ~~أنه عند ذلك شدد المحنة والتكليف على الكفار ، فيلزمهم الدلالة على الفرق ~~بين ما يحكمه الله وبين ما يلقيه الشيطان ، وأنه تعالى يزيل ذلك ، لئلا يقع ~~به فساد ، وينسخه ، ويحكم آياته بأن يجعلها على وجه لا يلتبس بها غيرها. ~~وهذا بين. ### |||| ** 489 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه ms327 المسخر للبهائم والفاعل لتصرفها ، ~~والمجرى للفلك ، على كل حال ، فقال : ( @QUR@014 ألم تر أن الله سخر لكم ما ~~في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ) [65]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر التسخير لا يقتضى الاضطرار ، وإنما يقتضى أنه ~~قصد تعالى بها نفع المكلف وأعدها لذلك ، وقد بينا القول فى ذلك ، وأن # ( م 33 متشابه القرآن ). PageV01P513 # المراد بذكر الأمر فى الفلك : أنه يجرى من جهته بالرياح التى تجريها. وقد ~~مضى الكلام فى ذلك من قبل (1). ### |||| ** 490 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (2) فإنه من أقوى ما يدل على ~~أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ، لأنه إذا لم يجعل فى الدين من ضيق ~~ومشقة شديدة ؛ رأفة ورحمة ، فكيف يجوز أن يتوهم مع ذلك أنه كلفه ما لا يقدر ~~عليه ، ثم يعذبه لأنه لم يفعل؟! # * * * PageV01P514 ### | ومن سورة المؤمنين ### |||| ** 491 دلالة : قوله تعالى : ( @QUR@03 قد أفلح المؤمنون ... ) الآيات [ 1 11 ] تدل على أن ~~العبد هو الفاعل المختار ؛ لأن الخشوع فى الصلاة لا يكون إلا بفعل من قبله ~~على وجه مخصوص. والإعراض عن اللغو لا يصح وصفه به إلا مع قدرته عليه. ولا ~~يجوز أن يكون فاعلا للزكاة إلا بأن يحدث الفعل الذى يقدر عليه. ولا يصح أن ~~يحفظ فرجه على شيء مخصوص إلا وهو متخير لفعله يختار بعضه على بعض. ولا يجوز ~~أن يوصف بأنه للأمانة راع إلا بأن يختار فعلا على فعل ، وكذلك القول فى ~~المحافظة على الصلاة. ### |||| ** 492 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@04 فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1)، يدل على أن غير الله يصح منه ~~الفعل والخلق ؛ ألا ترى إلى فساد القول بأنه أحسن الآلهة ، لما لم يصح ~~إثبات إله سواه ، وصحة القول بأنه أرحم الراحمين ، لما صح إثبات راحم سواه. # فإن قال : فيجب أن يقال فى غيره تعالى إنه خالق بالإطلاق! # قيل له : لا يجب ؛ لأن التعارف أوجب أن لا يطلق هذا الإسم إلا فى الله ~~تعالى ، كما اقتضى أن لا يطلق اسم الرب إلا فيه ، ثم لم يمتنع ms328 أن يكون ~~العبد ربا لدابته وداره ، فإن صح [ هذا ] المعنى فيه ، فكذلك يجب أن يصح ~~فيه معنى الخلق والفعل ، وإن منع فيه الإطلاق للإبهام. # وما قدمناه من الآى يدل على أن المؤمن لا يتكامل كونه مؤمنا إلا بسائر ما ~~ذكره من الصلاة والزكاة وغيرهما ، وأن الإيمان عبارة عن الواجبات والطاعات ~~، ولا يختص القلب فقط. PageV01P515 # ويدل أيضا على أن المؤمن لا يفلح ولا يفوز بالظفر والثواب إلا بأن يختص ~~بهذه الصفات. وفى ذلك دلالة على أن مرتكب الكبائر لا يستحق الجنة. ### |||| ** 493 مسألة : قالوا ثم ذكر بعده ما يدل على أنه يخلى العبد والجهل ، وأنه يفعل الأفعال ~~لا لصلاح الخلق ، فقال : ( @QUR@019 فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ 54 56 ]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : [ @QUR@03 فذرهم في غمرتهم ] يقتضى ~~الأمر بتخليتهم وما يختارون من الجهل والكفر ، وهذا هو الواجب على الرسول ~~عليه السلام ، لأنه لا يجوز أن يمنعهم عن ذلك قسرا ، فنبه تعالى بهذا الكلام ~~على التقريع والتوبيخ ، للعقاب المنتظر الذى دل عليه بقوله : ( @QUR@02 حتى ~~حين ) فزجر بذلك الكافر عن كفره! وإنما سمى ذلك غمرة لاستيلائه على القلب ، ~~ولأنه غمر سائر أفعاله وغلبه ، فصار العقاب أولى به. # وبين بقوله تعالى : ( @QUR@07 أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) أن ~~الذى عجله لهم من اللذة لا يرفع عنهم من العقاب شيئا ، لئلا يظن ظان فيقول ~~: لو كانوا مستوجبين للعقاب ، بما أقدموا عليه ، لم يكن تعالى ليديم عليهم ~~النعم بالأموال والأولاد وهذا بين. ### |||| ** 494 وأما قوله تعالى ، من بعد : ( @QUR@05 ولا نكلف نفسا إلا وسعها ) (1) وقد ثبت أن الوسع دون الطاقة ، من ~~أقوى ما يدل على أنه تعالى لا يكلف العبد فعلا فى وقت دون وقت إلا وهو قادر ~~عليه ، وذلك يبطل قولهم إنه تعالى كلف PageV01P516 # الكافر الإيمان ، ولم يقدره عليه ، ويوجب أن القدرة متقدمة للأفعال ، ~~ليصح القول بأن المأمور بالإيمان قادر عليه من قبل. ### |||| ** 495 وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولدينا كتاب ينطق بالحق ms329 ) يدل « على نفى (1) القبائح عن الله ، ~~لأن هذا الوصف فى الكتاب لا يصح إلا مع هذا القول. ### |||| ** 496 وقوله : ( @QUR@03 وهم لا يظلمون ) يوجب أنهم متى عوقبوا فعن استحقاق ، وذلك يبطل ~~القول بأنه تعالى يجوز أن يبتدى بذلك ، أو يخلق الكفر ثم يعاقب عليه! ### |||| ** 497 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن الإماتة فى جميع الموتى من فعله ، ~~وفيهم المقتول الذى بزعمكم مات بفعل القاتل ، فقال تعالى : ( @QUR@08 وهو ~~الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار ... ) [80]. # والجواب عن ذلك : أن الموت لا يكون إلا من فعله تعالى ، كالحياة ، والقتل ~~غير الموت ، فلا يجب أن يتنافى فى إضافة القتل إلى القاتل ، مع القول بأن ~~الموت لا يكون إلا من فعله تعالى ؛ لأنهما غيران لا يمتنع اختلاف حكميهما ، ~~ولذلك أضاف الموت (2) إلى نفسه فعلا ، وأضاف القتل إلى القاتل وتوعده عليه ~~، فلا يصح تعلق القوم بما ذكره ، ويجب أن ينظر فى المقتول : فإن حصل فيه مع ~~القتل الموت « من فعله تعالى (3) فيجب إضافة الموت إلى الله تعالى ، وإن لم ~~يحصل ذلك لم يحصل ميتا أصلا ، فلا معنى لهذه الإضافة ، ومتى قيل إنه ميت ، ~~فليس المستفاد بذلك [ إلا ] ثبوت الموت فيه. # واختلف شيوخنا رحمهم الله فى ذلك. فمنهم من يثبت فى المقتول والمذبوح PageV01P517 # الموت لا محالة ، ومنهم من يجوزه ، ومنهم من يقطع بأن الموت فى المذكى ~~ولا يحتاج إلى ذكر الصحيح من ذلك فى بيان فساد تعلقهم بالظاهر (1). ### |||| ** 498 وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 قل لمن الأرض ومن فيها ) الآيات [ 84 90 ] فإنه من أقوى ما يدل ~~على الحجاج والنظر وفساد التقليد. # ومن هذا الوجه ، يدل على بطلان قول المجبرة ، لأن على مذهبهم لا فائدة فى ~~النظر والحجاج ؛ لأنه إن خلق تعالى فى العبد المعرفة بربه حصل عارفا ، تقدم ~~منه الاستدلال أم لا ، وإن فعل فيه خلافه فكمثل ، فلا فائدة على قولهم فى ~~الدعاء إلى النظر والتنبيه عليه ، بل لا فائدة على مذهبهم فى مكالمتنا لهم ~~، ولا فى سماع محاجتهم بزعمهم منهم ، وذلك أنا نقول ms330 لهم : إن كان تعالى ~~يريد أن يثبتنا على ما نحن عليه ، فما الفائدة فى « إظهار الحجاج لنا؟ وإن ~~كان لا يريد منكم ربكم إلا ما أنتم عليه ، ويخلقه فيكم حالا بعد حال. فما ~~الفائدة فى (2) مناظرتنا لكم؟! # ومن وجه آخر ، وذلك أن من قولهم : إن القدرة توجب الفعل ؛ من حيث لا يصح ~~وجودها خالية منه ، فالنظر منا ومنهم واجب وقوعه بأمر من قبل الله تعالى ، ~~فما الفائدة فيه؟ لأنه لو شاء أن يختار فينا خلافه لفعل ، وهذا يوجب ، من ~~وجه آخر الفساد ؛ وذلك أنه يجب أن لا يستدل بالحجاج على علم العالم ؛ لأنه ~~تعالى هو الخالق فيه القدرة الموجبة ، فمن أين أن المناظر والمجادل عالم ~~بكيفيته حتى أمكنه إيراده؟ ويجب على قول القوم أن لا يكون لتأليف الكتب ~~معنى ، وأن يكون أعظم الناس عبثا ولغوا من صنف منهم الكتب ؛ لأنهم PageV01P518 # إذا دعوا بذلك الموافق إليه ، فقد خلق الله فيه الوفاق (1) وإن دعوا به ~~المخالف فقد خلق الله فيه الخلاف! ومتى تغير حالهما إلى غير مذهبهما فلأن ~~الله تعالى يخلق ذلك ، فما الفائدة فى تأليفهم الكتب وتكلفهم (2) الكثير من ذلك؟! # وقد قال شيوخنا ، رحمهم الله ، للقائلين بالإلهام : إذا كان الله تعالى هو ~~الملهم للمعارف ، فما الفائدة فى تأليفكم الكتب؟ وهل هذا إلا بعث للقديم ~~تعالى على خلق المعارف! وإن لم يصح ذلك فهو لغو! # وهذا للمجبرة ألزم ؛ لأنهم يقولون فى جميع الأفعال بمثل قولهم فى المعارف ~~فقط ، ولو أن الواحد منا سأل وألحف فى مسألته ووجد المسئول ساكتا للامه ، ~~ونسى عند ذلك مذهبه من أن العبد مصرف فيما يأتيه من سكوت ونطق! # وبعد ، فإنه يجب على قولهم أن لا يحصل العبد منعما بشيء من نعم الدنيا ، ~~كما لا يحصل منعما بالدعاء إلى الله تعالى بالقول والكتب ، وذلك أنه إن ~~أنعم بالإطعام فالله تعالى هو الذى خلق فيه حركات يده التى بها نقل الطعام ~~وأصلحه ، بل عندهم أن سائر ما فى الطعام مما معه يعد نعمة من خلقه تعالى ~~متفردا ، وكذلك القول ms331 فى العطايا أجمع ، فقد صح أن قولهم كما يوجب أن لا ~~نعمة لله تعالى على أحد ، من الوجوه التى بيناها ، فكذلك يوجب أن لا نعمة ~~لأحد على أحد ، وأن (3) لا يصح الدعاء إلى المنافع ، ولا الجدال فى الدين. ### |||| ** 499 وأما قوله تعالى : ( @QUR@06 رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ) [94] فقد بينا أنه لا يدل على ~~أنه تعالى يجعل الظالم ظالما ، وذكرنا الوجه بالدعاء PageV01P519 # فلا وجه لإعادته (1). هذا وظاهر هذا القول يقتضى أنه لا يجعله فيهم ، ~~وليس فيه أنه لا يجعله ظالما ، وإنما يعلم ذلك لا بالظاهر. ### |||| ** 500 وقوله تعالى : ( @QUR@013 حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت ) (2) يدل على أن العبد مختار فاعل ، وإلا كان لا يصح منه ذلك! ### |||| ** 501 وقوله من بعد : ( @QUR@06 فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) [102] يدل على قولنا فى ~~العدل (3)، لأنه تعالى إن كان يفعل ما يشاء ، على ما يقوله القوم ، فما ~~الفائدة فى الموازين التى يظهر بها حال المحسن من المسيء بين الخلائق وعلى ~~رءوس الأشهاد؟ وإنما يصح ذلك على قولنا ؛ لأن العبد إذا علم ذلك فى حال ~~التكليف يكون أقرب إلى أن يفعل الطاعة ويتمسك بها ؛ هربا من الفضيحة يوم ~~القيامة بما يظهر من ثقل الميزان (4) وخفته. ### |||| ** 502 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ألم تكن آياتي تتلى عليكم ) (5)، على التقريع والتوبيخ لهم فى ~~تلك الحال ، من أقوى ما يدل على أن التكذيب كان من قبلهم ، وعلى أنه قد كان ~~أزاح العلة وأوجد السبيل إلى الطاعة. ### |||| ** 503 وقوله تعالى ، من بعد : ( @QUR@04 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) (6) يدل على العدل ، وعلى تنزيهه عن ~~القبيح ؛ لأنه مع تجويز ذلك عليه يلزم القول بأنه عابث بسائر ما خلق الله ، ~~تعالى عن ذلك. # ويدل على بطلان قول من ينكر المعاد والرجعة. PageV01P520 ### | ومن سورة النور ### |||| ** 504 دلالة. وقوله تعالى : ( @QUR@08 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [2] يدل على ~~ما نقوله فى الوعيد ، من جهات : أحدها : أن الزنا لو لم يكن كبيرة مزيلة ~~لثواب فاعلها لم يكن ما يلزمه من ms332 الحد عقوبة له ، وذلك يدل على أنه من أهل ~~النار ، لأنه لا يجوز أن يستحق العقوبة فى الدنيا وما معه من الإيمان قد ~~أزال عقاب الآخرة ؛ لأن كل ما أزال العقاب يجب أن يزيل جميعه ، كالتوبة ، ~~وكان يجب أن لا يحد إلا امتحانا! ولو كان كذلك لم يوصف حده بأنه عذاب ، ~~وكان يجب ، لو لم يكن كذلك على جهة العقوبة ، أن يجوز أن يرأف (1) به ، ~~فلما منع من ذلك و (2) أوجب أن يستخف به ، دل ذلك على بطلان هذا القول! ### |||| ** 505 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@019 والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون ) [4] يدل على ~~أن رمى المحصنات من الكبائر ، على ما قدمناه. # ويدل أيضا على أن فاعله فاسق إن لم يتب ، وبين أن المؤمن التائب لا يكون ~~فاسقا وإلا كان يجب ، وإن تاب ، أن يكون بهذه الصفة ، وكان لا يصح لهذا ~~الاستثناء معنى! ### |||| ** 506 وقوله تعالى : ( @QUR@011 إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) [5] ~~يدل على أن المغفرة للتائب تختصه متى صلح واستقامت طريقته ، ولو كان مرتكب ~~الكبائر يجوز أن يغفر له لكانت التوبة فى المغفرة كافية. PageV01P521 # ويدل ذلك على بطلان قولهم فى الشفاعة ؛ لأنه لو غفر له بشفاعته ~~عليه السلام لم يتعلق غفرانه بالتوبة والصلاح (1). ### |||| ** 507 مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أن القبيح قد يكون حسنا وخيرا من الله ~~تعالى ، فقال : ( @QUR@014 إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا ~~لكم بل هو خير لكم ) [11]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يوجب أن (2) الإفك والكذب هو خير لمن يفعل به ~~وليس بشر ، وهذا مما لا يطلقه أحد من الأمة ، فلا بد للجميع من أن يتأولوه ~~، وإذا تنازعوا التأويل فقد زال الظاهر. # ولو لا أن الأمر كذلك لوجب أن يكون من جاء بالإفك يحمد على ما فعل ؛ لأنه ~~قد فعل بمن رماه الخير ، وهذا يوجب كونهم محسنين إلى النبى صلى الله عليه ، ~~وهذا ms333 كفر من قائله! ولو كان كذلك لم يحتج إلى إنزال الآيات فى تكذيبهم! # « فإذا صح ذلك (3) فيجب أن يكون المراد بالآية أن ما فعلوه ، بما حصل ~~عنده الصبر على ما ورد على القلب من الغم ، وعظم الثواب فى ذلك ، أو العوض ~~، كان ذلك خيرا كثيرا. ونبه تعالى بذلك على أنه « لما بين (4) من حالهم ~~الكذب لم يكن لقولهم تأثير البتة ، فصار وجوده كعدمه ، وزال الشر فصار ~~الخير مشتملا حاصلا ، وهذا بين. ### |||| ** 508 وأما قوله تعالى : ( @QUR@07 يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن PageV01P522 # @QUR@02 كنتم مؤمنين ) [17] فإنه يدل على أنه أراد منهم ترك العود إلى ما ~~اقترفوه من الذنب. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إن كنتم مؤمنين ) يوجب أنهم لا يصيرون كذلك إلا ~~بترك المعاودة. وهذا يوجب أن من جملة الإيمان أفعال الجوارح. ### |||| ** 509 وقوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) [19] قد بينا ~~أنه يدل على أمور : منها : أن الإنسان يؤاخذ بأفعال قلبه ، لأن المحبة هى ~~من أفعال القلوب. # ومنها : أن محبة القبيح (1) لا تكون إلا قبيحة ، وإلا لم يحسن ذمهم من ~~حيث أحبوا الفاحشة فقط. وإذا ثبت ذلك فيها وكانت هى الإرادة ، فيجب أن تكون ~~« إرادة القبيح (2) قبيحة. # ومنها : أنه قد يحصل فى الإرادات الكبائر ؛ لأنه تعالى بين فى هذه المحبة ~~أنه يتعلق الوعيد بها. # ومنها : أن من أحب الفاحشة ، فإيمانه لا يزيل عذاب الآخرة عنه ؛ لأنه ~~تعالى قال : ( @QUR@06 لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) (3). # ومنها : أنه يدل على أن ما يستحقه من العذاب قد يقدم إلى الدنيا ، وأن ~~الحدود فيها عقوبات ، وليس كفارات ، على ما يقوله بعضهم! # ومنها : أنه يدل على أنه لا فرق بين أن يريد الإنسان المعصية من نفسه ، ~~أو من غيره ، فى تعلق الوعيد ؛ لأنه تعالى سوى بين الأمرين. # ومنها : أن انتشار الفاحشة فى المؤمنين له من المزية ما ليس لغيرهم ، فلذلك PageV01P523 # جل وعز خصهم بالذكر ، ولا يكون الأمر كذلك إلا والفاحشة إذا ظهرت من ~~المؤمن لا يكون الحال فيها كالحال إذا كتمها ، وهذا دلالة على ms334 أن المستحب ~~أن يكتمها وأن لا يفضح نفسه ، لأنه إذا رغب غيره (1) فى ذلك فكذلك حاله. # ومنها : أن المحب للمنكر ولظهوره فى حكم المقدم عليه ، فى أنه بمنزلة ~~إقدامه على المنكر ، وأنه يجوز أن يؤاخذ كمؤاخذة من أقدم على ذلك. # ولا تدل هذه الآية على أن المقدم على الفاحشة مؤمن ، على ما تقوله ~~المرجئة ؛ لأنه تعالى إنما ذكر محبة ظهور الفاحشة فى الذين آمنوا ، ولم ~~يبين أنها إذا وقعت كيف حالهم ، ولا يمتنع أن يكون المؤمن مؤمنا ثم يظهر فى ~~المستأنف ما يخرج به عن هذه السمة (2)، وقوله تعالى : ( @QUR@09 إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) يفيد الاستقبال لا محالة ، فكيف ~~يدل على ما قالوه؟ # وإذا ثبت أن من هذا حاله له عذاب فى الآخرة لا محالة ؛ بطل القول ~~بالشفاعة ، على ما يقوله من يذهب إلى أنه بشفاعته لا يدخلون النار. ### |||| ** 510 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@010 إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ) (3) يدل أيضا على قولنا فى الوعيد ، لأنه تعالى بين كونهم ~~ملعونين [ و] أنهم من أهل النار والعقاب ، وبين بقوله : « فى الآخرة )، ~~أنهم يبعدون من الثواب ، وينزل بهم العقاب هناك ، وبين مع ذلك أن لهم عذابا ~~أليما ، سوى اللعن الذى هو بالقول. ### |||| ** 511 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لا يمتنع أن يكون PageV01P524 # فاعلا للكلام فينا ونحن متكلمون به ، فقال : ( @QUR@06 يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ) [24]. # فبين أن الشهادة من فعل غير الألسنة ، وإن كانت هى الشاهدة. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام إنما يدل على أن ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم تشهد ، وليس فيه أن ذلك الكلام من فعلها أو من فعل الله فيها ، فلا ~~ظاهر لهم! # وقد جوز شيخنا أبو على ، رحمه الله ، فى ذلك أن تكون الشهادة من فعلها (1) ~~، بأن جعلها الله أحياء ناطقة ، وجوز أن يفعل تعالى ذلك فيها وتوصف بأنها ~~تشهد ، على جهة المجاز ، وبين أن الغرض بذلك لطف المكلف فى الدنيا ؛ لأنه ~~متى علم أنه ms335 سيلحقه (2) ذلك فى الآخرة كان أقرب إلى العدول عن المعصية إلى ~~الطاعة. ### |||| ** 512 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جسم ، فقال ، ( @QUR@04 الله نور ~~السماوات والأرض ).. [35]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره مما لا يقول به مسلم ، لأنهم لا يقولون إنه ~~(3) فى الحقيقة بهذه الصفة ، ولو كان الأمر كذلك لوجب كونه (4) محدثا ، ~~ولوجب أن يكون ضياء النهار أبدا باقيا ، لأنه لا يخرج من أن يكون نور (5) ~~السموات والأرض : لأن التغير عليه لا يجوز ، ومتى جوزوا ذلك فيه لزمهم أن ~~يكون مرة نورا لهما (6) وأخرى ظلمة ، يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى ~~الكلام ، ما إن حمل ما قالوه (7) على ظاهره ، تناقض ؛ لأنه قال : ( @QUR@02 ~~مثل نوره ) PageV01P525 # وهذا يوجب كون النور غيره بحق الإضافة ، والأول يقتضى أنه النور ، ~~ويتعالى عن أن يريد ذلك بكلامه. # والمراد بذلك : أنه تعالى نور السموات والأرض بالنور الذى يحدثه تعالى ، ~~أو يكون المراد به : أنه الهادى لأهل السموات والأرض ، المبين لهم أمر ~~دينهم ، وهذا كما وصف فى كثير من المواضع الإيمان نورا ، والكفر ظلمة. وعلى ~~قريب من ذلك يتأول قوله صلى الله عليه : « إن الله هو الدهر ) إن صح عنه ~~(1). وقوله : ( @QUR@04 يقلب الله الليل والنهار ) [44] ويأتى بالأزمان ، ~~يبين « ذلك أنه أراد (2) أنه المصرف للدهر. ### |||| ** 513 فأما قوله : ( @QUR@012 ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ) ~~[41] فقد علمنا أن ظاهره لا يتأتى ، لأن جميع من فيهما لا يسبح ، نحو ~~الكفار ومن ليس بمكلف ، والكلام خبر ، فإذا ثبت ما ذكرناه علم أن المراد ~~غير ظاهره ، وأنه تعالى أراد أنها بما يظهر « منها : تنزهه (3) تعالى عما ~~لا يليق به فى ذاته ، من إثبات صاحبة وولد وشريك ، وما يليق من فعله من ~~المقبحات. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 كل قد علم صلاته وتسبيحه ) (4) يوجب إن حمل PageV01P526 # على ظاهره ، أنها تصلى كما أنها تسبح ، وهذا مما لا يركبه أحد ، فلا بد ~~من حمل ذلك على دلالتها على الخضوع والانقياد لما يريده ، وكذلك القول فى ~~التسبيح. ### |||| ** 514 وأما قوله تعالى : ( @QUR@012 ليس ms336 على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) [61]. # فمن قوى ما يدل على بطلان قولهم بتكليف ما لا يطاق ؛ لأنه تعالى إذا أزال ~~عنهم الضيق وعذرهم بالتأخر عن الجهاد للعذر الحاصل الذى لا يمنع فى الحقيقة ~~من الجهاد ، لكنه يشق معه ، فكيف يجوز أن يوجب فيمن لم يفعل ما لا يقدر ~~عليه ولا سبيل له إلى فعله ، العقاب الدائم؟! هذا مما « لا يجوز أن يتصوره ~~(1) أحد من العقلاء!. # * * * PageV01P527 ### | ومن سورة الفرقان ### |||| ** 515 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه الخالق لكل شيء والمقدر له ، ~~فقال : ( @QUR@05 وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) (1). # والجواب عن ذلك قد تقدم فى سورة الأنعام (2)، وبينا أن ذلك لا يدل على ~~خلقه أفعال العباد ؛ « من جهات ، وأن ظاهره فى اللغة يقتضى أنه قد قدر كل ~~شيء ، وذلك مما لا نأباه فى أفعال العباد (3)، لأنه تعالى قد قدرها ~~وبينها. ودللنا على أن ظاهر التقدير فى اللغة ليس هو الخلق ، ولا يفيد ذلك ~~أن المقدر من الفعل المقدور ، وبينا ذلك بقول الشاعر : # وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى # فأثبته خالقا ونفى عنه القطع الذى هو الفعل. # وقوله تعالى فى هذه الآية : ( @QUR@02 فقدره تقديرا ) يدل على أن هذا هو ~~المراد بالخلق ، على ما ذكرناه. # وبعد ، فإن التقدير إنما يصح فى الأجسام ؛ لأنها التى يظهر فيها اختلاف ~~الأشكال « ولذلك كثر (4) ذكر الخلق فى الأديم دون غيره. فإذا صح ذلك وجب ~~حمل الآية على أنه خلق الأجسام وقدرها على ما أراده ، ولهذا ذكر هذا عقيب ~~قوله : ( @QUR@05 الذي له ملك السماوات والأرض ) فأراد أن يدل على أنه ~~المختص بالأمور التى توجب العبادة ، ليبين أنه لا إله سواه ، ولذلك قال بعده : PageV01P528 # ( @QUR@04 واتخذوا من دونه آلهة ) [3] وإنما يتعلق الأول به متى حمل على ~~ما ذكرناه ولذلك قال ( @QUR@05 لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) (1) منبها بذلك ~~على أن ما ادعوه إلها لا يصح منه الخلق ، وكل ذلك واضح. ### |||| ** 516 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يبقيهم ويريد منهم ms337 المعاصى والعدول عن ~~الطاعة ، فقال : ( @QUR@09 ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا ) (2). # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يؤذن بأنهم بعد ذلك نسوا الذكر ، ولا يدل على ~~أنه تعالى متعهم لأجل ذلك ، بل الدلالة دلت على أنه يبقيهم لكى يطيعوا! # وبعد ، فلو حملناه على ظاهره لم ينفعهم ، وذلك أن النسيان عندنا من فعل ~~الله ، فلا يمتنع أن يقال إنه أراد أنه أبقاهم البقاء (3) الطويل حتى آل ~~الأمر بهم إلى أن نسوا ، وإلى أن زال عنهم التكليف ، ولم يتلافوا ما كان ~~منهم ، زاجرا بذلك المقدم على هذا عن ترك التوبة ، مرغبا له فيها. ### |||| ** 517 وقوله تعالى : ( @QUR@020 وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) [21] يدل على نفى الرؤية ؛ ~~لأنه تعالى عظم هذا القول من قائله ، ولو كانت الرؤية جائزة ، لم يجب ذلك ~~فيه ، وقد بينا القول فى نظير ذلك من قبل (4). # (م 34 متشابه القرآن). PageV01P529 # 518 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق الأعداء للأنبياء ، ~~عليهم السلام ، ويجعلهم بهذه الصفة ، فقال : ( @QUR@05 وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا ) [31] # والجواب عن ذلك : أنه ليس فيه إلا أنه جعلهم أعداء ، فمن أين أنه خلق ~~فيهم المعاصى؟ # وقد يجوز أن يكون العدو عدوا بأمور من قبله تعالى إذا أعلمه ضرورة ما ~~يريده النبى صلى الله عليه ، « ان الشر (1) بالأمارات التى يظهرها ، جاز أن ~~يقال إنه جعله عدوا له فى الحقيقة ، ومتى ألزم النبى ، عليه السلام ، قتالهم ~~وأن يعاديهم فى الدين ، جاز إضافة ذلك إليه (2) ولو كان تعالى جعلهم أعداء ~~للأنبياء لزال عنهم الذم ، ولوجب إذا أمر بدفعهم عن العداوة أن يكون آمرا ~~بدفعه (3) عن فعله ، ومتى غلبوا أن يكون تعالى مختصا بذلك ، وهذا كفر من قائله! ### |||| ** 519 فأما قوله تعالى أن بعد : ( @QUR@04 كذلك لنثبت به فؤادك ) (4) فى الرسول عليه السلام فى قولهم إن ذلك ~~يدل على أنه الخالق للإيمان فى قلبه ، فيعبد ، لأن ظاهره أنه يثبت ، بما ~~ذكره من القرآن ms338 ، فؤاده ، وليس فيه ذكر الإيمان ، بل الواجب أن يحمل على ~~نفس القرآن ، وأنه تعالى إنما لم ينزله دفعة واحدة كما قاله الكفار ، لكى ~~يثبت فؤاده به ، ويحفظه ، من حيث كان PageV01P530 # صلى الله عليه لا يكتب ولا يقرأ ، ويبين بذلك وجه المصلحة فى تفريق ~~إنزاله ، فلا يدل إذا على ما قالوه. ### |||| ** 520 وأما قوله : ( @QUR@015 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا ) [44] # فقد بينا من قبل القول على نظير هذه الآية (1). ### |||| ** 521 وقوله تعالى : ( @QUR@09 الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) (2). # وتعلقهم بذلك فى أنه الخالق لأفعال العباد ، فقد بينا الكلام فى نظائره ~~(3) على أن هذه الآية أبعد من غيرها ، وذلك أنه إنما ذكر هذا القول فى ~~الحال التى خلقها ، ولم يثبت فى تلك الأيام للعباد أفعالا (4) عصوا فيها ~~وأطاعوا. # ويجوز عندنا أن يخلق تعالى [ ذلك ] فى بعض الأحياء وإن لم تكن مكلفة ~~قادرة ، ويحسن ذلك ، فتعلقهم بذلك بعيد. ### |||| ** 522 فأما قوله : ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) فقد بينا أنه لا يدل على ما تقوله المشبهة (5). ### |||| ** 523 وقوله تعالى : ( @QUR@015 والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ) [68]. PageV01P531 # يدل على الوعيد : وذلك أنه تعالى بين أن من يفعل ذلك يلق أثاما ، والوعيد ~~إذا تعلق بأفعال مذكورة متقدمة ، وجب تعلقه بكل واحد منها ، فيجب أن يكون ~~الزنا بانفراده ، يتعلق هذا الوعيد به (1). # ويدل أيضا على الخلود ، كما نقوله ، لأنه قال : ( @QUR@03 ويخلد فيه ~~مهانا ) (2). # والخلود ينبئ عن الدوام ونفى الانقطاع ، ولذلك قال لنبيه صلى الله عليه : ~~( @QUR@04 أفإن مت فهم الخالدون ) (3) ولو كان الوقت المنقطع يوصف بذلك لم ~~يكن فى موته منع للتخليد فيهم! ### |||| ** 524 وأما قوله تعالى : ( @QUR@03 واجعلنا للمتقين إماما ) (4) وقولهم إن ذلك يدل على أنه الفاعل ~~لما يصيرون به أئمة ومؤمنين ، فقد بينا من قبل أنه لا يدل على ذلك ، وأنه ~~لا يمتنع كون الإمام إماما بأمور من قبله لولاها لم يجب الائتمام به ، ~~وتقصينا ذلك (5)، وبينا أن ms339 الظاهر إذا زال ، فالواجب حمله على الألطاف ~~وغيرها. # * * * PageV01P532 ### | ومن سورة الشعراء ### |||| ** 525 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أن الأنبياء يجوز أن يضلوا ، فقال : ( ~~@QUR@06 قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ) [20] وقوله تعالى من بعد : ( ~~@QUR@04 فوهب لي ربي حكما ) (1) يدل على أن (2) ما به صار عالما حكيما ، من ~~قبل الله تعالى. # وقوله من بعد : ( @QUR@03 وجعلني من المرسلين ) يدل على أن الفضل الذى له ~~صح كونه رسولا من قبله تعالى. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@03 وأنا من الضالين ) لا يدل على ~~ما قالوه ؛ لأن الضلال قد يكون فى الدين وفى غير الدين ، وقد يسمى العقاب ~~ضلالا ، على ما بيناه من قبل (3)، وقد يوصف من ذهب عن طريق الرشد فى باب ~~ما ، إنه قد ضل عنه ، وعلى هذا قال تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) ~~(4) وقال : ( @QUR@06 أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (5) فلا يمتنع ~~أن يكون مراده بقوله : ( @QUR@03 وأنا من الضالين ): من الذاهبين عن طريق ~~الدلالة على أنه لم يكن لى إن أضرب ذلك الرجل ، وأراد بذلك الذهاب عن ~~الطريق ، فإنه يؤدى إلى الهلاك نفسه. PageV01P533 # 526 وقوله تعالى : ( @QUR@04 فوهب لي ربي حكما ) ظاهره « أنه آتاه العلوم ~~التى بها بان من غيره. وكذلك نقول. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 وجعلني من المرسلين ) (1) إنه بإرسال الله صار ~~كذلك. وهذا قولنا فلا تعلق للقوم به. ### |||| ** 527 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أن موسى أراد من السحرة الكفر ، فقال لهم : ~~( @QUR@04 ألقوا ما أنتم ملقون ) (2) وقد علم أن وقوع ذلك منهم كفر. # والجواب عن ذلك : أن الإلقاء قد يقع على وجه يحسن عليه ، بأن يكون مقصدهم ~~فى ذلك ظهور الفصل بينه وبين المعجز ، لينكشف صدقه عما يدعيه ، وقد يقبح ~~متى قصدوا به التلبيس وبيان كذبه ، فلا يمتنع أن يأمرهم موسى عليه السلام ~~بالإلقاء على الوجه الأول ، وبطل (3) ما توهموه. وإن كان يقدح ذلك لو كان ~~الإلقاء على كل وجه يكون كفرا ، والحال بخلافه. # وبعد ، فإن المعلوم من حال موسى أنه لم يأمر بذلك ولا أراده ، لأنه ms340 كان ~~يريد من جميعهم البدار إلى تصديقه فى النبوة ، وإنما قال ذلك على وجه ~~التقرير ؛ ليبين أنكم إن كان لا بد من أن تفعلوا ما عزمتم عليه فافعلوه ، ~~ليتبين الفرق بين الدلالة والتمويه ، كما يقول الواحد منا للمبطل إذا كلمه ~~وقد أظهر عليه الدلالة تكلم على هذا إن كنت محقا! PageV01P534 # 528 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق فعل العبد ويريده ~~، فقال : ( @QUR@05 وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ) (1) فبين أنه قرب ~~فرعون من المسلك فى البحر. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أنه فعل تعالى الإزلاف ، وليس ~~فيه أن ذلك القرب هو قرب من البحر ، أو من غيره ، فلا ظاهر لهم فى الوجه ~~الذى قالوه. # وقد قال شيخنا أبو على ، رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد بذلك أنه قربهم ~~من الأجل والهلاك ، لأن ورودهم المسلك فى البحر أوجب هلاكهم وغرقهم ، فهذا ~~فى الحقيقة تقريب من الأجل فعله الله. # قال : ويجوز أن يكون المراد بالإضافة : أنه تعالى لما جعل ذلك المسلك ~~يبسا وعبر موسى فيه بأصحابه ، وظن فرعون أن يبقى على تلك الحالة ، دعاه ذلك ~~إلى القرب والدخول ، فمن حيث فعل ما هو الداعى والسبب فى ذلك جاز أن يقال : ~~إنه أزلفهم ، وإن كان الفعل لهم. ### |||| ** 529 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الخالق للهدى والإيمان ، فقال : ~~( @QUR@04 الذي خلقني فهو يهدين ) [78] [ و] قال : ( @QUR@08 والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) [82] وذلك يدل على أنه جوز العقوبة على نفسه مع ~~كونه نبيا ، لأن الطمع ظن. PageV01P535 # وقوله : ( @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون ) [87] يدل على أنه جوز ذلك على ~~الله تعالى ، وهذا كله يدل على أنه يجوز أن يفعل القبيح! # والجواب عن ذلك : أن قوله : ( يهدين ) المراد به الدلالة والتكليف ، وذلك ~~من فعله تعالى ، وقد سلف القول فيه. # وقوله : ( @QUR@05 والذي أطمع أن يغفر لي ) المراد به : الانقطاع إليه فى ~~طلب المغفرة (1) فأورد الكلام على وجه الحذر والخوف ليكون إلى الانقطاع ~~أقرب. ولو أورده على غير هذا ms341 اللفظ لم يقتض هذا المعنى ، وإن كان عالما ~~بأنه سيغفر له. # وهذا كاستغفارهم لذنوبهم وتكريرهم التوبة. ### |||| ** 530 وقوله من بعد : ( @QUR@04 رب هب لي حكما ) [83] قد (2) بينا أن المراد به ما يكون من قبل ~~الله من العلوم والأدلة والألطاف. ### |||| ** 531 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@02 وألحقني بالصالحين ) [83] ليس المراد به أن يجعله صالحا فيلحقه ~~بهم من هذا الوجه ، لأن الظاهر لا يقتضيه. والمراد به أن يلحقه بدرجتهم ~~ويدخله الجنات فى أعلى المراتب. وإن حمل على أن المراد به مسألة اللطف ~~والمعونة ليبلغ مرتبة الصالحين جاز أيضا. ### |||| ** 532 وقوله : ( @QUR@04 ولا تخزني يوم يبعثون ) [87] فهو على سبيل PageV01P536 # الانقطاع إلى الله تعالى ، لا لأنه جوز أن يخزيه ، لأن القول بذلك فى ~~المؤمن ليس بمذهب لأحد! فكيف فى الأنبياء؟ # وقد بينا أن الداعى إذا دعا وطلب الشيء لا يدل على أن ذلك الشيء يقع على ~~كل حال ، وقد بينا وكشفنا القول فى ذلك (1). ### |||| ** 533 وقوله : ( @QUR@018 قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم ~~برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون ) [ 96 99 ] يدل على نفى التشبيه ، ~~لأنهم وقد حل بهم العقاب بينوا أن الضلال الذى أوردهم ذلك المورد هو ~~تسويتهم المخلوق بالخالق. والقول بالتجسيم والتشبيه يوجب ذلك. # ومتى قال قائل : إن المراد أنهم سووا بينه وبين المخلوق فى أنهم قبلوا من ~~المخلوق وأطاعوه ، فأداهم ذلك إلى الضلال ، فهذا إن صح فهو غير ممتنع ، وهو ~~دال على ما قلناه ، لأنهم إذا عدوا ذلك ضلالا ، من حيث قبلوا عن غير الله ~~ما يختص القديم تعالى بما يوجب القبول منه وكذلك إذا سوى الواحد منا بينه ~~وبين المخلوق فى ذاته لزم ذلك. # وقوله (2) تعالى : ( @QUR@04 وما أضلنا إلا المجرمون ) يبطل قول المجبرة ~~، لأن على قولهم لم يضلهم إلا القديم ، ولو لا إضلاله لهم لم يؤثر إضلال ~~المجرمين ، بل هو الذى أضل المجرمين حتى أضلوا القوم! ### |||| ** 534 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أن عمل العبد من قبله ، PageV01P537 # وهو الذى يقدر أن ينزله بالعبد ويخلصه منه ms342 ، فقال : ( @QUR@05 رب نجني ~~وأهلي مما يعملون ) [169]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يوجب أنه طلب النجاة من عملهم ، ومعلوم خلافه ~~، لأنه مخلص من عملهم ، فلا يجوز أن يطلب النجاة. ### |||| ** 535 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ) [200] قد تقدم القول فى أمثاله. ### |||| ** 536 وقوله من بعد : ( @QUR@09 وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ) [ 210 211 ] ~~لا يدل على أنهم لا يستطيعون الإيمان والطاعة ، لأن الأمر الذى نفى ~~استطاعتهم فيه غير مذكور ، فالتعلق به لا يصح على أن فى مقدمة الكلام ما ~~يدل على أن المراد هو ذكر القرآن ، كأنه بين تعالى أن المنزل له هو الروح ~~الأمين ، دون الشياطين ، وأنهم لا يستطيعون ذلك ، ولا يليق بهم ، وبين أنهم ~~عن السمع لمعزولون ، منبها بذلك على أنهم ممنوعون من استماع ذلك ، لورود ~~الشهب (1) عليهم ، على ما ذكره فى قوله : ( @QUR@07 فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا ) (2). # * * * PageV01P538 ### | ومن سورة النمل ### |||| ** 537 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يريد الكفر والمعاصى ويزينه ، فقال : ~~( @QUR@08 إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم ) [4]. # والجواب عن ذلك : أنه لو كان المراد به ما يقتضيه الظاهر ، لوجب أن يكون ~~تعالى مزينا لما وقع من عملهم من الكفر ، ولا يجوز ذلك عند أحد ؛ لأنه ~~تعالى نهى عنه وزجر عن فعله وقبحه. وكان يجب على هذا أن يكون عملهم حسنا ، ~~لأن ما زينه الله لا يكون قبيحا. # فإذن يجب أن يكون المراد به : أنه زين لهم ما كلفهم من الأعمال ، ومن حيث ~~كلفهم جاز أن يسميه عملا لهم. وقد ذكرنا « ذلك من قبل (1). ### |||| ** 538 وأما قوله تعالى : ( @QUR@07 وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) [6] [ فإنه ] يدل على حدثه ~~، لأن القديم لا يصح وصفه بأنه يصدر من لدن الحكيم. ### |||| ** 539 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@03 فلما جاءها نودي ) [8] يدل على حدث النداء ، لأن وقته حال المجيء ~~، وذلك لا يصح من حال القديم! ### |||| ** 540 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على حسن تعذيب من لا يستحقه ms343 ، فقال : ( ~~@QUR@015 وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه ~~عذابا شديدا ) [ 20 21 ] ، فإن قلتم إنه مستحق لذلك ، لزمكم جواز تكليف ~~الطيور ، على ما يقوله كثير من أصحاب التناسخ! PageV01P539 # والجواب عن ذلك : أن من شيوخنا من قال إنه كان عاقلا مكلفا فى زمن سليمان ~~، وكان ذلك معجزة له ، فصح أن يقول هذا القول. # فأما أبو على ، رحمه الله ، فإنه كان يقول : إنه بمنزله المراهق الذى ~~يقارب حال العاقل ، فصح منه ذلك على جهة التأديب ، كما يصح من أحدنا مثله ~~فى المراهق إذا أرسله وعصى فيما أراد منه. قال : ولا يمتنع مع هذا أن يقول ~~: ( @QUR@07 وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) [24] فيكون حاكيا ~~لذلك من غير معرفة بالله تعالى ، كما يحكى مثله المراهق. ### |||| ** 541 وقوله تعالى : ( @QUR@010 وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) [24] ~~يدل على قولنا فى العدل ، من جهات : # منها : أنه أضاف تزيين عملهم إلى الشيطان ، ولو لم يكن ذلك فعلهم لم يكن ~~عملا لهم ، ولو لم يكن من جهتهم لم يكن لتزيينه تأثير ؛ لأن الدواعى إنما ~~تصح فيما لا يحصل من الفعل على جهة الوجوب ، ألا ترى أن أحدنا لا يجوز أن ~~يزين له الألم الذى يقع عن ضرب غيره فيه! لأن ذلك يقع به على جهة الوجوب. # ومنها : أنه تعالى لو خلق فيهم عملهم لم يصح من الشيطان أن يكون صادا لهم ~~عن السبيل ، بل كان تعالى هو الموصوف بذلك ، وكان لا يكون لفعله من التأثير ~~ما يكون صدا. ### |||| ** 542 وقوله تعالى : ( @QUR@03 فهم لا يهتدون ) يدل على تمسكنهم من الاهتداء ، وعلى أنه لو وقع ~~لكان من قبلهم ، وذلك ظاهر. ### |||| ** 543 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 قال عفريت من الجن أنا آتيك به PageV01P540 # @QUR@09 قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ) [39] يدل على أن ~~القوة قبل الفعل ؛ لأنه وصف نفسه بأنه قوى على ذلك قبل أن يفعله. ومتى قيل ~~إنه أراد أنه قوى على غير ذلك اقتضى الخروج عن الظاهر ms344 ، وبطلت الفائدة ~~بالكلام (1). ### |||| ** 544 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يفعل المكر ، فقال : ( @QUR@07 ومكروا ~~مكرا ، ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) [50]. # والجواب عن ذلك ونظيره قد تقدم (2). وإنما أراد أنه ينجى صالحا من قومه ~~الذين عزموا على قتله (3)، من حيث لا يشعرون ، فوصف ذلك مكرا على جهة ~~التوسع ، على ما قدمناه من قبل. ### |||| ** 545 وقوله : ( @QUR@010 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ) ~~[62] قد بينا أن المراد ما يجعل (4) بما صاروا به خلفاء فى الحقيقة ، من ~~الأحوال التى يفعلها الله تعالى لهم. # ويجوز أن يراد بذلك اللطف والمعونة. PageV01P541 # 546 وقوله تعالى : ( @QUR@010 أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض ) [64] لا يدل على أن الحرام من رزقه تعالى لمن تناوله (1). ~~وإنما يدل على أنه يرزقنا فقط ، « ثم يعتبر ذلك من الرزق ومن الرزق رزقا له ~~(2)، لا يدل الظاهر عليه. والمتناول للحرام قد رزقه الله تعالى الحلال. ~~وذلك الحرام فهو رزق لمن ملكه ، فهو داخل تحت الظاهر فى الوجه الذى يقتضيه ~~ويدل عليه. ### |||| ** 547 وقوله : ( @QUR@08 إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) [80] فقد بينا فى ~~نظائر ذلك أنه على جهة التشبيه بحال الميت الأصم ، بحيث أعرضوا عما يلزمهم ~~النظر فيه وتأمل معانيه (3). ### |||| ** 548 وقوله تعالى : ( @QUR@012 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) ~~[81] المراد به أيضا ما ذكرناه ، وقد تقدم ذلك مشروحا. ### |||| ** 549 وقوله : ( @QUR@06 صنع الله الذي أتقن كل شيء ) [88] يدل على أنه تعالى لم يخلق ~~القبائح : لأنه لو خلقها وصنعها لوجب فيها أن تكون متقنة ، ولو جاز ذلك ~~فيها لجاز أن تكون حكمة وصوابا ، وذلك محال. # أو أن يقال : إنه خلقها ولم يتقنها ، وهذا بخلاف الظاهر ، لأنه يقتضى أنه ~~أتقن الجميع على العموم ، فلم يبق إلا القول بأنها لم تحت تدخل الظاهر ، ~~وأنها ليست من صنعه ، وهى من أفعال العباد. PageV01P542 ### | ومن سورة القصص ### |||| ** 550 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يجعلهم أئمة ، ويخلق فيهم ~~الأعمال الصالحة ms345 ، فقال : ( @QUR@010 ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ) [5]. # والجواب عن ذلك قد تقدم (1)، لأنه لا يجوز أن يجعلهم فى الحقيقة أئمة ، ~~لأنه يجب القبول منهم والاقتداء بهم ، من حيث يحملهم الرسالة ويثبتهم ~~بالمعجزة ، وقد علم أنهم لا يصيرون كذلك بأفعالهم ، فإذن يجب أن يكون ~~المراد بالظاهر ما قلناه. وإذا ملكهم للأمور جاز أن يقول : ( @QUR@02 ~~ونجعلهم الوارثين ) (2) من حيث ملكوا ذلك ، ومن حيث ملكهم ومكنهم من ~~التصرف. ويجوز أن يقول : ( @QUR@04 ونمكن لهم في الأرض ) (3) من هذا الوجه ~~، ومن جهة إيجابه على الناس الانقياد لهم والقبول منهم. ### |||| ** 551 وقوله تعالى : ( @QUR@06 لو لا أن ربطنا على قلبها ) (4) فقد بينا فى نظائره (5) أنه لا ~~يمكن التعلق بظاهره ، لأنه يقتضى الربط الذى لا يصح إلا فى الجسمين ، ~~فالمراد أنه صبرها وقوى قلبها حتى فعلت بموسى ما فعلته ، وكتمت من حالها ما كتمته. ### |||| ** 552 وقوله تعالى ، من بعد : ( @QUR@07 ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ) وقوله : ( @QUR@05 قال هذا ~~من عمل الشيطان ) (6) يدل على أن ما فعله لم يكن PageV01P543 # خلقا لله ، وإلا لم يكن لإضافته إلى الشيطان معنى ؛ لأن وجود دعائه كعدمه ~~فى هذا الباب. وإنما قال تعالى : ( @QUR@04 هذا من عمل الشيطان ) وإن كان ~~(1) من عمله لتقوى بذلك إضافته إليه. وقد يستعمل مثل ذلك كثيرا فى الشاهد ~~إذا كان سبب الفعل وقع من الغير. ### |||| ** 553 وقوله تعالى : ( @QUR@07 قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) [66] يدل على أن ذلك من فعله ، ~~فلذلك كان هو الظالم لنفسه. ولو كان من فعل الله تعالى لكان هو الظالم له ، ~~تعالى الله عن ذلك! # فإن قال : فكيف يجوز أن يظلم نفسه ، وتلك المعصية هى صغيرة لا ضرر عليه فيها؟ # قيل له : إن أبا على ، رحمه الله ، قال فى ذلك : إنه لما ألزم نفسه التوبة ~~، مع كونها شاقة ، من حيث أقدم عليها ، كان ظالما لنفسه من هذا الوجه! # وقد اعترض شيخنا أبو هاشم ، رحمه الله ، بأن قال ؛ إن ذلك يوجب أن يكون ~~تعالى بأصل التكليف ظالما للعبد ، وهذا مما لا ms346 يجوز القول به ؛ لأن التكليف ~~نفع ، من حيث يستحق أنه يصل إلى الثواب ، فكيف يكون ظالما؟. # وقال ، رحمه الله : إنما صار ظالما لنفسه بالصغيرة ، من حيث نقصت من ثوابه ~~، فصار فوت النفع بمنزلة حصول المضرة. # قيل : وهذا هو الصحيح من الجوابين. ### |||| ** 552 وقوله تعالى : ( @QUR@06 قالت إحداهما يا أبت استأجره إن PageV01P544 # @QUR@05 خير من استأجرت القوي الأمين ) [26] يدل على أن القوة على الفعل ~~تحصل قبله ، لأنها لو كانت تحصل حالا بعد حال لم يكن ذلك ترغيبا لأبيها فى ~~استئجاره. ووصفها له بأنه قوى ، متى لم يرد به ما ذكرته من قبل من ~~الاستئجار لم يكن فيه فائدة ولا له معنى ، وكان فيه الزوال عن الظاهر. ### |||| ** 555 وقوله تعالى : ( @QUR@020 فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) [30] يدل على حدث النداء ، ~~من حيث علقه أولا بإتيانه الموضع ، وقد علمنا أن الوقت إنما يصح فى المحدث ~~دون القديم. ومن حيث قال : ( @QUR@02 من الشجرة ) وقد علمنا أن لفظة « من ) ~~إذا دخلت فى الكلام لمعنى ، فإما أن يراد بها التبعيض ، وذلك لا يصح فى هذا ~~المكان ، لأن النداء لا يصح كونه بعضا للشجرة. أو يراد به ابتداء الغاية ، ~~وهو الذى يصح فى هذا المكان ، كقولهم : هذا كتاب من زيد ، فكأنه تعالى بين ~~أن ابتداء النداء كان (1) من الشجرة ، وهذا يوجب حدوثه فيه ليصح ذلك. ### |||| ** 556 وقوله بعد ذلك : ( @QUR@05 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) [40] لا يدل على أن دخولهم ~~البحر من خلق الله ، لأن الظاهر لا يقتضيه ، من حيث سمى ذلك نبذا وطرحا. ~~فالمراد أنه أغرقهم عند إيصال الماء ، فصار حالهم عند ورود الماء عليهم حال ~~من يرد على الماء بالطرح والنبذ. ### |||| ** 557 وقوله تعالى : ( @QUR@05 وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) [41] أحد ما يتعلقون به فى أنه ~~يدل على أن ما به صاروا كذلك من خلق الله تعالى ، قالوا # (م 35 متشابه القرآن). PageV01P545 # ولا يمكنهم فى هذا الموضع أن يحملوه على اللطف (1)، لأن القوم كانوا ~~يدعون ms347 إلى المعاصى!! # والجواب عن ذلك : أن الظاهر يوجب أنه تعالى جعلهم أئمة يدعون إلى النار ، ~~كما جعل الأنبياء أئمة يدعون إلى الجنة! وهذا مما لا يقول به أحد ، فلا بد ~~عند الجميع له من تأويل!. # والمراد بذلك : أنه أخبر عن حالهم بذلك ، وحكم بأنهم كذلك. وقد بينا أن ~~الإضافة على هذا الوجه قد تحصل بالتعارف. # ويجوز أن يراد بذلك : أنه لما شهر حالهم وأظهرها ببعثه الأنبياء حتى ~~عرفوا وعرف مذهبهم ، جاز أن يضاف إليه من هذا الوجه (2). ### |||| ** 558 وقوله تعالى : ( @QUR@06 ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) [51] يدل على حدث القول ؛ ~~لأن وصل بعضه ببعض لا يصح إلا مع القول بحدثه ، لاستحالة ذلك فى القديم ~~والمعدوم. ### |||| ** 559 وقوله تعالى : ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون ) يدل على أنه أراد من جميعهم التذكر ، كافرهم ~~ومؤمنهم ، لأنا قد بينا أن « لعل ) من الله تعالى ، بمعنى الشك لا تصح ، ~~فهو بمعنى « كى )، وقد ذكرنا ذلك فى مواضع (3) ### |||| ** 560 وأما قوله تعالى : ( @QUR@010 إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) [56] فغير دال ~~على أن الهدى هو الإيمان الذى لا يصح من الرسول ، عليه السلام ، على ما ~~يذكرون! ، وذلك لأن الهدى قد بينا أنه يحتمل ، PageV01P546 # وأن الأصل فيه هو الفوز والنجاة ، والدلالة والبيان. فيجب أن يحمل على أن ~~المراد بذلك أنه لا يثيب من أحب. وأن ذلك لا يصح ، ولا يحصل بحسب محبته ، ~~وإنما يحصل بفعل الطاعة والإيمان ، وأنه تعالى يهدى من يشاء ممن قد آمن ~~واستحق ذلك. ولا يجوز أن يحمل على معنى الدلالة ؛ لأنه تعالى وصفه بأنه ~~يهدى وينذر ، بقوله : ( @QUR@06 إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) (1) وبقوله : ~~( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) (2). فيجب أن يكون المنفى غير ~~المثبت ، وإلا تناقض الكلام ، وكلامه يتعالى عن ذلك. ### |||| ** 561 وأما قوله : ( @QUR@05 وربك يخلق ما يشاء ويختار ) [68] فالكلام عليه كالكلام على قوله ~~: ( @QUR@05 إن الله يفعل ما يريد )، وقد بينا ذلك من قبل (3). # * * * PageV01P547 ### | ومن سورة العنكبوت ### |||| ** 562 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يفتن فى الدنيا فقال ms348 : ( @QUR@05 ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم ) [3] # والجواب عن ذلك : أن المراد بالفتنة ليس هو الكفر والمعصية ، وقد بينا ~~ذلك فى مواضع (1). # وما ذكره فى هذا الموضع من أقوى ما يدل على أن المراد بها تشديد المحنة ؛ ~~لأنه بين تخطئة القول بأنه (2) خلق الخلق لا لتكليفهم ، فقال : ( @QUR@011 ~~الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) [ 1 2 ] وقوله : ~~( @QUR@05 ولقد فتنا الذين من قبلهم ) المراد به : أنا امتحناهم بالضراء ~~والمصائب والمحن فصبروا (3) فى المستقبل يدل على الصبر على ما يلحق المكلف ~~من المحن ، وهو الذى أراد به بقوله : ( @QUR@010 أولا يرون أنهم يفتنون في ~~كل عام مرة أو مرتين ) (4). ### |||| ** 563 وقوله تعالى : ( @QUR@05 من كان يرجوا لقاء الله ) [5] فقد بينا أنه لا يدل على قول ~~المجسمة ، فى مواضع ، وأن المراد بذلك لقاء ثوابه وعقابه (5). ### |||| ** 564 وقوله تعالى : ( @QUR@05 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [13] فقد بينا الكلام عليه ~~فى قوله : ( @QUR@05 ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ) (6). PageV01P548 # 565 وقوله : ( @QUR@03 فكلا أخذنا بذنبه ) [40] يدل على قولنا فى العدل ؛ ~~لأنه لو كان اضطرهم إليه لم يكن أخذا لهم بذنوبهم. ### |||| ** 566 وقوله تعالى : ( @QUR@04 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بعد قوله : ( @QUR@04 وما كان الله ~~ليظلمهم ) (1) يدل على أنه تعالى لا يخلق فيهم الكفر والمعاصى ، ولا يكلفهم ~~ما لا يطيقون ثم يعاقبهم. ### |||| ** 567 وقوله تعالى : ( @QUR@05 خلق الله السماوات والأرض بالحق ) [44] قد بينا من قبل فى نظائره ~~أنه يدل على تنزيهه عن القبائح ، وأنه لا يفعل إلا على الوجه الذى يحسن (2). ### |||| ** 568 وقوله تعالى : ( @QUR@013 وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون ) [48] يدل على قولنا فى العدل ؛ من جهات : # منها : أنه تعالى إذا من أنه جنبه الكتابة والقراءة لئلا يرتاب به ، فكيف ~~يظن مع ذلك أنه يخلق فى القوم الريبة ، والشك ، والجهل ، والكفر؟ # ومنها : أنه تعالى لو فعل ذلك فيهم لكان جعله ، صلى الله عليه ، بهذه ~~الصفة عبثا لا فائدة فيها (3)، وذلك أنه إن خلق ذلك فيهم وجب كونهم كذلك على PageV01P549 # كل حال ، وإن لم يخلقه فكمثل ، سواء ms349 كان ، صلى الله عليه ، على هذه الصفة ~~أو لم يكن. # ومنها : أنه لا يجوز أن يجنب نبيه هذه الأمور لئلا يرتابوا به إلا ويفعل ~~كل ما كان أدعى إلى الطاعة وأبعد عن المعصية ، وذلك يحيل القول بأنه الفاعل ~~لنفس المعصية. ### |||| ** 569 وقوله تعالى : ( @QUR@08 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) [51] يدل على أن ~~الكفار كانوا يقدرون على الإيمان ، وعللهم فيما كلفوا مزاحة ؛ لأنهم لو لم ~~يكونوا كذلك لم تقع لهم الكفاية بالقرآن. ولوجب لو أنزل الله من الكتب ما ~~لا يحصى أن يكون وجوده كعدمه فى أنه لا يمكنهم الفعل مع عدم القدرة. ### |||| ** 570 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) [54] لا يدل على قول المرجئة إنها ~~لا تحيط إلا بهم ، [ ولا ] على قول الخوارج إن كل من فيها يجب كونه كافرا ؛ ~~لأن الكلام إنما يدل على أنها تحيط بهم ، ولا يمنع من كونها محيطة بسواهم. ### |||| ** 571 وقوله تعالى : ( @QUR@09 يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) [56] يدل ~~على أنه تعالى ألزم العبد أن يقوم بما كلف على كل حال ، وإن احتاج إلى ~~الانتقال من مكان إلى مكان. ولو كان الكافر والعاصى لا يقدران على ذلك ، ~~لكان سعة الأرض كضيقها ، فى أنه لا يؤثر فى حالهما ، ولكان الخوف فى مكان ~~الأمن ؛ فى أنه لا يؤثر فى ذلك. # ويجب على قولهم أنه لا يكون للإكراه على الكفر معنى ، وذلك أن PageV01P550 # المكره غيره على كلمة الكفر إذا أكرهه ثم وجد ذلك من المكره فإنما وجد ~~على الحد الذى يوجد لو لا الإكراه ؛ لأن فى الحالين جميعا لا بد من وجود ~~القدرة الموجبة فيه ، ولا بد من خلقه تعالى ذلك ، فما الفائدة إذا فى ~~الإكراه ، حتى يختلف حكمه وحكم الاختيار فى العقل والشرع؟ وكيف يعذب المكره ~~من حيث هدده غيره على ما وجد فيه ، ولا يعذب إذا كان الله تعالى خالقا لذلك ~~فيه؟ وقد علمنا أن مع تهديد الغير قد يصح خلافه ، ومع خلق الله تعالى ذلك ~~فيه يستحيل وقوع خلافه. وهذا ms350 بين. ### |||| ** 572 وقوله تعالى : ( @QUR@06 أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ) [67] يمكن أن يحمل على ما ~~يقتضيه ظاهره ، من أنه ألقى فى قلوب من يخيف ذلك المكان حاله ولأجله ~~انصرفوا عنه ، فحصل آمنا ، ويعتد فيه بما يقتضى زوال الخوف ، فحصل ذلك. ### |||| ** 573 وقوله تعالى : ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) [69] لا يدل على أنه يخصهم ~~بالدلالة والبيان ، لأنا قد بينا أن ذلك واجب عمومه فى جميع المكلفين (1)، ~~ومتى خص بعضهم بالهداية فالمراد به غير ذلك. أو المراد به أنه لما اختص بأن ~~اهتدى بذلك خص بالذكر. وإنما أراد تعالى بذلك سبيل النجاة ، والفوز ، ~~والثواب ؛ لأنه تعالى يخص بذلك من جاهد وأدى ما كلف. PageV01P551 ### | ومن سورة الروم ### |||| ** 574 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@013 أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق ) [8] يدل على أنه تعالى لم يفعل ولا يفعل ~~القبائح ، وذلك أنه لو كان فاعلا لها لم يصح أن يقول : ما خلقهما وما ~~بينهما إلا بالحق ، لأن الباطل لا يجوز أن يكون مفعولا بالحق ؛ ألا ترى أن ~~الرجل إذا قال لغريمه : لا آخذ منك هذا المال إلا بالحق ، أن ذلك يدل أنه ~~يأخذه على وجه يحسن ، ولو كان تعالى يفعل القبيح لم يوثق فى شيء مما فعله ~~أنه خلقه بالحق ، بل كان يجوز أن يكون فاعلا له على وجه العبث والظلم ، ~~لأنه مالك ، ولأنه يفعل فى ملكه ما يريد. # وقول من يقول : إن المراد بقوله : ( @QUR@02 إلا بالحق ): قال كن فكان ، ~~جهل ، لأن ذلك لا يعرف فى اللغة ، فيمنع أنهم يعرفون الحق والباطل ، وما ~~يقتدى به ، فكيف يجوز أن يحمل عليه؟ وكأنه تعالى أراد أن يبين أنه خلق جميع ~~ذلك على وجه الحكمة ، لكى يعتبر المكلف ، ويستدل ، فيصل إلى المطلوب ، ~~ويؤديه ذلك إلى الفوز والنجاة ، وذلك لا يتم إلا على قولنا فى العدل. # ومن وجه آخر ، وذلك أن الآية تدل على أنه تعالى بعث بهذا القول على ~~التفكر فى خلقهما وما بينهما ، والاستدلال بذلك ، وهذا لا يتم متى قيل : إن ~~المعرفة ms351 ضرورة ، لأنه تعالى إذا خلقها فيه استغنى عن التفكر ، وإن لم ~~يخلقها ، وخلق الجهل بدلا منها ، فلا وجه للتفكر ، وبمثل ذلك أبطلنا قول ~~أصحاب المعارف ، وبينا أن مع الاضطرار لا يصح البعث على التفكر والاستدلال ~~بهذه الأمور! PageV01P552 # 575 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@07 وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون ) (1) يدل على أن المراد باللقاء ليس هو الرؤية والقرب منه ، وإنما ~~هو الوصول إلى الثواب والمنازل الرفيعة. ### |||| ** 576 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الخالق لما يجرى بين الزوجين من ~~المودة والعشرة ، فقال : ( @QUR@014 ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) [21]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى ما نقوله ؛ لأنه تعالى هو الذى خلق ~~الأزواج ، وهو الذى يجعل بين الزوجين المودة والرحمة ؛ لأن ذلك إنما هو ~~الشهوة ورقة القلب ؛ لأنهما يبعثان على الألفة ، والإكثار من النسل. ### |||| ** 577 مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه الخالق لكلام العبد ، فقال : ( @QUR@08 ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) [22]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه خلق نفس الألسنة ، ومتى أريد بذلك ~~الكلام المفعول فيها ، فهو توسع ، وذلك مما لا ينكر. # فإن قالوا : هذا وإن كان كذلك ، فمتى حمل الكلام عليه لم يفد. # قيل له : هذا لو صح لم يمنع مما قلناه ، لأن الكلام إنما لم يصر له ظاهر ~~من حيث لو لم يحمل على وجه مخصوص لم يفد ، وإنما يقال ذلك عند التنازع فى ~~المراد به ، مع الاتفاق أن الكلام ليس على ظاهره ، وذلك أن اللسان آلة فى ~~الكلام ، وبحسبه يختلف الكلام ، فأراد تعالى أن يبين أنه خالف بين الألسنة ، PageV01P553 # لكى تختلف الأصوات والنظم فى الكلام ، فيفصل بين متكلم من متكلم ، كما ~~خالف بين الألوان ، ليقع للمشاهد التمييز. # هذا لو ثبت أن ظاهره يقتضى أنه خلق اختلاف الألسنة ، فكيف والطاهر لا ~~يقتضيه ؛ لأنه تعالى قال : ( @QUR@07 ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم ) ورجع إلى الآيات ، فكأنه قال : ومن آياته اختلاف ألسنتكم ms352 ~~، وهذا إنما يوجب أنه دلالة على الله تعالى ، ولا يمتنع عندنا فى أفعال ~~العباد أن تساوى أفعاله تعالى فى كونها دلالة ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به. # والأولى ألا يكون المراد بقوله : ( @QUR@01 وألوانكم ) ظاهر الألوان ؛ ~~لأنه لا يحصل فيه من الاعتبار ما تقتضيه الآية ، والمراد بذلك (1) التى ~~يعظم اختلافها ، حتى لا يقع فيها تشابه. ولو كان المراد به اللون ، وأجناسه ~~محصورة ، لوجب أن يكون الاختلاف إنما يقع بين الأسود والأبيض ، ولا يقع بين ~~الأشخاص البيض ، وهذا بعيد. فالمراد به إذن ما قلناه ، من أنه خالف بين ~~الصور (2) لكى يقع التمييز ، فيصل العبد إلى منافع دينه ودنياه ، وخالف بين ~~أنواع الألسنة ، فاختلف لذلك الأصوات والنغم فوقع التمييز ، لكى يصل أحدنا ~~إلى ما يحتاج إليه فى دينه ودنياه. # وقد تأول بعض شيوخنا ، رحمهم الله ، ذلك على أنه تعالى هو خلق اللغات أولا ~~وعلمها ، وهو الذى أراده بالكلام. وما قدمناه أولى بالآية ؛ من حيث لا يخفى ~~الحال فيها على كل مستدل ، وليس كذلك هذا القول. ### |||| ** 578 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ومن آياته منامكم بالليل والنهار PageV01P554 # @QUR@03 وابتغاؤكم من فضله ) [23] ليس (1) فى ظاهره أكثر من أنهما دلالة ~~، ولا يجب لذلك أن يكونا خلقا من خلقه تعالى ، ويجب أن يرجع فى الفرق بين ~~ما هو من خلقه ، ومن فعل العبد ، إلى أمر سواء. # وأراد تعالى أن يبين أن من آياته ونعمه أن فصل بين الليل والنهار ، وجعل ~~الليل سكنا ، والنهار معدا للتصرف وابتغاء الفضل ، ونبه بذلك على حالهما ~~وموقع النعمة بهما. ### |||| ** 579 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@08 وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) [26] فقد بينا أن هذه ~~الإضافة لا توجب بظاهرها أمرا مخصوصا ، وأنه يحتاج فيها إلى دلالة (2)، ~~وإن كنا لا ننكر أنه المالك لمن فى السموات والأرض ، وأنه الخالق لهم ، لأن ~~المراد بذلك العقلاء. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 كل له قانتون ) المراد بذلك : ثابتون على ~~الانقياد والاستسلام ؛ لأن هذا هو الذى يشترك الكل فيه ، دون العبادة ~~والقيام بها ، لأنهم فى ذلك يختلفون. ### |||| ** 580 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 فمن يهدي ms353 من أضل الله ) [29] قد بينا القول فى نظائره ، وأنه لا ~~يدل على أنه يقال : يضل بخلق الكفر وبخلق سببه (3). فالمراد بذلك : أن ~~أحدا لا ينجى من أهلكه الله ، ولا يثبت من حكم الله بعقابه ، ولذلك قال ~~بعده : ( @QUR@04 وما لهم من ناصرين ) منبها بذلك على ما ذكرناه. ### |||| ** 581 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله PageV01P555 # @QUR@04 التي فطر الناس عليها ) (1) يدل على أنه خلق جميع العباد للطاعة ~~والقيام بالدين ، على خلاف ما تقوله المجبرة ، وذلك أن فطرة الله هى دينه ، ~~لأنه الذى خلقهم لأجلها وفطرهم لها ، فلما فطر الخلق لذلك ، وصف نفس الدين ~~بأنه فطره. وعلى هذا الوجه يصح ما روى عنه ، صلى الله عليه ، من قوله : « ~~كل مولود يولد على الفطرة (2)). وقوله : ( @QUR@04 لا تبديل لخلق الله ) ~~يبين ذلك ، لأنه أراد أن الوجه الذى له خلق الخلق لا يتبدل ، لأنه لا يخلق ~~مرة للعبادة وأخرى بخلافها ، ولذلك قال من بعد : ( @QUR@03 ذلك الدين القيم ~~)، ولو لم يرد بما تقدم ما قلناه لم يكن لهذه الإشارة معنى! ### |||| ** 582 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه الخالق لأفعال العباد والقادر عليها ، ~~فقال : ( @QUR@09 إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ) [50] فعم ~~الجميع بأنه قادر عليه ، وأفعال العباد داخلة فيه. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أنه تعالى قادر على كل شيء فمن ~~أين أن العبد إذا فعل تصرفه أن ذلك من خلقه؟ ولا يجب عند كثير من العلماء ~~أن يكون المقدور إذا صح كونه مقدورا لله ، أن يكون عند الوجود مفعولا # انظر فتح البارى الجزء الثامن ص 416 # وانظر كذلك الجزء الثالث ، ص : 172. PageV01P556 # لله تعالى ، ويقولون : يصح من الله فعله لو أراده ، لكنه إذا قدر العبد ~~عليه لم يجز أن يريد فعله ، وإنما يفعله العبد ، وفى ذلك سقوط تعلقهم ~~بالظاهر. # فأما على قولنا فى أن ما لا يكون فعلا لله لا يجوز يكون أن مقدورا له ، ~~فالجواب أيضا ظاهر ، لأن وصفه جل وعز بأنه قادر على الشيء لا ms354 يتضمن صحة كون ~~ذلك الشيء مقدورا له أولا! لأن إثبات الصفة يتضمن صحتها ، فما لا يصح لا ~~يجوز دخوله تحت الظاهر ، كما أنه إذا وصفناه بأنه عالم بالأشياء لم يدخل فى ~~ذلك ما لا يكون معلوما ، وقد ثبت أن فعل العبد لا يصح كونه مقدورا ، ~~فالظاهر لا يتناوله. # وبعد ، فإن لفظة الشيء تنطلق على الموجود ، والباقى ، والمعدوم ، وقد ~~تكلمنا أنه لا يكون مقدورا إلا إذا كان على بعض هذه الصفات (1)، فالوجوه ~~التى يحتمل عليها تتنافى ، ويستحيل مع بعضها أن يكون معدوما ، ويصح على ~~البعض ، فما هذا حاله لا يجوز دخوله تحت الظاهر ، لأن إرادته كالمتنافى. # وبعد ، فإن هذه اللفظة فى الإثبات لا تفيد فى اللغة العموم ، لأنها ~~بالتعارف تطلق فى المبالغة والتكثير ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 وأوتيت من ~~كل شيء ) (2) و ( @QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (3) و ( @QUR@05 ~~يجبى إليه ثمرات كل شيء ) (4) فإذا كان التعارف خصصها لم يمكن حملها على ~~العموم. ويجب أن تكون محمولة على ما تقدم فى الكلام من إحياء الموتى وغيره ~~، مما بين أنه تعالى يختص بالقدرة عليه ، وأنه أولى أن يعبد من الأصنام ~~والأوثان. ### |||| ** 583 فأما قوله تعالى : ( @QUR@08 كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ) [59] فقد تقدم القول ~~فى الطبع ، فى غير موضع (5). PageV01P557 ### | ومن سورة لقمان ### |||| ** 584 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن الكافر لا سبيل [ له ] إلى سمع الكلام ~~والاستدلال ، فقال : ( @QUR@013 وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا ... ) [7]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى أنه لا يسمع ، ولا إثبات الوقر فى ~~أذنيه ؛ لأنه تعالى شبهه بمن هذا حاله ، لا أنه أثبته بهذه الصفة!! بل لو ~~استدللنا بذلك على ما تأولنا عليه سائر الآى ، من أن المراد التشبيه لا ~~التحقيق لصلح ؛ لأنه كشف ما ذكره هاهنا على أن مراده فى كل موضع هو تشبيه ~~حالهم ، من حيث أعرضوا عن الاستدلال بما سمعوا ، بحال من لا يسمع الموقر ~~والصمم. ### |||| ** 585 فأما قوله تعالى : ( @QUR@010 هذا خلق الله فأروني ms355 ما ذا خلق الذين من دونه ) [11] فلا يدل ~~على أن غير الله لا يفعل ، لأن الكلام إنما يقتضى أمرا مخصوصا ، وأنه خلقه ~~دون غيره. وإنما دل بذلك على أن ما يدعونه من دون الله إلها لا يخلق ، ولا ~~يملك ضرا ولا نفعا. ولو صح أن المراد بذلك الخلق ، لكان إنما يدل على أن ~~الأشياء المعينة لا يخلقونها ، وكذلك نقول. أو لكان (1) يدل على أنهم لا ~~يحلقون ، وإن كانوا يقدرون ويفعلون ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به. ### |||| ** 586 وقوله من بعد : ( @QUR@09 ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ) [31] لا يدل على أن ~~فعل الجادف للفلك من خلقه تعالى ، وإنما يدل على PageV01P558 # أن (1) المجرى لها بالرياح ؛ لأنها النعمة التى يجرى بها الفلك. أو أنه ~~يجريها بما يفعل فى الماء من شدة الجرى ، لأن كلا هذين الأمرين يقتضيان جرى الفلك. ### |||| ** 587 وقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@018 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله ) [27] يدل على أن كلامه محدث ، من جهات : # منها : أنه وصفه بأنه كلمات ، وذلك لا يصح إلا فى المحدث المنظوم ضربا من ~~النظام ، والمخالف فى ذلك لا يقول فى كلامه إنه أشياء ، لكى يتم له بزعمه ~~القول بقدمه! # ومنها : أنه جوز عليه النفاد ، وذلك لا يصح إلا فى الحوادث. # ومنها : أنه وصف نفسه بالقدرة على ما لا نهاية له منها ، وذلك يقتضى أن ~~الموجود منها لا يكون إلا محدثا. # * * * PageV01P559 ### | ومن سورة السجدة ### |||| ** 588 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ) [7] يدل على نفى القبائح ~~عن فعله ؛ لأنه لو كان الخالق لما يحصل منها ، لم يجز أن يصف خلقه بذلك ؛ ~~لأن فاعل القبيح لا يكون محسنا فيما خلق ، لا على وجه الإحسان ، ولا على ~~وجه الحسن ، بل يجب أن يكون مسيئا بما يخلق من تعذيب الكفار ؛ لأنه أوجد ~~الكفر فيهم ثم عذبهم ، فهنا تمدح نفسه بوجه يبين به من كل فاعل ؛ لأن سائر ~~الفاعلين يفعلون الحسن والقبيح ، فتمدح تعالى بأنه ms356 المختص ، بأنه لا يفعل ~~إلا حسنا. ### |||| ** 589 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لم يشأ من الكفار الإيمان والهدى ، ~~فقال : ( @QUR@06 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) [13]. # والجواب عن ذلك : أن الآية واردة فى أهل النار ، فقال تعالى : ( @QUR@016 ~~ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون ) [12] فطلبوا من الله الرجعة ، لكى يفوزوا بالنجاة ~~مما حل بهم من العذاب ، فقال تعالى جوابا لهذا القول : ( @QUR@06 ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها ) يعنى : لو أراد لفعلنا ما طلبوه من الرجعة ، وسماها ~~هدى ؛ لأن ذلك يتضمن الفوز والنجاة. ثم بين أن وعيده السابق هو الواجب ، ~~فقال : ( @QUR@010 ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ~~(1) والظاهر بدل على أن المراد ما ذكرناه. PageV01P560 # وقد قيل : إن المراد نفس الثواب ، [ أى ] أنا لو شئنا لأثبناهم وخلصناهم ~~بالمغفرة مما هم فيه. # وقد قيل : إن المراد بذلك الإلجاء ، فكأنه تعالى قال : ولو شئنا لألجأنا ~~كل نفس إلى الهدى والإيمان ، ولآمنوا عند ذلك ، لكنا أردنا ذلك على وجه ~~الاختيار ، فمتى عصى الواحد وكفر فليس إلا النار ، للوعيد السابق. ### |||| ** 590 وقوله : ( @QUR@08 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) [18] يدل على أن ~~الفاسق لا يساوى المؤمن فى الجنة والثواب ، ولو كان الأمر كما يقوله كثير ~~من المرجئة ، لكان قد ساواه فى ذلك. وبين بما بعده ذلك مفصلا ، فقال : ( ~~@QUR@024 أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا ~~يعملون ، وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها ) [ 19 20 ] (1) ولو كان الفاسق يخرج من النار ، إما بانقطاع ~~ما يستحقه من النار ، أو بالشفاعة ، لما صح ما ذكره تعالى من أنه كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، بل كان يجب أن يقال : إنهم يريدون ~~الخروج فلا يعادون فيها! وهذا يكذب الظاهر!! ### |||| ** 591 وقوله تعالى : ( @QUR@07 ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) (2) لا يدل على أن جميع ~~ما تقدم فى الكفار ؛ لأن بعض الكلام إذا ms357 استقل بنفسه لم يجب تخصيصه بما ~~يتعقبه ، ولأن فى الفساق من يكذب بدوام # (م 36 متشابه القرآن). PageV01P561 # العقاب ولا يقطع ، فهو مكذب على بعض الوجوه ، وذلك يوجب دخوله فى الظاهر. ### |||| ** 592 فأما قوله تعالى : ( @QUR@07 وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة ) (1) فقد تقدم القول ~~فيه (2). PageV01P562 ### | ومن سورة الأحزاب ### |||| ** 593 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) [4] يدل على ~~تنزيهه عن الكذب ، وذلك أنه لو كان يخلقه لكان قوله خطأ من وجهين : أحدهما ~~أن نفس الكذب ليس بحق. والثانى : أن ذلك يمنع من الثقة يصدقه ، فلا يوثق به ~~على وجه من الوجوه!؟ فإن قالوا : إنا نقول إنه يخلق القول الكذب ، ولا نقول ~~: إنه يقول الكذب ، فلا يلزم ما قلتم. فهذا فاسد ، لأن فاعل القول لا بد من ~~أن يكون قائلا ، ويوصف بأنه قال ويقول ، على حسب المضى والاستقبال ، ولا ~~يعرف فى اللغة سواه. # وهذا يوجب ، لو فعل الكذب ، أن يكون قائلا ما ليس بحق ، وقد نفى الله ذلك ~~عن نفسه. ### |||| ** 594 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه تعالى يعاقب المكلف بما لا يستحقه ، ~~فقال : ( @QUR@012 يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين ) [30]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر أنه يضاعف لها العذاب ، ولم يقل : إن ~~الذى يفعله من ذلك لا تستحقه! بل ظاهر وصفه لذلك بأنه عذاب ، بعد ذكر ~~المعصية ، يقتضى أنه مستحق به ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر. # فإن قال : فكيف يصير عقوبة ما تأتيه أزواج النبى ، صلى الله عليه ، ضعف ~~عقوبة غيرهم؟ # قيل له : لوجوه تجوز فى ذلك ، منها : أن ما يفعلنه من ذلك يغم رسول الله ~~، صلى الله عليه ، ويعظم ذلك عليه ، فتعظم المعصية لذلك ، ويزيد عقابها له ~~، ومنها : أن نعم الله تعالى عليهن ، بموقعهن من الرسول ، صلى الله عليه ، ~~أعظم ، والمعصية تعظم لأجل عظم نعمة المعصى ، كما أن معصية الأب تعظم لأجل ~~عقوقه ما لا تعظم PageV01P563 # معصية الأجانب. ومنها : أنه يجوز أن تقع بفعلهن المعصية والفاحشة من ~~الفساد ، والتأسى ms358 من سائر النساء ، وكان لا تقع لولاه ، فعظمت المعصية لأجل ~~ذلك لو وقعت منهن. # فإن قال : فكيف يصح وقوله تعالى : ( @QUR@03 نؤتها أجرها مرتين ) (1) هذا ~~المعنى ، وقد علمنا أن عظم النعمة كما يعظم المعصية يصغر الطاعة ، فكان يجب ~~فى أجر طاعتهن أن ينقص! # قيل له : لو كان لا يزيد أجرهن إلا لهذا الوجه لوجب ما قلته ، لكنه لم ~~يمتنع أن يحصل فيه من سرور رسول الله ، صلى الله عليه ، وانتفاعه به ما ~~يعظم لأجله [ و] من زوال الغم عن قلبه ، ما يختص بذلك لأجله. أو لتأسى سائر ~~النساء بهن فى ذلك ، فيحصل لطاعتهن من المزية نظير ما كان يحصل للفاحشة لو ~~وقعت منهن ، وهذا ظاهر. ### |||| ** 595 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه الفاعل للكفر والمعاصى والذاهب بهما ، ~~فقال : ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا ) [33] # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الرجس فى اللغة ليس هو الكفر والمعصية ، وبأن ~~تنطلق على النجاسات والأمور التى تستقذر أولى ، فلذلك سمى الله ما هذا حاله ~~رجسا ، والخمر والميتة ، فإذا صح ذلك فلا يصح تعلقهم بالظاهر. # وبعد ، فإن ظاهره يوجب أن (2) أهل البيت ما ذكروه من الكفر PageV01P564 # والمعاصى حاصل فأزاله وأذهبه ، وهذا معلوم فساده. والمراد بالكلام أنه ~~خصهم لمكان رسول الله ، صلى الله عليه ، بضروب الألطاف والكرامات ، وطهرهم ~~بذلك ، وفضلهم تعالى على غيرهم. ### |||| ** 596 قوله جل وعز : ( @QUR@014 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة ) [36] فالمراد به الإيجاب والإلزام. # وقد بينا أن ذلك داخل تحت ما ينطلق عليه « القضاء ) فى اللغة ، فلا يصح ~~حملهم على أنه الخالق لذلك فيهم ، فخرجوا فيه عن الاختيار (1). # وبعد ، فإن القوم إن قالوا بأن ذلك من خلقه تعالى ، فإنهم لا يصفون العبد ~~بأنه لا اختيار له ولا خيرة ، وذلك يبين صحة ما قلناه. ### |||| ** 597 وأما قوله تعالى : ( @QUR@010 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) ~~[43] فقد بينا أن ظاهر النور والظلمات لا يفيدان الكفر والإيمان ، ومتى حمل ms359 ~~عليهما فقد اعترف فيه بأنه مجاز (2). # والمراد بذلك : أنه يرحم العباد بالألطاف ، فيخرجون بها من الكفر إلى ~~الإيمان ، ولذلك قال من بعد : ( @QUR@03 وكان بالمؤمنين رحيما ) (3) ### |||| ** 598 وقوله تعالى قبل (4) ### |||| ** ذلك : ( @QUR@06 فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) 37 فالتعلق به فى أن العقد من ~~فعله تعالى بعيد ، لأن المزوج فى الشاهد ليس هو الفاعل لعقد التزويج ؛ لأن ~~العقد لا يتم به ، وإنما يوصف PageV01P565 # بذلك لأنه فعل ما عنده يصح من الزوج الفعل الذى به يستبيح الاستمتاع ، ~~والله تعالى قد فعل ذلك وسهله للرسول ، صلى الله عليه ، بوجوه كثيرة ، ~~لولاها لما حلت له صلى الله عليه ، فعلى هذا يحمل الكلام. ### |||| ** 599 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@04 وكان أمر الله مفعولا ) (1) نص فى حدوث القرآن ، ~~لأن فى جملته أوامر [ و] قد نص تعالى أن أمره مفعول ، والمفعول لا بد أن ~~يكون محدثا. # واختلف العلماء فى الأمر ، فمنهم من يقول : إن ظاهره يقتضى القول المخصوص ~~، فإذا استعمل فى الأفعال [ فهو ] مجاز. ومنهم من يقول : إنه حقيقة فى ~~الأمرين ، وعلى كلا الوجهين فالاستدلال بالظاهر صحيح ، إلا أنه فى أحد ~~الوجهين يكون أخص ، ودلالته من الوجه الآخر أشهر. ### |||| ** 600 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 وكان أمر الله قدرا مقدورا ) [38] يدل على ذلك أيضا ؛ لأن ~~المقدور هو الذى يصح من القادر أن يفعله ويوجده ، وإنما يوصف الموجود بأنه ~~مقدور من حيث كان هذا حاله من قبل ، وذلك يقتضى حدث الأوامر على ما ذكرناه (2). ### |||| ** 601 قوله تعالى : ( @QUR@05 ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) [68] فقد بينا أن ظاهره لا يدل على ~~أن ذلك إذا وقع يكون غير مستحق (3). # والمراد بذلك : أنهم دعوا على الرؤساء المضلين [ لهم الذين (4) ] أضافوا PageV01P566 # إلى ضلالهم وكفرهم إضلال من تبعهم ، فدعوا عليهم بضعفين من العذاب ، ~~أحدهما لكفرهم ، والآخر لإضلالهم غيرهم ، وبين تعالى أن أتباعهم لا ~~يستوجبون ذلك من حيث ضلوا ولم يضلوا. ### |||| ** 602 مسألة : قالوا : ثم ذكر ما يدل على أنه يجوز أن يكلف السموات والأرض بالأمانة ، ~~وعلى أن العبد مع عمله الأمانة قد يكون ظلوما ، فقال : ( @QUR@018 إنا ~~عرضنا ms360 الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) [72] # والجواب عن ذلك : أن الظاهر لا يدل على ما ذكروه ، وإنما يقتضى أنه عرض ~~الأمانة على هذه الأمور ، والعرض ليس من التكليف بسبيل ، وفيه أن الإنسان ~~حملها فلا ظاهر لذلك لأن الأمانة إذا أريد بها الأفعال المخصوصة ، فوصف ~~الإنسان بأنه حاملها ، توسع ؛ لأن الحمل فى الحقيقة إنما يصح فى الأجسام ~~وقوله : ( @QUR@04 إنه كان ظلوما جهولا ) ليس فى ظاهره لما ذا صار كذلك ، ~~فتعلقهم بظاهره لا يصح. # ولم يبق إلا أن يقال : فما المراد إذا كان حمله على ظاهره لا يستقيم؟ ~~وهذا تنازع فى التأويل وتسليم بأن (1) الظاهر لا دلالة لهم فيه. # وقد قال أبو على ، رحمه الله ، إنه تعالى أراد به أنه عرض الأمانة على أهل ~~السموات والأرض والجبال ، من الملائكة والجن والإنس ، وأنه ذكر الأمانة ~~وأراد تضييع الأمانة!. وأن الملائكة لم تحمل ذلك وحملها الإنسان ؛ لأنه كان PageV01P567 # ظلوما جهولا ، وبين أن حمله على نفس السموات والأرض والجبال ، إذا لم يصح ~~، فيجب أن يكون المراد بها أهلها ، ويجب أن يكون المراد المكلفين دون غيرهم ~~؛ لأن ذلك لا يصح فيهم ، ويجب أن يراد به خفر الأمانة وتضييعها ؛ لأن نفسها ~~قد حملته الملائكة وقامت بها. # وقال أبو مسلم ، رحمه الله : المراد بذلك أنا عرضنا الأمانة على هذه ~~الأمور فى الحقيقة من حيث عارضناها بها فوجدناها تعجز عنها وتقصر ، وهو ~~الذى أراده بقوله : ( @QUR@05 فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) وأن الإنسان ~~مع ضعفه حملها ثم لم يقم بها ، وكأن المراد بذلك « أن الذى (1) لا تفى به ~~الجبال والأرض والسموات على عظمها ، قد حملها (2) الإنسان ، وتحمل التكفل ~~بها ، والقيام بحقها ، فإذا عصى وخفر وضيع ، فهو ظلوم جهول يلحقه العذاب ~~العظيم. # * * * PageV01P568 ### | ومن سورة سبأ ### |||| ** 603 أما قوله تعالى : ( @QUR@013 وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا ~~فيها السير سيروا ) [18] فليس فيه أكثر من أنه قدر السير ، وذلك لا يدل على ~~أنه من خلقه ؛ لأن « قدر ) كما يراد به ms361 ذلك ، فقد يراد به البيان والتعريف ~~والحكم بمقادير مخصوصة. وإنما أراد تعالى بذلك أنه غير مسالكهم عن الحالة ~~التى كانت عليها فى الخصب والعمارة ، إلى خلافه ، وقدر فيها خلاف ما كان فى سيرهم. ### |||| ** 604 وقوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@04 وهل نجازي إلا الكفور ) [17] لا يدل على مذهب الخوارج من أن كل ~~معذب كافر ؛ لأن ظاهره وإن دل على ذلك يجب أن يدل على أن المؤمن كافر ، ~~لأنه يجازى على ما كان منه! والمراد بذلك : أنه لا يجازى بعذاب الاستئصال ~~المعجل فى الدنيا إلا من كفر وكذب الأنبياء (1). ### |||| ** 605 وقوله تعالى : ( @QUR@09 قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون ) [25] يدل على أن ~~كل واحد لا يؤاخذ إلا بذنبه وعمله ، وأنه تعالى لو خلق ذلك فيهم لما سئلوا ~~عنه ولا أخذوا به. ### |||| ** 606 وقوله : ( @QUR@07 ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) [31] يدل على ما نقوله ~~فى العدل ، وذلك إنما ذكر تعالى مما يجرى بينهم ويرجع فيه بعضهم إلى بعض ، ~~من قول المستضعفين للمستكبرين ( @QUR@04 لو لا أنتم لكنا PageV01P569 # @QUR@01 مؤمنين ) (1) وقولهم لهم : ( @QUR@07 أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جاءكم ) يدل على أنه لا يخلق الكفر فى الكافر ، لأنه لو صح خلقه فيه لما ~~صح أن يكون لهم تأثير فى كفرهم ، ولما صلح أن يقولوا : ( @QUR@07 أنحن ~~صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم )، بل كان يجب أن يقولوا إن الله صدكم ~~وصدنا ، ولو لا خلقه الضلال فينا وفيكم لكنا مؤمنين. # * * * PageV01P570 ### | ومن سورة الملائكة ### |||| ** 607 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لا خالق ولا فاعل إلا الله ، فقال : ( ~~@QUR@013 يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم ) [3]. # والجواب عن ذلك : أنه لم يطلق القول فى ذلك إطلاقا بل علقه بالرزق. ~~وعندنا لا خالق إلا الله يرزقنا البتة ؛ لأن غير الله وإن كان يفعل فلا ~~يجوز أن يفعل الرزق. وإنما نبه تعالى بذلك على أن المنعم بالأرزاق ، ~~والمالك للضر والنفع أولى أن يعبد من غيره. وقد بينا أن نفى الخلق على ms362 ~~الإطلاق ليس ينفى الفعل (1)، فهذا أيضا يبطل تعلقهم بالآية. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) [8] ليس فيه ~~ذكر من زين ذلك. والمراد به شياطين الجن والإنس (2). ### |||| ** 608 وقوله : ( @QUR@08 فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) [8] قد تقدم القول فيه (3) ### |||| ** 609 وقوله : ( @QUR@04 إليه يصعد الكلم الطيب ) [10] لا تعلق للمشبهة به ، لأن المراد ~~هو أنه يصعد إلى حيث يختص بالحكم فيه ولا حاكم فيه سواه ، وقد بينا لذلك ~~أمثلة من قبل (4)، وبينا أن حمله على ظاهره يوجب أن الكلم فى الحقيقة يصعد ~~، وذلك لا يصح فيه ، وبينا أن صعود الكلم إليه إذا لم PageV01P571 # يحمل على ما ذكرناه لا يفيد ، وقد بينا أن ذلك يوجب أنه تعالى على العرش ~~، وفى السماء ، دون سائر الأماكن ، وقد ذكر تعالى فى الآيات خلافه. ### |||| ** 610 وقوله : ( @QUR@03 والعمل الصالح يرفعه ) [10] يدل على أن المراد إثبات ذلك وتحصيله ~~، والورود به عرصة القيامة دون إثبات (1) مكان لله ، تعالى عن ذلك! ### |||| ** 611 وقوله : ( @QUR@015 إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا ~~نذير ) [ 22 23 ] لا ظاهر له يصح تعلقهم فى أن الكافر الذى لا يقبل ، ممنوع ~~من سماع ذلك. بل ظاهره يوجب أنهم موتى فى القبور ، وذلك مما لا يقوله أحد! # وإنما المراد به المبالغة فى ذمهم لإعراضهم عن النظر والاستدلال والقبول. ### |||| ** 612 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أن فى جملة من اصطفاه بالرسالة من هو ظالم ~~فى الحقيقة ، وذلك لا يصح عندكم ، فقال : ( @QUR@015 ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~) [32]. # والجواب عن ذلك : أن ظاهره ليس فيه إلا أن منهم ظالم لنفسه ، وقد بينا أن ~~مرتكب الصغيرة قد يوصف بذلك من حيث فوت نفسه قدرا من الثواب ، لولاها لكان حاصلا. # والمراد بذلك ، على ما ذكر أبو على ، رحمه الله : أنه تعالى اختص بالرسالة PageV01P572 # والوحى وأنزل الكتب على الأنبياء ، ثم قسم : فذكر أن منهم ظالم لنفسه ~~بارتكاب الصغائر ، ومنهم مقتصد ms363 ، وهو الذى لم يرتكبها ، ويفعل سائر ~~الواجبات ، ومنهم سابق بالخيرات ، وهو الذى يبالغ فيما يفعله من النوافل ، ~~وينتهى فيه إلى حد عظيم ، وكل ذلك مما يليق بالأنبياء ، عليهم السلام . # وقد قال غيره : إن المراد بذلك أنه أورث الكتاب المؤمنين القابلين عن ~~الأنبياء ما أدوه من الرسالة ، لأنه لا بد أن يرثوا كتب الأنبياء من حيث ~~قبلوا وتمسكوا ، ولا بد من أن يصطفيهم تعالى ويخصهم بالعز والكرامة ، ثم ~~قسمهم فقال : منهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق ، على ما ذكرناه. ### |||| ** 613 وقوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) [41] يدل على نفى ~~التشبيه ؛ لأنه لو كان جسما لما صح تسكينهما على الحد الذى قد علمناه ؛ لأن ~~الجسم لا يجوز أن يسكن الشيء المنفصل منه إلا ببعض جوارحه ، ولا يصح أن ~~يسكنه على غير هذا الوجه ، فلولا أنه تعالى قادر لنفسه يخترع الأفعال ~~اختراعا لما صح ذلك. PageV01P573 ### | ومن سورة يس ### |||| ** 614 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه أقام الحجة على بعض دون بعض ، ~~فقال : ( @QUR@05 لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ) [6] # والجواب عن ذلك : أن الإنذار إذا كان من قبل الرسول فغير ممتنع أن ينذر ~~قومه « دون من (1) تقدمهم ، إن لم يكن إرسال الرسول إليهم مصلحة لهم ، ~~فاقتصر بهم على ما كلفوه من جهة العقل. وإنما لم ينذروا بالسمع للاستغناء ~~عنه ، فلأن الحجة قامت عليهم فى سائر ما كلفوه بالعقل دونه ، فبين تعالى أن ~~قبل بعثته الرسول ، صلى الله عليه ، كانت الحال حال فترة لم يبعث فيها ~~الرسل ، وإن كان التكليف قائما ، فليس فى ظاهر الكلام ما يمنع مما ذكرناه! # وبعد ، فإن المخالفين لا يقولون بجواز التكليف مع عدم الدلالة والحجج ، ~~فلا بد من أن يتأولوا هذه الآيات على بعض الوجوه. وإنما يلزمهم جواز ~~التكليف مع عدم الدلالة ، على قولهم بجوازه مع عدم القدرة ، ويبين أن ~~الحاجة إلى القدرة آكد من الحاجة إلى الدلالة ، فإذا جاز التكليف معه فبأن ~~يجوز مع عدم الدلالة أولى ، وإلا فالقوم لا يرتكبون ذلك ms364 على وجه! ### |||| ** 615 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يكلف ويمنع مما كلف : فقال : ( ~~@QUR@022 إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا ~~من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) [9] PageV01P574 # والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه جعلهم بهذه الصفة ، وهذا لو ثبت لما ~~منع من الإيمان ، لأن الغل والسد لا يمنعان من الإيمان ، ولو أن العدو عمل ~~ذلك بالأسير لم يمنعه ذلك من الإيمان ، والقيام بما كلف ، فالتعلق به فى ~~الوجه الذى ذكروه لا يصح! # وبعد ، فإن المعلوم من حالهم أنهم لم يكونوا كذلك ، فحمله على ظاهره ~~تكذيب للخبر ، فالضرورة توجب صرفه إلى خلافه. # وقد بينا من قبل فى أمثاله : أن المراد به التمثيل والتشبيه لحالهم بحال ~~المقيد المغلول الممنوع بالسد والحجب ، من حيث لم ينتفع بما سمع ، وأعرض عن ~~الاستدلال ، وشرحنا ذلك بما يغنى عن الإعادة (1). ### |||| ** 616 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق أعمال العباد ، فقال : ( ~~@QUR@018 وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا ~~من ثمره ، وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) [35] فخبر بأنه جعل ما عملته ~~أيديهم. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( @QUR@03 وما عملته أيديهم ) يقتضى ~~الرجوع إلى أقرب المذكور ، فكأنه تعالى قال : وفجرنا فيها من العيون ، لكى ~~يأكلوا من ثمره ، وما عملته أيديهم من المكاسب ، وقد علمنا أن رجوعه إلى ~~هذا وإلى ما تقدم لا يصح ، لاختلاف الغرضين ، فليس إلا ما ذكرناه. ولو حمل على PageV01P575 # ما ذكروه لتناقض ، لأن جعله تعالى يقتضى أنه من فعله ، وأنه مما عملته ~~أيديهم : يقتضى أنه من فعلهم ، وذلك يناقض. # على أنه يؤدى إلى أن لا يفيد ، لأنه لا يجوز منه تعالى أن يذكر فى جملة ~~النعم ما عملته أيدينا ، لأن ظاهر ذلك لا يوجب كونه نعمة. ومتى حملناه على ~~أن المراد ما يؤدى إليه عملنا من المكاسب دخل فى باب النعم ، لأنها عندنا ~~من قبله تعالى ، ومن جملة ما قدره من الأرزاق. فحمله ms365 على هذا الوجه الذى ~~يليق بالآية أولى. ### |||| ** 617 وقوله تعالى : ( @QUR@011 فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) [54] ~~يدل على أنه لا يجوز أن يأخذ فى ذلك اليوم أحدا بذنب غيره ، من الأطفال ~~وغيرهم. لأنه جعل ما ذكروه من حكم ذلك اليوم ، فظاهره يقتضى أنه لا يجوز خلافه. # ويدل أيضا على أنه لا يجازيهم على ما يخلفه فيهم ، لأنه يكون مجازيا لهم ~~على ما لا سبيل لهم إلى التخلص منه ، وهذا أعظم من تعذيب الواحد على ذنب غيره! # وقوله : ( @QUR@05 فاليوم لا تظلم نفس شيئا ) يقتضى تنزيهه عن الظلم ؛ ~~وذلك لا يتم إلا على ما نقول ، لأنه لو عذب فى ذلك اليوم الأطفال لم يكن فى ~~الظلم أعظم [ منه ] ، وكذلك لو كان سائر من يعذبه هو الذى خلق فيه ما عذبه ~~عليه لم يكن فى الظلم أعظم منه. ولو كان يجب أن يكون ظالما بالعذاب فى ~~الحال ويفعله لما أوجب ذلك من قبل ، فالله يتعالى عن قولهم علوا كبيرا. ### |||| ** 618 وقوله : ( @QUR@010 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان PageV01P576 # @QUR@017 إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ، ولقد أضل منكم ~~جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) [ 60 62 ] يدل على قولنا فى العدل ، من وجوه : # أحدها : أنه تعالى منع من عبادة الشيطان والقبول منه ، لأنه عدو. وعلى ~~قولهم ؛ يوجب ذلك أن لا يقبل منه تعالى أيضا ؛ لأن عداوته للكافر أشد ، لأن ~~الشيطان إنما يدعو إليه ويزينه ، والله تعالى يخلقه فيه على وجه لا مخلص له ~~منه! فما أوجب أن لا يقبل من الشيطان ، يوجب أن لا يقبل منه تعالى على ~~زعمهم!. # ومن وجه آخر ، وهو على قولهم يجب أن تكون العداوة من الشيطان لا تصح ، ~~وإنما تصح من قبله تعالى ، لأن الشيطان لو دعاه ، وبلغ النهاية فيه ولم ~~يختر تعالى خلقه الكفر فيه لكان وجود ما فعله كعدمه ، ولو خلق فيه تعالى ~~ذلك لوجب كونه كافرا وإن لم يدعه الشيطان أو رغبه فيه. وهذا يوجب كونه ms366 ~~تعالى هو العدو للكافر دون الشيطان! وذلك يؤدى إلى أمرين فاسدين : أحدهما : ~~أنه تعالى جعل ما ليس بموجود فى الشيطان علة فيه! والثانى : يوجب كونه علة ~~فيه تعالى ، ونفاه عن نفسه!! # وبعد ، فإنه تعالى فعل فى الشيطان ما صار به عدوا لبنى آدم ، ولو لا فعله ~~ذلك لم يصح كونه عدوا. فيحب أن يكون تعالى هو العدو للكافر على قولهم من ~~وجهين : أحدهما أنه فعل به الضرر. والآخر أنه فعل بغيره دعاءه إلى الضرر. ~~فهو العدو والحامل للعدو على العداوة ، وقد علمنا أن العاجز عن # (م 37 متشابه القرآن) PageV01P577 # الإضرار ، بإرادته المضرة بالغير ، لا يكون عدوا فى التعارف مع ظهور عجزه ~~، فكيف يقال فى الشيطان : إنه عدو ولا سبيل له إلى فعل العداوة إلا بأن ~~تخلق فيه! ولا يكون تعالى عدوا للكافر على قولهم مع أنه يخلق الكفر فيه ~~ويحمله عليه ويصرفه عن الإيمان وقدرته ثم يعاقبه عقابا دائما؟ وكيف يقبل ~~نقض الكافر هذا العهد من الله تعالى مع أنه الذى يخلق فيه المعاصى ولا ~~يمكنه التخلص منها. وفائدة العهد : أن يكون تذكره داعيا إلى ما عهد إليه من ~~ترك المعصية ، وذلك لا يصح ، مع وجوده فيه من فعل الغير على وجه لا يمكن ~~مفارقته. ### |||| ** 619 وقوله : ( @QUR@05 وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) يقتضى أنه بعثه على عبادته من حيث ~~سهل الطريق وأوضح السبيل ، وذلك لا يصح إلا إذا كانت العبادة من جهتهم تقع ~~، وباختيارهم تكون ؛ وإن كان تعالى هو الممكن لهم من فعلها. ### |||| ** 620 وقوله : ( @QUR@05 ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ) إنما يتم متى لم يكن هو الخالق ~~للضلال فيهم. وإلا فوجود إضلال الشيطان كعدمه ، لأنه لا تأثير له ، لأنه إن ~~اختار تعالى فيه خلق الكفر وجب وجوده ، أضله الشيطان أم لا ، وإن لم يختر ~~ذلك منه فكمثل ، فكيف يقال ، على طريق الذم للشيطان : إنه أضل خلقا كثيرا ، ~~مع أنه تعالى هو الخالق للضلال فيهم ، بل هو الخالق لإضلاله لهم وللشيطان ~~أيضا؟ فتعود الحال إلى أنه لا مضل إلا الله تعالى ms367 ، ولا عدو للكافر إلا هو ~~، لكنه يضل ويعادى بخلقه الضلال ، وبخلق الإضلال والعداوة فى غيره. وهذا ~~ظاهر فيما نريده من إثبات العدل ، وأنه لا يخلق أفعال العباد ، ولا يضل ~~الكفار والعصاة. ### |||| ** 621 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على جواز الجوارح عليه ، PageV01P578 # فقال : ( @QUR@09 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ) [71] # والجواب عن ذلك : أنا قد بينا من قبل الكلام فى ذلك (1). # وظاهر هذه الآية مما لا يقول به مسلم ؛ لأن من يجوز الجوارح على الله ~~تعالى لا يثبت له الأيدى ، فلا بد من حاجته إلى تأويل هذه الآية ، فيكون ~~حاله كحالنا فى تركه الظاهر ، والعدول إلى التأويل. # وقد ثبت أن ذكر الأيدى هو على طريق التأكيد ، وذكرنا لذلك أمثالا ، نحو ~~قول القائل لغيره : ذلك بما جنته يداك ، وإن كانت الجناية بالقول والكلام ، ~~فالمراد به ما جنيته. فكذلك المراد بهذه الآية : أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما ؛ وذكر على جهة الامتنان ، وبين سائر وجوه منافعهم بالأنعام ~~مما عدد من بعد ، إلى قوله : ( @QUR@02 أفلا يشكرون ) (2). ### |||| ** 622 فأما قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [82] فقد بينا ~~الكلام فيه (3). # * * * PageV01P579 ### | ومن سورة والصافات ### |||| ** 623 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يعاقب من لا ذنب له ، فقال : ( ~~@QUR@014 احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) [ 22 23 ]. # والجواب عن ذلك : أنه تعالى لم يذكر أن أزواجهم لا يستحقون العذاب ، وقد ~~يجوز أن يكونوا بهذه الصفة ؛ لأن الظاهر [ لا ] يمنع منه ، فلا يصح تعلقهم ~~بالظاهر ، ولو أن أحدنا قال لغيره : اضرب هذا ، فقد جنى. واضرب هذا معه ، ~~لم يكن فى الكلام ما يدل على أن الثانى ما حاله. # والمراد بالآية : احشروا الذين ظلموا وقرناءهم الذين شاركوهم فى الظلم ~~وأعانوهم عليه ، لأن من هذا حاله ، لأجل المشاركة ، يوصف بهذه الصفة. # وقوله : ( @QUR@06 وما كانوا يعبدون من دون الله ) يدل على أن جميع من ~~تقدم ذكره عبدوا من دون الله تعالى ms368 ، فقد دل على مشاركة أزواجهم لهم بما ~~يوجب عقابهم. # فأما ما كانوا يعبدون من دون الله من الأصنام فغير ممتنع أن يدخلها تعالى ~~الجحيم ، كى يزداد غمهم عند مشاهدتهم لها ، وتذكرهم أحوالهم معها ، وعلمهم ~~بأنهم يعاقبون لأجل ذلك. ### |||| ** 624 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق أفعال العباد ، فقال : ( @QUR@07 ~~أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) [ 95 96 ] والجواب عن ذلك : أن ~~ظاهر قوله : ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) يقتضى أنه علة فى الأول ، ~~وقد علمنا أن قوله : ( @QUR@04 قال أتعبدون ما تنحتون ) هو تبكيت لهم ، وليس PageV01P580 # باستفهام (1)، ولا يجوز أن يبكتهم فى عبادة الأصنام ، ثم يقول على طريق ~~التعليل : ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) إلا وللثانى تعلق بالأول ~~وتأثير فيه ، وقد علمنا أنه لا يجوز أن يكون كذلك إلا والموصوف ثانيا ، هو ~~الموصوف أولا حتى يصح كونه علة فيه وسببا يمنع من عبادتهم له. ولو لا ذلك ~~لخرج القول الثانى من أن يتعلق بالقول الأول. فإذا صح ذلك وجب ضرورة حمل ~~قوله ( @QUR@02 وما تعملون ) على أن المراد به الصنم ، ليصح أن يكون علة فى ~~المنع من عبادته ، ومقتضيا التبكيت والتوبيخ ، ويكون كأنه قال : أتعبدون ما ~~تنحتون من الأصنام المعمولة من الخشب والله خلقكم وخلق ذلك معكم ، فكيف يصح ~~أن تنحتوه إلها يعبد ، مع حاجته فى خلقه إلى الله تعالى ، كما أنكم تحتاجون ~~إليه ؛ ومع أنه لا يملك ضرا ولا نفعا ، وهو تعالى المالك لذلك لكم وله؟ # ومتى حمل الكلام على خلاف ذلك أدى إلى كونه سخفا ، لأنه يصير كأنه قال : ~~أتعبدون ما تنحتون ، والله خلقكم وخلق فى أيديكم الحركة! وقد علمنا أن ذلك ~~لا يقع من كثير من السفهاء ، فضلا عن الحكيم! # وليس لأحد أن يقول : إن الذى ذكرتموه زوال عن الظاهر ، وقد بينتم فى جميع ~~ما يتعلق به القوم أن تثبتوا أن الظاهر ليس معهم ، وذلك أن هذا الكلام إذا ~~ورد مورد التعليل كان ظاهره ما قلناه ، ولو كان لو انفرد لكان ظاهره ما ~~زعموه ، ولا يمتنع فى ms369 الكلام أن يتغير ظاهره بما يتصل به من مقدمة ومؤخرة ، ~~وقد بينا أن ظاهر التعليل إذا ذكر عقب التبكيت ؛ يقتضى ما قلناه ، فلم يخرج ~~إذا لهذا الوجه عما نظمناه فى جميع الآى ، على ما زعمه السائل. PageV01P581 # يبين ما قلناه : أن قوله تعالى : ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) لو ~~انفرد لم يفد ، وإنما يفيد إذا علق بما تقدم ، وفائدته تقتضى ما ذكرناه. # وبعد ، فإن قوله : ( @QUR@02 وما تعملون ) لا بد من أن يكون راجعا إلى ما ~~تقدم رجوعه إليه ، فيقتضى تقدير محذوف ، ولا يخلو ذلك من وجهين : إما أن ~~يريد : وما تعملون فيه النحت. أو يريد : وما تعملونه من النحت فيه ، لأنا ~~إن حملنا الكلام على عمل لا تعلق له بالأصنام البتة ، اقتضى كون الكلام ~~لغوا. وقد علمنا أنه متى حمل على الثانى خرج من باب التعليل وصار كأنه ~~يتعلق بالأصنام ، لأن القوم لا يعبدون النحت الذى هو فعلهم فى المنحوت ، ~~ولا استحقوا التبكيت واللائمة على شيء يتعلق به ، فيجب إذا أن يكون محمولا ~~على الوجه الأول ، وهو ما يعملون النحت فيه ، وهذا يوجب أن المراد ما قلناه ~~من أنه خلقهم وخلق ما عملوا فيه النحت من الأصنام. وهذا مما لا ينكر. # يبين ما قلناه أن الفصيح لو قال وقد عصى غيره (1) فى أكل أو شرب أو لباس ~~: كيف تعصينى وقد ربيتك وأعطيتك ما تأكل وما تشرب ، لوجب حمل الظاهر على ~~المأكول والمشروب دون الأكل والشرب ، اللذين هما من فعله. وكذلك ما ذكرناه ~~، لأن ( @QUR@02 ما تعملون ) بمنزلة قول القائل : « ما تأكلون ) وإن كان ~~أحدهما أخص من الآخر. # وهذا هو الواجب فى كل ما تعلق العمل به إذا كان العمل فى الأجسام المشار ~~إليها ، لأن الإنسان إذا قال : الصانع يعمل الخلخال ، فالمراد به نفس الجسم ~~، والنجار يعمل الباب ، والحداد يعمل الفأس ، فعلى هذا الوجه قال تعالى : ( ~~@QUR@01 يعملون PageV01P582 # @QUR@06 له ما يشاء من محاريب وتماثيل ) (1) وأراد بكل هذا المعمول فيه ~~دون العمل ، وقال تعالى : ( @QUR@03 تلقف ما يأفكون ) (2) و ( @QUR@03 تلقف ~~ما صنعوا ) (3) وأراد بذلك ما صنعوا فيه ms370 من الحبال أو غيرها ؛ لأنها التى ~~يصح فيها التلقف والتناول ، دون حركاتهم. # فهذه طريقة فى التعارف أقوى مما ادعوه لو لم يكن الكلام جاريا مجرى ~~التعليل أيضا. # على أن الكلام متى كان على ما حملوه تناقض فى المعنى ، وذلك أنه تعالى ~~إذا أراد : والله خلقكم وخلق عملكم ، فقد وجب بذلك لا محالة أن يكون خالقا ~~لنفس عبادتهم لأنها من جملة العمل ، ولأنه لا يصح التفرقة بين الأعمال فى ~~أنه تعالى يخلقها عندهم ، فإذا صح ذلك وجب على هذا أن يكون تعالى كأنه قال ~~: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق عبادتكم مع سائر أفعالكم؟ وهذا يوجب ~~زوال التبكيت واللائمة ، من حيث قصد به التبكيت ، وهذا يتناقض ، على ما ~~ذكرناه ، لأنه تعالى إن خلق عبادتهم فكيف يجوز أن يوبخهم عليها؟! وإن خلق ~~فيها تحت الأصنام ، فكيف يجوز أن يوبخهم على ذلك؟ وكل كلام صدر من حكيم ~~فحمله على ما يناقض فى الوجه المقصود إليه لا يصح ، والواجب حمله على ما ~~يشاء ويصح ، وهو الذى قلناه. # وبعد ، فإنه تعالى حكى ذلك عن إبراهيم ، عليه السلام ، فى إنكاره عليهم ~~عبادة الأصنام ، وقوله : ( @QUR@05 أإفكا آلهة دون الله تريدون ) [86] إلى آخر PageV01P583 # الآية يدل على ما قلناه وذلك يوجب أنه أورد ذلك عليهم مورد الحجاج ، ~~ليصرفهم به عماهم عليه من عبادة الصنم ، ولكى يعدلوا عن عبادة الصنم إلى ~~عبادة الله تعالى. فلو حمل الكلام على ما قالوا لكان إبراهيم كأنه قال لهم ~~: أتعبدون الأصنام ، والله خلقكم وخلق فعلكم؟ ولو أراد ذلك لكان فى نهاية ~~الركاكة ، وكان لهم أن يقولوا : وما فى أنه خلقنا وخلق أعمالنا ما (1) يوجب ~~أن ننصرف عن عبادة الصنم ، فليس الصنم نحن ، ولا عملنا وإنما هو ثالث لهذين ~~الأمرين اللذين ذكرنا ، فكيف ننصرف عن عبادته من حيث ثبت فى غيره أن الله ~~خلقه؟ فكانت الحجة لهم عليه ثابتة ، وكل قول يؤدى إلى لزوم حجة الكفار ~~للأنبياء ، فهو فى نهاية الفساد. # فالصحيح إذن ما ذكرناه من أنه بين أنكم تعبدون ما الله خلقكم وخلقه ، ~~فبأن ms371 تعبدوا الله الذى خلق الأمرين ، وهو مالك الضر والنفع ، أولى من أن ~~تعبدوا الصنم الذى فى أصل وجوده يحتاج إلى الإله الذى أدعوكم إلى عبادته ، ~~فضلا عن سائر صفاته. وقد علمناه أنه متى حملوه على هذا الوجه فحجته لهم ~~لازمة ، فحمله عليه أولى. وعلى هذا الوجه سلك الحجاج الذى قبله حيث قال : ( ~~@QUR@04 ما لكم لا تنطقون ) [92] وقال لهم : ( @QUR@02 ألا تأكلون ) [91] ~~ليتبين ذلك (2) للسامع أن الأصنام إذا لم يصح منها النظر ولا الأكل ولا ~~التصرف فهى مدبرة ، فلا يصح أن تعبد وتترك عبادة الله تعالى المدبر ~~للخلائق. # وبعد ، فإنه جل وعز حكى عن قوم إبراهيم ، عليه السلام ، أنهم كانوا عباد ~~أصنام ، وأنه صلى الله عليه ، كان يخاطبهم دائما فى ذلك ، ولم يحك عنهم الكلام PageV01P584 # فى خلق الأفعال ، وأنهم أضافوها إلى العبيد أو إلى القديم تعالى ، فكيف ~~يصح ، مع أن هذا هو المعلوم من حال قومه ، وصدر الآيات وعجزها ، بل جميعها ~~، هو فى هذا الباب أن يذكر فى خلاله ما لا يتعلق به ولا يليق بما هو فيه؟ ~~وكل ذلك يوجب بطلان ما حملوا الآية عليه. # وبعد ، فإن الأمر لو كان كما قالوا ، وصح كونه خالقا لتصرفهم [ لما صح ] ~~، أن يجعله عملا لهم ؛ لأن العمل إنما يكون عملا للعامل بأن يوجده ويحدثه ، ~~ومتى وجب ذلك استحال أن يكون تعالى خالقا له ، لأن خلقه لا يفيد إلا إخراجه ~~من العدم إلى الوجود ، فإذا حصل كذلك بمن عمله فما الفائدة فى كونه خلقا له ~~تعالى؟ هذا يوجب أن يكونوا قد حملوا الكلام على وجه يتناقض! # وبعد ، فلو أراد تعالى بذلك أفعال العباد ، على ما زعموه ، لكان الظاهر ~~لا يقتضي ما قالوه ، لأنا قد بينا أن ظاهر الخلق هو التقدير ، وأنه لا ~~يمتنع من حيث اللغة أن يكون الخالق خالقا لما لم يفعله فى الحقيقة ، إذا ~~دبره وقدره والفاعل غيره (1) فكان يجب على هذا الوجه الذى ذكروه أن يقال ~~إنه تعالى أراد : والله دبركم ودبر أعمالكم ، ولا يجب كون عملنا خلقا له تعالى. # وبعد ، فإن ms372 ظاهر الكلام يقتضى أن يكون المراد بقوله : ( @QUR@02 وما ~~تعملون ) أمرا مستأنفا ، لأن اللفظة تدل على الاستقبال وقد علمنا أن ما ~~سيعملونه (2)، مما لم يوجد بعد ، محال أن يكون خلقا له تعالى ، لأن ذلك هو ~~صفة الموجود على بعض الوجوه. ومتى قالوا : إن المراد بذلك ليس هو الاستقبال ~~، بل المراد به عملهم الذى تقضى ، أو الكائن ، فقد زالوا عن الظاهر ~~ونازعونا فى التأويل PageV01P585 # ويصير الكلام متناقضا لأنه كأنه قال : والله خلقكم وخلق المعدوم الذى لم ~~يوجد ويوجب أن لا يكون فى القول فائدة ، وأن لا يتعلق ذلك بما وبخهم عليه ، ~~وبكتهم به. # وبعد ، فإن كان الظاهر يوجب ما قالوه ، فيجب أن لا يكون عملهم باطلا ، ~~ولا قبيحا ولا متفاوتا ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت ) (1) ولقوله تعالى : ( @QUR@05 الذي أحسن كل شيء خلقه ) (2) وقد ~~علمناه متفاوتا ، ويقبح ، ولا بد من كونه باطلا ، خصوصا عبادة الأصنام ~~والأوثان ، فلم صاروا بأن يتعقلوا بظاهر هذه الآية بأولى من سائر الآيات فى ~~المنع من التعلق بظاهرها ، وقد علمنا أن الحكيم إذا بين بعض الأمور وأوضحها ~~، فالواجب فى خطابه من بعد أن يترتب عليه ، ومتى رتب على ذلك لم يعد ذلك ~~خروجا عن الظاهر ؛ لأنه يخاطب على معهود وعرف. فإذا كان تعالى قد بين من ~~جهة العقل أن تصرف العبد الذى يستحق به الحمد ، والذم ، والثواب ، والعقاب ~~، ويقع بحسب دواعيه ومقاصده ، وبحسب اختياره وعلمه وآلاته ؛ لا بد من أن ~~يكون واقعا من جهته لأنه لو كان فعلا لغيره لم يجب كونه موقوفا على قدره ~~وعلومه وآلاته ودواعيه ثم بين من جهة السمع مثل ذلك ، ونبه على أنه لا يفعل ~~إلا الحسن الذى لا تفاوت فيه ، والمتقن المحكم ، فالواجب فيما دبر من الآى ~~إذا احتمل ما يوافق (3)، أن يكون حمله على ذلك كالظاهر المعهود المتقدم ، ~~على بيناه. # وكل ذلك يبين أن تعلق القوم بمثل هذا يدل على ذهابهم عن طريق PageV01P586 # الأدلة ، عقلا وسمعا ، وقلة معرفتهم بوجوه الكلام ومخارجه وتعلق البعض ~~بالبعض. ### |||| ** 625 فأما قوله تعالى ms373 ، من بعد : ( @QUR@05 وقال إني ذاهب إلى ربي ) [99] فالمراد بذلك : إلى حيث أمرنى ربى. ~~وقد بينا القول فى نظائر ذلك (1). ### |||| ** 626 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يأمر بالشيء ولا يريده فقال : ( ~~@QUR@013 قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ) [102] ~~ثم بين فى الآية ما يدل على أنه لم يرد الذبح ، فإنه فداه بذبح عظيم (2)؟ # والجواب عن ذلك أن الذى ....... ( ا ) مأمور به ، وأنه ليس بمراد ..... ( ~~ب ) يستدلوا به على أن الذبح مأمور به لم يكن فيه دلالة على أنه ليس بمراد ~~، بل من يقول إنه مأمور به يقول إنه مراد ، ويجوز فى الأمرين البداء والنسخ ~~، على بعض الوجوه ، فتعلقهم بذلك على هذا الوجه مما لا يشهد له الظاهر. # وإنما بنوه على أصولهم فى أن ما لا يقع لا يكون مرادا لله ، ورأوا أن ~~الذبح لم يقع فقطعوا على ذلك ، وحكموا عنده بأنه مأمور به وإن كان هذا ~~حاله. وهذا جمع بين الظاهر وبين مذهب لهم ، فيه التنازع. وكيف يصح فيما هذا ~~حاله أن يعد استدلالا بالظاهر مع حاجته إلى ضم ما فيه الخلاف إليه ، وما ~~يجرى مجراه من المذاهب؟ ولا فرق بينهم فى ذلك وبين من يقول : إذا ثبت أنه ~~ليس بمراد PageV01P587 # وقد صح أن المأمور به لا بد من كونه مرادا ، فيجب أن لا يكون مأمورا به. ~~أصلا! ومتى قالوا فى هذا القول : إنه رجوع إلى غير الظاهر ، لزمهم مثله ~~فيما قالوه. # وبعد ، فإن الظاهر يقتضى أنه رأى فى المنام أنه يذبحه ، فمن أين أن ذلك ~~أمر من الله تعالى؟ وقد يرى فى المنام ذلك وغيره. بل الظاهر فيما هذا حاله ~~أن لا يقطع بأنه أمر من الله فى الحقيقة إلا بمقدمة يعلم بها هذا من حاله ، ~~فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟ ومتى قالوا : قد علمنا بغير الظاهر أنه أمر من ~~الله تعالى ، فقد خرجوا عن الظاهر ودخلوا فى باب التأويل معنا. # وقد بينا فى أصول الفقه القول فى ذلك ، وأنه تعالى ms374 ذكر الذبح ، وأراد به ~~مقدماته من الإضجاع وأخذ المدية ، لأن فاعل ذلك من حيث يقرب إلى أن يكون ~~ذابحا يوصف بهذه الصفة ، كما قيل فى مقدمات الموت من المرض المخوف : إنه ~~موت ، فقال تعالى : ( @QUR@010 كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية ) (1) وقد علمنا أن الوصية لا تكون منه مع وقوع الموت. # وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@03 قد صدقت الرؤيا ) [105] ولما وقع الذبح ~~وإنما فعل ما قلناه ، يدل على أن المراد بالكلام ما قلناه. فإذا صح ذلك وقد ~~فعل إبراهيم ، عليه السلام ما أريد منه ، ثبت أن الذبح الذى لم يفعله ليس ~~بداخل فيما أمر به ، ولا فيما أريد منه ، وذلك يبطل تعلقهم بالظاهر. # وقد بينا الكلام على من يستدل بذلك فى جواز البداء ، وفى جواز النسخ قبل ~~وقوع الفعل ، فلا وجه لإعادته. PageV01P588 ### | ومن سورة ص ### |||| ** 627 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يجعل النبى نبيا ، والفاضل فاضلا ~~، فقال : ( @QUR@07 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) [26] والجواب عن ~~ذلك : [ أنه لا يمتنع فيما ] (1) هذا حاله أنه يجوز أن يراد به ما يقتضيه ~~الظاهر من إرساله إياه ، وبعثه إلى الناس ، فصيره بذلك خليفة من حيث يلزمهم ~~القبول منه ، والانقياد له ، كما يلزمهم ذلك لو سمعوا كلامه تعالى وفهموا ~~أوامره. ويجوز أن يراد بذلك اللطف والمعونة ، فليس للمخالف فى ذلك متعلق. ### |||| ** 628 وقوله تعالى : ( @QUR@07 فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) [26] يدل على أنه قادر ~~على الأمور قبل فعله لها ، وعلى أنه يختار فعلا على فعل. ### |||| ** 629 وقوله : ( @QUR@04 فيضلك عن سبيل الله ) [26] يدل على أنه تعالى لا يضل ، لأنه لو ~~أضل لكان لا يضاف الضلال إلى الهوى وإلى الشيطان ، وقد مضى الكلام فى جميع ~~ذلك (2). ### |||| ** 630 وقوله تعالى : ( @QUR@011 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) ~~[27] يدل على أنه منزه من فعل القبيح ، وأن من أضاف إليه ذلك ووصف ما خلقه ~~بأنه باطل فهو كافر. وقد تقدم كيفية الاستدلال بذلك من قبل (3). ### |||| ** 631 وقوله ms375 تعالى : ( @QUR@06 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات PageV01P589 # @QUR@07 كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) [28] يدل على ~~قولنا فى الوعيد ، وذلك أن على مذهب المرجئة لا يمتنع أن يتساوى حال الفاجر ~~والمتقى إذا كانا مؤمنين ، بأن يحصل مع الفاجر من الأعمال ما يساوى عمل ~~المتقى ويزيد عليه ، بل لا يمتنع على قولهم أن يكون أرفع حالا من المتقى ، ~~وقد علمنا أنه تعالى إنما أراد أنه لا يجعلهما بمنزلة فيما يتعلق بالثواب ~~والعقاب ، لأنه قد سوى بينهما فى أكثر أحكام الدنيا ونعيمها ، فإذا كان ~~المراد ما قلناه وجب أن يدل على أن الفاجر يدخل النار ، وإلا أدى إلى أن ~~يكون بمنزلة المتقى. # * * * PageV01P590 ### | ومن سورة الزمر ### |||| ** 632 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه لم يهد الكافرين فقال : ( ~~@QUR@08 إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) [3] # والجواب عن ذلك قد تقدم ، لأنا قد بينا أن الهدى قد يكون لغير معنى ~~الدلالة ، كما يراد به الدلالة (1). والمراد به فى هذا الموضع أنه لا ~~يهديه للثواب لأجل كفره وكذبه ، أو لا يهديه بزيادات الهدى من حيث لم يهتد ~~، ولذلك أورد الهدى بلفظ الاستقبال ، وإن كان كاذبا كافرا فى الحال. # والذى ينبغى أن يعلم فى هذا الباب : أنه تعالى متى نفى الهدى عمن وصفه ~~بصفات الذم ، فالواجب أن يكون محمولا على ما قلناه ، من أنه لا يهديه إلى ~~الثواب ، ليصح تعلقه بما تقدم ، ولهذا قال تعالى فى السورة التى بعدها : ( ~~@QUR@08 إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) (2) وقال : ( @QUR@06 فإن الله ~~لا يهدي من يضل ) (3) إلى غير ذلك. وهكذا القول فى الضلال إذا علقه تعالى ~~بين وصفه بالذم أو بالأفعال المقتضية للذم ، فى أنه يجب حمل الضلال على ~~العقاب ، وعلى الذهاب عن الثواب وطريقة. وهذا كقوله : ( @QUR@07 كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب ) (4)، ( @QUR@03 ويضل الله الظالمين ) (5)، ( ~~@QUR@05 وما يضل به إلا الفاسقين ) (6). PageV01P591 # 633 وقوله تعالى : ( @QUR@014 إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ) [7] يدل على أنه تعالى لا ms376 يريد الكفر ~~الواقع ، لأنه لو أراده لوجب ، متى وقع أن يكون راضيا له وبه ؛ لأن الرضا ~~بالفعل ليس إلا ما ذكرناه ، ولذلك يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا ويقع على ~~ما أردناه ، ولا نكون راضين به ، أو نرضاه وإن لم نرده البتة. # فإذا صح ذلك وبين أنهم إن كفروا لم يرض ذلك مع وقوعه ، فقد دل ذلك على ما ~~ذكرناه. # وفصله تعالى بين الشكر والكفر فى إثبات الرضا بالشكر ونفيه عن الكفر من ~~أدل الدلالة على أنه تعالى يريد الطاعات ويرضاها دون المعاصى والكفر. ### |||| ** 634 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [7] فقد بينا أنه يدل على أن أحدا لا ~~يؤخذ بذنب غيره (1). ويدل على نفى تعذيب أطفال المشركين. ### |||| ** 634 وقوله تعالى : ( @QUR@010 أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ) [19] يدل ~~على أن من أخبر الله تعالى أنه بعدله لا يخرج من النار ، فإذا صح أنه أخبر ~~بذلك فى الفجار والفساق فيجب ذلك فيهم. # ويدل أيضا على أنه صلى الله عليه لا يشفع لهم ، لأنه لو شفع لهم لوجب أن ~~يكون منقذا من النار ، وقد نفى الله تعالى عنه ذلك. PageV01P592 # 636 وقوله : ( @QUR@010 لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ~~) [20] يدل على أنهم يختصون بالجنة. ### |||| ** 637 وقوله من بعد : ( @QUR@06 وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) [20] يدل على أن ما تخوف وتوعد ~~به لا يجوز فيه الخلف ، كما لا يجوز فى وعده. ### |||| ** 638 وقوله تعالى : ( @QUR@010 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) [22] لا يدل ~~على أنه تعالى يخلق (1) الإيمان والثبات عليه ، وذلك لأن ظاهر شرح الصدر لا ~~يجوز أن يكون هو المراد ، لأن ذلك يرجع إلى تفريق الأجسام وبسطها ، وذلك ~~غير مراد ، فالمراد بالكلام غير ظاهره ، وقد علمنا أن الإيمان ليس بشرح ~~الصدر فى الحقيقة ، فكيف يصح حمله عليه؟ # وإنما أراد تعالى بذلك زيادات الألطاف وإيراد الأدلة والخواطر ، على ما ~~قدمناه من قبل (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@05 فهو على نور من ربه ) أراد بذلك الهدى والدلالة ms377 ~~[ وإنما سماه نورا ] (3)، من حيث يهدى به وإن كان يدل على أنه قد اهتدى ، ~~فجعله نورا (4) فى الحقيقة. ### |||| ** 639 وقوله تعالى : ( @QUR@07 الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) [23] يدل على أنه ~~محدث ، لأن الحديث هو المحدث إذا تقارب وجوده ، وتقول العرب فيما تقادم ~~وجوده : قديم ؛ فصلا بينه وبين ما تقارب وجوده ، PageV01P593 # فإذا وصفه تعالى بأنه حديث ، فيجب كونه محدثا ، ولهذا وصف الحديث الذى ~~يتجارى فيه وبه بهذا الوصف ، لأنه حادث فى الوقت ، ولهذا يصفون ما تقارب ~~وجوده بأنه حديث. وما تقدمه فى السنة الماضية بأنه عتيق. # ووصفه تعالى للكتاب بأنه منزل يدل أيضا على ما قلناه ، لأنه إن كان قديما ~~فذلك يستحيل فيه ، فلا بد من أن يراد به (1) أنه منزل إما بنفسه أو بمحله. ~~وكل ذلك يقتضى حدوثه. # ووصفه بأنه متشابه ، وأراد به أنه متشاكل فى الحكمة ، يقتضى أيضا حدثه ، ~~لأن القديم يستحيل فيه أن يكون أشياء متشابهة. ### |||| ** 640 وقوله من بعد : ( @QUR@05 ذلك هدى الله يهدي به ) (2) يدل على أن الهدى هو الدلالة والبيان ~~، وأنه يهدى به المكلف ، وإنما قال : ( @QUR@04 يهدي به من يشاء ) (3) لأنه ~~يهدى بذلك من بلغ حد التكليف من عباده ، بأن يجعله دلالة لهم دون سائر ~~العباد ، فالتخصيص صحيح فى هذا الباب ، وإن قلنا إن الدلالة عامة فى جميع ~~المكلفين. ### |||| ** 641 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 قرآنا عربيا غير ذي عوج ) [28] يدل أيضا على حدثه ، من حيث وصفه ~~بكلا الوصفين. ### |||| ** 642 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 أليس الله بكاف عبده ويخوفونك PageV01P594 # @QUR@017 بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما ~~له من مضل ) [ 36 37 ] يجب أن يحمل على الثواب والعقاب ، لأن من هداه الله ~~إلى الثواب فلا مضل له عنه ، ومن أضله عنه وعاقبه فلا هادى له إليه (1). ~~وقد بينا من قبل أن ذلك الظاهر لا يدل على ما يزعمون فى الضلال والإيمان ، ~~من أنه الإيمان والكفر. (2) ### |||| ** 643 وقوله تعالى من بعد : ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ) [42] لا يدل على أن الله ms378 تعالى ~~خلق الموت والقتل فيه ، لأن ظاهره إنما يقتضى أنه يتوفى الأنفس ، والتوفى ~~لا يفيد الموت والقتل. # وإنما المراد : أنه يستوفى ما فيها من الروح ، إما بنفسه وإما بأمره ، ~~فيكون متوفى لها ، ومتى أريد بذلك الموت فهو مجاز. وقد بينا أنه لو حمل على ~~الموت لم يمنع ذلك من كون القتل فعلا للقاتل (3) وإنما كان يجب أن يقال : ~~فإنه تعالى يحدث مع القتل موتا ، وهذا مما لا نأباه. ### |||| ** 644 وقوله تعالى : ( @QUR@021 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [53] لا يدل على ما يقوله ~~المرجئة من أن الفاسق يغفر له إذا كان من أهل الصلاة ، وذلك لأن ظاهره بأن ~~يتناول الكافر أولى ، لأنه أدخل فى كونه مسرفا على نفسه ، ولا يكاد يقال ~~ذلك فى كل من عصى ، وإنما يقال فيمن بالغ فى المعصية وانتهى فيه إلى غاية ~~عظيمة ، فإذا لم يوجب ذلك غفران الكفار فبأن لا يوجب غفران الفساق [ أولى ]. PageV01P595 # وبعد ، فإنه يوجب بظاهره أنه تعالى يغفر لهم لا محالة ، وليس ذلك بقول ~~لمن يعرف من المرجئة ، ويوجب القول بأنه تعالى قد أغرى بالمعاصى من حيث ~~علمنا أنه يغفرها لا محالة ، وهذا مما لا يجوز فى تكليف الحكيم. # وبعد ، فإن القنوط من رحمة الله هو أن يعتقد المسرف على نفسه أنه لا يغفر ~~له البتة ، فأما إذا اعتقد أنه يغفر له بالتوبة ، فإنه لا يكون قانطا ، ~~فيجب أن تكون المغفرة المذكورة على الوجه الذى يخرج المسرف على نفسه من أن ~~يكون قانطا من رحمة الله ، ولا يوجب ذلك إلا جواز المغفرة على بعض الوجوه ~~فقط فمن أين أنه تعالى يغفر على كل حال. # وبعد ، فإنه تعالى بين من بعد أنه يغفر مع التوبة والإنابة ، فقال : ( ~~@QUR@010 وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ) [54] ولو ~~أراد المغفرة على كل وجه لم بخوف من العذاب إذا هم لم ينيبوا ولم يسلموا ، ~~بل كان يجب زوال العذاب عنهم ms379 للمغفرة المتقدم ذكرها ، أنابوا وأسلموا أم لم ~~يفعلوا ذلك. # وبعد ، فإذا ثبت أن الكفار داخلون فى الآية صح أن المغفرة بشرط التوبة ، ~~فكذلك المغفرة فى الفساق ، لأن الكلام على وجه واحد [ و] لا يمكنهم التخلص ~~من ذلك إلا مع القول بأنه تعالى إنما أراد الفساق فقط. وقد بينا أن وصفه ~~لهم بأنهم أسرفوا على أنفسهم كالمانع من ذلك ، على أن فيما بعده ما يدل على ~~أن الآية فى الكفار فقط ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@010 بلى قد جاءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) [59] لأن هذا راجع إلى ما تقدم. ### |||| ** 645 وقوله تعالى : ( @QUR@05 من قبل أن يأتيكم العذاب ) [54] يدل على أن التوبة والإنابة لا ~~تنفع إذا جاء العذاب ، على ما نقوله ؛ من أن أهل النار ملجئون ، فلا تقبل ~~لهم توبة. PageV01P596 # 646 وقوله تعالى : ( @QUR@03 ثم لا تنصرون ) (1) يدل على أن من جاءه ~~العذاب لا يكون له ناصر ، وفى هذا إبطال القول بالشفاعة. ### |||| ** 647 وقوله تعالى : ( @QUR@011 أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) [56] لا يدل ~~على أن الله جنبا على ما تقوله المشبهة وذلك أن هذه اللفظة إذا ذكرت مع ~~الفعل الذى يفعل للغير أو لأجل الغير ، فالمراد به الذات ، وهو الذى يعقل ~~من قول القائل : احتملت هذا فى جنب فلان ، وكسبت المال فى جنب فلان. فإنما ~~أراد الله تعالى : على ما فرطت فى ذات الله. ومتى لم يحمل على هذا الوجه لم ~~يفد البتة. # وتدل هذه الآية على اعترافهم بأنهم فرطوا ، وذلك يوجب أنهم قصروا فيما ~~كلفوا ، ولا يكونون كذلك إلا وكانوا متمكنين قادرين على الاستقامة ، فلما ~~زاغوا عنها حصلوا مفرطين. ### |||| ** 648 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) [60] مما ~~كان يحلف الحسن البصرى ، عليه رحمة الله ، أن الله تعالى ما أراد به إلا ~~المجبرة ، لأنهم كذبوا عليه فى إضافة القبائح إليه! ### |||| ** 649 وأما قوله : ( @QUR@03 خالق كل شيء ) [62] فقد تقدم القول فيه (2). ### |||| ** 650 وقوله بعده : ( @QUR@05 وهو على كل شيء وكيل ) [62] يدل على أن المراد ms380 بالأول : الأجسام ~~والنعم ؛ لأنها التى يصح وصف القديم بأنه وكيل عليها ، دون المعلومات وما ~~شاكلها من أفعال العباد. PageV01P597 # 651 وقوله تعالى : ( @QUR@03 والسماوات مطويات بيمينه ) (1) فلا يصح تعلق ~~المشبهة أن لله تعالى يمينا. ولا بقوله : ( @QUR@03 والأرض جميعا قبضته ) ~~أن له كفا ، وذلك لأن التعارف فى اللغة أن التمدح بما يجرى هذا المجرى إنما ~~يريد به الملك والاقتدار ، ليصح فيه التمدح ، وذلك لأن المتعالم أن كون ~~الشيء فى يد الإنسان لا يمنع كونه ملكا لغيره ، وأن لا يكون مقتدرا عليه ، ~~وإنما كان متمدحا متى حمل على طريقة الملك ، ولذلك قالوا فى المملوك هذه ~~اللفظة ، وأن فلانا يملك عبده ملك اليمين ، وإنما أرادوا بذلك المبالغة فى ~~كونه مالكا ؛ لأن حظ اليمين فى هذا الوجه أقوى من حظ الشمال ؛ لأنها أشرف ~~اليدين ، فلما قالوا فيما يملكه إن يده تحتوى عليه ، وقد صار فى يده ، لم ~~يمتنع أن يحققوا ذلك بذكر اليمين. وقد بينا القول فى ذلك من قبل وشرحناه (2). # وكذلك فإنما يراد بأن الشيء فى قبضة فلان ، أنه يصرفه كيف أراد ، وأنه ~~مستجيب له فيما شاء ، فلما كانت الأرض هذه حالها مع الله تعالى ، وكذلك ~~السموات ، جاز أن يتمدح بأنها فى قبضته ، وأن السموات مطويات بيمينه. # * * * PageV01P598 ### | ومن سورة المؤمن ### |||| ** 652 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه يفعل المعاصى ويزيلها (1)، فقال ~~: ( @QUR@08 وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ) [9] # والجواب عن ذلك : أن الآية واردة فى أهل الآخرة (2)، ولا يجوز أن يقال : ~~إنهم هناك مكلفون يفعل فى بعضهم السيئات ، ويوقاها البعض ، فيجب أن تكون ~~محمولة على العذاب الذى فى التخلص منه ثبوت الرحمة والفوز المبين ، على ما ~~ذكره تعالى. ولا يمتنع فى العذاب وإن كان حسنا أن يوصف بذلك من حيث كان ~~ضررا ، فشبه بالسيئات ؛ على ما ذكرناه فى وصفه بأنه شر فيما تقدم ؛ يبين ~~ذلك أن السيئات تقدمت منهم ، والدعاء فيه بما ذكره فى الآية يقتضى أنه ~~متوقع ، فلا يجوز أن يكون محمولا عليه. ### |||| ** 653 وقوله تعالى : ( @QUR@04 رفيع الدرجات ذو ms381 العرش ) [15] لا يدل على ما تقوله المشبهة من ~~أنه فى مكان ، وذلك أن ظاهرها إنما يقتضى أنه رفيع الدرجات ، وليس فيه أنه ~~عليها ، ودرجات الله عندنا رفيعة ؛ لأنها للمؤمن فى الجنة. ومتى قيل : دور ~~زيد حسنة ، لم يوجب ذلك أن يكون فيها ، فكذلك القول فيما ذكرناه. وإضافة ~~العرش إليه لا يقتضى أنه عليه ، كما أن إضافة البيت إليه بمثل هذه اللفظة ~~لا يقتضى أنه فيه. # وهذه اللفظة قد تستعمل على وجوه ، فيقال : زيد ذو إحسان ، وذو أفضال ، ~~وذو قدر ، وذو لحية حسنة ، وذو جمال وأخلاق ، والمراد بها يختلف ، فلا يصح ~~تعلقهم بظاهرها. PageV01P599 # 654 وقوله تعالى : ( @QUR@09 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ) ~~[17] يدل على أن أحدا لا يؤخذ اليوم بذنب غيره. ويدل أيضا على أن من يستحق ~~على عمله شيئا أنه يجازى به فى ذلك اليوم ، وفى ذلك إبطال القول بالشفاعة ~~على الوجه الذى يقوله القوم ، لأن إثباته كذلك يؤدى إلى أن فيهم ذلك اليوم ~~من لا يجازى بما عمل ، وذكر تعالى الكسب وأراد به العذاب والثواب ، لأن ما ~~يستفيده الفاعل بفعله من المنافع أو يجتنبه من المضار يوصف بأنه كسب له ، ~~ولذلك يقال فى المال الذى ربحه التاجر إنه كسبه ، فهو على هذا حقيقة ، وإن ~~لم يمتنع أن يقال إنه تعالى ذكر الكسب وأراد المستحق عليه. ### |||| ** 655 وقوله تعالى بعد : ( @QUR@07 ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) [18] بين [ فى ] أن الظالم ~~لا يشفع له النبى صلى الله عليه ، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل ~~لهم مزية فى التفضل وزيادة الدرجات ، مع ما يحصل له ، صلى الله عليه ، من ~~التعظيم والإكرام. # ومتى حملت الآية على أن المراد بها الكفار ، فهو تخصيص بلا دليل يوجب ذلك. ### |||| ** 656 وقوله تعالى : ( @QUR@08 إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) [28] وقوله : ( @QUR@07 كذلك ~~يضل الله من هو مسرف مرتاب ) [34] قد تقدم القول فيه (1). # 657 قوله ( @QUR@08 وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ) [37] PageV01P600 # فليس له ظاهر يقتضى من المزين له ذلك والصاد ms382 له عنه ، فلا يصح تعلق القوم ~~به (1). # والمراد بذلك : أن الشيطان زين له سوء عمله ودعاه ورغبه فيه ، فوصف من ~~حيث كان كذلك بأنه صاد عن السبيل ، ولم يرد أنه منع منه بالقسر ؛ لأن ذلك ~~كان يبطل التكليف ، وإنما أريد به الترغيب والبعث عليه. # ولو لا أن الأمر كذلك ، لوجب أن يوصف تعالى بأنه زين للكفار وصدهم عن ~~سبيله ، وذلك مما لا يجيزه مسلم!. ### |||| ** 658 وقوله تعالى : ( @QUR@019 فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) [ 84 85 ] فمن قوى ما يدل ~~على بطلان قول المجبرة ؛ لأنه تعالى بين أنهم عند رؤية العذاب لم ينتفعوا ~~بالإيمان من حيث كانوا ملجئين إليه ، فلو كان مخلوقا لله تعالى فيهم على كل ~~حال ، لكانوا بأن لا ينتفعوا به أولى من حيث كانوا ملجئين ، ولوجب أن تكون ~~أحوالهم عند رؤية العذاب وعند فقده إذا هم آمنوا تتفق ولا تختلف. وقد بينا ~~القول فى ذلك مشروحا (2). PageV01P601 ### | ومن سورة فصلت ### |||| ** 659 فصل : قد بينا أن قوله تعالى فى وصف القرآن بأنه تنزيل ، وبأنه قرآن ، وبأن آياته ~~فصلت ، وبأنه عربى ، وبأنه بشير ونذير ، وبأنه مسموع ، يقتضى حدثه ، فلا ~~وجه لإعادته (1). ### |||| ** 660 فأما قوله تعالى : ( @QUR@014 وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب ) [5] فقد بينا أن المراد به التمثيل والتشبيه (2). ولو ~~كان المراد به التحقيق لكان عذرا لهم فى الإعراض وترك ما كلفوا ، ولما ~~هددهم تعالى بقوله : ( @QUR@03 فاعمل إننا عاملون ) (3). ### |||| ** 661 وأما قوله تعالى : ( @QUR@07 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) [17] فقد بينا ~~أنه يدل على أن الهدى بمعنى الدلالة والبيان لا بمعنى خلق الإيمان (4)، ~~لأنه وصفهم بأنه هداهم وإن كانوا كفارا ، وبين أنهم استحبوا العمى على ~~الهدى وإن كان قد هداهم. وهذا يوجب أن الهدى أمر يجوز أن يختار التمسك به ~~وأن يستحب غيره عليه. ### |||| ** 662 وأما قوله تعالى : ( @QUR@09 حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ) [20] فقد ~~بينا الكلام ms383 فى هذه الشهادة ، وهل هى فعل لله ، أو فعل لهذه الجوارح ، بما ~~لا وجه لإعادته (5). PageV01P602 # 663 وقوله تعالى : ( @QUR@07 قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) [21] ~~لا يدل ظاهره على أن الكلام لا يكون إلا خلقا لله تعالى ؛ لأنه كان يجب أن ~~يكون ناطقا به ، وأن لا يصفهم بأنهم ناطقون ، ونطقوا! # وعلى أحد الوجهين الذى تأولنا عليه الشهادة ؛ يكون تعالى فاعلا لذلك ~~النطق فى الحقيقة ، فلا يكون فيه كلام. # وعلى الوجه الآخر يكون ملجأ إليه ، فيضاف إليه من هذا الوجه. ### |||| ** 664 وقوله : ( @QUR@013 وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم ~~القول ) [25] ليس فى ظاهره أكثر مما أنه سهل لهم وأتاح ، أو خلق قرناء ، ~~فلا يدل على أن ما به صاروا كذلك من قبله. ولا يمتنع إذا لم يمنعهم من ~~التزيين لما فيه من منع التكليف وزواله ، أن يقال : قيضهم تعالى ، كما ~~ذكرنا فى قوله : ( @QUR@05 أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) وما ذكرنا ~~هنالك يغنى عن البيان فى هذا الموضع (1) ### |||| ** 665 وقوله تعالى : ( @QUR@011 ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهء أعجمي وعربي ~~) (2) [44] يدل على أنه أحدثه على وجه دون وجه كان يجوز أن يحدثه عليه ، ~~وكان يقول عند ذلك الكفار : كيف يكون عربيا والكلام الذى جاء به عجمى؟ ### |||| ** 666 وقوله تعالى : ( @QUR@09 والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) قد تقدم القول [ ~~فيه ] (3). PageV01P603 ### | ومن سورة حم عسق ### |||| ** 667 مسألة : قالوا : ثم ذكر فيها ما يدل على أنه لم يرد من جميعهم الإيمان ، فقال : ( ~~@QUR@06 ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ) [8]. # والجواب عن ذلك : أنه لا ظاهر للكلام فيما ادعوه ؛ لأنه تعالى لم يذكر ~~الوجه الذى لم يجعلهم فيه أمة واحدة وجماعة ، فالمراد به محذوف ، لأنه ~~يحتمل أن يجعلهم أمة فى خصال كثيرة ، من حيث صح أن يشتركوا فى أمور كثيرة. # والمراد بذلك : أنه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان لجعلهم أمة واحدة فيه ، ~~ولكنه أراد ذلك منهم على طريقة التكليف ، فمن آمن دخل فى الرحمة ، ومن ظلم ms384 ~~لم يكن له ولى ولا نصير. ### |||| ** 668 وقوله تعالى : ( @QUR@07 والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) [8] يدل على بطلان القول ~~بأنه ، عليه السلام ، يشفع للظالمين من أمته. ### |||| ** 669 وقوله تعالى : ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [11] يدل على نفى التشبيه ؛ لأن هذه الكاف إذا ~~دخلت على هذا الوجه وكدت نفى التماثل. وهذا كقول القائل : ليس كمثل فلان ~~أحد ، فليس لأحد أن يقول : كيف يدل على ما ذكرتم؟ ومتى حمل على حقيقته أوجب ~~له إثبات المثل ، من حيث يفيد أنه لا مثل لمثله! ### |||| ** 670 فأما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@04 لا حجة بيننا وبينكم ) [15] فى أنه عليه السلام بين أنه لا حجة ~~عليهم له ، وأن ذلك يوجب عذرهم فبعيد (1)، وذلك PageV01P604 # لأن حمله على ما يعلم ضرورة خلافه لا يجوز ، ومعلوم من حاله ، صلى الله ~~عليه ، أنه كان من دينه ومذهبه أن له الحجة لازمة للكفار ، وأن عليهم ~~الانقياد له ولها ، فلا يصح حمله على ظاهره ، مع أن من خالفنا من المجبرة ~~لا يقول إن الكفار لا حجة للرسول عليهم ، فلا يصح تعلقهم بذلك. وإنما ~~نلزمهم نحن ، على مذهبهم ، أن لا يكون لله تعالى ، ولا لأحد من الرسل على ~~أحد من الكفار حجة ؛ لأن الغرض بالحجة التمسك بما توجبه عند القدرة عليه ~~وعلى الإعراض عنه ، وإن كان تعالى هو الخالق للكفر فيهم ، لم يصح ذلك فيه ، ~~وإن كان تعالى يخلق فيه المعارف وإنما يحصل القوم عارفين بها فلا وجه لثبوت ~~الحجة وتكريرها وإعادتها مرة بعد مرة ، فلما أعرضوا ولم ينتفعوا قال هذا ~~القول توبيخا وتبكيتا ؛ ليبين ذلك أن نفس الآية تتضمن الحجاج عليهم ، فكيف ~~يصح أن تتضمن مع ذلك أن لا حجة له عليهم؟ وهذا بين. ### |||| ** 671 وقوله تعالى : ( @QUR@08 ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ) [22] يدل على ~~قولنا فى الوعيد ؛ لأن الذى كسبوه هو العقوبة المستحقة على ظلمهم ، فخبر ~~تعالى أنه واقع بهم لا محالة. # وإذا ثبت أنها دائمة ، فيجب إدامة وقوعها بهم ، وفى ذلك بطلان قولهم فى ~~إلا رجاء ، والشفاعة لأهل الكبائر. ### |||| ** 672 قوله ms385 تعالى : ( @QUR@017 أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح ~~الله الباطل ويحق الحق ) [24] فلا يدل على المنع مما كلفوا ، لأن ظاهره ليس ~~فيه أنه ختم على قلبه ، وإنما فيه أنه لو شاء لفعل ، وقد بينا أن الختم ~~يفيد ظاهره السمة والعلامة ، فلا تعلق لهم بالظاهر PageV01P605 # المذكور فيها (1). ### |||| ** 673 وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء ) [27] يدل على بطلان قول المجبرة ، لأنه تعالى بين أنه لا يبسط الرزق ~~لئلا يقع منهم البغى ، فكيف يظن مع ذلك أنه الذى يخلق الكفر والبغى فيهم؟ # ويدل على ما نقول فى اللطف ؛ لأنه تعالى خبر بأنه إنما لم يبسط الرزق لهم ~~لئلا يقع منهم البغى ، ولو كان ما عنده يقع منهم ذلك بمنزلة ما عنده لا يقع ~~؛ فى أنه لا يجب فى الحكمة فعله ، كان لا يمتنع أن يكون تعالى لم يفعل بسط ~~الرزق لهم وقد فعل أمورا كثيرة عندها كفروا ، فكان لا يكون فى أن لم يفعل ~~ذلك فائدة ولا له معنى! ### |||| ** 674 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) [44] يدل على أن المراد « ~~بالضلال العقاب والذهاب (2) بهم عن طريق الثواب. ويدل على أن من يستحق ذلك ~~لا ولى له ولا شفيع ، وكذلك قوله : ( @QUR@07 ومن يضلل الله فما له من سبيل ~~) [46] ، لأنه تعالى إذا أضله على هذا الوجه فلا سبيل له إلى المخلص. ### |||| ** 675 وأما تعلقهم بقوله : ( @QUR@012 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ) [51] فى ~~أنه تعالى يجوز عليه الحجاب والستر ، ويجوز ارتفاعه [ عنه ] (3)، وأن ذلك ~~يوجب كونه جسما فبعيد ، وذلك أن ظاهره إنما يقتضى أنه لا يكلم إلا من وراء ~~حجاب ، وإلا بوحى PageV01P606 # وإرسال ، والحجاب يحتمل أن يكون داخلا على كلامه ، وعلى ذاته ، وعلى ~~المتكلم ، فمن أين أن المراد ما ذكرناه (1)؟ # وقد يقول أحدنا للأعجمى وقد كلمه : إنى أكلمك من وراء حجاب! والحجاب يرجع ~~إليه لا إلى المتكلم ، فإذا حصل الكلام ms386 عنه ولا يعرف المكلم ، فكأنه يجوز ~~أن يقول : أسمع الكلام من وراء حجاب. # والمراد بالآية : أنه يفعل الكلام فى جسم محتجب عن المتكلم غير معلوم له ~~، فمن حيث سمعه ولا يعرف الجهة يجوز أن يقال : هو مكلم من وراء حجاب. # وعلى هذا الوجه كلم موسى ، عليه السلام . ### |||| ** 676 وقوله تعالى : ( @QUR@014 ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم ) [52] يدل على أن الهدى هو الدلالة ، وهو عام فى كل مكلف ، ~~وأنه ، صلى الله عليه ، يهدى الجميع إلى الإيمان. وقد ثبت أن فائدة قوله : ~~( @QUR@04 من نشاء من عبادنا ) هو إنما يهتدى بذلك من يبلغ حد التكليف من ~~عباده ، فيصلح التخصيص فيه من هذا الوجه. PageV01P607 ### | ومن سورة الزخرف ### |||| ** 677 مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى فيها ما يدل على أنه الخالق للكفر والإيمان ، فقال : ~~( @QUR@04 والذي خلق الأزواج كلها ) [12] ويدل فى ذلك على ما ذكرناه. # والجواب عن ذلك : أن ظاهر الأزواج إنما يفيد الأشياء المتشاكلة المتشابهة ~~، فلا يقع هذا القول فى الأعراض وأعمال العباد ، وإنما يراد به الصور ~~والأشخاص ، الذى يظهر فيها التشابه. # وإنما أراد تعالى أن يبين بهذه الآية أنه الخالق لسائر ما ينتفعون به من ~~الأشياء المتشاكلة التى يقع النفع بها ، على طريق التمدح والامتنان ، ولو ~~كان تعالى أراد به الكفر لم يكن تمدحا ، ولوجب أن يكون ذما! ### |||| ** 678 وقوله : ( @QUR@015 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون ) [20] فقد بينا أنه يدل على إبطال قولهم فى أنه تعالى يريد ما يقع ~~من العباد من عبادة الأصنام وسائر المعاصى ، فى سورة الأنعام (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@015 ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) [33] فإنه يدل على أنه لم يفعل ما يكون ~~المكلف عنده أقرب إلى المعصية ؛ لأنه بين أنه لم يجعل الكفار بهذه الصفة ~~لئلا يفسد غيرهم ، فيكفروا ، فيصيروا أمة واحدة. # ويدل على أنه تعالى إذا لم يفعل ذلك ، أنه لا يجوز أن يكون خالقا ms387 لنفس PageV01P608 # الكفر فيهم ، لأنه لو كان كذلك لم يكن فى هذا القول فائدة ، ولوجب أن ~~يكون أمر المكلف موقوفا على ما يخلقه فيه من كفر وإيمان ، فعل ذلك فى ~~الكفار أم لم يفعل. ### |||| ** 679 وقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) [36] فقد ~~بينا القول فى مثله (1). # وفى هذه الآية : الظاهر أنه أراد به أنه يقيض له فى الآخرة شيطانا يقارنه ~~فى النار ليعرف أنه من حيث اتبعه حل به ما حل من العقوبة ، فيكون أعظم لغمة ~~وحسرته. ### |||| ** 680 وقوله تعالى : ( @QUR@06 أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ) [40] فقد بينا أن المراد به ~~التمثيل والتشبيه لحالهم بحال الأعمى والأصم ، وشرحناه (2). ### |||| ** 681 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) [71] لا يصح تعلق من يقول ~~بأن الله يرى [ به ] إلا إذا كان مجسما يجوز أن يكون تعالى بالصورة التى ~~تشتهى ، وذلك مما لا يقتضيه الظاهر. # وبعد ، فليس من قول أحد أن الله يشتهى ويلتذ به. والظاهر [ لا ] يوجب ذلك ~~، فلا يصح تعلقهم به. # وبعد ، فإن الظاهر إنما يوجب أن لهم فيها ما يشتهون ، وما الذى يصح ذلك ~~فيه أو لا يصح لا يعقل بالظاهر. وكما لا يصح أن يستدل بذلك على أنه تعالى ~~يدرك لمسا وذوقا وشما ، فكذلك القول فى الرؤية. ### |||| ** 682 وقوله : ( @QUR@06 إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ) [74] يدل على الوعيد والخلود ~~، لأنه لم يخص مجرما من مجرم ، وبين أنهم خالدون فى النار ، والخلود هو ~~الدوام الذى لا انقطاع له. # (م 39 متشابه القرآن). PageV01P609 ### | ومن سورة الدخان ### |||| ** 683 قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ) [17] لا يدل على أنه خلق الكفر فيهم ~~، لأنا قد بينا أن ظاهر الفتنة لا يقتضى الكفر ، وإنما أراد تعالى بذلك ~~التكليف وتشديد المحنة ، ولذلك عقبه بذكر المعنى فقال : ( @QUR@08 وجاءهم ~~رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله ) [ 17 18 ]. ### |||| ** 684 وقوله : ( @QUR@06 ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) [32] فظاهره يقتضى ما نقول ~~من أنه تعالى اختارهم بوجه من حيث علم أنهم يصلحون لذلك ms388 ، وأن فى بعثهم ~~استصلاح العباد. ### |||| ** 685 وقوله تعالى : ( @QUR@07 وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين ) [33] أراد (1) بذلك ~~المعجزات ، فلا يصح تعلق القوم به فيما يذهبون إليه. ### |||| ** 686 وقوله تعالى : ( @QUR@011 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا ~~بالحق ) [ 38 39 ] فمن أوضح الدلالة على أنه تعالى لا يخلق إلا الحسن ، ~~وأنه منزه عن الباطل واللغو وسائر القبائح. ### |||| ** 687 وقوله تعالى : ( @QUR@05 فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) [58] يدل على أن القرآن من ~~فعله ، فلذلك يصح [ القول ] بأنه يسره وسهل السبيل إلى معرفة المراد به. ### |||| ** 688 وقوله : ( @QUR@02 لعلهم يتذكرون )، يدل على أن جعله كذلك وأراد أن يتذكروا ~~ويؤمنوا ، فإذا لم يخص فيجب أن يكون أراد ذلك من الجميع ، كما نقوله (2). PageV01P610 ### | ومن سورة الجاثية ### |||| ** 689 دلالة : وقوله تعالى ( @QUR@05 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة ) [20] يدل على أن الهدى ~~هو الدلالة ، على ما بيناه من قبل (1). ### |||| ** 690 وقوله تعالى : ( @QUR@011 أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ) [21] فقد بينا أنه يدل على بطلان قول المرجئة ، لأن قولهم لا ~~محالة ينتهى إلى أن يقولوا بتساويهما فى باب الثواب ، على ما بيناه من قبل (2). ### |||| ** 691 وقوله : ( @QUR@022 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ) [23] فإنه لا يدل على ~~ما يقوله القوم ، وذلك أنا قد بينا أن الختم هو السمة والعلامة (3)؛ فلا ~~يمتنع أن يكون تعالى قد فعل ذلك بالكافر ، وقد بينا أن وجود الكافر صحيح ~~السمع والبصر والقلب يمنع من أن يحمل الكلام إلا على طريقة التشبيه لحالهم ~~، من حيث أعرضوا عما كلفوا ورأوا وسمعوا ، وإنما شبهوا بمن ذلك حاله فى ~~الحقيقة ، وبينا أن ذلك لو ثبت فى الحقيقة لم يمنع من الإيمان ، لأن الأصم ~~والأعمى لا يمتنع عليهما الإيمان ، ولا يستحيل فيهما التكليف (4). # وإنما أراد تعالى أن من (5) اتخذ غيره معبودا واتبع الهوى فى ذلك ، وأضله ~~وعاقبه على علم بأنه يستحقه ، وختم على سمعه وقلبه ؛ بأن بين وحكم. ms389 فمن الذى PageV01P611 # يهديه؟ منبها بذلك على أنه لا مخلص لمن هذا حاله من العذاب البتة. ### |||| ** 692 وقوله : ( @QUR@05 اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) [28] يدل على ما نقوله فى العذاب ، ~~وعلى أنه لو اضطرهم تعالى إلى ذلك وخلقه فيهم لما جاز أن يستحقوا الجزاء عليه. # * * * PageV01P612 ### | ومن سورة الاحقاف ### |||| ** 693 دلالة : وقوله تعالى : ( @QUR@06 ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) [12] يدل على ~~حدث القرآن ؛ لأنه إذا كان بعد كتاب موسى ، متأخرا عنه ، فيجب أن يكون حادثا. # ومتى قال قائل : إن المراد بذلك أن من قبله إنزال كتاب موسى ، فقد زاد فى ~~الظاهر ما ليس منه! # فإن قال : قد روى عن الرسول ، عليه السلام : « كان الله ولا شيء ، ثم خلق ~~الذكر ) وهو القرآن ، فكيف يجوز مع هذا أن يكون بعد كتاب موسى؟ # قيل له : لا يمتنع أن يكونا جميعا مرادين بالذكر فى الخبر ، وإن كان كتاب ~~موسى خلق قبل القرآن ، لأن الخبر لا يدفع ذلك ، فليس فى القرآن ما يوجب أن ~~كتاب موسى حدث فى أيام موسى ، فإذا صح ذلك لم يقع فيه تناف. # ولا يمنع من صحة ذلك ما ثبت من أنه تعالى فعل القرآن ، وأنزله دفعة واحدة ~~إلى سماء الدنيا ، ثم كان ينزل على قدر الحاجة إليه (1)؛ لأن ذلك لا تمتنع صحته PageV01P613 # مع ما ذكرناه من تقدم خلق كتاب موسى له ، فجميع ذلك إذن متفق غير مختلف. ### |||| ** 694 وأما قوله : ( @QUR@019 قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي ) [15] فلا يصح تعلقهم به فى أنه تعالى ~~الخالق لأفعال العباد ، وذلك أنا قد بينا أن الصلاح فى الدين يراد به ~~الاستصلاح (1) الذى عند مصادفة القبول يكون العبد صالحا ، لأنه لا بد من أن ~~يكون مختارا محتملا للكلفة فيه ليستحق الثواب ، فيكون صالحا به وصلاحا له ، ~~وذلك يقتضى صحة ما ذكرناه فيه ، ويفارق صلاح الدنيا ، لأنه قد يصح أن يكون ~~اضطرارا ، فيصلح المفعول به ذلك لا محالة ، كصلاح الجسم فى الخلقة وزوال ~~السقم ، إلى ما ms390 شاكله. # فإذا ثبت ذلك ، فإنما دعا الله فى إصلاح ذريته على هذا الحد الذى ذكرناه ~~فى الدين ، بأن يلطف لهم ويعينهم ويسهل سبيلهم إلى الطاعات ، فيصيروا ~~صالحين. وقد مضى القول فى ذلك من قبل ، ولذلك قال فى نفسه : ( @QUR@04 وأن ~~أعمل صالحا ترضاه ). فسأل الله تعالى أن يسهل له الشكر على نعمه ، وأن ~~يلطف له فى أن يعمل صالحا ، وكل ذلك متفق غير مختلف. ### |||| ** 695 وأما تعلق المرجئة بقوله تعالى : ( @QUR@05 وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ) [19] فى أن الذى يرتكب الكبيرة ~~من [ أهل ] الإيمان لا يجوز أن يضيع ، ولا بد أن يوفى! فبعيد ؛ لأن ظاهره ~~يقتضى أنه يوفيهم نفس أعمالهم ، وذلك لا يصح ، لأن عملهم قد تقضى ، فلا يصح ~~هذا الوجه فيه. PageV01P614 # فإذا قالوا : المراد بذلك الجزاء المستحق عليه ، فقد زالوا عن الظاهر ~~وصاروا ينازعوننا التأويل. # فإن قال : فيجب إذا كان المراد به الجزاء أن يكون يوفيهم ذلك فى كل عمل. # قيل : إن المستحق على الفعل لا بد من أن يوفيه تعالى إذا لم يكن هناك منع ~~، ومتى كانت معه كبائر يستحق عليها من العقاب ما يزيد على ثوابه فالثواب ~~عندنا غير مستحق للمنع الحاصل فيه ، ويكون الفاسق هو المخرج نفسه من أن ~~يستحق ذلك بمعاصيه ، فلا يجب متى لم يوف عليه أن يكون مظلوما ، بل هو معدول عليه. ### |||| ** 696 وأما قوله تعالى : ( @QUR@08 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) [29] فلا يصح ~~تعلقهم فى أنه تعالى خالق فيهم الحضور عنده ، وذلك أن ظاهر هذا القول لا ~~يوجب ما ادعوه ، لأن أحدنا لو حمل غيره إلى حضرة رجل لما جاز أن يقال : ~~صرفه إليه ، وإنما يقال ذلك متى فعل انصرافه وحضوره ، وكذلك نقول ؛ لأن ~~الجن الذين ذكرهم حضروا وآمنوا ، فلا يمتنع أن يكون تعالى لطف لهم وأعانهم. ~~فوصف لذلك بأنه صرفهم إليه يستمعون القرآن. PageV01P615 ### | ومن سورة محمد [ صلى الله عليه ] ### |||| ** 697 قوله تعالى : ( @QUR@011 والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ~~) [ 4 5 ] من أقوى ما يدل على أن ms391 الهدى قد يكون بمعنى الثواب ، لأنه تعالى ~~بين أنه بعد القتل سيهديهم ، فلا يصح حمله على خلق الإيمان فيهم كما يقوله ~~المخالف ، ولا على الدلالة والبيان لأن التكليف قد زال ، فليس إلا ما ~~ذكرناه ، ولذلك أتبعه بقوله : ( @QUR@04 ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) [6]. ### |||| ** 698 وقوله : ( @QUR@03 فلن يضل أعمالهم ) يدل على أن الضلال قد يكون بمعنى الهلاك ، ~~لأنه لا يمكن حمله على الضلال عن الدين ؛ على ما يقوله القوم ، فليس إلا ما ~~ذكرناه من أنه يهلكها ويبطلها ، ويبين ذلك قوله من بعد : ( @QUR@06 والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ) [8] فأثبت فى أعمالهم من الضلال ما نفاه عن ~~أعمال من قتل فى سبيل الله ، فالمراد واحد على ما ذكرناه. # 699 وقوله تعالى ، ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) [17] يبين أن الهدى قد ~~يكون بمعنى الدلالة والبيان ، لأنه لا يمكن أن يحمل الأمر فيه على خلق ~~الإيمان فيهم ، لأنه وصفهم بالاهتداء ، فلا بد من أن يكون محمولا على ~~زيادات الأدلة. وقد بينا أن المهتدى هو المتمسك بالأدلة ، والعامل بموجبها ~~لا بد من أن ترد عليه خواطر من قبل الله تعالى تزيده بصيرة إلى ما هو عليه ~~من المعرفة ، فيشرح بذلك صدره ويكون إلى الثبات على الاهتداء أو الطاعة ~~أقرب ، وهذا مما يعرفه العالم من نفسه ، لأنه كلما كثر نظره تكون معرفته ~~بالشيء الواحد أقوى. وقد يجوز أن يخطر ببالهم ما تحل به الشبه الواردة ~~عليهم فى النظر والمعرفة فيزيدهم ذلك سكونا وثلج صدر ، وهذا أيضا معروف من ~~حال العلماء. PageV01P616 # 700 وأما قوله ( @QUR@010 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ~~أفلا يتدبرون القرآن ) [ 23 24 ] فقد بينا أنه لا يمكن للقوم حمله على ~~ظاهره (1)، لأن من لعنه الله لا يجب أن يختص بالعمى والصمم ، بل أكثرهم ~~بخلاف هذه الصفة ، ولو اختصوا بذلك لم يمنعهم من التدبر والقيام بأداء ما ~~كلفوا. فالمراد بذلك ما قدمنا من تشبيه حالهم بحال الأعمى الأصم ، من حيث ~~لم ينتفعوا بما سمعوا ولم يتدبروا ، فشبه حالهم بما ذكرناه ، كما يقال لمن ~~لا يفهم بعد أن ms392 تبين له ، وتكرر القول مرة بعد أخرى : إنه حمار وأعمى ، قد ~~طبع على قلبه ، على طريق التشبيه والتمثيل : ### |||| ** 701 وقوله : ( @QUR@03 أفلا يتدبرون القرآن ) يدل على وجوب النظر. ويدل أيضا على بطلان ~~قول المجبرة ، لأن تدبرهم لو كان من خلق الله تعالى فيهم لما جاز أن يبكتوا ~~بهذا القول ، وأن يبعثوا على التدبر له ، لأنهم إن خلق الله فيهم التدبر ، ~~فلا بد من أن يكونوا متدبرين على كل حال ، وإن لم يخلق ذلك فيهم فكمثل ، ~~فكيف يصح على هذا القول البعث على التدبر ، والتوبيخ على تركه؟ ### |||| ** 702 فأما تعلقهم بقوله : ( @QUR@011 أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) [29] فى ~~أن ما يحصل فى قلوبهم من المرض والكفر من فعله تعالى ، وهو الذى يدخلهم فيه ~~ويخرجهم عنه ، فبعيد ، وذلك أن ظاهره يقتضى إثبات مرض فى قلوبهم فقط ، من ~~غير بيان ذكر فاعله ، وإن كان لو أضيف إليه تعالى لكان ظاهره إنما يقتضى أن ~~يخلق فى قلوبهم المرض والغم ، وهذا مما لا نأباه ، على ما ذكرناه فى سورة ~~البقرة (2). # وإنما أراد تعالى بهذه الآية : المنافقين الذين استسروا عداوة الرسول ، عليه PageV01P617 # السلام ، وتواطئوا على الإضرار به ، فلما أظهر تعالى عنهم هذه الحال جاز ~~أن يوصف بأنه أخرج أضغانهم : ### |||| ** 703 فأما تعلق من يقول بحدث العلم بقوله : ( @QUR@06 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) [31] فلا يصح ، ~~لأن علمه بحالهم وحال ما كلفهم لو لم يتقدم لقبح التكليف والابتلاء أصلا ، ~~لأنه إنما يحسن من المكلف يأمر بما يعلم حسنه واختصاصه بصفات زائدة تقتضى ~~فيه كونه واجبا وندبا ، فاذا صح ذلك [ فلا بد ] من أن يكون عالما بذلك ، ~~وبأن المكلف يتمكن من فعله على الوجه الذى كلف ، فكيف يصح مع هذا أن يكون ~~علمه بحالهم حادثا بعد التكليف والابتلاء؟ # فالمراد بالآية : ولنأمرنكم بالمجاهدة والصبر حتى يقع الجهاد والصبر منكم ~~وتتميز حالكم من حال من لا يجاهد ؛ فتكون لفظة « حتى ) داخلة على نفس ~~الجهاد ، من وقت وقوعه ومفارقته لمن عصى ، لا على نفس العلم : وهذا كما ms393 ~~يقول أحدنا : ما علم الله متى ما ذكرته ، وإنما يعنى بذلك نفى المعلوم لا ~~نفى العلم. ### |||| ** 704 وقوله : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم ) [33] يدل على الإنسان قد يبطل عمله الذى فعله ، وقد علمنا أن ما ~~وقع لا يجوز أن يبطله ، وليس ذلك فى المقدور ، لأنه قد تقضى ووقع. فالمراد ~~إذن : لا تبطلوا الثواب المستحق عليه. وفى ذلك دلالة على أن فى الطاعات ما ~~يبطل ثوابه بالمعاصى ، على خلاف ما يقول بعض المرجئة فى ذلك. PageV01P618 ### | ومن سورة الفتح ### |||| ** 705 أما تعلقهم بقوله : ( @QUR@014 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ) [ 1 2 ] فى أن ما لم يفعله من الذنب يجوز أن يؤاخذ به ولذلك صح ~~التماس المغفرة فيه فبعيد ، وذلك أنه تعالى ذكر أنه يغفر فى المستقبل ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر ، وذلك غير ممتنع أن يكون ما تقدم ذنبه قبل النبوة ~~وما تأخر منه بعد النبوة يغفرها فى الآخرة له ، وفى الدنيا بعد وقوعها ، ~~فليس فى الظاهر ما ذكروه ، فيصح تعلقهم به. # ولا يمتنع أن يكون الفتح الذى فتحه الله عليه مصلحة فى كثير من الطاعات ~~المستقبلة التى تقتضى غفران ذنبه ، فلذلك قال تعالى هذا القول. ومتى لم ~~يحصل على هذا القول لم يكن لغفران الذنب تعلق بالفتح. وقد علمنا أن ذلك لا يصح. # 706 فأما إضافته تعالى الفتح إلى نفسه فلأنه أعان ونصر وسهل وقوى وثبت ~~أقدامهم ، فصح بهذه الأمور أن يضيف ذلك إلى نفسه على ما تقدم ذكره (1). ### |||| ** 707 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وينصرك الله نصرا عزيزا ) [3] فقد بينا من قبل وجوه النصرة كيف ~~تقع (2)، وعلى أى سبيل يكون من فعله تعالى ، فلا وجه لإعادته ، لأنا قد ~~بينا أنه ينصر بسائر وجوه النصرة ، بالحجة والمعونة وتثبيت الأقدام ، ~~وتقوية النفوس ، والإمداد بالملائكة ، إلى غير ذلك فيصح بذلك أجمع أن يصف ~~نفسه بأنه نصر الرسول والمؤمنين. PageV01P619 # 708 فأما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@011 هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا ms394 إيمانا مع إيمانهم ) [4] فى أنه تعالى يخلق إيمان المؤمن ~~، فبعيد ، وذلك أن الظاهر إنما يقتضى أنه أنزل السكينة فى قلوبهم ، ولفظة « ~~الإنزال ) لا تقتضى الخلق ، فكيف يصح تعلقهم بالظاهر؟ # والمراد بذلك : أنه سكن قلوبهم وآمنهم من العدو ، فمن حيث فعل ذلك كان ~~منزلا السكينة فى قلوبهم ، ليزدادوا إيمانا ، ويقووا على الجهاد ، ويطلبوا الظفر. # وهذا هو المراد بقوله تعالى بعد ذلك : ( @QUR@09 فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها ) [ 18 19 ] وقوله تعالى من بعد ~~: ( @QUR@07 فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) [26]. # ومتى حمل الكلام على ما ذكرنا كان الكلام على الحقيقة ، لأن الأمر الذى ~~تأولناه عليه من فعله تعالى. وإن كان فى شيوخنا ، رحمهم الله ، من تأوله على ~~معنى اللطف والمعونة ؛ وأنه تعالى لما فعل هذه الأسباب الداعية لهم إلى ~~إثبات القلب وسكونه ، جاز أن يضيف ذلك إلى نفسه. ### |||| ** 709 فأما قوله تعالى : ( @QUR@010 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) [10] ~~فلا يصح تعلق المشبهة به فى إثبات اليد لله تعالى ، وذلك أن ظاهره يوجب ~~جواز المصافحة عليه ، وجواز اليمين على يده ، حتى يصح فيه معنى الفوق ، وقد ~~علمنا أن القوم لا يجوزون ذلك! # ولا يكون فى وصفه تعالى بأن يده فوق أيديهم ، على معنى المكان على هذا ~~الوجه فائدة ، لأن الضعيف قد تكون يده فوق يد القوى. فالمراد إذن بالآية « ~~إذا علمنا (1) أن المقصد أنه أقوى منهم وأقدر ، مبينا بذلك أنهم إذا نكثوا PageV01P620 # البيعة فالله تعالى يقدر عليهم وعلى إنزال العقوبة بهم. ### |||| ** 710 وقوله تعالى : ( @QUR@07 فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ) [20] ثم قوله من بعد : ( ~~@QUR@07 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) [24] فلا يدل ظاهره على ~~أنه تعالى خلق أعمالهم ، وذلك أن المعقول بالتعارف إذا قال القائل : كففت ~~فلانا عن فلان ؛ أنه فعل الأسباب التى معها كف عن الإقدام ، ولا يعقل من ~~ذلك أنه قد اضطره ، فهذا هو المراد بالظاهر. فإذا منعهم تعالى من مقاتلة ~~الكفار بالنهى والزجر ، ومنع الكفار من ذلك بإلقاء الرعب فى ms395 قلوبهم ، جاز ~~أن يقول تعالى : ( @QUR@07 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم )، وقد ~~تقدم نظائر ذلك من قبل. # * * * PageV01P621 ### | ومن سورة الحجرات ### |||| ** 711 أما قوله تعالى : ( @QUR@013 ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون ) [2] فإنه يدل على أن ثواب الإنسان ينحبط بما يستحقه من العقاب على ~~الكفر والفسق ، على ما نذهب إليه فى الإحباط والتفكير ، وذلك يبطل قول من ~~ينفى ذلك من المرجئة. ### |||| ** 712 وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان ) [7] فانه يدل (1) على أمور : منها : انقسام المعاصى إلى ~~هذه الأقسام الثلاثة ، وأن كل قسم منها يتميز عن صاحبه ، فلا يكون داخلا فى ~~جملته ، فقد تكون المعصية من باب الفسق خارجة من باب الكفر ، وقد تكون ~~معصية صغيرة خارجة عن البابين جميعا. وهذا يبطل قول من يقول إنه ليس فى ~~المعاصى صغائر ، وقول من لا يثبت الفاسق بالإطلاق إلا الكافر. # ومنها : أنه يدل أنه يحب من جميع المكلفين الإيمان ، ويكره منهم ضده من ~~الوجوه الثلاثة ، لأنه لم يخص فى الخطاب مكلفا من مكلف ، ولا يجوز أن يكون ~~محببا إليهم إلا ما يريده منهم ، ولا يجوز أن يكره إليهم إلا ما يكرهه ، ~~والمحبة المذكورة لا يجوز أن تكون الشهوة ، لأن المؤمن لا يشتهى ما يفعله ~~من الإيمان لكونه شاقا عليه ، وإنما يشتهى المرء ما يتلذذ به ويسر. # فاذا صح ذلك ، وجب أن يكون المراد به الإرادة ، وقد علمنا أن الإرادة تقع ~~من المؤمن على طريق الاختيار لا على طريق الاضطرار. فالمراد إذن بالكلام ~~أنه فعل ما عنده أحب المؤمن الإيمان ؛ من الأمر والوعيد والترغيب. PageV01P622 # وأما قوله تعالى : ( @QUR@03 وزينه في قلوبكم )، فمحمول على ظاهره ، لأن ~~خبره عن الإيمان ووعده عليه الثواب ، يوصف فى الحقيقة بأنه يزين الإيمان. ~~وفعل تعالى من النهى والوعيد والتخويف ما بعث به المكلف على كراهة الكفر ~~والفسق ، ولذلك صح أن يضيفه إلى نفسه ، وإن لم يفعل نفس الكراهة فيه. ### |||| ** 713 وقوله تعالى : ( @QUR@020 وإن طائفتان من المؤمنين ms396 اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [9] فانه لا ~~يدل على أن الباغية منهما مؤمنة فى تلك الحال ؛ على ما تقوله المرجئة ، ~~وذلك لأنه وصفها بالإيمان ولما وقع البغى والقتال ، وهذا كقولنا : إن ~~المؤمن إذا ارتد وجب قتله ، ولا يوجب ذلك كونه مرتدا فى حال إيمانه! # والآية دالة على ما نقوله من أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يجب (1) ~~لأنه تعالى أوجب الإصلاح بينهما ، لأن حالهما لا يخلو من وجهين : إما أن ~~يكونا مبطلين. أو أحدهما محق والآخر مبطل ، لأنه لا يصح كونهما محقين جميعا ~~والحال هذه ، ولا بد من أن يكون القتال الواقع منهما قبيحا ، فأوجب الله ~~تعالى الإصلاح بالقول وما يجرى مجراه ، ثم بين أن ذلك إذا لم يصادف القبول وبغت # انظر شرح الاصول الخمسة للقاضى ، بتحقيق الأستاذ الدكتور عبد الكريم ~~عثمان ، ص : 141 148 وص : 741 فما بعدها. PageV01P623 # أحدهما ، وجب كفهما عن البغى بالمقاتلة. ونبه بهذين الطريقين اللذين ~~أحدهما الإصلاح بالقول ، والآخر بالقتال ، على ما بينهما من الوسائط ، مما ~~يقرب عنده كف الباغى عن البغى ، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لم يكن ~~لذلك معنى ، لأنه تعالى إن خلق فيهم المقاتلة فالإصلاح لا يؤثر ، فان لم ~~يخلق ذلك فكمثل ، وكذلك كل من ينهاه عن منكر ، فعلى قولهم لا فائدة فى ~~النهى عنه ، لأن أمره فى المستقبل موقوف على خلقه تعالى فيه المنكر أو ضده ~~، فما الفائدة فى ذلك؟ وإنما يصح على مذهبنا ، لأنا نبعث بذلك المقدم على ~~المنكر إلى الكف عن أمثاله فى المستقبل ، ونكون نحن عند ذلك أقرب إلى ~~الامتناع من المنكر. فأما على مذهبهم لا فائدة فيه على وجه ، وكذلك الأمر ~~بالمعروف. # 714 وقوله ؛ ( @QUR@05 بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) [11] فمن قوى ما ~~يدل على أن الفاسق لا يجوز أن يكون مؤمنا ، لأنه لو صح اجتماع الأمرين ، لم ~~يكن لترتيبه لهما على الوجه الذى ذكره (1) معنى! ### |||| ** 715 وقوله تعالى : ( @QUR@09 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ms397 قولوا أسلمنا ) [14] فإنه ~~لا يدل على أن الإيمان غير الإسلام ، وذلك أن المراد بهذا الكلام أنهم لم ~~يؤمنوا فى الحقيقة ، وانقادوا واستسلموا ، فذكر تعالى فى حالهم ما ذكر ؛ ~~يبين ذلك أنه تعالى قال : ( @QUR@05 ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) [14] ~~ومن لم يدخل الإيمان فى قلبه البتة ، لا يكون مسلما عند أحد إلا بعض ~~المتأخرين ؛ فإنه يقول فى مظهر الشهادتين إنه مسلم ، لكنه لا يقول مع ذلك ~~إنه مؤمن أيضا ، فلا يقدح خلافه فيما ذكرناه. PageV01P624 # 716 وقوله تعالى : ( @QUR@07 بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) [17] ~~فإنه يدل على أن الهدى غير الإيمان من حيث فصل بينهما ، ويدل على أن ~~الإيمان هو الإسلام لأنه قال : ( @QUR@016 يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) [17] ولو كان ~~أحدهما غير الآخر لم يكن للثانى تعلق بالأول. # * * * PageV01P625 ### | ومن سورة ق ### |||| ** 717 دلالة : قوله : ( @QUR@016 قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) [ 28 29 ] يدل على أن الوعيد الوارد عن ~~الله لا يتبدل ولا يتغير. وأنه لا يجوز أن يكون فيه إضمار وشرط. ولا أن ~~يكون خارجا على وجه التعمية. ولا يجوز فيه الخلف ، لأن كل ذلك يقتضى ~~التبديل ، وقد أبى الله تعالى ذلك فى وعيده. # وبين أنه وإن فعل ما توعد به ، فليس بظلام للعبيد ، لأنه لم يفعل بهم إلا ~~ما استحقوه من العقاب على ما كان منهم من المعاصى. # وتنزيهه تعالى أن يكون ظلاما للعبيد يدل على أنه لم يفعل الظلم ولا ~~القبيح ، على ما قدمنا ذكره فى نظائره (1). ### |||| ** 718 وقوله تعالى : ( @QUR@03 لا تختصموا لدي )، يدل على بطلان مذهب المجبرة ، لأنه بين [ أنه ~~] لا فائدة فيما يخاصمه قرينه فى الآخرة ، فلو كان الأمر على ما يقوله ~~القوم ، لوجب أن يكون المؤكد لعذرهم والمزيل للعقاب عنهم ، ما وجب كونهم ~~خصما لله تعالى! بأن يقولوا إنما كفرنا لأنك خلقت ذلك فينا وأوجبته بالقدرة ~~التى لا تخلو عند وجودها من الكفر ، وبالإرادة وبقدرة ms398 الإرادة ، فكيف يجوز ~~أن تعذبنا وقد منعتنا ولم تسهل لنا السبيل إلى ما فرضته علينا ، بل منعتنا ~~من فعله بوجوه من المنع ، فكيف المخلص لنا من الكفر ، وهل ما تفعله فينا من ~~العقاب إلا بالكفر الذى فعلته ، فى أنه لا سبيل لنا إلى التخلص منه؟! فتكون PageV01P626 # هذه الخصومة مبينة لعذرهم ، ومزيلة للعقوبة ، إن كان القديم تعالى ممن ~~يعمل بالحكمة والصواب. تعالى الله عما يقوله القوم علوا كبيرا. ### |||| ** 719 وقوله تعالى : ( @QUR@06 لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد ) [35] لا يدل على أنه ، ~~عليه السلام ، يشفع لهم من حيث ضمن الزيادة ، فلا يكون فى الشفاعة فائدة ، ~~وذلك أنه تعالى بين أن لهم المزيد عنده ، ولم ينف أن يكون ذلك بالشفاعة ولا ~~أثبتها ، فيجب أن يكون الأمر موقوفا على الدليل ، وإن كان لا يمتنع أن يقال ~~إن هناك زيادتين : إحداهما هذه ، والأخرى تنال بالشفاعة ، فلا يتنافى ذلك. ### |||| ** 720 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) [38] ~~وتعلقهم بذلك فى أنه الخالق لأفعال العباد ، فقد تقدم القول فيه من قبل (1). ### |||| ** 721 وقوله تعالى : ( @QUR@05 فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) [45] لا يدل على أن من (2) لا يخاف ~~ذلك لا يذكر بالقرآن. وإنما خصه بالذكر ، لأنه الذى انتفع به عاجلا ~~بالاعتبار والتذكر والانزجار ، والكلام فى ذلك كالكلام فى قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 هدى للمتقين ) وقد تقدم ذلك (3). # * * * PageV01P627 ### | ومن سورة الذاريات ### |||| ** 722 قوله تعالى : ( @QUR@013 فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين ) [ 35 36 ] يدل على أن الإيمان هو الإسلام ، وإلا لم يصح فى ~~المعنى استثناء أحدهما من الآخر ، ويحل الكلام فى محل قول القائل : فأخرجنا ~~من كان فيها من المؤمنين ، فما وجدنا فيها غير جماعة من العرب! فى أن ذلك ~~لغو لا فائدة فيه. ### |||| ** 723 وقوله تعالى : ( @QUR@05 فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) [40] قد تقدم القول فيه فى ~~الشعراء (1). ### |||| ** 724 وقوله : ( @QUR@05 ومن كل شيء خلقنا زوجين ) [49] قد بينا أن المراد بذلك الأشياء ~~المشاكلة التى يحصل لها بالانضمام حكم وفعل ، لولاه لما حصل (2)، ولذلك ms399 ~~يقال فى الذكر والأنثى : زوجين ، ويقال : زوج نعل ، وزوج خف ؛ إذ حصل لها ~~بالاقتران الحكم المعقول ، وذلك لا يصح فى أفعال العباد ، فلا يمكن أن ~~يدعوا دخوله فيه. # وقد فسر تعالى ذلك فى سورة النجم ، فقال : ( @QUR@05 وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى ) (3) فبين أن المراد بذلك ما قلناه. ### |||| ** 725 فأما قوله تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) PageV01P628 # [56] فبين فى الدلالة على أنه خلق جميعهم للعبادة ، وأنه أراد منهم ذلك ~~إذا بلغهم حد التكليف ، فأما المجنون ومن لم يبلغ هذا الحد ، فلا يجوز ~~دخوله فى الكلام ؛ لأنه يتضمن أنه أراد العبادة ممن تصح منه. # ولا يمكن حمله على أن المراد الانقياد بما يريده من الخضوع والخشوع ، على ~~ما زعمه بعض من يقول فى المعارف إنها ضرورية ، وذلك أن ظاهر العبادة هو ما ~~يختاره العبد من الفرائض التى يقوم بها ، ومن النوافل ، دون ما ذكروه ، وإن ~~كنا نخالف القوم فيما قالوه ، ونقول فى المعارف : إنها اكتساب إذا كانت ~~معارفا بالله تعالى ، وبالرسول ، صلى الله عليه ، وبالشرائع (1). # ولا يجوز أن تحمل الآية على أن المراد بها من العموم أنه يعبد ، لأن ذلك ~~تخصيص من غيره دلالة ، فإن قال : يدل على ذلك قوله : ( @QUR@03 ولقد ذرأنا ~~لجهنم ) (2)، قيل له : لا بد فى هذه الآية من حذف مقدر ، فإما أن تقدر فيه ~~: ولقد ذرأنا للكفر الذى يؤديهم إلى جهنم ، أو لكى يدخلوا جهنم ، لأنه لا ~~يجوز أن يكون خلقهم تعالى لجهنم ، التى هى للأجسام المخصوصة ، فإذا وجب ذلك ~~، حصلت الآية داخلة فى المجاز ، فوجب حملها على مطابقة ما قدمناه ، وذلك ~~يقتضى أن يكون المراد باللام الداخلة فيها العاقبة ، على ما قدمناه من قبل. ### |||| ** 726 وقوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) [58] فلا يدل على إثبات ~~القوة بما يصير قويا قادرا ، على ما يقوله أصحاب الصفات (3)، PageV01P629 # وذلك أن إضافة القوة إليه على هذا الحد ، لا تفيد أنها قوة له يصير بها ~~قويا ، لأن هذه الإضافة قد تجرى على وجوه شتى ، وقد بينا ذلك من حالها ms400 (1) ~~، فمن أين أنه تعالى هو القوى بها دون أن تكون قوته لغيره ، وأضيفت إليه من ~~حيث كانت عطية من جهة؟ # والمراد عندنا بذلك : أنه قوى على الأمور ، قادر عليها ، ولا يجوز أن ~~يمنعه مانع منها. وعلى هذا الحد من المجاز وصف نفسه بأنه متين ، لما كان ~~المتين منا الصلب : هو الجسم يكون أقوى من غيره ، فلما أراد تعالى المبالغة ~~لنفسه فى الوصف بالقوة ، قال هذا القول. PageV01P630 ### | ومن سورة الطور # 727 أما تعلقهم بقوله ( @QUR@08 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ) [21] فى أن الابن يصير مؤمنا بايمان الأب ، وأن ذلك ~~إذا صح فيه ، لم يتمنع أن يكون طفل الكافر كافرا بكفر أبيه فى الحقيقة ، ~~فبعيد ، وذلك أنه ليس فى ظاهره إلا أنه ألحق ذريتهم بهم ، وليس فيه بيان ~~أنهم غير بالغين ، فقد يقع هذا القول على أولاد الرجل وإن بلغوا ، ولذلك ~~قال تعالى : ( @QUR@04 ومن ذريته داود وسليمان ) (1). # فإذا صح ذلك ، فالمراد : أنه تعالى ألحقهم بهم من حيث شاركوهم فى الإيمان ~~، فاستحقوا ما استحقوه من الثواب والجزاء ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@03 ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) فخبر عن الوجه الذى اتبعتهم فيه. وقد قال تعالى ~~فى آخره : # ( @QUR@05 كل امرئ بما كسب رهين ) (2) مبينا بذلك ما ذكرناه. ### |||| ** 728 وقوله : ( @QUR@05 أم خلقوا من غير شيء ) [35] هو إثبات الفاعل الخالق ، وهو المراد ~~بالشيء المذكور ؛ لأن الدلالة قد دلت عندنا على أن الفاعل يخترع فعله ، لا ~~أنه يفعل الفعل من شيء سواء ، فالمراد إذن ما ذكرناه. ### |||| ** 729 وقوله : ( @QUR@05 واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) [48] لا يدل على ما تقوله المشبهة ~~؛ لأن ذلك يوجب أن يكون له أعينا ، وليس أول الجمع بذلك أولى من آخره! ~~فيوجب ذلك إثبات عيون له لا آخر لها ، وأن لا يوقف على حد لا يصح إثبات ~~أكبر منه ، وذلك يبطل قولهم ، لأن من يصرح بالجسم منهم ، وبإثبات الجوارح ، ~~يثبته كمثل صورة آدم ، ولا يثبت له إلا عينين. فيجب أن يكون المراد بذلك : ~~إثباته عالما بجميع ما يحصل من العباد. وهذا كما يقال : إن هذا الشيء ms401 وقع ~~بمرأى منى ومسمع ؛ إذا كان عالما بتفصيله. PageV01P631 ### | ومن سورة النجم ### |||| ** 730 وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ) [ 13 14 ] ربما استدل [ ~~به ] بعض الجهال فى أنه تعالى يرى ، وأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ~~رآه مرة بعد مرة. وهذا باطل ، لأن المراد بذلك جبريل ، عليه السلام ، ~~والكلام يدل عليه ، لأنه قال من قبل : ( @QUR@012 علمه شديد القوى ، ذو مرة ~~فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى ) [ 5 8 ] وهذا كله من صفات جبريل ~~، عليه السلام ، ثم قال بعد ذلك : ( @QUR@05 ما كذب الفؤاد ما رأى ) [11] ~~فأثبته رائيا مرة ، ثم قال : ( @QUR@04 ولقد رآه نزلة أخرى ) [13] فأثبته ~~له رائيا مرة أخرى ، ورسول الله ، صلى الله عليه ، وإن رآه الكثير ، فلم ~~يره على صورته التى هو عليها إلا هاتين المرتين ، ومتى قال القائل إن فى ~~جميع ذلك المراد هو الله ، فقد علمنا أنه تعالى لا يوصف بالدنو والتدلى ، ~~ولا يحد بقاب قوسين أو أدنى ، لأن كل ذلك يستحيل فيه! # وبعد ، فلم صار بأن يحمله على أنه المراد بأولى مما ذكرناه ، وليس فى ~~الكلام ما يوجب لما قاله مزية ، بل الذى قلناه أولى. لأن الذى يتحمل الوحى ~~إليه ، صلى الله عليه ، هو جبريل ، وذكره قد تقدم ، فرجوع الكلام إليه أولى ~~، وإن كان لو تقدم ذكرهما ، لوجب ما قلناه ؛ لأن الوصف المذكور يليق بجبريل ~~دونه تعالى ، ولأن العقل قد دل على استحالة الحركات عليه ، والمجيء ~~والذهاب. ### |||| ** 731 وقوله تعالى : ( @QUR@011 الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة ) [32] فانه يدل على أن الإلمام بصغائر المعاصى يغفر باجتناب ~~الكبائر ، ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى : ( @QUR@09 إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) (1). PageV01P632 # 732 فأما دلالة قوله تعالى : ( @QUR@018 وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ) [ 37 40 ] على أن ~~أحدا لا يؤخذ بذنب غيره ، وأنه يجازى عليه فعله ، وأنه لا يجوز أن يكون ما ~~يجازى عليه من خلق الله فيه ms402 ؛ فبين لا يحتاج فيه إلى الإكثار فيه. ### |||| ** 733 وأما تعلقهم فى المخلوق بقوله : ( @QUR@04 وأنه هو أضحك وأبكى ) [43] فى أنه تعالى يحلق الضحك والبكاء ، ~~وأن ذلك حكم سائر الأفعال ؛ فبعيد ، وذلك أن ظاهره إنما يقتضى أنه أضحك ~~وأبكى ، ولم يذكر متى فعل ذلك وفيه (1)، وليس فيه الكلام ما يوجب ذلك ~~العموم فيحمل عليه ، لأن هذا القول يصح إذا كان ما فعله من الضحك أقل ما ~~يقع الاسم عليه ، فهو كقولنا : فلان ضرب ؛ فى أنه لا يقتضى العموم. # وبعد ، فلو ثبت أنه أضحك وأبكى ، لم يوجب ذلك فى أفعال العباد ما قالوه ، ~~لأن البكاء الذى هو إرسال الدمعة ، من فعله تعالى ، والضحك الذى هو التفتح ~~، قد يجوز أن يكون من لعله ، ولا ينافى إضافة الأمرين إليه ، ما نقوله من ~~أن العبد فاعل فى الحقيقة. # وبعد ، فان ذلك يوجب أن يوصف تعالى من كل فعل فعله عندهم بمثل ذلك ، ~~فيقال : إنه تعالى جهل وفسق وقتل ، إلى سائر الأسماء المشتقة ، ولا يرتكب ~~القوم ذلك. # فالمراد بالآية : أنه تعالى فعل السبب الذى عنده وقع منهم ذلك ، وأراد ~~بالضحك ما قالوه من السرور ، وبالبكاء خلافه. PageV01P633 # وقد قيل : إن المراد بذلك العقاب والثواب. ### |||| ** 734 فأما قوله : ( @QUR@04 وأنه هو أغنى وأقنى ) [48] فلا يدل إلا على ما يقتضيه ظاهره من ~~أنه المغنى ، وكذلك نقول : إن جميع ما يستغنى به المؤمن [ من ] الأموال ، ~~هو من عند الله تعالى وإن كان يختلف حاله ؛ ففيه ما يحصل له بكسب ومشقة ، ~~ومنه ما يحصل إليه عفوا من غير كد وطلب. وما يصل العبد إليه ويحتوى عليه من ~~الحرام لا يستغنى به فى الحقيقة ، فلا يدخل تحت الظاهر على وجه (1). # * * * PageV01P634 ### | ومن سورة القمر ### |||| ** 735 أما قوله تعالى : ( @QUR@07 وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا ) (1) [ 13 14 ] [ وما ~~] يستدل بذلك فى إثبات العين له تعالى ، فقد بينا [5] من قبل (2)، وبينا ~~أن الله تعالى هو الحامل لراكب السفينة فى الفلك ، بالأمور التى يفعلها فى ~~الماء حتى يجرى أو يقف ، فلا تعلق للمجبرة فى ذلك (3). ### |||| ** 736 وقوله ms403 تعالى : ( @QUR@07 ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) [17] (4) يدل على أنه ~~تعالى بعثهم على الادكار وعلى الاتعاظ ، وعلى أن يقوموا بالواجب فى ذلك ، ~~ولا يجوز أن يكون كذلك إلا وقد أراد ذلك من جميعهم ، فلا تخصيص. وذلك يدل ~~على أنه قد أراد من الكفر الطاعة ، كما أراد من المؤمن. ### |||| ** 737 فأما قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه بقدر ) [49] فلا يدل على ما نقوله المجبرة ، ~~من أنه تعالى يخلق أفعال العباد ، وذلك أن الآية واردة فى النار وعذابها ، ~~فقال تعالى : ( @QUR@014 يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر ) [ 48 49 ] فبين ذلك أنه لا يعذب أحدا إلا بقدر ~~استحقاقه. # ولو حمل على العموم ، لصلح أن يقال : إن كل شيء خلقه بقدر ؛ لأنه ممن PageV01P635 # لا يجوز عليه السهو والغفلة فى أفعاله تعالى ، كالواحد منا ، فلا يقع ~~الشيء إلا مقدرا. ### |||| ** 738 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [50] يدل على أنه ليس بجسم ، ~~لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يفعله يجرى على حد واحد ، بل كان يجب أن يكون ~~بعضه أسبق (1) من بعض ، وأن يحتاج فى بعض إلى تطاول الأوقات دون بعض ، فلما ~~بين تعالى أن سائر ما يريده متفق ، وأنه يقع على ما يريده ، كلمح بالبصر ، ~~من غير تأخير ، دل ذلك على أنه ليس بجسم ، وأنه قادر لذاته ، يخترع الأفعال ~~كيف شاء وأراد. # * * * PageV01P636 ### | ومن سورة الرحمن ### |||| ** 739 أما قوله تعالى : ( @QUR@07 الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) [ 1 4 ] [ فإنه لا ~~يدل على قولهم فى المخلوق لأن الله أضاف إلى نفسه تعليم البيان ] (1) ~~والقرآن لأن العلم بهذين ضرورى ، ولا يمكن إلا من قبله تعالى ، فأما العلم ~~بالقرآن ، فهو الحفظ له على الوجه الذى يمكنه أن يؤديه ويتلوه. وأما العلم ~~بالبيان ، فهو العلم بكلام العرب ، ومواضعتها ، ومواقع فائدته ، وذلك كله ~~ضرورى يحصل بالعادة ، فلا يمتنع من إضافتها جميعا إلى الله تعالى على ~~الحقيقة ، وذلك يدل على حدث القرآن ؛ لأن تعلمه إنما هو طريقة الحفظ ~~لترتيبه ms404 ، وذلك يقتضى حدثه. ولا يجب من حيث فصل بين القرآن وبين الإنسان ، ~~فوصفه بأنه علمه ، والإنسان بأنه خلقه ، أن يدل فى ذلك على أن القرآن ليس ~~بمخلوق ، على ما زعمه بعض الجهال ، وذلك لأن كون الشيء موصوفا لا يمتنع من ~~أن يختص بصفة أخرى. فما الذى يمنع من أن يكون تعالى خلق الأمرين ، وإن كان ~~فى هذه الآية لم يذكر إلا خلق الإنسان؟! # وكان يجب على هذه الطريقة أن يكون البيان غير مخلوق أيضا ، لأنه تعالى ~~فرق بينه وبين الإنسان. وكان يجب مثل ذلك فى سائر الأجسام ؛ من حيث خص ~~تعالى الإنسان بالذكر. وهذا فى نهاية البعد. ### |||| ** 740 وأما قوله تعالى : ( @QUR@07 كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ) [ 26 27 ] فلا يدل على إثبات ~~وجه له ، تعالى عن قولهم ، وذلك لأن الوجه قد يراد به ذات الشيء. وعلى هذا ~~تقول العرب : هذا وجه الرأى ، ووجه الأمر ، ووجه PageV01P637 # الطريق. ومتى كان الكلام فيما لا بعض له ، فلا شك أن المراد به ذاته ، ~~فيختلف موقع هذه اللفظة بحسب حال ما يستعمل فيه ، فإذا صح ذلك وجب أن يكون ~~المراد بذلك : ويبقى ربك. ### |||| ** 741 وأما تعلق المشبهة بقوله تعالى : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن ) [29] وبقوله : ( @QUR@04 سنفرغ لكم أيه ~~الثقلان ) [31] فى أن الفراغ والشغل لا يجوز ان إلا على الأجسام ، وهى التى ~~يجوز عليها الشأن ، إذا هى اشتغلت بالفعل ، فلو لا أنه تعالى جسم ، لما صح ~~ذلك عليه ؛ فبعيد ، وذلك أن ظاهر الشأن لا يقتضى ما قالوه ، لأنه الأمر ~~الذى يفعله القادر ويؤثره على غيره ، فلا يمتنع أن يوصف تعالى بذلك ، وإن ~~كان ممن لا يشتغل بفعل عن فعل فلذلك ذكر تعالى أنه لا يشغله شأن عن شأن ~~فيراد به هذا المعنى. # فأما الفراغ ، فإنه لا يجوز إلا على من يجوز عليه الشغل ، ومتى حمل ~~الكلام على حقيقته ، لزمهم القول : بأنه تعالى يفعل الأفعال فى نفسه ، ~~فيشتغل بها ، ويمنعه ذلك من غيره من الأفعال ، وذلك مما لا يرتكبه مسلم ؛ ~~لأنهم يقولون بأنه يفعل فى ms405 غيره ، وأنه لا يشتغل بفعل عن فعل. فالمراد ~~بالآية التهديد دون وصف نفسه بالفراغ ؛ لأن هذه اللفظة قد جرت العادة فيها ~~بمثله ، لأن القائل منا قد يقول لغيره : سأفرغ لك ؛ إذا أراد أن يهدده ~~ويبكته فى أمر يفعله. ولو لا أن المراد بذلك ، لوجب أن يكون تعالى فى حال ~~هذا الخطاب كان مشغولا عن هذا الأمر ، الذى ذكر أنه يفرغ له ، وكان لا ~~يمكنه أن يفعله فى الحال. وذلك مما لا يرتكبه أحد!! ### |||| ** 742 وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [46] فلا يدل على أنه تعالى فى مكان ، ~~وهو قائم فيه حتى صار مقاما له ، وذلك أنه تعالى وعد من يخاف ورغبه ، وقد ~~علمنا أن الخوف لا يجوز أن يكون من مكانه PageV01P638 # ومقامه ، حتى يكون ذلك مرغبا فى الطاعة ، وصارفا عن المعصية ، فيجب أن ~~يحمل الكلام على أن المراد به : أن من خاف مقامه ، ووقوفه للمساءلة ، ~~والمحاسبة بفعل الطاعة ، فله الثواب. وأضاف المقام إلى الله تعالى وإن كان ~~مقاما للعبد ، لأنه بحيث يحكم تعالى ، ولأن الموضع المعد من قبله لوقوف ~~العبد ، ومقامه ، فأضيف إليه تعالى لذلك. ### |||| ** 743 وقوله تعالى : ( @QUR@05 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) [60] فأحد ما استدل به أصحابنا ، ~~رحمهم الله ، على العدل. وذلك أن المطيع قد يعبد الله المدة الطويلة ، فيحسن ~~بذلك ، ثم يرتد ويموت عليه ، فلو كان تعالى خلق الكفر فيه ، لكان قد جازى ~~المحسن بالإساءة التى لا غاية أكبر منها ، وذلك يكذب ما تقتضيه الآية ، ~~فإذن يجب أن نقطع بأنه لا يجوز أن يخلق تعالى الكفر والردة ، وأنهما من فعل ~~العبد ، حتى إذا عاقبه ، لم يفعل إلا باستحقاق ، ولا يفعل تعالى بالمحسن ~~إلا الإحسان فى الحقيقة ، إلا إذا أحبط المحسن إحسانه وأفسده. PageV01P639 ### | ومن سورة الواقعة ### |||| ** 744 أما قوله تعالى : ( @QUR@08 أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) [ 58 59 ] ~~فإنه لا يدل على أن فعل العبد الله خلقه ، وذلك أنه وصف العبد بأنه يمنى من ~~حيث يحصل الإنزال ، واستقرار الماء فى الرحم عنه. ثم ذكر أنه ms406 تعالى يخلق ~~ذلك ولدا مصورا. وهذا هو الذى يقتضيه ظاهره وبه نقول. # وقد بينا من قبل ، أن إنزال الماء لا يمكن أن يقال : إنه من فعل العبد ~~أيضا وإن كان قد يحصل له فيه فعل ، وشرحنا القول فيه (1)، فتعلقهم بذلك لا ~~يصح على وجه. ### |||| ** 745 وأما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@08 أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) [ 63 64 ] فى ~~أن طرح البذر والحرث ، كان يكون من خلقه تعالى وأن العبد [ ما ] فعله ، ~~فبعيد ، وذلك لأن الزرع قد اختلف فيه ، فمنهم من قال : إنه اسم للنبات ~~الظاهر ، وهذا هو من خلقه تعالى ، لأنه الذى ينبت الزروع وينميها ، ويجعلها ~~بالصفة التى تحصل عليها. ومنهم من قال : إنه طرح البذر ، ولذلك يقول القائل ~~: قد زرعنا الحنطة والشعير ، إذا بذره. وعلى هذا القول ؛ فى الكلام ما يدل ~~على أن المراد به ما قلناه أولا ، لأنه قال : ( @QUR@03 أفرأيتم ما تحرثون ~~) فأضاف الحرث إليهم ، ثم قال : ( @QUR@02 أأنتم تزرعونه ) يعنى ما تقدم ~~ذكره ، فيجب أن يكون المراد به : النبت والظهور ، على الوجه الذى قلناه. PageV01P640 # ومن وجه آخر ، وهو أنه تعالى عدد فى ذلك عظيم نعمه ، ولا يليق به طرح ~~البذر ، فيجب أن يكون محمولا على ما ذكرناه ، مما يؤدى إلى منافع الخلق ~~وقيام أبدانهم به. ### |||| ** 746 وأما قوله تعالى : ( @QUR@04 ونحن أقرب إليه منكم ) [85] فلا يدل على جواز القرب على الله ~~تعالى لأن الكلام فيمن حضره الموت وعاينه ، وهو الذى أراده بقوله : ( ~~@QUR@08 فلو لا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ) [ 83 84 ] ثم قال : ~~( @QUR@07 ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وأراد بذلك حضور الملائكة ~~على وجه يراهم المحتضر ، ولا يراهم القوم ، ولو كان القرب فى الحقيقة قد صح ~~فيه ، لوجب كونه فى ذلك المكان ، ولا يمتنع أن يكون فى غيره من الأماكن ~~كسائر الأجسام! # ومتى قالوا : إنه يقرب ولا يجب ذلك فيه ، فقد نفوا حقيقة القرب وزالوا عن ~~الظاهر. # * * * # (م 41 متشابه القرآن) PageV01P641 ### | ومن سورة الحديد # 747 قد بينا أن الجمادات إذا كانت لا تفعل التسبيح ms407 فى الحقيقة ، فالواجب ~~إذا وصفت بأنها تسبح ، أن يحمل ذلك على أنها تدل على تنزيهه تعالى (1)، ~~فمن حيث حلت محل من يظهر ذلك بقوله ، فهذا هو المراد بقوله ، ( @QUR@09 سبح ~~لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) [1] ### |||| ** 748 وأما قوله تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر ) (2) فإنه من أقوى ما يدل على إبطال قول من ~~يثبت لله تعالى علما وقدرة وسمعا وبصرا وصفات فى الأول ، لأنها لو كانت فى ~~الأول على ما يقولون لم يكن هو الأول من حيث وجد معه غيره! # فإن قال : هذه الصفات ليست غيرا له ، وهى داخلة فى الاسم الذى يذكرونه ، ~~فيصح من هذا الوجه أن يكون هو الأول ، فهذا باطل ، لأنا قد بينا فى غير ~~موضع أن إطلاق لفظة الإله لا يدخل تحته إلا ذاته تعالى ، دون ما يدعونه من ~~الصفات (3). وبينا أن الصفات يجب أن تكون غيرا له ، لأنها مخالفة له ، ~~ويجوز عليها ما لا يجوز عليه ، ومميزة ببعض الأذكار منه تعالى إذا ذكرناه ~~بأسمائه ، وذلك يحقق ما ذكرناه من الدلالة. # وقوله تعالى : ( @QUR@01 والآخر ) يدل على أن سائر الموجودات فى بعض ~~الأحوال تفنى ويبقى وحده موجودا ، على ما نقوله من أنه تعالى يفنى العالم. PageV01P642 # 749 وأما تعلق المشبهة بقوله : ( @QUR@02 والظاهر والباطن ) فى أنه جسم ، ~~وأنه يجوز عليه الاحتجاب والظهور [ فباطل ] (1)، وذلك أنه لو كان بهذه ~~الصفة لم يجب أن يوصف فى حالة واحدة بأنه ظاهر وباطن ، بل كان يجب أن تختلف ~~أحواله فى ذلك ، فكان يجب أن يكون فى مكان مخصوص ، وأن يكون له حد محدود ، ~~يصح أن يبطن ويظهر ، وكان يجب أن يكون هذا وصفه أبدا ، على ما ذكره ، وذلك ~~يوجب إثبات الأجسام لم تزل. # فالمراد بذلك : أنه القاهر المستعلى ؛ لأن من هذا حاله يقال إنه ظاهر ، ~~وإنه ظهر على الشيء. كما يقال : ظهر القوم على العدو ، وهم ظاهرون عليه. ~~والمراد بوصفه بأنه باطن : أنه عالم بالسرائر ، وعلى هذا يقال : إن فلانا ~~استبطن فلانا ، إذا خصه بأحواله. ### |||| ** 750 وقوله تعالى : ( @QUR@012 هو الذي ينزل على عبده ms408 آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ~~) [9] فقد بينا أن ظاهره يقتضى أنه يخرج من جسم إلى جسم. ومن ظلمة إلى ~~ضياء. ولا يقتضى الكفر والإيمان (2). فتعلقهم بظاهره لا يصح. # والمراد بذلك : أنه ينزل القرآن ليبعثهم بذلك على مفارقة الكفر ، والعدول ~~عنه إلى الإيمان. وذلك يدل على ما نقول من أنه تعالى يريد من جميعهم ~~الإيمان ؛ لأنه لم يخص بذلك قوما دون قوم. # ولو حمل على ظاهره ، لوجب أن يكون تعالى أنزل القرآن لكى يفعل فيهم ~~الإيمان ويخلقه ، ولو كان ذلك من خلقه لكان انزال القرآن ليس بسبب PageV01P643 # له ، ولا هو ممن يفعل به ، فكان لا وجه له البتة. وإذا حملناه على ما ~~قلناه ، يصح ؛ لأنه يكون باعثا لهم على الإيمان وداعيا لهم. ### |||| ** 751 وقوله : ( @QUR@09 وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ) ~~[27] فغير دال على قول المجبرة فى أن أفعال القلب من قبله تعالى ، وذلك أن ~~ظاهره يقتضى أنه جعل فى قلوبهم الرأفة والرحمة ، وكذلك نقول ؛ لأن رأفة ~~القلب ورقته هما من فعله تعالى ، وإن كان المراد بها النعمة ، فمتى قرنت ~~بالقلب ، فالمراد بها ما ذكرناه ، والله تعالى هو الذى يخلق القلوب مختلفة ~~: ففيها ما يختص بالقسوة ، وفيها ما يختص بالرحمة والرأفة. # وأما الرهبانية فلم يذكر تعالى أنه جعلها ، وإنما ذكرها ، ثم خبر أنهم ~~ابتدعوها ، وبين أنه تعالى ما كتبها عليهم ، وما ألزمهم إياها إلا ابتغاء ~~مرضاته ، وأنهم ما رعوها حق رعايتها ، فخرجوا عنها إلى المعاصى ، ولم ~~يتمسكوا بها ، ولم يدوموا عليها. ### |||| ** 752 وقوله تعالى : ( @QUR@011 لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ) [29] ~~وتعلقهم بذلك فى أن العبد لا يقدر على فعله ؛ لأن الفضل من فعله ، فبعيد ، ~~وذلك أن ظاهره إن دل ، فإنما يدل على أن العبد لا يقدر أصلا ، على ما يقوله ~~جهم (1) والقوم وإن جعلوا فعله خلقا لله ، تعالى PageV01P644 # فإنهم يثبتونه قادرا فى الحقيقة على الفضل (1)، فكيف يصح تعلقهم به؟ # وبعد ، فإن الفضل إذا أضيف إلى الله تعالى. فالمراد به ما يختص بفعله ms409 من ~~النعم ، فلا يصح ما ذكروه. # على أن الآية واردة فى ذكر الرسل ، فبين تعالى أن أهل الكتاب لا يقدرون ~~على إرسال الرسل ، ولا يتعلق ذلك باختيارهم ، وقد ذكر تعالى ما يدل على ما ~~قلناه ، فقال : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ) ~~[28] ثم عقبه بهذه الآية ، وبين أن أهل الكتاب لا اختيار لهم فى هذا الباب ~~، وقال بعده : ( @QUR@07 وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) [29] وأراد به ~~النبوة التى يضعها مواضع المصلحة ، على قدر إرادته ومشيئته. PageV01P645 ### | ومن سورة المجادلة ### |||| ** 753 مسألة : قوله تعالى فى كفارة الظهار : ( @QUR@016 فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) [4] ، مع إجماع الأمة ~~على أن من يدخل فى الصيام ، فلا يكون مستطيعا (1)، ويكون فرضه الصوم دون ~~الإطعام ، يدل على بطلان قولهم فى أن القدرة مع الفعل ، وأن من ليس بصائم ، ~~ولم يدخل فيه ، فهو غير مستطيع له فى الحقيقة. ### |||| ** 754 وتعلق المشبهة بقوله : ( @QUR@025 ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) [7] فبعيد ، وذلك أنه ~~متى حمل على ظاهره ، يتناقض ، لأنه إن كان رابعا لثلاثة فى مكان ، استحال ~~كونه رابعا لغيرهم فى سائر الأماكن ، والظاهر يقتضى كونه رابعا لكل ثلاثة ~~تناجوا. وقد بينا أنه لا يمكنهم القول بأنه معهم إلا مع القول بأنه جسم ؛ ~~لأن هذه اللفظة لا تطلق إلا فيما هذا حاله ، خصوصا فى الأماكن والأشخاص. # فيجب أن يحمل الكل على أن المراد به : أنه عالم بأحوالهم ، وأنهم لا ~~يقدرون على أن يستسروا بما يتناجون ، دونه ، ولذلك خص من يتناجى بذلك ، دون ~~غيرهم والمشبهة لا تقول بأنه تعالى عند النجوى يحصل فى المكان أو مع العبد ~~، وفى سائر الأحوال يغيب منبها بذلك على أن إخفاء النجوى إنما يصح على ~~العباد دون الله تعالى. PageV01P646 # 755 وقوله تعالى : ( @QUR@013 إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ~~وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ms410 ) [10] فلا يدل على أنه تعالى يريد أضرار ~~الشيطان ، وذلك أنه تعالى بين أن الشيطان بوسوسته يريد أن يغمهم ، وأن ما ~~يفعله ليس بضارهم فى الحقيقة ؛ لأنهم يعدلون عما يقتضيه دعاؤه ووسوسته. # وقوله تعالى : ( @QUR@03 إلا بإذن الله ) أراد : إلا بأن يحدث تعالى الغم ~~فى قلوبهم بما يحدث من الأمور ، فيكون حادثا من جهته. أو يريد بذلك ما ~~يفعله القوم من الغم عند أمر الله تعالى بذلك ، فيكون المراد بالإذن الأمر ~~على الحقيقة. # وقوله تعالى : ( @QUR@04 إنما النجوى من الشيطان ) وإضافته ذلك إليه يدل ~~على أنه لم يخلقه لأنه لو خلقه ، لم يكن لإضافته إلى الشيطان وجه ؛ من حيث ~~علم أن دعاءه لا يؤثر فى حصوله منهم ، وإنما يجب وجوده عند خلقه تعالى ، ~~وهذا ظاهر. ### |||| ** 756 وقوله : ( @QUR@07 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ) [16] فى بيان ~~المنافقين. من أدل الدلالة على أنه تعالى لا يخلق الذهاب عن الحق ، لأنه لو ~~خلق ذلك ، لم يضف الصد عن سبيل الله إليهم ، على ما بيناه. ### |||| ** 757 وقوله : ( @QUR@08 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) [22] لا يدل على ~~أن الإيمان من خلقه تعالى ؛ لأن الكتاب لا يفيد ذلك. والمراد عندنا : أنه ~~تعالى يسم قلوبهم بعلامة من كتابة أو غيرها ، ما يدل على أنهم مؤمنون ~~مستحقون للثواب ، لتفرق الملائكة بينهم وبين المطبوع على قلبه الذى PageV01P647 # يستحق الذم. وقد بينا القول فى ذلك (1). # وقد قال بعضهم : إنه تعالى أراد أنه يثبت فى قلوبهم الحفظ ، والعلم ~~بالشرائع ، ولطف لهم فى التمسك بها ، فوصف نفسه من هذا الوجه بأنه كتب فى ~~قلوبهم الإيمان. # * * * PageV01P648 ### | ومن سورة الحشر ### |||| ** 758 قوله تعالى : ( @QUR@012 هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) ~~[2] تعلقوا به فى أن خروجهم يجب أن يكون خلقا لله تعالى ، وقد بينا فى (1) ~~مواضع أن ذلك يوجب أنه تعالى يوصف به ، لأنه إن كان يوصف بأنه أخرجهم من ~~حيث خلق الإخراج الذى هو خروجهم ، فيجب أن يوصف ... الظلم بأنه ظلمهم (2). ~~وهذا مما لا يقول به مسلم. ولو كان ms411 ذلك حقيقة لما جاز أن يصفهم فيقول : ( ~~@QUR@04 ما ظننتم أن يخرجوا ) [2] فيضيف الخروج إليهم. # فالمراد بذلك : أنه تعالى لما أمر بإخراجهم ، وتخريب منازلهم ، وإجلائهم ~~إلى الشام ، جاز أن يقول تعالى على طريق الامتنان على النبى ، صلى الله ~~عليه ، بهذا القول. ### |||| ** 759 وقوله تعالى : ( @QUR@010 ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ) [3] ~~فالمراد أنه كتب فى الحقيقة وأخبر بذلك ، ثم وقع الأمر على ما أخبر به. يدل ~~ذلك على أن تعذيبهم فى الدنيا من القتل وغيره (3) كان يقوم مقام الجلاء ، ~~فيما يقع به من المصلحة. وهذا يدل على ما نقوله فى اللطف ، وأن فيها ما ~~يقوم مقام غيره. ### |||| ** 760 وقوله : ( @QUR@011 ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) ~~[5] لا يدل على أن قطعهم من خلقه ، وذلك أن الإذن PageV01P649 # قد يكون الأمر والإعلام ، على ما بينا (1). ونحن نحمله على الأمر فى ~~الحقيقة ، لأنه تعالى أمرهم بقطع نخيلهم ، لما فيه من المصلحة. ### |||| ** 761 وتعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@04 ومن يوق شح نفسه ) [9] فى أن الشح والبخل من فعله ، فيصح أن يقيه ~~العبد ، وأن يفعله به ؛ فبعيد ، وذلك أن ظاهره يقتضى أنه جنب البخل ، وليس ~~فيه ذكر من جنبه ذلك ، وأزاله عنه ، فلا يدل الظاهر على ما قالوه ، وإن (2) ~~كان لا يمتنع أن يحمل الشح (3) على ما يختص به البخيل من ضيق القلب عن ~~العطايا ، وهذا هو من خلقه تعالى. ### |||| ** 762 وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) [10] لا يدل على أن فعل ~~القلب من خلقه تعالى ، لأن الغل لا يمتنع عندنا أن يكون ما يحصل فى القلب ~~من شدة الشهوة بالنعم ، فيكون كالباعث له على الحسد والخديعة ، فسألوا زوال ~~ذلك ، وقد بينا أن الدعاء بالفعل لا يدل على حال ذلك الفعل وكيفيته ، وعلى ~~أن جنسه لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، مشروحا فى غير موضع (4). ### |||| ** 763 وقوله تعالى : ( @QUR@010 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) ~~[20] يدل على أن من استحق النار لا يفوز بالجنة ، والنجاة ms412 منها ، وإلا كان ~~يجب أن يكون قد ساووا أصحاب الجنة فى ذلك ، وقد نفاه الله تعالى ومنع منه. ~~وذلك يحقق قولنا فى الوعيد. PageV01P650 # 764 وقوله : ( @QUR@03 هو الله الخالق ) [24] لا يدل على أن العبد لا ~~يفعل ؛ لأن وصفه نفسه بذلك ، لا يمنع من أن غيره بمنزلته. هذا لو أطلقنا ~~القول بأن العبد يخلق ، فكيف ونحن تمتنع منه ، وإنما نقول بالإطلاق إنه ~~يفعل ، وعلى التقييد نصفه بالخلق ، كما ذكر تعالى فى عيسى : ( @QUR@06 وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير ) (1). ### |||| ** 765 وقد بينا أن قوله تعالى : ( @QUR@03 له الأسماء الحسنى ) [24] يدل على أن أفعاله حسنة ، وإلا وجب أن ~~يكون فى أسمائه خلاف ذلك (2)! ### |||| ** 766 وقوله تعالى : ( @QUR@02 الملك القدوس ) [23] يدل على أنه منزه عن القبائح ؛ لأن التقديس ~~هو التطهير ، ولو جاز أن يفعل القبائح لم يختص بذلك. # * * * PageV01P651 ### | ومن سورة الممتحنة ### |||| ** 767 أما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@013 إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ~~) [4] فى أنه يدل على أنه تعالى قد لا يجيب النبى إلى ما يدعو به ، وأنه ~~يغفر للكفار ، فبعيد ، وذلك أن ظاهر الآية ليس إلا أنه وعد أن يستغفر له ، ~~ولا يوجب ذلك العلم بحال ما سأل عنه ، وكيفيته ، على ما ذكرناه فى الدعاء ~~(1)، فالتعلق بظاهره لا يصح. وقد قال : ( @QUR@010 وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) (2) فبين أنه وعده أنه يؤمن ، ~~ويعدل عن عبادة الأصنام إلى عبادة الله تعالى ، فعند ذلك وعده إبراهيم ~~بالاستغفار ، فلما ثبت على كفره تبرأ منه ، وترك الاستغفار له. # وبعد ، فإن غفران الكفار يحسن عندنا فى العقول ، فلو أريد به الظاهر ، ~~لصح ، وإنما يمتنع عندنا سمعا. ### |||| ** 768 وتعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@06 ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) [5] فى أنه تعالى ينزل ~~بالمؤمن الأمور التى معها يشمت الكافر ، فليس فى ظاهره أكثر من أنهم سألوا ~~ألا يجعلهم فتنة لهم ، وقد يكونون كذلك بأمور من قبله فى الحقيقة ، وظاهره ~~لا يدل على ما قالوه. # والمراد بذلك : أنه يصرف عنه المحن التى عندها يفرح الكفار ms413 بهم ، ويلحقهم ~~الغم به ، ويفرحهم ، فيكون فتنة ، ومشقة جديدة. وقد يجوز أن يريد بذلك أن ~~يثبت أقدامهم ، ويقويهم ، ولا يقوى العدو حتى يغلبهم ، فيكون ظفرهم فتنة لهم. PageV01P652 ### | ومن سورة الصف ### |||| ** 769 أما تعلقهم بقوله تعالى : ( @QUR@05 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [5] فى أنه تعالى يخلق الكفر ~~وسائر المعاصى ، فبعيد. وذلك أنه تعالى وصفهم بالزيغ ، وأضاف ذلك إليهم فى ~~الحقيقة ، وبين أن عند ذلك تزيغ قلوبهم ، فالمراد به أنه يعاقبهم على ذلك ، ~~والكلام فيه كالكلام فى قوله : ( @QUR@05 ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ) (1) ~~، وقد بينا الكلام فى ذلك. # * * * ### | ومن سورة الجمعة ### |||| ** 770 قوله تعالى : ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) [4] لا يصح تعلقهم به فى أنه خص ~~بالإيمان والفضل بعض عباده دون بعض ، وذلك أن المراد بالكلام النبوة ، وهو ~~تعالى يخص به بعض عباده دون بعض. # وقوله تعالى : ( @QUR@07 هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) [2] يدل ~~على ما قلناه. # * * * PageV01P653 ### | ومن سورة المنافقين ### |||| ** 771 أما قوله تعالى : ( @QUR@07 اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ) [2] فإنه يدل على أنه ~~تعالى لا يخلق الصد عن السبيل ولا الذهاب عنه ، وإلا لم يكن لإضافته ذلك ~~إلى المنافقين معنى ، ولا كان لإيمانهم تأثير فى ذلك ؛ لو كان تعالى هو ~~الذى يخلق الكفر والذهاب عن الإيمان. وإنما يكون لذلك معنى من حيث كانوا ~~يدعون إلى خلاف ما أظهروه من الإيمان ويحلفون عليه بأيمان فيستغوون به ، ~~ويبعثون به على الكفر ، ولو كان العبد لا يختار فعله ، وإنما يخلق فيه لم ~~يكن لكل ذلك تأثير. ### |||| ** 772 وقوله تعالى : ( @QUR@08 ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) [3] فقد بينا القول ~~فى الطبع ، ودللنا على أنه ليس بمنع على الحقيقة (1). ### |||| ** 773 وقوله : ( @QUR@06 إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) [6] يدل على أنه لا يثيبهم ~~البتة. ويدل على أنهم لا يتخلصون من العقاب ؛ لأنهم لو تخلصوا من ذلك ، ~~لكان تعالى قد هداهم إلى البغى! # * * * PageV01P654 ### | ومن سورة التغابن ### |||| ** 774 أما قوله تعالى : ( @QUR@07 هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) [2] فانه لا يدل على أنه ~~خلق الكافر ms414 كافرا ، والمؤمن مؤمنا ؛ لأن ظاهره يقتضى أنه خلقهم ، وذلك ~~يقتضى خلقه لأجسامهم ، ثم قسمهم قسمين على الوجه الذى ذكره ، وليس فيه أن ~~ما صار به المؤمن مؤمنا ، والكافر كافرا من خلقه تعالى. # وقد قال أبو على ، رحمه الله : لو كان كما قالوا ، لقال : فمنكم كافرا ~~ومنكم مؤمنا ، بالنصب ، فلما ذكر تعالى بالرفع دل على أن الإيمان من فعلهم ~~، لا من خلق الله فيهم! ### |||| ** 775 وقوله : ( @QUR@07 خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ) [3] فإنه يدل ~~على العدل ؛ من حيث بين أنه خلقها بالحق. وقد بينا أنه لو جاز أن يفعل ~~القبيح ، لما صح أن يثبت ذلك ، ولما صح أيضا أن يكون قد أحسن الصورة وفعلها ~~على وجه تحسن عليه. فالآية تدل على تنزيهه عن القبيح. ### |||| ** 776 وقال أبو على ، رحمه الله ### |||| ** : وصفه تعالى ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة ، بأنه (1) يوم التغابن (2)، إنما ~~يصح على قولنا فى العدل ، وذلك ينبئ أنهم صاروا مغبونين. وأن من فاز وظفر ~~بالجنة ، فهو غابن لهم ، وذلك لا يصح PageV01P655 # إلا مع العلم بأنهم قصروا فيما قدروا عليه ، فلحقهم الغبن. ولو كانوا لم ~~يقدروا فى دار الدنيا على ذلك لم يصح هذا القول. ### |||| ** 777 وقوله تعالى : ( @QUR@012 ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) [11] ~~فلا يدل على أن ما يؤدى إلى المضرة من تصرف العبد ، من فعله تعالى ، لأنه ~~لو دل ظاهره على ذلك لدل على أنه بأمره تعالى ، ولا خلاف فى أنه تعالى لا ~~يأمر بالقبيح. فالمراد بذلك ما ينزل به من الشدائد والمحن ، التى تكون من ~~قبله تعالى ، وذلك لا يكون إلا بعلمه وإرادته. # وقوله : ( @QUR@05 ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) أراد به تعالى ما بيناه من ~~زيادة الهدى والبصيرة ؛ لأنها تؤثر فى قلبه فتزيده سكونا ، وقد بينا القول ~~فى ذلك (1). # * * * PageV01P656 ### | ومن سورة الطلاق ### |||| ** 778 وأما تعلقهم بقوله : ( @QUR@06 لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) (1) فى أن الرجعة يجب أن تكون ~~حادثا من فعله تعالى ، فغلط ، وذلك أنه تعالى لم يذكر ما ذلك الأمر ms415 الذى ~~يحدثه ، فمن أين أن المراد به الرجعة دون أن يكون الشهوة والرغبة لمراجعتها ~~، وذلك من فعله ، والظاهر لا يليق إلا بهذا الوجه ، وذلك أنه تعالى منع ~~المطلق من أن يبت الطلاق ، لكى يتمكن من التلافى إذا وجد فى قلبه الشهوة ~~والرغبة. ### |||| ** 779 وقوله تعالى : ( @QUR@06 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) [3] لا يدل على أن تصرفه من قبله ~~، بل يدل على أنه الذى يحدثه ، ليصح أن يكون متوكلا. وقد بينا حقيقة التوكل ~~، وأنه يقتضى كون المتوكل متخيرا فيما يفعل ، مؤثرا لفعل على فعل (2). ### |||| ** 780 وقوله : ( @QUR@06 قد جعل الله لكل شيء قدرا ) [3] غير دال على أن الأشياء حادثة من ~~قبله تعالى ، وذلك أن جعله لها قدرا ، لا ينبئ عن أن ذاتها موجودة من جهته ~~؛ لأن المقدر والمدبر قد يريد فعل غيره ، وفعل نفسه ، ويقدرهما. فالتعلق ~~بظاهره لا يصح. # ولا يمتنع من أنه تعالى قد قدر أفعال العباد ، وجعل لها مقادير بالحبر ~~والكتابة. # (م 42 متشابه القرآن). PageV01P657 # 781 وقوله تعالى : ( @QUR@015 ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) [7] يدل على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا ~~يطيقه ، على وجه من الوجوه ، وقد بينا القول فى ذلك فى مواضع (1). # ويدل أيضا على أن الفعل للعبد ؛ لأنه تعالى أمره بأن ينفق بحسب ما يؤتيه ~~فإذا ضيق عليه رزقه أنفق بحسبه ، وإذا وسع عليه فكمثل ، لأن قوله : ( ~~@QUR@04 ومن قدر عليه رزقه ) المراد به : ومن ضيق عليه فى رزقه. وهو الذى ~~أراده تعالى فى قصة ذى النون : ( @QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه ) (2) يعنى : ~~أن لا نضيق عليه. # * * * PageV01P658 ### | ومن سورة التحريم ### |||| ** 782 قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) [6] يدل على أن ~~العبد قادر على فعله ، وأنه الذى يحدثه ، ليصح منه أن يتقى النار بما ~~يختاره ، وأن يقى أهله ذلك بما يدعوهم إليه. وهذا لا يصح مع القول بأنه ~~تعالى يخلق فيه الفعل على وجه لا يمكنه خلافه. ### |||| ** 783 وقوله تعالى : ( @QUR@012 يا أيها الذين كفروا لا ms416 تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون ) [7] فمن قوى ما يدل على أنه تعالى لا يخلق أفعال العباد ، لأنه لا ~~يخلو قوله : ( @QUR@03 لا تعتذروا اليوم ) من أن يريد به منعهم من الاعتذار ~~ولهم عذر ، أو أن يريد بذلك أن لا عذر لهم ، وقد علمنا أنه لا يجوز أن يكون ~~المراد الأول ، لأنه كان يجب أن يكون لهم عذر فى الحقيقة ، وقد منعهم من ~~ذكره ، وهذا لا يجوز عند أحد ، خصوصا فى الآخرة. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنما تجزون ما كنتم تعملون ) يدل على بطلان ذلك ~~أيضا ، لأنه لو كان لهم عذر فى الحقيقة ، لكانوا قد جوزوا بما لم يفعلوا ، ~~وعلى وجه يقبح العذر الذى معهم ، فإذن صح بأنه لا بد من القول بأنه لا عذر ~~لهم. ولو كان الأمر كما تقوله المجبرة ، لوجب أن يكون لهم عذر ، بل أعذار ~~كثيرة ، كل واحد منها يقوم بنفسه فى ظهور عذرهم ، وفى سقوط العقاب عنهم. ~~وذلك أن لهم أن يقولوا : إنما أتينا فى كفرنا من قبلك ، وفى أن لم نفعل ~~الإيمان من جهتك ، لأنك سلبتنا القدرة عليه ، وأعطيتنا قدرة الكفر ، ~~وجعلتها موجبة للكفر ، وخلقت مع ذلك الكفر فينا وإرادته فيما لم تزل ، فلم ~~يمكن مفارقته ، وخلقت فينا قدرة الإرادة له ، ونفس الإرادة والاختيار. وكل ~~واحد من ذلك لو حصل بانفراده PageV01P659 # فينا ، لامتنع الإيمان منا ، ووجب الكفر!! فكيف لا يكون ذلك عذرا لنا فى ~~زوال العقاب عنا؟ ولئن جاز أن لا يعد ذلك عذرا ، فيجب أن يجوز معاقبة ~~العاجز والزمن ، وأن لا يجعل ذلك عذرا فيهم. وفى هذا إخراج كل عذر من أن ~~يكون عذرا! # فلما بين تعالى أن لا عذر للكافرين ، وكان قولهم يقتضى ما ذكره ، فيجب ~~صحة ما نقوله ، ليسلم معه القول بأنهم من قبل أنفسهم أتوا ، لأنهم مكنوا من ~~الإيمان ، وأزيحت عللهم فيه ، فعدلوا عن فعله ، لغلبة الشهوة ، وإيثار ~~الهوى ، وتركوا ما فيه فوزهم ونجاتهم ، فلم يكن لهم عند نزول العقاب بهم ~~معذرة على وجه. ### |||| ** 784 وقوله تعالى : ( @QUR@015 يا أيها الذين آمنوا توبوا ms417 إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ) [8] يدل على أن السيئات إنما تكفر ، إذا عظمت أو صارت ~~كبيرة ، بالتوبة ، على ما نقوله. PageV01P660 ### | ومن سورة الملك ### |||| ** 785 قوله : ( @QUR@07 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) [3] يدل على نفى القبائح عن ~~خلقه ؛ لأنه لو كان هو الخالق لها ، وفيها توحيد وتشبيه وتثليث ، لكان ذلك ~~متفاوتا. وفيها عبادة الله وعبادة غيره ، والحكمة والصواب ، والسفه ~~والباطل. ولا تفاوت أعظم مما اختص به ذلك ، فيجب أن يدل على أنه ليس من ~~خلقه تعالى على وجه. # وليس لأحد أن يقول : المراد بذلك أنه لا تفاوت فيما خلقه من السموات ، ~~لأن حمله على ظاهره يمكن ويفيد. فلا يجب تعليقه بما تقدم (1). وإن كان لو ~~حمل على ذلك لوجب ما قلناه أيضا ، لأن نفى التفاوت ، فى باب الحكمة والسفه ~~، عن شيء من أفعاله ، لا يصح إلا مع القول بأنه منزه عن القبائح. ### |||| ** 786 وتعلقهم بقوله : ( @QUR@013 وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من ~~خلق ) [ 13 14 ] فى أنه يدل على أنه خلق ما فى الصدور ، فبعيد ، وذلك أن ~~ظاهره لا يدل إلا على أنه خلق ما تقدم ذكره ، وكما تقدم ذكر ذات الصدور ، ~~فقد تقدم ذكر الصدور بنفسها ، فمن أين أن المراد به أحدهما دون الآخر؟ # وبعد ، فإن حمله على ما قالوه يوجب أنه خلق ما فى الصدور من القول ؛ وقد ~~علمنا أن ذلك لا حقيقة له! ومتى قال : المراد به العلم بالقول ، فقد خرج عن ~~الظاهر! PageV01P661 # وبعد ، فإن العلم الذى يستسره الإنسان ، الأقوى أن يكون ضرورة ، ويكون ~~تعالى هو الخالق لها ، فحمله على ظاهره يصح على قولنا ، فأما أن تدل الآية ~~على أنه يخلق ما يسره الإنسان من الإرادة ، والعزم ، وسائر ما يكتسبه ، ~~فالظاهر لا يدل عليه. # وبعد ، فإن الذى يقتضيه الكلام ، أنه وصف نفسه بأنه يعلم السر وأخفى. ثم ~~بين الوجه الذى له وجب كونه عالما ، فقال : ( @QUR@04 ألا يعلم من خلق )! ~~يريد : ألا يعلم الخالق الأشياء ، الذى هو قديم ms418 قادر لذاته؟ فحملهم على ما ~~ذكروه بعيد. ### |||| ** 787 وأما قوله تعالى : ( @QUR@011 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ) ~~[19] فقد بينا من قبل المراد بذلك ، فلا وجه لإعادته (1). PageV01P662 ### | ومن سورة « ن ) ### |||| ** 788 [ قوله تعالى ] : ( @QUR@09 إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) [ ~~34 35 ] يدل على ما نقوله فى الوعيد ؛ لأن الأمر لو كان كما تقوله المرجئة ~~، لكان لا يمتنع فى كثير من المجرمين أن يجعل حالهم فى إدخال الجنة ، كحال ~~المسلمين ، وقد شرحنا ذلك من قبل 1. ### |||| ** 789 وأما تعلق المشبهة بقوله : ( @QUR@09 يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) [42] فبعيد ، ~~وذلك أنه ليس فى الظاهر إضافة الساق إلى من هو له ، لو كان المراد بالساق ~~الجارحة ، فمن أين أن المراد إثباته لله؟ تعالى عنه! وإنما أراد بذلك أن ~~يبين شدة ذلك اليوم ، وعظيم ما ينزل فيه على أهل العقاب عند المحاسبة ، ~~فقال تعالى هذا القول على طريق العرب فى هذا الباب. # وقوله : ( @QUR@05 ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) لا يجوز تعلق ~~المجبرة به فى تكليف ما لا يستطاع ؛ لأن الغرض بذلك ليس هو التكليف ، لأن ~~الآخرة لا يصح فيها ذلك. والمراد به : التبكيت على تقصيرهم فيما كلفوه من ~~السجود ، وبيان أنهم لا يمكنهم تلافى ما فرطوا فيه من قبل. ### |||| ** 790 وقوله : ( @QUR@07 وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) [43] يدل على أنهم فى ~~حال التكليف ، كانوا سالمين من الموانع ، ممكنين منه ، فعدلوا عنه ، فلحقهم ~~العذاب. ### |||| ** 791 وأما قوله تعالى : ( @QUR@05 فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) [50] فقد مر الكلام فى نظائر ~~ذلك ، وبينا تأويله (1). PageV01P663 ### | ومن سورة الحاقة ### |||| ** 792 أما تعلق المشبهة بقوله تعالى : ( @QUR@06 ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [17] فى أنه يدل على أن ~~العرش مكان له ، من حيث الإضافة ، فبعيد ، وذلك لأن الإضافة على هذا الوجه ~~تصح على وجوه مختلفة ، فلا يدل على ما قالوه ، ولو وجب بذلك أن يكون العرش ~~مكانه ، لوجب ، متى وصفت الكعبة بأنها بيت الله أن تكون مسكنا له! وأن يكون ~~فيها ، ويتعالى ms419 الله عن ذلك. وكان يجب على قولهم أن يكون عرشه محمولا ، ولا ~~يكون كذلك إلا وهو محمول ؛ لأن الجسم إذا حمل فقد حمل ما عليه ، والله ~~يتعالى عن ذلك! ### |||| ** 793 وتعلقهم بقولهم : ( @QUR@08 ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ) [ 44 45 ] فى ~~إثبات اليد لله تعالى ، فبعيد ، وذلك أن المراد به القدرة ، على ما بيناه ~~من قبل. وقد بينا أن حمله فى الحقيقة على ظاهره يوجب إثبات يمين ويسار على ~~الصفة المخصوصة التى عقلناها ، وذلك لا يصح عند مسلم (1). # * * * PageV01P664 ### | ومن سورة سأل سائل ### |||| ** 794 أما تعلق المشبهة بقوله : ( @QUR@08 من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه ) [ 3 4 ] فبعيد ، ~~وذلك أن المعارج هى الدرجات الرفيعة ، والله تعالى مالك لذلك وخالق له ، ~~فصح أن يضيفهما إلى نفسه. ### |||| ** 795 وقوله تعالى : ( @QUR@03 تعرج الملائكة والروح ) وهو يعنى جبريل إليه المراد به : إلى ~~موضع هذه الدرجات. وقد بينا فى مواضع أن ذلك لا يجب حمله على ظاهره 3. ### |||| ** 796 وقوله : ( @QUR@05 إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ) [ 6 7 ] لا يدل على جواز القرب ~~على الله تعالى ، لأن المراد بالآية يوم القيامة والساعة ، وهى معدومة ، ~~فالقرب فى الحقيقة فيها لا يصح ، كما أن بعدها لا يصح ، فالمراد أنه تعالى ~~يعلمه قريبا ، من حيث يظنونه بعيدا. ### |||| ** 797 وقوله تعالى : ( @QUR@08 يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ) [11] يدل على نزول ~~العذاب بكل مجرم. وعلى أنه لا مخلص له من ذلك اليوم من العذاب ؛ لأنه لو ~~خلص منه بشفاعة ، أو غيرها ، لما جاز أن يوصف بهذه الصفة التى تقتضى اليأس ~~من التخلص من العقاب. ### |||| ** 798 وقوله تعالى : ( @QUR@04 إذا مسه الشر جزوعا ) [20] لا يدل على أن الشر من فعله ، لأنه ~~ليس فى الظاهر أن الشر الذى مسه من فعله ، أو من فعل غيره ، وإنما وصفه ~~بالجزع والهلع عند مس الشر له ، فمن أين أن المراد قالوه؟ # وإنما المراد بالآية : أنه إذا مسته المصائب يلحقه الجزع والقلق ، ويقل PageV01P665 # صبره على الشر ، ليبين ضعف الإنسان ، وقلة نظره لنفسه. وقد بينا أن ms420 حقيقة ~~الشر هو الضرر القبيح ، والله تعالى لا يفعله ، لكنه لا يمنع أن يستعمل ~~فيما يفعله من المحن ، من حيث شابهت الشر فى أنها مضرة ، وقد تقدم القول فى ~~ذلك (1). # * * * PageV01P666 ### | ومن سورة نوح ### |||| ** 799 قوله تعالى : ( @QUR@06 ما لكم لا ترجون لله وقارا ) [13] لا يدل على أنه جسم يوصف ~~بالوقار فى الحقيقة ؛ لأنه ليس فى الظاهر أن الوقار من صفته ، فيجوز لهم ~~التعلق به. # والمراد عندنا بذلك : ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيمه ، فتجانبوا معاصيه ~~، وتمسكوا بطاعته. ### |||| ** 800 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) [24] لا يدل على أن الضلال الذى هو ~~الكفر ، من قبله تعالى ، لأنا قد بينا أن هذه اللفظة تقع محتملة (1)، فلا ~~تدل على أنه المراد بها ، وإنما أراد بهذا الدعاء أن يزيدهم عقابا إلى ما ~~هو عليه من المحن ، لأنهم بظلمهم وكفرهم ، قد استوجبوا العقاب المعجل ، ~~والمؤجل ولا يمتنع أن يدعوه بأن يزيدهم فى المعجل غير ما أنزله بهم ، ولا ~~يكون المدعو به إلا حسنا مستحقا. ### |||| ** 801 وقوله تعالى : ( @QUR@010 إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) [27] لا ~~يصح أن يتعلق به من يرى جواز تعذيب الأطفال ؛ لأنه يجب على هذا الظاهر أن ~~يكون المولود منهم فى حال سقوطه فاجرا كافرا ، وهذا مما لا يبلغه أحد ، ~~فالمراد إذن به : ولا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر عند البلوغ ، لأنه تعالى ~~كان قد أعلمه أن ذلك يكون حال ذريتهم ، وندبه إلى هذا الدعاء ، لما فيه من ~~المصلحة. PageV01P667 ### | ومن سورة الجن ### |||| ** 802 قوله تعالى : ( @QUR@013 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) ~~[10] لا يدل على أنه تعالى يريد الشر والقبيح ، لأنه ليس فى ظاهره ذكر ~~المريد من هو ، كما ذكر فى ظاهره أنه تعالى أراد بهم الرشد ، ولأنه حكاية ~~عنهم ، أنهم أوردوه على طريقة الشك ، فلا يجوز أن يتعلق بظاهره وقد بينا من ~~قبل أن الشدائد والمحن الواردة من قبله تعالى قد توصف بأنها شر ، على طريقة ~~المجاز ، ولا يمتنع أن يكون ms421 أهل اللغة استعملوه على طريق الحقيقة ، من حيث ~~عندهم أن الشر هو الضرر ، وإنما يخرج عن هذه الصفة بالعاقبة ، فإذا لم ~~يعرفوها ، دخل عندهم فى حقيقة الشر. ### |||| ** 803 وقوله تعالى : ( @QUR@08 وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) [16] بعد ذكر ~~الوعيد فى القاسطين (1)، يدل على أنهم متمكنون من الاستقامة على الطريق ، ~~وإن كانوا فى الحال قاسطين. وذلك يوجب أن المكلف متمكن من غير الفعل الذى ~~اختاره. ### |||| ** 804 وقوله : ( @QUR@02 لنفتنهم فيه ) [17] تقدم القول فيه : أن المراد به تشديد المحنة ~~دون الكفر والمعاصى (2). ### |||| ** 805 وقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) [23] ~~يدل على ما نقوله فى الوعيد ، لأنه تعالى أوجب لمن هذا وصفه ، الخلود فى ~~النار ، ولم يخص الكافر من الفاسق. PageV01P668 ### | ومن سورة المزمل ### |||| ** 806 قوله تعالى : ( @QUR@08 فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا ) [17] لا يدل على ~~أن فى ذلك اليوم يخاف الولدان ويعذبون. وذلك أن هذه الطريقة تذكر لعظم حال ~~يوم القيامة ، وعلى هذا الوجه يقال فى الأمر الهائل العظيم : تشيب منه ~~النواصى ، وتشيب الولدان. وهذا كقوله : ( @QUR@04 يوم يكشف عن ساق ) (1)، ~~وكقوله : ( @QUR@03 والتفت الساق بالساق ) (2) فى أن المقصد بجميعه الإنباء ~~عن عظيم ما يرد ذلك اليوم على أهل المعاصى ، دون تحقيق ذلك على جهة الخبر ؛ ~~يبين ذلك أنه تعالى جعل هذا الذكر باعثا للعباد على ترك الكفر ، والتقوى. ~~ولو كان ذلك اليوم بهذه الصفة ، لكان بأن يزهد فى الإيمان والتقوى أقرب ، ~~لأن المكلف إذا تصور أن ذلك اليوم يعذب من لا ذنب له ، زهد فى طاعته ، ~~ويجوز أن تكون من أسباب هلاكه ، يبين ذلك أنه تعالى أضاف ذلك إلى اليوم ، ~~وقد علمنا أن اليوم لا يجعل ولا يفعل ، وأن الفاعل سواه. وكل ذلك يبين أن ~~الظاهر يقتضى ما قلناه. ### |||| ** 807 فأما قوله تعالى قبل ذلك : ( @QUR@05 إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (5) فانه لا يدل على أن قول الإنسان ~~من فعله تعالى ، لأن المقصد بهذا الكلام : أنا ننزل عليك القرآن الذى يثقل ~~تحمله ، وتكفل أداءه إلى ms422 من يلزم الأداء إليه. ووصفه بالثقيل لهذه العلة ، ~~وجعل الإنزال إليه ، ويحمله الفاعل ، على طريقة اللغة فى مثله. PageV01P669 ### | ومن سورة المدثر ### |||| ** 808 قوله تعالى : ( @QUR@027 وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) [31] فلا يدل على أن الملائكة يعذبون ~~، ولا على أنه تعالى يجعلهم فتنة ، لكى يكفر الكافر ، وذلك أنه تعالى بين ~~أنه جعلهم أصحاب النار ، بمعنى أنه وكلهم بتعذيب أهل النار ، ولو حمل الأمر ~~على خلاف ذلك ، لوجب ألا يدخل النار سواهم ، وأن يكونوا معذبين ، وهذا ~~بخلاف دين المسلمين! وبين تعالى أن القدرة التى ذكرها منهم ، على قلتها ، ~~جعل الاكتفاء بها دلالة على قدرته ، وألزم من هذا الوجه الاستدلال على ما ~~هو عليه ، وشدد فيه المحنة ، فصار ذلك فتنة للذين كفروا ، وجعلهم كذلك ، ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، من حيث يعلمون بهذا الخبر أنه ، صلى الله ~~عليه وسلم ، لا يخبر إلا عن وحى ، من حيث توافق ذلك ، وليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا. وكل ذلك يدل على أنه تعالى يفعل هذه الأمور ويخبر عنها ؛ ليعتبر ~~الخلق ، ويستدلوا ، ويقوموا بما كلفوا. ### |||| ** 809 وأما قوله : ( @QUR@08 كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) [31] فقد تقدم القول فى ~~مثله ، وأن المراد بذلك الضلال عن الثواب ، والهدى إليه (1). ### |||| ** 810 وقوله تعالى : ( @QUR@05 كل نفس بما كسبت رهينة ) [38] يدل PageV01P670 # على أنه لا يؤاخذ الإنسان إلا بذنبه ، وأن أطفال المشركين لا يجوز أن ~~يعذبوا بذنوب آبائهم. « ويدل ذلك أيضا على أن (1) أفعال العباد لا يجوز أن ~~تكون خلقا لله تعالى وإلا كان مأخوذا بخلق غيره على وجه لا يمكنه التخلص ~~منه ، ولئن جاز ذلك ، ليجوزن أن يؤخذ بكسب غيره ، وإن كان لا بقدر ) على ~~تركه (2). ### |||| ** 811 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ) [ 42 43 ] من أقوى ما ~~يدل على أن من لم يصل فى دار الدنيا ، قادر على الصلاة ؛ لأنه لو لم يكن ~~قادرا عليها ، لما ms423 صح أن يعذب ، لأنه لم يفعلها كما لا يعذب العاجز ، لأنه ~~لم يفعل ما لا سبيل له إلى فعله. ### |||| ** 812 وقوله : ( @QUR@03 كلا إنها تذكرة ) [54] للمكلفين ، لكى يتعظوا وينزجروا. ثم قال : ~~( @QUR@03 فمن شاء ذكره ) [55] ولا يطلق ذلك فيمن لا يقدر على الفعل ، لأنه ~~لا يقال فى العبد : إن شاء أدار الفلك وطار فى الجو ، من حيث يتعذر ذلك ~~عليه ، وإنما يقال هذا القول فيما يتمكن منه. ### |||| ** 813 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) [56] فليس فى ظاهره إلا ما نقول : ~~من أن العبد لا يطيع إلا والله قد شاءه ؛ لأنه تعالى لو لم يكلف ذلك ، ولم ~~يأمر به ، ولم يشأ حدوثه ، لم يكن ذلك طاعة ، فكان لا يصح من العبد أن يشاء ~~على هذا الحد. وإنما كان يكون شبهة للقوم لو كان المذكور من المعاصى ، فأما ~~إذا كان من الطاعات ، فلا تعلق لهم به. وقد قال تعالى مثل ذلك فى سورة ~~الإنسان : ( @QUR@05 إن هذه تذكرة فمن شاء PageV01P671 # @QUR@010 اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) [ 29 30 ] ~~فبين أنه لا يشاء اتخاذ السبيل ، وسلوك طريق الحق ، إلا أن يشاء الله ذلك ~~بالتكليف ، والأمر والنهى ، وإبلاغهم حد التكليف ، على ما بيناه. وقال ~~تعالى بعد ذلك فى ( @QUR@03 إذا الشمس كورت ) (1): ( @QUR@016 إن هو إلا ~~ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) (2) ~~يعنى : ما تقدم ذكره من الاستقامة ، على الوجه الذى بينا. # وما لم يحمل الكلام فى هذه الآيات على ما قلناه ، لم يصح أن يتعلق به ~~المخالف ، لأنه يوجب أنه تعالى يوجب أنه يشاء ، بعد ما لم يكن شائيا له ، ~~على ما يقتضيه ظاهره ، وليس ذلك طريقة القوم. # وقوله تعالى : ( @QUR@02 وما تشاؤن ) لا بد من أن يكون متعلقا بما تقدم ، ~~على ما تقتضيه اللغة. فكأنه قال : وما تشاءون من استقامة الطريق إلا أن ~~يشاء الله تعالى ، فلا يخلو المراد به من أن يكون مشيئة مستقبلة ، أو ~~المشيئة التى ذكرناها. وقد علمنا أن فى المستقبل لا ms424 يجب أن يشاء تعالى ما ~~قد تقدم فعله ، أو وفيه من أفعال المكلف. فلا بد من أن يحمل الكلام على ما ~~ذكرناه. # * * * PageV01P672 ### | ومن سورة القيامة ### |||| ** 814 قوله تعالى : ( @QUR@08 بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) [ 14 15 ] يدل على ~~أنه لا حجة ولا عذر للكافر والفاسق فيما ينزل بهما من العذاب ذلك اليوم. ~~وقد علمنا أن الأمر لو كان كما يقوله القوم ، لكان لهم أوضح العذر وآكد ~~الحجة. وقد فسرنا ذلك من قبل (1). ### |||| ** 815 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ 22 23 ] لا يدل ظاهره على ~~أنه تعالى يرى : من وجوه : أحدها : أنه تعالى ذكر أنها ناظرة إلى ربها ، ~~والنظر غير الرؤية « لأنه إذا علق (2) بالعين ، فالمراد طلب الرؤية ، كما ~~إذا علق بالقلب ، فالمراد طلب المعرفة ، ولذلك يقول القائل : نظرت إلى ~~الشيء فلم أره ، ونظرت إليه حتى رأيته ، فلذلك نعلم باضطرار أن الناظر ناظر ~~ولا نعلمه رائيا إلا بخبره. ولذلك أضافت العرب النظر إضافات ، (3) فجعلت ~~منه نظر الراضى والغضبان .. إلى غير ذلك ، ولم تضف الرؤية على هذا الحد. ~~وإذا كان النظر غير الرؤية لما ذكرناه فكيف يدل الظاهر على أنهم يرون الله؟ # ومتى قالوا : إذا ثبت بالظاهر أنه ينظر إليه ، وجب أن يكون مما يصح رؤيته ~~، [ قلنا (4) ] هذا يؤدى إلى أن يكون جسما فى جهة مخصوصة ؛ لأن النظر هو ~~تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته ، وهذا لا يصح إلا والمطلوب رؤيته ~~فى جهة مخصوصة ، وذلك يوجب أنه جسم ، تعالى الله عن ذلك! ولهذا قلنا إنه PageV01P673 # تعالى لما خلق النظر بنفسه ، وعلمنا أن ذلك لا يصح فيه ؛ وجب أن يكون ~~المراد به الثواب ؛ لأن الحكم الذى يقتضيه الاسم إذا لم يصح فيما علق به ، ~~وجب أن يكون المراد غيره ، كقوله تعالى : ( @QUR@02 وسئل القرية )، إلى ~~غير ذلك من وجوه المجاز. # والثانى : أنه تعالى وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وقد علمنا أن هذه اللفظة ~~تفيد الجملة ؛ لأن الناظر هو الإنسان دون بعضه ، كما أنه العالم والقادر ~~والفاعل ، فإذا صح وكان الإنسان ms425 يوصف بأنه ناظر على وجه فيراد به الانتظار ~~، وقد يراد به تقليب الحدقة طلبا للرؤية ، وقد يراد به التفكر بالقلب طلبا ~~للمعرفة ، فليس فى الظاهر إذن دلالة على ما قاله القوم ، وهو محتمل له ~~ولغيره. # والثالث : أنه تعالى أراد بذكر الوجوه جملة الإنسان ، لا البعض المخصوص ~~ولذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وذلك يليق بها دون الأبعاض ، ولذلك قال من ~~بعد : ( @QUR@07 ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها ) [ 24 25 ] فوصفها ~~بالظن الذى لا يليق بالوجه. فإذا صح ذلك وجب كون الكلام مجملا ، لأن الجملة ~~إذا وصفت بأنها ناظرة ، لم يفهم أن المراد بها الرؤية. وما يذكرون من قولهم ~~: إن النظر إذا علق بالوجه فالمراد به الرؤية ، لا يصح ، [ لأن ] تعليق ~~النظر بالوجه غير معروف فى اللغة. والذى يعرف تعليقه بالعين هو الرؤية ، ~~فأما تعليقه بالوجه ، فهو كتعليقه بالرأس ، فى أنه غير معروف أصلا! لأن هذا ~~القول إنما كان يتم لو كان المراد بالوجه العضو المخصوص ، وقد بينا أن ~~الأمر بخلافه ، ففارق ذلك ما استدللنا به من قوله تعالى : ( @QUR@03 لا ~~تدركه الأبصار ) (1) فى نفى الرؤية ، لأن الإدراك المطلق متى قرن بالبصر ، ~~لا يعرف فى اللغة أن يراد به إلا الرؤية بالبصر. وهذا بين. PageV01P674 ### | ومن سورة الانسان ### |||| ** 816 أما قوله تعالى : ( @QUR@07 إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) [3] فدليل واضح على ~~أنه تعالى هدى جميع المكلفين ، لأنه ذكر الإنسان من قبل (1)، ثم قال : ( ~~@QUR@07 إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) وأجرى الخطاب على لفظ ~~الواحد والمراد به سائر المكلفين ، ثم ذكر أنه هداه طريق الحق ، ثم بين أنه ~~وإن هداه ، قد يكون شاكرا ، وقد يكون كفورا. # فأما تعلق الخوارج بهذه الآية فى أن المكلف لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو ~~كافرا ؛ لأنه تعالى بين فى الإنسان أنه إذا لم يكن شكورا ، فهو كفور ، وإذا ~~لم يكن كفورا ، فهو شاكر. فبعيد ، وذلك أن الشاكر قد يصح كونه شاكرا وإن ~~كان فاسقا ، فقد دخل تحت الشاكر المؤمن والفاسق ، لأن المقدم على بعض ~~الكبائر ms426 خوفا ووجلا مع العزم على التوبة والتلافى متى قام بما يلزمه من ~~الشكر واعترف بنعمه ، وعظمه حق تعظيمه ، فهو شاكر فاسق ، وإن كنا لا نصفه ~~بأنه شاكر على طريق المدح ، وإنما نجريه عليه على جهة الاستحقاق ؛ فلا يدل ~~إذن على ما ذكروه. ### |||| ** 817 وقوله : ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) [29] قد تقدم القول فيه (2). ### |||| ** 818 وقوله تعالى : ( @QUR@05 يدخل من يشاء في رحمته ) [31] فالمراد به النعمة ، لأنه تعالى هو ~~الذى يدخل العبد فى نعمة الدين والدنيا ، ويدخل الجنة فلا يدل ذلك على أنه ~~تعالى أدخله فى الإيمان. PageV01P675 ### | ومن سورة المرسلات ### |||| ** 819 قوله تعالى : ( @QUR@09 ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين ) [ 20 21 ] لا يدل ~~على أنه تعالى خلق أفعال العباد ، لأن استقرار الماء فى قرار من فعله ~~تعالى. وقد بينا ذلك من قبل (1). # وبعد فإنه لم يذكر القرار الذى يجعله فيه ، فيصح للمخالف التعلق به! ### |||| ** 820 وقوله تعالى : ( @QUR@011 هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين ) ~~[ 35 37 ] يدل على ما نقوله فى العدل ، لأنه تعالى بين أنه لا سبيل لهم فى ~~ذلك اليوم إلى حجة وعذر يظهرونهما ليزيلوا بهما عن أنفسهم ما نزل بهم ~~وسينزل. ولو كان الأمر على ما يقوله القوم ، لوجب أن يكون لهم العذر العظيم ~~، والحجة الوكيدة. وقد بينا القول فى كيفية عذرهم وحجتهم ، وبينا أنه لا ~~يمكن أن يقال : لا يؤذن لهم فيعتذرون ، وإن كان لهم عذر فى الحقيقة ، وأنه ~~تعالى أراد بذلك نفى العذر أصلا (2). وذلك يبين ما قلناه. ### |||| ** 821 وقوله تعالى : ( @QUR@05 هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ) [38] يدل على أن الذى يجرى فيه ~~هو العدل ، وذلك لا يصح مع القول بأن الكافر قد خلق فيه الكفر ، وقدرة ~~الكفر ، وإرادة الكفر وقدرتها ، ولم يرد منه سواه ، ولم يخلق إلا له ، وجعل ~~بحيث لا يمكنه اختيار خلافه ، والإيمان منع منه ولم يعطه ، ثم يخلده فى ~~النار أبدا « ولو أراد تعالى (3) أن يظلم على قولهم ، تعالى PageV01P676 # عنه لم يصح أن يفعل أكثر من ms427 هذا. فلا يصح لهذا وصف ذلك اليوم بأنه يوم ~~الفصل والعدل ، إلا على ما نقول ، من أن الكافر فيما ينزل به من العذاب ~~إنما أتى من قبل نفسه ، لا من قبل خالقه ، لأنه تعالى أزاح العلة ومكن ، ~~وسهل السبيل إلى الطاعة ، وخوف من المعصية ، وسهل السبيل إلى تركها ، فأبى ~~العبد إلا تمردا وإيثارا للشهوة ، فاستحق ما نزل به لسوء اختياره. # * * * PageV01P677 ### | ومن عم يتساءلون ### |||| ** 822 قوله تعالى : ( @QUR@04 وكل شيء أحصيناه كتابا ) [29] قد علمنا أنه تعالى لم يرد به أنه ~~يعلم ما يأتيه العبد بالكتابة ، لأنه عالم لذاته ، لا تخفى عليه خافية ، ~~وإنما أمر بالكتاب ، وإثبات عمل العبد فيه ، لكى يعلمه المكلف فى دار ~~الدنيا ، ويوقن أنه لا يقدم على سيئة إلا وتثبت فى الصحيفة. وتنشر فى ~~الموقف وقد جمع الخلائق فيه ، فيدعوه ذلك إلى الكف عن المعاصى. فلو كانت ~~مخلوقة فيه ، على ما يقوله القوم ، لم يصح فى ذلك وأمثاله أن يكون لطفا ~~وداعيا إلى الطاعة وزاجرا عن المعصية! ### |||| ** 823 وقوله تعالى : ( @QUR@09 ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) [39] يدل على أنه لا ~~يجزى فى ذلك اليوم إلا العدل. وأن من يعذب فبحق عذب. ولا يصح ذلك إلا على ~~ما بيناه من قبل (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) هو ترغيب للإنسان ~~فى أن يتخذ لنفسه مرجعا يرجع فيه إلى المنافع والثواب. وهذا ترغيب لا يصح ~~إلا مع القول بأن المكلف قادر على الطاعة وإن ذهب عنها ، لتمكنه أن يظفر ~~بطلبته فى المرجع الذى ذكر تعالى. # * * * PageV01P678 ### | ومن سورة النازعات ### |||| ** 824 قوله تعالى : ( @QUR@023 فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) [ 37 41 ] يدل على ~~قولنا فى العدل من وجوه : # منها : وصفه تعالى للعبد بأنه طغى ، وذلك لا يصح إلا مع كونه متمكنا من ~~أن لا يبلغ الحد الذى بلغه فى الكفر والتمرد. # ومنها : أنه وصفه بأنه آثر ، لأن من لا يقدر إلا ms428 على طريقة واحدة ، لا ~~يقال فيه إنه آثره على سواه. # ومنها : وصفه العبد بأنه نهى النفس عن الهوى ، فالمراد بذلك أن يمتنع من ~~المعصية التى يقتضيها الهوى ، ويقدر ذلك فى نفسه ، ويوطنها عليه ويجهدها فى ~~خلافها. وكل ذلك لا يصح إلا مع التمكن من الطاعة ، لأنه لو كان لا يقدر إلا ~~على ما تقتضيه الشهوة ؛ ويوجبه الهوى ، لم يصح هذا القول فيه. PageV01P679 ### | ومن سورة عبس ### |||| ** 825 قوله تعالى : ( @QUR@06 كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ) [ 11 12 ] فى أنه يدل على أن ~~العبد قادر على أن يتعظ ويتذكر ، وإن لم يكن بهذه الصفة ، بمنزلة الآية ~~التى تقدم ذكرها فى سورة المدثر (1). ### |||| ** 826 وقوله تعالى : ( @QUR@03 ثم السبيل يسره ) [20] يدل على أن العبد متمكن من التمسك بطريقة ~~الحق ؛ لأنه لو لم يكن قادرا على ذلك لم يكن ميسرا له ، ولا كان تعالى قد ~~يسر له ؛ لأنه ليس بآكد من أن لا يقدر على الشيء البتة. ### |||| ** 827 وأما قوله تعالى : ( @QUR@011 وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها ~~قترة ) [ 38 41 ] فإنه لا يدل على أنه ليس فى المكلفين إلا مثاب مؤمن ، ~~ومعاقب كافر ؛ كما تقوله الخوارج. وذلك أنه تعالى وصف هذين الفريقين ، وبين ~~أن أحدهما مؤمن ، والآخر كافر ، ولم ينف فريقا ثالثا ، وليس فى إثبات هذين ~~دلالة على نفى غيرهما (2)، فلا يمتنع أن يكون الفساق بخلاف هاتين الصفتين ~~، فتكون وجوههم عليها غبرة ، لا ترهقها فترة. وقد علمنا أن فى الكفار من لا ~~يطلق عليه أنه فاجر إذا كان كفره باعتقاد ، فإذا قيل للخوارج : فهذا الفرق ~~كيف حاله؟ لم يكن لهم ملجأ إلا الرجوع إلى مثل ما قلناه. PageV01P680 ### | ومن سورة اذا الشمس كورت ### |||| ** 828 قوله تعالى : ( @QUR@06 وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت ) [ 8 9 ] يدل على بطلان القول ~~بأنه تعالى يعذب أطفال المشركين ؛ لأنه أورد ذلك منبها على أنه لا ذنب لها ~~، وأن الذنب للوائد. ولو كان تعالى يعذبها أبدا ، لم يكن لهذا معنى ؛ لأن ~~التعذيب الدائم أعظم من قبل الوائد لها ms429 ، فلئن جاز أن تعذب ، ولا ذنب لها ، ~~ليجوزن القتل المتقدم ، وإن لم يكن لها ذنب. ويدل ذلك على أن الكافر لم ~~يخلق كفره فيه ، لأنه لو كان كذلك ، لكان حاله كحال الموءودة فى أنه لا ذنب ~~له ، من حيث أدخل فى الكفر على وجه لا يمكنه اختيار خلافه. ### |||| ** 829 وقوله تعالى : ( @QUR@07 فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ) [ 26 27 ] هو تبكيت وتوبيخ ~~لمن أعرض عن الذكر ، وعدل عن التمسك بالطاعة ، وذلك لا يصح إلا وهو قادر ~~على خلافه ، لأن الواحد منا لا يجوز أن يحبس غلامه ويقيده ويمنعه بذلك من ~~التصرف ، ثم يقول له : أين ذهبت عن طاعتى فى التصرف فى التجارات والخروج فى ~~الأسفار! ويوبخه على ذلك. ### |||| ** 830 وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) [29] فقد تقدم ذكره (1). # * * * PageV01P681 ### | ومن سورة الانفطار ### |||| ** 831 قوله تعالى : ( @QUR@017 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في ~~أي صورة ما شاء ركبك ) [ 6 8 ] يدل على أن العبد بذهابه عن الطاعة قد غر ~~نفسه ، وذلك لا يصح مع القول بأن ما يختاره مخلوق فيه لأن الغار له كان يجب ~~أن يكون غيره. وما عدده تعالى عليهم من النعم فى هذه الآية قصد منه إلى ~~بعثه على الطاعة. وتمسكه بها لا يصح إلا مع القول بأنه متمكن منها ، مزاح ~~علته فيها. ### |||| ** 832 وقوله : ( @QUR@05 وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) [ 10 11 ] يدل على أن العبد ~~يقدر على الطاعة ، بأن عرفه حال الحفظة! وأنهم يكتبون كل أعماله ليكون أقرب ~~، متى فكر فيما يحصى عليه من لحظ ولفظ قليل وكثير ، إلى محاسبة نفسه ، ~~والكف عما لا يعنيه. ### |||| ** 833 وقوله : ( @QUR@011 وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين ) [ ~~14 16 ] يدل على أن الفاجر وإن كان من أهل الصلاة ، فهو من أهل الوعيد ومن ~~أهل النار ، وأنه إذا لم يتب ومات على ذلك ؛ فهو فى الجحيم لا يغيب عنها ، ~~وذلك يدل على الخلود ؛ لأنهم إذا لم يغيبوا عنها ولا لحقهم ms430 موت وقتا ، فليس ~~إلا العذاب الدائم ، نعوذ بالله من ذلك. # * * * PageV01P682 ### | ومن سورة المطففين ### |||| ** 834 قوله تعالى : ( @QUR@08 كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) [14] لا يدل على أنه ~~تعالى منعهم بذلك عن الإيمان ، وإنما يقتضى ظاهره أن (1) ما يكسبون من ~~المعاصى لزم قلوبهم وتقرر فيها ؛ من حيث اشتد تمسكهم به وعزمهم على الثبات ~~عليه ، وترك الإقلاع عنه ، يبين ذلك أنه تعالى بين أن نفس ما كسبوه ران على ~~قلوبهم ، وقد علمنا أن ذلك لا يكون منعا ، فالمراد إذن ما ذكرناه. ### |||| ** 835 وقوله تعالى : ( @QUR@06 كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [15] لا يدل على ما تقوله ~~الحشوية فى أنه تعالى يرى يوم القيامة بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه ، ~~ويحتجب (2) [ عن غيرهم ] فيمنعون من رؤيته ، لأن هذا القول يوجب أن يكون ~~تعالى جسما محدودا فى مكان مخصوص ، ويجوز عليه الستر والحجاب ، ويراه قوم ~~دون قوم ، من حيث يظهر فى جهة دون جهة. # والمراد بالآية : أنهم ممنوعون من رحمة الله ، لأن الحجب هو المنع ، ~~ولذلك يقال فيمن يمنع الوصول إلى الأمير : إنه حاجب له ، وإن كان الممنوع ~~مشاهدا له. وقال أهل الفرائض فى الإخوة : إنهم يحجبون الأم عن الثلث ؛ إذا ~~منعوها وإن لم يكن هناك ستر فى الحقيقة. فبين بذلك أنه تعالى يمنعهم بذلك ~~من رحمته وسعة فضله ، ليبعث السامع بذلك على (3) التمسك بطاعة الله ، فيكون ~~يوم القيامة من أهل الرحمة ، لا من المحجوبين عنها ، # * * * PageV01P683 ### | ومن سورة الانشقاق ### |||| ** 836 قوله تعالى : ( @QUR@010 فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) [ 20 21 ] ~~يدل على أن العبد يتمكن من الإيمان وإن كان كافرا. [ و] لو لا ذلك لم يكن ~~يوبخ ويلام ، ويقال له هذا القول. وقد علمنا أن السفيه الذى يعرف بعض ~~المعرفة لا يجوز أن يشد عبده ويقيده ويغلق الباب دونه ، ويقول مع ذلك : ~~مالك لا تتصرف فى الأسواق ، ولا تخرج إلى البلاد! ثم لا يقتصر على ذلك حتى ~~يضربه على ذلك! فضلا عن أن يفعله الحكيم. فإذا كان تعالى أحكم الحاكمين ms431 ، ~~لم يجز أن يمنع الكافر من قدرة الإيمان ، ولا يجعل له إليها سبيلا ، ثم ~~يقول له على طريق التوبيخ : مالك لا تؤمن ، ولا تصلى ولا تسجد؟ PageV01P684 ### | ومن سورة البروج ### |||| ** 837 قوله تعالى : ( @QUR@06 ذو العرش المجيد فعال لما يريد ) [ 15 16 ] لا يدل على قول ~~المشبهة فى إثبات العرش مكانا له تعالى ، ولا على قول المجبرة فى أنه لا ~~يريد الشيء إلا وفعله ، لأنا قد بينا من قبل الكلام على الوجهين فى نظائر ~~هذه الآية (1). ### |||| ** 838 وقوله تعالى : ( @QUR@07 بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) [ 21 22 ] يدل على حدثه ، لأنه ~~تعالى وصفه بأنه عزيز كريم ، ولا يصح ذلك فيه على هذا الوجه إلا والآفات ~~تصح عليه ، فإذا رفع عنه تعالى استحق هذه الصفة. ولا يجوز أيضا أن يكون فى ~~اللوح وليس بجسم إلا حالا ، وذلك يقتضى حدثه. PageV01P685 ### | ومن سورة الطارق ### |||| ** 839 قوله تعالى : ( @QUR@09 يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر ) [ 9 10 ] يدل على أن ~~العبد متمكن من الطاعة وإن كان عاصيا ، لأنه تعالى بهذا القول بعثه على ~~الطاعة ، لكى لا يظهر عيب السرائر فى الموقف العظيم ، والفضائح التى كان ~~يجتهد فى كتمانها. وذلك لا يصح إلا على هذا الوجه الذى بينا. # وإذا لم يكن للمعاقب ناصر فى ذلك اليوم ، فقد دل على أنه لا شفاعة لأهل ~~العذاب ، وإلا فقد كان يكون لهم ناصر يستنقذهم من الهلكة ، وذلك يوجب أن ~~الشفاعة للمؤمنين ، وأنه تعالى يزيدهم بها درجة ، على ما نقول. ### |||| ** 840 وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) [ 15 16 ] قد بينا من قبل أن ~~الواجب فى ذلك أن يحمل على أنه تعالى يضربهم وينفع المؤمنين ، والنبى صلوات ~~الله عليه من حيث لا يشعرون ولا يظنون خلافه ، بأن ينصره على الكفار فى ~~الدنيا بأنواع لطائفه ويظفره بهم ثم يعاقبهم فى الآخرة (1). # * * * PageV01P686 ### | ومن سورة الاعلى ### |||| ** 841 قوله تعالى : ( @QUR@04 سبح اسم ربك الأعلى ) [1] لا يدل على أن المنزه عما لا يجوز عليه ~~هو اسمه دونه ، ولا على أن الاسم هو ms432 المسمى ، وذلك أن الاسم المعقول هو ~~المسموع المؤلف من حروف ، وتنزيهه عما ينزه تعالى عنه لا يجوز ولا يصح ، ~~فالمراد بذلك لا يخرج عن أمرين : إما أن يكون تعالى أدب بذلك عباده ، ~~ليبلغوا فى تعظيمه النهاية ، بأن يقرنوا التعظيم باسمه ، وهذا كما نقول ؛ ~~وقد ذكرنا الرسول : عليه السلام ، فيكون ذلك أبلغ فى تعظيمه ، فى أن يكون ~~صلوات الله عليه لو أراد بذلك المسمى ، لأن فى التعارف الظاهر أنه يذكر ~~الاسم ويراد به المسمى ، دل على ذلك تعالى بأن ذكر الصفات التى تليق به لا ~~باسمه ، وهو قوله : ( @QUR@04 الأعلى الذي خلق فسوى ) [2] فدل بذلك على ما قلناه. ### |||| ** 842 وقوله تعالى : ( @QUR@04 فذكر إن نفعت الذكرى ) [9] يدل على أن الكفار كانوا يقدرون على ~~التذكرة والاتعاظ والعدول عن الكفر ، لأنه تعالى لم يجعل ذلك شرطا من حيث ~~أن لا يذكر صلوات الله عليه إلا من علم أن الذكرى تنفعه ، وقد علمنا خلافه! ~~فإذن يجب أن يحمل على طريقة التوبيخ لهم ، والبعث على الإيمان ، والعدول عن الكفر. ### |||| ** 843 قوله تعالى : ( @QUR@04 بل تؤثرون الحياة الدنيا ) [16] يدل على تمكنهم من خلافه ، على ~~ما تقدم القول فيه. # * * * PageV01P687 ### | ومن سورة الغاشية ### |||| ** 844 قوله تعالى : ( @QUR@010 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ) [ 17 18 ~~] أورده تعالى ليبعث الكفار على النظر والتدبر ، ولو كان الإعراض عن ذلك ~~مما خلقه فيهم ، لم يكن ليصح ذلك! ### |||| ** 845 قوله : ( @QUR@07 فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) [ 21 22 ] يدل على أنهم ~~ممكنون مما أمروا به ، لأمر نبيه صلى الله عليه بأن يذكر ويدعو إلى سبيله ~~بالموعظة ، وبين أنه ليس بمسيطر عليهم ، ليحملهم على ما يدعوهم (1) إليه ، ~~أو يمنعهم من خلافه ، وأن الغرض فى دعائه أن يؤثروا (2) الإيمان على ما هم ~~عليه. وكل ذلك لا يصح لو كان تعالى قد منعهم من الإيمان ، ولم يعطهم القدرة ~~عليه ، على ما يقوله القوم. # * * * PageV01P688 ### | ومن سورة الفجر ### |||| ** 846 قوله تعالى : ( @QUR@05 وجاء ربك والملك صفا صفا ) [22] لا يدل على صحة ما يتعلق المشبهة ~~به ، فى أنه ms433 تعالى كالواحد منا ، فى أنه يجيء ويذهب! ولو كان كذلك لكان ~~محدثا مدبرا مصورا! # والمراد بذلك : وجاء أمر ربك ، أو متحملو أمر ربك للمحاسبة والفصل ، على ~~ما يقال فى اللغة عند التنازع فى الأمر الذى يرجع فيه إلى بعض الكتب : إذا ~~جاء الشافعى (1) فقد كفانا ، ويراد بذلك كتابه ، وإذا جاء الخليل (2) فى ~~العروض انقطع الكلام ، والمراد به كلامه فى ذلك. ### |||| ** 847 وقوله : ( @QUR@011 يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي ~~) [ 23 24 ] فإنه يدل على العدل ، من وجهين : أحدهما أنه تعالى بعث الكفار ~~والعصاة بهذا الخبر على الطاعة ، وذلك لا يصح إلا مع التمكن منها. # والثانى : أن الكافرين يوم القيامة لا يجوز أن يقولوا : ( @QUR@04 يا ~~ليتني قدمت لحياتي ) وهو لم يكن قادرا على الأمر الذى تأسف عليه! كما لا ~~يجوز أن يقول : يا ليتنى كنت خلقت الأجسام ، أو تحركت فى الجو! # انظر وفيات الأعيان : 1 / 172. إنباه الرواة : 1 / 341. الأعلام : 2 / 363. # (م 44 متشابه القرآن) PageV01P689 ### | ومن سورة البلد ### |||| ** 848 قوله تعالى فى صفة الإنسان : ( @QUR@08 ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ) [ 8 10 ] يدل ~~على أنه قد هدى المكلف ، وبين له طريق الحق والباطل ، والخير والشر. وذلك ~~يوجب أن الهدى هو الدلالة والبيان لا خلق الإيمان فيهم. وما ذكره تعالى من ~~النعم يدل على أنه متمكن ؛ لأنه بعثه به على طاعته والتمسك بالقيام بشكره. # * * * PageV01P690 ### | ومن سورة الشمس ### |||| ** 849 قوله تعالى : ( @QUR@03 فألهمها فجورها وتقواها ) [8] لا يصح أن يتعلق به ، فى أنه تعالى ~~خلق فيها الفجور والتقوى ، لأن ظاهره يقتضى أنه أعلمها ، أو دلها على الفصل ~~بين التقوى والفجور ، والطاعة والمعصية ؛ لكى يجتنب المعاصى ويقدم على ~~الطاعة. وهو الذى نقوله ، ولا يصح إلا على قولنا : إن الإلهام والدلالة ~~إنما يفيدان إذا كان العبد يختار ما يقتضيانه. فأما إذا كان تعالى يخلق فيه ~~التقوى أو الفجور على وجه لا يصح منه خلافه. فكيف يفيد الإلهام والدلالة؟! ### |||| ** 850 وقوله : ( @QUR@04 قد أفلح من زكاها ) [9] لا يصح أن يتعلق به فى أنه تعالى ms434 فعل بها ~~ما صارت به زكية ؛ لأن المراد بذلك : قد أفلح من زكى نفسه ، وقد ذكر النفس ~~من قبل (1). # والمراد بذلك لا يخرج من وجهين : أحدهما : أنه أفلح من أقدم على الأمور ~~التى صار بها طاهرا زكيا ، وهذا صحيح لا شبهة فيه. أو يراد بذلك : قد أفلح ~~من مدح نفسه وذكر محاسنها! وهذا مما يقال فيه : كيف يصح هذا وقد نهى ~~الإنسان عن مدح نفسه وتزكيتها؟ والجواب عنه : أن المنهى عنه من ذلك هو ~~إيراد المدح على جهة التفاخر والتطاول على الناس ، وإظهار التكبر ، والتشبث ~~بذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز. فإذا مدح نفسه ليحكى عن براءة ساحته فى ~~المعاصى ويظهر ما يزيل عنه التهمة فى الإخلال بمعاصى الله ، أو ليعرف حقه ، ~~ويؤدى ما يلزم من تعظيمه ، أو يعتمد عليه فى الأمور التى يستحقها وتليق به ~~، فذلك حسن فى الحكمة. وعلى هذا الوجه يحمل مدح الأنبياء والصالحين لأنفسهم ~~فى المواقف التى أقدموا على ذلك فيها. PageV01P691 ### | ومن سورة الليل ### |||| ** 851 قوله تعالى : ( @QUR@08 فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ) [ 5 7 ] لا ~~يدل على أنه تعالى ييسر لمن هذا حاله الإيمان فقط ، ولمن كذب بالحسنى الكفر ~~فقط ، و[ ذلك ] لأن المراد باليسرى غير مذكور مفسر ، ويحتمل أن يراد به ~~الإيمان ، ويحتمل أن يراد به الثواب ، فلا ظاهر له فى هذا الوجه الذى قالوه. # والمراد به : الثواب والعقاب ، فبين تعالى أن من اتقى وصدق بالحسنى ، ~~فسنعد له اليسرى الذى هو الثواب ، ونعد لمن كذب بالحسنى العقاب. ### |||| ** 852 وقوله تعالى : ( @QUR@010 فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ) [ 14 ~~16 ] فلا يدل على أنه لا يدخل النار إلا الكافر ، على ما يقوله الخوارج ~~وبعض المرجئة ، وذلك لأنه تعالى ذكر تلك النار ولم يعرفها ، فالمراد بذلك ~~نارا من جمل النيران ، لا يصلاها إلا من هذا حاله ؛ لأن من النيران دركات ، ~~على ما بينه تعالى فى سورة النساء فى شأن المنافقين (1)، فمن أين أن غير ~~هذه النار لا يصلاها قوم آخرون ms435 من كفار وفساق؟. وبعد ، فإن ذلك يوجب أن لا ~~يدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الأمرين ، ولا بد للقوم من القول ~~بخلافه ، لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب. PageV01P692 ### | ومن سورة الضحى ### |||| ** 853 قوله تعالى : ( @QUR@03 ووجدك ضالا فهدى ) [7] لا يجوز أن يتعلق به فى أنه عليه السلام ~~يجوز عليه الضلال قبل النبوة ، وذلك أن المراد بالضلال ينقسم إلى وجوه قد ~~بيناها (1)، ومن جملتها : الذهاب عن الطريق الذى فيه النفع. وهذا هو ~~المراد بهذه الآية ؛ لأنه عليه السلام كان ذاهبا عن طريق النبوة فهداه الله ~~تعالى إليه. ### |||| ** 854 وقوله تعالى : ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ) [11] يدل على وجوب إظهار الشكر لله تعالى ~~على النعم. وأكبر الغرض بذلك أن يكون العبد عند إظهار ذلك أقرب إلى التمسك ~~بطاعته ، وذلك لا يصح إلا مع القول بأنه ممكن من ذلك ، على ما نقول. # ومن وجه آخر يجب ما قلناه ، وذلك أنه يقتضى أنه يلزم كل أحد أن يحدث ~~بنعمة ربه ، ويشكره عليها ، وذلك لا يصح على قولهم فى الكفار ؛ لأنه لا ~~نعمة لله تعالى عليهم! PageV01P693 ### | ومن سورة ألم نشرح ### |||| ** 855 قوله تعالى : ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك ) [1] لا يدل على أنه تعالى خلق فيه الإيمان ؛ ~~لأنا قد بينا أن شرح الصدر لا يفيد ظاهره ذلك (1)، وأن هذه صفة لا تحصل ~~للصدر بالإيمان ، وإنما يقال على جهة المجاز بأن صدره انشرح بالشيء ، إذا ~~تبينه وظهر له صحته ، وزال عنه فيه الريب والشك. # والمراد بذلك : أنه تعالى بما خصه به من الإعلام وفعله من الأدلة شرح ~~صدره بما حمله من الرسالة. ### |||| ** 856 وقوله : ( @QUR@06 ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ) [ 2 3 ] مما تعلقوا به فى أنه ~~يجوز أن يرتكب الكبائر ؛ لأن الصغائر لا تصح ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد ~~تعبدوا بتحمل المشقة الشديدة فى الندم والتوبة ، إذا واقعوا معصية وإن كانت ~~صغيرة ؛ فتصير لما تقتضيه من المشقة بالصفة التى ذكرها تعالى. وقد علمنا أن ~~حمل الكلام على ظاهره لا يصح ، لأن ms436 أى معصية أقدم عليها معلوم من حالها ~~أنها لا تنقض ظهره ، فلا بد من أن يكون المراد به : التنبيه بذلك على ما ~~فيه من المشقة. PageV01P694 ### | ومن سورة التين ### |||| ** 857 قوله تعالى : ( @QUR@010 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) [ 4 5 ~~] لا يصح أن يتعلق به فى أنه جعله كافرا. لأن الظاهر لا يقتضيه. # والمراد عندنا : أنه بمعصيته وإيثاره الكفر جعله فى أسفل السافلين ، بأن ~~عاقبه وجعل النار مأواه ، ولذلك قال تعالى على جهة الاستثناء : ( @QUR@09 ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) [6] وهذه الآية تدل ~~على أن هذا الأجر لا يستحقه إلا من آمن وعمل صالحا. وذلك يبطل قول من يقول ~~: إن الإيمان يكفى فى استحقاقه ، من المرجئة. ### |||| ** 858 وقوله تعالى : ( @QUR@04 أليس الله بأحكم الحاكمين ) [8] يدل على أنه تعالى لا يفعل شيئا ~~من القبائح ، لأنه لو كان لا قبيح إلا من فعله لم يصح أن يصف نفسه بذلك على ~~جهة المدح. PageV01P695 ### | ومن سورة القلم ### |||| ** 859 قوله تعالى : ( @QUR@05 اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [1] استدل به العلماء فى أن القرآن ~~مخلوق ، لأن الذى خلق يجب أن يكون راجعا إلى ما تقدم ذكره وهو الاسم ~~المقروء! ### |||| ** 860 قوله تعالى : ( @QUR@07 كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) [ 6 7 ] يدل على أنه ~~المحدث لفعله ، لأنه لو خلق فيه تعالى الطغيان ، لم يكن لتعليقه بأن رأى ~~نفسه استغنى معنى ، فذلك يدل على أنه اختاره من حيث رأى نفسه كذلك ، وأنه ~~الذى دعاه إليه. وهذا لا يتم إلا مع القول بأنه متمكن من الطاعة والمعصية. PageV01P696 ### | ومن سورة القدر ### |||| ** 861 قوله تعالى : ( @QUR@05 إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [1] يدل على حدثه لأنه (1) اختار ~~إنزاله فى حال دون حال ، وذلك لا يصح فيما ثبت أنه قديم. ### |||| ** 862 وقوله تعالى : ( @QUR@06 ليلة القدر خير من ألف شهر ) [3] يدل على أن الطاعة أعظم ؛ وذلك ~~يقتضى أن الطاعة من فعل العبد ؛ لأنه لو كان مخلوقا فيه لم يكن لتفضيلها ~~على غيرها معنى ، وإنما صح ذلك على قولنا ؛ لأن الطاعة ms437 فى بعض الأوقات تكون ~~أدعى إلى الطاعة المستقبلة من غيرها من الطاعات أو تكون أدعى لغيره إلى ~~التأسى من غيره. ولو كان تعالى هو الخالق لهذه الأفعال فى الإنسان لما صح ، ~~لما ذكرناه. بل قولهم يوجب أن لا يصح أن يفضل فعل على فعل ، وذلك أن لفضل ~~الطاعة علة لأجلها كانت كذلك ، لأنها لا تفضل بحسنها ووجوبها ، وقد علمنا ~~فى الطاعتين أن إحداهما تفضل الأخرى وإن كانا فى الحسن ووجوبهما ووقوعهما ~~على وجه واحد لا تختلفان. فالعلة فى ذلك ما قدمناه. وذلك لا يصح إلا مع ~~القول بأن العبد عند بعض الأمور يكون أقرب إلى الطاعة عند خلافه. وذلك يوجب ~~أن تصرفه فعله ، وأنه ليس بخلق الله تعالى فيه. ### |||| ** 863 وقوله : ( @QUR@09 تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) [4] لا يفيد ~~إلا على ما نقوله. لأن إثبات الملائكة بجميع الأمور فى تلك الأمور (2) ~~وإنزالهم بها من قبل الله تعالى ، إنما يفيد إذا صار داعيا للعبد إلى ~~الطاعة عند الفكر فى ذلك ؛ لأنه تعالى عالم لذاته لا يحتاج فيما يعلمه إلى ~~إثباته فى كتاب. # ولو قيل : إنه لطف للملائكة ، لدل على ما قلناه أيضا. PageV01P697 ### | ومن سورة لم يكن ### |||| ** 864 قوله تعالى : ( @QUR@06 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ) [5] يدل على أنه تعالى أراد ~~بأمر جميعهم وبتكليفهم أن يعبدوه ، وقد دخل فى ذلك الكافر والمؤمن. وهذا فى ~~باب الدلالة على ما قلناه أقرب من قوله : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون ) (1) لأن هناك ذكر الخلق دون الأمر والتكليف ، وقد يخلق تعالى ~~لا للعبادة ، ولا يأمر ويكلف إلا للعبادة. ### |||| ** 865 وقوله تعالى : ( @QUR@03 مخلصين له الدين ) يدل أيضا على قولنا فى العدل ؛ لأن إخلاص ~~العبادة له هو أن يقصد العبد بما يفعله من الطاعة عبادته ؛ لا يتخذ معه فى ~~ذلك شريكا ، فيكون عابدا له وحده ، وهذا يقتضى أنه قادر على أن يفعل ~~العبادة على وجه الإخلاص ، وعلى خلافه. ### |||| ** 866 وقوله تعالى : ( @QUR@08 حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) [5] يدل ~~على أن جميع ذلك ms438 دين ، وقد دل تعالى أن الإسلام هو الدين بقوله : ( @QUR@05 ~~إن الدين عند الله الإسلام ) (2) وذلك يوجب أن الدين والإسلام : هما سائر ~~الواجبات والطاعات ، وكذلك الإيمان ، لأنه تعالى قد بين بقوله : ( @QUR@08 ~~ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) (3) [ و] دل على أن الإيمان هو ~~الإسلام ، لأنه لو كان غيره ، لم يقبل منه ، وذلك فاسد. PageV01P698 ### | ومن سورة اذا زلزلت ### |||| ** 867 قوله : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ 7 ~~8 ] [ لا ] يصح أن يتعلق به المرجئة ، فى أن الفاسق يرى ثواب إيمانه ، لأنا ~~قد بينا أنه لا بد فيما تعلق الوعد به من خير وطاعة ، وتعلق الوعيد به من ~~شر ومعصية ، من شرط الاستحقاق ، وبينا أن استحقاق الثواب والعقاب معا ~~يستحيل ، فيجب ألا يستحق إلا أحدهما. وذلك يوجب أن لا يرى العبد إلا الثواب ~~أو العقاب ، فكأنه تعالى قال : فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ، وسلم له بأن ~~لا يكون معه ما يحبط ثوابه ؛ لأنه لا يجوز أن يكون الذى يراه هو الخير الذى ~~فعله ، فالثواب محذوف ذكره. وكذلك القول فى العقاب. ولو لا أن الأمر كذلك ~~لما صح قوله تعالى : ( @QUR@09 إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم ) (1) لأنه كان يجب أن يجد جزاء تلك السيئات ، فلا تكون مكفرة ، ~~وهذا بين البطلان. # * * * ### | ومن سورة العاديات ### |||| ** 868 قوله تعالى : ( @QUR@016 أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير ) [ 9 11 ] قد علمنا أنه بعث للعبد على الحذر والتوقى ، وذلك ~~لا يصح إلا بأن يكون ممكنا من الطاعة ، فيأمن بتمسكه بها من بعثرة القبور ، ~~وظهوره فيها على سبيل الخوف ، ومن المناقشة فى الحساب الذى حصل له فى كتابه. # * * * PageV01P699 ### | ومن سورة القارعة ### |||| ** 869 قوله تعالى : ( @QUR@014 فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه ~~فأمه هاوية ) [ 6 9 ] لا بد من أن يكون الغرض به بعث المكلف على الطاعة ~~حذرا مما يلحقه من الفضيحة ذلك اليوم ، لما ms439 يظهر فى موازينه من الثقل ~~والخفة ، وذلك لا يكون إلا وهو متمكن من أن يتخلص مما يقتضى خفة موازينه ، ~~ومن العقاب ، ويتمسك بما يستحق به الثواب. ولو لا ما ذكرناه لم يكن ~~للموازين معنى فى القيامة ، كما كان يجب أن لا يكون للمحاسبة والمساءلة ، ~~ونشر الصحف ، وإنطاق الجوارح ، معنى ؛ لأنه تعالى عالم بما كان من العبد ، ~~فلا يجوز أن يفعل ذلك لكى يعلم ، تعالى الله عن ذلك! وإنما فعله تعالى لكى ~~يعلم المكلف أن فى ذلك اليوم يجتمع فيه الأشهاد ، فتظهر مخازيه بلسانه ، ~~وتنطق به جوارحه ، ويظهر للخلائق ما يبدو (1) فى الموازين من الثقل والخفة ~~، لكى يجتنب المعصية ويتمسك بالطاعة. وإن كان تعالى ، على ما زعموا ، يخلق ~~فيهم ما يختارون ، ولا يقدرهم على خلافه. فما الفائدة فى جميع ذلك ، ومعلوم ~~من حالهم أنه إن خلق فيهم الكفر فلا بد من كونهم كافرين ، كانت هذه الأمور ~~أو لم تكن؟ وكذلك إن خلق الإيمان فيهم! وهذا ظاهر. PageV01P700 ### | ومن سورة التكاثر ### |||| ** 870 قوله تعالى : ( @QUR@09 ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) [ 7 8 ] وما ~~تقدمه ، يدل على أن العبد ممكن من فعل الطاعة والمعصية ؛ لأنه تعالى حذره ~~بذلك وخوفه من الإقدام على المعاصى ، وبعثه على التمسك بالطاعات ، وبين أن ~~إنعامه وإحسانه إليه يقتضى أن يلزم طريقة الطاعة لكى لا يسأل عنه ، فيوبخ ~~ويلام لأجله ، لأن العاصى تعظم معصيته وما يستحقه من التوبيخ لعظمة نعمة ~~المعصى عليه. # * * * ### | ومن سورة والعصر ### |||| ** 871 قوله تعالى : ( @QUR@04 وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) [3] يدل على أن العبد متمكن من ~~الطاعة وإن ذهب عنها ، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن للتواصى معنى ولا تأثير ~~، ولا كان نفع به [ أو ] فائدة ، لأنه تعالى إن خلق فيه المعصية فذلك لا ~~ينفعه ، وإن خلق فيه الإيمان ففقده لا يضره. # * * * ### | ومن سورة الهمزة ### |||| ** 872 قوله تعالى : ( @QUR@08 ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده ) [ 1 2 ] وعيد لم يخص ~~بعض من يختص بذلك دون بعض. فيجب دخول الكل فيه. وقد علمنا أن ms440 من أهل الصلاة ~~من يهمز ويلمز لغيره ، ويتكلم فيه ويعرض ، فيجب دخوله تحت الوعيد. PageV01P701 ### | ومن سورة الفيل ### |||| ** 873 قوله تعالى : ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) [1] وقد علمنا أنه أراد بذلك ~~: ألم تعلم ؛ لأنه عليه السلام لم يشاهد ذلك ، فالغرض به أن يدله تعالى على ~~قدرته ، وأن يظهر له نعمه بما فعله بأصحاب الفيل ، ليكون أقرب إلى التمسك ~~بما يستحقه من التعظيم والشكر ، وذلك لا يصح إلا مع التمكن منه ومن خلافه. ### |||| ** 874 فأما قوله تعالى : ( @QUR@04 ترميهم بحجارة من سجيل ) [4] فإنه عندنا لا بد من أن يكون ذلك ~~معجزا لبعض الأنبياء فى ذلك الوقت ، لأن فيه نقض عادة ، وذلك لا يجوز إلا ~~فى أزمان الأنبياء. # * * * ### | ومن سورة لايلاف ### |||| ** 875 قوله تعالى : ( @QUR@06 لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) [ 1 2 ] فلا بد من أن ~~يكون المراد به أنه تعالى إنما فعل لكى يتألفوا ويتمسكوا بالشكر ، وذلك ~~يقتضى كونهم متمكنين من الطاعة والمعصية ، على ما قلناه. # * * * PageV01P702 ### | ومن سورة أرأيت ### |||| ** 876 قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا يحض على طعام المسكين ) [3] لا يكون له فائدة إلا على ما ~~نقوله ، من أن العبد متمكن من الطاعة والمعصية ، فإذا حض غيره على الإطعام ~~، كان أقرب إلى أن يختار ويؤثر. ### |||| ** 877 وقوله تعالى : ( @QUR@07 فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) [ 4 5 ] يدل على أن كل ~~من هذا حاله يستحق الويل والوعيد. وعلى أن المصلى متمكن من الحفظ من (1) ~~النسيان والسهو ، ولا يجوز أن يكون كذلك إلا وهو قادر عليه وعلى خلافه. # * * * ### | ومن سورة الكوثر ### |||| ** 878 قوله تعالى : ( @QUR@06 إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ) [ 1 2 ] يدل على أن ما ذكر ~~أنه أعطاه فى الجنة وأنعم به عليه ، يدعوه إلى التمسك بالصلاة ، ولا يصح ~~ذلك إلا مع القول بأن بعض الأمور تدعو العبد إلى الفعل ، وذلك يوجب فيما ~~يفعله أنه ليس من خلق الله فيه. # * * * ### | ومن سورة الكافرين ### |||| ** 879 قوله تعالى : ( @QUR@04 لكم دينكم ولي دين ) [6] قد علمنا أنه لم يذكره إلا على سبيل ~~اللوم والتوبيخ لهم على التمسك ms441 بما هم عليه من الباطل ، ولم يرد أن يرضوا ~~بما هم عليه من الدين ، ليتمسكوا به ، وذلك لا يصح إلا مع القول بأنهم ~~كانوا قادرين على الإقلاع والعدول عنه إلى دين محمد صلى الله عليه. PageV01P703 ### | ومن سورة الفتح ### |||| ** 880 قوله تعالى : ( @QUR@05 إذا جاء نصر الله والفتح ) [1] لا يصح إلا مع القول بأن المنصور ~~، بنصره ، ممكن من الفعل الذى نصر فيه ، لأن النصر هو المعونة والتأييد ، ~~ولو لم يكن العبد قادرا على المجاهدة لم يصح أن يوصف بالنصر ، ولوجب أن ~~يكون ما يأتيه ، فى أنه لا يصح أن يوصف بذلك ، بمنزلة اللون (1) والهيئة ~~وسائر ما يخلقه تعالى فى العبد ، فى أنه لا يصح أن يوصف بأنه نصر العبد فيه. ### |||| ** 881 وقوله تعالى : ( @QUR@011 ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~) [ 2 3 ] يدل على أنه تعالى عد ذلك فى النعم عليه ، أعنى : الفتح الذى ~~فتحه صلى الله عليه ، ودخول الناس فى دينه ، وجعل ذلك مقتضيا للتسبيح ، ~~وذلك لا يتم إلا وبعض الأفعال يدعو إلى بعض. والتسبيح هو التنزيه ، ويدل ~~على أنه تعالى منزه عما لا يليق بذاته وفعله ، على ما نقوله من أنه لا يفعل ~~القبيح. PageV01P704 ### | ومن سورة تبت ### |||| ** 882 قوله تعالى : ( @QUR@09 تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله ) [ 1 2 ] أحد ما استدل به ~~الشيوخ فى أن القرآن محدث ، وذلك أنه لو كان قديما لكان قائلا لم يزل : ( ~~@QUR@05 تبت يدا أبي لهب وتب )، وقد علمنا أن ذلك لا يصح ، ولما خلق ولا ~~وقع منه ما يوجب الذم والخسران! ### |||| ** 883 وقوله : ( @QUR@04 سيصلى نارا ذات لهب ) [3] لا يدل على أنه ممنوع بهذا الخبر من ~~الإيمان ، من حيث عرف أنه سيصلى النار ، وأن يموت على الكفر ، وذلك أنه ليس ~~فى الظاهر ما ادعوه ، وإنما فيه أنه يصلاها ، وقد يجوز أن يظن فى كل وقت ~~أنه لو آمن لنفعه ، أو يذهب ذلك عن قلبه. وقد يجوز أيضا أن يكون الخبر مما ~~لا يعرف به مخبره مع كفره ، لأنه إنما ms442 يستدل بذلك من عرف أن القرآن حق. # ولو علم القوم ما قالوه لم يمتنع ، لأن علمه تعالى وخبره لا يخرجه من ~~كونه قادرا على الكفر والإيمان ، وإنما أتى من قبل نفسه فى أن لا يؤمن ~~ويكفر ، فيخبر عنه بما يحصل عليه ، ويعلم كذلك (1)، ففارق بهذا القول قول ~~القوم فى أن العبد لا قدرة له على الإيمان « وفيه ما يمنع منهما (2): من ~~قدرة الكفر والكفر ، لأن فى هذا الوجه يجب أن يكون قد أتى الكفر من قبله ~~تعالى لا من قبل نفسه. # (م 45 متشابه القرآن) PageV01P705 ### | ومن سورة الصمد ### |||| ** 884 قوله تعالى : ( @QUR@06 قل هو الله أحد الله الصمد ) [ 1 2 ] لا يجوز أن يتعلق المشبهة ~~فى أنه جسم ، من حيث كان الصمد هو المصمت (1)، على ما يزعمون ، وذلك أن ~~الصمد : هو السيد فى اللغة ، وقد روى عن ابن عباس : (2) أنه استشهد بقول ~~الشاعر : # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد (3) # وروى عن الحسن رحمه الله ، أن معناه أنه يقصد إليه فى الحوائج ، فمن حيث ~~صمد بذلك إليه استحق أن يسمى صمدا ، فالذى قالوه فى نهاية السقوط. # اللسان : 3 / 258. وانظر النهاية فى غريب الحديث والأثر ، لابن الأثير. ~~الجزء الثالث ، ص. 52. |ألا بكر الداعى بخيرى بنى أسد||بعمرو بن مسعود ، وبالسيد الصمد| # انظر اللسان (طبع بيروت ) 3 / 258. PageV01P706 # ويبطل أيضا ما يزعمون من أنه على صورة آدم ، لأن فى جملة خلقه التجويف! ### |||| ** 885 وقوله تعالى : ( @QUR@04 لم يلد ولم يولد ) [3] منع من قول المشبهة ، لأنه لو كان جسما ، ~~لصحت الآلات عليه ، ولصح كونه مشتهيا محتاجا ، فكان يجوز أن يتخذ صاحبة ~~وولدا. فتنزهه تعالى عن ذلك دليل على ما نقوله فى التوحيد. ### |||| ** 886 وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) [4] يدل على أنه لا مثل له ولا نظير ، ~~فكيف يصح أن يحمل ما تقدم (1) على أنه وصف بأنه جسم. PageV01P707 ### | ومن سورة الفلق ### |||| ** 887 قوله تعالى : ( @QUR@08 قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) [ 1 2 ] لا يصح أن يتعلق به فى ~~أنه تعالى يفعل الشر والمعاصى ؛ لأن المراد ms443 بالآية التعويذ به من شر ما ~~خلقه من المؤذيات ، كالحيات والعقارب وغيرها. وما لم يحمل على هذا الوجه ~~يتناقض الكلام ، ويصير كأنه قال تعالى : ( @QUR@04 قل أعوذ برب الفلق ) من ~~شره!! وإنما يجوز أن يستعاذ به من شر غيره ، ولذلك عطف عليه بشر ما خلقه ، ~~فقال : ( @QUR@010 ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ) [ 3 4 ] ~~وهذا القول لا يدل على أن النفاثات فى العقد ، اللاتى كن يعقدن على الخيوط ~~وينفثن عليه ، كن ضارات بالناس ، على غير الوجه الذى يصح من أحدنا أن يحتال ~~فيه من أنواع المضرة ؛ على ما تقوله الحشوية فى أنهن كن يسحرن ، وأنهن سحرن ~~رسول الله ، صلى الله عليه ، وذلك أن ظاهره إنما يقتضى ما قلناه ، لكنهن ~~لما أوهمن بذلك الفعل ضروبا من الاحتيال فيما لا يصح منهن ، جاز أن يظن ~~الناس فيهن المضرة العظيمة ، فأمر تعالى بالاستعاذة من شرهن ، كما أمر ~~بالاستعاذة من شر الحاسد! فلا يدل ذلك على أن للعبد سبيلا إلى ما يذكرونه ~~فى السحر. # * * * PageV01P708 ### | ومن سورة الناس ### |||| ** 888 قوله تعالى : ( @QUR@012 قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس من شر الوسواس ~~الخناس ) [ 1 4 ] يدل على أن وسوسة الشيطان تدعو العبد إلى المعصية ، ويكون ~~عنده أقرب إليها ، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك ، وكان ما يختاره خلقا لله ~~تعالى ، لم يكن للوسوسة تأثير ، ولا كان شرا يستعاذ منه ، لأنه تعالى إن ~~خلق فى العبد ما دعاه إليه فلا بد من وجوده ، كانت الوسوسة أم لم تكن ، وإن ~~لم يخلقه فكمثل ، فإنما يصح ذلك على قولنا. ### |||| ** 889 وقوله تعالى : ( @QUR@08 الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) [ 5 6 ] يدل على أن ~~الشيطان لا يفعل إلا الدعاء الخفى إلى المعصية ، وأن العاصى هو المختار ~~لذلك عند الدعاء ، والملام عليه ، ولذلك جمع بين الجنة والناس ، ومعلوم من ~~حال الناس أنهم لا يضطرون إلى أمر عند الدعاء ، وإنما يحصل منهم الترغيب ~~والتزيين ، ويكون القابل منهم أتى من قبل نفسه ، لا من قبلهم ، فكذلك ~~الشيطان. ms444 وكما يجوز أن يكون الإنسان موسوسا لغيره ، وإن لم يفعل فى داخل ~~صدره شيئا ، لكنه لما سمعه القول وكان موضع إدراك القول يقرب من الصدر ، صح ~~أن يقال : وسوس فى صدره ؛ فكذلك القول فى الشيطان ، فلا يدل ذلك على أن ~~الشيطان يدخل صدر الإنسان ، كما لا يدل مثله فى الإنسان. ### |||| * تم المتشابه بحمد الله ومنه ### |||| * بلغت المعارضة على نسخة العراق PageV01P709 # قد أتينا على ما نظمناه أولا من بيان ما قلناه : إنه لا ظاهر للمجبرة ~~فيما تعلقوا به من كتاب الله تعالى ، وذكرنا فى ذلك ما يكفى ، وإن اتكلنا ~~فى شرحه ومعرفة المراد به بجميعه على الكتب المعمولة فى التفسير فى هذا الباب. # ومن الآن نذكر ما يحتاج إليها فى كثير مما تلوناه وذكرناه : ### ||| ** 890 مسألة فى الإلجاء (1) ### |||| ** : # اعلم أن الملجأ إلى الفعل لا بد أن يقع [ منه ] ما ألجئ إليه ، والملجأ ~~أن لا يفعل لا بد من أن لا يفعله ، وإنما يتغير حاله فيما ذكرناه بأن يتغير ~~الإلجاء ، عن أن يكون سببا لمقارفته فيه أمرا ومفارقة أمره. # [ و] قد يكون الملجأ إلى الفعل ملجأ إليه ، بأن يعلم سبب الإلجاء أو يظنه ~~، وأحدهما فى ذلك يقوم مقام الآخر ، وهذا نحو خوف الإنسان (2) على نفسه من ~~السبع المشاهد (3)، لأن ذلك يلجئه إلى الهرب مع السلامة ، ولا فرق بين أن ~~يعلم منه أنه لو وقف افترسه ، أو يظن ذلك من حاله فيما ذكرناه ، ولو تعبده ~~الله بالوقوف وعرفه أن له فيه الثواب العظيم ، لخرج من أن يكون ملجأ ، إن ~~كان حاله وحال السبع لم تتغير ، فيصح عند ذلك أن يؤثر الوقوف ، وذلك لو علم # المغنى : 11 ( التكليف ) / 395 396. PageV01P711 # الواحد منا أنه لو أراد قتل ملك ، وبين يديه جيشه لحيل بينه وبينه لكان ~~ملجأ إلى الكف عن ذلك ؛ من حيث علم ، أو غلب على ظنه اليأس من ذلك ، ولو ~~عرف من نفسه الجوع الشديد والطعام « حاضر لكان ملجأ (1) إلى تناوله مع ~~السلامة. فإن جاز أن يتعبد بالكف عنه يتغير حال الإنسان. (2) # وليس لأحد أن ms445 يقول : إذا كان مع سبب الإلجاء لا بد من أن يفعل ، أو لا ~~يفعل ، فكيف يصح إثباته قادرا؟ ولئن جاز ذلك ، ليجوزن للمجبرة أن يثبتوه ~~قادرا على ما يختار ويقع ، وعلى ما لا يجوز أن يختار خلافه عليه ، وذلك لأن ~~مع سبب الإلجاء قد أثبتنا له حالا لا يصح معها إلا أن يفعل ، بأن يقترن سبب ~~الإلجاء بما يتغير به حاله ، ولأنا لما نوجب أن يكون فاعلا ؛ لتوفر الدواعى ~~إلى الفعل ، وفقد ما يقابله ، أو يؤثر فيه ، فيختاره لأجل ذلك ، وإن كان ~~يصح ، على بعض الوجوه ، أن يختار خلافه فيتغير الدواعى ، أو أن يقدر فيه ~~كونه شاهدا. وليس كذلك حال القوم ؛ لأنهم لا يجوزون مع وجود قدرة الكفر أن ~~لا يكون كافرا ، ولا فى قدرته وقدرة الله ، ففارق قولنا فى ذلك قولهم. # وهذا كما نقول : انه تعالى لا بد من أن يفعل الواجب من الثواب والألطاف ، ~~فلا يوجب ذلك أن لا يصح منه خلافه. ولو أن قائلا قال فى الله مثل قول ~~المجبرة فى الواحد منا ، للزمهم أن لا يصح أن يفعل خلاف ما فعله. (3) # ومحفوظ ما ينبغى أن يعرف فى حد الإلجاء ، وإن كان أسبابه تكثر وتختلف ، ~~أن يقتصر فى الملجأ الخروج ، عند تردد الدواعى بين الفعل والترك ، فيصير ~~على طريقة PageV01P712 # واحدة فى أنه يجب أن يختار ما يقتضيه الإلجاء ، وأن يعلم حاله أن يفعله ~~عند الإلجاء أو يكف عنه. فمتى جمع هذين الشرطين ، وصف بأنه إلجاء. والفرق ~~بينه وبين الفعل الواقع من المختار الذى تتردد دواعيه بين الفعل والترك « ~~أنه لا يتعلق به ذم ولا مدح (1). ولذلك لا يمدح الإنسان على الأكل عند ~~الجوع ، والهرب من السبع عند الخوف منه ، ولا على الامتناع من قتل الظالم ~~إذا كان يعلم أنه لو حاوله يمنع ، ويفارق حاله حال المتمكن الذى ليس بملجإ ~~؛ فى كلا الوجهين اللذين قدمناهما. # فإذا ثبتت هذه الجملة ، وكنا قد بينا فى مواضع كثيرة أنه تعالى لم يرد من ~~المكلف الإيمان على طريق الإلجاء ، وإنما أراده على ms446 طريق الاختيار ، ~~وتأولنا عليه قوله تعالى ( @QUR@04 فلو شاء لهداكم أجمعين ) (2) إلى غير ~~ذلك من الآى فيما بين الفرق بين الإرادتين ، ليعلم أن الذى نفيناه غير الذى ~~أثبتناه ، ويعلم علتهما فى ذلك. # فإذا ثبت ما قدمناه أن عند سبب الإلجاء يجب الفعل ، وأنه تعالى لو أراد ~~الإيمان من العبد على جهة الإلجاء ، لكان المعنى فى ذلك أن يريد سبب ~~الإلجاء إلى الإيمان ، لأنه لا يجوز أن يريد الإيمان على وجه ، ولا يتم على ~~ذلك الوجه ألا يفعل سواه ، إلا ويريد ذلك الفعل الذى لو فعله تعالى لكان ~~العبد ملجأ إلى الإيمان ، وهو أن يفعل تعالى ما عنده لا بد من وقوع الإيمان ~~على وجه لا يستحقون عليه المدح ، على ما بيناه. PageV01P713 # وقد يكون ذلك بأن يعلمه الضرر العظيم إن لم يفعل الإيمان ، فمتى علم ذلك ~~ببعض الآيات الخارجة عن العادة ، وقوى ذلك فى ظنه وصار الضرر فى حكم الحاصل ~~، فإن ذلك يلجئه إلى أن يفعل ذلك الشيء. # وعلى هذا الوجه بين تعالى أنهم لما رأوا اليأس من العذاب آمنوا على جهة ~~الإلجاء ، ولذلك بين أن ما فعله من اتصال البحر فى فرعون أوجب كونه ملجأ ؛ ~~لأنه عند ذلك حصل له العلم ، أو قوة الظن بذلك الأمر اليائس الذى فى حكم ~~الضرر الحاصل ، فصار ملجأ إلى إظهار ما أظهر. # فعلى هذا الوجه : يكون تعالى مريدا من العبد الإيمان وعلى جهة الإلجاء : ~~إما بإعلام ، على ما قلناه ثانيا (1). فلما لم يفعل القديم تعالى ذلك ~~بالمكلفين وأراد منهم الإيمان مع فقد ذلك ، ومع تردد دواعيهم بين الفعل ~~والترك ، لم يجب أن يكون مريدا على جهة الإلجاء ، بل كان مريدا منهم ذلك ~~على طريقة الاختيار ، وعلى وجه يعلم من حالهم أنهم لو فعلوه ، لاستحقوا به ~~المدح والثواب ، فإذا اقترن حال الإرادتين بما بيناه من الوجهين ، لم يمتنع ~~أن يثبته تعالى مريدا للايمان على أحد الوجهين ، وينفى كونه تعالى مريدا له ~~على الوجه الآخر. والوجه الذى لم يرده عليه لا يمتنع أن يقول فيه : ( ~~@QUR@04 ولو شاء ms447 لهداكم أجمعين ) لأنه لو شاءه فى الحقيقة لنفى ذلك عن نفسه ~~، وتبين مع ذلك قدرته على أن يلجئهم ، وإن كان تعالى قد أثبت نفسه بذلك ~~العقل والسمع مريدا من جميع المكلفين الإيمان. # 891 مسألة فى النخلية (2) # اعلم أنه لا بد فى المكلف أن يخلى بينه وبين ما كلف ، وبين تركه ، لكى PageV01P714 # يكون ذلك الفعل على صفة من قبله. ومن لم يكن مخلى بينه وبينه وحصل هناك ~~منع أو إلجاء ، لم يجز أن يكون ذلك الفعل من قبله على كل وجه ، ولذلك قلنا ~~: إن الواحد منا لو ألجأ غيره إلى أن يضر برجل ، لكان العوض على المجيء ، ~~لأنه فى الحكم كان الفعل من قبله. ومتى فعله وهو مخلى يلزمه بنفسه العوض ، ~~لأن الإضرار من قبله. وقد علمنا أن المكلف لا يجوز أن يستحق الثواب إلا ~~وحاله ما قدمناه ، لأنه لو كان ما يفعله فى حكم المفعول فيه لصار كأنه ~~مفعول فيه فى أنه لا يستحق المدح والثواب ، فكان فى ذلك إبطال العوض ~~بالتكليف ، فلذلك يطلب (1) فى المكلف أن يكون قادرا ، لأن التخلية لا تصح ~~إلى فى القادر. وشرطنا ارتفاع الإلجاء عنه ، لأن مع وجوده تزول التخلية ، ~~على ما بيناه. وشرطنا ألا يكون ممنوعا ، لأن الممنوع من الفعل محال أن يكون ~~مخلى بينه وبينه. وشرطنا أن يكون سائرها يحتاج إليه فى الفعل ، إما حاصلا ~~أو ممكنا من تحصيله ، لأن ما به يفعل الفعل ويتمكن لأجله ، متى عدم ، زال ~~(2) التمكن ، فضلا عن أن يكون مخلى بينه وبين الفعل ، فلا بد لأجل هذه ~~الجملة من أن يكون المكلف على هذه الصفات التى ذكرناها ، ليصح ثبوت التخلية فيه. # ويتحصل ما ذكرناه فى التخلية ، ولو كانت أسبابها تختلف ، بأن يكون قادرا ~~على الفعل وتركه ، والإلجاء وسائر وجوه الموانع مرتفعة. فإذا حصل كذلك ثبتت ~~التخلية. PageV01P715 ### || 892 مسألة فيما به يكون المكلف مزاح العلة كلف : # واعلم أنه لا بد مع التخلية بينه وبين الفعل ، على ما بيناه ، من أن يجعل ~~تعالى المكلف مزاح العلة ، وإزاحة العلة لا يكون ms448 إلا بأمر زائد على التخلية ~~، لأنه لو خلى بينه وبين الفعل ، ولم يعرف حسنه ، لصح أن يفعل ويتركه ، [ ~~و] كان لا يكون تعالى مزيحا لعلته. وكذلك فلو أنه تعالى لم يدل على حال ~~الفعل ، لوجب ما ذكرناه. ولو أنه تعالى لم يعرفه ما يدعوه من الأفعال إلى ~~فعل ما وجب عليه ، أو لم يفعل به الألطاف التى عندها يختار ما كلفه ، لكان ~~غير مزيح لعلته ، فلا بد من أن يفعل تعالى سائر ما ذكرناه ليكون مزيحا ~~لعلته ، فيحسن عند ذلك أن يكلفه. فبحصول ما ذكرناه من إزاحة علة المكلف ، ~~وإن اختلفت وجوهه ، يجب أن يفعل تعالى ما يدعوه به إلى ما كلف. أو يقوى به ~~دواعيه. أو يعلمه أو يدله على ما عنده يحصل له الدواعى. فلتعلق الجميع ~~بالدواعى جعلناه داخلا فى إزاحة العلة. وقد ثبت أنه تعالى إنما كلف العبد ~~لينفعه بأجل المنافع وأعلاها وأسناها ، من حيث لا يحسن أن يبتدئه بها ، فلا ~~بد من أن يمكنه من فعل ما ينالها به ، ولا بد إذا علم أنه إنما يختار الفعل ~~لأمور ، أن يفعل تلك الأمور ، وإلا نقص ذلك قولنا إن غرضه أن يعرضه ~~للمنافع. ### |||| ** 893 مسألة : فيما معه يصح أن يستحق المكلف المدح والثواب والذم والعقاب (1). # اعلم أنه لا بد من أن يجعل تعالى المكلف بالصفة التى يستحق معها المدح ~~والثواب على الفعل ؛ لأن الغرض بالتكليف استحقاقه لهذين. فإذا كان هذا هو PageV01P716 # الغرض ، فلا بد من أن يفعل ما يتم ذلك به ومعه ، ولن يتم ذلك إلا بأن ~~يجعله مشتهيا لما كلفه الامتناع عنه ، أو فى حكم المشتهى ، ونافر الطبع عما ~~كلفه ، أو فى حكمه ؛ لتصير الطاعة شاقة عليه ، فيستحق بها الثواب ، ويصير ~~امتناعه عن المعصية كمثل ، فيستحق بأن لا يفعلها الثواب. ومتى لم يجعل ~~المكلف بهذه الصفة ، لم يجز أن يستحق الثواب ، لأنه لا يجوز أن يستحق النفع ~~على ما يختاره من المنافع ، ولا بما يستحقه على ما تحمل [ من ] المضار! ~~يبين ذلك أن أحدنا لا يستحق الأجرة ms449 على أكل اللذات ، ويستحقها على الصناعات ~~وسائر ما يشق ، لكنه قد ثبت أن المكلف إذا قدر فى الفعل أن يشتهيه شق عليه ~~الامتناع من الاشتهاء إلى ما دونه ، ويشق عليه تصبير نفسه على بعض ~~المشتهيات دون بعض ، فيصير حابسا لنفسه إلا على ذلك ، فأقيمت هذه الوجوه ~~مقام أن يعلم نفسه مشتهيا ، فى ثبوت التكليف معها ، من حيث علم أنه فى ~~جميعها يشق عليه الامتناع ، كما يشق عليه ذلك فيما يعلم نفسه نافرا عن ~~الشيء ، أو يقدر ذلك فيه ، أو يؤثر فى آلاته أو تقوية المنافع ، أو يقصر به ~~عن الحد الزائد فى ملاذه ، فى أنه يشق عليه مع جميع ذلك الإقدام ، فسواء ~~بين الكل فى أنه يجوز أن يكلف معه. # فهذا هو الذى يجب أن يحصل عليه المكلف ليحسن تكليفه [ و] لو صح أن يكون ~~ممن لا يشق عليه ، لوجب فى الحكمة أن لا يجعل على هذه الصفة ، لأن الغرض ~~تعريضه للثواب دون العقاب ، بل الغرض تنقيذه من العقاب ، ولو صح أن ينقذ ~~منه ، والحال ما ذكرنا ، لوجب أن يجعل كذلك ، لكنه لما كانت الشرائط التى ~~معها يستحق الثواب يحصل معها الشروط التى لكونه عليها يستحق العقاب بالقبيح ~~، وحسن فى الحكمة تعريضه للثواب ، حسن فى الحكمة أن يجعل بحيث يصح أن يستحق ~~العقاب بالمنع الذى لا يؤثر فى التكليف ، ولا يكون ذلك المنع PageV01P717 # إلا بوجهين : أحدهما : الوعيد وما يتصل به. والثانى : الألطاف وإزالة ~~المفسدة وما يتصل بهما ، على ما سنبينه. ### || 894 مسألة فى الأدلة التى لا يصح التكليف إلا مع نصبها # اعلم أن المكلف لا بد من أن يكون عالما بما كلف على جملة أو تفصيل ليميزه ~~من غيره. وإلا لم يحسن تكليفه ، فصار تعريفه ما كلف بمنزلة الإقدام عليه ~~والتمكين منه ، فى أنه لا بد منه ، وإلا قبح التكليف. فإذا ثبت ذلك ، وكان ~~تعريفه ما ذكرناه ، قد يكون بوجهين : أحدهما : أن يعلمه صلاحا باضطرار ~~حاله. والثانى : أن يدله عليه. فلا بد من حصول أحد الوجهين فى سائر ما كلف ms450 ~~، فما حسن الاضطرار فيه فلا بد من أن يضطره تعالى إليه. وما لا يحسن ذلك ~~فيه ، أو كان الاستدلال فيه أولى فى الحكمة ، فلا بد من أن يدل عليه. ولا ~~يجوز أن يكلف فعلا ويخليه من تعريفه حاله من كلا هذين الوجهين. وقد صح أنه ~~تعالى قد عرفنا ما كلفنا بالوجهين جميعا ؛ لأنه أعلمنا باضطرار أن الظلم ~~قبيح ، وكلفنا الامتناع منه ، وأن شكر النعمة واجب ، ورد الوديعة كمثل ، ~~وكلفنا الإقدام عليها ، وعرفنا ما لنا من الفضل بالاختيار ، فندبنا إلى فعله. # فأما ما عرفنا بالاستدلال مما لا يتعلق بفعل ما كلفناه ، فتفصيله كثير ~~مما ذكرنا جملته ، وسائر الشرائع ، وما يعلم قبحه وحسنه ووجوبه من جهة ~~العقل والشرع ، وتفصيل ذلك يكثر ، وما أوردناه من الجملة يكفى فيه. ومحصول ~~الأدلة والبيان مما يمكن المكلف عند التفكر فيه أن يتوصل به إلى المعرفة ، ~~بما دخل تحت التكليف ، فهذا هو الذى لا بد منه. والزيادة على الأدلة قد ~~يكون الصلاح فى أن يفعله تعالى ، وقد يستوى بفعله وأن لا يفعل. فمتى كان ~~صلاحا وجب فى الحكمة أن يفعله ، PageV01P718 # على ما بينا من زيادة الهدى ، وإذا لم يكن كذلك جاز أن يقتصر بالمكلف على ~~القدر الذى بيناه ، ### || 895 مسألة فى اللطف (1) ### |||| ** : # اعلم أن اللطف هو ما عنده يختار المكلف ما كلفه ، ولولاه لكان يخل به فما ~~علم ذلك من حاله وصفناه لطفا ، وربما يذكر فى جملة اللطف ما يكون المكلف ~~عنده أقرب إلى فعل ما كلف ، أو يكون فعل ما كلف أسهل عليه ، وأقرب إلى ~~وقوعه منه ، ولا يؤثر فيما ذكرناه بين الفعل والكف ؛ لأنه إذا كان إنما ~~يختار ما كلف عند (2) أمر ما ، ولولاه كان لا يختاره ، وجب فعله. وكذلك إن ~~كان لا يكف عن المعاصى إلا عند أمر ، ولولاه كان يفعلها ، فلا بد من أن ~~يفعله تعالى أو يمكن منه. # وإنما قلنا فى اللطف : إنه واجب لا بد منه ؛ لأنه تعالى إذا قصد بالتكليف ~~تعريض المكلف للثواب ، وعلم أنه لا يتعرض للوصول إليه إلا ms451 عند أمر لولاه ~~لكان لا يتعرض ، فلو لم يفعله لنقص ذلك الغرض الذى له كلف. كما أن أحدنا لو ~~كان غرضه من زيد إذا دعاه إلى طعامه أن (3) يحضره فيأكل طعامه ، وعلم أنه ~~لا يختار ذلك إلا عند اللطف فى المسألة ، فلو لم يفعله لنقض ذلك الغرض الذى ~~دعاه إلى طعامه ، ويحل بإخلاله بذلك محل أن يمنعه من نفس تناول الطعام. ~~وكذلك لو لم يفعل تعالى اللطف الذى ذكرناه ، كان بمنزلة أن لا يمكن العبد ~~مما كلفه من قبح التكليف. PageV01P719 ### || 896 مسألة فى أنواع اللطف أو قسامه (1) # اعلم أن الذى ذكرنا حده ينقسم : ففيه ما يكون من فعل المكلف. وفيه ما ~~يكون من فعل المكلف. وفيه ما يكون من فعل غيرهما. فما يكون من فعل المكلف ~~تعالى فلا بد من أن يفعله ؛ لأنه بالتكليف قد التزم فعله ، كما التزم ~~الإقدار على ما كلفه والتمكين منه. وهذا نحو ما يفعله تعالى من الآلام ~~والشدائد والمحن ، وسائر ما يعلم تعالى أنه متى لم يفعله بالمكلف لم يختر ~~الطاعة ، وإذا فعله به اختارها ، أو اختار أن لا يفعل المعصية. # ثم ينقسم ذلك : ففيه ما يكون نازلا بالمكلف ، كالألم الذى يخصه. ومنه ما ~~يكون نازلا بغيره ، نحو الآلام للأطفال ؛ لأنها لا بد من أن تكون لطفا ~~لغيرهم. وهذا اللطف هو الذى لو لم يقع منه تعالى لخرج المكلف من أن يكون ~~مزاح العلة من قبله ، ولوجب أن لا يستحق من قبله العقاب ، لأنه صار من هذا ~~الوجه كأنه أتى من قبله لا من نفسه ، فما اختاره من المعصية بمنزلته لو ~~ألجأه إلى المعصية ، أو منعه من الطاعة. # وما يكون من فعل المكلف ، فإنما يجب عليه تعالى إذا هو كلف أن يمكنه من ~~ذلك الفعل ، على الوجه الذى اختاره ، وكان لطفا فى سائر ما كلفه. فمتى فعل ~~ذلك فقد أزاح العلة ، فإن لم يفعله ولم يفعل لأجل عدمه سائر الواجبات ، فقد ~~أتى من قبل نفسه فى كلا الوجهين ، لأنه يمكن أن يفعل الأول ويفعل الثانى ms452 ، ~~فإذا حصل به ولم يختر الثانى لأجله ، فهو المقصر ، وإلا فالله تعالى قد ~~أزاح العلة. PageV01P720 # فهذا الباب مما عدمه لا يوجب قبح التكليف ، والذى يوجب قبحه فقد التمكن ~~منه. وهذا كنحو الشرائع التى كلفناها ، لأنا مكنا منها وأوجد السبيل إليها ~~، فإن لم نفعلها ولم نختر لأجل ذلك سائر ما كلفناه عقلا ، فمن قبل أنفسنا أتينا. # وهذا الوجه هو الذى إنما يكون لطفا بأن يقع من المكلف على وجه مخصوص ، لا ~~يتم إلا بالخضوع والتذليل وضروب من المفاصيل. لأن ما يفعل منه من ذلك لا ~~يتم إلا بأن يباشر فعله فى الوجه الذى ذكرناه ، فيصير من حيث يقع من فعله ، ~~كأنه مخالف لما يقع من فعل غيره ، فى الوجه الذى ذكرناه. # وأما ما يكون لطفا من فعل غير المكلف والمكلف ، فالقديم تعالى لا بد من ~~أن يمكنه ، ولا بد من أن يكون العموم من حاله أنه سيفعله لا محالة ، ومتى ~~لم يكن كذلك لم يتم اللطف. وقبح التكليف. وهذا نحو تعبد الله تعالى ~~للأنبياء عليهم السلام لأداء الرسالة ، لأن ذلك إنما يحسن لأنه لطف ، فمتى ~~ما لم يعلم من حالهم أنهم سيقومون بالأداء على الوجه الذى كلفوا ، لم يحسن ~~من الله تعالى أن يكلف من بعثهم إليه لطفا له ومصلحة. # فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى هذا الباب. ولا رابع لها البتة. ### || 897 مسألة فيما ذكرناه من أنواع اللطف # اعلم أن فى جملة الألطاف التى نذكرها ما لا نقطع من حاله أن عنده يختار ~~المكلف الفعل لا محالة ، لكنه متى خاف المكلف عنده من عقاب إن هو لم يفعل ~~ما كلفه ، يصير حكمه ، بحصول اخوف ، حكم اللطف فى الحقيقة. وهذا بمنزلة ما ~~نقوله من أن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين ، لأن (1) عندها يعرف الثواب # (م 46 متشابه القرآن) PageV01P721 # والعقاب. فمتى خطر بباله ما يوجب الخوف إن هو لم ينظر فى معرفته ، لزمه ~~النظر. وكذلك إذا دعاه الداعى إلى ذلك. # فلو قال قائل : أتقولون إن هذه المعارف هى لطف له فى الواجبات؟ ms453 لقلنا : ~~نعم ، لأن عند معرفته بالعقاب وبأنه يستحقه إذا هو لم يفعل النظر وما يتلوه ~~من الواجبات ، يخاف الخوف العظيم من ترك النظر ، وقد ثبت فى عقله أن التحرز ~~من المضار المخوفة ، فى الوجوب ، كالتحرز من المضار المعلومة ، فيلزمه عند ~~ذلك النظر ، وسيأتى ما يتلوه وإن كان لا يعلم أن ذلك مما يختار عنده ~~الواجبات لا محالة ، على الوجه الأول الذى ذكرناه. # وقد يدخل فى اللطف النوافل (1)، لا لأن عندها يختار الواجب لا محالة ، ~~لكن لأنه يكون أقرب إلى ذلك ، فتكون مقوية لدواعيه ، ومسهلة سبيل الإقدام ~~عليه ، فلا يمتنع أن يقال فيما يرد من الخاطر : إنه لطف ، ويقال فى هذا ~~الوجه أيضا إنه لطف ، لأنهما ينبعثان من حيث ذكرنا اللطف الذى بيناه أولا ~~فلا تخرج الألطاف عن هذه الوجوه الثابتة فيه. وليس الغرض العبارات. فإذا ~~ثبت من جهة المعنى أن حالها سواء ، فقد ثبت ما أردناه. # فإن قال : إن اللطف الذى ذكرتموه أولا لا شبهة فى وجوبه ؛ لأن عنده يختار ~~فعل ما كلف لا محالة ، وكذلك ما ذكرتموه ثانيا ، لأن عنده يخاف إن هو لم ~~يفعل ما كلف ، فكيف يصح القول بأن النوافل لطف ولا [ يتأتى ] (2) فيها ما ~~ذكرنا. وهل تقولون فيها إنه تعالى يجب أن يتعبد بها ، وإن لم يلزمها PageV01P722 # المكلف ، أو يجوز أن لا يتعبد بها؟ فإن قلتم : يجب أن يتعبد بها. فكيف ~~قولكم فيما يختاره من أفعاله تعالى إذا حل محل النوافل منا ، واجب أم لا؟ # فإن قلتم إنه واجب ، سويتم بينه وبين ما يكون إزاحة لعلة المكلف ، وإن ~~نفيتم وجوبه ، لزمكم عليه أن يجوز أن لا يبعثه تعالى بالنوافل البتة! # قيل : إنه يجب إذا كلف تعالى أن يبين للمكلف النوافل ، لا من حيث كانت ~~ألطافا ، وإزاحة لعلته فيما كلف ، لكن لوجه آخر ، لأنه متى لم يبين ذلك ~~اعتقد فى النوافل أن فعلها كتركها ، على ما يقتضيه العقل ، فيكون فى حكم ~~المعرض للجهل ، وذلك لا يحسن منه تعالى ، كما لا يحسن أن يخاطب بالعموم ~~ويؤيد الخصوص ، ولا ms454 يدل عليه. وهذا المعنى لا يتأتى فى أفعاله تعالى إذا ~~كان سبيلها سبيل النوافل ، فيجوز أن لا يفعلها. وقد أسقط ذلك سائر ما أورده ~~السائل فى سؤاله. ### || 898 مسألة فى بيان المفسدة (1): # اعلم أنه تعالى إذا كلف ، فلا بد من أن يجنب المكلف من كل ما يكون مفسدة ~~له فى التكليف ، حتى يكون مزيحا لعلته. ولو لم يفعل تعالى ذلك لكان بمنزلة ~~أن لا يفعل اللطف ، فى قبح التكليف. # والمفسدة : هى ما عنده يختار المكلف المعصية ، والإخلال بالطاعة ، ولولاه ~~لكان لا يختارها. # وهى تنقسم إلى أقسام ثلاثة : فما يكون فعل المكلف لو وقع فالواجب أن لا ~~يفعله تعالى وإلا قبح التكليف. وما يكون من فعل المكلف ، فإنما يجب عليه ~~تعالى أن يمكنه من أن لا يفعلها ، ويعرفه حالها إذا كان الوجه فى كونه PageV01P723 # مفسدة أن تقع باختياره ، فأما إذا كان المعلوم أنه يكون مفسدة على كل حال ~~، فلا بد من أن يمنعه تعالى منها إذا كان المعلوم أنه بالمنع يمتنع ، فأما ~~إن علم من حاله أنه يمتنع بلا منع ، فليس ذلك بواجب ، لأن الغرض ألا يقع ~~باختياره ، أو يمنع المانع له. # فإذا كان من فعل غير المكلف والمكلف ، فلا بد من أن يكون المعلوم أنه لا ~~يفعله ، أو يمنعه تعالى منه. ولذلك قلنا إنه تعالى لو علم من حال بعض ~~العباد أنه إذا علم المعجز الذى هو القرآن ، سافر به إلى حيث لم تبلغه ~~الدعوة ، وادعاه معجزا لنفسه ، واستفسد به العباد ، أنه يجب أن يمنعه تعالى ~~من ذلك. وإن كان المعلوم أنه لا يستفسد لم يجب المنع. فأما العبد إذا أضل ~~غيره بالدعاء إلى الضلال ، فإنما لم يجب المنع منه ، لأنه قد كلف الامتناع ~~من ذلك ، فامتناعه باختياره ولا مصلحة له. ولأن لولاه لكان لا يفسد ابتداء ~~أو بغير ذلك ، ولهذا قال شيخنا أبو على ، رحمه الله : إنه تعالى لو علم من ~~حال إبليس أنه عند دعائه يضل العباد على وجه لولاه لكان لا يضل ، لمنعه من ~~ذلك الإضلال! ### || 899 ms455 مسألة فى المعونة وما يتصل بها # واعلم أن العبد لا يكون معانا بأن يمكن من الفعل فقط بالقدرة وغيرها ، ~~لأن ذلك لو صح لوجب أن يوصف تعالى بأنه معين للبهائم والمجانين ، كما وصف ~~بأنه معين للمكلف ، ولوجب أن يوصف بأنه أعانه على الكفر إذا أقدره عليه ، ~~كما يوصف بذلك إذا أقدره على الإيمان ، على بعض الوجوه. فعلم بذلك صحة ما ~~قلناه. وذلك يوجب أن يكون التمكين إنما يكون معونة لأمر زائد على كونه ~~تمكينا ، وهو أن يقصد تعالى بفعله أن يختار الممكن الطاعة ، فمتى فعله على ~~هذا الوجه ، وصف التمكين بأنه معونة ، ولو لا ذلك لم يوصف بهذا الوجه. PageV01P724 ### |||| ** ولهذا قلنا : إنه تعالى قد أعان المكلف على الإيمان والطاعة ، ولم يعنه على الكفر ~~والمعصية ، لأنه لم يرد تمكينه وإزاحة علله منه للكفر والمعاصى ، بل يكرهها منه. # وعلى هذا الوجه تستعمل المعونة فى الشاهد ؛ لأن الواحد منا إذا أعطى غيره ~~سيفا ، وقصد أن يجاهد فى سبيل الله ، وصف بأنه أعانه على الجهاد ، وإن كان ~~السيف يصلح لقتل نفسه وقتال المسلمين ، ولا يوصف بأنه أعانه على ذلك ، لما ~~لم يرده منه. فكان الأصل فى المعونة إرادة ما به ومعه يتم الأمر المراد. ~~وعلى هذا الوجه يقال فى الواحد منا إذا حمل الثقيل مع غيره : إنه أعانه ، ~~لأنه قصد بما فعل أن يتم المراد. # ولا يوصف لفظ الأمر بأنه معونة ، ولا ما يتناوله بأنه معان فيه ؛ لأنه ~~كان يجب أن يكون إبليس معانا على الاستفزاز لوجود لفظ الأمر. فعلم أن ~~المعتبر فى ذلك هو الإرادة ، وإن كان الأمر بها يكشف عن الإرادة ، فمن حيث ~~يختص بذلك يوصف المأمور بأنه معان لأجله. ولهذا قلنا : إنه تعالى أعان ~~المكلف على فعل ما كلفت لا على المعاصى. ولا يمتنع فى الألطاف وسائر ما ~~يبعث المكلف على الفعل. إذا فعله تعالى للغرض الذى قدمناه ، أن يوصف لأجله ~~بأنه معين له. وقد يقال للواحد منا إذا لطفت لغيره ، ودعاه ، وبين له : إنه ~~قد أعانه على الخير ؛ للوجه الذى ms456 بيناه. ### || 900 مسألة فى ذكر الخذلان والنصرة وما يتصل بهما (1) # اعلم أن الأصل فى النصرة إنما تستعمل إذا تعلق الفعل بغيره ، فيقال إنه منصور PageV01P725 # على غيره ، ولذلك يكثر استعماله فى الحرب والقتل ، لكنه استعمل فى سائر ~~ما يقتضى الظفر بالعدو فى الحال أو فى الثانى ، فوصف الحجة إنها نصرة ، ~~ووصفت الطاعة بذلك ، من حيث تؤدى إلى المدح وزوال الذم ، والظفر من هذا ~~الوجه بالعدو ، فى الاستخفاف والإهانة ، واستعمل فيما يفعله تعالى بالمجاهد ~~فى الأمور التى معها يظفر بالكفار ، من تثبيت الأقدام ، وتقوية القلوب ، ~~وما يثبته فى قلوب العدو من الرعب ، والإمداد بالملائكة ، والتذكير بما ~~يستحقه المجاهد من عظم الثواب ، إلى غير ذلك. # ولا بد من أن يعتبر فى النصرة الظفر على وجه لا يتعقبه المضار الموفية ~~على ما يحصل فى الحال من النفع والسرور ؛ لأنه متى كان كذلك ، عاد الحال ~~فيما حصل فى الوقت إلى أنه مضرة. ولا تستعمل النصرة إلا فى المنافع وما ~~يؤدى إليها ، فلذلك قلنا : إن الكافر إذا ظفر بالمؤمن لا يكون منصورا ؛ ~~لأنه ممنوع من ذلك ، مذموم عليه ، يستحق عليه العقوبة. فعادت الحال فى ~~المسرة إلى أنها مضرة. ويقال فى المؤمن وإن غلب مع بذل الاجتهاد وترك ~~التقصير : إنه منصور ، من حيث بذل وسعه ، فاستحق الثواب العظيم على ذلك ، ~~وعلى ما يلحق قلبه من الغم ، فعاد الحال فيه إلى أنه منصور. # ولا يمتنع ، على ما قدمناه ، أن ينصر تعالى أولياءه بالأدلة والحجة ~~والبراهين ، وسائر ما يمدهم به ، ويعينهم فى التكليف. # فأما الخذلان : فهو كل فعل حرمه الظفر بما يتبعه وينفعه مما يؤثر فى قلب ~~عدوه. فقد يكون الكافر مخذولا بالحجة ؛ لأنه لا حجة له. وقد تكون معاصيه ~~خذلانا ، من حيث يستحق بها الاستخفاف والنكال. وما يغلب عنده PageV01P726 # بيوصف بذلك أيضا : من إلقاء الرعب فى قلبه ، وإخطار الخوف بباله ، إلى ما ~~شاكل ذلك. # والأظهر فى الخذلان : أنه أجمع عقوبة. فأما النصرة فتنقسم : ففيها ما هو ~~ثواب ، وفيها ما هو لطف. فأما الإمداد بالملائكة وتثبيت الأقدام ، فهو لطف ms457 ~~؛ لأن عنده يختار الجهاد ، أو يكون أقرب إلى اختياره. وأما ما يفعله تعالى ~~من أنواع المدح والتعظيم ، فهو الثواب. فعلى هذا يجب أن يجرى القول فيها. ### ||| ** ### |||| ** 901 مسألة فيما يحسن من المكلف الدعاء به والمسألة له ، مما قدمنا ذكره ، وما يتصل بذلك. ### |||| ** اعلم أن الدعاء لا بد فيه من شرائط : منها : أن يكون الداعى عالما بشأن الذى يسأله مما يحسن فعله. ومنها : أن ~~يعلم أنه يؤثر فى الأمر الذى يطلبه ، إما فى منافع الدين ، أو الدنيا. ~~ومنها : أن يقصد بالمسألة فعل ذلك ويريده ، كأنه كالأمر فى أنه لا يكون ~~مسألة ودعاء إلا بالإرادة. ومنها : أن يشرط فى الدعاء ، أو فى ضميره أن لا ~~يكون ذلك مفسدة ؛ لأنه إذا كان يدعو بأمر معين ، فلا بد من أن يكون شاكا ~~فيه : هل يكون مفسدة ، أو لطفا وحسنا ، أو قبيحا؟ فلا بد من أن يشترط ما ~~ذكرناه فيه ، إلا أن يكون الداعى يدعو بما يعلم أنه بعينه يحسن على كل حال ~~، فيحسن منه الدعاء من غير هذا الشرط الذى ذكرناه. # ثم ينقسم ، فمنه ما يعلم أنه يحسن إن كان هو على صفة مخصوصة ، وإلا لم ~~يحسن. [ و] منه ما يعلم من حاله أنه يحسن على كل حال. فالأول : نحو الثواب ~~لأنه وإن كان لا يكون إلا حسنا ، فإنما يحسن متى كان المكلف مستحقا ، وكذلك ~~العقاب. والثانى : نحو التفضل والإحسان ، لأنه متى وصف ما يدعو به PageV01P727 # بهذه الصفة ، لم يكن إلا حسنا ، فيكون نفس اللطف مغنيا عن الشرط. # واعلم أن الدعاء قد يكون نفسه لطفا ؛ يعلم كونه كذلك من جهة الشرع ، ~~ولولاه لما حسن. فلا يمتنع فيما هذا حاله أن يدعو المكلف فيه بما يعلم أنه ~~تعالى لا يفعله. وكذلك من جهة العقل إذا كان له غرض فى مسألة ما هذا حاله ؛ ~~حسن لذلك الغرض ، لا لأمر يرجع إلى ما طلبه ، لأنه لعلمه بأنه لا يقع فيه. ~~(1) وما هذا حاله لا داعى له الى طلبه ، فإنما يحسن طلبه لأمر يرجع إليه ، ~~أو الى ثواب ms458 يستحقه على نفس الدعاء. وقد كان لا يمتنع من جهة العقل أن يدعو ~~الإنسان للكافر بالمغفرة ، إذا كان فى ذلك غرض ، ولنفسه إذا كان كافرا ، ~~فأما من جهة الشرع ، فقد ورد التعبد بخلافه ، فوجب المنع منه ، لأنه مفسدة. ~~فأما الدعاء للمؤمن بالثواب ، فالعقل والسمع فيه سواء ، لأنه لا يحسن أن ~~يدعى إلا للمطيع ؛ لأن فعله لغير المطيع يقبح ، من حيث لا يحسن إلا مستحقا ~~كالمدح والتعظيم. فأما الفاسق فقد ورد السمع بأنه معاقب فى الآخرة ، وسبيله ~~سبيل الكافر فيما ذكرناه ، فى السمع والعقل. # واختلف العلماء فى دعاء الفاسق لنفسه بالمغفرة ، فمنهم من منع منه ، كما ~~منع ذلك فى الدعاء لغيره من الفساق والكفار. وعلل بأنهم كهم فى أن العلم قد ~~وقع من جهة السمع بأنه تعالى لا يغفر لهم ، فيقبح منه ذلك. ومنهم من قال : ~~إن ذلك يحسن منه فى نفسه ، وحمل فى قول الفاسق فى « التحيات لله ): السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين ، على هذا الوجه. وذكر أنه يستحسن ذلك أن ~~يقوله لنفسه ، ولا يستحسنه لغيره. وهذا هو الأولى. والعلة فيه : أنه لو عاين PageV01P728 # ما يفعل به من العقوبة ، لكان له أن يهرب منها إذا أمكنه ذلك ، ويحسن ذلك ~~منه ، فيحسن منه أيضا أن يدعو لنفسه بالمغفرة ، ولا يحسن منه أن يمنع من ~~نزول العقوبة بغيره فعلا ، فيجب أن لا يحسن منه ذلك فى المسألة والدعاء. # فإذا ثبتت هذه الجملة ، وصح أن الدعاء قد يحصل فيه من الانقطاع إلى الله ~~تعالى والرجوع إليه فى الأفعال ؛ لم يمنع أن يتعبد تعالى فى بعض الأشياء أن ~~ندعوه به وإن أخبر أنه لا يفعله ، ولا يمتنع أن يتعبد بأن ندعوه بأن لا ~~يفعل ما يعلم أنه يقبح فعله. وعلى هذا الوجه يجوز أن يتأول قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) على أن المراد به الدعاء بأن ~~لا يكلفهم ما لا يطيقون ، إلى غير ذلك. فيجب فيما جرى هذا المجرى أن يكون ~~موقوفا على التقييد. # ولهذه الجملة قلنا : إنه ms459 يحسن من الإنسان أن يدعو ويسأل العافية والصحة ~~والغنى والأموال ، ولا يحسن منه أن يسأله تعالى المحن والأمراض والفقر ، ~~وإن كنا نعلم أن هذه الأمور بمنزلة تلك ، فى أنه قد تكون ألطافا ، وقد تختص ~~بأنها مصلحة دون ما خالفها. # فإذا ثبت ذلك ، جاز أن نتعبد بأن نفزع إليه فى طلب الهداية والتوفيق ~~والعصمة. ولا يوجب ذلك ما ظنه كثير من الجهال من أن ذلك إنما يحسن من حيث ~~لا يبقى على الإنسان قدرة ، ومن حيث يتجدد له الألطاف حالا بعد حال. ولذلك ~~صح عندنا أن يتعبد من لا لطف له بهذه المسألة ، لأنه لا يعلم أنه لا لطف له ~~، فيحسن منه أن يفزع إلى الله تعالى فى طلبه ، فإن كان لو علم ذلك ؛ كان لا ~~يمتنع أن يتعبد بما فيه ، من الانقطاع إليه تعالى ومن اللطف. # وهذه الجملة كافية فى بيان ما ذكرناه. وإذا تأملتها عرفت ما ذكرناه فى ~~زيادة الهدى وإزالة الإلجاء ، ونحو ما ذكرناه فى الألطاف. ويبين ذلك أن ما نقوله PageV01P729 # من أن العبد ممكن من الطاعة والمعصية ، وأنهما يحدثان من قبله ، لا يمنع ~~من إضافة [ الطاعة ] إليه تعالى ، لأنها إنما تتم منا بسائر الوجوه التى ~~قدمت ذكرها ، ولولاها لم تتم ، فغير ممتنع أن يضيفها تعالى إلى نفسه ، ~~ويضيفها العبد إليه. # ويبين ما ذكرناه أن المعاصى ينبغى أن لا تضاف إليه تعالى ، على وجه. وذلك ~~لأن سائر ما معه تحسن الإضافة وتصح ، معدوم فيها ، بل قد اختصت بوجوه تقطع ~~الإضافة ، من حيث منعنا من فعلها بالزجر والوعيد والنهى والتخويف ، إلى غير ~~ذلك من الألطاف التى بعث العبد بها إلى أن لا يفعلها. ويوجب كل ذلك أن ~~العبد اذا عوقب ووبخ على المعاصى ، فإنه يستحق ذلك ، لأنه أتى من قبل نفسه ~~، من حيث أزاح تعالى سائر علله فى أن لا يفعلها ، وسهل له السبيل إلى ذلك ، ~~ولم يدع أمرا لو فعله لم يكن يختار المعصية إلا وقد فعله ، ولا فعل أمرا لو ~~لم يفعله لاختار المعصية ، إلا ولم يفعله ms460 ، فإنما أتى من قبل نفسه من كل ~~وجه ، وإن كان طاعته لم تتم من قبل نفسه بكل وجه. # فلهذه الجملة : جعلنا القديم تعالى منعما بالطاعة ؛ لأنه من الوجوه التى ~~بيناها صارت الطاعة كأنها من قبله تعالى ، ولم نجعله بما فعله من المعصية سببا. ### || 902 مسألة فى مقارنة اللطف والمفسدة # اعلم أن القدرة وسائر ما به وعنده يصح منه الفعل ، ولولاه كان يتعذر فى ~~باب التمكين ، فلا يجوز أن « يعد اللطف من (1)، لأن اللطف هو عبارة عما ~~يغير دواعى الإنسان واختياره ، فلا بد من أن يكون التمكين من الفعل قد تقدم ، PageV01P730 # حتى يصح اللطف فيه. ولذلك قلنا إن من قال فى قدرة الإيمان : إنها لطف ، ~~فقد أخطأ فى المعنى والعبارة ، لأن اللطف : ما يجوز عنده الفعل والترك ، ~~ولا يعقل منه فى الشاهد إلا ذلك ، لأن القائل إذا قال : لقد لطفت لفلان فى ~~أكل طعامى ، لم يعقل من ذلك إلا أنه فعل ما عنده يختار الأكل على الترك ، ~~مع صحة الأمرين ، ولذلك يقال : إنى لطفت للغلام فيما لحقه من الوجع بالضرب ~~، إذا كان [ ذلك ] مما يجب كونه. # فإذا صح ذلك ، وجب أن يكون سائر أنواع التمكين حاصلا فى المكلف حتى يصح ~~اللطف عليه ، ثم يلطف له فى الوجوه التى بيناها ، ويجنب وجوه المفاسد التى ~~قدمنا ذكرها. ولذلك قلنا : إن ابتداء التكليف لا يكون لطفا ، لأن معه يصح ~~التمكين. وجوزنا فى تكليف زيد أن يكون لطفا لعمرو ، وفى تكليف بعض الأفعال ~~أن يكون لطفا فى غيره. فعلى هذا الوجه يجب أن يعتبر هذا الباب. ### || 903 مسألة فيما يكون لطفا من الأدلة (1). # اعلم أنه تعالى إذا علم أن عند دليل مخصوص ، يختار المكلف ما يختاره ، ~~ولولاه كان لا يختار ، وإن كانت الأدلة قد تقدمت ، فإن تلك الأدلة توصف ~~بأنها لطف له. [ و] على هذا الوجه قلنا فى كثير من المعجزات : إنها ألطاف ~~لمن المعلوم من حاله ما ذكرناه ، لكنه لا يعد لطفا له إلا إذا كان متمكنا ~~من معرفة صدقه ، عليه السلام ، بغير تلك ms461 الدلالة ، لكنه يعلم من حاله أنه ~~يعرض عن ذلك ، فلا يستدل بها ويستدل بهذه ، فتكون لطفا له ، على ما بيناه. ~~فإن كانت الأمور التى كلف العبد ما هذا حاله سوى المعجزات ، فيجب أن يقال ~~فيه بمثل هذا القول ، لكن هذا الوجه إنما يصح فى الأمر الذى يعتوره الأدلة. ~~فأما إذا PageV01P731 # لم يكن فيه إلا دليل واحد ، فإنه لا يصح هذا الوجه فيه. وهذا الباب انما ~~يكون لطفا فى المعارف فقط ؛ لأن الغرض بالأدلة الوصول بها إلى المعارف دون ~~سائر الأفعال ، وان كنا لا نعد أن يكون لطفا فى نظر سواه ، وفى غيرهما من ~~الأفعال أيضا. # واعلم أن فى زيادات الأدلة ما يجوز أن يكون لطفا لمن قد استدل ، دون من ~~لم يستدل. ولا يعرف ، من حيث يعلم من حاله أن تأثيره إنما يكون فيه دون ~~المعرض عن الأدلة. وهذا بمنزلة ما عرفناه من حال العالم العارف ، أنه يتمكن ~~من أن يعرف عند ذلك من الشبه وحلها ، والأسئلة وجوابها ، وما يكون مؤكدا ~~لدلالته التى استدل بها ، ما لا يجوز أن يعرفه غيره. وعند ذلك متى فكر فيما ~~ذكرناه ، زاده ذلك بصيرة وانشرح به صدره ؛ من حيث ثبت فى المعلوم أن بعضها ~~يتعلق ببعض ، ولذلك نجد هذا العالم المرن أعلم بالمسألة الواحدة من غيره ، ~~وإن كان ذلك الغير قد عرفها ، من حيث قد علم هذا من سائر ما يتصل بها ~~ويتعلق علمها به ، ما لا يعرفه ذلك. وهذا ظاهر. # فإذا صحت هذه الجملة ، لم يمتنع أن يخص تعالى المؤمن المهتدى بهذا الوجه ~~من اللطف ؛ لأنه لا يصح كونه لطفا إلا [ له ] دون غيره. ولا يوجب ذلك أن ~~يكون تعالى مانعا غيره من التمكن أو فعل ما كلف. # واعلم أنه قد يدخل فى هذا الباب ما يورده تعالى على المكلف من الخواطر ~~والتنبيه ؛ لأنه يجوز أن يعلم أن ذلك مما يختار عنده النظر والمعرفة وسائر ~~ما كلف ، ولولاه كان لا يختاره وإن كان متمكنا. فمتى كان هذا حاله وجب أن ~~ينبهه بالخواطر وسائر ms462 وجوه التنبيه. وربما كان حدوث السهو والتشاغل مفسدة ~~له ، فيجب فى الحكمة أن يجنبه عز وجل. PageV01P732 # فأما ما يرد على المكلف فى أوقات نومه مما يراه فى النوم ويجوز فيه أن ~~يكون لطفا ، فإنما يجوز ذلك فيه ، من حيث يعلم من حاله أن عند الانتباه متى ~~يذكره ، دعاه إلى الخير والطاعة ، فيصير التذكير لطفا له ، لكنه لما يتم ~~إلا بخطور ذلك بقلبه عند النوم ، وجب فى الحكمة أن يفعل. # وقد يدخل فى هذا الباب أن يعلم من حال بعض الملائكة أنه إذا نبه الإنسان ~~وأخطر بباله الشيء ، اختار ما كلف ، ولولاه كان لا يختاره ، فيجب فى الحكمة ~~أن يكلف الملك ذلك التنبيه ، أو يقال : إنه مصلحة له ، أو لمن أخطره بباله. ~~كما نقوله فى بعثة الأنبياء. ولا يمتنع فى الخاطر أن يكون صلاحا إذا كان من ~~قبله تعالى ، وأن يكون فيه ما لا يكون لطفا إلا إذا كان من قبل الملك. ~~وكذلك فى دعاء الإنسان غيره إلى النظر والأفعال ، لأن ذلك قد يجوز أن يكون ~~لطفا. فمن كان حاله هذا وجب أن يكلفه تعالى. # ومتى كان لطفا للمدعو إلى ذلك ، وجب أن يكلفه ، فإن علم أنه لا يفعله ، ~~قبح تكليف المدعو ؛ لفقد الأمر الذى هو لطف له. # واعلم أنه قد يدخل فى هذا الباب ما أعلمناه تعالى من أحوال الآخرة ، نحو ~~الحساب والمساءلة والميزان ، ونحو توكيله الحفظة بالعبد ليكتبوا أعماله ، ~~ونحو إنطاق اللسان والجوارح ، إلى غير ذلك. # واللطف فى هذا الباب عندنا : هو معرفة المكلف بأن ذلك سيكون ، أو تمكنه ~~من معرفته ؛ لأنه تعالى إذا علم ذلك من حاله ، فلا بد من أن يعرفه ويدله ، ~~على ما بيناه. # واعلم أنه قد يدخل فى هذا الباب ذكر الأدلة وتكرير ذكرها ، لأنه عند ذلك ~~إذا سمعه المكلف يكون أقرب إلى فعل ما كلف. فمن علم ذلك من PageV01P733 # حاله ، فلا بد من أن يلطف له بذلك. فقد يكون هذا الوجه من فعله تعالى ~~وفعل غيره. فأما فعله تعالى فنحو ما كرره تعالى من ms463 ذكر الأدلة فى كتابه ، ~~ونحو ما ذكره من المعجزات. # وأما ما يكون من فعل غيره ، فنحو ما كان يكرره ، عليه السلام ، من وجوه ~~البيان حالا بعد حال. ولا يمتنع ذلك فيما يفعله أحدنا فى بعض الأحوال. قد ~~يجوز أن يكون ما يكرره القارئ لكتاب الله تعالى ، والدارس لكتب العلماء ، ~~لطفا فى هذا الباب ، على نحو ما ذكرناه. # فأما الوعيد فإنه من الله تعالى لطف للمكلف ، وكذلك تكراره فى كتاب الله ~~تعالى ، وكذلك القول فى سائر ما فى الكتاب من ذكر توبيخ العبد ولومه ~~وتبكيته ، على الوجوه الحاصلة فى القرآن ، فإن ذلك لطف ومصلحة ، وربما يكون ~~لطفا للمؤمن فقط ، وربما يكون لطفا لكل مكلف يسمعه. # وقد يدخل فى ذلك أن تكون مشافهة الرسول بذكر الأدلة لطفا ، وانتهاء ذلك ~~إليه بالخبر لا يكون لطفا ، فمن هذا حاله يجب فى الحكمة أن يبعث إليه نبيا ~~مشافهة ، ويسمع ذكر الأدلة والشرائع منه. فأما من يكون المعلوم من حاله بأن ~~معرفته بهذه الأمور تكفى فى اللطف ، فلا يجب أن يكون مشاهدا للرسول ~~عليه السلام ، بل يكون حاله وهو غائب عنه أو موجود بعد موته ، كحاله وهو ~~حاضر ، فى الوجه الذى بيناه. # وقد يدخل فى هذا الباب أن التفكر فيما يستدل به أولا والتذكر لأحواله ، ~~قد يكون لطفا فى الثبات على المعرفة وترك الاقلاع عنها ، فعند ذلك لا بد من ~~أن يكون المعلوم من حاله أن يتفكر فى ذلك. وإن لم يكن كذلك فلا بد من أن PageV01P734 # يخطر بباله ما يدعوه إلى الفكر ، ويبعثه عليه ، وإلا قبح أن يكلفه فى ~~المستقبل!. # وقد يدخل فى هذا الباب أن يكون إنزاله الكتب وتكريره الأدلة لطفا فى ثبات ~~المكلف على ما كلف ، وإن كان ابتداء المعرفة قد يفعلها من دونه ، فلا بد ~~عند ذلك من أن يكرر تعالى الأدلة بنصبها ويزيح العلة فيها. # وقد بينا من قبل الوجه الذى له يكون الختم والطبع ، إلى ما شاكله ، لطفا ~~للعبد فلا وجه لإعادته. ولا يمتنع فى كثير مما لم نذكره أن ms464 يكون لطفا ، وإن ~~كان الذى أوردناه يأتى على جمله. ### || 904 مسألة فى التوفيق والعصمة (1) # اعلم أن اللطف إذا صادف وجوده اختيار المكلف للطاعة ، وصف بأنه توفيق ، ~~لأنها وافقته فى الوجود والوقوع على وجه لولاه لم تحصل هذه الموافقة ، ~~فلهذه العلة يوصف بأنه توفيق. وخص بذلك ما يقع لأجله الخير دون الشر ؛ لا ~~من حيث اللغة ، ولكن للاصطلاح. ### |||| ** وأما العصمة : فعبارة عن الأمر الذى عنده لا يفعل المكلف القبيح على وجه لولاه لاختاره ، ~~فيوصف بأنه عصمة ، من حيث امتنع عنده ولأجله ، واستعمل ذلك فى الشر دون ~~الخير ، لا من حيث اللغة ، ولكن للاصطلاح. # وكلا الوجهين يوصف بأنه لطف ، فينقسم عندنا فيما هو لطف فيه إلى PageV01P735 # القسمين الذين ذكرناهما ، ولذلك لا نصفه بأنه توفيق إلا عند وقوع الطاعة ~~، ولا بأنه عصمة إلا عند مجانبة المعصية. وقد نصفه قبل ذلك بأنه لطف. # واختلف شيخانا ، رحمهما الله ، فكان أبو على يقول : إن اللطف إنما يتقدم ~~الطاعة وقتا واحدا ، وعند أبى هاشم ، رحمه الله ، يجوز أن يتقدم بالأوقات ~~الكثيرة ، ما لم يبلغ الحد الذى يسهو عنه ولا يعرف حاله. وهذا هو الأولى ؛ ~~لأن الغرض أن يعرفه فيدعوه إلى الطاعة. وهذا المعنى قد يحصل بتقدمه الأوقات ~~الكثيرة ، كما يحصل متى تقدم وقتا واحدا ، لكنه إذا كان المعلوم أنه متى ~~تقدم وقتا واحدا كفى فى كونه لطفا ، فتقدمه الأوقات الكثيرة لا يحسن إلا ~~بأن يختص بزيادة فى اللطف ، لأنه تعالى ممن لا يخشى الفوت ، فيحسن منه أن ~~تقدم ، كما يحسن منا تقديم ما يحتاج إليه قبل وقته. وقد يجوز أن يكون فيه ~~ما لا يكون لطفا إلا إذا تقدم الأوقات الكثيرة ، ويتكرر عمله به ومشاهدته ~~له. فإذا كان كذلك ، فلا بد من تقديمه هذه الأوقات. فعلى هذا يجب أن يعتبر ~~هذا الباب. ### || 905 مسألة فيما يجرى على المكلفين من الأسماء والأوصاف للأمور التى قدمناها. # اعلم أن العبد لا شبهة فى أنه يوصف من القدرة بأنه قادر قوى مستطيع ، ومن ~~سائر وجوه التمكين بأنه متمكن لأجله ، ولأجل العلم ms465 والعقل بأنه عاقل عالم. ~~فأما من حيث بين له ودل فإنه يوصف بأنه مدلول ، وبأنه مبين له. يوصف من حيث ~~لطف له بأنه ملطوف له. وكذلك من التوفيق والعصمة يوصف بأنه موفق معصوم. ~~ويوصف من الصلاح بأنه صالح ، متى كان مفعولا به ، ومتى PageV01P736 # كان معرضا له قيل له : مستصلح ، ولا يقال فيه إنه صالح. ولا شبهة فى أنه ~~يوصف بأنه ملطوف له ومستصلح ، وإن كان كافرا ذاهبا عن الطريقة. # فأما وصفه بأنه موفق ، فعلى جهة الإطلاق لا يستعمل إلا فى المطيع المجانب ~~للكبائر. وكذلك وصفه بأنه معصوم. وكذا وصفه بأنه صالح ، وإلا أن يقيد وألا ~~يستعمل ذلك فى كل مكلف فيقال إنه موفق فى كيت وكيت ، فيخص بالذكر فعل دون ~~فعل ، فإنما كان كذلك لأنه قد ثبت فى هذه الأسماء أنها جارية على طريقة ~~المدح ، فلا يجوز أن تستعمل فى أهل الذم ، كما لا يجوز أن يوصف العبد بأنه ~~مؤمن فاضل بر تقى إلا إذا كان من أهل المدح. ولا يوصف قبل اختياره الطاعة ~~بأنه موفق ؛ لما بيناه فى حد التوفيق ، وإن وصف بأنه ملطوف له ، إذا تقدم ~~اللطف. وكذلك فقبل إخلاله بالمعصية لا يوصف بأنه معصوم ، وإن وصف بأنه ~~ملطوف له. فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى القول فى هذا الباب. # * * * # تم الكتاب بحمد الله ومنه # فرغ من نساخته ضحى يوم الاثنين فى شهر صفر من شهور سنة ثمان عشر وستمائة ~~، بالهجرة المنصورية ، هجرة مولانا أمير المؤمنين ؛ عبد الله بن حمزة (1) # (م متشابة القرآن) PageV01P737 # ابن سليمان بن رسول الله الذى هو مقبور بها ، وصلى الله على رسوله سيدنا ~~محمد النبى وآله ، وسلم تسليما كثيرا. # وعورض على نسخة ذكر ناسخها أنه نسخها وفرغ منها يوم الأحد لست خلون من ~~شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. قال : وهو إبراهيم بن حيدر بن ~~عبد الجبار البصرى. وهى نسخة القاضى شمس الدين (1) رحمة الله عليه. PageV01P738 ms466