######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009789 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضى عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، أبو الحسين المعتزلي (المتوفى: 415هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 415 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تثبيت دلائل النبوة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السيرة والشمائل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009789 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9789 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9789 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المصطفى - شبرا- القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | PageV01P003 # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله، الحمد لله الذي من على عباده بإرسال ~~رسله، وختمهم بسيدهم محمد صلى الله وعليهم اجمعين، فأرسله بالهدى ودين ~~الحق، «ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » . # هذا كتاب «تثبيت دلائل نبوة نبينا محمد» رسول الله صلوات الله عليه ~~وسلامه، والادلة على معجزاته وظهور آياته، والرد على من انكر ذلك. ### | باب [البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف] # فنبدأ من ذلك بما في القرآن، وبما يجرى مجراه مما يعلمه من سمع اخباره، ~~كالعلم بالقرآن، فقد علم كل من اخباره صلى الله عليه وسلم انه ظهر بمكة، ~~فأكفر اليهود وبرىء منهم، والنصارى والروم وبرىء منهم، والفرس والمجوس ~~وبرىء منهم، والهند وبرىء منهم، وقومه من قريش والعرب وبرىء منهم، وعاب ~~آلهتهم، وأكفر اسلافهم، وضلل اديانهم، وفرق PageV01P005 # آلافهم، وقال لهم: الله ارسلني واصطفاني من العالمين، وجعلني حجة على كل ~~من بلغته دعوتي من الاولين والآخرين، وجعلني خاتم النبيين وآخر المرسلين، ~~وإن ديني يظهر على الاديان كلها، وان كلمتي وكلمة اتباعي تعلو، وإنهم هم ~~الغالبون القاهرون المالكون. # وهو اذ ذاك فقير وحيد، اجير معيل، قد اغضبهم وغاظهم بهذه الدعوة، ~~وألبسهم الذل مع وحدته، وبالغ في إسخاطهم، فنهوه وزجروه، بعد ان عاتبوه ~~وعذلوه؛ ثم توعدوه بالاستئصال والبوار، بعد ان رغبوه. فغلبهم على امره، ~~وقال: إني قد قلت لربي حين ارسلني: إني ان قلت هذا لقريش رضخوا رأسي، فقال ~~لي: قل، وبلغهم، فسيغضبهم ذلك، وسيبعثون مكروههم عليك، وسيتحزبون ويجلبون ~~ في عداوتك، ويجمعون العساكر لحربك، فأعصمك منهم، وأبعث جنودا لك منهم ~~ومن غيرهم، فتكون العقبى لك، فقال هذا وما هو اشد منه. # يعلم ذلك كل من سمع اخباره ممن صدقه او كذبه، وهو لا يعتصم بمخلوق، ولا ~~يصوب ملكا من ملوك عصره، ولا يلوذ بأحد من البشر. # بل قد رماهم كلهم عن قوس واحدة بالعداوة، وأسخطهم اجمعين، وبعثهم بهذا ~~الصنيع على عداوته. ثم ما رضي ان يجعل ذلك قولا ثم صفحا، بل ms001 خلده ودونه، ~~وجعله كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، يسمعه عدوه وقال: ربي قال لي، وربي وربكم ~~اوحى به الي، فقال: «وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس » وقال: «يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل PageV01P006 # إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس » . # فانهم زادوا غيظا عليه، وصاروا هم واليهود والنصارى والفرس والمجوس ~~يدا واحدة في عداوته، وطلب نفسه، والحرص على قتله، وهم اشد الناس حقدا ~~وأنفة وجبرية وطلبا بطائله، لا يقارون من عاب خيولهم وجمالهم فكيف بمن ~~عاب آلهتهم وآباءهم وعقولهم وضلل اديانهم، فعصمه الله منهم وهو رجل فريد ~~بينهم، وهو في مثوبة الموت، وخندق الخوف، وذل اليتم، ووحشة الوحدة، لا ~~يعتصم منهم بمخلوق، فصرفهم الله عنه وهذه حاله، فلو لم يكن من آياته ودلائل ~~نبوته الا هذا لكفى وأغنى وزاد على الكفاية، لأنه إخبار بغيوب كثيرة، لأنه ~~قال لجميع قريش ولجميع العرب ولجميع اليهود ولجميع النصارى ولكل واحد منهم: ~~لا تقتلونني، مع ما قد جاءهم به مما قد غاظهم وأغضبهم، وهو في هذا القول ~~كالباعث لهم على نفسه، وكالحامل لهم على مكروهه وهو يذكرهم بذلك، فسلم منهم ~~مع هذه الأحوال، فهذا باب كاف شاف. ### | باب آخر [سلامته صلى الله عليه وسلم مع حرصهم على إيذائه] # وهذا مقام لا يقومه عاقل إلا ان يكون على غاية الثقة بالله عز وجل ~~والسكون الى وعد الله لأنه لو لم يكن كذلك لم تلبث ان تغضب أمم PageV01P007 # العرب والعجم لأديانهم، ويأنفوا لأنفسهم وآلهتهم، فيستأصلونه ويصطلمونه ~~ ويقتلونه ويمحون أثره. فلما سلم مع الحرص على قتله، وآلت الامور الى ما ~~قال، علمت وتيقنت أنه من قبل الله، لأن مثله في هذا مثل من قال اني أخوض ~~هذه النار المضرمة فلا تحرقني، او كمن قال: أتردى من شاهق على الأسنة وانا ~~عريان فلا تنفذ في، او كمن قال: أدخل من هذه السباع الضارية الجائعة التي ~~قد أغضبتها وقتلت اولادها وهي حريصة على افتراسي ومحتاجة الى قتلي والراحة ~~مني فأسلم منها ولا تقتلني، ms002 فهذا باب شاف. ### | وباب آخر [وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة] # وهو ما كان وعد وقال وهو في وحدته، إني سأصير في جماعات وعساكر فكان كما ~~قال وأخبر، لأنه حين دعاهم أنكروا قوله وأكفروه وتلقوه بالرد والتكذيب، ثم ~~ما زال والنفر بعد النفر يجيبونه، حتى صار في عساكر، فاعتقدوا بصدقه ~~ونبوته، وصاررا له جندا مطيعين، وحزبا متفقين، ينفقون أموالهم ويسفكون ~~دماءهم في طاعته، ويفرون من آبائهم ويقتلون أبناءهم ويفارقون أوطانهم لأجله ~~وامتثالا لأوامره، وأزكى الأعمال عندهم ما أرضاه بلا دنيا بسطها فيهم، ولا ~~اموال دفعها اليهم، ولا لرئاسة كانت له عليهم، بل كان يتيما فقيرا وحيدا ~~معيلا محتاجا. # ثم جاءهم مجيئا ما جاء نبي قبله في مثل حاله، فان موسى صلى الله عليه ~~وسلم أتى قومه من بني إسرائيل، وهم أولاد الأنبياء، قد اعتقدوا الربوبية ~~وعرفوا PageV01P008 # الطريق اليها واعتقدوا النبوة وعرفوا الأنبياء قبل موسى، كادم ونوح، ثم ~~الى ابراهيم واسحق ويعقوب والأسباط، وألفوا عبادة الله، واعتقدوا المعاد ~~وعرفوه. ثم جاءهم في ذل وأسر وقهر في أيدي الجبابرة من القبط والفراعنة، ~~يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، ويمنعونهم الصنائع الشريفة والاحتراف، ~~ويقصرونهم على ضرب اللبن وقطع الأحطاب والاعمال الشاقة المؤلمة، فجاءهم ~~موسى بما يعتقدون من الربوبية والنبوة، ثم أخرجهم من الذل الى العز، ومن ~~الشقاء الى الرفاهية والدعة، ومن الفقر الى الغنى. # ثم جاءهم من بعد موسى من الأنبياء بما جاءهم به موسى، الى أن انتهت ~~النبوة الى المسيح عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأتى بني اسرائيل بسنن ~~موسى، وشرائع التوراة. # فقدم هو والأنبياء قبله على أمر ممهد مألوف معروف، وعلى قوم قد ألفوا ~~وعرفوا، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم قوما لا يعرفون الربوبية، ويعبدون ~~الأصنام، وينكرون البعث والمعاد أشد الإنكار، لا يعرفون نبوة ولا طهارة ولا ~~صلاة ولا صياما ولا زكاة، أشد الناس نخوة وجبرية وأنفة، قاة جفاة، معاشهم ~~من شن الغارات، يسفكون دماءهم ويئدون ذريتهم فرارا من العار. # ودعاهم صلى الله عليه وسلم الى الربوبية، ms003 والى الاقرار بالنبوة والبعث ~~والقيامة، وأخذهم بالصدق والوفاء وأداء الأمانة والخضوع للحق، وبالطهارة ~~والصلاة والصيام والاعتكاف والزكاة، وصلات الأرحام، وقطع السارق، وجلد ~~القاذف والزاني وشارب الخمر، ومساواة الموالي والفقراء والأعاجم والضعفاء ~~في الدماء، وأخذهم بالبراءة من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ومن PageV01P009 # آبائهم ومن أديانهم، وبالإقرار بضلالهم، والتدين بالبراءة منهم، وببذل ~~دمائهم وأموالهم في طاعته، وبمجاهدة الأمم ومعاداة الجبابرة والملوك في ~~طاعته ، فأخذهم بكل شدة، وأخرجهم من الراحة الى الكد ومن المسالمة الى ~~العداوة، وألزمهم ما لم يكونوا ألفوا ولا عاهدوا، وألزمهم الكلف والمؤن، ~~فأجابوه بهذه الشرائط، فكان مجيئه على الوجوه التي قدمنا ذكرها من آياته ~~ودلائل نبوته صلى الله عليه، ولم نجعل طاعة اصحابه له وتصديق القوم له ~~ومصيره في عساكر وجماعات من دلائل نبوتة إلا لأنه اخبر قبل ذلك ان هذا ~~سيكون فكان كما اخبر وكما قال على تلك الوجوه التي شرحناها وبيناها. لأنه ~~دعاهم الى امور وشرائط ظاهر التدبير وموجب الرأي واقتضاء الحزم ألا يجيبوه ~~ولا يتبعوه إلا ان يكون من قبل الله، وواثقا بوعد الله، فان سبيله في ذلك ~~سبيل من قال: هذه النملة الضعيفة تهزم هذه العساكر المعدة، او هذه الزجاجة ~~الرقيقة ترض هذه الجبال الصلبة الشديدة، لأنه قد كان في الضعف PageV01P010 # والوحدة على ما قد علمه الناس، ثم دعاهم الى ما يكرهون، وأخذهم بكل شدة، ~~وفرض عليهم الامور الغليظة الصعبة على ما تقدم من شرح ذلك، فعلمت وتيقنت ~~أنه نور الله ومن قبل الله. # فإن قيل: أو ليس قد اباحهم الغنائم، فما تنكرون ان تكون اجابتهم له لهذه ~~العلة؟ قيل له: هذا لا يسأل عنه من يعقل ولا من يفكر لأن القوم قد اعتقدوا ~~صدقه ونبوته فكانت إجابتهم له لهذا وعلى هذا القربى الى الله عن رضى بذلك، ~~فمن ادعى غير هذا فقد أنكر المعلوم، او يكون لم يسمع الاخبار. فهم إنما ~~أجابوه على ان ينفقوا أموالهم ويسفكوا دماءهم ويقتلوا آباءهم وأبناءهم في ~~طاعته ولأجله، فكيف يسوغ لعاقل فكر وتدبر ان يقول إنما ms004 اجابوه طلبا للدنيا ~~ورغبة في الراحة والدعة والأمر بالضد من ذلك. وبعد فان لم يكن تبعوه ~~إلا للغارة وللغنائم لكانوا يقولون له: حاجتنا اليك في الغارة والغنائم ~~ونحن أعلم بها منك، وهي صناعتنا نحن وعادتنا، وما الذي يدعونا الى اتباعك ~~وما معك وما تبعك إلا ان تبعثنا على الغارة والغنائم؟ أمن أجل سعة أموالك ~~وكثرة كنوزك ومروج خيولك واصطبلات دولك؟ أم لخزائن سلاحك. ومن أخذنا بأن ~~نكفر آباءنا ونشهد بضلالهم ونسخف أجلاءهم، ونسوء اختيارهم، ونعادي الأمم ~~وجبابرة الملوك، ونسفك دماءنا في طاعتك، ونقتل كل من عاداك وخالفك وإن ~~كانوا آباءنا وأبناءنا أو إخواننا، ونفارق اوطاننا وأزواجنا، ونهجر اللذات ~~من شرب الخمور ولبس الحرير وشفاء الغيظ بقتل من سبنا أو عاب آباءنا ~~كعاداتنا في ذلك، ثم لا نحصل إلا على شيء اذا غنمناه بقوتنا وغلبنا عليه ~~بأسيافنا بعد المخاطرة بدمائنا PageV01P011 # أن نسلمه إليك فتعطينا بعضه، هذا لا يختاره بله النساء فكيف بالمهاجرين ~~والانصار الذين أجابوه فصار بهم في عز ومنعة، وصبروا على تلك الشرائط التي ~~شرطها. # وبعد فإن لم يكن نبيا فهم لا يدرون هل يصل الى غنيمة؟ ولعله لا يتم له ~~شيء مما يعد، فما كانوا ليتبعوه لما يظنه الخصم، ولولا أن هذا قد كان في ~~أهل الذمة وطبقات الزنادقة، وتعدوا الى قوم زعموا أنهم من المسلمين لما ~~ذكرناه، ولكنه شيء يستزلون به المسلمين الذين لا ينظرون فيما هذا سبيله، ~~ويغترون بالظاهر. # هؤلاء الذين ادعوا أنهم من المسلمين، وأنهم من خاصة الخاصة ، وممن قد ~~عرف ما لا يعرفه غيره، وأن للأمور غوامض وبواطن قد عرفها، فيعتقد من يسمعه ~~في المهاجرين والأنصار الغافلة والبله وقلة العقل، ومن تدبر، يعلم أنهم ~~أوفر عالم الله عقولا، وأحسنهم تحصيلا، وأسرعهم استدراكا لخفيات الامور ~~وغوامضها، لا فرق بين من رمى المهاجرين والأنصار بذلك، وبين من رمى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فإن آثار عقول المهاجرين والانصار معروفة في ~~أفعالهم، وتدبيرهم الدنيا، وسياسة أهلها، وترتيب خواصهم وعوامهم، وأخذها من ~~أيدي دهاة الملوك وعقلاء الناس، ms005 وتفصيل ذلك يطول. # فإن قيل: ومن سلم لكم عقل صاحبكم حتى تقولوا إن من دفعنا عن عقول ~~المهاجرين والانصار كمن دفعنا عن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~PageV01P012 # قيل له: إن أعداءه لا يدفعونه عن ذلك، فإنهم قالوا: ما جمع المهاجرين ~~والانصار وهو فقير وحيد أجير معيل وقد دعاهم الى ما قدمنا وعلى الشرائط ~~التي ذكرنا إلا بعقل وافر، وحلم واسع، وبلطف في التدبير، وحسن تأت وعلم ~~بالعواقب، وسعة في الفطن، وهذا قول عدوه فيه. # فأما وليه فيقول: هذا لا يبلغه عاقل بعقله، ولو كان أتم الناس عقلا، ~~وأوسعهم علما وحلما، وأكثرهم مالا، ولا يكون هذا على تلك الشرائط إلا ~~بتدبير الله عز وجل، الذي يملك العقول، ويقلب القلوب، وبوحي منه عز وجل. # فإن زعم الأعداء أن الذي تم له كان مع قلة العقل وبالعجز فيه والخبط فقد ~~خرجوا من كل معقول، وتبرؤوا من كل تمييز ومحصول، وجعلوا أنفسهم ضحكة وأحلوا ~~بها المكاره، وأعطوا خصمهم اكثر مما طلب، وشهدوا بأن الله قد نقض له ~~العادات اكثر مما نقضها لأحد من الناس كلهم ممن ادعى النبوة والحكمة وغيرهم ~~لأنهم زعموا أنه تم له ما تم بتلك الشرائط وعلى تلك بعقل ضعيف وخلق سخيف ~~وبالذهاب عن الحزم والحلم ومع طول الغافلة، فاذا تبين عقله لمن تفكر من ~~عدوه، علم أن عقول المهاجرين والانصار مثل عقله أو قريب منه، وكذا عقول ~~قريش ثم العرب؛ فإن العقلاء والحكماء يقولون: الأمم العاقلة هم: # العرب والفرس والهند والروم، ثم قالوا: أعقل الاربع العرب والفرس، ثم ~~اختلفوا أيهما أعقل وأحكم وأفطن، الفرس أم العرب؟ وخاضوا في ذلك، وذكروا ما ~~لكل أمة من وصية وحكمة، وتدبير وسياسة، وهذا ما لا يدفعه العاقل المتفكر ~~المتدبر. # فإذا كان عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرفه عدوه ووليه، فمن هذا ~~عقله PageV01P013 # لا يأتي تلك الامم ويستقبلها بتلك المكاره التي فصلنا وحاله في الوحدة ما ~~ذكرنا ثم يقول: لا تقتلونني مع حرصهم على قتله، ويقول: # ستصيرون أنصاري مع شدة ms006 ما دعوتكم إليه وهو غير واثق بما قال، ولا ساكن ~~الى ما أخبر، ثم لا يرضى او يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، ويجعله في ~~يد عدوه فيقول: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق» . # يريد بالآفاق: ظهور الاسلام عليها، وبلوغ دعوته إليها، لأنه قد كان وعد ~~بذلك وهو بمكة، وحين ادعى النبوة، فكانوا يقولون: أيطمع محمد أن يظهر على ~~الآفاق؟ لا، ولا على مكة، ولا على دار من دور مكة؛ «وفي أنفسهم» يريد: في ~~اسلام من يسلم منهم بعد الرد والتكذيب ومن يقيم على تكذيبه ويموت على شركه ~~على ما لعله ان يرد تفصيله عليك. # وفي هذا المعنى قوله عز وجل: «خلق الإنسان من عجل، سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون» لأنه صلى الله عليه وسلم كان اذا ذكر ظهور دينه، وغلبة ~~اصحابه، وقتلهم لأعدائه، استبعدوا هذا بل أحالوه، وقطعوا الشهادة بأن هذا ~~لا يكون أبدا، فيقول في جواب ذلك: «خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون» . # وفي هذا المعنى قوله عز وجل: «فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين» يعني هؤلاء: مثل أبي جهل، وأبي لهب، PageV01P014 # وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشباههم ~~وأمثالهم من اعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعزى الله نبيه، وبشره ~~بقوم يطيعونه ويتبعونه، فيسر له المهاجرين والأنصار كما وعده. # وقد أذكره بإنجاز هذا الوعد ووقوع الوفاء به، فقال عز وجل: # «وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين. ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم» لأن اجتماع المهاجرين والأنصار له، واعتقادهم ~~نبوته، وإخلاصهم في طاعته على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، وعلى الوجوه ~~التي قرر دعوته عليها لا يكون ولا يتم باتفاق جميع ما في الارض، ولا يكون ~~ذلك إلا بتدبير الله وصنعه، وهو من آياته التي نقض العادات بها. # ومثله قوله: واذكروا نعمت ms007 الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون » وهم قد كانوا عقلاء قد عرفوا هذا ~~ ، ولا يجوز في العقل ان يقول رئيس قوم لأتباعه: قد كنتم اعداء يعادي ~~بعضكم بعضا ثم صرتم اخوانا يخلص بعضكم لبعض المودة وبي هداكم الله وجمعكم ~~PageV01P015 # وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذبهم؛ هذا في رئيس لا يدعي النبوة فكيف بمن ~~يدعي الصدق والنبوة؟ وهذا قول قد سمعه عدو النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى وقريش والعرب، وأخرسهم صدقه، وبهر عقولهم تمامه والوفاء ~~به، لأنهم اجتمعوا له بتلك الشرائط التي قد تقدمت، وهو بخلاف اجتماع ~~الاتباع لخطاب الملك وطلاب الدنيا. # فان قيل: أفليس علي بن عبد الله ابن العباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وابنه محمد وبنو محمد، كإبراهيم الامام وإخوته، كأبي ~~العباس، وأبي جعفر، وغيرهما، قد كانوا مقهورين ومغلوبين ببني امية، فدعوا ~~الى انفسهم بخراسان فأجيبوا، وصاروا في عساكر وجماعات، فغلبوا بني امية على ~~الملك، وقتلوهم وأخذوا كل ما في ايديهم الا بلاد الاندلس من ارض المغرب، ~~فلم لا يكون سبيل نبيكم وغلبته هذه السبيل؟ وإلا فقد لزمكم ان تقولوا بنبوة ~~بني العباس كما قلتم بنبوة صاحبكم. # قيل له: قد فرغنا من هذا مرة وتبينا الجواب فيه، وهو أنا لم نقل بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنه صارت له رئاسة وصار متبوعا وصارت له عساكر، ~~ولكن لأنه أخبر بالأمور قبل كونها على غير مجرى العادة، بل على ما هو نقض ~~للعادات، لأنه أتى الناس وهو وحيد فقير أجير، فأغضبهم وغاظهم وجادلهم ~~وعادوه، وأخبر أنهم سيغلبون، وأنه يغلبهم ويقهرهم، وقالوا: بل نحن نغلبك ~~وندبرك، وكان موجب التدبير ومقتضى الحزم أن تكون الغلبة لهم لا له، إلا أن ~~يكون من قبل الله ورسولا لله، لأنهم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يد ~~واحدة في عداوته والقصد PageV01P016 # لقتله وإطفاء نوره ولمنع اتباعه، والرجال ms008 والكراع والسلاح مع عدوه لا ~~معه، فالت الأمور الى ما قاله، وكما أخبر، وعلى ما فسر. # ولم تكن هذه سبيل بني العباس؛ فإنهم ما ادعوا نبوة ولا رسالة، ولا أتوا ~~مثل ما أتى من الإخبار بالغيوب. # وأخرى ان بني العباس قصدوا، المسلمين من اهل خراسان، الذين قد اعتقدوا ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فتدينوا باقامة شريعته وحد حدوده، بانكار ما ~~أنكره وباكرام من اكرمه، وإجلال من اجله، وباهانة من ارتكب الكبائر فشكوا ~~اليهم ما نزل ببني هاشم خاصة ثم بالمسلمين عامة من بني أمية. وبنو هاشم اذ ~~ذاك كلمة واحدة، ما اختلفوا ولا تباينوا. فكان ولد العباس وولد علي وولد ~~جعفر وولد عقيل وسائر بني هاشم متفقين، وانما اختلفوا بعد مصير الدولة ~~والملك الى بني العباس أيام أبي جعفر المنصور، فجرى بينه وبين بني عمه من ~~ولد الحسن ما هو معروف، فحينئذ اختلفوا، فذكر بنو هاشم لأهل خراسان ما صنعه ~~بسر بن أرطاة بعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وانه قصده وهو عامل امير ~~المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه، فهرب من يده، ووجد له ابنين طفلين ~~فقتلهما وقتل جماعة من اصحابه . وأذكروهم بقتل حجر بن عدي PageV01P017 # وأصحابه ، وبكربلاء ومن قتل من بني هاشم بها، وبقتل مسلم بن عقيل ~~، وبالحرة ، وبعسكر التوابين من اهل عين الوردة، وبما أنزلوه ~~بالكعبة في قتال آل الزبير ، ثم بمن قتلوه من القراء او الفقهاء الذين ~~ثاروا مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث في الانكار على الحجاج وعبد ~~الملك بن مروان، وبقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد ، وبصنيع PageV01P018 # الوليد بن يزيد بن عبد الملك وما اتى من شرب الخمور والمجاهرة بذلك. # فأثار بنو العباس ودعاتهم اهل خراسان بذلك، فقدم بنو العباس على امر ممهد ~~وجند مجند، وعلى قوم مسلمين قد صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضوا ~~بما رضي رسول الله، وغضبوا مما يغضب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فبنو العباس الى رسول الله نحوا، وبأمته ms009 والمصدقين به استجاروا، فالذي تم ~~لهم فبرسول الله صلى الله عليه وسلم تم، وبظله تفيئوا، وبه تستروا، وهذه ~~سبيل كل من ادعى بعده صلى الله عليه وسلم الامامة من بني هاشم ومن جميع ~~قريش او ادعى انه من قريش. # وكلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم تشبثوا، وبه تستروا واستعاذوا ~~ولاذوا، ولأجله تم لهم ما تم. وأنت تجد ذلك في واحد واحد منهم في مشارق ~~الارض ومغاربها، وتعرف الحق منهم من المبطل، والدعي من الصريح، فأين هذا من ~~دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبيلها ما قدمنا وشرحنا. # فإن قيل: أو ليس مع ادعائه النبوة قد حمل السيف على من خالفه، وحارب بمن ~~أطاعه من عصاه، فما تنكرون ان يكون الذي تم له من اوله الى آخره انما تم ~~بالسيف وبالمكابرة، لا بالآيات والمعجزات؟ # قيل له: ما انكرنا انه حمل السيف، وانما كلامنا في الذين صاروا سيوفا له ~~وعساكر وبهم استطال على عدوه، فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف كما ~~قد قدمنا وبينا، وبمصيرهم الى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما ~~خلق قوما حملوا السلاح معه، وانما أجابه المهاجرون PageV01P019 # والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار ~~آبائهم على ما شرحنا وبينا، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا، فمكث بمكة ~~بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو الى دينه، فيجيبه النفر بعد النفر على ~~خوف شديد، وقد تجردت قريش وغيرهم من اعدائه له صلى الله عليه وسلم ولمن ~~اتبعه وأطاعه، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد، ويمنعونهم الأقوات، ~~ويتعاهدون على ان لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم، وقد كتبوا في ذلك ~~الصحف ، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء وكانوا يرصدون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولدعاته إذا خرج الى الموسم لدعاء الناس وإظهار ما ~~معه وتلاوة القرآن، فيقولون للعرب: هذا منا وقد صبأ وهو ساحر كذاب، فلا ~~تطيعوه ولا تسمعوا لما معه، فنحن اعلم به، وقد سفه احلامنا، وضلل ادياننا، ms010 ~~واكفر آباءنا، وفرق آلافنا، وأفسد أحداثنا وعبيدنا ونساءنا. # ثم كان هو صلى الله عليه وسلم يرجم ويضرب الضرب المبرح، ويداس ويطرح على ~~رأسه الفرث والتراب ويلقى من المكاره هو ومن اتبعه ما يطول شرحه . فلم ~~يكن لأصحابه مع شرفهم وشرف أهلهم قرار، ولا أمكنهم المقام للشدائد التي ~~تنالهم، حتى فروا بأديانهم في الأمصار والبلدان حتى عبروا البحار وصاروا ~~الى ارض الحبشة ، فتعرف قريش أخبارهم PageV01P020 # والى أين توجهوا، فترسل في طلبهم وتغري بهم وتنفر عنهم وتنفق في ذلك ~~الاموال. فأرسلوا الى النجاشي ملك الحبشة وهو اذ ذاك نصراني بمن ينفره عن ~~المسلمين الذين فروا بأديانهم الى ارض الحبشة، وحملت اليه قريش هدايا ~~ولاطفوه، وقالوا له: إن هؤلاء قوم منا، وقد اتبعوا رجلا منا فأفسدهم، وهو ~~عدونا وعدو النصارى، وهو يقول في المسيح: أنه عبد مخلوق، فسلموهم الينا. # وكان هناك عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجعفر بن أبي طالب ومعه أسماء ابنة عميس، وخالد بن سعيد بن أبي ~~أحيمة، والزبير بن العوام ، وعمار بن ياسر ، وأبو حذيفة بن عتبة ~~ ، ونحو مائة من وجوه المهاجرين، وكانت لهم مع رسول قريش الى النجاشي ~~مجالس وخصومات طويلة، فصارت العقبى للمسلمين، وقامت حجتهم، وعرفها النجاشي ~~ملك الحبشة فأسلم واستبصر . # وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على اهل المواسم اذا ~~اجتمعت قبائل العرب، وخرج الى الطائف يدعو الى الله ويقول: أنا رسول ~~الله PageV01P021 # فمن يجيرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وقريش تتبعه وتمنع من اتباعه. وقد عرض ~~نفسه على القبائل ، ومعه ابو بكر الصديق وعلي بن ابي طالب، وعمه ابو ~~لهب يقول لتلك القبائل: نحن أهله وأعلم به فلا تسمعوا منه ولا تقبلوا قوله، ~~فتلقى تلك القبائل رسول الله بالجفاء، ويقولون له: قومك أعلم بك، ولو كان ~~عندك خير لا تبعوك، فأمسك عنا، الى ان انتهى الى ربيعة والى ذهل بن شيبان، ~~فكلمهم وتلا عليهم القرآن، فقالوا: إنا على هذا الماء من ذي قار، وقد اخذ ms011 ~~علينا كسرى ألا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وهذا الذي أتيت به ودعوت اليه ~~تكرهه الملوك، فإن شئت ان نجيرك إلا من الملوك فعلنا، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن هذا الدين لا يكون من اهله إلا ~~من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن أظهركم الله عليهم، وأورثكم ارضهم ~~وديارهم واموالهم وأفرشكم نساءهم أتطيعونه وتعبدونه حق عبادته؟ فتعجبوا من ~~قوله ومن إقدامه على ان ملك كسرى يزول بدعوته ويصير ملكه لأصحابه، استبعادا ~~لذلك، واستعظاما لملك كسرى ان يزول بجبابرة الملوك الأقوياء الاغنياء، فكيف ~~يزول بهذا الوحيد الفقير؟ ثم يقولون هذا عاقل، ولم يكن ليقول هذا ويعرض ~~نفسه للملوك إلا وهو على ثقة، ثم انصرف عنهم وما اجابوه. # وما زال يدعو ويعرض نفسه في المواسم اذا اجتمعت العرب، الى ان لقيته ~~الانصار ، فسمعت منه وأجابوه واسلموا، وخرجوا الى المدينة PageV01P022 # ودعوا الى الاسلام، ثم عاد قوم آخرون في سنة اخرى وبايعوه وهو مقيم بمكة، ~~ثم عادوا في سنة ثالثة مع آخرين فبايعوه ورجعوا الى المدينة، وظهر الاسلام ~~بها. # والانصار رضي الله عنهم انما هم قبيلتان عظيمتان من قبائل اليمن، ذو بأس ~~وشدة وأموال، وذو شوكة شديدة وعدد وعدة، قد ترددوا اليه، وسمعوا دعوته ~~واحتجاجه، فأجابوه على البراءة من اديانهم التي كانوا عليها، ومن آبائهم، ~~وعلى ان يبذلوا اموالهم ودماءهم، وعلى معاداة ملوك العرب والعجم في طاعته ~~وله ولأجله. # وكم قد اسلم وأجاب على هذه السبيل من قبائل العرب، كقبيلة اسلم، وكقبيلة ~~غفار، وهما من قبائل خزاعة وكنانة ، وكالذين اسلموا من عبد القيس ~~وهم من فرسان ربيعة ورجالهم، ومن قبائل فزارة ، ومن قبائل جهينة، على ~~هذه السبيل. وكم اسلم من اهل اليمن من ملوكها من حمير وغيرهم، الى من اسلم ~~من ملوك عمان من ولد الجلندي بن كركر PageV01P023 # وكم قد اسلم من العجم والانباط بصنعاء الذين كانوا جنود كسرى، واخرجهم مع ~~سيف بن ذي يزن لينتصروا له من ملوك الحبشة الذين قتلوا اباه. ولعل قصتهم ان ~~ترد ms012 عليك بأكثر من هذا الشرح. # فالذين اجابوه صلى الله عليه وسلم وبهذه الشرائط وبلا حرب خلق كثير، وامم ~~عظيمة هي مذكورة، يعرفها اهل العلم، ومن اراد ان يعرف ذلك حتى يصير في مثل ~~حالهم قدر على ذلك ووجد السبيل اليه. فهؤلاء الذين اسلموا لله ومن خوف ~~وتقربا الى الله، وهم عساكره. # ولما نشأت بدعة الخارجية وهي اول بدعة نشأت في الاسلام، ثم بعدها ~~وبعد دهر طويل نشأت بدعة الارجاء ، ثم بعدها بدهر طويل نشأت بدعة القدر ~~ ، وبعد بدعة القدر بدهر طويل نشأت بدعة الرفض . فكان العلماء ~~يقولون: لا تسبوا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فانهم اسلموا من خوف الله ~~وأسلم الناس من خوف اسيافهم. PageV01P024 # وفاض الاسلام بالمدينة وفي هذه القبائل، وأقيمت فيها الصلاة، وأديت ~~الزكاة، وأقيمت الجماعات والجمعة، وأقرىء القرآن، وصارت المدينة دار ~~الهجرة؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة محصور في الشعب يؤذى ~~ويقصد بأنواع المكاره هو ومن اتبعه، الى ان هاجر الى المدينة ومعه ابو بكر ~~الصديق الهجرة المعروفة. # فهؤلاء الذين اجابوا بلا حرب، وقبل الحرب احتججنا، وهو موضع دلالتنا في ~~هذه الآية التي اخبر وهو في تلك الحال انكم ستجيبونني، وإن كانت لنا في ~~الحروب والمحاربين دلائل اخرى لعلنا نذكرها لك في كتابك هذا ان شاء الله. # فإن قيل: أو ليس قد كان يدافع عنه عمه ابو طالب وإن كان على غير دينه، ~~ويشفع الى قريش فيه، ويعاتبهم في بابه، ويذكرهم بصدقه وأمانته وقد كان صلى ~~الله عليه وسلم معروفا فيهم قبل الرسالة بمحمد الامين، ويسألهم الكف عنه ~~وعن اذيته. وقد نصره ابو بكر الصديق وصدقه وكاشف في بابه، وأنفق ماله ~~في نوائب الاسلام وفي عتق المعذبين في الله واتبعه من اهل مكة جماعة. ~~وأسلم عمر قبل الهجرة وكاشف، وقال: لا نعبد الله سرا، فكيف ادعيتم له ~~الوحدة وعليه الغلبة وهو بمكة؟ # قيل له: قد علمنا انه حين دعا كان وحده والناس كلهم على خلافه، وليس في ~~اجابة هؤلاء ومدافعة ابي طالب طعن فيما ms013 استدللنا، بل هو من الدلائل على ~~ما قال صلى الله عليه قبل ان يجاب انه يستجاب وينصر، ثم مع PageV01P025 # نصرة هؤلاء وإجابتهم له صلى الله عليه وسلم ومدافعة ابي طالب، ما خرجوا ~~ولا هو خرج من ان يكون ويكونوا بمكة مقهورين مغلوبين، حتى فروا من عدوهم ~~بأديانهم. # فإن قيل: فاذا كان الله قد وعد هؤلاء الانبياء بزعمك بالنصر والظهور فلم ~~يفرون من اعدائهم؟ فقد فر موسى من فرعون ببني اسرائيل ليلا وخفية ومنع من ~~إبقاد النيران لئلا يراها فرعون وجنوده فيستدلوا بها عليهم ومعه الآيات ~~والمعجزات، وفر عيسى من مكان الى مكان بزعمكم وزعم النصارى، فانها تقول في ~~اخبارها وأناجيلها ان يوسف النجار فر بعيسى وأمه الى مصر من بيت المقدس ~~خوفا من هيريدس ملك بني اسرائيل، فأقاموا بها اثني عشر سنة ومعه بزعمكم ~~وزعم النصارى الآيات والمعجزات، وفر صاحبكم من قريش وأقام بالغار ومعه ابو ~~بكر ثلاثة ايام ومعه كما زعمتم الآيات والمعجزات. # قلنا: ليس في فرارهم طعن في اعلامهم، وما قالوا لا يفر ولا يتوقى فيكون ~~في فرارهم تكذيب، فإن كل شيء وعدوا به وقالوه قبل ان يكون قد كان وتم على ~~ما قالوه وشرطوه قبل ان يكون، وليس في فرارهم ايضا مقاربة لعدوهم ولا ~~مداهنة، بل انما احتاجوا الى الفرار لترك المداهنة والمقاربة، ولشدة ~~المكاشفة لعدوهم، والمبالغة في اسخاطه وإرغامه، ولو قاربوا العدو واتقوه ~~لما احتاجوا الى الفرار. # فاحفظ هذا فانك محتاج اليه، فإن قوما زعموا انهم اتباع الانبياء من ~~المسلمين، اجازوا على انبياء الله وعلى من هو حجة الله على خلقه المداهنة ~~PageV01P026 # والمقاربة للمشركين ولأعداء الدين، وأن الانبياء يمدحون المشركين ويزكون ~~اعداء الدين ويظهرون ذلك، ويذمون المؤمنين ويتبرؤون من الأنبياء والمرسلين ~~خوفا من المشركين، ويزعمون ان حجتهم في ذلك فرار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستتاره في الغار ثلاثة ايام . وقد بينا انه لا حجة لهم في ذلك، ~~بل هو الحجة عليهم، وأن الذي اخرج الانبياء الى الفرار شدة المكاشفة، وترك ~~المقاربة، وقائل هذا لا ms014 يثق بأفعال الأنبياء وأقوالهم، ولا بتزكية من زكوه، ~~ولا بلعن من لعنوه، لأنهم قد قالوا انه قد يجوز ان يكون ظاهر الانبياء ~~بخلاف اسرارهم وضمائرهم، وأيضا فان الأنبياء لا يجوز ان يكون ظاهرهم بخلاف ~~باطنهم وإن خافوا وإن قتلوا، وهذا اصل كبير فاعرفه. # فإن قيل: ادعيتم ان اعداء نبيكم من قريش والعرب واليهود والنصارى حرضوا ~~على قتله وهو بمكة، وهو في تلك الحال من الوحدة والذلة وضعف الاتباع، فمن ~~اعطاكم هذا، ومن سلمه لكم؟ # قيل له: ان من سمع اخباره واخبار القوم معه يعلم ذلك، علما لا يرتاب به، ~~كما يعلم انهم قد كذبوه وعادوه واغضبهم ما اتاه وشرعه ودعا اليه، ولا فرق ~~بين من قال: انهم ما حرضوا على قتله، وبين من قال: ولا كذبوه ولا عابوه ولا ~~برئوا منه، ولا انكروا شيئا اتى، ولا خالفوه، وادعى انه هو ايضا ما خالفهم، ~~ولا عاب اديانهم وآلهتهم، ولا ادعى النبوة، ولا خالفهم في البعث والنشر. # وقد حرضوا ايضا على ذلك وهو بالمدينة، واعداؤه فيها معه من العرب ~~PageV01P027 # واليهود والنصارى وهم كثير ونزول بالمدينة وحولها في آطامهم وحصونهم ~~محدقون بها كالإكليل، وقد غدروا به، وارسلت قريش اليهم في ذلك، ودست غير ~~واحد، وكان من عامر بن الطفيل وأزيد في الاحوال التي كان يكون فيها وحده ~~فيصرفهم الله عنه بألوان الصرف، كما صرف ابا جهل وعقبة بن ابي معيط والذين ~~كانوا بمكة، كما هو مذكور. وكم دسوا له السم في الطعام فصرفه الله عنه، وقد ~~راموه منه في طول حياته، وقد كان معهم وهو بالمدينة في التبذل والتفرد ~~والتطرح اكثر زمانه، على مثل حاله وهو بمكة. وانما كان يكون في جماعة في ~~اسفاره وفي حروبه، فأما بيوته وحجرات نسائه فمن جريد النخل، وقد علم اهل ~~العقل والتحصيل الفتك بجبابرة الملوك في حصونهم وقصورهم وهم وراء الابواب ~~الحديد، وقد تحرزوا بصنائعهم المشاركين لهم في نعمهم بعبيدهم، كصنيع شيرويه ~~بكسرى ابرويز ، وقبله من ملوك فارس من كانت هذه سبيله. وكما جرى على ~~المتوكل من ms015 المنتصر، ثم على ولده، الى ما جرى من الفتك بمحمد بن المعتضد ~~المسمى بالقاهر بالله، الى المتقي، والى المستكفي، والى ما جرى بالإحساء ~~على ذكيره الاصفهاني من جنوده واعوانه سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في ~~جوف داره واحصن قصوره، وحوله وفي حجرته ومعه ممن له نوبة في حراسته وحفظه ~~من الرجال المتسلحين اكثر من الفين، فقتل وحده من بينهم، ورفع رأسه. ~~PageV01P028 # وليس في هؤلاء من أغضب الناس إغضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من ~~ادعى دعواه، ولا من أذكر عدوه بعداوته وأيقظه وبعثه على قتله وخرج إليه ~~بذات نفسه وما يريد ان يعمله، مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانه ~~أتاهم على الوجه الذي ذكرنا في الوحدة والفقر ورماهم بتلك العداوة، ثم قال: # ولا تقتلوني، بل أنا أقتلكم وأسبيكم وأستبيح حصونكم، فكان كما قال. # فإن قيل: ومن سلم لكم أن المهاجرين والانصار كانوا يعتقدون نبوته وصدقه، ~~سيما وفي اهل ملتكم اليوم من طوائف الشيعة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان ~~وتلك الجماعات والمهاجرين والانصار ما آمنوا به قط، ولا اعتقدوا صدقه ولا ~~تعظيمه ولا إجلاله ولا توقيره، وما كانوا إلا زائرين عليه، معتقدين ~~تكذيبه وافتعاله واحتياله، وانما كان اتباعهم له هزآ به، واغتيالا له، ~~وسخرية منه، وإرصادا لزلالنه وإفساد امره، ولإبطال تدبيره، ولمغالبته على ~~الرئاسة، وأنهم ما أقاموا له وزنا قط. وانما كان الذين يعتقدون ما ادعيتم ~~فيه نفرا يسيرا، كانوا مغلوبين مقهورين بهذه الجماعات من المهاجرين ~~والأنصار، وأنهم خرجوا من الدنيا على حال القهر والغلبة من هؤلاء ~~المهاجرين والأنصار، ومعهم بذلك روايات وأقوال ونصوص يدعون انها من صاحبكم، ~~وتصنيفات قد ملأت الدنيا. # قيل له: إنا ما قلنا في أبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجلة والوجوه من ~~المهاجرين والانصار انهم قد اعتقدوا تبرئته وصدقه، لمجامعة من ادعيت من ~~الشيعة لنا، وانما قلنا ذلك بالتأمل لأحوالهم وبالاستنباط الذي قد ذكرنا ~~PageV01P029 # لك، فلن يقدح ذلك في علومنا، ولن يوحشنا خلاف من خالفنا كائنا من كان من ~~خلق الله، ms016 وقد شرحنا كيف كانت دعوته وعلى اي شرط كان إجابة القوم له؛ وقد ~~علمنا قبل العلم بنبوته وصدقه انه صلى الله عليه وسلم قد كان يحب أبا بكر ~~وعمر وعثمان، وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار يحبونه، ويواليهم ~~ويوالونه، وأنهم كانوا ثقاته وبطانته وأمناءه على نفسه ودينة وأهله، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان أحب اليهم من اهلهم وآبائهم وأنفسهم؛ كما قد علمنا ~~ان أبا جهل وأبا لهب، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن ~~الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، وابن العيطلة، وأمية بن خلف، وأبي بن خلف، ~~وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأولئك الملأ من قريش، كانوا اعداءه، ~~وكذلك الملأ من اليهود، وكبني قريظة، والنضير، وكبني القعقاع، وكخيبر، وتلك ~~القبائل من ثقيف، وغيرها من العرب، كانوا اعداءه وكان عدوا لهم يبغضهم ~~ويبغضونه، ويعتقدون كذبه، وأنه مبطل، ولا فرق بين من ادعى في ابي بكر وعمر ~~وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والانصار انهم ما اعتقدوا نبوته، وبين ~~من ادعى فيمن ذكرنا من قريش والعرب واليهود والنصارى انهم ما اعتقدوا ~~بغضاءه ولا كذبه؛ ومن انتهى الى هذا فقد بلغ الغاية في الجهل، ولا فرق بين ~~ادعى هذا على هؤلاء من المهاجرين والانصار، ومن ادعى ان الروم والفرس ~~والهند الذين كانوا في زمانه وزمان نبوته ما اعتقدوا تكذيبه وإن كان قد ظهر ~~منهم ما قد ظهر. # فإن قيل: فكيف صدت طوائف الشيع عن هذا؟ # قيل له: هذا إنما يعرف بالتأمل والتدبر وإن كان يسيرا، فمن لم يتأمل ولم ~~يتدبر ولم يستنبط يذهب ذلك عليه؛ ومما يزيدك علما بذلك، وأن باطن هذه ~~الجماعة من المهاجرين والانصار كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم، PageV01P030 # وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، ~~أنهم قد بقوا بعده وملكوا الأمر واستولوا عليه، وامتدت أيديهم الى ملوك ~~الدنيا وممالكها، فجازوها وأنفقوها في إعزاز دينه وتأكيد شريعته، وزهد وافي ~~المباح المطلق، وحموا نفوسهم وأبناءهم منه، وأدخلوا الأمم من الفرس والروم ~~والهند وغيرهم في دينه، ms017 وفرضوا عليهم تصديقه وإجلاله، ومن أبى القبول جعلوا ~~دمه له، وأوطئوا أعداءه وشانئيه الذل والسيف في مشارق الارض ومغاربها. # وقدم رحمك الله زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أزهد الناس ~~فيما تناحر الناس عليه وتطاعنوا فيه وتفانوا لأجله. فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم ملك من أقصى اليمن الى بحر عمان الى أقصى الحجاز الى عرار العراق، ~~واستولى على جزيرة العرب وكانت مقسومة بين خمسة ملوك، لكل واحد منهم شأن ~~عظيم. # هاداه غير واحد من الملوك، وجبى ذلك كله فبذله، وحمى نفسه منه وأهله، ~~وخير أزواجه على ارادة الله ورسوله والدار الآخرة، وعلى أن من أراد الحياة ~~الدنيا وزينتها متعه وسرحه سراحا جميلا . # وكان صلى الله عليه وسلم مع هذا الملك العظيم أيبس الناس عيشا، وأخشنهم ~~لباسا. # واعتبر من ذلك ببرده الذي يلبسه خلفاؤنا من بعده وقيمته مقدار دانقين، ~~وبقدحه وخاتمه، وجميع ما صار عند خاصة أهله وعامة أنصاره. ثم توفى ولم يترك ~~عينا ولا دينارا ولا شيد قصرا ولا غرس شجرا ولا شق لنفسه نهرا ولا استنبط ~~لنفسه عينا ورغب لأهله وأصحابه في مثل ذلك. PageV01P031 # وملك بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه جميع ذلك، ونفذ فيه أمره، وامتدت ~~يده الى بني حنيفة وقوم مسيلمة، وغزا فارس، وافتتح الحيرة والقادسية وعين ~~التمر وصاروا ذمة له، وجباهم الأموال العظيمة. وافتح الشام وأوائلها ~~ونفذ أمره فيها، فكان حاله في الزهد تلك الحال التي كان عليها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وقام بعده عمر رضي الله عنه فحوى ذلك كله، وافتتح الى اقصى الشام وأخرج ~~ملوك الروم منها واعتصموا منه بالخلجان والجبال، وافتتح مصر والصعيد ~~الأعلى، وافتتح الجزيرة والعراق والسواد وفارس وكرمان وسجستان وكورة ~~الاهواز، وما سقته دجلة، وما سقته الفرات وما سقاه النيل، وحملت اليه ~~خزائن الملوك وذخائرهم، ومكث على ذلك عشر سنين ثم قبض وحاله في الزهد تلك ~~الحال. # ثم قام بعده عثمان رضي الله عنه، فحوى تلك الممالك كلها، وافتتح خراسان ~~عن اقصاها، وأخذ ملوكها ms018 وأصفهان من الجبال، وفي زمانه قتل المسلمون يزدجرد ~~بن شهريار ملك فارس، وافتتح اذربيجان، وافتتح ارمينية، وجرجان وطبرستان ~~وغير ذلك، واستولى على ملوكها وممالكها، وفتح المغرب وهي مسيرة سنين برا ~~وبحرا وطولا وعرضا، وافتتح من جزائر البحر عدة جزائر عظيمة تكون مسيرة شهر ~~طولا وعرضا، وجبى ذلك كله، ومكث على ذلك اثني عشر سنة، وكانت مدته اطول، ~~وامتدت يده، PageV01P032 # وملك وحوى اكثر مما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، ثم نفض يده من جميع ذلك وزهد فيه مع قدرته عليه وتمكنه منه ~~ونفوذ أمره فيه، وصار عند قوم عمر أزهد منه، لأنه رحمة الله عليه بر أقاربه ~~من مال وولاهم، ولم يفعل ذلك عمر، فكان زهده يصغر في جنب زهد عمر. # ثم قام بعده علي رضي الله عنه، فحوى جميع ما حواه الخلفاء قبله وجباه ~~ونفذ أمره فيه، إلا الشام، ومكث على ذلك نحو ست سنين، فنفض يده من جميعه ~~وزهد فيه. # ثم اعتبر بزهد عمال ابي بكر وعمر والخاصة من أعوانهما، كعتبة بن غزوان ~~ وأبي عبيدة ومعاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة وسعد بن ابي وقاص ~~ وعمار بن ياسر وبلال والنعمان بن PageV01P033 # مقرن واخوته، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم وشرح أحوالهم، وهو مذكور ~~في مواضعه، ولا يشك في زهد هؤلاء إلا من شك في زهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يبلغ ذلك إلا الجاهل القليل النظر البطيء التأمل. # فأما من نظر واعتبر وكان قصده التعرف والتبين، فان ذلك يفضي به الى العلم ~~بأنه ما صحب نبيا قط قوم أزهد ولا أردع ولا أعلم من هؤلاء قبل ان يرجع الى ~~قوله عز وجل: «كنتم خير أمة أخرجت للناس » . فلو كان غرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه الدنيا والملك لكانوا وإن ابتدأوا بذكر الزهد في ~~اول أمرهم إذا ملكوا وقدروا عليها قد ساروا فيها سيرة طلاب الدنيا وملوكها ~~وخطابها، وما لبثوا ان تظهر سرائرهم وضمائرهم عند القدرة. بهذا جرت العادة، ms019 ~~وهكذا أخرجت العبرة، فان من تخلق للناس وتصبر خوفا منهم واتقاء لهم ومداراة ~~لهم، اذا قدر وتمكن تغير وزال عما كان، وظهر مكنونه، فلما دام أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء واتصل على طريقة واحدة، علم العامل المتأمل ~~ان سريرتهم كعلانيتهم، وظاهرهم كباطنهم. # وقد رغب قوم منهم في المباح وفيما أحله الله لهم، ولا لوم عليهم ولا ~~تعنيف، وانما كان كلامنا فيمن زهد في المباح المطلق منهم، وقد ملك هؤلاء ما ~~لم يملك ابراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ومتى وعيسى، وإن ~~كان الأنبياء خيرا منهم. PageV01P034 # وانما ذكرنا هذا لأن اليهود والنصارى والمجوس وأعداء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقولون جهارا، بحضرة المسلمين وفي دواوين السلاطين، وفي المحافل ~~بحضرة الأمراء الأشراف: أما الاسلام فقد كفيناه ودفع بعضه بعضا، وقد كنا ~~نقول سرا بيننا في أصحاب محمد ونفسه أشياء تقولها اليوم الشيعة جهارا وتزيد ~~علينا فيه، من ان اصحاب هذا الرجل وأتباعه وأنصاره ما كانت لهم بصيرة في ~~أمره ولا يقين مع الصحبة وطول المشاهدة ولا أقاموا له وزنا، وانما طلبوا ~~الدنيا والنهب والفارة، وقد بينا فساد ذلك، وفيه من البيان اكثر من هذا، ~~وفيما ذكرناه كفاية. # فإن قيل: أفتستدلون على صحة دينكم بأن هؤلاء قد اعتقدوا بنبوة صاحبكم ~~وصدقه، وان ظاهرهم فيه كباطنهم، وهاهنا قوم من اليهود والنصارى والمجوس ~~والمنانية والهند هذه سبيلهم في أديانهم. # قيل له: ما ندفع هذا ولا نمنع منه، ولا نستدل على صحة الاسلام باعتقاد ~~المهاجرين والأنصار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه ونبوته وزهده ~~وزهدهم في الدنيا، وانما نعرف صحة الاسلام وانه دين الله بغير هذا. وانما ~~كان كلامنا على من ادعى ان هؤلاء ما اعتقدوا صدقه ولا نبوته، فبينا فساد ~~قولهم وبطلان اعتقادهم وانه جهل، ثم صرنا الى ذكر الدلائل والأعلام. ~~PageV01P035 # فمن ذلك أشياء نزل القرآن بها قبل كونها. # فمن ذلك قصة ابي لهب، وقد كان من المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والمجردين في مكروهه وطلب نفسه، ms020 وفي الصد عن اتباعه، فبشره الله بأن ذلك ~~لا يضره صلى الله عليه وسلم، ولا يغني عن ابي لهب فيما قصد ما كسب من جاه ~~ومال وأهل وولد وصداقة واخوان، وانه يخسر ذلك كله، وانه وامرأته يموتان على ~~الكفر به ويصيران الى النار. نزل ذلك بمكة وهما حيان سليمان، فكان ذلك كله ~~على ما قال وعلى ما أخبر وكما فصل وفسر. وهذه غيوب كثيرة لا يكون مثلها ~~بالاتفاق ولا بالحدس ولا بالزرق ، ولا يتفق لحذاق المنجمين أقل القليل ~~من هذا. ومن عجيب الأمور انها نزلت بمكة، وتلاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وسمعها ابو لهب وجميع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ~~والعرب وغيرهم وهم أعوان ابي لهب، فهاجهم هذا القول في عداوته، وزاد في ~~غيظهم وحنقهم، وأذكرهم بنفسه وهو معهم وفي أيديهم وفي قبضتهم، فما ضره، ولا ~~تم لهم أمر في الظفر بقتله، ولا على زلة يتبين فيها كذبه وسقوط قوله، وهذا ~~لا يقدم عليه العاقل إلا وهو على غاية الثقة بما يقول، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ممن لا يدفع عدوه عقله. ومنذ نزلت هذه السورة والى هذه الغاية ~~يحرص أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يجدوا في ذلك مطعنا فما وجدوا. ~~وقد رجع بعضهم الى بعض في ذلك وتشاوروا فيه، وتعاضدوا وتعاونوا، فكان عليه ~~ما انتهى اليه كيدهم أن قالوا: لما رأى عمه وامرأته قد صمما في تكذيبه ~~وعداوته قال ذلك فيهما. PageV01P036 # قيل لهم: قبل كل شيء قد تم ما قال على ما فسر وشرح، وحصل ذلك على وجه ~~انتقضت العادة به، وظنونكم هذه لن تقدح في هذا العلم، وهذا كاف في جوابكم. # ثم قيل لهم: قد صنع مثل صنيع ابي لهب خلق كثير فما قال هذا فيه، ومنهم من ~~أسلم. وايضا فلو قال في ابي لهب انه يسلم قبل اسلامه وأسلم لأمكن الخصم ان ~~يقول: ما في هذا دلالة، لأن الرجل عمه، وقد رأى اخوته حمزة والعباس وقد ~~أسلما، ms021 وقد أسلم ولد أخيه ابي طالب جعفر وعلي، فكيف لا يسلم هو ايضا؟ فهذا ~~كان أقرب وأظهر في الرأي والتدبير، فلم يقل ذلك وقال غيره وخلافه، لتعلم ان ~~هذا قول علام الغيوب وكلامه عز وجل. # وقالوا لو أسلم لكان له ان يقول: انما قلت انه سيصلى النار إن لم يسلم، ~~وإن أقام على الكفر، كما قال: «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة» ~~. # قيل له: قبل كل شيء قد تم ما قال وما وجد له خلف، وحصل على وجه انتقضت ~~العادة به كما بينا وقدمنا، وأخذت انت ايها الخصم تقول لو لم يكن هذا ويتم ~~بأي شيء كان يعتذر، وحصلت على تدبير ما لم يكن، وجهلت ايضا اللغة وموضع ~~العربية لأن قوله عز وجل: # «انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة» انما هو جزاء، وليس بخبر عن ~~احد انه سيفعل ذلك، وهذا كقول القائل: من سرق PageV01P037 # مالي قطعته، ليس بإخبار عن احد أنه سيسرق ما له، ويجوز ان لا يسرق ماله ~~أحد البتة مع هذا القول. # وقوله تبارك وتعالى في أبي لهب وامرأته انه: «ما أغنى عنه ماله وما كسب» ~~من تلك الأمور، وانه سيصلى وامرأته نارا ذات لهب، إخبار عن أمور ستكون ~~فكانت كما قال، كقوله عز وجل: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ~~وبئس المهاد» ، وكقوله: # «سيهزم الجمع ويولون الدبر » . وكقوله عز وجل فسينغضون إليك رؤسهم» ~~ . فهذا باب. ### | وباب آخر [استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول] # وهو أن قريشا والعرب لما أعيتهم الحيل في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كانوا يستروحون الى أدنى غم يناله صلى الله عليه وسلم، فمات ابنه ~~ابراهيم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ومات ابنه عبد الله، فسرت قريش بذلك، ~~وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد انبتر محمد، فأنزل الله عز وجل: «إنا أعطيناك ~~الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر» . # فانبترت ديانات قريش والعرب كلها وبطلت عن آخرها، ولم يبق على ذلك الدين ~~عين تطرف، ms022 وتم أمره صلى الله عليه وسلم وسطع نوره وعلا وقهر. PageV01P038 # وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون؛ ثم وردت على وجه يغيظ ويغضب ~~ويبعث على الوثوب به وعلى قتله وعلى إطفاء نوره، وقد حرضوا على ذلك فما تم. ~~وهذا قول لا يورده العاقل على الوجه الذي أورده رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا وهو على غاية الثقة بالله والسكون الى ما يوحيه اليه عز وجل، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا يدفع عدوه عقله، وكانت قريش تقول فيه ~~لمامات بنوه: محمد صنبور ، أي منقطع الأصل منبتر الذكر. # وقيل لأعرابي: كيف نخلك؟ فقال: صنبر أسفله وعشش أعلاه، أي ضعف أصله ~~وعشش أعلاه فبطل كله وزال الانتفاع به. # والكوثر هو على وزن فوعل، كنوفل وحوقل، وهو الكثير من الجميز خاصة. فيريد ~~عز وجل: إنا أعطيناك الكثير من التأييد والنصرة والحجة والعز والثواب ~~والأجر، وفيه دلالة على بطلان قول من قال: # إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والأنصار كانوا أعداء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشانئيه، وأنهم قصدوا تغيير القرآن، وتبديل ~~دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإماتة نصوصه، ودفع وصيته وخليفته، ~~ففعلوا ذلك وقهروا وغلبوا وكانت الغلبة لهم، وخليفة رسول الله هو المغلوب ~~المقهور، وهم الغالبون القاهرون، وان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووصيه ما تمكن الى ان خرج من الدنيا. # قلنا: فلو كان الأمر كما قلتم لكان هذا قد كذب وكان يكون: إن PageV01P039 # شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر، وأنت الأبتر، فلو أنصفوا وتدبروا ~~القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول. ### | وباب آخر [عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه] # وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبادته ~~وإطفاء نوره، وعلى التنفير منه والصد عنه والله تعالى يصرفهم بألطافه عنه ~~مشوا اليه، وهم: الوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث ~~بن كلدة، وأمية بن خلف، وعتبة بن خلف، ms023 والجماعة من قريش، قالوا: يا محمد، ~~انك قد سفهت أحلامنا، وكفرت أسلافنا، وعبت آلهتنا وأدياننا، وشتت كلمتنا، ~~وقطعت أرحامنا، فهلم الى أمر يكون بيننا وبينك، فتعبد أنت آلهتنا التي ~~نعبدها ونعبد إلهك، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك، ثم تعبد ما ~~عبدنا ونعبد ما عبدت؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه، وان كان معك خير ~~كنا قد أصبنا منه، وتكون كلمتنا سواء، وتسالمنا ونسالمك، وتكون لنا ونكون ~~لك؛ فأنزل الله تعالى: «قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم ~~دينكم ولي دين» فأخبر انه لا يصير ولا يجيب الى ما قالوا، ولا يقبلهم بهذا ~~الشرط، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين لله على الوجه الذي عبده، فكان كما ~~قال. # وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علام ~~الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا PageV01P040 # يدلك على خضوع قريش واليهود والنصارى وجميع اعداء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانقطاعهم في يده، وانه لا مطعن في آياته. ولهذا المعنى قال ~~الله: # «فلا تطع المكذبين، ودوا لو تدهن فيدهنون» ، أي لو قاربتهم وأجبتهم ~~الى ما دعوك لأجابوك، ولو داهنتهم لداهنوك. فتأمل قوله: # «قل يا أيها الكافرون» كيف يجبههم بالإكفار والتجهيل والتضليل، وهم أشد ~~عالم الله أنفة ونخوة وجبرية، ودفاعا عن انفسهم، ومواثبة لعدوهم، وهو بمكة ~~معهم وفي ايديهم وفي قبضتهم، والعزة والغلبة والكثرة لهم لا له، فهيجهم على ~~نفسه بهذا القول، وبعثهم على مكروهه، فنجاه الله منهم. # وهذا قول لا يقوله عاقل وحاله ما وصفنا إلا وهو على غاية الثقة بالله، ~~بدفعه عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا يدفع عدوه عقله، فمن أي ~~شيء تعجب رحمك الله؟ أمن إقدامه، أم من مصير الأمر الى قوله وحكمه. # فاعرف هذه القصة واحفظها فانها عظيمة جليلة، ولهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه ms024 وسلم: «من قرأ سورة «قل يا أيها الكافرون» فكأنما قرأ ثلث ~~القرآن» . وكان يقال في صدر الاسلام ل (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله ~~أحد) المقشقشتان ، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: ~~تشقشش الجرح. PageV01P041 # وقوم من الكتاب وعمال السلطان يعرفون ببني ابي البغل ، يدعون انهم من ~~المسلمين ومن الشيعة وهم يميلون ميل القرامطة، ويلزمون صنعة النجوم، ~~وبقاياهم بالبصرة في سكة قريش، ومنهم ابو محمد بن ابي البغل، وهذا خلقه ~~وصنعته، وهو حي الى هذه الغاية وهي سنة خمس وثمانين وثلثمائة، يقولون في ~~«قل يا أيها الكافرون» : هي من البوارد ومن الأشياء التي لا معنى لها، ~~ويتحدثون بذلك في دواوينهم ومحافلهم، ويضربون في ذلك الأمثال؛ وهذا لجهلهم ~~بالأسباب، ولو كان لهم تحصيل وتدبير وقصدوا الانصاف وطلبوا العلم من موارده ~~لعلموا ان هذا من معجزاته، ولكن العجب قد شغلهم، وهم يعدون انفسهم من ~~الخاصة وهم أسقط من سقاط الغوغاء، ولولا ان هذا شيء قد شاع في الكتاب ~~وأشباههم في جميع البلاد لما ذكرته لك، ولكنه شيء قد دار وصار اهل الذمة مع ~~القرامطة يلقون به العامة والضعفاء من المسلمين، وليس للاسلام قيم ولا ~~ناصر بل كل السيوف عليه، فالله المستعان. # وأخرى تبين لك جهل هؤلاء ونقضهم ونقض كل طاعن في القرآن، ان الذي جاء ~~بهذا القرآن ادعى انه كلام الله وقوله، وان الجن والإنس لا يأتون بمثله ولا ~~بمثل سورة منه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وانه حجة الله على خلقه الى يوم ~~القيامة؛ وقد سمعه الناس كلهم منه، وقد PageV01P042 # طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة الى ذلك، وقد ~~بذلوا ما هو أعز وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد. ~~واذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة، وفيه الكذب والتناقض على ما يدعي ~~هؤلاء، أعداء الاسلام، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه ~~له: تتحدانا بشيء ركيك بارد غث متناقض؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك؟ ms025 وكيف ~~يتبع ويطاع من هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه: يا ويحكم فارقتم ~~دينكم، وأنفقتم أموالكم، وسفكتم دماءكم، وعاديتم الأمم، واتبعتم رجلا حجته ~~هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع، بل يكون في ~~سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الاسواق ويقول: انا الملك، وانا ~~الأمير، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء، ويتعادى خلفه الصبيان؛ ومثل هذا لا ~~يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله، لأنه لا يضر احدا ولا يغضب ~~عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده. فلم غضب أولئك العقلاء من قريش ~~والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ~~ومن أفعاله، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصد عنه ~~والمنع من اتباعه، ورحلوا الى الملوك يشكونه ويضجون منه، ويبعثونهم على ~~قتله، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم؟ فقد رحلت قريش الى النجاشي ملك ~~الحبشة في هذا، ورحلت نصارى العرب الى قيصر ملك الروم في هذا، وقد صار ~~النضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما ~~هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع انه جواب لكل عدو لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فهو كاف. PageV01P043 ### | وباب آخر [وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم] # وهو ما وعد أصحابه من المهاجرين والأنصار والمكيين في حال ضعفهم ان الله ~~سينصرهم ويمكنهم ويقويهم ويظهرهم، فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر، وتكون العقبى لهم؛ وتلا بذلك القرآن وخلده ~~وأسمعه عدوه ووليه، فقال عز وجل: # «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. ولولا دفع الله الناس ... ~~» الى قوله: ولله عاقبة الأمور» ؛ فتمكن أصحابه وخلفاؤه، فأقاموا الصلاة، ~~وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وكانت العقبى لهم» . # وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون فكانت كما فصل وكما أخبر وفسر، ~~لتعلم ان هذا قول الله ms026 وكلامه، وان محمدا رسوله. # وهذا في سورة الحج وهي مكية، ولو كانت مدنية لكان فيها من الدلائل مثل ~~ذلك، ولكنها اذا كانت مكية كانت آكد في الحجة لأن ضعفهم إذ ذاك أشد، «الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق» ، ولقولهم: «ربنا الله» ، ولكفرهم بديانات ~~قريش والعرب هم المهاجرون PageV01P044 # خاصة. وفي هذه الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم، وشهادة بأنهم أئمة هدى، وأن طاعتهم طاعة الله، لأنهم من المهاجرين ~~والمكيين والتابعين ومن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق لقولهم: «ربنا ~~الله» ، وهم الذين تمكنوا وتولوا الأمر ودعوا الى الله وفعلوا ما قال الله، ~~كما هو مذكور في الآية. # ولو كانوا منافقين أو مشركين أو مرتدين كما تدعى ذلك عليهم طوائف الرافضة ~~لكان هذا الخبر قد أخلف وكذب، ولكان الذي أتى به وتلاه ليس بنبي بل كذاب، ~~لأن هؤلاء الذين تملكوا وتمكنوا وكان الأمر والسلطان والقهر والغلبة لهم؛ ~~فزعمت الرافضة انهم بدلوا القرآن وأحرقوه، وغيروا النصوص، وعطلوا الدين، ~~وغيروا الطهارة والأذان والمواقيت والصلاة والصيام والمناكح والطلاق، ~~وأماتوا السنن، وأحيوا البدع؛ وكان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووصيه مغلوبا مقهورا يظهر ما يظهرون من الشرك، ويجوز أحكامهم عليهم، ~~فأين صدق هذه الآيات. # وقد كان ينبغي أن يكون على ما يدعيه الرافضة أن تكون التلاوة: # «والذين إن مكناهم في الأرض عطلوا الصلاة والزكاة وأماتوا النصوص وقهروا ~~الوصي المنصوص عليه، وأمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف» فتعلم أن هؤلاء قد ~~ذهبوا عن القرآن وفارقوا الدين، وتعلم ان هؤلاء السلف على الحق، وان الله ~~تولى نصرهم كما وعدهم، والله لا ينصر إلا أولياءه وأحباءه وأهل طاعته. وقد ~~كان المهاجرون يحتجون بهذا. # قال صعصعة بن صوحان - وقد كان رحل الى عثمان في شأن قوم كانوا ~~PageV01P045 # قد أساؤا فسيرهم وحالهم معروفة-: ما رأيت أسرع جوابا من امير المؤمنين ~~عثمان، قلنا له: أخرجنا من ديارنا أن قلنا ربنا الله، فقال: # كذبت ليست لك ولأصحابك ولكنها نزلت فينا معشر المهاجرين، أخرجنا من ~~ديارنا ان ms027 قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة، ومنا من مات بالمدينة، ~~فنصرنا الله ومكننا، وأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا ~~عن المنكر، وكانت العقبى لنا. وهذا لا يذهب على متأمل وإنما ذهب على اهل ~~الغافلة. ### | باب آخر [اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى] # وهو انه صلى الله عليه وسلم أسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام الى ~~المسجد الأقصى ثم عاد من ليلته الى مكة، ومدة السفر في ذلك مقدار شهرين اي ~~ذهابا وإيابا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء في زمن الأنبياء. ولما عاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث بذلك في أهله، فقالت له ام هانىء بنت ~~ابي طالب: لا تتحدث بهذا، فو الله لا صدقك الناس، وليكفرن بك من آمن بك، ~~وليكذبنك من صدقك. فقال صلى الله عليه وسلم: ان ربي أمرني ان أخبر الناس ~~بذلك وان ابا بكر يصدقني ويشهد لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرهم هذا، ~~وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي ~~قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر PageV01P046 # ثقيل الوطأة على قريش وأعداء رسول الله، فانه كان يدعو الى نبوته، ويخطب ~~باياته، وكان وجيها في الناس، عالما بقريش، باين الفضل فيهم، فكانوا ~~يقصدونه بالمكاره لهذه الخصال التي كانت تضرهم. وقد استدعى خيارهم ووجوههم ~~الى الاسلام، وأنفق ماله في نوائب الاسلام ونصرته، وكانوا يطلبون شيئا يصده ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من اتباعه. فأتوه وقالوا له: يا ~~ابا بكر، ما زال صاحبك حتى أتى بكذبة خرج بها من أقطارها. قال ابو بكر: ~~حاشاه، وما هو؟ قالوا: زعم انه أسري به في ليلة الى بيت المقدس. فقال ابو ~~بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق. # قالوا: يا ابا بكر، أتصدقه في هذا والعير تطرد في ذهابها شهرا وفي رجوعها ~~شهرا، أيبلغه في ليلة واحدة؟ قال ابو بكر: انه ليخبرني ان الخبر يأتيه من ~~السماء الى الارض في ساعة واحدة ms028 فأصدقه، وبعد السماء عن الارض اكثر من بعد ~~بيت المقدس من مكة؛ قوموا بنا اليه نسأله عن ذلك. فأتوه، فقال له ابو بكر: ~~ما شيء بلغني عنك يا رسول الله انك أتيت بيت المقدس في ليلتك؟ فقال: نعم يا ~~ابا بكر، صليت بكم في هذا الوادي، فأتاني آت، فأيقظني وأخرجني وجاء بدابته ~~فقال: اركب فأرفصت ، فقال لها جبريل: اسكني، فما حملت خيرا منه. فسارت ~~بي، واذا حوافرها تقع مدى بصرها، وكنت اذا أتيت صعودا قصرت قوائمها، واذا ~~أتيت حدورا طالت قوائمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ~~ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ ~~فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد PageV01P047 # وسقوفه وما فيه شيئا شيئا، وكان إذ ذاك في أيدي الروم، وكان ملك الشام ~~لهم وبعضه في أيدي اليهود، فقال ابو بكر: أتسمعون؟ وكان فعل ابو بكر ذلك ~~ليعرف الناس صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ادعى. فقالت قريش: فان ~~لنا عيرا بالشام عرفت خبرها؟ فقال: نعم، مررت بهم في ذهابي، وهم في موضع ~~كذا، وقد ند لهم بعير من حس دابتي فدللتهم عليه، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح ~~فيه ماء وقد خمروه، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته. # ثم قال: وآية اخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس، وتقدم عيرهم ~~من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما برقاء والآخرى سوداء. ~~فأرصدت قريش لذلك اليوم، فقال قائلهم: # هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق ~~وعليه الغرارتان كما وصف. وسألوهم عن البعير الذي ند وعن القدح الذي كان ~~فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ~~ماء. # فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو ~~لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته. # فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير ~~قريش على أي سبيل ترد، ms029 فكم في هذا من الغيوب. # فإن قيل: ومن سلم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، ~~وما طريق العلم به؟ PageV01P048 # قيل له: قبل كل شيء قد علمنا انه صلى الله عليه وسلم قد احتج بالإسراء ~~وجعله قرآنا يتلى ، وقد سمع هذا جميع اعدائه من قريش واليهود والنصارى ~~وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له او عيب يكون ~~فيه، وهنالك اصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق ~~وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه، ثم لا يرضى أو يأتي في ~~ذلك بقرآن يتلى ويضيفه الى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه، وليس معه في ~~ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج؟ هذا لا يفعله عاقل، وعقل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند عدوه فضلا عن وليه فوق العقول. # وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه احد ولا يصدقه احد بل ~~يرجع عنه من قد اتبعه، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم، وكل احد ~~يمكنه ان يدعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة الى بيت المقدس او ~~من العراق الى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله، فتعلم ان الحجة بذلك قد ~~قامت واتضحت. # وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين قريش ~~وأبي بكر الصديق، وما كان في ذلك من طول المراجعة، ومن عني بذلك يعلم ان ~~الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به، كما يعلم فرار المهاجرين ~~الى ارض الحبشة، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة ~~في طلبهم، وما كان لهم معهما مع النجاشي من PageV01P049 # المخاطبات والمراجعات، الى ان صارت العقبى للمسلمين. وكما يعلم خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المواسم وعرضه نفسه على القبائل، وما كان ~~له معهم من المحاورات والمراجعات والمخاطبات. وكما يعلم خروجه الى الطائف ~~وعرضه ms030 نفسه، وما كان له معهم من المراجعات والمخاطبات. # وكما كان له مع قريش بمكة في حفل بعد حفل ومرة بعد مرة، وفي مشيهم الى ~~ابي طالب ليكفه عن مخالفتهم وتجهيلهم وذكر آلهتهم، وما تعاهدوا عليه من ~~عداوته وعداوات اصحابه، ومن التجريد في قصدهم بالمكاره، وما كتبوه في ذلك. ~~وفي ترك مبايعتهم ومناكحتهم ومعاملتهم، وما أشبه ذلك من الخطوب التي كانت ~~منهم. فمن رسخ فيما هذا سبيله، عرف قصة الاسراء وما كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك مما تقدم ذكره، ومن لم يكن هذه سبيله لم يعلم، ولكل ~~احد سبيل الى ان يعلم ذلك. # فتأمل رحمك الله ما في ذلك، وقول أم هانىء، واحتجاج قريش في ان المسير في ~~ذلك يكون في شهرين فكيف تم في ليلة واحدة، ومطالبتهم بالحجة في ذلك، ثم ~~مسألتهم عن عيرهم التي بالشام، ثم مصيرهم الى المكان في الوقت الذي ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير ترد فيه وتفقدهم صورتها وما تقدمها، ~~ثم مسألتهم اهل العير عن القدح لتعرف عقول قريش وشدة فطنتها وعنايتها بأمر ~~النبي والتفقد لأحواله. # وانظر كيف قد سألوا عن ذلك مما يمكن العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه. # وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا ~~الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل PageV01P050 # يكذبه من صدق به ويكفره من آمن به، لتعلم كذب الحداد، وأبي عيسى الوراق ~~ ، والحصري، وابن الراوندي ، وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، ~~وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون. # ولكل هؤلاء كتب يطعنون فيها على الانبياء، ويدعون على قريش والعرب الجهل ~~والبلادة والغباء وان رسول الله صلى الله عليه وسلم خدعهم وسخر منهم. # وهذه الكتب منقوضة قد نقضها غير واحد من المعتزلة، والمطاعن على ~~الانبياء، كلهم انما هي من جهة هؤلاء الشيع، والإمامية تواليهم وترجع الى ~~اقوالهم، فاعرف هذا فإنه من العجائب وبك الى معرفته أشد الحاجة. # فمن كتب الحداد في هذا الشأن كتابه «الجاروف» ms031 وكتابه «الاركان» ، وكتاب ~~الحصري «في تسوية اصحاب الكلام بالعوام» ، وكتاب «الزمردة» وكتاب «غريب ~~المشرقي» وكتاب ابي عيسى الوراق، وكتاب حنين «البهائم» ، وكتاب «التاج» في ~~القدم لابن الراوندي، و «الزمردة» و «الفريد» و «التصفح» وكتاب «نعت ~~الحكمة» في الطعن في حكمة الله، وكتاب «الدامغ» يطعن فيه في القرآن وغير ~~ذلك من كتبهم. PageV01P051 # وفضيحتهم في هذه الكتب واضحة، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعداء ~~مثلهم، والشيع تتوالاهم لأنهم عملوا كتبا لهم في الطعن في المهاجرين ~~والأنصار. # فمن هذا العجب، ان قوما يدعون انهم من المسلمين يوالون هؤلاء ويرجعون الى ~~كتبهم، فتبين رحمك الله الحال في ذلك، لتعلم انه لا يطعن على المهاجرين ~~والأنصار إلا من يطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستر هؤلاء ~~الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك ~~المسلمين في الدين فاعلم ذلك. ### | وباب آخر [ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا] # وهو ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا، ~~وان الله سيذيقهم من عاجل الخزي في الدنيا، وقد صنع مثل صنيعهم قوم علم ~~الله انهم يدخلون في الاسلام فلم يأت من عند الله فيهم ما أتى في اولئك. # فمن ذلك ما نزل في أبي جهل: «فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى ~~أهله يتمطى. أولى لك فأولى» . فقال أبو جهل: # لم يهددني رب محمد وأنا أعز اهل البطحاء وأكرمهم؟ فأنزل الله في استهزائه ~~بالزقوم وقوله: انه التمر بالزبد فقال: «إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل ~~يغلي في البطون كغلي الحميم. خذوه فاعتلوه إلى سواء PageV01P052 # الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم. ذق إنك أنت العزيز الكريم» ~~أي بزعمك. # نزل هذا كله فيه وهو يومئذ حي سليم، فأذاقه الله حر الحديد ببدر، ومات ~~على الكفر كما قال وكما أخبر. # ونزل في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة من قريش: # «ويل لكل همزة لمزة . الذي جمع مالا وعدده. ms032 يحسب أن ماله أخلده. كلا ~~لينبذن في الحطمة» فمات على كفره. # ومنهم النضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وكان شديد الرد على ~~الله وعلى رسوله، شديد العداوة والإرصاد. وقد كان رحل في عداوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الى فارس، وطلب ما يكيد به الاسلام والمسلمين، فوجد ~~احاديث رستم وأسفنديار والفرس ، فاشتراها وقدم بها مكة فجعل يتحدث بها. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قام من مقعده خلفه فيه النضر ~~وحدثهم بتلك الأحاديث وقال: حديث محمد عن عاد وثمود والأمم من هذا، بل هذا ~~احسن. فأنزل الله فيه: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها PageV01P053 # هزوا أولئك لهم عذاب مهين. وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم» ، ونزل فيه غيرها ايضا. ~~وقيل: يوم بدر أصابته جراحة ذهبت بقحف رأسه، وحصل مع المسلمين في جملة ~~المأسورين وقال: لا أذوق لهم طعاما ولا شرابا ما دمت في ايديهم، فمات من ~~الضربة وصار الى النار بعد ان أذاقه الله العذاب المهين في الدنيا كما قال ~~وكما اخبر. # ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من الأشداء على المسلمين، فقال ~~لقريش حين حضر الموسم: ان الناس قادمون عليكم وسائلوكم عن صاحبكم، يعني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا تقولون؟ قالوا: نقول مجنون، قال: # يكلمونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول شاعر، قال: فهم اصحاب الشعر ~~يقولونه ويروون بسيطه وهزجه فلا يجدونه شاعرا. قالوا: فنقول كاهن، قال: فقد ~~رأوا الكهنة وتكلفهم وكذبهم. قالوا: فما نقول يا ابا عبد شمس؟ ففكر وقدر ~~ونظر وعبس وبسر كما وصفه الله تعالى في سورة المدثر، ثم قال: «إن هذا ~~إلا سحر يؤثر» . وكان له عدة بنين، وكان ذا مال واسع، فكان بنوه يحضرون ~~ويشهدون عقلاء، فأنزل الله فيه: # «ذرني ومن خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. # ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا انه كان لآياتنا ms033 عنيدا» . # الى قوله: «سأصليه سقر» فلم يزده الله مالا ولا ولدا بعد هذا كما ~~أخبر، ثم مات كافرا كما قال الله. وقد كان عند نزول ذلك حيا سليما. ~~PageV01P054 # فانظر كم في ذلك من الآيات من الإخبار بالغيوب، ومن عجزهم عن القرآن ان ~~يأتوا بمثله في الفصاحة والبلاغة والجزالة، فلم يتأت لهم ذلك مع حاجتهم ~~اليه واجتهادهم فيه. وفصاحة القرآن وجزالته وبلاغته دلالة اخرى غير دلالة ~~الإخبار بالغيوب. ### | باب آخر [ما كان بمكة من انشقاق القمر] # وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر؛ فان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من اصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا ~~له: يا محمد، إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربك ان يشق هذا القمر، فسأل ~~الله ذلك فشقه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من ~~الارض الى السماء. فنزلت القصة في ذلك . # وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته صلى الله عليه ~~وسلم. # فإن قيل: ومن أين لكم ان القمر قد انشق له كما ادعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورة ~~ام بدلالة؟ أو ليس النظام قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشق لعلم بذلك ~~اهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط ~~القيامة، فبأي شيء تردون PageV01P055 # قوله وتبينون غلطه إن كان قد غلط؟ قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه ~~بدلالة، فمن استدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر ~~غلط كما غلط ابراهيم النظام. # فوجه الدلالة على ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتج بذلك على ~~المسلمين والمشركين وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: «اقتربت الساعة» . # ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والولي بما لا حاجة فيه، ويشير الى أمر ~~ظاهر يشار اليه ويشاهده الناس، فلو أراد ان يكذب ويرد قوله ما زاد على هذا؛ ~~هذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصل كائنا من كان، ms034 فكيف يقع ممن يدعي ~~النبوة والصدق وهو أشد حرصا بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد ان ~~يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمل. # فإن قيل: فما تنكرون على من قال انه صلى الله عليه وسلم، ما احتج بهذا ~~على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] من ادعى ذلك او ادعى في جميع ما أتى ~~به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته. # ومما يزيدك علما بذلك ويبين لك غلط النظام وجهل كل من ذب عن ذلك قوله ~~تبارك وتعالى: «اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر» فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن امر قد كان ومضى، ثم ~~قال على نسق الكلام: PageV01P056 # «وانشق القمر» ، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي، ~~ولو كان على ما ظن النظام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، او كان يقول ~~وسينشق القمر، فلما لم يقل ذلك وقال: # وانشق القمر، علمت انه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا. # ثم قال على نسق الكلام: «وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فأخبر ~~انها آية مرئية وحجة ثابتة. ثم قال على نسق الكلام: «ولقد جاءهم من الأنباء ~~ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغني النذر» ، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم ~~يكن. فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان، ولا يسوغ ان يقال ~~في امر لم يكن، ولم يقع هذا القول. # وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين، ~~ولا يعنفون في ترك النظر والتأمل له، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع. # فأما قول النظام: فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأن ~~الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر ~~بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، واذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه. ~~يزيدك بيانا ان القمر ms035 قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد ~~الواحد والنفر اليسير لنومهم» # ، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه اولئك ~~القوم الذين طلبوه. PageV01P057 # وأيضا فقد يجوز ان يحجبه الله عز وجل لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم، ~~لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة ~~من لو رأى ذلك لقال: انما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظام ~~قد جاء في ذلك من هذا الوجه ايضا، وبطل ما توهمه. # ومدار الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا ~~عذر لمن شك فيه. # ومن الدلالة ايضا ان ذلك قد كان، ان الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف، بل وقع إجماع منهم على ~~كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم. # وقد ذكر انشقاق القمر علي بن ابي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن ~~مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة بن مالك ~~بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر. وكانوا يقولون: # خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام ، يتذاكرون هذا ~~بينهم رحمة الله عليهم. وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم ~~كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين او من غيرهم، PageV01P058 # وفي ذلك أتم كفاية. ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة اخرى، إذ لا ~~يجوز ان يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدثه: # قد كنا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا- وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعى ~~عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والرد عليه. ثم ذكرنا الاجماع ~~السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة. ### | باب آخر [ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم] # مما كان بمكة. وهو ان الفرس غلبت الروم على أرض ms036 الجزيرة وهي أدنى ارض ~~الروم وممالكها من سلطان فارس، فسر ذلك مشركي قريش لشدة فارس على الاسلام ~~والمسلمين، وكانت الروم ألين كتفا على المسلمين لأنهم اهل كتاب، وكانوا ~~يصغون الى ما يرد عليهم من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو ~~اليه وما يأمر به وما ينهى عنه وكيف سيرته، ويتعجبون من ذلك ويستحسنونه، ~~ويكون من ملكهم ما لعله يرد عليك. وساء المسلمين ظهور فارس عليهم، فأخبر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان الروم ستظهر على فارس بعد سبع سنين، وان ~~غم المسلمين سيعود فرحا، وأنزل بذلك قرآنا يتلى، فقال عز وجل: «ألم. غلبت ~~الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو ~~PageV01P059 # العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون» . # فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابي بكر ~~الصديق، وبشره وبشر المسلمين؛ فخرج ابو بكر الى المشركين وأخبرهم بذلك ~~وتوعدهم وجادلهم وأغضبهم وأغاظهم. فقال أبي بن خلف: والله لا تغلب الروم ~~اهل فارس ولا تخرجنهم من أرضهم. فقال ابو بكر: بل تغلبهم وتخرجهم، فإن شئت ~~بايعتك، فبايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: انها سبع سنين فزده في الخطر ومد في الأجل. # فرجع ابو بكر الى أبي بن خلف فاستقاله فأقاله، وقال: ان الذي يجيء به ~~صاحبك باطل. فعاوده ابو بكر المبايعة وزاد في الأجل اربع سنين، وزاد في ~~الخطر ثلاثا من الإبل، وأخذ أبي ابا بكر بكفيل، لأن ابا بكر على الهجرة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يذكر هذا وقد بدأ في فرار المسلمين ~~بأديانهم، فأقام له ابو بكر عبد ms037 الله ابنه كفيلا، وأخذ ابو بكر أبي بن خلف ~~بذلك فأقام له ابنا كفيلا، فأخرجت الروم فارس من أرضها يوم الحديبية، فأخذ ~~عبد الله بن ابي بكر من أبي بن خلف وكان الخطر إذ ذاك مباحا طلقا. # فانظر كم في هذا من دلالة وآية بينة، وأنه اخبر ان الروم ستغلب فارس، وأن ~~ذلك سيكون بعد سبع سنين، فكان كما اخبر وعلى ما فصل PageV01P060 # وبين، والبضع فوق الثلاث ودون العشر، وانظر الى هذا الإقدام وهذه الثقة ~~من رسول الله، وانظر الى قوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» ، يريد ~~بهذا النصر ظهور حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أقدم عليه أبو بكر ~~وجاهد المشركين وبايع، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك ~~معصية، وفارس والروم كفار والله لا ينصر الكفار بعضهم على بعض. وانظر الى ~~هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله: # «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» وانظر كيف يستخف ~~بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم، ~~وانظر كيف يقول له في آخر السورة: «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين ~~لا يوقنون» ، فتأمل هذا البيان وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار ~~والعلو والاستطالة بالحجة والعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبينا ~~يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة ~~الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه. # وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في اول الاسلام وفي حال ~~ضعفه وقلة اهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم، وفي الحال التي قد كان ~~المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه، وانظر الى بصيرة هذا الرجل ~~ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة ~~هوانا، كل ذلك للإسلام. ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجل ~~أعضاده وأنبه أعوانه، لم يقم مقامه احد من المسلمين ولا سد مسده ولا حل ms038 من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم محله. وانظر PageV01P061 # الى مقامه في شأن الاسراء، وفي شأن الروم، وفي غير ذلك مما يطول شرحه. ~~وانما احتجنا الى ذكر هذا والتنبيه عليه لأننا في زمان يقول الكثير من اهله ~~انه ما أسلم قط وما زال عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، وأن ~~عداوته كانت أشد وأضر من عداوة ابي جهل وعقبة ابن ابي معيط وأمثالهم، وأن ~~القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكفار أبي بكر وعمر ~~وعثمان وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن والجماعة من المهاجرين ~~والأنصار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه في المحاريب ويسمعه ~~الناس كلهم ويحفظهم إياه، وأنه مكث نيفا وعشرين سنة يفعل ذلك. وعند ~~العلماء والفقهاء وأهل التحصيل والانصاف، انه كان يتقدم المسلمين في ~~الاسلام، وأنه كان أشدهم غنى، وأن امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله ~~عنه كان يقدمه ويقدم عمر على نفسه ويفضلهما على منابره وهما من الأموات، ~~حتى يقول ابو القاسم البلخي : # ومن يفضل أمير المؤمنين لا يمكننا ان ندفع قوله، ألا ان خير هذه الأمة ~~بعد نبيها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ~~ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل PageV01P062 # أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله : أيهما أفضل؟ ~~ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ ~~فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه ~~الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيها ابو بكر وعمر، أفكنا نرد ~~قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا. # ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة ~~والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ~~صلى الله عليه ms039 وسلم وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم ~~على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في ~~دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ~~ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذل أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ~~مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، ~~وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة ~~وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثه ونشره ~~وبسطه وبناه وشيده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك ~~جميعها. فغاظهم ذلك أشد الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فاشتفوا PageV01P063 # منه بشتم هؤلاء وغروا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو ~~مغير لا تقوم به حجة، والاسلام مبدل، والفقهاء جهال كفار، الى غير ذلك مما ~~هذا سبيله وشرحه يطول، فاغتروا بهم وقبلوا منهم وصدوهم عن الاسلام فأوردوهم ~~ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي ، وفي نقضه ~~الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة ~~والله أعلم. ### | باب آخر [من اعلامه صلى الله عليه وسلم انقضاض الكواكب بمكة] # فمن أعلامه التي حدثت وهو صلى الله عليه وسلم بمكة، انقضاض الكواكب ~~وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. ~~وهذه آية عظيمة، وبينة جليلة، وواضحة جسيمة. # وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا» . # فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقر ~~بنبيكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة PageV01P064 # أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك ms040 طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل ~~عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن ~~نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف. # والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تلا هذه ~~السورة واحتج بذلك على العدو والولي، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن ~~الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم ~~الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ~~ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن ~~قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ~~ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل ~~المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة ~~للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب ~~والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي لا يغيب منها. وقد كتب ~~الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، ~~هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على ~~قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ~~ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا ~~الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله ~~لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ~~ألباء فضلاء لأنه PageV01P065 # نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا ~~وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد ~~قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر. # وهناك من اعدائه قريش والعرب ms041 واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم ~~يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم ~~واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم ~~وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم ~~واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب ~~الظاهر البارز للعقول والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة. # وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون » اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك ~~كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ~~ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته ~~وثقاته وبطانته. # فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ~~ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا. # قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد ~~عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم PageV01P066 # الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة ] . # وجواب آخر: # وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد ~~شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا ~~من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا ~~وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة ~~الحق اولى من التمادي في الباطل. # وجواب آخر: # وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في ~~الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم ~~وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم ~~وإن ضرهم وإن ذهب برئاستهم وحط من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا ~~فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من ولي ~~وعدو، ms042 فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة. # وانظر كيف اوردها وأدل على العدو والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي الي ~~انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا ~~به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه ~~كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن PageV01P067 # تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا. # وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشر اريد بمن ~~في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن ~~والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض ~~بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم. # وقد جاء مع هذا ايضا ان الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من ~~اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد ~~نائلة بن عمر والثقفي لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه ~~تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة ~~المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. ~~فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم ~~وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ~~ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا ~~المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى ~~يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم. PageV01P068 # فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، ~~وفي كتب العجم ذكر لذلك. # قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون ~~قد كان قبل ms043 مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي ~~قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، ~~فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن ~~الماء قد كان قبل نوح عليه السلام يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما ~~جاء نوح صلى الله عليه زاد الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر ~~المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا ~~فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا ~~جواب سديد شاف كاف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم انما احتج بامتلاء السماء ~~بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، ~~فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ~~ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ~~ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ~~ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع. # فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ رحمه الله، فانه يذكر في كتاب ~~«الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة، ~~PageV01P069 # وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم ~~النظام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بين قد اراد به صاحبه انقضاض ~~الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في ~~الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله ~~وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في ~~هذا متعلق او يحتاج فيه الى جواب. # واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال: # وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير ~~ وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا ms044 في اشعارهم وهو أمر بارز ~~لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث ~~وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي ~~واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا ~~تأثير. # قال ابو عثمان: وأما ما يدعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر ~~لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد ~~الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف ~~وحاله ما وصفنا؟. # وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله ~~وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام، ~~PageV01P070 # ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها ~~الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد ~~الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، ~~فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما ~~يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورقين فيدور في ايدي الناس فيقول من لا علم له ~~ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل ~~العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة ~~اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم ~~بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون. # فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم ~~العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما ~~كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصل معانيه من القرآن ومن حديث ~~رسول الله صلى الله ms045 عليه وسلم، وغير اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. ~~وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب ~~«اليتيمة» ، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من ~~الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية ~~على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب ~~لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه. PageV01P071 # وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي . وقد وضع سهل بن هارون ~~بن رهبونة الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة» ، يعارضه به ~~كتاب «كليلة ودمنة» ، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب ~~كما صنع ابن المقفع في كليلة ودمنة عن هذا الذي سماه برزوي الطبيب، ~~فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء ~~صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا ~~انهم وجدوه لجابان منجم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوة تحدث ~~في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم، ~~ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به ~~المنجمون حتى ظنوا ان صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا ~~كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا ~~لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم ~~الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد ~~PageV01P072 # رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء ~~منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا النوبختي، وكابن فرخان شاه ~~النصراني وغلام زحل : من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه ~~جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، ms046 فقال له: عن ~~هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان ~~منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما ~~معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام وفي ~~ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا ~~فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام ~~خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقنه، فوضع ~~الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، ~~فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. ~~وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ~~ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، ~~فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، ~~وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن ~~تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من PageV01P073 # هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت ~~يسقط حجه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاج فاذا هو لا ينقطع حجه. ~~ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان ~~يدعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في ~~صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم ~~الإصابات عن غير علم كما تتفق للعابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين ~~برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر ~~واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن ~~في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من ms047 هذا. # ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا ~~في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة ~~النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ~~ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا ~~كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي في القرانات كذا ~~وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون : كذا وكذا قبل ~~PageV01P074 # أن يكون فكان كذلك. # وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه ~~الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل ~~العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى ~~امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا ~~انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ~~ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من ~~خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن ~~الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، ~~فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت ~~طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم. # وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، ~~فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين ~~لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصد اهله عنه، وهم يتسترون ~~بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع ~~والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا PageV01P075 # ابن اقا ، وحنين بن اسحق وابنه اسحق ، وقويرى ، ومتى بن يونس ~~ ، ويحيى بن عدي ، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد. # وكان يوحنا القس مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين ms048 ~~نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، ~~واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان ~~متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف ~~عقابا. # ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب. # وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي» # المنسوب الى ارسطالس PageV01P076 # فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا ~~فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى ~~انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو أشبه. # وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا ~~الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بين لهم توحيد ~~الله وانفراده بالقدم وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه قطعة كافية ~~حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمر او ~~غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي ، وهو ~~موجود في رسائل تاج الاصفهاني لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه ~~مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر . وقد ذكر في هذا الكتاب ~~آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ~~ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن PageV01P077 # ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما. # وقد قال ابو علي رحمه الله واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ~~ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند ~~مبعثه. # وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنتم ~~تقولون في هذا في الجاهلية ؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان ~~: هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة ~~انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي صلى الله ms049 عليه ~~وسلم بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل ~~تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس في هذا ~~خلاف في كونها ووقوعها. # وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه ~~فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس ~~والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست ~~حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او ~~رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه ~~الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون ~~الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم. ~~PageV01P078 # وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم ~~وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب ~~هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده ~~او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله ~~الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، ~~بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت ~~منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله ~~من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه. # ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة ~~بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها ~~وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم ~~بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر ~~والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في ~~الارض ms050 والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت ~~دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة ~~تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء ~~والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا ~~يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده ~~الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حي سميع بصير قادر يحيي ويميت. # ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه PageV01P079 # يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضار. # ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات ~~والمعادن. # وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا ~~كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ~~ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة. # وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ~~ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند ~~قلي السمسم والباذنجان واصوات غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا ~~كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام. # والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا ~~المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء ~~والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد ~~اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات ~~الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم ~~الناس. ### | و باب آخر [دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم] # ومن آياته صلى الله عليه وسلم، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا ~~عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سني كسني يوسف صلى الله ~~عليه وسلم، PageV01P080 # فأمسك عنهم القطر حتى جف النبات والشجر وماتت الماشية، ms051 وحتى اشتووا القد ~~ وأكلوا العلهر ، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن ~~زرارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ~~ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله عز ~~وجل: «فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم » ~~. والدخان الجدب ، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون ~~كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد ~~كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه عز وجل يقول: «يغشى الناس ~~هذا عذاب أليم » . ثم ورد على نسق «إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل ~~على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ~~ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون» ~~والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ~~ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم. PageV01P081 # قال اصحاب عبد الله بن مسعود : كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع ~~بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصا عند ابواب كندة- يعني ~~الكوفة- يقص، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين ~~منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا ~~الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله ~~قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين) . إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا ~~قال: # اللهم سبعا كسني يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا ~~الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ~~ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن ~~قومك ms052 قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود: # فكانت الدخان سنين كسني يوسف عليه السلام فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إنا ~~كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب صلى الله ~~عليه وسلم ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم ~~وآية الدخان والبطشة واللزام. ### | باب # ومن آياته بمكة، أنه صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى ~~اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض ~~وقالوا: PageV01P082 # (امشوا واصبروا على آلهتكم، أجعل الآلهة إلها واحدا؟) وتوعدوه ~~بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله ~~(جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) فكان كما أخبر وكانت العقبى له. # فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل ~~الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله ~~واستئصاله، وهيجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع ~~من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه. # واذا وفيت النظر حقه لم تجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اخوانه من ~~النبيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن ~~خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من ~~قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، ~~فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتد ~~امتداد النهار. ### | باب [ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة] # مما كان بمكة، حين تلا عليهم سورة «اقتربت الساعة» وقص عليهم أمة أمة من ~~الذين كذبوا الرسل، وما نزل بهم من النكال والبوار، الى ان انتهى الى قوله: ~~(أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن PageV01P083 # جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر ms053 فكان إدلالهم بكثرتهم وكثرة من ~~يساعدهم على عداوته ومحاربته، وانه ان صارت له جماعة فجموعهم أكثر، ~~والأموال والسلاح والكراع والعدة معهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى ~~الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله عز وجل مالك القلوب وناقض ~~العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له. ### | باب آخر [ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ... » ] # مما نزل بمكة قوله: «فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم، وإنه ~~لذكر لك ولقومك» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف ~~تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت ~~آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة ~~الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن ~~عرف علوم القرآن، ولهذا قال عز وجل لقريش في ابتداء المبعث: «قل هو نبأ ~~عظيم أنتم عنه معرضون» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ~~ممن تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر. ~~PageV01P084 # وفي هذا المعنى قوله عز وجل «ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى» ~~فتأمل ما في هذا، فإنه صلى الله عليه وسلم ما عرف العز بالأبوين كما يعرف ~~من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم ~~إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من ~~الأولى، فإن آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعز، وثواب الآخرة خير من ~~الأولى؛ «ووجدك ضالا فهدى» ، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف ~~القرآن. # وفي مثل هذا المعنى قوله عز وجل: (ألم نشرح لك صدرك. # ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك) فإن ذكره ارتفع بالصدق ~~والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة ms054 مع حرصهم ~~على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم ~~له، وطلب العلل وطول المجادلة. ### | باب آخر [من اعلامه قوله عز وجل «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن» ] # من أعلامه، وهو قوله عز وجل «قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» وفي هذا ~~إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن: # إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا ~~مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ ~~أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا PageV01P085 # يحصى قبائلها ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ~~ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم صلى الله عليه وسلم ~~أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن ~~أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادعاه امر عظيم ~~وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب ~~طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه ~~من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك ~~قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن ~~الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب ~~الرخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر ~~امره وفي آخر عمره. # واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة ~~والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه ~~على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مر بك طرف ~~منه في المصباح ، ولعل اكثر منه ms055 ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار ~~بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم ~~في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله. # من دلائله وإعلامه صلى الله عليه وسلم، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة ~~وما تضمنته من خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله ~~عليهم، PageV01P086 # ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، ~~والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم ~~اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا ~~اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي ~~اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله عز وجل. # فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا ~~اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا » وقالوا: «إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون » ؟ # قلنا: ما ادعينا ان خصومه ما ادعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل ~~لما انقطعوا وقامت حجته ادعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه صلى الله ~~عليه وسلم، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى ~~اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد ~~يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا ~~وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ~~ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال ~~معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا ~~يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد PageV01P087 # تعاطاه صلى الله عليه وسلم ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم ms056 ~~معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادعى، ولو ~~جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأن عدوه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش ~~والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ~~ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته ~~عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق. # وقد عرف عدوه ووليه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، ~~وأزواجه إنما هن بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن ~~يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او ~~بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ ~~عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل ~~الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له صلى الله عليه وسلم يوما واحدا او ساعة ~~واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ~~ولا فرق بين من ادعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهود وأظهر ~~اليهودية، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصر ولبس ~~المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام ~~أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك كله تم له وخفي على ~~اهله ونسائه وعدوه ووليه. # فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت ~~وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح عليه السلام ثم قال في آخرها: (تلك ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك. ما كنت تعلمها أنت ولا PageV01P088 # قومك من قبل هذا. فاصبر إن العاقبة للمتقين ) وانظر كيف يقول له: # إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدو والولي يسمع ذلك. # وتأمل قوله عز وجل في قصة يوسف عليه السلام (ذلك من أنباء ms057 الغيب نوحيه ~~إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) ثم عزاه وقال له: ~~آياتك بينة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصد ~~عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وما أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين. وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين. وكأين من ~~آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون» . # وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، ~~وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال: # «وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك. وما كنت تتلوا من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» . # وقال له في أول سورة يوسف: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» . ثم يقول في آخر السورة: «لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم PageV01P089 # يؤمنون» . # وتأمل قوله عز وجل في سورة القصص: «وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى ~~موسى الأمر وما كنت من الشاهدين » الى قوله: «وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ~~ولكن رحمة من ربك» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا ~~بوحي من الله. # وانظر الى قوله في سورة طه: «وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه، أولم تأتهم ~~بينة ما في الصحف الأولى » . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن ~~من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى. # وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا ~~دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا ~~الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون ms058 ~~حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت ~~عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل ~~دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه ~~فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة ~~لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد ~~لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى ~~والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه ~~صنف شيئا للمشبهة، PageV01P090 # وشيئا للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط ~~غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم ~~وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله ~~وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى ~~وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا ~~حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة ~~والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك. ### | باب آخر [من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها] # من آياته وأعلامه، وهو إخباره عن النصرانية ومذاهب النصارى من هذه ~~الطوائف الثلاث منهم، وهي الباقية القائمة الراهنة في قولهم ان المسيح عيسى ~~ابن مريم هو الله، وان الله ثالث ثلاثة؛ فان هذه الطوائف الثلاث من الملكية ~~واليعقوبية والنسطورية ، لا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس ~~بعبد صالح ولا بنبي ولا برسول، وانه إله في الحقيقة، والله في الحقيقة، ~~وانه هو خلق السموات والارض والملائكة والنبيين، وانه هو الذي أرسل الرسل ~~وأظهر على ايديهم المعجزات، وان للعالم إلها هو آب والد لم يزل، غير مولود، ~~وانه قديم خالق رازق، وإله هو ابن مولود، وانه ليس باب ولا والد، وانه ms059 قديم ~~حي خالق رازق، وإله هو روح قدس ليس باب والد PageV01P091 # ولا ابن مولود وانه قديم حي خالق رازق، وان الذي هو ابن نزل من السماء، ~~وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول، وصار هو ابنها إلها واحدا ومسمى واحدا ~~وخالقا واحدا ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب وألم ، ~~ومات ودفن، وقام بعد ثلاثة ايام وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه. فحكى ~~قولهم في ان المسيح هو الله وان الله ثالث ثلاثة. # وهكذا مذهبهم في الحقيقة ولا يكادون يفصحون به، بل يدافعون عن حقيقته ما ~~امكنهم، حتى ان ارباب المقالات واهل العناية به من المصنفين لا يكادون ~~يحصلون مذهبهم، وإنك لتجد النظارين منهم والمجادلين عنهم اذا سألتهم عن ~~قولهم في المسيح، قالوا: قولنا فيه انه روح الله وكلمته مثل قول المسلمين ~~سواء، او يقول: إن الله واحد. وتجده صلى الله عليه وسلم وقد حكى حقيقة ~~مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى ~~اهلها، ولا من المتكلفين، ولا كانت مكة والحجاز اذ ذاك بلاد فيها شيء من ~~هذا، فانتشر هذا عنه صلى الله عليه وسلم، وفتش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا ~~الأمر كما قال وكما فصل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما ~~اكثر ما تلقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح انه الله، ولا قلنا: إن الله ~~ثالث ثلاثة، ومن حكى هذا عنا فقد أخطأ وكذب، ليعلم ان وقوف محمد صلى الله ~~عليه وسلم هذا انما هو من قبل الله عز وجل، وان ذلك من آياته. # فإن قيل: فإن قولهم في هذا وأن الله ثلاثة أقانيم جوهر واحد، كقول ~~المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حي قادر عالم. # قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول PageV01P092 # المسلمين بسبيل، وإنما يقول هذا من يروم المغالطة والفرار من فحش ~~المقالة، لأن الله عند المسلمين هو الرحمن وهو الرحيم وهكذا العالم ~~القادر، وهي ذات واحدة لها ms060 صفات كثيرة، وأسماء كثيرة. وعند النصارى، أن ~~الله الوالد ليس هو الابن المولود، ولا يجوز ان يكون الأب الوالد ابنا ~~مولودا، ولا الابن المولود أبا والدا، وكذا روح القدس، ومن قال غير هذا ~~فليس من النصارى؛ فان بليت منهم بمن هذه سبيله أعني الجحود لهذه المقالة ~~الفاحشة فقل: إن كنت تريد أن هذا قولك وكذا تختار فما يدفعك عن هذا؟ فأما ~~ان يكون هذا قولا للنصارى فهذا كذب وبهت، ولو أسلم نصارى عصرنا كلهم لما ~~خرج هذا من ان يكون قولا لمن سبق وتقدم من هذه الطوائف الثلاث، فاعلم ان ~~هذا هو مذهبهم في التثليث، قد حصل العلم به ولهم فيه ضرب أمثال، وذلك في ~~تسابيحهم وأقاويلهم في عباداتهم، ألا ترى انهم يقولون في تسبيحة القربان في ~~الساعة التي يكونون فيها خاضعين يتوقعون بزعمهم نزول روح القدس لقبول فاتور ~~القربان: ليتم علينا وعليكم نعمة الرب يسوع المسيح بن مريم ومحبة الله الآب ~~ومشاركة روح القدس أبدا الى دهر الداهرين. # ويقولون في تسبيحتهم التي يسمونها تسبيحة الإيمان التي وضعت بنيقية» # من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة، حين ~~جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرانية ~~PageV01P093 # الفندقية، جمعهم ليعملوا تقريرا في ايمانهم يحملون الناس عليه ويأخذونهم ~~به فمن أبى قتلوه، واجتمع عنده نحو ألفي رجل، فقرروا تقريرا ثم رفضوه، ثم ~~اجتمع ثلثمائة رجل وثمانية عشر رجلا وهم يسمونهم الآباء، فقرروا هذا ~~التقرير، وهم يسمونه سنهودس، فكان تقريرهم لهذه التسية وهي أصل الأصول عند ~~جميع هذه الطوائف لا يتم لأحد منهم عندهم إيمان إلا بها وهي: # «نؤمن بالله الأب الواحد، خالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع ~~المسيح بن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي ~~بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا ~~نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول، وصار انسانا، وحبلت به ~~مريم البتول ms061 وولدته، وأخذ وصلب وقتل امام فيلاطس الرومي، ومات ودفن وقام في ~~اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه، وهو مستعد ~~للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. # ونؤمن بالرب الواحد روح القدس، روح الحق الذي يخرج من ابيه، روح محييه، ~~وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية سليحية جاثلقية، ~~وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» . # فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف ~~PageV01P094 # يعتقدون في الله حقيقة المدبرين المصنوعين من النزول والصعود والولادة ~~وغير ذلك. # فان قالوا: فانا لا نقول انها ثلاثة آلهة، فكيف يحكون عنا التثليث؟ # قلنا لهم: انكم قد أعطيتمونا معنى التثليث وأشعتموه واستوفيتم حقائقه، ~~ومنعتم بعض العبارة عنه، ألا ترون انكم تقولون إله هو أب والد حي قادر ~~قديم عالم خالق رازق، وإله هو ابن مولود كلمة حي قديم خالق رازق ليس باب ~~ولا والد ولا يجوز ان يكون والدا ولا أبا، وإله روح قدس حي عالم قديم خالق ~~رازق. ثم قلتم هي ثلاثة أقانيم، فقلتم في كل واحد منها انه إله ورب وقديم، ~~وامتنعتم من الاقرار بالجملة وقد أعطيتم التفصيل، وما مثال ذلك إلا كمن ~~قال: عبد الله العربي رجل وانسان وجسم وشخص، وخالد الفارسي رجل ~~وانسان وجسم وشخص، وزيد الرومي رجل وانسان وجسم وشخص، قلنا: فهولاء ثلاثة ~~رجال، وثلاثة أناس، وثلاثة اشخاص، وثلاثة اجسام. فقلتم: لا، بل هم رجل ~~واحد. قلنا: لا يؤثر امتناعكم من اطلاق هذه العبارة في شيء قد أشيعت ~~حقيقته. وفيهم من يمتنع من ان يقول في كل واحد من هذه الثلاثة انه غير ~~صاحبه، ثم يقولون: # ما شبهنا ولا مثلنا، فكانوا كالمشبهة الذين يقولون: إله يصعد وينزل ويقعد ~~على العرش، ثم يقولون: ليس كمثله شيء. # والذي يمنع النصارى من اطلاق القول بأنها ثلاثة آلهة متغايرة مختلفة وان ~~كانوا قد اعطوا معنى ذلك، إلا لأنهم صدقوا بكتاب الله عز وجل التي صدق ~~PageV01P095 # بها المسيح عليه السلام، وهي مملوءة بتوحيد الله وتفرده بالقدم، وانه لا ms062 ~~يشبه الأشياء، وانما هذه البدع ابتدعوها بعد المسيح، فأرادوا حمل بدعتهم في ~~الشرك على ما في كتب الله فلم يتم ذلك وحصلوا على محض الشرك والتشبيه. # فإن قيل: قد لعمري صدقتم فيما حكيتم من التثليث، فإن الملكية تقول فيه: ~~إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وان القتل والصلب والولادة وقعت عليه ~~بكماله؛ واليعقوبية تقول: حبلت مريم بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، ومات ~~الإله، فما عندكم في النسطورية؟ فإنهم قد قالوا في المسيح انه مركب من ~~نوعين وأقنومين وطبعين، من إله ومن انسان، وان الولادة والقتل إنما ~~وقعتا بالانسان وهو الذي يسمونه الناسوت. # قيل له: لو كانت النسطورية تقول في المسيح كما يقول المسلمون لما قدح ذلك ~~في الخبر ولا اثر في العلم لأن التثليث قد وقع، كيف والنسطورية ترجع الى ~~القول في المسيح الى قول اخوانهم من الملكية واليعقوبية، فيقال للنسطورية ~~قد قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وقلتم إنه إله تام من إله تام، ~~ثم قلتم إن لاهوته مولود من قبل الأب وناسوته مولود من قبل الأم، والولادة ~~قد احاطت به من كل وجه ومن كل جهة؛ وايضا فإنكم تمدحون الإله بالولادة كما ~~يمدحه المسلمون بتنزيهه عن الولادة، وتقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما، ~~وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة. # فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم. # ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت ~~PageV01P096 # المسيح في الحقيقة، وربت المسيح واطعمت المسيح في الحقيقة، وهي ام ~~المسيح في الحقيقة؟ فإن قالوا: ولدت ناسوت المسيح او حبلت ناسوت المسيح ~~قلنا: لم نسألكم عن هذا، فإن ناسوت المسيح عندكم ليس هو المسيح وإنما ~~المسيح هو اللاهوت، ولاهوت المسيح عندكم ليس هو المسيح إنما هما مجموعهما ~~المسيح، اجيبونا، فان كانت مريم قد ولدت المسيح في الحقيقة وحبلت بالمسيح ~~في الحقيقة، فقد حبلت بالإله والانسان وولدت الإله والانسان، وهي ام الإله ~~والانسان، وقد قتل الإله والانسان، وألم ms063 الإله والانسان، ومات الاله ~~والانسان؛ فقد تبين ان قولكم وقول الملكية واليعقوبية في ذلك سواء. وإن ~~قالوا ما ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة قلنا لهم: ~~فليس هذا قول احد من النصارى ولا قول المسلمين ايضا بل هو قول اليهود، ~~فانهم قالوا: إن مريم ما حبلت به. # وإن قالوا: نقول هي أم المسيح على المجاز، ومات المسيح في المجاز، قلنا ~~لهم: لم نسألكم عن المجاز، إنما سألنا عن الحقيقة، فانه على هذا التقدير ~~ربما ايضا يكون حمل مريم من غير ذكر مجاز، وإحياؤه المؤتى مجاز، وجميع ما ~~يدعونه له مجاز، وهذا لا سبيل اليه، لأنهم إن قسموا أفعاله من من لاهوته ~~وناسوته وجب ذلك كله، لأنه اذا احيا الموتى وأظهر الآيات فانما ذلك فعل ~~اللاهوت واللاهوت وحده ليس بمسيح، واللاهوت ما رآه الناس فلا يجوز ان يقال ~~رأى المسيح، وإذا أكل وشرب ونام واستيقظ فذلك فعل الناسوت والناسوت وحده ~~ليس بالمسيح، فقد وجب جميع ما قدمناه # وهم لا يصيرون اليه ولا يلتزمونه، ومن صار اليه خرج عن النصرانية وعن ~~جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي ~~اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها PageV01P097 # معدل، وإنما وضعت حين صار الملك الى هذا القول، وحين خالفهم آريوس ~~الافصاح بالمذهب ولرفع التأويل والأوهام في المقالة. # وعند هذه الطوائف الثلاثة، ان المسيح صار مسيحيا وإلها خالقا رازقا ~~معبودا حين بشر الملك امه وساعة الحمل به، فاتحد به الإله فصار جميعا مذ ~~ذاك مسيحا واحدا وإلها واحدا، وأن الاتحاد ما انتفض عندهم ولا بطل، ولا خرج ~~عن المسيحية والإلاهية لا في حال الحبل ولا في حال الولادة ولا في حال ~~النوم ولا في حال الأكل ولا في حال البول والتغوط ولا في حال المرض ولا في ~~حال القتل ولا في حال الموت، وأنه في جميع هذه الأحوال مسيح وإله ورب معبود ~~وخالق ورازق ومدبر. # ويقولون: هو احيا نفسه بعد الموت لأنه ms064 محال عندهم ان يحيي الموتى غير ~~المسيح، وقد علمت تسبيحة الايمان وتفصيلها فارجع اليه، ففيه أتم كفاية ~~لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص - ~~وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-: PageV01P098 # لو علموا لما صلبوا رب المجد الذي له الحمد والبركات ابد الدهر. وقال ~~ايضا: # الذي ليس بمعاين عوين، والذي ليس بمحسوس حس، والعالي على الزمان أبتدىء، ~~وابن الله صار ابن الانسان، وألم الذي لم يكن يألم ووالده الله، فتأمل ما ~~في هذا فانه يفصح بأن الله لم يكن يعاين فصار يعاين، ولم يكن يحس فصار يحس ~~ويدرك، وأنه كان قبل الزمان فابتدىء وصار في الزمان، وألم الذي لم يكن ~~يألم، وابن الله صار ابن الانسان، وصار ابن الانسان ابن الله ووالده الله، ~~وهذه صفات المسيح الذي هو عندهم الله وابن الله. قالوا: # وقد قال الآباء- وقد ذكروا ما صنع فيلاطس الرومي واليهود-: انهم لما ~~صلبوا رب المجد عرفوه. # قالت النصارى هذه كلها اقاويلنا وفيها حقيقة مذهبنا. # قالوا وقد قال الفاضل ياوانس: المساوى للأب جاء الى العالم في الرحم ~~البتول، وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود، وهو ابن الله قبل ~~ان يدعى ابن ابراهيم وداود. وقالوا: فهذه حقيقة ديننا، فان جاء فيه ان الله ~~انسان او من جنس الناس، او أنه يتقلب في الصور والهيئات وينتقل ويتشكل لم ~~ننفر من ذلك، ولم ندع ما اسسه الأباء والقدوة لما يوجب الجدل ويلزم في ~~النظر. فتأمل هذا، وقولهم: المساوي للآب جاء الى العالم في الرحم البتول ~~وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود وهو ابن الله قبل ان يدعي ~~ابن ابراهيم وداود، لتعلم ان اعتقادهم وقولهم ان هذا الذي ولدته مريم هو ~~ابن الله وهو الله، وأنه مثل الأب الذي في السماء على العرش عندهم، وأن ~~هذا هو الذي لم يزل، وأن الذي حدث وتجدد ولادة مريم له، وأن ابراهيم ~~وإسرائيل وداود انما صاروا آباءه من قبل امه لأنها PageV01P099 # من بني اسرائيل، وأنه كان ms065 ابن الله قبل ان يكون ابن ابراهيم وإسرائيل ~~وداود. # قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدرة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء ~~لم يزل كلمة، والكلمة لم تزل لدى الله، والله هو الكلمة، ويسوع هو عيسى ~~بالسريانية . قالوا: فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو ~~الله وابن الله وهو كلمة الله. # قالوا: وقد قال يوحنا السليح : إنا نبشركم بالذي لم يزل من قبل، وأنا ~~رأيناه بأعيننا، وحسسناه بأيدينا. قالوا: فما فيمن هو الحجة لجماعتنا الا ~~من يكشف الامر كشفا لا يتعرض لتأويله الا من يكابر عقله. # فعندهم ان القديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس ~~بأبصارهم، ولمسوه بأيديهم. قالوا وقد قال أرميا النبي وقد ذكر المسيح ~~والبشارة به: هذا الهنا ولا نعوذ معه غيره، وانه في آخر الزمان تراءى على ~~الأرض وتردد مع الناس، فتأمل هذا الكشف. # قالوا: وقد قال بطرس وهو بكر ايماننا واصل بيعتنا لما سئل عن ابن ~~الله لا عن ابن الناس، وعن كلمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان ~~بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير. # قالوا: وقد خاطب الناس من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت PageV01P100 # مؤمن بابن الله، قال الاعمى: ومن هو حتى أؤمن به؟ قال: قد رأيته وهو ~~المخاطب لك، قال: آمنت يا سيدي، وخر ساجدا. قالوا: فما الذي بقي من الافصاح ~~بأن الذي حبلت به مريم وكان في بطنها هو الله وابن الله وكلمة الله. # قالوا: وقد قالت ام يحيى بن زكريا- وقد دخلت على مريم وهي حبلى بالمسيح، ~~وام يحيى حبلى به- ان هذا الذي في بطني قد سجد للذي في بطنك. قالوا: فما ~~الذي يبقى في البيان في ان الإله المعبود الذي هو الله وابن الله وكلمة ~~الله هو الذي حبلت به مريم وولدته. # قالوا: ولما عمده يوحنا في الأردن تفتحت ابواب السماء ونادى الأب: # هذا ابني وحبيبي الذي سررت به نفسي. ونزل روح القدس في صورة حمامة ورفرفت ~~على رأس المسيح، قالوا: فالمتعمد ms066 هو الله الابن، والمنادي هو الأب، والنازل ~~هو روح القدس، وانظر كيف يفردون كل واحد منهم بصنع غير صنع صاحبه. # قالوا: وفي البشارة به حين قال جبريل لمريم: ها انت تحبلين وتلدين، قالت ~~له: كيف يكون هذا وما مسني رجل؟ فقال لها: ربنا معك، والهنا معك، وأيدي ~~العلي تحل عليك، وروح القدس تأتيك، والذي يولد منك قدوس وابن الله يدعى، ~~قالوا: فقد خبرها بأنها تحبل بابن الله لا بابن الناس، وانها تلد ابن الله ~~لا ابن الناس، وان الله معها. قالوا ولا نريد بقولنا معها ومع ابنها بمعنى ~~التأييد والنصر والمعونه كما يكون الله مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، ~~لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء ~~وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم PageV01P101 # ورب الملائكة؛ ولا هو معها ومع ابنها بمعنى الخلق والتدبير والتقدير كما ~~يكون مع سائر إناث الحيوان من الناس والكلاب والحمير والخنازير بالخلق ~~والصنع والتقدير، ولكنه معها لحبلها به ولاحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت ~~جميع اناث الحيوان، وفارق ابنها جميع النبيين، فصار الله وابن الله الذي ~~نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته والمولود منها الها واحدا ومسيحا واحدا ~~وربا واحدا وخالقا واحدا مذ وقت بشارة جبريل عليه السلام لها، لا يقع ~~بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، ولا في الحبل، ولا في ~~الولادة، ولا في حال نوم، ولا مرض، ولا صلب، ولا موت، ولا دفن، بل هو متحد ~~به في حال الحبل، فهو على تلك الحال: مسيح واحد، وخالق واحد واله واحد، ~~وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الموت والصلب كذلك. # قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى، فيقول: مريم حبلت ~~بالإله، وولدت الإله، ومات الاله؛ ومنا من يمنع هذه العبارة ويعطي معناها ~~وحقيقتها، فيقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، ~~وهي ام المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن ~~الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن ms067 لله في الحقيقة إلا هو، ~~ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو، ولا أم للمسيح إلا مريم. قالوا: فؤلاء ~~يوافقون في المعنى قول من قال فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل ~~الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط. ~~PageV01P102 # قالوا: وانما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا لئلا يتوهم علينا ~~إذا قلنا: حبلت بالاله، وولدت الاله، ومات الاله، وألم الاله، إن هذا كله ~~حل ونزل بالاله الذي هو أب، ولكنا نقول: حل هذا كله ونزل هذا كله بالمسيح، ~~والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام، وإله حق من إله حق، من جوهر أبيه. # قالوا: لا نريد بأنه معنا على معنى النصر والتأييد ولا معنى الخلق ~~والتدبير، لأنه مع جميع الانبياء والصالحين كذلك، ومع جميع المخلوقات ~~بالخلق والتدبير، وكأن يكون قولنا وقول المسلمين واليهود واحدا في التوحيد. # قالوا: والآباء والقدوة منا يقولون: ابن الله يدعى ابن الانسان، وابن ~~الانسان يدعى ابن الله، وآدم الجديد هو الاله الألم الذي قتل ومات. # قالوا: وعندنا ان المسيح قال: ابن البشر هو رب السبت . وقال ايضا: ~~أنا بأبي وأبي بي، ولا يعرف احد الات إلا الابن، والابن لا يعرفه إلا الاب، ~~وانك إله بي وأنا بك . وقال: انا في ابي، وابي في. وقال: # انا قبل ابراهيم، وقد رأيت ابراهيم وما رآني، فقال له اليهود: كذبت، كيف ~~تكون قبل ابراهيم وأنت من ابناء ثلاثين سنة، فقال: انا عجنت طينة آدم ~~وبحضرتي خلق، وانا اجيء واذهب واذهب واجيء . قالوا: وهذا القول عندنا ~~للمسيح في الحقيقة، ولو كان قولا للإله الذي ليس هو المسيح PageV01P103 # لما كان له معنى. وعندنا ان المسيح بن آدم وربه وخالقه ورازقه وابن ~~ابراهيم وربه وخالقه ورازقه، وابن اسرائيل وربه وخالقه ورازقه، وابن مريم ~~وربها وخالقها ورازقها. # قالوا: وقد اعتل لنا من يناظر عنا بأن الله والد في الحقيقة وان تولد ~~ابنه منه كتولد ضياء الشمس من الشمس وكتولد الكلمة من العقل، ونحن فما ~~قلنا: إنه والد وله ولد في الحقيقة بهذا ms068 الاعتلال، بل لما قدمنا من قول ~~الآباء والقدوة. وعلى ان هؤلاء قروا بهذا القول من التشبيه لله بالمتناسلين ~~المتناكحين من المخلوقين، فشبهوه بالموات والجماد، فوقعوا في شر ما هربوا ~~منه ودفعوا الضرورة، لأن مريم قد ولدت المسيح إله الكل ولادة صحيحة في ~~الحقيقة معقولة، ولادة الاحياء الناطقين بغير تناكح ولا تناسل، ومن قال إن ~~مريم ما حبلت بالمسيح في الحقيقة، ولا ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام ~~المسيح في الحقيقة، فليس من طوائف النصارى. وكذا من قال ليس المسيح إلها في ~~الحقيقة، ولا ربا للخلائق في الحقيقة، فليس من الملكية ولا من اليعقوبية ~~ولا من النسطورية. # قالوا: وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمرها اليهود في الخشبة هي ~~اليد التي عجنت طين آدم وخلقته، وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي ~~كتبت التوراة لموسى. # وقالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود بالمسيح: إنهم لطموا الإله وضربوه على ~~رأسه، وعجب لإله يضرب على رأسه. وتعالوا فانظروا الى الإله يلطم ويضرب على ~~رأسه. PageV01P104 # قالوا: وفي بشارة الأنبياء، ان الاله يجيء، وتحبل به امرأة عذراء وتلده، ~~ويؤخذ ويصلب ويقتل. # قالوا ولنا سنهودس قد اجتمع عليه نحو سبعمائة من الآباء والقدوة، فيه ان ~~مريم حبلت بالاله وولدته وارضعته وسقته واطعمته، وهذا دون ما في تسبيحة ~~الايمان من الولادة والقتل والألم والصلب والموت والدفن. # قالوا: وأقاويلنا كلها من اولها الى آخرها التي ذكرناها لكم من اصل ديننا ~~وحقيقة مفصحة بذلك، فهذه حقيقة ديننا وايماننا ولنا من هذا المعنى من ~~السرياني والعربي اكثر مما ذكرناه. # فهذا يرحمك الله كما ترى وتسمع، فلولا ان رأينا قوما عقلاء يقولون هذا، ~~وسمعناه منهم حين فتشنا عما قاله الله وحكاه عنهم فنطقوا به بعد الجهد ~~واخرجوه من غوامض اسرارهم، لما صدق الناس ان في الدنيا من قال هذا او نطق ~~به. # وإذا تأمل العاقل الأمور وفتش وطال بحثه وجهد، رأى الجهل في الأمم ~~والاقاويل المشتملة على الحمق كانت في الامم قبل الاسلام. # فالفلاسفة تدعى في هذه الاجسام الجماد والموات ms069 من الشمس والقمر والكواكب ~~والسماء أنها حية عاقلة مميزة تخلق وترزق وكانوا لها عابدين، والنصارى كما ~~قد علمت، والمجوس عندها ان الاله غالبه الشيطان ونزل الى الارض ، ~~وكانت الحرب بينهما ألف سنة، وان الشيطان غلبه وحاصره PageV01P105 # في جنته مع ملائكته وان الملائكة عند ذلك سعوا بينهما في الصلح ووقعت ~~المهادنة بينهما على شرائط معروفة مذكورة عند من حكى المقالات، وشرحها ~~يطول ، ثم رجع عندهم بملائكته الى سمائه غير انهم ما قالوا قتل كما ~~قالت النصارى، ولا بلغوا الى هذا وان كانوا قد فحشوا في القول. # وقد كانت القبط تقول بإلاهية فرعون صاحب مصر، والمنانية من الزنادقة ~~فقولها في نحو من قول المجوس، وأقاويل الهند في البد معروفة. # فلما جاء الاسلام بتلك الانوار، وبأن من كان جسما ومحتاجا لا يكون إلها ~~ولا يفعل جسما كما قدمت لك في «المصباح» ، وهو ايضا مذكور في غيره. وكان من ~~رحمه الله بخلقه ان سلطان الاسلام ظهر على الاديان كلها، وكان حملة السلاح ~~هم الأتقياء والأولياء العلماء الفقهاء، فاستحيا اهل البدع منهم فانقبضوا ~~وكانت لهم هيبة التقوى. فمات اولئك رضي الله عنهم وطال العهد، وصار بعدهم ~~ملوك جبابرة غير انهم كانوا حملة الاسلام. # ثم لم يزل الأمر يتناقص، فصارت السيوف كلها على الاسلام، ومات أهله، وصار ~~في الزندقة والإلحاد السيف والملك فعادوا الى ما كانوا عليه من الجاهلية. # ألا ترى ان من بالإحساء من القرامطة والباطنية لما غلبوا شتموا ~~الانبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا ~~بالمصاحف PageV01P106 # والتوراة والإنجيل، وجاؤوا بزكيره الاصفهاني المجوسي وقالوا هذا هو ~~الإله في الحقيقة وعبدوه، وكان لهم معه ما هو مذكور معروف. # ومثل هذا صنع ابو القاسم الحسن بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار حين ~~ظهر بجبال لاعة من ارض اليمن، وكذا صنع من كان منهم بالجند وعدن من ارض ~~اليمن، وسبوا العلويات، وكل هؤلاء كانوا في اول امرهم يخدعون الناس بأنهم ~~شيعة، وأن المهدي ارسلهم. # وكذا صنع من كان منهم برقاده والقيروان من ارض المغرب، الى ان ms070 قام ابو ~~يزيد مخلد بن كداد بمن معه وحاربهم خمس سنين وضيق عليهم كما صنع الأصفر ~~بأهل الإحساء ، فلما انكشف أمر أبي يزيد عمن بالمغرب كفوا عن المكاشفة ~~للعامة بشتم الأنبياء وتعطيل الشرائع، وصاروا يخدعون الناس سرا وينقلونهم ~~عن الاسلام بالحيل والأيمان من حيث لا يشعرون شيئا شيئا، وانبثوا وانبسطوا، ~~وبثوا ذلك في ممالكهم، ويقصدون بدعوتهم الديلم والأعراب وكل من يقل بحثه ~~ونظره وله رغبة في الدنيا وشغل بها. PageV01P107 # ثم يقطعونهم عن البحث والنظر بالعهود والايمان المغلظة، ومن دخل بلدانهم ~~وشاهد عساكرهم وتأمل سيرتهم يعرف ذلك من قصدهم، بل من سأل واستبحث يعلم ذلك ~~وإن لم يصر اليهم. وقد صاروا حرما للملحدة والزنادقة والفلاسفة والدهرية ~~وجميع اعداء الاسلام، فمن هاجر اليهم أمن في إلحاده وقال ما شاء كيف شاء، ~~فيا لها مصيبة بذهاب الاسلام وموت اهله وقلة العارفين به وبحقوقه، فان من ~~بقي ممن يظن انه من اهله فمنهم من يشبه الله بخلقه، ومنهم من يجوره في ~~حكمه وإلى غير ذلك. ### | وباب آخر [ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح عليه السلام] # وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم الله تعظيما للمسيح ~~وتحققا به وحبا له، يدعون انهم شيعته واتباعه، وانهم اطوع الناس له، وان ما ~~هم عليه عنه اخذوه، وبه اقتدوا فيه، وعلى وصاياه عملوا. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: ان المسيح عبد الله ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله، من ~~آدم ونوح وابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وغيرهم من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، من الدعاء الى عبادة الله وتوحيده وحده، ~~والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية؛ وان النصارى قد كذبوا عليه، ~~وبدلوا دينه، وعطلوا وصاياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، ~~الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة ~~والصابئين من اهل حران ، فانهم PageV01P108 # اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره، كالقبط الذين ~~قالوا في فرعون ما ذكرنا، وكغيرهم؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين ~~خلق كثير، ms071 وشرح احوالهم يطول؛ وان المسيح صلى الله عليه وسلم عدو لهؤلاء ~~النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال، وعلى ما شرح وفصل، فكم في ~~هذا من عجب، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة، ولسانه ~~غير لسانه، وبلده غير بلده، وقومه غير قومه، يخبر عنه بأمور كان عليها. # وقد وجد صلى الله عليه وسلم أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا ~~الرجل وهم على منهاجه وطرائقه، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك، وكان ~~لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا ~~عليه، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه، سيما وقد ادعى الصدق ~~والنبوة والرسالة على اهل الارض كلهم وعقله الذي لا يدفع. فانظر كيف يتعرض ~~لعظيمات الأمور، وجسيمات الخطوب. # وحكى عن ربه عز وجل ان النصارى ليسوا على شيء مما جاء به احد من ~~الانبياء، فقال: «وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله ~~وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه ~~لكفى وشفى وأغنى. PageV01P109 # فإن قيل لكم ومن اعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى، وأنهم قد ~~خالفوه؟ # قلنا: من تأمل الامر وجدهم اشد الناس خلافا عليه واطراحا لوصاياه في ~~الاصول والفروع جميعا. فأما في الاصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة ~~أرباب كما قدمنا وتبينا، ولا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بنبي ~~ولا عبد صالح، وأنه إله حق من اله حق من جوهر ابيه، وأنه اله تام من اله ~~تام، وانه خالق السماوات والارض والاولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم ~~وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية ~~من انه إله مركب من نوعين وطبيعتين، وبينا ما يرومونه من المغالطة. فإن ~~قالوا: فإنا لا نفرد واحدا من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها ~~بعبادة واحدة، قيل له: ms072 ان هذا لا يخرجكم من ان تكونوا قد اشركتم في القدم ~~واشركتم في العبادة، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم، لأنه يصح ان نعبد مائة الف ~~معبود بعبادة واحدة. وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام ~~والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وتفردونها ايضا ~~بالصنع والأفعال والخلق والتدبير، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين ~~عمده يحيى مما تقدم ذكره، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن ~~المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا، وانه ~~هو الذي اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه ~~بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن ~~فعلها لا الأب. PageV01P110 # فإن قالوا: كل فعل من هذه الافعال قد فعله الآلهة الثلاثة. # قيل لهم: هذا خلاف النصرانية وهو بين فيما قدمنا وذكرنا عنهم؛ وايضا فان ~~فعلا واحدا لا يصح ان يفعله اكثر من حي واحد، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر ~~عليه اكثر من قادر واحد، وهو مبين في كتب العلماء، والنصارى لا تفهم ذلك ~~ولا تحوجك إليه. # واعلم ان النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو ~~يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم، وهو ايضا ~~بين في تسبيحة ايمانهم. ألا تسمعهم يقولون: ونؤمن بالرب الواحد يسوع ~~المسيح، ابن الله بكر ابيه، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر ابيه، ~~الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الى قولهم: # وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء. ويقولون في ~~عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم: انت ايها المسيح يسوع تحيينا، وترزقنا، وتخلق ~~اولادنا، وتقيم اجسادنا، الى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره، فبيناهم ~~يفردون كل واحد منها بفعل، وبيناهم يقولون: ان الامر كله قد رجع الى الابن ~~وكله شرك. # فان قيل: فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن ~~النصارى؟ # قلنا: أما في ms073 الاصول فانه قال لهم: الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، فيشهد ~~على نفسه انه عبد الله مربوب مدبر مصنوع، كما شهد عليهم انهم كذلك، وانه ~~مثلهم في العبودية والضعف والحاجة، وذكر انه رسول الله الى خلقه، وان الله ~~ارسله كما ارسل الانبياء قبله. PageV01P111 # فذكر يوحنا في انجيله ان يسوع المسيح قال في دعائه: ان الحياة الدائمة ~~انما تجب للناس بأن يشهدوا انك انت الله الواحد الحق، وانك ارسلت يسوع ~~المسيح ، فانظر كيف يخلص التوحيد ويدعى النبوة. وذكر يوحنا انه قال ~~لبني اسرائيل: تريدون قتلي وانا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله ~~. وذكر ايضا انه قال: اني لم اجىء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني ~~ . # وقال عليه السلام: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن من الذي ~~أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي . وكان عليه السلام يواصل ~~العبادة في الصلاة والصوم ويتنفل ويقول: ما جئت لأخدم وإنما جئت لأخدم، ~~وقال: إني انا لست ادين العباد ولا احاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو ~~الذي يلي ذلك منهم . هذا في انجيل يوحنا. # وفيه ايضا ان المسيح قال: انهم يا رب قد علموا انك أرسلتني وقد ذكرت لهم ~~اسمك ، وقال المسيح: ان الله الواحد رب كل شيء أرسل ابن PageV01P112 # البشر الى جميع العالم لينقلوا الى الحق . وقال ايضا: ان الاعمال ~~التي أعملهن هن الشاهدات لي بأن الله أرسلني الى هذا العالم. وقال ايضا: ما ~~أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي. # وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص. # وسألوه عن الساعة متى هي فقال أنا لا اعلم متى ذلك ولا احد من البشر، ولا ~~يعلم ذلك إلا الله وحده. وقال: ان الله عز وجل ما أكل ولا يأكل، وما شرب ~~ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد ولا يلد ولا يولد، ولا رآه احد، ولا ~~يراه احد الا مات. وقال له رجل: يا ايها الخير ms074 علمني، فقال له المسيح: لا ~~تقل لي هذا، فانه لا خير الا الله. وقال له رجل: مر أخي يقاسمني تركة ابي، ~~فقال: ومن جعلني عليكم قاسما. وقال في دعائه لما سأل ربه ان يحيي الرجل ~~الميت الذي يقال له إيلا عازر، يا إيل : انا اشكرك واحمدك، انك تجيب ~~دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك ان تحيي هذا الميت ليعلم بنو ~~اسرائيل انك ارسلتني وانك تجيب دعائي . وقال في دعائه وقد خاف الموت ~~ولم يزل يواصل الصلاة والتضرع والدعاء والبكاء، يا إيل: ان كان من مسرتك ~~ان تصرف هذه الكأس المرأة عن احد فاصرفها PageV01P113 # عني، وليس كما أريد انا بل كما تريد انت. وكان يرمي من فمه كعلق الدم ~~جزعا من الموت، ويعرق ويقلق . وكان اذا ذكر البعث والقيامة والحساب ~~يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من احد، ويكون من صلاته وصيامه ~~وعبادته وخشوعه ما لا يكون من احد من زمانه. # ومثل هذا من أقواله وافعاله اكثر من ان يحصى، وهو معهم وفي أناجيلهم، حتى ~~لقد احصى اهل المعرفة والعلم، فوجدوا المسيح عليه السلام له من الاقرار على ~~نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة، ولله عز وجل بالغنى ~~والربوبية، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الانبياء والصالحين، ثم تقول فيه ~~النصارى ما قد سمعت. # فإن قالوا: فقد حكى متى عنه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض ~~وعمدوا العباد باسم الآب والابن [و] روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا ~~كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك. # قيل له: ليس المسيح اول من كذب عليه وانتم تعلمون ان ماني القس يدعي ~~التحقيق بالمسيح، وانه من اتباعه، وانه ليس احد على شريعته ووصاياه الا هو ~~واتباعه، وان الانجيل الذي معه هو انجيله. وهو يذكر عنه انه كان يحرم على ~~الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان، وان هذا ما حل ~~قط ولا يحل، ويلعن كل من احله. وانه كان تبرأ من ابراهيم وموسى وهرون ~~ويوشع وداود، ms075 ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك. ~~ويستشهد على ذلك بمواضع من الاناجيل PageV01P114 # التي معكم، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى واخطأ فيما تأول، وان ~~تزكية المسيح لهؤلاء الانبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل. # قلنا: فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وانتم في هذا اشد فضيحة من ~~المنانية، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد الله ~~وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بين وأوضح من كل واضح. # والعقلاء يردون المجهول بالمعلوم، وما التبس بما اتضح، وما يحتمل بما لا ~~يحتمل. وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون الى ألفاظ في ~~التوراة وفي كتب الانبياء متحملة، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه ~~الفاحشة، فيقولون: انما اراد ابراهيم وموسى وهارون وسائر الانبياء وهو ما ~~أردناه من ان الله ثالث ثلاثة، وأن الأرباب جماعة، وأن الله يصعد وينزل ~~ويولد ويقتل. فيقصدون الى ما في التوراة من أن الله قال نريد ان نخلق بشرا ~~على صورتنا ومثلنا . فيقولون: هذا خطاب من جماعة، أما تسمعونه يقول: ~~نريد، ولم يقل: أريد ان أخلق بشرا مثلي، لتعلموا أن الآلهة جماعة، وأنهم ~~على صور وهيئات كهيئات الناس، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة. # حتى تعدوا الى القرآن فقالوا: «إنا أنزلناه في ليلة القدر» ، قالوا: # فهذا خطاب من جماعة لا من واحد. وقالوا في قوله عز وجل «فلا أقسم برب ~~المشارق والمغارب» قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب. ~~PageV01P115 # وقالوا في قوله عز وجل: «ووالد وما ولد» قالوا: فإنما الإله يقسم ~~بنفسه وولده. فيقولون: محمد قد جاء بالنصرانية وبمذهبنا، ولكن اصحابه لم ~~يفهموا عنه. ويقولون في قوله عز وجل: «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» . # قالوا فهذا الذي نقوله نحن: أنه من جوهر أبيه، ولا نريد بقولنا منه أنه ~~بعضه ولكنه من جنسه ومثله. فيقصدون الى أقوام كإبراهيم والأنبياء صلوات ~~الله عليهم وأمثالهم قد عرفت مذاهبهم ومقاصدهم فينصرفون عنها بالتأويلات ~~ومحتمل ms076 الألفاظ. ومذاهبهم قد تحصلت حصلا لا يحتمل التأويل، لأن العلم بأن ~~المسيح كان في توحيده على منهاج ابراهيم وموسى وهارون وداود ومحمد صلى الله ~~عليهم لا يرتاب به من عرف أخبارهم وسيرهم ودعوتهم قبل العلم بنبوتهم. فاعرف ~~هذا فانه اصل كبير يعرفه من تأمل وأراد التبين وقد اعتفل في مثله خلق كثير ~~من العقلاء. # ثم هناك من الكذب على الانبياء فضلا من التأول لما في كتبهم، كقولهم ان ~~الانبياء قالوا قبل مجيء المسيح: ان الله سيجيء وتحبل به امرأة عذراء، ~~ويؤخذ ويصلب ويقتل ويموت ويدفن. هذا مما هو اكثر من ان يحصى. # ويقال للنصارى لا فرق بين من ادعى على المسيح انه ادعى الربوبية وأن الله ~~ولده وأنه ابنه على ما تعتقدون وتدعون، وبين من ادعى انه هو وضع تسبيحة ~~الايمان وتسبيحة القربان، وأنه اتخذ البيعة، وجعل عيده يوم الاحد، وأخذ ~~الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، ~~وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه PageV01P116 # أحل الخنزير وأكله، وصلى الى المشرق، وعطل الختان والوضوء والطهارة وغسل ~~الجنابة، وأخذ اصحابه بصيام الخمسين، وشرع ذلك ودعا اليه، ومن بلغ هذا فقد ~~تناهى في المكابرة والمجاحدة، اللهم إلا ان لا يكون يعرف اخبار المسيح ~~والنصارى في زمانه، والنصارى بعد موته ومضيه، ولا عني بذلك. فسبيل من ادعى ~~عليه ما يدعي عليه هذه النصارى وما تحكيه عنه وتتأوله عليه، كسبيل من ادعى ~~عليه الامور التي قدمنا ذكرها. # وفي النصارى قوم استبصروا وأسلموا وتتبعوا المواضع والألفاظ التي تدعيها ~~النصارى على المسيح، وقالوا لهم: ما نعلم المسيح قال ذلك، ولو قاله لما ضاق ~~مجازة وتأويله، كقولهم انه قال: ابن البشر رب السبت، وأني قبل ابراهيم وأنى ~~بأبي وأبى بي، وما اشبه ذلك. فقالوا لهم: في التوراة ان موسى إله فرعون ~~وإله هرون، وأن هرون رسول موسى الى فرعون، وأن يوسف قال للمصريين: ان ~~العزيز ربهم. وذكروا لهم عن ابراهيم ولوط وداود وسليمان وعن غيرهم من ms077 ~~الانبياء شيئا كثيرا، ولا حاجة بك الى ذكره ومعرفته، ولو عرفته لم يكن به ~~بأس، ولكن ارجع ابدا الى اصل الدعوة والنحلة، والمعروف من قول النبي، ورد ~~المجهول بالمعلوم، وقد استغنيت عن التأويل كما تقدم لك. # ومثل هذا ما يدعيه المنجمون على على رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ~~كان يذهب الى ما يذهبون، لأنه قال في كتابه: «فنظر نظرة في النجوم فقال: ~~إني سقيم » وأنه قال: «في يوم نحس مستمر » و «في أيام نحسات » ~~PageV01P117 # وغير ذلك. فقال لهم اهل العلم: قبل كل شيء قد عرفنا من دعوة هذا الرجل ~~وقصده قبل المعرفة بنبوته أن ما يكون في غد لا يعلمه ملك معرب ولا نبي ~~مرسل، ولا يعلمه إلا الواحد المنفرد بالقدم، فلا وجه للتعليق عليه بظواهر ~~الألفاظ وبالتأويل، هذا لا يفعله عاقل ولا يذهب الغلط فيه على محصل، وإنما ~~يخادع بهذا اهل الغافلة. # وكذا قالوا الباطنية ومن سلك سبيلهم: في ان باطن الصلوات أشخاص وكذا ~~العبادات، وان لكل ظاهر باطنا، غير ما عليه الفقهاء والعامة. # فقالوا لهم: ادعيتم أنكم من المسلمين وقد علمنا من دعوة هذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل العلم بنبوته ان ما حرمه من الزنى واللواط والربا ~~والخمر والخنزير والامهات والبنات والأخوات وغير ذلك محرم على كل عاقل ~~بلغته دعوته كائنا من كان، وانه على ما عليه الفقهاء والعامة، وانه لا ~~تأويل لذلك ولا باطن، وأن جميع ما اوجبه من الطهارات والصلوات والصيام ~~والعبادات لا تسقط عن عاقل كائنا من كان على ما عليه الفقهاء والعامة لا ~~تأويل لذلك ولا باطن، وان من قال: لهذه الأشياء باطن او تأويل، فقد كفر ~~وأشرك وخرج من الاسلام خروجا ظاهرا. # ولا حاجة بنا الى ان نبين لكم تأويل الآيات التي سألتم عنها، فقد علمنا ~~من قصده صلى الله عليه وسلم ان مراده في ذلك غير مرادكم، وقصده غير قصدكم. ~~مثل هذا قالوا لمن قال من هشام بن الحكم واتباعه حين قالوا: إن الله لا ~~يعلم ما يكون ms078 قبل ان يكون، لأنه قال: «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~PageV01P118 # والصابرين » وأنه يفعل الجور والظلم. ولمن قالوا: يأمر بالفسق ~~لقوله: # «أمرنا مترفيها ففسقوا فيها # فاعرف هذا فانه اصل كبير. # ثم رجعنا الى قولنا في النصارى. # فان قيل: كل هذا [الذي] حكيتموه عن المسيح موجود في الكتب التي مع ~~النصارى، فكيف جعلتم ما حكاه نبيكم عن المسيح وعنهم من معجزاته وآياته؟ ~~قلنا: قد فرغنا من هذا غير مرة وبينا ان هذا النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~قرأ الكتب ولا قرئت عليه، ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، ولا عرف ~~ذلك إلا بوحي، وان كان موجود في كتبهم. كما انه لم يعرف قصة نوح وابراهيم ~~ويوسف وموسى وهرون إلا بالوحي، وان كانت مذكورة في كتبهم. # فإن قيل: لعمرى إن من عرف دعوة المسيح يعلم ان دعوته الى توحيد الله ~~كدعوة موسى وهرون ومحمد وأمثالهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، ~~وأنه بريء من دعوة هذه الطوائف من النصارى كبراءته من دعوة المنانية، ~~وكبراءة محمد وموسى وهرون من ذلك اجمع. ولكن قد جاء عنه انه كان يقول في ~~الله [أنه] ابوه، فيقول: ارسلني ابي، وقال لي ابي، ومثل هذا كثير، فما ~~عندكم فيه؟ # قيل له: إن كان قد قال هذا فلا حجة للنصارى فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال ~~لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن ~~وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان PageV01P119 # يكونوا هم كذلك، وقد قال بعض الناس: إن الابن في اللغة العبرانية التي ~~هي لغة المسيح تقع على العبد الصالح المطيع الولي المخلص، وان الأب قد تقع ~~على السيد المالك المدبر؟ قالوا: وقد قال في التوراة: إن اسرائيل ابني ~~وبكري وأولاده ابنائي؛ وعلى دعوى النصارى تجب لهم الإلهية وقد قال ايشيعيا ~~النبي عليه السلام في كتابه: إن الله ابو جميع العالم، وانتم معشر النصارى ~~تذكرون ان متى حكى في انجيله عن المسيح انه قال: طوبى لكم معشر المصلحين ms079 ~~بين الناس فإنكم تسمون ابناء الله. وقال متى في انجيله: ان المسيح قال ~~للناس: ان اباكم السماوي واحد فرد. وقالوا: ان المسيح كان يقول في صلاته ~~التي كان يصليها ويعلمها الناس: قولوا يا ابانا الذي في السماء انت قدوس ~~اسمك، عزيز سلطانك، نافد امرك في السماوات والأرض، لا يعجزك ما طلبت، ولا ~~يمتنع منك ما أردت، فاغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ولا تعذبنا بالنار . ~~فينبغي على قول النصارى ان تكون هؤلاء كلها آلهة وأربابا، لتعلم ان اسم ~~الأب يقع في تلك اللغة على السيد والمالك. # وقال المسيح لبني اسرائيل: لو كنتم ابناء ابراهيم لأجبتموني فاني ابن ~~ابراهيم. وقد علمنا ان بني اسرائيل كلهم اولاد ابراهيم، وإنما اراد انكم لو ~~كنتم اولياء ابراهيم. # وايضا فان النصارى تذكر عن بولص انه ذكر في الرسالة فقال بأن الروح نفسها ~~تشهد لأرواحنا انا ابناء الله. وهم يقولون في الاشرار: انهم ابناء ~~الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الولي المخلص، ~~وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ~~ابونا، PageV01P120 # فهذا كله في استعمالهم. ولكنهم لما اعتقدوا في الله عز وجل انه رجل ~~وانسان وشخص وما هذه سبيله لم يرضوا ان يجعلوا له ابناء إلا بالحقيقة ~~من طريق الولادة والتناسل كما تقدم بيان ذلك لك. وهم يقولون: ان الله ~~الأب قال لابنه يسوع المسيح اني ولدتك قبل ان اخلق كوكب الصبح. # وليس في هذه الطوائف الثلاث من النصاري من يقول: إن المسيح ابن الله على ~~طريق التشريف والمجاز، بل هو إله تام من إله بام، واله حق من اله حق، من ~~جوهر ابيه. فاعرف هذا. ### | باب آخر [ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم] # من هذا الجنس، وهو ان هذه النصارى واليهود جميعا يدعون فيلاطس الرومي ملك ~~الروم اخذ المسيح يتظلم اليهود منه وسلمه اليهم، فحملوه على حمار وجعلوا ~~وجهه الى عجز الحمار وجعلوا على رأسه اكليل شوك، وطوفوا ms080 به تنكيلا. وانهم ~~كانوا يقفدونه من ورائه ويأتونه من تلقاء وجهه فيقولون له: يا ملك بني ~~اسرائيل من صنع هذا بك؟ سخرية منه . وانه لما ناله من الكد والشقاء عطش ~~واستجدى وقال لهم: اسقوني ماء، فأخذوا الشجر المر واعتصروه وجعلوا الخل في ~~ذلك العصير وأعطوه، فأخذه وهو PageV01P121 # يظنه ماء فغب فيه فلما وجد مرارته مجه فسعطوه به وعذبوه يومه وليلته ~~. # فلما كان من الغد وهو يوم الجمعة الذي يسمونه جمعة جشا سألوا فيلاطس ضربه ~~بالسوط فضربه، ثم اخذوه وصلبوه وطعنوه بالرماح وما زال يصيح وهو مصلوب على ~~خشبة يا إلهي لم خذلتني يا الهي لم تركتني، الى ان مات ونزلوا به ودفنوه ~~ . وادعى اليهود والنصارى العلم بذلك والمعاينة والمشاهدة، وانهم قد ~~تلقوا ذلك الجمهور عن الجمهور، والامم عن الامم، وصار النصارى خاصة ~~يسخرون من المسلمين اذا قالوا ما كان هذا من شيء، ويقولون: أي فائدة ~~لصاحبكم في مكابرة الأمم المجمعة على ذلك، وقد سبقوه وكانوا قبله، وهم اهل ~~هذا الرجل واصحابه، وبينهم ولد، ومعهم نشأ، وقد أجمع على ذلك عدوه من ~~اليهود ووليه من النصارى، فأنكر نبيكم. # وهل هذا إلا كما قيل: رضي الخصمان وأبى القاضي. فنظر اهل العلم في قوله ~~صلى الله عليه وسلم، فاذا هو قد اخبر انهم قد قالوا ذلك وهم لا يعلمونه، ~~وما معهم علم به ولكنه ظن يظنونه، فاذا الامر كما قال وكما اخبر، والعلم ~~بأن الاعتقاد هو علم او جهل او ظن لا يعلمه إلا من قد صحب المتكلمين ~~والنظارين وانقطع الى صنعة الكلام ومهر فيها وكد، وهذا رجل متكلف، فيعلم ~~انه ما علم هذا إلا بالوحي من قبل الله وهذا من آياته العجيبة. PageV01P122 # وتأمل الى إقدامه على أمتين عظيمتين من اهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا ~~على امر وسبقوه في الزمان، وهو اشد الناس حرصا على تالفهم وإجابتهم ~~واستمالتهم، فأكذبهم وردهم، ولو كان متقولا لتهيب ولم يقدم على ذلك خوفا من ~~ان يكون الامر كما قالوا وكما ادعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد ms081 تبعه، لأن ~~الانبياء يجوز ان يقتلوا ويصلبوا، بل قد قتل قوم منهم. # وأيضا، فليس في قتل المسيح طعن عليه ولا قدح في امره، وما به حاجة الى ~~مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي ان يكون الى تصديقهم في ذلك أحوج، ليكون ~~تشنيعه على النصارى اقوى، لأنهم قد اعتقدوا فيه انه إله ورب وقد رأوه أسيرا ~~مقهورا في يد عدوه ومصلوبا ومقتولا، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد ~~قتلوا نبيا آخر مضافا الى غيره من الانبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. ~~فتجنب صلى الله عليه وسلم هذا كله مع الحاجة اليه، وقال: قد ادعوا أنهم قد ~~علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين، وما معهم فيه الا الظن فقال: # «وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن. وما قتلوه يقينا» أي ليس ثم يقين ولا سكون نفس، تقول العرب ~~في الخبر المتيقن قتلته علما وقتلته يقينا. ثم قال: «بل رفعه الله إليه» أي ~~صانه وعظمه ان تناله يد عدوه بالقتل والصلب، لأن الظن قد يصدق تارة، وقد ~~تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره، ويكون ~~قد صدق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صدقه، وان ظنوا ان ~~اعتقادهم لذلك علم. فانظر الى ذلك كيف بينه من كل وجه. PageV01P123 # فإن قيل: ومن ابن لكم ان الجماعات من اسلافهم ما شاهدوا ذلك ولا عاينوه ~~كما ادعوا؟ قيل له: من تأمل علم بعقله ان الامر كما قال صلى الله عليه وسلم ~~لا كما قالوا، لأن تلك الجماعات لو قد كانت شاهدت ذلك وعلمته لكان من لقيهم ~~وسمع منهم في مثل حالهم في العلم بذلك، فكان يكون كل من لقي النصارى ~~واليهود وسمع ذلك منهم عالما بذلك، فكنا نكون في مثل حالهم في العلم بذلك. ~~ألا ترى أنا لما اخبرناهم بقتل حمزة وجعفر وعمر وعثمان وعلي ms082 رضي الله عنهم ~~شاركونا في العلم بذلك وصارت حالهم في ذلك مثل حالنا، فلما رجعنا الى ~~انفسنا فلم نجدنا عالمين مع مخالطتنا لهم وكثرة سماعنا منهم، علمنا انهم ~~ليسوا بذلك عالمين، وأن اعتقادهم لذلك ليس بعلم. فبهذا الدليل علمنا صحة ~~دعواه صلى الله عليه وسلم وكذب دعواهم في انهم بذلك عالمين. # وبهذا الاعتبار تعلم رحمك الله بطلان دعوى من ادعى من اليهود ان موسى صلى ~~الله عليه شافه اسلافه الذين كانوا معه وهم ستمائة ألف رجل شاب سوى ~~المشيخة والنساء بأن شريعته مؤيدة الى أن تقوم الساعة، وأنه لا يحل تغير ~~شيء منها البتة وأن من ادعى خلاف ذلك فقد كذب وكفر. وادعت اليهود انهم بذلك ~~عالمون، فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين، وكان اعتقادكم لذلك علما، وقد حجكم من ~~لقيتم من اسلافكم لكنتم حجة على اهل زمانكم، وكان يعلم ذلك بقولكم وأخباركم ~~كل من شرح ذلك منكم، فلما كنا بذلك غير عالمين فإن اعتقادكم لذلك ليس بعلم. ~~ألا ترى أنا وكل من يسمع منكم يعلم ان موسى عليه السلام كان يدعي انه رسول ~~الله، وأن الله اصطفاه وأرسله، وأنه صلى الله عليه كان يحرم الأمهات ~~والبنات والأخوات والميتة والخنزير وذبائح الوثنيين، الى غير ذلك مما حرمه، ~~وأنه كان يقيم السبت. # فلو كان ما ادعيتم من تأييد شريعته لكان علمنا به كعلمنا بما قدمنا، بل PageV01P124 # كان يكون اقوى من العلم بذلك، فلما لم يكن كذلك علمنا وتيقنا ان موسى ~~عليه السلام ما قال ذلك ولا دعا اليه ولا فرضه وأن الامر لم يجر المجرى ~~الذي ادعيتموه. # يزيدك وضوحا لذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عهد ان شريعته ~~مزيدة علم ذلك كل من سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، فلو كان الامر كما ~~ادعوا لعلمنا ذلك بأخبارهم كما علموا ذلك من شأن نبينا بإخبارنا اياهم ~~وبسماعهم ذلك منا. # وهذا اصل كبير سبيلك ان تعنى به وتكبر مراعاتك له، فبه تعلم ايضا بطلان ~~دعاوى النصارى في ادعائهم قيام المسيح من ms083 قبره، وأنه عليه السلام أقام معهم ~~بعد قيامه من قبره اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه. # وهم يؤكدون هذا الكذب بأن يجعلوا له عيدا في يوم بعينه. # وبمثل ذلك تعلم بطلان دعواهم ان الخشبة التي صلب عليها المسيح وضعت على ~~ميت فاذا هو حي يسعى، وأن هذا كان ببيت المقدس جهارا في يوم شهدته النصارى ~~واليهود والروم وأمم لم يحصها إلا الله لكثرتها. ولهذا نظائر من دعواهم. # وبه تعرف بطلان دعاوى المجوس لزرادشت المعجزات. # وبمثل هذا تعلم بطلان دعاوى الرافضة ان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ~~امير المؤمنين عليا على امته، وفرض طاعته عليهم أجمعين من الأحرار والعبيد ~~والرجال والنساء وجعله حجة عليهم. وادعوا انهم قد علموا ذلك بإخبار جماعات ~~اخبروهم بذلك، وأن اعتقادهم بذلك علم. فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين وكان ~~اعتقادكم لذلك علما، لساويناكم في العلم بذلك لكثرة سماعنا PageV01P125 # منكم والخوض معكم فيه، فلما لم يكن كذلك، علمنا وتيقنا ان ذلك امر لا أصل ~~له. # والعلم ببطلان دعاوى الرافضة في ذلك أقوى واظهر والادلة عليه أكثر، لقرب ~~عهده وكثرة الخوض فيه، ولأن الذي ادعى ذلك لم يكن يدعيه ولا يذهب اليه، ~~ولأمور كثيرة. والأدلة على ذلك اكثر من الأدلة على غيره. # والرافضة تسأل في ذلك عما تسأل عنه اليهود والنصارى والمجوس في الطعن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي نبوته. فيقولون لما اعتقدتم صدق محمد ~~ونبوته فقال لكم: ان المسيح لم يصلب وان موسى لم يقل ان شريعته مؤبدة وصار ~~إقراركم بذلك ناقضا لقولكم ومفسدا لدينكم، ومبطلا لأصولكم [ذهبتم عنه ] ~~ولم تعترفوا به. # قيل لهم: قد عرفناكم انا انما عرفنا بطلان هذه الدعاوى بذلك الاستدلال ~~والاعتبار الذي قدمنا وشرحنا قبل العلم بنبوته صلى الله عليه وسلم وقبل ~~المصير الى قوله وقول اصحابه، حتى لو استدلت الملحدة كما استدللنا لعلمت من ~~ذلك ما علمنا، وحتى لو لم يبعثه الله تبارك وتعالى حتى يعتبر معتبر ويستدل ~~مستدل لعلم بطلان هذه الدعاوى كلها لأنا وجدنا أمما ms084 امثالنا وفي زماننا ~~يدعون امورا وعهودا قد كانت في العصور الخالية التي قد سبقتنا ادعوا العلم ~~بها، فرجعنا الى عقولنا واختبرنا فدلت العقول على ان اعتقادهم لذلك ليس ~~بعلم، وان خبرهم بذلك ليس بصدق، وانه لم يكن هناك شيء مما ادعوه ينقل ~~اليهم، وانما هم قوم شبه لهم فاعتقدوا امورا تموهت عليهم فسموا اعتقادهم ~~علما وخبرهم نقلا. PageV01P126 # وايضا، فلو كنا انما نعترف بذلك خوف الفضيحة في بطلان ديننا فقد كان ~~ينبغي ان نكون بذلك عالمين وان لم نعترف، كما يعلم اللص انه سرق وان لم ~~يعترف خوف الفضيحة. # وايضا فان كان الناس قد علموا أنا قد علمنا فجحدنا وكابرنا فقد تعجلنا ~~الفضيحة وعلم الناس جميعا ببهتنا ومكابرتنا فما سلمنا من الفضيحة المعجلة، ~~وهذا لا يذهب فساده على عاقل نظر وتدبر. # فان قالوا: فأنتم بذلك عالمون وان لم تعترفوا، قيل لهم: إنا إذا رجعنا ~~الى انفسنا علمنا كذبكم على ضمائرنا، وكفى بذلك علما لنا بكذبكم علينا ~~وبهتكم لنا، فانا لا نعلم ذلك بل لا نعتقده، فضلا ان نعلمه. بل نعتقد ونعلم ~~بطلان ذلك، كما نعلم ان للعالم صانعا وانه واحد وان محمدا صلى الله عليه ~~وسلم رسوله الى خلقه. # وايضا، فان الجماعات الكبيرة لا تجوز ان تكتم ما قد رأته وسمعته وان ضرها ~~ذلك وان ساءها، كما لم تجوز ان تفتعل ما لم يكن فتقول: قد كان ورأينا ~~وسمعنا وان كان ما رأت ولا سمعت وان سرها ذلك ونفعها، وهذا في الكتمان اقوى ~~واظهر وابين، لأن الكتمان اثقل، والصبر عليه اشد، والحفظ له اصعب، والناس ~~الى القول اسرع، وهم عليه اخف، ولهم فيه فرح واسترواح، وعلتهم في الكتمان ~~كالكرب والألم، فيستروحون باذاعته وينفرجون بالقائه، حتى انهم ليتحدثون بما ~~فيه زوال نعمهم وسفك دمائهم، وحتى لقد ادعينا ان ينكتم ما بين السلطان ~~ووزيره وامثال ذلك ممن يجوز عليهم الكتمان، فان الكتمان قد يجوز على الواحد ~~والاثنين والنفر PageV01P127 # اليسير. وكذا الافتعال وان كان الافتعال امكن من الكتمان. ولهذا يتواصى ~~العقلاء بالصمت والكتمان ما ms085 لا يتواصون بالقول، ويحذرون منه ما لا يحذرون ~~من القول، حتى ان الصمت والكتمان لا يجوز إلا في عقلاء الرجال وفي افراد ~~الناس، وهو فيهم أقل من القليل. # فاعرف هذا فان هؤلاء الملحدة كأبي عيسى الوراق، والحداد، وابن الراوندي، ~~لما لم يجدوا في رسوله الله مطعنا ادعوا انه قد كانت له فضائح واكاذيب وحيل ~~وقف عليها اصحابه واهله وكتموا ذلك لحبهم له ولئلا يفتضحوا باتباع كذاب. ~~وانما يجوز ان ينكتم ما يكون بين اثنين من النفر اليسير مدة ما ثم يظهر، ~~فأما ما يكون بين الجماعة فانه لا ينكتم، ولا يطمع العاقل في كتمانه ولا ~~يحدث نفسه به وان ضره وان ساءه. ألا ترى ان النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ~~باكفار اليهود والنصارى والمجوس، وبالبراءة منهم، وسفك دمائهم، وسبي ~~ذريتهم، واستباحة اموالهم، ويأخذ الجزية من اهل عهدهم، الى غير ذلك مما ~~شرعه من مكارههم، وكل ذلك قد ضرهم وساءهم وذهب برئاستهم واسقط من اقدارهم، ~~وقد ودوا أن ذلك لم يكن قط، وان الله قد رفعه من قلوبهم ومن قلوب الخلق ~~اجمعين، وهذا علموه حين نطق به النبي صلى الله عليه وسلم وقاله وشرعه وهو ~~وحيد ضعيف فقير، وهم قد نقلوا ذلك وأذاعوه ونشروه وتحدثوا به مع ما عليهم ~~فيه، والدولة والعز والغلبة إذ ذاك لهم لا له. # وهذا حال امير المؤمنين مع معاوية وبني امية فإنهم قد كرهوا عقد أهل PageV01P128 # المدينة له بعد عثمان، وكرهوا ما دعا إليه من تضليلهم، وما فرضه من ~~مجاهدتهم وقتالهم وما بينه من نقضهم وتسفيههم، وودوا ان ذلك لم يكن، وما ~~طمعوا في كتمان شيء من ذلك ولا فيما كان له من الفضائل، وانه صلى الله عليه ~~من البدريين والسابقيين، ومن الفقهاء والزهاد والاولياء، ومن العشرة ومن ~~اهل الشجرة ومن اهل الشورى، وقد ساءهم كل هذا فما أمكنهم مع الملك والدولة ~~ان يدفعوه عن شيء منه مع محبتهم لدفعه عنهم ومع كراهتهم لكونه، ولا ان ~~يدخلوا معاوية وهو سيدهم ورئيسهم في المهاجرين ولا في ms086 الانصار، وقد ودوا ان ~~ذلك قد كان، ولا امكنهم ان يخرجوه من ان يكون من الطلقاء وأبناء الطلقاء. # وانظر الى الشعراء الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ومن ~~غيرهم، ومن الكتب التي وضعها الملحدة وطبقات الزنادقة، كالحداد، وأبي عيسى ~~الوراق، وابن الراوندي، والحصري، وآمالهم في الطعن في الربوبية وشتم ~~الانبياء صلوات الله عليهم وتكذيبهم، فإنهم وضعوها في ايام بني العباس وفي ~~وسط الاسلام وسلطانه والمسلمون اكثر مما كانوا إذ ذاك وأشد ما كانوا ولهم ~~القهر والغلبة والعز، والذين وضعوا هذه الكتب أذل ما كانوا، وانما كان ~~الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيا وهو خائف يترقب، ويخفي ذلك عن ~~اهله وولده، ولا يطلع عليه الا الواحد بعد الواحد ممن هو في مثل حاله في ~~الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في ادنى مدة ويظهر حتى يباع في اسواق ~~المسلمين، ويعرفه خاصتهم وعامتهم، ويتحدثون به ويتقولونه ويذكرونه وقد غمهم ~~ذلك وساءهم، وودوا ان ذلك لم يكن. # وكذا ما كان بالبحرين من ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي وولده، ~~PageV01P129 # وما كان من ابي القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان النجار الكوفي ~~بجبال لاعة وعدن لاعة من ارض اليمن، وما كان من ابي الحسين محمد بن الفضل ~~ بجيشان والجند والمذيخرة من ارض اليمن، وما كان لعبيد المتسمي بعبيد ~~الله المهدي بأرض المغرب، وما كان بمن بعده من هذه الطوائف فإنهم كلهم ~~لما تمكنوا وقد كانوا في اول امرهم يتسترون بالتشيع، فلما ظهروا وصاروا في ~~جماعات وعساكر أغاروا على من جاورهم وقرب منهم، فشتموا الانبياء واستنجوا ~~بالمصاحف، وسبوا المسلمات والعلويات، وغزوا مكة. وكان غزو مكة لقرامطة ~~البحرين خاصة من ولد ابي سعيد، وغدروا بالحجاج بعد ان امنوهم، ولهم في قصد ~~الاسلام ومكاره المسلمين ما هو معلوم ومكتوب. وكل ذلك مما قد ضر المسلمين ~~وكرهوه، وودوا ان ذلك لم يكن، ثم هم يذكرون ذلك ويتقولونه ويدونونه، فتعلم ~~ان الدول والممالك والقهر والغلبة لا تغطي على الامور التي قد ms087 كانت ووقعت، ~~وأن العقلاء لا يحدثون انفسهم بكتمان معايبهم التي قد كانت وتحصلت وعلم بها ~~الناس مرة واحدة، ولا يحدثون انفسهم بكتمان مناقب اعدائهم وإن ساءهم وغمهم. ~~PageV01P130 # يزيدك علما بذلك ان للفرس والروم والهند محاسن ومناقب لا يسترها أعداؤهم ~~من المسلمين ولا يكتمونها وإن ساءتهم، وكذا ما للمسلمين والعرب من المحاسن ~~والمناقب لا يدفعها أعداؤهم من هذه الامم، ولملوك بني امية مساوىء وهفوات ~~كانت مذكورة متداولة في ايامهم وفي سلطانهم، وكذا لملوك بني العباس، ~~ولملوك بني امية محاسن لا يدفعها اعداؤهم من ملوك بني العباس. # فاعرف هذا الباب وأطل فكرك فيه لتعرف غلط الملحدة، وتعرف بطلان دعاوى ~~الشيع ان الصدر الاول من المسلمين غيروا النصوص والقرآن، فبدلوا ووضعوا ما ~~لم يكن، ونسبوه الى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه عنهم التابعون، وصار ~~فيمن بعدهم من العلماء وطبقات المتكلمين والفقهاء فظنوه دينا وليس كذلك. ~~وأن هذه الحيلة قد تمت على المعتزلة والفقهاء وعلى اصحاب الحديث والمرجئة ~~والخوارج، وخفي عليهم موضع الحيلة في ذلك، وأن سلطان ابي بكر وعمر وعثمان ~~رضي الله عنهم غطى ذلك ومنع من ذكره، وأن علي ابن ابي طالب رضي الله عنه ~~لما ملك سلك سبيل الخلفاء وقبله وما امكنه إظهار تضليلهم الى ان خرج من ~~الدنيا، لأن اعوانه وجنده كانوا شيعة ابي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ~~فلو أومى الى تضليلهم لقتلوه وأبادوه، فالحجة في بطلان دعاويهم هذه كالحجة ~~على الملحدة وجميع اعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم. على ان هذا الطعن ~~على السلف انما وضعه لهم الملحدة الذين قدمنا ذكرهم فلكلهم كتب في نصرة ~~دعاوى الرافضة على المهاجرين والانصار، وهم خدعوهم ولقنوهم هذه المطاعن ~~لفرط عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمت حيلتهم عليهم وهم لا ~~يشعرون. على انهم لا ينفصلون عن مطاعن الملحدة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما أقاموا على بدعهم هذه، والحجة عليهم اكثر PageV01P131 # منها على كل مبتدع، كما ان الحجة على الشيع اكثر من هذا. # ثم عدت ms088 الى اليهود والنصارى فيما ادعوه من الصلب وغيره مما [قدمنا] ~~فقيل لهم: إذا كان العلم بذلك قد شاع في الامم وعلمه العقلاء الذين سمعوا ~~به [لكان] محمد صلى الله عليه وسلم ومن كان في زمانه من الامم [الذين] ~~ صدقوه واعتقدوا نبوته قد علموا ذلك لا محالة فكيف ادعى ان ذلك لم يكن، ~~وهل يفعل هذا عاقل كائنا من كان، فكيف بعاقل يدعى النبوة والصدق ويريد من ~~الامم كلها تصديقه واتباعه وهو اشد الناس حرصا على اجابتهم. وكيف اتبعته ~~تلك الجماعات من قريش والأوس والخزرج واليهود والنصارى مع كثرتهم في جزيرة ~~العرب، وهم يسمعونه يكذب ويبهت وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذب في ذلك، ~~وهذا لا يكون مثله ولا يقع من العقلاء. ومن تدبر الأمور يعلم جهل من ادعى ~~علم اليهود والنصارى بما قدمنا بأدنى تأمل، وكيف لم يجر في هذا قول معه ~~فيقول له اعداؤه من قريش وغيرهم: ادعيت الصدق والنبوة ثم كذبت الكذب الظاهر ~~وبهت الأمم البهت المكسوف، فقلت: # المسيح لم يقتل ولم يصلب، وهذه الامم كلها تعلم ذلك علما لا يرتاب به كما ~~تعلم ان موسى وعيسى كانا في الدنيا، ومن كانت هذه سبيله لم يصدقه عاقل ولم ~~يكن له رئاسة، وكيف لم يقولوا لمن اتبعه: يا هؤلاء، اكفرتم آباءكم، وضللتم ~~اسلافكم، وانفقتم اموالكم، وعاديتم ملوك الارض وجبابرتها وجميع الامم، ~~وسفكتم دماءكم في طاعة كذاب قد عرفتم كذبه وبهته. # وقد قيل لبعض مجادلي اليهود ونظارهم ممن قد قرأ الكتب، واكثر الاختلاف ~~الى العلماء وكتب كتبهم، وادعى انه يتقدم على علمائهم من اهل PageV01P132 # عصره: أليس انما يعرف الاخبار من تأخر عمن تقدم؟ فقال: بلى، قالوا له: ~~أليس اليهود الذين كانوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وفي زمانه قد علموا ان ~~موسى قد قال إن شريعته مؤبدة؟ فقال بلى: فقيل له: فلم لم يقولوا لمحمد انت ~~قد زكيت موسى وصدقته ووثقته وهو قد قال ووصى بأن شريعته مؤبدة؟ # وفي هذا كفاية في كذبك وبطلان قولك، وهذا امر ظاهر ms089 بين يستدركه رعن ~~النساء فضلا عن عقلاء الرجال، فأين كانوا عنه وقد خرجوا معه وفي عداوته الى ~~شدائد الامور، من شتمه وهجوه والغدر به ومساعدة قريش في محاربته وبذل ~~الاموال والمهج في مكارهه؟ فقال: قد قالوا ذلك له وأقاموا الحجة به عليه، ~~فقيل له: من اين لك العلم بهذه الدعوى؟ فقال: قد علمت ذلك، فقيل له: فلم لم ~~يعلمه خصومك كما علمته؟ فقال: مجته الاسماع، فقيل له: ما تزيد على الدعاوى: ~~فإنك ادعيت ان ذلك قد كان، فقيل لك من اين لك العلم به ولم لا علمه خصومك؟ ~~فادعيت ان الاسماع مجته، فانتقلت من الدعوى الى دعوى، وقرنت الدعوى بدعوى، ~~ولا فرق بين دعواك هذه وبين دعوى من ادعى ان اليهود حين قالوا هذا له أحيا ~~الله موسى وهرون وأظهر على ايديهما الآيات والمعجزات فكاشفا محمدا وشافهاه ~~وأقاما الحجة عليه بمشهد من اليهود ومن اصحابه، وان ذلك قد كان وعلم ولكن ~~مجته الاسماع، فما اتى بشيء. # واعلم ان اقوى حجج اليهود هو دعواهم ان موسى نص على ذلك ووصى به وقد مر ~~لك الكلام عليه من غير وجه فما يحتاج في الرد على اليهود اكثر منه. # فإن قيل: فأنتم قد طالبتم هذه الطوائف التي ادعت هذه الدعاوى وادعت العلم ~~بها، فقلتم لليهود والنصارى: لو كان علمكم بالصلب لهذا الشخص PageV01P133 # قد حصل لكم بإخبار جماعات كثيرة شاهدت ذلك لعلمنا ذلك بخبركم وبسماعنا ~~منكم كما علمتم بإخبارنا لكم قتل جعفر وحمزة وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم، وقلتم: لو نص موسى النص الذي تدعونه وكنتم قد علمتم ذلك بإخبار ~~الجماعات لكم لعلمنا ذلك بخبركم كما علمتم بإخبارنا اياكم عن نبينا ان ~~شريعته مؤبدة. وقلتم للامامية وطبقات الرافضة: لو كان النبي نص على ما ~~تدعون ووصى امته بذلك وفرضه عليهم، وكان اعتقادكم لذلك علما حصل لكم من قبل ~~الجماعات التي اخبرتكم بذلك، لعلمنا ذلك باخباركم إيانا وسماعنا منكم كما ~~علمتم وعلمنا نص عمر على اهل الشورى، وكما علمتم وعلمنا نص اهل المدينة على ms090 ~~الامام علي رضى الله عنه بالخلافة بعد عثمان، وكما علمتم وعلمنا نص ابي بكر ~~على عمر، ونص معاوية على يزيد، ونص عبد الملك على الوليد، ونص المنصور على ~~المهدي، فلم لا علم اليهود والنصارى والرافضة ان هذه الامور لم تكن كما ~~علمتم. # قيل له: لو كانت، لجاءت مجيء امثالها مما ذكرناه وتحصل العلم بها لنا ~~كحصوله في تلك الأمور، وإنما يعلم ان ذلك لم يكن بما يستدل به كما ~~استدللنا، ومن لم يستدل جاز ان يعتقد ان ذلك قد كان وإن لم يكن لتركه النظر ~~والاستدلال، ويكون اعتقاده لذلك ليس بعلم وخبره ليس بصدق وإن ظنه علما ~~وصدقا. # ولسنا ندعي على هذه الطوائف انها كلها قد علمت وكابرت، وهذا يكون الاصل ~~فيه ان يخبر به الواحد والاثنان او النفر القليل، فيقولون: # أخذنا هذا عن جماعات كثيرة فيصدقهم من سمعهم وبحسن الظن بهم، ويأتي ~~من بعد هؤلاء فيصدقهم، ويكثر من يعتقد ذلك، ويقول: من PageV01P134 # قبلي قد اخذ هذا عن جماعات، فتكثر اهل هذه الدعاوى بعد ذلك ويغترون ~~بكثرتهم. # وربما كان اصل المقالة تأويل آية من كتاب او من قول من يقتدى به فيعتقد ~~التالي له انه نص فيقول: قد نص موسى او عيسى او محمد صلى الله عليهم على ~~كذا في آية كذا في يوم كذا ويذكر ذلك القول. وذاك القائل ما اراد بقوله ما ~~أراده هذا المتأول ولا قصد قصده. مثل ما اولت القرامطة في قوله تبارك ~~وتعالى «ومن دخله كان آمنا » قالوا: فقد أخبر أن من دخل مكة يأمن من ~~القتل والخوف ونحن نرى الناس فيه يخافون ويقتلون، فقد ظهر كذبه، فإنا قد ~~قتلنا المسلمين فيه، ولكن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم حمير لا يعقلون ~~ . والله تبارك وتعالى ما اراد ما ظنوا، ولا هذا خبر وإن كان لفظه لفظ ~~الخبر، وإنما هو امر بأن من دخله فينبغي ان يؤمن ولا يخاف ولا يحل لأحد ان ~~يخيفه. وهذا مثل قوله «والمطلقات يتربصن بأنفسهن والوالدات يرضعن أولادهن ~~ » وما اشبهه، فإن ms091 ظاهر هذا الخبر ومعناه الامر، أي يجب على المطلقة ان ~~تتربص، وعلى الوالدة ان ترضع. ولكن الباطنية يقصدون البوادي والعجم ومن لم ~~يشتغل بالعلم فيخدعونه بأنواع الخدائع، ويحلفونهم على كتمان ما يسمعون، ~~فيغترون بهم. وهم افسدوا من بالبحرين، وكان ابتداء امرهم معهم التشيع، ثم ~~رقوهم درجات الى ان جاؤوهم وجاهروهم بتكذيب الانبياء، فصار بتلك النواحي ~~عداوة الاسلام مناكدة الى هذه الغاية. # ولإفراط جهل هؤلاء ما تم عليهم، وإلا ففي نص القرآن جواز القتل ~~PageV01P135 # في المسجد الحرام. أما تسمع قوله عز وجل «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم» فأي شأن أبين من هذا. # ومثله قوله عز وجل: «يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» ~~ وقد قتل قوم ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وقتل فيه ~~منهم قبل الفتح، وقد قتل هو صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فيه قوما، والأمر ~~في ذلك ظاهر، ولا يذهب مثل هذا إلا على الغاية في الغافلة. فإن كان الامر ~~على ما ظنه هؤلاء الجهال، فكيف لم تقل قريش والعرب واليهود والنصارى وأعداء ~~رسول الله الذين كانوا معه وهم في طلب عثرة تكون له مثل ما قاله هؤلاء ~~الجهال وأنكروا عليه ذلك. # ومما قاله هؤلاء الزنادقة ايضا: أن محمدا قد رجع عما كان يدعيه من اليقين ~~في امره وأظهر الشك بقوله في كتابه: «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» ~~وقال: «فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك» ~~ . # فقيل لهم: إن كان أفاد بهذا الذي ظننتم، فلم لا كان أعداؤه من قريش ~~والأعراب واليهود والنصارى انكروا ما انكرتم؟. # وكذا نقول لمن قال: إن اصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم ارتد وابعده، فقيل ~~له: من أين لك هذا؟ قال من نص القرآن لأنه قال: «أفإن مات PageV01P136 # أو قتل انقلبتم على أعقابكم» ، فيقال له: انت اسوأ حالا في هذا من ~~اولئك، لأن هذا ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وانما ظاهره الاستفهام، ms092 والله لا ~~يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وانما المراد به التثبيت والتنبيه كما قال: # «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون» اي لا يخالدون ~~ولا ينبغي لهم الخلود، وكذلك اولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم ان يرتدوا. ~~ولما قال بعض المبتدعة بالتشبيه، وتأولوا النصوص قلنا لهم هذا. # وقد كثرت البدع والكذب على الانبياء بما لم يقولوه ولا أرادوه، ويدعون ~~المبتدعة أن لهم سلفا امثالهم حتى يتصلوا بالانبياء فتغرهم كثرتهم وتغرهم ~~زعماؤهم. # على ان النصارى لو رجعت الى أخبارها والى ما في أناجيلها الأربعة لعلمت ~~أن المقتول المصلوب غير المسح، اذا كانت هذه الأناجيل معولهم. # لأنهم لما انتهوا الى ذكر المقتول المصلوب والصلبوت قالوا: إن اليهود ~~قصدوا في خميس الفسح الى هيريدس صاحب فيلاطس ملك الروم، وقالوا: # هاهنا رجل منا قد أفسد أحداثنا وغرهم ولنا عليك في الشرط ان تمكننا ممن ~~هذه سبيله لننفذ حكمنا فيه؛ فقال لأعوانه: اذهبوا مع هؤلاء فهاتوا خصمهم، ~~فخرج الاعوان مع اليهود فصاروا بباب هذا السلطان، فأقبل اليهود على الأعوان ~~فقالوا لهم: هل تعرفون خصمنا فقالوا: لا، فقال اليهود PageV01P137 # ولا نحن نعرفه، ولكن امشوا معنا فإنا لا نعدم من يدلنا عليه. # فمشوا، فلقيهم يهوذا سرخوطا وكان احد خواص المسيح وثقاته وكبار اصحابه ~~واحد الإثني عشر، فقال لهم: أتطلبون يسوع الناصري قالوا: # نعم، قال: فمالي عليكم إن انا دللتكم عليه؟ فحل بعض اليهود عن دراهم كانت ~~معه فعد ثلاثين درهما وسلمها اليه وقال: هذه لك. فقال لهم: هو كما قد علمتم ~~صديقي وأستحي ان اقول هذا هو، ولكن كونوا معي وانظروا الى الذي اصافحه ~~وأقبل رأسه، فاذا أرسلت يدي من يده فخذوه. # فساروا معه وقد كثر الناس ببيت المقدس واجتمعوا اليه لإقامة هذا العيد من ~~كل مكان فصافح يهوذا سرخوطا رجلا وقبل رأسه وأرسل يده من يده وغاص في ~~الناس، فأخذه اليهود والاعوان، فقال المأخوذ: ما لكم ولي؟ # وجزع جزعا شديدا؛ فقالوا له: السلطان يريدك، فقال: مالي وللسلطان؟ # فجاؤا به فأدخلوه على هيريدس وقد ms093 طار عقله خوفا وجزعا وهو يبكي فما يملك ~~نفسه، فرجمه هيريدس لما رأى به من الخوف، فقال لهم: خلوا عنه، واستدناه ~~واقعده وبسطه وسكن منه وقال له: ما تقول فيما يدعي هؤلاء عليك من انك ~~المسيح ملك بني اسرائيل، هل قلت هذا او دعوت اليه؟ # فأنكر ان يكون قال هذا او ادعاه ومع هذا فما يسكن قلقه، وهيريدس يسكنه ~~ويقول له: اذكر ما عندك [من حجة ] إن كان لك، فلا يزيد على إنكاره وانه ~~لا يقول ذلك، وانهم هم الذين يقولون ذلك لا هو، وانهم قد ظلموه بهذه الدعوى ~~وتقولوا عليه، فقال هيريدس لليهود: ما أراه PageV01P138 # يوافقكم ولا يقول ما تدعونه وما أراكم إلا متقولين عليه ظالمين له، هاتم ~~الطست والماء لأغسل يدي من دم هذا الرجل. # ووجه فيلاطس ملك الروم الكبير الى هيريدس يقول له: بلغني ان اليهود رفعوا ~~اليك خصما لهم فيه أرب ومعرفة فأنفذه الي لأفاتحه وأنظر ما عنده، فأنفذه ~~اليه؛ فأدخل على فيلاطس وهو في حالة من الجزع والخوف والفلق، فسكنه الملك ~~وسأله عما ادعاه عليه اليهود من انه المسيح، فأنكر ان يكون فال ذلك ولم يزل ~~يسائله ويباسطه ليذكر ما عنده وما معه وليسمع منه حكمة او يستفيد منه أدبا ~~او وصية فما وجد عنده شيئا، ولا زاده على القلق والخوف والجزع والبكاء ~~والانتحاب فرده الى هيريدس وقال له: ما وجدت في هذا الرجل ما قيل فيه وما ~~عنده خير، ونسبه الى النقص والغباء، فقال هيريدس: الآن هو الليل فاذهبوا ~~به الى الحبس، فذهبوا به. # فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه تلك الشهرة، وعذبوه ونالوه ~~بأنواع العذاب، ثم ضربوه في آخر النهار بالسوط، وجاؤوا به الى مبطخة ومبقلة ~~ وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بسرعة، وما زال يصيح بأعلى صوته وهو مصلوب ~~على خشبة: يا إلهي اخذلتني؟ يا إلهي لم تركتني؟ # الى ان مات. وان يهوذا سرخوطا لقي اليهود وقال لهم: ماذا صنعتم بالرجل ~~الذي اخذتموه امس؟ قالوا: صلبناه، فتعجب من هذا واستبعده، فقالوا له: ms094 # قد فعلنا، وإن اردت ان تعلم ذلك فصر الى المبطخة الفلانية، فصار الى ~~هناك، فلما رآه قال: هذا دم بريء، هذا دم زكي، وشتم اليهود، وأخرج الثلاثين ~~درهما الذي اعطوه دلالة فرمى بها في وجوههم وصار الى بيته PageV01P139 # فخنق نفسه . PageV01P140 # فانظر كم في هذا من عجب: # منها إقرار اليهود والروم انهم ما عرفوه، واخرى ان الذي دل عليه لو كان ~~ظاهر العدالة لما عرف بخبره ولا بشهادته شيء، واخرى جزعه وقلقه وإنكاره، ~~ولو كان هو المسيح لأخبر بذلك ولقال: انا هو الذي بشر بي الانبياء، وانني ~~كذا وكذا، سيما والحاكم بينه وبين اليهود ملك الروم وهم اعداء اليهود، وكان ~~قد اقام الحجة عليهم، هذا لو كان نبيا ، فكيف وهو عند النصارى إله، فإن ~~الانبياء يبدؤون الدعوى والحجة عند من لم يسأل ذلك فكيف بمن يسأل ويرغب ~~اليهم. # وأخرى ان يهوذا سرخوطا قال: هذا دم بريء، وبرىء منهم ورد الدراهم ورجع ~~الى بيته وقتل نفسه ندما على ما كان منه. فقلنا للنصارى: # فكم في هذا من دلالة على ان المقتول المصلوب غير المسيح، فأنتم لا الى ~~حجج العقول ترجعون، ولا الى ما كتبتم وسطرتم تتدبرون، ولا على ما نعلم ~~تعولون، ولكنكم تمشون مكبين على وجوهكم. # وفي الانجيل معهم ان المسيح اخذ صندوقا يخزن فيه الذهب والفضة وكان خازنه ~~يهوذا سرخوطا الساعي به، وان امرأة زانية اهدت اليه طيبا PageV01P141 # قيمته ثلثمائة دينار، وجعلت تمسح به قدميه وتمسح شعرها بأسفل قدميه، وان ~~شمعن جاء وأنكر ذلك عليه، وقال: هذا سرف وفساد، وكان ينبغي ان تتصدق بثمن ~~هذا على الفقراء . # ولهذا ما قالت طائفة من اليهود ان يسوع بن مريم هذا الذي يعتقد ~~المسلمون والنصارى ربوبيته الذي صلب وقتل هو ابن يوسف النجار، وهو رجل من ~~اليهود بر تقي صارت له رئاسة في اليهود، فحسده بعضهم للرئاسة وسعى به وأذله ~~الى ان قتل مصلوبا. وهو ما ادعى ما يقوله النصارى ولا ما يقوله المسلمون من ~~انه المسيح وانه نبي. قالوا ألا ترون انه قد ms095 سئل عن ذلك عند هيريدس وعند ~~فيلاطس وأنكر ذلك كله، ولو كان نبيا لاحتج بحجة وآيات، والبشارات به وأنه ~~مولود من غير ذكر. # قالوا: ومما يؤكد هذا، ان النصارى قد كتبت في اناجيلهم ان يسوع هذا قال ~~لأصحابه: ما يقول الناس في؟ قالوا: منهم من يقول: إنك إليا ومنهم من يقول: ~~انك يوحنا الصائغ، قال: فأنتم اصحابي ما تقولون في ومن انا عندكم؟ قالوا: ~~الذي عندنا انك المسيح، قال: لا تقولوا هذا. # قالت هذه الطائفة من اليهود: أما ترونه قد نهاهم ان يقولوا انه ~~المسيح، فما الذي يبقي بعد هذا من البيان. قالوا: وقد خاصمه اليهود ثلاث ~~سنين، ورفعوه الى الملوك فما حصل عليه إقرار انه ادعى انه المسيح ~~PageV01P142 # ولا انه نبي، ولا شهد عليه بذلك وليه ولا عدوه. والآيات والمعجزات التي ~~تدعيها النصارى له لا أصل لها ما ادعاها هو ولا احد من اصحابه في زمانه ولا ~~في الفرق الذين يلونهم، وإنما ادعي له ذلك بعد مضيه ومضي أصحابه بالأزمان ~~والأحقاب، كما ادعت النصارى ذلك لبولص اليهودي وهو معروف الحال والحيل ~~والكذب والسقوط، وكما ادعوا ذلك لجورجس والابامرقس ، وكما يدعونه ~~في كل زمان لرهبانهم ورواهبهم وكله لا أصل له. فاحفظ رحمك الله هذا فانه ~~يؤكد الحال في ان المسيح لم يصلب، وأن المصلوب غيره صلى الله عليه، وهو ~~شديد على النصارى من كل وجه. # وفي الانجيل ان المسيح كان قائما في ناحية في موضع الصلب، وأن مريم ام ~~المسيح جاءت الى الموضع فنظر اليها المصلوب فقال لها وهو على الخشبة: # هذا ابنك، وقال للمسيح: وهذه امك، وأن مريم اخذت بيده ومضت من بين ~~الجماعة . # وفي الانجيل ايضا ان المسيح مات من غير ان يمسه شيء، وفيه ان امرأة ~~سامرية قالت للمسيح: انت رجل يهودي ونحن لا نسقي اليهود الماء، فقال ~~PageV01P143 # لها: صدقت ايها المرأة في جميع ما قلت. # وفيه أن المسيح قال لأصحابه: إن الكهنة والربانيين جلسوا على كرسي موسى ~~وهم يفتونكم فاقبلوا منهم فتياهم ولا تعملوا مثل أعمالهم، ms096 فإنهم يقولون وما ~~يعملون. # وفيه ان مريم المجدلانية ومريم الاخرى إنما امتنعتا من بعثة الطيب لسيدنا ~~المسيح يوم السبت للسنة في حفظ السبت. # وفيه ان المسيح قال: شبهت جلوس هذه القبيلة السوء بصبيان جلوس في السوق ~~يناديهم اصحابهم: غنينا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا، اتاكم يحيى لا ~~يأكل ولا يشرب فقلتم: لا يأكل ولا يشرب، وأتاكم من البشر اكول شروب فقلتم: ~~اكول شروب يدخل بيوت الزناة ويجالس الخطائين. # وفيه انه مر على شمعون الصفا فقال له: يا شيطان. # وفيه أنه قال لبني إسرائيل: يا حيات، اولاد الافاعي، تقرؤون الكتاب ولا ~~تعقلون، تغسلون خارج الإناء وداخله مملوءة قذرا، تطلبون البر والبحر والسهل ~~والجبل صاحبا لكم، فلو أوجدتموه علمتموه طرائقكم حتى يصير شرا منكم، فلا ~~أنتم دخلتم ملكوت السماء، ولا تركتم الناس يدخلون ملكوت السماء اذ لم ~~تدخلوا. # فإن قال قائل: لعمري قد تبين ان النصارى قد قالت في عيسى بن مريم عليه ~~السلام: انه ليس بنبي ولا رسول لله ولا بعبد صالح، وانه إله PageV01P144 # ورب وخالق ورازق، وان الله ثالث ثلاثة، وانه قتل وصلب. وقد قال صاحبكم في ~~كتابكم: «أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله» فقالت ~~النصارى: فهذا كذب، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في امه انها إله. # قيل له: ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق او كذب، ~~وإنما قال «أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله» وليس هذا خبرا، ~~ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا، وإنما ظاهر هذا القول ~~الاستفهام والاستعلام، والله جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك، لأنه إنما يستعلم ~~ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه، وإنما معناه التقرير لاستخراج ~~الجواب من المسؤول. وهذا كقوله لموسى صلى الله عليه: «وما تلك بيمينك يا ~~موسى» وهو عز وجل اعلم بذلك من موسى. ولقوله لإبليس: «ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك» واذ أمرك، وهو عز وجل اعلم من إبليس بالمانع ms097 له فقال ~~للمسيح: هل قلت هذا في نفسك او في امك الوالدة لك وهي اخص الناس بك وأوجبهم ~~حقا عليك وأجلهم عندك، لتتبين براءة ساحته عليه السلام من كل وجه. فقد بطل ~~ما ظنه السائل من ان هذا خبر وهذا جواب شاف كاف. # وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه، لأنهم قالوا ~~إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته، وكل جوهر لا يقبل PageV01P145 # إلا ما في جوهره وسنخه ولا يلد إلا ما في جوهره، وهذا جواب ثان بين ~~نيران فيهم من قد صرح بذلك. وهذا بين في كتب البيعة الموجودة بكور الاهواز ~~وغيرها من كور العراق بالقلم السرياني، وقد ترجم منه في رسالة كتبها عبد ~~يسوع بن بهرين اسقف حران والرقة والمصير بعد ذلك مطرانا على الموصل ~~والجزيرة الى قس يعقوبي يقال له بادوس: انت لا تنكر ان البتول الطاهرة إله ~~كما تراه انت، بل إنسان كما نراه نحن» . # وهذا تصريح من هؤلاء بأن مريم إله والنسطورية تخالفهم في ذلك وتجادلهم، ~~وهذا بين وانما ينكره من لا يعرف أقاويل النصارى وحقيقة النصرانية. # وعلى ان هذه الطوائف الثلاث منهم من يقول في مريم انها ام المسيح بن الله ~~في الحقيقة ووالدته في الحقيقة، لا ام لابن الله الالهي، ولا والدة لابن ~~الله غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا والد لابنها إلا الله، وان الله ~~اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء ~~لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، وانما اختصت بهذا لأنها حبلت بابن الله ~~وولدت ابن الله الذي لا ابن له في الحقيقة إلا هو ولا ولد له إلا هو، وأنها ~~على العرش جالسة عن يسار الرب والد ابنها، وابنها عن يمينه. وهم يدعونها ~~ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر وغفران الذنوب، وان تكون لهم ~~عند ابنها ووالد ابنها سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا. فلو ان انسانا عظم ~~انسانا عشر هذا التعظيم وقال فيه عشر هذا القول ms098 لجاز في PageV01P146 # لغة العرب بل في كل لغة ان يقال قد اتخذه إلها. ألا ترى الى قول الله ~~تعالى «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله » وهم ما صاموا لهم ~~ولا صلوا ولكن قلدوهم، فحرموا عليهم الحلال فحرموه، وأحلوا لهم الحرام ~~فاستحلوه، وهذا دون ما قالوه في مريم. # وفي هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدنيا وتعس عبد ~~الدرهم تعس عبد الخميصة » لما غلب عليه حب ذلك وشغفه به صار كالعبد له، ~~فلو لم يكن معنا تلك النصوص فيمن قال منهم إنها إله فكان معنا خبر ونص أنهم ~~ما قالوا انها إله لجاز مع هذا التعظم ان يطلق، فكيف وما اخبر انهم ما ~~قالوا انها إله، ولقد عظموها ورفعوها على الملائكة والأنبياء وقالوا فيها ~~ما يقال في الإله، وسألوها ما يسأل الإله من العافية والكفاية في الدنيا ~~والآخرة كما قد تقدم لك ذلك حتى ان اليعقوبية لتقول في مناجاتها لمريم عليه ~~السلام: # يا مريم يا والدة المسيح كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا، والنسطورية ~~تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويأنون مسألة اليعقوبية ويقولون ~~لليعقوبية: لا تقولوا يا والدة الله وقولوا يا والدة المسيح، فتقول ~~اليعقوبية لهم: فالمسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم ~~في معنى هذا، ولكنكم أردتم ان تمخرقوا عند من لا يعرف هذا من قولنا وقولكم ~~فتوهمونه انكم تتنزهون عن هذا وأنكم تقاربون المسلمين في التوحيد. # واعلم ان أفجاج النصارى يعتقدون ان الله اختار مريم لنفسه ولولده ~~PageV01P147 # وتحظاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته لها، وقد حكاه النظام ~~والجاحظ، وقال: إنما يفصحون بهذا عند من يثقون به. وقد قال ابن الأخشيد هذا ~~عنهم في «المعونة» وقال: اليه يشيرون، ألا ترى انهم يقولون لو لم يكن والدا ~~لكان عقيما والعقم آفة، وهذا قول جميعهم والى البضاع يشيرون. وانت تجد ذلك ~~في كتاب «المعونة» وفي كتاب الجاحظ على النصارى، وأظن ابا جعفر ~~الإسكافي قد ذكر هذا في كتابه على النصارى، وكل من ms099 خالط الرهبان وأرباب ~~البيع وطاولهم وأنسهم عرف ذلك منهم. # فإن قال قائل: ادعيتم ان هذه الطوائف قد خالفت المسيح في الأصول والفروع ~~وقد عرفنا بما ذكرتم مخالفتهم له في الاصول فمن اين لكم انهم قد خالفوه في ~~الفروع؟ قيل له: كان المسيح يتدين بالطهارة، وبغسل الجنابة، وبوجوب غسل ~~الحائض، وهذه الطوائف لا تختلف بأن ذلك ليس بواجب، وان للانسان ان يصلي وهو ~~غير مطهر وغير مستنج، ويصلي وهو جنب، ولا يختلفون في ان الجنابة والبول ~~والغائط وغير ذلك لا يقطع الصلاة، وان المصلي له ان يصلي وهو يبول وهو ~~يتغوط وهو يجامع وان كان الجماع في زنى، فما هذا شيء يقطع الصلاة ولا ~~يفسدها بل الافضل عندهم ان يصلي وهو جنب وهو يتغوط ويبول ويضرط، لأن ذلك ~~ابعد من صلاة المسلمين واليهود، وكل هذا خلاف صلاة المسيح. # وكان المسيح يقرأ في صلاته ما كان الانبياء وبنو اسرائيل قبله وفي زمانه، ~~وفي زمانه يقرؤون من كلام الله ومن قول الله من التوراة ومن زبور داود، ~~PageV01P148 # وهذه الطوائف من النصارى انما تقول في صلاتها كلاما قد لحنه لهم الذين ~~يتقدمون ويصلون بهم، فجرى مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان، ~~ينسبونه الى الذين وضعوه. # وهم يصلون الى المشرق وما صلى المسيح الى ان توفاه الله إلا الى المغرب ~~وبيت المقدس، وقبله داود والانبياء بنو اسرائيل، وقد اختتن المسيح ~~واوجب الختان كما اوجبه من قبله موسى وهارون والانبياء، وما صام هو واصحابه ~~الى ان خرج من الدنيا الا اليوم الذي صامه بنو اسرائيل. # فأما هذه الخمسون يوما التي تصومها النصارى، وصوم نينوي، وصوم العذارى، ~~فما صام شيئا منها قط، ولا اكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرم فيه ما ~~يحرمونه، ولا اتخذ يوم الاحد عيدا قط، ولا بنى بيعة قط، ولا عطل يوم السبت ~~ساعة واحدة، ولا اكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن أكلته كما فعل الانبياء قبله. # والنصارى تزعم انه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين، وان ~~الشياطين قالت له: اين ms100 نأوي؟ فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة، يعني ~~الخنازير. وحرم ذبائح من ليس من اهل الكتاب وحرم مناكحتهم، وسار في المناكح ~~والطلاق والمواريث والحدود سيرة الانبياء قبله، وليس عند هؤلاء النصارى على ~~من زنى او لاط او افترى او سكر حد البتة ولا عذاب في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # وفي الجملة إن المسيح جاء لإحياء التوراة وإقامتها، وقال: إنما جئتكم ~~PageV01P149 # لأعمل بالتوراة وبوصايا الانبياء قبلي، وما جئت ناقضا بل متمما، ولأن تقع ~~السماء على الارض ايسر عند الله من ان تنقض شيئا من شريعة موسى، ومن نقض ~~شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك الى ان ~~خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما ~~وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم. وما زال ~~اصحابه بعده على ذلك وكذلك، ثم الذين بعد القرن الاول من اصحابه، ثم من ~~بعدهم بالدهر الطويل. ثم اخذوا في التغيير والتبديل، والبدع في الدين، وطلب ~~الرئاسة، والتقرب الى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم ~~وإن كان فيه ترك الدين. وهذا بين في الاناجيل التي معهم وإليها يرجعون، وفي ~~كتابهم المعروف بكتاب افراسكس ، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من ~~بيت المقدس وأتوا انطاكية وغيرها من الشام؛ فدعوا الناس الى سنة التوراة، ~~والى تحريم ذبائح من ليس من أهلها، والى الختان، والى اقامة السبت، والى ~~تحريم الخنزير، والى ما حرمته التوراة. وان ذلك شق على الامم واستثقلوه، ~~فاجتمع النصارى ببيت المقدس، وتشاوروا فيما يحتالون به على الامم ليجيبونهم ~~ويطيعونهم، فأوجب رأيهم مداخلة الامم والترخص لهم والانحطاط في اهوائهم، ~~وترك مخالفتهم، والاختلاط بهم، والأكل من ذبائحهم، والتخلق بأخلاقهم، ~~وتصويبهم فيما هم عليه. وانشؤوا في ذلك كتابا. وقد قال بولس في الكتاب الذي ~~يسمونه السليح: انا قلت لهم الى كم تهودون الناس؟ # وقال في السليحين: كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا، PageV01P150 # ومع الارمائي ارمائيا . وبولس هذا عندهم اجل من موسى ms101 وهارون وداود ~~وجميع الانبياء، وإذا قرئت رسائله وكلامه في البيعة قاموا قياما اعظاما ~~واجلالا له ولكلامه؛ ولا يفعلون ذلك بالتوراة التي هي عندهم كلام المسيح ~~وهو كتبها لموسى وأرسله الى خلقه وخلق له البحر وقلب له العصا حية، ولا في ~~الاناجيل وفيها كلام المسيح. وهو يقول لليهود: التوراة سنة حسنة لمن عمل ~~بها، ويقول للروم وغيرهم من اعداء موسى والأنبياء: # التوراة مهبجة للبشر، وإذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله ~~وتم فضله، هذا كله مع النصارى وأعظم منه وأفحش. وقد عملوا عمل المسيح ~~بالتوراة ووصيته الناس بالعمل بها. # انظر كيف ينسلخ الناس من العمل بشرائع الانبياء الذين يدعون انهم عليها ~~ويخرجون منها، واعتبر وكن على حذر، فقد بدت هذه السيرة في هذه الأمة، فكم ~~فيهم ممن قد عطل وصايا النبي صلى الله عليه وسلم ونبذ سنته وهجر كتابه لأنه ~~زعم انه مغير مبدل، وآخر يقول له باطن غير ما عليه الفقهاء والعلماء، الى ~~غير ذلك من انواع البدع التي قد نشأت في الاسلام وغلب اهلها بالكثرة اهل ~~الحق فيبدعونهم ويسبونهم وينفروا عنهم، وهكذا تتغير ملل الانبياء عليهم ~~السلام ويموت العلم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ~~يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يموت العلم بموت العلماء، فاذا ~~ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . ~~ ثم PageV01P151 # المستأكلة ومن تكسب بالدين، وقد قال الله عز وجل: «يا ايها الذين آمنوا ~~إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله» فهؤلاء العباد وهؤلاء العلماء وقد عرفك الله حال كثير منهم، فكيف بمن ~~ليس بعالم ولا عابد. فاحذر كما حذرك الله، واقبل وصية رسول الله عليه ~~السلام. # واعلم ان دين المسيح وديانات الرسل عليهم السلام لم تتغير ولم تتبدل جملة ~~واحدة ولكن شيئا بعد شيء، وفي كل عصر وفي كل حين حتى تكامل تغيرها، وما زال ~~اهل الحق فيها يقلون وأهل الباطل يكثرون حتى غلبوا ومات بهم ms102 الحق. فكان ~~اصحاب المسيح بعده مع اليهود وبني اسرائيل في كنائسهم يقيمون صلاتهم ~~وأعيادهم في مكان واحد وبينهم الخلاف في شأن المسيح، وكانت الروم تملكهم، ~~وكانت النصارى تشكو اليهود الى ملوك الروم، وتبدي لهم الضعف الذي فيهم ~~وتسترحمهم فيرحمونهم، وكثر هذا فكانت الروم تقول لهم: # بيننا وبين اليهود عهد ان لا نغير اديانهم، فلو خرجتم من أديانهم ~~وفارقتموهم وصليتم الى المشرق كما نصلي وأكلتم ما نأكل واستبحتم مما نبيح ~~نصرناكم وأعززناكم، ولم يكن لليهود عليكم سبيل بل صرتم اعز منهم. # قالوا: نفعل. قالوا فاذهبوا فهاتوا اصحابكم وهاتوا كتابكم. فجاؤا ~~بأصحابهم فأخبروهم بما كان بينهم وبين الروم، وقالوا لهم هاتوا الانجيل ~~وقوموا حتى نصير اليهم، فقال اولئك لهم: بئس ما صنعتم ولا يحل لنا ان نمكن ~~الروم الانجاس من الانجيل وقد خرجتم انتم من الدين بإجايتكم الروم، ولا ~~يحل لنا مخالطتكم، بل وجبت البراءة منكم ومنعكم من الانجيل والوصول اليه. PageV01P152 # فوقع بينهم الخلاف الشديد. وعادوا اولئك الى الروم وقالوا لهم: أعدونا ~~ على اصحابنا هؤلاء قبل اليهود، وخذوا لنا منهم كتابنا، فاستتر اولئك من ~~الروم وفروا في البلاد. فكتب الروم فيهم الى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة ~~العرب. فطلبوا، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا، واجتمع الذين أجابوا ~~الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الانجيل إذ قد فاتهم، فتقرر رأيهم على أن ~~ينشئو انجيلا. وقالوا إنما التوراة موالد الانبياء وتواريخ اعمارهم فنبني ~~الانجيل على ذلك، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الانجيل ومما تحدث به ~~النصارى عن المسيح. فكتب قوم انجيلا. ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا انجيلا، ~~وكتبوا عدة أناجيل، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل. وكان فيهم الواحد بعد ~~الواحد ممن يعرف امورا كثيرة في الانجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم، ~~ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت، وهم يزعمون انها كانت ثمانين ~~انجيلا، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها اربعة اناجيل لأربعة نفر عمل كل ~~واحد في عصره انجيلا، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل انجيلا هو ms103 عنده أصح من ~~انجيل غيره واقرب الى الصحة. ثم ليس فيها انجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم ~~بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة ابراهيم الخليل وسائر الأنبياء، بها ~~تكلموا وبها نزلت كتب الله على هؤلاء وغيرهم من بني اسرائيل، وبها خاطبهم ~~الله، فتركها هؤلاء. وقد قالت العلماء لهم: عدو لكم معشر النصارى عن اللغة ~~العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله عليهم السلام الى صائر اللغات ~~حتى PageV01P153 # ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ~~ومكيدة وفرارا من الفضيحة. فقال الناس لهم: انما وقع العدول عنها لما قصده ~~أصحابكم الأولون من الادغال في المقالات، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من ~~الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة، وذلك ان العبرانية هم كانوا اهل ~~الكتاب واهل العلم في ذلك الزمان، فغير هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها ~~كلها لئلا يفهم اهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ~~ولا يتم لهم. فعدلوا الى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها، وليس ~~اهلها من اهل الكتاب، ولا لهم علم بكتب الله وشرائعه، كالروم والسريانيين ~~والفرس والهند والارمن وغيرهم من الأعاجم، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة ~~وتمام البغية في طلب الرئاسة من اولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين. ~~ولولا دلك للزموا لغة ابراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البينة، وعليهم ~~أنزلت الكتب، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني اسرائيل وكفرة اليهود اذا ~~ادعوا بلسانهم، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها. فاعرف هذا فانه اصل ~~كبير. # واعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان الله ~~أنزل على المسيح انجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه، بل عندهم ان المسيح خلق ~~الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وارسل اليهم الملائكة. وانما معهم اربعة ~~أناجيل لأربعة نفر، كتب كل واحد منهم انجيله في زمانه، وجاء من بعده فما ~~رضي انجيل غيره، وكان انجيله أولى. وهم يتفقون في مواضع ويختلفون في ~~مواضع، وفي بعضها ما ليس في بعض، وهي حكايات قوم رجال ms104 ونساء من اليهود ~~والروم وغيرهم انهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، وفيها من المحال والباطل والسخف ~~والكذب الظاهر والتناقض البين شيء كثير. وقد تتبعه PageV01P154 # الناس وأفردوه، واذا قرأه المتأمل عرف ذلك. وفيها شيء من كلام المسيح ~~ووصاياه وأخباره قليل. فإنجيل منها عمله يوحنا، وانجيل منها عمله متى، ثم ~~جاء بعدهما مرقس فما رضي بانجيليهما، ثم جاء بعدهم لوقا فما رضي بتلك ~~الاناجيل فعمل انجيلا آخر، وكان عند كل واحد من هؤلاء ان صاحبه الذي تقدم ~~وعمل انجيلا أنه قد ضبط أشياء وأخل بأشياء، وغيره اعرف واضبط. # ولو كان من قبله قد ضبط واصاب لما احتاج ان يعمل هو انجيلا آخر غير انجيل ~~صاحبه، وليس احد هذه الاناجيل شرحا للآخر، كما يشرح من تأخر كتاب من تقدم ~~فيحكي كلامه على وجهه ثم يشرحه. فاعرف هذا وانما وضعه لأن غيره قد قصر. # وعند هؤلاء الطوائف من النصارى ان هؤلاء الاربعة اصحاب المسيح وتلاميذه، ~~وهم لا يعلمون ولا يدرون من هم ولا معهم في ذلك إلا الدعوى فقط، بل قد ذكر ~~لوقا في انجيله انه ما رأى المسيح، فقال لوقا مخاطبا للذي عمل له انجيله ~~وهو آخر من عمل من الاربعة: «عرفت رغبتك في الخير والعلم والأدب فعملت هذا ~~الانجيل لمعرفتي ولأني كنت قريبا الى الذين خدموا الكلمة ورأوها» . فهو ~~قبل كل شيء قد أفصح بأنه ما رأى الكلمة- يعنون بالكلمة المسيح- ثم ادعى انه ~~رأى من رأى المسيح، وليس هاهنا إلا دعوى بأنه رآهم ولو كان ثقة لما علم ~~بخبره شيء، ومع هذا فقد ذكر ان انجيله أولى من انجيل غيره. فلو تأمل ~~النصارى لعلموا انهم ليسوا على شيء من هذه الأناجيل التي معهم، ولا معهم ~~علم مما يدعيه اربابها PageV01P155 # والواضعون لها، وان الامر في ذلك على ما ذكرنا. وهو معلوم مذكور في ~~انصرافهم عن ملة المسيح الى مذاهب الروم وتغريرهم وتعجلهم المنافع بسلطانهم ~~واموالهم. # وقد كان بولص هذا يهوديا خبيثا شريرا، ساعيا في الشر، ومعينا للأشرار، ~~وثائرا في الفتن، طالبا للرئاسة والدولة، محتالا فيها ms105 بكل وجه، وكان يقال ~~له وهو يهودي: شاؤول، وكان يعين على النصارى. ثم خرج عن بيت المقدس وغاب ~~غيبة طويلة، وعاد الى بيت المقدس وأخذ يعين النصارى على اليهود ويقول لهم: ~~قولوا كذا، واصنعوا كذا، وفارقوهم وقاربوا الامم التي تعادي اليهود. فقال ~~له اليهود: كيف صرت نصرانيا وما الذي دعاك الى هنا؟ فقال: الله تبارك ~~وتعالى دعاني الى ذلك، وكان من قصتي اني خرجت من بيت المقدس أريد دمشق، ~~فأدركني الليل بظلمته رهبت ريح عظيمة وذهب بصري، وناداني الرب وقال لي: يا ~~شاؤول أتلاطم الأشقاء تؤذي اصحاب ابني؟ فقلت: يا رب قد تبت، فقال لي: # ان كان كما تقول فاذهب الى حاييم اليهودي الكاهن ليرد اليك بصرك، فذهبت ~~اليه وخبرته، فمسح يده على بصري فسقط منه مثل قشور البيض وفلوس السمك، ~~وأبصرت كما كنت، وان الله استدعاني اليه الى السماء، فأقمت عنده في السماء ~~اربعة عشر يوما، ووصاني بأشياء كثيرة، وقال لي: فيكم أمورا قبيحة لا اقولها ~~لكم . # فسخر منه اليهود وتعجبوا من حمقه وقحته، وصاروا به الى صاحب PageV01P156 # قيصر ملك الروم عليهم، وكانوا إذ ذاك مغلوبين مع الروم. فقالوا له: # أما تعرف شاؤول هذا؟ فقال: بلى، اعرفه بالشر وهو يجيئنا في السعايات ~~بالناس. فقالوا له: انه قد ادعى كذا وكذا، وذكروا له ما قال. فاغتاظ الرومي ~~منه وأمر به فبطح ليضرب، فقال له: اتضرب روميا؟ فقال: # أو رومي انت؟ قال: نعم، انا على دين قيصر ملك الروم وبرىء من اليهودية، ~~فكف عنه لدخوله في دين الملك، وقال له: هاهنا مركب يأخذ الى القسطنطينية ~~وأنت رومي وعلى دين الروم، فكن هناك ان كنت كما تقول، فقال: افعل، أنفذني ~~الى بلاد الروم. فصار الى القسطنطينية، وتردد الى الروم، ولزم باب الملك ~~وأغرى الروم باليهود، وذكرهم عداوتهم لهم، وما صنع بنو اسرائيل بهم، ومن ~~قتلوا منهم، وخوفهم شر اليهود، وانهم لا يأمنون دولتهم والكرة عليهم، وذكر ~~لهم كثرة اموالهم. # ومن عادة الروم لا تحتجب نساؤهم عن الرجال، وتركب امرأة الملك في موكب ms106 ~~الملك مكشوفة الوجه، وتخاطب الناس، وتأمر وتنهي، فتقرب بولس هذا اليها ~~وخاطبها في شأن اليهود. ومن عادة الروم أن لا يحل للرجل ان يتزوج بأكثر من ~~امرأة واحدة ثم لا يفرق بينهما طلاق ولا هرم ولا عيب من العيوب بوجه ولا ~~سبب، ولا يحل له غيرها الى ان تموت. # ونساء الروم تبغضن ديانات الانبياء من بني اسرائيل لما فيها من إباحة ~~الطلاق وأن للرجل ان يتزوج ما أطاق المؤونة. # فقيل الشاؤول: انت من امة هذا سبيلها، فقال: لا، وما يحل للرجل اكثر من ~~امرأة واحدة على احكام الروم، فنفق على النساء بهذا. وقرب من امرأة الملك ~~فخاطبت الملك في غزو بين اسرائيل، وذكرت له ما يقول شاؤول، وسألته ان يسمع ~~منه ففعل. وتقرب اليهم بأن تسمي بولص وهو PageV01P157 # من اسماء الروم، والروم تكره الختان شديدا في الرجال والنساء، وتبعض ~~الامم الذي تفعله. فقالوا لبولص في ذلك، فقال: نعم، هو ما ترون، وما يجب ~~عليكم ختان، وإنما يجب على بني اسرائيل فانها امة قلفتها في قلوبها. # والروم تأكل الخنزير، فقال: ما هو حرام وما يحرم على الانسان شيء يدخل ~~جوفه وإنما يحرم عليه الكذب الذي يخرج منه، وبنو اسرائيل لا تأكل ذبائح ~~الوثنيين ومن ليس من اهل الكتاب والروم ليس كذلك، فصوبهم بولص في هذا ونفق ~~عندهم بكل شيء وما خالفهم في شيء، وكانت ديانات الروم اذ ذاك مننشرة أكثرهم ~~يعظم الكواكب ويعتقد فيها انها تحيي وتميت وتنفع وتضر ولهم عندها هياكل ~~وقرابين، ومنهم من كان على دين اليونانين من ان هذه الكواكب حية ناطقة ~~رازقة وهي الأرباب، ويعتقدون صحة السحر، بالجملة إن دياناتهم كلها باطلة ~~ضعيفة فاسدة. وكان بولص يذكر لهم فضل المسيح وزهده وانه كان مجاب الدعوة ~~وكان يحيي الموتى، فكانوا يجتمعون اليه ويستمعون منه، وكان محتالا لا ~~خبيثا، وكان الروم تصلي الى مشرق الشمس ولا ترى وجوب الوضوء ولا غسل ~~الجنابة ولا الحائض ولا التوقي من البول والغائط والدم ولا تراه فحشا، وان ~~الروم تزوج الوننيين وسائر الامم ms107 وبنو اسرائيل لا تفعل ذلك، فقالت الروم ~~لبولص في ذلك، فقال: تزوج المؤمنة بالكافر فانها تطهره ولا ينجسها والولد ~~بينهما طاهر. وقال: هذا انما تحرمه التوراة، والتوراة شر كلها واذا وضع عن ~~الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله وتم فضله. فاختلع بولص من ديانات ~~المسيح وصار الى ديانات الروم. فاذا تبينت الامر وجدت النصارى تروموا ~~ورجعوا الى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا. # ثم قبل الملوك سعايات بولص باليهود واخذ برأيه فيهم، فصار اليهم وقتل PageV01P158 # منهم القتل العظيم واخذ اموالهم واستصفاهم وعاد من عندهم بالرغائب، فقامت ~~سوق بولص فيهم وازدادوا له حبا، وهذا الملك الذي غزا بني اسرائيل يقال له ~~ططس . وقد كان للروم ملك يقال له بيلاطس خرج الى الشام بعد المسيح عليه ~~السلام وبعد اصحابه بالمدد الطويلة، وكانت له امرأة ببلاد الروم فماتت، ~~فأراد ان يتزوج امرأة مكانها، ومن عادة الروم ان يعترض الرجل المرأة اذا ~~اراد التزويج ويقلبها ويستقصي تفتيشها فإن صلحت له تزوجها، وان لم تصلح ~~تركها. فوصف لبيلاطس امرأة بحران يقال لها هيلانة تكون في فندق بحران- ~~والفندق هو الخان- فأشخصها وقلبها وارتضاها وتزوجها- وكانت نصرانية- فحظيت ~~عنده، وسألته إعزاز النصارى والاحسان اليهم، فقال لها: إن اليهود يزعمون ان ~~اصحابك هؤلاء اصحاب حيل وطلاب دنيا ورئاسة، فقالت: كذبوا، وانما اجيئك بهم ~~لتراهم. فأنته بجماعة من الرهبان وقالت له: انظر اليهم والى مسكنتهم وضعفهم ~~لتعلم كذب اليهود عليهم. فرحمهم ورق لهم وظن الجميل بهم، فأعزهم وصانهم ~~ومكن لهم في ممالكه بالشام وبلاد الروم، واحسن اليهم، فانبسطوا وكثروا ~~واستطالوا على اليهود. وكان لهذا الملك اولاد من المرأة التي كانت قبل ~~هيلانة، وولد له من هيلانة هذه ابن يقال له قسطنطينوس. # وقد كان امر بولص عظم ببلاد الروم مع العامة والغوغاء واستهواهم بما يجري ~~مجرى الرقى والطب والشعبذة والسحر، والروم الارمن تصدق بهذا كله وهي امة ~~مفرطة الجهل بعيدة مما يستدرك بالفكر والنظر، يغلب عليها PageV01P159 # الفدامة والبلادة سيما في العامة فهي لا تعرف إلا المهن والصنائع، وان ~~كانت ملوكها تتقدم في ms108 ظاهر الحياة الدنيا وتدبير الملك. ففطن بعض ملوكهم ~~لبولص وتصفج احواله وحصله وعلم انه محتال ممخرق طالب دنيا ورئاسة، فأحضره ~~وسأله عن الختان فذمه وذم اهله ومن يفعله فسأله عن المسيح هل اختتن؟ وهل ~~كان مختونا؟ وهل كان اصحابه من الحواريين كذلك؟ قال: # نعم ثم كشف عنه فإذا هو مختون، ووجده قد ساعد الروم في دياناتها وهي خلاف ~~ديانات المسيح واصحابه وانها كفر وضلال عند المسيح واصحابه، وقد كان اصحاب ~~بولص في رجله داء الفيل وهو يدعي انه يطب ويبرىء فأمر الملك به فصفع وحلقت ~~لحيته وصلب. فقال لهم: لا تصلبوني طولا كما صلب ربنا المسيح، ولكن اصلبوني ~~عرضا. والملك الذي صنع هذا ببولص يقال له بيرن، ففترت النصرانية ببلاد ~~الروم وانكسروا. وملك اولاد بيلاطس بعده، وانتهى الملك الى ابنه قسطنطينوس، ~~وكان ظاهره على ديانات الروم غير ان والدته هيلانة هذه قد غذته بحب ~~الصليب، وعودته عادة النصارى وما يقولونه في المسيح، وظهر في جسمه برص ~~وكانت الروم لا تملك عليها من به برص، بل كان محرما عندها تمليك البرص. ~~فغمه ذلك وأهمه وكتمه وانطوى على قمع الروم وصرفها عن هذا الرأي في كراهة ~~تمليك البرص، وكانت تغزوهم امم فاتفق غزو السرجان والبربر إياهم فعبا ~~عساكره على هياكل الكواكب، وقصد الى مشيخة الروم والراسخين في ديانات الروم ~~وانفذهم الى العدو، ولم يستظهر لهم على عدوهم بالمكائد والجواسيس كما يفعل ~~الملوك ومن يدبر العساكر فتم عليهم ما يكرهون من القتل وانهزام من بقي فكان ~~يظهر الحزن والكابة ويقول: قد استظهرنا وعبأنا على هياكل الكواكب التي ~~تعظمها وقد عظمتها آباؤنا قبلنا، وقربنا لها القرابين، وما نراها تنفعنا PageV01P160 # ولا تغني عنا، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول، وانه ما ~~ينبغي ان يعبد احد ما لا ينفعه، وهذا وقت الحاجة واوان الشدة فما تدفع هذه ~~الكواكب عنا، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه. ثم قال: ~~هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا، واخرج اليهم ~~صليبا. واتفق ms109 موت امير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم، فقال هو ومن كان ~~على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب. وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها ~~الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر اخف ~~الكواكب سيرا، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا الى هذه الغاية. # ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب الى تعظيم الصلبان، ~~وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين، وكانوا يعظمون الكواكب، ويدعون انها حية ~~ناطقة، ويستطيلون على الناس، ويدلون على الملوك، ويدعون انهم أخص الخاصة، ~~ولا يتكسبون، ويعتادون البطالة، ويعولون على اموال الناس، ويفسدون الأحداث ~~ومن يصغي اليهم من ملك او سوقة، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ~~ويضرون، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم، ويهولون بالهندسة ~~والأشكال. وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة ~~وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله، وجد القوم محتالين ~~ممخرقين ومفسدين، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم، وفي احراق كتبهم وابطال ~~هياكلهم. فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي ~~منها إلا حراث ودباغ وصباغ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا، وأسكنها ~~الرهبان وقال: هؤلاء المساكين أرجى من اولئك الجهال الممخرقين الكذابين، ~~وسلط PageV01P161 # الرهبان والعامة عليهم في كل مكان، لا يظهرون بكتاب طب ولا هندسة إلا ~~أحرق وبادر على من كان على رأي الفلاسفة فتبرأ منهم، وأعان عليهم، وانبسطت ~~أمه هيلانة في ذلك، وبسطت الرهبان والنصارى واستعدتهم من كل مكان ~~فجعلتهم اصحاب اخبار لابنها وأعوانا، واستظهرت بهم، واظهر هو تعظيم المسيح ~~والصليب، وأقام ديانات الروم على حالها كما كانت من الصلاة الى المشرق ~~وغيرها مما تقدم ذكره، فما أزال إلا عبادة الكواكب وما زاد إلا تعظيم ~~المسيح والقول بربوبيته، وتعظيم الصليب. ولم يكن هذا بالبعيد عن الروم لأن ~~من اعتقد في الكواكب وهي جماد موات أنها أرباب وتنفع وتضر لم يبعد عنهم ان ~~يقولوا في انسان حي عاقل مميز قد قيل لهم انه كان يحيي الموتى، وانه إله، ~~وانه ms110 وابوه وزوجته خلقوا الكواكب. وكان هذا سهلا على اهل المغرب، ألا ترى ~~ان القبط ومن بمصر كانوا يعتقدون إلهية فرعون وانه لا إله لهم غيره. وسار ~~قسطنطينوس هذا الى الجزيرة فقصد حران وأعمالها وكانوا في تعظيم الكواكب أشد ~~مما كان بأثينية وبلاد الروم، فوضع فيهم السيف حتى أبادهم، وهرب من هرب ~~منهم في الجبال فطلبهم بنفسه، وكانوا يعيبون البرص فكان له فيهم فضل حرص، ~~فقال له قواده: لا تبعث في طلبهم فان الثلج الذي في هذه الجبال سيهلكهم، ~~فان بقيت منهم بقية جعلناهم حجامين للروم وجميع النصارى واصحاب الصوامع ~~والرهبان ليعرف منهم حقيقة النصرانية وما ينبغي ان يقرر مما يؤخذ الناس به ~~فلا يتجاوزونهم، وان من تجاوزه قتل. فاجتمع عنده نحو ألفين من رؤسائهم وقرر ~~أشياء PageV01P162 # من تسبيحة الإيمان، وكان فيهم من يخالف اولئك ويقول: كلمة الله مخلوقة ~~وان المسيح كلمة الله وكان هناك إيرلس ومقدنيوس، وأونامس، وأولو فريانوس ~~واصحابهم، ممن يقول: الكلمة مخلوقة وكلام الله وقوله خلق من خلقه، فشغبوا ~~عليهم ووقف الأمر وبطل ذلك التقرير. # ثم اجتمع بعد ذلك ثلثمائة وثمانية عشر رجلا بنيقية من بلاد الروم وعملوا ~~تسبيحة ايمانهم التي قد ذكرت، فأتوا بها قسطنطينوس فأخذها وعمل عليها وأخذ ~~الناس بها فمن لم يقبلها قتله. فاحتاج اولئك ان يظهروا قبولها خوف السيف، ~~وأبطل ما سواها عن التقرير، وحصل من كان على دين المسيح في كل مكروه، ~~واخذوا بتعظيم الصليب وأكل الخنزير وديانات الروم، وكان من لا يأكله يقتل. # وكان في الصابئين من اهل حران من لا يأكل الباقلاء ويزعم انه عدو للفلك ~~لأنه مكعب والفلك كروي، فكان يطبخ الباقلاء في ابواب البيع ويجمع الناس ~~إليها ويقال لهم: اخرجوا ولا يبقى منكم احد إلا اكل الباقلاء ومن لم يأكله ~~قتل ورمى برأسه، وهناك سيافة قد جردوا سيوفهم فمن لم يأكله قتلوه. # ولم يزل قسطنطينوس في الملك خمسين سنة مشغولا بقتل من لم يعظم الصليب ولم ~~يقل بربوبية المسيح حتى تأكد ذلك وتمكن، واوصى الملوك بعده بذلك وأكد عليهم ms111 ~~وعهد فيه اليهم وقال: هو أولى من تعظيم الكواكب وآراء الفلاسفة، وأوثق هذا ~~العهد على اولاده وقواده واوليائه وجعل الملك في اولاده. والروم يصفونه ~~بالحزم والشهامة وانه فيهم كأردشير بن بابل PageV01P163 # ملك فارس في الفرس. وقام اولاده بعده في الملك فأكدوا عهوده وقرروا في كل ~~حين شيئا بعد شيء في النصرانية الى ان جاء ملك منهم فرأى ان يجعل يوم الأحد ~~عيدا لهم يجتمعون فيه كما لليهود يوم السبت، وكان هذا بعد قسطنطينوس بالدهر ~~الطويل. وعملوا لذلك سنهودس، وكان للروم واليونان عيدا يسمونه ميلاد الزمان ~~وهو عند رجوع الشمس في كانون، فجعلوه ميلاد المسيح وزادوا ونقصوا، وهو عيد ~~لهم عظيم وهو الذي يقيمه النصارى ويسمونه الميلاد وليلة الميلاد وهذا سببه ~~وأصله، وما كانت النصارى في زمن المسيح واصحابه من بعده يعرفون هذا العيد ~~ولا يقيمونه. وكان للروم والصابئين ايام يصومونها تجرى مجرى التقرب الى ~~الكواكب يمسكون فيها عن اكل اللحم، فلما صاروا الى القول بإلهية المسيح ~~أقاموها ثم زادوا فيها من اشياء ونقصوا، وهم اليوم يصومونها خمسين يوما الى ~~زوال الشمس ثم يفطرون في بعض الأيام، هكذا يصومون ببلاد الروم. # والروم هم الأصل في هذه الطوائف الثلاثة من النصارى، ثم تفرعت منهم ~~اليعقوبية أصحاب يعقوب، ثم من بعد اليعوبية النسطورية وهم اصحاب نسطورس وهم ~~يختلفون في الصيام، فإن هؤلاء الذين بالعراق لا يصومون في كل يوم نصفه كما ~~تصوم الروم، ولهم ايام، أعني الذين ببلاد الاسلام، ينظرون فيها بعد صلاة ~~العصر يتحسون الخمر في البيعة وهو القربان عندهم، وقد قال بولص: إن دم هذا ~~الشراب هو دم الرب وهذا البرشان هو لحم الرب فمن PageV01P164 # ارتاب في ان هذا لحم الرب ودمه فلا يأخذه ولا يذقه وان ذلك لا يحل له. # والبرشان هي اقراص تخبز وتحمل الى البيعة وتثرد في الخمر وتؤكل ~~تقربا. # والمسيح عليه السلام ما صام هو وأصحابه إلا الصوم الذي صامه بنو اسرائيل. # قالت هذه الطوائف من النصارى: إن كان المسيح ما صام هذه الايام الخمسين ~~فقد صام ms112 حين اسره الشيطان اربعين يوما بلياليها فجعلناها نحن خمسين يوما، ~~قلنا: هبنا صدقناكم في ذلك فمن اين وجب عليكم مثل ذلك وانتم تقولون ان موسى ~~صام ثمانين يوما بلياليها فلم يطعم فيها شيئا البتة وكان ذلك في دفعتين، ~~وزعمتم ان ايليا صام اربعين يوما بلياليها فما وجب على قوم موسى الصيام ~~الذي صامه موسى ولا عليكم صيام ذلك. وبعد، فقد عاد المسيح اليكم حين اطلقه ~~الشيطان وبقي معكم فما صام صومكم هذا ولا امركم به ولا صام هو واصحابه إلا ~~صوم بني اسرائيل، فعطلتم الصوم الذي تعلمونه يقينا وصمتم صوما ما صامه ولا ~~امركم به. # وفي انجيلهم ان الشيطان اسر المسيح وحصره اربعين يوما ليمتحنه، وان ~~المسيح امسك عن الأكل والشرب خوفا من ان تتم عليه حيلة الشيطان، وانه قال ~~له وهو معه وفي يده: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا، فقال له ~~المسيح مجيبا: أن مكتوب أن حياة الانسان لا تكون بالخبز بل بكل كلمة تخرج ~~من الله. ثم ساقه الشيطان الى مدينة بيت المقدس فأقامه PageV01P165 # على قرنة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فارم نفسك من هاهنا فانه ~~مكتوب ان الملائكة توكل بك فلا تعثر رجلك بالحجر، قال المسيح: # ومكتوب لا تجرب الله إلهك. ثم ساقه الى جبل عال فأراه جميع ممالك الدنيا ~~وزخرفتها وقال له: إن خررت على وجهك لي ساجدا جعلت هذه الدنيا كلها لك كما ~~جعلتها لمن قبلك، فقال له المسيح: اغرب ايها الشيطان فانه مكتوب اسجد للرب ~~إلهك. ثم بعث الله ملكا اقتلع الشيطان من مكانه ورماه الى البحر وأطلق ~~السبيل للمسيح . فهذا من الجهل الذي خبرتك انه مكتوب في اناجيلهم وهو ~~زعموا حجتهم في صومهم، فهل سمعت بشيطان يأسر إلهه ويحصره وينقله من مكان ~~الى مكان ويطمع في إلهه ان يستعبده والشيطان لا يقدر ان يأخذ حمار اليهودي، ~~وعند النصارى انه قد اخذ ربه الى ان جاء الملك فخلصه وفك اسره. وعند ~~النصارى ان المسيح لما ظهر ربط الشيطان ms113 عن الخلق وأطفأ ثائرته وأزال اذاه ~~وشره، وهاهنا يقولون اشد ما كان قوة عليه وتسلطا عليه وهو ربه وإلهه، ففكر ~~واعجب. # وكان للروم والصابئين دخن وبخورات في الهياكل للكواكب والأصنام، ~~PageV01P166 # وهي قائمة عند النصارى ما عطلوها، وهي في البيع يسمونها دخنة مريم وبخور ~~مريم، وما عرفته مريم ولا المسيح ساعة قط ولا اصحابه، ولا استعملوا ذلك، ~~فجعلوا هذا بخور مريم كما جعلوا صومهم للمسيح، وكما جعلوا الخمر والقربان ~~لحمه ودمه. # وكانت الروم مع عبادتها الكواكب تعظم الأصنام وتصورها في الهياكل، فبقيت ~~على ذلك بعد اجابتها الى تعظيم الصليب، وما كان منهم في ذلك قصور، والمسيح ~~وأمه وأصحابه عوضا من تلك الأصنام. ثم تركوها شيئا شيئا على الايام ~~والدهور. # وهم كانوا يستبيحون الزنا ولا يمتنعون منه فبقوا على ذلك بعد تعظيم ~~المسيح فهو مبثوث بينهم وفي مدنهم وأسواقهم منتشر، يقولون: المرأة اذا لم ~~يكن لها زوج ولم تختر الزواج وآثرت الزنى فهي املك بنفسها ولها ان تفعل ~~ذلك، والملك يسعر ذلك، ويقيم له الحكام والولاة فلكل إنزالة تكون من الرجل ~~فلس واحد، وكل اربعة افلس قيمتها دانق فضة. وللقحاب في بلدانهم اسواق ~~كثيرة، ولهن دكاكين، تفتح حانوتها وتتزين وتجلس على بابه بارزة مكشوفة. ~~وليس عندهم في كشف السوءة والعورة من الرجال والنساء تحريم ولا خطر، بل ~~المرأة الحرة منهم تزف الى زوجها راكبة فتمر بالناس في الاسواق مكشوفة ~~الوجه والرأس، وقد ارسلت ضفائرها وتجدلت بها، وأبدت محاسنها كلها لينظر كل ~~احد اليها، ويقال ان الغالب على ذوات الازواج العفاف، فأما من ليست بزوج ~~فحالها كما وصفنا، وربما كانت تزني في بيت ابويها، ومن جاء من هؤلاء ~~الزواني بولد حملته الى البيعة ان شاءت وسلمته الى البطرك والمطران والقس، ~~وقالت: قد وهبت هذا للمسيح ليكون خادما له وقيما في البيعة، فيجزونها خيرا ~~ويقولون لها: قديسة PageV01P167 # طاهرة مباركة، هنيئا لك رضى المسيح وثوابه ويدعو الناس لها ويهنئوها ~~بالثواب، وهناك من المرضعات والكاملات لمثل اولاد الزنا هؤلاء جماعة. # وهم يأبون الختان، ويخصون الاطفال، وإذا ms114 سبوا المسلمين نظروا الى ~~اطفالهم فخصوا منهم القطعان الكبيرة وألقوهم، فيموت منهم الكثير. وهم يدعون ~~الرأفة والرحمة وكانوا في اول الاسلام يحترزون على الاسارى لقوة الاسلام ~~وضعفهم ليفادوا بهم، فلما ساءت سيرة ملوك الاسلام وقلت مبالاتهم به، وصار ~~يغزوهم مثل علي بن حمدان سيف الدولة، ومن بمصر اعداء المسلمين يقبضون ~~اوقاف الثغور، هان المسلمون على الروم، وهم يقولون دولة الاسلام قد زالت ~~منذ نحو ثمانين سنة، وأنت اليوم في نحو سنة خمس وثمانين وثلثمائة. # ثم عدت الى ذكر سيرة النصارى، وليس الخصاء من شريعة التوراة ولا إباحة ~~الزنا لتعلم ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدت ~~عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانات اعدائه وهو ما عليه هذه ~~الطوائف الثلاث من النصارى، فعلوا هذا طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا كما قد ~~وجدته في كتبهم وفي إقرارهم مما تقدم ذكره لك. PageV01P168 # وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه من ان العقل ~~والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون: هو من المثلث، وهو من فيلسوف ~~قديم . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة ~~ » وقال كعب بن مالك الانصاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال ~~والشرف لدينه» وقال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ذئبان ~~ضاريان في خظيرة وثيقة يأكلان ويفريان بأسرع هلاكا من حب الشرف والمال ~~في دين المرء المسلم » . # ومثل صنيع بولص مع الروم في مساعدتهم على دينهم ومفارقة دين المسيح صنع ~~ماني القس، وهو رئيس المنانية ، وهذا كان بعد بولص بالدهر الطويل، ~~وكانت له الرئاسة، وصار مطرانا على النصارى بالعراق في مملكة الفرس بعد ان ~~كان قسا، واختلط بالفرس، ومدح الانوار وذم الظلام على ما يذهب اليه المجوس، ~~ومدح زرادشت نبي المجوس، وقال: النور اختاره وأرسله PageV01P169 # الى المشرق، وأرسل المسيح الى الغرب. وذم ابراهيم وإسماعيل والانبياء ~~الذين ms115 صدقهم المسيح، وكانت الفرس تبرأ منهم، فساعدهم ماني وتقرب اليهم ~~بذمهم وقال: الشيطان ارسلهم، وكان من يكتب: من ماني عبد اليسوع كما كان ~~بولص يكتب، وكان يتشبه به ويقفو اثره. وأخذ الآبستاق وهو كتاب زرادشت نبي ~~المجوس ، وهو كتاب ليس بلغة الفرس ولا بلغة من اللغات البتة، ولا يدري ~~احد ما هو وهو الزمرمة، وإنما يحكون لفظه وإن كانوا لا يدرون ما هو. فادعى ~~ماني القس انه قد وقف عليه وعلم ما هو، وادعى ماني انه رسول النور، فوضع ~~لهم جهالات، وقال: هذا تفسير الآبستاق، واستهووا العامة وقامت سوقه فيهم ~~وأطاعوه، وادعوا له بالمعجزات والآيات. # فأخذه بعض ملوك الفرس ليمتحنه، وفتش عن احواله، فاذا هو كذاب وممرق طالب ~~رئاسة يتقرب الى الفرس والمجوس بما يهوونه لينفق عليهم مما ليس هو من دين ~~المسيح، فقتله كما فعل ذلك الملك ببولص. وبقي اصحاب ماني بعده يدعون نبوته ~~ويقررون رسائله وإنجيله، ولعل رسائله تزيد على السليحين ورسائل بولص، وكثير ~~من هذه الطوائف الثلاث يعتقد مذهبه وما يكاد يظهره خوفا من النصارى ومن ~~المسلمين ممن منهم في بلاد الاسلام، لأنه لا ذمة المنانية عند المسلمين ~~. # ومن سيرتهم ان النساء الديرانيات العابدات ومن انقطع الي البيع والعبادة، ~~PageV01P170 # يطفن على العزاب والرهبان، ويخرجن الى الحصون التي فيها الرجال العزاب ~~يبيحون لهن انفسهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والرحمة بالعزاب، ومن فعل ~~هذا منهن كان عندهن مشكورا محمودا على هذا الفعل ويدعا له، ويقال لها: لا ~~ينسى لك المسيح هذه الرأفة والرحمة. # وعندهم انه لا يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة، ولا يحل له أن يتسرى ولا ~~بطأ بملك اليمين، فإن صادق امرأة أو خادمة لم يكن بذلك بأس ولا عار، وهذا ~~مشهور ببلاد الروم كشهرة الزنى. # ولقد تحدث مصبح الطائي، وأبو عبد الله الحسين بن الصقر، وعبد الرحمن صاحب ~~ابن الزيات وغيرهم من الغزاة، وممن اقام بالقسطنطينية السنين الكثيرة في ~~الأسر وغير الأسر، فإنهم لطول الشقاء وعدم من بعثت المسلمين في فداء او ~~غزو، اظهروا النصرانية ms116 تقية، وانتشروا بينهم، واختلطوا بهم. # فحدث من حدث منهم بعض من تنصر من الشجعان بعد الشدة وطول الشقاء، قال: ~~فأعطاني الملك وأجزل وقال لخدمه وأعوانه: انظروا لهؤلاء المتنصرة نساء من ~~ذوي اليسار يتزوجون بهن لتحسن احوالهم، فقال رجل منهم: # فلانة قد مات ابوها، ولها ضيعة ومواش وأموال كثيرة نزوجها بهذا، وأشار ~~الي، فزوجوني بها. فاذا هناك جمال ومال كثير فأقمت معها مسرورا ثم ضرب ~~الملك بعثا على جماعة انا منهم ليخرج الى مكان فيه زرع مستحصد يخاف عليه ~~العدو أن يمنعهم منه، ويكون مقامنا اربعين يوما، ثم يأتي بعدنا عسكر يقوم ~~مقامنا ونرجع الى اهلنا. فخرجنا، وأقمنا هذه المدة، ثم جاء العسكر فسألت ~~بعض الواردين عن اهلي ومنزلي، فقال لي: قد تزوجت امرأتك بعد خروجك، فاستثبت ~~ذلك جيدا ممن ورد فأخبرت بهذا، PageV01P171 # فأخذني ما اقامني وأقعدني؛ فلما رجعت الى البلد عدلت عن منزلي ونزلت سوق ~~الدواب، فسأل اهلي عن الواردين من اهل عسكرنا فأخبروهم بسلامتي وورودى، ~~فتعرفوا مكاني فإذا ام امرأتي قد جاءتني ومعها موكب عظيم من نساء الجيران ~~عليهن البزة الفاخرة والحلي، فقالت لي حماتي: ما لك عدلت عن منزلك وأهلك ~~ونزلت هاهنا ونحن نتعرف أخبارك ونشتاقك، فقلت: # وما اصنع بامرأة غبت عنها فتزوجت بعدي، أنا علي أن ادخل على الملك واكسر ~~بحضرته سيفي وأقطع زناري وأعرفه ما جرى علي. فقالت لي اخطأ من قال هذا، ~~ما تزوجت امرأتك وكيف تتزوج رومية بزوجين، إنما ذلك صديقها، لما غبت جاء ~~ونزل عندها. فلما علمنا بقدومك حمل فراشه وانصرف، واستشهدت بأولئك النسوة ~~والجيران، فشهدن انه ليس بزوج وإنما هو صديقها، وإذا ليس عندهم ان بهذا ~~بأسا ولا عارا. ثم اقبلت حماتي تقول: لي قم الى بيتك فانظر الى المكنوز ~~والنبيذ وما خلفته تجده لم ينقص بل هو محفوظ موفر، وإذا هي تبشرني [فيما ~~إذا] أن صديق امرأتي قد كفاني مؤونتها في غيبتي وتسرني بهذا أوتمن به ~~علي. وقال اولئك النساء وهن حليلات وأزواج كبار الناس، قم عافاك الله الى ~~بيتك، فما ms117 ها هنا شيء يكره ولا ينكر، فقمت وحملت اثقالي وصرت الى منزلي ~~وأنا مقيم على امرأتي، وما اجد شيئا، وزالت الغيرة. ثم قال يا ابا الفتح: ~~ما يدخل احد بلاد الروم إلا وقد طابت نفسه باتخاذ امرأته الأصدقاء، وزال ~~عما كان عليه وامحت الغيرة من قلبه، وزال عن الحمية وما كان عليه وهو مسلم. ~~PageV01P172 # فإن قالوا: مبتدع في دين النصرانية كما مثل ذلك مبتدع في الاسلام، قيل ~~له: إن الروم قد كانت قبل التنصر تأكل الخنزير، وتستعمل الخصاء، وتغزو ~~الامم، وتسبي وتقتل وتسترق، وترى في الزنا ما قد ذكرنا، وتسير السيرة التي ~~وصفنا. ولما تنصرت دامت على تلك السيرة فما زايلتها ولا زالت عنها، فمتى ~~كان هذا الابتداع. ولا فرق بين من ادعى هذا، وادعى ان الروم كانت على خلافه ~~ورجعت اليه لما تنصرت، ومن انتهى الى هذا فقد جحد وكابر وليس مع المكابرة ~~مناظرة. # ومما يحتج به النصارى وهو اكبر شبههم في دينهم، وأجل ما يلجئون اليه، وهو ~~عمدة الخواص والعوام منهم، ان يقولوا: النصرانية دين صعب ضيق، قد أجابت ~~اليه الأمم الكبيرة والملوك بلا إكراه ولا سيف ولا قهر ولا غلبة، وما كانوا ~~ليجيبوا الى ذلك إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على أيدي الدعاة اليها ~~من الرهبان والرواهب. # قيل له: قد بينا وعرف تبديل النصارى لدين المسيح وميلهم الى ملوك الروم، ~~وقد شرحنا ذلك وعرفناه، فلا نجد إلا النصارى ترومت ولم تتنصر الروم. وأصل ~~طوائفكم هم الروم، فهذا شاف كاف. ولو لم نعلم هذا وكيف الحيلة فيه من اوله ~~الى آخره لما كان يشكل علينا ايضا بطلان هذا الاحتجاج وفساده، وأن اهل هذا ~~الدين لا يظهر الله على ايديهم معجزة، ولا ينقض على يد احد منهم عادة؛ كيف ~~والمعجزات لا تكون إلا للأنبياء عليهم السلام وفي زمانهم. # ثم يقال للنصارى: إنكم ادعيتم الصحة لدينكم بالكثرة والملوك الذين تدينوا ~~بدينكم، والكثرة لا تكون دلالة في صحة الديانة، وإنما يدل على PageV01P173 # صحة الديانة الحجة والبرهان لا غير ذلك، سواء كان ms118 اهل ذلك الدين قليلا او ~~كثيرا. وقد كان المسيح ومن اتبعه قليلا والروم واليهود هم الاكثر وأصحاب ~~الملك، فيدل هذا على قياسكم انه لم يكن له معجزة. ثم يقال لهم: # انتم تدعون المعجزات والآيات لرهبانكم ورواهبكم ورؤسائكم في كل زمان ~~وأنها لا تنقطع ولا ترتفع، وها انتم قد أجبتم الى هذه الديانة ولم تروا ~~معجزة ولا آية، فكذا من قبلكم قد أجاب على هذه الصفة وفي هذا أتم كفاية لمن ~~أراد الحق. # وهم في كل حين يجتمعون اذا ارادوا امر تحليل شيء او تحريمه، ويكون لهم ~~فيه سنهودس ، وتفسيره الاجتماع للتقرير، فيفعلون ذلك، فاذا تقادم عهده، ~~قالوا: هذا ما حرمته تلك الجماعة إلا بظهور آية او معجزة، ألا ترى ان ~~الجثلقة والمطرنة قد كانت جائزة عندهم فيمن له الأهل والولد، فصار ~~الجثالقة والرؤساء يجعلون الرئاسة في اولادهم ويوصون بها في ذريتهم، فاجتمع ~~النصارى وعقدوا تحريمها فيمن له اهل وولد وعرف التزويج، فصار ذلك دينا لهم ~~فاجتمعوا عليه وعملوا به من غير آية ولا معجزة. # وقد كان تزويج الأختين بالأخوين مباحا عندهم، فجرى من أختين كانتا عند ~~اخوين عداوة ادت الى معاداة بين الأخوين، فاجتمعوا وحرموا ذلك، وصار لهم ~~دينا يعملون به وان لم يروا فيه آية ولا معجزة. وقد كان تزويج بنت الأخ ~~عندهم مباحا فجرى فيه نسب استنصر به بعضهم، فاجتمعوا PageV01P174 # وحرموا ذلك، فصار لهم دينا بغير آية ولا معجزة. وهذا منه ما فعلوه قريبا ~~وفي الاسلام في دولة بني العباس. ومثل ما فعل مطران سمرقند فانه حرم على ~~اهلها الفراخ وزعم ان روح القدس تنزل في هذه الحمامة، فقبلوا ذلك منه ~~وصيروه دينا. # واذا اختلطت بهم وفتشتهم ودخلت بينهم ولا بست الجثالقة والرهبان وجدت ~~هناك من الكذب والجهل والحرص على الدنيا وطلب الرئاسة والجمع والمنع أمورا ~~كثيرة، فان الواحد منهم يترهب وما معه شيء ويصير كلا على غيره، وما تمر ~~الأيام حتى صار ذا مال كثير حتى ربما مات عن عشرات الوف، ثم يقال لهم: انتم ~~طوائف كثيرة ms119 وبينكم خلاف كبير في اصل الديانة، تضلل فيه الملكية اليعقوبية، ~~وكذا النسطورية لا ترضى مذاهب الملكية واليعقوبية، وكل هذه الطوائف تدعى ~~لرهبانها ورواهبها ورؤسائها المعجزات والآيات، وكذا المنانبة، فعلى قياسهم ~~الحق في طائفة واحدة والباقية كذبت فيما تدعيه لهم. # وقد قال بعض الحكماء ها هنا ديانات ومقالات تعرف كذب اهلها بأدنى تأمل: # منها: النصرانية، فانهم يدعون الآيات لكبرائهم، وانها لا تنقطع في زمان ~~من الأزمنة، وان الذين اجابوا الى النصرانية انما اجابوا بالمعجزات، فيقال ~~لهم: أنتم اجبتم اليها ولم تروا آية ولا معجزة. # ومنها، اصحاب النجوم، فانهم يمخرقون ويدعون بالاصابات لأوائلهم، فيقولون: ~~حكم جانان لكسرى بالدول وانتقالها، وللملوك في مواليدها، فما أخطأ في حرف ~~واحد، وكذا كنكه منجم الهند لملوك الهند، وكذا PageV01P175 # ذوروثيوس لملوك الروم، وبطليموس لملوك القبط . وربما عملوا بذلك ~~كتبا، وقصدوا الى دول وممالك قد كانت، ووجدت، وعرفت الحوادث فيها وأعمار ~~ملوكها الخاصة والعامة، فيذكرون الجمل منها ولا يفصحون بأسماء ملوكها، لئلا ~~يعرف فيه كذبهم. فيقرأ هذه الكتب والدفاتر الغر الغافل عن احتيال المحتالين ~~او تقرأ عليه، فيظن ان هذا قد ذكره المنجمون في سالف العصر قبل ان ان يكون، ~~فيعتقد في أحكام النجوم الصدق، وان اهلها قد تكلموا بعلم. فيقال لهم: إن ~~الكواكب والسماء ما ارتفعت ولا زالت ولا انتقضت، وهي كما كانت، فهاتوا ~~واخبرونا عما سيكون، او عما قد كان ووجد مما تشاهدونه بعيونكم، وتلمسونه ~~بأيديكم، فإنا نعمد الى دفتر ضخم مكتوب فيه فنقول لحذاقكم: خذوا طوالعكم ~~وأخبرونا كم ورقة هو، وكم سطر في كل ورقة فإنا نجد كذبكم فيه عيانا وحسا، ~~وما تحتاجون الى الإخبار عن نجم يطلع بعد سنة او عشرين سنة، وتخبرونا عن ~~تلك الحوادث، فإنا قد قربنا الأمر عليكم لتعلموا ان هذه الدعاوى كذب ~~ومخاريق وحيل على الناس، ولتعلموا بكذب أولكم وآخركم. # فإن قالوا: لم تقتصرون منا على العلم بورق هذا الدفتر دون الأسطر والحروف ~~التي فيه؟ قلنا: إن مثل هذا وأكبر منه قد يصيب فيه الصبيان والجهال الذين ~~يلعبون بالخاتم والزوج ms120 والفرد بالاتفاق، فهاتوا ما يتجاوز اصابات الصبيان ~~والجهال والمجانين ان كنتم صادقين، وان كان صنعتكم حقا؛ وهذا ما لا سبيل ~~لكم اليه، وفضيحتكم فيه كفضيحة النصارى. # فان قالوا: قد يكون لنا اصابات في مواليد ومسائل؟ قلنا: قد يكون ~~PageV01P176 # ذلك في قليل من كثير تخطئون فيه، وفي جمل دون تفصيل، والذي يأتي به ~~الأنبياء فلا يخطئون في شيء منه مع كثرته، والذي يتفق لكم من ذلك كما يتفق ~~للعاب الذين ذكرنا، وكما يتفق لأصحاب الفأل ولمن يضرب بالحصا والبعير ~~بالنظر في الكف وبزجر الطائر، وما يتفق لهؤلاء من الإصابة أكثر من الذي ~~يتفق لكم، وهم فيه أسرع، وأحوالهم فيه أكشف، وكما يتفق لبعض من يلقى الثعلب ~~من السعادة، ولمن يلقى البوم من المحنة، وكما يتفق في رقى الهند والنصارى ~~والمعزمين من العافية والإفاقة، فيدعي اولئك ان هذا انما كان عن رقاهم ~~وعزائمهم، وان ما هم عليه حق، وانهم قد نطقوا بعلم. # ومنها، اصحاب الطلسمات ، فانهم يمخرقون ويقولون: إن الاسكندر شكا الى ~~أرسطوطاليس بعد الماء عنه وعن عسكره عند لقاء عدوه، فعمل له طلسما سار ~~الماء بمسيره ووقف بوقوفه، وانه قال له وقد ورد على بحر إن تشاغل بعبوره ~~أبطأ عليه وفاته إدراك عدوه، فقال له: أيما احب اليك ايها الملك، ان اعمل ~~طلسما تسير بعسكرك على وجه الماء كما تسير على وجه الارض، او اجمع بين ~~الشيطين لتعبره، فقال: تجمع بين الشطين فانه أقرب في المسافة، فجمع له بين ~~الشطين فعبر. # وأن غير واحد قد عمل طلسما للقطعان من البقر والغنم وأمثالها من الحيوان، ~~فتبعته وسارت بمسيره. وأنهم يعملون الطلسمات للبق والعقارب PageV01P177 # والجراد وغير ذلك، فيصرفونها عن بلد بلد؛ وأن من عرف صنعة النجوم تأتى له ~~ذلك. # فقيل لهم: هذه كلها مخاريق، وإذا اردتم ان تعرفوا كذب اوائلكم فاعرفوه ~~بكذبكم في زمانكم، فإن الكواكب ما بقيت ولا زالت، فهانوا شيئا من هذا، وفي ~~تعذره عليكم دلالة على كذبكم وكذب اوائلكم. # فإن قالوا: بلاد حمص لا يكون بها عقرب، وإن دخلت إليها ms121 عقرب ماتت وانما ~~هذا طلسم عمل لها، قلنا: قد بينا كذبكم حسا كما بينا كذب النصارى ~~والمنجمين، فإن كانت حمص لا يعيش بها عقرب فان هذا من فعل الله تبارك ~~وتعالى، قد يميت بعض الحيوان إذا صار في بعض الأماكن لتدبير له عز وجل هو ~~اعلم به، ولمصلحة فيه. ألا ترى ان بلاد الروم لا تكاد تبقى بها الجمال مع ~~حرصهم في بقائها، حتى قال من لا يعلم: ان هذا لشدة البرد، فقيل له: فبلاد ~~الترك أشد بردا وبها الجمال، والأتراك بالري» # إذا قطنوا بها فما يكادون يبقون بل يتماوتون، والاصفهاني إذا أراد السفر ~~الى الري اوصى. وما هذا الطلسم، وأرض مصر وغيرها من مواضع شتى لا يكاد يكون ~~بها مطر. وما ذاك الطلسم، وأرض العراق مع كرمها وطيب مائها لا ينبت بها ~~الفلفل، ولا الدار فلفل، ولا العود ولا الزنجيل ولا الدارصيني، ولا ~~الزعفران، ولا سنبل الطيب، ولا يكون في انهارهم العنبر. PageV01P178 # او ترى هذه الطلسمات وضعت بالعراق وأناث البغال لا تكاد تحمل بل لا تكاد ~~تهيج. أفترى هذا الطلسم وأودية العراق لا يكون فيها التمساح، وهو بمصر ~~كثير. أفترى هذا الطلسم وضع بالعراق لئلا يكون فيه هذا، او وضع بمصر حتى لا ~~يفارقها. وهذا التمساح في نيل مصر، وهو في بعض المواضع بها دون بعض، وبأرض ~~الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسر من رأى ومصر والقيروان، وهذه كلها أمصار ~~اسلامية، ووضعت في الاسلام، وخطت في الاسلام، فحدثت امور كثيرة في احوال ~~الحيوان ابدع مما يدعونه لحمص وغيرها بلا طلسم. # والمجوس تدعي ان لهم منتظرا حيا باقيا مهديا من ولد بشتاسف بن بهراسف ~~يقال له أبشاوثن ، وانه في حصن عظيم من خراسان والصين، ومعه كثير، كلهم ~~ثقات امناء اخيار، لا يكذبون ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة صغيرة ولا ~~كبيرة، وأن دعوتهم مجابة ، ولهم دلالات وآيات ومعجزات، وانهم صاروا الى ~~ذلك المكان عند زمن زرادشت الذي تدعي نبوته، وانهم انوار ساطعة، وانهم من ~~الجمال والحسن والنظارة على امر عظيم، ms122 وأنهم لا يبكون ولا يهرمون ولا ~~يموتون، وأن أبشاوثن لا يحتاج الى اكل ولا الى شرب، ولا يكون منه بول ولا ~~غائط ولا شيء من الأذى. هذا الذي أتيقنه مما قد ذكره أذرباذ بن أميذ الموبذ ~~في وصفه أبشاوثن، انه لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يتغوط، فأما اصحابه ~~PageV01P179 # فلست اتيقن انه وصفهم بأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ويغلب على ظني انه قد ~~وصفهم بذلك، فأما العصمة وان اصحابه بمثابته، فما اشك فيه. # فقيل للمجوس: اذا شئتم ان تعرفوا اول امركم فاعتبروه باخره تجدون بطلانه ~~واضحا بينا، كما يجدونه النصارى والمنجمون وأصحاب الطلسمات. # فإنكم تدعون ان قوما في زماننا هذه صفاتهم وأحكامهم، وعليكم في هذا فضل ~~مزية في الباطل، فإنكم امم كبيرة قديمة تخبرون بكون هؤلاء في الدنيا معنا ~~وفي زماننا، وانهم يخرجون مع ابشاوثن هذا فيكلمون الارض كلها، ويعيدون ~~المجوسية وديانات الفرس وملكها الذي أزاله الاسلام كما كانت. فقد كان ينبغي ~~إن كان هذا في الدنيا هاهنا قوم يدعونه ان نعلمه بخبركم، وفي عدم العلم ~~بذلك دليل على انه امر لا اصل له، وما في الدنيا انسان يدعي هذا، ولكنه شيء ~~وضعه لكم الواحد والاثنان والنفر اليسير، فصدقتموه واحسنتم الظن بهم، ~~وانتشر فيكم، وهو كذب وانتم لا تعلمون انه كذب، كما اصاب النصارى وغيرهم ~~ممن كانت هذه سبيله. # وكذا لمن ادعى ان معنا وفي زماننا إماما معصوما قد أقيم لنا وهو الحجة ~~علينا وعلى اهل الارض بأسرهم، قيل لهم: انتم امم كثيرة عظيمة بالعراق ~~وبالشام وبفارس وبمصر والمغرب والحجاز واليمن والبحرين وكور الأهواز ~~وبالجبال والديلم وخراسان وكلكم يخبرنا بأن في الدنيا رجل هذه سبيله، ويدعو ~~الى نفسه، وكلكم اصحابه وينتظره ويدعو اليه. وتصنيف الكتب في ذلك قد ملأت ~~الدنيا، ونخاصم في ذلك، فلو كان في الدنيا انسان هذه PageV01P180 # سبيله لعلمنا ذلك بخبركم وبما نسمعه منكم وان لم نصدقه فيما ادعى، ولم ~~نقبل قوله ولم نر شخصه، وان لم نسمع كلامه. ألا ترى ان نبينا محمدا صلى ~~الله عليه ms123 وسلم لما ادعى انه رسول الله الى الخلق اجمعين وانه الحجة عليهم ~~علم ذلك من دعواه كل من بلغه خبره ممن صدقه او كذبه، ومن رآه ومن لم يره، ~~وكذا العلم بمسيلمة وما ادعاه وان كذبه الناس كلهم. بل لو اخبر جماعة عن ~~امرأة من وراء حجاب بصلاح او طلاح لعلم الناس ذلك بخبرهم اذا كانوا عالمين ~~بما أخبروا، فكيف وانتم امم كثيرة عظيمة قد طبقت الارض والبر والبحر ~~والسهل والجبل، تعتقدون ذلك، وتخبرون به، وتدعون اليه، وتزعمون انكم اصحاب ~~هذا الرجل واتباعه، فلا يزداد من تأمل ونظرو اعتبر إلا علما بأن ليس في ~~الدنيا انسان يدعي ذلك ولا يدعو اليه. فلو نظرتم وانصفتم لعلمتم ان اول ~~امركم مثل آخره في الباطل، وان النبي صلى الله عليه وسلم ما تدين بما تدعون ~~ولا دعا اليه. لا هو ولا احد من اصحابه. # فإن قيل: فلو قال لكم قائل وأنتم ايضا اول امركم مثل آخره، إذ ليس في ~~زمانكم من معه معجزة ولا آية، فأولكم هذه سبيله ما كان يكون جوابكم؟ # قيل له: لا سؤال علينا في هذا، لأنا نمنع ان يكون مع احد بعد نبينا آية ~~او معجزة، وما ندعي انه آية ومعجزة فهو ما علمه كل من سمع الاخبار، وهو هذا ~~القرآن وما جاء مجيء القرآن، ونقول: لا حجة على الخلق إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحده، فعرفت الفصل بيننا وبين من ذكرنا. PageV01P181 # وجواب آخر، وهو ان كل من سمع اخبار النبي عليه السلام فمن صدقه او كذبه ~~يعلم باضطرار انه كان يدعي النبوة، ويدعي ان معه آيات ودلالات ومعجزات. فان ~~قالت النصارى: نحن اولنا المسيح وهو سلفنا، وأنتم تقرون ان معه آيات ~~ومعجزات، فكيف قلتم ان اولنا مثل آخرنا؟ # قيل لهم: ومن سلم لكم ان المسيح عليه السلام سلفكم، ونحن فقد دفعناكم عن ~~هذا، وبينا انكم قد خالفتم المسيح عليه السلام في أصوله وفروعه، ونقضتم ~~عهوده، وعطلتم وصاياه بيانا لا يمكنكم دفعه، ونحن فما علمنا ان المسيح ms124 نبي ~~وانه قد كان معه آيات ومعجزات بقولكم، ولا بنقلكم، ولا بدعواكم، وانما ~~علمنا ذلك بقول نبينا صلى الله عليه، ولكن ادعيتم ان هذه الأمم ما اجابت ~~الى النصرانية إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على بولص وجورجس وأبا مرقس ~~وأمثالهم، ودونتم ذلك في كتبكم كما دونته المنانية والمجوس وغيرهم، وادعيتم ~~ذلك في كل زمان، والناس معكم ويشاهدونكم فلا يرون لذلك اصلا ولا اثرا، ولا ~~يرون إلا السيف والقهر والعسف وان اول هذا الامر ما كان إلا بالسيف والقهر ~~كما قد بينا، وهو قائم باق ما زال ولا حال بل زاد، ونحن فقد وجدناكم نزلتم ~~على اهل المصيصة، وعين ذربة، وجزيرة اقريطش، وجزيرة قبرس ، وجزيرة ~~أرواد، والثغور PageV01P182 # الشامية، والثغور الجزيرية، وثغور ارمينية، وأذربيجان، وما يكثر احصاؤه، ~~وما قد قدره اهل الخبرة الى هذه الغاية، ومقداره الف فرسخ منائر، وعمارته ~~متصلة ومقدار السبي والأسر نحو عشرين الف الف انسان، لا يقرون على الاسلام، ~~بل يدخلون في النصرانية كرها، بالرهبة والرغبة، وكذا من دخل في ذلك من ~~البرغر والبرجان كله بالإكراه والسيف، وإن طالت مدته، وتناسى الناس كيف جرى ~~ذلك. # وادعيتم أن هؤلاء انما دخلوا في النصرانية بالآيات والمعجزات، وأن البطرك ~~وافى من بلاد الروم، فنزل وجنده وعليه الجوذبا والكتين والودار وعلى رأسه ~~القبع وفي يده الكرار، فأقام موتاهم من المقابر، فقاموا بأسرهم من تلقاء ~~انفسهم وصاروا الى بلاد الروم. ووافى ميخائيل الراهب الى اهل المصيصة فقلب ~~سيحون زيتا، وجعل اغنامهم كلها خيلا، فقاموا كلهم من تلقاء انفسهم فقبلوا ~~الصليب، وصاروا الى بلاد الروم. وكذا اهل سميصاط وحصن منصور، فليس عندهم في ~~الكذب والبهت شيء، وهم قوم يكذب لهم رؤساؤهم فيقبلون ذلك الكذب عنهم، وقل ~~مصر من هذه الأمصار وثغر من هذه الثغور إلا وقد ترددت اليه ملوك الروم ~~السنين الكثيرة، ونزلوا عليه الأعوام المتوالية، ورعوا زروعهم وحصروهم ~~ومنعوهم الأقوات، حتى اكلوا الكلاب والسنانير والميتة، وقتلوهم جوعا وعطشا، ~~وقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذريتهم، وقادوهم بالسلاسل والحبال، وأنزلوا بهم من ~~المكاره ما يطول شرحه، وكذا ms125 امرهم من اوله الى آخره. وليس سيف حمل بباطل ~~في جميع الأزمان مثل سيف النصرانية كما قد بينا ذلك، وحيث لا يكون لهم ملك ~~ولا سيف فإن من أسلم منهم يمنعونه اهله، ويبطلون ديونه، ويذمونه بكل فاحشة، ~~ويسعون في كل ما يقدرون عليه PageV01P183 # من مكارهه واضراره، وهذا ايضا ضرب من الاكراه. # ثم يقال لهم: هذه المنانية قد غلبت على المشرق، وليس معهم سيف ولا مال، ~~ويدعون ان دينهم اضيق الاديان وأصعبها، وأنهم لا يأكلون اللحوم ولا يؤذون ~~شيئا من الحيوان، ولا يأكلون إلا ما انبتته الارض. وعبادتهم من الصوم ~~والصلاة كثيرة عظيمة، ولا يدخرون الأموال، ويدعون ان المعجزات اضطرتهم الى ~~هذا الدين، وهم يدعون ان المستبصرين من رهبانكم ورؤوسائكم منهم، ويدعون ~~هرابذة المجوس . قالوا: ولكن ليس لنا عند المسلمين ذمة كما لليهود ~~والنصارى والمجوس، ومتى أظهرنا لهؤلاء ديننا قتلونا، قالوا: وكذا يصنع بنا ~~ملوك الروم. ويذكرون من آيات ماني ومعجزاته انه كان نورا خالصا كله وأنه لم ~~يكن له في الشمس ظل، وأن الملائكة كانت تأتيه وتحتمله حتى تصعد به الى ~~الشمس فيصير فيها، وأصحابه يشاهدونه، وأنهم نقلوا ذلك الجمهور عن الجمهور، ~~والجماعات عن الجماعات، ويدعون لأتباعه المعجزات، ويدعون مع ذلك انهم اصحاب ~~المسيح وعلى دين المسيح، وأن الانجيل الذي معهم هو الحق دون ما معكم، ~~فينبغي ان يكونوا على قياسكم محقين، وأن ذلك انما تم لهم بايات ومعجزات كما ~~ادعيتم ذلك، ولهم كتب مدونة في آياته ومعجزاته، ولعلها اكثر من السليحين ~~الذي لكم، ومن الآيات التي تضيفونها الى جميع من دعا الى النصرانية، مذ ~~كانت النصرانية. # وهذه الهند، وهي امم عظيمة لعلها تزيد على امم النصارى ، ولهم ~~PageV01P184 # العقول والحكم التي لا تكاد تدانيها عقول الارمن والروم، يعبدون البددة ~~قبل تنصر الروم بالدهور الكثيرة، وليس يدعون الناس باتباعهم لا بسيف ولا ~~برغبة ولا بالرهبة، ومن دخل فيه لم يمنعوه، وهم يدعون ان اصنامهم تكلمهم ~~وتأمرهم وتنهاهم، وتبدرهم بالأمور قبل كونها، وتأتيهم بالأمطار وما ~~يسألونها من الرخاء والنعم، وتدفع عنهم السوء، ms126 وتشفي مرضاهم، ويحملون ~~زمناهم على الجنائز الى سوق الاصنام فينقهون ويرجعون على اقدامهم، ويدعون ~~انها تحيي الموتي، ولهم رقى يدعون انها تشفي وتحيي، فينبغي ان يكون هؤلاء ~~محقين صادقين. # والمجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات اكثر مما يدعيه النصارى لمن ~~دعاهم الى النصرانية، ويقولون: نحن لا نكره احدا على الدخول في ديننا ولا ~~نرغبه فيه، وهو دين خصنا الله به، فمن دخل فيه لم نمنعه، وإنما نقاتل ونحمل ~~السيف على الامم لتأدية الخراج والدخول في الطاعة فقط، فأما لأجل الدين فلا ~~نحارب. وعقول الفرس وحكمتها وتحصيلها قد عرفه الناس، وكثرة وسع ممالكها فوق ~~ممالك الروم بطبقات، فينبغي على قياسكم ان يكونوا محقين وصادقين. # فان قلتم لهم: لكم ملوك عتاة جبابرة هم ادخلوكم بالقهر والسيف والرغبة ~~والرهبة في هذا الدين، قالوا لكم: أما الدين فما تعرضوا لإدخال الناس فيه ~~ولا اشتغلوا به، وإنما كان أخذهم للناس بالسمع والطاعة والخضوع للملك، ~~وهذا معروف. # والعيان والموجود من دين النصرانية وما عليه هذه الطوائف لهم القهر ~~والغلبة والسيف مذ كانت الى هذه الغاية، وما هاهنا سيف حمل بباطل إلا PageV01P185 # سيف النصرانية من اول امرها الى هذه الغاية. # وقد دعا واحد من اليهود الخزر وهم امم كثيرة فأجابوه ودخلوا في دينه عن ~~قرب، وفي ايام بني العباس ودولتهم، ولو أراد مريد ان يدعي انهم إنما اجابوا ~~إلا بالآيات والمعجزات كما يدعي النصارى لمن تنصر لأمكنه ذلك وكان اولى ~~بالشغب من النصارى، فإن هذا رجل واحد قصد الى ملك عظيم الشأن، والى قوم ~~اولى بأس شديد، فأجابوه بلا غلبة ولا سيف، وتحملوا ما في شريعة التوراة من ~~الشدة بالختان والوضوء وغسل الجنابة وتحريم الأعمال في السبت والأعياد، ~~وتحريم ما في هذه الشريعة من الحيوان، الى غير ذلك. # ولعل اليهود تدعى لهذا الداعي الآيات والمعجزات، فمنهم من يجيزها ~~للصالحين منهم وهذا اولى بالشبه مما تدعيه النصارى، ولكن النصارى اكذب وأشد ~~جرأة على ادعاء ما لم يكن. # ثم يقال للنصارى: ادعيتم لدينكم الضيق والصعوبة، وقلتم: هذا أحد الادلة ms127 ~~على صحته وعلى ان الامم لم تقبله ولم تدخل فيه إلا بالآيات، فقد عرفنا من ~~قولهم في الآيات، ولو كان ضيقا صعبا شديدا لما دل ذلك على صحته فإن دعواهم ~~هذه كدعواهم المعجزات. وليس يدل على صحة الدين ضيقه وصعوبته، بل ربما ~~احتال الممخرق والمبطل على صحة ما يدعو إليه بالتصوف والتقشف وكثرة العبادة ~~والمضايقة فيما يدعو إليه الى ان يتمكن، ثم يظهر مساوئه، ويكون ذلك له شبهة ~~على من يرى ذلك ويسمعه، والنفوس ترحم المتصوف والمتقشف المواصل الصلاة ~~والصيام وإن كان مبطلا، ويحسن ظنهم فيه، ويسرعون الى القبول منه قبل النظر ~~في حاله، ويكتفون بما يظهر منه عن البحث عن حاله، وفي النظر والبحث شدة ~~ومشقة، وتنفر نفوسهم عن PageV01P186 # حامل السيف وإن كان محقا. # وعلى ان ديانات المنانية اضيق من ديانات النصرانية لأنهم يحرمون اكل جميع ~~الحيوان وركوبه وأذيته بكل وجه، حتى انهم يحرمون قتل السباع والحيات ~~والعقارب ويصبرون على أذيتها ويحرمون ادخار الاموال، ويوجبون من الصوم ~~والصلاة اكثر مما توجبه النصارى، ويحرمون المناكح كلها ولذات النفوس، ~~فينبغي ان يكون دين هؤلاء هو اصح من النصرانية بألف طبقة. # والهند لها عبادات كثيرة وزهد عظيم، لا يدانيه ما يفعله أزهد رهبان ~~النصارى. [والهند لها عبادات كثيرة] وتوجب في دينها قتل انفسها، وتحرق ~~انفسها بالنيران وهم احياء، واذا مات رئيسهم احرقوه واحرقوا معه احبابه ~~واصدقاءه وخاصته وزوجته، يفعل ذلك بها ابوها وامها واهلها، وليس في دين ~~النصرانية شيء من هذا، فينبغي ان يكون دين المنانية هذا اصح من مذاهب ~~هذه الطوائف النصرانية. # على انا لا نعرف دينا اوسع ولا ارخص ولا اسهل من دين النصارى، إذ ليس فيه ~~زاجر مخوف كالحدود المكتوبة، ولا النار، ولا عذاب الآخرة، وان اشد العذاب ~~في الآخرة ان المعاند الذي قد عرف الحق وتركه، يلحقه غم مدة ثم ينجلي ~~وينقضي، فأما من لم يعاند، وان اخطأ، وان كان مع اعتقاده مخالفا لدين ~~النصارى فليس عليه خوف ولا عقاب، اذا كانت نيته سليمة واعتقد الشيء على انه ms128 ~~حق وان كان باطلا. واما النصارى فليس PageV01P187 # عليهم خوف، ولا يؤخذون بذنب من الذنوب، وقألوا لأن الرب الذي هو الأب ~~انما ارسل ابنه ليصلب ويقتل ليحمل خطايانا ويغفر ذنوبنا. فليس دين يغري ~~بالقبيح، ويبعث على ارتكاب الفواحش، ويهيج على الفساد اكثر من دين ~~النصرانية، وهم يدعون فيه الضيق قحة منهم ومباهتة، وهو كما ترى، وانما ~~يدعون لأهله ولمن دعا اليه المعجزات لأنه ليس فيه حجة ولا على صحته دلالة. # ثم نقول للنصارى: اعندكم ان من حمل السيف كان مبطلا؟ فإن قالوا: نعم، ~~قلنا: فالمسيح اول المبطلين، لأنه عندكم ارسل موسى عليه السلام وغيره ~~من الانبياء بالسيف وقتل الرجال والنساء المخالفين له، واحل له في بعض ~~الحروب قتل الرجال وكل امرأة ضاجعت رجلا واستبقاء الأبكار، واحل له الغنائم ~~واخذ الاموال ودفعها الى بني اسرائيل، وكذا سائر الانبياء الذين تتولونهم ~~وتقولون إنهم على الحق، الى ان جاء المسيح وظهر للناس، وقال: ما جئت ~~مخالفا لموسى ولا للتوراة وانما جئت متمما، ولأن تسقط السماء على الارض ~~ايسر عند الله من ان يحل شيء مما عقده موسى، ومن حل ولوالدي هو، واخذ من ~~ناموس موسى يدعى ناقصا في ملكوت السماء . # ثم ليس عند هؤلاء اخذ الجزية ممن ملكوه وقدروا عليه ولا إقراره على ~~PageV01P188 # دينه، وليس إلا الإجابة الى الدين او القتل، وهذا اعظم وأشد وأغلظ من دين ~~الاسلام وشريعته. # ونراكم تدعون للمسيح الرأفة والرحمة، وتنزيهه عن فعل الألم والشدائد ~~والمضار والهموم، وهو عندكم قد شرع التوراة واحكامها وحدودها، وغرق اهل ~~الارض في طوفان نوح، وعندكم ان هذا الموت والجذام والبرص والعمى والصمم ~~وإنزال الجرب والاسقام وانواع الألم بالبهائم التي ما عصت من فعله، ثم اباح ~~ذبحها واكل لحومها وإيلامها بالكد والركوب والحمل عليها الى غير ذلك مما قد ~~فعلوه، فأين الرأفة والرحمة، وأين هذا ما أباحه نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم من قتل من كفر بالله وافسد في الارض، هذا ولو كنتم ترون المسيح ~~نبيا مرسلا لما وجب ان تعيبوا حمله السيف لأنه ms129 قد جاء وصوب حمل الانبياء ~~قبله للسيف، واباحة الحيوان، وان الامراض والاسقام من الله ومن قبل الله، ~~فكيف وانتم [تدعون ان الفاعل لذلك جميعه هو المسيح] فما سمع بقوم هم ~~اجهل وأوقح وأبهت من النصارى، إذ هذا قولهم وهم يعيبون حمل محمد صلى الله ~~عليه وسلم السيف على من كفر بالله وعبد الاوثان والكواكب والنيران من دون ~~الله وكذب بهم وبهتهم اكثر من هذا. فإن قالوا: إن هؤلاء الانبياء حملوا ~~السيف بأمر الله، قيل لهم: فقد بطل ان يكون حمل السيف باطلا من كل وجه على ~~ما ذهبتم إليه، ووجب ان يراعي حامله، فإن كان قد حمله بحجة كان محقا. ~~فينبغي ان ينظروا في اعلام محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وآياته، ~~PageV01P189 # ويعلموا انه مثل من تقدمه من الانبياء. # وتدعون التصوف والتقشف وطول الصيام والصلاة، والنهي عن حمل السيف. وليس ~~في دين النصارى والمنانية والديصانية واشباههم حجة، فهم يخدعون الناس بلبس ~~الصوف وإظهار الزهد. # ومثل هذا من جهلهم ومخاريقهم انهم يعيبون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~باتخاذه النساء، وهم يعلمون ان آدم ونوحا وابراهيم ولوطا واسحق ويعقوب ~~والأسباط وموسى وهرون وداود ويوشع وغيرهم ممن يقولون بنبوته ويشهدون بصواب ~~مذهبه، قد اتخذوا من الازواج والسراري مثل ما اتخذ هؤلاء، بل فيهم من قد ~~اتخذ في ذلك اضعافا مضاعفة كما كان لداود وأمثاله. والروم هم اصل النصرانية ~~ولكنهم لم يجدوا في رسول صلى الله عليه وسلم مغمزا فعابوه بحمل السيف ~~واتخاذ الأزواج، وهم يعيبون هذا منه صلى الله عليه ويدعون ان الله قد اتخذ ~~مريم اما لولده واتخذ الولد لنفسه وان لم يسموا مريم زوجة. # ومن عجيب ديانتهم، ان المذنب منهم يقول للقس والراهب: اعمل لي مغفرة ~~وتوبة وتحمل ذنوبي، ويجعل له على ذلك جعالة على مقداره في الغنى والفقر، ~~فيبسط القس كساءه ويأخذ الجعالة ثم يقول للمذنب: هات الآن واذكر لي ذنوبك ~~ذنبا ذنبا حتى اعرفها وأتحملها. فيبتدىء ذلك المذنب رجلا كان او امرأة ملكا ~~او سوقة فيذكر ما قد فعله ms130 شيئا شيئا، حتى يقول: هذه هي كلها، فيقول له ~~القس: انها عظيمة ولكن قد تحملتها PageV01P190 # وغفرت لك، فأبشر. وربما جمع الكساء من اطرافه ووضعه على ظهره وقال: ما ~~اثقل ما في هذا الكساء من الذنوب. # ومن المأثور عنهم والشائع عليهم ان المرأة تقر عند القس بذنوبها، فتقول: ~~أصابني رجل في يوم كذا فيستفهمها كم مرة فتقول: كذا وكذا، فيقول لها: ~~اخبريني هذا الرجل نصراني او مسلم، فربما قالت: مسلم، فيستعظم هذا، ~~ويستزيدها في الجعالة، فان زادته، وإلا غضب وانطلق وهو يقول: قد زنى بها ~~المسلمون وتريد ان اغفر لها وإنما اعطتني كذا وكذا، فترده وتزيده وترضيه. # هذا من دينهم الذي الذي يدعون ضيقه، ويدعون انه على دين المسيح، وهذا لا ~~يجوز ان يكون دينا له صلى الله عليه. # وقد قيل لبعض قسوسهم ما هذا من التوبة؟ فقال: وما وجه تركنا لهم لا ~~نسألهم عن ذنوبهم ونطعمهم في غفرانها، فإنا لو لم نفعل ذلك ونأخذ المال ~~منهم لافتقرت البيع. # وقل ما تجد منهم من يخاف عذاب الآخرة، لأنهم يعتقدون ان المسيح إنما قتل ~~نفسه ليقيهم من الذنوب والعذاب، وأنه جالس على يمين ابيه، وأمه جالسة مما ~~يلي يساره فهي تتلقى الذنوب اذا طلعت وتقول لابنها: سل يا بني أباك الرب ~~غفرانها، فهو عندهم يغفرها ويسأل أباه غفرانها. # والملوك بمصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وما والى ذلك يعولون على ~~النصارى في الكتابة والوزارة والجهبذة. فلهم الرئاسة على المسلمين، يجبون ~~اموالهم ويأخذونها منهم بالضرائب الموضوعة على كل شيء مما لم ينزل الله PageV01P191 # به سلطانا، فيذلون بها الاسلام، وينفقونها في مكاره المسلمين. # وللفرس ايضا مثل هذه الفضائح التي تقدمت للنصارى، وهو ان زرادشت قد شرع ~~لهم تطهير الحائض والنفساء والتي قد مات جنينها في بطنها ببول البقر ~~يتولى ذلك منها الهربذ بعد ان يجردها ويعريها، ويباشر ذلك منها بيده ورأي ~~عينيه، فيبركها ويغسل ذلك المكان بيده، وربما جزعها منه جزعا واخذ على ذلك ~~الجعالة على مقدارها. واول ما يأخذ الخلعة التي عليها اذا جردها ms131 للتطهير، ~~واقل ما يأخذ على افقر فقير اربعة مثاقل فضة. وزعم الفرس والمجوس انه كان ~~يرتفع لموبذان موبذ في ايام ملكهم من هذا الوجه اربعة ألف ألف دينار ينفقها ~~على الهرابذة، وشرع لهم بالإنجاب على زوج المرأة اذا غاب عن امرأته او عجز ~~عن بضاعها، ان يوكل في نيكها من يختاره من أصدقائه وثقاته ورفقائه. # ولم نكن في الرد على المجوس ولا النصارى، إنما قصدنا البيان انهم مخالفون ~~للمسيح ودينه في الأصول والفروع. # فهذا يرحمك الله اصل مذهب النصرانية، ومذهب القراء والزهاد منهم. # فأما اهل الجدل والنظر ومن يتجرد في نصرة النصرانية ويضيف الكتب في ذلك ~~فكلهم ملحدة وزنادقة، ويكذبون المسيح وجميع الأنبياء عليهم السلام، ويستجهل ~~الشرائع ومن يعمل بها فلا تكاد تجد فيهم إلا من هذه سبيله، مثل: قسطا بن ~~لوقا، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق، وقويرى، ومتى الجرمقاني وهو المكنى ابو ~~بشر بن يونس الذي فسر كتب الملحدة، PageV01P192 # وهلك في سني نيف وعشرين وثلثمائة، وبعده يحيى بن عدي، وعنه اخذ هؤلاء ~~الملحدة الذين في زمانك، ومذهبهم لا يقوم بالجدل. # واذا قيل لهم: قالوا: حجتنا في ذلك على لسان أرسطاطالس ومن قوله ومن ~~أصوله، وأرسطالس لا يؤمن بكتاب ولا نبي ولا شريعة، وينكر فلق البحار، ~~وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، وولادة مريم من غير ذكر. # ويرى ان التصديق بذلك جهل وحمق وقلة عقل. فانظر من أولى بقلة العقل، هو ~~او من يجعله حجه لدينه ويأخذ عنه، فما بعد هذا في فضيحتهم شيء. # فاعرف هذا من طريقتهم، فقد تبين لك ان ديانات هؤلاء النصارى خلاف ديانات ~~المسيح ووصاياه وعهوده، وعلمت علم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك، وان علمه ~~به من قبل الله، وانه من معجزاته. # والنصارى تقول: لعمري إن المسيح ما عمل طول حياته بشيء مما نحن عليه، ~~وكذا تلاميذه من بعده فما لزموا شريعة التوراة ولكن من أتى بعدهم نقلونا ~~وقالوا لنا قد قال المسيح: اعملوا بعدي بما ترون، قلنا: قد صدقتموهم في ~~دعاويهم وهم قد جاؤوا بالرئاسة ms132 عليكم والتحكم فيكم وفي أموالكم. # فإن قالوا: إننا لم نقبل منهم إلا بالمعجزات، فقد فرغنا منها وبينا كيف ~~كان الأصل من قسطنطينوس بين هيلانة وبينا ان المسيح وصاهم بشريعة ~~PageV01P193 # موسى عليه السلام، وان يعملوا بما رأوه يعمل طول حياته بما قدمناه؛ من ~~تجريد التوحيد، وتنزيه الله عز وجل، وبإقامة الشريعة كما بينا. # وحديث انتقالهم في كتابهم المعروف بأفراسكس وفي السنهودس الذي لهم، وانما ~~هم ينهون من لا يعرف، ويقولون: نحن على شريعة المسيح، فإذا وافقهم العارف ~~بذلك، قالوا: قد انتقلنا بالآيات والمعجزات، فإذا عرفهم حال قسطنطينوس بن ~~هيلانة وما فعله وجميع هذا الذي بيناه، قالوا: # نهينا عن الجدل والبحث والتفتيش. # ومن عجيب أمورهم ان معهم وفيما حفظوه عن المسيح انه عليه السلام قال لهم: ~~انكم تأتوني يوم القيامة، وليحشرن الي سكان الارض فيقومون عن يميني وشمالي، ~~فأقول لأبناء الشمال: لقد كنت جائعا فما أطعمتموني، وعريانا فما كسوتموني، ~~ومريضا فما عدتموني ولا داويتموني، ومحبوسا فما زرتموني، فيكون من جوابهم ~~ان يقولوا لي: متى كنت يا سيدنا مريضا او عريانا او جائعا او محبوسا؟ ألم ~~نكن باسمك نتنبأ، وباسمك نشفي المرضى ونقيم الزمنى، وباسمك نطعم الجياع، ~~ونكسو العراة، ونداوي المرضى، وباسمك نأكل ونشرب؟ فأقول لهم: قد كنتم ~~تذكرون اسمي ولا تشهدون علي بالحق، ابعدوا عني يا عاملي الإثم. ثم اقول ~~لأبناء اليمين: هلم ايها الصالحون الى رحمة الله والى الحياة الدائمة، وليس ~~هاهنا من يطعم ويكسو او يداوي المرضى ويأكل ويشرب باسم المسيح ويفعل ذلك ~~للمسيح إلا هؤلاء الطوائف من النصارى. فهذا نص واضح ببراءته منهم، وعداوته ~~لهم. # والروم تأكل الخنزير وجميع الحيوان وذبائح الناس كلهم، فتبعوا الروم في ~~هذا كما تبعوهم في غيره. فاذا قيل لهم في ذلك، قالوا: إن شمعون الصفا PageV01P194 # رأى في المنام، واذا ثوب مربوط بأربعة اطرافه وهو ينزل من السماء الى ~~الارض، فيه كل الدواب ذوات الاربع القوائم وزخارف الارض، وطير السماء، ~~وحيوان الماء. وسمع صوتا يقول: قم يا شمعون، قم اذبح وكل، فقال شمعون: حاشا ~~لي ms133 يا رب، فإني منذ قط لم آكل شيئا نجسا، فعاد الصوت المرة الثانية يقول ~~له: لا تنجس ما طهره الله. وهذا عندهم رآه شمعون بعد موت المسيح ورفعه. # قلنا: فقد شهد شمعون ان هذا مما حرمه المسيح ونجسه، فقد اكد فضيحتكم اذ ~~هو ما جاء الا بالتمام لا بالتغيير والنسخ. # والعجب ان معهم في أشعيا النبي ، أن شر الأمم وأنجس الأمم وأخبث ~~الأمم، هذه الأمة ذات القلفة، الآكلة للخنزير، وكل البهائم. وهذا هو صفتهم. # وفي النصارى من يزيد في الكذب والمخرقة ويقول: انما قتل اليهود المسيح ~~لأنه أحيا الموتى وأقام الزمنى في يوم السبت، وهذا دليل على انه أحل ~~السبت، ونسخ ما في التوراة. # قلنا: قد بينا ما في الأناجيل وفي أفراسكس من وصايا المسيح بالتوراة، وما ~~عمله، مما فيه بطلان هذه الدعاوي. PageV01P195 # ومما يزيد في البيان عن كذبهم قول متى في انجيله: «ان المسيح كان يتمشى ~~بين الزروع يوم السبت، وكان تلامذته قد جاعوا، فجعلوا يفركون السنبل ~~ويأكلون، فلما رأى الأحبار ذلك قالوا له: إن تلاميذك هوذا يفعلون ما لا يحل ~~لهم فعله في السبت، فقال المسيح: فما قرأتم ما صنع داود إذ جاع، كيف دخل ~~بيت الله وأكل من خبز مائدة الرب الذي لم يكن يحل له أكله، ما خلا الكهنة ~~فقط. # وقال لهم ايضا: «وما قرأتم في التوراة ان الكهنة في الهيكل يحلون الهيكل ~~وليس عليهم لوم» . فانظر كيف بين ان هؤلاء ما حلوا السبت ولا ما في ~~التوراة، وأنهم انما عملوا بما يحل في التوراة، ولكنكم انتم جهلتم، فلو كان ~~قد نسخها لقال لهم: انما فركوا السنبل في السبت لأن الله قد نسخ ذلك على ~~يدي، ولم يحتج الى تبيين حال الاضطرار. # وذكر متى في انجيله ان المسيح لما أبرأ الرجل الأمثال قالت له اليهود: # هل يحل الإبراء في السبت؟ فقال لهم: اذا وقع لأحدكم كبش في البئر أما ~~تستخرجونه، فالانسان أفضل من الكبش، وأنه قد يجوز أن يفعل الفعل الجميل في ~~السبت، فلو كان حل ms134 السبت لقال ذلك وأظهره ولم يحتج، وقد قال لوقا في ~~انجيله: ان المسيح كان يعلم في يوم السبت في بعض الكنائس، وكان هناك امرأة ~~بها مرض منذ ثمانية عشر سنة، وكانت منحنية، ولم تك تستطيع ان تبسط قامتها، ~~فلما رآها المسيح قال لها: ايتها المرأة قد أطلقت من مرضك، فعوفيت من ~~ساعتها. فقال رئيس اليهود: إن الايام التي يجوز فيها العمل ستة ايام ففيها ~~تعالجون لا في السبت، فقال له المسيح: أما يطلق PageV01P196 # احدكم ثوره او حماره عن المعلف في يوم السبت ويذهب به ويسقيه الماء، فهذه ~~التي هي بنت ابراهيم عليه السلام، وقد ربطها للشيطان منذ ثمانية عشر سنة لا ~~يجب ان تطلق عن الأسر. فلو كان كما قال هذا الكذاب، لقال: # السبت منسوخ، وكل الاعمال فيه جائزة مباحة. # وذكر متى في انجيله: ان المسيح خبر ببلاء ينزل بأصحابه وجلاء، ثم قال ~~لهم: صلوا لله وارغبوا اليه ان لا يكون هربكم وجلاؤكم في يوم السبت ولا في ~~الشتاء. وهذا قاله لهم عند فراقه إياهم ووداعه لهم، لتعلم تأكيده لإقامة ~~السبت من بعده والتمسك بشرائع التوراة، وانما امرهم مسألة الله ألا يكون ~~هربهم في يوم السبت، لأنه لا يحل لهم ان يحملوا في يوم السبت شيئا من ~~امتعتهم وأموالهم، وانما يحل النجاة بالنفس لا غير. وكل هذا بين رفض ~~النصارى لدين المسيح. # واذا قيل لهم: لم تصلون الى المشرق وقد علمتم ان المسيح لم يزل يصلي الى ~~بيت المقدس الى ان خرج من الدنيا، وانما المشرق قبلة الروم؟ قالوا: # لأن الله خاطب الانبياء من قبل المشرق، وبعضهم يقول: ان المسيح لما صلب ~~أمال وجهه الى المشرق فلهذا صلينا الى المشرق، فقيل لهم: فمن أعلم بالمصالح ~~أنتم أم المسيح، وقد علمتم وتيقنتم انه ما صلى الى المشرق، ولكنكم صرتم الى ~~ديانات الروم وفارقتم دين المسيح. # وفي الانجيل سألته السامرية: ارى انك نبي انت، آباؤنا انما سجدوا في هذا ~~الجبل، وأنتم تقولون: إن الموضع الذي يجب السجود فيه انما هو اورشليم قال ms135 ~~لها يسوع: ايتها المرأة صدقت ، أما [إن] بين اتباعه [من] ~~لا PageV01P197 # يسجدون للرب لا في هذا الجبل ولا في اورشليم. # فانظر الى الافصاح والبيان في هذا، ان المسيح إنما كان يصلي الى اورشليم ~~وهو بيت المقدس، ليعلم انهم خالفوا ما كان عليه. # وقد ذكرت لك انه ما قصدنا بيان فساد النصرانية، إنما قصدنا البيان عن ~~مفارقتهم لدين المسيح ومخالفتهم له في الاصول والفروع جميعا مع شدة تحققهم ~~به، وأن علم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك انما هو من قبل الله عز وجل، وأن ~~ذلك من معجزاته وآياته وإن كان قد اتفق من حكايات اقوالهم والرد عليهم ما ~~لا يكاد يوجد في كتاب، سيما حكاية تسابيحهم وأقاويل رؤسائهم. # فاحتفظ بذلك فانك لا تكاد تجده في كتاب، وبك الى حفظه امس الحاجة. # فأما المسألة لهم والرد عليهم فكثير. # فمن ذلك، كتاب الجاحظ، وكتاب آخر له يعرف بالرسالة العسلية، ولأبي جعفر ~~الاسكافي، ولأبي بكر احمد بن علي بن الأخشيد قطعة حسنة في كتاب المعونة. ~~ولأبي عيسى الوراق كتاب عليهم، ولأبي علي كتاب عليهم، ولأبي هاشم مسألة في ~~البغداديات، وفي أصول ابن خلاد وفي شرحه، وفي الايضاح لأبي عبد الله ~~البصري، رحمة الله عليهم اجمعين، كلام عليهم . PageV01P198 # وليس عندهم ان المسيح تكلم في المهد، ولا اتى ببراءة ساحة امه، وأكثر ما ~~عندهم ان مريم عليها السلام كانت مملكة بابن عم لها يقال له يوسف ويعقوب ~~النجار، وأنها كانت عنده، وأن الناس كانوا يرون ان المسيح ابن يوسف، الى ان ~~عمده يوحنا في الاردن، وجاء الصوت من السماء: هذا ابني الذي سررت به نفسي. ~~قالوا: فعلمنا انه ابن الله تعالى الله لا ابن يوسف النجار. قالوا: وكان ~~هذا بعد ان اتى على المسيح ثلاثون سنة، وكان الناس لا يشكون انه ابن النجار ~~الى ان جاء هذا الصوت بزعم النصارى، فأي سخف وضعة وطعن في حكمة الله اعظم ~~من هذا، وهو عندهم رب العالمين، وقد خلى عباده يقذفون امه. # وفريق منهم وهم الخاصة يذهبون الى ms136 ان ربهم يهودي بن يهودي، مولود من ~~يهودية، وان امه امرأة يهودية، وقال متى في انجيله: لما ظهر الحمل بالمسيح ~~بمريم البتول هم يوسف النجار بطلاقها، فأتاه الملك في المنام فقال له: # يا يوسف النجار لا ترتب بحليلتك مريم فإن الحال فيها من روح القدس، فأمسك ~~عن طلاقها. # فانظر كيف يشهد بأنها حليلة يوسف النجار وزوجته، وانه هم بطلاقها ~~واتهمها بالزنى وأراد طلاقها فرارا من العار. # وبعضهم يذكر في ترجمة انجيله: هذا ميلاد يسوع بن يوسف النجار، ومتى ~~يقول في انجيله: هذا ميلاد يسوع المسيح. وقال: يعقوب والد يوسف رجل ~~مريم التي منها ولد يسوع المسمى مسيحا، فانظر كيف يحققون ان يوسف زوجها. ~~PageV01P199 # وفي الانجيل ان المسيح لما ولد ختن بعد ثمانية ايام، وان يوسف النجار ~~اخذه مع امه وخرج بهما الى مصر فأقام اثني عشر سنة، ثم اخذهما وردهما الى ~~بيت المقدس. # وفيه ان يوسف دخل بيته فقال لمريم: اين الصبي، يعني عيسى المسيح، فقالت ~~له: ظننته معك، فقال: وأنا ظننته في البيت عندك ومعك، فقلقا لذلك وخافا ~~عليه الضياع، فخرجا جميعا في طلبه، فقال يوسف النجار: # لمريم خذي انت طريقا وآخذ انا طريقا آخر، فلعل واحدا منا يجده. # فمشيا متحرقين، فلقيته مريم امه فقالت: يا بني، اين تكون؟ ظننتك مع ابيك ~~وظنك ابوك عندي فلما لم يرك قلقنا فأخذ ابوك في طريق وأخذت انا هذا الطريق، ~~فأين كنت، ومع من كنت وابوك متحرق عليك؟ # فقال: كنت في بيت المقدس اتعلم. # وذكر متى في انجيله: ان المسيح اجتمع مع اليهود وضرب لهم الامثال، فلما ~~فرغ المسيح من هذه الامثال تحول فدخل مدينته، وكان يعلم في كنائسهم فكانوا ~~يتعجبون ويقولون: من اين لهذا هذه الحكمة، أليس هذا ابن يوسف النجار، أليس ~~امه التي تسمى مريم واخوته يعقوب وشمعون ويهوذا واخواته كلهن أليس هن ~~عندنا، من اين لهذا هذا كله، وجعلوا يحتقرونه ويأثمون فيه ويقذفونه، ~~والمسيح يقول لهم: ليس من نبي إلا ويحتقر في مدينته. # والنصارى توافق المسلمين في ان المسيح ms137 ولد من غير ذكر، ثم يقولون في ~~اناجيلهم: إن يوسف النجار زوج مريم ام المسيح، ورجل مريم، وابو المسيح، ~~وانه كان يدعي بذلك ويعرف به غير متناكر بينهم، وأنه كان له إخوة وأخوات. PageV01P200 # وفي أناجيلهم وأخبارهم انه لما طلب جاءته أمه مريم ومعها أولادها يعقوب ~~وشمعون ويهوذا، فوقفوا حذاءه، فقال لها وهو على الخشبة: خذي أولادك ~~وانصرفي، فما الذي بعد هذا في البيان ان مريم ولدت بعد المسيح من يوسف ~~النجار هؤلاء الجماعة وكانوا إخوة المسيح من أمه، فأي فضيحة تكون أبشع من ~~هذا. # ومن عجيب امر النصارى، ان اصحاب الأناجيل الاربعة قد قصدوا الى ذكر نسب ~~يوسف النجار خاصة، وليس في ذلك نسب للمسيح اذ كان مولودا من غير ذكر، وانما ~~يتصل نسبه الى سليمان بن داود عليهما السلام من قبل أمه لا من قبل احد من ~~الرجال، وهذا تخليط بين وجهل ظاهر، ولذلك وجد اليهود السبيل الى الطعن في ~~المسيح. # ولتعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف من النصارى أجهل عالم الله بالمسيح ~~واخباره وأخبار أمه، وان كل واحد من اصحاب هذه الأناجيل إنما تلفظ ما كتبه ~~بعد المسيح بالدهر الطويل، وبعد مضي اصحابه عمن لا يعرف ولا يحصل، وفيها من ~~الاختلاف والتناقض لما هم عليه ما يطول شرحه. # وفي أناجيلهم ان المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية فقذفهم وقال ~~مجيبا لهم: إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية ولن تعطى آية خلا آية ~~يونان النبي، هذا على قولهم يدل انه ما معه آية بهذا الإفصاح، وأنه ما ادعى ~~ذلك عند الحاجة اليه. # والنصارى لا تعرف الربوبية ولا تفرق بينهما وبين الانسانية ولا يقوم على ~~احد حجة بنقلهم وادعائهم إلا بايات للمسيح، ولولا شهادة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للمسيح عليه السلام بالنبوة لما عرف احد ذلك. PageV01P201 # ومن أكبر كيد رؤساء النصارى، ادعاء المعجزات لأنفسهم ولأمثالهم ممن سلف ~~من رؤسائهم، والنصارى تقبل ذلك منهم بغير برهان ولا حجة، فاذا مات ذلك ~~الرئيس من راهب او قس او مطران ms138 او جاثليق قعد راهب وقال: # أنا كنت أخدمه فرأيت منه العجائب، فترحموا عليه معشر النصارى، وتوسلوا ~~الى الله به فانه شاهد، فاشهدوا قبره وأكثروا زيارته. فيقول النصارى له: # يا رباني حدثنا بما رأيت منه فيمتنع ويقول: أعفوني من الشرح، وكلما ~~تمنع لجوا في مطالبته، فيقيم على الامتناع فيزدادون حرصا في استخباره، ~~فيقول: إنه في حياته ما تحدث به فما أحب أنا ان أتحدث به بعده، وإنما ذكرت ~~لكم فضله لتتوسلوا الى الله به، فان صدقتموني فافعلوا وإلا فدعوا فما يضرني ~~وليس هي أعجوبة وآية لي وانما هي له، فيزدادون حرصا، فيقول: # قد كان انقطع بنا الزيت في البيعة، وكان لا يطلب الزيت من احد ولا يدعني ~~أطلبه، فاذا كان الليل أشعل القنديل وقام الى جرة له فيها خل فيصبه في ~~القنديل فيصير من ساعته زيتا فيصطبح به كذا وكذا شهرا وقد كان في الجرة ~~أكثر من خمسين رطلا خلا وهو في الجرة نأكله عند الافطار، وفي الليل اذا ~~قلبه في القنديل صار زيتا. # ويتحدث آخر عن راهب صحبه، يقال له أبا مرقس، وانه كان كثير العبادة، وأنه ~~توكل على الله وألقى نفسه في البحر، وقال: يفعل الله بي ما شاء، إن شاء ~~غرقني وان شاء نجاني والقاني حيث شاء من ارضه. قال: فما جسرت ان افعل مثل ~~ما فعله، وأقمت بمكاني بعده على ما في من وحشة فراقه مدة طويلة، ثم دعاني ~~ما في من الوحشة له ان افعل مثل فعله، فإما PageV01P202 # ان أغرق فأستريح من الوحدة» # . ففعلت وبقيت في البحر مدة، ثم ألقاني الله الى ارض لا اعرفها ولا بها ~~ينبوتة يأكل منها حيوان؛ فأقبلت امشي فيها فوقعت عيني على شخص قائم يصلي ~~فقصدت نحوه فاذا هو «أبا مرقس» صاحبي، فقلت له: رباني ، مذ كم انت ~~هاهنا؟ قال: مذ فارقتك ألقاني الله الى هذه الارض، فقلت له: من اين تعيش ~~وليس هنا ينبوتة يأكلها حيوان؟ فقال: اذا كان العشاء التفت من صلاتي فأجد ~~سمكة مشوية حارة في طبق رغيفين ms139 وسكرجة عسل، فأفطر على ذلك ويرتفع الطبق ولا ~~ارى من يرفعه ولا من يضعه. فقلت له: هذا المقدار هو قوتك انت وان شاركتك ~~فيه ضيقت عليك، فكيف اعمل انا وهذه ارض قفر، ما بها نبات ولا بها يبس ، ~~فقال: ما ادري وان شئت ان تقيم وتشاركني فيما يجيئني فافعل. # فأقمت، فلما كان العشاء اذ بطبقين وسمكتين ورغيفين وسكرجتين، أحدهما لي، ~~والاخرى له. فقال لي: قد جاءك من الرزق مثل ما جاءني، فأقمت معه كذا وكذا ~~سنة، فمرض ووصاني بدفنه وأمرني انصرف بعد دفنه اليكم لأعرفكم خبره لتزدادوا ~~بصيرة في دينكم، ولولا وصيته لما فارقت المكان. # ويقول آخر من الرهبان لهم: أبشروا معشر النصارى، فإن دينكم الحق، فقد ~~رأيت من العجب ما عرفت صحته، فيقولون له: مثل اي شيء رأيت فيقول: ليس هو ~~شيء لي وإنما هو لغيري، وهو اني كنت في جملة الجاثليق فلان، فقال لي: يا ~~اخي بلغني عن مطران خراسان انه يأكل اللحم، فامض اليه وقل له: اما علمت ان ~~المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم؟ فمضيت PageV01P203 # اليه فاتفق دخولي عليه وبين يديه مقلى مملوء عصافير قد قليت وهي حارة، ~~وهو يأكل، فقال لي: كل، فقلت له: ابونا الجاثليق ارسلني اليك يقول لك: أما ~~علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم، فقال لي: هكذا قال لك ابونا؟ ~~فقلت: نعم، فرفع يده وقال لي: نعمل ما قال ابونا، وقال لتلك العصافير التي ~~في المقلى: كش، فتطايرت كلها، ورفع المقلى، فيصدقونه ويدونون ذلك، ~~ويكتبونه. ويطرأ على من بالعراق منهم وما والى العراق راهب لا يعرفونه، ~~فيقولون له: وقد دخل البيعة: رباني، من انت، ومن اين جئت؟ فيقول: دعوني ~~وأعفوني فيراجعونه فيقول: # ذنبي عظيم وفضيحتي فاحشة فلا تسألوني عن شيء، فيلحون في سؤاله فيقول: # بشرط انكم تسترون علي، فيقول: انا كنت رجلا يهوديا شديد البغض للنصارى ~~والمسيح، وسمعتهم يقولون في الانجيل ان المسيح قال: من كان نصرانيا خالصا ~~وقال للشجرة قفي على أمواج البحر ولا تبرحي، فانها تقف. ms140 وكنت لا اصدق بهذا ~~فجئت الى الملك وقلت له: أنا رجل يهودي، وقد قلتم ان المسيح قال لكم كيت ~~وكيت، فإن صح هذا ورأيته بعيني تنصرت من ساعتي. فوجه الملك الى السواد ~~فجاؤوه بشيخ ضعيف البنية وعليه المسوح، فقال له: هذا رجل يهودي، وقد قال ~~كذا وكذا، فهات ما عندك في هذا، فأقبل الشيخ علي وقال: يا هذا اتق الله، إن ~~كنت متعنتا فامض بسلام ولا تؤذنا، وإن كان ما تقوله حقا وعن نية صادقة ~~فعرفني، فحلفت له على صدق نيتي، فقال لي: اذهب الى الصحراء فانطر اي شجرة ~~شئت فعلم عليها وارجع الي فعرفني العلامة، فذهبت وأعلمت على شجرة عظيمة ~~ورجعت اليه فعرفته، فقال لي: تجيئني في غد حتى اريك شجرتك على موج البحر ~~كما اقترحت. فجئته من غد وأخذ بيدي وجاء بي PageV01P204 # الى البحر فأراني الشجرة التي اعلمت عليها قائمة منتصبة على موج البحر ~~فتنصرت، فأنا اسيح في الارض وأبكي على ذنوبي وذهاب ايامي. فيصدقونه، ~~ويكتبون ما قاله، ويكون مما يدرس في البيعة ويسمعه الرجال والنساء. # ويجيئهم آخر من الرهبان فيبكي، فيقولون له: من انت، وما يبكيك؟ # فيقول: دعوني فإن مصيبتي عظيمة، فيقال له: اذكرها يا بني، فيقول: # ما اعقل امري، وما ادري ما اقول، فيقولون له: على كل حال اذكر مصيبتك ~~وعرفنا حالك، فيقول: او ليس قد مات ابونا جورجس؟ فيقال له: ومن جورجس؟ ~~فيقول صاحب البلا الفلاني والصومعة الفلانية، فيقولون: # ما نعرفه، وربما فيهم واحد يقول: قد سمعت به فيقول: فهل بلغتكم آياته ~~ومعجزاته، فيقولون: حذ ثنابها، واذكرها لنا. فيقول: ما لي اذكرها لكم، ~~ما انتم نصارى بل انتم خلاف النصارى، ولو كنتم نصارى لعرفتموه وعرفتم آياته ~~ودلالاته. فيسألونه ذكرها فيأبى ويتمنع، فلا يزالون يراجعونه فيخبرهم ان ~~الملك الفلاني ارسل فأشخصه، وقال له: # ارجع عن هذا الدين وأنا اعطيك وأكرمك وأشاركك في ملكي، فأبى، فحبسه في ~~محبس وثيق ضيق، ثم طلبه من السجان فما وجده في السجن، فلحق السجان من الملك ~~كل ما يكره، وقال له: ms141 انت اطلقته، وبث الرسل في طلبه فوجدوه في صومعته ~~فأتوا به الملك فقال له: اخبرني عن السجان، اهو الذي اطلقك؟ فيقول: لا، ~~المسيح اخرجني، وفتح الابواب لي، وحجب الأبصار عني، فقال له الملك: انا ~~الآن احبسك في محبس، فقل للمسيح يطلقك. فحبسه في حبس وثيق من وراء ابواب ~~حديد مقفلة، PageV01P205 # ثم طلبه فما وجده. فأرسل الى صومعته فإذا هو فيها، فجاء به، وقال له: # من اطلقك فقال له المسيح: فرده الى الحبس وقيده وثقله بالحديد وزاد في ~~التوثق، ثم طلبه فما وجده في الحبس، والأبواب والأقفال كما كانت، ووجد ~~القيود؛ فأرسل في طلبه فوجده في صومعته فجاؤوا به وقد اغتاظ الملك مما يتم ~~له، ومن تخجيله له مرة بعد اخرى، فأمر فضربت عنقه ودفن فلما كان من غد يوم ~~دفنه وجدوه في صومعته، وقيل ذلك للملك، فبعث وأحضره وقطعه إربا وحمل ~~ودفن فلما كان من غد وجده في صومعته، وقيل ذلك للملك، فأرسل وجاء به وقطعه ~~إربا ، ودعا بنار فأحرقه وأمر برماده فألقي في البحر، فلما كان من الغد ~~وجدوه في صومعته، فأرسل الملك وجاء به واعتذر إليه وتنصر. # فيقول الراهب: وكل هذا كان منه وأنا معه وأشاهده منه وما فعله الملك به، ~~فمثل هذا لا ابكي عليه ولا تعظم مصيبتي به. وأشد من هذا، جهلكم وغفلتكم حتى ~~كأنكم ما انتم نصارى ولا سمعتم بالنصرانية، ويبكي، فيصدقونه ويعتذرون إليه ~~من غفلتهم وجهلهم بهذا الرجل وبما كان معه، ويجتمعون: # رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ويسألونه ذكر ذلك لهم، فيعيده على فوج بعد فوج، ~~فينصرفون عنه وقد صدقوه. وينبثون ويتحدثون بذلك سرورا به، ويخالدون ذلك، ~~ويجعلون لمثل هذا اعيادا، ويجعلون له أياما معلومة يقيمون هذه الاعياد ~~فيها، ويعيدون حديثهم ليتطرا ذكرها وليسمعها من يشاء من ذراريهم، ويسمون ~~ذلك ذكران؛ فيقولون: هذا ذكران جورجس PageV01P206 # وهذا ذكران ابا مرقس، وهذا ذكران فلان . # ويجيبهم آخر، فيقول: تدرون معشر النصارى لم صار في العرب والقبط والحبشة ~~والفلانيين نصارى؟ فيقولون: لا، [فيقول ] ولكنني أدري ولو كنتم ~~نصارى لدريتم، فيسألونه ms142 فيخبرهم. فيقول ان الآباء الأوائل باتوا ليلة ~~لسانهم واحد، فأصبحوا وقد نطق كل واحد منهم بلسان امة من الأمم، فانطلق كل ~~واحد منهم الى تلك الأمة التي نطق بلسانها، فدعاهم بلسانهم، وأظهر لهم ~~الآيات والمعجزات، وإلا فقولوا لنا: لم تنصرت الارمن والعرب والقبط ~~والحبشة؟ فيقولون له: صدقت، هذا برهان نير فيكتبون هذا ويدونونه ويجعلون له ~~عيدا وذكرانا، وهذا اصله ومخرجه وأوله. فإذا تخلد وانبث ومرت عليه الدهور ~~وأتت عليه الأعصار، ادعوا انه شيء كان أصله بمشاهدة الأمم لأن الكذب فيما ~~تقادم عهده أمكن. وانما يجعلون له ذكرانا وعيدا ويوما بعينه لتتم الحيلة ~~فيه، وليظن من يسمع انه ما جعل له عيد ويوم معلوم وتاريخ مؤقت محدود إلا ~~وهو حق وله اصل ليتأكد الكذب ويتم التمويه، وليتصل البر والصدقات على ~~الرهبان في هذه الاعياد. والفطناء من النصارى يقولون: هذه الآيات والمعجزات ~~انما هي من احتيالات الجثالقة والرهبان ومن يبغض العمل ويفر من الكد، ~~ويسمونهم بلغتهم السريانية «عازق معناثا » معناه انه ترهب ولزم الدين ~~ليأكل من غير ماله ويستريح من الكد، والرهبان اذا ما تشاحنوا على ما يأخذون ~~يقول احدهم لصاحبه: # النصارى يفضلونك علينا، ويعطونك أكثر مما يعطونا، ومالك من فضل ~~PageV01P207 # علينا، كلنا قد فر من العمل، وانما نحن نصلي للنصارى. ولهم من المكاشفات ~~ما يطول شرحه، ولكن ليس متأمل ولا متخرق على الاسلام ولا متفقد . # وربما ورد الراهب على النصارى بمثل ما قدمنا، فيقبل الرهبان بعضهم على ~~بعض بالقول فيما بينهم: تأملوا هذا الفار من العمل بأي شيء قد جاء يخدع ~~النصارى، وانظروا هل يكون له بخت. وربما جاء الراهب الى الجاثليق بمثل هذ ~~لينفق عنده، فيقول له الجاثليق: عزمت على الهرب من العمل، انت عازق معناثا، ~~فربما بكى، وقال له: أبونا ما يحل لك ان تقول لي هذا، فيقول الجاثليق: يا ~~أخي ما ينبغي ان تعمل معي هذا فأنا أعرف بالصنعة، هبنا خدعنا غيرنا، بعضنا ~~يعرف بعضا والصنعة واحدة، وأنا عازق معناثا مثلك، فلا تبك. # ومثل هذا رحمك الله تجد ms143 كثيرا من القسيسين والرهبان، اذا رأوا راهبا او ~~جاثليقا او قسا او مطرانا قد ادعيت له المعجزات ونفق على النصارى، يقول ~~بعضهم لبعض: انظروا بأي شيء نفق هذا على النصارى الجهال ونفذت حيلته فيهم ~~واستوت له عليهم الرئاسة. # وكان متى بن يونس القس صاحب المنطق يقول عند مثل هذا: هذا بخت النغول ~~ . وعلماء النصارى يسرعون الى الإلحاد كما تقدم ذكره لك، ومما يدنيهم من ~~هذا الامر، ان موضوع النصرانية ان الآيات والمعجزات PageV01P208 # تكون في عبادتهم في كل عصر لا تنقطع، تدعي ذلك الملكية لعبادها، كما ~~يدعيه باقي طوائفهم، ويدعون المشاهدة في كل زمان وأوان، مع إكفار بعضهم ~~لبعض. وليس فيهم احد رأى شيئا من ذلك، وليس إلا الدعاوى التي تقدم ذكرها ~~والذكران والاعياد، فيلحدون ويظنون بما يدعى لموسى وهارون وعيسى عليهم ~~السلام بمثل ما يدعى للرهبان. # ومما يؤثر ان النصارى جلسوا في ذكران جورجس، وما جرى عليه من القتل مرة ~~بعد مرة وهو يعود ويقوم من قبره الى الصومعة. فيقول قائل منهم: لو صدقنا ~~انفسنا لعلمنا ان هذا كذاب لا اصل له، المسيح صاحب جورجس ذاق مر الحديد مرة ~~واحدة فما عاد ولا تعرض لمثلها، فكيف بتعرض لها جورجس وهو دونه في الصبر ~~والبصيرة، فأضحكهم. # وأكثر ما عند اهل البصائر منهم ان يقولوا: سبيلنا ان نسلم للرؤساء ونقنع ~~في الدين بالتقليد ولا نطلب فيه البرهان، فليس امر الشريعة والبيعة من امر ~~الطبيعة في شيء. وهذا شيء ألقاه لهم هؤلاء الرؤساء الذين يستأكلونهم ~~ويسخرون منهم، وأكثرهم ملحدة كما قدمنا. وهم يريدون بالطبيعة ما يقوله ~~أرسطاطاليس وأمثالهم من الملحدة: في ان الشمس والقمر وسائر أجساد السماء لا ~~يجوز ان تتصدع ولا تتفرق، ولا ان تكون حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ~~ولا حلوة ولا حامضة ولا ثقيلة ولا خفيفة، وما اشبه ذلك من جهالاتهم التي ~~تزيد على جهالات النصارى أضعافا مضاعفة. # ويدعون انهم قالوا ذلك ببرهان. وان الربوبية والنبوات والشرائع لا يقوم ~~عليها برهان فخاصة النصارى ورؤساؤهم أجهل من عامتهم بطبقات. ms144 # والقبط تبغض بني اسرائيل لما جرى عليهم وعلى فرعون من موسى. PageV01P209 # فلما غلبت الروم على بني اسرائيل وملكت مصر والشام والجزيرة، وأخذت الناس ~~بهذا الدين بالرغبة والرهبة كما بينا وكما ترى وتشاهد، اسرعت القبط الى ~~ذلك، وخالطت الروم قبائل العرب من غسان وغيرها بالشام فدعتها الى ~~النصرانية، وبذلت لها الملك، وذكروا لهم دين المسيح وما يذهبون اليه من ~~المعجزات التي ذكرناها، فسهل ذلك عليهم وهم كانوا عباد أصنام، فلم يبعد ~~عليهم ذلك. # وقد صار في هذه الامة من يسلك هذا السبيل، ويؤكد دعواه بادعاء الآيات ~~والمعجزات والتواريخ والايام، كادعاء الحنبلية ان المعتصم بن الرشيد لما ~~ضرب احمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره، وان المعتصم وتلك ~~الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ~~ضربه وخضع له وسأله بعد أن اعتذر اليه ان يحله فأجابه احمد الى ذلك، فخلع ~~عليه وكرمه، وسأله ان يدعو له، وصرفه الى منزله. # ويدعون لمعروف الكرخي وغيره ما قد علمت . # وادعى آخرون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف على أمته رجلا ~~بعينه، وان امته اجابته الى ذلك وأظهرت السمع والطاعة، فلما قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P210 # عطلوا ذلك كلهم، وارتدوا بأسرهم. وهذا قول الكاملية، ورئيس هذه المقالة ~~ابو كامل معاذ بن الحصين النبهاني الكوفي. وقال هشام بن الحكم : # قد ارتدوا كلهم إلا نفرا يسيرا، فانهم أقاموا على اعتقاد هذا النص ~~بضمائرهم وقلوبهم دون الإظهار بألسنتهم. قالوا: وهذا اليوم هو يوم الغدير ~~ ، وحين ظهروا هذه الطائفة في سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة عيدوا في ~~ذلك اليوم ليؤكدوا كذبهم في المهاجرين والانصار في انهم ارتدوا، فاعرف ذلك. # والحنبلية والإمامية يحتجون بكثرتهم وان مقالتهم قد غلبت على البلدان، ~~وقد تقدم لك القول: ان الكثرة لا تدل على صحة النحلة وانما يدل عليها قيام ~~الحجة، وان قل عدد العاملين. بل لو كان القائل بالحق رجلا واحدا، وقامت له ~~الحجة، لكان اولى بالحق ولو خالفه جميع اهل الارض. وقد قال ms145 أمير المؤمنين ~~علي بن ابي طالب رضي الله عنه: إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق ~~تعرف اهله، واعرف الباطل تعرف اهله. # وقد كانت الحنبلية تحتج على خصومهم من الرافضة بالكثرة وتقرع الرافضة ~~بالقلة، والرافضة تحتج بأن الله قد ذم الكثرة ومدح القلة وتتلو ما في من ~~القرآن، فلما اتفقت لهم منذ سني ونيف وخمسين وثلثمائة للهجرة احتجوا ~~بالكثرة، PageV01P211 # وكتب رؤسائهم القدماء مملوءة بذكر ذم الكثير ومدح القليل، فاعرف ذلك. # ثم يقال للامامية: إن النص الذي ادعيتموه من النصوص التي تلزم الكافة من ~~الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمسافرين والمقيمين والخاصة والعامة، لو ~~كان له أصل لكان العلم به عند كل عاقل سمع الأخبار كالعلم بأمثاله من نصوص ~~الكافة وإن لم يعرف اليوم الذي كان فيه ولا المكان ولا عين اللفظ به، لأن ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: فلان خليفتي عليكم وحجة الله بعدي عليكم، ~~كقوله: أنا رسول الله اليكم، وحجة الله عليكم، وقد عرف هذا من نصوصه عليه ~~السلام كل عاقل سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، وإن لم يعرف الوقت الذي قال ~~هذا فيه ولا المكان، فإن عرفه كان من الفضل. # وهذا بين كاف، بل نصوص الإمامة والرئاسة الصحيحة منها والفاسدة إذا وقعت ~~حصل العلم بها عند كل من سمع ذلك الخبر، ألا ترى ان نص عمر على علي ابن ابي ~~طالب رضي الله عنهما بالإمامة والخلافة في الشورى قد عرفه كل من سمع ~~الأخبار، وكذا نص اهل المدينة عليه بعد عثمان، ونص ابي بكر على عمر، ونص ~~الصحابة على ابي بكر، ونص معاوية على يزيد، ونص مروان على عبد الملك، ونص ~~عبد الملك على ابنه الوليد، ونص المنصور على المهدي. فلو كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد نص على رجل من اصحابه بأي لفظ كان لكان العلم به اقوى من ~~العلم بهؤلاء، لأنه ليس في هؤلاء احد يعتقد في نصه وفرضه ما يعتقده ~~المسلمون في نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوامره، وفي فقد ms146 العلم ~~بذلك دليل على انه امر لا اصل له بوجه من الوجوه. وبمثل هذا يعلم ان أمير ~~المؤمنين ما نص على ابنه الحسن رضي الله عنهما، وبمثل هذا نستدل على فساد ~~قول أهل التناسخ وما يدعونه على العقلاء من الاكوار والادوار، وبمثله يعرف ~~بطلان قول الملحدة في دعواهم في النفس، ونزولها من عالم العقل PageV01P212 # الى عالم الحس. # فإن قيل: إن هذا قد حسد الناس صاحبه، ونافسوه عنه، ودفعوه ومنعوه من ~~استعماله وذكره. # قيل له: انك لم تطعن في الدلالة، بل تركت ذلك وادعيت دعوى اخرى، فدعواك ~~الحسد والمنافسة كدعواك النص، وهذا فيه أتم كفاية على بطلان قولك. # ثم يقال له: إن هذا الدليل قد دل على ان ليس هناك من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نص على رجل بعينه ينافس فيه او يحسد لأجله، فلو اراد اصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعصوا الله بتعطيل نصه على امير المؤمنين لما ~~قدروا على ذلك، ولا وجدوا سبيلا اليه، لأنه شيء ما كان قط ولا وجد. # ثم يقال له: لو كان هناك نص حتى ينافس صاحبه او يحسد لما قدح ذلك في ~~العلم به، ولما زادته المنافسة إلا قوة. ألا ترى ان اهل المدينة لما نصوا ~~عليه بعد عثمان قد نافسه معاوية ودفعه عن الخلافة فما اثر ذلك في العلم ~~بعقد أهل المدينة عليه، بل زاده قوة ونشره وبسطه. وقد عقد اهل الكوفة للحسن ~~بعد أبيه رضي الله عنهما، فدفعه معاوية ونافسه وزاحمه وغالبه وغلبه، فما ~~اثر ذلك في العلم بالعقد له بل زاده قوة. وقد ترشح سعد ابن عبادة الأنصاري ~~للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى نفسه أهلا لذلك، فدفعه أبو ~~بكر الصديق عن ذلك ومنعه منه. # وقد ادعى مسيلمة النبوة فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه وقتله، وادعى ~~طليحة ذلك فمنعه ابو بكر ودفعه وأسره، فما أثر ذلك في العلم بما PageV01P213 # ادعى هؤلاء ودعوا اليه بل زاده قوة وعرف الناس الدعوى والمدعى، والرافع ms147 ~~والمرفوع، والمانع والممنوع، هذا وليس لسعد احد يقول بامامته ولا يخاصم ~~فيها، ولا يضع فيها الكتب، ولا يسير فيها الاشعار، ولا يقيم فيها المناحات، ~~وكذا ما ادعاه مسيلمة وطليحة، فعلمت ان هذا شيء ما فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا ادعاه، ولا ادعاه امير المؤمنين ولا دعا اليه، ولا كان احد ~~من الصحابة يتدين بذلك، ولا يذهب اليه حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى. يزيدك ~~وضوحا بذلك، ان امير المؤمنين لما عقد له اهل المدينة كان قوم معه وقعد قوم ~~عنه فلم يكونوا معه ولا عليه وكانوا في المدينة معه، كأسامة بن زيد، ومحمد ~~بن مسلمة، وسعد بن مالك، وغيرهم. ثم رجع قوم ممن كانوا معه فصاروا عليه، ~~وهناك قوم لم يكونوا معه بل كانوا في جميع الاحوال عليه، ويعلم بذلك كل ~~عاقل سمع الأخبار. # وهؤلاء زعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بهذا النص الشامل ~~العام، وعرف الناس هذا الفرض وقدره عندهم، وأداه اليهم بحسب عمومه وشمولاه، ~~وأعلمهم انه شيء يلزم كل واحد منهم، من حر وعبد وذكر وأنثى ومسافر ومقيم ~~وعليل وصحيح، وانهم أظهروا له القبول والرضا، فلما مات ارتدوا كلهم ورجعوا ~~عن هذا النص. # وقال هشام: ارتدوا كلهم إلا ستة نفر منهم، قلنا: فقد كان ينبغي ان يكون ~~العلم بهذا عند كل من سمع الاخبار، وان يكون أقوى وأقهر واغلب من العلم ~~بالذين قعدوا عن امير المؤمنين فلم يكونوا معه ولا عليه، ومن العلم ~~بالخوارج الذين كانوا معه ثم صاروا عليه، ومن العلم بما كان بينه وبين ~~معاوية، ومن العلم بالتحكيم، وإلا فكنا نكون كمن قال: ترون الحصاة وهي على ~~ابي PageV01P214 # قبيس ، ولا ترون أبا قبيس، وهو مكان الحصاة لأن ذاك العقد من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اعظم، وفرضه أعم وأشمل من النص على القبلة، وعلى ~~صيام شهر رمضان، وعلى الجمعة وغسل الجنابة. ألا ترى ان فرض القبلة يسقط ~~عمن خفيت عليه الدلالة وعن المتأنف وعن المسافر في التطوع ولا ms148 يسقط عنه ~~اعتقاد الإمامة وطاعة الإمام، وقد تسقط الجمعة عن المسافرين والمرضى ~~والنساء والعبيد ولا يسقط عن احد منهم اعتقاد الإمامة وطاعة الامام، وقد ~~يسقط الصوم عن المسافرين والمرضى والحيض ولا يسقط عن أحد منهم اعتقاد ~~الامامة وطاعة الامام، فلو كان كما ادعوا لكان العلم بذلك عند كل عاقل سمع ~~الأخبار أقوى وأقهر وأغلب من العلم بالقبلة وبصيام شهر رمضان، وبالجمعة ~~وبغسل الجنابة. ومثله في النصوص، نص النبي صلى الله عليه وسلم على انه رسول ~~الله الى الناس جمعا، ألا ترى أن العلم بذلك حاصل عند كل عاقل سمع الأخبار، ~~ممن صدقه او كذبه، فلو كان لهذا النص أصل لكان يعلمه كل عاقل سمع الأخبار ~~وإن لم يقبله وإن لم يتدين به. كما علم اليهود والنصارى والمجوس انه عليه ~~السلام نص على انه رسول الله اليهم، وأن طاعته عليه السلام تلزمهم وتجب ~~عليهم، وفي عدم العلم بذلك دليل على أن هذا شيء ما فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ساعة قط، ولا كان منه فيه إشارة ولا إيماء بوجه من الوجوه. # ولسنا نقول: إنه لو فعله لقبلوه وعملوا به، بل نقول: كان العلم يحصل ~~PageV01P215 # به عند كل من سمع الأخبار وإن لم يعملوا به، وإن اجمعوا على تعطيله كما ~~اجمعوا على تعطيل إمامة سعد بن عبادة، ونبوة مسيلمة وطليحة. # فاعرف ذلك. # ومما يزيدك بيانا، ان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على اشياء، فلما ~~قبض ارتدت العرب عن ذلك بألوان الردة، فادعى مسيلمة النبوة في ربيعة بأرض ~~اليمامة وادعى مثل ذلك طليحة في بني اسد، ورجعت قبائل كثيرة من فزارة ~~وقضاعة وغيرهم ممن هو معلوم عن الشريعة كلها، واستثقلوا ما حرم عليهم من ~~الخمر والزنا والربا والسرقة والغارة وغير ذلك، وارتد من بالبحرين وبنو ~~يربوع وغيرهم لمنع الزكاة، وقالوا لأبي بكر: نشهد الشهادتين، ونقيم الصلاة، ~~ونجاهد معك العدو؛ فإن ابيت ذلك لحقنا بالعدو وحاربناك. # وأقام ابو بكر والمهاجرون والانصار على الاسلام، وجاهدوا المرتدين كلهم، ~~فحصل العلم بذلك عند ms149 كل من سمع الاخبار. فلو كان لما ادعاه هؤلاء القوم ~~ادنى إشارة، لكان العلم بذلك مثل العلم بهذه الامور، بل قد كان ينبغي ان ~~يكون اقوى واقهر، وإنما هذا شيء ادعاه ابو كامل وهشام بعد انقراض ~~الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين، وتابعي تابعي التابعين. # وعلى ان قوله عليه السلام: «انت مني بمنزلة هرون من موسى» ، «ومن كنت ~~مولاه فعلي مولاه» ، وما اشبه ذلك مما يجعلونه حجة في دعاويهم، ليس من ~~ألفاظ النصوص والاستخلاف والوصايا في لغة ولا في عقل ولا في شريعة، وانما ~~هي فضائل ادخلها هؤلاء في هذه الدعاوي، وانه امر PageV01P216 # لا تقوم به حجة، ولا يجدون فيه حيلة، فلجئوا الى التعلق بهذه الفضائل، ~~وقالوا: هي نصوص، فلو لم يدلك على فساد قولهم إلا تعلقهم بهذه الاشياء ~~لكفاك وأغناك. # وقد رفع الله قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تكون نصوصه ووصاياه ~~بمثل هذه الالفاظ؛ يزيدك بيانا انه عليه السلام قد نص على خلق كثير ~~بالولاية والإمارة، فقال في غزاة مؤتة للجيش الذي أنفذه: اميركم زيد بن ~~حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فان هلك فعبد الله بن رواحة. ومثل ذلك ~~في الامراء ولعلهم نحو ألف امير، ما فيه نص بهذه الالفاظ التي يدعونها ~~هؤلاء. # وقد استخلف ابو بكر عمر بن الخطاب، وعمر اهل الشورى، فليس فيهم من قال من ~~كنت مولاه ففلان مولاه، وكذا سائر من عهد الى احد لم يذكر هذا اللفظ، وهم ~~عرب وفصحاء، وفي دعوة الاسلام، وينتمون الى رسول الله ويؤكدون عقودهم بكل ~~ما يقدرون عليه مما هو مستعمل في اللغة والشريعة؛ وهم لا يعرفون هذا اللفظ ~~في العقود، وانما هذه فضائل لا مدخل لها في النصوص والوصايا والعقود. وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال كثير ما هو آكد وأشف من هذا ~~وأوضح؛ ألا ترى انه قال: # «اقتدوا بالذين من بعدي: ابو بكر وعمر » ، وقال عليه السلام: «هما ~~كالملائكة والأنبياء» في قصة أسارى بدر، لما أشار عليه ابو بكر بالعفو ms150 عنهم ~~PageV01P217 # واستبقائهم، واشار عليه عمر بقتلهم واستئصالهم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن لأبي بكر وعمر إخوة من الملائكة والنبيين تشبههما، فأبو بكر ~~كميكائيل في الملائكة ينزل بالعفو والرأفة والرحمة، وهو كابراهيم الخليل اذ ~~يقول: # «فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم » ، وهو كالمسيح اذ ~~يقول: «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم » . # ومثل عمر مثل جبرائيل ينزل بالعقوبة والنعمة، ومثله في الأنبياء كنوح إذ ~~يقول: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا » ، وكموسى إذ يقول: ~~«ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم » . وإن الله ليشد في هذا ~~الدين قلوبا فيجعلها كالحجارة، ويلين فيه قلوبا فيجعلها ألين من اللبن. ~~وشبه عثمان بلوط عليه السلام، فانه لما اسلم آذته قريش، فهرب بدينه الى ارض ~~الحبشة ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعانق عثمان وقال: «إنه لأول من هاجر بدينه مع ~~اهله بعد لوط» ، وقال عليه السلام: «من احب ان يسمع القرآن غضا كما أنزل ~~فليسمعه من ابن ام عبد » ، وقال عليه السلام: «رضيت لأمتي ما رضي لها ~~ابن ام عبد، وكرهت لها ما كرهه ابن ام عبد » ، وقال للأنصار: # «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع» ، «ولو سلك الناس شعبا ~~PageV01P218 # وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديأ لسلكت شعب الانصار وواديهم» ، وقال: ~~«الانصار كرستي وغيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار » وقال في ~~عمه العباس وفي تفضيله وتفضيل ولده الاقوال الكثيرة، وقال في معاذ، وفي عبد ~~الرحمن، وأبي عبيدة ، وغيرهم من المهاجرين والانصار ما هو معروف مكشوف ~~لا يشك فيه؛ فقد كان ينبغي على ما يدعي هؤلاء ان تكون هذه الفضائل نصوصا ~~ اذا كانت الالفاظ على خلاف ما يعرف منها في اللغة العربية. # وهؤلاء يقولون: انتم لستم من العرب ولا تعرفون العربية، فلهذا ذهب عليكم ~~ان قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه، «وانت مني بمنزلة هرون من موسى» [يعني ~~الاستخلاف] . # قلنا قد فرغنا ms151 من هذا مرة وبينا ان هذا ليس من الفاظ الاستخلاف البتة، لا ~~في عقل، ولا في لغة، ولا في شريعة. # وأيضا، فلو كان هذا من ألفاظ الاستخلاف لكان اولئك القوم الذين سمعوا هذا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرفوا صدقه وقصده، فكان من بعدهم يعرف ~~ذلك كما عرفوا وان لم يكن من العرب ولا يعرف العربية، لأن مدار الامر في ~~ذلك وأشباهه على المعاني لا على الالفاظ. ألا ترى ان رسول PageV01P219 # الله صلى الله عليه وسلم لما دعا ونص: أني رسول الله الى الناس كافة، ~~وأنه حجة الله على كل ما يأتي الى يوم القيامة، وانه لا شيء معه ولا بعده، ~~وجميع ما دعا اليه وحرمه من المحرمات، علم ذلك من قصده وما عناه وأراده كل ~~عاقل سمع اخباره من العرب والروم والفرس والهند والقبط والأرمن، ممن يحسن ~~العربية وممن لا يحسنها ولا يدور لسانه بها، ولا يحسن [التلفظ] بقول ~~رسول الله، ولا يحسن يتلفظ بشيء من المحرمات؛ كل قد عرف ذلك من قصده بإشارة ~~الخرس الذين بلغتهم الدعوة من المؤمنين والكافرين. فيعلم بطلان هذه ~~الدعاوى. # بل لو تكلم صلى الله عليه وسلم بما لا يعرفونه في اللغة، وقصد به معنى من ~~المعاني، ونقلهم عما يعرفون في لغتهم لعرفوا قصده ومراده. ألا ترى ان ~~الوضوء في اللغة انما هو التنظيف، فجعله اسما لغسل هذه الأعضاء الاربعة ~~فعرفوا قصده، وان لم يكن قبل ذلك في اللغة. والصلاة في اللغة: الاتباع ~~والدعاء، لا يعرفون إلا هذا، فجعل صلى الله عليه وسلم هذا اسما للتوجه الى ~~القبلة بعد الوضوء مع الركوع والسجود، فعرفوا قصده وإن لم يكن ذلك في ~~لغتهم. # وكذا الزكاة، انما هي في اللغة اسم للزيادة والنماء في المال، فجعله ~~اسما» # لما يؤخذ من اموالهم، فعرفوا قصده، وعرف من بعدهم ممن بلغه خبرهم مثل ما ~~عرفوا، فيعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عنى بالأخبار التي ~~يروونها عنه ما ظنوه وعنوه. # وقد دعا امير المؤمنين علي ms152 بن ابي طالب الى نفسه، وفرض على الناس ~~PageV01P220 # طاعته، وابتلى بمن خالفه، وبمن قعد عنه، وبمن ضلله، وبمن ارتد عنه من ~~اصحابه؛ فما احتج على مخالفيه إلا بالاختيار، وان طاعته قد وجبت لأنه قد ~~بايعه الذين بايعوا ابا بكر، وعمر، وعثمان. وقد احتج لنفسه، واحتج عنه ولده ~~وشيعته وأهل بيته، وكاتب معاوية وراسله. ثم صار الى الشام، واحتج على اهل ~~الشام واهل البصرة واهل النهر هو وأصحابه؛ فما احتجوا في مكاتبة ولا في ~~مراسلة ولا في مشافهة، إلا بأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان ~~وانه لا تحل مخالفته كما لم يحل مخالفتهم، ولا يذكرون في احتجاجهم كما يذكر ~~هؤلاء من الآيات ولا من الاخبار، ولا قوله «من كنت مولاه» ، ولا «انت مني ~~بمنزلة هرون من موسى» ، مما يحتجون به. فلو كانوا هؤلاء شيعته رضي الله عنه ~~لسلكوا سبيله واقتفوا اثره؛ فقد بلي من هذا الأمر، ومن خلاف الناس عليه، ~~ومن رجوع اصحابه عنه، ومن اكفارهم له، ما لم يبتل به ابو بكر، ولا عمر، ولا ~~عثمان، ولا احد من اهل الشورى والبدريين. وقد بالغ في اقامة الحجة عليهم ~~وكلهم من اهل القبلة واهل الصلاة والى القرآن يرجعون، وبأحاديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحتجون، والحجة من قبله يطلبون؛ فما قال قط ولا ولده ~~ولا من يحتج عنه من اهل بيته: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في: ~~«من كنت مولاه فعلي مولاه» ولا «انت مني بمنزلة هارون من موسى» ، وهذا نص ~~منه على استخلافي، وهذا شيء تأويله النص، وباطنه الاستخلاف. # ولا قال هو ولا احد من اصحابه ومن يحتج له: لم تكفرونني وتضللوني والنبي ~~قد استخلفني ونص علي وشهد بعصمتي، وأني لا أخطىء ولا أزل ولا أضل ولا يقع ~~مني معصية لله. وهو رضي الله عنه أعلم بدين الله وبالحجة، وأفقه وأبصر ~~وأشجع، فلو كان لذلك أدنى إشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P221 # لاحتج بها وبينها قبلوا ذلك منه أو لم ms153 يقبلوا. وفي هذا أتم بيان وأوضح ~~حجة. # وأعلم، أن هؤلاء يحتجون مذ زمن ابن الراوندي: ان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسلم نص عليه نصا مكشوفا لا يحتمل التأويل، فقال: علي بن ابي طالب ~~الخليفة عليكم من بعدي، وقال لهم: «سلموا عليه بإمرة المؤمنين » ، وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيه في مقام بعد مقام، وفي عام بعد عام، ~~نحو مائة مقام مذ بعثه الله بمكة والمدينة، والسفر والحضر، الى ان توفاه ~~الله؛ فينبغي ان لا تكلمهم إلا في هذا النص المكشوف المعروف، وتقول لهم، ~~المصير الى الأمر المكشوف والحجة الواضحة اولى بنا وبكم من المصير الى ~~المشكل الملتبس الذي يحتمل التأويل، فإن الكلام عليهم حينئذ يكون اوضح ~~وأقصر؛ فيجري هذا مثل نصه عليه السلام على النبوة. # وهم يفرون شديدا من هذا النص المكشوف مع من يعلم ويحصل، فإن ابتليت منهم ~~بمن يقول: لا أتكلم في النص المكشوف بهذا، فقل له: إن كنت لا تتكلم فيه ~~فسلم لنا بطلانه وكذب من ادعاه وادعى نقله. فان قال: لا أسلم، قيل له: ليس ~~يخلو من ان يكون حقا وصدقا فينبغي أن تصير بنا اليه، أو كذبا وباطلا فينبغي ~~ان تتبرأ منه وتخطىء من احتج به. # فإن قال: كذلك أفعل، قيل له: فهذا شيء قد ادعته أمم عظيمة، PageV01P222 # وادعت معرفته ونقله. فإن قال: هم كذاك يدعون، وإنما وضعه لهم واحد من ~~الناس وقال لهم: إن هذا قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم ونقلته عنه الامم ~~فأحسنوا به الظن وصدقوه وإن كان لا أصل له. # قيل له: وكذلك ما تدعيه انت من التأويل في الآيات والأحاديث التي تحتج ~~بها، ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا امير المؤمنين بها ما تعنيه ~~انت وتعتقده، وإنما هي فضائل، ولكن هشام بن الحكم قال هي نصوص والنبي صلى ~~الله عليه وسلم اراد بها الاستخلاف؛ فأحسن به قوم الظن فقبلوا ذلك منه ~~واعتقدوه وادعوا انهم ومن قبلهم قد نقل ذلك عن رسول ms154 الله صلى الله عليه ~~وسلم، وليس هناك شيء ينقل ولا يكتب، ولكنهم قوم سموا اعتقادهم نصا ودعواهم ~~نقلا، كما يدعي اليهود ان موسى عليه السلام نص لهم على تأييد شريعته؛ وكما ~~يدعون هم والنصارى من الصلب وكما يدعي النصارى خاصة قيامه من قبره وانه ~~عليه السلام أقام معهم اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه؛ وكما ~~ادعوا ان هيلانة الحرانية وقع اليها [الخشبة] التي صلب عليها المسيح مع ~~خشب غيرها فلم تعرفها وأشكلت عليها فامتحنت ذلك بجنازة مرت بها، فجعلت تضع ~~عليها خشبة بعد اخرى من خشب المصلين، فلم يقم الميت إلا باخر خشبة، قالوا: ~~فعلمت انها هي الخشبة التي صلب عليها المسيح. فقالوا: # وقد شهد هذا الأمم الكثيرة ببيت المقدس من اليهود والروم غير ان اليهود ~~كتموا ذلك، ويسمون هذا اليوم: عيد الصليب ؛ ويوم قيام المسيح من قبره ~~بزعمهم عيد السلامة. ولهم مثل ذلك كثير، وهذا امر لا PageV01P223 # أصل له، وانما هو موضوع لهم أحسنوا به الظن كما اصاب هؤلاء الرافضة من ~~اصحاب النص. # على ان هشام بن الحكم قد أقر بذلك فقال: قد ادركت الشيعة في الصدر الاول ~~وهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ويصوبونهم، ويقولون: هؤلاء ما دفعوا امير ~~المؤمنين عن حقه ومقامه، وانما دفعه المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم ~~فنظر هؤلاء فاذا ليس احد أحق بالإمامة بعد علي منهم، فقاموا ذلك المقام ~~بحق. # وقال هشام بن الحكم: ومنهم من قال: لما رأى الوصي علي بن ابي طالب ~~المنافقين قد أزالوه عن موضعه، قدم أبا بكر واستخلفه ليكون بمكانه الى ان ~~يتمكن فيزيله. # قال هشام: وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم اليه الجبن من الإقدام على التبرؤ ~~من ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والانصار ولو عرفوهم كما عرفتهم أنا ~~لأقدموا على البراءه منهم . # وقد ذكر هذا ايضا ابن الراوندي في كتابه «الإمامة» الذي نصر فيه قول ~~الرافضة في البراءة من المهاجرين والانصار وحكاه عن هشام. # فهذا ما أقر به الخصم فكيف ما لم يقر به؛ ولو ms155 لم يقر به لعلمنا ان الامر ~~كذلك. وهشام انما كان في ايام بني العباس وهلك في دولة هارون PageV01P224 # الرشيد، لتعلم ان الذي ادعى النص وجرأ الناس على شتم ابي بكر وعمر وعثمان ~~والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص ~~والاستخلاف احد قبله. # ولو كان هشام من اهل القبلة، لما كان دعواه ودعوى مائة ألف معه مثله حجة، ~~فكيف به وليس من اهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع ابي ~~شاكر الديصاني صاحب الديصانية وكان معروفا به وبصحبته، فادعى انه ~~من الشيعة، فخلصه بعض اصحاب المهدي حين ادعى انه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه ~~مع ابي شاكر. # وقد ذكره العلماء بالمقالات بمذهب الديصانية، وذكره الحسن بن موسى ~~النوبختي في كتابه «في الآراء والديانات» حين نقض عليه مذهبه في ان ~~الله جسم ونور يتحرك؛ فقال له الحسن: هذا مذهب المانوية نعوذ بالله من ~~موافقتهم. وانما ذكرنا الحسن بن موسى، لأنه من الرافضة. # وقد حكى عن هشام ايضا ابو عيسى الوراق، وابن الراوندي، وأبو سهل بن ~~نوبخت، وهؤلاء كلهم رافضة. # والذين حكى هشام عنهم من الشيعة أن المنافقين أزالوا امير المؤمنين عن ~~مقامه، فقد غلطوا ايضا، فإنه قد بينا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~كان منه نص في ذلك فيزيله احد من الناس. PageV01P225 # وأيضا، فإن الغلبة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن ~~للمنافقين وانما كانت للبدريين والمهاجرين والانصار، الذين يعتقدون نبوته ~~صلى الله عليه، وصدقه، وإقامة نصوصه، وإحياء شريعته، وإذلال عدوه، وإعزاز ~~وليه، وهم الذين ردوا الى الاسلام من ارتد من العرب، وغزوا من أعداء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ملوك الفرس والروم والهند والترك وسائر الامم ~~المشركين وأدخلوهم في دينه وأدخلوا بلدانهم في ممالكه صلى الله عليه وسلم، ~~وانما يدعي أن الغلبة كانت للمنافقين من لا علم له ولا تحصيل عنده. # وكان هشام يقول: لعمري إن علي بن ابي طالب رضي الله عنه ما احتج في ~~إمامته ms156 بنص النبي صلى الله عليه وسلم ولا بوصيته في الأمة إليه، وأنه كتم ~~ذلك خوفا من المهاجرين والانصار، فأمسك وسكت. # قيل له: قد فرغنا من هذا، وبينا ان ليس هناك نص ولا وصية ولا شيء يكتم ~~ولا ينقل. # وأيضا، فان امير المؤمنين ما سكت ولا أمسك، بل تدين بالاختيار وأظهره ~~وجعله الحجة على من خالفه وقال: وجبت طاعتي وإمامتي لأنه بايعني اهل دار ~~الهجرة الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي وإمامتي كما وجبت ~~طاعتهم، وحرمت مخالفتي كما حرمت مخالفتهم، وأعاد هذا وأبداه في خطبه وكتبه ~~وجعله الحجة؛ فمتى سكت وأمسك. # وأيضا، فلم يكن سلطان ابي بكن وعمر وعثمان وعلي سلطانا يخاف فيه محقق ولو ~~كانت امرأة ارملة ذمية، فضلا عن غيرها. ألا ترى ان الأنصار قد تكلموا مع ~~سعد بن عبادة والعباس وبني هاشم وأبي سفيان وبني عبد مناف في الإمامية بما ~~ارادوا، وكلموا أبا بكر ونابذوه الى ان أقام الحجة. PageV01P226 # وعارضوه في انفاذ جيش أسامة بن زيد وقالوا له: ليس علينا في هذا الوقت من ~~الروم خوف، ولا حاجة بنا الى غزوهم في هذا الوقت والعرب قد ارتدت وأحاطت ~~بنا، فدع هذا الجيش يكون لنا، فقال لهم ابو بكر رضي الله عنه: إن رسول صلى ~~الله عليه وسلم يقول والوحي ينزل عليه: أنفذوا جيش أسامة ونقول نحن لا نرى ~~ذلك، برأينا؛ فقال له قوم: فأقم على جيشه اميرا مكانه احسن منه فإنه حدث ~~وفي جيشه المشيخة والكهول، فقال: أيوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنزعه انا، لا يحل هذا. # ولما جاء الذين منعوا الزكاة ونزلوا على المهاجرين وقالوا لهم: قولوا ~~لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعفينا من الزكاة فانا نقيم الصلاة ~~ونجاهد معكم، فان لم يفعل صرنا مع العدو وحاربناكم. فمشوا الى ابي بكر رضي ~~الله عنه، وسألوه أن يقبل ذلك منهم، فقال: لا أفعل، ولا يحل لي هذا ولا ~~لكم، قالوا: فنحن في قلة والعرب قد ارتدت، فمن نقاتل ومن ندع؟ لا طاقة ms157 لنا ~~بقتال الناس كلهم، فاقبل منهم الى ان تنكشف هذه الفتن فانا قد خفنا على ~~المدينة وعلى اثقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثقالنا، فقال: ما كنت ~~لأفعل ولو بقيت وحدي، اني إن قبلت رأيكم نقضت الاسلام عروة فعروة. ايها ~~الناس، إن مات رسول الله نبيكم صلى الله عليه وسلم، وكثر عدوكم، وقل عددكم، ~~ركب الشيطان هذه منكم؛ والله ليظهرن الله دينه على الدين كله ولو كره ~~المشركون، وليستخلفنكم في الأرض كما وعدكم، وتلا قوله عز وجل: «هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » ~~وقوله: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات PageV01P227 # ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا » ~~وقوله: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين ~~» . # وقالوا له: أفتقاتلهم وتقتلهم وقد قالوا: لا إله الا الله؟ قال: انها غير ~~مقبولة منهم لأنهم منعوا الزكاة؛ قالوا: فتقتلهم على ابن لبون وعلى ~~الحقة والشاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت ان اقاتل الناس ~~حتى يقولوا: # لا إله الا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم » فقال ابو ~~بكر فان فيه: إلا بحقها، وهذا من حقها. فطال ما بينهم في ذلك، فحين اقام ~~الحجة صاروا الى قوله. # ولما فتح الفتوح وواتته الاموال من كل وجه سوى بين الناس في العطاء، ~~فعارضوه في ذلك، وقالوا: سويت بين من اسلم الآن وبين من سبق وبين من نصر ~~وهاجر، فقال: هؤلاء عمال الله وأجورهم على الله، وانما الدنيا بلاغ؛ والله ~~لو شئتم معشر الانصار ان تقولوا: طردتم فاويناكم وخذلتم فنصرناكم ~~PageV01P228 # وأفقرتم فواسيناكم، واني لأجد مثلنا ومثلكم في قول طفيل الغنوى: # جزى الله عنا جعفرا حين شرفت %~% بنا فعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يحلونا ولو ان امنا %~% تلاقي الذي يلقون منا لملت # فذو الحظ موفور وكل مقسم %~% لدى حجرات اثفات أظلت # وراسلته ms158 فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعليها وقالت: # ما بالك خليفة رسول الله ورثت رسول الله دوننا، فقال: ما ورثته، قالت: ~~فأين نصيبنا من امواله بخيبر وفدك، فقال: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «هذا المال لمحمد وآله حياته، فاذا مت فهو الى والي الامر بعدي، ~~فان كان معك من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد صرت الى قولك؛ والله ما ~~اريد شاهدا معك غيرك. فرجع الرسول فقال: تقول لك فاطمة: # لا والله ما معي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله ~~دخل علينا وهو يتلو: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم» ، فقال: ابشروا آل محمد بالغنى. قال ابو بكر: إن كان بكم الغنى ~~ولكم الغنى. ثم صار اليها ابو بكر وسألها عن عهد من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت: ما معي اكثر مما قلت، فقال: إذا لم يكن معك عهد من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فما كنت لأدع ما اسمعه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقول احد. # وكلمه العباس في ذلك وطالبه بالحجة، فذكر ما سمعه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P229 # وقال: انا اوجه هذا المال في الوجوه التي كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجعلها فيها، ورد ابو بكر هذه الاموال الى علي بن ابي طالب وقال له: ~~افعل فيها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وكذا فعل امير ~~المؤمنين رضي الله عنه حين صارت اليه الخلافة بعد عثمان، وهو فعل الخلفاء ~~الاربعة وجميع الصحابة والتابعين بعدهم، فاعرف ذلك. # وعارضوه حين شاروهم في استخلاف عمر، فقال له قوم: هو الخيرة بعدك غير أن ~~فيه شدة وهو مهيب، وفي الناس الأرملة والضعيف وذو الحاجة، فاستعمل علينا من ~~هو ألين منه كنفا؛ وكانت لهم معه في ذلك مطالبات ومراجعات وعمر يسمعها ~~ويعلمها، ms159 الى أن قال لهم ابو بكر: انما أستعمله عليكم لأنه أقواكم عليكم ~~وأنفعكم لكم وأردكم عليكم، شهيدي الله: ما أردت إلا ذلك، وقد خاب من تزود ~~من أعمالكم بظلم، إن عمر ليس ولدي ولا من اهلي، وانما أردت الخير لكم؛ وإني ~~قد رمقته فكنت اذا لنت في الشيء أراني فيه الشدة، واذا أشددت أراني فيه ~~اللين، ولو قد وليكم للان واشتد. # ثم قال: ان عمر لا يأنف من التعلم، فحين أقام الحجة سلموا ورضوا. ثم عهد ~~تلك العهود المعروفة، وكم من شيء قد عارضوه فطالبوه بالحجة مما هو اكثر من ~~هذا. # ومعارضتهم لعمر في امر السواد ، وفي فتوح الشام، وفي تأمير الامراء، ~~وفي الفتوى والقضاء؛ حتى كان يعارضه في ذلك المرأة والبدوي فضلا عن ~~المهاجرين مما هو معروف الى ان يقيم الحجة او يرجع الى قول من معه الحجة. ~~PageV01P230 # وعثمان، فقد عارضوه في إتمام الصلاة بمنى، وفي الحمى، وفي الحكم بن ابي ~~العاص، وفيمن ولاه من اهله، وأخذوه بإقامة الحدود عليهم، وبإقامة الحجة ~~فيما يأتيه بما هو معلوم . # وعلي رضي الله عنه قد عارضوه في تولية أقاربه وفي الحكم الذي أنفذه بما ~~هو معلوم؛ حتى كان يجري على هؤلاء الخلفاء الاربعة من صغار رعيتهم في ~~الفروع وفي صغار الامور ما هو معروف، فكيف يجوز ان يتوهم عاقل تدبر أمورهم ~~وعرف سيرهم. أنه قد كان اقل من الناس فخافهم ان يذكر لهم الحق، او ينطق ~~بحضرتهم، او يتوقى ان يذكر ان يذكر لهم عهدا من رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) او وصية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ هذا لا يظنه الا أجهل ~~الناس بهم وبأحوالهم، او عاقل بقيس أحوالهم بأحوال من رأى وسمع من الجبابرة ~~وولاة الجور، فاعرف هذا. # وانما القى هذا الى الإمامية فيما صنفوه لهم قوم من أعداء الانبياء ادعوا ~~التشيع وتستروا بالرفض، لينفروا الناس عمن شيد الاسلام وبناه ونصر الرسول ~~في حياته وبعد موته، ليخرجهم من الاسلام من حيث لا يشعرون. # وكما صنفوا في تهمة المهاجرين ms160 والانصار فقد صنفوا ايضا في تهمة الانبياء ~~PageV01P231 # وشتمهم وتكذيبهم، وأنهم قد كانوا يتكلمون بالكذب وبالبهت بحضرة أممهم ~~فيسكتون عنهم خوفا منهم؛ وهذا فعله بالانبياء عمر بن زياد الحداد، وأبو ~~الوراق، وأبو الحسين بن الراوندي، وأبو سعيد الحسن بن علي الحصري، وجابر بن ~~حيان، وهشام بن الحكم، وأمثالهم، كما قد عرفه العلماء ، وكل هؤلاء ~~الذين طعنوا علي ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار لفضل غيظهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولأن هؤلاء قاموا بأمره ونصروه في حياته، وقاموا ~~بدينه بعد وفاته وبثوه في مشارق الارض ومغاربها، وقتلوا أعداءه صلى الله ~~عليه وسلم من العرب وملوك الفرس وملوك الروم وملوك القبط وملوك الهند ~~والترك وأمم الشرك وأدخلوا اممهم في دينه صلى الله عليه وسلم. # فهذا ذنبهم عند علماء الرافضة، ولكن عوامهم لا يفطنون. ولهذا قالت ~~العلماء حين حدثت هذه البدع: لا تسبوا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإنهم أسلموا من خوف الله وأسلم الناس بعدهم من خوف أسيافهم. ثم يقال ~~لهؤلاء: # قد وجدنا امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه مكاشفا بالحق في ~~جميع احواله، لا يخاف من احد من المخلوقين وان كان وحده والناس عليه؛ فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه بمكة وهي إذ ذاك دار كفر فما خافهم ولا ~~فارقهم مع وحدته وتفرده، وقد كاشف معاوية وهو في مائة ألف سيف، ولعنه ~~بلسانه، وقنت عليه في صلاته، وضربه بسيفه، وبين له وإن علم انه لا يقبل، ~~وقد كاشف الخوارج وبرىء منهم وان علم انهم لا يقبلون وهم كانوا PageV01P232 # أصحابه وبهم صال على عدوه واستطال، وأقام على مخالفتهم وإن فرقوا عنه ~~اصحابه وإن قتلوه ، فما قاربهم في كلمة، لأنهم قالوا له: إن تبت من ~~الحكومة رجعنا لك كما كنا وقاتلنا عدوك، وإن أبيت اقمنا على حربك وقاتلناك ~~حتى نقتلك او تقتلنا، فقال لهم: انتم دعوتموني الى الحكومة، قالوا: صدقت ~~فقد تبنا وما كان لنا ان ندعوك وما كان لك ان تجيبنا ولا تحكم الرجال في ms161 ~~دين الله، فقال: بل كان لي ان احكم، فلو كان ذلك معصية لما أجبتكم اليه، ~~ومن زعم ان الحكومة ضلال فهو أضل، ومن زعم اني ارجع عنها فقد كذب. فصبر رضي ~~الله عنه على ذلك ولم يقاربهم في لفظة تحتمل التأويل، لأنه لو قال انا تائب ~~الى الله من كل ذنب وخطيئة وهو يعني غير الحكومة، لكان اللفظ يحتمل، ~~ويتلافاهم ويردهم ويكون بهم في عسكر عظيم كما كان قبل رجوعهم عنه، ويصول ~~بهم على عدوه. فلم يفعل، وأقام على حربهم، الى ان قتلهم وقتلوه رضي الله ~~عنه؛ فما لان في كلمة تحتمل التأويل، ليبين للأولين والآخرين امر الدين، ~~فما داراهم ولا قاربهم مع حاجته اليهم وخوفه من أسيافهم؛ فهو ما كان يخاف ~~الجبابرة والأحياء الذين هم في عساكر ويخافهم الناس فكيف يخاف من ابي بكر ~~وعمر وعثمان في حياتهم وبعد مماتهم، وهم في حياتهم وسلطانهم ما خافهم محق ~~قط وإن كان عبدا او امرأة ارملة ذمية. وانما يقول هذا من لا يعرف عليا ولا ~~ابا بكر ولا عمر ولا عثمان؛ فعليك بالمعرفة فانها حياة، والذهاب عن طلبها ~~موت، وقد علم اهل المعرفة والعناية ان عليا كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان ~~في علو الكلمة ونفاذ الامر مثله في سلطانه، وأنه كان في سلطان هؤلاء أنفذ ~~امرا وأعلا قولا وأبسط لسانا منه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~حياته. PageV01P233 # ولا فرق بين من ادعى ان عليا كان يخاف من هؤلاء الخلفاء او ان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يخافهم ايضا، وأنه من خوفهم كان يشهد لهم بالجنة ~~ويزكيهم. # وهذا لازم لهم، بل هو قول الرافضة لأنهم قالوا: ان علي بن ابي طالب حجة ~~الله على خلقه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه معصوم كعصمة ~~الانبياء. # وقالوا مع هذا: قد زكى ابا بكر وعمر وعثمان، وصاهر بعضهم، وصلى خلفهم، ~~وحج معهم، ودخل الشورى وعمل بالاختيار، وصلى خلف صهيب كما وصى عمر، وأطاع ~~عمر ms162 كما وصى ابو بكر، وعمل لهم اعمالا كثيرة، وأظهر تزكيتهم، ومدحهم ~~بايمانهم وإن كانوا كفارا، كل هذا خوفا منهم وممن بعدهم من شيعتهم فما ~~تبين الحق الى ان خرج من الدنيا. # قلنا: فاذا كان هذا هو الحجة والمعصوم والقائم مقام الرسول فعل هذا بغير ~~حق، لم نأمن أن يكون كل من صاهر النبي ومدحه ونص عليه وشهد له بالجنة وأمر ~~الناس بطاعته ان لا يكون هذا حاله، وأنه فعل مثل فعل هذا الحجة، وهذا ما لا ~~حيلة لهم فيه، وفيه فساد الديانات كلها، وإلى هذا قصد هشام ابن الحكم حين ~~وضع هذه البدعة فاعرف ذلك . PageV01P234 ### | باب آخر [اكفار الرسول صلى الله عليه وسلم للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم] # قد علمت الحال التي ابداها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ادعى النبوة ~~ودعا الى الله، فانه اكفر الامم كلها وتبرأ منها واسقطها واسخطها واغضبها، ~~فما اعتصم بمخلوق كما قد تقدم ذكر ذلك. فكانت العرب واليهود والنصارى وقريش ~~وغيرهم يدا واحدة في عداوته وطلب عثراته والحرص على قتله، وهو بينهم على ~~وحدته، فيصرفهم الله عن ذلك بوجوه لا هو يعرفها ولا هم، وبوجوه يعرفها ~~ويعرفونها. غير انهم قد كانوا ينالونه بالشتم والضرب ويلقونه بالأرض ~~ويدوسونه بأقدامهم ويلقون الفرث والتراب على رأسه، ثم صار الواحد بعد ~~الواحد والنفر بعد النفر يجيبونه وهذه حاله، فيلقون معه الضرب والهوان، ~~ويعذبون ويجاعون ويحصرون في الشعاب، ومنهم من يقتل، ولا يمكنهم المقام معه ~~بمكة فيهربون بأديانهم، ويعبرون البحار، والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم ~~بمكة معه ابو بكر ونفر يسير. # وكان يخرج في المواسم الى العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله، ويقيم ~~الحجة، وقريش من اهل بيته يخرجون الى العرب يقولون لهم: لا تسمعوا منه فانه ~~ساحر كذاب ونحن اهل بيته وأعرف به، ويقولون: «لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوافيه لعلكم تغلبون» ويمنعونه صلى الله عليه وسلم من البيان ~~والاستيفاء، وربما شغلوه بالضرب، يتولى ذلك منه عمه ابو لهب وأشباهه، فيقول ~~له ms163 العرب: # اهلك اعلم بك، ما نجيبك، فاذهب عنا فقد عاديتنا وخالفتنا واسمعتنا في ~~آلهتنا وآبائنا وأنفسنا ما لا نحب، وتستجيب له القبيلة بعد القبيلة من ~~قبائل طيء وقبائل اسلم. وتسامعت به قبائل عبد القيس من ربيعة فأتوه وسمعوا PageV01P235 # منه واسلموا طوعا بهذه الشرائط، وتسامعت به بنو قيلة من قبائل الاوس ~~والخزرج فأتوه وسمعوا منه القرآن والحجة فأسلموا، ورجعوا الى قومهم فجاؤوا ~~بهم اليه عاما بعد عام فأسلموا وبايعوه، ورجعوا الى قومهم وهم قبائل كثيرة ~~فأسلم اكثرهم طوعا بهذه الشرائط. # وهاجر اصحابه الى المدينة بعد الذين هاجروا الى ارض الحبشة، وقال الانصار ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: انا كثرة ونمنع منك ونجاهد الأمم كلها معك ~~ونطيعك في المحيا وبعد المحات ولا تأخذنا في الله لومة لائم؛ فأخذ ذلك ~~عليهم وانصرفوا. ثم صار إليهم مع ابي بكر الصديق رضي الله عنه، وصار في عز ~~ومنعة وفي عسكر، ودعا الى الله، وكانت له غزوات ووقائع، وما زال امره يقوى ~~حتى ذلت اليهود والنصارى في جزيرة العرب وهم قبائل كثيرة، حتى ادوا إليه ~~الجزية، وحتى صار من لا يعتقد نبوته في جزيرة العرب لا يمكنه اظهار ذلك ~~لكثرة المهاجرين والأنصار وأمثالهم ممن يعتقد نبوته وصدقه، وحتى غزا الروم ~~غزاة تبوك وهي آخر غزواته في ثلاثين ألفا غير من خلفه من عماله واصحابه في ~~جزيرة العرب وهي ، اوسع من بلاد الروم. # وقبض صلى الله عليه وسلم بالمدينة والغلبة فيها لمن يعتقد صدقه ونبوته من ~~المهاجرين والانصار واتباعهم وامثالهم، وهم الذين احاطوا بأبي بكر وأقاموه ~~خليفة وغزوا من ارتد عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غلبوهم ~~وأذلوهم وقتلوهم، وغزوا فارس والروم وامم الشرك وجميع اعداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأذلوهم PageV01P236 # وقتلوا ملوكهم وادخلوهم طوعا وكرها في دين رسول الله وفي شريعته وادخلوا ~~بلدانهم في بلدان الاسلام، ولم يكن لهم شغل إلا اعزاز دينه، وإقامة نصوصه، ~~واحياء شريعته وبثها ونشرها وإظهارها، وإعزاز من اقام بدينه واذلال من تعرض ~~لامانة شيء منه. # وكانوا ms164 بعد وفاته اشد بصيرة منهم في حياته، لأنهم كانوا في حياته يتكلمون ~~على تدبيره، فلما مات، وصار الامر إليهم، زاد تيقظهم، فرفضوا كل راحة، ~~وهجروا كل لذة، وقصدوا لإقامة نصوصه واحياء شريعته الى ان يلقوا الارض كلها ~~بذلك؛ وما عندهم عمل ازكى من هذا. # وانما يظن ان نصوصه كانت تبدل وان كتابه كان يغير وان بننه كانت تلطم، ~~الذي لم ينظر ولم يتدبر، وهو كمن قال انه صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة ~~يضرب ويشتم ويداس بحضرة المهاجرين كما كان بمكة، وهذا لا يظنه إلا الغاية ~~في الجهل بشأن المهاجرين والانصار. # فان قيل: او ليس قوم موسى قد عبد قوم منهم العجل في حياته وحياة اخيه ~~هرون، فلم انكرتم ان يرتد المهاجرون والانصار عن دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم، او ليس قد كانوا على ذلك قادرين؟ # قيل له: إن هذا السؤال لا يسأل عنه من فهم ما قلنا، لأنا لم نقل: # ان هؤلاء ما ارتدوا من طريق التزكية لهم، ولا من طريق حسن الظن بهم، ولا ~~محاباة لهم، ولا لأنهم ما قدروا على ذلك؛ بل قد كانوا على ذلك قادرين ~~ولكنهم ما اختاروا ذلك ولا فعلوه، كما علمنا ان صاحبهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما رجع عما كان عليه وان كان على ذلك قادرا، وان كان عدوه قد ~~ادعى عليه انه رجع واظهر الشك في امره بقوله: «ما أدري ما يفعل بي PageV01P237 # ولا بكم» وبقوله: «فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن ~~الكتاب من قبلك» . وهذا قد ادعاه عليه رؤساء الرافضة الذين قدمنا ~~ذكرهم. # ولا تكون الردة بالقياس فيقال: كما ارتد قوم موسى ينبغي ان يرتد قوم محمد ~~صلى الله عليه وسلم؛ هذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل والبله والنقص، ~~وهؤلاء قالوا: كما قتل يزيد بن معاوية الحسين فينبغي ان يكون ابو بكر قد ~~ضرب فاطمة وقتل الحسن، فالعلم بأنه عليه السلام ما رجع عن دينه وأن ابا بكر ~~وعمر والمهاجرين والأنصار ما ms165 رجعوا عن دينه بعده قبل العلم بنبوته وصدقه ~~وأنه دعا الى حق، والعلم بإقامة ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار على دينه ~~عليه السلام كالعلم بإقامته هو على ذلك، والعلم بذلك قبل العلم بنبوته. # وما منزلة من ادعى عليهم ذلك إلا كمن قال لنا: كنت بالقسطنطينة من بلاد ~~الروم فوجدتهم يشتمون بولص ويبرؤون منه ويبسقون على الصليب، فقلنا له: ~~كذبت، فقال: ولم كذبتموني وما كنتم معي، او ليس بولص كافر يستحق الشتم ويجب ~~ان يبسق على الصليب ولا يعظم؟ قلنا: وإن لم نكن معك فعقولنا معنا، وعلمنا ~~ان الغلبة هناك لمن يعظم الصليب وبولص . PageV01P238 # او بمنزلة من قال لنا: كنت بالأندلس فوجدتهم يلعنون معاوية ويبرؤون منه ~~ومن مروان بن الحكم وولده كما يفعل ذلك بالكوفة والمدينة، لقلنا: # كذبت، فقال: انتم لم تكونوا معي فصدقوني او شكوا في خبري، قلنا: وإن لم ~~نكن معك فعقولنا معنا، وقد علمنا ان الغلبة هناك لمن يقول بإمامة معاوية ~~ومروان وولده. # فهذه سبيل من ادعى على ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار ما يدعيه ~~الرافضة. # ومن عجيب امورهم قولهم: هذا كعبادة قوم موسى العجل، فيجعلون الردة والكفر ~~والايمان بالقياس، والذي اخبرنا ان قوم موسى عبدوا العجل هو الذي عرفنا ~~بعقولنا ان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أقاموا على دينه، والذي عرفنا ~~بالخبر ان يزيد بن معاوية قتل الحسين وأشخص ذريته الى الشام هو الذي عرفنا ~~بعقولنا أن ابا بكر ما ضرب فاطمة ولا قتل المحسن؛ وهذا في القياس كمن قال: ~~اذا كان يزيد بن معاوية قد غزى المدينة ومكة واستباحهما ان يكون ابو بكر قد ~~فعل مثل ذلك، وإذا كان معاوية قد قتل عمار بن ياسر ان يكون ابو بكر قد ~~قتل العباس بن عبد المطلب، وإذا كان معاوية قد قتل ولدين لعبد الله بن ~~العباس ان يكون ابو بكر قد قتل اربعة اولاد من ولد العباس، وأن يكون عمر ~~وعثمان قد فعلا مثل ذلك؛ او كمن قال اذا كان بنو اسرائيل قتلوا الانبياء ان ~~يكون ms166 اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد فعلوا ذلك. PageV01P239 # وقيل ايضا للرافضة: اذا كان ابو بكر قد ضرب فاطمة وقتل المحسن فقد كان ~~ينبغي ان يحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار، وأن يكون العلم بذلك مثل ~~العلم بقتل يزيد الحسين، ومثل قتل معاوية حجر بن عدي، وعبيد الله بن زياد ~~مسلم بن عقيل. بل كان ينبغي ان يكون العلم بما ادعيتم اقوى من العلم بهؤلاء ~~القتلى، لأن هذه الحادثة التي ادعيتموها على ابي بكر كانت بالمدينة، وقد ~~شهدها العباس وولده، وعلي بن ابي طالب وولده، وعقيل وولده، وجميع بن هاشم ~~ومواليهم ونسائهم، وجميع المهاجرين والانصار وأولادهم ونسائهم؛ وقد كان ~~بالمدينة حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثر من مائة ألف إنسان، ~~فكان يكون العلم بهذا أقوى مما كان بكربلاء، ولكن دعاوى الرافضة في ضرب ~~فاطمة عليها السلام وقتل ولدها وأمر ابي بكر خالد بن الوليد بقتل علي بن ~~ابي طالب، كدعواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم النصوص التي يدعونها، ~~وكل من تأمل امرهم تبين له بطلان ذلك ووضح له وضوح الشمس. # ومما يزيدك بيانا بشأن هؤلاء الخلفاء والمهاجرين والانصار ولزومهم لوصايا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ان عثمان بن عفان لما اتم الصلاة بمنى انكر ~~عليه للوقت علي ابن ابي طالب بحضرة الناس كلهم فقال له: ألم تصل مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ها هنا ركعتين؟ قال: بلى، قال: افلم تصل مع ابي ~~بكر ها هنا ركعتين؟ # قال: بلى، قال: افلم تصل مع عمر ها هنا ركعتين، قال: بلى، قال: # افلم تصل بنا ها هنا شطر خلافتك ركعتين؟ قال: بلى، قال: فلم اتممت، وما ~~عذرك في ذلك؟ قال: نكحت امرأة بمكة وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: من تأهل بأرض فهو من اهلها، ولي مال بالطائف نويت مطالعته؛ ~~PageV01P240 # وبعد، فقد بلغني عن طغام من اهل اليمن انهم قالوا: صلاة المقيم ركعتان، ~~هذا امير المؤمنين عثمان يصلي ركعتين. # ولما نهى ms167 عثمان عن القرآن وأمر الناس بإفراد الحج بلغ ذلك عليا، فدخل ~~عليه فقال له: بلغني انك نهيت من القرآن، ثم قال علي: لبيك اللهم لبيك بحجة ~~وعمرة، فقال له عثمان: لم فعلت هذا وقد نهينا عنه؟ قال: ما كنت لأدع شيئا ~~أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول احد. # ولما ادعى على الوليد بن عقبة عامل عثمان على الكوفة وأخوه لأمه شرب ~~الخمر، قال له علي أشخصه فاسمع الشهادة، فأشخصه وسمع الشهادة فجلده علي ~~بيده، والوليد من اشراف قريش، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستعمله، واستعمله عمر وعثمان، وهو كثير الفتوح في الاسلام، وهو اخو امير ~~المؤمنين فما تهيبه. # ولما تكلم من تكلم في عثمان لأنه ولى أقاربه وآثرهم، وقالوا لعلي إن عمر ~~لم يفعل مثل هذا بأقاربه، فقصده علي وقال له: ورائي قوم وقد كلموني فيك وما ~~ادري ما اقول لك؟ ما نعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه، ما ~~سبقناك الى أمر فنبلغكه، ولا خلونا بأمر فنخبرك به، ولا خصصنا بأمر دونك، ~~وإنك لتعلم ما نعلم. والله ما ابن ابي قحافه بأولى من عمل الحق منك، ولا ~~ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، انت أقرب الى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رحما وقد نلت من صهره ما لم ينالاه، فالله الله في امرك فانك والله ما ~~تعلم من جهل، ولا تبصر من عمى، وإن الحق لواضح بين، وإن اعلام الدين ~~لقائمة. فقال له عثمان: لقد علمت ليقولن الذي قلت، PageV01P241 # ولو كنت مكاني ما عتقتك ولا اسلمتك، ولا جئت منكرا ان وصلت رحما، وسددت ~~خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا علي، هل ~~علمت ان المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال: # فهل علمت ان عمر كان يوليه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني انت ان وليت ابن ~~عامر مع رحمه وقرابته؟ فقال له علي: سأخبرك، إن عمر كان من ولاه فإنما يطأ ~~على سماخه، إن ms168 بلغه حرف جلبه وبلغ منه الغاية، وأنت لا تفعل ذلك، ضعفت ~~ورفقت على اقاربك. فقال له عثمان: وهم اقاربك ايضا، فقال له علي: أجل، إن ~~قرابتهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم، قال له عثمان: هل تعلم ان عمر ~~استخلف معاوية؟ قال: نعم، قال: فقد استخلفته كما استخلفه، قال له علي: ~~انشدك الله، هل تعلم ان معاوية كان أخوف من عمر من أرفا غلام عمر من عمر؟ ~~قال عثمان: نعم، قال له علي: # فإن معاوية لا يخافك ويقتطع الأمور دونك، ويقول للناس: هذا امير المؤمنين ~~عثمان. # وكان علي يعنفه في أقاربه، ويقول له في وجوههم: لا يغلب عليك مروان ~~والوليد وسعيد ، لا تطعهم؛ فيقول أهله له: هذا قوله لك في وجهك ووجوهنا ~~فكيف بما يقوله للناس من ورائك وأنت امامه وابن عمه؛ فيقول لهم عثمان: هو ~~انصح لي منكم. # وكان علي رضي الله عنه يوافقه على صغار الأمور وكبارها ويدبر أمره، فإذا ~~لم يقبل منه في أمر من الأمور عنفه ولامه وقعد عنه، فيرسل اليه عثمان ويجيء ~~به، فيقول له: قعدت عني وكنت لأبي بكر وعمر انصح، وأنا PageV01P242 # أولى بذلك منك، وأنا إمامك وابن عمك، فيقول له علي: كانا يقبلان ولا ~~تقبل، أكون معك على امر فيجيئك مرران وسعيد والوليد فيزيلانك عنه. # ثم يقول علي رضي الله عنه للناس: من عذيري من هذا؟ أكون معه على أمر فيدع ~~رأيي ويأخذ برأي مروان والوليد، فإن قعدت عنه يشكوني ويقول: # قطعت رحمي ولم تقض حق بيعتي. # فانظر كيف يصنع به الأمور الصغار التي غيرها اولى، ويأخذه بما هو أفضل، ~~ويشير عليه ان يسير بالمسلمين سيرة ابي بكر وعمر، وأن يأخذ بالفضل ولا ~~يترخص ولا يزول من سيرتهما، فأي عاقل تدبر وفكر يقع له ان هؤلاء كانوا ~~يظلمون بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبدلون القرآن ويعطلون النصوص ~~ويغيرون الشريعة فيسكت عنهم. # وبمثل هذا كانت تشير عليه عائشة رضي الله عنها، وتحذره مخالفة سيرة ابي ~~بكر وعمر، وبهذا كتبت إليه ام سلمة: ms169 أي بني، ما لي ارى رعيتك عنك مزورين، ~~وعن جنابك نافرين، لا تعف سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبها ~~ ، ولا تقدح بزند كان اكباها» # ، وتوخ حيث توخى صاحباك فإنهما ثكما الأمر ثكما ولم يظلما والسلام. ~~فأجابها بالجواب المعروف . # وعتب قوم عليه ان حمى الحمى، وما رآه في خمس أفريقية كما فتحها، وفيمن ~~سيره من اللعابين بالحمام والرامين بالجلاهق فيما كان في الكتاب ~~PageV01P243 # المنسوب إليه في شأن محمد بن ابي بكر الصديق والنفر المصريين؛ وهي كانت ~~الطامة في السخط عليه والنكير له، وما اقر بأنه كتب الكتاب ولا قامت عليه ~~بينة، فقالوا: كاتبك كتبه فما اقر كاتبه، وقال لهم: الخط قد يشبه الخط. فلم ~~يزل الانكار عليه في هذه الأمور الى ان اغتيل بالسحر وقتل. # وليس في هذه تعطيل نص ولا تبديل قرآن ولا تغيير شريعة، وانما هي امور من ~~طريق الرأي والاجتهاد كان له أن يفعلها فجرى عليه. هذا كله في شيء هذه ~~سبيله، وهو الخليفة والسلطان والملك، وإليه السوط والعصا وبيده الضر ~~والنفع، مع شرف رهطه وقرب قرابته وظهور ثروته وكثرة عدوه وأعوانه ومن تعصب ~~له، فكيف يتوهم عاقل تدبر، ان النصوص كانت تعطل والقرآن يغير والشريعة تبدل ~~وهم سكوت. # وهذا علي بن ابي طالب مع فضله وزهده وعلمه وسوابقه وآثاره الجميلة في ~~الاسلام وقريب قرابته، قد انكروا عليه ان ولى اقاربه، فقيل له: علام قتل ~~عثمان بالأمس؟ اي لأنه ولى اقاربه، فقال لهم: ما علمت إلا خيرا، فإن انكرتم ~~فأنكروا. ولما بعث الحكم ارتدوا عنه ، وقالوا: ضعفت وحكمت الرجال في ~~دين الله وما كان ذلك لك، وشككت في نفسك؛ فتب الى الله وإلا قاتلناك ~~وجاهدناك، او تقتلنا او نقتلك. فقال لهم: لو كانت الحكومة معصية لما جئت ~~إليها وكان لي ان احكم، وقد امر الله بالحكومة في شقاق يكون بين المرأة ~~وزوجها وفي ارنب تصاب في الحرم PageV01P244 # تساوي ربع درهم؛ فقال عز وجل: «يحكم به ذوا عدل منكم» ، فكيف بإمامة قد ~~اشكلت على المسلمين فقاتلوه ms170 وقاتلهم، وقتلهم وقتلوه، في امر ليس فيه تعطيل ~~نص ولا تغير قرآن، وإنما هو شيء من طريق الاجتهاد، وكان له رضي الله عنه ان ~~يفعله. وقد بلغوا في الانكار عليه هذا المبلغ، فكيف بتغير القرآن والنصوص ~~وظلم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعلم فحش غلط هؤلاء القوم، وان ~~ابا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم لو راموا بأجمعهم تعطيل نص لرسول ~~الله، او تغير آية واحدة من كتاب الله، او ظلم امرأة ارملة ذمية لقتلوا ~~بأجمعهم. وقد عرف اهل العلم والتحصيل، ان اهل البصائر، ومن يعتقد دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم ونبوته وصدقه واجلال من اجل وتعظيم من عظم وإهانة من ~~اهان في زمن ابي بكر وعمر اكثر وأوافر، والغلبة لهم، والامر بأيديهم، وهم ~~كانوا الظاهرين القاهرين، وهم ولوا ابا بكر وعظموه واجلوه وقدموه تقربا الى ~~الله، لأن رسول الله قد كان يقدمه ويعظمه ويجله ويكرمه؛ ولهذا كان يقول ~~الرؤساء في ذلك الزمان من اقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأوا ~~تعظيم المهاجرين والأنصار ابا بكر، وطاعتهم له، وتنفيذهم وصاياه ووصايا ~~خليفته بعده: كان والله حلوا في افواههم، جليلا في اعينهم، مهيبا في ~~صدورهم، على سكون ريحه ولين جانبه. فلا تظن ما يقول طوائف الامامية ~~والرافضة فيهم إلا الغاية في الغافله وترك النظر؛ وتعليل الرجال هو الذى ~~يوقع الناس في الضلال. ### | وباب آخر [الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة] # إن بين ابي بكر وعمر وتلك الجماعة وبين بني هاشم مع اخوة الاسلام فضل ~~مودة وصداقة، يمدح بعضهم بعضا ويزكي بعضهم بعضا، ويتصاهرون، PageV01P245 # ويرى بعضهم بعضا أهلا للإمامة والولاية، وينصح بعضهم بعضا. ألا ترى أنهم ~~بايعوا ابا بكر، وصلوا خلفه، وغزوا معه؛ ونفذوا وصيته بعد موته في عمر، ~~فاجتمعوا كلهم في طاعته؛ ونفذوا وصايا عمر بعد موته وصلوا خلف صهيب، ورجعوا ~~الى عبد الرحمن كما وصى، فغزا امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع ابي بكر ~~رضي الله عنهما الربذة والى ذي القصة . # ولما ms171 هم ابو بكر بالخروج عن المدينة والمسير الى اصل الردة، اخذ امير ~~المؤمنين علي بعنان فرسه وقال له: اقول لك كما قال لك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد: سم سيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك، وأتا أقول لك: # أنقذ جيشك وارجع الى المدينة، فإنك إن هلكت لم يكن للاسلام بعدك نظام، ~~فقبل رأيه ورجع. # وقد غزا غير واحد من بني هاشم في زمن عمر، وفي غزواته هلك الفضل ابن ~~العباس بالشام في طاعون عمواس في خلافة عمر، وقد خرج العباس معه الى الشام ~~وغيره من بني هاشم، وخلف عليا أميرا على المدينة في بعض خرجاته الى الشام، ~~فانه خرج اليها اربع مرات، فدخلها في بعضها، وفي بعضها لم يدخل، وزوجه امير ~~المؤمنين علي ابنته ام كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان له منها زيد ورقية. # وقبل ذلك ما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر الصديق اسماء بنت ~~عميس الخثعمية، وكانت تحل من رسول الله صلى الله عليه وسلم محل ابن الأخوات ~~وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض ~~الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها ~~PageV01P246 # غير واحد من الأولاد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر كافل ~~بني هاشم ومربي ابنائهم، فربى اولاد جعفر بن ابي طالب وكفلهم وأدبهم، منهم: ~~عبد الله ابن جعفر بن ابي طالب، وأخوه محمد. وكان عبد الله بن جعفر يذكر من ~~بر ابي بكر بهم ورأفته وتأديبه لهم ما يطول شرحه. وخلف امير المؤمنين علي ~~وعمر على المدينة في خروجه الى جسر مهران ، وأشار عليه حين تكاتبت ~~الأعاجم بإخراج المسلمين من ديارهم ؛ وكان يزدجرد بن شهريار ملك فارس ~~الذي أخرجه عمر من ملكه حيا مقيما عند خاقان ملك الترك وقد صاهره يستعينه ~~على المسلمين، فراسل أهل مملكته بإخراج المسلمين من ديارهم، وأنه يوافيهم ~~في الجيوش ويسير الى المدينة فيقتل عمر ويستأصل ms172 الاسلام، فكتب المسلمون ~~الذين في ممالك الفرس الى المسلمين بالكوفة بهذا، وكتب أهل الكوفة الى امير ~~المؤمنين عمر، فخطب الناس وقال: ايها الناس، إن الشيطان قد جمع جموعه، وإن ~~الأعاجم من اهل جرجان وطبرستان والري وأصفهان وهمدان ونهاوند، قد تكاتبوا ~~وتعاهدوا في اخراج المسلمين من ديارهم وقصدهم الى بلادكم، وهذا يوم له ما ~~بعده، فأشيروا علي. # فقام طلحة بن عبد الله، فقال، فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال: # أشيروا علي، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب ~~PageV01P247 # الى اهل اليمن فيسيروا اليك من يمنهم، وإلى اهل الشام فيسيروا اليك من ~~شامهم، وتسري بأهل هذين الحرمين وأهل المصرين: الكوفة والبصرة، وتلقي ~~العدو بنفسك، فاذا رآك في جموعك وعساكرك هاله أمرك، وقل هو وجيوشه في أعين ~~المسلمين، ففعلت وفعلت، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: أشيروا علي، ~~فقام علي بن ابي طالب، فقال له: يا امير المؤمنين، أما ما كرهته من مسيرهم ~~فان الله عز وجل لذلك أكره، وإنك يا امير المؤمنين إن سيرت اهل اليمن من ~~يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيرت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ~~ديارهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت العرب عليك، فكان ما وراءك اهم لك مما ~~بين يديك، وإن رآك العدو ازداد كلبه عليك وقال لأصحابه: هذا واحد العرب فان ~~قطعتموه قطعتم العرب كلها. ولكن أرى ان تكتب الى اهل اليمن، فيكون ثلثهم في ~~اهل عهدهم وثلثهم في ثغورهم ويسير منهم الثلث اليك، وتكتب الى أهل الشام ~~بمثل ذلك، وتقيم بمكانك وتنفذ اميرا يلقاهم، فان هلك أنفذت اميرا مكانه، ~~فقد علمت انا كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقاتل بالبصيرة لا ~~بالكثرة، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: هذا والله هو الرأي؛ إن انا ~~أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيرت اهل الشام من ~~شامهم سارت الروم اليهم، هذا والله هو الرأي ان ساعدتموني عليه، فقالوا: ~~نساعدك، فعمل على ذلك، وأنفذ ms173 الجيش، وأقام على ما اشار عليه علي؛ وكم له ~~معه مثل هذا، وشرحه يطول. # وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء، ~~PageV01P248 # وكم قد اشارا جميعا على عثمان وغيرهما من بني هاشم، وكم قد غزا الحسن، ~~والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من بني هاشم مع ~~امراء عثمان الى خراسان وغيرها، وكم كان يقول عمر على المنبر: أقضانا علي، ~~ويقول: لا تكون نازلة لا يشهدها علي بن ابي طالب؛ وولاه القضاء بالمدينة، ~~وتولى، فكان يقضي ويفتي، واستسقى بالعباس، وألحق الحسن والحسين في العطاء ~~بالبدريين، ولما دون الدواوين، كتبوا اسمه في اول الديوان، فقال لهم: لم ~~فعلتم هذا؟ فقالوا له: انت امير المؤمنين، فقال: # ابدؤوا بطرفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاشم وزهرة، وضعوا عمر وآل ~~عمر حيث وضعهم الله، وأدخل عليا في الشورى: وكان لعلي في اولاده من يسمى ~~أبا بكر وعمر وعثمان كما يسمي الرجل اولاده بأسماء أحبابه وأئمته، وقد كان ~~للحسين عليه السلام ولد يقال له ابو بكر قتل معه بكربلاء، وكان ليلي بن ~~الحسين ولد اسمه عمر، وقد كان في أولادهم مثل هذا كثير، وشرح هذا يطول، ~~وكذلك شرح ما كان بينهم من المودة والصداقة وحراسة بعضهم لبعض، ومدح بعضهم ~~لبعض يطول، وللعلماء فيه كتب مفردة مخلدة، انت تجدها اذا طلبتها. ولكن طال ~~العهد وغلب الجهل، فظن من لا علم له انهم كانوا متباعدين متباغضين، وأن ~~الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء أشد مما كان بينهم وبين معاوية وولده ~~ومروان بن الحكم وولده كما ظنت المنانية ومن ذهب مذهبها، ان عيسى بن مريم ~~ عليه السلام كان عدوا لموسى وهرون وداود وسليمان، وأنه كان يحرم أكل ~~اللحمان وذبح الحيوان، وكما يظن من لا يعلم ان هذه الطوائف من النصارى على ~~دين المسيح وفي طاعته. وللبغضاء رحمك الله حال مبينة، وللمحبة آثار وأعلام. ~~ألا ترى ان PageV01P249 # معاوية وآل ابي سفيان وآل مروان، لما ابغضوهم وعادوهم، ما ذكروهم في ~~الإمامة ms174 ولا رجعوا اليهم في القضاء والفتوى، بل لعنوهم وحاربوهم وقتلوهم، ~~ووصوا اولادهم بذلك، وكذا فعل بنو هاشم من ولد العباس وولد ابي طالب ببني ~~امية. # فإن قالت الرافضة: إنما صنع ابو بكر وعمر هذا ببني هاشم حيلة وخديعة ~~وليخرجوهم من الرئاسة، قيل لهم: من الحيلة والخديعة ان لا يدخلوهم في ~~الشورى، ولا ينبهوا عليهم في الرئاسة ولا يستسقوا بهم، ولا يستشفعوا الى ~~الله بجاههم ومكانهم، ولا يشهدوا لهم بالجنة، ولا يسيروا إليهم بالعلم ~~والمعرفة؛ ألا ترى ان معاوية لما عاداهم ما جعلهم اهلا للخلافة، ولا ذكرهم ~~للرئاسة، ولا استسقى بهم، ولا استفتاهم، ولا استقضاهم، ولا شهد لهم بالجنة، ~~بل كانت سيرته فيهم ما قد علم الناس؛ ولا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى ان ~~ما كان من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله وأصحابه انما كان على ~~طريق المداراة والخديعة، او ادعى ان ما كان من معاوية [مع] آل بني هاشم ~~إنما كان على طريق الرأفة والرحمة. # وبعد فما لأبي بكر وعمر على قولكم الى مداراة الناس وخديعتهم في بني ~~هاشم، وعندكم ان الناس قد علموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف ~~عليا ونص عليه، وعرف الكافة انه الحجة على العالم. ثم ان ابا بكر دعاهم الى ~~خلاف ذلك فأجابوه بأسرهم على قول بعضكم وهم الكاملية، وعلى قول الهشامية ~~اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما ~~الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة PageV01P250 # ومواقيتها، والصيام ومواقيته، والمواريث، والمناكح، والطلاق، والعتاق، ~~الى غير ذلك، فأجابوهم اليه. # وما سمع الناس بأعجب من امر هؤلاء القوم في دعواهم على ابي بكر وعمر، ~~انهم إنما زكوا بني هاشم مثل العباس وعلي وغيرهما، وأدخلوهم في الشورى، ~~وقدموهم في القضاء والفتوى والرئاسة، للنقص منهم، والحيلة عليهم؛ وهو كمن ~~قال: ان ابا بكر وعمر وعثمان اخذوا الروم والعجم وملوك العرب بالدخول في ~~دين النبي صلى الله عليه وسلم، وإدخال اممهم في دينه، والشهادة برسالته، ~~وإقامة ms175 شرائعه، وموالاة اوليائه، ومجاهدة اعدائه، انما فعلوا ذلك عداوة له ~~صلى الله عليه، وللحيلة عليه، واخراجه من الرئاسة والنبوة، ولإماتة ذكره؛ ~~وكل امرهم عجب وخروج عما يعقل ويفهم. # فإن قالوا: إنما أدخله عمر في الشورى وقال يصلح للخلافة والرئاسة ليمحو ~~نص النبي عليه واستخلافه له، قلنا: فإن ذلك قد امحى على قولكم وأجابه الناس ~~الى محوه وإزالته، فما حاجته الى ادخاله في الشورى لولا محبته له والتنبيه ~~على فضله، ولو اراد ان يخرجه من الرئاسة لما أدخله في الشورى، ولا قال انه ~~يصلح للخلافة والرئاسة؛ وانما الشورى وضعها عمر ليطلب الناس من يصلح في دين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للقيام بأمر امته عليه السلام، وليرجعوا الى ~~وصاياه وعهوده فيمن يصلح لذلك في دينه وشريعته؛ فلو كان هناك منصوص عليه، ~~او من فيه أدنى اشارة، لما ادخله عمر في الشورى والرئاسة إن كان يريد ان ~~يميت ذلك على ما يدعونه عليه، وهذا لا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى ~~بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن ~~استخلاف النبي له ونصه عليه، فان الراوندية PageV01P251 # من شيعة بني العباس تدعي ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على العباس ~~واستخلفه وجعله وارث مقامه، وأن الخلافة تكون في ولده الى يوم القيامة، كما ~~تدعي ذلك الرافضة في امير المؤمنين. # وبعد فإن كان الذي صنعه عمر في الشورى حيلة على امير المؤمنين ليخرجه من ~~الرئاسة، فلم دخل هو وقبله، وصلى خلف صهيب، ورجع الى عبد الرحمن في ~~الاختيار، فكيف شعرتم انتم بهذا وخفي عليه. # فإن قالوا: فعل هذا خوفا وتقية، فقد بينا ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة ~~ما كان سلطانا يخافه محق ولو كان عبدا او ذميا، وكشفنا ذلك من غير وجه. ~~واعلم ان الكلام اذا انتهى الى مثل هذا فليس إلا السكوت، فإن شرح المشروح ~~والمجاذبة في امر المكشوف عناء وادخال له فيما يغمض ويخفى، فارجع رحمك الله ~~الى ما كان من ابي بكر وعمر وقول ms176 بعضهم في بعض وصنع بعضهم ببعض، تجدهم ~~أولياء واخوانا واصدقاء، وقد تقدم لك في صدر هذا الكتاب ان ابا بكر وعمر ~~وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار كانوا احباب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان يحبهم ويودهم، ويوجب على الناس مجبتهم، ويفرض عليهم مودتهم، ~~وكانوا يحبونه، وهو أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم، ويحبون من أحب، ويبغضون ~~من ابغض، وإن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، فارجع اليه. ### | وباب آخر [افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه] # وهو ان افعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله ووصاياه وعهوده، تشهد ~~بأنه ما عهد في رجل بعينه، وان الامر في الخلافة بعده الى خواصه واصحابه ~~ليختاروا من يرون، وان الخلفاء بعده يجوز عليهم الخطأ والزلل؛ ألا تسمع PageV01P252 # قوله صلى الله عليه وسلم : «أنفذوا جيش أسامة» وقوله: «لا تتركوا ~~بعدي في جزيرة العرب دينين، ولا تجمعوا فيها دينين» وقوله: «استقيموا ~~لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فخذوا سيوفكم على عواتقكم ~~فأبيدوا خضراءهم، وإلا فكونوا أشقياء حراثين تمشون خلف أذناب البقر، ~~وتأكلون كد أيديكم. أطيعوهم ما أطاعوا الله ورسوله، فاذا عصوا الله ورسوله ~~فلا طاعة لهم عليكم؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . # وقوله: «هذا الأمر في قريش ما اذا استرحموا رحموا، واذا حكموا عدلوا، ~~واذا قسموا أقسطوا، واذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» . # ومثل هذا من اقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة ~~على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه انما هي ~~لأصحابه وخاصته، فمن اشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان ~~الخلفاء بعده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ~~ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلى ~~سيرته، ms177 والمكشوف عن شريعته ووصاياه. PageV01P253 # فإن قيل: كيف اشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال ~~العقل وان كان واضحا، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل، وجودة ~~التحصيل وصحة النقل. # ألا ترى ان في هؤلاء من يقول: ان في القرآن زيادة، وفيهم من يقول: # فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن ~~يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب اهل التناسخ وقوم من الصوفية. ~~وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف ~~دين النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد عرف اصحابه من سيرته جواز الاختيار في ~~الائمة والامراء، وعملوا بذلك في حياته صلى الله عليه وسلم. ألا ترى انه ~~لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ~~ابي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل ~~الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي اميرا عليهم، فدبرهم وساسهم ولقى ~~العدو بهم، فما انكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل صوبهم، وسمي خالد بن ~~الوليد سيف الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم انفذ عما لأبي موسى ~~الاشعري اميرا على جماعة فهلك، فاستعملوا بعده ابا موسى، فما انكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك بل صوبهم؛ بل انهم انما فعلوا هذا لأنهم قد ~~عرفوه من سيرته. # وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابو العلاء بن الحضرمي ~~البحرين، وانفذه في PageV01P254 # جماعة، وعهد إليه عهدا معروفا، وقال صلى الله عليه وسلم في هذا العهد: ~~وانا اشهد الله على رجل وليته امرا من امور المسلمين فلم يعدل فيه قليلا ~~كان ام كثيرا فانه لا طاعة له، وهو خليع محاولتيه، واني قد برأت المسلمين ~~الذين معه من عهدهم وايمانهم منه ومن ولايته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ~~ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره ~~كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية. ### | باب ms178 آخر [كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه] # وهو ان الصحابة قد خاضوا في باب الامارة في مرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقبل ذلك في ازمان مختلفة، وجرى لهم من الخوض في ذلك اكثر مما جرى لهم ~~من كل شيء في كبار الامور وصغارها، فأقوالهم وأفعالهم افعال من لا عهد عنده ~~في رجل بعينه؛ وان الائمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز ان تقع ~~منهم المعاصي والخطايا. # فمن ذلك، ان الصحابة سألوا عليا في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: # كيف اصبح رسول الله يا أبا الحسن؟ فقال: اصبح رسول الله بحمد الله بارئا، ~~فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وإني لأرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سيتوفى في وجعه هذا، فانطلق بنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نسائله فإن كان هذا الامر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا امرناه فوصى الناس ~~بنا. فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا إن ~~سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا. # فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي، PageV01P255 # وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص لما جاز ان ~~يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن ~~البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده ~~وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولدي على امته الى ~~يوم القيامة، وكيف نسيت ms179 مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعلي ~~مولاه» ، و «انت مني بمنزلة هرون من موسى» ، وهذا نص واستخلاف. فإن كان ~~امير المؤمنين علي رضي الله عنه نسي ان النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه ~~كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى ~~على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا ~~قصد به هذا المعنى. فان قيل: ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس ~~رضي الله عنهما؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب ~~بذلك اهل العلم، والعجب انكم تقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به اقوى، وما زال ~~ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في ~~أنهما أصوب رأيا، ويخوض اهل العلم في ذلك، كالشعبي وعبد الرزاق ، وإنما ~~يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له PageV01P256 # في العلم. # وفي هذا الباب، ان النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض جزع اصحابه لمرضه، ~~فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته ازواجه وعماته ~~وبناته، فكان اذا وجد خفا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا: # الصلاة يا رسول الله، فقال: ما أستطيع الخروج، صلوا، قالوا: يا رسول الله ~~من يصلي قال: يؤذن بلال ويصلي أبو بكر. # ففي قولهم: من يصلي، دليل على انه ما استخلف رجلا بعينه، لأنه لو كان فعل ~~ذلك لما قالوا من يصلي ولا خفي عليهم مكانه، كما لا تخفى عليهم القبلة وقد ~~فرغ لهم منها، فلا يقولون الى اين نصلي. وأكد ذلك ايضا بقوله: يصلي بكم ابو ~~بكر، ولو كان قد استخلف رجلا بعينه لقال: # او ليس قد استخلفت عليكم عليا، فكيف نسيتم مع قرب ms180 العهد، ولأمر عليا ~~بالصلاة. # فان قيل: ومن سلم لكم هذا، وإنما عائشة قالت له لا رسول الله، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما احس به خرج وصرفه. # قيل لهم: انه ليس لرسول الله عهد اوثق ولا عهد اوضح من عهده الى ابي بكر ~~في الصلاة بالناس في مرضه، فانه عقد كان منه في بيته وبحضرة أصحابه، الذين ~~صفتهم على المحافظة على دينه الصفة التي قدمنا، والعلم بذلك يجري مجري مرضه ~~في بيت عائشة ودفنه فيه، ومجرى العلم بأن ابا بكر وعمر دفنا عنده؛ والعجيب ~~ممن يقول: قد علمنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # من كنت مولاه معلي مولاه وعلي مني بمنزلة هرون من موسى، وقال: # انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من PageV01P257 # العناد الشديد والجهل الفائض، وهو كمن قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما اختار أبا بكر للهجرة معه ولا كان معه في الغار، ولا اختصه بأن ~~يكون معه في العريش يوم بدر دون الناس كلهم، ولا كان معه في بيعة الرضوان، ~~ولا اقامه مقام نفسه في الحج بالناس في سنة تسع ولم يقدم غيره في ذلك، وهو ~~اول امير حج بعده صلى الله عليه وسلم في حياته من المدينة. # ولقد امر ابو بكر بالصلاة، فصلى بجميع اصحابه وأهل بيته كالعباس وعلي ~~وجميع بني هاشم ومواليه، وهو ينظر اليهم من بيته وفي مسجده وهم يصلون خلف ~~ابي بكر، فصلى بهم ابو بكر [عدة] ايام. ففي بعض تلك الايام يخرج رسول ~~الله ويصلي معهم، وفي بعضها يخرج وقد فرغ ابو بكر فيجلس معهم، وفي بعضها ~~يحس به ابو بكر فيتنحى ويقدمه ويصلي بهم. لا يتدافع اهل العلم من الصحابة ~~والتابعين والذين يلونهم والذين يلونهم في ذلك. ولقد صلى بهم ابو بكر الظهر ~~في اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل دفنه وقبل البيعة ~~له بذلك العهد الذي كان من رسول الله صلى الله عليه ms181 وسلم لا ينازعه في ذلك ~~احد. # وقد روى هذا الحديث وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بالصلاة ~~علي بن ابي طالب، ذكر ذلك في خلافته وعلى منبره مرات كثيرة، ورواه العباس ~~وابنه عبد الله، وذكره عمر على منبره في خلافته، ورواه ابو عبيدة، وعبد ~~الله بن مسعود، وأنس بن ملك، والبراء بن عازب، وسالم بن عبد الله، وعبد ~~الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ~~ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما PageV01P258 # يظن ان ابا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والانصار بغير عهد من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، من لا يعرف المهاجرين والانصار، وشدة بصائرهم، وإعظامهم ~~لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقوم فيه احد مقامه سيما في خاصته ~~بغير امره. # وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ~~ويراهم، وأمره لأبي بكر بالصلاة بحضرة اصحابه، ويسمع ذلك جميع ازواجه ~~وبناته وعماته، فقد كن في مرضه هذا اجتمعن كلهن عنده في بيت عائشة. وكان ~~امره له بذلك مرة بعد مرة، فان الصحابة كانوا يدخلون في اوقات الصلاة فان ~~وجد خفا خرج معهم، وإلا قال لهم: # يصلي بكم ابو بكر. وكان في اول امره امر بذلك، قالت عائشة: يا رسول الله، ~~إن ابي رجل أسيف لا يستطيع ان يسمع الناس، فلو امرت غيره، فأبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يجبها اليه، فاستعانت ببعض ازواجه عليه ~~ليشفعها ويأمر غير ابي بكر بالصلاة، فردهن رسول الله وغضب وقال: # يأبى الله والمؤمنون غير ابي بكر، إليكن عني صويحبات يوسف. فهذا الذي كان ~~من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن، وهذا شأنهم. ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان ~~يصلي ابوك بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وراجعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك حتى غضب؟ قالت: ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ~~ذلك، وأن ms182 المسلمين يتشاءمون به. # وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إليكن عنى ~~صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف عليه السلام إذا دفع الى شدة ~~PageV01P259 # يضعف ويجيب الى المعصية فلم يكن كما ظنن، فأراد رسول الله ان ابا بكر ~~سيدفع الى شدائد فيصبر ويحتمل. # ثم يقال لهم: وكيف طمع ابو بكر ان يتقدم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد علم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف عليا وعرفهم انه ~~حجة الله عليهم وعلى رسول الله وجميع الصحابة حضور شهود، كيف يتوهم عاقل ~~هذا؟ # وبعد فكيف اقر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ازواجه واقام ~~عليها وقد ارتدت بهذا الصنيع، وقد قال الله عز وجل: «ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر» ؟ # فادعيتم ان ابا بكر اغتصب هذا المقام، وان ذلك بلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وانه غضب من ذلك وانكره، وخرج وعزل ابا بكر، وانكر على الصحابة ~~طاعتهم لأبي بكر في الصلاة خلفه؛ هذا امر عظيم، ومراجعات كثيرة، إذ لو كانت ~~لكان العلم بها اقوى من العلم بما كان من المراجعة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من المراجعة والمناقلة يوم الحديبية مع سهيل بن عمرو وما ~~اشبه ذلك، ولكن مذاهبكم مقصورة على دعاويكم. ومن العجب كونكم ما ادعيتم ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غضب وخرج وعزل ابا بكر ان يكون قد قدم ~~عليا فصلى بالناس ليتم بهتكم، بل لو كنتم صادقين في دعوى النص عليه لكان ~~هذا وقت تقديمه والغضب لأجله لو ادعيتم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يختر PageV01P260 # بيت عائشة لمرضه ودفنه والموت فيه وانما اختار بيت ابنته فاطمة ولكن ابا ~~بكر مضى واغتصبه وحمله وجاء به الى بيت عائشة، فهذا رحمك الله من الأدلة ~~التي تشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استخلف عليا ولا نص عليه كما ~~يدعي هؤلاء وانما ينكرون الاخبار. # فان قالوا: لو كان ms183 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استخلفه لعلمنا ~~باضطرار انه لم يستخلفه. # قيل لهم: ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم بالاضطرار، ~~انما يعلم بالاستدلال، فمن استدل علم ومن لم يستدل جاز ان يظن انه قد فعل. # ولو كان فعل شيئا أو فرض شيئا على الامة من سائر احكام الشريعة لجاء مجيء ~~العلم كما جاء غيره، وهذا هو الاصل كما شرحنا وقدمنا. ### | باب آخر [كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق] # من هذا، ان الانصار لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنوا لفراقه، ~~فاشتد حزنهم وعظمت مصيبتهم، فقالوا هدانا الله به، وجمع إلفتنا بدعوته، ~~وعظمت علينا بركاته. فرجع بعضهم على بعض فقالوا: احمدوا الله فقد قبض وهو ~~عنكم راض، فقالوا: الحمد لله، ولكن قد وترنا الأمم، وقد قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يستخلف، ولا بد لنا من امير نقيمه فنغزوا معه ونجاهد، ~~فقال قائل منهم: لا بد لكم من هذا، فأقيموا رجلا منكم. # فانظر كيف أفصحوا بأنه لم يستخلف، ولو كان كما يدعون هؤلاء لفيل لهم ذلك ~~ورد عليهم هذا القول والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن بعد، وكيف لم يستدل PageV01P261 # عليهم بالآيات والأحاديث التي تروونها وتستدلون انتم بها فلو لم يكن إلا ~~هذا لكفى في الدلالة على بطلان ما يدعونه هؤلاء، وما يدعيه العباسية ~~والبكرية. # فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «الأئمة من قريش» في ~~الجماعات الكثيرة وقد ذهب هذا على الانصار، فما تنكرون ان يكون قد نص على ~~علي والعباس وأبي بكر وذهب عنهم؟ # قلنا: لا ندعي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمة من قريش» في ~~الجماعات الكثيرة، ولا قام فيهم خطيبا كما تقولون في دعواكم لعلي، ولا اخذه ~~على الناس، ولا هو ايضا من فرض الكافة، وانما هو من فرض الفقهاء والخاصة، ~~فيعقده اربعة نفر أو خمسة لواحد، وهو يجري مجرى قوله عليه السلام: # «لا وصية ms184 لوارث» ، و «أهل ملتين لا يتوارثون» ، و «الخراج ~~بالضمان» ، وليس كذلك ما يدعونه من انه نص على رجل بعينه وفرض طاعته ~~على جميع أمته وجعله الحجة عليهم بعده، فأوجب على الرجال والنساء والأحرار ~~والعبيد والمقيمين والمسافرين طاعته، وأعلمهم هذا الغرض وأداه اليهم بحسب ~~وجوبه وشمول عمومه، فجرى في الغرض مجرى قوله: # «انا رسول الله اليكم وحجة الله عليكم» ، فهذا لا يذهب على النفر اليسير ~~ممن هو دون الانصار في الرتبه والاختصاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهو يقول: # «الانصار كرشي وعيبتي» ، يريد بذلك انهم موضع سري وخاصتي، ~~PageV01P262 # فأين فرض هذا من قوله: «الأئمة من قريش» ، ومع كون هذا من فرض ~~الخاصة، فعند الحاجة ذكر وقبله الأنصار كلهم وعملوا به، فلو كان دعواكم ~~انتم ايضا كذلك لكان قيل وعمل به مثل هذا. ### | وباب آخر [رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول] # من هذا ان العباس وبني هاشم بلغهم قول الانصار وما عزموا عليه، فما ~~أنكروا قولهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يستخلف، وان الإمامة ~~تجب بالاختيار، بل مدحهم العباس وأثنى عليهم وأقبل على علي وقال له: قد كنت ~~قلت لك ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي عليل انطلق بنا اليه نسأله فيمن ~~يكون هذا الامر فان كان فينا لم تنازع فلم تفعل، والآن فامدد يدك أبايعك ~~فيقال: هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان. # فتأمل رحمك الله هذا البيان وهذا الإفصاح من الجميع، ان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما نص ولا استخلف، فكيف لم يقل علي لعمه: كيف نقول إنك لو ~~بايعتني ما اختلف علي اثنان ورسول الله قد عقد لي وجعلني الحجة وقد ~~خالفوني. # وانما كان قوله رضي الله عنه للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر ~~المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني. ~~PageV01P263 # فقيل له: أقبل فانهم لا يخالفونك ولا يكرهونك، وقال له ابو سفيان: # اقبل ms185 يا ابا الحسن ما يقول ابو الفضل وانا أبايعك، فقال له العباس: اقبل ~~فهذا شيخ بني عبد مناف يبايعك ايضا، فقال ابو سفيان علي بنو عبد مناف كلها، ~~بل علي قريش ان تبايع ولا تخالف، فقال له العباس: افعل، فقال: # لا يا عم إلا عن ملأ من المسلمين. # فانظر كيف بين رضي الله عنه امر الامامة للمسلمين وباختيارهم، وانه لا ~~يبادر الى القبول لئلا يظن به الحرص على الامارة، فقال له قائل من بني ~~هاشم: فأخبر الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها في بني هاشم، ~~فقال رضي الله عنه: والله لئن كنت أول من آمن به فلا اكون اول من كذب عليه. # ومقام آخر، وهو ان العباس خرج الى ابي بكر وهو في المسجد فأخبره بما بلغه ~~عن الانصار، وسأله ان يمضي اليهم ويبين لهم، لعلم العباس بعظم قدر ابي بكر ~~في المهاجرين والانصار. فنهض ابو بكر وتبعه عمرو وأبو عبيدة، وصاروا الى ~~الانصار، فأنكر عليهم ابو بكر ما عزموا عليه، فعجبوا من إنكاره وقالوا: لم ~~تنكر ان تكون الامارة فينا، فقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~استخلف، وقد قال فينا كذا، ومدحنا بكذا، فقال ابو بكر: # صدقتم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولو سلك الناس شعبا وواديا ~~وسلكت الانصار شعبا وواديا لسلكت شعب الانصار وواديهم؛ ثم قال ابو بكر ولكن ~~هذا الامر ينبغي ان يكون في الحي من المهاجرين من قريش، فلا تنفسوا عليهم ~~الامارة: أسلمنا قبلكم، وقدمنا الله في القرآن عليكم، وما كان في قريش ~~نفاق. # فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: فإن ابيتم فمنا امير، ومنكم امير. ثم PageV01P264 # اقبل على قومه من الانصار فقال لهم: البلاد بلادكم، والبادية باديتكم، ~~وأنتم شعب الاسلام الذي لجأ اليه، وإنما عز الاسلام بأسيافكم، فإن ابي ~~هؤلاء [ان] يكون منا امير ومنهم امير فأخرجوهم من بلادكم، ثم اقبل على ~~المهاجرين وقال: إن شئتم اعدناها جذعة، انا عزيقها المرجب وجذيلها المحكك ~~ . # فقال ابو عبيدة: ms186 الله الله معشر الانصار، إنكم اول من نصر وآزر فلا ~~تكونوا اول من بدل وغير، وقال ابو بكر لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الناس تبع لقريش، فخيار الناس تبع ~~لخيارهم، وشرارهم تبع لشرارهم» قال: صدقت، فقال بشير بن سعد ~~الانصاري: والله لئن كنا اولي فضيلة في جهاد عدونا فما أردنا بذلك الارضاء ~~ربنا والكدح لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل على الناس، فالمنة لله ورسوله ~~علينا. ورجع الانصار عما كانوا عليه، وأقبلوا على ابي بكر وقالوا: من ترضى ~~لنا يا ابا بكر، فقال: رضيت لكم عمرو أبا عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم ~~فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا ~~وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير PageV01P265 # مأثم احب الي أن اتقدم قوما فيهم ابو بكر، ولكن انت يا ابا عبيدة ان شئت ~~بايعتك، فقال ابو عبيدة لعمر: ما سمعت منك فهة في الاسلام قبلها، اتقول ~~هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله، وقد ~~أمنا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: معشر الانصار، قد علمتم ~~ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ابا بكر واقامه مقامه في الصلاة ~~بالناس، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، فقال بشير بن سعد الانصاري ثم ~~الخزرجي: قوموا الى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه، فانثالوا ~~على ابي بكر ومدوا يده فقبضها وقال: بايعوا عمر او ابا عبيدة، ودفعهم عن ~~نفسه بجهده، وقبص يده فمدها عمر، فقال له ابو بكر: أنت أنت يا عمر، انت ~~اقوى وأشد، فقال عمر: شدتي لك انت احق، انت خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رضيك لنا؛ فما زالوا به حتى بايعوه. # فانظر الى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والانصار وهم يطلبون ms187 ويفتشون ~~ما يجوز في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرجعون الى أفعاله ~~ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد احدا منهم يذكر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نصا على رجل بعينه او ما يشبه النص او ما تأويله النص من انه ~~كتاب الله او من حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعهد قريب وهو ~~يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة الى ذكر ذلك؛ والمناظرة ~~والمباحثة تذكر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد ~~القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، ~~وإلا إحياء الاسلام PageV01P266 # وقمع اعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لينضبط الأمر ولا ينشر ؛ ~~فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ~~ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ~~ارتد من ارتد، فكان الصواب في المبادرة الى إقامة امير، فلما قيل لهم: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، ~~وقصدوا الى افضل قريش في انفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا ~~يقاتلون بين يدي رسول الله، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا ~~لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، ~~والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، ~~وبهم عزوا، وبهم صار رسول الله صلى الله عليه وسلم في عساكر وجماعات، وبهم ~~غزا العدو وقد كان صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة منذ دعا الى النبوة ~~خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو ~~الى الله؛ فسمعته قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا الى دعوته، وأجابوه الى ~~معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا اموالهم، ويسفكوا ~~دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه الى ذلك، أمر ~~اصحابه بالهجرة اليهم، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم ~~وبواديهم، فهاجروا اليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم ms188 في الايمان كظاهرهم، ~~فلهذا أسماهم الله الانصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال الله: «للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، ~~وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون» فأخبر عز وجل عن صحة نياتهم ~~وصدق PageV01P267 # ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الانصار وقال: «والذين تبوؤا الدار ~~والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون» » # ، لأن الانصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آثروهم على انفسهم بمنازلهم، وشاطروهم ~~اموالهم بطيب من انفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم ~~مولاتهم والاستغفار لهم فقال: «والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم» ، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا ~~بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، ~~والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع الى ما في سورة بعد ~~سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله هذا الموضع. # فهم لما بايعوا ابا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا ~~اعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا انهم قد وتروا الامم كلها في طاعة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد خلفهم ولا امير عليهم، فخافوا ان يبيتوا ~~وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم امير فينشر امرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة ~~الاسلام بادروا الى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا ~~يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ~~ولسرورهم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاغتباطهم بالراحة. ~~PageV01P268 # وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة ms189 في ~~دينه. # ثم إن ابا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا، وأخبر المهاجرين بما كان وقال: ~~والله ما اردت الامارة، ولا نويتها، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة، ولا رغبت ~~فيها، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت، وإنما قبلتها خشية الفتنة، ~~ولأنه لم يكن علي امير، وقد رجعت اموركم اليكم فاقيلوني وولوا من شئتم. ~~فقال له علي: والله لا يقيلونك ولا يستقيلونك، رضيك رسول الله لديننا ~~فرضيناك لدنيانا، قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك، فصوب الصحابة جميعهم قوله ~~واستحسنوه . # وانظر اعترافهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعطى أبا بكر اكثر ~~مما اعطوه، وعجب علي رضي الله عنه من طمع الانصار في الامارة وقال: أما ~~سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اوصيكم بالانصار خيرا، اقبلوا من ~~محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » ، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم ~~لا فيهم، ولكن نتجاوز لهم كما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ~~يرحم الانصار. # فان قال: انهم لم يعارضوا أبا بكر خوفا وتقية، فقد بينا غير مرة ان ~~سلطان هؤلاء الخلفاء الاربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق. # وقيل: إن ابا سفيان لقي علي بن ابي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له: يا ~~ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حي من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن ~~شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما PageV01P269 # اريد ذلك، إنا رأينا ابا بكر لها اهلا، واني لأعد بيعتي له من جهادي مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اتى ابو سفيان العباس وبني هاشم فقال: ما ~~لنا ولأبي فضل ، إنما هي بنو عبد مناف، يا بني عبد مناف ذبوا عن مجدكم ~~وانصحوا عن سؤددكم، ولا تخلعوا تاج الكرامة إذ ألبسكم الله فضلها، انها عقب ~~نبوة، من قصر عنها اتبع، ومن ذب عنها اتبع؛ فقال العباس: إن الاسلام قيد ~~الفتك وأخذ بعنان الباطل، فأمهل نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الأمر ms190 مخرج ~~نبسط اكفا للجد لا نقبضها او نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد ~~ولا وهن في الأيد. فأنكر علي قول ابي سفيان، ونهى بني هاشم عن الخلاف، وقال ~~لهم: عرجوا عن طريق المنافرة وحطوا تيجان المفاخرة. وقال لأبي سفيان: يا ~~ابا سفيان، إن المسلمين قوم نصحة وإن تباعدت انسابهم، وان المنافقين قوم ~~غششة وان تقاربت انسابهم، يا ابا سفيان، طالما عاديت الاسلام واهله فلم ~~يضره ذلك شيئا، انا وجدنا ابا بكر لها اهلا، ولو لم نره اهلا لما وليناه. # وقد ذكر من هذا امير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد مضي عثمان في رسالته ~~الى معاوية إذ يقول له في فصل منها: وقد كان ابوك اتاني حين ولي ابو بكر ~~رحمه الله الناس، فقال انت احق بهذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وسلم ~~فهلم ابايعك وانا بذلك على من خالفك، فكرهنا ذلك مخافة الفرقة، فكان ابوك ~~اعرف بحقنا منك، فإن تعرف منه ما كان يعرف تصب رشدك، وإلا فسيغنى الله عنك. # وقد ذكر معاوية هذا المعنى لابن عباس وبني هاشم حين اخذ الأمر من الحسن، ~~فقالوا له: اغتصبت وأخذت ما ليس لك، فقال لهم: إن كان امر الخلافة يستحق ~~بالقرابة دون الرضا والاجماع فما منع العباس منها وهو PageV01P270 # عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ضمن له ابو سفيان بني عبد مناف؟ ~~فكان جوابهم ان ذاك امر رضيه المهاجرون والانصار واجمع عليه المسلمون، وانت ~~فما رضيناك. # وما كنا في صحة امامة ابي بكر، وإنما كنا في ان الصحابة في كل زمان وأوان ~~يخوضون فيمن يصلح للامامة ولا يذكرون عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في انسان بعينه مع حاجتهم الى ذلك، بل يجمعون على العمل بالاختيار، فعرض ~~لنا ما كان بين بني عبد مناف، فذكرنا قول بني هاشم، وان ابا سفيان احب ان ~~تكون الخلافة في بني هاشم لأنهم اهله وأقاربه من بني عبد مناف، ولأن السؤدد ~~والرئاسة كانت فيهم قبل الاسلام. # ولهذا ms191 قال خالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~اليمن وقد قدم بعد وفاته وقد بايع الناس أبا بكر، فعجب من كون الخلافة في ~~أبي بكر دون العباس او علي او عثمان فهؤلاء اعمام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبنو اعمامه، فقال لعثمان وعلي وقد أتياه ليسلما عليه حين قدم من ~~سفره: أرضيتم بني عبد مناف ان يلي امركم بنو تيم، فقال علي: رضينا، فقال ~~خالد: انتم الشجر الطوال ذوات الظلال فاذا رضيتم رضيناه. # فولاية ابي بكر، وتقدمه على اهل رسول الله وأعمامه وبني اعمامه وهم كثرة ~~وفي عزة ومنعة وفيهم اليسار وليس لأبي بكر شيء من ذلك من العجائب، ولهذا ~~قال ابو قحافة وقد جال الناس جولة وهو بمكة: ما هذا؟ # قالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما صنع الناس بعده ~~قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: ~~افرضيت PageV01P271 # بنو المغيرة؟ فقالوا: نعم، قال: ودانت لرجل من تيم؟ قالوا: نعم، قال: فلا ~~مانع لما أعطى الله. # فعجب ابو قحافة من تقدم ابنه والسيادة والرئاسة انما كانت في بني عبد ~~مناف وبني المغيرة من بني مخزوم دون بني تيم، فلما قدم المهاجرون والأنصار ~~ومن كان على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه ابا بكر، علم ان ذلك ~~الإسلام ومن قبل الله، وان ابنه قد كان اولى بالحسد والابعاد، ولكن القوم ~~رجعوا في توليته الى الدين والاسلام دون الأحساب والأنساب. # ولما بلغ اهل اليمن والبحرين وعمان قالوا لعمال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هذا الذي بايعه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه او ~~اخوه؟ فقيل لهم: لا، قالوا: # فأقرب الناس منه؟ قيل: لا، قالوا: فما شأنهم؟ قيل: اختاروا أخيرهم فأمروه ~~عليهم، قالوا: لن يزالوا بخير ما صنعوا هذا. # فتأمل رحمك الله حال القوم لتعرف حقيقتها وتعلم انها بالضد مما قاله ~~هؤلاء، فقد طال العهد وقل التأمل. ### | وباب آخر # وهو ان أبا ms192 بكر غزا اليمامة، ومسيلمة، وربيعة، وطلحة، وبني اسد، وتلك ~~القبائل المرتدة، ومانعي الزكاة، مع إذعانهم بإقامة الصلاة، وأنكر رضي الله ~~عنه تغير دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يقرهم على ترك ~~خصلة واحدة من دينه ولا تعطيل شيء منه، وقد غزاهم بالمهاجرين والانصار ونكل ~~بهم كل التنكيل، وقتلهم ألوان القتل، وصنع بالرجال والنساء منهم ~~PageV01P272 # من النكال ما يطول شرحه لأنهم غيروا دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعطلوا حدوده، فما استطاعوا ان يقولوا لأمراء ابي بكر لم تنكرون علينا هذا ~~وأنتم قد عطلتم نصوص صاحبكم، وغيرتم دينه، وبدلتم كتابه، وانصرفتم عن وصيه ~~وعمن استخلفه، وضربتم ابنته، وقتلتم جنينها في بطنها، وهذا موضع حاجة هؤلاء ~~اليه، ولو كان لذلك ادنى اشارة لعولوا عليه واستراحوا اليه، فعلمت ان ما ~~يدعيه هؤلاء لا اصل له. # ولو كان بدا منهم شيء لكان العلم به اقوى مما كان بين امير المؤمنين وأهل ~~النهر، وبينه وبين اهل الشام وغيرهم. ### | وباب آخر [طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك] # ان ابا بكر لما قتل مسليمة، وأسر طلحة، ورد اهل الردة، واستولى على جزيرة ~~العرب الاسلام وأنفذ جيوشه الى العراق واستظهر المسلمون، قام في المسلمين ~~خطيبا فقال: ان اموركم قد عادت اليكم وبحمد الله استظهرتم على عدوكم ~~فأقيلوني فقد تقلدت امرا ما لي فيه راحة ولا يدان الا بمعونة الله، فقال له ~~علي رضي الله عنه: ما يقيلونك ولا يستقيلونك، وما منك بدل ولا بدل عنك حول، ~~ومشى في الناس ثلاثا يستقيل فما اقالوه. ### | وباب آخر [تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين] # ان ابا بكر لما مرض مرض موته قال: يا ليتني يوم ظلة بني ساعدة قد كنت ~~وليت عمر او ابا عبيدة، فكنت أكون وزيرا خيرا من ان اكون اميرا، وليتني حين ~~بعثت خالدا الى الشام كنت بعثت عمر الى العراق فكنت PageV01P273 # قد بسطت يميني وشمالي. ثم عزم على استخلاف خليفة يكون بعده، وأخذ يشاور ~~في ذلك؛ فقال ms193 لرهط من المسلمين: إن وليت عليكم رجلا منكم أترضون؟ فقال علي ~~بن ابي طالب: لا إلا ان يكون عمر، فأمسك؛ ثم خلا بعبد الرحمن بن عوف وشاوره ~~في عمر وأخذ رأيه فيه ثم قال له: اكتم يا ابا محمد ما كان بيننا الى ان ~~اقوله لك، ثم شاور عثمان بن عفان، ثم شاور اسيد بن حضير في رهط من الأنصار ~~في ذلك، فقال له اسيد: ما اعلمه إلا الخيرة بعدك لولا ما فيه من شدة فقال ~~له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه ~~اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد. # ثم اظهر ابو بكر الامر للناس وذكر لهم رأيه في عمر، فقال طلحة وغيره: ان ~~عمر رجل مهيب، له هيبه وليس بخليفة، فكيف اذا صار خليفة؟ فاعدل بنا عنه الى ~~رجل هو اخفض جناحا وألين جانبا فكان جواب ابي بكر ما قد تقدم؛ فكيف يظن ~~عاقل تدبر الامور ان هناك رجلا قد اقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ ~~لهم منه، وكلهم ومعهم ذلك الرجل الذي يدعي هؤلاء، يطلبون رجلا يصلح في دين ~~رسول الله وعند رسول الله للقيام بأمر امته؟ وهل هذا إلا كقائل قال في ~~جماعة كثيرة قيام في الشمس وهم يطلبون الشمس ويسألون عن الشمس، وتأمل ~~الحال، وكيف ينطق كل واحد بما عنده وبما يراه، غير راهب ولا خائف من ~~الأنصار ومن المهاجرين ومن ابي سفيان ومن بني هاشم ومن خالد بن سعيد لتعلم ~~سلطان هؤلاء الخلفاء كيف كان. # فكان المسلمون يفرغون الى ابي بكر في كل صغير وكبير، فيقول لهم: # أتظنون انكم تجدون عندي ما كنتم تجدونه عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لا تجدون PageV01P274 # ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الوحي، وإنما انا مثلكم، ~~فان احسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني؛ ويسأل عن مسألة فيقول: اقول فيها ~~برأي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك ms194 خطأ فمني ومن الشيطان، فيستحسن ~~المسلمون هذا منه ويحمدونه عليه، ولا يقول قائل كيف يزيغ إمام المسلمين ~~وكيف يخطىء، وعند الإمامية ان إمام المسلمين لا يخطىء ولا يزل. # وقد قال عمر ايضا مثل قول ابي بكر مرات كثيرة، وقال عثمان مثل ذلك. # وما بلي به علي وما قاله في هذا الباب فأكثر مما ابتلي به أبو بكر وعمر ~~وعثمان، فإنه ابتلي من اهل زمانه ومن اصحابه طول خلافته بالإضلال والإكفار ~~فما احتج هو لنفسه بالنص ولا بالعصمة، ولا احتج له من في زمانه ممن كان ~~يخاصم عنه من ولده وأهل بيته وشيعته بشيء من ذلك، وكانوا وكان هو ايضا لا ~~يأبون ان يجوز عليه ما يجوز على اهل الشووى وعلى الخلفاء قبله. # وكان ما يتدين به من الاختيار اكثر وأشهر مما كان من الخلفاء قبله، ولهذا ~~قالت العلماء: إن العلم بأن رسول الله ما نص على علي ولا استخلفه اقوى من ~~العلم بأنه ما نص على بلال، أو عمار، وأبي ذر، او ابن مسعود، فانه رضي الله ~~عنه قد بقي بعد الخلفاء خليفة وإماما معه مائة الف سيف تطيعه، وقد نازعه ~~خلق كثير في الإمامة وناظروه، وادعوا عليه الخطأ والضلال والإكفار، فما ~~ادعى النص ولا العصمة ولا احتج في مشافهة ولا مراسلة ولا مكاتبة بشيء من ~~ذلك، بل كان يحتج بأن طاعتي وجبت لأنه بايعني الذين بايعوا ابا بكر وعمر ~~وعثمان، فوجبت طاعتي كما وجبت طاعتهم. # ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه رضي الله عنه بعد الخلفاء خليفة ~~وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P275 # إلا سيرة ابي بكر وعمر وعثمان، ولا حبا السواد ومصر وفارس وأرمينية ~~وأذربيجان وخراسان إلا ما حباه الخلفاء قبله، ولا قرأ إلا المصحف، ولا أقرأ ~~اولاده والناس الا هذا المصحف، وملك الارض كان كله بيده إلا كرة فلسطين، ~~وأقام التراويح بنفسه وأقامه عماله في ممالكه كلها، وكان يقيم إماما للنساء ~~في التراويح، وأثنى على ms195 الخلفاء قبله بما يطول شرحه وقد ماتوا وبلوا، وهو ~~يلعن معاوية ويبرأ منه وهو حي ومعه اكثر من مائة الف سيف، وكذا صنع ~~بالخوارج. فهو لا يخاف الجبابرة الاحياء، وعند الإمامية انه قد خاف الموتى ~~وهو سلطان عظيم الشأن، وقد بينا ان هؤلاء في حياتهم وسلطانهم ما كان يخافهم ~~محق . # فإن قيل: ومن سلم لكم انه كان يقيم التراويح، بل يقول انه قد نهاهم عنها، ~~فقالوا: واعمراه، فلما قالوا ذلك، اقامها لهم. # قيل له: لا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى انه قد كان نهاهم عن هذا المصحف ~~فقالوا وا محمداه، او قال: قد كان نهاهم عن هذه الصلاة وقال لهم: # لها باطن وهي شخص، ألا تسمعونه يقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ~~ولا ينهى إلا الشخص كما يدعيه عليه الاسماعيلية فصاحوا وا محمداه، او كمن ~~ادعى انه كان يعيد في آخر ذي الحجة ويقول: هذا اليوم الذي نص علي فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واستخلفني كما يفعل الامامية ذلك في زماننا ~~ببغداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم ~~الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء ~~يعلم العاقل PageV01P276 # المتأمل ان العباس وولده وبنو هاشم كانوا يقيمون التراويح الا والعلم ~~الذي يعلم به ان عليا كان يقيمها بنفسه وعامله قرظه بن كعب بالكوفة ~~وعامله بالبصرة وبمكة والمدينة وسائر بلدان الاسلام التي في ملكه وسلطانه ~~اقوى واقهر. # ولو ادعى مدع ان ابن مسعود بالكوفة وابا عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام كانوا ~~لا يرونها ولا يقيمونها، هل كانت الدلالة على بطلان دعواه الا ظاهرة، ~~والدلالة على بطلان من ادعى ذلك على امير المؤمنين اقوى واقهر. والعجب ان ~~رؤساءهم والذين لقنوهم هذا المذهب قد قالوا: انه اقام التراويح. # وإذا قيل لهم: هبكم انكم ادعيتم انه كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان كان ~~مغلوبا مقهورا، فما باله حين مات هؤلاء [و] صارت الخلافة اليه وصار ~~السلطان بيده والفيء يجبى اليه ms196 فيعطيه من يرى وهو في العساكر والجيوش، لم ~~يدع النص وتعطيل التراويح ويظهر المصحف الذي تدعون ويسير في اموال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما تدعون ويظهر البراءة من ابي بكر وعمر وعثمان ~~سيما وقد ماتوا، كما اظهرها في معاوية والخوارج وهم احياء وفي عساكر؟ # قالوا: ما فعل ذلك ولا قدر عليه لأن جنده وأعوانه من المهاجرين والانصار ~~والتابعين بعدهم كانوا اولياء ابي بكر وعمر، فلو اتهموه ببغضهم لقتلوه، فما ~~زال مظهرا لنصرتهم وموالاتهم الى ان خرج من الدنيا. # قالوا: وكذا فعل الحسن والحسين رضي الله عنهم اجمعين. PageV01P277 # والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح، فلما ~~صاحوا واعمراه خافهم فتقدم واقامها لهم، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن ~~كما يسنح لهم. # ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز ~~النصراني، فإنه ورد على علي والمهاجرين والانصار وجميع المسلمين من ذلك ما ~~ذهلت له عقولهم أسفا عليه؛ فانه قد كان دوخ ملوك الفرس والروم وأذلهم، وغلب ~~على ممالكهم، وألجأهم الى الهرب، وبلغت خيوله افريقية وأوائل خراسان وأوائل ~~الهند، فذل الشرك كله به، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه. فخاف المسلمون ان ~~تكر ملوك الشرك عليهم بفقده، فاجتمعوا وانفردوا عنه مفكرين، وأملوا ان ~~يبتدىء ويستخلف عليهم. فدخل عليه أهل الامصار فقالوا له: أوصنا يا امير ~~المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فيه هدى الله نبيكم وهداكم من ~~بعده، وفيه نجاتكم، قالوا: # أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم، قالوا: أوصنا، قال: ~~أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام، قالوا: اوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ~~ذمة نبيكم وقوت عيالكم، قالوا: اوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما ~~رآه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه، ~~وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف؛ وافتتح الكلام، فقال: # قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي، ~~وأرجو ان انجو منها كفافا لا علي ولا لي؛ فأثنوا، وابتدأ ms197 علي يبشره عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه ~~الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك PageV01P278 # الاجر؛ انظر يا امير المؤمنين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: دلوني ~~على من أستخلف، فقال له المغيرة: انا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له ~~عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا امير المؤمنين، وما ~~يمنعك من إخوانك، وأشار الى علي وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة، فقال ~~عمر: # إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- ~~يعني أن رسول الله ما استخلف وأن ابا بكر استخلف- ثم قال: # هي في واحد من هؤلاء الستة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة وقبض وهو ~~عنهم راض: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلحة وقاية ~~رسول الله. ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: إن وليت هذا ~~فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان مثل ذلك، وقال له: # لا تحمل بني ابي معيط على رقاب الناس، ثم اقبل على عمار ومقداد في ان ~~يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري: إن الله لم يزل ~~يعز هذا الاسلام بقومك فكن في خمسين منهم، فإذا مت فليصل علي صهيب، وليصل ~~بالناس الى ان يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء لئلا يستبد مستبد، وقال: ~~لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم احدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدوا في ~~امركم، وجاهدوا عدوكم. # فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم، فكم في هذا من شاهد على بطلان دعاوي ~~هؤلاء القوم، وما حاجة الصحابه ان يختار لهم عمر خليفة وقد فرغ لهم من ذلك ~~رسول الله صلى ms198 الله عليه وسلم وهو قائم العين نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول ~~عمر وهم يسمعون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استخلف، وأعجب منه ان ~~الذي يدعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف، PageV01P279 # وأن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وأنها في واحد منهم وفيهم الهاشمي ~~والاموي والزهري والتيمي والاسدي، ففيمن كانت منهم كان صوابا، لا ينكر ذلك ~~احد من المسلمين. وأعجب من هذا قوله لعلي: ان ولوك فاعدل ولا تحمل بني هاشم ~~على رقاب الناس، فكيف لم يقل له: ما أحتاج الى توليتهم لي؛ ولأني رسول الله ~~واختارني وشهد بعصمتي، وكيف تقول هذا لي؛ وكيف تقول إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما استخلف؟ ### | وباب آخر [كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف] # ان عليا والجماعة ردوا الامر الى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم للخلافة ~~وعليهم الرضا بحكمه، فقال لهم: تكلموا فأخبروا الناس بذلك، فتكلموا، وقام ~~امير المؤمنين علي رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم ~~قال: لو عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لجالدنا عليه حتى ~~نموت، او قال لنا قولا انفدنا قوله على رغمنا، لن يسرع احد قبلي الى صلة ~~رحم ودعوة حق، والأمر اليك يا ابن عوف وعلي صدق اليقين وجهد النصح وأستغفر ~~الله لي ولكم. فلم يقل رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما ولاه ولا ولى عليه. # ثم انظر في باب آخر في امر عثمان وما لحقه في آخر امره من الإعراض ~~والخصومة، حتى تجرأ عليه العبيد والنساء والصغير والكبير، هل قرعه احد من ~~خصومه وأعدائه بأنه جلس في غير مجلسه؟ وقد بالغوا في التشنيع عليه، وهو كان ~~يسمى الخليفة المستضعف، فكيف لم يتقدم الخليفة المنصوص عليه فيأخذ الامر من ~~هذا الذي قد قهر وحصر. PageV01P280 # وأعجب من هذا، ان المصريين أتوه رضي الله عنه بعد ان مضى عثمان فقالوا: ~~امدد يدك نبايعك، فقال: ليس هذا ms199 اليكم، هذا للمهاجرين والانصار، من أمره ~~اولئك فكان اميرا. فانظر كم يقول إن هذا امر المسلمين وأنه بالاختيار. ثم ~~ان المصريين انصرفوا عنه، فجاءه المهاجرون والانصار، فقالوا: امدد يديك ~~نبايعك، فقال لهم: اختاروا غيري تبايعونه وأبايعه، فلأن اكون لكم وزيرا خير ~~من ان اكون اميرا، فدفعهم عن نفسه، فعاودوه فقال لهم: إن عمر كان رجلا ~~مباركا وقد جعلها شورى، قالوا: فأنت من الشورى وقد رضيناك، فقال: اختاروا ~~غيري، فدفعهم، فعادوا فقال: قد علمتم اني اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه ~~امركم، قالوا: قد رضيناك، فدفعهم ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما، ~~وقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا، الناس بك ارضى، فترددوا اليه وهو ~~يأبى ويقول: اختاروا غيري فيقال انهم اختلفوا اليه بعد مضي عثمان ثمانية ~~ايام، ومنهم من يقول [] يوما وهو يقول: اختاروا غيري ابايعه وتبايعونه. # هذا، وقد مات ابو بكر وعمر وعثمان وما هناك سلطان ولا خليفة، فأين ما ~~ادعيتموه؟ ثم انه لما اتوا وألحوا عليه فقال بعد الحمد والثناء والصلاة: # ايها الناس، ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل ~~بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب ~~استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله. PageV01P281 # فانظر الى هذا البيان والكشف، وان الامامة بالاختيار، وانها الى ~~المهاجرين والانصار، فقالوا نبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم ~~تف فلا بيعة لك، قال: نعم. # ثم خطبهم فقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقدار نعم الله على الخلائق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ان ~~الله يعلم اني كنت كارها للولاية على امة محمد عليه السلام حتى اجتمع رأيكم ~~على ذلك لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ايما وال ولي الامر ~~بعدي اقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فان كان عادلا انجاه الله ~~بعد له، وان كان جائرا انتفض به الصراط انتفاضة حتى تتزايل ما بين مفاصله، ~~ثم تتحرق به ms200 الصراط فيكون اول ما يتقي به النار انفه وحر وجهه، ولكن لما ~~اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم. اقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم. # فانظر الى هذا ففيه اتم كفاية، وانظر الى بيانه ان الامام يجور ويخطىء ~~ويزل. # وخطبته المشهورة بالعراق التي لا يستطاع دفعها: # ايها الناس، انه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعتم ابا بكر ~~فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عمر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عثمان فبايعت ورضيت، ~~حتى إذا مضى عثمان تداككتم علي كتداك عرف الصبع، فمددتم يدي فقبضتها ~~وقلت: اختاروا لأنفسكم فأبيتم الا مبايعتي، حتى اذا كثر الجمع ووطىء ~~الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي مسجده، فبايعني كل، لا أرى منكرا، فلما قلد ~~تمونيها PageV01P282 # نكث ناكثون ممن بايعني وقسط قاسطون، فلم اجد إلا قتال من بغى ومحاكمة من ~~اعتدى الى كتاب الله؛ وليس يجب انكار امامة من عقدت له الامامة إلا أن يجور ~~في حكم، او يعطل حدا، او يضعف عن القيام بها؛ فو الله ما عطلت لكم حدا، ولا ~~جرت عليكم في حكم، ولا ضعفت عن القيام بالامامة، فأوجبوا لي على انفسكم مثل ~~ما اوجبتموه لمن تقدمني من ابي بكر وعمر وعثمان يرحمهم الله. # فانظر كيف يذكرهم ببيعة الخلفاء قبله ورضاه بهم، ويجعلهم إجماعا وحجة على ~~الأمة، ويذكر انه صار إماما ببيعتهم له، وأنهم هم قلدوه إياها، وأنه لا يحل ~~انكار امامة الامام الا ان يجور في حكم او يعطل حدا او يضعف عن القيام بها، ~~وأن هذا جائز على كل امام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رضي الله ~~عنه اعلم بنفسه وبدينه وأفقه في دين الله، فينبغي الرجوع الى قوله لا الى ~~قول هؤلاء. وقد قال في خطبة له بالمدينة وهو يأمر الناس بتفقد افعاله ~~وأحكامه: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فرده، وكان عونا ~~بالحق على من خالفه. # وقد قال الحسن ابنه رضي ms201 الله عنهما لأهل الكوفة حين استنفرهم الى ابيه: ~~يا ايها الناس، إن امير المؤمنين يقول اني خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، ~~وإني اذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ~~ظالما اخذ مني. # ومن مقاماته بالبصرة يوم الجمل بعد انقضاء الحرب فقال: اين مثوى القوم؟ ~~قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء: # توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من PageV01P283 # تلقاء انفسنا، فان يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان. # استخلف ابو بكر ويرحم الله ابا بكر فاستقام وأقام، ثم استخلف عمر ويرحم ~~الله عمر فاستقام وأقام، ثم ضرب الدين بحرانه، يرحم الله من يشاء ويعذب من ~~يشاء. # ثم القول الذي كان يقوله ويعيده ويبديه ويذكر ايام الإلفة والاستقامة وما ~~حدث بعد ذلك من الخلاف في آخر ايام عثمان: سبق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وصلى ابو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة فما شاء الله - قوله ما ~~شاء الله على طريق الاستغاثة بالله لأن الله يشاء نصرة الحق ولا يشاء الله ~~الباطل- أي اللهم افعل ما تشاء، قد قال الحسن البصري فيما حكاه الله عن احد ~~الرجلين: «ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله» اي ما شاء الله من شكره ~~وحمده والرجوع اليه. # ولما فرغ امير المؤمنين من امر البصرة وبلغه خلاف معاوية وندب الناس الى ~~حربه، دخل عليه ابن الكواء وقيس بن عباد اليشكري وهناك اصحابه فقالا له: ~~أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، تضرب الناس بعضهم ببعض ليتبين الناس أمورهم ~~فتستولي بها عليهم، أمن رأي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة أنك احق ~~الناس بهذا الامر، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهده ~~اليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت الموثوق به والمصدق المأمون على ~~رسول الله فيما حدثت عنه. PageV01P284 # قالوا: فتشهد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا والله اول من صدقه ms202 فلا ~~اكون اول من كذب عليه، اما ان يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا والله، ولو كان عهد من رسول الله ما تركت أخا تيم ابن مرة ولا ~~ابن الخطاب على منبره ولو لم آحذ الا بيدي هذه، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم ~~يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مرض ليالي وأياما، يأتيه بلال يؤذن بالصلاة فيقول ~~له: ائت ابا بكر- وهو يرى مكاني- فلما قبض الله نبيه عليه السلام نظرنا في ~~امرنا، فإن الصلاة أعظم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لديننا، فولينا ابا بكر امورنا، فأقام بين أظهرنا: # الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف علينه منا اثنان، ولا يشهد أحد منا ~~الى صاحبه بالشرك ولا يقطع منه البراءة، فكنت والله آخذ اذا اعطاني، وأغزو ~~اذا أغزاني، واضرب بيدي هذه الحدود بين يديه. # فلما قبض ابو بكر ظن ان عمر اقوانا عليها وأحمل لها منا فولاها عمر، ~~فأقام عمر بين اظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف عليه منا اثنان ~~ولا يشهد احد منا على صاحبه بالشرك، فكنت والله آخذ اذا اعطاني وأغزو اذا ~~أغزاني، واضرب هذه الحدود بين يديه. # فلما حضرت عمر الوفاة ظن انه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطئه ~~إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده واهل بيته وجعلها في ستة رهط من ~~قريش، وكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها ~~على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، ~~واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا، PageV01P285 # فضرب بيده على يد عثمان، فنظرت في امري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، واذا ~~ميثاقي لغيري في عنقي، فأديت الى عثمان حقه، وكنت اضرب بين يديه الحدود. # فلما قتل عثمان رحمه الله، نظرت فاذا الخليفتان اللذان اخذاها من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعهد في الصلاة قد هلكا ولا عهد لهما واذا ~~الخليفة الذي ms203 اخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي وقتل ولا ~~عهد له. # فلما قتل، بايعني اهل هذين الحرمين: مكة والمدينة، واهل هذين المصرين ~~البصرة والكوفة؛ فجاء معاوية يقاتلني مع اهل الشام وكنت احق بالامر منه: # كنت مهاجرا وكان اعرابيا، وكنت سابقا وكان طليقا، وكان لي الصحبة؛ قالوا: ~~صدقت، انت احق من معاوية. # فتأمل هذا الشرح والكشف وحصل ما فيه، فلو لم يكن معك غيره لكان فيه اتم ~~كفاية؛ وإنما سألوه هل معه في ذلك عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألقاه اليه وحده كما سأل عمران بن حصين وأبو الأسود الدؤلي عائشة وطلحة ~~والزبير كل واحد منهم على انفراده، هل معه العهد من رسول الله في مسيره ~~فكلهم قال: لا. # فإن قيل: قد علمنا انه كان يأخذ اذا اعطوه، ويقيم الحدود بين ايديهم، ~~ويعينهم، فمن اين لنا انهم غزوه؟ قلنا: لو لم يكن معنا خبر بأنهم قد غزوه ~~إلا هذا لكفى وأغنى. # وكان رضي الله عنه قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار ~~عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة، PageV01P286 # فأقر ابن عامر ومعاوية وغيرهما فانهم يبايعون لك الناس، ويهدئون ~~البلاد ويسكنونهم. فقال له: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ~~ولا وليت هؤلاء ولا مثلهم يولى، والله لا اداهن في ديني ولا اعطي الدني في ~~امري. # وكان المغيرة هو الذي اشار عليه بهذا، فلما قدم ابن عباس من مكة استشاره ~~امير المؤمنين فقال: ما ترى فقد اشار المغيرة بإقرار معاوية، فقال: # قد نصح لك يا امير المؤمنين فافعل واقبل، فقال: والله ما اشك ان ذلك خير ~~في عاجل الدنيا لأصحابها، وما الذي يلزمني من الحق والمعرفة ألا اولي منهم ~~احدا، فإن قبلوا ذلك فخير لهم، وإن ادبروا بذلت لهم السيف، وما علي إلا ~~الاجتهاد. فقال له ابن عباس: خلنى اوله ثم انزعه من غير نقصان ولا إثم، ~~فقال: لا افعل، ما كنت متخذ المضلين عضدا، اخاف ان ms204 يظلم مسلما او معاهدا ~~فأجده في صحيفتي، لا اوليه ساعة واحدة. # فراجعه ابن عباس فقال: لا يظلم، فقال: لا أشرك في امانتي الا من ارضاه. # فانظر الى هذه المكاشفة بالحق في جميع اموره لتعلم فرية من نسبه الى ~~الخوف من المخلوقين وقولهم انه كان يقي نفسه بدينه. وكان رضي الله عنه اذا ~~سئل المداراة وخوف من الخلاف يقول: ابا الموت تخوفونني، فو الله ما أبالي ~~سقطت على الموت ام سقط الموت علي، وكان يقول: علي آنس بالموت من الطفل بثدي ~~امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا PageV01P287 # سمعه إلا رده وأنكره، ولا رأى معروفا إلا شيده وقواه ونصره. وكان ظاهره ~~كباطنه، وسره كعلانيته. وكان لا يخاف الجبابرة الطغاة الذين يخافهم البشر ~~فكيف [يخاف] ابا بكر وعمر وعثمان، ولا يخاف سلطانهم محق ولو انه عبد او ~~امرأة او ذمي كما تقدم شرح ذلك؟ لتعلم ان معونته لهم ونصرته لسلطانهم ~~وطاعته لهم في حياتهم وتنفيذه وصاياهم بعد موتهم لأنهم أئمة هدى. # وقد كتب رضي الله عنه الى معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد ~~الله علي امير المؤمنين الى معاوية بن ابي سفيان. اما بعد، فان بيعتي ~~بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر ~~وعثمان رضي الله عنهم على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا ~~للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل ~~فسموه إماما كان ذلك رضى لله، فان خرج من امرهم ردوه الى ما خرج منه، فان ~~ابى قاتلوه على ابتغائه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم ~~وساءت مصيرا. # فما دخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون، فان احب الامر الي فيك العافية ~~الا ان تتعرض للبلاء، فان تعرضت قاتلتك واستعنت بالله عليك، فقد اكثرت في ~~قتلة عثمان يرحمه الله. فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الي احملك ~~وإياهم على الحق وعلى كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن ms205 ~~اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان رضي ~~الله عنه. واعلم يا معاوية انك من الطلقاء PageV01P288 # الذين لا يحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى، وقد اتاك ومن قبلك جرير ~~بن عبد الله ، وهو من اهل الايمان والهجرة فبايع، ولا قوة إلا بالله. # فانظر هل يحتج الا بالاختيار وبالشورى وبالاجماع وبسنة الخلفاء قبله، فهم ~~عنده حجة وقدوة، وكم يقول ويبين ان الامامة الى المهاجرين والانصار فمن ~~بايعون وعقدوا له كان اماما؛ فهو يحتج بأن طاعته طاعة الخلفاء قبله، وعند ~~الامامية ان التدين بالاختيار وبالشورى والاقتداء بأبي بكر وعثمان شرك ~~وكفر، وهم مع هذا يدعون انهم شيعة لأمير المؤمنين، فهل سمعت بأعجب من هذا. # وانظر مكاشفته بالحق لمعاوية، وقوله في كل انسان ما فيه، وقوله له انك ~~اظهرت الطلب بدم عثمان وما ذاك قصدك ونيتك، وانما نيتك وقصدك وضميرك الملك ~~والدنيا، ولم يكن لك سابقة في الدين تحل لك بها الخلافة، فما تأخذه رضى ~~الله عنه لومة لائم ولا يتقي احدا من المخلوقين. وكان يقول: # ايها الناس، انما اهلك من كان قبلكم خبث اعمالهم حين لم ينههم الربانيون ~~والأحبار فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فان ذلك لن يقدم من أجل ولن ~~يؤخر رزقا. وكان يقول: لا خير في قوم لا يرون الامر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فرضا، ولا خير في قوم يأمن بينهم اهل المعاصي ويعملون بينهم ~~بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرب الشهداء ~~مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» ~~ . PageV01P289 # وكم له رضي الله عنه مثل هذا الكتاب الى معاوية، يمدح فيه الخلفاء قبله، ~~ويذم معاوية، وكم له من الرسل اليه في هذا المعنى، وما رضى من إنكار المنكر ~~حتى سافر الى اهله بعد المكاتبة فشافههم به. فسار الى معاوية ونزل بصفين، ~~وأقام نحو الشهرين لا يحارب ولا يقاتل، ويقيم الحجة على معاوية، ويبين ~~براءته من دم عثمان ومن خذلانه، وانه ms206 قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان ~~وكره القتال، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال، وانه ما ظن ولا ظن ~~عثمان انه يقتل، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا. ويستشهد على ~~ذلك المهاجرين والانصار، ثم يحلف بعد هذا ويقول: والله ما قتلت عثمان ولا ~~مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت، ويلعن قتلة عثمان ويقول: اللهم العن ~~قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما ~~تحت منكبيه. # وقد فعل مثل ذلك بالبصرة، فقال معاوية نحن نصدقه، ولكن في عسكره شناة ~~عثمان وغزاته يسلمهم الينا. الى ان قال اهل الشام تخلي معاوية على الولاية ~~وهو يسمع لك ويطيع، فقال: لا افعل، وسألوه في ذلك فما أجاب. فأتاه وفد اهل ~~الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة، فقام فقال: ألا ترى ~~يا علي ان الله قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر، إن لك قدما في الاسلام ~~وسابقة وقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهرا وتجربة وسنا، فإن ~~تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخل ~~بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك. # فقال له رضى الله عنه: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان PageV01P290 # ذلك يسعني في ديني أجبتك ولكان اهون علي من المؤونة، ولكن الله لم يرض ~~لأهل القرآن ان يعمل بمعاصي الله في اكناف الارض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ~~ولا ينهون عن منكر، واعلم يا حوشب اني قد ضربت الامر ظهره وبطنه وأنفه ~~وعينه، حتى لقد منعني من نوم الليل، فما وجدته يسعني إلا قتالهم او الكفر ~~بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فكان معالجة القتال اهون من معالجة ~~الاغلال، وكانت مؤونات الدنيا اهون علي من النار. # فتأمل ما في هذا القول من الانوار والحجج الشاهدة ببطلان دعاوي هؤلاء ~~القوم، فانهم زعموا انه مكث خمسا وعشرين سنة مع ابي بكر وعمر وعثمان وقد ~~كفروا وارتدوا لا ينكر ms207 عليهم بل كان اكبر اعوانهم، وهو يقول هذا القول. ~~وكان اصحابه يقولون لأهل الشام- مثل عمار بن ياسر، وقيس ابن سعد، وشريح بن ~~هانىء، وعدي بن حاتم، وصعصعة بن صوحان، والأشتر-: ان عليا اذا ظهر سار فيكم ~~سيرة ابي بكر وعمر، وان معاوية لا يفعل ذلك، انما يريد العاجلة ويطلب ~~الدنيا، وان صاحبنا كان يتقدم عند ابي بكر وعمر ويرجعان الى رأيه، وقولهم ~~ ان صاحبنا من البدريين والمهاجرين وليس صاحبكم كذلك. فانظر بأي شيء ~~يمدحونه وبأي شيء يحتجون له لتعرف بطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم يقولون: ~~الحجة في إمامته نص النبي عليه، وظهور المعجزات عليه بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو رضي الله عنه لا يذكرها هو ولا يحتج بها ولا يعرفها، ولا ~~احد من ولده وأهل بيته وشيعته في زمانه. PageV01P291 # ولما رفع اهل الشام المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم ما جاء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ردونا اليه فقد رضينا به، وهذا كتاب الله؛ فما قال لهم ~~هو ولا اصحابه: فرسول الله قد نص علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا ~~نص او تأويله النص او معناه النص، او آية كذا او حديث كذا، فما احتج عليهم ~~لا هو ولا شيعته الذين قتلوا بين يديه بشيء مما يذكره هؤلاء. # ولما قال له اصحابه: ضعفت وسكنت في نفسك حتى حكمت الرجال في امرك، وأي ~~حاجة كانت بك الى هذا وقد بايعك المهاجرون والانصار، وما احوجنا واياك الى ~~امام مثل عمر يسوسنا ويسوسك، وقد كفرت بما صنعت. فما احتج عليهم لا هو ولا ~~من كان يحتج عنه مثل ابن عباس وصعصعة بأني معصوم ولا اخطىء ولا اعصي، وان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد نص علي وقد رأيتم المعجزات او قد بلغتكم، وما ~~احتج عليهم الا بما قد تقدم لك في كل وقت وكل حال. # وكان يقول والله لتخضبن هذه من هذه ويشير الى لحيته وهامته، فيقول له ~~اصحابه: لو علمنا من ذلك لأبدنا وأبرنا ، فيقول: كيف تقتلونه ولم ms208 ~~يقتلني، فيقولون: يا امير المؤمنين اوص واستخلف، فيقول: ما اوصى رسول الله ~~فأوصى ولا استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخلف، فيراجعونه فيرجع ~~عليهم بمثل ذلك ثم يقول: ان ادع فقد ترك من هو خير مني، وان أستخلف فقد ~~استخلف من هو خير مني. ولما ضربه ابن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: ~~استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا ~~رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو PageV01P292 # اسرائيل عن هرون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. قال امير ~~المؤمنين فعلم [الله والله] في قلوبنا خيرا فاختار لنا ابا بكر، ثم ~~اقبل على صعصعة بن صوحان وكان في القوم فقال: ولكن يا صعصعة، إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا يخر لكم. فتركوه ثم عاودوه فما فعل، وسألوه أن يشير عليهم ~~بأحد فما فعل، فقالوا له: ان فقدناك يا امير المؤمنين فلا نفقدك ان نبايع ~~الحسن، فقال لا آمركم ولا انهاكم. فعادوا القول فقال كذلك انتم ابصر، وكان ~~آخر عهدهم به، وقبض صلوات الله عليه، فلم يقل غير هذا. # فإن قالوا: فانا لا نقبل هذه الاخبار، قلنا: لو قلتم انه ما جرى بينه ~~وبين العباس ما قلنا، ولا كان من الانصار في السقيفه ما ذكرنا، ولا كان من ~~ابي بكر والصحابة في استخلاف عمر ما قلنا، ولا دخل علي في الشورى، ولا صلى ~~خلف صهيب، ولا رجع الى عبد الرحمن، ولا سأل القوم عمر أن يستخلف عليهم ولا ~~قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني وان اترك فقد ترك من هو خير مني، ~~بل ما وضع عمر شورى اصلا، وهذا كله كذب، ما كان عندنا في ذلك الا ما عندنا ~~في انكاركم ما كان من امير المؤمنين. وكذا لو قلتم ما كاتب معاوية، ولا رفع ~~معاوية المصاحف، ولا كان من امير المؤمنين وبين اصحابه الذين صاروا خوارج ~~ما ذكرنا، ولكنكم لو سلمتم هذا لبطل مذهبكم، ms209 ولو انصفتم لتركتموه وصرتم الى ~~مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار ما ~~قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر. ~~PageV01P293 # وفي اقل قليل مما كتبت دليل على بطلان دعاويهم، وانما ذكرنا لك هذا في ~~هذا الموضع لأنك طلبته وذكرت حاجتك اليه. # وكثيرا تسأل الامامية عما كان من عثمان في تولية اقاربه وغير ذلك، وفي ~~سير طلحة والزبير وعائشة الى البصرة، وما ذاك الا لضعفهم وانقطاعهم لأن ~~عثمان لو لم يول اقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرا مشركا عندهم بادعائه ~~الامامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر امير ~~المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم امامة ابي بكر ~~وعمر وعثمان، فكلام الامامية في هذا الكلام مسلم لو كلم اليهود في وجوب ~~النية في الطهارة، او كلم النصارى في استحلالهم الخمر، وانما يكلم في هذا ~~من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما اتاه من الحمى وتولية الاقارب ولولا ذلك لكان ~~مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم الى البصرة ~~ولولا ذلك لكانوا مثل ابي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود. # فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الاصل. ~~واما طلحة والزبير وعائشة فانهم انما سلموا علينا لأنهم سلموا على امير ~~المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد ~~كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير ~~سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة ~~عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته. # وهذا كلام مع الخوارج فيقال لهم: علي بن ابي طالب إمام هدي، وانما برئتم ~~منه وادعيتم انه كفر بالتحكم وقبل ذلك كان مرضيا، وقد زكى هؤلاء قبل ~~التحكيم، وقد وجب عليكم الاقتداء به. فإن قالوا: ومتى كان PageV01P294 # هذا منه؟ قلنا: قد كان يتصفح القتلى بعد انقضاء الحرب، فمر بطلحة وهو ms210 ~~صريع فنزل اليه واخذ رأسه في حجره ومسح التراب عنه وقال: يرحمك الله يا ابا ~~محمد، يعز علي ان اراك قتيلا تحت نجوم السماء وفي اودية الارض، ثم انشد: # فتى كان يدنيه الغنى من صديقه %~% اذا ما هو استغنى ويبعده الفقر # وامر بجمع القتلى وصلى عليهم وامر بدفنهم، ودخل عليه ولد طلحة فأدناه ~~وقربه وقال له: يا ابن اخي، خذ كتابي الى قرظة بن كعب الانصاري ليرد عليكم ~~اموالكم وما اخذ منها، فما امرته بإدخال يده فيها، انما اردت قبضها لئلا ~~تمتد اليها ايدي السفهاء وليحفظها عليكم، اتبسط يا ابن اخي في الحاجة تكون ~~لكم فاني ارجو ان اكون انا وطلحة والزبير من الذين قال الله: «ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين» . # ولما قيل له رضي الله عنه: قاتل الزبير بالباب يستأذن، انزعج هو وأولاده ~~حزنا عليه وإنكارا لقتله، وصار عندهم مأتم ومصيبة عظيمة، وقال: كيف قتله ~~وليس من اقرانه؟ قالوا اعتاله ومعه سيفه، فقال: # خذوا السيف منه وبشروه بالنار، فأخذ السيف منه؛ فما زال امير المؤمنين ~~يقلب السيف ويقول كم كربة كشفها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس ~~فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير، ~~PageV01P295 # قال امير المؤمنين: بفيك الحجر، بفيك الحجر، ليلج قاتل الزبير النار، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لكل نبي حواري، وحواري الزبير. ~~وسمعته يقول: الزبير في الجنة وطلحة في الجنة، فقال ابن جرموز: انما قتلته ~~أبتغي بقتله عند علي الزلفة فبشرني بالنار، وندم على قتله، وصار ينكر ان ~~يكون قتله. # وجهز عائشة بكل ما تحتاج اليه، وشيعها هو وأولاده وقال لأخيها ومن خرج ~~معها: بلغوها، ووصى باكرامها، وكان يقول لها: يا أمه، وأم المؤمنين سائرة، ~~فمن اراد المسير معها ممن قدم بقدومها فليسر، وقال: # ايها الناس، انها امكم وزوجة نبيكم في الدنيا وزوجته في الجنة، ms211 وردها الى ~~سدانة قبر رسول الله والى بيتها، وأعطاها ما كان يعطيها من قبله من ~~الخلفاء. # ولا يحل لامرأة زعم هؤلاء انها كافرة، يردها امير المؤمنين الى قبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [وتعطى] ما يعطى امهات المؤمنين، سيما ~~والمدينة في ملكه وسلطانه، وفيها عماله، وليس به في امرها حاجة الى ~~المداراة والمداهنة بعد مقاتلتها كما كان بزعمهم يفعل مع من تقدم من ~~الخلفاء. # وكم كان يركب اليهاهو واولاده وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ويجلسون ~~اليها ويعظمونها، وقد استغفرت واستغفر لها امير المؤمنين، وقد سمع عمار ابن ~~ياسر رجلا ينال منها والحرب قائمة فقال له: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنا ~~لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ~~ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة ~~يطول. PageV01P296 # وكانت هي تلعن اصحابه الذين ارتدوا عنه ولعنوه وصاروا خوارج وتبرأ منهم، ~~وتروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصويبه وتضليلهم، وتقول: أمروا ~~بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم، وتسميهم كلاب النار، ولما بلغها موته ~~استرجعت وقالت: ذهب والله من لم يسفهه الملك ولا أطغته الدنيا، لتصنع العرب ~~ما شاءت فما بقي بعد ابن ابي طالب من يكفها ولا يردعها، ثم انشدت: # فألقت عصاها واستقر بها النوى %~% كما قر عينا بالإياب المسافر # وكم قد طعنت على معاوية وواجهته بالتخطئة لما ورد المدينة ودخل عليها، ~~حتى اخجلته وهو جبار قد غلب، وكم فعل ذلك به اخوها عبد الرحمن بما يطول ~~شرحه. ولا يرد هذه الأخبار إلا معاند أو من قال انه كان يلعنها كما يلعن ~~معاوية ولم يردها الى المدينة، ومن قال هذا فقد أتى في البهت على ما لا فيه ~~حيلة. # والإمامية تقول: قد فعل هذا ولكن على طريق حسن العشرة وعلى سبيل ~~التكرم والتفضل، قيل لهم: هو صلى الله عليه وسلم أجل قدرا وأشد ورعا من ان ~~يرد امرأة كافرة او فاسقة الى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكنها ~~منه، ms212 ويعطيها ما يعطي امهات المؤمنين ويسميها ام المؤمنين، ويشهد لها بما ~~قلنا، ويترحم على كافرين، ويرد الاموال ويشهد لهما بالجنة، هذا لا يحل في ~~دين الله ولا يفعله مثله صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه، وإنما قوله ~~بشر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية ~~له كقول PageV01P297 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقتل عمار الفئة الباغية» على طريق ~~التزكية لعمار. # فإن قالوا: لم لم يقتل قاتل الزبير؟ قلنا: لم يكن ذلك له وانما هو لولد ~~الزبير، فان شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. # ومن عجيب الامور ان عبد الله بن الزبير قام بعد معاوية ودعا الى نفسه ~~لإمرة المؤمنين، وغلب على الارض بسبع سنين إلا كورة فلسطين، وانبث عماله في ~~الامصار، وعمرو» # بن جرموز حي بالبصرة فما تعرضوا له، ولقد قرئت جريدة اهل البصرة على مصعب ~~بن الزبير بالبصرة، فقرأ الكاتب عمرو بن جرموز، فقال قائل لمصعب أصلح الله ~~الامير وعمرو بن جرموز وقد ساح في الارض وسار في البلاد فقال مصعب: او ~~ظن ابن جرموز اني أقيده بأبي عبد الله، ليظهر ابن جرموز آمنا وليأخذ عطاءنا ~~مسلما فظهر وأخذ وأمن وترفع ولد الزبير عن قتله وقد كان لهم ذلك، وهو ~~اليهم، فكيف يتعجب عاقل من عفو امير المؤمنين عنه وليس القود له. # وكان عمرو بن جرموز بعد الذي سمعه من أمير المؤمنين شديد الندم على قتله، ~~كثير الاستغفار، شديد الاشفاق، وقد بقي بعد زوال آخر آل الزبير ومصير ~~الملك الى عبد الملك، فكان الحجاج يقول له: انت قتلت الزبير؟ - لشدة عداوة ~~الحجاج وبني امية لآل الزبير- فيقول ابن جرموز: ما قتلت احدا، فيقول له ~~الحجاج: وما عليك في قتله، PageV01P298 # وقتله خير لك من جزاء وتدبير حسنات؛ يشجعه الحجاج لينصرف عن الغم والندم ~~بما قاله أمير المؤمنين له في دخول النار بقتل الزبير، لتعلم رحمك الله ~~شهرة انكار امير المؤمنين على من اعترف بقتل الزبير. # ولكن طال الأمر وقل الطالب المتأمل. # فإن قيل: فكيف سبيل ms213 تلك الدماء التي كانت بينهم يوم الجمل؟ قيل له: ان ~~امير المؤمنين رضي الله عنه اعلم بذلك وافقه في الدين وأشد في الورع، ولم ~~يكن ليقول في هؤلاء وفي غيرهم ما لا يحل ولا يجوز في الدين، فقد كفانا حكمه ~~عن البحث والطلب، وان كان العلماء قد ذكروا اتفاق رأي امير المؤمنين وطلحة ~~والزبير وعائشة على الصلح ووضع الحرب واستقبال النظر في الأمر، وان من كان ~~في العسكر من اعداء عثمان كرهوا ذلك وخافوا ان تتفرغ الجماعة لهم، وقالوا: ~~لنشغلهم عنا بنفوسهم، فدبروا في القاء الحرب بينهم ما هو مذكور فتم لهم ~~ذلك، وما بك حاجة هاهنا الى ذكره، وأفعال امير المؤمنين تغنيك، فإن اردته ~~وجدته في كتب العلماء . PageV01P299 PageV02P311 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب من ذكر اعلام النبوة ودلائل الرسالة # وهو أنه كان صلى الله عليه وسلم يتوعد قريشا وهو بمكة بنصر الله له ~~وظهوره عليهم، فيقولون: أيظن محمد أنه يغلبنا على مكه بأتباعه الفقراء ~~والعبيد ونحن الأقوياء الأغنياء والناس كلهم معنا والرغبة عندنا لا عنده ~~والبأس والنجدة لنا لا له، فتلا عليهم سورة القمر وما أنزل الله بأمة أمة ~~من الأمم التي يعرفونها إلى أن قال: «أكفار كم خير من أولئكم أم لكم براءة ~~في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون الدبر» . # فهزمت جموعهم، وكانت العقبى له كما أخبر وفصل، وقد كان في ظاهر الرأي ~~والحزم وموجب التدبير أن تكون العقبى لهم لا له، وهم الغالبون لا هو، لأنهم ~~واليهود والنصارى وتلك القبائل يد واحدة عليه وفي العداوة له، والكثرة ~~والثروة والبأس والنجدة والكراع والسلاح معهم لا معه، فلن يغلبهم إلا أن ~~يكون من قبل الله ورسولا لله كما أخبر. PageV02P313 ### | وباب آخر [ما أشار اليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا.] # وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال حين دعا إلى الله وفي حال وحدته وضعفه: # إن الله أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون ms214 سلطاني أقهر ~~من سلطان كسرى وقيصر، فأغلب الملوك، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك ~~في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى، ~~يعرفه العدو والولي فقال: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله وكفى بالله شهيدا» وقال أيضا: # «يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون» فكان كما قال وكما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى ~~جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة ~~بالعز والملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة ~~والدفع والمغالبة، وعلى وجه يجعل العدو على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك ~~ودهاة الجبابرة. فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب ~~كلها مستولية، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ~~ديانات اليهود وملوكهم، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر ~~والمغرب والجزيرة وأرمينية، إلى غير ذلك، وديانات الفرس وممالكها، وهي كانت ~~أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب ~~في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، ~~فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر PageV02P314 # والأخفاق والاقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها، ~~ومعاقل يأوى اليها، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار ~~إليهم، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين، وهي ~~اليوم في أيدي عدة ملوك، وغلب على أرمينية، وصار ملوكها يؤدون الجزية، وسار ~~الاسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصنة ممنعة بالبحار والخلجان ~~والجبال والأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس ~~مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا، وكانوا كأعراب يطلبون ~~النجعة أو كلصوص يطلبون الغرة ويطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة ~~بين المسلمين فينتهزون الفرصة، فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ~~ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم ms215 وملوك الترك ~~والهند فلا. # فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في ~~زمن الديلم، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة على بن حمدان، وهو معروف ~~الديانة والطوية للاسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية، ومما كان ~~يلجئهم بالجور الى الهرب إلى الروم، وشرح ذلك يطول. # وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا، وهو ~~ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم . # فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، ~~فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه ~~PageV02P315 # وصار من بلدان الاسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار ~~البحرية ما هو معروف، وشرحه يطول، ومن طلبه وجده. فقد اعتبر العلماء وأهل ~~التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الوحدة ~~والفقر والفاقة ومنافرة الأمم كلها ومعاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا ~~صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر ~~والغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا ~~يتم ولا يكون، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل الله ~~الذي لا يغلبه شيء. فإن أمره صلى الله عليه وسلم كان كريشة دفعت الجبال ~~فسيرتها وطيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض. فتأمل ~~هذه الآية العظيمة، وكل آياته عظام. # وما قلنا إنه نبى لأن دعوته قامت ودولته اتسعت، ولكن لما قدمنا وشرحنا من ~~وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة، ~~ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره الله عز وجل، وقد ~~علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره ~~قبل أن يكون شيء منه وأن الأمر كان كما أخبر. # ومعروف من سيرته أنه صلى الله عليه وسلم كان ms216 يعرض نفسه على القبائل وفي ~~المواسم ليتبعوه، ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك، ~~فيقال له: # إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال ~~معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أرأيتم إن منحكم الله ملكهم ~~وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، ويقول ~~PageV02P316 # بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه ~~قومه وهو يقول هذا، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا لله كما ~~قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها ~~لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها، ولهذا قال الله ~~تعالى: «وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا» . # ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه عليه السلام لما توفي ~~وارتدت العرب، جال أهل مكة جولة، وهموا بالردة، فاستخفى عتاب بن أسيد عامل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ~~ونهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم ~~سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن الله لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا في ~~بر وجارية في بحر، فأقروا أميركم، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردها ~~عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. ~~قالوا ومن أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عز، قام ~~في ظل هذا البيت فقال: اني رسول الله، وإني سأظهر، فكنا بين ضاحك وهازل ~~وراجم ومستجهل، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنا له طوعا وكرها، والله لو ~~كان من عند غير الله لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، وإن هذا، ~~وأشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على ~~قلبه حسد بني عبد المطلب. # وسهيل بن عمرو هو أحد ms217 رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي PageV02P317 # منها، وهو صاحب القضية يوم الحديبية، وله تلك الناظرة والمجادلة، وكان ~~أحد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجردين في ذلك، وكان إذا تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بمكة يقوم خطيبا وكأن كلامه يخرج من ~~صدع صخرة، فينثال الناس عليه. وهو القائل وهو على باب عمر مع وجوه قريش ~~وسادات العرب وقد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين ~~صهيب؟ # فينهض هؤلاء الموالي مكرمين ويحجب أولئك، فرآهم سهيل وقد تمعرت وجوههم ~~ فقال لهم: مالكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا، فأسرعوا ~~وأبطأنا، ولئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعد الله لهم غدا في الجنة أفضل. # ولما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة والجهاد ممن منع الزكاة. قال له ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خليفة رسول الله، من نقاتل ومن ~~ندع. لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم ~~إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو ~~بكر فقال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وخلق فسوى، وأغنى وأفنى، إن الله جل ~~ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم والاسلام غريب شريد قد رث حبله وولى ~~أهله، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا ولا يصرف عنهم سوآ حين غيروا ~~أو حرفوا، والعرب الأميون صفر من الله، أضلهم دينا وأشدهم عيشا، فجمعهم ~~الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنصرهم من أنفسهم، ووعدهم بالنصر على ~~عدوهم. فلما توفي الله محمدا صلى الله عليه وسلم، ركب الشيطان مركبه الذي ~~كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، ~~PageV02P318 # أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا، وسيجزي الله الشاكرين» وقد ارتد من حولكم ومنعوا شاتهم وبعيرهم، ~~ولم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أرغب من ~~يومكم هذا، والله ms218 لا نبرح نقاتل على أمر الله جل وعز حتى ينجز الله لنا ~~وعده ويفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي ~~منا خليفة ربه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له «وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني ~~لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون » وقال الله: ~~«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون» . والله لينجزن الله لنا ما وعدنا في كتابه، وليظهرن ديننا ~~على جميع الأديان، وليمكنن لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، وهو اليقين ~~الذي لا خلف له. # وقد كانت ردة العرب بعد وفاته عليه السلام بألوان الردة: منهم من ادعى ~~النبوة، ومنهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، ومنهم من كانت ردته بمنع ~~الزكاة على أن يقيم الصلاة ويجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا ~~مع العدو على المسلمين، وأغاروا على المدينة، وزحفوا حتى شارفوا المدينة، ~~وخافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما ~~بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ PageV02P319 # من الناس ولما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شر ~~ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى ~~إشفاقي عليه وعلى الدين قال: هون عليك أبا بكر، فإن الله قد قضى لهذا ~~الأمر بالنصر والتمام. فقبلوا منه ورجعوا الى قوله، وقاتلوا العرب كلها ~~فغلبوهم وقهروهم مع قلة المسلمين وكثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الظهور وثقتهم بذلك. # فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على فارس والروم أن الله قد وعدكم الفتح، وأن يظهر دينه على كل دين، وأن ms219 ~~يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، والله متم أمره، ومصدق ~~رسوله، ولكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف الله ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون ~~منا، فجدوا وبادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة يعني ~~خراسان، فقد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها ويخبر أنكم ~~ستفتحونها. # فذكرها وهي أقصى ممالك فارس وأوسعها بلادا وأكثرها رجالا وأشدها بأسا. ~~ولما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد ابن ~~شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه الى الاسلام وأداء الجزية أو ~~القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقل ولا أشقى منكم. # ثم ذكر من ذلة العرب وسوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، وملكها ~~أعز ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا ~~أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب PageV02P320 # جيشه، بأن يدفنكم وأميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، وكان نازلا بالعذيب ~~يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم ~~وأصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. وأخذ يتعجب من ضعف أجسامهم ورثاثة ~~سلاحهم وكسوتهم. # فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة واستطالة الملوك ~~علينا ولكن الله بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى الله، ووصفوا له الاسلام ~~وحال النبي صلى الله عليه وسلم ووحدته وفقره، وأنه وعد أن يغلبنا ويغلب ~~الأمم، فعجبنا من قوله، وتلقيناه بالجهل والرد والتكذيب، فلم تزل مواعيده ~~تصدق، فما أخلف في شيء قاله. وقد وعدنا ممالككم وأرضكم ودياركم، ولن يخلف ~~قوله. فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن ويقبح فيه القبيح، نخلف ~~فيكم كتاب الله فتجاهدون من يليكم فتفوزون، وإلا فالجزية نقبلها منكم عن يد ~~وأنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا الله عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم ~~عن يد؟ قالوا عن يد منا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه وقال: قوموا يا ~~كلاب عني، وجرى لهم معه ما يطول، وإنما أردنا ms220 ذكر ثقتهم بهذا الوعد. # ولما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص وهو في المسلمين، أرسل رستم ~~طلائعه وقال لهم: بادروا، ومن وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إلي. فجاؤا ~~برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال ~~المسلم: لنأخذ موعود الله، فقال رستم: وما هو؟ قال المسلم: أنفسكم وأموالكم ~~ودياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له ~~العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، ~~فقال له رستم: أما أنت فتقتل PageV02P321 # الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، ومن بقي من المسلمين ~~يظهر عليكم. # ولما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إلي من يبلغني عنك ~~ويبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، وأحدق به جنوده وهو ~~في عشرين ومائة ألف في خيول وفيلة وشدة وبأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما ~~جئتم تطلبون- وظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له ~~المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إلي أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه وهو رجل ~~واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام ورغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر ~~العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، ~~فسد عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، وكذا يكون أمركم معنا، وذكر من ~~كان يولونه على العرب وغلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه ~~نوقرها لكم تمرا وبرا ونكسوكم فإنكم عراة وترجعون، فهو خير لكم، فإنه لا ~~طاقة لكم بالملوك، وخاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان ابتداؤها وما وعد به، فانصرف. # ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، وكان رث ~~الهيئة واللبسة والسلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف ~~أصحابه، وقال مثل ما قالوا، فسأله ms221 رستم عن الاسلام، فوصف أصوله وحدوده- ~~والترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك والقواد والوزراء ~~والأساورة، فقال: ألا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، وإلى هؤلاء كيف لا ~~يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك بالله PageV02P322 # أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أما ترى عريهم ووسخهم ورثاثة سلاحهم ~~ولباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس والماكل والمشارب وعنوا ~~بالأحساب، انظروا إلى عقولهم وبصائرهم وصبرهم. وجرى له معهم أكثر مما جرى ~~لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول شرحه. # وهم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، ولا يختلف قولهم، وكانت الملوك تمتحنهم ~~بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، وهل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من ~~بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، ~~وهل يهو لهم ما يرون من العتاد والعدة وما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما ~~وجدوا عندهم شيئا من ذلك، وكانت قرة أعينهم بما آتاهم الله من البصيرة في ~~دينهم، كما قد قال سليمان عليه السلام: «فما آتاني الله خير مما آتاكم» ~~. # ولقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب ونزلت على الفرس، ما ~~تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس وبأسها وشدتها وعتادها ~~وعدتها، وضعف من معه وقلتهم ورثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال ~~الله: «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون» فاشكر الله ~~يا سعد أن سمعته بأذنك، ورأيته بعينك، وباشرته بيدك. # وكم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص ودمشق وأنطاكية ومصر ~~وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور ~~دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما ~~PageV02P323 # أخلفنا في شيء قط، وما جرى لهم معهم يطول شرحه، وهو مذكور في مواضعه، ~~وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحير فلم يجد متعلقا فأخذ ~~يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، وإنما ms222 يقال هذا ~~فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر ~~بما في هذا القرآن، ثم ينحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شيء منه، كيف ~~يقال فيه مثل هذا، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج ~~من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح، بل ~~مات فقيرا، ومرض وعنده سبعة دنانير، فقال: ما كان يقول محمد لربه لو لقيه ~~وهذه عنده، فقسمها وتصدق بها. # وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف، وما خلف في ~~أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين: مكة ~~والمدينة، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر، وإنما يقول ~~مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها ~~وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنها بملكها. وحال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسيرته وما خلفه، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة ~~عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم، وشرح ذلك يطول. # فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالاسلام. ولقد كانت الفرس تنفذ ~~إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير. وكذا الروم ~~فينفذ أمرهم، ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ووجه ~~باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير ~~من العرب إلا بالنفر اليسير، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السرية ~~PageV02P324 # الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» . # ثم عاد الأمر الى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى ~~بلد من بلدانهم فيأخذه مع ms223 رثاثة سلاحهم وقلة عتادهم وعدتهم، ولقد قال أبو ~~أمامة الباهلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن بني أمية وقد رأى ~~لهم رايات وتهويلات: # ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ والله لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم ~~رجال ما كان لسيوفهم قباع، والله ما كانت مجانهم الإبرادع جمالهم. # وكان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ~~ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيش واستطالة ~~الأمم عليها، ثم إلى أي شيء آل أمرها اليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت الله يقول لموسى: «وذكرهم بأيام الله» ~~ ، ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صار ~~ملكهم أعز من كل ملك في الأرض، ودينهم أظهر الأديان وأهيبها وأجلها، وأنهم ~~ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين. # وكانت ملوك الفرس والروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية ~~الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم وضعفهم وقلة آلتهم وسلاحهم، حتى ~~لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية: # أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما ~~أشخص بصره: قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له: # هو السواد، فعجب وقال: وهذا هو كله، قالوا: نعم، قال: وقد بذلنا ~~PageV02P325 # لهم الصلح فما أجابوا وهذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم وادفنوا هؤلاء الكلاب ~~أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، ~~وقدموا ابن ام مكتوم وهو أعمى ومعه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، والطمع ~~فيهم أشد، واحتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ~~ويلكم، أي ناس هؤلاء، أما يملون ما هم فيه، أما يطلبون الراحة، أما يشغلهم ~~أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدؤوا بأكلهم، قال: # وما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السواك، لأن ~~الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم فظن أن ذلك ms224 طعامهم، لأن ~~الفرس والروم لا تعرف السواك. # ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية استعظم انهزامهم، وكان ~~عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، وأنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال ~~لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرا مثلكم، ~~قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل ~~موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل انهم ~~يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر، ويتناصفون، ومن أجل أنا نزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ~~ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. قال: ~~أنت صدقتني. # وكانت نصارى العرب بين تغلب وتنوخ وبلخ وغسان وغيرها من القبائل تعين ~~الروم والفرس على المسلمين، وكانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم ~~المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، وعن ~~أمرائهم ورؤسائهم، كشر حبيل بن حسنة، ومعاذ بن PageV02P326 # جبل، وخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الأمراء، وأنهم ~~لا يبينون من جندهم بشيء، وأن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه ويخدم ~~أهل عسكره، وأن الذين في عسكرهم من بني هاشم وهم أهل بيت نبيهم ورهط أبي ~~بكر وولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشيء. وأن من سرق ~~قطعوه، ومن قتل قتلوه، ومن افترى جلدوه، ومن كذب أسقطوه وأبعدوه وإن كان ~~ابن نبيهم أو ابن أميرهم. # وأنهم في الحدود والحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. وأنهم ~~رهبان بالليل وفرسان بالنهار. ويحدثونهم بحب النصارى لهم، وتشبثهم بهم، ~~وأنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، وأن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن ~~الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص: # تبكون على هؤلاء وهم اعداؤكم في الدين، والذين يجيئونكم ملوككم وأهل ~~دينكم، فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة والوفاء وقول الحق والعمل به، وقد ~~أمناهم: - فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، وأموالنا موفورة، ~~وسبلنا آمنة، ms225 وأعراضنا مصونة، وأهل ديننا يفتضون أبكارنا، ويشربون خمورنا، ~~ويأكلون ودوابهم أقواتنا وعلف مواشينا، ويسخروننا لمعونتهم. # فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، وهكذا كانت رجال الفرس. # فإن عمر حين ملكهم أقرهم على أديانهم وأموالهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض ~~على أرضهم القفيز والدرهم ، وصدقهم في ادعائهم، واستعمل عليهم وفي ~~أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارس، وعمار PageV02P327 # بن ياسر، وعثمان بن حنيف ، وأمثالهم، ووصاهم بهم، وحرص الفرس به أن ~~يستعملهم عليهم وضمنوا التوفير، وقالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط عن ~~الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز والمهرجان والكسور والأجور وحق ~~الخزن وغير ذلك، فأيسروا وسمنوا وصاروا كشحم الكلى، فأحبوا الاسلام ~~والمسلمين فما رأوا سوآ، إلى أن كتب زاذان فروخ- رجل منهم- للحجاج فسار بهم ~~سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا وبينهم رجل ~~منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ ~~فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شيء منا. # وكانت ملوك الفرس والروم يعجبون من سلطان المسلمين وأنه يقوم بدرة ومرقعة ~~ويغلب الجبابرة وأهل الملك القديم، وأصحاب التدبير والسياسة والترتيب، ~~وأصحاب الكنوز، وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها ولا يخزنها. وأن ~~قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادخرت من هذا PageV02P328 # المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما ~~إنها لن تضرني ولكنها فتنة لمن بعدي، يدخر لكون إن كان تقوى الله وطاعته ~~وطاعة رسوله، وقسم المال ولم يقبل منه. وكان يأخذ عماله بإنصاف الناس ~~ورعايتهم وخدمتهم وأن يعودوا العبيد والضعفاء إلى غير ذلك مما يطول. # ولما انكشف ملوك الروم من الشام ومصر، واحتجزوا من المسلمين بالمضايق ~~والدروب، أخذوا في مداراته ومراسلاته، وطمعوا في كفه واستعطافه بالرفق، ~~فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا ~~ولا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد ~~النخل، وربما لم يجدوه ms226 في بيته ولا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: ~~أين أمير المؤمنين؟ فيقولون: ها هنا كان آنفا وما ندري أين مضى، فيمشون مع ~~رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن ~~المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم والفرس من ممالكها، ~~لا قصر له ويمشي وحده حافيا، أما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: ~~هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم وفي ~~حكمائهم، هل رأوا وبلغهم أن سلطانا بهذه العزة والغلبة قام بدرة ~~ومرقعة، فيقولون: لا، ما سمعنا ولا ظننا ولولا أنا رأينا ما صدقنا. # وقد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه وقد سأله رستم عن ~~النعمان بن مقرن والذين كانوا معه وكيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن ~~في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة ويقين من ~~أمرهم، ولقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو PageV02P329 # يبلغوه أو يهلكوا. ولما ظفر سعد برستم، وهزم جيوش الفرس، صار إلى ~~المدائن، وهرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، ويكثر تعجبهم من ضعف ~~العرب وغلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم والتدبير السديد من الروم ~~والفرس، وشدة جرأتهم عليهم وإقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم ~~من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيرة، بل تفوقوا ~~عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير واطراح الحزم ~~خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا لله ~~كما ادعى، فلو لم يكن من آياته إلا طاعة العرب له وقد كانوا منتشرين يأكل ~~بعضهم بعضا. # وانما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير وسوء الاختيار، أنهم قصدو ~~الملوك كلهم، وأثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، وما هكذا كانت ~~تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه ويدارون غيرها، ويتقون كل جنبة ~~جنبة منه، هذا قول يزدجرد بن شهريار. # وسار يزدجرد بن شهريار من ms227 نهاوند إلى فارس، ورتب عماله وأصحابه في ~~الممالك كلها، وأنه يستثير بالفرس كلها بخراسان ويستنصر بالترك ويرجع، ~~فيخرج العرب من ممالكه، ويصير الى بلادهم فيقتل عمر ملكهم ويستأصلهم. وخرج ~~من فارس إلى سجستان، ومنها الى مرو، ومنها الى خاقان ملك الترك، واستنصره ~~وصاهره، وعيونه وجواسيسه تختلف الى العرب، ورسله إلى الملوك في ممالكه، يشد ~~منهم ويأمرهم بجهاد العرب، ويعدهم بنصرهم والرجوع إليهم، وهم يعذلون الفرس ~~والمجوس الذين ادوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين ~~احب اليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم ~~الأرباب وغيرهم PageV02P330 # العبيد، وكذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد. # ثم كانت أصول دياناتهم على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهوا ~~سف أن الله خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل ~~عليه، قال: والفكر رديء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، وما زال يخلق ~~الظلام والأجسام الشريرة كالحيات والعقارب والأمراض والأسقام فيقيم بإزاء ~~كل خلق لله خلقا لنفسه، فلما خلق الله الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى ~~غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، وقد ذكره للناس عنهم ~~وأخذوه منهم إلى قولهم: وأن الله نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس ~~بملائكته، وأن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، وأن إبليس هزمه ~~وحاصره في بعض البساتين، وأن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة ~~آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه ويترك إبليس في الأرض يصنع ~~ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، وأن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما ~~فعدلوهما. فهذا هو أصل دينهم، وفيه من السخف والجهل والحمق ما هو أكثر من ~~هذا مما هو مذكور في أماكنه. # وأما الفروع ، فتجنب الماء، والتطهير بالأبوال، وتعظيم الماء والنار ~~والأرض، وتطهير الحائض والنفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها ~~ويباركها ويباشر غسل فرجها بيده، ويرى بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو ~~معروف مذكور، وفي يده ريشة ms228 من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر ~~زعم نقيت أم لا، وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض PageV02P331 # على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى، وشرع لهم نكاح الأمهات ~~والبنات، وأوجب عليهم طاعة الملوك والانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، وأمرهم ~~بإقامة النوروز وأنه أعظم الأعياد، وزعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين ~~مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، وأن إبليس أخذ المقادير والنهايات وهو ~~الذي تسميه الفرس قيما، وزعم أن إبليس أخذ المقادير والنهايات من الناس ~~فصاروا يأكلون فلا يشبعون، ويشربون فلا يروون، ويذهبون لحوائجهم فلا ~~يهتدون، وأنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن ~~إبليس بلغها منهم يطول شرحها. وأن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس وصار في ~~عسكره، وتنصح له، وخدمه وقرب منه، وتقرب إليه بكل شيء لتخليص الناس من شره، ~~وأنه لما اختص به طلب المقادير والنهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في ~~خزائنه، وإذا ابليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك ~~جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس وهو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من ~~عسكره، فأعد خيولا، وأدخل يده في دبره وأخذ المقادير والنهايات واستوى على ~~الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا وتندت الأرض بعد اليبس ورجع إلى ~~الناس المقادير والنهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران ويصبون المياه ~~ويظهرون السرور ويتوفرون على اللذات في النواريز. وأن يد جمشاذ هذا الفارسي ~~اسودت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شيء فما ~~نقيت، فشكا الى الله ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا ~~شرع زردشت غسل الحائض والنفساء ببول البقر. وزعموا أن جمشاذ هذا كان قبل ~~زردشت، وحرم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدم PageV02P332 # وهو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك ويحتال ~~لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ~~ينقضي الدم. ولهم في فروعهم فواحش آخر، مثل: أكل الميتة، وهو ما يشدونه من ~~البقر الشد ms229 الوثيق ويأمرونها بصعود الجبل ويقولون لها: قد أمرناك وأعذرنا ~~إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، وهذا الذي يسمونه ~~يزدان كشت، تفسيره، قتيل الله، إلى غير ذلك من حمقهم. فلما جاءهم الاسلام، ~~كان حذيفة وسلمان وغيرهما من الأفراد لا شغل لهم الا قراءة القرآن ودرسه ~~وتعليمه، والظهور للناس، والمشي في الأسواق، والجلوس في الطرقات. # فكانوا يسألونهم عما يقرؤون وعما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة ولمن يفهم، ~~فيذكرونه لهم، ويرجعون الى عقولهم فيما يسمعون من جلال الله عز وجل وعظمته ~~وآياته في كل شيء في مثل قوله: «وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون» » # ، وما في قوله في سورة الروم: ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، غير مرة، ~~إلى غير ذلك. # وعلم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم، فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد ~~العقل بها، وفروع زكية تدعو الى التمسك بأصولها، ووجدوا الصحابة يعلمون بما ~~يقولون، فأسلموا، وتبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في ~~سبيل الله كما قد عرف الناس، وبقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة. # وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في ~~الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، وفروعهم في ~~PageV02P333 # النجاسة والقذارة كما قد عرفت، ورأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن ~~والمواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا وطوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في ~~سبيل الله عز وجل. # وأما خاص المجوس بجور وإصطخر ، فعندهم أن الله مات جل الله عن قولهم ~~ وأنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء وهو الخير، وأن الآخر غلب على ~~الأرض وهو الشرير. وقد كان عامل لعمر رضي الله عنه كتب اليه يعتذر من قلة ~~المال ويقول: أسلم الناس وقلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار وكتب ~~إليه: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا، وصرفه ~~ولم يستعمله لحزنه على قلة المال وحرصه على الجباية . # وكان خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لعمالهم: ارعوا الناس ~~ولا تجبوهم، فإن الله ms230 بعثنا رعاة ولم يبعثنا جباة، وإن من بعد نامن الأمراء ~~سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا أفعلوا ذلك ذهب الحياء والوفاء وقلت البركات، ~~فالزموا الاسلام. # ولما دخل عمر الشام تسامع به النصارى ومن بها من ملوك الروم ممن أقام على ~~الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم وخيولهم في زيهم ومراكبهم ~~وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ ~~فيقولون لهم: هو في الساقه. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على ~~PageV02P334 # جمله ومعه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه وأخذ ~~برأس بعيره وخاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه ~~الأرض، كأن أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين، ~~وعدوه كثير، وهم يرونه، وقد سلبهم ملكهم وعزهم، وعيونهم وجواسيسهم معه ~~يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم، وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، ~~وظنونهم سيئة، وتيقظهم دائم، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام ~~وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، وفي كل الاسلام، ومن ~~يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر. # فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، ~~كنتم أذل الأمم، فأعزكم الله بالاسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم ~~الله. # ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق، تلوح صلعته من الشمس، ليس ~~عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عمودين، ووطؤه فرو كبش نجدي، وهو وطؤه إذا ركب، ~~وفراشه إذا نزل، وحقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص ~~من كرابيس قد انخرق بعضه. ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه ~~أمير منهم فسلم عليه قال له امض، فرده، ولقيه الاسقف، فقال حين رآه ~~لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، ~~هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله. PageV02P335 # وقد كان قال لعامله على أذرعات وقد قدم عليه، وعلى عمر قميص من ~~كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله ms231 وارفعه، ففعل، وقطع عليه قميصا قبطيا ~~فأتاه به وقال: هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا ~~فقال: لا حاجة لنا به. ولما قدم دمشق وصار في يوم الجمعة نام عمر فجاء ~~عامله على دمشق فسألهم ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، وهل ~~يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله ~~وخاف أن تزدريه البطارقة وملوك الشام بعد هيبته في صدورهم وصوته فيهم، ~~فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه ~~أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] أراد أن يمضي ~~إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم في ذلك، ~~قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره ولبسه وصعد المنبر وقد كان ~~أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء وهو على المنبر، ويمد ~~كمه فلا يبلغ أصابعه، وهو قميص غليظ، وقال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا ~~غسل، فلما نظروا اليه وإلى هيبته أقبلوا يبكون وينتحبون من كل ناحية ~~ويقولون: ولا رهبانية ابن مريم، ولا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ~~ملكا في رهبانية أعجب من هذا. # وقال الروم: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، فقال عامل ~~عمر: فكان والله الذي فعل أهيب في صدورهم وأبلغ مما أردنا، وجاءت هيبة ~~الدين والتقوى. PageV02P336 # وهذه كانت سيرة خلفائه وأعوانهم كبني مقرن، وأبي عبيدة، ومعاذ ابن جبل، ~~وشرحبيل بن حسنة، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم من السابقين ~~والتابعين بإحسان، لا يحصون لكثرتهم. والذين رغبوا فيما أحله الله لهم ~~وأباحهم إياه كعبد الرحمن بن عوف وأمثاله، فقد كانوا يبذلون وينفقون في ~~سبيل الخير، ثم لا يعرفون من التواضع من عبيدهم ولا يفرق بينهم وبين ~~عبيدهم وفقرائهم، فكانوا كما قد قيل فيهم لا يحوي رجاؤك ما حوت أيمانهم، ~~ولا تسري همتك إلى حيث سرت أقدامهم، لم يزدهم الله رفعة وتشريفا ms232 إلا ~~ازدادوا هيبة وإجلالا، ولا تسليطا وتمكينا إلا ازدادوا عن الدنيا عزوفا ~~ومنها تقللا، ولا تقريبا واختصاصا إلا ازدادوا من رعيتهم قربا وبالمساكين ~~رأفة وعليهم حدبا وبهم رحمة. # ولقد قال عبد الله بن سلام وغيره لأولئك الذين شغبوا على عثمان، كحرقوص ~~بن زهير، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران : يا قوم، إن سلطانكم يقوم ~~بالدرة، وما سمعنا بسلطان يقوم بالدرة قبله، وإن قتلتموه لم يقم إلا ~~بالسيف، لا تسلوا سيف الله عليكم، فو الله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم، إن ~~مدينتكم محفوفة بملائكة الله مذحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ~~اليوم، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة. # وقد قلنا قبل هذا انما لم نجعل زهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه وأصحابه دليلا على صحة الاسلام ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~ذلك إنما يدل عليه ما قدمنا من الأدلة وأمثاله، ولكن استدللنا بزهدهم على ~~محبتهم لنبيهم، وأن ظاهرهم كباطنهم، وسريرتهم كعلانيتهم، وعلى بصيرتهم في ~~دينهم، وأنه لم يكن لنبي من الأنبياء عليهم السلام صحابة مثلهم، وأنهم خير ~~أمة أخرجت للناس. PageV02P337 # واعلم أنك لا تكاد تعدم من يطعن فيما معك من هذه الأخبار لجهله. # فإن هذه الأخبار التي معك من كلام الوليد بن المغيرة الى غير ذلك، كلها ~~قد جاءت مجيئا صحيحا كالقرآن، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ألا ترى ~~أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزوات والسرايا والبعوث أكثر من ~~خمسين ولا تعرف العامة ومن جرى مجراهم منها خمسة، وهم يعرفون أبا بكر ~~الصديق في الصحابة ولا يعرفون أبا طلحة وأبا قتادة . ويعرفوه من أزواجه ~~خديجة وعائشة ولا يعرفون سودة بنت زمعة وصفية بنت حيي وغيرهن من أزواجه ~~فإنه صلى الله عليه وسلم تزوج خمس عشرة ومات عن تسع، وكان له من خديجة أربع ~~بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، وكان له تسعة أعمام ولا يعرف ~~العامة منهم أكثر من ثلاثة، وكان له سبع عمات ولا يعرفون إلا ms233 واحدة، ومثل ~~هذا كثير. ولسنا نريد بقولنا ها هنا العامة كالملاحين والحمالين والفلاحين، ~~ولكنا نريد من لم يباشر هذه الصنعة وإن كان من الخلفاء والوزراء أو القواد ~~والكتاب وكائن من كان. # فإن قيل: فإن هذا الدين وإن ظهر على الأديان كلها وكان أقواها وأعزها فما ~~استأصلها ولا قلع أصولها، فقد بقي في يد الروم بقية من ممالكها وإن كان ~~الاسلام قد أخذ أكثرها وعامتها، وبقي في يد الهند بقية، قيل له: إنه لم يقل ~~أنه مستأصل الديانات ولا الممالك كلها حتى لا يبقى شيئا منها، بل قال: ~~PageV02P338 # ليظهره على الدين كله، وقد ظهر وغلب، فصار أعزها وأظهرها وأقواها، فقد ~~استوفى الخبر شرطه؛ ومع هذا فقد فرض الجهاد على أمته إلى يوم القيامة، فدل ~~أنه تبقى من الشرك بقية، فقد أحدق الصدق بكل ما قالوا، فما هاهنا عيب يكون ~~لطاعن. # فإن قيل: إن الروم قد ارتجعت أكثر ممالكها التي أخذها المسلمون منها، ~~حتى لو قدر ما ارتجعوه من جزائر البحر وما في البر من الثغور الشامية ~~والجزيرية وأرمينية وأذربيجان، لكان يكون في الكوفة إلى بخارى بلدان عامرة، ~~ثم من بالاحساء والمغرب وما يلي المغرب إلى أن يقارب العراق يعتقدون عداوة ~~الأنبياء كلهم ويخصون نبيكم محمدا بفضل عداوة، ويجردون في القصد إلى إماتة ~~شريعته واستئصال دعوته كما قد عرف ذلك من تصفح واعتبر، وكما لهم من الآثار ~~في قتل المسلمين والحجاج، وغزو مكة والكوفة والبصرة وباليمن وبالشرق ~~والغرب، وإن تستروا بالباطن، فكيف يكون الآن ظاهرا على الأديان كلها. # قيل له: إنه لو ارتد جميع أهل الدين حتى لا يبقى عليه أحد من الناس كلهم، ~~لما قدح ذلك في الخبر الذي خبر أنه يظهر على الأديان كلها، لأن ذلك الخبر ~~وتلك المعجزة قد صارت إلى ما قال وكما أخبر، فظهر على الأديان كلها فلما ~~استوفت شرائطها وانتهت إلى حدودها فما قصرت عن شيء قاله عليه السلام أو ~~شرطه. # ثم في غلبة الروم والقرامطة وغيرهم من أعداء الاسلام على ما غلبوا دلالة ~~أخرى على ms234 نبوته عظيمة، فإنه قد مر، أن بعد مضي أصحابه ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم، وفي آخر الزمان، ستضعف بصائر أهل ذلك الزمان، ويكرهون الموت، ~~ويشتد حبهم للدنيا وحرصهم على البقاء، فسيظهر عليهم PageV02P339 # عدوهم ويغلبهم. والأخبار في ذلك أصح وأقوى من كل قوي، وهي كثيرة، ومجيئها ~~كمجيء القرآن، حتى أنه صلى الله عليه وسلم حين وقت المواقيت، وقت ميقاتا ~~لأهل العراق والعراق إذ ذاك في أيدي الفرس، ووقت ميقاتا لأهل الشام والشام ~~إذ ذاك في يد الروم، وكذا غيرها من الأمصار، وذكر ظهور أمته عليهم ~~واستقامة الأمور لهم، ثم ذكر اضطرابها، حتى يقول: ومنعت مصر أردبها ~~ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام كذا، حتى يجيء في ~~الأثر، ليخرجنكم كما أخرجتموهم كفرا كفرا، يعني بلدا بلدا وقرية قرية، لأن ~~أهل الشام يسمون القرى الكفور، فيقولون: كفر طاب وكفر ثوبا وكفر كذا لقرى ~~كثيرة. حتى يذكر آخر الزمان، وان الأمم تتمالأ على أمته كما تتمالأ الأكلة ~~على قصعتها، فقيل يا رسول الله أمن قلة يؤتون، فقال: لا، إنهم أكثر ما ~~يكونون ولكن الوهن والفشل، فقيل: يا رسول الله ما الوهن والفشل، قال: حب ~~الدنيا وكراهة الموت . # وقد وجد أهل الاعتبار ذلك، فإن بابك الخرمي صاحب الخرمية من البذ من ~~أرمينية وأذربيجان، ابتدأ في أول أمره وتستر بأنه من المسلمين ويدعو إلى ~~الاسلام وإلى المهدي من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ~~قوى وظهر كان من أمره ما هو معروف، فكد السلطان في زمانه وأتعبه، فكان ~~المعتصم ابن الرشيد، فأرسل با بك إلى ملك الروم وهاداه ولاطفه وتقرب إليه ~~ببغص الاسلام والمسلمين، وأنه إنما تستر بالاعتزاء إلى المهدي حيلة عليهم ~~وسخرية منهم، وقال: إني قد شغلت ملك العرب عنك فما يتفرغ لغزوك فإن فرغ ~~PageV02P340 # مني تفرغ لك، فانتهز الفرصة لتنهنهه عني وأنهنهه عنك، ففعل ملك الروم ~~ذلك، وسار حتى فتح ربطره وكان له من الأثر في المسلمين ما هو معروف. # وكان له مع صاحب الزنج من الحرب مثل ذلك ms235 أيام المعتمد، فإن صاحب الزنج ~~شغل السلطان عن ملك الروم فأعانه ملك الروم، وانتهز الفرصة وسار فأخذ لؤلؤة ~~من أيدي المسلمين، وهي بلد عظيم ومصر جليل. # وكان صاحب الزنج يدعي أنه المهدي، وآثاره معروفة، وسيرته في المسلمين ~~معلومة في أن آمنهم ثم قتلهم بعد الأمان وقتل الأطفال، إلى غير ذلك. # وكان يذكر أنه علوي، ولقد أخذ أبا يعقوب الشحام فقال له : لم لا تجيء ~~أنت وأصحابك فتجاهدون معي وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولكنكم معشر ~~المعتزلة منافقون تقولون بما لا تفعلون، فقال له أبو يعقوب: # أجيب عن هذا وأنا آمن، قال: نعم، قال: أنا آمن قبل الجواب وبعد الجواب ~~على نفسي وأهلي ومالي، قال: نعم فتوثق منه ثم قال له: أخبرني أيما خير، أنت ~~أو علي بن أبي طالب، قال: بل علي، قال: فأيما شر من عاداك أو عادى علي بن ~~أبي طالب، قال بل من عادى عليا. قال: # فهل بلغك أنه آمنهم ثم قتلهم، لقد حاربوه فما قتل لهم أسيرا ولا أجهز لهم ~~على جريح ولا اتبع لهم موليا ولا سبى لهم ذرية ولا هجم لهم على منزل، ولقد ~~كانت الخوارج مقيمة معه فما بدأهم بحرب وهم يكفرونه، فقد كان ينبغي أن تسلك ~~سبيله لأنك أنت تدعي أنك من شيعته، فقال له: لولا أني قد آمنتك، ولولا ما ~~بيني وبينك لقتلتك. فقام أبو يعقوب وخرج وهرب ولم يأمنه. وقد كان صاحب ~~الزنج قبل أن يملك البصرة يغشى العلماء ويجلس إليهم PageV02P341 # ويتقرب من قلوبهم . # وهذه كانت سبيل سعيد الذي خرج بالمغرب أيام المقتدر ، فإنه لما تمكن ~~برقادة من أرض المغرب ، وصار في جيوش، راسل ملك الروم وهاداه وتودده ~~وأغراه بالمسلمين، وبشره بأنه يملك ممالكهم كلها ويستأصل ملك بني العباس، ~~وأن له إخوانا على مثل رأيه باليمن وبالبحرين وبالكوفة وفي الجبال ~~وبخراسان، وأنه قد سلطه عليهم. وكان يبشره بالمكاره التي تنزل بالمسلمين، ~~وسير جيشا له عظيما مع ابن له إلى مصر ليأخذها، وعرف الروم هذا، فسيروا ~~جيشا إلى الثغور، وكان هؤلاء ms236 ينصرون أولئك في الثغور، وشغلوا المسلمين ~~وشتتوهم. وكان هذا بعد الثلثمائة للهجرة. # وكان عندهم أن أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين يعينهم فإنه ~~كان على رأيهم ومواطئا لهم ، وكان عندهم أنه إذا انقضت سنة ثلثمائة ~~ظفروا وظهروا على الاسلام كله، وأن سعيدا الذي بالمغرب هو المهدي وهو الذي ~~يغلب ويظهر. وكانوا يكاتبون الشيعة بالعراق في كل مكان بذلك، ويقولون لهم: ~~انتظرونا وكونوا على أهبة فإنا لا نتأخر. فاتفق قتل أبي سعيد الجنابي في ~~سنة إحدى وثلثمائة، وأخلف ما ظنوه، وانهزم أولئك الذين نزلوا على مصر ~~ورجعوا إلى المغرب، ورجعت الروم بسبي عظيم من المسلمين، وكان ذلك في سنة ~~اثنين وثلثمائة. ثم عادوا إلى مصر بأعظم من تلك الجيوش PageV02P342 # في سنة سبع وثلثمائة، وعادت الروم إلى الثغور وحرقوا وسبوا، وخرب هؤلاء ~~بالاسكندرية والصعيد ونهبوا وانهزموا ورجعوا، وأخذ الروم ملطية وثغورها ~~، فهنأهم هؤلاء الذين بالمغرب بذلك، وبشروهم بما يفعله أبو طاهر بن أبي ~~سعيد الجنابي بالمسلمين وبالحجاج، وبقلع الحجر، وبسبي المسلمين، وبقتل ~~الحجاج، وبسلب الكعبة، وأنا قد شغلنا المسلمين بأنفسهم عن غزوكم؛ حتى كتب ~~ملك الروم إلى المسلمين كتابا بذلك وأظهر الشماتة بما نزل بالبصرة وبالكوفة ~~وبمكة وبغيرها من وقائع القرامطة بالمسلمين وإذلالهم الاسلام. وقد أجاب عن ~~هذا الكتاب أحمد بن يحي بن المنجم نديم السلطان، وأجاب عنه عيسى بن داود ~~ابن الجراح وزير السلطان. # وأولاد أولئك الذين كانوا بالمغرب إلى هذه الغاية مقيمون على مسالمة ~~الروم ومقاربتهم ومهادنتهم والتقرب إليهم والشغل بإفساد المسلمين والاسلام. # فإن غزا الروم أحد من المسلمين من نواحي الشام ومصر وجاؤا بسبي أو أسير ~~أخذهم هذا السلطان منهم وخلع عليهم ووصلهم وبرهم وأكرمهم وأنزلهم أجل ~~المنازل وقال لهم: من أقام منكم عندنا فله الكرامة ومن شاء فليرجع فله ~~الحباء والصيانة، ويراسلون ملك الروم بأنا ما نغزوكم ولا نتعرض لكم، وما ~~نقدر أن نكاشف في المنع من غزوكم كل المكاشفة، ولا نرد كل أحد عن ذلك، وقد ~~علمتم أن من وصل إلينا منكم رددناه مكرما إليكم، ms237 ومن آثر المقام كان في عز ~~وفي كفاية، ولنا جيوش وعساكر في البر والبحر قد جاورناكم سيما مذ صرنا ~~بنواحي الشام، ومصر، واذا قصدتم لناحية فيها PageV02P343 # عساكرنا رحلوا عنها وخلوها لكم. ولهم معهم أكثر من هذا التفصيل، وإنما ~~أردنا أن نذكر صحة قوله عليه السلام أن أمته في آخر الزمان تكون إلى حب ~~الدنيا والبقاء فيخذلون، وتجتمع عليهم الأمم، وهذا باب من معجزاته. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين» ] # وهو قوله: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين» ~~ . وكانت قريش والعرب قد تفرغوا لمكارهه وتركوا كل شغل، وأفردوا كل قوم ~~بضرب من مكروهه كما كانت تفعل اليهود ذلك به، فكانت خمسة من مشيخة قريش قد ~~تفرغوا للاستهزاء والمنع في المواسم والمحافل من أن يستمع منه أو يصغى إلى ~~القول منه، وهم : الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، ~~والأسود بن المطلب الأسدى، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والحارث بن ~~الطلاطلة ، فبلغوا منه في الاذلال، فشكاهم إلى الله عز وجل فأرسل إليه ~~جبريل عليه السلام فقال له: # إن الله تعالى قد أمرني بطاعتك فمر فيهم بما أحببت، فاستند إلى الكعبة، ~~فمر به الوليد، فأومى إلى أخمص رجله، وكان قد مر برجل من خزاعة وهو يريش ~~نبلا له، فوطىء على فصل منها، وكان من ذلك مريضا ثم اندمل، فانتقض به عند ~~ذلك ومات. # ثم مر به الأسود بن المطلب وبيد النبي عليه السلام ورقة خضراء، ~~PageV02P344 # فرمى بها في وجهه وقال: اللهم أعم بصره، وأثكله ولده، فعمي بصره وقتل ~~بنوه: زمعة، وعقيل، والحرث بن زمعة. ومر به العاص بن وائل، فأومى إلى رجله، ~~فركب حمارا يريد الطائف فطرحه الحمار فدخلت في رجله شوكة فمات. # ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأومى إلى بطنه فأكل سمكا مملوحا ونام، فلما ~~كان جوف الليل عطش، فقام إلى قربة فيها ماء، فوضع فاه على فيها فشرب، فما ~~روى حتى انشق بطنه ومات. وقد علمنا أن كان هناك من كان يستهزىء ms238 به، وأن ~~قوله عز وجل: «إنا كفيناك المستهزئين» قد كفيهم، وقد قرأ ذلك عليهم، ~~فعلمنا أن كان هناك مستهزئين وقد كفيهم. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون» ] # قوله عز وجل (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) فذكرهم بعصمة الله له منعة ~~لهم من قتله مع وحدته وكثرة أعدائه وحرصهم على قتله واستئصاله وإطفاء نوره، ~~فصرفهم الله عن ذلك، وقد راموه غير مرة وحرضوا عليه. # فانظر إلى هذا الادلال وإلى هذه الثقة بمنع الله منه، فإن هذا قول يغيظ ~~ويغضب ويحرضهم على مكروهه ويبعثهم على قتله ويزيدهم حرصا على استئصاله، ~~وهذا من الآيات العظام، وهو أعظم من صرف الله كيد فرعون عن موسى، فإن بني ~~ اسرائيل بمصر وهم ستمائة ألف على دين موسى PageV02P345 # وتصويبه سوى المشايخ والنساء والأطفال وإن كانوا مغلوبين بسلطان فرعون. # وطول مقام موسى مع فرعون بعد ادعاء النبوة سنة واحدة، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم أقام بمكة خمسة عشرة سنة، وجاءهم وحيدا منفردا بدينه، خالف الأمم ~~كلها من أهل زمانه، ولم يعتصم. بمخلوق، ولا صوب أحدا من الأمم ولا من ~~الملوك الجبابرة. # فإن قيل: أو ليس كان عمه أبو طالب يمنع منه، قيل: ليس في هذا قدح فيما ~~ذكرنا، لأنه ما قال أن أحدا لا يدفع عني ولا يسوؤه ما نزل بي، وإنما قال ~~في حال وحدته، لا أقتل ولا تقتلونني مع كيدكم لي، وإن ربي أخبرني بذلك، وهو ~~قال لي: «وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس» وهو قال لي: قل لهم: ~~«فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون» وهو قال لي: «والله يعصمك من الناس» فلو منع ~~نصفهم من قتله لما قدح ذلك في خبره، ودفع أبي طالب عنه يؤكد أمر حجته، فإنه ~~قد كان على غير دينه، وكان على دين أعدائه، ومع هذا كان يدفع عنه ويقول ~~لقريش: هو الأمين الكريم الوفي الذي عرفتموه، وتشفع إليهم في الكف عنه، وقد ~~كانوا مع هذا يضربونه حتى يغمى عليه، ويسحبونه، فيقول لبناته وهن يبكين: إن ~~أباكن ms239 لا يقتل بل يؤذى، ويقول هذا للناس كلهم ويناله عمه أبو لهب والنضر بن ~~الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من ~~قريش، مع حرص أبي طالب في الدفع عنه، فيقول صلى الله عليه وسلم: # لا تنالون مني أكثر من هذا، والعقبى تكون لي، ولن أقتل ولا أموت حتى ~~أظهر. فيزدادون غيظا عليه، ويجددون عزمهم على قتله، ويقول أبو جهل لبني ~~مخزوم: لأقتلن محمدا، فإن شئتم حينئذ فأسلموني إلى بني عبد مناف وإن ~~PageV02P346 # شئتم فدعوا. فقالوا نحن لا نسلمك لشيء أبدا. فأرصد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أن وجده ساجدا، فأخذ صخرة ومشى إليه، فلما دنا ليرضح رأسه ~~بالصخرة التزقت الصخرة بكفه وولى هاربا، فأنزل الله فيه: «أرأيت الذي ينهى ~~عبدا إذا صلى- حتى قال: - فليدع ناديه» لأنه معروف العداوة سيد مطاع. # فانظر كيف يقول له: «فليدع ناديه سندع الزبانية» ، وقد أرصدوا له للقتل ~~مرات لا يحصيها إلا الله، وكان أشد ما عليهم إذا قرأ القرآن وفيه عيبهم ~~وعيب آلهتهم، مثل قوله في سورة ص، وياسين، والفرقان، وما أشبه ذلك، فإنهم ~~كانوا يثورون له ويفورون من أجله، وكان ذلك شديدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لوحدته وضعفه، ولما يعرف من بأسهم وغلظ أكبادهم حتى يقول الله: ~~«وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا» . وإنما قال: # «جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا» لما كان يصيبهم ~~من الغضب والغيظ عند تلاوته القرآن، فأضاف ذلك إلى نفسه لهذا المعنى، لا ~~أنه جعل على قلوبهم أكنة ولا في آذانهم وقرا، وهذا كقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (شيبتني هود واخواتها) ، لما كان يلحقه عند الفكر فيما ~~يتلوه منها من خشية الله وخوف نقماته، لا أن هود وأخواتها كانت تفعل فيه ~~الشيب. ومثله قوله عليه السلام: # (حبك ms240 للشيء يعمي ويصم) لا أن الحب يفعل العمى والصمم، ولكنه ~~PageV02P347 # اذا أحب الشيء ذهب مكبا على وجهه فلم يتثبت، فتبصر عينيه ولا يصغي فيسمع ~~قول من ينصح له، وقد قال الله عز وجل «فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا» ~~» # ، والنذير لا يفعل فيهم النفور، ولكنهم لما نفروا عند إنذاره نسب نفورهم ~~إليه، وهذا من الاستعارة الحسنة، وهو معروف في اللغة. # فسلامته صلى الله عليه وسلم منهم وهذه حالهم وحاله كمن قال: الدلالة على ~~صدقي أني أخوض هذه النار العظيمة وألبث فيها وأخرج منها سليما، فهذه كانت ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمم، فإنه أقام بعد ادعاء ~~النبوة بمكة خمسة عشرة سنة بين هذه الشدائد المتوالية والأهوال المتصلة، ~~وهو يخرج إلى المواسم، ويقوم في المحافل، ويبرز إلى القبائل، ويعرض نفسه، ~~ويذكر ما يدعو إليه، وهو وحده ومعه أبو بكر الصديق أو أبو بكر وعلي بن أبي ~~طالب. # وقريش ترصده وتتبعه برجالها ودهاتها في التنفير عنه والصد عنه، فأين كان ~~أبو طالب، وكم يكون أبو طالب مع هذه القبائل والعشائر وهم يتوعدونه وهو لا ~~يلين ولا يفتر. # ولقد كان عمه أبو طالب يعزله فيما أتاه من مخالفة دين آبائه ويسأله أن ~~يكف عنهم وأن يلين لهم، ويضرع له ويطاوله ويدبره في كل جهة، ويخوفه بأسهم ~~ وسطوتهم وأنه لا يأمن قبلهم، فلا يلين، ويقول يا عم: # ما كان لي أن أراهن في أمر الله، حتى يبكي صلى الله عليه وسلم من طول ~~معاتبة عمه له ويقول: ما كنت لأفعل. فإذا قال له إني أخاف عليك منهم، إني ~~غير آمن عليك مكر قريش وإن دافعت عنك، فيقول صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد ~~ضمن لي PageV02P348 # صرفهم عني، فيقول أبو طالب: يا ابن أخي، ما اطوع ربك لك، فيقول: # له: وأنت يا عم لو أطعته أطاعك. # وقد مات أبو طالب، وأقام صلى الله عليه وسلم بعده وهو على شدته عليهم، ~~وأشد بكثير مما كان عليه في حياة أبي طالب، ms241 وغيظهم أشد. فإن القرآن كان ~~يتوالى نزوله بما يكرهون، فيجيب من يجيب منهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيتضاعف غيظهم، ويتجدد عزمهم على قتله واستئصاله، فيجدون ويشمرون ~~ويسعون ويرهجون فلا يغني عنهم كيدهم شيئا، «ومكر أولئك هو يبور» . # ولقد كانوا يمكرون به المكر العظيم، كما قال الله تعالى: «وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال» وما كان ليقول هذا عنهم والعدو والولي يسمعه إلا وهو ~~كما حكاه عنهم. # وفي هذا المعنى يقول عز وجل: «من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ» ~~ أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة ولن يفي له بما ~~يدعي محمد عليه، فليجتهد جهده، وليستفرغ وسعه في استئصال محمد وإطفاء نوره ~~وطلب كذب يكون منه، ثم لينظر هل يجد ما يشفي غيظه، فإنه لا يجد ذلك، بل ~~يجد ما يضاعف غيظه، وهذا أيضا من تلك الأبواب التي تبعث على قتله وتذكر ~~باستئصاله. # وكم كان يلقي من يجيب رسول الله من الذل والضرب والهوان والتجويع ~~PageV02P349 # والتعطيش والجفاء والسب وأصناف المكاره التي يطول شرحها، وهي مذكورة في ~~مواضعها، معروفة لا يشك أهل العلم فيها. حتى يكون مثل عثمان بن عفان مع ~~كثرة ثروته وصلته لأرحامه وشرف رهطه وحلمه وأناته لا يمكنه المقام بمكة، ~~ففر إلى أرض الحبشة ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك ~~جعفر بن أبي طالب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وأم حبيبة رملة بنت أبي ~~سفيان أم المؤمنين. وفر الزبير مع شرفه وشجاعته، ومن شئت من الوجوه ~~والأشراف فما أمكنهم المقام وهذه حالهم، فكيف بالموالي والفقراء وقريش ~~تطلبهم، وتعبر البحار في طلبهم، ويكون لهم مع النجاشي ما هو معروف. # ومن هاجر إلى المدينة اتبعوه، فإن وجدوه في الطريق ردوه قهرا، وإن وجدوه ~~في المدينة خدعوه وسألوه زيارة أهله وعطفوه على أبويه ورغبوه في صلة رحمة ~~وأمنوه على نفسه ودينه ما أقام معهم، ms242 فكم ممن أجابهم واغتر بهم لما ردوه ~~صفدوه بالحديد وعذبوه، ومن أحس منهم بولده قد أسلم قيده، كما فعل سهيل بن ~~عمرو بابنه أبي جندل بعد الهجرة، وكما صنع أبو أميمه سعيد بن العاص بابنه ~~خالد بن سعد، فإن أبا بكر الصديق لقيه وعرفه حسن الاسلام، فأجابه، فعلم ~~أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه جماعة فأخبروه أنهم لا يجدونه، فقال: الطائف، ~~فجاؤوا الطائف فلم يجدوه، فأخبروه أنه يكون بأعلى مكة في شعب أبي ذر قائما ~~يصلي، فأتوا به إلى أبيه، فأنبه وبكته وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على ~~رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه، وما جاء به من عيب ~~آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، وزعمه أن للناس بعد موتهم دارا يدخلوتها ~~فيخالدون فيها، فما أعجب هذا. وأخواته وأهله يشهدون، بل هم ردوه إلى أبيه، ~~فقال خالد قد اتبعته وصدق والله محمد. وحاجه ابنه، فغضب أبو أحيحه ونال من ~~ابنه وشتمه، وقال: اذهب PageV02P350 # يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت، قال: إن الله يرزقني ما أعيش به، ~~فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت. فخرج خالد، ~~فلقيه أبو سفيان صخر بن حرب فقال: قد فعلتها يا خالد، ما شكرت أباك، ولقد ~~هدمت شرفك الذي ينالك، فقال خالد: بل عمرت ذلك الشرف، قال أنت غلام حدث، لو ~~بسط عليك العذاب لأقصرت، # وصار خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يلزمه، وجعل من لقيه ~~من فوقه يؤنبونه، ويستقصرون فعل أبيه وتركه له، وأنه قد كان ينبغي له أن ~~يبسط عليه المكروه ويواليه عليه. فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا أحيحة، ما ~~أدري أضعفت أم ضجعت الرأي أو أدركتك المأقة ، قال: وما ذاك، قال: تركت ~~ابنك يتبع محمدا أو أنت سيد قريش وكبيرها والمطاع فيها، فيتجرأ علينا ~~شبابنا ويقولون: هذا ولد أبي أحيحه قد أسلم ولم يصنع به شيئا، فقال لا ما ~~ضعفت، إني لأقوى قريش نفسا وأكثرها عددا ومالا. وأما قولك: ms243 ضجعت الرأي، فما ~~الرأي عندك في أمره، قال حبسه والتضييق، فقال: والله ضربته حتى كسرت العصا ~~على رأسه، وحرمته القوت، فهذا أشد الأمور عليه، فلم أره حفل بواحدة منها. ~~وأما قولك: المأقه، لقد غاظني أمر محمد أنه أوسطنا نسبا، وأنه نشأ فينا ~~كأحسن ما نشأ به أحد من الشباب من حسن الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق، ~~فجاء بدين محدث، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وأذهب بهاءنا واجترأ علينا. وأخرى ~~إن صدقني ظني- وهو صادق- أنه خارج إلى قوم يقوي بهم ثم يدخل بهم عليكم. قال ~~أبو جهل: لا تقل هذا، فما الفرج لنا إلا في اخراجه وتحويله عن ديارنا، فإنه ~~إن خرج عادت إلفتنا، وعدنا لديننا PageV02P351 # القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده وهو يقول: تغير أبو أحيحة، ما ~~هو إلا الكبر، ما اجترىء عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض ~~الحبشة. # وإنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم وأولادهم ومهجهم إذا ~~اسلموا، وشدة الرؤوساء منهم على من لم يبالغ في ذلك، فأما ما صنعوا بأبي ~~بكر مع حلمه ونبله وسعة جاهه وكثرة خلانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة ~~طبقة، فأعظم من كل عظيم. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» وكيف ورثها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم] # وهو قوله عز وجل: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين، وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين» . فورثها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما قال وكما أخبر، ~~وفيه مع كونه دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما في الكتب التي ~~أنزلها الله عليهم، ان النبي الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم، ~~القائم من فاران، هو أعز وأعلى وأقهر من جميع النبوات، وأن أتباعه الصالحين ~~يرثون الأرض ويحيون الحق ويميتون الباطل ويذلون الجبابرة كما هو مذكور في ~~الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء، وقد ms244 ذكره من أسلم، مثل عبد الله بن ~~سلام ومن يليه طبقة طبقة، وللعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن ~~المنجم المعروف بالنديم، ومثل أبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي الكاتب، ~~ومثل أبي بكر الزهيري الكاتب، ومثل ابن قتيبه، وغيرهم، فإنهم ذكروا تلك ~~المواضع من تلك PageV02P352 # الكتب، وما فيها من البشارات والإشارات، فإن أردتها وجدتها، وإن كان فمعك ~~ما يغنيك عنها . # وفي هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأتباعهم ~~وشيعهم، فإن الله قد شهد لهم بالصلاح وهم ورثوا الأرض. فإن قيل فقد ورثها ~~بعضهم ممن ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة ~~والروم وأشباههم، ومن يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من ~~الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم ولم يؤثر في ~~هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، ولا تخرج من أيدي ~~الصالحين. # ومثله قال موسى لقومه: «استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ، ومثله قوله: «أورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمت ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا» ، وقد خرجت من أيدي بني إسرائيل ~~وملكها بخت نصر وملوك الروم وأمثالهم من الكفرة، وهذا غير مشكل. # وقوله في آخر الآية: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» يزيدك علما بأن ~~المراد، أن الوارثين للأرض هم أهل دينه والقائمون بشريعته، PageV02P353 # وهذا خبر وبشرى ووعد، وإخبار الله لا يكذب، ووعده لا خلف له. # فشهد عز وجل لمن قدمنا بالصلاح، وعند الإمامية وطبقات الرافضة أن أبا بكر ~~وعمر وعثمان والبدريين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم وأعانوهم على ~~وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم وغلبوا ملوك الفرس والروم والترك وغيرهم من ~~أمم الشرك كانوا اكفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين وأنهم غيروا القرآن، ~~وعطلوا النصوص، وبدلوا الشريعة من الطهارة والأذان والصلاة والمواقيت ~~والصوم والمواريث والنكاح والطلاق، ورفعوا ما كان ووضعوا ما ms245 لم يكن، وشهادة ~~الله لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم. # وأنت وإن كنت قد عرفك الله بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا ~~بالسمع، فقد أتاك الله به في غير موضع من القرآن ومن غير القرآن. وفي قوله ~~عز وجل: «ليظهره على الدين كله» دلالة أيضا على طهارتهم وعمق إيمانهم ~~وبراءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، وأخذوا الممالك والأمصار ممن قبلهم، ~~والذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، وبأمرهم سفكوا الدماء، وبقولهم أخذوا ~~وأعطوا، فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الدين كله، بل كان ما ذهب اليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، ودين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي ~~يقول الإمامية أنه الحجة وأن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته ~~بزعمهم الخوف عن النطق بالحق والدعاء إلى دين النبي، وألجأه إلى تصديق ~~الكاذبين وتكذيب الصادقين، وموالاة المشركين. والذي قرره هؤلاء الصحابة من ~~الدين والشريعة والقرآن هو الظاهر على الأديان، القائم به الحجة إلى الآن. ~~PageV02P354 # فإذا قد أخلف هذا الوعد من قوله: «ليظهره على الدين كله» ، فاعلم ذلك ~~ففيه أتم كفاية. # وهم يقولون: ما ظهر بعد، وإنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. وجواب هذا: ~~السكوت عنه والتعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة. # وقد علم المتأمل كذب من ادعى أن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ~~زمن أبي بكر وعمر وعثمان ذليلا ميتا قد أطفىء نوره وقلعت أصوله. وقد ~~علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام، وهدمت بيوت النيران وتعطل ~~النوروز والمهرجان وعيد السلامة وعيد الصليب، وتمزق التقويم وكسر ~~الاصطرلاب، ولما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقنا أن هذا هو المراد ~~من دين الإسلام وهو معنى ظهوره. # ومن عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، وهم من ~~عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والطعن عليه وإخراج الناس من دينه بكل ~~حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحل أمره وبطل ms246 دينه، وأوردوا ~~ما قد ظهر من تعطيل الحدود وأخذ المكوس وارتكاب المحرمات وترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقولون: انظروا إلى وجوه قريش واعتصامهم ~~بالتقويم والاسطرلاب، ورجوعهم إلى أرباب هذه المقالات، وتدبرهم بهم دون ~~الاستخارة بالقرآن والرجوع إلى وصايا نبيهم، وغير ذلك مما قد ارتكبه الملوك ~~والخاصة. ولو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني وذكر القرشيين الذين ~~PageV02P355 # قد سلكوا هذه السبيل والأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى وأبين، ولكنا ~~لا نقدر على ذلك من الخوف، والله المستعان. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «وأنذر عشيرتك الأقربين» ] # من آياته، لما أنزلت: «وأنذر عشيرتك الأقربين» ، فجمعهم وقام فيهم وخطبهم ~~ودعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، وذكر لهم مالهم في ذلك من نعيم الجنة إن ~~أجابوا، وما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، وأن الله يبعث عليهم جندا من ~~جنوده يجاهدونهم مع رسوله ونصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل العقاب، ~~فغضبوا ونفروا ومشوا إلى أبي طالب يشكون ويتوعدون، وأنهم أكثر جندا. وقد ~~ذكر الله ذلك في قوله حاكيا عنهم: # «أجعل الآلهة إلها واحدا» إلى قوله: «جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب» ~~، وهذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال، فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، ~~وعلى أي وجه أورده على قلوبهم وأثارهم وغاظهم وأوجعهم، فإنها حال كان فيها ~~في قبضتهم وأسيرا في أيديهم، وهم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، ولا ~~ينامون على وتر، ولا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر الله أيديهم عنه، ~~ويقيه كيدهم وشرهم، وتلك حالهم، فاحفظ هذا وأمثاله. # واعلم أن أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا وجمعوا كيدهم ~~وقرؤوا كتابه، فزعموا أنه صلى الله عليه وسلم في ابتداء أمره وهو مقيم بمكة ~~ما خالف قومه PageV02P356 # ولا أغضبهم ولا أغاظهم، بل كان مصوبا ومقاربا لهم، ألا ترون أنه قال لهم: ~~«وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» وأنه قال لهم: (لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم) . قالوا: وإنما توعد بالحرب وزال ~~عن هذا حين صار ms247 بالمدينة وفي جماعة. وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع ~~لاوى اليهودي، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبروا وكادوا ~~المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسموا الكتاب الذي ضمنوه هذا ~~وأمثاله كتاب الدامغ . # وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به، أنه صلى الله عليه ~~وسلم حين ادعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، وأكفر كل من ~~خالفه، وادعى أنه يظهر ويغلب، وأنه يصير في جماعات وعساكر، وأنه يقتل ~~أعداءه ومخالفيه ويذلهم، وأن العقبى تكون له. ثم أكد ذلك بأن جعله قرآنا ~~يتلى. # فمما نزل بمكة من ذلك، قوله: «أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر» ، وقوله: «جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب» ، وقوله: ~~«ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعا» ، PageV02P357 # أي تغلب ولا تغلب، وقوله: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم لقدير» إلى قوله: «ولله عاقبة الأمور» ، فإنهم قد كانوا بمكة ~~يقاتلون أشد القتال، وكانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون ~~ويداسون ويحبسون ويجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيما حين ~~أسلم عمر، فإنهم عزوا به ونهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. وأمثال ~~هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير. # ثم في قوله: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» إكذاب لهم وتضليل ~~لهم، وهو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له ولينظر فيما معه ~~إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل وأحدنا ضال هالك، لا يشك عاقل أن هذا تعريض ~~بخصمه. # وكذا قوله: «لا حجة بيننا وبينكم» هو في هذا القول أشد ما كان في في ~~إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله عز وجل: «فلذلك فادع واستقم كما أمرت» ~~إلى قوله: «والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد» إلى ما بعد ذلك، وإنما هو كقول الرجل ~~لخصمه إذا ظهرت حجته واتضح قوله وبان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا ~~كلام، وما ms248 بعد هذا مقال، وما بيننا حجة. وما يحتاج إلى شاهد ولا دليل. # فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا بعد ~~أن جمعوا كيدهم واستفرغوا وسعهم، ولكنهم لشدة إفلاسهم وقلة حيلتهم وخيبة ~~PageV02P358 # سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذب عليه والبهت له. # وهم الذين قالوا في قوله: «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» ، قالوا: قد ~~أظهر الشك في أمره ورجع عن قوله، وكل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله ~~وقصده أن لا حق إلا ما كان معه ومنه ومن عنده ومع أتباعه إلى يوم القيامة، ~~يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته، ولهذا نظائر مما يذكرونه، وإنما ذكرت ~~هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم وظهور فضيحتهم، وهؤلاء هم الغايات في ~~التجريد في طلب معايبه والتفرغ لذلك، يمد بعضهم بعضا ويعين بعضهم بعضا، ~~ولهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن ~~الراوندي وأمثالهم، فيزيحون عللهم، ويجمعون الكتب لهم، ويأتونهم بمن يعينهم ~~ويكتب عنهم ولهم. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق» ] # مما جاء من آياته، وما أخبر به عن سلامته وقيام حجته وظهور أمره ودينه ~~على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل وهي مكية: «وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، وقل جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا» ، فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم ~~وإذلاله وتهيجه وإغضابه وإثارته والعلو عليه، وأنه مفتضح لا حجة معه ولا ~~حراك به، وهم أشد الناس حرصا على PageV02P359 # تكذيبه وفضيحته واستئصاله وإطفاء نوره. # ومثله قوله: «قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» أي: قد أخرسهم ~~حقك وأسكتهم وأماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك، وهذا أشد على قريش والعرب ~~من ضرب السيوف ووقع السهام، وهم المعروفون بغلظ الأكباد والفرار من العار. # ومثله ms249 قوله: «إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين» ~~ وقوله: «وما أنت بمسمع من في القبور» ، فتأمل في هذا فإنه قول ~~مختصر وفيه معان عظيمة، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع الكلم ~~واختصر لي اختصارا) . # ولو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبوا عن مجدهم ~~وينضحوا عن أنفسهم، فكيف عمن هو معهم وفي قبضتهم ومنهم، وقد ادعى ما فيه كل ~~الرئاسة والسؤدد، وما ترك شيئا يغيظهم ويغضبهم ويسقط من أقدارهم وأقدار ~~آبائهم إلا وقد أتى به وارتكبه، وألجأهم إلى تكذيبه وإقامة حجة عليه، فما ~~وجدوا إلى ذلك سبيلا. # ولقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب ويستخف عقولهم، ~~فيقلقهم ذاك ويحزنهم، ويرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما ~~بلغهم عنه، ولا يصبرون وإن كانوا مقهورين مغلوبين والملوك تتحيفهم وتستركهم ~~ ، وليس أحد يبكي من الهجاء ويحزن من الضيم PageV02P360 # غير العرب وسيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا وعشرين سنة ~~بكتاب يتلو فيه ليلا ونهارا مثل قوله: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه» ،» # وقوله: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا» ومثل ~~قوله: «مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم ~~عمي فهم لا يعقلون» ، ومثل قوله: و «لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون» ، ومثل هذا ~~كثير، فتأمل تجده، وتأمل ما في هذا من الادلال بالحق والدعاء إلى البحث ~~والنظر، وعرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا فيما أتاهم به، والمبطل لا ~~يفعل هذا. # فتأمل مذاهب النصارى والمجوس فإنهم يمتنعون عن البحث والنظر والتفتيش ~~والقياس، وكذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم ms250 عن المتكلمين ويقولون: ~~هؤلاء سوفسطائية، ويقتصرون على الرضا عن أنفسهم والعجب بما معهم. # وانظر إلى هذه الطائفة: القرامطة التي قد طبقت الأرض، وفيها الملك، ~~واستهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيبهم على كتمان ما يلقونه إليه، وأن لا ~~يخرج به إلى أحد، ولا يشكو ما به إلى أحد، ولا يعرض ما معه على أحد لينظر ~~PageV02P361 # ما عنده، هذا مع الملك القاهر والتستر بالاسلام، فتأمل ما في هذا. # ولقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا، ~~ويتربصون به الموت فلا يموت، ويرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم ~~على هجرته وهجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم وكافرهم، إلا من جرد في قصده ~~مثل تجريدهم، وترك مبايعتهم ومناكحتهم، ومنعهم من ابتياع ما يؤكل ويشرب، ~~والتضييق عليهم والإساءة إليهم، وحصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا ~~محمدا أو يسلموه اليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. وتحالفوا على ذلك، وكتبوه ~~في صحيفة علقت في بيت الله الحرام بمكة. فمكث صلى الله عليه وسلم ومن معه ~~من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ~~ما يتقوتونه إلا بالحيلة والمسارقة، ولا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة ~~إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا. # وقد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، وأهله يتضرعون إليه ~~بأن يلين لقومه من قريش و، يمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، ~~ويخوفونه فلا يلين، ولا يزداد إلا شدة وصرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ~~ربي أوحى إلي أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل ~~موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة وتركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب ~~وكان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن ~~لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا ويزيد أذاهم لنا، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما قلت ms251 لك إلا حقا، فامض لشأنك. # فنزل أبو طالب وقريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا ~~أبا طالب جئت لصلاح وخير، وأن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه وما نكره من ~~أمره، قال أبو طالب: للخير والصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه PageV02P362 # قال: إن محمدا أخبرني، وو الله ما كذب قط قبل أن يقول إن ربه أرسله فكيف ~~الآن، إن ربه أوحى اليه في هذه الليلة أنه سلط الأرضة على الصحيفة التي ~~تمالأتم على كتبها علينا فأكلت منها كل موضع فيه ذكر عقوق وقطيعة ومأثم، ~~فانظروا فيما ذكر، فإن كان الأمر على ما قال فعلام تستجيزون ما أنتم عليه. # فأحضرت الصحيفة وفتحت، فوجد الأمر على ما أخبر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ربه، فخزي المشركون، وفرح المسلمون، وفرج الله عن بني هاشم، فخرجوا ~~من الحصار الذي كانوا فيه، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وكان هذا من الفتوح ~~العظيمة. # والأمر في شأن هذه الصحيفة معروف، يعرفه أهل العلم كمعرفتهم بما كتبه ~~النضر بن الحارث بن كلدة من أخبار رستم واسفنديار ، حين دخل إلى الفرس ~~يشكو إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي بما يعارض به القرآن. ~~وكالعلم بما كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس مع عبد ~~الله بن حذافة السهمي ، وبما كتبه إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي ~~ وبما كتبه إلى المقوقس ملك مصر مع حاطب بن أبي بلتعة ، وبما كتبه ~~إلى النجاشي ملك الحبشة. فأهل العلم لا يرتابون بشيء من أمر هذه الصحيفة، ~~كما لا يرتابون بما قدمنا ذكره. فاعرف PageV02P363 # هذا فإنه باب من أعلامه، ولا تظنه من أخبار الآحاد والنفر، وإنه جاء مجيء ~~ما قدمنا ذكره من تلك الأمور التي جاءت مجيء القرآن، ولها نظائر. # وإنما أردنا ذكر شدة قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~تلك السنين، فقد كانوا منهم في مثل النار المتأججة. # واستأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ms252 الهجرة والفرار لما ~~يلقون من الأذى، فأذن لهم، غير أبي بكر، فإنه احتبسه لنفسه، وقال له: أقم ~~علي، فلعل الله يأذن لي في الهجرة فتكون معي، فأقام. ومات أبو طالب، واشتدت ~~قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إلى كم نصبر على سب محمد ~~لنا ولآبائنا وآلهتنا، وإلى كم لا نناجزه، فإما حبسناه، أو أخرجناه إلى حيث ~~نرى، أو قتلناه، خذوا فيما يريحنا منه، وقدموه ولا تؤخروه. فاجتمعوا ودخلوا ~~دار الندوة، وكتموا سرهم، ولم يدخل معهم إلا من انتخبوه من ثقاتهم. فقال ~~قائلهم: انظروا في شأن هذا الرجل، فو الله ليوشكن أن يواتيكم في أمركم بمن ~~قد بايعه من أصحابه، وقد تسمعون وعيده، وأنه يملككم ويملك الأرض. فقال قائل ~~منهم: شدوه وثاقا واحبسوه، فيكون أسيرا في أيديكم إلى أن يموت، وقال بعضهم: ~~أخرجوه من بين أظهركم لتستريحوا منه؛ وقال قائل ليس هذا برأي. حتى قال أبو ~~جهل: فإني أشير برأيي: أرى أن يؤخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم يعطى كل ~~غلام منهم سيفا صارما، فيضربونه ضربة رجل واحد حتى يقتلوه، فإذا قتلوه تفرق ~~دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقومون على حرب قريش كلها، فإنهم ~~إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فوديناه لهم ، وقطعنا عنا شأفته واسترحنا ~~منه. PageV02P364 # فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ذلك، ولا ~~أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه، وأمره بالهجرة. ~~فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه ~~وهو يتلو: «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون» وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد ~~كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة ~~مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال ~~له: إن ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا. # وقد كان أبو بكر ms253 أعد راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، ~~وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم ~~يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها ~~وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، ولمن ~~أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تغش: ببردي ونم في مضجعي فإنه ~~لا بأس عليك، ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف . # وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت ~~على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب ~~آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار، ~~PageV02P365 # فقال أميه بن خلف: وما أراكم للغار، إن عليه لعنكبوتا كانت قبل ميلاد ~~محمد، فمذ ذاك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العنكبوت، وقال: إنها ~~جند من جنود الله. وتحرق أبو جهل على فوات النبي صلى الله عليه وسلم، ~~واستبد أسفه، وقال: أما والله إني لأحسبنه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد ~~أخذ على أبصارنا . # صفة حديث الغار من الجمع بين الصحيحين: # قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، ~~فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، ~~فعولنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنقض ~~لك ما حولك. فنام، وخرجت أنقض ما حوله ، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى ~~الصخرة يريد منها الذي أردناه، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام، ms254 فقال لرجل ~~من أهل المدينة، فقلت أفي غنمك لبن، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي، قال: نعم. ~~فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعب والتراب والقذى، قال: فرأيت البراء ~~يصرف بيده على الآخرى ينفض، فحلب لي في قعب معه كتبة من لبن، قال: ومعي ~~أداوة أرتوي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ ~~فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله، اشرب من هذا ~~اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن PageV02P366 # الرحيل، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس. # واتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت يا رسول الله ~~أتينا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا» فدعا عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فارتطمت إلى بطنها أذى، فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي ~~فادعوا الله لي، فالله لكما علي أن أرد عنكما الطلب. فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، ولا ~~يلقى أحدا إلا رده، ثم قال: وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي ~~وغلماني في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقد ~~منا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: أنزل على بني النجار ~~أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك. # فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الخدم والغلمان الطرق ينادون: # ايا محمد، يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله . # فهذا من آياته العظيمة الباهرة، قد نطق بذلك القرآن، فقال عز وجل: # «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين» . # ولقد يئست قريش من رسول الله، وقالوا إنه لا محالة مقتول، لما لج ~~المشركون وألحوا وقصدوا لهذا الكيد. وقد كان فيهم من يكره أذاه والعنف به ~~PageV02P367 # وإن لم يصدقه، منهم جبير بن مطعم ، فإنه كان ms255 عنده أنهم سيقتلوه، فخرج ~~حتى لحق بدير من الديارات فكان فيه حتى لا يشهد قتله. فأقام عندهم، فسألوه ~~عن خبره ولأي شيء أقام عندهم، فأخبرهم، وقص عليهم قصة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وساق دعوته. فعجبوا لذلك، وقال له رئيسهم: تعرف شبهه لو تراه ~~مصورا، فقال: نعم، إنما عهدي به قريب. فأراه صورا مغطاة، فجعل يكشف صورة ~~صورة فيقول: أتعرف، فيقول: لا، حتى كشف عن مثل صورته، فقال جبير: ما رأيت ~~شيئا أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله وحسنه وبعد ما بين منكبيه. ~~فقال له الرئيس: فتخاف أن يقتلوه، فقال: # أظنهم قد فرغوا منه، فقال له الرئيس: لا والله لا يقتلونه، وليقتلن منهم ~~من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله، ولكن قد وجب حقك علينا فامكث ما ~~بدا لك. فمكث عندهم حينا. # ثم قدم مكة، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نجا من أيديهم وهرب ~~إلى المدينة، فتعجب من قول رئيس الدير، وازداد بصيرة بشأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فقالت له قريش حين قدم مكة وقد خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونجا من كيدهم: قد تبين لنا أمرك، وعرفنا شأنك، هلم أموال الصبية ~~التي عندك التي استودعكها أبوك، قال: ما كنت لأفعل هذا حتى أموت، يعير بها ~~ولدي في أمانة، ولكن أدفعها اليهم. فقالوا: إن عليك عهدا لله وميثاقه لا ~~تأكل من طعامه، قال: # نعم. # فقدم المدينة وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فدخل عليه ~~فقال له فيما PageV02P368 # يقول: إني لأراك جائعا، هلموا طعاما، قال جبير: لا آكل حتى أخبرك، فإن ~~رأيت أن آكل أكلت. فحدثه بما أخذوا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # فأوف بعهد الله ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. وتحدث جبير بحديث ~~أهل الدير وما كان من الصورة، وأنه رأى مع صورة النبي صورة أبي بكر قد أخذ ~~بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال أهل الدير: ms256 فهل تعرف هذا الذي ~~أخذ بعقبه، قلت: نعم، قالوا: نشهد أن صاحبكم نبي وأن هذا الخليفة من بعده. # ولعظم شأن هذه الآية ما قد أعاد الله ذكرها، فقال: «يا أيها الذين آمنوا ~~ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء ~~قدير. إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم» فذكر المؤمنين بهذه الآية، وعظم هذه المعجزة، وما احتملت ~~عليه، مع نجاته منهم، وما أغشى أبصارهم حين خرج وهم ينظرونه، وسلامة علي ~~رضي الله عنه كما قال له، وما كان من نسج العنكبوت. وفي الحديث الصحيح، أن ~~أبا بكر نظر إلى أقدام المشركين فقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ~~قدمه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما. # وانظر إلى قوله عز وجل: «إلا تنصروه» ، أي: فقد عرفتم نصري له حين هاجرتم ~~وتركتموه مع صاحبه وحيدين، فأبطلت كيد المشركين مع PageV02P369 # كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم، وهو ~~معنى قوله: «وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا» فتأمل هذا ~~ففيه آيات بينات باهرات، وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ~~ألا تسمع قوله: «يا أيها الذين آمنوا» . وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: ~~«إلا تنصروه» . # ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على ~~جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا ~~لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله: # «لا تحزن» ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهرون: «لا ms257 تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى» وكقوله لأم موسى: «ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك» وقوله: «إن الله معنا، بالنصر والتأييد، كما قال: «إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون» . وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله ~~بأن بشره أنه معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: «فأنزل الله ~~سكينته عليه» ، يعني على أبي بكر، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت ~~السكينة عليه قبل ذلك. # ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنت ثاني اثنين، وصاحبه، ~~والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة. وقالوا ~~PageV02P370 # في قوله: «وأيده بجنود لم تروها» : إنه أيد أبا بكر كما يؤيد المؤمنين من ~~غير أن يروهم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فعلمه وتيقنه ~~بتعريفه إياه. وإنما ذكرنا حال أبي بكر عند ذكر الآية التي هو مذكور فيها، ~~ولأن الخصوم يسألون عن ذلك، ولحاجتك اليه، ولأن الطاعنين على أبي بكر بمثل ~~هذا هم الطاعنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمنا وبأمثاله من ~~الآيات التي يسألون عنها، وجعلوا الطعن على أبي بكر وأمثاله من المهاجرين ~~والأنصار وآكد الطرق إلى تكذيبه، والطعن عليه، والإيحاش منه، والتنفير عنه، ~~وأيسرها التشكيك في صدقه ونبوته، وهم: أبو شاكر الديصاني، وأصحابه: الحداد، ~~وأبو عيسى، وابن الراوندي، والحصري ولكلهم كتب في الطعن على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وفي نصرة الإمامية وطبقات الرافضة، ولأن الطريق في ~~العلم ببراءة أبي بكر والمهاجرين والأنصار مما رموهم به، كالطريق في العلم ~~ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رموه به. ### | وباب آخر [ما في الآية الكريمة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد» من وعد تحقق] # من آياته، قوله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي فرض ms258 عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد» ، ومعاد الرجل بلده، وسمي معادا لأنه ينصرف في ~~البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إليه، وكذلك مثاب الرجل منزله، لأنه يثوب ~~اليه . ومنه قول الله عز وجل: «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا» ~~يريد أنهم يثوبون اليه كل سنة وفي كل حين، أي يعودون للحج والعمرة. وهذه ~~PageV02P371 # الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة يريد ~~المدينة، فكان خروجه منها محزونا لمفارقة وطنه، فبشره الله بالظهور ~~والغلبة، وأعلمه أنه يعود إلى مكة، فكان كما قال وكما أخبر. # وباب آخر [ما في الآية «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن ... » من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه] # من آياته، وهو قوله عز وجل: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» ، فما أتوا ~~بمثله مع حاجتهم إليه، فانظر كيف يقطع الشهادة أنهم لا يأتون بمثله، وهذا ~~من التحدي المهيج الذي يغيظ ويغضب، وفي هذا غيوب كثيرة لا يأتي بمثلها حذاق ~~المنجمين ولا يتفق مثلها بالتبخيت ولا بالتخرص . # فإن قيل: فما تنكرون أن يكونوا قد أتوا بمثله، قيل له: لو أتوا بمثله ~~لجاء ذلك مجيء القرآن، ولكان العلم به كالعلم بالقرآن، ولجاء مجيء أمثاله ~~من الأمور التي كانت بينهم وبينه، وما قاله لهم وقالوه له. # فإن قيل: فإن الغلبة والدولة منعت من إظهار ذلك ونشره ونقله والتحدث به ~~لأنه ظهر وقهر في حياته، وقام أبو بكر بعده فقتل مسيلمة، ورد الردة، وأسر ~~طليحة، وغزا فارس والروم، وأذل أعداء محمد صلى الله عليه وسلم في كل مكان، ~~وأسكتهم وأخرصهم ، وأعز أولياءه وأهل طاعته، وكذا من أتى بعده من ~~PageV02P372 # الخلفاء والملوك، وبعد، وكيف تنقلون ذلك وتذكرونه وأنتم تكرهونه وفيه ~~بطلان قولكم ودينكم. # قيل له: إنك ما تزيدنا على الدعاوى الخالية من كل حجة، وإذا أثبتنا لك ~~بطلان دعواك الأولى انتقلت إلى دعوى أخرى. فإنك قلت في الأول: أتوا ms259 بمثله، ~~فقلنا لك: فأين هو وأين العلم به، فانتقلت فادعيت أن الغلبة والدولة منعت ~~من إظهاره ونقله، فدعواك الثانية كالأولى. # على أن دليلنا هذا قد دل على أنهم ما أتوا بمثله، ولا بما يقاربه، ولا ~~بما يدانيه، ما هناك شيء ينقل ولا يذكر ولا يكتم ولا يستر، ولا فرق بين من ~~ادعى هذا أو ادعى أن مائة ألف قد أتوا بمثله، وإنما الدولة قهرتهم ومنعتهم ~~من إظهار ما أتوا به. # على أن الدول والممالك لا تأتي ولا نغطي على الأمور التي قد كانت ووقعت، ~~ولا يطمع عاقل في كتمان ما هذا سبيله وإن ضره ظهوره، وساءه انتشاره، وأسقط ~~من قدره. ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ادعى النبوة، وأكفر ~~الأمم وفرض مجاهدتهم، وأباح دماءهم وأموالهم وحريمهم، قد ساءهم ذلك وضرهم، ~~وأسقط من أقدارهم، وذهب برئاستهم؛ وقد ودوا أن ذلك لم يكن، فما كتموه، ولا ~~طمعوا في طيه وتزميله، بل هم تحدثوا بذلك لكل أحد، ونقلوه وعرفوه، وأدوه ~~إلى من لا يسمعه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حين ادعى ذلك ودعا اليه ~~له أتباع يخالدون ذلك ويدونونه وينقلونه، وإنما كان يفعل ذلك عدوه. # وتأمل ذلك بالشعر الذي هجي به، ومن هجاه من الشعراء، وما كان له معه من ~~ضربه وسبه وأذيته، ومن قتلوا من أعمامه ومن أصحابه، ومن PageV02P373 # ادعى بعده ومعه النبوة، فإن المسلمين قد نقلوا ذلك وخلدوه ودونوه وإن ~~غمهم وساءهم. وانظر إلى الكتب التي صنفت في تكذيبه وفي الطعن عليه وعلى ~~إخوانه من الأنبياء، التي صنفت في دولة الإسلام، وأشد ما كان الإسلام شوكة ~~وغلبة، كالتي عملها الحداد والوراق وابن الراوندي والحصري والكندي والرازي ~~وأمثالهم ، وادعوا أن فيها الحجة والبرهان في إبطال الربوبية وتكذيب ~~الأنبياء. وأنت تراها مبثوثة ظاهرة. تباع في أسواق المسلمين، لا يسقط منها ~~حرف. والمسلمون كلهم قد كرهوا ذلك وغمهم، وودوا أنه لم يكن، وإنما كان ~~يضعها الواحد بعد الواحد مستخفيا خائفا لا يظهر ادعاءها، ولا يعلن وضعه ~~لها، بل ms260 يكتم اسمه ويكنى عن ذكره، وإنما يلقيه إلى الواحد بعد الواحد من ~~أمثاله، كما صنع أبو عيسى بكتبه، وترجمتها تصنيف الغريب المشرقي، وهي من ~~الظهور اليوم على ما ترى، حتى إنها لتبلغ مشارق الأرض ومغاربها. فالعدو ~~ينشرها للاحتجاج بها، والمسلمون ينشرونها لنقضها والإجابة عنها. فعلمت أن ~~الدولة والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت، وبهذا تعلم ~~أنه ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم زلة ولا هفوة ولا سقطة ولا غدرة، ~~ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أخجله خصم. يزيدك بذلك علما، أن ~~معاوية وأشباهه من بني أمية قد عادوا أمير المؤمنين وبني هاشم، وغلبوهم، ~~واستولوا على ملك الدنيا، وعظموا نفوسهم بكل ما قدروا عليه، فما أمكنهم أن ~~يجعلوا لمعاوية منزلة لم تكن له وهو سيدهم، ولا أن يجعلوه من البدريين ~~السابقين، ولا من أهل الشجرة، ولا من أهل الشورى، PageV02P374 # ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وقد ودوا أن يكون له شيء من ذلك أو من ~~هذه المنازل. ولا أمكنهم أن يخرجوه من جملة الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولا ~~أمكنهم أن يخرجوا أمير المؤمنين عن منازله: من كونه من السابقين والبدريين ~~والفقهاء والعلماء والزهاد، ومن العشرة ومن أهل الشجرة، ومن أهل الشورى، ~~وممن اختاره المهاجرون والأنصار للإمامة بعد عثمان، ولا أن يغطوا على ما ~~سنه علي وفرضه ودعا إليه، من محاربتهم ومجاهدتهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، ~~وقد ضرهم ذلك كل الضرر، فتعلم أن الدول والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور ~~التي قد كانت ووقعت. # وتأمل ما كان لمعاوية من احتيالاته في التوصل إلى الملك، في إطعام عمرو ~~ابن العاص مصر، وبادعائه زيادا، وبمن استماله ببذل الدنيا له، كذي الكلاع ~~ وخالد بن المعمر» # ، ومصقلة بن هبيرة ، وأشباه ذلك، وما كان لملك ملك مما هذه سبيله. # فانظر إلى بني العباس لما غلبوا على أعدائهم من بني أمية، ما أمكنهم أن ~~يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، ولا أمكن أعداء بني العباس أن يغطوا على ms261 ~~المحاسن التي كانت لهم، من إقامة المواسم وعمارة الثغور، وغير ذلك من ~~PageV02P375 # محاسنهم. وأنت تجد ما يكون من مساوىء الملوك، وما يكون من غدرهم وظلمهم، ~~وما يلحق كل نقص وفضيحة بهم ظاهرا في دولتهم، مع بقاء مملكتهم واتصال عزهم. ~~فتأمل ذلك شيئا فشيئا تجده ظاهرا مكشوفا، وإن كان ذلك مهيجا لهم، ومسقطا ~~لأقدارهم، وقادحا في نبلهم ورئاستهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، روي عن عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال: # إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم دون الجماعة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة ~~ . # وتأمل أحوال هؤلاء الباطنية الذين قد تستروا بالإسلام ، وبقراءة ~~القرآن، وبالصلاة والصيام والحج، وإظهار التحقق بأهل البيت، وقد أوثقوا ~~أمورهم بالكتمان وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم، وتجنبوا استدعاء ~~الأدباء والعلماء والفقهاء، وسلكوا الواسطة، وقصدوا الأطراف البعيدة التي ~~قد استولى على أهلها الغافلة والجهل والقوة، وقصدوا أهل الترفه والعجب ~~والشغل بالدنيا والملك، وتسموا بالاسم الحسن من أنهم الشيعة، وغروا ~~المسلمين، فانظر إلى فضائحهم مع هذه الأمور كلها. # فإن أبا القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار ، ~~عرف أهل عدن لاعة وجبال لاعة من أرض اليمن، وأنهم شيعة، فصار إليهم مع أبي ~~الحسين محمد بن علي بن الفضل من أهل جيشان والجند والمذيخرة من أرض اليمن ~~ . وكان هذا أحد المياسير والرؤسا من الشيعة من أهل تلك PageV02P376 # البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، ~~وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة ~~يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الافاضة، وأولاد ~~الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل ~~الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن ~~الفضل من المشاتمة، وبرىء كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه ~~بأنه إله ورب، وغزا، وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية. # وقد كان نصب هذين، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح الذي ~~زعم أنه الإمام، ms262 وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر ، وقال لهذين ~~وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا ~~الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت. # فلما تمكنوا باليمن، أخرج اليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي ~~الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه اليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع ~~إليهم وعرفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه ~~وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرفنا بهذا، فلم نسلم الملك ~~اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع PageV02P377 # والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجه به. فرجع الرسول إلى ~~الحسين بن أحمد وعرفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له، ~~وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي رضي الله عنه لجهاد ~~هم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن ~~الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم. # ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب. # ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة، ~~وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا ~~اليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، ~~وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع اليهم وأخبرهم عن المهدي: # أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهدي لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي ~~قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأصله ، وأن ~~علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم: أبو سعيد الحسين بن ~~بهرام الجنابي ، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، ~~وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا، ولا من سنة نبيه، ولا ~~شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش. # وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ~~ناحية فارس والأهواز. وكان ms263 يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي PageV02P378 # بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع ~~أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا ~~عنده فلما فرغنا، قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال ~~لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى ابن نبهان ~~بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير: علي بن مسمار فأخبره بما وقف عليه، فأرصد ~~علي بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم ~~خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم ~~يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد ابي سعيد وأصهاره في البحرين، ~~فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال. # ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه ~~الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، وهو المعروف بقرمط، واليه ينسب ~~القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى ~~الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة، وكان شريك أبي ~~سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على ~~الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو ~~مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد ~~الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في ~~سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض PageV02P379 # كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيف وثمانين ومائتين ~~للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها. ~~ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادم كان لأبي الفضل ~~العباس بن عمرو الغنوى في الحمام ، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا ~~لذلك خجلة يالها، وتحيروا. # وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح ms264 وزير المقتدر بالله كاتب أبا ~~سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهدي، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر ~~العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان ~~حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل اليهم ~~وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها ~~بذلك، وغدر بهم أقبح غدر. # فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، ~~وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل ~~الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير ~~الإسلام. # فكتب اليهم علي بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى ~~المسلمين، فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة ~~القرآن، وخجلوا من الفضيحة. PageV02P380 # ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة ~~لحقهم الخجل والفضيحة. وكان بنو بسطام، وبنو القاسم بن عبد الله، والعزاقري ~~وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله ، وكانوا يتشيعون. فراسلوا ~~أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار ~~الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، ~~والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ~~ذلك. # فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار ~~مخالفته. فلما قبض السلطان على علي بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من ~~الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح ~~غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسر بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد ولي ~~الله وحجة الله وخليفة المهدي بالبحرين، يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، ~~وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها ~~خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم ~~وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون ~~أخباره إلى أبي طاهر ms265 بن أبي سعيد. # وقد كان حصل لأبي طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة ~~بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان، وعرفوه ضعفه، وأن النجوم تدل ~~على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل ~~أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال: # أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان ~~PageV02P381 # في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه بن أبي الساج فهزمه ، ونادى ~~مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصى برصافة الكوفة ونهزمه ويستغنى ~~أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طش ~~، واستكتب علي بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. ~~وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم ~~يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ ~~يسيرة. # وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قدر راسلوا أبا طاهر ~~أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن ~~أبي الساج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من ~~طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. ~~فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر ~~الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. ~~وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل ~~بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد ~~قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله ~~بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح PageV02P382 # المؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، ~~وتنظم جانبي دجلة بالمصلين من بني هاشم، والقراء، والفقهاء، الذين يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل. # وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج ms266 أبو الغيث بن عبيدة العجلي ~~في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية ~~أصحابه ، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة ~~بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر ~~وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة ~~نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما ~~هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات. # فسار أبو إسحاق ابراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا ~~يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات ، ومنع ~~القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل ~~عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن ~~بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما ~~جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها، وكانت لهم من الفضائح ~~ما لا يكاد يحصى. # وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه ولي ~~الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ ~~PageV02P383 # خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا ~~قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي ~~منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب ~~الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل ~~والمخاريق. # ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل اليها في عشر ذى الحجة وبها الحجاج من ~~أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من ~~دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما ~~لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه ~~من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ms267 ونادوا ~~بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم بهم، هو أبو الإمام بها ~~والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد ~~قتلت المسلمين، فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من ~~الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه اليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا ~~القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا ~~يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا ~~يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب ~~السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ~~ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب ~~الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له ~~حتى دخل، ووضعوا السلاح. PageV02P384 # فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغر ما كانوا، وقال لأصحابه: # ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ~~ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، ~~وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم: # «ومن دخله كان آمنا» ، أفامنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم. # وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: هو في السماء ~~وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان ~~صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: ~~«لإيلاف قريش» حتى [وصل] إلى قوله: «وآمنهم من خوف» قال: ما آمنهم من ~~خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها. # ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطب، ~~ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل ~~مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر ~~الناس نحو عشرين ألف ms268 رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن ~~مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن، فكانوا عشرين ألف وثمان مائة. ولعلك ~~تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا ~~تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ~~ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، ~~وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان PageV02P385 # وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم ~~عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم ~~المغرب من الأندلس، والقيروان، والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها ~~بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ~~ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلى ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه. # فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي ~~ وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس إنا كنا ندخل عليكم بحسب ~~أهوائكم، مرة بمحمد، ومرة بعلي، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن ~~إسماعيل، وبالمهدي ، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ~~ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم، وربنا وربكم، يعني ذكيرة ~~الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ~~ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمين، يعني بالأجمعين قسين ~~وجنبلا ، وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، ~~وقال: # معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله ~~بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهار بخنان ~~المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء ~~إلى المهدي، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف، أظهروا تكذيب ~~PageV02P386 # الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن ~~رزام، وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء . # فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف ms269 ~~وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والانجيل وجمع هذا ~~كله، وأمر بطرحه في الحشوش، والاستنجاء به، ونادى بنكاح الأمهات، والبنات، ~~والأخوات، وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها ~~إلى أن تموت، ثم تموت، وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب ~~العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل ~~أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس ~~فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع ~~بذلك في الأسواق وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين ~~يوما سبعمائة رجل، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، ~~فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر ~~بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر ~~بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه. # ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على ~~قتل ابنك وإخوتك؛ وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم ~~له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، ~~فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم ~~الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له: PageV02P387 # ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ~~ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا ~~قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما ~~قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنا أصحاب المهدي؛ ~~والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدث أن ستكون للمؤمنين ~~زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد ~~أن دخلنا فيه. قالوا نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة ms270 ~~من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ~~ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، ~~واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق ~~المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه أبو طاهر في ~~الليل إلى الرؤساء وتلافاهم، وخضع لهم، ولم تكن عادته. # ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون ~~أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو ~~غنموه يسلموه اليه ولا يخونونه في شيء منه. لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه ~~للمهدي، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون، ويسمعون ~~القيان، ويطلبون المواخير، وإذا جاءهم العرفاء، وقالوا لهم: هاتوا ما ~~غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد ~~أمه، وفي است أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي ~~وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم ~~إلى البحرين ويسترهن PageV02P388 # عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه ~~وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام ~~بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء فأخذ المسلمين ~~الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ~~ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل اليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما ~~كانوا، فما فعلوا، ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجىء اليه من ~~المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا. # وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله، يعاتبون أبا طاهر ~~وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا ~~لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة. # ألم يفتضح المنصور بن حوشب بعدن لاعة، ألم يفتضح الولي ابن الفضل بجيشان ~~ ، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ ms271 أبو موسى هرون وهو شيخ ~~الشيعة، وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني، وتلوط، ~~وتشرب الخمر، وتكذب، وتغدر، وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت، ~~قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي ~~الداعية أني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، ~~فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة: هذا هو المهدي الذي ~~PageV02P389 # كنت أدعو اليه، فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء ~~غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى ~~إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ~~ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من ~~قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة، وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي ~~الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، ~~فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى ~~المغرب. # وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها ~~بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهدي وما هو بالمهدي، ~~ولكنه رجل سوء، كذاب، شرير، عدو الله، وعدو رسوله، وعدو أهل بيته، وعدو ~~الشيعة، وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان ~~له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا ~~عبد الله وشيخ المشائخ. # وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا أخو أبي عبد الله وكان أجل منه ~~وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض ~~المغرب إلى أن دس عليه من قتله. # وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها ~~في الشيعة، فما زال ينادي: ms272 احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه PageV02P390 # لا دين له إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ~~ذاكي وأصحابه. # أو ليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من ~~أبيه. أو ليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبي العرب وأصحابه فقالوا: العنوا ~~الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها؛ ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن ~~كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو ~~الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو ~~طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن ~~كراد وهو من الشراة وشكوا اليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: ~~هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن ~~الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ ~~اليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية ~~فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن ~~يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في ~~حصاره فرقا منه. # وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ~~ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ~~ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه. PageV02P391 # وأعان أبو الحسين بن عمار اسماعيل القائم الثالث منهم علي أبي يزيد حتى ~~ظهر عليا، فلما خرج أظهر اسماعيل الرجوع إلى الإسلام. وقتل الدعاة، ونفى ~~بعضهم إلى أرض الأندلس وغيرها. فقال للعامة: من سمعتموه يلعن الأنبياء ~~فاقتلوه وأنا من ورائكم، وأذن للفقهاء والمحدثين، وخضع للعامة، وزعم أن ~~الذي كان من الدعوة ومن الناحية والمنشدين كان بغير علم أبي ولا علم جدي، ~~وخفف الخراج، وأظهر الشغل بالفقه. # فسقطات غيرنا من أهل هذه الدعوة أكثر من سقطاتنا، أم تظنون أنا بالبحرين ~~لا نعرف أخبار اخواننا وأهل دعوتنا ms273 بالمغرب واليمن والعراق، فكانوا يحتجون ~~بمثل هذا على من عذلهم من إخوانهم في إظهار الباطن، وكان الدعاة مثل أبي ~~القاسم عيسى بن موسى، وأبي مسلم بن حماد الموصلي، وأبي بكر أخيه، وأبي حاتم ~~أحمد بن حمدان الرازي الكلابي وغيرهم يحدثون أسفا وحسرة بما أتاه أبو طاهر ~~من كشف الدعوة، حتى سقطت هيبته واستخفت العرب به بعد ذلك التعظيم، وحتى كان ~~أبو طالب بن عيسى بن موسى وأمثاله يقولون إذا ذكروا هتيكة أبي طاهر وفضيحته ~~مالك يا أبا طاهر، لعنك الله ويلك، لم سلمت الأمر إلى ذكيرة الأصبهاني. ~~ويلك، إلا مضيت على غرتك وقد ظن الناس أنك المهدي، وفيهم من ظن أنك فوق ~~المهدي، ويلك، إلى بخارى قدما ما يردك أحد. لعنك الله، وصلى الله عليك يا ~~محمد. # لا يلعنون أبا طاهر براءة منه، ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~موالاة له وتصديقا بنبوته، ولكن يذهبون إلى أنه وإن كان كذابا محتالا مثل ~~أبي طاهر والذين بالمغرب وحاشاه صلى الله عليه وسلم من قولهم فما افتضح مثل ~~فضائحهم. # ولقد رجع أبو الغيث العجلي عنهم وكان نابا من أنيابهم، ومطاعا في PageV02P392 # عشيرته. وكانوا نحو ثلاثين ألفا، وكتب في ذلك كتابا بين فيه أنه تموه ~~أمرهم عليه وظنهم شيعة وأصحاب المهدي؛ ورجع غيره من رؤسائهم ممن قد ذكره ~~ابن رزام من المراتب الخمس وفي الكتاب الكبير، وذكرهم غيره. # ولقد بلغ الأمر بأبي طاهر أنه كان بعد ذكيرة يغير على الحاج وعلى بلدان ~~المسلمين، ثم يجهد بالعرب أن يعطوه شيئا مما يأخذونه كما كانوا يفعلون من ~~قبل، ويقول هذا مال المهدي، فإن لم تعطونا كله كما كنتم فهاتوا بعضه، ~~فيقولون له: استأمنا إن أعطيناك مفاتحنا وقد عرفناك. فلما رأى استخفافهم به ~~بعد الكرامة قال: لا وجه لما أنا فيه، أقتل المسلمين وأنهبهم ويذهب هؤلاء ~~بالمال. فجاء إلى الكوفة وآمن الناس، ووجه إلى الراضي بعد المقتدر وبعد ~~القاهر، وكان هذا الراضي من الضعف وحجر بجكم والأعاجم عليه على حال ~~قبيحة ، وقد تفرقت الجنود ms274 عنه، وأخذت الأموال منه؛ فوجه اليه يطلب منه ~~مالا يعطيه ليخدمه ويبذرق الحاج ، ففعل الراضي ذلك، وأعطاه مالا ~~معلوما، وقال أبو طاهر هذا أربح لي، آخذ هذا المال وأعطي بعض أصحابي ~~وأعواني وأفوز ببعض. وكان العقلاء يعجبون ويعتبرون، ويقولون عظم أمر أبي ~~طاهر حتى ادعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبي، وادعى قوم أنه المهدى، ~~وأقل ما ادعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما ~~شك PageV02P393 # الشيعة أنه يملكها، وأظهروا الروايات له بذلك، وأنه مذكور في ~~الملاحم، وفي كتب الحدثان؛ وأنه حجة الله وصاحب حجة الله، والمهدي والمنتظر ~~الذي يملك الأرض كلها. وطمع في ذلك أشد الطمع، وكان السلطان في زمانه مقصرا ~~لا يعرف من التدبير قليلا ولا كثيرا، وقد قلد الخلافة وله اثنتا عشر سنة ~~متحليا بالنساء، كتابه وعماله وخاصته تغلب عليهم التشيع، يظنون أبا طاهر من ~~الشيعة، فكانوا أعوانه على السلطان، فخذله الله حتى صنع مع ذكيرة ما صنع ~~ففضحه الله بلسانه، ثم عاد فقتل ذكيرة ورجع عما كان عليه، ثم لم يزل خذلان ~~الله به حتى جاء إلى الراضي وتلك حاله يطلب بذرقة الحاج منه، وسأله أن ~~يستخدمه في ذلك، وضمن كل ما يجري على الحاج. وخرج إليه إلى الكوفة ابن ~~مقاتل صاحب ابن رائق ووافقه على بذرقة الحاج بعد أن وبخه على ما كان ~~منه، فأنكر أن أن يكون ما جرى باختياره، وأن البوادي كانت تقتات عليه ولا ~~تطيعه، وأن السلطان قصر في أمره وقد كان ينبغي له أن يعرف مكانه، ويعطيه ما ~~يرضي البوادي، ويستخدمه ويجعله أحد صنائعه، فقال الحجاج لا نسير معه ولا ~~نثق به ولا كرامة له، فأقام السلطان أبا علي عمر بن يحيى العلوي أميرا ~~عليهم، يسير أبو طاهر مع أصحابه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد ~~من الحاج أمر ولا نهي. وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء ~~صارت، حتى يرغب إلى الراضي- وهو أول من PageV02P394 # زالت دولة بني العباس على ms275 يده وأخذت الأموال منه، وأجرى له مقدار ~~الكفاية، وزال أمره عن تدبير الجند وعن الولايات؛ وهو أول من حجر عليه ~~منهم- في أن يستخدمه في بذرقة الحاج بشيء يعطيه، علمت أن ذلك آية من آيات ~~الله العظام، فقد كان أثخن في الإسلام، وأخرب منازل الحاج، وقد كاتب في ~~الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، ولعل قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب ~~الزنج، وكانت هيبته قد ملأت القلوب، حتى كتب ملك الروم إلى السلطان كتابا ~~يظهر له الشماتة بأن أبا طاهر القرمطي قد أبادكم وأفناكم وشغلكم عن غزونا ~~وأراحنا منكم وقصد بيت عبادتكم فقتل زواره ومن يعظمه وأنزل بدينكم كل هوان. ~~وكان العامة ومن ليس هو من الدعوة إذا سألوا أصحاب أبي طاهر عما أتاه في ~~باب ذكيرة لا يجيبون بل يقولون إنما سلم الأمر اليه ليمكر به ولينظر ما ~~عنده، وصبر عليه وعلى ما أتاه ليعرف آخر أمره، فكان لتسليمه باطن غير ما ~~ظهر للناس. # وهذا أعجب ما يكون من فضائح المبطلين وبهتهم، وهذا ما لا يعجز عن ادعائه ~~أحد، فإنهم قد افتضحوا وتقطعوا ندما، وانصرفت عنهم عقيل لهذه الفضائح ~~وهانوا على جندهم بعد الكرامة، وسقطت أقدارهم البتة، ثم يبهتون هذا البهت. # وهذا كقولهم لو قال: إن خادم العباس بن عمرو الغنوي ما وثقنا به ولا سكنا ~~اليه ولا وثق به أبو سعيد ولا ائتمنه ولا سكن اليه وإنما تركناه وقتل أبي ~~سعيد وتلك الجماعة الذين قتلهم في الحمام لننظر ما عنده وليظهر آخر أمره، ~~على علم منا بما سيأتيه ويفعله. وأن ما أتاه الأصفر من قتل رجالنا ومنعنا ~~من التصرف في البلاد والخروج لأخذ ضريبة الحاج وحصاره إيانا في الأحساء، ~~ليس عن عجز منا ولا لجهل منا بما كان منه قبل أن PageV02P395 # يكون، وإنما تركناه على علم وقدرة ليظهر كل ما عنده ولكل أمر باطن. # أو كمن قال: إن الأصفر لم يصنع بهم هذا الصنيع عداوة لهم، فكذا ما صنعه ~~ابن أبي الساج، وإنما أراد الأصفر أن يمتحنهم بذلك، ولهذا باطن وهذا ms276 خلق ~~لأهل هذه الدعوة حيث كانوا من مشرق الأرض وغربها، فإنهم متى افتضحوا ومتى ~~بان كذبهم فقالوا لهذا باطن. # فقد كان سعيد أنفذ الجيوش في سنة اثنين وثلاثمائة إلى مصر وقال: # تفتحونها وأنا في إثركم، وكانت خالية ليس فيها إلا القاسم بن الاخشيد ~~الفرغاني في سبعة آلاف، وعسكر ابن سعيد الذي ورد به إلى مصر في نحو مائتي ~~ألف، فهزمهم القاسم وردهم، فرجعوا في سنة سبع وثلاثمائة في ثلاثمائة ألف، ~~وقال: تفتحونها، فرجعوا منهزمين. وكان ابن سعيد رئيس الجند، ويوسف بن غروي ~~الكبير المدبر، وهو يعجب من رجوعهم وقد قال تفتحون. فقال لهذا القول باطن ~~فأخذ يوسف هذا وقتله» . # وقد كان الرابع منهم لما ملك مصر والشام قال: الآن أملك الدنيا كلها، ~~وكان له برذون أشهب يقال له عين الفضة، فقال: على هذا أدخل قسطنطينة، وقال: ~~أنا لا أعطي أهل الاحساء عن الحاج ضريبة كما كان كافور الخصي الأسود قبلي ~~يعطيهم، فإن خالفوني وجهت بكتامة فشدوا براذينهم على أبوابهم بالأحساء ~~وساوم صاحبه وصاحب جيشه في ثياب بياض، ثم قال: وهذه تجلب من نيسابور وإلى ~~هناك نصير فنشتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من ~~بغداد وعليها الامام المطيع لله أمير المؤمنين. وكانوا في جيش قليل، وأخذوا ~~الشام منه، وقتلوا PageV02P396 # ابن فلاح صاحبه ، وقالوا له ما تحتاج أن تنفد بكتامة إلى الأحساء ~~فقد جئناك. فراسلهم وداراهم، وقال لهم: لم رضيتم لأنفسكم أن تسيروا تحت ~~الرايات السود وتقيموا الدعوة لبني العباس، قالوا له: قد كان ينبغي ألا ~~تمخرق علينا ولا تتكلم فينا، ونحن نعرفك ونعرف أباك، فما زال يراسلهم ~~ويتضرع اليهم ويقول: الدعوة واحدة وهذا البيت وبيت أبي سواء، فساروا اليه ~~إلى مصر وضيقوا عليه، فخندق على نفسه، وبذل الأموال، وبذل المال للبوادي ~~فأخذوا سوادهم وانهزموا من باب مصر، وأسر ابن المنجا وجماعة منهم، فأكرمهم ~~وصانهم وخلع عليهم، وردهم إلى الأحساء وأعطاهم أكثر مما كان يعطيهم كافور، ~~وقتل من كان في عسكرهم من السوقة والباعة وهم ألوف كثيرة، وقال ms277 لولد أبي ~~سعيد أنا ما منعتكم وإنما منعكم هذا العبد جوهر، وتقرب اليهم، وأذكرهم أن ~~الدعوة واحدة وما ينبغي أن نختلف فيشمت بنا المسلمون، وما زال هو ومن بعده ~~يحمل اليهم المال الكثير والبر الكثير إلى أن حاصرهم الأصفر ومنعهم، ووافى ~~ملك الروم لعنه الله ونزل الشام. # واتفق موت البرذون عين الفضة، ونما الخبر إلى ابن الزيات وهو بالشام فكتب ~~اليه: قلت إنك تدخل القسطنطينة على عين الفضة وقد مات وبينك وبين ~~القسطنطينة مسيرة ستة أشهر، وملك الروم فقد نزل بالشام وبينك وبينه مسيرة ~~عشرين يوما، وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن ~~الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف ~~أعتذر اليك، وأنا من PageV02P397 # أحوج الناس اليك، وما هذا سبيله من الملاطفة. وإذا طالبت خاصته والدعاة ~~له بتلك الأقوال وبينت لهم كذبها وخلقها قالوا: تلك الأقوال لها باطن. # وعند الخامس منهم من أهل خوارزم والموليان وغيرهما زوار كثير قد جاؤا ~~بالأموال والهدايا، وهم محجور عليهم وموكل بهم ومع هذا فقد تبلغهم ما هناك ~~من الفواحش والإباحات. فربما استفهم الواحد بعد الواحد من هؤلاء الزوار ~~فيقال له: لهذا باطن، وربما قيل لبعضهم: إنما يفعل هذا مولاكم عمدا ليريكم ~~ويمتحن صبركم، فأمسكوا ولا تتكلموا، ثم لا يؤذن بالرجوع لأهل الفطنة منهم. # وقد كان سعيد وهو بالمغرب قد جعل الرصد على من يرد ويصدر بباب البلد ~~فيعرف أخبارهم، فمن كان منهم من الرسل والدعاة الذين يريدهم فلا يدخلهم إلا ~~ليلا ملثمين في هوادج، وإن كانوا جماعة، فرق بينهم، وأنزلهم ووكل بهم ~~ثقاته، وأخرجهم كذلك، لئلا يقفوا على شيء من أمره؛ ويدس اليهم من يحدثهم من ~~أخباره بما يريد، ويبرهم ويصلهم ويخلفهم ويخرجهم في الاستخفاء كما دخلوا، ~~ويردهم إلى النسفى وأبي حاتم الرازي وابن حماد. فتأمل حال هؤلاء وهم في ~~الأطراف، وقد تستروا بدين الإسلام وأقاموا المؤذنين، فكل من يستدعونه في ~~أول أمره يقولون له لسنا كالإمامية أصحاب موسى بن جعفر الذين يقولون: ms278 ~~الصلاة إحدى وخمسين ركعة. الذي يجب عليك عافاك الله ثلاث وسبعون ركعة في ~~اليوم والليلة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. وتؤدي الأمانه، ~~وتحصن فرجك، وما نحل لك المتعة كما تحله الرافضة، وتجتنب الكذب والزنا ~~والربا واللواط، ولا تشرب شيئا من المنكر، وما لك في شيء من هذا رخصة ~~البتة. وإذا كان عند الداعية أحد من المحرومين وممن PageV02P398 # لا يعرف حقيقة الدعوة يصلي الداعية بحداه الليل والنهار. ومع هذا فقد عرف ~~أهل العلم حقيقة الدعوة فكيف بأمر النبوة وهو من الأمور المكشوفة. # ولو أخذت تحصي فضائح هؤلاء في كل زمان مع هذا التحفظ لطال، وينبغي أن ~~تعنى بأمورهم فليس هاهنا من يطعن في النبوات سواهم كما قد تقدم لك ودعاتهم ~~اليوم مثل جابر المتوفى، وابن جبلة، وابن الكميث، والحسن بن محمد الممدى، ~~يقولون لمن قد بلغوا به، أما ترون أتباع هذا الفاعل الصانع- يعنون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم- اليوم- أربع مائة سنة قد أقاموا على شريعته ما ~~يفارقونها، ماذا يرون فيها الحمير، وقد كدهم بالصلاة والصوم والحج والجهاد، ~~أما يفطنون أما يفيقون. # والعجب ممن ذهب عنه صلى الله عليه وسلم مع ظهور أعلامه وانكشاف براهينه، ~~ولو كان لهؤلاء فطنة ومعهم تدبر لكفتهم أنفسهم وأحوالهم في معرفة صدقه، ~~فإنهم مع اعتصامهم به وتسترهم بإقامة شريعته والانتساب إلى أهل بيته، ومع ~~الأيمان والمواثيق، يفتضحون في كل طرفة عين، وهو صلى الله عليه وسلم قد جاء ~~ذلك المجيء وأعداؤه منذ أربع مائة سنة يطلبون عثرة له وزلة فلا يجدونها، ~~وهو كما يقال: قد كان ينبغي أن يكون أصحاب الطب من أخشى خلق الله وأعرفهم ~~به لكثرة ما يرون من الشدائد النازلة بالناس وبأنفسهم ثم قل ما يغني طبهم ~~عن أنفسهم وأعزتهم، ولكن قد سبقوا إلى الاعتقادات الباطلة والتقليد للرجال، ~~فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت فطنهم، ~~فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرة وقدوم على حسرة. PageV02P399 ### | وباب آخر [علم الرسول صلى الله عليه وسلم حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا ms279 القرآن أنهم لن يستطيعوا] # وهو أنه صلى الله عليه وسلم قد علم وتيقن حين تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة أنهم لا يأتون بذلك، ولو لم يتيقن ذلك ~~لما تحداهم ولا قال، لأن العاقل لا يقدم على مثل هذا وهو لا يأمن أن يأتوا ~~بمثله فيفتضح وتبطل حجته ويستظهر عليه خصمه ويظهر كذبه وينصرف عنه أصحابه ~~وتبطل رئاسته، سيما والعرب أمم كثيرة، والفصاحة مثبوتة فيهم غالبة على ~~رجالهم ونسائهم وعبيدهم وإمائهم، وهو لا يعرفهم بأعيانهم ولا يحيط علما ~~بأشخاصهم وبشعرائهم وخطبائهم وبلغائهم وفصحائهم ودعاتهم، فكان لا يأمن أن ~~يتبتل له قوم منهم غضبا لأديانهم، وعصبية لآبائهم، وأنفة لأنفسهم، فيأتون ~~بمثل ذلك في الفصاحة والبلاغة، أو بما يقارب ذلك، فيهدمون كل ما بنى، وهو ~~العاقل الحليم الذي لا يدفع عدوه عقله فلم يكن ليخبر أنهم لا يأتون بشيء من ~~ذلك إلا وهو على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، فما في الدنيا ~~عاقل تأمل أمره صلى الله عليه وسلم إلا وأثمر له الفكر والعلم بذلك. # فإن قيل: قد يقول العاقل في صنعة يدعيها، أو شجاعة، أو في شدة وقوة ~~وأشباه ذلك: إن أحدا لا يساويني في ذلك ولا يدانيني فيه، وإن كان لا يعلم ~~أن الأمر كما ادعى ولا يخرجه ذلك من أن يكون عاقلا ... قيل له: لا يسأل عنه ~~وعن أمثاله من تأمل ما قلنا، فإنا لم نقل إنه ليس في الدنيا عاقل ادعى أنه ~~لا يساوى في منزله إلا وهو على يقين من أن الأمر كذلك، وإنما قلنا: إن هذا ~~الرجل صلى الله عليه وسلم قد ادعى أعظم الأمور وأجلها، وهو أن الله اصطفاه ~~على العالمين، وجعله وحده منذ أرسله حجة على كل من أدركه PageV02P400 # وكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، وأن من خالفه فقد حل ماله ودمه وأهله ~~وذريته، وعليه الخزي والغضب من الله في الدنيا والآخرة، وانه قد وجب على كل ~~عاقل طاعته والانقياد إلى أمره إلى ms280 غير ذلك مما ادعاه وفرضه مما يطول ذكره، ~~وان حجته في ذلك أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا واجتهدوا لن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن أو بمثل سورة منه لا يأتون بمثله، وأنهم إن أتوا بذلك فقد بان كذبه ~~وحرمت طاعته ووجبت معصيته وحل دمه ودم كل من صدقه، فبهذه الشريطة قلنا ذلك ~~وادعيناه، وبهذا قد علمنا، لا بما ظنه السائل. ### | وباب آخر [محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم] # من أعلامه صلى الله عليه وسلم، وهو أنه لما صاروا أصحابه في المدينة مشى ~~اليهود إلى الأوس والخزرج وقالوا لهم: لقد جلبتم على أنفسكم باتباع هذا ~~الرجل الضلال والبلاء العاجل بمعاداة الأمم، ولو كنتم يهودا لناظرناكم؛ وقد ~~كان في الأوس والخزرج من قد تهود. وقالت النصارى لهم مثل ذلك، ورغبوهم في ~~النصرانية، وهددوهم بنصارى العرب وبملوك الروم، وأكثروا في ذلك وهولوا، ~~فقال الله عز وجل: «وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين. قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم» # فكفاهم الله إياهم كما وعد وكما أخبر، وقد كانوا أشد الناس حرصا على قتله ~~واستئصاله وبواره، PageV02P401 # يبذلون في ذلك أموالهم ودماءهم. وقد كانت حاله بالمدينة وإن كان قد صار ~~في جماعة وأنصار قريبا من حاله بمكة فقد كان يجلس وحده ويمشي وحده، ويدعو ~~به الرجل والمرأة لحاجة فيمشي مع من دعاه، وقد يكون في بيته وعند أهله ~~وحده، وإنما بيوته ومسجده من جريد النخل وارتفاعها مقدار قامة. # وكانت سبيله في ذلك سبيل خلفائه وأصحابه في البذل والتظرح، وقد قصد العبد ~~النصراني لقتل عمر فقتله ، وقصد ابن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله، ~~وقد تحصن عثمان وأخذ حذره وجمع نفسه ms281 ومع هذا فقد تسلق عدوه عليه ودخل من ~~خوخته ونال منه حاجته مع هذه الأنساب وهم الأمراء، فتعلم أن سلامة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأشياء، من الآيات العظيمة، سيما وقد قال ~~لعدوه: إن الله سيكفينكم، وفي هذا تهييج لعدوه على نفسه، وبعث على مكروهه. # وقد كان أهل مكة يبعثون اليهود والنصارى ومن بالمدينة على قتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ويحرشون بين الأوس والخزرج، ويبعثونهم على من آمن ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من اتبعه، وقد كان اليهود وأعداء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ممن بالمدينة يردون مكة ويلقون قريشا فيبعثونهم ~~على مكاره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله. # وقد كان لليهود بالمدينة وبالحجاز وبجزيرة العرب عدد جم. وقرى وحصون، ~~ولهم بأس، ولهم نجدة وخيول وفرسان، وأبطال وفصحاء وشعراء، ولهم ثروة، وفيهم ~~أجواد ويستجار بهم ويجيرون ويمنعون جيرانهم، ويقاومون الملوك ويدفعونهم عن ~~أنفسهم؛ ونصارى العرب أكثر في هذا كله وأقوى وأشد، فاعرف هذا فبك إلى ~~معرفته أمس الحاجة. PageV02P402 ### | وباب آخر [بدر وما فيها من آيات] # من آياته صلى الله عليه وسلم وهو ما كان ببدر فإنه يوم كانت فيه آيات ~~كثيرة وأظهر الله عز وجل لنبيه أعلاما عظيمة، وكان للمشركين من قريش عير قد ~~أقبلت فيها أموال وبز وأمتعة فاخرة، وخرجت قريش وقد خافت عليها المسلمين في ~~نحو ألف فارس معدين ومستعدين ليحموها، ووعد الله المسلمين إحدى الطائفتين ~~أن يظفرهم بهم ويغنمهم إياهم، وود المسلمون أن تكون هذه الطائفة غير ذات ~~الشوكة لقلة المسلمين وضعفهم وكثرة المشركين وقوتهم، وكان المسلمون في ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا يعتقب العدة منهم البعير الواحد، ولا فرس معهم ~~يومئذ إلا فرس المقداد وفرس الزبير، وقد سبقهم العدو إلى الماء، واحتوى على ~~الشعاب، واستظهروا على المسلمين بالماء والمكان، فوافى المسلمون في ضعفهم ~~وقلتهم، فحصلوا على المضايق والخروق من الأرض، ولا ماء لهم، فأنزل الله ~~عليهم الماء فشربوا وسقوا ركابهم وتطهروا، وتوطت الأرض لهم ما كان منها ~~رملا ms282 حتى ثبتت أقدامهم عليها، وعند الحرب ألقى عليهم النعاس في الوقت الذي ~~لا يكون فيه نعاس ويطير النوم للخوف على النفوس، فطيب قلوبهم وطير خوفهم، ~~وشجع جبنهم، وأرسل إليهم ملائكته فثبتتهم وبشرتهم، وأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كفا من تراب وفيه حصيات فرمى به في وجوههم وقال: # شاهت الوجوه، حم، لا ينصروا، فتفرق الحصى في عسكر المشركين وبلغ إلى خلق ~~كثير بخلاف ما جرت به العادة. وقد ورد القرآن بذلك وتفصيله ورودا يشهد عقل ~~كل عاقل ومتأمل ومعتبر ومتفكر أن ذلك قد كان ووقع في قوله في سورة الأنفال ~~إلى قوله: «كما أخرجك ربك من PageV02P403 # بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين ~~كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها ~~لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ~~ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما ~~جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله. إن الله ~~عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله» إلى قوله: «وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم» ~~. # فانظر كيف يصف لهم أحوالهم وضعفهم وخوفهم وقلتهم وما كان قد وعدهم به من ~~الظفر بإحدى الطائفتين قبل اللقاء وما نصرهم به على ذلك التفضيل. ولا يجوز ~~أن يقول لهم: قد كنت وعدتكم وقد كنتم كارهين وخائفين ومستضعفين، فأزلت ~~خوفكم، وطيبت نفوسكم، وأنزلت عليكم الماء، وغشيتكم بالنعاس أمنة مني، ~~ونصرتكم بالملائكة، وهو يعلم أنهم يعلمون أنه كاذب، وأن ذلك لم يكن؛ وهذا ~~القول يسمعه ms283 العدو والولي، وهو يمتن به على الصحابة وأتباعه، ويحتج به على ~~العدو والولي، ويصول بذلك ويدل ويستطيل؛ هذا لا يقع من عاقل، ولا يتوهمه ~~عاقل تدبر وفكر، فكيف بمن يدعي النبوة والصدق، ويريد من كل أحد سمع ~~PageV02P404 # قوله أن يتبعه ويعتقد ذلك منه ويطيعه. وهؤلاء الذين اتبعوه وأطاعوه ~~وبذلوا أموالهم ودماءهم، إنما فعلوا ذلك لما اعتقدوه من نبوته، وعرفوه من ~~صدقه، وتحققوه من قوله. ففي كل واحد من هذه الآيات ما فيه أتم الحجة ~~بانفراده، فكيف بترادفه واتصال بعضه ببعض، ولو افردت لكل آية بابا وشرحت ما ~~فيها لكان أولى وإن طال، وأنت متى شئت قدرت على ذلك. # وانظر ما في قوله: «إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ~~والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا» إلى قوله: «وإلى الله ترجع الأمور» فتأمل موافقته لهم ~~واحتجاجه عليهم، وليس يدعى أن هذا قوله، بل يقول لهم: هذا قول ربي وربكم، ~~وهو الذي كان وعدكم هذه المواعيد وضمن لكم النصر وقد وفى لكم بجميع ذلك. # وانظر إلى حسن تدبيره سبحانه وتعالى، فإنه ضمن لهم إحدى الطائفتين ولم ~~يقل أيهما هي، وودوا هم أن تكون غير ذات الشوكة فإنها في عدة من الرجال ~~قليلة، وأموالها كثيرة؛ وكرهوا ذات الشوكة لقوتهم، وكثرة عددهم؛ وأراد الله ~~أن يحق الحق بكلماته التي وعد نبيه أنه يهزم جموعهم وينصر ضعف المسلمين ~~عليهم. ولو قال لهم: إنكم تلقون ذات الشوكة ها لهم ما عاينوا، إذ هم رجالة ~~وعدتهم قليلة وأولئك خيالة وعدتهم كثيرة فخافوا أن يبرزوا فيجول عليهم ~~العدو جولة يصطليهم فيها فأيدهم بذلك PageV02P405 # النصر، وسلمهم تلك السلامة فظفروا بعدوهم فقتلوا سبعين وأسروا سبعين ~~وهزموا الباقين. # وتفهم معنى قوله: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم» أي بذلك النصر وذلك ~~التأييد وتلك الآيات والمعجزات استوى لكم قتلهم، «وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى» لأنه صلى الله عليه وسلم لما ms284 رمى بلغ الله رميته إلى ما لم ~~يكن في وسعه تبليغها وبثها وإيصالها، فما أحد أصابته إلا قتل أو أسر؛ وليس ~~يجوز أن يقول لهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ومثل ذلك قد يكون وقد يتفق، ~~وكذا في قوله: «ولكن الله رمى» ووليه وعدوه يسمع هذا، وهم قد مارسوا الحروب ~~قبله وجربوها وعرفوها وسمعوا بها، ليعلم أن ذلك شيء انتقضت به العادة وكان ~~فيه آيات ومعجزات. وقد سأل الخصوم فقالوا: إذا كان الملائكة ثلاثة آلاف أو ~~خمسة والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر فكيف لم يصطلموا عدوهم وإنما هم في نحو ~~ألف، وكيف لم يعنه بالملائكة يوم أحد وقد قتل أصحابه، وهو قد كان يوم أحد ~~إلى الملائكة أحوج. # قيل له: قد علمنا بما قدمنا أن الملائكة قد شهدتهم يوم بدر بدلالة ~~امتنانه على المسلمين بذلك والعدو والولي يسمعه، فليس في سؤاله قدح في هذا ~~العلم، فإن بينا وجه حضورهم فمن طريق التطوع، وهو أنه ليس في حضور الملائكة ~~عليهم السلام سقوط الفرض عن المسلمين في مجاهدة عدوهم، ولا أذن الله لهم في ~~محاربة العدو، ولكنهم حضروا ليثبتوا الذين آمنوا وليرغبوا الذين كفروا ~~وليقتلوا الواحد بعد الواحد تثبيتا للمؤمنين PageV02P406 # وإرعابا للكافرين وإيضاحا للمعجزات، وكذا قال الله وقد ذكر نزول ~~الملائكة: «وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم» وقال في موضع آخر ~~في هذه القصة: «إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق» . # وأما قصة أحد، فليس إذا أنزل الله الملائكة يوم بدر وجب أن ينزلهم يوم ~~أحد، وليس إذا عافى الله نبيه وقتا وجب أن يعافيه في كل وقت بل قد يمتحنه ~~بالمرض في وقت ويكلفه الصبر، وكذا ينصر وقتا بالملائكة ويخليه من ذلك وقتا ~~آخر فتشتد محنته ويلزمه الصبر؛ وإنما يسأل عن هذا من ادعى أن الله ينصر ~~أنبياءه في جميع مواطنهم بالملائكة، وهذا سؤال يذكره ابن الراوندي بعد ~~موافقته أبي عيسى الوراق وابن لاوى اليهودي، وأمثالهم من الملحدة ms285 وأعداء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غاية كيدهم، وقد بذلوا جهدهم واستفرغوا ~~وسعهم فما فضحوا بذلك إلا أنفسهم، ولو سكتوا لكان أستر لهم، ولو آمنوا لكان ~~خيرا لهم، لتعلم أن الإسلام نور لا يطفأ، وأن مطاعن الخصوم فيه لا تزيد إلا ~~قوة كالذهب الذي لا يكلف وكلما سبكته وعرضته على النار زاد جودة وصفاء. وقد ~~كان أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه من قريش، واليهود ~~والنصارى أكبر عقولا وأشد كيدا وأكثر شغلا بالتتبع على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وطلب عثراته ولهم فضل المشاهدة، فلو وجدوا مطعنا لسبقوا اليه ~~ولوافقوا عليه، فقد كان ينبغي لهؤلاء المتأخرين من أعدائه أن يعملوا هذا ~~فيمسكوا، ولكن الجهل والغباء قد سد مسامعهم وغطى على أبصارهم، ويأبى الله ~~إلا فضيحتهم وهتيكتهم؛ وهم لم يسألوا عن الآيات التي كانت تنذر ولا عن ~~المواعيد التي تقدمت بها قبل كونها مع كثرة ذلك واعتداد الله به، وما سألوا ~~إلا عن الملائكة ليأسهم من تلك وطعنهم في هذه PageV02P407 # وقد تبينت خيبة أملهم في هذه أيضا وفي شهود الملائكة مع ما قدمنا من ~~الدلالة. # أخبار من ذلك: أن رجلين من مزينة من الكفار كانا على جبل ينظران على من ~~تكون الهزيمة، فقال الباقي: وكنا نحب أن يكون على قريش لأنهم أكثر أموالا ~~ومتاعا فنصيب منه فرابنا سحابة قد أقبلت، وقائل يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن ~~عمي فإنه انكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فتماسكت، فأتى النبي فأخبره بذلك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيزوم اسم فرس الملك . # ومن ذلك أن حكيم بن حزام لما أسلم وقد كف بصره وكان يوم بدر مع الكفار ~~قال: لو كان بصري صحيحا لأريتكم الوادي الذي خرجت علينا منه الملائكة. # ومن ذلك أن أبا تميم الأسلمي لما رأى الحارث بن هشام يصير إلى مكة داخلا ~~وقد انقطع فرسه فسأله عن الخبر فقال : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ~~تطير بين السماء والأرض فانهزمنا. # ومن ذلك أن أبا ms286 سفيان بن الحرث بن عبد المطلب لما قدم مكة منهزما قال له ~~أبو لهب: إلى أين يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر فقال: يا عم قتل الناس، قال ~~له أكانوا أكثر منكم، قال: لا، ولكنا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ~~PageV02P408 # تطير بين السماء والأرض، فلما رأيناهم انهزمنا، قال أبو رافع مولى العباس ~~ابن عبد المطلب وكان مسلما: تلك الملائكة فوثب عليه أبو لهب فضربه. # ومن ذلك خبر أبي داود المازني قال: بينا أنا أبتغي خلف رجل من الكفار إذ ~~سقط رأسه بين يدي من غير أن أضربه، وقد كان المسلمون لما رأوا كثرة ~~المشركين وعدتهم وبأسهم وضعف المسلمين وقلتهم قالوا: يا رسول الله قد تخلف ~~عنك خلق من المسلمين بالمدينة لم يخرجوا لأنهم لم يظنوا أنك تلقى عدوا ~~تقاتلهم وإنما ظنوا أنك تلقى عير قريش، ولسنا نأمن جولة العدو، فإن رأيت ~~يا رسول الله أن نبني لك عريشا تكون فيه، فأجابهم إلى ذلك وقال: اتخذوا لي ~~عريشا تسعني وصاحبي، وأخذ بيد أبي بكر الصديق فأدخله معه العريش، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه، وطالت مناجاته ربه: رب ما وعدتني، رب إن ~~تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض، فاحتضنه أبو بكر من ورائه وقال: # بأبي أنت وأمي مناشدتك ربك، فو الذي بعثك بالحق لينجزن الله لك ما وعدك. # وجعل رسول الله يخبر أبا بكر بما يأتيه به جبريل والملائكة، ويقول له: ~~أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله وعونه، هذا جبريل معتمرا بعمامة آخذا بعنان ~~فرسه يقوده على ثناة النفع، وهذه الملائكة قد سومت. # فأمر الملائكة عليهم السلام، وحضورهم يوم بدر، وقتال من قاتل منهم، من ~~الأمور المشهورة، وقد قدمنا قبل هذه الأخبار دلالة العقل على ذلك، وقوله عز ~~وجل: «وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا» فقلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرؤوا عليهم ~~ولئلا يهابوهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين ثم ملأ PageV02P409 # قلوبهم رعبا منهم ليكون ذلك ms287 آية للفريقين. وقد كان المشركون من قريش ~~خرجوا من مكة على خيولهم مستظهرين ووعيدهم أن يغلبون كل من يلقونه ولا غالب ~~لهم من الناس، فلما نجت عيرهم ذات الأموال، قال عتبة بن أبي ربيعة: ننصرف ~~فقد نجت عيرنا من محمد وأصحابه، فقال أبو جهل: # لا ننصرف ونقيم ونجزر الجزور ونأكل ونطعم الناس ونأخذ محمدا وأصحابه ~~فإنهم في ضعف وقلة، فلما التقى الجمعان ورأوا قلة المسلمين وضعفهم رهبوهم ~~وزال ما كانوا يظنون. # وقد ذكر الله للمسلمين أمرهم فقال: «ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط. وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم» إلى ~~آخر القصة ولعظم الآيات ببدر ما أذكر الله بها في كل موضع، فقال عز وجل في ~~سورة آل عمران: «وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع ~~عليم. إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون» إلى قوله: «ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا ~~خائبين. ليس لك من الأمر شيء» معطوف على قوله: «وما النصر إلا من عند ~~الله العزيز الحكيم» أي ليس لك ولا لغيرك شيء من هذا النصر، وإنما هو من ~~الله وحده في إنزال الملائكة وفيما ألقى من الرعب وفيما غشى من النعاس ~~وفيما بلغ من الرمى وغير ذلك. وكان المشركون مغيظين وحنقين ومحفظين يتمنون ~~أن يبرز اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لا يشكون في أنهم إذا ~~وقعت عيونهم عليهم اصطلموهم واستأصلوا الإسلام وشفوا غيظهم من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاءهم ما لم يحتسبوا. PageV02P410 ### | وباب آخر [حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول] # من آياته وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة ودعا إلى ربه وبها ~~وحولها من اليهود وخلق كثير، فدعاهم ووعظهم وبين لهم، فرجع الرؤساء ~~والأتباع وتواصوا بالانحراف عنه وبالصد وبالقصد له، وكان عددهم كثيرا ~~وشوكتهم شديدة، فمشوا ms288 في الأوس والخزرج في الصد عنه، ومالوا إلى عبد الله ~~بن أبي سلول، وكان الأوس والخزرج على أن يملكوه عليهم إلى أن جاء الإسلام ~~فانتقض ما عزموا عليه. وكانت اليهود تدعي أنها على بصيرة من أمرها، وأن ~~الجنة لها، وأن نعيم الجنة خالص لها، فأخبر الله نبيه أنهم ليسوا من أمرهم ~~على يقين كما يدعون، وأن رهبتهم لكم شديدة، وأنك إن دعوتهم إلى تمني الموت ~~لا يتمنونه، فقال: «قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» . ثم قال: «ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» إلى ~~آخر القصة. ثم أعاد هذا التقريع والتوبيخ في سورة أخرى وفي زمان آخر فقال: ~~«قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين» . ثم قال: «ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين» . فما تمنوه أبدا مع هذا الاقتضاء والمطالبة التي تغيظ ~~وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على تكذيبه ~~وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه ~~PageV02P411 # وأعانوا عدوه عليه، وتكلفوا كل شدة وكل مشقة في ذلك وما أقدموا على تمني ~~الموت مع سهولته وقربه، وهو أن يقولوا: ليتنا متنا. وهذه الآيات العظام ~~والأعلام الكبار الهائلة الواضحة المكشوفة الباهرة القاهرة التي ما فكر ~~فيها عاقل إلا ملأت قلبه علما بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدقه، وبهرت ~~عقله، فإنك ما تدري أمن إقدامه صلى الله عليه وسلم على الإخبار عنهم بأنهم ~~لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته ومع علمه بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته ~~تعجب، أم من إحجامهم عن ذلك مع شدة حاجتهم اليه. ولم يقل هذا من عندي ولا ~~من مولى بل هذا من قول الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم والعالم بسركم وجهركم، ~~فجعله كتابا يقرأ وقرآنا يتلى، ليكون أشد وأغيظ وأبلغ في الحجة وأظهر في ~~التنبيه، ولتعلم ms289 أنه ما قال هذا لهم إلا وهو عالم أنهم لا يتمنونه. وهو ~~أعجب من قوله للعرب أنكم لا تأتون بمثل هذا القرآن، وهذا مقام لا يقومه ~~مثله مع عقله وعظم دعاويه إلا مع اليقين، لتعلم ثقته بربه جل وعز وسكونه ~~إلى ما يوحى اليه. # وقد تحيرت الملحدة وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاهت عقولهم ~~عند هذه الآيات، فهم يلعنون العرب لم لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وكون ~~اليهود لم لم يتمنوا الموت فيكذبونه فيستريحون ونستريح. وهذا يقوله مثل ~~الحداد وصاحبه أبي عيسى قبحهم الله. # فمرة يقولون: كانوا جهالا بلها فقيل لهم ما قد تقدم ذكره من أن من رمى ~~أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش واليهود والنصارى بالجهل ~~والغباء فهو كمن رماه صلى الله عليه وسلم بذلك. ومرة يقولون: قد كانوا ~~عقلاء وفطناء ولم يكونوا أهل جدل ونظر فيعرفوا مثل هذا، قلنا: لو كانوا ~~مثلكم في النظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى ~~جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم اليه صلى الله عليه وسلم وهم بهذا أعلم ~~الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء PageV02P412 # والصبيان من كل أمة، فإن من استعالى على خصمه بأنه لا يأتي بمثل ما أتى ~~من كتابة أو سباحة أو فصاحة أو خطابة أو شعر فإنه قد عرف الوجه في ذلك، فإن ~~الصبي يقول لقريبه: أنت لا تحسن تكتب كما أكتب ولا تحسب كما أحسب ولا تطفر ~~هذا الجدول كما أطفر، فإن خصمه يدري ما أراده منه وبأي شيء قد طالبه وما ~~الوجه في مغالبته وإكذابه، وكذا تمني الموت قد عرفته اليهود وعرفوا كل أحد ~~منهم ما أراده صلى الله عليه وسلم. # فذكر ابن الراوندي أن الوراق كان يقول: إنما لم يتمنوا الموت لأن اليهود ~~والنصارى كانوا يؤمنون بموسى وغيره ممن كان يدعي النبوة، وقد أخبر هؤلاء في ~~كتبهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقدموا على التمني لهذا. فقيل له: ~~فهذا يدل على نبوة أولئك ونبوة محمد ms290 جميعا فقد لزمكم القول بكتبهم أجمعين، ~~وأنتم تنكرون ذلك كله. قال: إنما إخبار هؤلاء عن مجيء محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما يخبر المنجم عن ما يكون، فيقولون ذلك. قيل له: ومتى كان مثل هذا ~~في أخبار المنجمين أن يخبروا عن مثل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أي ~~زمان يجيء، وبأي شيء يجييء، ومن أي بلد يجيء، ومن أي جيل، هو وابن من هو، ~~على التفصيل الذي جاء به، مثل هذا لا يكون في أخبار حذاق المنجمين ولا ما ~~يقاربه ولا ما يدانيه، وإنما يتفق لهم الإصابة في شيء مجمل قليل يسير بعد ~~أن يكذبوا ويخطئوا في ألف شيء، فيتفق ما يتفق لهم من ذلك بطريق التجارب ~~والزجر، كما يتفق للصبيان من الإصابة في إخراج الزوج والفرد وفي اللعب ~~بالخاتم، بل ما يتفق للصبيان في الإصابة أكثر وأسرع وأحسن وأبدع، وكذا ما ~~يتفق للقوابل في أن الحمل ذكرا أو أنثى، وكذا ما يتفق لمن يزجر الطير ويضرب ~~بالحصا، وكذا ما يتفق للمتفائلين بالثعلب والمتطيرين بالبوم ولمن يزجر ~~الطير، فكذب المنجمين PageV02P413 # وخطئهم أكثر من كل كبير، وهو شيء لا يستنكر، وهم يعترفون بهذا فيقولون: ~~لا تعجبوا من خطئنا ولكن اعجبوا من صوابنا، وإنما صوابهم كمجنون نطق ~~بحكمة، أو صبي أتى بنادرة، فإن الناس يحفظون ذلك ويعجبون به لأنه أتى من ~~غير معونة، ولا يحفظون ما يكون من المجانين والصبيان من الجهل والكذب، فكذا ~~ما يكون من المنجم، يخطىء في ألف شيء ويكذب في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ~~ذلك غير منكر منه، فإذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من ~~مثله ولأنه أتى من غير معدنه. وعلى أن الناس يكذبون المنجمين ويدعون لهم ما ~~ليس لهم ولا في صنعتهم، ويضايقون الأنبياء ويتعنتوهم، وقد تقدم قبل هذا شيء ~~على المنجمين فارجع اليه. # ثم قال هؤلاء الزنادقة: إنما لم يتمنوا الموت لأنهم لو تمنوه بألسنتهم ~~لقال إنما عنيت أمنية القلوب، فإن قالوا له: قد تمنينا بقلوبنا، قال ms291 لهم: ~~قد أخبرني جبريل أنكم لم تفعلوا ذلك. # قيل لهم: قد حصلوا لنا غير متمنين بألسنتهم، وانتقضت العادة وقامت الحجة ~~وظهرت البينة، وحصلتم تعللون ما لم يكن وما لم يقع، وقد كنتم نسبتم اليهود ~~في تركهم التمني إلى البله، والآن فقد نسبتموهم إلى التميز والتحصيل وإلى ~~غاية الذكاء والفطنة، ومن هذه مرتبته كانوا يقولون له: أنت قلت لنا لن ~~نتمنى ذلك أبدا وهاقد تمنيناه وهذا إكذاب لخبرك ظاهر بين. # فرجوعك إلى ما في القلوب هو الانقطاع على أنك قد نفيت التمني منا نفيا ~~عاما لما كان منه باللسان وما كان منه بالقلب، فإذا تمنيناه باللسان فقد ~~أكذبناك وقد أفضحناك وقامت حجتنا عليك، وقولك بعد هذا أن جبريل أخبرك أنا ~~ما تمنيناه بقلوبنا قدح منك لأنا نحن نقول لك: إن جبريل ما أتاك ولا يأتيك ~~فكيف يكون دعواك حجة علينا. فتعلم بهذا بطلان كيد الخصوم في توكلهم لليهود PageV02P414 # بعد أربع مائة سنة، وبعد فكيف لم يقولوا له: أي الأمنيتين أخبرت إنا لا ~~نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا ~~يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته. ### | وباب آخر [محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك] # من آياته صلى الله عليه وسلم، أنه مضى ومعه أبو بكر وعمر إلى اليهود في ~~بعض الشأن، فلما جلسوا أرسل اليهود من يلقي عليهم صخرة لتقتلهم فلما صعد ~~رسول اليهود لذلك أنذره الله عز وجل فنهض من ساعته وقال لأبي بكر وعمر: # قوما فإن هؤلاء قد أرسلوا من يلقي علينا ما يقتلنا، فخجل اليهود لذلك. # وفي ذلك يقول الله ممتنا عليهم: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون» وهي قصة معروفة، فلهذا جاز الامتنان بها، ولا ~~يجوز أن يمتن ويقول مثل هذا إلا لما هو مشهور معروف عندهم سمعه الولي ~~والعدو. ### | وباب آخر [توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ms292 ممالئوهم] # من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أن قوما من المنافقين وممن في قلوبهم ~~مرض وضعف يقين وقلة بصيرة كانوا يمالئون اليهود ويتوددون إليهم، فيقال لهم: ~~لا تفعلوا هذا، فيقولون: الصواب لنا ولكل عاقل أن يفعل ذلك، فإنا لا نأمن ~~أن يكون لليهود دولة فيصيبنا منهم دائرة، وهم كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، ~~فأنزل الله: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض PageV02P415 # ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين» أي من ~~تولاهم فإنه منهم في الكفر لا من المؤمنين، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~أي لا ينجيهم من العذاب ولا يوصلهم إلى الثواب. ثم قال على نسق الكلام: ~~«فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة» ثم ~~قال: # «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين» والفتح هو نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ~~وغلبته لهم، فوعده بذلك ثم أنجز له ووفى له، وعسى من الله وأحبه. فواقع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وقائع كثيرة فنصره الله عليهم، وندم ~~أولئك المنافقون في إسراعهم فيهم كما قال وكما أخبر. وقال المؤمنون حين ~~رأوا غم المنافقين بما نزل باليهود وبما آتاه الله من نصر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم: «أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم» . # وفي هذا آيات عظيمة وأخبار بغيوب كثيرة أخبر بها قبل أن تكون على وجه ~~يغيظ ويغضب ويبعث العدو على استفراغ وسعه وبذل مجهوده في تكذيبه وفي إعمال ~~حيله في أن لا يتم ما قال وما أخبر، خلافا لتدبير عقلاء البشر، فإنهم ~~لا يظهرون لعدوهم وجوه مكايدهم لئلا يسبقوهم إليها، ولئلا يتحرروا منها، ~~لتعلم أن هذا تدبير الله الغالب لكل شيء، الذي لا يغلبه شيء، وأن هذا ~~القرآن كلامه وقوله لا كلام أحد من البشر. وكان ميل أولئك إلى اليهود فأنزل ~~الله هذا في اليهود وفي النصارى، ونصر المسلمين ms293 عليهم أجمعين، وكانت ~~PageV02P416 # وقائع المسلمين مع النصارى أكثر، وكان بأس النصارى أشد، وعددهم أكثر، ~~ومدة محاربتهم أطول، فكانت العقبى للمسلمين. ### | وباب آخر [اخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله] # من آياته صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته، وهو قوله عز وجل: «يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم» . # فأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه أتى الله بمن يغلبه ويقهره، فلما قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت القبائل الكبيرة من العرب عامة وخاصة ~~على وجوه من الردة كما قد تقدم شرح ذلك، فشمر أبو بكر الصديق لحربهم، وأرسل ~~المهاجرين والأنصار على قتالهم، وقاموا على ساق، فقهروهم وأذلوهم وغلبوهم ~~وظهرت كلمة الإسلام فكان العز للمسلمين، وهذا من الآيات العظام، فانظر كيف ~~قال عز وجل لهم بالمواجهة: «من يرتد منكم عن دينه» ولم يقل: من يرتد عن ~~دينه، فكانت عدة تحتمل التسويف بل قال: «منكم» . # وفي هذا غيوب كثيرة، فإن القبائل التي ارتدت تلك الأنواع من الردة كانت ~~كثيرة ولها بأس وشدة كما قد تقدم ذكر ذلك، وفي هذا أيضا تأييد لإمامة أبي ~~بكر الصديق، وأنها حق وهدى وصواب ورشاد ودين لله، وقد وصفه الله ومن معه ~~بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم ~~يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله PageV02P417 # ولا يخافون أحدا ولا يراقبون أحدا ولا يهابون في الله مخلوقا وأن هذا فضل ~~من الله ساقه اليهم وخصهم به، وهذه صفات أعلى المؤمنين درجة عند الله، فلو ~~لم يقف من غلط من اتهمهم ورماهم بالريب إلا من هذا الوجه لكفى وأغنى وزاد ~~على الكفاية . ولو كان أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه ارتدوا وكفروا كما ~~زعم هؤلاء وادعوا لأتى الله بمن يقهرهم ويغلبهم، وإلا كان خبر ms294 الله قد كذب ~~وأخلف وحاشا لأخبار الله أن تكون كذلك. وعند هؤلاء الزنادقة أن هؤلاء ~~الصحابة قد ارتدوا، وأنهم أعداء الله وأعداء رسوله وأن أمير المؤمنين ونفرا ~~كانوا معه على الإسلام مغلوبين مقهورين مقصودين بالإذلال والمكروه، وأن أبا ~~بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار كانوا يعزون المشركين وأعداء الدين ~~والمرتدين والمبدلين والمغيرين ويذلون المؤمنين، وهذا ضد التنزيل وتكذيب ~~لقول الله فيهم كما قد شرحه الله وبينه في الآية وأظهره من ضمائر هؤلاء ~~ونياتهم. وعلى ما يقوله الخصم كان ينبغي أن يكون التنزيل: # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يبغضهم ~~ويبغضونه يجاهدون في سبيل الشيطان فهذه صفاتهم عند هؤلاء الخصوم، نعوذ ~~بالله من العمى. # والذي عند العلماء، أن عليا رضي الله عنه كان في أيام هؤلاء أعز المؤمنين ~~وأجلهم وأعلاهم، نافذ الأمر مسموع الغلب، مثلهم في سلطانه؛ وبه قام سلطان ~~أبي بكر وبأمثاله من المؤمنين، وقد تولى لأبي بكر أتعاب المدينة، وتولى له ~~أموال رسول الله، وسار معه إلى الربذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه ~~بتلك الآراء، ورده إلى المدينة وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. ~~وكان رضي الله عنه يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان PageV02P418 # في سلطان أبي بكر وعمر أنفذ قولا، وأن أولئك كانوا أعرف بحقي منكم، وأني ~~لو كنت الخليفة في زمانهم لكانت طاعتهم إلي أحسن، وكان يقول لعدوه مثل ذلك، ~~ولقد كتب إلى معاوية يتمنى أولئك الذين مضوا من المهاجرين والأنصار فقال: ~~ # لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا %~% أو حمزة الليث الهمام الأزهرا # أو أن لي صديقها أو عمرا %~% أو من أولاك السابقين معشرا # رأت قريش نجم ليلي ظهرا والخصم في زمانك هذا يقول: ما أسلموا قط ولا لهم ~~إسلام، وأنهم ما زالوا أعداء المسلمين، والذي يعرف أهل العلم والتحصيل أنهم ~~كانوا خاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبطانته، وأمناءه وثقاته على ~~نفسه وأهله ودينه، وأنه كان يحبهم ويودهم ويجلهم ويعزهم ويواليهم. وأنه قد ~~فرض محبتهم ms295 وموالاتهم وأوجبها على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. والعلم ~~بهذا قبل العلم بنبوته، وهو كالعلم بأن عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، ~~والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن ~~خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمثالهم، كانوا أعداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه قد فرض بغضهم والبراءة منهم إلى يوم القيامة. فما ~~يحتاج في هذا إلى تلاوة آية ولا إلى رواية خبر، وإن كان القرآن مملوآ بذلك، ~~والحديث مستفيضا به. فإن فعلت ذلك فمن طريق الزيادة في الحجة والمظاهرة ~~بالبينة. ولحكاية تلك الألفاظ عمل الناس الكتب في تفضيل القرآن وإن كانوا ~~يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفضله ويجله، وكما عملوا الكتب ~~في تفضيل شهر رمضان وإن كانوا يعلمون أن PageV02P419 # رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفضله، وكما عملوا الكتب في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد في سبيل الله، وكما عملوا الكتب على ~~المبتدعين من أهل القبلة بأن القديم الأزلي هو الله وحده، وأنه لم يزل ~~موجودا حيا عالما قادرا غنيا ولا يزال كذلك، وأن جميع ما خلقه وفعله وقضاه ~~وقدره وشاءه وأراده وصنعه ودبره ورضيه وأحبه وأمر به ودعا اليه فكله حق ~~وصواب وعدل وحسن من جميع وجوهه، أين كان وفيمن كان، وأنه يجب على العباد ~~قبوله والصبر عليه والرضى به والتسليم له سواء كان شدة أم رخاء، وأن الكفر ~~بالله وشتم أنبياء الله وتكذيب رسل الله وجميع المعاصي قبيحة، فتلوا في ذلك ~~آيات القرآن وذكروا ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا، فاعرف هذا، ~~فالعلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح أبا بكر وعمر وتلك الجماعة من ~~السابقين أقوى من العلم بأنه مدح أحدا وأثنى عليه، أو أنكر أن يكون أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وتلك الجماعة مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعظموه ~~أو صلوا خلفه، وإنما ذكرنا هذا للحاجة اليه ولأن الناس قد أكثروا فيه في ms296 ~~هذا الزمان فما يستغلون الآية. ### | وباب آخر [حول غزوة أحد] # من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أن قريشا والعرب تجمعوا وأعدوا الخيل ~~والرجال والسلاح وقالوا: نسير إلى محمد فنقتله ونقتل أصحابه ونأخذ بثأرنا ~~يوم بدر. فساروا في ثلاثة آلاف، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ندعهم ~~حتى يردوا المدينة؛ فقال قوم من الأنصار قد أصابوا زروعنا فنخرج اليهم ~~فنلقاهم وراء المدينة، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأيهم وسار. ~~ثم فكروا وقالوا: نأخذ بما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقاتلهم ~~في المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان لي أن ألبس لامتي ~~فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي PageV02P420 # سلول وأمثاله ممن في قلبه مرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستكون ~~فيكم مصيبة، وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بقرا تنحر ~~فتأوله قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار قد انفصم فكان قتل عمه حمزة ~~رضي الله عنه، ورأى أن كبشا أعين قتل فتأوله كبش الكتيبة فكان عثمان بن أبي ~~طلحة صاحب لواء المشركين. فلما صاروا بأحد التقوا مع المشركين عبأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قال لهم: إنكم ستهزمونهم، وأقام الرماة من ~~أصحابه في موضع خاف أن يدخل المشركون منه فيصيروا خلف العسكر، وأمر عليهم ~~عبد الله بن جبير، وقال لهم: إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى بلغنا بهم بموضع ~~بعيد فلا تبرحوا أنتم، فانهزم المشركون كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم، ونظر الرماة إلى الهزيمة فتركوا ~~مراكزهم واتبعوا العدو واشتغلوا بالغنائم وثبت أميرهم مع طائفة وقال: والله ~~لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما زال الرماة عن مكانهم دخل ~~المشركون وصاروا من ورائهم ونادى مناديهم بصوت عال: قتل محمد وقتل ابن أبي ~~قحافة وقتل ابن الخطاب. وانصرف عبد الله بن أبي سلول بمن معه، وانهزم ms297 ~~المسلمون، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نفر يسير، فما برح وما ~~برحوا مع قلتهم وكثرة المشركين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وأبو عبيدة ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ونفر من الأنصار؛ وأقبل أبو سفيان ~~بأصحابه نحو الجبل الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والنفر الذين معه ~~فصرفهم الله فلم يقدموا عليهم، فنادى أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، ~~أين ابن الخطاب، فما أجابه أحد فقال: قتل هؤلاء، فقال عمر: يا رسول الله ~~ألا أجيبه، فقال: أجبه، فقال أبو سفيان: # اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى ~~لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام PageV02P421 # دول، والحرب سجال، وأحد ببدر، وحنظلة بحنظلة، يعني ابنه حنظلة. # فقال له عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، ~~فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب أسألك عن شيء فأخبرني، فقال: قل، فقال: # أما أنت فحي، سألتك بالله أمحمد حي وابن أبي قحافة حي، قال: نعم، ورسول ~~الله يسمع كلامك ولك منه ما تكره، فقال أنت أصدق، فإن ابن قمئة أخبرني أنه ~~قتل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أقمه في الدنيا قبل الآخرة، ~~فاعتقل عنزا ليحلبها فنطحته فمات. # وفي هذه الوقعة يقول الله عز وجل: «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ~~بإذنه» أي تقتلونهم «حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما ~~أراكم ما تحبون» إلى آخر القصة. # فتعلم أنه لا يسوغ ولا يجوز أن يقول رئيس قوم لهم: قد كنت وعدتكم أن ~~تقتلوهم وقد صدقتكم فيما وعدتكم وأريتكم ما تحبون ثم عصيتم أمري وخالفتم ~~وصيتي وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في جميع ذلك، فكيف بمن يدعي النبوة ~~والصدق في جميع ما يقوله ويخبر به. # وقوله: «ولقد صدقكم الله وعده» إلى قوله: «منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة» يعني أولئك الذين أخلوا المراكز ms298 واشتغلوا بالغنيمة «ثم ~~صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما ~~PageV02P422 # بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم» . # وهذه أيضا من الآيات بأحد، فإن النعاس غشيهم كما غشيهم ببدر، في الموضع ~~الذي يطير فيه النعاس؛ والذي يدلك على كونه امتنان الله عليهم به ولا يجوز ~~أن يمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمع هذا الامتنان، وهو أمر لا أصل له ~~وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم في ذلك. إلى قوله: «إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ~~إن الله غفور حليم» ، وقال لنبيه عليه السلام: «فاعف عنهم واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر» فأمره بالاستغفار لهم وأن يعود لهم إلى حالهم في ~~مشاورتهم، فإن المشورة فيما لم ينزل به قرآن مستحبة حسنة. والذين أشاروا من ~~الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تكون الحرب خارج المدينة كان ~~لهم أن يشيروا بذلك، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ برأيهم؛ ~~ولقد اجتهد أعداء عثمان في أن يجدوا له عيبا فما قدروا عليه مع طول ~~المخاطبة، فقال له قائل منهم: أنت ممن تولى يوم أحد فقال له عثمان: فلم ~~تعيرني بذنب قد غفره الله، أما سمعت قوله: «إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان» إلى آخر الآية. # وفكر في معنى قوله عز وجل: «أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم ~~أنى هذا قل: هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير» أي بذنبكم ~~وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم سنهزمهم فلا ~~تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا. وقد كانوا يوم بدر ~~PageV02P423 # قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى ~~من المسلمين كانوا يوم أحد سبعين ms299 فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن ~~القتلى من المسلمين كما ذكرنا. فتأمل ما تقرأ وأطل الفكر فيه تقف على ~~المراد به، فإن الذكر للقصة بأحد من قوله: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة» إلى قوله: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» . # فتأمل طول هذه المراجعة والمواقفة للمؤمنين على الوفاء بما ضمنه لهم، ~~وعلى الصدق فيما أخبرهم وفيما كان من تقصيرهم، فكم فيه من آيات ودلالات. # وانظر إلى هذا الادلال بالحق والاستطالة على العدو والولي بالحجة حتى ما ~~يستطيع العدو المكاشف أن يدفع شيئا من ذلك. # وانظر إلى المواقفة والمناظرة التي كانت بين عمر وبين أبي سفيان، هل قدر ~~أبو سفيان وأصحابه وهم يناظرون المسلمين من عسكرهم أن يقولوا: # إن محمدا كذبنا في كذا وأخلف في كذا وكيف تطيعونه وتفارقون أديانكم ~~وبلدانكم وتقتلون أنفسكم لرجل هذه سبيله وما أشبه ذلك، وهذا موضع حاجتهم ~~إلى ما هذه سبيله. # وانظر إلى أهل الردة على طبقاتهم، فقد كانوا أشد الناس عداوة لأبي بكر ~~وقد نال منهم كل منال وقتلهم كل قتلة، فما استطاع أحد منهم أن يقول له: ~~وأنت فقد بدلت دين محمد ونقضت عهوده فكيف أنكرت علينا ما صنعنا، ولم تقتلنا ~~لأنا منعنا الزكاة، وهذا موضع حاجتهم اليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن ~~فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء ، أقبل بعضهم على ~~PageV02P424 # بعض يتلاومون، وأنهم صاروا في عسكر عظيم وهم لا يشكون في أنهم يقتلون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأصلون الإسلام، فخاب أملهم واختلفت ~~أقوالهم وقالوا: # لا محمدا قتلتم ولا كواعب أردفتم فبئس ما صنعتم. # وقد كان أبو سفيان نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل انصرافه ~~من أحد: # ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى نلتقي بها، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن كان يجيبه من الصحابة: قل نعم إن شاء الله، فلما حضر الوقت تعذر ~~على أبي سفيان ms300 الخروج للوعد أو كرهه، فأتى نعيم بن، مسعود فقال له: إني ~~واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وقد بدا لي أن لا أفعل، ~~وأكره أن يخرج محمدا وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف ~~من قبلهم أحب إلي، فلك عشرة من الإبل إن حبستهم عني. فقدم نعيم على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجهزون فجعل يثبطهم ويخوفهم ويذكر أن أبا ~~سفيان قد جمع لهم الجمع الكبير، وأنهم إن خرجوا لم يفلت منهم أحد. وجعل ~~يريهم النصح لهم والإشفاق عليهم، فما قبلوا وبادروا وقالوا: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل. وخرجوا وتخلف أبو سفيان عن الوعد وفيهم نزلت: «الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» الآية. # فتأمل خيبة المشركين وخلف أقوالهم وحيرتهم مع كثرتهم، وصدق جميع ما وعدهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرأة المسلمين مع قلتهم وفقرهم وشدة الأمر ~~عليهم. PageV02P425 ### | وباب آخر [دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له] # من أعلامه صلى الله عليه وسلم، وهو أن نصارى نجران وغيرهم من النصارى ~~دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك فكذبهم في قولهم بأنهم قالوا: لله ~~ولد، وعظموا الصليب، وأكلوا الخنزير. فقال شيخ منهم كبير فيهم: من أبو ~~عيسى؟ # فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يعجل حتى يأمره الله، فأنزل الله ~~عز وجل «ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون» إلى قوله: «إن هذا لهو القصص الحق ~~وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم» فقرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليهم ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة وأخذ بيد الحسن والحسين ~~وعلي وفاطمة رضوان الله عليهم. فقال واحد منهم لمن معه من النصارى: أنصف ~~الرجل، وتشاوروا وقال قائل منهم: إنه لصادق ولئن باهلتموه ليحرقن. # فقالوا له: لا نبارزك، وكرهوا الإسلام، وأقروا بالجزية، وسألوه أن يقبلها ~~منهم فأجابهم إلى ذلك، وقال صلى الله عليه ms301 وسلم: «والذي نفسي بيده، لو ~~باهلونا لأضرم الله عليهم الوادي نارا، فرضوا بالجزية وانصرفوا بالخزي. # فانظر إلى هذا الاحتجاج في أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ~~احتجاج غير متكلف ولا متعمل ولا مخالط للمتكلمين ولا هو في بلد الجدل ~~صنعتهم. فأشار لك بهذه الإشارة التي هي من جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا» فإن خلق ~~آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر ~~PageV02P426 # ومن أنثى وأكمل الله له قوته وأداته وعقله وتميزه ضربة واحدة، وتولى الله ~~عز وجل مناجاته وتأدبه وتعليمه بنفسه دون كل أحد من خلقه. # وعلى كل حال فالمسيح قد تقلب في الحشا كالأطفال، وخرج من الفرج وكانت أمه ~~تحتاج إلى آية في أنه مولود من غير ذكر، وقد خلق الله حواء من آدم، وقد خلق ~~الملائكة من غير تناسل» # ولا أكلوا ولا شربوا ولا بالوا ولا تغوطوا، وليس كذلك المسيح، فإن سبيله ~~في ذلك سبيل سائر الناس. # وقد تقدم لك ذكر أجناس الحيوان التي خلقها الله من غير ذكر ومن غير أنثى ~~وبغير تناسل في كتابك المعروف «بالمصباح» ، وخلق الدودة والذبابة في الحجة ~~كخلق الفيل، فإن المخلوقين لا يتأتى منهم إنشاء علامة ظفر ولا إحياء دودة، ~~بل إحياء الدودة أبدع من إحياء الفيل، كما أن نظم الخردل أبدع من نظم ~~الحنظل. # هذا وقد قدم دلالة العقل في سورة يونس فقال عز وجل: قالوا « اتخذ الله ~~ولدا سبحانه هو الغني» ، في أن الولد لا يتخذه الحكيم إلا للعز والرفد ~~وبقاء للذكر، فإذا كانت الحاجات منتفية عن الله عز وجل علمنا أن اتخاذ ~~الولد لا يجوز منه. وقد تبين أيضا من طريق العقل أنه لا كفء له ولا إله ~~معه، فقال عز وجل: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» فليس مع التضاد ~~نظام ولا مع الشركة استقامة. # ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم: كفرت أهل الكتب من النصارى ms302 ومشركي ~~العرب بأيتما آية يا محمد جعلت الإله واحدا؟ فأنزل الله عز وجل: «وإلهكم ~~إله PageV02P427 # واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم» فقدم الدعوى، ثم اتبعه بأدلة ~~العقل فقال عز وجل: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون» فتبين أنه لو كان هاهنا ~~آلهة أخر لقدم ما أخره هذا وأخر ما قدمه، وسود ما بيضه وبيض ما سوده، وإن ~~كان جميع ذلك حكمة، لأنه ليس بمحال أن تنبت اللحى للنساء وأن يكون ابتداء ~~نبات اللحى أبيض كالصلع أو أخضر كالحصرم، أو أصفر كالزعفران، وأن تلد ~~النساء كأولاد الأنعام وأن تلد الأنعام كأولاد النساء، وأن يكون ماء البحر ~~عذبا فراتا وأن يكون ماء دجلة ملحا أجاجا، وأن يولد المولود كامل العقل ~~والقوى والأدوات، كاسيا كيسا كالفروج، عالما بالصنائع من غير تعلم ولا ~~تمرين كفرخ الأوز وعلمه بالسباحة حين يخرج من بيضته، وكعلم دود القز ~~والعنكبوت بالنسج والنحل ببناء البيوت، كل هذا ممكن، فلما جاء ذلك على ~~طريق واحدة فلا ينتقض بما نبهت عليه، علمت وتيقنت أنه لا إله إلا هو، وأنه ~~المعتز بالقدم فلا قديم إلا هو، وأن كل موجود ليس هو الله فكائن بعد أن لم ~~يكن. # فإن قيل: فما ينكر أن يكون هناك آلهة جماعة إلا أنها قد وكلت التدبير إلى ~~واحد منها فجرى تدبيره على طريقة واحدة. # قيل له: هذا خلاف ما يعقل وخلاف ما أخرجت العبرة في أن الجماعة لا يتفقون ~~في المشيئة والإرادة والتقدير والتدبير أبدا على طريقة واحدة، ولا فرق ~~PageV02P428 # بين من ادعى هذا أو ادعى في الإنسان الواحد أنه جملة أحياء قادرين عالمين ~~مدبرين غير أنهم قد اتفقوا في الإرادة فلا يختلفون، وهذا خروج من العقل ~~ومما شهدت به العبرة. # وقد بين أيضا بحجة العقل أن الإله لا ms303 يكون محتاجا، فقال عز وجل: # «ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون» فقال: # أنتم ترون حاجته وفقره وضعفه، وحاجة أمه وحاجته إلى أمه، فكيف يكون من ~~هذه سبيله إلها؟ فإن كان عندكم إلها بكون الآيات ظهرت على يديه، فقد خلت من ~~قبله رسل كانت لهم آيات ومعجزات عظيمة كثيرة، ثم قال: # «أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم» فقد كان المسيح لا يدفع عن نفسه الحاجات والآفات فكيف يملك ~~لكم. # ثم قال: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل» يقول: أنتم ~~معشر النصارى قد آمنتم بنبوة موسى والأنبياء قبل عيسى، وصدقتم كتبهم، وكلهم ~~قد جاء بإخلاص التوحيد، وأنه إله واحد غني قديم لا إله إلا هو، لا يعرفون ~~ما يقوله النصارى من الجوهر والأقانيم والاتحاد وما أشبه ذلك، وأن هذا نمط ~~من ينكر خلق السموات والأرض والبعث والنشور وما جاءت به الأنبياء عليهم ~~السلام فكيف تكونون من أهل الكتاب وهذه سبيلكم؟ فينبغي أن يصدق قولكم ~~فعلكم. PageV02P429 # فتأمل رحمك الله هذه الجملة، فإن الجوهر والأقانيم والاتحاد هو من قول ~~أرسطوطاليس وأشباهه من القائلين بالقدم وتكذيب الرسل وبإنكار البعث، وهم ~~قالوا: إن الإنسان إذا عرف شيئا فقد اتحد به، وأن العقل والعاقل والمعقول ~~يصير شيئا واحدا، وأن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ولهذا قالوا: هرمس ~~المثلث، فهذه الجهالة والحماقة هي لهؤلاء وعنهم أخذ نموها، وهم يسمون ~~حكامهم ورؤساءهم آلهة لا الأنبياء وأهل الكتاب، فانظر إلى هذه من مقالة ~~هؤلاء كيف أطلع الله عز وجل محمدا عليه ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكان ~~عجبا. # ويبلغ من جهل أرسطو طاليس وأمثاله أنهم يقولون: إن الشمس والقمر والكواكب ~~حية عالمة سميعة بصيرة تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهي عندهم آلهة يدعونها ~~ويسألونها ms304 ويرغبون اليها في الرزق والعافية والحياة، ولكل كوكب منها عندهم ~~هيكل ودعاء وبخور ودخنة، فقد كان الناس يعجبون من قولهم في الناس أنهم آلهة ~~حتى صاروا يقولون ذلك في الجماد والموات، إذ لا فرق بين من ادعى ذلك في ~~الشمس والقمر أو ادعى في البرق والغيم والريح والنار والياقوت والزجاج، أو ~~ادعى في شعاع الشمس، أنه سميع بصير خطيب شاعر. # على أن إخوانهم من المنانية قد ادعوا في الغيم والمطر والريح والماء وفي ~~جميع الأجسام أنها حية سميعة بصيرة حساسة دراكة، وإنما ذكرنا هذا وإن لم ~~يكن كاملا في النبوة لتعلم أن أدلة التوحيد ونفي الشركة والشبيه مأخوذ من ~~القرآن، مجتذب إلى ما في أدلة العقول من ذلك، ولتعلم أن الخير كله PageV02P430 # في القرآن ومن القرآن، ومنه صنفت كتب الكلام بما في العقل من ذلك، وقد ~~تقدم لك في كتاب «المصباح» قطعة منه:. # وقد طعن أبو عيسى الوراق وابن الراوندي في قصة المباهلة أنها مشاتمة وأن ~~القوم رفعوا أنفسهم عنها، وقال: وقولكم إنه قال لهم: إن باهلتموني نزلت بكم ~~النقمة، ليس هذا في الكتاب وإنما هو حديث من أحاديثكم. # قيل لهم: هم كانوا يلعنونه ويشتمونه ويبالغون في ذلك وفي شتم أصحابه ~~ولعنهم ويطلبون نفسه بغير حجة، ويرحلون إلى الملوك ويستفرغون الوسع في ذلك، ~~فمتى رفعوا أنفسهم عن هذا. ولكن لما لم يجد هؤلاء في آياته صلى الله عليه ~~وسلم مطعنا وقد بذلوا جهدهم عدلوا إلى المباهنة والمكابرة؛ وليست المباهة ~~كما ظنوا ، وذلك لجهلهم باللغة كما جهلوا صنعة الكلام. فإن المباهلة في ~~اللغة تجري مجرى المخاطرة والمبايعة والمراهنة التي يكون صاحبها يؤول أمره ~~فيها: إما إلى الظفر، وإما إلى الفضيحة والعطب. وهو لفظ مشتق من الباهل وهي ~~الناقة المخلوع عنها صرارها وهو ما يصر به ضرعها، أي يشد، لئلا ترضع ولا ~~تحلب، فإذا نزع عنها ذلك الصرار فهي باهل، أي متروكة، فمن أراد حلبها نال ~~ذلك منها، وفي الخبر عن امرأة من العرب أنها قالت لزوجها: منحتك مأدومي، ~~وأبثثتك مكتومي، وأتيتك ms305 باهلا غير ذات صرار. # فقد علمت ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه وسكونه إلى ما يوحى ~~اليه، وإلا لم يكن ليقوم هذا المقام في أن الكاذب يعجل الله له خزيه وينزل ~~به نقمته لأن هذا القول عليهم سهل، فكان لا يأمن أن يجيبوا إلى ذلك فلا ~~ينزل بهم عقاب فتكون الفضيحة. وكان أيضا قد مكنهم من شتمه ولعنه في وجهه ~~وبحضرة أصحابة PageV02P431 # وهذا مقام لا يقومه عاقل، فتعلم بدلالة عقلك أنه قد توعدهم بأنهم إن ~~باهلوه نزلت بهم النقمة وأنهم لا ينصرفون من ذلك المقام إلا وقد بان أمرهم ~~لأن الملاعنة لا يعجز عنها أحد، ولو لم يكن إلا الملاعنة وحدها لأجاب إليها ~~القوم ولكان فيها كل فائدة ورغبة، فتعلم بدلالة عقلك أنهم هربوا منها ~~للبوار الذي توعدهم به. ومما يدلك من طريق عقلك أنه قد توعدهم في المباهلة ~~بنزول العذاب امتناعهم منها وفرارهم، ويدل أيضا أنه لو لم يكن إلا الملاعنة ~~لما كان لإحضار النبي صلى الله عليه وسلم من يعينه من قراباته دون سائر ~~الناس ذلك الموضع معنى ألا ترى أن الذين حضروا ذلك الموضع ولده وولد ولده ~~ومن يجري مجرى ذلك، فإن الصهر ولد ويعز فقده على العاقل، لا سيما وهو ابن ~~عمه؛ فأحضر أمس الأرحام وأشدهم عليه فقدا، وقد قال لهم: «تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم» فإن لم يكن إلا ~~اللفظ بالملاعنة فما وجه هذا القول وإحضار الولد، فمن تأمل ذلك شهد عقله ~~بأنه عليه السلام قد توعدهم عند المباهلة بالاستئصال ونزول النقمة، وإن كان ~~المتأمل لا يعرف لفظ الخبر كما يعلم إذا فكر في قوله عز وجل: «وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم» أنه قد وعدهم بذلك قبل أن يكون، وأنه قد وفى ~~لهم بما وعدهم وإن لم يعرف عين الخبر ولا لفظه، لأنه لا يسوغ أن يقول رئيس ~~قوم لهم إني قد كنت وعدتكم بكذا وتمنيتم كذا وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد ~~كذب في ذلك كله؛ ولهذا ms306 قالت العلماء في قول عمر على المنبر متعتان كانتا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إن ~~تحريم المتعة قد قد تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه عمر ~~والمهاجرون والأنصار، وإلا لم يكن عمر ليقوم هذا المقام على منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويحضره أصحابه والذين بهم عز PageV02P432 # وبهم صال واستطال، وهم أوفر ما كانوا، وبهم من المحافظة على دين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما قد عرفه أهل العلم، هذا مقام لا يقومه عاقل ولا ~~يختاره ممتر. وبعد فهم أولئك القوم الذين صنعوا بعثمان ما صنعوا لأنه وصل ~~سببا وآوى طريدا فتعلم أن القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم ~~المتعة كان مؤكدا كما علمت الوعيد بالعذاب ونزوله في المباهلة. # وزعم ابن الراوندي أيضا أنه ما دعا النصارى إلى المباهلة واليهود إلى ~~التمني على وجه الاحتجاج بذلك للنبوة، ولو كان إلى هذا قصد لبادروا إلى ~~إجابته. # فقيل له: أما سمعته يقول: «فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ~~تعالوا» فكيف تكون المحاجة إلا كذا لولا حيرتك وانقطاعك وفضيحتك. # قيل له أيضا: كيف لا يكون متحديا ومحتجا بذلك على اليهود والنصارى وغيرهم ~~وقد كان يدعى من أول أمره أنه لا يكذب فيما يأتيه عن الله عز وجل وان ~~الكذاب لا يكون نبيا، فإذا أخبرهم بأنهم لا يتمنون الموت فلو تمنوه لكان قد ~~دل ذلك على كذبه وعلى خروجه من النبوة على حكمه بأن من كان نبيا لا يكذب ~~فأي تحدى واحتجاج يكون أقوى من هذا وكذا الحال في قولهم في المباهلة. # فإن قيل: كيف يحتج عليهم بالنساء والصبيان؟ قيل له: لم يحتج عليهم بهؤلاء ~~وإنما أحضرهم لان مقدمهم يعز عليه وهم أقرب أرحامه اليه. PageV02P433 ### | وباب آخر [حول الآية «الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون» ] # من أعلامه صلى الله عليه وسلم، من ذلك قوله ms307 عز وجل: «الذين كفروا ينفقون ~~أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون» ~~. # فخبر بإنفاقهم قبل أن ينفقوا، وبقتالهم قبل أن يقاتلوا، وبهزيمتهم قبل أن ~~يهزموا، ثم كان ذلك كما قال وكما أخبر وكما فصل، وأورد ذلك موردا يغيظ ~~ويغضب ويبعث على تكذيبه وعلى الممانعة من وقوع ما أخبر به، بخلاف تدبير ~~البشر، فإن الحكماء يتواصون بكتمان ما يدبرونه ويعزمون عليه ويقولون: # من فساد الأمر والتدبير إعلانه قبل الفراغ منه، ثم لا يرضى أن يجعل ذلك ~~خبرا عن نفسه بل يجعله خبرا عن ربه. ### | وباب آخر [إخباره عن اليهود] # من آياته وعجيب أعلامه، وهو إخباره عن اليهود فقال: «منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون. ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا» . # فخبر أن أقلهم يؤمن ولو لم يكن على بينة من أمره وثقة عن خبر ربه عز وجل ~~وما يوحيه اليه، لم يكن ليقول هذا وهو لا يأمن أن يتبعه أكثرهم ويؤمنون ~~ويدخلون في دينه. ثم قال: «لن يضروكم إلا أذى» ولو لم يكن على يقين لم يقل: ~~«وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون» وهو لا يأمن أن أن يتجاوزوا ~~الأذى إلى أخد المال أو إلى سبي الذرية وإلى قتل الأنفس، وأن PageV02P434 # يغلبوه إن قاتلوه ولا يولون الأدبار، فقاتلوه صلى الله عليه وسلم يوم ~~قينقاع فنزلوا على حكمة، وقاتلوه يوم بني النضير فأجلاهم عن بلادهم، ~~وقاتلوه يوم بني قريظة فولوا الأدبار فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقاتلوه ~~يوم خيبر فهزمهم وملكهم وأخذ عنوة خيبر بالسيف فرضوا به أن يقرهم على أن ~~يكونوا حرثة يعملون له في النخل. # فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل في هذه الأخبار، فإن مثلها لا يقع اتفاقا ~~ولا من حذاق المنجمين ولا الكهنة، وانظر كيف أخبرهم بها قبل وقوعها، ~~وأنذرهم بما يكون قبل أن يكون، وجعلهم على أهبة، بخلاف تدبير البشر. # وقد كانوا جماعات كثيرة لهم خيول وسلاح وحصون ويمتنعون ويقاتلون من ~~ناوأهم ms308 وأرادهم وقصدهم، لتعلم أن هذا من أخبار علام الغيوب، وهذا من ~~الدلائل الواضحة والأعلام البينة النيرة لأن السيف إذا لقي السيف دب ~~الحياء، ولا يأمن من ليس على يقين مما يخبر به أن يقع الأمر بخلاف ما خبر ~~ولا يحمل أحد نفسه على هذا من غير يقين إلا الغاية في الحمق والجهل والنقص. ### | وباب آخر [ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد] # من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه لما كانت وقعة بدر، وصدقت أخباره ~~وتحققت مواعيده، ماج أعداؤه من اليهود وغيرهم، وقال بعضهم لبعض: ما أخلف ~~محمد في شيء أصحابه، وإنه لنبي، وستؤول الأمور إلى ما يقول، وسيظهر على ~~الناس وتكون الدولة له. فلما كان يوم أحد وقتل من أصحابه من قتل اشتدت ~~قلوبهم ورجعوا على إخوانهم الذين قالوا لهم ما قد تقدم، وقالوا لهم: # أبشروا بما كان عليه يوم أحد، فأنزل الله عز وجل «قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، » ثم أذكرهم بالآيات التي ~~PageV02P435 # كانت يوم بدر فقال: «قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل ~~الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء» ~~فغلبوهم وقهروا كما قال وإلى جهنم يحشرون كما أخبر، فصدق إخباره بالأول ~~يشهد بالثاني، فتأمل هذه الأجوبة والأدلة المكشوفة الواضحة، وانظر كيف يذكر ~~قصة بدر ويحتج عليهم بها ويجعل ذلك عن ربه لتعلم أنها قصة قد عرفها العدو ~~والولي. ### | وباب آخر [حول الآية «ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه» ] # من آياته وهو قوله عز وجل: «ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين. لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم» . # فإن مسجد بيت المقدس قد كان غلب عليه الروم الدهور الطويلة واستولوا عليه ~~مع ملكهم بالشام وأقاموا فيه الشرك ومنعوا من ذكر التوحيد فيه، وغلبت قريش ~~على المسجد الحرام وغيرهم من مشركي ms309 العرب، وقد كان أبو بكر الصديق بنى ~~مسجدا بمكة بفناء داره قبل الهجرة فكان يتلو فيه القرآن ويدعو إلى الله ~~وإلى رسوله، وقد كان أجاره رجل من سادات قريش على أن يفعل ذلك. # فمشت قريش إلى الرجل الذي أجار أبا بكر، وهو معروف ولكن لم يحضرني اسمه ~~في هذا الموضع [3] ، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر ~~به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى ~~PageV02P436 # دين محمد، فلا تجره. فقال لهم: إنه رجل يكسب المعدم ويصل الرحم ويقري ~~الضعيف، فكرهت أن يخرج من بينكم ويهرب بدينه عنكم فتعدمون هذا الفضل. ~~قالوا: فيلزم بيته ولا يعلن دينه؛ فمنعوه من ذكر الله في مسجده. # فبشر الله نبيه عليه السلام وأصحابه بالظهور على هذه المساجد، وملكهم لها ~~ولمن فيها، وأنهم لا يدخلونها إلا أذلاء خائفين مقهورين، أو بأمان وعهد ~~وإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أصحابه. ثم أخبر بخزيهم في ~~الدنيا وعقوبتهم من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فنزل بهم ذلك الخزي ~~بقتل من قاتل منهم وعليهم، والذل بأداء الجزية لمن رغب في الإقامة فيما غلب ~~عليه الصحابة، فكان كل ذلك كما أخبر، وفي هذا غيوب كثيرة. # وقد كانت ممالك الروم وغيرهم قوية ممتنعة فوفى الله لنبيه بتصديق هذه ~~المواعيد، وبفتح هذه الأمصار، وبنزول الخزي على مشركي العرب في الدنيا ~~وسينالهم في الدار الآخرة عذاب عظيم كما قال، وكما صدق في الأول صدق في ~~الثاني، فنعوذ بالله من عذابه وسخطه. ### | وباب آخر [قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك] # من هذا الجنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة جاء ~~ليدخل الكعبة فدفعه عثمان بن أبي طلحة العبدري ومنعه من دخولها، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاح الكعبة في يدي ~~أضعه حيث شئت فقال له عثمان: لقد ذلت قريش يومئذ ms310 وقلت، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: بل كثرت وعزت. # واعتبر رحمك الله سيرته في المكاتبة والمراسلة فإنه فعل ذلك بجبابرة ~~الأرض وملوك الدنيا من العرب والعجم في أقطار الدنيا، فدعاهم إلى رفض ما هم PageV02P437 # عليه، والدخول في طاعته، وامتثال أمره، والخضوع له، وأخبرهم بذات نفسه ~~وبما يدعو إليه، وأخبرهم بأن الله عز وجل اصطفاه وحده واختاره وحده ووعده ~~بالظهور والغلبة لملوك الأرض وجبابرتها، وأن السعيد من بادر إلى طاعته من ~~قبل أن تسبى أمواله وتستباح حريمه ويسفك دمه، فما ترك شيئا مما يغضبهم ~~ويغيظهم ويبعثهم على قتله واستئصاله وبواره وبوار أصحابه إلا أتى به وفعله، ~~وهذا ما لم يكن مثله ولا يقدم عليه عاقل إلا وهو على غاية الثقة بالسلامة ~~من العواقب، وأن العاقبة تكون له لا لعدوه. # أما ترى كيف اغتصب كسرى كتابه حين أنفذه مع عبد الله بن حذافة السهمي وهو ~~ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام ~~على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأن محمد عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس ~~كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإن ~~إثم المجوس عليك. # فمضى بكتابه، وكان في طريقه وبحضرته ما لعله يرد عليك، فلما بلغه كتابه ~~غاظه ذلك وأغضبه، حتى كتب إلى صاحبه باذان وهو خليفته باليمن وملكها يأمره ~~بإشخاصه إليه ، فأرسل باذام في ذلك، فسر ذلك أعداء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود والنصارى وقريش والعرب واستبشروا. وقال بعضهم لبعض: ~~كفيتموه كفيتموه. فلما وصل الرسول اليه قال له رجل منهم انطلق معي إلى ~~الملك باذان فنكتب معك كتابا إلى الملك شاهنشاه ينفعك عنده PageV02P438 # ويكف عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم إلى غد حتى أجيبك. فلما كان ~~الغد صار، فقال ما تقول ms311 يا محمد؟ قال ارجع إلى صاحبك فإن ربي قد خبرني أنه ~~قتل البارحة كسرى، قتله ابنه شيرويه على كذا كذا ساعة من الليل ، فقال ~~له هل تدري ما تقول، إنا قد نقمنا منك أيسر من هذا، فتكتب بهذا عنك ونخبر ~~الملك باذام بذلك قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني ~~سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، إلى أن قال: سيأتي ~~هذا الدين على ما أتى عليه الليل. # وقد كان قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن حذافة لما رجع إليه وأخبره ~~بأن كسرى استخف به ومزق كتابه فقال صلى الله عليه وسلم: أما إن الله عز وجل ~~سيمزق ملكه. # فانظر إلى هذه الأقوال المغضبة كيف تتوالى لهم منه، وانظر إلى هذه الثقة ~~هذا الثبات. # وقد كان راسل قيصر ملك الروم بدحية بن خليفة الكلبي، فأكرمه وأكر كتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل من عنده من أهل مكة وتجار قريش عنه صلى ~~الله عليه وسلم وعن أخلاقه وطرائقه وسيرته، واستقصى ذلك، فإذا هو النبي ~~الذي تقدمت البشارة به، ورده مكرما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ~~عرف الحق ولكن ضن الخبيث بملكه وعاجل دنياه فاثرها على دينه. # وأرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة بكتابه اليه ~~PageV02P439 # فدفعه اليه فقرأه، ثم أقبل على جلسائه فضحك وقال لهم: كتب إلي يصف لي حسن ~~دينه ويدعو اليه، فما منعه إن كان رسول الله أن يسأل الله فيسلط البحر علي ~~فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي، فقال له حاطب فما منع عيسى ابن مريم وهو ~~كما زعمت إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه وجعلوا عليه إكليل ~~شوك وجعلوا على عنقه الخشبة التي صلبوه عليها ثم خرجوا به وهو يبكي حتى ~~صلبوه على الخشبة ثم طعنوه بالحربة حتى مات، فما منعه أن يسأل ربه أن ~~ينجيه منهم ويهلكهم ويكفى مؤونتهم ويظهره وأصحابه عليهم، وما منع يحيى بن ~~زكريا حين سألت امرأة ms312 زانية رجلا أن يقتله فقتله وبعث إليها برأسه حتى ~~وضعوه بين يديها فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منها ويهلك الملك. # فأقبل المقوقس على جلسائه فقال: والله إنه لحكيم. وما يخرج الحكيم إلا من ~~عند الحكماء، ما تقولون، قالوا: نقول: صدق أيها الملك، قد رأينا ما رأيت. ~~وعاود قراءة كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، واحتبس حاطب عنده مدة، وسأله ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن سيرته، ورده مكرما. # وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير واحد من ملوك الشام يدعوهم إلى ~~طاعته. وكان فيمن أرسل الحارث بن عمير الأزدي فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني ~~ فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده غير واحد ولامهم على غدرهم ~~وقتلهم الرسل، وقال لهم: أنتم مغلوبون وسلطاني يعلو عليكم، فأغضب ذلك ملوك ~~الروم ونصارى العرب. وأرسلت نصارى العرب إلى ملك الروم: انتهز الفرصة مادام ~~هذا الرجل في ضعف، فأنفذ جيشا في مائة ألف قاصدا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بياتوقس PageV02P440 # البطريق، وعلى نصارى العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو ~~الغساني، فانتهوا إلى مؤتة فكفاه الله أمرهم كما هو معلوم. # وأرسل إلى ملوك اليمن وملوك البحرين وعمان رسلا معروفين، وقد علمت رحمك ~~الله أنه دعاهم إلى الاختلاع من ملكهم والخروج من عزهم إلى التواضع ~~والتذلل، وإلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وهذا غير تدبير البشر وحكماء ~~الملوك، وهذا عندهم من سوء التدبير، فتعلم بعقلك أنه لم يفعل ذلك إلا وهو ~~على يقين من السلامة من سطواتهم وكيدهم وشرهم. # وقد تقدم لك حال كل من جاء بعده من قريش والعرب وغيرهم، وأنهم به لاذوا ~~واعتصموا وعلى ما مهده صلى الله عليه وسلم، وأنه هو ما اعتصم بمخلوق بما ~~فيه كفاية، فارجع إليه. وقد أجابه صلى الله عليه وسلم من الملوك الذين ~~دعاهم النجاشي وغيره. # وتأمل حال قوم في زمانك وهم من الملوك العظماء، وملكهم واسع، وشأنهم ~~عظيم، فإنهم من تسترهم بالإسلام ومع اعتزائهم إلى النبي صلى الله ms313 عليه وسلم ~~وأنهم من ولده وقد قدموا على ما مهد لهم، بأي شيء يلقون ملوك الإسلام، وبأي ~~شيء يراسلونهم، وكيف يخضعون لهم ويخدعونهم بألوان الخدع ليستبقوا طاعتهم ~~لهم باللسان، فيقول دعاتهم لكل واحد من هؤلاء حتى لرؤساء الأعراب والأكراد: ~~أخوك فلان ابن فلان ابن رسول الله، وقد علمت عظيم ملكه، وهو يدعى بأمير ~~المؤمنين، وقد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك طاعته لقوله كذا ~~ولوصيته الفلانية؛ وما يطالبك بحقوقه، وما يطلب منك شيئا، ولكنه يرغب في ~~أخواتك وفي صداقتك وفي الانبساط إليك في أن تقبل هديته، وقد علمت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل الهدية ورغب في ذلك، وإن كافأت بأقل القليل ~~قبله PageV02P441 # منك وشكرك عليه. ثم يهاديه بالهدية النفيسة الخطيرة ويقول له: «إذا ~~استحكم الأنس وتمت الثقة فتح لك أبوابا يتضاعف بها ملكك، وتشتد بها شوكتك، ~~وما عليك في الوصول إلى ذلك مشقة ولا كلفة ولا مؤونة ولا غرامة، وما هو إلا ~~الثقة بك وأن يعرف طويتك وأنك بحيث يوثق بك. # فإذا تعلق قلبه بذلك وطمع، قال له: قد علمت ما جاء في الكتمان والمواثيق ~~المأخوذة من الأنبياء ثم يروضه بعد هذا، فإن كان من أهل الشهوات والرغبة ~~في الدنيا قال له: أنت فيمن قال الله: «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم» ويبيحه المحظورات ويتقرب اليه بما يسقط عنه الكلف ويؤمنه من كل ~~عقاب آجلا وعاجلا، ويذكر له ما قد أعده من التأويلات، ويتحبب اليه بهذا ~~وأشباهه، ويأخذ عليه كتمان السر وأن لا يخبر غيره بما عنده ولا يسأله عن ~~شيء وإن كان مجوسيا. # وإن رآه من المتمسكين بالشريعة زين ذلك عنده وقال له: لا تغتر بما يقوله ~~الإمامية القطعية أن الصلاة عند أهل البيت إحدى وخمسين ركعة فإن هؤلاء ~~ليسوا من دين أهل البيت على شيء، وصلاة أهل البيت ثلاث وسبعون ركعة، ويأمره ~~بذلك، ويصلي عنده وبحضرته وبحضرة أتباعه وحشمه، وإن يأت عنده لم ينم الليل ~~من كثرة الصلاة. ويأمره بالزكاة وبكل خير ms314 بحسب ما يتفق ذلك عنده، غير أنه ~~يقول: للصلاة باطن، ولكل شيء باطن. # وإن كان يهوديا زين عنده اليهودية وما فيها من إقامة السبت وجميع ما هم ~~عليه، وقال: المهدي الذي ندعو اليه هو المسيح الذي تنتظرونه. PageV02P442 # وإن كان نصرانيا مدح الصليب وقال: المهدي الذي ندعو اليه هو الفارقليط ~~الذي بشر به المسيح. # وإن كان مجوسيا مدح عنده المجوسية وقال: أنتم الناس، وأنتم العقلاء، وأهل ~~الملك القديم. # وإن كان صابئا مدح عنده عبادة الكواكب، ويقول لكل واحد من هؤلاء الأصناف: ~~إن الديانات كلها سواء وهي تتفق في الباطن ولكن أصحابها لا يعلمون. # ويظهرون التودد إلى كل أحد بما يهواه، ثم يتواصون بكتمان ذلك وأن لا ~~يظهروا ذلك إلا لمن أحبهم أو مال اليهم. # ويقصدون بالدعوة الأعراب والأكراد والديلم والبربر والنبط والمترفين من ~~الأمراء والوزراء والكتاب وأهل الجهالة، ويستظهرون على من انتمى إلى القول ~~بالإمامة والتشيع، وهؤلاء يسرعون إلى إجابتهم والقبول منهم، ويوثقون الجميع ~~بالأيمان الغليظة والعهود المؤكدة؛ وملوك الأرض منذ نحو مائة سنة من الديلم ~~وبني حمدان ومن بالبحرين وعمران في البطيحة ومن باليمن والشام وأذربيجان، ~~وكل هؤلاء الملوك أصحاب إمامة ومشيعة، وفي الأرض كلها، ودولة بني العباس لم ~~يبق منها إلا اسمها في بعض المواضع، والموضع الذي فيه سلطانهم وملكهم وعزهم ~~يشتم فيه العباس وولده والمهاجرون والأنصار ويلعنون، ثم هؤلاء القوم مع ~~الملك ومع تسترهم برسول الله صلى الله عليه وسلم واعتصامهم، ومع هذه ~~الأحوال كلها التي تستروا بها وتوثقوا بها، أنت ترى فضائحهم في الأطراف وفي ~~أقطار الأرض في كل حين كما قد تقدم لك طرف منه. ثم هو شيء PageV02P443 # يحدث في كل حين، وتبدو فيه الفضيحة كل قليل مع الملك والقهر والغلبة ~~والسيف والقتل الذريع الذي قد تقدم لك طرف من ذكره، لتعلم أن السبل التي ~~سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلكها عاقل، ولا تخطر بقلبه، ولا ~~تسمو اليها همته، ولا يحدث بها نفسه، ولا يدخل فيها طمعه، إلا أن يكون ~~رسولا لله ونبيا ms315 لله وواثقا بوحي الله. ثم هو شيء ما كان في أحد من ~~الأنبياء قط منذ كانت الدنيا، على ما حصله العلماء وأحصوه وبلغهم خبره، أن ~~يكون إنسان ضعيف فقير أجير وحيد معيل مبتدىء مع هذه الحال، فيذكر ملوك ~~العرب وملوك الفرس وملوك الروم حتى يذكر خراسان وملوك الشرك والترك وأنه ~~يحويها ويحوزها وهو على تلك الحال، ثم يكاتبهم ملكا ملكا وسيدا سيدا وقبيلا ~~قبيلا وبلدا بلدا يذكرها. ويوصيهم بالقبط وما لهم من الحرمة بمارية القبطية ~~فإنهم يفتحون مصر، ويقول: أبشروا بفتح العروسين غزة وعسقلان، ويذكر دمشق ~~وبيت المقدس، ويسمع ذلك نصارى العرب ويذكرونه لملوك الروم وغيرهم فيغتاظون ~~من ذلك، وتذكر قريش ذلك للفرس. # ولما دخلت رسل المسلمين إلى الشام ولقوا ملوك النصارى بها رأوا بعضهم قد ~~جلس على فرش عالية يرقى اليها بسلم وعليه السواد، وفي رسل المسلمين عبادة ~~بن الصامت الأنصاري، قال: ما هذا السواد عليك وما هذه المسوح التي قد ~~لبستها، قال الملك لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام وأفعل وأفعل، ~~فقالوا له المسلمون: سنمنعك مجلسك هذا وو الله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك ~~الملك الأعظم. ثم ساروا من عنده إلى الملك الأعظم من ملوك الروم وأبلغوه ~~الرسالة، فأنزلهم أكرم منزل واحتبسهم عنده مدة طويلة، وخلا بهم، وناظرهم ~~وامتحنهم، وسألهم عن شيء فشيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمر ~~الإسلام والمسلمين ليلا ونهارا، وكان لهم معه ما هو مذكور، إلى PageV02P444 # أن قالوا له: إن أرضك هذه نأخذها منك ونغلبك عليها، أخبرنا بذلك نبينا، ~~فساءه هذا القول وقال: مهما قال من شيء فقد صدق، والله لوددت أن نفسي تطيب ~~بالخروج من ملكي وأكون عنده فأخدمه وأشد ملكه، ولكن نفسي لا تطيب. # وقال المقوقس ملك مصر لحاطب: إنكم ستملكون ملكي هذا كما قال صاحبكم، ~~وملوك الروم كانت أعرف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك كانت ألين ~~وإن كانت نصارى العرب تغضبها وتثيرها عليه صلى الله عليه وسلم ولم تكن ~~كالجبار الشقي كسرى وما ms316 فعله برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمزيق ~~كتبهم فمزق الله ملكه كل ممزق كما قال صلى الله عليه وسلم، أخبر أن ابنه ~~قتله في تلك الليلة وبينه وبين كسرى نحو ثلاثمائة فرسخ، وذلك من آياته ~~المعروفة التي جاءت مجيء القرآن، يعرف ذلك أهل العلم كما يعرفون أن رسوله ~~كان اليه عبد الله بن حذافة السهمي، وكما يعرف ما كان بينه وبين النجاشي، ~~وبين صاحب عمان، وغيرهم من الملوك. وإسلام باذان ملك صنعاء واليمن لأجل هذه ~~الآية معروف، وإخلاصه ومن معه في الإسلام وهم يعرفون بالأنبياء. # ولما تنبأ العنسي الكذاب باليمن ناقشوه وباحثوه فلم يجدوا عنده آية ~~ولا علامة، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره، فأمرهم ~~بجهاده ففعلوا، وقتله فيروز الديلمي الذي كان أحد رسل الملك باذان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ديلمي الأصل وإنما كان أحد عمال الفرس ~~على ثغور الديلم. # ولما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لهؤلاء ~~الأنباء من باذان ومن معه من البصيرة في الإسلام والإقامة عليه ومجاهدة ~~المرتدين ومعونة أبي بكر الصديق وعماله ما هو معلوم. PageV02P445 # وإنما أجرينا هذا من أعلامه صلى الله عليه وسلم عند ذكر مكاتبته ومراسلته ~~الملوك، والنية ذكر أعلامه التي ليست في القرآن بعد الفراغ مما في القرآن، ~~فإن وهب الله ذلك وإلا ففيما معك فوز عظيم فاحتفظ به وحافظ عليه واطلب ما ~~بعده فإنه أكبر الجهاد وأجل العبادة. ### | وباب آخر [اخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم] # من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو ما أخبر أصحابه من أنه يمكن لهم في ~~الأرض ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ويؤمن خوفهم، فيخلصون في ~~عبادته وحده لا يشركون به شيئا، فقال عز وجل: «وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض» إلى آخر الآية. وهذه نزلت في ~~غزوة الأحزاب وفي الخندق، وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول ~~المدينة بهم وهم ms317 في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع ~~من بها من اليهود والمنافقين، فأظهر الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستخلفهم ومكن لهم وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، ~~وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب ~~في العقل بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم ~~المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل الله، وأن يكون صاحبهم رسولا ~~لله، والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من ~~قوله عز وجل: «وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا» فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو ~~والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن ~~PageV02P446 # يقول: هذا قول الله لكم، ووعد الله لا وعدي، وبشارة الله لا بشارتي، وفي ~~هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: «وعد الله الذين آمنوا ~~منكم» ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: ~~«منكم» جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر ~~على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت ~~لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنا ولا آمنا ~~بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد الله، فنعوذ بالله من ~~الذهاب عن الحق. # وعندنا أنه رضي الله عنه كان في زمن أبي بكر والخلفاء قبله ممكنا غالبا ~~قاهرا آمنا عزيزا نافذ الأمر مسموع القول كما قد تقدم شرح ذلك لك، وبه ~~وبإخوانه من المهاجرين والأنصار كانت خلافة من قبله وعز سلطانهم، فالعدة ~~فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح وفي سعد ومعاذ وعبد الرحمن وغيرهم من ~~المهاجرين والأنصار، والله عز وجل لا يستخلف إلا المتقين ولا يمكن إلا ~~لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وليس لمن أسلم في عام الفتح، وفي ms318 هذا خبط، ~~لأن هذه نزلت في عام الخندق وفي غزوة الأحزاب قبل فتح مكة، وأولئك من ~~الطلقاء لا من المهاجرين ولا من الأنصار، وليس هذا بنص جلي مكشوف في خلافة ~~هؤلاء رضي الله عنهم، ولكنه شيء يعرف بالاستنباط والاستدلال والتدبر في هذه ~~التلاوة، فلا يسوغ في تأويلها وتفسيرها إلا هذا. # وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ارتدت العرب بعد وفاته ~~وكثر من خالفهم يستبشرون بظهور الإسلام وغلبة المسلمين بهذه الآية وقد ~~تلاها أبو بكر الصديق عليهم في ذلك الزمان وقال لهم ما لعله قد تقدم لك شيء ~~من ذكره، وهذا شيء قد تقدم به الإجماع وسبق به الاتفاق قبل أن يخلق هشام بن ~~الحكم PageV02P447 # الذي هو الأصل في الطعن على خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمهاجرين والأنصار. ومع هذا فقد ذكر هشام بن الحكم أنه أدرك الشيعة وكلهم ~~يتوالى أبا بكر وعمر وعثمان، ويقولون هؤلاء ما أنكروا فضل الوصي علي بن أبي ~~طالب ولا دفعوه عن حقه، وأن الذين دفعوه عن حقه وأنكروا فضله هم المنافقون ~~الذين كان القرآن يهتف بهم. قال هشام وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم اليه ~~هيبة أولئك القوم فما أقدموا على تهمتهم ولو عرفوهم لا تهموهم، ثم أخذ يذكر ~~ما عنده من تهمتهم، فقد أقر بلسانه أنه لم يسبقه أحد إلى شتمهم ولعنهم، ولو ~~لم يقر لكان العقل يشهد به ويدل عليه. ### | وباب آخر [قوله صلى الله عليه وسلم في أوان ضعفه أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه] # من أعلامه وآياته، وهو أنه كان يقول في أوان ضعفه وعنفوان أمره أنه سيعظم ~~أمره ويعلو شأنه، وتتحزب الأمم عليه، وتقصد لقتاله وقتله واستئصاله ~~واستئصال أتباعه، ويأتونهم من كل وجه. وأن أصحابه يثبتون ويزدادون بصيرة ~~ويقينا في أمرهم عند ذلك. وأن من رآهم ورأى من سار إليهم يكون عنده وفي ~~عقله ورأيه أنهم لا ينجون، فكان ذلك كما قال وأخبرهم الله في تلك الحال، ~~أنه عز وجل سيكفيهم أمر هؤلاء وأمر من ظاهرهم ms319 من أهل الكتاب، ويستخلفهم في ~~الأرض، ويؤمن خوفهم، ويبدلهم بالضعف قوة، ويمكن لهم في الأرض، وكان هذا في ~~قصة الأحزاب، وأنزل الله فيها وفي يومها الآية التي تقدم ذكرها في سورة ~~النور. وقد كان صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من اليهود لأذيتهم له ~~وغدرهم به، فرحلوا عن المدينة من جواره، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان ~~وفزارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم ~~واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم PageV02P448 # وفرق آلافكم وحمل الأبناء على قتل الآباء، والآباء على على قتل الأبناء، ~~وهو يزعم أنه يظهر عليكم ويستأصلكم وأنتم غير آمنين مما يوعدكم به، فبادروا ~~مادام في ضعف قبل أن يقوى بأشد مما كنتم عليه ببدر وأحد. # وكانت لليهود بالحجاز رئاسات وضيافات ومنن على العرب، يجيرون من استجار ~~بهم ويمنعون عن جيرانهم ويقاتلون دونهم؛ فأثاروا قريشا والعرب على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فساروا اليه في نحو عشرين ألفا، وجاء حيي بن أخطب ~~اليهودي النضري إلى بني قريظة من اليهود وكانوا قد عاهدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يسالموه ولا يعينوا أحدا عليه أبدا وكتبوا بينهم وبينه ~~في ذلك كتابا. فجاء حيي بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد رئيس بني قريظة، ~~وقال له: جئتك بشرف الدنيا وبالعز، وهذه القبائل من قريش والعرب قد ساروا ~~إلى محمد فكن معنا، فقال: دعني فإن هذا الرجل قد عرفناه بالصدق والوفاء، إن ~~قال نعم فهي نعم، وإن قال لا فهي لا، ما لقوله خلف، وأكره أن يغدر به ~~ولعلكم ألا تظفروا به. فقال حيي: ليس هذا من تلك العساكر التي لقيته قبل ~~هذا، ونحن في كثرة وهو في قلة، ولن ننصرف عنه أو نستأصله، فتندم في قعودك ~~عنا؛ وإنما هو وأصحابه قليلون، وهذه قريش في هذا العدد. وذكر عدد تلك ~~القبائل وما زال بهم حتى غدرت قريظة. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسعد ابن معاذ وسعد بن عبادة اليهم ليعرف ما عندهم وهل غدروا ms320 أم لا. فلما ~~بصرت قريظة بالسعدين مزقوا الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كف، فما بيننا ~~وبينهم أجل من السباب. # فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا ~~على ضعف PageV02P449 # المسلمين، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها. وجاءت قريش ~~والقبائل من وجه آخر، وأشار سلمان الفارسي رحمة الله عليه بحفر خندق، وكان ~~هذا أول مشهد شهده سلمان. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ~~وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل ~~فيها المعول فهموا بالتعريج عنها، ثم قال قائل: عرفوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد كان صلى الله عليه وسلم سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر ~~بإزاء العدو. فنزل صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة ~~فثار منها برقة عظيمة. فكبر وكبر المسلمون، وقال: رفعت لي صنعاء واليمن ~~فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى ~~فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال: رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب ~~الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر ~~المسلمون وقال: رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها ~~فأبشروا. وتصدعت الصخرة فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وهو ~~مستبشر مسرور، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور. # وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم، فطفره عمرو بن عبد ود، ~~وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب، وأقاموا أياما ~~يحاربون، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب، ~~ويقتحمون على المسلمين. فأرسل الله عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم ~~وأبنيتهم، ونفرت خيولهم وإبلهم، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم، ~~ومروا هرابا على وجوههم، وكفى الله المؤمنين قتالهم، وبات المسلمون من تلك ~~الريح في كل عافية. # فإن قيل: ms321 ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى، قيل له: قد جاء مجيئا إذا PageV02P450 # تدبره من سمعه وفكر فيه علم وتيقن أن الأمر كذلك، فإن القرآن نزل به ~~مذكرا هذه النعمة ومحتجا بهذه الآية وممتنا على المؤمنين فقال: «يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا ~~وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا. إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ~~ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا» # فلو كانت هذه الريح وغيرها من الأمور التي جرت العادة مثلها لما امتن ~~الله به ولا احتج والعدو والولي يسمعه، [هذا] لا يفعله عاقل فكيف بمن يدعي ~~النبوة. ثم يؤكده بأن يجعله قولا لله وأن الله يذكرهم بهذه النعمة. # ثم قال: «وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا» لما كان قد تقدم به البشرى، فكانوا يقولون: الواحد منا ما ~~يستطيع أن يذهب لحاجته من العساكر التي قد أحاطت بنا وهو يعدنا بملك اليمن ~~وملك كسرى وقيصر. ثم أذكرهم بقول طائفة أخرى «يا أهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا» وقد كان قوم من بني حارثة قالوا ذلك أخبرهم الله ~~بضمائرهم في قولهم، ولا يجوز أن يقول ذلك إلا وهو كما قال، ثم قال: # «ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا. # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا» ~~إلى قوله: «أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ~~PageV02P451 # كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد» يصف ~~جبنهم وخورهم وخداعهم وأنهم إذا زال الخوف وأمنوا قالوا: فعلنا وصنعنا ~~واجتهدنا، ويظهرون احتقار العدو وإن عادوا عاودناهم، ثم قال: # «يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب» يحكي عن ms322 هؤلاء المنافقين وعن من قلت بصيرته وعن من في قلبه ~~مرض، أنهم يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وأنهم سيرمون شعثهم ~~مما نالهم من الريح ويرجعون، وأن عسكرا مثل هذا في الكثرة والقوة لا ~~ينصرفون بإزائهم في ضعف وهم مع ذلك في قلة، و «يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا» » # فأخبر عن أسرارهم وعن ضمائرهم وواجههم بنفاقهم وسوء نياتهم، وهذا لا ~~يفعله إلا نبي واثق بتأييد الله له وبنصره إياه، لأن من صواب الرأي ومحكم ~~التدبير عند الحكماء والرؤساء وطلاب الملك وخطاب الدنيا أن يقبلوا الطاعة ~~ممن أظهرها لهم وإن اتهموا ضمائرهم، وأن لا يردوا ما ظهر من نصحهم ولا ~~يقولوا لهم ليس ظاهركم كباطنكم وأنتم أعداء، ليس هذا من حقوق الرئاسة ولا ~~يسوغ في تدبير السيادة ولا يقع هذا من عاقل إلا أن يكون نبيا، لأن الرئيس ~~إذا فعل هذا حملهم على مكروهه وبعثهم على مكاشفته واستفراغ الوسع في ~~الإفساد عليه وفي قتله. وفي أمثال الحكماء: لا تسمه عاقا فيعق، وقال في ~~وصاياه التي ترتضيها العقلاء: # اقبل مقالة من يأتيك معتذرا %~% إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره %~% وقد أجلك من يعصيك مستترا PageV02P452 # وكان أيضا لو لم يكن نبيا لا يأمن أن يكون باطنهم في طاعته مثل ظاهرهم، ~~فإذا قال لهم قد نافقتم وهم بخلاف ذلك لكان طعن في قوله، وإن لم يواجهوه ~~بالكذب قالوه من ورائه وذكروه لأتباعه ولمن قد اعتقد صدقه، ويذكرونه لعدوه ~~من اليهود والنصارى. فإنهم كانوا أشد الناس حرصا أن يقع له كذبة أو زلة، ~~فهم كانوا يواجهونه بالتكذيب وليس معهم حجة فكيف إذا صار لهم حجة. فتعلم ~~أنه لم يقل ذلك إلا عن علم ويقين، وهذا باب كبير من الاخبار بالغيوب وهو ~~كثير في القرآن فاعرفه، فهو من الآيات العظام ثم قال لهم: # «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~وذكر ms323 الله كثيرا» فقد كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في تلك الشدائد ~~والأهوال، ساكن القلب، طيب النفس يبشرهم بالنصر على هؤلاء وعلى أمم العرب ~~والعجم. # ثم قال: «ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما» . # وقد كانوا يقولون عند قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: أني سأصير ~~في جماعات وعساكر فيقولون: ملكنا أبسط وحزبنا أغلب وجندنا أكثر، فأنزل الله ~~إذ ذاك وقبل الهجرة: «أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في ~~الأسباب. جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب» فلما رآهم المؤمنون ذكروا هذا ~~الوعد من الله عز وجل فازدادوا إيمانا. ولهذا الوعد نظائر وأمثال كقوله: # «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا» ومثل قوله: «لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا» وغير ~~PageV02P453 # ذلك. وقوله: «وذكروا الله كثيرا» لم يرد به الذكر باللسان وإنما أراد ~~الذكر ذكر القلب والفكر في آيات الله ودلائله وحججه، وهذا أعظم الذكرين ~~وأجلهما وأنفعهما، والذكر باللسان بعده، ولا يغني عن ذكر القلب شيء البتة. ~~ثم قال: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» فأخبر عن ضمائر المؤمنين السابقين ~~والمهاجرين والأنصار، وأن باطنهم في الإسلام كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم. ~~كما أخبر عن باطن المنافقين ومن في قلبه مرض، وفي إخباره عن بواطن المؤمنين ~~من الدلالة مثل ما في إخباره عن ضمائر المنافقين، فتأمل ذلك لتعرفه فشرحه ~~يطول. # وقوله: منهم من قضى نحبه، أي من قتل في سبيل الله أو مات وهو مقيم على ~~موالاة الله وإيثار مرضاته، ومن بقي ينتظر مثله ونيته وطويته ألا يزول عن ~~ذلك، وما بدلوا تبديلا ولا غيروا. وفكر في قوله: «ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا» ~~ # فانظر كيف تمنن عليهم بأنه ms324 صرف عنهم هؤلاء الجنود وهذه العساكر بالريح ~~وكفاهم قتالهم، وما نال المسلمين من الريح أذى مع قرب المسافة. بل باتوا ~~منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية، وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا ~~يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله عز وجل. ~~PageV02P454 # وهم النبي صلى الله عليه وسلم بالانصراف إلى المدينة والرجوع اليها بعد ~~انصراف الأحزاب، فأتاه جبريل يقول له عن الله: لا تنزع درعك حتى تصير إلى ~~بني قريظة، فسار اليهم ونزل عليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب منه صلى ~~الله عليه وسلم مع كثرتهم فامتنعوا بحصونهم، وقال صلى الله عليه وسلم: يا ~~يهود يا إخوة القرود ، فقالوا يا محمد: ما عهدناك فحاشا، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: غدرتم بي ونبذتم عهدي، إنا إذا حللنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين. وبعث اليهم أبا لبابة بن عبد المنذر فقالوا له: يا أبا لبابة ~~أتنزل على حكم محمد قال: نعم، وأومى بإصبعه إلى حلقه، أي أنه الذبح، فأنزل ~~الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون» وما كان من أبي لبابة إلا إيماء بإصبعه، فأخبر ~~الله بما كان من إشارته وما كان بينه وبينهم. # قال أبو لبابة والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ~~وذهب من وجهه فأوثق نفسه بسارية في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم أما ~~إنه لو أتاني لاستغفرت له فأما إذ فعل فلا أحله حتى يكون الله هو الذي ~~يحله، وما زالت سارية أبي لبابة معروفة في المسجد، وهذه آية أخرى. # وقد كان بنو قريظة في كثرة وبأس ونجدة، فقذف الله في قلوبهم الرعب عند ~~نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فجاء على حمار أقمر، وقد كان ~~أصابه يوم الأحزاب سهم، وكان يقول اللهم لا تمتني حتى تريني في بني قريظة ms325 ~~ما أحب، فقال له PageV02P455 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني قريظة قد رضوا بك وبالنزول على ~~حكمك، فقال له الأوس: يا أبا عمرو هم حلفاؤك، فقال سعد: قد آن لي أن لا ~~تأخذني في الله لومة لائم؛ لينزلوا حتى أحكم. فلما نزلوا قال: قد حكمت بقتل ~~مقاتلتهم، وسبي ذريتهم، وغنم أموالهم، وأن تكون للمهاجرين دون الأنصار. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حكمت بحكم الله، وهو معنى قوله: ~~«وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا» . # فانظر كيف يمتن عليهم بهذا، والعدو والولي يسمع، ولا يجوز أن يمن عليهم ~~إلا بما قد كان وعلموه. فانظر كم علم في قصة الأحزاب، وكم آية، وكم دلالة، ~~وكم أعجوبة. # وقد دخل في هذا الباب باب آخر وهو بانفراده حجة تامة، بل في كل موطن منه ~~حجة ودلالة، فمن ذلك قوله عز وجل: «سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك ~~لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون ~~خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا.» # فانظر كيف يخبر عن عدوه أنهم سيقولون ما فيه حجة عليهم قبل أن يقولوه، ~~فيقولون ذلك ويفعلونه كما أخبر عنهم، وهذا من عجيب الأمور، PageV02P456 # ولها نظائر، مثل قوله عز وجل: «فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو» ~~وقوله: «سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا» ومثل هذا كثير. # فإن قيل: فما ينكرون أن يكون قد أخبر عنهم بعد أن قالوا. # قيل له: هذا لا يفعله عاقل ms326 بأن يقول لأمر قد كان وقد وجد وفرغ منه هذا ~~سيكون، فيكذب هذا الكذب الظاهر عند قوم يعلمون أنه قد كذب وهو يدعي الصدق ~~والنبوة وأنه وجده حجة الله وصفوة الله وأنه لا أحد معه في ذلك ولا بعده ~~إلى يوم القيامة، فاعرف هذا وراعه في أماكنه من القرآن إذا تلوته. # وتأمل قوله عز وجل: «يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم» وقوله: # «بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا» . # فإن العاقل لا يفعل هذا بمن أظهر له الطاعة وإن كان متهما الباطنية، بل ~~يظهر له القبول، هكذا حق الرئاسة وهو الذي تقضيه السيادة وهو الحزم ومن سوء ~~التدبير إظهار تهمة مثله، وهذا لا يفعله إلا من كان نبيا أو رسولا لله ~~صادقا كما قد تقدم شرح ذلك لك. # ومما يؤكد ذلك، أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصي أمته بالمداراة وبالصفح ~~وبترك PageV02P457 # المكاشفة، ويقول: هذا هو الحزم. وقد كان صلى الله عليه وسلم واجدا على ~~بعض أحياء العرب، فوردوا عليه وهو معرض عنهم، فقام رجل منهم فأنشده : # فحي ذوي الأضغان تستبق ودهم %~% تحيتك الحسنى فقد يرفع النفل # وإن أظهروا سوآ فأظهر كرامة %~% وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل # فإن الذي يؤذيك منه استماعه %~% وإن الذي قالوا وراءك لم يقل # فأقبل صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وقال: إن من الشعراء لحكماء، وإن من ~~البيان لسحرا، وأعاد قول الشاعر: وإن الذي قالوا وراءك لم يقل. استحسانا له ~~واستصوابا، فلما صار إلى أمر الله عز وجل ما رضي إلا بمواطأة القلب للسان، ~~وأن يكون الظاهر مثل الباطن، ثم ما رضي بأن يكون هذا القول منه ومن عنده ~~حتى قال هذا القول قول الله لا قولي، وقول خالقكم وخالق العالم ~~بضمائركم وما أخفيتم. # وتأمل قوله: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم» إلى قوله: «بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم ms327 صادقين» # فانظر كيف يقول لأولئك لما جاؤا معتذرين وسامعين ومطيعين: إنكم قد قلتم ~~بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، وإن قعودكم لم يكن لشغلكم بأموالكم وأهليكم بل ~~لظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا. # ويقول لهؤلاء الآخرين الذين بهم ضعف بصيرة وقد جاؤا مذعنين PageV02P458 # وسامعين ومطيعين: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا. فلا يسوغهم دعوى ~~الإيمان مع ضعف البصيرة، ويقول: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم» فيعطيهم العطاء الجزيل ويقول: هؤلاء الذين ضعفت ~~بصائرهم أعطيهم أتألف قلوبهم لانحطاط منزلتهم عن منازل المهاجرين والسابقين ~~والأنصار، فيسميهم باسم المنقصة ويلبسهم جلباب المذلة وقد أعطاهم تلك ~~العطايا الوافرة، وهذا خلاف تدبير عقلاء الناس وحكماء البشر، فإن هذا عندهم ~~تضييع للمال وتنفير للناس وجناية على الملوك ونقض عرى الملك وهدم لأركانه. # وفي هذا المعنى قوله عز وجل: «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله. والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» إلى قوله: ~~«ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» وهذا من ذلك ~~الجنس الذي قدمنا، وهي في قوم من المنافقين معروفين وهم عبد الله بن أبي ~~سلول الخزرجي وأتباعه، وهذا كان سيدا في الخزرج مطاعا عظيم الشأن، وكان ~~متقدما في الأوس والخزرج جميعا، وكان رأس المنافقين، يطيعونه ويرجعون اليه، ~~وكان قد حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق عليه أمره، وكان سعد بن ~~عبادة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم اصبر عليه يا رسول الله واحتمله، فو ~~الله لقد نظمنا خرزات تاجه لنسوده حتى جاءنا الله بك. # وكان معه على النفاق جماعة من الأوس والخزرج يؤملونه ويرجون أن تكون ~~الرئاسة له، وكانوا يعدلون قومهم من الأنصار في محبتهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأتباعه. # وكانت الأنصار تحب إسلامه وإجابته وإخلاصه، فيذكرون له صحة الإسلام ~~PageV02P459 # وحسنه، ويوبخونه في إبطائه عنه، فيجيبهم إلى ذلك فيسلم؛ ثم ينظر في أمره ~~وأنه ليس له منزلة خباب بن الأرت، وسهيل بن سنان، وزيد بن حارثة، وبلال ~~مولى أبي بكر الصديق، ms328 وعمار بن ياسر، وأمثالهم من الموالي مع حبه للرئاسة ~~إذ هو رئيس وسيد قبل الإسلام، فيتحسر، ويحمله الحسد، فيرجع ويتردد. وقد كان ~~في بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما في غزوة المريسيع أو غيرها ~~قد ازدحم الناس على الماء لضيقه ، فوقع بين الجهجاه الغفاري صاحب عمر ~~بن الخطاب وأجيره وبين رجل من الأنصار، فقال الغفاري: يا للمهاجرين وقال ~~الأنصاري: يا للأنصار، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول وهو في مجلسه وفي ~~جماعة من خواصه وخدنه وعبيده وأهل بيته، وكان في هذه الغزاة، فأظهر التعجب ~~من أن يقال يا للمهاجرين وأن يكون أحد يعاز الأنصار وقومه من الأوس ~~والخزرج وأخذ يلوم الأنصار في مجيئهم بهم وأنهم جاؤا بقوم فقراء فواسوهم ~~ومطرودين فاووهم وأنزلوهم ديارهم ومخذولين فنصروهم، فلما قووا واشتدوا ~~واثبوهم وقالوا: يا للمهاجرين، وهذا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، وينبغي لهم ~~أن يقطعوا النفقة عنهم حتى ينفضوا عن هذا الرجل ولئن رجعنا إلى المدينة ~~لنأخذنهم بهذا، ولننضحن لهم، وليخرجن الأعز منها الأذل. وكان قد قال هذا ~~بحضرة ثقاته وظن أن ذلك لن يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء زيد بن ~~أرقم الأنصاري وكان من أهل بيته فأعاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المجلس، فذكر صلى الله عليه وسلم ذلك للأنصار فجاؤا إلى عبد الله بن أبي بن ~~سلول فذكروا له ذلك، وأن زيدا بن أرقم حكى ذلك PageV02P460 # عنه، فقال: ما قلت هذا، وحلف، وقال: قد كذب من ذكر ذلك عني، وأنا أعرف ~~بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن أقول هذا، وزيد بن أرقم غلام حدث ~~لا يدري ما يقول. فقالوا له كذا الظن بك، وأقبلوا على زيد بن أرقم تعذلونه ~~وجاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وخاصته يكذبون زيدا ~~فيما حكاه، ويحلفون على ذلك، وأنهم يعتقدون في قلوبهم وضمائرهم نبوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فقبل رسول الله أيمانهم وسمع منهم وأقبل ms329 ~~عليهم يكذب زيد بن أرقم ولا صدقه، بل أمسك عنه. فأخذه صلى الله عليه وسلم ~~الوحي كما كان يأخذه، فأقبل على أصحابه ودعا بأبي بكر وعمر، وتلا السورة، ~~وأخبرهما بصدق زيد بن أرقم وأنه على حداثته قد أجاب وصدق. فقال له عمر بن ~~الخطاب يا رسول الله لم لا تأذن في قتل هذا، تقدم إلى بشر بن البر الأنصاري ~~أو إلى غيره يقتله ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة على ~~الأنصار، فقاموا إلى عبد الله بن أبي بن سلول فتلوا ذلك عليه وعرفوه ما ~~كان، وعذلوه ولاموه ولاموا أصحابه ومن حوله ممن يريد هذا، وقالوا: إلى كم ~~يا ويحك، وإلى متى تكون هذه الفضائح ويفضحكم الله مرة بعد مرة، توبوا ~~وارجعوا، فقالوا نتوب ونرجع. # وجاء ابن لعبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان مخلصا وكان برا بأبيه شديد المحبة له، فقال: يا رسول الله، قد بلغني ~~ما كان من أبي وما أحسب ولدا أبر بوالد مني ولكني لا أرضى له ما يأتيه، وقد ~~بلغني ما أشار به عمر، فإن أردت قتله فمرني بذلك فإني والله أقتله مع حبي ~~له وبري به، وإن قتله غيري خشيت ألا أصبر أن أرى قاتل أبي في الناس فأقتله ~~فأدخل النار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتله وتأن به. ~~PageV02P461 # ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزاة يريد المدينة، فلما ~~قرب اعترض ابن عبد الله بن أبي بن سلول هذا أباه واعتقل جمله وثنى ركبته، ~~فقال له أبوه: مالك يا بني وما تريد، فقال له: والله لا دخلت المدينة أو ~~يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، فما زال يدافعه ~~ويسأله تركه وتخليته فلا يفعل، ويمر به الناس على طبقاتهم في سيرهم، فمنهم ~~من يسأله الصفح عنه والتخلية له ومنهم من لا يفعل، وأصحابه وأعوانه يرون ~~ذلك به ويشتد حسرتهم عليه، فما أفرج ابنه عنه حتى قال ms330 ذلك ونادى على نفسه. ~~فتأمل ما في هذا من دلالات وعلامات وآيات بينات تدل كل عاقل استدل بها على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه وفيه من ذلك أكثر مما شرحنا فتأمله ~~تجده وهؤلاء المنافقون كبراء ورؤساء في قومهم، وكانوا مطاعين ولهم أتباع، ~~وقد كان اليهود يجلسون إلى عبد الله بن أبي بن سلول ويعظمونه ويجلونه ~~ويزيدون في ذلك لأجل عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم، ويبعثون الأوس ~~والخزرج على طاعته، ويقولون: سيدكم القديم ولحمكم ودمكم، وإنما محمد ~~وأصحابه دخلاء فيكم. وقد كان الجد بن قيس أحد السادة القدماء المطاعين في ~~بني قيلة من الأوس والخزرج ، وقد كانت سبيله في النفاق سبيل عبد الله ~~بن أبي بن سلول. # فإن قال قائل: قد لعمري كان هذا من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله ~~وهو بخلاف سيرة حزمة الملوك، ولن يقوم الملك بمثل هذا التدبير، ولكن إنما ~~فعل محمد هذا في آخر أمره وحين صار بالمدينة وصار في عساكر وجماعات، وحين ~~استتب أمره، فألا فعل هذا بمكة؟ PageV02P462 # قيل له: ما في هذا طعن ولا جئت بشيء، بل ما حصلت ولا تدري ما تقول ولو ~~سكت لكان أستر لك، لأنك مازدت على أن قلت: هذا كان بالمدينة ولم يكن ~~بالمدينة، وكان حين صار في عساكر وجماعات، فما في هذا من الطعن، ولو قد ~~تدبرت لعلمت أن هذا زائد في حجته. لأنه بالمدينة ما رجع عن دعوى النبوة ~~والصدق والعصمة كما كان بمكة، وحين صار بالمدينة وفي عسكر وعدوه في عسكر ~~يقصده ويطرقه، فهو إلى الرجال وإلى التدبير بتدبير حزمة الملوك وطلاب ~~الدنيا ومداراة من يتهم باطنه وترك مكاشفة مثل هذا أولى، فما زدتنا بسؤالك ~~هذا إلا قوة في الحجة. وقولك: ألا كان هذا بمكة؟ فكيف يكون بمكة وما هناك ~~منافق البتة؟، وكيف ينافقونه بمكة وهو وأتباعه كانوا بها مقهورين مغلوبين ~~وبها من المسلمين من يكتم إيمانه خوفا من قريش، والذين كانوا يظهرون ~~إيمانهم بمكة قبل الفتح أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ms331 وأشباههم، من تلك الجماعة ~~المعروفة، على ما عليهم في ذلك من الشدة والأذية والبلية من قومهم وسواهم ~~من الرجال والنساء كانوا يضعفون عما يقوى عليه أولئك فيكتمون ايمانهم، فمن ~~أين يكون بمكة منافق. والأمر بالضد مما كان بالمدينة فكأنك تقول له صلى ~~الله عليه وسلم: لم لم تكذب وأنت بمكة كما صدقت وأنت بالمدينة، وأيضا فهو ~~كان بمكة وحيدا فريدا، ومن معه في ذلة وقلة وقبل أن يتبعه أحد، فما لان ~~لعدوه بل كاشف وبالغ فيما يغضبهم ويغيظهم وجبههم بالإكفار والتجهيل بمثل ~~قوله: «أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون» «قل يا أيها الكافرون» ~~ومثل قوله: «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا» ومثل قوله: «إنك لا تسمع PageV02P463 # الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين. وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم» ومثل قوله: «وما أنت بمسمع من في القبور» إلى غير ذلك من نظائره ~~مما لم يكاد يحصى لكثرته، وهذا لا يفعله حازم ولا عاقل إلا أن يكون نبيا ~~كما تقدم لك شرحه في غير موضع من كتابك هذا. # وتدبر قوله في أصحابه ببدر: «يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون ~~إلى الموت وهم ينظرون» كيف يوافقهم على اليسير مما كانوا يجدونه من ~~الشدة والخوف من عدوهم لقلتهم وكثرة عدوهم. # وفي هذا المعنى قوله: «واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون» ~~وقوله في قصة أحد: «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة» فواقف الذين أرادوا من الدنيا المباح من الغنائم ~~على هذا المقدار، بخلاف تدبير البشر ومن له حرص على طلب الرئاسة والملك، ~~حتى قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا يريد الدنيا حتى سمعت رسول الله يقول: ~~«منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة» لأن المهاجرين ms332 والأنصار اتبعوا ~~النبي لصدقه ونبوته لا لغير ذلك، فإن اتفق لهم رزق مباح لم يكن بذلك بأس. # إلى قوله: «وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل: إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا ~~يبدون PageV02P464 # لك يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا» # وهذا كان قاله عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه يوم أحد وهو من ذاك ~~الجنس. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم» والعاقل إذا تدبر علم أنهم لو لم يكونوا ~~كذلك في ضمائرهم وطويتهم لما قاله فيهم ولما أخبر به عنهم، لأنهم كانوا ~~ألفا وأربع مائة، فكان لا يأمن أن تكون طويتهم غير خالصة وإن أظهروا له ~~ذلك، فكان لا يأمن أن يهجم منهم على خلاف ذلك، فيتبينون كذبه وهذا لا يفعله ~~عاقل، فكيف بمثل محمد صلى الله عليه وسلم وهو يدعي النبوة والصدق ويدعو ~~الناس إلى أن يعتقدوا ذلك فيه، ويريده منهم ومع هذا فيقول إن هذا ليس بقولي ~~وإنما هو قول ربي وربكم علام الغيوب. وهذا فيه علوم بغيوب كثيرة [التي] ، ~~ لا يعلمها إلا الله ولا يطلع عليها إلا صفوته وأنبياؤه. ولو كان فيهم ~~من ليس بخالص الطوية لرجع إلى نفسه فكان يظهر ذلك ولو بعد حين، ولا يدع ~~التحدث به وإن لم يجبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتحدث مع ~~اليهود والرؤساء الذين ذكرناهم من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ويخبرهم ~~بما كان عليه وما قاله، وكانوا يسرون بعثرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وزلة إن لو كانت وحاشاه من ذلك، فكان يبلغ ذلك رسول الله، والمسلمون ~~ويتحدثون به، ويشيع الأمر، كما ظهر أمثاله من قول المنافقين مع إخفائهم ~~لذلك. فتعلم حينئذ بدليل عقلك أن بواطنهم له صلى الله عليه وسلم كانت ~~كظواهرهم كما أخبر وكما قال. PageV02P465 # وقد كانوا يتعنتون ويتعلقون ms333 بالضعيف من الأمور ويسألون، ألا ترى أن عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح قد كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ~~إذا انتهى إلى آخر القصة وقد أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«وكان الله» فيقول ابن أبي سرح: # غفورا رحيما، أو عليما حكيما، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا ~~نزلت فاكتب، فقال للناس: إنما يأتي محمد بهذا من تلقاء نفسه، وحكى مثل هذه ~~الصورة، فكيف بما فيه الحجة لهم عليه. ولهذا نظائر مما قد سألوا عنه ~~وترددوا فيه، وليس أحد من أصحابه من أخبر عنه مع كثرتهم شك أو تردد أو أخبر ~~عن ضميره بخلاف ما أخبر صلى الله عليه وسلم. # ومن هذا الجنس قوله عز وجل: «للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون» فأخبر عن المهاجرين المكيين بأنهم هاجروا لله وابتغاء لمرضاة ~~الله وشهد لهم بالصدق، ثم قال: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» فشهد ~~لهم بالفلاح، وهم خلق كثير، أخبر عن طوياتهم وضمائرهم، وهذا من الغيب لا ~~يعلمه الا الله. # ومن هذا الجنس، إخباره في القرآن عن عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت ~~به، فأخبر عز وجل ببراءة ساحتها وبغافلتها عما رميت به وأن ذلك لم يخطر ~~ببالها ولا همت به فضلا عن أن تفعله، فقال عز وجل: «إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب PageV02P466 # عظيم» وقد جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك القذفة وقال: الله ~~أمرني بجلدهم وأخبرني بكذبهم في قذفهم عائشة، وتلا عليهم: «إن الذين جاؤ ~~بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم» » # أي ما ضركم بل كانت عقبى لكم، فإن الله عز وجل تولى إكذابهم بنفسه، وأنزل ~~فيه القرآن المعجز ms334 والآيات البينات التي لا إكذاب لها إلى يوم القيامة، ثم ~~قال: «لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم» ~~ # ثم عاتب المؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة ووبخهم على ذلك وعلى ~~إمساكهم عن تكذيب أولئك والرد عليهم وحسن الظن بعائشة وبصفوان فقال عز وجل: ~~«لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين» ~~حتى قال: «فأولئك عند الله هم الكاذبون» . فانظر إلى هذا التعنيف النازل ~~بالمؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة في عائشة وقالوا: إنما قلنا ما قيل ~~لا انا قذفنا ولا انا شهدنا. # ثم عاد إلى من كان له في القصة هوى فقال: «إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون» فتأمل هذا الوعيد لمن كان له في هذا هوى وقوله للمؤمنين ~~الأبرياء: «يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين» . # ثم قال: «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات ~~الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر» أي إن هذا مما يزينه الشيطان ويدعو ~~اليه والشيطان لا يريد إلا الباطل ثم قال: «ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا» أي لولا لطفه بخلقه وحسن اختياره لهم وجميل تدبيره ~~لما زكى PageV02P467 # منهم أحد أبدا، ثم قال: «ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله غفور رحيم» . # وهذا القول يقوله الله لأبي بكر، فإن مسطح بن أثالة كان من بني عبد مناف ~~وكان ابن خالة أبي بكر وكان في عياله، وقد كان خاض مع الخائضين في شأن ~~عائشة، فلما أنزل الله براءتها حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح وقد كان تاب ~~وندم وكان من المهاجرين، فلما قال الله هذا القول لأبي بكر الصديق قال: ~~بلى، يا رب نحب أن تغفر لنا، فرده في عياله. # فتأمل هذا ms335 النكال النازل بالقذفة والفضيحة الحالة بهم والتوبيخ لمن أصغى ~~لحديثهم والتزكية العظيمة لهذه المقذوفة، وقد وقع في هذه القصة جماعة كثيرة ~~فيما يكرهون على طبقات، وهذا قول يغيظ ويغضب ويخرج المخبات ويذكر بالأحقاد ~~وبالأمور القديمة ويبعث على البهت فضلا عن الإنصاف، فكيف بأمر قريب العهد. ~~ولهؤلاء القذفة والخائضين نفوس وأكباد وعشائر وأحباب، وفيهم مثل عبد الله ~~بن أبي بن سلول، ويتصلون بأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود ~~وغيرهم، ولهم الحرص الشديد على كذبة أو زلة تقع منه فما قدروا، فلو لم ~~يكن في هذه القصة إلا إنسان واحد أو عائشة وحدها وكان هناك كذب لظهر، فكيف ~~وفيها جماعة، فلو لم يكن الله قد أطلعه وأخبره بصدق عائشة وصفوان لما أخبر ~~بهما فإن كان لا يأمن كذبهما، هذا لا يختاره عاقل سيما وهو يدعي الصدق. # فقد علمت أن الملوك وطلاب الدنيا لا يؤمن غدرهم وكذبهم وبهتهم بل تلك ~~عادتهم وسجياتهم، وهم يطوون أسرارهم ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد PageV02P468 # الواحد من ثقاتهم ممن يشاركهم في ملكهم ونعمهم، ثم لا يأمن إن أظهر ذلك ~~على نعمته ودمه، ثم لا يلبث السر الذي هذه سبيله أن يظهر ذلك في زمن الملك ~~من جهته أو من جهة ذلك الثقة الذي أطلعه عليه، وليس للناس بإظهار ذلك ~~عناية، وربما لم يكن في ذلك ما يتعلق بالدين وفيه معاداة الناس كلهم، ~~وعنايتهم به وطلب عثرات من أتى به شديدة، ويتمنون وقوع ذلك منه. ومن لا عيب ~~فيه ولا عادة في وقوع الكذب منه ومن يدعي العصمة فصغار الأمور كبيرة منه، ~~وقد يشيع عليه بما يشبه العيوب والذنوب بأنه عيب وذنب، ويتعلق عليه بمشكل ~~الألفاظ ومتشابه الكلام. وقد كان أعداؤه صلى الله عليه وسلم معه وبهم من ~~الكثرة والقوة والملك والسطوة ما قد عرفه الناس، ومع هذا فقد ارتد من ارتد ~~من قبائل العرب بعد موته، وناظرهم أصحابه وحاجوهم وحاربوهم فما أمكن أحد من ~~أولئك الأعداء من المرتدين ولا المنافقين ولا اليهود ولا النصارى ms336 أن يقيموا ~~حجة في هفوة أو زلة أو فيما يشبه ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم مع ~~حاجتهم إلى ذلك وحرصهم عليه، فكانوا يدفعون بأس أصحابه عن أنفسهم بذلك ~~ويوقعون الخلاف بينهم بذلك، لأن أصحابه إنما استحلوا دماء من خالفه ديانة ~~لأنه نبي ولأنه صادق لا يخطىء ولا يزل ولا يكذب، ولو وقع منه شيء من ذلك ~~لما حلت نصرته ولا تصديقه ولا اتباعه فلو كان فيمن زكاه وشهد على ضميره ~~ونيته من ليس كذلك لما لبث أن يخبر بذلك ويرجع عن نبوته وتصديقه، وكان لا ~~يسر بما أظهره من تزكيته لأنه يعلم أنما أظهر تلك التزكية والتصديق حيلة ~~عليه وخديعة له وسخرية منه، فكيف والذين زكاهم وشهد على ضمائرهم جماعات ~~كثيرة في أوقات متغايرة، وكذا من شهد بنفاقه، فاعرف هذا فإنه باب كبير من ~~ورائه أبواب في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. # ثم عدت إلى ما كنت بدأت به، فمن هذا الجنس قوله تبارك وتعالى: PageV02P469 # «لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون» ~~. # فتبين رحمك الله ما في هذا، فقد تقدم لك شرح نظائره، ثم قال: «عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين. لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ~~فهم في ريبهم يترددون» وهذا في قوم معروفين استأذنوه عليه السلام ثم ~~قال فيهم: «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين» ~~ وهذا خلاف تدبير عقلاء البشر، فإنهم إذا خلفوا من خلفوا خوفا من ضرره ~~وهربا من شره وقدموا من قدموا ليهلك فيستريحون من شره لا يفضحون بذلك ولا ~~يظهرونه وإنما يظهرون خلافه، فيقولون لمن ms337 خلفوه إنما خلفتك لحاجتي لتكون من ~~ورائي ولثقتي بك ولتعويلي عليك، وكذا يقولون فيمن يقدمونه، ثم قال: «لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون» يريد ما كان من حرصهم على قتلك واستئصالك حتى طمعوا فيك، ~~لوحدتك ثم لضعف من اتبعك حين آمنوا بك ولقلتهم حتى جاء ما وعد الله من ~~النصر والظفر والظهور، ثم قال: «ومنهم من يقول ائذن لي PageV02P470 # ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم قال للجد بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر. يعني ~~الروم. فقال هو وغيره: # بل تأذن لنا فنقيم ونتخلف ولا تفتنا فتغلظ المحنة علينا بأمرك إيانا ~~بالخروج وترك إعفائنا منه، فلعل ذلك أن يثقل علينا فنخالف أمرك فيه. # فقال الله: «ألا في الفتنة سقطوا» أي فيما ذكروا أنهم يحذرونه من المعصية ~~والخلاف سقطوا، والنار من ورائهم محيطة بهم على أفعالهم ونفاقهم وقعودهم ~~عنك. # ثم قال: «قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين» ~~وليس من تدبير عقلاء البشر أن يقول لمن أظهر طاعته وأنفق فيها ماله وبذل ~~فيها مهجته: إن هذا لا ينفعك ولا يقبل منك ثم قال: «وما منعهم أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ~~ولا ينفقون إلا وهم كارهون» وهذا من ذلك الجنس في المكاشفة ثم قال: «فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون» ، فقد كان للجد بن قيس ولعبد الله ابن أبي ~~وأضرابهما ممن نافق من الأوس والخزرج أموال ظاهرة ونعم وأولاد، وهم جماعة ~~كثيرة، فأخبر الله نبيه بسوء أحوالهم في الباطن وأن أموالهم وبال عليهم ~~والله يعذبهم بها بما يكلفهم من إنفاقها، فهم ينفقون أموالهم ويكدون ~~أبدانهم ويقاتلون أولياءهم مع أعزائهم، وهذا من ذلك الجنس. وليس يريد ~~كفرهم، وإنما يريد تعذيبهم بكفرهم في حال كفرهم، كما قد ms338 يقول الرجل لصاحبه: ~~إنما أريد أن تعودني وأنا مريض، وإنما أريد أن تزورني وأنا محبوس، ~~PageV02P471 # وإنما أريد أن تسد خلتي وأنا فقير، وهو لا يريد أن يكون مريضا ولا محبوسا ~~ولا فقيرا، وإنما يريد أن يعامل بهذه المعاملة وهو في هذه الأحوال، فكذا ~~أراد الله تعذيبهم وهم كافرون، أي في حال كفرهم ولأجل كفرهم وإن كان لكفرهم ~~كارها. ثم قال: «يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم» وهذا في قوم من المنافقين معروفين اجتمعوا، ~~فقال بعضهم لبعض: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فقال رجل ~~كانوا يظنونه منهم وهو مسلم: والله الذي لا إله إلا هو إنه لحق ولأنتم شر ~~من الحمير. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فدعاهم فقال ~~أنتم القائلون كذا وكذا، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله ذلك، فقال رجل ~~منهم: قد والله قلنا، وأرى الله قد عرض علي التوبة وبذلها لي، والله ~~لأقبلنها؛ فتاب واعتذر، وهو معروف. # وقد قلت لك: إنك بعقلك تعلم أن هناك قوما هذه صفتهم وقد قالوا ما ~~حكاه الله عنهم وإن لم نعرف أسماءهم وأعيانهم. وقوله: «وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله» فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم ~~من الغنائم إذا حضروا الحرب على ظاهر الإسلام، ويعطيهم من الصدقات بظاهر ~~الفقر، فأذكرهم الله بهذه النعم، وهذا كقولك ما لي إليك ذنب إلا نصحي لك ~~ومحبتي إياك. # ثم قال: «ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون. فأعقبهم نفاقا ~~PageV02P472 # في قلوبهم» إلى قوله: «فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم» ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة، فجاء عمر بصدقته ~~وجاء عبد الرحمن بصرة يعجز عنها الكف، وجاء عثمان ms339 أيضا بما هو معروف من عظم ~~صدقته، وكذلك غيرهم من الصحابة. وجاء رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر، ~~فقال المنافقون: لو كان لنا مال لأعطينا أكثر مما أعطى عبد الرحمن، وقالوا ~~لصاحب الصاع: إن الله لغني عن صاعك هذا، فلمزوا من إعطاء الكثير ومن إعطاء ~~القليل، فلهذا قال الله: «الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم» # فلهذا فصل الله عز وجل بين الفريقين. وأما قوله: «سخر الله منهم» فإن ~~الله لا يفعل سخرية الساخرين، ولا ظلم الظالمين، ولا استهزاء المستهزئين، ~~ولا خداع المخادعين، ولا جور الجائرين، ولكنهم لما جازاهم على سخريتهم ~~جاز أن يقال سخر منهم، وهذا جزاء، كقوله: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه» ~~ و «جزاء سيئة سيئة مثلها» فالأولى سيئة والثانية جزاء. ثم قال: ~~«وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا» وهؤلاء قوم معروفون ~~بأعيانهم تخلفوا عن الخروج مع رسول صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك ~~وقالوا هذا القول، وكان قد خروج في أشد ما يكون من الحر، وكانت نصارى العرب ~~قد خرجوا إلى ملك الروم يحثونه على قصده لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقالوا له: هو وأصحابه في جهد وضر شديد، فانتهز الفرصة فيهم. فبادره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخرج بأصحابه وهم في ضر شديد وإعواز وعدم القوت، ~~وتوجه نحو PageV02P473 # الشام في عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، وأقام بتبوك وملك الروم بدمشق، ~~فراسله النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى إجابته والدخول في طاعته ووبخه ~~وكان له معه ما هو معروف. # «وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم» ، والمعذر بالتشديد هو المقصر الذي ~~لم يستفرغ وسعه، والمعذر بالتخفيف الذي قد قدم فيما بينه وبين أخيه وصاحبه ~~ما هو غاية في العذر وكان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ: المعذرون ~~بالتخفيف، ويقول: لعن الله المعذرين، ذهب إلى الذي يعتذر بغير عذر. # ثم قال: «يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم ms340 فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين» . # وكذا يجب على المسلم أن يرضى ما رضي الله وعمن رضي الله ويسخط ما سخط ~~الله، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يرضى ~~بقدر الله» فالرضى بقدر الله واجب، وسخط المعاصي فرض لازم، فالويل لمن رضي ~~بمعاصي الله والويل لمن لم يرض بقدر الله . # وقوله عز وجل: «الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا» إلى قوله: # إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم» . # وكان رجل من كبار الأوس يقال له أبو عامر عبد عمرو بن صيفي وكان يعرف ~~بأبي عامر الراهب، وقد كان أظهر الترهب وأنه يطلب الحنيفية ودين ~~PageV02P474 # الحق. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبو عامر فقال: يا ~~محمد إلام تدعو، فقال إلى دين الحنيفية الذي تطلبه بزعمك، فقال له: ما أنت ~~عليه؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، ودعاه فأبى، وحسد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال له أبو عامر: # الكاذب منا أماته الله غريبا شريدا طريدا، يعرض برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فعل الله ذلك بالكاذب ~~منا. ثم أقبل أبو عامر على قومه ينهاهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعن طاعته ويجتهد، وأعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآياته تتزايد ~~وتظهر ويكثر أتباعه من قوم أبي عامر فيزداد غيظا. واتخذ مسجدا يجمع اليه ~~الناس فيحادثهم وينهاهم من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعم أنه ~~على الحنيفية، وأن دينه سيظهر ويصير في جماعة وعز، فكان يجتمع اليه قوم من ~~المنافقين، ويجلس اليهم اليهود ويقوون منهم الخلاف على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم إنه خرج إلى مكة وبعثهم على غزو النبي وحربه، ويقول: أنا معكم ~~وقومي من الأوس معكم، فإذا لقيتم محمدا صرنا إليكم. وكان معهم في وقعة أحد، ~~فلما تنازلوا نادى أبو عامر قومه معاشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا ms341 ~~مرحبا بك يا فاسق، وسبوه ولعنوه، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. وقد كان خرج ~~إلى مكة من قومه جماعة كثيرة وهم على رأيه في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكانوا نحو خمسين رجلا، فقاتلوا المسلمين مع قريش قتالا شديدا، ثم ~~صار أبو عامر إلى الروم ولقي قيصر ملك الروم بالشام، فدعاه إلى قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وحرضه على ذلك، وهون أمرهم عنده بضعفهم ~~وفقرهم وقلة عددهم وكثرة عدوهم، وخوفه العواقب إن هو لم يفعل ذلك بما لا ~~يأمنه من قوة الإسلام. ثم إن أبا عامر مات بالشام طريدا غريبا وحيدا كما ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضا من أعلامه في إجابة دعوته. # وقوله: «أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين» دلالة على أن PageV02P475 # الفتنة بمعنى النعمة وفيها دلالة على أن الله قد أنعم على الكافرين ~~والمنافقين بنعمة الإيمان، وأكمل عقولهم وقواهم وأزاح عللهم، فبدلوا نعمة ~~الله كفرا وأبطئوا عن التوبة والتذكر. # وانظر إلى ما في قوله: «وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم ~~تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم» وهذه نزلت في هؤلاء ~~الثلاثة من المؤمنين خاصة، وهم : كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن ~~ربيعة وكلهم من الأنصار، وكان هؤلاء تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك، ثم ندموا واغتموا غما شديدا وحزنوا لذلك حزنا عظيما ~~ضاقت صدورهم به، فأخبره الله عز وجل عن صدق نياتهم وخلوص ضمائرهم وما فيها ~~من الحزن والغم بتأخرهم وما كان ليتلو ذلك إلا وقد علم وتيقن ما في ~~ضمائرهم، وفي هذا من الدلالة مثل ما تقدم، والكلام فيه مثل الكلام في ذلك، ~~فاعرفه. # وكان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة خلق كثير ~~من المسلمين نحو ثمانين رجلا، وذكروا ما أخرهم، وصدقوا عن أنفسهم، ms342 ومنهم ~~من لحق به بتبوك قبل أن يرجع إلى المدينة. وكانت هذه الغزاة صعبة شديدة، ~~خرجوا في الحر الشديد وكانوا في إضاقة وفي قلة من الزاد، وكان الزمان ~~PageV02P476 # حريقا، وأقبل صلى الله عليه وسلم من تبوك، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه ~~عامة الذين تخلفوا عنه من المؤمنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~يكلمن رجل منهم ولا يجالس حتى آذن لكم، وأعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وعن أخيه، وحتى إن المرأة لتعرض ~~عن زوجها. فمكثوا أياما، ويجعلون يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجهد، ويحلفون له، فرحمهم صلى الله عليه وسلم واستغفر لهم. وقالت بنو ~~سلمة لكعب بن مالك امش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر اليه ~~وبايعه لعله يقبل منك، فأقبل معهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ~~المسجد يبايع، فسلم عليه فأعرض عنه، فقيل إن كعبا قال: لم تعرض عني يا رسول ~~الله، فو الله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فما خلفك عني؟ قال: # أما إني لا أعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر، لقد كنت شابا ~~موسرا ولكن أصابني فتنة فتخلفت. فسمع مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية بالذي ~~قال كعب فقالا مثل قوله، فأعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا ~~من عنده، فقالت بنو سلمة لكعب: والله ما أصبت ولا أحسنت ولو اعتذرت لقبل ~~منك، فقال لهم كعب: والله لا أجمع اثنتين: أتخلف وأكذب وقد اطلع الله على ~~ما في نفسي فقالت بنو سلمة: والله إنك لشاعر مفوه بليغ جرىء على الكلام، ~~فقال كعب: # لن أجترىء على الكذب. # فمكث هؤلاء الثلاثة قريبا من شهرين لا يكلمهم أحد من المسلمين ولا ~~يجالسهم، حتى أعرض عنهم نساؤهم، ووجلوا أشد الوجل، وخرجوا من أهاليهم إلى ~~البرية، وطلبوا الفساطيط يأوون اليها بالليل ويتعبدون الله. وكتب جبلة بن ~~الأيهم ملك غسان ms343 إلى كعب بن مالك أنه بلغنا أن صاحبك نبا بك وأقصاك هلم ~~إلينا فإن لك متحولا ولا تقم على الهوان؛ فأقبل كعب بكتابه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال يا رسول الله: ما زال إعراضك عني حتى ~~رغب في PageV02P477 # المشركون يدعونني إلى الشرك، فلم يراجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فرجع كعب أحزن ما كان وأشده كربا، وقد أقام أياما في الفسطاط ينتظر التوبة ~~وهو بالحمى فضاقت عليه برحبها، فرجع إلى سلع فكان يقيم به بالنهار ~~صائما ويأوى إلى داره بالليل، حتى نزلت التوبة له ولصاحبيه ورضي الله عنهم ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة فقام من الليل فتوضأ واستن ~~ثم قال لأم سلمة: الحمد لله الذي أنزل لإخواننا التوبة، فقالت: من هم يا ~~رسول الله، فقال: كعب ابن مالك وصاحباه، فقالت أم سلمة: أفلا أبعث اليهم ~~وأبشرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبحي، فصلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصبح وانصرف، فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار فقال لهم: قد ~~تاب الله على إخوانكم الليلة، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وسعى أبو بكر ~~وعمر يبتدران كعبا ليبشراه، فسبق أحدهما صاحبه، فارتقى المسبوق على سلع ~~فصاح: يا كعب بن مالك، أبشر بتوبة الله، فقد أنزل الله فيكم القرآن. وكعب ~~جالس في مسجد قومه فسمع الصوت فوقع ساجدا يبكي سرورا بالتوبة واجتمعت اليه ~~بنو سلمة رجالهم ونساؤهم يهنئونه بالتوبة، وأقبل كعب سريعا إلى رسول الله ~~فبايعه واستغفر له وبشره بالتوبة التي نزلت فيه وفي أصحابه، وقرأ عليه: ~~«لقد تاب الله على النبي» إلى آخر القصة. # وهذا كعب بن مالك أحد الشعراء والسادة والبلغاء وكذلك صاحباه فمن السادة، ~~وكانت هذه حالهم في تخلفهم وما امتحنوا به وما صدقوا به عن أنفسهم والإخبار ~~عما في ضمائرهم، لتعلم حسن هذا التدبير وإدلال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالصدق والأمانة والبعد من كل ريبة ومن كل حيلة ومما جرى عليه ~~PageV02P478 # أمر البشر، فتدبر ما ms344 يقرأ ويكتب لتعرف أعلام النبوة وتظهر لك حيل ~~المحتالين على المسلمين في تشكيكهم فيها وإخراجهم من الإسلام من حيث لا ~~يشعرون، فإن القوم الذين قدمنا ذكرهم حين كادوا الإسلام تستروا بالتشيع، ~~وقالوا: # يجوز على أنبياء الله وحججه تزكية المشركين ومدح الكافرين وشتم ~~النبيين والبراءة من الصديقين على طريق الخوف والاتقاء، وإنما قالوا ذلك ~~لما قد قهرهم من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين لأبي بكر ~~وعمر وعثمان وتلك الجماعة من المهاجرين والأنصار، فقالوا: إن هذا المدح على ~~طريق الخفية من هؤلاء واتقاء لهم ولبأسهم، وأنت ترى مكاشفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للأعداء في حال الوحدة وهو خائف يترقب، وهو في أيديهم وفي ~~قبضتهم مقهورا مغلوبا، وقد تقدم شرح ذلك، وتقدم لك أيضا أن هؤلاء المهاجرين ~~والأنصار قد علمنا أنهم أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه ~~وثقاته وأمناؤه، وأنه كان يحبهم ويتوالاهم، وأن العلم بذلك قبل العلم ~~بنبوته، وأنه قد فرض على أمته وأهل طاعته محبتهم وموالاتهم كما فرض عليهم ~~البراءة من الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وعتبة بن ربيعة وأمثالهم ~~من أعدائه من قريش ومن اليهود والنصارى على ما تقدم لك من شرح ذلك، وقد ~~تقدم لك أيضا أن أنبياء الله وحججه لا يجوز أن يتقوا وإن خافوا وإن غلبوا ~~وإن قهروا. # وأعجب الأمور أن رؤساء الجاهلية وأقيال العرب والمتبوعين والمطاعين ~~كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، وعامر بن الطفيل. وأضرابهم قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنا نحب أن نجلس إليك ونسمع منك ونحن وجوه الناس، ~~وإنما حولك هؤلاء الفقراء والعبيد كصهيب بن سنان، وخباب بن الارت، وعمار ~~ابن ياسر، وبلال، وأرواح ثيابهم كأرواح الجلود العطنة، ونكره أن ترانا ~~PageV02P479 # العرب معهم، فاجعل لنا يوما ولهم يوما. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك ولم ير به بأسا، رجاء لإسلام هؤلاء وأنهم متبوعون مطاعون يسلم ~~بإسلامهم الخلق الكثير، فأنزل الله: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما ms345 عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين» وقد كان قوم من هؤلاء الرؤساء الذين قدمنا ~~ذكرهم قالوا: يقدم هؤلاء العبيد والموالي والفقراء علينا، فأنزل الله: ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم» # وفي هذا المعنى نزل قوله عز وجل: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ~~ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا» . # فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك العزم ولم يفرد أولئك ~~الرؤساء بمجلس يخصهم، وقدم هؤلاء الفقراء والعبيد والموالي، فكانوا أقرب ~~الناس اليه، ويجلس اليهم ما جلسوا، ولا يقوم عنهم حتى يقوموا. وقد كانوا ~~عرفوا ذلك منه، وكانوا إذا أقبلوا يقول لهم: سلام عليكم مرحبا بكم، بأبي من ~~عاتبني فيهم ربي اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة ~~المساكين. يريد المتواضعين للمسلمين. # فتأمل هذا التدبير، وكم كان من الرؤساء من قريش وغيرهم يبطئهم ~~PageV02P480 # عن الإسلام أنهم قد علموا أنهم إذا أسلموا لم يتقدموا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على هؤلاء الموالي والعبيد، بل لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسوي بينهم، وإنما كان الناس يتقدمون عنده على السابقة والهجرة ~~والبصيرة. فلما فتحت مكة وأسلمت العرب ويئس عدو الإسلام من الطمع فيه تحدث ~~أبو سفيان وأمثاله من بني عبد مناف، أن الذي أخرنا عن الإسلام أنا حسدنا ~~بني عمنا من بني هاشم ولقد أوفى الحارث بن هشام على مرقب حين خرج من مكة ~~ ، فلم يبق بها نافخ ضرمة إلا خرج مودعا له ومستوحشا لفراقه، فقال: ما ~~بلد أحب إلي من بلدكم ولا قوم أحب إلي منكم، ولكن حدث هذا الأمر فسبق اليه ms346 ~~رجال ليسوا من أقدارنا، ولئن سبقنا عمار وبلال وصهيب إلى الإسلام فلن ~~يسبقونا إلى الجنة، وأنا حبيس في سبيل الله ما حييت. فكان منه ومن عكرمة ~~ابن أخيه وغيرهما من بني مخزوم وهم كانوا أعداء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن مسلمة الفتح من الجهاد في سبيل الله وفي قتال المرتدين بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردوهم إلى دين الإسلام، ومن جهاد الفرس ~~والروم، ومن الصبر على تلك الشدائد، ما هو مذكور في كتب العلماء. # وفي هذا المعنى ما كان آذن عمر بن الخطاب يخرج وببابه سادات العرب ~~فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ أين خباب؟ فينهضون مقدمين مكرمين، ~~وبالباب سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وعيينة بن حصن، وأمثالهم من السادة. ~~فنظر اليهم سهيل بن عمرو وقد تمعرت وجوههم من جلوسهم بالباب والإذن لأولئك ~~قبلهم فقال لهم: ما لكم معشر العرب تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا ~~فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم اليوم بباب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة ~~غدا أفضل، وهذا سهيل بن عمرو PageV02P481 # كان من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشدهم عليه وهو من مسلمة ~~الفتح، فاسمع قوله وتأمل أمره. # وكم يحدث معاوية وآل أبي سفيان وآل مروان في ملكهم وفي سلطانهم بعد مضي ~~أئمة الهدى أن الذي أخرهم وأخر أباهم عن الإسلام الأنفة أن يكونوا كمن قد ~~قدمنا ذكره. # ومنهم من أخره الحسد والمنافسة، ومنهم من أخره منع إخوانه وساداته وهذا ~~باب مفرد. # وقد علمت أن الملوك والجبابرة قد تكون لهم الهفوات والزلات فتقف عليها ~~ثقاتهم ووزراؤهم وشركاؤهم في الملك ومن يخافهم على دمه في التحدث بعيوبهم ~~فيحدثون به في حياتهم ويلقونه إلى ثقاتهم ولا يملكون أنفسهم لثقل الكتمان ~~على الناس، فأما إذا مات الملك أو الرئيس فيحدثون به كل أحد مجاهرين، هكذا ~~جرت العادة ودلت عليه العبرة، وهؤلاء تحدثوا بهذا في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبعد وفاته، لتعلم وثاقة أمر النبوة وأن ms347 أمرها وأساسها وضع ~~على مثل الجبال. وما كنا في هذا الباب وإنما كنا في بطلان قول الذين رموا ~~الأنبياء بكتمان الحق وإظهار الباطل، فاتصل الكلام بما أشبهه فخرجنا إلى ~~هذا. # ثم عدت إلى بيان بطلان قول هؤلاء فتأمل قوله: «عبس وتولى أن جاءه ~~الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له ~~تصدى وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى، كلا» . # وقد كان بعض سادات العرب وأغنياؤهم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببعض شأنه، فأقبل صلى الله عليه وسلم على كلامه رجاء إسلامه وأتاه في تلك ~~الحال ابن أم مكتوم PageV02P482 # - وكان أعمى- يكلمه، فتشاغل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جوابه بذلك ~~السيد فعاتبه الله هذا العتاب في شيء هذا قدره. # فكيف يسوغ أن يظن عاقل متأمل بالنبي صلى الله عليه وسلم ما ادعاه هؤلاء ~~عليه!! # وتأمل قوله: «وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه» ~~ # وهذه نزلت في قصة زينب بنت جحش وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجها بزيد بن حارثة وكان مولى. # وكان قد زوج أيضا ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المقداد بن الأسود وكان من الموالي أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطلان مذاهب الجاهلية في الأكفاء، وكانت زينب هذه شرسة الأخلاق كثيرة ~~النقار لزيد والخصومة له، وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويكره أذية زيد، وكان زيد لا يصبر ولا يطيق أخلاقها وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كالمتندم على تزويجها به ويقول في نفسه: ليتني كنت تزوجتها ~~فكنت أحق باحتمالها والصبر عليها من زيد وغيره لقربها مني وكان زيد إذا هم ~~بطلاقها نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ms348 عن ذلك وقال: # اصبر واحتمل وأمسك عليك زوجك، فلم يصبر زيد، فطلقها، فأحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يتزوجها فكره استحياء من زيد وغيره، فقال الله عز وجل له ~~هذا القول في شيء ليس بمعصية، ثم أمره بالتزويج بها لما أراده ونواه من صلة ~~رحمه، ولئلا يخرج المؤمنون في التزوج بأزواج أدعيائهم ومن يتبنونه ولم يكن ~~من أصلابهم، فقال عز وجل: «فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها PageV02P483 # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان ~~أمر الله مفعولا» . # فتأمل هذه الأقوال في هذه الأمور الصغار، وتأمل دعوى هؤلاء على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كأنما يحدثونك عن مسيلمة أو عن كسرى وقيصر في سيرتهم، ~~لا عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وتدبير الله له. ### | وباب آخر [حول الآية الكريمة «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب» وكيف كان كما أخبر تعالى] # وهو قوله عز وجل: «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب» فكان ذلك كما ~~أخبر، حتى تم أمر المسلمين وكانت العقبى لهم، وإن كان في خلال ذلك قد كانوا ~~ينالون من المسلمين ويقتلون منهم إلا أن العقبى كانت لهم عليهم كما قد ~~تبينت ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب» . وقد كان المسلمون ~~يرون ذلك ويتحدث المشركون بما يجدونه منه وقالت بنت للحكم بن أبي العاص ~~لجدها: # ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا ولا أعجز في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منكم يا بني أمية، فقال: لا تلومينا يا بنية لا أحدثك إلا ما رأيت ~~بعيني هاتين. تواعدنا مع قريش لنأخذه، فلما دنونا اليه سمعنا صوتا خلفنا ~~ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت، فغشي علينا وما عقلنا حتى قضى صلاته ~~ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا اليه، قال فرأيت الصفا ~~والمروة قد التقى أحدهما بالآخر فحالا بيننا وبينه فو الله ما نفعنا ذلك ~~حتى رزقنا الله الإسلام. . PageV02P484 # ولقد قال لهم ms349 أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا: نعم قال: ~~فالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فقيل له ذات يوم: هو ~~ذاك يصلي فانطلق اليه ليفعل به ما قال، فما رأيناه إلا وهو ينكص على عقبيه ~~ويتقي بيده، قالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: بيني وبينه حدق وهول ~~وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة ~~عضوا عضوا. # واجتمع مرة الملأ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: قد التبس علينا ~~أمر محمد، فلو علمنا رجلا يعلم الشعر والسحر والكهانة بعثنا به اليه يكلمه ~~ويأتينا ببيان أمره، فقال عتبه بن ربيعة: أنا أعرف الكهانة والشعر والسحر، ~~وقد علمت منه علما فأنا آتيه فلا يخفى علي أمره، فأتاه فقال: # يا محمد، أأنت خير أم عبد الله، أأنت خير أم هاشم، أأنت خير أم عبد ~~المطلب، فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتفعل وتفعل، إن كانت بك الرئاسة ~~جعلناك رئيسا علينا حتى تموت، وإن كان بك الباه زوجناك عشرة نسوة تختارهن ~~من قريش، وإن كان بك المال أعطيناك ما تستغني به وعقبك، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم ساكت؛ فلما فرغ عتبة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~أبا الوليد قد قلت فاسمع: ثم قرأ صلى الله عليه وسلم «حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم» حتى بلغ إلى قوله: «فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود» فأمسك عتبة على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك ~~بالرحم لما كففت. ثم رجع اليهم فقالوا له: يا أبا الوليد رجعت بغير الوجه ~~الذي ذهبت، فقال: يا قوم أمسكوا عن هذا الرجل فإن تم أمره فشرفه لكم، ومضى ~~إلى منزله فقال أبو جهل: ما أرى عتبة إلا قد صبأ واتبع محمدا، انطلقوا بنا ~~اليه. فأتوه، فقال أبو جهل: ما نراك إلا قد صبأت PageV02P485 # واتبعت محمدا، فغضب وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ولكني أتيته، وقص عليهم ~~ما قاله له، قال: ms350 فقرأ علي: بسم الله الرحمن الرحيم «حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم» حتى بلغ «أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» فأمسكت على فيه ~~وناشدته بالرحم وعلمت أن محمدا لا يكذب، وخفت أن يأتيكم: # العذاب. # وقال الزبير بن العوام وهو يذاكر الناس بحال رسول الله وحالهم بمكة قبل ~~الهجرة: رأيت نفرا من المشركين حول الكعبة ورأسهم يومئذ أبو جهل، وأقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يتامرون بمناهضته، فقال لهم: قبحتم وقبح ~~ما اجتمعتم له، قال: فخرسوا فما منهم إنسان يكلمه، ولقد رأيت أبا جهل وهو ~~يعدو في إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر اليه ويقول: يا محمد أمسك ~~عنا ونمسك عنك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا أمسك عنك حتى تؤمن ~~بالله أو أقتلك، فقال أبو جهل وأنت تقدر على قتلي، قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الله يقتلك ويقتل هؤلاء معك، فولى أبو جهل وأصحابه فما بقي ~~من أولئك أحد إلا قتل. والصحابة يتذاكرون ذلك ويتعاودونه. # وقصة أخرى كانت لقريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وقد قدم رجل ~~من أراش بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، ~~فأقبل الأراشي حتى وقف على نادي قريش، فقال: يا معشر قريش، إني غريب وابن ~~سبيل، وقد غلبني أبو الحكم بن هشام على حقي، فرجل منكم يأخذ حقي منه؟ ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد. فقال أهل المجلس للأراشي ~~ : ترى ذلك الرجل، يعنون رسول الله، إنه نديم أبي الحكم، PageV02P486 # إذهب اليه فهو يأخذ لك حقك منه، يهزؤن به لما يعلمون من شدة عداوة أبي ~~جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأراشي لا يعرفه. فأقبل الأراشي حتى ~~وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن ~~هشام قد غلبني على حقي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن ~~رجل يأخذ لي حقي فأشاروا علي بك، ms351 فخذ لي منه بحقي رحمك الله، فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معه، فلما رآه أهل المجلس قد قام معه قالوا لرجل ~~منهم: اتبعه وانظر ما يصنع. # فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جهل فضرب عليه بابه فقال: من ~~هذا؟ قال محمد: اخرج إلي، فخرج اليه وما معه روحه وقد امتقع لونه فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم، لا يبرح حتى ~~أعطيه الذي له، فدخل فخرج اليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال للأراشي: الحق بشأنك، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك ~~المجلس فقال: # جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لي حقي، وجاء الرجل الذي بعثوه معه، قالوا ~~له: ما الذي رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إن ضرب عليه بابه فخرج ~~اليه وما معه روحه، فأعطاه حقه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: ~~مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، وتحدثوا بأنهم هم أشاروا على الأراشي ~~محمد هزآ بالأراشي لما سألهم وجيها عندك ونديما يأخذ له حقه، وما ظنوا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ولا إن سأله في الأراشي إلا منعه وحرمه ~~ونال منه ومن محمد، فقال لهم أبو جهل: ويحكم والله إن هو إلا أن ضرب على ~~بابي وسمعت صوته فملئت رعبا وخرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما ~~رأيت مثل هامته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني. # ومرة أخرى اجتمع الملأ من قريش في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى بالهتهم ~~كلها لو قد رأينا محمد لقد قمنا اليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى PageV02P487 # نقتله، فأقبلت بنته فاطمة عليها السلام تبكي حتى دخلت عليه فقالت: يا أبت ~~إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك ولو رأوك لقد قاموا اليك فقتلوك ~~فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك فقال: # يا بنية أدني وضوآ، فتوضأ ثم دخل ms352 المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، هاهو ~~ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم على صدورهم فلم يرفعوا اليه بصرا ولم يقم ~~اليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم ~~وأخذ قبضة من تراب ثم قال: شاهت الوجوه ثم حصبهم بها فما أصاب رجل منهم من ~~ذلك الحصباء إلا قتل كافرا. # ومرة أخرى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد ~~عثمان بن عفان، وفي الحجر عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، وأمية فمر بهم رسول ~~الله بين أبي بكر وعثمان، فلما حاذاهم أسمعوه ما يكره، وأدخل أصابعه في ~~أصابع عثمان وطافوا جميعا فلما حاذاهم أيضا قال أبو جهل: والله ما نصالحك ~~ما بل بحر صوفة، أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. ثم مضى عنهم وصنعوا ~~به في الشوط الثاني كذلك، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه، وقام أبو ~~جهل يريد أن يأخذ مجمع ثوبه، فدفع عثمان في صدره فوقع لقفاه، ودفع أبو بكر ~~أمية بن خلف، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط، فأفرجوا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: # أما والله ليحلن بكم عقابه عاجلا، فما منهم رجل إلا رعب وأخذه إفكك، ثم ~~قال لهم وهم في تلك الحال من الرعب: # بئس القوم أنتم لنبيكم، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي ~~بكر وعثمان فقال: «أبشرا فإن الله مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيه، إن ~~هؤلاء الذين PageV02P488 # ترون يجري الله ذبحهم بأيديكم عاجلا، فقال عثمان وهو يذاكر الصحابة بهذه ~~القصة: فو الله لأجرى الله ذبحهم على أيدينا يوم بدر. # وقال بعض العرب: وقد كان مع عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقعة ~~حنين: إن محمدا لما أخذ كفا من الأرض ورمانا به وقال شاهت الوجوه، وجدنا في ~~قلوبنا الرعب. # ولسنا نقول: إن الله كان يمنع منه صلى الله عليه وسلم في كل ms353 وقت ويرعب ~~عدوه منه في جميع الحالات، بل قد ضربوه وسحبوه وخنقوه ووضعوا التراب على ~~رأسه والسلا والفرث وأخافوه، ولكن بينا أن الرعب قد وقع كما قال الله وقامت ~~به الحجة وانتقضت به العادة، فليس يقدح في ذلك أن لا يكون في كل وقت، كما ~~أن العادة انتقضت بقتال الملائكة يوم بدر، فليس يقدح في ذلك ألا يكونوا ~~قاتلوا يوم أحد. ### | وباب آخر [في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات] # في الدلالة على نبوته، أن بني النضير من اليهود غدروا به بعد مهادنة كانت ~~بينه وبينهم، فأرسل اليهم بعد أن سار اليهم ونزل عليهم: أنكم غدرتم بي ~~ونقضتم الصلح الذي كان بيني وبينكم، ومع هذا يصعد عمرو بن جحاش ليطرح علي ~~صخرة ليقتلني حتى أطلعني الله على ذلك، فاخرجوا من حواري. فأرسل اليهم ~~عبد الله بن أبي بن سلول بغير واحد من أصحابه يشجعهم ويقول لهم: لا تخرجوا ~~من دياركم فأنا معكم ومن ورائكم، فإن قاتلكم محمد قاتلنا معكم ونصرناكم، ~~وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال عز وجل: «ألم تر إلى ~~الذين نافقوا يقولون لإخوانهم PageV02P489 # الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ~~أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون ~~معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون» ~~. # فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه على الناس وأخبرهم بما كان من ~~المنافقين وبما أسروه إلى اليهود ونادى بفضحهم، ثم أخرج بني النضير من ~~ديارهم وأجلاهم فلم يخرج معهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه كما ضمن لهم ~~وقد قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم فما نصروهم. # فتأمل كيف أخبر بما أسروا وبما تراسلوا وبما قد كان من كيدهم ومحالا يكون ~~إن لو كان كيف كان يكون، ثم كان جميع ذلك كما أخبر وكما فصل، وفي هذا غيوب ~~كثيرة لا تكون لاحد من المتخرصين، إلا لنبي صادق ms354 من الله. # ولقد ركب صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من مرض أصابه على ~~حمار عليه أكاف فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف، وأردف أسامة بن زيد ~~ابن حارثة، فمر صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل ~~مزاحم أطمه وحوله خلق كثير من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين، وكان ~~فيهم من المسلمين عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي ~~زهير وبشير بن سعد فتذمم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يتجاوزه حتى ~~ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فقرأ القرآن، ودعا إلى الله عز وجل، وذكر به، ~~وحذر وبشر وأنذر، وعبد الله زام لا يتكلم حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مقالته، فقال PageV02P490 # ابن أبي سلول: يا هذا ما أحسن ما تقول إن كان حقا، فلو أنك جلست في بيتك ~~فمن أتاك حدثته ولم تعرضه على من لا يريده، وشيع بعض اليهود كلامه، فأقبل ~~سعد بن الربيع على اليهودي وقال: مالك ولهذا لا أم لك، كف عن هذا المنطق، ~~فقال ابن أبي سلول: وما قال؟ يذهب محمد إلى من أخرجه من بلاده ومولده فأما ~~من لم يخرجه فلا يغشاه، وقال زيد بن اللضيب معينا لعبد الله: انظر يا محمد ~~إلى الذين جاؤك فأخرجوك من بلادك فاتهم واترك من لم يدعك. وخاض المسلمون ~~الذين كانوا في المجلس، وناظروا ووعظوا عبد الله مع إكرامهم له وهيبتهم له، ~~إلى أن قال عبد الله بن رواحة: بل اغشنا بهذا في منازلنا ورحالنا فإنا نحب ~~ذلك. فاغتاظ ابن أبي بن سلول مما كان وقال في ذلك: # متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل %~% تذل ويعلوك الذين تضارع # وهل ينهض البازي بغير جناحه %~% وإن قص يوما ريشه فهو واقع # ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وركب حتى أتى سعد بن عبادة وذكر له ~~ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول فقال له سعد: ms355 يا رسول الله، والذي أكرمك ~~بالنبوة لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، أنشدكم الله أتعلمون ~~ذلك، قال القوم: نعم، فما يرى إلا أنك نزعت شيئا في يديه، قال سعد: # والله ليرى أنك نزعت ملكه، لقد جئت. وإنا لنجمع الخرز لنعقد على رأسه ~~التاج، وأنت أحق من عفا عنه لأنه خالك» . # فتأمل ما في هذا وانظر كيف يتكلم كل أحد بما عنده غير خائف ولا هائب، ~~وانظر إلى عبد الله وتلك الجماعة من قومه، واليهود الذين قد زينوا عداوته ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى دينه واحتج عليهم وتلا القرآن، فما أتوا بشيء يقدح فيما تلاه واحتج به، ~~ولا قالوا هذا كلام PageV02P491 # يقدر على مثله، ولا أتوا بشيء أكثر من قولهم له: ما نريد أن تتلوه علينا ~~ولا تدعونا اليه. # وهذا عبد الله بن أبي عربي فصيح ومفكر داهية وملك من الملوك وكذلك من معه ~~فصحاء بلغاء وأعداء، لتعلم وضوح هذا الأمر ويأس الأعداء من قدح فيه، واعرف ~~هذه المجالس والمواطن والمقامات. # ولقد قال له مربع بن قيظي من بني حارثة بن الحارث حين اجتاز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليه في حائطه ومعه أصحابه عامدا إلى أحد، لا أحل لك يا ~~محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله ~~لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فهذا أعمى القلب. # وكم كان القوم يقولون للأنصار جئتم بغريب وغرباء فقراء وعاديتم الأمم ~~وطمعتم في الجنة، جنة لعمري من حرمل، وطمعتم في الحياة بعد الموت، وهيهات ~~لما توعدون. وترد الأجوبة عن ذلك مما هو في القرآن من أنه إن لم يكن ها هنا ~~إعادة ومجازاة فخلق العباد لهو ولعب كقوله: «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون» وقوله: «وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~لاعبين. لو أردنا ms356 أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين. # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون» ~~. # أي ليس هذا الأثر وهذا الفعل فعل من يجوز أن يكون منه لعب أو لهو أو عبث ~~أو ظلم أو جور. ثم بين اقتداره على الاعادة مما هو مذكور في سورة ~~PageV02P492 # بني إسرائيل، وفي سورة يونس، وفي سورة الروم، وفي سورة الواقعة، إلى أن ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عجبا كل العجب للشاك في قدرة الله ~~وهو يرى خلقه، ويا عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة ~~الأولى، ويا عجبا كل العجب للمكذب بنشور الموت وهو يموت كل يوم وليلة ~~ويحيا. # ويا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، ويا عجبا كل ~~العجب للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة وهو يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ~~ما يفعل به، إلى غير ذلك مما كان يذكره صلى الله عليه وسلم ويذكره أصحابه ~~رحمهم الله مما أصله في القرآن، ولم تكن العناية تشتد به استغناء بالقرآن ~~ولأنه تنبيه على ما وضعه الله في العقول فهو متحل بمن نظر ثم فكر واعتبر. # وقد كان لعبد الله بن أبي بن سلول حين أظهر الإسلام مقام يقومه كل جمعة، ~~إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخطب الناس فيقوم عبد الله ويقول: ~~أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم كرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزروه ~~واسمعوا له وأطيعوا، ويجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام ~~يوم الجمعة يفعل ما كان يفعل، فأخذ الأنصار بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس ~~أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ~~ويقول: والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أسدد أمره فوثب علي أصحابي يحذبونني ~~ويعنفونني كأنني قلت هجرا، قالوا: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: والله ~~ما أبتغي أن يستغفر لي، فاجتمع اليه قومه ممن على رأيه وفي ms357 نفاقه، واليهود ~~يتوجعون له ويقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويدبرون ~~الرأي ويعملون الحيل في شيء يصنعونه بالأنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة. # ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والتعرف لأخباره، PageV02P493 # والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين ~~وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين ~~واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر ~~منهم ذلك تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من المسجد، فقام ~~الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا، وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء ~~الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا ~~تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير ~~البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة، فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك ~~لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين ~~سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا. # وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يداهن أصحابه ~~واتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ~~ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من ~~أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من ~~حيث لا يشعرون. # ثم انظر إلى اليهود: منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد ابن ~~حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء ~~بني قينقاع إلى بني النضير ورؤسائهم، كحيي بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي ~~بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، ~~وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني PageV02P494 # قريظة ومن ms358 رؤسائهم، كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام ~~الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع ~~بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. ~~فهؤلاء كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وحول المدينة وإلى ~~من يحبذون رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو بمكة وما ادعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم سيما على أحبارهم ورؤسائهم، ~~فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن أتباعه وتصديقه. # وكانت قريش تشكوهم إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام ~~يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون ~~منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينفر الناس عنه ~~وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم، ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم، ~~فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل ~~القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم ~~عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن ~~سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. ~~فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمدينة وجاورهم وصار معهم، كانت ~~عداوتهم أشد، وشغلهم به صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين والدخول بينه وبين ~~الأوس والخزرج والنهي عن اتباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب ~~أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحد من PageV02P495 # سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع ~~وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول. # فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ~~ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادى القرى خلق كثير ms359 يمدون هؤلاء الذين ~~بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب، فتأمل هذا فكم فيه من نور ~~وهدى. # ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتراجعون أمره ~~فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل ~~النكث ونقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال عمرو بن سعد للزبير ~~بن باطا: أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فو الله انكم لتعلمون أنه نبي قد ~~بشر به علماؤنا، منهم. ابن الهيبار، وأبو عمير بن حواش ممن قدم الينا من ~~علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه ، وأمرانا باتباعه وأن نقرئه منهما ~~السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم ~~منهم أحد. فأعادوا الكلام، فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي ~~أنزلت على موسى. # وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟ # أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، ~~قال: أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره، PageV02P496 # فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقوا اليه فإنه يسفك ~~الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك ~~من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب ~~عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على ~~كعب فقال: أما والتوراة إنه للعز والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه ~~شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا ~~يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حيي بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار ~~ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ~~ظفر بحيي فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر ~~وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال ms360 ~~عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار الينا وتحصنا في حصوننا هذه التي هي قد ~~خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب: # ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا ~~الاسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، ~~لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأسلموا. # فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل ~~منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة ~~اليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل ~~مما يدعيه اليهود، والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج ~~الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ~~مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه صلى الله عليه وسلم من مشهد ~~وموقف بهم الحاجة PageV02P497 # إلى ما قد ذكرنا وبينا. # وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي ~~الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص ابن سعيد، ~~والحكم بن أبي العاص، وعدي بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي ~~معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث ابن قيس بن عدي ~~السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، ~~والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، ~~والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه، وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، ~~وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، مسلمة، والحارث ابني هشام، وأمثالهم، ~~تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه، ~~ويخنقونه، ويطرحون التراب الفرث على رأسه، ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: ms361 يا ~~بني عبد مناف، أي وجوار هذا. # وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول: # أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة ~~الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى ~~يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ~~ليصدوهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، ~~فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم ~~عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين ~~الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إلي صدقتكم. وهؤلاء PageV02P498 # الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة، شيبة، وابو جهل ~~والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أمية، ~~وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبه بن الحجاج، ~~وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة ابن الأسود. # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون ~~مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله ~~وحده، وإلى صلة الرحم، ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن وأولئك ~~يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس فلا يأمن فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله ويقولون هذا مع كونهم ~~مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء يخافون أن يتخطفهم الناس. # فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه صلى الله عليه وسلم أنه غدر ~~أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع ~~طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة ~~سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا ~~قول ms362 أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن ~~وخير. # فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصر على ذلك، لتعلم حقائق ~~الأمور، فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين ~~بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول صلى الله ~~عليه وسلم لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما ~~اعتقدوا PageV02P499 # إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله. # وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب وأهل الارض يد ~~واحدة في عداوته وعداوة أتباعه، فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن ~~الغنى إلى الفقر، ومن العز إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى ~~النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا نفاقا وأنهم ~~كانوا منافقين فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن ~~يأخذ ظنا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبي المسلمين كان ينافق قريشا ~~والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وأن السحرة قد نافقوا ~~فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: ~~«إنه لكبيركم الذي علمكم السحر» و «فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى. قالوا لن نؤثرك على ~~ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله ~~خير وأبقى» # والأعجب من هذا، أنه صلى الله عليه وسلم قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء ~~المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم، وحرم سوء الظن بهم إلا ~~أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن ~~سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان. # هذا معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه ~~من مدح PageV02P500 # المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به، وهذا كله ms363 خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين ~~غرهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا ~~يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل ~~جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع ~~أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه ~~الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله: # «ومكر أولئك هو يبور» . # وقد خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى ~~أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان ~~عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في رده شيء إلا ~~أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من ~~الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله ~~قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء ~~وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم. # فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو ~~مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع. # ومن هذا الجنس، لما أمر الله عز وجل رسوله بعرض نفسه على القبائل وهو أمر ~~معروف، وقد ذكره الناس وتحدثوا به، وممن كان يتحدث به علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على ~~القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس ~~العرب PageV02P501 # فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا ~~نسابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟ # ثم ذكر علي رضي الله عنه ما كان بينهم وبين أبي بكر قال: ثم دفعنا إلى ~~مجلس آخر عليهم السكينة ms364 والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ # قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد ~~غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته ، وكان أدنى ~~القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: ~~إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ ~~فقال مفروق علينا الجهل ولكل قوم جل؟ قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين ~~عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما يكون ~~لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلام على اللقاح، والنصر ~~من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: ~~وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق: # قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقام أبو بكر يظله بثوب. فقال عليه السلام: أدعوكم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني ~~وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن ~~الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، PageV02P502 # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تعقلون» # قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ~~ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم ms365 لعلكم تذكرون» فقال مفروق: # دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم ~~كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال ~~مفروق: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء: قد سمعت مقالتك ~~يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته الينا ~~ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون ~~الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ~~ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: # وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا ~~أخا قريش، والجواب فهو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على ~~دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، ~~التامة والشامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هاتان الضربتان ~~فقال: أنهار PageV02P503 # كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ~~ولا نؤوي محدثا، وإنا نرى يا قرشي أن هذا الأمر الذي تدعو أنت اليه مما ~~يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالحق، وإن دين ~~الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا ~~حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله ~~وتقدسونه؟ # فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية- أو أية أخلاق شك ~~الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها ~~يتحاجزون فيما بينهم. قال علي رضي الله عنه: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس ~~والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ms366 صدقاء ~~صبراء وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بعد أن تردد اليه منهم قوم ~~بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير رضي الله عنه لتلاوة القرآن ~~والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا ~~طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الاسلام على هذه القبائل ~~ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم ~~الإسلام وكانوا كثيرا والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا ~~قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه. # ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو ~~المائة من كبار المهاجرين، واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، ~~فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجرى PageV02P504 # عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا ~~وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى ~~النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم ~~فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ~~ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو ابن ~~العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن ~~تكلموا النجاشي، ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم اليكم قبل أن ~~يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه ~~هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك ~~منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع ~~لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردهم ~~اليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن ~~قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما ~~قربا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ms367 ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ~~ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤا ~~بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم ~~وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ~~ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام ~~المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا ~~فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي: PageV02P505 # لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على ~~من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان ~~سلمتهم اليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما ~~جاوروني. ثم أرسل اليهم فدعاهم اليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل ~~إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبينا صلى الله عليه ~~وسلم كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم ~~المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. ~~فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه؛ فلما بصر بهم من حول الملك قالوا ~~لهم: # اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم ~~الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما ~~سجدوا فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ~~في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي ~~الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ~~ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا ~~إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة ~~والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف ms368 ~~عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف ~~المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة ~~والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال PageV02P506 # له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به ~~شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل علينا. فعدا علينا قومنا فعدبونا ~~وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما ~~كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ~~ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن ~~لا نظلم عندك. # فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: # نعم، فقال النجاشي: فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى النجاشي ~~حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا ~~من عند الله انطلقوا فو الله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة ~~الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: ~~والله لأبيتنه غدا بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن ~~عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون ~~في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل اليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك ~~المسلمين ولم ينزل بهم مثلها. فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا ~~تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا: # نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا عليه السلام كائن في ذلك ما ~~هو كائن فقال: فأرسل اليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في ~~عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله ~~وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرسل عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي يدعوه إلى ~~الإسلام ويقول له: ms369 عندك أصحابي فأجرهم وقربهم ولا تتجبر عليهم، وأرسل إلى ~~المسلمين PageV02P507 # بما أنزله الله عليه: «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم» فلما سمع النجاشي ~~ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت ~~هذا العود، فتأخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل ~~على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي ما أحب أني آذيت رجلا منكم ~~بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله ~~مني الرشوة حين رد علي ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم ~~فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمهم وساءهم، وخرج عمرو وصاحبه من عنده ~~مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير ~~جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم، وأجاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي عليه السلام ~~فغرق في البحر قبل أن يصل اليه، وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من ~~إسلامه. # والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي. # فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة، أو زلة. ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر وكان له مع قريش واليهود ~~والنصارى تلك الوقائع والمشاهد وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده، فانظر هل ~~كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحتج به ~~على المسلمين وقد استفرغ. # ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن ~~الراوندي والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش PageV02P508 # سبيلهم سبيله في عداوة رسول الله صلى الله ms370 عليه وسلم والمسلمين، وكم له ~~مع النجاشي من المراجعات في أمر عمرو بن أمية الضمري ليمكنه منه ليقتله فما ~~مكنه، ثم عاد بعد ذلك إلى النجاشي بمدة طويلة وسفرة بعد سفرة، فوعظه ~~النجاشي ودعاه إلى الإسلام ورغبه في الهجرة، وقد كان أخوه هشام بن العاص ~~أفضل منه وأجل قدرا فأسلم وهاجر وجاهد في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعد موته واستشهد رحمة الله عليه. # فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين ~~وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ~~ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما ~~راموه من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك ~~هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ابنهم وهم ولدوه وهم ربوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر. ### | وباب آخر [كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها] # أن معجزاته صلى الله عليه وسلم والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن ~~بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة ~~النبي عليه السلام عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الاخبار بالغيوب، ~~ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل ~~عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك ~~النصوص على PageV02P509 # الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني ~~بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها ~~مجيئا واحدا. بين لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النص عن شهر رمضان، ~~والنص على ms371 الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، ~~والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض ~~العامة الوجوب، فاعرف ذلك. # وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادعوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نص على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور ~~والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته ~~واعتقاد ولايته وموالاته. # فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من ~~الفروض العامة الواجبة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: هذا إمامكم وهذا حجة ~~الله عليكم بعدي يجري في شمول وجوبه مجرى نصه على نبوته، وقوله: أنا رسول ~~الله اليكم فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان، فإذا علمنا نصه على ~~القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى. # قالوا: فاجعلوا ما يدعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: ~~إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف ~~يقينكم فيه ويأسكم من صحته، وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدعونه. # وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم قد ادعى النبوة ~~وادعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدقه ولا من كذبه، PageV02P510 # فوازن ذلك ونظيره أن يعلم كل من سمع الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد نص النص الذي تدعونه، وهذا فليس بمعكم ولا لكم، فقد صار ما صرتم ~~اليه من أمر هذه المعجزات عليكم لا لكم. # وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبي فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار ~~أنه عليه السلام قد ادعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة ~~عليه، وما تدعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده ~~مما تدعون. # وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن ~~يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده ms372 فيمن كثر سماعه واشتدت ~~عنايته بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمقامه بمكة وبهجرته إلى ~~المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل، ~~وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب، وأمثالهم من القدماء يدعون في كتبهم ~~التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري، ~~وكذا أبو عمر الباهلي، وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادعى في ~~استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم ~~الاضطرار، فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك. ### | وباب آخر [كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات] # كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك ~~فارس. # وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV02P511 # قد أمر دحية إلى أن يدفع كتابه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ملك الروم. # فلما قرىء على قيصر فيما يدعوه إلى الله وعبادته وحده، وأن لا يضن بملكه، ~~وأن لا يتحمل آثام الروم مع إثمه. # وكان ملك الروم بالشام بحمص ودمشق يشتو في بلد ويصيف في بلد، فطال فكره ~~في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتابه، ووجد قلبه يخشع، فقال لأصحابه: # التمسوا لي هل هاهنا من قوم هذا العربي الذي يزعم أنه نبي من أحد لنسأله ~~عنه؟ فوجدوا بالشام رجالا من قريش قدموا تجارا في الهدنة التي كانت بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب، ~~فأشخصوا اليه وقد صار إلى بيت المقدس. فأدخلوا عليه وهو جالس في مجلس ملكه، ~~وعليه التاج، وحوله عظاماء الروم. فقال لترجمانه أيهم أقرب نسبا إلى هذا ~~الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان: أنا أقربهم اليه، فقال ملك ms373 الروم: ~~ما قرابة ما بينك وبينه؟ قال أبو سفيان: هو ابن عمي، وما كان في الركب ~~يومئذ رجل من بني عبد مناف غير أبي سفيان؛ فقال ملك الروم له: ادن مني، ثم ~~أمر أصحابه من قريش فجعلوا خلف ظهره عند كتفه، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه ~~إني سائل هذا الرجل عن هذا الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبوه، فقالوا: ~~نعم. # ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو ~~فينا ذو نسب، فقال ملك الروم: فهل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، ~~قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك ~~الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال PageV02P512 # أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال ملك الروم: أفيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو ~~سفيان: بل يزيدون، قال ملك الروم: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل ~~فيه؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، ونحن ~~الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر. قال ملك الروم: # فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال أبو سفيان نعم. قال ملك الروم: فكيف كانت ~~حربكم وحربه؟ قال أبو سفيان: كانت دولا سجالا، يدال علينا مرة ويدال عليه ~~الآخرى، قال: بما يأمركم به؟ قال أبو سفيان: # يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عن كل ما يعبد ~~آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء ~~الأمانة. قال: وأولئك الملأ من قريش يسمعون قول أبي سفيان، فصدقوه، فقال ~~ملك الروم لترجمانه: قل له: إني سألت عن نسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو نسب، ~~وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال هذا القول أحد فيكم قبله ~~فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول منكم أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول ~~قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه في الكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن ~~لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب ms374 على الناس ويكذب على الله وسألتك هل ~~كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك ~~آبائه. وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، ~~وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك ~~الإيمان حتى يتم. # وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه فزعمت أن لا، PageV02P513 # وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد. وسألتك هل يغدر فزعمت أن ~~لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل ~~وأن حربكم دولا، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة. وسألتك عما ~~يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا الله وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ~~ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة، وهذه صفة النبي قد ~~كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك ~~موضع قدمي هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده ~~لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمر به فقرىء إلى أن انتهى منه إلى قوله: «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» قال أبو ~~سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم ~~فما أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: ~~لقد أمر أمر بن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه. # وقال أبو سفيان لأصحابه: والله لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب ~~لحدثته عنه حين سألني، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه، ولم ~~يمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين ~~قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن منه في هدنة، ونحن ms375 نخاف أن يغدر. ~~PageV02P514 # فهذا أبو سفيان عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، وهذا كان قبل ~~إسلامه وفي حال عداوته، والذين معه من قريش على حاله في العداوة، وهذا ملك ~~الروم عاقل حازم. # وانظر كيف استظهر في أن يسأل عنه صلى الله عليه وسلم أعداءه. فأحضرهم وهم ~~لا يدرون ما يريده منهم، وسألهم عنه على تلك السبيل التي استنطق واحدا منهم ~~بحضرة جماعة بغتة على حال يبعد فيها المواطأة. # ثم قول أبي سفيان لأصحابه: لولا خوفي منكم أن تأثروا عني الكذب واستحيائي ~~منكم لما صدقت ملك الروم عنه ولكذبت عليه، وما قدرت أن أطعن عليه إلا ~~بقولي: ونحن نخاف أن يغدر، ما قدرت على أكثر من هذا. # وخاف أبو سفيان أن لو كان وحده أن يسأل ملك الروم غيره فيتبين كذبه. # وتأمل قول ملك الروم: هل يرتد أحد سخطة لدينه أي لعثرة أو زلة تكون منه. ~~ولما أسلم أبو سفيان كان يعيد هذا الحديث ثم يقول: فو الله ما زلت ذليلا ~~مستيقنا أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام ~~وأنا له كاره. # وجعل ملك الروم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه، وراجع الفكر ~~فيه، وأدام المسألة عنه صلى الله عليه وسلم. فقدم عليه أميه بن أبي الصلت ~~الثقفي، وحكيم بن حزام القرشي، فسألهما عنه، فأخبراه بحاله ودعوته على نحو ~~ما أخبر به أبو سفيان وأولئك النفر، فقال لأمية بن أبي الصلت: أآمنت به؟ ~~قال لم أكن لأومن لنبي إلا أن يكون من ثقيف. # وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت ~~المقدس شكرا لله. PageV02P515 # وكانت القصة المعروفة التي قد تقدم ذكرها لك لقوله عز وجل: «الم غلبت ~~الروم في أدنى الأرض» فرجع ملكهم اليهم في عام الحديبية، وأرسل ملك الروم ~~إلى رجل كان برومية يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب القديمة، فكتب اليه يخبره ~~بورود كتاب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وبما ذكر فيه، وبما ms376 وقف عليه ~~حين سأل عنه. فكتب اليه صاحب رومية أنه النبي الذي كنا ننتظر لا شك فيه، ~~فلما وقف ملك الروم على هذا أمر بطارقته فجمعوا له في دسكرة ملكه ، ~~فأمر بها فأشرجت عليهم بأبوابها ، ثم اطلع عليهم من علية له خوفا على ~~نفسه، فقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا ~~الرجل يدعوني إلى دينه، وو الله إنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتبنا، ~~فهلموا فلنتبعه ونصدقه وتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ~~ابتدروا باب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها مغلقة، فقال: كروهم علي، فلما رجعوا ~~قال: # يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة لأنظر كيف صلابتكم على دينكم ~~لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسر به. فوقعوا له سجدا، وأمر ~~بباب الدسكرة ففتحت لهم. وكان الناس يتحدثون بذلك، ويقول الروم: إن الملك ~~[فعل] هذا امتحانا لأصحابه، ويقول غيرهم من النصارى: ما فعل هذا إلا ~~لورود كتاب صاحب رومية عليه بما ورد. وقد كان بقي منهم من أدرك خلافة عبد ~~الملك بن مروان، غير أن الجملة التي لا ريب فيها عند أهل العلم إكرام ملك ~~الروم لكتاب رسول الله، ومسألته عنه، ومدحه له، وقوله إنه للنبي الذي كنا ~~ننتظر، وما صنعه في الدسكرة، PageV02P516 # وما قاله لبطارقته والروم بعد ذلك من محاسنها وحزم ملوكها. والعلم بذلك ~~كالعلم بكتابه عليه السلام إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وتمزيق ~~كسرى للكتاب واستخفافه به وبرسوله. وكانت كتبه صلى الله عليه وسلم في ~~أكارع الأدم يكتبها جهارا بعلم عدوه ووليه، وينفذها جهارا، ويعلم العدو ~~والولي بما يكون من الجواب. # فتأمل الحال في ذلك وحال الملوك في زمانك، الذين يزعمون أنهم من ولده، ~~وكيف يسترون مكاتباتهم عن أوليائهم فضلا عن أعدائهم، ويكتمون ذلك بجهدهم، ~~ويعظمون الكتاب ويزينونه ويصورونه ويهولونه، ويضمنونه المخاريق والخدع، هذا ~~مع تسترهم بالإسلام، وأنهم من ولد النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الذين ~~وصى اليهم النبي صلى الله عليه ms377 وسلم. ويكون مع تلك الكتب الأموال والهدايا ~~والتحف العجيبة، ويذكرون للمكتوب اليه ملكهم، وأنهم قد وجدوا ذلك في كتب ~~الحدثان وفي الملاحم والأبار، ويطمعون المكتوب اليه في المشاركة في الملك، ~~وإن كان ملكا قالوا نقرك ونزيد في ملكك، ويحلفونه في كتمان ذلك وكتمان ما ~~يلقونه اليه، ويهولون عليه بأن فلانا الملك، وفلانا الأمين، وفلانا ~~السلطان، قد أجابونا، وهم أهل دعوتنا، وقد عرفوا حقيقة ما قلناه لهم؛ ~~فبادروا في الإجابة لتكون لكم الوسيلة قبل ظهور الدعوة، وقبل ملك الإمام ~~لجميع الأرض، وقبل انغلاق باب التوبة. وإنما يكتبون بهذا إلى الملوك الذين ~~هم في الإسلام، والذين يزعمون أنهم شيعة، وقد تواطئوا لهم من كل وجه، وقد ~~لاذوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهروا الاعتصام به، ويقولون: السنة ~~السنة تكون الغلبة، وظهور الأمر على جميع الأرض، فلا يكون لذلك أصل، ويموت ~~من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ~~ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت ذلك الذي قالوا لهم إنه PageV02P517 # الإمام الذي يظهر، ويدعون إلى آخر ويموت الذي بعده، ثم الذي بعده كذلك. # كما وعدوا نصر بن أحمد أمير خراسان، ومرداويج الحالي، وأسفار بن شيرويه، ~~وابن أبي الساج، وأمثالهم، ثم من بعدهم. ومات أولئك الذين كانوا يقولون في ~~كل واحد منهم في زمانه أنه الإمام الذي يقوم ويغلب ويملك الأرض كلها من ~~أولها إلى آخرها. # فتأمل وفكر، فبالفكر تكون البصائر. وإنما عرض هذا في ذكر كتبه ومكاتباته ~~فضلا على ما تقدم لتعلم أن أحواله كلها محفوفة بالعصمة، مكنونة بالحجة ~~الظاهرة والبينة القاهرة. وإنما ذكرنا أحوال هؤلاء الملوك الذين في زمانك ~~بعد ذكر من تقدم من ملوك بني أمية وبني العباس، لأن هؤلاء معك وفي زمانك، ~~وهم يدعونك ويدعون الناس كلهم، فتأمل أحوالهم، فإنك إن ذهبت عما في زمانك ~~كنت عما فاتك زمانه أذهب. # ولما ذكر الله عز وجل نعمه على بني آدم بما سخره لهم حين قال: «ربكم الذي ~~يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم ms378 رحيما» إلى قوله «ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا» وهو كما قال عز وجل، ~~فإن العاقل إذا ترك الفكر فيما يشاهد، وذهب عن معرفة النعم التي عليه في ~~الدنيا، فهو عما أراده الله به من نعم الآخرة أذهب. # [بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي] # ومن جنس ما تقدم أن جرير بن عبد الله البجلي سمع بأرضه من رجل تاجر من ~~اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال ~~له جرير: من موسى هذا؟ وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن PageV02P518 # عمران رجل من بني إسرائيل أرسله الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه كتابا ~~يسمى التوراة، فقال له جرير: فأخبرني خبره، فقص عليه شأنه، فقال له جرير: ~~فهل أرسل الله أحدا قبله، قال: نعم، فقص عليه قصة نوح، قال له: فهل أرسل ~~الله بعد نوح أحدا، قال: نعم، فقص عليه قصة إبراهيم، فقال له جرير: فهل غير ~~هؤلاء؟ قال: كثير، فجعل يسم له الرسل، فقال له جرير: بأي شيء يرسلون، وما ~~يقال لهم؟ قال: يرسلون أن يعبد الله وحده، وبالصدق، وأداء الأمانة، وغير ~~ذلك، قال له جرير: فكيف صنع قومهم بهم؟ قال: آذوهم وضربوهم وقتلوا بعضهم، ~~ودخل في دينهم ناس من قومهم؛ وجرير يستزيده من حديثهم ويعجب، ويعجب قومه من ~~ذلك، وهو شيء ما سمعوا به أصلا، ولا سمعوا أسماء هؤلاء الرسل، فضلا عن غير ~~ذلك. # فقال جرير: والله ما سمعت بهذا قط ولا ظننته، فلعل محمدا هذا القرشي رسول ~~مثل هؤلاء، فقد سمعنا خبره ثم عزب عنا ذكره، وقد خفي علينا أمره. ثم شاور ~~جرير من يعقل من قومه في الرحيل إلى النبي ليسمع منه وينظر فيما يقوله، ~~فقيل له: إنه قد ساجل قومه الحرب ولا يؤمن عليك، ومن الرأي أن ينتظر الأشهر ~~الحرم فيخرج للحج مع الحاج؛ فلما دخلت الأشهر الحرم رحل مع قومه فوافى إلى ~~عكاظ وإلى ذي المجاز وإلى منى، وصدروا إلى مكة، فعمدوا إلى مجلس من ms379 ~~قريش أكثره كهلا وأبداه شرفا، فجلسوا اليهم، وتحدثوا معهم، وباسطوهم في ~~الحديث. فقال جرير: ما فعل صاحبكم هذا، الذي يزعم أنه رسول الله؟ قالوا: ~~فعل شرا، شتمناه وشتمنا، وفعل وفعل، ثم حاربنا فقتلنا وقتلناه. فقال جرير: ~~وما نقمتم عليه؟ قالوا: نقمنا PageV02P519 # سحره وكذبه، قال جرير: فكيف علمتم أنه ساحر؟ قالوا: سحر قلوب فتياننا ~~حتى اتبعوه وعصونا، قال جرير: ما علمتم إلا بهذا؟ قالوا: لا، قال جرير: فما ~~دلكم على كذبه، هل حدثكم شيئا فوجدتموه باطلا؟ قالوا لا والله، إلا أنه ~~يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله أن آلهتنا باطل، وأن سلفنا ضلال من أهل ~~النار. قال جرير: دعوا هذا فماذا يقول سوى ذلك؟ قالوا: # والله ما يقول إلا حسنا، إنه ليأمر بصلة الرحم، والكف عن المحارم، والخلق ~~الجميل، والعفو عن المسيء، وأخلاق سوى ذلك جميلة لو قالها من عند نفسه ولم ~~يزعم أن الله أرسله بها ما أنكرنا عليه، قال جرير: فلعله رسول الله، فقد ~~أرسل الله رسلا قبله: إبراهيم ونوحا وموسى، قالوا: وأين هو من موسى؟ # قال جرير: لمه؟ فأنتم خير وأكرم أم قوم موسى؟ قالوا: لا بل نحن، قال: فما ~~أنكرتم أن يرسل الله منكم رسولا كما أرسل من قوم موسى؟ # وجادلهم عنه صلى الله عليه وسلم. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ساحر ~~وكذاب، ثم قالوا لجرير: ألقيته قط؟ قال: لا والله ما لقيته قط ولا كلمته، ~~ولكن هذا هكذا فغلظوا في شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبه، قال جرير: ~~أنتم أعلم. ورجع إلى قومه وعشيرته بمن معه؛ فجاء قومه يسألونه عن الموسم، ~~وعن العرب وما كان بينهم، فحدثهم بذلك، ثم قال: وغير ذلك قالوا: وما هو: ~~فحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه بيثرب، وما كان من قريش، ~~وأنه ما وجد عند عدوه مطعنا غير السفاهة، ووجدت قومه قد خافوه، فهل لكم في ~~خبر، قالوا ما هو؟ قال جرير: قد أرسل الله قبله رسلا، فهل لكم أن أخرج قبله ~~وترسلوا معي رسلا ms380 تأمنونهم وتثقون بعقولهم وتطمئنون إليهم وإلى خبرهم، ~~فتأتيه ونسائله، فلا يخفى أمره علينا، إن كان صادقا سالمناه وآمنا به ~~ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم ~~برأينا. قالوا: # ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه PageV02P520 # المدينة؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أتاكم خير ~~ذي يمن، على وجهه مسحة ملك؛ وكان جرير جميلا سيدا وسيما. فلما قدموا ~~المدينة نزلوا منزلا ثم لبسوا أجمل ثيابهم وخرجوا، فلقوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجلسوا اليه، وكلموه، وساءلوه عما يقول وما يدعي، وما يدعو ~~اليه. فذكر ذلك وشرحه، وتلا القرآن، وبين لهم. فقال جرير: رضينا منك، ~~وأسلم، وأسلم أصحابه ومن معه. # فتأمل ما في هذا، فإن بجيلة هي حي عظيم وقبائل كبيرة يجاورون مكة ما ~~سمعوا باسم موسى فضلا على أن يعلموا هل أرسله الله بل لم يعلم جلهم وأكثرهم ~~أن هناك من يدعي له الرسالة والنبوة، وهذا قد يكون من قلة الطلب والمساءلة، ~~ومن قبل عدم من يقصد الناس ويدعوهم إلى ذلك ويذكرهم به، ومن قبل غير ذلك ~~مما يطول شرحه. # وقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن بكر الاسفذاني صاحب أبي علي رضي الله ~~عنهما ، حج، وكان كثير الحج، فأسرته القرامطة مرة ثم أرسلوه، فحصل في ~~البوادي، فأجرى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوه، وقالوا: ما ~~سمعنا به، فتعجب من ذلك. وهذا أبو الحسن كان كبيرا من فقهاء أصحاب أبي ~~حنيفة، وكبيرا من أصحاب الحديث، غزير الرواية زاهدا، واعظا مجيدا، وكان خلا ~~لأبي الحسن الكرخي رحمة الله عليهما، وكان يلقى جبابرة الملوك من ~~البريديين والديلم بالموعظة، ويصدقهم ويعظهم، وله كتب كثيرة في العلم، ~~ولعل أكثرها في خزانة الوقف بالري. # وكان يكثر تعجبه وهو فارسي من بلاد العجم، ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم ~~الناس أو من أعلمهم بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباثاره ~~وبأخلاقه وشريعته، PageV02P521 # وقومه من العرب وجيرانه ms381 في البلد لا يعلمون شيئا من ذلك، وهذا إنما صار ~~كذلك لترك السلطان العناية بالدين وإرسال العلماء والفقهاء في البوادي ~~والآفاق كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وخلفاؤه ولا يخلون ~~القبائل من مقرىء وفقيه وساعي، ومع هذا فابتلى الناس بيحيى الطحاني وبأبي ~~سعيد الجنابي وولده وأمثالهم من القرامطة في جزيرة العرب، فزعموا أنهم شيعة ~~ودعاة إلى المهدي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوا المسلمين ومن ~~يقيم شريعة الإسلام، وسبوا المسلمين، وغزوا مكة وغيرها، وأحرقوا المصاحف، ~~وصنعوا ما هو معلوم، فلهذا خفي على أولئك ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإذا تدبرت هذا إن دارت بصيرتك بصدق قوله في قصة نوح عليه السلام: «تلك من ~~أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين» . # فهذا جرير وبجيلة يقولون: ومن موسى، وما التوراة؟ وإن كنت قد علمت بعقلك ~~بما تقدم لك، أنه صلى الله عليه وسلم ما عرف ما أقصه من قصة نوح وغيره من ~~الأنبياء إلا بالوحي. وانظر كيف صنع جرير وبجيلة في معرفة أخبار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإنهم ابتدؤوا فسألوا عنه أهل بلده، وأهل بيته، ومن ~~رباه، ومن ربي معه، وأعداءه، ومن ناصبه وطلب عثراته، فعرف ما عندهم، فلم ~~يجد عيبا ولا مطعنا، فرجع إلى قومه بمن معه فأخبروهم بما سمعوا، ثم تخيروا ~~عقلاءهم وفضلاءهم فأرسلوهم إلى المدينة فسألوه وسمعوا منه، وهذا غاية ما ~~يفعله العاقل الحازم المرتاد الطالب. # فتأمل هذا وما قبله من تلك المحافل والمقامات والمواطن التي تقدم لك ~~ذكرها، مما كان بمكة وبأرض العرب وبأرض الحبشة وبالشام عند ملوك الروم ~~وبالعراق عند ملوك الفرس، وأحضره فهمك، وواصل درسه، وتدبر PageV02P522 # قول قريش لجرير وبجيلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ساحر، فإنهم ~~لما سمعوا القرآن ورأوا غيره من آياته ودلالاته صلى الله عليه وسلم فلم ~~يمكنهم دفعها بالحجة، قالوا: سحر وهذا ساحر، وإنما يقولون ذلك لما لطف وغمض ms382 ~~ودق وأخذ بالعقول: هذا سحر وهذا ساحر ولهذا قال أبو جهل حين خرجوا ومعهم ~~القافة في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر ومعه أبو بكر في قصة ~~الغار: والله إني لأراه معنا في بعض هذه الشعاب يرانا من سحره وما نراه، ~~ولما نزل قوله عز وجل: «وأنذر عشيرتك الأقربين» سأل صلى الله عليه وسلم ~~عمه أبا طالب ليجمعهم له، فكان يراجعه ويدافعه، ثم أجابه لما يعرف من صدقه ~~ولشدة محبته له فجمعهم، فلما حضروا، أطعمهم حتى امتلئوا شبعا من يسير من ~~الطعام، وسقاهم حتى أرواهم من عس لبن، ثم ابتدأ بدعوتهم وإنذارهم لأن الله ~~أمره بذلك، وأنه قال للملك: إني إن فعلت ذلك تفلق قريش رأسي فلق الخبزة ~~، فقال لي: يا محمد، إنك إلا تفعل ذلك تعذب، وإن الله قد اتخذ لك جندا ~~تبعثهم، وإن الله ينزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان، وإن ~~قريشا والعرب ليست على شيء من الله ولا لله، وإن الله يقول: «إني خلقت ~~عبادي جميعا حنفاء مسلمين، وجعلت ما يحلهم من رزق فهو لهم حلال، فأحالتهم ~~الشياطين على دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما ~~لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي. فقطع أبو لهب كلامه وأمر ~~أصحابه بالقيام فقاموا وخرجوا، وتحادوا أنه أشبعهم وأرواهم من ذلك الطعام ~~والشراب اليسير الذي لا يكاد يشبع الواحد ولا يروي، فقال أبو لهب: هذا من ~~سحره، وهذا بعض سحره، كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة. # وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من ~~PageV02P523 # شأن الإسراء وقصة الروم وغير ذلك، لا يرتاب بها العلماء ولا يشكون فيها. ~~وقد علمت أن إسلام الأنصار كان في الاستقصاء وطول السؤال والمراجعة أشد من ~~استقصاء جرير وبجيلة، وفي نحو ذلك كان إسلام قبائل عبد القيس، وهذه كانت ~~سبيل قبائل طي. وتأمل أحوال قريش من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما كان يظهر ms383 من آياته، ويصدق من أقواله، كيف كان يرجع بعضهم إلى بعض في ~~الرؤساء خاصة، إن هذا الرجل ما تزل له قدم، ولا يخلف في شيء قاله، ولا يغني ~~كيدنا له شيئا؛ متأسفين ومتحسرين على ما يخيب من سعيهم، فيقول بعضهم لبعض: ~~فلعله نبي كما يقول، فنحن جميع وهو وحده، ونحن أغنياء وهو فقير، فيقول ~~بعضهم لبعض: هذا من سحره. # ولما دخل سعد بن معاذ الأنصاري رحمة الله عليه مكة بعد هجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهم، نزل على أبي بن خلف وكان خلا له، فأراد أن يطوف ~~بالبيت، فخاف عليه ابن خلف قريشا، فقال له: اصبر إلى أن يخف الناس، فلما ~~خفوا خرجوا وطاف، فأبصره أبو جهل فقال له: أتطوف بالبيت آمنا وقد آويتم ~~محمدا، لأفعلن ولأفعلن، فخاصمه ابن معاذ وجادله ولامه في عداوته لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وذكر عذرهم في قبولهم منه صلى الله عليه وسلم، وأنه ~~جاءهم بالنور والهدى، وأنكم على ضلال في تكذيبه، فلم يكن عنده ولا عند قريش ~~حجة ولا ما يشبه الحجة، من ذكر زلة أو هفوة يصرفون سعد بن معاذ والأنصار ~~عنه مع حاجتهم إلى ذلك. واستطال سعد على أبي جهل، فقال له أبي بن خلف: ~~أترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد البطحاء، فقال له سعد: أما أنت فقد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يقتلك، فراعه ذلك، ودخل على ~~امرأته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربي، زعم أنه سمع محمدا ~~يقول إنه يقتلني وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيا؛ ~~فلما PageV02P524 # كانت بدر، قال له أبو جهل: اخرج معنا، فقالت له امرأته: اذكر ما قال أخوك ~~اليثربي، فكره الخروج، فما تركه أبو جهل حتى أخرجه، فقتل كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # والذي بدأنا به وأردنا، خوض أهل مكة في عداوته صلى الله عليه وسلم ~~واجتهادهم في صرف الناس عن اتباعه بكل وجه وحيلة فلا ms384 يجدون مطعنا، واتصل ~~بهذا، اخباره صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي بن خلف فكان كما قال، وهذا آية ~~أخرى. # وكم لاموا أنفسهم فيما بينهم لما نزل بهم ببدر، وقد كانوا خرجوا واثقين ~~بالظفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لقلتهم وضعفهم، ولقوة قريش ~~بالكراع والسلاح والمال وكثرة العدد، وكم تلاوموا فيما بينهم حين رجعوا من ~~أحد وقد خرجوا في ثلاثة آلاف، وهم لا يشكون أنهم يظفرون برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنهم يسبون المدينة، ومعهم أبو عامر الراهب كما تقدم لك. # ولما رجعوا مع الأحزاب والخندق وقد جمعوا تلك الجموع، فنزل بهم من الريح ~~والرعب ما قد تقدم لك ذكره، تجمع كل قوم إلى رئيس وصاحب يتعجبون من ذلك، ~~فقال عمرو بن العاص للذين اجتمعوا اليه: والله إني لأرى أمر محمد يعلو على ~~الأمور علو المنبر، فتشاوروا فيما يصنعون، فقال عمرو: إني قد رأيت رأيا، ~~قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي- وكان له صديقا- فنكون عنده، ~~فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب الينا من ~~أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا ~~خير. وصاروا إلى النجاشي، فأقاموا عنده. وورد على النجاشي عمرو بن أمية ~~الضمري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفاضوا في ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما أتى به وما دعا اليه، فأجمعوا على حسن PageV02P525 # ذلك، وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه، فما وجدوا في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غميزة يذكرونها أو يحتجون بها، فكروا راجعين إلى مكة. وقد رحلوا ~~إلى النجاشي غير مرة، وكانت له معهم في هذا الشأن محافل ومجالس. # ولقد قال خالد بن الوليد بن المغيرة لأصحابه وأهل أنسه قبل إسلامه وقبل ~~هجرته: والله لقد استقام الميسم، وإن الرجل لنبي فحتى متى؟ ثم هاجر وأسلم ~~بعد الحديبية، وهاجر بعده عمرو بن العاص وأسلم، وكان منهما ما هو معلوم. # ولما قسم رسول الله ms385 صلى الله عليه وسلم شعره على أصحابه في حجة الوداع، ~~ما زال خالد ابن الوليد يضرع ويقول: يا رسول الله ناصيتك، يا رسول الله ~~ناصيتك، فيها أرجو النصر، فنادى أبو بكر الصديق في الناس متعجبا ومعتبرا ~~ومنبها، وقال: # أيها الناس، هذا خالد بن الوليد الذي لقينا منه ببدر وأحد والخندق ~~والحديبية ما لقينا، انظروا اليوم اليه وإلى بصيرته. # ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم أرطاس، وأعطى المؤلفة ما ~~أعطاهم، قال عيينة بن حصن: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن حذيفة بن ~~بدر، فقال صلى الله عليه وسلم: خير الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ~~إبراهيم؛ وكان صلى الله عليه وسلم يقول في عيينة بن حصن: الأحمق المطاع، ~~وكان من أمره معه، ومع الأقرع ابن حابس، والعباس بن مرداس المسلمي، وتلك ~~المؤلفة. ما هو معلوم # ولما أعطاهم من تلك العناية ما أعطاهم، وحرم السابقين والبدريين ~~والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ~~ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل صلى الله عليه وسلم، وجمع الأنصار، ~~وقال: PageV02P526 # أخبروني عنكم معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ قالوا بلى، ~~قال: ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى، قال: # فما مقالة بلغتني عن بعضكم؟ وأعاد عليهم القول، فقالوا: يا رسول الله ~~أيما كان، هذا من بعض أحداثنا، فأما نحن فراضون. فقال صلى الله عليه وسلم: ~~هذا مال تألفت به قلوب هؤلاء الذين عهدهم بالإسلام حديث، وببصائرهم ضعف، ~~أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رجالكم؟ # قالوا: بلى، رضينا؛ وبكوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئتم ~~أن تقولوا أتيتنا طريدا فاويناك، ومخذولا فنصرناك، لقلتم، فزاد بكاؤهم ~~وخشوعهم، وقالوا: المنة علينا في ذلك لله ولرسوله. # [سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في السابقين والبدريين] # وكم قد كان مثل هذا، فتأمل هذا المقال والفعال للفريقين من المؤلفة ومن ~~الأنصار، ففيه العبرة الكبيرة والبصائر النيرة، وتأمل سيرته صلى الله ms386 عليه ~~وسلم في السابقين والبدريين، لأهل بيته، وفي ولده وأزواجه، كيف حرمهم ~~الدنيا وحماهم منها؟، وكيف ملأ قلوبهم بالوعيد والمخاوف؟، وكيف جعلهم أسوة ~~الناس كلهم في الأحكام والقصاص والحلال والحرام، وفي أن من حازت شهادته من ~~العجم والموالي على الحاكة والحجامين والزيالين، حازت شهادته على القرشيين ~~والهاشميين والسابقين والبدريين، وكيف حرم الصدقات على أهل بيته وأوجبها في ~~أموالهم للناس، وكيف شرع وبين أن الخطأ والزلل جائز على كل واحد من أصحابه ~~وأهل بيته وخاصته، ووصى بمراعاة أفعالهم وأقوالهم وأن يذكروا وأن يعلموا ~~وأن يتفقوا حين جعلهم قواما على المسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله عز ~~وجل أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش، أحرص على رشاد المسلمين ~~وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش PageV02P527 # ما استقاموا لكم، وتلك الأقوال التي قد تقدم لك ذكرها، فأحضرها فهمك ~~وتأمل ما فيها. ## [الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه # ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم ~~القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسد مسده، فقبلوا كل ذلك ~~منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ~~ذكرها، لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة ~~فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحمية، ثم لا تجدهم لما ~~صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في ~~دينه لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من ~~أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في ~~حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه ~~وخاصته، وفيهن بنات أعدائه. # فإن قيل: أو ليس الرافضة تدعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه علي ابن أبي ~~طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من ~~الأحوال، ولا يلحقه سهو ms387 ولا غفلة، وأنه يسد مسده ويقوم مقامه، وأنه مفزع ~~الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من ~~يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر. # قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا ~~عن شرعه صلى الله عليه وسلم وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك ~~الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ~~ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في ~~القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم؛ فإنه ابتدع هذا القول، ثم PageV02P528 # أخذ عنه الحداد، والوراق، وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإفساد دينه، وتشكيك الناس في نبوته، وأحوالهم في شدة ~~عداوته معروفة، وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى ~~إعادته. # وقد ذكر أبو علي رحمه الله طرفا من ذلك في «التفسير» وفي «نقض الإمامة ~~على ابن الراوندي» ، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مفزع الدين أرسل اليهم، واتباعه في ~~العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، ~~ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا ~~شهد بالجنة إلا لذلك الواحد، قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم ~~من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو ~~بكر ويدله على ذلك. # فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدعون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عصمته وعصمة ولده، ونص لأمته على ذلك، ~~وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ~~ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على ~~إمام الزمان الذي هو معنا وحجة ms388 علينا. # وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، قد ابتلى من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو ~~بكر، ولا عمر، ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ~~ولا أن النبي نص عليه ووصى اليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع ~~حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد ~~الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب PageV02P529 # الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعدي بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، ~~وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي ~~الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله ~~إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم ~~حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد ~~عليه من رسل معاوية، ويجادل الخوارج، لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه ~~من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به رضي الله عنه إلا إلى الاجماع، فيقول: ~~وجبت طاعتي كما وجبت طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، ~~وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا ~~إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ~~ويحتج في التحكيم بالقياس، ويرده إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال ~~الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع ~~درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه ~~وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون: له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت ~~كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل ~~البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن ~~التحكيم، ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع ms389 رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه ~~دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم ~~خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض ~~أصحابه لما حكم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟: PageV02P530 # فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ~~ففرقه، فحتى متى يا بنى مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرق، فلو أنه إذ عصاه من ~~عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع؛ فقال رضي الله ~~عنه: أنا هدمت أم هم؟، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من ~~أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فو الله ماغبي علي هذا ~~الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، ~~وهذان: يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله ابن جعفر بن أبي طالب يقدماني ~~فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذرية، وكرهت أن ~~يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى ~~الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري. # فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو. # ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من ~~جوابه، أن على الانسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك. # ولا يحتج في شيء من ذلك بنص، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا ~~يقول: هكذا وصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي: ينبغي أن تفعل ~~كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من ~~الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، ~~فلم تكونوا كما ظننت. # وخطبهم مرة فقال: # ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا، ms390 PageV02P531 # وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا. # ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول» # إني عثرت عثرة لا أجتبر %~% سوف أكيس بعدها أو أستمر # وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول ~~إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك، وهو في ~~الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن ~~مسعود، وزيد بن ثابت، وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ~~ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي ~~موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه وحيث ينفذ ~~أمره، والبلدان التي هو فيها وفيها عماله، يفتي الناس فيها بالرأي ~~والاجتهاد، بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله ~~بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ~~ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يرده، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على ~~الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل ~~الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن ~~مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا ~~يحصى كثرة. # ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي عليه السلام ما نص على علي ولا ~~استخلفه، ولا كان علي يدعي النص والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه ~~PageV02P532 # ما نص على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذر، لأن عليا قد كان في زمن ~~أبي بكر وعمر وعثمان، وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد ~~لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط ~~بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك. # ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد كان عرفه عدوه ووليه وما يجري عليه بعده، وأنه ms391 خرج إلى صفين وهو ~~يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف، وينقض تدبيره، ويفسد ~~عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى ~~إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن ابن ملجم ~~سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج اليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن ~~الحسين عليه السلام، وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ ~~البيعة عليهم وهو يعلم أنه لا يتم له أمر، وأن عدوه سيقتله، وأن أهل ~~الكوفة لما كاتبوه بالمصير اليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار ~~اليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار اليهم ومن معه سيقتلونهم ~~ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل ~~مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير حرة وعلى مال بني ناحية، ~~وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية ~~الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول اليه أمره من مصيره ~~بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ~~عليه السلام، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين ~~استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس PageV02P533 # ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع ~~شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا ~~منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية ~~سيقتله ويقتل أصحابه، وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو ~~يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر ~~الخصوم الذين يرتفعون اليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر ~~الشهود والذين يشهدون عندهم، ومن هو الكاذب من الصادق. # والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار، فهذ موضع ~~الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة ms392 في ~~المعرفة عناء، والله عز وجل يقول لنبيه: قل يا محمد: «ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء» ويقول له في قوم كانوا يظهرون له ~~الحيل فيظن ذلك بهم: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله ~~على ما في قلبه وهو ألد الخصام» وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظن: ~~«وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم» إلى قوله: «هم العدو ~~فاحذرهم» وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن ~~قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا باب لا ~~يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإن من عرف أمير ~~المؤمنين وولده رضي الله عنهم، يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء ~~عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم PageV02P534 # وما يغلب على رأيهم، وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ~~ويقتل نفوسهم وأحبابهم، ويشمت عدوهم، ويميت سلطانهم، ويكسر عساكرهم، ويمكن ~~لعدوهم على علم ويقين؛ فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط، ~~ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم من معاوية وبني ~~أمية من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سب هؤلاء ~~السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم ~~شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشد الناس عداوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادعوا ~~أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبوهم هذا السب، وطعنوا عليهم هذا الطعن، الذي ~~لم يبلغه العدو المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية . # وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية، ~~والناصرية: الرافضة أضر علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ~~ولغوا في دمائنا. # ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمير ~~المؤمنين، والذين يدعون ms393 لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية ~~والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ~~ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن ~~يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله ~~على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا ~~بد من أن يكون عالما بجميع اللغات؛ قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب ~~بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب ~~منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام ~~كلها PageV02P535 # بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد كان قرأ صحف ابراهيم، وما نزل على آدم، ونوح، وموسى، ~~وداود، وعيسى، وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام. # وأنت تجده صلى الله عليه وسلم يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما ~~في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه ~~إذا لارتاب المبطلون. # ويدل بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء ~~قبله بأنه النبي الأمي، وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم ~~يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى دينه من المكاره وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم ~~يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم ~~مسطور، وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قرأ ~~كتابا قط ولاخطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر ~~وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا يكتبون بهذه الأقلام ولا ~~يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير ~~المؤمنين والحسن والحسين رضي الله عنهم ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر. # وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا ms394 بالعربية، وأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام، وهم يدعون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون ~~الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل ~~صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت، ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان أعلم بالشعر من كل شاعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما ~~كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا ~~يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه PageV02P536 # العرب والعجم، والفصيح والأعجم، ولا يستقيم له، ولا يجري على لسانه، ~~والله عز وجل يقول: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له» فمن هذا الجنس ~~مدائحهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهو الغاية في تكذيبه ~~والطعن في نبوته. # [الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم] # وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، ~~وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون اليها على عمد وعلم، والله قد ~~أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكنوا من غفر حمار ~~يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: «ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة» ويقول: «ولا تقتلوا أنفسكم» «وخذوا حذركم» ~~ ويقول في قصة سليمان صلى الله عليه وسلم: «فلما قضينا عليه الموت ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» يقول عز وجل: إن الجن ~~وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الانس من يدعي ذلك لها، وكان سليمان ~~عليه السلام واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية ~~المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكىء على عصا كانت في يده، فتوفاه الله ~~عز وجل على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ~~ويشاهدها، وكانت إن قصرت عذبها، ms395 فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من ~~الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه، ~~PageV02P537 # تبينت الجن أنه قد مات مذحين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت ~~بهذا العلم، ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع ~~به، وهؤلاء يدعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في ~~المهالك، وقد بين عز وجل أن يوسف صلى الله عليه وسلم لما أعلمه بالعواقب في ~~تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، ~~وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها اليه فقرت ~~عينه، وعين كل ولي له وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا فقال لهم: ستتوالى ~~عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد ~~قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة وليكن ما تخزنونه في سنبله ~~وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، ~~حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك. # والله عز وجل يقول: «الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل ~~فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين» بين عز وجل، أن العاقل إذا علم ~~العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره، ثم بعد ذلك ينتفع غيره ~~إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدل الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، ~~فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة ~~سليمان مع الجن. # فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة، فإنه وإن كان كلاما في توبيخ ~~الشيع فيما أضافوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أهل البيت، ففيه بيان ~~شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل رحمه الله حين ~~استدعاه المأمون PageV02P538 # وسأله الكلام عليهم فقال لهم: أخبروني أيما أيسر عندكم، العلم بما سيكون، ~~أو العلم بما قد كان ، فقال لهم: فأخبرونا عما ms396 قد كان، إن شئتم ~~بالبصرة، وإن شئتم بالكوفة، وإن شئتم ببغداد، وإن شئتم في هذا القصر، بأن ~~تقولوا في خزانة الكسوة كذا وكذا صندوقا أو رزمة أو عدلا، وفي الصندوق ~~الفلاني كذا وكذا قميصا وكذا وكذا قباء، وكذا وكذا عمامة، وفصلوا ما في كل ~~واحد منها، وهو شيء قد كان ووجد، وعرفه الخزان والفراشون، ولكم الكلام. ~~فسكتوا فما أحاروا جوابا، وهذا شاف كاف بل زائد على الكفاية فما تحتاج معه ~~إلى غيره في بيان فضيحتهم، فاعرف ذلك. # [الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب] # وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب رحمه الله: إذا قلتم إن النجوم تدل ~~على ما كان ويكون، وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز ~~كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك، وطلب ما في أيدي الناس، والتذلل ~~لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون ~~للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي ~~الجبائي عن مثل هذا، وسألهم أصحابه، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وإنما أنطق ~~هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه ~~والفكر فيما تدرسه والتدبر له، ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما ~~انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا ~~نقول، ونخطىء على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو ~~شئنا لا ستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى ~~قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، ~~فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبي، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت ~~بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب PageV02P539 # من التدبير، ولمحنة امتحني الله بها كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا ~~يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال. # فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك ms397 قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين ~~هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني ~~نفسك وعيالك، وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ~~ادعيت ولا تقدر عليه، ولا تجد سبيلا اليه. # والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله ~~على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء ~~مما يدعون مع حاجتهم إلى ذلك، بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم ~~كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل ~~الأمر في بابه عليه السلام أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص ~~والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ~~ذلك مع حاجته اليه كما تقدم ذكر ذلك في غير موضع من هذا الكتاب. # والعجب أن أمير المؤمنين رضي الله عنه يسأل عما كان من طلحة والزبير، ~~فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان ~~هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب ~~من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن ~~أنهم يفعلون ذلك، ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال : من له هداية ~~بذي قار يهديناا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدي الناس بذي ~~قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار. PageV02P540 # ولما اشنبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه عليهما السلام: يا حسن، أما ~~ترى، ود أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك ~~وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الامر يصير إلى هذا. # وكان ابن عباس يقول: كان علي رضي الله عنه لسابقته وقرابته يرى أنه لا ~~يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن. # ورأى عليه السلام على بنت له ms398 لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال: # من أين لها هذه لله، علي أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت ~~المال لما رأى جده في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين ~~كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت. # ودخل على الحسن عليه السلام رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا ~~رسول معاوية إليك، فقال له: أو هكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن ~~وسلم، ففعل ذلك ودخل بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، ~~فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني رؤساؤهم بأنهم ~~يسلمونك إلي، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: ~~حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل ~~العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيكم، فبكى الناس، ثم خطبهم ~~فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل ~~الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في ~~مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ~~وإنا كما كنا لكم PageV02P541 # ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، ~~وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد ~~دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى ~~الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة فنادوه البقية البقية يا أمير ~~المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا ~~بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي. # ولما مات معاوية عزم الحسين عليه السلام على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه ~~وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر اليهم، ولا تأمن ~~بني أمية، فإنهم ms399 طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل ~~الكوفة فإنهم قتلوا أباك وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال ~~الحسين: هذه كتبهم، وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، ~~وكاتبوني بالقدوم عليهم، وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم ~~يسلمونك، والحسين عليه السلام يكذب عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ~~ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما ~~صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: ~~استودعك الله من قتيل. # وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير اليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، ~~فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضر الجناب فأقدم، فإنما تقدم على ~~جند مجند. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم ~~يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه ~~كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل PageV02P542 # فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه قال له: فلا تسر بعيالك ~~معك فتقتل وهم يرونك. # فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى ~~قتالا، ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ~~ولا مانع. # ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ ~~مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانىء بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة ~~لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرف مسلم بن عقيل ~~وأهل الكوفة بأنه عليه السلام قد سار اليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن ~~زياد فقتله، والحسين عليه السلام لا يعلم بشيء من ذلك. # فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن ~~الخبر فأخبره بقتل مسلم وهانىء والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد ~~الله بن زياد عنهم، وأنه ms400 قد تمكن. فبقي عليه السلام كئيبا حزينا، وصار في ~~نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم ~~وهم بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا ~~بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظن أن أهل الكوفة إذا رأوه ~~نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن ~~أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه. # فلما قرب من الكوفة وجه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ~~ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت، PageV02P543 # وناداهم يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هذا كتابك، قد كنا ساكتين ~~وعدونا عنا ممسك، فسللتم علينا سيفا كان مغمودا عنا، وفعلتم وفعلتم، فما ~~زالوا يحاربونه، وعياله يضجون ويبكون، ومن معه من إخوته وولده وبني عمه ~~يقتلون، وهو يبكي ويذكر قول ابن عمر، وكلما ضج نساؤه يقول: # لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا ~~يشقوا عليه جيبا؛ ولا يظهروا عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد ~~الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، ويقول كيف ~~أصنع يا أخية، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ~~ويحتسب على أهل الكوفة وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى ~~قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم ~~بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى ~~الطوامير الطوال ، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته. # والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل ~~غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب. # [الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي رضي الله عنه وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا ms401 كان منكرا] لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا # ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي ~~بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه، أن قوما في زمانه قد ادعوا فيه أنه ~~إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر. # قيل لهم: فقد ادعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها ~~آلهة وأرباب وعبدوها، وادعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على ~~PageV02P544 # قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء وقد ~~ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره. # ومن عجيب الأمور، أن أفعال هؤلاء وأقوالهم، تشهد بأنهم عليهم السلام ما ~~ادعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات، وقد تيقن ذلك كل ~~متوسم ومتأمل، فقالوا: ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من ~~الانسانية، فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا ~~يعرفون عبد الله بن سبأ ، وهو المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ~~ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى ~~الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط ~~بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق، ولم يؤبه له. فرحل إلى ~~الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك، فلم يقم له سوق فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك ~~واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه، وأوقع بين أبي الدرداء ~~وبين قوم بالشام شرا، وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر، وكان على هذا، واغتر ~~به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار ابن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، ~~فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا رحمه الله عليه من بمصر عن الولاة مكروها، ~~فثار من ذلك فتنة # وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال ~~عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من ~~المصريين، ms402 فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية. ~~PageV02P545 # ثم وثب المصريون، فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان، ولما نفر طلحة ~~والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين ~~بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا ~~على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون، فدس ابن السوداء ~~أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما ~~يصطلحون إلا عليكم، فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير واحد من العلماء ~~وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة. # وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ~~ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ~~ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير ~~المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن ~~الحكم. وكان يدعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج اليه ~~بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك. # ولقد قال قائل لأمير المؤمنين عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولوا عليهم وعليك ~~غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك ~~لو قلت لي أنك رأيته لفعلت بك وفعلت. # وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ~~ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ~~ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان. # ولقد أتى أمير المؤمنين رضي الله عنه سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار ~~أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون PageV02P546 # أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على ~~مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي ~~أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms403 وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. ثم نهض دامع ~~العينين يبكي، قابضا على يدي سويد، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه ~~متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة ~~موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما ~~أنا عنه متنزه، ومما قالوا برىء، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء صحبا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ~~ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض الله نبيه عليه السلام واختار له ما ~~عنده، مضى مفقودا صلى الله عليه وسلم، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه ~~الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن ~~له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله ~~خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، ~~فسار فينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ~~ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، ~~فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي PageV02P547 # صلى الله عليه وسلم، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله ~~رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا ~~تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، ~~حتى ms404 إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله باسلامه الاسلام وجعل ~~هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب ~~المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل فطنا ~~غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله ~~آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ~~ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما، واتباع ~~آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو ~~كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد ~~هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ~~وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله عليه السلام: # من كنت مولاه فعلي مولاه، ولا تصدقون بهذا ومجيئه أقوى من مجيء ذاك. # والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بينة معلومة قد شهد بها ~~العقل، وقد تقدم بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم ~~بصحته مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء. # ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي ~~على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة ~~والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ~~ PageV02P548 # وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا ~~فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه. # ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار ~~الشيعة ، وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من علي، ولو ~~قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على ms405 هذه الأعواد فقال: # ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان ~~كذابا. # قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص، ولم نقصد لذكر ما قاله ~~أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة ~~مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما ~~أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه، وظهر ~~إلى قوم كان يلقيه اليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا ~~فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، ~~فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام قيل لابن سبأ قد قتل ومات ودفن فأين ما ~~كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من ~~رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا، ~~وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. ولما ~~افتضح بهت، وادعى على أمير المؤمنين ما لم يقله. # والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله ~~يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله، وبقول الذين حرقهم، وإنما ~~PageV02P549 # أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم ~~لم يحرق عبد الله بن سبأ؟ # قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه ~~لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر. # وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير ~~المؤمنين وولده أنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة ~~بين الناس فما ادعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ~~ولا أظهروا ما يدعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات ~~والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة ~~عليكم لمن خالفكم، فإن قلتم: قد أظهروا ms406 ما يدعون بهتم الناس وليس مع ~~المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة، فإن قلتم بالعقل ~~قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا ~~أنه لا تخلو الدنيا من نبي موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبي إلا ~~بنبي مثله، ولا يبلغ شريعة نبي إلا نبي مثله، وقد قال الله: «ثم أرسلنا ~~رسلنا تترا» وقال: «يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا» ~~فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا نبي بعدي، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا ذلك، ~~فإن ادعيتم علينا المكابرة ادعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندعي أن هؤلاء ~~القوم قالوا لنا ولسلفنا أنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، ~~فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام ~~معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم PageV02P550 # من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله، وأفعال أمير المؤمنين ~~وأقواله، أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطىء ويعصى. فإن قلتم ~~لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، ~~فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: لا ~~نبي بعدي إلا أنت وولداك، فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة ~~والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبي، وبيان شخص ~~الإمام، وأنه معصوم، وأن الآيات قد ظهرت عليه، شيء وضعه هشام وفرية ~~ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه، فلا يجدون فصلا، وإذا كلم هؤلاء ~~الإمامية من يقول أمير المؤمنين إله فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما ~~انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبي، لأنهم إن قالوا: لهم جسم لا يكون ~~قديما قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه ~~جسم ذو نهاية، وأنه نور وأنه يتحرك ويرى ms407 ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك. # قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما ~~حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ~~ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى ~~الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي ~~والسوس النجردي، وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل ~~من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر، قالوا لهم: ونحن ~~نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت ~~بحارها ونصبت جبالها، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول ~~النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد ~~الله وأنا أخو رسول الله، PageV02P551 # قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال أأنا عبد الله، أأنا أخو ~~رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه، فينقطع الإمامية في ~~أيديهم. # وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد ~~فأستأذنت عليه، هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل ~~زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان ~~يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما ~~خلقت خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، ~~واتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان ~~أبو الخطاب إذا لبى يقول: لبيك جعفر لبيك. # وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين ~~وولده كانوا يدعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون ~~المعجزات، ويدعون العصمة، فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولد أهل ~~ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدعون أن هذا ~~مما قاله النبي عليه السلام ms408 ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا ~~العصر ووضعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها ~~فحرم الله ذريتها على النار، فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. ~~فأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان ~~هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نص عليه صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل ~~النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، بل ~~كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة عليها السلام أقوى من العلم ~~بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء PageV02P552 # أقرب من عهد أولئك، وهم خلق كثير وأمم عظيمة، أحياء بين الناس، وهذا نص ~~فيهم وحجة لهم، فالعلم به كان ينبغي أن يكون أقوى، فلما لم يكن كذلك علمت ~~أنه أمر لا أصل له، وهو كادعائهم النص والعصمة والمعجزات لأئمتهم. #[حول قولهم بأن الله حرم ذرية فاطمة رضي الله عنها عن النار] # ولقد قال عظيم من ولد فاطمة عليها السلام وملك من ملوكهم لأبي عبد الله ~~محمد بن علي بن زيد بن رزام الطائي الكوفي: نحن أمرنا على يقين، فإن فاطمة ~~أمنا حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فقال له ابن رزام فهل بلغك أن ~~حواء زنت قط؟ ما كانت إلا حصينة الفرج، فذريتها محرمة على النار، فسكت. وهو ~~كما قال ابن رزام، وفي هذا كلام كبير. # والذي يعرف العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا فاطمة بنت ~~محمد، ويا صفية عمة محمد، ويا عباس عم محمد، اعملوا لما عند الله فإني لا ~~أغني عنكم شيئا لا تأتوني بالأنساب ويأتي غيركم بالأعمال، فمن قعد به ~~عمله لم ينهض به نسبه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم، ~~كلكم لآدم وآدم من تراب، والناس سواء كأسنان المشط، ليس لعربي على عجمي فضل ~~إلا بالتقوى، فخيركم من اتقى الله. # وكم مثل هذا من قوله، وكم ms409 في القرآن مثل هذا، وأنت تعرفه، والذي جعله ~~الله في عقول العلماء من عباده هو الذي قاله رسول الله لا يجوز غيره، ~~وهؤلاء القرامطة يدعون أنهم شيعة أهل البيت، وهم فيما بينهم يتواصون بقتل ~~العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس، وأشد في ~~الإدلال على الناس بجدهم من أولئك، وقد سلطهم على الناس. وهذا PageV02P553 # مذكور لهم في البلاغ السابع والنيموس الأعظم الذي فيه حقيقة مذهبهم الذي ~~يخرجون به إلى من قد بلغوه، وهو وصيتهم لأبي طاهر بن سعيد الجنابي. # [حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين # ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله، قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن ~~هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمل أهل بيته عنها، وولد العباس ~~وولد أبي طالب لا يتدافعون انهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي ~~الناس كلهم، حتى يقولوا عظاماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا ~~في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه ~~الخمس. # فقيل لهم: لو كان صلى الله عليه وسلم قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء ~~أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: «إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين» إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: ~~«يوصيكم الله في أولادكم» إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة ~~أشراف معروفين، وكان ينبغي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم ~~فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس ~~الأرض فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفد أمره فيها خمس ~~سنين. # فإن قالوا: قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وفعله أمير ~~المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع ~~الأخبار، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن ~~دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن ms410 كونه بالكوفة وبالنهروان، وما ~~كان له مع من PageV02P554 # حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ~~ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه عليه السلام كان قد أقطع عبيد الله ~~اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن ~~عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه ~~مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل ابن أبي طالب ~~أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين عليه ~~السلام عمان والهند، أو ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم ذلك ~~عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك. # والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم الصدقات ~~وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من ~~بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسد به الخلة. # وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول: # ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن فاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قمت البيت حتى أثر بثوبها ، وطحنت حتى أثر ~~بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو ~~يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالناس، وطال ~~انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ، أخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، ~~فاستحيت أن تقول، فقلنا جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك ~~خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت ~~بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ~~ما هو خير لك PageV02P555 # من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة ~~طويلة. # وأتته فاطمة ms411 مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما. # فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، ~~فما زاد على هذا. # وكم قد سأله صلى الله عليه وسلم غير واحد من بني هاشم فمنعهم، وتفصيل ذلك ~~يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس ~~الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم. # وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير ~~حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل، فكان عمر ~~ابن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء ~~السبيل، وقد سألته إياها فاطمة بنته صلى الله عليه وسلم فمنعها، فلما ولي ~~عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على ~~رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة رضي الله ~~عنها، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان صلى الله عليه ~~وسلم يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل. # ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فوضعوا ذلك بحيث وضعه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، ~~فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد ~~سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان ~~لي مال أحب إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه. PageV02P556 # فعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس ~~الجزيل الكثير، ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها ~~كلها، وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل ~~بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى ~~أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته صلى الله عليه ~~وسلم ms412 في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها ~~حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا. # ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، ~~إن فلانة الانصارية دخلت علي فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إلي بهذا، فقال: # رديه، فلم ترده، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث ~~مرات، وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت ~~شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك، ~~وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني ~~هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها ~~في المطاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشغبون من كل وجه، فقل ملحد ~~إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف، وقد تقدم لك ~~ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم البيان، وليس يجب ~~عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك. # وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول ~~للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست تلك النخيلات ~~التي PageV02P557 # بالحجاز وإنما فدك التي نحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة هو ما ~~سقته الفرات والنيل ودجلة وسيحون وجيحون، فلأولادها يأكلون من مال أمهم، ~~والشيعة يأكلون من مال مواليهم، وكأنك بهذا قد انتشر وصار له إسناد، وادعوا ~~فيه التواتر. # وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه ~~مات، وكانت الشيع ترجع اليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي ~~الحسن علي بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشيء وحمام بن فراس في هذا الموضع ~~معروف . # [الرد ms413 على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته عليه الصلاة والسلام وشيعته] # وقد وضعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الصلاة والصوم ~~والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من ~~هذه المحرمات وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ~~ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض. # وزور لهم في ذلك الروايات، وتأولوا في ذلك القرآن، وقد انتشر هذا وانبث ~~وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن ~~وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي ~~المشاهدة ليغتر به الناس، وبينما ترى الواحد وقد ادعى التشيع حتى قد تبرأ ~~من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادعى أن القرآن مغير ومبدل، ~~حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن ~~يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا تجب عليه عبادة، إلى ~~غير ذلك مما يطول شرحه. وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من ~~الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل PageV02P558 # الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على ~~البررة والخاصة، والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، ~~وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم ~~يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء ~~يعرفون من سنة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على ~~خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ~~ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية، وقد ولى ~~على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني ~~هاشم ومواليهم ms414 رجال كثير وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن ~~أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر رضي ~~الله عنه قديم الإسلام، قديم الهجرة، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمر بن الخطاب وجعله خليفة على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم ~~حنين، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك العسكر وفي هذه المواطن ~~كلها، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عسكره وجيشه أبا بكر ~~الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك ~~الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم ~~وينهاهم. # ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك قدم أبو بكر وعمر على ~~معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر ~~غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمن معه: # كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيهم، قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس في القوم أبو بكر ~~وعمر، إنهما PageV02P559 # سيرشدان الناس، فإن أطاعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم، وإن عصوهما فقد غووا ~~وغوت أمهم، يقولها ثلاثا. # [حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله] # وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع ~~وفيه علي ابن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي ~~والخطيب والدافع بالناس دون علي، ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلى ببني ~~هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم وهناك من بني هاشم خلق كثير، ~~فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين وما كلفهم من الشدائد فأعظم، ولمثل هذا ~~قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه اليه، وقد ذكر فيه الشدائد ms415 التي كلفها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم: فكان إذ حمي الناس ودعي إلى البراز ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيف وحر ~~الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم ~~مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي ~~أرادوا من الشهادة مع نبي الله صلى الله عليه وسلم غير مرة غير أن آجالهم ~~عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله ~~في طاعة ربه، ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، ~~فجزاهم الله خيرا. # فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها ضد ~~سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم، وفي هذا كلام ~~كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال، وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه ~~فارجع اليها وتأملها. # وتأمل حالهم حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خاضوا فيمن ~~الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع ~~أمير PageV02P560 # المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها ~~يوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد ~~تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كل فريق، وقد تجاذبوا الامارة وفيمن تكون الرئاسة، فانظر ~~كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسليم ~~لأوامره، والاقتفاء بأثره، والطلب لوصاياه فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو ~~شك في شيء من أمره وأفعاله صلى الله عليه وسلم ولا سأل على طريق الاستفهام ~~عن شيء من أموره بوجه من الوجوه، هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف ~~الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في ms416 الأخيار من قريش، ~~وهذا موضع يخرج في الأضغان ويظهر الشحناء. # ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه، وفي أهل السابقة، وهناك ~~من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور ~~الثروة ما لا يحصى كثرة، ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ~~ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان ~~حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، ~~فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حي في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له ~~مال فأنفقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي نوائب الإسلام، حتى لم ~~يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ~~ألا تشتري لك ثوبا جديدا يكفيك فيه، فقال: # الحي أحوج إلى الجديد. # ولما استخلف، غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أصبح غاديا يبايع PageV02P561 # الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات ~~العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك ، وقالوا له ~~قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن ~~وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي ~~وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور. # فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة ~~النبوة من كل دنس، وطهارتها من كل لبس. # فإن قيل: أو ليس الرافضة تدعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم، وأنهم في السقيفة ~~اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من ~~هذا، وبينا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها، هم الذين ~~اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته ms417 فطهارته، وتقربوا إلى ~~الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره، فلا فرق بين من ادعى هذا وأن أبا بكر ~~غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادعى ذلك في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وادعى ذلك في أمير المؤمنين، ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] ~~ من ادعى أنهم لبسوا الازر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها ~~بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه ~~دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم. # وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة ~~PageV02P562 # والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة ~~وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء ~~الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن ~~الأنصار رحمهم الله طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بين لهم أبو بكر أنه ~~لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله. # قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا ~~الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من ~~الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه. # قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر ~~لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا ~~زيادة في كلفة الانصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من ~~معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر ~~عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها ~~عليهم. # وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال: # ولوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند ~~وفاته: ليتني يوم سقيفة بنى ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي ~~عبيدة، وكنت وزيرا لا ms418 أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا ~~اليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا ~~غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا ~~خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا. PageV02P563 # ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد ~~سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم ~~الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه ~~الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار ~~والبحار، كابن كلس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، ~~فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر هكذا ينبغي أن تكون، أو ما علموا ~~أن موسى سأل ربه فقال: «واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري ~~وأشركه في أمري» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وزيراي من أهل ~~السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولولا فساد الزمان ~~وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام. # وبعد فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا ~~لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد ~~بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت ~~وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا الينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة اليك أن ~~تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا ~~طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا ~~بها صاحبك، من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة ~~الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ~~ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته. PageV02P564 # وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خدع المهاجرين ~~والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم، فقال عز وجل: «للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون» فأخبر عن ms419 نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في ~~الأنصار: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة ~~الله، ويواسون المحتاجين في ذات الله، مع ما بهم من الخصاصة، وشهد لهم ~~بالفلاح، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو سلك الناس شعبا وواديا ~~وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم، وقال لهم: إنكم ~~لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، إلى غير ذلك مما قاله فيهم رضي الله ~~عنهم. # فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ~~ما قال رسوله، ولكن الأنصار رحمهم الله لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم ~~جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا ~~بكر حين قال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمة من قريش» أو ~~كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة ~~والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة ~~وسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين ~~وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره، PageV02P565 # وإن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي ~~بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه، ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم: # «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا ~~تختلفوا فتختلف قلوبكم» » # فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته، وإذا استوى في ~~مجالسه، ولهذا قالوا وهم يصفون مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنازل ~~أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشتبك حتى ~~تكون كالأسوار، وإن ms420 مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو ~~بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وألقى ~~اليه حديثه، وسمع الناس. # ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعظيم أبي بكر للعباس، فاعرف هذا فإن ~~الإمامية اليوم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يلعن أبا ~~بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك ~~القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي ~~جهل، وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، ~~كما تشهد ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلام على الفريقين ممن ~~كشف قناعه في الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقد افتعاله ~~واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه. # وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل ~~بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء ~~السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ~~ويجتازون. PageV02P566 # وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه ~~أهل بيته في زمانه، وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من ~~الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، ~~فقال رحمه الله: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته ~~الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أموال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم ~~له وأقدم عليه مدلا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها ~~وأكثر منها، لأنه برسول الله صلى الله عليه وسلم عز، وبه تقدم، وبه كانت له ~~الرئاسة، وبه صار صديقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب ms421 ~~دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، ~~فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، ~~وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما ~~منعهم ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعهموه . # ذكر أبو علي رحمه الله هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها من الرافضة، ~~ومن الناصبة، ومن الشيعة. # يزيدك بذلك علما، أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم، ~~وملك الأرض، واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه ~~من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ~~ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن ~~جعفر رضي الله عنهم لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ~~ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر رضي الله عنه لم يعطهم شيئا ~~من ذلك، بل كان يعطيهم PageV02P567 # على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء. # ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودون الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، ~~وسوى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن ~~والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار، تقربا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وبرا به صلى الله عليه وسلم فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، ~~وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير ~~المؤمنين حين صارت الخلافة اليه. # ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما رضي الله ~~عنهما في عطائهما فلم يفعل، وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت ~~لأزيدهما على ما فرض لهما عمر، وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة ~~وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده ~~على ما فرض له عمر فلم يفعل، ms422 وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة ~~المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر، وقال له أتريد ~~أن يكون خالك سراقا. وكان رضي الله عنه لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما ~~فرض له عمر، ومثل هذا كثير. # فإن قيل: ولم لا عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أئمته وأزواجه أنهم لا ~~يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحجة، ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك ~~عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك، ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ~~ذكرنا كفايه، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين رضي الله عنه وشبهه. # وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ~~إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، ~~وهم PageV02P568 # فتحوا الدنيا ودعوا أهلها إلى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني ~~هاشم، وسلموها اليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل ~~العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب. # وقد سأل موسى أخاه هارون عليهما السلام وأخذ برأسه يجره اليه، ثم رجع ~~اليه حين عرف الجواب عند حاجته اليه. فعير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما احتاجوا اليه من أبي بكر. # ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه ~~فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه ~~الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن ~~يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر اليه بأنه نسي. ~~ولم لا عرف سليمان عليه السلام حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف ~~الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن ms423 ~~أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، ~~وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا ~~له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه ~~وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون ~~موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف ~~بيته، ونحوا خليفته ووصيه في حياته وبعد موته، وضربوا بنته وقتلوا جنينها ~~في بطنها. # وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول ~~أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ~~ويعلم أنه PageV02P569 # كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ~~ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، ~~وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها ~~واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها ~~طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: ~~عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال: # لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا ~~صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم ~~بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم ~~لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من ~~الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ~~ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبيه نبي الرحمة صلى الله ~~عليه وسلم، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا ms424 يكون ~~تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، ~~وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه ~~الدنيا قد غرت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا ~~حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من ~~محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله ~~به من مساوىء يوم القيامة فليفعل. # فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط، ولقد جعلها عمر شورى ~~في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم اليه في ذلك ولا مسألة، ولم PageV02P570 # يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا ~~فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب ~~رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ~~ذلك. # لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة، فإذا وجدوا من ~~يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا اليه وتمنوا مكانه. # ولما دفن عمر، وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار ~~إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا ~~منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم ~~تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم ~~إنما يديرون الرأي في واحد منهم. # فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها، وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، ~~فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، ~~وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون ~~بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن وبايعه علي بعده، فما أنكر ذلك ~~أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتبوا، ولهذا ~~كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب ~~مني ms425 ولا رغبة، ثم اجتمع الناس علي من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة ~~فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع. # وأما أمير المؤمنين رضي الله عنه فقد عرضت عليه، وعرضها عليه العباس ~~وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبي وبعد عثمان فأباها وردها، ~~PageV02P571 # واختلفوا اليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا ~~غيري أبايعه وتبايعونه. # وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ~~ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما ~~أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم ~~صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه. # فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما ~~نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل ~~عثمان ابن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤلي إلى عائشة فقال: # انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن ~~مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيتيه، فإن ~~أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: بلى هو رأي رأيته والله ما ~~مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطى لبنيه الخمر، إن الغوغاء من أهل ~~الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحدثوا فيه ~~الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما ~~نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تره، ولا عذر أنا نقمنا عليه ضربة السوط، ~~وموقع النحاية المحماة، وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم ~~الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما ~~يماص الإناء فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا ~~بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على ~~الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم PageV02P572 # ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه ms426 الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، ~~وقرأت: # «لا خير في كثير من نجواهم» إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط ~~عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم ~~به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه. # فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، ~~قال: أو لم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين- الذين غزوا عثمان- في ~~البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو ~~لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال ~~طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما ~~بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن ~~يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة، ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن ~~غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء وأمثاله، كما تقدم ذكره. # فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له ~~عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم، وأن لا يسلم ~~الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا ~~له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، ~~فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن ~~القيام بها، ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها ~~حتى قتل. PageV02P573 # وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن ~~يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه وما نزل عن ~~الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر، وفيمن قتل عثمان، ~~ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل، وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي ~~أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه. ms427 # وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية، وقد أرسل الحسين إلى أهل ~~الكوفة وطلبها، وخرج اليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على ~~حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ~~ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل، فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة. # قلنا: الذي عمله عثمان وعلي والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم ~~أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم ~~الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه وصحت ~~البيعة لهم، وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا ~~وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الافراج ~~عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا ~~وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا كما ~~فعل الحسن رضي الله عنه حين أسلمه أهل الكوفة. # وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ~~ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين رضي الله عنهما، ~~وكما فعل القراء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن PageV02P574 # مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن ~~الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد ابن ~~الوليد بن عبد الملك، فيما أنكروه من المنكر. # وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك، ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهما فما عهدا في أحد البتة وأبو بكر وعمر لما عهدا ~~لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما. # ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل ~~الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة ~~روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، ms428 وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: ~~إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون اليه بعده وهو ابنه يزيد ~~فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لمن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن ~~أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر ~~وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله ~~من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما ~~هلك هرقل قام هرقل، فانفل الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: ~~«والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي» ~~إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت: # كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك ~~وأنت في ظهره. # فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي ~~PageV02P575 # بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ~~ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة ~~أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب ~~مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الامر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد ~~أبي بكر. # ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل ~~الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن ~~الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ترك الناس ~~فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل ~~مرضي عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين ~~معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ms429 ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية، وهددهم، ~~وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم ~~أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت اليه ~~فجاءها وكلمته في أمرهم وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، ~~فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى ~~أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني ~~أمية فيمن تهوونه. # وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر، قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون ~~أن عليا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في ~~الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي ~~بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر ~~فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟ PageV02P576 # قيل له: هذا يبطل من وجوه منها: أنكم تقولون أن عليا رضي الله عنه ، ~~كان في زمن هؤلاء في تقية وخيفة، يمتثل أمرهم ولا يجسر يرد عليهم ولا يظهر ~~خلافهم، وكذا كان بعد موتهم، وفي سلطانه وخلافته ومعه مائة ألف سيف، ~~يقولون: ما جسر أن يظهر مخالفتهم ولا عيبهم ولا الرد عليهم، لأن أعوانه ومن ~~كانوا معه كانوا يتدينون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلو عابهم أو اتهموه ~~بعيبهم لقتلوه. # قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى ~~التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد ~~امتلت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله علي وقاله، إلا ~~أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان ~~يعجبهم، ويرون إمامة هؤلاء فقاله خوفا منهم وتقربا اليهم، فكتب أسلافكم ~~مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون ms430 بأنه قد كاشف في البراءة ~~منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل أن تصير الخلافة اليه، فأنتم لا ~~تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم (ما) ~~تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي ~~هذا كفاية. # [علي رضي الله عنه استن بسنن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعمل بها] # ومنها: أنه قد علم كل من سمع الأخبار أن عليا رضي الله عنه قد استن بسنن ~~أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما، ونفذ وصاياهما بعد موتهما، ~~فأطاعهما حيين وميتين ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال ~~PageV02P577 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل له على الاتعاب بالمدينة وضبطها له، ~~وغزا معه، وأشار عليه، ونفذ وصيته في عمر، وأطاعه أحسن طاعة، وخلفه على ~~المدينة غير مرة، وصاهره، وأتى في طاعته ومزضاته ما يطول ذكره، وأدخله في ~~الشورى فدخل، وجعله رعية لصهيب فقبل، ورده إلى عبد الرحمن فرجع، وغير ذلك ~~مما يطول شرحه؛ فكيف يقول: لا أسير بسيرة أبي بكر وعمر، أو يصدق عاقل سمع ~~الأخبار مثل هذا الظن؟ ومن ذا الذي يدع المعروف المشهور بالمكاتبات ويرجع ~~عن المعروف بمجهول التأويل. # وإنما قال ذلك ، لأن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتمل الزيادة ولا النقص ~~البتة. # وسنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر الذي قال له عبد الرحمن هو اجتهادهما ~~في الدين وحياطته وحفظه، والزهد والعفاف الذي هو مشهور عنهما، فلو قال نعم ~~للزمه الدخول في ذلك من غير زيادة ولا نقص، وقد لا يجد الشخص من نفسه ~~القيام بما يقوم به غيره، ثم الفتيا في المسائل التي ليس فيها نص كتاب ولا ~~سنة والعمل فيها بالقياس والاجتهاد من الإمام ما كان يمكنه التقليد فيه ~~وترك نفسه من الاجتهاد، ولهذا المعنى أشار، وله أراد، هذا لا يشك فيه من له ~~فطنة ولا دراية، والله أعلم. وأيضا فليس ها هنا إلا أنه قيل إن عبد ~~الرحمن قال لعلي تقضي بسنة أبي ms431 بكر وعمر. # لأنه جاء أن عمرو بن العاص أتى عليا ليالي الشورى فقال له: إن عبد الرحمن ~~رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة ~~فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال PageV02P578 # له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل. # قال: فلما قال عبد الرحمن لعلي: هل أنت يا علي تبايعني على كتاب الله ~~وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر، قال له علي: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك ~~وطاقتي، ومن يطيق ذلك. فقال لعثمان هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ~~وفعل أبي بكر وعمر، فقال: نعم، فبايعه. فقال علي، خدعة، يعني أن ابن ~~النابغة خدعه، فهكذا جاء الحديث، فإن كان صحيحا فاقبلوه، فأنتم أول من يقول ~~لا يجوز أن يقال لأمير المؤمنين بكتاب الله وسنة رسول الله فيقول هذا القول ~~ ، ولا يجوز أن يخدعه عمرو بن العاص فأنتم لا تقبلون ما قد ذكر، وإذا ~~دعيتم اليه نفرتم عنه، ثم تدعون ما لم يكن وتجعلونه أصلا تنصرفون به عن ~~المعروف من اتباع أمير المؤمنين لهؤلاء القوم وتصويبه لهم؟ على أن الذي ثبت ~~عند العلماء أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: إني قد نظرت وشاورت واستخرت ~~فما وجدت الناس يعدلون بعثمان أحدا. # وأيضا فقد كان في الصحابة من يخالف أبا بكر وعمر في مسائل الاجتهاد. # ولا يحتشم ذلك، ولا ينكر أبو بكر وعمر ذلك، وقد خالفهما ابن مسعود، وأبي، ~~ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم. فتعلم أن ما يتعلق به هؤلاء باطل. # ومن عجيب ما يدعونه أن عمر احتال على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى ~~أدخله في الشورى، وقال: إنه يصلح للخلافة، وأنه قال إذا صار أهل الشورى ~~ثلاثة وثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن ~~كان عدوا لعلي وصرفها عنه إلى عثمان، وأن عمر إنما قال هذا حرصا على أن ~~ينصرف عن علي ويصير إلى عثمان. ms432 PageV02P579 # وليس معهم في هذا دلالة ولا برهان، إنما هو البهت والفرية وظنون كاذبة ~~كغيرها من أقاويلهم، وقد تقدم لك الدلالة على أنه لم يكن بين علي وأبي بكر ~~وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة عداوة، بل كان بينهم من الموالاة والمودة ~~في الدين والإسلام ما فيه كفاية. # ثم يقال لهم: لو أرادها عمر لعثمان وحده أو لعبد الرحمن أو لأحد يريده ~~لنص عليه كما تقدم النص من أبي بكر أو كما نص هو على صهيب في الصلاة، فكان ~~الناس يمتثلون ذلك وقد استراح مما ادعيتموه، ولم يكن عليه خوف، كما لم يكن ~~على أبي بكر خوف. # والعجب أنكم تقولون: إن أبا بكر وثب بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقام فيه في حياته وفي بيته وبحضرته وبحضرة جميع بني هاشم والمهاجرين ~~والأنصار، اغتصابا وقهرا، وتم له ذلك، واغتصبهم بعد موته، وساعده الناس، ~~ونص على عمر فقبلوا منه فأنفذوا وصيته، ولم يقبلوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم ينفذوا وصيته، وقبلوا من عمر في الشورى وفي كل ما وصى به، ~~ولم يقبلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته ونصه على وصية علي رضي ~~الله عنه، وقد بين لهم الفرض في ذلك، وهو من فرض الكافة. # وها هنا يقولون: إن عمر خاف ولم يكشف ما أراده وأخفاه ودلسه، كصنيع ~~المغلوب المقهور الخائف المترقب، فأقاويلكم يكذب بعضها بعضا، وأنتم تنقضون ~~مذاهبكم وأصولكم بأيديكم، وتبعثون خصومكم على النقض عليكم، فلستم ممن ~~يستقر له قول ولا يتقرر له مذهب. # وقد علمت رحمك الله في الجملة أنه ما كان يجري في ذلك الزمان وبحضرة ~~أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردوه ~~وأنكروه، وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه، فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر PageV02P580 # تنكره، فأما أن لا يكون له أصل البتة، وأما أن يكون إن كان حقا المراد به ~~والنية فيه والقصد غير الظاهر الذي أنكره الخصم وأوله، فقد علمت حالهم في ~~تمسكهم بدين رسول ms433 الله صلى الله عليه وسلم ووصاياه والقيام على نصوصه ~~وعهوده، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لو أرادوا في سلطانهم أن يغيروا نصا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة أرملة ذمية لما تمكنوا منه، وإن ~~سلطان هؤلاء لم يكن كسلطان معاوية ومن بعده من الملوك. # فاحفظ هذا الأصل وارجع اليه فيما ذكروه عن عمر في قتل أهل الشورى، وفي ~~ادعائهم على أبي بكر أنه أمر خالد بن الوليد بقتل علي بن أبي طالب ثم بدا ~~له فقال لا تفعل، بحضرة المهاجرين والأنصار، وأنه وجه بالنعمان بن بشير، ~~والمغيرة بن شعبة فقاتلا سعد بن عبادة الأنصاري، وأن أبا سفيان وبني أمية ~~كانوا في زمن عثمان يظهرون بين الناس بتكذيب النبي، وأنه ما ها هنا معاد ~~ولا جنة ولا نار، ولهم في هذا روايات كثيرة عن الصحابة من الرجال والنساء، ~~وذكرها يطول، غير أنك تعلم كذبهم فيها بالدليل الذي تقدم من تمسك المهاجرين ~~والأنصار بدين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الغلبة في زمانهم كانت ~~للمقيمين على دينه وللمعتقدين على تصديقه. # على أن هذا الانكار والتكذيب له وبالبعث والنشور والحساب والجنة والنار ~~وما أشبه ذلك، ما كان أحد يجسر على إظهاره في زمن معاوية وأئمة الجور من ~~بني أمية، ولا في زمن ملوك بني العباس وحيث كان الملوك منهم، فإن الملوك من ~~بني أمية وبني العباس ما كانوا ملحدة ولا زنادقة ولا أعداء لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بل كانوا على ملة الاسلام ويحبون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودينه، ويبرؤون من أعدائه وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة ~~وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس، وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ~~ارتكبوها. PageV02P581 # فقل كان لهم تعظيم القرآن وجهاد العدو وعمارة الثغور، وقد كانوا كلهم ~~يعيبون المسرفين منهم، وقد كانوا في مجالسهم يتذاكرون أعلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآياته، وكانت أظهر وأقهر من أن يعتقدوا خلافها، وقد كانوا ~~يوصون أولادهم بالإسلام. # ولم نقل هذا فيهم من ms434 طريق حسن الظن بهم، ولكن إذا اعتقدوا عداوته أو ~~تكذيبه أو عيبه أو عيب شيء من طرائقه وأخلاقه ومذاهبه صلى الله عليه وسلم ~~لظهر ذلك ولبدا في أخلاقهم وطرائقهم وفلتات ألسنتهم وفي سقطات أعمالهم، ~~فبهذا جرت العبرة والعادة سيما وهم ملوك. # ولقد تفاءل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو خليفة وملك جبار، وهو أغنى ~~بني مروان ، فخرج له في المصحف ما يكرهه فرمى بالمصحف من يده وتسخط ما ~~خرج له، فقام اليه ابن عمه فضرب عنقه في هذا المقدار، وجعله حجة في قتله، ~~وأنت تتبين ذلك وأن مثله لا يخفى بمثل ابن العميد وزير ركن الدولة، وبأبي ~~جعفر بن بانو السجزي ملك سجستان، وأبي علي بن إلياس ملك كرمان، وأمثالهم، ~~فإن هؤلاء وقعت عليهم الباطنية فما زالوا بهم حتى خرجوا من الإسلام، وما ~~أمكنهم المجاهرة والمكاشفة بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أن ~~ذلك بدا في فلتات ألسنتهم وسقطات أعمالهم وإن اجتهدوا في كتمانه. # [الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له] # فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته صلى الله عليه ~~وسلم والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم، وكان مما ادعوه على ~~المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من ~~المشركين، قالوا فلهذا PageV02P582 # أخروه ولم يقلدوه الخلافة، قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم ~~الخلافة والنبوة جميعا. # وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار، فقد علمت ~~أحوالهم وكيف أجابوا النبي عليه السلام من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا ~~بما أتاه، وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك، ~~ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى. # وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مرضه، وبعد موته، وقبل دفنه. وفيما جرى ~~بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي ~~الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ms435 ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ~~ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم، وما نطق أحد من ~~خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم. # وقد دخل أمير المؤمنين رضي الله عنه في الشورى فما أنكر أحد دخوله، ولا ~~نفر أحد، ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ~~ممن كان في الشورى، وقد تبادر الناس اليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا ~~يده، فقبضها مرة بعد مرة وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد ~~بحرف مما يدعيه هؤلاء، وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه ~~لم يكن له رضي الله عنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمن ~~أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ~~ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من ~~الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن ~~رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم. PageV02P583 # وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرىء منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وعمر وعثمان فقد عادى ~~قوم عثمان رضي الله عنه وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه، ولا يدل هذا على ~~أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين من ادعى ~~هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين، ولأنه كسر ~~الأصنام، ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل ~~الشام في خلافهم عليه، وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه، بل الأمور التي لها ~~ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ~~ومن أجلها خولف عثمان معروفة. # وبعد فإن المهاجرين والأنصار، إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ~~ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على ms436 المشركين أشد، ولهذا جل عندهم من شهد ~~بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من ~~مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم، وكان مما يجل به عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه أنه احتز رأس أبي جهل وكان مما يجل به عمر عندهم أنه ~~يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله، وكان فيمن قتله ~~العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث ابن هشام فأفلت من يده، ومما ~~كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم ~~رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلم عقيلا إلى أخيه علي ليقتله، وفلانا ~~إلى فلان، ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، ~~والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل ~~كان من كانت نكايته في المشركين PageV02P584 # أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه، وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ~~ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته ~~الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله. # وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ~~ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون، وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له ~~أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه ~~حنظلة يوم بدر، وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وأن يكون علي بن أبي طالب ~~هو الخليفة دون أبي بكر وقد تقدم لك ذكر ذلك. # فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم ~~وأهليهم، ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله ~~فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وقال له: ms437 دعه يقتله غيرك، فقتل ~~أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ~~ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر، وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم ~~بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكم مثله فيهم رضي الله عنهم. # فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في علي؟ قلنا: لأنه من ~~رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس ~~وخالد بن سعيد بن العاص، وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد ابن سعيد لم ~~يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى ~~المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه، فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه. # فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في علي دون PageV02P585 # أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه ~~وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر ~~السقيفة والشورى، ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين ~~عدو ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا ~~لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من ~~أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر ~~هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث، فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه ~~كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعلي ~~وعاداهما، وما كان من شأن سعد بن عبادة فإن من ادعى هذا كمن ادعى أنه قد ~~كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر رافضة وخوارج لتتأكد ~~لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم الخلاف يوم موت رسول ~~الله صلى الله ms438 عليه وسلم إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول ~~قبل أدلة القرآن بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء، وأنه قد فرض ~~محبتهم على الأولين والآخرين من أمته. # فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، ~~إنما كان في التفضيل، ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا ~~إلى ما خرجوا إليه هؤلاء، وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من ~~التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة. # وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين ~~للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يملكون أنفسهم PageV02P586 # غضبا على من خالفه أو خرج من دينه حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد ~~لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد ~~من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا ~~نرجع إليكم، ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا، ~~فقالوا عودنا الاعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم، وحفروا ~~الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة وقتل أبو حذيفة بن ~~عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس، وزيد بن الخطاب، ~~وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفاظ القرآن سبعين ~~رجلا، وفيهم ممن شهد له النبي عليه السلام بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من ~~آياته وكلهم قتل في طاعة أبي بكر. # ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع ~~القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ ~~القرآن، ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه ~~أو يضيع، وهؤلاء ms439 ما يملكون أنفسهم، ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في ~~طاعة الله، [وللموت في طاعة الله] أحب إليهم من الحياة، أفعلى هؤلاء ~~يدعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين، أو أنهم تغيروا بعد نبيهم. # ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه ~~شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: ~~أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت PageV02P587 # رجل يقول: أوه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو ~~هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: # أوه وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد ~~مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات. # وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها. # وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره ~~حين دعا إلى الله عز وجل وأولاد أعدائه. # وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعباس ~~بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، ~~وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة. # ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، ~~فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث: # اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا فلم يصل إلى أحد منهم ~~حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحر الحديد، فكيف يتوهم على ~~هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل ~~إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة ~~وعلى جميع أعدائه صلى الله عليه وسلم. # ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي ms440 أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن ~~مطعم، فهؤلاء من رد الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ~~ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم PageV02P588 # بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه، وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما ~~أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا ~~الحق فمنعهم من الدخول في الاسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا ~~إلى الاسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، ~~وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم ~~فأخلصوا ونصحوا. # وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، ~~ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا ~~بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله عز وجل: «ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه» . # ولقد ذكر سهيل بن عمرو، أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من ~~الدخول في الاسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا الحق ما أعرف، ولكن ~~حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك ~~فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى ~~الشام ، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: ~~هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ ~~قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب PageV02P589 # لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع ~~كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [: هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم ~~والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلن نعم، قال ومحوج، ~~قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا ms441 والله ما أعلم، قال: # كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها] . قلت: وأنت قائل شيئا فقله، ~~قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت لا أذكره، قال: إني ~~جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبي من العرب منتظر، وأنه من ~~أهل بيت يحجه العرب، قال: # قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: ~~فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا ~~كان ما كان فصفه لي، قال: شاب، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب ~~المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس بذارع الشرف، ~~كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ ~~قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت ~~رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله ~~هو الباطل، لئن بعث الله رسولا إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان ~~بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت ~~الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا ~~أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا. # وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة ~~PageV02P590 # تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي ~~جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة ~~تلاعب صبية لها، فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: ~~والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني ~~عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني ~~عنها، فقالت هند أو ما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ~~ليزعم أنه رسول الله. ms442 # فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: مالك؟ فانتهيت، فقلت: إن هذا ~~والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله إنه ليقول، وإن ~~له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل فخرجت؛ فبينما أطوف إذ لقيته ~~فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل اليها فخذها، ولست آخذ ~~فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، ~~قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ~~ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته. # ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت ~~معه، ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال: # أذكره، قلت فقد كان قال: ومن هو، قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. # ثم قصصت عليه خبر هند، قال فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا ~~أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، ~~فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما ~~قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال: PageV02P591 # والله ما كنت لأومن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو ~~وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ # ودخلني ما دخل الناس من التعاسة. # ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ~~ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة ~~من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي ~~معيط، ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك ~~من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء. # كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص، وغيرهم، ويذكر بعضهم ~~بعضا في حياة النبي ms443 عليه السلام وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين، ~~فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإذا تأملت وجدت لبني أمية، وبني مخزوم من المهاجرين منهم، ومن مسلمة الفتح ~~آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الاسلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين ~~أمير المؤمنين رضي الله عنه لشك في النبوة ولا لضعف بصائر هم فيها، لأن ~~ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد ~~الله ابن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين ~~وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة ~~وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم ~~أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين. # وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمله غير ~~واحد من PageV02P592 # الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح وغزا معه في تلك ~~المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين وكانت فيه عفة عن ~~أموالهم. # وكان عمر رضي الله عنه كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما ~~وجد عليه ولا استبدل به، فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من ~~الخلاف على أمير المؤمنين رضي الله عنه انصرف عنه البدريون، وصاروا في حملة ~~أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة، وأقام على خلاف ~~أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير ~~المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء ~~سيرة من شك في النبوة، ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة، ~~وما زاد على تضليلهم. # وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني ~~أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم ~~ولم يكن ذاك لشك من ms444 أحد الفريقين، في النبوة والعجب أن عبد الله بن وهب ~~الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم ~~وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد ~~الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم لا أن أحد الفريقين شك في ~~النبوة، ومثل هذا كثير فاعرفه، فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم ~~مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قالوا في العباس ابن ~~عبد المطلب انه كان عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يمقته، وكان اذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك ~~الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك ~~العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ~~ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس. PageV02P593 # وأهل المعرفة يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعظمه ويجله ~~ويقول فيه: # ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي ويجعله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في ~~هذا الموضع، وقد كان أمير المؤمنين يجله ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه، ~~وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته، وخلفاء على رعيته كما هو معلوم. # وكذا كان ولده عليه السلام مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة، إلى أن ~~وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر ~~منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة ~~كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبيهم، ولا بين علي والعباس، ~~وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه ~~والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد، وتجد من ~~ولد أبي طالب مثل ذلك، ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف يثب ~~بعضهم ببعض، ويقاتل ms445 بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من ~~منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد، ~~وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالامامة لأن أكثر الملحدة من هذا ~~الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين. # وقد تقدم لك ذكر أوائلهم. #[حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين الى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض] # وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، ~~وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمدي وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، ~~وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، وأبي يتيم PageV02P594 # الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، ~~وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد الله محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة ~~وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه ~~النواحي يدعون التشيع ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، ~~فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم ~~تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم ~~إنما هو لعداوته صلى الله عليه وسلم وللشك في نبوته ، ويقيمون المنشدين ~~والمناحات في ذلك، ويأخذون على الناس العهود، ويحلفونهم بالأيمان الغليظة، ~~فإذا حصلوا كذلك قالوا لهم: إياكم ومجالسة الفقهاء، واستماع الحديث من ~~أصحاب الحديث، واستماع القرآن من العامة، وعليكم برواية الخاصة، فقد قال ~~جعفر بن محمد كتابة: حديث العامة يعمي القلب، وإياكم وفقه أبي حنيفة ومالك ~~والثوري والحسن البصري وأمثالهم فإنهم كفرة وأعداء أهل البيت، والرشد كله ~~في خلافهم، وإذا عمى على أحدكم الصواب فلينظر ما عليه الفقهاء فيعمل ~~بخلافه فإنه يصيب الحق. # ثم يأخذونهم في مجلس يسمى مجلس التغذية بأن لكل شيء باطنا علمه عند ~~مولاكم العزيز بالله، يظهره لكم إذا ترقيتم الدرجات في طاعته، ثم يأخذونهم ~~بأن يقولوا لهم: لم صلاة الصبح يجهر بها والظهر لا يجهر فيها، ولم حوصة ~~سعفة النخلة طويلة، وورقة الكرم مستديرة، وورقة الموز طويلة عريضة، فإذا ms446 ~~سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدىء ~~كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد ~~PageV02P595 # قال الله: «حرمت عليكم الميتة» ونحن وأنتم لا نأكل لحم الذبيحة حتى تموت، ~~ولا نأكل السمك حتى يموت، وإنما معنى هذا ان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~مات وحرام أن تقام شريعته ، وينبغي أن يمتثل أمر العزيز مولانا الذي هو ~~حجة الله، وهذا علم الخاصة. ولكن الفقهاء الحمير وأهل الظاهر لا يعرفون ~~هذا، لذهابهم على إمامهم ولي الله وحجة الله على خلقه. # ويقولون لطائفة أخرى: ما عليكم صلاة ما دام في الدنيا لكم عدو يمنعكم من ~~التمكن في الأرض، فإن الله يقول: «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر» ويقولون لآخرين الصلاة ~~شخص، والصلاة عذاب على أهل الظاهر ويرقون الناس بحسب طبقاتهم واحتمالهم ~~للشك والحيرة، وهذه مجالس الترقية كما هو مذكور لهم ومرسوم في البلاغ ~~السابع والناموس الأعظم، ثم يرقون من يثقون به بأنه لا يحرم عليه أمه ولا ~~بنته ولا أخته، ولا خمر ولا خنزير ولا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا شيء ~~البتة، وأنه لا يحل لك أن تمنع أخاك ومن هو مثلك في البلاغ السابع والعلم ~~الباطن من زوجتك فإنها تحل له كما تحل لك، والاشتراك في الزوجات كالاشتراك ~~في الطعام، والكريم هو الذي تنكح زوجته بحضرته كما يؤكل طعامه بحضرته، ~~وقد قال افلاطن الغيرة شح في الطبيعة. # فيقال لهؤلاء الدعاة: قد ادعيتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا ~~لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه ~~PageV02P596 # وطلبوا عثرة تكون له فما وجدوا، ولو كان كما قد ادعيتم لكانت سبيله سبيل ~~أئمتكم، فقد علمتم حال سعيد، الذي زعم ان ابن الحسين بن محمد بن أحمد ~~بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان بن سعيد الغضبان ms447 الخرمي، وأبو القاسم ~~بن الأبيض العلوي، وغيره من أهل هذه الدعوة ويزعمون ان سعيدا هذا ليس ~~هو ابن الحسين وإنما هو ابن امرأة الحسين هذا، وأبوه يهودي حداد من أهل ~~سلمية من أرض الشام، وأن الحسين لما تزوج بأمه حظيت عنده، فأحب ولدها سعيدا ~~هذا، وإنما رغب فيها لفرط جمالها وكمالها. # وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة، فتولى الحسين ~~زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، ~~فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان ~~أولها وابتداؤها، وزوجة الحسين زوج أمه بنت أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا ~~من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد ~~الرحمن. # ثم صار سعيد إلى سجلماسه من أرض المغرب ، وتسمى بعبيد الله ~~واكتنى بأبي محمد، وادعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه ~~هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الاهواز كثيرة، ولهم ~~بها ، وأن المواد تأتيه منها، وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في ~~PageV02P597 # ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصي أبيه، وأن أباه من أهل ~~البيت، وكان يحتال على اليسع ابن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته ~~بالدعاوى. # فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن احمد بن زكريا الكوفي ~~الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا اجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك ~~الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع ~~بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم ~~رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم فقال له: هو كما ~~كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا ~~الصبي، فإنه جاءني برسالة من عمه، أحمد بن المدرار جافية، فكانت هذه أول ~~فضائحه ولها تفصيل طويل. # وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن، ثم لما تمكن وملك ms448 قال هو ابني، وسماه محمدا، ~~وكناه بأبي القاسم. # ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل ~~المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رجله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج ~~وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الانبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع ~~بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما أنكروا ذلك لأن ~~أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهدي الذي هو ~~حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل ~~الخشب، ويعدهم عن المهدي بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد ~~الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير. # ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ، PageV02P598 # وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية، وأخيه أبي العباس محمد بن ~~أحمد بن زكريا، وأبي زاكى تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله ~~لهؤلاء وتمكنه بالمغرب، استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه ~~وجعله ولي العهد بعده والخليفة، وسماه القائم، فكان ينزل في العساكر على ~~بلد بلد فيستصفي أمواله، ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة ~~والأمتعة، ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ~~ويجعل لهم الاحوال والأموال، ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ~~ويتوصل إلى ازالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول ~~شرحه. # وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم ~~وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام، وبني أبي البغل، ~~وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيى الموتى ويقف ~~على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن احمد ~~النسفى صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن ~~حمدان يذكر مثل ذلك بالري لأسفار بن شيرويه. # وكثرت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته في أن ms449 ~~المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها، وينفذ أمره فيها ~~وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من ~~طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين ~~بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن ~~هذا موجود في الملاحم. # وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن PageV02P599 # الأرض كلها لك والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن ~~أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته، من آل الفرات وآل ~~بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت، فسير ~~ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على ~~الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه ~~الدعوة. # فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد ~~قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما ~~الفرغاني في سبعة الاف فرد تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه ~~بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الاموال، وجاءت جواسيسه إلى الشيعة ~~المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن ~~سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع ~~وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ~~ونزل على عسكره في الماء ثممل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا ~~فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم رد العسكر إلى مصر. وقد قتل ~~المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان ~~وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء ~~والعلماء، وقد كان بث دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون ~~عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، ~~فمنهم من يلقون ms450 إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم ~~من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق، ~~فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الانكار يأخذ PageV02P600 # الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول ~~الدعاة هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ~~ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة. # ولما هلك، قام ابنه الذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير ~~المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ~~ينادي في أسواق أفريقية والمهدية وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان ~~يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء ~~القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن ~~بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال وهي في ~~يد عدة من الملوك، وكانوا يقولون في هذا أنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، ~~وأنه هو الحجة والمهدي، وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ ~~السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها، وبعثه على قتل المسلمين، ~~واحراق المساجد والمصاحف، وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان ~~أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد اسماعيل بن ~~جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك فلما تمكن ~~وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علوي. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول، ~~وهو أكثر مما أتى أبوه. # وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له ~~القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونص عليه، وقال: # هذا القائم الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا ~~له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر ~~كذب هؤلاء المشارقة. PageV02P601 # ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله ms451 للناس واستصفائه الأموال، اجتمع قوم من ~~أهل الجبل بالمغرب على رجل من الأباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد ~~فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان ~~يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ اليه هذا الذي تسمى بالقائم ~~بن المهدي بعسكر فكسره ورده، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا ~~إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل ~~أفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من ~~أرض المغرب إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، والاسقلية وطرابلس من أرض ~~المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال ~~عقله مما نزل به من الذل، وقتل الرجال، وزوال الملك، وجوع من بقي معه ~~بالمهدية بالحصار. # وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه ~~لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد واشهد، واستعان بأبي الحسين بن ~~عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس ~~سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الأباضية، فكرهه ~~الناس وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ~~ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ~~ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس ~~في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعز المسلمين ~~والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده ~~إلى هذه الغاية، وهم قوم PageV02P602 # مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة ~~مذكورة. # واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر ~~مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد، وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة ~~في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون ms452 حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها ~~جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس ~~وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه ~~الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافيه في الاسلام، وإنما ~~أظهر الرجوع عن سيرة أبيه وجده خوفا مما جرى. # وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان ~~فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبي ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من ~~الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب، ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد ~~الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ~~ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته. # وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده ~~بمصر إلى هذه الغاية. ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدا وجعله ولي ~~عهده، وسماه بالمعز لدين [الله] . ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين ~~وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له ~~المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغير وقرب الدعاة ~~فقالوا: هذا هو المهدي، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي PageV02P603 # تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة ~~والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الاسلام، ~~وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين، وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد ~~لعن خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر، وهم ~~بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصي أسود مولى لموالي بني ~~العباس وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد ~~اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة ~~يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصي، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للاسلام سلطان ~~ولا ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له ~~من حوله ms453 مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق، ومحمد بن ~~سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع ~~فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال ~~الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر ~~الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. ~~يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصي الأسود أمير مصر. # فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ~~ابن عبيد الله بن الأخشيد وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، ~~فقال له أبو جعفر بن نصر. أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين ~~الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى ~~يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال: # إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب ~~الأنباري PageV02P604 # فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، ~~وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك. # فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في ~~مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في في سنة ثمان ~~وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد ~~الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في ~~عسكره فكبسه وأنفذه إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب ، إلى أبي تميم. فلما ~~حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما ~~أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني ~~عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من ~~أفريقيه. فطن أبن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد ~~الذين استأمنوا إليه من ms454 المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، ~~وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى، ~~فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض ~~نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد فما يعرف لهم ~~خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معد بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين ~~وثلثمائة. # وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوه وجزية يأخذونها منه عن ~~أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. ~~وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم، PageV02P605 # فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على ~~أبوابهم ويسبونهم. # واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، ~~وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم، ~~من الجند والعامة، ويأتون بها، ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. ~~وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي ~~تشحم وتسمن، والأطلبة التي تنقى البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس ~~بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى ~~وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، ~~وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال ~~استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ~~ويقول: قوم: # قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف ~~بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة ~~والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق. # ووافى العراق أبو علي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي من الأحساء في ~~عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو علي هذا ~~القرمطي أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة ms455 المطيع لله ولاية على مصر ~~والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ~~ومخاريق عبد الله بن ميمون القداح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأرده ~~من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا PageV02P606 # أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ~~ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على ~~أبي علي هذا وكان يعترف بالتقصير وبريء من فعل إخوته وبنى عمه من من أبي ~~سعيد وأبي طاهر وغير هما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، ~~وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للاسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني ~~العباس، فما قبل ذلك المطيع، وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي علي هذا فما ~~أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدعي أن المطيع قد ~~ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ~~ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك. # وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر، فلما لم ~~يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه اعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع ~~لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق، ثم سار إلى الشام. ~~فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح، وقتل أصحابه، ~~واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ~~ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد ~~القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام، يذهبون مذاهب ~~الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية ~~والاتاوة أكثر مما كان يأخذ قبل هذا، والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ~~ويبين فيها عيه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر ~~وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه، PageV02P607 # وحفر خندقها وعمقه، والحسن ms456 يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا ~~للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للاسلام كما هو مذكور ~~في كتبه وأشعاره فيهم. # ولكثرة ما قال وبين من ذلك، قال أبو بكر النابلسي رئيس الفقهاء بالشام: ~~جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم، إذ ~~الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع ~~الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما ~~تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع. # وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، ~~فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حي وهو كثير ~~العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه، وأفسد تدبيره ~~فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن ~~فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا ~~بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ~~ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ، وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين ~~أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الاحساء فأكرمهم ~~ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء. # وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح ~~بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان PageV02P608 # من الماسورين فأطلقه وأطلق غيره من الاسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، ~~وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، ~~وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، ~~وهو نزار أبو المنصور بن معد، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي القرامطة ~~بالاحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يحرج لهم سرية خوفا من ~~الأصفر . # وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الاصفر بهدايا ms457 كثيرة نفيسة، وحمل إليه ~~أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له، فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه ~~نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه ~~الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة ~~من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو ~~بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له: # لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى ~~الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي ~~وقع في الاسلام، وخذ الاموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، ~~وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى ~~قبول ما بذلت من الاقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما ~~عندي. # فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والاقامة على دينه، من غير أن ~~تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من اعدائه قبلكم، ولو ~~كان كما PageV02P609 # تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها، ولو ~~اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد ~~على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، ~~وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهدي من ولده، ومع أخذكم له ~~العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، ومع كونكم في الاطراف ~~والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء ~~وأهل البحث والنظر قد افتضحتم هذه الفضائح، فلو كان كاذبا ومحتالا كما ~~تقولون لكانت سبيله سبيلكم. # قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ~~ومحتالون، وأنا قد سخرمنا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم ~~كما خدعنا وما ها هنا إلا مبطل. # قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت ms458 فضائحكم، فهاتوا له» # صلى الله عليه وسلم هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ~~ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون اليه. # فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء ~~فأين الشعر الذي هجى به. # قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل ~~PageV02P610 # ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما أدعوه عليه أكثر مما في شعر ~~أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير ~~الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون، وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه ~~كما لا يكون نبيا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ~~ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى ~~أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيناها مفصلة. # وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن اتباعه زيد ابن ~~رفاعه الكاتب، وأبو أحمد النهرجورى، والعوقى، وأبو محمد بن أبي البغل ~~الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة. # ومما يلجئون اليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي ~~تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، ~~قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة. # قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ~~ابن رزام، وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك ~~وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن ~~صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل ~~الدليل على كذب كل من ادعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة ~~وشريعة. # وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها ~~مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم ~~الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سر مقالتكم. PageV02P611 # قالوا: وهذا نزار يخطب له ms459 في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير ~~المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك ~~منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني ~~والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس ~~عن الانكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادعيتم لهم النبوة. # قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من ~~أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من ~~الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى ~~لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ~~ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من ~~خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض ~~أجمعين، ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم، وهو كما قال بعض الناصحين للملوك ~~الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا ~~القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما ~~أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي ~~المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم، وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده ~~وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه ~~وماله. ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى ~~عليه، فقيل له: # أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا. وقولكم: # إن من ادعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ~~ثلاثة: راعي وطبيب وجمال وأغيظهم لنا الجمال فإنه أفسد سائر ~~PageV02P612 # الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله ~~عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم. # وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب، وأعلامه أظهر وهو ms460 ما ~~قد ذكرناه لكم من القرآن ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة ~~الحجة، فيجدون أول أمره كاخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته، وكيف ~~يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا ~~برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره، وفي ظاهره وباطنه، فإنكم ~~تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون اليه وإلى ~~التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثم أن افتضحتم تلك الفضائح. # وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ~~ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد ~~في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا ~~وفيمن خدعناه وان افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا ~~يسخر منه ولا يخدع، وان المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس ~~سرعة خروج المهدي فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطيء ذلك ~~ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا ~~فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب اليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: ~~«يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي PageV02P613 # ومثل قوله: «إن الله عنده علم الساعة» فيتحير ذاك اليائس وفي عنقه ~~أيمان قد قيدته عن الشكوى ولقاء العلماء ويخاف أيضا مما قد توعدوه به من أن ~~جعفر بن محمد قال: من أفشى سرنا أذاقه الله حر الحديد في الدنيا والنار في ~~الآخرة، وربما قالوا قد سخط الله على أهل الأرض فبدا له من إظهاره في ~~الوقت الذي وعد أن يظهر فيه، والله يؤخر المقدم ويقدم المؤخر. وجواباتهم ~~تحسب ما يرون في السائل من فطنة أو بلادة أو فقر أو غنى، أو عز أو ذل، ~~فيورون عن فضائحهم بألوان الحيل. # فيقال لهم: قولكم ms461 أخر الله خروجه عن الوقت الذي وقته لذنوب العباد ولسخطه ~~عليهم، كل هذا سخرية وفضيحة لكم، فإن الله عز وجل لا يعاقب عباده بإخلاف ~~مواعيده وبكذب إخباره، وإذا قال الله إنه يفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، ~~أو أن فلانا سيفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فإن ذاك يكون كما أخبر وكما ~~قال في الوقت الذي قال لا يتأخر عن ذلك ولا يتقدم عليه، لأنه عز وجل عالم ~~لنفسه لم يزل كذلك ولا يزال، يعلم ما سيكون قبل أن يكون وما لا يكون إن لو ~~كان كيف كان يكون: وقولكم: هذا مما بدا لله فيه، فإنما يجوز البداء على ~~المخلوقين، وعلى من لا يعلم العواقب، وأما علام الغيوب ومن يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون، فلا تعرض له البدوات، ولكن الله عز وجل أبدى للعباد كذبكم ~~وأظهر بهذا فضائحكم، فأحلتم كذبكم على ربكم وبرأتم منه أنفسكم. # ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله صلى الله عليه وسلم: «بيت لا ~~تمر فيه جياع أهله» . وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا ~~يشتهيه، وما هم جياع بل شباع قلنا: قد علم هو صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه الذين قال لهم PageV02P614 # هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع، ~~وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل، والقوم الذين هم ~~أكلة التمر، وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم، وهذا من ~~مسائل أهل الخيبة والافلاس. # ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله: صلى الله عليه وسلم «الشفاء ~~في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله» وقوله: «الكمأة من المن ~~وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا ~~به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب ~~الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، ~~وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ms462 ما الكمأة. # قلنا : ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا دواء إلا هذا ولا شفاء ~~إلا في هذا، وإنما قال: # في هذا الشفاء، وقد صدق صلى الله عليه وسلم. فإن الناس يجدون في العسل من ~~الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه، وفي ~~الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بذلك في كل مرض ~~فيكون لقائل مقال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ماذا في الأمرين من الشفاء: ~~الصبر والشقاء. وذكر صلى الله عليه وسلم الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ~~ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل ~~التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم مما يطول شرحه، وإن لم ~~يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب، وقد علم هو صلى ~~الله عليه وسلم والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه ~~الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون، وعلى أن هذه الأدوية PageV02P615 # لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحي ~~القادر وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله عز وجل، وقد يفعله ~~بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي، ولكنه عز وجل قد أجرى العادة بأن يفعل ~~الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات ~~عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد وقد ~~أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو ~~القرآن فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله ~~بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن ~~يصفوا أمراضهم للاطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن ~~السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ~~ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ms463 ولا ذكر طبيعة. # ولما مرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ # فقال: لا الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت ~~طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء ~~فماتوا ومات الأطباء. # وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج ~~وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له، ولو جمع جميع من داواه المتطببون ~~فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ~~ماء زمزم وحده. # وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للامراض المتفاوتة المتضادة المختلفة، وهذا ~~الذي ادعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه ~~PageV02P616 # كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق كثير على مثل طرائقهم في بلدان ~~الاسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة. # وربما ادعوا ذلك عند سماع كلامنا، فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في ~~الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد ~~يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم. # فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة فإن هذا قول من لا يعرف ~~الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء، فان أدوية الأمم مختلفة غير ~~متفقة، فطب الهند غير طب العرب، وطب الروم غير طب الفرس، وطب سكان المدن ~~غير طب سكان القرى، وطب البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب ~~أهل القرى، ولحنين ابن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا ~~جالينوس ولا ذكرها، منها: الجدري والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ~~ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان ~~الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض ~~الهائلة العامة الشاملة حتى ms464 لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت ~~تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم ~~واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض ~~والمرض ومن داواه. # وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء ~~والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة وقاين وما إلى ذلك، ~~PageV02P617 # يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به، ~~وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن، وأهل طبرستان يتداوون ~~من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف ~~بارد، وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون انها ~~باردة. # وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء ~~قاتلا، لا لشيء أكثر من انهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج ~~المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ~~ذلك، وهذا عند غيره، وفي هذا الزمان، وفي هذه الأمراض من الادواء القاتلة. # ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان، وإبراهيم بن بكس أبو ابن بكس هذا ~~الضرير الطبيب، والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد وهي إذ ~~ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض ~~القفاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس خذ يا أبا إسحق الى ساعورك ~~من هؤلاء المقفعين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس فرجعت في علاجهم إلى أدوية ~~جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات ~~منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد. # والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به ~~المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه ، ~~PageV02P618 # وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابي الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه ~~يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن ~~بن نفيس وهو أحد رؤساء ms465 المتطببين. (وهو أستاذ ابن بكس هذا) . # يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحد، وأنها قد ~~تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر. # وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث ~~القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الاقوات وصاروا مرضى مطرحين على ~~الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ~~ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من ~~يمرضهم ويخدمهم فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات. # واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الانعام وذوات ~~الحوافر تغتذي بالاحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر ~~من الانس وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا. # والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة ويخلق الله بذلك ~~في أجوافها شحما ولحما ولبنا، والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى ~~له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ~~ويدرق الثفل مثل الماء الجاري، والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر، ~~والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سم قاتل، والسقمونيا ترعاه البهائم PageV02P619 # والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به والبيش تأكله البهائم التي ~~هي على هيئة الفأر وهي معروفة به، وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس، ~~والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيل والقنفذ والسنور وغير هذا من الحيوان، ~~ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل. # على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك ~~التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد ~~رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده وإنما أجرى به عز وجل العادات ~~ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله ~~في آخر، حراسة للحق، ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه عز وجل لا ~~يفعل الجهل والضلال. # وقولنا في الطب ليس بعلم لأن كان علما ms466 لا يتغير قط، كالعلم بأن الفعل لا ~~يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان ~~فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما. # ولهذا يقول حذاق الطب: إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء ~~معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري. # قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري، ونحن فقد يطيعنا ~~القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا ~~نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه. # هذا معروف مذكور في كتبهم، ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد ~~أن يرجع إلى الله عز وجل ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة فمن شاء أن ~~يقتصر على ذلك فعل، ثم إن كانت له عادة بالتداوي PageV02P620 # تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من ~~الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم، » ~~وجاء: «عود بدنا ما اعتاد» . # ثم ليس إلى السلامة سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~الله كفانا بالسلامة داء، وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الانسان وإن ~~دامت صحته فهو معها يهرم ويبلي ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا، وكان ~~أبو عثمان عمرو عبيد كثيرا ينشد قول القائل: # يهوى البقاء فان مد البقاء له %~% وصادفت نفسه فيه أمانيها # أبقا البقاء له في نفسه شغلا %~% مما يرى من تصاريف البلى فيها # وقال آخر: # إذا مات المعالج من سقام %~% فأحرى بالمعالج أن يموتا # وقال آخر: # يعيش راعي الضأن في جهله %~% عيشة جالينوس في طبه # وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق ~~الأطباء، وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم، وقل ~~ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض، هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد ~~وأبوه حي وبالغ ms467 في علاجه، فذهبت احدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت ~~الآخرى بعد ذلك، والمعروف بالتلميذ، PageV02P621 # به فتق وغيره من الأمراض، وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد ~~أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابيء أكثر أسقاما، وتلميذه أبو عبد الله ~~بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير، وابن المهزول وأبوه ~~طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة، وابن بنت أبي الحسن ابن بكس امرأة أبي ~~الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها ~~طبيب، وحموها طبيب، قد اجمعوا على علاجها فماتت بأسرع من ذاك. # وهذا بيت بني زهرون الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل ~~العظيم، ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق ~~كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد ~~تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم ~~يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم ~~نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هرون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب ~~دفنه شابا في حياته، وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض ~~عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق. # ولم تعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده، ولكن ذكرنا ~~هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله عز وجل وهو المبتلي والمعافي، ولأن ~~أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة، وتنفي ~~الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات، ويكذبون الانبياء ~~ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم ~~من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من ~~الأصحاء، ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم إن التقينا فاقتصوا منا كيف PageV02P622 # شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه. # وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد مثل قسطا ~~بن لوقا، وحنين بن اسحق، وابنه اسحق، ms468 وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا ~~الرازي، فهذا كان نصرانيا بن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب ~~الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى بمحمد، وكان اسمه يوحنا. وإنما فعل ذلك ~~مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الانسان من غير تناسل ~~ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله ولم يفعله كما نرى ~~حالا بعد حال، وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا ~~غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله، وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج ~~اليه العقلاء من المعلمين للسباحة، وما يبنيه النحل، وينسجه العنكبوت ودود ~~القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح. # ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض ~~القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه، ~~فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول: # لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة الحلاوة ~~والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال ~~له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة. # وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والاسماع ~~والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء PageV02P623 # الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة ~~من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين ~~يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجته وجرحه. # وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ~~ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد ويحرص على اجتلا به، ويأسا على ما ~~فاته منه، ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه، ولذهاب ~~سمعه وبصره، ويتمنى رد ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها ~~وهو لا ms469 يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط ~~والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس، والعجب أن ~~لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب ~~والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا. # ثم فهم ينسون المشاهدات، ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل ~~هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة، ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ~~ظنهم أنهم يبرونه ويديمون صحته وجلده، وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم ~~وأطاعوهم ما قد عرفه الناس. # وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد ~~أضنته ونغصت عيشه وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ~~ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، ~~وهو جلد وسيم جسيم. # وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل ~~اليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه ~~إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه، PageV02P624 # ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ~~ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم رحمه ~~الله: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع في ~~الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب ~~اليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر ~~فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى ~~بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى، أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل ~~الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذب به، ومع ~~هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى ~~الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك ms470 بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. ~~وأخرى، أن ينصرك من الضعف، ويعينك من المرض اللازم ما هو بين، وأنت تدعي ~~علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والازراء على من تقدمك من ~~الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك، فكان من عذر الرازي في ~~سقم بصره حبه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب ~~منه، ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح ~~الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى ~~نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم ~~عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد ~~وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع ~~أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره ~~المتطببون في ذلك وهو على كل حال يتقدم في صنعة الطب، PageV02P625 # كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من ~~القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة: # هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر ~~في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: ~~افعلوا وبادروا لعله ينفعنى، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه. # ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن ~~الأكرة ومن الملاحين، وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم ~~هي فيهم وبأي أمراض ماتوا، فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على ~~غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال. # وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما، ~~والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ~~ولا تتداوى بشيء من ذلك، ms471 هذا الغالب عليهم، وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم ~~متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته، ولو أراد المسلمون أن ~~يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه ~~أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا من كتبهم، ~~وطول مشاهدة المرضى، ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا ~~يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأن هذه ~~الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، ~~وأراح المسلمين من هؤلاء الأطباء فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم ~~الالحاد والقسوة وقلة PageV02P626 # المبالاة، ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية ~~فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، ~~هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم، فما أحوج الناس إلى من ~~يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في ~~البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين ~~لهم، وممن يتمنى الاسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم، فما في الأرض ~~أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم، ~~وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني ~~وبائع الدواء إذا كان ذلك. # وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري رحمه الله يذكر عن ~~ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائل الصيدلاني ~~النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، أن فلانا يؤذي النصارى ~~ومنك يشتري الأدوية فأكفيناه، فقال: أفعل. # وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي ~~بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين ~~خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد ~~عليه فقتله. # وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن ms472 ~~الكرخي رحمه الله، وحنون هذا، هو أبو أبي الطيب المؤمل هذ الذي يحيا وأسلم. ~~PageV02P627 # قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان ~~فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال: # فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل وفصدته ورجعت اليه، وقلت له: ما كان به حاجة ~~إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إلي، ~~وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إلي فقصدت إسقامه بالفصد. # وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله ، فقتله أبو حسن اليهودي ~~المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه ~~المحبة، فشكى اليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، ~~واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد ~~صافي فلم تخرجه، فقال له موسى هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض ~~أبو هاشم عقيب ذلك ومات. # وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما ~~موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما ~~يتداوى به وبما يغتذى به فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال فلان الطبيب، ~~قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا ~~الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى ~~مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، ~~واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له فهذا ~~العليل هذا مرضه وقد أخطأ PageV02P628 # عليه طبيبه واستصوبته أنت قال: نعم على عمد، قلت له: [قلت] ولم؟ قال: ~~عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر. # وكم لهم مثل هذا ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان ~~جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان ~~كثيرة، قال طبيبه وأنا ms473 واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج ~~اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل ~~وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة ~~بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي: # فلج لا محالة فركبت وحثيته؛ فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن ~~يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم، فكان ذلك بالضد من صناعة الطب ~~وقوانينه. # ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء، وخيانات هؤلاء كثيرة، وقد ~~أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا ~~أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة. # وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت ~~الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها، وقد تلسع الإبل والقنفد والسنور وابن عرس ~~وغيرها فلا تضر، هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر. # وزعم الكندي المتطبب ، أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي من ~~PageV02P629 # تكون: قلت: أنا يعقوب ابن اسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه ~~الأفاعي فإذا لسعته ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال: # فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسي، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى ~~نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمى قبله. فأقبل علي المعتصم وقال: # رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا، أحسبه قال على ~~كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت ~~مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت: # أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة ~~في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ~~ضعف سمها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء قال الكندي: فجيء ~~بها وأرسلت عليه فمات. # وهذه غفلة من الكندي، هب الأمر كما قال ms474 وسمها قد بطل أصلا فما السبب أنها ~~تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن ~~لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي. # وعقارب الفاطول يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير ~~العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر ~~الناس فلا تموت، والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقه، ~~ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد ~~بالبنذنجيين وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز، والأطباء يرجعون في ~~التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم: PageV02P630 # بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم ~~للاطباء، فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () قتالة، وثم عقارب ~~كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ~~ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله عز وجل. وفي الحيوان من يعرض له عند ~~لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت ~~العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. ~~وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في ~~تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه وكل ذلك من آيات الله، ~~ويزيدك علما أن الطب تجارب، وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم ~~لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات. # وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الاسلام، وهو كوفي، وكان أحد ~~المياسير، فأنفق أمواله كلها في مكاره الاسلام وفي الطعن على الأنبياء ~~أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي ~~الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت ~~السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكندي من الجهالات كما لابن ~~زكريا الرازي في الخواص والكيمياء، فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما ms475 ~~يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الاسلام وكذبهم وفضائحهم. # والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه ~~PageV02P631 # من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض ~~فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له ~~دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت ~~إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكي حرك ظريف ~~فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، ~~فاشتد تعجبي، فقلت، كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ~~ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى ~~السكباج في الدار مكشوفا ، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في ~~الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام الى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ~~ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها ~~الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده ~~كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في ~~دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة. # فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء ~~فيها، أنه لا يعلم ان الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى ~~أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لو صفه ~~لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم ~~به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما ~~انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي، وهذا من جنس قولهم: إن PageV02P632 # أفعى ولغت في خمر وقذفته في وعائه، وأن رجلا مجذوما شربه فبرىء، وهو ~~سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا ~~عنه من آيات الله في إجراء العادة ms476 وما تقدم من ذكر ذلك. # ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب ضروب من ~~الحمايات فافاقوا. # ويحيى بن خالد هذا [كان] طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان ~~يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا ~~كثيرا. # وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له: # إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن ~~قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب ~~أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن ~~أردتها ذكرناها. # وكذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه ~~كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو ~~حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش، ~~فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطله. ~~PageV02P633 # ومن جناياتهم انهم يرسمون في الطب والمدخل الى الطب الكذب الذي ليس من ~~الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة ~~من الهواء وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو ~~يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من ~~الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها ~~الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن ~~هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا ~~شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من ~~شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا ~~القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما ~~خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ms477 ذلك عز وجل ليعتبر العقلاء من ~~الملائكة والانس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما ~~قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء. # أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الاصوات والحركات والتأليف ~~والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويا بني ويصوغ ويخيط وينسج ~~وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي سبحانه وتعالى الحي ~~القادر العالم الحكيم الغني عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه عز ~~وجل. إن كان قد خلق الرمان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء ~~والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء، ~~وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه عز وجل. PageV02P634 # فإن قالوا وجدنا في هذه الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق ~~الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا ~~من شيء. # وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن ~~الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا: # إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع قلنا: فهذا طبع ~~وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا ~~معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة ~~وعند الله طويل، وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله عز وجل هذه الاجسام؟ ~~ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب؛ وقد فطن لهذا حذاق الأطباء ~~فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب، وعلى أن فرط الجهل ~~والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء ~~والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء. # وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك ~~على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها ms478 قالوا: الأنبذة من ~~دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في ~~الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ~~ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه ~~النار، ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شر من ~~الماء. PageV02P635 # وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث ~~في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ~~ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا، سبيل فقال: أنا ~~رجل ذمى وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شره، ~~وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك مالك إلى ~~هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو ~~يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه. # وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال ~~قائل منهم: والله ما حرم نبي العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل ~~عقله، فان الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدا محيلة له وكذا الغناء، وما شيء ~~أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ~~ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة ~~العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر ~~الأمراض، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه. # قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس ~~والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها، فنبي ~~العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا. # وقد ذكر الناس فضل عقول ms479 أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير ~~بما هو مذكور في غير هذا الموضع، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات ~~بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر PageV02P636 # في بلائهم، وهم، يذمون النخلة، وخيرات الدنيا مقسومة بين النخلة والنعجة ~~والتمور من الأغذية الشريفة النافعة التي يحيا بها الحيوان الأنس وغيره. # وفي التمر مع اللذة بأكله إخراج التعب وراحة للمكدود، والملاحون يسمونه ~~لأجل هذا مسامير الركب، ولما قيل للأعرابي: صف النخلة قال: # جذعها بناء وكربها صلاء وسعفها ضياء وثمرها غذاء، ومقدار النعمة بالنخلة ~~يضيق هذا المكان عنه وعن شرحه، ولأبي عثمان عمرو بن بحر رحمه الله كتاب ~~في فضيلة النخلة على كل نبات، وهو كتاب كبير حسن جدا، وجهل هؤلاء عظيم ~~وجناياتهم لا تستقال، ولعل من قد قتلوه بأدويتهم مع حسن نيتهم فيه وحرصهم ~~على برئه أكثر ممن أفاق عند علاجهم، وكم فيهم من قد غلط في نفسه وأولاده ~~وأهله بعلاج هذا لحذاقهم فضلا عن المبتدئين. # ولهم إصابات في الحمايات إذا ابتدأت وكم تلبث ومتى تنصرف وكم دور يكون ~~وبأي شيء يكون بحرانها، إما بالعرق أو بالرعاف أو بالقيء أو بالبول أو بغير ~~ذلك، هذا يعرفونه بالتجربة، ويغلب في العادة، وقد لا يكون. # كما يعرف الملاحون الريح متى تسقط وكم تلبث، يعرفون هذا في البحار وفي ~~الأودية ويعرفون أزمانه كما يعرفون أوقات المد وأزمان زيادته، وأوقات ~~الجزر، وينتظرون ذلك، وكما تعرف القوابل غيره من الحمل، وذكر هو أو أنثى، ~~وكم تلد أمه بعده من ذكر وأنثى مما يتفق لهن فيه إصابات حسنة، وكل هذه ~~عادات وتجارب. فإن قيل: فاذا كان الدواء والسم لا يقتل، فلم تذمون الساقي ~~لذلك والشارب له؟ قلنا: نذمه ونؤثمه على ما حدث من فعله من الشرب والإسقاء، ~~وان كان ما يحدث من الموت من فعل الله، لأن الله PageV02P637 # أجرى العادة بفعل الموت عند ذلك، ونذمه كما يذم من إلقاء غيره إلى ~~السباع، وكما يذم من سعى بالناس إلى الولاة ودل على ms480 أموالهم وإن لم يأخذه ~~الولاة ولا أكلهم السباع، لأن الغالب من ولاة الجور أخذ الأموال ومن السباع ~~الأكل، كذا الغالب فيما أجرى الله به العادة: الموت عند شرب الدواء المسموم ~~والسم، فليس لأحد أن يفعل ذلك، وكذلك لا تلم الساقي ولا الشارب إذا تناول ~~ما جرت العادة بالسلامة معه وإن حدث عقيبه الموت، ألا ترى من أطعم غيره ~~طعاما لذيذا ينفعه به فمرض عقيب ذلك ومات لم نلمه لأن الغالب في العادة ~~السلامة. # ونلوم من سقى غيره سما قاتلا فعوفي وانتفع بذلك أتم منفعة، فإنا نلومه ~~ونضلله ونؤثمه، والرجوع في جميع ذلك إلى غالب العادة. # فان قيل: فلم ابيتم أن يقع الفعل من الجماد والموات بالطبع، قلنا: لو وقع ~~الفعل بأي وجه كان من الجماد والموات ومن ليس بحي ولا قادر لكان لا اعتبار ~~بأن يكون الفاعل حيا قادرا، ولا حاجة بالفعل إلى أن يكون فاعله حيا قادرا، ~~ولوجد البناء والكتابة والصياغة وغير ذلك من الانسان وإن جهل وإن عجز وإن ~~اجتهد في أن لا يقع ذلك منه وان مات، فلما لم يقع ذلك منه وهو ميت، وقد ~~علمت وتيقنت أن الفعل لا يقع إلا من الحي القادر، وإن كان متسقا محكما ~~ففاعله لا بد عالم. # ولو وقعت الافعال من الجماد والموات بالطبع أو بغير ذلك، لوقع من الحجارة ~~والسحر والماء والنار والهواء وغير ذلك البناء والصباغة والنجارة والكتابة ~~على أن هذه الأشياء كلها دون ما أضافوه إلى الأدوية والسموم من الأفعال، ~~لأن الموت والحياة والعافية والسقم أعظم من الخياطة والكتابة وجميع ما ~~ذكرنا، والعجب لجهل هؤلاء إجازتهم وقوع الحياة والموت والصحة والسقم من ~~الجماد PageV02P638 # بالطبع ولا يقع منها كتابة ثلاثة أسطر ولا نساجة بارية طولها ثلاثة أذرع. # فإن قيل: إنكم قد دفعتم الضرورة بقولكم إن الفعل لا يقع من الجماد ~~والموات فنحن نجد الشبع يأكل الخنزير ويزول معه الجوع، وكذا الري عند شرب ~~الماء وكل هذا معلوم باضطرار. # قيل له: المعلوم باضطرار زوال الجوع بأكل الخبز والعطش بشرب الماء، ms481 هذا ~~لا ينكر ولا ينكره عاقل، فأما من ادعى أن الفعل للخبز والماء، وأنه قد علم ~~ذلك باضطرار، فقد ركب جهلا، لأن الحي الناطق العاقل المستطيع ليس يعلم ما ~~يقع منه من الكتابة والبناء أن فعله باضطرار، وإنما يعلم ذلك باستدلال. # ألا ترى أن العقلاء يختلفون في ذلك، فيقول المنجمون ان من وقع منه الوفاء ~~والعدل فذلك من فعل المشتري، ومن وقع منه الجور والغدر فذلك من فعل المريخ ~~فيه، ويقسمون الأفعال كلها على ذلك، ويجعلونها لغير من ظهرت منه. # وكذا تقول المنانية، فتجعل ذلك للنور والظلام، ويقولون آخرون إنه لحملة ~~الفلك والكواكب في حيوان الأرض، ويقول المجبرة: إنه من فعل الله فيهم، فإذا ~~كان فعل الحي القادر العالم ليس يعلم أنه هو الفاعل له باضطرار، فكيف صرتم ~~أنتم تعلمون باضطرار أن الاحراق فعل النار، والشبع فعل الخبز، والذي فعل ~~الماء والعافية فعل الدواء بالضرورة، وهذا قول من لم يعرف فعلا ولا فاعلا ~~قط. # وان كان حكم النار مخالفا لحكم الدواء والخبز والماء، لأن النار قد خلق ~~الله فيها الحرارة والاعتماد صعدا، فهي اله للعباد في الاحراق والتقطيع، PageV02P639 # والانسان المثير لها هو المحرق بها لا هي، كما أن القاتل بالسهم الذي ~~يرميه وينفذه في المقتول هو القاتل لا السهم، وكذا الضارب بالسيف والقاتل ~~به هو المفرق لأجزاء المقتول بالسيف لا السيف، وكذا القاتل بالحجر هو ~~القاتل به لا الحجر. # وقد قال أبو هاشم وغيره: إن العاقل يعلم باضطرار أن الجماد لا يقع منها ~~فعل ولا تفعل، كما يعلم أنها لا تسمع ولا تبصر، وإن كان ماني القس الذي ~~تقدم ذكره يقول إنها تسمع وتبصر وتحس. # ولكن لما وقع الاسهال عقيب شرب بعض الأشياء ظن هذا الجاهل أن ذاك فعل ~~الدواء، كما ظن هذا عند صوت الخشبة إذا شقت ونشرت أن ذاك صحيح منها ~~لتألمها، فاحتجنا أن ننبه على فرط جهلهم، وإن كان الأمر في الوضوح كما قال ~~ابو هاشم وهم في هذا كمن قال للبيضة فعل الديك، والحيوان فعل أبيه، ms482 لأن ~~ذلك يؤخذ عقيب سفاد هذه الفحولة، كما أن الاسهال يكون عقيب شرب الدواء. # فإن قالوا: فقد يكون السفاد ولا يكون الولد وقد يكون ولا يكون، قيل له: ~~وقد يكون الاسهال عقيب الدواء وقد لا يكون، حتى أن الطبيب يعطي لمن بدنه ~~مملوء بالصفراء دواء ليسهله عشر مجالس فقد لا يسهله، وقد يريد يسهله مجلس ~~واحد، فربما جاءه عشرة مجالس، وربما أسهله مائة، وقد وجدنا الحنظال ~~والسقمونيا يأكلها كبير الحيوان فلا يقتلها ولا يسهلها. بل يغذوها ويحييها ~~كما قد تقدم شرح ذلك. # وكذا قال أبو علي رحمه الله للفلكيين والمنجمين حين قالوا: إن النبات فعل ~~الشمس لأنا نجدها إذا طلعت على الأرض ظهر نباتها، فقال لهم: ولم PageV02P640 # إذا كان ذلك وجب أن يكون هذا الفعل وهذا الأثر للشمس، ثم قال: وقد تطلع ~~على جميع الأرض والجبال وأكثرها لا ينبت شيئا، وقد تغيب الشمس عن الأرض مثل ~~مقدار طلوعها عليها من الزمان، فلم وجب أن يكون هذا الأثر لطلوعها دون أن ~~يكون لغيابها، والنبات بحاله. # وقال لهم: قد يحرث الحراث الأرض في وقت الحرث ويسوق إليها الماء ويلقي ~~لها السماد والتراب بحسب حاجتها فتنبت وتريع عند هذا الفعل منه، ومتى لم ~~تحرث ولم تبذر ولم يسق الماء إليها لم تنبت قليلا ولا كثيرا وإن طلعت عليه ~~الشمس والقمر والكواكب، فلو جعلتم هذا الانبات والريع فعلا للفلاح الحراث ~~كان أشبه وأقرب من جعله فعلا للشمس لأن الحراث حي قادر عالم، ولو كانت ~~الشمس حية قادرة عالمة فإن النبات والريع يجدونه عند فعل الحراث لا عند ~~طلوع الشمس. فكيف والشمس والقمر والكواكب جماد وموات، والعلم بأنها جماد ~~وموات، كالعلم بأن الغيم والبرق والماء والريح والنار والذهب والياقوت ~~والزجاج جماد وموات. # وماني يدعي في أجسام السماء والأرض كلها قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها ~~بأنها سميعة بصيرة حساسة دراكة، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى لشعاع ~~الشمس والقمر كذلك، وأنه كاتب وخطيب، وإنما ذكرنا هذا لتعجب من جهله وجهل ~~أتباعه ومن قال بقوله. # فإن ms483 قيل: فلم لا قلتم: إن النبات والريع فعل الحراث كما ألزمتموه ~~مخالفكم؟ قيل له: لو كان ذلك فعله لفعله في كل وقت ولبت في كل وقت ولجاء ~~على ما يدبره من القوة والكثرة، فلما لم يكن كذلك علمت، أنه ليس يفعله ~~وإنما هو شيء قد أجرى الله العادة به عند حرث الحراث وعند طلوع الشمس وقد ~~لا يكون كما قد تقدم ذكر ذلك. PageV02P641 # وكان مما يسأل عنه هؤلاء الدعاة الذين قدمنا ذكرهم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «صوموا تصحوا» قالوا : فها هنا من يصوم فيسقم وربما تلف، قيل ~~لهم: هذا القول قاله لمن يصلح بالصوم ويحتاج إلى الصوم، وقد عقل المخاطبون ~~ذلك عنه، ألا ترى أنه قال لهم بأن المسافر والمريض والهرم لا صيام عليه، ~~وأن الفرض يسقط عنه، وهكذا شرع وبين، فتلا عليهم ما أوحى إليه ربه عز وجل. # وكان مما يسألون عنه، قوله صلى الله عليه وسلم «سافروا تغنموا» و «بورك ~~لأمتي في بكورها» قالوا: وقد وجدنا من يسافر فلا يغنم ومن يبكر فربما سلب ~~أو قتل ، قيل لهم: قد مضى الجواب في مثل هذا، وهو أنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر بذلك من يحتاج إليه ليفعله على الوجه الذي يغلب على عقله أنه يسلم ~~وينتفع، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك المرضى والزمنى ولا ~~في الأوقات المحرقة، بل قد نهى عن ذلك وتلا عليهم الوحي قوله عز وجل: «ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» وقوله «وخذوا حذركم» فقد عقل أولئك ~~الذين خاطبهم عنه صلى الله عليه وسلم مراده في ذلك، وأنه ما أمر بذلك في كل ~~حال، وإن كان هناك مطر مانع أو برد أو حر أو عدو مخوف، وقد نهى صلى الله ~~عليه وسلم عن ركوب البحر وعن كل ما فيه غرر وخطر، حتى جاء عنه أن من يأت ~~على سطح غير محجر فقد برئت منه الذمة، وأن من ركب البحر عند هيجانه فقد ~~برئت منه الذمة. # ومما يطيعون عليه صلى الله عليه ms484 وسلم قوله: «لو أهديت إلي ذراع لقبلت، ~~ولو دعيت إلى كراع لاجبت» قالوا: فهذا تعرض بالناس ورغبة في أموالهم وحيلة ~~على PageV02P642 # على ما في أيديهم، أي هاتوا لي شيئا وأهدوا لي شيئا واطعموني شيئا، قيل ~~لهم: # إن نزاهته وترفعه شيء معلوم من انه صلى الله عليه ملك جزيرة العرب وهي ~~أوسع من جزيرة الروم، وهي من شجر عمان إلى أوائل الشام في الطول وفي» #..... # منهم عظيم الشأن، وهي الآن باقية فا # .... # وحازه وجى له وحمل ما له إليه، فحرم نفسه وأزواجه وأهل بيته من ذلك كله ~~وبذله ووهبه للناس كما تقدم شرحه لك في غير موضع من كتابك هذا. # والمعلوم من سيرته انه كان يكافيء المهدي بأضعاف هديته، والمنصف لا ينصرف ~~عن الأمر المعلوم المتيقن باللفظ المحتمل، فكيف وهذا القول منه صلى الله ~~عليه وسلم من الآداب الشريفة والوصايا الكريمة، ونهي منه عن احتقار الفقراء ~~والمساكين، وأنه يجب على الأغنياء أن يقبلوا منهم ما يهدونه إليهم وإن كان ~~حقيرا قليلا، وأن يجيبوهم إذا دعوهم في ولائمهم، وإن قل ذلك، وأن يظهروا ~~لذلك البشاشة والمسرة والطلاقة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم ~~والتكلف، وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده، وبئسما لأحدكم ~~أن يتكلف ما ليس عنده، وبئسما له أن يحتقر ما عنده، وبئسما لأحدكم أن يحضر ~~عند أخيه فيحتقر ما يقدمه إليه.» وهذا معروف من وصاياه، وقد أخذه عنه ~~أصحابه، فلهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل دعاه ~~في وليمة شرط أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تؤخر عنا ما PageV02P643 # عندك. ولهذا قدم سلمان الفارسي رحمه الله لزواره خبزا وملحا جريشا وقال ~~لهم: كلوا فهذا الذي حضر، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن ~~التكلف لتكلفت، وكان سلمان أميرا في ثلاثين الفا من قبل عمر بن الخطاب ~~. # ..... # في باب الدين والدنيا مربحة من بلايا عظيمة # ..... # قد يحمله ذلك على اغتصاب أموال الناس وعلى احتقار الفقراء ms485 فيوقعه في كل ~~ما يكره من تنغيص العيش والكد في العاجل والعذاب الآجل، ولو أخذت في شرح ~~قدر المنفعة بهذه الوصية لطال به الكتاب، فكم فيها من نفي الكبر الذي لا ~~يليق بالإنسان، وهو المعطب له والجالب عليه مقت الله ومقت عباده، وهو ~~المعرض لزوال نعمته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه ومن بركاته على العالمين ~~بوصاياه الشريفة النافعة في الدين والدنيا، التي قد ذهب الناس عنها يمينا ~~وشمالا، ولو طلبوها واستعملوها لأغنتهم وأعانتهم على الدين والدنيا. # وقد جمع أبو أحمد الحسن بن سعيد العسكري رحمة الله عليه ألف وصية فاطلبها ~~واكتبها، فهذا من المحاسن التي قد ظنها هؤلاء أنها من المساوىء ولكن الخيبة ~~والافلاس أحوجهم إلى ذلك حين لم يجدوا فيه صلى الله عليه وسلم مطعنا. # وكذا طعنوا في قول أبي بكر الصديق حين أراد أن يستخلف عمر وقال له طلحة ~~أو غيره: ما تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا؟ فقال: # أبربي تخوفني؟ إذا سألني قلت له: استخلفت عليهم خيرهم وأنفعهم لهم ~~وأحرصهم على رشدهم وأقواهم عليهم، فقال هؤلاء الطاعنون: هذا تجبر ~~PageV02P644 # وتكبر منه وليس كما ظنوا، ولكن هذا قول واثق بالحجة مدل بالحق، وهذا نظير ~~ما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لأعدائه: «قل ادعوا ~~شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون» ونظيره قول هود عليه السلام لقومه ## ..... # أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه لك # .... # سقط علي. # وطعنوا في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم ~~فافعلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يبدؤنا بالذي فيه الداء ~~وهذا ليس بمنكر، وقد تشاهد ذباب النحل وفي شعرته الذي يلسع بها الدواء ~~وفي جوفه العسل وهو الشفاء. # ويطعنون عليه بأنه كان إذا أكل لطع إصبعه، قالوا هذه هي القذارة، وأين هو ~~عن آداب كسرى والفرس، فإنهم كانوا لا يأكلون إلا بالبارشين وبما قطع ~~بالسكين.. # وهذا أيضا من محاسنه وفضائله في أنه كان يلطع إصبعه، ويردف خلفه، ويرقع ~~ثوبه، ويخصف نعله، ms486 ويعين خادمه، ويمشي مع الضيف والأرملة والفقير في ~~حاجتهم، ويصنع لهم، وكم له في ذلك من وصية، وكذا كان خلفاؤه وأمراؤه ~~لرعيتهم، وذلك مذكور في موضعه، والانسان لا يعاف ريقه ولا ريق ولده ~~وأحبابه، والريق أحد النعم العظيمة من الله على خلقه وفي جفافه PageV02P645 # وبطلانه من فم الانسان هلاكه، وبه يسيغ طعامه، وما في ذلك من النعم أكثر ~~من أن يحصى، وهذا من تواضع الأنبياء وتعريف الناس أقدارهم، ولهذا بصق صلى ~~الله عليه وسلم يوما على كفه ثم وضع أصبعه عليه وقال: يقول الله تبارك ~~وتعالى. # «ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت ~~بين بردين وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق ~~وإني أو إن # ..... # .... # يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك #... # للظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود، ما غرك بي إذ كنت تمر بي قدادا. [وهو ~~الذي يخطر في مشيته ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكبر.] # ولهذا قال مالك بن دينار للمهلب بن أبي صفرة وهو يمشي وكان ملكا عظيما ~~وسلطانا كبيرا، ما هذه المشية التي يمقتها الله إلا بين الصفين، فقال له ~~المهلب: أو تعرفني قال: نعم، قال ومن أنا؟ قال مالك: أنت الذي أولك نطفة ~~مذرة، وآخرك جيفه قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فاستحيا المهلب وقال له: ~~قد عرفتني حق المعرفة، وكم مثل هذا في وصايا السلف وآدابهم رضي الله عنهم، ~~وهؤلاء يعيبونهم ويطالبونهم بالعجب والكبر، الذي لا ينبغي لمن صفته ما قال ~~مالك بن دينار، كما يعيبونه صلى الله عليه وسلم بأنه حرم المسكر والغناء، ~~ولبس الحرير والديباج، واستعمال أواني الذهب والفضة، وكشف العورة والاشتراك ~~في الزوجة. PageV02P646 # ونزار المتسمي بالعزيز لا يحرم ذلك ويتزين بالجوهر، ويركب إلى الصلاة ~~بالمزاهر، وبين يديه العبيد والملاهي مجردين، ويستقذرونه صلى الله عليه ~~وسلم ويستنطقون كسرى والمجوس، وهم يتنزهون عن الماء ويتطهرون بالبول، ~~فالبول طهورهم والميتة طعامهم، وأمه امرأته وصديقة وكيله في وطنها اذا غاب ~~عنها، والهربذ يطهرها بالبول حين يعاين فرجها ms487 ويباشر ذلك بيده، وأكل الميتة ~~هو ما يشدونه من البقر في عيد لهم ويأمرونها بعد الشد الوثيق ... # ... حتى تموت وحل أكلها وهو ... فانظر من قد استضعفوا و ... # ولا الطهور كما قد تقدم ذكر ذلك، وهم لا يأكلون مع المسلمين في بلادهم ~~في صفحة واحدة، فاعرف هذا من أحوال هؤلاء وتعديهم على الله وعداوتهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وكان الحسن بن احمد ملك البحرين قال لأبي الحسن الحرزي حين أخذ جوهر مصر ~~وجاء أبو تميم بعده. يا أبا الحسن، ما ترى أبا تميم يفعل إذا دخل مصر؟ وما ~~الرأي له أن يفعل؟ فقال له الحرزي: إن هو قدم ورفع حجابه وتواضع وأنصف ~~الرعية وتباكى وقال إنما خرجت لغزو الروم وارتجاع الثغور ورحمة للناس من ~~جور الديلم فهو يملك الأرض، فما بين يديه أحد، إنما هو ولد سيف الدولة، ~~وناصر الدولة، ومعز الدولة، وهم في غفلة وبطر، وجندهم الديلم وهم شيعة، ~~فرجعت جواسيس الحسن بن أحمد من مصر فذكروا دخول أبي تميم وزيه وركبه الذهب ~~وملابسه المذهبة حتى خفه وما PageV02P647 # على رأسه وفي عمامته من الجوهر وما في أدنى دابته، وأنه أطعم الناس على ~~موائد من ذهب وفي أواني الذهب، وكثرة حجابه، فقال: الحسن لأبي الحسن ~~الحرزي: قد سمعت ما هو عليه فما عندك؟ فقال له الحرزي: اصفع قفاه فما بين ~~يديك أحد، كلكم قد ظهرت مخرقته وماتت فضيحته، وكان الحرزي جريئا عليهم ~~يحتملونه ويستنصحونه ويحدثهم بحيلهم ومخاريقهم ويكشفونها له ويستزيدون له ~~في الحيل ثقة به. فأكب الحسن على أبي تميم كما ذكرنا وطمع فيه ذلك الطمع ~~ونصحه تلك النصيحة وتشاتما وتفاضحا ... # به ومات عقيب ذلك واغتنم أبو تميم ... # وأعطاهم ما أرادوا قبل أن يبعثوا عليه غيره، وأخرج إليهم أربعين كتابا ~~من كتبهم إلى آبائه وإليه وما بينهم من المخالصة وأن الدعوة واحدة كما ~~تقدم. # وإنما جر هذا الكلام عيب هؤلاء الجهال على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلطع إصبعه وكونه لم يفعل من التجبر والتكبر ما يفعله الملوك، ms488 وهذا من ~~محاسنه وآثار نبوته. # وكقوله صلى الله عليه وسلم: «من احب أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار» ، وما أكل متكئا قط وكان يجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا ~~عبد آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد» ويلبس الصوف ويعقل العنز، ~~ودخل مكة حين فتحها في عشرة آلاف وهو على رحل رث، وإن عثنونه لينال واسطة ~~رجله من التواضع، ما زاده الله تسليطا وتمكينا إلا ازداد PageV02P648 # لله هيبة وإجلالا، ومن المساكين قربا وبهم رأفة وملابسه معروفة، وقبض صلى ~~الله عليه وسلم وحاله معروف، وبردته التي يتجمل بها الخلفاء تساوي دانقين. # ويوسف بن دحية ملك عمان وحدها يلبس الوشي المثقل بالذهب، ويستعمل أواني ~~الذهب والفضة وله العبيد والكراع والأثاث والخزائن، وكذا ملك البحرين وملك ~~عدن، وكذلك ملك صنعاء واليمن، وقد ملك صلى الله عليه وسلم هذا كله ونجران ~~وتيماء وتبوك ووادي القرى، وغير ذلك مما يطول تفصيله، فلو أراد ما أراده ~~هؤلاء لقدر على أكثر مما قدروا عليه، وقد ذكرنا ذلك وغيره من حال خلفائه ~~وزهدهم فهؤلاء ... # واعلم ان قول الحرزي وعيسى ابن... # ... لأبي طاهر ولأبي تميم ولأبيالتدبير فكلكم قد افتضح مع تستركم به، ~~إنما هو غباوة عن معجزاته ودلائل نبوته، وأنه شيء تولى الله حراسته ونقض ~~العادة به، فما زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أسكته خصم، ولا أخجله ~~عدو، مع كثرتهم وجلدهم وطول مقارعتهم كما قد تقدم لك، ولكن هؤلاء الجهال لا ~~يشعرون، قد جعلوا ما أعطاه الله من النصر والحجة أنه شيء ناله بوفور عقله ~~وسداد تدبيره. # كما يقول هشام بن الحكم وابن الراوندي وأمثالهما في أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه بأنه كان ناقصا وجبانا وجاهلا ومجنونا، وأنه ما بايعه أحد ولا ~~أطاعه كثيرا أحد كما هو مذكور لهم ومشروح في كتب الامامية. # فقيل لهم: فكيف استوى له أن يغلب بني هاشم وشيعتهم وأتباعهم PageV02P649 # وهم أعقل الناس وأشجع الناس وأفطن الناس وأشرف الناس حتى أطيع في حياته ~~ونفذت وصيته بعد وفاته، ms489 فأطيع خليفته بعده ووصايا خليفته بوصاياه فنفذت بعد ~~موته فأطيعا حيين وميتين. # قالوا هذا عجز فيه الدهر، فكان عذرهم في انقطاعهم أن سموا ما أعطاه الله ~~من الحجة عجز فيه الدهر، كما قال أولئك في حجة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه وفور العقل وسداد الرأي والتدبير. # ومما يطعن هؤلاء الدعاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيدونه ~~ويبدونه، أنه جاء مرة يطلب مولاة زيد بن حارثة ولم يكن في بيته، وكانت ~~امرأته تخبز، فأخرجت رأسها من التنور وخرجت إليه ... # ... وأخرج زيد بن حارثة في سرية ليقتله ... من المشيخيين إنما معنى ~~قوله: # «وتخفي في نفسك ما الله مبديه» أي قد زنيت. # والمتأمل يعرف كذبهم في ذلك قبل أن يعلم أنه نبي صادق، لأن زيد بن حارثة ~~رحمه الله مولاه وصاحبه قديما قبل النبوة وقبل الوحي، خصيص به محب له، ~~يسافر معه ويقيم معه. وامرأته زينب بنت جحش هي بنت عمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو زوجه بها، وقد رآها صغيرة وكبيرة، لو قال قائل إنه رآها ألف ~~مرة لما خشي أن يكذب. وكانت زينب رحمها الله امرأة سيئة الخلق كثيرة النفار ~~لزيد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشق عليه ذلك، ويكره أذية زيد، ~~وينهي زينب عن ذلك، ويعذلها ويأمر زيد باحتمالها والصبر عليها، وكان صلى ~~الله عليه وسلم PageV02P650 # ود لما يرى من نقارها لزيد أنه لم يزوجها به لما يلقى زيد من أذاها، وأنه ~~كان صلى الله عليه وسلم قد تزوجها فكان أولى بالصبر على قرابته من الغريب، ~~فأوحى الله إليه أنها مع خلقها مؤمنة، وإن زيدا سيطلقها، فإذا طلقها ~~فتزوجها أنت وضمها إليك. فلم يلبث زيد أن طلقها وجاءه فأعلمه صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: راجعها وأمسكها، وستر ~~عن زيد ما أوحى الله إليه، فعوتب في ألا عرفه ما أوحى إليه، فلم يؤثر زيد ~~مراجعتها، واعتدت، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ms490 قصتها ما ~~قد ذكره الله في سورة الاحزاب، فبين الله ذلك والسبب فيه وعاتبه الله كونه ~~ستر ما أوحى إليه عن ... # وما زال زيد مقيما على طل... والمحبة وبذل النفس في طاعته... # مؤتة باذلا نفسه في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ودع ~~الأحبة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجند زيد ومن معه: زيد ~~أميركم، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة. فغزا زيد ~~الروم وأقحم في قتالهم، وتصيبه الطعنات والضربات والجراحات فلا يرجع ولا ~~ينثني ابتغاء مرضات الله ونصرة لرسوله إلى أن قتل، وقتل بعده جعفر بن أبي ~~طالب، وبعدهما ابن رواحة، في القصة المعروفة، ونال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من فقدهم ما يألم له الألم المعروف. وأسامة بن زيد منزلته من الاختصاص ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرب منه منزلة أبيه، وكان حب رسول الله ~~كما كان أبوه، وكان يقال له أسامة الحب، وقد امره رسول الله قبل مرض موته ~~على خلق كبير ليخرج إلى الروم، فخرج في خلافة أبي بكر، وغزا الروم وجاهد في ~~احياء دين رسول PageV02P651 # الله صلى الله عليه وسلم، وقصد اعداءه وأطاع حلفاءه صلى الله عليه وسلم ~~بعده، وجاهد وناصح ومضى لسبيله بعد مضي خلفاء رسول الله لا يرى لما يدعيه ~~هؤلاء أثرا ولا امارة لا في حياة زيد ولا بعد وفاته، ولا في حياة ابنه ولا ~~بعد ذلك، وهم في المناصحة والالفة والاختصاص والمحبة بعد تزويج رسول الله ~~بزينب كما كانوا قبل ذلك وفي جميع الاحوال، وفي حياة رسول الله وبعد وفاته، ~~وفي حياة خلفائه وبعد وفاتهم، وهناك من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ ... # ... المعروفة وأعينهم مادة إلى مطعن .. # ... انواعن هذا وهو أنه قد اغتصب رجلا من خاصته امرأته فزنا بها وقبله ~~لعداوته له، وهو يدعي النبوة والأمانة وأنه اختاره لأمانته وثقته على الخلق ~~أجمعين، وأنه وحده صفوة الله وأنه لا نظير له في ذلك إلى يوم القيامة. ms491 فأين ~~كانوا عن هذا، وأين كان الصحابة الذين قد اتبعوه لأنه نبي وصادق وقد جاء هم ~~بتحريم الزنا وتحريم قتل النفوس بغير حلها، فإن قالوا: قد تكلموا وقد ~~أنكروا، قيل لهم: لو كان كذلك لجاء مجيء أمثاله، ولا فرق بين من ادعى هذا ~~أو ادعى أن زيد بن حارثة قد تكلم في ذلك وضج وخطب وصار معه جماعة في ذلك، ~~وحاربوا وصاروا إلى الروم مجلبين على رسول الله وراجعين عن دينه، وكذا كانت ~~قصة ابنه أسامة بعده إلا أن هذا قد خفي علينا وخدعنا وظهر لكم أنتم ~~وعرفتموه بفضل عقولكم وفطنتكم، وقد قلنا لكم غير مرة لو اعتبرتم ما جرى على ~~ائمتكم وعليكم من الفضائح مع تستركم بالاسلام وأنكم من الفاطميين لكفاكم في ~~الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تدعون ما هو في الظهور أعظم من ~~هذا، من أن فاطمة عليها PageV02P652 # السلام ضربت وقتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العباس وعلي وجميع بني ~~هاشم وبمشهد من المهاجرين والانصار وهم أكثر ما كانوا وأوفر، وهذه وقعة ~~أعظم من وقعة كربلاء، ومن شهدها أكثر فكيف لا يدعون على رسول ... # نجد أبا بكر وعمر وبني هاشم... # بين زيد وأسامة ورسول... # بعضا كما قد تقدم شرح ذلك حتى ينقل علي بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم ~~بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا ~~الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من ~~البقية وجوها في بعضها كفاية. # وتدعون أن أبا بكر أنفذ المغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير الانصاري في ~~قتل سعد بن عبادة الانصاري وهو سيدهم فقاتلاه وهذا أظهر مما ادعيتم في زيد، ~~فكيف لا تدعون ذاك وقد ادعيتم ما هو أظهر منه. ونحن نجد الخزرج رهط سعد بن ~~عبادة أطوع الناس لأبي بكر وعمر، يعتقدون إمامتهما ويتقربون إلى الله في ~~الجهاد معهما، حتى ان قيس بن سعد وسعيد بن سعد من أخص الناس بهما ومن ~~أنصارهما وأمراء سراياهما، ms492 فما تأمل متأمل ولا تدبر متدبر إلا وجد من ~~الادلة على أكاذيب هؤلاء وأكاذيب أسلافهم الذين قدمنا ذكرهم كهشام وأتباعه. # ومما يخدعون به المترفين والمستجيبين لهم بأن يقولوا: هل علمتم لم حرم ~~محمد أزواجه أن ينكحن بعده، ولهذا سر لطيف باطن خفي وهو أن أزواجه ~~PageV02P653 # قد كن وقفن على سحره وحيله فخاف أن يتزوجهن أحد بعده فيتحدثن بذلك لما في ~~النساء من الرقة والضعف فعلم هو بهذا فحرمهن، وهذا من حكمته وفطنته، وقلنا ~~قبل كل شيء من أين لكم صحة هذه الدعاوي، أهو شيء علمتموه بالخبر والنقل أو ~~بالالهام ... # مسائلكم وشبهكم ليست من شبه... # ... الزبالين والكساحين، ولعمري إن من كان قادته وسادته وأئمته الذين ~~قدمنا ذكرهم وسيرتهم ومن لهم مثل هذا العزيز فهكذا تكون شبهه ومسائله ~~ودعاويه وحججه، وقد حرم صلى الله عليه وسلم على الرجال أمهاتهم وبناتهم ~~وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت، فإذا إنما حرمهن لمثل ~~ما قلتم وهو السر اللطيف والباطن الخفي هاتوا حكمتكم وفطنتكم. # ثم نسائلكم ونقول لكم: قولوا لنا ما هذه الحيل وما هذا السحر والذي وقف ~~عليه النساء، اذكروه لنا، فإن قالوا: ما ظهر ولا عرفناه، قلنا: فما يدريكم ~~أن التحريم كان لهذا، وإن قالوا قد ظهر، قلنا: فما أغنى تحريم الأزواج ~~شيئا، وهاتوا هذا الذي وقفتم عليه فإنكم لا تذكرون إلا ما يشبهكم ويشبه ~~أسلافكم، فأما هو صلى الله عليه وسلم فأمره في الظهور والانكشاف والبعد من ~~كل ريبة كما قدمنا وذكرنا. # والعقلاء يزدادون بصيرة في أمره صلى الله عليه وسلم، أنه جمع بين الضرائر ~~من بنات الاعداء والأولياء وفطمهن من الدنيا، ومما تتناوله يده، وكذا صنع ~~بأهله، وإن هذا PageV02P654 # الاقدام إقدام الأبرياء من كل ريبة ودنية. # ومن مسائلهم أن أبا القاسم المصري الاقليدسي المهندس النازل في قطيعة ~~النصارى، المنقطع إلى ... # جميلة كانت... # فما تعرفها فيقو... # عقيب هذا و... # من المسلمين، ويذهب في هذا أن أمرأة كانت تختلف إليه صلى الله عليه وسلم ~~في الريب، فيخدع أصحابه وأزواجه بقوله: هي العافية، وكان ms493 هذا من أكبر ~~المطاعن عليه عندهم، وسرورهم بها أتم السرور. # [دعواهم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله] # ومن عجيب أمرهم أن رؤساءهم وأهل العقل منهم إذا افتضحوا يأخذون في ~~الصلاة عليه والوصف له بالحكمة ووفور العقل وملك النفس وطول الصبر حتى لم ~~يفتضح، وأنا من أولنا إلى آخرنا مع التستر به نفتضح في كل طرفة عين. # فانظر إلى اختلاطهم وحيرتهم وفضيحتهم في كل ما يأتون به ويتعرضون له، ~~وكيف ينقضون على أنفسهم ويكذبون أقوالهم بألسنتهم. # ثم يقال لهم: هذا رجل قد أسخط الامم وعاداها وغاضبها وأغضبها، وادعى ~~رئاسة ليس فوقها رئاسة لمخلوق، وفرض طاعته، وألزم الناس إقامة شرائعه ~~وإنفاق أموالهم في إحياء دينه وسفك دمائهم في مجاهدة عدوه، PageV02P655 # وكلف تلك التكاليف الشاقة الصعبة الذي قد تقدم شرحها، وقال ان من أنكرها ~~أو تسخطها كفر بالله وحل دمه، وكان له في الآخرة العذاب الدائم. # وأتباعه إنما أطاعوه لأنه عندهم نبي صادق، وتقربوا إلى الله بما أصابهم ~~في اتباعه على ما قد تقدم من شرحه، وهو بزعمكم يكذب ويناقض في الآيات ~~والأحاديث ... # ... ليزني بنسائهم ... عن تدبيره ولا ينفر ... لا يستوحش # منه خاصته وبطانتة، وقد اختلف على الرؤساء وعلى من لم يدع ما ادعاه في ~~أقل القليل كما شرحنا وقدمنا من المحققين والمبطلين، وسلم هو هذه السلامة ~~التامة، وكان له أصحابه في حياته وبعد موته، إن هذا لهو أكبر معجزاته وأعظم ~~آياته وقد انتقضت له العادات في هذا أيضا كما انتقضت في غيره، فهذه شهادة ~~منكم له يتأكد بها حجته عليكم. # وينبغي أن تعلموا أن الايات التي يسأل عنها هؤلاء وأمثالهم من أعدائه صلى ~~الله عليه وسلم، والأحاديث التي صحت عنه ما أراد بها ما يظنونه ولا ما ~~يذهبون إليه. # إذ لو كان كذلك لكان أولئك الاعداء الذين كانوا معه وفي بلده وفي زمانه ~~من قريش والعرب واليهود والنصارى، وأحوالهم في الفطنة والعداوة والدهاء ~~والكيد ما قدمنا وشرحنا، ينطقون بذلك ويحتجون به ويجادلونه ويجادلون ~~أصحابه، وكان هذا ms494 أسهل عليهم مما تكلفوه من إبطال أمره واطفاء نوره ~~PageV02P656 # وتفريق الناس عنه بمفارقة أوطانهم وإنفاق أموالهم وسفك دمائهم، وبهذا ~~الاحتجاج كان أبو الهذيل والشحام يسكتون الخصوم. # وابن الراوندي والحداد والوراق ... رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ~~ممن يطعن عليه ... # ذلك عليه وتحت ... # على الشدائد من ... # من البلاغة فيجد ... # واسع الحلم، عنده من الصبر ما ليس عند غيره، فلهذا ضبط نفسه من أول ~~أمره وقبل ادعاء النبوة، فما عرفوه إلا بالنزاهة والطهارة والثقة والأمانة، ~~فكان يعرف عندهم بمحمد الأمين، فبفضل العقل تم له ما تم، واستترت عيوبه ~~وحيله، وإن لم نقطع عليه فنحن نجوزه، فأخرجوا معشر المعتزلة هذا التجويز من ~~قلوبنا وإن كان ضعيفا. ذكر هذا المعنى ابن الراوندي في الفريد في غير موضع ~~منه. فيقال لهم: إن هذا الذي ذكرتموه فإنما المعنى فيه شهادتكم له ~~بالمعجزات والآيات التي لم تجدوا فيها مطعنا فعبرتم عنها بفضل العقل والحزم ~~والصبر والحلم وقد سلمتم سلامته من كل فضيحة. # وقولكم إنه منذ أول أمره قد كان أحس بفضل عقله وصبره وحزمه وفصاحته فأمسك ~~عن ذلك ولم يظهره إلى وقت ادعى فيه النبوة، كمن ادعى عليه وله أنه ولد كامل ~~العقل وافر الحلم، وأنه أحس بذلك من نفسه فلم PageV02P657 # يظهره إرصادا للنبوة، وأظهر التصابي ... # وقد كان صلى الله عليه وسلم... # يقصد إلىحالهميحيط بهمواحداله على أنالله اختارني وحدي ~~على العالمين إلى يوم القيامة، أن أحدا لا يأتي بمثل ما معي ولا بمثل سورة ~~منه إلا وهو على يقين أن أحدا لا يأتي بذلك، هذه قضية العقل، فتعلم أنه قد ~~كان على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، وقد تقدم نظير ذلك، وإنما ~~يقال فيمن أراد السلامة من الناس فطلب رضاهم، وانحط في هواهم، وتجنب ذمهم ~~وسخطهم، وتودد إليهم بما يهوونه أنه عاقل، وقد سلم من ذمهم بعقله، كما قيل ~~استحق اسم العقل من رضي عنه الجميع المختلفون. # وهذا صلى الله عليه وسلم أتى بما يسخط الأمم كلها فأكفرها وشرع جهادها، ~~وفرض قتالها وقتلها، ms495 واستباحة حريمها وسبي ذريتها، وإهانة ملوكها ~~وجبابرتها، حتى كذبوه وشتموه وضربوه وحصروه وأجاعوه وطلبوا نفسه وقتلوا ~~أتباعه وبذلوا الوسع كله في مكارهه، إلى غير ذلك، فكيف يقال في هذا صلى ~~الله عليه وسلم أنه PageV02P658 # ناله من ... # فاذا حصل فعلوا فيه فعل طلاب الدنيا كما فعل غيرهم ممن قدمنا ذكره فما ~~منهم أحد في ابتداء أمره وفي أول طلبه إلا وقد تودد إلى العامة بأنه يريد ~~الدين والدار الآخرة، فإذا قدر وملك واستولى أثر في نفسه وأهله وولده وتنعم ~~وتمرغ في الدنيا، فكيف انتقضت العادة بهؤلاء ولو ادعى مدع في زهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومنعه نفسه وأهله وولده وكذا في علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه مثل ما ادعيتم في هؤلاء كان يكون الجواب فيه إلا الجواب في هؤلاء. # وأخرى أنكم معشر الامامية تدعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ~~نصوصا تلزم الخاصة والعامة والرجال والنساء والاحرار والعبيد والمرضى ~~والأصحاء والمقيمين والمسافرين، وأنه عليه السلام بين لهم هذا الفرض وبلغهم ~~إياه بحسب وجوبه وشمولاه وعمومه، فأعلمهم إياه، وجعلهم على يقين من وجوبه. # وأن هؤلاء اغتصبوه صلى الله عليه وسلم مصلاه ومقامه في حياته وفي بيته ~~ونصب عينيه وبحضرته وبحضرة أهل بيته وخاصته... # حياتهم وبعد موتهم، كما قد بينا من إنفاد وصية أبي بكر وعمر، فامتثلوا ~~ذلك كله حتى أن من يدعون النص والإمامة دخل في ذلك وأظهر السمع والطاعة لهم ~~في حياتهم وبعد موتهم خوفا من أتباعهم وشيعتهم وأنصارهم، فمن بقي يتقونه أو ~~يخافونه أو يجدعونه، وكل شيء قد ادعوه ودعوا اليه قد أجيبوا اليه، وقد ~~أطيعوا فيه بغير حجة بزعمكم، مع علم الناس أن ذلك خلاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخلاف دينه، إذ هو من الفروض العامة، وهم يأخذون الناس بحب ~~PageV02P659 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاته وموالاة من والاه ومعاداة من ~~عاداه، وهم بزعمكم يبغضونه ويعادونه ويبغضون من أحبه ووالاه، ومن كان يوالي ~~ويحب، فهل سمع بأعجب من أمر هؤلاء ms496 القوم فيما يدعونه، فبخلاف العقل والنقل ~~والأثر كدعوى الملحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومما يصول به هؤلاء الدعاة وأتباعهم من المتصلة بالشام ومصر، أن يقولوا ~~للمسلمين: اسمعوا منا ما نقوله في إلهكم الذي تعبدونه ثم ... # يطول شرحهوفعل فإن الحاإن ما لكم الهففيه تباركالسموات والا ~~6 حلما عنهم ورحمة وإمهالا لهم ليتوبوا، وأنهم إنما ينقلبون في قبضته ~~وبقدرته التي أعطاهم لطاعته، أو لم ينظروا إلى الجبابرة والفراعنة كيف ~~اصطلمهم؟ # «هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» . # ومما يغيظهم في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: انظروا اليه ~~كيف لم يبشر بأحد بعده، ولا علق القلوب بمن يأتي بعده كما فعل من كان قبله ~~من ابراهيم، وموسى، وعيسى، وأمثالهم، فطم الناس كلهم وقال: لا نبي بعدي، ~~فصار من يدعي هذا قد أكفرته أمته وبادروا إلى قتله، فهذا الحسد والشره. ~~PageV02P660 # فيقال لهم: ابراهيم وموسى وعيسى وأمثالهم كذابون عندكم أصحاب حيل وطلاب ~~رئاسة، وما ها هنا عندكم رب ولا نبي ولا باعث ولا مبعوث، ومن قال إني رسول ~~الله فقد كذب عندكم، ومن قال يأتي من بعدي رسول الله فقد كذب عندكم، فكأنكم ~~عتبتم عليه إذ لم يكذب ولم يزد في الكذب، هذا على # شرا.. # الين من بعدهكما قالسودبه فافتضحابن خويلدوكاهنا # فأرسل اليه أبو بكر الصديق بمن يجاهده، وأحاطوا به، فقال قومه: أين ما ~~كنت تعدنا من النصر والظهور، فأردف وقال لأصحابه من استطاع أن يكون هكذا ~~فليفعل وولى هاربا أصحاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأخذوه أسيرا وأتوا ~~به أبا بكر الصديق رضي الله عنه. PageV02P661 # هذا آخر ما وجدته في النسخة التي نقلت منها # .... # إن شاء الله أن عليه بل كتابة بغير تحيز، ومن أراد تحصيله العبد الفقير ~~إلى الله علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري في ربيع الأول سنة ~~وستمائة، وهو يتوسل إلى الله عز وجل بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أن ~~يجعله من المتقين حتى يتوفاه على ذلك ms497 ويبعث عليه إن شاء الله تعالى. وصلى ~~الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # تم بحمد الله PageV02P662 ms498