######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001340 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي (المتوفى: 420هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 420 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: درة التنزيل وغرة التأويل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001340 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1340 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1340 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د/ محمد مصطفى آيدين #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1422 هـ - 2001 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة أم القرى، وزارة التعليم العالي سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها (30) معهد البحوث العلمية مكة المكرمة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # القسم الثاني # النص المحقق لكتاب درة التنزيل وغرة التأويل # تأليف الإمام أبي عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي المتوفى ~~سنة 420ه # PageV01P214 # بسم الله الرحمن الرحيم # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # قال إبراهيم بن علي بن محمد، المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني: هذه ~~المسائل في بيان الآيات المتشابهة لفظا بأعلام نصبت عليها من المعنى، ~~أملاها أبو عبد الله محمد بن عبد الله # الخطيب رحمه الله في القلعة الفخرية إملاء لما خلا فيها، ولم يحضره غيري ~~ممن يسوغ له حمل # ما يكتب فيه، ويكتب به، فكتبت عن لفظه المسائل والأجوبة، وسألته أن ~~يصدرها بخطبة، فارتجالها كارتجاله سائر الكلام بعدها، فقال: # PageV01P215 # الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآه الراشدين ~~المرشدين الطاهرين الزاهدين، أما بعد: # PageV01P216 # فاعلموا حملة الكتاب المبين الحكيم، وحفظة القرآن المتين الكريم، وفقكم ~~الله تعالى لحق علمه، بعد حق تلاوته، وأذاقكم من لذة قراءته، وبرد شراب ~~معرفته، ما يشغف قلوبكم بحلاوته، أني مذ خصني الله تعالى بإكرامه وعنايته، ~~وشرفني بإقراء كلامه ودراسته، تدعوني دواع قوية، يبعثها نظر وروية، في ~~الآيات المتكررة، بالكلمات المتفقة، والمختلفة، وحروفها المتشابهة ~~المتعلقة، والمنحرفة تطلبا لعلامات ترفع لبس إشكالها، وتخص الكلمة بآياتها، ~~دون # PageV01P217 # أشكالها، فعزمت عليها بعد أن تأملت أكثر كتب المتقدمين، والمتأخرين، ~~وفتشت عن أسرار معاني المتأولين المحققين المتبرين، فما وجدت أحدا من أهلها ~~بلغ غاية كننها، كيف؟ ولم يقرع بابها ولم يفتر عن نابها، ولم يسفر عن ~~وجهها، ففتقت من أكمام المعاني ما أوقع فرقانا، وصار لمبهم المتشابه # PageV01P218 # وتكرار المتكرر تبيانا، ولطعن الجاحدين ردا، ولمسلك الملحدين سدا، وسميته ~~درة التنزيل وغرة التأويل وليس على الله بأمر منكر مستبدع أن يعثر خاطر عبد ~~ربيء، على كنز حكمة في القرآن خبيء، أو يبلغه في لطيف من لطائف كلامه حدا، ~~لا يبلغه أحد وإن كان أوحدا. فإذا عرفتم ما نحوناه من سنن الآثار أمنتم عند ~~القراءة مخاوف العثار، ثم تطلعون بعده على علوم تبدو للنفس، وتحتقرون معها ~~بيان اللبس، وترون ممالك لم تملكها ms001 قبلكم أمة، ومسالك لم تجل في # PageV01P219 # مدارجها همة، فتعلمون أن كلام الله جل ذكره وعلا شأنه وأمره بحر لا ~~تستنفد جواهره، وذو عجائب لا تستدرك بواطنه # وظواهره، وذو عمق لا يبلغ آخره، وذو طول وعرض لا يقطعه مزاخره، وهو ~~المغنم الذي من حازه ظفرت يداه، ولم يجزع لفوت ما عداه، فالدنيا قد تتبرج ~~بزخارفها، وتخدع نفس عارفها، إلا نفسا غلب نور قلبها ضياء بصرها، وتصورت ~~العواقب من ثمرها، لا البوادي من زهرها، وشوهت ما تناظر منها بالفكر في ~~قوله تعالى: 1/ب (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ~~يونس: 58، فلا تحزن إن أجدبت مراعيها المنتجعة، ولا إن زويت عنها عواريها ~~المرتجعة. # PageV01P220 # فحق من دلكم عليه أن تدعوا له بالمغفرة والرحمة، والمعونة على شكر ما ~~أولى من النعمة، شغلنا # الله بالحق عما يلهي من أحوال العاجلة، وبالعمل على ما يهون أهوال ~~الآجلة، إنه لطيف قريب سميع مجيب. # ومن الآن أبين الطريق الذي سلكته، وأفضى به إلى علم عرفته، وأذكر ما ~~نبهني على علم ما ادعيته، لأريكم مثل ما رأيته، وبالله التوفيق، وبه ~~أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. # PageV01P221 ### | سورة البقرة # [1] [الآية الأولى] # فأول آية ابتدأت بها قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ... ) [البقرة: 35] . # وقال في سورة الأعراف [19] : (ويا آدم اسكن أنت وزجك الجنة فكلا من حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ... ) . # فعطف (كلا) على (اسكن) بالفاء في هذه السورة وعطفها عليه في سورة البقرة ~~بالواو. # والأصل في ذلك أن كل فعل عطف عليه ما يتعلق به تعلق الجواب بالإبتداء، ~~وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء، فالأصل فيه عطف الثاني على ~~الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا ~~منها حيث شئتم # PageV01P222 # رغدا..) [البقرة: 58] فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل ~~منها متعلقا بدخولها، فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى ~~الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده. يبين ذلك قوله ms002 تعالى في مثل هذه من سورة ~~الأعراف: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا ~~حطة..) [الأعراف: 161] فعطف (كلوا) على قوله (اسكنوا) بالواو دون الفاء، ~~لأن اسكنوا من السكنى، وهي المقام مع طول لبث. والأكل لا يختص وجوده ~~بوجوده، لأن من يدخل بستانا قد يأكل منه # وإن كان مجتازا، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجواب بالابتداء وجب ~~العطف بالواو دون # الفاء، وعلى هذا قوله تعالى في الآية التي بدأت بذكرها: (وقلنا يا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما) . # وبقي أنبين المراد بالفاء في قوله تعالى: (.. فكلا من حيث شأتما..) من ~~سورة الأعراف [19] مع عطفه على قوله (اسكن) وهو أن اسكن يقال لمن دخل ~~مكانا، فيراد به: الزم المكان الذي/ دخلته ولا تنتقل منه، ويقال أيضا لمن # PageV01P223 # لم يدخله اسكن هذا المكان، عني ادخله واسكنه، كما تقول لمن تعرض عليه ~~دارا ينزلها سكنى فتقول: اسكن هذه الدار فاصنع فيها ما شئت من الصناعات، ~~معناه: ادخلها ساكنا لها فافعل فيها كذا وكذا، فعلى هذا الوجه قوله تعالى ~~في سورة الأعراف: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا ... ) بالفاء. ~~فالحمل على هذا المعنى في هذه الآية أولى، عز من قائل وجل قال لإبليس: (.. ~~اخرج منها مذءوما مدحورا..) [الأعراف 18] فكأنه قال لآدم: اسكن أنت وزوجك ~~الجنة، أي: ادخل، فيقال: اسكن، يعني ادخل ساكنا، ليوافق الدخول الخروج، ~~ويكون أحد الخطابين لهما قبل الدخول، والآخر بعده، # PageV01P224 # مبالغة في الإعذار، ... وتأكيد للإنذار وتحققا لمعنى قوله عز وجل: (..ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) [البقرة: 35] . # PageV01P225 # [2] الآية الثانية # قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) [البقرة: 48] . # وقال في هذه السورة بعد العشرين والمائة: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) [البقرة: 123] ~~. # فقدم في الأولى قبول الشفاعة على أخذ الفدية، وفي الثانية قبول الفدية ~~على ms003 نفع الشفاعة. # والوجه في الأول أنه لما قال: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) بمعنى: لا يغني ~~أحد عن أحد فيما يلزمه من العقاب، ولا يكفر سيآته ما له من الثواب، وهو ~~كقوله عز من قائل: (.. واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز ~~عن والده شيئا..) لقمان: 33 فهذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية امتناع ~~وقوعها في الآخرة أربعة أنواع تتقى بها المكاره وتتداوى بها الشدائد، ألا ~~ترى العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وارتهنت نفسه بعظيمة وحاولت أعزته دفاعا ~~ذلك عنه # PageV01P226 # وتخليصه منه بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فذبت عنه كما ~~يذب الوالد عن والده بغاية قوته وجلده، فإن رأى من لا قبل له بممانعته ولا ~~يدله بمدافعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف # المسألة والشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه ~~الحالتان ولم تنجه # الخلتان من الخشونة واللين لم يبق بعدهما إلا فداء الشيء بمثله، وفكه من ~~الأسر إما بمال وإما بغيره. # PageV01P227 # فإن لم تغن عنه هذه الثلاثة في العاجلة تعل بما يرجوه من نصر في الآجلة، ~~وإدالة في الخاتمة، كما قال تعالى (.. ثم بغي عليه لينصرنه الله..) الحج: ~~60 وقال تعالى: (..فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) الإسراء: 33 على أحد ~~وجوه التفسير، فأخبر الله تعالى أن ما يغني في هذه الدنيا عن المجرمين، ~~ويترتب هذه المراتب بين العالمين، لا يغني منه شيء/ في الآخرة عن الظالمين. # PageV01P228 # والفائدة في قوله تعالى في الآية الثانية وتقديم الفدية على نفع الشفاعة ~~هي: أنه لما قال: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) ومعناه ما ذكرنا، ~~عقبه بنفي الفداء، لأن النفس بفداء مؤقت يرتهن عنها مدة معلومة، ولا يكون ~~بعد ذلك فداء يفك الرهن ويخلصه من التبعات، فيكون معنى (لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا) لا تغني عنها بفداء محصور بوقت، ولا بفداء ويخلصه على وجه الدهر، ~~ويكون بعد ذلك (لا تنفعها شفاعة) معناه: ولا تخفف مسألة من ms004 عذابها، ولا ~~ينقص شفيع من عقابها، (ولا هم ينصرون) وهو الوجه الرابع الذي ذكرناه أخيرا ~~في شرح الآية المتقدمة. # PageV01P229 # 3 الآية الثالثة: # قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبناءكم ... ) البقرة: 49. # وقوله عز من قائل في سورة ابراهيم عليه السلام 6: (وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبناءكم ... ) . # فأدخل الواو في قوله: (ويذبحون أبناءكم) في سورة إبراهيم، وحذفها منه في ~~سورة البقرة، وجعل (يذبحون) بدلا من قوله (يسومونكم سوء العذاب) . # والقول في ذلك: أنه إذا جعل (يذبحون) بدلا من قوله: (يسومونكم سوء ~~العذاب) لم يحتج إلى الواو، وإذا جعل قوله: (يسومونكم سوء العذاب) عبارة عن ~~ضروب من المكروه هي غير ذبح الأبناء لم يكن الثاني إلا بالواو، وفي # PageV01P230 # الموضعين يحتمل الوجهان إلا أن الفائدة التي تجوز أن تكون خصصت لها الآية ~~في سورة إبراهيم بالعطف بالواو، هي أنها وقعت هنا في خبر قد ضمن خبرا ~~متعلقا به، لأنه قال قبله: (قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ~~إن ذلك لآيات لكل صبار شكور) إبراهيم: 5 ثم قال (وإذ قال موسى لقومه اذكروا ~~نعمة الله عليكم..) فضمن إخباره عن إرساله موسى بآياته إخباره عنه بتنبيه ~~قومه # PageV01P231 # على نعمة الله ودعائهم إلى شكرها، فكان قوله # (يذبحون) في هذه السورة في قصة مضمنة قصة تتعلق بها، هي قوله تعالى: ~~(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا..) . # والقصة المعطوفة على مثلها يقوى معنى العطف فيها فيختار فيما كان يجوز في ~~العطف على سبيل الإيثار، لا على سبيل الجواز، وليس كذلك موقع (يذبحون) في ~~الآية التي في سورة البقرة، لأنه تعالى أخبر عن نفسه بإنجازه بني إسرائيل، ~~وهناك أخبر عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه كذا، بعد أن أخبر عنه أنه ~~أرسله إليهم بآياته. فافترق الموضعان من هذه الجهة. # PageV01P232 # 4 الآية الرابعة # قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطايكم ms005 وسنزيد المحسنين فبدل الذين ~~ظلموا قولا..) البقرة: 58-59. # ففي هذه الآية إذا ما ذكرت ست مسائل إذا قوبلت بالآية التي تشابهها من ~~سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اسكونوا هذه القرية وكلوا منها ~~حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ~~فبدل الذين ظلموا منهم قولا..) الأعراف: 161-162 # فالمسالة الأولى عطف كلوا على ما قبله بالفاء في سورة البقرة، وبالواو في ~~سورة الأعراف، وهذه قد مر الكلام فيها مستقصى في قوله تعالى: (وقلنا يا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة..) البقرة: 35. # PageV01P233 # وأما المسألة الثانية فجمعه للخطيئة على الخطايا في سورة البقرة، وعلى ~~الخطيئات في سورة الأعراف على قول أكثر القراء. # وأما المسألة الثالثة زيادة رغدا في سورة البقرة وحذفه له في سورة ~~الأعراف. # وأما المسألة الرابعة تقديم (وقولوا حطة) في سورة الأعراف وتأخيره في ~~سورة البقرة. # والمسألة الخامسة إدخاله الواو على (سنزيد) في هذه السورة وإسقاطها منها ~~في سورة الأعراف. # PageV01P234 # والمسألة السادسة زيادة (منهم) في سورة الأعراف في قوله: (.. فبدل الذين ~~ظلموا منهم..) وسقوطها من الآية في سورة البقرة. # فأما الكلام في (الخطايا) واختيارها في سورة البقرة فلأنها بناء موضوع ~~للجمع الأكثر، والخطيئات جمع السلامة وهي للأقل الدليل على ذلك أنك إذا ~~صغرت الدراهم قلت: دريهمات، فتردها إلى الواحد، وتصغره ثم تجمعه على لفظ ~~القليل الملائم للتصغير، وكذلك الخطايا، لو صغرت لقلت: خطيئات فرددتها إلى ~~خطيئة ثم صغرتها على خطيئة ثم جمعتها جمع السلامة # الذي هو على حد التثنية المنبئ عن العدد الأقل من الجمع، فإذا ظهر الفرق ~~بين الخطايا والخطيئات، وكان هذا الجمع المكسر موضوعا للكثير، # PageV01P235 # والمسلم موضوعا للقليل استعمل لفظ الكثير في الموضع الذي جعل الإخبار فيه ~~نفسه بقوله: (وإذ قلنا اخلوا ... ) وشرط لمن قام بهذه الطاعة ما يشرطه ~~الكريم إذا وعد من مغفرته الخطايا كلها، وقرن إلى الأخبار عن نفسه جل ذكره ~~ما يليق بجوده وكرمه فأتى باللفظ الموضوع للشمول فيصير كالتوكيد بالعموم لو ~~قال:: نغفر لكم خطاياكم كلها أجمع. # ولما لم ms006 يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه عز اسمه وإنما قال: (وإذ ~~قيل لهم اسكنوا هذه القرية..) فلم يسم الفاعل، أتى بلفظ (الخطيئات) ، وإن ~~كان المراد بها الكثرة كالمراد بالخطايا إلا أنه أتى في الأول لما ذكر ~~الفاعل بما هو لائق بضمانه من اللفظ. ولما لم يسم الفاعل في الثاني في سورة ~~الأعراف وضع # PageV01P236 # اللفظ غير موضعه للفرقان بين ما يؤتى به على الأصل وبين ما يعدل عنه إلى ~~الفرع. # والمسألة الثالثة في الإتيان بقوله (رغدا) في هذه السورة وحذفها في سورة ~~الأعراف فالجواب عنها كالجواب في الخطايا والخطيئات، لأنه لما أسند الفعل ~~إلى نفسه تعالى كان اللفظ بالأشرف الأكرم، فذكر معه الإنعام الأجسم، وهو أن ~~يأكلوا رغدا، ولما لم يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه لم يكن مثل ~~الفعل الذي في سورة البقرة، فلم يذكر معه ما ذكر فيها من الإكرام الأوفر، ~~وإذا تقدم اسم المنعم الكريم افتضى ذكر نعمته الكريمة. # PageV01P237 # والمسألة الرابعة في هذه الآية تقديم قوله عز من قائل: (وقولوا حطة) ~~وتأخيره في سورة البقرة عن قوله: (وادخلوا الباب سجدا) والجواب عن ذلك مما ~~يحتاج إليه في مواضع من القرآن في مثل هذه الآية التي قصدنا الفرق بين ~~مختلفتها: وهو أن ما أخبر الله تعالى به قصة موسى عليه السلام وبني اسرائيل ~~وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم وما حكاه من قولهم وقوله عز وجل لهم لم ~~يقصد إلى حكاية الألفاظ بأعيانها، وإنما قصد إلى اقتصاص معانيها، وكيف لا ~~يكون كذلك؟ واللغة التي خوطبوا بها غير العربية، فإذا حكاية اللفظ زائلة ~~وتبقى حكاية المعنى، ومن قصد حكاية المعنى كان مخيرا بأن يؤديه بأي لفظ ~~أراد، وكيف شاء من تقديم وتأخير بحرف لا يدل على ترتيب كالواو، ولو قصد ~~حكاية اللفظ ثم وقع في المحكى اختلاف لم يجز، ولو قال قائل حاكيا عن غيره: ~~قال فلان: زيد وعمرو ذهبا، وكان هذا لفظا محكيا، ثم قال ثانيا قاصدا إلى ~~حكاية هذه اللفظة # PageV01P238 # من كلامه: عمرو وزيد ذهبا، لم يجز ms007 له ذلك، لأنه غير قوله وأخر ما قدمه، ~~وإن قصد حكاية المعنى كان ذلك مرخصا له. # والمسألة الخامسة في هذه الآية إثبات الواو في قوله: (وسنزيد المحسنين) ~~في هذه السورة، وحذفها في سورة الاعراف منها، فالفرق بين الموضعين المؤثر ~~في الموضع الذين يقصد الفرق فيه دقيق، وهو أنه قوله: (وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية) (ادخلوا) في موضع المفعول من (قلنا) ، والمفعول يكون مفردا، ويكون ~~مكانه جملة، والفاعل عند البصرييين لا يكون إلا مفردا، ولا تصح الجملة ~~مكانه، وكذلك يقولون في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ~~ليسجننه..) يوسف: 35 إن فاعل (بدا) هو البداء الذي دل عليه الفعل، لأن ~~الفعل دال # PageV01P239 # على مصدره وكذلك قوله: (أولم يهد لهم كم أهلكنا..) السجدة: 26، فاعل ~~(يهد) عندنا مفرد محذوف وعند الكوفيين تصح الجملة أن تقوم مقام الفاعل. # فعلى مذهبنا (وإذ قيل لهم اسكنوا..) : الذي أقيم مقام الفاعل (قيل) مفرد ~~لا يصح أن يكون جملة، ولا يجوز أن يكون (اسكنوا) مكان الفاعل كما كانت مكان ~~المفعول في قوله (وإذ قلنا/ ادخلوا..) فيكون في هذا المقام الفاعل لفظا ~~مفردا هو القول كما كان البداء فاعل قوله: (ثم بدا لهم..) وإذ خرج قوله ~~قوله اسكنوا عن أن يكون فاعلا، وكان لفظة في موضع الفاعل ولم يتعلق بالفعل ~~الذي قبله تعلق الفاعل بفعله معنى، ولا تعلق المفعول بفعله الواقع به في ~~قوله # PageV01P240 # تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا..) # صار كأنه منفصل عن الفعل في الحكم وإن كان متصلا به اللفظ وجواب الأمر ~~الذي # هو (اسكنوا) قوله: (نفغفر لكم خطاياكم) ، والجواب في حكم الإبتداء ينفصل ~~كما ينفصل ولا دليل في اللفظ على انفصاله إلا بفصل ما أصله أن يكون متعلقا ~~به بحرف عطف وهو: (وسنزيد المحسنين) وحذف الواو منه واستئنافه خبرا مفردا ~~وهذه المسألة هي التي غلط فيها أبو سعيد السيرافي في أول ما شرحه من ترجمة ~~الكتاب، وهي قوله: هذا باب علم ما الكلم من العربية وعدة الوجوه التي ~~تحتملها هذه اللفظة، وذكره في جملتها: ms008 # PageV01P241 # هذا باب أن يعلم ما الكلم من العربية فجعل ما الكلم وهي جملة في موضع ~~الفاعل من يعلم، وهذا ما يأبه مذهبه، ومذهب أهل البصرة وقد أومأت إلى غرضي ~~فيما يجوز أن تكون الواو فيه محذوفة من قوله (سنزيد المحسنين) في سورة ~~الأعراف وثابتة فيه في سورة البقرة، فتأملوه فإنه مسألة مشكلة في النحو ~~تفهموه إن شاء الله. # PageV01P242 # المسألة السادسة في هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: (فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل # لهم..) ، وفي سورة الأعراف في هذه القصة: (فبدل الذين ظلموا منهم قولا ~~غير الذي قيل لهم) . # وللسائل أن يسأل فيقول: هل في زيادة (منهم) في هذه الآية في سورة الأعراف ~~حكمة وفائدة تقتضيانها ليستا في سورة البقرة؟ # والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا..) وإن لم يذكر فيه ~~منهم معلوم أن المراد بالظالمين: الذين ظلموا من المخاطبين بقوله: (ادخلوا ~~هذه القرية) ، (فكلوا) ، (وقولا حطة) ، فالذين ظلموا من هؤلاء هم الموصوفون ~~بالتبديل، والمغيرون لما قدم إليهم من القول إلا أن في سورة الأعراف معنى ~~يقتضي زيادة منهم هناك ولا يقتضيها هنا، وهو أن أول القصة في سورة الأعراف ~~مبني على التخصيص والتمييز بدليل لفظ من لأنه قال تعالى: (ومن قوم # PageV01P243 # موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) الأعراف: 159، فذكر أن منهم من يفعل ~~ذلك، ثم عد صنوفا إنعامه عليهم، وأوامره لهم، فلما انتهت قال: (فبدل الذين ~~ظلموا منهم..) فأتى في آخر ما حكى عنهم من مقابلة نعم الله عليهم بتبديلهم ~~ما قدم به القول إليه فأتى بلفظ من التي هي للتخصيص والتمييز بناء على أول ~~القصة التي هي: (ومن قوم موسى..) ليكون آخر5/ب الكلام لأوله مساوقا، وعجزه ~~لصدره مطابقا، فيكون الظالمون من قول موسى بإزاء الهادين منهم، وهناك ذكر ~~أمة هادية عادلة، وهنا ذكر أمة مبدلة عادية مائلة، وكلتاهما من قوم موسى، ~~فاقتضت التسوية في المقابلة ذكر (منهم) في سورة الأعراف. # PageV01P244 # وأما في سورة البقرة فإنه # لم تبين الآيات التي قبل قوله: (فبدل الذين ظلموا ms009 قولا..) على تخصيص ~~وتبغيض، فتحمل الآية الأخيرة على مثل حالها، ألا ترى أنه قال: (ابني ~~إسرائيل اذكلوا نعمتي التي أنعمت عليكم..) البقرة: 48 ثم تكرر الخطاب لهم ~~إلى أن انتهى إلى قوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى..) البقرة: 57، وقوله: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية..) البقرة 58، ~~وتعقبه بقوله: (فبدل الذين ظلموا ... ) فلم يحتج إلى منهم لأنه لم يتقدمه ~~ما تقدم في سورة الأعراف مما يقتضيها. # PageV01P245 # 5 الآية الخامسة: # قوله تعالى في سورة البقرة 61: (ذلك بأنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق..) بالألف واللام. # وقال في سورة آل عمران 21: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير حق..) نكرة غير معرفة. # وكذلك في السورة: (.. ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون..) (آل عمران: 112) . # والجواب عن ذلك: أن الآية الأولى في سورة البقرة خبر عن قوم عرفوا وعرفت ~~أفعالهم ومضت أزمتهم وأحوالهم، فلما شهروا شهر فعلهم بوقوعه منهم. # وقيل: " الحق" هو ما قاله الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ... ) (الأنعام: 151) ، والحق هو أن يكون قتل نفسا مؤمنة لم يجب ~~عليها # PageV01P246 # القتل، والقاتل مكلف، أو أن يرتد أو يزني وهو محصن، فهذا معلوم مخبر عنه ~~بلفظ المعرفة، والقتل وقع منهم من غير أن يكون على الأوجه الثلاثة ~~المعلومة. # على أن هذه الآية يسأل عنها فيقال: قد كان في قوله: (ويقتلون النبيين) ~~كفاية، لأنه لا يقتل نبي بحق، لأنه لا يرتكب واحد من الأوجه الثلاثة التي ~~توجب القتل. # وعن هذا أجوبة، منها: ما ذكرنا، والآخر أن يقال: إن المعنى: أنهم كانوا ~~يقتلون من غير أن يقع منهم ما يوجب عليهم القتل عندهم، وفي # PageV01P247 # دينهم، وليس هذا موضع ذكر هذه الوجوه، وإنما القصد في هذا المكان إلى ~~التفرقة بين لفظ المعرفة والنكرة في الآيتين. # والموضع الثاني الذي نكر فيه حق هو خبر عن قوم يرون ذلك ويعتقدونه ~~ويدينون به، ألا تراه قال تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من ms010 الناس فبشرهم بعذاب أليم) ~~آل عمران: 21، هؤلاء قوم لم يمضوا ولم ينقرضوا، فلذلك قال: (فبشرهم بعذاب ~~أليم) . # وقال في أول الآية: (إن الذين يكفرون..) ولم يقل: إن الذين كفروا فلما لم ~~تكن هذه الحالة واقعة منهم كانت مخالفة للحال الواقعة التي جعلت خبرا عن ~~قوم مضوا على هذه الأفعال، فقال فيهم: (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . # فألما قوله تعالى: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل ~~من الناس وباؤوا بغضب من الله..) آل عمران: 112 فهو خبر عن قوم كانوا في ~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله # PageV01P248 # ويقتلون الأنبياء بغير حق..) آل عمران: 112 فكان خبرا عن اعتقادهم لأنه ~~لا يجوز أن يعاقبوا وتضرب عليهم الذلة والمسكنة بذنوب وقعت من آباهم لا ~~منهم فيصيرون مثل الأولين الذين أخبر عنهم بقوله: (إن الذين يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين..) آل عمران 21 في تمييزه إياهم عن القوم الذين كانوا ~~في11 # عصر موسى صلى الله على نبينا وعليه، فقال لهم: (..اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم..) البقرة: 61 فأختير لفظ المعرفة في القصة التي وقعت ووقع الإخبار ~~عنها، ولفظ النكرة في القصة التي وقع التهديد مقارنا لها ليمنع من وقوعها، ~~وما كان في خبر ما لم يقع فالذنب في حيز المذكور، والعقاب عليه مثله ~~كالمذكور. # PageV01P249 # 6 الآية السادسة # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون) البقرة: 62 # وقال في سورة المائدة 69: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون) . # وقال في سورة الحج17: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الفرق وتأخيرها، ~~ورفع الصائبين ms011 في آية ونصبها في أخرى غرض يقتضي ذلك؟ # فالجواب أن يقال: إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة ثم ~~أعادها في موضع آخر من القرآن، وقد غير فيها لفظة عما كانت عليه في الأولى # PageV01P250 # فلا بد من حكمة هناك تطلب، وإن أدركتموها فقد ظفرتم، وإن لم تدركوها فليس ~~لأنه لا حكمة هناك، بل جهلتم. # فأما الآية الأولى في هذه السورة ففيها مسائل، ليس هذا المكان مكانها، ~~لأنه يقال: كيف قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا..) إلى قوله: (من آمن ~~بالله واليوم الآخر.) أي: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، وإذا وصفوا ~~بأنهم آمنوا فقد ذكر أنهم آمنوا بالله واليوم الآخر، إلا أن الذي نذكره في ~~هذا المكان هو أن المعنى: إن الذين آمنوا بكتب الله المتقدمة مثل صحف ~~إبراهيم والذين آمنوا بما نطقت به التوراة وهم اليهود، والذين آمنوا بما ~~أتى به الإنجيل وهم النصارى، فهذا ترتيب على حسب ما ترتب عليه تنزيل الله ~~تعالى كتبه، فصحف إبراهيم # PageV01P251 # عليه السلام قبل التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والتواة قبل ~~الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام، فرتبهم الله عز وجل في هذه الآية على ~~ما رتبهم عليه في بعثة الرسالة. # ثم أتى بلفظ الصابئين، وهم الذين لا يثبتون على دين وينتقلون من ملة إلى ~~ملة، ولا كتاب لهم، كما للطائفتين اللتين ذكرهما الله تعالى في # PageV01P252 # قوله: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من11 # قبلنا ... ) الانعام: 156، فوجب أن يكونوا متأخرين عن أهل الكتاب. # وأما بعد هذا الترتيب فترتيبهم في سورة المائدة، وتقديم الصابئين على ~~النصارى ورفعه هنا ونصبه هناك ترتيب ثان لهم. # فالأول على ترتيب الكتب، والثاني على ترتيب الأزمنة لأن الصائبين، وإن ~~كانو متأخرين عن النصارى، بأنه لا كتاب لهم، فإنهم متقدمون عليهم بكونهم ~~قبلهم، لأنهم كانوا قبل عيسى عليه السلام. # PageV01P253 # فرفع الصابئون ونوى به التأخير عن مكانه، كأنه قال بعد ما أتى بخبر: إن ~~الذين آمونا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف ms012 ~~عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون هذه حالهم أيضا، وهذا مذهب سيبويه، لأنه لا ~~يجوز عنده ولا عند البصريين، وكثير من الكوفيين: إن زيدا وعمرو قائمان. ~~والفراء يجيز هذا على شريطه أن يكون الاسم # PageV01P254 # الأول المنصوب ب إن لا إعراب فيه، نحو: إن هذا وزيد قائمان، وهذه من كبار ~~المسائل ذوات الشعب. # ويتعلق بالخلاف بين البصريين والكوفيين في أن إن لها عملان، النصب والرفع ~~على مذهب البصريين، وأن لها عملا واحدا عند الكوفيين، وهو النصب إلا # PageV01P255 # أن المذهب الصحيح ما ذهب إليه سيبويه، وهذه الآية تدل عليه، لأنه قدم فيه ~~الصابئون والنية بها التأخير على مذهب سيبويه، وإنما قدم في اللفظ وأخر في ~~النية، لأن التقديم الحقيقي التقديم لكتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم ~~السلام، فإذا فعل ذلك في الآية الأولى وكان هنا تقديم آخر بتقديم الزمان، ~~وجاءت آية أخرى قدم فيها هذا الاسم على ما أخر عنه في الآية التي # PageV01P256 # قبل ثم أقيمت في لفظه إمارة تدل على تأخره عن مكانه كان ذلك دليلا على أن ~~هذا الترتيب بالأزمنة، وأن النية به التأخير والترتيب بالكتب المنزلة. # وأما الترتيب الثالث في سورة الحج فترتيب الأزمنة الذي لا نية للتأخير ~~معه، لأنه لم يقصد في هذا المكان أهل الكتب، إذ كان أكثر من ذكر ممن لا ~~كتاب لهم، وهم الصابئون والمجوس والذين أشركوا عبدة الأوثان، فهذه ثلاث ~~طوائف، وأهل الكتاب طائفتان. # PageV01P257 # فلما لم يكن القصد في الأغلب الأكثر من المذكورين ترتيبهم بالكتب رتبوا ~~بالأزمنة، وأخروا الذين أشركوا لأنهم وإن تقدمت لهم أزمنة وكانوا في عهد ~~أكثر الأنبياء الذين تقدمت بعثتهم صلوات الله عليهم، فإنهمك كانوا أكثر ممن ~~مني رسول الله بهم، وصلى بجهادهم، وكأنهم لما كانوا موجودين في عصر النبي ~~كانوا أهل زمانه، وهذا الزمان متأخر عن أزمنة الفرق الذين1111 # قدم ذكرهم. # PageV01P258 # 7 الآية السابعة # قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة..) البقرة: 80. # وفي سورة آل عمران (.. قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات..) آل ~~عمران: 24. # فإن قيل: فما الفرق ms013 بين اللفظتين؟ ولم كانت الأولى (معدودة) والثانية ~~(معدودات) والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو قوله: (أياما) ؟ # والجواب عنه أن يقال: إن الجمع بالألف والتاء أصله للمؤنث نحو مسلمة ~~ومسلمات، وصفحة وصفحات، ومكسورة ومكسورات، ولا يجيء الجمع الذي واحده مذكر ~~هذا المجيء إلا ألفاظ معدودة، نحو حمام وحمامات، وجمل سبطر وجمال سبطرات، ~~وأسد سبطرات، أي: تسبطر عند الوثوب. # PageV01P260 # وأما قولهم: كوز مكسور، وجرة مكسورة، فإن ما فيه هاء التأنيث يجمع على" ~~مكسورات" فيقال: جرات مكسورات، وكيزان مكسورة، وليس # PageV01P261 # قولك: كيزان مكسورات بأصل، بل المستعمل المستمر في ذلك أن يقال: " كيزان ~~مكسورة" و" ثياب مقطوعة" و" سرر مرفوعة" و"أكواب موضوعة" و" نمارق مصفوفة". # فالصفة الجارية على جمع المذكر الواحد يستمر فيه التأنيث على الحد الذي ~~بينته. # وعلامة الجمع المؤنث الواحد: الألف والتاء في الأصل، فلما كان "معدودة" ~~من الطرد المستمر، استعمل لفضها في الأول، ولما كان الجمع # PageV01P262 # بالألف والتاء قد يكون فيما واحد مذكر وإن قل، فكان على سبيل من سبل ~~المجاز، يستعمل ذلك فيه كقوله تعالى: " واذكر الله في أيام معدودات". ~~(البقرة: 203) وقال: ( ... في أيام معلومات) الحج: 28. # والأيام جمع يوم، وهو مذكر، فيكون هذا على أحد الوجهين، إما أن يكون ~~المراد: اذكروا الله في ساعات أيام معلومات ومعدودات، لأن المراد أن يكبر ~~الله تعالى في اليوم الواحد في أدبار الصلوات الخمس المكتوبة، فحذفت ~~الساعات، وأقيم المضاف إليها مقامها، وإما أن يكون ألحق بما في واحد علامة ~~التأنيث لاستوائهما في الجمع ودخولهما في الفرعية التي يكتسبان بها لفظ ~~المؤنث. # فلما قيل: جرات مكسورة، والجرة مؤنثة جاز أيضا" كيزان مكسورات" حملا على ~~الجمع الذي ليس بحقيقي، وإذا كان # PageV01P263 # ذلك ف (معدودة) المذكورة في الآية التي في سورة البقرة مستمرة ~~في1111111111 # بابها وباب غيرها، والجمع بالألف والتاء ليس بمستمر، وإنما هو على ضرب من ~~التشبيه بما أصله الألف والتاء، فكان استعمالها أولا أولى، ولجواز الألف ~~والتاء على غير طريق الاستمرار استعمل في الثاني ليشمل الأصل والجائز ~~بالاستعمال. # فأما المعنى في القلة فسواء في قوله ms014 (معدودة) و (معدودات) ، وقد قال ~~أيضا) أيام معلومات) على أن تكون الأيام المعلومة في الأصل تسعة # PageV01P264 # فثلاثة منها أيام معلومة، وثلاثة أخرى منها مثلها، وثلاثة ثالثة معلومة، ~~فتجمع هذه الثلاثات على الأيام المعلومات، لأن واحدتها أيام معلومة، ~~والمعلومة تجمع على المعلومات. # PageV01P265 # "8" الآية الثامنة: # قوله تعالى: ( ... فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليهم بالظالين. " (البقرة: 94-95) # وقال عز وجل في سورة الجمعة (6-7) : ... ) فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ~~ولا يتمنوه أبدا بما قدمت/ أيديهم ... ) . # وللسائل أن يقول: هل في الآية الأولى ما يقتضي" لن" الناصبة، وفي الثانية ~~ما يقتضي الاقتصار على" لا" ورفع الفعل بعدها؟ # فالجواب أن يقال: إن الآية الأولى لما كانت مفتتحة بشرط علقت صحته بتمني ~~الموت، ووقع هذا الشرط غاية ما يطلبه المطيع، ولا مطلوب وراءه على ما ادعوا ~~لأنفسهم، وهو أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون غيرهم وجب أن # PageV01P266 # يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه، ~~وأبلغه في المعنى، وينتفي شرطهم به، فكان ذلك بلفظه" لن" التي هي للقطع ~~والثبات، ثم أكدت بقوله تعالى: (أبدا) ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم ~~بغاية ما يبطل به مثله. ألا ترى أنه ليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة ~~من الأمم مقترح، ولا مطلب لمطلب. # وليس كذلك الشرط الذي علق به تمني الموت في سورة الجمعة، لأنه قال: (قل ~~يا أيها الذين هادوا إن زعمكم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين) (الجمعة: 6) ، وليس زعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، ~~المطلوب الذي لا مطلوب وراءه، لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف ~~دار الثواب. # PageV01P267 # فلما كان الشرط في هذا المكان قاصرا عن الشرط في المكان الأول، ولم يكن ~~الدعوى دعوى # غاية مطلوبة، لم يحتج في نفيه وإبطاله إلى ما هو غاية في بابه، فوقع ~~الاقتصار على (لا # يتمنونه) ، وليس في لفظه معنى التأبيد، وإنما حصل ذلك فيه بمقارنته من ms015 ~~قوله) أبدا) ، فكان الأول أو كد وأبلغ، لأن لفظي الاسم والفعل للتأبيد. # PageV01P268 # فافترق الموضعان لهذا المعنى. # PageV01P269 # (9) الآية التاسعة: # قوله تعالى: ( ... قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي ~~جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة: 120. # وقال في هذه السورة أيضا: ( ... وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع ~~قبله بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) ~~البقرة: 145. # وقال في سورة الرعد (37) : (ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما ~~لك من الله ولي ولا واق) . # للسائل أن يسأل فيقول: (ما) في هذه الموضع بمعنى" الذي" فما الفائدة في ~~إخراج بعضها على لفظ" الذي" وإيقاع الآخر على لفظ"ما"، وإدخال" من" في " ~~بعد" في قوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم) البقرة: 145؟ # وهل بين قوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم) ، وقوله: (بعدما جاءك من ~~العلم) فرق؟ وهل بين" الذي" و" ما" فرق؟ # PageV01P270 # والجواب عن ذلك أن يقال: نبين أولا الفرق بين" الذي" وبين" ما"/ ليصح ~~الفصل ويظهر موضع كل واحد منهما، والمعنى الذي يليق بهما. # اعلم أن" ما" إذا كانت" الذي" فإنها توافقها، بأنها تبين بصلتها، ~~وتخالفها في أشياء كثيرة، فتصير" الذي" متضمنة من البيان ما لا تتضمنه" ~~ما"، فمن ذلك أنك تدخل على"الذي" أسماء الإشارة، فتكون" الذي" صفة لها ~~كقوله تعالى: (آمن هذا الذي هو جند لكم ... ) الملك: 20 وقوله تعالى: (آمن ~~هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ... ) الملك: 21. فيكتنف" الذي" بيانات: ~~أحدهما: # PageV01P271 # الإشارة قبلها، والآخرة الصلة بعدها، ولا يكون ذلك في "ما" لأنها لا يوصف ~~بها كما يوصف ب" الذي"، لا يقال: آمن هذا هو جند لكم. # والثاني: إن" ما" تنكر فيجري ما كان صلة لها صفة تبينها، وليس ذلك في" ~~الذي"وهو كقوله # في الشعر: # رب ما تكره النفوس من الأ ر له فرجه كحل العقال # PageV01P272 # والثالثة: إن" الذي" تثنى وتجمع وتؤنث فتلحقها هذه العلامات بيانا لهذه ~~المعاني، و" ما" لا يلحقها ذلك، بل ms016 هي على لفظة واحدة في التثنية والجمع ~~والتأنيث. # والرابع: إن" الذي" لزمتها أمارة التعريف، وهي الألف واللام، وليس ذلك ~~ولا شيئ مما ذكرنا في" ما" ولشدة إبهامها خص التعجب بها، لأن سبب التعجب ~~إذا استبهم كان أبلغ في معناه. # فإذا تبينت أن" الذي" و"ما" التي بمعناها اسمان مبهمان ناقصان، ف" الذي" ~~تزيد على" ما" في وجود البيان التي ذكرنا، رجعنا إلى الآيات الثلاث، وبينا ~~ما يليق من الاسمين بكل آية، فكان قوله تعالى: ( ### | .... # بعد الذي جاءك من # PageV01P273 # العلم ### | .... # ) البقرة 120. أي: لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتها، ولن ترضى عنك ~~النصارى حتى تتبع نلتها، وإتباع الملتين في عصر النبي (، ولذلك قال الله ~~تعالى: ( ### | .... # قل إن هدى الله هو الهدى..) أي: الإيمان الذي بعثك به هو الطريق المؤدي ~~إلى رضا الله وإلى ثوابه. # ثم قال: ( ... ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله ~~من ولي نصير) البقرة: 120. فمنعه من إتباع الفرقتين بالعلم الذي حصل له ~~بصحة الإيمان وبطلان الكفر. # و" الذي" في هذا المكان واقعة على العلم الذي ثبت به الإسلام، وصح به ~~الإيمان، وكما أن هذا العلم مانع من الكفر الذي هو أكبر الذنوب، فالعلم # PageV01P274 # الذي يمنع منه أفضل العلوم، فإذا عبر عنه بأحد هذين الاسمين المبهمين، ~~وجب أن يختص منهما بالأشهر، إذا كان للعلم المحيط بالأكثر، وهو جملة الدين. # فأما الموضعان الآخران فليس القصد فيما عبر بلفظة ما عنه فيهما مثل القصد ~~في الآية الأولى، وذلك أن قوله: (..من بعد ما جاءك من العلم ... ) جاء بعد ~~خبر الله تعالى عن مخالفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في القبلة، ~~لأنه عز اسمه قال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل الآية ما تبعوا قبلتك ~~وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ~~ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين..) البقرة: 145، فمنع عز وجل من ~~اتباع أهوائهم في أمر القبلة، وهو بعض الشرع بما حصل له من العلم بأن ~~القبلة ms017 هي التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إليها، فإذا كان ذلك ~~بعض الشرع كان العلم بصحته بعض علم الشرع، ولم يكن # PageV01P275 # كالعلم في # الآية الأولى الذي هو محيط بكل الشرع وبكل الإيمان فلما كان واقعا على ~~بعض ما وقع عليه الأول، لم يشتهر شهرته فعبر عنه باللفظ الأشهر. # وكذلك قوله تعالى في سورة الرعد 37: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من ~~العلم مالك من الله من ولي ولا واق) ، إنما جاء بعد قوله: (والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه..) الرعد: 36، فنهى ~~الله تعالى عن اتباع أهوائهم في البعض مما أنزل إليك، وهو الذي ينكره # PageV01P276 # الأحزاب بما ثبت له من العلم بصحة هذا البعض الذي ينكرونه، كما ثبت له ~~بباقيه. # فلما كان هذا العلم الذي عبر عنه بلفظة الذي صار كالشائع في أبعاض هي ~~مجموعة في الأول الذي عبر عنه باللفظ الأشهر، فكان العلم المانع من اتباع ~~أهواءهم فيه مثل ما عبر به عن ذلك. # فإن قال قائل: فكيف خص ما في القبلة بلفظة من فقال: (.. من بعد ما جاءك ~~من العلم..) البقرة: 145 ولم يكن ذلك في قوله: (.. بعد الذي جاءك من ~~العلم..) وهل لاختصاص هذا المكان ب من فائدة تخصه دون المكانين الآخرين؟ # PageV01P277 # قلت: هنا فائدة تقتضي من وليست في الآيتين الأخيرتين، وهي: أن أمر القبلة ~~مخصوص بفرائض مضيقة وأوقات مخصوصة لها في اليوم وفي الليلة مؤقتة، فخص بمن ~~التي هي لابتداء الغاية، والقبلة شرع كان يجوز نسخه كما نسخ ما هو مثله، ~~فكأنه قال هناك: (.. ولئن اتبعت أهواءهم..) من الوقت الذي جاءك العلم فيه ~~بالقبلة التي وليتها، وأمرت بالتوجه نحوها صوت من الظالمين. # فلما تخصص بوقت مضيق محدود لم يكن بد في المعنى من العلم بالوقت الذي نقل ~~فيه عن القبلة الأولى إلى غيرها، وليس كذلك ما بعد قوله: (..قل إن هدى الله ~~هو الهدى..) لأن العلم الذي وقع التوعد معه على اتباع أهواء أهل الكتاب لم # PageV01P278 # يتخصص وجوب العلم ms018 به بوقت دون وقت إذ كان واجبا في الأوقات كلها، ولم يكن ~~مما يجوز أن ينسخ لأنه علم بالإيمان، وصحة الإسلام، وبطلان الشرك والكفر، ~~فلما لم يتخصص وجوبه بوقت دون آخر لم يحتج معه إلى لفظة من التي هي للحد ~~وابتداء الغاية. # وكذلك الآية في سورة الرعد، لما كان العلم المانع من اتباع أهواءهم علما ~~بأن جميع ما أنزل الله تعالى حق، وأن قول الأحزاب الذين ينكرون بعضه باطل، ~~كان هذا أيضا من العلوم التي لا # يتخصص الفرض فيها بوقت يجب حده بزمان بل هو واجب في الأوقات كلها، فلم ~~يكن لدخول من في الآيتين مقتض كما كان له في الآية المتوسطة. # PageV01P279 # ومما يبين لك الأغراض التي أشرت إليها في الآي الثلاث، وأنها تجوز أن ~~تكون مقصودة والله أعلم: ما اقترن من الوعيد بكل واحدة منها، فالموضع الذي ~~منعه بعلمه من اتباع أهوائهم في قوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم) البقرة: 120، هو منع من الأعظم الذي هو الكفر، فكان الوعيد ~~عليه أغلظ، وهو قوله: (.. مالك من الله من ولي ولا نصير) البقرة: 120. # والآية الأخيرة أيضا، لما كان العلم بها مانعا من العمل بشطر من الدين، ~~وترك شطر منه، كان مثل الأول في استحقاق الوعيد، وكان مثله في الغلظة، وهو ~~قوله: (.. مالك من الله من ولي ولا واق) الرعد: 37. # وأما اتباع أهوائهم في أمر القبلة، فلأنه مما يجوز نسخه، فكان الوعيد ~~عليه أخف من الوعيد على ما هو الدين كله أو بعضه مما لا يجوز تبديله ~~وتغييره، # PageV01P280 # فصار الوعيد المقارن له دون الوعيد المقرون في الموضعين الآخرين، وهو ~~قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إن إذا لمن ~~الظالمين) البقرة: 145 أي إن فعلت ذلك وضعت الشيء غير موضعه ونقصت الدين ~~حقه فهذا الكلام في الفرق بين المواضع الثلاثة. # PageV01P281 # 10 الآية العاشرة # قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا..) البقرة: 126. # وقال في سورة ابراهيم 35: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ms019 البلد آمنا..) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم كان في سورة البقرة بلدا نكرة، وفي سورة ~~ابراهيم معرفة؟ # والجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أن يقال: إن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلدا، ~~فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، لأن الله تعالى حكى عنه أنه قال: ~~(ربنا إني أسكت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك # PageV01P282 # المحرم) ابراهيم: 37 بعد قوله: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، ووجه الكلام ~~فيه: تنكير بلد الذي هو مفعول ثان، وهذا مفعول أول. # والدعوة الثانية وقعت، وقد جعل الوادي بلدا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان ~~الذي صيرته كما أردت # ومصرته كما سألت ذا أمن على من أوى إليه ولاذ به فيكون البلد على هذا عطف ~~بيان على مذهب سيبويه، وصفة على مذهب أبي العباس # PageV01P283 # المبرد وآمنا مفعولا ثانيا، فعرف حيث عرف بالبلدية، ونكر حيث كان مكانا ~~من الأمكنة غير مشهور بالتميز عنها بخصوصية من عمارة وسكنى الناس. # والجواب الثاني: أن تكون الدعوتان واقعيتين بعد ما صار المكان بلدا، ~~وإنما طلب من الله تعالى أن يجعله آمنا، وللقائل # PageV01P284 # أن يقول: اجعل ولدك هذا ولدا أديبا، وهو ليس يأمره بأن يجعله ولدا، لأن ~~ذلك ليس إليه، وإنما أمره بتأديبه، فكأنه قال: اجعله على هذه الصفة، وهذا ~~كما يقول: كن رجلا موصوفا بالسخاء، وليس يأمره بأن يكون رجلا، وإنما يأمره ~~بما يجعله وصفا له من السخاء، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهذا كما تقول: ~~كان اليوم حارا، فتجعل يوما خبر كان، وحارا صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن ~~اليوم بأنه كان يوما، لأنه يصير # PageV01P285 # خبرا غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكان الأصل أن تقولك ~~كان اليوم حارا، وأعدت لفظ يوم لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان ~~هذا اليوم من الأيام الحارة، وكذلك تقول: كانت الليلة ليلة باردة، فتنصب ~~ليلة على أنها خبر كان وحكم الخبر أن يتم به الكلام، ولم قلت: كانت الليلة ~~ليلة لم يكن الكلام تاما، ms020 لأن القصد إلى الصفة دون الموصوف فكذلك قوله ~~تعالى: (.. رب اجعل هذا بلدا آمنا..) البقرة: 126 يجوز أن يكون المراد: ~~اجعل هذا البلد بلدا آمنا، فيدعو له بالأمن بعد ما قد صار بلدا على ما ~~مثلت، ويكون مثل قوله: (..اجعل هذا البلد آمنا..) إبراهيم: 35، وتكون ~~الدعوة واحدة قد أخبر الله تعالى عنها في الموضعين. # PageV01P286 # فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ ~~المعرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، فليس بشيء، وليس ما ذكره مثلا ~~لهذا، ولا هذا المكان مكانه. # PageV01P287 # 11 الآية الحادية عشرة # في هذه السورة مفارقة للآي التي شرطنا الفرق بينهما وبين ما خالفها بلفظ ~~يسير من الآية التي بإزائها غير أنها مثلها في التكرار، والحاجة إلى ذكر ~~الفائدة في إعادتها، وهي قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) البقرة: 134. # للسائل سؤالان: # أحدهما: أن يقول: ما فائدة الآية وهي خبر يعلمه المخاطب قبل أن يخبر به، ~~ولا يستفيد بذكره ما لم يكن يعلمه قبل، لأنه يعلم أن الأمة التي وصاها ~~يعقوب عليه السلام قد مضت وانقضت ولها ما # كسبت من أجر، وعليها ما اكتسبت من إثم، وللمخاطبين أيضا أن يؤاخذوا ~~بعملهم، لا بعمل # غيرهم، # PageV01P288 # ولا يسألوا عما عملهم من تقدمهم. وإذ كان معنى الآية هكذا فهو معلوم لكل ~~أحد مميز لا يحتاج إلى استفادته بإخبار مخبر؟ # والسؤال الثاني هو عن تكرار هذه الآية، لأنها ذكرت في صدر العشر المفتحة ~~بقوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم..) البقرة: 131، ثم أعيدت في خاتمة هذه ~~العشر التي تنقطع إلى قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها..) البقرة: 142. # فأما الجواب عن السؤال الأول وذكر فائدة الآية مع وضوح معناها لكل ذي ~~معرفة فمن وجهين. # أحدهما: أن يكون مثل هذا الكلام يقال، وإن كان معلوما للإنسان على سبيل ~~التنبيه على العصيان والبراءة إليه من فعله، وأنه هو المؤاخذ به من دون # PageV01P289 # غيره، ms021 فيخرج الكلام على حد من المعدلة والنصفة لا مذهب لأحد عنه، ويكون ~~هذا أدعى له إلى التأمل والتدبر وأقرب له من التبصر، كما قال تعالى لتنبيه: ~~(وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون) يونس: 41، فهذا أيضا معلوم إلا أنه على سبيل تخليتهم مع النظر ~~لأنفسهم والتبريء مما يعود بسوء العاقبة عليهم، وعلى هذا الحد: (لكم دينكم ~~ولي دين) الكافرون: 6، وهذا كثير، والقصد به مفيد كما بينا. # والوجه الثاني من الجواب عن السؤال الأول أن يقال: إن هذه الآية تبكيت ~~للمعاندين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن لزوم دينهم وشريعتهم مما أوجبه ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على سلفهم وخلفهم، فاحتج عليهم بأن ما ~~يدعونه # PageV01P290 # لا يقدرون فيه على أن يقولوا: إنهم سمعوا ذلك منهم مشاهدة، لقوله تعالى: ~~(أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي..) ~~البقرة: 133 على معنى لم تكونوا شهداء، فإذا لم يثبت ذلك عندهم بمشاهدة ~~تقطع العذر وتلزم الحجة، لأن تلك الأمة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ~~ما تحملت، وهو أن تكون التوراة قد خلت وانقضت وأدت عن الله تعالى ما تحملت، ~~وهو أن تكون التوراة قد أخبرت بمجيء عيسى عليه السلام ومجيء النبي بعده، ~~فلها الأجر في صحة أداءها وإظهارها ما أخذ الله به من الميثاق عليها في ~~قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) آل ~~عمران: 187. # ومعنى (ولكم ما كسبتم) أي: إثم ما كسبتم لما نبذتم ذلك وراء # PageV01P291 # ظهوركم، واشتريتم به ثمنا قليلا، فهذا معنى قوله: (تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتهم..) # يبين ذلك أنهم إذا لم يعملوا ما يدعونه من طريق المشاهدة لم يبق إلا أن ~~يعلموه بخبر مخبر، والمخبر الذي بينهم وبين تلك الأمة ممن يجوز عليه الكذب، ~~فهذا خبر الله تعالى، وهو الخبر الذي يكذب نبيه ms022 على ذلك بقوله عند ~~الانتهاء: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله..) البقرة: 140 أي: إذ لم تعلموا ذلك من طريق مشاهدة لانقضاء تلك ~~الأمة، فالله تعالى أعلم منكم، قوله أصدق من قبلكم، وأنتم تعلمون فتكتمون # PageV01P292 # ما عندكم من الشهادة حسدا وبغيا وطلبا للرئاسة، والله تعالى قد ثبت يبعثه ~~محمد أنه رسوله، وأن هذا القرآن تنزيله بحج لائحة، وبراهين واضحة وهو عز من ~~قائل يخبر خبرا حقا وقولا صدقا، أن الذي يدعون نقله عنهم ليس بحق فإذا بطل ~~علمكم من طريق المشاهدة، ومن طريق الخبر، لم يثبت لكم من الحجة ما ثبت ~~عليكم، ويكون معنى قوله: (ولا تسألون عنا كانوا يعملون) ولا تسألون عن ~~عملهم، لأنه لا حجة لكم فيه، بل حجة عليكم، وقد قاموا به حق القيام، وثبت ~~لهم صدق هذا المقام، فلا تسألون عن عملهم الذي هو صفتهم، ولا قال لكم: # PageV01P293 # هل أدوا ذلك إليكم، ولوضوح الحجة به عليكم. # ويجوز أن يكون في ضمن هذه الآية: وهم مسؤولون عن عملكم تبكيتا لكم، ~~وتثبيتا لحجتكم عليكم فيذكر أحد الضدين، ويكتفي به عن الضد الذي ينافيه، ~~كما قال الله تعالى (..وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر..) في معاناه: وتقيكم ~~البرد، فكذلك قوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون) وهم مسؤولون عن عملكم ~~كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عسى ابن مريم أأنت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله..) المائدة: 116 فأخبر عز اسمه أنه يسأل عيسى عليه السلام عن ~~عمل القوم بعده، وادعائهم عليه ما لم يقله تبكيتا للقوم وتثبيتا # PageV01P294 # للحجة عليهم، فذلك معنى المحذوف من الآية بإزاء المثبت فيها اكتفاء بذكره ~~عنه. # وبقي الجواب عن فائدة تكرار الآية في أول هذه العشر، وفي آخرها، وهو أنها ~~ذكرت في الأول بعد قوله تعالى: (أم كنتم شهذاء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ms023 وإسماعيل ~~وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم..) البقرة: 133 -134 ومعناه: أن إسرائيل عليه السلام قرر بنيه على ~~عبادتهم التي ثبتت عندهم ووصاهم بها، فقال تعالى لهؤلاء: أتنفون ما ثبت من ~~وصية يعقوب عليه السلام بنيه، وتقريره إياهم، وإقرارهم بها، والأمة قد # PageV01P295 # انقضت، وحالها في عبادتها قد ثبتت ومن نفى ما ثبت من الدين فقد دخل في ~~الكفر، فهذه الآية الأولى عقب ما ثبت من تقرير يعقوب # عليه السلام لبنيه وإقرارهم له، وهذه الآية كرر بعينها بعد قوله تعالى: ~~(أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله..) البقرة: 140 أي أم أنتم تثبتون ما هو ~~منتصف، ومن أثبت في الدين ما ليس منه من هذا البهتان العظيم فهو في الإثم ~~كمن نفى عنه ما هو منه، ففي الأول نفي ما هو ثابت من إقرار بني إسرائيل، ~~وفي الثاني إثبات ما هو منتف من كون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق هودا أو ~~نصارى، # PageV01P296 # وكل واحد من هذين يوجب من البراءة ويستحق به غلط الوعيد، والتخويف ~~بالعقاب، والتنبيه على الكبيرة التي تحبط الحسنات مثل ما يوجبه الآخر، ~~فلذلك أعيد في الدعوى الثانية الباطلة ما قدم في الدعوى الأولى الكاذبة، ~~وكما استحقت تلك براءة الذمة من قائلها وتنبيه على فساد قوله، كذلك استحقت ~~هذه فصارت الثانية في مكانها، وحقها كما وقعت الأولى في محلها ومستحقها، ~~فلم يكن ذلك تكرارا، بل كان وعيدا عقيب كبيرة، كما كان الأول وعيدا عقيب ~~كبيرة أخرى غير الثانية والسلام. # PageV01P297 # 12 الآية الثانية عشر # قوله تعالى في هذه السورة: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) البقرة: 136. # وقال تعالى شبيها بهذه الآية في سورة آل عمران 48: (قل آمنا بالله وما ~~أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ms024 أوتي ~~موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) . # للسائل أن يسأل عن موضعين من هاتين الآيتين: أحدهما: قوله عز وجل: (أنزل ~~إلينا) في الأولى (علينا) في الثانية، والموضع الثاني تكرار (أوتي) في ~~الأولى، وحذفها في الثانية. # PageV01P298 # فيقول: هل لاختيار إلى مع قوله (أنزل) في سورة البقرة فائدة توجب ~~اختصاصها؟ وهل لاختيار على مع (أنزل) في سورة آل عمران معنى يقتضيها؟ ولم ~~كرر (أوتي) هنا ولم يكرر هناك؟ # والجواب المختصر المشار به إلى الفرق بين الموضعين في إلى وعلى: أن أول ~~الآية التي اختصت بها على (قل آمنا بالله..) وأول الآية التي اختصت بها ~~إلى: (قولوا آمنا بالله..) وشرح ذلك: أن على موضوعة لكون الشيء فوق الشيء، ~~ومجيئه من علو فهي مختصة من الجهات الست بجهة واحدة وإلى للمنتهى، ويكون ~~المنتهى من الجهات الست كلها. # PageV01P299 # وإن توجه نحو الشيء شيء عن يمينه أو عن شماله، أو من قدامه، أو من ورائه، ~~أو من فوقه، # أو من تحته، فإنه إذا بلغة يقال فيه انتهى إليه، فلا تتخصص إلى بجهة ~~واحدة، كما تتخصص على. # فقوله تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا..) اختيرت فيها إلى لأنها ~~مصدرة بخطاب المسلمين، فوجب أن يختار لها إلى، ثم جعل ما عطف عليه على لفظه ~~الحق الإتباع، وإن صح فيه معنى الانتهاء، فالمؤمنون لم ينزل الوحي في ~~الحقيقة عليهم من السماء، وإنما أنزل على الأنبياء صلوات الله # PageV01P300 # عليهم وسلامه، ثم انتهى من عندهم إليهم، فلما كان (قولوا) خطابا لغير ~~الأنبياء وكان لأممهم كان اختيار إلى ألى من اختيار على. # ولما كانت في سورة آل عمران قد صدرت الآية بما هو خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا) كانت على أحق بهذا ~~المكان، لأن الوحي أنزل عليه. # وفي لفظة أنزل دلالة انفصال الشيء من فوق إلى أسفل وأن يقرن إليه ما ~~يشاكله فيما يستحقه من المعنى أولى، وإن كان القرآن قد نطق بجميع ذلك في ms025 ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وفي غيرهم، كقوله عز وجل: (.. نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه..) آل عمران: 3 وقال بعده: (هو الذي أنزل عليك # PageV01P301 # الكتاب منه آيات محكمات..) أل عمران: 7 وقال في موضع آخر: (وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق..) المائدة: 48. # فالمنزل على الأنبياء منته إليهم، فلذلك صحت إلى إلا أن على أصلها: إذا ~~قصد الإفصاح بالمعنى أن يستعمل فيمن نزل الوحي عليه، وشركة الأمة في اللفظة ~~له مجاز لا حقيقة، وإلى في ذكر الإنزال المتعلق بأمم الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه أشبه بحقيقة معناها من على، فلذلك خصتا في الموضعين باللفظين ~~المختلفين، وجعل ما بعدهما يجري مجراهما كما يجب في حكم الإتباع. # PageV01P302 # وأما الموضع الثاني الذي أعيد فيه لفظة (أوتي) من سورة البقرة ولم تعد ~~فيما بإزائها من سورة آل عمران، فالجواب عنه أن يقال: إنما اختصر هناك، لأن ~~العشر التي فيها مصدرة بقوله (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة..) آل عمران: 81 فقدم ذكر إيتاء الكتاب، واكتفى بع عن التكرير ~~في الموضع الذي كرر فيه من سورة البقرة على سبيل التأكيد. # وبيان ذلك: أن هذه العشر مبنية على ذكر عهد الله إلى الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه، وما أخذ عليهم من المواثيق في تبيين ما أنزله إليهم للناس، ~~فقوله: (.. وما أوتي النبيون من ربهم) هو قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) في المعنى، فلما تقدم هذا الذكر # وجاء (وما أوتي موسى وعيسى) اكتفى عن إعادة (وما أوتي النبيون) بالذكر ~~المتقدم، ولما لم يتقدم # في # PageV01P303 # سورة البقرة ذكر إيتاء النبيين ما أوتوا من الكتب في هذه العشر لم يكن ~~فيه ما يغني عن التأكيد بإعادة اللفظ. هذا الفرق بين الموضعين. والله أعلم. # PageV01P304 # قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجهكم شطره..) (البقرة: 144) # وقال بعده في هذه العشر: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ms026 ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعلمون. ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره..) (البقرة: 149-150) . # للسائل أن يسأل عن الفائدة في تكرار هذه الآي في هذه العشر مع أن في ~~واحدة كفاية؟ # فالجواب عنه أن يقال: إن قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) # هو الأمر الأول بالتوجه محو القبلة التي هي الكعبة، والخطاب للنبي (وما ~~بعده هو خطاب له ولأمته، وهو قوله: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره..) # PageV01P305 # وأما الآية الثانية وهي قوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) ~~، فالخروج خروجان، أحدهما: خروج المصلي من مكان إلى مكان يرى فيه الكعبة ~~وهو المسجد الحرام، فكأنه قال: ومن أي باب من أبواب المسجد خرجت فتوخ ~~استقبال الكعبة بالصلاة، والخروج الثاني خروج من البلد الذي فيه المسجد ~~الحرام وهو الحرم، فكأنه قال: وإن خرجت من البلد من أي باب خرجت فاجعل ~~الكعبة قبلة لك تتوجه نحوها بصلاتك. # فعلى هذا يكون لكل آية فائدة، فالأولى ليس فيها خروج، والثانية فيها خروج ~~من أقرب الأماكن إلى الكعبة، والثالثة خروج مما عدا ذلك عام # PageV01P306 # في البلاد. وقد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا يثبت مثلها للبعد، فوقعت ~~مظاهر بالأمر بتولي القبلة في القرب والبعد. # ولفظة (خرجت) لفظة الماضي، وهي في موضع المستقبل لأن المعنى الشرط ~~والجزاء، و (حيث) وحدها وإن تضمنت معنى الشرط فإنه لا يجوز بعدها الفعل ~~المستقبل، بل تقول: من حيث تخرج، فترفع/ الفعل، وإن أردت: من أي موضع تخرج، ~~ف" أي موضع" يجزم الفعل، و"حيث" لا تجزمه إلا إذا قارنتها "ما"، فتقول: ~~حيثما تنزل أنزل، فإن قلت: حيث تنزل أنزل، بطل الجزم ووجب الرفع. # PageV01P307 # @@@ # 12111 # فقوله تعالى: (وحيث ما كنتم) ، و" كنتم" في هذا المكان في موضع الفعل ~~مجزوم، كأنه قال: وحيث ما تكونوا فولوا وجوهكم شطره، وليس كذلك (ومن حيث ~~خرجت) إلا أنه لا يخرج عن تضمن معنى الشرط، يبين ذلك دخول الفاء في الجواب، ~~ولولا هذا المعنى ما ms027 احتيج إليها، فلهذا قلنا: إن الماضي بعدها بمنزلة ~~المستقبل، كما يكون في قولك: إن خرجت خرجت، إلا أن الماضي لا يجزم كما لا ~~يجزم الفعل في صلة الذي وإن دخله معنى الشرط. # إذ قلت: الذي يزورني فله درهم، فأوجبت الدرهم بالزيادة، وحيث في هذا ~~الموضع على غير ما هي عليه في قولك: قعدت اليوم حيث قعدت أمس، لأن تلك ~~شائعة كشياع الأسماء التي تقع بمعنى الشرط ويجازي بها. # PageV01P308 # 14 # PageV01P309 # الآية الرابعة عشرة # قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أول كان آبائهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) البقرة 180. # وفي هذه الآية موضعان يشابهان موضعين من آيتين أخريين: # الأول: قوله: (ما ألفينا عليه آباءنا..) وبإزائه قوله في سورة لقمان ~~الآية: 21: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا..) . # والموضع الثاني يشبه قوله في سورة المائدة الآية: 104: (أولو كان آباؤهم ~~لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل لتخصيص الموضع الذي في سورة البقرة بقوله: ~~(ألفينا دون قوله) : (وجدنا) دون قوله: (وجدنا) فائدة تخصه؟ وهل لتخصيص ~~الموضع # PageV01P310 # الثاني بقوله: (لا يعقلون شيئا) دون قوله: (لا يعلمون شيئا) فائدة؟ وهل ~~لتخصيص (لا يعلمون) في موضعه دون قوله: (لا يعقلون) في موضعه فائدة؟ # والجواب عن الموضع الأول وهو قوله: (ألفينا) : أن (ألفينا) يقصد بها بعض ~~الوجوه التي ستعمل عليها: (وجدنا) ، لأنه يقال: وجدت الشيء، فلا يحتاج إلى ~~مفعول ثان إذا وجدته عن عدم، ولوجدان الضالة الضالة تقول: وجدت الضالة ~~وتقول: وجدت زيدا عاقلا، فيكون الوجود متعلقا بالخبر الذي هو المفعول ~~الثاني، فلا بد له في هذا الوجه منه، ولا يكتفي بالمفعول الأول. # PageV01P311 # وأما قولهم: ألفيت، فإنها مخصوصة بهذا الوجه من وجوه وجدت، لا يقال: ~~ألفيت درهما بمعنى: # وجدت درهما، ولا ألفيت الضالة، فكان في الموضع الأول استعمال اللفظ الأخص ~~أولى، وتأخير اللفظ المشترك إلى المكان الثاني أولى. # وأما المسألة الثانية من هذه الآية في قوله: (أولو كان ms028 آبائهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون) فالجواب عنها أن يقال: إن لقوله: (يعلمون) رتبة ليست ~~لقوله (يعقلون) ، وإذا وقفت على ما بينها سهلت عليك معرفة ما أوجب # PageV01P312 # فقول القائل: يعلم، معناه: يدرك الشيء على ما هو به مع سكون إليه، وقوله: ~~يعقل، معناه يحصره بإدراك له عما لا يدركه، ولذلك جاز أن تقول: يعلم الله ~~كذا، ولا يجوز أن تقول يعقل الله كذا، لأن العقل: الشد، والعاقل: الذي يحبس ~~نفسه عما تدعو إليه الشهوات، ولا شهوة الله تعالى فيحبس عنها، فلذلك لا ~~يقال الله عاقل، ويقال: عقل فلان الشيء وهو يعقله بمعنى حصره بإدراكه له ~~عما لا يدركه، وشده بتميزه له عن غيره مما لا يدركه، وهذا لا يصح في حق ~~الله تعالى. # PageV01P313 # فإذا كانت رتبة (يعلمون) زائدة على رتبة (يعقلون) فأخبر الله تعالى عن ~~الكفار في سورة المائدة فقال (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أول كان آبائهم لا يعلمون شيئا ~~ولا يهتدون) المائدة: 104 فبين أنهم ادعوا رتبة العلم بصحة ما كان آباءهم ~~عليه، لأنهم قالوا: (حسبنا ما وجنا عليه آباءنا) ، ولفظة حسبنا تستعمل فيما ~~يكفي في بابه ويغني عن غيره، فالمدرك للشيء إذا أدركه على ما هو به وسكنت ~~نفسه إليه فذاك حسبه، فاستعمل لفظة يعملون ونفي عنهم النهاية لأنهم اعدوها ~~بقولهم: حسبنا، فكأنهم قالوا: معنا علم سكنت نفوسنا إليه مما وجدنا عليه ~~آباءنا من الدين، فنفى ما ادعوه بعينه وهو العلم. # والموضع الأول في سورة البقرة لم يحك عنهم فيه أنهم ادعوا تناهيهم في ~~معرفة ما اتبعوا عليه آباءهم، بل كان قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله # PageV01P314 # قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا..) البقرة: 170، ولم يدعوا أن ما ~~ألفوا عليه آباءهم كان كافيهم وحسبهم، فاكتفى بنفي أدنى منازل العلم لتكون ~~كل دعوى مقابلة بما هو بإزائها مما يبطلها والسلام. # PageV01P315 # 15 الآية الخامسة عشرة # قوله تعالى في هذه السورة: (يا أيها الذين آمنوا ms029 كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ~~إن الله غفور رحيم) البقرة: 172-173. # وجاء في ثلاثة مواضع بعده: (وما أهل لغير الله به) : # أولها في سورة المائدة، (الآية: 3)) حرمت علكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله # به..) . # والثاني في آخر سورة الأنعام" الآية: 145": (قل لا أجد فيها أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مفسوخا أو لحم خنزير فإنه رجس ~~أو فسقا أهل لغير الله به..) # وفي سورة النحل" الآية: 115" (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به..) . # فجاء في المواضع الثلاثة (به) مؤخرة عن قوله (لغير الله) ، وفي الموضع ~~الأول من سورة البقرة مقدمة على قوله (لغير الله) . # PageV01P316 # للسائل أن يسأل فيقول: لم أختلف الموضع الأول مع المواضع التي بعده؟ # والجواب أن يقال: أما الموضع الأول فإنه جاء على الأصل الذي يقتضيه حكم ~~اللفظ، لأن الباء التي يتعدى بها الفعل في هذا المكان من جملة الباءآت/ ~~التي كحرف من نفس الفعل، تقول: ذهبت بزيد، ثم تقول: أذهبت زيدا، فتصير ~~الباء كالهمزة المزيدة في بنية الفعل، فيجب لذلك أن تكون أحق بالتقديم، وما ~~يتعدى إليه الفعل باللام لا تتنزل لأمة منزلة الحرف من نفس الفعل فصار ~~قوله: (أهل بغير الله) بمنزلة ذبح لغير الله مسمى عليه اسم بعض الآلهة. # PageV01P317 # فلما كان هذا الأصل في الأول جرة الآية عليه، ولما كان الإهلال بالمذبوح ~~لا يستنكر إلا إذا كان لغير الله، كان ما عدا الأصل بالتقديم المستنكر أحق ~~وأولى. # ألا ترى أنهم يقدمون المفعول إذا كانوا ببيانه أعنى، فيقولون: ضرب زيدا ~~عمرو، فيقدمون المفعول على الفاعل، لأن الاهتمام بأمره أتم، لأن هذا ينفي ~~به ما في وهم متوهم، أو قول قائل: ضرب زيد محمد، فيقع الخلاف في المفعول لا ~~في الفاعل، فيقول المنكر لذلك صحة ما ms030 عنده: ضرب عمرا زيد لا محمد، فإن ترك ~~قوله: محمد كان مكتفيا عنه بتقديم المفعول. # PageV01P318 # وكذلك ما ينكره من الفضلات كالظرفين والحال، فقال المخاطب لو توهم: ضرب ~~زيد عمرا اليوم، فقال المنكر: ضرب أمس زيد عمرا، فقدم" أمس" على الفاعل ~~والمفعول به، لأنه هو الذي ينكره ويمنع أن يكون على ما توهمه، والباقي من ~~الكلام ليس فيه ما يستنكره، فالعناية بتقديم ما يزيل الشك عنه أتم، وهو ~~بالتقديم أحق، وكذلك قوله تعالى: (وما أهل لغير الله) مع قوله: (وما أهل ~~لغير الله به) في هذه الآي الثلاث. # PageV01P319 # "16" الآية السادسة عشرة: # قوله تعالى: (.. فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم) " البقرة: 173". # وقال في سورة الأنعام: " الآية: 145": (.. فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن ~~ربك غفور رحيم) . # وقال في سورة النحل"115": (.. فمن اضطر غير باع ولا عاد فإن الله غفور ~~رحيم) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل لاختلاف هذه الألفاظ التي أتعبت قوله: (فمن ~~اضطر غير باع ولا عاد) معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به؟ والجواب أن ~~يقال: قصد الله تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناوله ~~من المحرم الذي يمسكه به رمقة، فذكر في الموضعين الأخيرين: (فإن ربك غفور ~~رحيم) و (فإن الله غفور رحيم) فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى # PageV01P320 # تناول المحرم في حالته، والموضع الأول بدا فيه بصريح اللفظ في إسقاط ~~الإثم فقال: (فلا إثم عليه) ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة. # وفي هذه الآي الثلاث سؤال آخر، وهو أنه قال في الأولى: (إن الله غفور ~~رحيم) وفي الثانية: (فإن ربك غفور رحيم) وفي الثالثة: (فإن الله غفور رحيم) ~~فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر"الله" تعالى فائدة؟ ولاختصاصه في الآية ~~الثانية بقوله: (فإن ربك غفور رحيم) وعدو له عن ذكر "الله" تعالى إلى ~~ذكر/"ربك" فائدة تخصصه بمكانه؟ # والجواب عن ذلك أن يقال: لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه، ~~فأما الأول فلأنه لما قال: (يا ms031 أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم..) . # PageV01P321 # كذا، كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته، لأن الإله هو الذي تحق له العبادة ~~بما له من النعمة، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله: ~~(إن كنتم إياه تعبدون) ، وختم الآية بأنه قال: (إن الله غفور رحيم) أي: إن ~~من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر ~~لكم عند الضرورة تناول ما حرم عليكم في حال الاختيار، رحيم بكم. # وكذلك الآية الثالثة مبينة على مثل هذا، لأن أولها: (فكلوا مما رزقكم ~~الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) "النحل: 114" فكان ~~مشبها لما قدمنا ذكره فقال: (فإن الله غفور رحيم) . # وأما الثانية فلأنه قدم ذكر أصناف ما خلقه الله تعالى لتربية الأجسام، ~~فقال: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات..) فذكر # PageV01P322 # الثمار والحب وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم خص هذا الموضع ~~بذكر" الرب" لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب فكان هذا أليق بهذا المكان. # والله أعلم. # PageV01P323 # "17" الآية السابعة عشر: # قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) . " البقرة: 174". # وقال في سورة آل عمران" آية: 77": (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إلهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) . # للسائل أن يسأل فيقول: إن الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ~~ذكر النبي (من كتابهم المنزل عليهم من التورات والإنجيل، والتوعد في ~~الموضعين مختلف، والكبير واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في ~~المكانين. # الجواب أن يقال: الوعيد في كل مكان من المكانين حسب ما ذكر من عظيم الذنب ~~وكبير الجرم، فقال في سورة "البقرة: 174": (إن الذين # PageV01P324 # يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) فوصفهم بأنهم خالفوا الله ms032 في أمره ونقضوا ~~ما قدم إليهم من عهده، حيث قال: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) "آل عمران: 187" فهؤلاء لم يبينوا وكتموا ~~فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه ثم قال: ~~(ويشترون به ثمنا قليلا) أي: نصيبا يسيرا من الدنيا، فجاء على هذا أغلظ ~~الوعيد، وهو قوله: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أي: هذا الحظ ~~اليسير الذي نالوه من الدنيا من مطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم ~~قال: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي: ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من ~~قبل الله كلام أو سلام كما قال في أوليائه: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) " ~~الأحزاب: 44" ثم قال: (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم مكن الذنب الكفر بالعفو ~~عنهم، (ولهم عذاب # PageV01P325 # أليم) ، ثم قال: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) " البقرة: 175"، ~~فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم، وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب ~~الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها. # فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمانه، ~~والإعراض عن تبيين ما وجب بيانه. # الآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها ~~مثل ما ذكر في أول هذه الآية قال: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا..) # PageV01P326 # فكان هاهنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو: (يشترون به ثمنا قليلا) ~~فقرن به من الوعيد أقل مما قرنه بالآية الأولى، # وهو أن قال: (لا خلاق لهم في الآخرة) أي: لا نصيب لهم من الخير، (ولا ~~يكلمهم الله) كما يكلم أولياءه (ولا ينظر إليهم) نظرة رحمة (ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم) . # PageV01P327 # "18" الآية الثامنة عشر: # قوله تعالى: (.. ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا ~~تقربوها..) " البقرة: 187". # وقال في موضع آخر من هذه السورة: (.. تلك حدود الله فلا تعتدوها..) " ~~البقرة: 229". # للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختص الموضع الأول بقوله) فلا تقربوها) ~~والموضع الثاني بقوله: (فلا ms033 تعتدوها) ؟ # الجواب أن يقال: الأول خرج على أغلظ الوعيد كما قال: (ولا تقربا هذه ~~الشجرة..) "البقرة: 35"، وإنما كان نهي عن أكلها لا عن الدنو منها، فخرج ~~مخرج قول القائل- إذا نهى عن الشيئ وشدد الأمر فيه -: لا تقرب هذا الشيئ، ~~وما أحسن ما قال النبي في المنع من مقاربة الحرام: " من رتع حول الحمى # PageV01P328 # يوشك أن يقع فيه، وكما روي عن بعض الصالحين أنه قال: " إني لأحب أن يكثف ~~الحاجز بيني وبين ما حرم الله". # فلما كان هذا الموضع الأول نهيا عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في ~~المساجد صار فيه تحذير من دواعي المواقعة فاقتضى من المبالغة ما لم يقتضيه # PageV01P329 # قوله: (.. فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها..) " ~~البقرة: 229"، فكأنه قال: لا تتجاوزوها، يعني المرأة إذا افتدت بمهرها ~~وخالفت زوجها لم يكن عليها إثم. وهذه حدود نهي عن تعديها. # والحدود ضربان، حد هو منع من ارتكاب المحظور، وحد هو فاصلة بين الحلال ~~والحرام، فأول ينهى عن مقاربته والثاني ينهي عن مجاوزته، وهما المذكوران في ~~هذه السورة. # PageV01P330 # "19" الآية التاسعة عشر: # قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا ~~عدوان إلا على الظالمين) " البقرة: 193". # وقال في سورة الأنفال" الآية: 39": (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعلمون بصير) . # للسائل أن يسأل فيقول: لأي فائدة قال في هذه السورة: (ويكون الدين لله) ~~ولم يأكده، وعقبه # بقوله: (فلا عدوان إلا على الظالمين) / وقال في سورة الأنفال: (ويكون ~~الدين كله لله) فأكده واتبعه بقوله: (فإن الله بما تعلمون بصير) ؟ # الجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية الأولى من سورة البقرة جاءت في قتال أهل ~~مكة، ألا ترى ما قبلها: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث # PageV01P331 # أخرجوكم..) " البقرة: 191"، ثم قال: (.. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه..) "ى البقرة: 191"، وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل ~~الشرك، وهم نازلو الحرم، فاقتصر على الدين من غير توكيد على معنى: حتى ms034 يكون ~~الدين حيث هؤلاء، ولا في كل مكان، لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدين في كل ~~بلاد. # وقوله: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) أي: انتهوا عن كفرهم فلا ~~عدوان عليهم، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم ~~الجهالة. # وأما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين، ألا ترى أن ~~قبل الآية: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف..) " الأنفال: ~~38"، وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة، فإذا كان كذلك، وقال بعده: ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة..) أي: لا يكون شرك وكفر، اقتضى هذا # PageV01P332 # أن يكون بعده: (ويكون الدين كله لله) فأمروا بإبطال كل كفر قدروا عليه، ~~واتبعه قوله: (فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير) أي: إن انتهوا ~~وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم عن قتالهم بما يظهرون من الإسلام فإن الله ~~يعلم عملكم وعملهم على القرائين جميعا، فيكون الخطاب للمقاتلين، ولفظ ~~المغايبة للمقاتلين. # ويمكن أن يقال إن الخطاب في: (تعلمون) يشمل الكل، لأنه قال: (حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله) ، فكلهم قد صاروا مؤمنين، فلا جرم ضمنهم # PageV01P333 # خطاب واحد، وأعلمهم أنه مجازيهم على عملهم، مطلع على سرائرهم، يعلم من ~~كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر، ~~فسوى بين السر والجهر، فاللفظة في ضمنها- إذا وردة من القادر الحكيم- غاية ~~التخويف والوعيد في العقاب الأليم، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي ~~الطاعة والعصيان، فهذا وجهه. والسلام. # PageV01P334 # "20" الآية العشرون: # قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء # والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن ~~نصر الله قريب) " البقرة: 214". # وقال في سورة آل عمران"142") أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) . # وقال في سورة التوبة"16": (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ms035 والله ~~خبير بما تعلمون) . # وللسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلف اللفظ في المواضع الثلاثة، وهو فيها ~~كلها بعث على الجهاد؟ وهل صلح ما هو في الأول للآخر، أم اقتضاه مكانه بعينه ~~دون غيره؟ # PageV01P335 # الجواب أن يقال: بل لكل موضع معنى يقتضي اللفظ الذي خص به، فالآية الأولى ~~من سورة البقرة وردت عقيب قوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين..) " البقرة: 213" ثم قال: (.. وما اختلف في إلا الذين ~~أوتوه) يعني الكتاب (من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم) فكانت هذه الحالة ~~التي أخبر الله عنها مشبهة حالة النبي/ (والمؤمنين معه فيما دفعوا إليه من ~~بغي المشركين، ومقاتلتهم لهم مجاهدين، فقال: أم حسبتم أن تشتروا الجنة ~~لتسكنوها خالدين فيها ولم تفعلوا أفعال الأمم الماضية فيما دفعت إليه هي ~~وأنبياؤها وما نالهم من قتال الكفار من الشدة والمضرة والانزعاج عن المواطن ~~حتى استعجلوا النصر لما استنفدوا الصبر أعلمهم الله عز وجل أن نصره قريب من ~~أوليائه، غير بعيد عن حزبه، وكذلك حالكم إذا عرفتم حالهم وعاقبه أمرهم ~~ومآلهم. # PageV01P336 # ومعنى قوله: (تدخلوا الجنة) هو ما بينه في قوله: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون..) " التوبة: 111" فكان في ذكر ذلك شحذ لبصائرهم في الجهاد، وحملهم ~~على الاقتداء بفرق الصلاح وأمم الأنبياء صلوات الله عليهم قبلهم وتأنيس لهم ~~بالصبر على ما حل بهم حتى حمدوا عاقبة أمرهم. # وأما الآية الثانية في سورة آل عمران وهي: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) " أل عمران: 142" فهي ~~خطاب للمسلمين الذين نالهم من قتال المشركين جراحات، لأنه قال فيها: (إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله..) " آل عمران: 140" فقال: أم حسبتم أن ~~تنالوا الجنة ولما تجاهدوا الأعداء من الكفار فيعلم الله ذلك منكم، ولما ~~تصبروا صبرا # PageV01P337 # زائدا على صبرهم فيرى ذلك من فضلكم عليهم، أي الجنة لمن فعل # ما أمره الله تعالى به في الوقت من قتال أهل الكفر وتوطينهم ms036 النفس فيه ~~على الصبر فيخفف عليه ما يجد من الألم بما يتحقق من الفوز في الآجلة. # والآية التي ردفتها هذه الآية اقتضت البعث على التشمر للقتال والصبر بعد ~~صبر الأعداء، وقيل لبعض العرب: ما كان سبب كثرة ظفركم بأعدائكم، فقال: كنا ~~نصبر بعد صبرهم ساعة فيكون ذلك سبب الظفر. # وأما الآية الثالثة في سورة براءة وهي قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة # PageV01P338 # والله خبير بما تعملون) التوبة: 16، فإنها خطاب للمجاهدين من المؤمنين، ~~وتوعد لمن كان منهم يبقى على أقارب له عند الظفر بهم لقوله بعده: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون* قل إن كان آباؤكم..) التوبة: ~~23-24 الآيتين، فحذر المنافقين الذين ضاموا المؤمنين في قتال المشركين أن ~~يعلم الله مجاهدتهم أعداءهم وقد اتخذوا معها وليجة بينهم وبين المكشرين. ~~فالوليجة: هي المدخل الذي ذكره الله تعالى في الآية. بعدها عند وصف ~~المنافقين فقال: (ويحلفون بالله لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون* لو ~~يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون) التوبة: 56-57 ~~الآيتين فقولك: ولج، بمعنى دخل، والوليجة: المدخل وهو الوسيلة التي يدخل # PageV01P339 # بها الإنسان حريم الإنسان، كالباب المفتوح له يفعل فعله، فكأن التوعد كان ~~يقتضي أن يقال لهم: أظننتم أن تتكركوا وما تظهرون من مجاهدتكم أعدائكم ~~أعداءكم ولم يكن منكم جهاد خالص لله تعالى لا تمالئون فيه أبا ولا ابنا، ~~ولا تراعون فيه حميما ولا قريبا، فلا تبقون على ذي معرفة إبقاء تتقربون به ~~رجاء أن يجازوكم عليه، فإن قدرتم أنكم تتركون ومضامة المسلمين في القتال من ~~غير أن يعلم منكم باطنا عاريا من هذه الحال فقد أخطأ ظنكم وأخلف تقديركم ~~فإنكم مطالبون بالتوفقة بين سركم وجهركم. # PageV01P340 # 21 الآية الحادية والعشرون # قوله عز وجل: (.. ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم ~~أزكى لكم ms037 وأطهر..) البقرة: 232. # وقال في سورة الطلاق: 2 (.. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر..) . # للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان الكاف في (ذلك) للمخاطب، فيجمع إذا كثروا ~~ويقال: ذلكم، كما قال في الآيتين، وكما قال: (ذلكم أزكى لكم وأطهر، وقال في ~~مخاطبة الإثنين: (..ذلكما مما # علمني ربي) يوسف: 37، وكما قال في مخاطبة النساء: (قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه..) يوسف: 32، فيثنى ويجمع على حسب المخاطب كما يؤنث ويذكر فيكسر ~~كقوله: (قال كذلك قال ربك هو علي هين..) مريم: 21، فما بال قوله # PageV01P341 # تعالى: (ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..) في سورة البقرة ~~موحدا الكاف من ذلك مع جمعها في نظيرها في سورة الطلاق؟ . # والجواب عن ذلك أن يقال: إن الكاف تجئ في الكلام اسما للمخاطب كقوله: ~~رأيتك، وغلامك، والكاف هاهنا اسم للمخاطب، وموضعها نصب في رأيتك وجر في ~~غلامك. # وتجيء متصلة بالأسماء المبهمة التي للإشارة وليست باسما ولكنها للخطاب، ~~ويراد بها معنى آخر وهو تبعيد المشار إليه، نحو ذاك وذلك وأولئك، والدليل ~~على أنها ليست اسما قوله تعالى: (..فذانك برهانان من # PageV01P342 # ربك) القصص: 32، لو كانت اسما مجرورا لما اجتمعت مع نون التثنية في ذالك ~~كما لا تجتمع معها في قولك: غلاماك، لا تقول: غلمانك، ولا يجوز أن تكون ~~الكاف بعد المبهمة اسما منصوبا، لأنه لا ناصب له. # وشيء آخر، وهو أن هذه المبهمة معارف ولا تصح إضافتها، والكاف بعدها ليس ~~اسما مضافا إليه، فإذا عريت من الإسمية لم تعر من معنى الخطاب، والمعنى ~~الذي يقارنها مع الخطاب في المبهم أنك تقول: ذا فيكون إشارة إلى قريب، فإذا ~~قلت: ذاك صار بالكاف إشارة إلى بعيد. # فلما عريت الكاف من الاسمية قصد بها إلى أحد المعنيين الذين # PageV01P343 # وضعت لهما ك ذلك. والأسماء المبهمة كما قصد بها معنيان الخطاب والتبعيد ~~جاز أن تعري من أحدهما، وهو الخطاب ويقتصر بها على معنى التبعيد حسب، على ~~حسب قصد القاصد. # وإذا جاءت اللفظة مثناة اللفظ أو مجموعة على حسب حال المخاطبين فهي على ms038 ~~المعنيين. وتبيين الموضع الذي يقصد فيه التبعيد وحده لغرض من الأغراض دون ~~الخطاب والتبعيد معا باستقراء كل لفظ في القرآن جاءت فيه ذلك والمخاطبون ~~عدة. # PageV01P344 # وتأمل موضعها مع تأمل المواضع الأخر التي ثنيت فيها وجمعت، واستنبط حكمة ~~تقتضي في ذلك الموضع استعمالها للتبعيد وحده دون الخطاب، وسنتأمل هذا على ~~استكمال في كل مكان إن شاء الله تعالى. # وجواب آخر عن المسألة وهو أن كل موضع أفردت فيه الكاف والخطاب لجماعة، ~~فإنما قصد بالكاف المفردة مخاطبة النبي، ثم العدول عنها إلى مخاطبة أمته ~~كقوله عز من قائل: (يا أيها # النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن..) الطلاق: 1 فلم يمنعه قوله: (إذا ~~طلقتم) وهو خطاب الجماعة أن يفرد للنبي خطابا له # PageV01P345 # مخصوصا موحدا، وهو قوله: (يا أيها النبي) . # وكذلك قوله تعالى: (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله..) البقرة: 232 ~~تكون الكاف في ذلك لخطاب النبي والكاف في (منكم) خطاب لأمته، وكذا كل موضع ~~جاءت الكاف فيه هذا المجيء. # PageV01P346 # 22 الآية الثانية والعشرون # قوله تعالى: (..فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم بالمعروف والله بما ~~تعملون خبير) البقرة: 234. # وقال في آخر هذه العشر (..فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم ~~من معروف والله عزيز حكيم) البقرة: 240. # للسائل أن يسأل فيقول: ما الفائدة التي أوجبت اختصاص المكان الأول ~~بالتعريف والباء فقال: (بالمعروف) والمكان الثاني بالتنكير ولفظة (من) ؟ # فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الأول تعلق بقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهم بالمعروف..) # البقرة: 234 أي: لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهم بأمر الله المشهور، ~~وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد # PageV01P347 # انقضاء العدة، فالمعروف هاهنا أمر الله المشهور، وهو فعله وشرعه الذي ~~شرعه وبعث عليه عباده. # والموضع الثاني: أن المراد به: فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم من ~~جملة الأفعال التي لهم أن يفعلن من تزوج أو قعود، فالمعروف هاهنا فعل من ~~أفعالهم، ms039 يعرف في الدين جوازه، وهو بعض ما لهن أن يفعلنه، ولهذا المعنى خص ~~بلفظة من وجاء نكرة. # فجاء المعروف في الأول معرف اللفظ لما أشرت إليه وهو أن يفعلن في أنفسهم ~~بالوجه المعروف المشهور الذي أباح الشرع لهن ذلك، وهو الوجه الذي دل الله ~~عليه وأبانه، فعرف إذ كان وجها من الوجوه التي لهم أن يأتينه، فأخرج مخرج ~~النكرة لذلك. # PageV01P348 # 23 الآية الثالثة والعشرون # قوله عز وجل: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) ~~البقرة: 276. # وقال في سورة النساء 36-37 في الموضع الأول إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا* الذين يبخلون..) . # وفي الموضع الثاني (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) النساء: 107. # وقال في سورة الحديد 23-24: (والله لا يحب كل مختال فخور* الذين ~~يبخلون..) . # للسائل أن يسأل عن المواضع الأربعة، عن اختلاف اللفظين في الموضعين، ~~واتفاقهما في الموضعين، واختصاص الموضع بالواو، واختصاص الموضعين # PageV01P349 # الآخرين ب إن؟ # والجواب أن يقال: أن يقال: إن الآية الأولى في الكفار الذين استحلوا ما ~~حرم الله، وعارضوا ما أنزل الله فقالوا (إنما البيع مثل الربا) البقرة: 245 ~~حتى قال: (فأولئك أصحاب لنار هم فيها خالدون) البقرة: 275، فعظم الله تعالى ~~كفرهم، وسمى كل واحد منهم كفارا على لفظ المبالغة، لأن كفارا بعد كافر، لمن ~~هو مقيم على الكفر، والكفر عادته، كضارب وضراب، وخائط وخياط، ثم أتبعه ~~بقوله: (أثيم) أي: مبالغ في اكتساب الإثم، وأثيم أبلغ من آثم فإذا أثم إثما # PageV01P350 # بعد إثم فالإثم عادته، وهو وصف من أخير عنه بالاستحلال للربا، سماه ~~كفارا، وصار أثيما بذلك وسائر سيئات الأفعال التي يلحقها بالكفر. # والموضع الثاني وهو الأول من سورة النساء، أمرهم بالعبادة وترك الشرك ~~فقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا..) : 36 أخبرهم أنهم عبيد، والعبد ~~لا يحسن منه الاختيال والفخر، لأن الرق والذل يخالفانه، فلذلك عقبه بقوله: ~~(إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) وعقبها ب (الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل) النساء: 37، لأنه بعد العبادة أمرهم # PageV01P351 # بالإحسان ms040 للوالدين وإعطاء ذي القربى واليتامى والمساكين فقال: إن الله ~~تعالى لا يحب العبد المختال الفخور البخيل. # وأما الموضع الثالث وهو الثاني من سورة النساء: (إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما) النساء: 107، فلأنه ذكر قبله: (ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) فأخبر عن حالهم، فاقتضى بتقدم ~~الذكر هذا الوصف. # والموضع الرابع (والله لا يحب كل مختال فخور) في سورة الحديد الآية: 23، ~~جاء بعد نهيه عن تمكين الحزن والأسا من على ما يفوت من أحوال الدنيا، ويفجع ~~به الإنسان من مستفاد النعمى للعلم السابق بأنها عوار # PageV01P352 # مرتجعة، وكذلك إذا خول منها الكثير لا يمرح لحبه ولا يبطر فيه كما قال ~~(ولا تمش في الأرض مرحا) الإسراء: 37 أي: فعل المختال، فذم الإفراط في ~~الجزع عند المصيبة والفجيعة، والغلو في الفرح، والمرح عند العطية وكثرة ~~السعة حتى يخرج عن التواضع بما يحول إلى الكبرياء فيبطر ويمرح # PageV01P353 # ويفخر، وقال عقيب ذلك: (والله لا يحب من كان مختالا فخورا) ، وإنما عقبها ~~ب (الذين يبخلون) الحديد: 24 لأن المتقدم عليه (إن المصدقين والمصدقات # وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم..) الحديد: 18 فكأنه حثهم على الصدقة ~~وإقراض الله تعالى، فإن من لم يفعل ذلك يكون بخيلا، والله لا يحب البخيل. # وأما الفرق بين الواو وإن فإن الواو في أكثر الأحوال لا تكون أجنبية مما ~~قبلها بخلاف إن فإنها كلمة أجنبية من الكلمتين وضعت لابتداء الكلام، ففي ~~سورة البقرة وسورة الحديد الكلام متصل بعضه ببعض، فذكره بواو حيث قال: ~~(يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) فوصلها بالواو، ~~وكذلك في الحديد: (ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) . # والإختيال والفخر إنما يكونان من الفرح، فيجمع بينهما بواو. # وأما الموضعان الآخران في سورة النساء فقد تم الكلام فيهما، لأن في الأول # PageV01P354 # أمرهم بالعبادة وترك الشرك، والإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والجار وملك اليمين، وقد تمت هذه الأوامر، ثم ابتدأ ms041 ~~بقوله: (إن الله لا يحب من كان) كذا وكذا. # وكذلك الموضع الثاني، لأنه نهى النبي (عن المجادلة عن الذين يختانون ~~أنفسهم، وتم الكلام ثم قال: (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) فاختص كل ~~مكان بالوصف الذي لاق به والسلام. # مضى الكلام فيما شابه من سورة البقرة مكانا آخر منها أو من غيرها على ~~اثنين وثلاثين موضعا وقع فيها السؤال. # PageV01P355 ### | سورة آل عمران # 24 الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب) آل عمران: 11. # وقال في سورة الأنفال52: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات ~~الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب) الأنفال: 52. # وبعدها بآية: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين) الأنفال: 54. # للسائل أن يسأل في هذه الآي عن مسائل: # منها في الآية الأولى عن قوله تعالى: (كذبوا بآياتنا) والعدول بعده عن ~~الإخبار عن النفس بالإسم المضمر إلى الاسم المظهر، وهو قوله: (فأخذهم الله ~~بذنوبهم) ولم يقل: فأخذناهم، وهل هاهنا فائدة توجب العدول عن إجراء الكلام ~~الثاني مجرى الكلام الأول في إسناد الفعل إلى ما # أسند إليه فيما قبل؟ # PageV01P356 # والمسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في (كدأب) ووجه اتصالها بما قبلها ~~وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى مثل، والكاف التي يصح مكانها مثل محتوم ~~على موضعها برفع أو نصب أو جر؟ # والمسألة الثالثة في الآية الثانية مخالفتها للآية الأولى في إجراء الخبر ~~كله على لفظة واحدة، وهي لفظة الله، لأنه قال تعالى (كفروا بآيات الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم) ولم يقل: كفروا بآياتنا، كما قال في الآية الأولى؟ # والمسألة الرابعة في الآية الثالثة، وهي أنه قال: (كذبوا بآيات ربهم) ولم ~~يقل: بآياتنا، كما قال في الأولى، ولا بآيات الله كما قال في الثانية، بل ~~أتى بصفة من صفات الله عز وجل وهي الرب. # والمسألة الخامسة عن فائدة التكرار في سورة الأنفال في موضعين لا يحجر ms042 ~~بينهما إلا آية واحدة؟ # PageV01P357 # أما المسألة الأولى في قوله (كذبوا بآياتنا) ، فوقع الإخبار عن النفس كما ~~يجب في مثله إذا أخبر الماكلم عن نفسه بفعل فأتى بلفظ المضمر دون المظهر ثم ~~خالف ذلك اللفظ إلى غيره فقال: (فأخذهم الله) ، فالجواب عن هذا أن يقال: ~~العدول عن النهج الأول المستمر في الإخبار عن النفس إلى لفظ ظاهر هو لفائدة ~~تتضمنها هذه اللفظة من الإحتجاج، وليست هذه الفائدة في لفظةالإضمار، وكانت ~~الآية التي قبلها قد وقع فيها مثل هذا العدول إلى هذا اللفظة للإحتجاج الذي ~~من أجله وقع العدول في هذا المكان إليه، وهو قوله تعالى: (ربنا إنك جامع ~~الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) آل # PageV01P358 # عمران 9، فقوله: (ربنا) يقتضي أن يكون بعده: إنك لا تخلف الميعاد، كما ~~قال: (ربنا وآتنا وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد) آل عمران: 194. # فلما قال تعالى في هذا الموضع: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) ~~فكان المعنى: إنك خلقت الدار الأولى للتكليف، ومكنت العباد فيها من الطاعة ~~والعصيان، ورغبت المطيع في الثواب وخوفت العاصي من العقاب، فوقع منك وعد ~~ووعيد، فأنت تجمع الخلائق ليوم الجزاء، لأن من خلق وأنعم نعمة حقت بها ~~العبادة، ولزمت من أجلها الطاعة، وهذا معنى قولنا: إن الله إذا وعد صدق، ~~فلا خلف في قوله، ولا تبديل لكلام. # فلما كان معنى قولنا الله بمعنى الإله، والإله مشتق من أله يأله الإلهة، ~~أي: عبد يعبد عبادة، فالإله هو الذي حقت عبادته لما عظمت نعمته # PageV01P359 # كان العدول إلى هذه اللفظة للاختجاج بمعناها فائدة لم تكن لتحصل، لو قال: ~~إنك لا تخلف الميعاد. # فلما تقدمت هذه الآية التي وقع العدول فيها عن لفظة لما قصد من الإحتجاج ~~بمعناه، كذلك بنيت # هذه الآية التي تلتها عليها في مثل هذا الحكم لما ثبت من مثل هذا المعنى، ~~فقال تعالى: (كدأب آل فرعون والذين # PageV01P360 # من قبلهم كذبوا بآياتنا) فأتى بضمير الفاعل وكان يعق من قوله: (كذبوا ~~بآياتنا) ms043 أنا عرضناهم للإيمان، ومكناهم من الإسلام، وأزحنا العلة، ونصبنا ~~الأدلة، فكذبوا بها فالذي حقت له العبادة، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم، ~~والله تعالى يعاقب الكفار عقوبة تشد عليهم، ولا تخفف عنهم، لما قدموا من ~~العصيان ما استمر مثله، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم، ~~فهذه فائدة العدول إلى لفظة الله في قوله: (فأخذهم الله) دون قوله ~~فأخذناهم. # PageV01P361 # المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في (كدأب) ووجه اتصالها بما قبلها ~~وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى مثل، فالكاف التي يصح مكانها مثل محكوم ~~على موضعها برفع أوم نصب أو جر. # والجواب فيها أن يقال: يجوز أن تكون الكاف متعلقة بقوله: (.. لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم..) فيكون موضع الكاف نصبا على معنى المصدر، كأنه ~~قال: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم مثل ما لم تغن عن آل فرعون، أي: إذا ~~جاء عقاب الله لم يدفعه المال والولد، كما لم يدفع ذلك عن آل فرعون. # والدأب أصله الهمز، وهو العادة، وما أجري عليه قوم في معاملة. # ويجوزأن تكون الكاف متعلقة بعنى قوله: (وقود النار) كأنه قال: # PageV01P362 # وأولئك يصلون النار كما أجرى الله حكمة عادة لآل فرعون. # وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون موضع الكاف رفعا على أنه خبر ابتداء، كأنه ~~قال: حال هؤلاء مثل حال آل فرعون، ودأبهم كدأبهم. على لفظة واحدة وهي لفظة ~~واحدة وهي لفظة الله لأنه قال: (كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم) ، ~~ولم يقل (كذبوا بآياتنا) كما قال في الأولى، والجواب عن # PageV01P363 # ذلك أن يقال: إن الآية التي تقدمت هذه هي قوله: (إذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم) الأنفال: 49 فجرى الخبر في هذه الآية على اللفظ الظاهر، وهو: (ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) ، ثم جاء بعدها: (ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة..) الأنفال: 50، ولم يكن فيها خبر عن الله تعالى، ~~وجاءت الآية التي هي: (كدأب آل فرعون..) وفيها ms044 إخبار عن الله تعالى، فكان ~~بناؤها على الآية التي قبلها أولى، كما كان في الآية التي في سورة # PageV01P364 # آل عمران، فاقتضى بناؤها على الآية التي قبلها العدول عن لفظ الإضمار إلى ~~لفظ الإظهار، ثم كان اللفظ الصريح في معناه احتجاج عليهم كما كان في اللفظ ~~الذي عدل إليه الآيتين المتقدمتين من قوله: (إن الله لا يخلف الميعاد) آل ~~عمران: 9 وقوله: # فأخذهم الله بذنوبهم) الأنفال: 52. # والمسألة الرابعة في الآية الثالثة وهي أنه قال: (كذبوا بآيات ربهم) ، ~~ولم يقل: بآياتنا، كما قال في الأولى، ولا: بآيات الله، كما قال الثانية، ~~والجواب أن يقال: لما أخبر تعالى عن نعمته على عباده، وأن منهم من يغيرها ~~بعصيانه فيستحق بذلك تغيير النعمة عنه، وهو معنى قوله: (ذلك بأن # PageV01P365 # الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال: ~~53، والمنعم على عباده ربهم، لأنهم مربوبون بنعمته، كان القصد في هذه الآية ~~إلى ذكر تنعيمهم في الدنيا، وتتغير النعمة عليهم فيها إذ لم يقوموا بحقها ~~بعقاب من عقاب الدنيا مثله ما يفعله بعض الناس ببعض، فلذلك قال (فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون) الأنفال: 54، فكأنه قال: كذبوا بآيات من أرقام ~~في أنفسهم شواهد بتربيته إياهم بصنوف نعمته، ونقل الوليد عن أولى حالتيه ~~إلى غيرها مما يبلغ به غاية قوته. # PageV01P366 # وسأشرح ذلك في جواب المسألة الخامسة، وهي السؤال عن فائدة التكرار في ~~سورة الأنفال في موضعين لا يحجز بينهما إلا آية واحدة. # وهذه المسألة قد أجاب عنها بعض أهل النظر بأن قال: أخبر الله تعالى عن ~~إجراء العادة فيهم بنوعين من العذاب مختلفتين، وإذا كان لم يكن تكرار، لأنه ~~في الآية الأولى عقوبته إياهم عند الموت، والبشارة التي أتتهم بعذاب ~~الحريق، وأنه فعل بهم ذلك كما فعله بآل فرعون، ومن كان قبلهم من الكفار، ثم ~~ذكر في الثانية ما يفعله بهم من شدة عقابه بعد الموت # PageV01P367 # كما فعله بآل فرعون ومن كان قبلهم من الكفار، وما أجرى عليه العادة في ~~تعذيبه إياهم بعد الموت في ms045 القبور وغيرها. # والجواب عندي: أنه أخبر في الأولى عما عاقبهم به من العذاب الذي لم يملك ~~الناي إيقاعه، ولم يمكن بعضهم من أن يفعل ببعض مثله، وهو ضرب الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم، وإخبارهم إياهم بمصيرهم إلى عذاب يحرقهم، ~~وفي الثانية أخبر عما أنزله بهم من العذاب الذي مكن الناس من فعل مثله، وهو ~~الإهلاك والإغراق، لأن ذلك مما أقدر الله تعالى العباد عليه. # PageV01P368 # فالنوعان هما: العذاب الأول من أحكام الىخرة بعد ظهور أشراط الساعة، ~~والعذاب الثاني من أحكام عذاب الدنيا، والذي يبين ذلك أنه قال في الآية ~~الأولى (كفروا بآيات الله) فأخبر عن أعظم ما ارتكبوه، وهو الكفر، وذكر آيات ~~الله وهو الاسم الذي يفيد استحقاق العبادة التي هي مضادة الكفر، كما قال في ~~سورة آل عمران 11: (كذبوا بآيتنا فأخذهم الله بذنوبهم) أي: أخذهم من أنعم ~~عليهم # ليشكروا لما عصوا وكفروا بذنوبهم التي ارتكبوها. # ثم قال: (والله شديد العقاب) والمراد به عقاب الآخرة كما قال: (..ولعذاب ~~الآخرة أشد..) طه: 127، ويشهد لذلك قوله لذلك قوله في الثانية (كذبوا بآيات ~~ربهم) # PageV01P369 # فذكر هذا الاسم دون غيره، لأن فيه معنى: أنه نعمهم ورباهم وقام بمصالحهم ~~حتى بلغوا حد التكليف، والمبلغ الذي قدروا فيه على آداء حق الإنعام. # فلما غيروا ما أنعم الله به عليهم عن جهته، وصرفوه إلى معصيته وتقووا ~~بنعمته على مخالفته سلبهم ذلك في الدنيا بأن عجل هلاكهم فأغرقهم. # فالعقاب الموجود ذكره في الآية الأخيرة مما يفعله أهل الدنيا بعضهم ببعض، ~~فذكره عقيب إنعامه عليهم وتغييرهم له بوضع الكفر موضع الشكر، فغير الله ~~سابق الإنعام بيد الإنتقام وكما غيروا غير عليهم. # فالعقاب الأول أولى أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأن فيه الإخبار ~~بالإحراق. والثاني هو العذاب بالإغراق مثل قوله تعالى: (وذوقوا عذاب ~~الحريق) الأنفال: 50 ويعقبه قوله: (..كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم) الأنفال: 52 وقوله في سورة آل عمران 10: (وأولئك هم وقود # PageV01P370 # النار) فذكر أنهم وقود النار، وذلك في الآخرة، ثم قال: (فأخذهم الله ~~بذنوبهم) فذكر الاسم ms046 الذي يفيد ما هو حجة عليهم كما ذكرت قبل. # وجواب آخر، وهو أنه يجوز أن يكون الأول خبرا عن عادتهم في اللأشر والبطر ~~والطغيان عند الاستغناء، والمعنى: جرت عادتهم بمقابلة الإحسان بقبيح ~~العصيان، ويكون الأخير بعد ذكر الله معاقبتهم على فعلهم خبرا عما أجرى الله ~~تعالى به العادة في عقاب مثلهم، فكان معنى الأول عودوا من أنفسهم عادة، ~~ومعنى الثاني: عودوا إذا فعلوا ذلك عادة، وهي سلب نعمة الدنيا، والنقل إلى ~~عذاب الآخرة والله تعالى أعلم بالمراد. # PageV01P371 # 25 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل* ورسولا إلى بني ~~إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم..) آل عمران: 48-49. # وقال في سورة المائدة 110: (.. وإذ تخلق من الطين بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني..) . # للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان المذكور في الموضعين (كهيئة الطير) وصلح ~~أن يعود الضمير إلى مذكر وإلى مؤنث، فيراد مثل هيئة الطير، وهو مذكر، أو ~~يراد هيئة كهيئة الطير، وهي مؤنثة، فما بال ما في آل عمران خص بالتذكير، ~~وما في سورة المائدة خص بالتأنيث؟ # فالجواب أن يقال/ إن الأول الذي ذكر الضمير فيه؟ إنما هو فيما أخبر الله ~~عز وجل به عن عيسى على نبينا وعليه السلام وقوله عليه السلام لبني # PageV01P372 # إسرائيل (. أني قد جئتكم بآية من ربكم) وعد الآيات كلها عليهم، منها: أني ~~آخذ من الطين ما أصور منه صورة على هيئة الطير في تركيبه، فأنفخ فيه، ~~فينقلب حيوانا لحما، قد ركب عظما وخالط دما واكتسى ريشا وجناحا كالطائر ~~الحي، والقصد في هذا المكان إلى ذكر ما تقوم به حجته عليهم، وذلك أول ما ~~يصور الطين على هيئة الطير، ويكون واحدا تلزم به الحجة، فالتذكير أولى به. # والآية في سورة المائدة المخصوصة بتأنيث الضمير العائد إلى # PageV01P373 # ما يخلقه، هي في ذكر ما عدد الله من ms047 النعم على عيسى عليه السلام وما ~~أصحبه إياه من المعجزات وأظهر على يده من الآيات، وابتداؤها: (إذ قال الله ~~يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق ~~من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني..) المائدة: 110، ~~والإشارة في هذه الآية ليست إلى أول ما يبديه لبني إسرائيل من ذلك محتجا به ~~عليهم، وإنما هي إلى جميع ما أذن الله تعالى في كونه دلالة على صدقة من ~~قبيل الصور التي يصورها من الطين على هيئة الطير، وذلك جمع التأنيث أولى ~~به. # PageV01P374 # مسألة في ذلك: قد قال بعض أهل النظر في معنى هذه الآية إنما قال: (فيكون ~~طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله) ، فذكر إذن ~~الله تعالى في هذين الموضعين، ولم يقل بإذن الله في قوله: (إني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير) ولا يقل بإذن الله في قوله (وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم) لأن ما وصفه من هذه الأفعال إنما هي أفعاله، وولم تكن ~~أفعالا لله تعالى، فلهذا لم يذكر أن ذلك كان بإذن # PageV01P375 # الله، كما ذكر الإذن فيما وصفه من قبل مما فعله الله عز وجل دونه، وذلك ~~أنه لم يعن بالإذن أمره له بأن يطيعه في ذلك، وإنما عنى به أن الله تعالى ~~هو الذي فعله، فلهذا جعل ذكر الإذن فصلا بين فعله وفعل الله تعالى انتهى ~~كلامه. # قلت: ذلك سهو منه، لأن الذي أنكر أنه لم يذكر معه إذن الله، لأنه من فعل ~~عيسى على نبينا وعليه السلام، فقد نطقت سورة المائدة بخلاف، وهو قوله تعالى ~~(.. وإذ تخلق من الطين كهيئة # الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني) المائدة: 110 فسوى بين الفعلين ~~اللذين ذكرهما من حكيت كلامه أنهما مختلفان، وأن أحدهما فعل عيسى عليه ~~السلام، فلهذا لم يذكر معه الإذن، والآخر فعل غيره ثم قال تعالى: (وتبرئ ~~الأكمه والأبرص بإذني وإذ ms048 تخرج الموتى بإذني) المائدة: 110. # PageV01P376 # فذكر الإذن في أربعة مواضع لأفعال عيسى عليه السلام، وهذا دل على أن ما ~~ذهب إليه من ذكرت كلامه بذكر الإذن في فعلين من سورة آل عمران على أنهما ~~فعل الله تعالى، وما لم يذكر معه الإذن فعل عيسى عليه السلام باطل. # وقد رأين أن ما اعتد به الله سبحانه عليه في سورة المائدة ينطق أن ما ذكر ~~أنه بغير إذنه هو بإذنه وإذا كان كذلك وجب أن يكون المعنى في الآية من آل ~~عمران: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) ألقبه بعد التركيب على مثال ~~الطائر لحما ودما وعظما، ثم بالنفخ فيه أجعله حيوانا، وكل ذلك بإذن الله ~~تعالى، ويكون معنى قوله (فيكون طيرا بإذن الله) راجعا إلى كل ما ذكر أنه # PageV01P377 # يفعله من مبتدأ قوله: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) فجميع تلك ~~الأفعال واقعة بإذن الله تعالى، وإذن الله عبارة هن إرادته وخلقه على يده، ~~فسهل ذلك على يد عيسى على نبينا وعليه السلام عند الاحتجاج به وإبراء ~~الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ثلاثة أفعال لا تكون إلا بإذن الله تعالى. # وقوله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) هذا وإن كان إخبارا من ~~عيسى عليه السلام وفعلا من أفعاله فإنه لا يصح أن يكون إلا بإذن الله، وإلا ~~فما يعلم ما يفعلونه من بيوتهم فما يعلم ما يفعلونه من بيوتهم مما هو غيب ~~عنه إلا بإذن الله عز وجل للملائكة وإطلاعه عليه وبالله التوفيق. # PageV01P378 # 26 الآية الثالثة منها # قوله: تعالى: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) آل عمران: 51. # وقال في سورة مريم مثله وقال في سورة الزخرف 64 حكاية عمن حكى عنه في ~~السورتين: (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) ، فزاد هو في ~~هذه الآية من هذه السورة. # للسائل أن يسأل عما أوجب اختصاصها بهذا التوكيد دون الموضعين الأولين، ~~وهي كلها فيما أخبر الله تعالى به عن عيسى عليه السلام؟ # والجواب أن يقال: إنما لم يجب ms049 في الأولين من التوكيد ما أوجبه اختيار ~~الكلام الموضع الثالث، # لأن قوله عز وجل: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه) حكاية # PageV01P379 # عن عيسى عليه السلام بعد ما مضت آيات كثيرة في ذكره وابتداء أمره من ~~مبتدأ الآية التي نزلت في شأن مريم، وهي: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن ~~الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) آل عمران: 42 إلى آخر هذه ~~العشر. # فلما تناصرت هذه الآيات المتقدمة في ذكره، ودلت إحداثه وخلقه، كانت فيها ~~دلالة على أنه مربوب مصنوع بكثرة الأفعال التي أسندت إليه، وجعلت آيات له، ~~وأنه عبد من عبيده، والله به ومالكه والقائم بمصالحه، وأنه أصحبه معجزات ~~تدل على صدقة في نبوته، وكذب من قال ببنوته، فصرفتهم تلك # PageV01P380 # الأفعال التي ذكرها إلى العلم بأنه تعالى ربه. # وكذلك في سورة مريم جاء قوله: (وإن الله ربي وربكم) بعد ما مضت آيات ~~كثيرة ابتداءها: (واذكر في الكتاب مريم) مريم: 16 وبعد عشرين آية مرت في ~~قصتها قال: (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه) مريم: 36 وكانت تلك العشرون آية ~~ناطقة بأن الله تعالى ربه، فاكتفى بما طال من الكلام المؤكد لحاله على ~~حقيقتها عن التوكيد الذي جاء في سورة الزخرف، لأنه لم يذكر هذه الآية إلا ~~بعد قوله: (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض ~~الذي تخفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه) الزخرف: ~~63-64. # فالموضع الذي خلا من الآيات الكثيرة الدالة على أن الله تعالى ربه، وهو ~~عبده، لا ابنه حسن تأكيد الكلام فيه صرفا للناس عما ادعوا من أنه ابن الله ~~إلى # PageV01P381 # أنه عبده. ألا ترى قوله في سورة مريم (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون* وإن الله ربي وربكم فاعبدوه..) مريم: ~~35-36. # واعلم أن التأكيد بقولك هو في مثل هذا الموضع يكون لأخذ وجهين، إما أن ~~تريد أنه على الصفة التي جعلتها خبرا عنه، لا على غيرها، وإما أن تريد أن ms050 ~~صحاب هذه الصفة التي جعلت خبرا عنه إنما هو فلان، لا غيره. # إذا قال القائل: إن زيدا هو أخوك، أي هو صديقك لا عدوك، أو يريد أن يقول: ~~هو أخوك لا عمرو، فكذلك قوله تعالى: (إن الله هو ربي وربكم يحتمل أن) # PageV01P382 # يريد التأكيدين: أن يريد أنه هو خالقي والقائم بمصالحي، لا غيره من ~~الآلهة التي ترون عبادتها، وأن يريد أنه هو ربي، لا أبي كما زعمت النصارى، ~~تعالى الله عن أن يكون له ولد. # PageV01P383 # 27 الآية الرابعة منها # قوله عز وجل (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) آل عمران: 52، ~~فحذف النون من أنا. # وقال في سورة المائدة111: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) ، بإثبات النون. # للسائل أن يسأل فيقول: لم أخص ما سورة آل عمران ب (أنا) ، وما في سورة ~~المائدة ب (أننا) ، والحرفان سواء، والتخفيف جائز في الموضعين كما يجوز ~~الإتيان به على الأصل فيهما؟ # والجواب أن يقال: إن الذي في سورة المائدة جاء على الأصل غير مخفف ~~بالحذف، لأنه أول كلام الحواريين في هذا المعنى، ألا تراه خبرا عن الله ~~تعالى أنه # PageV01P384 # قال: (وإذ أوحيت إلى الحواررين أن آمنوا برسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون) المائدة: 111، والذي في سورة آل عمران حكاية عن عيسى عليه السلام ~~أنه ساهم عما أقروا به لله تعالى، فقال (من أنصاري إلى الله قال الحواريين ~~نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) فكان ذلك منهم إقرارا ثانيا ~~لرسوله عليه السلام بمثل ما أقروا به الله تعالى، والثاني يختار فيه من ~~التخفيف ما لا يختار في الأول، لأن الأول قد وفى العبارة حقها، والثانية ~~معتمدة على ما قبلها، وهي مكررة، والعرب تستقل المعاد ما لا تستثقل # PageV01P385 # غيره، فاختير في سورة آل عمران ما لم يختر في سورة المائدة لذلك. # ثم أذكر فصلا في هذه النون. # مسألة: اعلم أن النون التي حذفت ms051 من أنا غير النون التي حذفت من أنني وقد ~~جاء القرآن بهما جميعا: قوله تعالى: (..إني آنست نارا..) طه: 10 و (..إني ~~أنا ربك..) طه: 12 وأني أتى على الأصل بعده: (..فاستمع لما يوحى * إنني أنا ~~الله..) # طه: 13-14. وقال: (.. إنا رادوه إليك..) القصص: 7، (..وإنا لفاعلون) ~~يوسف: 61. # PageV01P386 # وقال: (.. وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) هود: 62 في قصة صالح عليه ~~السلام. # ومن لم يرتض بهذا العلم يتوهم أن النون التي خففت بحذفها أني هي التي ~~خففت بحذفها أنا، ولي الأمر كذلك، لأن التي حذفت من أني هي النون العماد ~~واللاحقة مع الياء بدلالة حذفها من نظائرها، إذ قلت: لعلي في لعلني. # وأما النون التي في أنا من قولك أننا فإنها مع الألف اسم المخبرين عن ~~أنفسهم، ولا سقوط التي تجيء مع الياء، فإذا قلت إنا فالنون الساقطة # PageV01P387 # هي الأخيرة من أن دون اللاحقة مع الضمير بها. # فاعرف إن شاء الله تعالى. # PageV01P388 # 28 الآية الخامسة منها # قوله تعالى (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا ~~من عند الله العزيز الحكيم آل عمران) : 126. # وقال في سورة الأنفال 10: (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما ~~النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) . # للسائل أن يسأل فيقول: ما في الآية الأولى مما يوجب أن يأتي فيها بقوله: ~~(قلوبكم) وقدم في هذه الآية وحذفه من الثانية مع العلم بأن الله تعالى جعل ~~إخباره بإنزال الملائكة لنصرتهم بشارة لهم، وأن # PageV01P389 # (لكم) مضمرة في سورة الأنفال كما هي مظهرة في هذه السورة، فلأن الأولى ~~جاءت على الأصل، والثانية قد تقدمها (لكم) فأغنت عن إعادتها بلفظها ~~ومعناها، وهي في قوله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين) الأنفال: 9. # فلما قال: (فاستجاب لكم) علم أنه جعل بشرى لهم، فأغنت (لكم) الأولى ~~بلفظها ومعناها عن الثانية، وفي الآية الأولى لم يتقدم ما يقوم مثل هذا ~~المقام، فأتى بقوله: (لكم) على الأصل. # PageV01P390 # وأما تأخير (به) بعد قوله ms052 (قلوبكم) فلأنه لما أخر الجار والمجرور في ~~الكلام الأول، وهو قوله تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى لكم..) ، وعطف ~~الكلام الثاني عليه، وقد وقع فيه جار ومجرور وجب تأخيرهما في اختيار الكلام ~~ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام أحوج إليه، وتأخير ما قد يستغني ~~عنه. # وأما تقديم (به) في الآية الثانية، فلأن الأصل فيكل خبر يصدر بفعل أن ~~يكون الفاعل بعده ثم المفعول والجار المجرور، وقد يقدم المفعول على الفاعل ~~إذا كان اللبس واقعيا فيه، وأريد إزالته عنه، كما تقول: ضرب عمرا زيد، لا ~~محمدا، لأن المخاطب عنده أن المضروب محمد، ولا خلاف بين المتخاطبين في أن # PageV01P391 # الضارب زيد، فهو يبدأ بما هو أهم، وعنايته ببيانه أتم وكذلك الجار ~~والمجرور بمنزلة المفعول به في التقديم والتأخير وشبههما. # وفي هذا الموضع إذا لم يعرض في اللفظ من التوفقة ما يوجب إجراء الكلام ~~على الأصل كما كان في سورة آل عمران، فإن المعتمد بتحقيقه عند المخاطبين ~~إنما هو الإمداد بالملائكة، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه أنه لم يجعله إلا ~~بشرى، فوجب أن يقدم في الكلام الثاني، وهو المضمر بعد الباء في قوله تعالى ~~(به) على الفاعل، فقال تعالى: (.. ولتطمئن به قلوبكم) الأنفال: 10. # وفي هذه الآية مسألة أخرى وهي أن يقال: كيف اختلف الإخبار عن الله تعالى ~~بالعز والحمكة في # الآيتين، فجاء في سورة آل عمران مجيء الصفة فقال تعالى: (..وما # PageV01P392 # النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) ، وجاء في سورة الأنفال بلفظ خبر ~~ثان مستأنف فقال: (إن الله عزيز حكيم) . # والجواب أن يقال: القصد إعلام المخاطبين أن النصر ليس من قبل الملائكة، ~~ولا من جهة العدد والعدة وفضل القوة، ولكنه من القادر الذي لا يغلب ولا ~~يمنع عما يريد فعله، والحكيم الذي يضع النصر موضعه. # والآية التي في الأنفال إنما هي في قصة يوم بدر، وبين الله تعالى ذلك ~~بلفظ (جعله) كالعلة لكون النصر بيده، فكأنه قال في المعنى: النصر # PageV01P393 # ليس إلا من عند الله، لأنه العزيز الذي لا يمنع ms053 عما يريد فعله، الحكيم ~~الذي يضع النصر في موضعه، ففصل ذلك في خبرين على الأصل الواجب في توفية كل ~~معنى حقه من البيان. # والآية التي في سورة آل عمران هي في قصة يوم الأحد، وهي بعد يوم بدر. ~~وكان هذا البيان قد جعل خبرا عن النصر في اليوم الأول، فاقتصر اليوم الأول، ~~فاقتصر من ذكر مثله في اليوم الثاني على خبر واحد، يجري عليه معنى الخبر ~~الثاني مجرى الوصف، لاختصار المعنى عن البسط، اعتمادا على ما فصل في الخبر ~~الأول، # PageV01P394 # فكان الاختصار بالثاني أليق، وكان الثاني له أجمل، فخص كل موضع بما رأيت ~~لما ذكرت والله أعلم. # PageV01P395 # 29 الآية السادسة منها # قوله تعالى: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ونعم أجر العاملين) آل عمران: 136. # وقال في سورة العنكبوت الآية: 58: (..خالدين فيها نعم أجر العاملين) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في السورة بالواو من قوله: (ونعم) وإخلائها ~~في سورة العنكبوت منها؟ # والجواب: أن الآية من هذه السورة مبنية على تداخل الأخبار، لأن أولها: ~~(جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين) . # ف (أولئك) مبتدأ، و (جزائهم) مبتدأ ثان، و (مغفرة) خبر المبتدأ الثاني، ~~وهو مع خبره خبر عن المبتدأ الأول، والجزاء هو الأجر، فكأنه قال: أولئك # PageV01P396 # أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم، وإدامة نعمهم، وهذا الأجر مفضل على كل أجر ~~يعطاه عامل عمله، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هيئت ~~لرجاء الراجلين، وأكملت بها منية المتهمين. # والخبر إذا جاء بعد خبر في هذا المكان الذي تفصل فيه المواهب المرغب ~~فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: هذا جزاء كذا وكذا، أي: هو ~~ترك المؤاخذة بالذنب والتنعم في جنة الخلد، وتفضيله على كل جزاء جوزي به ~~عامل، وذلك تشريف وكرامة. # PageV01P397 # وأما الآية التي في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام ~~فيه على جملة واحدة، وهي: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من ms054 الجنة ~~غرفا..) العنكبوت/ 58. # فقوله: (والذين آمنوا) مبتدأ، وقوله: (لنبوئنهم) في موضع خبره، وهذا ~~الخبر يتصل به مفعولان، الأول: (هم) والثاني (غرفا) . و (غرفا) نكرة موصوفة ~~بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) وقوله: (خالدين فيها) حال من التبوئة. # فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد، وهي جملة ابتداء وخبر، ~~واحتمل (نعم أجر العاملين) أن تجيء بالواو وأن يجيء من دونها، اختير مجيئها ~~بغير واو ليشبه ما تقدم من صفة الخبر، لا على سبيل عطف ونسق بها. # PageV01P398 # ويحتمل أن يكون في موضع خبر ومبتدأ، كأنه قال: ذلك نعم أجر العاملين، ~~ويكون قوله: (ذلك) إشارة إلى ما ذكر الله من إسكانهم الجنة، فيجري بلا واو ~~مجرى ما هو من تمام الكلام كقوله تعالى: (..والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجناب لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير) الشورى: 22. # PageV01P399 # فقوله: (ذلك) وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى، ~~فكأنه قال: (لهم ما يشاؤون عند ربهم) مشار إليه بأنه الفضل الكبير. # وقوله: (نعم أجر العاملين) أي: ذلك نعم أجر العاملين، والمعنى مشار إليه ~~بتفضيل على أجور العاملين وإذا كان الأمر على ما ذكرت في الآيتين لم يلق ~~بكل واحدة منهما إلا ما جاءت به والله أعلم. # PageV01P400 # 30 الآية السابعة منها # قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر ~~والكتاب المنير) آل عمران: 184. # وقال في سورة الملائكة 25: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم ~~رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف الآيتين في إدخال الباء في: قوله: (وبالزبر ~~وبالكتاب المنير) في # موضع، وحذفها منه في موضع في قراءة الأكثرين؟ # والجواب أن يقال: إن الزبر والكتاب المنير في سورة آل عمران وقعا في كلام ~~بني على الاختصار والاكتفاء بالقليل عن الكثير مع وضوح المعنى. # PageV01P401 # وكان أول ذلك قوله: (فإن كذبوك) والتقدير: فإن يكذبوك، فوضع الماضي الذي ~~هو أخف موضع المستقبل الذي هو أثقل بدلالة إنالتي للشرط وحصول الخفة في ~~اللفظ، ثم ms055 إن الفعل الذي جاء في جواب الشرط بني للمفعول، ولم يسم فاعله، ~~فكان الاختيار أن يجعل آخر الكلام كأوله بالاكتفاء بما قل عما كثر منه مع ~~وضوح المعنى. # والآية التي في سورة الملائكة صدرت بما يخالف ذلك في الموضعين، لأن الشرط ~~جاء # فيها على الأصل بلفظ المستقبل، وهو: (وإن يكذبوك) وجاء الجزاء أيضا مبنيا ~~للفاعل، ولم يحذف منه ما حذف من الأول. فلما قصد توفيه اللفظ حقه أتبع آخر ~~الكلام أوله في توفية كل معمول في عامله، وهي حروف الجر التي استوفتها ~~المجرورات، فلذلك اختلفت الآيتان والله أعلم. # PageV01P402 # مضت سورة آل عمران عن سبع آيات وثلاثة عشر مسألة. # PageV01P403 # حيث لا يحتاج إلى ذكر الفاعل، وأيراد فعل الشرط ماضيا وأصله المستقبل، ~~ولفظ الماضي أخف من المضارع. كذلك حذف الجار في قوله: (والزبر والكتاب ~~المنير) تخفيفا لمناسبة ما تقدم في الاختصار. وأما آية سورة فاطر فسياقها ~~البسط بدليل وقوع فعل الشرط فيه بلفظ المستقبل، وإظهار فاعل ومفعول في قوله ~~تعالى: (جاءتكم رسلكم) فناسب هذا البسط ذكر الجار" الباء" في الثلاثة ~~(بالبينات وبالزابور وبالكتاب المنير) ليكون كله على نسق واحد. (ينظر: ~~البرهان للكرماني: 152، كشف المعاني لابن جماعة: 134، حيث أفدت منهما في ~~هذا التوضيح) . # (17) في (ك) : عن ست آيات وإحدى عشر مسألة، وذلك خطأ حيث ذكرت فيها آيات ~~سبعة كما في (أ، ب) . وأما النسخ الأخري (ح، خ، ر، س) لم يأت فيها ذكر ~~الآية السادسة من هذه السورة. # (18) بعد التتبع نجد أن المؤلف رحمه الله تناول في هذه السورة خمس عشر ~~مسألة، ومسألتان في الرابعة، وثلاث مسائل في الخامسة، ومسألة في السادسة ~~ومسألة في السابعة، وبذلك يكون عدد المسائل خمسة عشر مسألة. ولعل ذلك يرجع ~~إلى ظهور مسائل جديدة للمؤلف وهو يملي، كما قال في صفحة241: " وفي هذه ~~الآية مسألة أخرى، وهي أن يقال ... " وقد تتكر مثل هذه الحالات أثناء ~~الإملاء، ولعل هذا يفسر لنا الاختلاف الموجود في ذكر عدد المسائل في آخر # بعض السور كما سنرى ذلك إن شاء الله. ### | سورة النساء ms056 # "31" الآية الأولى منها: # قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون لمن يشاء ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما) " سورة النساء: 48". # وقال في هذه السورة أيضا: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) " النساء: 116" # للسائل أن يسأل عن فائدة تكرار هذه الآية، وله أن يسأل فيقول: لم كان ~~جواب (من يشرك بالله) في الآية الأولى: (فقد افترى إثما عظيما) وجوابه في ~~الآية الثانية: (فقد ضل ضلالا بعيدا) ؟ # فأما الجواب عن التكرار فلأن هذه السورة لما اشتمل صدرها على ذكر ~~الأحكام، وانتهى إلى ذكر التيمم، ثم انقطع ذلك بقوله: (ألم تر الذين أوتوا # PageV01P404 # نصيبا من الكتاب..) " النساء: 44" وهم اليهود الذين أوتوا التوراة فحرفوا ~~ما فيه دلالة على صحة نبوة محمد- (- إلى ما يدعوا إلى ترك الإيمان به، ثم ~~توعدهم إن أقاموا على ذلك الكفر بقوله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا ~~بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها..) " النساء: 47" أتبع ذلك ~~بما دل به على عظم الكفر الذي هو الشرك، وذلك في أمر اليهود، ويحتمل أن ~~يقال: إنما سماهم مشركين لما قالوا عزير ابن الله، ومن ادعى لله ابنا فهو ~~مشرك. # PageV01P405 # والموضع الثاني تقدمت فيه آية هي قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا) " النساء: 115"، ومعناه من عادى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما ~~ظهرت آياته وتظاهرت دلالاته، وتبع سبيل الكفار فإن الله تعالى يوليه ما ~~تولى من الأصنام التي عبدها بأن يكله إليها ليستظهر بها، ولا نصر عندها، ~~وهؤلاء مشركو العرب، فدل على أن من تقدم ذكرهم وإن كانوا أوتوا الكتاب ~~كهؤلاء # PageV01P406 # المشركين الذين لا كتاب لهم، كفرهم ككفرهم، وسبيلهم كسبيلهم، فأعاد تقدم ~~ذكرهم ليعلم أنهم وإن خالفوهم دينا فقد وافقوهم كفرا، فهذه فائدة التكرار. # وأما إتباع الأول (فقد افترى إثما عظيما) فلأن من ms057 أريد بالآية الأولى قوم ~~عرفوا صحة نبوة النبي من الكتاب الذي معهم، فكذبوا وافتروا ما لم يكن ~~عندهم، فكان كفرهم من هذا الوجه الذي أضلوا به أتباعهم # PageV01P407 # وأما اتباع الثاني (فقد ضل ضلالا بعيدا) من أريد بهم المشركون العرب، وهم ~~لم يتعلقوا بما يهديهم، ولا كتاب في أيديهم فيرجعوا إليه فيما يتشككون فيه ~~فقد بعدوا عن الرشد وضلوا أتم الضلالات، فاقتضى المعنيون بالأول ما ذكره ~~الله تعال والمعنيون بالثاني ما أتبعه إياه، وإن كان الفريقان مفترين إثما ~~عظيما، وضالين ضلالا بعيدا والله أعلم. # PageV01P408 # 32 الآية الثانية منها # قوله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعلمون خبيرا) النساء: 128. # وقال بعده: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما) ~~النساء: 129. # للسائل أن يسأل عن مسألتين في ذلك: # إحداهما قوله تعالى في الآية الأولى: (وإن تحسنوا وتتقوا) وفي الثانية ~~(وإن تصلحوا وتتقوا) ؟ # والمسألة الثانية ختم الآية الأولى بقوله: (فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا) والثانية بقوله: (فإن الله كان غفورا رحيما) . # والجواب عن الأولى: أن معناها: إن خافت امرأة من زوجها ترفعا ونبوا # PageV01P409 # لملل أو إعراضا موجدة أو بدل فلا إثم في إثم في أن يتصالحا على أن تترك ~~له من مهرها، أو بعض أياما ما يتراضيان به، والصلح خير من أن يقيما على ~~التباعد، أو يصيرا إلى القطيعة ونفس كل واحد منهما تشح بما لها قبل صاحبها ~~وقيل: المراد: شحهن على النقصان من أموالهن وأنصبائهن من # PageV01P410 # أزواجهن وهذا يقتضي مخاطبة الأزواج بمجانبة القبيح وإيثار الحسنى في ~~معاملتهم، فبعث الله تعالى في هذا المكان على فعل الإحسان. # وأما الثانية فجاءت بعد قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) في ~~محبتهن والشهوة لهن، لأن ذلك ليس إليكم، وإن حرصتم على التسوية بينهن (فلا ~~تميلوا كل الميل) بأن تجعلوا ms058 كل مبيتكم وخلوتكم وجميل عشرتكم وسعة نفقتكم ~~عند التي تشتهونها دون الأخرى، فتبقى تلك معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، ~~فاقتضى هذا الموضع أن يحث الأزواج على إصلاح ما كان منهم من الأنصاب إلى # PageV01P411 # الواحدة دون ضراتها بالتوبة مما سلف، واستئناف ما يقدرون عليه من ~~التسوية، ويملكونه من الخلوة، وسعة النفقة، وحسن العشرة، فقال: (وإن تصحوا ~~وتتقوا) . # وأما جواب المسألة الثانية فقد بان ووضح بما ذكرت وبينت أنه لما قال: ~~(وإن جانبتم القبيح وآثرتم الإحسان فإن الله به عالم، وعليه مجاز، وهو ~~قوله: (فإن الله كان بما تعلمون خبيرا) . # ولما عذر الأزواج في بعض الميل، وهو الذي لا يملكون خلافه، حثهم على ~~***** يطيقون/ فعله بما ذكرت، وعلى إصلاح ما سلف منهم بما بينت، فإن الله ~~تعالى يغفر # PageV01P412 # لمن يقلع عن قبائحه ويؤثر بعدها الحسنى من أفعاله، وهذا معنى قوله: (فإن ~~الله غفورا رحيما) . # PageV01P413 # " 33" الآية الثالثة منها: # قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما* ~~ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن الله ما في السموات وما في الأرض وكان ~~الله غنيا حميدا* ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) " ~~النساء: 130-132". # للسائل أن يسأل في هذه الآيات عن مسألتين: # إحداهما: عن تكرار قوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) ثلاث مرات؟ ~~والثانية: عما تبع المكرر في قوله في آية: (وكان الله غنيا حميدا) وفي ~~أخرى: (وكفى بالله وكيلا) والأولى لم يتبعها مثل ما تبع الوسطى والآخرة؟ # PageV01P414 # والجواب عن المسألة الأولى- وهي التكرار- أنه: إذا أعيد الكلام لأسباب ~~مختلفة لم يسم تكرارا، فالأول بعد الإذن للرجل وامرأته في أن يتفرقا بطلاق، ~~وتسليتهما عن الوصلة بأنه هو الذي يغني المحتاج منهما، وإن كان قبل ذلك ~~أغنى كل واحد منهما بصاحبه، فإنهما بعد الفرقة يرجوان الغنى من عنده، لأنه ~~واسع الرزق وواسع المقدرة، فإن الله ما في السموات وما في الأرض، وأرزاق ms059 ~~العباد من جملتها. # وأما الثاني فإنه بعد قوله: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله) " النساء: 131" أي اتقوا الله، فإنه واسع النعمة ~~والفضل والرحمة، وقد أوسعكم منها، ووصاكم ومن قبلكم بتقواه والاستجارة ~~بطاعته من عقوبته، # PageV01P415 # فإنكم إن عصيتم وكفرتم لم يكن لله حاجة إلى طاعتكم، وإنما أنتم تحتاجون ~~إليها، والله غني حميد، فوجب عليكم طاعته، لأن له ما في السموات وما في ~~الأرض، وهو غني بنفسه، حميد، لأنه جاد بما استحمد به إلى خلقه من الإحسان ~~إليهم، والإنعام عليهم، فالمقتضى لذكر (لله ما في السموات وما في الأرض) ~~وفي الثاني غير المقتضي له في الأول. # وأما الثالث فلأنه لما ذكر أنه أوجب طاعته على من قبلهم وعليهم، لأنه ملك ~~ما في السموات وما في الأرض، وأنعم عليهم من ذلك ما حققت به العبادة، اقتضى ~~ذلك أن يخبرهم عن دوام هذه القدرة له، فكأنه قال: وله ذلك دائما، وكفى به ~~له حافظا، أي لا زيادة على كفايته في حفظ ما هو موكول إلى # PageV01P416 # تدبيره والوكيل: القيم بمصالح الشيء، وقيل: هو الحافظ، وما قام الله ~~تعالى بمصالحه فهو حافظه فقد بان أن ذلك ليس بتكرار. # وأما الجواب عن المسألة الثانية من اتبعه قوله: (وإن تكفروا فإن لله ما ~~في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا) فقد تضمنه الجواب عما ذكرت ~~من التكرار، وهو كقوله: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) الزمر: 7 أي أنتم ~~محتاجون إلى طاعته، ولم يقتض ما تقدم غير هذا الوصف ولما اتصف # PageV01P417 # تعالى بالغني، وكان الغني إذا لم يجد من غناه مذموما، والله تعالى قد غمر ~~بعطائه المستحق وغيره من الكفار كان الغني الحميد. # وأما قوله بعد الثالث (وكفى بالله وكيلا) فلأنه لما كان المعنى أنه دائم ~~القدرة أخبر أن ما يحفظه مما في السموات وما في الأرض يكتفي به حافظا، إذ ~~ملكه عليه دائم وتدبيره فيه قائم. # PageV01P418 # 34 الآية الرابعة # قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ms060 لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا) النساء: 135. # وقال في سورة المائدة 8: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون) . # للسائل أن يسأل فيقول: ما الفائدة في تقديم قوله (بالقسط) على قوله ~~(شهداء) في الآية الأولى، وتأخيره عنه في الآية الثانية؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في الشهادة أمر الله عز وجل من عنده ~~شهادة أن يقوم بالحق فيها، ويشهد لله تعالى على كل من عنده حق لغيره يمنعه # PageV01P419 # إياه حتى يصل إليه فقال: قوموا (بالقسط) أي بالعدل في حال شهادتكم لله ~~على كل ظالم حتى يؤخذ الحق منه، فقدم (بالقسط) لأنه من تمام (قوامين) إذ ~~فعله يتعدى إلى مفعوله بالباء. # وأما (شهداء) فإنها إذا كانت حالا من الضمير في (قوامين) فإن حقها أن ~~تجيء بعد تمام (قوامين) ، وكذلك إن كانت خبرا ثانيا، إن كانت صفة ل ~~(قوامين) فإن حقها أن تجيء بعدها. # وأما قوله (لله) بعد # (شهداء) فلتعلقه بالشهادة، كأنه قال: كونوا شهداء لله، لا للهو والميل ~~إلى ذوي القربى، والدليل على أنه: (ولو على أنفسكم) وشهادة الإنسان على ~~نفسه أن يقر بالحق لخصمه، أي افعلوا ذلك لله وإن كان عليكم أو على الوالدين ~~وذوي القربى منكم. # وقوله عز وجل: (إن يكن غنيا أو فقيرا) أي إن يكن من عليه الحق على أحد ~~هذين الوصفين فانتهوا في أمره إلى أمر ما أمر الله تعالى به، ولا يحملنكم # PageV01P420 # الإشفاق من فقره على محاباته ولا يدعونكم غني الغني إلى مداراته، فإن ~~الله تعالى أولى بالنظر لهما، ولجميع عباده منهم لأنفسهم ولغيرهم. # وقوله (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) أي كراهة أن تعدلوا (وإن تلووا) ~~ألسنتهكم بالشهادة ولم تفصحوا بها ولم تقوموا بما يجب عليكم فيها، أو ~~تتركوا ما يلزمكم منها، ms061 فإن الله عليم بعملكم/ وهو مجازيكم على فعلكم. # وقيل: تلووا بمعنى تمطلوا، من لويت الغريم إذا دفعته، كأنه قال: إن ~~تدفعوا الشهادة ولم تؤدوها وقت الحاجة إليها. # PageV01P421 # ومن قرأ تلوا بضم اللام وواو واحدة فالمعنى: إن تلوا أمر الناس، من ~~الولاية، أو تتركوه. # ويجوز أيضا أن يكون الأصل تلووا فأبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم خففت ~~بإلقاء حركتها على اللام، وحذفها وإن كان هذا مستضعفا في الهمزة العارضة. # وأما الآية التي في سورة المائدة فإن فحواها يدل على أنها للولاة، فقال: ~~(كونوا قوامين لله) لا لنفع، ويكون (بالقسط) متعلقا ب (قوامين) أي: # PageV01P422 # كونوا قوامين لأجل طاعة الله بالعدل والحكم به في حال كونكم (شهداء) أي: ~~وسائط بين الخالق والخلق، أو بين النبي وأمته كما قال تعالى: (وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ~~البقرة: 143، فالقائم بتنفيذ أحكام الله تعالى بين خلقه إذا وفى ما عليه من ~~حقه، فهو شهيد على من وليه، والرسول شهيد عليه بما نقله إليه، والدليل على ~~أن الخطاب لولاة الأحكام قوله بعده: (ولا يجرمنك شنأن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب لتتقوى) المائدة: 8، وذلك عام في المخالفين من أهل الأديان ~~والموافقين ممن حصلت لهم بغضة وعداوة، أي: اعدلوا على الولي # PageV01P423 # والعدو عدلا واحدا. # وقيل في هذه الآية: إنها أيضا في الشهادة في الحقوق وقيل: في الشهادة ~~لأمر الله تعالى بأنه حق # وقيل معناه قوموا في كل ما يلزمكم القيام فيه من الأمر بالمعروف والعمل ~~به، والنهي عن المنكر وتحنبه. # PageV01P424 # 35 الآية الخامسة منها # قوله عز وجل: (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا ~~قديرا) النساء: 149. # وقال في سورة الأحزاب 54: (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما) . # للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها خير، ولم عم في الثانية بلفظ ~~شيء؟ # والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالإبداء لأنه بإزاء السوء ~~الذي قال فيه: (لا يحب ms062 الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) النساء: ~~148، والمعنى: لا يحب الله أن يجهر بالقول السيء غير المظلوم، وهو أن يدعوا ~~على من ظلمه، أو أن بخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: ~~إن # PageV01P426 # أبديتم ثناء وذكرا جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء ~~إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن خليقته، فاقتضت في هذه ~~الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير. # وأما في الآية التي في الأحزاب فلأن قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن ~~إضماره في قوله عز وجل: (والله يعلم ما في قلوبكم..) الأحزاب: 51، وقوله: ~~(..وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) # ... # وقيل معناه قوموا في كل ما يلزمكم القيام فيه من الأمر بالمعروف والعمل ~~به، والنهي عن المنكر وتحبه. # 35 الآية الخامسة منها # قوله عز وجل: (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا ~~قديرا) النساء: 149. # وقال في سورة الأحزاب 54: (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما) . # للسائل أن يسأل عن الآية الأولى لم خص فيها خير، ولم عم في الثانية بلفظ ~~شيء؟ # والجواب أن يقال: إنما خص في هذا الموضع الخير بالإبداء لأنه بإزاء السوء ~~الذي قال فيه: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم..) النساء: ~~148، والمعنى: لا يحب الله أن يجهر بالقول السيء غير المظلوم، وهو أن يدعوا ~~على من ظلمه، أو أن بخبر بظلمه له، أو أن ينتصر منه بسوء مقاله فيه فقال: ~~إن أبديتم ثناء وذكرا جميلا لمن يستحقهما أو أخفيتموهما أو سكتم عمن أساء ~~إليكم بالعفو عنه فإن الله مع قدرته كثير العفو عن خليقته، فاقتضت في هذه ~~الآية المقابلة أن يجعل بإزاء السوء الخير. # وأما في الآية التي في الأحزاب فلأن قبلها تحذيرا من إضمار ما لا يحسن ~~إضماره في قوله عز وجل: (والله يعلم ما في قلوبكم..) الأحزاب: 51، وقوله: ~~(..وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن ms063 من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم # PageV01P427 # وقلوبهن) الأحزاب: 53، فاقتضى هذا المكان العموم، فقال تعالى: إن تبدوا ~~مما حذركم الله شيئا أو تخفوه (فإن الله كان بكل شيء عليما) لم يزل عليما ~~بما يكون كعلمه بما كان. # انقضت سورة النساء عن خمس آيات، وسبع مسائل. # PageV01P428 ### | سورة المائدة # 36 الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~عظيم) المائدة: 9. # وقال في آخر سورة الفتح 29: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم رفع قوله (مغفرة وأجر عظيما) . في الآية ~~الأولى، ونصب في الثانية؟ # والجواب أن يقال: لقوله تعالى: (لهم) في الأولى، وقوله: (منهم) في ~~الثانية فائدة، وذلك أنه # لما قال في الأولى، وقوله (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) علم ~~أنهم وعدوا بما هو حق لهم فعدل عن ذكر المفعول إلى # PageV01P429 # جملة تضمنت معناه، والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب، كأنه ~~قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة. # ومثله قول الشاعر: # وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا # PageV01P430 # كأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء وجنات وعينا، فاللام في لهم داخلة على ~~ضمير الصالحين فكأنها داخلة عليهم، وكأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف ~~على موضع الجملة التي هي جزاء منصوبا، إذ كان موضع الجملة موضع نصب. # وأما الآية الأخرى فإن (منهم) فيها متعلقة ب (الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) ومن تمامها، ولم يكن هناك ما ترتفع (مغفرة) به، فتعدى إليها ~~الفعل الذي هو (وعد) فجرى على الأصل في نصب المفعول به. # فإن قيل: كيف يحتمل أن يبعض، والقوم الذين أخبر الله عنهم بقوله: (محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) الفتح: 29 مع سائر ما وصفهم الله ~~تعالى به، وأثنى عليهم بذكره، كلهم وعدوا مغفرة وأجرا عظيما؟ # PageV01P431 # والجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما أن يقال: إن من في هذا المكان ليست للتبغيض، وإنما هي لتبيين ~~الجنس، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم هم، كما ~~قال: ms064 (..فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج: 30، أي اجتنبوا الرجس الذي هو ~~الأوثان. # والجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير، لأنهم وإن علم الله تعالى منهم ~~الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد، على معنى: دوموا على ما أنتم عليه: فإن من داوم منكم عليه ~~فقد وعده الله تعالى مغفرة وأجرا عظيما. # PageV01P432 # فإن قال قائل: فلماذا خصت الآية بأن جعل مفعولها الثاني جملة، والآية ~~الثانية مفعولها مفردا. # قلت: لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به، وهو أعم ~~من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح، وأثنى عليهم بالشدة على ~~الكفار، والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان الله، وأن ~~مثلهم (كزرع أخرج شطأه) إلى آخر الآية، فخص هؤلاء بصريح المغفرة وذكر أنه ~~وعدهم ذلك. # PageV01P433 # وقال في الآية الأولى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان ~~إخبارا عن وعده إياهم، ثم أتى بخبر ثان فقال: لهم مفغرة على معنى: إن وافوا ~~بذلك ولم يحبطوه بالسيئات، فجوز منهم هذا، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعد به ~~إليها. # وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم، وعدى الفعل إليها، وكان كالحكم بأنهم ~~يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة، وقد وعدهم الله تعالى عنها المغفرة والأجر ~~العظيم فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء الله تعالى. # PageV01P434 # 37 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) المائدة: 13 # وقال تعالى بعده في هذه السورة: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) المائدة: 41. # للسائل أن يسأل فيقول: لم قال في الآية الأولى: (يحرفون الكلم عن مواضعه) ~~وقال في الثانية: (من بعد مواضعه) ؟ وما الفرق بين الموضعين وبين اللفظين ~~حتى اختص كل واحد منهما باللفظ الذي خص به؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في اليهود الذين حرفوا ما أنزل الله ~~تعالى من كلامه عما علموه تأويلا له، فيكون هذا تحريفا ms065 من جهة التأويل، ~~وحرفوا # PageV01P435 # أيضا من جهة التنزيل كما قال: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ويقولون على الله الكذب وهم يعملون) آل عمران: 78. # فقولك: عن في كلام العرب موضوع لما عدا الشيء، تقول: أطعمه عن جوع وكساه ~~عن عري، فكانوا يعدون بالكلم تأويله الذي له، وتنزيله الذي جاء عليه إلى ~~غيره مما هو باطل. # PageV01P436 # وعن في هذا الموضع تقرب من معنى بعد، لأنك تقول: أطعمه بعد جوع وكساه بعد ~~عري، / إلا أن الأصل في هذا المكان أن تستعمل عن، لأن بعد قد تكون لما تأخر ~~زمان غيره بأزمنة كثيرة وبزمن واحد، وعن لما جاوز الشيء إلى غيره وملاصقا ~~زمنه، والمراد: إذا قال: أطعمه عن جوع، وسقاه عن عطش، وليسش يراد به إلا ~~أنه لما عطش سقاه، ولما جاع أطعمه. # وأما الآية الثانية فهي في قوم من اليهود أخبر الله تعالى عنهم أنهم ~~سماعون لما تقوم ليكذبوا عليك، ويخبروا بخلاف ما تقول عنك، وينقلوا كلامك ~~إلى قوم آخرين لم يأتوك. # PageV01P437 # ومعنى (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) يحتمل أن يكون المراد من بعد موت ~~النبي ليجعلوه على خلاف ما سمعوه منه، وهذا موضع بعد لا موضع عن، لأنه ليس ~~يعدوه إلى المحرف إليه فينفصل عنا جاء عليه إلى الكذب مقارنا له، وإنما ذلك ~~بعده بأزمنة كثيرة يتوقعون مضيها ليسهل كذبهم بعدها، ويكون التقدير: ~~(سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه) أي: ناوين تحريفه ~~من بعد وقوعه مواقعه، وحصلوه مواضعه، فمحرفين بمعنى ناوين التحريف كقوله ~~تعالى: (وخروا له سجدا) يوسف: 100 أي ناوين السجود، وكذلك: (فادخلوها ~~خالدين) الزمر: 73أي: ناوين الخلود، ومقدرين له وهذا ظاهر في هذا المكان، ~~لا يصلح فيه إلا ما نطق القرآن به. # PageV01P438 # ويحتمل أن يكون المراد ما ذهب إليه أكثر أهل التفسير، وهو أن قوما أرسلوا ~~هؤلاء إلى النبي في قصة زان محصن فقالوا لهم: إن أفتاكم محمد ms066 بالجلد فخذوه، ~~وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه وقال قتادة: كان هذا في قتيل منهم فقالوا: إن ~~أفتاكم محمد بالدية فأقبلوه، وإن أفتاكم بالقود فاحذروه. # وكانوا حرفوا في القولين حكم الله تعالى الذي في التوراة من بعد أن عمل ~~به فس مواضعه ولم يحرفوه ساعة نزوله ووجوب العمل به، وهذا معنى قوله تعالى: ~~(.. يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤته فاحذرهم..) المائدة: 41. # PageV01P439 # وقيل: إن هذا إشارة إلى دين اليهود، أي: إذ جاءكم محمد بدينكم فاقبلوه، ~~وإن لم يأتكم به فاحذروه. فقد بان الفرق بين الموضعين بما # PageV01P440 # بيناه والله أعلم. # PageV01P441 # الآية الثالثة منها: # قوله تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير. [المائدة: 15] . # وقال بعده: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. [المائدة: 19] . # للسائل أن يسأل فيقول: نبه أهل الكتاب بمجيء الرسول في الآية الأوللا، ~~وأخبر أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، وقال في ~~الآية الثانية: # إنه قد جاء يبين لهم على فترة، من الرسل أن يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا # PageV01P442 # نذير، فعل ما ذكر من التبين في الآية الثانية كان يجوز أن يقترن بالتبين ~~في الأولى/ أم وجب لكل ما تبعه من الكلام؟ # فالجواب يقال: إن قوله تعالى في الآية الأولى: يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون معناه، يبين لكم كثيرا مما في التوراة والإنجيل من وصف الرسول وسائر ~~ما يدعوا إلى الدخول في الإسلام، ويترك كثيرا مما حرفتموه، فلا يبينه، لأنه ~~ليس في ذكره ما يلزمكم حجة ويجدد لكم ملة، فهذا التبيين حقه التقديم ~~للاحتجاج به، ولذلك ردفه، قوله: قد # PageV01P443 # جاءكم من الله نور، [المائدة: 15] ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أي ~~يهديكم إلى منافع دينكم كمما تهتدون بالنور إلى منافع دنياكم. # وأما الآية الثانية التي بعدها فمعناها: جاءكم رسولنا يبين لكم على حين ~~دروس، مما كانت الرسل أتو به ms067 مما، يلزمكم في دينكم احتجاجا عليكم، وقطعا ~~بعذركم لئلا تحتجوا بأنه لم يجئكم من يبشركم بالثواب ويخوفكم من العقاب، ~~فالأول احتجاج لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، تبين الداعي إلى بعثته، وهو ~~ما ذكر في الآية الثانية. # PageV01P444 # الآية الرابعة منعا: # قوله تعالى: (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ~~والله على كل شيء قدير) . المائدة: 17. # وقال بعدها: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لكم لمن يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير. المائدة: 18 # للسائل أن يسأل عن شيئين في هاتين المتصلة إحداهما بالأخرى، أحدهما: عن ~~تكرار قوله: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما: والثاني: صلة الأول ~~بقوله: يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير، وصلة الثاني بقوله: وإليه ~~المصير، وله أن يسأل عن قوله: قل فمن يملك لكم، في سورة الفتح بزيادة لكم ~~هناك، وحذفها هنا. # والجواب أن يقال: إن الآية في سورة الفتح نزلت في قوم تخلفوا عن رسول ~~الله من غير عذر، وتأخروا عن الجهاد، وقالوا، شغلتنا أموالنا وأهلونا، ثم ~~سألوه عليه السلام أن يستغفر لهم، يكتمون بذلك نفقاتهم ويظهرون وفاقهم، ~~وقصدهم استمالته، # PageV01P445 # كيلا تضركم عداوته، فقال عز وجل، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد بكم ~~ضرا، الفتح: 11، ومن يملك لك ضرا إن أراد بكم نفعا، فلما كان في قوم ~~مخصوصين احتيج إلى لكم، للتبيين فأما في هذه السورة فإنها لم تنزل لفريق ~~مخصوص دون فريق بل عم بها دليله، إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا، المائدة: 17، فلما كانت الآية للعموم لم تحتج إلى لكم التي ~~للخصوص. # والجواب عن التكرار أن يقال: إن الآية الأولى في النصارى خاصة، وهم الذين ~~لما قالوا في عيسى عليه السلام، إنه إله، والإله واحد صاروا كأنهم قالوا: ~~الله هو ms068 المسيح ابن مريم، فرد لله تعالى ذلك، عليهم بما دل به على أن عيسى # PageV01P446 # عبد مخلوق مملوك لله، ليس بابن له، ولا بإله، لأن أحدا لا يملك أن يدفع ~~عن المسيح وأمه وسائر من في الأرض من الخلق ما يريد/ الله تعالى إيقاعه بهم ~~من موت أو هلاك، ولا المسيح يملك ذلك، فدل هذا على أنه مخلوق وأن الله ~~تعالى له ملك السماوات والأرض وما بينهما، والمسيح من جملته مملوك مدبر، ~~ولو كان إلها لكان شريكا تته تعالى، ولم يكن لله تعالى ملك السماوات ~~والأرض. # فالقصد بذكر ملك السماوات والأرض وما بينهما في الآية الأولى: أن يبين أن ~~المسيح مخلوق ومملوك ليس بإله ولا بابن الله، إذ لو كان إلها كما زعموا لما ~~كان الله ملكا لجميع السموات والأرض وما بينهما، ولما تهيأ إهلاك المسيح، ~~وكان هذا احتجاجا عليهم خاصة بأنه مخلوق وأن الله يخلق ما يشاء من أمثاله # PageV01P447 # بدلالة أنه قادر على إهلاكه، وفي ذلك جواب عن المسألة الثانية، وهي صلة ~~الاولى بقوله: (يخلق ما يشاء) . # وأما الآية الثانية وهي قوله: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه) فروي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود حين حذرهم النبي نقمات الله ~~وعقوبته قالوا: لا تخوفنا، فإنا أبناء الله وأحباؤه. # وقيل: إن اليهود تزعم ان الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من ~~الولد وقال الحسن: وإنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد والنصارى ~~تألوا ما في الإنجيل من قوله: أذهب إلى أبي وأبيكم. # PageV01P448 # وقيل: بل لما قالوا المسيح ابن الله أجري على القائلين بذلك مثل ما تجري ~~العرب على الواحد من هذيل، إذ قالوا: نحن الشعراء، والمراد: منا، وكما يجري ~~رهط مسيلمة هذا الإطلاق على قبيلتهم فيقولون: نحن الأنبياء، لما قال واحد ~~منهم ذلك وتابعه الباقون عليه. # PageV01P450 # فلما كان هذا مقال الفريقين رد الله تعالى عليهم قولهم مع اعترافهم بأنهم ~~يعذبون بذنوبهم، إذ لو لم يقولوا ذلك لأباحوا ارتكاب الفواحش، فقال: (فلم ~~يعذبكم بذنوبكم) والأب المشفق ms069 على ولده لا يعذبه، وكذلك الحبي لا يذب ~~حبيبه، فكان هذا احتجاجا عليهم بما يعتقدون صحته من عذاب الآخرة، فإنكم ~~لستم لله تعالى بأبناء ولا أحباء. # ثم قال: وهو المتفرد بملك السموات والأرض وما بينهما، وأنه لا ولد له ولا ~~نظير ولا شريك له، # إذ لو ثبت له ذلك تعالى الله عنه لما كان ملكا لجميعه. # PageV01P451 # فلما احتج على إبطال قولهم بما يعتقدون صحته من عذاب المذنب منهم وذلك من ~~أحوال الآخرة ثم احتج بملكه السموات والأرض على ذلك قرن إليه قوله: (إليه ~~المصير) أي: مآل الخلق إلى أن لا يملك أحد لهم نفعا ولا ضرا غيره تعالى. ~~وفي جواب المسألة الثانية من اقتران ما اقترن بذكره ملك السموات والأرض وما ~~بينهما في الآيتين. # PageV01P452 # 40 الآية الخامسة منها # قوله عز وجل: وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. المائدة: 20. # وقال في سورة إبراهيم 6: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون. # للسائل أن يسأل فيقول: هل للتنبيه في الآية الأولى من سورة المائدة ~~بقوله: يا قوم، فائدة لم يكن مثلها في الخطاب الواقع في سورة إبراهيم لما ~~لم يقل فيه يا قوم: # والجواب أن يقال: إن تسمية المخاطب بندائه مع إقبال عليه يفيد مبالغه في ~~التنبيه له. # PageV01P453 # فإذا قال القائل: افعل كذا يا فلان، فكأنه قال: أعينك بخطابي لا غيرك، ~~ممن يصح ألأن ينصرف الخطاب إليه، ألا ترى أنه إذا عزي من النداء صلح لكل ~~مخاطب، فإذا قارن النداء الأمر كان مقصورا على صاحب الاسم الذي دخله حرف ~~النداء والمبالغة في التنبيه حقها أن لا تكون في الأهم الأعم نفعا. # وقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه اقوم اذكروا يصح أن يجاب عنه بجوابين. # أحدهما: أن يقال لما نبههم على ما خصهم به من الإكرام ليشكروا على هذه ~~النعم العظام بأن جعل فيهم أنبياء مقيمين بين ظهرانيهم، يدعونه إلى طاعة ms070 ~~ربهم ويثنون *** عن المحظور من شهواتهم، وأن جعلهم ملوكا # PageV01P454 # حيث أغناهم بما أنزل عليهم من المن والسلوى، عن الحاجة إلى الناس في ~~التماس الرزق من أمثالهم، وتكلف خدمتهم وأعمالهم، وبما ملكهم من المال ~~والعبيد والإماء الذين كانوا يخدمونه ويكفونهم ما يحتاجون إلى مباشرته ~~بأنفسهم. والمنبه عليه في هذا المكان أشرف ما يخوله الإنسان من النبوة التي ~~لها أشرف منازل الثواب، والملك الذي هو غاية ما تسمو الهمم في دار التكليف ~~فنبهوا، # PageV01P455 # بأبلغ الألفاظ ليقوموا بشكر ما عليهم من الأنعام، والآية التي في سورة ~~إبراهيم تنبيه على ما صرف عنهم من البلاء، وليس عو كالتنبيه على تخويل أشرف ~~العطاء مع صرف البلاء. # وجواب ثان وهو أن المن والسلوى مما لم ينعم به على أحد قبلهم ولا بعدهم، ~~فلذلك قال: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، فإذا نبهوا على شكر نعمة ~~خصوا بها دون الناس كلهم كانت المبالغة في ذلك أولى. # وجواب ثالث وهو أن يقال: لما جعل الخطاب بعد قوله: يا أهل الكتاب في ~~آيتين، وصدر المخاطبات نبه فيها المخاطبين بمناداتهم فيما حكى من أقوالهم، ~~كقوله تعالى بعده، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ~~المائدة: 21، وقوله: قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين، المائدة،: 22 ~~وبعده: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، المائدة: 24، ~~وبعده # PageV01P456 # قوله: قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، المائدة: 25، كان الاختيار أن ~~يجري مجرى نظائره المتقدمة والمتأخرة ولم يكن شيء من ذلك في الآية التي في ~~سورة إبراهيم، فلم يذكر هناك، يا قوم، لهذا. # PageV01P457 # وقد اختلف الناس فيمن يسمى ملكا، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد ~~ابن أسلم، والحسن أقل الحال التي إذا كانت كان الإنسان بها ملكا الدار، ~~والمرأة والخادم. # PageV01P458 # وقال غيرهم: الملك: الذي له ما يستغني به عن تكلف الأعمال وتحمل المشاق ~~للمعاش. # وبنو إسرائيل سموا ملوكا لما من الله تعالى عليهم به من المن والسلوى ~~والحجر، والغعمام، عن ابن عباس وغيره. # PageV01P459 # وقال الحسن، ms071 لأنهم ملوك، أنفسهم بالتخلص من القبط، الذين كانوا ~~يستعبدونه. # وقال السدي: ملك كل واحد منهم، نفسه وأهله وماله، وقال قتاده، كانوا أول ~~من ملك الخدم. # PageV01P460 # فأما قوله: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يريد من عالمي زمانكم، كما قال تعالى: وأني فضلتكم على ~~العالمين، البقرة، 47، 122، أي على عالمي زمانكم. # ويحتمل أن يراد هاهنا: أتاكم المن والسلوى، وهما مما لم يؤت أحدا من ~~العالمين وقد ذكرته قبل. # PageV01P461 # 41 الآية السادسة منها # قوله عز وجل: ومن لم يحكم بنما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، المائدة: ~~44. # وبعده: فأولئك هم الظالمون، المائدة: 45 # وبعده: فأولئك هم الفاسقون، المائدة: 47 # للسائل أن يسأل فيقول: الموضع الذي وصف فيه من لم يحكم بكتاب الله بالكفر ~~هل باين الموضع الذي وصف فيه تارك حكم الله بالظلم والفسق. # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى قوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ~~استحفظوا من كتاب الله وكانوا عله شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. المائدة: ~~44 # قال فيها بعض أهل النظر: إن من فيها ليست ك من في المجازاة، وإنما هي ~~بمعنى الذي ويصح دخول الفاء في جوابها كما تدخل في جواب الشرط # PageV01P462 # لتضمنها ذلك المعنى وإن كان لا يجازى بها، وهو كقولك، الذي يزورني فله ~~درهم، إذا أوجبت له بالزيارة، إن لم ترد: من يزرني فله درهم. # فقوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله في هذه الآية، المراد به اليهود الذين ~~كانوا يبيعون حكم الله بما يشترونه من ثمن قليل يرتشونه فيبدلون حكم الله ~~باليسير الذي يأخذون، فهم يكفرون بذلك. # وأما أن يكون الحكم بخلاف ما أنزل الله كفرا فهو مذهب الخوارج، يذهبون ب ~~من هنا إلى الشياع الذي في المجازاة، وهذا مخصوص به اليهود الذين تقدم ~~ذكرهم وتبديلهم حكم الله تعالى ليكذبوا رسول الله وذلك كفر. # PageV01P463 # وأما الآية الثانية ms072 فهي فيهم أيضا لقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس،، المائدة: 45، ومعناه: كتبنا على هؤلاء في التوراة، فرد ~~الذكر، إلى الذين هادوا، وهم الذين كفرهم لتركهم دين الله، والحكم بما ~~أنزل، ثم # PageV01P464 # وصفهم بعد خروجهم عن حكم الله في القصاص بين عباده في قتل النفس وقطع ~~أعضائها بأنهم، مع كفرهم الذي تقدم ذكره، ظالمون، وكل كافر ظالم لنفسه إلا ~~أنه قد يكون كافر غير ظالم لغيره، فكأنه وصف في هذه الآية بصفة زائدة على ~~صفة الكفر بالله، وهي ظلمه لعباد الله تعالى بخروجه في القصاص عن حكم الله ~~ومن لم يحكم في هذه الآية، المراد بهم، الذين لا يحكمون من اليهود. # وأما الآية الثالثة فإنها بعد قوله: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه ومعناه، قيل لهم في ذلك الزمان وأمروا أن يحكموا به، ومن لم يحكم # PageV01P465 # بما أنزل الله، قال فيه من حكيت عنه قوله من المتقدمين أنه بمعنى الذي. # والذي أذهب إليه أنا: أن من هاهنا بمعنى المجازماة، لا بمعنى الذي كما ~~تقول فيمن لم يحكم/ بما أنزل لله منا، إنه لا يبلغ منزلة الكفر، وإنما يوصف ~~بالفسق، فلذلك قال: فأولئك هم الفاسقون. # فقد بان أن كل موضع من الآيات الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل: بالكفر ~~والظلم والفسق، إنما وجب فيه # PageV01P466 # النصارى، وعلى ضوء ذلك ذكر مناسبة ختم الأولى بالكافرين، وختم الثانية # بالظالمين ولم يذكر مناسبة ختم الآية الثالثة بالفاسقين لوضوحها والله ~~أعلم لأنه تقدم قوله تعالى: وليحكم وهو أمر، فناسب ذكر الفسق لأن من يخرج ~~عن أمر الله تعالى يكون فاسقا كما قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، الكهف: 50، أي خرج عن ~~طاعة أمره تعالى، ينظر البحر المحيط لأبي حيان. # وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من أن هذه الآيات الثلاث في أهل الكتاب هو ~~رأي جمع من المفسرين كأبي صالح والضحاك وعكرمة، وهو اختيار الطبري في ~~تفسيره، والنحاس في كتابه إعراب القرآن، وهناك ms073 أقوال أخرى ذكرها المفسرون، ~~والراجح، وإن كان السياق في أهل الكتاب أن ظاهر هذه الآيات: العموم، وإلى ~~ذلك ذهب ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحسن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، فكل من استحل الحكم بغير ما أنزل الله جاحدا به فهو كافر. ~~وأما من لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر تارك الظالم الفاسق. # قال الطبري في تفسيره: فإن قائل الله تعالى ذكره قد عم بالخير بذلك عن ~~جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم ~~بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر ~~عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه، كافرون، وكذلك القول في كل من ~~لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه ~~بجحده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير نبوة نبيه بعد علمه أنه ~~نبي. # قال الآلوسي رحمه الله في تفسيره ولعل الله تعالى وصفهم بالأوصاف الثلاث ~~باعتبارات مختلفة، فالانكارهم ذلك وصفوا بالكافرين، ولوضعهم الحكم في غير ~~موضعه وصفوا بالظالمين، ولخروجهم عن الحق وصفوا بالفاسقين، وهو أي الآلوسي ~~يرى أيضا أن الخطاب يشمل اليهود وغيرهم فيقول: والوجه أن هذا كالخطاب عام ~~لليهود وغيرهم، وهو مخرج مخرج التغليظ # PageV01P467 # ذاك، ولم يحسن فيه غيره هناك، فاعلمه. # PageV01P468 # 42، الآية السابعة منها # قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم، ~~المائدة 119 # وقال في سورة براءة 88-89 (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) . # وقال بعده: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم، التوبة: 100 # وقال في سورة النساء: 13، (ومن يطع ms074 الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) ، وكان حقها أن تذكر في موضعها، ~~لكي لم تحضرني هناك فذكرتها مع أخواتها، وإن كان ذكرها مقدما في القرآن. # وقال في سورة الحديد 12، (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) . # PageV01P469 # وفي المجادلة 22: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) . # وقال في سورة الطلاق11: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) . # للسائل أن يسأل عن مسائل فيقول: # لم لم يذكر في سورة براءة في الآية الثانية في قوله: (تحتها الأنهار) ~~لفظة من في قراءة الأكثرين، وقد ذكر في الآي الأخرى؟ # PageV01P470 # والثاني: لم حذف (ابدأ) في بعض المواضع ولم يحذف في بعضها؟ # والثالث: لم ذكر في سورة النساء 13: (وذلك الفوز العظيم) وفي سورة ~~الحديد12: (ذلك الفوز العظيم) وفي غيرهما (ذلك الفوز العظيم) ؟ # ولجواب عنه أن يقال: إن الآية الأولى وهي قوله تعالى (هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم) وإن كانت عامة في كل صادق مؤمن فإنها خرجت على يبكت الله ~~به النصارى من دعاويهم الباطلة، ومقالاتهم الكاذبة منسوبة إلى عيسى عليه ~~السلام في قوله (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله..) المائدة: 116 فانكشف هذا عن صدقه عليه السلام، ~~وكذب القوم لما أجاب وقال: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) المائدة: 117، ~~فلفظة الصادقين # في قوله: (هذا يوم ينفع الصادقين # PageV01P471 # صدقهم) أي: الذين صدقوا في الدنيا، ينفعهم اليوم صدقهم. والصادقون يجوز ~~أن يكون منصرفا إلى عيسى وأمثاله من الأنبياء صلوات الله عليهم لقوله عز # وجل: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين) الصافات: 37 أي قال: هم الصادقون، ~~فتكون الإشارة بالألف واللام إليهم صلوات الله عليهم، وإن كان كل صادق ~~داخلا في حكمهم من الانتفاع بصدقه. # وكذلك ms075 الآية التي في آخر المجادلة خرجت على ذكر الرسل لقوله تعالى: (كتب ~~الله لألغبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) المجادلة: 21 ثم قال: (أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم ~~قال: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) المجادلة: 22 فكان ~~الذين أخبر الله عنهم بأن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار: الأنبياء وغيرهم ~~صلوات الله عليهم. # PageV01P472 # ومن لابتداء الغاية، والأنهار مباديها أشرف، والجنات التي مبادء الأنهار ~~من تحت أشجارها أشرف من غيرها. # فكل موضع ذكر فيه (من تحتها) إنما هو عام لقوم فيهم الأنبياء، والموضع ~~الذي لم يذكر فيه من إنما هو لقوم مخصوصين، ليس فيهم الأنبياء عليهم السلام ~~ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة براءة، والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. # فجعل مبادئ الأنهار تحت جنات أخبر الله أنها للصادقين والمؤمنين والذين ~~عملوا الصالحات، وفيهم الأنبياء عليهم السلام، بل هم أولهم، والمعتاد أنها ~~أشرف الأنهار. # والآية التي في سورة المجادلة فيها الأنبياء عليهم السلام والآية التي في ~~سورة براءة قد خرج الأنبياء عنها، لأن اللفظ لم يشتمل عليهم، فلم يخبر عن # PageV01P473 # جناتهم بأن أشرف الأنهار على مجرى العادة في الدنيا تحت اشجارها كما أخبر ~~به عن الجنات التي جعلها الله لجماعة خيارهم الأنبياء عليهم السلام، إذ لا ~~موضع في القرآن ذكرت فيه الجنات وجري الأنهار تحتها إلا ودخلتها من سوى ~~الموضع الذي لم ينطو ذكر الموعودين فيه على الأنبياء عليهم السلام، فهذا ~~الكلام في من تحتها، اعتبروا بما ذكرت ما جميع القرآن. # وأما الجواب عن حذف أبدا في بعضها والاتيان في بعضها فهو أنها إنما حذفت ~~عن أولى الآيتين اللتين في براءة آية في سورة # PageV01P474 # المجادلة، لأنه ذكر قبل الآية التي في سورة براءة، وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون، وبعد الآية التي في آخر سورة المجادلة رضي الله ms076 عنهم ~~ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون فاستغنى بذكر خالدين ~~عن ذكر قوله أبدا في هاتين الآيتين من فلاحهم وثناء الله عليهم لما طال ~~الكلام. # وأما في سورة النساء فإنها لمك تذكر أبدا لأنه بعده في مقابلة خالدين ~~فيها قوله خالدا فيها ولم يقل أبدا فلو ذكر فيهما أبدا لطال الكلام، ~~فاستغنى بقوله خالدين وخالدا فيهما عن ابدا. # وأما في سورة الحديد فلأنه ذكر قبله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى ~~نورهم بين ايديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها # PageV01P475 # ذلك هو الفوز العظيم، الحديد، فلما طال الكلام في مدحهم وذكر بعد ذلك ~~تأكيدا بقول الله تعالى هو استغنى بقوله خالدين عن ابدا. # وهذا الجواب عن إدخال هو بعد ذلك لأنه ذكر ذلك بدلا وتأكيدا عن أبدا وليس ~~كذلك في المواضع الآخر. # وأما إدخال الواو في قوله وذلك الفوز العظيم في سورة النساء المحذوف أبدا ~~عنه فلإدخال الوار في قرينة الكافر وله عذاب # PageV01P476 # مهين، النساء، فأدخل الواو فيه، أي وذلك لهم الفوز العظيم وليس كذلك في ~~المواضع الآخر، إذا قرآت ما قبلها وما بعدها تبين لك ما قلت فارفه. # انقضت سورة المائدة عن سبع آيات فيها ثماني مسائل. # PageV01P477 # تم الجزء الأول من درة التنزيل وغرة التأويل ويليه الجزء الثاني # وأوله سورة الأنعام # PageV00P000 # اصل هذا العمل رسالة دكتوراه بعنوان درة التنزيل وغرة التأويل كلية ~~الدعوة وأصول الدين بمكة المكرمة قسم الكتاب والسنة أوصت لجنة المناقشة ~~بطبعها # وبالله التوفيق # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنعام # الآية الأولى منها # قوله عز وجل: فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف أتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزءون، الأنعام: 5 # وقال في سورة الشعراء: فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون. # للسائل أن يسأل فيقول: قد ذكر في الآية التي في الأنعام ما كذبوا به وهو ~~الحق لما جاءهم وقال، فسوف يأتيهم، وفي سورة الشعراء لم يذكر ما كذبوا به، ~~وجعل بدل سوف السين، فهل كان يجوز أحدهما ms077 مكان الآخر؟ # فالجواب أن يقال إن الآية والأولى قد وفي المعنى فيها حقه من اللفظ، ~~لأنها سابقة للثانية وإن كانتا مكيتين فاشبعت ألفاظ الأولى مستوفية ~~لمعناها. # PageV02P478 # وفي الآية الثانية اعتمد على الاختصار لما سبق في الأولى من البيان اقتصر ~~على قوله كذبوا وهذا اللفظ إذا أطلق كان لمن كذب بالحق، ألا ترى قوله عز ~~وجل ويل يومئذ للمكذبين المرسلات وإذا قيد جاز أن يقول: # كذب وكذب الصدق، وكذب مسيلمة وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه إذا ~~عري عن التقييد لم يصح إلا لمن كذب بالحق، فصار قوله تعالى في الشعراء من ~~هذا القبيل بعد البيان الذي سبق في سورة الأنعام. # ولما بنيت هذه الثانية على الاختصار والاكتفاء بالقليل من الكثير جعل ~~فيها بدل سوف السيف وحدها، وهي مؤدية معناها. # ومن النحويين من ذهب إلى أنها من سوف وإن كان ذلك عندنا # PageV02P479 # ليس بصحيح. # الآية الثانية: # قوله عز وجل متصلا بالآية التي تقدم ذكرها: ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم. الأنعام. # وقال في سورة الشعراء متصلا بذلك بتلك الآية التي ذكرنا: أو لم يروا إلى ~~الأرض كم أنبتنا فيها من زل زوج كريم، الشعراء 7 # للسائل أن يسأل فيقول: ما با الألف في الأية الأولى دخلت على لم وفي ~~الآية الثانية دخلت على ولم فكان بين الألف ولم واو العطف ولم يكن في سورة ~~الأنعام؟ وما الفصل بين ألم وألأو فهل ما في الشعراء مكان ما في سورة ~~الأنعام أم لا. # PageV02P481 # والجواب أن يقال: إن الألف تدخل على واو العطف في الاستخبار والإنكار ~~والتقريع على تقدير أن تكون الجملة التي فيها الواو معطوفة على الكلام ~~مثلها يقتضيها وذلك كقولك لقائل: هل رأيت زيدا ثمة؟ أو زيد؟ ممن يكون ثمة ~~فصورته بصورة من ثبت ذلك عنده أو قاله، فاستفهمه وعطفت على ما توهمت أنه في ~~علمه أو وهمه. # PageV02P482 # فكل موضع فيه بعد ألف الإنكار واو ففيه تبكيت على ما يسهل الطريق ms078 إلى ما ~~بعد الواو، فالاعتبار به لكثرة أمثاله كقوله تعالى: أو لم يروا إلى الأرض ~~كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم، كأن قائلا قال: كذبوا الرسول وغفلوا عن ~~الفكر والتدبر فقد فعلوا ذلك ولم ينظروا إلى المشاهدات التي تنبه الفكر ~~فيها من الغفلة. # وكذلك قوله تعالى: ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أو لم يروا إى ~~الطير فوقهم # صافات، الملك، 18/19. كأنه قال: كذبوا ولم ينظروا إلى ما يردع عن الغفلة ~~من الفكر في المشاهدات. # وكذلك قوله: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتقيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون، النحل: 48، لأن ذلك مشاهد. # وكل ما فيه واو مثل أولم يروا فهو تنبيه على ما تقدمه في التقدير أمثال ~~منبهةو لكثرتها، فالتكبيت فيه أعظم، هذا كله في المشاهد وما في حكمه. # PageV02P483 # وما ليس فيه واو مثل ألم يروا فهو مما لم يقدر قبله ما يعطف عليه ما ~~بعده، لأنه من باب ما لا يكثر مثله، وذلك فيما يؤدي إلى علمه الاستدلالات ~~كقوله تعالى في سورة الأنعام: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم ~~في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري ~~من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم، الأنعام: 6 وهذا مما لم يشاهدوه ولكن علموه. # وكذلك قوله: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون، ~~يس: 31 هو ما الطريق إلى العلم به الاستدلال لا المشاهدة. # فهذا ونحوه مما لم يكثر في معلومهم أشباهه، فهم ينبهون عليه ابتداء من ~~غير تقدير تنبيه على شيء مثله مما قبله. # PageV02P484 # فإن عارض معارض بقوله تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء، ~~النحل: 79، وقال هذا من القسم الذي يشاهد، وحقه أن يكون ملحقا بقوله، أولأم ~~كما كان قوله أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات، الملك: 19، وهما في شيء ~~واحد، فما بالك اختلفا من حيث وجب أن يتفقا؟ # والانفصال أن يقال: إنا عللنا موضع ألم بما ms079 يوجب أن يكون هذا الموضع من ~~أماكنها، ألا ترى أنا قلنا، هو كل موضع ينبهون عليه ابتداءا من غير تنبيه ~~على شيء مثله مما قبله، فعللنا المشاهدات بما يخرج هذا عنها، لأن قبل هذه ~~الآية: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفدة لعلكم تشكرون، الم يروا إلى الطير مسخرات، النحل: 78- # PageV02P485 # 79. فبنيت هذه الآية على التي أخبر الله فيها عز وجل عن أول أحوال ~~الإنسان، وأنه أخرجهم أطفالا صغارا، من بطون أمهاتهم، لا يعلمون شيئا من ~~منافعهم فيقصدونها ولا من مضارهم فيتجنبونها، ثم بصرهم حتى عرفوا ونبههم ~~على ما يشاهده كل حي من تصرف الطير في الهواء وعجزه عن مثل ذلك. وكان هذا ~~مقرونا بأولى الأحوال، ولم يتقدمه أمثاله له يقع التنبيه عليها قبله فيكون ~~في حكم ما يعطف على ما تقدمه. # فإن عارض بقوله عز وجل: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون، أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر، الروم: 36-37، وقال إن ذلك مما لا يعلم ولا يشاهد، وحكمه أن يكون ب ~~ألم. # PageV02P486 # قيل له: التوسعة في الرزق والتقتير فيه لما كانت لهما أمارات ترى وتشاهد ~~من أحوال الغنى والفقر صار أمرهما كالمشاهدات فكانا مما شوهدت أمثال لهما ~~فعطف عليها. # فإن سأل عما جاء بالفاء في قوله تعالى: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض، سبأ: 9، وقال: ما الفرق بين هذا المكان الذي جاءت ~~فيه الفاء وبين الأماكن التي جاءت فيها الواو؟ وهل كان يصح في اختيار ~~الكلام الواو مكان الفاء ها هنا؟ # فالجواب أن يقال: الفاء هاهنا أولى/ لأن قبلها: وقال الذين كفروا هل ~~ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد، أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد، أفلم ~~يروا إلى ما بين أيديهم # PageV02P487 # وما خلفهم من السماء والأرض، سبأ: 7-9 فكأنه ms080 قيل فيهم، أنهم كذبوا الله ~~ورسوله بما أنكروه من البعث، فلم يتفكروا ولم يخشوا غقيب هذا المقال نقمة ~~تنزل بهم فقيل: لم يتفكروا ولم يخشوا أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض، أي: هم لا ينفكون من أرض تقلهم وسماء تظلهم، والذي ~~جعلها تحتهم وفوقهم قادر على أن يخسف الأرض بهم، أو يسقط السماء عليهم، ~~فهذا موضع الفاء، لا موضع غيرها، # PageV02P488 # لما بينها. # PageV02P489 # الآية الثالثة منها: # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين، ~~الأنعام: 11. # وفي سورة النمل: 29: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين. # وقال في سورة العنكبوت 20: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ~~ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير. # وقال في سورة الروم 42: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبل كان أكثرهم مشركين. # للسائل أن يسأل فيقول: التي في سورة الأنعام ما بين السر والنظر فيها ~~مهلة متراخية، عبر عنها ب ثم وسائر الآي المهلة بينهما فيها أقل فعبر عنها ~~بالفاء، فما الذي خصص الأولى ب ثم والباقية بالفاء؟ # والجواب عن ذلك أن يقال: إن قوله: ... سيروا في الأرض فانظروا، يدل على ~~أن السير يؤدي إلى النظر فيقع بوقوعه، وليس كذلك ثم ألا ترى الفاء وقعت في ~~الجزاء، ولم تقع فيه ثم. # PageV02P490 # فقوله في سورة الأنعام: قل سيروا في الأرض ثم انظروا لم يجعل النظر فيه ~~واقعا عقيب السير، متعلقا وجوده بوجوده، لأنه بعث على سير بعد سير لما تقدم ~~من الآية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل ~~الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ليروا أثرا بعد اثر، في ديار بعد ديار قد عمم ~~أهلها بدمار، لقوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكانهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم، ثم قال: فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين. الأنعام: 6 # فذكر في قوله: كم أهلكنا من قبلهم من قرن أي: ms081 قرونا كثيرة أهلكانهم، ثم ~~قال، وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين، فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ~~ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ~~ملاصقة السير، كما قال في المواضع الآخر التي دخلها الفاء لما قصد فيها من ~~معنى التعقيب واتصال النظر بالسير، إذ ليس في شيء من الأماكن التي ~~استعملتها فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل ~~الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا المكان مأمورا به على # PageV02P491 # حدة، والنظر بعده مأمورا به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء ~~علق فيها وقوع النظر بوقوع السير، لأنه لم يتقدم الآية ما يحدوا على السير ~~الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية، فلذلك خصت ب ثم التي تفيد تراخي المهلة ~~بين الفعلين والله أعلم. # PageV02P492 # الآية الرابعة منها: # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو ~~على كل شيء قدير، الأنعام: 17 # وقال في سورة يونس: 107، وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله. # للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب أن يقرن إلى جملتي الشرط والجزاء في ~~الآية الأولى: وإن يمسسك، ويجعل جواب الشرط الثاني: فهو على كل شيء قدير ثم ~~قرن في الآية الثانية إلى جملتي الشرط والجزاء وإن يردك بخير ويجعل جوابه ~~فلا راد لفضله فخالف الأول؟ # والجواب أن يقال: إن السورتين اللتين وقعت فيهما الآيتان مكيتان، والأولى ~~منها قبل الثانية. # PageV02P493 # فأما التي في سورة الأنعام وهي: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~فمعناها، إن يمسسك الله ضرا وهو سوء الحال، فلا مزيل لع غير الله ولا يملك ~~ما يعبد من دونه كشفه. # ومعنى يمسسك ينلك لأن المماسة في الأعراض مجاز وتوسع في اللغة فمعنى مسه ~~الله بضر: أنا له الله ضرا وأوصله إليه. # وقوله: وإن يمسسك بخر فهو على كل شيء قدير أي: إن ينلك خيرا يرج الأكثر ~~منه، ms082 لأنه قادر عليه وعلى أمثاله، والدليل على أن المعنى هذا. # PageV02P494 # أن الجزاء إذا كان جملة ابتداءا وخبر فإن معنى الخبر يكون جزاءا ومقدرا ~~في مكان الفاء، كقولك: إن زرتي فأنا مكرم لك، وإن أحسنت إلي فأنا قادر على ~~مقابلتك، والتقدير: إن زرتي أكرمك، وإن أحسنت إلى قدرت على مقابلتك، وفي ~~قولك: قدرت على مقابلتك ضمان المقابلة. # وأنت إذا قدرت قوله تعالى: وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير، وإن ينلك ~~خيرا يقدر عليه، لم يستقم الكلام، لأن الجزاء حقه أن يكون بعد الشرط، ~~والقدرة على الفعل لا تكون بعده، والمعنى، إن ينلك خيرا يرج لأمثاله، لأنه ~~قادر عليه، وعلى كل شيء قدير، وكونه تعالى قادرا من صفات النفس، وإنالة ~~الخير فعل من أفعاله، فلا يصح أن يكون كونه قادرا متأخرا عنها. # PageV02P495 # فالمعنى: إن نقلك إلى سوء حال لم يملك كشفه عنك غيره، وذلك كشدائد الدنيا ~~من الأمراض والآلام والنقصان في الأموال. وإن نقلك إلى حسن حال، كان بعده ~~قادرا على أمثاله، ومالكا لأضعافه، لأنه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدورا ~~عليه له، فهذا وصفه بالقدرة على النفع والضر. # وأما الآية الثانية ففيها نفي أن يغالبه مغالب، ويمنعه عما يريد فعله ~~مانع، لأن معناها: إذا أنزل بك مكروها لم يقدر أحد على دفع ما يريد إيقاعه ~~بك، وإن أراد إحلال خير بك لم يرده أحد عنك، وهو معنى: لا مانع لما أعطيت ~~ولا معطي لما منعت. # PageV02P496 # ورتبة هذا الوصف بعد رتبة الوصف الأول، لأنه يوصف الفاعل أولا بقدرته على ~~الضدين، وليس كل من كان كذلك كان ممتنعا عن أن يقهره قاهر فيحول بينه وبين ~~ما يريد فعله، فإذا وصفه بأنه قادر غالب للقادرين لا يدفعه عن مراد له دافع ~~وصفا ثانيا، فلاق بكل موضع ما ورد فيه ونطق القرآن به. # فالذي اقتضى هذا الوصف في الآيتين قوله تعالى قبل الأولى: (.. قل إني ~~أمرت أن أكون أول مسلم ولا تكونن من المشركين) (الأنعام: 14) أي: إني لا ~~أعبد إلها معه ms083 فأشرك به. # وقوله قبل الآية الثانية: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفع ولا يضر فإن ~~فعلت فإنك إذا من الظالمين) (يوسف: 106) ، ومثلها قوله تعالى: (.. قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته..) (الزمر: 38) . # PageV02P497 # (47) الآية الخامسة منها: # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح الظالمون) (الأنعام: 21) . # وقال تعالى في سورة يونس (17) : (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) . # للسائل أن يسأل عن موضعين في الآيتين: # أحدهما: عن الواو في الأول الآية الأولى وهو (ومن أظلم) ، والفاء في أول ~~الآية الثانية وهو (فمن أظلم) ؟ # والثاني: عن اختصاص آخر الآية الأولى بقوله: (الظالمون) واختصاص آخر ~~الآية الثانية بقوله: (المجرمون) ؟ # PageV02P498 # والجواب عن الأول أن يقال: إن ما تقدم الآية الأولى من قوله: (قل أي شئ ~~أكبر شهادة..) إلى قوله: (ومن أظلم..) جمل عطف صدور بعضها على بعض الواو، ~~ولم تتعلق الثانية بالأولى تعلق ما هو من سببها، فأجرى قوله: (ومن أظلم) ~~مجراها، وعطف بالواو عليها، ألا ترى قوله: (.. وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ..) وبعده: (.. وإنني برئ مما تشركون) (الأنعام: 19) . # وأما الآية الثانية فإن ما قبلها عطف بعضها على بعض بالفاء كقوله تعالى: ~~(قل لو شاء الله ما تلوته عليكم به فقد لبث فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) ~~(يونس: 16) فتعلق كل ما بعد الفاء بما قبله تعلق المسبب بسببه، لأنه ~~المعنى: لو أراد الله أن لا يوحي إلي هذا القرآن لما تلوته عليكم ولا عرفكم ~~إياه في # PageV02P499 # هذا الوقت الذي أخبرتكم أن الله بعثني به إليكم، وهذا يؤديكم إلى أن ~~تعلموا أني طويت فيكم شيئا مما تلوته الآن، فيؤديكم هذا إلى أن تعرفوا صحة ~~ما أقول إنه من عند الله، لا من فعلي وقولي، فعطف بعض هذا الكلام على بعض ~~بالفاء. وقوله بعده: (فمن أظلم) أي: إذا عرفتم أنه ليس ms084 من قولي لظهوره مني ~~بعد ما لم يكن فيما مضى من عمري، فليس أحد أشد إضرارا بنفسه منكم في قولكم ~~على الله ما لم يقله، فهذا موضع الفاء. وكل موضع في القرآن يكون بعد # هاتين الآيتين بالواو أو بالفاء فاعتبره بما بينه لك. وفي الأعراف أيضا: ~~(فمن أظلم) بالفاء فالجواب عنه مثل ما مضى. # PageV02P500 # والجواب عن السؤال الثاني أنه لما قال في الآية الأولى: (ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا..) وكان المعنى أنه لا أحد أظلم لنفسه ممن وصف الله ~~تعالى بخلاف وصفه فأوردها العذاب الدائم، كان قوله: (إنه لا يفلح) عائدا ~~إلى من فعل هذا الفعل، أي: لا يظفر برحمه الله ولا يفوز بنجاة نفسه من كان ~~ما ذكر من فعله، فبناء الآخر على الأول اقتضى أن يكون: (إنه لا يفلح ~~الظالمون) . # وأما الآية الثانية في سورة يونس وتعقيبها بقوله: (إنه لا يفلح المجرمون) ~~دون قوله: (إنه لا يفلح الظالمون) وإن كان الوصفان لفريق واحد، فلأنهما ~~تقدمتها الآية التي تضمنت وصف هؤلاء القوم بما عاقبهم به فقال: (ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتكم رسلكم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي # PageV02P501 # القوم المجرمين) (يونس: 14-15) فوصفهم بأنهم مجرمون عند تعليق الجزاء ~~بهم. # وقال بعده: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعلمون. وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات..) (يونس: 14- إلى الموضع الذي أبطل فيه حجتهم ~~ودفع سؤالهم وهو (..ائت بقرآن غير هذا أو بدله) يونس: 15 فقال تعالى: (إنه ~~لا يفلح المجرمون) ليعلم أن هؤلاء سبيلهم في الضلال سبيل القوم الذين أخبر ~~عن هلاكهم وقال: (كذلك نجزي القوم المجرمين) يونس: 13 ليوقع التسوية بينهم ~~في الوصف كما أوقع التسوية بينهم في الوعيد. # PageV02P502 # 48 الآية السادسة منها # قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يرو كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) الأنعام: 25. # وقال في سورة يونس 42-43: ms085 (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو ~~كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهتدي العمى ولو كانوا لا ~~يبصرون) . # للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (من يستمع إليك) في الآية الأولى، وتوحيد ~~الضمير العائد إلى من حملا على فظها؟ وعن قوله: (من يستمعون إليك) في الآية ~~الثانية، وجمع الضمير العائذ إلى من حملا على معناها؟ ولماذا اختص الأول ~~بالتوحيد والثاني بالجمع؟ وهل كان يجوز في الختيار عكس ذلك في المكانين؟ # والجواب أن يقال: إن لكل من الموضعين ما يوجب اختصاصه باللفظ الذي جاء ~~فيه فأما قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا كل قلوبهم أكنة أن # PageV02P503 # يفقهوه وفي آذانهم وقرا) ، فقد قيل فيه: إنه في قوم من الكفار كانوا ~~يستمعون إلى النبي وإلى قراءته بالليل، فإذا عرفوا بها مكانه رجموه وآذوه ~~ومنعوه من الصلاة خوفا من أن يسمعه منهم من تدعوه دواعي الحق فيسلم. وهذا ~~قوم قليلي العدد يرصدونه عليه السلام بالليل، وكان الله عز وجل يمنعهم عنه # PageV02P504 # بنوم يلقيه عليهم، وحجاب يحجبه به عنهم لقوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء: 45 فصار ~~ذلك كالكنان على قلوبهم، وكالصم في آذانهم. # وأما قوله تعالى: (ومنهم من يستموعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) ~~الآيتين، فهو في كل الكفار الذين يستمعون مسموعا هو حجة عليهم، وهو القرآن ~~ولا ينتفعون بسماعه، فكأنهم صم عنه. # فلما كانت من تصلح للواحد فما فوقه، ويجوز أن يعود الضمير إلى لفظه وهو ~~لفظ الواحد وإلى معناه، وهو ما يراد به من الواحد أو اثنين أو ثلاث، واختلف # PageV02P505 # هذان المكانان في القلة والكثرة حملت في موضع القلة على حكم اللفظ، وعاد ~~الضمير إليها بلفظ الواحد فقال: (ومنهم من يستمع إليك) وفي موضع الكثرة على ~~حكم المعنى، وعاد الضمير إليها بلفظ الجمع، فقال: (ومنهم من يستمعون إليك) ~~ليفاد بالاختلاف هذا المعنى، فلم يصلح في ms086 كل مكان إلا اللفظ الذ خصه مع ~~القصد الذي ذكرت. # فإن قال قائل: فعلى هذا وجب في الاختيار: ومنهم من ينظرون إليك، لأنهم ~~الأكثرون كالمستمعين؟ # PageV02P506 # قلت: إن المستمعين لما كانوا محجوجين بما يستمعون من القرآن كانوا ~~الأكثرين في الحجاج، وليس كذلك المنظور إليه، لأن الآيات التي رئيت بالعين ~~لم تكثر كثرة آيات القرآن التي سمعت بالآذان، فباين السامعون الناظرين في ~~الكثرة عند الحجاج، فلذلك عاد الضمير إليهم بلفظ الواحد. # PageV02P507 # 49 الآية السابعة منها # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين) الأنعام: 40. # وقال بعدها: (قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون) الأنعام: 47. # فقال في هذين الموضعين: (أرأيتم) . # وقال في هذه السورة: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) الأنعام: 46. # وقال في سورة يونس: 50: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا ~~يستعجل منه المجرمون) . # للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى قال في الموضعين الأولين اللذين قدمنا ~~ذكرهما: (أرأيتم) وفي الموضعين الأخريين: (أرأيتم) ، وهل كان الاختيار أن ~~يكون أحدهما مكان الآخر أم لا. # PageV02P508 # فالجواب أن يقال: إن النحويين في قوله تعالى: (أريأتكم) على مذهبين: # أحدهما: مذهب أهل البصرة، وهو أن الكاف في أرأيتك زيدا عاقلا للخطاب ~~كالكاف في أرأيتك زيدا عاقلا للخطاب كالكاف في ذلك وليست باسم، ويقولون ~~للاثنين: أرأيتكما زيدا عاقلا، # PageV02P509 # وللجماعة أرأيتكم زيدا عاقلا، وأرأيتك زيدا عاقلا؟ بمعنى: أعلمته عاقلا؟ ~~والتاء لا تتغير عن الفتح، وهي علامة الضمير دون الكاف، واكتفى بتثنية ~~الكاف وجمعها عن تثنية التاء وجمعها. # ومن مذهب أهل الكوفة في الآيتين أن التاء اسم، والكاف اسم مضمر، ~~والتقدير: أرأيتم أنفسكم إن أتاكم عذاب الله. والتاء موحدة اللفظ مع الكاف ~~التي تختلف باختلاف المخاطبين اكتفاء باختلافها عن اختلاء التاء. # PageV02P510 # ولا اتخلاف في ترادف الخطابين التاء والكاف على المذهبين، ولا يترادفان ~~إلا عند المبالغة في التنبيه، والمبالغة فيه هو أن يعلم المخاطب ms087 أنه لا ~~تنبيه بعد. # وما يتصل بقوله: (أرأيتكم) في الموضعين كلام يدل على ما إذا وقع لم ينفع ~~عنده الزجر والتنبيه. # وما يتصل بقوله: (أرأيتكم) في الموضعين كلام يدل على ما إذا وقع لم ينفع ~~عنده الزجر والتنبيه. # ألا تراه يقول: (أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون..) وعند إتيان العذاب وقيام الساعة لا ينفع الانتباه ولا يقع التنبيه ~~وأرأيتكم فعل متعد إلى مفعولين، والجملة التي هي: (إن أتاكم عذاب الله) ~~مضمنة مفعوليه. # PageV02P511 # وكذلك قوله: (أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون) معناه: أعلمتم إن أتاكم العذاب مفاجأة من حيث لا يعلم، أو عيانا ~~من حيث يشاهد، هل يهلك عنده إلا القوم الظالمون، وهم المخاطبون، أي هل يهلك ~~غيركم؟ . # فلما علق ب أرأيتكم جملة تتضمن مفعوليها، معنى الجملة تناهي الأمر في ~~تخويفهم بالخشونة إلى حيث ينقطع التنبيه عندها، كان هذا الموضع أحق المواضع ~~بالمبالغة فيه لمرادفة التنبيه، فلذلك # أتى بالتاء والكاف التين لا تخلوان من الخطاب على مذهبين. # PageV02P512 # على أن مذهب الكوفيين في الآيتين صحيح محتمل، الآية الأولى تقديرها: ~~أرأيتم أنفسكم داعية غير الله إن أتاكم عذاب الله؟ # والآية الثانية تقديرها: أرأيتم أنفسكم غير هالكة إن أتاكم عذاب الله ~~بغتة أو جهرة؟ وأرأيتم أنفسكم هل يهلك غيرها؟ لأنهم هم الظالمون. # أما الآيتين الأخريان اللتان اقتصر فيهما على أرأيتم ولم يترادف في كل ~~واحدة منهما الخطابان الدالان على التناهي في التنبيه إلى حيث لا تنبيه # PageV02P513 # بعده بذكر ما يفزعون به وينذرون قرب حلوله، فلأن الجملتين بعدهما لم ~~تتضمنا من المبالغة فيما يحذرون ما ينقطع التنبيه عنده. # أما الأولى فقوله (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ~~من إله غير الله يأتيكم به) أي: أعلمتم إن سلبكم الله صحة ما تحسون به ~~المشاهدات، وتعلمون به المغيبات إلها غير الله يردها عليكم؟ وليس هذا ~~استئصالا كما في الآيتين المتقدمتين. # وأما قوله: (أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل ms088 منه ~~المجرمون) فلأن قبله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يونس: 48. ~~مخبرا أنهم استعجلوا العذاب وقيام الساعة فنزلوا منزلة من لا يخافون ما ~~أوعدوا به، ولذلك قال: (ماذا يستعجل منه المجرمون) فلم يكن فيه صريح ~~الاستئصال والإفصاح بالهلاك، فكأنه لم يبلغ حدا لا مزيد للتنبيه فيه، بل هم ~~في تلك الحال # PageV02P514 # أحوج ما كانوا إلى الزجر، إذ لم يبلغ منتهاه، كما بلغ في اللآيتين ~~الأخريين، يستعجلون هلاكهم ولا يعلمون ومعناه: أعلموا هم طالبين هلاك ~~أنفسهم ما يستعجلونه من نزل عذاب الله بهم؟ # فقد بان هذا الفرق بين الآيات وما ترادفت فيه علامتا الخطاب وغيره مما ~~جرى على أصل الكلام والعلم عند الله تعالى. # PageV02P515 # 50 الآية الثامنة منها # قوله عز وجل: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا..) الأنعام: 70. # وقال في سورة الأعراف 50-51: (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين* الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا..) # وقال في سورة العنكبوت 64 (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهم ولعب) فقدم ~~اللهو على اللعبفي هاتين الآيتين. # وجاء في سورة الحديد20: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة) فقدم ~~اللعب هنا على اللهو # كما قدمه في سورة الأنعام. # للسائل أن يسأل فيقول: إذ كانت الواو للجمع بين الشيئين والأشياء بلا ~~ترتيب، فهل لتقديم أحد الاسمين على الآخر في موضع دون موضع، وتقديم الآخر # PageV02P516 # عليه في غير ذلك الموضع فائدة تخصه أم كان جائزا في كل مكان تقديم أيهما ~~شاء المتكلم لا لغرض يخصه؟ # فالجواب أن يقال: إن الآية الأولى التي في سورة الأنعام في قوم من ~~الكفار، كانوا إذا سمعوا آيات الله هزلوا عندها واستهزأوا بها، فهذا ~~اتخاذهم دين الله لعبا، وهو كما قال في آية أخرى: (وقد نزل عليكم في الكتاب ~~أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ويستهزأ بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم..) النساء: 140. # PageV02P517 # وقوله عز وجل (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا..) كقوله: (..فلا ~~تقعدوا معهم..) النساء 140 ms089 فهؤلاء قوم حضروا النبي وسمعوا القرآن، وعبثوا ~~عند سماعه ولعبوا بآياته، وأجروها مجرى أفعال يستروح إليها، ولا نفع في ~~عقباها، ثم شغلوا بدنياهم عن تدبرها وألهتهم حلاوتها عن الفكر في صحتها، ~~فأول أفعالهم لعب، وثانيها لهو، واللعب فعل في غاية الجهل تتعجل منه مسرة # واللهو قال فيه صاحب العين: ما شغل الإنسان من هوى وطرب. # فهؤلاء لما فعلوا عند سماع القرآن من الاستهزاء والعبث أطلق على فعلهم ~~اسم اللعب، ثم شغلوا عنه باستحلاء الدنيا كان هذا لهوا منهم بعد اللعب وكان ~~أول دينهم لعبا وما بعده لهوا، فلذلك قدم لعب على لهو في هذه الآية. # PageV02P518 # وأما قوله في سورة الأعراف: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين* ~~الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا..) الأعراف: 50-51، وتقديم اللهو على اللعب ~~في هذه الآية فلأن الكافرين هنا لعامة الكفار، غير مختص بمن سمع الآيات، ~~فقدم فعل أكثرهم على فعل أقلهم، وهم الذين شغلتهم الحياة الدنيا وحلاوتها، ~~والولاية وغباوتها، واستحلاء ما مرنت عليه طباعها، وهذا هو اللهو. # ثم كانت أفعالهم التي اقتدوا فيها بآبائهم لما طابت لهم ولم يجدوا في ~~العاقبة نفعا عليهم كاللعب الذي ينطوي على أفعال تبطل في الآجل وإن سرت في ~~العاجل، وهذا بعد الأول. # وأكثر الكفار دأبهم اللهو وإن شغلتهم الحال التي استصحبوها عن الفكر # PageV02P519 # فيما يطرأ عليها فوجب لهذا تقديم ذكر اللهو لوجهين: لتقدمه على ما هو ~~كالعب ولأنه أكثرهم. واللعب الذي أريد به في الآية الأولى فعل أقلهم وهو ~~هناك أول ما رد به ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. # وأما قوله تعالى في سورة الحديد: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد..) ، وتقديم اللعب فيع على ~~اللهو فلأن معناه: الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها من أعمال ~~الآخرة مقسومة من الصبا، وهو وقت اللعب، وبعده اللهو، وهو الترويح عن النفس ~~بملاعبة النساء ويتبع ذلك ms090 أخذ الزينة لهن ولغيرهم، ومن أخذ الزينة تنشأ ~~مباهاة الأكفاء ومفاخرة الأشكال والنظراء، ثم بعده المكاثرة بالأموال # PageV02P520 # والأولاد، فترتيب الحياة على هذه الأحوال يوجب تقديم حال اللعب على حال ~~اللهو. # واللهو إذا أطلق في كلامهم فهو اجتلاب المسرة بمخالطة النساء، ولذلك قال ~~امرؤ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم انني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي # PageV02P521 # وقال الآخر: # لهونا بمنجول البراقع حقبة فما بال دهر لزنا بالوصاوص # وقيل في قوله تعالى (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين* لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) الأنبياء: 16-17. # قيل في تفسير الهو: المرأة، وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة ~~أي: لفعلناه من حيث يختص بعلمنا، فلا يطلع عليه غيرنا، تعالى الله عن ~~الصاحبة والولد، فعلى هذا سميت المرأة لهوا باسم الفعل لكثرة ما يقع ذلك ~~بها. # PageV02P522 # وأما قوله تعالى في سورة العنكبوت 64: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب وغن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ، فليس المراد به أن ~~الحياة الدنيا كلها لهو ولعب، وليست شيئا غيرها، لقوله: ما هي إلا هما، ~~لأنه لو كان المراد هذا لكان لقائل أن يقول: ما هذه الحياة الدنيا إلا خوف ~~وحزن، فالخوف اضطراب القلب لتوقع مكروه، والحزن ألمه لفقد محبوب ثم إن هذه ~~الحياة تنطوي على أنواع من عبادة الله تعالى وعلى تلاوة كتابة، وعلى ما ~~يكسب رضي الله عز وجل، ويوجب ثوابه الدائم، فكيف يقال فيما يتضمن كل هذه ~~الخيرات: ليس هو إلا لهوا ولعبا، بل المراد: المبالغة في وصف قصر مدة ~~الدنيا بالإضافة إلى مدة الأخرى، فكأنه قال: ما أمد الحياة الدنيا إلا كأمد ~~أزمنة اللهو # PageV02P523 # واللعب، فهي أزمنة لشغل النفس بحلاوة ما يتعجل كما قال القائل: # شهور ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار وقال آخر: # وليلة إحدى الليالي الزهر لم تك غير شفق وفجر # والدليل على أن المراد هذا ذكرت قبل، وما ذكروه الله تعالى بعد من قوله ~~عز وجل: (وإن الدار # الآخرة لهي الحيوان) ms091 العنكبوت: 64 أي: أن حياتها تبقى أبدا، ولا تعزب ~~أمدا. وإنما قدم الله على اللعب هنا، لأن الأزمنة التي يقصرها الله أكثر من ~~الأزمنة التي يقصرها اللعب، لأن التشاغل به أكثر. # PageV02P524 # فلما كان معظم ما يستقصر وجب تقديم ما يكثر على ما هو دونه في الكثرة، ~~لأن ذلك آخذ بالشبه، وأبلغ في وصف المشبه، ولا خلاف أن الناس أزمنة ~~المشغولة باللهو أكثر من أزمنتهم المشغولة باللعب، وإن طيبها لهم يخيل ~~قصرها إليهم، ويتفاوت طيبها على حسب تفاوت ميل النفس إلى محبوبها. # فمعظم ما يرى الزمان الطويل قصيرا زمان اللهو بالنساء، وهو الذي نشأت منه ~~فتنة الرجال وهلاك أهل الحب فهذا الكلام في هذه الآي والسلام. # PageV02P525 # 51 الآية التاسعة منها # قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت ~~من الحي) الأنعام: 95. # وقال في سور أخر قبلها وبعدها: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) ~~الروم: 19. # للسائل أن يسأل فيقول: لم عطف الاسم على لفظ الفعل ولم يعطف عليه لفظ ~~الفعل، كما قال في السور الأخر؟ وإذا عطف عليه بلفظ الاسم وهو (مخرج الميت ~~من الحي) ، هلا ذكر اللفظ الأول بالاسم فيقول: مخرج الحي من الميت، فما ~~الفائدة في ذلك؟ وما الفرق بينها وبين الآي الأخر؟ # PageV02P526 # والجواب أن يقال: إن أول هذه الآية ذكر بلفظ الاسم وهو (فالق الحب ~~والنوى) فكان اللائق به أن يقال: ومخرج الحي من الميت ولكنه لما اجتمع ~~ثلاثة حروف من حروف العلة دفعة واحدة، وهي: الواو من النوى والياء من النوى ~~والواو من مخرج وهي واو العطف، ونقل عن لفظ الاسم إلى لفظ الفعل لما كان ~~يخرج ومخرج بمعنى واحد، فقال: (يخرج الحي من الميت) فجعل الجملة وهي: (يخرج ~~الحي من الميت) خبر الابتداء، كما تقول: إن زيدا ضارب عمرو يكرم بكرا، ~~ومكرم جعفرا، فهذا أفصح من أن تقول: إن زيدا ضارب عمرو، ومكرم بكر، ومكرم ~~جعفر، فلهذا المعنى قال: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) . # PageV02P527 # فلما انتهى إلى ms092 العاطف من قرينه لم تكن فيه تلك العلة التي كانت في ~~المعطوف عليه فأجري على ما أجري عليه اول الآيى، وهو: (فالق الحب) وما ~~بعده: (فالق الاصباح وجعل الليل ساكنا) الأنعام: 96، وعاد إلى لفظ الاسم ~~وهو: (ومخرج الميت من الحي) ، وعطفه على (فالق الحب) ، # وليس في الآي الأخر ما في هذه الآية قبلها وبعدها من الاسمية، فذكر فيها ~~على لفظ الفعل عاطفها ومعطوفها فبان الفرق بينهما على ما بينت. # PageV02P528 # والله أعلم. # PageV02P529 # 52 الآية العاشرة منها # قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) الأنعام: 97. # والآية الثانية بعدها: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) الأنعام: 98. # والآية الثالثة: (.. إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) الأنعام: 99. # للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب في اختيار الكلام أن يقال في الأولى ~~يعلمون وفي الثانية يفقهون وفي الثالثة يؤمنون؟ وهل صلح بعض ذلك مكان بعض ~~أم في كل معنى يخض اللفظ الذي جاء عليه؟ . # فالجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) جاء بعد ~~آيات نبهت على معرفة الله تعالى، وهي من قوله تعالى: (إن الله فالق الحب ~~والنوى..) إلى قوله: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر # PageV02P530 # والبحر ... ) الأنعام: 95-97 فكان جميع ذلك دالا على العلم بالله تعالى ~~وبوحدانيته، وهو أشرف معلوم. # ولا لفظ من ألفاظ يعلمون ويعقلون ويفقهون ويشعرون إلا ولفظة يعلمون أعلى ~~منه، ولذلك صحت في الخبر عن الله تعالى ولميصح فيه غيرها من الألفاظ التي ~~ذكرت فلما كان المعلوم أشرف المعلوم المعلومات عبر عن الآيات التي نصبت ~~للدلالة عليه باللفظ الأشرف. # وأما ما استعمل في يفقهون فهو بعد قوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ~~فمستقر ومستودع.) الأنعام: 98 فأخبر عن ابتدائه الإنسان وإنشائه إياه، ثم ~~نبهه بما أراه من تنقله من حال إلى حال، من عدم إلى # PageV02P531 # وجود، ومن مكان إلى مكان، ومن صلب إلى رحب، ومن بطن أم إلى وجه الأرض، ~~ومن وجه الأرض إلى بطنها، على أنه كما نقل من موت إلى حياة، ومن ms093 حياة إلى ~~موت، كذلك ينقل من الموت إلى الحياة، ومن القبر إلى المحشر، ومنه إلى إحدى ~~الدارين، لأن الاستيداع في الدنيا، والمستقر في العقبى كما نقل # PageV02P532 # في التفاسير فنطقت تلك الأحوال الحادثة لمن يفهمها ويفطن لها، ويستدل ~~بمشاهدها على مغيبها أن بعد الموت بعثا وحشرا وثوابا وعقابا، وهذا مما يفطن ~~له، ف يفقهون أولى به. # وأما قوله تعالى: إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون، الأنعام: 99، بعد ما عد ~~نعمه على خلقه، وما وسعه من رزقه من الحب المعد للأقوات، ومن ضروب الأشجار ~~وصنوف الثمار، وكان هذا # مستدعيا للإيمان، المشتمل على شكر نعمته، والقيام بما فرض من طاعته، # PageV02P533 # وأوجب من عبادته، كانت الآيات في ذلك معرضة لمن آمن بالله، فلذلك قال في ~~الأخير، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون، والله أعلم. # PageV02P534 # 53 الآية الحادية عشر منها: # قوله تعالى: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على ~~كل شيء وكيل، الأنعام: 102. # وقال في سورة المؤمن 62: ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون. # للسائل أن يسأل فيقو: لماذا في سورة الأنعام لا إله إلا هو على قوله: ~~خالق كل شيء، وقدم في سورة المؤمن،: خالق كل شيء، على قوله تعالى: لا إله ~~إلا هو؟ # والجواب أن يقال: لأن ما في هذه السورة جاء بعد قوله تعالى: وجعلوا الله ~~شركاء الجن وخلقكم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، الأنعام: 100، فلما قال: ~~ذلكم الله ربكم، أتى بعده بما يدفع قول من جعل لله شريكا، فقال: لا إله إلا ~~هو، ثم قال: خالق كل شيء. # PageV02P535 # وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله تعالى: لخلق السموات والأرض أكبر من ~~خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، غافر: 57 فكان الكلام على تثبيت خلق ~~الإنسان، لا على نفي الشريك عنه هنا، كما كان في الآية الأولى فكان تقديم ~~خالق كل شيء هاهنا أولى. والله أعلم. # PageV02P536 # 54 الآية الثانية عشرة منها: # قوله تعالى: ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم ms094 وما يفترون، الأنعام: 112، وقال ~~بعده: ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون، الأنعام: 137. # للسائل أن يسأل فيقول: كيف قال: وقال ربك، في الأولى، وفي الثانية ولو ~~شاء الله؟ وهل في المكانين ما يوجب اختلاف الاسمين؟ # والجواب أن يقال: إن الأولى قبلها: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، الأنعام: 112، أي: كا ~~للأنبياء قبلك من قبل العدو من الإنس والجن، ولو شاء من رباك وربك وقام ~~بمصالحك لألجأهم إلى موافقتك وترك مخالفتك، # PageV02P537 # كان من يقوم بتربيتك يحجزهم عم مضرتك، وأن يظفروا بمرادهم من عداوتك فقد ~~تضمن قوله ربك هذا المعنى. # وقوله في الآية الأخرى: ولو شاء الله ما فعلوه جاء بعد قوله تعالى: ~~وجعلوا لله مما ذرأ من # الحرث والأنعام نصيبا، الأنعام: 136، فأخبر أنهم أقاموا لله الذي يحق ~~إفراده بالعبادة شركاء ولو شاء الله أي: ولو شاء من نعمته عليهم نعمة توجب ~~التأله إلا يعبدوا سواه ما تمكنوا من فعله، فهذا موضع لم يلق به إلا الإسم ~~الذي يفيد معنى فيه حجة عليهم دون غيره من ألسماء فأفاد كل اسم من الإسمين ~~في مكانه ما لم يكن ليستفاد بغيره. # PageV02P538 # والله أعلم. # PageV02P539 # 55 الآية الثالثة عشرة منها: # قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، ~~الأنعام: 117. # وفي سورة القلم: 7: (إن ربك هو أعلم بمن ظل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ~~. # للسائل أن يسأل عن الفرق بين اللفظين، وحذف الباء وإثباتها، وهل كان يصح ~~ما في سورة القلم أن يكون في سورة الأنعام، وما في سورة الأنعام أن يكون ~~مكانها؟ # والجواب أن يقال: إن مكان كل واحد يقتضي ما وقع فيه، وبين اللفظين فرق في ~~المعنى يوجب اختصاص اللفظ الذي جاء له بمكانه. # فقوله: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) معناه: الله أعلم أي المأمورين ~~يضل عن سبيله، أزيد أم عمرو؟ وهذا المعنى يقتضيه ما تقدم # PageV02P540 # هذه الآية وما جاء بعدها مما تعلق بها، فالذي قبلها: (وإن ms095 تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله..) الأنعام: 116 أي: إن تطع الكفار يضلوك عن طاعة ~~الله وعبادته، ثم أخبر أنه يعلم من الذين يغوونه ويضلونه ومن الذين لا ~~يتمكنون من إضلاله؟ ولعد هذه الآية: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله..) الأنعام: 119. # وأما قوله: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) فمعناه غير معنى الآية ~~الأولى أي: الله أعلم بأحوال من ضل، كيف كان ابتداء ضلاله، # PageV02P541 # وما يكون من مآلهظ أيصر على باطله أم يرجع عنه إلى حقه، وقبلها: (فتبصر ~~ويبصرون* بأييكم المفتون) القلم: 5-6. # من جعل المفتون كالمعقول بمعنى العقل، كان معناه فستعلم ويعلمون، بك أو ~~بهم الفتون، وخبال العقل وفساد الرأي؟ # ومن جعل المفتون: المبتلى بفساد التمييز، حكاية معنى قولهم: إنه مجنون، ~~كان كما يقال: في أي الفرقتين المجنون؟ أفي فرقة الإسلام أم في فرقة # PageV02P542 # الكفر؟ والباء تقارب معنى في كما يقال: فيه عيب، فينوب كل واحد من ~~الحرفين مناب الآخر في أداء المعنى. # ويجوز أن تكون الباء بمعناها على ما يقال: فلان: بالله وبك أي: ثباته به ~~وبك، معناه: ستعلم بأي # الطائفتين ثبات الجنون ودوام الفتون. # وإذا كان مدار الكلام على أنه سيبصر بأيكم الخبال والجنون كان قوله تعالى ~~بأي (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) أي: الله أعلم بي وبكم، وبالمخبل ~~والمجنون مني ومنكم. # PageV02P543 # وإذ قال: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) أي: هو أعلم بابت # اء ضلالة، وانتهاء أمره، وهل يقيم على كفره أم يقلع عن غية لرشده فقد بان ~~لك أن كل موضع أتى فيه بما اقتضاه المعنى من اللفظ. # PageV02P544 # 56 الآية الرابعة عشرة منها: # قوله تعالى: كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون، الأنعام: 122 # وقال في سورة يونس 12: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون، للسائل أن ~~يسأل فيقول: ما فائدة اختصاص الأول ب الكافرين، والثاني ب المسرفين؟ # والجواب أن يقال: إن الأول قبله، أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا ms096 له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، الأنعام: 122 # والمراد بالميت هاهنا: الكافر، والنور الإيمان وحياته به، ومن في ~~الظلمات: من استمر به الكفر ولم يتنقل عنه، فكان ذكر الكافرين بعده أولى. # PageV02P545 # وأما المكان الثاني فإن القبلة: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها، يونس: 7، فهذا صفة كفار نعموا أبدانهم ودنسوا ~~أديانهم، واقتصروا على عمارة الحياة الدنيا واطمأنوا بها، ولم يتبعوا لطلب ~~الأخرى، وهم المسرفون الذين قال الله تعالى فيهم: وأن المسرفين هم أصحاب ~~الناس، غافر: 43، لأنهم غلوا في غيثار الدنيا وتعجل نعيمها، وتجاوزها الحد ~~في عمارتها، والإعراض عما هو أهم لهم منها. # ويجوز أن يكون الكفار سموا مسرفين لمجاوزتهم الحد في العصيان، إذ يقال ~~لمن أفرط في ظلم: أسرف، والذين رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها وغفلوا ~~عن # PageV02P546 # تدبر آيات الله تعالى يقال لهم: مسرفون على وجهين: # أحدهما المبالغة في تنعيم النفوس وجعلهم الدنيا حظهم مما عرضوا له من ~~النعيم. # والثاني: مجاوزتهم الحد في معصية الله تعالى. # فلما قال: فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون، يونس: 11، ~~واشار إلى من التقديم ذكرهم في قوله: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا، يونس: 7، ثم وصف # حال الانسان في الشدة والرخاء، وانقطاعه في الشدة إلى الدعاء، ونسيانه له ~~في الرخاء، فسمى الذين هذه صفتهم مسرفين على أحد الوجهين اللذين ذكرنا ~~لإسرافهم في الحالين. والله أعلم. # PageV02P547 # 57 الآية الخامسة عشرة منها: # قوله تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، الأنعام: ~~131 # وقال في سورة هود 117: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. # للسائل أن يسأل فيقول: لم كان في الأول غافلون وفي الثاني مصلحون؟ # والجواب: إن ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من العقاب في قوله: قال النار ~~مثواكم خالدين فيهان الأنعام: 128، وبعده: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا، الأنعام: 130. # PageV02P548 # وأما الموضوع الثاني الذي ذكر فيه: وأهلها ms097 مصلحون فللبناء على ما تقدم: ~~وهو قوله تعالى: # (فلولا كان من القرون من قبلكم ألو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين) ~~هود: 116. فدل أن القوم كانوا مفسدين حتى نهاهم أولو بقية عن الفساد في ~~الأرض فإن نقيض الفساد الصلاح، فقال: لم يكن الله ليهلكهم وهم مصلحون، ~~فاقتضى ما تقدم في كل آية ما اتبعت من الغافلين والمصلحين. # PageV02P550 # 58 الآية السادسة عشرة منها: # قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون) ~~ألأنعام: 135. # وقال في سورة هود 93 في قصة شعيب (يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ~~سوف تعلمون) . # وقال في سورة الزمر 39: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف ~~تعلمون) # للسائل أن يسأل عن الآية التي في سورة هود: لم جاءت بحذف الفاء من سوف ~~وجاءت الآيتان الأخريان بإثباتها فقال: (فسوف تعملون) ، وهل يصلح ما فيه ~~الفاء مكان ما لا فاء فيه؟ # والجواب أن يقال: أمر الله نبيه في سورة الأنعام بأن يخاطب الكفار على ~~سبيل الوعيد: اعملوا على طريقتكم وجهتكم، أو على تمكنكم فسوف تعملون، أي: ~~اعملوا فستجزون وتعملون وإساءتكم إلى أنفسكم. # PageV02P551 # فالعمل سبب للجزاء الذي عبر عنه بقوله: (فسوف تعلمون) فالفاء متعلقة ~~بقوله: (اعملوا) ، والتقدير: اعملوا فسوف تعلمون، إني عامل فسوف أعلم، فحذف ~~للعلم به. وكذلك ما في سورة الزمر خطاب من الله تعالى لنبيه على هذا الوجه. # وأما في سورة هود فإنه حكاية عن شعيب عليه السلام لما تجاهل قومه عليه ~~فقالوا له: (.. ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا ~~رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) هود: 91 فقال لهم: (.. اعملوا على # PageV02P552 # مكانتكم إني عامل سوف تعلمون) وتعرفون عملي، وإن قلتم إنا لا نفقه أكثر ~~ما تقوله، فجعل (سوف تعلمون) مكان الوصف لقوله: (عامل) فلم يصح على هذا ~~المعنى دخول الفاء، وقصد هذا المعنى لما أظهروا من جهلهم به # PageV02P553 # وأنهم لا يعرفون كثيرا مما ms098 يقول لهم فقال لهم: (إني عامل سوف تعلمون) ~~عملي وتعرفونه بعدما أنكرتموه. # PageV02P554 # 59 الآية السابعة عشرة منها # قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم..) الأنعام: 148. # وقال في سورة النحل 35: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم) ~~النحل: 35. # للسائل أن يسأل هنا عن مسألتين: # إحداهما: أنه ذكر في الثانية: (من دونه من شيء) ولم يذكره في الأولى. وهل ~~كان يجوز لو وصلت إحداهما بما وصلت به الأخرى؟ . # والثانية: تأكيد الضمير في سورة النحل، ثم العطف عليه، وفي سورة الأنعام ~~لم يؤكد، وعطف عليه: (ولا آباؤنا) والفصل الذي يقول مقام التأكيد في ~~المكانين حاصل. # والجواب أن يقال: إن قوله: (ما أشركنا) مستغن عن ذكر المفعول به، وإن كان ~~في الأصل متعديا إليه، كقوله ("ألا تشركوا به شيئا) # PageV02P555 # الأنعام: 151 وإنما # 59 الآية السابعة عشرة منها # قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم..) الأنعام: 148. # وقال في سورة النحل 35: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من ~~قبلهم..) الأنعام: 148. # وقال في سورة النحل 35: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم..) النحل: ~~35. # للسائل أن يسأل هنا مسألتين: # إحداهما: أنه ذكر في الثانية: (من دونه من شيء) ولم يذكره في الأولى وهل ~~كان يجوز لو وصلت إحداهما بما وصلت به الأخرى؟ # والثانية: تأكيد الضمير في سورة النحل، ثم العطف عليه، وفي سورة الأنعام ~~لم يؤكد، وعطف عليه: (ولا آباؤنا) والفصل الذي يقوم مقام التأكيد في ~~المكانين حاصل. # والجواب أن يقال: إن قوله: (ما أشركنا) مستغن ms099 عن ذكر المفعول به، وإن كان ~~في الأصل متعديا إليه، كقوله (..ألا تشركوا به شيئا..) الأنعام 151 إنما لم ~~يحتج إلى ذكر المفعول به كما احتاج إليه (عبدنا) ، لأن الإشراك يدل على ~~إثبات شريك لا يجوز إثباته، والعبادة لا تدل على إثبات معبود لا يجوز ~~إثباته، لأنها تدل على معبود، هو مثبت لا يصح نفيه، فقوله: (ما عبدنا) غير ~~مستنكر أن يعبدوا، وإنما المستنكر أن يعبدوا غير الله شيئا، فكان تمام ~~المعنى بذكر قوله: (من دونه من شيء) . # وكذلك: (ولا حرمنا من دونه من شيء) : لا بد مع قوله: (حرمنا) من قوله: ~~(من دونه من شيء) ولم يحتج إليه بعد قوله: (ما أشركنا) ، لأن الإشراك دال ~~على أن صاحبه يعبد شيئا من دون الله، ولا يدل (عبدنا) على ذلك، فوفي ~~اللفظان في سورة النحل حقهما من التمام. # PageV02P556 # والجواب عن السؤال الثاني، وهو تأكيد علامة الإضمار في سورة النحل ب نحن ~~وترك ذلك في سورة الأنعام مع أن بعد واو العطف لا في الموضعين: هو أن كل ما ~~أكد معنى الفعل الذي ضمير الفاعل كالجزء منه إذا وليه، ولم تكثر الحواجز ~~بينهما، مقام التأكيد بعلامة الإضمار مثل أنا ونحن. # وقوله: (ما أشركنا ولا آباؤنا) : أشركنا منه منفي ب ما ولا بعد الواو ~~مؤكد معنى ما الداخلة على # الفعل، وكأنها مؤكدة للفعل وإذا أكدت الفعل وعلامة الإضمار جزء منه ~~فكأنما أكدتها، ومثله قوله: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك..) هود: 112، و ~~(من تاب) عطف على المضمر في قوله: (فاستقم) وصح، لأن قوله: (كما أمرت) ~~بمعنى استقامة # PageV02P557 # مثل ما أمرت به، ف (كما امرت) في موضع المصدر، والمصدر هو تأكيد للفعل ~~نفسه، فصار مثل تأكيد ما هو جزء منه، فكان هذا التأكيد للفعل يليه في هذا ~~المكان، وفي قوله: (ما أشركنا ولا آباؤنا) . # فأما قوله: (ما عبدنا من دونه من شيء) لم يكن الفصل مؤكدا لنفس الفعل، ~~كما كان المصدر في قوله: (فاستقم) وكما كان لا بعد واو العطف فيقوله: (ولا ~~آباؤنا) مؤكدة ms100 معنى ما التي تنفي الفعل فتصير كأنها مؤكدة ما هو كبعض ~~الفعل، لأن الفصل هاهنا بالمفعول به، وهو من شيء وبقوله من دونه، ومعناه: ~~ما عبدنا غير شيئا، فيكون بمعنى الاستثناء، وليس شيء من هذين مؤكداها، ~~وجاءت: (ولا آباؤنا) وكانت # PageV02P558 # لا مؤكدة إلا أنها لم تل علامة الضمير المعطوف عليها لحجزه بينهما بقوله: ~~(من دونه من شيء) . # والحواجز إذا كثرت وبعدت ما بين الكلمتين اختير إعادة العامل مع أن في ~~المتقدم كفاية كقوله عز وجل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا) الكهف: 30، وكقوله: (أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا ~~لمخرجون) النمل: 67 وكقوله: (أيعدكم أنكم إذا متتم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون) المؤمنون: 35 فلما بعد الخبر وهو مخرجون من أنكم الأولى أعيدت. # وإذا كان الإختيار ما ذكرنا فيما طال الفصل فيه، وكان الفصل في قوله ~~تعالى: (ما عبدنا من دونه من شيء) قد طال بجارين ومجرورين بين علامة الضمير ~~في (عبدنا) وبين لا المؤكدة ل ما التي تنفي الفعل الذي علامة الضمير في ~~تضاعيفه، كجزء من أجزائه وكحرف من حروفه، احتاج الضمير في العطف # PageV02P559 # عليه إلى ما يؤكده، فلذلك أدخل نحن هاهنا، ولم تدخل في قوله: (ما أشركنا ~~ولا آباؤنا) فافهمه، فإنه من دقيق النحو، وفقنا الله وإياكم لمعرفته. # PageV02P560 # 60 الآية الثامنة عشرة منها # قوله تعالى: (قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..) ~~الأنعام: 151. # وقال في سورة بني إسرائيل 31: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نرزقهم ~~وإياكم..) . # للسائل أن يسأل فيقول: قوله عز وجل: (نحن نرزقكم وإياهم) هو ما عليه ~~الإختيار في كلام # العرب من تقديم ضمير المخاطب على ضمير الغائب بناء على قولك: أعطيتكه. ~~والآية في سورة بني اسرائيل قدم فيها الضمير الغائب على المخاطب، فكأنها ~~بنيت على قولك: أعطكيتهك، وهذا ليس بمختار، فما الذي أوجب اختصاص الأول ~~بتقديم ضمير المخاطب، وأوجب اختصاص الثاني بتقدم ضمير الغائب؟ # والجواب أن يقال ms101 أولا: ليس الضميران إذا اتصلا بالفعل كالضميرين إذا ~~انفصل أحدهما وعطف على الآخر، لأن قوله: أكرمته وإياك، مثل قوله: أكرمتك # PageV02P561 # وإياه في أن كل واحد منهما مختار في مكانه الذي يوجب تقديم ما قدم وتأخير ~~ما أخر بخلاف ما يختار إذا اتصل بالفعل في مثل: أعطيتكه. # فأما قوله في سورة الأنعام: (نحن نرزقكم وإياهم) فلأن قبله: (ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق) أي: من أجل إملاق وانقطاع مال وزاد، وهذا نهي عن قتلهم ~~مع فقرهم وخوفهم على أنفسهم إذا لزمتهم مؤونة غيرهم، فكأنه قال: الذي ~~يدعوكم إليه من حالكم في أنفسكم ثم في غيركم لا يجب أن تشفقوا منه فإني ~~أرزقكم وإياهم. # وأما الآية الثانية فإنه قال فيها: (خشية إملاق) والإملاق غير واقع، ~~فكأنه قال: خوف الفقر على الأولاد، وكان عقب هذا إزالة الخوف عنهم، ثم عن ~~القاتلين، أي: لا تقتلوهم لما تخشون عليهم من الفقر، فالله يرزقهم وإياكم، ~~فقدم # PageV02P562 # في كل موضع من الموضعين ما اقتضى تقديمه، وأخر ما اقتضى الموضع تأخيره ~~والله أعلم. # PageV02P563 # 61 الآية التاسعة عشرة منها # قوله تعالى في الوصية الأولى من هذه السورة: (ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون) الأنعام: 151. # وفي الثانية: (ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) الأنعام: 152. # وفي الثالثة: (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الأنعام: 153. # للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي اقتضى في الأولى (تعقلون) وفي الثانية ~~(تذكرون) وفي الثالثة (تتقون) ؟ وهل صلحت الثانية مكان الأولى في اختيار ~~الكلام؟ # والجواب أن يقال: قدم الله تعالى الوصية بالأشرف الأعظم وهو الإيمان بدل # PageV02P564 # الشرك، وفيه أداء حق أكبر المنعمين ثم الإحسان إلى الوالدين ونعمتهما على ~~الولد أكبر النعم بعد نعمة الله تعالى، فحقها يتلو حقه، ثم الإحسان إلى ~~الأولاد بترتيبهم، وترك ما كانت عليه العرب في جاهليتها من أود البنات ~~للفقر والإملاق، ثم أن لا يقربوا ما لعله يكون سبب ولد لا يصح نسبه وهذا في ~~النهي # عن سبب الإحداث كالأول في النهي عن سبب الإهلاك، ثم أن يحقنوا الدماء ولا ~~يسفكوها إلا بحقها، وهو أن يقتلوها للقصاص، ms102 والزنى بعد # PageV02P565 # الإحصان، والكفر بعد الإيمان. # فهذه خمسة تتعلق بأكبر الحقوق وأوكد الأصول، فالشرك اعتقاد مذهب باطل ~~بهوى، وترك الإحسان إلى الوالدين يكون إما لمحبة مال لا يسمح به لهما، أو ~~إتباع هوى يدعو إلى مخالفتهما، ووأود البنات لخوف الفقر والعار، والزنى وما ~~يقبح جدا من المعاصي التي تحمل عليها الشهوة، وقتل النفس بغير حق يدعو إليه ~~شفاء غيظ النفس الأمارة بالسوء وكل ذلك قبيح في العقول يحتاج في ذب # PageV02P566 # النفس عنها إلى زاجر من عقل يدفع الهوى، فلذلك قال: (لعلكم تعقلون) أي ~~تستعملون العقل الذي يحبس نفوسكم عن قبيح الإرادات وفواحش الشهوات. # وبعد هذه الخمسة خمسة أخرى هي متعلقة بالحقول في الأموال دون النفوس، ~~فأولها حفظ مال اليتيم عليه، لأنه لا يقوى على حفظه، والأطماع تمتد إلى ~~ماله، وذو الولد يفكر في حاله وما يكرهه لولده فلا يستجيزه لولد غيره، ~~وبعده العدل في الكيل، وإيفاء الكيل والوزن بالقسط، وهو الذي توعد الله ~~تعالى عليه في قوله: (ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) المطففين: 1-3 ومعنى قوله (لا نكلف # PageV02P567 # نفسا إلا وسعها الأنعام: 152 أي: إذا اجتهدت في التحري وتوخي القسط، فقد ~~أسقط عنها ما يتعذر تجنبه من أقل القليل فيما يكال ويوزن، والرابع القول ~~بالعدل، وهو في الحكم والشهادة، والخامس الوفاء بعهد الله، وهو أن يحلف ~~بالله في غير معصية. # وكل هذه قد دعي فيها الإنسان إلى تذكر حاله ورضاه ف نفسه لو كان هو ~~المعامل بما يعامل هو به غيره، أي: لو كان ولده اليتيم، أو كان الذي يكال ~~له ويوزن، أو كان الذي يحكم به عليه، أو تقام الشهادة بما لا يلزمه، أو ~~يحلف بالله على إذهاب حق له، أو يحلف له بما يلزمه الوفاء به، # PageV02P568 # فلا يرضين من ذلك لغيره إلا ما يرضاه لنفسه، فذكرهم حالا مرت لهم، أو ~~يخافون مرورها عليهم؟ فلذلك قال: (لعلكم تذكرون) . # وأما الآية الأخيرة وهي: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق ms103 بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الأنعام: 152 فمعناه: ~~الشرع الذي شرعته لكم هو طريق أشرعته إلى نعيمكم الدائم فاسلكوه، ولا ~~تتبعوا الديانات المخالفة له فتبعدكم عن سبيله المؤدي إلى نعيمه، لعلكم ~~تتجنبون بلزومه معصيته، وتتقون بطاعته عقوبته، فأتبع كل صنف من الوصية ما ~~اقتضاه معناها وبالله التوفيق. # PageV02P569 ### | سورة الأعراف # 62 الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين) الأعراف: 12-13. # وقال في سورة الحجر 32-34: (قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين* ~~قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون* قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم) . # وقال في سورة ص75: (.. يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..) الآية، ~~قال: (أنا خير منه..) الآية سورة ص: 76. # للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان هذا في قصة واحدة، ووقع في كلام الله ~~تعالى حكاية عما قال إبليس، وعما قيل له عندما يظهر من عصيانه، فلماذا ~~اختلفت الحكايتان والمحكي شيء واحد؟ # PageV02P571 # والجواب ما قلته فيما قبله، وأقوله فيما بعده من أن اقتصاص ما مضى إذا لم ~~يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها، وإنما المقصود ذكر المعني، فإن الألفاظ إذا ~~اختلفت وأدت المعنى المقصود كان اختلافها واتفاقها سواء. # فقوله عز وجل هامنا: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) وقوله في سورة الحجر ~~32: (إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين) وقوله في سورة ص 75: (.. يا إبليس ~~ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) أقوال ثلاثة، في ~~بعض ألفاظها اختلاف وفي المعنى اتفاق، وهي: (ما منعك أن تسجد) و (ما منعك ~~ألا تسجد) و (ما لك ألا تكون مع الساجدين) . # PageV02P572 # فأما قوله: (لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) سورة ص: 75 فيه ~~زيادة إخبار عن حال لم تكن في الآيتين المتقدمتين، ولم يقل عندهما إنه لم ms104 ~~يكن هناك خطاب إلا ما حكيناه فيهما، فتكون الزيادة معدودة في الاختلاف. # وأما قوله، وهو حكاية ما كان من جواب إبليس في سورة الأعراف 12 وفي سورة ~~ص 76: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وفي سورة الحجر 36: (لم ~~أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) . # فغنه يحصل للسامع في الآيات الأربع معنى واحد، وهو ذكر ما حمله على ترك ~~السجود لآدم عليه السلام، لما كان مخلوقا من النار، وآدم مخلوقا من الطي، ~~ورأى أصله أشرف من أصله، وإن كان في إحداهما ذكر بعض ما دعاه إلى ما # PageV02P573 # فعل، وفي الآخر ينكر كله من مقابلة أصله # بأصله، وتوهمه أنه أشرف، إن سجود الأشرف لما دونه لا يجوز. # وكذلك ما حكاه الله تعالى من قوله له في سورة الأعراف 13 (قال فاهبط منها ~~فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) لا يخالف قوله في سورة ~~الحجر 34-35: (قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ~~ولا يخالف أيضا قوله في سورة ص 77-78: (قال فاخرج منها فإنك رجيم *وإن عليك ~~لعنتي إلى يوم الدين) لأنه إذا أمره بالخروج من الجنة أو من السماء فقد ~~أمره بالهبوط إلى الأرض. # PageV02P574 # وقوله: (وإن عليك اللعنة) الحجر: 35 و (لعنتي) واحد، لأن اللعنة في ~~الحقيقة إبعاد الله من يعصيه عن الخير، ثم لعن الملائكة والناس من التبع ~~للعنة، نعوذ بالله منها. # PageV02P575 # 63 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قالانظرني إلى يوم يبعثون* قالإنك من المنظرين) الأعراف: ~~14-15. # وقال في سورة الحجر 36-38 وسورة ص 79-81: (قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون* قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم) . # للسائل أن يسأل عن إدخال الفاء في قوله: (رب فأنظرني) في سورتي الحجر وص، ~~وحذفها منه في سورة الأعراف؟ # والجواب أن يقال: إن قوله: (أنظرني) في سورة الأعراف وقد مستأنفا، غير ~~مقصود به عطف على ما يقع به هذا السؤال عقيبه فلم يحتج إلى الفاء. # والجواب أيضا: ms105 لما لم يكن إجابة له إلى ما طلب لم يكن أيضا معطوفا عليه ~~بالفاء، وإنما سأل تأخير اجله، فقال: (إنك) ف حكمي ممن أخر أجله، لا لأجل ~~مسألتك. # PageV02P576 # وأما في الآيتين في سورتي الحجر وص فإنه قال عز من قائل: (قال رب ~~فأنظرني) وجاء بعد إخبار الله بلعنه له، فكأنه قال: يا رب إن لعنتي وآيستني ~~من الجنة فأخر أجلي إلى يوم يبعثون، ويوم يبعثون هو يوم القيامة، لا يوم ~~الإماتة، فلم تقع الإجابة إلى ما طلب، لأنه قال: (فإنك من المنظرين* إلى ~~يوم الوقت المعلوم) أي: إلى الوقت الذي هو آخر أوقات الأحياء فاقتضى إضمار ~~إن لعنتي يا رب أن يأتي بالفاء فيقول: فأنظرني ويأتي في جوابه # PageV02P577 # بها وهو قوله: (فإنك من المنظرين) ، لأن التقدير: إن طلبت تأخير الأجل ~~وتنفيس المهل من أجل أن لعنت فإنك مؤخر الموت لما حكمت به لك، لا لإجابتك ~~إلى مسألتك، فهو معطوف على السؤال عطف الكلام على الكلام الذي يقتضيه، لا ~~عطف الإيجاب على السؤال، لأن الله تعالى لم يجب عاصيا مثله إلى ما # يسأل. # فدخول الفاء في الموضعين لتقدم ذكر العن وأن المعنى: وأن المعنى: إن ~~آيستني من رحمتك فأخر أجلي لأنال من عدوي الذي كان سبب ذلك ما أقدر عليه من ~~الإغواء له، ولكم يكون من نسله، واستشفى بذلك لجهله، نعوذ بالله من طاعة ~~الهوى المؤدي إلى سبيل الردى. # PageV02P578 # 64 # PageV02P579 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من ~~بين أديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) ~~الأعراف: 16-17. # وقال في سورة الحجر 39-40: (قال رب بما أغويتني لأزينهن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين) . # وقال في سورة ص 82-83: (قال فبعزتي لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم ~~المخلصين) # للسائل أن يسأل في هذه الآي عن شيئين: أحدهما: اختلاف المحكيات، ففي موضع ~~(فبما أغويتني) وفي موضع (رب بما أغويتني) وفي الآخر (فبعزتك) ؟ # والثاني: حذف الفاء في سورة الحجر من ms106 قوله: (رب بما أغويتني) وإثباتها في ~~الآيتين الأخريين؟ . # PageV02P580 # والجواب عن اختلاف الألفاظ المحكية ان يقال متى حملت الباء على القسم في ~~قوله: (فبما أغويتني) و (رب بما أغويتني) في الآيتين بشهادة الآية الثالثة، ~~وهي: (فبعزتك) لم يكن هناك اختلاف في المعنى، لأن المراد في قوله: (بما ~~أغويتني) : بإغوائك إياي، وهو يحتمل وجوها من المعاني. # أحدهما: أن يكون المراد: بتخييبك إياي لأجتهدن في تخييبهن في تخييبهم، ~~وهذا ظاهر الكلام، لأن القسم متلقى بالام، ولأن قوله: (فبعزتك) في ~~مقابلتهما من الآية الأخرى وتخييب الله إياه هو بعزته، ومنه قول الشاعر: # PageV02P581 # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي: من يخب لم ينل خيرا يشهد لذلك صدر البيت، وهو: # فمن يلق خيرا يحمده الناس أمره. # والثاني أن يكون المراد بإهلاكك إياي بأن لعنتي، وهذا الفعل أيضا عزة من ~~الله تعالى. # وكذلك إن حمل على معنى الحكم بغوايته فهو عزة من الله تعالى. # PageV02P582 # وإذا كان كذلك تساوت في المعنى، وكل قسم، والإغواء الذي هو التخييب أو ~~الإهلاك أو الحكم بالغواية، كل ذلك عزة من الله تعالى، فالقسم به كالقسم ~~بعزته. # والجواب عن السؤال الثاني، وهو حذف الفاء من قوله: (رب بما أغويتني) ولأن ~~الدعاء في الصدر يستأنف بعده الكلام، والقصة غير مقتضاة لما قبلها كما ~~إقتضاه قوله: (رب فأنظرني) والفاء توجب ما بعدها بما قبلها. # والنداء أولا يوجب القطع واستئناف الكلام لا سيما في قصة لا يقتضيها ما ~~قبلها، فلم تحسن الفاء مع قوله: (رب بما أغويتني) ، والموضعان الآخران لم # PageV02P583 # يدخل الكلام فيهما نداء يوجب استئناف ما بعده، فلذلك وصل القسم فيهما ~~بالأول بدخول الفاء. # PageV02P584 # 65 الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (..فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين* الذين يصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون) الأعراف: 44-45. # وقال في سورة هود: 18-19: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك ~~يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله ~~على الظالمين *الذين يصدون عن سبيل الله ms107 ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم ~~كافرون) . # للسائل أن يسأل عن إعادة هم في قوله: (وهم بالآخرة هم كافرون) في سورة ~~هود، وترك ذلك في سورة الأعراف؟ . # والجواب أن يقال: إن الذي في سورة الأعراف جاء على أصله غير مزيد فيه ما ~~يجري مجرى التوكيد، والذي في سورة هود جاء بعد قوله: (ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذي كذبوا على ربهم) فأشير إليهم، ثم قال: (ألا لعنة الله على الظالمين) ~~فأظهر ذكر الظالمين في موضع الإضمار، ولو أجرى على الحكم في إضمار الاسم ~~عقيب الذكر لكان: ألا لعنة الله عليهم لأن المراد ب الظالمين هم المشار ~~إليهم بقوله: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) . # PageV02P585 # فلما أظهر مكان الإضمار تضمن معنى هم، أي: الظالمون هم الذين كذبوا على ~~ربهم، وأشير بالكلام المتقدم إليهم، فلما استمر الكلام على الإضمار بعد ذكر ~~الظالمين صار الظاهر كأنهم غير المشار إليهم بقوله: (هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم) فأعيد هم في قوله: (هم كافرون) لتحقق الكفر عليهم بنسبة الأوصاف ~~المتقدمة إليهم، وأولها كذبهم على ربهم، ثم ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن # سبيل الله، وأولها كذبهم على ربهم، ثم ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن سبيل ~~الله، ووصفهم لها بدل الاستقامة بالاعوجاج، وكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ~~ووصفهم لها بدل الاستقامة بالإعوجاج، # وكفرهم في هذه الأفعال بالله واستحقاقهم به، عقوبة الله في الآية. # PageV02P586 # فلما لم يصرف الخبر الثاني في سورة الأعراف مصرف ما ليس هو بالأول لم ~~يحتج إلى توكيده. # ولما عدل في سورة هود عن إعادة الضمير إلى الأول، ووضع مكانه ظاهر يحتمل ~~أن يكون غير الأول، وعنى هم أنهم هم، كان الموضع موضع توكيد لتحقيق الخبر ~~عنهم بالكفر، وتثبيته عليهم بأوكد لفظ، لأنا لما قلنا: هم هم، فهو المعاد ~~المعاد في قوله: (وهم بالآخرة هم كافرون) ، إلا أنا نبين بذلك المكان مكان ~~توكيد لنفرق بينه وبين الأول. # PageV02P587 # 66 الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ms108 ... ) الأعراف: 57. # وقال في سورة الفرقان: 48: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~وانزلنا من السماء ماء طهورا) . # وقال في سورة الروم 48: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في ~~السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله ... ) . # وقال في سورة الملائكة 9: (والله أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ~~ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) . # للسائل أن يسأل فيقول: هذه الآي الأربع قد خصت آيتان منها بقوله (يرسل) ~~على لفظ المستقبل، وآيتان بقوله (أرسل) على لفظ الماضي، فهل في كل مكان ما ~~قتضي اللفظ الذي خصه، أم كل جائز لو جاء عليه؟ # PageV02P588 # والجواب أن يقال: بل لكل ما يوجب في الإختيار اللفظ الذي جاء عليه، وإن ~~كان وصف الله عز وجل بأنه أرسل الرياح فبسط بها السحاب فساقه فأنزل منه ~~الأمطار فأحيا بها البلاد، كوصفه بأنه يفعل ذلك في المستقبل، لأنه قادر كما ~~كان، وقد عودنا فعل ذلك وأعلمناه مشاهدة. # إلا أن الآية التي في سورة الأعراف جاء فيها (يرسل) بلفظ المستقبل، لأن ~~قبلها: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين* ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) . # PageV02P589 # الأعراف: 55-56 فكان في ذلك بعث على الدعاء والتضرع، # وتعليق الخوف والطمع بما يكون منه من الرحمة وصنوف ما رزق الله الخلق من ~~النعم فكان لفظ المستقبل أشبه بموضع الخوف والطمع للداعين، وأدعى لهم إلى ~~الدعاء. # وأما في سورة الفرقان، ومجيء هذا اللفظ فيها بلفظ الماضي فلأن قبل الآية: ~~(ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا* وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا* وهو الذي أرسل الرياح) الفرقان: 45-48 فلما عدد ~~أنواع ما أنعم به، وكان إرسال الرياح من جملة عده مع ما تقمه، وأخبر منه ~~عما فعله وأوجده. # PageV02P590 # وأما في سورة الروم فغن قبل الآية: (ومن آياته أن يرسل ms109 الرياح مبشرات ~~وليذيقكم من رحمته ولتجزي الفلك بأمره ... ) الروم: 46، فبنى قوله: (الله ~~الذي يرسل الرياح..) على البناء الذي جعل عليه ما هو من آياته، فحث على ~~الاعتبار بما يعتاد من فعله تبارك الله سبحانه وتعالى. # وأما في سورة الملائكة، واختيار لفظ الماضي فيها على المستقبل فلأن ~~أولها: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ... ) فاطر: 1 ~~بمعنى فطر وجعل، وخاتمة هذه العشر من مبتدأ السورة: (والله الذي أرسل ~~الرياح ... ) فاطر: 9 فلما اقترح العشر من أول السورة بالتمدح بما صنع ~~أتبعه # PageV02P591 # ما كان من جنسه مما فعل، فكان اختيار لفظ الماضي هاهنا، فافهمه فإنه يفتح ~~عليك ما يشبهه إن شاء الله تعالى. # PageV02P592 # 67 الآية السادسة منها # قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) الأعراف: 59. # وقال في سورة هود 25: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) . # وفي سورة المؤمنين23: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) . # للسائل ان يسأل عن حذف الواو من (لقد أرسلنا) في سورة الأعراف، والإتيان ~~بها في سورتي هود والمؤمنين؟ # والجواب أن يقال إن الآيات التي تقدمت قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه..) في سورة الأعراف إلى أن اتصلت به في وصف ما اختص الله عز وجل به من ~~أحداث خلقه وبدائع فعله من حيث قال: (إن ربكم الله الذي خلق # PageV02P593 # السموات والأرض في ستة أيام..) الأعراف: 54 إلى ذكر الشمس والقمر، ~~والرياح والأمطار والنبات، والسهل من الأرض والطيب، والحزن منها والصلد، ~~ولم يكن فيها ذكر بعثة نبي ومخالفة من كان له من عدو، فصار كالأجنبي من ~~الأول فلم يعطف # عليه، واستؤنف ابتداء كلام ليدل على أنه في حكم المنقطع من الأول. # وليس كذلك الآية التي في سورة هود، لأن أولها افتتح إلى أن انتهى إلى قصة ~~نوح بما هو احتاج على الكفار بآيات الله التي أظهرها على أيدي أنبيائه، # PageV02P594 # وألسنتهم صلوات الله عليهم، وتوعد لهم على كفرهم، وذكر قصة من قصص من ~~تقدمهم من الأنبياء الذين جحد بآياتهم أممهم، فعطفت هذه الآية على ما قبلها ~~إذ كانت مثلها ms110 ألا ترى أن أول السورة) ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير* ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير) هود: 1-2 وبعد ~~العشر منها: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا ~~أنزل عليه كنز..) إلى قوله: (.. قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات..) هود ~~12-13، ثم وصف حال من آمن بالله ورسله، وأخبت إلى ربه، وحال من افترى على ~~ربه، وحصل على خسران نفسه وشبههما بحال من انطوى على ذكره في قوله: (مثل ~~الفريقين كالأعمى # PageV02P595 # والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ... ) هود 24 فاقتضى تشابه ~~القصتين عطف الثانية على الأولى. # وأما في سورة المؤمنين فإن قبل هذه الآية منها: (ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين # المؤمنون: 12 ثم قوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق ~~غافلين # المؤمنون: 17 ثم انقطعت الآي إلى قوله: (وعليها # PageV02P596 # وعلى الفلك تحملون # المؤمنون: 22، فكان ما تقدم في هذا المكان مثل ما تقدم الآية في سورة ~~الأعراف إلا أنه باينة بأن كان فيه: (ولقد خلقنا الإنسان) وقوله (ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق) ثم انقطعت إلى قوله: (وعليهما وعلى الفلك تحملون # والفلك التي يحمل عليها مما اتخذه نوح عليه السلام، فدخلت واو العطف في ~~قصة نوح عليه السلام للفظين المتقدمين، وهما: (ولقد) في رؤوس الآيتين، ~~وللمعنى المقتضى من ذكر الفلك الذي نجى الله عليه من جعله أصل الخلق وبذر ~~هذا النسل. # PageV02P597 # 68 الآية السابعة منها # قوله تعالى متصلا بقوله: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) الأعراف: 59. # وقال في سورة هود 25-26: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ~~*فقال ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) . # وقال في سورة المؤمنين23: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله # غيره أفلا تتقون) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكيات كقوله ms111 بعد: (مالكم من إله غيره) : ~~(إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال في سورة هود: (إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم أليم) وفي المؤمنين: (ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) والقصة قصة ~~واحدة؟ # والجواب أن يقال: إن للأنبياء صلوات الله عليهم مقامات مع أممهم يكرر ~~فيها الإعذار والإنذار، ويرجع فيها عودا على بدء، الوعد والوعيد، ولا يكون ~~دعاؤهم إلى الإيمان بالله، ورفض عبادة ما سوى الله تعالى في موقف واحد بلفظ # PageV02P598 # واحد لا يتغير عن حاله، مثل الواعظ يفتن في مقاله، والجاحد المنكر تختلف ~~أجوبته في مواقفه، جاءت المحكيات على اختلافها لم يطالب، وقد اختلفت في ~~الأصل باتفاقها، لأنه قال لهم مرة باللفظ الذي حكى، ومرة أخرى بلفظ آخر في ~~معناه كما ذكر. # PageV02P599 # وكذلك الجواب يرد من اقوام يكثر عددهم ويختلف كلامهم ومفصدهم، وصدق الخبر ~~يتناول الشيء على ما كان عليه، فلا وجه إذا للاعتراض على هذا ونحوه. # PageV02P600 # 69 الآية الثامنة منها: # متصلة بهذه الآية قوله تعالى: قال من قومه إنا لنراك في ضلال مبين*قال يا ~~قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، الأعراف: 60-61. # وقال في سورة هود: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا. # وقال في سورة المؤمنين: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر ~~مثلكم، الآية. # للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى خلت قال في سورة الأعراف من الفاء وقد ~~جاء مثلها في السورتين بالفاء وهو فقال؟ # PageV02P601 # والجواب أن يقال: إن الموضعين اللذين دخلتهما الفاء ما بعدهما مما اقتضاه ~~كلام النبي مما رآه الكفار جوابا له، فكان بناء الجواب على الابتداء يوجب ~~دخول الفاء. # وليس كذلك الآية في سورة الأعراف، لأنهم في جوابهم صاروا كالمبتدئين له ~~بالخطاب، غير سالكين طريق الجواب، لأنهم قالوا: إنا لنراك في ضلال مبين، ~~قال يا قوم ليس بي ضلالة، الأعراف: 60-61 فكان كلامهم له كالكلام الذ يبتدئ ~~به الإنسان صاحبه، فلذلك جاء بغير فاء مخالفا طريقة ما الكلام بعده مبني ~~بناء الجواب. # ومما ms112 أخرج من الأجوبة مخرج الابتداء بالكلام وإن كان في ضمنه الجواب قوله ~~تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ~~إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها # لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا # PageV02P602 # امرأته كانت من الغابرين) العنكبوت: 31-32. فلم يأت بالفاء في اللفظتين ~~اللذين كان ما بعد كل واحد منهما كالجواب لما قبله. # ومما يؤكد صحة هذا القول قوله تعالى فيما كان من جواب عاد لهوج: (وإلى ~~عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون، قال ~~الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين) . ~~الأعراف 65-66، ولم يقل: فقال الكلأ لأن ما بعد قال هنا مسلوك به طريق ~~الابتداء بالخطاب، إذ رمي بالسفاهة كما رمي نوح -عليه السلام- بالضلالة، ~~فلم تدخل على واحد منهما الفاء التي تجعل الثاني متعلقا بالأول تعلق الجواب ~~بالابتداء. # PageV02P603 # 70 الآية التاسعة منها: # قوله تعالى: (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون) ~~الأعراف: 62. # وقال في قصة هود: (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ضريح ناصح أمين) الأعراف: ~~68. # للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (وأنصح لكم) وبين قوله (وأنا لكم ناصح ~~أمين) وما الذي اقتضى الاسم في الآخر والفعل في الأول، وهل كان يصح أحدهما ~~مكان صاحبه؟ # والجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما أن يقال: إن المعنى كلام نوح عليه السلام ما نطق به القرآن، ومعنى ~~كلام هود عليه السلام ما ذكره الله تعالى حاكيا عنه، وليس لقائل أن يقول: ~~إذ كان القولان صحيحين في موضعهما فهلا قال أحدهما قول آخر؟ # PageV02P604 # والوجه الثاني أن يقال: إن قول نوح عليه السلام جواب من ضلل، لأنه قيل ~~له: (إنا لنراك في ضلال مبين) ، الأعراف: 60 وهود عليه السلام قيل له: (إنا ~~لنراك في سفاهة) . الأعراف: 66. # والضلال من صفات الفعل، تقول ضل فهو ضال، والسفاهة من صفات النفس وهي ضد ~~الحلم، وهو معنى ثابت يولد الخفة، والعجلة المذمومتين، ms113 والحلم معنى ثابت ~~يولد الأناة المحمودة، فكان جواب من عيب بفعل مذموم نفيه بفعل محمود، لا بل ~~بأفعال تنفي ما ادعوه عليه، وهي أن قال لست ضالا ولكني رسول من رب العالمين ~~أؤدي إليكم ما تحملت من أوامره، وأدعوكم بإخلاص إلى إصلاح أمركم، وأعلم من ~~سوء عاقبة ما أنتم عليه ما لا تعلمون فنفى الضلال بهذه الأفعال. # PageV02P605 # وهود عليه السلام لما رمي بالسفاهة وهي من الخصال المذمومة الثابتة، ~~وليست من الأفعال التي # ينتقل الإنسان عنها إلى أضدادها في الزمن القصير مرارا كثيرة، فكان نفيها ~~بصفات ثابتة تبطلها أولى، كما كان نفي الفعل المذموم بالفعل المحمود أولى. # فقوله: (وأنا لكم ناصح أمين) أي أنا ثابت لكم على النصح ثقة في النفس، لا ~~أنتقل من النصح إلى الغش، ولا أتبدل خيانة بالأمانة وكان جواب كل من ~~الكلامين ما لاق به واقتضاه. # PageV02P606 # 71 الآية العاشرة منها # قوله تعالى: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذي كذبوا ~~بآتنا إنهم كانواقوما عمين) الاعراف: 64 # وقال في سورة يونس 73: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فنظر كيف كان عاقبة المنذرين) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم اختصت الآية الأولى بقوله (فأنجيناه والذين ~~معه) والثانية بقوله: (فنجيناه ومن معه) وزاد فيها (وجعلناهم خلائف) ؟ # والجواب أن يقال: السورتان مكيتان جميعا، إلا الآية في سورة الأعراف، ~~وقوله: أنجينا أصل في هذا الباب، لأن أفعلت في باب النقل أصل ل فعلت وهو ~~أكثر، تقول: نجا، وأنجيته كما تقول: ذهب وأذهبته، ودخل وأدخلته. # PageV02P607 # فأما فلته فمن القلة، بحيث يمكن عده، نحو فزع وفزعته وخاف وخوفته وقد ~~يجاء معه الهمزة فيقال: أفزعته وأخفته، ولا يجاء مع تشديد العين الهمزة ولا ~~تقول: ذهبته، ودخلته في أذهبته، وأدخلته. # PageV02P608 # فالآية الأولى جاءت على الأصل الأكثر، ولهذا أكثر ما جاء في القرآن جاء ~~على أنجيناه كقوله تعالى: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا..) الاعراف: 72 ~~وكقوله: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) الشعراء: 65، وكقوله: (فأنجاه الله ~~من النار) العنكبوت: 24. # وليست الجيم المزيدة ms114 المشددة في (نجيناه) للكثرة، وإنما هي المعاقبة ~~للهمزة بدلالة قوله تعالى في ذي النون: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) ~~الأنبياء88 ولا كثرة هناك. # PageV02P609 # وأما قوله: (والذين معه في الفلك) فهو الأصل، ومن تجيء بمعناها، وتكونان ~~مشتركتين في معان والذين خالصة للخبر، مخصوصة بالصلة، فاستعمل الأصل في ~~اللفظين، وهما: أنجينا والذين. # ولما كرر هذا الذكر كان العدول إلى اللفظين الآخرين اللذين هما معناهما، ~~وهما: نجينا ومن أشبه بطريقة الفصحاء وعادة البلغاء. # وأما قوله: (وجعلناهم خلائف) في الآية الثانية فإنه زيادة في الخبر عن ~~أحوال الذين نجوا من الغرق فصاروا خلفاء للهالكين. وقيل: كانوا ثمانين ~~نفسا، وهلك سائر أهل الأرض. # PageV02P610 # فإن قال قائل: كان الإراق قبل أن جعلوا خلائف، فكيف قدم عليه؟ # قلنا: جوز أن يكون معنى (وجعلناهم خلائف) وإنما قدم لأنه من صفة الذين ~~أجاهم، فلما أخبر عنهم بذلك ضم إليه الخبر الثاني، ويجوز أن يكون معنى ~~(وجعلناهم خلائف) أي حكمنا لهم بذلك، ثم كان الإغراق بعده على أن الواو لا ~~ترتيب فيها، ولا يمتنع أن يكون المذكور بعدها مقدما على ما قبلها. # PageV02P611 # 72 الآية الحادية عشرة منها # قوله تعالى في قصة نوح ( ... قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم ~~آية ف>روها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) ~~الأعراف: 72. # وقال في سورة هود 64: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) . # وقال في سورة الشعراء 155-156: (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم* ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف الخبر الواحد في الأماكن الثلاثة، وهو حكاية ما ~~قاله صالح عليه السلام لقومه لما حذرهم التعرض للناقة؟ # والجواب أن يقال: إن هؤلاء سألوا أن يخرج لهم من هضبة ملساء ناقة، فسأل ~~الله تعالى صالح عليه السلام، وفي خبر آخر: أنه بدأهم بهذه الآية، لا عن # PageV02P612 # مسألة كانت منهم، فانفرجت عن ناقة بعدما تمخضت تمخض المرأة، والناقة ~~عشراء، فنتجت ms115 بعد ذلك فصلا، فكانت ترد ماء لهم بين # PageV02P613 # جبلين يوما فتشربه كله وتسقيم اللبن بدله، وللقوم شرب يوم يخصهم، فثقل ~~عليهم السلام التعرض لها إلى أن عقرها أحمر ثمود، فصار سبب هلاكهم. # فالآية الألة من سورة الأعراف عامة في جمل ما كان من وعظه لهم، لأنه قال: ~~(قد جاءتكم بينة من ربكم) أي آية تشهد بصحتها نفوسكم أنها من قدرة الله ~~تعالى المختصة بفعله، لا بفعل غيره، ثم قال: (هذه ناقة الله لكم آية) هود: ~~64 أي: هذه ناقة ليست ملك أحمد منكم، وإنما هي لله استخرجها من الصخرة أو ~~الهضبة أمارة لصدق نبيه لتؤمنوا عندها، فاتركوها ترع # PageV02P614 # في الصحارى التي هي أرض الله من الكلأ الذي هو من نعمة الله تعالى، ولا ~~تتعرضوا لها بسوء # فيأخذكم عذاب أليم ينال منكم ويؤلمكم. # وهذه المعاني المجملة في الآية الأولى زيدت بيانا في الآيتين، فالآية ~~الأولى تحذير للقوم على طريق العموم. وأما قوله تعالى في الثانية: (فيأخذكم ~~عذاب قريب) هود 64 بعد ما قال في الآية الأولى: (أليم) فإنه اختص هذا ~~المكان ب (قريب) لما بعده من قوله: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام..) هود: 65 قدر المدة التي بينهم وبين هلاكهم، وقرب ما توعدهم به # PageV02P615 # من عذاب الله لهم، والقريب لا ينافي الأليم بل هو أشد ألما، إذ لم يكن ~~بعد مهل فاختصاص الآية الثانية ب (قريب) دون (أليم) لما ذكرنا من قرب ~~الميعاد المقرون ذكره إلى ذكره. # وأما الآية الثالثة واختصاصها بقوله: (فيأخذكم عذاب يوم عظيم) الشعراء: ~~165 فلأن قبلها ذكر اليومين المقسومين بين الناقة وبينهم، كأنه قال لهم: إن ~~منعتموها يومها بعقر ولا تتركونه لها أخذكم عذاب يوم عظيم. # فيوم تؤلمونها فيه فيكون به يوم يؤلمكم الله فيه بعذاب الاستئصال، وهو ~~يوم عظيم عليكم، وكل ذلك بمعنى واحد، وهو أنهم إن عقروها عوقبوا، بالألفاظ ~~المختلفة دائرة على هذا المعنى، واختلافها لاختلاف مواضعها المقتضية تغيير ~~الألفاظ فيها. # PageV02P616 # 73 الآية الثانية عشرة منها # قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: ms116 (فأخذتكم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين) الأعراف: 78. # وقال فيهم في سورة هود 65: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام..) ~~. # وقال فيهم في هذه السورة بعد هذه الآية: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين) هود: 67. # وقال في قصة شعيب عليه السلام وقومه في سورة الأعراف 91: (فأخذتكم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين) . # وقال في هذه القصة في سورة هود 94 (وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين) . # PageV02P617 # للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (فأصبحوا في دارهم) وتوحيد الدار في موضع، ~~وجمعها في موضع، وهل هناك فرقان بين موضع الواحد وموضع الجمع؟ # والجواب أن يقال: إذا كان الجمع والتوحيد جائزين كان وجه التوحيد على ~~طريقين: # أحدهما: أن يراد بدارهم بلدهم، فيوحد ذهابا إلى معنى البلد، وهو موحد. # أو يذهب به مذهب الجنس كما تقول: دينارهم شر من درهمهم، كما قال: # دينار آل سليمان ودرهمهم كالبابليين حفا بالعفاريت # PageV02P618 # بقي الكلام في اختصاص موضع بالتوحيد، وموضع بالجمع، وأن يقال: هل ذلك ~~لفائدة تخصصه به؟ # فنقول: إنه تعالى وحد ذلك في كل مكان ذكر في ابتدائه: (وإلى ثمود أخاهم ~~صالحا) الأعراف: 73، هود: 61 (وإلى مدين أخاهم شعيبا) الأعراف:: 85، هود: ~~84، العنكبوت: 37 ولم يذكر إخراج النبي ومن آمن معه من بينهم، فجعلهم بني ~~أب واحد، وجعلهم لذلك أهل دار واحدة، ورجاء أيضا أن يصيروا بالإيمان فرقة ~~واحدة. # PageV02P619 # وكل موضع موضع أخبر عن تفرقه بينهم، وإخراج النبي ومن آمن منهم معه، أخبر ~~عنهم الإخبار الدال على تفرق شملهم، وتشتت أمرهم، وذهاب المعنى الذي كان ~~يجمعهم لأب واحد ودار واحدة، وأن يصيروا مع المؤمنين فرقة واحدة فقال: ~~(فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ... * وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) هود: 66-67. # فإن قال قائل: فقد قال في قصة شعيب عليه السلام في سورة الأعراف 91: ~~(فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) فوحد الدارأ وقد خرج شعيب عليه ~~السلام من بين أظهرهم، ووقع الحكم بتفرق شملهم، فكان ما ذهبت إليه يقتضي أن ms117 ~~يجمع الدار فيقال ديارهم في هذا المكان؟ . # PageV02P620 # والجواب أن يقال: إنه لم يتقدم في هذا الموضع ذكر إخراجه بينهم مع الذين ~~آمنوا معه، كما ذكر في الموضعين الآخرين في قصة صالح عليه السلام في سوروة ~~هود، وفي قصة شعيب فيها. # ألا ترى قال في قصة صالح عليه السلام في سورة الأعراف وسورة هود قبل أن ~~أخبر أنه نجاه ومن آمن معه منهم لما جاء أمره مرتين، فوحد الدار فيهما، وفي ~~الموضع الذي ذكرت قصته مع المؤمنين منهم جمع الدار فيها. # PageV02P621 # وكذلك جاء في قصة شعيب عليه السلام في موضعين: أحدهما: جمع فيه، وفي ~~الآخر وحد، والجمع حيث ذكر إخراجه منهم مع المؤمنين معه، فتدبره إن شاء ~~الله تعالى. # PageV02P622 # 74 الآية الثالثة عشرة منها # قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) الأعراف: 79. # وقال في قصة شعيب عليه السلام: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) الأعراف: 93. # للسائل أن يسأل عن إفراد الرسالة في قصة صالح عليه السلام، وجمعها في قصة ~~شعيب عليه السلام، وما الفائدة المخصصة لكل واحد من الفظين بمكانه؟ # والجواب عن ذلك أن يقال: إن الذي نطق به القرآن من تحذير صالح عليه ~~السلام قومه بعد أن أمرهم باتقاء الله تعالى وطاعته، وهو أمر الناقة، ~~والمنع من التعرض لها، فجعل الرسالة جملة لما لم يفصل تفصيل ما أتى به شعيب ~~عليه السلام حين نهاهم عن عبادة الأوثان بدلالة قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ~~أصلاتك تأمرك أن نترك # PageV02P623 # ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ~~هود: 87 ثم قال: (إن لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون) الشعراء: 178-179 ~~ثم قال: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين* وزنوا بالقسطاس المستقيم* ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الشعراء: 181- 183 ~~وقال: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل ms118 الله..) الأعراف: 86. # قيل في التفسير: هم العشارون، عن قتادة والسدي، وقيل: كانوا يقعدون من ~~قصد شعيبا فيوعدونه ويصدونه عن دين الله، فهذه التي أمر شعيب بها # PageV02P624 # قومه أشياء كثيرة، ليس ما أمر به صالح قومه مثها كثرة، فلهذا جمع الرسالة ~~فقال: (رسالات ربي) وقال في قصة صالح عليه السلام: (رسالة ربي) . # PageV02P625 # وجواب ثان: وهو على ما يروى أن أيكة غير مدين، وأن شعيبا عليه السلام بعث ~~إلى أمتين، وهذا عن قتادة. وقيل: الأيكة: الغيضة الملتفة، وأصحاب الأيكة هم ~~أهل مدين، فإذا حمل على الأول كان إلى كل واحدة من أمتيه رسالة، فجمع ~~لاختلاف قوله، وتخصيص كل منهم برسالة من الله. # PageV02P626 # فغن قال قائل: عذاب الله أهلكوا، وقد نطق القرآن بالرجفة في أمرهم، ونطق ~~بالصيحة التي خروا لها وماتوا، ونطق بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم ~~فأحرقهم الحر # تحتها، وهذه أنواع من العذاب مختلفة، وفي كل واحد منها ما يغني عن الآخر ~~في الغهلاك، فإذا أهلكوا بأحدها اكتفى به عن غيرها؟ # PageV02P627 # والجواب أن يقال: في التفسير عن محمد بن كعب، قال: عذب قوم شعيب عليه ~~السلام بثلاثة اصناف من العذاب، أصابتهم الرجفة فخرجوا من ديارهم، ثم ~~أصابهم حر شديد، ففرقوا من أن # يدخلوا البيوت خوف الزلزلة، فبعث الله عليهم الظلة، وهي سحبة أنمنشئت لهم ~~فصاح رجل منهم: هل لكم في الظلة؟ هل لكم في الظلة؟ وفي رواية: عليكم ~~بالظلة، فما رأيت كاليوم من ظل أطيب ولا أبرد، فلجأوا إليها هربا من الحر ~~الذي أصابهم، فلما اجتمعوا تحتحا أمطرتهم نارا فأحرقتهم وقيل: صيح بهم صيحة ~~واحدة فماتوا منها فعلى هذا سلطت عليهم الأنواع الثلاثة من العذاب عذاب ~~الاستئصال. # PageV02P628 # 75 # PageV02P629 # الآية الرابعة عشرة منها # قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين* إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون* وما ~~كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون* فأنجيناه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) الأعراف: 80-83. # وقال ms119 في سورة النمل 54-58: (ولوطا إذ قال قوله أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون* أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم تجهلون* فما ~~كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون* ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين* وأمطرنا عليهم مطرا فساء ~~مطر المنذرين) . # وقال في سورة العنكبوت 28-30: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون ~~في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت ~~من الصادقين* قال رب انصرني على القوم المفسدين) . # PageV02P630 # للسائل أن يسأل في هذه الآي عن موضع: # فالأول: قوله في سورة الأعراف81: (..شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~مسرفون) وقال فيما وقع في سورة النمل55: (شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~تجهلون) . # والثاني: قوله تعالى بعد ذلك: (وما كان جواب قومه) في سورة الاعراف 82 ~~بالواو، وقال فيما أشبهه من سورة النمل 56: (فما كان جواب قومه) بالفاء، ~~وهل صلح أحدهما مكان الآخر في الاختيار؟ # والثالث: قوله في سورة الأعراف82: (إلا أن قالوا أخرجوهم) وقال في سورة ~~النمل 56: (إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط) فأضمر في الأول واظهر في الثاني؟ # والرابع: قوله في سورة الأعراف 83: (إلا امرأته كانت من الغابرين) وفي ~~سورة النمل 57: (إلا # امرأته قدرناه من الغابرين) . # والخامس: قوله في سورة الأعراف 80: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين) وقال في سورة النمل 54: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) . # PageV02P631 # والسادس: اختلاف المحكيات، قال في سورة الأعراف 82 (وما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا أخرجوهم) وفي النمل 56: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوا آل لوط) وفي العنكبوت 29 (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا ~~بعذاب الله إن كنت من الصادقين) . # فأما المسألة الأولى، وهي مجيء (بل أنتم قوم مسرفون) في الأعراف، و (بل ~~أنتم قوم تجهلون) في سورة النمل، فالمسرف مجهل بإسرافه، والجاهل مسرف ~~بأفعاله، ms120 إذ الإسراف مجاوزة الحد الواجب إلى الفساد، فيجوز أن يكون لوط ~~عليه السلام لما كانت له مع قومه مقامات قال في بعضها هذا اللفظ، وفي بعضها ~~اللفظ الآخر، ولم يناف أحدهما الآخر. # PageV02P632 # ثم اختصاص مسرفين بسورة الأعراف، فلأن الآيات التي قبلها فواصلها أسماء ~~جمعت هذا الجمع، من حيث قال: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في ~~الأرض..) الأعراف: 74 فكانت فاصلة هذه الآية: (مفسدين) وفاصلة ما بعدها: ~~(مؤمنون) وما بعدها: (كافرون) وبعدها: (المرسلين) وبعدها: (جاثمين) وبعدها: ~~(الناصحين) ، وبعد ذلك إذ انتهى إلى هذه الآية (العالمين) فكان الاسم أحق ~~بالوضع في هذا المكان لتتساوى الفواصل، وفي سورة النمل تقدم الآية التي ~~فاصلتها: (بل أنتم قوم تجهلون) . # PageV02P633 # النمل: 55 قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم ~~يعلمون* وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون* ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة وأنتم تبصرون) النمل: 52-54 فلما تناسقت هذه الأفعال في هذه ~~الفواصل التي قبل هذه الفواصل التي قبل هذه الفاصلة كان بناؤها على ما ~~قبلها بلفظ الفعل أولى بها، فجاء: (تجهلون) في هذا الموضع و (مسرفون) في ~~الأول لهذا من القصد والله تعالى أعلم. # وأما المسألة الثانية في اختصاص الواو بسورة الأعراف في قوله: (وما كان ~~جواب قومه) ، والفاء في سورة النمل: (فما كان جواب قومه) فلأن # PageV02P634 # قبلها (مسرفون) وهو اسم وإن أدى معنى الفعل، و (تجهلون) صريح لفظ الفعل ~~والأجوبة التي تتعلق بالأول المبتدأ به، وإنما أصلها ف الأفعال التي تقع ~~وتوجد لوجود غيرها، والواو والفاء جائزتان في الموضعين إلا انه يختار حيث ~~جاء الأصل الذي وضعت الفاء فيه لتوجب ما بعدها لوجود ما قبلها، وهو الفعل، ~~واختيرت الواو حيث كان الملفوظ به الاسم ليفرق بين الموضعين، فيختار لكل ما ~~هو أليق به، إذ ليس الاسم # أصلا فيما جعلت الفاء للجواب فيه. # وأما المسألة الثالثة، وهي إضمار آل لوط في الأعراف حيث قال (إلا أن ~~قالوا أخرجوهم) وإظهاره في سورة النمل لما قال: (أخرجوا آل لوط من ms121 قريتكم) ~~فالجواب عنه أن يقال: إن السورتين مكيتان وموجب هذا # PageV02P635 # الإضمار والإظهار ان يكون ما جاء فيه الإظهار نازلا قبل ما جاء فيه من ~~الإضمار، فلما أظهر في الآية المنزلة قبل اعتمد في القصة التي هي عند ذكرهم ~~على الإضمار الذ أصله أن يكون بعد تقدم الذكر. # وأما المسألة الرابهة وهي (إلا امرأته كانت من الغابرين) في سورة ~~الأعراف، وفي سورة النمل: (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) فالجواب عنها ~~ما يدل عليه الجواب عن المسألة الثالثة، وهو أن هذه القصة في سورة النمل ~~نازلة قبل القصة التي في سورة الأعراف بدليل الإضمار والإظهار، وإذا بنينا ~~على هذا فإن قوله: (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) أي: كتبنا عليها أن ~~تكون من الباقين في القرية الهالكين مع أهلها، فلما ذكر في الآية المنزلة ~~أولا أحال في # PageV02P636 # الثانية على الأولى في البيان فقال: (كانت من الغابرين) أي: في تقدير ~~الله الذي قدره لها، وأخبر فيما قبل عن حكمه عليها. # وأما المسألة الخامسة فهي قوله تعالى في سورة الأعراف: (..أتأتون الفاحشة ~~ما سبقكم بها من أحد من العالمين) وقال في سورة النمل: (أتأتون الفاحشة ~~وأنتم تبصرون) فالجواب عنها على ما بينا، وهو أن ذكر قصة لوط وقومه نزل ~~القرآن به قبل ذكره في سورة الأعراف، وتبكيتهم على الفاحشة، وتعظيم أمرها، ~~وفحشهم فيها قبل الإخبار عن سبقهم إليها، فكان قوله: (وأنتم تبصرون) أي: لا ~~تتكاتمون بها، لأنهم كانوا في مجالسهم لا يتحاشون عنها، وقيل: (وأنتم ~~تبصرون) فحشها وشناعة قبحها، وهذه صفة ترجع إلى الفعلة نفسها، ثم إنهم لم ~~يسبقوا # PageV02P637 # إليها، كما قيل في الخبر: نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وهذا وصف حقه ~~أي يجيء بعد توفيه الفاحشة حق وصفها في نفوسها، فأخر ذكره إلى حكاية ~~الثانية لهذه القصة، وقد خاطبهم لوط عليه السلام بذلك وأكثر منه في مقامات ~~إنكاره عليهم ودعائهم لهم. # PageV02P638 # وأما المسألة السادسة فعن اختلاف المحكيات، إذ كان في سورتي الأعراف ~~والنمل: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم ms122 من قريتكم) و (أخرجوا آل ~~لوط) وقال في سورة العنكبوت: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا إئتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين) والجواب عن ذلك أن هؤلاء لما كرر عليهم لوط عليه ~~السلام الإنكار وأعاد عليهم الإعذار والإنذار، قال في موقف ما # حكاه الله تعالى عنه، فكان جوابهم له في ذلك الموقف ما ذكره الله تعالى. ~~والجواب الثاني وإن خالف الجواب الأول فهو من جهتهم، وإذا خالفوا بين ~~الأجوبة تناولت الحكاية مختلفها، على لو كان كل ذلك في موقف واحد لكان ~~جائزا أن يكون جواب طائفة منهم ما ذكر أولا، وجواب طائفة أخرى ما ذكر ~~ثانيا، وكل من الطائفتين قومه. # فإذا قيل: (وما كان جواب قومه) أبعض قومه، فإذا كان قاله بعض ورضي به ~~الآخرون، فكلهم أو في حكم القائلين، فلا يقدح ما جاء من # PageV02P639 # اختلاف أجوبتهم في الآيات التي نزلت في هذه القصة على ما يظنه المعترض، ~~وإنما يتعلق بمثله من جهل للأنبياء عليهم السلام موافقها، ولم يعرف اللغات ~~ومصارفها، وهذا كثير في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وحكايتها في هذه ~~السور وغيرها مما نقف عليه إن شاء الله. # PageV02P640 # 76 الآية الخامسة عشرة منها # تشتمل على ثلاث مسائل: # قوله تعالى: (نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرون) الأعراف: 101. # وقال في سورة يونس 74: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين) . # للسائل ان يسأل عن اختلاف ما اختلف في الآيتين المتشابهتين فلم سقط (به) ~~في سورة الأعراف دون سورة يونس؟ ولم قال: (يطبع الله) في الأولى، و (نطبع) ~~في الثانية؟ ولم جعل الطبع على قلوب الكافرين في الأعراف، وعلى قلوب ~~المعتدين في يونس؟ # والجواب عن ذلك: أن سقوط (به) من قوله: (كذبوا) هو للبناء على ما جعل ~~صدرا لهذه الآيات التي نزلت في الترغيب والترهيب، وهو: (ولو أن أهل ms123 # PageV02P641 # القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون الأعراف: 96 فقوله: (ولكن كذبوا) لم يذكر له ~~مفعول، وأنساقت الآيات بعد التحذير المتوالي بقوله: (أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا) الأعراف: 97 ثم ختمت بقوله: (تلك القرى نقص عليك مكن أنبائها ~~ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) الأعراف: ~~101. # فالمكذبون هنا هم المكذبون في قوله (ولكن كذبوا) فدل على ذلك بأن أجرى ~~مجراه في حذف ما # يتعدى إليه كذب وما يتعدى إليه كذب إذا كان غير مميز يتعدى إليه بالباء، ~~كقوله: (كذبوا بآياتنا) يونس: 73. وإذا كان من المميزين فإنه يتعدى إليه ~~بغير حرف إضافة نحو كذبه كقوله تعالى # PageV02P642 # (فكذبوا رسلي) سبأ: 45 فالمحذوف في هذا المكان هو المفعول به، وهو الذي ~~يتعدى إليه الفعل بالباء. # وأما قوله تعالى في سورة يونس 74: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل) وإثبات المفعول به هنا فلأن قبله نوح عليه السلام، وهي (واتل عليهم ~~نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله) . ~~يونس: 71. ثم بعده: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك) ثم بعده: (وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا) يونس: 73 فجاءت كذب أمام القصة المبنية على القصة ~~التي قبلها متعدية إلى ما وجب لها في موضعها، فروعي تعديها، فلما وقعت ~~الإشارة في قوله: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوه من قبل) إلى تكذيب من كذب من قوم نوح، اختير تعدية ~~الفعل المكرر على الفعل الأول، ليعلم أن هذا الفعل معني به # PageV02P643 # ما تقدم، فلما جاء ذلك متعديا جاء هذا مثله. ولما لم يجيء في الآية التي ~~في سورة الأعراف متعديا لم يجيء فيما بني عليه إلا محذوف المفعول به. # وأما الجواب عن قوله) كذلك يطبع الله) الأعراف: 101 و (كذلك نطبع) يونس: ~~74 فلأن الآية في سورة الأعراف مبنية على ما تقدمها من الآيات، وهي تنتقل ~~من الإضمار إلى ms124 الإظهار، ومن الإظهار إلى الإضمار، أعني في أخبار الله عز ~~وجل عن نفسه لقوله: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا) الأعراف: 97. ~~و (أن يأتيهم بأسنا ضحى) الأعراف: 97 وقوله بعده: (أفأمنوا مكر الله) ~~الأعراف: 99 فأظهر: ولم يقل: أفأمنوا مكرنا. # PageV02P644 # فلما وقع هذا الإخبار في هذا المكان، ثم جاء بعده: (أو لم يهد للذين ~~يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو شاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم) ~~الأعراف: 100. فأجرى الفعل على إضمار فاعله، ثم عاد إلى ذكر الطبع، كان ~~إجراؤه على إظهار الفاعل أشبه بما بنيت عليه الآيات المتقدمة من الانتقال ~~من الإضمار إلى الإظهار المختار استعماله في المكان. # وأما الآية التي في سورة يونس وهي: (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يونس: ~~74. فلأن ما قبلها جار على حد واحد وسنن لاحب وهو إضمار الفاعل من حيث في ~~قصة نوح قبلهن وهي من مبتدأ العشر (واتل عليهم نبأ نوح) يونس: 71 إلى أن ~~قال) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين* ثم بعثنا من بعده رسلا إلى # قومهم) فقال بعده: كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يونس: 73-74 # ولم يتقدمه ما يخالفه هذا المنهج، ولم يبن على الطريقين فاتبع الأول وحمل ~~عليه في إضمار الفاعل فيه. # PageV02P645 # والمسألة الثالثة في هذه الآية قوله في سورة الأعراف 101: (على قلوب ~~الكافرين) وفي سورة يونس 74: (على قلوب المعتدين) فالجواب عنها: أن الآيات ~~التي تقدمت في سورة الأعراف تضمنت وصف الكفاء، لأنه لا يحذر عقاب الله ~~ومجيئه بياتا أو ضحى إلا الكفار، ثم إطلاق الخاسرين لا يكون إلا في ~~الكافرين/فلما وقع التصريح بصفات الكفر صرح به عند ذكر الطبع، ولما كانت ~~الآية في سورة يونس قد تقدمها في وصف الكفار ما كان كالكناية عنهم فقال: ~~(فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) يونس: 73. وما كل منذر كافر، كنى عن الكفار ~~بعده عند ذكر الطبع ب المعتدين وما كل معتد كافر، فمخالفة كل واحدة من ~~الآيتين للأخرى إنما هي ms125 لموافقة ما قبل كل واحدة منهما من طرح الكلام وقصد ~~الالتئام. # PageV02P646 # 77 الآية السادسة عشرة منها # قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: (قال إن كنت جئت بآية فات بها إن ~~كنت من الصادقين* فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين* ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين* قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فماذا تأمرون* قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ~~ساحر عليم* وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين* قال ~~نعم وإنكم لمن المقربين* قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين) . الأعراف: 106-115. # وقال في سورة الشعراء مكان قولهك (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر ~~عليم) الأعراف: 109. (قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فماذا تأمرون* قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين* ~~يأتوك بكل سحار عليم* فجمع السحرة) . الشعراء: 34-38. # للسائل أن يسأل في هذه القصة عن مسائل: أولها: قوله في سورة الأعراف ~~109-110. (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم) ثم قال في سورة الشعراء 34. (قال للملأ حوله إن هذا لساحر # PageV02P647 # عليم) . # فأخبر في الأولى أن قائل ذلك الملأ من قومه وفي الثانية أن فرعون هو ~~القائل ذلك لملئه، وهذا # اختلاف ظاهر في الخبرين؟ # والجواب أن يقال: إن قول الملأ فيما حكاه الله تعالى في سورة الأعراف قول ~~فرعون، أداه عنه رؤساء قومه إلى عامة اصحابه، والدليل على أن ذلك قوله، ~~وأنهم فيه مؤدو رسالة عنه قول العامة في جوابه: (أرجه وأخاه) الأعراف: 111، ~~فكان هذا خطابا لفرعون ولم يكن للملأ، إذ لو كان لهم لكان: أرجوه وأخاه ~~وإذا كان كذلك لم يخالف ما قاله في الشعراء من أنه: (قال للملأ حوله) ~~الشعراء: 34 بل يكون هو البادئ بذلك لمن حوله ليؤدوا إلى من بعد عنه قوله. # PageV02P648 # فإن قال قائل: فكيف اختصت سورة الأعراف بحكاية ms126 ما قال الملأ، وسورة ~~الشعراء بما قاله فرعون؟ # قيل: إن أول من رد قول موسى عليه السلام فرعون، ثم مالأنه عليه ملؤه، وهو ~~ما حكاه الله تعالى في سورة الشعراء واقتص حاله حيث أخبر عنه بما قاله: ~~(ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) الشعراء: 18. إلى أن انتهت ~~الآيات إلى القصة المودعة ذكر السحرة، فقل فرعون للملأ حوله ما أدوه عنه ~~إلى غيرهم، وسورة الشعراء مكية كسورة الأعراف، وترتيب الاقتصاص يقتضي أن ~~تكون قبلها، وفي السورة الثانية أخبر عما أداه عنه ملؤه إلى الناس الذين ~~أجابوه بأن (أرجه وأخاه) فكان قول فرعون للملأ حوله سابقا قول الملأ # PageV02P649 # الذين أدوا إلى غيرهم قوله، فذكر حيث قصد اقتصاص أول من دعاء موسى عليه ~~السلام إلى طاعة الله تعالى. # PageV02P650 # 78 الآية السابعة منها # قوله تعالى فيها: (يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون) الأعراف: 110. # وقوله في سورة الشعراء 35: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون) ~~. # للسائل أن يسأل فيقول: ذكر في الآية الأولى: أنه قال: (يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم) فحسب، وذكر في الثانية أنه قال: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) ~~والقول واحد، فلماذا اختلف؟ # والجواب أن يقال: لما أسند الفعل في سورة الشعراء إلى فرعون، وحكى ما ~~قاله وأنه قال للملأ حوله من قومه (إن هذا لساحر عليم) الشعراء: 34 وكان ~~أشهدهم تمردا وأولهم تجبرا، وأبلغهم فيما يرد به الحق، كان في قوله: (يريد ~~أن يخرجكم # PageV02P651 # من أرضكم) ذكر السبب الذي يصل به إلى الإخراج، وهو (بسحره) فأشبع المقال ~~بعد قوله: (إن هذا لساحر عليم) بأن ذكر أنه (يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~بسحره.) . # وأما الموضع الذي لم يذكر فيه (بسحره) فهو ما حكى من قول الملأ في سورة ~~الأعراف، حيث # قال: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فماذا تأمرون) الأعراف: 109-110 والملأ لم يبلغوا مبلغ فرعون في ~~إبطال ما أورده موسى عليه السلام، ولم يجفوا في الخطاب جفاءه، فتناولت ms127 ~~الحكاية ما قاله فرعون على جهته بتكرير لفظ السحر من فعله بعدما أخرجه ~~بصفته حيث قال: (إن هذا لساحر عليم) . # PageV02P652 # فإن قال قائل: فقد ذكر الله عز وجل في سورة طه 63 عن الملأ أنهم: (قالوا ~~إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى ... ) . # قيل له: قوله تعالى: (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى* قالوا إن هذان ~~لساحران ... ) طه: 62-63 خبر عن فرعون وملئه فلما كان من جملتهم غلب أمره ~~على أمرهم، ألا ترى أن ابتداء ذلك: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى) ~~طه: 56 وهذا خبر عن فرعون، ثم بعده: (قال أجأتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى* فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت ~~مكانا سوى* قال موعدكم يوم الزينة..) طه: 57-59 وهو خطاب لفرعون ومن تبعه، ~~ويجوز أن يكون له وحده على ما يخاطب به الملوك من لفظ الجمع كما يخبرون ~~بمثله عن أنفسهم، فذكر قوله: (بسحره) فيما حكاه من كلام فرعون، فلذلك خلا ~~منه الموضع الذي كان الخبر فيه عن الملأ عن قومه. فاعلمه إن شاء الله ~~تعالى. # PageV02P653 # 79 الآية الثامنة عشرة منها # قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين) الأعراف: 111. # وقال في سورة الشعراء 36: (قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين) . # للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى اختلف اللفظان في الآيتين، فكان في ~~الأولى أرسل وفي الثانية وهل يجوز أحدهما مكان الآخر؟ # والجواب أن يقال: اللفظتان نظيرتان، تستعمل إحداهما مكان الأخرى، وقد ~~جاء: بعث الرسول، وأرسله معا، إلا أن أرسل يختص بما لا يختص به بعث لأن ~~البعث لا يتضمن ترتيبا، والإرسال أصله: تنفيذ من فوق إلى أسفل. # PageV02P654 # وأرسل في سورة الأعراف حكاية قول العامة للملأ المؤدين كلام فرعون إليهم، ~~فلما تعالى عليهم ولم يخاطبهم بنفسه كان قولهم في جواب ما استأ مرهم فيه ~~واستشارهم في فعله على الترتيب الذي رتب لهم في الخطاب، فكانت الحكاية ~~باللفظ الذي يفخم به المخاطب، كما خفم في تحميله ms128 ملأه أن يؤدوا كلامه إلى ~~من دونه. # ولما تناولت الحكاية في سورة الشعراء ما تولاه فرعون بنفسه من مخاطبة ~~قومه بإسقاط الحجاب بينهم وبينه، وتسوية قدره، لقوله: (قال للملأ حوله) ~~الشعراء: 34 كان هذا الموضع مخالفا للموضع الأول في مقتضى الحال من ~~التفخيم، فخص باللفظ الذي ليس فيه ما في الأول من التعظيم، وهو قوله: ابعث. # PageV02P655 # 80 الآية التاسعة منها # قوله تعالى بعد ما قال: (يأتوك بكل ساحر عليم) الأعراف: 112 (وجاء السحرة ~~فرعون قالوا إن لنا لأجرا) الأعراف: 113. # وقال في سورة الشعراء بعد: (بكل سحار عليم) الشعراء: 37 (فجمع السحرة ~~لميقات يوم معلوم* وقيل للناس هل أنتم مجتمعون* لعلنا نتبع السحرة إن كانوا ~~هم الغالبين* فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ... ) الشعراء: ~~38-41. # لسائل أن يسأل فيقول: المحكى في الشعراء أكثر من المحكى في سورة الأعراف ~~بعد قوله: (يأتوك بكل سحار عليم) إلى أن انتهى قوله تعالى إلى ما هو خبر عن ~~السحرة من قولهم لفرعون: (أئن لنا لأجرا) الشعراء: 41؟ # والجواب ما دللنا عليه من أن ما في سورة الشعراء أشد ابتداء مبعثه إليه # PageV02P656 # حيث قال: (وإذ نادى ربك موسى أن إئت القوم الظالمين* قوم فرعون ألا ~~يتقون) الشعراء: 10-11. # فجاء في هذه الآيات التي في ذكر السحرة من بيان ما جرى ما لم يجيء في ~~التي في سورة الأعراف، فمنه قول الله تعالى: (فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم) الشعراء: 38 كما قال في سورة طه 57-59: (قال أجأتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك يا موسى* فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى* قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) فهذا هو ~~قوله: (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم) الشعراء: 38. # وفي سورة الأعراف لما لم تبدأ القصة فيها بذكر مبعثه عله السلام، وابتداء ~~أمره لم تكن مبنية على ما بنيتا عليه من اقتصاص معظم حاله، وأول ما كان من ~~مبعثه حيث يقول: (اذهب إلى فرعون إنه طغى* قال رب اشرح لي ms129 صدري* ويسر لي ~~أمري) طه 24-26. # PageV02P657 # فلما كان القصد في سورة الأعراف ذكر الجمل من بعض ما كان، لا ذكر تفصيله، ~~كان الاقتصار بعد ذكر إرسال الحاشرين إلى السحرة، ومجيئهم يغني عن ذكر ~~توعدهم ليوم يظهرون فيه حيلهم وتمويهاتهم، إذ معلوم أن مثل ذلك الخطب ~~الجسيم، وحشر العدد الكثير ينتهي إلى يوم يتواعد إليه # مشهود، وعلى هذا يبني الكلام في أكثر متشابه هذه القصة. # PageV02P658 # 81 الآية العشرون منها # قوله تعالى في الآية التي قبل: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن ~~كنا نحن الغالبين) الأعراف: 113. # وقال في سورة الشعراء 41: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ~~إن كنا نحن الغالبين) . # للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلفت الآيتان، وكيف جاز: (وجاء السحرة فرعون ~~قالوا) وحق الكلام أن يكون في قالوا واو أو فاء، نحو جاء السحرة فرعون ~~فقالوا أئن لنا لأجرا، أو وقالوا؟ # والجواب أن يقال: لما تقدم في سورة الشعراء ما شرحه أكثر وما في سورة ~~الأعراف أوجز وأخصر، كان قوله في الأعراف: (وجاء السحرة فرعون) بمعنى ما ~~كان بإزائه في سورة الشعراء: (فلما جاء السحرة) فلم يحتج في جواب لما إلى ~~فاء ولا إلى واو، وكذلك هنا في سورة الأعراف، لما قصد هذا المعنى دل # PageV02P659 # بحذف العاطف على هذا القصد، فكأنه قال: فلما جاء السحرة فرعون قالوا أئن ~~لنا لأجرا. # PageV02P660 # 82 الآية الحادية والعشرون منها # قوله تعالى: (قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين) الأعراف: 113-114. # وقال في سورة الشعراء 42: (قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) . # للسائل أن يسأل عن زيادة إذا في سورة الشعراء، وخلو سورة الأعراف منها؟ # والجواب أن معنى قوله إذا جواب وجزاء، وكان من قول فرعون لهم: إن غلبتم ~~فجزائي أن أجازيكم بإعلاء رتبتكم، وتقريب منزلتكم، لأنها موضع بني على فصل ~~اقتصاص لما جرى، لم يبن غيرها عليه من نحو ما تقدم # PageV02P661 # وما يجيء. # PageV02P662 # 83 الآية الثانية والعشرون منها # قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي ms130 وإما أن نكون نحن الملقين) ~~الأعراف: 115. # وقال في سورة طه 65: (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ~~ألقى) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكي في الموضعين مع ذلك في شيء واحد؟ # والجواب أن يقال: أن المقصود معنى واحد، فاختير في سورة الأعراف: (.. ~~وإما أن نكون نحن # الملقين) لأن الفواصل قبله على هذا الوزان، واختير في سورة طه: (وإما أن ~~نكون أول من ألقى) لذلك. # PageV02P663 # ومثله قوله تعالى: (وألقي السحرة ساجدين) في سورة الأعراف 120 وسورة ~~الشعراء 46 لتكون الفاصلة فيهما مساوية للفواصل قبلها، وبإزاء (ساجدين) ~~قوله: (فألقى السحر سجدا..) في سورة طه 70 لذلك. # ومثله قوله تعالى: (قالوا آمنا برب العالمين* رب موسى وهارون) في ~~السورتين للفواصل التي حملت هذه عليها. وقال في سورة طه 70: (.. قالوا آمنا ~~برب هارون وموسى) فقدم هارون ليكون موسى فاصلة مثل الفواصل المتقدمة. # فهذا ونحوه مما يراعى الفواصل، ألا ترى إلى قوله تعالى: ( ... وأطعنا ~~الرسولا) و (فأضلوا سبيلا) فزيدت الألف، لا للبدل من التنوين، إذ لا تنوين ~~مع الألف واللام، وإنما ذلك للتوفقه بينهما وبين الفواصل التي قبلها ~~وبعدهما، نحو (تقتيلا) و (وتبديلا) و (وقريبا) و (سعيرا) و (نصيرا) ~~وبعدهما: (كبيرا) و (وجيها) # PageV02P664 # و (سديدا) و (عظيما) . # PageV02P665 # 84 الآية الثالثة والعشرون منها # قوله تعالى: (قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون) الأعراف: ~~121-122. # وقال في سورة الشعراء 47-48 مثله. # وقال في سورة طه 70: ( ... قالوا آمنا برب هارون وموسى) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم كرر ذكر رب في السورتين ولم يكرره في سورة طه، ~~وإنما قال: (قالوا آمنا برب هارون وموسى) ؟ # والجواب أن يقال: إذا قيل: (رب العالمين) فقد دخل فيهم موسى وهارون وهما ~~دعوا إلى رب العالمين لما قالا: (.. إنا رسول رب العالمين) الشعراء: 16 إلا ~~إنه كرر في السورتين: (رب موسى وهارون) ليدل بتخصصهما بعد العموم # PageV02P666 # على تصديقهم بما جاءا به عليهما السلام عن الله تبارك وتعالى، فكأنهم ~~قالوا: آمنا برب العالمين، وهو الذي يدعو إليه موسى وهارون. # وأما في ms131 سورة طه فلم يذكر رب العالمين لأنه كان الكلام يتم به آية كما ثم ~~في السورتين، فيكون مقطع الآية فاصلة مخالفة للفواصل التي بنيت عليها سورة ~~طه، فقال تعالى: (آمنا برب هارون وموسى) وربهما هو رب العالمين، وكان القصد ~~حكاية المعنى لا أداء اللفظ على جهته كما دللنا عليه قبل. # PageV02P667 # 85 الآية الرابعة والعشرون منها # قوله تعالى: (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ... ) الأعراف: 123 # وقال في سورة طه 71: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم..) # للسائل أن يسأل عن موضعين من هذه الآية: # أحدهما: إظهار اسم فرعون لعنه الله في سورة الأعراف في هذا اللفظ وإضماره ~~له في مثله من سورتي طه والشعراء؟ # والثاني: قوله: (آمنتم به) وقال في الموضعين الآخرين: (آمنتم له) ووجه ~~اختلافهما؟ # والجواب عن السؤال الأول، وهو إظهار اسم فرعون في سورة الأعراف، لأنه جاء # PageV02P668 # في الآية العاشرة من الآيى التي أضمر فيها ذكره، وهي قوله: (قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين) الأعراف: 114 # وجاء في الآية العاشرة من هذه السورة: (قال فرعون أمنتم به) الأعراف: 123 ~~ولم يبعد هذا الذكر في الآيتين اللتين في سورة طه والشعراء، لأن فرعون ~~مذكور في سورة طه في جملة قومه الذين اخبر عنهم بقوله: (قال أجأتنا لتخرجنا ~~من أرضنا بسحرك يا موسى) طه: 57 وبعده: (فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى* قال ~~لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى) ~~طه: 60-61 وهذا خطابه لفرعون وقومه، وضمرهم منطو على ضميره إلى قوله: ~~(فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا..) طه: 64. # والذكر في قوله: (قال آمنتم له..) طه: 71 إنما هو السابع من الآي التي ~~جرى ذكره فيها. # PageV02P669 # وكذلك في سورة الشعراء لم يبعد الذكر بعده في سورة الأعراف، ألا ترى أن ~~آخر ما ذكر فيما اتصل بهذه الآية قوله تعالى: (قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين) الشعراء: 42 وذكره بعد ذلك في الآية الثامنة من الآي التي جرى ~~ذكره فيها. # فلما بعد الذكر في ms132 سورة الأعراف خلاف بعده في السورتين إذ كان في إحداهما ~~في السابعة، وفي الأخرى في الثامنة، وهي الأعراف في العاشرة أعيد ذكره ~~الظاهر لذلك. # والجواب عن السؤال الثاني وهو قوله: (آمنتم به) غير الهاء في (آمنتم له، ~~وكل واحدة تعود إلى غير ما تعود إليه الأخرى. # فالتي في (آمنتم به) تعود إلى رب العالمين، لأنه تعالى حكى عنهم أنهم: ~~(قالوا آمنا برب العالمين) الأعراف: 121 وهو الذي دعا إليه موسى عليه # PageV02P670 # السلام وأما الهاء في قوله: (آمنتم له) # تعود إلى موسى عليه السلام، والدليل على ذلك أنه جاء في السورتين بعدها: ~~(إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ... ) طه: 71، الشعراء: 49 فالهاء في (إنه) ~~هي التي في (آمنتم له) فلا خلاف أن هذه لموسى عليه السلام. # والذي جاء بعد قوله: (آمنتم به) قوله: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ### | .... # ) الأعراف: 132 أي إظهاركم ما أظهرتم من الإيمان برب العالمين وقع على ~~تواطؤ منكم، أخفيتموه لتستولوا على العباد والبلاد، ويجوز أن يكون الهاء في ~~(أمنتم به) ضمير موسى عليه السلام، لأنه يقال: آمن بالرسول، أي أظهرتم ~~تصديقه، وأقدمتم على خلافي قبل أن آذنت لكم فيه، وهذا المكر مكرتموه، # PageV02P671 # تعود إلى موسى عليه السلام، والدليل على ذلك أنه جاء في السورتين بعدها: ~~(إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ... ) طه: 71، الشعراء: 49 فالهاء في (إنه) ~~هي التي في (آمنتم له) فلا خلاف أن هذه لموسى عليه السلام. # والذي جاء بعد قوله: (آمنتم به) قوله: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ### | .... # ) الأعراف: 132 أي إظهاركم ما أظهرتم من الإيمان برب العالمين وقع على ~~تواطؤ منكم، أخفيتموه لتستولوا على العباد والبلاد، ويجوز أن يكون الهاء في ~~(أمنتم به) ضمير موسى عليه السلام، لأنه يقال: آمن بالرسول، أي أظهرتم ~~تصديقه، وأقدمتم على خلافي قبل أن آذنت لكم فيه، وهذا المكر مكرتموه، # وسر أسررتموه لتقلبوا الناس على، فاقتضى هذا الموضع الذي ذكر فيه المكر ~~إنكار الإيمان به. # فأما الإيمان له موضعين الآخرين فاللام تفيد معنى الإيمان من أجله، ومن ~~أجل ms133 ما أتى به من الآيات، فكأنه قال: آمنتم برب العالمين لأجل ما ظهر لكم ~~على يدي موسى عليه السلام من آياته، والموضع الذي ذكر فيه (له) أي من أجله، ~~وعبر عنه باللام هو الموضع الذي قصد فيه إلى الإخبار ب (إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر) فلذلك خص باللام، والأول خص بالباء. وقد تدل اللام على ~~الإتباع فيكون المعنى: اتبعتموه لأنه كبيركم في عمل السحر، وقد يؤمن بالخبر ~~من لا يعمل عليه، ولا يتبع الدعي إليه. # PageV02P672 # 86الآية الخامسة والعشرون منها # قوله تعالى: (فسوف تعملون) الأعراف: 123. # وقال في سورة طه 71: (..إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم.. . # وقال في سورة الشعراء 49: (..إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون ~~لأقطعن أيديكم) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال في سورة الأعراف: (فسوف تعلمون) ولم يقل في ~~سورة طه، وإنما أدخل الفاء على قوله: (فلأقطعن) طه: 71، وأما في سورة ~~الشعراء فإنه أتى ب سوف تعلمون مع اللام فقال: (فلسوف تعلمون) فما وجه ~~اختلاف هذه، واختصاص بعض بمكان دون غيره؟ # والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (فسوف تعلمون) من الوعيد المبهم المعرض ~~بأي: فعلت بجهل ما تعرف من بعد نتيجته، وطرحت بذر شر، عند # PageV02P674 # حصده تعلم نهايته. وهذا النوع من الوعيد أبلغ من الإفصاح بقدره، على أنه ~~قد قرن إليه بيانه، وهو: (لأقطعن أيديكم) الآية الأعراف: 124، # فنطق القرآن بحكاية التعريض بالوعيد والإفصاح بالتهديد معا. # وأما اختصاص سورة الشعراء بقوله: (فلسوف) وزيادة اللام فلتقريب ما خوفهم ~~به من اطلاعهم # عليه وقربه منهم، حتى كأنه في الحال موجود: إذ اللام للحال، فالجمع بينها ~~وبين سوف التي للاستقبال، إنما هو لتحقيق الفعل، وإدائه من الوقوع كما قال ~~تعالى: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة) النحل: 124 فجمع بين اللام وبين ~~يوم القيامة كما جمع بينها وبين سوف على ما قاله عز وجل: (.. وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب..) النحل: 77. # PageV02P675 # وقد بينا أن سورة الشعراء أكثر اقتصاصا لأحوال موسى عليه السلام في بعثه، ~~وابتداء أمره، وانتهاء حاله مع ms134 عدوه، فجمعت لفظ الوعيد المبهم مع اللفظ ~~المقرب له، المحقق وقوعه إلى اللفظ المفصح بمعناه، ثم وقع الإقتصار في ~~السورة التي لم يقصد فيها من اقتصاص الحال ما قصد في سورة الشعراء على ذكر ~~بعض ما هو في موضع البسط والشرح، وهو التعريض بالوعيد مع الإفصاح به. # وأما في سور طه فإنه اقتصر على التصريح بما أوعدهم به وترك: (فسوف ~~تعلمون) وقال: (فلأقطعن أيديكم) طه: 71 إلا أنه جاء بدل هذه الكلمة ما ~~يعادلها ويقارب ما جاء في سورة الشعراء التي هي مثلها في اقتصاص أحواله من ~~ابتدائها إلى حين انتهائها، وهو قوله بعده: (..ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) طه: 71 فاللام والنون في: # PageV02P676 # (لتعلمن) للقسم، وهما لتحقيق الفعل وتوكده، كما أن اللام في قوله: (فلسوف ~~تعلمون) الشعراء: 49 لإدناء الفعل وتقريبه، فقد تجاوز ما في السورتين ~~المقصود فيهما إلى اقتصاص الحال من إعلاء الحق وإزهاق الباطل. # PageV02P677 # 87الآية السادسة والعشرون منها # قوله تعالى (.. ثم لأصلبنكم أجمعين) الأعراف: 124. # وقال في السورتين طه 71 والشعراء 49: (.. ولأصلبنكم ... ) بالواو. # للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة الأعراف ب ثم والأخريين بالواو؟ # والجواب أن يقال: إن السورتين اللتين اختصا بالواو هما المبنيتان على ~~الاقتصاص الأكثر والبسط الأوسع، والواو أشبه بهذا المعنى، لأنه يجوز أن ~~يكون ما بعدها ملاصقا لما قبلها كالتعقيب الذي يفاد بالفاء، ويجوز أن يكون ~~متراخيا عنه كالمهلة التي تفاد ب ثم لا بل يجوز أن يكون ما بعدها مقدما على ~~ما قبلها، ومجامعا لها، إذ ه موضوعة للجمع ولا ترتيب فيها، فكانت الواو ~~أشبه بهذين المكانين. # PageV02P678 # وثم تختص بأحد المواضع التي تصلح الواو لجميعها، فلما كانت مقتصرا بها ~~على بعض ما # وضعت له الواو، استعملت حيث اختصرت الحال، فاقترن بكل مكان ما يليق ~~بالمقصود فيه فلذلك خصت ثم بسورة الأعراف، والواو بالسورتين الأخيرتين. ~~والله أعلم. # PageV02P679 # 88 الآية السابعة والعشرون منها # قوله تعالى: (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) الأعراف: 125. # وقال في سورة الشعراء 50: (قالوا لا ضير إلى ربنا ms135 منقلبون) . # للسائل أن يسأل عن زيادة قوله: (لا ضرير) على ما ذكر في سورة الأعراف ~~واختصاص تلك بها من دون هذه؟ . # والجواب أن يقال: إنهم قابلوا وعيده بما يهونه ويزيل ألمه من انتقالهم ~~إلى ثواب ربهم مع المتحقق من منقلب معذبهم، فجاء في سورة الشعراء وهي التي ~~قصد بها الإقتصاص الأكبر: (لا ضرير) أي لا ضرر علينا، فإن منقلبنا إلى جزاء ~~ربنا فننعم أبدا، وتعذب أنت أبدا، فالضرر الذي تحاول إنزاله بنا، بك نازل، ~~وعليك مقيم، ونحن نألم ساعة لا يعتد بها مع دوام النعيم بعدها، فكأنه # PageV02P680 # لم يلحقنا ضرر وفي سورة الاعراف وقع الإقتصار على قوله: ( ... إنا إلى ~~ربنا منقلبون) وفيه كفاية وإبانة عن هذا المعنى، ودلالة بناء على ما قصد ~~فيها مما يبين وشرح في سواها. # PageV02P681 # 89 الآية الثامنة والعشرون منها # قوله تعالى: (.. قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون* قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ... ) . الأعراف: 187-188. # قوله تعالى: (..ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين *قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ... ) . # للسائل أن يسأل عن الآيتين، وتقدم النفع على الضر في الأولى، وتأخيره عنه ~~في الأخرى، وهل لفائدة أوجبت في الاختيار تقديم المقدم وتأخير المؤخر؟ # والجواب أن يقال: إن الألى بعد قوله: (يسألونك عن الساعة أان مرساها قل ~~إنما علمها عند ربي) وبعده: (قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) الأعراف: 178 فكان معنى قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي: ~~لا أملك تعجيل ثواب ولا عقاب لها، إلا ما ملكنية الله، فلا أملك إلا ما ~~ملكت ولا أعلم إلا ما علمت. # PageV02P682 # والذي تسألون عنه أخفى الغيوب، وأنا لا أعلم منها ما هو أقرب إلى ججم ~~الظنون، فكيف ما يختص به علام الغيوب؟ ولو علمت الغيب لاستكثرت في السنة ~~المخصبة ما يدفع كلب المجدبة، # وقيل لاستكثرت من العمل الصالح، الذي أتحقق أنه رفع الأعمال عند الله ~~تعالى درجة، ms136 لأن من علم الغيب عرف # PageV02P683 # الأفضل عند الله ولم يتركه إلى ما هو دونه وقوله (وما مسني السوء) ~~الأعراف: 188 أي: ما بي جنون كما زعم المشركون، وقيل: الفقر لاستكثاري من ~~الخير الذي يتدارك به الفقر عند شدة الزمان. # وأما الآية في سورة يونس فإنها فيما كان يستعجله الكفار من عذاب الله ~~تعالى، وقبلها (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون) يونس: 46. # أي: إن أريناك بعض ما نتوعد به هؤلاء الكفار من العذاب في عاجل الدنيا ~~حتى تراه نازلا بهم في حياتك، أو أخرنا ذلك عنهم إلى بعد وفاتك ووفاتهم، ~~فإن ذلك لا يفوتهم، لأن مرجعهم إلى حيث ييجازذى فيه العباد، ولا يملك بعضهم ~~أمر بعض، ويقول الكفار: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يونس: 48. # قل لا أملك ما وعدكم الله من هذا العذاب، ولا # PageV02P684 # أن أدفع عنكم سوء العقاب، كما لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء ~~الله أن يملكينه منهما، فتقديم ضر على نفع في هذه الآية لخروجها عن ذكر ~~العذاب الذي قال الله تعالى فيه بعدها: (أثم إذا ما وقع آمنتم به آلان وقد ~~كنتم به تستعجلون) . يونس: 51 ثم إن اللفظة التي تزاوج لفظة الضر هي لفظة ~~النفع ومعناه في الآية: إنه لا يملك الله منه عباده، وأنا واحد منهم، فلذلك ~~أتبع ذكره ذكره. # PageV02P685 # 90 الآية التاسعة والعشرون: # قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) ~~الأعراف: 200. # وقال في سورة حم السجدة: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إن هو ~~السميع العليم) . # للسائل أن يسأل فيقول: لأي معنى جاء في الآية من سورة الأعراف (سميع ~~عليم) على لفظ النكرة، وفي سورة حم السجدة معرفتين بالألف واللام مؤكدتين ب ~~هو؟ # والجواب أن يقال: إن الأول وقع في فاصلة ما قبلها من الفواصل أفعال ~~جماعة، واسماء مأخوذة من الأفعال نحو قوله تعالى (فتعالى الله عما يشركون) ~~الأعراف: 190. وبعده (يخلقون) الأعراف: 191 و (ينصرون) ms137 # PageV02P687 # الأعراف: 192 و (لا يبصرون) الأعراف: 198 و (الجاهلين) الأعراف: 199. ~~فأخرجت هذه الفاصلة بأقرب ألفاظ الأسماء المؤدية معنى الفعل، أعني النكرة، ~~وكان المعنى: استعذ بالله إنه يسمع استعاذك، ويعلم استجارتك. # والتي في سورة (حم السجدة) قبلها فواصل سلك بها طريق الأسماء، وهي ما في ~~قوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: 34-35. # فقوله: (ولي حميم) ليس من السماء التي يراد بها الأفعال، وكذلك قوله: (ذو ~~حظ عظيم) ليس ذو حظ بمعنى فعل، فأخرج (سميع عليم) بعد الفواصل التي هي على ~~سنن الأسماء على لفظ يبعد عن اللفظ الذي يؤدي معنى الفعل، فكأنه قال: إنه ~~هو الذي لا يخفي عليه مسموع ولا معلوم، فليس القصد الإخبار عن الفعل، كما ~~كان في الأولى: إنه يسمع الدعاء، ويعلم الإخلاص، فهذا فرق ما بين # PageV02P688 # المكانين. # انقضت سورة الأعراف عن تسع وعشرين آية، فيها ثمان وثلاثون مسألة. # PageV02P689 ### | سورة الأنفال # قد مر في سورة البقرة، وآل عمران من الآيات التي تشبه الآيات من هذه ~~السورة، وهذه الآية التي نذكرها فيها، قد سبقت نظيرتها في سورة الأعراف، ~~فذكرناها في هذا المكان، كراهة إخلاء هذه السورة من تخصيصها/ بما خصصنا به ~~أمثالها. # PageV02P690 # 91 الآية الأولى منها: # قوله تعالى: (فذوقوا العذاب بما كنت تكفرون) الأنفال: 35. # وقال في سورة الأعراف قبلها، 39 (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) . # للسائل أن يسأل فيقول: إن الخبر في الموضعين عن الكفار، فما بال أحدهما ~~احتص بقوله: (بما كنتم تكفرون) والآخر اختص بقوله (بما كنتم تكسبون) ؟ . # والجواب أن يقال: إن التي في سورة الأعراف خبر عن قوم ذكروا قبل هذه ~~الآية في قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ~~أولئك ينالهم نصبيهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما ~~كنتم تدعون من دون الله) . الأعراف: 37. والمعنى في قوله: (ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب) أي حظهم من العذاب المكتوب عليهم ms138 بقدر ما كسبوه من سيئات ~~الأعمال # PageV02P691 # (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) أي يستوفونهم من دون غيرهم ليسوقوهم إلى ~~النار. وهذا عن الحسن، وبين ذلك بعده قوله (قال ادخلوا في أمم قد خلت من ~~قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى # PageV02P692 # إذا أداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربناء هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار قال # لكل ضعف ولكن لا تعلمون) . الأعراف: 38. # فأخبر أن أخراهم تسأل الله أن يضعف العذاب على أولاهم لأنهم ضلوا وأضلوا ~~فيستحقون العذاب على قدر اكتسابهم، فلذلك طبلوا أن يكون عذابهم ضعف عذاب ~~هؤلاء لإثمهم، بما كسبوا من ضلالهم في أنفسهم وإثمهم بما اكتسبوا من إضلال ~~غيرهم، (وقال أولاهم فما كان لكم علينا من فضل) الأعراف: 39 أي: كنتم مثلنا ~~في الضلال، لم يكن علينا فضل في تركه أو التقلل منه (فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكسبون) أي يقول الله تعالى ذلك ذوقوا العذاب بقدر ما كنتم تكسبون ~~فهذا موضع يقتضي ذكر الاكتساب، وما يجب على قدره من العقاب. # PageV02P693 # وأما الآية في الأنفال فهي في ذكر الكفار الذين قال الله تعالى فيهم (وما ~~كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) الأنفال: 35 أي: صفيرا وتصفيفا لم ~~تكن صلاتهم تسبيحا، وتمجيدا، وخضوعا لله تعالى كما يفعل المؤمنون فقال لهم ~~في الآخرة، ذوقوا العذاب بكفركم ولم يتقدم هذه الآية ما يوجب قدرا من ~~العذاب دون قدر حتى يقال: ذوقوا من العذاب بقدر كسبهم له، كما كان في الآية ~~الأولى، وإنما ذكر كفرهم من حيث قال: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون* وما لهم ألا يعذبهم وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام وما كانوا أولياءه) # PageV02P694 # الأنفال: 34-35 وذلك كله في كفار قريش، فلذلك جاء فيه بعد (فذوقوا) (بما ~~كنتم تكفرون) دون (بما كنتم تكسبون) . # PageV02P695 # 92 الآية الثانية منها: # قوله تعالى: (إن الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) الأنفال: 72. # وقال في ms139 سورة براءة 20: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) . # لم قدم ذكر الأموال والأنفس في الآية الأولى على قوله (في سبيل الله) ، ~~وأخر في الأخرى؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى في سورة الأنفال عقيب ما أنكره الله ~~تعالى على من قال لهم: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز ~~حكيم) الأنفال: 67، وهم أصحاب النبي لما أسروا المشركين، ولم يقتلوهم طمعا ~~في الفداء، فقال تعالى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم) # PageV02P696 # الأنفال: 68 أي: فيما أخذتم من هؤلاء الأسرى من الفداء، ثم قال تعالى لما ~~غفر لهم ما كان منهم من ترك القتل إلى الأسرى: (فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا) الأنفال: 69. أي: # استمتعوا بما نلتم من أموال المشركين، وبما أخذتم من فدائهم، فعقب ذلك/ ~~بهذه الآية التي مدح فيها من أنفق أمواله في سبيل الله، لا من يجاهد طلبا ~~للنفع العاجل فقال: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله) فقدم (بأموالهم وأنفسهم) على قوله (في سبيل الله) ليعلموا أن ~~ذلك يجب أن يكون أهم لهم، وأولى بتقديمه عندهم صرفا لهم عما حرصوا عليه من ~~فائدة الفداء. # ولم تكن كذلك الآية التي في ### | سورة براءة # ، لأنها بعدما يوجب تقديم قوله (في سبيل الله) على ذمر المال، لأنه قال ~~تعالى (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله # PageV02P697 # الذين جاهدوا منكم) التوبة: 16. ثم قال في إبطال ما أتى به المشركون من ~~عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج من المقام على الكفر.: (أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل ~~الله) التوبة: 19. فكان المندوب إليه في هذه الآية بعد الإيمان بالله ~~الجهاد في سبيل الله، فقال بعده مادحا لمن تلقى بالطاعة أمره. (الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله) ثم ذكر (بأموالهم وأنفسهم) لما قدم ذكر ما ~~اقتضى الموضع تقديمه، وأن يجعل أهم إليهم من غيره، فخالف هذا المكان قوله ~~في سورة الأنفال، فقدم فيه ms140 ما أخر هناك لذلك فأعلمه. وبالله التوفيق. # PageV02P698 # انقضت سورة الأنفال عن آيتين ومسألتين. # PageV02P699 # سورة براءة # 93 الآية الأولى منها # قوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين) بعد قوله (أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كما آمن بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل ~~الله لا يستوون عند الله) التوبة: 19. # وقال بعده: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) بعد قوله (قل إن كان آباؤهم ~~وأبناؤكم وإخوانكم) من التوبة: 24 # وقال في هذه السورة: (والله لا يهدي القوم الكافرين) موصولة بقوله (إنما ~~زيادة في الكفر) من التوبة: 37. # للسائل أن يسأل عن تخصيص بعض هذه الآيات ب (الظالمين) وبعضها (الفاسقين) ~~وبعضها ب (الكافرين) ، وهل ذلك لمعنى يخضه؟ # والجواب أن يقال: إن المراد ب، (الظالمين) في الآية الأولى مشركو العرب ~~الذين أقاموا بسقايا الحاج، وأنفقوا # على المسجد الحرام رجاء الثواب مع المقام. # PageV02P700 # الكفر والعصيان، فهم لأنفسهم بالكفر ظالمون، وبعملهم الذي يؤملون ~~الانتفاع به مع مضامة الكفر واضعون الشيء غير موضعه، فلما فعل هؤلاء ~~المشركون ذلك وكلن كل مشرك ظالما، وكل من وضع شيئا في غير موضعه يكون ~~ظالما، وإنما يكون غير ظالم إذا أنفق في حال الإسلام على الملسمين من ~~الحجاج دون الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، عبر عنهم ب ~~(الظالمين) لانطواؤ هذه الصفة على الكفر، وعلى المعنى الزائد بتضييع المال ~~في حال الشرك، والمعنى لا يهديهم إلى نيل الثواب الذي ينفقون، وبسببه ~~يعمرون، ولا يدلههم على ثمرة ما يؤمنون. # PageV02P701 # وأما الموضع الثاني، وهو (والله لا يهدي القوم الفاسقين) فإنه تحذير لمن ~~قال فيهم من المسلمين: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله) . التوبة: 24 فعرفهم أن من آثر مراعاة هذه ~~الأبواب التي عدها على طاعة الله تعالى، التي أوجبها من الجهاد في سبيله، ~~فليتربص نازل عقاب الله به، وأنه بفعله ذلك من جملة الفاسقين، وأن حكمه ~~حكمهم، والله لا يهديهم إلى ما أعدوه للمؤمنين من الثواب لتعرضهم ms141 لمخالفة ~~أمر الله تعالى للعقاب، فكان ذكر الفاسقين أليف بهذا المكان. # وأما الموضع الثالث، وهو (والله لا يهدي القوم الكافرين) فإنه بعد قوله ~~في وصف الكفار: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه ~~عاما # PageV02P702 # ويحرمونه عاما) التوبة: 37 وهو/ ما كان بعض العرب يأتيه من تحليل بعض ~~الأشهر الحرم، وتحريم بدله من الشهر الذي ليس بمحرم ليوفي عدة الأربعة، ~~فيكون في ذلك تحريم ما حلله الله وتحليل ما حرمه، فأخبر الله تعالى أن ذلك ~~زيادة في كفرهم، ثم عقبة بوصفهم بأنه لا يهديهم، فكان أحق الأوصاف في هذا ~~المكان لفظة (الكافرين) التي اقتضاها هذا المعنى والذكر المتقدم في مكانين ~~من الآية. والله أعلم. # PageV02P703 # 94 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون) . التوبة: 32. # وقال في سورة الصف8: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~لو كره الكافرون) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال تعالى في الآية الأولى: (يريدون أن يطفئوا نور ~~الله) وقال في الثانية (ليطفئوا) فما الذي أوجب اختصاص الأولى بما اختصت ~~به، والثانية باللام دون أن تكون مثل # الأولى ب أن وهي الأصل في تعدي الإرادة إليه؟ # والجواب أن يقال: إن الإرادة في الآية الأولى تعلقت بإطفاء نور الله ~~بأفواههم، وإطفاء نور الله إنما يكون بما حاولوا من دفع الحق بالباطل فالحق ~~يسمى نورا، لأن حججه وبراهينه تضيء لطالبه بها إليه، والباطل هو # PageV02P704 # قوله بأفواههم، وهو ما أخبر الله تعالى به قبل عن اليهود والنصارى فقال: ~~(وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم) التوبة: 30. أي: هو قول لا حقيقة له، ولا محصول، وبمصله لا يدفع ~~الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج، لأن هذا النور وإن ~~أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل، فهو بخلافه في الامتناع من ~~الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج. # والنور يجوز أن يكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن ms142 يكون المراد ~~به القرآن، ويجوز أن يكون المراد به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى (إنا أرسلناك # PageV02P705 # شاهدا ومبشرا ونذيرا*وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) الأحزاب: ~~45-46. فالسراج المنير يسمى نورا، وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن ~~يقال: حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال فيهم عز وجل: ~~(ذلك قولهم بأفواههم يضائهون قول الذين كفروا من قبل) التوبة: 30. أي: ~~يشاكلون بإثباتهم لله بنا وشريكا قول من أثبت مع الله آلهة: (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) التوبة: 31. وهذا واضح ~~وتعدى الإرادة إلى هذا المراد ظاهر، وهو وجه الكلام والأصل. وأما الآية في ~~سورة الصف، وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة اللام، فإن للنحوين في ~~ذلك مذهبين. # أحدهما: أن اللام توضع موضع أن لكثرة ما يقال: زرتك لتكرمني، فاللام # PageV02P706 # لما شهرت بنيابتها عن أن وقيامها مقامها في الموقع، كان تعدى الفعل إليها ~~مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى أن وما تنصبه من المسقبل فيقال قصدت أن ~~تفرح وقصدت لتفرح، وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة. # فأما المذهب الآخر فللمحققين، وهو أن الفعل معدى إلى المفعول محذوف، ~~واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون منبئة على العلة التي لها أنشئ ~~الفعل. # والمراد في الآية/ على هذا التحقيق: يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم لأن قبلها: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام) الصف: 7. فقوله: (يريدون) لم يذكر فيه مفعول ما يريدون # PageV02P707 # اعتمادا على ما نبه عليه بقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب) # فكأنه قيل: يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور الله، وهو على نحو قوله. # أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود # وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود # أي أردت أن انزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها على أنها عادي ~~القامة، ثمودي الخلقة. # PageV02P708 # فلهذا خصت الآية الثانية بدخول اللام على يطفئوا ولما كان المراد ms143 في ~~الآية الأولى الإطفاء بالأفواه لما دل عليه مفتتح العشر، وهو: (وقالت ~~اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) ~~التوبة: 30. # كانت الإرادة معداة إلى إطفاء نور الله تعالى بأفواههم، وهو ما حكى الله ~~تعالى عنهم أنه قولهم بأفواههم، أي: يريدون أن يدفعوا الحق بالباطل من ~~أفواههم، وهذا واضح. # PageV02P709 # 95 الآية الثالثة منها: # قوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا ~~وهم كارهون) . التوبة: 45. # وقال في موضعين آخرين من هذه السورة: (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين) # التوبة: 80. # وبعده: (ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) ~~التوبة: 84. # للسائل أن يسأل عن الفرق بين هذه الأماكن حتى أعيد في الأول حرف الجر مع ~~المعطوف، ولم يعد في المكانين الآخرين؟ # والجواب أن يقال: لما كان الأول فيه إيجاب بعد نفي صار الخبر أوكد، وإلى ~~أمارة التوكيد أو حج، ألا ترى أن قولك ما زيد إلا فاضل أوكد من قولك: زيد ~~فاضل، وكذلك ما زيد إلا قائم أوكد من قولك زيد قائم فلما كان كذلك احتاج ~~المعطوف على قوله (بالله) إلى توكيد لم يحتج إليه في قوله: (كفروا # PageV02P710 # بالله ورسوله) إذ ليس أحد من الموضعين الآخرين متضمنا إيجابا بعد نفي كما ~~تضمنه قوله: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله) الآية. # PageV02P711 # 96 الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون* فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبكم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) ~~التوبة: 54-55. # وقال بعده: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبكم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة: 85. # للسائل أن يسأل في الآيتين عن أربع مسائل: # أولها: (فلا تعجبك) بالفاء في الآية الأولى، وقوله (ولا تعجبك) بالوار في ~~الآية الثانية. # والمسألة الثانية: تكرار لا في قوله: (ولا ms144 أولادهم) وتركه في قوله: (ولا # PageV02P712 # تعجبك أموالهم وأولادهم) . # والثالثة قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم) باللام، وقال في الآية الأخرى: ~~(إنما يريد الله أن يعذبهمن) . # والمسألة الرابعة قوله: (في الحياة الدنيا) في الآية الأولى، وفي الآخرة: ~~(في الدنيا) من غير ذكر الحياة الموصوفة بها/. # والجواب عن المسألة الأولى في الفاء والوار، ومجيء الآية الأولى على (فلا ~~تعجبك) والآخرة على (ولا تعجبك) هو أن يقال: إن قبل الفاء قوله تعالى (ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) . التوبة: 45. ~~فأخبر عن المنافقين بما يقصدونه بأفعالهم التي يوقعونها في حالهم ~~واستقبالهم على معنى: أن يكسلوا عن الصلاة ويتكرهوا الصدقات، فإن الله ~~تعالى # PageV02P713 # ليس يجازيهم بما يسوءهم من أموالهم، بل يجعل ذلك عذابا لهم مدة بقائهم ~~بما ينالهم من النقص في أموالهم بما أباح منها للمسلمين بالقتال، وما ~~يصيبهم في الأولاد من السبي والاستبعاد، ثم عند الفراق يكون الألم على قدر ~~محبة الأحياء، هذا سوء الانقلاب وما أعد لهم من العذاب ليوم المآب، فلما ~~كان الفعل الذي قبل الفاء بمعنى الشرط صار بعدها في موضع # PageV02P714 # الجزاء فخضعت بالفاء لذلك. # وأما الآية التي دخلتها الواو فإن قبلها أفعالا ماضية كقوله: (إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) # التوبة: 84، وهذه الأفعال بمضيها وانقضائها لا تكونشرطا فتعقب بالفاء ~~التي تدل على الجزاء، فعطفت الآية # بعدها على ما قبلها بالواو لبطلان المعنى الذي يقتضي الفاء. ألا ترى أنه ~~قال: (وماتوا وهم فاسقون) ولا يشترط # فعل من قد مات فيعقب بذكر الجزاء، فلذلك اختلفا في الفاء والواو. # والجواب عن المسألة الثانية، وهي توكيد قوله (ولا أولادهم) ب لا في قوله: ~~(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) وتعرية الثانية منها حيث قال: (ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم) هو أن الذي نبأ عن # معنى الشرط في الفعل الأول وهو: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون) التوبة: 45. بني على أوكد ما يبنى عليه الأخبار من ~~الإيجاب بعد النفي، فلما علقت # PageV02P715 # الجملة الثانية به تعلق الجزاء بالشرط ms145 اقتضت من التوكيد ما قصد به مثله ~~في الأول، فكان من ذلك أن أكد معنى النهي بتكرير لا في قوله: (فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم) . # وأما الثانية فهي مخالفة للأولى في هذا المعنى، لأنه لا شرط ينطوي عليه ~~الفعل الذي قبلها كما انطوى علي الفعل الذي قبل الفاء، ولم يتضمن أيضا من ~~التوكيد المقتضى بناء يتعلق عليه فخلا من الدواعي إلى التوكيد، فلم يكرر ~~فيه لا لذلك. # والجواب عن المسألة الثالثة وهي وصل الإرادة باللام في الأولى حيث قال: ~~(ليعذبهم بها) ووصلها ب أن في الثانية حيث قال: (أن يعذبهم) هو أن الأولى ~~معناها: إنما يريد الله أن يزيد في نعمائهم بالأموال والأولاد ليعذبهم بها ~~في الحياة # PageV02P716 # الدنيا، فمفعول الإرادة محذوف، واللام لام الصيرورة، والآية الأخيرة ~~مخالفة للأولى في ذلك، لأنها في الإخبار عن قوم قد ماتوا وانقرضوا على ~~النفاق، فلم يضمر للإرادة مفعول، وهو: أن يزيد في نعمائهم لانقطاع الزيادة ~~بالموت عنهم، فعديت الإرادة إلى ما آل إليه حالهم من تعذيبهم، فصار المعنى: ~~إنما يريد الله في حال إنعامه عليهم تعذيبهم به في الدنيا، ففرق بين ~~الخبرين إذ كان أحدهما خبرا عن قوم معرضين لزيادة إنعام الله عليهم، ~~والأخير خبرا عمن انقطعت أعمالهم وبلغت نعمة الله عليهم غاية لا مزيد فيها ~~لهم، والله يريد تعذيبهم بذلك بعد كفرهم ومقامهم على نفاقهم. # والجواب عن المسألة الرابعة وهي قوله في الأولى: (في الحياة الدنيا) فجعل ~~الدنيا صفة للحياة، قوله في الآخرة: (في الدنيا) فأغنى بذكر الصفة عن ذكر # PageV02P717 # الموصوف هو أن الثانية لما كانت بعد الأولى، وقد نبه فيها على الموصوف، ~~كان في ذكره هناك غنى عن ذكره في هذا المكان، لا سيما والدنيا كاسم علم ~~للحياة الأولى وللدار الدنيا، فأغنى كل ذلك عن ذكر الحياة، والإتيان ~~بالموصوف، وهذه حال الصفة. # PageV02P718 # 97 الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (.. استأذنك أولو الطول منهم وقالوا منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين* رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) ~~التوبة: 86-87. ms146 # وقال بعدها في العشر التي تلي هذه العشر: (وإنما السبيل على الذين ~~يستأذنوك وهم أغنياء رضوا # بأن يكونوا مع الخوالف وطبه الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) التوبة: 93. # للسائل أن يسأل هنا عن مسأليتين: # إحداهما عن قوله في الأولى: (وطبع) بفعل مالم يسم فاعله وفي الثانية سمى ~~فاعله بقوله:: (وطبع الله) . # والمسألة الثانية قوله في الأولى: (فهم لا يفقهون) وفي الآخرة: (فهم لا ~~يعلمون) . # والجواب عن المسألة الأولى أن قوله تعالى: (وطبع) في آخر آية افتتحت ~~بقوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة) التوبة: 86 والمعنى: وإذا أنزل الله سورة، ~~فلما صدرت # PageV02P719 # الآية بفعل علم أن فاعله الله فيما لا يقتضي ذكر الفاعل به مزية، بل يقوم ~~المفعول به مقام، كان مثل هذا الفعل في منتهى الآية محمولا عليه، لأنه ~~معلوم أن الله تعالى يطبع، كما علم أن الله ينزل، فكانت التوفقة بين آخر ~~الآية وأولها في ذلك هو الاختيار. # والآية الأخرى وقعت هذه اللفظة منها في موضع إشباع وتأكيد، لا تراها في ~~قوله: (إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) التوبة: 93 فجاءت إنما ~~بعد نفي مكرر في قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله ~~غفور رحيم * ولا على الذين إذا أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ... ~~) التوبة 91-92 فنفى الحرج عمن قعد عن الجهاد لإحدى المعاذير التي ذكرها، # PageV02P720 # ثم ألزم الحرج القوم الذين حالهم مضادة لأحوال أولئك، فقال: (إنما السبيل ~~على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف..) أي الاثم ~~يتوجه على من يستأذن في المقام، وهو قادر على الجهاد بالغنى واليسار وصحة ~~الأبدان، رضوا بأن يكونوا مع النساء والزمنى والضعفاء، والله طبع على ~~قلوبهم، فهم لا يعلمون، فلما كان هذا الموضع موضعا يتبين فيه مضادة حالهم ~~لأحوال غيرهم لتخالف بين أفعالهم وأفعال من فسخ في القعود لهم، كان موضع ~~تنبيه وتأكيد وتخويف وتحذير، فسمى الفاعل وهو الله ms147 تعالى ليليق الفعل إذا ~~جاء هذا المجيء بمكانه. # PageV02P721 # والجواب عن المسألة الثانية هو أن الذين ذكروا بالطول، وهو الفضل في ~~النفس والمال والقدرة على الجهاد وإنما مالوا إلى الدعة، وأخلدوا إلى ~~الراحة، وأشفقوا من الحر، ولم يفطنوا أن الراحة في تحمل التعب مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأن الدعة توجد بتحمل المشقة معه، فطلبوا ما كان ~~مطلوبهم ضده لو فقهوا، وتفطنوا، فكان هنا موضع يفقهون. # وأما الآية الأخرى وهي: (وإنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء) أي # PageV02P722 # العقاب يتوجه إلى هؤلاء، وهم الذين لا يعلمون ما أعد الله لكل ذي عمل محق ~~عمله ما يعلمه المؤمنون الذين يستجبون للخروج، والذين تفيض أعينهم، إذ لم ~~يعنهم بالركوب فلما كان بإزائهم في الآتين اللتين قبل، ذكر من تحقق، وعلم ~~الثواب والعقاب على اليقين، وخالفهم هؤلاء، نفي عنهم ما أثبته لأولئك وهو ~~العلم، فلذلك جاء في هذا المكان: (فهم لا يعلمون) . # PageV02P723 # 98 الآية السادسة # قوله تعالى (..قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبئنا الله من أخباركم وسيرى ~~الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعلمون) التوبة: 94. # وقال بعده: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون) التوبة: 94. # للسائل أن يسأل عن شيئين في هذا المكان: # أحدهما: ذكر (والمؤمنون) في الآية الثانية، وتركه في الأولى. # والسؤال الثاني: قوله في الآية الأولى: (ثم تردون) وفي الآية الثانية: ~~(وستردون) وهل لاختلافهما معنى يوجبه ويخصصه بالمكان الذي يخصه؟ # والجواب عن الأولى أن يقال: إن المخاطبين في الآية الأولى هم المنافقون، ~~والمخاطبون في الثانية هم المؤمنون، لأنه قال في الأولى: (يعتذرون إليكم ~~إذا رجعتم # PageV02P724 # إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبئنا الله من أخباركم..) والثانية ~~قال قبلها (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم..) التوبة: 103 وبعدها: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ~~ويأخذ الصدقات ... ) التوبة: 104 ثم قال: (وقل اعملوا ms148 فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105. # وإذا اختلف المخاطبون بما بينا في الآيتين كان قوله: (وسيرى الله عملكم ~~ورسوله) بعد قوله: (قد نبأنا الله من أخباركم) معناه: أن الله قد أخبرنا ~~بأخباركم التي تخفونها في أنفسكم وتجاهرون بها من كان من المنافقين مثلكم، ~~والله سيرى ما يكون منكم بعد، ويرى رسوله بإطلاع الله له عليه، # PageV02P725 # وأعمالهم التي لأجلها يحكم عليها بالإنفاق يراها الله تعالى ويطلع الله ~~عليها صلى الله عليه وسلم، وما كل مؤمن يعلمها، فلذلك لم يقل في هذا ~~المكان: (والمؤمنون) بعد قوله: (وسيرى الله عملكم ورسوله) . # وأما الآية الثانية فإنها فيمن أمر الله تعالى نبيه وهم الذين أوجب عليهم ~~الصدقات بأن يقول لهم: # اعملوا ما أمركم الله تعالى به من الطاعات كالصلوات والصدقات، فإن الله ~~ورسوله والمؤمنين يرون ذلك. وهذه الأعمال مما ترى بالعين خلاف أعمال ~~المنافقين التي تقتضي لهم النفاق لإضمارهم # PageV02P726 # خلاف إظهارهم، وهو مما لا يرى بالعين، وإنما يعلمه عالم الغيب، فلذلك لك ~~يذكر (المؤمنون) في الأولى، وذكروا في الثانية. # والجواب عن المسألة الثانية: أن معنى قوه للمنافقين: (..قد نبأنا الله أن ~~أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله) أي: سيعلم الله حقيقة عملكم، وأنه عن غير ~~صحة اعتقاد منكم، وأن اعتذاركم قول بلسانكم، لا يطابقه منطوى ضميركم، وهذا ~~ظاهر، يكون الجزاء عليه خلافه، # ففصل بينه وبين ردهم إلى الله تعالى للجزاء عليه بقوله: (ثم) أي: عملكم، ~~يعلم الله من باطنه خلاف ظاهره، وقد أمرنا بالرضى به وحقن دمائكم له، ثم إن ~~الحكم إذا رددتم إلى الله تعالى في الآخرة بخلافه، فلبعد ما بين الظاهر من ~~عملكم، وما تجازون به دخلت ثم. # وليست كذلك الآية الأخيرة، لأن قبلها بعثا على عمل الخير بقوله تعالى: ~~(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105 وهو وعد، # PageV02P727 # والأول وعيد، وبعده: (وستردون) لأنه وعد بما يشاكل أفعالهم ويطابق ~~أعمالهم من حسن الثواب وجميل الجزاء، ولم يبعد عنها كبعد جزاء المنافقين ~~عما هو ظاهر من أعمالهم التي يراؤونها بها، ويعلم الله تعالى ms149 خلافها منهم، ~~فجرى الكلام على نسق واحد، فقال: (فسيرى الله) (وستردون) ولم تدخل ثم التي ~~هي للتراخي والتباعد، فاختصاص كل موضع بما اختص به من اللفظ لما ذكرنا. # PageV02P728 # 99 الآية السابعة منها # قوله تعالى: (..ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطئون موطئا غريبا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله ليضيع أجر المحسنين) التوبة: 120. # وقال بعده: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب ~~لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) التوبة: 121. # للسائل أن يسأل في ذلك عن مسألتين: # إحداهما: قوله تعالى في الآية الأولى: (إلا كتب لهم به عمل صالح) وقوله ~~في الثانية: (إلا كتب لهم به) فحسب، ولم يذكر (عمل صالح) كما ذكر في ~~الأولى. # والمسألة الثانية: تعقيبه الأولى بقوله: (إن الله ليضيع أجر المحسنين) ~~وتعقيبه الثانية بقوله: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) ووجه الاختلاف ~~في هاتين الآيتين. # والجواب عن المسألة الأولى هو أن في جملة ما ذكره تعالى مما أوجب لهم # PageV02P729 # الأجر ليست من أعمالهم، لأن الظمأ ليس هو من فعل الإنسان والنصب والمخمصة ~~كذلك فلما تضمن مما نسق بعضه على بعض ما ليس بعمل لهم وما هو عمل لهم ~~بقوله: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا) الحق أجر ما ~~ليس بعمل لهم بما هو عمل لهم فقط فقال: (إلا كتب لهم به عمل صالح) أي أجر ~~عمل صالح. # وما ذكر الله تعالى في الآية الثانية كله من أعملهم، وهو قوله: (ولا ~~ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم) أي: لا يخرجون ~~من أموالهم ما دق أو جل، ولا يقطعون في مسيرهم على أعدائهم واديا إلا كان ~~ذلك محفوظا # PageV02P730 # لهم معلوما مكتوبا، أو كالمكتوب عند الله تعالى ليجزيهم عليه أحسن الجزاء ~~فلما كان ما في الثانية عملهم كتب على جهته، ولم يحتج إلى أن يكتب بع عمل ~~صالح، لأنه هو ms150 والأول كان فيه ما ليس بعملهم فكتب به أجر مثل عملهم، فلذلك ~~كانت الزيادة في الأولى ولم تحتج إليها الأخرى. # والجواب عن المسألة الثانية وهي تعقيب الأولى بقوله: (إن الله لا يضيع ~~أجر # PageV02P731 # المحسنين) هو أن من أخبر عنه بأنه أصابه ظمأ ونصب وجوع، فقد أخبر عنه ~~بفعل غيره، ولم يخبر عنه بفعل فعله هو، إلا أنه يحسب له بما وصل إليه من ~~ألم العطش والجوع والتعب والنصب الأجر، فلذلك عقبه بقوله: (إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين) أي: أجر من أحسن طاعة اللع وتعرض منها لما تلحقه فيه هذه ~~الشدائد. # وأما الآية الثانية وتعقيبها بقوله: (ليجزيهم) الله أحسن ما كانوا يعملون # فلأن جميع ما ذكر كان عملا لهم، فوعدهم حسن الجزاء على عملهم وذلك ظاهر ~~والله أعلم. # انقضت سورة براءة عن سبعة مواضع فيها ثلاثة عشرة مسألة. # PageV02P732 ### | سورة يونس عليه السلام # 100 الآية الأولى منها # قول تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم..) يونس: 18 # وقال في سورة الفرقان55: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~... ) # للسائل أن يسأل عن تقديم (يضرهم) على (ينفعهم) في الآية الأولى، وتقديم ~~(ينفعهم) على (يضرهم) في الآية الثانية؟ وهل صلح أحدهما مكان الآخر؟ . # فالجواب ان يقال: إنما قدم: (ما لا يضرهم) على (لا ينفعهم) في الآية ~~الأولى لأن العبادة تقام للمعبود خوفا من العقاب أولا، ثم رجاء للثواب ~~ثانيا، وقد تقدم في هذا المكان ما أوجب تقديم (ما لا يضرهم) على (لا ~~ينفعهم) في الآية الأولى، وهو قوله: (..إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم) يونس: 15 فكأنه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يخافون ضررا في ~~معصيته، ولا يرجون نفعا في # PageV02P733 # طاعته، فتقدم (ما لا يضرهم) على (لا ينفعهم) في هذا المكان لهذا المعنى ~~ولهذا اللفظ المتقدم. # وأما سورة الفرقان فقد تقدمت فيها آيات قدم فيها الأفضل على الأدون كقوله ~~عز وجل: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج..) الفرقان: 53، ~~وكقوله بعده: ms151 (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا) الفرقان: 54، وصلة النسب أفضل من صلة المصاهرة، كما أن العذب من ~~الماء أفضل من الملح، وقال بعده: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم) أي: ~~يتكلفون المشقة بعبادة ما لا يرجونه لنفع، ولا يخشونه لضر، فقدم الأفضل على ~~الأدون لهذا المعنى، وللبناء على ما تقدم من الآيات، # PageV02P734 # فجاء في كل موضع على ما اقتضاه ما تقدم، وصح المعنى الذي اعتمد عليه. # PageV02P735 # 101 الآية الثانية منها # قوله تعالى (.. فلماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون* كذلك حقت كلمة ~~ربك الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) يونس: 32-33. # وقال في سورة المؤمن 5-6 (..وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب* وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار) . # للسائل أن يسأل في هاتين الآيتين عن ثلاث مسائل: # إحداهما: دخول الواو على (كذلك) في سورة المؤمن وخلوها منها في سورة ~~يونس. # والثانية قوله في الأولى: (على الذين فسقوا) وفي الثانية: (على الذين ~~كفروا) . # والثالثة: قوله في يونس: (أنهم لا يؤمنون) وفي المؤمن (أنهم أصحاب # PageV02P736 # النار) . # والجواب عن المسألة الأولى، وهي ترك الواو في هذا الموضع وإثباتها في ~~سورة المؤمن: أن القصة بعد (كذلك) هي التي قبلها، فهي مرتبطة بها بعودها ~~إليها، وبكاف التشبيه، فاستغنت بهذين # الرابطين عن حرف العطف، هؤلاء الذين حقت عليه كلمة الله، أنهم لا يؤمنون، ~~هم الذين خوطبوا بقوله: (قل من يرزقكم من السماء والأرض ... ) يونس: 31. # وليس كذلك ما في سورة المؤمن، لأنه وإن تعلق به بكاف التشبيه فإنه ينقطع ~~عنه بأن المذكورين بعد كذلك غير المذكورين قبلها، ألا ترى أن قوله: (كذبت ~~قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل..) المؤمن: 5 خبر عن الذين كانوا قبل النبي وما بعد قوله: (وكذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) المؤمن: 6 إنما # PageV02P737 # هو وعيد لمن هو في عصره عليه الصلاة والسلام، فلمت ms152 انقطع ما بعد كذلك هنا ~~عما قبلها احتاج إلى الواو، وما في سورة يونس لما لم ينقطع ما بعدها عما ~~قبلها لم يحتج إليها. # والجواب عن اختصاصه بقوله (على الذين فسقوا) في سورة يونس، واختصاص ما في ~~سورة المؤمن بقوله: (على الذين كفروا) فلأن الأول في ذكر قوم أخبر عنهم ~~بقوله: (قل من يرزقكم من السماء والأرض..) يونس: 31 فأخذ إقرارهم بأن الله ~~تعالى هو الذي يرزقهم من مطر السماء ونبات الأرض، وهو الذي يملك أسماعهم ~~وأبصارهم، فإن أحب سمعوا وأبصروا وإن لم يرد ذلك صمو وعموا، وهو الذي يخرج ~~الحي من الميت كالفرخ من البيضة، ويخرج الميت من الحي كالبيضة من الدجاجة، ~~وأنه هو الذي يدبر أمور الخلق من ابتداء أحوالهم إلى انتهائها، وكانوا ممن ~~أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ( ... والذين اتخذوا # PageV02P738 # من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ... ) الزمر: 3 ~~فباينوا بإثبات الصانع وما زعموه من معرفة الخالق من أنكره وجحد بآياته، ~~وفسقوا بأن عبدوا معه غيره، ولم يثبتوا النبي ونبوته الفسق الذي هو كفر لا ~~ينفع معه الإقرار الاول، فقال تعالى: هؤلاء الذين أقروا بالصانع وصفات ~~فعله، ثم خرجوا عما دخلوا فيه بإنكار نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبعبادة آلهة مع الله تعالى كان ذلك فسقا لخروجهم عن حكم من يقر بما أقروا ~~به، والفسق فسقان: # أحدهما هو الكفر، وتسميته به لهذا الوجه الذي قلناه، وهو كقوله تعالى: ~~(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) السجدة: 20. # والثاني فسق ليس بكفر كقوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون) النور: 4 ليس المراه بهد الكافرين، فأخبر عن هؤلاء ب (الذين # PageV02P739 # فسقوا) في سورة يونس لذلك. # وأما في سورة المؤمن فإنه لم يتقدمه مثل ما تقدم هنا، بل قال تعالى قبله: ~~(ما يجادل في آيات الله الذين كفروا فلا يغررنك تقلبهم في البلاد* كذبت ~~قبلهم قوم نوح ... ) المؤمن: 4-5 فأخبر عن # الكفار الذين في عصره بأنهم كفروا بمجادلتهم في آيات الله، فشبههم بالقوم ~~الذين مضوا ms153 قبلهم حيث قال (..وهمت كل أمة بسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق..) المؤمن: 5 ثم قال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار) المؤمن: 6 فلما أراد الذين قدم ذكرهم من أول ~~القصة، وهو الذين أخبر عنهم بقوله) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ~~فلا يغررنك تقلبهم) المؤمن: 4 كان أن يصفهم بما وصفهم به قبل من الكفر أولى ~~وأدل على أن المعنيين بوجوب النار لهم، هم الذين قدم ذكرهم. # والجواب عن المسألة الثالثة، وهي: (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا ؤمنون) يونس: 33 وقوله في سورة المؤمن 6: (أنهم أصحاب # PageV02P740 # النار) فلأنه تعالى أراد أن يبين أنهم وإن أقروا بالله تعالى وأثبتوه ~~خالقا قادرا صانعا غير مؤمنين، وما داموا يعبدون غير لا يؤمنون، فالقصد إلى ~~إبطال ما بذلوه بألسنتهم من الإقرار بخالقهم، والقصد في الآية التي في سورة ~~المؤمن توعدهم على كفرهم بالنار إذ لم يتقدم ذكر إقرار يشبه إقرار ~~المؤمنين، فيبطل بتركهم سائر ما أمر الله تعالى به. # PageV02P741 # 102 الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكقرهم لا يعلمون) يونس: 55. # وقال بعده في العشر التي تلي هذه العشر: (ألا إن لله من في السموات ومن ~~في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ... ) يونس: 66. # وقال بعده في هذه العشر: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في ~~السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا ### | .... # ) يونس: 68. # للسائل أن يسأل في ذلك عن مسائل: # إحداهما: لماذا كان في الآية الأولى: (ما في السموات والأرض) وفي ~~الثانية: (من في السموات ومن في الأرض) وهل صلح من في الآية الأولى، وما في ~~الثانية؟ # والمسألة الثانية: ما الذي دعا إلى التوكيد في من حتى أعدت في قوله: (ومن ~~في الأرض) ، ولم تعد ما في الآية الأولى عند ذكر الأرض؟ . # PageV02P742 # والمسألة الثالقة عما دعا إلى تكرير ما في ms154 قوله: (له ما في السموات وما ~~فيالأرض) ولم يكررها # في الآية الأولى في قوله:: (ألا إن لله ما فغي السموات والأرض..) ولم ~~يقل: وما في الأرض؟ . # فالجواب عن المسألة الأولى، واختصاص ما حيث اختصت، واختصاص من حيث اختصت، ~~هو أن الأولى جاءت بعد قوله تعالى: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض ~~لافتدت به..) ونس 54، فكان المعنى: أن النفس الظالمة إذا رأت عذاب الله ~~تعالى لو ملكت جميع ما في الأرض لبذلته في فداء نفسها، وهي تحرص على اليسير ~~من حطامها في ظلم أهلها، فكرر على ذلك بقوله: (ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض) يونس 55 أي أن النفس الظالمة لا تملك ما في الأرض فتفتد به، ولو ~~ملكته لما قبل في فدائها، وكيف يكون لها ذلك؟ # PageV02P743 # والله تعالى مالك ما في السموات والأرض، وليس للعبد ذلك، ولا محله هنالك، ~~يوجب لهذا المكان ما لقوله: (ما في السموات والأرض) ، والمراد: نفائس ما في ~~الأرض مما ملكه الله تعالى العباد. # وأما الموضع الذي ذكر فيه من فلم يصح فيها غيرها، لأن قبله (ولا يحزنك ~~قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم* ألا إن لله من في السموات ومن ~~في الأرض) يونس: 65-66 والمعنى: لا يحزنك ما يتوعدك به الكفار من القتل ~~وأنواع المكروه فغن العزة لله تعالى، لا يمنح الكفار قدرة على ما يريدونه ~~منك، بل يعطيك القدرة عليهم، والغلبة لهم، فإنه يملك من في # PageV02P744 # السموات ومن في الأرض، ولا قوة لهم إلا به، ولا قدرة لهم إلا من عنده، ~~فاقتضى هذا المكان من كما رأيت. # والجواب غ عن المسألة الثانية، والسبب في إعادة من فيها، وترك إعادة ما ~~في الآية الأولى فقال: (ومن في الأرض) وقال هناك: (ألا إن لله ما في ~~السموات والأرض) ولم يقل: ما في الأرض، فلأن المقصود بالذكر أنه قادر على ~~أن يكفي النبي أمره هو، من في الأرض من الكفار الذين بعث إليهم وخوفوه ~~أذاهم، فقرن إلى ذكرهم ذكر من في السموات، ms155 وهم أكبر شأن وأعظم أمرا، فإذا ~~ملكوا كان من دونهم أدون، فإعادة من مع ذكر الأرض للتوكيد الذي اقتضاه ~~القصد إلى ذكرهم. # وأما حذف ما في الآية الأولى عند ذكر الأرض فلأن ذكرها قد تقدم، وهو: ~~(ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض) فلما قال: (ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض) كان ما في ذكر الأرض هناك، ورجوع هذا إلى ذلك المعنى مثل ذكره في ~~هذا الموضع، فأغنى ذلك عن التكرير. # PageV02P745 # والجواب عن المسألة الثالثة، وهي تكرير ما في قوله تعالى: (..له ما في ~~السموات وما في الأرض) يونس: 68 مع حذفها من الآية الأولى، هو أن قبله: ~~(قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو # الغني له ما في السموات وما في الأرض) يونس: 68 فنزه نفسه تعالى عن ~~الولد، وأخبر أنه غني عما يجلب باتخاذه، ويستفاد بمكانه، إذ كان مالكا لكل ~~ما في السموات وما في الأرض، فكان الموضع موضع توكيد، فكأنه قال: إذا كان ~~له كل ما في السموات وما في الأرض، فلماذا يتخذ الولد؟ ولا يجوز عليه ~~اجتلاب مسرة وانتفاع به، لأنه هو الغني بنفسه، فإعادة ما في هذا المكان ~~لهذا الضرب من التوكيد، أي هو غني لا يحتاج إلى ولد يعينه على شيء # PageV02P746 # مما في السموات، وهو مالك له كله، ولا إلى أن يعينه على شيء مما في ~~الأرض، وهو مالك له بأسره، فلما تأكد الكلام في مثل هذا المكان جاءت ما ~~معادة لهذا الشأن والله تعالى أعلم. # PageV02P747 # 103 الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (.. وأمرت أن أكون من المؤمنين) يونس: 104. # وقال في سورة النمل في آخرها 91: ( ... وأمرت أن أكون من المسلمين) # للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان ب (المؤمنين) واختصاص آخر سورة ~~النمل ب (المسلمين) ؟ # والجواب أن يقال: أن قبل هذه الآية في سورة يونس قوله تعالى: (ثم ننجي ~~رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين) يونس: 103 فقال بعده: ~~وأمرت أن أكون منهم. # وأما في سورة النمل فإن قبل هذه الآية منها: ms156 ((وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) النمل: 81 فكأنه قال: # PageV02P748 # وأمرت أن أكون ممن إذا سمع بآياته آمن بها، وكان من المسلمين الذين مدحوا ~~بأن النبي يسمعهم، إذا ينتفعون بما يسمعونه منه، فلما تقاربت اللفظتان ~~وكانتا تستعملان لمعنى واحد، حملت كل واحدة منهما على اللفظ الذي تقدمها ~~ولا ئمها. # PageV02P749 # 104 الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ~~أنا عليكم بوكيل) يونس: 108. # وقال في آخر سورة النمل 92: (فمن اهتدى فإنما يهدتي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين) . # للسائل ان يسأل عن اختلاف الموضعين، وقوله في الأولى: (ومن ضل فإنما يضل ~~عليها) وفي الثانية (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) ؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى فإنه لما قال فيها: (فمن يهتدي لنفسه) ~~أي منفعة اهتدائه له، وهي دوام النعمة والخلود في الجنة فاقتضى هذا في ~~الضلال ضده، فقال: ((ومن ضل فإنما يضل عليها) أي ضرر ضلاله عليه، وهو دوام ~~العقاب بأليم العذاب (وما أنا عليكم بوكيل) ولا يلزمني أن أقيكم ما لا ~~تقونه أنفسكم كالوكيل الذين يلزمه حفظ ما وكل به مما يضره. # PageV02P750 # وأما في الآية الثانية في آخر سورة النمل فإنها عدل بها عند ذكر الضلال ~~عما حملت عليه في الآية التي في آخر سورة يونس لتحمل على الفواصل التي ~~قبلها وهي مختومة بالواو والنون، أو الياء والنون، فقال تعالى (ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين) أي: ممن يعلمكم ما يلزمكم أن تحذروه ويخوفكم ما يجب ~~عليكم أن تجتنبوه فاشتمل هذا على معنى: (ومن ظل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل) لأن في قوله تعالى: (فإنما يضل عليها) أي: لست ممن يكره على ~~ما يحميكم من النار، ويقيكم حر العقاب كالوكيل الذي يحامي على/ ما وكل به ~~أن يناله ضرر، مثل (وما أنا عليكم بوكيل) فجاء على لفظ (إنما أنا من ~~المنذرين) لتكون # PageV02P751 # الفاصلة مشاكلة للفواصل التي قبلها ms157 مع تأدية مثل المعنى الذي أدته الآية ~~التي شابهتها. # انقطعت سورة يونس عن خمس آيات فيها تسع مسائل. # PageV02P752 ### | سورة هود عليه السلام # (105) الآية الأولى منها: # قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) (هود: 22) . # وقال في سورة النحل (109) : (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) . # للسائل أن يسأل عما خصص كل واحد من اللفظين بمكانه دون الآخر؟ # والجواب أن يقال: إن الآية التي في سورة هود قد تقدمها قوله: ( ... وما ~~كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون) (هود20) وإنما قال: (يضاعف لهم العذاب) لأنه خبر عن قوم ~~أخبر عنهم بالفعل الذي استحقوا به مضاعفة العذاب في قوله تعالى: (الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم الكافرون) (هود19) فإذا ~~صدوا هم عن الدين صدودا، وصدوا غيرهم عنه صدا استحقوا تضعيف العذاب، لأنهم ~~ضلوا وأضلوا، فهذا ل (الأخسرين) دون (الخاسرين) من طريق # PageV02P753 # المعنى، وهاهنا ما يضامه من طريق اللفظ، وهو أن ما قبله من الفواصل ~~(يبصرون) (هود: 20) (وضل عنهم ما كانوا يفترون) (هود: 21) قبل نونه وواوه ~~متحركان، مستندان إلى ما قبلهما، فاجتماع # المعنى الذي ذكرناه، والتوفقة بين الفواصل التي بينا أوجبا اختيار ~~(الأخسرين) في هذا الموضع على (الخاسرين) . # وأما التي في سورة النحل فإنها في آية لم يخبر فيها عن الكفار بأنهم مع ~~ضلالهم أضلوا من سواهم، وإنما قال فيهم: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ~~على الآخرة وأن الله يهدي القوم الكافرين) (النحل: 107) فلم يذكر ما يوجب # PageV02P754 # مضاعفة العذاب، ثم كانت الفواصل التي حملت هذه عليها وزان (الكافرين) و ~~(الغافلين) فاقتضى هذان الشيئان أن يقال: (هم الخاسرون) كما اقتضى السببان ~~في الأولى المخالفان للسببين هنا أن قال: (الأخسرون) . # PageV02P755 # (106) الآية الثانية منها: # قوله تعالى في قصة نوح: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني رحمة من عنده ... ) (هود: 28) . # وقال في قصة صالح عليه السلام في هذه السورة: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة ms158 من ربي وآتاني منه رحمة ... ) (هود: 23) . # للسائل أن يسأل عن مخاطبة النبيين نوح وصالح على نبينا وعليهما السلام. # قوميهما باللفظين تساويا إلا فيما اختلفا فيه من تقديم المفعول الثاني في ~~الآية الأولى على الجار والمجرور، وتأخيره عنهما في الآية الثانية؟ # والجواب أن يقال: إن المعنيين واحد في الموضعين، وقول النبيين سواء ~~لأمتيهما، وإنما اختلفا بإخبار الله تعالى في موضع خبر قدم فيه المفعول ~~الثاني على الجار والمجرور، لإجراء هذا الفعل ومفعوليه على ما جرى عليه ~~الفعل الذي قبله، وهو: ( ... ما نراك إلا بشرا مثلنا ... ) (هود: 27) ف ~~(بشرا) مفعول ثاني من/ (نراك) ، وقوله: (وما نراك اتبعك) (هود: 27) ، ف ~~(اتبعك) في موضع # PageV02P756 # المفعول الثاني من (نراك) ثم بعده:: (بل نظنكم كاذبين) هود: 27 فلما ~~تقدمت أفعال ثلاثة كل واحد منها يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الثاني منهما ~~لا يحجزه عن الأول معمول فيه، كان إجراء هذا الفعل الذي هو: (وآتاني رحمة ~~من عنده) مجرى تلك الأفعال التي وقعت (آتاني) في جوابها، وجاءت من كلام نوح ~~عليه السلام في مقابلتها أولى. # وأما في قصة صالح عليه السلام فإنه بإزاء قول قومه له: (..يا صالح قد كنت ~~فينا مرجوا قبل هذا..) هود: 62 فوقع خبر كان الذي هو كالمفعول لها، وقد ~~تقدمه الجار والمجرور، فجرى # جواب صالح عليه السلام # PageV02P757 # فيما صار عبارة عنه من العربية مجرى الإبتداء في هذا المعنى، فترجح في ~~هذا المكان تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وآتاني منه رحمة) على ~~المفعول الثاني، كما ترجح هناك تقديم المفعول الثاني على الجار والمجرور ~~وكل جائز إلا أن كلامنا في الترجيح في الموضعين وفي هذا القدر كفاية والله ~~أعلم. # PageV02P758 # 107 الآية الثالثة منها # قوله تعالى في قصة سورة هود عليه السلام وذكر قومه: (وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) ~~هود: 60. # وقال في قصة موسى عليه السلام في هذه السورة وإرساله إلى فرعون وملئه: ~~(وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) هود: ms159 99. # للسائل أن يسأل عن حذف (الدنيا) من الآية الثانية وإثباتها في الأولى، ~~وهل كان يجوز في الاختيار عكس ذلك؟ # والجواب أن الاولى أتى فيها بالموصوف والصفة جميعا، وهو الأصل الأول، ثم ~~الاكتفاء بالصفة عن الموصوف بعده لقيام الدلالة على الموصوف، فيجوز لذلك ~~حذفه، وإقامة الصفة مقامه. # ولما جاءت الآيتان في سورة واحدة وفيت الأولى ما هو بها أولى من الإجراء ~~على الأصل، والإتيان بالموصوف والوصف فقال تعالى: (في هذه الدنيا) واكتفى ~~في الثانية لما قامت الدلالة على الموصوف بالصفة وحدها فقال: (وأتبعوا في ~~هذه لعنة) . # PageV02P759 # 108 الآية الرابعة منها # قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه ~~مريب) هود: 62. # وقال في سورة إبراهيم عليه السلام 9: (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ~~وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم قال في الأولى: (وإننا لفي شك) على الأصل و ~~(مما تدعونا) بنون واحدة، وقال في الثانية: ((وإنا لفي شك) على التخفيف، ~~بحذف إحدى النونات وهي المتوسطة، ثم جاء بعده: (تدعوننا) بنونين؟ # والجواب أن يقال: أما (تدعونا) في الأولى و (تدعوننا) في الثانية، فلا ~~يصح مكانهما غيرهما، فلا يجوز في الأولى إلا نون واحدة ولا يجوز في الثانية ~~إلا # PageV02P760 # نونان اثنتان، لأن الأولى خطاب # لصالح عليه السلام، والنون مع الألف ضمير المتكلم، وتدعو فعل واحد، لا ~~نون فيه، وليس كذلك تدعوننا الثانية، لأنه خطاب للرسل، وهم جماعة، ولا يقال ~~لهم في حال الجمع إلا تدعوننا عند الرفع، ولا تسقط النون إلا لناصب أو ~~جازم، نحو لن تدعونا ولم تدعونا فأما إذا رفعت خطاب الجماعة لم تكن إلا ~~تدعوننا وهذا من مبادئ هذا العلم. # وأما (إننا) في الأولى، و (إنا) في الثانية مع جواز اللفظين في كل مكان، ~~فلأن الضمير الذي دخلت عليه إن في هذا المكان هو على لفظ ضمير # PageV02P761 # المنصوب المتصل بالفعل في قوله تعالى: (أتنهانا) وضمير ms160 المنصوب إذا اتصل ~~بالفعل لم يغير له آخره كما يغير إذا اتصل به ضمير المرفوع، نحو ضربنا تسكن # لصالح عليه السلام، والنون مع الألف ضمير المتكلم، وتدعو فعل واحد، لا ~~نون فيه، وليس كذلك تدعوننا الثانية، لأنه خطاب للرسل، وهم جماعة، ولا يقال ~~لهم في حال الجمع إلا تدعوننا عند الرفع، ولا تسقط النون إلا لناصب أو ~~جازم، نحو لن تدعونا ولم تدعونا فأما إذا رفعت خطاب الجماعة لم تكن إلا ~~تدعوننا وهذا من مبادئ هذا العلم. # وأما (إننا) في الأولى، و (إنا) في الثانية مع جواز اللفظين في كل مكان، ~~فلأن الضمير الذي دخلت عليه إن في هذا المكان هو على لفظ ضمير المنصوب ~~المتصل بالفعل في قوله تعالى: (أتنهانا) وضمير المنصوب إذا اتصل بالفعل لم ~~يغير له آخره كما يغير إذا اتصل به ضمير المرفوع، نحو ضربنا تسكن الباء ~~لاتصالها ضمير الفاعلين بها، ولا تسكنها لاتصال ضمير المفعولين بها، إذا ~~قلت: ضربنا فلما أشبه المنصوب ب إن المنصوب في ضربنا، ولم ينازعه شبه ~~الفاعل، سلم لفظ إن عند اتصالها به، ولم يلحقه حذف. # ولما كانت إنا في سورة إبراهيم وإن كانت منصوبة مشبهة للفظ الفاعل، إذا ~~قلت ضربنا بكونها على لفظها، وبوقوعها موقع المرفوع المبتدأ، وبأن هذا ~~اللفظ المتقدم عليها في الآية التي قبلها هو ضمير المرفوع خلاف ما تقدم في ~~الآية في سورة هود، وهو قوله (كفرنا بما أرسلتم به) إبراهيم: 9، # PageV02P762 # وقبل ذلك ضمير مرفوع على غير هذا اللفظ للذين لهم هذا اللفظ، وهو الواو ~~في قوله تعالى (فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) ~~ثم قوله تعالى: (إنا كفرنا) حذفت منها النون تشبيها للضمير بعدها بالضمير ~~المرفوع بعد الفعل، وكما أن الفعل يلحقه حذف حركة عند اتصال هذا الضمير به، ~~وكان الضمير الذي يحذف من إن النون، حذفت لينقص لفظها عند اتصاله بما هو ~~كالضمير المرفوع لفظا ومعنى، وموقعا، حملا على ما تقدم، عما يكون عليه إذا ~~لم يواصله، وجاءت تدعوننا على مقتضى ms161 الإعراب الواجب لها بنونين. فهذا فرق ~~ما بين الموضعين. # PageV02P763 # 109 الآية الخامسة منها # قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا ف ~~ديارهم جاثمين) هود: 67. # وقال في هذه السورة في قصة شعيب عليه السلام: (..وأخذت الذين ظلموا ~~الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) هود: 94. # للسائل أن يسأل عن اختلاف الفعلين في اتصال علامة التأنيث بأحدهما، ~~وسقوطها من الآخر، مع # أن الفاعل فى الموضعين شيء واحد وهو (الصيحة) مع أن الحاجز بين الفعل ~~والفاعل في المكانين حاجز واحد، وهو (الذين ظلموا) ؟ # والجواب أن يقال: إن مثل هذا إذا جاء في كلام العرب سهل الكلام فيه، لأنه ~~يقال: حمل على المعنى، والصيحة بمعنى الصياح، كما أن قول الشاعر: # يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت # PageV02P764 # حمل على المعنى إذ الصوت بمعنى الصيحة. # غير أن السؤال الذي بنيت الآيات لازم، وهو أن يقال: فهل كان يجوز مكان ~~أخذت أخذ في القرآن؟ وهل لتخصيص قصة شعيب ب أخذت فائدة ليست لها قصة صالح ~~عليه السلام. # والجواب عن هذا الموضع هو أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن العذاب الذي ~~أهلك به قوم شعيب عليه السلام بثلاثة ألفاظ: # منها (الرجفة) في سورة الأعراف فيقوله: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه ~~لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون* فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين* الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) الأعراف: 90-32 وذكر ذلك ~~قبله في مكان آخر. # PageV02P765 # ومنها (الصيحة) في سورة هود في قوله تعالى: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين) هود: 94. # ومنها (الظلة) في سورة الشعراء 89 في قوله تعالى: (فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة) . # وفي التفسير أن هذه الثلاث جمعت لإهلاكهم واحدة بعد أخرى، لأن الرجفة ~~بدأت بهم فانزعجوا لها عن الكن إلى البراح، فلما أصروا نال منهم حر الشمس ~~وظهرت لهم ظلة تبادروا إليها، وهي سحابة سكنوا إلى # PageV02P766 # روح ظل تحتها فجاءت الصيحة فهمدوا لها. # فلما اجتمعت ثلاث أشياء مؤنثة الألفاظ في العبارة عن ms162 العذاب الذي أهلكوا ~~به غلب التأنيث في هذا المكان على المكان الذي لم تتوال فيه هذه المؤنثات، ~~فلذلك جاء في قصة شعب: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) . # PageV02P767 # 110 الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) هود: 68. # للسائل أن يسأل عن صرف ثمود في قوله تعالى: (ألا إن ثمودا) ، ومنه الصرف ~~بعد قوله تعالى: (ألا بعدا لثمود) وهل كان يجوز أن يمنع الصرف في اللفظ ~~الأول ويصرف اللفظ الثاني؟ # والجواب أن يقال: الأول بالصرف أولى، والثاني بالامتناع منه أحق، لأنه في ~~الأول ينحي به نحو الأب والأقربين من أولادهم في الكفر، وإذا قصد هذا القصد ~~انصرف هذا الاسم. # PageV02P768 # وفي الثاني قصد ذكر الإهلاك وكان للقبيلة بأسرها لما أصرت عليه من كفرها، ~~فنحى نحو القبيلة، فمنع الصرف للتعريف والتأنيث الحاصلين فيما خرج عن أخف ~~الأصلين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) هود: 95 ~~فالكفر من أولهم، والإهلاك قصد به ذكر كلهم، فكان معنى القبيلة به أولى. ~~وبالله التوفيق. # PageV02P769 # 111 الآية السابعة منها # قوله تعالى: قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: 81. # وقال في سورة الحجر 65: (فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا ~~يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) . # للسائل أن يسأل عن شيئين في هذا المكان: # أحدهما: أن يقول: إنه استثنى في سورة هود من قوله تعالى (فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل) قوله: (إلا امرأتك) ولم يستثن ذلك في سورة الحجر؟ # والثاني: قوله تعالى في سورة الحجر: (.. واتبع أدبارهم) وتركه في سورة ~~هود؟ # والجواب عن المسألة الأولى: أن الاستثناء في سورة الحجر أغنى منه قوله ~~تعالى فيما حكى عن الرسل: (..إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين* إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته إنها لمن الغابرين) الحجر: 58-60، فهذا # PageV02P770 # الاستثناء الذي لم يقع مثله في سورة هود أغنى عن الاستثناء في قوله: ~~(فأسر بأهلك بقطع من الليل ms163 واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) . # والجواب عن المسألة الثانية أن يقال: إنه لما اقتص في هذه السورة بعض ما ~~اقتص في الأحرى، فذكر أن الرسل قالوا له: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) هود: ~~81 والمعنى: لن يصلوا إليك وإلى المؤمنين من أهلك، قيد ذلك في قوله: (فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: 81. بأن أمروه ~~بإخراج أهله من بين أظهرهم ليلا من غير أن يعرج أحد منهم على شيء خلفه ~~يعوقه عن المضي إلى حيث ما أمر به. # ولما قال في سورة الحجر: (إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته) اخبارا عن ~~الرسل أنهم خاطبوا إبراهيم عليه السلام به، ثم أخبر عن مخاطبتهم لوطا في ~~هذه # PageV02P771 # السورة بما يضاهي قولهم لإبراهيم # عليه السلام، أردفوا قولهم له: (فأسر بأهلك) بقولهم: (واتبع أدبارهم) ~~لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم كان تحقيقا لخبرهم أنهم منجوهم أجمعين، ~~فزيد: (واتبع أدبارهم) لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم كان من ورائهم كان ~~تحقيقا لخبرهم أنهم منجوهم أجمعين، فزيد: (واتبع أدبارهم) لتجاوب مخاطبتهم ~~له مخاطبتهم لإبراهيم عليه السلام بسببه. # PageV02P772 # 112 الآية الثامنة منها # حكم هذه الآية يكون ذكرها في سورة الأعراف، ثم لما تأخرت وجب أن تذكر في ~~سورة العنكبوت، إلا أنا رأيناها تتعلق بهذه السورة فذكرناها فيها، وهي: # قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله) الأعراف: ~~85، هود: 84. # ومثله في سورة العنكبوت، يخالفه بزيادة الفاء، وهو قوله: (وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله) العنكبوت: 36. # ففي كل القرآن: (وإلى مدين أخاهم شعبيا قال يا قوم اعبدوا الله) وفي سورة ~~العنكبوت خصوصا فقال. # للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان بالفاء، وخلو المكانين قبله منها؟ # والجواب أن يقال: إن مفتتح قصص الأنبياء عليهم السلام في سورة الأعراف ~~قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) الأعراف: 59 وبعده: (وإلى عاد # PageV02P773 # أخاهم هودا) الأعراف: 65 وبعده: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) الأعراف: 73، ~~وبعده: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) الأعراف: ms164 85 وكذلك في سورة هود على هذا ~~النسق، وإلا أن قصة نوح عليه السلام مفتتحة بالواو: (ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه) هود: 25 وهي في سورة الأعراف بلا واو، وقد ذكرنا السبب في ذلك. # فلما تساوت هذه المعطوفات على المعطوف عليها الأول، فكان الفعل المضمر ~~للمعطوف مثل المظهر أولا في التعلق بالمرسل والمرسل إليهم، كعاد المرسل ~~إليهم هود، وكثمود المرسل إليهم صالح، وكمدين المرسل إليهم شعيب عليه ~~السلام جرى الجمع مجرى واحدا، فكان التقدير: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، ~~وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وأرسلنا إلى مدين شعيبا، ولم يعترض # PageV02P774 # بين القصص ما أضمر فيه، خلاف ما أظهر قبل، وهو: (ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه) هود: 25. # وكان الأمر في ذلك في سورة العنكبوت مخالفا بعض المخالفة، لأن ه افتتحت ~~القصة بقوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما) العنكبوت: 14 وجاءت بعدها قصة # إبراهيم ولوط عليهما السلام، فلم تجريا على الفعل الأول في التعلق ~~بالمرسل والمرسل إليهم كما كان ذلك في قصة هود وصالح عليهما السلام في ~~السورتين، بل جاء بعد قوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) قوله: (وإبراهيم ~~إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه) العنكبوت: 16 وقوله: (ولوطا إذ قال لقومه ~~إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) العنكبوت: 28، فلم ~~يكن المعطوف على قصة نوح في هذه السورة كالمعطوف عليها فيما تقدم من سورتي ~~الأعراف وهود، ولم يتعد الفعل المضمر تعدي الفعل المظهر، وكان جائزا أن ~~يكون المعنى: واذكر إبراهيم إذ قال # PageV02P775 # لقومه، واذكر لوطا إذ قال لقومه، ثم جاءت قصة شعيب عليه السلام فأجريت ~~مجرى القصة الأولى التي هي قصة نوح عليه السلام في تعدي الفعل فيها إلى ~~المرسل وإلى المرسل إليهم وقد تخلل ذلك ما ليس مثله من الأفعال المضمرة، ~~فجاء: (وإلى مدين أخاهم شعيبا) العنكبوت: 36 فأقيمت فيها دلالة على أن هذه ~~القصة مجراه مجرى القصة البعيدة عنها دون القريبة منها وكانت الأولى يتساوى ~~عطفها على ما قرب ms165 منها، وبعد عنها لاستواء الفعل المظهر والمضمر، فكانت تلك ~~الدلالة التي تدل على أنها مردودة إلى القصة الأولى أن تتلقى بما تلقيت به ~~تلك من الفاء مع صحة المعنى، فلما كان: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم ألف سنة) العنكبوت: 14 قبل (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا ~~الله) العنكبوت: 36 تعلق ما بعدها بالفاء، كما كانت الفاء في قوله: (فلبث # PageV02P776 # فيهم) لما ذكرنا. # PageV02P777 # 113الآية التاسعة منها # قوله عز وجل: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين* إلى فرعون وملائه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) هود: 96 -97. # وقال في سورة المؤمن 23-24: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين* إلى ~~فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) . # وقال في سورة الزخرف 46: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه ~~فقال إني رسول رب العالمين) . # للسائل أن يسأل فيقول: السلطان المبين من آيات الله، فلم جاء في الآيتين ~~المتقدمتين مع ذكر السلطان المبين ولم يجيء في الآية الأخيرة، إلا الآيات ~~وحدها؟ # والجواب أن يقال: إن الآيات: الأمارات التي يكتفي بها في صدق الرسل عليهم ~~السلام، وبها تقوم الحجة على من تبعث إليهم، والسلطان # PageV02P778 # المبين هو الحجج القاهرة التي تقهر القوم، كأنواع العذاب # التي أنزلت على قوم موسى عليه السلام، وكانت عند قوله. # فلما كان القصد في الآيتين المتقدمتين ذكر جملة أمرهم إلى منتهى حالهم من ~~هلاك الأبد انطوت تلك الجملة على جميع ما احتج به عليهم إلى أن زال التكليف ~~عنهم، وأخبر عن مستقرهم من العقاب الدائم عليهم ألا ترى الكلام في الآية ~~الأولى في سورة هود ينساق إلى قوله: (وما أمر فرعون برشيد*يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار) هود: 97-98، وكذلك في الآية الثانية ينساق الكلام ~~فيها إلى قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~ويوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر: 45- 46 فذكر في الآيتين ~~جميع ما احتج به عليهم من الآيات التي سخروا بها عند رؤيتها، والآيات التي ~~فزعوا إلى مسألته عند ms166 مشاهدتها في كشفها لقوله تعالى: (ولما وقع # PageV02P779 # لك) الأعراف: 134. # وأما الآية الثالثة التي اقتصر فيها على ذكر آياتنا دون السلطان المبين ~~وهي التي في سورة الزخرف 46-47: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون ~~وملائه فقال إني رسول رب العالمين* فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) ~~فلم يكن القصد إلى ذكر جملة مما عوملوا به في الدنيا وانتهائه بهم إلى عذاب ~~الأخرى، بل كان بعده: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم ~~بالعذاب لعلهم يرجعون) الزخرف: 48 فاقتص ما عوملوا به حالا بعد حال إلى أن ~~أهلكوا في الدنيا، حيث قال: (فأغرقناهم أجمعين* فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين) الزخرف: 55-56. # PageV02P780 # فإن قيل: فقد قال تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان ~~مبين * إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين) المؤمنون: 45-46 ولم ~~يذكر في هذه القصة أحوالهم المنتهية إلى عقاب الأبد. # قلت: أولا ليست الآية على سنن الآي التي ذكرنا مما افتتح بقوله: (ولقد ~~أرسلنا) هود: 96، المؤمنون: 23 وهي إن افتتحت بقوله: (ثم أرسلنا موسى وأخاه ~~هارون) المؤمنون: 45 فإنها مثل الآيتين المتقدمتين في تضمنها ذكر الجملة من ~~أحوالهم إلى ما كان من هلاكهم لقوله: (فكذبوهما فكانوا من المهلكين) ~~المؤمنون: 48 والمهلكون في الحقيقة هم المعاقبون بالنار والخلود فيها، نعوذ ~~بالله منها. # فقد صار كل ما ذكر فيه مع آياتنا وسلطان مبين هو ما اشتمل على جملة ما ~~عوملوا به إلى أن استقروا مقرهم من عذاب الله الدائم عليهم. # وحقيقة السلطان من السليط، وهو الزيت الذي يضيء به السراج، # PageV02P781 # والسلطان: الحجة، لأنها تضيء فتبين الحق من الباطل، والسلطان الذي يملك ~~الناس ضياء يدفع ظلام الظلم عنهم، إذ كانوا لولا هو لصاروا من التغاور ~~والتناهب في ظلام يتزايد ولا يتناقص، كأنه ضياء يجلو ظلام الدنيا، والآيات ~~التي جاءت بعد التوراة والعصا واليد جاءت وقد أنارت وأوضحت عندهم الحق حتى ~~سألوا أن يمهلوا ليؤمنوا إذا كشف عنهم ما أظلم، فإن عادوا بعد كشفه جللهم. # PageV02P782 # 114 الآية العاشرة منها # قوله ms167 تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلكها مصلحون) هود 117. # وقال في سورة القصص 59: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ~~يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) . # للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى) وبين قوله: ~~(وما كنا مهلكي القرى) وكيف اختصت الآية التي في سورة هود بلفظ الفعل في ~~خبر كان، والأخريان بالاسم وهو مهلك؟ # والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه اللام تسمى لام الجحود، ولا تخلوا منه، ~~وهي تخالف لام كي بأشياء. # منها: إن لام كي يصلح إظهار أن بعدها، إذا قلت: جئت لتكرمني، وهذه # PageV02P783 # لا يصلح فيها ذلك، لا تقول: ما كنت لأن أفعل. # ومنها: أن المصدر الواقع موقع أن مع الفعل يصح اللفظ به، فتقول جئت ~~للاكرام، ولا يصح: ما كنت للاكرام. # ومنها أن اللام يصح حذفها والاتيان بأن لام كي تدخل على ما هو عذر في ~~إنشاء الفعل، فهذا وإن كان لفظه المستقبل فإنه مقارنة كان قد صار بمعنى ~~الماضي، كما تقول كان زيد يركب، على حكاية الحال التي يستأنف فيها الركوب ~~ويقول القائل: جئتك اليوم لتكرمني غدا، فمتى # PageV02P784 # علق بزمان لم يصح فيه الزمان الآخر. وكذلك: كان زيد فاعلا، يصلح للماضي ~~والحال، وعلى معنى أنه كان على أن يفعل في أقرب الأوقات التي يستقبلها. # وليس كذلك معنى ما كنت لأفعل لأنه مبالغة في نفي هذا الفعل في أزمنة ~~كلها،، والمعنى: كون هذا الفعل مناف لكوني، فإذا جعلت السبب في نفي هذا ~~الحدث كون المحدث، والمحدث كونه فيما مضى ككونه فيما يستقبل، وفيما هو ~~للحال، فالمعنى: لم يكن فيما مضى يقع مني هذا الفعل ولا # يقع فيما يستقبل ولا في الحال لسبب ينافي وجوده وهو كون الفاعل، ولذلك لا ~~يصح من الأفعال في هذا المكان غير ما يتصرف لفظه من كان. # وإذا كان كذلك وكان هذا نهاية ما يخاطب بع العرب في نفي الفعل، # PageV02P785 # وامتناع وقوعه خصه الله تعالى بالمكان الذي لا ms168 يقع ذلك منه أبدا، ولم يقع ~~منه قط، وهو أنه لم يكن فيما مضى يهلك القرى ظالما لها مع صلاح أهلها ولا ~~يفعله، ولا يليق بعدله، وهو منزه عنه تعالى الله عن ذلك. # وأما قوله تعالى: (ىوما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو ~~عليهم آياتننا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) القصص: 59 فإنه لم ~~يكن فيها صريح ظلم ينسب إليه، ولم يكن ملفوظا به، فيؤتى باللفظ الأبلغ في ~~نفيه، كما كان في قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) . # فإن قال: فلم ادعيت أن هذا أبلغ في الانتفاء من الظلم؟ # قلت: إن أول ما يستدل به أن من عرف كلام العرب يعقل من # PageV02P786 # قول القائل: ما كنت لأظلمك، وما كنت لأشتمك، وما كنت لأذيك، ما لا يعقله ~~من قوله: ما كنت ظالما لك، وماكنت شاتما لك، لأن ذلك نفي الظلم والشتم في ~~وقت دون وقت. # وإذا قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل ~~كونه منافيا لشتمه. # فإن قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام كوني شتيمة لك، فجعل ~~كونه منافيا لشتمه. # فإن قال: فلماذا ألزم لفظة الاستقبال والنصب؟ # قلت: لأن التقدير: ما كنت في شيء من الأوقات بمستقبل شتمك، وما كان كوني ~~بضام شتمك، وهذا مستمر أبدا بيني وبينك، فكلما لم أشتمك لكوني كذلك لا ~~أشتمك لكوني كذلك. # فإن قال: فلأي معنى لم يجز إظهار أن كما جاز في لام كي؟ # PageV02P787 # قلت: لأنها لو ظهرت لوجب أن يصح الاسم مكانها، فلما ألزمت لفظة كنت وأكون ~~وجب أن يكون النفي الداخل عليها خبرا، أن كوني ينافي أن أفعل كذا، وإني كما ~~لم أحصل في حال وجودي على استئناف شتمك، كذلك لا أحصل على هذه الصفة، وهي ~~الشروع في شتمك إذ كان وجودي هو الذي ينافيه، وجب أن يحفظ لفظ المستقبل ~~المنصوب، فلم يكن بد من إصمار أن. # فإن قال: فهلا جوزت حذف اللام كما كان ذلك في ms169 لا كي؟ # قلت: لأن اللام ثباتها يسد عن الفعل المنصوب طرق العوامل، فكأنها أقيمت ~~مقام أن لأن اللام لا # تدخل إلا على الاسم في المعنى، وهذا موضع خبر كان فحفظ لفظ الفعل لما ~~ذكرنا، وألزم الحرف المختص بالاسم ليدل به على أن الموضع موضع الاسم ~~فافهمه. # فإن قال: فهذا الفعل الذي حفظت له لفظ الاستقبال والنصب، كيف جاز أن يراد ~~به الأزمنة، وهو مختص بزمان واحد؟ # PageV02P788 # وكان يصلي، تريد في الحال، وتقول: قصدته وكان يركب، تريد المستقبل، ~~وتقول: قصدته وكان قد ركب، ولو قلت: قصدته فكان ركب لم يحسن حسنه مع قد ~~التي تقرب من معنى المستقبل، وعلى هذا حمل قوله تعالى: (أو جاءوهم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم) النساء: 90 في بعض الأقاويل، فكان ذلك عائدا إلى لفظ ~~المستقبل، وما يجوز لقربه منه في المعنى، فلذلك صلح النفي في الأول ~~واستمراره في المستقبل وبالله التوفيق. # PageV02P789 # 115 الآية الحادية عشرة منها # قد تأخرت عن مكانها من السورة، لأنها سئل عنها بعدما أمليت ما تقدم منها، ~~فذكرناها في آخرها لئلا تغير تراجم المسائل، وترتيب الآي فيها. # فإن قال قائل: قوله تعالى في سورة هود 58 (ولما جاء أمرنا نجينا هودا) ~~وفي آخر السورة في قصة شعيب: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا) هود: 94 فعطف ~~لما على ما قبلها بالواو، وقال في قصتي صالح ولوط عليها السلام: (فلما جاء ~~أمرنا نجينا صالحا) هود: 66 وقال: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) ~~هود: 82 نعطف لما بالفاء دون الواو، وما الفرق الذي أوجب اختلاف حرفي العطف ~~في المواضع الأربعة من هذه السورة؟ # والجواب أن يقال: إن هذا الحرف في قصة هود بعد خروج من خبر عنه، هو حكاية ~~لقوله إلى ما هو إخبار من الله تعالى عما كان من فعله ألا تراه قال تعالى: ~~(قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) هود: 54 إلى قوله: (فإن ~~تولوا فقد أبلغتكم مأرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه ~~شيئا) هود: 57 أي: ms170 يهلككم ويقيم غيركم مقامكم فينزل بكم أكبر # PageV02P790 # الضرر، ولا تضرونه شيئا بعبادتكم غيره، ثم قال: (ولما جاء امرنا نجينا ~~هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ) هود: 58 فلم يتقدم ~~تخويف بقرب ما أوعدوا به ليدل على اتصال الثاني بالأول واقتضاء العطف ~~بالفاء، مكان العطف بالواو، وكان الموضع موضع الواو، لأن المراد الجمع بين ~~الخبرين من دون ذكر ما يقلل الزمان بين الفعلين. # وكذلك قصة شيب لم يدل فيها على أنهم أوعدوا بعذاب قد أظلهم، وقرب منهم، ~~وإنما أخبر عز # وجل عن شعيب عليه السلام أنه قال لهم (اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب) هود: 93 ~~فلم يتوعدهم بالاقتراب، بل دعاهم إلى الارتقاب، فالتخويف قارنه التسويف ~~لقوله تعالى (سوف تعلمون) فكان الموضع موضع الواو لخروج ما قبله عما يقتضي ~~اتصال الثاني به. # PageV02P791 # وليست كذلك الموضعان اللذان نسقا على الأول بالفاء، وهما قوله تعالى في ~~قصة صالح: (فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء ~~أرنا نجينا صالحا) هود: 65-66 وقوله في قصة لوط: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~ولا يلتفت منكم احد إلا امرأته إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب* فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) هود 81-82 فكان ذلك ~~بعقبه غير متراخ فاقتضى الفاء التي تدل على التعقيب واتصال ما بعدها بما ~~قبلها من غير مهلة بينهما. # وكذلك جاء في سورة العنكبوت في قصة لوط في موضعين بالواو، وهما على هذا ~~السبيل: # فالأول قوله بعد قصة لوط وقوله لقومه: (أئنكم لتأتون الفاحشة) العنكبوت: ~~28 إلى قوله: (رب انصرني على القوم المفسدين) العنكبوت: # PageV02P792 # 30 فاستنصر الله تعالى عليهم، ولم يتوعدهم بقرب عذاب منهم، وجاء بعده: ~~(ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) العنكبوت: 31 فخرج عما كان بين لوط وبين ~~قومه إلى قصة هي بين إبراهيم عليه السلام والملائكة عليهم السلام لما أتوه ~~بالبشرى، وبإهلاك من في قرية لوط، ms171 فنزل لوط فيما كان من محاورتهم لإبراهيم ~~منزلة الغائب عنهم، فكان الموضع موضع الواو لاختلاف القصتين وخلو الأولى ~~عما قرب ما بين الحالين. # وكذلك قوله تعالى بعده: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ~~... ) العنكبوت: 33 خبر عن مجيء رسل الله عز وجل من الملائكة إلى لوط، ~~وارتياعه لهم وفزعه لمجيئهم، وكان مجيئهم إلى ابراهيم عليه السلام مجيء ~~البشرى لما قالوا (سلاما قال سلام) الذاريات: 25 فعطف هذه القصة على الأولى ~~بالواو لاختلاف مورديهما، وأنه لم يكن في الأولى منهما ما يقتضي التصاق ~~الثانية بها فتعطف عليها بالفاء. # PageV02P793 # انقضت سورة هود عليه السلام عن احدى عشرة آية واثنتي عشرة مسألة، فكملت ~~مائة وإحدى وخمسين مسألة والله الموفق. # PageV02P794 ### | سورة يوسف عليه السلام # 116 الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) ~~يوسف: 22. # وقال في سورة القصص 14 في ذكر موسى عليه السلام: (ولما بلغ أشده واستوى ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) . # للسائل أن يسأل عن الفائدة في تخصيصي موسى عليه السلام بذكر الاستواء، ~~واخلاء يوسف عليه السلام من ذلك، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر، أم قصد ~~الحكمة يمنع منه؟ # والجواب أن يقال: إن بلوغ الأشد مختلف فيه: قيل: هو أن يبلغ ثلاثا ~~وثلاثين سنة، وقيل: خمسا وعشرين سنة، وقيل: عشرين سنة وإحدى عشرين، لأنه # PageV02P795 # يقال: إن الصبي يثغر لسبع سنين، ويبلغ لسبع بعدها، ويتناهى طوله لسبع ~~بعدها، وحجه من قال ذلك: أنه قال: (آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) ~~فإيتاء الحكم والعلم مجازاة على إحسان كان منه، وذلك بعد بلوغ، وقيل: إن ~~بلوغ الأشد هو أن يحتلم والأشد جمع شد، # PageV02P796 # وهو قوى من العقل، تحتمل التكليف، ويجوز أن يكون البلوغ سمي الأشد، لأن ~~الغلام إ\ابلغ شدت أعماله وكتبت حسناته وسيآته بعد أن كانت محلولة عنه غير ~~مشدودة عليه وقد يأتي قبل البلوغ بحسنات يجازيه الله تعالى عليها. # وقيل في قوله: بلغ أشده واستوى أي أدرك واستوت لحيته. وقيل: الاستواء أن ms172 ~~يبلغ أربعين سنة، وهو معنى بين في الآية الأخرى: (حتى إذا بلغ # PageV02P797 # أشده وبلغ أربعين سنة) الأحقاف: 15. # وال\ي يفرق بين المكانين حتى لم ينتظر بيوسف عليه السلام الاستواء بعد ~~بلوغ الأشد هو أن يوسف عليه السلام أخبر الله تعالى أنه أوحى إليه لما طرحه ~~إخوته في الجب حيث قال: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) ~~يوسف: 15 وأراه عز وجل الرؤيا التي قصها على أبيه، موسى عليه السلام لم ~~يفعل به شيء من ذلك إلى أن بلغ الأشد واستوى، لأنه لم يعلم ما أريد به إلا ~~بعد أن استأجره شعيب عليه السلام، ومضت سنو 'إجازته وسار بأهله، فهناك آتاه ~~ما آتاه من كرامة الله تعالى وقيل: إنه بعد الأربعين، فلم ينتظر بيوسف في ~~إيتاء الحكم والعلم والتشريف بالوحي ما انتظر به موسى، والحكم هو الفصل بين ~~المتحاكمين المبنى على العلم، لأنه يكون بحسب ما يدعو إليه وقيل: معنى ~~استوى: كمل جسمه وتم طوله وعرضه وخرج عن جملة الأحداث. # PageV02P798 # 117 الآية الثانية # قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) ~~يوسف: 109. # وقال في سورة النحل 43: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) . # وقال في سورة الأنبياء 7-8: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون*وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل بين قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك: 5وما ~~أرسلنا قبلك - فرق؟ ولأي معنى خص موضع ب من وموضع بحذفها. # والجواب أن يقال: إن من لابتداء الغاية، وقبل اسم للزمان الذي تقدم ~~زمانك، فإذا قال: (وما أرسلناك من قبلك) فكأنه قال: وما أرسلنا من ابتداء. # PageV02P799 # الزمان الذي تقدم زمانك، فيخص الزمان الذي يقع عليه قبل حدوثه، ويستوعب ~~بذكر طرفيه ابتدائه وانتهائه. # وإذا قال: (وما أرسلنا قبلك) فمعناه: ما فعلنا في الزمان ال\ي تقدم ~~زمانك، فهو في الاستيعاب كالأول إلا أن الأول أوكد للحصر بين الحدين، ms173 وضبطه ~~بذكر الطرفين، والزمان قد يقع على بعض ما تقدم فيستعمل فيه اتساعا. # فأكثر ما في القرآن: (وما أرسلنا من قبلك) ولم يجيء بحذف من إلا في ~~موضعين: أحدهما: هذا، والآخر: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ~~ليأكلون الطعام) الفرقان: 20. # فأمل الأول فغنه حذفت منه من بناء على الآية المتقدمة وهي: (ما آمنت ~~قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون) الأنبياء: 6 فلما كان الزمان الذي ~~تقدمهم هو الزمان الذي تقدم النبي المذكور في قوله: (وما أرسلنا قبلك) ~~وكانت قبل إذا # PageV02P800 # عريت من من موضوعة للزمان المتقدم كله، صار بناءه على ما قبل مذكورا ~~كالتوكيد الواقع ب من في سائر المواضع. # فأما قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين) فإنما لم يؤكد ب من، لان ~~المعتمد بالخبر إنما هو الحال التي للمرسلين، وهي أنهم يأكلون الطعام ~~وليسوا من الملائكة الذين طلب الكفار أن يبعثوا إليهم، وأخبر الله تعالى به ~~عنهم في قوله: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة) ~~الفرقان: 21 # فإن قال: فقد جيء ب من في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الحج: 52 فالقصد ذكر حال الرسول والنبي، ~~وهو المعتمد بالخبر، فأكد مع # ذلك ب من. # قلت: القصد ب من في هذا الموضع توكيد ذكر الرسول وذكر حاله. ألا تراه ~~قال: (من رسولي ولا نبي) فجمعهما في نفي ما نفى عنهما إلا ما أثبته لهما ~~بعد # PageV02P801 # قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) فلما كان المكانان معتمدين ~~بالخبر صح التوكيد وكان المقصود والله أعلم. # PageV02P802 # 118 الآية الثالثة منها # قوله عز وجل: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~فبقلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) يوسف: 109 # وقال في سورة الروم 9: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~ال\ين من قبلهم كانوا أشد كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض) # للسائل أن يسأل عما جاء من هذا في القرآن بالفاء، وما جاء ms174 منه بالواو، ~~والمعنى المقتضى لكل واحد من الحرفيين؟ # والجواب أن يقال: كل موضع تقدم قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) فإنه ~~في موضع يقتضي الأول وقوع ما بعد الفاء. # وكل موضع تقدم: أولم يسيروا في الأرض فإنه في المواضع التي لا تقتضي ~~الدعاء إلى السير والبعث على الاعتبار، فيكون ذلك مؤديا إليه، وإنما يكون ~~بالواو عطف جملة على جملة، وإن كانت الثانية أجنبية من الأولى. # PageV02P803 # فقوله في سورة يوسف: (أفلم يسيروا في الأرض) قبله: (وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) معناه: كان الرسل من القرى التي بعثوا ~~إليها، فلما طغوا نزل بهم العذاب ما بقي أثره في ديارهم من الخسف ~~والانقلاب، فصار معنى قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى) أي لم يكونوا إلا رجالا أرسلوا إليهم فخالفوهم، فاعتبروا أنت ~~بآثارهم ومشاهدة ديارهم لتجنبوا ما يجلب عليكم مثل حالهم. # وكذلك قوله تعالى في سورة الحج 46: (أفلم يسيروا في أرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) هو بعد قوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) الحج: 45 فكأنه قال: إذا ~~كان كذا فسيروا في الأرض واعتبروا. # PageV02P804 # وأما قوله في سورة الروم 9: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الأرض) فإنه لم يتقدمه ما يصير ~~هذا كالجواب عنه، إذ لم يجر ذكر # حال أمة من الأمم خالفت نبيها فعوقبت على فعلها، بل الآية التي قبلها ~~قوله: (أولم يتفكروا في # أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) الروم: 8 فكان الموضع موضع الواو، وهذا ~~مع أنه معطوف على قوله: (أولم يتفكروا) وهو بالواو، فكان حملة على ذلك مع ~~اقتضاء المعنى للواو، وهو الواجب. # وقوله في سورة الملائكة 44: (اولم يسيرو في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم ms175 قوة وما كان لله ليعجزه من شيء) . # لم يتقدمه الذين من قبلهم ما يكون هذا كالجواب عنه فلم يحسن إلا الواو، ~~لأن الآية التي قبله # PageV02P805 # ليست في وصف قوم عوقبوا على مخالفة نبيهم، وبقيت آثار بهم من العذاب في ~~منازلهم وديارهم. # وكذا قوله في سورة المؤمن 20-21: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه ~~لا يقتضون بشيء إن الله هو السميع البصير * اولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في ~~الأرض) فالآيات التي تقدمت هذه الآية ليس ما يقتضي أن يكون هذا كالجواب له، ~~فلذلك جاء بالواو. # فأما الآية التي في آخر هذه السورة وهي: (أفلم يسيروا في الأرض) المؤمن: ~~82 فإن ما قبلها يقتضي الفاء، ألا ترى قوله: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) المؤمن: 78 # PageV02P806 # فإنه في وصف من بعث من الأنبياء ومجيء أمرا لله فيمن فالفهم وكيف خسر ~~مبطلهم. # فإن قال قائل: فقوله في سورة محمد 10: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم الكافرين أمثالها) لمخ يتقدمه ما ~~يقتضي الفاء # قلت: قوله (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينضركم ويثبت أقدامكم ~~والذين كفروا لهم وأضل أعمالهم* ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم) سورة محمد: 7-9 معناه: أن أولياء الله منصورون، وأن الكفار ~~مخذولون فليعتبروا بمن تقدمهم في الكفر ليعلموا أنهم صائرون إلى مثل حالهم. # PageV02P807 # 119 الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون) يوسف: 109. # وقال تعالى في سورة الأعراف 169: (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون) وكان حق # هذه الآية أن تذكر هناك، إلا أنا ذكرناها لما انتهينا إلى هذا المكان، ~~وقد تقدمت نظيرتها، وهي قوله تعالى: (وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون) الأنعام: 32. # للسائل ms176 أن يسأل في الآيتين عن موضعين: # أحدهما: قوله تعالى في سورة الأعراف: (والدار الآخرة) فوصف الدار ~~بالآخرة، وفي الآية التي في سورة يوسف أضاف الدار إلى الآخرة؟ # والثاني: قوله: (خير للذين يتقون) هناك، وفي هذا المكان: (خير للذين ~~اتقوا) . # والجواب عن الأول أن قبله: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون # PageV02P808 # عرض هذا الأدنى) الاعراف: 169، فقوله: (هذه الأدنى) إنما يعني هذا المنزل ~~الأدنى وهو والدار الدنيا بمعنى واحد فلما جعل الأدنى وصفا للمنزل ذكر ~~الدار الآخرة بعده فجعل الدار موصوفة والآخرة صفة لها، وكل يؤدي معنى واحد، ~~إلا أنه يختص ببعض اللفظ دون بعض لمشاكلة ما قبله وموافقته له. # وأما قوله: (ولدار الآخرة) في يوسف فإن قبله: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية ~~من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة) يوسف: 107 والساعة هي الساعة الآخرة، ~~وهي القيامة، فلما ذكرت الدار أضيفت إليها، فكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة ~~خير فتقدم كل آية ما كان المذكور بعده أليق به. # PageV02P809 # والجواب عن المسألة الثانية وهي قوله تعالى (للذين يتقون) في سورة ~~الأعراف، وقوله: (للذين اتقوا) في سورة يوسف هو أن القوم دعوا إلى الاعتبار ~~بأحوال الأمم الذين أهلكوا في أزمنة أنبيائهم بالنظر إلى منازلهم، وهي ~~خاوية على عروشها ليعلموا أن الدار الآخرة خير لمن اتقى منهم. # وقوله في سورة الأعراف ترهيب لليهود الذين في عصر النبي، وارتشائهم على ~~كتمان أمر النبي د، وترغيب لهم فيها عند الله عز وجل إذا صدقوا ما في كتاب ~~الله عز وجل، والترغيب والترهيب لا يتعلقان إلا بالآنف المستقبل، فلذلك ~~قال: ط (للذين يتقون أفلا تعقلون) . # وفي هاتين الآيتين مسألة ثالثة، وهي إدخال اللام على دار الآخرة في سورة ~~يوسف، وإخلاؤها منها في سورة الأعراف في قوله: (والدار الآخرة) # والجواب عن ذلك: أن قوله: (ولدار الآخرة) جاء بعد قوله: (فينظروا # PageV02P810 # كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) يوسف:: 109، ومعناه: فيعلموا كيف كان حال ~~من قبلهم، وأن الدار الآخرة خير لهم، فالام هي التي تدخل على المبتدأ فتعلق ~~الفعل، والفعل هو ms177 فيعلموا الدار خير، كما تقول: علمت # لزيد أفضل من عمرو. # وأما قوله: (الدار الآخرة) في سورة الأعراف فلم يتقدمه اللام، بل قوله: ~~(ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ~~والدار الآخرة خير) الأعراف: 169 من غير أن يتقدمه ما يجري مجرى التوكيد ~~والقسم الذي يتلقى باللام. # انقضت سورة يوسف عن أربع آيات وخمس مسائل. # PageV02P811 ### | سورة الرعد # 120 الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ~~الرعد: 3. # وقال في الآية التي بعدها: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان) إلى قوله: (إن في ذلك لآيات قوم يعقلون) الرعد: 4 # للسائل أن يسأل عن قوله تعالى (يتفكرون) في هذه الآية وقوله في الآية ~~التي بعدها (يعقلون) ، هل كان يصح أحدهما مكان الآخرة؟ # والجواب أن يقال: إن التفكر هو المؤدي إلى معرفة الشيء، والعلم بالآيات ~~التي تدل على وحدانية الله تعالى، فهو قبل، فإذا استعمل على وجه عقل ما ~~جعلت هذه # PageV02P812 # الأشياء أمارة له ودلالة عليه. # فبدئ في الأول بما يحتاج إليه أولا من التفكر والتدبر المفضيين بصاحبهما ~~إلى إدراك المطلوب، وخص الآخر بما يستقر عليه آخر التفكر من سكون النفس إلى ~~عرفان ما دلت الآيات عليه، فكان في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر إشارة إليه. # PageV02P813 ### | سورة إبراهيم عليه السلام # قد تقدمت نظائر آيات فيها قبلها فذكرت معها. # 121 الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من # PageV02P814 # الثمرات رزقا لكم) إبراهيم: 32. # وقال في سورة النمل 60: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء ~~به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنتبوا شجرها) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال في هذه الآية الأولى (وأنزل من السماء) وقال ~~في الثانية: (وأنزل لكم من السماء) فما الذي أوجب لكم في ms178 الثانية، ولم ~~يوجبها في الأولى؟ # والجواب إن لكم في آخر الآية الأولى مذكورة، لأنه قال: (فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم) فأغنى ذكرها هناك عن ذكرها أولا، والآية الثانية لما لم ~~يكن في آخرها ذكر أنه فعل لهم ذكر في أولها لكم لأن بعدها: (فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة) وليست لكم في قوله: (ما كان لكم أن تنتبوا شجرها) تكفي من ~~ذكرها في أولها، لأنها في معنى غير معنى: خلق لكم أصناف النعم. # PageV02P815 ### | سورة الحجر # 122 الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (فاخرج منها فإنك رجيم* وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ~~الحجر: 34-35. # وقال في سورة ص 78: (عليك لعنتي إلى يوم الدين) . # للسائل أن يسأل فيقول: إ كان المراد ب اللعنة ولعنتي شيئا واحدا، فما بال ~~اللفظين اختلفا فجاء في سورة الحجر بالألف واللام، وفي سورة ص مضافا، وهل ~~يصح في الاختيار أحدهما مكان الآخر؟ # والجواب أن يقال: إن القصة في سورة الحجر ابتدءت في المعتمد بالذكر، وهو ~~خلق الانس والجن باسم الجنس المعرف بالألف واللام بقوله: (ولقد خلقنا ~~الإنسان من صلصال من حمأ مسنون* والجان خلقناه من قبل من نار السموم) ~~الحجر: 26-27 ثم قال: (ما لك ألا تكون من الساجدين) الحجر: 32 فكان ما ~~استحقه إبليس بترك السجود من الجزاء ما أطلق عليه اللفظ الذي ابتدءت بمثله ~~القصة، وهو اسم الجنس المعرف واللام. # PageV02P816 # وكان الأمر في سورة ص بخلاف ذلك، لأن أول الآية: (إذ قال ربك للملائكة ~~إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين* قال يا إبليس ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنا من العالين) سورة ص: 71-75 فلم ~~تفتتح الآية بذكر الصنفين من الإنس والجن باللفظ المعرف بالألف واللام كما ~~أن في سورة الحجر. # ولما كان موضع (ما لك ألا تكون مع الساجدين) الحجر: 32 جاء بدله: (ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت) ms179 سورة ص: 75 فجعل بدل الساجدين أن تسجد ~~ثم قال: (لما خلقت بيدي) فخصصه بالإضافة إليه دون واسطة يأمره بقلعه، أجري ~~لفظ ما استحقه من العقاب على لفظ # الإضافة، كما قال: (بيدي) فقال: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) فكان ~~الإختيار في التوفقة بين الألفاظ التي افتتحت بها الآية واستمرت إلى آخرها ~~هذا. # PageV02P817 # 123 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) الحجر: 75. # وقال في الآية التي بعدها: (وإنها للبسبيل مقيم* إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) الحجر: 76-77. # للسائل أن يسأل عن جمع الآيات أولا، وتوحيدها آخرا فيقول: لم اختصت ~~الأولى ب الآية على التوحيد، وهل كانت الآيات لو ذكرت في الثانية، والآية ~~لو ذكرت في الأولى، فما يكون في اختيار الكلام؟ # والجواب أن يقال: ذلك في قوله: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) إشارة إلى ما ~~قص من حديث لوط وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لهم طمعا فيهم، وما كان من أمرهم ~~آخرا من إهلاك الكفار وقلب المدينة على من فيها وإمطار الحجارة على من غاب ~~عنها. # PageV02P818 # وهذه أشياء كثيرة، في كل واحدة منها آية، وفي جميعها آيات لمن يتوسم، أي ~~يتدبر السمة، وهي ما وسم الله تعالى به العاصين من عباده ليستدلوا بها على ~~حال من عند عن عبادته فيتجنبها، فكان ذكر الآيات ها هنا أولى وأشبه ~~بالمعنى. # PageV02P819 # وأما قوله: (لآية للمؤمنين) فلأن قبلها: (وإنها لبسبيل مقيم) أي تلك ~~المدينة المقلوبة ثابتة الآثار، مقيمة للنظار، فكأنها بمرأى العيون لبقاء ~~آثارها، وهذه واحدة من تلك الآيات، فلذلك جاء عقيبها: (إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) . # PageV02P820 ### | سورة النحل # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون* وسخر لكم الليل والنهار والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون* وما ذرأ لكم في ~~الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) النحل: 11 - 13. # للسائل أن يسأل عن توحيد الآية أولا وآخرا وجمعها في المتوسط، ولم ms180 كان ~~ذلك الاختار؟ وفي كل ذلك آيات كثيرة، ولم عبر عنها بآية واحدة؟ # والجواب أن يقال: إنما وحد في الأولى، لأن جميع ما أخبر عنه خلقه إنما هو ~~في جنس من # صنعه، ونوع من خلقه، وهو كل ما نجم من الأرض مما فيه قوت # PageV01P821 # الخلق. # والذي فيه ذكر الآيات الليل والنهار وهو إظلام الجو لغروب الشمس والقمر ~~النيران اللذان في كل واحد منهما من ميسرة ف فلك، ثم ما أجرى العادة به من ~~إحداث ريح أو مطر عند انتهاء أحدها إلى بعض المجاري، فكان ذكر الآيات هنا ~~أولى، وذكر الآية في الأولى أحق، لأن الأولى فيما يطلع من الأرض بالماء، ~~فكأنه يجمع جميعها شيء واحد، والثانية بخلافها فلذلك # PageV01P822 # وأما الثالثة فهي: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه) المعنى والله ~~أعلم جميع جواهر الأرض كالذهب والفضة والحديد وغيرها من النعم التي تبعث ~~على الفكر والتنبيه على ما جعل فيها من المنافع للخلائق، وهي كلها كالشيء ~~الواحد في أنها عروق جارية مختلفة في شيء واحد، هو أمها # PageV01P823 # ، وهي الأرض، ولذلك قدم الإنعام بالزرع والثمار لعلم الخاصة والعامة بما ~~فيها من قرب النفع وإمساك الخلق، ثم عقب ذلك بما هو أصله من الهواء وماء ~~السماء والكواكب التي جعلها الله قواما لتربية ما به ثبات البرية، فلما صرف ~~العقول إلى ما نص من الأمارات في أصناف ما سببه في البر أتبعه بما سخر في ~~البحر. # PageV01P824 # مسألة ثانية في هذه الآيات: فإن قال قائل: فلم قال في الأولى (إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون) وقال في الثانية: (لقوم يعقلون) وفي الثالثة: (لقوم ~~يذكرون) ؟ # فالجواب: إن التفكر إعمال النظر لتطلب فائدة، وهذه المخلوقات التي تنجم ~~من الأرض إذا أفكر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل، وأن الأكل به قوام ذي ~~روح، وأن المنعم عليه يحتاج أن يعرف المنعم به ليقصده شكر إحسانه، فهذا ~~موضع تفكر بعث الناس ليفضي بهم إلى المطلوب منهم. # وأما تعقيب ذكر الليل والنهار وما سخر في الهواء من الأنوار بقوله: ms181 (لقوم ~~يعقلون) فلأن متدبر ذلك أعلى رتبة من متدبر متقدما، إذ كانت # PageV01P825 # المنافع المجعولة فيها أخفى، وأغمض، فمن استدرك الآيات فيها استحق الوصف ~~بما هو أعلى من رتبة المتفكر المتدبر، لأنه المنزلة الثانية التي تؤدي ~~إليها الفكرة، وهو أن يعقل مطلوبه منها، ويدرك فائدته منها. # وأما الثالثة، وهي (لآية لقوم يذكرون) فلأنه لما نبه في الأوليين على ~~إثبات الصانع نبه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع، لأن من رأى ~~المخلوقات أصنافا مزدوجة مؤتلفة أو مختلفة نفى عنه صفاتها، وعلم أن خالقها ~~يخالفها، لا يشبهها ولا تشبهه، وقال في سورة ق 7 - 8: (والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب) # PageV01P826 # أي فعلنا ذلك لنبصركم ونريكم آياتنا ولنذكركم بازدواجها مخالفة صانعها، ~~كما قال: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 51 فيعلم بعد ~~العلم بما تقدم أنه لا صاحبة له ولا ولد، ولا مشبه له فيما أنشأ وبرأ، إذا ~~تذكر حاله فيها اتفق منه واختلف. # PageV01P827 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) ~~النحل: 14 # وقال في سورة الملائكة 12: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك ~~فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) . # للسائل أن يسأل فيقول: أية فائدة خصت في الآية الأولى أن تقدم فيها ~~(مواخر) على قوله (فيه) ، وأن تدخل الواو على (ولتبتغوا) ؟ وأية فائدة خصت ~~في الآية الثانية من سورة الملائكة أن تقدم فيها قوله (فيه) على (مواخر) ، ~~وأن تحذف الواو من قوله (لتبتغوا) ؟ # PageV01P828 # والجواب أن يقال: لما ذكر الله تعالى في سورة النحل النعم التي سخرها ~~البحر من أجلها فقال: (وهو الذي سخر البحر) لكذا وكذا، فعد جملا ثلاثة من ~~نيل سمكة، واستخراج حلية، وطلب فضله بركوبه، كان وجه، فعد جملا ثلاثة من ~~نيل ms182 سمكة، واستخراج حلية، وطلب فضله بركوبه، كان وجه الكلام أن يعطف ~~الثالثة على ما قبلها بالواو، لأن نعمة التسخير نظمها مع تقدمها، ~~والمشتركات في فعل حقها أن يعطف بعضها على بعض لتستوي في تعلقها به، ~~واجتماعها فيه، فلما ذكر النعمتين في قوله: (لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) احتاج ذكر النعمة الثالثة في عطفها عل ما ~~تقدم إلى وصف ما عليه البحر مما وطأه الله تعالى منه ليتمكن به من الثالثة، ~~وهي ما يطلب من فضل الله تعالى بأنواع التجارات # PageV01P829 # في البحر، ونقل الأمتعة فيه من مصر إلى مصر، وإلى سائر ما علق به مصالح ~~الخلق من الأودية المتفرقة على وجه الأرض فقال: (وترى الفلك مواخر فيه) لأن ~~الابتغاء من فضل الله تعالى يتسهل بالسير فيه، ولا سبيل إليه بالفلك وسيرها ~~بشق الماء يمينا وشمالا لتجري إلى الجهة المقصودة. # وليس قوله: (وترى الفلك) عطفا على (وتستخرجوا منه) لأنه خطاب واحد، وما ~~قبله وما بعده خطاب جمع، فهو مباين لهما في ذلك، وفي العامل والإعراب ولهذه ~~اللفظة اختصاص إذا استعملت يقصد بها كون الشيء على # PageV01P830 # تلك الصفة حتى إذا طلبه طالب رآه عليها، وليس الضمير لواحد مخصوص معين ~~دون غيره، لكنه كقوله: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، وكما: ترى العراقي ~~أرق طبعا من الجبلي، وترى البصري أفصح من الواسطي، وكما قال الشاعر: # ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير # PageV01P831 # وعلى هذا الوجه قوله تعالى: (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع ~~بهم) الشورى: 22 وكقوله تعالى: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~من مرد من سبيل* وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ذل ينظرون من طرف خفي) ~~الشورى: 44 - 45، وقوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها) ~~الجاثية: 28 وكقوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نبته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا) في سورتي الزمر والحديد، وكقوله: (وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش) الزمر: 75. # والدليل على ما ذكرنا من الآية ان قبل قوله: (وترى الفلك) فعل ms183 جماعة، وهو ~~(لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) وبعدها أيضا فعل ~~جماعة، وهو: (ولتبتغوا من فضله) والمعنى في ذلك كله أنه على هذا الوصف، فمن ~~رآه، رآه عليه وإذا كان الأمر في موضع في هذه الجملة من الجملتين المتقدمة ~~والمتأخرة على # PageV01P832 # ما بينا صار ما بعدها محمولا على ما قبلها، فوجب عطف الثالثة عليه ~~بالواو، لأن حجزه لا يعتد به، ولأن الفعل الذي هو: (سخر البحر) يقتضي ~~إشراكه فيما دخل فيه ما قبله، ولأن (مواخر قد فصل قوله (فيه) بينها وبين ~~قوله: (ولتبتغوا من فضله) فاجتماع هذه الأشياء أوجب اختيار الواو في هذا ~~المكان في قوله: (ولتبتغوا) . # وأما تقديم: (مواخر) في هذا المكان على قوله: (فيه) فلقوة حكم الفعل الذي ~~اعتد الله تعالى بذكره على عباده في هذه الآية، لأنها مصدرة بقوله: (وهو ~~الذي سخر البحر) # PageV01P833 # وإذا قوي حكم الفعل في مكان وجب أن يترتب ما يتعدى إليه على ما يقتضيه في ~~الأصل، وهو أن يقدم في الفعل المتعدي إلى مفعولين: مفعوله الأول الذي أصله ~~أن يكون معرفة، ثم مفعوله الثاني الذي أصله أن يكون نكره، ثم الظرف الذي هو ~~كالفضة فجاء على هذا الأصل. # وأما تقديم (فيه) في الآية الأخرى على (مواخر) فلأن الفعل الذي قدم فيها، ~~وعطف هذا عليه بولغ في تقديم الجار والمجرور فيه مبالغة لا مرمى وراءها، ~~ولا زيادة عليها، ألا تراهما قدما على الفعل نفسه، وهو: (ومن كل تأكلون ~~لحما طريا) ، فلما عرض قوله: (وترى الفلك) بعد فعل هذه صفته، وقد حصل فيه ~~مفعولان، وجار ومجرور قوي تقديم الجار والمجرور (فيه) على أحد معوليه ليعلم ~~أنه من جملة كلام بني الفعل فيه على تقديم الجار والمجرور عليه. # PageV01P834 # وأما حذف الواو من قوله: (لتبتغوا) لأنه لما لم تبن الآية على الفعل ~~يقتضي استيعاب ما يتعلق به كما كان في قوله تعالى (وهو الذي سخر البحر) ~~لكذا وكذا، وذكر بعضه إثر بعض، ثم صارت (مواخر) يليها قوله (لتبتغوا) وصح ~~تعلق الكلام بمعنى المواخر، لأن معناها: ms184 التي تشق الماء وتسير بأهلها، ~~والله سخرها على هذه الصفة لتبتغوا من فضله فيما جعل الطريق إليه من ~~المنافع التي لا تنال إلا بها، وقد ذكرنا نبذا منها. # فلما اتصلت (مواخر) بقوله (لتبتغوا) ولم يحجز بينهما ظرف استغنى عن الواو ~~لذلك، ولأنه لم يتقدم فعل بنيت عليه الآية دال على تعلقه بنعم يجب أن # PageV01P835 # ينسق بعضها على بعض كما كان في قوله: (وهو الذي سخر البحر) إذ أول هذه ~~الآية: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) فبان ~~الفرق بين الموضعين فيما يختار له إثبات الواو وتركها. # PageV01P836 # 126 الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبس مثوى المتكبرين) ~~النحل: 29. # وقال في سورة الزمر 72: (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين) . # وقال في سورة المؤمن 76: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين) . # للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية في سورة النحل خصت وحدها بدخول اللام ~~على قوله (لبئس) فيها وإخلاء الآيتين من السورتين منها؟ # والجواب أن يقال: إن الآية من هذه السورة في ذكر قوم قد ضلوا في أنفسهم ~~وأضلوا غيرهم، وهم الذين أخبر الله تعالى عن أتباعهم أنهم أنهم سألوهم عن # PageV01P837 # القرآن فقالوا: ليس من عند الله، وإنما هو أساطير الأولين، قال الله ~~تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين* ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلون بغير علم ألا ساء ما ~~يزرون) النحل: 24 - 25 وهؤلاء أكثر الناس وأشدهم آثاما، وأشدهم عقابا ومن ~~هذه صفته احتيج عند تغليظ العقاب له إلى المبالغة في تأكيد لفظه، فاختيرت ~~اللام هنا لذلك، ولأن بعدها في ذكر أهل الجنة قوله: (ولدار الآخرة خير ~~ولنعم دار المتقين) النحل: 30 فاللام في (ولنعم) بإزاء اللام في لبئس. # PageV01P838 # وليس كذلك الآيتان في سورتي الزمر والمؤمن، لأنهما في ذكر جملة الكفار، ~~قال الله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) الزمر: 71 وقال في سورة ~~قوله: 70، (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا ms185 به رسلنا فسوف يعلمون) . إلى ~~قوله: (ادخلوا أبواب جهنم) . # فلما كان المذكورون في سورة النحل ممن لزمهم وزران عن ذنوبهم التي أتوها ~~وعن ذنوب غيرهم التي حملوا عليها، ولم يذكر من سواهم في الآيتين الأخريين ~~بحمل أثقالهم حسن التوكيد هناك فضل حسن، فلذلك خص باللام. # PageV01P839 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~(53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) . # وقال في سورة الروم: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا ~~أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (34) . # وقال قبلها في سورة العنكبوت: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) # للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية في سورة العنكبوت وحدها خصت # PageV01P840 # بقوله: (وليتمتعوا) وجاءت الآيتان الأخريان بلفظ الأمر على معنى التهديد، ~~وهو (فتمتعوا) ؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى افتتحت بخطاب الشاهد فأجرى قوله: ~~(فتمتعوا) على هذا اللفظ، والآية الأخيرة افتتحت بالإخبار عن الغائب، وهو ~~قوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ... ) ومر سائر ~~الأفعال في هذه الآية على ذلك ولم يكن لها نظير في لفظها ترد إليه فأجرى ~~قوله (وليتمتعوا) عليه. # والآية التي في سورة الروم وإن افتتحت بلفظ الإخبار عن الغائب فإن لها في ~~لفظها نظيرة ردت إليها وصارت كالفرع عليها، وهي قوله تعالى: (وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار (8) # PageV01P841 # فهذه الآية مفتتحة بمثل ما افتتحت به تلك، إلا أن هذه الآية لواحد من ~~الناس، وتلك للجمع، فصارت كالفرع على الأولى. فكان حملها في هذه اللفظة ~~عليها أولى. # PageV01P842 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى: ms186 (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى ... ) . # وقال في سووة الملائكة: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) # للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى (بظلمهم) وقوله (ما ترك عليها) وعن # قوله في الثانية (بما كسبوا ما ترك على ظهرها) . # والجواب أن يقال: قد تقدم في العشر التي تليها: (ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم) الخبر عن الذين نهوا عن أن يتخذوا إلهين اتنين وأن يشركوا # PageV01P843 # الأصنام في عبادته، وأن يجعلوا لها نصيبا من أموالهم، ويدعوا الملائكة ~~بنات ربهم، وأن يئدوا بناتهم خوف إملاقهم. وكل ذلك من أفعالهم ظلم منهم ~~لأنفسهم مع ظلمهم لغيرهم، فقال تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس) بما ظلموا به ~~غيرهم وأنفسهم، وأجرى حكمه على معاجلة المذنبين بعقوباتهم لأنه دال على نفس ~~كل إنسان، إذ لا أحد يعد أباءه إلا ويجد فيهم من عصى ربه، فلو اخترم عند ~~خطيئته لانقطع نسله، ولا سبيل إلى ولد لا يصح أصله، فذكر في هذه الآية ~~التابعة لما أخبر الله به عن القوم الظالمين بأنواع الظلم التي نسقها # PageV01P844 # في العشر التي تقدمتها، ثم قال: (ما ترك عليها) يريد: على الأرض، وذلك من ~~الإيجاز الذي يقوم مقام الإكثار والإظهار، تقول العرب: ما فوقها أصدق من ~~فلان ولا تحتها أكذب من فلان، يعنون فوق الأرض وتحت السماء، وقوي إضمار هذا ~~الاسم لشهرة الاستعمال فيه، ولأن المذكور مشاهد لكل متكلم يقدر على الإشارة ~~إليه، فجرى مجرى "أنا" و (أنت) ، في صحة العلم به، والأمن من لبسه بغيره. # وأما قوله في السورة الأخرى: (رلو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ... ) # فالمراد: بما كسبوا من الآثام، وإن كان "كسب " يستعمل في الخير والشر ~~كقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) ، فإنما حذر الإنسان بهذه ~~اللفظة ما تجنيه يداه، # PageV01P845 # فيكون هو المؤاخذ به دون من عداه. # وجاء بعده: (ما ترل على ظهرها) والمراد: ظهر الأرض. # ولم يذكر ((الظهر)) في الآية ms187 الأولى لتقدم "الظاء" في المبتدأ بعد "لو"، ~~والظاء # تعز في كلام العرب. ألا ترى أنها ليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلما ~~اختصت بلغتها وتجنبت إلا فيها استعملت في الآية الأولى في الابتداء بعد ~~"لو"، واستعملت في الآية الثانية في جواب ما بعد "لو" لهذا. # PageV01P846 # ولم تجئ في هذه السورة إلا في سبعة أحرف تكررت، نحو. الظلم، # والنظر، والظل، و (ظل وجهه) والظعن والعظم والوعظ، وأجريت مجرى ما استثقل ~~من الحروف فلم يجمع بينهما في جملتين معقودتين عقد # كلام واحد، وهما ما بعد "لو" وجوابها. وحسن التأليف وقصد الحروف مراعى في ~~الفصاحة لا يخفى على أهل البلاغة. # PageV01P847 # الآية السادسة منها # قوله تعالى: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ~~ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ~~من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى ~~النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل ~~الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء ~~للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) . # للسائل أن يسال في هذه الآى عن ثلاث مسائل: # إحداها عن توحيد، "الآية" في جميعها، ومنها ما فيه آيات. # والثانية عن قوله: "يسمعون" في الأولى،. و "يعقلون" في الثانية، # و"يتفكرون" في الثالثة. # والثالثة عن قوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ... ) # وقال في سورة المؤمنين 211،: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ... ) فأعاد # PageV01P848 # في أحد الموضعين ذكر المذكر، وفي الآخر ذكر المؤنث، واللفظان سواء، فهل ~~كان يجوز أن يكون حيث عاد المذكر مذكرا يكون مؤنثا، وحيث عاد مؤنثا يعود ~~مذكرا؟ # المسألة الأولى يجاب عنها فيقال: لما كان المذكور في كل آية صنفا واحدا ~~جعل ما دل منه على الصانع آية واحدة. # فإن قال قائل: إن الأنعام وثمرات النخيل ms188 والأعناب قد جمعت، وليس جمعها ~~صنفا واحدا، وكان على قضيتك يجب في الاختيار أن يقال هنا: إن في ذلك لآيات؟ # قيل له: إن قوله: (إن في ذلك) إشارة إلى ثمرات النخيل والأعناب دون # PageV01P849 # الأنعام، وذلك صنف واحد، فلذلك قال: آية، وأما "الأنعام " فقد استند بذكر ~~الآية فيها قوله في ابتداء آيتها: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) فكأنه قال: ~~لكم فيها آية، إذ الاعتبار يؤدي إليها، فخلصت (إن في ذلك) للصنف الواحد من ~~ثمر الشجر. # وأما الثالثة فمقصود بها النحل خاصة، فلذلك قال: (إن في ذلك لآية) . ~~والمسألة الثانية يجاب عنها فيقال: إنما ذكر (يسمعون) في الأولى توبيخا لمن ~~أنكر البعث واستبعد الحياة الثانية، فكأنه قيل له: إن ذلك قبل التدبر مقرر ~~في # PageV01P850 # أول العقل حتى إن من يسمعه يعترف به، وهو أن الأرض الميتة يحييها الله ~~تعالى بماء السماء فتعود حية بنباتها، فكذلك لايستنكر أن يحى الخليقة بعد ~~موتها. # وأما اختصاص الثانية بقوله: (يعقلون) فلأنه قال: ( ... نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66)) # ، وقد علمنا أن الفرث والدم لا ينعصر منه ما يسوغ للشارب، وأن الدم أحمر ~~فيحول بقدرة الله تعالى لبنا أبيض طيبا بعد بعده مما استحال عنه في اللون ~~والطيب، ففيه عبرة لمن اعتبر، ولما قرن إليه ثمرات النخيل والأعناب وما ~~يتحول من عصيرهما إلى ما يستلذ ويجلب ما يسر سوى طيب رطبها ويابسها احتاج ~~ذلك إلا تدبر يعقل به صنع صانع لا يقدر غيره عليه، فلذلك قال في الثانية: ~~(يعقلون) . # وأما اختصاص الثالثة بقوله: (يتفكرون) فلأن التفكر استعمال الفكر حالا ~~بعد حال، وفي النحل عجائب من صنع الله تعالى تتبع كل أعجوبة أعجوبة من ~~طاعتها # PageV01P851 # لرئيسها، ثم أشكال ما تبنى من بيوتها التي لو حاول الإنسان مثلها بأمثلة ~~يحتذيها وتقديرات يقدمها لتعذر عليه، ثم إنها تجى من أزاهير النبات ~~والأشجار ما هداها إليه إلهام الله تعالى لها وأرشدها إليه، ثم تقلس ما ~~يجتمع في جوفها عسلا، فهذه أشياء تقتضى فكرا بعد فكر، ms189 ونظرا بعد نظر، فلذلك ~~عقبت بقوله: (يتفكرون) . # والمسألة الثانية يجاب عنها بأن يقال: "الأنعام" في سورة النحل وإن أطلق ~~لفظ جمعها فإن المراد به بعضها ألا ترى أن الدر لا يكون لجميعها، وأن اللبن ~~لبعض إناثها، فكأنه قال: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه، ولهذا ذهب من ذهب إلى أنه رد على النعم، لأنه يؤدي ما يؤديه الأنعام ~~من # PageV01P852 # المعنى، والمراد - والله أعلم - ما ذكرنا للدلالة التي بيننا. # وليس كذلك ذكرها في سورة المؤمنين، لأنه قال: ( ... نسقيكم مما في بطونها ~~ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون) # فأخبر عن النعم التي في أصناف النعم إناثها وذكورها، فلم يحتمل أن يراد ~~بها البعض كما كان في الأول ذلك. # PageV01P853 # الآية السابعة منها # قوله تعالى: (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا) . # وقال في سورة الحج: ( ... ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) # للسائل أن يسأل فيقول: ما الفرق بين قوله (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) # إذ لم يكن فيه ((من)) وبين قوله: (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) # ولم اختصت الآية التي في سورة الحج ب "من" وخلت منها الآية في سورة ~~النحل؟ # والجواب أن يقال: ذكر في سورة النحل الجملة التي فصلت في سورة الحج، ~~وكانت لفظة "بعد" لجملة الزمان المتأخر عن الشيء، قال: (والله خلقكم) # PageV01P854 # فأجمل ما فصله في السورة الأخرى، وبعده: (تم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا) أي: يعزب عنه في حال الهرم ما كان ~~يعلمه قبل من الحكم ويستدركه من الآراء المصيبة، ويرتكبه من المذاهب ~~القويمة، فكان هذا موضع جمل لا تفصيل معها ولاتحديد، ولم يكن كذلك الأمر في ~~سورة الحج، لأنه قال: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ... ) # ، يعنى أصلكم، وهو آدم عليه السلام، (ثم ms190 من نطفة) أولاده (ثم من علقة ثم ~~من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ... ) # فذكر تفصيل الأحوال ومباديئها فقال: من كذا وكذا لابتداء كل حال # PageV01P855 # ينتقل منه إلى غيره، فبنى ذكر الحال التي ينتقل فيها من العلم إلى فقده ~~على الأحوال الى تقدم ذكرها، فكما حدد أوائلها ب "من" كذلك حدد الحال ~~الأخيرة المتنقلة عما قبلها ب "من" فقال: (من بعد علم) أي فقد العلم من بعد ~~أن كان عالما، فباين الموضع الأول لذلك. # PageV01P856 # الآية الثامنة منها # قوله عز وجل: ( ... أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) # ، وقال في سورة العنكبوت: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس ~~من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) . # للسائل أن يسأل فيقول: ما بال الآية من سورة النحل زيد فيها (هم) # وخلت منها الآية من سورة العنكبوت؟ # والجواب أن يقال: إن الكلام في سورة النحل قد نقل عن الخطاب الذي # يصلح لغير الكفار إلى الإخبار عنهم، وهو قوله: (والله جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ... ) # ، ثم انتقل الكلام عن الخطاب العام إلى الإخبار الخاص فقال: ( ... ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) # فأكد الكلام بقوله: (هم) لئلا يتوهم أن هذا الإخبار خطاب، وهو بالتاء دون ~~الياء، إذ لا فرق في الخط بينهما، ولم يكن كذلك # PageV01P857 # الأمر في سورة العنكبوت، لأن الإخبار المستمر في الآية التي قبل هذه أغنى ~~عما يحصره للخبر دون غيره، وهو قوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما ~~آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) # ، فترادف الإخبار عن الغيب أغنى عن توكيده بما يحصره على الخبر، وذلك ~~واضح لمن تدبره. # انقضت سورة النحل عن ثماني آيات وإحدى عشرة مسألة، والله الموفق للصواب. # PageV01P858 ### | سورة بني إسرائيل # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ms191 نفورا ~~(41) . # وقال في هذه السورة: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا (89) . # وقال في ### | سورة الكهف # : (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(54) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات في قلة لفظ الأولى، والتقديم ~~والتأخير في الثانية والثالثة. # والجواب أن يقال: إن الأولى جاءت بعد إخبار المتمردين من الكفار وعما # آل إليه أمرهم من الدمار من مبتدأ السورة، ثم عما أقامه من الدلائل ~~النيرة، والآيات البينة، وعما علقه من الحساب بالأهلة، وآية النهار ~~المبصرة، إلى ما حذر # PageV01P859 # من حال الآخرة، واشتمال الكتاب على ما قدم من الحسنة والسيئة، وما بعد ~~ذلك من الأوامر والنواهي، فجاء بعد ذلك كله قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن ليذكروا) فأبهم القول ليحيط بأنواع تصاريف الكلام من الخبر والعبر ~~وضرب المثل والأمر والنهي والوعظ والزجر إذ كان فيما قبله: (كل ذلك. # وأما الآية الثانية فإنها جاءت بعد الأولى، وبعد أمثال ضربت، نحو: (ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) ، وبعد تخويف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وتحذيره كتحذير الناس كلهم، إذ يقول تعالى: (وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ... إلى قوله: (إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) # ، فقال بعده، وقدم الناس: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) ~~تنبيها للناس، وليهتموا بتفهمه، ويعنوا بتدبره، ويقفوا عند أوامره، وينتهوا ~~عن زواحره، # PageV01P860 # فكان موضع الآية يقتضي تقديم "الناس" على عادة العرب في تقديم ما عنايتهم ~~به أتم. # وأما الثالثة فإنها وقعت في السورة التي تقدم فيها ذكر أصحاب الكهف، وما # سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - (عن الإخبار به مما لم يقدر عليه إلا ~~بأن يوحى إليه، وكان جميع ذلك من خبر موسى عليه السلام، مع من وعد لقاءه، ~~وقصة ذي القرنين بعدهما مما أودع القرآن وتضمنه الكتاب، فقال في هذا ~~المكان: (ولقد صرفنا في ms192 هذا القرآن للناس من كل مثل) للدلالة على ماطلبوه ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - وما قد أوحى الله تعالى به إليه في كتابه، ~~فكان تقديم ذلك في هذا المكان أولى. والله أعلم. # PageV01P861 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) . # وقال بعد ذلك بآيات: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا (75) . # ثم قال بعده: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا (86) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص خواتم هذه الآيات الأربع: (ثم لاتجدوا) # (ثم لا تجد) بما خصت به، وهل كان يجوز أن تكون هذه مكان تلك، وتلك مكان ~~هذه؟. # والجواب أن يقال: إن الأولى بعد قوله: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) ~~وهو خطاب لمن ينجيهم من ضر البحر ويسلمهم إلى البر فيعوضون عن ذكر ما # PageV01P862 # كانوا فيه من المخافة عند الأمن، ويكفرون بما أنعم به عليهم من النجاة، ~~فقال: الذي خفتموه من عذاب الله تعالى في البحر لا تأمنوا مثله في البر، ~~لأن الغرق الذي خفتموه هناك بإزائه الخسف وإرسال الرياح الحاملة للحصباء، ~~فلا يعجزه الآن ما أمكنه إذ ذاك، ثم لا تجدوا من يقوم مقامكم ويعصمكم مما ~~يريد إنزاله بكم، وهذا أول ما يطلبه من يشرف على هلكة لينقله إلى نجاة. # وأما قوله: (أم أمنتم أن يعيدكم فيه) يعنى في البحر، فيغرقكم بما كفرتم ~~ثم لا تجدوا من يتبعنا إذا أهلكناكم بمطالبة بدمائكم، أو بإنكار ما أنزلناه ~~بكم، فالذي يلجأ إليه إذا لم يغن الوكيل في دفع الضرر ووقوع الهلكة من يتبع ~~ذلك بإنكار أوانتصار، وهذا أيضا مما لا تجدونه. # PageV01P863 # وأما قوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات) # أي: لأنزلنا بك عند قليل الركون إلى الكفار ms193 ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب ~~الآخرة، ثم لا تجد لك عزا تمتنع به مما نريد إحلاله بك، وهذا هو النصير. # وكذلك قوله عز وجل: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) # أي: لأنسيناكه ولمحونا من القلوب والكتب ذكره، ثم لا تجد من يتوكل لك برد ~~شيء منه إليك، لكني دبرتك بالرحمة لك، فأوليتك من النعم والألطاف ما ثبت به ~~على الإيمان، وسلمت به من الركون إلى ما دعاك إليه أهل الشرك، وكانوا قالوا ~~له: لا نتركك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا، فقال في نفسه: ما علي أن أفعل ~~ذلك، والله يعلم ما في نفسى فأتمكن من استلام الحجر. # وقيل: إنهم قالوا له: # PageV01P864 # اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم، والذين رائحتهم رائحة الضأن، لأنهم كانوا ~~يلبسون الصوف إن كنت قد أرسلت إلينا لتجلس معنا، ونسمع منك، فهم أن يفعل ما ~~يستدعي به إسلامهم فنزل هذا الوعيد، لأن الله تعالى أمره بغير ذلك في قوله: ~~(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) ، وقال: (ولا تدع ~~مع الله إلها آخر) ، ولذلك قال: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفترى علينا غيره) # PageV01P865 # وهذان البابان اللذان هم بأحدهما من غير عزم منه عليه، هما غير ما أوحى ~~الله # إليه، فقد تبين أن خاتمة كل آية واقعة موقعها لا يصلح سواها مكانها. ~~والله أعلم. # PageV01P866 ### | سورة الكهف # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ... ) . # للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله: (ثلاثة رابعهم) و (خمسة سادسهم) بلا ~~واو، وبين قوله (سبعة وثامنهم) بالواو؟. # وقد سوى النحويون بين الجملة التي تجري صفة للنكرة، أو حالا للمعرفة إذا # كان فيها ذكر الأول في أن دخول الواو عليها وحذفها منها جائزان. # قال الزجاج: دخول الواو ها هنا وإخراجها من الأول واحد. # PageV01P867 # فإن قال السائل هل في اختصاص السبعة وعطف الجملة عليها فائدة تخصها ليست ~~فيما قبلها؟ # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما أن يقال: إن الفرقة التي ms194 قالت: كانوا ثلاثة كانت بعدها فرقتان ~~أخريان، وكذلك الثانية التي قالت: خمسة سادسهم كلبهم، وأما السبعة فانتهت ~~عندها العدة، وانقطعت بها القصة، ولم تكن هناك فرقة رابعة تذكر قولا رابعا، ~~والشيء إذا تم وانتهى وكانت الجملة فيما لم ينته تتصل بالأول اتصال الشيء ~~منه كانت الواو فيها دليلا على انقضائها، والآخر في كلام في حكم المنقطع ~~منها في اللفظ وإن كان اتصاله بها في المعنى كاتصال الأولين. # PageV01P868 # والثاني: أن السبعة لما كانت أصلا للنهاية في تركيب العدد، لأن أصل الجمع ~~واحد، والواحد فرد، والتركيب بعده بأن يضم فرد إلى فرد فيصيران زوجا، فيحصل ~~بضمهما إلى الواحد السابق ثلاثة فرد لم يضم إليه شىء، وفرد ضم إليه فرد، ثم ~~ضما إلى فرد فحصل به ضم زوج إلى فرد، وبلغت عدة المركبات ثلاثة، وبقي أن ~~يضم زوج إلى زوج، وهو اثنان يضمان إلى اثنين فيصير أربعة، فإذا ضمت الأربعة ~~إلى الثلاثة تكاملت التركيبات، فلا ترى بعدها تركيبا خارجا عن ذلك، فصارت ~~السبعة أصلا للمبالغة في العدد، ولذا خصت السموات بسبع من العدد، والأرضون ~~مثلها، والكواكب والأسبوع، وقال تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم..) ، # وقال: (.. في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) . # PageV01P869 # وللمفسرين في ذلك جواب ثالث، وهو: أن العرب تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، ~~أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا بلغت الثمانية لم تجرها مجرى ~~الأخوات التي لا يعطف بعضها على بعض كما يقال في الحروف المقطعة: ألف، باء، ~~تاء، ثاء، واحتجوا بآيات من القرآن كقوله تعالى: (التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~... ) ، فعطف الثامن على ما قبله، ولم يدخل واو العطف على ما قبله، وكذلك ~~قالوا في قوله: (.. حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) # لأن # PageV01P870 # أبواب جهنم سبعة، وقال: (.. حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ... ) # ، لأن أبواب الجنة ثمانية، وقالوا مثل ذلك في قوله: (.. مسلمات مؤمنات ~~قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) # ، وإن كان هذا مخالفا لما تقدم، إذ الثيبات ms195 لا توصف بالأبكار، فكانت ~~الواو هنا من جهة أخرى، لا يجوز تركها. # قلت: ويمكن أن ينصر هذا القول، ويعضد بطريق من القياس، تختص بثمانية، وهو ~~أن الياء في ((ثمانية)) و ((ثماني)) ، ياء النسب التي في قولك: يمان وشام ~~وتهام ورباع في الفرس الرباعى، وكان الأصل يمنى، وشآمي، وتهامي وربعي وثمني # PageV01P871 # فقلبت إحدى اليائين ألفا، وقدمت على لام الاسم، وبقيت الياء الأخيرة ~~ساكنة. # وياء النسب من خصائص الأسماء التي لا تكون في غيرها، وهي إذا دخلت على ما ~~خرج من الاسم عن بابه كمدين وطلحة إلى باب ما لا ينصرف أعادته إلى باب ~~الاسم وأبطلت عنه شبه غيره الموجب لمنع الصرف، فتقول: مدائنى وطلحي، فتصرفه ~~وإن صار بالياء أثقل مما كان، فلما دخل على "ثمانية" ما يخصصها بباب الاسم ~~أجريت على حكم الاسم، وأزيل عنها حكم الحروف فعطفت على ما قبلها بالواو. # فإن قال قائل: فإن هذا يلزمك في ثلاثة، لأن التأنيث من خصائص # الاسم؟ # قلت: هذه العلامة - أعنى أمارة التأتيث - تتصل بالفعل في نحو: قامت # PageV01P872 # وقعدت، وتتصل بالحرف في نحو: ربت وثمت، فيزول عنها الاختصاص. # " فإن قال قائل: فالتثنية لا تكون إلا في الاسم فوجب في قولك: اثنان أن # تقول: واحد واثنان. # قيل: لا يختلف البصريون في أن الكاف من "ذلك " ليست اسما وهى تثنى وتجمع ~~في قولك: ذاكما و (ذلكما مما علمني ربي) ، و (ذلكم يوعظ به) # ، فيزول بما ذكرنا اختصاص ما عارض به من المختص بالاسم دون غيره. # PageV01P873 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) . # وقال في سورة حم السجدة: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن ~~هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) . # للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: (رددت) وقوله في الثانية: (رجعت) وهل ~~كان يجوز أحد اللفظين مكان الآخر في الاختيار؟ # والجواب أن يقال: إن الأولى بقوله: (رددت ms196 إلى ربى) أولى، وذلك لما تقدم # من وصف الجنتين اللتين حوتا مراده، واشتملتا على ما أراده، وتقديره فيها ~~أنهما يدومان له. والرد عن الشيء يتضمن معنى كراهية للمردود تقول: قصد فلان # PageV01P874 # فلانا فرد عنه، وقصد فلانا فرجع عنه، فلما كان الأول ينقل عن جنته وهو ~~خلاف محبته كان استعمال اللفظ الذي يدل على الكراهية فيه أولى # والثانية لم يتقدمها مثل ما تقدم هذه، لأن قبلها: (لايسأم الإنسان من ~~دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط) ، إلى قوله: (للحسنى) وليس في ((رجع)) ~~" ما في ((رد)) من كراهة وهوان يلحقان المردود ولا يلحقان المرجوع، فافترقا ~~لذلك. # PageV01P875 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه. # وقال في سورة السجدة: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من ~~المجرمين منتقمون (22) . # للسائل أن يسأل عن استعمال الفاء في سورة الكهف في قوله: (فأعرض عنها) ~~واستعمال ((ثم)) في سورة السجدة؟ # والجواب أن يقال: إن ((الفاء)) و ((ثم)) مشتركان في أن ما بعدهما في ~~اللفظ متأخر عما قبلها في المعنى، ومختلفان في أن "الفاء" قرب ما بعدها مما ~~قبلها، وفي "ثم " تراخ عنه وبعد، فكان استعمال الفاء في سورة الكهف أولى، ~~واستعمال ((ثم)) هناك أحق وأحرى، وذلك أن ما في سورة الكهف في ذكر قوم ~~يستدعون إلى الإيمان، ولم تختم أعمالهم بالكفر لقوله تعالى: ( ... ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) . # وليس كذلك قوله: (ثم أعرض عنها) الآية، في وصف الكفار بعد موافاتهم ~~القيامة لقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ... ) ~~إلى # PageV01P876 # قوله: (ثم أعرض عنها) ، أي: ذكر مدة عمره بآيات ربه، وتطاول الأمر بزجره ~~ووعظه، ثم ختم ذلك بترك القبول وبالإعراض، فكان هذا قولا يقال فيهم عند ~~الانتقام منهم كما حكى قولهم: (.. ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون (12) # ، فقد بان بما ذكرنا أن ((ثم)) هنا مكانها، والفاء هناك مكانها. والله ~~أعلم. # PageV01P877 # الآية الرابعة منها ms197 # قوله تعالى في الحكاية عن موسى عليه السلام لما خرق الخضر عليه السلام ~~السفينة: ... (لقد جئت شيئا إمرا (71) . # ولما قتل الغلام: (لقد جئت شيئا نكرا (74)) . # للسائل أن يسأل عن "الإمر" و "النكر" وهل كان أحدهما يصلح في موضع الآخر، ~~أم لكل واحد معنى يخصصه بمكانه؟. # والجواب أن يقال: قيل: الإمر: إنه الداهية، وقيل: إنه العجب. # PageV01P878 # والنكر: ما تنكره العقول ولا تعرفه ولا تجوزه. ويروى عن قتادة أنه قال: ~~النكر أعظم من الإمر، لأن الإمر إن حمل على الداهية فهي التي تدهى الإنسان ~~مما لم يخشه فيحترز من وقوعه. والعجب قد يكون غير منكر، والنكر لا يستعمل ~~إلا في المذموم الذي يخرج عن المعروف في العقل أو الدين، فاختص الأول ~~بالإمر، لأن خرق السفينة التي لم يغرق فيها أحد أهون من قتل الغلام الذي قد ~~هلك. وقيل: "الإمر" أعظم من النكر، لأن تغريق من في السفينة أنكر من قتل # PageV01P879 # نفس واحدة، وليس كذلك لأن الغرق لم يقع، والقتل قد حصل. # هذا القول قول الزجاج في معاني القرآن. # PageV01P880 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى في الحكاية عن الخضر عليه السلام بعد قوله: ( ... لقد جئت ~~شيئا إمرا) : ( ... ألم أقل إنك لن تستطع معي صبرا) . # وبعد قوله تعالى: (.. لقد جئت شيئا نكرا: (.. ألم أقل لك # إنك لن تستطع معي صبرا) . # للسائل أن يسأل عن زيادة (لك) في الثانية وإخلاء الأولى منها. # والجواب أن يقال: إنه في الأولى لما قرر موسى وذكر ما كان قدم القول # فيه من أن الصبر على ما يشاهده منه يثقل عليه فقال: ( ... ألم أقل إنك لن ~~تستطع معي صبرا) معناه في غالب ظني: إنك تعجز عن احتمال ما ترى حتى # تبادر إلى الإنكار، فلما رأى قتل الغلام وعاد إلى الإنكار أكد التقرير ~~الثاني بقوله: (لك) كما يقول القائل: لك أقول، وإياك أعنى، فيقدم (لك)) # و"إياك " ولو قال: أقول لك، وأعنيك بكلامي لاستويا في المعنى إلا أن في ~~(لك) تأكيد # PageV01P881 # الخطاب بالتقديم، فكأنه قال: ألم يكن خطابي لك دون من سواك، وهذا ms198 وجب في ~~الثانى لا في الأول الذي لم تتأكد حجة الخضر عليه السلام كتأكدها في ~~الثاني. # PageV01P882 # الآية الصادسة منها # قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97)) # للسائل أن يسأل عن (اسطاعوا) في الأولى، فلم خصت بحذف التاء، دون الثانية ~~في جل القراءات. # والجواب أن يقال: إن الثانية تعدت إلى اسم، وهو قوله عز وجل: (نقبا) فخف ~~متعلقها فاحتملت بأن يتم لفظها، فأما الأولى فإنها تعلق مكان مفعولها ب "أن ~~" والفعل بعدها، وهي أربعة أشياء: أن، والفعل، والفاعل، والمفعول الذي هو ~~الهاء، فثقل لفظ "استطاعوا" وكان يجوز تحقيقه حيث لا يقارنه ما يزيده ثقلا، ~~فلما اجتمع الثقلان، واحتمل الأول التخفيف ألزم في الأول دون # PageV01P883 # الثاني الذي خف متعلقه. # انقضت سورة الكهف عن ست آيات وست مسائل. والحمد لله رب العالمين وصلواته ~~على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين. # PageV01P884 ### | سورة مريم # الآية الأولى منها # قوله عزوجل: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ~~(37) . # وقال في سورة الزخرف: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب ~~يوم أليم (65) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل في اختلاف لفظي (كفروا) و (ظلموا) في # الآيتين ما يخص أحدهما بمكانه، والآخر بالموضع الذي جاء فيه. # والجواب أن يقال: كلتا الآيتين في قصة عيسى عليه السلام وتوعد من # أثبت لله تعالى ولدا لقوله تعالى في سورة مريم: (ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) # ، وقال في سورة الزخرف: (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه..) إلى قوله: (. فويل للذين ظلموا..) ~~والكفر أعظم من # PageV01P885 # الظلم وإن كان كل كافر ظالما لنفسه، فلما قالوا في عيسى عليه السلام إنه ~~ابن الله كفروا. بذلك وظلموا أنفسهم فأخبر الله تعالى عنهم في القصة التي ~~شرح فيها ابتداء أمره بالوصف الذي يتضمن لفظ أكبر الذنوب، وهو الكفر. # ولما أجمل في السورة الثانية ما فصله في الأولى وصفهم بالوصف الذي يدل ~~على ms199 أنهم حرموا أنفسهم ما عرضوا له من الثواب، وأوجبوا عليها أليم العذاب، ~~فبذلك ظلموها، أعني بالكفر الذي كان منهم لما دعوا للرحمن ولدا، تقدس الله ~~تعالى عنه. # PageV01P886 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: ( ... فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) . # وقال في سورة الفرقان: ( ... ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ### | ..... # للسائل أن يسأل فيقول:. ما بال الفعل في الآية الأخيرة أكد بذكر المصدر ~~معه من دون الفعل في الآية الأولى. # والجواب أن يقال: أما الأول فإنه بعد قوله: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ~~... ) # ، فكان موضع إيجاز لذكر المعاصي فبنى الكلام عند ذكر التوبة على ما بنى ~~عليه ذكر المعصية. # ولم يكن كذلك الموضع الثاني، لأنه بدئ بقوله: (والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا ... ) # PageV01P887 # ، فلما ذكر الكبائر، وأن أولياء الله يجتنبونها، وأن من أتاها ضوعف له ~~العذاب إلا أن يتوب ويعمل عملا صالحا، كان الموضع موضع تأكيد لأنه لمن يعمل ~~العمل الصالح بعد ارتكاب الكبائر التي عددها. فلما أكد الكلام هناك وجب ~~تأكيده هنا، أعني عند محو السيئات المتقدمة بالحسنات المستأنفة، فاختلاف ~~الآيتين في التوكيد لما ذكرنا. # PageV01P888 ### | سورة طه # الآية الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي ~~يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا ~~اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ... ) ، ~~إلى قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى ms200 (17) قال هي عصاي) . # وقال في سورة النمل: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر ~~أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ~~ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ~~(9) وألق عصاك ... ) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال الله تعالى: ( ... ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) # ، وهل الاختلاف إلا هذا الذي جاء في سوره في الإخبار عن قصة واحدة، مرة ~~أنه قال لأهله: (.. لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) . # PageV01P889 # ، وفي أية: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ... ) ، وقال في ~~القصص،: (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ### | .... # ثم قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~... ) ، إلى قوله: (وما تلك بيمينك يا موسى (17)) . # وفي السورة الثانية: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق ~~عصاك ... ) . # وكذلك جاء في سووة القصص: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ~~ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا..) . # والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخبر أنه خاطب موسى عليه السلام ~~باللغة العربية بألفاظ إذا عدل عنها إلى غيرها مما يخالف معناها كان ~~اختلافا في القرآن قادحا # PageV01P890 # فيه، بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة، وأنه تعالى أخبر في بعض ~~السور ببعض ما جرى، وفي الأخرى بأكثر مما أخبر به في التي قبلها، وليس يدفع ~~بعضها بعضا. # فأما قوله تعالى: ( ... لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) # ، فهو معنى قوله: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ... ) # ، لأن الخبر الذي يأتيهم به هو أن يجد على النار من يهديه ويخبره أن ~~الطريق ما هو عليه، أو غيره، ووجود الهدى وأن يخبر بخبر اهتدائه في طريقه ms201 ~~أو غيره شيء واحد لا اختلاف فيه. # وأما قوله عز وجل: (فلما أتاها نودى يا موسي إنى أنا ربك فاخلع # نعليك ... ) ، فهو مما جرى، ولم يخبر الله تعالى به في سائر السور، فأخبر ~~به في هذه. # وكذلك القول في العصا وسؤاله وتقريره على ما وصف من حالها، حيث يقول: ~~(وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ~~... ) # PageV01P891 # ، إلى قوله:، ( ... سنعيدها سيرتها الأولى، هو من ذلك. # PageV01P892 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر ~~لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من ~~أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) # ، إلى قوله: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) . # وقال في سورة الشعراء: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) ~~قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ~~ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) . # وقال في سورة القصص: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك ~~جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو ~~أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد ~~عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون (35) . # PageV01P893 # للسائل أن يسأل عما حكى الله تعالى من قول موسى عليه السلام لما بعثه إلى ~~فرعون واختلافه في السور الثلاثة لأن ما في سورة طه سوى ما في سورة الشعراء ~~وما في سورة القصص. # والجواب عن ذلك أن قوله: (رب اشرح لي صدري) طلب أمان له من أن يقتل بمن ~~قتله، وهذا معنى قوله: ( ... أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ... ) # ، لأنهم لو صدقوه لما خاف أن يقتلوه. # وكذلك قوله في السورة الثالثة: (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون) ، وقوله: ms202 (ويسر لي أمري) ، أي: سهله حتى أؤدي رسالتك، وإذا أمن من ~~القتل فقد فعل به ما طلبه. # وأما قوله: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ، فهو معنى قوله: (ولا ~~ينطلق لساني فأرسل إلي هارون) . # وكذلك في سورة القصص: (وأخى هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله # معي ردا يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون) فطلب أن يحل عقدة من عقد لسانه، # PageV01P894 # وأن يؤيد بأخيه، فأجيب إليهما، ولم يطلب حل كل عقد لسانه لما حكاه الله ~~تعالى عن فرعون: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) # ، وسائر ما ذكر في سورة ولم يذكر في أخرى ليس من الاختلاف الذي يعاب. # وأما قوله: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) ، وقوله في الشعراء: (أن ائت القوم ~~الظالمين قوم فرعون ألا يتقون) وقوله في القصص: (إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين) . # ففي " الآية الأولى ذكر فرعون وحده، لأن قومه تبع له، وكأنهم مذكورون # معه، وفي الآية الثانية ذكر قوم فرعون من دونه، ومعلوم أنه منهم ومخاطب ~~بمثل خطابهم، فإذا اتقوا وآمنوا كان فرعون وحده لا يقدر على مخالفتهم، فترك ~~ذكره، لأنه في هذه الحالة في حكم التابع لهم وخطابهم خطابه. # PageV01P895 # وأما الموضع الثالث فإن الحكاية أتت على فرعون وملئه فبينت ما انطوت عليه ~~الآيات قبل من ذكر بعض والاكتفاء به عن بعض، وهذا كما قال في موضع لموسى ~~وحده: (اذهب إلى فرعون) ، وفي موضع: ( ... أن ائت القوم الظالمين) ، لأن ~~هارون تابع له، وداخل في حكمه، وأبان ذلك في موضع فقال: (فأتيا فرعون فقولا ~~إنا رسول رب العالمين) ، وقال بعده: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل ... ) . # PageV01P896 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ~~إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) . # وقال في سورة السجدة: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون ~~في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) . # للسائل أن يسأل في هذه الآية عن موضعين: # أحدهما: اختصاص ms203 الأولى بالفاء، والثانية بالواو. # والثاني: أنه قال في السجدة: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم) فأدخل ~~((من)) على (قبلهم) هنا ولم يدخلها هناك مع تساوى المكانين والمعنيين. # فيقال للسائل عن ذلك: لما كائت هذه الآية مفتتحة بقوله: (أفلم) ، وتلك ~~مفتتحة بقوله: (أو لم) اختلفتا من هذه الجهة، فكان ما دخلته الفاء، لأنه ~~يتعلق بما قبله تعلق الجواب بالمبتدأ، والجزاء بالشرط، فتكون جملة تمامها ~~بجملة قبلها تثقل فيختار لها التخفيف. وما دخلته الواو لا يقتضي ما تقتضيه ~~الفاء بنفسها، بل # PageV01P897 # حقه الانقطاع عما قبله، ولذلك يجوز أن يكون المؤخر بعدها في اللفظ مقدما ~~في المعنى # وأما دخول "من " وحذفها فقد بيناه في قوله: (.. ولئن اتبعت أهوائهم من # بعد ماجاءك من العلم..) ، وفي موضع.. بعدما جاءك..) ، وهو أن القائل إذا ~~قال: (كم أهلكنا قبلهم) فكأنه قال: في الزمن المتقدم على زمانهم، وإذا قال: ~~(من قبلهم) فكأنه قال: من مبتدأ الزمان الذي قبل زمانهم، والزمان من أوله ~~إلى أخره ظرف للإهلاك، لا يختص به بعضه دون بعض. # فإن قال قائل: فلم جاء في سورة طه: (أفلم) بالفاء؟ # قلت: لأنه تقدم قوله: (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) # PageV01P898 # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ... ) ، ومعناه: فتركت الاهتداء بها، ثم ~~قررهم على نصبه لهدايتهم واحتج عليهم بتركهم الاهتداء به فقال: (أفلم يهد ~~لهم) والتقدير: من تأته آياتنا فعليه الاهتداء بها، وأنتم أتتكم آياتنا فلم ~~توفوها حقها، فهلا فعلتم ما لزمامكم منها؟ فالذي أوجب الفاء في هذا المكان ~~هذا المعنى، ولم يكن مثله في سورة السجدة من تعلق مابعد (أو لم) بما قبله ~~تعلق هذه الآية بما تقدمها، لأن هناك: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في ~~مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد لهم ... ) . # فلما انفصل جاء بالواو، ولما جاء بالواو ولم يكن من شرطها تركيب جملة # مع جملة تكونان ms204 كلاما واحدا فخف، وأدخلت عليه "من" التي حذفت من # PageV01P899 # الآية الأولى ليحد ابتداء الزمان فيكون أبلغ في الاستيعاب. # انقضت سورة طه عن ثلاث آيات. # PageV01P900 ### | سورة الأنبياء عليهم السلام # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ... ) . # وقال في سورة الفرقان: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ... ) . # للسائل أن يسأل عن إظهار الفاعلين في: (رآك الذين كفروا) من سورة ~~الأنبياء، وإضمارهم من سورة الفرقان. # والجواب أن يقال: إن ماقبل الآية في سورة الأنبياء: (كل نفس ذائقة الموت ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) # فلم يجر للكفار ذكر في الآية التي قبل هذه، فكان الاختيار الإظهار. # وأما في سورة الفرقان فإن قبل الآية: ( ... أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) # أي: ألم ير الكفار في زمانك القرية التي أمطرت # PageV01P901 # مطر السوء، فيحذروا، فلما كان الذكر متقدما في أقرب الكلام إليها كان ~~الاختيار الإضمار. # PageV01P902 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ~~(52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) . # وقال في سورة الشعراء: (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ~~ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ~~(74) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص هذا المكان بقوله: (بل) وخلو المكان الأول ~~منها. # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى وقع السؤال فيها على وجه لا يقتضى "بل" ~~في الجواب، لأنه قال: ما هذه الأصنام التي نحتموها تماثيل وعكفتم عليها، ~~فكأنه سفه آراءهم وقال لهم: لم تفعلون ذلك، وتعبدون ما تنحتون فقالوا: ~~وجدنا # PageV01P903 # آباءنا لها عابدين فاقتدينا بهم. # وفي سورة الشعراء تقدم سؤال أضربوا عنه، ونفوا ما تضمنه، لأنه: (قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) فقالوا مضربين عن هذه الأشياء ~~التي وبخوا عليها من عبادتهم ما لايسمع ولا ينفع ولا يضر وما يعلمون أنه ~~جماد لاحياة فيه ولا نفع ولا ضرر عنده، وكأنهم قالوا: لا، ms205 بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون، فلأن السؤال هنا يقتضى في جوابهم أن ينفوا ما نفاه إبراهيم ~~عليه السلام أضربوا عنه إضراب من بنفى الأول، ويثبت الثاني، فاختصاص المكان ~~ب "بل" لهذا. # PageV01P904 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) . # وقال في سورة الصافات 971،: (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) . # للسائل أن يسأل فيقول: هذا في قصة واحدة، فجاء في موضع: (الأخسرين) # وفي موضع (الأسفلين) فهل في كل من المكانين ما يختص باللفظ الذي خص به؟. # والجواب أن يقال: أما في سورة الأنبياء فإن الله تعالى أخبر فيها عن ~~إبراهيم عليه السلام أنه قال: (وتالله لأكيدن أصنامكم..) ، ثم أخبر عن ~~الكفار لما ألقوه في النار وأرادوا به كيدا: (فجعلناهم الأخسرين) والكيد: ~~سعي في مضرة لتورد على غفلة، فذكر مكايدة بينهم وبين إبراهيم عليه السلام، ~~فكادهم ولم يكيدوه فخسرت تجهارتهم وعادت عليهم مكايدتهم، لأنه كسر أصنامهم ~~ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم، فذكر الأخسرين لأنهم خسروا فيما عاملهم به ~~وعاملوه من المكايدة التي أضيفت إليهما. # PageV01P905 # وأما الآية التي في سورة الصافات فإن الله تعالى أخبر عن الكفار فيها بما ~~اقتضى من الأسفلين، وهو أنه قال: (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم) ~~، فبنوا له بناء عاليا ورفعوه فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي ~~أججوها، فلما علوا ذلك البناء وحطوه منه إلى أسفل، عادوا هم الأسفلين، ~~لأنهم أهلكوا في الدنيا وسفل أمرهم في الأخرى، والله تعالى نجى نبيه - عليه ~~السلام - وأعلاه عليهم، فانقلب عالي أمرهم في صعود البناء وسافل أمر ~~إبراهيم عليه السلام. د # فلما حط إلا النار صار ذلك سافلا، وأمر النبي عليه السلام عاليا، فلذلك ~~اختصت هذه الآية بقوله: (فجعلناهم الأسفلين) . # PageV01P906 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) . # وقال في سورة "ص ": (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب (41) اركض برجلك ms206 هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم ~~معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) . # للسائل أن يسأل عن الفرق بين موضعي قوله (رحمة من عندنا) و (رحمة منا) # وقوله (وذكرى للعابدين) وقوله: (وذكرى لأولى الألباب) وهل في كل مكان من ~~المكانين ما يختص بذلك دون غيره؟. # والجواب أن يقال: أخبر الله تعالى في سورة الأنبياء عن أيوب عليه السلام ~~بأنه نادى ربه وشكا إليه ما مسه من الضر وسوء الحال بالمرض الذي طالت به ~~أيامه حتى تآكل جسمه وتساقط لحمه، ثم بالفقر الذي ناله # PageV01P907 # واجتاح ماله، وكان الله تعالى ابتلاه بجميع ذلك وأحدث فيه المرض الذي ~~أضعفه عن تعهد حاله حتى زال جميع ماله ليعطيه على صبره الثواب العظيم، ~~وليعوضه من نعيم الجنة ما هو خير له مما سلبه من ماله وصحة بدنه، فكأنه لما ~~قال: (مسني الضر) قال: مسنى من عندك يا رب ما تعلم، وأنت الأكرم الأرحم، ~~فقال: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا) أي: كما كان الضر من عندنا ~~كان كشفه والرحمة مكانه من عندنا، ومعنى (من عندنا) # أي من حيث # PageV01P908 # لا تناله قدر العباد، فكل مكان اختص بقدرة الله تعالى وحده يطلق عليه ~~"عند الله ". # وأما قوله: (وذكرى للعابدين) فالمعنى: فعلنا به ما فعلناه رحمة له منا، ~~وتذكرة لمن عبد الله بعده بإخلاص منه، فلا يحول عن حمده وطاعته مع ما يصب ~~عليه من شدائد الدنيا ومصائبها التي ينزلها الله به، بل يثبت معها على ~~إدامة العبادة، وإمدادها بالزيادة كما فعله أيوب عليه السلام. # وأما في سورة ص فإن الله تعالى لما أخبر فيها عنه أنه قال: (واذكر عبدنا ~~أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب) ، وشكا إلى الله تعالى ما ~~يلحقه من أذى الشيطان بوسوسته إليه، وفنون احتياله عليه ليضيق # PageV01P909 # صدره وينقص حمده وشكره، فهان عليه المرض الذي ينقص من الأبدان في جنب ما ~~يؤثر في الأديان، ويخل بالطاعات، ويشغل من الزمان في مدافعة الوسواس، فلما ~~كان هذا له أعم وخاف من ms207 جهته الضرر الأشد أغاثه الله برحمة منه مضافة إليه ~~مختصة بإرادته، إذ كانت أفعال الله تعالى منها ما يختص به، ويضيفها إلى ~~نفسه كقوله تعالى: (.. أن تسجد لما خلقت بيدي..) # ، ومنها ما يأمر به بعض ملائكته وإن أخبر أنه من فعله، ومختص به كقوله: ~~(.. فنفخنا فيها من روحنا ... ) ، يقال: أنه أمر جبريل عليه السلام فنفخ ~~الروح في فرجها وخلق الله عيسى في رحمها، فلما كانت شكوى أيوب - عليه ~~السلام - فيما أخبر الله تعالى به في سورة ((ص) أعظم والبلوى به أكبر، أخبر ~~أنه رحمه # PageV01P910 # رحمة، وأنعم عليه نعمة لا يجري أمثالها على أيدي خلقه، بل هي مما يختص ~~بفعله، ولا يوليه مقربا من ملائكته، وإن كان ما يقدرهم عليه من مثل ذلك ~~مضافا إلى قدرته تعالى، فهذا فرق ما بين قوله: (رحمة من عندنا) و (رحمة ~~منا) ، وأما قوله: (وذكرى لأولي الألباب) فلأن أولي الألباب أعم من ~~العابدين، واستدفاع وساوس الشيطان أعم من الاستشفاء للأبدان، فخص كل آية ~~بما اقتضاه صدر الكلام وتعريض أيوب عليه السلام بالسؤال. # PageV01P911 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين (91) . # وقال في سورة التحريم: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل كان مختارا أن يعود ضمير المذكر في الآية من ~~سورة الأنبياء فيجيء "فنفخنا فيه" كما جاء في الآية الأخيرة؟ أم لكل مكان ~~ما يختص باللفظ الذي جاء عليه؟. # والجواب أن يقال: لما كان القصد في سورة الأنبياء إلى الإخبار عن حال ~~مريم وابنها، وأنهما جعلا آية للناس، وكان النفخ فيها مما جعلها حاملا، ~~والحامل صفة للجملة، فكأنه قال: (والتي أحصنت فرجها) فصيرها النفخ حاملا ~~حتى ولدت، والعادة جارية أن لاتحمل المرأة إلا من فحل، ولايولد الولد من ~~غير أب، فلما كان # PageV01P912 # القصد التعجب من حاليهما، وأنها بالنفخ صارت حاملا رد الضمير إلى جملتها، ~~إذ كان النفخ في فرجها نفخا فيها أوجب ms208 القصد إلى وصفها بعد النفخ بصفة ترجع ~~إلى جملتها دون بعضها، كان قوله: (فنفخنا فيها) أولى من قوله: (فنفخنا فيه) ~~. # وأما قوله في سورة التحريم: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا ~~فيه من روحنا) # فلما لم يكن القصد فيه إلى التعجب من حالها بالحمل عن النفخ، وولادتها لا ~~عن اقتراب فحل لم يكن ثم من القصد إلى وصف جملتها بغير الصفة التي كانت ~~عليها قبلها ما كان في الآية الأولى، فجاء اللفظ على أصله، والمعنى: نفخنا ~~في فرجها، ولم يسق الكلام إلى ما سيق إليه في سورة الأنبياء من وصف حالها ~~بعد النفخ، فاختلفا لذلك. # PageV01P913 # الآية السادسة منها # قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا ~~أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) . # وقال في سورة المؤمنين: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف قوله: (فاعبدون) وقوله (فاتقون) في الآيتين، ~~وعن الواو والفاء في قوله: (فتقطعوا) (وتقطعوا) . # والجواب أن يقال: في قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن تكون الإشارة ب "هذه " إلى أمم الأنبياء - صلوات الله عليهم ~~وسلامه - ويكون المعنى: أمتكم في حال كونهم جماعة واحدة، وعلى دين واحد في ~~أصول الشرع، كالتوحيد وصفات الله عز وجل، وإثبات النبوات، والمقام على طاعة ~~الله، فمتى تفرقوا في طرق الباطل لم تكن بينكم وبينهم نسبة. # PageV01P914 # والثانى: أن يكون المعنى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة) مقصودا بها دين # واحد، والأمة كل جماعة يسلك بها مقصد واحد، والأمة، من أم إذا قصد، أي: ~~أممكم وإن تفرقت أزمنتها فإنها يقصد بها دين واحد فهي أمتكم، مقصود بها ~~التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة والإخلاص له فيها. # والثالث: أن تكون الأمة: الملة، وهي الدين، أي: هذه ملتكم ملة واحدة، ~~لأنها الإسلام # وقوله: (وأنا ربكم فاعبدون) أي: وربكم القائم بمصالحكم من ابتداء # كونكم إلى انتهاء أحوالكم هو أنا فأخلصوا لي العبادة وحدي. # PageV01P915 # وقوله: (وتقطعوا أمرهم) ms209 جاء بالواو، لأنه لم يكن ما بعد الواو كالجواب # لما قبلها، كما كان ذلك في الفاء، لأنه يجوز أن يكون تقطعهم أمرهم قبل أن ~~خوطبوا بقوله: (فاعبدون) فلا تصلح الفاء، ألا ترى أن تفرقهم فرقا وتقطعهم ~~أمرهم قطعا، فصار بعضهم يعبد الله وحده، وبعضهم يعبد معه غيره، وبعضهم لا ~~يعبده، كان قبل إخبار الله تعالى جميع الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أن ~~هذه الأمم أممهم جماعة واحدة غير متفرقة، وهو الذي دعا إلى أن نبههم فقال: ~~خالقكم واحد، والذي يربيكم هو، فاقصدوه بالعبادة دون من سواه، وإذا كان ~~كذلك كان قوله: (وتقطعوا أمرهم بينهم) أي: تقطعوا أمر دينهم قطعا وافترقوا ~~فيه فرقا، خبرا غير متعلق بما قبله تعلق الجواب بالابتداء، بل ذلك هو ما ~~بعد الفاء في عقب هذه الآية: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه) أي: تفرقوا فرقا، فمن كان من فرقهم يعمل الصالحات، # PageV01P916 # وهو مؤمن فإن سعيه مقبول، وهو على عمله مثاب، ومن عمل صالحا ولا إيمان ~~معه مثل معونة الضعيف، وإغاثة اللهيف (1) ، وصلة الرحم، وإفاضة النعم، ~~والكف عن الظلم لم يقبل سعيه، وهو في ضمن قوله: (وحرام على قرية أهلكناها ~~أنهم لا يرجعون) . # وأما قوله في الآية الأولى: (وأنا ربكم فاعبدون) واختصاصها دون قوله: ~~(فاتقون) فلأنه خطاب للفرق التي تفرقت في طرق الباطل، ولم تخلص العبادة لله ~~فنبأهم إلى أن يعبدوه. # والتي في سورة المؤمنين إنما هي خطاب للرسل عليهم السلام لقوله تعالى: ~~(يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52)) . # وقد جاء في خطاب الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه والمؤمنين والصالحات ~~بعدهم: اتقوا الله، قال الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ... ) ، وقال: ~~(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) # ، وقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) . ~~PageV01P917 # فلما كان أكثر من خوطب في السورة الأخيرة الأنبياء والمؤمنون، وهم يعبدون ~~الله جل ذكره، وضم إليهم ms210 غيرهم من الفرق غلبوا عليهم فخوطبوا بما يخاطب به ~~المؤمنون، وهو: (اتقوا الله) إذ كان أكثرهم له عابدين، ومعنى "اتقوا)) : ~~احترزوا بطاعته مما أعده لأهل معصيته، وامتنعوا بموجبات الثواب عن موجبات ~~العقاب، فكان هذا موضع (فاتقون) وفي الأولى موضع (فاعبدون) . # وأما الفاء في سورة المؤمنين في قوله (فتقطعوا) فلأنه لما ذكر الزبر صار ~~قوله: (فتقطعوا) كالجواب لما قبله، لأنهم قطعوا أمر دينهم كتبا منزلة من ~~الله # PageV01P918 # عز اسمه، فمنهم من دان بالتوراة وكفر بما سواها من الانجيل والقرآن، ~~ومنهم من دان بالإنجيل وكفر بالتوراة والقرآن. # فلما كان ما قبل الفاء خطابا للرسل وأممهم، وقال: كونوا جماعة واحدة ذات # دين واحد، صار كأنه قال: أمرتهم بالائتلاف والاتفاق في الدين فتقطعوا ~~أمرهم فيه قطعا، وافترقوا فرقا، وكل يقدر أنه على الصواب، وممتثل بما في ~~الكتاب، فهو فرح بما لديه، ومعول عليه، فكان ما بعد الفاء هنا في تعلقه ~~بالأول تعلق الجواب بالمبتدأ، كما بعد الفاء في قوله في الآية الأولى، وهو: # PageV01P919 # (فمن يعمل من الصاحات وهو مؤمن ... ) ، في أنه متعلق بما قبله تعلق ~~الجواب دون قوله: (وتقطعوا) . والله أعلم. # PageV01P920 ### | سورة الحج # الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق (22) . # وقال في سورة السجدة: ( ... كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل ~~لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) . # للسائل أن يسأل عن قوله: (من غم) في سورة الحج، وخلو الآية التي في سورة ~~السجدة منه؟ # والجواب أن يقال: إنه تعالى لما وصف من أحوال أهل النار في هذه السورة # في الآية المتضمنة لهذه اللفظة بقوله: ( ... فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ~~ولهم مقامع من حديد (21) ، # فأخبر أن النار تشتمل عليهم من جوانبهم كاشتمال الثياب. وقيل: هي ثياب ~~نحاس من نار، وهي النهاية في # PageV01P921 # الإحماء والإحراق، ثم خصص الرؤوس بصب الماء المغلي عليها. وقيل في ~~التفسير: إنه ينفد إلى أجوافهم ms211 فيسلت ما فيها، ويذوب ما في بطونهم من ~~الشحوم ويتساقط ما عليهم من الجلود، مع زبانية بأيديهم عمد من حديد يضربون ~~بها رؤوسهم إذا حاولوا الخروج من النار. # PageV01P922 # فلما وصفهم بأن العذاب من جميع الجوانب اكتنفهم صاروا بإحاطة ذلك بهم، ~~وبسد أنفاسهم عليهم بمنزلة البعير المغموم بالغمامة التي تسد متنفسه فلا ~~يجد فرجة، والطبق (1) المغموم المستور. # وقال القطامي: # إذا رأس رأيت به طماحا شددت له الغمائم والصقاعا # وليس الغم هاهنا الحزن، وإن كان أصله من ذلك، لكنه تغطية بالعذاب، ~~PageV01P923 # وأخذ بكظمهم، فلما تقدمه وصف ما أحاط بهم ذكر هذا الغم، أي كلما أرادوا ~~من الكرب الذي يأخذ بكظمهم أن يخرحوا من النار التي جلبت عليهم كل ذلك ~~أقبلت الزبانية نحوهم بما يدق رؤوسهم. # والآية التي في سورة السجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب من ذكر الثياب # من النار، وصب الحميم، وإذابة الشحوم على ما ذكر في هذه الآية، لأنه قال: ~~(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) # فلما لم يتقدم ذكر ما يطيف بهم ويغمهم ويصير كما يسد مخارج أنفاسهم لم ~~يذكر أنهم يحاولون الخروج من أجل الغم الذي اقتضت الآية في # PageV01P924 # الحج ذكره، ولم يقع مثله في سورة السجدة من مقتض، فلم يقع المقتضى كذلك. # PageV01P925 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد (45) . # وقال بعده بآيات: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي ~~المصير (48) . # للسائل أن يسأل عن قوله. في الأولى: (أهلكناها) وقوله في الثانية: (أمليت ~~لها) ، وهل لكل من اللفظين ما يوجب اختصاصه. بمكانه دون الآخر؟ والجواب أن ~~يقال: إن قوله: (فكأين من قرية أهلكناها ... ) جاء بعد قوله: (وإن يكذبوك ~~فقد كذبت قبلهم قوم نوح ... ) ، إلى قوله: ( ... وكذب موسى فأمليت للكافرين ~~ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) # فلما جاء عقيب ما وصف من إهلاكهم وصفهم بذلك. # والثانية بعد قوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ~~ربك كألف ms212 سنة مما تعدون) ، فذكر عقيب استعجالهم العذاب: # PageV01P926 # والله يريد غيره من الإملاء لهم، وتأكيد الحجة عليهم، فكل لفظة في مكانها ~~الذي تليق به. # PageV01P927 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) . # وقال بعده بآيات: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم (56) . # للسائل أن يسأل فيقول: هل كان يجوز في الأول: (في جنات النعيم) وفي ~~الثاني: (لهم مغفرة ورزق كريم) وما المعنى الذي خص كلا من اللفظين بمكانه؟. # والجواب: أن الأول خبر عن حال القوم في الدنيا: (قل يا أيها الناس إنما ~~أنا لكم نذير مبين) ، ثم قال: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات) وعدوا ~~بالغفران والرزق الكريم، ولم يجز هنا أن يقال: هم. في جنات النعيم، إلا على ~~ضرب من المجاز أنهم مستحقون لها، فكأنهم فيها. # PageV01P928 # وليس كذلك الآية الأخيرة لأنها خبر عن الحال في الآخرة لقوله: (الملك ~~يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) # أي يوم القيامة يكونون في دار الثواب، فلما اختلف المقتضيان اختلف ~~المقتضيان فذكر كل واحد في المكان الذي لاق به. # PageV01P929 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ~~الله هو العلي الكبير (62) . # وقال في سورة لقمان: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ~~وأن الله هو العلي الكبير (30) . # للسائل أن يسأل عن تخصيص الآية من سورة الحج بالتوكيد في قوله: (وأن ما ~~يدعون من دونه هو الباطل) وإخلائه منه في سورة لقمان. # والجواب أن يقال: إن الأولى وقعت في مكان تقدمت فيه توكيدات مترادفة في ~~ستة مواضع، وهي: قوله: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا ... ) ، فاللام والنون مؤكدتان، وبعده: (وإن الله ~~لهو خير الرازقين (58)) ، واللام مع "هو" مؤكدتان، وبعده: (ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه) ، واللام والنون سبيلهما تلك السبيل، وبعده: (وإن الله لعليم حليم ~~(59) # PageV01P930 # ، واللام التي في خبر "إن" كذلك. وبعده (لينصرنه الله إن ms213 الله لعفو غفور ~~(60)) . # فلما ترادفت التوكيدات في هذا الموضع، وجاء بعده خبر بين خبرين أكدا، ~~وهو: (ذلك بأن الله هو الحق) وقوله: (وأن الله هو العلي الكبير (62) # اقتضت إشباهه مثله فجاء الخبر الثاني الواقع بين الخبرين، وبعد الأخبار ~~المؤكدة مؤكدا بقوله: "هو" فقال: (وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) وليس ~~كذلك ما جاء في سورة لقمان، لأنه لم يتقدمه التوكيدات التي تستتبع أمثالها ~~كما تقدمت في الأولى. # PageV01P931 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ~~(64) # وقال في سورة لقمان،: (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني ~~الحميد (26) . # للسائل أن يسأل عن إعادة "ما" في الآية الأولى في قوله: (له ما في ~~السموات وما في الأرض) وإخلاء الثانية منها لقوله: (لله ما في السموات ~~والأرض) وعن قوله في الآية الأولى: (وإن الله لهو الغني الحميد) فأدخل ~~اللام على قوله "هو" ولم يدخلها في التي في سورة لقمان. # والجواب عن ذلك نحو الجواب الأول، وهو شاهد يحقق ما أجبنا به من اختيار ~~التوكيد، حيث يقصد بناؤه على الكلام المتقدم له، لأن هذه الآية تالية # PageV01P932 # لتلك لا يحجزها عنها إلا قوله: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) ، # فحملت على نظائرها المذكورة قبلها، وخالفت التي في سورة لقمان تلك. ~~بموقعها، فلم تؤكد كما وكدت الأولى لذلك. # PageV01P933 ### | سورة المؤمنين # الآية الأول منها # قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ... ) . # وقال بعد هذه القصة: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء ~~الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم. # للسائل أن يسأل عن تقديم: (من قومه) في الآية الأخيرة وتأخيره في الآية ~~الأولى، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر؟. # PageV01P934 # والجواب أن يقال: لما انقطعت صفة الملأ في الآية الأولى إلى المحكي من ~~قولهم # قرن الوصف ب "الذين ms214 " إلى الموصوف، ثم جىء بالجار والمجرور فكانا منتهى ~~بيان فاعل "قال" ولم تكن كذلك القصة في الآية الأخيرة، لأنه عددت فيها ~~أفعال عطفت على الفعل الذي هو صلة "الذين" فقدم الجار والمجرور لئلا يحال ~~بين الصلة وما عطف عليها، فقال (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا..) ، # فكان كل ذلك ما أتبع قوله: "كفروا" ولو قال: وقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه وكذبوا بلقاء الآخرة لم يكن على النظم المرتضى فيما يستفصح من الكلام ~~وإن كان جائزا، فلذلك # PageV01P935 # قدم الجار والمجرور في الأخيرة وأخر في الأولى. # PageV01P936 # الآية الثانية منها # قوله عز وجل: ( ... فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين ~~اثنين ... ) . # وقال في سورة هود، وكان حق ذلك أن يذكر هناك: (حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ... ) . # للسائل أن يسأل فيقول: لم اختلف في الآيتين قوله: (قلنا احمل فيها) ~~وقوله: (فاسلك فيها) وهل كان يصلح واحد منهما مكان الآخر أم هناك معنى يخصص ~~كلا بمكانه؟ # والجواب أن يقال: إن قوله: (قلنا احمل فيها) إخبار عما كان من الله تعالى # إلى نوح عليه السلام من الأمر بحمل ما يحمله في السفينة، ومن يحمله من ~~المؤمنين، وتقدم إليه بإعدادهم للركوب معه ومنع من حظر عليه استصحابه، ثم ~~بعد # PageV01P937 # ذلك أمره بقوله: (اركبوا فيها) ، فالأول أمر بتهيئته ما يستبقى من ~~الحيوان، ومن يستبقى من المؤمنين. والثاني أمر بركوب السفينة، والثالث أمر ~~بالهبوط منها بقوله: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك) # فالذي جاء في سورة هود جاء على مقتضى أوامر الله تعالى المفصلة من إعداد ~~من يركب معه، ومن الركوب ومن النزول. # وأما قوله في سورة المؤمنين: (فاسلك فيها) فإنه مجمل ما فصل في الآية ~~الأولى، إذ كان الشرح والبيان مقصورين عليها، وكانت الثانية مشملة على بعض ~~ما اشتملت عليه الأولى، وفي قوله: "اسلك " ما يتضمن: "احمل " # PageV01P938 # و "اركب " و "اعبر" ومن ذلك سمي الطريق مسلكا، (وسلكه ms215 ينابيع في الأرض) ، ~~أى أجراه، وسلك الطريق: نفذ فيه، فكان موضع الاختصار أولى بالمجمل من ~~الكلام، وموضع البيان أولى بالبسط، فقصة نوح في سورة هود قد شغلت بها خمس ~~وعشرون آية، وهي في سورة المؤمنين واقعة في ثمان آيات، فاقترن بكل من ~~المكانين ما اقتضاه القصد من زيادة بيان أو اختصار كلام. # PageV01P939 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ~~(41) . # وقال بعده في ذكر القرون: ... (فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا ~~لقوم لا يؤمنون (44) . # للسائل أن يسأل ما الذي أوجب في الأولى: (للقوم الظالمين) وفي الثانية: ~~(لقوم لا يؤمنون) ؟. # والجواب أن يقال: إن القصة الأولى وإن خرجت على لفظ التنكير فقال: (ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم ... ) ، فإنه ~~معلوم من المراد بالرسول، وبالمرسل إليهم، ودل على ذلك بأن قال: أهلكتهم ~~بالصيحة، وهم قوم صالح عليه السلام، فلما كان في أقوام معلومين أتى بذكرهم ~~معرفة فقال: (فبعدا للقوم الظالمين) وخص وصفهم بالظلم، لأنه شيء عاملوا به ~~غيرهم، وعاملوا به أنفسهم لتكذيبهم الرسل، وظلمهم لهم بنسبتهم إلى ما # PageV01P940 # هم منزهون عنه، ثم هم ظالمون لأنفسهم بأن منعوها ما عرضوا له من النعيم ~~الأبد والثواب السرمد. # وأما قوله: (فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # فإنه جاء بعد خاتمة قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) # ، فلم يبين بالمعنى من المراد كما بين في الأولى، وكانوا منكورين ~~للمسلمين، فلما أمرهم بلفظ الدعاء عليهم استعمل فيهم ما يستعمل فيمن لم ~~يتعين ولم يشتهر، فنكر اللفظ فقال: (لقوم لا يؤمنون (44) # أي: أهلك الله كل قوم لا يؤمنون عند ظهور آيات الله لهم، ووجوب حججه ~~عليهم. والمعنى: بعدا لكل قوم، ليليق بقوله: ( ... كل ما جاء أمة رسولها ~~كذبوه ... ) # PageV01P941 # ، فأخبر خبرا عاما وأمر بأن يدعى عليهم دعاء عاما فوجب في كل موضع ما جاء ~~فيه دون الآخر. # PageV01P942 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا ms216 هذا من قبل إن هذا ~~إلا أساطير الأولين (83) . # وقال في سورة النمل: (وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا ~~لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ~~(68) . # للسائل أن يسأل عن تقديم توكيد المضمر المرفوع بقوله (نحن) وتأخير # المفعول، وهو (هذا) في الآية الأولى وعكس ذلك في الآية الثانية، وهل لذلك ~~فائدة تقتضى لكل مكان ما خص به؟. # والجواب أن يقال: لما كان الأول في حكاية تظاهرت فيها أفعال أسندت إلى # فاعليها متصلة بها، وهي: (بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) # فهذان فعلان تعلق بهما هذا المحكي، وكل واحد منهما جاء بعده فاعله مواصلا ~~له غير منفصل عنه، ثم بعده: (قالوا أإذا متنا) فكل هذه الأفعال قصد بها ~~حكاية ما جاء بعدها، فلما # PageV01P943 # كان: (لقد وعدنا) وجب في البناء على الأفعال المتقدمة أن يتمم حكم ~~الفاعل، وهو توكيده، والعطف عليه، فقدم (نحن وآباؤنا) على المفعول الثاني، ~~وهو (هذا) لذلك، ولأن الأصل إذا أجرى عليه الشيء أولى من غيره. # وأما الآية الثانية من سورة النمل فإن الذي تقدمها: (وقال الذين كفروا ~~أإذا كنا ترابا وآباؤنا) # فأخر المعطوف على اسم (كان) الذي هو كالفاعل لها، وهو قوله: (وآباؤنا) عن ~~المنصوب الذي هو كالمفعول لها، وهو قوله: (ترابا) فصار ما هو كالمفعول ~~مقدما على ما هو معطوف على الفاعل، فاقتضى البناء عليه تقديم المفعول ثم ~~العطف على الفاعل المضمر فجاء: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا # PageV01P944 # من قبل ... ) لذلك. # PageV01P945 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) # للسائل أن يسأل عن خاتمة الآية الأولى بقوله: (أفلا تذكرون (85) # وخاتمة الثانية بقوله: (أفلا تتقون (87) # وخاتمة الثالثة بقوله: (فأنى تسحرون (89) # وما الذي خص كلا بمكانه؟. # والجواب أن يقال: إن ms217 هذه الآي جاءت بعدما أخبر الله تعالى عن الكفار من ~~إنكار البعث، وهو في الآية التى تكلمنا فيها، واتصلت هذه بها، فأمر نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - بأن يسألهم لمن الأرض ومن فيها؟ أي: من يملكها، ويملك ~~الناس الذين فيها؟ فإنهم يقرون أن جميع ذلك لخالقها، وهو الله تعالى، فإذا ~~أقروا بذلك فقل لهم: (أفلا تذكرون) إذا قلنا لكم إنه ينشئ نشأة ثانية ما ~~كان من النشأة الأولى كما قال: # PageV01P946 # (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ... ) أي: عندكم، وفي ~~تقديركم الفاعلين منكم، فخصت بالتذكر، لأنهم إذا أثبتوا الخلق الأول لزمهم ~~الخلق الثاني. # وأما قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) فإنما ~~معناه: من الذي به قوام السموات السبع والعرش العظيم، ولايستغنى عنه، وهذه ~~الأشياء من أكبر ما يرى من خلق الله تعالى، وما ثبت بالصدق من الخبر عندنا، ~~فمن يملك هذه الأشياء من السموات السبع والأرض والعرش العظيم، # PageV01P947 # وأقررتم له بذلك، فلم لا تجتنبون معصيته، ولا تتقون عقوبته إذ كانت هذه ~~الأجرام العظيمة لا تستغنى عنه ساعة، فأنتم أحوج إلى أن يربكم، وأن تقوموا ~~بحق ربانيته لكم، فتمتنعوا بطاعته من موجب عقابه، فهذه لائقة بمكانها، حالة ~~في موضعها. # وأما الثالثة وهي: (فأنى تسحرون) فإنها جاءت بعد تقرير ثالث، وهو: (قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه) # أي: من الذي ملكه على الأشياء أتم ملك فهو يمنع ولا يمنع منه، أي يمنع من ~~المكروه من شاء، ولا يملك أحد منع من أراده بسوء، وهذا أعظم ملك وأبلغه، ~~فإذا أقروا بذلك فقال لهم: كيف تخدعون عن عقولكم حتى تتخذوا الأوثان ~~والأصنام آلهة، وهي لا تسمع ولا تبصر مع القادر العليم الذي قد أقررتم له ~~بأتم الملك، وبكل الخلق الذي يشهدكم، والذي يغيب عنكم. وقوله: (فأنى ~~تسحرون) أي: من أين يأتيكم ما يغلب على # PageV01P948 # عقولكم فيخيل الباطل إليها حقا، والقبيح عندها حسنا أمن علمكم بأن الله ~~تعالى مالك الأرض ومن فيها، أم من ms218 علمكم بأنه رب السموات السبع ورب # العرش العظيم، أم من علمكم بأن له الملك الأغلب والعز الأغلب، وأنه يمنع ~~ولا يمنع منه، ويحمي عقابه، ولايحمى منه، وليس في شىء من ذلك ما يري # الفاسد صحيحا، والمعوج قويما. فهذا الذي ختم به الثالثة ناظم معناه ~~بخواتيم ما قبله. وكل في مكانه اللائق به. والله أعلم. # PageV01P949 ### | سورة النور # الآية الأولى منها # قوله تعالى في أخر العشر من أول السورة: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله تواب حكيم (10) . # وقال في آخر العشرين من أول السورة: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رءوف رحيم (20) . # للسائل أن يسأل عن خاتمتي العشرين واختلافهما بقوله في الأولى: (تواب ~~حكيم) وفي الثانية: (رؤوف رحيم) مع حذف جواب "لولا" في الآيتين. والجواب أن ~~يقال: لما ذكر في أول السورة حد الزنا والقذف وختم ذلك بقذف الرجل امرأته، ~~والحكم فيه اعتد عليهم بأن أمهلهم ليتوبوا ولم يعاجلهم # PageV01P950 # بالعقوبة على ما قارفوا، فقال: (ولولا فضل الله ... ) فإنه يرجع به لمن ~~رجع إليه، وأن من تاب تاب الله عليه، لعجل إهلاككم، ورمى بكم إلى العقاب ~~الدائم، والعذاب الواصب. # وهذا الجواب قد ذكر في الآية التى في أهل الإفك، وهي: (ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14)) # ، فهذا معنى قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # ومعنى (حكيم) : أن أفعاله مبنية على الحكمة، ومن الحكمة أن لا يعاجل كل ~~مذنب بعقوبته عند وقوع خطيئته. # PageV01P951 # وأما خاتمة العشرين بقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) فإن معناه: ~~لولا # أن الله أنعم عليكم، ورحمكم، وقد أجرى حكمه بأن يرحم أمثالكم ويرؤف بكم ~~عند هذا الذنب الكبير والإفك العظيم، فهذا موضع الرحمة لما تخولهم بالموعظة ~~فقال: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) # ،. والأول مطلق غير محصور على قوم بأعيانهم، وإنما المراد من فعل ذلك ~~منكم فحكمه كذا، وحده كذا في الدنيا، وعذاب دائم في الأخرى. ومخاطبة أهل ~~الإفك لأقوام معينين أكبر ms219 لعظم ذنبهم، وأنهم لم يهلكوا لرأفته # PageV01P952 # بهم، فكان كل موضع من الموضعين مقتضيا لما اختص به من الآيتين. # PageV01P953 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: ( ... كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا ~~بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين ~~الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) . # للسائل أن يسال فيقول: لم قال في الأولى: (الآيات) وفي الثانية (آياته) ؟ ~~والجواب أن يقال: إن الأولى إشارة إلى ما تقدم ذكره فيما أوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات ... ) إلى قوله: (ثلاث عورات ... ) ، وجعل الأوقات الثلاثة آيات ~~لهم، وعلامات للمنع من دخول المماليك والأطفال على النساء # PageV01P954 # وجوازه فيما سواها، وعبر عنها ب (الآيات) لما لم يكن الدخول في تلك ~~الأوقات من الأفعال التي تختص بقدرته. # ولما كان بلوغ الحلم مما يختص بفعله، ولم يقدر فاعل على مثله أضافه إلى # نفسه فقال: (كذلك يبين الله لكم آياته) . ويبين ذلك قوله تعالى في العشر ~~الأخير بعد قوله: (ليس على الأعمى حرج ... إلى قوله: (أن تأكلوا من بيوتكم ~~... ) ، فعد القرابات التى أجاز تناول طعامها: (.. كذلك يبين # الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) ، فلم يضفها إلى نفسه، لأنها آيات مثل # الأول التي تقدمت أنها لا تختص بقدرته، أى يبين لكم العلامات التى نصبها # على ما يبيح وما يحظر، وما يضيق فيه وما يوسع، ومثله قوله تعالى: (يعظكم ~~الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات ~~والله عليم حكيم (18) # PageV01P955 # ، لما أشار إلى حد الزانى والقاذف. والفرق بين المكانين واضح، فاعرفه إن ~~شاء الله تعالى. # PageV01P956 ### | سورة الفرقان # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) . # وقال قبله في سورة الرعد، وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك: (قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ms220 ضرا ... ) # للسائل أن يسأل عن تقديم "نفع" على "ضر" في سورة الرعد، وعكس ذلك في سورة ~~الفرقان، وما الذي أوجب هذا الاختلاف؟. # والجواب أن يقال: أما في سورة الرعد فإنه قدم فيها الأفضل على الأنقص، # لأن اجتلاب النفع أشرف من استدفاع الضر، وهو رتبة فوقه، فمن فاته ذلك # PageV01P957 # طلب دفع الضر فهو على وجهه في الترتيب. # وأما في سورة الفرقان فإنه بني على ما قبله، وهو: (لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون) ، وقوله: (لا يخلقون شيئا) نفى، وقوله: (وهم يخلقون) إثبات، فقدم ~~النفي على الإثبات، وكان الضر نفيا، والنفع إثباتا، إذ النفع إثبات المصالح ~~وإيجادها، والضر نفيها، فكما قدم فيما قبله ما نفى على ما أثبت حمل المعطوف ~~عليه ليكون مشاكلا له. # PageV01P958 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا (55) . # وقال في سورة يونس - وكان هذا يجب أن يذكر فيها -: (ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم. # للسائل أن يسأل في هاتين الآيتين عن مثل ما سأل عنه في الأوليين؟. # والجواب أن يقال: أما في سورة يونس فإنه بدأ بما هو أبلغ إذا ابتدئ به، ~~لأن امتلاك الضر أسهل من امتلاك النفع، فالواحد منا يقدر لغيره من الضر على ~~ما لايقدر عليه من النفع، ويتسهل عليه ضره ما لايتسهل عليه نفعه، أي يعبدون # PageV01P959 # أصناما لا تقدر على ما يتسهل على الفاعلين، فكيف ما يتعذر؟ ثم ذكر بعده: ~~(ولا ينفعهم) لاستيعاب مافي الباب. # وأما في سورة الفرقان فإنه تبع على ما قدم فيه الأفضل على الأنقص لقوله ~~تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ... ) ، وقوله ~~بعده: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ... ) ، فقدم خلطة ~~النسب على خلطة السبب، وهى المصاهرة، ثم جاء بعد ذلك: (ويعبدون من دون الله ~~ما لا ينفعهم ولا يضرهم) فقدم النفع على الضر اتباعا لما تقدم. # PageV01P960 ### | سورة الشعراء # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من ms221 الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) ~~. # وقال في سورة الأنبيا. ء وهو ما وجب ذكره هناك: (ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) # للسائل أن يسأل ما الذي خص ذكر (الرحمن) بسورة الشعراء وذكر # (ربهم) بسورة الأنبياء؟ # والجواب أنه إنما خص هذين الوصفين من صفات الله تعالى في هذين # الموضعين، لأن "الرب" هو القائم بمصالح الخلق من ابتداء التربية إلى أخر ~~العمر، والرحمن هو المنعم عليهم في الدنيا بما خلق فيها، والمعرض للنعيم ~~الدائم بعدها. # PageV01P961 # وإتيانهم بالذكر من عنده، وهو القرآن مما يصلحهم فوق ما تصلحهم الأغذية ~~المخلوقة لهم، فذكر أن الرب الذي أصلح بأنواع ما خلق أجسادهم أصلح بما ~~صرفهم عليه من طاعة الله أديانهم، فهو ما يقتضيه الوصف بالرب والوصف ~~بالرحمن. # فأما اختصاص سورة الشعراء ب (الرحمن) فلأن السورة مقصود بها ذكر الأمم ~~الذين بعث إليهم الأنبياء عليهم السلام، وختم على كل قصة من قصصهم بقوله: ~~(إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) . # PageV01P962 # وأولاها قصة موسى عليه السلام: (وإذ نادى ربك موسى) # ، فاتصف تعالى ب (العزيز الرحيم) لما يوجبانه من الخوف والرجاء اللذين ~~بهما لزوم الطاعات، والرغبة فيما علا من الدرجات، وأراد بالرحمة أن هذه ~~الأمم أمهلت لتقلع عن تمردها، وتعود إلى ربها، وتتوب من ذنبها، فلما لم ~~تفعل عوقبت في الدنيا سوى ما أعد لها في الأخرى. وقال في أول هذه السورة: ~~(إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) ، لأنه أراد ~~أن لايكونوا كالملجئين في دينهم إلا اعتقاد ما يعتقدونه، فأمهلهم رحمة منه ~~بهم فقال: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ... ) فاختص هذا الوصف هنا ~~لذلك. # وأما قوله في سورة الأنبياء (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ... ) فلأنه ~~عد إصلاح أديانهم من جملة إصلاح أبدانهم، والرب: القائم بما يصلح العبد، ~~والدين أبلغ # PageV01P963 # في إصلاحه مما يغذوه من طعامه، وخص هذا الموضع بذكر (ربهم) لأنه قال: ~~(اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) ، ولا يغفلون إلا إذا ms222 كانوا في ~~رغد من عيشهم، ولا سبيل إليه إلا بمظاهرة النعمة من الله تعالى، وفعله هذا ~~بهم يقتضي وصفه ب (ربهم) . # PageV01P964 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ~~(70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) . # وقال في سورة الصافات: (وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم ~~(84) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) ~~فما ظنكم برب العالمين (87) . # للسائل أن يسأل عن زيادة "ذا" في قوله في الصافات: (ماذا تعبدون) وإخلاء ~~(ما) في الشعراء منها؟ # والجواب أن يقال: إن قوله: (ما تعبدون) معناه: أي شيء تعبدون، وقوله: ~~"ماذا" في كلام العرب على وجهين: # أحدهما: أن تكون "ما" وحدها اسما، و" ذا" بمعنى الذي، والمعنى: ما الذي ~~تعبدون، و (تعبدون) صلة لها. # والآخر: أن تكون " ما" مع " ذا" اسما واحدا بمعنى: أي شىء، وهو في ~~الحالين أبلغ من "ما" وحدها، إذا قيل: ما تفعل؟ # ف (ما تعبدون) في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم، لأنهم أجروا مقاله # مجرى مقال المستفهم فأجابوه وقالوا: (نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) ، ~~فنبه ثانيا بقوله: ( ... هل يسمعونكم إذ تدعون) # PageV01P965 # وأما: (ماذا تعبدون) في سورة الصافات فإنها تقريع، وهو حال بعد التنبيه، ~~ولعلهم إذا علموا بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لا يجيبون بإجابتهم في الأول، ~~ثم أضاف تبكيتا إلى تبكيت، ولم يستدع منهم جوابا فقال: (أئفكا آلهة دون ~~الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) . # فلما قصد في الأول التنبيه كانت "ما" كافية، ولما بالغ وقرع استعمل اللفظ ~~الأبلغ، وهو "ماذا" التي إن جعلت "ذا" منها بمعنى " الذي" فهو أبلغ من "ما" ~~وحدها. وإن جعلا اسما كان أيضا أبلغ وأوكد من "ما" إذا خلت من "ذا. # PageV01P966 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) ~~وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) . # للسائل أن يسأل فيقول ما الذي أوجب إدخال " هو" في قوله: (والذي هو ~~يطعمني ويسقين (79) ، وقوله: (فهو يشفين (80) ، وإخلاء قوله: ms223 (والذي ~~يميتني) منها، ولم يقل: والذي هو يميتني، كما قال: والذي هو يطعمني؟ # والجواب أن يقال: لو جاء: والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت يشفين، لكان ~~معلوما أن مراده الله تعالى. # وذكر "هو" توكيدا لمعنى الكلام، وتخصيص الفعل به دون غيره، واحتاج ذكر ~~الإطعام والشفاء إلى هذا التوكيد، لأنهما مما يدعي الخلق فعله، فيقال: فلان ~~يطعم فلانا، والطبيب يداوي، ويسبب الشفاء، فكانت إضافة هذين الفعلين إلى ~~الله تعالى محتاجة إلى لفظ التوكيد- لما يتوهم من إضافته إلى المخلوق- إلى ~~ما لا يحتاج إليه # PageV01P967 # إضافة الموت والحياة، لأن أحدا لا يدعي فعلهما كما يدعى الأولين. # فافترقا لهذا الشأن. # PageV01P968 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: (قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ~~ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) . # وقال في قصة شعيب عليه السلام: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) . # للسائل أن يسأل عن إثبات الواو في قصة شعيب في قوله: (وما أنت إلا بشر ~~مثلنا) وحذفها من مثله في قصة صالح عليه السلام. # والجواب أن يقال: إن قوم صالح في حال هذا الخطاب لم يدفعوا أمره، كما دفع ~~أمر شعيب قومه كما حكى الله تعالى من قولهم لصالح عليه السلام. # (ما أنت إلا بشر مثلنا) # ثم لم يطلبوا منه ما ليس لهم طلبه، لأنهم قالوا: (فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين (154) وهذا لا شطط فيه، ولا في قولهم: # PageV01P969 # (أنت من المسحرين) وقولهم: (ما أنت إلا بشر مثلنا) لأن الله تعالى قال ~~لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي ... ) ،. ~~والمسحرون فيهم أقوال: # أحدها: أنهم الذين لهم سحر ورئة، وقيل: المعللون بالطعام والشراب كما قال ~~امرؤ القيس: # أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب # PageV01P970 # وقال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر # وقيل: المسحرون: المسحورون، كأنه سحر مرارا حتى خبل وفسد عقله واضطرب ~~رأيه، عن مجاهد وقتادة. ms224 # وقيل: المسحرون: المخلوقون، عن ابن عباس. # PageV01P971 # فالموضع الذي لا واو فيه هو بدل من الجملة التي قبله، ثم قال: (فأت بآية ~~إن كنت من الصادقين (154) ولهم أن يقولوا ذلك. # فأما قوم شعيب فإنهم في خطابهم المحكى عنهم مشطون ومبالغون في # رده وتكذيبه، فقالوا: (إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا ~~... ) # فدل على خبرين عطف أحدهما على الآخر، وقالوا بعده: (وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186)) # على معنى: وإنا لنظنك كاذبا، أي الغالب في أمرك عندنا أنك كاذب، فلم ~~يجعلوا الخبر خبرا واحدا، بل جعلوه أخبارا ثلاثة: # PageV01P972 # قولهم: أنت من المسحرين، أي: لست من الملائكة الذين هم رسل الله إلى ~~خلقه، فلا يطعمون ولا يشربون، بل أنت من المتغذين بالطعام والشراب؟ وقولهم: ~~(وما أنت إلا بشر مثلنا) أي لا فضل لك علينا، فهو خبر ثان؟ وقولهم: (وإن ~~نظك لمن الكاذبين) خبر ثالث. # ثم طلبهم إسقاط كسفا من السماء عليهم يكون أمارة لصدقه خلاف # ما طلبته ثمود حين قالت: ((فأت بآية إن كنت من الصادقين (154)) # ، ولم تقترح، والحالة التي كانت فيها عند مخاطبة نبيها لها، لم يقارنها ~~من التمرد ما قارن حال قوم شعيب حين ردوا عليه في خبر بعد خبر، فكان موضع ~~الواو في قصتهم لذلك، ولم يكن لها موضع في الأولى لما بينا من إبدالهم ~~الجملة الثانية من # PageV01P973 # الأولى، واقتصارهم على بعض ما انبسط فيه غيرهم. # PageV01P974 ### | سورة النمل # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (.. فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا ~~تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ~~غفور رحيم (11) . # وقال في ### | سورة القصص # : (.. فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف ~~إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ... ) . # للسائل أن يسأل فيقول: في سورة النمل ما ليس في سورة القصص، والمحكي شىء ~~واحد، والزيادة قوله: (إلا من ظلم ... ) الآية وفي سورة القصص: (أقبل ولا ~~تخف إنك ms225 من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ... ) # الجواب أن يقال: إن المحكيات ليس يشترط فيها إذا أديت معانيها دون # PageV01P975 # ألفاظها استيعاب جميعها في مكان واحد، بل يجوز أن تفرق في أماكن كثيرة، ~~فهذا وجه، ويكون معنى: (إنك من الآمنين) أي من المرسلين الذين لا يخافون، ~~ويجوز أن يكون: (إلا من ظلم) خارجا عن الحكاية، ويكون خبرا من الله تعالى ~~يخبر به نبينا، (فيعترض بين جمل ما يحكى، كما قال الله تعالى فيما حكى من ~~كلام صاحبة سبأ: (.. إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون (34)) ، فيكون: (وكذلك يفعلون) غير محكى، وإنما يكون ~~خبرا من الله تعالى معترضا بين ما حكى تصديقا لها، ثم قال عائدا إلى حكاية ~~قولها: (وإني مرسلة إليهم بهدية ... ) ، ويجوز في هذا المكان أن يكون معنى: ~~(وكذلك يفعلون (34) # على الحكاية على معنى أن الملوك تأثيرهم في # PageV01P976 # القرى التى يدخلونها تخريبها، وكذلك يفعل هؤلاء، تعنى سليمان عليه السلام ~~وخيله. # ومعنى قوله في الآية الأولى: (إلا من ظلم) محمول على وجهين: # أحدهما: أن يكون استثناء من متصل لا من منقطع، فيكون مستثنى مما يدل # عليه: (.. لا يخاف لدى المرسلون) وهذا يدل على أن غيرهم يخافون فترك ~~ذكرهم، لقوة الدلالة عليه كما قال: (.. وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر..) ، ~~فحذف البرد لعلم المخاطبين به، وإذا كان: لكن غير المرسلين يخافون: # مقدرا إثباته كان الاستثناء منهم، أى: أنهم يخافون إلا من محا ظلمه # بتوبته. # والوجه الثاني أن يكون استثناء منقطعا تقديره: لكن من ظلم من # PageV01P977 # غير المرسلين، ثم بدل سيئة بحسنة ومحا خطيئة بتوبة فإن الله غفور رحيم. # PageV01P978 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~(60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين ms226 ~~البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) ~~أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله ~~مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) . # للسائل أن يسأل عما ختمت به هذه الآيات بعد قوله: (أإله مع الله) وهل ~~تقدم ما يوجب اختصاص ذلك به دون غيره؟. # والجواب أن يقال: إن قوله: (آلله خير أما يشركون (59) # بنيت عليه هذه الآيات. # PageV01P979 # وتكلم أهل النظر في قولك: هذا أفضل من هذا، وهذا خير من هذا، فقال بعضهم: ~~يقال في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لاخير فيه، إذا كان يتوهم بعض ~~الجهال الأمر على خلاف ما هو به، هذا الخير خير من الشر، وأنكر على من خالف ~~هذا، وعلم هذا عند أهل الإعراب، وهو أن الأصل في باب " أفعل من كذا" ~~للتفضيل، فإذا قيل: هذه الاسطوانة أطول من تلك، فقد وصفها بالطول، إلا أنه ~~يزيد طول إحداهما على الأخرى، وألزم "أفعل من" لابتداء الغاية، كان المعنى ~~ابتداء زيادة طولها منتهى الاسطوانة الأخرى، فلا يقال: أفضل # PageV01P980 # من كذا، إلا والمفضل عليه فيه ذلك المعنى الذى زاد به المفضل عليه. # فأما قوله تعالى بعد وصف النار: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا (12) ... إلى قوله: (.. وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون ... ) ، # ولا خير في الأول، فإنما المعنى أن هؤلاء الكفار يحرصون على ما يكسبهم ~~النار، كأنهم يرونها يرا لهم، ثم وصف ما يختارونه بصفته، وأتبعه الخير الذي ~~لا شر معه، فقال: فعلكم فعل من يرى النار خيرا له من الجنة، فانظروا هل هي ~~كذلك أم لا؟ وكذلك قوله: (فما أصبرهم على النار) ، أي: يتعرضون لها ~~ويكسبونها، ففعلهم فعل من يصبر # PageV01P981 # عليها، وكذلك قوله،: (آلله خير أما ms227 يشركون (59)) # أى: هم مشغولون بعبادة الأوثان عن عبادة الرحمن، ففعلهم ينبئ أنها تنفعهم ~~فوق ما ينفعهم خالقهم، فكأنهم قالوا: إن تلك أنفع لهم منه تبارك وتعالى، ثم ~~قررهم فقال: آلله أنفع لكم أم الأوثان؟. # وفصل (26) عظم المنافع التى أنعم الله تعالى بها ولم يشاركه غيره فيها ~~فقال: (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء ... ) # أى: إذا اعترفتم بأن الله تعالى سنى لكم المصالح، ويسر لكم المنافع، وخلق ~~السموات والأرض اللتين بهما أمسك الخلق، وأنزل المطر من فوق، وأنبت به ما ~~به قوام الناس من تحت، من بساتين ذوات المناظر الحسنة سوى المآكل الطيبة، # PageV01P982 # ثم قال: (أإله مع الله) أى: أيحتاج من يفعل هذا إلى عضد ومعين؟ # بل الكفار قوم يعدلون عن الحق، وقيل: يعدلون بمن يفعل هذا غيره، تعالى ~~الله عن ذلك، فهذا موضع: (بل هم قوم يعدلون) لأن أول الذنوب: العدول عن ~~الحق وقبوله، وأن يثبت مع الله إلها آخر، فيعدله به. # وقوله: (أمن جعل الأرض قرارا) وصف ما أظهر الله تعالى من قدرته في # البر والبحر مما به مساك الأرض، ثم قال: (أإله مع الله) أى: أمع الله من ~~يفعل مثل فعله. (بل أكثرهم لا يعلمون) ما لهم في عبادة الله تعالى، ~~وإخلاصها، # PageV01P983 # وما عليهم في إشراك غيره فيها أى: لو علموا ما تنتهى إليه عواقب هذين لما ~~عدلوا عما هو لهم أنفع إلى ما هو لهم أضر، وهذا مكانه بعد قوله: (بل هم قوم ~~يعدلون) . # وقوله: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله ~~مع الله قليلا ما تذكرون (62) # ذكرهم بما لا يكاد ينفك منه أحد إذا دفع إلى شدة، واضطر إلى الانقطاع إلى ~~الله تعالى، فدعاه فكشف شدته، وقوله: (ويجعلكم خلفاء الأرض) أى: يقيم ~~المظلوم مقام الظالم في أرضه، ويجعل من في العصر الثانى خلفا ممن في العصر ~~قبله، وهذا موضع ينسى فيه الإنسان سالف شدته براهن نعمته، فقال: قليل ~~يذكركم ما مر في دهرهم من بلائهم وشرهم، وهذا موضع يليق ms228 به ما جاء فيه، ~~وهو: (قليلا ما تذكرون (62) . # PageV01P984 # وقوله: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) . # قوله: يهديكم في ظلمات البر والبحر) معناه: ينجيكم منها بهدايته، وما نصب ~~لكم من آياته بالنجوم التى تعولون عليها في البحر وفي البر إذا لم تهتدوا ~~في الظلمات وهو مثل قوله: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا ~~وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون) ، فلما كانت هدايته في البحر وتسييره جواري الفلك ~~بالريح ضم إليه الريح الأخرى المبشرة بالقطر فلما ختم الآية التى هى في ~~معناها بقوله: (ثم أنتم تشركون) ختم هذه بقوله: (تعالى الله عما يشركون) ~~لأن المذكورين في هذه الآية هم المذكورون في تلك. # PageV01P985 # وأما قوله: (أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) # أي: من لابتداء كونكم وهو خلقكم، ومن لانتهائه وهو بعثكم لمجازاتكم، ومن ~~للحال المتوسطة بين هذين، وهى حفظ حياتكم بأقواتكم وأرزاقكم من السماء ~~والأرض، أإله مع الله هاهنا؟ من يعدل رب العالمين؟ هاتوا برهانكم، وما يظهر ~~في النفوس أن ما تقولونه حق، وأن ماعداه باطل، فإنكم لا تقدرون إلا على ~~ضده، مما يدل على أن " ما تقولونه باطل، وماعداه مما تخالفونه حق. فقد بان ~~ووضح أن كل خاتمة لائقة بمكانه. والله أعلم. # PageV01P986 ### | سورة القصص # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند ~~الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) . # وقال في حم عسق: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله ~~خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) . # للسائل أن يسال في هذا المكان عن مسألتين: # إحداهما: (وما أوتيتم) فى الأولى بالواو، وفي الثانية بالفاء، وما الذى ~~خصص "كل مكان بما جاء فيه؟. # والثانية: قوله تعالى في الأولى: (فمتاع الحياة الدنيا وزينتها) فذكر ms229 ~~(الزينة) في الأولى ولم يذكرها في الأخرى؟. # والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه الآية جاءت بعد قوله: ... وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون) ، ثم خاطب الذين أوعدهم بمثل ما # PageV01P987 # أهلك به من قبلهم، وأنه ليس لكم فيما تؤتونه في الدنيا عوض مما يفوتكم في ~~الأخرى لأن جميع ذلك لا ينفك مما تنتفعون به انتفاعا منقطعا وإن تطاول ~~أمده، وتتزينون به، فجميع أعراض الدنيا مستوعبة بهذين اللفظين: إما مالا ~~يستغني عنه الحى من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح، ويرى العاقل المتعة بها ~~قليلة وإن كانت طويلة لانقطاعها بالموت وإنهائها إلى حسرة الموت؟ وإما ما ~~لاحاجة به إليه من فضول العيش مما يتزين به من الملابس الفاخرة والآلات ~~الحسنة، والدور المزوقة المنجدة، والخيل والبغال والحمير ما ركب منها ~~للحاجة إليها، وما اتخذ زينة يتجمل به عند الأكفاء، فما كان محتاحا إليه ~~فهو متاع أيام قليلة، وما فضل عن ذلك فهو مما يقتنى لعبا وزينة. والدليل ~~على أن الخطاب # PageV01P988 # خارج على هؤلاء، وإن صلح عظة لجميع الناس، التفصيل الذي جاء بعده في قوله ~~تعالى: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم ~~هو يوم القيامة من المحضرين (61) # أي: يحضرون للعقاب لتقدم ذكر من يعطى الثواب، فلم يكن لعطف هذه الجملة ~~على الجملة المتقدمة غير الواو، إذ لا معنى ها هنا من معاني الفاء. # وأما ذكر (زينتها) فلاستيعاب جميع ما بسط فيه الرزق للكفار. # والآية الثانية قبلها: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير (30) # ، ولفظ ذلك" عام ومعناه خاص، إذ كانت المصائب تصيب من لم يذنب ولا عقاب ~~عليه، فالمراد به بعض المصابين وبعض المصائب، ثم تبعه قوله: (ومن آياته ~~الجوار في البحر كالأعلام (32) . # PageV01P989 # أي: إن شاء أنجى أهلها، وإن شاء أهلكهم بذنوبهم، وقد لا يهلكهم ويعفو عمن ~~يسئحق العفو، ويمهل من علم منه الصلاح، والذين يجادلون في آياتنا - وهم ~~الكفار - يعلمون وهم في السفن أن لا منجى لهم إلا بالله ولطفه، ثم خاطبهم ~~فقال: وإن ms230 أوتيتم السلامة، ورزقتم بعدها العافية، فذلك قليل البقاء وإن ~~أمتد أياما، فليس القصد في هذا المكان استيعاب جميع ما يؤتيهم في دنياهم، ~~بل هو مطلوبهم في تلك الحال من النجاة والأمن في الحياة، فلم يحتج إلى ذكر ~~"الزينة" ولم يكن إلا موضع الفا لأن تعلق ما بعدها بقوله: (ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص) ، أي: يغلب على ظنونهم ذلك، فإن أنجاهم ~~الله تعالى وأعطاهم مرادهم في تلك الحال، فإن ذلك سريع الزوال عنهم، قليل ~~البقاء معهم، والذي أعده الله تعالى للمؤمنين خير وأبقى. # PageV01P990 # ثم وصف المؤمنين بصفات يرغبهم في الكون عليها في قوله: (والذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش) # ، إلا آخر القصة، كما زهدهم في التمسك بالدنيا الفانية، فالمراد بما ~~يؤتونه إنما هو مطلوبهم عن السلامة والنجاة من تلك الهلكة، والأمن من ~~أمثالها من الورطات، وذلك عقيب ما أشرفوا عليه من الغرق، ولا موضع لهذا ~~الكلام يحسن غير العطف على ما قبله بالفاء، لأنه عقب مالهم من المخافة بما ~~أوتوه من الأمنة وحال السلامة إلى سائر ما لله تعالى من النعمة، فقد تضم ما ~~ذكرنا الجواب عن المسألتين. # PageV01P991 # صفحة فارغة # PageV01P992 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون ~~فيه أفلا تبصرون (72) . # للسائل أن يسأل عن تقديم الليل على النهار، وأنه لو قدم النهار، هل كان ~~على مقتضى الحكمة؟ وقوله عقيب هذا: (أفلا تسمعون) وعقيب الآخر: (أفلا ~~تبصرون) ؟ # والجواب عن ذلك أن يقال: إن نسخ الليل بالنير الأعظم أبلغ في المنافع ~~وأضمن للمصالح من نسخ النهار بالليل ألا ترى أن الجنة نهارها دائم لا ليل ~~معه، لأن الليل في دار التكليف للاستراحة والاستعانة بالجمام والراحة على ~~ما يلزم من الكلف المتعبة والمشاق المنصبة. ودار النعيم يستغنى فيها عن ~~ذلك، لأنها مقصورة على نيل المشتهى وعلى ms231 ما تلتذ به النفس وتهوى، فتقديم ~~ذكر الليل لانكشافه عن النهار # PageV01P993 # الذي يمكن من التصرف في المعايش والسعي في المصالح إلى ما لا يحصى كثرة ~~من المنافع المتعلقة بالشمس أحق وأولى. # وقوله: (أفلا تسمعون) أي: أفلا تسمعون سماع من يتدبر المسموع ليستدرك منه ~~قصد القائل، ويحيط بأكثر ما جعل الله تعالى في النهار من المنافع أم أنتم ~~صم عن سماع ما ينفعكم؟ # وقوله: (يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) أى: أفلا تستدركون من ذلك ~~ما يجب استدراكه، فإن عقيب السماع استدراك المراد بالمسموع، إذا كان هناك ~~تدبر له وتفكر فيه ولم يجعله السامع دبر أذنه. # PageV01P994 ### | سورة العنكبوت # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) # وقال في سورة لقمان: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل ~~من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) . # وقال في سوره الأحقاف: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ~~قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) . # PageV01P995 # للسائل أن يسأل عن اختلاف هذه الآيات الواردة في الوصاة بالإحسان إلى ~~الوالدين والبر بهما إلا إذا دعوا إلى الشرك وبعثا على الكفر، وعن مواقعها ~~وهل كان يصلح إحداها مكان الأخرى؟. # والجواب أن يقال: أما موقع هذه الآية من سورة العنكبوت فمشبه مواقع ~~الآيات التى قبلها والتى بعدها، وذلك أنه أجملت فيها الأخبار كقوله: ~~(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون (7) # اشتمل هذا على جميع معاملة المؤمنين له الدنيا والآخرة، وهى في الدنيا ms232 ~~إيمانهم وصالحات أعمالهم التى تكفر بها السيئآت، فلا يؤاخذ بها من ضمن ~~جزاؤه على أحسن عمله، وهو طاعه الله تعالى التى أخلصها له ولم يقصد أن ~~يعلمها خلقه، ثم قال: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) # أي ألزمناه حسنا في أمر والديه، وقياما بحقوقهما عليه ثم قال: وإن أراداك ~~على الشرك فلا طاعة عليك # PageV01P996 # لهما. فهذه جملة تتضمن ذكر السبب فيما أكد الحق، بل اقتصر فيها على مالا ~~غنى عن علمه، ولا يعذر أحد في جهله. # وأما الآية في سورة لقمان فإنها ذكرت بعدما حكى الله تعالى عن لقمان - # عليه السلام - من وصيته ابنه إذ يقول: (.. يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13) ، فذكر الله تعالى عقيب ذلك وصية الإنسان بهما ونبه على ~~السبب الذي له عظم حقهما فقال (حملته أمه وهنا على وهن) ، أى: ضعف حمل ~~مضافا إلى ضعف المرأة، وقيل: ضعفا يتزايد على ضعف كما يتزايد ثقل الجنين، ~~وأرضعته عامين، وهذان وإن انفردت بهما الأم فإن الأب # PageV01P997 # يتحمل الشدائد في القيام بأمر الولد، والأم حتى تقدر على تربيته، وربما ~~ضيق على نفسه فيما يصرف إليهما من نفقته فقال: (أن اشكر لي ولوالديك) ، ~~والمعنى: ووصيناه بأن اشكر لي ولوالديك، و"أن" بمعنى "أي" وهو تفسير ~~للوصية، والتنبيه على عظم النعمة ووجوب شكر الله المنعم على قدر ما أولاه، ~~إذ كان هو خلقه وسوى أعضاءه، ونفخ فيه الروح، وأنعم عليه قبل استحقاقه ثم ~~عرضه للنعمة الشريفة والدرجة العلية وشكر بعض # PageV01P998 # ذلك يستغرق الجهد ويفني الطوق وأما شكر الوالدين فهو أن يحسن إليهما ~~ويبرهما ويكرمهما ويطعهما إلا إذا أمراه بمعصية الله تعالى فتسقط عنه ~~طاعتهما، لأنه مع إسقاط حق الخالق لا يثبت حق الوالدين، لأن الله تعالى عقد ~~شكرهما بشكره، فإذا دعواه إلى معصيته فقد أبطلا به شكره فانحل شكرهما ~~المعقود معه. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في سعد بن مالك وهو سعد بن أبى وقاص وروى عنه ~~أنه قال: كنت برا بأمى، فلما أسلمت قالت لي: يا سعد: ما هذا # PageV01P999 # الذي ms233 أراك قد أحدثت، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلا ماكنت عليه أو ~~أموت فتعير بي فيقال: قاتل أمه، فلم تأكل ولم تشرب يوما وليلة فأصبحت وقد ~~جهدت، فلما كانت الليلة القابلة لم تأكل ولم تشرب ثم أصبحت وقد اشتد بها ~~الجهد، فقلت لها: يا أمه: تعلمين والله لو كان لك سبعون نفسا فخرجت نفسا ~~نفسا ما تركت ديني هذا لشىء فلما رأت ذلك أكلت وشربت فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية في. # PageV01P1000 # فهذه الآية قد تضمنت من البيان والتفصيل ما لم تتضمنه الأولى، لأن تلك ~~مذكورة مع الجمل، وهذه مذكورة لقصة مشروحة فيما بين آيات تضمنت الوصايا ~~الواجبات والمستحبات فيما حكى الله عز اسمه قصة لقمان لابنه، ثم كانت في ~~ذكر أب وصى ابنه بمجانبة الشرك، وقرن إليه ما كان من خلاف ابن لأم بعثته ~~بجهدها على الكف، ومما يروى عن لقمان أنه. قال: يابني: إن # PageV01P1001 # الله تعالى رضيني لك، فلم يوصني بك، ولم يرضك لي، فأوصاك بي، وهذا كلام ~~شريف، له وقع كبير ذكرناه ليتدبر معناه. # وأما الآية الثالثة فإنها فيمن وصي بوالديه، وهما مؤمنان، لا يمنعانه عن ~~الإيمان، وهو من طاب نفسا وأصلا ورغب إلى الله تعالى أن يطب فرعا، لأنه قال ~~تعالى حكاية عنه: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي) ، وبعد هذه الآية ذكر ولد كافر استغاث ~~الله والداه لإصراره على كفره، ولما أعياهما مدارأة أمره. # PageV01P1002 # فأما قوله: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) ، فإن المراد أقل حمله، وهو ستة ~~أشهر، وروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتى بامرأة ولدت لستة أشهر فشاور ~~الناس في رجمها، فقال ابن عباس - رضي الله عنها -: إن خاصمتكم بكتاب الله ~~خصمتكم قال الله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة..) # وقال (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) فالحمل ستة أشهر والفصال عامان، فخلى ~~سبيلها، وأما معنى قوله: (وفصاله في عامين) في انقضاء عامين، لأن الفصال هو ms234 ~~الفطام إذا فصل الولد عن الأم. # PageV01P1003 # وكانت الوصية الأولى في سورة العنكبوت وصية مجملة عامة للناس، # والثانية فيمن منعه أحد والديه عن الإيمان، والثالثة فيمن آمن وآمن ~~أبواه، # وسأل الله أن يصلح أولاده، وكان هذا مذكورا مع آية في ذكر ولد كافر يجتهد ~~والداه في دعائه إلى الإيمان، والثالث في مؤمن أبواه مؤمنان، والثانى في ~~مؤمن أحد والديه يمنعه من الإيمان، والأول عام كما ترى، وقد استوعبت القسمة ~~ما يحتاج إلى ذكره في دعاء من يدعو ولده إلى كفر أو إيمان. # PageV01P1004 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (22) . # وقال في سورة حم عسق: (وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير (31) . # للسائل أن يسأل عن فائدة قوله: (ولا في السماء) في سورة العنكبوت، ~~والاقتصار على ذكر الأرض في هذه، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر؟. # والجواب أن يقال: إن الآية التي في سورة العنكبوت تحكي قول إبراهيم عليه ~~السلام لكفار قومه وفيهم نمووذ بن كنعان الذى حاجه، وفي كثير عن # PageV01P1005 # الأخبار أنه رام الصعود إلى الجو يوهم أنه يحاول رب السماء، كما قال فى ~~فرعون لهامان في بناء الصرح ما حكاه الله تعالى في كتابه في موضعين، فقال ~~لهم إبراهيم عليه السلام: لا تفوتون الله، في الأرض كنتم أو في السماء، ولا ~~سبيل لكم إليها، كما قال الله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) # PageV01P1006 # وأما الآية في سورة حم عسق فإنها بعد قوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30) # وهذا عام في المصائب، والمراد به الخصوص، لأنه ليس كل مصيبة مستحقة ~~باجترام، إذ قد تصيب من لا جرم له، ومن لم يبلغ حد التكليف فلا يجب عقابه ~~على ذنب يكون منه، والمخاطبون مخصوصون بالمعنى وإن عموا باللفظ. # وقوله: (ويعفو عن كثير) أي: عن ms235 ذنوب كثيرة يتجاوز عنها، ويؤاخد # بها، ولا يكون ذلك للكفار، لأن العفو مبذول لمستحقه، وإذا صح أن هذا ~~الخطاب متوجه على المسلمين، وتبعه قوله: (وما أنتم بمعجزين في الأرض وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) # علم أنه وعيد لهم، وليسوا من القوم الذين # PageV01P1007 # يخاطبون بقوله: (ولا في السماء) ومعناه: لا تسلكون مسلكا تلتجئون إليه من ~~عقاب الله تعالى إذا وجب عليكم، وقد جاء هذا بغير لفظ الأرض والسماء، وهو ~~قوله: (والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) # فيكون هذا مطلقا في كل ملجأ ومهرب. # وقد قيل في قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) أي: ~~لاتفوتون من في الأرض من الإنس والجن، ولا من في السماء من الملائكة، وهم ~~خلق الله، فكيف تعجزون الخالق؟ تعالى الله عن ذلك. # وقول ثالث وهو أن يكون المراد: لا تفوتون بأنفسكم ما يحق من عذاب # الله عليكم وإن هربتم في الأرض كل مهرب، وإن صعدتم في السماء كل # PageV01P1008 # مصعد لو استطعتموه كما قال: ( ... فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو ~~سلما في السماء فتأتيهم بآية ... ) أي: لا يكون ذلك أبدا. # وفي الجواب الأول كفاية في الفرق بين الموضعين، وما يختار لكل واحد ~~منهما. # PageV01P1009 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) # وقال بعده: (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ~~(44) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال في إنجاء إبراهيم عليه السلام من النار: (إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) . # وقال في خلق السموات والأرض: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) فوحد الآية، هنا ~~وجمعها هناك، والآيات في خلق السموات والأرض # أكثر منها في تخليص إبراهيم عليه السلام من النار؟. # والجواب أن يقال: إذا أخبر الله تعالى عن المؤمنين في كتابه فهو متناول ~~من # كان في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم محدودون، وإذا قال: ms236 ((إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) # فهؤلاء أقوام لا يتناهون، فكل من يؤمن إلى يوم القيامة منهم داخل فيهم، ~~وكل دلالة وأمارة آية، فجمعت لعدتهم التى لم تتناه. # PageV01P1010 # ولما قال في خلق السموات والأرض: (لآية للمؤمنين) وهم جماعة واحدة محصور ~~عددهم، والآية الواحدة تجمعهم باين الخبر عنهم الخبر عمن وجد وعمن لم يوجد ~~أكثرهم. فاختلفت بهم الدلالات، وجمعت لهم الآيات لانتشار أعدادهم وتباين ~~مددهم، فاختلف الموضعان. # PageV01P1011 # الآيه الرابعه منها # قوله تعالى: ( ... وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) . # للسائل أن يسأل عن تسمية الجاحدين في الآية الأولى ب "الكافرين، وفي ~~الثانية ب (الظالمين) ، وأولئك ظالمون كما أن هؤلاء كافرون، فلماذا اختصاص ~~الأولى بتلك الصفة، والثانية بهذه الصفة؟. # والجواب أن من جحد آيات الله فقد كفر نعمه، وهذا أول ما يفعله، لأن ذلك ~~متعلق بما قبله ممن تولى خلقه وأنعم عليه بما استوجب به شكره، فأول فعله ~~كفر نعم الله، ثم إنه مسيء إلا نفسه، ظالم لها بأن أبدلها من النعم الذي ~~عرض له # PageV01P1012 # عذابا لا يطيقه، فكفره أول في الذكر، وظلمه ثان لأنه فوت نفسه عظم الأجر، ~~فهو آخر فى العمل، فقدم (الكافرين) على (الظالمين) لذلك. # PageV01P1013 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) # وقال في سورة آل عمران: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة آل عمران بالواو في قوله: (ونعم أجر ~~العاملين) وإخلاء ما في سورة العنكبوت منها؟. # والجواب أن يقال: إن الآية في سورة آل عمران مبنية على تداخل الأخبار، # لأن أولها: ((أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم) ف (أولئك) مبتدأ، و (جزاؤهم) ~~مبتدأ ثان، و (مغفرة) خبر المبتدأ الثانى، وهو مع خبره ms237 خبر المبتدأ الأول، ~~والجزاء هو الأجر، فكأنه قال: أولئك أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم وإدامة ~~نعيمهم، فهذا الأجر مفضل على كل أجر يعطاه عامل على عمله، فنسقت (1) ~~PageV01P1014 # الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي تقدمت لرجاء الراجين، ~~وأكملت بها منية المتمنين، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي ~~تفصل فيه المواهب المرغب فيها، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو، وكقولك: ~~هذا الجزاء كذا وكذا، أي هو ترك المؤاخذة بالذنب، والتنعيم في جنة الخلد، ~~وتفضيله على كل جزاء جزى به عامل، وذلك تشريف وكرامة. # وأما الآية في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام فيه ~~على جملة واحدة، وهى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة ~~غرفا) فقوله: (والذين آمنوا) مبتدأ، وقوله (لنبوئنهم) في موضع خبره، وهذا ~~الخبر يتصل به مفعولان الأول: قوله: (هم) والثاني قوله (غرفا) و (غرفا) ~~نكرة موصوفة بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) وقوله (خالدين فيها) حال من # PageV01P1015 # التبوئة فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد، وهو جملة ابتداء ~~وخبر. واحتمل قوله: (نعم أجر العاملين) أن يرد بالواو وأن يجيء من دونها، ~~اختير مجيئها بغير واو ليشبه ما تقدم من عقد بخبر، لا على سبيل عطف ونسق ~~فجاء بغير واو، ويحتمل أن يكون في موضع خبر مبتدأ، فكأنه قال: ذلك نعم أجر ~~العاملين، ويكون قوله "ذلك " إشارة إلى ما ذكر الله تعالى من إسكانهم ~~الجنة، فجرى بلا واو مجرى ما هو من تمام الكلام الأول، كقوله تعالى: ~~(والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك ~~هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) # فقوله (ذلك) ، وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى، ~~وكأنه قال: (لهم ما يشاءون عند ربهم) مشار إليه بأنه الفضل الكبير، وقوله: ~~(نعم أجر العاملين) أى ذلك نعم أجر العاملين مشار إليه بالتفضيل # PageV01P1016 # على أجور العاملين، وإذا كان الأمر على ماذكرنا ms238 من الآيتين لم يلق بكل ~~منهما إلا ماجاءت به فاعرفه. # PageV01P1017 # الآية السادلمة منها # قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل ~~شيء عليم (62) . # وقال في سورة القصص 821،: ( ... ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا. # وقال في سورة حم عسق: (له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) . # وكذلك قوله تعالى في سورة الرعد: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا ### | .... # للسائل أن يسأل عن الآية الأولى وتخصيصها بالذكر بقوله: (من عباده) ~~وبقوله: (له) وعن تخصيص ما في القصص بقوله: (من عباده) دون قوله: (له) ، ~~وعن الأخريين ومجيئهما عاريتين من اللفظين، وهما (عن عباده) و (له) ؟. # PageV01P1018 # والجواب عن ذلك أن يقال: أما الأولى في سورة العنكبوت فإنها جاءت بعد ~~قوله: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ~~(60) # فلما ذكر أن الله هو رازق جميع الحيوان ما ادخر منه كالنمل، وما لم يدخر ~~كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا، فبين لنا أنه كما كان في غيرنا من الحيوان ~~ما هو موسع عليه، وما هو مضيق عليه، كذلك الأمر فينا، ثم قال: (الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) فكان بعد القسمة الأولى من يبسط له ~~الرزق في حال، ويضيق عليه في أخرى فقال: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر..) فالهاء في (له) ترجع إلى (من يشاء من عباده) و (لمن يشاء) ~~مفعول (يبسط) فكان من يقدر له هو من يبسط له في وقتين مختلفين، # PageV01P1019 # فاقتضى هذا المكان اللفظ الذي جاء فيه بالمعنى الذى هو غير الأول من ~~جمعالبسط والقبض لواحد في الحالين، وكذلك قوله (قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ~~. # وأما قوله في سورة القصص: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء من ms239 عباده ويقدر ... ) فالمعنى: انتبهوا لأن الله ~~يوسع الرزق لمن يشاء، لا لكرامته كما وسع على قارون، ويضيقه على من يشاء، ~~لا لهوانه كما ضيق على كثير ممن آمن به، ثم قال تعالى حكاية عنهم: (لولا أن ~~من الله علينا لخسف بنا) : # أي: لولا أن الله من علينا بأن صرف عنا الغنى الذى يقع الكفر معه لكفرنا ~~نحن مثل كفره، # PageV01P1020 # ولخسف بنا كما خسف به، فقوله: (لمن يشاء من عباده ويقدر ... ) أي: يبسط ~~الرزق لمن يشاء بسطه له، ويقدره لمن يشاء قدره عليه، فأضمر للفعل الثاني ~~مثل ما تعدى إليه الفعل الأول، وهو: (من يشاء) لعلم المخاطب به، وأنه في ~~المعنى غير الأول وإن كان في اللفظ مثله. # وأما الآيتان في سورة حم عسق وسورة الرعد، فإنهما مقصورتان على ذكر البسط ~~والقبض فحسب، والتي في الرعد جاءت مع قوله: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة ~~الدنيا) # PageV01P1021 # وفيه دليل على أنهم موسع عليهم في الرزق لقوله: (وفرحوا بالحياة الدنيا) ~~ولما قال: (ولهم سوء الدار (25) # علم أن حظهم في الدنيا ليس لكرامتهم وأن من ضيق عليه فيها ليس ذلك ~~لهوانه، فاقتضى المكان هذا لأجل المعنى ووقع اختصار في اللفظ في الفعل ~~الثانى لأن ما تعدى إليه مثل ما تعدى إليه الفعل الأول من المذكور بعده. # وكذلك قوله في سورة حم عسق: (له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر..) # أجمل القول في التوسعة والتضييق لما أخبر أنه خلق لنا من أنفسنا أزواجا ~~أى من أجناسنا أشكالا ذكورا وإناثا، ومن الأنعام مثلها، وأنه ينشئنا في هذا ~~الخلق فلا يزال الآخر مخلوقا فى الأول في ظهور الآباء وبطون # PageV01P1022 # الأمهات إلى الوقت المعلوم، وهو يملك أرزاق هذا الجمع من السماء بالمطر، ~~ومن الأرض بالنبات، فواد أخطئ، وواد مطر على ما يشاء رب العالمين، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين. # PageV01P1023 # الآية السابعة منها ms240 # قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله ... ) . # وقال في سورة الجاثية: (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء ~~من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها ### | .... # وقال في سورة البقرة: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها ... ) . # للسائل أن يسأل عن الآية في سورة العنكبوت،، لماذا خصت (من) ، في # قوله: (من بعد موتها) وأخلي الموضعان الآخران منها؟. # والجواب أن يقال: إن التقرير يؤثر فيه من تحقيق الكلام ما لا يوثر في ~~غيره، والظروف إذا حدت حققت، تقول سرت اليوم، فإن قلت من أوله إلى آخره # PageV01P1024 # كان الجد تحقيقا لأنه قد يطلق لفظ اليوم وإن ذهبت ساعة أو ساعتان من ~~أوله، وإن بقيت ساعة أو ساعتان من أوله، وإن بقيت ساعة أو ساعتان من آخره، ~~فإذا وقع الحد زال هذا الوهم. # وقوله: (من بعد موتها) تحقيق، لأنه محدود ب "من " وخص به التقرير، لأنه ~~من أماكنه، وقوله تعالى في الآيتين الأخريين: (فأحيا به الأرض بعد موتها) ~~ليس فيه تقرير كما كانت الأولى، وإن كان يؤدي معنى المحدود، إلا أنه ليس له ~~لفظه، فاختلف الموضعان لما ذكرت. # PageV01P1025 # الآية الثامنة منها # قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) . # وقال في سورة لقمان: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: (لا يعقلون) والثانية بقوله: (لا ~~يعلمون) ؟. # والجواب أن يقال: إن الأول فى التنبيه على البعث والإحياء بعد الموت ~~فاستعمل فيه: (لا يعقلون) أى: لا يفهمون عن هذا الفعل مثله، وفي مثل هذا ~~يقال: عقلت كلامه، إذا استدركت وفهمت، ومن تنبه على الشيء وعلمه بعد أن لم ~~يكن متنبها عليه يستعمل فيه ms241 مثل: فطن له، وعقله، وأدركه، وشعر # PageV01P1026 # به، وإن صحب كل ذلك العلم، إلا أنه علم على وصف. # وكذلك لما فصل الآيات التى أقامها في السماء والأرض وفي أصناف الخلق ~~وذكرها في سورة الروم، وعقب بعضها بقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) و ~~((إن في ذلك لآيات للعالمين) و ((إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ، قال فيما ~~معناه ما ذكرنا (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء ~~فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ، # فخص ذلك بقوله: (يعقلون) دون ما تقدم من الآيات المختومة بغيره من ~~الألفاظ. # PageV01P1027 # وليس كذلك الآية في سورة لقمان، لأن الكفار فيها مقرون بأن الله وحده # خالق السموات والأرض، وهم يعلمون ذلك، ويثبتون معه آلهة فكأنهم لا ~~يعلمون، فلذلك قال (بل أكثرهم لا يعلمون) فإذا عبدوا الأصنام العبادة التى ~~تحق لمن خلق السموات والأرض بإقرارهم، فكأنهم لم يعلموا ما أقروا به وثبت ~~معلوما لهم. # PageV01P1028 # الآية التاسعة منها # آية حضر ذكرها في سورة العنكبوت بعد الفراغ مما جاء فيها فذكرناها # في آخر ها، وهى: # قوله تعالى (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا ~~تخف ولا تحزن ... ) # ، فأكدت "لما" ب "أن" التى قرنت إليها. # وهى في قوله من سورة هود (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ~~وقال هذا يوم عصيب (77) # فلم تؤكد "لما" فيها ب "أن" توكيدها بها في سورة العنكبوت، وما الفرق ~~بينها وبين ذكرها في سائر القرآن خالية من التوكيد ب "أن"؟ # PageV01P1029 # والجواب أن يقال: اقتران "أن" ب "لما" في سورة العنكبوت تكملة لمعناها في ~~نفسها ليدل بذلك على أنه قد قارن جوابها متصلا به ما يكمله ويخلصه لتحقيق ~~أو بطلان، فالتي في سورة العنكبوت قد اتصل بجوابها، وهو: (سىء بهم وضاق بهم ~~ذرعا) ما يكمله ويخلصه لبطلان الروع السابق إليه. # ومثله: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) # فقوله: (ألقاه) جواب "لما" وقوله متصلا به: (فارتد بصيرا) تكملة ms242 للجواب ~~وكذلك قول الشاعر: # PageV01P1030 # ولما أن (رأيت ابني شميط # وجوابه في البيت الثاني # تجللت العصا. # وتكملة قوله متصلا به: ### | ...... # وعلمت أني ... رهين مخيصر إن أدركوني # وكذلك قوله: # PageV01P1031 # فلما أن تنشى قام خرق. # PageV01P1032 # فهذا جواب "لما" وبعده ما يدل على أنه عرقب ناقة سمينة له، فكان تكملة ~~لجواب "لما". # وهي في قوله في سورة هود لم يتصل بجوابها ما يخلصه لتحقيق أو بطلان إلا ~~في الآية الخامسة عند قوله: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ... ) ~~، فبعد هذا عن الجواب ولم يتصل به اتصال ما يكون من تمامه. # PageV01P1033 ### | سورة الروم # الآية الأولى منها # قوله تحانمما:: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ... ) # وقال في سورة فاطر: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا ~~في الأرض) . # وقال في سورة المؤمن: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق (21) . # وقال في أخر هده السورة: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون (82) . # PageV01P1034 # للسائل أن يسأل عن اختلاف ألفاظ هذه الآيات واختصاص كل بما خالف # الآخر. بمكانه؟. # والجواب عن ذلك أن يقال: أما التى في سورة الروم فإنها وقعت في سورة ~~أجملت فيها القصص في ذكر الآيات والمواعظ والفرائص، فبنيت هذه الآية على ~~ذلك، ألا ترى أن قبلها: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون (8) # ، ثم قال: (أولم يسيروا في الأرض ... ) إلى قوله: (ثم كان عاقبة الذين ~~أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ... ) # ، وقال في تنزيه الله ms243 سبحانه وتعالى وتسبيحه في الصلوات: (فسبحان الله ~~حين تمسون) للصلاتين إذ أمسى: (وحين تصبحون) ، لصلاة الفجر، (وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشياأ ... لصلاة العصر (وحين تظهرون) # PageV01P1035 # ، لصلاة الظهر، فأجمل القول فيما فسره على لسان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فلما كان الموضع موضعا قصد منه ذكر الجمل قال: (أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) # ومعنى (من قبلهم) و (قبلهم) واحد، والعامل في الظرف كون محذوف، لأن الكون ~~المذكور هو لكيفية العاقبة، وهذا لكونهم قبلهم، وقد أظهر في سورة المؤمن ~~حيث قال: ( ... كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ... ) ، ثم استأنف. الإخبار ~~عنهم بأفعال فعلوها أو قدم ذكر أحدها ونسق الباقي عليه فقال: (كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ... ) # إلى آخر أمرهم، فكان حذف الواو الاختيار في هذا المكان، لأن التقدير لما ~~قال: ( ... كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ... ) صار كأن سائلا سأل فقال: ~~كيف كانوا وبماذا عوملوا؟ فجاء، (كانوا أشد منهم قوة) # PageV01P1036 # مجىء الجواب المتضمن لأفعالهم، ثم ذكر بعده ماتضمن الجزاء على أعمالهم، ~~وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الواو كما احتاج إليها ما في سورة الملائكة، لأن ~~تلك تضم مابعدها إلى ما قبلها، كأنه قال: فينظروا كيف أذلوا وكانوا أعز ~~منكم عزة، وكيف أضعفوا وكانوا أشد منكم قوة، أي لحقهم ذلك في حال متناهية ~~بهم من أحوال الدنيا فأبدلوا بحالهم غيرها، وقبل ذلك: ... فهل ينظرون إلا ~~سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # ، أي: ليس الكفار ينظرون إلا الهلاك المستأصل لهم، كما حكم الله تعالى به ~~على الأمم قبلهم، والله تعالى سن ذلك في أمة كل نبى، بعده نبى آخر وحكم في ~~هذه الأمه بأن لا تستأصل كما استؤصل غيرها، فلا الأمة التي حكم عليها ~~بالهلاك يبدل حكمه فيها ويجعل مكان الاستئصال الاستبقاء، ولا التي # PageV01P1037 # حكم عليها بغير الاجتياح تجتاح فيحول إليها الحكم الذي سنه في غيرها، ~~وهؤلاء الذين بعث على تدبر حالهم هم الذين أهينوا ms244 بعد عزة وأضعفوا بعد قوة ~~فبدلت حالهم، فكأنه قال: أضعفوا وكانوا أشد منكم قوة، فكان وجه الكلام ~~هاهنا الواو، إذ لم يكن في ابتداء خبر تنسق عليه أخبار يخبر بها عن الكفار ~~كما كان في الآية الأولى # وأما التي في سورة المؤمن. أولا فإنها في موضع بسط وشرح ألا ترى أنها ~~افتتاح قصة موسى عليه السلام مع فرعون، وفيها نحو ثلائين آية، فاقتضى ذلك ~~في هذه الآية الشرح الذي لم يكن في غيرها فقال: (أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) # PageV01P1038 # ، فأظهر الكودى الذي صار (من قبلهم) ظرفا له، ثم فال: (كانوا هم أشد منهم ~~قوة) و (هم) للفصل توكيد للخبر، فاختص التوكيد والشرح بموضعهما # وأما التى في آخر هذه السورة وهى: (أفلم يسيروا في الأرض) # فقد تكلمنا في "الفاء" مكان "الواو"، في "أفلم"، و"أولم" وهى أنها في ~~موضع جمل، كالآية التى في سورة الروم، لأن قبلها: (ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) # PageV01P1039 # فبنيت الآية على الإيجاز الذي بنيت عليه تلك، فقال: (أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ... ~~) ، فحدفت الواو من (كانو) لأنها استئناف أخبار، كأنه قال: كانوا أكثر منهم ~~وكانوا أشد قوة، وكانوا أكثر آثارا في الأرض. # رمثله مما أجمل فيه القول (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) . # وقوله: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون ~~بها) ، وكانت لقريش رحل إلى الشام يجوزون فيها بديار عاد وثمود فيرون ~~آثارهم ويشاهدون ديارهم فاستدعت هذه الآيات اعتبارهم فما اعتبروا وحاق بهم ~~ماكانوا يستهزءون. # PageV01P1040 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل ~~بينكم مودة ورحمة إن في ذلك ms245 لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ~~ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي ~~به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) . # للسائل أن يسأل "عما اختصت به هذه الآيات فجاء في الأولى: (لآيات لقوم ~~يتفكرون) وفي الثانية: (لآيات للعالمين) وفي الثالثة: (لآيات لقوم يسمعون) ~~وفي الرابعة: (لآيات لقوم يعقلون) ؟. # والجواب أن يقال: أما اختصاص الأولى بقوله: (يتفكرون) فلأن المراد بما # ذكر قبله يؤدي الفكر فيه إلى معناه، وهو قوله تعالى: ((ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) # PageV01P1041 # أي خلق لكم من شكلكم وجنسكم نساء، وهذا أدعى إلى الألفة والمحبة لوجود ~~المشاكلة، وقوله: (لتسكنوا إليها) أي جعلها على حال تتيسر المسرة بها ~~ويطمئن القلب إليها، فإذا فكر الإنسان في خلقها، ونعمة الله تعالى على ~~الرجال بها، سوى أنهن أوعية للأولاد الذين إذا بروا فمن أكبر نعم الله على ~~العباد، فالفكر في ذلك وفى المعاني التي لها خلقن يؤدي إلى العلم بقادر ~~عليم وصانع حكيم وواحد قديم لا يقدر أحد كقدرته، ولا يعرف حكيم حدا لحكمته ~~فحثنا بالتفكر على العلم بهذا كله. # وقوله عز وجل: # PageV01P1042 # (وجعل بينكم مودة ورحمة) أى: ميل نفس بالمجانسة، ورقة قلب تبعث على ~~التعاطف ليتكامل سرور كل منهما بصاحبه، وذلك من فضل الله ونظره لخلقه. # وأما قوله: (إن في ذلك لآيات للعالمين) فلأنه جاء بعد قوله: (ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) # ولا أحد إلا والسماء تظله والأرض تقله، فلا ينفك منهما، ولا أحد يخلو من ~~كونه بينهما، يعلم ذلك باصظرار، وأما اختلاف الألسنة فالمراد أن آلات ~~الكلام متقاربة، وأجراس الأصوات والنغم مختلفة، حتى ترى كل واحد من ~~الناطقين مختصا بلطيفة من الله تعالى في صوته وفى جرس لسانه، لا يخفى بها ~~على من عرفه إذا سمع كلامه، والسمع يميز بينه وبين من ms246 سواه قبل أن يراه، ~~ويعلم هذا كل من نفسه، # PageV01P1043 # وممن يجاوره ويعاشره ويناطقه حتى لا تكاد ترى اثنين فى الدهم العظيم، ~~والبشر الكثير يتشابه صوتاهما، ويلتبس كلامهما، وهذه اللطفة لا سبيل إلى ~~وصفها حتى يتهيأ وصف كل صوت بما يحصره على صاحبه ويخصه بناطقه، تبارك الله ~~أحسن الخالقين، وكذلك قوله: (وألوانكم) ليس المراد بها السواد والبياض، ~~والسمرة والحمرة، والأدمة والصفرة، وإنما المعنى اختصاص كل واحد من الناس ~~بخلقة، وانفراده بصورة يقارنها لطف تدبير من الله، يجعله # PageV01P1044 # على لون ونوع من التصوير يتميز به عن سائر أمثاله حتى لايلتبس بواحد من ~~أشكاله، فلا تكاد تجد في بلد يحوي من لا يحصر بعدد اثنين يتشابهان تشابه ~~لبس، بل كل واحد مخصوص بخصوصية في وجهه، يعرف بها من غيره، وهو أيضا مما ~~يعجز عنه بالنعت ولا يمكن إبانة واحد من الآخر بالوصف حتى يستغنى به عن ~~المشاهدة، ويقوم من جهه الواصف له مقام الرؤية. # فهذه آيات يشترك في معرفتها الناس كلهم وإن استمرت الغفلة بهم، ووقع على ~~تأملها سهو منهم، فلذلك قال: (إن في ذلك لآيات للعالمين) # أي: لجماعات الناس، فكل أمة " منهم عالم. # PageV01P1045 # وأما قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) # فهو من باب لف الخبرين، المعنى:. منامكم بالليل للسكون، وابتغاؤكم من ~~فضله بالنهار، كما قال فيما قبله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ... ) أي: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله ~~في النهار، وكل من سمع هذا علم أن النوم عجيب من فضل الله تعالى، لا يقدر ~~الإنسان على اجتلابه إذا امتنع، ولا على دفاعه إذا ورد، ثم إنه بالنهار ~~لابد له من تصرف لمعاش وطلب قوت وطعام، به قوام الأجساد، فلذلك قال: ~~(يسمعون) وقيل: معنى قوله: (يسمعون) : يستجيبون لما تدعوهم إليه الآيات، ~~ويصرفون أفكارهم إليها. # PageV01P1046 # وأما قوله: (يعقلون) فقد ذكرناه في سورة العنكبوت حيث قال تعالى: (ولئن ~~سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل ~~الحمد ms247 لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) # PageV01P1047 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (37) . # وقال في سورة الزمر: (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) . # للسائل أن يسأل عن الموضع الذى ذكر فيه: (أولم يعلموا) والموضع الذى ذكر ~~فيه: (أولم يروا) وما الذي أوجب اختصاص كل واحد من المكانين باللفظ الذى خص ~~به؟ # والجواب أن يقال: إن: قوله تعالى في سورة الروم: (أولم يروا) جاء عقيب ~~قوله: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون (36) # ، والمعنى: إذا أنعمنا عليهم نعمة ترى عليهم وتملأ مسارحهم ومراحهم وتغمر ~~أفنيتهم وآنيتهم ملكهم الفرح واستولى عليهم البطر، وإن # PageV01P1048 # أصابتهم عقوبة على ما قدموا من معصية، ونالتهم شديدة من جدب وقحط يصفر ~~لها الإناء، ويقرع منها الفناء حتى لا ترى لهم ثاغية ولا راغية لم يعتبروا ~~ولم يقلعوا عما أتوا مما جر عليهم تلك الشديدة، وفعلوا فعل من ييأس من أن ~~يأتيه الله بعد ذلك بنعمة إن تدارك سيئته بتوبة، فكان الأليق بهذا المكان: ~~(أو يروا) أي: أموال من يبسط الله له الرزق فيعلموا أن الله # PageV01P1049 # يوسغ لمن يشاء، ويضيق على من يشاء، وكلتا الحالتين مرئيتان عندهم ~~مشاهدتان لديهم، فإن من بسط له الرزق رئي ماله، ولم يخف على المشاهد حاله، ~~ومن انقلب أمره وانقطع خيره أدركت العين منه خلاف ما كان قبل، فلما جاءت ~~هذه الآية بعد ذكر النعمة إذا وهبت، وحال الإنسان فيها إذا سلبت، والنعمة ~~مرئية لاق بهذا المكان (أو لم يروا) . # وأما الآية في سورة الزمر فإن قبلها: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا ~~خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم ~~سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم ms248 ~~بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق ... ) # ، فقوله: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا) # PageV01P1050 # والضر سوء الحال من مرض في النفس. ونقص في المال، وهو الذي شكاه أيوب ~~عليه السلام بقوله: (مسني الضر ... ) ، وقوله: (ثم إذا خولناه نعمة منا) ~~أي: إذا أعطيناه بعد العلة صحة، وبعد القلة ثروة، ادعى أنه أوتي ما أوتي ~~بعلمه، وأنه جلب العافية إلى نفسه بطبه، وأنه لم تعاوده الصحة من قبل ربه، ~~ويقول فيما يحسن من حاله: إني افتقرت من قبل لأني قصرت، والآن عرفت كيف ~~التأتى للاكتساب واستعادة الغنى بعد الافتقار، وتلك النعمة من الله، وهي ~~فتنة له، أي تشديد في التكليف عليه لأنه يطالب بمعرفتها التي ذهب عنها وعن ~~حكمها، وغفل عن شكر واهبها وألهاه. # PageV01P1051 # الانغماس في لذتها عن حمد من تفضل بها وأكثر الناس لا يعمل بموجبها، ~~فكأنه لا يعلمها، فهذا معنى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ثم قال: (قد قالها ~~الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) ، أي: قد كفر مثل كفرهم من ~~كان من قبلهم، فلما نزل عذاب الله بهم لم يملكوا دفعه بعلمهم ولا بمالهم، ~~ولكن أصابتهم عقوبات ما ساء من أعمالسهم، والظالون في عصرك يا محمد سيصيبهم ~~عقوبة ما عملوا، ثم فال: (أولم يعلموا أن الله) يوسع على الفقير حتى يستغني ~~ويفتح له أبواب الرزق حتى يثري، وأنه يضيق على من يشاء أن يضيق عليه، ويسقم ~~من يشاء إسقامه، ويصح من يشاء صحته، فقابل ما ادعوه من العلم كما قال ~~كافرهم: (إنما أوتيته على علم) بأن قال: هلا علمتم ما هو أوضح من أحوالكم، ~~فتعلموا أن الخصب والجدب ليسا بأيديكم، وكذلك المرض # PageV01P1052 # والشفاء ليسا إليكم، وإنما ذلك ما تعلمونه عن بسط الله الرزق إذا أرسل ~~السماء عليكم مدرارا، وما تتألمون منه إذا ضن السحاب بقطره، وابتلي أحدكم ~~بفقره، فكان (أولم يعلموا) أولى بهذا المكان من قوله: (أولم يروا) كما كانت ~~(أو لم يروا) في سورة الروم أولى. والله أعلم. # PageV01P1053 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل ms249 الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) . # وقال في سورة. الجاثية: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) . # إن سأل سائل عن زيادة قوله تعالى: (فيه) في سورة الجاثية " وتركها في ~~سورة الروم، كان الجواب قريبا على من له أدنى معرفة، وهو أن الهاء في قوله: ~~(فيه) عائدة إلى البحر، وقد ذكر في سورة الجاثية فعاد إليه الضمير، وهو ~~قوله: ((الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره) # ولم يتقدم للبحر ذكر في الآية التي ذكر فيها جري الفلك في سورة الروم، ~~وإثما نبه على النعمة بالرياح وإظهار آياته فيها فقال: ((ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات) # أي باجتلاب السحاب واعتصاره للأمطار، وهو الذي يذيقنا من رحمته مع ما ~~تلقح منه الأشجار في # PageV01P1054 # وقته وقال: (ولتجري الفلك بأمره) أي: بالرياح إذا أذن الله تعالى، وهذا ~~مما لا إشكال فيه. # PageV01P1055 ### | سورة لقمان # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) . # وقال في سورة الملائكة: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى..) الآية. # وقال في سورة الزمر (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ... ) الآية # للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة لقمان بقوله: (يجري إلى أجل مسمى) ~~وما سواه إنما هو: (يجري لأجل مسمى) # والجواب أن يقال: إن معنى قوله عزوجل: (يجري لأجل مسمى) # لبلوغ أجل، ومعنى قوله: (يجرى إلى أجل) معناه: لا يزال كل من الشمس # PageV01P1056 # والقمر جاريا حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وإنما خص ما في سورة ~~لقمان ب "إلى" التي للانتهاء، واللام تؤدي معناها، لأنها تدل على أن جريها ~~لبلوغ الأجل المسمى، لأن الآيات التي تكتنفها آيات منبهة على النهاية ~~والحشر والإعادة، ms250 فقبلها: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ... ) # . وبعدها: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ... ) ، فكان المعنى: كل يجري إلى ذلك ~~الوقت، وهو الوقت الذي تكور فيه الشمس وتنكدر فيه النجوم كما أخبر الله ~~تعالى. # وسائر المواضع التي ذكرت فيها اللام إنما هى في الإخبار عن ابتداء الخلق، # PageV01P1057 # وهو قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار (5) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ... 2) # ، فالآيات التي تكتنفها في ذكر ابتداء الخلق وابتداء جري الكواكب، وهي إذ ~~ذاك تجري لبلوغ الغاية. # وكذلك قوله في سورة الملائكة إنما هو في ذكر النعم التي ابتدأ بها في ~~البر والبحر إذ يقول: (وما يستوي البحران) # إلى قوله: (.. ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) # PageV01P1058 # ، فاختص ما عند ذكر النهاية بحرفها، واختص ما عند الابتداء بالحرف الدال ~~على العلة التي يقع الفعل من أجلها. # PageV01P1059 ### | سورة السجدة # الآية الأولى منها # فوله عزوجل: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون (5) . # وقال في سورة سال سائل: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة (4) . # للسائل أن يسأل فيقول: هذا اليوم جعل مقداره في السورة الأولى ألف سنة، ~~وفى السورة الثانية خمسين ألف ممنة، وقد قدر بألف سنة في موضع آخر من سورة ~~الحج فقال: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) ، فكيف يجمع بين هذه ~~الأخبار؟. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن يكون المعنى: أن الله تعالى يدبر أمر أهل الأرض في السماء من ~~دعائهم إلى الطاعات، وتكليفهم أنواع العبادات، فينزل به من يأمر من ملائكته ~~لميبعث بذلك رسله، ms251 ويضم إليه آياته وكتبه، ثم يصعد الملك الذي جاء به إلى ~~المكان # PageV01P1060 # الذي نزل منه في يوم من أيام الدنيا، وهذه المسافة التي قطعها الملك في ~~النزول والصعود مقدارها مسيرة ألف عام من غيره، لأن ما بين السماء والأرض ~~مسيرة خمسمائة عام، فيقع النزول والصعود في يوم تستغرق أوقاته سير ألف سنة ~~من السنين التي يعدها أهل الأرض في الدنيا،، وهذا التدبير الذي يدبر في ~~السماء لأهل الأرض هو ما يكلفون من العبادات، وما يقدر عليهم، من مدد ~~أعمارهم، وما يحدث في اللوح المحفوظ مما يدل الملائكة على أنهم مأمورون بأن ~~ينزلوا به إلى المصطفين من عباده بالرسالة، ثم يعودون إلى أماكنهم في يوم ~~مقداره ألف سنة من أيام الدنيا. # PageV01P1061 # وأما قوله في سورة الحج: (.. وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) # أي: يقع في يوم من تنعيم المطعين وتعذيب العاصين قدر ما يناله المنعم في ~~ألف سنة من أيام الدنيا، ويعذب فيه العصاة في يوم مقدار ما يعذب به الإنسان ~~في ألف سنة من أيام الدنيا لو بقي فيها، فعذابه عذاب ألف سنة، وذلك لما ~~يتضاعف عليهما من الآلام والملاذ، ويصل إليهما من الغموم والسرور، والدليل ~~على أن المراد في هذه الآية ذلك قوله قبله: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف ~~الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) # ، فجهلهم باستعجالهم العذاب الذي هذا وصفه. # PageV01P1062 # وأما قوله في سورة سأل سائل: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة (4) # أي: تصعد الملائكة وجبريل عليهم السلام إلى حيث يعطى الله تعالى فيه ~~الثواب أهل طاعته، ويحل فيه العقاب بأهل معصيته، وإن ذلك في يوم هو يوم ~~القيامة، ويفعل الله تعالى فيه من محاسبة عباده، وتبليغ كل منهم حقه ما لا ~~يكون مثله في الدنيا إلا في خمسين ألف سنة. # وجواب ثان: وهو أنه يجوز أن يكون يوم القيامة يوما بلا آخر، وفيه أوقات ~~مختلفة طولا وقصرا، كما في أيام الدنيا، كما كان في الوقت بين صلاة ms252 الفجر ~~وصلاة الظهر أطول مما بين الظهر والعصر، وكما كان ذلك بين صلاتى العشاء ~~الأولى والعشاء الآخرة فبعضها ألف سنة، وبعضها خمسون ألف سنة. # PageV01P1063 # وجواب ثالث: هو أن يكون اليوم الذي أخبر الله تعالى عنه في السجدة والذي ~~في الحج هما من الأيام التي عند الله تعالى، وهي التي خلق الله تعالى فيها ~~السموات والأرض، وكل يم منها ألف سنة من سني الدنيا. # وأما في سورة سأل سائل فإن المراد به أنه لثقله على الكافرين واستطالتهم ~~له وصعوبته، وهوله عليهم يصير كخمسين ألف سنة، وفي كل واحد من الأجوبة التي ~~ذكرناها ما يكفي في جواب السائل. # PageV01P1064 # صفحة فارغة # PageV01P1065 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) . # وقال في سورة سبأ: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) . # للسائل أن يسأل فيقول: ما الذي أوجب في سورة "السجدة أن يعود الوصف ب ~~"الذي " إلى العذاب الذي هو مذكر، ويعود مثله في سورة سبأ إلى النار التي ~~هى مؤنثة، فهل كان اختيارا لو جاء هذا على العكس، فكان ما في سورة السجدة ~~يرجع الوصف فيه إلى النار، وما في الأخرى يرجع الوصف فيه إلى العذاب؟. # والجواب أن يقال: إن النار في قوله في سورة السجدة، ظاهرة موضع المضمر ~~لتقدم ذكره في قوله: ((وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها أعيدوا فيها) # PageV01P1066 # فأضمرت في قوله: (أعيدوا فيها) وأظهرت في قوله: (وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار) أي عذابها، فوقعت مظهرة مكان المضمر. والتي في سورة سبأ لم تجئ هذا ~~المجىء، لأنها في مكانها مظهرة. # فلما كان المضمر لا يوصف بعد عن الوصف ما حل محله، لأنه سد مسده، فوصف ما ~~أضيف إليه وهو العذاب، فجاء: (عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) ولما لم ~~يتقدم ما في سورة سبأ ما منزلته منزلة المضمر ms253 صرح الوصف له فأجري عليه ~~وجاء: (عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) ألا ترى أن أوله: (ونقول للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب النار ... ) الآية. # PageV01P1067 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه) # فأتى بالنون فى (تكن) وقال تعالى في سورة هود فى موضعين: (فلا تك) وكان ~~حق ذلك أن يذكر هناك بغير نون، وهو قوله: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # وقال فى آخرها (إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما ~~يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ... ) # للسائل أن يسأل عن حذف النون حيث حذفت، وإثباتها حيث أثبتت، وما الذى خصص ~~كلا بمكانه؟. # الجواب أن يقال: إن هذه النون فى قوله: (لا تكن) لما أشبهت بسكونها حروف ~~المد واللين ثم كثرت استجيز حذفها للسببين جميعا، فإن تحركت خرجت عن # PageV01P1068 # شبهها، نحو: لم يكن الرجل منطلقا، فلا يجوز أن تقول: لم يك الرجل منطلقا. # وأما إذا سكنت وتحرك ما بعدها فلك أن تأتي بها ولك أن تحذفها، كما كان في ~~الموضعين، ثم إنه يختار فيها الحذف إذا تحرك ما بعدها متى تعلقت بالجمل ~~الكثيرة، ويختار إتباتها إذا تعلقت بالقليلة، لأن الكثرة أحد سببي جواز ~~حذفها، وهذه الكثرة أعني أنها في أم الأفعال التي هي "كان " ويعبر بها عن ~~كل فعل، ألا ترى أنه لا يجوز: لم يه، ولم يص زيد، في لم يهن) ولم يصن) ~~وكثرة الجمل هي التي تثقلها تعلقت بها من قبلها أو من بعدها. # PageV01P1069 # فقوله في سورة هود: (.. فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ... ) # جاء بعد أن تعلق بآيات ذوات جمل تقدمته وهي: (أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر ~~به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه ... ) # ، ألا ترى ms254 فقد تقدمته جمل جاء عقيبها متعلقا بها فثقل من أجلها فاختير ~~تخفيفها بحذف نونها. # وكذلك قوله: ( ... وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) # جاء بعد قوله: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من ~~الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ~~(9) ، # وقع في جواب الله تعالى له بعد الكلام الذى كان منه لما بشر بالولد، فطال ~~الكلام جدا، وخفف بالحذف في موضعه اختيارا له. # PageV01P1070 # وكذلك قوله تعالى: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ~~(67) # ، تعلق هذا بقوله: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا ~~يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) . # فأما قوله: (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ~~رب شقيا (4) # ، فإنه قلت الجمل قبله ولم يتعلق إلا بما تقدمه تعلق ما ذكرته، فلم يثقل ~~فاختير الإتمام على الأصل. وكذلك قوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في ~~مرية من لقائه ... ) ، لم يتقدمه ما يثقله من الجمل ما تقدم غيره مما ~~ذكرنا. # وهذه النون حذفها في حال سكونها لشبهها بحروف المد واللين، إذ كانت # PageV01P1071 # صوتا جاريا في هواء الأنف، كما أن تلك أصوات تجري في هواء الفم، ثم انضاف ~~إلى هذا السبب كثرتها في الكلام، وهي أنها تدخل على كل فعل فيقال: كان زيد ~~فاعلا، ولم يك زيد فاعلا، فإذا كانت الكثرة أحد سببي حذف النون في الأصل ~~صارت كثرة المتعلقات أحد سببي اختيار حذفها. # فإن سأل عن قوله: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون..) ، وقبله: ~~(.. عطاء غير مجذوذ) ،. وقد انقطع الكلام، ولا تعلق لقوله: (فلا تك في مرية ~~مما يعبد هؤلاء ما يعبدون) بما قبله؟ # قلت: لم نعتل بمتعلقات الجملة التي فيها "تكن" بما قبلها دون ما بعدها، ~~وهذه وإن لم تثقل # PageV01P1072 # بتعلقها بما قبلها فإنها ثقلت بتعلقها بما بعدها لقوله. (فلا تك في مرية ~~مما يعبد هؤلاء ما يعبدون ms255 إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم ~~غير منقوص (109) # ، أي: لا تشك فيما يعبد هؤلاء الكفار من الأصنام أنهم يعبدونها بحجة ~~فإنهم لا يعبدونها إلا تقليدا لآبائهم الذين كانوا يعبدونها من قبل، فكل ~~يجرى بمستحقه، وهو خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به هو ومن ~~آمن به، فقد تعلقت: ((فلا تك في مرية) بهذا الكلام كله. # PageV01P1073 ### | سورة الأحزاب # ليس فيها شيء من ذلك. ### | سورة سبأ # الآية الأولى منها # قوله عز وجل: ( ... عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) . # وقال بعده في هذه السورة: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. # وقال في سورة يونس: ( ... وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # PageV01P1074 # للسائل أن يسأل عن تقديم (السموات) على "الأرض " في الموضعين من سورة ~~سبأ، وعن تقديم "الأرض على السماء في سورة يونس، وكان موضع ذكر هذه " الآية ~~هناك إلا أنها تأخرت إلى هذا المكان؟. # والجواب عنه أن يقال: إنما قدم ذكر "السموات " على "الأرض " في سورة سبأ ~~لأن هذه الآية مبنية على مفتتح السورة، وهو: (الحمد لله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ... ) ، فقدم ذكر "السموات " لأن ملكها أعظم شأنا ~~وأكبر سلطانا، وكذلك الآية التى بعدها من سورتها". # وأما التى في سورة يونس فإنها جاءت عقيب قوله: (وما تكون في شأن وما تتلو ~~منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه) # ، فكان القصد إلى ذكر علمه بما يتصرف فيه العباد من خير أو شر، وذلك في ~~الأرض، فأتمه بقوله: ( ... وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض) # PageV01P1075 # فاستوعب جميع ما في الأرض، ثم أتبعه ذكر السماء، لأن الابتداء وقع بما ~~يتعلق بها، وما يعمل العباد فيها، فلذلك قدمت "الأرض" ms256 عليها. # PageV01P1076 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) . # وقال في سورة بنى إسرإئيل 561،: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ... ) ~~الآية. # للسائل أن يسأل عن إظهار اسم الله تعالى في سورة سبأ في قوله: (من # دون الله) وإضماره في سورة بني إسرائيل في قوله: (من دونه) وقد جرى الذكر ~~قبل فى الموضعين، لأن قبل هذه الآية،: (وما كان له عليهم من سلطان إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) ، ~~وهناك: (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داوود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ... ) # والجواب أن يقال: إنما اختير الإضمار في سورة بني إسرائيل لقوة الذكر ~~قبل، ألا ترى أنه تكرر في عشرة مواضع مضمرا ومظهرا لقوله: (ربكم أعلم بكم ~~إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم) # PageV01P1077 # فربكم واحد، وفى (أعلم) ضميره، و (إن يشأ) فيه ضميره، وفي قوله: (يرحمكم) ~~ضميره، وقوله: (أو إن يشأ) فيه ضمير فاعل، وقوله: (وما أرسلنا) : النون ~~والألف فيه ذكر له تعالى، و (ربك أعلم) اسمان، (ولقد فضلنا بعض النبيين) ~~قوله "نا" اسمه، وكذلك: (وآتينا داود زبورا) فكان الإضمار تلو الإضمارات ~~أولى بهذا المكان، فلذلك جاء: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) . # وأما في سورة سبأ فإن الذى تقدمه: (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم ~~من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) # PageV01P1078 # فالذكر تقدم في ثلاثة مواضع وهناك في أكثر من عشرة مواضع، فحسن الإظهار ~~هنا، وقوي الإضمار هناك، فلذلك اختلفا. # PageV01P1079 ### | سورة فاطر # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ... ) . # وقال في آخر سورة الأنعام وكان حكم هذه الآية أن تذكر هناك : (وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض ... ) ، فأضاف "خلائف إلى (الأرض) بغير واسطة "فى" وهناك ~~نكرها، وأضافها ب (فى) . # للسائل أن يسأل عن التعريف أولا والتنكير ثانيا وعما خصص كل مكان # بما اختص به. ms257 # والجواب أن الذي في سورة الأنعام أجرى مجرى المعرفة، لأنه بعد ذكر متكرر ~~وخطاب متردد مبتدأ من مبتدأ قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ~~، فلما خوطبوا بألفاظ المعارف أتبع ما في هذه الآية من ذكرهم في # PageV01P1080 # موضع النكرة، وهو المفعول الثانى من "جعلكم " ذكر المعرفة فكسي لفظها ~~فصار التقدير: وهو الذي جعل كل واحد منكم الخليفة في الأرض التى ورثها عمن ~~تقدمه، فمنكم الأعلى، ومنكم الأوسط، ومنكم الأسفل. # وليس كذلك الأمر في سورة الملائكة، لأن ما تقدم هذه الآية منها ذكر أهل # النار من مبتدأ قوله: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ~~ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) ، إلى قوله: (إن الله عالم ~~غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) ، ثم قال: (هو الذي جعلكم ~~خلائف في الأرض) فأخرج لفظ (الخلائف) مخرج النكرة كأنه قال: جعلكم خلفا لمن ~~تقدمكم غير معلوم إلا عند الله ما يكون من أمركم، فأنتم مجهولون عند ~~أشباهكم وأمثالكم، فمن كفر منكم فضرر كفره راجع عليه، فكان التنكير أولى ~~بهذا # PageV01P1081 # المكان، لأنه لم يتقدمه من الأسماء المضمرة التي للخطاب المعرفة بحكم ~~الإضمار ما تقدم في سورة الأنعام، ثم نزلهم منزلة قوم مجهولين لا يتوقع ما ~~يكون من أمرهم في إيمانهم أو كفرهم، فلم يجعلوا في حكم الخطاب الأول في قوم ~~بأعيانهم للانقسام الواقع عليهم، فهذا فرق مابين المكانين. والله أعلم. # PageV01P1082 ### | سورة يس # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) . # وقال في في سورة القصص: (وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) . # للسائل أن يسأل عن تقديم قوله: (من أقصا المدينة) على (رجل) الذى هو ~~الفاعل في سورة يس وتأخيره في السورة التى قبلها؟. # والجواب أن يقال: إن الفاعل في الموضعين لما كان نكرة فالمعنى جاء جاء ~~وقد # دل الفعل على جاء، ولا يكون الجائي من أقصى المدينة فى الأعم الأغلب إلا ms258 ~~رجلا، وكان الذى يفاد المخاطب أن يعلم أنه جاء عن مكان بعيد إلى مجتمع " ~~الناس في # PageV01P1083 # القرية، وحيث لايقرب من مجاري القصة ولا يحضر موضع الدعوة ومشهد المعجزة، ~~فقدم ما تبكيت القوم به أعظم، والتعجب منه أكثر، فقال: ((وجاء من أقصا ~~المدينة رجل) ينصح لهم ما لا ينصحون مثله لأنفسهم ولا ينصح لهم أقربوهم مع ~~أنه لم يحضر جميع ما يحضرونه، ولم يشاهد من كلام الأنبياء ما يشاهدونه، ~~فبعثهم على اتباع الرسل المبعوثين إليهم، وقبول ما يأتون به من عند مرسلهم. # وأما الآية الأولى من سورة القصص فإن المراد: جاء من لا يعرفه موسى من ~~مكان لم يكن مجاورا لمكانه فاعلمه ما فيه الكفار من ائتمارهم به، فاستوى ~~حكم الفاعل والمكان الذي جاء منه، فقدم ما أصله التقديم وهو الفاعل، إذ لم # PageV01P1084 # يكن هنا تبكيت للقوم بكونه من أقصى المدينة كما كان ذلك في الآية # المتقدمة. # PageV01P1085 # الآية الثانية منها. # قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) . # وقال في سورة الفرقان: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) ~~. # للسائل أن يسأل عن إظهار اسم الله تعالى فى سورة يس وسورة مريم فى # قوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) # وإضماره فى سورة الفرقان حيث قال: (واتخذوا من دونه آلهة) ؟. # والجواب عن ذلك أن يقال: إنه لما قال في سورة الفرقان فأخبر عن نفسه، لا # كإخبار المتكلم بلفظة (التاء والنون والألف فى مثل: فعلت، وفعلنا، بل كما # يخبر المخبر عن غيره فقال: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا (1) ، إلى قوله: ( ... وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) ، كان ~~ذكر الله تعالى قد تقدم فى الآيتين، فأجرى ذكره فى الثالثة مجراه فى ~~الأوليين على مقتضى كلام العرب فى الإضمار بعد الذكر. # PageV01P1086 # ولم يكن كذلك الأمر فى الآيتين فى سورتي يس ومريم لأن الذكر المتقدم إنما ~~على لفظ المخبر عن نفسه لقوله: (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ~~(79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) ، # ثم ms259 قال (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) # أي: اتخذوا من دون من يحق له العبادة أصناما يعبدونها ولا تحق عبادتها، ~~فأظهر اسمه تعالى إذ كان لم يتقدم ظاهر يقع الإضمار بعده، وجهلوا بأن ~~أشركوا بالله تعالى ما ليس بإله فقابلوا الحق بباطلهم وأروا أن هذا الفعل ~~من فاعلهم. # PageV01P1087 # وكذلك كان الأمر فى سورة يس حيث قال: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) # إلى قوله: (واتخذوا من دون الله آلهة) . # PageV01P1088 ### | سورة الصافات # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (16) . # وقال فى هذه السورة: قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن ~~المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) # للسائل أن يسأل عن قوله: (لمبعوثون) أولا، وفيما بعده (لمدينون) ، ولماذا ~~اختلفا في المكانين وإن كانا فيما يراد من تحقيق الإحياء بعد الموت سواء؟. # والجواب أن يقال ": إن الأول حكاية ما قاله الكفار من إنكار البعث، ~~والمبعوث هو الذي يبعث من قبره ويحيا بعد موته، والمدين هو المجازى بما كان ~~من # PageV01P1089 # كسبه، والبعث قبل الجزاء، وهو يفعل من أجله. وحكاية الآخر الذي قال: ~~(أئنا لمدينون) إنما هى عند حصوله فى النار، وهو الجزاء الذي أنكره لقوله ~~تعالى (قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) # فهذا المؤمن الذي حكى الله تعالى عنه قوله، وأنه أخبر عن قرينه فى الدنيا ~~بأنه كان ينكر أن يحيى ويدان بما صنع هو الذي إذا رآه فى سواء الجحيم: (قال ~~تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) # PageV01P1090 # فالتفريع على ما أنكر إنما يقع إذا تحقق وحصل فيه من كفره، نعوذ بالله من ~~عقابه. # PageV01P1091 # الآية الثانية منها # قوله تعالى فى أواخر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: (سلام على نوح ~~في العالمين (79) إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ~~. # وبعدها في قصة إبراهيم: (سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين ~~(110) إنه من عبادنا المؤمنين ms260 (111) . # وقال فيما بعدها فى قصة موسى وهارون: (وتركنا عليهما في الآخرين (119) ~~سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا ~~المؤمنين (122) . # وبعدها فى قصة إلياس: (وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين ~~(130) إنا كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) . # فجاء في كل ذلك: (إنا كذلك) إلا فى قصة إبراهيم عليه السلام فإنه جاء # PageV01P1092 # فيها: (كذلك) من دون (إنا) . # للسائل أن يسأل عما أوجب اختصاص هذا المكان بسقوط (إنا) منه، وإثباتها ~~فيما سواه من الآيات التي أنهيت بها قصص الأنبياء عليهم السلام. # والجواب عن ذلك أن يقال: إن قوله: (إنا كذلك نجزي المحسنين) لما جعل ~~أمارة لانتهاء كل قصة، وكانت قصة إبراهيم عليه السلام متضمنة ذكره وذكر ~~ولده الذي رأى فى المنام ذبحه، فقيل له بعدما تله للجبين: (قد صدقت الرؤيا ~~إنا كذلك نجزي المحسنين (105) # PageV01P1093 # فجاء: (إنا كذلك نجزي المحسنين (105) . # وقد بقيت من القصة آيات وهى: (إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه ~~بذبح عظيم (107) # ثم جاء ما جعل خبرا فى آخر كل قصة من قصصهم: (وتركنا عليه في الآخرين ~~(108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) ، فلم يذكر "إنا" ~~هنا لسببين: # أحدهما تقدم ذكره فى هذه القصة حيث فال: (قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (105) . # والآخر: أن يخالف بين منتهى هذه الآية لأنها من القصة الأولى التي ختمت # ب (إنا كذلك نجزي المحسنين (105) # وبين منتهى قصة يس لأن ما قبلها منها، فكان: (إنا كذلك) لما ذكرت فى هذه ~~القصة مرة اكتفى بها، ولم يكن # PageV01P1094 # منقطعا لها، فخالفت ما تقدمها وما تأخر عنها لذلك. # PageV01P1095 # الآية الثالثة منها. # قوله تعالى: (وأبصرهم فسوف يبصرون (175) . # وقال بعده: (وأبصر فسوف يبصرون (179) . # للسائل أن يسأل عن تعدية هذا الفعل الأول وهو: (وأبصرهم) وحذف ما تعدى ~~إليه "أبصر" فى الثانية، ثم عن تكرير (وأبصر فسوف يبصرون) . والجواب أن ~~يقال: إن هذا بعدما بشر الله تعالى به عباده حيث قال: (ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون ~~(173) # ومعناه: إن المرسلين ms261 ومن تبعهم من المؤمنين إذا حاربوا أعداء الله بأمر ~~الله فإن الله قد حكم لهم بالظفر والنصر فى عاقبة أمورهم وإن كان بعد مدة. # PageV01P1096 # فقوله تعالى: (فتول عنهم حتى حين (174) # أي: أعرض عن محاربتهم إلى الحين الذي يعلم الله أنه يظفرك بهم، (وأبصرهم) ~~فى الوقت الذي تنصر فيه عليهم، فسوف يبصرون قهركم لهم وذلهم. # فأما حذف أ (هم) (أبصر) فى الثانية فلذكرها في الأولى، ولأن هناك معاني ~~أخرى تنضم إلى ذكرهم فيترك ذكر المفعول ليشرع الفعل إلى تلك المعاني كلها، ~~ويبين ذلك في الجواب عن فائدة تكرار العامل، وهي أن # PageV01P1097 # قوله: (فتول عنهم حتى حين (174) # إنما يراد به الحين فى الدنيا وهو الوقت الذي ينصر فيه المسلمون عليهم ~~ويقهرون بأيديهم. # وقوله ثانيا: (وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) ، # أي: بعد أن تنصر عليهم فيهلكوا فى الدنيا توقع ما يحل بهم في الأخرى - # (وأبصرهم) ، هناك وأنواع العذاب التي تصب عليهم، وعمل النار فيهم ثم ~~مالهم فيها من البقاء والخلود ومع تبديل الجلود وسائر ما أعد الله تعالى ~~للكفار في عذاب النار، فقوله "وأبصر"، مودع فيه كل ذلك: (فسوف يبصرون) # PageV01P1098 # تهدد لهم أي سوف يلقون ما أوعد الله به أهل معصيته من أليم عقوبته. # PageV01P1099 ### | سورة ص # الآية الأولى منها # قوله عز وجل: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ~~(4) . # وقال فى سورة ق،: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص "قال بالواو فى سورة ص- واختصاصها بالفاء فى ~~سورة ق؟. # والجواب أن يقال: إن التى فى سورة "ق" خبر عن عجبهم فى أنفسهم واتصال ~~قولهم به فقال: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ~~(2) # فكان أخر الكلام راجعا إلى أوله الذي هو خبر عن ضميرهم من حصول العجب ~~فيه، وهو قولهم عقيبه: (هذا شيء عجيب) . # PageV01P1100 # وليس كذلك ما فى سورة "ص "، لأن قوله هناك: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) # خبر عن عجبهم قولا وفعلا، وقولهم بعد ms262 ذلك ليس هو راجعا إلى قوله: ~~(وعجبوا) رجوع ما فى سورة " ق " إليه لأنه أخبر عنهم أنهم قالوا: (هذا ساحر ~~كذاب) فلم يرجع إلى قوله: (وعجبوا) رجوع قولهم إليه: (هذا شىء عجيب) فيقع ~~عقيبه ويقتضى الفاء اقتضاءه إذ لم يكن قولهم: (هذا ساحر كذاب) من مقتضى ~~(عجبوا) كما كان قولهم: (هذا شيء عجيب) منه. # PageV01P1101 # الآية الثانية منها # قوله تعالى (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم ~~لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) # وقال فى سورة ق: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون ~~وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف الترتيب فى هاتين الآيتين، وعن قوله فى # خاتمتهما: (فحق عقاب) فى سورة ص وقوله: (فحق وعيد) فى سورة ق. والجواب أن ~~يقال: إن سورة "ص" مبنية فواصلها على أن تردف أواخرها # بالألف، فكانت الآية التي من هذه العشر مختومة الفاصلة بوصف فرعون بذى ~~الأوتاد # PageV01P1102 # وبعدها: (أولئك الأحزاب) وبعدها: (فحق عقاب) وجاء بإزاء ذلك فى سورة "ق": ~~(وأصحاب الرس وثم ود، ومكان: (فحق عقاب) قوله تعالى، (فحق وعيد) . # وكذلك فى هذه السورة: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) ، # وفى سورة الصافات (وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # لأن فواصل الآيات التي في سورة الصافات مردفة أواخرها بالياء أو بالواو. # PageV01P1103 # والقصد التوفقة بين الألفاظ مع صحة المعاني كما قال تعالى: (قالوا آمنا ~~برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) # فى الشعرار، وفى سورة طه ( ... قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) فاعرف ~~ذلك، فإنه مما يكثر إن شاء الله تعالى. # PageV01P1104 ### | سورة الزمر # الآية الأولى منها # قوله عز وحل: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ~~(2) . # وقال فى هذه السورة أيضا:، (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) . # للسائل أن يسأل عن المكان الذى خص بقوله: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب) دون ~~قوله: (إنا أنزلنا ms263 عليك الكتاب) وما الفائدة المخصصة كل واحدة من اللفظين ~~بمكانها الذي استعملت فيه؟ # والجواب أن يقال: قد تقدم قولنا فى الفرق بين: (أنزلنا إليك) و (أنزلنا ~~عليك) # PageV01P1105 # وأن على" تتضمن معنى "فوق" وأن يكون الوحي جاءه من تلك الجهة، وأن "إلى" ~~للنهاية، فلا تختص بجهة دون جهة، ولذلك كان أكثر المواضع التي ذكر فيها ~~إنزال القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - (عدي ب ب "على" كقوله ~~تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ، وكقوله: (ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده ... ) ، وقال: (نزل به الروح الأمين ~~(193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) ، # وقال: ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) . # وأكثر ما ذكر إنزاله على الناس جاء معدى ب "إلى"، # PageV01P1106 # كقوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) . ثم كل موضع قيل فيه: (أنزلنا إليك) فقدشدد التكليف عليه، ~~ونزل منزلة أمته فيما يجب على عالمهم تبيينه لمتعلمهم، كقوله تعالى فى أول ~~هذه السورة: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) # ، فقد أمر بإخلاص العبادة، والمراد هو وأمته، وكقوله: (.. وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) . # وكان المراد فى المواضع التى استعملت فيها "إلى" أنه تناهي إلى حيث لا ~~متعدى وراءه من عالم سنة مقصور عليه، فكل موضع عدي فيه الإنزال ب "على" فإن ~~المراد به أنه شرفك وأعلى بذلك ذكرك لتؤدى ما عليك فتنذر وتبشر، فمن قبل ~~فحظه أصاب ومن أعرص فنفسه أوبق # PageV01P1107 # ، ويكون فيه تهديد لمن ترك القبول، كقوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) # ثم قال: (.. لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين) ، # وكما قال فى هذه السورة: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى ~~فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) # فقد أسقط عنه فى ظاهر اللفظ القصد إلى الوعيد ما ألزمه عند قوله فى الآية ~~التي فى سورة النساء (إنا أنزلنا إليك الكتاب ms264 بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) . # فمن عرف حقيقة اللفظين وتخصيص كل مكان بواحد منهما علم أن # ما جاء عليه في أول السورة هو مميز عما جاء عليه في وسطها، ولم يخف # PageV01P1108 # عليه الفرقان ببنهما. والله أعلم. # PageV01P1109 # الآية الثانية منها # قوله عز وجل: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين (12) . # للسائل أن يسأل فيقول: لأى معنى عدي "أمرت" الأول ب "أن"، وعدى "أمرت" ~~الثاني باللام فقال: (وأمرت لأن أكون) وما فائدة اللام؟ ولو قال: أمرت أن ~~أكون أول المسلمين لكان الكلام مستغنيا عن اللام؟. # والجواب أن يقال: إن القصد فى الأمر الثاني غير القصد فى الأمر الأول، ~~وذلك أن الأول يتعدى إلى العبادة، والثاني معناه: وأمرت أن أعبد الله لأن ~~أكون أول المسلمين، أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله تعالى، وبعثت رسولا ~~لأن أكون أول من يبدأ بطاعة الله تعالى وعبادته على الإخلاص المطلوب، ~~فاللام ليست مقحمة على ما ذهب إليه كثير عن النحويين، وإنما معناه ما ذكرنا ~~من أن الأمر # PageV01P1110 # بالعبادة لأجل أن يفعل أولا ما أمر به، ثم يحمل الناس على مثله، وهذا ~~واضح، فاعرفه. # PageV01P1111 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي ~~كانوا يعملون (35) . # وقال فى سورة النحل: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين ~~صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) . # للسائل أن يسأل عن الموضع الذي استعمل فيه "الذى" فى قوله (بأحسن الذي ~~كانوا يعملون) وعن الموضع الذى استعمل فيه "ما" فى قوله: (بأحسن ما كانوا ~~يعملون) . # والجواب أن يقال: إن كل واحدة من الآيتين تقدم فيها ما اقتضى حمل هذين ~~المختلفين عليه أعنى "الذي"، و "ما" وهما إذا كانتا موصولتين بمعن، إلا فى ~~قصور"ما" عما يتبع له "الذى" لأنك إذا قلت: رأيت ما عندك، لم يدخل ms265 تحتها # PageV01P1112 # المميزون، وإذا قلت: رأيت الذي عندك دخل، فإنه يصلح للمميزين والبهائم ~~والجمادات ثم إنه يحسن حذف المبتدأ من صلة (الذي) إذا كان ضميرها، كقوله ~~تعالى فى قراءة من قرأ: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ... ) ، ~~والمعنى: تماما على الذي هو أحسن، وكما جاء: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، ~~ولا يحسن ذلك فى "ما" ولا فى "من " لو قلت: رأيت ما عامر، تريد: ما هو ~~عامر. ورأيت من عاقل، تريد من هو عاقل، لم يحسن كحسنه فى صلة "الذى" لمزية ~~"الذي" على "من " و "ما" فى اللفظ والتصرف ولوقوعها # PageV01P1113 # على الجنس كقوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) # وقوله فى سورة الزمر: (أسوأ الذي عملوا) و (بأحسن الذي كانوا يعملون) ~~إنما هو للبناء على م اتقدم، وهو قوله: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون (33) # فافتتحت الآية قبلها ب "الذي" ووصلت بفعل تعلق به قوله: (ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا) ، وقصد جنس عملهم السيء، وجنس عملهم الحسن، فكان استعمال ~~"الذى" فى هذا المكان أولى ليتلاءم اللفظان المتعلق أحدهما بالآخر كما ~~تلاءم معناهما، وأما الآية التى فى سوة النحل فإن الأمر فيها على مثل ما فى ~~سورة الزمر # PageV01P1114 # من حمل اللفظ على نظيره مع مطابقة المعنى له، وذلك أن أول الآية هناك ~~(ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ... ) # فقال في الذي عند الله: "ما عند الله. ثم قال: (ماعندكم ينفد) والمعنى: ~~الذي عندكم ينفد، فاستعمل "ما" فى قوله: (وما عند الله باق ... ) فلما جاء ~~ذكر الجزاء وهو: (ما عند الله) كان استعمال اللفظ الذي يرجع إلى ما تقدم ~~أولى من استعمال غيره، فقال: ( ... ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون (96) . # وأحسن ما كانوا يعملون هو ما عند الله مما أعد من الأجر له ثم بعده ": ~~(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ms266 طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون (97) # PageV01P1115 # فاستعمل "من" وهى للمميزين عامة فيهم، وبإزإئها فى غيرهم: "ما"، فلما ~~استعملت "من" هنا شرطا كان استعمال "ما" التي هى قرينتها فيما يتعلق في ~~بجزاء شرطها أولى مما لا يلائمها. فكما كانت "الذى" فى سورة الزمر أحق ~~بمكانها كانت "ما" فى سورة النحل أحق بموضعها، والسبب واحد فيهما. والله ~~أعلم. # PageV01P1116 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ~~(48) . # وقال فى سورة الجاثية: (وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون (33) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص سورة الزمر بقوله: (كسبوا) وسورة الجاثية ~~بقوله: (عملوا) وعن الفائدة في ذلك؟ # والجواب أن يقال: إنما جاء قوله: (كسبوا) في هذه السورة بناء على ما وقع # الخبر به عن الظالمين فى الآية التي قبل هذه الآية حيث يقول: (أفمن يتقي ~~بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) # ، ثم اعترضت آيات تؤكد ما على الظالمين من الوعيد، وتقوي ما للمصدقين من ~~الوعد إلى أن انتهت إلى ذكر هؤلاء الظالمين الذي قيل لهم: ذوقوا ماكنتم ~~تكسبون) فقال تعالى: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48) # ، فكان المعنى: ولو أن للظالمين الذين تقدم ذكرهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب، ثم قال: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا) أي ~~الجزاء على ماكسبوا من سيئآتهم، كما قيل لهم: ذوقوا ماكنتم تكسبون) ، أي: ~~جزاءه، ثم تبعه ذكر السب فى الآيات الئى بعدها فى قوله: (قد قالها الذين من ~~قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ~~ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) . # PageV01P1117 # وأما الآية التي فى سورة الجاثية فالطريق فى اختيار "عملوا" فيها كالطريق ~~فى اختيار "كسبوا" ms267 فى سورة الزمر، لأن قبلها قوله تعالى: (وترى كل أمة ~~جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) # ، وبعدها: (.. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) # فى الموضعين، وتبع ذلك قوله: (وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون (33) . # فبنى (، عملوا) على ما سبق، كما بني هناك "كسبوا" على ما تقدم. فاعرفه. # PageV01P1118 # الآية الخامسة منها # قوله تعالى في حال أهل النار ( ... حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم. # وقال في أهل الجنة: ( ... حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) . # للسائل أن يسأل عن الواو في قوله في الثانى: "وفتحت " وتركها في # الأول؟ # والجواب عن ذلك ما ذهب إليه بعض المفسرين: أن في ذلك دلالة على أن أبواب ~~جهنم كانت مغلقة ففتحت لما جاءوها، وأن أبواب الجنة كانت مفتوحة قبل مجىء ~~المؤمنين إليها. # PageV01P1119 # وهذا يحتاج إلى بيان، وهو أن قوله: (فتحت أبوابها) جواب لقوله: (حتى # إذا جاءوها) لأن في "إذا" معنى الشرط، وفى جوابها معنى الجزاء، ولابد لها ~~منه، وأنت تقول: إذا جئت زيدا فتح لي الباب، أردت أن الباب كان مغلقا، ففتح ~~لمجيئك، وتقول: إذا جئت زيدا وفتح لي الباب. # فإن ما بعد (الواو) لايقوم مقام الجزاء، والمخاطب متوقع عند سماع ذلك ما # يتم به الكلام فإن أراد المتكلم إضمار الجزاء، واكتفى بدلالة الشرط عليه # وذلك إذا كان لفظاهما واحدا جاز حذفه وعطف ما بعده عليه، فيكون المعنى ~~حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها فتحذف "جاءوها" الثانية لدلالة الأولى ~~عديها. وعلى هذا قول، امرىء القيس: # PageV01P1120 # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل # معناه: فلما أجزنا ساحة الحى أجزناها وانتحى بنا. # فإن قال قائل: وهل يختلف المعنى إذا حذفت الواو وإذا أثبتت؟ # قلت: يختلف بأن الفتح يقع عند مجيء أهل النار، لأن قوله: (فتحت) جزاء ~~للشرط، وحقه إذا كان فعلا أن لا تدخله "واو" ولا "فاء"، ويكون عقيب الشرط، ~~وإذا حذف ms268 الجزاء وعطف فعل عليه فقيل: حتى إذا جاءوها وفتحت # PageV01P1121 # ، كان التقدير: حتى إذا جاءوها جاءوها وأبوابها مفتحة، فهذا حكم اللفظ. # PageV01P1122 # وأما حكم المعنى فإن جهنم لما كانت أشد المحابس ومن عادة الناس إذا شددوا ~~أمرها أن لا يفتحوا أبوابها إلا لداخل وخارج، وكانت جهنم أهولها أمرا، ~~وأبلغها عقابا أخبر عنها الإخبار عما شوهد من أحوال الحبوس التى تضيق على ~~محبوسها، فوقع الفتح عقيب مجيئهم ليتطابق لذلك اللفظ والمعنى، ولم يكن هناك ~~حذف. # PageV01P1123 # وأما الجنة فلأن من فيها يتشوقون للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذ بشر # من فيها بإياب أربابها إليها أن تفتح أبوابها استبشارا بهم، وتطلعا ~~إليهم، ويكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن المؤمنين وحالهم على ما جرت به عادة ~~الدنيا فى أمثالهم، فيكون حذف الجزاء وإدخال "الواو" على الفعل المعطوف ~~عليه لذلك. فاعرفه. # PageV01P1124 ### | سورة المؤمن # الآية الأولى منها. # قوله تعالى: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~(59) : وقال فى سورة طه (2) 151،: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل ~~نفس بما تسعى (15) . # للسائل أن يسأل عن اللام الداخلة على "آتية، فى سورة المؤمن وخلوها منها ~~فى سورة طه؟. # الجواب أن يقال: إن اللام التى تقع فى خبر "إن أو اسمها إذا حلت محل ~~الخبر تؤكد الكلام والعرب تحرض على التوكيد فى موضعه، وتركه فى غير # PageV01P1125 # موضعه، قال الله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ، # وقال قبل الآية في سورة المؤمن: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) والمعنى: أن القادر على خلق السموات والأرض ~~قادر على خلق الناس، ومن قدر على خلق الناس أولا قادر على خلقهم ثانيا، ~~وهذان من مواضع التوكيد، وتحقيق الخبر أن الساعة حق وأنها آتية لا ريب ~~فيها، والخطاب لقوم كفار ينكرونها. # والتي فى سورة طه خطاب لموسى عليه السلام، وهى فى ضمن كلام الله تعالى ~~له: (إني أنا ربك فاخلع نعليك) ، وقال: ms269 ( ... وأقم الصلاة لذكري (14) إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها:، 1-15، ولم يكن موسى عليه الصلاة والسلام # PageV01P1126 # ممن ينكر ذلك فيؤكد الكلام عليه توكيده على منكريه والجاحدين له على أنه ~~تحميل له ليعلم قومه، وهو: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~فتردى (16) :، فإذا كان الأمر على ما بينا وضح الفرق بين الموضعين بالذي ~~ذكرناه. # PageV01P1127 # الآية الثانية منها # قوله عز وجل: (.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(61) . # وقال فى سورة يونس:.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ~~(60) وما تكون في شأن. # للسائل أن يسأل فيقول: كيف أظهر الناس فى موضع الإضمار فى سورة المؤمن ~~(وقد أضمر فى موضع الإظهار فى سورة يونس، وهل كان جائزا وقوع هذا موضع ذاك؟ # والجواب أن يقال: إن كل موضع يحتمل الإضمار لقرب الذكر ويحتمل الإظهار ~~لتعظيم الأمر، وذكر أخص الأسماء المقصود بالتقريع والتفنيد فإنه يحمل # PageV01P1128 # على مايلائم الآيات المتقدمة له ليكون قد جمع إلى صحة المعنى واللفظ ~~مشاكلة ما قبله من الآي # فأما قوله تعالى فى سورة المؤمن: (ولكن أكثر الناس لا يشكرون بعد قوله: ~~(إن الله لذو فضل على الناس - ولو قال: ولكن أكثرهم لا يشكرون لقرب الذكر ~~لكان من الجائز الحسن فإنه محمول على الآيات التى قبله، وهى قوله: (لخلق ~~السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال بعده: ~~(إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) : # ثم جاء (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) # فأظهر ذكر الناس كما أظهر فى الآيتين قبلها للمشاكلة والملائمة، وليس ~~كذلك الأمر في سورة يونس عليه السلام، لأن الكلام هناك بني على الإضمار # PageV01P1129 # في الآي المتقدمة، ألا ترى أنه قال تعالى مخبرا عمن يدخل من الظالمين ~~النار: (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ~~(52) ، # فانقضى هذا الكلام، واسئؤنف خبر عن القوم الذين بعث الله رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم ms270 - إليهم فقال: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما ~~أنتم بمعجزين (53) ، فأضمر ذكره فى قوله: ويستنبئوك ثم قال بعده: (.. ألا ~~إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون، فأضمر ما أضاف إليه أكثر، ثم انتهى ~~إلى قوله تعالى بعده: (.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ~~(60) # فاقتضى ما بني عليه الكلام فى هذه الآيات أن يكون ما بعد الشرط بلفظ ~~الإضمار كما كان ما تقدمه، فاختلاف الموضعين فى الإظهار # PageV01P1130 # والإضمار لما ذكرنا. # PageV01P1131 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (57) وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء قليلا ما تتذكرون (58) . # وبعده: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) ~~وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) # ثم بعده: (.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ~~. # للسائل أن يسأل عن المواضع الثلاتة التي جاء فيها لا يعلمون وجاء فيها ~~(لا يؤمنون وجاء فيها لا يشكرون، وعما يخص كلا بمكانه، وهل كان يجوز وضع ~~أحدهما موضع قرينه أم كل آية اقتضت ما ختمت به؟. # والجواب أن يقال: إن من أقر بخلق السموات والأرض وأنكر الإعادة والبعث # PageV01P1132 # ثم نبه على أن يعلم أن من قدر على الأكبر قادر على الأصغر، وهذا موضع ~~يفتقر إلى العلم الذي نفاه عمن لم يقر به فقال: (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) فاختص هذا الموضع بنفي العلم، والعلم هو المحتاج إليه والمبعوث ~~عليه. # وقوله: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) فمن ~~أنكر البعث فهو محتاج إلى الإيمان به بعد علمه بأن القادر على خلق السموات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم. # وأما الآية الأخيرة فقوله: (.. إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الثاس لا يشكرون) ، ومن كان لله فضل عليه فهو محتاج إلى ms271 أن يؤدي حقه ~~بالشكر، فقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) : لا يقابلون نعمة الله ~~عليهم # PageV01P1133 # بما يستديمها لهم من الشكر الذي يربطها لديهم، فقد بان أن كل ما ختمت به ~~آية هو في مكانه اللائق به، ولا يقتضي سواه. وبالله التوفيق. # PageV01P1134 ### | سورة حم السجدة # الآية الأولى # قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين ### | .... # للسائل أن يسأل فيقول: ذكر في هذه الآية أنه خلق الأرض في يومين، ثم قال: ~~وجعل فيها الجبال مع سائر ما ذكر في أربعة أيام، وقضى السموات السبع في ~~يومين، فهذه ثمانية أيام، وقد قال فى موضع آخر: خلق السموات والأرض وما # PageV01P1135 # بينهما في ستة أيام؟. # وما أجاب به المفسرون هو أن معنى قوله: (في أربعة أيام أي: فى تتمة أربعة ~~أيام وفيكون لخلق الأرض يومان، ولخلق ما فيها من الجبال والأقوات والشجر ~~والمياه وغيرها من عامر وغامر يومان، فتكون الأربعة أيام # PageV01P1136 # المذكورة معها يوما خلق الأرض، قالوا: وهذا كما تقول: سرت من البصرة إلى ~~بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوما وأنت تعني خمسة عشر، ~~مع العشرة التي سرت فيها من البصرة إلى بغداد، فتخبر عن جملة الأيام التي ~~وقع السير فيها. # وكذلك أخبر الله تعالى عند ذكر ما خلقه في الأرض عن جملة الأيام التي وقع ~~فيها خلق الأرض وما اتصل بها، وإنما ضم اليومين إلى اليومين المتقدعين ~~لاتصال خلق ما في الأرض بخلق الأرض. هذا ما أجاب به أهل التفسير والنظر ~~وأولو المعرفة بكلام العرب. # PageV01P1137 # وبقي سؤال يحتاج إلى جواب وهو أن يقال: ما الذي أوجب في العربية أن يضم ~~اليومان اللذان أرسيت فيهما الجبال وأخرجت فيهما من الأرض المياه إلى ~~اليومين اللذين وقع ms272 فيهما خلق الأرض؟ وهلا ذكر يوما ذلك مفردين على اليومين ~~المتقدمين ليزول الإشكال ولا يقع الاعتراض. # والجواب عن ذلك: سوى ما يقوله النظار من رد المتشابه إلى المحكم وبنائه ~~عليه بموجب النظر ليتبين مزية أهل العلم وما خصوا به من الفضل ووعدوه من ~~جزيل الأجر هو أن يقال: إن في الكلام ما أوجب ضم اليومين إلى اليومين ~~الأولين فذكر أربعة أيام في هذا المكان، وهو من دقيق الكلام فى الإعراب، ~~وذلك أنه تعالى قال: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) فتمت # PageV01P1138 # الذي " بصلتها، وصلتها: (خلق الأرض) وانقطعت الصلة بقوله: (وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين) لأن (وتجعلون معطوف على قوله: (لتكفرون) فانقطعت ~~الصلة بالعطف على ما قبل الموصول والصلة، وقوله بعد ذلك: (وجعل فيها رواسي ~~من فوقها) عطف على قوله: (خلق الأرض في يومين) ولا يصح العطف على فعل هو ~~صلة "الذي"، وقد حجز بينهما كلام أجنبي عنهما، فلو قلت الذي خرج محمد وركب، ~~لم يجز، لأن قولك "وركب معطوف على "خرج، و (خرج،) صلة الذي " وقد انقطعت ~~بقولك: "محمد، فلا يصح العطف على الصلة مع حجزه، ولو قلت: الذى خرج وركب ~~محمد، صلح. # وإذا كان كذلك وجاء قوله: (وجعل فيها رواسي) معطوفا على (خلق الأرض) ~~وامتنع هذا العطف لما ذكرت، لم يكن بد من أحد أمرين: إما أن ينوى بهذه ~~الجملة المعطوفة التقديم حتى تعطف على (خلق الأرض) وينوى بقوله: (وتجعلون ~~له أندادا) التأخير، وهذا مما يجوز في ضرورات الشعر، وهو قبيح # PageV01P1139 # وإما أن تعطف على فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه، فيضمر: ~~(خلق الأرض ) ، وهو ما دل عليه الأول، ثم يعطف: (وجعل فيها رواسي من فوقها ~~عليها) ، "فيصير كأنه قال: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدر فيها أقوأتها في أربعة أيام، فيضم) ~~اليومان اللذان يقتضيهما خلق الأرض إلى اليومين اللذين هما لخلق ما فيها ~~للمعنى الداعى إلى إضمار قوله: (خلق الأرض) ، بعد قوله: (ذلك ms273 رب العالمين) ~~فهذا الذي أوجب من طريق اللفظ والمعنى أن يتناول الخبر الثانى فى المعطوف ~~على الأول جملة الأيام التي وقع فيها خلق الأرض وما اتصل بها وهو بين # PageV01P1140 # لمن تنبه إليه مفسر. فاعرفه. # PageV01P1141 # الآية الثانيه منها # قوله تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون (20) . # وقال في سورة الزخرف: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~فبئس القرين (38) # وقال قبله: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها يعني أبواب جهنم # وقال بعده: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) يعنى أبواب الجنة # للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) بعد إذا في سورة السجدة وحذفها فى الموضع ~~الآخر؟ # PageV01P1142 # والجواب أن يقال: إنه إذ قصد توكيد معنى الشرط الذي تتضمنه "إذا" لقوة ~~معنى الجزاء استعملت "ما" بعدها، وإذا لم يقصد ذلك لقرب معنى الجزاء من ~~الشرط لم تستعمل، (ما) بعدها. # فقوله تعالى: ((حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم) ~~شهادة السمع وسائر الجوارح من المعاني القوية التي لا يقتضيها الشرط الذي ~~هو المجيء، ألا ترى استنكارهم لها حين قالوا لجلودهم: (لم شهدتم علينا) ~~فأجابوا بأن: (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) ، وليس كذلك (حتى إذا ~~جاءوها فتحت أبوأبها) : 71، لأن المجيء يقتضي فتح الأبواب، وإن أضمر في ~~الثاني الجزاء على معنى: حتى إذا جاءوها نالوا المنى عندها وأدركوا # PageV01P1143 # مطلوبهم وموعودهم فيها، فقد صار المكان مكان اختصار وحذف لما لا بد ~~للكلام منه، فكيف يزاد فيه ما يستغني عنه؟ # وكذلك: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك) أي: قال الآدمي لقرينه من ~~الجن اللذين اشتركا في الدنيا في معصية الله تعالى، ثم اشتركا في العذاب في ~~الآخرة: يا ليتني لم أتبعك، وكان بعد ما بين المشرقين بيني وبينك. وهذا ~~أيضا مما يتوقع كونه منهما، ثم يتبري بعض من بعض، فليس في الجزاء ما يوجب ~~قوة الشرط من المعنى الذي لا يتوقع ولا يستفاد إلا به ومنه، ولا يكون في ~~الشرط تنبيه عليه وإشارة اليد، فيترك ms274 التوكيد حيث لا يدعو داع إلى الإتيان ~~به أحسن، وإذا دعا الداعي إليه فالإتيان به أحرى وأقمن # PageV01P1144 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم (36) # وقال في سورة الأعراف: " (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه ~~سميع عليم (200) # للسائل أن يسأل عن التوكيد في سورة السجدة، في قوله: (إنه هو السميع ~~العليم وتعريفه الصفتين بالألف واللام، وترك التوكيد بقوله "هو، وترك ~~التعريف في (سميع عليم من الأعراف؟ # والجواب أن يقال: إن الذي في سورة السجدة لما كان بعد دعاء إلى ما يشق ~~على الإنسان فعله، وهو أن يدفع السيئة بالحسنة " ويقابل غلظة عدوه ~~بالملاينة، استكفافا لشره وأذاه حتى يعود إلى اللطف في المقال والجميل في ~~الفعال، فيصير وإن كان عدوا كأنه صديق حميم قريب القربى. # PageV01P1145 # ثم قال: (وما يلقاها إلا الذين صبروا) أي: ما يوفق لذلك إلا من ملك أمر ~~نفسه، وصبر على احتمال الأذى من عدوه، ولا يوفق لذلك إلا من له نصيب وافر، ~~وحظ جزيل من الإسلام. وهذا الذي بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~وسائر المؤمنين عليه ما ينتهز الشيطان الفرصة عنده، ويبعث على عداوة من ~~تجلب عداوته ضره، ويوسوس إلى الغضبان بالحمية والأنفة، وإذا كان الإنسان ~~ثابت العزم، مالكا لنفسه عند الغضب فجاءه من قبل الشيطان مثل ما ذكرت مما ~~يحمل على خلاف ما رغب الله تعالى فيه، ويدعو إلى معصيته، ووجد في نفسه ~~فسادا يتزين له من جهة شيطانه فهو مأمور عند ذلك بالاستعاذة # PageV01P1146 # بالله من الشيطان الرجيم، ومن ضرر ما يحمل عليه ليعيذه الله تعالى منه. ~~فلما كان الأمر الذى بعث الله تعالى عليه أولياءه شاقا عظيما حتى قال: (وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم كانت وسوسة الشيطان فى مثله أعظم، والمؤمن لها أيقظ، ~~ومن قبولها أبعد، وكان الترغيب في مدافعته أبلغ، وتقدير علم الله تعالى. ~~بما يلاقي من ذلك أودكد فجاء قوله: (إنه هو السميع العليم) أي لا سميعا ~~عليما قديما إلا هو، ms275 فهو لم يزل يعلم ما يكون قبل أن يكون، وكيفية ما يتكلف ~~به من المشاق فيما دعاك إليه. فهذا وجه التوكيد والتعريف في هذه الآية. # وأما الآية التي في سورة الأعراف فإن قبلها: (خذ العفو وأمر بالعرف # PageV01P1147 # وأعرض عن الجاهلين) ولم تعظم فيها الأفعال التي دعا إليها كما عظمت في ~~سورة السجدة. بل كان ما هناك بعثا على أحسن الأخلاق، ولم يخص نوعا من ~~المشاق كما خص في سورة السجدة، فلم تقع المبالغة في اللفظ فاقتصر في الخبر ~~على الأصل، وهو: (إنه سميع عليم) أي يسمع ما يكون منك ويعلمه مع كل مسموع ~~ومعلوم، فجعل اسم "إن " معرفة وخبرها نكرة، - وذلك الأصل قبل تأكيد ~~الألفاظ. # لتأكيد المعاني. فاعرفه إن شاء الله تعالى. # PageV01P1148 # صفحة فارغة # PageV01P1149 # الآية الرابعة منها # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) . # وقال في سورة حم عسق: (ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) . # للسائل (3) أن يسأل عن خلو هذه الآية من ذكر النهاية المذكورة في ~~الأخيرة، # وهو قوله: (إلى أجل مسمى) . # والجواب أن خبر الله تعالى عما آتاه موسى عليه السلام عن التوراة يدل على ~~أن أولئك القوم اختلفوا فيه كاختلاف من في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (في القرآن الذي أنزل عليه، ثم قال؟ (ولولا كلمة سبقت من ربك) أي: لولا ~~أن الله تعالى قال: إني أوفي كلا من المطيع والعاصي حقه من الثواب والعقاب ~~فى الآخرة لأنزل بكل ما # PageV01P1150 # ما يجب له وعليه عند فعله في الدنيا، فأخبر أن سبيلهم في الإمهال سبيلهم ~~لما سبق من حكم الله تعالى، وقوله في تأخير المستحق من الثواب والعقاب إلى ~~الآخرة. # فأما اختصاص ما في سورة حم عسق بذكر النهاية في قوله: (إلى أجل مسمى) ~~فلأن قبله: (وما تفرقرا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) ، فأخبر ~~مبتدإ كفرهم وهو ms276 إنكارهم بعد مجيء العلم، أي: القرآن والآيات التي أوقعت ~~العلم بصحة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فلما قال: إلا من بعد ما جاء و "من، لابتداء الغاية، وكان ذلك ابتداء ~~كفرهم ذكرت النهاية التي أمهلوا إليها ليكون ابتداء عقابهم، فيكون الحد ~~مذكورا مع الحد، ولأنه جرى ذلك محدودا من الطرفين، قال بعده: (ولولا كلمة ~~الفصل # PageV01P1151 # أي: لولا قوله: إني أفصل في الآخرة لأفصل في الدنيا. وهذا بين واضح ~~فاعرفه. # PageV01P1152 # الآية الخامسة منها- # قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي،. # وقال في سورة هود،: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئآت ~~عنى إنه لفرح فخور) . # للسائل أن يسأل فيقول: قوله في السجدة: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضراء مسته) ولم يكن في سورة هود "منا، ولا "من ". # والجواب: أن يقال: إن قوله (منا) مما بالكلام إلى ذكره حاجة، وقد أستغنى ~~عنها في سورة هود عليه السلام لتقدم ذكرها في الآية التي قبلها، وهي: (ولئن ~~أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور) . # وأما قوله: (من بعد ضراء مسته) فلأنه لما حد الرحمة والجهة الواقعة منها ~~حد # PageV01P1153 # الطرف الذي بعدها ليتشاكل المقترنان في التحقيق،، ولما لم يكن ذلك في ~~الآية التي في سورة هود من حد في الأول لم يحتج إليه في الثاني. # PageV01P1154 # الآية السادسة منها # قوله تعالى: (قل أرأيئم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد) ،. # وقال في سورة الأحقاف: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين (10) . # للسائل أن يسأل عن قوله: (ثم كفرتم به) في الأول وقوله: (وكفرتم به) في ~~الثانى، وهل يصلح كل واحد منهما مكان الآخر؟ # والجواب: أن يقال: إن معنى قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله أرأيتم ~~إن كان ما أتيتكم به من كلامه وسائر ما أديته ms277 إليكم من أمور دينه، وكان ~~قصاراكم وآخر أمركم: الكفر به، فهل ترون أضل منكم عن الصواب؟ فإن لم تحققوه ~~فلا بد من أن تتأملوا فيه فتعلموا بعدكم عن الهدى وإيغالكم في الضلال، فذكر # PageV01P1155 # فعلين أحدهما: (إن كاد من عند الله) وختمه بقوله: (ثم كفرتم به) على ~~معنى: أنكم بعد إمهالي لكم لتدبره وحثي إياكم على تأمله كان عاقبة أمركم: ~~الكفر به، فلم يحسن في المعنى إلا، (ثم) ، للمهلة بين الاستدعاء إلى الحق، ~~وخاتمة أفعالهم بالكفر وهو من مواضع "ثم". # وأما في سورة الأحقاف فإن قوله: (وكفرتم به) لم يجعله آخر ما أخبر به في ~~القصة وخاتمة أمره معهم من الدعوة، بل ذكر (وكفرتم به) وعطف عليها أفعالا ~~بعدها، وهى: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) فكأنه ~~قال: قابلتم بالكفر ما أتيت به؟ واحتج عليكم من بني إسرائيل من قرأ الكتب # PageV01P1156 # وعرف ما أتيت به من الصدق فآمن وتكبرتم عما التزم من التذلل في طاعة الله ~~تعالى، ألا تكونون ظالمين بذلك والله لا يهدي القوم الظالمين إلى ما يهدي ~~إليه المؤمنين. # فلما لم يجعل قوله: وكفرتم به) الكفر الذي يوافي به الآخرة لما ذكر بعده ~~من الاحتجاج عليهم وتوقع من إيمانهم، وشهادة من كان على دينهم وإيمانه، ~~واستكبارهم، خالف المكان الذي ختمت أفعالهم فيه بالكفر فاستعملت " الواو،، ~~هنا بدل استعمال ((ثم)) هناك. والسلام. # PageV01P1157 ### | سورة الشورى # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) . # وقال قبله في سورة لقمان (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) . # للسائل أن يسأل عما اقتضى توكيد الخبر باللام في سورة حم عسق في قوله: ~~(لمن عزم الأمور) وتركه في سورة لقمان؟ # والجواب أن يقال: إن ما رغب الله تعالى فيه عبده من الصبر على ما آلم ~~قلبه من جناية جان عليه حتى يغفر لمن ظلمه ويهب له من القصاص حقه ترغيب ~~فيما يشق # PageV01P1158 # على الإنسان فعله، إلا ms278 أن الله حسنه. بما وعد من عفا عما يجب له من الأجر ~~الذي ضمنه، ففيه مع جزيل الثواب إصلاح ما بين عشيرته وعشيرة الجانى عليه ~~بإطفاء الثائرة عنهما، وإذا كان ذا من أصعب ما يتحمله الإنسان وجب من توكيد ~~الكلام فيه ما لا يجب في غيره فأدخلت اللام على: (لمن عزم الأمور) ، على ~~معنى أنه من الأمور التي يحتاج إلى توطين النفس عليها، وتخير أرفعها ~~وأعلاها. # وليس كذلك ما في سورة لقمان؟ لأنه قال: (واصبر على ما أصابك) وليس يختص ~~صبرا على ظلم يلحقه فيرغب في العفو عن الظالم بل تكون شدائد لا يهيج النفوس ~~الانتصار فيها ولا تدعو دواع إلى الانتقام لها من الرزايا في الأنفس ~~والأموال، وما يكون من قبل الله تعالى مما تعبدنا فيه بالصبر وليس لنا ~~غيره. # PageV01P1159 # فأما الموضع الذي أبيح فيه الانتصاف فالصبر فيه أشق، وكظم الغيظ معه أشد، ~~والكلام فيه إلى التوكيد أحوج. ألا ترى أن صبر من قتل بعض أعزته رغبة فيما ~~وعده الله تعالى من مثوبة ليس كصبر من مات له بعض أحبته، فافتقر المكان ~~الأول من تقوية الكلام فيما ينبه على الأفضل ما لم يحتج إليه المكان الآخر. # PageV01P1160 # الآية الثانية منها. # قوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل ~~أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) ~~. # وقال في سوة الروم: (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله يومئذ يصدعون (43) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف ما انقطع إليه قوله: (لا مرد له من الله) فجاء ~~في هده السورة: (ما لكم من ملجإ يومئذ) وفي الروم: (يومئذ يصدعون) . # والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) معناه: استقم ~~أنت ومن معك من المؤمنين على الدين المستقيم من قبل أن مجيء يوم لا ينفع ~~فيه الإيمان فكأنه خاطب الناس بالاجتماع على الإيمان والتآلف على الإسلام ~~قبل # PageV01P1161 # يوم القيامة الذي تتفرق ms279 فيه الجموع، ففريق في الجنة وفريق في السعير ~~(يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم) فلما كان قوله: (فأقم وجهك للدين ~~القيم) أمرا للناس كلهم بالاجتماع على الحق ورفض الباطل حذرهم التفرق في ~~الآخرة، ومصير المطيع إلى دار الثواب والعاصي إلى دار العقاب فكان هذا ~~ملائما لما قبله. # والآية التي في سورة حم عسق جاءت بعد قوله: (ألا إن الظالمين في عذاب ~~مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما ~~له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما ~~لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) . # فلما قال: إن الظالمين لا ولي لهم ينصرهم من دون الله قال عند ذكر اليوم ~~الذي لا مرد له من الله: (ما لكم من ملجإ يومئذ) أي لا معقل لكم # PageV01P1162 # تعتصمون به من عذاب الله، ولا يمكنكم إنكار ما يحل بكم بدفعه عن أنفسكم ~~بنصرة ناصر لكم فاقتضى ما تقدم من ذكر أنه لا ناصر لهم يدفع عذاب الله ~~تعالى عنهم سد طرق النجاة دونهم بأنه لا ملجأ لهم ولا ذاب عنهم ومن دهمه ~~الخطب العظيم الذي لا يطيق احتماله فلم يجد مهربا ولا ناصرا لم يبق له إلا ~~الاستسلام) . والله أعلم) . # PageV01P1163 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) . وقال ~~بعده (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) . # للسائل أن يسأل عن مجيء (عليم قدير) بعد ذكر الذكران والإناث من الأولاد ~~والنعمة بهما على العباد، ومجيء (على حكيم) بعد ذكر الجهة التي منها يرد ~~أمر الله تعالى لعباده بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته، واختلاف أحوال الرسل ~~في خطابه لهم وأمره إياهم، وهل للصفتين الأولتين اختصاص بالآية التي ختمت ~~بهما، وللصفتين الأخرتين اختصاص بما جاءتا بعده. # PageV01P1164 # والجواب ms280 أن يقال: لما نبه الله تعالى العباد على ما يشاهدون خلقه لهم # من أولادهم ذكورهم وإناثهم، وأنه يخص من يشاء بالإناث، ويختص من يشاء ~~بالذكور، أو يؤلفهم ببنات وبنين فيجمعهما للواحد، ومن أراد أن يعقمه من ~~الوالدين حتى لا يكون له نسل حرمه الولد، والناس في الأولاد لا ينفكون عن ~~الأحوال الثلاث، قال عقيبه: (إنه عليم قدير) أي يعلم الغيب # PageV01P1165 # ويطلع على العواقب، فيفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، وهو قادر لا قدرة ~~كقدرته، فاختلاف الأحوال التي ذكرها هو لعلمه بما يصلح منها، وقدرته على ~~إيجادها فاقتضى الفعل المتقدم هذين الوصفين. # وأما قوله: (إنه علي حكيم) فالعلي: القادر على الشيء القاهر له، وكذلك ~~قال الشاعر: # اعمد لما تعلو فما لك بالذي لا تستطع من الأمور يدان # PageV01P1166 # فجعل بإزاء تعلو: لا تستطع، فالقادر على الشىء أتم قدرة يكون عالما به ~~قاهرا له، فذكر هذا الوصف يعد الأشرف من الأفعال من بعثة الرسل على # PageV01P1167 # اختلاف السبل وأنه قاهر لما أراد فعله من ذلك، إنما أراد فعلا على وجه ~~الصواب، لا مزيد عليه وهو الوجه الذي تقتضيه الحكمة. # وجواب ثان في قوله: (علي حكيم) أنه يتعالى عن أن يكون كلامه لمن يكلم ~~ككلام غيره ممن يشاهد المكلم له مشاهدة رؤية، فهو علي عن # PageV01P1168 # ذلك وحكيم في إبلاغهم كلامه من الوجه الذي ذكره والقسم الذي قسمه، فقد ~~تبتت أن كل آية اتبعت ما اقتضته. # وقد ذهب بعض أهل النظر إلى أن معنى قوله: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) : أن ~~يزوج ذكران عبيده بإناثهم، وهذا لا يكون ب (أو) لأنه لا يهب الإناث ولا ~~الذكور إلا أن يزوج ذكرانهم بإناثهم، فليس هو قسما ثالثا تدخله # PageV01P1169 # (أو) حتى يقال فيه: هذا أو هذا، وإنما وجه الكلام ما ذكرنا، والقسمة التي ~~لا مزيد عليها ما قسمنا، فاعرفه. # PageV01P1170 ### | سورة الزخرف # الآية الأولى منها # قوله تعالى: ( ... وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~(13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) . # وقال (في سورة الشعراء: (قالوا لا ضير إنا إلى ms281 ربنا منقلبون (50) . # للسائل أن يسأل عما أوجب التوكيد في قوله هنا (لمنقلبون) . ولم يوجبه في ~~سورة الشعراء حتى لم تدخل اللام على خبر (إنا) دخولها في الأول # والجواب أن يقال: إن " معنى قوله: (وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا) إلى ~~آخر الآية: لتذكروا إنعام الله عليكم وتشكروه، وتخالفوا الكفار بأن تقروا ~~بما أنكروه فتؤمنوا بالبعث والحياة بعد الموت وهذا خطاب لكل من كان في ذلك ~~العصر. # PageV01P1171 # ومن أن يكون بعدهم إلى انقضاء الدهر، فالتوكيد لمثله لازم، وفي الكلام ~~الذي للتأييد واجب. # والذي في سورة الشعراء إنما هو خبر عن السحرة لما آمنوا ووصفوا حالهم ~~واستهانتهم بما خوفوا أن ينالهم من عقوبة فرعون، إذ كان منقلبهم إلى ربهم ~~وكانوا مجازين على إيمانهم وصدقهم وصبرهم، فلم يحتج من التوكيد إلى ما ~~احتاج إليه ما هو على التأييد. # PageV01P1172 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) . # وقال في سورة الجاثية: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) . # للسائل أن يسأل عما بعد قوله: ما لهم بذلك من علم) في سورة الزخرف: # (إن هم إلا يخرصون (20) # وما بعده من سورة الجاثية: (إن هم إلا يظنون (24) ، وهل لاختصاص كل ~~باللفظة التي تقارنه فائدة تقتضيها؟ # والجواب أن يقال: إن قبل الآية من سورة الزخرف: (وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (19) وقالوا لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) . # فأخبر عنهم أنهم قالوا: الملائكة بنات الله وأن الله أراد أن يعبدوهم، ~~(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) # PageV01P1173 # وليس ذلك من علم، بل هم كاذبون فيما يدعونه، ويخبرون به، فأبطل خبرهم ~~بالتكذيب لهم وهو الذي يليق بالموضع. # والذي في سورة الجاثية خبر عن الكفار الذين دعاهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى الاسلام بأنهم قالوا: لا بعث لنا وإنما ms282 هو أن تموت الأسلاف ~~وتحيى الأخلاف، فكلما هدم الدهر قوما فأفناهم أنشأ فيه آخرين وأحياهم، ~~وهؤلاء لم يقولوا ما قالوا بمعرفة بل قالوه على سبيل الظن فكان، (إن هم إلا ~~يظنون) لائقأ بهذا المكان كما لاق بالأول: (إن هم إلا يخرصون) . # PageV01P1174 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ~~(22) ... ) # ثم قال بعده (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) # للسائل أن يسأل عن قوله (مهتدون) في فاصلة الآية الأولى و (مقتدون) في ~~فاصلة الآية الثانية، وهل كانت تصلح هذه مكان تلك أم هناك معنى يخصصها ~~بمكانها؟ # الجواب أن يقال: إن الأولى حكاية قول الكفار الذين حادوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال مخبرا عنهم (أم آتيناهم كتابا من قبله) أي من قبل ~~القرآن فهم به مستمسكون) أي كتابا فيه حجة بصحة دعواهم فهم # PageV01P1175 # متعلقون به فأعرض عن ذلك، وقال تعالى لا ححة لهم لكنهم قالوا: (وجدنا ~~آباءنا على أمة) أي: على ملة وطريقة في الدين مقصودة ونحن في اتباع آثارهم ~~على هداية فادعوا الاهتداء بسلوكهم سبيل آبائهم. # وأما الآية الثانية فإنها خبر عن الأمم الكافرة بأنبيائها، قال: (ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها) ، أي: ذووا النعم ~~والأموال من أهلها قريبا من قول هؤلاء الذين في عصرك يا محمد، فكان أقصى ما ~~احتجوا به أن قالوا: وجدنا أباءنا على أمة، أي ملة فاقتدينا بهم، ولم يؤكد ~~الخبر عنهم بدعواهم الاهتداء كما أكده عمن كان في عصره ممن يدعيه لبطلان ~~قول الجميع وزوال # PageV01P1176 # الماضين عن احتجاجهم وثبات هؤلاء في حجاجهم، وقوله: (قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) ، خطاب لمن قال: ... (وإنا على آثارهم ~~مهتدون) دون الذين قالوا (مقتدون) . # PageV01P1177 ### | سورة الدخان # ليس فيها شىء من ذلك. ### | سورة الجاثية # الآية الأولى منها # قوله تعالى (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث ~~من ms283 دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من ~~السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ~~(5) # للسائل أن يسأل عما ختمت به الآية الأولى وهو (لآيات للمؤمنين (3) # وما ختمت به الثانية وهو (آيات لقوم يوقنون (4) ختمت به الثالثة وهو) : ~~(آيات لقوم يعقلون) ، وعن الفائدة في اختصاص هذه بهذه دون تلك. # والجواب أن يقال: لما قال الله تعالى قبل خلق السموات والأرض بالحق # PageV01P1178 # إن في ذلك لآية للمؤمنين، وقال في سورة ص: (وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا.. فأخبر أن في خلقهما بالحق آية للمؤمنين، ~~وإن خلقهما باطلا لا ليعبد فيهما ويطاع ظن الكافرين، كانت الآية الأولى من ~~سورة الجاثية محمولة على ما تقدم من إثبات الآيات فيهما للمؤمنين، ومن تلك ~~الآيات أنه لا شىء أعظم في الموجودات منها، ثم اتساق النجوم فيها وتسخيرها ~~على انتظام مما يدل على مدبرها، ثم وقوفها مع عظمها وثقل جرمها بغير دعامة ~~من تحتها ولا علاقة من فوقها يدل على قدرة قادر لا يشبهه قادر، فمن وفى ~~النظر حقه في ذلك وفي # PageV01P1179 # سائر ما فيها من الآيات الأخر أداه إلى الايمان بالله تعالى، فلذلك قال: ~~(لآيات للمؤمنين) فخصهم لانتفاعهم بها، وإن كانت الآيات منصوبة لهم ~~ولغيرهم، إلا أنهم لما لم ينتفعوا بها صارت كأنها لم تكن لهم آيات. # وأما قوله: (رفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون) فإن العجائب في ~~خلق الحيوان، وما له من الأعضاء والحواس التي بها يدرك المحسوسات، ثم ما في ~~باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة، ثم الروح التي بها ثبات ~~الأجساد أكثر من أن تحصى وتعد، فإن عرضت شبهة لملحد بأن كون الولد بوطء ~~الوالد أمه، ومن نطفته يأخذ شبهة، فإنه يطرح ذلك # PageV01P1180 # ويرتاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها ولا جارحة من جوارحه يحيط علمه ~~بنشأتها والحكمة في تركيبها، فكيف أن يكون فاعلها تبارك وتعالى من صنعها ~~وزينها بالعقل الذي هو من ms284 أكبر نعمه، فهذا هو المتفكر في ذلك ينتقل من ظن ~~إلى علم، وتيقن بعد شك، واليقين علم يحصل بعد تشكك، فلذلك لا يوصف الله ~~تعالى بأنه موقن، ويوصف بأنه عالم، فلهذا قال: (آيات لقوم يوقنون) . # وأما الآية الأخيرة وهي: (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء ~~من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) ، فقد ~~تقدم من قولنا في الفرق بين (يعقلون) و (يعلمون) ، ما يبين الجواب عن ~~الفائدة في اختصاص هذه الآية بقوله: (يعقلون) كما قال تعالى في سوره ~~البقرة: # PageV01P1181 # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) ، فخص هذا المكان أيضا بقوله: (يعقلون) لأن المعنى ~~أنهم يفطون بمعلوم لمعلوم آخر، فيعقلون من إحيا الله تعالى الأرض بالمطر ~~حتى تكتسى بالنبات والشجر أنه يحى العظام وهي رميم وهذا موضع يقال فيه: عقل ~~من كذا كذا، أي استدركه بالعلم بعد أن لم يكن مستدركا له، فكأنه في معنى ~~يفطون ويدرون ويشعرون، كما أن أصل الوصف بالعقل موضوع لحالة ثانية ومعرفة ~~طارئة، فلذلك خصت الآية الثالثة بهذه اللفظة. # PageV01P1182 # صفحة فارغة # PageV01P1183 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) . # وقال في سورة لقمان 71، (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) . # للسائل أن يسأل عن فائدة قوله: (كأن في أذنيه وقرا) ، واستغناء الكلام ~~عنه في سورة الجاثية مع أن القصتين مشتبهتان؟ # والجواب: أن هذا الكافر لما أخبر الله تعالى عنه في سورة لقمان أنه، يعرض ~~عن القرآن إذا سمعه غير منتفع به حتى كأنه لم يسمعه، وتستمر به هذه الحال ~~كما تستمر لمن به صمم، وقوله في الجاثية: (ثم ms285 يصر مستكبرا كأن لم يسمعها) ~~يدل على ما دل عليه: # (كأن في أذنيه وقرا) لأن الإصرار عزم لا يتهم معه بإقلاع، فإذا أصر على # PageV01P1184 # التصام فهو كمن في أذنيه وقر، فصار أحد اللفظين يغني عن الآخر، ويقوم ~~مقامه، ويؤدي من المعنى أداءه، فلذلك لم يجمع بينهما، وكان الموضع الذي ذكر ~~فيه: (ولى مسئكبرا) أحق بقوله: (كأن في أذنيه وقرا) والموضع الذي ذكر فيه ~~الإصرار على ترك الاستماع أغنى عن ذكر (كأن في أذنيه وقرا) . # PageV01P1185 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون (17) . # وقال في سورة يونس،: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من ~~الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون (93) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف ما اختلف من الآيتين زيادة ألفاظ ما في سورة ~~الجاثية على ما في سورة يونس وإبدال ألفاظ مكان ألفاظ؟ # والجواب أن يقال: إن سورة الجاثية لم يذكر فيها عن قصة بني إسرائيل غير ~~هاتين الآيتين، والتي في سورة يونس إنما هي بعد سبع عشرة آية قصرت على ذكر ~~موسى عليه السلام وما دار بينه وبين فرعون من حيث قال: (ثم بعثنا من بعدهم ~~موسى وهارون إلى فرعون) :، إلى الآية التي ذكر فيها غرق فرعون المختومة ~~بقوله: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) ، وكانت هذه # PageV01P1186 # السبع عشرة آية قد اختصرت فيها جميع ما بسط في الآيات الكثيرة من سورة طه ~~وسورة الشعراء فكان الموضع موضع اختصار، فاختصر قوله: (ولقد بوأنا بني ~~إسرائيل مبوأ صدق) عما شرح في الآيتين اللتين في سورة الجاثية فأودعت آية ~~واحدة من سورة يونس ما أودع آيتين من سورة الجاثية. # فقوله: (ولقد بوأنا بني إسرئيل مبوأ صدق) أي: أنزلناهم منزل اختيار ورفعة ~~وجلالة وتفضيل وكرامة، ولا منزل ms286 في الدنيا أعلى مما تجمع # PageV01P1187 # النبوة والكناب والحكومة بين الناس لفضل العلم، فقوله: (مبوأ صدق) مشتمل ~~على كل ذلك. # وقوله: (ورزقناهم من الطيبات) في الآيتين سواء. # وقوله: (فما اختلفوا) من تمام الآية في سورة يونس، وهو في آية مفردة من ~~سورة الجاثية، أولها: (وآتيناهم بينات من الأمر) يعني أمر الدين (فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) تضمنت أربعة ألفاظ منها، وهى الأمر بعد ~~ما تضمنه لفظ واحد في الآية في سورة يونس، وهي (حتى) وذلك أن "حتى" للنهاية ~~أي لم يختلفوا وكانوا متفقين إلى أن جاءهم العلم، وهو كتاب الله تعالى؟ ~~فحتى لمنتهى الاتفاق، وقد دخلت على " جاءهم العلم "، فمجيء العلم منتهى ما ~~تقدم ومبتدأ الاختلاف الذي لم يكن إلا بعد وجوده، فاحتملت الآيتان من سورة ~~واحدة في قصة واحدة من بسط الألفاظ وشرح المعاني ما اختير اختصاره حيث # PageV01P1188 # شغلت بتلك القصة آيات كثيرة وهي مع كثرتها مبنية على الإيجاز، فكان من ~~البسط قوله: (إلا من بعد ما) بدل قوله: (حتى) وقوله: (بغيا بينهم) بيان ما ~~دعاهم إلى الاختلاف وهو البغى والحسد وعداوة بعضهم لبعض، وقوله: (إن ربك ~~يقضى بينهم يوم القيامة) في المكانين واحد. والله أعلم. # PageV01P1189 ### | سورة الأحقاف # ما في سورة الأحقاف قد تقدم ذكره في غيرها. ### | سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - # ليس في سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - شىء من ذلك. ### | سورة الفتح # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) . # وقال بعده: (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) . # PageV01P1190 # للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: (وكان الله عليما حكيما) وقوله في ~~الثانية: (وكان الله عزيزا حكيما) ؟. # والجواب أن يقال: إن قوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) :، قد فسر على ~~وجهين: # أحدهما: أنها نزلت عليه مرجعه من عام الحديبية مبشرة بما يكون من الفتح ~~في قابل، ومعناها: إنا قضينا بفتح مكة عن محاربة منك لأهلها ومغالبتهم ms287 على ~~دخولها (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) # PageV01P1191 # بما يملكك بعده جميع أرض العرب، وقد علم الله ما يكون قبل كونه، وقرن ~~الحكمة بصنعه، وهو مبشر لكم بما لم يجعله في وقته لما اقتضت الحكمة من ~~تأخيره، فهذا معنى قوله (وكان الله عليما حكيما) # والوجه الآخر: أن تكون قد نزلت لما فتح الله له مكة وكان وعد الله قد سبق ~~بها وبغيرها من البلدان، فلما فتحت مكة ازداد المؤمنون بصيرة إلى بصيرتهم ~~لما صدق الله تعالى من وعدهم فوثقوا أتم ثقة باعتلاء أمرهم، وقوله: (وكان ~~الله عليما حكيما) أي بما يكون مما أخبركم به وبسائر المعلومات، # PageV01P1192 # حكيما في أفعاله المخصوصة بالأوقات، فيقدم ويؤخر على مقتضى الحكمة لا على ~~مقتضى إرادة الخليقة. # وأما قوله: (ولله جنود السموات والأرض) أي يملك من فيهما من الملائكة ~~والإنس والجن، فإذا أراد تسليطهم على كفار عباده لينتقم منهم فعل، وقيل: ~~(لله) أي: هم عبيد له وقيل: لطاعة الله جنود السموات والأرض، أي خلقوا ~~لذلك، ومنها نصرة دينه. # وأما قوله بعد: (وكان الله عزيزا حكيما) فإنما جاء بعد قوله (ويعذب ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) ، فذكر قدرته على عقابهم وقهره ~~لهم بعذابهم، فلما عذبهم بأن أذلهم وأباح للمؤمنين قتلهم وغنمهم أموالهم، ~~كان هذا المكان مقتضيا أن يتصف الله تعالى بالقهر والعزة والحكمة فيما # PageV01P1193 # يظهر من القدرة، فصار كل من خاتمي الآيتين في موضعه، وهذا كما قال في هذه ~~السورة في أهل البيعة تحت الشجرة: ( ... وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم ~~كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) ، فاتصف بالعز والحكمة لما كان ~~في موضع القهر والغلبة. # PageV01P1194 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم ~~نفعا) . # وقال في سورة المائدة: ... (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) .. . # للسائل أن يسأل عن زيادة (لكم) في هذه السورة، وحذفها في سورة المائدة # والجواب أن يقال: ms288 إن هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (من غير عذر، وتأخررا عن الجهاد معه والغزو، وقالوا: (.. ~~شغلتنا أموالنا وأهلونا) . ثم سألوه - صلى الله عليه وسلم - (أن يستغفر لهم ~~يكتمون بذلك نفاقهم، ويظهرون وفاقهم، وأنهم محتاجون إلى استغفار لهم، ~~وقصدهم استمالته، وأن لا تضرهم عداوته، ثم قال: (قل فمن يملك لكم من الله ~~شيئا) أي: من يملك لكم نفعا إن أراد بكم ضرا؟ ومن يملك لكم ضرا إن أراد بكم ~~نفعا؟ ومعناه إن أراد إنزل العذاب بكم لم يكن لكم من # PageV01P1195 # يدفعه عنكم، كما أنه إن أراد الإنعام عليكم لم تضركم إساءة المسيء إليكم، ~~فلما كان في قوم مخصوصين احتيج إلى قوله: (لكم) للتبيين. # فأما الآية في سورة المائدة فإنها لم تخرج على أن تكون مخصوصة في فريق ~~دون فريق بل عم بها، أي لا يملك أحد دون الله شيئا فيما يريده من خير وشر، ~~ونفع وضر في عباده ويدل عليه قوله. (إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~ومن في الأرض جميعا) فلما سيقت الآية إلى العموم لم يحتج إلى (لكم) ، التي ~~للخصوص. # PageV01P1196 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون ~~خبيرا (11) # وقال بعده: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) . # للسائل أن يسأل عن الأولى لماذا ختمت بقوله: (خبيرا) وعن الثانية لماذا ~~ختمت بقوله: (بصيرا) ؟ # والجواب أن يقال: لأن الأولى في ذكر ما أسره المنافقون من نفاقهم، لأنهم ~~أضمروا خلاف ما أظهروا، وطلبوا الاستغفار لهم، ولا إرادة فيه منهم، فكأنه ~~قال: بل الله يخبر باطنكم. # والآية الثانية بعد قوله: (كف أيدهم عنكم) أي: بما قذف في قلوبهم من ~~الرعب (وأيديكم عنهم) بأن أمركم بأن لا تحاربوهم، فيفعل كل ما أراده الله # PageV01P1197 # منهم والله أبصر فعلكم، وهذا ظاهر يوصف بأن الله تعالى يراه، والذي في ~~الأولى باطن يوصف بأن الله تعالى ms289 يخبره، فلذلك خصت الأولى ب (خبير) ~~والثانية ب (بصبير) # PageV01P1198 ### | سورة الحجرات # ليس فيها شيء من ذلك. ### | سورة ق # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (.. فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ~~ما لدي عتيد (23) ، # وقال بعده: (الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) ~~قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) . # للسائل أن يسأل عن إدخال "الواو" في قوله: (وقال قرينه) وحذفها في الثاني ~~حيث، قال: (قال قرينه) . # والجواب أن يقال: إن القرين الأول فيه وجهان: # PageV01P1199 # أحدهما: أن يراد به الملك الشهيد عليه، وهو المشاهد لما يعمله الإنسان ~~فيكتبه عليه، فيقول له يوم القيامة: (هذا ما لدى عتيد) أي: معد محفوظ عليك. # والوجه الآخر: أن يقول قرينه من الشياطين كان في الدنيا: هذا ما عندي من ~~العذاب الحاضر المعد لي ولك. # وعلى الوجهين هو خطاب للإنسان من قرينه. # وأما الآية الثانية فإنها منفصلة، لأن القول هناك ليس للإنسان ولا ما ~~بعده خطاب له، فلما لم يكن القائل ولا المقول له انقطع واستؤنف، ألا ترى ~~أنه # PageV01P1200 # للقرين، وأنه يخاطب الله تعالى بقوله: (ربنا ما أطغيته) فلما لم يكن ~~القائل المخاطب، ولا المقول له المخاطب صار كأنه مستأنف فالآيات التي أجريت ~~هذا المجرى بعده وهي: (قال لا تختصموا لدى) وقوله: (ما يبدل القول لدي) ..، ~~فلما لم يكن في واحدة منهما واو عاطفة، كانت الأخرى كذلك. # PageV01P1201 # الآية اك نية منها # قوله تعالى: (.. وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ... # وقال في سورة طه،: (.. وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) .. ... # للسائل أن يسأل عن الموضعين وأن يقول: لم كان في سورة طه: (وقبل غروبها) ~~وفي هذه: (وقبل الغروب) ؟ # والجواب قريب وهو أن فواصل أكثر الآيات في سورة طه أواخرها ألف، فعدل إلى ~~(غروبها، وهو الأصل، لأن الطلوع مضاف إلى الشمس وحق الغروب أن يكون مضافا ~~إلى ضميرها، وضميرها بعدها ألف. # وأما سورة ق فإن فواصلها مردفة بواو أو ياء، كالسجود والجلود، # PageV01P1202 # والقعيد والعتيد والمريج والغروب ms290 متى ذكر علم أنه أريد به غروبها، فكان ~~ذلك أشبه بالفواصل إلي تقدمتها في المكانين، فلذلك اختلفا. # PageV01P1203 ### | سورة الذاريات # الآية الأولى # قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين (16) # قوله: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) . # وفال في الطور: (إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف ما اختلف من الأخبار عن أهل الجنة في هاتين ~~السورتين؟ # والجواب أن يقال: إنه تعالى أخبر عنهم في (الذايات) أنهم صاروا إلى الجنة ~~بأعمال عددها ودعا العباد إليها ليفعلوا فعلهم لها فقال: (إن المتقين في ~~جنات) # PageV01P1204 # والمراد بالجنات ما ذكره في سورة الرحمن حيث قال: (ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان) ، وبعده: (ومن دونهما جنتان) . # ثم قال: (وعيون) لما كان المعنى بالجنات البساتين التي لها ظلال، والظل ~~والماء مطلوبان للعرب، ولكن ما ذرأ الله من النسم، قرن إلى الجنات العيون، ~~كما قال: (إن المتقين في ظلال وعيون) ، وجعل ذلك بإزاء ما يعذب به أهل ~~النار، حيث يقول (يوم هم على النار يفتنون) ،. أي: يحرقون ليزول عنهم ~~الخبث، وكلهم خبث لا يخلص منهم ما يستغنى عن الإحراق، # PageV01P1205 # ثم قال: (آخذين ما آتاهم ربهم) أي: متقبلين عطية ربهم، لأنهم أحسنوا في ~~هذه الدنيا في فعلهم، فاقتدوا بهم لتكونوا كمثلهم، وأقلوا الهجوع بالليل ~~لتنالوا مثل نيلهم، واستغفروا لتفوزوا كما فازوا باستغفارهم، وأخرجوا فضلات ~~أموالكم لمن يسأل من الفقراء، ومن يحرم نفسه بترك السؤال كما أخرجوها ~~فغنموا بها، واعتبروا بالآيات التي نصبها الله تعالى في الأرض كالجبال ~~الراسيات، والعيون الجاريات، وما يطلع منها من نام وغير نام من جواهر ~~المعادن، فإنهم به اعتبروا، وبه وصلوا، إلى ما وصلوا. # وهذه الآية، تدل على أن وصف أهل الجنة في هذه السورة بالأعمال التي ~~قدموها تتضمن أمر المكلفين بمثل ما جعل خبرا عنهم أنهم فعلوه لأن طريق ~~قوله: # PageV01P1206 # (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ، غير طريق قوله: (وفي الأرض آيات ~~للموقنين) ، إن لم يحمل ms291 على ما ذكرنا، فلما كان القصد في هذه السورة الحث ~~على أفعال أهل الجنة بالآيات المتعلقة بوصفهم المخلصة لخطاب من يدعى إلى ~~فعلهم، استمر الكلام على هذا النظم إلى أن انتهى إلى ذكر الأنبياء، عليهم ~~الصلاة والسلام وأممهم الكافرة، وما أنزله من العذاب بأمة أمة منهم. # وأما الآية التي في سورة الطور فإنه وصف تعالى نعيمهم في الجنة وأصناف ما ~~حصلوا فيه من اللذة فقال: (فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم) # PageV01P1207 # إلى قوله: (إنه هو البر الرحيم (28) ، # لأنه إذا ذكرت الأفعال التي تستوحب بها الجنة، ذكر من الجزاء فيها ما ~~تنتهي إليه اللذة، وتقترحه الشهوة، وهو ما فصله الله تعالى في سورة الطور، ~~ثم ختم الآيات بقوله: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجبون) ، فاختلاف ~~الآيات في السورتين لما ذكرنا. والله تعالى أعلم. # PageV01P1208 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) . # للسائل أن يسأل عن تكرار قوله: (إني لكم منه نذير مبين) وعن موقع الإنذار ~~مرة بعد أخرى في آيتين متواليتين. # والجواب أن يقال: إن قوله تعالى قبل هاتين الآيتين: (ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين لعلكم تذكرون (49) ، ومعناه: خلقنا من الحيوانات ذكرا وأنثى، ومن ~~غيرها الشىء وما يزاوجه مما يماثله أو يضاده فيقابله لتذكروا أن خالقكم ~~بعيد عن شبهكم وأنه وحده لا نظير له يشاكله، ولا ضد له يناصبه ويقابله، لأن ~~الخالق بخلاف خلقه، لا يجوز ما ذكرنا في نعته، ففروا عما حذركم من معصيته ~~إلى ما حثكم عليه من طاعته، فإني أنذركم ما توعدكم به من عقوبته، وهذا ~~تحذير من # PageV01P1209 # المعاصي كلها، وبعث على الطاعات جميعها، ثم خص ما هو أعظم فقال: (ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر) أي: لا تتخذوا الأصنام آلهة تعبدونها مع عبادة ~~الله تعالى فإني أحذركم أن تجعلوا له مثلا، فالنذراة الأولى متعلقة بترك ~~الطاعة إلى المعصية، والثانية متعلقة بالشرك الذي هو أعظم المعاصي، وإذا ~~كانت متعلقة بغير ms292 ما تعلقت به الأول لم يكن ذلك تكرارا. # PageV01P1210 ### | سورة الطور # الآية الأولى منها # قوله تعالى (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) . # وقال في سورة ن والقلم: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون (44) وأملي لهم إن كيدي متين (45) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) . # للسائل أن يسأل عما انقطع إليه: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) في ~~السورتين، فكانت في سورة الطور تنقطع إلى قوله: (أم يريدون كيدا) وفي سورة ~~القلم تنقطع إلى قوله: (فاصبر لحكم ربك) . # والجواب أن يقال: إن عبدة الأوثان من قريش مع إدعائهم أنهم أهل الحجى ~~وأولو النهى " ألزموا في سورة الطور إلزامات يستنكرونها ولا يقولون بها إذا ~~صرفوا عقولهم عنه وهى خمسة عشر إلزاما. # PageV01P1211 # أولها: (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) ، بعد قوله: (فذكر فما ~~أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) ، # والقوم عرفوا الشعر وطريقة، وهذا الكلام وأسلوبه، ولو تدبروه علموا أنه ~~ليس بشعر، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بشاعر. # والثانى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) ، أي: أم تدعوهم ~~عقولهم إلى عبادة من هو دونهم، لأنهم أحياء وتلك # PageV01P1212 # أموات، وهم يعقلون وتلك لا تعقل، وهم يفعلون وتلك لا تفعل، فهذا على سبيل ~~الإنكار وما بعده على سيبل الإيجاب، وهو: (أم هم قوم طاغون) أي: طالبون ~~اعتلاء بالباطل والظلم، وهذا ثالث. # والرابع: (أم يقولون تقوله) ... ، أي: اختلق القرآن، فإن # كان عندهم كما زعموا فليأتوا. بمثله، وهو الذي عجزوا عنه، فلزمتهم الحجة ~~فيه، وهذا رابع. # والخامس: (أم خلقوا من غير شيء) ، أي: أم خلقوا من غير خالق، ولا يقولون ~~به: (أم هم الخالقون) ، فلا أمر عليهم # PageV01P1213 # ولا نهي، وهذا سادس أيضا، ولا يقولونه. # (أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) ، وهذا أيضا سابع لا يدعونه، وهو ~~أن السموات والأرض ms293 ليس لهما خالق قديم لا يشبه المخلوقين، وهم خلقوها، بل ~~لا يسلكون طريق الفكر في ذلك فيؤديهم إلى برد اليقين # والثامن: (أم عندهم خزائن ربك) ، أي: أم يملكون ما يخلقه الله لعباده من ~~الأرزاق، وما في علمه أن ينعم به عليهم فإذا علموا من أنفسم عجزهم عنه، وجب ~~أن يعلموا أن الله تعالى هو المالك لجميع ذلك فيفردوه بالعبادة. # والتاسع: (أم هم المصيطرون) أي المسلطون، على الناس والمقومون لهم، وليس ~~لهم ذلك. # PageV01P1214 # والعاشر: (أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38)) : أم ~~لهم ما يتسببون به إلى السماء وسماع كلام الملائكة، وما يتذاكرونه، من ~~أخبار ما يجريه الله تعالى في الأرض فيعلمون بذلك، أنهم على الحق، ومن ~~يدعوهم إلى الدين على الباطل، فإن كان كذلك فليأت مستمعهم بحجة قاهرة، وهي ~~أخبار عن غيوب تصح، وليس لهم ذلك. # والحادي عشر: يعجب الخلق مما ادعوه من أن الملائكة بنات الله تعالى، ~~فقال: يرزقكم البنين ويجعل لنفسه البنات، وصاحب البنين أعلى كلمة من صاحب ~~البنات.. # PageV01P1215 # والثاني عشر: أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أى: أم ثقل عليهم ~~تصديقك لأنك ألزمتهم مالا يغرمونه لك أجرا، على ما هديتهم له، ولا عذر لهم ~~في ذلك لأنك لم تفعله. # والثالث عشر: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) ، أي: أم يدعون # علم الغيب، ما يكون في مستقبل الدهر، فيصورا لهم أن أمرك لا يثبت وأنه ~~يضمحل، عن قريب خلاف ما وعد الله تعالى في قوله: (هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) . وقيل: أم يعلمون الغيب بوحي من ~~السماء فيكتبونه ويلقونه إلى الناس كما يفعله الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. # PageV01P1216 # والرابع عشر: (أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) ، # أي: أم يريدون بالممانعة والمدافعة وترك الانقياد للمتابعة احتيالا عليك ~~لإبادة أصحابك وقتلك وتدبير ذلك سرا منك، فالكفار هم الذين ينقلب عليهم ما ~~يدبرونه على المؤمنين فيكونون هم المقهورين المغلوبين الهالكين المقتولين. ~~فانقطعت الآية الثالثة عشرة عن الاحتجاجات إلى المطالبات بالمماكرات ~~لاستيعاب أكثر ما ms294 في الباب وختمت هذه # الخامسة عشرة، وهى: (أم لهم إله غير الله) ، أي: خالق يحق عليكم عبادته ~~غير الله # PageV01P1217 # الذي خلق السموات والأرض وذلك يجب أن يكون على صفة الله تعالى من القدرة ~~والعلم والإنعام بما يحق به له العبادة سبحان الله وتعالى عن ذلك. # وأما الآية التي في سورة القلم فإنها الخامسة من إلزامات الكفار الذين ~~دلت أفعالهم على أن المسلمين عندهم كالمجرمين فأنكره الله تعالى ذلك ففال: ~~(أفنجعل المسلمين كالمجرمين) ، ثم أحتج لبطلان دعواهم: (أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون) أي: أم أنزل عليكم كتابا تعتمدونه وتتركون له ما دونه، ولا تلتفتون ~~معه إلى ما يخالفه، وقد قامت # PageV01P1218 # الحجة به عليكم فتمسكتم له بدعواكم، وأن لكم في الدنيا والآخرة اختياركم، ~~وقد علمتم أن هذا ليس لكم. # والثانى: (أم لكم أيمان علينا بالغة) ، أي: أم لكم أن تحجوننا بأيمان ~~الله حلفناها لكم بأن لا نخالفكم فيما تحكمون به من اتخاذ الآلهة، وإقامة ~~العبادة لغير الله، فتلزموننا تصديق أيماننا لكم، وهل أقمنا كفيلا تدلون ~~عليه بضمان ذلك لكم. # والثالث: أم تنسبون صحة ما تلزمونه إلى الآلهة التي جعلتموها # PageV01P1219 # شركاء لله وهم بتبرؤون منكم إذا جمعكم وإياهم يوم القيامة يوم يكشف عن ~~ساق ويشتد الأمر ويستدعى منكم السجود الذي ترتفع به استاهكم على رؤوسكم وهو ~~ما أنفتم منه في دنياكم فتبكون وتقرعون بذلك، فلا تقدرون فتخسرون به ~~وتعرفون أنكم تركتموه حيث كان ينفعكم حتى فاتكم. # ثم الرابع والخامس مانع دنيا لغرامة تثقل عليكم بأجر النبي المبعوث إليكم ~~أم نزول كتاب عليكم بأن الحق فيما لديكم وكل ذلك لا حجة فيه لكم. # فلما بان من هذه الأوجه أن المحق ليس كالمبطل وأن المسلم ليس كالمجرم، ~~دعا الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى لزوم الصبر وتوفع نزول النصر ~~وترك العجلة في الأمر ومباينة صاحب # PageV01P1220 # الحوت في التضجر بالكفر، فانقطعت الآي هنا إلى ذكره ووصف جمل أمره بعد ~~شرح كثير من حاله في السورة المتضمنة له. # PageV01P1221 ### | سورة النجم # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (تلك ms295 إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. # وقال بعده: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ~~(27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ~~(28) . # للسائل أن يسأل عما انقطعت إليه: (إن يتبعون إلا الظن) في الآيتين، ~~واختلافه، والفائدة في تقديم ما تقدم وتأخير ما تأخر، وهل كان يجوز عكس ~~ذلك؟. # والجواب أن يقال: لما قال قبل الأولى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى، # PageV01P1222 # ثم قال: (إن هى إلا أسماء سميتموها) أي: سميتم هذه الأصنام ألهة، ~~والملائكة بنات الله تسمية باطلة لا حجة لكم فيها، فلم يحصل لكم إلا ~~ألفاظها، فأما المعانى فإنكم تتبعون فيها الظن وهوى النفس وما في الطبع من ~~حب الإلف، وقد أتاكم من ربكم ما يثنيكم عنه إلى الرشاد، ومن جاءه من الله ~~الهدى فتركه لاتباع الهوى فقد ضل وهوى فلما كان الذي يجذبهم إلى مقالتهم ~~شيئان: ظن وهوى ذكرا معا ليبين صارفهم عن الحق.. # ثم فال: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) ~~وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) # PageV01P1223 # فخص الذين يقولون: الملائكة بنات الله بالذكر توكيدا لإلزامه الحجة # عليهم، وأنهم يتبعون الظن ب مقالتهم، والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يغني ~~غناه. # والمراد بالحق ها هنا هو العلم، فوصف أن الذي تعتمدونه لا يجوز أن يعتمد، ~~لأنه ظن وبإزائه علم يبطله وهدي من الله تعالى يدفعه ويصرف عنه إلى الحق ~~الذي لا مهرب منه، ومن لم يقبله بعد وضوح الحجة له فأعرض عنه، وهو قوله: ~~(فأعرض عن من تولى عن ذكرنا..) . # ففى الآية الأولى ذكر صارفهم عن الحق، وداعيهم إلى الباطل فبين ما هو؟ ~~وفي # الثانية: طعن على هذا الصارف والداعي إلى الباطل. وإثبات الشىء أول في ~~العقل، ووصفه ms296 بأنه صحيح أو سقيم ثان في الرتبة، فلذلك اختصت الأولى بما ~~اختصت، والثانية. بما تبعها. والله أعلم. # PageV01P1224 ### | سورة القمر # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف ~~كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) ~~تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) . # للسائل أن يسأل عن قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) في ابتداء قصة عاد # وتكريره في آخرها؟. # وقد سئل عن ذلك بعض أهل النظر فأجاب بأن الأول ليس هو تخويفا لعاد، وأن ~~الثاني لها، فلا يكون تكريرا إذ جعل كل واحد من الخبرين خبرا عن غير # PageV01P1225 # ما أخبر به عن الآخر. # وهذا الذي ذهب إليه لا وجه له، لأنه قال: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ~~(18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا. # فلا يصح أن تدخل الفاء في قوله: (فكيف كان) عقيب إخباره عن عاد بأنها ~~كذبت، ثم يصرف عن أن تتعلق به تعلق الجزاء بالشرط. هذا ولم يتقدم في السورة ~~سوى قصة نوح عليه السلام وقومه، وقد عقبت بقوله: (ولقد تركناها آية فهل من ~~مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ~~(17) . # وهذا الذي ذهب إليه من ذكرنا قوله لا يصح أن يراد: كذبت عاد فلم تعتبر ~~كيف كان عذابي ونذر، لمن كذب قبلهم من قوم نوح ويكون ذهابا عن الظاهر إلى ~~إضمار لا دلالة عليه. # PageV01P1226 # والجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: إن عاد اختص ما نزل فيها من كتاب الله تعالى بذكر عذابين لها، # كما قال تعالى: (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى ~~وهم لا ينصرون (16) . # ف (كيف) الأول لعذاب الدنيا والثانى لعذاب الآخرة، ويكون قوله في الثانى: ~~"فكيف كان) ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجري مجرى: (رنادى أصحاب الأعراف) .، ~~في أن ما حق من وعيد الله هو الكائن الواقع لصحته فيخبر عن مستقبله الإخبار ~~عن ماضيه، لاستوائهما في زوال المرية ms297 عن وجودهما. والثاني: أن يكوف المعنى ~~فكيف كان ما قدمت إليها من الوعيد الذي صح شطره، وهو وعيد الدنيا، # PageV01P1227 # ودل على وقوع ما في الأخرى كما صح في الأولى. # والجواب الثاني: أن يكون المعنى في الأول: فكيف كان وعيد عذابى ونذري لما ~~حذرناهم قبل أن أوقعنا بهم، ويكون الثاني بعد إرسال الريح عليهم وإيقاع ~~العذاب بهم والمعنى: فكيف كان عذابي محققا، ونذري مصدقا فيسلم من التكرار # PageV01P1228 ### | سورة الرحمن # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) ~~وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) . # للسائل أن يسأل عن إعادة ذكر الميزان ثلاث مرات في أواخر هذه الآي، وقد ~~كان حقها الإضمار، وهل في اختيار الكلام أن يتكرر في موضع السجع في النثر ~~والقافية في النظم مثله، أو في ثلاثة أسجاع متوالية أو في ثلاث قواف ~~متواطئة حتى يرتضى في ثلاث فواصل مترادفة؟ # PageV01P1229 # والذي أجاب به عن ذلك أهل النظر: أنه أعيد ذكر (الميزان ثلاث مرات) لأن ~~هذه الآيات لم تنزل معا في وقت واحد، ولو نزلت معا لأضمر ذكر (الميزان) ~~ولكن لما نزلت متفرقة. لم يجز إلا إظهار ذكر (الميزان لأنه لم يجر له ذكر ~~في كل وقت أنزلت فيه إحدى هذه الآيات. # وهذا إن تأتى في (الميزان،) الثالث فإنه لا يتأتى فيما قبله لأن الثانى ~~تفسير للأول إن كانت أن بمعنى (أي) ، أو علة إذا كانت "أن" مقدرة معها. ~~اللام، أي: لئلا تطغوا، فكل ذلك لا يجوز مع انقطاع الثاني عن الأول، والأول ~~عن الثاني. # PageV01P1230 # وقد أجيب عن ذلك بجواب آخر، وهو أن يكون أعيد ذكر (الميزان) لتكون كل آية ~~مستقلة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها، إذ الإضمار يضمن الثاني الأول فلا ~~يقوم الثاني بنفسه، ولا الثالث لو أضمر فيها ذكر ما في الأول. # والجواب الذي يعتمد عليه هو أن يجعل لكل واحد معنى غير الآخر، يريد: ~~والسماء رفعها ووضع الميزان أي: وضع البنية المعدلة، وهي بنية الإنسان التي ~~خلق من أمشاج ومن تأليفات مختلفات على ms298 اعتدال من # PageV01P1231 # حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة. # ومعنى رفع السماء ووضع بنية الاعتدال ما ذكره في قوله تعالى: (أولم ير ~~الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ... ) ، أي: رفعنا ~~السماء عن الأرض، وخلقنا الهواء بينهما. # ولم يكن للحى الذي أراد خلقه بد من هواء تخترقه الروح، وينساب # فيه الريح فخلق عز وجل آدم أبا البشر عليه السلام من طين، وفيه مسارب ~~للهواء، فجعل فيه الطين الأرضي والماء الذي قال الله تعالى فيه (وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # والهواء الذي يجذب الأنفاس # PageV01P1232 # إليه من خارج ما برد، ويخرج منه عن باطن ما حمى، والنار التي إذا فقدها ~~الحي خمد وبطل. # فلما دبر الله تعالى خلقه على الاعتدال من هذه الأصول كان هذا الذي جمع # فيه ما ذكرنا مركبا عن الأشياء التي وصفنا لكل معتدل عنده قبول: وله عن # PageV01P1233 # كل خارج عن حد الاعتدال نفار ونبو حتى إذا رأى مربعا مستوي التربيع، وآخر ~~مختلفا خارجا عن الاعتدال في الأبنية وغيرها يقبل الأول وينأى عن الثانى، ~~وكما في الطبع قبول البيت من الشعر إذا اعتدلت أجزاؤه، واتزنت أفعاله إلى ~~وضع عليها، ورده للمنكسر الذي فقد التعديل في البناء، وهذا مما يضطر ~~الإنسان إلى علمه كما يضطر في الأول إلى كراهة المعرجات وقبول المستويات، ~~فقال تعالى: رفع السماء وركب بنية الإنسان المعدلة، وكان معنى ذلك: أن لا ~~تجاوزوا في حكم المعاملة حد المعادلة. # PageV01P1234 # والميزان الثانى: الأحكام التى حكم فيها على اعتدال، وقدر في الطباع ~~كراهية ما خرج منها على اعتداء كقتل نفسين بنفس والجانية إحداهما وقطع ~~أذنين بأذن وأنفين بأنف، وفقإ عينين بعين، وأخذ أموال. بمال، ودواب ~~بدابةوغير ذلك من مجاوزة الحد في القصاص، والأرش ما يثبت به حكم الطبع قبل ~~حبهم السمع، وكان المعنى: عدل خلقة الإنسان ليتوخى المعدلة في الأحكام. ~~فالميزان الأول بنية الاعتدال وهي بنية الإنسان على الوصف، الذي ذكرنا، ~~والميزان الثاني: الحكم "بالعدل، والثالث: آلة التعديل، وهي التي يقع بها ~~الأخذ والإعطاء فيتبين لها مقادير الحقوق ليقتصر ms299 كل ذي حق على قد ما # PageV01P1235 # يجب له منها، فلا يأخذ أكثر ما له، ولا يعطي أقل مما يجب عليه، وهو القسط ~~الذي أمر الله تعالى به المتبايعين، لا رجحان ولا نقصان. # وإذا كان كذلك لم يكن في إعادة لفظ (الميزان) تكرار، إذا كان الأول # بمعنى غير معنى الثانى، والثاني بمعنى غير معنى الثالث، كما تخرج القوافي ~~عن الإيطاء إذا اتفقت ألفاظا واختلفت معانى. # PageV01P1236 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) # وتكريره إحدى وثلائين مرة. # للسائل أن يسأل عن العدة التي جاءت عليها هذه الآية متكررة، وعن فائدتها. # والجواب أن يقال: نبه الله تعالى على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة في # سبع منها، وأفرد سبعا للترهيب والإنذار والتخويف بالنار، وفصل بين السبع ~~الأول والسبع الأخر بواحدة تلت آية سوى فيها بين الناس كلهم فيما كتب الله ~~من الفناء عليهم حيث يقول: (كل من عليها فان) أي من على الأرض: وهذه ~~الفاصلة للتسوية بين الملائكة وبين الإنس والجن في الافتقار إلى الله # PageV01P1237 # تعالى، وإلى المسألة وإلى الإشفاق من خشية الله وهو قوله: (يسأله من في ~~السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) . # وإنما كانت الأولى سبعا لأن أمهات النعم خلقها الله تعالى سبعا سبعا ~~كالسموات والأرضين، ومعظم الكواكب. # وكانت الثانية سبعا لأنها على قسمه أبواب جهنم لما كانت في ذكرها. # وبعد هذه السبع ثمانية في وصف الجنات وأهلها على قسمة أبوابها. وثمانية ~~أخرى بعدها للجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، لأنه # قال تعالى في مفتتحه الثمانية المتقدمة: (ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) # PageV01P1238 # فلما استكملت هذه الآية ثماني مرات قال: (ومن دونهما جنتان) . # فمضت ثمانية في وصف الجنان وأهلها تالية للثمانية المتقدمة فكان الجميع ~~إحدى وتلاثين مرة. # PageV01P1239 # فإن قال قائل: فقد سوى بين الجنة والنار في الاعتداد بالإنعام على ~~الثقلين بوصفهما، وإنما النعمة إحداهما دون الأخرى # فالجواب أن يقال: إن الله تعالى منعم على عباده نعمتين نعمة الدنيا ونعمة ~~الدين، وأعظمها في الأخرى، واجتهاد الإثسان رهبة مما يؤلمه أكثر ms300 من اجتهاده ~~رغبة فيما ينعمه، فالترهيب زجر عن المعاصي وبعث على الطاعات، وهو سبب النفع ~~الدائم، فأية نعمة أكبر إذا من التخويف بالضرر المؤدي إلى أشرف النعم، فلما ~~جاز عند ذكر ما أنعم به علينا في الدنيا، وعند ذكر ما # PageV01P1240 # أعده للمطيعين في الأخرى أن يقول: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) جاز أن يقول ~~عند ذكر ما تخوفنا به مما يصرفنا عن معصيته إلى طاعته التي تكسبنا نعيم ~~جنته، لأن هذا أسوق إلى تلك الكرامة من وصف ما أعد فيها من النعمة. # فإن قال: إن السبع الأول قد عرفت من ست منها نعمة الله علينا في البر ~~والبحر، والسابعة هي: (كل من عليها فان) ، فأية نعمة في ذلك حتى تعد من نعم ~~الدنيا؟ # فالجواب أن يقال: إن فيه التسوية بين الصغير والكبير، والأمير والمأمور، ~~والمالك والمملوك والظالم والمظلوم في الفناء المؤدي إلى دار البقاء، ~~ومجازاة المحسن # PageV01P1241 # والمسيء بحقه من الجزاء، فالمظلوم يأخذ حقه، والظالم يفزع فيترك الظلم له ~~وسبب الفناء يعلمه الإنسان باضطرار فلا نعمه إذا أكبر من هذه. # فإن قال: ذكر بعد قوله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قوله: (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) إلى أن انتهى إلى قوله: (ومن دونهما جنتان) وجاء بعده ثماني ~~مرات قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) كما جاء بعد الجنتين الأوليين، وفي ~~أثناء الثمانية الأخر من معاني الجنتين ما في أثناء الثمانية الأول، فما ~~الجنتان الأوليان، وما الجنتان الأخريان حتى يبعث على طلب هاتين كما بعث ~~على طلب تينك؟ # PageV01P1242 # فيجاب عن ذلك بأجوبة: # أولها: أن يقال: إن التثنية ها هنا في الجنتين لاتصال الجنان أي: كلما ~~كان الولي في جنة وصلت بأخرى فلا تنقطع غرائب الجنان عنه أبدا، كما كان في ~~(حنانيك) دعاء وطلبا لرحمته متصلة بنعمه فلا تنقطع أبدا إذا كان كذلك، ~~وكقولهم: لبيك وسعديك، وسائر ما جاء مثنى يراد به هذا المعنى. # فإن قال قائل: فما معنى الجنتين الأخرين وفي الأوليين كفاية إذا قصد ~~المعنى # الذي ذكرت؟ # PageV01P1243 # قلت: المراد بالجنتين الأوليين جنتان خارج قصره، ms301 والمعنى: كلما كان في # جنة وصلت بثانية غريبة مستطرفة، ثم إذا كان في الثانية كانت حالها في ~~اتصال الأخرى بها كحال الأولى، وعلى ذلك يكون أبدا، فكأنه قال: ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان خارج قصره متتابعتان لا تنقطعان. # وأما: (ومن دونهما جنتان) فإن المراد بهما على هذا الوجه أي: أقرب # من هاتين الجنتين جنتان داخل قصره، وهما في أن الجنة منهما متصلة بأخرى # PageV01P1244 # بعدها، فلا يزال المكرم فيها ينتقل من واحدة إلا أخرى تليها. # وجواب ثان، وهو أن تكون الجنان الأربع في الجهات الأربع بين يديه، وخلفه، ~~وعن يمينه، وشماله، وأقربها ما كان نصب عينيه، ومرمى طرفه، فلا يحتاج إلى ~~أن يلتفت له إلى خلفه. # وجواب ثالث: وهو ما ذهب إليه الحسن من أن الجنتين الأوليين للسابقين وهم ~~الذين سبقوا إلى اتباع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ووضعوا لطاعة ~~الله حرمة الآباء والأبناء وجاهدوا معهم في توطئة الإسلام، وبذلوا أرواحهم ~~في قتال الكفار، وأولئك أعظم درجة وأعلى رتبة، ومن دون جنتيهم جنتان # PageV01P1245 # للتابعين ثم على ذلك، كما قال الله تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) . # PageV01P1246 ### | سورة الواقعة # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) # وبعده: (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) . # وبعده: (أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون (69) . # وبعده: (أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشئون (72) . # للسائل أن يسأل عن ترتيب هذه الأشياء التي تختص بقدرة الله تعالى، وتقديم ~~بعضها على بعض، وهل كان يجوز تقديم ذكر النار على ذكر الماء؟ # PageV01P1247 # والجواب أن يقال الأول هو خلق الإنسان من نطفة؟ والنعمة في ذلك قبل ~~النعمة في الثلائة الأخر التي بعده فوجب تقديمه، ثم بعده ما به قوام ~~الإنسان من فائدة الحرث، وهى الطعام الذي لا يستغني عنه جسد الحى، وهو ذلك ~~الحب الذي يختبز فيحتاج بعد حصوله إلا حصول ما يعجن به، وهو الماء، ثم إلى ~~النار التي ms302 تعده خبزا فالترتيب على حسب الحاجة، والنعمة الثانية بعد ~~الأولى. # فإن قال: فقد قال في الأولى: (لولا تذكرون) ، وقال في الماء: (.. فلولا ~~تشكرون) ، فهل كان يجوز أن يكون أحدهما # PageV01P1248 # مكان الآخر؟ # قلت: الأولى تنبيه على البعث والإعادة وهي النشأة الثانية كالنشأة ~~الأولى، وحمل عى أن يتذكر الأول الذي هو الأصل ليثبت به الثاني الذي هو ~~فرع، على أن القادر كما كان لم يتغير. # وأما قوله: (فلولا تشكرون) فإنه بعد قوله: (لو نشاء جعلناه أجاجا) # أي: شديد الملوحة كماء البحر كما قال: ( ... وهذا ملح أجاج) . أي: فهلا ~~تشكرون أن جعله عذبا، فكل مكان لائق به ما ذكر فيه. # PageV01P1249 ### | سورة الحديد # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) ،. # وقال في سورة الحشر: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) . # وقال في سورة الصف: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) . # وقال في سورة الجمعة: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) . # وقال في سورة التغابن: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) # للسائل أن يسأل عما أوجب اختصاص فاتحة سورة الحديد بقوله (سبح لله ما في ~~السماوات والأرض) # وقد أعيد فى فواتح السور الأخر؟ # والجواب أن يقال: إنه لما كان هذا الكلام مسوقا إلى كلمات ثلاث عقدت # PageV01P1250 # في كل واحدة منها السموات والأرص في عقدة واحدة، جمع المخلوق فيها تحت ~~لفظة واحدة، فكان معنى قوله: (سبح لله ما في السموات والأرض) : سبح لله ~~الخلق في المكانين، فلفظة "ما" في هذا المكان عامة شاملة للخلق فيهما، فإذا ~~أعيدت "ما" في قوله: (ما في الأرض) كانت الأولى خاصة للخلق في السموات دون ~~الأرض، والكلمات الثلاث التي عقدت السموات والأرض في كل واحدة منها في عقدة ~~واحدة، قوله: (له ملك السموات والأرض) ، وقوله بعده: (هو الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام) .، وقوله بعده: (له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور) . # PageV01P1251 # فلما كان افتتاح السورة، ينتهي إلى هذه الآيات بعدها، وهي تنظم المكانين ms303 ~~نظما واحدا اختير أن يجعل الخلق فيهما خلقا واحدا، فلا يفصل بينهما ~~بخلقهما، والقصد جمعهما في نظام واحد ولم يكن هذا المعنى موجودا في سائر ~~السور، فكان الفصل فيه أولى، وهو إعادة "ما" والدليل على ذلك قوله تعالى في ~~آخر سورة الحشر (يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) لأن قبله ~~(هو الله الخالق البارىء المصور) ، فنظم تحت هذه الصفات مخلوقات السماء ~~والأرض، وكذلك قبله: (الملك القدوس) ، وكذلك نظم المخلوق في المكانين فيما ~~يكون من تسبيحهم وتقديسهم على الأول الذي هو الأصل. # PageV01P1252 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) ~~. # وقال بعدها بآيتين: (له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) . # للسائل أن يسأل عن إعادة هذه اللفظة في المكان القريب من الأولى وصلتها ~~في الأولى بقوله: (يحيي ويميت) ثم صلتها في الأخرى بقوله: (وإلى الله ترجع ~~الأمور) ؟ # والجواب أن يقال: إن المعنى: له الملك أولا وآخرا، فالأول في الدنيا، وهو ~~وقت الإحياء والإماتة والآخر في الآخرة حين ترجع الأمور إليه، ولا يملك أحد ~~سواه # PageV01P1253 # لا ملكا وملكا، فقرن بالأول: (يحيي ويميت) لأنهما من أمارات الملك وقرن ~~بالآخر ما يكون في الآخرة من مرجع الخلق وجزائهم بالثواب والعقاب إليه، ~~فجاء في كل مكان ما اقتضاه، وما شاكل معناه. # PageV01P1254 # الآية الثالثة منها # قوله تعالى: (.. كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما ... ) # قال فيما تقدم من سورة الزمر: (.. ثم يجعله حطاما.. . # للسائل أن يسأل عن قوله في سورة الحديد: (ثم يكون) وقوله في سورة الزمر: ~~(ثم يجعله) وهل كان وجه الكلام أن لو جاء أحدهما مكان الآخر؟ والجواب أن ~~يقال: إن الأفعال التى نسق هذا الفعل عليها في سورة الزمر # هى أفعال الله تعالى، لأنه قال: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ~~ثم يجعله حطاما) ، # فهو معطوف على قوله: (ثم يخرج ms304 به زرعا) . # والذي في سورة الحديد لم يسند الفعل المتقدم فيه إلى الله تعالى فيسند ~~إليه ما بعده، وإنما هو: (.. كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون ... ) # PageV01P1255 # فلم يصلح في كل مكان إلا ما جاء فيه من اختيار الكلام. # PageV01P1256 ### | سورة المجادلة # الآية الأولى منها # قوله تعالى: ( ... وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) . # وقال: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد ~~أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) . # للسائل أن يسأل عن خاتمتي الآيتين، وهما: (عذاب أليم) و (عذاب مهين) وعما ~~أوجب اختصاص كل واحدة منهما. بما ذكر فيها؟ # والجواب أن يقال: لما قال في الأولى: ( ... ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ... ~~) أي: يبين لكم ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وذكر الحدود التي حدها لعباده، ثم ~~سمى من لم يؤمن كافرا باسمه وتوعده بالعذاب الموجع المبالغ فيه، وهو ما ~~يخوف الله تعالى به عباده، نعوذ بالله منه. # PageV01P1257 # وأما قوله: (عذاب مهين) فلأن قبله: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) ~~فضمن معنى الفعلين الشرط والجزاء، فجعل الكبت جزاء من آثر حزبا غير حزب ~~الله ورسوله، وحدا غير حدهما، والكبت: الإذلال، وقيل: الغلب والقهر ~~والتخييب، وكل ذلك متقارب، فلما أخبر الله تعالى بالكبت عمن حاد الله ~~ورسوله وجانبهما وصار في حد غير حدهما وصف العذاب الذي ينزل به بالإذلال ~~والاهانة وإن كان كل مؤلم مهينا وكل مهين مؤلمأ، ومما يشهد لذلك قوله تعالى ~~في آخر السورة: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) ، فقوله ~~هنا: (أولئك في الأذلين) كقوله في الأول: (إن الذين يحادون الله ورسوله) ~~فهذا في الكفار. # PageV01P1258 # وقد توعد المنافقين الذين تولوهم بمثله في هذه السورة، وهو قوله تعالى: # (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ~~(16) # أي: إنهم لما أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ms305 ووضعوا في أنفسهم أنه إن اطلع ~~على حالهم حلفوا للنبي بالله، أن الأمر بخلافه، فيكلهم إلى أيمانهم، فهم ~~يخرجون بهذا الأمر في الحكم عن ذلة الكفر، ولهم عذاب يسلبهم هذا العز، ~~ويبدلهم منها إلى الهوان والذل. # PageV01P1259 ### | سورة الحشر # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب (4) . # وقال قبله في سورة الأنفال (1" 131،: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن ~~يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) . # وقال قبله في سوة النساء (2" 1151،: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) ~~. # للسائل أن يسأل عن الإدغام في قوله: (ومن يشاق الله في سورة الحشر، وعن ~~تركه في سورة الأنفال والنساء مع أن مثله فى لغة العرب يصح إدغامه وإظهاره ~~كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم) وقوله تعالى: ( ... ومن ~~يرتدد منكم عن دينه..) # PageV01P1260 # والجواب أن يقال: إن الاصل في ذلك: إذا قويت الحركة فى القاف أن تدغم ألا ~~ترى أن من جوز (اردد) ، مكان (رد) وكانت لغته الإظهار متى حرك الدال ~~الأخيرة في قولك للاثنين: (ردا) ، وقولك للجمع: (ردوا) لم ير إلا الإدغام، ~~ولم يجوز "ارددا"، ولا (ارددوا) ، ولا (ارددي ". # فقوله تعالى: (ومن يشاق الله) فقد قويت الحركة منه في القاف الأخيرة ~~لأنها لاقت كلمة قد لزم أولها السكون، وهو اللام الأولى من (الله) وكانت ~~تحرك لملاقاة الساكن بعدها في مثل (اعبد الله) حيث لا تضعيف # PageV01P1261 # يهرب من ثقله إلى تخفيف برفع اللسان عن الحرفين دفعة واحدة، فقوله: (ومن ~~يشاق الله) لا تلاقي القاف هنا مما يتعلق به إلا ساكنا قد لزم الكلمة فقويت ~~الحركة في القاف التي تلاقي هذا الساكن لأنها لا تلاقي سواه فيما علق الفعل ~~به. # وليس كذلك: (ومن يشاقق الله ورسوله) لأن القاف قد تلاقى ما يتعلق بها ~~متحركا، وهو (ورسوله) ، لأن التقدير: ومن يشاقق رسوله، فلم تخلص القاف فيما ~~يتعلق بها للحركة، كما خلصت لها في ms306 الأول. # وأما قوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) فليس الساكن # PageV01P1262 # من الرسول الذى تلاقيه القاف كالساكن من لفظة " الله " لأنه قد يحذف فيصح ~~لملاقاة القاف متحركا منه، نحو: ومن يشاقق رسول الله، فالذي أوجب في سورة ~~الحشر في قوله: (ومن يشاق الله) الادغام هو قوة الحركة في القاف، وقوتها ~~أنه لا يصح أن تلاقي الاسم. الذي بعدها إلا ساكنا منه لا يقوم مقامه متحرك ~~في حال، وما سواه من المواضع ليس على هذا الوصف، فبان الفرقان فاعرفه والله ~~أعلم. " # PageV01P1263 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ~~(13) . # وقال بعده: ( ... تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) ~~. # للسائل أن يسأل عن اختصاص خاتمة الآية الأولى بقوله (لا يفقهون) واختصاص ~~الثانية بقوله: (لا يعقلون) . # والجواب أن يقال: لما قال: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) # أي: خوفهم منكم أشد من خوفهم من الله تعالى، لأنهم يعلمون " ظاهرا ولا ~~يعرفون ما استتر عنهم منه، والفقيه: من يستدرك من الكلام ظاهره الجلي ~~وغامضه الخفى بسرعة فطنته وجودة قريحته فلما رهبوا النبي ما لم يرهبوا الله ~~عز ذكره # PageV01P1264 # ، صاروا كمن يعرف ما يشهده ويجهل ما يغيب عنه، ولو فقهوا لعلموا أن لما ~~ظهر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطنا خفي عنهم من أمر الله تعالى، ~~فلذلك وصفهم بأنهم قوم لا يفقهون، وقيل: (لا يفقهون) أي: لا يستدركون عظمة ~~الله تعالى ويشاهدون جلالة المؤمنين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا ~~يعلمون أن ذلك بالله تعالى، وقيل: لا يفقهون من معنى المرسل والرسول معنى ~~المرسل وعظمته فيتقون الله حق تقاته. # وأما قوله: (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) فإنه بعد قوله: (بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى..) ، ومعناه: لا يجمعهم الحق على طريقة واحدة، بل ~~هم أتباع أهوائهم فهم مختلفون باختلاف آرائهم، ولو عقلوا الرشد من الغي، ~~لاجتمعوا على الحق فاختلافهم لأنهم لا يعقلون ما يدعو إلى طاعة الله ويهدي ms307 ~~إلى ما قال الله: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله..) ، فالحق سبيل واحد مستقيم، والباطل # PageV01P1265 # سبل كثيرة تحمل عليها أهواء متشعبة، فقد بان لك أن كلا من الخاتمتين # ختم بما يقتضيه. # PageV01P1266 ### | سورة الممتحنة # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا. # وقال بعده: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6) . # للسائل أن يسأل عن المعنى الذي له أعيد: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) ~~وعن متعلق كل واحد من اللفظين، وهل صلح الأول مكان الثاني، والثاني مكان ~~الأول؟ # والجواب أن يقال: إن الاسلام بني أوله على التبرىء من الآلهة ومن عبدتها # PageV01P1267 # ومن الأصنام، وعبدتها، ألا ترى قول من يشهد بالتوحيد أنه ينفى الآلهة ~~أولا بقوله: " لا إله " ويثبت ثانيا بقوله "إلا الله " الواحد الذي تحق له ~~العبادة فقال في الأسوة الأولى المتعلقة بالبراءة من الكفار ومن فعلهم (.. ~~إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) وأنهم يعادونهم إلى أن يؤمنوا، ~~فهذه الأسوة تفصل المؤمن من الكافر ليتميز عنه في الظاهر، ويتبرأ من صداقته ~~ويتحقق بعداوته. والثانية معناها: تأسوا بهم لتنالوا مثل ثوابهم وتنقلبوا ~~إلى الآخرة كانقلابهم مبشرين بالجنة غير" خائفين من العقوبة. # PageV01P1268 ### | سورة الصف # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام..) # وقال قبله في سورة الأنعام: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون. # وقال فيها: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح ~~إليه شيء.. # وقال في آخر سورة العنكبوت: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) . # وقال في سورة الأعراف: فمن أظلم ممن افترى على ms308 الله كذبا أو كذب بآياته ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب.. . # وقال في سورة: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون. # PageV01P1269 # للسائل أن يسأل عن هذا الموضع واختصاصه بلفظ التعريف في الكذب مع أن ~~نظائره في الآي التي ذكرنا بلفظ التنكير. # والجواب أن يقال: إن الكذب مصدر يسمى به الكلام المكذوب فيه، وهو فى قوله ~~تعالى: (أفترى على الله كذبا) على أصله، مصدر غير منقول، والمصدر إذا عرف # قصد به الجنس، والفرق بين معرفته ونكرته إذا قال القائل: قلت كذبا، أي: # قلت نوعا من أنواع الكذب التي هي كثيرة، وإذا قال: قلت الكذب، فكأنه قال: # قلت القول الذي يشهد بالكذب ويشار إليه به، وليس يراد به الجنس كله، كما ~~لا يراد إذا قال: شربت الماء كل الماء، وإنما يراد بعضه بدلالة العرف، ~~وإنما يختار التنكير إذا قارنه لفظ يقتضيه أو كلام متقدم عليه يوحب له ذلك. # PageV01P1270 # ومما قارنه لفظ يقتضي له التنكير كل موضع جاء فيه (فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو كذب فقوله: (أو كذب يقتضي أحد كذبين، وإذا ضم إلى الكذب ~~الأول كذبا ثانيا يثنى الأول المذكور. # وما يكون أمثال يتنكر بعضها ببعض، كما كان ذلك فيمايقع على واحد من أمة ~~شائع فيها فيكون فيها نكرة، فإذا جاءت بعد كذب قرينة تقتضي له التنكير، ~~فأكثر ما جاء منكرا معها، وهو: (أو كذب بآيائه إنه لا يفلح الظالمون (أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء (أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، (أو ~~كذب بالحق لما جاءه أليس في حهنم مثوى للكافرين، (أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب* فهذه خمسة مواضع تقدمها قوله (فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا وكانت مقارنة تقضي التنكير في لفظها # PageV01P1271 # وأما قوله في سورة الأنعام: ( ### | .... # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) فإنما معناه: فمن ~~أظلم لنفسه ممن يختلق كذبا يقصد به الضلال للناس، فكل # من ضل منهم ms309 يكذبه فقد أضله كذب أخلقه، ففيه دليل أمثال له يقتضى تنكيره، ~~وكذلك قوله تعالى في سورة هود: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك ~~يعرضون على ربهم) فكانت لفظة "من، (ممن افترى على اله كذبا* لفظة واحدة # PageV01P1272 # والمعنى: كل كاذب كذبا، فمضامة أنواع الكذب لمضامة الكاذبين لهم يقتضى ~~تنكير لفظه، إذا صاروا واحدا من جماعة شائعا فيها. # وأما تعريفه في سورة الصف فلأن القصد الإشارة إلى ذلك الكذب، وهو تكذيب ~~اليهود بآيات الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - (وتكذيب النصارى بها، ~~وقد تقدمت قصتهما في قوله: وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني.. وبعده: ~~(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام ... أي: ومن أظلم ممن يكذب الكذب الذي تشير إليه الأمم من المسلمين ~~والنصارى واليهود على اختلاف اعتقاداتهم، فقد صح أنه الكذب المعروف عند # PageV01P1273 # المسلمين وعند علماء الطائفتين من أهل الكتاب، فالتعريف في هذا المكان ~~فائدته التي تخصه ما ذكرنا، كما أن ما جاء منه منكرا اقتضاه مكانه على ما ~~بينا) . # PageV01P1274 ### | سورة الجمعة # ما فيها قد تقدم ذكره في سورة البقرة ### | سورة المنافقين # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ~~ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون (8) . # للسائل أن يسأل عن قوله في آخر الآية الأولى: (ولكن المنافقين لا يفقهون) ~~وعن قوله: (ولكن المنافقين لا يعلمون) في آخر الثانية، وما أوجب اختصاص كل ~~واحد بما اختص به من قوله: (لا يفقهون)) وقوله: (لا يعلمون) # PageV01P1275 # الجواب أن يقال: إن معنى قوله: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله) أي: يأمرونهم بالإضرار بهم ms310 وحبس النفقات عنهم، ولا يفطون، لأنهم ~~إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم دون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأن الله لا يحبس ما قدر من أرراقهم فلا يضرهم إذا حبسوا إنفاقهم، فهم لا ~~يفقهون ذلك ولا يفطنون له. # وقوله في الثانية: (لا يعلمون) بعد قوله ": (.. يقولون لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، لأن الأعز من له القوة والغلبة، على ما ~~كانوا عليه في الجاهلية، ولا يعلمون أن هذ القدرة التي يفضل بها الإنسان ~~غيره، إنما هي من الله تعالى فهي لله تعالى ولمن يخصه بها من عباده، ~~والمنافقون # PageV01P1276 # لا يعلمون أن الذلة لمن يقدرون فيه العزة وأن الله معز أولياءه بطاعتهم ~~له، ومذل أعداءه لمخالفتهم أمره، فقد أختصت كل آية بما اقتضاه معناها. # PageV01P1277 ### | سورة التغابن # الآية الأولى منها # قوله تعالى: يسبح لله ما في السموات وما في الأرض ### | .... # وقال بعده: (يعلم ما فى السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون # للسائل أن يسأل عن تكرير "ما" في افتتاح السورة في قوله: (يسبح لله ما في ~~السموات وما في الأرض* وترك ذلك في قوله: (يعلم ما في السموات والأرض ثم ~~تكرير (ما) ، في قوله: (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) وهل كانت الفائدة، تحصل ~~بعكس ذلك وتكرير (ما) حيث لم تتكرر "؟ وحذفها حيث لم تحذف؟ # والجواب أن يقال: لما كان تسبيح ما في السموات على خلاف # PageV01P1278 # تسبيح ما في الأرض كثرة وقلة وخلوصا من غير مقارنة المعاصي واختلاطها بها ~~أعيدت لفظة، (ما) لهذا الاختلاف. # ولم يكن الأمر في قوله: (يعلم ما فى السموات والأرض كذلك، لأن علمه نظم ~~ما فيهما نظما واحدا وعلى حد واحد، فصار علمه بما تحت الأرض كعلمه بما ~~فوتها وعلمه بما في السماءكعلمه بما في غيرها، كما كان علمه بما يكون كعلمه ~~بما كان لا يختلف، فلم يتباين، فتعاد للمخالفة لفظة "ما" للتمييز بها عما ~~خالفها. # PageV01P1279 # وأما لفظ (ما تسرون) فإنه نحالف ل (وما يعلنون) غاية المخالفة، فلم يصلح ~~إلا بإعادة "ما" فقد بان ms311 ووضح الفرق بين المواضع الثلاثة. # PageV01P1280 # 12461 الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) . # وقال بعده في سورة الطلاق: (.. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) . # للسائل أن يسأل عما خصص الآية الأولى بقوله: (يكفر عنه سيئآته) وإخلاء ~~الآية الثانية منه؟ # والجواب أن يقال: إن الآية الأولى جاءت بعد قوله مخبرا عن الكفار: # ( ... فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ~~(6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) . # فهذه سيئات تحتاج إلى تكفير إذا آمن بالله بعدها فقال ة (.. ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا) في مستقبل عمره، يمسح عنه ما سبق من كفره ثم يوجب له ~~جنات والآية الثانية لم يتقدمها خبر عن كفار بسيئات فيوعدوا بتكفيرها إذا ~~أقلعوا # عنها وتابوا منها وعملوا الصالحات مكانها وكان مضمونا تكفير السيئات عند # PageV01P1281 # الإيمان، وعمل الصالحات، فلم يحتج إلى ذكره كما كان الأمر في غيره. والله ~~أعلم. # PageV01P1282 ### | سورة الطلاق # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (. ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ~~(3) # وقال بعده: (.. وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له ~~من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم. # وقال بعده ( ### | ..... # ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) .. # للسائل أن يسأل عن قوله في خلال ذكر الطلاق والعدد: ( ### | ..... # ومن يتق الله) ثلات مرات، يفعل به كذا واختصاص كل جزاء بمكان فأوله: ~~(يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) والثاني (يجعل له من أمره ~~يسرا) والثالث: (يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجر) . # والجواب أن يقال: إنما اقترن بالطلاق والعدة هذا الوعظ لأن الطلاق # PageV01P1283 # رفض حال متمهدة، ms312 وقطع آمال متأكدة"، والعدة باستيفائها يخلص النسب، ويصح ~~للزوج الثاني الولد، ولو لم يكن هذا الحد الذي حده الله تعالى لكان الفساد ~~متصلا فى انقضاء الدنيا فهو أحق الأشياء بالمراعاة وتأكيد المقال فيه ~~والوصاة، قال الله عز من قائل بعد ذكر الطلاق: (. ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي: من تمسك بتقوى الله عز وجل فيما يحل ~~ويعقد ويصدر ويورد فإن الله يلقيه في شدته فرجا ويجعل له مما يكرهه مخرحا، ~~ويتيح له # PageV01P1284 # محبوبه من حيث لا يقدر، ويوجه له رزقه من حيث لا يحتسب، وفي ضمنه أنه إذا ~~طلق لكراهة أحد القرينين لصاحبه وقارن ذلك تقوى الله فإن الله يسبب له ~~القرينة الصالحة ولها القرين الصالح ويرزق أحدهما على يد الآخر من حيث لا ~~يبلغه تقديره ولا يدركه حسبانه، وهذا وعد منه فى الدنيا ويصح له مثله فى ~~الآخرة لأنه يجعل للمتقين منجى من عذابه، وأمنا من مخافته فيخرجهم من الغم ~~إلى السرور، ومن الفزع إلى الأمن، ويعد لهم من كرامته وثوابه ونعمته ما ~~يكتفون به ولا يحتاحون معه إلى غيره. # ويكون قوله: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) مرادا به حال الآخرة إذ ~~المتوكل على الله قد يضام في الدنيا، وقد يقتل أيضا، هذا قول بعض أهل ~~النظر، ويجوز أن يراد بالتوكل أن يكل أمره إليه، فيتبعه راضيا # PageV01P1285 # بما يصرفه إليه كالدابة المواكلة التي تسير بسير غيرها منقادة لحكمه، ~~فإذا كان المتوكل - على الله من هذه صفته فالله تعالى حسبه حافظا له ممن ~~يحاول ظلمه، أو منتقما منه إن رأى ذلك أنفع له، فهو يبلغه مراده في الوقت ~~الذي قدره، إذ كان فد جعل لكل شىء حينا يقع عنده لا يتعجل قبله ولا يتباطأ ~~بعده. # وأما قوله بعد ذكر عدة الحامل: ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا # PageV01P1286 # أي: من لزم التقى سهل الله عليه الصعب من أمره، كما يجعل أمر الولادة ~~سهلا # إذا قامت الأم عن ولدها سرحا ثم عقب حال ms313 الدنيا بذكر ما يفعله في الآخرة # من تكفير سيئآته وإعظام أجره. # فكل شرط من (تقى الله) قرن إليه من الجزاء ما لاق. بمكانه الذي ذكر فيه، ~~والأخير لما كان مقدما على أحوال احتاجت إلى غاية الترغيب وإلى المبالغة # في الترهيب وعد عليه أفضل الجزاء، وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، ~~فتدبره تجده على ما ذكرت. # PageV01P1287 ### | سورة التحريم # ما فيها قد مر في سورة الأنبياء ### | سورة الملك # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) ~~أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) . # للسائل أن يسأل عن تقديم التوعد بالخسف على التوعد بالحاصب، وهل كان ~~يختار التوعد بتقديم الحاصب أم لم يجز في الاختيار إلا ما جاء عليه الوعيد ~~في الآيتين؟. # PageV01P1288 # الجواب أن يقال: لما كانت الأرض التى خلقها الله تعالى لهم ومهدها ~~لاستقرارهم يعبدون عليها غير خالقها، ويعظمون فيها الأصنام التي هي من ~~شجرها وحجرها، خوفهم بما هو أقرب إليهم من الأشياء التي أهلك بها من كان ~~قبلهم. والآية الثانية تخويف بالحاصب من السماء، وهي التي لا يصعد إليها ~~الطيب من كلامهم ولا الحسن من عملهم إلا سيئآت أفعالهم ونتائج ما كتب ~~عليهم، وتلك حال ثانية فذكر في الثانية. # PageV01P1289 ### | سورة القلم # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير ~~معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم ~~كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) # وقال في سورة المطففين: (الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا ~~كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) . # للسائل أن يسأل عما انقطعت إليه الآية الأولى من الجزاء في الدنيا والآية ~~الثانية من الجزاء في الآخرة؟ # PageV01P1290 # الجواب أن يقال: إن الموصوف في الآية الأولى موصوف بجامعة لخصال الذم ms314 ~~فاضحة، وهي الحلف بالكذب الذي يورث الضعة والمهانة والوقيعة في الناس،. مما ~~ليس فيهم، وهو يكسب العداوة، والنميمة، وهي نقل الكلام للتعريف الذي يجلب ~~الضغينة والبخل الذي لا يدع خيره ينفع غيره، والاعتداء وهو تجاوز الحق في ~~المعاملة، وجفاء الطبع والخليقة وغلظهما، والدعوة التى تلصقه بقبيلة ليس ~~منها فيكون كالزنمة المتدلية من الجدى. # PageV01P1291 # فلما وصفه بهذه الأشياء الظاهرة القبح جعل في مقابلتها نكالا ظاهرا يبينا ~~على الوجه فقال: (سنسمه على الخرطوم، أي: نشهره بعلامة تنبئ عن قبائحه ~~وفضائحه. # وأما الآية الأخيرة في المطففين فإن قبلها: (الذين يكذبون بيوم الدين وما ~~يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) فأخبر ~~عنهم أنهم لا يؤمنون بالبعث، وأن الذنوب التي قارفوها غلبت على قلوبهم حتى ~~كأنها تنكرت # ولذلك قال الحسن: الرين: الذنب على الذنب حتى يسود القلب # PageV01P1292 # فلما لم ينعتهم إلا بالكفر أخبر عن جزائهم في اللآخرة وهو أن يحجبوا عما ~~لا يحجب عنه المؤمنون من ثواب الله تعالى يوم القيامة، وأن يصلوا نار جهنم ~~يلزموها عقابا لهم على المعصية، فأتبع كلا من المكانين ما لاق به وصلح في ~~مقابله ما تقدم عليه. # PageV01P1293 ### | سورة الحاقة # 2501، الآية الأولى منها (1) . # قوله تعالى (2) : (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون (42) - # للسائل أن يسأل عن الذي أوجب أن يكون قوله: (قليلا ما تؤمنون) عقيب # (شاعر وقوله: (قليلا ما تذكرون عقيب كاهن) . # والجواب أن يقال: من نسب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه شاعر ~~وأن ما أتى به شعر فهو جاحد كافر، لأنه يعلم أن القرآن ليس بشعر لا في ~~أوزان آياته ولا في تشاكل مقاطعه إذ منه آية طويلة، وأخرى إلى جنبها قصيرة ~~كآية الدين في طولها والآية التى قبلها في قصرها وهى: (واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) # وأما اختلاف المقاطع فإنه ينبئ أيضا العرب # PageV01P1294 # شاعرها ومفحمها أنه ليس بشعر، فمن نسبه إلى أنه ms315 شاعر فهو لقلة إيمانه. # وأما من قال إنه كاهن، فإن كلام الكهنة نثر غير نظم، وفيه سجع وهو مخالف ~~للشعر أيضا، فمن قال إنه ككلام الكهان فإنه ذاهل عن تذكر ما بني عليه ~~كلامهم من السجع الذي يتبعون فيه معاني ألفاظهم، وحق اللفظ في البلاغة أن ~~يكون تابعأ للمعنى، وهو ما عليه القرآن كقوله تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا..) # PageV01P1295 # فلو ئذكر قائل هذا القول: أن هذا النثر مخالف لكلام الكهنة فيما ذكرنا ~~لما قال إنه قول كاهن، فلذلك عقبه بقوله: (قليلا ما تذكرون) . # PageV01P1296 ### | سورة المعارج # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) ~~والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) # وقال قبله في سورة المؤمنين (والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~(6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # PageV01P1297 # للسائل أن يسأل عن الآيات المتجاوبة في السورتين لفظا ومعنى؟ وعن اختصاص ~~سورة "سأل سائل " بقوله: (والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) # وحذفه من سورة المؤمنين. # والجواب عن ذلك أن يقال: لما أخبر الله تعالى في هذه السورة عن طبائع ~~البشر فقال: (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه ~~الخير منوعا (21) -، وكان المعنى: أنه خلق متسرعا إلى ما يلتذه غير متماسك ~~عما يشتهيه، وإن كان مكروهه، وكان مفرطا فى ذلك، فإن مسه شر اشتد له قلقه ~~وإن مسه خير شحت به نفسه. # PageV01P1298 # ثم استثنى من هولاء بعد أن وصفهم بخصال مذمومة مفرطة في معايبها، من يفرط ~~فيما يضادها ويبالغ من طاعة الله فيما يخالفها فقال: (إلا المصلين الذين هم ~~على صلاتهم ms316 دائمون) ، أي: إلا الذين يؤدون الصلاة ويقيمونها ويديمونها، ثم ~~أكد ذلك في آخر هذه الآيات كرا عليها بقوله: (والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون، ومحافظتهم عليها: مراعاتهم لأوقاتها وقيامهم بحقوقها المفروضة ~~قبلها، والمفروضة عند افتتاحها، والمفروضة عند جملة حدودها إلى حين ~~اختتامها، فهذا في وصف المصلين. وبعدهم المزكون، والذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم، يعطون ما يجب عليهم من زكوات أموالهم من يسألهم ومن ~~يترك المسألة فيحرم # PageV01P1299 # مثل ما يعطاه السائل وهذا أيضا مبالغة في وصف من يستشف أحوال الفقراء ~~فيعطهم لما يعلمه من حاجتهم، لا لما يشاهد من إلحاحهم في مسألتهم. # وبعده: (والذين يصدقون بيوم الدين*) ، أي: يؤمنون بالبعث والحساب ~~والجزاء.، ثم أتبع ذلك التوكيد بقوله: (والذين هم عن عذاب ربهم مشفقون) .،؟ ~~ومن صدق بيوم الدين أشفق من عذاب الله تعالى له على سيئات أعماله، فأراد ~~أنهم يصدقون بيوم الدين، ويرهبون عذاب الله عز وجل فيعملون الصالحات طلبا ~~للنجاة منه. # وبعده: (والذين هم لفروحهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين) ، أي:، يطلقون فروجهم عنى معاصى الله إلا على أزواحهم أو ~~ما ملكت أيمانهم، ثم بالغ في تحذيرهم فقال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون، أي: من خرج عن # PageV01P1300 # هذا الحد إلى ما وراءه، وذلك شامل للجهات كلها، فأولئك خارجون عن الحق ~~إلى الظلم، وهذه الآية جاءت في سورة المؤمنين. # وبعدها في السورتين: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) . # ، فوصفهم بأنهم يرعون أمانة الله عندهم، وأمانات الناس لديهم، وعهودهم ~~قبلهم. # ثم خص الآية في سورة "سأل سائل بما أجرى عليه الآيات قبلها من المبالغة ~~في الطاعات التي تضمنت ذكرها فقال: (والدين هم بشهاداتهم قائمون) أي: يؤدون ~~بعد الأمانات التي هي في رقابهم وذممهم الأمانات التي فى ذمم غيرهم وثباتها ~~بشهاداتهم، فوصف من يؤدي الأمانات التي تخصه إلى # PageV01P1301 # مستودعيها على غيرهم فكان من المبالغة التي تقتضيها الآيات المتقدمة ذكر ~~الشهادات عقيب أداء الأمانات، وقوله إخبارا: (والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون) مردود إلى الآيات الأول: وقد بينا ms317 ذلك أولا. # فإن قال قائل: كيف يصح أن يقال: خلق الإنسان هلوعا جزوعا منوعا؟ وهذا ~~يوجب أن يكون الهلع والجزع والمنع موجودة فيه في حال خلق الله له، وليس هو ~~كذلك لأنه لا يشعر بهذه للطفولة () . # قلت: أجيب عن ذلك بأن جعل معناه: خلق حيوانا ضعيفا لا يصبر على الشدائد ~~إذا دامت عليه، وإجراؤه الصفة عليه فى حال الخلق توسع ومجاز. # PageV01P1302 # الجواب الذي أذهب اليه أن الهلع أصلهالتسرع والقلق نحو الشيء، فالحريص ~~يهلع، والجزع يهلع، أي يتسرع إلى تمكين الحزن من نفسه، وإدخال ألمه على ~~قلبه، والحريص يتسرع إلى مشتهاه اتباعا لهواه وإن كانن فيه رداه. # والإنسان في حال صغره مطبوع على هذه الخلال، لأنه يتسرع إلى الثدي ويحرص ~~على الرضاع، وإن مسه ألم جزع وبكى، وإن تمسك بثدي فزوحم عليه منع بما في ~~قدرته من اضطراب وبكاء، فلا يزال يفعل ذلك حتى يرد إليه الحيز الذي كان له، ~~ثم هو على ذلك إلى آخر عمره. # والهلع في كلام العرب، أصله: القلق والتسرع في الحرص والجزع، يقال: ناقة ~~هلواع، أي مسرعة، وظلمان هوالعأي مسرعات وإذا كان كذلك # PageV01P1303 # لم يكن الهلوع والجزوع والمنوع مجازا، فتبين بالمبالغات التي هي في ~~الخصال المذمومة وإردافها بالمبالغات في الطاعات المحمودة الآيات التي في ~~هذه السورة من الآيات التي في سورةالمؤمنين التي يتقدمها مبالغات في مساوئ ~~الأخلاق. # فإن قال قائل: ما الحكمة في خلق الإنسان على مساوي الأخلاق # قلت: الحكمة في خلق شهوة القبيح ليمانع نفسه الإنسان، إذا نازعته نحوه، ~~ويحارب شيطانه عند تزيينه معصية، فيستحق من الله تعالى عقوبته ويستوجب عليه ~~جنته، وهذا واضح لمن تدبره، فاعرفه تصب إن شا الله تعالى. # PageV01P1304 ### | سورة نوح عليه السلام # الآية الأولى منها # قوله تعالى: ( ... ولا تزد الظالمين إلا ضلالا* # وقال في أخر السورة: (.. ولا تزد الظالين إلا تبارا*. # للسائل أن يسأل عن الأول واختصاصه بالإضلال، وعن الثاني واختصاصه ~~بالإهلاك الذي هو التبار؟ # الجواب أن يقال: إن الأول جاء بعد قوله ... ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد ~~أضلوا كثيرا.. # أي: ms318 لما قالوا: ... لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا..، فأمروا ~~أتباعهم بالتمسك بعبادة هذه الأصنام، وأضلوهم عن طريق الرشاد دعا عليهم نوح ~~عليه السلام بان يضلهم التواب بعد استحقاق العقاب ليجاوب قوله: (وقد أضلوا ~~كتيرا) . # PageV01P1305 # وأما الآخر فإن معناه؟ زدهم هلاكا على هلاك، وعذابا فوق عذاب بما وافوا ~~عليه القيامة من كفر وضلال، وذلك عند دخول النار، فاقتضى كل من المكانين ما ~~جاء فيه. # PageV01P1306 ### | سورة الجن # ليس فيها شيء من ذلك ### | سورة المزمل # ليس فيها شىء من ذلك ### | ### | سورة المدثر # # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) . # للسائل أن يسأل عما تكرر من قول (قدر) في ثلاثة مواضع وعن الفائدة فيها؟ # والجواب أن يقال: كان الوليد بن المغيرة لما سئل عن النبي قدر ما أتى به ~~من من ذلك # PageV01P1307 # الفرآن، فقال: إق قلنا شاعر كذبتنا العرب، إذا قدرت، ما أتى به على الشعر ~~ولم يكن إياه، وكان يقصد في هذا التقدير تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- بضرب من احتيال يمكنه تجويزه على العقلاء، فلذلك كان تقديرا مستحقا ~~لعقوبة من الله تعالى، هي كالقتل إهلاكا له فهذا معنى: فقتل كيف قدر* أي: ~~هلك هلاك المقتول كيف قد رأى هو في تقديره ونظره غير طالب لحق، بل هو مثبت ~~باطلا # PageV01P1308 # وإن كان القرآن ليس بشعر، ولا يجوز مثله على" من عرف النثر والنظم، فهو ~~بالصدق في ذلك قاصد إلى تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - (بوجه آخر ~~يدعيه - على ما أتى به. # وقوله: (ثم قتل كيف قدر) أي: أنه قال: وليس ما أتى به من كلام الكهنة، # فإن ادعينا ذلك عليه كذبتنا العرب إذا رأوا هذا الكلام مخالفا لكلام ~~الكهان، فهو في ئقديره له على كلام الكهنة مستحق من العقوبة لما هو كالقتل ~~إهلاكا له، فهو في نفيه عن القرآن الأقسام الفاسدة قاصد إلى إبطاله وإلى ~~إثبات قسم لا يصح إثباته، وهو قول الله تعالى، حاكيا عنه: (فقال إن هذا إلا ms319 ~~سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر) . # وإذا كان كذلك لم يكن في إعادة (قدر تكرار) بل المعنى ما ذكرنا من تعلق ~~كل تقدير بمقدر غير الأول لفائدة تخصه. # PageV01P1309 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ~~ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله) . # وقال في سورة الإنسان: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف المكانين، وقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) # وقوله (فمن شاء ذكره (55) # والهاء ضمير مذكر والعائد يعود على مؤنت؟ # الجواب أن يقال: إن التذكرة مصدر من: ذكرت أذكر تذكيرا وتذكرة، # كما يقال: قدمت تقديما وتقدمة، وكرمت تكريما وتكرمة، فلما كانت الآيات ~~المتقدمة فواصلها في الوقف هاء، كقوله لعافى: ( ### | ..... # حمر مستنفرة فرت من قسورة) و ( ### | ...... # صحفا منشرة كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره) عادت ~~الهاء إلى مذكر دلت التذكرة عليه، وهو بمعناها، وهو" التذكرة والتذكر # PageV01P1310 # لتتعادل الفواصل. # ومعنى (فمن شاء ذكره أي: من شاء انتفع به فيكون ذاكرا له، وإذا لم ينتفع ~~به فيكون كالناسى له. # فأما قوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) فهو بمعنى (فمن شاء ذكره لأن # من انتفع بالذكر سلك سبيل الطاعات التي تؤدي إلى ثواب الله تعالى فعدل ~~إلى قوله: (اتخذ إلى ربه سبيلا) للتوفقة بين الفواصل من هذه السورة إذ كانت ~~مردفة بياء أو واو منقطعة بالألف، فحصل في المكانين المعنيان متفقين مع ~~ملائمة الفواصل في الموضعين. # PageV01P1311 ### | سورة القيامة # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) ~~يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) . # للسائل أن يسأل عما أعيد من لفظ "القمر" في الفاصلتين المتواصلتين؟ # الجواب أن يقال: لما قال: (برق البصر) أي: تلألأ ولمع لهول ما شاهد، وهذا ~~يلحق العيون عند شدة الأمر، والقمر يجوز أن يراد به بياض العين، وخسوف ~~غيبته والبياض الذي فوق الحدقة ms320 يغيب إذا انقلبت العين حتى يتعلق البياض ~~الذي تحت السواد. # ويكون قوله: (وجمع الشمس والقمر) يجوز أن يكون المعنى جمعا من مكان يقرب ~~من المكان الذي فيه الناس، ويجوز أن يكون المراد جمعا في سلب الضياء وفقد ~~النور فعلى هذا لا يكون القمر مكررا إذا أريد بالثاني غير الأول، ولا يكون ~~معيبا إذا أريد به الأول أيضا، لأنه أخبر عنه بغير الخبر الأول # والأشياء التي ليس خيالها أمثالها يجوز أن يقام ظاهرها مقام مضمرها، ~~كقوله: # PageV01P1312 # لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموتا ذا الغنى والفقيرا # فهذا في كلام واحد في البيت، والأول في كلامين، وهو أحسن، ومثله: # (ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور) . # PageV01P1313 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) . # للسائل أن يسأل عن تكرير ذلك، وعن الفائدة فيه، وعن حقيقة اللفظ ~~واشتقاقه. # الجواب أن يقال: اللفظة مششقة من " ولي يلى) ، إذا قرب منه قرب مجاورة، ~~فكأنه قال: الهلاك قريب منك، مجاور لك، بل هو "أولى وأقرب. # وأما التكرير لفظا فهو غير معيب إذا لم يتكرر المعنى، فالأول يراد به ~~الهلاك في الدنيا، والثانى بعده يراد به الهلاك في الآخرة، وعلى هذا يخرج ~~من التكريرات المعيبة فاعرفه ترشد إن شاء الله) . # PageV01P1314 ### | سورة الإنسان # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير ~~من فضة قدروها تقديرا (16) . # وقال بعده: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ~~(19) .. # للسائل أن يسأل عن قوله: (ويطاف عليهم) وهو فعل ما لم يسم فاعله، وبعده: ~~(ويطوف عليهم) وهو فعل سمي فاعله، وعن اختصاص كل من المكانين بواحد منهما، ~~وعن الفائدة فيها. # الجواب أن يقال: إن القصد في الأولى إلى وصف ما يطاف به من الأواني دون ~~وصف الطائفين بها، فلما كان المعتمد بالافادة ذاك بني الفعل مقصودا به ذكر ~~المفعول به لا الفاعل، فقال تعالى: (بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) # PageV01P1315 # قوارير من فضة) أي: آلات من فضة ms321 صفاؤها كصفاء القوارير، لا تمنع أن يرى ~~ما وراءها، وقد قدرت # على صفة فجاءت على ما قدرت وفقا لمنية المتمنى، وقيل: قدرت تقدير ما يسع ~~الري. وقيل: قدرت على ما يريد الشارب أن يكون عليه، لا زيادة ولا نقصان، ثم ~~قال تعالى: (ويسقون فيها كأسا) ، فوصف بعد الإناء # الذي تسبق العين إليه ما يحويه من مشروب وطيبه، فلذلك لم يسم فاعل ويطاف، ~~ولأنه جاء بعد قوله: (وذللت قطوفها تذليلا. # وأما الموضع الثانى الذي " سمي فيه الفاعل، وهو قوله: (ويطوف عليهم ولدان ~~مخلدون) فإن القصد فيه إلى وصف الفاعلين الذين يطوفون بهذه الآنية، # PageV01P1316 # فوجب ذكرهم لتتعلق الصفة بهم، فقال تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون. ~~وفي (مخلدون ثلاثة أقوال: باقون أبدا، دائمون. وقيل: يبقون على هيئة ~~الوصفاء، فلا يشبون. وقيل؟ مخلدون: محلون، والخلدة القرط. # وقوله: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) في صفاء ألوانهم، وضياء وجوههم ~~وحسنهم وإشراقهم، وماء النعيم المترقرق فيهم، وإذا كان كذلك أوجب ما بنى # PageV01P1317 # عليه الكلام أن لا يسمى الفاعل في الأول، ويسمى في الثاني كما جاءت عليه ~~الآيتان. # PageV01P1318 ### | سورة المرسلات # الآية الآولى منها # قوله تعالى: ويل يومئذ للمكذبين. # للسائل أن يسأل عن هذه الآية، لم كررت عشر مرات؟ وتخصيص ما بعد كل منها ~~بما قرن إليها، والفائدة في تقديم ما بعد الأولى على ما بعد الثانية؟ ثم ~~السؤال في الجميع على هذه الطريقة؟ # الجواب أن يقال: إن هذه السورة مقصورة على إثبات ما أنكره الكفار من ~~البعث والإحياء بعد الموت، والحساب، والثواب والعقاب، وتخويف المكذبين به، ~~ليرجعوا عنه، ويتمسكوا بالحق دونه، فأقسم- تعالى- في أول السورة. بما أقسم: ~~(إنما توعدون لواقع) في يوم الفصل بين المسيء والمحسن، والعاصي والمطيع. # واحتج على المكذبين فيما بين ثلاثة من المتكررات بما يحجبهم بعد # PageV01P1319 # قوله: (وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئد للمكذبين) # أي: ويل لمن كذب بيوم القيامة، وهو اليوم الذي يفصل. فيه بين المحسن ~~والمسىء بأعظم المثوبة وأشد العقوبة، وبدأ بعد إيجاب الويل في الآخرة لمن ~~كذب بها بذكر من أهلك من ms322 أمم الأنبياء الأولين كقوم نوح وعاد وثمود، ثم ~~أتبعهم الآخرين الذين أهلكوا من بعدهم، قوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين ~~وال فرعون وملئه، ثم توعد المجرمين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~(وأنهم يلحقون بأمثالهم إذا استمروا في التكذيب على مثالهم، فكان ذلك زجرا ~~بالغا بما صح عندهم من أخبارهم كما قال تعالى: (ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود) # فحذرهم نكالا يقع بهم كما يقع فى بمن عمل مثل أعمالهم فقال بعد ذلك: (ويل ~~يومئد للمكذبين) ، أي: لمن كذب بالآخرة بعد # PageV01P1320 # أن احتج عليه في هذه الآية بإهلاك الأمة بعد الأمة، وأنهم على إثرهم فى ~~الهلاك إن أقاموا على الإشراك. # ئم احتج عليهم في الثانية بقوله: (ألم نخلقكم من ماء مهين (20) # أي جعلنا أشرف من تشاهدون من أقل ما تعرفون، وهو # النطفة التي أقرها في الرحم، ونقلها حالا بعد حال حتى بلغ حد التمام ~~والكمال استواء جوارح، ووصل مفاصل، وأجرى هذا التقدير في جميع ما يولد # من الحيوان، وخلق فيهم مجاري أغذيتهم ومشارب القوة المستفادة من أكلهم، # PageV01P1321 # فدل بما نبه عليه من النشأة في الابتداء على النشأة الثانية للانتهاء ~~فقال: ويل لمن كذب بها بعد لزوم الحجة. # ثم احتج عليهم في الثالثة بقوله: (ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا) ، ~~أي: جعلناها تضم أحياءهم وموتاهم، بما تخرج من أقواتها، وتواري من أمواتها، ~~كما قال تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ، ~~هذا مع ما أقام فيها من الجبال الثوابت الرفيعة التي هي أوتاد الأرض وما ~~أجري فيها للحيوان من الماء العذب، وفي كل ذلك دليل على أنه قادر عليم، ~~وصانع حكيم لم يخلق الناس عبثا، ويتركهم سدى، وهو كما يبدي يعيد ليحق منه ~~الوعد والوعيد. # ثم قصرت ثلاثة على ما يكون من تبكيتهم على ما كذبوا به عند مشاهدتهم # PageV01P1322 # له، وهي: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) ، أي: يقال لهم يوم القيامة ~~ذلك، والثاني من هذه الثلاثة: (هذا يوم لا ينطقون) ، والثالث: (هذا يوم ms323 ~~الفصل جمعناكم والأولين) ، فأمروا أولا بالانطلاق إلى ما كذبوا به، وفي ~~الثاني معناه: أمضوا إليها فلا عذر لكم ولا حجة فقد أعذر إليكم في الدار ~~الأولى من مكثكم، وفي الثالث: (هذا يوم الفصل، ومعناه معنى قوله تعالى: ~~(وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) ، لأثكم جمعتم في يوم يفصل فيه بين المطيع ~~والعاصي، والمحق والمبطل. ومعنى قوله: (فإن كان لكم كيد فكيدون) ، أي: كنتم ~~تغتاظون وتسخطون لمخالفة ما أمركم به، واليوم قد عجزتم عن أنفسكم، فإن ~~قدرتم على ما كنتم تفعلونه قبل ما فعلوا، كما قال: (.. ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون) # PageV01P1323 # وبقيت أربعة بعد أولها وصف أهل الجنة أنهم يجازون بأعمالهم ويصيرون إلى ~~ثمرات أفعالهم. # وبعد الثاني: خطاب لمن في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبالغة في ~~زجرهم، وأنهم في إيثارعم العاجلة الفانية على الآجلة الباقية من جملة ~~المجرمين الذين قال فيهم عند مفتتح هذه الآي: كذلك نفعل بالمجرمين) ، فرجع ~~عجز الكلام إلى صدره. بقوله: (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) . # وبعد الثالث: خبر عنهم بأنهم يكرهون التجبية كما حكي عن هند بنت # PageV01P1324 # عتبة رضى الله عنها لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يوم ~~الفتح: يا هند هل ترين بالاسلام بأسا؟ قالت: بأبي وأمي، ما أحسنه، لولا ~~ثلاث خصال. قال: ما هن؟ قالت: التجبية والخمار ورقي هذا العبد الأسود فوق ~~الكعبة. قال - صلى الله عليه وسلم -: أما التجبية فإنه لا صلاة إلا بركوع، ~~وأما قولك: الخمار فلا شيء أحسن منه، وأستر من الخمار، وأما قولك: ورقي هذا ~~العبد الأسود فوق الكعبة، فنعم عبد الله هو) . # يقال: جبى الرجل يجبي تجبية، إذا ركع، ومنه قوله: # كأن خصييه إذا ماجبا دجاجتان يلقطان حبا # فكراهتهم للتجبية من أجل ما يحكى عن أحدهم أنه قال: أكره أن تعلوني استي. ~~ومعنى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) # PageV01P1325 # إذا دعوا إلى الصلاة لم يصلوها لا بحجة ولا بشبهة، ولكن بباطل، هو ما ~~حكيناه، وقيل: لم يصلوا لجهلهم بما في الصلاة من المنافع لصاحبها، وقيل: لم ~~يصلوا ms324 لتكذيبهم بوجوبها. # وبعد الرابع قوله تعالى: (فبأي حديث بعده يؤمنون) # أي: إذا كذبوا بالقرآن المتضمن لوجوب الصلاة، وبذل غاية الخضوع بالسجود ~~والركوع # PageV01P1326 # لمن له غايات الإحسان، فلم يصدقوا أنه من عند الله تعالى مع ما قارنه من ~~واضح البرهان، فبأي كلام يسمحون بعده بالإيمان. ومعنى قوله: (اركعوا) أي ~~صلوا، ومنه قوله تعالى: (.. ويؤتون الزكاة وهم راكعون) أي: مصلون. # وإذا كان قوله: (ويل يومئذ للمكذبين) ردف كلام يدل على ما يجب تصديقه، # وترك التكذيب به، وكانت المعاني مختلفة، سلم من التكرار 7". وعلى الترتيب ~~الذي بينا يتبين ما يختص بالتقديم مما يختص بالتأخير. # PageV01P1327 ### | سورة النبأ # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) . # للسائل أن يسأل عن تكرار ذلك وفائدته؟ # الجواب أن يقال: إن الأول وعيد بما يرونه في الدنيا عند فراقها من مقرهم، ~~والثاني وعيد بما يلقونه في الآخرة من عذاب ربهم، وإذا لم يرد بالثانى ما ~~أريد بالأول لم يكن تكرارا وقيل الأول توعد بالقيامة وهولها، والثاني توعد ~~بما بعدها من النار وحرها. # PageV01P1328 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) . # وقال في وصف أهل الجنة: (وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ~~(35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) . # للسائل أن يسأل عن الجزائين، ووصف الأول منهما بالوفاق، ووصف الثاني بأنه ~~حساب، وهل كان يصح أن يقال في العطاء وفاقا، وفي العقاب حسابا؟ # الجواب أن يقال: إن الله تعالى قال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) # وقال: (من جاء بالحسنة فله خير منها) # وقال (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) # ، فلما كانت الحسنة بأضعافها، والسيئة. بمثلها استعمل في جزاء السيئة أنه ~~وفاق لها غير زائد عليها، ولا قاصر عنها. ولما كانت الحسنة بأضعافها استعمل ~~في جزأئها أنه عطاء يكفي معطاه، ويبلغ من مطلوبه منتهاه، فقال: (عطاء بحسبه ~~أي يكفيه مما يريد ويشتهيه ويغنيه عن طلب # PageV01P1329 # زيادة إليه، وإذا كان كذلك لم يصلح لكل مكان إلا ما استعمل فيه - والله ~~الموفق. # PageV01P1330 ### | سورة النازعات # الآية الأولى منها ms325 # قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى. يوم يتذكر الإنسان ما سعى) # وقال في ### | سورة عبس # : (فإذا جاءت الصاخة) . # للسائل أن يسأل عما سماه الطامة الكبرى، وعما سماه، الضاخة، وهل يصلح أن ~~تستعمل الأولى مكان الثانية والثانية مكان الأولى؟ # الجواب أن يقال: إن الطامة تستعمل في الشديدة التى تنسى عندها الشدائد، ~~فتطم على ما تقدمها، أى تستره وتغطيه، ومنه يقال: طم البئر إذا كبسها، ~~والطم: الكبس، والقيامة: الطامة الكبرى، لأنها تنسى شدتها ما تقدم من # PageV01P1331 # شدائد الدنيا حتى يصير الناس فيها كما قال الله تعالى: (كأنهم يوم يرونها ~~لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) أي: تصير شدائد الدنيا عندها محتقرة بمنزلة # ما لم يروه إلا ساعة كعشية أو ضحاها. # وإنما استعملت الطامة الكبرى في هذه السورة لأن فيها ذكر ما أوتي به ~~فرعون من الطامة الكبرى في الكفر حيث قال:.. أنا ربكم الأعلى، فهذه في ~~الكبائر كشديدة الآخرة في الشدائد فكأنه قرن إلى ذكر الكبيرة الموفية على ~~أمثالها ذكر الطامة الكبرى وأهوالها. # PageV01P1332 # وأما الصاخة فهي صيحة تطعن الآذان فتصمها، يقال: صخ الغراب، بمنقاره في ~~دبر البعير، أي طعن، فالصاخة صيحة شديدة لشدة صوتها تحى لها الناس كالصيحة ~~الشديدة التى تنبه لها النوام. # فلما تقدم في هذه السورة من حالة الإنسان ما نطق (به قوله تعالى: (ثم ~~أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) ، كان الإنشار بالصاخة التي تطعن الآذان، ~~فيقضي الله تعالى عندها إحياء الموتى، فقارن الآيات التي في السورة # PageV01P1333 # ما شاكلها والآيات في الآخرة ما شابهها والسلام. # PageV01P1334 ### | سورة عبس # مر ما فيها في السورة التي قبلها. ### | سورة التكوير # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت) . # وقال في ### | سورة الانفطار # : (وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: (سجرت واختصاص الثانية بقوله: ~~(فجرت) ؟ # الجواب أن يقال: إن الأفعال التي جاءت بعد إذا في السورة الأولى في ~~جملتها: وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت) ولم يكن # PageV01P1335 # ذلك في سورة الانفطار. # ومعنى: سجرت البحار: أوقدت ms326 فصارت نارا كما يسجر التنور، وقيل: المراد بها ~~بحار في جهنم تملأ حميما ليعذب بها أهل النار، فكان ذكر هذا المعنى حيث وقع ~~التوعد بتسعير الجحيم أشبه وأولى. # وأما قوله: (وإذا البحار فجرت) ، فإن معناه: سيب ماؤها، فأسيح حتى فاض ~~المكان، لأن قبلها خبرا عن الأشياء التي يحكم الله تعالى بمزايلتها أماكنها ~~كقوله تعالى: (إذا السماء انفطرت) ، # PageV01P1336 # ومعناه: انشقت، كما قال: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) ، وبعده ~~(وإذا الكواكب انتثرت) ، وبعده: (وإذا البحار فجرت) ، فبإزاء انتثار ~~الكواكب انفجار البحار، فكان الإخبار عنها بهذا المعنى أولى بهذا المكان ~~لتقدم ما يشبهها من التغيير، ومجيء ما هو تزييل عن مكانه من بعثرة القبور. # PageV01P1337 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (علمت نفس ما أحضرت (14) . # وقال بعدها في سورة الانفطار (علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) . # للسائل أن يسأل فيقول: قال الله تعالى: لما كانت القيامة وغير الله ما به ~~قوام الدنيا لما يريد من إبطالها، وتجديد أمر الآخرة، حينئذ علمت نفس ما ~~أحضرت، وقال في السورة الأخرى: (علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) # فهل يصح مكان (ما أحضرت) (ما قدمت وأخرت) ؟ فيجاب في سورة التكوير بما ~~أجيب به في سورة الانفطار، أم خصوص الفائدة توجب تخصيص اللفظة؟ # والجواب أن يقال: إن الأول لما جاء بعد ذكر النار والجنة، وهو قوله: ~~(وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت) ، أي عملت عملا ~~تستحق به الجنة، أم عملا تستحق به النار، وذلك إذا نولت الكتاب ورأت التواب ~~والعقاب. # PageV01P1338 # وأما الثاني فإنه بعد قوله: (وإذا القبور بعثرت) أي: قلب ترابها، وجعل ~~أسفلها أعلاها بإخراج موتاها، فلما كان آخر شرط انقطع إلى ذكر الجزاء # لفظا ذا نقيض، وهو البعثرة التي تجعل أسفل الشىء أعلاه، كأن أن يجعل ~~الجزاء ما يتضمن لفظا ذا نقيض أولى من غيره، وهو: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) ~~، وقيل: معناه: ما أقامت من طاعة الله وما تركت، # وقيل: معناه: علمت نفس جميع ما عملته مدة عمرها في الدنيا ما عملته، وما ~~فعلته في ms327 أول شبابها وما فعلته آخر أيامها. وقيل: معناه: ما قدمت من # PageV01P1339 # عملها الذي انقطع بانقطاع حياتها، وما أخرت من سنة سنتها فعمل بها بعده، ~~وإذا كان كذلك فقد قرن إلى كل شىء شرط جوابه الذي هو أشبه بما قاربه، وأولى ~~لما قارنه. # PageV01P1340 ### | سورة الانفطار # ما فيها قد مر في السورة التي قبلها. ### | سورة المطففين # الآية الأولى منها # قوله تعالى وقال تعالى في كتاب الفجار: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) ~~وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) # وقال تعالى في كتاب الأبرار: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما ~~أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) . # للسائل أن يسأل عن قوله تعالى فيقول: (كتاب مرقوم وانقطاع إلى قوله: (ويل ~~يومئذ للمكذبين (10) # وانقطاع الثاني إلى قوله: (يشهده المقربون (21) . # الجواب أن يقال: قوله: في سجين فسر على وجوه؟ قال أبو عبيدة: # PageV01P1341 # سجين: شديد، ومنه قول ابن مقبل: # ضربا تواصوا به الأبطال سجينا # PageV01P1342 # أي: شديد، وهذا يحمل على وجهين في حبس شديد كشدة السجن ليدل به على خساسة ~~منزلتهم. وقيل: (لفى سجين) : أي أمر شديد عذابه وغمة، وقيل: لفي سجين من ~~الأرض السابعة، وقيل: لفي سجين، أي في سجن والياء للمبالغة: أي كتاب ~~سيئاتهم فوجب تخليد حبسهم، وقيل هذا كتابهم لما دام التقريع به دام عقابهم ~~له، # PageV01P1343 # ومعنى قوله: (وما أدراك ما سجين) أي: ليس هذا مما كنت تعلمه أنت ولا قومك ~~لولا ما أتاك به الوحى من عندنا، ثم فسر فقال: (كتاب مرقوم) أي: كئاب معلم ~~بعلامات تدل على دوام خزيهم، واتصال عذابهم بما فيه من سيئآتهم، ثم قال: ~~ويل لهم، لأنهم كذبوا رسل الله. # وأما قوله: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين) أي: في مراتب عالية مكنوفة ~~بجلالة فلما فضلت الرتب دلت على عظم شأنها بجمعها بالواو والنون تشبيها بما ~~يميز ويخاطب. # PageV01P1344 # وقيل: (عليون) : السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين. # وقيل: عليون: غرف الجنة. # وقيل: سدرة المنتهى، وهى التى ينتهى إليها كل شيء من أمر الله تعالى، وهي ~~في السماء ms328 السابعة. # وقيل: عليون: علو على علو مضاعف، والواحد علي، كشريب وسيهر وخمير، فكأنه ~~لأعلى الأمكنة، ثم جمع بالواو والنون لتفخيم شأنه. # PageV01P1345 # وقيل: هذا جمع لما لا يحد، واحده كثلاثين وأربعين، فثلاثون كأن لفظه لفظ ~~جمع ثلاث، # قال الزجاج وهو كما قال الشاعر: # PageV01P1346 # فكان دهيدهين، وهي حاشية الإبل وصغارها، وأبيكرين، جمع ليس واحده معلوم ~~العدد. # وقوله في كتاب الأبرار: (كتاب مرقوم يشهده المقربون) ، # أي: كتاب معلم بعلامات تدل على ما يقر أعينهم، ويوجب دوام سرورهم لما ~~أودع من حسناتهم المفضية بهم إلى جناتهم. # فكان رقم كتاب الفجار مما يوحب المصير إلى النار فانقطع إلى ما يوجب لهم ~~الويل، ورقم كتاب الأبرار مما يوجب المصير إلى غرف الجنان، ورضى الرحمن # PageV01P1347 # فانقطع إلى ذكر مشاهدة المقربين، وتبشيره بدوام نعيم # صاحبه. # PageV01P1348 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) . # للسائل أن يسأل عن إفراد هذه الآية في هذه السورة مع تكراره في سورة ~~المرسلات عشر مرات؟ # والجواب أن يقال: إن قوله: ويل لهم كلمة تقال في كل من وقع في هلكة لا ~~يرجى خلاصه منها، وهى في سورة المرسلات قد بينا وجه الفائدة فيما أعيد ~~منها، وهي في هذه السورة مذكورة مرة واحدة، لأنها مقصورة على الترهيب من ~~النار ووصفها ومعاقبة أهلها، وعلى الترغيب في الجنة ونعيم أهلها، ليس في ~~السورة غير هذين المعنيين. # PageV01P1349 # فلما جردت لهما ذكرت الكلمة عند ذكر ما كتب على المكذبين وأعلم به كتابهم ~~بما يكون إليه مآلهم. ثم شرع في وصف كتاب الأبرار ومحله وتبعيد ما بين ~~جزائهم وجزاء غيرهم، فاكتفى بذكر الكلمة مرة لما بني على اختصار السورة. # PageV01P1350 ### | سورة الانشقاق # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت ~~(3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) # للسائل أن يسأل عن تكرير قوله: (وأذنت لربها وحقت؟ # الجواب أن يقال إن الأول للسماء والثاني للأرض، أمرت بالانصداع فسمعت ~~وانقادت لأمر الله تعالى وانصدعت، وحق لها أن تسمع وتطيع.. # ومعنى (أذنت) : سمعت ms329 لا أنها سمعت بإذن، # قال عدي بن زيد: # فى سماع يأذن الشيخ له # وحديث مثل ما ذي مشار. # PageV01P1351 # وقوله: (وإذا الأرض مدت) أي: بسطت بانتساف جبالها وتطاطؤ آكامها وتلالها، ~~وألقت ما حوته من الموتى والمعادن والكنوز، وتخلت منها كما تتخلى المرأة ~~الحامل من حملها، إذا ألقت ما في بطها، وسمعت وأطاعت، وحق لها ذلك، يقال: ~~حقت فهي محقوقة، وحقيق بكذا، ويقال لها، أيضا: حق له ذلك، فالأول لغير ما ~~له الثاني، فلا يكون تكرارا. # PageV01P1352 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: (بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) . # وقال في سورة البروج: (بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم ~~محيط) . # للسائل أن يسأل عن اختصاص الأولى بقوله: (يكذبون، والثانية بقوله: (في ~~تكذيب) ؟ # الجواب أن يقال: إن معنى قوله: (يكذبون وهم في تكذيب واحد، واختلف ~~اللفظان لاختلاف الفواصل في السورتين، ألا ترى أن قبل الأولى: (فما لهم لا ~~يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا # PageV01P1353 # يكذبون) ، وكانت الفواصل التي تقدمتها على (يفعلون) ، فجعلت هذه تابعة ~~لها مع صحة المعنى واللفظ. # والثانية في فواصل مردفة بياء أو واو وهي قوله: (هل أتاك حديث الجنود ~~فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط) صحة اللفظ ~~والمعنى. # PageV01P1354 ### | سورة البروج # ليس فيها شيء إلا ما ذكرنا (2) . ### | سورة الطارق إلى البلد # ليس فيهن شيء من ذلك.. ### | سورة البلد # الآية الأولى منها # قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) . # للسائل أن يسأل عن تكرير (البلد، وجعله فاصلة بين الآيتين؟ وهل ذلك مما ~~يرتضى في البلاغة، ويعد من جملة الفصاحة؟ # PageV01P1355 # الجواب أن يقال: إذا عنى بالثانى غير المقصود بالأول من وصف، يوجب له ~~حكما غير حكم الأول كان من مختار الكلام، فالبلد الأول قصد به وصف لم يحصل ~~في الثانى وهو مكة، لأن معناه: أقسم بالبلد المحرم الذي جبلت على تعظيمه ~~قلوب العرب، فلا يحل فيه لأحد ما أحل للنبي - صلى الله عليه وسلم -. # فقوله: (وأنت حل) أي محل ms330 أحل لك منه ما حرم على غيرك، فصار المعنى: أقسم ~~بالبلد المحرم تعظيما له، وهو مع أنه محرم على غيرك، محلل لك إكراما ~~لمنزلتك، فالبلد في الأول محرم، وفي الثاني محلل، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أحل له قتل من رأى قتله # PageV01P1356 # حين أذن له في قتال المشركين، فأمر بقتل ابن خطل صبرا وهو متعلق بأستار ~~الكعبة، ولم يحل لأحد قبله ولا يحل لأحد بعده ما أحل له. # وإذا كان كذلك صار الثاني معنيا به غير ما عني بالأول، فكأنه ذكر وصفا ~~غير وصفه المتقدم، فجمع فوائد من تعظيم البلد، وتعظيم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (حين أبيح له ما حظر منه على سواه، وقيل أحلت له ساعة من ~~نهارولم تحل لغيره # PageV01P1357 # الآية الثانية منها # قوله تعالى: ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد) . # وقال بعده في سورة التين: (وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم) . # للسائل أن يسأل عن اختلاف ما بعد: (لقد خلقناالإنسان في الموضعين، وصلة ~~الأول بقوله: (في كبد، والثاني بقوله: في أحسن تقويم؟ # والجواب أن يقال:) قوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فيه أقوال: أحدها: ~~في شدة ونصب يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة. # PageV01P1358 # وسائر الحيوان كالمنكب على وجهه غير منتصب # والثالث: هو مخلوق في شدة أمر تكونه أولا في الرحم في ظلمات ثلاث، ثم ~~ينتقل إلى القماط والرباط، ثم هو عند البلوغ على الخطر # PageV01P1359 # العظيم يقوده إليه عمله من جنة أو نار، فالدنيا له دار كبد والآخرة له ~~دار راحة ونعمة إن وافاها، بما كلف من طاعته. # والرابع: أنه خلق في بطن أمه ورأسه قبل رأسها منتصبا كانتصابها، فإذا ~~أرادت الولادة انقلب الرأس إلى أسفل، فيخرج رأسه قبل رجليه، وقد تخرج رجلاه ~~قبل رأسه، وذلك نادر، والأول عام شائع. # PageV01P1360 # فهذه الأوجه الأربعة تعم جميع الناس لا يستثنى منها أحد منهم، ثم خص بعض ~~الكفار بالذكر عن هذا العموم، فقال: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) ،. فلما ~~تقدم القسم ب (.. والد وما ولد) ms331 وفيه قولان: أحدهما آدم وولده، والقول ~~الثاني: كل والد وكل مولود، قرن إلى القسم العام بما يشبهه من الجواب ~~العام. # وأما قوله: (والتين والزيتون) ، فقد قيل فيهما إن التين: دمشق والزيتون: ~~بيت المقدس، وقيل: جبل عليه دمشق، وجبل عليه بيت المقدس. وقيل: مسجدان، ~~فالتين مسجد نوح عليه السلام، والزيتون مسجد دمشق. # PageV01P1361 # وقيل: التين: الذي يؤكل، والزيتون: الذي يعصر، فالقسم واقع بأشياء مخصوصة ~~من بقاع أو غيرها، فعلق بجواب وقع فيه تخصيص بالاستثناء، وهو: (لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات..) ، أي خلقناه في أحسن صورة ثم رددناه - يعني الكافر - إلى أقبح ~~صورة حين حط عن الخلق الأول إلى المحط الأسفل، فصار في أوحش منظر بعد أن ~~كان في أحسن صورة. # وقيل: "في أحسن تقويم أي في خلقة قويمة ودلالة على طريقة مستقيمة. # ثم رددناه إلى أرذل العمر، وهو الضعف الذي يفقد معه العلم، ولا يملك فيه ~~إقامة الطاعات، والثبات على العبادات إلا المؤمنين، فإنهم # PageV01P1362 # يوفون أوقات العبادات التي كانوا يقيمونها إذا لم يقدروا مع الضعف الذي ~~نقلهم الله تعالى إليه أجرهم، يدل على ذلك قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) . # وإذا كان معنى الآيتين ما ذكرنا، لاق بكل من القسمين الجواب الذي جاء له. ~~ويمكن أن يجاب عن الفرق بين الموضعين بالفواصل، لأن القسم في سورة البلد ~~بهذا اللفظ، وهو قوله: (ووالد وما ولد) . ### | الشمس والليل والضحى # ليس في الشمس والليل والضحى شىء من ذلك. # PageV01P1363 ### | سورة ألم نشرح # الآية الأولى منها: # قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) . # للسائل أن يسأل عن فائدة تكرراه؟ # والجواب أن يقال: إن الله تعالى وعد في عسر أن يعقبه بيسرين، وأن من كان ~~في شدة قطعها عنه إلى نعمة بعد نعمة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لن ~~يغلب عسر يسرين ") ، لأن العسر لما أعيد لفظه معرفا كالأول لم يكن إلا ~~إياه، ويسر لما أعيد # PageV01P1364 # لفظه نكرة كان غير ms332 الأول، وإذا لم يكن ذاك لم يكن لفظه تكرارا. # PageV01P1365 ### | سووة التين # قد تقدم ما فيها. ### | سورة العلق # الآية الأولى منها. # قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق. # للسائل أن يسأل عن تكرير خلق؟ # والجواب أن يقال: إن قوله (خلق بعد الذى عام في المخلوقات كلها، سمائها ~~وأرضها، ثم استأنف التنبيه على خلق المخاطبين أنفسهم فقال: (خلق الإنسان من ~~علق) أي: عرف انقلابه من حال الدم إلى ما يشاهد لتعرف حاله الثانية # PageV01P1366 # التي ليست بأبعد فى نفسك من هذه الناشئة، وإذا كان كذلك سلم من التكرار. ~~والله أعلم. ### | القدر والبينة إلى "القارعة # ليس في ((القدر والبينة إلى "القارعة) شىء عن ذلك. # PageV01P1367 ### | سورة التكاثر # الآية الأولى منها: # قوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) . # ، للسائل أن يسأل عن تكرير اللفظين؟ # والجواب أن يقال: إن أحدهما توعد غير ما توعد به الآخر، فالأول توعد بما ~~ينالهم في الدنيا، والثانى توعد بما أعد لهم في الأخرى. # وقيل: الأول ما يلقونه عند الفراق إذا بشروا بالمصير إلى النار، والثاني ~~ما يرونه من عذاب القبر فكلاهما عذاب فى الدنيا، إلا أن أحدهما غير الآخر ~~وهو مثله في الشدة، فلذلك أعيد بتلك اللفظة. وإذا حمل على عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة، لم يكن تكرارا. # PageV01P1368 ### | العصر إلى الكافرين # ليس فى العصر إلى الكافرين شىء من ذلك. # PageV01P1369 ### | سورة الكافرين # إن سأل سائل عن التكرار في هذه السورة # فالجواب أن يقال: قد أجبنا في (جامع التفسير) عن ذلك بأجوبة كثيرة، فنذكر ~~(منها واحدا في هذا الموضع، وهو أن # يقال: معناه لا أعبد الأصنام لعلمي بفساد ذلك، ولا أنتم تعبدون الله ~~لجهلكم # ما يوجب عليكم، ولا أعبد آلهتكم لتعبدوا الله مناوبة بيننا، ولا أنتم ~~تعبدون الله من أجل أن يكون سبقت مني عبادة آلهتكم، وذلك أن المشركين قالوا ~~له - صلى الله عليه وسلم -: اعبد سنة ما نعبد، ونعبد سنة ما تعبد، ونشرك ~~نحن وأنت في أمرنا كله، فقال في الأول: # لا يكون مني عبادة الأصنام لعلمي ms333 ببطلانها، ولا تكون منكم عبادة الله ~~لجهلكم بأنه وحده هو الذي تحق له العبادة. # وقال في الثانى ما نفى العبادة التي دعوا إليها مناوبة منهم، فلم يقع ~~تكرار على هذا الوجه، ولا على الأوجه الأخر التي ذكرنا # PageV01P1370 # فى "جامع التفسير. # ليس فيما بعدها إلى سورة "الناس شيء من ذلك. # PageV01P1371 ### | سورة الناس # للسائل أن يسأل عن تكرير الناس في فواصل هذه السورة في خمسة مواضع، وهي ~~ست آيات، قد ختمت أواخر خمس منها ب (الناس، وواحدة ب (الخناس) ؟ # والجواب عن ذلك " أن يقال: إنما اتصف الله تعالى أولا برب الناس، ثم ب ~~(ملك الناس، ثم بإله الناس، لحكمة دعت إلى ذلك، وأوحبت تقديم الأول وتعقيبه ~~بالثاني والثالث على الترتيب الذي جاء، لأن رب الشيء هو القائم بإصلاحه ~~وتدبير أمره فنبه بتقديمه على ما ترتب من نعمه على الإنسان لما أنشأه ~~ورباه، وهذه أولى أحواله. # PageV01P1372 # والثانية إنعامه عليه بالعقل الذى ثبتت عليه ملكته له، فعلم أنه عبد ~~مملوك وأن الذى بلغ به تلك الحال من حد الطفولية هو الذى يملكه وأمثاله، ~~فجعل الوصف الثانى ملك الناس، ولما كان بعد ذلك تكليف العبادات التى هى حق ~~الله تعالى على من عرفه نفسه أنه عبد مملوك وعرفه أنه عليه الصلاة والسلام ~~خالقه وتلزمه طاعته ليلتزم غاية التذلل لمن له أكبر الإنعام والتطول جعل ~~الوصف الثالث " إله الناس " فصار الناس الذين أضيف لهم رب كأنهم غير الناس ~~الذين أضيف إليهم ملك والذين أضيف ملك غير الذين أضيف إليهم إله، وإذا أريد ~~بالثانى غير الأول لم يكن تكرارا بل يكون كأنه قال: قل أعوذ برب الأجنة ~~والأطفال الذين ربهم # PageV01P1373 # ورباهم وقت الإنشاء والتربية، وحين لم يقدر آباؤهم لهم على التغذية وبمن ~~بلغ بالوالدين حدا عرفوه فيه بالملكة وأنفسهم بالعبودية، ثم إله المكلفين ~~المعرضين لأكبر النعم وهم الذين بلغوا وقاموا بأداء ما كلفوا فترتيب الصفات ~~تنبيه على أن المراد بالناس ذوو الأحوال المختلفة فى الصغر والترعرع # PageV01P1374 # والبلوغ، فسلم على ذلك من التكرار، ويتضمن هذا المعنى اللطيف الذى ms334 دل ~~عليه ترتيب الصفات تعالى الله وكلامه عن المعاب # وقوله " الذى يوسوس فى صدور الناس " فالمراد بالناس الأول الأبرار ~~وبالناس الثانى الأشرار فكان المعنى الذى يوسوس فى صدور الناس الأخيار من ~~الجن وأشرار الناس فقد صار المعني بالآخر فكأنه غيره وإن كان الجنس قد جمع ~~هذا كله. اه # هذا آخر ما تكلمنا عليه من الآيات التى يقصد الملحدون التطرق منها إلى ~~عيبها، # والحمد لله وحده وسلامه على سيد البشر محمد وآله وأصحابه الطيبين # PageV01P1375 # الطاهرين صلاة زاكية نامية دائمة إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. آمين. PageV01P1376 ms335