######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026536 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (المتوفى: 421 هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح ديوان الحماسة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026536 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26536 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26536 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: غريد الشيخ #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1424 هـ - 2003 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | باب الحماسة # قال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني رحمه الله # الحماسة: الشجاعة، والفعل منه حسن ورجل أحمس. وكانت العرب تسمي قريشا: ~~حمسا لتشددهم في أحوالهم دينا ودنيا وتسمى بني عامر: الأحامس، وكأنهم ذهبوا ~~فى واحد حمس إلى أنه صفة، فجمعوه جمع الصفات، كما يقال أحمر وحمر، وأشقر ~~وشقر، وذهبوا في واحد الأحامس إلى أنه اسم، فجمعوه جمع الأسماء كما يقال ~~أحمد وأحامد، وأجدل وأجادل. وهم يخرجون الأسماء إلى باب الصفات كثيرا ~~فيقولون: بنو فلان الذوائب لا الذنائب، والمراد هم الأعالي لا الأسافل، كما ~~يخرجون الصفات إلى باب الأسماء كثيرا. وعلى هذا الأساود: الحيات، والأداهم، ~~القيود: قال: # أوعدني بالسجن والأداهم # والأباطح: جمع الأبطح. وكل ذلك صفات أخرجت إلى باب الأسماء. وقال ~~الدريدي: حمس الشر: اشتد. والحمس: قريش، وكنانة وحزاعة، تحمسوا في دينهم. ~~وبنو حماس: قبيلة من العرب، وكذلك بنو حميس. وقوله: # PageV01P019 ### || قال بعض شعراء بلعنبر # المراد بني العنبر، ولهذا وجب ألا يصحب الكسرة التي في الراء التنوين. ~~وإنما حذف النون من بني لاجتماعه مع اللام من العنبر، وتقاربهما في المخرج. ~~وذلك لأنه لما تعذر الإدغام منه جعل الحذف بدلا من الإدغام. وإنما تعذر ~~الإدغام لأن الأول متحرك والثاني ساكن سكونا لازما، فلما كان من شرط المدغم ~~تحريك الثاني إذا أدغم الأول فيه، وكان لام التعريف ساكنا سكونا لازما، جعل ~~الحذف لكونه مؤذيا إلى التخفيف المطلوب من الإدغام بدلا لما تعذر هو. ولا ~~يلزم على هذا أن يحذف النون من بنى النجار لأن اللام قد أدغم فى النون التى ~~بعده، فلا يمكن تقدير إدغام النون التى قبله فيه، حتى إذا تعذر جعل الحذف ~~بدلا من الإدغام، بدلالة أن ثلاثة أشباه لا يصح إدغام بعضها في بعض، ومما ~~يشبه هذا من اجتماع المتجانسين من كلمتين واستعمال الحذف في أحدهما بدلا من ~~الإدغام قولهم علماء بنو فلان، والمعنى على الماء. ومما يشبه لكنهما التقيا ~~في كلمة واحدة، قولهم ظللت ومسست يقال منهما ظلت ومست، وإن شئت ظلت ومست. ~~تلقى ms0001 حركة المحذوف على فاء الفعل. قال الله تعالى: " فظلتم تفكهون ". وإنما ~~تعذر الإدغام ها هنا لأن لام الفعل في مثل هذا المكان إذا اتصل به ضمير ~~الفاعل يسكن البتة، فلما لزمه السكون لم يصح إدغام العين فيه، فلذلك حذف. # والعنبر في اللغة: الترس والطيب. وعنبرة الشتاء: شدته. وعنبرة القوم: ~~خلوص أنسابهم. ويقال: رأيته بهذا البلد عنبريا. يضرب به مثلا في الهداية. ~~وبنو العنبر أهدى قوم. ويمكن تقدير النون زائدة فيه، فيكون فنعلا من عبرت، ~~كأنه بحسن تأتيه للاهتداء يعبر الطرق. ومنه قيل في البعير: " هو " عبر ~~أسفار. # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، هم بنو أخي العنبر بن عمرو بن تميم، وإذا ~~كان كذلك فمدح هذا الشاعر لهم يجري مجرى الافتخار بهم، وفي بني مازن عصبية # PageV01P020 # شديدة قد عرفوا بها وحمدوا من أجلها، ولذلك قال بعض الشعراء موبخا ~~لغيرهم: # فهلا سعيتم سعي عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء # كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء # وقصد الشاعر في هذه الأبيات عندي إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه ~~ومهتضميه، وتهييجهم وهزهم، لا ذمهم. وكيف ووبال الذم راجع إليه؟! لكنه في ~~هذا المعنى سالك لطريقة كبشة أخت عمرو بن معد يكرب في قولها: # أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلىقومه لا تعقلوا لهم دمي # ألا ترى أنها قالت في جملة هذه الأبيات: # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم ... وهل بطن عمر غير شبر لمطعم # فلا يجوز أن يتوهم أنها كانت تهجو أخاها عمرا أو تنسبه إلى العجز ~~والتقصير في طلب ثأر أخيه، وعمر هو الذي كان يعد بألف فارس، ولكن مرادها ~~بعثه وتهييجه. وهذا كما يقول العبد لمولاه والغلام لصاحبه وقد لحقتهما ~~هضيمة من أجنبي: لو كنا في خدمة فلان عمك أو أخيك لما جسر هذا أن ينالنا ~~بمكروه! ولا يجوز أن يقال إنهما هجوا سيدهما أو فضلا غيرهما عليهما، ولكن ~~المراد ms0002 تحريكهما لهما، وإذا كان الأمر على هذا فمن الظاهر بطلان قول من ~~يذهب إلى أن هذا الشاعر هجا قومه ومدح بني مازن يؤكد ما قلته قوله: # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # لأنه لا يقال لمن يمسك عجزا عن الانتصار إنه غفر، ولا لمن يقدر على جزاء ~~الإساءة إنه اختار الإحسان. فإن قيل: أليس قد قال: # ليسوا من الشر في شيء وإن هانا. # وقال أيضا: # فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا # PageV01P021 # قلت: ليس يزيد شيء مما قاله على قول كبشة: # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم. # وإذا كانت أبياتها باتفاق من أصحاب المعاني لا تكون هجوا، فكذلك أبيات ~~هذا العنبري. ومما يشهد للطريقة التي سلكناها ويؤيدها، أن في جملة أبياته ~~التي وصف فيها قومه: # لاخبون نيرانهم حتى إذا خمدت ... شبوا لموقد نار الحرب نيرانا # وهذا المعنى هو مثل ما افتخر به غيره في صفات نفسه فقال: # أفر من الشر في رخوة ... فكيف الفرار إذا ما اقترب # بل الذي ذكره العنبري أزيد، لأنه وصفهم بالاحتمال والصبر ما أمكن، فإذا ~~اهتاجوا زادوا على كل هائج. ألا ترى أنه قال: # شبوا لموقد نار الحرب نيرانا # ومعنى البيت لو كنت مازنيا لم تغر بنو اللقيطة على إبلي. # ولقيطة ألحق بها الهاء وإن كان فعيلا في معنى مفعولة، لأنه أفرد عن ~~الموصوف به وجعل اسما. وهذا كما يقال النشيطة والذبيحة، والبنية في الكعبة. # فأما الاستباحة، فقد قيل هي في معنى الإباحة، وقد قيل: إن الإباحة هي ~~التخلية بين الشيء وبين طالبه، والاستباحة اتخاذ الشيء مباحا للنفس. وكأن ~~الأصل في الإباحة إظهار الشىء للمناظر ليتناوله من شاء ومنه باح بسره بوحا ~~وبؤحا. والمازن في اللغة: بيض النمل، ويقال: هو يتمزن على أصحابه، كأنه ~~يتفضل عليهم. وذهل من ذهلت عن الشىء. # إذا لقام بنصرى معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # اللام في لقام جواب يمين مضمرة، والتقدير إذا والله لقام " بنصرى ". # فإن قيل: فأين جواب لو ms0003 كنت؟ قلت: هو لم تستبح إبلى. وفائدة إذا هو أن هذا ~~أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولواستباحوا ماذا كان يفعل بنو ~~مازن؟ فقال: إذا لقام بنصرى معشر خشن. قال سيبويه: إذا جواب وجزاء، وإذا ~~كان كذلك فهاذا # PageV01P022 # البيت جواب لهذا السائل وجزاء على فعل المستبيح. ويجوز أن يكون أيضا إذا ~~لقام جواب لو، كأنهأجيب بجوابين. وهذا كما تقول: لو كنت حرا لاستقبحت ما ~~يفعله العبيد، إذالاستحسنت ما يفعله الأحرار. وقوله إن ذو لوثة يرتفع ذو ~~عند حذاق النحوين بفعل مضمر، الفعل الذي بعده تفسيره، وهو لان. والتقدير إن ~~لان ذو لوثة لانا. وإنما قالوا هذا لأن إن لما كان شرطا كان بالفعل أولى، ~~وعمله الجزم فيجب أن لايفارق معموله في اللفظ والتقدير. وليس هذا موضع ~~الكلام على من يجعل ذو بعد إن وما أشبهه مبتدأ. ومعنى البيت إذا والله لقام ~~بنصرى، أي لتكفل به قوم أشداء عند الغضب، إذا الضعيف لان. ويقال: قام ~~بالأمر، أى تكفل به. وهو القائم والقيم. وقام بالقسط والعدل في الرعية، ~~وقام عليه إذا ساسه ووليه، ومنه القيوم والقيام في صفات الله تعالى، وقوله ~~" إلاما دمت عليه قائما " أي قاهرا. وأقمت الرمح فقام، بمعنى قمته فتقوم. ~~وقوله إن ذو لوثة تعريض منه بقومه ليغضبوا ويهتاجوا لنصرته. وهو في البعث ~~والتهيج أحسن من التصريح، كما أنه في الذم والهجو كذلك. وهذا بعض الناس ~~رواه إن ذو لوثة وزعم أن ذو لوثة ليس بجيد لأن الضعيف أبدا مهينن، والواجب ~~أن يقول إن القوي لان، واللوثة هي القوة. والرواية الصحيحة هي ضم اللام من ~~اللوثة. والفائدة ما ذكرت من التعريض بقومه. ولأن يكون طرفا البيت متناولين ~~بمعنيين متقابلين، أحسن من أن يكونا مفيدين لمعنى واحد والمعشر اسم للجماعة ~~لا واحد له من لفظه. وقال الخليل: هو اسم لجماعة أمرهم واحد. ويقال جاءوا ~~معشر معشر، أي عشرة عشرة. وخشن: جمع خشن وأخشن. والحفيظة: الخصلة يحفظ لها، ~~أي يغضب. وقيل هي الحمية، وفي المثل: الحفائظ تحلل الأحقاد وقيل ms0004 أيضا أهل ~~الحفائظ أهل الحفاظ. وذلك أن ذا الأنف يحترس من العار، فلايزال يتحفظ ~~ويحافظ حتى يسلم منه. وكأن الأصل في الكل الحفظ الذي هو نقيض النسيان. وقد ~~طابق الخشونة باللين فظهرت الصنعة به، وجاد البيت له، كأنه قال معشر خشنون ~~عند الحفيظة إن كان ذوو اللوثة لينين عندها. # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # أراد أن يصف بني مازن بما يهتاج له قومه فينصرونه، فقال: هم قوم إذا ظهر ~~لهم الشر واشتد سارعوا إليه غير متوقعين لتجمع، ولامعرجين على تأهب، لكنهم # PageV01P023 # يتبادرون أفرادا وثبات، وأشتاتا وجماعات. وإبداءالناجذ - وهو ضرس الحلم - ~~مثل لاشتداد الشر. ومثله قول الآخر: # فمن يك معزال اليدين، مكانه ... إذا كشرت عن نابها الحرب خامل # فأما قول عنترة: # إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم # وقول الأعشى: # سعة الشدق عن الناب كلح # وقول اللآخر: # وقد أسلم الشفتان الفما # فإنما هو صفة للمصطلى بنار الحرب عند اشتداد الأمر عليه. ومثله لبعض ~~البلغاء: صار الأكس كالأروق، والمحتال كالأحمق؟ وذو البصيرة كالأخرق. ~~ويقال: عض على ناجده، إذاصبر على الأمر. ونجدته الأمور: أحكمته. قال ~~الشاعر: # ونجدني مداورة الشؤون. # ويقول الرجل إذا أراد أن يتشدد على صاحبه: لأربنك ناجدي! والمعنى أنه ~~يكشر له ويكلح في وجهه حتى يبدو ناجده. ويقولون: خلته لعبوسه يبتسم، ~~ولإقدامه ينهجم. وقال بعضهم: النواجذ: الضواحك، واحتج بحديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ضحك حتى بدت نواجذه. قال: وأقاصي السنان لايبديها الضحك. ~~والصحيح الأول، فأما الخبر فمحول على المبالغة وإن لم تبدالنواجذ. وجواب ~~إذا طاروا. ووحدانا هو جمع واحد، وواحد صفة، كصاحب وصحبان، وراع ورعيان. ~~ويقال طرت إلى كذا، إذا أسرعت إليه، وطرت بكذا، أى # PageV01P024 # سبقت به. والزرافات: الجماعات، واشتاقه من الزرف، وهو الزيادة على ~~الشيىء. ويقال زرفت القوم قدامى، أى قدمتهم فرقا. وحكي في الزرافة تشديد ~~الفاء، يقال جاء القوم بزرافتهم، أي بجماعتهم؛ وهو غريب. والمعنى أنهم ~~لحرصهم على القتال وجرأتهم، لاينتظر بعضهم بعضا، لكن كلا منهم يعتقد أن ~~الإجابة تعينت عليه إذا تشدد ms0005 الشر لهم. وفي طريقته قول بعض الشعراء # قوم إذا هتف الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع. # سافع: آخذ بناصية فرسه. ومنه قول الله تعالى: " لنسفعا بالناصية ". # وقول الآخر: # وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري # لايسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # الأصل في الندبة - وإن اشتهرت ببكاء الأموات وقولهم عنده: وافلاناه: - ~~الدعاء، وتسعوا فيه فقالوا: ندب فلان لكذا وكذا، إذا نصب له ورشح للقيام ~~به. ويقولون: تكلم فلان فانتدب له فلان، إذا عارضه. والشاعر يقول: هؤلاء ~~القوم، يعني بني مازن، لحسن محافظتهم وقوة تناهيهم في نصرة المنتسب إليهم ~~والمعلق حبله بحبلهم، لايسألون الواحد منهم إذادعاهم حجة على دعواه، ~~ولايراجعونه في كيفية ماألجأه إليهم، لكنهم يعجلون الإغاثة له. وهذا تعريض ~~منه بما لحقه من قومه أو رآه من عاداتهم عندالاستغاثة بهم. والعرب تقول: يا ~~أخا قريش؛ والمعنى يا واحدامنهم. ومثله: # إذا استنجدوا لم يسألما من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان # وقد وصف بني مازن غير واحد من الشعراء بمثل ما وصفهم هذا الشاعر، فمن ذلك ~~قول بعضهم: # نفسي فداء لبني مازن ... من شمس في الحرب أبطال # وقول الآخر: # فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء # PageV01P025 # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # رجع إلى صفة قومه بما يأنفون منه عنده؛ وتدخلهم الحمية لدى الإصغاء إليه، ~~وليس قصده ذمهم فقال: لكن قومي وإن كان فيهم كثرة عدد وعدة ليسوا من دفع ~~الشر وإنكاره، وقصده وإرتكابه في شيء، وإن كان فيه خفة وقلة. وقد قابل ~~الشرط بالشرط في الصدر والعجز، وطابق العدد والكثرة بالهون والخفة في ~~الكلام، ويريد أن يصفهم بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجناة ما أمكن، ~~ولو أرادوا الإنتقام لقدروا بعددهم وعدتهم ولكن المراقبة والتقوى تدعوهم ~~إلى إيثار الحسنى. # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # روى بعضهم من ظلم أهل الظلم والظلم بالفتح المصدر وبالضم الاسم. وهذه ms0006 ~~الرواية عندي أحسن. وقد بينت ما فى المغفرة والإحسان من الدلالة على أنهم ~~كانوا يقدرون على إيثار ضدهما. والظلم: انتقاص الحظ والنصيب. وقيل هو وضع ~~الشيء في غير موضعه، ونقيضه العدل. وينتصب إحسانا بيجزون مضمرا، كأنه قال: ~~ويجزون من الإساءة إحسانا. وجاز حذفه لأن الفعل قبله يدل عليه. # كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # الخشية والخشى والمخشاة: مصدر خشى. ويقولون: هذا المكان أخشى من ذاك، وهو ~~نادر لأن المكان يخشى فهو مفعول. ورجل خشيان وامرأة خشيانة. وقوله سواهم من ~~جميع الناس هو استثناء مقدم، ولو وقع موقعه لكان الكلام لم يخلق لخشيته ~~إنساناسواهم فكان يجوز في سواهم البدل والإستثناء والصفة، فلما قدم بطل أن ~~يكون بدلا وصفة، لأنهما لا يتقدمان علىالموصوف والمبدل منه، فبقى أن يكون ~~استثناء. وقد نبه بهذا الكلام أن احتما لهم لاحتساب الأجر على زعمهم، ~~وإبقاءهم في الإنتقام لخشية فوات الذخر في دعواهم، فكأن الله لم يخلق لخوفه ~~غيرهم. # PageV01P026 ### || وقال شهل بن شيبان الزماني: # ويلقب بالفند. والفند في اللغة: القطعة ~~العظيمة من الجبل، وجمعه أفناد. قال الدرديري: لقب به لعظم شخصه. قال: وهو ~~أحد الفرسان. وقال غيره: لقب به لأنه قال لأصحابه في يوم حرب: استندوا إلي ~~فإني لكم فند. # صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان # صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال أعرضت عن الأمر صفحا، إذا تركته. وقد ~~يقال: أصفحت عنه، كما يقال أضربت عنه. ويقال: أبدى لي صفحته، إذا مكنك من ~~نفسه. يقول عفونا عن جرم هؤلاء القوم، وراعينا من الأحوال المتواشجة بيننا ~~وبينهم، ما حملنا على الإغضاء على قبيح يتفق منهم، والتجاوز عن هفوة تحصل ~~من جهتهم، وقلنا: إن ما بيننا وبينهم من الاخوة يقتضي الإبقاء على الحال ~~معهم، وانتظارا لفيئة تكون منهم. وحقيقة صفحنا عن بني ذهل: أعرضنا عنهم: ~~وليناهم صفحة أعناقنا ووجوهنا، وهي جانبها، فلم نؤاخذهم بما كان منهم. وقال ~~في هذا المعنى ضربنا عنهم صفحا، وفي القرآن: " أفنضرب عنكم الذكر صفحا ". # عسى الأيام أن يرجع ... ن ms0007 قوما كالذي كانوا # إنما نسكر قوما لأن فائدته مثل فائدة المعارف، ألاترى أنه لافصل بين أن ~~تقول عفوت عن زيد فلعل الأيام ترد رجلا مثل الذي كان، وبين أن تقول فلعل ~~الأيام ترد الرجل مثل الذي كان؛ لأنك تريد في الموضعين به رجلا أوالرجل. ~~والمعنى فعلنا ذلك بهم رجاء أن تردهم الأيام إلى أحسن ماكانوا عليه من قبل. ~~وعسى من أفعال المقاربة. وأن يرجعن في موضع خبر عسى، ولو قال عسى أن يرجع ~~الأيام قوما لكان أن يرجع في موضع فاعل عسى وكان يكتفي به؛ وذلك لأن عسى ~~لمقاربة الفعل، والفعل لابد له من الفاعل، فإذا تقدم الفعل مع أن وتبعه ~~الفاعل فقد حصل مايطلبه، فإذا وليه الاسم بقي ينتظر الفعل وإن ارتفع ذلك ~~الاسم به، فيجري الفعل مع أن بعده مجرى خبر كان بعد إسم كان. ومعنى يرجعن: ~~يرددن، وهو باب فعل وفعلته. يقال رجع فلان رجوعا ومرجعا ورجعى ورجعانا، # PageV01P027 # ورجعته رجعا. ومعنى يرجعن قوما يرددن بأمرهم أمر قوم، وبائتلافهم ائتلاف ~~قوم. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وخبركان محذوف كأنه قال كالذي ~~كانوه، أي كانوا عليه قبل من الائتلاف والاتفاق. والضمير الذي أظهرناه في ~~كانوه هو الذي تصح الصلة به، لأن الموصول لابد من أن يكون في صلته ضمير ~~يعود إليه إذا كان اسما، والذي ليس يرجع إليه من كانوا شىء إلاما أبرزناه ~~من الضمير. ومن جوز حذف الجار والمجرور من الصفة في نحوقوله تعالى: " ~~واتقوا يوما لاتجزى نفس عن نفس شيئا " ويقدر فيه أن الكلام لا تجزي فيه نفس ~~عن نفس شيئا، لا يسوغ له أن يقدر في الصلة أيضا كذلك. وإذا كان الأمر على ~~هذا فلا يجوز أن يكون التقدير يرجعن قوما كالذي كانوا عليه، لأن مثل عليه ~~لايجوز حذفه من الصلة، لاتقول الذي مررت جالس، وأنت تريد مررت به، والذي ~~دخلت منطلق، وأنت تريد الذي دخلت عليه. وبمثل هذا توصل من زعم في الآية أن ~~التقدير: واتقوا يوما لاتجزيه نفس عن نفس شيئا، لأنه قال: ms0008 الصفة كالصلة، ~~فكما لا يجوز حذف فيه وأشباهه من الصلة، كذلك لا يجوز حذفها من الصفة، ~~فاعلمه. ويجوز أن يكون قوله كالذي كانوا، أراد كالذين كانوا، وحذف النون ~~تخفيفا، كما قال: # إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # فيكون المعنى يرجعن بهم قوما كالذين كانوا من قبل. وفي هذا الوجه يجوز أن ~~يجعل الذي للجنس، كما قال الله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " ثم قال ~~" أولئك هم المتقون "، والفصل بين هذا الوجه وبين الوجه الأول أنه أمل في ~~الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدبتهم الأيام وردت أحوالهم في التواد ~~والتحاب كأحوالهم فيما مضى، وأزالت من فساد ذات البين ما اعترض بسوء ~~عشرتهم. وفي الوجه الثاني أمل أن ترجع الأيام أنفسهم إذا صفحوا عنهم كما ~~عهدت: سلامة صدور، وكرم اعتقاد وعهود. # فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان # فائدة أمسى وأصبح وظل وبات في مثل هذا المكان على حد الفائدة في صار لو ~~وقع موقعها، ألا ترى قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~"، والبشارة بالأنثى تقع ليلاو نهارا. وكذلك تقول: أصبحوا خاسرين وأمسوا ~~نادمين، وإن كانوا في كل أوقاتهم على ذلك. " ولما " علم للظرف، # PageV01P028 # وهو لوقوع الشئ لوقوع غيره، ولهذا لابد له من جواب. ويقال صرح الشيء إذا ~~كشف عنه وأظهره، وصرح هو إذا انكشف. ومثله بين الشئ وبين هو، وفي المثل قد ~~يبين الصبح لذى عينيت. وفعل بمعنى تفعل واسع، يقال وجهه بمعنى توجه، وقدم ~~بمعنىتقدم، ونبه بمعنى تنبه، ونكب بمعنى تنكب. فيقول: لما ظهر الشر كل ~~الظهور وصار بحيث لايستره شئ ولم يبق بيننا وبينهم سوى الصبر على الظلم ~~الصريح. والمعنى أنهم لما تجاوز الأحوال المتشابكة، والأخذ بالإنصاف ~~والمعدلة، إلى استعمال الظلم ورفع الحشمة، حينئذ جازيناهم بمثل ما ~~ابتدءونا. وذكر العريان مثل لظهور الشر. وقد اشتمل هذا الكلام على تفسير ~~البيت الذي يتلوه، وهو قوله: # ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا # العدوان والعداء والعدو: الظلم. وأما قوله دناهم ms0009 كما دانوا، والأول ليس ~~بجزاء، فهذا لميلهم إلى المطابقة والموافقة، وإخراج اللفظ في معرض صاحبه ~~ليعلم أنه جزاؤه على حده وقدره، أو ابتداؤه. وعلى ذلك قوله تعالى: " ~~يخادعون الله وهو خادعهم " و " الله يستهزئ بهم " وما أشبهه. وجواب لما صرح ~~دناهم. وقوله في البيت التالي هو تفصيل لما أجمله قوله دناهم، لأنه فسر كيف ~~كان ذلك الجزاء. والدين لفظة مشتركة في عدة معان: الجزاء، والعادة، ~~والطاعة، والحساب. وهو ها هنا الجزاء. ويقولون: كما تدين تدان أي كما تصنع ~~يصنع بك. # مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان # كرر الليث ولم يأت بضميره تفخيما وتهويلا، وهم يفعلون ذلك في أسماء ~~الأجناس والأحلام. قال عدي: # لا أرى الموت بسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فيقول: سعينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع، وكنى عن الجوع بالغضب ~~لأنه يصحبه. وهذا التشبيه أخرج ما لا قوة له في التصور إلى ما له قوة فيه، ~~ومن روى عدا على أن يكون من العدوان فليست روايته بحسنة، لأن الليث في أكثر ~~أحواله ظالم عاد. والمشية: اسم الحالة التي يكون عليها الماشي في مشيه، ~~والمشية # PageV01P029 # المرة الواحدة، والفعل يتعدى إلى كل واحد منهما. والليث من أسماء الأسد. ~~ويقال: استليث الرجل، إذ اشتد وقوي. # بضرب فيه توهي ... ن وتخضيع وإقران # تعلق الباء منه بمشينا، أي مشينا بضرب في ذلك الضرب تضعيف للمضروب به، ~~وتذليل ولين. ويجوز أن يكون المعنى فيه توهين وصوت في القطع وكسر العظام ~~وإطاقة وقوة. ويكون حينئذ تخضيع من الخضعة والخضيعة وهما اختلاط الصوت في ~~الحرب. ومنه خضيعة بطن الفرس، قال الأصمعي: يقال للسياط خضعة لا أدري أمن ~~الصوت هو أن من القطع. وقد روى بعضهم: # والضاربين الهام تحت الخضيعة # وقال: هي السيوف. وإقران من قولهم: أقرن فلان، أي أطاق. قال الله تعالى: ~~" وما كنا له مقرنين ". وفي الأول إقران من قولهم: أقرن الدمل، إذا نضج ~~ولان. ويقال استقرن الحبن أيضا. وتخضيع من الخضوع يكون، وهو الذل. ويقال ~~خضع الرجل وأخضع، إذا لين كلامه ms0010 للنساء. وفي الحديث: نهى أن يخضع الرجل ~~لغير امرأته، أي يلين كلامه. # وطعن كفم الزق ... غذا والزق ملآن # كرر ذكر الزق كما كرر ذكر الليث فيما قبله. وهذا الوصف أبلغ من قول ~~النابغة: # وطعن كإيزاع المخاض الضوارب # PageV01P030 # وهذا التشبيه أبرز ما يقل في الاعتياد في صورة من يكثر فيه: ومثله: # فجبهناهم بضرب كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء # أي وبطعن في اتساعه وخروج الدم منه كفم الزق إذا سال بما فيه وهو مملوء. ~~وغذا يغذو غذاوا، إذا سال. وغذاه يغذوه غذوا. والاسم الغذاء. فأما قول ~~الهذلي: # فالطعن شغشة والضرب هيقعة # فهو حكاية صوت الوقع، وقوله غذا في موضع النصب على الحال، والأجود أن ~~يجعل قد مضمرة. # وبعض الحلم عند الجه ... ل للذلة إذعان # يعتذر من تركهم التحلم مع الأوداء والأقارب، لما كان مفضيا إلى اكساء ذل، ~~واكتساب خضوع وعار. والتقدير: بعض الحلم إذعان للذلة عند جهل الجاهل. وهذا ~~إذا توهم أن المحتمل إنما فعل ما فعله خوفا وعجزا؛ لاميلا منه إلى التجاوز ~~والإغضاء واستبقاء الأخوة والوداد. ويقال: أذعن لكذا: إذا انقادله. ومنه ~~ناقة مذعان. وأذعن بكذا: أقر به. # وفي الشر نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان # قوله في الشر نجاة أراد: وفي دفع الشر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه. ويجوز أن يريد: وفي عمل الشر نجاة، كأنه يريد وفي الإساءة مخلص إذا ~~لم يخلصك الإحسان. وهذا مثل قولهم: الطعن يظأر أي يعطف، ن وكما قال زهير: # ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... مطيع العوالي ركبت كل لهذم # وهذا الكلام يجري منه مجرى الإعتذار مما أجرى إليه مع القوم، فاعلمه ~~ويقولون أيضا: من لم تقومه الكرامة قومته الإهانة. # PageV01P031 ### || وقال أبو الغول الطهوي: # الغول مأخوذ من غاله يغوله غولا، إذا أهلكه. وهم ~~يسمون كل داهية غولا. وبذلك سموا الشيطان والحية غولا. والغيلان عندهم سحرة ~~الجن. قال: # كما تلون في أثوابها الغول # فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقوا فيهم ظنوني # لفظه لفظ الخبر. والمعنى معنى الدعاء. يقول: تفدى نفسي مالي أجمع ms0011 فوارس ~~يكونون عند الظن بهم في الحرب، وقد روى آخر البيت على وجوه تتقارب معانيها. ~~روى: فوارس صدقت فيهم ظنوني. ويكون ظنوني في موضع رفع بصدقت وبروى: صدقت ~~فيهم ظنوني بفتح الصاد. وتضعيف عين الفعل يدل على التكثير. وظنوني يرتفع ~~بالفعل. وتخصيص اليمين في قوله: وما ملكت يميني لفضلها وقوة التصرف بها. ~~وهم يقيمون البعض مقام الجملة فينسبون إليه الأحداث والأخبار كثيرا، على ~~ذلك قوله تعالى: " فظلت أعناقهم لها خاضعين ". وقولهم: عذت بحقو فلان. وهو ~~عبد المقذ، وحر الوجه، ولئيم القفا وما أاشبهه. وفي القرآن: " أو ما ملكت ~~أيمانكم ". وفوارس شاذ في الجموع عند سيبويه، لأن فواعل إنما تكون جمع ~~فاعلة في صفات ما يعقل دون فاعل، واستدرك علىسيبويه هالك في الهوالك. وبيت ~~الفرزدق: # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار # PageV01P032 # وبيت عتيبة بن الحارث: # ومثلي في غوائبكم قليل # وقال أبو العباس المبرد: هو الأصل في جميعه، ن ويجوز في الشعر. # فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون # مللت الشيء أمله ملالا وملالة ومللا، إذا سئمته. ويقال: فلان ذو ملة طرف، ~~إذا ضجر بشيء فتطرفه. قال: # إنك والله لذو ملة # ويجوز الرفع في فوارس على أن يكون خبر ابتداء مضمر، كأنه قال: هم فوارس. ~~ويجوز النصب فيه على أن يكون بدلا من فوارس الأولى، ولا يملون في موضع ~~الصفة للفوارس. والمعنى فدت نفسي فوارس لا يضجرون بمكايدة الحرب ومقاساة ~~الشدائد فيها، ولا يكرهون المقاتلة إذا دارت رحى الحرب بأهلها. والزبون: ~~الدفوع، ومنه الزبانية. وإنما شبه الحرب بالناقة الزبون فوصف بصفتها، وهي ~~التي تزبن حالبها وتدفعه برجلها. قال: # تزبن بالخفاف والمناسم ... عن ذروة تخضب كف الهاشم # ويقولون: ثبت فلان في رحى الحرب، أي حيث دارت رحاها. ومنية ومنايا، ~~كصحيفة وصحائف، والأصل منائي فاستثقلت الضمة في الياء فحذفت ثم فروا من ~~الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء ألفا فصار مناءا، فأبدلوا من ~~الهمزة لتوسطها ألفين ياء فصار منايا. # ولايجزون من حسن بسيء ... ولايجزون من غلظ بلين # هذا ms0012 الكلام من صفة الفوارس. يريد أنهم يعرفون مجاري الأمور ومقادير ~~الأحوال فيوازنون الخشن بالخشن واللين باللين، كما قال الآخر: # تجازى الوافي بكيل واف ... ملآن والطفاف بالطفاف # PageV01P033 # وقوله بسيء أراد بسي فخفف، كما قالوا في هين هين وفي لين لين. وروى ~~بعضهم: بسي والمعنى أنهم يزيدون في الحزاء على قدر الابتداء. وليس ذلك بشيء ~~لأن سيء في مقابلة حسن، كما أن اللين في مقابلة الغلظ، وفي العدول عنه ~~إلىسي إخلال بالتقابل، والبيت إنما حسن به. # ولا تبلى بسالتهم وإنهم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين # يقال: بلي الثوب يبلى بلى وبلاء، ويستعار فيقال: لبست فلانا وبليته، إذا ~~اسيمتعت به وتمليته. وإنما يصفهم بلاستمرار على حالة واحدة في مزاولة ~~الحرب، وأن شجاعتهم لاتنقص ولاتبلى عند امتداد الشر، واتصال البلاء. ~~والبسالة توصف بها الأسد والرجال، يقال أسد باسل وبسول. كما يقال رجل باسل ~~وبسول. قال امرؤ القيس: # ما غركم بالأسد الباسل # وصلوا هو من صليت بكذا أي منيت به، وهو من الفعل فعلوا بكسر العين، ولهذا ~~انضم اللام من صلوا، ولو كان فعلوا بفتح العين لقيل صلوا، كما قيل دعوا ~~ورموا. فإن قيل: فأين جواب الشرط في قوله وإن هم صلوا بالحرب؟ قيل: هو ~~متقدم، والتقدير إن صلوا ومنوا بالحرب لم تخلق شجاعتهم. وفصل بين الفعل وإن ~~ب هم، لأنه ماض لم يظهر فيه أثر إن بالجزم. ولو كان مستقبلا لظهر الجزم ~~فيه، ولما حسن الفصل بينه وبين إن بالإسم. يقبح أن يقال إن زيد يأتني ~~أكرمه، وتقول إن الله أقدرني على زيد فعلت به كذا. وهذا شيء يجوز في إن دون ~~سائر حروف الجزاء، لأنه الاصل في الجزاء والحرف الذي لايزول عنه. وروى ~~بعضهم: ولا تبلى بسالتهم من بلوته إذا اختبرته، ويكون المعنى لا يمكن ~~اختبار شجاعتهم فيعرف غورها ومنتهاها على مر الأزمان، واختلاف الأحوال. # هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون # PageV01P034 # قوله بضرب يؤلف وقد وقع المنع والضرب جميعا حكاية حال، لولا ذلك لقال: ~~بضرب ألف. ومثله في القرآن: " ونقلبهم ms0013 ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد ". يقول: هؤلاء القوم الذين أشرت إليهم بقولي: فوارس صدقوا ~~فيهم ظنوني، هم الذين منعوا حمى هذا المكان بضرب يجمع بين المنايا ~~المتفرقة. وهذا تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم: والحمى: موضع الماء ~~والكلأ. ويقال: أحميت المكان، أي جعلته حمى. وحميته: ذببت عنه. وقوله يؤلف ~~من صفة الضرب، ويحتمل وجوها: ويجوز أن يكون المعنى إن هؤلاء لو بقوا في ~~أماكنهم ولم يجتمعوا في هذه المعركة لوقعت موتاهم متفرقة في أمكنة متغايرة، ~~وأزمنة متفاوتة، فلما اجتمعوا تحت الضرب الذي وصفه صار الضرب جامعا لتلك ~~المنايا ووجوهها. وحكي عن أبي سعيد الضرير أن المعنى إذا وقع بهم ألف بين ~~أقدارهم التي قدرت عليهم. ويجوز أن يكون المعنى أن أسباب الموت مختلفة، ~~وكأن هذا الضرب جمع بين الأسباب كلها. ويجوز أن يكون المراد ضربا لا ينفس ~~المضروب ولا يمهله، لأنه جمع فرق الموت له. وقوله أشتاب المنون واحدها شت. ~~والمنون: الموت، وهو من مننت أي قطعت. # فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون # نكب قد جاء متعديا إلى مفعولين، قال أوس: # نكبتها ماءهم لما رأيتهم ... صهب السبال بأيديهم بيازير # والأكثر نكبت عن كذا. يقول: حرف عن هؤلاء القوم هذا الضرب اعوجاج الأعداء ~~وخلافهم، وداووا الشر بالشر. وهذا كما يقال: الحديد بالحديد يفلح. وكما ~~قيل: لايفل الحديد إلا الحديد. وأصل النكب: الميل، ولذلك يقال نكبت الإناء، ~~إذا أملته. ونكب الرجل نكبة. وعلى هذا النكباء في صفة الريح: والدرء، أصله ~~الدفع، ثم استعمل في الخلاف، لأن المختلفين يتدافعان. ومثله: # وقومت عنه درأه فتنكبا # PageV01P035 # ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلوا ولا أرض الهدون # يروى: ولا روض الهدون، وهو أفصح. والهدون: الصلح والسكون. وفي الحديث: ~~هدنة على دخن، أي صلح على فساد دخيلة. يصفهم بالميل إلى الشر، والحرص على ~~القتال والقتل، وأنهم يؤثرون جانب الخصومة على الصلح، وناحية الذعر على ~~السكون، فيقول: الخصال السهلة والأمور الهينة، ولا ينزلون منازل الأمن ~~والراحة. والهوينى: تصغير الهونى، و: تأنيث الأهوان. ويجوز أن ms0014 يكون الهونى ~~فعلى اسما مبنيا من الهينة، وهي السكون. ولا تجعله تأنيث الأهون. ### || وقال جعفر بن علبة الحارثي: # ألهفى بقرى سحبل حين أحلبت ... علينا الولايا والعدو المباسل # التلهف يكون على الفائت بعد الإشراف عليه، يقولون: وا لهفاه، ووا لهف ~~أماه. ولهف نفسه وأمه إذا قال ذلك. وفي المثل: إلى أمه يلهف اللهفان. وقوله ~~ألهفى يجوز أن يكون منادى مفردا، ويجوز أن يكون مضافا. فإذا جعلته مضافا ~~فإن أصله ألهفى أو ألهف. فإذا كان ألهفى فكأنه فر من الكسرة وبعدها ياء إلى ~~الفتحة فانقلبت ألفا. وعلى ذلك يا غلاما أقبل. وقوله: # وهل جزع أن قلت وا بأباهما # وإنما، المعنى بأبى هما، وعلى ذلك طريقتهم في مدارى ومدارى، وعذارى ~~وعذارى، وصحارى وصحارى، وفى بقى بقى، وفى رضى رضى. وإذا كان ألهف يكون ~~الألف قد زيدت لامتداد الصوت به ليكون أدل على التحسر. وكذا إن جعلته ألهف ~~مفردا يكون الألف زيدت لذلك. ومعنى " أحلبت ": أعانت. وأصله الإعانة في ~~الحلب خاصة، ثم استمرت في الإعانات كلها. وقد يكون الشيء مختصا في الأصل ثم ~~يصير بالعرف عاما، كما قد يكون عاما في الأصل ثم يصير به مختصا. وروي: " ~~الولايا " وهي جمع الولية، وهي البرذعة، وهي تكون كناية عن النساء إن شئت، ~~وعن الضعفاء الذين لا غناء عندهم إن شئت. ويشبه هذا قول أم تأبط شرا تؤبنه: ~~" وا ابناه ليس بعلفوف، حشي من صوف، تلفه هوف ". وقولهم " هو كالحلس # PageV01P036 # الملقى ". ويروى: " الموالي " ومعنى البيت أنه يتلهف لما نزل بهم في ~~الموضع الذي ذكره حين أعان الأعداء عليهم كون الحرم معهم أو من يجري مجرى ~~الحرم من الضعفاء الذين لا دفاع بهم؛ لما وجب عليهم من الذب عنهم، ~~والاشتغال بالحماية عليهم. ومن روى الموالي - وهم أبناء العم - فإنما خصهم ~~بالذكر لأن الجفاء منهم أشد تأثيرا في النفس. ألا ترى أن من كان بنو عمه ~~عليه فهو كمن قوتل بسلاحه، ألا ترى إلى قول الآخر حيث يقول: # مخافة جور من أمير مسلط ... ورهطي وما عاداك مثل الأقارب # والعدو ms0015 إشارة إلى الجنس. والمباسل، من البسالة. وأجراه على لفظ العدو لا ~~على معناه. وفي القرآن: " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ". # فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل # التاء في " ثنتان " كالتاء في بنتان، إلا أنه لم يستعمل واحده كما استعمل ~~بنت. وكذلك التاء في اثنتان كالتاء في ابنتان إلا أنهم لم يقولوا اثنة كما ~~قالوا ابنة. والشاعر حكى كما دار بينهم عند الالتقاء فيقول: أدارنا أعداؤنا ~~على خصلتين حكمواعلينا بهما، وخيرونا فيهما، وهو الاستسلام الذي آخره ~~الأسر، أو القتل الذي أوله الامتناع والدفع. وقوله " ثنتان " أراد خصلتان ~~اثنتان، ثم فسرهما بقثوله " صدور رماح أشرعت " وخص الصدور لأن المقاتلة بها ~~تقع، ويجوز أن يكون ذكر الصدور وإن كان المراد الكل كما قال: # الواطئين على صدور نعالهم # وإن كان الوطء للصدور والأعجاز. وكنى عن الأسر بالسلاسل. وقوله " لا بد ~~منهما " أراد لا بد منهما على طريق التعاقب لا على طريق الجمع بينهما، وإلا ~~سقط التخيير الذي أفاده " أو " من قوله " أو سلاسل ". ألا ترى أنه إذا قال ~~خذ الدينار أو الثوب، وكل السمك أو اشرب اللبن، فليس فيه الجمع بينهما. ~~وإذا كان الأمر على هذا فالمعنى لا بد من إحداهما. و " أشرعت ": هيئت ~~للطعن. وكذلك شرعت. ويستعمل في السيف أيضا وكان الأصل فيه مشارع المياه. ~~وفي المثل: " أهون الورد التشريع "، أي إيراد الشريعة. # PageV01P037 # فقلنا لهم تلكم إذا بعد كرة ... تغادر صرعى نوءها متخاذل # يقول: أجبناهم وقلنا تلكم، " أي تلك " التخييرة وذلك التحكم. ولا يجوز أن ~~تكون الإشارة بتلكم إلى واحدة من هاتين الخصلتين اللتين تقدم ذكرهما، لأنه ~~لا اختيار فيهما لمختار حكمه حكم هؤلاء، إلا أن يكون الكلام على طريق ~~التهكم والسخرية. والمعنى إنما يكون ذلك بعد عطفة وجلو تترك بيننا قوما ~~مصروعين يخذلهم النهوض ولا يطيقون الحراك. وإذا، هو جواب وجزاء، وهو ملغى ~~هاهنا. وكم من تلكم للخطاب لا للضمير، فلا موضع له من الإعراب. واختار أن ~~يقول " متخاذل " لأن هذا النباء يختص بما يحدث شيئا ms0016 بعد شيء. على ذلك قولهم ~~تداعى البناء كأن أجزاء النمهوض يخذل بعضها بعضا فلا يكمل، وكأنه أنكر ~~عليهم الاشترط والتحكم والإلجاء منهم إلى ذلك، فقال: يسوغ متا ابتدأتم فيه ~~لكم بعد جولة يتعقبها هذا الأمر. ويجوز أن يكون الحكم والتخيير بقوله " ~~ثنتان لا بد منها " وقع بين الحرب والاستئسار، لا القتل والاستئصال، ~~فاختاروا المحاربة. والإشارة بقوله تلكم حينئذ يجوز أن تكون على ما قدمته، ~~ويجوز أنم تكون إلى ما دل عليه قوله أو سلاسل، من الأسر فكأنه قال: الخصلة ~~الثانية نؤخرها وننظر في الأولى ماذا ينتتج منها. وقوله " تغادرصفة للكرة، ~~وقوله " نوءها " الضمير يعود إلى صرعى، والجمع مآله إلى التأنيث، ولو قال ~~نوءهم لكان أحسن. والنوء: النهوض، وهو أصل المناوأة، وإن اشتهرت في ~~المعاداة. ويكون النوء: السقوط أيضا. ويشبه هذا قول الآخر: # ينوء بصدره والرمح فيه # ولم ندر إن جضنا من الموت جيضة ... كم العمر باق والمدى متطاول # جاض عن قرنه وحاص بمعنى، أي عدل وانحرف. والعمر والعمر لغتان: الحياة ~~والبقاء. ومنه قولهم: لعمر الله، وعمرك الله. إلا أنه في اليمين لا يستعمل ~~إلا بفتح العين. وقوله " كم العمر " في موضع الظرف، والمعنى كم يوما أو ~~وقتا العمر باق. وارتفع العمر بالابتداء. والواو في وقته " والمدى متطاول " ~~واو الحال، أي كم العمر باق ومداه متطاول. ولم يأت بالضمير لأن الواو أغنى ~~عنه، والمعنى لم نعلم إن عدلنا عن الحرب عدلة كم بقي من أعمارنا، وغايات ~~العمر ممتدة مبهمة حتى لا ينتهي أحد منها إلى حد إلا وكما يرجو أن يتصل ~~بعده أيضا لا يأمن أن ينقطع، فكأنه قال: إذا كان الحال في الأعمار على هذا ~~أبدا فلا معنى للعدول عن الحرب، إذ لا # PageV01P038 # يمتنع من تطاول المدى في رجاء العمر أن يقصر في نفسه وينقطع عن المأمول ~~فيه. ويجوز أن يتعلق الحال الذي دل عليه " والمدى متطاول " بإن جضنا. ~~والتقدير لم ندر إن جضنا مدانا متطاول كم العمر باق أي مدى رجائنا. وهذا ~~حسن عندي. ويجوز أن يكون الواو عاطفة ms0017 كأنه قال: لم نعلم كم العمر باق وكم ~~المدى متطاول إن جضنا. وحكي عن بعض المتأخرين أنه فسر العمر على أنه الحين، ~~قال ومنه قوله تعالى: " فقد لبثت فيكم عمرا " وهذا إذا حقق يرجع إلى الأول. # إذا ما ابتدرنا مأزقا فرجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصياقل # يقول: إذا ما استبقنا إلى مضيق في الحرب وسعته لنا سيوف مصقولة بأيماننا ~~والفائدة فى قوله " جعلتها الصياقل " اهتماتهم بإصلاح آلات الحرب، لدوام ~~مزاولتهم لها. وجعل الفعل للسيوف على المزاج والسعة. # لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل # هذا مثل قوله: # منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رءوس الملوك # وإن كان فى هذا تقسيم خلا منه المشبه. ولك أن تروى " ما ضمت عليه الأنامل ~~" و " ضمت "، فإذا قلت ضمت فالمعنى ضبطت عليه الأنامل. # وإذا قلت فالمعنى قبضته الأنامل. والبطحاء والأبطح: مسيل فيه دقاق الحصى ~~واسع. وهما صفتان أخرجتا إلى باب الأسماء. وبطحاء مكة وأبطحها معروفان، ~~والتأنيث والتذكير فيهما يحملان على البلدة والبقعة، والبلد والمكان، إلا ~~أنه لايقال مكان أبطح ولا بقعة بطحاء. ويقال: تبطح السيل، إذا سال عريضا. ~~فأما " سحبل " فاسم موضع أضيف البطحاء إليه، كما يقال صحراء سحبل. ويقال ضب ~~سحبل، إذا كان عريض البطن. ولا يمتنع أن يكون المكان سمى به لاتساعه. ### || وقال أيضا: # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزروها # معنى " يرى غمرات الموت " أن يتحققها بالممارسة حتى يصير كأنه أدركها ~~بحاسة العين وشاهدها، فيقول: لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى قحم # PageV01P039 # الموت ثم يتوسطها ويصبر فيها ولا يعدل عنها. وإنما قال " ابن حرة " لينبه ~~على زوال الهجنة منه، وخلوص مولده مما يشوبه، وليصير كرمه مهيجا لأنفته، ~~ومصبرا له على كل ما يدفع إليه من الشر إلا أن يزيله. ولأن ما يستنكف منه ~~العرب هو الهجة إذ كان من ليس أبوه من العرب خارجا من أن يكون عربيا. ~~والغماء والغم والغمة والغمم مرجع جميعها إلى التغطية. فإن قيل: لم عطف ~~الزيارة على ms0018 رؤية الغمرات بحرف المهلة، وهلا جعلها عقيب الرؤية؟ قلت: إن " ~~ثم " وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه ~~الجملة على الجملة ليس كذاك. ألا ترى قوله عز وجل: " وما أدراك ما العقبة. ~~فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة. ~~ثم كان من الذين آمنوا ". ولا يجوز تراخي الإيمان عن شيء مما عدده وذكره. # تقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها # وضع " قسمة " موضع مقاسمة، أراد شر مقاسمة. وانتصاب " شر " على المصدر. ~~والغواشي: القوائم، وتكون الأغماد أيضا. والصدور، أراد بها المضارب، وإنما ~~قال: شر قسمة، لأن من حمل على مثل هذه القسمة فيما يقاسم عليه كان الشر له. ~~وهذا أيضا مثل قوله: # لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل # والمعنى قاسمناهم سيوفنا ففينا مقابضها وفيهم مضاربها. ### || وقال أيضا: # هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق # هذه الأبيات ضمنها هذا الباب اما اشتملت عليه من حسن صبره على البلاء، ~~وقلة ذعره من الموت والفناء، واستهانته بوعيد المنوعد وحذقه برسفان المقيد. ~~و " هواي " ياء الإضافة فتحت منه على الأصل، وذاك أن هذه الياء لما كان ~~ضمير اسم على حرف واحد متطرف كرهوا أن تسكن فتختل فجعلوا من أصله التحريك، ~~فإذا كان # PageV01P040 # ما قبله متحركا كغلامي وداري: كان لك فيه وجوه: تحريك الياء وهو الأصل، ~~وتسكينه تخفيفا، وحذفه من النداء إذا قلت يا غلام، وإبدال الألف منها مع ~~انفتاح ما قبلها كقولك وابأباهما ويا غلاما أقبل. وإذا سكن ما قبله فمتى ~~كان واوا أو ياء أدغم فيه ولم يكن بد من تحريكه لئلا يلتقي ساكنان، تقول ~~مسلمي في الجميع ومسلمي في التثنية. وإذا كان ما قبله ألفا كعصاي وقفاي ~~وهواي، لم يكن بد من الإتيان به على الأصل، وهو تحريكه، لئلا يلتقي ساكنان ~~أيضا، ولا يجوز الإدغام ها هنا كما جاز مع الواو والياء، لأن الألف لا تدغم ~~في شيء ولا يدغم فيها غيرها، لكنها هوائية لا معتمد ms0019 لها في المخرج، إلا في ~~لغة هذيل، لأنهم يبدلون من الألف الياء ويدغمون. على هذا قوله: # سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع # واليمانون: جمع يمان، والنسبة إلى يمن يمنى، لكنه حذف إحدى ياءي النسب ~~وأتي بالألف عوضا منه. ومثله شآم وتهام، ومعنى البيت هواي راحل ومبعد مع ~~ركبان الإبل القاصدين نحو اليمن، منضم إليهم، مقود معهم، وبدني مأسور مقيد ~~بمكة. وراكب وركب مثل تاجر وتجر. وقد قيل في الجثمان إنه الشخص والجسمان ~~الجسم، هكذا قاله الأصمعي. والشخص إنما يستعمل في بدن الإنسان إذا كان ~~قائما. والخليل ذكر في العين أن الجثمان والجسمان بمعنى واحد. وأصعد في ~~الأرض: أبعد، وحكي أن صعدة اسم علم للأرض، وأن الصعيد منه. ولهذا قيل لحمر ~~الوحش: بنات صعدة، وأولاد صعدة. وهذا إن ثبت فهو كما يقال بنات البر. وقوله ~~" جنيب " أي مجنوب مستتبع. وذكر أن بعضهم يرويه " حثيث "، والصحيح الأول ~~لفظا ومعنى. # عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلي وباب السجن دوني مغلق # يقول: تعجبت من سير هذه الخيال إلي، ومن حسن توصلها مع هذه الحال، وهو أن ~~باب السجن مرتج دوني. فأما تعجبه من سيرها فعلى غادة العرب والشعراء في وصف ~~الخيال، وذاك أنهم يجرونها مجرى المرأة نفسها، فيستطرفون منها ما # PageV01P041 # يستطرف من تلك لو وقع الفعل منها على الحقيقة مع نعمتها. وهذا كما قال ~~غيره: # طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سدكا بأرحلنا ولم يتعرج # وكما قال الآخر: # وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي # وأما تعجبه من توصلها فهو تعجب من لطفها في ذلك، وحسن تأتيها، مع العوارض ~~والموانع. والمسرى يصلح في اللغة أن يكون مصدرا ومكانا ووقتا والبيت لا ~~يمتنع من وجوهه. وأنى معناه كيف، أو من أين، كذا قال سيبويه. وقد تجرد لأن ~~يكون بمعنى كيف في قول الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب # أتتنا فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق # التحية: السلام والملك والبقاء. والمحيا: الوجه من الإنسان، لأنه يخص عند ~~التسليم بالذكر ms0020 فيقال حيا الله وجهك، وإن كانت الجملة متلقاة به. وقيل ~~التحية مشتقة من الحياة أوالحياء. والمحاياة: تحية القوم بعضهم بعضا. ~~والمحيا من الفرس: حيث انفرق اللحم تحت الناصية. فيقول حاكيا لحال الخيال: ~~جاءتنا فسلمت علينا، ثم لم تلبث إلا قليلا حتى قامت وأعرضت، فلما تولت كادت ~~النفس تخرج في أثرها. ويروى: " ألمت فحيت ". والإلمام: الزيارة الخفيفة. ~~وقوله " لما تولت " جوابه " كادت النفس " وهو علم للظرف. ومتى كان علما ~~للظرف لم يكن له بد من جواب، لأنه يكون لوقوع الشيء لوقوع غيره. وتزهق خبر ~~كادت، لأن كاد ككان وأخواته ها هنا إذا وقع بعده الاسم، وهو موضوع لمشارفة ~~الفعل ومشافهته، ولهذا وجب ألا يكون معه " أن ". تقول: كاد يفعل، ولا يجوز ~~أن يفعل إلا في الشعر. ومعنى تزهق: تهلك، ومنه قيل للبئر البعيدة القعر ~~والمتلفة البعيدة: زاهقة وزهوق. وفي القرآن: " فإذا هو زاهق ". ويجوز أن ~~يريد به في البيت # PageV01P042 # تخرج في إثرها سريعة لما تولت. ومنه زهقت الراحلة: تقدمت. وزهق السهم: ~~أسرع. # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق # ترك الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها، جريا على عادتهم في التنقل ~~والافتنان في التصرف. ومعنى تخشعت: تكلفت الخشوع. والخشوع في البصر كالخضوع ~~في البدن. ويقال: اختشع فلان، إذا طأطأ رأسه راميا ببصره إلى الأرض وهو ~~خاشع الطرف خاضع العنق. يقول مستهينا بما اجتمع عليه من الحبس والتقييد، ~~ومتبجحا عندها بالصبر على الهوى والتهالك فيه - وبهذا دخلت الأبيات في ~~الحماسة - لا تظني أني تكلفت الخشوع بعدكم لشيء عارض، ولا أني أخاف من ~~الموت. والفرق: الخوف، وهو فرق وفروق وفروقة. وقال: # أنورا سرع ماذا يا فروق # فإن قيل: فأين مفعول تحسبي؟ قلت: قد نابت الجملة، وهو قوله " أني تخشعت ~~بعدكم " عن المفعولين. ألا ترى أن تقديره لا تحسبيني خاشعا، فكما أن ~~المفعولين يحصلان من دون " أن " كذلك إذا دخل " أن " في الكلام ينوب مع ما ~~بعده عنهما، لأن اللفظ بالمفعولين قد حصل وإن كانا في صلة أن. وأن وما بعده ms0021 ~~في تقدير اسم، وهذا كما تقول: لو أنك جئتني لأكرمتك، إذ كنت قد لفظت بالفعل ~~في صلة أن، وإن كنت لا تقول لو مجيئك. # ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق # الوعيد والوعد من أصل واحد، وإن كان أحدهما ضمانا في الخير والآخر ضمانا ~~في الشر، لكنه فرق بين المعنيين بتغيير البناءين، كما فعلوا مثل ذلك في ~~العدل والعديل، فجعلوا أحدهما في الأناسي والآخر في غيرهم. يقول: ولا تظني ~~أن نفسي يستخفها تهددكم، ولا أنني ضجرت بالرسفان، وهو المشي في القيد. ~~ويقال زهاه زهوا وازدهاه، إذا استخفه. ويستعمل الزهو في الباطل والتزيد في ~~القول. يقال: قال زهوا، وفي الكبر يقال زهي لا غير، وهو مزهو، والأصل ~~الخفة. والأخرق: القليل # PageV01P043 # الرفق بالشيء. وقال أهل اللغة: الخرق: ضد الرفق. وفلان رقيق وفلان أخرق. ~~وربما قالوا: فلان صنع وفلان أخرق. قال: # وهى صناع الرجل خرفاء اليد # ويروى " أخرق " بضم الراء فيكون فعلا، و " أخرق " بفتح الراء فيكون صفة. # ولكن عرتني من هواك صبابة ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق # قوله " كما كنت ألقى منك "، الأجود أن يكون " ما " موصوفة غير موصولة، ~~لأنك إذا جعلتها موصوله كانت معرفة وفي تقدير الذي، والقصد إلى تشبيه صبابة ~~مجهولة بمثلها، والتقدير عرت صبابة تشبه صبابة كنت أكابدها فيك في ذلك ~~الوقت. كأنه شبه حاله فيها بعد ما مني به بحاله من قبل. ومفعول ألقى محذوف ~~تخفيفا له، أراد كما كنت ألقاه منك. ويقال عراه وأعراه بمعنى واحد. ومنه ~~عراء الدار وعروتها بفتح العين، أي حيث تعرى منه أي حيث تؤتى. يقول: ولكني ~~تعروني في الهوى رقة شوق وجهد صبابة، كما كنت أقاسيه منك وفيك حين كنت ~~مطلقا ومخلى. والفعل من الصبابة صببت بكسر الباء، والصفة صب. وقوله " إذ ~~أنا مطلق " الجملة في موضع جر بالإضافة، وقد شرح بها " إذ " كأنه قال: وقت ~~إطلاقي. ### || وقال أبو عطاء السندي: # ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر # يعني بالخطي رمح نفسه، أي يتردد ms0022 بالطعن. كأنه يصور حاله وما يكابده في ~~مجاهدة أعدائه. والخط: سيف البحرين وعمان وإليه ينسب القنا. وكأن قولهم: ~~الخطيطة، وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، منه. والخطر أصله التحرك، ~~يقال مر يخطر خطرا، وخطر البعير بذنبه خطرا وخطرانا. فنبه بهذا الكلام على ~~قلة مبالاته بالحرب، وأن نفسه تاقت والرمح يختلف بالطعن بينهم إليها حتى ~~كانت تلك همه وشغله، فقال: ذكرتك بقلبي ورماح الخط تضطرب في الحرب بيننا، ~~وقد رويت منا أي من دمائنا. وروى بعضهم: " وقد نهكت منا المثقفة " من نهك ~~المرض، وليس # PageV01P044 # بشيء: ومصدر ذكرتك ذكر بضم الذال، لأن الذكر بالقلب والذكر باللسان. ~~والاسم من نهلت النهل. والمورد: المنهل: وقد عد الناهل في الأضداد، لوقوعه ~~على الريان والعطشان، وكأن حقيقة النهل أول السقي، والاكتفاء به قد يقع وقد ~~لا يقع فلذلك استعمل الناهل في الري والعطش. # فوالله ما أدري وإني لصادق ... أداء عراني من حبابك أم سحر # أقسم بالله على استواء علمه بالحالتين اللتين ذكرهما. ويسمي الألف التي ~~في قوله " أداء عراني " ألف التسوية، لهذا الذي ذكرناه. وكذلك لو قال: ليت ~~شعري أزيد في الدار أم عمرو، لكان الألف ألف التسوية أيضا، لأنه بتمنيه ~~العلم بما ذكره من الأمرين، دل على استواء درايته بهما: " وعراني " معناه ~~أصابني. يقال عراه يعروه، واعتراه يعتريه، وعره يعره بمعنى واحد. # و" الحباب " بمعنى الحب، كأنه مصدر حببته. وقد يكون مصدر حاببته ويكون من ~~اثنين. ويكون أيضا جمع الحب، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، كما تجمع ~~الشمس على مواقعها. ويروى " جنابك " والمعنى من ناحيتك. وقوله " إني لصادق ~~" يجوز أن يريد به صدقه في الخبر، ويجوز أن يريد بره في الحلف، ومرجع ~~الوجهين إلى معنى واحد. # فإن كان سحرا فاعذريني على الهوى ... وإن كان داء غيره فلك العذر # السحر والتمويه يرجعان إلى معنى واحد، ولذلك قال تعالى: " سحروا أعين ~~الناس "، أي أخرجوه على وجه في ورأى العين وحقيقته على خلافه. والسحارة: ~~لعبة ذلك صفتها. ويقال عنز مسحورة، إذا عظم ضرعها وقل لبنها. وأرض ms0023 مسحورة، ~~إذا لم تنبت شيئا: فيقول: إن كان ما بي سحرا فلي عذر في هواك، لأن من يسحر ~~يحبب، وإن كان داء غير السحر فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في ~~محاسنك، والدلالة على أن " فاعذريني " في موضع فلي عذر، ما قابله به من ~~قوله " فلك العذر ". وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال اعذريني ولاذنب له ~~وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب أو يتصور بصورته، وانتصاب " داء " على ~~أن يكون خبر كان، كأنه قال: وإن كان مابي داء. ويجوز أن يكون توهم أن تلك ~~تصورته بصورة المذنب فيما أظهره من عشقه فقال لها: إن أنت فتنتني وأوقعتني ~~في حبالك لما عرضت علي من محاسنك فلي عذر حين افتتنت، # PageV01P045 # لأن مثل محاسنك تزل العفيف، وتنقل عن طبعه الحليم. وإن كنت المتعرض لك ~~والجالب على نفسي ما شقيت به، فالعذر لك. ### || وقال آخر: # وفارس في غمار الموت منغمس ... إذا تألى على مكروهه صدقا # جعل للموت غمارا على التشبيه بالماء، ثم جعله منغمسا فيها فحسنت ~~الاستعارة جدا: وتألى وائتل وآلى من الألية. ولا حلف ثم، إنما يريد الحتم ~~والإيجاب، فيقول: رب فارس داخل في شدائد الموت إذا حلف على ما يكره منه أو ~~يكون كريها في نفسه بر ولم يحنث أنا فعلت به كذا. ويروي " مكروهة " والمعنى ~~خصلة تكره وتشق. فعلى هذا يكون صفة مفردة عن الموصوف. ويجوز أن يكون مصدرا ~~كالمصدوقة وما أشبهها من المصادر الجائية على زنة المفعول. وأضاف المكروه ~~إذا رويت " مكروهه " إلى الفارس لوقوعه منه. والمنغمس: الداخل في الشيء، ~~يقال غمسته في الماء وغيره، ورجل مغامس للذي يغشى الحرب ويتردد فيها. ~~والغمار والغمرات جمع غمرة، وهي في الماء والحرب والشر ترجع إلى الستر. ~~ويقال رجل مغامر، إذا ألقى نفسه في الغمرات والمهالك. وروى بعضهم " في غمار ~~الموت " بضم الغين، وكسرها أجود مع ذكر المنغمس. # غشيته وهو في جأواء باسلة ... عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا # العضب: القطع، وتوسعوا فيه فقالوا: عضبه عن حاجته، أي حبسه، ms0024 وامرأة ~~معضوبة أي معضولة، وسيف عضب أي قاطع، كأنه وصف بالمصدر. والتغشي أصله ~~الإتيان والملابسة، ومنه الغشاوة: الغطاء. وتوسعوا فيه حتى قيل تغشاهم ~~بالعدل أو الجور. وفي القرآن: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ". فقوله غشيته، ~~هو كما يقال قنعته، وهو جواب رب فارس هكذا أنا ضربته وهو في جيش تام السلاح ~~كريه اللقاء، بسيف قاطع أصاب وسط رأسه فشقه. والسواء: الوسط ها هنا، وفي ~~التنزيل: " في سواء الجحيم ". ويوضع موضع المصدر ثم يوصف به، وفي التنزيل: ~~" سواء للسائلين ". وأصاب، # PageV01P046 # بمعنى طلب وبمعنى نال، ويقال أصبت الصواب فأخطأته. والجأواء: المخضرة، ~~وهو من الجؤوة، يعني اخضرار السلاح. والبسالة تستعمل في الناس وغيرهم، وهي ~~الشجاعة. ويقال رجل باسل وأسد باسل وبسول. قال: # ما غركم بالأسد الباسل # وهذا يجوز أن يكون من البسل، وهو الحرام، كأنه لنمنعه محرم. # بضربة لم تكن مني مخالسة ... ولا تعجلتها جبنا ولا فرقا # يقال تعجلت الشيء، أي تكلفته على عجلة. ويقال أيضا أعجلته واستعجلته ~~وتعجلته بمعنى. والخلس: أخذ الشيء مخاتلة، وقيل الاختلاس أوحى من الخلس. ~~ويقال هو لك خلسة، كما يقال نهزة وفرصة، يقول: غشيته سيفا بأن ضربته ضربة ~~هكذا. فأما قوله لم تكن مني مخالسة، فهو خلاف قول الآخر: # وقد أختلس الضرب ... ة لا يدمى لها نصلي # وقول الهذلي: # وطعنة خلس قد طعنت مرشة # لأن قصد الشاعر هاهنا إلى أنه تناول من خصمه ما تناول بتثبت وقوة قلب لا ~~كما يفعله الجبان. وثم يذكر تمكنه من خصمه على شدة احتراز منه حتى تناول ما ~~تناوله خلسا. وقد وصف الشجاع بالمخالس والخليس، وكذلك المصارع. ومن مدحه ~~خصمه ثم ذكر غلبته له كان أبلغ في الافتخار به، فاعرف فرق ما بين الموضعين. ~~وقوله: " ولا تعجلتها جبنا ولافرقا " يؤكد ما ذكرناه. وانتصاب " جنبا " على ~~أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدرا لعلة. والمعنى: ولم أتكلف عجلتها لضعف ~~قلبي ولا لخوفي من صاحبي. وضربة الجبان أعجل وأسرع. # PageV01P047 ### || وقال ربيعة بن مقروم الضبي # ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسلم أوظفة القوائم هيكل # اطراد ms0025 الماء والسراب والكلام: اتساقها على حد الاستقامة والمراد. ويقال: ~~جدول مطرد، وبلد طراد، أي واسع يطرد فيه السراب. وأراد بالخيل الفرسان لا ~~الأفراس، ألا ترى أنه قال " يوم طرادها ". والطراد من الفرسان: حمل بعضهم ~~على بعض. وعلى هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو " يا خيل الله ~~اركبي ". والمعنى حضرتهم يوم تطاردهم بالرماح وأنا على فرس ضخم سليم ~~الأوظفة من العيوب. ول " شهدت " موضعان: الحضور من قول الله تعالى: " ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ". وقوله عز وجل: " ما أشهدتم خلق ~~السموات والأرض "، وحينئذ يتعدى إلى مفعول واحد. والعلم والتبيين، على ذلك ~~قول الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، وحينئذ يتعدى إلى ~~مفعولين. وقد يقسم به كما يقسم بالعلم، فيقال يشهد الله كما يقال يعلم ~~الله. فأما شهادة الشاهد فلابد من القول فيها. والهيكل أصله في البناء ~~العظيم، ثم وصف به الفرس. # فدعوا نزل فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # قوله " دعوا نزال " أي صاحوا: نزال نزال. ومنه قيل لتطريب النائحة في ~~نياحتها: التدعي. وهذا كما قال الأعشى: # قالوا الطراد فقلناتلك عادتنا # وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". ويجوز أن يكونوا ~~جعلوا نزال على التوسع هي المدعوة وإن كانت دعي إليها؛ ويشهد لهذا الوجه ~~قولهم: # دعيت نزال ولح في الذعر # PageV01P048 # وفي القرآن: " دعوا هنالك ثبورا. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا كثيرا ". ونزال: اسم لا نزل، مبني على الكسر، معرفة مؤنث معدول. ~~والدلالة على تأنيثه قول زهير: # دعيت نزال ولج في الذعر # والمعنى تنادوا وقالوا نزال فكنت أول النازلين. ثم قال مظهرا لترك التحمد ~~بذلك، وأنه فيما فعله كمن أدى واجبا عليه: " وعلام أركبه ". المعنى لأي شيء ~~أركب فرسي إذا لم أنزل إذا دعيت إلى النزال. و " ما " من " علام " حذف ألفه ~~لأنه في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يخفف بالحذف، على ذلك بم ولم وفيم ~~وعم مم، إلا إذا اتصل بذا فيقال بماذا ولماذا، لأنه يصير ماذا كالشيء ms0026 ~~الواحد فلا يغير " ما "، وقوله " وعلام أركبه إذا لم أنزل " يجري مجرى ~~الالتفات ويقاربه، وفائدته أنه أسقط التحمد بما فعله. به. وفي طريقته من ~~جهة المعنى قول الآخر: # ولايحمد القوم الكرام أخاهم ال ... عتيد السلاح عنهم أن يمارسا # ومثل الأول قوله: # علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت # وألد ذي حنق على كأنما ... تغلى عداوة صدره في مرجل # أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر، ~~حتى تجلى، فصار كالمشاهد. والألد: الشديد الخصومة. كأنه لد بالخصومة، أي ~~أوجر فلد به. ولذلك كان اللدد مصدر ألد. ويقال في معناه ألندد. والحنق: شدة ~~الغيظ، يقال أحنقه فحنق، يقول رب خصم شديد الخصومة ذي غيظ وغضب علي تغلي ~~عداوته لي في صدره غليان المرجل بما فيه إذا كان على النار، أنا دفعته عن ~~نفسي. وجواب رب هو صدر البيت الثاني. والحنئى يجوز أن يكون من اللزوق، كأن ~~الحقد لزق بصدره، ومنه يقال أحنقت الدابة، إذا ضمرته. # PageV01P049 # أرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل # ذكر بعض المتأخرين في أرجيته، أن الرواية الصحيحة " أوجيته " وما عداه ~~تصحيف. قال. وهو أفعلته من الوجى، وإنما أوجب ذلك ليكون لفق قوله بزعمه: " ~~وكويته ". والمعنى أذللته ورددته رازحا كرزوح الفرس الوجى. ثم أنشد قول ~~طرفة مؤنسا به: # وقوم تناهوا عن أذاتي بعدما ... أصاب الوجى منهم مشاش السنابك # قال الشيخ: ولقد قضيت العجب من هذا المستدرك، ومن ضلاله عن طريق الرشاد ~~فيما قصده من المعنى، ورواه في الاستشهاد، وذلك أن شعر طرفة إنما هو: # وما زال شربي الراح حتى أشرني ... صديقي وحتى ساءني بعض ذلك # وحتى يقول الأقربون نصاحة ... دع الغي واصرم حبله من حبالك # وحتى تناهوا عن أذاني بعد ما ... أصاب الوجى منهم مشاش السنابك # فقوله: " حتى تناهوا " ليس مما فسره واستشهد له بسبيل، إنما يريد طرفة ~~أنه أبعد غايته في الخسارة، وتمادى في تعاطي الصبا والجهالة، فلم يصخ ~~لناصح، ولم يرعو لعاذل، حتى نفضوا أيديهم ms0027 من إنابته، ويئسوا من قبوله ~~وإعتابه، فألقوا حبله على غاربه: وصاروا من بين ناسب له إلى الشر، ومسيء ~~إليه في القول، وقاذف إياه بالغي، فأفضت بهم الحال إلى أن تناهوا بعد أن ~~بلغ منهم العناء كل مبلغ، وأثر فيهم الإعياء والإخفاء أشد تأثير. ألا ترى ~~أنه جعل الوجى في المشاش من السنابك منهم. فهذا ما عليه في الرواية، ~~والذهاب عن طريقة الشاعر. وبعد فإنه لا يقال أوجيت الدابة عني ويراد ~~الإخفاء، ولم يسمع في التذليل ذكر الحفى والوجى مستعارا كما سمع الكي ~~والوسم فيه. وبعد الغوص لا يدري على ماذا يهجم بصاحبه. والرواية الصحيحة " ~~أرجأته " و " أرجيته " وهما لغتان، والهمز أفصح. قد قرى: " ترجى من تشاء ~~منهن " و " ترجى ". ويروى: " أوحيته "، ويروى: " أزجيته " والمعاني تتقارب ~~في الكل. يقول: رب خصم هكذا أنا وحيته عن نفسي وصرفته، وقد أبصر رشده، وعرف ~~مقدار نفسه، فعاد إليه بعد أن كان يشتط فيما له، ويتغابى عما عليه. والقصد: ~~ما لا سرف فيه، ولذلك قيل اقتصد في كذا. وطريق قاصد إذا كان على حد ~~الاستواء. ومن كلامهم: ضل عن قصد الطريق، كما قيل: ضل عن # PageV01P050 # سواء السبيل. قال الراجز: # إني إذا حار الجبان الهدره ... ركبت من قصد الطريق منجره # وقوله: " وكويته فوق النواظر " يشبهه قول الآخر: # ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما # أي كويته من عل فوق ناظره، أي وسمته بسمة من الذل اشتهر بها، ولم يمكنه ~~إخفاؤها. ويقال لمن يتوعد بالإذلال والتشويه: لأسمنك وسما لا يفارقك. ولذلك ~~قال جرير: # لما وضعت على الفرزدق مبسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل # وكما يجعلون هذه السمة في الجبين يجعلونها في الأنف، ولذلك قال الأعشى: # أنف من أنت واسم # وفي القرآن: " سنسمه على الخرطوم ". فإن قيل: لم أتى بقوله من عل، وقد ~~قال فوق النواظر ويعلم منه أنه أعلى؟ قيل: إن التقدير كويته من عل فوق ~~النواظر، أي من أعلاه فوق ناظره، وفيه التقديم والتأخير، ولو سكت على من عل ~~لكان يجوظ أن يكون ms0028 فوق النواظر ودون النواظر، لكنه بين أن قصده إلى الجبين ~~بميسمه. والمعنى شهرته بإذلالي، ووسمته بكي حيث يظهر للناظرين ولا يخفى. ~~وانتصاب " فوق " يجوز أن يكون على التبدل من الضمير في كويته، لأن " فوق " ~~من الظروف المتمكنة. ويجوز أن تجعله ظرفا تريد كويته في هذا المكان مما علا ~~منه. وإنما لم يبن من عل لأنه جعله نكرة، كما تقول أتيته قبلا أي أولا، ~~وأنت لا تقصد إلى أنه مضاف إلى معرفة مخصوصة، فاعلمه. ومنه: # كجلمود صخر حطه السيل من عل # PageV01P051 # فالكسرة في الموضعين كسرة إعراب، وإن شئت جعلته معتل الآخر لا منقوصا كشج ~~وقاض، وجعلته في النية مضافا، فيكون معرفة وتنوى ضمة البناء في موضع لامه، ~~كما تنويها في الياء من قاض وغاز إذا ناديت بهما واحدا بعينه. وفي على لغات ~~كثيرة، وله نحو في البناء والإعراب ليس لأخواته من الغايات، وليس هذا موضع ~~شرحه. ### || قال سعد بن ناشب بن مازن بن عمرو بن تميم: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا # القضاء، أصله الحتم والإيجاب، ثم يستعمل في إكمال الصنع والفراغ من ~~الشيء. ولهذا قيل قضي قضاؤك، أي فرغ من أمرك. وفي القرآن: " فقضاهن سبع ~~سموات ". ويروى: " قضاء الله " بالرفع والنصب، فإذا رفعته فإنه يكون فاعلا ~~لجالبا علي، وما كان جالبا في موضع مفعوله، ويكون القضاء بمعنى الحكم. ~~والتقدير: سأغسل العار عن نفسي باستعمال السيف في الأعداء، في حال جلب حكم ~~الله على الشيء الذي يجلبه. وإذا نصب القضاء فإنه يكون مفعولا لجالبا ~~وفاعله ما كان جالبا، ويكون القضاء الموت المحتوم والقدر المقدور، كما يقال ~~للمصيد الصيد، وللمخلوق الخلق. والمعنى جالبا الموت على جالبه. وذكر بعضهم ~~أن " كان " من قوله ما كان جالبا في معنى صار. قال: ومثله: # بتيهاء قفر والمطي كأنه ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # لأن المعنى قد صارت. # وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذمة حاجبا # الذهول: ترك الشيء متناسيا له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهل. يقول: إذا ~~ضاق ms0029 المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، وأجعل خرابه وقاية للنفس من # PageV01P052 # العار الباقي، والذم اللاحق. وهذا قريب من قوله: # وإذا نبابك منزل فتحول # وهو ضد المعنى الذي يقصدونه بالثبات فيه والصبر عليه، من الإقامة في دار ~~الحفاظ والافتخار به، لأن الاتنقال ثم هو الجالب للعار، كما أن الأقامة هنا ~~هو الجالب. فمن ذلك قوله: # وتقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويطغن غيرها للأمرع # ومنه قوله: # يقال محبسها أدنى لمرتعها ... وإن تعادى ببكء كل محلوب # وفي ضده قوله: # دار الهوان لمن رآها داره ... أفراحل عنها كمن لم يرحل # وقول الآخر: # ولسنا بمحتلين دار هضيمة ... مخافة موت إن بنا نبت الدار # وانتصب " حاجبا " على أنه مفعول ثان لأجعل، لأنه بمعنى أصير. والتقدير: ~~أجعل هدمها حاجبا لعرضي، ومانعا من باقي الذم. ول " جعلت " غير مواضع، يكون ~~بمعنى خلقت وأنشأت فيتعدى إلى مفعول واحد، كقول الله تعالى: " وجعل الظلمات ~~والنور "؛ ويكون بمعنى سميت، كقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا "؛ ويكون بمعنى ظننت، تقول: جعلته عبدا وشتمته، أي ظننته؛ ~~ويكون بمعنى طفق فلا يتعدى. تقول جعل يكلمه، أي أقبل. وعلى هذا قوله: # جعلت وما بي من جفاء ولاقلى ... أزوركم يوما وأهجركم شهرا # ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا # PageV01P053 # أراد بقوله " يصغر " صغر القدر وخفته ونزارته في الهم والفكر. وخص " ~~التلاد " وهو المال القديم، لأن النفس بمثله أضن، وبه أنفس، وله أضبط. نبه ~~بهذا الكلام على أنه يخف عل قلبه ترك الدار والوطن خوفا من التزام العار، ~~كذلك يقل في عينه إنفاق المال عند انصراف اليد حائرة للمطلوب، جامعة له. ~~وجواب " إذا " قدم عليه وهو قوله " يصغر "، فأما قوله " كنت طالبا "، فقد ~~حذف منه الضمير العائد إلى الذي، والتقدير كنت طالبه. # فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراث كريم لا يبالي العواقبا # الهدم: القلع والتخريب، ويسمى المهدوم هدما. قال: # كأنه هدجم في الجفر منقاض # وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدم، وجمعه أهدام. وقيل عجوز متهدمة أي ~~هرمة ms0030 فانية. وتهدم عليه من الغضب، كما يقال تهجم. والغدر: ترك الوفاء، ومنه ~~غادرته، والغدير. وكأن هذا الرجل كان أخل بداره لنائبة نابته فصار يخاطب ~~أعداءه ويريهم قلة فكره فيما تجري عليه أحواله من جهتهم، وفيما تفضي عواقب ~~أمره إليه معهم، فيقول: إن تخربوا داري غدرا منكم فإنها ميراث رجل هكذا، ~~ويعني به نفسه، وسمي ملكه ميراثا وهو حي، والمعني أنه سيورث، وهذا تسمية ~~الشيء المتنقل في أيدي ملاكه والمتصرفين فيه على التشبيه: ميراثا، وإن لم ~~يتنقل بالأسباب والأنساب. على ذلك قول الله عز وجل: " ولله ميراث السموات ~~والأرض "، وقوله: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ". وتراث، أصله وراث، ~~والتاء فيه كالتاء في تكأة وتخمة. وقوله: " تراث كريم " أراد بالكرم التنزه ~~عن الأقذار، والتباعد من جوالب العار. على ذلك قول الله تعالى: " وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما ". وقوله: " لايبالي العواقبا " يقال: ما باليته بالة ~~وبالية ومبالاة وبلاء، وما باليت به. وكأنه أخذ من البلاء، واستعمل في ~~المفاخرة وتعداد الخصال الحسنة عند المنافرة، ثم كثر استعماله حتى صار يقال ~~في الاستهانة بالشيء. ويشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر: # مالي أراك قائما تبالي ... وأنت قدمت من الهزال # PageV01P054 # أي تفاخر. # أخي عزمات لا يريد على الذي ... يهم به من مقطع الأمر صاحبا # يقال: ما له عزم وماله عزيمة، أي تثبت وصبر فيما يعزم عليه. وحقيقة ~~العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله عز ~~وجل. والاعتزام: لزوم القصد وترك الانثناء، ولذلم قيل اعتزم الفرس على ~~الجري. يصف نفسه بأنه صاحب همم وأخو عزمات، مستبد برأيه فيها غير متخذ ~~رفيقأ، ولا مستنصر أخا وصديقا، و " مقطع الأمر " أراد فصله والخروج منه. ~~ويروى: " أخي غمرات " وهي الشدائد. ويروى: " من مفظع الأمر " وهو من مفظع ~~الأمر وأفظع، فظاعة وإفظاعا، وهو فظيع ومفظع. أو من أفظعني الأمر ففظعت به، ~~أي أعياني فضقت به ذرعا. وقوله: " صاحبا " صغة في الأصل استعملت استعمال ~~الأسماء، فلم يجر مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والد. # إذا هم ms0031 لم تردع عزيمة همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا # اللهم: ما تحيل لفعله وإيقاعه فكرك. والهمة: اسم الحالة التي تكون عليها ~~في ذلك. ويقال في المثل لمن يعير بطول الأمل: " تهم ويهم بك "، ومنه ~~المهمات، وهذا يخبر عن نفسه بأنه يتبع الرأي الأول. وهذا طريقه الفتاك لأن ~~الرجوع عن الرأي إلى غيره طريقة من يتدبر العواقب فيترك الشيء إلى الشيء ~~لما يرجوه من حسن المآب. فقال: إذا هم هذا الرجل بشيء أنفذ عزيمته ولم ~~يردعها، ولم يفعل ما يفعله خائفا. ومثله قول الآخر: # جسور لا يروع عند هم ... ولا يثني عزيمته اتقاء # ويقال: ردعته فارتدع، أي كففته ورددته ردعا. ومنه الرداع في العلة وهو ~~النكس، يقال ردع ردعا ورداعا. والهيبة تكون من الذعر ومن الإجلال جميعا، ~~ويقال للجبان هيوب وهيوبة، والهاء للمبالغة، وللمحتشم مهيب. وفي الحديث: " ~~الإيمان هيوب ". ويقال: تهيبت الشيء وتهيبني بمعنى، لما كان لا يلتبس، ~~ومثله من المقلوب كثير. # PageV01P055 # فيال رزام رشحوا بي مقدما ... إلى الموت خواضا إليه الكتائبا # ويروى: " الكرائبا ". الفاء من قوله " فيال رزام " النية بها استئناف ما ~~بعدها وإن نسق بها جملة على جملة. واللام من يال رزام، هو لام الاستغاثة، ~~ورزام ينجر به وهم المدعوون. وأصل حركة لام الإضافة إذا دخل على ظاهر ~~الكسر، ولهذا إذا عطف على الام بلام أخرى كسرت الثانية، تقول: يالزيد ~~لعمرو، ولكن هذه فتحت لكون ما بعدها منادى، ووقوع المنادى على هذا الحد ~~موقع المضمرات، فكما قيل لك وله، قيل يالزيد. وقوله " رشحوا بي مقدما " ~~بكسر الدال بمعنى متقدما، فهذا كما يقال وجه بمعنى توحه، ونبه بمعنى تنبه ~~ونكب بمعنى تنكب. وعلى هذا قولهم مقدمة الجيش، ومن فتح الدال فالمعنى على ~~أنه يقدم ليقيهم بنفسه. " خواضا إليه الكتائبا "، انتصب الكتائب على أنه ~~مفعول خواص. ويروى " الكرائب " وهي الشدائد جمع كريبة، والأصل في الكرب: ~~الغم الذي يأخذ بالنفس. والترشيح أصله التنبيت والتربية، ومنه قيل رشحت ~~المرأة ولدها إذا درجته في اللبن، ثم قيل رشح فلان لكذا، توسعا. ومعنى ms0032 ~~البيت: يا بنى رزام هيئوا بي رجلا يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما ~~الجيوش والشدائد غير متنكب ولا حائد. ويروى: " رشحوا بي مقدما "، وتلخيصه: ~~رشحوا بترشيحكم رجلا هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف. # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # قوله: " ألقى بين عينيه عزمه "، أى جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق ~~في المعنى لما قابل قوله ألقى بين عينيه عزمه، بقوله: نكب عن ذكر العواقب ~~جانبا. ومثله قول الآخر: # ولا ناظر عند الوغى في العواقب # وانتصب " جانبا " على أنه ظرف. ونكب يكون بمعنى تنكب. والمعنى أنه إذا هم ~~بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر ~~في العواقب. ويجوز أن ينتصب جانبا على المفعول، ويكون نكب بمعنى حرف. ~~والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. وسمي المعزوم عليه عزما على ~~عادة العرب في وصف الفاعل والمفعول بالمصادر. # PageV01P056 # ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # مثل المصراع الأول قول ابن هرمة: # ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول # ويقارب الثاني قول الآخر: # ففي السيف مولى نصره لايحارد # والشاعر يصف استبداده وتفرده عندما يدهمه بما يأتيه فعلا ورأيا. وإنما ~~نبه على الرأي بقوله: " لم يستشر "، وعلى الفعل بقوله: " ولم يرض إلا قائم ~~السيف صاحبا ". وانتصب قائم على أنه استثناء مقدم. ألا ترى أن الأصل ولم ~~يرض صاحبا إلا قائم السيف. ولو أتى على هذا لكان الوجه أن يكون بدلا، فقدم ~~المستثنى كما ترى. ### || وقال تأبط شرا: # إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر # قوله لم يحتل ذهب بعضهم إلى أن الحيلة مأخوذة من قولهم حال الشيء، أي ~~انقلب عن جهته، كأن صاحبها يريد أن يستنبط ما يحول عند غيره ولذلك قيل: ~~فلان حول قلب. وقوله جد جده أي ازداد جده جدا. ويكون مثل قوله: # حتى استدق نحولها # المعنى ازداد دقيقها دقة، ويجوز أن يكون المعنى صار غير الجد ms0033 جدا بمآله، ~~وهذا كما يقال ريع روعه، وخرجت خوارجه، وجن جنونه، وقال الهذلي: # يدعون حمسا ولم يرتع لهم فزع # وإنما هو ريع أمنه، وخرجت دواخله، ولم يرتع لهم أمن. فسمى الشيء بما آل ~~إليه. وقوله أضاع يجوز أن يكون معناه وجد أمره ضائعا، ويجوز أن يكون بمعنى # PageV01P057 # ضيع. ويقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعا، وتركهم بضيعة ومضيعة. وإذا أخذ الرجل ~~فيما لا يعنيه، قيل: فشت عليه الضيعة. ويقاربه قولهم: # اتسع الخرق على الراقع # وقوله: وهو مدبر يجوز أن يكون الضمير للأمر، والمعنى قاسى أمره، أي شقي ~~به وهو مول فائت. ويجوز أن يكون الضمير للمرء، والمعنى عالج أمره وكابده ~~مدبرا فيه غير مقبل ولا منصور، ومعنى البيت إذا الرجل لم يطلب رشده ولم ~~ينفذ الحيلة في إصلاح أمره، في الوقت الذي يجب أن يفعله، وقد صار الأمر جدا ~~لا شبهة فيه، عالجه وهو هكذا، أو عالجه والأمر هكذا. ومثله: # ولكن من لا يلق أمرا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل # ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر # السائر عنهم في مثل قولهم: روئ تحزم، فإذا روأت فاعزم، فيقول: صاحب الحزم ~~هو الذي يستعد للأمر قبل نزوله، ويدبره قبل فوته، حتى إذا نزل به يكون ~~عارفا بالقصة فيه، سالكا للوجه الذي يفصله منه. وهذا كما قيل في المثل: قبل ~~الرماء تملأ الكنائن. والحزم في اللغة: الشد والضبط، ومنه الحزام، والحزمة، ~~والحيزوم، والمحزم، والخطب: الأمر المطلوب، ويقال خطبت الأمر فأخطب، كما ~~تقول طلبته فأطلب. # فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر # ذاك أشار به إلى أخى الحزم. وقريع الدهر يحتمل وجهين: يجوز أن يكون في ~~معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت الشيء أي اخترته وخصصته بقرعتي، ويقال هو ~~قريعهم وقريعتهم وقريعهم بمعنى واحد. ويجوز أن يكون بمعنى من قرعه الدهر ~~بنوائبه حتى جرب وتبصر. ويكون قريع في الوجهين فعيلا في معنى مفعول. ولا ~~يمتنع أن يكون المراد بقريع الدهر فحل الدهر، ويكون في ms0034 هذا الوجه قريع في ~~معنى فاعل، لأنه يقرع الناقة أي يضربها. وما تقدم أحسن. وقوله ما عاش في # PageV01P058 # موضع الظرف، والمعنى مدة عيشه. وقوله إذا سد منه منخر مثل للمكروب المضيق ~~عليه، وهذا كما استعمل فيه الخنق والخناق. وأصل المنخر في الأنف من النخير؛ ~~ويسمى النخرة أيضا. والجميع النخر. والنخير: مد النفس، ومنه نخير الحمار. ~~وقيل نخرتا الأنف: حرفاه. وجاشت القدر: غلت. وجاش البحر: اهتاج، وأصله ~~التحرك في الموضعين والاضطراب؛ ومنه الجيش واحد الجيوش. والمعنى: لافتنانه ~~في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر. والحول: الكثير التحول في ~~الأمور. ويقال هو قلب وحول، وفي معناه رجل حول وحوالي. قال ابن أحمر: # أوينسئن يومي إلى غيره ... أني حوالي وأني حذر # ويقال: هو ذو حول وحويل، وفي المثل: لو كان ذا حيلة تحول. فأما قولهم: هو ~~ذو محلة، فهو في معنى محالة، وليس من بنائه، لأن الميم في محلة أصلية، وفي ~~محالة زائدة. # أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور # من كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء، وقرع الفناء. وهذه الاستعارة من ~~شمول القحط وهلاك المال. ولحيان: بطن من هذيل كان تأبط شرا راغمهم ووترهم، ~~فكانوا يطلبون غفلته، حتى اتفق منه الصعود إلى الجبل الذي وصفه ليشتار ~~العسل، ولم يكن له إلا طريق واحد، فجاءوا وأخذوا عليه ذلك الطريق، فقال: ~~أقول لهم، يعني عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل. وقوله وقد صفرت لهم وطابي ~~يحتمل وجوها: يجوز أن يكون المعنى وقد خلا قلبي من ودهم. وبعضهم يستضعف هذا ~~ويقول: ومتى كان يودهم؟ وهذا اللفظ كيف يفيد هذا المعنى. ويمكن أن يقال في ~~ذلك إنما أراد وطاب ودي. وهذا كما قال تبشر: # وإذ صفرت عياب الود منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام # PageV01P059 # كأنه تبين منهم أنهم لا يبقون عليه، ولا يرعون ذماما له، فلا رعة ولا رقة ~~لديهم، ولا بقيا ولا محافظة عندهم، فصار اعتقاده فيهم كما بان له اعتقادهم. ~~فيه. فلهذا قال ما قال. ويجوز أن يكون ms0035 المعنى أشرفت نفسي، بسببهم ولتعرضهم ~~وهمهم بانتهاز الفرصة لما أمكنهم، على الهلاك. ويكون هذا من قوله: # ولو أدركنه صفر الوطاب # وفي طريقته قول الآخر: # هرقن بساحوق جفانا كثيرة ... وأدين أخرى من حقين وحازر # وقال غيره: # يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئت ... بثنى صفين يعلو فوقها القتر # ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم، أي كاد تفارقه الروح. وهذا كما ~~يقال: الإنسان: زق منفوخ. ويحوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي ~~اشتارها لأنه لما تيقن قصدهم لقتله وتركهم مسامحته صب العسل. على الجبل من ~~الجانب الآخر وركبه متزلقا عليه، حتى لحق بالسهل. قوله: ويومي ضيق الحجر ~~معور، أي ضيق الناحية ممكن. ويقال في الحجر الحجرة أيضا. وفي المثل: يربض ~~حجرة ويرتمي وسطا. ومعور، من أعور لك الشيء، إذا بدت لك عورته، وهي موضع ~~المخافة. قال الله تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إن بيوتنا عورة " أي واهية يجب سترها وتحصينها ~~بالرجال، وكما قيل يوم معور قيل مكان معور، أي مخوف. ويقال: عور المكان إذا ~~صار كذلك، وقرئ: " إن بيوتنا عورة ". وقال بعضهم: كل ما طلبته فأمكنك فقد ~~أعورك وأعور لك. ومعنى البيت: أقول لهؤلاء القوم والحال هذا، وهو أني قد ~~جعلت لنفسي طريقا إلى الخلاص منهم أو أني أشرفت على الهلاك واليوم يوم شديد ~~عسير. # PageV01P060 # هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر # الخطة مأخوذة من الخط، وهي تجري مجرى القصة، وإن كان لها مواضع تنفرد ~~بها، وحذف النون من خطتا إذا رفعت إما إسار استطالة للاسم، كأنه استطال ~~خطتا ببدله وهو قوله إما إسار، كما استطال الشاعر الآخر الموصول " بصلته، ~~والموصوف " بصفته فقال: # أبني كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا # فحذف النون من اللذا. ومثله في الحذف قول الآخر: # لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر # فحذف النون من خظاتا. وقول الآخر: # لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتا وما بيننا عنز # ويجوز أن يكون الحذف ms0036 على وجه الحكاية، كأنه قال: هما خطتا قولكم إما كذا ~~وإما كذا، فلما نوى ذلك حذف النون للإضافة. وكأنهم كانوا يديرونه على ~~الخصلتين، فأخذ يتهكم عليهم ويحكي مقالتهم، ونحوه قول الخليل في قوله: " ثم ~~لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا "، قال معناه لننزعن من ~~المتشايعين الذي يقال لعتوه أيهم أشد؛ فحكى. وقوله: # فأبيت لا حرج ولا محروم # وإذا جررت إما إسار يكون حذف النون لنية الإضافة، والتقدير: هما خطتا ~~إسار ومنة. والمعنى ليس " لي " إلا واحدة من خصلتين اثنتين على زعمكم: إما ~~استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل وهو بالحر أجدر من التعرض ~~لما # PageV01P061 # يخزيه ويكسبه الذل. فهاتان الخصلتان هما اللتان أشار إليهما بقوله هما ~~خطتان؛ وقد ثلثهما بخطة أخرى ذكرها فيما بعد. وفي هذا الكلام تهكم وهزء. ~~وقوله: والقتل بالحر أجدر يسمى اعتراضا لوقوعه بين ما عدده من الخصال. # وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر # المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء والإتيان به على أتقنه، ومنه يقال: ~~إنه لصدى مال، إذا كان حسن القيام به. يقول: وها هنا خصلة أخرى أداري نفسي ~~فيها، وأداورها عليها، وإنها للموضع الذي يرده الحزم ويصدر عنه إن فعلت. ~~وهذا إنما قسم الكلام هذه الأقسام لأنه رآهم يبنون أمره عليها، ولأنه نظر ~~إلى جهتي الجبل فعلم أنه إن رضي الطريق التي عليها بنو لحيان لنفسه طريقا ~~كان فيها إحدى الحالتين: من الأسر أو القتل، على ما كانوا يزعمون ويقولون. ~~وإن احتال للجهة الأخرى والحزم فيها، لأن خلاصه منها، كان أمرا ثالثا. ثم ~~اقتص ما فعله. وقوله وإنها لمورد حزم اعتراض أيضا، لوقوعه بين قوله وأخرى ~~أصادى النفس عنها، وبين تبيين كيفية مزاولته لها وشرحها. # فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر # الفرش: البسط، ثم توسعوا فيه فقالوا: فرشته أمري، وافترش لسانه فتكلم كيف ~~شاء. وقوله لها الضمير للخصلة التي عبر عنها بقوله وأخرى. يقول: فرشت من ~~أجل هذه الخطة صدري على ms0037 الصفا. وهذا حين صب العسل فزلق " به " عن الصفا. أي ~~بصدره صدر ضخم ومتن دقيق، والصدر والمتن صدره ومتنه، ولكن أخرجه مخرج ~~قولهم: لقيت بزيد الأسد، وزيد هو الأسد عندهم. ووضع فرشت موضع ألقيت ووضعت. ~~ويقال: فرشت ساحتي بالآجر، وافترشت الشاة للذبح إذا أضجعتها. وذكر بعضهم ~~أنه يجوز أن يكون الضمير من لها للصفاة، والكلمة مقلوبة، والمعنى فرشتها ~~لصدري. وفي هذا إضمار قبل الذكر والقلب، وإذا كان كذا فالأول هو الوجه. # فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر # الخلط أصله تداخل أجزاء الشيء في الشيء، وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خلط، ~~إذا اختلط بالناس كثيرا. وجاء في الحديث: لا خلاط ولا وراط، وفي # PageV01P062 # المثل: ليس أوان يكره الخلاط. يقول: أسهلت ولم يؤثر الصفا في صدري أثرا، ~~لا خدشا ولا خمشا، والموت كان طمع في، فلما رآني وقد تخلصت بقي مستحييا ~~ينظر ويتحير. والواو من قوله والموت واو الحال. وهذا من فصيح الكلام، ومن ~~الاستعارات المليحة. وقد حمل قول الله عز وجل: " وأنتم حينئذ تنظرون " على ~~أن يكون المعنى تتحيرون. وقد سلك أبو تمام مسلك هذه الاستعارة فقال: # إن تنفلت وأنوف الموت راغمة # ويقال إن الموضع الذي يقع عليه كان بينه وبين الطريق الذي عليه بنو لحيان ~~أميال عدة. وقوله ينظر يجوز أن يكون في موضع الحال ويجوز أن يكون خبرا بعد ~~خبر. ويكون معناه فى مقابلتي. ويقال: بيوتهم تتناظر، إذا تقابلت، لأن النظر ~~تقليب العين نحو المرئي وفي مقابلته. لذلك صح أن يقال للأعمى: نظر إلي، ~~ويجوز أن يكون معنى ينظر يعلم حسن حيلتي وغنائي فيما يدهمني. وفسر قوله ~~تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنون. وقوله لم ~~يكدح الصفا قيل الكدح بالأسنان والحجر دون الكدم، ومنه قيل المكدح المكدم ~~في حمار الوحش، لتعضيض بعضها بعضا. وقوله خزيان يجوز أن يكون من الخزي: ~~الهوان، ويجوز أن يكون في الخزاية: الاستحياء. # فأبت إلى فهم ولم أك آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر # يقول: ms0038 رجعت إلى قبيلتي فهم، وكدت لا أؤوب، لأني شافهت التلف. ويجوز أن ~~يريد: ولم أك آيبا في تقديرهم وظنهم. واختار بعضهم أن يروى: فأبت إلى فهم ~~وما كدت آيبا وقال: كذا وجدته في أصل شعره. قال: ومثله في أنه رد إلى الأصل ~~ووضع اسم الفاعل موضع الفعل قول الآخر: # أكثرت في العذل ملحا دائما ... لا تكثرن إني عسيت صائما # PageV01P063 # والمثل السائر: عسى الغوير أبؤسا. ولا أدري لم اختار هذه الرواية؟ ألأن ~~فيها ما هو مرفوض في الاستعمال شاذ، أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر كذا ~~قاله في الأصل؟ وكلاهما لا يوجب الاختيار. على أني نظرت فوجدت أبا تمام قد ~~غير كثيرا من ألفاظ البيوت التي اشتمل عليها هذا الكتاب، ولعله لو أنشر ~~الله الشعراء الذين قالوها لتبعوه وسلموا له. ويروى: ولم آل آيبا والمعنى ~~لم أدع جهدي آيبا وفي الإياب. والأول أحسن. وكم مثلها، أي كم مثل هذه الخطة ~~فارقتها بالخروج منها، وهي مغلوبة تضغو وأنا الغالب. وصفير الطائر معروف، ~~ومنه ما في الدار صافر، أي ذو صفير. ### || وقال أبو كبير الهذلي: # ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقل # يقال سرى يسري سرى، وأسرى إسراء بمعنى، وهو سير الليل. وفي القرآن: " ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ". وعلى الظلام، أي في الظلام موضعه نصب على ~~الظرف. ويقال فعلته ظلاما وليلا في مقابلة فعلته نهارا. ويقولون: عم ظلاما ~~وعم صباحا، وهذا كما جعلوا في مقابلة اليوم الليلة. ويجوز أن يكون على ~~الظلام في موضع الحال، أي وأنا على الظلام، أي راكب له. يقول: ولقد سريت ~~ليلا برجل غشوم قوي من الرجال غير منسوب إلى الثقل والكسل في الأمور. فإن ~~قال قائل: إذا كان السرى لا يكون إلا ليلا فلم قال على الظلام، ولم جاء في ~~القرآن: " أسرى بعبده ليلا " و: " فأسر بعبادي ليلا "؟ قلت: المراد توسط ~~الليل والدخول في معظمه، تقول: جاء فلان البارحة بليل، أي في معظم ظلمته ~~وتمكن ذلك الوقت من ليلته. والجلد: الصلب القوي؛ ومنه ms0039 الجلد من الأرض. ~~وإنما قال مغشم لأنه جعله كالآلة في الغشم، ومفعل بناء لهذا المعنى، ويريد ~~به تأبط شرا. وكان لأبي كبير معه قصة معروفة، والأبيات مقصورة عليها، ~~وناطقة بها أو بأكثرها. والغشم والاعتساف يتقاربان. ويقال غشم الوالي # PageV01P064 # رعيته غشما وفي كلام بعضهم: أسد حطوم خير من سلطان غشوم. ويجوز أن يكون ~~معنى غير مثقل أي كان حسن القبول، محببا إلى القلوب. # ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل # قوله: وهن عواقد حبك حكاية الحال وإن كان ذلك فيما مضى. ومثله قوله ~~تعالى: " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. ويروى: " مما حملن به " أي هو من ~~الحمل الذي حملن به. والضمير في حملن للنساء ولم يجر لهن ذكر، ولكن لما كان ~~المراد مفهوما جاز إضمارها. ويروى: ممن حملن به، والمعنى: هذا الفتى من ~~الفتيان الذين حملت أمهاتهم بهم وهن غير مستعدات للفراش ولا واضعات ثياب ~~الحفلة فنشأ محمودا مرضيا، لم يدع عليه بالهبل والثكل. وإنما قيل: ممن حملن ~~به، لأنه رد الضمير على لفظ من، ولو رد على المعنى لقال بهم. وفي القرآن في ~~موضع: " ومنهم من يستمع إليك "، وفي آخر: " ومنهم من يستمعون إليك ". وحكي ~~عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة فأغضبها عند الجماع. وأنشد: # تسنمتها غضبى فجاء مسهدا ... وأنفع أولاد الرجال المسهد # وكذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق. والحبك: الطرائق. والنطاق: ما ~~تشد المرأة في حقوها. والرواية: حبك الثياب، لأن النطاق قد جاء من بعد في ~~صفة أم المغشم فتكرر، ولأن النطاق لا يكون له حبك وطرائق. وواحد الحبك ~~حبيك، ومنه قوله تعالى: " والسماء ذات الحبك ". وقال الباهلي: الحبكة ~~والحباك: الإزار أيضا. وقد احتبكت المرأة. وذكر بعضهم أن المهبل: المعتوه ~~الذي لا يتماسك فإن صح ذلك فكأنه من الإسراع، يقال جمل هبل. # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مع # غبر الحيض وغبره باقيه قبل الطهر. وكذلك غبر اللبن: باقيه في الضرع. ~~وتزوج رجل من العرب بامرأة مسنة فقيل له في ذلك، فقال: ms0040 لعلي أتغبر منها ~~ولد. والحيضة والحيض واحد. والغبر يكون جمع غابر أيضا. ولم يرض بلفظ ~~التبرئة حتى # PageV01P065 # أتى بلفظ الكل معه تأكيدا، كأنه نفى قليل ذلك وكثيره. وأضاف الفساد إلى ~~المرضعة لأنه أراد الفساد الذي يكون من قبلها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء ~~لأدنى مناسبة. ويروى مبرأ بالنصب والجر، فإذا نصبته فإنه ينعطف على غير ~~مهبل، كأنه قال: شب في هاتين الحالتين. وإذا جررته ينعطف على قوله جلد من ~~الفتيان كأنه بمغشم جلد ومبرإ. والمعنى أن الأم حملت به وهي طاهر ليس بها ~~بقية حيض، ووضعته ولا داء به استصحبه من بطنها فلا يقبل علاجا، لأن داء ~~البطن لا يفارق. ولم ترضعه أمه غيلا، وهي أن تسقيه وهي حبلى بعد ذلك. ويروى ~~عن أم تأبط شرا قالت: ما وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أبته مئقا، ولا ~~رأيت بنفسي دما. ولقد حملت به في ليلة مظلمة وتحت رأسي سرج، وعلى أبيه درع. ~~وإنما تريد بهذا الكلام الآخر ما تقول العرب من أن المرأة إذا أكرهت على ~~الوطء، أو وطئت مذعورة، أنجبت وأذكرت. الداء المعضل: الذي لا دواء له كأنه ~~أعضل الأطباء وأعياهم، وأصل العضل المنع، ومنه عضلت المرأة إذا نشب ولدها ~~في بطنها فلم يخرج. وعضلتها: منعتها من التزويج ظلما. # حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل # الزأد: الذعر، وقد زئد فهو مزؤود. والمعنى حملت الأم بهذا المغشم. ويروى ~~مزؤودة بالنصب على الحال للمرأة؛ ويروى مزؤودة بالجر، ويجوز فيه وجهان: ~~أحدهما أن تجعله صفة لليلة، كأنه لما وقع الزؤود والذعر فيها جعله لها، ~~والأكثر في المجاز والاتساع أن ينسب الفعل إلى الوقت فيؤتى به على أنه ~~فاعل، كما قيل: نهاره صائم، وليله قائم. وحسن هذا لأن الظرف قد يقدر تقدير ~~المفعول الصحيح، بأن ينزع منه معنى في، كما قال الشاعر: # ويوم شهدناه سليما # فعلى ذلك تقول شهدت الليلة، وزئدت الليلة، وليلة مشهودة ومزؤودة. ويجوز ~~أن يكون انجراره في الجوار، وهو في الحقيقة للمرأة، كما قيل: هذا جحر ms0041 ضب # PageV01P066 # خرب. وهذا لميلهم إلى الحمل على الأقرب، ولأمنهم الالتباس. وانتصاب كرها ~~على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير كارهة. ومعنى البيت بما تقدم ظاهر. ~~وقوله: عقد نطاقها لم يحلل، ابتداء وخبر، والواو للحال. وأظهر التضعيف قي ~~قوله لم يحلل، وهو لغة تميم، ووجه الكلام لم يحل. والنطاق: ما تنتطق به ~~المرأة: تشد به وسطها للعمل. قال الأصمعي: كن في القديم ينتطقن بخيط أو ~~تكة. وذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه. والمنطقة أخذت من ~~هذا. والمعنى أكرهت ولم تحل نطاقها. وحكي عنها في وصف ابنها قالت فيه: إنه ~~والله شيطان، ما رأيته قط مستثقلا ولا ضحكا ولا هم بشيء منذ كان صبيا إلا ~~فعله، ولقد حملت به في ليلة ظلماء وإن نطاقي لمشدود. # فأتت به حوش الفؤاد مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل # حوش الفؤاد وحوشي الفؤاد: وحشيه، لحدته وتوقده. ورجل حوشي: لا يخالط ~~الناس. وليل حوشي: مظلم هائل، وكذلك إبل حوش وحوشية أي وحشية. وهذا كما ~~يقال: ليل سخام وسخامي: أسود. وقيل: الحوش: بلاد الجن. مبطنا: خميص البطن. ~~وقوله نام ليل الهوجل، جعل الفعل لليل، لوقوعه فيه. والمعنى نام الهوجل في ~~ليله. والهوجل: الثقيل الكسلان ذو الغفلة. يقول: أتت الأم بهذا الولد ~~متيقظا حذرا، حديد الفؤاد ذكيا، يسهر إذا نام الثقيل البليد. والسهاد ~~والسهد: السهر. ورجل سهد ومسهد. ويقولون للملدوغ: سهدوه لا يسر فيه السم. ~~وقيل الهوجل: الأحمق لا مسكة به. قالوا: وبه سمي الفلاة لا أعلام بها ولا ~~يهتدى فيها: الهوجل. # وإذا نبذت له الحصاة رأيته ... فزعا لوقعتها طمور الأخيل # يقال: نبذت الشيء من يدي، إذا طرحته، وتوسعوا فيه فقيل صبي منبوذ، ونابذت ~~فلانا، إذا فارقته عن قلى. والحصى: صغار الحجارة. والشاعر إنما يحكي ما رآه ~~منه؛ وذلك أن أبا كبير ذكر أنه كان أراد أن يغتاله، وكان يطلب منه فرصة ~~ينتهزها # PageV01P067 # في نومه وغفلته مع أنه كان لا يجترئ عليه، فكان يروز أحواله ليتمكن من ~~مراده فيه. والمعنى إذا رميته بحصاة وهو نائم ms0042 وجدته ينتبه انتباه من سمع ~~بوقعتها هدة عظيمة، فيطمر طمور الأخيل، وهو الشقراق. وانتصاب طمور بما دل ~~عليه قوله فزعا لوقعتها، كأنه " رأيته " يطمر طموره؛ لأن الخائف المتيقظ ~~يفعل ذلك. والطمور: الوثب؛ ومنه قيل فرس طمر، أي وثاب. وذكر أبو العباس أن ~~الطمر في وصف الفرس هو المشرف، ومنه قيل للموضع العالي: طمار. وفزعا ~~انتصابه على الحال، وجواب إذا قوله رأيته. وقال بعضهم: الأخيل: الشاهين. ~~ومنه قيل تخيل الرجل، إذا جبن عند القتال فلم يتثبت. والتخيل: المضي ~~والسرعة والتلون. # وإذا يهب من المنام رأيته ... كرتوب كعب الساق ليس بزمل # أصل هب تحرك واضطرب، ثم قيل هب من نومه هبا، وهبت الريح هبوبا، وهبت ~~الناقة في سيرها هبابا، وهب التيس هبيبا. وأهببت السيف: هززته. يقول: إذا ~~استيقظ هذا الرجل من منامه انتصب في مضجعه سريعا كانتصاب كعب الساق في ~~الساق، وهو ليس بضعيف. وإنمايعني شهامته وتشمره في تلك الحالة. وكعب الساق ~~منتصب أبدا في موضعه، فلذلك شبهه به. والراتب: القائم، ومنه المراتب. ~~وتحقيق الكلام: وإذا يهب رأيت رتوبه كرتوب كعب الساق، لكنه حذف المضاف ~~وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا التشبيه يجري مجرى التصوير. والزمل والزمال ~~والزميلة، كله الضعيف، واشتقاقه من التلفف كأنه متساقط لا متشمر متجرد. # ما إن يمس الأرض إلا جانب ... منه وحرف الساق طي المحمل # إن، زيد لتوكيد النفي، ويبطل عمل ما بانضمامه إليه في لغة من يعمله. ~~وانتصب طي على المصدر مما دل عليه ما قبله، لأنه لما قال، ما يمس الأرض منه ~~إذا نام إلا جانبه وحرف الساق، علم منه أن الرجل مطوي غير سمين، وهضيم ~~الكشح غير ثقيل. والمعنى أنه إذا نام لا يتبسط على الأرض ولا يتمكن منها ~~بأعضائه كلها، فعل من يرخيه نومه ويتمكن منه، حتى لا يكاد يتجمع ويتشمر عند ~~الانتباه إلا بعد مزاولة وتهيؤ يعمله في كل عضو. وهذا من أبيات كتاب ~~سيبويه. واحتج به بقوله طي المحمل. وأراد بالمحمل حمائل السيف، وهذا كما ~~يقال: هو كالجديل، وكالزمام، والمحمل والحمالة بمعنى. # PageV01P068 # وإذا ms0043 رميت به الفجاج رأيته ... يهوى غواربها هوى الأجدل # قال الخليل: الفج: الطريق الواسع من قبل جبل ونحوه، والجميع الفجاج. ~~وغارب كل شيء: أعلاه، ومنه غارب البعير. والشاعر يحكي في هذا أيضا عنه ما ~~رآه منه عند استصحابه له، فيقول: إذا وجهته في طرق الجبل رأيته يقصد عاليها ~~قصد الصقر. والهوي بضم الهاء، هو القصد إلى أعلى، وبفتح الهاء القصد إلى ~~أسفل. على ذلك قوله: # هوي الدلو أسلمه الرشاء # ولا تختر في رواية البيت على الضم. وأنشد فيه قوله: # كأن هويها خفقان ريح ... خريق بين أعلام طوال # ويروى: مخارمها. والمخارم: جمع المخرم؛ وهو منقطع أنف الجبل. والخرم: أنف ~~الجبل، وجمعه خروم. ومن فصيح كلامهم: هذه يمين طلعت في المخارم، وهي التي ~~تجعل لصاحبها منها مخرجا. والأجدل، من جدل الخلق. # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... يرقت كبرق المارض المنهلل # الخطوط التي في الجبهة الأغلب عليها سرار ويجمع على الأسرة، والتي في ~~الكف الأغلب عليها سرر وسر وبجمع على الأسرار. قال: # انظر إلى كف وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني ضائري # وقد قيل: الأسرة: الطرائق. يقول: إذا نظرت في وجه هذا الرجل رأيت أسارير ~~وجهه تبرق وتشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق. يصفه بحسن البشر وتطلق الوجه ~~في كل حال. والعارض: ما يعرض في جانب من السماء من السحاب. وعلى ذلك العارض ~~في الأسنان، ولهذا قيل العارضان لما يبدو من جانبيها. ويقال: تهلل الرجل ~~فرحا، واهتل، إذا افتر عن أسنانه في التبسم. # PageV01P069 ### || قال آخر، ويقال إنها لتأبط شرا: # إني لمهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك # لا يقال في الهدية إلا أهديت. ويقال في العروس: هديتها وأهديتها جميعا. ~~والأصل واحد، لأن المعنى على القصد والدلالة، فيقول: إني أمدح ابن عمي ~~الكريم الصادق في الود شمس بن مالك، بما أقصد به راغبا، وأنفذه إليه متحفا. ~~والمعنى: إني في غيبتي منه وحضوري له، مولع بالثناء عليه، فلا أخليه من ~~المدح في الحالتين جميعا. واللام في قوله: لابن عم الصدق يجوز أن يتعلق ~~بمهد، ms0044 يقال: أهديت له كذا، وعلى هذا تكون أعملت الفعل الأول، وما أهداه ~~يكون محذوفا لعلم السامع بأنه يريد شعره وتقريظه. وكان الأجود أن يقال ~~فقاصد إياه به، ويجوز أن يكون على قول من يزيد من في الواجب أن يكون قوله ~~ثنائي مفعول مهد، فيكون أهداه مذكورا. ويجوز أن يتعلق اللام بقوله فقاصد، ~~يقال قصدته بكذا وقصدت له به. وعلى هذا تكون قد أعملت الفعل الثاني، وهو ~~المختار إذا جمعت بين فعلين عند أصحابنا البصريين، ويقال هذا ثوب صدق وأخو ~~صدق، وضع الصدق موضع الفضل والصلاح. والتسمية بالشمس كالتسمية بالبدر ~~والهلال. وذكر بعض المتأخرين أنه يروى شمس بن مالك بضم الشين، قال: ويكون ~~هذا في أنه علم لهذا الرجل فقط، كحجر في أنه علم أبي أوس الشاعر، وأبي سلمى ~~في أنه علم أبي زهير الشاعر. والأعلام لا مضايقة فيها. # أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك # عطف كل شيء: جانبه. ويقال ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. وكأن القوس والرداء ~~سميا عطافا لاشتمالهما عند التوشح بهما على العطف. يقول: أحرك بالثناء ~~جانبه كما حرك جانبي بعطيته، أي أسره بذلك حتى يرتاح ويطرب كما سرني حتى ~~اهتززت. والهجان: الإبل البيض الكرام. والأوارك: التي رعت الأراك، يقال ~~أركت الإبل فهي أركة. وقال ابن السكيت: الأوارك التي ترعى الأرك، وهو نبت. ~~والندوة أصله الجمع، ويقال نداهم النادي، أي جمعهم. # PageV01P070 # وانتدى القوم وتنادوا، إذا تجمعوا. ومنه دار الندوة. والندي: المجلس، ~~والجميع أندية. ويقع لفظ هجان للواحد والجمع، يقال ناقة هجان ونوق هجان، ~~ومثله درع دلاص، ودروع دلاص، وذلك لأن فعالا وفعيلا يتشاركان كثيرا، وكما ~~جمع فعيل فعالا كذلك جمع فعال فعالا. ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد ~~وحرف المد من كل واحد بإزاء ما في الآخر؟ فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن ~~فعالا إذا كان جمعا ينوى بحركاته وألفه أنها حركات بنائه وهو جمع لا واحد، ~~كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظراف وكرام، لا الكسرة التي في ms0045 أول ~~حمار وإزار، وكذلك ألفه فاعلمه. # قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك # المهم يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي ~~هو القصد. يقول: هو صبور على النوائب والعلات، لا يكاد يتألم مما يعروه من ~~المهمات. واستعمل لفظ القليل والقصد إلى نفي الكل، وهذا كما يقال فلان قليل ~~الاكتراث بوعيد فلان، والمعنى لا يكترث. وعلى ذلك قولهم: قل رجل يقول كذا، ~~وأقل رجل يقول كذا. والمعنى معنى النفي، وليس يراد به إثبات قليل من كثير. ~~فإن قيل: من أي ساغ أن يستعمل لفظ القليل وهو للإثبات في النفي؟ قلت: إن ~~القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتد به ولا يعرج عليه، ~~لدخوله بخفة قدره في ملكة الفناء، والدروس والامحاء، فلما كان كذلك استعمل ~~لفظه في النفي على ما في ظاهره من الإثبات محترزين من الرد، ومجملين في ~~القول، وليكون كالتعريض الذي أثره أبلغ وأنكى من التصريح. وقوله: كثير ~~الهوى طابق القليل بقوله كثير، من حيث اللفظ لا أنه أثبت بالأول شيئا نزرا ~~فقابله بكثير. والمعنى أنه كثير الهم مختلف الوجه والطرق، لا يوقف منه على ~~مدى غوره في الأمور، ولا يقف به أمله على فن لا يتجاوزه إلى الفنون. ويريد ~~بالهوى الجنس وكذلك النوى، وهي وجهته التي ينويها. ومثله قول الآخر: # ................. # باق ... على الحدثان مختلف الشؤون # PageV01P071 # يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك # الموماة: المفازة، ووزنه فعللة، وجمعها موام. وإنما قال يمسي بغيرها ولم ~~يقل يبيت، لأن قصده إلى أن يصفه بأنه يقطع في بياض نهاره مفازة، ولو قال ~~يبيت لم يتبين منه ذلك. فيقول: بقطع المفاوز لاكتساب المكارم، فتراه يكون ~~نهاره بمفازة فإذا أتى عليه المساء تجده في أخرى فريدا وحيدا - ويقال: حل ~~فلان جحيشا، أي منفردا - ويركب ظهور المهالك والمعاطب غير مستصحب رفيقا، ~~ولا مستجمع سلاحا. وهذا كما يقال: أعروريت الفرس، إذا ركبته عريا. وكانت ~~طباعهم أن من كد نفسه وابتذلها، وتوحش في المهالك ms0046 ولزمها، وتعرض للمعاطب ~~ولم يتوقها، كان ذلك أدعى إلى ما ينوه به ويميزه عن رجال جنسه. وانتصب ~~جحيشا على الحال، وقولها بغيرها لا يجوز أن يكون مستقرا فاعلمه. # ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك # قوله من حيث ينتحي يجوز أن يكون للممدوح، ويجوز أن يكون لوفد الريح، لأن ~~المراد أنه يسبقه وإن أعطاه مهلة. ومعنى ينتحي: يقصد. والشاعر إنما يصف ~~خفته وتشمره وجده وتيقظه، فيقول: من حيث اعتمد في السير جاء سابقا للريح ~~بعدو له واسع من عدوه. المتدارك: المتتابع. وجعل العدو منخرقا لاتساعه. ~~والمتدارك: المتلاحق. ويقال: أدرك فلان عدة من أصحابه، أي لحقهم وشاهد ~~أيامهم. وأخذ أبو تمام هذا فزاد عليه وإن كان في لفظة ركاكة، فقال: # فمر ولو يجاري الريح خيلت ... لديه الريح ترسف في القيود # إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك # الكرى: النوم الخفيف، وكأنه مأخوذ من كريت، إذا عدوت عدوا شديدا. فقوله: ~~خاط عينيه يريد مر فيه، وليس يريد التمكن منه حتى يجعل أجفانه كالمخيطة. ~~ومنه قوله: # حتى تخيط بالبياض قروني # PageV01P072 # وأضاف الكرى إلى النوم كما يضاف البعض إلى الجنس، كأن النوم لجنس الفعل، ~~والكرى لما كان على جهة مخصوصة. يقول: إذا نام النومة التي أشار إليها لم ~~يزل له رقيب وحافظ من قلب رجل جاد في الأمور، مفاجئ عريض، وهذا الرجل هو ~~هو. كأنه يريد إذا نام عينه لا ينام قلبه. والشيحان والشائح والشيح: الحذر ~~الحازم. قال الهذلي: # وشايحت قبل اليوم أنك شيح # والفاتك: الذي يفاجئ غيره بمكروه أو قتل. وفي الحديث: الإيمان قيد الفتك. ~~وقال الدريدي: هو الذي إذا هم بالشيء فعل. # ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخلق باتك # يروى: # إذا طلعت أولى العدي فنفره ... إلى سلة # وهي أسلم الروايتين. والعدي: الرجالة الذين يعدون قدام الخيل. وهو اسم ~~صيغ للجمع، كالكليب والضئين. وعلى الرواية الأولى يقول: لا يغفل قلبه عن ~~التحفظ، وعينه ديذبانه إلى سل سيفه. فإن قيل: كيف يكون ms0047 العين ديذبان القلب، ~~وهذا يقول إذا نام بعينه لم ينم بقلبه، أم كيف تصح هذه الرواية وفيها يتكرر ~~معنى واحد في مصراعى البيتين، وهل الواجب في هذا إلا أن يقال إن القلب هو ~~ديذبان العين، لأن العين نائمة والقلب منتبه؟ قلت: إنه وصف حالتين، ~~بالمتقدم صفة حال النوم، والثاني هو صفة حال اليقظة والمعنى أن العين رقيب ~~القلب، والمنتظر لإظهار ما يكرهه وتغييره، فإذا كره القلب شيئا كان العين ~~صاحبه الذي يظهره، فهو ربيئته إلى نزع السيف وتجريده، وإنكار ما أنكره ~~وتغييره. والأخلق: الأملس. والبانك: القاطع. وقوله " إلى سلة " يجوز أن ~~يكون إلى بمعنى مع، كما تقول هذا إلى ذاك، أي # PageV01P073 # مع ذاك، ويجوز أن يكون المعنى أنها ربيئته إلى أن يستل سيفه، وبعد ذلك ~~فالعمل للقلب، ويكون إلى الانتهاء. وقوله: من حد أخلق فيه توسع، لأن السيف ~~يستل من الغمد فيصير مسلولا. ألا ترى قوله: # إذا سل من جفن تأكل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكلا # وهذا جعل الجفن مسلولا والسيف مسلولا منه. ألا ترى قوله: إلى سلة من حد ~~أخلق، فهو في ذلك كقولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي. # إذا هزه في عظم قرن تهللتنواجذ أفواه المنايا الضواحك # مثله قول الآخر: # سقاه الردى سيف إذا سل أومضت ... إليه تنايا الموت من كل مرقب # وإن كان هذا وصف السيف وقوة صاحبه في الضرب. والمعنى أنه متى حركه في ~~الضريبة ضحك الموت علما بظفره بالمضروب. وذكر التهلل والناجذ مثل وتصوير ~~للمراد. وقوله المنايا الضواحك. أي التي من شأنها أن تضحك عند الظفر ~~بمطلوبها، وإنما قال في عظم قرن إيذانا بأنه لا يتعرض له إلا من يقارنه ~~بأسا وشدة، وكذلك هو لا يعمل هذا السيف إلا في عظم من يقارنه حزما ونجدة، ~~ونسبة التهلل إلى النواجذ مجاز وسعة، وهذا كما يقال سر فلان بكذا حتى صار ~~لكل سن له ضحك. وقد سميت ما يبدو من الأسنان عند الضحك الضواحك. # يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك ms0048 # قوله: يرى الوحشة الأنس أي ذلك مذهبه. وهذا كما يقال هو يرى رأى أبي ~~حنيفة، أي يذهب مذهبه. فيقول: أنس هذا الرجل التام في التفرد الذي يعده ~~غيره وحشة. وإتباعه الأنس الأنيس تأكيدوإظهار مبالغة. وهذا كما قيل: ظل ~~ظليل، وداهية دهياء. وهم يبنون من لفظ الشيء ما يتبعونه به طريق التأكيد. ~~وقوله: يهتدي بحيث اهتدت يصف علمه بالطرق واستغناءه عن الدليل. وقد قيل في ~~أم النجوم إنه الشمس، وقيل هو المجرة. والمعنى أنه يهتدي بحيث تهتدي الشمس. # PageV01P074 # ويسمى معظم الشيء أمه. والشمس أعظم الكواكب. ويسمى جامع الأشياء أمها، ~~يعنى أنها تأوي إليه. والشوابك: المشتبكة. وإذا جعلت أم النجوم المجرةفيجوز ~~أن يكون المعنى أن يهتدي بالكواكب التي تجمعها، فجعل الفعل لها لاجتماعها ~~فيها. ويجوز أن يكون المعنى أنه يستغني عن الدليل كما تستغني تلك. ### || قال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال إنها لبشامة بن جزء النهشلي: # إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا # يقول: إنا مسلمون عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام ~~وسقيتهم فأجرينا مجراهم فإنا منهم. والأصل في التحية أن يقال حياك الله، ثم ~~استعمل في غيره من الدعاء عند اللقاء. وأما قوله: # ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية # فالمراد به تحية الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن! وقيل في سقيت إن ~~معناه: إن دعوت لأماثل الناس بالسقيا فادعي لنا أيضا. والأشهر في الدعاء أن ~~يقال فيه سقيت فلانا فيثقل، " والحجة في التخفيف قول أبي ذؤيب: # سقيت به دارها إذ نأت ... وصدقت الخال فيه الأنوحا " # وعلى هذا يكون في الكلام إضمار، كأنه قال: وإن سقيت بظهر الغيب الكرام ~~بالدعاء عند ذكرهم فافعلي بنا مثله، وقولي سقاكم الله. وقد فصل بعضهم بين ~~سقيت وأسقيت بأن قال: أسقيته: جعلت له سقيا يفعل بها ما شاء، وسقيته: ~~أعطيته ماء لفيه. ومثله كسوته وأكسيته، لأن معنى كسوته ألبسته، وأكسيته ~~جعلت له كسوة، وبعضهم يجعلهما سواء، ويحتج ببيت لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال ms0049 # PageV01P075 # وإذا فصل بينهما في البيت لم يختل به لفظا ولا معنى، كما أنه إذا سوي ~~بينهما لم يختل معنى ولا لفظا، فكأنه لا حجة فيه لواحد من القولين. والقصد ~~في الدعاء بالسقيا إلى أن يمد الله المدعو له بما يزيد في نمائه ونضارته. ~~ألا ترى الآخر قال لما دعا على ما تسخطه: # إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم # فذكر ما يحرق ويستأصل. # وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا # جلى فعلى، أجراها مجرى الأسماء ويراد بها جليلة. كما يراد بأفعل فاعل ~~وفعيل، نحو قوله تعالى: " وهو أهون عليه "، أي هين؛ وكما قال: # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي بواحد؛ وكقولك: الله أكبر، تريد كبير. يقول: إن أشدت بذكر خيار الناس ~~بجليلة نابت، أو مكرمة عرضت وسنحت، فأشيدي بذكرنا أيضا. وهذا الكلام ظاهره ~~استعطاف لها، والقصد به التوصل إلى بيان شرفه واستحقاقه ما يستحقه الأفاضل ~~الأشراف، والأماثل الكرام. ولا سقى ثم ولا تحية ولا دعاء ولا مغاثة. ألا ~~ترى كيف اشتغل بمقصوده من الافتخار فيما يتلو هذا البيت. وهم كما يتخلصون ~~من التشبيبات وغيرها إلى أغراضهم على اختلافها فإنهم قد يتوصلون بمبادئ ~~كلامهم إلى أمثالها، فتقل المؤونة، وتخف الكلفة. ولهذا نظائر وأشباه تجيء ~~فيما بعد. والسراة في الناس، والشراة بالشين معجمة في المال والخيل. وفي ~~حديث أم زرع: " فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا، وأخذ خطيا، وأراح على نعما ~~ثريا ". والجلى بالألف واللام: تأنيث الأجل، كما يقال الأكبر والكبرى، وكما ~~قيل السبع الطول جمع الطولى. ولا يحذف الألف واللام منه حينئذ، لأن أصله ~~يكون أفعل الذي يتم بمن. ويقال لكل ما علا شيئا: جلله، ومنه الجلالة. # PageV01P076 # إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا # ندعي: نفتعل من الدعوة. وقوله " عنه " تعلق به. ويقال ادعى فلان في بني ~~هاشم، إذا انتسب إليهم؛ وادعى عنهم، إذا عدل بنسبه عنهم. وهذا كما يقال: ~~رغبت في كذا ورغبت عن كذا. وقوله: " لأب " أي من ms0050 أجل أب ولمكان أب. وانتصاب ~~" بني " على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر بني نهشل. وهذا على الاختصاص ~~والمدح. وخبر إن " لا ندعي ". ولو رفع فقال: بنو نهشل، على أن يكون خبر إن ~~لكان لا ندعي في موضع الحال. والفصل بين أن يكون اختصاصا وبين أن يكون خبرا ~~صراحا: هو أنه لو جعله خبرا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا ~~يخلو فعله لذلك من خمول فيهم، أو جهل من المخاطب بشأنهم. فإذا جعل اختصاصا ~~فقد أمن هو الأمرين جميعا. فقال مفتخرا: إنا نذكر من لا يخفى شأنه، لا نفعل ~~كذا وكذا. وإنما قلت خبرا صراحا، لأن لفظ الخبر قد يستعار لمعنى الاختصاص، ~~لكنه يستدل على المراد منه بقرائنه؛ على هذا قوله: # أنا أبو النجم وشعري شعري # ومعنى البيت: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا ~~فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، لأنه قد رضي كل منا بصاحبه، علما بأن الاختيار لا ~~يعدوه لو خير فاختار. ويقال: شريت الشيء بمعنى بعته واشتريته جميعا، ومنه ~~الشروى، وهو المثل. # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا # يقال: بادرته مكان كذا وكذا، وإلى مكان كذا. قال: # فبادرها ولجات الخمر # وكذلك يقال: ابتدرنا الغاية وإلى الغاية. وقوله: " لمكرمة " أي لاكتساب ~~مكرمة. ويجوز أن يكون اللام مضيفة للغاية إلى المكرمة، كأنه يريد تسابقهم ~~إلى # PageV01P077 # أقصاها. يقول: إن تستبق نهاية مجد أو غاية مكرمة تر السابقين منا ~~والتالين أيضا منا. وإنما قال " المصلين ولم يقل المصليات مع السوابق، لأن ~~قصده إلى الآدميين، وإن كان استعارهما من صفات الخيل. ويجوز أن يكون أخرج ~~السابق لانقطاعه عن الموصوف في أكثر الأحوال، ولنيابته عن المجلي وهو اسم ~~الأول منها إلى باب الأسماء فجمعه على السوابق، كما يقال كاهل وكواهل، ~~وغارب وغوارب. والمصلى هو الذي يتلو السابق فيكون رأسه عند صلاه. والصلوان: ~~العظمان الناتئان من جانبي العجز. وقال الدريدي: هو العظم الذي فيه معرز ~~عجب الذنب. وقال بعض أهل اللغة: هما عرقان في موضع ms0051 الردف. # ليس يهلك منا سيد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيدا فينا # نبه بهذا الكلام على أن من يستحق السيادة فيهم يكثر ولا يقل، فمتى درج ~~منهم رئيس ترشح لسد مكانه واحد. وهذا مثل قوله: # وإني من القوم الذين هم هم ... إذا ما ت منهم سيد قام صاحبه # والافتلاء: الافتطام والأخذ عن الأمر، ومنه الفلو. والمعنى هنا الترشيح ~~والتهيئة والصرف عما عليه إلى الرياسة. وأبدا في المستقبل بمنزلة قط في ~~المضي. والقصد أنهم كل وقت على ذلك، فلا يحتاجون إلى الاستعانة بالأجانب ~~دون الأقارب. والأبد: الدهر، وقيل سميت الوحش أوابد لأنها تعمر على الدهر، ~~حتى لا تموت إلا بآفة. وأن يكون من التأبد التوحش أحسن، وإن أمكن رد الكل ~~إلى أصل واحد. # إنا لنرخص يوم الروح أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا # أغلينا الألف للإطلاق، والنون ضمير الأنفس، ومعنى أغلين وجدت غالية أو ~~جعلت غالية. وهو هكذا أجود، وليس يريد أنهم مع الغلاء يمكنون منها، بل ~~المراد قطع المقدرة عنها. ومثل هذا: # نعرض للسيوف بكل ثغر ... خدودا لا تعرض للسباب # PageV01P078 # فيقول: نبتذل أنفسنا في الحروب ولا نصونها، ولو عرض علينا إذالتها في ~~غيرها لامتنعنا. وهذا لحرصهم على تخليد الذكر الجميل، والأبانة عن محل ~~النفس في الشجاعة. والرخص في السعر: سهولته ولينه، وهو من قولهم فيما أظن ~~امراة رخصة، إذا كانت ناعمة. وقوله: ولو نسام بها أي نحمل على أن نسوم بها. ~~ويقال سام بسلعته كذا وكذا، واستام أيضا، وأغلى السوم والسيمة. وأسمته أنا، ~~أي حملته على أن سام. ولا يمتنع أن يكون قولهم: سمته خسفا، أصله من ذاك وإن ~~استعمل في المكروه، ومنه قوله تعالى: " يسومونكم سوء العذاب ". وفي البيت ~~طباق بذكر الإرخاص والإغلاء، والروع والأمن، في موضعين، وهو حسن جيد. # بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا # يروى: بيض معارفنا، وهي الوجوه. والمراد بذلك نقاء العرض وانتفاء الذم ~~والعيب. ويقال: امرأة حسنة المعارف، أي الوجه بما يشتمل عليه. وقيل الأنف ~~وما والاه. وقيل: الحسن في الأنف، والملاحة في ms0052 الأسنان. وواحد المعارف معرف ~~ومعرف، وكأن الوجه سمي بها لأن معرفة الأجسام وتمييزها تقع بها. والأشهر ~~والأحسن بيض مفارقنا. ويجوز أن يكون أراد ابيضت مفارقنا من كثرة ما نقاسي ~~الشدائد. وهذا كما يقال أمر يشيب الذوائب. وفي القرآن: " يوما يجعل الولدان ~~شيبا ". وتغلي مراجلنا أي حروبنا، كقول الآخر: # تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا # ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا لانحسار الشعر عنها، باعتيادنا لبس ~~المغافر والبيض، وإدماننا إياه، ويكون هذا كما قال: # قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع # PageV01P079 # وتكون المراجل على هذا كناية عن الحروب أيضا. ويجوز أن يكون المراد: ~~ابيضت مفارقنا من كثرة استعمالنا للطيب، ويكون كقول الآخر: # جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقة # ويكون على هذا معنى تغلي مراجلنا أي قدورنا للضيافة، ويجوز أن يريد: ~~مشيبنا مشيب الكرام، لا مشيب اللئام. وأنشد ابن الأعرابي في نوادره: # وشبت مشيب العبد في نقرة القفا ... وشيب كرام الناس فوق المفارق # وعلى هذا يحمل المراجل على أن المراد بها قدور الضيافة. فأما قوله: نأسو ~~بأموالنا آثار أيدينا فإنما يريد ترفعهم عن القود ودفع أطماع الناس عن ~~مقاصتهم، فيداوون جراحاتهم ببذل الأروش والديات. والأسو: مداواة الجرح وإن ~~استعمل في موضع الإصلاح. قال: # والأساة الشفاة للداء ذي الري ... بة والمدركون للأوغام # ويقال للضار النافع: يشج ويأسو. ومنه اشتقاق الإسوة، ويقال الأسوة أيضا. ~~ويروى أن مصعب بن الزبير لما انهزم الناس عنه يوم مسكن جعل يقاتل ويتمثل: # وإن الأولى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا # وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم، وسلامة مما ~~يجلب عليه التهجين. # إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة ألا أين المحامونا # يقاربه قول الخنساء: # أقلت مساماة الرجال عديدنا # فيقول مفتخرا إني لمن قوم أهلك أسلافهم قول الأبطال لهم ألا أين الذابون ~~والمحامون؟ فكانوا يتقدمون ويفنون. والكماة: جمع الكمي، وهو من قولهم كمى # PageV01P080 # شهادته، إذا كتمها؛ لأن الشجاع يستغني بالفعال، عن الدعوى والمقال، فكأنه ~~يستر أمره وشأنه ms0053 لوقت الحاجة، ولأنه إذا سكت دل على صفاته بلاؤه. # لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا # يعني بقوله فدعوا أعلنوا الاستغاثة بيال فلان، ومن فتى، وما أشبهه. ويقال ~~خلته أخاله خيلا ومخيلة وخيلانا. وهذا مثل قول طرفة: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # وقد زاد هذا عليه بقوله لو كان فى الألف منا واحد ". لأن ذلك قال: # إذا القوم قالوا من فتى، فنصب نفسه مع قومه؛ وهذا جعله منضما مع الكثرة ~~إلى الغرباء. وإنما قال: من فارس فنكر، كما قال طرفة: من فتى فنكر. ولم ~~يعرف واحد، منهما، لأن السؤال بالمنكر لشدة إبهامه يكون أشمل لتناوله واحدا ~~واحدا لا سيما وليس القصد في الاستفهام إلى معهود معين، ولا إلى الجنس ~~فيقال: من الفتى، ومن الفارس. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # إذا القوم قالوا من فتى لعظيمة ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى # وبيت بشامة أجود الثلاثة. وقد أحسن الفرزدق كل الإحسان لما أشار إلى هذا ~~المعنى فقال: # إذا ما قيل يا لحماة قوم ... فنحن بدعوة الداعي عنينا # إذا الكماة تنحوا أن ينالهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا # إنما قال حد الظبات - وظبة: السيف حده - لأنه أراد المضارب بأسرها. وكما ~~صلح أن يقال أصابته ظبة السيف صلح أن يقال حد الظبة. وقيل الظبة: طرف ~~السيف، والشباة حد طرفه. يقول: إذا الأبطال تباعدوا عن المصادمة والمكافحة، ~~مخافة أن ينالهم حد السيوف مددنا أبواعنا إليهم بها أو وصلناها، وفي هذا ~~المعنى قوله: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا للتضارب # PageV01P081 # وقوله تنحوا أن ينالهم أي تنحوا أن ينالهم، ومخافة أن ينالهم؛ فلما حذف ~~من وصل الفعل فعمل. وعلى هذا قولهم: تحصن فلان أن يطلب، وقول الله تعالى: " ~~يبين الله لكم أن تضلوا ". وقوله: وصلناها بأيدينا أي إذا عجزت جعلنا وصلها ~~أيدينا. وهذه الأبيات إذا تؤملت فكل منها غاية يدعو إلى نفسه لفظا ومعنى. # ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم ... مع البكاة على من مات ms0054 يبكونا # يصف تعودهم للثكل، وإلفهم للمصائب والقتل، وأن قلوبهم قد مرتت عليها حتى ~~قست، فلا يبكون مع البكاة على من قتل منهم. ومثله قول عمرو بن كلثوم: # معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نصيح من القتل # ونركب الكره أحيانا فيفرجه ... عنا الحفاظ وأسياف تواتينا # يجوز أن يكون هذا كما قال الآخر: # فحالفنا السيوف على الدهر # ويجوز أن يكون أراد بالسيوف كأنهم السيوف مضاء ونفاذا. والأول أولى. ~~وإنما يصف خطارهم بمهجهم، وركوبهم المهالك، ورميهم بأنفسهم المرامي ~~المعطبة. فيقول: إذا فعلنا ذلك في الوقت بعد الوقت، وسعت المضايق عنا ~~محافظتنا على الكرم وصبرنا على الشدائد، واستعمالنا سيوفنا المطاوعة لنا. ~~ومعنى يفرجه: يكشفه ويوسعه. ويقال: فرج الله غمه وفرجه، بالتخفيف والتشديد. ~~ومنه سمي ما بين القوائم: الفروج. وإطلاق لفظ الفرج على العورة يجري مجرى ~~الكنايات. وعلى هذا قيل: رجل فرجة، إذا كان كشافا لأسراره. ### || عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، ويقال إنه للسموءل ابن عاديا اليهودي: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # PageV01P082 # يقال: دنس دنسا، وتدنس تدنسا، إذا تكلفه. فيقول: إذا لم يتدنس الرجل ~~باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس لبسه بعد ذلك كان حسنا جميلا. وذكر الرداء ~~ها هنا مستعار، وقد قيل: رداه الله رداء عمله، فجعل كناية عن مكافأة العبد ~~بما يعمله، أو تشهيره به، كما جعله هذا الشاعر كناية عن الفعل نفسه. ~~وتحقيقه: فأي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنا. واللؤم: اسم لخصال تجتمع، ~~وهي البخل واختيار ما تتقيه المروءة، والصبر على الدنية، ودناءة النفس ~~والآباء. وإذا يتضمن معنى الجزاء، والفاء مع ما بعده جوابه. وليس هنا من ~~قول عمرو بن معد يكرب: # ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا # فيعتقد أنه يريد بالرداء الثياب بسبيل، فاعلمه. # إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # يقول: إذا المرء لم يحمل ظلم نفسه عليها، ولم يصبرها على مكارهها، فليس ~~له طريق إلى الثناء الحسن. وهذا يشير إلى كظم الغيظ، ms0055 واستعمال الحلم، وترك ~~الظلم والبغي مع ذويه، والصبر على المشاق، وإهانة النفس في طلب الحقوق؛ لأن ~~من تعود هذه الأشياء علا ذكره، وحسن ثناؤه. ويقال: ضامه ضيما، وهو مضيم، ~~إذا عدل به عن طريق النصفة واهتضمه. ومنه قيل: قعد في ضيم الجبل، أي في ~~ناحية تنعدل إليه. وكما استعمل الضيم من ضام، كذلك استعمل الهضم واحد أهضام ~~الوادي من هضم. ويبعد من طريق المعنى أن يريد بقوله ضيمها ضيم الغير لها ~~فأضاف المصجر إلى المفعول، لأن احتمال ضيم الغير لهم يأنفون منه، ويعدونه ~~تذللا. # تعيرنا إنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # يقال عيرته كذا، وهو المختار الحسن، وقد جاء عيرته بكذا. قال عدي: # أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور # والمعنى أنكرت منا قلة عددنا فعدته عارا، فأجبتها وقلت إن الكرام يقلون. ~~والكرم: اسم لخصال تضاد خصال اللؤم، وقد ذكرناها. وهذا الاعتراف الذي حصل # PageV01P083 # منه إنما هو اعتراف بقلة العدد لا بقلة القدر والغناء، ألا ترى أنه رجع ~~عليه بالنفي في البيت الثاني فقال: # وما قل من كانت بقاياه مثلنا # على أن قوله إن الكرام قليل يشتمل على معان كثيرة: وهي ولوع الدهر بهم، ~~واعتيام الموت إياهم، وقلة النسل فيهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم، ~~وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ~~ابتناه أسلافهم. وكل ذلك يقلل العدد، ويقصر المدد. وقليل وكثير يوصف بهما ~~الواحد والجمع. # وما قل من كان بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول # الهاء من قوله بقاياه راجعة إلى لفظ من لأن معناه الكثرة. ولو رد عليه ~~لقال بقاياهم. يقول: وما حصلت القلة في القدر والغناء، ولا لحقت الذلة في ~~اللقاء والدفاع لأسلاف أخلافهم نحن، شبان وكهول يتسامون في اكتساب المعال، ~~ن ويترقون في درجات الفضل. وشباب مصدر في الأصل ووصف به، ولذلك لا يثنى ولا ~~يجمع. يقال شب الصبي يشب شبابا. وقوله تسامى أراد تتسامى، فحذف إحدى ~~التاءين استثقالا للجمع بينهما. فإن قلت: هلا أدغمت كما أدغمت في ادراك ms0056 - ~~والأصل تدارك؟ قلت: ليس هذا موضع إدغام، لأنه فعل مضارع. ألا ترى أنه لو ~~أدغم لاحتيج إلى جلب ألف الوصل لكون أوله، وألف الوصل لا يدخل على الفعل ~~المضارع. والكهل: الذي قد وخطه الشيب، ومنه اكتهل النبت، إذا شمله النور. # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل # في هذا الكلام تعريض بعشيرة من جاذبه الكلام. يقول: وما يضرنا قلة عددنا ~~وجارنا في عز، وجار من لهم العدد والكثرة في ذل. وقوله: وما ضرنا يجوز أن ~~يكون ما حرف نفي، والمعنى لم يضرنا؛ ويجوز أن يكون اسما مستفهما به على ~~طريق التقرير، والمعنى أي شيء يضرنا. والواو من قوله: وجارنا عزيز واو ~~الحال، أي لا يضرنا ذلك والحال هذا. وكذلك الواو من قوله: وجار الأكثرين ~~ذليل واو الحال. وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو ~~كانا لذات واحدة لم يصلح. والعز والعزازة استعمل في القدرة والمنع، وفي ~~الصلابة # PageV01P084 # والشدة. ويقال: تعزز اللحم، لأن الكل يرجع إلى أصل واحد. كما ان الذل ~~والذل الذي هو ضده استعمل في الانقياد والسهولة واللين والوطاءة، إذ جميعه ~~يدعو إلى شيء واحد. وفي طريقته: # فجارك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بيتي لا يرام # وقول الآخر: # وهم يمنعون جارهم أن يقردا # لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل # ومثله: # لنا هضبة لا يدخل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير ليعصما # وأراد بذكر الجبل العز والسمو. فيقول: لنا جبل عز يدخله من ندخله في ~~جوارنا، ممتنع على طالبه، يرد لإشرافه وسموقه طرف الناظر إليه وهو حسير. ~~ومنيع: اسم الفاعل من منع مناعة ومناعا، ومنه المنعة. ويجوز أن يكون فعيلا ~~في معنى مفعول، أي ممنوع منه، وكما استعمل المنيع في العز استعمل أيضا في ~~العفة، فقيل امرأة منيعة وممتنعة أي عفيفة. وحل واحتل بمعنى. والطرف: النظر ~~والعين جميعا. وقال الدريدي: طرف العين امتداد لحظها. # رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل # رسا الجبل: ثبت أصله في الأرض. ms0057 ومنه رست السفن، إذا انتهت إلى قرار ~~البحر. والرسو والرسوخ يتقاربان. والثرى: الندى. وما تحت الأرض ثرى. ويقال: ~~ثرى ثري، على المبالغة. يقول: ثبت أصل هذا الجبل - وهو يريد العز على ما ~~بينت - تحت الأرض وارتفع به أعلى طويل لا ينال إلى محل النجم. والمراد: ~~عزنا أصله تحت الأرض السابعة، وفرعه عند النجم. ومعنى لا ينال: لا يوصل ~~إليه ولا يحصل # PageV01P085 # مثله. وكما كان يقال في الرفيع الشأن العالي القدر: هو في النجم وهو في ~~السكاك، وكان قصده في الفرع أنه مديد حتى اتصل بالنجم، زاده صفة فقال طويل. ~~وقد طابق الرسو بالسمو، كما قابل الأصل بالفرع. ونقله أبو تمام فقال: # لنا نبعة فرعها في السماء ... وفي هامة الحوت أعراقها # وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبة، حتى يرجع الضمير من صفة ~~القوم إليه ولا تعرى منه، لكنه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى. ~~وقد جاء في الصلة مثل هذا، وهو فيه أفظع، قال: # أنا الذي سمتن أمي حيدره # والوجه سمته حتى لا يعرى الصلة من ضمير الموصول. قال أبو عثمان المازني: ~~لولا صحة مورده وتكرره لرددته. فضل عشيرته في الصبر على الموت، والثبات في ~~الحرب على عامر وسلول، وهما قبيلتان. فيقول: إذا حسب هؤلاء القتل والقتال ~~عارا ومنقصة عدهما عشيرتي فخرا ومكرمة. والسبة: ما يسب به، كما أن الخدعة ~~ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وهذا كما يقال: فلان ~~يقطع أعراض الناس. وقوله: ما نرى أي لا نجعل ذلك مذهبا. # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # قوله: يقرب حب الموت أي حبنا للموت. وجعل في مقابلته: وتكرهه آجالهم لأنه ~~يشتمل على ما يوفيها حقها من اللفظ. وإن كانت من حيث المعنى قد حصلت: ويبعد ~~بغضهم إياه آجالهم. ويكون الشاعر ملما في المصراع الأول بقول الآخر: # رأيت الكريم الحر ليس له عمر # لأنه يشير إلى أنهم يعتبطون لاقتحامهم ms0058 المنايا، وحرصهم على ملابسة ~~الحروب، وأن أولئك يعمرون لمجانبتهم الشرور، وزهدهم في مجاذبة العدو. ويجوز # PageV01P086 # أن يكون أضاف الحب من قوله حب الموت إلى الفاعل، فيكون المعنى: يقرب حب ~~الموت لنا آجالنا، ويكون هذا كقول طرفة: # أرى الموت بعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # ويكون على هذا قوله وتكرهه آجالهم محمولا على أنه إذا كرهت آجالهم الموت ~~فقد كره الموت آجالهم أيضا. ألا ترى قول دريد: # أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر # وقول متمم: # أرى الموت طلاعا على من ترفعا # وإذا كان كذلك فالتقابل في هذا الوجه حاصل أيضا. وبعضهم روى: يقصر حب ~~الموت واختاره، ليكون القصر بإزاء الطول. وهم لا يراعون مثل هذا إذا تناسبت ~~المعاني وتقابلت، ويكون ذلكمنهم كالمتبرئ من التكلف. ألا ترى أبا ذؤيب ~~الهذلي قال: # وشيك الفصول بعيد القفول ... إلا مشاحا به أو مشيحا # وقد كان يمكنه أن يقول بطيء القفول فلم يراع ذلك. وقد أحسن عنترة كل ~~الإحسان في سلوك هذه الطريقة، حين قال: # ليس الكريم على القنا بمحرم # وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل # حتف انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا هو محتوف. وليس هذا مثل ~~تبسمت وميض البرق، فاعلمه. يقول: لم يمت رئيس منا على فراشه، بل # PageV01P087 # مات ميتة كريمة في الحرب تحت ظلال السيوف والرماح، ولا أبطل دم قتيل منا ~~حيث كان، وعلى يد من اتفق. وهذا غاية ما يتحمد به الفتاك وأبناء الحروب، ~~حتى إن بعضهم اعتذر عمن مات على فراشه فقال: # بحمد من سنابك لا بذم ... أبا قران مت على مثال # وفي هذه الطريقة قوله: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # وقوله: مات حتف أنفه يقال إن أول من تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، ~~لا دفعة واحدة. ويقال خص الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الرمق. ويقال: طل ms0059 ~~دمه يطل طلا، إذا أهدر. # تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل # يروى: تسيل على حد السيوف نفوسنا. ولم يقل وليست على غيرها تسيل في ~~الروايتين، لأنهم يكررون أسماء الأجناس والأعلام كثيرا، ولاسيما إذا قصدوا ~~التفخيم بها. كما قال عدي: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # وفي الرواية الثانية - وهي المشهورة - أضاف الحد إلى الظبات. وهذا فيه ~~وجهان: أحدهما أن يكون أراد بالظبات السيوف كلها ثم أضاف الحد إليها، ~~والمعنى: تسيل على حد السيوف دماؤنا وليست تسيل على غيرها. وهذا كما يسمى ~~السيف كما هو نصلا، وكما يسمى السهم نصلا كما هو. والثاني أن إضافة الحد ~~إلى الظبات كإضافة البعض إلى الكل، ويكون التقدير: تسيل على الحد من ~~الظبات، وتكون الظبات مضارب السيوف. فإن قيل: كيف تبجح بأن تكون دماؤهم ~~تسيل على حد السيوف لا على غيره؟ قلت: إن الدماء قد تسال بالعصي وبغيرها ~~مما لا يكون شرفا، # PageV01P088 # فعد القتلة التي تكون بالسيف أكرم. ألا ترى أن بني أسد يسمون عبيد العصا ~~لما كان حجر أبو امرئ القيس حين أوقع بهم قتلهم بها، لتكون قتلتهم ذميمة. ~~وقد قتل كثير منهم بالجلاميد والصخور، ولذلك قال بعضهم: # جلاميد أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجال حلقت في المواسم # وقال آخر: # ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره # إلا علالة أو بدا ... هة سابح نهد الجزاره # وإذا كان الأمر على هذا فمعنى التبجح أن تكون منيتهم بالسيوف ظاهرة. وأما ~~قوله: # لو بأبانين جاء يخطبها ... رمل ما أنف خاطب بدم # فإن الفحل الهجين إذا تعرض للناقة الكريمة قرع أنفه بالعصا وضرب وجهه ~~بها، فهو من ذاك مأخوذ. # صفونا فلم نكد وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول # أشار بهذا الكلام إلى كرم المناصب والمناسب، وطيب المنبت والمغرس. فيقول: ~~صفت أنسابنا فلم يشبها كدورة. وخلص نكاحنا أمهات طيبت حملنا، وآباء كرمت ~~عروقنا. ويقال: كدر الماء يكدر كدرا وكدورا وكدورة، وهو أكدر وكدر. وفي ضده ~~صفا الماء يصفو صفوا؛ والصفاء الاسم. ms0060 ومن أمثالهم: خذ ما صفا ودع ما كدر. ~~والسر: النكاح. وسر الشيء: خالصه. ويجوز أن يكون قولهم سرية فعلية من هذا. # علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول # يصف ترددهم في شرف المصعد والمنحدر، وكرم العنصر والمتحول، كما ذكر طهارة ~~المنكح والمولد، وجلالة المعتلى والمستقر، فيقولك علونا في خير الظهور، أي ~~حصلنا في أعلى المراتب من ظهور أكرم الآباء، وحدرنا منها لوقت معلوم - يشير # PageV01P089 # إلى وقت الأطهار - نزول إلى خير البطون من أشرف الأمهات. والمعنى أنا ~~كرام الأطراف. وهذه الأبيات إذا تؤملت أدى التأمل منها إلى سلامة اللفظ ~~والمعنى من كل معاب. وحصول الفخامة والجلالة لها في كل جانب وباب. # فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل # ماء المطر أصفى المياه عندهم، فشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر. ~~والمزن: السحاب. وقوله: ما في نصابنا كهام، أي ليس فينا كليل الحد، ولكن كل ~~منا ماض نافذ، ولا فينا بخيل فيعد. وهو نفي للبخل رأسا، وليس يريد أن فيهم ~~بخيلا ومع ذلك لا يعد. ومثله: # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي ليس بها ضب رأسا فينجحر، ومثل هذا كثير. ويقال كهم وكهم يكهم ويكهم ~~كهامة، فهو كهام وكهيم. يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كل. # ننكر إن شينا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # هذا مثل قول الآخر: # وما يستطيعالاس عقدا نشده ... وننقضه منهم وإن كان مبرما # يصف رياستهم وعلو كلامهم ونفاذ حكمهم، ورجوع الناس في المهمات إلى رأيهم، ~~والاعتماد على تدبيرهم ومشورتهم. فيقول: نغير ما نريد تغييره من قول غيرنا، ~~وأحد لا يجسر على الاعتراض علينا، والإنكار لقولنا، انقيادا لهوانا، ~~واقتداء بحزمنا. وهذا كما قال الأعشى: # كل سيرضى بأن يلقى له تبعا # إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول # PageV01P090 # يشبهه قول حاتم: # إذا مات منا سيد قام بعده ... نظير له يغني غناه ويخلف # وقول عروة: # إذا مات منهم سيد قام بعده ... على مجده غمر المروءة سيد # وما ms0061 أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل # أراد بقوله نار لنا نار الضيافة. يقول: نديم إيقادها فلا تطفا دون طارق ~~ليل. والضيف إذا فارقنا حمدنا ولم يذممنا، لحسن توفرنا عليه، واحتفالنا عند ~~سوق الخير إليه. والنزيل، كالرفيق والجليس والأكيل. والطروق يختص بالليل. ~~وسمي النجم طارقا لذلك. # وأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غرر معلومة وحجول # يقول: وقعاتنا مشهورة في أعدائنا معلومة، فهي بين الأيام كالأفراس الغر ~~المحجلة بين الخيل، يعرف بلاؤنا فيها، وحسن آثارنا عند النهوض لها. وهذا ~~كما قال: # ولما يكن يوم أغر محجل # والتحجيل: أن يبيض من الأوظفة مواضع الحجل، وهو القيد والخلخال. فإذا ~~ارتفع التحجيل حتى يبلغ الفخذين فما فوق فهو التجويف. قال طفيل: # شميط الذنابي جوفت فهي جونة # وأسيافنا في كل غرب ومشرق ... بها من قراع الدار عين فلول # مثله قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # PageV01P091 # يقول: قد تفللت سيوفنا بما نضارب بها الأعداء، في مشارق الأرض ومغاربها. ~~وقال: من قراع الدارعين، لأن الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منهم؛ ~~وفي أكمل الاستعداد لهم. وقوله: في كل غرب ومشرق ظرف لقراع الدارعين. أي ~~بأسيافنا فلول من القراع في كل غرب ومشرق. # معودة ألا تسل نضالهافتغمد حتى يستباح قبيل # مثله قول الآخر: # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت # وانتصب معودة على الحال. ويجوز أن ترفع على أن تكون خبر ابتداء مضمر، ~~والعامل فيه إذا كان حالا ما يدل عليه قوله: بها من قراع الدارعين فلول. ~~فيقول: عودت سيوفنا ألا تجرد من أغمادها فترد فيها إلا بعد أن يستباح بها ~~قبائل. ويقال: عودته كذا فتعوده واعتاده. والعادة من العود وهو الرجوع، ~~ولذلك قالوا للمواظب على الشيء: هو معاود له. وقوله فتغمد، يقال غمدت السيف ~~وأغمدته، وأصله الستر، ومنه تغمده الله برحمته. # سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم ... وليس سواء عالم وجهول # يروى: عنا فتخبري. كأنه استدل على تصحيح ما ادعاها من الخصال التي ms0062 عددها ~~بشهادة الناس له وتصديقهم مقاله. يقول: سلي الناس عنا إن جهلت ما حكيته من ~~أفعالنا حتى تخبري فتؤمني به وتسكني إليه، فليس العالم بالشيء كالمخمن أو ~~المجوز أو الشاك أو الحادس أو المقدر. والعلم قد يحصل بإخبار المخبرين كما ~~يحصل بالمشاهدة، فلذلك دعاها إلى ما دعا من السؤال والكشف. وقوله: فتخبري ~~ينتصب بأن مضمرة وهو جواب الأمر بالفاء. والسواء يكون مصدرا ووصفا في معنى ~~مستو. يقال: هذا درهم سواء، أي مستو؛ وهذا درهم واء أي استواء، كما تقول ~~هذا درهم تماما، أي تم تماما. وفي القرآن: " في أربعة أيام سواء للسائلين " ~~أي مستويات، وقرى " سواء " على المصدر كأنه قال: استواء. حكى أبو الحسن ~~الأخفش: هما سواء وهما سواءان. # PageV01P092 # فإن بني الديان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول # القطب: الحديدة في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى. وسمي ~~قطب السماء لما يدور عليه الفلك. وعلى التشبيه قالو: فلان قطب بني فلان، أي ~~سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب. ### || الشميذر الحارثي # قال الدريدي: شميذر: دابة زعموا، ولا أحسبها عربية صحيحة. # قال البرقي: هذا الشعر لسويد بن صميع المرثدي، من بني الحارث، وكان قتل ~~أخوه غيلة فقتل قاتل أخيه نهارا في بعض الأسواق من الحضر. # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء العمير القوافيا # الصحراء: اسم للمكان الواسع، وجمعه صحار وصحر. قال: # أني مده صحر ولوب # وأصحر القوم: برزوا إليها، ومنه قيل لقيته صحرة بحرة، أي عيانا ومبارزة. ~~يقول: دعوا التفاخر في الشعر وبالشعر، فإنكم قصرتم بصحراء الغمير ولم تبلوا ~~فيها فتنطلق ألسنتكم لدى المساجلة، وتستجيب قوافي الشعر لكم، إذا أردتم ~~نظمها وإنشادها، عند المنافرة والمحاكمة، لأنكم أمتم قوافي الشعر ~~ودفنتموها. فكما أن الميت لا يجيب إذا دعي، كذلك لا يجيبكم الشعر إذا ~~أردتموه، مع سوء بلائكم، وقبح آثاركم. والقافية: آخر البيت المشتمل على ما ~~بني عليه القصيدة. وقد يسمى البيت كما هو قافية. قال: # وقافية مثل حد السنان ... تبقى ويذهب من قالها # قال الأخفش: وتسمى القصيدة بأسهرها ms0063 قافية. قال: # فمن القوافي بعد كعب يحوكها # PageV01P093 # فلسنا كمن كنتم تصيبن سلة ... فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا # في هذا الكلام تعريض بقوم أشار إليهم بقوله: كمن كنتم، وتصريح للمخاطبين، ~~ومجاهرة بالقول، فهو يرميهم بالضعف وأنهم إذا نالوا من العدو شيئا نالوه ~~سرقة. فيقول: لسنا كالذين كنتم تنالوهم سرقة، فنلتزم لكم الضيم، أو ننصب ~~حاكما يقضي بيننا وبينكم. وأشار بالضيم إلى التغميض على ما يكون من سرقتهم. ~~وكأن القوم الذين أشار إليهم وانتفى من أن يكون حاله كحالهم، كانوا يقابلون ~~سرقتهم وتجاسرهم عليهم إما بالتغميض، وهو التزام الضيم عنده، وإما ~~بالمرافعة إلى الحاكم ونصب المتوسط، والعجز في حكمه. وانتصاب نقبل على أنه ~~جواب النفي بالفاء. ويقولون: في بني فلان سلة، أي سرقة. وانتصاب سلة على ~~أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: تصيبونهم سالين وساقين. # ولكن حكم السيف فيكم متسلط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا # يقول: متى عدوتم طوركم، أو خرجتم من حدكم، فإنا نسلط السيف عليكم، ولا ~~نرضى إلا بحكمه فيكم. فمتى رضي رضينا، وفي طريقته قوله: # ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا ... بني عمنا لو كان أمرا مدانيا # دل بقوله: لو كان أمرا مدانيا على أنه لم يسؤه ما جنت الحرب بينهم، لأنه ~~وقع بالاستحقاق. ألا ترى أنه قال ساءني ذلك لو كان الأمر المؤدي إليه أمرا ~~مدانيا، وكنا نعرف للاحتمال فيه موضعا، وللصبر عليه مجالا ومذهبا. فأما ~~والشان مستفحل، وتعديكم متفاقم، فإنه لا يسوءني. وقوله: لو كان أمرا ~~مدانيا، أراد لو كان الأمر أمرا أمما لساءني. وإذا كان كذلك فجواب لو ~~متقدم، وتلخيصه: لو كان ما ترددنا فيه قريبا لساءني ما جنته الحرب بيننا، ~~ولكن الآن لم يسوء. وهذا تعظيم لما كان منهم إليهم، وكالاعتذار عن الأخذ ~~بالفضل عليهم، وترك الصفح عنهم. # فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنا قد أسأنا التقاضيا # PageV01P094 # رواه بعضهم: فإن تزعموا أنا ظلمنا. والزعم في دفع الدعوى أبلغ، وإنما نبه ~~بهذا الكلام على أنه لا يعد ما عوملوا ms0064 به ظلما، مع كون ابتدائه منهم، وإن ~~كان فيه سرف. فيقول: إن ادعيتم علينا أنا ظلمناكم فإنا لم نظلمكم، مع ~~عدوانكم، وسبقكم إلى الشر وتهييجه، ولكنا أسأنا في تقاضيكم الحق، وإيفائكم ~~الجزاء، حين استخرجنا بالعنف والقهر، ومجاوزة الأدنى من الأمرين إلى ~~الأقصى. فكأنه سمى ما عده أولئك ظلما سوء تقاض. والظلم قيل فيه: إنه وضع ~~الشيء في غير موضعه، ولذلك قيل للأرض الصلبة إذا حفرت: مظلومة، وللسقاء إذا ~~تنوول ما فيه قبل إدراكه: ظليم. وقيل: الظلم: انتقاص الحق. قوله فلم نكن ~~ظلمنا إذا كان من حكم الجواب أن يكون طبقا للابتداء ومبنيا عليه، فمن ~~الواجب عليه كان أن يقول: فإن قلتم إنا كنا ظلمنا. ألا ترى أنا نقول في قول ~~الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم " إنه كان جواب قائل قال كان الله ~~سيعذبهم. فنفى على حد الابتداء وطريقته، ولكن الشاعر حذف من الابتداء كنا، ~~لأن ما في الجواب يدل عليه. ### || وداك بن نميل المازني # قال البرقي هو وداك بن سنان ين نميل: # رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا عدا خيلي على سفوان # رويدا: تصغير إرواد، وهو مصدر أرودت فلانا، على طريق الترخيم، وانتصابه ~~بفعل مضمر دل عليه لفظه. وأكثر ما يجيء تصغير الترخيم يجيء في الأعلام، وقد ~~يجعل رويدا اسما لارفق، فيبنى حينئذ كما يبنى أخواته من أسماء الأفعال على ~~ذلك ما جاء في المثل من قولهم: رويد يعلون الجدد. وقد تزاد كاف الخطاب عليه ~~فيقال: رويدك، على ذلك قولهم: رويدك الشعر يغب وقوله: بعض وعيدكم انتصب ~~بفعل مضمر دل عليه رويد، لأن مع استعمال الرفق كفا عن بعض الوعيد، فكأنه ~~لما قال أرودوا يا بني شيبان قال: كفوا بعض الوعيد. وهذا تهكم وسخرية. ~~وقوله: تلاقوا، الجزم على أنه جواب للأمر الذي دل عليه رويدا. وإنما جعل ~~للأمر الجواب لأنه ضمن معنى الجزاء والشرط. وسفوان: اسم # PageV01P095 # ماء قالوا هو من البصرة على أميال. ومعنى البيت مفهوم. وقوله غدا لم يشر ~~به إلى اليوم الذي يلي يومه، وإنما دل على ms0065 تقريب الأمر، فكأنه قال: تلاقوا ~~خيلي قريبا على هذا الماء. # تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني # الوغى، أصله الجلبة والصوت، وكذلك الوعى بالعين غير معجمة. قال: # كأن وعى الجموش بجانبيها # وجياد ها هنا: جمع جواد، يقال فرس جواد: عتيق، وخيل جياد: عتاق. وفي غير ~~هذا المكان يكون جمع جيد. وتلاقوا بدل من تلاقوا الأول. نبه بهذا على أن ~~المراد بالخيل الفرسان، على عادتهم في قولهم الخيل والرجل. قال الله تعالى: ~~" وأجلب عليهم بخيلك ورجلك "، ولهذا قال فيما بعده: تلاقوهم فتعرفوا كيف ~~صبرهم. ويجوز أن يكون أراد بالخيل الدواب، ووصفها بأنها لا تجبن عن الوغى، ~~لدوام ممارستها له، وتعودها إياه. ثم خبر في قوله: تلاقوهم عن أربابها، ~~فيقول: ارفقوا تلاقوا فرسانا كراما لا تمل الحروب ولا تعدل عنها إذا ابتكرت ~~في مضيق منها، تتلاحم فيه الفرسان وتتدانى فيه الأبطال والشجعان. وإنما قال ~~ذلك لأنه مع التداني لا يكون إلا التجالد، وعنده تثكل الأمهات. والمأزق: ~~المضيق، وكان أصله من الأزق في الحرب، فهو مفعل منه. # تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان # قوله على ما جنت يريد على جناية. وموضعه نصب على الحال، والعامل فيه ~~عرفوا. أو تلاقوا. يقول: تلاقوا من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم ~~وثباتهم في جلادهم، هذا مع تحامل الزمان عليهم، وسوء تأثير الدهر فيهم. ~~وأصل الصبر: الحبس، ومنه قتل فلان صبرا. وحدث الدهر وأحداثه وحدثانه ~~وحوادثه: نوازله. # PageV01P096 # مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان # مقاديم: جمع مقدام. ويشبه هذا البيت قوله: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا للتضارب # وقد مر مثله، لكن في هذا قلبا، وذاك أنه قال: وصالون خطوهم بكل رقيق ~~الشفرتين، وكان الواجب أن يقول: كل رقيق الشفرتين يخطوهم. ألا ترى أنه قال: ~~إذا قصرت أسيافنا وصلناها بخطانا؟ وقال الآخر: # نصل السيوف إذا قصرت بخطونا # ومثل هذا البيت في القلب بل في تبيين جواز القلب، وقول حميد بن ثور: # نصل الخطى ms0066 بالسيف والسيف بالخطى ... إذا ظن أن السيف ذا الأثر قاصر # إذا استنجدوت لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان # هذا مثل قوله: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # والمعنى: إنا لا نطلب العلل على المستنجد توصلا إلى دفعه أو مطله، ولكنا ~~نعجل غوثه على كل حال. والاستنجاد: الاستصراخ. ورجل منحاد: معوان، وقد ~~أنجدني، ويقال هو نجد من قوم أنجاد. ومثله قول الآخر: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب ### || سوار بن المضرب السعدي # من سعد بني تميم. وقال البرقي: من سعد بني كلاب. # فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني # PageV01P097 # سراة الناس: خيارهم. وشراة الإبل بالشين معجمة: كرامها. وقد مر ذكره. ~~وقال الخليل: السرو: سخاء في مروة. وسرا يسرو فهو سري وقوم سراة، ولم يجيء ~~على فعلة غيرها. يعني أن فعلة يختص بها الصحيح في الجمع دون المعتل، وذلك ~~كالفجرة والفسقة. وتلون الزمان يشير به إلى تصاريفه بالخير والشر، والنفع ~~والضر. فيقول: لو بحثت هذه المرأة بالسؤال عن أحوالي على تبدل الأبدال، ~~وتغير النفع والضر بي فما مضى، وتنقل الأحداث على مرة بعد أخرى. وجواب لو ~~يجيء من بعد قوله: أن تلون، وأن إذا وصل بالماضي أفاد حدثا ماضيا، وإذا وصل ~~بالمستقبل أفاد حدثا مستقبلا. # لخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني # قوله: لخبرها جواب لو. وأحساب: جمع حسب، وهو ما يحسب ويعد عند التفاخر. ~~لو سألت لأنبأها بخبري أشراف قومي، وأماثل أعدائي، فكل منهم قد خبرني. يشير ~~بهذا الكلام إلى أن زعماء قبيلته وذوي الشرف من رهطه، يعترفون له بالفضل، ~~ويشهدون له بما يكسبه جميل الذكر، وأن أعداءه على ما قاسوه من وقعاته بهم، ~~وكابدوا من بدراته فيهم، لا يجحدون تبريزه، ولا ينكرون تقديمه. ومن اعترف ~~له بالفضل مواليه ومعاديه، وصدقه في دعواه أقاربه وأجانبه، فهو النهاية في ~~الكمال، والغاية عند البحث عن الفعال. وقوله: فكل قد بلاني اعتراض حصل بين ~~خبر ومفعوله، ms0067 وهو قوله بذبي الذم والفاء دخلت معلقة لجواب الجملة بها. # بذبي الذم عن حسبي بمالي ... وزبونات أشوس تيحان # الباء من قوله بذبي تتعلق بقوله لخبرها. وكأن الإخبار بحسن دفاعه عن حسبه ~~بماله، وكرم محافظته على شرفه وحاله، من تزكية ذوي الأحساب من عشيرته ~~وثنائهم عليه، والإنباء بدفعه معرة الأشوس التيحان، من إخبار أعدائه ~~وشهادتهم له. فكما أجمل في الأول أجمل في الثاني، ثقة بأن مسامع عند ~~التفصيل يرد كلا إلى موضعه. وإنما خص ذوي الأحساب من قومه لأن شهادتهم ~~أوجه، والتحاسد لهم أشمل، والقرين بمقارنه أعلم. وقوله: زبونات فعولات من ~~الزبن، وهو الدفع. والتيحان: العريض المقدام، وهو فيعلان بفتح العين، ولا ~~يجوز أن يروى بكسرها، لأن فيعلان لم يحيء في الصحيح فيبنى المعتل عليه ~~قياسا. وفيعل كسيد من الأبنية المختصة # PageV01P098 # بالمعتل. ومثل تيحان هيبان، وهما صفتان حكاهما سيبويه بالفتح، ومثالهما ~~من الصحيح قيقبان وسيسبان. وتيحان، من تاح له يتوح ويتيح لغتان، إذا أشرف ~~وتهيأ. ورجل متيح، ويقال قلب متيح أيضا. وأتيح له كذا. ومثل الزبون البيوت، ~~وهو السقيط، والهم المبايت لصاحبه. يقال زبنتهم الحرب، وحرب زبون وطحون. ~~والزبنية واحد الزباني من هذا. وفعلية من الأبنية التي تلزمها الهاء. ~~والأشوس: الذي يعرف في نظره الغضب والحقد، ثم استعمل في المتكبر والمهيب. # وإني لا أزال أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجن جان # في هذه الطريقة قول الآخر: # ولم يجنها لكن جناها وليه ... فآسى وآداه فكان كمن جنى # ويروى: وأنى لا أزال أخا حروب فيعطف على بذبي الذم، ويكون موضعه جرا، ~~ويكون هذا مما شهد به الأعداء له أيضا. فإن كسرت إني فهو على الاستئناف ~~والانقطاع عما قبله. والمعنى: إني ألبس الحروب وأمارسها دائما، فإذا لم يكن ~~لي من أحوالي وزماني ما يبعثني على مجاذبة الأعداء ومدافعتهم، طلبت من قد ~~شقي بمثل ذلك، فدافعت دونه وحاميت عليه، لأني لا أصبر على حال السلامة ~~والسلم. ومثله قول الآخر: # وما إن تراه الدهر إلا مغررا ... بنفس أبت إلا صعاب المراكب ### || آخر: # ولقد شهدت الخيل ms0068 يوم طرادها ... فطعنت تحت كنانة المتمطر # يقال: تمطر الرجل، إذا أسرع. ويقال مطر به، وقطر به، إذا بادر. وأراد ~~بالخيل الفرسان، كأنه يخاطب بهذا الكلام من شهد معه المعركة، فخيره ~~بمعاملته المتمطر الذي عهده، وقوله: تحت كنانة أشار به إلى المقتل. وهذا ~~المتمطر كأنه كان بارزه، أو أراد أن يبادر إلى أمر، فحال بينه وبينه. ~~والكنانة من الكن: الستر، لأنه يصان بها النبل. # PageV01P099 # ولقد رأيت غداة شلن عليكم ... شول المخاض أبت على المتغبر # يروى: ولقد رأيت الخيل شلن عليكم، أي شاثلة. والتقدير: وقد شلن. وأراد ~~بالخيل ها هنا الدواب، وهي تشول بأذنابها إذا اشتد عدوها؛ ويستدل بذلك منها ~~على قوة ظهرها. فيقول: لقد رأيتكم منهزمين والخيل تعدو عليكم رافعة ~~أذنابها، رفع النوق الحوامل لها إذا طلب حلب غبر لبنها. والغبر: البقية ~~تبقى من اللبن في الضرع. ويقال تغبرت الغبر، كما يقال تحلبت المحلوب. ~~والمخاض لا واحد لها من لفظها، وهي اسم مفرد موضوع للنوق الحوامل، والواحد ~~من غير لفظها: خلفة. وقوله: أبت على المتغبر قد معه مضمرة، وهو واقع موقع ~~الحال. أراد: رأيت الخيل شائلة أذنابها عليكم شول المخاض آبية على المتغبر. ~~ومن روى: ولقد رأيت غداة فقد أضمر مفعول رأيت، وهو الخيل. وساغ ذلك، لأن ~~قوله ولقد شهدت الخيل - وإن أريد به الفرسان - يدل عليه. # ونطاعن الأبطال عن أبنائنا ... وعلى بصائرنا وإن لم نبصر # ذكر الأبناء كتابة عن الحرم، كما قال الآخر: # نقاتل الأبطال عن بنينا # والبصائر: جمع بصيرة، وهو ما يستدل به الرجل من رأيه وعقله على ما يغيب ~~منه. وعلى ذا سميت الطريقة من الدم بصيرة، لأنه يستدل بها على الجرح، وفسر ~~قوله: # راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي # على الوجهين جميعا. فإذا جعلتها بصائر الرأى يكون المعنى خلفوا آراءهم ~~وطرحوها، كما يقال تركت الرأى بموضع كذا وكذا، وجلعت غدا مني على ظهر. ~~ومعنى وبصيرتي يعدو بها عتد وأي أن رأيه معه نافذ مستمر، وإذا جعلتها بصائر ~~الدم يكون المعنى أنهم مهزومون مكلومون في ms0069 ظهورهم وأقفائهم، فدماؤهم على ~~أكتافهم. ومعنى وبصيرتي يعدو بها عتد وأى في هذا الوجه أن دمي سالم في نفسي # PageV01P100 # وفرسي يعدو بي. ومعنى البيت: إنا ندافع عن حرمنا وحريمنا، وعلى ما يعترض ~~في الوقت، نفعل ذلك وإن لم نبصر عاقبة الأمر، ولم نتتبعها بالفكر فيها، ~~وتأمل نتائجها، فنعلم موادها. وهذا شأن الفتاك فيما يمشونه من أحكام الحرب ~~وينفذونه، ويفتلونه من أسباب الجذاب والنزاع ويبرمونه. وقد قيل في هذا ~~البيت إنه كما حكي عن مسيلمة حي قال لبني حنيفة: قاتلوا عن أحسابكم، فأما ~~الدين فلا دين. وكأن المعنى على هذا: وعلى بصائرنا في الحرب عند المحافظة ~~على الشرف وإن لم نبصر أمر الدين. وهذا بعيد متعسف، وإذا تأملته ظهر لك. ~~وفي الطريقة الأولى قول القطامي: # وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه إتباعا # وسمعت بعض أصحاب المعاني يقول: المعنى إنا نقاتل الأبطال جريا على عادة ~~الناس عند نظرهم لدنياهم ودينهم، في الذب عن الحرم والعشيرة والشرف، وعلى ~~الأديان والاعتقادات والبصائر، وإن لم نبصر وجها واحدا من هذه الوجوه نقاتل ~~أيضا، لأن همنا القتل والقتال. قال: فحذف مفعول وإن لم نبصر لأن المراد ~~مفهوم. وكذلك حذف جواب إن، لأن فيما تقدم دليلا عليه. ### || القطري بن الفجاءة المازني # لا يركنن أحد إلى الأحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام # قصده إلى البعث والتحضيض، علىالتغرير بالنفس والتعريض. ألا ترى أنه يحث ~~بهذا الكلام على ترك الفكر في العواقب، ورفض التحرز خوفا من المعاطب. وينبه ~~على أن الحذر لا ينجي من القدر، وأن الأجل إذا جاء لم تغن معه قوة الأمل، ~~فيقول: لا يميلن أحد إلى هجر الإقدام، والسكون إلى الإحجام في الحرب متخشعا ~~من الموت. والإحجام: مطاوعة حجمت أي كففت ودفعت. فهو كالإكباب في أنه ~~لمطاوعة كببت. ويقال حجمت البعير، إذا خطمته بما يمنعه من العض، ويسمى ذلك ~~الشيء الحجام. # PageV01P101 # فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي # الدريئة تهمز ولا تهمز، فتجعل من الدرء وهو الدفع، ومن الدرى وهو الختل، ~~ولهذا سميت الدابة ms0070 التي يختل بها الصيد ليمكن فيرمى: درية، والحلقة التي ~~يتعلم عليها الطعن دريئة. ويمكن حمل البيت عليهما جميعا. فإذا جعلت الدريئة ~~الحلقة يقول: لا يفعلن ذلك أحد وليعتبر بحالي، فلقد رأيت نفسي في غير وقت ~~وحال، وكأني للرماح بمنزلة الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، فتأتيني الرماح ~~من جوانبي كلها ثم سلمت. وإنما اقتصر على ذكر اليمين والقدام لأنه يعلم أن ~~اليسار في ذلك كاليمين. فأما الظهر فإن الفارس لا يمكن منه أحدا. وإذا جعلت ~~الدرية الدابة الموصوفة يكون المعنى: فلقد أراني وقد اتقي بي فصرت سترة ~~لغيري من الطعن، كما تكون تلك الدابة سترة للصائد والطعن يتناولني. وعلى ~~هذا يكون معنى للرماح من أجل الرماح. والأول أحسن. وقوله: من عن يميني من ~~تعلق بفعل دل عليه قوله أراني دريئة للرماح، وهو تأتيني وما يجري مجراه. ~~وعن من قوله عن يميني اسم ها هنا، وليس بحرف. والمعنى من جانب يميني، ومثله ~~قول الأعشى: # من عن يمين الحبيا نظرة قبل # وقول الآخر: # من عن يمين الدار والحائط # حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي # وقوله أو عنان لجامي، أو ها هنا ليست للشك، وإنما هل التي يراد بها أحد ~~الأمرين على طريق التعاقب، أي إما ذا وإما ذا. ولك أن تريد الجمع، لأن أصل ~~أو الإباحة. وهذا كما يسأل الرجل فيقال له: ما كان طعامك في بلدك؟ فيقول: ~~الحنطة، أو الأرز. والمعنى أحد هذين، على أن يكون كل واحد منهما بدلا من ~~صاحبه أو الجميع. ومعنى البيت: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي إما ~~عنان # PageV01P102 # لجامي وإما جوانب سرجي، أي على حسب ما اتفق من الطعن. فالعنان لما سال من ~~أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام # الجذوعة قبل الإثناء بسنة، والدهر لجدته يسمى جذعا، وكذلك يقال لمن يرى ~~في أمر على حالة واحدة: هو جذع فيه. وانتصاب جذع البصيرة على أنه حال وهو ~~نكرة. والمعنى ms0071 ثم انصرفت مع ما وصفت من حالي واتفق مع ضيق المجال علي، وقد ~~نلت ما أردت من الأعداء ولم ينالوا مني ما أرادوا، وأناعلى بصيرتي الأولى ~~لم يبد لي في الاقتحام، ولا غلب في اختياري التطرف والانحراف، بل صار ~~إقدامي في الحرب قارحا لطول ممارستي، وتكرر مبارزتي، وإن كان بقي رأيي فيه ~~جذعا. وهذا يريد به ما يترقى فيه الإنسان من التدرب والتمرن عند مزوالة ~~الأعمال، ومن بقاء ولوعه بها، وحرصه عليها على حده في أول الشأن. وكما جعل ~~هذا القروح والجذوعة: البصيرة والإقدام، قال أبو تمام: # كهل الأناة فتى الشذاة # فنقله كما ترى، واقتدى به البحتري فقال: # إقدام غر واعتزام مجرب # وقد أشار الأعشى إلى كل ذلك في قوله: # تمهل في الحرب حتى امتهن # وفي طريقته قول أبي الغول: # ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا للحرب حينا بعد حين # PageV01P103 ### || الحريش، ويروى للعباس بن مرداس: # شهدن مع النبي مسومات ... حنينا وهي دامية الحوامي # الحوامي من الحماية، وهي المنع. وكما جعلوا للحوافر حوامي سموا ما بطوى ~~به البئر من الحجارة وغيرها ليحمي جوانبها من التشعث والتهدم: حوامي. يصف ~~خيلا فيقول: حضرت حنينا مع النبي، صلى الله عليه وسلم وعلى آله، معلمات وقد ~~دميت جوانب حوافرها لكثرة العدو، ولما لحقها من التعب. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غزا هوازن بوادي حنين، ورئيس هوازن مالك بن عوف النصري، وهو ~~اليوم الذي قتل فيه دريد ابن الصمة الجشمي. وإنما قال مسومات لأنهم أعلموا ~~أنفسهم بعلامات ليبين بها فضل كل منهم وبلاؤه. والسيماء: العلامة، وقد فسر ~~قوله تعالى: " والخيل المسومة " على ذلك. وكذلك قوله تعالى في موضع آخر: " ~~سماهم في وجوههم من أثر السجود ". # ووقعة خالد شهدت وحكت ... سنابكها على البلد الحرام # أصل الحك صدم جسم بآخر وترديده عليه ليؤثر فيه. وتوسعوا فيه فقالوا: حك ~~هذا الأمر في صدري، لما يتردد في خاطرك. وهو يتحكك بفلان أي يتعرض له، حتى ~~إنهم يقولون للشيء الخفي: هو حكيك نحيت. ويعني خالد بن الوليد بن المغيرة. ms0072 ~~وأشار بهذا إلى فتح مكة، وإنما نسبها إلى خالد لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم استعمل خالدا يوم الفتح على الخيل فلقي قريشا بالخندمة، فقاتلهم ~~وهزمهم. فيقول: وحضرت أيضا وقعة خالد يوم الفتح، وحكت أطراف حوافرها بأرض ~~الحرم. والمراد بيان طول ممارستها للحروب والوقعات، وترددها في تحمل أعباء ~~الشر والمشقات. # نعرض للسيوف بكل ثغر ... خدودا ما تعرض للطام # PageV01P104 # مثله: # نهيبن النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها # يقول: نبتذل في الحروب أنفسنا طلبا لصيانتها، ونستقتل فنتعرض ولا نتقبض ~~عنها، بل نبذل لها وجوهنا التي هي حرم النفوس، ولو عرض علينا في السلم ~~والسلامة بذلها للطام، لأنفنا منه وامتنعنا. والمعنى: نتلقى السيوف بخدودنا ~~إذا كسبنا ذكرا، وإن صناها عن الأذى اليسير. وأكشف من هذا وأشرف قول الآخر: # ويبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقا عليه ابتذالها # ولست بخالع عني ثيابي ... إذا هر الكماة ولا أرامي # الثياب يعني بها السلاح، وهذا كما يسمى بزا. ألا ترى قول الآخر: # بز أمرئ مستسلم حازم # وقول الهذلي: # فوقر بز ما هنالك ضائع # يعني السيف. وهذا يحتمل وجهين: يجوز أن يكون المعنى لا أنزع ثيابي وقت ~~هرير الأبطال تشمرا وتخففا ثم لا أبلي ولا أجتهد، ولكن إذا وطنت نفسي على ~~الشر تقصيت أبلغ ما يكون منه بأبلغ ما يكون من بلائي. وموضع ولا أرامي نصب ~~على الحال، أي لا أفعل ذلك غير مرام. ويعني بالمراماة مدافعة الخصم ~~ومجاهدته بكل ممكن ومعرض. وليس يريد الرمي بالنبال. وقد توسعوا في الرمي ~~والمراماة حتى استعمل في الافتخار، واستعير لتأثير الدهر والشيب ولنظر ~~المحبوب المفتتن. ويجوز أن يكون نفي الأمرين جميعا فقال: لا أخلع ثيابي ~~تخفيفا عن نفسي من التولي # PageV01P105 # والانهزام عند هرير الشجعان، ولا أرامي أيضا، يعني الرمي بالنبال، ولكن ~~أتلقى الشر وأصدمه بوجهي. ويشهد لهذا أول البيت التالي له، وإنما قال ذلك ~~لأن المرماة تكون من بعيد فتخطئ وتصيب، وعند المكافحة تثكل الأمهات. # ولكني يجول المهر تحتي ... إلى الغارات بالعضب الحسام # العضب: القطع والمنع، ثم قيل ms0073 سيف عضب، أي قاطع، كما قيل ضيف في الضائف. ~~وقال الخليل: سمي السيف حساما لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ عداوته. ~~وقوله: بالعضب، أي ومعي العضب، وهو في موضع الحال. ومعنى البيت ظاهر. ### || ابن زيابة التيمي مأخوذ من زيب الرجل. # نبيث عمرا غارزا رأسه ... في سنة يوعد أخواله # جعل غرز الرأس كناية عن الجهل والذهاب عما عليه وله من التحفظ. ونبئ ~~وأنبئ مما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. فعمرا انتصب على أنه مفعول ثان. وغارزا، ~~انتصب على أنه مفعول ثالث، ورأسه انتصب من غارزا. وأراد بالسنة: الغفلة، ~~وهي ما يحدث من أوائل النوم في العين ولم يستحكم بعد. وهذا من أحسن التشبيه ~~وأبلغ التعريض. والإيعاد إذا كان على وصف حقيق بالتهجين. يدل على ذلك قوله. # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وقد فصل الله تعالى بينهما بقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم ". والفعل وسن ~~يوسن وسنا. وموضع يوعد نصب على الحال. ومعنى غارزا رأسه: مدخلا؛ ومنه الغرز ~~بالإبر. ويقال: غرز فلان رجله في الغرز، أي في الركاب. وتوسعوا حتى قالوا: ~~اغترز فلان في ركاب القول. # وتلك منه غير مأمونة ... أن يفعل الشيء إذا قاله # PageV01P106 # هذا الكلام تهكم وسخرية، وفي طريقته قول الآخر: # وأما أخو قرط فلست بساخر ... فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما # قال هذا ومرة معرض لكل بلاء. أن يفعل موضعه رفع على البدل من قوله وتلك ~~منه. والمعنى تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمرو، وهو فعله لما يقوله. # الرمح لا أملأ كفي به ... واللبد لا اتبع تزواله # هذا التمدح منه تعريض بخصمه وإزراء بفروسيته، وإشارة إلى أن أضداد هذه ~~الأوصاف مجتمعة فيه. فيجوز أن يكون المعنى: إني لا أقتصر من تعاطي أنواع ~~السلاح على الرمح فقط، ولكني أجمع في الاستعمال بينها. وهذا كما يقال: ملأ ~~كفه من كذا فليس فيه موضع لغيره. ويجوز أن يكون المعنى: إني أستعمل رمحي ~~بأطراف أصابعي لحذقي واقتداري، ولا آخذه بجميع كفي. وهذا كما يقال: أقبصه ~~ولا أقبضه؛ لأن ms0074 القبص: الأخذ بأطراف الأصابع، والقبض بالكف كلها. ومثله قول ~~الآخر: # لبيقا بتصريف القناة بنانيا # وقوله: واللبد لا أتبع تزواله أراد: ألزم ظهر دابتي، وإن مال اللبد لم ~~أمل معه. وهذا كما قال أبو النجم: # أدرك عقلا والرهان عمله ... ثقف أعاليه وقار أسفله # أي كأنه يلصق الأسفل بظهر الفرس فلا يزول ولا يميل. # والدرع لا أبغي بها ثروة ... كل امرئ مستودع ماله # لولا أن قصده في التمدح إلى التعريض بالمختبر عنه لكان لا معنى لهذا ~~الكلام. ألا ترى أن قوله: والدرع لا أبغي بها ثروة وقد فسر على أنه يجوز أن ~~يكون المراد: لا أقتني الدرع لكي أتجر فيها فأتمول. وترك التجارة في ~~الأسلحة ليس فيه # PageV01P107 # كبير تمدح. ويجوز أن يكون المعنى: لا أعدها سببا في ارتفاق المغانم ~~فأثرى، ويكون كقول عنترة: # يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # وقوله: كل امرئ مستودع ماله، يريد به: المال ودائع عند الناس، ولا بد من ~~ارتجاعها والتقاضي بها وإن أمهلوا مدة، فلم أتجر في درعي أو لم البسها ~~لتغنم الأنفال بها، والمال هذه حاله عند أربابه. ويكون هذا كما قال الآخر: # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # ويجوز أن يكون ما من قوله ماله بمعنى الذي، فيكون المعنى: كل امرئ مرتهن ~~بأجله، وبالذي كتب له، ولا يمتنع أن يكون أشار بما إلى ما يقتنى من أغراض ~~الدنيا. ويروى: كل امرئ مستودع ماله بكسر الدال، والمعنى أن ما يجمعه المرء ~~بكسبه إذا جاء محتوم القضاء يتركه لغيره لا محالة، فلم أرغب فيه وفي ~~ادخاره، وأزهد في اكتساب المحامد والمعالي؟ وهذا الكلام نهاية في التنقص ~~ممن عرض به، وغاية في الطعن عليه، والقدح في عادته. ويروى: والدرع لا أبغي ~~بها نثرة، وهي الواسعة. والمعنى: إني أكتفي من الدرع ببدنة، فلا أطلب ما ~~يفيض فيضا، ويجب مع هذه الرواية والتفسير أن يكون معنى المصراع الثاني: كل ~~امرئ مرتهن بأجله، وممهل ليومه. # آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله ms0075 # هذا البيت لم أجده في نسخ كثيرة، فيغلب في ظني أنه ليس من الاختيار. وعلى ~~ما به فله قصة مشهورة زعموا. وهي أنه يروى فيه أن واحدا من المخاطبين كان ~~أحدث في حرب حضرها خوفا على نفسه، فعرض الشاعر بهم وذكرهم سوء بلائهم، وضعف ~~ثباتهم. وإنما يريد أنهم إذا صرعوا في المعركة عثر منهم إن لم يطيبوا على ~~مثل ما فعله ذلك الواحد المعرض به، أو استدل بالرائحة عليه فافتضحوا. وهذا ~~تهكم # PageV01P108 # أيضا وتعيير بالاتفاق السيء. وآليت معناه حلفت ولفظه لفظ الخبر، والمعنى ~~معنى القسم. وربما قالوا: آليت على نفسي. ### || الحارث بن همام الشيباني # أيا ابن زيابة إن تلقني ... لا تلقني في النعم العازب # النعم يذكر ويؤنث، والتذكير فيه أغلب. وفائدته في الإفراد الإبل في ~~الأكثر، وإذا جمع دلت على الأزواج الثمانية. يعرض بأنه راع فيقول: يا ابن ~~زيابة إنك لا تجدني راعيا يبعد في المرعى بإبله. والمعنى أنت كذلك، ويقال: ~~مال عازب وعزب، إذا بعد عن أهله. وروض عازب: بعيد المطلب. # وتلقني يشتد بي أجرد ... مستقدم البركة كالراكب # قوله: وتلقني عطفه على الجواب، لأنه يصلح أن يكون جوابا. ألا ترى أنه لو ~~قال: إن تلقني تلقني كذا، لصلح؟ يقول: تلقاني يعدو بي فرس قصير الشعر، ~~متقدم الصدر، مشرف كالراكب، اي إشرافه إشراف الراكب لا المركوب. ويشتد: ~~يفتعل من الشد، وهو العدو. ويقال: استقدم وتقدم، واستأخر وتأخر، بمعنى. ~~والبركة، كسر باؤها عند اتصال الهاء بها، لولا ذلك لقيل برك بفتح الباء. ### || فأجابه ابن زيابة # يا لهف زيابة للحارث ال ... صابح فالغانم فالغانم فالآيب # يجوز أن يكون أورد هذا الكلام ساخرا متهانفا، ومستهزئا متهكما، فوصفه ~~بهذه الصفات وكان الأمر بخلافه، ويقرب هذا أن ما قبل هذه المقطوعة في مثل ~~هذه الطريقة. ويجوز أن يكون ذكر ما كان منه على الحقيقة، فهو يتحسر لما رأى ~~من فلاحه في غزاته، وسلامته في مآبه. ويقولك يا حسرة أمي من أجل هذا الرجل ~~فيما ارتفع له من المراد في الغزو، وجمع له من السلامة والوفر. ms0076 والصابح، ~~يجوز أن # PageV01P109 # يكون في معنى مصبح، كما قال: # حين لاحت للصابح الجوزاء # والغارة وقتها الغداة، فلذلك قال: للحارث المصبح عندنا والغانم منا. ~~والترتيب الذي يفيده الفاء جار على سننه، كأنه أراد للحارث الغازي نحونا ~~والغانم منا - والغنم بعد الغزو - فالآيب إلى قومه - والأوبة بعد ~~الاستغنام. ويجوز أن يكون الصابح من صبحت القوم، إذا أتيتهم صباحا. وفي ~~المثل السائر صبحناهم فغدوا شأمة. وهذا الوجه أوجه وأجود. واعلم أن الصفة ~~إذا جاءت للتبيين وإزالة اللبس عن الموصوف، فالوجه أن يعمد إلى أخصها ~~بالموصوف، وأحقها بالبيان والشرح، حتى تغني عن العدول عنها إلى غيرها من ~~الصفات. فإن اتفق بعد ذلك لبس حينئذ يزال بما يضم إليه. وإذا جاءت للتعظيم ~~أو التهجين فإنه قد يوالي بين عدة منها بحروف النسق ومن دونها: تقول: جاءني ~~زيد الظريف الكاتب الفاضل العالم: وإن أتيت بالواو العاطفة متخللة له ساغ، ~~فإن قيل: إذا كانت الصفة هي الموصوف، والشيء لا يعطف على نفسه، فكيف جاز ~~عطف بعض الصفات على بعض؟ قلت: تغاير المعاني الحاصلة بها وقوة اتصال بعضها ~~ببعض في بابي الصلة والصفة، سوغ ذلك في ألفاظها. # والله لاو لاقيته خاليا ... لآب سيفانا مع الغالب # أقسم بالله فيقول: والله لو لقيته منفردا عن أشياعه لحصل سيفانا للغالب ~~منا. وذكر السيفين والمراد جميع ما معهم من بزهما وسلاحهما، لعلو شأنهما. ~~وجعل الفعل للسيفين على المجاز. والمعنى: لو خلوت به لقتلته أو قتلني. # أنا ابن زيابة إن تدعني ... اتك والظن على الكاذب # PageV01P110 # قوله: والظن على الكاذب يجري مجرى الأمثال، ويكون مبنيا على ما قال لبيد، ~~وهو: # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # والمعنى: كل منا يحدث نفسه ويكذبها، ثم الظن على من لا يتحقق أمله. ويجوز ~~أن يريد: أنا المعروف المشهور، إن دعوتني لمبارزتك جئتك، فإن كنت تظن غير ~~هذا فظنك عليك، لأنك تكذب نفسك فيما تتوهمه من قعودي عنك، أو نكولي عن ~~الإقدام عليك. ويجوز أن يكون المعنى: إن تدعني أجبك، فإن ظننت أن تكون ~~الغالب ms0077 فظنك عليك، لأنك تكذب نفسك. ### || الأشتر النخعي # بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # الوفر: المال الكثير. والعبوس: الكلوح عن غضب، وتوسعوا فقالوا: يوم عبوس، ~~أي شديد. وهو جبس عبس، في اللئيم. وهذا من الأيمان الشريفة، واللفظ لفظ ~~الخبر، وظاهره الدعاء، ومحصوله القسم. فيقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما ~~يكسب لي حمدا، فعل البخلاء، وزهدت في اكتساب المعالي والمآثر زهد الأدنياء، ~~وتلقيت الأضياف بوجه رجل كالح إن لم أفعل كذا. ومثله في اليمين قول ~~النابغة: # إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي # إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس # شن الغارة معجمة، وسنها معجمة: صبها. وأصل جميعها في الماء، ثم حصل ~~التوسع فيها. يقول: تصورت بتلك الصورة التي ذكرتها وأقسمت بها، إن لم أصب # PageV01P111 # على هذا الرجل خيلا لا تخلو يوما من اختلاس نفوس، وانتهاب آجال. وسمى ~~الخيل غارة لما كانت من قبلها تكون. وموضع لم تخل يوما نصب على الصفة ~~للغارة، أي خيلا جرت عادتها بذلك. والنهاب يجوز أن يكون مصدر ناهبته ~~ويستعمل في المغاورة والمماراة، ويجوز أن يكون جمع النهب. وجواب إن لم أشن ~~فيما تقدم. # خيلا كأمثال السعالي شزبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس # الشزب: الضمر. والشوس: جمع أشوس. ويقال شاس يشوس وشوس يشوس، إذا عرف في ~~نظره الغضب أو الكبر. وانتصب خيلا على أنه بدل من غارة. وشبه الخيل في ~~ضمرها وسرعة نفاذها بالجن. وانتصب شزبا على أنه صفة للخيل، لأن قوله ~~كأمثال، أيضا صفة. ويجوز أن يكون حالا للمضمر في كأمثال السعالي. والمعنى: ~~خيلا تشابه السعالي في حال شزوبها وضمرها. وقوله: تعدو ببيض أيضا صفة، إما ~~لقوله شزبا، وإما للأول تعدو برجال كرام، متكبرين في الحرب، ذوي أنفة. وإذا ~~جمع بين مفردات وجمل في الوصف، فالترتيب المختار تقديم المفردات على الجمل، ~~وقد جاء البيت على ذلك، والعرب تجعل البياض كناية عن الكرم، كأنها تريد ~~نقاء العرض. على ذلك قوله: # أمك بيضاء من قضاعة ... # وكما فعلوا هذا جعلوا الغر ms0078 كناية عن الكرام، وربما قالوا غران. أما ~~قولهم: بيض الوجوه فالمراد أنهم لم يفعلوا شيئا يشينهم فيغير لونهم عند ~~ذكره. وقد قالوا في ضده: أوجههم كالحمم، وسود الوجوه. وأما الشوس فكما وصف ~~به الرجال وصف به الخيل أيضا، والمراد به عزة النفس. وقوله في الكريهة ~~للحوق الهاء بها ألحق بباب الأسماء، ويستعمل في نوازل الدهر وشدائد الأمر. ~~وهو ظرف إن شئت لما دل عليه قوله بيض من الكرم، وإن شئت لقوله شوس. والكرم ~~في الكرائه: نزاهة النفس عن لوازم العار. # حمى الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق أو شعاع شموس # PageV01P112 # شعاع الشمس: انتشار ضوئها. ويقال: أشعت الشمس: انتشر شعاعها. يقولك حميت ~~الأسلحة يوم الوغى لصبرهم وثباتهم، وطول مقامهم. ثم شبه لمعانها بومضان ~~البرق أو شعاع الشمس، وجمع الشموس لاختلاف مطالعها. والومضان: مصدر ومض، ~~وكذلك الومض والوميض. ويقال في فعله أومض أيضا. ### || معدان بن جواس الكندي # ودخل هذان البيتان فيالباب لما اشتملا عليه لفظا ومعنى من الفظاظة ~~والقسوة. # إن كان ما بلغت عني فلامني ... صديقي وشلت من يدي الأنامل # قوله صديقي يجب أن يريد به الكثرة لا الواحد. وقال: شلت يده شللا. وهذا ~~من الجنس الأول في أن لفظه لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، والمراد القسم. ~~وقوله فلامني لامني في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فأنا ~~لامني. والفاء مع ما بعده جواب إن. والمعنى: إن كان ما أدى إليك عني حقا ~~ففعلت ما استحققت به لوم الصديق، واسترخت أصابعي. فإن قيل: اليمين والشرط ~~كيف يصح؟؟ قلت: هذا كلام مبطل لما ادعي عليه، ناف له، فاليمين تناولت نفي ~~ما أثبت فيه، ودفع ما قرف به. ودل على ذلك فحوى الكلام. ويجوز في كان أن ~~يكون التامة لا الناقصة، فيكتفي بالفاعل ولا يحتاج أن يضمر بعده حقا. ~~والمعنى إن وقع ما بلغت عني وحدث. وتخصيصه للأنامل لأن أكثر المنافع بها. ~~وجاز إضمار خبر كان إذا جعلتها ناقصة لأن في الكلام والحال دليلا عليه، ~~ولأن دخوله على المبتدأ والخبر، فكما يحذف ms0079 الخبر في ذلك الباب يحذف هنا. # وكفنت وحدي منذرا بردائه ... وصادف حوطا من أعادي قاتل # وحدي انتصب على المصدر، وهو في موضع التوحد. وفي النحويين من يجعله وإن ~~كان معرفة في موضع الحال. يقول: وفجعت بمنذر وأحوجت إلى أن أباشر تكفينه ~~وتجهيزه بنفسي - وهذا ما يزيد المصاب كلما وداء - وصادف ابني من أعدائي من ~~لا يبقي عليه. وأعادي بناه على الفتح لخفته، ولأنه الأصل في ياء # PageV01P113 # الضمير إذا حرك. وعلى هذا تقول: هؤلاء بني ومعطي، وهذا قاضي. وأعادي يجوز ~~أن يكون أفاعل وأضافه، ويجوز أن يكون أفاعيل كأبابيت وخففه، كما خفف أثاف ~~ثم أضافه. ويجوز أن يكون لما رام الإضافة اجتمع ثلاث ياءات فحذف مدة ~~أفاعيل. ### || عامر بن الطفيل الكلابي # طلقت إن لم تسألي أي فارس ... حليللك إذ لاقى صداء وخثعما # جعل الإقسام عليها بما يضيق طريقها في التجوز والإهمال، لما ولاها البحث ~~والسؤال. هذا إذا جعلت الكلام دعاء. يقول: ينت من زوجك إن لم تفشي بالسؤال ~~عن أحواله حين لاقى هاتين القبيلتين، هل أبلى في ملاقاتهما، وكيف ثبت في ~~وجوههما. ويجوز أن يكون طلقت وعيدا توعدها به إن لم تنته إلى مرسومها. ~~والحليل: الزوج، سمي بذلك لنه يحال صاحبته. وخثعم هو خثعم بن أنمار. ~~والخثعمة: التلطخ بالدم. ويقال: كانوا تحالفوا فغمسوا أيديهم في دم بعير ~~نحروه واجتمعوا عليه فسموا خثعما. ومفعول تسألي محذوف، المراد تسألي الناس. ~~وقوله أي فارس هو المسألة، وهو في موضع المفعول أيضا. وجواب الشرط مقدم، ~~كأنه قال: إن لم تسألي الناس عن هذه المسألة فأنت مطلقة من بعد، أو فجعل ~~الله خاتمة أمرك كذلك. # أكر عليهم دعلجا ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما # أجمل في اقتصاص بلائه، ثقة بأن بحثها واستقصاءها يأتي على تفاصيله. يقول: ~~أعطف فرسي دعلجا عليهم، حالا بعد حال، وكرا بعد فر، وغذا اشتكى من كثرة ~~وقوع الطعن بصدره حمحم. وجعل الفعل للصدر على المجاز والسعة لكونه موقع ~~الطعن. هذا إذا رويت: ولبانه بالرفع، لأن بعض الناس روى ولبانه بالنصب، ~~كأنه ms0080 فر من أن يكون الاشتكاء والتحمحم للبان على كثرة نسبة الاشتكاء إلى ~~الأعضاء الآلمة. فوقع فيما هو أقبح؛ لأن المراد أكر عليهم فرسي، فلا معنى ~~لعطف اللبان عليه. وسمعت من يجعله من باب تكرير البعض من الكل بالعطف عليه، ~~وإن # PageV01P114 # كان داخلا فيما دخل فيه على وجه الاختصاص وتفخيم الشأن، كقوله عز وجل: " ~~من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ". قال: ووجه الاختصاص أن ~~الذكر بصدره، كان أن الأنثى بعجزه. والدعلج: المرح في السير والتردد، ويوصف ~~به الفرس والبعير والحمار، وذكر بعضهم أنه يقال في الضب الهائج ايضا. وقد ~~أحسن عنترة كل الإحسان حين سلك هذا السبيل فقال: # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم ### || زفر بن الحارث الكلابي # وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي قارعنا جذام وحميرا # حكى الأصمعي في الأمثال: ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة. والمعنى: ~~ليس كل ما أشبه شيئا ذلك الشيء. ومعنى البيت: ظننا لما التقينا مع جذام ~~وحمير أن سبيلهم سبيل سائر الناس، وأنا سنقهرهم قهرا قريبا ثم وجدناهم ~~بخلاف ذلك، لكون أصلهم من أصلنا. واجتماعهم فيما تميزنا فيه عن سائر الناس ~~معنا، وجذام أبو هذه القبيلة فسميت به، وأصله الجذم: القطع، وبه سمي الداء ~~المعروف جذاما، وقيل للمقطوع اليد: أجذم. وحكى بعضهم: ما سمعت له جذمة ولا ~~زجمة، أي كلمة، لتقطع الصوت بها عند النطق. والقرع: ضرب الشيء بغيره، ثم ~~توسعوا فقالوا: قرعت باطله بحقي، وقرع الشارب جبهته بالإناء إذا استوفى ما ~~فيه. # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # بعضه، انتصب على البدل من النبع. وجواب لما قوله أبت. وتكسر أصله تتكسر. ~~والشاعر اعترف بأن أصل أولئك نبع، كما أن أصلهم نبع، النبع خير الأشجار ~~التي يتخذ منها القسي وأصلبها، كما أن الغرب شرها وأرخاها، فجعلت العرب ~~تضرب المثل بهما في الأصل الكريم واللئيم، حتى إن بعض المحدثين # PageV01P115 # قال: # هيهات أبدى اليقين صفحته ... وبان نبع الفخار من غربه # فيقول: لما قرعنا أصلهم بأصلنا أبت ms0081 العيدان من التكسر. والمعنى أن كلامنا ~~أبى أن ينهزم عن صاحبه. فالعيدان مثل للرجال، والنبع مثل للأصل. # ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا للمنية ضمرا # يقال تغلبي وتغلبي والكسر أكثر، ومن فتح فلتوالي الكسرات والياءين. وهذا ~~كما قالوا: نمري فردوا من فعل إلى فعل. يقول: لما لقينا جماعة من بني تغلب ~~يقودون للحرب خيلا ضمرا قصار الشعور. وجواب لما فيما بعد، وهو سقيناهم. ~~وإنما احتاج إلى الجواب متى كان علما للظرف، لأنه يجيء لوقوع الشيء لوقوع ~~غيره. وجعل الخيل جردا لأن العراب منها تكون كذلك. واللام من قوله للمنية ~~يجوز أن يتعلق بيقودون، ويجوز أن يتعلق بقوله ضمرا، أي ضمرت لها. # سقيناهم كأسا سقوها بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # يقول: قابلناهم بمثل ما بدءونا به من سقي كأس الموت، لكن القتل كان فيهم ~~أعم، ولهم أشمل. وجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه. ويقرب أن يكون قول الله ~~تعالى: " فما أصبرهم على النار " على هذا الوجه. كأن النار حقت عليهم ~~ووجبت، بما كان منهم من المعصية، فجعل ذلك فيهم كالصبر منهم عليه، ولذلك ~~قال بعض المفسرين في معناه: ما أعملهم بعمل أهل النار. كأن إصرارهم على ذلك ~~العمل كالصبر منهم على النار. ورد الآية إلى البيت وإجراء القول فيها على ~~هذا الحد غريب حسن. وقوله: أصبر أي أصبر منا، وأفعل الذي يتم بمن يحذف منه ~~من في باب الخبر دون الوصف. وساغ ذلك لأن الخبر كما يجوز حذفه بأسره لقيام ~~الدلالة عليه يجوز حذف بعضه أيضا له. # PageV01P116 ### || عمرو بن معد يكرب # حكى ابن أعرابي: قالوا معد يكرب لأنه عدا الفساد. والكرب: الفساد. # ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول زرع خليت فاسبطرت # اسبطرت: امتدت، والسبطر والسبط بمعنى واحد. يقول: لما رأيت الفرسان ~~منحرفين للطعن، وقد خلوا أعنة دوابهم وأرسلوها، وقرطوا آذانها بها، فكأنها ~~أنهار زرع أرسلت مياهها فامتدت بها. والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار ~~لا على الأنهار، كأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد ~~الماء في الأنهار، ms0082 وهو يطرد ملتويا ومضطربا. وكما وصف الخيل في انحرافها ~~بزور وصفت أيضا بنكب، فقال بعضهم: # لأعدائنا نكب إذا الطعن أفقرا # فالنكب: جمع أنكب، وهو الذي ينحط أحد منكبيه عن الآخر، كما أن الزور جمع ~~أزور، وهو المعوج الزور. وهذا من التشبيه الحسن الصائب. وقوله: خليت ~~فاسبطرت جعلا للجداول على المجاز والسعة، لأن المياه هي التي تخلى وتمتد. ~~وهذا كما يقال نهر جار، وإن كان الماء هو الذي يجري. # فجاشت إلى النفس أول مرة ... وردت على مكروهها فاستقرت # فجاشت إلى النفس أول مرة. اعترض بعضهم فقال: لولا أنه جبن لما جاشت إليه ~~النفس. قال: ومثله في الرداءة قول عنترة: # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي # PageV01P117 # هلا قال كما قال العباس بن مرداس: # أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها # قال الشيخ: وليس الأمر كما توهم، لأن ما ذكره عمرو وعنترة بيان حال ~~النفس، ونفس الجبان والشجاع على طريقة واحدة فيما يدهمها عند الوهلة ~~الأولى، ثم يختلفان: فالجبان يركب نفرته، والشجاع يدفعها فيثبت. فأما قول ~~العباس ابن مرداس فليس مما ذكراها بسبيل، وإنما هو بيان الحالة الثانية وما ~~يعزم عليه بعد الاعتصام والمراجعة والتمسك. فاعلمه الله إن شاء الله. قوله: ~~أول مرة وذات مرة، لا يكونان إلا ظرفين؛ لأن مرة ليس باسم للزمان لازم، ~~وإنما هو مدخل عليه. فإذا قلت مرة فإنما حقيقتها فعلة واحدة، ويجوز أن يكون ~~وقتا واحدا. ويجوز أن يكون الفاء في فجاشت زائدة، في قول الكوفيين وأبي ~~الحسن الأخفش، ويكون جاشت جوابا للما. والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت ~~نفسي وثارت. وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفا، ~~كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته فقرت، طعنت أو ~~أبليت. ويدل على ذلك قوله: علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن، ~~فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهوم. وهذا كما حذفوا جواب لو رأيت زيدا ~~وفي يده السيف! وعلى هذا الكلام على ms0083 المذهبين في قوله تعالى: " حتى إذا ~~جاءوها وفتحت " أبوابها، وفي قول امرئ القيس: # فلا أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل # وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ وأدل على المراد وأحسن، بدلالة أن ~~المولى إذا قال لعبده: والله لئن قمت إليك وسكت، تزاحمت عليه من الظنون ~~المعترضة للوعيد ما لا يتزاحم لو نص من مؤاخذته على ضرب من العذاب. وكذلك ~~إذا قال المتبجح: لو رأيتني شابا وسكت، جالت الأفكار له بما لم تجل به لو ~~أتى بالجواب. # PageV01P118 # علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت # ما في الاستفهام إذا اتصل بحرف جر يحذف الألف من آخره تخفيفا، على ذلك ~~فبم وبم ولم، إلا إذا اتصل ما بذا فقلت: بماذا ولماذا، لأنه يترك على ~~تمامه. وقوله: تقول الرمح يروى بفتح الحاء وضمها، فإذا نصبت فلأنك جعلت ~~تقول في معنى تظن. وهم - عند الخطاب والكلام استفهام - يحملون القول على ~~الظن. على ذلك قوله: # فمتى تقول الدار تجمعنا # أي متى تظن ذلك فتقول، فجعل القول يدل على الظن لما كان القول ترجمة عن ~~الظن. والخطاب والاستفهام يحتملان ما لا يحتمل غيرهما. وإذا رفعت الرمح ~~فالقول متروك على بابه، والرمح يرتفع بالابتداء، والكلام حكاية، وما بعد ~~القول إذا كان كلاما مفيدا يحكى. ومعنى البيت: على أي شيء ولأي وجه تقول: ~~أحمل الرمح فيثقل ساعدي إذا لم أعمله إذا حصل الكر من الخيل بعد الفر، ~~واشتد عليهم الأمر. والمعنى بأي حجة أحمل السلاح إذا لم أبل في الحرب ولم ~~أستعمله في وقته. وهذا الكلام إسقاط للتبجح بالبلاء الذي كان منه أيضا. ~~وقوله: إذا أنا لم أطعن أي لم يثقل ساعدي الرمح في وقت تركي الطعن زمان كر ~~الخيل، فإذا الأول ظرف لقوله يثقل، وإذا الثاني ظرف لقوله لم أطعن. # لحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب هارشت فاز بأرت # ازبأر: انتفش حتى ظهر أصول شعره. قال: # فهو ورد اللون في ازبئراره ... وكميت اللون ما لم يزبئر ms0084 # كلما انتصب على الظرف، ووجوه انتصب على الشتم والذم، والعامل فيه فعل ~~مضمر وهو أذكر. كأنه شبه وجوههم بوجوه الكلاب في الحالة المذكورة. ويجوز أن ~~يكون انتصابه على البدل من قوله جرما. ومعنى لحا الله: قشر الله، أي فعل ~~بهم غداة كل يوم، أذكر قوما يشبهون الكلاب إذا واثبت غيرها وساورت، # PageV01P119 # فانتفشت وتجمعت للوثب؛ وتلك الحالة من أحوالها أشنع وأنكر: وهذا تحقيق ~~للشبه، وتصوير لقباحة المنظر. والذرور في الشمس أصله الانتشار والتفريق. ~~قال: # كالشمس لم تعد سوى ذرورها # أي طلوعها وانتشار ضوئها. قال الخليل: المهارشة من الكلاب وغيرها ~~كالمحارشة. ويقال: فلان يهارش بين الكلبين. # فلم تغن جرم نهدها إذ تلاقيا ... ولكن جرما في اللقاء ابذعرت # جرم ونهد: قبيلتان من قضاعة. ومعنى ايذعرت: تفرقت. وأضاف نهدا إلى ضمير ~~جرم، لاعتماده كان عليها، واعتقاده الاكتفاء بها. والمعنى لم تنصرها فكانت ~~تكتفي بها وتغنى، ولكن جرما انهزمت، وهامت على وجهها فمضت، واصطلت نهد بنار ~~الحرب، فمست حاجتها إلى من يؤازرها، ويناهض الأعداء معها. # ظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت # يقول: بقيت نهاري منتصبا في وجوه الأعداء، والطعن يأتيني من جوانبي، ~~وكأني للرماح بمنزلة الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، أذب عن جرم وقد هربت ~~هي. ويجوز أن يكون: كأني للرماح صيد. فقد حكى أبو زيد أنه يقال للصيد خاصة ~~درية، غير مهموزة، ودرايا؛ كأن هذا من دريت أن ختلت. فأما الدابة التي يستر ~~بها من الصيد، فإذا أكثب رمي من خلفها، فذكر أبو زيد أنها تسمى دريئة ~~الصيد، بالهمز. قال: ويقال: درأتها نحو الصيد وإلى الصيد وللصيد، إذا ~~سقتها. وكأن هذا من الدرء، وهو الدفع. وقد تسمى تلك الدابة الذريعة والسيقة ~~والقيدة. وأنشدت عن أبي العباس المبرد، رحمه الله، أنشدنيه حمزة بن الحسن، ~~قال: أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش عنه: # إذا نصبنا لقوم لا ندب لهم ... كما تدب إلى الوحشية الذرع # الذرع: جمع ذريعة، كصحيفة وصحف. وإن جعلت كأني في موضع الحال فأقاتل في ~~موضع الخير لظللت حينئذ. # PageV01P120 # فلو أن قومي ms0085 أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت # النطق استعمل في الكلام وغيره، ولذلك قيل منطق الطير، ثم توسعوا فقالوا: ~~نطق الكتاب بكذا. يقول: لو أن قومي أبلوا في الحرب واجتهدوا لافتخرت بهم، ~~وذكرت بلاءهم، ولكن رماحهم أجرت لساني، كما يجر لسان الفصيل. وجعل الفعلين ~~للرماح لأن المراد مفهوم في أن التقصير كان منهم لا منها. والإجرار: أن يشق ~~لسان الفصيل للرماح فيجعل فيه عويد لئلا يرضع أمه. وقد استعمل الإجرار في ~~الرمح إذا تكسر في المطعون. قال: # أجره الرمح ولا تهاله # وفي طريقه قوله: أنطقتني رماحهم قول الآخر: # أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا # لأن المعنى أحسنوا إلي ينطلق لساني بشكركم. ### || ؟ سيار بن قصير الطائي # لو شهدت أم القديد طعاننا ... بمرعش خيل الأرمني أرنث # جواب لو، أرنت. يقال رن وأرن بمعنى واحد. ومرعش من ثغور أرمينية. وأم ~~القديد، قيل هي امرأته. والخيل ينتصب من قوله طعاننا. ومعنى البيت: لو حضرت ~~هذه المرأة مطاعنتنا بمرعش خيل هذا الرجل الأرمني لولولت وضجت، إشفاقا ~~علينا، لكثرتهم وقلتنا. والباء من قوله بمرعش تعلق بطعاننا، وهو ظرف مكان ~~له قد عمل فيه. وإنما قلت هذا لئلا يتوهم أنه تعلق بشهدت، وأنه في موضع ~~الحال للخيل أو للمطاعنين، فيكون قد فصل به بين الصلة والموصول، وهما ~~طعاننا وخيل الأرمني. # عشية أرمي جمعهم بلبانه ... ونفسي وقد وطنتها فاطمأنت # PageV01P121 # لبان الفرس: صدره. ويقال: وطنت نفسي على كذا فتوطنت، أي حملتها عليه ~~فذلت. وانتصب عشية على أنه ظرف لطعاننا. ويجوز أن يكون ظرفا لشهدت، ولا ~~يجوز أن يكون ظرفا لأرمي؛ لأن أرمي أضيفت عشية إليه، والمضاف إليه لا يعمل ~~في المضاف. ومعنى البيت: عشية أحمل على القوم ولا أبالي إن كانت علي أو لي، ~~لأني وطنت نفسي على الشر فألفته وسكنت إليه. فمن روى: ونفسي قد وطنتها يكون ~~الواو للحال، ونفسي يرتفع بالابتداء، ووطنتها في موضع الخبر. ومن روى: ~~ونفسي وقد وطنتها فإن نفسي يكون في موضع الجر عطفا على بلنانه، أي أرمي ~~جيشهم بنفسي وفرسي، ms0086 ويكون قد وطنتها في موضع الحال. وتحقيق الكلام: وقد ~~وطنتها على الشر فسكنت إليه، ورضيت به. ومثله قول عنترة: # ما زلت أرميهم بقرحة مهري ... ولبان لا وكل ولا هياب # وقول الآخر: # ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... وفارسه حتى ثأرت ابن واقد # ولاحقة الآطال أسندت صفها ... إلى صف أخرى من عدى فاقشعرت # إنما نكر قوله عدى لينبه به على اختلافهم وكثرتهم، وأن ذلك لتوفر ~~فضائلهم، وتظاهر عزهم ورياستهم، إذ كان الحسد يتبع ذلك، ولأنهم يترون من لا ~~يذل لهم، ولا يهوى هواهم. يقول: ورب خيل قد لحقت بطونها بظهورها، وارتفعت ~~جنوبها إلا متونها، أنا أملت صفها إلى صف خيل مثلها من الأعداء، فخافت ~~لقلتنا وكثرتهم. وأصل الاقشعرار تقبض الجلد وانتصاب الشعر، وقد تكلم الناس ~~في قول امرئ القيس: # والقلب من خشية مقشعر # فقال بعضهم: الاقشعرار لا يصح في القلب، لأنه يخبر به عما عليه شعر، ولا ~~شعر على القلب. وقال غيره: إنما هو كناية عن الوجل، ولما كان الاقشعرار يقع ~~عنده كني به عنه. وإذا كان كذلك فكأنه قال: والقلب من خشية وجل. # PageV01P122 ### || بعض بني بولان من طيئ # بولان فعلان، من قولهم رجل بولة، إذا كان كثير البول. والبوال: داء يصييب ~~الغنم فيبول حتى يموت. # نحن حبسنا بني جديلة في ... نار من الحرب جحمة الضرم # جديلة من الجدل، وهي فيما زعموا أمهم. والجدل: الفتل. قال الدريدي: جديلة ~~من قولهم امرأة مجدولة، إذا كانت قضيفة. ويقال ضرمت النار، إذا التهبت، ~~تضرم ضرما. ولهذا ما تلتهب به النار سريعا من الحطب قيل له الضرام. فيقول: ~~حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الالتهاب. والجحمة: مصدر جحمت ~~النار فهي جاحمة، إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. قال: وصفت النار بالجحيم ~~لحمرتها، ولذلك سميت عين الأسد جحمة، لأنها تتراءى بالليل كأنها نار. وقال ~~الدريدي: الجحمة العين، لغة يمانية. وعين الأسد خاصة في كل اللغات الجحمة. # نستوقد النبل بالحضيض ونص ... طاد نفوسا بنت على الكرم # قوله نستوقد النبل من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر ms0087 عند ~~صدمة النيل استيقادا منهم. والوقد، توسعوا فيه حتى قيل قلب وقاد. فإن قيل: ~~هلا قال نستقدح النبل، فكان أصح؟ قلت: الذي قاله أفصح؛ وقد قيل زند ميقاد، ~~إذا كان سريع الوري. وقال الخليل: كل ما تلألأ فقد وقد، حتى الحافر. يقول: ~~تنفذ سهامنا في الرمية حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج منه النار لشدة رمينا، ~~وقوة سواعدنا، ونصيد بها نفوسا مبنية على كرم. أي نقتل الرؤساء ومن تكرم ~~نفسه وتعز حياته. وقوله بنت أصله بنيت، فأخرجه على لغة طيئ، لأنهم يقولون ~~في بقي بقى، وفي رضي رضى. ولهذا قال بعضهم: # على محمر ثوبتموه وما رضى # وقالوا في بادية: باداة، كأنهم يفرون من الكسرة بعدها ياء إلى الفتحة، ~~فتنقلب الياء ألفا. والحضيض: قرار الأرض عند سفح جبل. والنبل لا واحد له من ~~لفظه. # PageV01P123 ### || وقال رويشد بن كثير الطائي # يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # المطية من المطا، وهو الظهر. ويقال مطاه وامتطاه، إذا ركبه. وللحوق الهاء ~~به صار اسما، وقد مر مثله. ويروى: بلغ بني أسد. وقوله: ما هذه الصوت الجملة ~~في موضع المفعول، وارتفع الصوت على أنه عطف البيان. يخاطب الراكب السائق ~~لمطيته بإعجال، يسأله أن يبلغ بني أسد عنه عن طريق الفحص والاستعلام: ما ~~هذه الجلبة. وهذا الكلام تهكم وسخرية، لأنه هو الذي أثار عليهم ما اهتاجوا ~~له، وجلب عليهم ما أشكاهم. وإنما قال ما هذه الصوت، والصوت مذكر، لأنه قصد ~~به إلى الصيحة والجلبة. وهذا كما قال حاتم: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر # يريد المعذرة. وكما قال الآخر: # وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # فأنث الشخوص لأنه قصد بها إلى النفوس. وحكي عن أبي عمرو ابن العلاء أنه ~~سمع بعضهم يقول: جاءنه كتابي فاحتقرها. قال أبو عمرو: فقلت: أتقول جاءته ~~كتابي؟ قال: نعم، أليست هي صحيفة؟ وقد قيل: لما كانت الشخوص شخوص النساء ~~أنث العدد. وقوله: الراكب المزجي الراكب يقع على راكب البعير خاصة؛ ms0088 لأن ~~راكب الخيل يقال له فارس. والمزجي، يقال زجا الشيء يزجو زجوا وزجاء، ~~وأزجيته أنا وزجيته، إذا استحثثته. ومنه زجاء الخراج. وفي هذا الكلام دلالة ~~على أنه ليس يقنعه ما أوقعهم فيه. ألا ترى أنه يتوعد بالاستئصال إن لم يصح ~~عذرهم. ويجوز أن يكون المراد بقوله ما هذه الصوت مالذي يتأدى إلي عنكم، ~~ويتحدث به الناس من شانكم وقصتكم. ويقال: ذهب صوت هذا الأمر في الناس ~~للتحدث به، وذهب صيت بني فلان في الناس إذا ذكروا بالخير. فكأنه على هذا ~~يوهمهم أنه لم يصح # PageV01P124 # عنده ما يقال، وأنهم إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة الساحة ~~حينئذ عاقبهم. وهذا المعنى في نهاية الحسن. # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إني أنا الموت # مفعول بادروا محذوف، كأنه قال: بادروا العقاب بالعذر، أي سابقوه. يقول: ~~قل لهم: سارعوا بالعذر فيما ركبتموه واطلبوا قولا يبرئ ساحتكم، إني أنا ~~حتفكم إن لم تفعلوا، أي أقرب حينكم، وأسعى في هلاككم إن لم تفعلوا. ويقال: ~~لمس والتمس في معنى طلب. على ذلك قول الله تعالى حاكيا عن مسترقة السمع: " ~~وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا "، أي طلبناها. وقال الشاعر: # ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده # ويبرئكم في موضع الصفة للقول، أي قولا مبرئا لكم من الذنب. # إن تذنبوا ثم يأتيني يقينكم ... فما علي بذنب عندكم فوت # قوله بذنب أي بسبب ذنب، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه ~~قال بجزاء ذنب، ويقال: لا فوت عليك في كذا، كما يقال لا بأس عليك. والمعنى: ~~لا يفوتك. وفي هذا الكلام إيذان بأنه مستعمل الأناة والحلم معهم، ثقة بأنهم ~~لا يفوتونه. يقول: إن تجرموا ثم يصح عندي تعمدكم في إجرامكم وتيقنكم ما ~~يلحقكم من لائمة وعيب وأنكم أقدمتم مستهينين، وبمن يأخذكم نكيره غير ~~حافلين، فما يفوتني مكافأتكم، ولا يعييني مؤاخذتكم ومحاسبتكم. وروي: ثم ~~يأتيني يقيتكم وفسر على وجهين: أحدهما أن المعنى ثم تأتيني خياركم ~~وأماثلكم، يقيمون معذرة أنفسهم، ويبينون أنهم لم يساعدوكم لا بالراي ولا ~~بالفعل. ms0089 وهذا كما يقال: فلان من بقية أهله، أي من أفاضلهم. والآخر أن يكون ~~المعنى: ثم تأتيني بقيتكم الذين لم يذنبوا متنصلين بأنهم قد فارقوكم ~~وأسلموكم، لعظيم جنايتكم، وخلعوا ربقة النصرة والمعاونة لكم. # PageV01P125 ### || أنيف بن حكم النبهاني # جمعنا لهم من حي عوف بن مالك ... كتائب يردي المقرفين نكالها # الكتيبة من الجيش: ما جمع فلم ينتشر. وقوله: يردي مع ما بعده في موضع ~~الصفة للكتائب. يقول: جمعنا لهؤلاء القوم جيوشا من خلص العرب تهلك عقوبتها ~~الذين في نسبهم هجنة أو إقراف إذا بركوا عليهم. وهذا يجوز أن يكون تعريضا ~~بمنابذيه ووعيدا لهم. والإقراف يكون من قبل الفحل، والهجنة من قبل الأم. ~~وذكر المقرفين ولم يذكر الهجناء لأنهم وإن كانوا يأخذون مأخذهم في أنه لا ~~يخلص نسبهم، ولا يصفو سببهم، فنافيهم أشد نقدا، ومزيفهم أنكر دفعا. وكان ~~عنترة العبسي هجينا فقال: # إن امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل # نافيا للإقراف، فجعل أحد شطريه من خير عبس، وجعل الباقي يحميه من الذم ~~باستعمال السيف يوم الروع، وحسن البلاء في الحرب، حتى يلحقه بالخلص، ولا ~~تقعد به هجنته عن الدخول في زمرة الصرحاء. # لهم عجز بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حي جديس رعالها # الرعيل: قطعة من الخيل متقدمة، وتوسعوا فقالوا: أراعيل الرياح. ويقال: ~~استرعل فلان، أي خرج في الرعيل الأول. يقول: سوابق هذه الكتائب وأوائلها قد ~~جاوزت بلاد طسم وجديس، ولواحقها قد شحنت بها هذه المواضع. وبين بلاد حي ~~جديس والبقاع التي ذكرها مسافة بعيدة. واللوى، حيث يرق الرمل فيخرج السائر ~~فيه إلى الحزن. وطسم وجديس: أمة من العرب بادوا وانقرضوا. وقيل أراد ~~بالحيين جدسا وجديسا، وذكرهم والقصد إلى ديارهم وبلادهم، ورتب المواضع الذي ~~عددها بالفاء، وجعل أعجاز الكتائب فيها تكثيرا لها. # وتحت نحور الخيل حرشف رجلة ... تتاح لغرات القلوب نبالها # PageV01P126 # رجلة موضوعة لأدنى العدد، بدلالة أنك تقول: ثلاثة رجلة. ومن عادتهم أن ~~يقدموا الرجالة عند تعبئة الجيش، ليستندوا إلى الفرسان. وقوله: وتحت نحور ~~الخيل حرشف رجلة أراد قطعة من الرجالة. ومعنى ms0090 تتاح: تقدر وتهيأ. ويقال: تاح ~~له كذا وأتحته أنا؛ رجل متيح. وموضعه جر على الصفة لرجلة. فيقول: تحت صدور ~~الدواب قطعة من الرجالة تقدر نبالها للقلوب الغافلة، أي لا يشعر بهم فإذا ~~نبالهم تعمل هذا العمل. والحرشف، الأصل فيها أن تستعمل في الجراد، ثم ~~استعير للجماعة من الرجالة على التشبيه، وقال امرؤ القيس: # كأنهم حرشف مبثوث ... بالجو إذ تبرق النعال # وغرات: جمع غرة، وهي صفة، يقال رجل غر وغرير، وجارية غرة وغريرة، ومصدر ~~الغرارة. # أبى لهم أن يعرفوا أنهم ... بنو ناتق كانت كثيرا عيالها # هذا الكلام من صفة الكتائب. وأن يعرفوا في موضع المفعول لأبى، وفاعلة ~~قوله أنهم بنو ناتق. وقوله كانت من صفة الناتق. يقول: منع لهم معرفة الضيم ~~كثرتهم وترادفهم. والناتق: المرأة الكثيرة الأولاد. وجعل العيال كناية عن ~~الأولاد، وهو جمع عيل، كجيد وجياد. يقال: عند فلان كذا عيلا، وهو معيل ~~ومعيل: كثير العيال. والفعل من ناتق نتقت تنتق نتقا. # فلما أتينا السفح من بطن حائل ... بحيث تلاقى طلحها وسيالها # الباء من قول بحيث تعلق بفعل دل عليه أتينا، كأنه قال: حصلنا بحيث تلاقى ~~طلحها وسيالها. وموضعه من الإعراب نصب على الحال للمضمرين في أتينا. ~~والسفح: أسفل الجبل، ولاشتهاره بما وضع له أغنى عن إضافته إلى الجبل. ~~والطلح والسيال: شجران. فيقول: لما بلغنا أسفل الجبل من بطن هذا الوادي ~~بحيث التقى هذان الجنسان من الشجر. وهذا إشارة منه إلى موضع العراك ~~والقتال. وجواب لما فيما بعده. # دعوا لنزار وانتمينا لطيئ ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها # PageV01P127 # انتمينا: انتسبنا، أي قالوا يا لنزار، وقلنا نحن: يا لطيئ، مشابهين ~~للأسود. وقوله كأسد الشرى حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: ~~وكإقدام أسد الشرى إقدامها ونزالها وجاء الحذف لأنه لا يلتبس وجه التشبيه ~~بغيره. ومعنى دعوا لنزار: انتسبوا إلى نزار. وهذا الاعتزاء الذي أشار إليه ~~قد يفعله الفارس عند الطعن والضرب أيضا، يقول الواحد منهم: خذها وأنا من ~~بني فلان، وأنا فلان بن فلان. # فلما التقينا بين السيف بيننا ... لسائلة عنا حفي ms0091 سؤالها # الإحفاء يكون في السؤال عن الشيء، ويكون في طلب الشيء من الغير، وهو ~~المبالغة فيهما، والذي بينه السيف هو حسن بلاء أحد الفريقين وزيادته فيما ~~يحمد من الصبر والثبات على صاحبه. وقد حذفه من اللفظ لأن المفاعيل تحذف ~~كثيرا إذا دل الدليل عليها. ومعنى قوله: لسائلة عنا حفي سؤالها أن الإحفاء ~~في السؤال والاسقتصاء في البحث، مما يزداد معه بينات الأحوال، وجليات ~~الأمور. وجعل الحفي للسؤال على المجاز والسعة. وفسر قوله تعالى: " يسألونك ~~كأنك حفي عنها ": كان المعنى كأنك عالم بها، لما كان الإحفاء في المسألة ~~حقيقا بأن يؤدي إلى العلم بالمسئول عنه. والسائلة يجوز أن يريد بها قبيلة، ~~ويجوز أن يريد بها امرأة. وجعل قوله السيف كناية عن أنواع السلاح، بدلالة ~~أنه أعاد ذكر استعمال السيف فما بعده، لما فصل أحوالهم وفسر مقاماتهم فقال: ~~ولما عصينا بالسيوف. # ولما تدانوا بالرماح تضلعت ... صدور القنا منهم وعلت نهالها # يقول: ولما تقاربنا باستعمال الرماح رويت القنا من دمائهم، وصار الناهل ~~منها عالا. والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني كأنهم عاودوا الطعن ~~وكروا حالا بعد حال. والتضلع، حقيقته أن يستعمل فيما له ضلع، وعند الارتواء ~~تنتفخ الأضلاع، واستعاره ها هنا. ويقال: تضلع شبعا، وتحبب ريا. وخص الصدور ~~لأن الصدور لأن الطعن بها. ويقال عل إبله يعل ويعل، فعلت هي. وإن شئت على ~~هذا رويت: وعلت نهالها، وإن شئت رويت: وعلت. # ولما عصينا بالسيوف تقطعت ... وسائل كانت قبل سلما حبالها # PageV01P128 # وسلت إليه وسيلة، أي تقربت إليه بقربة. ويقال توسلت أيضا. وفي القرآن: " ~~وابتغوا إليه الوسيلة ". ويقال: عصيت بالسيف، إذا ضربت به، وعصوت بالعصا. ~~وجعل انبتات الوسائل وانقطاع الأواخي عند استعمال السيوف لأن الأمر يشتد ~~عنده، والقناع يكشف معه. ولهذا لما استوصف عمرو بن معد يكرب أنواع السلاح ~~قال في السيف: عنده تثكل الأمهات. وقوله: كانت قبل سلما حبالها، يريد به أن ~~حبال تلك الوسائل كانت مفتولة على الصلح فتقطعت باستعمال السيوف، لأن كلا ~~منها صار واترا وموتورا، فسقط الملامة من بينهم. # فولوا وأطراف ms0092 الرماح عليهم ... قوادر مربوعاتها وطوالها # قوله: وأطراف الرماح في موضع الحال للمضمرين في ولوا. وذكر الأطراف لأن ~~الطعن بها يقع، وإن كانت الرماح بأسرها مقصودة. يقول: انهزموا وأسنة الرماح ~~متمكنة منهم، ومقتدرة عليهم طوالها وأوساطها. والمربوع والمرتبع: ما كان ~~بين القصير والطويل، ومنه رجل ربعة. وإنما قال ذلك لأن المنهزمين إذا منحوا ~~أكتافهم لمن يطلب أثرهم ويقصد النكاية فيهم، فتأثير الأسلحة على اختلافها ~~متقارب. وارتفع مربوعاتها على البدل من الأطراف. وهذا يبين أن القصد بها ~~إلى جمعيها، لا إلى بعضها. ### || قال عمرو بن معد يكرب # ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا # قوله فاعلم اعتراض تأكد به الكلام، ومثله قوله تعالى: " فلا أقسم بمواقع ~~النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم "؛ لأن قوله وإن رديت ~~متعلق بما قبله تعلق جواب القسم بالقسم. يقول: ليس جمال المرء فيما يلبسه ~~من الثياب وإن استسرى الملابس واختار أرضاها وأكملها. وكانوا يأتزرون ببرد ~~ويرتدون بآخر، ويسميان حلة، وباجتماعهما كان يكمل اللبوس، حتى كانت خلعة ~~ملوكهم لا تعدوهما. ولذلك سمي من سمي ذا البردين. قال: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس والورد # PageV01P129 # وقوله: وإن رديت بردا في موضع الحال، كأنه قال: ليس جمالك بمئزر مردى معه ~~بردا. والحال قد يكون فيه معنى الشرط، كما أن الشرط يكون فيه معنى الحال. ~~فالأول كقولك: لأفعلنه كائنا ما كان، أي إن كان هذا وإن كان هذا. والثاني ~~كبيت الكتاب: # عاود هراة وإن معمورها خربا # لأن الواو منه في موضع الحال، كما هو في بيت عمرو، وفيه لفظ الشرط ~~ومعناه، وما قبله نائب عن الجواب. والمعنى: إن خرب معمور هراة فعاودها. ~~وكذلك بيت عمرو، تقديره: إن رديت بردا على مئزر فليس الجمال ذلك. # إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا # أراد أن جمال المرء في أصوله الزكية، وأفعال له كريمة تورث المجد والشرف. ~~والمعدن، هو من عدن بالمكان عدنا وعدونا، إذا أقام. وكذلك عدنت الإبل في ~~الحمض، وقيل المعدن اشتقاقه من عدنت إذا ms0093 قلعته. وإذا جمع الرجل بين الشرف ~~الموروث والمستحدث المكسوب فهو النهاية. ومناقب الإنسان: ما عرف فيه من ~~الخصال الجميلة، والطرائق الحميدة، والوحدة منقبة. والنقب كأنه منه. قال ~~الدريدي: يقال نقب بين النقابة بالفتح، مثل كفيل بين الكفالة. فأما التعريف ~~فمصدره العرافة بالكسر: والمجد: الشرف والرفعة، وسميت الأرض المرتفعة مجدا ~~ونجدا به. ويجوز أن يكون أصله الكثرة، يقال أمجدت الدابة علفا، أي وسعته ~~لها. # أعددت للحدثان سا ... بغة وعداء علندى # أعددت واعتدت واحد، والاسم العدة والعتاد. يقول: هيأت لنوائب الدهر، أي ~~لدفعها درعا واسعة وفرسا ضخما جيد العدو كثيره. والعلندى ألفه للإلحاق، ~~كسفرجل. وأصل الكلمة ثلاثي، والنون والألف زائدتان، فهو من العلد. قال ~~الخليل: هو الغليظ الشديد من كل شيء. والدلالة على أن الألف للإلحاق أنك ~~تقول للمؤنث علنداة، وأنك تنون فتقول علندى. وذكر بعضهم أن العلندى: الضخم ~~من الإبل والخيل جميعا، وجمعه علاند وإن شئت علاد، كما قالوا في حبنطى ~~حبانط وحباط. وفرس عداء وعدوان، إذا كان كثير العدو. # PageV01P130 # نهدا وذا شطب يق ... د البيض والأبدان قدا # نهدا، أي فرسا غليظا. والنهود في الثدي: بيان حجمه ونتوه من هذا وسيفا ذا ~~شطب: ذا طرائق، يقطع البيض والدروع قطعا. والقد: القطع طولا، والقط: القطع ~~عرضا. والبدن من الدرع: قدر ما يستر البدن. ويقال سيف مشطب: فيه شطوب ~~وطرائق. # وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا # قوله: يوم ذاك يجوز أن يشار بذلك إلى أمر قد علمه السامعون، وهو الحرب، ~~لأن النزال يكون فيها. ويجوز أن يكون أشار به إلى السلاح الذي زعم أنه ~~أعده. ويوم السلاح: يوم الحرب. ويجوز أن يكون أشار به إلى الحدثان، لأنه قد ~~قال أعددت للحدثان. ومعنى البيت: علمت أن منازل هؤلاء فأعددت لهم هذا ~~السلاح، لعلمي بالحاجة إليه. والحازم يتهيأ للأمر قبل وقوعه، فكأنه قال: ~~فعلت ذلك بحزامتي، وعلمي بموارد الأمور ومصادرها. # قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنزروا حلقا وقدا # انتصب حلقا على أنه بدل من الحديد، ويريد به الدروع التي نسجت حلقتين ~~حلقتين. والقد، ms0094 أراد به اليلب، وهو شبه درع كان يتخذ من القد. ويروى: خلقا ~~وقدا ويكون انتصاب خلقا على التمييز، أي تشبهوا بالنمر في أخلاقهم وخلقهم. ~~ودل على الخلق قوله قدا. ومعنى الرواية الأولى أنهم إذا لبسوا الحديد ~~الدروع واليلب تشبهوا بالنمر في أفعالهم في الحرب. ويجوز أن يريد بتنمروا ~~تلونوا بألوان النمر، لطول ثباتهم وملازمتهم الحديد، وحينئذ يصح أن يكون ~~انتصاب حلقا على التمييز. والمعنى الأول أجود. فإن قيل: كيف دخل قوله: وقدا ~~بالعطف على حلقا في أن يكون بدلا من الحديد وليس منه؟ قيل: لما كان يغني ~~غناء درع الحديد، جاز أن يصحبه في أن يكون بدلا. وقوله إذا لبسوا الحديد ~~ظرف لتنمروا. # كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا # هذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن، فيقول: كل رجل يجري إلى ~~يوم الحرب بما أعده واستعده. والضمير من صلة ما محذوف استطالة للاسم. # PageV01P131 # ويجوز أن يكون استعد فعلا ليوم الهياج لا لكل امرئ، ويكون معناه بما كلف ~~يوم الهياج أن يعد له. يقال: استعددته كذا، أي سألته أن يعد. # لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا # الأمعز والمعزاء: الأرض الحزنة ذات الحجارة، والجميع المعز والأماعز ~~والمعزاوات. والأصل في المعز الصلابة. ويقال رجل ماعز ومعز. ويروى: يفحصن، ~~ومعناه يؤثرن لشدة العدو في المعزاء، حتى يصير به لآثارهن كالأفاحيص. ~~ويقال: استضحك فلان حتى فحص برجليه. وقيل على التوسع: فحصت عن الأمر. ~~وينتصب شدا على أن يكون مفعولا له، كأنه قال: يفحصن بالمعزاء لشدهن ويجوز ~~أن يكون شدا مصدرا في موضع الحال، أي يفعلن ذلك بالمعزاء شادات. ويروى: ~~يمحصن، والمحص: العدو الشديد، وينتصب شدا على أنه مصدر من غير لفظه، كأنه ~~قال يشددن شدا ويمحصن محصا. وجواب لما قوله نازلت، وسيجيء من بعده. وإنما ~~عملت النساء ما ذكر إشفاقا من الغارة والسباء. # وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى # قوله: كأنها بدر السماء في موضع الحال للمرأة، أي بدت مشبهة البدر، ~~وقوله: إذا تبدى ظرف لما دل عليه كأن من ms0095 معنى الفعل. يقول: وبرزت هذه ~~المرأة كاشفة عن وجهها سافرة، كأنها قد أرسلت نقابها. ودل على هذا بقوله: ~~كأنها بدر السماء إذا تبدى. وإنما فعلت كذلك لأحد وجهين: إما للتشبه ~~بالإماء حتى تأمن السباء، أو لما تداخلها من الرعب. وفي طريقته: # ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر # نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا # لا بد يستعمل استعمال لا محالة، وتحقيقه لا محيد ولا معدل. ومنه قولهم: ~~استبد فلان بالأمر، أي انفرد به. والبدد والتبدد: مصدر الأبد. وهذا جواب ~~قوله: # PageV01P132 # لمارأيت نساءنا يفحصن. وكبش الكتيبة: رئيسها. فيقول: لما رأيت الأمر على ~~ما ذكرت أنفت وقصدت رئيس الأعداء وملاقاته ولم أجد من ذلك بدا. وإنما قال: ~~نازلت كبشهم ليرى أنه ممن تدعوه نفسه إلى مجاهدة الرؤساء والتعرض لهم في ~~الحرب، وأنه ممن لا يرضى عن المبارزة بالمنزل الأدنى. والرئيس متى كان ~~واثقا بنفسه طلب أمثاله، واستعفى من مبارزة من لا يؤبه له، وتفادى منها، ~~إلا عند الضرورة. # هم ينذرون دمي وأن ... ذر إن لقيت بأن أشدا # يقول: هم يقولون لله علينا سفك دم عمرو، وأنا أقول لله على أن أحمل عليهم ~~وأبذل نفسي لهم، ثقة بكفايتي واستهانة بنذرهم. ويقال في الحملة: شددنا ~~عليهم شدة صادقة، وشدة غير كاذبة، إذا أرادوا المبالغة. # كم من أخ لي صالح ... بوأته بيدي لحدا # بوأته مبوأ صدق: أنزلته. والمباءة: المنزل. وإنما فرغ من التبجح بالشجاعة ~~ثم ذكر صبره على البلاء، وتوطين نفسه على اللأواء، فيقول: كم من أخ موثوق ~~به فجعت بموته، وأحوجت إلى تولي دفنه، ومباشرة تجهيزه. وهذا إذا ابتلي به ~~المرء كان أعظم لجزعه، وأنكى في قلبه. # ما إن جزعت ولا هلع ... ت ولا يرد بكاي زندا # الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزع مع قلة صبر. وقد فسره التنزيل في قوله ~~تعالى: " إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا. ~~إلا المصلين ". لأن المعنى أن الإنسان لا يصبر على ضير، ولا على خير، فكأنه ~~قال: ما حزنت ms0096 عليه حزنا هينا قريبا، ولا فظيعا شديدا. وهذا نفي للحزن رأسا، ~~فهو كقولك: ما رأيت صغيرهم ولا كبيرهم. وقد أعطى الترتيب حقه لأنه ارتقى ~~فيه من الأدون إلى الأعلى، إذ كان قوله ما إن جزعت وإن كان مستصلحا لجميع ~~أنواعه مفيدا للأدوان، وقد جاء بعده ولا هلعت، وقوله: ولا يرد بكاي زندا، ~~وكان بعض الناس يرويه: ولا بكاي زيدا، وزعم أنه أخ له. ورأيت من زعم أنه ~~فتش عن نسب عمرو فلم يجد له نسيبا ولا شقيقا يسمى زيدا. على أن قوله كم من ~~أخ لي صالح لا يلائمه - فيما يقتضيه سياق اللفظ ونظام المعنى، ومع إفادته ~~الكثرة - أن يقابل بو لا يرد بكاي أخي زيدا مع تخصصه. فأما من # PageV01P133 # روى زندا فبعض الشيوخ كان يقول: أراد ولا يرد بكاي شررة، فذكر الزند ~~وأراد ما يخرج منه عند القدح. وأحسن من هذا أن يكون ذكر الزند تقليلا ~~لعائدة الحزن لو تكلفه عندما دهمه من الفجيعة بالأخ المذكور. وهم يستعملون ~~الزند في هذا المعنى، كما يستعملون الفوف والنقير والقطمير والفتيل. وحكى ~~أبو زيد أنهم يقولون إذا قللوا مال الرجل: زندان في مرقعة. وهذا المعنى ~~حسن، والشاهد له قوي. ورأيت في بعض النسخ: ولا يرد بكاي ردا، وهذا حسن ~~أيضا، ويكون المعنى: ولا يرد بكائي مردودا. والمعنى: ولا يغني بكائي شيئا. ~~وفي كلام الناس: هذا الأمر أرد عليك، أي أنفع وأجدى. وإنما عقب نفي الجزع ~~بهذا الكلام تنبيها على أن صبره عن تأدب وتبصر ومعرفة بالعواقب، وحسن تأمل. # ألبسته أثوابه ... وخلقت يوم خلقت جلدا # يقول: توليت تكفينه وتجهيزه بنفسي، وخلقت صبورا حين خلقت. وهذا يريد به ~~أنه جمع إلى الجلادة المكتسبة جلادة الخلقة والطبيعة. # أغنى غناء الذاهبي ... ن عد للأعداء عدا # قول الذاهبين يجوز أن يريد بهم من انقرض من عشيرته وذويه، ويكون المعنى ~~أنه المعتمد عليه بعدهم، ويجوز أن يريد بهم المتغيبين عن المشاهد والمعارك. ~~وقوله أعد للأعداء عدا يجوز أن يكون المعنى: يقال في للأعداء: خذوا فلانا ~~فإنه يعد بكذا ms0097 وكذا من الفرسان. ويقال إن عمرا كان يعد بألف فارس. ويجوز أن ~~يكون المعنى أهيأ للأعداء معدودا، فيكون عدا انتصابه على الحال، وموضوعا ~~موضع المعدود، وأعد مستقبل أعددت، أي هيئت. وفي الأول يكون مصدرا لأعد. ~~والواحد لا يصح عده ولكن كأنه يقال فيه: إنه يقوم مقام كذا وكذا من العدد. ~~ويروى أعد للأعداء بفتح الهمزة، ويحتمل وجهين من المعنى: أن يقول أعد لهم ~~وقعاتي وأيامي عند المفاخرة والمنافرة عدا؛ وهذا معنى حسن. والآخر أن يكون ~~المعنى: أعد لهم كل ما يحتاج إليه من عدد وعدة، وهذا يؤذن بأنه يدبر أمر ~~الحرب؛ ويرجع إليه في أسبابها والجمع لها وهذا يرجع معناه إلى معنى يروى ~~أعد للأعداء بضم # PageV01P134 # الهمزة وكسر العين. وفي هذه الرواية يجوز أن يكون عدا مفعولا به، ~~والمعنى: أعد لها معدوداتها. # ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فردا # يقول: فجعت بأحبائي وبقيت منفردا بالسيادة، فأنا كالسيف لا يجمع اثنان ~~منه في غمد. ويجوز أن يكون: بقيت لنفاذي في الأمور ومضائي كالسيف. وفردا ~~ينتصب على الحال، أي منفردا. ### || وقال عمرو أيضا: # ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور # هذا كلام من جمع إلى شجاعته وإقدامه حذرا وحزامة، وإلى جرأته وتهوره رفقا ~~وأصالة، ثم يكون عارفا بوقت كل منها، وبالحالة الموجبة لاختياره بعضها. ~~وأجمع رجلي، أي أستحث فرسي. وهو من فصيح الكلام، ومن العبارة التي تصور ~~المعنى. ومن لفظه وبابه قولهم: جمعت يدي على كذا، ورفعت يدي عن كذا. وحذر ~~الموت، انتصب على أنه مفعول له، والضمير من قوله: بها للفرس. والمعنى: ~~أركضها وأستدر جريها، ذهابا في الفرار، واحترازا من الموت إذا كان الوقت ~~وقته، وإني لكثير الحرب إذا كان الهرب أغنى، وإلى مراغمة العدو أدعى. # ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير # يقول: كما أهرب وقت الهرب فإني أعطف وقت العطف؛ لأن الكر والفر من شأني، ~~والإقدام والإحجام عادتي ودأبي. وأشار بقوله: حين للنفس من الموت هرير إلى ~~شدة الأمر وتفاقم الخطب. أي أعطف الفرس وهي كارهة في ms0098 الوقت الذي تهر النفس ~~وتضج من شدة البلوى. والهريرن قيل هو دون النباح. # كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا في الروع جدير # ما زائدة. وأشار بقوله: ذلك إلى ما قدمه من الكر والفر. أي كل ما وصفت ~~عادة مني وطبيعة، وبفعل كله أنا خليق في الروع. ويقال: هو جدير بكذا، وجدير ~~لكذا، وجدير أن ينال كذا، ولقد جدر جدارة، وأجدر به أن يفعله. # PageV01P135 # قال: # جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا # وابن صبح سادرا يوعدني ... ماله في الناس ما عشت مجير # قال الدريدي: يقال أبى فلان أمره سادرا، إذا جاءه من غير جهته. يقول: ~~وهذا الرجل مع ما ذكرت من قصتي في الحرب يتهددني ساهيا لاهيا، وما له عاصم ~~مني في الناس ما عشت. وموضع ما عشت ظرف، بيانه أن ما مع الفعل في تقدير ~~المصدر، واسم الزمان محذوف معه، كأنه قال: مدة عيشي. ### || قيس بن الخطيم الأوسي # طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها # الشع والشعاع: المتفرق. ومنه شع الغارة، وتطاير القوم شعاعا. يقول: طعنت ~~هذا الرجل طعنة طالب بالدم فاتك لا بقيا معها، ولا تقصير في المبالغة فيها، ~~لها نفذ، أي خرق، لولا انتشار الدم لأضاءها. وأضاءها جواب لولا، والمبتدأ ~~وهو الشعاع خبره محذوف، كأنه قال: لولا الشعاع مانع لأضاءها النفذ. ومن روى ~~الشعاع بضم الشين، فإنه يريد به نور الشمس. والأول أجود وأشهر. ويقال: أشعت ~~الشمس، إذا امتد نورها وانتشر. # ملكت بها كفي فانهرت فتقها ... يرى قائما من دوها ما وراءها # يروى: يرى قائم من دونها من وراءها وما وراءها، ويروى: يرى قائما أيضا. ~~ويقال: ملكت العجين وأملكته، إذا بالغت في عجنه وشددت وكان الأصعي يمتنع من ~~أملكت، فيكون المعنى شددت بهذه الطعنة كفى ووسعت خرقها حتى يرى القائم من ~~دونها الشيء الذي وراءها. وهذا التفسير في ملكت تفسير القدماء. ويجوز أن ~~يكون معنى ملكت بها كفي أي تمكنت من فعلها، فأطقت تصريف كفي في إيقاعها على ~~مرادي. وهذا كما يقول: أنا أملك هذا ms0099 الأمر، إذا كان قادرا عليه. وكأنه # PageV01P136 # أشار بهذا الكلام إلى أن الطعنة لم تكن على دهش واختلاس، ولكن عن تمكن ~~واقتدار. ويروى: يرى قائما من دونها من وراءها وما وراءها ومن روىمن وراءها ~~فالمعنى يرى من وراءها إذا كان قائما من دونها. ووراء ههنا بمعنى خلف. وإن ~~كان يقع على الخلف والقدام جميعا. ومن دونها، أي من قدامها. وبيت الأعشى ~~على هذا، وهو قوله: # تريك القذى من دونها وهي دونه # أي تريك الخمرة في الزجاجة القذى من قدامها، وهي قدام القذى؛ أي تريك ~~الزجاجة ما خلفها من قدامها لصفاء الخمرة فيها. ومعنى أنهرته: وسعته حتى ~~جعلته كالنهر سعة. والنهر نفسه سمي بذلك لاتساعه. ومنه المنهرة، وهي فضاء ~~بين بيوت الحي يلقون فيه كناستهم. وفي هذا الوصف سرف مستنكر وخروج عن القصد ~~مستهجن. ويجري مجراه في الغلو قول مهلهل: # فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض يقرع بالذكور # واستعمل عنترة لفظ الإنهار مع اقتصاد فقال: # أنهرت لبته بأحمر قانئ ... ورشاش نافذة على الأثواب # يهون علي أن ترد جراحها ... عيون لأواسي إذ حمدت بلاءها # الأواسي: النساء المداويات للجراح، والفعل منه أسوت. ويقال للرجال الآسون ~~والأساة. وإنما ذكر النساء لأنهم يأنفون من الصناعات، ويعلمونها العبيد ~~والإماء وحرائر النساء أحيانا، إذ لم يكن في غاية بعيدة من الشرف. وقوله أن ~~ترد موضعه رفع على أنه فاعل يهون. وإذ حمدت ظرف ليهون وهي حكاية حال ماضية. ~~والمعنى: يخف علي رد جراح هذه الطعنة عيون النساء المداويات لها، إذ حمدت ~~أثري فيها. وبلاءها، يجوز أن يكون المراد بلائي فيها، ويجوز أن يريد ~~ببلائها شدتها فظاعتها. والمصادر تضاف إلى الفاعلين والمفعولين جميعا. # PageV01P137 # ساعدني فيها عمرو بن عامر ... زهير فأدى نعمة وأفاءها # يجوز أن ينتصب نعمة على الحال ويكون مفعول أدى محذوفا كأنه قال: فأداها ~~نعمة ويدا يستحق عليها شكرا، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول أدى، ويكون ~~المعنى: ساعدني في هذه الطعنة زهير بن عمرو، فأدى صنيعة كانت لي عنده ~~بمساعدته، واتخذها مغنما لنفسه أيضا. ويجوز أن ms0100 يكون أفاءها من الفيء: ~~الغنيمة، وهذا قول أبي عبيدة. ويجوز أن يكون أفاءها من الفئ: الرجوع، أي ~~أداها ورجعها إلى مصطنعها، لأن الأيادي قروض في الصالحين. # وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها # يروى لا أسمع ولا أسمع. ومن الغطاء قيل غطا الليل، وغطا عليهم الشر ~~وغيره. يقول: كنت رجلا لا أعير شيئا طول الدهر إلا بينت للناس براءة ساحتي ~~منه. وحقيقة كشفت غطاءها أي لم أترك السبة ملتبسة على سامعها، فكان يتردد ~~بين تصديقها وتكذيبها، بل أبنت أمرها وأظهرت وجهها، حتى بان للناس اختلاق ~~الساب بها، وكذابه فيها. والسبة، كالغمة والغصة وما أشبهها. وذهب بعضهم إلى ~~أن المعنى: إذا رميت بعيب كان حقا علي محوه عن نفسي، بما استأنفه من سعي. ~~والأول أحسن. # متى يأت هذا الموت لا تبق حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # يروى لا يلف حاجة على أن يكون الفعل للموت، ولا تلف حاجة على ما لم يسم ~~فاعله، أي لا توجد. تقول: أجتهد في إدراك الآثار، وطلب الأوتار، قبل دنو ~~الأجل، فمتى جاء الموت لا يجد حاجة تتعلق نفسي بها قبل إلا وهي مقضية. ~~ومعنى قضيت قضاءها أي فرغت منها كقضائي لأمثالها. وقوله هذا الموت يجوز أن ~~يكون تصوره حاضرا لمعرفته بإدراكه لا محالة، وأشار إليه. ويجوز أن يكون ~~لدوام استقتاله وتحدثه بمجيئه، وكونه من همه، أشار إليه على جهة التقريب ~~له. # PageV01P138 # إذا ما شربت أربعا خط مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح رشاءها # يقول: إذا شربت أربعة أكؤس جررت مئزري، فأثر في الأرض خيلاء وكبرا، وتممت ~~ما بقي علي من السماح في حال الصحو، كأن معظمه فعله صاحيا، والباقي منه ~~تممه في حال السكر. وهذا الكلام يجري مجرى المثل للمعنى الذي بينت. حكى ~~الأصمعي أنهم يقولون: أتبع الفرس لجامها، وأتبع الدلو رشاءها، أي تمم ما ~~بقي عليك من أمرك. وكأنه يضرب لمن جاد بالكثير وترك القليل الحقير. وهذا ~~أجود من قول عنترة العبسي، وإن كان مفضلا عند كثير من الناس على ms0101 قول عمرو ~~بن كلثوم، وقول عنترة: # وإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # وبيت عمرو: # مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا # لأن هذا قال: إنا نتسخى إذا شربنا الخمر ممزوجة. وما قاله عنترة في بيتين ~~أشار إليه قيس في مصراع. وكان ابن الأعرابي يذهب في قوله سخينا إلى أنه ~~يقال ماء مسخن وسخين، وإن كان فعيل في معنى مفعل قليلا. وانتصب عنده على ~~أنه حال للماء. ويكون المراد على طريقته: كأن الحص فيها إذا مزج بماء سخين. ~~وهذا لهربه مما استقبحه الناس. وهو حسن، لكنه يقتضي أن يكون بلادهم صرودا. ### || الحارث بن هشام المخزومي # وهو أخو أبي جهل لعنه الله. وكان هرب يوم بدر لما أنزل الله تعالى النصر ~~على رسوله عليه السلام. # الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد # PageV01P139 # أخذ يستشهد بربه، ويتنصل من هربه، بأنه لم يأته إلا بعد غلبة اليأس من ~~نفسه عليه إن ثبت، وإلا بعد أن ضرج بالدم الشامل له ولفرسه. ومثله قول ~~مهلهل: # لم أرم حومة الكتيبة حتى ... حذي الورد من دمي نعالا # وهذا قاصر عن درجة ما تقدم، لأنه يعتذر مما آثره من الهرب في وقته، وذاك ~~أورده مورد المتبجح، وأنه خلقه ومذهبه، لعلمه بمصادر الحروب ومواردها. ~~وقوله: الله يعلم لفظه لفظ الخبر، والقصد إلى الحلف؛ لأنه يستشهد بربه ~~فيقول: علم الله ما تركت مقاتلتهم، حتى جرحوني فسال مني على فرسي دم أشقر ~~كثير، علاه زبد. # وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # أراد: وحتى علمت. وإنما أطلق لفظة علمت لارتفاع الشبه عن اعتقاده ذلك. ~~وانتصب واحدا على الحال، والمعنى منفردا، وواحد ها هنا صفة، والمعنى: وحتى ~~تيقنت أني إن ثبت في وجوههم، وأنتصب منفردا لمقاتلتهم قتلت، ولا يضر حضوري ~~أعدائي. ونبه بقوله: ولا يضرر عدوي مشهدي أنه لو كان في ثباته ضرر عدو لثبت ~~في وجهه، ولم يبال بقتله. وقوله عدوي ms0102 يفيد الكثرة وإن كان لفظه موحدا. # فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم سرمد # يقال: صد فلان عني، إذا صرف وجهه صدودا، وصددته أنا عن كذا صدا. وحكي ~~أصددته، وليس بشيء. يقول: أعرضت عنهم ودماؤهم وأسراؤهم فيهم، ولم أنلها ولم ~~أظفر بها. وهذا يدل على أنه كان موتورا. وإنما حاربهم لطلب دماء كانت له ~~فيهم. وقوله الأحبة على هذا التفسير يجب أن تكون أحبتهم. ويجوز أن يريد ~~بالأحبة أحبة نفسه، ويكون المراد: ودماء أحبتي وأسراي فيهم. وقوله طمعا ~~انتصب على أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدرا لعلة. والمعنى: فعلت ذلك ~~لطمعي في # PageV01P140 # أن يعقب الله تعالى لي يوما يرصد الشر لهم، ويمكنني منهم، فأنتهز الفرصة ~~وأروي الغلة. ويقال: رصدت فلانا بالمكافأة، ورصدت له أيضا وأرصدته، وأنا ~~مرصد لفلان بما كان منه حتى أكافئه. ويجوز أن يكون انتصاب طمعا على أنه ~~مصدر في موضع الحال، والتقدير: صددت عنهم طامعا. والعقاب يجوز أن يراد به ~~العاقبة، ويجوز أن يراد به العاقبة، ويجوز أن يراد به المكافأة. يقال: ~~أولاه خيرا فعقبه بشر، عقبة وعقابا وعقبى. وإذا كان للفرس بعد انقطاع جريه ~~جمام قيل له عقاب، وهو من ذاك. ومن روى يوم سرمد فالسرمد قال الخليل: هو ~~دوام الزمان واتصاله من ليل أونهار، واستدل بقوله تعالى: قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة، فيكون المعنى: بعقاب يوم طويل ~~يتصل زمانه، ويمتد بلاؤه. وأيام الغم والمحنة توصف بالطول، ولهذا قيل: مضى ~~لفلان يوم كأيام، وشهر كدهر. ### || قال الفرار السلمي # وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت لها يدي # هذا يتبجح بأنه مهياج شر وأذى، وجماع بين كتائب شتى تتقاتل من دونه، ثم ~~يخرج هو من بينهم غير مبال بما يجرون إليه، ولا مفكر فيما ينتج من الشر ~~فيهم. فيقول: رب كتيبة خلطتها بكتيبة، فلما اختلطت نفضت يدي منهم ولهم، ~~وخليتهم وشأنهم. وكتيبة، ألحق الهاء بها لأنه جعل اسما، وهو من كتبت أي ~~جمعت. وتوسعوا في النفض - وأصله الإلقاء والإماطة ms0103 - فقيل: نفضت اليد من ~~فلان ولفلان أشد النفض، إذا وكلته إلى نفسه، يائسا من رجعته، وفي ضده يقال: ~~قبضت عليه كفي، وجمعت عليه يدي. وقد قالوا: نفضت الطريق أيضا، وفرقت النفضة ~~في الطرق. وذكر بعضهم أن قوله: حتى إذا التبست نفضت لها يدي وبها يدي، ~~المراد به قنعت فرسي بسوطي، كأنه لما ضرب فرسه إنما نفض يده. يصف سرعة ضربه ~~بالسوط، وأنه لا كلفة عليه به. قال: وهذه السرعة مستحبة في ضرب السوط، كما ~~يستحب في العمل بالسلاح. ومن روى بها يجوز أن يريد المخصرة. انتهت الحكاية ~~عنه. والتعجب من إدراكه لهذا المعنى يمنع من الكلام عليه. فسبحان من لا ~~يحتاج إلى التفسير. # PageV01P141 # فتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين منعفر وآخر مسند # قوله تقص أي تكسر في موضع الحال لهم. وكذلك قوله من بين منعفر وآخر مسند ~~والعامل في الأول تركتهم، وفي الثاني تقص. يقول: فارقتهم والرماح تختلف ~~بالطعن بينهم، وتكسر ظهورهم، فهم من بين مصروع ألقي في العفر، وهو التراب، ~~وآخر مطعون أو مجروح، وقد أسند إلى ما يمسكه وبه رمق. # ما كان ينفعني مقال نسائهم ... قتلت خلف رجالهم لا تبعد # قول ما كان يجوز أن يكون ما استفهاما وكان تجعله الناقصة، ويجوز أن يكون ~~نفيا وتجعل كان مؤكدة، ونبه بهذا الكلام على أنه لو ثبت لم ينفعه الثبات. ~~فيقول: أي شيء كان ينفعني قول النوادب لي لا تبعد وقد قتلت. ومعنى لا تبعد: ~~لا تهلك. يقال بعد، إذا هلك، وبعد إذا نأى. وكانوا يدلون بهذه اللفظة عند ~~الندبة بها على مساس الحاجة إلى حياة المندوب، وقلة الاستغناء عنه. وإذا ~~كان كذلك فالوجه أن يندب به من كان محمود الحياة، وعزيز الفقدان. وقوله خلف ~~رجالهم نبه على أنه لو ثبت لكان يدفع وجه الكتيبة، ويصير واقيا لأصحابه، ~~وحائلا بين الأعداء وبينهم، فلا يمكنهم تجاوزه إلا وقد فرغوا منه. فلهذا ~~قال وقتلت خلف رجالهم. وموضع لا تبعد وهو حكاية، رفع أو نصب على أنه بدل أو ~~مفعول من مقال نسائهم. ms0104 وقوله وقتلت، في موضع الحال للمضمر في ينفعني، ~~والعامل فيه مقال أيضا، وخلف رجالهم حال للمضمر في قتلت. ### || وقال بعض بني أسد # يديت على ابن حسحاس بن وهب ... بأسف ذي الجداة يد الكريم # إنما عدي يديت بعلي، لأنه أجرى مجرى أنعمت. وهم يحملون النظير علىالنظير، ~~كما يحملون النقيض على النقيض. وقال الأخفش: يقال يديت عنده وأيديت جميعا، ~~إذا اتخذت عنده صنيعة، وإن كانت أيديت في هذا المعنى أشهر من يديت، # PageV01P142 # لأن يديت اشتهر في أصبت يده، كما تقول: رأسته ووجهته وصدرته، إذا أصبت ~~هذه الأعضاء منه. ومعنى هذا البيت: اتخذت عند هذا الرجل بهذا المكان يدا ~~غراء، وصنيعة شريفة، مثلها يفعله الكرام. وقوله: يد الكريم نبه على هذا ~~المعنى الذي ذكرناه، ويجب أن يكون مصدر يديت يديا، مثل جريت جريا، لكنه وضع ~~اليد مكانه. فإن قيلك ما تنكر أن يكون اسم الحدث، وقد حذف لامه كما حذف من ~~اسم العين؟ قلت: اسم الحدث لم يكثر كثرة اسم العين، وإذا كان حذف اللام من ~~اسم العين حذف لكثرة الاستعمال، فيجب أن يكون اسم الحدث الذي لم يكثر ~~استعماله لا يجري مجراه. وقوله: ابن حسحاس من الحسحسة، وهو إحراق الجلد ~~بالنار. # قصرت له من الحماء لما ... شهدت وغاب عن دار الحميم # القصر: الحبس والرد، ومنه القصر والقصارى: الغاية. والحماء: تأنيث الأحم، ~~وهو الأسود من كل شيء. والحمم: الفحم. وجارية حممة، أي سوداء. وهذا تفسير ~~النعمة التي اتخذها عنده. فيقول: لما وجدته جريحا، وفي المعركة طريحا، قد ~~غاب عنه ذووه والمشفقون عليه، حبست عليه فرسي فأردفته. وجواب لما مقدم، وهو ~~قصرت. كأنه قال: لما رأيته كذا حبست عليه فرسي. وحذف مفعول شهدت لأنه أمن ~~الالتباس. وقوله: وغاب عن دار الحميم كان وجهه أن يقول: لما شهدته وغاب ~~حميمه، لكن المعنى لا يخيل. والحميم: القريب المشفق. والحامة: خاصة الرجل ~~من أهله وولده، ويقال هو الأحم من ذوي قرابته، أي الأخص. # أنبئه بأن الجرح يشوى ... وأنك فوق عجلزة جموم # هذا ما تمم به الصنعة عنده، ms0105 بعد أن ارتدفه، وذلك أنه سلاه بقوله الجرح ~~يشوى، ومناه بقوله: وأنك فوق عجلزة جموم. ويقال: رماه فأشواه، إذا أصاب غير ~~المقتل. والجموم: الذي لا ينقطع جريه. والعجلزة: الصلبة. وبئر جموم من هذا، ~~لأن ماءها يغور أحيانا ثم يعود ويغزر. والمراد: أن تبليغك المأمن به سهل، ~~وأن ما بك من الجرح هين. # ولو أني أشاء لكنت منه ... مكان الفرقدين من النجوم # يبين بهذا أنه تبرع بما فعل، وأنه لم يلزمه لزوم الواجب الذي لا يسوغ ~~الإخلال به، فيقول: لو شئت لبعدت منه بعد الفرقدين من النجوم السيارة، وهي ~~التي يحل # PageV01P143 # فيها النيران، والفرقدان لا حلول فيه، وهذا يجري مجرى قولهم: هو مني مناط ~~الثريا في أن المراد به التبعيد، ويجوز أن يريد بعدت منه بعد الفرقدين، ثم ~~بين أن الفرقدين من النجوم، فيكون من النجوم تبيينا كقوله تعالى " فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان ". ويجوز أن يريد بالنجوم نبات الأرض، لأن كل ما طلع فقد ~~نجم، ويكون المعنى بعد الفرقدين من الأرض ومنابتها، ويكون في هذا المعنى ~~شبه إلغاز فيضعف. # ذكرت تعلة الفتيان يوما ... وإلحاق الملامة بالمليم # بين بهذا الكلام أنه اتقى بما فعل توجه الذم إليه من الناس، فيقول: أخطرت ~~ببالي ما يتعلل به الفتيان في محافلهم ومجالسهم، وتقبيحهم من أخبار الناس ~~ما يستحق بفعله أو بتركه عندهم ذم، فيلحقون به اللوم، ويهجنونه في أحكام ~~الفتوة. ومصدر قوله ذكرت الذكر بضم الذال لأن هذا كان بالقلب، والذكر بكسر ~~الذال باللسان. والمليم: الذي يأتي بما يلام عليه. قوله تعلة مصدر عللته، ~~فهي كالتقدمة والتكرمة. ويجوز أن يكون تسميتهم المعلل، وهو يوم من أيام ~~العجوز، من هذا، كأنه يعلل الناس بشيء من تخفيف البرد. ### || وقال الشداخ بن يعمر الكناني # قاتلي القوم يا خزاع ولا يد ... خلكم من قتالهم فشل # يروى قالتوا وقاتلي على اللفظ مرة وعلى المعنى أخرى، وجعل النهي في اللفظ ~~للفشل، والمراد لا تفشلوا. وهذا بعث وتحضيض، فيقول: حاربي أعداءك يا خزاعة، ~~ولا يتداخلكم الجبن والضعف منهم. وخزاعة، قال الخليل: هو ms0106 من خزع عن أصحابه ~~إذا تخلف، لأنهم تخلفوا عن قومهم بمكة أيام سيل العرم. # القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا # PageV01P144 # يبين بهذا الكلام أنهم ناس كما أن خزاعة ناس، فيقول: لا تهابوهم فإن ~~خلقتهم كخلقتكم، وإنهم إذا قتلوا لم يحيوا من فورهم، فيرجعوا إلى القتال. ~~هذا مبالغة في الاستحثاث والتجسير. وجعل قوله: له شعر في الرأس بما بعده، ~~تفسيرا لماثلة وتبيينا. وجواب إن قتلوا فيما تقدم عليه. # أكلما حاريت خزاعة تح ... دوني كأني لأمهم جمل # قوله كأني لأمهم في موضع الحال، أي تحدوني مشبها جملا لأمهم. وكلما ظرف ~~لقوله تجدوني. وكأنه قال: تحدوني خزاعة كلما حاربت، أي تسوقني لنصرها ~~والدفاع عنها، كأني ناضح لأمهم يستقى عليه الماء، فيقال له أقبل بالدلو ~~وأدبر. وذكر الأم تغليظا للقول وتخشينا. وقوله أكلما، كأنه أقبل على إنسان ~~بعد أن كان بعثهم وجرأهم على قتال أعدائهم، فقال على طريق الإنكار ما قال. ### || وقال الحصين بن الحمام المري # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما # يجوز أن يكون هذا مثل قولهم: الشجاع موقى. وفي طريقته قول الآخر: # أكان الجبان يرى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل # فقد تدرك الحادث الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل # ومثله قول الآخر: # نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها # ويجوز أن يقول: أحجمت مستبقيا لعيشي، فلم أجد لنفسي عيشا كما يكون في ~~الإقدام، وذاك لأن الأحدوثة الجميلة، والنجح عند الناس في المباغي الحميدة، ~~إنما يكون بالتقدم لا بالتأخر، وبالافتخار لا بالانحراف، ومن ذكر بالجميل ~~وتحدث عنه # PageV01P145 # بالبلاء الحسن حيي ذكره واسمه، وإن ذهب أثره وجسمه. وقوله: حياة مثل أن ~~أتقدم معناه حياة تشبه الحياة المكتسبة في التقدم وبالتقدم. # فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما # أراد: لسنا نداميه الكلوم على الأعقاب. ولو لم يجعل الإخبار عن أنفسهم ~~لكان الكلام ليست كلومنا بدامية على الأعقاب. فيقول: نتوجه نحو الأعداء في ~~الحرب ولا نعرض عنهم، فإذا جرحنا كانت الجراحات في مقدمنا لا ms0107 مؤخرنا، وسالت ~~الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا. وقوله تقطر الدما إذا رويت بالتاء كان ~~المعنى تقطر الكلوم الدم، فيكون الدما مفعولا به. ويقال: قطر الدم وقطرته، ~~وهذا وجه حسن، وإن شئت جعلت الدم منصوبا على التمييز، كأنه أراد تقطر دما، ~~وأدخل الألف واللام ولم يعتد بهما، كقول الآخر: # ولا بفزارة الشعر الرقابا # ويجوز أن يروى يقطر الدما بالياء، ويكون الدما في موضع الرفع على أنه ~~فاعل يقطر، لكنه رده إلى أصله فأتى به مقصورا وإن كان الاستعمال يحذف لامه. ~~ومثل هذا البيت قول القطامي: # ليست تجرح فرارا ظهورهم ... وفي النحور كلوم ذات أبلاد # نفلق هاما من أناس أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما # يقول: نشقق هامات من رجال يكرمون علينا لأنهم منا، وهم كانوا أسبق إلى ~~العقوق وأوفر ظلما، لأنهم بدءونا بالشر، وألجؤونا إلى القتال، ونحن منتقمون ~~ومجازون. ### || وقال رجل من بني عقيل # وحاربه بنو عمة فقتل منهم: # بكره سراتنا يا آل عمرو ... نغاديكم بمرهفة صقال # PageV01P146 # الكره بالضم: المشقة، والكره بالفتح الإكراه. وسراة القوم: خيارهم. ~~فيقول: بمشقة رؤسائنا وكراهتهم نباكركم بسيوف محددة الحد مصقولة، وإنما قال ~~بكرة سراتنا لأن الرؤساء يحبون التألف بين العشيرة وإصلاح ذات البين، وترك ~~التدابر والاختلاف، إذ كان عز الرئيس بأصحابه، وحشمته في نفوس منابذيه بقوة ~~ذويه وأقربائه. ويجوز أن يكون ذكر السراة والمراد الجميع. والمعنى: على كره ~~منا نقاتلكم ولكنكم ألجأتمونا إليه. وجمع صقيلا وهو فعيل بمعنى مفعول على ~~صقال وذلك على غير بابه، لأن التكسير على فعال يكون في الأصل فعيل إذا كان ~~بمعنى فاعل، نحو ظريف وظراف وكريم وكرام، ومثله قولهم فصيل وفصال، وساغ ذلك ~~لاتفاقهما في الزنة والوصفية. وروى: بمرهفة الصقال، وتكون إضافة المرهفة ~~إلى الصقال كإضافة البعض إلى الكل، لأن المعنى بالمرهفة الحد من الصقال، أي ~~من السيوف المصقولة. # نعديهن يوم الروع عنكم ... وإن كان مثلمة النصال # قوله نعديهن أي نصرفهن. ويقال: عد الهم عنك، أي اصرفه. والبيت يحتمل ~~وجهين: أحدهما أن يكون المعنى نصرف السيوف عنكم إبقاء عليكم، وكراهية ms0108 ~~لاستئصالكم، وإن كانت نصالها قد تفللت من كثرة ما نقارع بها الأعداء. ويجوز ~~أن يكون المعنى: نصرفهاوإن تثلمت بكم وفيكم، لن القدرة تذهب الحفيظة، ولأن ~~ما يجمعنا يدعو إلى البقيا، والأخذ فيكم بالحسنى. # لها لون من الهامات كاب ... وإن كانت تحادث بالصقال # قوله من الهامات أي من دماء الهامات ومن التأثير فيها. يقول: لهذه السيوف ~~لون متغير قبيح، لكثرة ما يسفك بها الدماء، وإن كانت يجدد صقلها كل يوم. ~~والمحادثة: إعادة الماء إلى السيف بالصقل. وقد قال الحسن رحمه الله فيما ~~حكي عنه من مواعظه: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه ~~الأنفس فإنها طلعة. وقوله كاب من قولهم كبا وجهه، إذا اربد واسود. وكبا نور ~~الصبح والشمس، إذا نقص وأظلم. وجواب إن كانت فيما تقدم عليه، والجملة في ~~موضع الصفة للمرهفة. # ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي # PageV01P147 # وصف حسن صبرهم، على ما يتفق من نائبة، ويتجدد من عارض حادثة، فيقول: نبكي ~~قتلاكم إذا قتلناكم لما يجمعنا وإياكم من الرحم الماسة، والقرابة الدانية، ~~ونقتلكم إذا أحوجتمونا إلى قتلكم، كأنا لا نبالي بما يمنع من ذلك، أو يدعو ~~إلى الجزع له. وقوله نبالي نفاعل من البلاء. فإذا قال لا أباليه كأنه أراد: ~~لا أحتفل به فأعاده بلائي وبلاءة وأفاخره. هذا أصله، وقد مضى. وحكى سيبويه: ~~ما أباليه بالة، وذكر أن البالة كالحانة، وأنا حذف ياؤه حذف تخفيف لا حذف ~~قياس. ### || وقال القتال الكلابي # نشدت زيادا والمقامة بيننا ... وذكرته أرحام سعر وهيثم # يقال: نشدتك الله والرحم، وناشدتك الله، أي سألتك بالله وبالرحم. يقول: ~~أقسمت على زياد بالله وأهل المجلس بيننا حاضرون، ولما يأتيه كل منا ~~مشاهدون، وذكرته ما يجمعني وإياه من الرحم من جهة هذين الرجلين، وإنما ذكره ~~بهذا على زعمه طلبا للصلح، أو استظهارا بإقامة الحجج عليه، وإلقاء مغاليق ~~البغي إليه. # فلما رأيت أنه غير منته ... أملت له كفى بلدن مقوم # يقول: لما وجدته لا ينتهي بالقول، ولا يرعوي بالزجر، حذرت له كفى برمح ~~لين مثقف فطعنته. وقوله ms0109 أملت له، أي من أجله كفى بلدن، من فصيح الكلام، ~~وبليغ الكنايات. # ولما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم # يقول: لما بان لي إتيان تلك الطعنة عليه ندمت في وقت لم تتفع الندامة ~~فيه، لفوت الأمر في الإبقاء. وهذا في إظهار التحسر به كقول الآخر: # وددت وأين ما مني ودادي # وانتصب أي ساعة على الظرف، لأن أيا لما كان للبعض من الكل جعل حكمه حكم ~~المضاف إليه من جميع الأجناس. # PageV01P148 ### || قيس بن زهير العبسي # شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني # كان حمل بن بدر قتل مالك بن زهير أخا قيس، فظفر به وبأخيه حذيفة فقتلهما. ~~يقول: اشتفيت بقتل حمل بن بدر. ثم قال: وشفاني سيفي أيضا من أخيه حذيفة، ~~لأنه أتى عليه لما أعملته فيه. وهذا مما جرى بين عبس وفزارة بسبب داحس ~~والغبراء. # فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني # يقول: إن سكنت لوعتي بمجازاتهم، وبردت غلتي، فإني لم أقطع بهم إلا أطراف ~~أصابعي. وذلك أن عزي كان بهم، وكانوا كالكف، فلما ماتوا وأعوزني التبجح ~~بمكانهم، والاستعلاء على العدو بهم، صرت كمن قطعت أنامله. ومن الأمثال في ~~هذه الطريقة: بالساعد تبطش الكف. ### || وقال الحارث بن وعلة الذهلي # الوعلة: الصخرة المشرفة من أعلى الجبل. # قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # يقول: قومي، يا أميمة، هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا رمت ~~الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته، وهذا ~~الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار. # فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولتن سطوت لأوهنن عظمي # عفا عن المذنب والذنب عفوا، إذا صفح. وحفذ حرف الجر فوصل لأعفون بنفسه. ~~والكلام تحشر وتوجع. يقول: إن تركت مؤاخذتهم، واطرحت طلب الانتقام منهم، ~~صفحت عن أمر عظيم، وإن سطوت عليهم أضعفت عظمي، وهددت ركني. والجلل يزعم أهل ~~اللغة أنه من الأضداد، يقع على الصغير والكبير، وها هنا يراد به # PageV01P149 # الكبير. وكذلك في قوله: # ومن الأرزاء رزء ذو ms0110 جلل # والسطو: الأخذ بعنف. وفي كل واحد من المصراعين يمين مضمرة، جوابها في ~~الأول لأعفون، وفي الثاني لأوهنن. واللام من لئن في الموضعين موطئة للقسم. # لا تأمتن قوما ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم # حول الكلام عن الإخبار توجعا على عادتهم إلى الخطاب، متوعدا. يقول: لا ~~تسكن إلى ناحية قوم اهتضمتهم وبدأتهم بسبهم واطراحهم، وإسقاطهم وتذليلهم. ~~وظلمتهم مع ما بعده من صفة القوم. والرغم مصدر رغمت فلانا إذا قلت له رغما ~~أو فعلت به ما يرغم به أنفه ويذله. والرغام: التراب، وحكى الخليل: أرغمته: ~~حملته على ما لا يقدر على الامتناع منه. # أن يأبروا نخلا لغيرهم ... والقول تحقره وقد ينمى # موضع قوله أن يأبروا نصب على البدل من قوما من البيت الذي قبله، كأنه ~~قال: لا تأمن أبر قوم ظلمتهم وأوحشتهم نخلا لغيرهم. ويقال: أبرت النخل ~~وأبرته، إذا ألقحته. وجعل هذا الكلام وعيدا في مفارقة القوم الذين وصفهم ~~إياهم، وتقويتهم لأعدائهم بعد الانتقال إليهم، وإصلاحهم الفاسد من فخرهم ~~وأمرهم نصرة لهم، وجعل قوله أن يأبروا كناية عن هذا المعنى، كما قال طرفة: # ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر # وقد قيل: أراد: لا تأمن قوما أسأت في معاملتهم أن يتركوا أرضهم وديارهم ~~ويلحقوا بالأعداء فيأبروا نخيلهم ويتصرفوا في مهنهم، ليكونوا معهم عليكم. ~~والأول أحسن وأغرب. وقوله والقول تحقره وقد ينمى يجوز أن يكون ضربه مثلا في ~~التهاون بما لا يجوز التهاون فيه، ويجوز أن يشير بالقول إلى ما يقوله في ~~شعره هذا، ويريد أنه سيزداد بانضمام الفعل إليه. # PageV01P150 # وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم # زعم زعما وزعما ومزعما، وأكثر ما يستعمل فيه ما كان باطلا أو فيه ارتياب. ~~ولذلك يقال: تزعم، أي تكذب؛ وزعم في غير مزعم، أي طمع في مطمع. وأن لا حلوم ~~أن فيه مخففة من الثقيلة. أراد: زعمتم أنه لا حلوم لنا. والهاء ضمير للأمر ~~والحديث، ولا حلوم في موضع الخبر. أراد: وزعمتم أن الأمر والشأن لا عقول ~~لنا، فإن كان الأمر على ms0111 ما زعمتم فنبهونا أنتم، فإن عامر بن الظرب حكم ~~العرب كان يقرع له العصا فينبه، لما كان يزيغ في الحكم لكبرته وسنه. وهذا ~~الكلام تهكم وسخرية. ومثله قولك لمن أنكر عليك ما لا يشك في صلاحه وصحته: ~~إن كان ذلك فاسدا فصححه أنت. وهذا ظاهر. وذو الحلم الذي قرع له العصا مختلف ~~فيه، فتدعيه اليمن وتقول: هو عمرو بن حممة الدوسي، روى ذلك الشعبي عن ابن ~~عباس رضي الله عنه. وتدعيه مضر، فتقول: هو عامر بن الظرب العدواني، وإياه ~~عنى ذو الإصبع في قوله: # ومنهم حكم يقضي ... ولا ينقض ما يقضي # وتدعيه ربيعة فتقول: هو قيس بن خالد الشيباني، وهو جد بسطام بن قيس بن ~~مسعود بن قيس بن خالد. # ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم # يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ ~~هذه الشجيرة. وخص المقيد لأن وطأته أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. ~~والهرم: ضرب من الحمض، يقال جمل هارم، وإبل هوارم إذا رعت الهرم. وانتصب ~~وطء المقيد على البدل، أي وطئا يشبه هذا الوطء. ومما حكي عن العرب: أعوذ ~~بالله من طئة الذليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد، لسوء ملكته، كما قال ~~الآخر: # ولم يغلبك مثل مغلب # وعلى هذا قيل: ضربته ضربة الجبان، وضبطته ضبطة الأعمى. # PageV01P151 # وتركتنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم # هذا مثل يضرب في الانقياد والذل. ولذلك يقولون: النساء لحم على وضم إلا ~~ما ذب عنه. يقول: تركتنا لا دفاع بنا، كاللحم على خوان الجزار يتناوله من ~~شاء، لو كنت تترك منا بقية، وتطلب علينا بقية. والمعنى أنك تروم استئصالنا، ~~فلست ترضى بالإذلال. وجواب لو فيما تقدم عليه. ### || وقال أعرابي # قتل أخوه ابنا له فقدم إليه ليقتاد منه، فألقى السيف وهويقول: # أقول للنفس تأساء وتعزية ... أحدى يدي أصابتني ولم ترد # التأساء: تفعال من الإسوة. ويقال إسوة وأسوة، فيضم أوله ويكسر، وانتصابه ~~على أنه مصدر في موضع الحال. أي أقول متأسيا بغيري، ومسليا ms0112 لنفسي: جنى علي ~~أخي الذي محله مني محل إحدى يدي، سهوا لا إرادة لمساءتي وخطأ لا عمدا. ~~وقوله إحدى يدي في موضع المبتدأ وأصابتني خبره، وقوله ولم ترد في موضع ~~الحال، والجملة في موضع النصب على أنه مفعول لقوله أقول. # كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # يقول: كل واحد من الأخ الواتر والابن المفقود يصلح لأن يرضى به عوضا من ~~فقدان الآخر، فإن اقتدت من الأخ منتصفا للابن فقدتهما جميعا، فاستبقاني أخي ~~هو على كل حال أقرب وأعود. ### || وقال إياس بن قبيصة الطائي # ما ولدتني حاصن ربعية ... لئن أنا مالأت الهوى لاتباعها # امرأة حاصن وحصان، أي ممتنعة عن الرفث، عفيفة. ومصدره الحصانة والحصن، ~~وربعية: منسوبة إلى ربيعة: وهذا الكلام خبر يجري مجرى اليمين، والام من لئن ~~يؤذن بأن الكلام قسم، فيقول: لست ابن امرأة من بني ربيعة كريمة عفيفة إن ~~كنت شايعت الهوى وتابعته في طلب امرأة: والمعنى: لست لرشدة إن فعلت # PageV01P152 # ذلك. ومالأت، مأخوذ من قولهم: هو مليء بكذا، وقد ملؤ يملؤ ملاءة. وجواب ~~الشرط فيما تقدم. # ألم تر أن الأرض رحب فسيحة ... فهل تعجزني بقعة من بقاعها # قال الخليل: البقعة: قطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها، واستشهد ~~الشاعر لنفسه في إنكار ما انتفى من فعله بقوله: ألم تر أن الأرض، لأن ألم ~~تر وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، كلمة يواقف بها المخاطب في تحقيق الأمور، ~~وتثبيت الخطوب، وربما صحبها معنى التعجب. فيقول: إنك تعلم أن الأرض واسعة ~~عريضة، وأن بقاعها لا تنبو بي، ولو نبت لم تعجزني، فكما أني في هذا بهذه ~~الصفة، فكذلك أنا في الأول. ومذهب هذا الكلام مذهب قول القائل عند تحقيق ~~أمر وتصويره للمخاطب: إن هذا حق كما أني حاضر، وكما أنك تسمع وتجيب. # ومبثوثة بث الدبا مسبطرة ... رددت على بطائها من سراعها # يقول: رب خيل متفرقة ممتدة في وجه الأرض امتداد فراخ الدبا وتفرقها - ~~والمعنى أنهم يموجون في انتشارهم، كما أن الجراد إذا انبثت ماج ms0113 بعضها في ~~بعض - أنا رددت أولها على آخرها، وحبست متقدماتها على متأخراتها، حتى لحقت ~~الأعجاز بالصدور، واختلطت اللواحق بالسوابق. ويقال: هم يتهافتون تهافت ~~الفراش، ويتماوجون تماوج الجراد. # وأقدمت والخطى يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها # قوله والخطى واوه واو الحال. واللام من لأعلم لام العلة. يقول: تركت ~~الإحجام، وآثرت الإقدام، ورماح الخط تختلف بالطعن، وتحكم للشجاعة على ~~الجبن، لأتبين الضعيف من القوي، والمتقدم من المتخلف. والمعنى فعلت ذلك ~~ليبين فضلي على غيري. ### || وقال رجل من بني تميم # وطلب منه ملك الروم فرسا يقال له سكاب فمنعه إياها: # أبيت اللعن إن سكاب علق ... نفيس لا تعار ولا تباع # PageV01P153 # قوله علق نفيس أي مال يبخل به. وهذا كما يقال: هو علق مضنة. ويقال: ~~عالقته بعلقي وعلقه، إذا خاطرته بكرائم المال. يقول: منعت أن تفعل ما تستحق ~~به اللعن، إن فرسي سكاب متاع نفيس، وعلق كريم، لا يعرض للبيع، ولا يبذل ~~للإعارة. وسكاب إذا أعربته منعته الصرف، لأنه علم، فلحصول التعريف فيه ~~والتأنيث مع كثرة الحروف يمنع الصرف. والشاعر تميمي، وهذا لغة قومه. وإذا ~~بنيته على الكسر أجريته مجرى حذام، لأنه مؤنث معدول معرفة، فلمشابهته بهذه ~~الأوصاف دراك ونزال يبنى، وهذه اللغة حجازية. واشتقاق سكاب من سكبت إذا ~~صببت. ويقال في صفة الفرس: هو بحر وسكب. وقوله: أبيت اللعن، تحية كان ~~يستعطف به الملوك. وأصل اللعن: الطرد. وقول الشاعر: # ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه # يعني إلا أن يقال لي: أبيت اللعن، لأنه تحية الملوك. وكأنه قال: نلت كل ~~شيء إلا الملك. # مفداة مكرمة علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع # يقول: لعزتها على أربابها تفدى بالآباء والأمهات، وتؤثر تكريما لها على ~~العيال عند الإضافة والإفتار، فيجوع العيال ولا تجوع هذه. # سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمهما الكراع # يقول: هي ولد فرسين سابقين، إذا نسبا ضم مناسبهما ومناصبهما الكراع، وهو ~~فحل كريم معروف. وسليله ألحق الهاء بها وإن كان فعيلا في معنى مفعول، لأنه ~~جعل اسمأ، كما تقول هي قتيلة بني ms0114 فلان. ومعنى سل: نزع. ويقال: نجلا ولدهما ~~وتناجلاه، بمعنى واحد، قال: # إذ نجلاه فنعم ما نجلا # وأصل الكراع في اللغة: أنف يتقدم من الجبل، فسمي هذا الفحل به لعظمه. ~~وأما الكراع الاسم الجامع للخيل، فهو غير ذا. # PageV01P154 # فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بوجه يستطاع # يقول: أرفع طمعك في تحصيل هذه الفرس، أبيت أن تأتي ما تستحق به اللعن، ~~ودفعك عنها يقدر عليه بوجه ما وبحيلة ما. والمعنى: إني لا أسعفك بها ~~استبعتها أو استوهبتها، ما وجدت إلى الرد طريقا، فلا تطمع فيه ما دامت لي ~~هذه الحالة. وقوله ومنعكها أي منعك عنها. ويقال منعتك كذا، ومنعتك عن كذا، ~~وأما المنعة العز فهو مصدر كالحركة والجلبة من منع مناعة مناعا، فهو منيع. ### || وقالت امرأة من طيئ # دعا دعوة يوم الشرى يا لمالك ... ومن لا يجب عند الحفيظة يكلم # يقول: استغاث هذا الرجل في يوم اجتماعنا بالشرى - وهو مكان معروف اتفقت ~~فيه وقعة فنسب يومها إليه - استغاثة وقال: يا لمالك؛ ومن لا يجب. إذا ~~استصرخ، ولم يغث إذا استنصر، يهتضم ويجرح. وقوله يا لمالك اللام فيه ~~للإضافة، وإنما فتح لأنه دخل على ما هو واقع موقع المضمر، فكما يفتح لام ~~الإضافة مع المضمر كذلك فتح مع المنادى لوقوعه موقعه. فإن قيل: فما المدعو؟ ~~قلت: مالك، كأنهقال: دعائي لمالك. والحفيظة: الخصلة التي يحفظ الإنسان ~~عندها، أي يغضب. وكذلك الحفظة. قال: # وحفظة أكنها ضميري # وقوله يكلم كناية عن الغلبة أو القتل. # فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ... ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم # الفنيق: الفحل المفنق لا يركب لكرامته على أهله. والمسدم: الفحل الهائج ~~الممنوع. ويقال: عتله يعتله ويعتله جميعا، إذا قاده بعنف. ومعنى يا ضيعة ~~الفتيان وإن كان لفظه لفظ النداء، معنى الخبر، كأنه قال: ضاع الفتيان جدا. ~~فيقول على وجه التعجب والاختصاص: ما أضيع الفتيان في ذلك الوقت وفي تلك ~~الحالة. كأنه لما لم ينصر في تلك الحالة ولم يحضره فتى يعينه كان الفتيان ~~ضائعين، إذ كانوا يعنفون في قودهم إياه، وهو كأنه ms0115 فحل مشدود الفم خوفا من ~~صياله، فلا يناكر # PageV01P155 # بنفسه، ولا يدافع أحد دونه. وذكر بعضهم أن هذا المقتول هو بهدل بن قرفة، ~~أحد بني نبهان، وأخذ بسبب دم ابن جعدة المخزومي فقتل بالمدينة صبرا. وما ~~اقتص في الأبيات يدل على خلافه. # أما في بني حصن من ابن كريهة ... من القوم طلاب التراث غشمشم # هذا الكلام بعث وتحضيض لأبناء حصن. والغشمشم: الذي يركب رأسه ولا يهاب ~~الإقدام على شيء. والكلام لفظة استفهام، والمعنى معنى التمني، كأنه يبعث ~~ويحضض من يطلب دمه إذ فات نصرته حيا. فيقول: أما في هذه القبيلة ابن حرب ~~متناه في طلب الدم وإدراك الثأر، ظلوم غشوم، يركب الكرائه والأمور الصعبة، ~~غير مرعو ولا منقبض. # فيقتل جبرا بامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم # جبر هو القاتل لولي هذه المرأة. ويقال: باء فلان بفلان يبوء بواء، إذا ~~ارتضى لقتله بدلا منه. وأبأت فلانا بفلان، أي قتلته. وانتصب يقتل على أنه ~~جواب التمني بالفاء، والعامل في الفعل أن مضمرة، أي أما فيهم رجل هكذا ~~فيقتل هذا الرجل برجل لم يكن له نظيرا، فيكون في دمه وفاء بدمه، ولكن سقطت ~~المكايلة في الدماء منذ جاء الإسلام، فلا يقتل بدل الواحد إلا واحد، شريفا ~~كان أو وضيعا. ### || وقال بعض بني فقعس # رأيت موالي الأولى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب # الموالي ها هنا: أبناء العم. والأولى في معنى الذين، ويخذلونني من صلته. ~~يقول: رأيت أبناء عمي هم الذن يقعدون عن نصرتي على تقلب الزمان، وتصرف ~~الحدثان. وقوله على حدثان الدهر في موضع الحال، أي يخذلونني مقاسيا لما ~~يحدث في الدهر أوان تقلبه وتغيره. # فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب # قوله: تفاقدوا دعاء، وقد اعترض بين أول الكلام وآخره، ولكنه أكد مايقتصه ~~فصلح لذلك. يقول: هلا جعلوني عدة لرجل مثلي، فقد بعضهم بعضا وقد جاءهم # PageV01P156 # الخصم متأخر العجز مائل الرأس منحرفا. وهذا تصوير لحال المقاتل إذا انتصب ~~في وجه مقصوده، وهو أبلغ في الوصف من كل ms0116 تشبيه، ومثله قول الآخر: جاءوا ~~بمذق هل رأيت الذئب قط ألا ترىأنه صور لون المذق لما قال: هل رأيت الذئب ~~قط؟ وقوله: إذا الخصم هو حكاية الحال المتوهمة، وهو الرواية المختارة. وقد ~~روي: إذا الخصم والجملة التي تبين بها إذا هذه يجب أن يكون فيها فعل، وقد ~~عريت منه ها هنا، وأظن أن الأخفش جوز مثله. والمعنى: لم أفاتوني أنفسهم، ~~وهلا ادخروني ليوم الحاجة إذا كان الخصم هكذا. وأراد بالخصم الجنس. وقال ~~الأصمعي: البزي: تأخر العجز. وقال غيره: هو إشراف وسط الظهر على الإست. ~~والبيت يشهد للأصمعي. والنكب: شبه الميل في المشي ومنه الأنكب من الإبل، ~~وهو الذي يمشي في شق. # وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب # الكلام في تفاقدوا وأنه دعاء واعتراض، على ما مر. وإنما وكرر ما كرره على ~~وجه التأكيد، وتفظيعا للأمر. والمعنى: هلا جعلوني عدة لرجل مثلي في البأس، ~~فقد بعضهم بعضا. وقد انتشر في الأرض أعداء كثيرة، وأنواع من الشر فظيعة. ~~والشجاع: الحية. وكنى بالعقرب وبه عن الأعداء والشر. وارتفاع شجاع، يجوز أن ~~يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الابتداء ومبثوث خبر له قدم عليه، ويجوز ~~أن ينصبمبثوث على الحال، ويجعل في الأرض الخبر. ولم يثن مبثوث لأن القصد ~~بالشجاع والعقرب إلى خيل الأعداء والشر، فكأنهما شيء واحد. # فلا تأخذوا عقلا من القوم إنني ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب # لك أن ترفع المعاقل على الاستئناف، ولك أن تحمله على ما قبله فتطفه على ~~العار. يقول: لا ترغبوا في قبول الدية فإنه عار، والعار يبقى أثره، ~~والأموال تفنى. والمعاقل: جمع المعقلة. والمعقلة والعقل: الدية، وأصله ~~الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، وهو مصدر وصف به. وحكى الأصمعي: صار ~~دمه معقلة على قومه، أي صاروا يدونه. # PageV01P157 # كأنك لم تسبق من الدهر ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب # يقول: من أدرك ما طلبه من الثأر فكأنه لم يصب ولم يوتر. وهذا بعث وتحضيض ~~على طلب الدم والزهد في الدية. وفي طريقته قول الآخر: ms0117 # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # لكن هذا بعث على طلب المال. ### || وقال آخر: # فلو أن حيا يقبل المال فدية ... لسقنا لكم سيلا من المال مفعما # انتصب فدية على الحال من المال، والمراد به الإبل لا غير، ونكر قوله حيا ~~وهو يقصد به قصد حي بعينه، لأن المراد كان مفهوما عند من عرف القصة، فجعله ~~كالتعريض. وقوله سيلا مفعما والسيل يفعم به الشيء، يجوز أن يكون من باب هم ~~ناصب وما أشبهه، ويكون المعنى سيلا ذا إفعام، ولكن أكثر ما يجيء معنى ~~النسبة فيما كان للفاعل، كطالق ومرضع. ومثله قولهم نخلة موقر. ويجوز وهو ~~الأجود أن يكون عبر عن الكثرة بقوله مفعم كما عبر في قولهم شعر شاعر وموت ~~مائت عن التناهي بلفظ فاعل، وإن كان الموت لا يموت، والشعر لا يشعر، كما أن ~~السيل لا يفعم. وقد قيل امرأة فعمة المخلخل، أي غليظة كثيرة اللحم عليه. ~~والمعنى: لو كانت معاملتنا مع حي يرى قبول المال فداء لأرضيناه بالمال ~~الكثير. # ولكن أبى قوم أصيب أخوهم ... رضى العار واختاروا على اللبن الدما # يقول: ولكن امتنع قوم أصبنا صاحبهم من الرضا بالدنية، وآثروا طلب الدم ~~على قبول الدية. وجعل اللبن كناية عن الإبل تؤدي عقلا، لأنه منها، وكما نكر ~~حيا في البيت الأول نكر أيضا في الثاني قوله أبى قوم، والغرض بهما على حد ~~واحد، ولا يجوز أن يكون يقبل المال فدية صفة لقوله حيا، لأنه يبقى أن بلا ~~خبر. فأما قوله أصيب أخوهم فهو صفة لقوله قوم. وقوله رضى العار العار في ~~موضع المفعول، أي أبوا أن يرضوا العار خطة لأنفسهم. # PageV01P158 ### || وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب # أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي # الشعر لكبشة أخت عبد الله. والكلام بعث وتهييج. وإنما تكلمت به على أنه ~~إخبار عما فعله عبد الله وأقامه من الوصاة عند الوفاة، فتقول: راسل عبد ~~الله بن معد يكرب لما دنا أجله قومه ms0118 وذويه، بأن لا يعقلوا دمي. وإن كانت ~~آمنة من ميلهم إلى قبول الدية، فغلظت القول لتهتاج حميتهم. ويقال عقلت ~~فلانا، إذا أعطيت ديته. وجعل هذا المفعول الدم لأن المراد مفهوم، كأنه قال: ~~لا تأخذوا بدل دمي عقلا. ويقال عقلت عن فلان، إذا غرمت عنه دية جنايته أو ~~أرشها. # ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم # الإفال: جمع وواحده أفيل، وهي صغار الإبل، والأبكر: جمع البكر، وهو الفتى ~~منها. يقول: لا تأخذوا من قتلتي صغار الإبل وبكارتها، فتتركوني في قبر مظلم ~~بصعدة؛ وهو مكان باليمن. وإنما جعل قبره هكذا، لأنهم كانوا يزعمون أن ~~المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره، فإن أهدر دمه أو قبلت ديته بقي قبره ~~مظلما. فإن قيل: لم ذكر الإفال والأبكر وما يؤدي في الديات لا يكون منهما؟ ~~قلت: أراد تحقير الديات، وهذا كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعة خاز ~~بها إنسان: إنما أعطي خرفا وفلوسا! وإن كانت الثياب المعطاة كسوة فاخرة، ~~والمال الموفر جائزة سنية. وانتصب وأترك بإضمار أن وهو جواب النهي بالواو. # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو وغير شبر لمطعم # عمرو هو أخوها، وكان يعد بألف فارس، ولم يكن ممن يسالم ولا سيما في طلب ~~دم أخيه. وإنما رمته بهذا الكلام لتهيج منه وتبعثه على التعجل في درك الثأر ~~والتسرع في الانتقام. وقوله: " وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم " تزهيد في ~~الدية، وهذا كما روي في الخبر: " وهل بطن ابن آدم إلا شبر في شير " لما ~~أريد تزهيده في الدنيا وحطامها. أي ما يصنع بالمال وجوفه يمتلئ باليسير. ~~وعمرو لم يكن ممن # PageV01P159 # يميل إلى الدية، كما لم يكن يميل إلى المسالمة، ولكن المراد ما ذكرناه من ~~التحضيض والحث. # فإن أنتم لم تثأروا واتديتم ... فمشوا بآذان النعام المصلم # الصلم: قطع الأذن من أصلها، ومنه الصليم: الداهية المستأصلة. واتديتم، ~~معناه قبلتم الدية. يقال: وديته فاتدى، كما يقال وهبته فاتهب، أي قبل ~~الهبة. وفي الحديث: " هممت ألا أتهب إلا من ms0119 قرشي أو أنصاري " ومثله قضيته ~~الدين فاقتضاه، أي قبله وتوفره. وقوله: " فمشوا " أي امشوا. وضعف الفعل ~~للتكثير. ومن روى " فمشوا " بضم الميم فمعناه امسحوا؛ ويقال لمنديل الغمر: ~~المشوش. والمعنى: إن لم تقتلوا قاتلي وقلتم ديتي فامشوا أذلاء، بآذان مجدعة ~~كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصويرا لها، وإن كانت خلقة جميعها ذلك. ~~ومن أحاديثهم عن البهائم: " ذهبت النعامة تطلب قرنين فجدعت آذانها ". ومن ~~روى " فمشوا " فامعنى امسحوا بآذانكم مجدعة مثلة بكم كآذان النعام. # ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم # ترمل وارتمل إذا تلطخ بالدم. قال: # إن بني رملوني بالدم # ويجوز أن يكون هذا الكلام دعاء عليهم، أي أحلكم الله محل من ذا صفته. ~~وعلى هذا يكون قوله " فمشوا " من البيت الأول أيضا. وإن شئت جعلته تهيا، ~~وفمشوا أمرا. والمعنى: إذا فعلتم ذلك فتأخروا في المواطن كلها والمناجع، ~~وتخلفوا عن المشاهد والموارد، والبسوا الذل راضين به، فإن مآل أمركم مع ~~تضييعكم دم صاحبكم إلى مثل ذلك. وكان عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم ~~الرجال ثم العضاريط والرعاة، ثم النساء، إذا صدرت كل فرقة عنه، فكن يغسلن ~~أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمنات مما يزعجهن غير مستعجلات، فمن تأخر عن الماء ~~حتى تصدر النساء فهو الغاية من # PageV01P160 # الذل. وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعا للشأن، وتدنيسا للماء. ~~والأعقاب واحدها عقب، وهو موخر الرجل. يقال: ولى على عقبيه، إذا انصرف ~~راجعا عن مطلوبه. ### || وقال عنترة بن الأخرس المعنى من طيئ # أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شيت فانظر من تضير # يقال: شنئته شناءة وشنئا وشنانا ومشنأة، إذا كان بغضا مختلطا بعداوة وسوء ~~خلق، كما أن الشنف اسم لشدة العداوة. يقول: أدم احتمال الضغائن والبغض لي، ~~وعش مدة مشيئتك فتأمل من يضره ذلك. ويقال ضاره يضيره، وضره يضره بمعنى ~~واحد. وانتصب موضع ماشيت على أنه ظرف. و " من " مفعول تضير، لأنه استفهام ~~فلا يعمل فيه ما قبله. أي انظر تضير من. # فما بيديك خير أرتجيه ... وغير سدودك الخطب الكبير # بين وجه استهانته ms0120 به، وقلة مبالاته ببغضائه وعداوته. فيقول: لا نفع عندك ~~أعلق رجائي به، وغير إعراضك هو الخطب الكبير، فأما إعراضك فأهون به وأحقر ~~بكونه. وأرتجيه، في موضع الصفة للنفع، أي نفع مرتجى. # ألم تر أن شعرك سار عني ... وشعري حول بيتك ما يسير # هذا تقرير له في بيان فضله عليه، وسلامة عرضه من قرفه إياه. يقول: ألم ~~تعلم أن شعرك الذي قلته في لم يعلق بي ذمه، لأنه كان كذبا وزورا، وشعري ~~الذي قلته فيك يطوف حول دارك وبيتك ولا يفارقك، لأنه كان صدقا. ويجوز أن ~~يكون المعنى: ألم تر أن شعري الذي قلته فيك سار عني، لأن الرواة احتملوه ~~استجادة له واستلذاذا، وشعرك الذي قلته في ملازم لك لزهد الناس فيه لما كان ~~سفسافا. وساغ الوجهان جميعا لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى ~~الفاعل، فعلى ذلك # PageV01P161 # جاز أن يقول شعرك ويريد شعري المقول فيك. وروى بعضهم: # ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك ما يسير # وهذا الراوي صرح بالتفسير الثاني. # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور # في طريقته قول أوس: # إذ يشزرن إلي الطرف عن عرض ... كأن أعينهم من بغضتي عور # يقول: إذا رميتني ببصرك لم يمكنك ملؤه مني بغضا وعداوة، حتى تعرض عني فعل ~~الناظر إلى الشمس، فكأن الشمس تدور من جهتي. فأما قول الآخر: # نظر يزل مواطئ الأقدام # فهو صفة نظر المهيب المعظم. وفي نظر الناظرين على اختلافهم ما يستدل به ~~على أحوالهم، وسنذكر ما يجيء عنه مبينا من بعد. ### || وقال الأحوص بن محمد # إني على ما قد علمت محسد ... أنمي على البغضاء والشنآن # علمت بمعنى عرفت، ولهذا اكتفى بمفعول واحد. ومعنى البيت. إني مرموق محسود ~~على ما قد عرفته من أحوالي، زائد كل يوم على بغضاء الناس وشنآنهم لي، ويكون ~~قوله " على ما قد علمت "، وقوله " على البغضاء " جميعا في موضع الحال. ~~والعامل في الأول قوله محسد، وفي الثاني أنمي. ويجوز أن يكون على ما قد ~~علمت من صلة محسد، ms0121 كما تقول حسدته على كذا. وقال بعض الناس: الشنآن: بغض ~~يختلط به عداوة وسوء خلق، فلهذا جاز الجمع بينه وبين البغضاء. وقال غيره: ~~بل هما بمعنى واحد، واللفظان إذا اختلفا على اتفاق معناهما جاز الجمع ~~بينهما تأكيدا. # PageV01P162 # واحتج بقوله: # وهند أتى من دونها النأي والبعد # قال: ولا خلاف بين أهل اللغة أنه لا فصل بينهما. # ما تعتريني من خطوب ملمة ... إلا تشرفني وتعظم شاني # أضاف الخطوب إلى ملمة لأنه أراد بها أوائل أمر عظيم، وجوانب شر فظيع. ~~وأصل الخطب الطلب، يقال خطبت كذا فأخطبني، كما تقول طلبته فأطلبني، فكأنه ~~أراد أوائل ملمة وأسبابا لها تطلبه. ويقال: هذا خطب أمر عظيم، وهذا خطب أمر ~~يسير. فيقول: ما يطرق ساحتي أسباب نازلة شديدة إلا عظمت شأني، ورفعت قدري، ~~لأنه يعرف بلائي فيها، وحسن مخلصي منها، فازددت في عيون الناس وقلوبهم. # فإذا تزول تزول عن متخمط ... تخشى بوادره لدى الأقران # المتخمط: المتغضب له سورة والتهاب، واستعير في آذي البحر وأمواجه إذا ~~التجت. قال: # خمط التيار يرمي بالقلع. # يقول: إذا انكشفت تلك الخطوب والملمات انكشفت عن رجل متكبر يخاف فلتاته ~~وبدراته عند نظرائه في البأس والشدة. والمعنى: إن الدواهي إذا نزلت بساحتي ~~لا تلين لها عريكتي، ولا تحصل علي تذللا لم يكن من قبل لي. وقوله: " تخشى ~~بوادره " في موضع الصفة للمتخمط. ولم يرض حتى يجعل البوادر مخشية عند ~~أشباهه، فكملت الصفة، وتمكنت القافية. # إني إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان # PageV01P163 # إني إذا خفي مواقعهم من قلوب الرؤساء، ومواضعهم من صدور المجالس فأنا ~~بخلافهم. يصف اشتهاره في الأماكن وجلالته في النفوس، فيقول: إذا غشي الرجال ~~خمول ألفيتني في شهرتي ونباهتي كالشمس التي يتصل شعاعها بكل مكان، ويعرف ~~شأنها في كل نفس وكل زمان. ### || قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # المهل والمهل والمهلة تتقارب في أداء معنى الرفق والسكون. ويقال: لا مهل ~~لك، ومالك من مهل. قال: # يقولون ms0122 مهلا يا جميل وإنني ... لأقسم ما بي عن بقينة من مهل # يقول: رفقا يا بني عمنا، رفقا موالينا. وهذا التكرار يريد به التأكيد. ~~ويجوز أن يكون هذا الكلام تهكما، ويجوز أن يكون رآهم ابتدءوا في أمر لم ~~يأمن معه من تفاقم الشأن، واستفحال الخطب، ما لا يقدر على تلافيه، ~~فاسترفقهم لذلك. وقوله: " لا تنبشوا بيننا " أي لا تثيروا ما كان مستورا من ~~الشر. وذكر الدفن والنبش استعارة في الإظهار والكتمان. # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا # يقال: طمع فلان في كذا طمعا وطماعية ومطمعا. وأوصل الفعل بنفسه من دون ~~في، لأن أن الخفيفة والشديدة إذا اتصل بها حروف الجر حسن حذفها لطول الكلام ~~بها. تقول: أنا راغب في أن ألقاك، وطامع في أن يحسن زيد إليك، وحريص على أن ~~أصلك. ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك، وطامع في أن يحسن زيد إليك، وحريص على ~~أن أصلك لجاز. ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت: أنا راغب في لقائك، # PageV01P164 # وطامع في إحسان زيد إليك، وحريص على صلتك، لم يجز حذف حرف الجر. لا تقول: ~~أنا راغب لقاءك، وطامع إحسانه إليك، وحريص صلتك؛ لأن ما كان يطول الكلام به ~~لم يحصل. يقول: لا تقدروا أنكم إذا أهنتمونا قابلناكم، بالإكرام، وأنكم إذا ~~آذيتمونا كففنا عن أذاكم، لأن عزتنا تمنع من ذلك. # مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا # هذا الكلام فيه تهكم فيقول رفقا يا بني عمنا عن ثلبنا، والوقوع فينا، ~~وسيروا على هينة ووقار، وسكينة وانخفاض، على عادتكم المتقدمة، وسنتكم ~~المعهودة، ودعوا ما استأنفتموه من الأخلاق المنكرة، والسير الذميمة. ~~والأثلة: شجرة تجعل مثلا للعرض، فيقال: فلان ينحت أثلة فلان، إذا ذمه ~~وتنقصه. وقوله " سيروا رويدا " أراد سير واسيرا ترودون فيه، أي ترفقون فيه ~~وتسكنون. " كما كنتم تسيرونا " أي ارجعوا إلى مثل سيرتكم الأولى، وإلى ~~طريقتكم المثلى، واتركوا ما ابتدعتموه، فإنا لا نحتمله ولا نصابركم عليه. ~~وروى بعضهم بدلا من المصراع الثاني: # مهلا بني عمنا مهلا ms0123 موالينا # ويحمل التكرار فيه على أنه توعد وتأكيد. # الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا # استشهد بربه في انتفاء الحب عن قلوبهم، وذكر أنهم لا يلومونهم إذا لم ~~يحبوهم. كأن المعنى أن القلوب مجبولة على حب المحسن وبغض المسيء، فإذا ~~ارتفع التعامل بالإحسان مما بينهم، وحدث التجاذب بالإساءة فيهم، فالتحاب لا ~~محالة ساقط، والتباغض حاصل. # كل له نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا # يقول: كل واحد منا ومنكم من قبل وإلى الآن له نية صادقة لصاحبه في ~~العداورة والبغضاء، وعقيدة خالصة في القطيعة والجفاء، فبحمد الله ومنه ~~وجزيل منحه قد استمر أمرنا على أنا نبغضكم وتبغضوننا. وقوله " بنعمة الله " ~~هو كما جاء في القرآن: " ما أنت بنعمة ربك بمجنون ". وقوله " نقليكم ~~وتقلونا " إشارة إلى الحال. وحذف المفعول من الثاني لأن في الكلام ما يدل ~~عليه. ويجوز أن يكون أراد # PageV01P165 # وتقلوننا فحذف الثانية عن الإعراب، وهي لغة حجازية. ومثله: # قد رفع الفخ فماذا تحذري # يريد تحذرين، وعلى هذا قول الآخر: # إلى من بالحنين تشوقيني # وهذا يؤيد مذهب سيبويه في تجويزه للشاعر حذف حركة الإعراب عند الضرورة. ### || وقال الطرماح بن حكيم الطائي # لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل # قوله " أنني بغيض " في موضع الفاعل، والمعنى: زادني بغاضتي إلى كل رجل لا ~~فضل فيه ولا خير عنده، حبا لنفسي، لأن التمايز بيني وبينه والتباين، هو ~~الذي أداه إلى بغضي، ولو كان بيننا تشاكل وتقارب لما نبا عني ولا أبغضني. ~~وهذا الكلام تعريض بمنابذ له. وقوله " غير طائل " هو من طال عليهم يطول ~~طولا. والطول: الفضل. وقال الخليل: يقال للشيء الدون الخسيس: هذا غير طائل، ~~والمذكر والمؤنث فيه سواء. ويقال: زدت فضلا كما يقال ازددت فضلا وزادنيه ~~كذا. # وأني شقي باللئام ولا ترى ... شقيا بهم إلا كريم الشمائل # قوله " وإني شقي " أصله أنني، لكنه حذف النون الأولى من أن تخفيفا لأنه ~~اجتمع ثلاث نونات. وهو محمول في الإعراب على أنني في البيت الأول ومعطوف ~~عليه، ms0124 فيقول: وزادني حبا لنفسي أيضا شقوتي باللئام حتى تنقصوني واغتابوني، ~~ثم قطع الإخبار وكأنه أقبل على مخاطب ملتفتا إليه فقال: ولا ترى أحدا يشقى ~~بهم إلا وهو كريم الطبائع، مجانب لهم بعرضه وأصله، وخلقه وفعله. ويقال شقيت ~~شقوة # PageV01P166 # وشقاوة وشقاء. والشمائل: الطبائع، واحدها شمال. قال: # ألوم وما لومي أخي من شماليا # ثم يقال: هو حسن الشمائل، والمراد به الهيئة والشكل. # إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل # رجع إلى اقتصاص الحال بينه بين من عرض به فيقول: إذا أبصرني المباغض لي ~~ارتد طرفه عني، وقطع نظره إلي، فعل من يعرف الشيء ويتكلف جهله. وقوله " قطع ~~الطرف بينه "، الطرف: مصدر طرفته، إذا أبصرته. وعلى هذا قوله: # تحسب الطرف عليها نجدة # وقد يراد بالطرف العين أيضا فيكون اسما للجارحة والحدث جميعا. وانتصب " ~~فعل العارف " على المصدر مما دل عليه قطع الطرف بينه وبيني. والمتجاهل: ~~متكلف الجهل. وعلى هذا: تعامى، وتعارج، وتخازر. وفي طريقته لفظا ومعنى قول ~~الآخر: # تشاوس يزيد إنني من تأمل # ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفه حابل # PageV01P167 # يقال: ملأت عليه الأرض، إذا ضيقتها عليه. وملأت منه الأرض، إذا قمت وقعدت ~~بذكره. والحابل: ناصب الحبالة. ويقال حبلت الصيد واحتبلته، إذا أخذته؛ ~~وتوسعوا فيه فقالوا: احتبله الموت بحبائله. والكفة، يجوز أن يريد به ~~الحفيرة التي ينصب الحابل فيها الحبالة. ويجوز أن يريد بها قترته، ويجوز أن ~~يريد بها عين الحبالة، لأنها تجعل كالطوق. وهذا أقرب لأن الخليل فسر الكفة ~~على ذلك. وجاء إضافتها إلى الحابل كما يجوز إضافة نفس الحبالة إليه، ~~والمعنى: ضيقت عليه الأرض على اتساعها، لشدة بغضه لي، أي حتى كأنها برحبها ~~في عينيه كفة حابل إذا اجتمع فيها معي. وهذا يشير إلى تضاد الطبعين، وتباين ~~الخلقين، وأنه لو أمكنه لانتفى وجوده في الأرض انتفاء الضد للضد، قلة ~~موافقة وكثرة مخالفة. ### || وقال بعض بني فقعس # وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحي القلوب معاودي الإفناد # يقول: رب قوم ذوي أحقاد وضغائن، مجاهرين بعداوتي، مراجعين حالا ms0125 بعد حال ~~قول الفحش في، متقرحي الأفئدة لشدة الحسد والبغض لي، فعلت بهم كذا. وجواب ~~رب فيما بعد. وذكر قرح القلب مثلا في العداوة، كما يذكر مرضه مثلا في ~~النفاق. على ذلك قول الله تعالى: " في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ". فأما ~~ذكر الصعر والشوس فهو من هذا الباب، لكنه تصوير حال المباغض أو المتكبر في ~~نظره، أو إقباله أو التفاته، وكذلك ما يشبهه. وقوله " معاودي الإفناد " ~~الإفناد بكسر الهمزة: مصدر أفند الرجل، إذا أتى بالفند. وإذا روي " الأفناد ~~" بفتح الهمزة فهو جمع الفند، وهو الفحش والخطأ في الرأي. ويقال في اللوم: ~~فندته، لأنه يجمع تخطئة الرأي وذكر القبيح. والضباب: جمع الضب، وهو الحقد. ~~قال: # يا رب ذي ضغن وضب فارض # ويقال: فلان خب ضب، إذا كان منكرا في المعاداة. # PageV01P168 # ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعاد # يقول: رب قوم هكذا أنا نسيت بغضهم لي حتى نسوا أيضا - لأن المناساة تكون ~~من اثنين فصاعدا - وتركتهم وهم من جملة الأعداء، إذا ميزت بالذكر الأصدقاء. ~~وقوله " الصديق " أراد به الجنس. # كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد # يقول: لم أكاشفهم، ولا أظهرت لهم علمي بعداوتهم، بل استمررت في مداجاتهم ~~ومساترتهم، وعركت بجنبي ما بدر من هفواتهم، طلبا لأن أعدهم لمن هو أبعد ~~شأوا في العداوة، أو أشد تأخرا في الالتحام والقرابة. ثم قال: ولقد يضطر ~~الإنسان إلى نصرة بني الأعمام وإن كانوا منطوين على ضغائن، فإذا قاتل ~~ببعضهم بعضا لاءمه ذلك ووافقه، وحصلت الدبرة على من حصل، إذ كان فيه ~~تفانيهم، واشتفاء الصدور منهم. وهذا كما قيل لبعض حكماء العرب ما تقول في ~~ابن العم؟ قال: عدوك وعدو عدوك. ### || وقال يزيد بن الحكم # دفعناكم بالقول حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان دفع الأصابع # يقول: درجناكم في استبقائكم ورتبنا القول والفعل في استفاءتكم وإصلاحكم، ~~فوعظناكم أولا باللسان وضرب الأمثال في الجدال، حتى أبطركم ذلك وزادكم ~~إغراء، فارتقينا من القول إلى الدفع بالراح، وتقبيح ما تأتونه بأحسن المس، ~~فلما لم يغن شيء ms0126 من ذلك عدلنا منه إلى الدفع بالأصابع، وما بين هذه المنازل ~~من التفاوت في الخشونة والليان معلوم عند ذوي الألباب. ومر بي فيما قرأته ~~من مجاوبات قريش، أن بعضهم قال لآخر منهم مستضعفا لما أورده عليه: هذا دفع ~~بالراح! فقال مجيبا: كلا إن معها الأصابع! وقوله " حتى كان دفع الأصابع " ~~انتصب دفع على أنه خبر كان، واسمه مضمر كأنه قال: حتى كان الدفع دفع ~~الأصابع. ولك أن ترفعه على أن يكون اسمه، وتضمر الخبر، كأنه قال: حتى كان ~~دفع الأصابع دفعنا، أو على أن يكون كان بمعنى حدث، فتكتفي بالفاعل، وهي ~~التي تسمى كان التامة. # PageV01P169 # فلما رأينا جهلكم غير منته ... وما غاب من أحلامكم غير راجع # يقول: ولما وجدناكم لا ترعوون لمواعظكم ونذركم، ولا يعاودكم ما عزب من ~~بصائركم وعقولكم، ولا يقف الجهل بكم على غاية لا متجاوز وراءها، ولا يغني ~~ما استفرغنا فيه الوسع من ردكم وزجركم، راجعنا أنفسنا منكرين ومتعجبين، ~~وأقبلنا نباحث عن أصولنا وفروعنا معتزين، لنقف على ما وطأ لكم مراكب ~~العقوق، وحسن في آرائكم تخطي موانع الحقوق، إلى نكث قوى العهود. # مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع # قوله " مسسنا " يجوز أن يكون بمعنى أصبنا واختبرنا، لأن المس باليد قد ~~يقصد به الاختبار، ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا. وقد قال بعض الناس في قول ~~الله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون ": إن المعنى لا يطلبه. قال: واللمس ~~كالمس في أنه يوضع في معنى الطلب. قال: وعلى هذا يحمل قول الله جل ثناؤه: " ~~وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا ". فمن الأول قولهم: مسه الكبر، ~~وأفضى الرجل إلى امرأته إفضاء مسيس. ومن الثاني مساس الحاجة. فأما قولهم: ~~به مس من جنون، فيصح أن يكون من الأول ومن الثاني جميعا. وهذا كما يقال: به ~~لمم من جنون، وأصله من اللم وهو الجمع أو الإلمام. وقوله " وكلنا إلى حسب " ~~أي ينتمي وننتمي. ف " إلى " تعلق بهذا وما أشبهه من المضمرات. وهذا كما ~~يقال: أنا منك وإليك. وقوله ms0127 " كلنا " أي كل واحد منا، يعني أهل بيتهم. ألا ~~ترى أنه قال " إلى حسب في قومه ". ومعنى البيت: لما اشتد لجاجهم وطال ~~تماديهم، وصاروا لا ينزلون عن مراكب البغي، ولا يرجعون عن الذهاب في طرق ~~الفساد، نظرنا: أي عرق يقتضي منكر الخلاف معنا، وما الذي يوجب التدابر من ~~الأنساب والأسباب بيننا، فلمسنا أطراف أبوتنا، واستشففنا جوانبها، ووجدنا ~~كلامنا ينتمي إلى حسب يرفعه ولا يضعه. ويقال: وضعته، إذا حططت منه. ووضع ~~الرجل، وهو وضيع بين الضعة والضعة. والتوضيع: التأنث والانكسار من هذا. ~~ويقال: دابة حسنة الموضوع، وضده المرفوع. وبعير عارف الموضع، أي ذلول عند ~~الركوب. # فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع # PageV01P170 # جعل المضاجع كناية عن الأزواج. وهذا كما يكنى عنهن بالمفارش. قال: # سجراء نفسي غير جمع أشابة ... حشد ولا هلك المفارش عذل # يعني أن أمهاتهم عفائف. فيقول: لما تقصينا بالبحث والكشف أنساب آبائنا، ~~وعلائق وصلها فلم نجد فيها مغمزا، ولا إلى ما ذممنا من أخلاقكم منها داعيا، ~~عدلنا إلى النظر في أنساب أمهاتنا، والتوصل إلى مكنون وشائجها، ومجهول ~~مواصلها، فألفيتم أبناء عمكم كانوا كرام الفرش. وهذا من أحسن المعاريض، لأن ~~المراد: كانت أمهاتنا أشرف من أمهاتكم، فعلمنا أن ما خالفتمونا فيه، وصرتم ~~على حرف مباينة لنا من أجله، شيء يرجع إليهن. وإنما قال " وجدتم " ليكون ~~كالتقرير لهم، ويصير ما ادعي من الفضل عليهم باتفاق منهم. وذكر بعضهم أنه ~~كان يجب أن يقول: وجدتمونا، فوضع بني عمكم مكان " نا "، وهو أخص من بني ~~عمكم، بدلالة أن ما يكون للنفس أخص مما يكون للغائب، وإذا كان كذلك فقد وضع ~~الأدون موضع الأخص. وليس الأمر على ما قال، لأن الرجل إنما يريد ببني عمكم ~~الآباء، وقد قدم ذكرهم في قوله " مسسنا من الآباء ". ألا ترى أنه قال: ~~كانوا كرام المضاجع. وإذا كان الأمر على هذا، كان الواجب عليه أن يقول: ~~وجدتم آباءنا كانوا، لا وجدتمونا. ### || وقال جابر بن رالان # لعمرك ما أخزى إذا ما نسبتني ... إذا لم تقل بطلا علي ومينا ms0128 # لعمرك مبتدأ، وخبره محذوف، فكأنه قال لعمرك ما أقسم به، ولا يستعمل في ~~اليمين إلا بفتح العين، وإن كان ضمها لغة فيه. و " أخزى " يجوز أن يكون من ~~الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء. والبطل يراد به ~~الباطل. والمين: الكذب، وقد مان، وهو مائن وميون. والمعنى: وبقائك ما أستحي ~~أو ما أهون ولا أذل متى ما ذكرت أسلافي وآبائي ولم تقل باطلا، ولم تدع علي ~~زورا. وقوله " إذا ما نسبتني " ظرف لقوله ما أخزى. و " إذا لم تقل " يجوز ~~أن يكون بدلا منه. ولولا أنه كرر " إذا " لكان الكلام ما أخزى إذا ما ~~نسبتني ولم تقل بطلا ومينا. ولا # PageV01P171 # يجوز أن يكون العامل في إذا " ما نسبتني " لأن ذا قد أضيف إليه وبين به، ~~والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ويجوز أن يكون إذا الأولى بما اتصل به وما ~~عمل فيه الجملة في جواب إذا الثانية، كأنه قال: إذا لم تقل بطلا فلعمرك ما ~~أخزى إذا ما نسبتني. وانتصب " بطلا " على أنه مفعول لم تقل، لأن القول يحكى ~~بعده الجمل فيعمل في مواضعها لا في لفظها، ويقع المفرد بعده - إذا كان معنى ~~الجملة - منصوبا به. # ولكنما يخزي امرؤ يكلم استه ... قنا قومه إذا الرماح هوينا # هذا تعريض بالمخاطب، يقول: أنا لا أخزي إذا ذكر مسعاة آبائي على حدها ~~وحقها، إنما يخزي لذلك رجل هذا صفته ونعته، وهو أنه يجرح استه، لكونه موليا ~~ومنهزما، رماح قومه إذا شرعت للطعن. وإنما قال " قنا قومه " لأنه أشار في ~~تعريضه إلى حالة اتفقت للمخاطب مع أبناء عمه. وكل جرح صغر أو كبر فهو كلم. # فإن تبغضونا بغضة في صدوركم ... فإنا جدعنا منكم وشرينا # قوله " في صدروكم " بما تعلق به في موضع الصفة للبغضة. والمعنى: إن انطوت ~~صدروكم لنا على بغضة راسخة فيها، متمكنة منها فغير مستنكر عندنا ولا مستطرف ~~من أحوالنا، لأن ما ارتكبناه فيكم من جدع الأنوف وبيع النفوس بإذلالنا ~~إياكم، وبما أخذناه في فدائكم، يوجب البغضاء، ويقتضي الشنآن. # ونحن غلبنا ms0129 بالجبال وعزها ... ونحن ورثنا غيثا وبدينا # يعني بالجبال أجأ وسلمى وهضابهما، ولذلك جمع. وقوله " وعزها " أراد وعز ~~أربابها وسكانها. ويجوز أن يريد العز الذي يحصل لهم عند التحصن بها. وطيئ ~~أبدا تفتخر بذلك، لأنهم إذا اعتصموا بها لم تتوصل الأعداء إليهم فيها. وغيث ~~وبدين: قبيلتان. يريد: ورثنا أحسابهم ومفاخرهم. وغيث: فيعل من الغوث، وفي ~~بطون طيئ بطن يقال لهم الغوث، ومنهم أبو زبيد الطائي. # وأي ثنايا المجد لم نطلع لها ... وأنتم غضاب تحرقون علينا # PageV01P172 # الاستفهام هنا يجري مجرى النفي، كأنه قال: ما ثنية من ثنايا المجد إلا ~~طلعنا لها. والثنية: فعيلة من ثنيت، أي عطفت وصرفت، وكما استعملت في الجبال ~~استعملت في الأمور والخطات. قال: # وثنية من أمر قوم وعرة ... فرجت يداي فكان فيها المطلع # فلذلك ذكرها هنا مثلا، والمعنى: إن مطالع الشرف على توعرها أو تسهلها ~~ارتقينا إليها، وأنتم تتهددوننا في غضبكم، والحرق: حرق أحد النابين بالآخر. ~~وقد حرق نابه يحرق ويحرق، حرقا وحروقا، من الغيظ. وذكر الخليل: حريق الناب ~~كصريف الناب. و " فلان يحرق على الأرم " ويروى " الأزم ". والأرم: الأكل، ~~والأزم: العض، وهما جميعا بالأسنان، والمعنى يحرق على أسنانه. والمتوعد ~~يفعل ذلك يظهر به شدة الغيظ. واكتفى بقوله " يحرقون " عن ذكر المفعول، لأن ~~المراد مفهوم. ويقال: اطلع عليه وله، إذا أشرف. والمعنى إنا رددنا على ~~حسدكم لنا، وتغيظكم فينا، قوة وشرفا، وعزة وكرما، حتى لم تبق غاية من المجد ~~إلا ارتقينا إليها وعلوناها. ### || وقال سبرة بن عمرو الفقعسي # وعيره ضمرة بن ضمرة النهشلي كثرة إبله. # أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من ذل عليك قراقر # لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار. أي لم تنسى مدافعتي عنك حين ~~كنت مخذولا لا ناصر معك، وقد امتد سيل الذل نحوك فسأل عليك. فإذ ظرف ~~لدفاعي. وقراقر: اسم واد، ويكون ذكره مثلا. ومن كلامهم: " سال عليه الذل، ~~كما يسيل السيل ". ولا يمتنع أن يكون لحقه ما لحقه من الذل من ناحية قراقر، ~~فلذلك خصه. وقوله " إذ أنت مسلم " يقال أسلمته ms0130 وسلمته، إذا خليت بينه وبين ~~من يريد النكاية فيه. وأسلمت الصبي في حرفة، إذا أرسلته فيها. وقوله " وقد ~~سال " في موضع الحال، أي أسلمت وحال ذلك. # ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر # قوله " ونسوتكم " مع خبره جملة انعطفت على قوله " وقد سال من ذل " وهذا ~~وصف الحال التي مني بها حين نصره مخاطبه. والمراد: ونساؤكم تشبهن بالإماء، # PageV01P173 # مخافة السباء، حتى تبرجن وبرزن مكشوفات ناسيات للحياء وإن كن حرائر. ~~وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقصدون بسبي من يسبون من النساء إلحاق العار، لا ~~اغتنام الفداء والمال، ولما كان الأمر على هذا فالحرة كانت في مثل ذلك ~~الوقت تتشبه بالأمة، لكي يزهد في سبيها. ومعنى و " الإماء حرائر ": واللائي ~~يحسبن إماء حرائر. ولو قال يخلن إماء وهن حرائر لكان مأخذ الكلام أقرب، ~~لكنه عدل إلى " والإماء حرائر "، ليكون الذكر به أفخم، والاقتصاص أشنع ~~وأعظم. وقال " باد وجوهها " لتقدم الفعل، وأن تأنيث الوجوه غير حقيقي، ولو ~~قال بادية وجوهها لجاز. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # وخمار غانية عقدت برأسها ... أصلا وكان منشرا بشمالها # أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا بن ريطة ظاهر # يريد على وجه الإنكار والتقريع: لم عيرتنا ألبان الإبل ولحومها واقتناء ~~الإبل مباح لا محظور في القديم والحديث، والانتفاع بلحمانها وألبانها مسوغ ~~غير مردود في الدين والعقل، وتفريقها في المحتاجين إليها إحسان ومعروف ~~يجلبان الحمد والشكر. وذلك عار ظاهر، أي زائل. قال أبو ذؤيب: # وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # ومن هذا قولك: ظهر فوق السطح، وقولك: جعلته مني بظهر، وقوله تعالى: " ~~اتخذتموه وراءكم ظهريا ". ويجوز أن يريد بالظاهر أن الحال في أن ذلك ليس ~~بعار ظاهرة غير ملبسة ولا خافية. ويقال عيرته كذا وهو الأفصح، وعيرته بكذا. ~~قال عدي: # أيها الشامت المعير بالده ... ر ............. # والواو من قوله " وذلك عار " واو الحال، أي أتعيرنا والحال ذلك. # نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر # بين وجوه تصرفهم فيما عيرهم به، فقال: نجعلها حباء لنظرائنا فنتهادى ms0131 بها، ~~ونسهل تمكن العفاة والزوار منها، بابتذالها وإهانتها - وحذف ذكر من أهينت ~~له لأن # PageV01P174 # المراد مفهوم - ونبيعها فنصرف أثمانها إلى الخمر والإنفاق، ونضرب بالقداح ~~عليها في الميسر عند اشتداد الزمان، فنفرقها في الضعفاء والمحتاجين إليها. ~~وفي تعداد هذه الوجوه إبطال لكل ما أوهم أو ادعى يلحق من العار في اقتنائها ~~وادخارها. وروى بعضهم: " نحايي بها أكفاءنا " على أن يكون نفاعل من الحياة، ~~أي نعايشهم بها ونجامل، وليس بشيء، فلا تعرج عليه. ### || وقال آخر من بني فقعس # أيبغي آل شداد علينا ... وما يرغي لشداد فصيل # مخرج هذا الكلام مخرج الكلام المتقدم، في أنه إنكار وتقريع، وفيه إشارة ~~إلى ما يتضمنه قول الآخر من التبخيل، وهو: # فلا والله ما لبني برب ... ولا بحمي علي ولا سلائي # أي ما لهم يبغون علينا وحالهم في أنفسهم ما هو نهاية البخل والشوم، ~~والدقة واللوم، حتى لا يحمل فصل لهم على إرغاء بأن يفصل بينه وبين أمه بنحر ~~أو هبة، ضنا به، وإشفاقا عليه. أي إنهم لا يسوغ لهم البغي مع هذه الحال. ~~ويجوز أن يكون قوله " وما يرغي لشداد فصل " يراد به ما لهم فصيل فيرغى، كما ~~قال الآخر: # ولا ترى الضب بها ينجحر # والمعنى: لا ضب بها فينجحر. يرميهم بالفقر والفاقة، وضعف المنة، وقصور ~~الاستطاعة. ويقال: أرغى فلان فصيله، وإذا حمله على الرغاء، وأرغى فلان ~~فلانا وأثغى، إذا أعطاه إبلا وغنما. وروى بعضهم: " وما يرغي " بكسر الغين، ~~أي لا يعمل بالفصيل ما يحمل أمه على الرغاء له. وليس بشيء. # فإن تغمز مفاصلنا تجدنا ... غلاظا في أنامل من يصول # هذا تعريض وإيعاد، فيقول: إن رزتمونا وجدتمونا غلاظا على من يصول علينا، # PageV01P175 # جفاة عند من يسومنا مكروها. والمعنى: لا نستلان عند الامتحان. وجعل الغمز ~~غمز المفاصل كناية عن الاختبار. وحكي عن بعضهم: " لا أغمز كتغماز التين "، ~~ولذلك صلح أن يقول استغلظتنا في أناملهم. وخص الأنامل لأن الانفتال عن ~~الشيء والإقبال عليه بسلامتها من الآفات يقوى. ### || وقال جزء من بن كليب الفقعسي # تبغي ابن كوز والسفاهة كاسمها ms0132 ... ليستاد منا أن شتونا لياليا # قوله " والسفاهة كاسمها " اعتراض دخل بين تبغي ومفعوله. والأصل في السفه: ~~الخفة. ويقال: زمام سفيه، لاضطرابه، كما يقال زمام عيار. فيقول: تطلب هذا ~~الرجل ما تطلبه سفها، وفعل السفاهة قبيح كما أن اسمها قبيح. وإنما قال هذا ~~لأن السفه كما تنكر العقول والقلوب ذاته وفعله، كذلك تمج الآذان والصدور ~~اسمه. فإن قيل ما اسم السفاهة حتى قال: والسفاهة كاسمها؟ قلت: قوله ~~والسفاهة، أراد ما يسمى سفاهة، أي المسمى بهذا الاسم، كما أن الاسم الذي هو ~~السفه قبيح. إلا أنه لما لم يجد إلى العبارة عن الذات طريقا إلا باسمه قال: ~~والسفاهة. ويجوز أن يكون أراد بتبغي: أدخل نفسه في البغي، حين عدا طوره، ~~وسامنا مواصلته، كما يقال تشجع وتمرأ. وقوله " ليستاد منا أن شتونا لياليا ~~" أتى بالفعل واللام، لأن تبغي مثل أراد. فكما قال الله عز وجل: " يريدون ~~ليطفئوا نور الله بأفواههم "، وقال الشاعر: # أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم # والمعنى يريدون إطفاء نور الله، وأرادت انتياش الرواق - كذلك قال هذا: ~~تبغي ليستاد، والمعنى تبغي الاستياد منا ومراد الشاعر تطلب النكاح في ~~سادتنا من أجل أنا دخلنا في الشتاء. والمعنى من أجل أنا افتقرنا واشتد ~~الزمان علينا فأثر فينا. قوله " أن شتونا " موضعه نصب، أصله لأن شتونا، ~~فلما حذف الحرف الجار وصل الفعل فعمل. ومعنى شتونا: قحطنا وأقمنا في القحط، ~~كما تقول شتونا بمكان كذا. ويقال: اشتينا، إذا أريد دخلنا في الشتاء. # PageV01P176 # فما أكبر الأشياء عندي حزازة ... بأن أبت مزريا عليك وزاريا # انتصب " حزازة " على التمييز، فيقول: ليس انصرافك عنا عائبا علينا حين لم ~~نسعفك بمرادك، ولم نجبك لما خطبت من خطبت إلى ملتمسك، ومعيبا عندنا حين ~~عدوت طورك فتجاوزت مستحقك وقدرك، بشيء يكبر عندي تقطيعه في الصدر، وتأثيره ~~في النفس. أي إرغامك وإسخاطك يهون علينا. والباء الذي في قوله " بأن أبت " ~~هو الباء الذي في قولك ما زيد بمنطلق. ويقال: زريت عليه فعله، إذا عبت عليه ~~فعله؛ وأزريت به، إذا وضعت منه وقصرت به. وقوله ms0133 " وزاريا " أي وزاريا ~~علينا، فحذف لأن المراد مفهوم. # وإنا على عض الزمان الذي ترى ... نعالج من كره المخازي الدواهيا # يقول: إنا نقاسي هربا من المكروه الشدائد، ونصبر تفاديا منها على ~~العظاتم. هذا - ما ترى من نكاية الحدثان، وسوء تأثير الزمان، وقصده إيانا ~~بالمكاره والبلاء، والمفاقر والضراء. وهذا تنبيه على أن محافظتهم على الشرف ~~يمنعهم من مناكحة من ليس بكفء لهم، وأن مساعفتهم إياه بما طلبه مخزية ~~عندهم. وقوله " على عض الزمان " موضعه موضع الحال. والمعنى: إنا منكوبين ~~وفقراء نفعل ذلك حذرا من العار. # فلا تطلبنها يا بن كوز فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا # يقول: لا تطلب التزوج بالمرأة التي خطبتها يا بن كوز، فلك في سائر النساء ~~مندوحة، سيما ومنذ بعث الله عز وجل النبي عليه السلام، وقام بأداء الرسالة ~~عنه، ربي الناس البنات وتركوا وأدهن فكثرن. ويقالك غذاه يغذوه غذوا، وتغذى ~~بكذا. والغذاء: الطعام والشراب. # وإن التي حدثتها في أنوفنا ... وأعناقنا من الإباء كما هيا # يقول: وإن النخوة التي أبلغتها، والحمية التي حدثتها، باقية في أنوفنا ~~حتى لا نشم بها مرغمة، وفي أعناقنا ورءوسنا حتى لا نلويها إلى مخزية ومنقصة ~~هي حاصلة فيها كما أبلغت؛ فالامتناع من مثل ما سمت معروف منا، ومأخوذ به في ~~عاداتنا، فلا نستطرقه. وقوله " في أنوفنا " في موضع المفعول الثالث ~~لحدثتها. وقوله " كما هيا " في موضع خبر إن، وما زائدة. أراد كهي، أي هي ~~باقية بحالها، مستمرة على طريقها. ويجوز أن يكون هي مبتدأ، وكما في موضع ~~الخبر. ويقولون: كما أنا كما أنت، أي # PageV01P177 # تشابهنا، ويكون ما نكرة غير موصوفة. ويجوز أن يكون حذف صفته كأنه قال: ~~كما حدثته أي كشيء حدثته. وإنما خص " في أنوفنا وأعناقنا " بالذكر لأنه ~~يقال في الكبر والصعوبة: في أنف فلان خنزوانة، وزم فلان بأنفه، وأنفه أنف ~~الليث، وهو أحمى أنفا من أن يقبل كذا. ويقولون: في خده صعر، وفي عنقه صور ~~وصيد، وفي ناظره شوس وصاد. قال يصف سيوفا: # يداوي بها الصاد الذي في النواظر ### || وقال ms0134 زيادة الحارثي # لم أر قوما مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومنا فخرا # ينتصب قوله " خير قومهم " على أنه بدل من قوله " قوما ". ويجوز أن يكون ~~صفة. و " أقل " ينتصب على أنه مفعول ثان، و " فخرا " ينتصب على التمييز. ~~وقوله " به " الضمير منه يرجع إلى ما ذكره ودل عليه من قوله " خير قومهم " ~~يريد أقل بكونهم خيرين. ومثله قول القائل: # إذا زجر السفيه جرى إليه # أي إلى السفه. وتقدير البيت: لم أر خير قوم مثلنا أقل بذاك فخرا مناعلى ~~قومنا. والمعنى إنا لا نبغي على قومنا، ولا نتكبر عليهم، بل نعدهم أمثالنا ~~ونظراءنا فنباسطهم ونوازنهم قولا بقول، وفعلا بفعل. # وما تزدهينا الكبرياء عليهم ... إذا كلمونا أن نكلمهم نزرا # PageV01P178 # ينتصب قوله " نزارا " على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: نكلمهم كلاما ~~نزرا. والمعنى لا يستخفنا التكبر إلى أن نتعلى عليهم، ونقلل الكلام معهم ~~ترفعا عن مساواتهم، بل نباسطهم ونكاثرهم في القول والسؤال، إيناسا لهم ~~وتسكينا منهم. ويقال: زهاه وازدهاه بمعنى. والأصل في ازدهى: ازتهى، لأنه ~~افتعل من الزهو، لكنه أبدل من التاء دالا تقريبا للحرف من الزاي. وقوله " ~~أن نكلمهم " أراد لأن نكلمهم، فحذف حرف الجر. و " أن " يفعل به ذلك كثيرا. ### || وقال ابنه مسور # حين عرض عليه سعيد بن العاص سبع ديات بأبيه فأبى. ويقال: هي لعمه: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل # ألف الاستفهمام دخل ها هنا على معنى الإنكار، وتناول الفعل الذي في صدر ~~البيت الثاني، لأن ألف الاستفهمام يطلب الأفعال. والمعنى: أذكر بالإبقاء ~~بعد المدفون بنعف هذا الجبل - وهو ما استقبلك منه - المرهون في قبر ذي تراب ~~وحجارة. والنعف، اشتق منه انتعف له، أي تعرض. والمناعفة: المعارضة من رجلين ~~في طريقين يريد كل واحد سبق الآخر. وقيل النعف: المكان المرتفع في اعتراض. ~~وقوله " رهينة " جعله اسما فلهذا ألحق الهاء بها. والرمس: القبر. ويقال ~~رهنته رهنا بمعنى رهنت عنده، وأصله من اللزوم والدوام ويقال هذا لك راهن. ~~والأصل في الرمس: التغطية، يقال رمسته ms0135 بالتراب؛ ومنه الرياح الروامس. # أذكر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل # يقول: أأسأم الإبقاء على من وترني؟ إبقائي عليه أني أجتهد في قتله، ولا ~~أقصر. والإبقاء لا يكون الجهد، ولكن المعنى: يكون هذا مني عوضا من ذاك. ~~ومثله قول الآخر: # تحية بينهم ضرب وجيع # PageV01P179 # والبقيا: اسم على فعلى، مبني من الإبقاء وفي معناه، والواو منه واو ~~الحال، ولو لم يأت به لكان الكلام على الاستئناف والإنقطاع مما قبله. ~~ويقال: لا آلو في كذا ولا آتلي، أي لا أقصر، ولا آلو كذا، أي لا أستطيعه. # فإلا أنل ثأري من اليوم أو غد ... بني عمنا فالدهر ذو متطول # يقول مخبرا عن صبره وحسن رفقه في طلب الأمور، وأنه لا يتسلط عليه الملال ~~وإن تراخى المطلوب، وتدافع الوقت في الحصول، فيقول: إن لم أدرك ثأري قريبا ~~يا بني عمنا ففي الدهر تطاول، والزمان بتبديل الأبدال وتحويل الأحوال كافل، ~~وله ضامن، وما يتعسر في وقت يتيسر في آخر. وذكر اليوم والغد إشارة إلى ~~تقريب الوقت في المستقبل، كما يقال في الماضي: كان بالأمس يفعل كذا. ~~ومتطول: مصدر مثل تطول. # فلا يدعني قومي ليوم كريهة ... لئن لم أعجل ضربة أو أعجل # جزم " يدعني " بلا على أنه دعاء، والمعنى: لا دعيت لكشف مكروه، ولا للدفع ~~عن مظلوم، إن لم أعجل ضربة لمن وترني، أو يعجلها لي. والمعنى: إن لم أقتله ~~أو يقتلني. وهذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الدعاء فالمعنى معنى القسم. ~~وقوله: " أو أعجل " أراد: أو لم أعجل لمثلها، فحذف. وفي هذا بيان للتوعد ~~بالإقدام، والتسرع إلى القتل أو الاستقتال بعد الإمكان. # أنختم علينا كلكل الحرب مرة ... فنحن منيخوها عليكم بكلكل # هذا الكلام تهدد، وضمان في أنه سيكافئهم على ما بدأوا. والمعنى: سنؤثر ~~فيكم كما أثرتم فينا، وننزل الحرب بكم كما أنزلتموها بنا. ويقال: أنخت ~~البعير فاستناخ وبرك. ولا يقال فناخ. وتقول في شدة التأثير: برك عليهم ~~الدهر بكلكه، ووطئهم بمناسمه، وأنخى عليهم بجرانه. وهذا جعل الكلكل هو ~~المناخ في صدر # PageV01P180 # البيت، ms0136 وفي العجز جعل الحرب مناخة بكلكلها. وكل ذلك أمثال، والمعنى من ~~جميعها ظاهر. ### || وقال بعض بني جرم من طيئ # إخالك موعدي ببني جفيف ... وهالة، إنني أنهاك هالا # في قوله " إخال " ضرب من الاستهانة، يقول: أحسبك تهددني ببني جفيف ~~وبهالة. ثم أقبل على هالة فقال: إني أزجرك عن التحكك بنا، ونصرة من ~~ينابذنا. ومثل هذا الكلام يسمى التفاتا. والعرب قد تجمع في الخطاب أو ~~الإخبار بين عدة، ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم، أو ~~أحسنهم سماعا لما يلقى إليه، أو أخصهم بالحال التي تنطق بالشكوى بينهم، ~~فتفرده بكلام. على هذا بيت الهذلي: # أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح # فقال أبا كن، ثم قال يا ليلى. ويقال: خلت أخال، وإخال طائية، فكثر ~~استعمالها في ألسنة غيرها، حتى صار أخال كالمرفوض. والهالة: الدارة حول ~~القمر، في اللغة، وإذا أنث خطابها فإنه جعلها قبيلة، وإذا ذكرها فعلى إرادة ~~رجل هو أبو القبيلة، وإذا جمع فعلى المعنى. وفي جميع ذلك قد صرف كلامه. # فإلا تنتهي يا هال عني ... أدعك لمن يعاديني نكالا # يقول: إن لم تنزجري عني ولم ترتدعي بكلامي، أجعلك لأعدائي عبرة رادعة، ~~وعقوبة زاجرة. والنكال: اسم لما يجعل عبرة للغير، ويقال نكل ينكل، ونكل ~~ينكل لغتان، الأولى تميمية والأخرى حجازية. # إذا أخصبتم كنتم عدوا ... وإن أجدبتم كنتم عيالا # يصفهم بالأشر والبطر وسوء الحفاظ، والتعجل إلى الشر، فيقول: إذا نلتم ~~الخير وطاوعكم الوجد خرجتم لنا أعداء، ثم إن أثر فيكم الدهر، أو ضغطكم ~~البؤس والضر، أويتم إلينا، ولحقتم بجملتنا، فاحتجنا إلى أن نمونكم. # PageV01P181 ### || وقال آخر: # اللؤم أكبر من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا # فضل اللؤم في اللفظ عليهم وعلى أسلافهم، والقصد به إلى تفضيله على ~~أخلاقهم وأفعالهم وطباعهم، لأن الشرط تشبيه الأحداث بالأحداث، والذوات ~~بالذوات. وإذا كان كذلك فقد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كأنه قال: ~~اللؤم أكرم من أخلاق وبر وأخلاق والده، وقوله " ووالده " دخل فيه كل أب ~~لهم، كما دخل في قوله " وما ولدا ms0137 " كل ولد لهم. واللؤم: خصال منكرة، إذا ~~اجتمعت سميت لؤما، كدناءة النفس والآباء والبخل مرددا فيهم، والنظر في ~~الأمور التافهة المخزية. ووبر في اللغة: دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون ~~ترجن في البيوت، وجمعه وبار. ويسمى بهان ثم جعلت للقبيلة. فإن قيل: لم لم ~~يقلك ومن ولدا؟ قلت: أشار إلى الجنس وما يقع للأجناس. # قوم إذا ما جنى جانبهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا # يقول: هم قوم إذا جر واحد منهم جريرة أمن جميعهم، لدقة أصولهم، ولؤم ~~أحسابهم، أن يؤاخذوا كلهم بها، فكيف الواحد منهم. كأن القبيلة بأسرها لا ~~يعدون بواء لقتيل فيقتلوا به، فالأمن الذي شملهم عند اتفاق الجنايات منهم ~~لهذا. والقود: أن يقتل القاتل بالقتيل، فيقال: أقدته به. وإذا أتى الرجل ~~صاحبه بمكروهة فانتقم منه بمثلها، قيل: استقادها منه، وهذا كما قال الآخر: # من ذا يعض الكلب إن عضا # ونقله أبو تمام فقال: # أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # اللؤم داء لوبر يقتلون به ... لا يقتلون بداء غيره أبدا # PageV01P182 # أشار بهذا إلى أن مطامعهم الخسيسة ترديهم، وإسفافهم لها يعرضهم للقتل ~~ويهلكهم، فقال: هذا داؤهم لا يقتلون إلا به، ولأن حين كان حائن فيما يغلب ~~به وعليه. ويجوز أن يريد أنه لما ترفع القصاص عنهم عند وقوع الجرائر منهم، ~~كانت القتلة الكريمة فيهم أزهد، وعنهم أبعد، ولا يموتون إلا بدائهم الذي هو ~~اللؤم. والموت قد يسمى قتلا. وإنما أدخل هذه الأبيات في الباب لقوله " قوم ~~إذا ما جنى جانيهم أمنوا " فلما ذكر من يجتهد في إدراك الثأر من جهته تيسر ~~أو تعسر، ذكر أيضا ما يضاده ممن يرغب عنه ويزهد في النيل منه، ترفعا عن ~~مكافأته. وهذا عادته في إتباع الشيء بضده، فأعلمه. ### || وقال آخر: # ألا أبلغا خلتي راشدا ... وصنوى قديما إذا ما اتصل # قديما، انتصب على الظرف لقوله خلتي. والمراد: أبلغا خليلي قديما راشدا، ~~وصنوى إذا ما انتسب. والصنوان: الفرعان يخرجان من ms0138 أصل واحد. ويقال للأخوين ~~هما صنوان، تشبيها بذلك، ولعم الرجل صنو أبيه. ويقال صنو، وصنوان في ~~التثنية، وصنوان في الجميع، ولا يعرف له نظير إلا قنو. فيقول: راشد خليلي ~~القديم، ونسيبي القريب، فأبلغاه عني رسالة. وفي جمعه بين خلتي وصنوي، ~~وتأخيره قديما إذا ما اتصل، ما ذكره أبو العباس المبرد رحمه الله، من أن ~~العرب تلف الخبرين لفا، ثم ترمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل ~~ما له. # بأن الدقيق يهيج الجليل ... وأن العزيز إذا شاء ذل # الباء دخل للتأكيد، وموضع أن مفعول ثان من أبلغا. فيقول: أبلغاه أن صغير ~~الأمور يجني الكبير، وأن العزيز من الرجال متى أراد عاد ذليلا، بأن يعدو ~~طوره، ويشتغل بما لا يهمه. ومثل هذا قولهم: " الشر يبدؤه صغاره "، وقول ~~شاعرهم: # الحرب أول ما تكون فتية # PageV01P183 # وقول الآخر: # كم مطر بدؤه مطير # وأن الحزامة أن تصرفوا ... لحي سوانا صدور الأسل # هذا الكلام تحذير وإنذار. يقول: وأبلغاه أن الحزم في صرف أعنة خيلكم إلى ~~غيرنا، فإنكم لا تقومون لنا إذا هيجتمونا؛ والرأي في أن تعدلوا بصدور ~~رماحكم إلى طعن من سوانا، فإنكم لا تكملون لدفاعنا، ولأن الكرة لا يخرج منا ~~إلا إباء وامتناعا. # فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل # العرب تقول: " سيد القوم أشقاهم ". ولذلك قال شاعرهم: # وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل # فيقول: إن رمت سيادتنا من وجهها، وبالآلات التي يحتاج إليها في تحصيلها، ~~تم لك ذلك؛ وإن كنت للكبر فاذهب فاحسب أنك سيد، فإنك لا تكون. هذا إذا رويت ~~" فخل " بفتح الخاء. وإن رويت " خل " بضمها فالمعنى: اذهب وتكبر، فإنا لن ~~ننقاد لك، واستعمال البغي والصلف والكره لا يزيدنا إلا إباء عليك، وتماديا ~~في اللجاج معك. والخال: الكبر. واختال الرجل فهو مختال وخال أيضا. قال ~~الشاعر: # إذا تجرد لا خال ولا بخل # ويقال خال يخول ويخال خولا وخالا، وفي الظن يقال خال يخال لا غير. وقوله ~~" فاذهب " أمر من قولك ذهب يقول كذا. وعلى هذا قول الشاعر: ms0139 # فاذهب فما بك والأيام من عجب # PageV01P184 # وكذلك قولك للغريم: قم فأعطني حقي. فالأمر في الحقيقة بالعطية لا بما ~~سواه. وأجري مجراه قولهم: أخذ يتمسك بكذا، وطفق يتحدث بكذا، وجعل يشتمني. ~~وخرجوا في التوسع إلى أن قالوا: قام يهزأ بي، وقعد يظن أنه أمير. وليس ~~القصد إلى فعله القيام والقعود، ولكن زيادة كالتصوير للحال والتأكيد للقصة. ### || وقال بعض بني أسد # كلا أخوينا إن يرع يدع قومه ... ذوي جامل دثر وجمع عرمرم # يقوله رجل اقتتل فريقان من قومه على بئر، فيقول: كلا صاحبينا إن يفزع ~~يستغث بقوم ذوي عدد وعدة. والجامل: الإبل، وهو اسم صيغ للجمع. والدثر: ~~الكثير. والعرمرم: الجيش العظيم. وعرام الجيش: حدهم وكثرتهم. وانتصب " ذوي ~~" على الحال. والجزاء مع جوابه خبر المبتدأ، وهو كلا. # كلا أخوينا ذو رجال كأنهم ... أسود الشرى من كل أغلب ضيغم # يقول: كل واحد من صاحبينا مؤيد برجال كأنهم أسود هذه المأسدة، من كل ليث ~~غليظ العنق، شديد. وضيغم: فيعل من الضغم، وهو العض. وكلا موحد اللفظ، موضوع ~~للمثنى؛ لكن المراد به هنا كل واحد. # فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم ... بئيسا ولا أن تشربوا الماء بالدم # يدعوهم إلى المصالحة، ويعرفهم أنه لا خير في ماء، يصلون إليه بإراقة ~~دماء؛ ويزهدهم في خصب ونعيم، يحصل عن عيش بئيس، فيقول: ليس الصلاح والنجاح ~~في أن تستبدلوا بنعيمكم بؤسا، وبسلامتكم هلاكا، ولا أن تشربوا الماء بسفك ~~الدماء. والبئيس، يكون مصدرا كالبؤس، ويوضع في مقابلة النعيم كما فعله هذا، ~~ويكون صفة، على هذا قول الهذلي: # ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة نعاج مجفل # وهو الرجل الشجاع ذو البأس. # PageV01P185 ### || وقال حريث بن عناب # تعالوا أفاخركم: أأعيا وفقعس ... إلى المجد أدنى أم عشيرة حاتم # يقول: هلموا أنافركم: أهؤلاء البطون أقرب إلى المجد أم رهط حاتم؟ وبنو ~~أعيا: من بني سعد بن قيس، وبنو فقعس: حي من بني أسد. وروى بعضهم: " أأعيار ~~فقعس "، يريد رؤساء فقعس. ورغم أن أعيا لا يعرفه اسم قبيلة، وأن هذا تصحيف ~~استدركه. فأما إنكاره لأعيا قبيلة فلا ms0140 وجه له لأن بني أعيا من قبائل سعد بن ~~قيس، وهو مشهور ذكره النسابون وغيرهم، ووهب بن أعيا بن طريف الأسدي، معروف ~~معدود في الأعلام. وأما من طريق النظم فلأن تكون القبيلة مقابلة بمثلها، ~~ومذكورة في المنافرة معها - أحسن من أن يقابل الأفراد بالقبيلة. و " أعيار ~~" إشارة إلى الأفراد، لأنه يراد بها الرؤساء. يقال: هو عير قومه، أي سيدهم. ~~هذا وقد رجعنا إلى نسخ مختلفات المصادر، فوجدناها متوافقة في تحملها " أعيا ~~وفقعس ". وإذا كان كذلك لا يجوز العدول عما قاله الشاعر إلى ما لم يقله. ~~وقوله " أأعيا وفقعس " استفهام في الأصل نقل عن بابه، والمعنى: أنافركم ~~بالقضية التي تكون نتيجة هذا الاستفهام، وقوله " أدنى إلى المجد " لم يثنه ~~وإن كان خبرا عن اثنين، لأنه افعل الذي يتم بمن، وقد دخل عليه الاستفهام، ~~فيجب أن يستوي فيه الواحد والاثنان، والمذكر والمؤنث. وهذا الكلام لو أتى ~~به على وجهه لكان: أم عشيرة حاتم أدنى إلى المجد منهم، لكنه حذف إذ كان ~~المراد مفهوما. وإنما جاء على حرف الاستفهام ليبصروا ضلالتهم. وفي طريقته ~~بيت جرير: # هلموا نحاكمكم ففي الحكم مقنع ... إلى الغر من آل البطاح الأكارم # والتقدير: أنافركم أيهم أمجد وأعرف. وحاتم المذكور هو حاتم بن عبد الله ~~الطائي. و " تعال " كان يقوله من هو في رابية للمتسفل، لأنه تفاعل من ~~العلو، فكثر استعماله حتى جرى مجرى هلم، فصار المتسفل يقوله عند الدعاء ~~المستعلي. # إلى حكم من قيس عيلان فيصل ... ومن آخر حيي ربيعة عالم # PageV01P186 # قيل: أراد بأحد الحكمين عامر بن الظرب وبالآخر دغفلا النسابة. والفيصل: ~~الذي يفصل الأمور، والياء دخلته لتلحقه ببناء جعفر، كما أن الضيغم فيعل من ~~الضغم، والبناءان بحصول الياء فيهما صارا صفتين بعد أن كانا مصدرين، لأن ~~فصلا من دون الياء مصدر فصل، كما أن ضغما من دون الياء مصدر ضغم، فلما حصل ~~الياء فيهما وصف بهما وأفادا مبالغة في المعنى. ألا ترى أن فيصلا يفيد ما ~~لا يفيده فاصل، وكذلك ضيغم يفيد ما لا يفيد ضاغم، فاعلمه. # ضربنا ms0141 حتى إذا قام ميلكم ... ضربنا العدى عنكم ببيض صوارم # قام له بمعنى تقوم وترك الخلاف، وقام عليه بمعنى داوم ولازم. والقرآن: " ~~إلا ما دمت عليه قائما ". يقول: قد عنا كم بالمكروه، حتى إذا بان لنا ~~فيئتكم واستقامتكم، حينئذ ذببنا الأعداء عنكم بسيوف قواطع. والمعنى: ~~نعاملكم بمعاملة الأعداء، فإذا استقمتم لنا وذهب الخلاف عنكم، ضممناكم إلى ~~أنفسنا، وحمينا عليكم مع الأولياء. # فحلوا بأكنافي وأكناف معشري ... أكن حرزكم في المأقط المتلاحم # في جمعه للأكناف ظهور تجبر فيهم، وأخذ بالتعلي عليهم. يقول: انزلوا ~~بجنابي وجناب عشيرتي، وتحصنوا بفنائي وفناء قومي أكن كهفكم في المضيق من ~~الحرب المتلاصق. والمتلاحم، يجوز أن يكون من اللحام، لأن كل شيء كان ~~متباينا ثم تلازم يقال فيه: التحم وتلاحم، ويجوز أن يكون من الملحمة، لأن ~~أهلها يتلاحمون فيها. يقال: لحمته فهو لحيم، أي قتلته. قال الهذلي: # فلا ريب أن قد كان ثم لحيم # PageV01P187 # فقد كان أوصاني أبي أن أضيفكم ... إلي وأنهى عنكم كل ظالم # نبه بهذا الكلام على استعلائه عليهم قديما وحديثا، وأنهم كانوا لهم ~~كالخول والتبع، وأن الأسلاف كانت توصي الأخلاف بهم لتطاول أيامهم في ~~جنبتهم، واكتناف العناية بهم من ماضيهم وغابرهم. ### || وقال إبراهيم بن كنيف النبهاني # تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول # الخطاب بهذا الكلام للنفس على طريق التسلية، فيقول: تصبر فإن الصبر ~~بالرجل الكريم أحسن من التخشع فيما لا يحسن الخضوع فيه وله. والأصل في ~~الصبر الحبس، ومنه قولهم: قتل فلان صبرا. وقوله " وليس على ريب الزمان معول ~~"، يريد به أن الأحداث لا تقف على شيء بحكم واحد، ولكنها تتنقل وتتبدل، فلا ~~متكل عليها، ولا معتمد على عهدها، فهي كما تحسن تسيء، وكما تدوي تداوى، ~~وكما تجمع تفرق. وقوله " تعز " هو من عزا الرجل وعزي الرجل، إذا صبر عزاء، ~~ورجل عزي أي صبور. وفي بناء تفعل زيادة تكلف، ودلالة على فرط تعمل. ~~والمعول: المحمل والمتكل. والحر أصله الأعتق من كل شيء والأكرم، ولذلك قيل ~~لما بدا من الوجه في اللقاء: حر ms0142 الوجه. قال الشاعر: # لقد شان حر الوجه طعنة مسهر # فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... ببوسى ونعمى والحوادث تفعل # قوله " والحوادث تفعل " يسمى اعتراضا، ومثل هذا من الاعتراض يزيد القصة ~~تأكيدا، وهو ها هنا حائل بين الجزاء وجوابه، لأن جواب إن تكن قوله " فما ~~لينت منا قناة صليبة " وحسن الكلام به جدا إذا كان تأكيدا لما يقتصه من ~~تحول الأحوال، # PageV01P188 # وتحقيقا لما شكاه من ريب الزمان، وبعثا على التسلي، وأخذ النفس بالتأسي. ~~فيقول: إن كانت الأيام دارت فينا بالنعماء مرة وبالبأساء أخرى - وهذا عادة ~~الدهر وحوادثه - فما غيرت منا شيئا. # فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا لذي ليس يجمل # ذكر القناة مثل، وقد مضى الكلام في مثله. وأبين ما يستشهد به في اسعارتها ~~للإباء والتشدد قوله: # كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء # وهذا البيت بيان لفائدة الصبر الذي دعاه إليه، وبعث نفسه عليه، لأن ~~الصابر على الشدائد حقيق بألا يتذلل لما لا يحسن به، ولا تجمل الأحدوثة فيه ~~عنه، وألا يتلين لما كان يتصلب له من قبل. فإن قال قائل: فإذا كان غاية ~~الصبر ومعناه هذا، فإلى أي شيء دعا نفسه بقوله: تعز فإن الصبر بالحر أجمل؟ ~~وقد خبر عن نفسه بأنه آخذ بما هو حقيقته؟ قلت: يجوز أن يكون معنى " تعز " ~~دم على التعزي، ويكون بناء الأمر لما هو الحال، ولا يريد استئنافه، كما أن ~~قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " معناه دوموا ~~على الإيمان. ويجوز أن يكون أمر نفسه في المستقبل بما كان عادتهم في ~~المستقدم. # ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل # يجوز أن يكون معنى رحلناها رحلنا لها نفوسا، والضمير للحوادث، ويكون هذا ~~كقولهم كلتك وكلت لك، ووزنتك ووزنت لك، ويكون نفوسا مفعولا لرحلنا. ويجوز ~~أن يكون الضمير أعنى ضمير المنصوب في " رحلناها " للنفوس، على أن يكون ~~مفعولا. وأتى بالضمير قبل الذكر، ثم جعل قوله نفوسا بدلا منها، على طريق ~~التبيين. وقوله " ولكن " حرف يستدرك بها بعد ms0143 النفي، فيكون المعنى ما تذللنا ~~للنوائب # PageV01P189 # ولكن هيأنا لها نفوسا تأنف من الرضا بالدنية، فلا تنسى كرمها، وتكلف أمور ~~لا تنهض بها فتتكلفها. وفي وصف النفوس بالكرم إشارة إلى الظلف والعفة، ~~والتأبي من المخزية، ومجانبة الريبة، والنفور من كل قبيحة. ولذلك قال الله ~~عز وجل في صفة المختارين من عباده المزكين: " والذين لا يشهدون الزور وإذا ~~مروا باللغو مروا كراما ". فأما قوله: " رحلناها " في الاستعارة، فكما يقال ~~استحملت فلانا نفسي، وركبتني ظلامات وما أشبهها. وحكى: هو يرحله بما يكرهه، ~~أي يركبه؛ ولا رحلتك بالسيف، أي لا علوتك. ### || وقال آخر: # وكم دهمتني من خطوب ملمة ... صبرت عليها ثم لم أتخشع # يقول: مرارا كثيرة فاجأتني خطوب شديدة، ونزلت بي، فحبست نفسي عليها، ~~وتجلدت لها، فلم يظهر في مناظري خشوع، ولا بدا من جوارحي خضوع. وموضع كم ~~على هذا التأويل ظرف. " ومن " على طريقة الأخفش تكون زائدة، لأنه يجوز ~~زيادة " من " في الواجب، ويستدل من المسموع بقول بعضهم: " قد كان من مطر ~~فخل عني " وبغيره. فكأنه قال: كم مرة دهمتني خطوب كثيرة. ويكون قوله صبرت ~~عليها صفة للخطوب. ويجوز أن يكون كم في موضع الابتداء، ومن خطوب هو بيان ~~له، وقد فصل بينهما بخبره، وهو دهمتني، وتقديره كم من خطوب دهمتني، أي كثير ~~من الخطوب. فأما فائدة العطف بثم من قوله " ثم لم أتخشع " فهو إبانة ~~الاستمرار في الصبر، وإن طالت المهلة إلى أن انكشفت تلك الملمات العارضة ~~وانفرجت. ومعنى دهمتني: فاجأتني، ومنه الدهم ودهماء الناس. # فأدركت ثأري والذي قد فعلتم ... قلائد في أعناقكم لم تقطع # يقول: أصبت ما طلبته، وتقاضيت به ممن كان لي عنده ثأر أو وتر، فاستنزلته ~~عنه، وما فعلتم من القعود عن نصرتي، وخذلاني فيما نابني لزمكم، فكأنها ~~قلائد وأطواق لا تنحل عنكم ولا تنقطع. وهذا تحقيق للزوم العار لهم فيما ~~أتوا. ومثله قول بشر: # وقلدها طوق الحمامة جعفر # PageV01P190 # يصف غدرة ارتكبوها. ومثله القرآن: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " ### || وقال عويف القوافي # ذهب الرقاد فما يحس رقاد ... مما ms0144 شجاك ونامت العواد # يقول: طار النوم فلا يعرف له أثر، مما دهاك وحزبك، ونام الذين كانوا ~~يعودونك ولم يسهروا لك. والمعنى: إني اختصصت فيك بما عرى منه عوادك، وتحملت ~~من الجزع ما سقط عنهم وخف عليهم. والرقاد والرقود: النوم بالليل، وعرف ~~الأول تعريف الجنس، ونكر الثاني لأنه أراد نوعا من الجنس، كأن المراد: ذهب ~~النوم على اختلافه حتى ما يرى لنوع منه مختص أثر. # لما أتاني عن عيينة أنه ... أمست عليه تظاهر الأقياد # قوله " لما أتاني " ظرف لقوله " نخلت له نفسي " لن لما إذا وليه الفعل ~~الماضي، كان علما للظرف، وفسر بحين. والمعنى: حين تساقط إلى عن هذا الرجل ~~وتأدى أنه أسر وقيد بقيد بعد قيد، فارقني ما كنت أخامره وأنطوي عليه من ~~التنكر له، وأزلت عن نفسي ما استجفيته فيه، لأن الكريم يرق لمثله من الكرام ~~عند النوازل. ومعنى التظاهر: أن يصير الشيء فوق الشيء فيقوى. ويقال: ظاهر ~~بين ثوبين، إذ لبس أحدهما فوق الآخر. وقوله تعالى: " وإن تظاهرا عليه " ~~معناه تعاونا، ومنه قولهم: هو ظهر ظهير، أي قوي في الاستغاثة. # نخلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد # يقول: أصفت عند ذلك نفسي له النصح، لأن الضغائن تفارق عند الشدائد. وهذا ~~الكلام هو بيان علة مفارقة ضغنه ورجوعه إلى سلامة الصدر له. وقد ذكر فيما # PageV01P191 # بعده ما يدل على حسن الإنصاف من النفس، والاعتراف بالفضل للغير. ويجوز أن ~~يروى " أنه " بفتح الهمزة، والمعنى لأنه عند الشدائد. وإذا روي بالكسر يكون ~~على الاستئناف. # وذكرت أي فتى يسد مكانه ... بالرفد حين تقاصر الأرفاد # مصدر ذكرت في هذا الذكر بضم الذال، لأنه بالقلب. وقوله " بالرفد "، يريد ~~ببذل الرفد، فحذف المضاف. يقول: أجلت في فكري، وقلت في حديث نفسي: لو خلى ~~مكانه من كان يسد مسده، ومن يعطي عطاءه عند تقاصر العطايا وتراجع المعونات. ~~وهذا إشارة إلى زمان الجدب والقحط وقت تنافس الناس في المتملكات، والدفع ~~عنها بإعداد العلات. والمعنى: إن مثله لا يوجد ولا يظفر به في مثل ذلك ~~الوقت، ms0145 فإذا كان كذلك فكيف يسمح المنصف به لدهره، أو كيف ينطوي الصدر على ~~السلو عنه والخلو منه، مع شدة الحاجة إليه. ويقال: رفدت الرجل رفدا إذا ~~أعطيته، ثم سمي العطية رفدا بكسر الراء، وجمعه الأرفاد. وأرفدته محكي لكنه ~~ليس بالمتخير. وتقاصر، أصله تتقاصر فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وهو في موضع ~~الجر بإضافة حين إليه. # أم من يهين لنا كرائم ماله ... ولنا إذا عدنا إليه معاد # أم هذه هي المنقطعة، والاستفهام دخل في الكلام على طريق التوجع والتلهف ~~لما جرى على عيينه المذكور. والمعنى: لو فقدناه من كان يبذل لنا عقائل ~~أمواله، ومتى شئنا وجدنا عنده معادا فلا يمل السؤال، ولا يغب النوال؛ وهذا ~~الكلام تنبيه على أنه كان يديم الإحسان، ولا يحول عطاء يومه دون عطاء غده. ~~وقوله " كرائم ماله "، جمع كريمة، وقد أجري مجرى الأسماء حتى جاء في ~~الحديث: " إذا جاءكم كريمة قوم فأكرموه ". ### || وقال بشر بن المغيرة # جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه # PageV01P192 # أراد بالأمير المهلب بن أبي صفرة. والمغيرة أخوه، ويزيد ابنه. وقائل هذا ~~الشعر بشر بن المغيرة، وهو أحد الفرسان المشتهرين، فيقول: جفاني عمي ~~المهلب، وأبي المغيرة، وصار يزيد ابن عمي لاقتدائه بهم منحرفا عني، غير ~~مائل إلي. والازورار: الانحراف، وهو من الزور: تنو أحد شقي الصدر واطمئنان ~~الآخر: ويقال رجل أزور، وامرأة زوراء. # وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه # أراد بالكل الاتحاد لا الجميع. يقول: كل واحد منهم قد نال من الدنيا ~~وأعراضها قدر ما يشبعه ويمكنه الاكتفاء به، ثم قال: وشبع الإنسان لؤم إذا ~~لم يشرك صاحبه فيه فبقي جائعا. أي هو كذلك في ذلك الوقت، وعلى تلك الحالة. ~~والشبع لا يكون لؤما، لكن التفرد به من دون ذويه على حاجة منهم إليه بكونه، ~~فرمى بالكلام على ما ترى لأن المراد منه مفهوم. والفرق بين الشبع والشبع، ~~أن الشبع بسكون الباء: القدر الذي يشبع، والشبع بفتح الباء: الامتلاء من ~~الطعام، وقد استعمل الشبع في ms0146 غير الطعام فيقال: أشبعت الثوب صبغا، وكذلك في ~~كل ما وفرته من القول وغيره، حتى قيل تشبع الرجل، إذا تكثر. # فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تلم فإن الدهر جم نوائبه # قوله " مهلا " معناه رفقا ودع العجلة. ويحرك الهاء منه فيقال ائت كذا على ~~مهل ومهل جميعا. ويقال: ما بي عن كذا مهل، أي إني فيه مستعجل. وفي هذا بعض ~~التوعد والتطنز وإن كان ظاهره أنه يستعطف المهلب ويعرفه أن الدهر ذو غير ~~وذو ألوان فلا يؤمن بوائقه؛ وأنه قد يحتاج إلى المستغنى عنه لحادثة تحدث. ~~فيقول: ادخرني لنوبة تنزل، وهي المصيبة أو النكبة، ولا تطرحني اغترارا ~~بالأمن، فإن الدهر كثير النوائب، وشيك التحول. وقوله " يا عم " حذف الياء ~~منه لوقوعه موقع ما يحذف في هذا الباب، وهو التنوين، ولأن باب النداء باب ~~إيجاز، ولأن الكسرة تدل عليه. # أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه # يفضل نفسه في نفاذه في الأمور ومضائه، على السيف؛ فقال أولا: أنا السيف، ~~أي أشبهه، ثم تلافى فقال: إلا أن السيف ربما نبا عن الضريبة وكبا، ومثلي لا ~~تكل # PageV01P193 # ولا تنبو حدوده عن شيء تلاقيه. وفي هذه الطريقة قول جرير: # وليس لسيفي في العظام بقية ... وللسيف أشوى وقعة من لسانيا # والمضارب: جمع مضرب، وهو الموضع الذي يضرب به من السيف. ### || وقال بعض بني فقعس # يا أيها الراكبان السائران معا ... قولا لسنبس فلتقطف قوافيها # الراكب: اسم لمن ركب حيوانا إلا الفرس، فإنه يقال لراكبه فارس متى أطلق. ~~ومعا، انتصب على الحال، ومعناه مصطحبين ومجتمعين. فيقول: يا أيها السائران ~~المصطحبان، قولا لهذه القبيلة لتترك قول الشعر، أو تتوقف قليلا حتى تتباطأ ~~قوافيها عني. وفي هذا الكلام ضرب من الاستهزاء بهم، وإشارة إلى التجبر ~~والتعلي عليهم. والقطوف من الدواب: الذي في خطوه بطء مع تقارب. وجعل فعل ~~الأمر للقوافي على السعة والمجاز. وسنبس هم المأمورون. وهذا كما يقال في ~~النهي: لا أربنك ها هنا، والمخاطب هو المنهي، لأن المعنى: لا تكن ها هنا ~~فأراك. ثم ms0147 بين الشاعر الوجه الذي أوجب منه اطراح الافتخار ورفض الهجاء له، ~~فقال: # إني امرؤ مكرم نفسي ومتئد ... من أن أقاذعها حتى أجازيها # يقول: إني رجل أربأ بقدري عن مكايلتهم، وأترفع عن موازنتهم، وأتوقف عن ~~ملاحاتهم، طلبا لمجازاتهم. والتقدير: لا أقاذعها لكي أجازيها، لأن حتى ~~الداخلة على الفعل مرة يكون بمعنى كي، ومرة يكون بمعنى إلى أن. ويجوز أن ~~يكون المعنى: لا أقاذعها إلى أن أجازيها، أي أولا أجازيها فعلا لأرى القدرة ~~عليها، ثم حينئذ أجازيها بالكلام. والأول أحسن. ثم أخذ يقتص ما كان منهم ~~لما طلب مكافأتهم بالفعل. والمقاذعة: المفاحشة. ويقال قذعته، إذا رميته ~~بالفحش. ومتئد: مفتعل من التؤدة، وهي الرفق. # لما رأوها من الأجزاع طالعة ... شعثا فوارسها شعثا نواصيها # يقول لما رأوا الخيل بارزة لهم ومفاجئة إياهم من أجزاع الوادي - وهي ~~جوانبها - مغبرة النواصي مغبرة الفرسان. وجواب لما فيما بعده. ويقال شعث ~~شعثا وشعوثة، وهو أشعث وشعث. وأضمر الخيل في قوله " لما رأوها " وإن لم يجر ~~لها ذكر، لأن الحالة الحاضرة تدل عليه. ويجوز أن يكون تقدم ذكرها فيما ترك ~~من أبياته. # PageV01P194 # لاذت هنالك بالأشعاف عالمة ... أن قد أطاعت بليل أمر غاويها # يقول: التجأت في ذلك الوقت إلى قلل الجبال وأعالي الهضاب، عارفة سوء ~~اختيارها في تحككها بي، وتعرضها بالشعر لي، وأنها قد ائتمرت لغواتها بليل. ~~وذكر الليل ها هنا إشارة إلى حيرتها فيما أتته من تركها الرشاد، وقبولها ~~مشورة الغواة. والأشعاف: جمع الشعفة، وهي أعلى الجبل، وأعلى كل شيء، ولذلك ~~قيل شعفة القلب لرأسه عند معلق النياط. وهنالك ظرف، ويكون للزمان والمكان ~~جميعا، وزيادة اللام تكون للتأكيد فيه، كأن البعد فيما يشار إليه بهنالك ~~أبلغ مما يكون فيما يشار إليه بهناك. وهذا على طريقة ما تقوله في ذلك وذاك. ~~وقوله " أن قد أطاعت " أن فيه مخففة من الثقيلة، أي عالمة أنها قد أطاعت. ~~ويقولون لما لا يعمل بتثبيت وحسن تدبر: " هذا أمر قد قدر بليل ". وعلى هذا ~~قوله تعالى: " بيت طائفة منهم غير لذي تقول ". ### || وقال آخر في ms0148 ابن له # لا تعذلي في حندج إن حندجا ... وليث عفرين لدي سواء # يخاطب لائمة عذلته في التوفر على ابنه حندج واختصاصه إياه واستخلاصه، ~~وذكر الخليل أن حندجا في اللغة: رملة طيبة تنبت ألوانا من النبات. فيقول: ~~لا تلوميني في أمر حندج، إن حندجا وليث هذه المأسدة متساويان عندي. وقد قيل ~~في ليث عفرين: إنها هي التي تصيد الذباب وثبا، فشبهه في كيده ومكره به، وقد ~~وصف الخبيث المنكر بالعفر والعفرية وعفرني، ويقال أيضا للأسد عفر وعفرني. ~~وقيل هو أشد عفارة، واستعفر فلان. وحكى الأصمعي أن ليث عفرين دابة كالحرباء ~~يتحدى الراكب ويضرب بذنبه. وقيل عفرين: موضع نسب إليه، وقيل عفرين: فعلين ~~من العفر، وهو التراب، لأن عادة الأسد أن لا يصيب من فريسته حتى يعفره، ~~يشهد لذلك قول الآخر في صفته: # ولا نال قط الصيد حتى تعفرا # PageV01P195 # وذكر بعضهم أن ليث عفرين كقولهم: ليث ليوث، لأنه يقال للمنكر الداهية ~~عفر، ويوصف به الأسود والرجال. ويكون على هذا عفرين جمع جمع السلامة ~~كالأقورين، ومر بي أن قولهم ليث عفرين يستعمل في المدح والذم وسواء: مصدر ~~في الأصل وصف به. # حميت على العهار أطهار أمه ... وبعض الرجال المدعين جفاء # يبين في هذا الكلام انتفاء الريب عن مشابهته له. وتقيله إياه، وأنه لا ~~يشك في كونه من صلبه، فيقول: حفظت أطهار أمه عن الزناة، لأني اخترتها من ~~بيت العفة، وأرومة الكرم، ومغرس النجابة، والعتق والشهامة ودعواي حق، وبعض ~~دعاوى المدعين كالذي يعلو السيل ويحتمله من سقط الأرض. والمراد بقوله: وبعض ~~دعاوى الرجال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والعهر والعهور: ~~الفجور. ويجوز أن يريد بقوله " حميت على العهار " ما أراد امرؤ القيس ~~بقوله: # وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي # أي بفرط غيرتي وكمال رجوليتي وتمام محاسني. وإنما خص الأطهار لما في ~~المحيض من الاعتزال، وكما قال الآخر: # دون النساء ولو باتت بأطهار # وذكر بعضهم أن المراد بقوله جفاء: وبعض الرجال محمول دعي، فهو كالجفاء لا ~~يعند به. والصحيح الأول. # فجاءت به سبط العظام ms0149 كأنما ... عمامته بين الرجال لواء # يقول: جاءت الأم بهذا الولد وهو تام العظام مديد القامة، فكأن قامته رمح، ~~وكأن عمامته إذا توسط الرجال لواء محمول عليه. وأحسن صنعة منه قول مسلم، ~~وإن # PageV01P196 # كان هذا سليما من العيب. # يقوم مع الرمح الرديني قامة ... ويقصر عنه طول كل نجاد # وفي طريقته قول الآخر: # يكاد يساوي غارب الفحل غاربه ### || وقال آخر # إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب # إذا يتضمن معنى الجزاء، ولهذا احتاج إلى الجواب فجعل بالفاء. فيقول: إذا ~~كان الأولاد تقطيعا في الصدور وتحزيزا في القلوب، لعقوقهم واستعمالهم ~~الجفاء في موضع البر مع آبائهم، فأنت العسل مشوبا بالماء العذب. وقد وصف ~~بعضهم كلاما فقال: " هو السحر الحلال، والعذب الزلال ". ويشير الشاعر إلى ~~سهولة جانبه، وحسن طاعته، ودماثة خلقه. وقال الخليل: الحزازة: وجع في القلب ~~من غيظ أو أذى. والحزاز أيضا كذلك، وأنشد بيت الشماخ: # وفي الصدر حزاز من اللوم حامز # لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعدء ممتنع صعب # خاطب في الأول ثم عدل في الثاني إلى الإخبار، وهذا عادتهم إذا افتنوا في ~~كلامهم، نظموا أو نثروا، لما في التحول من سهولة تجاوب الألفاظ، وتلاؤم ~~طرائق النظام. فيقول: لنا من هذا الولد خلق سجيح، ومذهب في البر فسيح، فهو ~~هين لين # PageV01P197 # معنا، وللأعداء منه إذا طلبوه أو جربوه جانب خشن مدفع، وطريق صعب متلف، ~~وخلق وعر شرس. ولم يقل وللأعداء جانب ولكن عطف الثاني على الأول، بمعنى أن ~~أحدهما لاجتذاب الخير، والآخر لدفاع الشر. فكأن التقدير: ولنا منه جانب معد ~~للأعداء ذلك صفته، فصار الجانبان لهم في اللفظ، والقسمة ثابتة في المعنى. ~~والدماثة: سهولة الخلق ولين الجانب. ويروى " ممتنع صعب "، و " متلفة صعب "، ~~والمعنى ظاهر. # وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهنز تحت البارح الغصن الرطب # البارح: ريح حارة تجيء من قبل اليمن. فيقول: تملكه عند اكتساب المكارم ~~أريحية يهتز عندها اهتزاز الغصن الرطب، الذي جرى الماء فيه، إذا هبت عليه ~~البارح. و " كما اهتز " أراد كاهتزاز. وقوله ms0150 " تحت البارح " حسن جدا، لأن ~~الريح تعلو الغصون في مرورها. وقد نسبوا البارح إلى النجوم إذا ذكروا ~~الأنواء. قال: # أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوعا # هذا يقوله بعض المتلصصة. وعيالها: السراق، وذلك أن البارح تحمل الغبار ~~وتدرس الآثار، فتجسر المتلصصة على السعي، وتمكنهم السرقة. ### || وقال آخر: # وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيران علي كرام # يروى: " من انتوى " وهو افتعل من النوى، وهي الوجهة المنوية للقوم، أو ~~البعد. يقول: ألفت مفارقة الوطن والإخوان شيئا بعد شيء، واعتدت التباعد ~~عنهم يوما بعد يوم، حتى لا أبالي من انتوى منهم أو نأى، وإن كرموا علي عند ~~المجاورة. ومن روى: " لا أبالي من النوى " فمعناه لا أحتفل به، والأول ~~أحسن. فإن قيل: كيف تعلق " حتى " بفارقت؟ وما معناه؟ قلت: أراد تكررت ~~المفارقة علي وقتا بعد وقت، وحالا بعد حال، إلى أن صرت لا أبالي بالفراق. ~~فمعنى حتى: إلى أن. وقوله " فارقت " مستصلح للقليل والكثير فانصرف إلى ~~الكثير، بدلالة أن المتمرن بالبلاء قديما، والمتحكك به كثيرا، هو الذي ~~يستهين به كثيرا، دون من مارسه يسيرا، وعالجه حديثا. # PageV01P198 # فقد جعلت نفسي هي النأى تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام # جعلت نفسي، بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. فيقول: أخذت نفسي تصبر ~~على النأي، وتنطوي على الفراق، فلا يظهر منها جزع، ولا تبوح بشكو، وعيني ~~تنام على فقد الصديق منهم فلا تسهر، ولا تبكي فتذرف وهكذا النفس إذا وطنت ~~على الشدائد، وتمرنت بالمصائب. وقوله: " تنطوي " أصل الطي الثني والقبض، ~~ومنه الطاوي والطيان. ### || وقال آخر: # روعت بالبين حتى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني # يقول: فزعت بالفراق مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، حتى صرت لا أرتاع له، ~~وواظبت المصائب علي واتصلت في الأهل تارة، والإخوان أخرى، حتى صارت الرزايا ~~بالإلف كأنها مرازي وعطايا. والكلام في حتى واتصاله ومعناه على ما تقدم. # لم يترك الدهر لي علقا أضن به ... إلا اصطفاه بنأي أو بهجران # يقول: لم أدخر لنفسي ms0151 علقا نافست فيه إلا زاحمني الدهر عليه فاستأثر بهن ~~إما بإيقاع بعد بيننا، أو إحداث هجران توسطنا. وأصل العلق: المال الكريم، ~~وجمعه أعلاق وعلوق. واستعاره ها هنا. ### || وقال طفيل الغنوي # وما أنا بالمستنكر البين إنني ... بذي لطف الجيران قدما مفجع # يقال: نكر وأنكر واستنكر بمعنى واحد. فيقول: أنست بفراق الأحبة بعد ~~نفرتي، وببعد ذوي اللطف عقب قلقي، وذلك لأني فجعت بالخلطاء والجيران قديما، ~~حتى صار كالعادة المألوفة. وقوله " بذي لطف الجيران " أراد بلطيف الجيران، ~~أي باللطيف منهم. وقدما ظرف للمفجع. # PageV01P199 # جدير بهم من كل حي صحبتهم ... إذا أنس عزوا علي تصدعوا # يقول: أنا خليق بالبين من كل حي أجاورهم إذا استوقفت قربهم، واستحليت ~~الكون معهم، حتى لا يعز علي أناس إلا تفرقوا عن كثب. والأنس: الطائفة من ~~الناس. يقال: رأيت معه أنسا كثيرا، أي ناسا. تصدعوا: تفرقوا. ومنه يقال ~~تصدعت الأرض بفلان، إذا تغيب هاربا. ### || وقال الراعي # وقد قادني الجيران حينا وقدتهم ... وفارقت حتى ما تحن جماليا # يقول: جذبني الخلطاء زمانا وجذبتهم، حتى كنت في حكم من لا يصبر عنهم، ولا ~~ينفك منهم، كالقائد للشيء وهو مقود له، لن من كان هذه صفته مع شيء فهو ~~يلزمه ولا يفارقه. والآن فارقتهم فلا أحن إليهم، ولا أنزع نحوهم. ونسب ~~الحنين إلى جماله وإن كان المراد النفس، لأنها في الحنين أقل صبرا حتى ربما ~~تهيم على وجوهها، وتند عن صواحبها، طلبا للإلف، وجريا مع الهوى. وعلى هذا ~~قال من قال في مخاطبة راحلته وقد رآها: # فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكن أصحبت عنهم قروني # رجاؤك أنساني تذكر إخوتي ... ومالك أنساني بوهبين ماليا # يقول: أملي فيك أنساني الفكر في إخوتي وأهل بيتي، وطمعي في مالك أنساني ~~مالي بوهبين. وهذا قاله لأنه يرى أن رجاءه فيه لتحققه صار مؤثرا على ذكر ~~وطنه وعشيرته، وأن ما طمع فيه من ماله لما كان أكثر مما ملكه بوهبين صار ~~منسيا له. # وهذه القطوعات بما اشتملت عليه من الفظاظة والقسوة، وذكر قلة الفكر في ~~الأوطان والأحبة، وتناسي العهود ms0152 والأذمة، ومفارقة الأماكن المألوفة. والحلل ~~المورودة، وشكوى النفس إلى التنائي والغربة، دخلت في باب الحماسة. وبمثل ~~هذه المناسبة دخل فيه كثير من نظائرها. وستدل عليها إذا انتهينا إليها. # PageV01P200 ### || وقال آخر: # وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اصطحبن بيوم سفوك # يروى " تصبح " بفتح الباء على ما لم يسم فاعله، فيكون المعنى: إنا لتسقى ~~أسيافنا الصبوح بيوم سفوك إذا ما اصطحبن. ومن روى " لتصبح " بكسر الباء ~~فخبر تصبح في الثاني، وهو " منابرهن بطون الأكف ". والمعنى: إنا لتصير ~~أسيافنا إذا شربت الصبوح في يوم سفوك للدماء بهذه الحالة. ونسبة السفك إلى ~~اليوم مجاز لما كان يقع فيه، فهو كقولهم: نهاره صائم. # منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رءوس الملوك # أراد أنها تنتضى فتخطب واعظة للأعدء زاجرة، ومنذرة للكماة محذرة، لكن ~~منابرهن أكف الضاربين، وأغمادها إذا أغمدت رءوس الملوك المعظمين. وهم ~~يتبجحون بقتل الملوك وقتالها. ويقرب من هذا قوله: # يكون جفيرها البطل النجيد # وقوله: # من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها # والمنابر: مواضع النبر، وهو الصوت، لأنها نصبت للخطب والمواعظ ~~والتحميدات. ### || # لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزاع نفس إلى أهل وأوطان # يقول: لا يزهدنك اشتياقك إلى السكن، وحنينك إلى الوطن، في إيثار سعة ~~العيش ورغده مع الراحة والسكون. ويروى: " نزوع النفس " والنزوع اشتهاره في ~~الكف عن الشيء، والنزاع في الشوق، وإن كان جائزا وقوع أحدهما موقع الآخر في ~~التشوق. ويقال ناقة منازع ونزوع. وقد أنزعوا، أذا حنت إبلهم. والنزع: ~~الجذب، ويقال: خرج نازع يد، إذا خرج عن الطاعة. # PageV01P201 # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران # هذا تسلية للنفس عن الأهل. يقول: تجد بكل بلد تنزل به أهلا بدلا من أهلك، ~~وجيرانا بدلا من جيرانك. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوض منه. وإنما ضمن ~~أبو تمام هذه الأبيات باب الحماسة، لما قدمته من أنها صادرة عن قسوة شديدة، ~~وقلة فكر في التحول عن الإلف والعادة، ولأن ترك الوطن والإحلال بالعشيرة ~~يضم إلى القتل وتلف النفس، فالصبر عليه كالصبر على القتل. ms0153 ألا ترى قوله ~~تعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ". ### || وقال بعض بني أسد # إلا أكن ممن علمت فإنني ... إلى نسب ممن جهلت كريم # يقول: إن لم أكن ممن عرفتهم بالشرف، فإني أنتمي إلى شرف كريم ممن جهلتهم. ~~كأنه يريد: ليس الاعتبار بما تعدينه شرفا أو تعرفينه نسبا، لكن الاعتبار ~~بحصول الكرم على أي وجه حصل، وحوز المجد وإن جهله من جهل. وقوله " إلى نسب ~~" يتعلق بفعل مضمر، كأنه قال: فإنني أنتمي إلى نسب. # وإلا أكن كل الجواد فإنني ... على الزاد في الظلماء غير شتيم # يقول: إن لم أكن النهاية في الجود فإني لا أشتم بسبب الزاد في الليلة ~~المظلمة، فلا أذم لصرفي الصيف عن نفسي بالعلل الكاذبة في الشتوة القحطة. ~~وقد اشتمل قوله " على الزاد في الظلماء " على ما بينا وأكثر منه. وهذا الذي ~~خبر به عن نفسه هو الجود، لكنه أراد أن يرى من نفسه ترك ادعاء النهايات، ~~والأخذ بالاقتصاد في الحالات، وإن كان تناهى من حيث اقتصد. ويقال زيد ~~الشجاع كل الشجاع، والمعنى أنه الكامل في معناه. ومن هذا الباب قوله عز ~~وجل: " وإنا أو وإياكم لعلى هدى أو في ضلال ". وهذا كلام من نظر لنفسه ~~وغيره، وتبين ما عليه وله، فأثبت ما أثبت في أحسن معرض، ودفع ما دفع بألطف ~~تعريض. وتعلق على من قوله: " على الزاد " بشتيم وإن كان مضافا إليه، لأنه ~~أجري غير مجرى لا، # PageV01P202 # لأنهما للنفي، فحمل الكلام على المعنى فكأنه قال: إنني على الزاد لا ~~أشتم. ونزيد هذا شرحا فيما بعده. # وإلا أكن كل الشجاع فإنني ... بضرب الطلى والهام حق عليم # هذا كالبيت الذي قبله. يقول: إن لم أكن النهاية في الشجاعة، والمعنى إن ~~لم يكن فعلي النهاية فيما يفعله الشجاع، فإنني عالم حقا بضرب الرءوس ~~والطلى. والمتناهي في الشجاعة لا يتعدى فعله هذا، لكنه سلك طريقته فيما ~~قبله. الطلى: الأعناق وأعراضها، والواحدة طلية. والباء من قوله " بضرب ~~الطلى " تعلق بقوله عليم. ms0154 # فإن قيل: كيف ساغ ذلك والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؟ قلتك لما ~~كان قوله " حق عليم " لا زيادة فيه إلا التوكيد لم يعتد بالمضاف، فحمل ~~الكلام على المعنى لا على اللفظ، فكأنه قال: إنني بضرب الطلى عليم جدا. ~~ويجري هذا المجرى إجازتهم لقول القائل أنت زيدا غير ضارب، مع امتناعهم من ~~إجازة أنت زيدا مثل ضارب، لما كانت معنى غير معنى لا، فحمل الكلام على ~~المعنى لا على اللفظ، حتى كأنه قيل: أنت زيدا لا ضارب. فاعلمه، وبالله ~~التوفيق. ### || وقال عمرو بن شأس # أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # المضمرة في أرادت رابة عرار، فقال والده عمرو: أرادت امرأتي إهانة عرار ~~والاستخفاف به، ومن يطلب ذلك في مثله فقد وضع الشيء في غير موضعه. فإن قيل: ~~هل تفصل بين قوله أرادت عرارا بالهوان وبين قوله لو قال أهانت عرارا؟ قلت: ~~بلى، لأن معنى أرادته بالهوان أرادت كونه لها وصحبته إياها باستعمال الهوان ~~معه، فيجوز أن يكون الهوان واقعا، ويجوز أن يكون غير واقع. ومعنى إهانته: ~~ابتذلته وأذلته. فهو إخبار لوقوع الفعل به فيما مضى. ويجوز أن يكون معنى ~~ظلم: تحيف حقه وبخسه. # PageV01P203 # فإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسمن ربت له الأدم # نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب، على عادة تفننهم. يقول: إن كنت تهوين ~~هواي، أو تريدين الكون معي ومصاحبتي، وإن انطويت في حبه مخالفتي، فكوني له ~~في تصنعك كأنك موافقة الظاهر للباطن، جارية معه على الحد من حسن العشرة، ~~وإظهار الميل والمودة. والسمن إذا رب نحيه لم يتغير. يريد فلا تتعيري أنت ~~أيضا. ومعنى ريت له أي من أجله، والأدم: جمع، يقال أديم وأدم. وله نظائر ~~قليلة: إهاب وأهب، وأفيق وأفق، وعمود وعمد. # وإن كنت تهوين الفراق ظعينتي ... فكوني له كالذئب ضاعت له الغنم # يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي وتميلين إلى التباين عني فأسيئي عشرته ~~وكوني له كالذئب ضاعت الغنم من أجل وقوعه فيها. والمعنى عاشريه عشرته لها. ~~ويجوز أن ms0155 يريد بقوله " ضاعت له الغنم " فاتته الغنم بعد أن أمكنته. والسبع ~~إذا شارف فريسته ثم فاته كان ذلك مهيجا له، وداعيا إلى الفساد فيما يمكنه. # وإلا فسيري مثل ما سار راكب ... تجشم خمسا ليس في سيره أمم # هذا كما يقال عن طريق الوعيد إو إظهار الزهد لمن يؤمر شيئا: اعمل كذا ~~وكذا وإلا فدعهما ولا تعمل أحدهما فلا حاجة لنا فيه. يقول: وإلا فلا تحسني ~~إلي وفارقيني من وقتك. وهذا إظهار لزهده فيها، واطراح تكلف الاشتراطات ~~معها. ثم قال: ليكن سيرك سير الراكب تكلف ورود الماء لخمس، وليس في سيره ~~قصد ولا قرب. وقوله " مثل ما سار راكب " أي سيرا يشابه سيره. وقوله " تجشم ~~" من صفة راكب. والأمم: القرب، ويقال أمري من أمركم أمم. ويروى: " ليس في ~~سيره يتم " أي إبطاء. # فإن عرارا إن يكن ذا شكيمة ... تلاقينها منه فما أملك الشيم # يقول: إن عرارا إن يكن ذا سوء خلق تمنين به وتشقين بمقاساته، فإني لا ~~أملك تغيير الطبائع والخلائق. وكأنه جواب لاعتذارها من قلة الملاءمة ~~بينهما. والشكيمة: الحد والشدة. ويقال: إنه لشديد الشكيمة، أي شديد ~~العارضة. ويجوز أن يكون # PageV01P204 # شكيمة اللجام - وهي الحديدة المعترضة منه في الفم - مأخوذا منه والجميع ~~الشكائم. # وإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم # يقول: وإن ولدي عرارا إن لم يكن وضيء الوجه ممسوحا بالجمال، فإني أحبه ~~على سواده وتمام خلقه. وهذا كأنه إسقاط لقول من يزيف ابنه ويعيره القبح ~~والدمامة. وكان عرار هذا أحد الفضلاء، وتوجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى ~~الحجاج رسولا في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجاج لم يعرفه، وازدراه، ~~فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء، وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد ~~الحجاج: " أرادت عرارا بالهوان ... " الأبيات متمثلا، فقال عرار: أنا أيد ~~الله الأمير عرار! فأعجب به وبذلك الاتفاق. وفي هذه الطريقة قول المأمون ~~لإبراهيم بن المهدي: # إن يكن للسواد فيك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي # والعميم والعمم: الطويل التام من كل ms0156 شيء. والجون الأسود ها هنا، ويجعل من ~~الأضداد. ### || وقال آخر # لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجى في حندس الظلم # يروى: " ولم أجب في الليالي جندس الظلم ". والمبتدأ بعد لولا يحذف خيره ~~أبدا، ويستغنى بجواب لولا عنه. والتقدير: لولا أميمة مانعة لم أجزع. فيقول: ~~لولا ابنتي أميمة لم أخف الفقر ولم أرحل في طلب المال، ولم أركب الليل، ~~فكنت أجوب ظلماءه، وأكابد أهواله. والحندس: شدة الظلمة، وقد اشتق منه ~~الفعل، فقيل: حندس الليل فهو محندس. ومعنى لم أجب: لم أقطع. وقاطع المواضع ~~المظلمة كأنه قاطع للظلمة. ومن روى " ولم أقاس الدجى " يريد أهوالها. ~~وإضافة الحندس إلى الظلم كإضافة البعض إلى الكل، أي في الشديد من الظلم. ~~ويقال تحندس الرجل، إذا ضعف وسقط. # PageV01P205 # وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم # يقول: زادني حرصا على الدنيا ورغبة في العيش فيها، علمي بذل اليتيمة وقد ~~جفاها أقاربها، واطرحها أهلوها. وموضع " يجفوها " من الإعراب نصب على الحال ~~لليتيمة، والعامل فيه ذل اليتيمة. والتقدير: زادني معرفتي بذل اليتيمة إذا ~~جفاها ذووها رغبة في العيش ومهلة العمر. # أحاذر الفقر يوما إن يلم بها ... فيهتك الستر عن لحم على وضم # قوله " أن يلم بها " موضعه نصب على البدل من الفقر. والمعنى: أحاذر إلمام ~~الفقر بها فيكشف الستر عمن لا دفاع به، فتناوله من شاء بما شاء. والعرب ~~تقول: " النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه ". والوضم: خوان الجزار والخباز، ~~وموضعه ميضمة، والجميع مواضم. # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم # يقول: تحب ابنتي بقائي لها، وأنا أود موتها إشفاقا عليها، وخوفا من ~~ابتذال يلحقها، وابتلاء بمن لا يعرف لها ما يعرف لمثلها، ثم قال: والموت ~~أكرم نزال على الحرم، كما قيل: نعم الختن القبر ودفن البنات من المكرمات. ~~وانتصف شفقا على أنه مفعول له. # أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ... وكنت أبقى عليها من أذى الكلم # هذا تفسير قوله أهوى موتها شفقا يريد: أشفق من مغالظة عم لها، ms0157 أو جفوة أخ ~~تلحقها، وأنا كنت أبقي عليها من إيذائها بالكلم فضلا عن غيرها من الأفعال. ~~يقال: رجل فظ، إذا كان قاسي القلب غليظ القول. والكلم: جمع كلمة. ومعنى: ~~أذى الكلم الأذى الذي يلحق من الكلم. # وهذه الأبيات مع ما يشبهها لما ضادت ما قبلها في تضمنها رقة القلب، ~~والتعطف على الولد والأهل، أتبعها بها. وكل ذلك كالعارض ثم يعود إلى ما بني ~~عليه الباب. وهذا عادة أبي تمام في أبواب هذا الاختيار. ويشبهها قول الآخر: # لقد زاد الحياة إلي حبا ... بناتي إنهن من الضعاف # PageV01P206 # أحاذر أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف # وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف ### || وقال خطاب بن المعلى # أنزلني الدهر على حكمه ... من شامخ عال إلى خفض # يقول للدهر حكم معروف، وطريق مألوف، في رفع الوضيع، وحط الرفيع، فأجرى ~~حكمه على، وأنزلني عن رتبة عالية إلى منزلة منخفضة، والخفض: ضد الرفع، وهو ~~مصدر وضع موضع المفعول. يريد إلى مكان منخفض. # وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مال سوى عرضي # يروى: عالني ومعناه غلبني، ويروى: غالني ومعناه أهلكني بارتجاع عواريه من ~~المال، واستلاب ما كنت وفرت به من العتاد، فمالي مال سوى نفسي، وليس النفس ~~من المال في شيء. وموضع سوى نصب على أنه استثناء خارج، وهذا الاستثناء ~~يتأكد به انتفاء الغنى. ومثله قوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ويجوز أن يكون المعنى: ليس لي غنى سوى غنى نفسي، فحذف المضاف، والمعنى: ~~إن نفسي غنية فلا تطمع في المكاسب الوضيعة، ولا تتدنس بالمآكل الخبيثة. ~~وقوله بوفر الغنى أي بسلب وفر الغنى، فحذف المضاف. ويتعلق الباء منه بقوله ~~غالني. والوفر: كثرة المال، وأضافه إلى الغنى، لأن المراد المال الذي يحصل ~~به الغنى. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة بينهما، سواء كان له أو ~~عليه، أو معه أو فيه، أو من أجله، أو مما يليه. ويجوز أن يكون موضع بوفر ~~الغنى نصبا على الحال للدهر، ms0158 كما تقول: فاتني فلان بكذا، والمعنى فاتني ~~مستصحبا له. ومثله: جاء في أطمار، أي لابسا لها. ويجوز أن يكون حمل الكلام ~~على المعنى، فعدى غالني تعدية فجعني، لأنه في معناه فكأنه قال: فجعني بوفر ~~الغنى وأصابني. # PageV01P207 # أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي # قوله بما يرضي يدل على أنه أضمر مع قوله أبكاني الدهر شيئا يكون في ~~مقابلته، وحذف لأن المراد مفهوم. والمعنى أبكاني الدهر بما يسخط. وقوله يا ~~ربما المنادى فيه محذوف، كأنه قال: يا قوم ربما. وهذا النداء على وجه ~~التحسر والتوجع من معاملة الدهر وسوء تنقله. وقوله ربما ما هذه دخلت كافة ~~لرب العمل، ومخرجه لها إلى أن تصير مشتركة حتى جاز وقوع أضحكني بعده. ومثله ~~قوله تعالى: " ربما يود الذين كفروا ". ومعنى البيت: أبكاني الدهر بما ~~أسخطني، ويا قوم ربما أضحكني الدهر فيما مضى بما أرضاني. وفي طريقته قول ~~الآخر: # فإن تسكن الأيام أحسن مرة ... إلى فقد عادت لهن ذنوب # لولا بنيات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض # بنيات في موضع المبتدأ، وجاز الابتداء به لكونه محدودا بما اتصل به من ~~الصفات. وجواب لولا لكان لي مضطرب واسع وهو أول البيت الذي يليه، واستغنى ~~به عن خير المبتدأ، والتقدير: لولا بنيات صفاتهن هذه مانعة لي لفعلت. ومعنى ~~البيت: لولا بنيات لي صغيرات كفراخ القطا التي عليها الزغب - وهو الشعر ~~اللين لصغرهن - اجتمعن لي في مدة يسيرة، فمن ثانية بعد أولى، وواحدة إلى ~~جنب أخرى فكثرن - لكان كذا. ومثله: # تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى اجتمعن ثمانيا # أى جئن متوالياب. ويروى: " رددن من بعضي إلى بعضي "، بفتح الراء من رددن ~~وإضافة البعض، والمعنى: قوسنني وحنين ظهري. ويجوز في الرواية الأولى أن ~~يكون المعنى أن هذه البنات زوجن فرددن مع بنات لهن صغار. ويقال: ابنتك ~~مردودة، أي مطلقة. وإلي في موضع مع، يقال هذا إلى ذلك أي معه. ويكون " من ~~بعض إلى بعض " في موضع الحال، أي رددن مع غيرهن. وقد شبه لحطيئة وغيره # PageV01P208 # الأولاد ms0159 بزغب القطا، فقال: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زعب الحواصل لا ماء ولا شجر # يجوز أن يروى رددن على ما لم يسم فاعله. ومن بعضي إلى بعضي مضافين. ~~والمعنى: كن في صلبي، فلما ولدتهن صرن في كبدي فهي تحترق عليهن لفرط شفقتي. # لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض # المضطرب يكون الاضطراب، ويكون موضع الاضطراب. يقول: لولا خوفي من ضياعهن ~~وإبقائي عليهن، لكان لي مجال واسع، ومذهب فسيح في الأرض الطويلة العريضة. ~~وإنما تلومت ولزمت مكاني هذا لهن وبسببهن. # وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض # يقول: محل أولادنا من أنفسنا فيما بيننا وإن كانت ماشية على الأرض محل ~~الأكباد من الأجواف. " الولد فلذة من الكبدي "، أي قطعة. وقوله " تمشي على ~~الأرض " في موضع الحال للأولاد، وبيننا ظرف لتمشي. والتقدير: أولادنا وهي ~~ماشية على الأرض بيننا أكبادنا. وقوله " إنما " يدخل لتحقيق الشيء على وجه ~~مع نفي غيره عنه. # ؟؟؟؟؟ ### || وقال حيان بن ربيعة # لقد علم القبائل أن قومي ... ذوو جد إذا لبس الحديد # يقول: شهدت القبائل أن قومي يجدون في الحرب إذا تدجج أهلها في الأسلحة، ~~ويبلون فيها ولا يقصرون. و " إذا لبس الحديد " ظرف لقوله ذوو جد كأنه قال: ~~إنهم يجتهدون في ذلك الوقت. وأن قومي مع ما بعده سد مسد مفعولى علم. # PageV01P209 # وأنا نعم أحلاس القوافي ... إذا استعر التنافر والنشيد # يقول: ويشهدون أيضا أنه نعم أصحاب القوافي وأربابها نحن، إذا التهبت نار ~~التفاخر والتناشد والتحاكم. والحلس، أصله البرذعة وما يلي الظهر تحت الرحل، ~~ثم يستعمل على طريق التشبيه على وجهين: يقال في الذم: فلان كالحلس الملقى، ~~فيمن لا غناء عنده ولا كفاية إذا حزبه أمر. ويقال فيمن لزم ظهور الخيل: هم ~~أحلاسها؛ وهذا إذا مدحوا بالفروسية. ثم قالوا: ما هذا من أحلاس فلان، أي ~~ليس من آلاته. وقد مر بي أيضا أنه يقال للكفل الذي ليس بفارس: هو كالحلس. ~~وأحلاس البيت: ما يلقى تحت حر متاعه: # وأنا نضرب الملحاء حتى ... تولى والسيوف لنا شهود # يقول: وشهدوا أيضا ms0160 أنا نضارب الكتيبة البيضاء لكثرة سلاحها فنغلبهم حتى ~~تولى منهزمة، وسيوفنا لها حاضرة نكتسحهم بها في الهرب أيضا، والملحاء من ~~الملح، وهو البياض. يقال: كبش أملح. ويروي " نضرب الملحاء " بضم الراء. ~~ويقال: ضاربته فضربته أضربه، أي غلبته في الضراب. ### || وقال الأعرج المعنى # ؟ أنا أبو برزة إذ جد الوهل # خلقت غير زمل ولا وكل # يريد أنا الذي لشهرته تغنى كنيته عن صفاته وذكر أحواله، وقت اشتداد ~~الخوف. فإن قيل: ما العامل في قوله " إذ وجد "؟ قلت: ما دل عليه قوله أنا ~~أبو برزة من المعنى الذي بينته هو العامل - ومثله: # أنا أبو النجم وشعري شعري # PageV01P210 # وقوله خلقت غير زمل، أي غير ضعيف ولا جبان يتكل على غيره فيما ينوبه. ~~والزمل والزمال والزميلة: الضعيف. والوكل: الذي يتكل على غيره. # ذا قوة وذا شباب مقتبل # لا جزع اليوم على قرب الأجل # الموت أحلى عندنا من العسل # يقول: خلقت قويا مقتبل الشباب، لم تبلني السنون، ولم يضعفني ما مسني من ~~النوائب والهموم. فإن قيل: ما الزيادة في قوله ذا قوة على قوله غير زمل؟ ~~قلت: يجوز أن يكون ذا قوة مصروفا أي الرأي، وغير زمل مصروفا إلى البنية. ~~ويجوز أن يكون المراد بذا قوة الجلادة، لأن ليس من كان غير ضعيف كان جلدا. ~~واقتبال الشباب: ألا يرى أثر من الكبر معه. # وقوله لا جزع اليوم يقول: استقلتنا يومنا، فلا نجزع على دنو الأجل فيه إن ~~دنا، لأن الموت إذا غشينا فيما نطلبه، أحلى طعما عندنا من طعم العسل، وقوله ~~" اليوم " ظرف لقرب الأجل، وعلى قرب الأجل، خبر للا. ويجوز أن تجعل اليوم ~~خبرا على قرب الأجل تبيينا له أو حالا. وإن جعلته خبرا بعد خبر، كما نقول: ~~هذا حلو حامض، جاز أيضا. وذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن يكون معنى على ~~هنا معناها في قولك جزعت على كذا، أي أشفقت عليه، لأنه غير الغرض المقصود. ~~ألا ترى أن معناها لا جزع اليوم من الموت على أن الأجل قريب منا، فإذا قرب ~~منا فلم ms0161 نجزع منه فما ظنك بنا إذا بعد عنا. وأنا أقول: وإن من البيان ~~لسحرا، وإن من الغوص على المعاني لمثله درا. # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # نحن بني ضبة أصحاب الجمل # ننعي ابن عفان بأطراف الأسل # PageV01P211 # يعني بالشيخ عثمان بن عفان رضي الله عنه. المعنى: إنا طالبون بدمه، فإذا ~~أدركنا ثأره فحسبنا ذاك. وهذا معنى قوله ثم بجل. وموضع بجل رفع على ~~الابتداء وخبره مضمر، كأنه قال: ثم بجلنا ذلك، أي حسبنا ذلك. وثم عاطفة ~~لجملة على جملة. وقال لبيد: # بجلي الآن من العيش بجل # وحكى الأخفش أن بجل ساكنة أبدا. يقولون بجلك، كما يقولون قطك وقدك، إلا ~~أنهم يقولن بجلى ولا يقولون بجلني كما يقولون قطني وقدني، وهو القياس مع ~~مجيئه على السكون. وانتصاب بني ضبة بفعل مضمر، والقصد فيه المدح والاختصاص. ~~وخبر المبتدأ الذي هو نحن أصحاب، والتقدير: نحن - أذكر بني ضبة - أصحاب ~~الجمل. وهذا الكلام ينبه به على أنهم مجدون في طلب دم عثمان رضي الله عنه، ~~لأن الذين خرجوا مع عائشة رضي الله عنها وقاتلوا يوم الجمل كان دعواهم طلب ~~الثأر. ولو قال نحن بنو ضبة لكان يسقط فخامة المدح وتعظيمه، وكان يصير ~~أصحاب صفة وبنو خبرا، وكان يجوز أن يكونا جميعا خبرين، ويجوز أن يكون أصحاب ~~بدلا من بنو. وقوله ننعي ابن عفان كان عادتهم إذا مات رئيس فيهم عظيم الشأن ~~والمحل أن يطوف واحد منهم على القبائل، ويصعد الروابي المطلة عليهم، ~~والآكام المرتفعة بمحالهم ويقول: نعاء فلانا؟! يريدون تشهير أمره، وتعظيم ~~الفجع به، وربما أرخوا بموته. فيقول: نحن نجعلا بدل هذا الفعل أن نطلب دمه ~~بأطراف الرماح. وهذا معنى حسن. ### || وقال آخر: # داو ابن عم السوء بالنأي والغنى ... كفى بالغنى والنأي عنه مداويا # يقول: عالج ما بينك وبين ابن عم السوء من التضاغن والتباين، والتغابط ~~والتحاسد، بالبعد منه، والاستغناء عنه. ثم قال: وكفى بهما من مداو معه. ~~وهذا يجري مجرى الالتفات، وهو تنبيه على أنهما الغاية فيم يحسم به شره، ~~ويدفع به # PageV01P212 # ضيره. وموضع ms0162 بالغنى رفع بكفي. ومداويا يجوز أن يكون حالا ويجوز أن يكون ~~تمييزا، وهو أحسن، ومثله: " كفي بالله شهيدا ". والكلام يجري أيضا مجرى ~~التأكيد فيما دعا إليه، والتحقيق لغناء ما أشار به. # جزى الله عنا محصنا ببلائه ... وإن كان مولاي القريب وخاليا # محصن المذكور، هو ابن عمه الذي تأذى به فدعا عليه. يقول: جزاه الله بفعله ~~فينا، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وإن كان متصل النسب بطرفي أبي وأمي. # يسل الغنى والنأي أدواء صدره ... ويبدي التداني غلظة وتقاليا # السل: النزع. والأدواء: جمع الداء. وهذا مثل ما روى: " أن مر ذوي القربات ~~أن يتزاوروا ولا يتجاوروا "، وزاد عليه أيضا بما شفع النأي به من ذكر ~~الغنى. ونبه أيضا على أن في التداني تحاسدا يبدو معه القلى والقسوة لأن ~~الكلام كالتعليل للأمرين اللذين رغب في أحدهما وزهد في الآخر، وهما التداني ~~والتنائي. والمثل السائر: " فرق بين معد تحاب " مثل البيت. # أعان على الدهر إذ حك بركه ... كفى الدهر لو وكلته بي كافيا # هذا الكلام شكاية مما عامله به محصن، وتصريح بأذاه، فيقول: لم يرض ~~بالقعود عني وإسلامي للدهر حتى صار عونا له علي، لما أخذ يؤثر تأثيره، ~~ويلقي كلكله وجرانه. ثم قال منتقلا عن الأخبار عنه إلي مخاطبته، وإظهارا ~~للجزع من فعله. لو اتخذت الدهر وكيلا واعتمدت عليه، دون أن تباشر مساءتي ~~بفعلك لكفاك. ومثل هذا القول، أعني كفى الدهر، يسمى التفاتا. وقوله كافيا ~~يجوز أن يكون تمييزا، ويجوز أن يكون في موضع المصدر، أراد: كفى الدهر لو ~~وكلته بي كفاية. واسم الفاعل يقع موقع موقع المصدر كثيرا كما يقع المصدر ~~موقع اسم الفاعل. ومثله قول # PageV01P213 # بشر: # كفى بالنأي من أسماء كاف # فقوله كاف في أحد الوجوه مصدر لكنه لم ينصبه، وجعله كقول الآخر: # كأن أيديهن بالقاع القرق # في ترك إعراب المعتل في موضع النصب أيضا، إذ كان من العرب من يستثقل ~~الفتحة في الياء، والتقدير: كفى النأي من أسماء كافيا، أي كفاية. وقد جاء ~~في المثل: " أعط القوس باريها "، بسكون الياء ms0163 في باريها، ولم يرو أحد ~~باريها بالفتح، فليس يجوز إلا مات حكى، لأن الأمثال لا تغير. ### || ؟ وقال رجل من بني كليب # وحنت ناقتي طربا وشوقا ... إلى من بالحنين تشوقيني # انتصب طربا على أنه مصدر في موضع الحال، أو على أنه مفعول له. وأول البيت ~~خبر عن راحلته، وآخره خطاب لها. وقوله تشوقيني حذف نونه استثقالا لاجتماع ~~نونين، والأصل تشوقينني. ومثله في الحذف قول الآخر: # يسوء الفاليات إذا فليني # يريد فلينني. والمعنى: اشتكت ناقتي حانة لطربها وشوقها. ثم أخذ يخاطبها ~~منكرا عليها ما ظهر منها فقال: تشوقينني بحنينك إلى من؟ أراد أنه مع حصول ~~اليأس يجب ألا تحن ولا تشوق. ويجوز أن يكون المعنى تعظيم المشتاق إليه، ~~فكأنه قال: تشوقينني إلى من بحنينك؟ أي إلى إنسان وأي إنسان؟ ومن من قوله ~~إلى من في هذا الوجه يكون نكرة غير موصوفة وإن كان الكلام خبرا، وفي المعنى ~~الأول يكون من # PageV01P214 # استفهاما. وتقول: مررت بما صالح، ومررت بمن كريم. تريد بإنسان كريم. وقد ~~حمل قوله عز وجل: " مثلا ما بعوضة "، على أن معناه مثلا شيئا بعوضة. ~~والطرب: خفة تعتري لعارض سرور أو هم: # فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكن أصحبت عنهم قروني # هذا الكلام اعتراف بالحب، وتسويغ لحنين الناقة وإن كره التذكير الحاصل ~~منه. والشجو المنتج عنه. وقوله مثل ما تجدين يجوز أن يكون خبرا مقدما ~~والمبتدأ وجدي، فيكون التقدير: إنى وجدي مثل ما تجدين، والجملة خبر إن. ~~ويجوز أن يكون مثل خبر إن، ووجدي بدل من ياء الضمير المتصل بإنى، كأنه قال: ~~إن وجدي مثل ما تجدين. وما بمعنى الذي، وتجدين من صلته، والضمير العائد ~~إليه محذوف، كأنه قال: مثل ما تجدينه، أي مثل الوجد الذي تجدينه. ويجوز أن ~~يكون ما مع الفعل في تقدير مصدر، كأنه قال: إنى وجدي مثل وجدك. والأصل في ~~إنى إنني، لكنه حذف نونه لاجتماع ثلاث نونات، ويجوز أن يكون لم تأت بنون ~~العماد كما لم يؤت به في لعلي وليتي، والمعنى إن وجدي مثل وجدك، ولكن ms0164 ~~تابعتني نفسي باليأس منهم، وأنت لا تعرفين اليأس. والإصحاب: الانقياد. ~~والقرون والقرونة: النفس. ويقولون: أخذت قروني من هذا الأمر، أي رفضته ~~واطرحته. # رأوا عرشي تثلم جانباه ... فلما أن تثلم أفردوني # يقول: رأوا عزي قد تهدم جانباه، وانهد ركاناه، فلما صار أمري كذلك تركوني ~~وحيدا، وقعدوا عن مشايعتي ومتابعتي، فدعتني الحال إلى مفارقتهم، والتحول ~~عنهم. والعرش: سرير الملك، وقوام أمر الرجل وعزه، فإذا زال قيل: ثل عرشه ~~وتثلم. وقد ألم في هذا بقول أوس: # وهم لمقل المال أولاد علة # وبقوله: # بنو أم ذي المال الكثير # PageV01P215 # هنيئا لابن عم السوء أني ... مجاورة بني ثعل لبونى # أني في موضع الفاعل لهنيئا، ومجاورة ارتفع على أن يكون خبر أن، ولبوني في ~~موضع الرفع على أنها فاعلة لمجاورة، وبني ثعل مفعول به. والمعنى: ليهنئ ابن ~~العم السوء بعدي عنهم، ومجاورة لبوني لغيرهم. واللبو ن: الناقة التي بها ~~لبن. ويجوز أن يرتفع مجاورة على أنه خبر مقدم، والمبتدأ لبوني والجملة كما ~~هي تكون خبر أن. ويجوز أن يكون لبوني بدلا من الضمير المتصل بأني، والخبر ~~مجاورة. والمعنى والتقدير أن لبوني مجاورة بني ثعل. وهذا الكلام إنباء أن ~~ما حصل من بعده عن العشيرة كانوا يتمنونه، فقال هنأ الله أبناء عمي ما ~~أرادوه وفازوا به. ويجوز أن يكون وعيدا وتهكما. ### || وقال رجل من بني أسد # وما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة أحرب # النكس أصله في السهام، ونقل إلى الضعيف من الرجال. يقال نكسته نكسا ثم ~~يسمى المنكوس نكسا، كما يقال نقضته نقضا ثم يسمى المنقوض نقضا بكسر النون. ~~كأن السهم انكسر فوقه فنكس فسمي نكسا. فيقول: ما أنا بالمستضعف اللئيم، ولا ~~الذي إذا انحرف عنه من يواده دعا بالويل والحرب فقال: واحرباه. وفي طريقته. # ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق # ويجوز أن يكون معنى أحرب: أغتاظ. ومنه قوله: # إني إذا الشاعر المغرور حر بني # وهذا أسلك في طريقة العربية؛ وكان يجب أن يقول: ولا الذي إذا صد ms0165 عنه ذو ~~المودة يحرب، حتى يكون في الصلة ما يعود إلى الموصول، لكنه لما كان القصد ~~في الإخبار إلى نفسه وكان الآخر هو الأول، لم يبال برد الضمير على الأول ~~وحمل الكلام على المعنى، لأمنه من الإلتباس. وهو مع ذلك قبيح عند النحويين، ~~حتى إن أبا # PageV01P216 # عثمان المازني قال: لولا اشتهار موده وكثرته لرددته. ومثله: # أنا الذي سمتن أمي حيدره # ولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني فلى عنه مذهب # يقول: أملك نفسي وودي في مصادقة الأخلاء، فإن داموا لي على العهد دمت ~~لهم، ولزمت الوفاء معهم، وإن رأوا ذهابا عني وميلا إلى غيري ذهبت عنهم، ~~وملت إلى غيرهم. ويروى: ولكنني ما دام دمت ويكون موضع ما دام ظرفا، وخبر ~~لكن دمت. وفي الأولى يكون الجزاء وجوابه خبرا. وفي طريقته قول لبيد: # فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلة صرامها # ألا إن خير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود أتى وهو متعب # يقول: خير الود ما جاء عفوا من غير جهد، ولا إكراه نفس وطبع، بل يبعثه ~~الميل، ويحكمه الخلوص؛ فأما المتعب من المودات، والمشوب بالتعمل والتكلف، ~~فلا طائل فيه. ومثله قول بعضهم: # ولا خير في ود امرىء متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه # وقول الآخر: # إذا أنت لا يثنيك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع ### || وقال أبو حنبل الطائي # لقد بلاني على ما كان من حدث ... عند اختلاف زجاج القوم سيار # PageV01P217 # ارتفع سيار بقوله بلاني. واللام في لقد تؤذن بيمين. يقول: لقد خبرني هذا ~~الرجل على ما اتفق من حدث، واعترض من شر، فعرف حسن بلائي عند اختلاف القنا ~~بالطعن. وذكر الزجاج، والمراد الرماح بكمالها، ومثله قول الآخر: # الواطئين على صدور نعالهم # وإنما يوطأ النعل كلها. ويقال: زججته بالرمح، إذا زرقته. # حتى وفيت بها دهما معقلة ... كالقار أردفه من خلفه قار # يقول: صبرت لماعز من أمر، وتعسر من وفاء وأداء، لأخرج مما به تكفلت، من ~~العهدة التي فيها دخلت. وقد كان أبو ms0166 حنبل تضمن لسيار إبلا له بأعيانها أو ~~شرواها، أي مثلها، فيقول: أخذ سيار ينتظر مذا يكون مني فيما تضمنت حتى وفيت ~~بإبله سودا مشدودة بعقلها، كأنها في سوادها قار عولي بقار. وهذا يراد به ~~تأكيد السواد. ويقال ردفته وأردفته، إذا جئت بعده. وردفكم وردف لكم، أي ~~تبعكم وجاء بعدكم. وانتصب دهما على أنه حال للإبل. وفائدة قوله كالقار ~~تصوير للإبل بألوانها. ومعنى لقد بلاني حتى وفيت، أي انتظر ما يكون من ~~البلاء في وفائي عندما ضمنت، وصار يحربني إلى أن وفيت. وفائدة قوله معقلة، ~~أنه سلمها في مباركها آمنة. ويجوز أن يكون أراد إبلا متقدماتها ومتأخراتها ~~سود، فلذلك قال كالقار أردف بقار، ويجوز أن يكون أراد بالقار جمع قارة، وهي ~~الجبال، فشبهها بها في عظمها. # قد كان سير فحلوا ع حمولتكم ... إني لكل امرئ من جاره جار # يقول: وجب السير للخوف والحذر قبل هذا الوقت، وأما الساعة وقد بلغتم ~~المأمن في جواري فحلوا عن أجمالكم، إني لكل رجل منكم جار بدلا من جاره ~~الأول. والعرب تقول: هذا من ذاك، وهذا بذاك أي عوض. وفسر قول الشاعر: # ليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على الطهيان # PageV01P218 # على أن المعنى ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة. ويقولون: فلان لك من الجار ~~جار، ومن النديم، ومن الأكيل أكيل. ويحتمل أن يكون معناه: أني لكل رجل مجير ~~ممن يجاوره، أي ممن يدانيه بسوء، والأول أجود وأصوب. والحمولة: جمع حمل، ~~ودخلت الهاء فيه توكيدا لتأنيث الجمع. والحمولة: الأبل التي يحمل عليها، ~~وهي فعولة كالقتوبة، والركوبة، ولا يجري على الموصوف، لا يقال دابة حمولة. ### || وقال يزيد بن حمان السكوني # إني حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قرمي وفيهم شبت النار # الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال المرتضاة. وبهذا المعنى فارق ~~الشكر، لأن الشكر لا يكون إلا على صنيعة. فيقول: لما رأيت بني شيبان عند ~~إمحال الأرض وإجدابها، وإقتار الناس وإضاقتهم، ويوقدون نار ضيافتهم ~~ويقيمونها، وإن كانت نيران غيرهم خامدة متروكا إشعالها، أثنيت ms0167 عليهم، ونشرت ~~فضيلتهم. وقال نيران قومي وإن أراد غيرهم معهم، تفضيلا لهم على قومه، ~~وإيذانا بالصدق في مخبره، فبدأ بذكر قومه وذويه. ويروي: نيران قوم، والأول ~~أجود. # ومن تكرمهم في المحل أنهم ... لا يعلم الجار فيهم أنه الجار # حتى يكون عزيزا من نفوسهم ... أو أن يبين جميعا وهو مختار # يقول: من تكلفهم الكرم كأنهم لا يرضون في مثل ذلك الوقت بما طبعوا عليه ~~وجبلوا، حتى تكلفوا أكثر منه، أنهم يحلون جارهم من العناية به والاتحاف ~~والإحسان إليه والاصطناع، محلا يتشكك من بعد في نفسه: هل هو جارهم أم من ~~صميمهم. وعلى هذا يتعلق حتى من قوله حتى يكون عزيزا بالمعنى الذي دل عليه ~~قوله لا يعلم الجار فيهم أنه الجار، أي يعاملونه بهذه المعاملة إلى أن يكون ~~عزيزا فيما بين ظهرانيهم، أو يختار مفارقتهم. والمعنى: ذلك له فيهم، ما ~~اعتز بجوارهم، أو مال إلى فراقهم. ويجوز أن يكون قوله من نفوسهم في موضع ~~الحال، وعزيزا خبر # PageV01P219 # كان. وإن جعلت عزيزا في موضع الحال ومن نفوسهم خبرا جاز. والمعنى: حتى ~~يكون كأنه من أصلهم، كما قال الله عز وجل: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم "، ~~والمعنى من جنسكم ومن بطانتكم. ويجوز أن يكون البيت مضمنا، ويكون معنى لا ~~يعلم الجار فيهم أنه جار، أن الجار لا يكون قد أحس بمجاورته لهم حتى ~~يتفقدوه هذا التفقد، ويحلوه هذا المحل. وقوله أو أن يبين جميعا انتصب جميعا ~~على الحال، والمعنى أو أن يفارق وهو مجتمع الحال غير منتشرها، ومختار لذلك ~~غير مضطر إليه. ومثل هذا بيت زهير: # ضمنا ما له وغدا جمعا ... علينا نقصه وله النماء # وقبل بيت زهير هذا قوله: # وجار سار معتمدا إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء # فجاور مكرما حتى إذا ما ... دعاه الضيف وانقطع الشتاء # ضمنا ما له وغدا جميعا # ................................ # فقد علمت اشتمالها على ما ذكره هذا الشاعر وتفردها بما زاد عليه من ~~المعنى. ويجوز أن يكون حتى بمعنى كي، فيكون المراد لا يعلم الجار لحسن ~~توفرهم عليه، وتوحدهم إياه باتخاذ الصنائع ms0168 لديه أنه جار، لكي يكون عزيزا ~~مدة مقامه، أو يفارقهم مختارا، موفور المال، مصون الحال. # كأنه صدع في رأس شاهقة ... من دونه لعتاق الطير أوكار # يقول: كأن الجار لتمنعه بهم، وتعززه حين استظهر على الزمان بمكانه فيهم، ~~وعل احترز عن طلابه في رأس قلة شامخة أوكار عتاق الطير دونه، وهو أرفع منها ~~وأحصن. فالتشبيه تناول ما ذكرت من التمنع والتحصن. ويعني بعتاق الطير: ~~العقبان وما أشبهها من أحرار الطير، وما يتخذ الوكور في الجبال. وإلى هذا ~~أشار الهذلي في قوله: # حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف # PageV01P220 # يعني وكر عقاب. والصدع والصديع: الفتي من الأوعال، وقيل هو للربوع وقد ~~استعمل في الربعة من الرجال. ### || وقال آخر: # نزلت على آل المهلب شاتيا ... غريبا عن الأوطان في زمن محل # يقول: أويت لما تغربت عن أوطاني داخلا في الشتاء، ممتحنا بالجدب والقحط، ~~ملجأ إلى الاستعانة على الزمان بغيري، إلى آل المهلب بن أبي صفرة ونزلت ~~فيهم. ثم أخذ يقتص ما رأى فيهم. ويقال زمن محل، وصف بالمصدر، وزمن ما حل ~~وزمن ممحل. والأصل في المحل: انقطاع المطر ويبس الكلا. ويقال أرض محل وأرض ~~محول، وصف بالجمع، كأنه أجرى على أقطاع الأرض، كما يقال: ثوب مزق. # فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم ... وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي # يقول: لم يزالوا يؤثرونني بالإحسان والحسنى، ويختصونني بإسداء الجميل ~~والنعمى، ويلتزمون لي من الإكرام والتقريب، والإدناء والترحيب، حتى ظننتهم ~~عشيرتي، وتشككت في اغترابي منهم، وبعد نسبي عنهم. ومن الإقتفاء القفي، وهو ~~المكرم من الضيوف والسكن، والقفاوة. قال: # يعطي دواء قفي السكن مربوب ### || وقال جابر بن ثعلب الطائي # وقام إلى العاذلات يلمنني ... يقلن ألا تنفك ترحل مرحلا # يقول: انتصب اللواءم عاتبات علي، سائقات العنف إلي قائلات: ألا تزال ترحل ~~ارتحالا فلا تستقر بك دار، ولا يقرب لك مزار، ولا يحط عن راحلة رحل. # PageV01P221 # ومرحلا انتصب على المصدر، كما تقول: أما تنفك تخرج مخرجا وتبعد مبعدا. ~~ومعنى ترحل تشد الرحل. وموضع يلمنني موضع الحال، ويقلن في موضع البدل من ms0169 ~~يلمنني. # فإن الفتى ذا الحزم رام بنفسه ... جواشن هذا الليل كي يتمولا # في الكلام اختصار، كأنه قال: فأجبتهن فقلت: إن الفتى الحازم يحمل نفسه ~~المشقات، ويرمي بنفسه المتالف الصعبات، ويمتطي الأهوال، كي ينال الأموال، ~~غير مفكر في ظلمة ليل، ولا مستصعب لركوب خطب. وقوله: جواشن هذا الليل يعني ~~صدورها وأوائلها. والليل بإزاء النهار في الاستعمال، والليلة بإزاء اليوم. ~~والإشارة بهذا على طريق التقريب. وهم يستعيرون الجواشن والهوادي والصدور ~~والنحور والأعناق والرؤوس لأوائل الأمور، كما يستعيرون الأعجاز والأدبار ~~والأعقاب والأذناب لآواخرها. # ومن يفتقر في قومه بحمد الغنى ... وإن كان فيهم واسط العم مخولا # افتقر فعل مفتقر وفقير جميعا، استغنى به عن فقر. يقول: من ناله الفقر بين ~~عشيرته وأهليه حمد الغنى، وصار عنده المطلوب والمتمنى، وإن كان معطوفا عليه ~~مكرما، ومع ما فيهم مخولا. وقوله: واسط العم سطة الحسب: كرمه، والفعل منه ~~وسط. قال: # وقد وسطت مالكا وحنظلا # ويقال: فلان وسيط في قومه: جليل، وفلان واسط القوم، وهو أوسطهم أي ~~أشرفهم. # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # هذا الكلام بعث على التجوال، وتحضيض في اكتساب المال، فيقول: إذا اقتنيت ~~بعد فقرك، واكتسيت عن عريك، فكأنك ما كنت قط فقيرا ولا عريانا. # PageV01P222 # والمعنى: إن من استبدل بعسره يسرا، ونال عقب ضيقه رخاء، فكأنه ما سبق ~~إليهما، ولا زوحم فيهما. وفي طريقته ما بعده، وهو: ولم يك في بوس. ~~والصعلوك: الفقير. # ولم يك في بوس إذا بات ليلة ... يناغي غزالا ساجي الطرف أكحلا # يقول: وإذا استمتع ليلة بمناجاة إنسان كأنه غزال في طرفه فتر، وفي عينه ~~كحل، فكأنه ما كان ذا بوس قط. أي تعفى النعمة على آثار الضر، وتمحوها حتى ~~تنسى. وقوله ولم يك في بوس قد مر الكلام في حذف النون منها تخفيفا. ~~والمناغاة: المغازلة، وأصله من النغية، وهي الصوت اللطيف، والنغمة الحسنة ~~الخفية، ولذلك يفسر المناغاة على المسارة. والساجي: الساكن، يقال ليل ساج. ~~قال: # يا حبذا القمراء والليل الساج ### || وقال بعض بني طيئ ms0170 # إن أدع الشعر فلم أكده ... إذ أزم الحق على الباطل # قوله إذ أزم ظرف لقوله أدع. وتقدير الكلام: إن أدع الشعر إذ أزم الحق على ~~الباطل فلم أكده. ويريد بالحق كبرته وشيخوخته، وما أخذ به النفس عنده من ~~مراعاة الحق، والرجوع عن الهزل إلى الجد. وأراد بالباطل الصبا واللهو وما ~~يتبعهما مما يعد سفها وقوله فلم أكده أصله من حفر فأكدى، إذا بلغ الكدية، ~~فتعذر عليه الحفر وإنباط الماء. والكدية: مكان صلب يعني الحافر. ويقال ~~أيضا: حفر فأجبل، إذا بلغ جبلا. وتوسعوا فيه فقالوا: أكدى في الشعر ~~والعطاء. وفي القرآن: " وأعطى قليلا وأكدى ". وقالوا أيضا: فلان بلغ الناس ~~كديته، أي كان يعطي ثم أمسك. ومعنى البيت: إن تركت الشعر حين تحملت ~~وارعويت، وصار الحق عاضا على باطلتي، والحلم مانعا من جهالتي، فلم أتركه عن ~~عجز لاحق، وإفحام حاصل. والازم: العض، وتوسع فيه، فقيل: نعم الدواء الأزم، ~~يريدون الحمية. # PageV01P223 # قد كنت أجريه على وجهه ... وأكثر الصد عن الجاهل # يقول: كنت أجري الشعر على حقه وكنهه، وأقرضه مستمرا فيه على حده أيام ~~شبابي، وقبل ارتداعي، ومع ذلك كنت أكثر الإعراض عن الجهال، وأتصون عن ~~مكايلتهم وموازنتهم. وهذا يجري مجرى قول الآخر: # إني امرؤ مكرم نفسي ومتئد ... من أن أقاذعها حتى أجازيها # والمعنى أربأ بقدري عن مقارضة الشعر، ومجاذبة السفهاء، ولكن إن دعت الحال ~~معهم، والضجر بهم، إلى المجازاة مع مراجعة الحلم، فبالفعل لا بالقول، وعلى ~~هذا كنت قبل هذا الأوان مع الجهال. ### || وقال آخر: # زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت # يقول: قال اللوائم عاتبة على جندب، ومنكرة لتودعه وميله إلى الراحة ~~والخفض وترك السفر: إن ناقته حط عنها رحلها، وأزيل كلالها، فهي جامة بجنوب ~~خبت: والخبت، أصله ما اطمأن من الأرض. ويقال أخبت الرجل، إذا صار في الخبت؛ ~~وتوسع فيه فقيل للمتأله الخاشع: هو مخبت. # كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت # أبطل قولهن فذكر أنهن لو رأين منزلنا ومبركنا بهذا البلد، لقلن لج جندب ~~في السير ms0171 وذلت الناقة. ويجوز أن يكون قوله مناخنا لم يشر به إلى إناخة وإلى ~~موضع لها، وإنما يكون كقوله: # فإن المندى رحلة وركوب # فيكون المعنى: لو رأين ما جعل بدلا لناقتنا في موضع الإناخة لقلن ذلك. ~~ومثله: # تعليقها الإسراج والإلجام # PageV01P224 # أي جعل الإسراج بدلا مما كان يعلق عليه. ويقرب منه قوله: # لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس # وإنما شاهد وقتهما فذكرهما به، ولم يكن ثم دجاج ولا نواقيس. ### || وقال الراعي # كفاني عرفان الكرى وكفيته ... كلوء النجوم والنعاس معانقه # عرفان: اسم صاحبه. فيقول: نام هذا الرجل وكفاني الاشتغال بالنوم، وكلأت ~~النجوم وارتقبتها، وكفيته السهر، وقد لازم النعاس وعانقه. فإن قيل: كيف ~~كفاه الكرى؟ قلت: هذا على مطابقة الكلام، فلما قال كفيتة مراعاة النجوم ~~ونبت عنه فيها، قال: كفاني الكرى، وإن كانت نيابة ذلك عنه في الكرى لا يصح. ~~ويروى: " كفاني عرفان الكرى وكفيته "، أي معرفة الكرى وليس بمرتضى. # فبات يريه عرسه وبناته ... وبت أريه النجم أين مخافقه # هذا تطنز من القول، لأن الساهر لا يعلم من حال النائم أنه يحلم أو لا ~~يحلم. وإنما نبه بهذا الكلام على استحكام نومه وتلذذه به، إذ كانت الأحلام ~~لا تحصل للنائم إلا عند ذلك. ولما قال بات يريه النوم امرأته وأولاده، قال ~~في مقابلته على الطريقة التي في البيت الأول: وبت أريه النجم. وهذا الجنس ~~يكثر في كلام البلغاء، ومثله قول الله عز وجل: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه ". و " إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم ". # وقول الشاعر: # دناهم كما دانوا # وقد مر جميعه مستقصى. # PageV01P225 ### || وقال آخر: # فلست بنازل إلا ألمت ... برحلي أو خيالتها الكذوب # حذف مفعول نازل لأن المراد مفهوم، كأنه قال: لا أنزل منزلا. ومثله قول ~~الله عز وجل: " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا "، أي العذاب. والإلمام: ~~زيارة لا لبث معها. يقول: لا أنزل محلا إلا رأيت هذه المرأة ملمة برحلي، أي ~~متصورة لي بهذه الصورة، تشوقا مني وتحفيا. هذا في حال اليقظة وعند فراغ ~~البال والاشتغال بحال النفس. أو ms0172 رأيت خيالتها الكذوب القليلة الوفاء إذا ~~نمت. ويقال خيال وخيالة، كما يقال مكان ومكانة. وجعلها كذوبا لما لم يتحقق ~~فعلها وقولها. والمعنى: إني لا يخليني منها لا النوم ولا اليقظة، ولا ~~يلفتني عنها لا الرخاء ولا الشدة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # وقال الأصمعي في قول الآخر: # ألبس بصيرا من رأى وهو قاعد ... بمكة أهل الشام يختبزونا # هو على التشوف والتحفي. # فقد جعلت قولص ابني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب # جعلت ها هنا بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. والقلوص: الفتية من ~~الإبل، ومرتعها قريب في موضع الحال. يقول: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة ~~المرتع من رحالهم، قصيرة المسرح في رواحهم، لأنه لما لحقها من الكلال ~~والإعياء، لم تقدر على التباعد في المرعى والارتياد. # كأن لها برحل القوم بوا ... وما إن طبها إلا اللغوب # يقول: كأن لهذه الناقة ولدا برحل القوم، تتعطف عليه، ولا تتباعد عنه، وما ~~داؤها إلا الإعياء. ومثل هذا قول الآخر: # من الكلال لا يذقن عودا ... لا عقلا تبغي ولا قيودا # PageV01P226 # والطب أصله العلم، والمراد به ها هنا الداء الذي يعلم ويعرف. والبو، ~~أصله: جلد فصيل يحشى تبنا لتدر الأم عليه. ### || وقال آخر: # إن كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي # هذا مثل. والمعنى: إذا لم أقصد في خاص أمري، ثم قصدت فيمن يشمله عنايتي، ~~عاد ذلك القصد بالشر والمساءة علي، وصرت كأني أنا المقصود. والجائحات: ~~المائلات، وروى بعضهم جائحات النبل وهي المستأصلات المهلكات. ويقال جاحه ~~واجتاحه بمعنى. وليست هذه الرواية بجيدة، لأن الغرض ما ذكرته من أن من يمسه ~~أمره إذا قصد كان كنفسه. فإن قيل: فلم خص الجانحات؟ قلت: المراد فيما ضرب ~~المثل له: إني رميت إذا رميت الجعبة المعلقة علي، لأن بعض السهام يصيبه ~~وبعضها يصيبني. وإذا كان كذلك فلا بد من ذكر الجانحات. والنبل: اسم صيغ ~~للجمع. والكنانة: ما يغطي به الشيء في الأصل، واختص بها الجعبة وهو من ~~الكن، ms0173 كالستارة من الستر. وفي القرآن: " وقالوا قولبنا في أكنة ". وقد فصل ~~بين كننت واكتننت، فجعل اكتننت لما يضمر في القلب من الحديث والسر، وكننت ~~لما يستر بشيء. وذكر الدريدي أن الكنانة لا يكون إلا للنبل، ويكون من أدم، ~~فإذا كانت من خشب فهو جفير، وإن كانت من قطعتين مقرونتين فهي قرن، والجعبة ~~تكون للنبل والنشاب جميعا. # أفيقوا بني حزن وأهواؤنا معا ... وأرحامنا موصولة لم تقضب # يقول: اصحوا بني حزن من سكرة جهلكم، وانتبهوا من رقدة غفلتكم، الأهواء ~~بعد متفقة، وأسباب الرحم موصولة، لم يتسلط عليها العقوق، ولم يقطعها الجفاء ~~والنبو. والمعنى: كفوا عما أنتم عليه من سيئات التقاطع والتدابر، قبل تفاقم ~~الخطب، واستفحال الشأن. والقضب: القطع، ومنه قيل للسيف المقضب والقضيب. ~~وقوله معا في موضع الخبر، أي مجتمعة. # PageV01P227 # فإن تبعثوها تبعثوها ذميمة ... قبيحة ذكر الغب للمتغبب # يقول: إن هيجتم الحرب هيجتموها مذمومة قبيحة ذكر العاقبة لمن يتتبع ~~العواقب فيتدبرها، ويتعهد المصاير فيتأملها. ويقال تغببت الأمر كما يقال ~~تعقبته، أي تفقدت عاقبته وغبه. والغب أصله في ورود الماء والزيارة، وهو ~~ينوب في أسماء الأظماء وغيرها عن الثلث. فأما قولهم: زر غبا تزدد حبا ~~فالمهلة فيه أوسع. # سآخذ منكم آل حزن لحوشب ... وإن كان مولى لي وكنتم بني أبي # إنما قال هذا لأن بني عمه ضربوا مولى له، فيقول: سأنتقم منكم يا آل خزن ~~وإن كنتم بني أعمام، وكان حوشب مولى محالفة وجوار. وفي طريقته قول الآخر: # فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر ... فخذ خطة ترضاك فيها الأباعد # وروى بعضهم: وإن كان مولائي وكنتم، والبصريون لا يجوزون مد المقصور، لأنه ~~إدخال زيادة على كلامهم، ويجوزون قصر الممدود، لأنه حذف للتخفيف، ورد إلى ~~الأصل. وحوشب عند النحويين أنه مما لم يجيء إلا بزيادة الواو، وأنه مثل ~~كوكب. وحكى الخارزنجي أن حشبا اسم رجل، وأنه يقال أحشبني كذا، أي أحشمني. ### || وقال جميل # أبوك أبوك أريد غير شك ... أحلك في المخازي حيث حلا # ارتفع أبوك بالابتداء، وكرره تأكيدا، وأربد بدل منه، وخبر المبتدأ أحلك. ~~وانتصب ms0174 غير على المصدر، وهو مما يؤكد به ما قبله. ومثله حقا وما أشبهه. ~~والمعنى أن لؤم أبيه موروث، وأنه اقتداء بسلفه قد أنزل ابنه منزله في ~~المخازي والقبائح، حقا لا مرية فيه. # PageV01P228 # فما أنفيك كي تزداد لؤما ... لألأم من أبيك ولا أذلا # يقول: لا أبرئك من أبيك طلبا لأن أنسبك إلى من هو ألأم منه وأذل لتزداد ~~ذلا ولؤما؟ لأن أباك النهاية في هذين. وانتصب لؤما على التمييز، واللام من ~~لألأم تعلقة بفعل مضمر، كأنه قال: ما أنفيك من أبيك وأدعوك لألأم منه، لأنه ~~إذا نفاه من أبيه فقد جعله لغيره. ويجوز أن يحمل الكلام فيه على المعنى، ~~فيتصور أنفيك بأدعوك، وبعدى تعديته. ومثله قول الله عز وجل: " هل لك إلى أن ~~تزكى ". وعلى هذا يحمل قول الفرزدق: # قد قتل الله زيادا عني # لما كان معناه صرفه الله عني. ومن أبيات الكتاب: # إذا تغنى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمار # لأنه تصور هيجني أنه ذكرني، فعدى تعديته. ### || وقال آخر: # أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي ياحجاج فارس شمرا # يقول: أبوك الذي سرق برد ضيفه وغدر به وخانه، وجدي فارس هذا الفرس ~~المعروف. وسارق الضيف برده، أصله سارق برد الضيف، لكنه أضافه إلى الضيف ~~بناء على قولهم سرقت الضيف برده، والمراد سرقت من الضيف، لكنه لما حذف ~~الجار تخفيفا وصل الفعل فعمل فيه، ثم أضاف اسم الفاعل إليه. وعلى هذا يقال ~~اخترت الرجال زيدا: وشمر فعل في الأصل سمي به الفرس، لأنه ليس في الأسماء ~~شيء على فعل. ومثله خضم، وهو لقب للعنبر بن مازن. وحباب يجوز أن يكون بدلا ~~وسارق الضيف خبرا، ويجوز أن يكون حباب خبرا وسارق الضيف صفة، وهذا أجود حتى ~~يكون في مقابلة فارس شمر. كأن المراد: أبوك المعروف بذا الاسم، # PageV01P229 # وجدي المعروف بذا. ورواه بعضهم فارس شمر بكسر الشين، وقال: هو علم مؤنث ~~مثل امرأة تسميها قنب ودنب. # بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا # كما فضل جده على أبيه في ms0175 البيت الأول فضل نفسه عليه في البيت الثاني. ~~والمعنى أن المرء يتقيل أباه، فإذا كان جدي صالحا فأنا صالح، وإذا كان أبوك ~~صالحا فأنت صالح. وقوله ومن يكن لآباء صدق يريد من كان ولد آباء كرام عرف ~~بهم حيث ذهب، والقيهم أني سار وظعن. واللام دخل في قوله لآباء صدق لهذا ~~المعنى. ومثاله: # لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء التي عند حارب # أي إن كان ولدهما. وصدق يضاف إليه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر، ويراد ~~به المدح. فإذا قلت ثوب صدق ورجال صدق، فالمعنى نعم الشيء ذاك، أي هو صادق ~~فيما يحمد فيه لا كاذب. وإذا أردت أن تجعله نعتا فتحت الصاد منه فقلت: هو ~~الرجل الصدق، ويثني ويجمع ويؤنث. قال: # مقذوذة الآذان صدقات الحدق # فإن تغضبو من قسمة الله حظكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا # يقول: إن تسخطتم ما قسمه الله، تعالى جده، لكم، وجعله نصيبكم، فلله كان ~~أعلم بكم وبقدر استحقاقكم، لما فلم يركم أهلا لأكثر منه. والمعنى: إن ما ~~حصلتم عليه من البخس في القسمة، والنقص من المقدرة. والتأخر في المنزلة، ~~حكمة من الله عز وجل ونصفة، ولو زاد مستحقكم عليه لأعطاكم، فإنه العالم ~~الحكيم في أفعاله وأقضيته. والبصير في صفة الله، تحقيقه العالم. ### || وقال أبو النشناش # إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه # PageV01P230 # يقال سرحت الماشية، إذا أخرجتها بالغداة إلى المرعى؛ وأرحتها، إذا رددتها ~~بالعشي. فإن قال قائل: لم قال: ولم يرح سواما والنكرة إذا أعيد ذكرها يجب ~~تعريفها، بدلالة أنك تقول رأيت رجلا بمكان كذا، فقال لي الرجل كذا؟ قلت: ~~يجوز أن يكون نكرهما لأنه تصور المراح بما دخله من التناقص والتزايد، ~~بالأخذ منه والرد إليه غير المسروح، وإذا كان كذلك فالثاني غير الأول. ~~ويجوز أن يكون السوام الثاني غير الأول، وذاك أن المكثرين منهم كانوا ~~يأمروان رعاءهم بأن يقتضبوا قطعة من المال كيف اتفقت، ليحبسوها على الحقوق ~~العارضة، سوى المؤن اللازمة، فكانت الغادية لما يقيمونها من النوب في ms0176 ذلك ~~غير الرائحة، والرائحة غير الغادية. وإذا كان كذلك فالسؤال ساقط. والمعنى: ~~إذا الرجل لم يكن ذا مال يسرح بعضه ويراح عليه بعضه، على حسب ما يتفق، ولم ~~يكن له أقارب يتعطفون عليه ويرون من الفروض الواجبة الإحسان إليه، فالموت ~~خير له. وجواب إذا في البيت الثاني. ويجوز أن يكون المراد بقوله ولم تعطف ~~عليه أقاربه تعطف النصرة والإعزاز، فيكون المعنى إذا لم يكن غنيا ولم يكن ~~مؤيدا بذويه فيعتز بهم، فالموت أصلح له من الحياة. وهذا المعنى أحسن. # فللموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدب عقاربه # فللموت جواب إذا، لتضمنه معنى الجزاء. يقول: إذا الرجل لم يكن على ما ~~وصفت فورود الموت عليه خير له من قعوده راضيا بفقره، وبإفضال مولى يؤذيه ~~بالمن، ولا يخلص النعمة عنده من الشوائب. ودبيب العقارب كناية عن فعل الأذى ~~والتحمد بالكلمات المكدرة. وانتصب عديما على الحال. ويجوز أن يكون المعنى ~~في قوله ومن مولى تدب عقاربه أن يحصل الفساد بين العشيرة، والتدابر ~~والاختلاف، فكل يقصد صاحبه بالمساءة، ويبغي له الغوائل. وهذا المعنى يتلفق ~~مع المعنى الثاني في البيت الذي قبله. # ونائية الأرجاء طامسة الصوى ... خدت بأبي النشناش فيها ركائبه # PageV01P231 # انجرت نائية بإضمار رب، والواو داخلة للعطف، ولم يصر بدلا من رب بدلالة ~~وقوع الفاء العاطفة موقعه وبل في نحو: # فمثلك حبلى قد طرقت # وبل بلد ذي عقد وإحباب # يقول: ورب مفازة بعيدة الأطراف، دارسة الأعلام، سارت بأبي النشناش فيها ~~رواحله يطلب المال، ويكتسب المجد. وهذا الكلام تبجح منه بأنه لم يتخذ الفقر ~~ضجيعا، ولا الدعة حليفا، بل رمى بنفسه نحو المرامي المتلفة، وطوحها في ~~الموامي المعطبة. والأرجاء واحدها رجا. والطامس: الدارس. ويقال طمس وطسم. ~~والصوى: الأعلام، والواحدة صوة، ومثله قوة وقوى. ومعنى خذت: أسرعت، ومصدره ~~الخديان. والركائب: جمع الركوبة، وهي المركوبة، ولا يتبع المثوف، بل يستعمل ~~على انفرادها، ومثلها الحلوبة. # وسائلة بالغيب عني وسائل ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه # يقول: رب رجل وامرأة سألا عني بظهر الغيب، لما تداخل القلوب من ms0177 هيبتي، ~~والإشفاق من وقعتي. ثم قال مستفهما على طريق الإنكار: ومن يسأل الصعلوك، أي ~~يجب ألا يسأل الصعاليك عن مذاهبهم وطرقهم، لأنها لا تعلم، إذ لم يكن يستقر ~~بهم موضع، ولم يكن يحوبهم بلد ومذهب يلزمونه أو يختصون به. وكان وجه الكلام ~~أن يقول: ومن يسأل عن الصعلوك ليكون وفق قوله وسائلة بالغيب عني، لكنه عدل ~~عنه إلى ما قاله تأكيدا للمراد، وذلك أنه إذا كان سؤال نفسه عن مذهبه منكرا ~~لاستبهامه عليه، فسؤال غيره عنه أبعد من الصواب. # فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفق طالبه # PageV01P232 # يروى مثل الهم، هو مصدر هممت بالشيء، أي إذا هم يجب عليه أن ينفذه ولا ~~يؤخره. ويقول: لم أر كالفقر يتخذه الفتى ضجيعا، أي يرضى به وبلزومه له ولم ~~أر كسواد الليل أكدى راكبه والطالب فيه. والمعنى: يجب ألا يحصل واحد منهما، ~~لا الرضا بالفقر، ولا الإخفاق مع ركوب الليل. ويقال ضجع ضجعا وضجوعا واضطجع ~~بمعنى واحد، ومنه قيل للعاجز الضجعي والضجعة. وتسمى الكواكب التي لا تسير: ~~الضواجع. والإخفاق: أن يغزو فلا يغنم، أو يرجو فيخيب. قال عنترة: # فيخفق مرة ويصيب أخرى ... ويفجع ذا الضغائن بالأريب # وقوله أخفق طالبه، أي الطالب فيه. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء لكونه ~~فيه. ### || وقال آخر: # ألا قالت الخنساء يوم سويقة ... عهدتك دهرا طاوي الكشح أهضما # يقول: قالت هذه المرأة يوم اجتماعنا في سويقة: عهدتك زمانا ممتدا صغير ~~البطن، مطوي الكشح والجنب. وإنما أنكرت سمنه وكثرة لحمه، فأجابها بالبيت ~~الثاني. والهضم: انضمام الضلوع، وتقارب الجنبين. # فإما تريني اليوم أصبحت بادنا ... لديك فقد ألفى على البزل مرجما # يقول: إن كنت ترينني اليوم - وهو إشارة إلى يومه وما يقربه منه - أصبحت ~~مثقل النفس، مبدن الخلق لديك، أي في منظرك ومعتقدك، فإني إذا ركبت البزل ~~وجدت عليها مرجما. والمرجم: الذي كأنه آلة في رجم الأرض بأخفاف الإبل ووطء ~~الأقدام. وينتصب مرجما على الحال. وقيل المرجم في السفر: البعيد في الغاية. ~~وكما قيل رجل مرجم، قيل يد ms0178 مرجم، ورجل مرجم، ولسان مرجم، قال الشاعر: # شديد الرجام باللسان وباليد # وإما، في أكثر الأحوال يلزم الفعل الواقع بعده إحد النونين الثقيلة ~~والخفيفة، لأنه كما أكد حرف الشرط ب ما أكد الفعل المشترط به بالنون أيضا. ~~وها هنا جاء خاليا من النون. # PageV01P233 ### || وقال آخر: # ألا قالت العصماء يوم لقيتها ... أراك حديثا ناعم البال أفرعا # هذا في طريقة ما قبله. فيقول: قالت هذه المرأة لما التقيت معها: أعلمك عن ~~قريب ناعم الحال، تام شعر الرأس، لم يتسلط عليك صلع، ولا حدث انحسار شعر، ~~ولا شحوب لون، فكيف تغيرت مع قرب الأمد. وانتصب حديثا على الظرف. وناعم ~~البال، مفعول ثان من أراك. والأفرع: التام شعر الرأس، وجمعه فرعان. والأصلع ~~خلافه. # فقلت لها لا تنكريني فقل ما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا # يقول: أجبتها وقلت: لا تستنكري ما رأيت من شحوب لوني، وانحسار الشعر عن ~~رأسي، فما ينال الفتى السيادة حتى يستبدل بشبيبته شيبا، ووفور شعره صلعا، ~~وإلا بعد استحكام الرأي، واستنفاد العمر في اكتساب المجد. وقوله قل ما يفيد ~~النفي هنا، وما تكون كافة لقل عن طلب الفاعل، وناقلة له عن الاسم إلى ~~الفعل، فإذا قلت: قل ما يقوم زيد فكأنك قلت ما يقوم زيد. يدل على ذلك أنهم ~~قالوا: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، وأجري مجرى ما يقول ذاك إلا زيد، وقالوا ~~أيضا: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد. وأنهم أجروا خلافه مجراه، فيقول: كثر ما ~~يقول زيد. وعلى ذلك بيت الكتاب: # .............. # وقل ما ... وصال على طول الصدود يدوم # ويجوز أن يكون ما من قل ما يسود الفتى، مع الفعل في تقدير المصدر، كأنه ~~قال: قل سيادة الفتى، أي ينزر استكمالها إلا مع هذه الحالة. ومثله قول ~~لبيد: # قل ما عرس حتى هجته ... بالتباشير من الصبح الأول # PageV01P234 # لأنه ليس يريد نفي التعريس رأسا؛ إذا كان يعتاده قطاع الفلاة، وركاب ~~الظلام، بل يريد عرس تعريسا قليلا فهجته. ويقال: صلع صلعا وصلعة، وهو أصلع ~~وصليع. # وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المرخى ms0179 وأبعد منزعا # هذا مثل ضربه في تفضيل نفسه على شيخوخته وقد أدبه الكبر، ونازع الدهر ~~وأبناءه أطراف الخطوب، ومرائر السيادة والعلو على الأحداث الذين لم يجربوا ~~الأمور، والأغمار الذين لم يجاذبوا الشدائد، فيقول: للفرس المتناهي في ~~القوة والسن، الذي يجري جريه الماء سهولة ونفاذا، خير إبقاء وأبعده غاية من ~~ابن سنتين وهو مهمل لم يستغن به في ركوب ونزول، ولم يرض بإسراج وإلجام. ~~واليعبوب: الفرس الكثير الجري، والجدول الكثير الماء. والعلالة: البقية من ~~الجري وغيره، وها هنا يريد الجري. قال الشاعر: # إلا علالة أو بدا ... هة سابح نهد الجزاره # فالبداهة: أول الجري، والعلالة: آخره. وقوله من الجذع المرخى يروي المرخى ~~بكسر الخاء، والإرخاء: لين في العدو. قال: # وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # وإذا روى بفتح الخاء فهو المرسل المهمل النزوع إلى الغاية. وانتصاب علالة ~~ومنزعا على التمييز. ### || وقال شبيب بن عوانة # قضى بيننا مروان أمس قضية ... فما زادانا مروان إلا تنائيا # يقول: قضى بيننا هذا الرجل بحكومة تسخطناها، ولم نرض بها، إذ لم يقصد بها ~~صلاح ذات البين، ولا تلافي جمع الشمل، فازددنا بها تباينا عن الاصلاح # PageV01P235 # والمراجعة واختلافا وتنائيا عن الالتئام والموافقة وتباعدا. وقوله أمس ~~تقريب لزمان فعله، ولم يرد اليوم الذي ولى يومه. وهذا كما تقول: فلان ~~بالأمس يفعل كذا وأمس معرفة، وإنما بنى لتضمنه معنى الألف واللام. # فلو كنت في الأرض الفضاء لعفتها ... ولكن أتت أبوابه من ورائيا # يقول: لو كنت بالبدو لرددت حكومته وأبديت كراهتي لها، ولكني كنت أسيرا إذ ~~كنت في الحضر حاصلا في داره، وداخلا تحت ملكته. ومعنى أتت أبوابه من ورائيا ~~أي حالت مسالحه ومراصده بيني وبين مرداي. ووراء بمعنى قدام هنا، ومثله في ~~القرآن: " وكان وراءهم ملك ". ### || وقال جميل # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني # فيك أي في معناك وبسببك. وقوله قد نذروا من صفة رجالا، ولقوني خبر ليت. ~~والمعنى تمنيت أن رجالا فعلوا في معناك ما فعلوا من الهم بقتلي، وعقد النذر ~~في سفك دمي، التقوا معي، ms0180 ماذا كانوا يفعلون. وفي هذا الكلام إبهام أنهم لا ~~يجسرون على التعرض له، وفيه استهانة بأقوالهم ومكايدهم، وإن كانوا قد بذلوا ~~من القول ما بذلوا، وأضمروا فيه ما أضمروا. وقد فسر تهيبهم له، ونكوصهم عن ~~الإقدام عليه في البيت الثاني. # إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني # يقول: إذا ما أبصروني مقبلا عن عقبة، طالعا عليهم من طريق إليهم مفضية، ~~يتساءلون فيما بينهم بقولهم: من هذا، وإن كانوا عارفين بي. أي يتجاهلونني ~~جبنا وإحجاما. # يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني # نبه بهذا الكلام على تملقهم وإظهارهم بالنفاق ما لا يوافق باطنهم، عجزا ~~وضعف كيد. والمعنى يستقبلونني بالتأهيل ويتلقونني بالترحيب عند الالتقاء، ~~ولو أعطوا الظفر لأتوا علي وما أبقوا. # PageV01P236 # فكيف ولا توفى دماؤهم دمي ... ولا مالهم ذو كثرة فيدوني # يقال: أوفيته ووفيت له بكذا وأوفيت، وفي هذا بيان عذرهم في ترك الوفاء ~~بالنذر، وتعجب من أفعالهم عند اختلاف أحوالهم. فيقول: كيف يقدمون علي وليس ~~في دمائهم كلهم وفاء بدمي، ولا في مالهم اتساع، فإذا عجزت دماؤهم عن دمي ~~فكيف يعطون ديتي. # ويقال وديته أديه دية ووديا. ### || وقال يحيى بن منصور # وجدنا أبانا كان حي ببلدة ... سوى ببن قيس قيس عليلان والفزر # سوى في موضع جر على أنه صفة لبلدة. والمعنى وجدنا أبانا حل ببلدة متوسطة ~~لديار قيس بن عيلان وسعد بن زيد مناة. والمعنى حل بين مضر ونأى عن ربيعة، ~~لأن قيسا والفزر من مضر. والفزر: لقب لسعد بن زيد مناة. وقال الأخفش: سوى ~~وسواء في معنى العدل. وفي القرآن: " إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ". وفي ~~موضع آخر: " اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى "، أي ~~مكانا عدلا. # فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر # فلما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر # يقول: لما خذلتنا عشيرتنا - وهم ربيعة - فيما نابتتا، وتباعدت بنصرتها ~~ومعونتها عنا، وترخصت في القعود عن مساعدتنا، اكتفينا بأنفسنا فأقمنا ms0181 بدار ~~الحفاظ والصبر، واتخذنا سيوفنا حلفاء على الدهر، فما خذلتنا في يوم حرب ~~وعند مدافعة وجهد، ولا نحن غمضنا جفوننا على وتر وحقد. والمعنى: إنا ~~وسيوفنا توافينا فيما عليه تعاقدنا، وتوازرنا فيما له تحالفنا، فبلغنا نحن ~~أقصى المبالغ في طلب الأوتار، وانتهت هي إلى # PageV01P237 # أبعد النهايات في المعاونة والإحلاب. وهذا مثل ضربه لا ستقلالهم فيما ~~نهضوا فيه بعددهم وعدتهم، وبلائهم وصبرهم واستفنائهم عن القاعدين عن التحمل ~~معهم والذب عنهم من عشيرتهم. وقوله: أنخنا كناية عن الإقامة والثبات في ~~وجوه الأعداء، إلى أن وصلوا إلى المراد. ### || وقال أبو صخر الهذلي: # رأيت فضيلة القرشي لما ... رأيت الخيل تشجر بالرماح # جعل القرشي جنسا لا عينا. والمعنى: رأيت فضيلة القرشيين حين قستهم إلى ~~غيرهم عند اشتجار الخيل بالرماح، وانتظامها بها للطعن المختلف بينهم، ~~المتردد فيهم. وجواب لما مقدم، وهو رأيت في صدر البيت. يريد: عند هذا الأمر ~~بأن فضلهم على الناس، وقوله تشجر كل شيء دخل بعضه في بعض فقد تشاجر، ومنه ~~سمي المشجب مشجرا، وتشاجر القوم بالرماح: تطاعنوا. # ورنقت المنية فهي ظل ... على الأبطال دانية الجناح # انعطف رنقت على الفعل الذي تناوله لما. فيقول: ولما استدارت المنية وحلقت ~~على رءوس الأبطال، فهي ظل دانية الجناح من قمم رءوسهم. وهذا مثل. والمعنى: ~~لما أشرفت المنية عليهم إشراف الطائر على ما يريد إنكداره عليه، بانت ~~فضيلتهم. ويقال: رنق الطائر في الهواء، إذا حلق واستدار، وجعل للمنية ظلا ~~تحقيقا للاستعارة من الطائر، لأنه يوقع ظله في تلك الحالة. وجعل الجناح ~~دانيا تأكيدا لطمع الموات في الفوز بالأرواح الاختلاس. وكذا الطائر في ~~التحليق عند الانقضاض. وارتفع دانية الجناح وظل جميعا على أن يكونان خبرين ~~لقوله هي، كما تقول: هذا حلو حامض، ويجوز أن يكون دانية صفة للظل، وأنثها ~~على المعنى. ويجوز أن يروى دانية بالنصب على أن يكون حالا. # PageV01P238 ### || وقال بعض بني عبس: # أرق لأرحام أراها قريبة ... لحار بن كعب لا لجرم وراسب # يقول: يرق قلبي بما تملكه من الرحمة، فانعطف من أجل أواصر أراها قريبة ~~مشتبكة ms0182 بيننا، من جهة الحارث بن كعب، لا من جهة جرم وراسب. والحارث بن كعب ~~في نزار، وجرم وراسب من قضاعة، وهم من اليمن، وكان الحارث بن كعب انتقلت ~~إلى اليمن، ولم تكن منهم، فلهذا قال ما قال. وقيل: عيس وضبة والحارث بن كعب ~~إخوة لأم " ورخم الحارث في غير النداء وذاك في الشعر جائز ". # وأنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب # ذكر المشابه الحاصلة بينهم تأكيدا للقربى والقرابة، الموجبة لما ذكر من ~~الرقة والشفقة، على ما حدث فيهم من وقوع الفرقة، وسقوط التجاور والخلطة. ~~فيقول: أرق للرحم القريبة، ولأنا نرى أقدامهم في النعال كأقدامنا، وآنفهم ~~بين لحاهم وحواجبهم كآنفنا. وقال يبين اللحى ولم يقل لحاهم، لأنه بإضافة ~~الأقدام والنعال اكتفى. وذكر الأطراف لأنها تظهر للعيون، والمشابه تعلق بها ~~أكثر. # وأخلاقنا إطاءها وإباءنا ... إذا ما أبينا لا ندر لعاصب # جعل الشبه في البيت الأول في الخلق وها هنا في الخلق، تأكيدا للأمر. وكان ~~يجب أن يقول وأخلاقنا أخلاقهم، فاعتمد على أن العطف على قوله أقدامنا يدل ~~ويغني - لما يفيده من الاشتراك - ما يغنى في قولهم قام زيد وعمرو، وإن زيدا ~~منطلق وعمرو. فكأنه قال: وأنا نرى أخلاقنا كأخلاقهم، إذا أعطينا أو أبينا. ~~ثم ذكر ما دل على تشددهم بعد الامتناع فقال: وإذا أبينا لا نتسهل لمن يريد ~~قهرنا. وأصل العصب الشد، ومنه العصابة. وضرع الحلوبة إذا اشتد الزمان بها، ~~وساء خلقها فرفعت اللبن، يشد ويحتلب وإن ضجرت، لمساس الحاجة، واستيلاء ~~الفاقة. وهذا الكلام مثل ها هنا. ومثل البيت قول الآخر: # لا يخرج الكره مني غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني # PageV01P239 # يريد: إن الإكراه لا يزيدنا إلا امتناعا، والاقتسار لا يحصل منا إلا ~~إباء. ويشبه من حيث النظم قوله: إذا ما أبينا لا ندر لعاصب الالتفات. ألا ~~ترى أنه ترك ما كان يطرده من القول وصار كأنه التفت فقال ذلك. ### || وقال بعض شعراء حمير: # من رأى يومنا ويوم بني التيم إذا التف صيقه بدمه # ذكر أنها قيلت في ms0183 وقعة كانت بين حمير وعبد مناة وكلب، وكانت على حمير، ~~وقتل فيها علقمة بن ذي يزن. وقوله من رأى لفظه استفهام، ومعناه التفظيع ~~والتعظيم. وأراد باليوم الوقعة، لولا ذلك لما صلح أن يكون إذا ظرفا له. ~~ومثله قوله تعالى: " إذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير " ألا ترى أن ~~في قوله " يوم عسير " معنى فعل، فصار يومئذ ظرفا له، كأنه قال: فذلك النقر ~~يومئذ نقر يوم عسير. فيقول: من شاهد يومنا مع بني التيم حين التف غبار الجو ~~بالدم، وتندى به وابتل، حتى قل. والصيق: الغبار الجائل في الجو. وأضافه إلى ~~اليوم لكونه فيه، والتفافه كان برشاش الدم القاطر من الجراح. ويقال صيقه ~~أيضا: قال رؤية: # يتركن ترب الأرض مجنون الصيق # وصيق: جمع صيقة. # لما رأوا أن يومهم أشب ... شدوا حيازيمهم على ألمه # قوله أشب أي كثير الجلبة، ضيق الاختلاط، والمكان الأشب فيه شجر ملتف. ~~وجواب لما شدوا. يقول: لما أحس بنو التيم بفظاعة الأمر واختلاط الشأن، ~~وتضايق المجال والمكر، وطنوا أنفسهم على الألم، وشدوا حيزومهم للجهد. ~~وتهيئوا للصبر على ما ابتلوا به وشقوا له. والحيزوم: الصدر، لأنه موضع ~~الحزم والعزم، لاشتماله على القلب الذي هو موضعهما. ويسمى حزيما أيضا، كأنه ~~الموضع الذي يشد بالحزام. والحزام من الحزم أيضا. وشد الحيازيم مثل للصبر ~~على ما # PageV01P240 # لحقهم. ويروى عن أمير المؤمنين عليه السلام: # حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيك # يريد أشدد حيازيمك. # كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن كالليل جاش في قتمه # يقول: إن هؤلاء القوم يتمنعون على الأعداء، ويبطشون بهم، تمنع الأسد في ~~أجمتها وبطشها منها، ونحن كالليل، يريد نحن في كثرتنا وهولنا وإحاطتنا بهم، ~~وإدراكنا إياهم كالليل إذا جاش ظلمته، وتراكم سواده. والقتام والقتم ~~والقتمة، يجيء في الظلمة والغبار والريح، وجاء الفعل منه فقيل قتم يقتم ~~قتما وقتاما. وذكر بعضهم أنه أراد بالقتم القتام فحذف الألف، كما قال غيره ~~ورواه قطرب: # ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال # ومصدر ما كان على فعل الفعل في ms0184 الأكثر، فلا أدري لم أنكره حتى اعتذر بما ~~ذكره. والعرين: الأجمة، أجمة الأسد، ثم يسمى مقتتل القوم عرينا. ويقال ~~للرجل: هو عرنة لا يطاق، إذا كان خبيثا وقوله عرينهم موضعه موضع الحال، ~~والأسد خبر مبتدإ محذوف، كأنه قال كأنما هم الأسد في مقتتلهم، ونحن كالليل ~~في هولنا وإدراكنا، ويكون قوله جاش في قتمه، في موضع الحال أيضا، والأجود ~~أن يكون قد معه مضمرة، أي كالليل وقد جاش. # لا يسلمون الغداة جارهم ... حتى يزل الشراك عن قدمه # مدحهم بحسن المحاماة على الجار. وترك الإسلام له مدة بقائه فيهم. وقوله ~~الغداة أشار بها إلى غداة اللقاء، أو صباح الغوار. وقوله حتى يزل الشرك عن ~~قدمه فيه قلب، والأصل زلت القدم عن الشراك. وهذا مثل لموته، لأنه لا يلبسها ~~بعده. واحتمل الكلام القلب لأن المعنى لا يخيل كما لا يخيل في قولهم: أدخلت ~~الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي. وهذا كما يقال هريق جفانه، وصفر وطابه، ~~وطوى حصيره، وخلى مكانه. والمعنى لا يسلمون الجار إلى أن يموت فيهم. ويجوز ~~أن يكون الهاء من قدمه راجعا إلى الشراك ويكون الكلام مثلا لتفظيع الأمر، # PageV01P241 # وهذا كما يقال: زال السرج عن المعد وبلغ الحزام الطبيين وما أشبههما. ~~والمعنى إلى أن يزلق الرجل عن مقره فلا يثبت في النعل، والمعنى إلى أن يبلغ ~~الأمر كل مبلغ فظيع. # ولا يخيم اللقاء فارسهم ... حتى يشق الصفوف من كرمه # يقول: ولا يجبن عن اللقاء فارسهم فيحجم، ولا يضعف دونه فيحار، بل يقدم ~~إقداما تخرق الصفوف به عزة نفس، وكرم عرق. واللقاء ينتصب على المفعول، ~~الأصل عن اللقاء، فلما حذف حرف الجر تخفيفا وصل الفعل فعمل. ويجوز أن يكون ~~ظرفا كمطلع الشمس، أراد وقت اللقاء: وقوله " حتى شق الصفوف " يريد إلى أن ~~يشقها كرما منه، كأنه لا يرضى بأدون المنزلتين في اللقاء لنفسه، بل يأبى ~~إلا النهاية والغلو. ويقال خام الرجل يخيم، إذا كاد كيدا فلم يفلح فيه، أو ~~تقدم في الحرب فنكص ولم يظفر. قال الشاعر، وأنشده الخيل: # رموني عن ms0185 قسى الزور حتى ... أخامهم الإله بها فخاموا # ويجوز أن يكون قولهم خيم بالمكان، إذا أقام، والخيمة واحدة الخيام، منه ~~أخذا. # وما برح التيم يعتزون وزر ... ق الخط تشفي السقيم من سقمه # ما برح وما زال بمعنى، وليس هذا من البراح من المكان. ألا ترى أن الله ~~قال: " لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ". ومحال أن يبلغ هذا الموضع، وهو لم ~~يبرح من مكانه. وكأن الكلمة في اللغة تدل على معنى المجاوزة، ولذلك قيل: # أبرحت ربا وأبرحت جارا # PageV01P242 # أي جاوزت ما يكون عليه أمثالك من الخلال المرضية. والمعنى: ما زال بنو ~~التيم ينتسبون ويدعون بيا لفلان معتزين، أو بخذ الطعنة وأنا فلان مدعين، ~~والرماح المحمولة من الخط الزرق في ألوانها تشفي المتكبر من كبره، والعدو ~~المخاتل من دائه. وقوله " السقيم " يجوز أن يكون كناية عن المنافق المداجي، ~~كما قال الله تعالى لما وصفهم: " في قلوبهم مرض ". ويجوز أن يكون يراد به ~~الصلف التياه، كما يقال عند صفته: في طرفه شوس، وكما جاء في صفة السيوف: # يداوى بها الصاد الذي في النواظر # ويجوز أن يكون المعنى: والرماح في اختلافها تشفي الموتورين من أوتارهم ~~وذحولهم. وجعل الفعل للرماح على المجاز والسعة. وقوله " وزرق الخط " الواو ~~واو الحال. ويعتزون خبر ما برح. # حتى تولت جموع حمير فالفل سريع يهوي إلى أممه # يريد: ما زالوا بهذه الحالة إلى أن انهزمت جيوش حمير، فصار المفول ~~المنهزم مبادرا في السرعة إلى مقصده. وقوله الفل مصدر في الأصل وصف في وهو ~~موضوع موضع المفعول، ولذلك جاز أن تقول رجل فل وقوم فل ونسوة فل. ومثله رجل ~~فر، إلا أنه موضع موضع فار، ويقع للواحد والجميع. # وكم تركنا هناك من بطل ... تسفى عليه الرياح في لممه # موضع كم نصب على المفعول من تركنا. يقول: وكثيرا تركنا في تلك المعركة من ~~الأبطال وهم مصرعون معفرون في تلك المعركة، بادون للضياء والظلمة، تأتي ~~الرياح بسفاها وتجعله في لممهم ولحاهم. وأشار بقوله هناك إلى معتزك القوم ~~ومزدحم الطعن والضرب. # PageV01P243 ### || وقال حسان بن ms0186 نشبة: # ونحن أجرنا الحي كلبا وقد أتت ... لها حمير تزجي الوشيج المقوما # يقول: أدخلنا في جوارنا هذه القبيلة، وضمنا لها الذب عنها وسلامتها على ~~ما يعرض لها، وقد قصدت لها حمير بعددها وعدتها، تسوق نحوها الخيل المطهمة، ~~والرماح المنقفة. والوشيج أصله عروق، ثم جعل للرماح أنفسها. وجعلها مثقفة، ~~ليرى عنايتهم بإعداد الآلة لزمان المقاتلة. # تركنا لهم شق الشمال فأصبحوا ... جميعا يزجون المطي المخزما # لهم يعني لحمير. والعرب تجعل الشمال كناية عن الشؤم. فمن أمثالهم: # صبحناهم فغدوا شأمة # ويقولون: خليناهم والجانب الأشأم، وخليناهم والناحية الشؤمي. فكأنهم ~~يقولون ذلك للمنهزم وإن كان مأخذه في الشق الأيمن، لأن الشؤم معه والإدبار، ~~أي طريق أخذ، ومسلك توجه. وهذا كما يقال: فلان مني باليمين، وفلان بالشمال، ~~وفلان بعلياء عندي، وفلان في المهابط؛ إذا جعلت منزلته علية أو متسفلة. ~~ومعنى البيت: خلينا لهم في الانهزام شق الشؤم وجانبه، فأصبحوا يزجون ~~مطاياهم مخزمة حسرى كالة لا يبقى على وجاها، ولا يتقي حفاها والخزم: الشد ~~والقطع. ويقال شراك مخزوم، أي مقطوع. # فلما دنوا صلنا ففرق جمعهم ... سحابتنا تندى أسرتهم دما # يقول، لما قربوا في الالتقاء، صلنا عليهم وبطشنا بهم، فبدد شملهم جيشنا ~~الذي كأنه سحابة تندى طرائقها دما. جعل السحابة ترشح بالدم لما كثر سفكهم ~~له. وتندى في موضع الحال. وانتصب دما على التمييز. ويقال: ندى يندى ندى. ~~والأسرة: الأوساط والطرائق، واحدها سرر، ويستعمل في بطون الأودية أيضا. # فغادرن قليلا من مقاول حمير ... كأن يخديه من الدم عندما # PageV01P244 # يقول: تركت الخيل في تجوالها منهم رئيسا مصروعا، قد سال الدم على خذيه ~~فكأنهما خضبا بالعندم، وهو دم الأخوين. والمقول بلغة أهل اليمن: القيل، ~~والمقاول والمقاولة جمعه، وهم الأقوال والإقبال. وقيل مخفف من قيل، فهو من ~~الواو أيضا، ومعناه هو الذي ينفذ قوله، ويعتمد أمره ونهيه. ووصف به الملك ~~كما وصف بالهمام، لما كان إذا هم بالشيء فعل، لا يرد ولا يدفع. وقيل للسلان ~~مقول لما كان آلة في القول. # أمر على أفواه من ذاق طعمها ... مطاعمنا يمججن صابا وعلقما ms0187 # يقول: صارت مطاعمنا مرة على أفواه من ذاقها، حتى إنها تمج بعد ذواقها ~~صابا وعلقما، والصاب: شجرة لها لبن إذا أصاب العين حلبها. والعلقم: شجر مر، ~~وقيل هو الحنظل. حكى أن العلقمة المرارة. ويقال علقم الحنظل. إذا أدرك ~~مرارته. وقوله: " يمججن " حال للأفواه، والتقدير أمر مطاعمنا على أفواه ~~الذائقين طعمها، ماجة صابا وعلقما، أي إذا ذاقت رمت بما هو كهذين. والمعنى: ~~إذا خبرنا حصل منا على ما هو كذلك. وجاز في طعمها الإضمار قبل الذكر؛ لأن ~~الكلام يحتمل نية التقديم والتأخير، لما كان رتبة الفاعل وهو مطاعمنا ~~التقديم، ورتبة المفعول وما يجري مدراه التأخير، وهو على أفواه من ذاق ~~طعمها. وفي طريقة هذا البيت قول الآخر: # فإن نغمز مفاصلنا تجدنا ... غلاظا في أنامل من يصول # والطعم: الذوق، والمطاعم: جمع المطعم. ويقال هو حسن المطعم، أي طيب ~~الطعام. ### || وقال في ذلك أيضا: # وإني وإن لم أفد حيا سواهم ... فداء لتيم يوم كلب وحميرا # يقول: أنا وإن كنت أربأ بقدري، وأرفع نفسي أن أجعلها فداء الغيري، أفدي ~~تيما بها؛ لما كان منهم من حسن البلاء يوم اجتماع كلب وحمير للقتال. وجواب ~~الشرط، وهو قوله " إن لم أفد " قد اشتمل عليه الكلام، لأن المعنى: إن لم ~~أفد غيرهم ترفعا، فإني أفديهم تشكرا. # PageV01P245 # أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ... وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا # أبا، الفعل لبني التيم. يقول: امتنعوا من أن يخلوا بين جيرانهم قبيلة كلب ~~وبين أعدائهم حمير، وقد ارتفع غبار الموت حتى التف في الجو. وأراد بالجار ~~والعدو الكثرة، إذ كان المراد بهما القبيلتين، وإنما أضاف النقع إلى الموت ~~تهويلا، ويجوز أن يريد بالموت الحرب. وتكوثر: تفوعل من الكثرة، يريد تراكم ~~الغبار والتفافه. وهذا الذي أشار إليه بقوله تكوثر من التراكم، جعله بعضهم ~~كالسحاب، وجعله بعضهم يسد عين الشمس حتى ظهرت له الكواكب، وحتى صار النهار ~~بسببه كالليل. وتجاوز المتنبي جميع ذلك، حتى بلغ حدا من الإفراط مسنشنعا ~~فقال: # عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه أمكنا # وإذا أردت بالموت ms0188 المنية يكون المراد: كأن الموت أثار الرهج في سلب ~~النفوس حتى كثف في الهواء. وهذا مثل. # سموا نحو قيل القوم يبتدرونه ... بأسيافهم حتى هوى فتقطرا # يعني بني تيم. يقول: ارتفعوا نحو رئيس القوم مستبقين إليه بأسيافهم ~~فتناولوه حتى سقط. ومعنى تقطر: وقع على أحد قطريه. والقطران: الجانبان. وفي ~~الكلام اختصار، كأنه قال: ابتدروه بالأسياف وضربوه حتى سقط، فحذف ضربوه. ~~وموضع يبتدرونه نصب على الحال، وتعلق حتى بالمحذوف الذي بينته. # وكانوا كأنف الليث لا شم مرغما ... ولا نال قط الصيد حتى تعفرا # الأسد أحمى الحيوان أنفا، ويبلغ من عجبه بنفسه أنه لا يتواضع لأكل صيد ~~غيره. ونسب الأنفة إلى الأنف كما ينسب الحمية إليه. يقال: هو أحمى أنفا من ~~فلان، وآنف أنفا منه، وحمى فلان أنفه من كذا، أي أنف منه ولم يرض به. وحسن ~~في الكناية عن الإباء والتصون عن الدناءة والمذلة قوله: " لا شم مرغما " ~~بعد ذكر الأنف. فيقول: وكان بنو التيم في التمنع كالليث الذي لا يغمض على ~~قذى، ولا يشم مرغما ومذلا، ولا يصبر لشيء على هوان، ولا يعطف على مكره ~~وصغار، ولا ينال الصيد قط حتى يكون هو المعفر. والعفر: التراب. هذا إذا ~~رويت " قط الصيد # PageV01P246 # حتى تعفرا " وقال ذلك لأنه فيما يتصيده لا يرضى بالاختلاس، ولا يعتمد على ~~صيد غيره والإصابة منه. ويروى: ولا نال فظ الصيد حتى تعفرا. والفظ: ماء ~~الكرش. ويقال افتظظت الكرش، إذا استخرجت ذلك الماء منه. والمعنى: ولا نال ~~الفظ من بطن الصيد حتى يتعفر أي يسقط في العفر ويتمكن منه. والأسد يبدأ من ~~الصيد بحشو بطنه، فلذلك خص الفظ. والثميلة خلاف الفظ، لأنه اسم لما يبقى في ~~البطن من العلف والرطب. وقط في الماضي كأبدا في المستقبل، وهو معرفة مبني ~~كأمس، وأبدا نكرة كغدا. ولا نال ولا شم في معنى لم يشم ولم ينل. ومثله قوله ~~تعالى: " فلا صدق ولا صلى ". ### || وقال هلال بن رزين # وبالبيداء لما أن تلاقت ... بها كلب وحل بها النذور # يقول: لما تلاقت كلب وحمير بالبيداء ms0189 وأدركوا الأوتار، فحل بها النذور ~~وسقطت الأقسام عن الحالفين بها لإدراكهم الآثار. وجواب لما يجوز أن يكون ما ~~دل عليه قوله " فحانت حمير " أو قوله " وحل بها النذور ". ويجوز أن يكون ~~قوله " أجادت وبل مدجنة "، وهو أول البيت الرابع، وعند من يجوز زيادة ~~الحروف في مثل هذا المكان يكون " حل بها النذور " أو فحانت " الجواب، فيكون ~~الفاء والواو مقحمة، وهكذا يقولون في قول الله تعالى: " حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوبها " عندهم الواو زائدة، والمراد فتحت، وقول امرئ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # يقولون: المراد انتحى، والواو زائدة. # فحانت حمير لما التقينا ... وكان لهم بها يوم عسير # PageV01P247 # يقول: هلكت حمير عند الالتقاء، لأن الدبرة كانت عليهم لا لهم، وكان لهم ~~بالبيداء يوم صعب. ويقال: يوم وأمر عسر وعسير، والفعل منه عسر بالضم وعسر ~~بالكسر، ويقال هو العسر واليسر، والعسري واليسري. # وأيقنت القبائل من جناب ... وعامر أن سيمنعها نصير # يقول: وتيقنت جاب وعامر بطون بني كلب أنه سيذب عنها نصير ظهير، ومعين ~~قوي. ويعني بالنصير بني التيم. وجعل اللفظ نكرة ليكون أبلغ في تعظيم ~~النصرة، لأنه أراد نصير من النصار، أي كامل في معناه. وجعلهم كلهم نصيرا لا ~~نصارا. لاتفاق كلمتهم وأهوائهم. وقوله " أن سيمنعها " أن مخففة من الثقيلة، ~~واسمه محذوف، يريد: أنه سيمنعها والسين في الفعل لئلا تلتبس المخففة ~~بالناصبة للفعل. والهاء الذي أظهرته ضمير الأمر والشأن. # أجادت وبل مدجنة فدرت ... عليهم صوب سارية درور # يقال: هذا يوم دجن، أي يوم إلباس غيم. والدجنة: الظلمة، وليلة مدجان. ~~فيقول: أتت سحابة الجيش بمطر جود، فوبلت وبل مدجنة - أي سحابة لها ظلام، ~~لكثافتها وقربها من الأرض - فصبت عليهم المنايا در سارية، أي سحابة تسري ~~ليلا. والدرور، هي الكثيرة الدر. ويرتفع على أنه فاعل درت. وصوب مصدر من ~~غير لفظه، كأنه قال صابت درور صوب سارية. وجعل ما في العجز من هذا في ~~مقابلة ما في الصدر، من قوله " أجادت وبل مدجنة " كأنه قال: أجادت الخيل ~~وبل مدجنة فدرت درور الموت در سارية، ms0190 فالسارية بإزاء المدجنة لا غير. وكل ~~ذلك مثل لتكثير الشر، وتفظيع البلاء والقتل. وفي هذه الطريقة قول النابغة: # ومعلقين على الجياد حليها ... حتى تصوب سماؤهم بقطار # وذكر بعضهم أن أجادت ودرت فعلان جمعا للدرور، فهو كما يقال قام وقعد زيد. ~~قال: والدرور: حرب تدر بالدماء. ويقال: جادت وأجادت بمعنى واحد؛ والمراد ~~جادت درور فدرت عليهم كوبل مدجنة، وكصوب سارية. والأول أقرب وأكشف وأصح. # PageV01P248 # فولوا تحت قطقطها سراعا ... تكبهم المهندة الذكور # يقول: انهزمت حمير مسرعين تحت صغار البرد، ولم يصبروا إلى كباره، والسيوف ~~الهندية تسقطهم لوجوههم. ويقال هندت السيف، إذا نسبته إلى الهند. وقال أبو ~~عمرو: وهندت السيف، إذا أحددته. وذكر الدريدي في القطقط أنه ضرب من المطر، ~~ولم يحده. وموضع تكب نصب على الحال، وما قدمناه في القطقط قول الخيل. ### || وقال جزء بن ضرار # أتاني فلم أسرر به حين جاءني ... حديث بأعلى القنتين عجيب # تقديره: أناني حديث عجيب بأعلى القنتين، فلم أسرر به حين جاءني. وإنما ~~استعجب من الحديث لتضمنه ما كرهه، فكان يرده بما يقوى في أمله من ضده. وقد ~~اجتمع فعلان أتاني وجاءني، فأعمل الأول. ومثله قول الآخر: # ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما ..................... # تصاممته حتى أتاني يقينه ... وأفزع منه مخطئ ومصبب # تصاممته، أراد تصاممت عنه، حتى أتاني يقينه، أي الجلي الواضح منه. وأفزع ~~يجوز أن يكون معناه صادف الفزع فلا يقتضي مفعولا، ويجوز أن يكون أفزع الغير ~~فيكون مفعوله محذوفا. ومعنى البيت: تكلفت الصمم عن ذلك الخبر حتى جاء ما لم ~~يمكن رده، لكون الشبه منتفية عنه، واتفق المخطئ والمصيب على تصحيحه، وصادفا ~~الفزع فيه، أو أفزعا الغير منه. ومثل قوله " تصاممته " في انحذاف حرف الجر ~~منه قول الآخر: # وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني # PageV01P249 # يريد: لقضى علي. وفي القرآن: " وإذا كالوهم أو وزنوهم "، يريد كالوا ~~عليهم أو وزنوا عليهم. وأضاف اليقين إلى ضمير الخبر لأنه يريد المتيقن منه. # وحدثت قومي أحدت الدهر فيهم ... وعهدهم بالحادثات قريب # فإن يك حقا ما أتاني فإنهم ... كرام إذا ما النائبات تنوب # قوله ms0191 " حدثت " يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فالأول قام مقام الفاعل وضميره ~~التاء، والثاني قومي، والثالث أحدث الدهر فيهم أحداثا. وكما قال الآخر: # وإن تكلمك تبلت # يريد تبلت كلامها. ويجوز أن يكون أجرى قوله " أحدث الدهر فيهم " مجرى نكى ~~الدهر فيهم، فاستغنى عن المفعول. وقوله: " وعهدهم بالحادثات قريب " يجوز أن ~~يكون من جملة ما بلغ وأنبئ به، ويجوز أن يكون الواو للحال، كأنه نكى الدهر ~~فيهم وحالهم قرب العهد بحوادثه، ويجوز أن يكون جاريا مجرى الاعتراض بين ما ~~قبله وما بعده، وحقيقة معناه تصديقه لما خبر به، وأن قومه من الكرام الذين ~~لا يسلمون على الدهر، بل يولع بالتأثير فيهم كما قال:؟ أرى الدهر يعتام ~~الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد وإذا عزل هذا الاعتراض يكون ~~الكلام: وحدثت قومي أحدث الدهر فيهم، فإن يك حقا ما أتاني. ومعنى البيتين: ~~أنبئت أن قومي نكى الدهر فيهم، وحمل أثقاله عليهم، فإن كان ما بلغت حقا من ~~إخناء الدهر عليهم، وسوء تأثيره فيهم، فإن أخبارهم كريمة في النوائب إذا ~~نابتهم، ونفوسهم عزيزة تأبى الانقياد لما لا يحسن، والمطاوعة فيما يشين ولا ~~يزن. وجواب فإن يك حقا ما دل عليه قوله فإنهم كرام، # PageV01P250 # لأن معناه فإنهم يصبرون صبر الكرام. ومثله قوله تعالى: " إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك "؛ لأن المعنى: فإنك تملكهم وتقدر عليهم. # فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم ... له ورق للسائلين رطيب # يقول: محتاجهم متجمل، وبما لا تناله مقدرته ولا ينهض وسعة متكثر، وظاهره ~~الغنى اكتفاء بما يملكه، وتصنعا لم ن يرمقه؛ وغنيهم له إفضال على العفاة، ~~ومعروف عند السؤال، يحيون في جنابه، ويعيشون في كنفه وظلاله. وقوله " له ~~ورق " مثل ضربه للندى، وأصله ها هنا ورق الشجر، وبه عيش المال: الإبل ~~والغنم. وإذا لم يمنعوا من الورق عاش الناس في فنائهم. هذا الأصل، ثم يتمثل ~~به بعد لغيره من ضروب المنافع، ووجوه المرازئ. وسلك في هذه الاستعارة ~~والتمثيل مسلك زهير حيث يقول: # وليس مانع ذي قربى ولا رحم ... يوما ولا معدما من خايط ورقا # ويقال: ورقت الشجرة ms0192 وأورقت، وشجرة وريقة، إذا كثر ورقها والوراق: زمن ~~خروج الورق، كالصرام والجداد. # ذلو لهم صعب القياد وصعبهم ... ذلول بحق الراغبين ركوب # يقول: من كان سهل الجانب منهم تراه متعسرا إذا سيم الضيم، متصعبا في ~~التزام الظلم والجور؛ والأبي الخشن الخلق منهم معترف بحق الراغبين، يركب به ~~ولا يمنع، ويقاد له ولا يأبى. وقوله ركوب، هو في معنى مفعول ها هنا. ~~والذلول: الوطئ الظهر، والذل والذل يرجعان إلى السهولة والوطاءة، وإن كان ~~كل تفرد بمعنى يتميز عن صاحبه بمايضاده. ألا ترى أن ضد الذل باضم العز، وضد ~~الذل بالكسر الصعوبة. # إذا رنقت أخلاق قوم مصببة ... تصفى بها أخلاقهم وتطيب # يقول: إذا كدرت المصائب أخلاق الناس فتغيرت، حتى لا يصير عليها محمل، ولا ~~إليها من النوائب ملجأ، فإن أخلاق هؤلاء تصفى بها ولها وتطيب عند تحاملها؛ ~~كأنهم كلما ازدادوا امتحانا بالدهر ازدادوا طلاقة وهشاشة، ولين معطف ~~ولدونة، # PageV01P251 # ونهوضا بالأعباء، وصبرا لدى الأواء. ويقال ماء رنق ورنق، وما في عيشه رنق ~~أي كدر. # ومن يغمروا منهم بفضل فإنه ... إذا ما انتمى في آخرين نجيب # أصل الغمر التغطية، ومنه قولهم: دخل في غمار الناس. والنجيب: الكريم من ~~الناس والخيل والإبل، ولذلك قيل للمختار من كل شيء المنتجب، وقد نجب الرجل ~~نجابة، وأنجب: أتى بأولاد نجباء. يقول: والمغمور الخامل منهم، لظهور الفضل ~~عليه، إذا انتسب في قوم آخرين عد نحيبا. ومثله قول الآخر: # يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا ... يسود معدا كلها ما تدافعه # وإن كان هذا زائدا على ذلك. وحذف مفعول " يغمروا " لأنه لا يلتبس. أراد ~~ومن يغمروه، أي المفضول فيهم إذا انتمى في غيرهم كان فاضلا. ### || وقال القاطمي # من يكن الحضارة أعجبته ... فأي أناس بادية ترانا # الحضارة تكسر منه الحاء وتفتح، وكذلك البداوة تكسر منه الباء وتفتح. ~~والمراد بالحضارة أهل الحضارة، فحذف المضاف، يدل على ذلك قوله " فأي أناس ~~بادية "، لأن التفضيل إنما يصح بين الحضريين والبدويين. وأي هذه تضاف إلى ~~النكرة، ولا تضاف إلى أكثر من الذي جعلته خبرا، لأنك تريد صفته. ألا ms0193 ترى ~~أنك تقول مررت برجل أي رجل، وأي رجل أخوك إذا جعلته خبرا يكون مخرج الكلام ~~المدح والتعجب، كأنك قلت: نهاية في الرجولية أخوك. فعلى هذا قوله فأي رجال ~~بادية. فيقول: من أعجبه رجال الحضر؛ فأي رجال بدو نحن، إذا حصلت الرجال. ~~والمعنى: أي أناس نحن وإن كنا من أهل البدو. والمراد التمدح والتعجب. # ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلبا وأفراسا حسانا # PageV01P252 # يقول: ومن ارتبط الحمر واقتناها، وكان عيشه منها، فإنا أرباب الغزو، ~~وآلاتنا رماح طوال، وخيل رائقة عناق. والجحش من أولاد الحمر كالمهر في ~~الخيل، والجمع الجحاش والجحشة. والسلب: الطوال، والواحد سلوب. # وكن إذا أغرن على جناب ... وأعوزهن نهب حيث كانا # يقال: عوز الرجل كذا عوزا، مثل عدم، وأعوزه الدهر؛ أفقره. وأعوز الرجل: ~~ساءت حاله، وهذا لا يتعدى. يقول: كانت هذه الخيل إذا أغارت على ما حولها من ~~القبائل فبددت شملها، وخوفت آمنها، وصارت تأخذ حذرها، وتتقيها بالبعد عنها؛ ~~حتى أعوزها النهب حيث كان النهب، لمعاودتهم الغارة وقتا وبعد وقت، وإدامتهم ~~إياها، وإلحاحهم بها. وقوله " إذا أغرن " ظرف لقوله أغرن من البيت الذي ~~يليه، وهو جواب له، والجملة خبر كن. # أغرن من الضباب على حلول ... وضبة إنه من حان حانا # وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا # الضباب يشتمل على ضبة وضبيب، وحسل وحسيل، فلذلك سموا الضباب. يقول: أغارت ~~على أقاربهم وعلى الحلات النازلة حولهم وفيهم، لأن من قدر له الحين فقد ~~أدركه. والمعنى: إنهم لا عتيادهم الغارة لا يصبرون عنها، حتى إذا أعوزهم ~~الأباعد عطفوا على الأقارب. ألا ترى أنه تمم ذلك بقوله: # وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا # وقوله: " إنه من حان حانا " يسمى الالتفات، كأنه التفت إلى إنسان فقال: ~~إنه من هلك بغزونا فقد هلك. وقوله " على بكر " تعلق بفعل مضمر دل عليه ما ~~تقدم فيما قبله، كأنه قال: وأحيانا أغرن على بكر. ### || وقال الأعرج المعني # أرى أم سهل ما تزال تفجع ... تلوم وما أدري علام توجع # يقول: ms0194 أرى هذه المرأة تتفجع تارة وتتوجع أخرى، تعتب على وتلوم، وما أدري ~~من أي شيء شكواها، وفي أمر توجه على عتبها، لأني لا أتعاطى منكرا فاستحق به ~~ذلك: وقد مر الكلام في علام وأشباهه. وقوله: " ما زال " يريد به اتصال تلك ~~الحالة منها، لأن ما زال الدوام الماضي، وما يزال هو مستقبل ما زال، فيصير # PageV01P253 # لا متداد الحال. فإن قيل: أليس زال ضد دام فكيف يفيد وهو للنفي معنى ~~الدوام؟ قلت لما دخل ما النافية عليه تغير معناه إلى الإيجاب، لأن نفي ~~النفي إيجاب، فعاد إلى معنى الدوام. وقوله: " تلوم " في موضع الحال، أي ~~تفجع لائمة، وقوله: " ما أدري علام "، يريد وما أدري ما يقتضي هذا السؤال. # تلوم على أن أعطي الورد لقحة ... وما تستوي والورد ساعة تفزع # يقول: تعيب علي في إيثاري فرسي الورد بلبن لقحتي - وهي الناقة التي بها ~~لبن - وما تستوي هي مع الورد ساعة الفزع ووقت الغارة. وقوله " الورد " ~~منصوب على أنه مفعول معه. يريد: لا تستوي هي مع الورد. ولو أراد ما تستوي ~~هي وما يستوي الورد لم يكن يجوز إلا الرفع، والعامل في هذا المعمول لا يعمل ~~بتوسط الواو بينهما. وإذا أردت تجريد الفعل على ما يدل عليه قوله تستوي، ~~يكون تقديره إذا أظهرته عاملا فيه: وما تساوى الورد. وعلى هذا قولهم: استوى ~~الماء والخشبة لأن المعنى ساوى الماء الخشبة. فإن قيل: كيف قال ولا أدري ~~علام نوجع، ثم أتبعه بقوله تلوم على أن أعطي الورد لقحة، وهل كذب نفسه؟ ~~فالجواب أن قوله ما أدري إنكار وتفظيع للشأن، والمتضجر بالشيء يقول ذلك وإن ~~كان عالما. وروى بعضهم " والورد " بالرفع وكان الأجود أن يقول: وما تستوي ~~هي والورد، لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيف حتى يؤكد. ويكون ~~المعنى: وما تستوي أم سهل وفرسي في ذلك الوقت، لاختلاف غنائهما، ولأن قصارى ~~تلك الهرب والدهش، وغناء فرسي كونه عدة للدفاع والذب. والأول أجود وأفصح ~~وأسلم. # إذا هي قامت حاسرا مشمعلة ... نخيب الفؤاد رأسها ما تقنع # هذا ms0195 بيان الحال ساعة الفزع، وموضع إذا نصب على أنه بدل من ساعة تفزع، ~~ويكون على ذلك قوله " هنالك يجزيني الذي كنت أصنع " من البيت الذي يليه ~~منقطعا، وإن كان بيان علة إيثاره باللبن وانتفاء المساواة بينه وبن المرأة. ~~والمعنى: وما تساوي هذه المرأة الفرس إذا هي قامت بلا قناع، جادة في العدو، ~~منخوبة القلب، طائرة اللب، لا خمار عليها ولا قناع، لدهشها في احتمارها، ~~وذهابها عن عادتها وإلفها. وقوله " مشمعلة " أي جادة في العدو. وانتصب " ~~رأسها " لأنه مفعول مقدم. ويجوز أن # PageV01P254 # يكون " إذا هي قامت " استئناف كلام، وحينئذ يكون جواب إذا قوله هنالك ~~يجزيني الذي كنت أصنع. # وقمت إليه باللجام ميسرا ... هنالك يجزيني الذي كنت أصنع # يقول: وقمت إلى فرس في تلك الحال، مهيئا له باللجام، للدفاع والقتال. ثم ~~قال: في ذلك الوقت يجزيني ما أعامله به الساعة من إيثار بلبن، وتضمير ~~وصنعة. وقوله " ميسرا " أي مهيئا. وفي القرآن: " فسنيسره للعسرى ". هنالك ~~إشارة إلى الوقت، ويستعمل في المكان. ويقال هناك أيضا فيهما. والعامل فيه ~~ها هنا يجزيني. ### || وقال حجر بن خالد # كلبية علق الفؤاد بذكرها ... ما إن تزال ترى لها أهوالا # يقول: علق الفؤاد بذكر امرأة كلبية، لا تزال تقاسي من أجلها أهوالا، ~~وتتحمل مشقات. قوله " علق الفؤاد بذكرها " يجوز أن يكون أراد علق ذكرها ~~بالفؤاد فقلب، لأن المراد مفهوم، ويكون كقول الآخر: # علق الأحشاء من هند علق # وكما يقال علق بقلبه علاقته. ويجوز أن يكون جعله الفؤاد تابعا للذكر ~~فكأنه تعلق به. وكل شيء وقع موقعه قبل علق معالقه. وجعل صدر البيت على ~~الإخبار عنها، ثم نقل الكلام إلى مخاطبة نفسه. ويجوز أن يكون استمر في ~~الإخبار عنها ويكون المعنى: علقها الفؤاد فلا تزال هي تقاسي أنت بسببها ~~أهوالا. و " إن " من قوله " ما إن " زيدت لتأكيد النفي. # فاقني حياءك لا أبا لك إنني ... في أرض فارس موثق أحوالا # أقبل يخاطب المرأة فقال: الزمي حياءك، أي لا تفعلي ما يقال نسي الحياء ~~معه واطرح، إنني محبوس في أرض فارس ms0196 سنين لا أبا لك. وقوله " لا أبا لك " ~~بعث وتحضيض، وليس بنفي للأبوة، وخبر لا محذوف، لأن المعنى لا أباك، ودخلت # PageV01P255 # اللام مؤكدة للإضافة، لأن هذه إضافة لا تخصص، فساغ تأكيدها باللام، ولو ~~كانت الإضافة مخصصة لكان لا يعمل في أبا لك. وتقدير الخبر: لا أبا لك ~~موجود. ويقال: قنى يقنى، وأقنى: أمر منه. وقنا يقنو. قال المتلمس: # كذلك أقنو كل قط مضلل # وإنما قال إنني موثق ولم يكن قد أسر وأوثق، لعلمه بما يؤول إليه في مقصده ~~أمره، كأنه لما وطن نفسه على ترك التحامي والاتقاء علم أن أحسن العاقبتين ~~فيه الأسر، فذكره. ويكون هذا كقول الآخر: # قد يتمت بنتي وآمت كنتي # فهذا وجه، ويجوز أن يكون قال هذه الأبيات بعد الأسر. # وإذا هلكت فلا تريدي عاجزا ... غسا ولا برما ولا معزالا # ليس قصده في هذه الوصاة إلى أن يبعثها على تخير الرجال، أو يرشدها لوجوه ~~الانتخاب، وإنما المراد: اطلبي مثلي. وهو يعلم أنها لا تظفر بمن يماثله أو ~~يقاربه. والغس: الضعيف. قال: # فطعنة لا غس ولا بمغمر # والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، لضيق صدره وتبرمه بما يلتزم في ~~مثله. والمعزال: الذي لا يحمل السلاح، ويتناهى اعتزاله ورفضه إياه. والأعزل ~~مثله. ومثل هذا قول ابن أحمر: # فإما زال سرج من معد ... وأجدر بالحوادث أن تكونا # فلا تصلي بمطروق إذا ما ... سرى في القوم أصبح مستكينا # إذا شرب المرضة قال أوكى ... على ما في سقائسك قد روينا # واستبدلي ختنا لأهلك مثله ... يعطي الجزيل ويقتل الأبطالا # PageV01P256 # يقال: اعتاصى مني لأهلك ختنا مثل ذلك الختن، يعطي عطاء جزلا، ويقتل ~~الأبطال بطلا فبطلا. ومثله يرتفع بالابتداء، وما بعده في موضع الخبر له، ~~والجملة في موضع الصفة للختن، ولا يجوز نصب " مثله ". # غير الجدير بأن تكون لقوحه ... ربا عليه ولا الفصيل عيالا # هذا أيضا من صفة الختن. يقول: لا يكون خليقا بأن يكون مملوكا لماله لا ~~مالكا، ويحل الفصيل منه محل العيال لا محل المال. وهذا كما قال الآخر: # فلا والله ms0197 ما لبني برب ... ولا لحمى علي ولا سلائي # واللقوح صفة، يقال ناقة لقوح إذا كان بها لبن، وجمعه لقح قال الخليل: ~~فإذا أرادوا استعمالها على حد الأسماء قالوا لقحة، يقال: هذه لقحة فلان، ~~للناقة الحلوب - ولا يقال ناقة لقحة - والجميع لقاح. ### || وقال ابن رميض العنبري # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # يقول: مكث الناس نائمين في ليلهم، وهذا الرجل لم ينم، لأنه كان بيت ~~للغارة، ثم قال " بات يقاسيها "، أي يعاني الغارة كيف يوقعها ويدبرها متى ~~يأخذ فيها، غلام مدمج الخلق خفيف ثقف مشمر، كأنه قدح. يعني ابن هند. والزلم ~~بفتح الزاء وضمها: القدح كان يستقسم به. قال الله تعالى: " وأن تستقسموا ~~بالأزلام ذلكم فسق ". ويجوز أن يكون المضمرين في باتوا المغار عليهم. # خدلج الساقين خفاق القدم # قد لفها الليل بسواق حطم # بصفة بأنه غليظ الساقين، ولوطئه الأرض صوت، ولقدمه خفق، وهو سرعة الخطو ~~مع ضرب الأرض بها، كأنه يشير بهذا إلى ثباته وقوته في العمل والسير، # PageV01P257 # وشدة بلائه وصبره على الكد. وقوله " قد لفها " يريد الإبل. وجعل الفعل ~~لليل على المجاز. والمعنى: جمعها برجل متناهى القوة، عنيف السوق، يكسر ~~الطرائد بعضا على بعض، لقلة رفقه وكثرة عسفه، ولأنه قليل الفكر فيها إذ ~~كانت حصلت بالغارة، فإن سلمت فهي غنم، وإن تلفت فليست بغرم، فالعوض منها ~~بالقرب. وقوله " حطم " بناء للمبالغة، وهو من الحطم الكسر. # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر الوضم # يقول: لا يرفق هذا الرجل بوسائقه رفق الرعاة، ولا رفق الجزار، وذلك أن ~~الراعي مكتري لاستصلاح مرعيه، وحفظ ما ضم إليه بجهده، والجزار لا يستهلك ~~ماله ولا يعنف عنف من لا يبالي به. وهذا صفة المغوار القليل الفكر في فساد ~~ما يحويه منها، الذاهب عن استبقائها، لا يبالي كيف استوسقت، وعلى أي حالة ~~تحصلت. ### || وقال جعفر بن علبة الحارثي # ألا لا أبالي بعد يومي بسحبل ... إذا لم أعذب أن يجيء حماميا # يقول: اشتقيت من أعدائي يوم سحبل - وهو اسم واد - وأدركت ms0198 آثاري عندهم فلا ~~أبالي بدنو موتى بعده إذا لم يعذبني الله تعالى تبارك اسمه، إذ كنت نبت ~~أمنيتي، وقضيت مأربتي. والذي تناوله قوله " لا أبالي " هو أن يجيء حماميا. ~~ويقال لا أبالي كذا ولا أبالي بكذا. وإذا لم أعذب ظرف للا أبالي، أي لا ~~أبالي بالموت إذا سلمت من عذاب الله عز وجل. وإنما أتى بإذا رجاء أن يكون ~~الأمر كذلك. وقد مضى القول في أبالي وأصله وما استقر عليه في الاستعمال، ~~وأن قولهم لا أباليه بالة أصله عند سيبويه بالية فخفف. وقد ذهب غيره إلى ~~أنها مقلوبة، ويقول في بالة إنها فعلة، وإن ألفها منقلبة عن واو، وأن أبالي ~~كان أباول أي لا أكاثر، ثم وضع موضع لا أحفل ولا أكثرت. وللترجيح والنظر في ~~المسألة موضع غير هذا. # PageV01P258 # تركت بجنبي سحبل وتلاعه ... مراق دم لا يبرح الدهر ثاويا # أخذ يقتص ما هون عليه الموت من فعله، فيقول: تركت بجانبي هذا الوادي ~~ومسايل مياهه مصبوب دم، يلزم ذلك المكان على مرور الأيام فلا يبرح. وقوله " ~~ثاويا " من ثوى بالمكان، إذا أقام. يقال ثوى وأثوى جميعا. وقوله " مراق دم ~~" يجوز أن يريد موضعا أريق به دم، كما يجوز أن يريد به دما مراقا، ولكنه ~~إذا أريد به الموضع يكون لا يبرح من صفة الجم، ويجوز أن يريد به رجلا أريق ~~دمه ويحكون كقولك هو حسن وجه. وذكر بعضهم أن المراد مراق دم لا يزال ذكره ~~باقيا على الدهر فحذف المضاف. والتلاع: جمع تلعة، وهي أرض مرتفعة يتردد ~~فيها السيل إلى بطن الوادي. ومن الاستعارة الحسنة: فلان لا يوثق بسيل ~~تلعته، إذا كان غير صدوق في أخباره. # إذا ما أتيت الحارثيات فانعني ... لهن وخبرهن أن لا تلاقيا # هذا كلام رجل يوئس أحبته من نفسه لاستقتاله، أو لأنه مني بما لم يرج ~~الخلاص منه. فقال: إذا زرت نساء بني حارثة فاذكر موتى لهن، وأعلمهن أنه لا ~~التقاء بيني وبينهن. فقوله " أن لا تلاقيا " أن مخففة من أن الثقيلة، واسمه ~~مضمر، وتلاقيا نصب بلا ms0199 وخبره محذوف، والمراد لا تلاقي لنا، والهاء في أنه ~~ضمير الشأن والأمر، والجملة خبر أن. وهذا البيت مع ما بعده لمالك بن الريب ~~فيما أظن، وانضما إلى أبيات جعفر بن علبة على سبيل الغلط. # وقود قلوصي في الركاب فإنها ... ستضحك مسرورا وتبكي بواكيا # يقول: وأكثر قود ناقتي حالا بعد حال، فإن الأعداء يشمتون إذا استدلوا بها ~~ويضحكون سرورا، والأصدقاء ذوات الشفقة يغتمون فيبكون توجعا. وهذا الكلام ~~تحزن وتحسر. وقوله " ستضحك مسرورا وتبكي بواكيا " من باب وصف الشيء بما ~~يؤول إليه، ومثله قولهم: خرجت جوارجه. وقول الفرزدق: # قتلت قتيلا لم ير الناس مثله # والقلوص، قال الخليل: هي الناقة الباقية على السير، لا تزال قلوصا حتى ~~تبزل. وإنما سميت قلوصا لطول قوائمها ولم تجسم بعد. # PageV01P259 ### || وقال آخر: # لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب # خبر " لعمري " مضمر ولا يجوز إظهاره، وهو قسم، ولا يجوز أيضا فيه إلا فتح ~~العين، ولرهط جوابه. والرهط يقع على ما دون العشرة، ولهذا دخل عليه من ~~الأسماء أسماء الآحاد فقيل ثلاثة رهط. ومثله نفر، ولو كان يقع على الكثير ~~لما جاز لك فيه ألا ترى أنك لا تقول ثلاث إبل. وانتصاب " بقية " على ~~التمييز، وموضع " وإن عالوا به " نصب على الحال للرهط، وجواب الشرط فيما دل ~~عليه قوله " خير بقية ". وقوله " كل مركب " يريد به كل مركب مذموم. وعاليت ~~بفلان بمعنى أعليته. ومعنى البيت: وبقائي، لعترة الرجل أحسن إبقاء عليه، ~~وأكثر حشمة له، وإن أركبوه مراكب صعبة مكروهة، وأنزلوه منازل حزنة مذمومة. # من الجانب الأقصى وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب # تعلق " من " بقوله خير بقية، لأن معناه أفعل الذي يتم بمن. يقول: هم أحسن ~~إبقاء عليه من الغريب الأبعد، وإن كان الرجل محتشما في نفسه غنيا، ومعظما ~~مهيبا. وقوله " وإن كان ذا غنى " في موضع الحال أيضا. والجانب يراد به ~~الجنس لا واحد بعينه. وقوله " ولم يخبرك مثل مجرب " يجري مجرى الالتفات، ~~وهو توكيد للخبر الذي أورده، وتحقيق لما أنبأ ms0200 به وشرحه، وأن ما قاله قاله ~~عن تجربة وخبرة، لا عن سماع وخبر. # إذا كنت في قوم ولم تك منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب # هذا الكلام تحذير من الاغترار بالأجانب، والاستنامة إلى ناحيتهم، وبعث ~~على طلب موافقتهم وترك الخلاف عليهم، بعد الحصول فيهم، وأن استعمال الإدلال ~~معهم، والأخذ بالمضايقة في إيفائهم والاستيفاء منهم غير واجب. ويروى: " في ~~قوم عدى لست منهم " ويكون معنى لست منهم: وأنت لا تهوى هواهم. والعدى يقع ~~على الواحد والجميع، يقال رجل عدي، وقوم عدى، أي بعد غرباء. وقوله " كل ما ~~علفت " مثل. ومثله: # ولا تطعمن ما يعلفونك # PageV01P260 # وكأن العلف مختص بهذا المعنى؛ فإني لم أجده في غيره. ### || وقال البرج بن مسهر # فنعم الحي كلب غير أنا ... رأينا في جوارهم هنات # هذا الكلام تهكم وسخرية. وجاز أن يأتي به بلفظ المدح لأنه بما بعده تبين ~~الغرض؛ فيكون أبلغ في الهزء. والهنات: الأمور المنكرة، ولا تستعمل إلا في ~~الشر، وهي جمع هنة، وإنما يكنى بها عن المحقرات، كأنه يرى الإبقاء ~~والمجاملة، ويجري الأمر على المداجاة وترك المجاهرة. وقد يجمع هنة على ~~هنوات، فمن رد اللام في الجمع رده في النسبة أيضا، ومن لم يرده فهو في ~~النسبة بالخيار، إن شاء قال هني وإن شاء قال هنوي. فيقول: قبيلة كلب محمودة ~~في الأحياء، غير أنا منينا في جوارهم بدواه وبلينا بمنكرات. والاستثناء في ~~هذا المكان يكون منقطعا. وكان فارق قومه طيئا مراغما وجاور كلبا فلم يحمد ~~جوارهم ففارقهم ذاما لهم. # ونعم الحي كلب غير أنا ... رزينا من بنين ومن بنات # يريد مثل ما أراد في البيت الأول من السخرية. ومعنى رزينا: أصبنا ببنين ~~وبنات. ويقال فلان مرزأ في ماله فيكون مدحا، وفلان مرزأ في أهله فيكون ~~ترحما وتوجعا. ومثل هذا التهكم قول الآخر: # فدى لسلمى ثوباى إذ دنس ال ... قوم وإذ يدسمون ما دسموا # فالتفدية ها هنا كالمدح بنعم ثم. وقوله " من بنين " من دخل للتفضيل، كأنه ~~قال: رزينا أناسا من بنين وبنات، ومفعول رزينا محذوف، ms0201 ويجوز أن يكون ذاد من ~~في الواجب على ما أجازه الأخفش وحكاه عنهم من قولهم: " قد كان من مطر فخل ~~عني "، فيكون المراد رزينا ببنين وبنات. # فإن الغدر قد أمسى وأضحى ... مقيما بين خبت إلى المسات # PageV01P261 # يقول زاريا عليهم ومبينا: إنه نالهم ما نالهم لأن الغدر مقيم فيما بين ~~ديارهم، ومما انطوى عليه أحشاؤهم: وفائدة قوله أمسى وأضحى بيان اتصال ~~الوقت. وقوله " فإن الغدر " الفاء ربط الجملة التي بعدها بما تقدم ورتبها ~~عليه، كأنه قال: قاسوا ما قاسوه في جوارهم فإنهم غادرون. وخبت والمسات: ~~ماءان لكلب. يقول: الغدر مقيم في كلب بين هذين، أي في أول ديارهم وآخرها. # تركنا قومنا من حرب عام ... ألا يا قوم للأمر الشتات # هذا الكلام اقتصاص لحاله، وإظهار للتأسف على مجاورة كلب، والتندم على ما ~~اتفق من مفارقة العشيرة: وقوله " يا قوم للأمر الشتات " تعجب. والشتات: ~~مصدر وصف به. واللام في الأمر لام الإضافة، لكن فائدته ما ذكرناه من ~~التعجب، وأتى به مع المدعو. وقد يقال يا لزيد فيكون المنادى محذوفا. وهذه ~~اللام تدخل مفتوحة في المنادى ويراد به الاعتزاء، كقولك يا لبكر ويا لتميم. ~~فيقول: انتقلنا عن قومنا وفارقناهم منذ زمن الحرب التي اتفقت بيننا عاما ~~أول. ثم أخذ يستعطفهم، ويتذمم من مراغمتهم، ويظهر الحاجة إليهم فقال: يا ~~قوم أقبلوا لما تشتت من أمرنا، واختل من حالنا. وقوله " من حرب عام " جعل ~~من بدل من، لأنه في المكان مثله في الزمان، كما قال زهير: # أقوين من حجج ومن دهر # وأخرجنا الأيامى من حصون ... بها دار الإقامة والثبات # يقول: أخرجنا النساء اللاتي صرن أيامي من مقر عزهن، ودار أمنهن، إلى جوار ~~كلب، حتى اتفق عليهن من الأعداء ما اتفق، ومن حلول الرزايا ومقاساة الهنات ~~بهن ما أقلق. ووصف النساء بما آل إليه أمرهن من الإيمة، وإن كن وقت الإخراج ~~ذوات بعول. ومثله قول الآخر: # ستضحك مسرورا وتبكي بواكيا # PageV01P262 # وفي القرآن: " إني أراني أعصر خمرا ". وأيامى: جمع أيم، ويقع على الرجل ~~والمرأة. والفعل منه آم، أي ms0202 بقي بلا زوج. وهو من الفعل فيعل، وجمعه أيايم ~~على فياعل. وأيامى مقلوب كأنه قدم اللام على العين فصار أيامى على فيالع، ~~ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفا. # فإن نرجع إلى الجبلين يوما ... نصالح قومنا حتى الممات # هذا إظهار رغبة في الرجوع إلى العشيرة، ومعاودة الوطن والمحلة. يقول: إن ~~اتفق لنا عودة إلى بلادنا تركنا الخلاف على ذوينا، وأقمنا بها إلى انقضاء ~~الأجل، واستنفاد المهل. ويعني بالجبلين أجأ وسلمى: جبلي طيئ. وقوله " حتى ~~الممات " أراد به إلى حين الممات، فحذف المضاف. والممات يكون مصدرا، وإن ~~جعلته اسما للحين فلا حذف. ### || وقال موسى بن جابر # لا أشتهي يا قوم إلا كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب # يصف بهذا الكلام ميله إلى البدو، وتفضيله رجاله على رجال الحضر، فيقول: ~~لا أتمنى ورود باب الأمراء، ومدافعة الحجاب، ولا أعلق شهوتي بهما إلا على ~~كره وعن داعية عارضة؛ إذ كنت ألفت الصحاري والبراري، وصاحبت بها من لا ~~تملكني معه حشمة، ولا يصدني دونه عزة. وانتصب " كارها " على الحال. # ومن الرجال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب # يقول: من الرجال رجال كالأسنة المطرورة، أي يمضون في الأمور ويفصلونها ~~نفاذ الأسنة؛ ومنهم مزندون. والمزند: المبخل المقلل. ووقيل الزند ضرب به ~~المثل في القلة. يقال: " زندان في مرقعة "، ثم قيل هو مزند مشتقا منه. ~~وقوله " شهودهم كالغائب " أي لا غناء عندهم، ولا دفاع بهم، فحضورهم ~~كغيبتهم. وأراد بالغائب الكثرة لا التوحيد. وكان من حق التقسيم أن يقول: ~~ومنهم مزندون، لكنه اكتفى بمن الأول. ومثله قول الله تعالى: " منها قائم ~~وحصيد ". وسمعت أبا علي الفارسي رححمه الله يقول: كل صفتين تتنافيان ~~وتتدافعان فلا يصح اجتماعهما لموصوف لا بد لإضمار من معهما إذا فصل جملة ~~بهما، متى لم يجيء ظاهرا، ثم # PageV01P263 # أنشد: # وما زودوني غير سحق عباءة ... وخمس ميء منها قسي وزائف # وقال: يريد ومنها زائف. وهذا كما تقول زيد منطلق وعمرو، والمعنى وعمرو ~~منطلق، فحذف اكتفاء بالخبر عن الأول، وعلما بأن المنعطف ذلك حاله. قال: ms0203 فإن ~~أمكن اجتماع الصفتين لموصوف واحد استغني عن إضمار من، ذلك كقولك صاحباك ~~منهما ظريف وكريم. # منهم ليوث لا ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب # يقول: من الرجال رجال كالأسود عزة وأنفة، لا يطلب اقتسارهم واهتضامهم، ~~ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف، جمعوا على ما اتفق من شيء إلى شيء. كأنه ~~لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة، فاستأنفهما على وجه آخر. وقوله " وبعضهم ~~مما قمشت " ينوب فيه ذكر بالبعض عن قوله " ومنهم "، لأن من للتبعيض فاستغنى ~~به. وقوله " وضم حبل الحاطب " كقول الآخر: # وكلهم يجمعهم بيت الأدم # قال الأصمعي: لأن بيت الأدم يجمع الجيد والرديء، على تقارب بينهما، ففيه ~~من كل جلد رقعة. وكذلك الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء، والرطب واليابس، ~~على تدان بينهما. فإن قيل: وما الفائدة في إعادة التقسيم والتشبيه؟ فالجواب ~~أن يقال: كأنه صنفهم في الأولى من حيث اختلفوا عنده في الأعمال والأخلاق، ~~وعلى توهم تباعد بينهم، بدلالة قوله من الرجال أسنة ومنهم مزندون لا يعتد ~~بحضورهم. وبين الصفتين تفاوت عظيم، وتباين شديد. وصنفهم في الأخرى من حيث ~~اختلفوا فيها على توهم تقارب بينهم؛ لأن فيمن يقمش من لا يباين المباينة ~~الفاحشة، ولا يخالف المخالفة المنكرة. ### || وقال آخر: # أقول لنفسي حين خود رألها ... مكانك لما تشفقي حين مشفق # PageV01P264 # يقال: خود رأله، للمذعور المرتاع: والرأل. فرخ النعام. وهذا مثل. ~~والتخويد: ضرب من السير سريع. والتخويد والوخد والخدي متقاربة المعنى، في ~~أنها تفيد ضروبا من المشي، ويوصف بجميعها النعام. ويقال في هذا المعنى " زف ~~رأله "، لأن الزفيف ضرب من العدو سريع أيضا. وفي هذه الطريقة قولهم " طار ~~طائره ". ويقولون: " هو أنفر من نعام "، و " أشرد من ظليم ". ومعنى البيت: ~~إني أثبت نفسي عند ما يبده من ذعر الحرب، ويفجأ من روعة القتال، فأخاطب ~~نفسي إذا همت بالإحجام، أو وسوس إليها وجوب الانهزام: الزمي مكانك لم تذعري ~~وقت ذعر. وقوله " مكانك " أمر، وهو موضوع موضع الفعل الذي عمل فيه، ومكتفى ~~به عنه، فهذا إيجاب. وقوله " لما تشفقي حين مشفق " تأنيس، ms0204 أي لم تخافي وقت ~~مخافة. فهما كلامان. والإشفاق: الذعر، وقد يختلط بالنصح ويتجرد عنه. قال ~~الله تعالى: " إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ". # مكانك حتى تنظي عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق # يقول: أستأني وأترفق، وأقول في تلك الحالة، تماسكي يا نفس واحفظي مكانك ~~إلى أن يتبين لك عن أي شيء تنكشف لك ظلمة هذا العارض المتشقق بالبرق. ~~والعارض، أصله في السحاب، وها هنا أراد به الجيش. وجعل التألق مثلا للمعان ~~الأسلحة. ويقال ائتلق البرق أي تلألأ، وتألق. والعماية: الظلمة والهبوة. ~~ويروى: " غياية هذا العارض " وهي في طريق العماية لأنهما من الغي والعمى، ~~وقد توسع فيهما. وإنما طلب من النفس الصبرإلى ذلك الوقت، لأن من ثبت في ~~الحرب إلى انكشاف الحال فيه فقد أعطاها حقها. ### || وقال موسى بن جابر # وقلت لزيد لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي # الترترة: العجلة. وحكى الدريدي أنها كثرة الحركة، فهي كالتلتلة. وروى ~~الحديث: " تلتلوه ومزمزوه " بالراء واللام جميعا. ويروى " لا تبربر "، ~~والبربرة؛ كثرة # PageV01P265 # الكلام، وكذلك الثرثرة بالثاء، ورجل ثرثار. ويقال: ما أكثر بربرتهم، إذا ~~ماجوا في الكلام. ومنه سمي البربر: جنس من المغاربة، وكذلك البزبزة بالزاي: ~~كثرة الحركة. وقد روى: " لا تبزبز ". ويقال ما أكثر بزبزتهم، ورجل بزباز ~~وبزابز، إذا كان يكثر حركاته ويخف فيقول: لا تعجل يا زيد، أو لا تكثر كلامك ~~ولا تضطرب، فإن القوم يرون الصبر على المنايا ويخف عليهم ويقل عندهم إذا ~~ثبت فيه قتلك أو قتلي لهم. وانتهزوا في تحصيل أحدهما فرصهم. ويكون " يرون " ~~في هذا الوجه من الرأي، كما يقال فلان يرى في دينه أو في مروته كذا، أي ~~يتخذه مذهبا ويدوم عليه. ويجوز أن يريد بيرون المنايا: يقاسون الشدائد، ~~ويذوقون المنايا، ولم يصلوا بعد إلى قتلي أو قتلك. ويكون معنى " دون قتلك " ~~كما يقال " دون هذا الأمر خرط القتاد "، وكما قال بشر: # ومن دون ليلى ذو بحار ومنور # ومعنى يرى كما يقال لو علمت ماذا رأيت من فلان، يراد أي شيء مارست ~~وكايدت. والكلام في ms0205 المعنى الأول تصوير لحال القوم في عداوتهم، ونهى عن ~~المعاجلة معهم، وبعث على مصابرتهم ومحاذرتهم. وعلى المعنى الثاني يكون ~~تثبيتا لصاحبه وتشجيعا، وتسكينا منه وتصبيرا، فيكون مثل قوله: # أقول لنفسي حين خود رألها # وأن أبا تمام تصور هذا المعنى، فلذلك ألحق الأبيات بما يليها. # فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا ... فعرضة عض الحرب مثلك أو مثلي # يقول: إن حطوا الحرب أو اطرحوها، وراموا المسالمة والمتاركة فيها، ~~فاتبعهم في ذلك واقتد بهم، وإن أبوا إلا الشر فالقوي على عضاض الحرب ~~والصبور على # PageV01P266 # لزامها مثلك أو مثلي، والمعنى: أنا وأنت. وهذا كما يقال: مثله لا يعتاض ~~منه، والمعنى هو لا يعتاض منه. ويقول: فلان عرضة الشر، إذا كان قويا عليه. # وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل # جعل الرفع في مقابلة الوضع من البيت الأول، والمعنى: إن هيجوها. والعوان: ~~التي قوتل غيها مرة بعد أخرى، فتقادم وتطاول لبثها، واتصل هيجانها، واتسع ~~نفيانها. وهذا على التشبيه بالعوان من النساء. فهو كما وضعها غيره لما أراد ~~ابتداءها وجدتها أنها فتاة وبكر، فقال: # الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بنزتها لكل جهول # وقد استعملوا البكر والعوان في الحاجات أيضا، فقال: هي بكر حاجاتي، ~~وحاجتي بكر، وحاجتك عوان. يقول: وإن أججوا نار الحرب العوان التي تشاهد ~~واستجاشوا لها، وأثاروا كوامنها، فاستجش أنت أيضا وأوقد نارها بالحطب ~~الغليظ الجزل. ### || وقال أيضا: # إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر # قوله: " لم تضق ذراعي " مثل، ويقال ذرعي. قال الخليل: الذراع اسم جامع ~~لكل ما يسمى يدا من الروحانيين. يقول: إذا ذكر هذان الرجلان من آبائي اتسع ~~نطاق افتخاري، ورحب مجالي وباعي، ولم تعيني غلبة من أساجله، ولم يقعد بي ~~ذكرهما عن الارتقاء في الفخر إلى ما لا يطلع له من أوازنه وأكايله، حتى ~~ألقاه باسته دون وجهه لتوليه وإعراضه. وذكر الاست تقبيح لفعله عند النكوص ~~والانهزام، وتشنيع عليه في التولي والإدبار. # هلالان حمالان في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع ms0206 الأباعر # يقول: هما في الاشتهار واعتلاء الشأن، واستضاءة الناس بنورهما، والانتفاع ~~بمكانهما، بمنزلة هلالين؛ ويتكلفان عند كل جذب ومحل، من الأثقال والأعباء، ~~ما # PageV01P267 # لو صارت أجراما لعجز عن النهوض بها وتحملها البعران. فإن قيل: إذا كان ~~قصده في تحمل الأثقال إلى قرى الضيف، ونحر الجزور وقسمتها في المسير، ~~والصبر على المؤن، والنهوض بالكلف، فكيف قال حمالان من الثقل ما لا يستطيع ~~الأباعر؟ وكيف مثل ما يثقل على القلوب من الغرامات والحقوق، بالأوفار التي ~~تثقل على الظهور؟ قلت: إنما يريد أن تلك المؤن والتكاليف التي يلتزمها، ~~ويسعى بها وفيها، لو جسمت ثم حملت، لكانت الجمال لا تستقل بها، ولا تقوى ~~عليها، فهذا وجه. ويجوز أن يكون لما قال حمالان في كل شتوة من الثقل، جعل ~~لفقه ما لا تستطيع الأباعر، إذ كانت الجمال وأشباهها هي التي لحمل الأثقال ~~خلقت، وبها اشتهرت، وليكون في اللفظ توافق، مع الأمن من عارض الالتباس. ~~ويكون هذا كما قال غيره: # ألا هلك امرؤ ظلت عليه ... بجنب عنيزة بقر هجود # سمعن بموته فظللن نوحا ... قياما ما يحل لهن عود # ألا ترى أنه لما كان قد كنى عن النساء بقوله " بقر هجود " عبر عن إمساكهن ~~عن الطعام تحزنا بقوله " ما يحل لهن عود " إذ كانت البقر وما يجانسها من ~~البهائم تعتلف العود وما يكون كالعود. وليس ذلك إلا لطلب الموافقة في ~~اللفظ، مع الأمن من اللبس. فأما قول لبيد: # فإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل # فمعناه إنما يعرف النعم وما يجب لها من شكر المنعم أرباب العقول وذوو ~~التمييز، لا البهائم. فمتى أزلت إليك نعمة فكن من المجازاة عليها بمرصد، ~~فإن معرفة ذلك والأخذ به من تمام العقل، ويوحبه المميزون وأولو الحجى، لا ~~غيرهم مما لا تمييز له، ولا معرفة بذلك عنده. وذكر الجمل مكتفيا وإن كان ~~القصد جنسه أو أجناس مثله. وفي طريقة ما نحن فيه قول أبي تمام إلا أنه فصل ~~بين المنزلتين، # PageV01P268 # وهو: # والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام ### || وقال: ms0207 # ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها # الحقيقة: الخصلة التي يحق على الإنسان حمايتها. وقال الخليل: الحقيقة: ما ~~يصير إليه حق الأمر ووجوبه. وقوله " ألم تريا " تقرير للغير على ما كان من ~~بلائه. يقول: ألم تعلما أني ذببت عما يجب على الذب عنه، وباشرت الموت ~~بنفسي، والموت دون حماية الحقيقة. يريد أن المحافظة على الشرف أشق من ~~اقتحام الموت والاستقتال، لأنه يحتاج أن يصبر فيه من المكاره على ما لا يحد ~~ولا يحصر، ويتكلف له من المشاق ما لا يعد ولا يضبط. فهذا وجه. والضمير من ~~قوله " دونها " يرجع إلى ما دل عليه حميت من الحماية والحفظ. ويجوز أن يكون ~~قوله " والموت دونها " أي قريب من الحقيقة التي دفعت عنها أو من الحماية ~~التي التزومتها، وحائل بيني وبينها، ويكون هذا بيانا لكيفية مباشرته لحد ~~الموت ومشافهته إياه على سمت القرب، والواو من قوله " والموت " واو الحال. ~~وإذا جعلت المعنى الأول فيكون الكلام بيانا لتفضيل حماية الحقائق على ~~مباشرة المنايا. # وجدت بنفس لا يجاد بمثلها ... وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها # يصف ابتذاله نفسه فيما تعناه على حاجة من العشيرة إلى بقائها، وحلولها من ~~القلوب محل ما يضن بها، فيوجب صيانتها. يقول: تسخيت بنفس لا يتسخى بمثلها ~~كرما وعزة، وشرفا وأبهة، وقلت تثبيتا لها: اسكني واصبري عند استيلاء الرعب ~~عليها، واختلاف الظنون بها. وهذه إشارة إلى ما يلحق النفس في الأول من ~~الالتقاء، للوهلة العارضة، والفجعة المروعة. ومثله: # أقول لنفسي حين خود رألها ... مكانك لما تفقي حين مشفق # وما خير مال لا يقي الذم ربه ... ونفس امرئ في حقها لا يهينها # PageV01P269 # لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار الذي يجري مجرى النفي، يقول: ~~أي خير في مال لا يصون صاحبه من ذم وعار، ولا يحميه من لحقوق تهجنن وشنار؟ ~~وأي شيء غناء نفس لا يبتذلها صاحبها في استيفاء حقوقها، ولا يتعبها في ~~الدفاع دون حقائقها؟ وهذا الكلام تبرؤ من التحمد بما كان منه من إنفاق ~~المال، وابتذال النفس. ومثله قول ms0208 الآخر: # ويبتذل النفس المصونة طائعا ... إذا ما رأى حقا عليه ابتذالها ### || وقال: # ذهبتم فلذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثا ولحما موضعا # يخاطب قومه ويلومهم على ما كان منهم من القعود عن نصرته، والنكوص عن ~~مشايعته، واعتلالهم عند اعتذارهم من ذلك بالمعاذير المشوبة بالكذب، التجأتم ~~إلى الأمير وقلتم تركنا قومنا يقولون ولا يفعلون، وعند تسلط الأعداء عليهم ~~لا يمتنعون منهم ولا يدافعون، فهم كاللحم المبضع على خوان الجزارن تمتد ~~الأيدي على توضعه إليه، وتتعلق الأطماع بتناوله وأخذه. ويكون هذا كقول ~~الآخر: # رضوا بصفات ما عدموه جهلا ... وحسن القول من حسن الفعال # هذا إذا رويت " تركنا " بفتح التاء، وإن رويت بضم التاء كان المعنى: ~~ادعيتم علينا فيما نابنا، وعندما هممتم به من مفارقتنا وخذلاننا، أنا تركنا ~~أحدوثة للناس قبيحة، يقومون ويقعدون بذكرنا، وأذلاء مهتضمين لا دفاع بنا، ~~ولا امتناع من مذمة في طباعنا. والموضع: المقطع المفرق في مواضع. # فما زادني إلا سناء ورفعة ... وما زادكم في الناس إلا تخضعا # يقول: لم يزدني فعلكم وقولكم عند اعتلالكم في مفارقتكم إلا ارتفاع محل، ~~وسمو حال، وجلالة قدر، ولم يزدكم في الناس إلا تراجعا وتذللا، وتصورا ~~بالقبيح وتسقطا، لأن من لا يصلح لعشيرته وأقربيه، وفصيلته وذويه، لم يسكن ~~إليه البعيد الذي يؤويه، والمستعان به لما يرتجيه. # فما نفرت جنى والفل مبردي ... ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا # PageV01P270 # وهذا يحتمل وجوها: يجوز أن يريد لم ينخزل لما أتيتم وأخبرتم أصحابي الذين ~~هم كالجن، ولا فل لساني الذي هو كالمبرد، ولا ذعر جأشي فصار طيرى واقعة. ~~ويكون الأول كقول الآخر: # عليهن فتيان كجنة عبقر # وتشبيه اللسان بالمبرد وحد السيف أكثر من أن يحتاج له إلى شاهد. وقد قيل ~~في " نفرت جني " إنه مثل لفلتاته وبدراته، ويكون هذا كما وصف امرؤ القيس ~~فرسه بالمرح وحدة القلب فقال: # به طائف من جنة غير معقب # وإن ذكره المبرد مثل لصلاحه، وإن ذكره الطير مثل لصيته وذكره الذاهب في ~~الناس. ويجوز في هذا الوجه أن يريد به ذكاءه ونشاطه وشهامته، فقد قيل ms0209 في ~~ضده: هو ساكن الطائر، وكأن على رءوسهم الطير. ويجوز أن يشير بالجن إلى ما ~~يدعيه الشعراء من أن لكل واحد منهم تابعا من الجن يستعين به فيما يجز به، ~~ويجعل المراد بالمبرد في هذا الوجه اللسان لا غير. ويجوز أن يريد بالطير ~~سراياه وطوائف خيله التي يطيرها للغارات والارتباء، وتجسس الأخبار وغيرها. ### || وقال حريث بن جابر # لعمرك ما أنصفتني حين سمتني ... هو الشمع المولي وأن لا هوى ليا # العمر والعمر لغتان، ولا يستعمل في القسم إلا بفتحي العين. وأنصفتني: ~~أعطينني النصفة والنصف. ويقال انتصفت من فلان، أي استوفيت حقي منه كاملا ~~حتى صرت أنا وهو على النصف سواء. ومعنى سمتني: جشمتني خطة من الشر. ويقال ~~أيضا: سام فلان فلانا، إذا داوم علي وألح في شيء. يقول: وبقائك ما أعطيتني ~~النصفة حين عرضت على الرضا بأن يكون لك هوى مع مولاك، حتى تنتقم له وتذب ~~دونه، وألا يكون لي هوى مع مولاي وأخلى بينه وبين أعدائه. قوله " وأن لا ~~هوى ليا " أراد: وأنه لا هوى ليا. # PageV01P271 # إذا ظلم المولى فزعت لظلمه ... فحرك أحشائي وهرت كلابيا # يبين كيف يتعصب لمواليه، وكيف يأنف من اهتضام يلحقهم، يقول: إذا اهتضم ~~حليف لي أو ابن عم، ذعرت لامتهانه واهتضامه، فاضطرب أحشائي ونبحت كلابي. ~~والمعنى: لم أعتد الهضيمة فيمن يتصل بي، ويتسبب إلي، فإذا اتفق وقوعها صارت ~~كلابي تنبح، وأخذت نفسي تقلق. فيجوز أن يكون تحركت أحشاؤه لو جيب قلبه ~~وخفقانه، ونبحت كلابه لتهيئه للانتقام، وتدججه في السلاح له، وتجمع أصحابه ~~وإعدادهم الخيل والرجل لإغاثته. والكلب ينكر أصحابه إذا رآهم بهذه الأحوال ~~فينبح. أنشد الأصمعي في مثله: # أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مظلم # ووجه آخر، وهو أن يكون تحركت أحشاؤه لاضطرابه في جمع من يجمع، وإعداد ما ~~يعد، والمتسرع في الشيء يلحقه ذلك، ومثله. # أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أول من أتى # فقعقعة الأقراب كتحرك الأحشاء وأكثر. ويكون معنى فزعت أغثت على هذا. ~~ومثله قوله: # حللنا الكثيب ms0210 من زرود لنفزعا # أي لتغيث. ويجوز أن يكون أراد بالكلام الأصحاب، ويكون مثل قول الهذلي: # ولا هرها كلبي ليبعد نفرها ... ولو نبحتني بالشكاة كلابها # فقد فسر في بعض الوجوه على هذا. وكذلك قول تأبط شرا: # ليلة صاحوا وأغروا بي كلابهم # PageV01P272 # فسر على ذلك أيضا. ### || وقال البعيث بن حريث # خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب # خير الابتداء محذوف، كأنه قال: خيال لهذه المرأة أتاني أو زارني، وبيني ~~وبينها مسيرة شهر للبريد المسرع المتعجل. كأنه استطرف من الخيال ما كان ~~يستطرقه من المرأة لو زارت. وقوله " البريد المذبذب " كما يقال للسائق ~~الحاث طارد. ألا ترى قوله يصف فرسا: # ويسبق مطرودا ويلحق طاردا # لأن المذبذب والمذبب الأصل فيهما واحد، يرجع إلى الطرد والاستعجال. ~~والمسرع المستعجل يتذبذب، أي يضطرب. فأما قوله تعالى: " مذبذبين بين ذلك " ~~فهو من صفة المنافقين، ومعناه مطرودين بين المؤمنين والكافرين، فليسوا ~~بمقبولين عند واحدة من الفرقتين. ومثل ذب وذبذب، كب وكبكب. فإن قيل: لم نكر ~~فقال خيال لأم السلسبيل؟ قلت: يجوز أ، يكون كان يرى خيالها على هيئات ~~مختلفة، فاعتقد لاختلاف هيئته أنه عدة خيال، فلذلك نكره، كأنه قصد إلى واحد ~~منها، ومثله: # خيال لزينب قد هاج لي ... نكاسا من الحب بعد اندمال # فقلت لها أهلا وسهلا ومرحبا ... فردت بتأهيل وسهل ومرحب # حكى ما دار بينه وبين الخيال. والخيال يذكر ويؤنث. ونبه بكلامه على أنه ~~أظهر لها قبولا حسنا، وبشرا وطلاقة، فعل المتشوف لها، المتشوق إلى لقائها، ~~وأنه تلقاها بالترحيب والتأهيل ساعة طلوعها، فأجابته بمثل ذلك. وانتصب أهلا ~~بفعل مضمر كأنه قال أتيت أهلا لا غرباء، وسهلا من المنازل لا حزنا، ورحبا ~~من الأماكن لا ضيقا: والتأهيل: مصدر أهلته أي قلت له أهلا. وكان يجب أن ~~يقول فردت بتأهيل وتسهيل وترحيب، لو أتى بالكلام على حد واحد، لكنه أتى في ~~بعضه بحكاية اللفظ، # PageV01P273 # وفي بعضه ببناء الأخبار. وقال سيبويه: إذا قال الراد وبك أهلا، فإنما ~~يقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له هذا لو جئتني. وإنما قال هذا ms0211 لأن الحال ~~لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك، فحمل الكلام - وقد اعتيد فيه ~~ما ذكره - على أنه يراد لو جئتني لكنت بهذا المنزلة. # معاذا الإله أن تكون كظبية ... ولا دمية ولا عقيلة ربرب # معاذ انتصب على المصدر. والمعنى أستعيذ بالله أو أعوذ به معاذا. كأنه أنف ~~وصار يربأ بصديقته أن تكون في الحسن بحيث تشبه بالظبي أو الظبية أو بالصورة ~~المنقوشة، أو بكريمة من بقر الوحش، إذ كانت هذه الأشياء عنده دونها، وقاصرة ~~عن رتبتها. وقد سلك من المتقدمين امرؤ القيس هذه الطريقة فقال: # كان دمي سقف على ظهر مرمر ... كسا مزبد الساجوم وشيا مصورا # غرائر في كن وصون ونعمة ... يحلين ياقوتا ودرا مفقرا # فشبه الدمى بالنساء لا النساء الدمى. ومما يستحسن من هذه الطريقة قول أبي ~~تمام: # كأنما جاد مغناه فغيره ... دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل # لأنه شبه الأمطار المغيرة لرسوم الديار بدموع العشاق. في إثر الأحباب يوم ~~الفراق. والعقلية: الكريمة من النساء والدر وكل شيء. والربرب: القطيع من ~~البقر. # ولكنها زادت على الحسن كله ... كمالا ومن طيب على كل طيب # يقال: زدته فزاد وازداد جميعا. وكمالا ينتصب على التمييز، والمعنى أنها ~~يزيد حسنها على كل حسن كمالا، لأنه لا حسن إلا وتدخله نقيصة، سوى حسنها. ~~وكذلك كل الطيب يتخلله حطيطة إلا طيبها. و " من طيب " أي وزادت من طيبها ~~على كل طيب طيبا. والغرض أن يبين لم أنكر لها تشبيهها بغيرها، فقال: هي ~~تترفع عن ذلك: إذ كانت جامعة للمحاسن، مستحقة للوصف بالكمال، وإذ كان كل ~~واحد من تلك الأشياء استبد بصفة دون صفة، ويتفرد بنوع دون نوع. # وإن مسيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب # PageV01P274 # يقول: مكاني الذي أسير فيه من البلاد، وموضعي الذي أنزل فيه، لا بعد ~~المنازل، وأوضع المساير، إذا لم يلحقني فيها تقريب وتعظيم. وقوله " أقرب " ~~بمعنى أكرم وأدنى، على طريق الإعظام. وليس يريد تقريب المسافة به. ويجوز أن ~~يكون المعنى إذا لم أقرب كنت بمنزلة المطرود المنفي، وإن ms0212 كنت مقيما دانيا. ~~وكان الواجب أن يقول لبالمنزل والمسير؛ فاكتفي بأحدهما. وآثر المنزل بالذكر ~~لأن النزول لا يكون إلا بعد السير. ودل بهذا الكلام على أنه لا يرضى في ~~متصرفاته إلا بما يقضي بتبجيله، ويفضى إلى اصطفائه والرفع منه؛ وأنه لا ~~يصبر على الهوان والجفاء حيث سار ونزل، بل يطلب إكرامه وإلا انتقل وتحول. # ولست وإن قربت يوما ببائع ... خلاقي ولا قومي ابتغاء التحبب # يقول: لست وإن أدنيت وبجلت ببائع نصيبي من شرفي، وموضعي من عشيرتي، طلبا ~~للتحبب على من أجاوره وأعاشره، أو تهالكا في تعليق الطمع بمن أرجوه وآمله. ~~والخلاق: الحظ والنصيب من الصلاح. ويقال: ما لفلان خلاق، إذا لم يكن له ~~رغبة في الاستصلاح واكتساب الخير. وانتصب " ابتغاء التحبب " على أنه مفعول ~~له. # ويعتده قوم كثير تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي # يقول: ويعد ما تبرأت منه وأنفت من فعله كثير من الناس تجارة رابحة، وصفقة ~~مفيدة نافعة، وأنا يدفعني عنه ويزهدني فيه شرفي وديانتي. وهذا القول يجوز ~~أن يكون تنزيها لنفسه، وتزكية لفعاله وخلقه فقط، وأن يكون القصد منه ~~التعريض بغيره. وهذه الأبيات وإن كان في جملتها ما ليس من الباب فإنه كره ~~تبديدها لسلامتها من العاب، ووفور حظها من الانتخاب. # دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعبس وقد كانا على حد منكب # ما قدمه توصل إلى بيان مراعاته أمر العشيرة، والتعطف على القريب وقت ~~الحاجة، والتمسك بما يوجبه الكرم والحرية. يقول: دعاني هذا الرجل وصاحبه ~~مستغيثين، بعد سوء ظنه بعشيرته وبي لما أسلف من الشر، وقدم من العقوق ~~والإيذاء، وقد كانا أشرفا على حد الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف منكب، ~~والمعنى: شافها حد الشر وحرفه، ولا يأمنان اقتحامه وتوسطه. ويقال صابه نكب ~~من الدهر ومنكب ونكبة ونكوب كثيرة، ومنه قيل حافر نكيب ومنكوب، إذا أثر فيه # PageV01P275 # حجر أو غيره. ويروى " على حد منكب " بكسر الكاف، والمعنى: كانا مهاجرين ~~لي. يقال: فلان معي على حد منكب، أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه، ~~وتنكب عني؛ أي ms0213 اجتنبني. والمنكب من كل شيء: جانبه وناحيته. ومثله قولهم: ~~فلان يلقاني على حرف؛ وهو منحرف عني ومتحرف. ويجوز أن يريد بقوله " بعد ما ~~ساء ظنه " بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة عليه. # وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من خاذلين وغيب # دل بهذا الكلام على الضرورة الداعية إلى الاستعانة به، والاستظهار بدعوته ~~وإجابته. يقول: استغاثا بي متيقنين أن كل عشيرتهما إذا لم أحضر من بين شاهد ~~لا ينصر، وغائب لا يحضر وأن الكفاية لا توجد إلا عندي، والنصرة لها لا تحصل ~~إلا بسعيي. وقوله " من خاذلين وغيب " أراد ومن بين غيب، فاكتفى بمن الأول ~~عن الثاني، وقد مر القول في مثله مشروحا. ومعنى سوى ها هنا معنى بدل ومكان. ~~وذكر المحضر والمراد النفس؛ كأنه قال: وقد علما أن العشيرة كلها بدلا مني ~~ومكاني، من خاذل وغائب. # فكنت أنا الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي # يقول: أعنتهما على ضعف رجائهما، وتسلط الظنون السيئة عليهما، جاريا على ~~الغاية الموروثة عن أسلافي، ومقتديا في الذب عن العشيرة، والمواظبة على ~~حماية الحقية، بآبائي. ويقال: حميت الحقيقة وحميت عن الحقيقة، وهو يحمي ~~عليه ويحامي عليه. ### || وقال المثلم بن رياح # من مبلغ عني سنانا رسالة ... وشجنة أن قوما خذا الحق أودعا # يقول: من يؤدي عني رسالة إلى هذين الرجلين، بأن ارضيا الحق وقوما ~~واستوفياه، أو اتركاه فما لكما غيره وإن تسخطتماه. وهذا توعد واستهانة. ~~وقوله " أن قوما " أن مخففة من أن الثقيلة والمراد: أنه قوما. ومثله قولهم ~~في: أما إن جزاك الله خيرا، ويجوز أن يكون أن المفسرة، كأنه فسر الرسالة ~~بقوما خذا الحق. ومثله قولهم: أتفخر على أن أصحابك اكثر من أصحابي. وأن هذه ~~تجري مجرى أي في أنه # PageV01P276 # يفسر به. ولو قال قوما وخذا الحق، فأتى بحرف العطف كما قال الله تعالى: " ~~قم فأنذر. وربك فكبر " كان أفصح. وقد جاء مثله بغير العاطف كثيرا. وقوله " ~~قوما " ليس المراد به فعل القيام، لكنه وصلة في الكلام، وقد بين فيما مضى ~~أمثاله. ms0214 ويجوز أن يكون قوله خذا الحق على طريق التهكم والسخرية. أي إن ~~قدرتما على أخذ الحق المدعى فخذا. ويجوز أن يكون المعنى: ترككما ما سميتماه ~~حقا، وطلبكما له عندي سواء على الحقيقة. # سأكفيك جنبي وضعه ووساده ... وأغضب إن لم تعط بالحق أشجعا # يقول: أكفيك ما يمسني ويخصني، ولا أضايقك فيما يرجع نفعه وضره إلي. وذكر ~~وضع الجنب والوساد مأخوذ من المثل السائر في المعتني بالشيء المتعهد له، ~~وهو قولهم: " أم فرشت فأنامت ": والمعنى: لا أكلفك عناية بأمري، ولا أؤاخذك ~~بمصالح أسبابي: ومتى لم تناول مولاي أشجع الحق، ولم تعامله فيما بينكما ~~بالحق والعدل، غضبت له وانتقمت؛ لأن في تضييع حق المولى والأخذ بالتغميض ~~فيه لازم العار، وفي استعمال التغابي فيما يتعلق بي واطراحي المناقشة ~~والمشاحة فيه باقي الصيت والجمال. قوله " إن لم تعط بالحق " قيل فيه مفعول ~~تعط الثاني محذوف، ومعنى بالحق: بالعدل والإنصاف. كأنه قال: تعط أشجع ما ~~يجب له بالحق. وقيل أراد بتعط تعامل فعداه تعديته. وقيل بالحق هو المفعول ~~الثاني، لكنه زاد الباء فيه تأكيدا، كما قال الآخر: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ويغلب في نفسي أن الشاعر قال وأغضب إن لم تعطيا الحق أشجعا، لأنه بني ~~الرسالة على أن تكون متوجهة نحو اثنين: سنان وشجنة. ومخاطبته من بعد أحدهما ~~في قوله سأكفيك، على عادتهم في الافتنان والتصرف، لا يمنع من الرجوع إلى ما ~~بني كلامه عليه من ذكر الاثنين. وهذا ظاهر لمن تأمله. # PageV01P277 # تصحيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا # يريد: تختلف الرماح المنسوبة إلى هذه المرأة بيننا وبينهم بالطعن، ~~فصياحها كصياح بنات الماء إذا جاعت. وهذا كما حكى الآخر وقع القنا والسيف ~~عند الطعن والضرب، فقال: # والطعن شغشغة والضرب هيقعة # ويعني ببنات الماء طيور الماء. وهذا كما يقال في الوحش: بنات الفلا، ~~وللنوائب: بنات الدهر. # لففنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمنا من يرمنا يرمنا معا # يقول: استأنفنا حالة جامعة لنا ولعشيرتنا، فاستبدلنا بالتباين اجتماعا، ~~وبالتزايل اختلاطا، وبالتنافر تأنسا، وبالتشارد تألفا، حتى صرنا يدا ms0215 واحدة ~~على المنابذين، ولسانا واحدا على المخالفين، فمن رمى واحدا على المخالفين، ~~فمن رمى واحدا منا فقد رمى جميعنا. هذا إذا رويت: " من يرمنا يرمنا معا ". ~~ومن روى: " من يرمهم يرمنا معا " يكون المعنى في اجتماع الكلمة أبين. وفي ~~هذه الطريقة قول الآخر: # فأمسي كعبها كعبا وكانت ... من الشنآن قد دعيت لعابا ### || وقال آخر: # يا زمل إني إن تكن لي حاديا ... أعكر عليك وإن ترغ لا تسبق # يقول: إن تخلفت عني حتى يكون مكانك مكان الحادي من البعير أعطف عليك. وإن ~~تقدمتني هاربا حتى تصير كالهادي لي مستعملا الخداع والرواغ معي لم تفتني. ~~والمعنى: إني أدركك على كل حال. وقد أحسن النابغة في # PageV01P278 # قوله: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # ويقال عكر واعتكر بمعنى عطف، وإنه لعكار في الفتن، إذا كان ثابت القدم. # إني امرؤ تجد الرجال عداوتي ... وجد الركاب من الذباب الأزرق # يقول: إني رجل ينال أعدائي من عداوتهم لي ما ينال الإبل من الذباب ~~الأزرق، وهذا الجنس من الذباب يتأذى به الإبل تأذي الحمر بالنعر أو أشد. ~~وعداوتي ينتصب على المفعول. كأنه قال: يجد الرجال من عداوتي، فحذف حرف الجر ~~ووصل الفعل فعمل. يدل على ذلك قوله. " وجد الركاب من الذباب ". ومثله: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه # وقوله " عداوتي " يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي عداوتي لهم، ويجوز ~~أن يكون مضافا إلى المفعول، أي عداوتهم لي ومعنى تجد تحزن، ولذلك كان الوجد ~~مصدره. ويجوز أن يكون تجد بمعنى تعلم، ويكون عداوتي المفعول الأول ووجد ~~الركاب المفعول الثاني. والمعنى: إن عداوتهم لي تقلقهم وتنزيهم، فيعلمها ~~الرجال مثل وجد الركاب من هذا الجنس من الذباب؛ أي ينالون منها ما ينال تلك ~~منهم. ويحصل في البيت تجنيس حينئذ. ### || وقال الحصين بن الحمام # فقلت لهم يا آل ذبيان مالكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما # يقول: قلت لهؤلاء القوم: ما لكم تحجمون ولا تقدمون، فقد بعضكم بعضا ولا ~~اهتدى أحدكم إلى الآخر. وهذا الكلام تضجر منه بهم لما ms0216 تخاذلوا ولم يكونوا ~~عند الظن فيهم. ووضع مقدما موضع الإقدام، وساغ ذلك لأن مصادر الكلمات # PageV01P279 # الصادرة عن أصل واحد يوضع بعضها موضع البعض لداع يدعو إذا لم يكن ثم ~~مانع. وإنما قلت هذا لأن قدم يكون مرة متعديا، ومرة يكون بمعنى تقدم ولا ~~يتعدى، ومقدما ها هنا مصدر ما لا يتعدى، فهو مثل تقدم لو قاله، ومنه مقدمة ~~الجيش، يراد متقدمته. وقوله " تفاقدتم " اعتراض بين ما لكم وبين لا تقدمون، ~~وهو دعاء عليهم. ومثله في الأمرين جميعا قول الآخر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وإن كان هذا دعاء خير. # مواليكم مولى الولادة منهم ... ومولى اليمين حابسا متقسما # إنما قسم المولى هذه القسمة لأن المولى له مواضع في استعمالهم، منها ~~المولى في الدين: وهو الولي. على ذلك قول الله تعالى: " ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم "، وقول النبي عليه السلام: " من كنت ~~مولاه فعلي مولاه "، وقوله عليه السلام: " مزينة وأسلم وغفار موالي الله ~~ورسوله ". ومنها العصبة وبنو العم، وهو الذي سماه الشاعر مولى الوالدة. ~~ومنها الحليف، وهو من انضم إليك واعتز بعزك وامتنع بمنعك، وهو سماه مولى ~~اليمين؛ لأنه يقسم له عند الانضمام بذلك، وهو المعتق لك ينتسب بنسبك، وأنت ~~مولاه وذاك مولاك. وهم يقولون: إن المولى لا يكاد يفضل الصميم، قال: # وليس أبير كم كأبير سوء ... وما جعل الموالي كالصميم # يقول تداركوا الذين ينتسبون بالولاء، ولاء النسب، وولاء الحلف والنصرة، ~~فكل منهم ذو حبس على الشر متقسم الحال، متوزع المال مغار عليه، فما لكم لا ~~تمتعضون ولا تنكرون. # وقوله: " حابسا " في معنى محبوس؛ لكنه أخرجه مخرج النسب؛ أي ذو حبس، ~~وانتصابه على الحال. وقوله " مواليكم " على هذا انتصب بفعل مضمر، كأنه قال: ~~أغيثوا مواليكم وتداركوا. ويروى " حابس قد تقسما ". وقيل هو اسم علم، ~~وارتفاعه # PageV01P280 # على أنه بدل من مولى اليمين، وقد تقسما في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار ~~عن الموليين لأن الموالي انقسموا إليهما. # وقلت تبين هل ترى بين واسط ... ونهى أكف صارخا ms0217 غير أعجما # يروى " فارسا غير أخرما "، كأنه أقبل على واحد منهم فقال: تأمل هل ترى ~~بين هذين الموضعين فارسا غير منقطع. المعنى: أنهم يتواترون أرسالا في ~~الصراخ غير متجمعين له، بل يتبع بعضهم بعضا في أرضكم ودياركم يستنصرون فلا ~~ينصرون، فما لكم لا تأنفون. ومن روى: " صارخا غير أعجما " فمعناه مستغيثا ~~لا يجاب، فكأنه أعجم لا يفهم قوله. يريد: تبين فإنك لا ترى إلا فارسا أخرم، ~~أو صارخا أعجم. والأعجم: الذي لا يفصح. والصارخ والصريخ واحد، ويقال صرخ ~~فأصرخته، أي استغث فأغثته. وفي القرآن: " ما أنا بمصرخكم " والصرخة تستعمل ~~في الفزع والمصيبة. وفي المثل " له صرخة الحبلى ". والخرم: القطع، ومنه ~~أخرم الكتف، وهو محز في طرف عيرها. # من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى ... من الخيل إلا خارجيا مسوما # أي ابتدأ الأعداء بغيرون وينهبون، وهؤلاء يصرخون ويستغيثون، من وقت ~~الغداة إلى أن غابت الشمس، فلا ترى من الخيل إلا ما خرج بنفسه لا أولية له ~~كمثله، وقد أعلم بعلامة ليعرف بلاء صاحبه. وقوله: " من الصبح "، وضع من فيه ~~موضع منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة من في الأمكنة. ومثله قول زهير: # أقوين من حجج ومن دهر # وقال الأصمعي: الخارجي: كل متناه في جنسه، فائق نظراءه في معناه. والمسوم ~~من السيما، وهي العلامة، وفي القرآن: " سيماهم في وجوههم ". # عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما # PageV01P281 # يقول: على هذه الخيل رجال كساهم محرق، أي دروعهم وسائر أسلحتهم مما كان ~~يكسوهم، ويجعله خلعة: وكان محرق إذا كسا الأسلحة أتى بها جيدة كريمة. ~~ومحرق: لقب لعمر وبن هند، وكان أحرق قوما من تميم حين أجج النار بأوارة، ~~فلقب به، وقال بعضهم: لقب بذلك لأنه كان إذا عاقب عاقب بالنار. وقوله " إذا ~~يكسو " اعتراض بين الفعل وهو يكسو وبين المفعول به وهو " صفائح بصرى " من ~~البيت الثاني. ويقال أجاد الشيء بمعنى جاء به جيدا، وبمعنى جوده. وكذلك ~~أكرمه يكون بمعنى أتى به كريما، وبمعنى أتى به كريما، وبمعنى كرمه. وقد ~~توسعوا في كسا ms0218 وإن كان أصل الكسوة اللباس، فقيل: اكتسى الأرض بالنبات، على ~~التشبيه، فقال رؤبة يصف الثور والكلاب: # وقد كسا فيهن صبغا برزغا # أي كسا الكلاب دما طريا. وقال بعضهم في وصف نبال: # وزرق كستها ريشها مضرحية # أي قذذها من ريش مضرحي. فعلى هذا قوله " كساهم محرق ". # صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطردا من نسج داود مبهما # صفائح انتصب على أنه مفعول ثان من كساهم محرق. وبصرى: قرية بالشام تطبع ~~بها السيوف. فيقول: كساهم محرق سيوفا بصرية، اتخذها طباعوها من خالص ~~الحديد، ودروعا لينة سهلة سلسة، متتابعة السرد، تطرد ولا تختلف، داودية. ~~والصفائح: جمع صفيحة، وهي كل سيف عريض أو خشبة عريضة. ويقال سيف مصفح أيضا، ~~أي عريض، كأنه زيد في صفحتيه، أي جانبيه. ويقال أصفح بسيفه، أي ضرب بصفحه. ~~ومعنى أخلصتها: أتت بها خالصة الحديد. واستعمل الكسوة في السيف كما يستعمل ~~فيه البز. قال: # فوفر بز ما هنالك ضائع # PageV01P282 # يريد السيف. ووصف الدرع بالاطراد لتتابع سردها على حد واحد، لا اختلاف في ~~حلقها، ولا تفاوت في نظمها. وجعلها مبهما لإحكامها. # فلما رأيت الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوما ذا كواكب مظلما # يقول: لما رأيت الأمر مستفحلا، والخطب عظيما مستفظعا، والصبر عاما لنا ~~كلنا، مغلوبا عليه ممنوعا، صبرنا نحن من بين أصحابنا على عادتنا المعهودة ~~منا، ووطنا أنفسنا على الشر. ويجوز أن يريد بقوله " لما رأيت الصبر قد حيل ~~دونه " لما رأيت الوقت وقتا يعال فيه الصبر، ويجال بين طالبيه وبينه. وقوله ~~" وإن كان يوما ذا كواكب مظلما " اعتراض بين لما وجوابه، وهو شرط في وقوع ~~الصبر منهم يترجم عن الحال. أي صبرنا وإن كان اليوم يوما مظلما ترى فيه ~~الكواكب ظهرا، لانسداد عين الشمس بغبار الموت. وجواب الجزاء استغنى عنه ~~بجواب لما. وروى بعضهم: " وأن كان يوما " بفتح الهمزة على أن يكون أن مخففة ~~من الثقيلة، والمراد وأنه كان اليوم يوما ذا كواكب. وهذا الراوي لعله لم ~~يعرف الاعتراضات والفصاحة فيها، والتبس المعنى عليه أيضا. # صبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا ms0219 يقطعن كفا ومعصما # يقول: حملنا أنفسنا على المكروه، وحبسناها في مجال الموت والشر، وكان ذلك ~~منا عادة وطبيعة. وقوله " أسيافنا " يجوز أن يتعلق الباء منه بصبرنا، ~~واعترض بينهما قوله " وكان الصبر منا سجية "، إذ كان أراد أن يبين أن ذلك ~~الفعل ليس بمستبدع ولا مستنكر من أخلاقهم. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " ~~وكان الصبر منا سجية ". ويقطهن في موضع الحال للأسياف على الوجهين جميعا. ~~وفي طريقته قول نهشل بن حري: # ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن نار قعود على جمر # صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر # نفلق هاما من أناس أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما # يقول: نشقق هامات من رجال يكرمون علينا ويعزون، لما يجمعنا وإياهم من ~~الأحوال الوكيدة، والحرم القوية بالأنساب والأسباب، وهم كانوا أشد عقوقا ~~وأتم # PageV01P283 # ظلما، بما اطرحوه من مراعاة الحقوق، وبدءوا به من تناسي العهود، ~~واستعجلوه من البغي، وسلكوه من سنن الغي. ويروى أن يزيد ابن معاوية لا رحمه ~~الله تمثل بهذا البيت لما وضع بين يديه رأس الحسين ابن علي رضي الله عنهما. # ولما رأيت الود ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما # فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما # قوله " إلى الأمر الذي كان أحزما " جعل الحزم للأمر كما جعل له العزم في ~~قوله تعالى: " فإذا عزم الأمر "، فكل ذلك مجاز واتساع. وصلح أن يريد بقوله ~~أحزم، أحزم من غيره، لوقوعه خبرا، لأنه كما يجوز حذف الخبر بأسره إذا دل ~~دليل عليه، كذلك يجوز حذف ما يتم به منه إذا لم يلتبس بغيره، ولم يختل ~~الكلام بسببه. وقوله " لما رأيت الود " حذف المضاف فيه وأقام المضاف إليه ~~مقامه، كأنه قال: لما رأيت مراعاة الود ومحافظته، أو إظهار الود وإبقاءه. ~~ومعنى البيت: لما رأيتهم لا يرتدعون عن ركوب الرأس، والمجاذبة إلى أقصى ما ~~في الطوق من اللجاج والشر، قصدت إلى ما كان أجمع للحزم معهم من مكاشفتهم، ~~وترك الإبقاء عليهم؛ لأن ظهور التعادي والتكاشف خير ms0220 من ركوب الغرور مع ~~التشابك. ويلاحظ هذا البيت قول الآخر: # إذا حاجة عزتك لا تستطيعها ... فدعها لأخرى لين لك بابها # وقوله " فلست بمبتاع الحياة بسبة "، يقال ابتاع الشيء بمعنى اشترى، وإن ~~كان بعته بمعنى اشتريته وبعته جميعا. والسبة: الخصلة التي يسب بها، فهي ~~كالهجنة والعرة. يقول: فعلت ذلك، فإنني لست ممن يطلب العيش مع الذل، ولا ~~ممن يرتقي في الأسباب خوفا من الموت، بل الميتة الحسنة على ما يتعقبها من ~~الأحدوثة الجميلة آثر عندنا، وأوقع من هوانا، من العيشة الذميمة على ما ~~يخالطها من الرضا بالدنية. ### || وقال بشامة بن الغدير # ولقد غضبت لخندف ولقيسها ... لما ونى عن نصرها خذالها # PageV01P284 # خندف. لقب لليلى امرأة الياس بن مضر، لقولها لزوجها يوما: ما زلت أخندف ~~في أثركم - والخندفة: مشية كالهرولة - فقال لها: وأنت خندف. فلزمها، فصارت ~~مضر نسلين: أحدهما ولد قيس بن عيلان، والآخر خندف. ويروى أن رجلا على عهد ~~الزبير بن العوام ظلم. فنادى: يالخندف. فخرج الزبير وبيده السيف، وهو يقول: ~~خندف أيها المخندف، والله لئن كنت مظلوما لأنصرنك. يقول: عضبت لنسلي مضر ~~خندف وقيس، لما ونى عن معاونتها والنهوض لها نصارها. ويقال ونى يني ونيا، ~~وهو وان. وإنما قال: خذالها ولم يقل نصارها، لأنه وصفهم بما آل إليه أمرهم. ~~وهذا كما يقال قتلت فتيل بني فلان؛ وقد مضى له أشباه وأمثال. فكأن الشاعر ~~تبرع بما كان منه من المدافعة دونهم والمقاتلة عنهم، فلذلك تحمد به. وقال ~~غضبت لهم لما رأيت من وجب نصرتهم عليه خذلهم. وجواب لما ونى، ما هو صدر ~~البيت. # دافعت عن أعراضها فمنعتها ... ولدي في أمثالها أمثالها # هذا تفسير للغضب الذي ذكره وبيان نتيجته. والعرض: النفس، ويستعمل في ~~الحسب. يقول: ذببت عنها ومنعت الأعداء منها، ولدي في أمثالها من القبائل ~~أمثال هذه النصرة. هذا وجه، ويجوز أن يريد ولدي في أمثال هذه النصرة أمثال ~~هذه القصيدة. والقرائن التي تسوغ رد الضميرين إلى جميع ما ذكرناه حاضرة في ~~الكلام قوية. # إني امرؤ أسم القصائد للعدى ... إن القصائد شرها أغفالها ms0221 # هذا يمكن الاستدلال به على صحة المعنى الثاني، ومعنى " أسم القصائد ": ~~أعلمها بما يصير كالسمة عليها، حتى لا تنسب إلى غيري، وحتى يعرف منها السبب ~~الذي خرجت عليه، فمن سمعها عرف قصتها؛ ولهذا قال إن القصائد شرها أغفالها، ~~أي شر الشعر ما لا ميسم لقائله والمقول فيه عليه. ويقال دبة غفل، إذا عرى ~~من الأعلام. وسمعت من يقول في البيت إنه مقلوب، والمراد أسم العدي بقصائدي، ~~كما قال الآخر: # جعلت له فوق العرانين ميسما # PageV01P285 # والأول أكشف وأصح، بدلالة أن الغفل جعله من القصائد، فكذلك الموسوم يجب ~~أن يكون منها. # قومي بنو الحرب العوان بجمعهم ... والمشرفية والقنا إشعالها # يروى " والمشرفية بالجر " ويكون معنى البيت قومي إخوان الشر الفظيع، ~~وأبناء الحرب التي قوتل فيها مرة بعد أخرى، فصارت عوانا بعد أن كانت بكرا، ~~أي رفعت من حال إلى حال أشد منها، ويكون هذا مثل قول الآخر: # فلسنا من بني جداء بكر ... ولكنا بنو جد النقال # وعلى ما ذكرنا يتم الكلام بقوله العوان؛ ثم قال " بجمعهم " أي باجتماع ~~قومي واجتماع آلات الحرب اشتعلت نارها. والباء من بجمعهم يتعلق بقوله ~~إشعالها. ويروى " والمشرفية " بالرفع، ويكون على هذه الرواية تمام الكلام ~~عند قوله بجمعهم؛ لأن الباء منه حينئذ يتعلق بقوله العوان. والمعنى: قومي ~~بنو الحرب التي عونت، أي صارت عوانا بهم، وباجتماع جيشهم؛ ثم استأنف ~~الكلام؛ فقال: " والمشرفية والقنا "، والمراد واشتعال نارها بالرماح ~~والسيوف المشرفية. وهذا الكلام - أعني والمشرفية - وإن استؤنف به فمن صفة ~~الحرب. وقيل في المشرفية إنها نسبت إلى المشارف، وهي قوى معروفة تجلب منها ~~وتطبع بها. ويقال: أشعلت النار في الحطب، وأشعلت الخيل في الغارة، وأشعلته ~~غضبا. # ما زال معروفا لمرة في الوغى ... عل القنا وعليهم إنها لها # ما زال لدوام الماضي، وارتفع عل القنا على أنه اسمه، وخبره معروفا. ~~والمعنى: سقى الرماح عللا بعد نهل عادة معروفة لهم، فيما تقادم من الأيام ~~إلى الآن إذا حضروا الحرب. والعل والعلل: الشربة الثانية، ويقال: عل إبله ~~يعلها فعلت هي. وأنهلت الإبل، إذا سقيتها ms0222 أولا، فنهلت، إذا شربت في أول ~~الورود حتى رويت. ومثل هذا البيت قول الآخر: # نهلنا من دماء بني لؤي ... وأنهلنا القنا حتى روينا # PageV01P286 # وتوسعوا في الاستعمال حتى سموا منازل السفر على المياه مناهل. وإنما قال: ~~" وعليهم إنهالها " لأنه كأنه جعل ذلك واجبا عليهم. # من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها # وضع من قي قوله " من عهد عاد " موضع منذ لقوتها وكثرة تصرفها وتمكنها في ~~باب الجر، وأداء معنى الابتداء، ومثله قول الله تعالى: " لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق "، وقول الراجز: # من غدوة حتى كأن الشمسا ... بالأفق الغربي تطلي ورسا # ومعنى البيت أنه نبه على مجاذبتهم للملوك والعلية، لا للأذناب والسفلة. ~~والقتال في ترتيب الفعل مسابق للأسر والقتل، لكنه لم يبال بتأخيره في ترتيب ~~اللفظ، لأن الواو لا يوجب في العطف ترتيبا، إنما هو موضوعة للجمع فقط، ~~وتبجح أيضا بأن ذلك قديم فيهم منذ زمن عاد لا حديث. ### || وقال أرطاة بن سهية # ونحن بنو عم على ذاك بيننا ... زرابي فيها بغضة وتنافس # يقول: نحن أبناء عم، وعلى ما بيننا من القربى والقرابة فرشت بيننا بسط شر ~~تشتمل على تباغض وتحاسد. وذكر الزرابي مثل ها هنا، وهي البسط، واحدها زربية ~~وزربى، وقال أبو عبيدة: وهي في لغة أخرى الشواذكين: وأنشد لذي الرمة: # ترديت من أفواف نور كأنها ... زرابي وارتجت عليك الرواعد # وفي القرآن: " ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة "؛ أي مفرقة في المجالس. ~~ويقال: اطو بساط الشر بيني وبينك. ويقولون أيضا: أعطاني فلان في بساط كلامه ~~كذا، أي فيما بسط منه. وقال الخليل في الزرابي: إنها القطوع الحيرية ~~الرقيقة. وفي كلام بعض الفصحاء: " فرشت بيننا قطوع التمائم ". فعلى هذا ~~استعمل هذا الشاعر الزرابي. فأما قوله " على ذاك بيننا "، فإنما أشار بذلك ~~إلى ما # PageV01P287 # جمعهم من سبب العمومة ونسبها. ويروى: " على ذات بيننا، زرابي " كأنه أراد ~~بذات بينهم خالصة النسب والقرابة، ثم جعل فوقها ما قد غمرها وسترها من ~~زراني الفساد. ويروى: # .............. # على ذاك بيننا ... تناء وفينا بغضة وتنافس ms0223 # والمعنى: وعلى ما يجمعنا من الرحم ينأى بعضنا عن البعض، ومع ذلك بيننا ~~تدابر وتباغض، وتهاجر وتقاطع. كأنهم جعلوا التنائي مداواة في إزالة ما ~~بينهم فلم ينفع. # ونحن كصدع العس إن يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متشاخس # العس: القدح الضخم. والشعب، يستعمل في الجمع والتفريق. ويقال أيضا: تفرق ~~شعبهم. والشاعب ها هنا: مصلح القداح. يقول: استحكم الفساد بيننا حتى لا ~~يقبل صلحا ولا صلاحا، وتفاقم الانصداع حتى لا يلتحم تباينا وتدافعا، فلن ~~تعود الحال إلى ما كانت وإن أمسكنا عن إثارة الشر والزيادة فيه زمانا، ~~وتصنعنا في الاحتمال والمقاربة إبقاء على الحظ من المراجعة وإدناء، بل يكون ~~ما بيننا كالشق في القدح، إن أعطى شاعبا تركه والعيب ظاهر فيه، غير منكتم ~~ولا خاف. والمتشاخس: المتفاوت المتباين. ومنه قولهم: تشاخست أسنانه من ~~الكبر، إذا احتلفت. قال الخليل: هو أن يسقط بعضها ويميل بعضها. وقيل الشخس ~~في الأصل فتح الفم للتثاؤب. ويجوز أن يريد بقوله " وفيه عيبه ": ومعيبه ~~هكذا. وفي طريقته قول الآخر: # ومن الموالي ضب جندلة ... نخر المودة ظاهر الغمر # وقد أحسن أبان اللاحقي في مزدوجته حين قال: # وإنما مودة الأشرار ... في وهيها كمثل الفخار # يصيبه أدنى يد فينكسر ... وليس يرحى شعبه إذا جبر # كفى بيننا ألا ترد تحية ... على جانب ولا يشمت عاطس # يروى " يشمت " بالشين والسين، وهما بمعنى واحد، وسمعت أبا علي الفارسي ~~يقول في اشتقاق التسميت بالسين غير معجمة - وهو قولك للعاطس: يرحمك الله - ~~فقال: كأنه إذا عطس لحقته نفضة في جسمه، فإذا دعا الداعي له فكأنه رده إلى ~~سمته # PageV01P288 # وهديه. وقال في التشميت بالشين معجمة: كأنه التثبيت من الشوامت وهي ~~القوائم. يقول: يكفيك من الشر الراتب بيننا أنه لا ترد تحية الواحد منا - ~~يريد جواب تسليمه - وإن كان الالتقاء معه عن عفر كالالتقاء مع الأجانب ~~والغرباء، وأنه إذا عطس واحد لا يتلقى بالدعاء له على ما استمر وعرف من ~~عادة الناس في تناديهم وتجاورهم. وقوله " كفى بيننا " هو بين الذي كان ~~ظرفا، فنقله إلى باب الأسماء. ومثله ms0224 قول الله عز وجل: " لقد تقطع بينكم " ~~وقال الشاعر: # كأن رماحهم أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور # ويجوز أن يروى " أن لا ترد " بالرفع، وكذلك " ولا يشمت " على أن تجعل أن ~~مخففة من الثقيلة. ويكون المراد أنه لا ترد تحية. ومثله قوله تعالى: " أفلا ~~يرون أن لا يرجع "، بالنصب والرفع. ### || وقال عقيل بن علفة # نتاهوا واسألوا ابن أبي لبيد ... أأعتبه الضبارمة النجيد # يقول: كفوا عما أنتم عليه من تهييج الشر، وأمسكوا عن الشر في تأريث نار ~~الحرب، واسألوا هذا الرجل: هل أرضاه الأسدى القوي الغليظ الشديد لما تحكك ~~به، وهل وفاه ما استحقه عليه. كأنه جعل إنزاله السوء به والزيادة عند تكرهه ~~له إعتابا، على التهكم والسخرية. ومثله في ذلك قول بشر: # غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم # والضبارمة، قال الخليل: هو الجرئ على الأعداء. وسمي الأسد ضبارما. قال: ~~ويقال هو الأسد الوثيق الخلق، المكتنز اللحم. ويجوز عندي أن يكون من معنى ~~المضبر لا من لفظه، فيكون من باب دمث ودمثر، ودلامص ودلاص وسبط وسبطر. ~~والنجيد: ذو النجدة، وهي البأس والشدة. # ولستم فاعلين إخال حتى ... ينال أقاصى الحطب الوقود # PageV01P289 # حذف مفعول قوله فاعلين، وهو ما دل عليه قوله في البيت قبله " تناهوا " ~~كأنه قال: ولستم فاعلين التناهي. يقول: ما أرى أنكم تنتهون إلى ما رسمت، أو ~~تقبلون كلامي الذي إليه أشرت، حتى يعظم الخطب، ويبلغ البلاء أقصى مبالغ ~~الجهد، فيتعدى الأقارب إلى الأباعد، ويتأدى من السقيم إلى البرئ. وذكر ~~الحطب والوقود ها هنا مثل لتفاقم الشأن واستفحاله، واتساع المكروه ~~واشتماله. وقد مضى القول في " إخال " وكسر الهمزة منه. # وأبغض من وضعت إلى فيه ... لساني معشر عنهم أذود # يقول: إني متعطف على عشيرتي وإن كانوا مسيئين إلي، متكرم معهم وإن كانوا ~~متحاملين علي، فأبغض إنسان أذكره وأتناوله بلساني متنقصا له، قوم أدفع عنهم ~~في وقتي، وأحامي عليهم في ظاهري أمري. وفي البيت تقديم وتأخير، وأصل ~~ترتيبه: أبغض من وضعت لساني فيه إلى قوم هكذا شأني معهم. وهذا تنبيه ms0225 على أن ~~الرشاد في المحافظة على حرم ذوي الرحم وإن كانوا منابذين. فمن من قوله " ~~أبغض من " نكرة موصوفة، وصفته وضعت لساني فيه الجملة. وقد فصل بين بعضها ~~والبعض الآخر بقوله " إلي " وهو أجنبي منها. وهذا في الصفة أقرب منه في ~~الصلة، فاحتماله فيه أقرب. ومثل هذا قول جرير: # فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي # ومعنى أذود: أدفع، ومنه سمي اللسان المذود، وهذا كما سمي المفصل. # ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود # يحتمل وجهين: أحدهما أن يتبجح بتعففه في جاراته، وأنه لا يتطلب مفارقة ~~القيمين بهن، بمرصدا للتمكن منهن، فيكون ذلك باعثا للسؤال عن رجالهن، ~~ليغتنم الخلوة بهن. والثاني أن يريد رفع الطمع عن جيرته، وقلة الفكر في ~~تتبع أحوالهم، عند حضورهم وغيبتهم، إذ لم يكن همه في النيل منهم، ومشاركتهم ~~فيما يتجدد لهم من خير، فعل المسف للمطامع الدنية. ويكون هذا كما قال ~~الآخر: # وإذا أتى من وجهه بطريقه ... لم أطلع مما وراء خبائه # وهذا أوجه، لأن ذكر العفة قد جاء من بعد. # ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود # PageV01P290 # هذا يشهد لما اخترناه في تفسير ما قبله، فيقول: وإذا دعاني الجار إلى ~~بيته يكرمني ببره، ويشركني في خيره، لا أنصرف عنه والطمع فيه بحاله، ~~والاستغنام للحقير من ماله وطعامه على حده، انصراف العير عن الماء وقد غمره ~~الورود. والتغمير كالتصريد، وهو شرب دون الري ومنه الغمر: القدح الصغير، ~~وقال الخليل: يتكايل به الماء في المهامه. وأنشد: # تكفيه حزه فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروى شربه الغمر # وقيل في غمره معناه أرواه من الغمر: الماء الكثير، فيكون المعنى: إني لا ~~أتهالك على طامه فعل المنهوم الخسيس الهمة فاتضلع، لكني آكل أكلا كريما. ~~وهذا المعنى أقرب عندي. # ولا ملق لذي الودعات سوطى ... ألاعبه وريبته أريد # هذا مثل قول الآخر: # لا آخذ الصبيان ألثمهم ... والأمر قد يغري به الأمر # وفي طريقته أيضا قول الآخر: # أحب صبي السوء من أجل أمه ... وأبغضه ms0226 من بغضها، وهو حادر # أي حسن الخلق: يصف عفته فيقول: لا ألقي سوطي بين يدي الصبي الذي في عنقه ~~عوذ وتمائم لصغره، ألاعبه في الظاهر، وأضمر التودد إلى أمه وأطلب الخلوة ~~بها لاشتغاله. وهذا إذا رويت: " وربته أريد "، وقوله ألاعبه في موضع الحال. ~~ويروى: " وريبته " وهو أكشف. ورأيت من يقصر الأبيات الثلاثة على صفة العفة ~~عن الجارات، وأن يكون كل بيت منها لمعنى أحسن وأولى. ### || وقال محمد بن عبد الله الأزدي # لا أدفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع # PageV01P291 # الشفا: حرف الشيء. ويمشي في موضع الحال. والبيت يحتمل وجهين: أحدهما أن ~~يكون المعنى إذا أشفى ابن عمي على بلاء وشر يخاف عليه منه، ويخشى عطبه فيه، ~~فإني لا أدفع في صدره تحاملا عليه ليقتحمه، ولا أزج به فيه لأغرقه. ويجوز ~~أن يريد: إذا انحرف عني مهاجرا لي ومشى على جانب من المؤانسة معي لا أنفره، ~~ولا أتمم استيحاشه بما أثير من كوامن غيظه، وإن بلغني الدواهي عنه، وقاسيت ~~الشدائد من التأذي به. أي لا أنتهز الفرصة في مكاشفته وإن اتصل بالسوء ~~تعرضه، ودام فيما يعن اعتراضه. والجنادع في الأصل تستعمل في هوام الأرض، ~~تستعمل كناية عن ضروب المكاره وأنواع الأذى. ومن قولهم: " بدت جنادعه والله ~~جادعه ". وهذا كما استعاروا العقارب فقالوا: دبت عقاربه. وقال الخليل: ~~الجنادع: جنادب في حجرة الحشرات يخرجن إذا كان الحافر يبلغ أقصاها. ومنه ~~قيل في المثل: " جاءت جنادع الشر "، أي أوائله. واستعمل في الكلام أيضا ~~فقيل جنادع القول لما يسوء منه. ويجوز في قوله " يمشي على شفا " وجه آخر ~~حسن، وهو أن يكون يمشي في معنى ينم ويحطب. وفي المثل: " هو أضرب من مشي ~~بشفة ". وكأنه مأخوذ من قوله تعالى " مشاء بنميم "، ويكون على هذا قوله " ~~على شفا " متعلقا بمضمر، كأنه قال: يفعل ذلك كأئنا على شفا أو حاصلا؛ ~~والمعنى منحرفا: أي لا أدفعه عن التحريش والنميمة قهرا وعنفا، ولكن أعطفه ~~بالحسنى. # ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إلي الرواجع # قوله " أواسيه ms0227 " أي أجعله إسوة نفسي، فأقاسمه مالي وملكي: يقول: لكني ~~أتناسى ذنوبه وهفواته، وأتغابى جرائمه وزلاته، وأحسن التأتي في أثناء ذلك ~~لمواساته، عند ما أنتظر من فيئته وعطفته، حتى يرده إلى ما كان عليه من قبل ~~دواعي الأحوال، وتشابك الأرحام، ورواجع العقب، ولواحق السبب. وهذا الذي ~~وصفه هو الغاية في الإبقاء والاستبقاء. # وحسبك من ذل وسوء صنيعة ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع # يقول: كافيك من سوء الفعل واكتساء الذل، أن تناوئ أقاربك وإن كانوا ~~قاطعين عاقين، مهاجرين مصارمين. وإنما قال " من ذل " لأن عز الرجل بعشيرته، ~~ومن # PageV01P292 # أمات نفسه الحظ منهم فقد ذل. والمناواة أصلها الهمز، واشتقاقها من النوء: ~~النهوض. كأن المتعاد بين يناهض كل صاحبه إما بنفسه، وإما بعقيدته ونيته. ~~وقوله " سوء صنيعة " جعل الصنيعة اسما فهي كالكريهة. وقوله " وإن قيل قاطع ~~" ارتفع قاطع على أنه خبر ابتداء مضمر، كأنه أراد وإن قيل هو قاطع. وفي ~~طريقته قول الحطيئة: # فأبقوا لا أبا لكم علهيم ... فإن ملامة المولى شقاء # وروى بعضهم: " وأن قيل " بفتح الهمزة، كأنه يعطفه على قوله مناواة، ~~والمعنى حسبك من الأمرين المذكورين مناواة الأقارب، وقول الناس هو قاطع ~~عاق. والأول أجود وأشبه بما اقتصه وتصرف فيه. ### || وقال آخر: # إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # الضمير في " يحسدوني " لطائفة من الناس خصهم بالإخبار عنهم، وقصدهم ~~بالكلام. فيقول: إن نافسوني وحسدوني، ورمقوا النعمة علي بعين التسخط. فإني ~~لا أولمهم ولا أعتب عليهم، إذ كان التنافس والحسد يتبعان الفضل، وإذ كان من ~~قبلنا اعتاد بعضهم من بعض مثل ما نراه بسبب الفضل. وقد أحسن كل الإحسان من ~~قال: # وإذا سرحت الطرف حول قبابه ... لم تلق إلانعمة وحسودا # فأما قوله " قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ". فمثله قول عمر بن أبي ~~ربيعة: # وقديما كان في الناس الحسد # وقبلي جعله لغوا، ومن الناس تبيين، وقد حسدوا خبر المبتدأ. # فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد # PageV01P293 # هذا الكلام دعاء لنفسه ms0228 وعلهيم، على طريق التسلي وقلة الاحتفال، ولأن ~~الحاسد يرفع الخامل من الفضل وينود به. فيقول: أدام الله لي ما أنا عليه من ~~الفضل، ولهم ما هم عليه من الحسد، ومات أكثرنا لغيظه بما يجد. وقوله " ومات ~~أكثرنا " الأكثر هم الحسدة، لأنه - وإن أدخل نفسه فيمن أضاف الأكثر إليه - ~~واحد. وقوله " بما يجد " حذف المفعول، والمعنى بما يجده في نفسه من الحسد، ~~أو بما يجده من النعمة والفضل عند المحسود. وحدثني أبو عبد الله حمزة بن ~~الحسن قال: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي الكسروي يقول: أنا قد تتبعت من ~~دواوين الشعراء قديمهم ومحدثهم فوجدت أبا تمام الطائي متفردا بمعنى قوله: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا التخوف للعواقب لم يزل ... للحاسد النعمى على المحسود # غير مسبوق إليه. وعندي أنه أخذه من فحوى لهذين البيتين وإن كان زاد عليه. # أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أرد # قوله " يجدوني " كان يجب أن يقول يجدونني؛ لأن الفعل في موضع رفع، لكنه ~~حذف النون تخفيفا. وكان يجب أن يقول لو جرى على حكم الصلة: يجدونه، حتى ~~يكون في الصلة ضمير يعود إلى الذي. وإنما جاز أن يجيء وليس فيه ما يعود إلى ~~الذي وإن كان صلة له، لأن الذي خبر أنا، وهو المبتدأ شيء واحد، فلما كان ~~الأول والثاني شيئا واحدا لم يبال أن يرد الضمير الذي يجب رجوعه إلى الثاني ~~إلى الأول. ومثل هذا ما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: # أنا الذي سمتن أمي حيدره # فقال سمتن ولم يقل سمته. وقد مضى القول في مثله فيما تقدم مستقصى، ومعنى ~~البيت: أنا الذي صرت غصة في صدورهم قد نشبت فلا تصدر ولا ترد، أي صارت ~~لازمة لا تسوغ ولا تؤوب. وقوله " صدرا " مصدر في موضع الحال. و " لا أرتقي ~~" إن جعلت في صدورهم لغوا يكون في موضع المفعول الثاني، وإن جعلت في صدوهم ~~مفعولا ثانيا كان لا أرتقي حالا. # PageV01P294 ### || وقال آخر: # الشيء يبدؤه في ms0229 الأصل أصغره ... وليس يصلى بكل الحرب جانيها # يبدؤه أي يبدأ منه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل فنصب. يقول: أوائل الأمور ~~ضعيفة، ومبادئها صغيرة حقيرة، ثم تستحكم على مر الأيام وتصرف الأحوال ~~فتعظم. وهذا كما قال الأخر: # الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بنزتها لكل جهول # وفي طريقته قول الآخر: # كم مطر بدؤه مطير # وقوله " وليس يصلى بنار الحرب جانيها " يروى: " بجل الحرب " والمعنى: لا ~~يصطلي بنار الحرب ومعظمها من يكتسبها ويوقدها فقط، بل يحصل بالمشاركة فيها ~~ويمنى ببلواها، من لم ينقل خطوته في بعثها، ولم يسع في تهييجها. # والحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها # يقول: شر الحرب يعدي إعداء الجرب، فترى الكاره لها يلتحق بها وإن كان غير ~~حازم لها، وتلقى البعيد منها يصطلي بحرها وإن لم يذكها ولم يشيع موقدها. ~~وفي هذا التشبيه خروج المشبه من الكمون إلى الظهور، ومن الخفاء إلى البروز، ~~حتى يتجلى لمتأمله والمفكر فيه على بعده في التصور تجلي القريب في العرف ~~والاعتياد. وهذا هو غاية المراد من التشبيهات. # إني رأيتك تقضي الدين طالبه ... وقطرة الدم مكروه تقاضيها # هذا البيت يصلح أن يكون مدحا، فيكون المعنى: إني رأيتك تخرج إلى المدينين ~~سريعا من دينهم عليك، غير مدافع بما في ذمتك لهم ولا مماطل، فإذا # PageV01P295 # طولبت بدم أو نوزعت في ذحل، شق تقاضيك به وتعذر، وتصعب نيله من جهتك ~~وتعسر. فعلى هذا قوله " مكروه تقاضيها "، معناه مروه تقاضيك بها. ويصلح أن ~~يكون ذما، فيكون المعنى: إني رأيتك بأهون سعي وأقرب طلب تخرج من الأوتار ~~والدماء إلى طلابها، فلا كلفة في نيلها وإدراكها من جهتك، والتقاضي بالدم ~~عسر صعب إلا إذا كان عندك وقبلك، فما ذلك إلا لضعف كيدك ومهانة نفسك، وقصور ~~آبائك. والدين في هذا الوجه يراد به الوتر والدم. وقوله " مكروه تقاضيها " ~~يعني تقاضي غيرك بها. ومثل قوله مكروه تقاضيها فيما أضيف إليه قول لبيد: # باكرت حاجتها الدجاج بسحرة # لأن المعنى باكرت حاجتي إليها. ### || وقال شريح بن قرواش # لما رأيت النفس ms0230 جاشت عكرتها ... على مسحل وأي ساعة معكر # يقول: لما تحركت حميتي وغلب نفسي، حتى كادت تثور من مقرها فتجري أنفة ~~وامتعاضا، عطفتها على صاحبي مسحل وفي أي وقت معطف فعلت ذلك. وهذا تفظيع ~~للشأن، وتفخيم للأمر. فإذا رويت " وأي ساعة معكر " بالرفع يكون مبتدأ وخبره ~~محذوف، كأنه قال: وأي ساعة معكر ومكر تلك الساعة. وإذا رويته بالنصب يكون ~~ظرفا، ويكون العامل فيه مضمرا، كأنه قال: وعكرت أي وقت معكر. ومعنى عكر: ~~عطف. ويقال: هو عكار في الفتن. وجواب لما " عكرتها ". # عشية نازلت الفوارس عنده ... وزل سناني عن شريح بن مسهر # عشية انتصب على أن يكون بدلا من قوله وأي ساعة معكر إذا نصبت أيا، وإن ~~رفعته فانتصاب عشية على أن يكون ظرفا والعامل فيه فعل مضمر دل عليه ما ~~قبله، كأنه قال عكرت عشية. ولا يكون العامل نازلت، لأنه مضاف إليه وبيان ~~للوقت، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. فيقول: عطفت عليه ذابا عنه ومدافعا ~~دونه، عشية منازلتي الفرسان بحضرته، وحين زل سنان رمحي عن ابن مسهر، وإنما ~~زل # PageV01P296 # السنان عنه وسلم من طعنته لأنه كان لبس درعا تحت ثيابه وهو لا يشعر، ~~فكأنه يعتذر ويتلهف. # وأقسم لولا درعه لتركته ... عليه عواف من ضباع وأنسر # قوله أقسم يمين، والمحلوف به محذوف، وهو لفظة الله. ولكثرة مجيئها مع ~~أقسم صار وهو محذوف كالمنطوق به، وجواب القسم استغني عنه بحديث لولا، لأنه ~~فيه. والمعنى أنه بين العذر فيما اتفق عليه، فقال لولا درعه التي استظهر ~~بها، وظاهر بثوبه فوقها، لتركته بطعنتي مقتولا، وعوافي السباع والطير تأتيه ~~وتنال منه. ويقال عفاه واعتفاه بمعنى واحد. # وهل غمرات الموت إلا نزالك ال ... كمي على لحم الكمى المقطر # هذا الكلام بيان ما تكلفه عند التعطف على مسحل، وتصوير لهول ما ركبه ~~وعاناه من عظيم البلاء في نصرته. ولهذا جعل النفي بلفظ الاستفهام، فقال: ~~وما شدائد الموت إلا منازلتك الكمي فوق لحم الكمي، أي فوق جيف القتلى. ~~ولولا أن هل في طريق النفي ها هنا لما جاء ms0231 بعده إلا. والمقطر: الملقى على ~~أحد قطريه، وهما الجانبان. ولقطر اختصاص بالعبارة عن الإسقاط والصرع. على ~~ذلك قول عمرو بن معد يكرب: # ما قطر الفارس إلا أبا # ومن المحكي عنهم في المعنى الذي قصده هذا الشاعر، أنه سئل بعضهم: ما أشد ~~ما رأيته فيما زاولته من الحروب؟ فقال: " الزلق على العلق ". وفي طريقته ~~قول الآخر: # يطأن من القتلى ومن قصد القنا ... شربجا فما يجرين إلا توهما ### || وقال طرفة الجذيمي # يا راكبا إما عرضت فبلغن ... بني فقعس قول امرئ ناخل الصدر # PageV01P297 # يخاطب واحدا من الركبان غير معين، ويكلفه إن عرض لبني فقعس أن يبلغهم عنه ~~قول رجل ناخل الصدر ناصح الجيب، صادق الود. وإنما نكر المدعو لأمرين: ~~أحدهما شدة اهتمامه بالرسالة وتحميلها رسولا كائنا من كان. والثاني أنه ~~أراد أن يضع رسالة ظاهرها أنها أودعت متحملا، علما بأن الرسالة بنفسها إذا ~~ضمنت الشعر وعقدت به ستبلغ على أفواه الرواة. وقوله " ناخل الصدر " يريد ~~مصفى ما في الصدر، فحذف المضاف. أو يريد ناخل الصدر لما يعيه فجعل الفعل ~~للصدر توسعا، والمعنى أنه موافق الظاهر للباطن. ويقال: نخلت الود والنصح ~~لفلان، إذا أخلصتهما. # فو الله ما فارقتكم عن كشاحة ... ولا طيب نفس عنكم آخر الدهر # يقول: أحلف أني لم أوثر فراقكم لعداوة لازمة لكشحي، وبغضاء متمكنة من ~~طويتي، ولا لسلو نفس عنكم وسخاء قلب بكم آخر الدهر. وهذا الكلام إظهار ميل ~~إلى إصلاح ذات البين لو تساعدت الأحوال، ومعذرة أقامها فيما قصده من ~~مراغمتهم، وآثره في مهاجرتهم ومفارقتهم، وإبانة عن الأمر في أن الباعث على ~~ما اتفق لم يكن من سوء خلة، وانطواء على حسد وقطيعة. وإنما قرن السلو بقوله ~~آخر الدهر ليري أن ذلك التقدير ليس بحاصل ولا واقع أبدا، وهذا كما يقال لا ~~أفعل كذا ما دامت السموات والأرض. # ولكنني كنت امرأ من قبيلة ... بغت وأتتني بالمظالم والفخر # هذا كشف العذرة وذكر السبب الموجب للمجانبة والفرقة، فيقول: ولكنني كنت ~~رجلا من قبيلة خرجت عن طريق التواصل إلى طريق التقاطع بما استعملته ms0232 من ~~البغي والشقاق، وتعاطته معي من الظلم والعناد، حتى تداعت مباني التواشج ~~والتحاب، وانفصمت عرى العلائق بيننا والتواد، وعيل الصبر، بما لحق من ~~الهضم، وحرج الصدر، لما تلاحق حالا بعد حال من الاستخفاف والذل. # فإني لشر الناس إن لم أبتهم ... على حالة حدباء نابية الظهر # انتقل عن الخطاب إلى الإخبار حين توعدهم، وإن كان الكل من جملة الرسالة. ~~ويروى: " لشر الناس " بكسر اللام، والمعنى أنا ابن شر الناس، كما # PageV01P298 # قال النابغة: # لئن كان للقبرين قبر بجلق # والكلام لفظه لفظ الخبر والمعنى معنى القسم. وهذا من الأيمان الشريفة. ~~ويروى: " لشر الناس ". والمعنى: أنا شر الناس إن أحمل هؤلاء القوم بياتا ~~على حالة منكرة، وخطة صعبة، لا يستقر عليها، ولا يثبت على ظهرها. # وفي هذه الطريقة قول الآخر: # لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر # فقوله نابية الظهر مثل قول هذا محدودب الظهر، أي ظهرها يجفو لنتوه ونبوه ~~فيقلق راكبها ولا يقر، وجواب الجزاء الفاء في قوله وإني لشر الناس. # وحتى يفر الناس من شر بيننا ... ونقعد لا ندري أننزع أم نجري # تعلق حتى بفعل مضمر، كأنه قال: وأديم ذلك لهم حتى يفر الناس، أي إلى أن ~~يفر الناس. والمعنى: إني لا أزال أتمادى في اللجاج والشر، وأترقى في درجات ~~النزاع والحرب، حتى يسقيل الناس من مشاركتنا وملابستنا فيما نزاوله، ~~ويستعفوا من التوسط بيننا وردنا عما نقتحمه، وينفضوا أيديهم من استطلاحنا ~~ونتحير نحن أيضا ونرتبك إذا توسطنا أمورنا فلا ندري أنقصر ونكف، أم نجري ~~فننفذ. وهذا إلمام بما سار به المثل في قصة السالئة للسمن، وبقول الشاعر: # وكنت كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها # وفي المثل السائر: " اختلط الخائر بالزباد ". وقوله " لاندري " في موضع ~~الحال. # PageV01P299 ### || وقال أبي بن حمام المري # تمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده # فخل مكانا لم تكن لتسده ... عزيزا على عبس وذبيان ذائده # يقول: ود لي الموت الوحي السريع الإتيان خالد، حسدا منه وبغضا، ومنافسة ~~في ms0233 الرياسة وحقدا. ثم قال متسليا: ولا خير فيمن لا حاسد له، لأن الحسد من ~~توابع الفضل ومسبباته. ومثل هذا قول الآخر: # إن يحسدوني فإني غير لأئمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # وقد شرح القول فيه. وقوله " فخل مقاما " أقبل على خالد مبكتا له ومقصرا ~~به، يعرفه أنه يحسده فيما لا يصلح له ولا يستكفي مثله فيه، فقال: اترك ~~مقاما تزل قدمك عنه، وتسقط رتبتك دونه، وانس مكانا لا تسده بكفايتك، ولا ~~تقوم فيه بغنائك، وبعز المدافع دونه على طوائف عبس وذبيان - وإنما يريد ~~رياسة العشيرة - وخل القيام بأمر عبس وذبيان إذ لست من رجال ذلك. وقوله " ~~لتسده " اللام فيه لام الجحود، وهي لام الإضافة، والفعل بعده ينتصب بأن ~~مضمرة ولا يظهر البتة. ### || وقال أيضا: # لست بمولى سوءة أدعى لها ... فإن لسوءات الأمور مواليا # مولى سوءة: متوليها وصاحبها. ويجوز أن يكون من الولي: القرب أي لا ~~أقاربها ولا أدانيها: وقوله " أدعى " من الدعاوة والدعوة، وهي النسبة. ~~يقول: لا أتعاطى قبيحا، ولا أتولى مخزية فأنسب إليها، وأعرف بها، فإن ~~لمقابح الأمور أربابا غيري. وهذا انتفاء من الأدناس، وتبرؤ من المقابح، ~~وتعريض بأن ما يتنزه عنه حاصل في مجاذبه وملازم له. # ولن يجد الناس الصديق ولا العدى ... أديمي إذا عدوا أديمي واهيا # يقول: إني صحيح الأصل، تقي العرض، فلو تعاون في الكشف عما أدعيه والبحث ~~دونه أصدقائي وأعدائي، ومن يرى التغميض على ما ينكره، أو التشهير # PageV01P300 # والتنديد بما يثيره، لما وجدوا غميزة، ولا ظفروا بنقيصة. وذكر الأديم مثل ~~للعرض والأصل. والعد والإحصاء كناية عن الفحص والتنقير. # وإن نجاري يابن غنم مخالف ... نجار اللئام فابغنى من ورائيا # النجار: الأصل. وهذا تعريض بالمخاطب، يقول: أصلي مخالف لأصول الأدنياء، ~~فاطلبني للمفاخرة إذا غبت عنك أو فتك. فأما إذا حضرت فإنك لا تقاومني ولا ~~يستقيم لك مساجلتي. هذا إذا جعلت وراء بمعنى خلف، فإن جعلته بمعنى قدام ~~يكون بمعنى ابغنى إذا تقدمتني. ومن طلب من تخلف عنه من قدام لا يدركه. ~~والكلام على هذا يكون ms0234 تهكما وسخرية. فالمعنى في الأول والثاني: إنك لا تلحق ~~شأوى فاطلبني طلب المعذر واليائس. # ويجوز أن يكون يريد: إني كريم الأصل، رفيع المحل، على الرتبة، ومن كان ~~كذلك لا يظفر به، ولا يصطاد مثله إلا بالخضوع له والانقياد بالتذلل بين ~~يديه، فا بغنى وأنت تابع لي، وواطئ عقبي، حتى تنالني، وإلا لم تبلغ مرادك ~~مني. ويقال: فلان من وراء فلان، إذا كان ناصرا له، وتابعا. وأنشد ابن ~~السكيت: # لعمرك ما كان القرنبى ورهطه ... بعمي ولا خالي ولا من ورائيا # وقال: المعنى ولا ناصرى. فأما قولهم الله من ورائك، فالمعنى طالبك ومترصد ~~لمكافأتك. فعلى القول الأخير يكون من ورائي في موضع الحال لضمير الفاعل في ~~ابغ. # وسيان عندي أن أموت وأن أرى ... كبعض رجال يوطنون المخازيا # ارتفع سيان على أنه خبر مقدم لقوله " أن أموت وأن أرى "، والمعنى: مثلان ~~عندي موتي وأن أرى كمن يألف المخازي ويرضاها وطنا ومأوى، ولا يأنس إلا بها، ~~ولا يرجع إلا إليها. وهذا تعريض بالمخاطب أيضا. والسي: المثل. قال: # فإيا كم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي # ولست بهياب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا # PageV01P301 # يقول: لا أحتشم من لا يحتشمني، ولا أتهيبه إذا لم يتهيبني، ولا أرى من ~~إعظام المرء وإجلاله ما لا يراه لي، لكني أوازن الناس في أفعالهم، وأجازيهم ~~على قدر استحقاقهم. وقوله " ما لا يرى ليا " حذف مفعول يرى تخفيفا، وهذا ~~الحذف سائغ إن جعلت ما معرفة فكان ما بعده صلة، أو جعلته نكرة فكان صفة. # إذا المرء لم يحببك إلا تكرها ... عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا # انتصب قول " تكرها " على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير إلا متكرها. ~~وانتصب " عراض العلوق " على أنه مصدر مما دل عليه قوله " لم يحببك إلا ~~تكرها "، لأن المعنى إذا الرجل عارضك في الحب عراض العلوق لم يكن ذلك الحب ~~باقيا ولا ثابتا. والعلوق، هي المرأة التي ترأم ولدها وتلسنه حتى يأنس بها، ~~فإذا أراد ارتضاع اللبن منها ضربته ms0235 وطردته. قال: # وما نحني كمناح العلو ... ق ماتر من غرة تضرب # ويشبه البيت الذي نحن في تفسيره قول الأخر: # أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن # ؟؟ ### || وقال لعنترة بن شداد # يذبب ورد على إثره ... وأمكنه وقع مردى خشب # هذا ورد بن حابس طلب نضلة الأسدي بوتر كان له عنده. فيقول: تسرع هذا ~~الرجل في إثر الهارب منه، واستحث فرسه في لحاقه، فمكنه منه عدو فرس صلب ~~كأنه مرداة. والمردى: صخرة يكسر بها النوى وغيره. ومعنى خشب خشن. ويقال ~~خشبت الشيء خشبا فخشب. والخشب من السيف: الذي بدئ طبعه فلم يلن بعد. وقوله ~~" وقع مردى " هو من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأن الفرس كان يضرب ~~الأرض بحوافره ضرب الحديد بالميقعة. ومن # PageV01P302 # هذا قول الهذلي ساعدة: # وحوافر تقع البراح كأنما ... ألف الزماع بها سلام صلب # فمعنى تقع البراح، أي تقرعه. وروى الجمحي هذا البيت: # ................. # كأنما ... ألف الزماع ردى سلام صلب # وقال: ردى صخرة، شبه الأنف بها، فعلى هذه الرواية يحصل التوافق بين بيتي ~~عنترة وساعدة الهذلي في اللفظ أيضا. # يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب # التتابع والمتابعة يستعملان في اطراد الشيء واستمراره على حد واحد. على ~~هذا قوله: # وعراضة السيتين توبع بريها # ومفعول يتابع محذوف، ويجوز أن يكون الفعل للرجل ويجوز أن يكون للفرس. كأن ~~المراد: يتابع الركض أو العدو. وموضع لا يبتغي نصب على الحال. والباء من ~~قوله " بأبيض " يجوز أن يريد به سيفا. والقبس: النار. شبهه بها في بريقها ~~ولمعانها ويجوز أن يريد به رجلا كريما، ويكون على هذا " يتابع " للفرس. ~~وشبهه بالنار لذكائه ونفاذه. واستعمال البياض في الكرم ونقاء العرض كثير ~~معروف، على ذلك قول الآخر: # أمك بيضاء من قضاعة # ....... # فأما معنى قوله " يبتغي غيره " فيجوز أن يكون أن همته كانت موكولة به لا ~~بشيء من الغنائم والأموال. وكأنه ألم بقوله: # أغشى الوغى وأعف عند المغنم # ويجوز أن يريد أن قصده في الطلب كان إليه لا إلى غيره من الناس. # PageV01P303 # فمن ms0236 يك في قتله يمتري ... فإن أبا نوفل قد شجب # أضاف المصدر في قتله إلى المفعول. يقول: من شك في قتل ورد لنضلة فليزل ~~الشك عن نفسه، وليدع الارتياب إلى غيره فإنه هلك لا محالة. وأبو نوفل: كنية ~~نضلة. وفي الكلام تهكم وإظهار شماتة. ويقال شجب بفتح الجيم، إذا هلك، فهو ~~شاجب، وشجب بكسر الجيم فهو شجب، لغتان. # وغادرن نضلة في معرك ... بحر الأسنة كالمحتطب # النون ضمير الخيل. يقول: تركت الخيل هذا الرجل لما انكشفت عنه وهو في ~~مزدحم الحرب جارا للأسنة المكسورة فيه عند الطعن، كأنه جامع حطب. ويقال ~~أحررت فلانا الرمح فجره، أي كسرته فيه لما طعنته فصار يجره. وأنشد أبو زيد: # أجره الرمح ولا تهاله # وحكى بعضهم أن المحتطب: دويبة تمر على الأرض فيعلق بها العيدان. ويكون ~~المعنى يجر الأسنة كما تجر هذه الدويبة العيدان. وهذا تصوير للخفى بالجلي. # ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ### || وقال عروة بن الورد # لحى الله صعلوكا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفا كل مجزر # لحى الله: كلمة تستعمل في السب، وأصله اللوم والقشر أيضا. والصعلوك: ~~الفقير. يقول: زاد الله كل فقير يرضى من عيشه بأن يطوف في المجازر إذا أظلم ~~عليه الليل، ويلتقط المشاش منها كأنه يصافيها ويلازمها حبا لها - فقرا. ~~وإنما قال هذا على وجه الإنكار. أي لم يقنع بذلك، وما له يسف لمثل هذا ~~المطمع الخسيس ولا يطلب معالي الأمور. والمشاش: كل عظم هش دسم، والواحد ~~مشاشة. وقوله " مصافي المشاش " نكرة، وانتصب على أنه صفة لقوله صعلوكا. ~~وإضافته ضعيفة، لأن المشاش أشير به إلى الجنس، ولا يحصل التخصيص بالإضافة ~~إليه. وعلى هذا قولهم: قيد # PageV01P304 # الأوابد. ودرك الطريدة وما أشبهه. وكان يجب أن يحرك الياء من مصافي ~~بالفتح، فسكنه لأن منهم من يجري الفتحة في مثله من المعتل مجرى سائر ~~الحركات فلا يثبتها. # بعد الغنى من نفسه كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر # يقول: لفرحه بما يناله من كسبه الدني، ورضاه عن أيام بعيشه اللئيم يعد - ~~إذا أصاب القرى لدى صديق ولدت له شياه فاتسع اللبن ms0237 عنده وفي رحله - الغنى ~~محوزا له، ومحصلا عنده، فلا غضاضة تلحقه، ولا أنفة تقبضه. والميسر ضد ~~المجنب، يقال يسر الرجل ويسرت غنمه. وجنب الرجل، إذا قلت الحلوبة في إبله ~~وغنمه. قال: # وكل عام عليها عام تجنيب # وقوله " أصاب قراها " أضاف القرى إلى الليلة على المجاز، والمراد قراه ~~فيها. # ينام عشاء ثم يصبح ناعسا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر # يقول: ينام هذا الصعلوك لدناءة همته، وقماءة معيشته، واستيلاء الكسل على ~~نفسه ومكسبه قبل الليل، لأن همته في راحته ونومه، وحرصه على ما يسد جوعته ~~به. ثم يأتي الصباح عليه وهو ناعس بعد، غير قاض حاجته من الرفاد، ولا ضجر ~~في مضجعه بالتساقط والانجدال، ينفي عن جنبه ما لصق به من الحصى والتراب، ~~ونشب فيه من دقاق الحصى. وذلك لأنه نام بلا وطاء. وقوله " يحت الحصى " أي ~~يسقطه، فهو قريب من يحط. والعفر: التراب. ويقال عقرته فتعفر. # ولكن صعلوكا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور # صفحة الرجل وصفيحته: عرض وجهه. يقول: ولكن فقيرا مشرق الوجه صافي اللون، ~~لا يتخشع لفقره، ولا يتذلل إذا أثر الدهر فيه، فكأن ضوء وجهه ضوء نار ~~القابس المتنور. والقابس ها هنا ذو القبس معناه. والقبس: النار، ويكون ~~القابس # PageV01P305 # الطالب. ويقال: أقبسني نارك. والمتنور: المتفعل من النار. ويقال تنورت ~~النار، أي نظرت إليها واستضأت بنورها. ومنه قول امرئ القيس: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عل # وموضع " صفيحة وجهه " مع خبره نصب على أن يكون صفة لصعلوكا وخبر لكن يجيء ~~فيما يجيء من بعد. وقوله " صفيحة وجهه " حذف المضاف منه لأن المراد ضوء ~~صفيحه وجهه كضوء شهاب، فأقام المضاف إليه مقامه. # مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر # يقال: أطل على كذا، إذا أوفى عليه. والمنيح، قال الخليل: هو الثامن من ~~القداح. وقال أبو عمرو: المنيح والسفيح والوغد قداح لا انصباء لها، وإنما ~~يكثر بها القداح فهي تجال أبدا، وقال الأصمعي: المنيج الذي لا يعتد به. ~~فيقول: ولكن الفقير الوضئ الوجه، الذي يبذل جهده ويبتذل ms0238 نفسه في طلب غناه، ~~ويقصر سعيه على ما يبلغ به عذره فيشرف على أعدائه غازيا ومغيرا، وهم ~~يزجرونه حالا بعد حال، ويكرهو عليهم وقتا بعد وقت يزجر هذا القدح في خروجه ~~ومع ذلك يرد. وخبر لكن بعد لم يجيء. # إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتطر # يقول: هذا الفقير لا يقعد به عن طلب الأعداء والإغارة عليهم والنيل منهم ~~بعد الغزاة وتنائي الدار، فهم لا يأمنونه وإن شحطوا، بل يتشوفونه تشوف ~~الغائب المتنظر، أي كما يتشوف غائب دنا قفوله وينتظر. وانتصب " تشوف " على ~~المصدر فيما دل عليه لا يأمنون اقترابه، ومفعول تشوف محذوف، كأنه قال تشوف ~~أهل الغائب رجوعه. # فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر # يقول: ذلك الصعلوك إن أدركه الأجل، قبل نيل الأمل، لقيه محمودا، إذ كان ~~قد فعل ما وجب عليه، وأقام عذره في مطلوبه باستفراغ الوسع في السعي له، وإذ ~~كان التبعة فيما فات على من يملك العواقب دونه. وإن نال الغني يوما فما ~~أخلقه بذلك. وقوله " إن يلق المنية " خبر قوله ولكن صعلوكا لو انفرد عن ~~قوله فذلك، لكنه لما تراخى الخبر عن المخبر عنه وتباعد المقتضي عن المقتضى ~~له أتى بقوله فذلك، # PageV01P306 # مشيرا به إلى الصعلوك. فصار إن يلق خبرا عنه. وساغ ذلك لأن المراد بالأول ~~والثاني شيء واحد، ومما أجرى هذا المجرى لحصول مثل هذا التراخي فيه قول ~~الله عز وجل: " ألم تعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم "، ~~فأعاد أن في قوله " فأن " كما ترى. ### || ؟ وقال عنترة بن شداد العبسي # تركت بني الهجيم لهم دوار ... إذا تمضى جماعتهم تعود # البيت يروى على وجهين: أحدهما: # تركت بني الهجيم له دوارا ... إذا يمضي جماعتهم يعود # ويكون الضمير في قوله له للفرس، ويمضي فعل له، وجماعتهم ينتصب على ~~المفعول، لأن يمضي هذا يتعدى، ومعناه يجاوزهم. ويكون المعنى: تركت هؤلاء ~~القوم لفرس مطافا بمنزلة الدوار وهم ضم كانوا يحجونه يطوف حول ذلك الضم، ~~إذا نفذهم وخرق صفوفهم ودار ms0239 عليهم عاد إلى مثل فعله الأول، وإلى مكانه ~~الأول. ويشبه هذا البيت بيت الأعشى في المعنى واللفظ، وهو: # تطوف عليهم وتمضيهم ... كما طاف بالرجمة المرتجم # وجاء في الحديث حجة لتعدي يمضي، في صفة المحشر: " يمضيهم الداعي وينفذهم ~~البصر ". # والثاني أن يروى: # تركت بني الهجيم لهم دوار ... إذا تمضي جماعتهم تعود # والمعنى: تركتهم يطوفون حول قتلاهم كما يطاف على ذلك الصنم، أو ذلك ~~النسك، فإذا انقضت جماعة منهم عادت الأخرى للنظارة. وقوله " جماعتهم " يريد ~~جماعة منهم، فأضاف البعض إلى الكل، وليس يريد جملتهم، فهو في حكم النكرات. ~~وموضع " لهم دوار " نصب على الحال، وقوله " تعود " فاعله مضمر، وهو جماعة ~~أخرى، فاكتفى بذكر الأولى عنها. # PageV01P307 # تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدل سديد # يفتخر بأنه أصاب المذكور، لما رماه بسهم محكم النصل، مقوم القدح، صلب ~~العير، سديد الوقع. وموضع قوله " فيه شديد العير " نصب على الحال. والعير: ~~الناتئ من وسد النصل. وقد أقيم الصفة مقام الموصوف، لأن المراد به سهم شديد ~~العير. ولولا ما حصل من الاختصاص بإضافة الشديد إلى العير لما جاز ذلك فيه، ~~لأن الصفة لا يقوم مقام الموصوف حتى يدل عليه دلالة قوية. فأما إذا كانت ~~عامة في أجناس، فلا يجوز ذلك فيه. لو قلت مررت بطويل، وأنت تريد رجلا، لم ~~يحسن، لأن الطويل يكون في غير الرجال كما يكون في الرجال. ولو قلت مررت ~~بكاتب، يحسن إذ كانت الكتابة مختصة. # فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود # كان من رموزهم أن الواحد إذا رمى بسهم وأراد سلامة الرمية منه رقى سهمه ~~بعودة ونفث فيه، ثم رمى به، وإذا أراد هلاكه لم يفعل ذلك. ومثل هذا قول ~~الآخر: # فلم أرقه إن ينتج منها وإن يمت ... فرمية لا غس ولا بمغمر # وقوله " فحق له الفقود " المبتدأ محذوف، كأنه قال فهو حق له الفقود، لأن ~~الفاء يجلب في الجزاء إذا كان الجواب بالابتداء والخبر، ولو قصد إلى أن ~~يكون الفعل جوابا لا يستغنى عن الفاء. وبعض من يدفع ms0240 هذه الطريقة يقول لا ~~رقية ولانفث، إنما كنوا عن الإبقاء بمثل هذا الكلام. وقوله: " وإن يفقد " ~~فهو مثل قوله " فطعنة لا غس ". والمعنى: إن يبرأ فليس ذلك من بقياى، وإن ~~يهلك فواجب لأن المصاب بمثله يهلك لا محالة. # وما يدري جرية أن نبلي ... يكون جفيرها البطل النجيد # يروى: " وهل يدري جرية ". والمعنى لا يعلم أنه كما أتى أصبته فدأبي ~~وعادتي أن تكون الأبطال النجداء لنبلي بمنزلة الجعبة، أصيبهم أبدا بها. وفي ~~ذكره البطل # PageV01P308 # النجيد إلمام بقول الآخر: # .............. # ونص ... طاد نفوسا بنت على كرم # ويقول الآخر: # من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها # وأخذ أبو تمام هذا المعنى فقال: # فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها ... فقد أسكنت بين الطلى والجماجم # ويجوز أن يريد بالبطل النجيد جرية بعينه، ثم يجوز أن يكون متهكما فيما ~~وصفه به، ويجوز أن يكون مادحا له، لأن مدح خصمه وفت غلبه راجع إليه. ### || وقال قيس بن زهير العبسي سيد بني عبس # تعلم أن خير الناس حيا ... على جفر الهباءة لا يريم # يروى " أن خير الناس حيا "، والمعنى هو حي، وقوله " على جفر الهباءة " ~~خبر أن. ويروى: " ميتا " وإعرابه على ما ذكرناه في حيا. ويروى: " ميت " ~~وارتفاعه على أنه خبر أن، و " على جفر الهباءة " في موضع الصفة له. ومعنى ~~تعلم: اعلم. ولا يقال في جوابه تعلمت، استغنى عنه بعلمت. ويعني بخير الناس ~~حمل بن بدر. وجفر الهباءة: بئر قريبة القعر، وماؤها كثير معين. وكان حمل ~~انهزم في وقعة بين عبس وذبيان فلما انتهى إلى الهباءة أمن لبعدها عن الطلب، ~~فرمى بنفسه إلى الماء ليبترد، فاتفق لحاق قيس به مع عدة من ذويه، فقتلوا عن ~~آخرهم. # ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم # PageV01P309 # أشار بالظلم إلى ما جرى بينهم في أمر داحس والغبراء، وإنكاره السبق، ~~وركوبه البغي. وقوله " ما طلع النجوم " ينتصب على أنه بدل من الدهر. ~~والمعنى: لولا ما أسلفه من الظلم لاقتضى ما يجمعنى وإياه من الأحوال ~~والذمم، والتشاجر والرحم البكاء ms0241 عليه مدة الدهر. وقوله " ما طلع " بمنزلة ~~المصدر، وقد حذف اسم الزمان معه. والمارد بذكر الدهر الكثير والمبالغة ~~والتأييد. وقد بينه بقوله " ما طلع النجوم "، لأنه على ذلك يصح أن يكون ~~بدلا منه. فمعنى " عليه الدهر " عليه طوال الدهر، وامتداد الدهر. # ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغي والبغي مرتعه وخيم # يقول: استعمل البغي واستوبل العافية، واستذم المرتع، ومن بغي عليه فإنه ~~ينصر. ويقال: بغى الرجل على فلان، أي جار. وبغى الفرس في عدوه، وهو فرس ~~باغ، وذلك إذا اختال ومرح. وإذا استعمل في الفخار والاستطالة فهو من هذا. ~~والوخامة: الثقل يعرض من الطعام. يقال وخم وخامة فهو وخيم ووخم، أي لا ~~يستمرأ. # أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحلين # يقول: احتمالي من عشيرتي، واستعمال الحلم معهم، هو الذي جسرهم علي فيما ~~أظن، ودلهم على قصدي واهتضامي على ما يتبين. ثم قال " وقد يستجهل الرجل ~~الحليم " أي إذا أحوج الحليم وأحرج فقد يتكلف ما لا يكون معهودا في طبعه، ~~ولا موجودا من خلقه. وإنما نبه بهذا الكلام على أنه يتحلم عن الأدبين، ~~ويصبر على أذاهم، وأنه لما عيل صبره وحمل فوق ما في وسعه، خرج عن المعتاد ~~منه إلى غيره. ### || وقال مساور بن هند # سائل تميما هل وقيت فإنني ... أعددت مكرمتي ليوم سباب # PageV01P310 # يقولك سائل تميما هل كان مني وفاء بما تضمنته لجاري، فإني رجل نظار في ~~أعقاب الأحاديث، مهتم بإعداد المكارم ليوم النفار، شديد النزاع في مجالس ~~الفخار. كأنه يقرر خصماءه على ما كان من وفائه، ليسقط التبعة عنه فيه، ~~وينبه على أنه يراعي أفعاله فيخلصها مما يعد سيئة وسبة ووصمة في حسبه. # وأخذت جار بني سلامة عنوة ... فدفعت ربقته إلى عتاب # عتاب هذا كان معتصما بحبله، ومستظهرا بذمته، فلحقه من بني سلامة اهتضام ~~في أمر، فجاء مساور ومكنه من جارهم، وأعطاه ربقته ليتحكم فيه، ويشتفي لما ~~لحقه منهم. وهذا الكلام بيان لكيفية وفائه والخروج إلى جاره مما كان تضمن ~~له. وقوله " عنوة " أي قهرا، وهو مصدر في ms0242 موضع الحال. ويقال: أخذ بلد كذا ~~عنوة، أي قهرا بالسيف. والربقة: الحبل يشد في عنق البهم، وقد توسعوا فيه ~~فقالوا: خلع فلان ربقة الإسلام. وقوله فدفعت ربقته "، هو كما يقال دفعت ~~مقادته. # وجلبته من أهل أبضة طائعا ... حتى تحكم فيه أهل إراب # الهاء من " جليته " ترجع إلى دار بني سلامة. وأبضة: اسم ماء. وقوله " ~~جلبته طائعا " تنبيه على أنه وإن لزمه لجاره الانتقام له من خصمه ومهتضميه ~~فقد تبرع له بما لم يكن عليه، وتكلف فيه ما لم يلزمه. وإراب: موضع، وقيل ~~إراب: ماء لبنى العنبر. وأبضة: ماء لطيئ. والأبض كالعقل، ومنه المأبض في ~~الرجل. وقيل للغراب مؤتبض النسا، لأنه يحجل فكأنه مأبوض. # قتلوا ابن أختهم وجار بيوتهم ... من حينهم وسفاهة الألباب # يشهر بفعلتهم الذميم ويندد، فيقول: قطعوا الرحم ونقضوا العهد، وارتكبوا ~~ما كان محظورا في الدين والمروة، والعهد والذمة، فقتلوا جارهم وابن أخيهم، ~~بخفة عقولهم، واقتراب هلاكهم. والسفه: الخفة في الأصل، ومنه قيل زمام سفيه، ~~إذا كان كثير الاضطراب، ومنه قيل: تسفهت الريح الغصن، وتسفهته عن ما له. ~~واللب: العقل، والفعل منه لب يلب. وقالت صفية بنت عبد المطلب: أضربه لكي ~~يلب، ويقود الجيش ذا الجلب. # غدرت جذيمة غير أني لم أكن ... أبد لأولف غدرة أثوابي # غيرهم باستعمال الغدر وترك الوفاء للجار، ثم برأ ساحته من تعاطي مثل ~~فعلهم، ونزه نفسه عن ارتكاب نظير ما ارتكبوه. فأما قوله " لم أكن لأولف " ~~فاللام فيه # PageV01P311 # لام الجحود، وانتصاب الفعل بأن مضمرة بينه وبين اللام. وموضع " لا ولف " ~~نصب على أنه خبر كان، وانتصاب غير على أنه استثناء منقطع. وذكر الثوب على ~~عادتهم في الكناية عن النفس. وعلى هذا قوله: # نبيت أن دما حراما نلته ... فهريق في ثوب عليك محبر # وقد قيل معنى قوله تعالى: " وثيابك فطهر "، أي نفسك. ويقولون على هذه ~~الطريقة: فلان غمر الرداء، وعفيف الحجزة، والمراد النفس. وعلى هذا قول ~~النابغة: # رقاق النعال طيب حجزاتهم # وقول الهذلي: # تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها # وإذا فعلتم ms0243 ذلكم لم تتركوا ... أحدا يذب لكم عن الاحساب # الخطاب يوجه إلى جذيمة وهو منهم، ولذلك جعل لهم أحسابا يحتاج إلى الذب ~~عنها، وينصح لهم بالإبقاء عليها، وترك الأفعال التي تدعو إلى البراءة منهم ~~ومنها، لكنه أخرج نفسه مما عصب من الذم بهم، وألزمهم من ذميم القول في ~~شيمهم وطرقهم، فقال: إذا ركبتم من شنيع الغدر مثل ما أنكرته اشتهر أمركم، ~~وانتفى النسيب والغريب من ملا بستكم، وخلي بين القادح في أحسابكم وأعراضكم ~~وبينكم، فلا يذب عنكم ذاب، ولا يدافع دونكم مدافع، وتفردتم بالعار اللاحق، ~~والتهجين العائد. ### || وقال العباس بن مرداس # أبلغ أبا سلمى رسولا يروعه ... ولو حل ذا سدر وأهلي بعسجل # PageV01P312 # رسول امرئ يهدي إليك نصيحة ... فإن معشر جادوا بعرضك فابخل # يخاطب بقوله " أبلغ " صاحبا له، يقول أد إلى أبي سلمى رسالة تفزعه على ما ~~بيننا من البعد، وعلى استيطانه ذا سدر ونزول أهلي بعسجل. وذو سدر: موضع فيه ~~السدر، وهو شجر النبق. وعسجل: موضع من حرة بني سليم، وبينهما مسافة بعيدة. ~~والرسول يقع على المراسل والرسالة جميعا، ويجري مجرى المصادر، فيقع على ~~الواحد فما فوقه، ومجاز " لوحل " مجاز الشرط، فهو يفيد معنى إن، كأنه قال: ~~أبلغه ذلك فإني لا أذخره نصحي، وإن بعد عني وعن عشيرتي. وانتصب " رسول " من ~~البيت الثاني على أنه بدل من رسولا يرعه. ونقل الكلام في البيت الثاني عن ~~الإخبار إلى الخطاب، لتكون الوصاة أنجع، والرسالة أبلغ. وإنما قال " رسولا ~~يرعه " لما فيه من التحذير. فيقول: أد إليه رسالة رجل منتصح متقرب، وعلى ما ~~يكون فيه صلاحه وخلاصه منبه. وقوله " فإن معشر جادوا بعرضك " تعريض بمن كان ~~يغشه ويخونه، ويداجيه فيما استشاره فيه فلا يصدقه. وارتفع " معشر " بفعل ~~مضمر " جادوا " تفسيره؛ لأن إن بالفعل أولى، والمعنى: إن عرضك من لا يهمه ~~سلامة عرضك لما فيه ذهاب النفس وتلف المهجة، وتسخى بك وبما يجمعك وإياه من ~~أسباب المودة واللحمة، فابخل أنت به وتماسك، قبيل فوت الوقت، وانظر ليومك ~~وغدك قدام تولي الأمر. # وإن بوءوك مبركا ms0244 غير طائل ... غليظا فلا تنزل به وتحول # يقال: بوأته مبوأ صدق، أي أحللته. والمباءة: المنزل. يقول: وإن حملوك على ~~مركب غير وطئ يسومونك فيه خسفا، وأنزلوك منزلا خشنا حزنا يؤثر في ثفنات ~~الإبل فيدميها، ويستوعره الركب فلا يرونه منزلا لها، فلا ترض به، وانتقل ~~عنه. وهذا مثل لما عرضوه له، ويبعثه بضربه إياه على محاذرته، وتصور الأمر ~~معهم بصورته. وقوله " غير طائل " يجب أن يكون من الطول: الفضل؛ يقال: طال ~~عليهم طولا فهو طائل. والمعنى: لا خير فيه فيطول على غيره. ومثل هذا البيت ~~قول امرئ القيس: # هو المنزل الآلاف من جو ناعط ... بني أسد حزنا من الأرض أوعرا # وقوله " فلا تنزل به " الفاء مع ما بعده جواب الشرط في قوله وإن بوءوك. ~~وموضع فلا تنزل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فأنت لا تنزل به. # PageV01P313 # ولا تطعمن ما يعلفونك إنهم ... أتوك على قرباهم بالمثمل # أخرج ما قدمه من التمثيل لكيدهم وسوء دخلتهم، وما يجب عليه من الأخذ ~~بالتحرز معهم، وترك الاستناخة في المبرك الذي اختاروه، والمبوأ الذي أعدوه، ~~في معرض آخر. والمعنى: وما يعد قرى لك فتجنبه ولا تتناوله، فإنهم هيئوا لك ~~به سما قاتلا فلا تطعمه والمثمل، هو السم الذي قد خلط به ما يقويه ويهيجه، ~~ليكون أنفذ. ويقال للصوفة التي توضع في الهناء عند طلي البعير به. الثملة، ~~وهو مما ذكرت. قال الزاجز: # كما يلاث في الهناء الثملة # وقوله " أتوك على قرباهم " يجوز أن يريد به على تقربهم وتنصحهم، ويجوز أن ~~يريد به على قرابتهم وتشابك الأحوال بينك وبينهم. وإنما تنقل في المثل بعد ~~المثل تأكيدا للقول عليه في محاذرتهم، وإنذارا في الركون إليهم، والاستنامة ~~إلى ناحيتهم. # أبعد الإزار مجسدا لك شاهدا ... أتيت به في الدار لم يتزيل # هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فهو تقريع وإنكار، وتنبيه وإنذار، ~~فيما يضرب المخاطب عنه، ويغفل دونه، مع كونه أعدل شاهد على سوء نيتهم، وخبث ~~طويتهم، ومع خروجه عن حيز الاستدلال عليه إلى المشاهدة، ومن خلل ms0245 الخفاء ~~والتشكك إلى ظاهر الضرورة. فيقول: أتغتر بهم، أو تستريب بما أحذرك منهم، ~~بعد ظهور أمرهم وانكشاف قصدهم، وبعدما أتيت به في الدار من الإزار المتلطخ ~~بدم ابن عمك، وقد يبس عليه ولم يتزيل عنه. فقوله " بعد الإزار " يتعلق بفعل ~~مضمر قد دل عليه خبيئات القصة المحكية. والمجسد: الثوب المشبع صبغا. ~~والجساد: الزعفران. ومعنى لم يتزيل: لم ينفك مما خالطه منه. # أراك إذا قد صرت للقوم ناضحا ... يقال له بالغرب أدبر وأقبل # الناضح: البعير الذي يستقى عليه الماء. والنضح من الحياض: ما قرب من ~~البئر فيفرغ الماء من الدلو فيه، وهذا الكلام صدر عمن نصح جهده وبين لموعظه # PageV01P314 # رشده، فلما لم يتلق بالقبول قوله جعله قضية منه على المخاطب، بسوء ~~الاختيار، وركوب الاغترار، وأظهر أنه قد صار من التضجر به ورفع الطمع عنه ~~وعن صلاحه، في حكم اليائس من فلاحه، والممسك عن وعظه وإبلاغه، لكونه في حكم ~~المسخر لهم حتى لا رأى له ولا اعتبار، ولا تدبر ولا اختيار. فقال: أراط قد ~~صرت معهم بمنزلة البعير الذي يستقى عليه، طاعة وانقيادا، فيقال له أدبر ~~وأقبل بالغرب. والمعنى تسام ما تسام فتلتزمه وتنقاد، فعل ذلك البعير. ومعنى ~~" يقال له " أي يحمل على ذلك. والتصرف في القول على وجوه كثيرة من المجاز. # فخذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها مقال لامرئ متذلل # هذا الكلام خروج عن عهدة ما يفعله المخاطب، وبراءة إليه مع الإنكار عليه ~~والتنبيه على موضع الخطأ فيه، فيقول: وكلتك إلى نفسك، ونفضت يدي من ~~مراجعتك، فأرض بما عليه تدار، وابذل ما تراود عنه وتسام، عالما أن مثله لا ~~يرضى به عزيز، ولا يلتزمه آنف؛ وفيه مع ذلك نظر وجدال لمن يتذلل: هل هو ~~خطته أيضا. والمعنى: إنك تركب ظهرا لا يقتعده المتكلف للذل فكيف العزيز. ~~ويجوز أن يكون المعنى: فيها للناس، إذا تذاكروا الأحوال والخطط، نظر وكلام ~~مبسوط: هل يرضى بمثله المتذلل أو لا. ويجوز أن يريد: إن الذليل يتكلم فيمن ~~يرضاها خطة ويعيره إياها، فكيف يكون خطة للعزيز. وهذا الوجه ms0246 أبلغ الوجوه ~~الثلاثة وأدقها. ### || وقال العباس بن مرداس # أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا ... وتترك أرماحا بهن نكايد # هذا مثل. والمعنى: أتعين أعداءنا علينا، لأن من أحد سلاح العدو الذي ~~يقاتل به، وترك سلاح صاحبه الذي يكايده فقد أعانه عليه. وإنما خص من بين ~~العدد الرماح لأنها كأنها أخص بهم. وقوله " وتترك أرماحا " أراد وتترك شحذ ~~أرماح، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون في كنى بالأرماح عن الرجال. والمعنى: ~~أتهيج أصحاب عدوي علي، وتسددهم نحوي، وتترك أصحابي الذين بهم أكابد، فلا ~~تقوى في القتال والصبر رأيهم ولا تمر في الثبات عزائمهم، ومن المعروف ~~قولهم: فلان سيفي # PageV01P315 # ورمحي، في الذي يستظهر به عند ملاقاة الأعداء وفلان ترسي وجنتي، فيمن ~~يتقى به من الأسواء. وإنما قال في هذا الوجه أرماحا بأيدي عدونا لأنه إذا ~~كنى عنهم بما يكون آلة جعلها باليد. ويقال شحذت السكين، إذا أحددته. والباء ~~من قوله " بأيدي " يتعلق بمضمر، كأنه قال أرماحا مستقرة وحاصلة بالأيدي. ~~والعدو يقع على الواحد وعلى الجمع. وفي القرآن " فإنهم عدو لي ". # عليك بجار القوم عبد بن حبتر ... فلا ترشدن إلا وجارك راشد # هذا الكلام بعث وتحضيض على مراعاة العهود والذمم، وصيانة الجار من ~~الاهتضام، وإن لام فيها اللوائم. فيقول: انتصف لجارك وانتقم له بأن تؤثر في ~~جار القوم، فإنك لا تكون راشدا إلا وقد رشد جارك معك. ويقال رشد يرشد، ورشد ~~يرشد، لغتان. والباء من قوله: " بجار " يتعلق بعليك، لأن معنى عليك خذ. ~~ويقال خذ كذا وخذ بكذا. يقال أيضا عليك كذا وبكذا. ودخول النون الخفيفة في ~~قوله " ترشدن " لأنه ليس بواجب فهو يجري مجرى الأمر والنهي والاستفهام. # فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر ... فخذ خطة يرضاك فيها الأباعد # الضمير في " فيها " للفعلة والخطة. ألا ترى قوله " فخذ خطة يرضاك فيها ~~الأباعد ". والمعنى: إن تسخط ما تتكلفه لجارك من الذب عنه والانتقام له ~~هؤلاء القوم فلا تبال بهم، وخذ في أمره ما يحمدك الأباعد دون الأقارب، فإن ~~الأخبار إذا انتشرت عنك بالوفاء استرجحك الأجانب. وخذل الجار وتسليمه ms0247 ~~إيثارا لهوى الأقارب، ومجانبة لكراهتهم، يجلب الذم ويلحق العار. # إذا طالت النجوى بغير أولي القوى ... أضاعت وأصغت خد من هو فارد # هذا بيان الرأي في قبول ما أشار به، وترك التعريج على غيره. والعامل في " ~~إذا طالت " أضاعت، وهو جوابه أيضا. فيقول: إذا طالت المناجاة وامتدت ~~الاستشارة مع غير أرباب الآراء القوية ضيعت المستشير وأمالت خده، وصار في ~~الانفراد بما يعانيه بمنزلة من لا ناصر له ولا مشير، لوقوع التشاور على غير ~~حده، وتقصير المشير في القيام بواجبه، وقد جمع بين فعلين في قوله " أضاعت " ~~و " أصغت " فأعمل الثاني، وهو المختار عند أصحابنا البصريين. ويجوز أن يكون ~~مفعول أضاعت غير " خد من " فحذفه، كأنه قال أضاعت ربها. وكان الحكم في هذا ~~الوجه أن يقول لو أظهر المفعول: وأصغت خده لكونه فاردا وحيدا، لكنه لما كان ~~الآخر هو الأول وقد # PageV01P316 # حذفه، لم يبال بإظهاره، لأن الذي هو فارد رب النجوى لا غير. ومعنى إصغاء ~~الخد الإذلال والانحراف للفتور والخجل. والقوى: جمع قوة، وأصلها طاقات ~~الحبل، ثم استعملت في الآراء والعزائم. وأصل النجوى المسارة، فاستعيرت ~~للمشورة لأنها في أكثر المواضع تقع بها. ويقال: فلان نجي فلان، وتناجوا ~~فيما بينهم وانتجوا، وهم نجوى، وصف بالمصدر. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # ومن لا يكن ذا ناصر يوم حقه ... يغلب عليه ذو النصير ويضهد # فحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد # يقول: حارب من قصد جارك وأعان عليه، ولا تقعد عن نصرته والانتصار له، فإن ~~لم يعاونك فيما ترومه مواليك، وتأخروا عن النهوض معك، فاستعن بالسيف، فإن ~~فيه مولى لك لا يخذلك، ولا يتباطأ عنك. وهذا كما قال غيره: # أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر # والمحاردة أصلها في قلة اللبن، واستعير في قلة الموازرة والمظاهرة. وقوله ~~" فإن مولاك " ارتفع مولاك يفعل مضمر ما بعده. تفسيره، لأن إن بالفعل أولى. ### || وقال أيضا: # وهذه الأبيات تعد من المنصفات: # فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا # أشار بالحي إلى قوم معهودين. ms0248 يقول: لم أر مغارا عليه كالذين صبحناهم، ولا ~~مغيرا مثلنا يوم لقيناهم. فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، ~~وتناول بالمدح كل فرقة منهم. وانتصب قوله " حيا مصبحا " على التمييز، وفيه ~~دلالة على جواز قول القائل: عندي عشرون درهما وضحا. وكذلك قوله فوارسا ~~تمييز وتبيين. # PageV01P317 # ويجوز أن يكون الأول والثاني في موضع الحال، والمصبح الذي يؤتى صبحا ~~للغارة، ويستعمل في الخير أيضا، يقال: صبحك الله بخير. فإن قيل. لم قال ~~فوارس والتمييز يؤتى به موحد اللفظ. قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد واختلاف ~~الجنس من المميز يؤتى بالتمييز مجوع اللفظ متى أريد التنبيه على ذلك. وعلى ~~هذا قول الله تعالى: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا "، كأنه لما كانت ~~أعمالهم مختلفة كثيرة، نبه على ذلك بقوله: أعمالا ولو قال عملا كان السامع ~~لا يبعد في وهمه أن خسرهم كان لجنس واحد من أجناس المعصية، أو لعمل واحد من ~~الأعمال الذميمة. فكذلك قوله " فوارس " جمعه حتى يكون فيه إيذان بالكثير. # أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا # المصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو أسد، والمصراع الثاني إلى عترته ~~وأصحابه. والمراد: لم أر أحسن كرا، وأبلغ حماية للحقائق منهم، ولا أضرب ~~للقوانس بالسيوف منا: وانتصب القوانس من فعل دل عليه قوله " وأضرب منا ". ~~ولا يجوز أن يكون انصابه عن أضرب لأن أفعل الذي يتم بمن لا يعمل إلا في ~~النكرات، كقولك: هو أحسن منك وجها. وأفعل هذا يجري مجرى فعل التعجب، ولذلك ~~تعدى إلى المفعول الثاني باللام، فقلت ما أضرب زيدا لعمرو. وقول الله ~~تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته "، موضع حيث نصب مما دل عليه أعلم. ~~والقونس، قال الدريدي: هو أعلى البيضة وقال غيره: قونس الفرس: ما بين أذنيه ~~إلى الرأس. ومثله قونس البيضة من السلاح. # إذا ما حملنا حملة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح الدواعسا # يروى: " إذا ما شددنا شدة ". يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا، ~~ونصبوا صدور الخيل القرح، والرماح المعدة لذلك. ولدعس: الدفع في الأصل، ثم ms0249 ~~يستعمل في الطعن وشدة الوطء والجماع. والذكاء: ضد الفتاء. ويقال فرس مذك، ~~إذا تم سنه وكمل قوته. وفي المثل: " جرى المذكيات غلاب ". ويقال " غلاء ". ~~ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان، أي حزامته على نقصان سنه كحزامة ~~ذاك مع استكماله لسنه. وقال زهير بن # PageV01P318 # أبي سلمى: # يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء # إذا الخيل جالت عن صريع نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابسا # يقول: إذا الخيل دارات عن مصروع منا كررنا عليهم لنصرع منهم مثل ما صرعوا ~~منا. ويجوز أن يريد: إذا جالت الخيل عن صريع منهم لا يقنعنا ذلك فيهم، بل ~~نكرها عليهم لمثله، وإن كرهت الكر لشدة البأس فلم ترجع إلا كوالح. والعامل ~~في قوله " إذا الخيل " نكرها، وهو جوابه أيضا. وإلا عوابسا في موضع الحال، ~~وقوله " الخيل " ارتفع بفعل مضمر ما بعده تفسيره. ### || وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني # ألا حييت عنا يا ردينا ... نحييها وإن كرمت علينا # هذا على كلامين. و " ألا " افتتاح. والتحية، قال بعضهم: هي الوداع ها ~~هنا، يقول: ألا أبلغت وداعنا يا ردينة. ثم قال: نحييها، أي نودعها وإن عزت ~~علينا مفارقتها. ويجوز أن يكون دعا لردينة مبتدئا فقال: جزاك الله عنا، أي ~~تولى الله ذلك من دوننا، ثم راجع نفسه فقال: نفعل ذلك على فخامة موقعها ~~منا، وجلالة محلها من قلوبنا، إذا كنا لا نقدر لها على غير ذلك. وقوله " ~~نحييها وإن كرمت " يسمى التفاتا، كأنه التفت إلى من معه فقال ذلك. # ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماتنا وقد احتوينا # توصل بمخاطبتها إلى اقتصاص الحال التي يريد شرحها، فأخذ يباثها فيقول: لو ~~رأيتنا غداة جئنا على حزازات في النفس، واحتراقات في الجوف والصدر، من ~~الغيظ والحقد، وقد حوينا أموال إعدائنا، واستبحنا حريمهم، وملأنا أيدينا من ~~غنائمهم. هذا إذا رويته بالحاء غير معجمة. وروى بعضهم: " اختوينا " بالخاء ~~المعجمة، ويكون افتعل من الخوى والمعنى: خوت أفئتدتنا من الود، كقول الآخر: # وإذ صفرت عياب الود منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام ms0250 # PageV01P319 # وأجود منها " وقد اجتوينا " بالجيم، وهو افتعل من الجوى، كأنه يريد ما ~~اشتمل الجوانح عليه من العداوة حتى صار جوى. والأضم: الغضب. ومع ذكر الأضم ~~اجتوى بالجيم أشبه، وهو أقرب. وجواب لو محذوف، لأن الأفعال التابعة لهذا ~~البيت جميعها مقصور على بيان القصة، وشرح أحوال الوقعة. وقد بينت فيما تقدم ~~أن حذف الجواب من مثل قول القائل: لو رأيت زيدا وفي يده السيف، أدل على ~~التهويل والتفخيم من إثباته. # فأرسلنا أبا عمرو رببئا ... فقال ألا انعموا بالقوم علينا # يقول: توجهنا نحوهم وأنقذنا من قبلنا من ارتبأ لنا، فعاد مبشرا وقال: ~~قروا عينا واستبشروا، فقد أقبلوا. وهذا مما يترجم عن محبتهم لملاقة ~~الأعداء، وحرصهم على القتال، وتشوفهم للمجاذبة والنزاع، حتى عدوا قربهم ~~بشارة، والالتقاء معهم غنيمة. وهذا عندي أبلغ من قول الآخر: # يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا # ومن قوله: # لقاء أعاد أم لقاء حبائب # وقوله " عينا " انتصب على التمييز، وهو من باب ما نقل الفعل عنه ووضع ~~النكرة فيه موضع المعرفة، لأن الأصل في قررت به عينا: قرت عيني. ومثله ~~قولهم: يتصبب عرقا، ويتفقأ شحما. وفي القرآن: " واشتعل الرأس شيبا ". # ودسوا فارسا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدبنا # يقول: وجهوا فارسا ليندس في أثناء خيلنا، ويعرف سرنا وعلننا، ويقف على ~~عددنا وعدتنا، فيرجع إليهم بواضح الأحوال والأخبار، فخليناه والانصراف ~~إليهم، ولم نستعمل غدرا في احتباسه عندنا، وطي أخبارنا عنهم. وأصل الدس: ~~إخفاء الشيء تحت غيره. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " ويقال: اندس إلى ~~فلان، أي أتاه بالنمائم. فإن قيل: ما فائدة ذكر الغدر ها هنا والفارس الذي ~~أنفذوه جاسوسا لم يكن اتخذ منهم أمانا، ولا اشترط عليهم شرطا يوجب سلامته ~~به مع مخالطته لهم. قلت: كأن المراد لم نستعمل مكرا باحتباس الرسول، إذ كان ~~في منعه من الانصراف إليهم انطواء أخبارنا عنهم، فيكون كالغدر بهم وبه. ~~ويجوز أن # PageV01P320 # يكون ذلك الفارس الذي ظهر لهم ثقة بالمعرفة بينه وبينهم، فعد ظهوره أخذا ~~للأمان عليهم. ويجوز أن يكون ms0251 سمى ترك أقرب الأمرين إلى الكرم والوفاء معه ~~غدرا، ثم برأ ساحته منه. # فجاءوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيف نركب وازعينا # يقول: تسارعوا مقلبين نحونا، وكأنهم في كثرتهم وتعجلهم قطعة من السحاب ~~فيها برد - ووجه التشبيه أن لهم حفيفا ووقعا شديدا متهافتا، كما يكون لذلك ~~السحاب - ونحن لكثرتنا وإتياننا على ما يعترض في طريقنا كالسيل الذي لا ~~يبقي ولا يذر. ومعنى " نركب وازعينا " أي لا ننقاد لمن يريد ضبطنا، ولا ~~نطاوع من يطلب كفنا من الجيشين جميعا. ولم يثن " وأزعينا " لأنه يشير إلى ~~رجلين، لكنه أراد الكثرة والجنس بالوزاع، ثم ثنى مبينا اختلاف الطائفتين من ~~الخيلين. ولا يجوز أن يروى " وزعينا " بكسر العين لما يحصل من العيب ~~بالسناد مع ارتفاع الضرورة. # فنادوا يا لبهثة إذ رأونا ... فقلنا أحسنى ضربا جهينا # يقول: لما شارفناهم استغاثوا ببني بهثة معتزين إليهم، ومستمدين منهم، ~~فاستثرنا نحن أيضا في مقابلة ما فعلوا بنى جهينة، وهززناهم للضرب فيهم، ~~والإيقاع بهم. وإنما يستعملون الاعتزاز في مثل هذه الحالة تهويلا للأمر، ~~وتكثيرا للعشيرة، ليستشعر كل من الفريقين الرعب من صاحبه، والتهيب له. ~~واللام من " يا لبهثة " لام الجر، وتعلقت بيا: حرف النداء. ولا يجوز أن ~~يقال تعلقت بالفعل الذي دل عليه يا، لأن ذلك الفعل لما لم يخرج إلى الوجود ~~سقط حكمه. وفتحت لوقوع المنادى موقع المضمر. وبهثة مدعوة، والجار مع ~~المجرور في موضع نصب لأنه منادى. وقوله أحسني ضربا " يجوز أن يكون ضربا ~~مفعولا به من أحسني، ويجوز أن يكون في موضع الحال أي ضاربة. ويروى: " أحسني ~~ملأ "، ومعناه خلقا. والمراد مخالقة أهل الحرب والمستنصرين؛ وهذه رواية أبي ~~زيد. وقال ابن السكيت: معناه أحسني تمالؤا أي تعاونا. ويقال مالأت على ~~فلان، وكأنه من قولهم رجل مليء، وقد ملؤ بملؤ ملاءة وملاء. # سمعنا دعوة عن ظهر غيب ... فجلنا جولة ثم ارعوينا # يقول: قرع أسماعنا في أثناء التهيؤ والتطالع دعوة تأدت من مكان غائب عن ~~عيوننا، فدرنا دورة ثم رجعنا إلى أماكننا. وهذا يجوز أن يكونوا خافوا ~~الكمين # PageV01P321 # فجاءوا ms0252 ليتأملوا، فلما أمنوا رجعوا. ويقال: ارعوى عن الجهل ارعواء ورعوى ~~حسنة ورعوى، أي رجع. ويقال: فعل فلان كذا بظهر الغيب، وأتاني خبر عن ظهر ~~الغيب. # فلما أن تواقفنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا # هذه المواقفة التي أشار إليها، يجوز أن تكون للتعبية والتهيئة، ويجوز أن ~~تكون لتداعي الأبطال والمبارزة، واعتراضهم بين الصفين للمطاعنة. وقوله " ~~قليلا " يجوز أن يريد به زمانا قليلا، فيكون ظرفا، ويجوز أن يريد به: ~~تواقفا قليلا، فيكون صفة لمصدر محذوف. والصفات تنوب عن المصادر والظروف ~~كثيرا. وجواب لما " أنخنا "، ومفعوله محذوف. والمعنى: إنا بعد المطاردة ~~نزلنا، وأنخنا للصدور فتناضلنا. # فلما لم ندع قوسا وسهما ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا # تلألؤ مزنة برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسياف ردينا # يقول: لما مللنا الطراد والرماء، بإفناء النبال وتعطيل القسى لانقطاع ~~الأوتار، مشى بعضنا إلى بعض للكفاح والجلاد، طلبا للاشتفاء، كأنهم تنقلوا ~~في درج القتال ومراتبه، حتى بلغوا أعلاها وأصعبها، وأولاها بدرك الثأر ~~وأحقها. ولهذا لما سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب عن ~~أنواع السلاح، وانتهى إلى ذكر السيف، قال " عنده تثكل الأمهات ". وانتصب " ~~تلألوء مزنة " على أنه مصدر مما دل عليه " مشينا نحوهم ومشوا إلينا "، لأن ~~في ذلك تلألوء السلاح من الجانبين جميعا، ووميض كل واحدة من الطائفتين ~~جميعا للأخرى. وقوله " إذا حجلو بأسياف ردينا "، أي إذا كان مشيهم إلينا ~~حجلا كان مشينا إليهم رديانا. والرديان فوق الحجلان، لأنه مشي الحمار بين ~~آريه ومتمعكه، فهو أسرع من الحجلان، إذ كان في الحجلان تقارب الخطو كمشي ~~المقيد ووثبته. فيقول: تلألأنا لوفور أسلحتنا، وبريق دروعنا وبيضنا، وإيماض ~~أعيننا، تلألؤ سحابة برقت لسحابة أخرى قابلتها. وقال أبو زيد: هذا من رديان ~~الجواري إذا لعبن ترفع إحداهن رجلا وتخطو بأخرى خطوتين، ثم تضعها وترفع ~~الأخرى، تفعل ذلك مرارا. قال: والغراب يردي ويحجل. # شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وقتلت قينا # وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا # PageV01P322 # يقول: حملنا عليهم حملة منكرة، فأصبنا منهم ثلاثة من الفتيان، وقتلت ~~قينا. وقين: ms0253 اسم رجل كان مشهورا فيهم بالبأس والنجدة، فلذلك عين عليه. ~~وقوله " ثلاثة فتية " فتية من أبنية القليل، كغلمة وصبية، ولذلك أضاف ~~الثلاثة إليها. وبناء الكثير الفتيان. و " شدوا شدة أخرى "، يقول: وحملوا ~~حملة فأصابوا منا مثل ما أصبنا منهم، وارتث من قتلانا مثل ما ارتث من ~~قتلاهم، ورموا جوينا أخى. قوله " بأرجل مثلهم " لو قال أمثالهم لجاز، وفي ~~القرآن: " ثم لا يكونوا أمثالكم "، وفي موضع آخر: " يرونهم مثليهم رأي ~~العين "، وفي موضع آخر: " إنكم إذا مثلهم ". وهذه الأبيات تسمى المنصفة، ~~لما تقابل فيها من صفات الجيشين على وجه التعادل، وسنن التصادق. إن قيل ما ~~فائدة قوله " شدة أخرى "، ولم يكن قد تقدم لهم أولى؟ قلت: يجوز أن يكون ~~أراد توالي بيننا حملتان: الأولى منا، والأخرى منهم، لأن قصده اقتصاص الحال ~~الدائرة بينهم. ويجوز أن يكون أراد أن يبين أنهم كانوا السابقين ~~والمبتدئين، فوصف شدتهم بالأخرى ليعلم أن المتقدم في الذكر كانت الأولى. # وكان أخي جوين ذا حفاظ ... وكان القتل للفتيان زينا # فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا # نبه على أنه بحسن محافظته على الشرف، وجميل مدافعته دون العشيرة ثبت حتى ~~قتل، وأن قتله كانت قتلة محمودة تزين ولا تشين. وقوله: فآبوا بالرماح ~~مكسرات، وأبنا بالسيوف منحنيات، جعل فيه أعلى الصفتين لنفسه وذويه، وإن كان ~~الظاهر من قصده في الوصف الجري على سنن النصف، يشهد لذلك ما رتبه زهير في ~~قوله: # بطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # ألا ترى أنه جعل الطعن فوق النضل، والضرب فوق الطعان، والعناق فوق ~~الكفاح. وكذلك فعل في الرديان والحجلان، وفي وصف أخيه بحسن الحفاظ عند قوله ~~" ورموا جوينا " في مقابلة " وقتلت قينا ". وأما قول الآخر. # نطاردهم نستنقذ الجرد كا لقنا ... ويستنقذون السمهري المقوما # PageV01P323 # فليس من التناصف في شيء؛ إذ كان المعنى: إنا عند الطعان نذويهم عن ظهور ~~الدواب، فنغنم دوابهم ونفوز بها، وهم يستنقذون رماحنا لأننا نكسرها فيهم ~~إذا طعناهم، ونجرها إياهم فيفوزون بها. فيقول: انصرفوا وقد تكسرت ms0254 رماحهم ~~بالإجرار، ورجعنا وقد تثنت سيوفنا بإعمالنا إياها في البيض والدروع وقت ~~الجلاد. # فباتوا بالصعيد لهم أحاح ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا # يقول: بقوا ليلهم يثنون على الصعيد، وهو وجه الأرض، ولو ساعدتنا الطائفة ~~المجروحة منا، وقدرت على السري لسرينا، لكن كلا منا اضطر إلى الإقامة ~~والتلوم ريثما يثوب إليه القوى بعد لحوق الجهد، ومشارفة الردى. وقد قيل إن ~~الأحاح العطش، والمشرف من الجراح على الهلاك يعطش. وقد قيل إن الأحاح شدة ~~الوجد من الغيظ حتى يسمع له من الصدر صوت، وهو على مثال الأدواء والأصوات ~~جميعا؛ لأن فعالا يكثر فيهما. والكلمى: جمع كليم، وفعلى يكون جمعا لما كان ~~من الزمانة والضرر وأنواع البلايا. وأبنية واحده تختلف. ### || وقال بشر بن أبي # إن الرباط النكد من آل داحس ... كبون فما يفلحن يوم رهان # يروى " أبين فلا يفلحن "، ويروى " كبون " أي سقطن لوجوهها. قال: # فكبا كما يكبو فنق تارز # وهذا الكلام تضجر بما انتتج بين ابنى بغيض عبس وذبيان من الشر، في الرهان ~~على داحس والغبراء، ودعاء على داحس ونسله بألا تفلح في خطار، وأن تأبى ~~النجاح في سباق، فقال: إن الخيل المربوطة المشائيم من آل داحس وداحسا، أبت ~~السبق في حبلة وميدان، والفلاح يوم خطار ورهان. والمعنى: لا جعل الله لها ~~ذلك، فقد ترددنا # PageV01P324 # من البلاء في عمايات لا انكشاف لها. وخبر إن " جلبن بإذن الله " وقوله " ~~كبون فما يفلحن " أو " أبين فلا يفلحن " اعتراض بين إن وخبره. والمعنى معنى ~~الدعاء، فهو كما يقال إن زيدا خذله الله فعل كذا. ومثله في الاعتراض ~~بالدعاء قول الآخر: # ................ # ما لكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما # ويجوز أن يكون الكلام كله إخبارا متجردا عن الدعاء، فيكون معنى كبون ~~وأبين، أنه حصل لهن ذلك. والنكد: جمع أنكد. والرباط: مصدر رابطت، ولذلك وقع ~~على الواحد والجمع. والآل، ذكر البصريون أنه في معنى الأهل، لا فرق بينهما، ~~وأن تصغيره أهيل، وهذا يؤذن بأن أصل ألفه هاء. وحكى ثعلب عن شيوخه أن ~~الأهل، القرابة، متبعا كان أو غير متبع، ms0255 وأن الآل المتبع وإن لم يكن ذا ~~قرابة، فهما لمعنيين. قال: وحكى الكسائي في تصغير الآل أويل، وفي تصغير ~~الأهل أهيل. # جلبن بإذن الله مقتل مالك ... وطرحن قيسا من وراء عمان # أخذ يعتد الخصال المكروهة الحاصلة بها، فيقول: جلب سبق داحس بعلم الله ~~تعالى قتل مالك بن زهير، وتطريح قيس بن زهير من أرض العرب إلى عمان. وكان ~~قيس نذر ألا ينظر في وجه غظفاني أبدا، فدعاه ذلك إلى مراغمة العشيرة، ~~والتباعد في الغربة. وقوله " بإذن الله " من قولك أذنت بالقوم. وفي الحديث: ~~" ما أذن الله لشيء ". وقصد الشاعر أن يذكر ما أعقب سبق داحس من الشر، ~~وألحق من الشؤم. وقوله " جلبن " جعل اللفظ للآل، والمراد داحس، لكنه لما ~~جعل الدعاء لآله استمر في الإخبار على حاله ولم يغير. ويشبهه قول الآخر: # إن ابن ضرار حين أندبه ... زيدا سعى لي سعيا غير مكفور # أراد: إن ابن ضرار زيدا، فذكر الآل والمراد غيره. وهم في كثير من المواضع ~~أقاموا الوالد مقام الولد والولد مقام الوالد، والعشيرة مقام الواحد منها، ~~والواحد مقام # PageV01P325 # العشيرة، لأغراض مختلفة، حين أمنوا الالتباس. ومما يجانس هذا زيادتهم " ~~ذو " و " حي ". أنشد أبو زيد: # يا قر إن أباك حي خويلد ... قد كنت خائفه على الإحماق # وقال الشماخ: # فأدمج دمج ذي شطن بديع # والقصد إلى خويلد وإلى شطن. # لطمن على ذات الإصاد وجمعكم ... يرون الأذى من ذلة وهوان # الملطوم داحس، فجرى على ما بنى عليه الكلام من الإخبار عن نسله وآله. ~~وكان حذيفة بن بدر أرصد فتينا له من بني فزارة لما تغالق هو وقيس على ~~الفرسين في موضع من ذات الإصاد لقب بشعب الحيس لحيس أكلوه فيه وقال لهم: إن ~~جاء داحس متقدما سابقا فالطموه ونهنهوه عن الغاية حتى تتقدمه الغبراء، فمر ~~بهم داحس مبرزا وفعلوا به ما رسم لهم حتى تخلف عن الغبراء، فاجتهد داحس ~~وتكلف من العدو ما لحق بها، وتقدم عليها ثانيا فجاء سابقا. وقوله " وجمعكم ~~يرون الأذى "، يخاطب به بني عبس، وإنما يصف ما ms0256 نيل منهم وركبهم من الهضيمة ~~في فرسهم لما لطم، وفي أنفسهم حين منعوا ما استحق له. واللطم: الضرب في ~~الخد، ثم قيل فرس لطيم تشبيها بذلك. وهذا كما يقال هو ممسوح بالجمال مسحا. ~~وذات الإصاد يريد البقعة التي فيها الإصاد، ويقال هي ردهة بين أجبل. ~~والردهة كالحفيرة يجتمع فيها الماء، والجميع الرداه. # سيمنع منك السبق إن كنت سابقا ... وتقتل إن زلت بك القدمان # هذا يحتمل وجهين: أحدهما أنه جعل الخطاب لصاحب الفرس على المجاز والسعة، ~~والمقصود الفرس، فيقول: تمنع من السبق إن سبقت - وهذا إشارة إلى ما كان ~~منهم من لطم داحس. وقد قدم ذكره - فإن خفت قدماك بك وبرزت ثانيا أتي # PageV01P326 # عليك. ويكون قوله " زلت بك القدمان " على ما فسرناه من قولهم قدح زلول، ~~إذا كان خفيفا. فهذا وجه. والثاني أن يترك الخطاب على ظاهره وحده، فيكون ~~المعنى: سيمنع منك المتفق عليه من الخطر بسبق فرسك، فإن لم يثبت قدماك عند ~~التقاضي به، وفي الدفاع عن نفسك فيما يراد من ظلمك ويرام من هضمك قتلت ~~أيضا. وهذا أقرب وأشبه بالقصة. ### || وقال غلاق بن مروان # هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم ... وأجروا إليها واستحلوا المحارما # قطعوا بالتخفيف يصلح لقيل الفعل وكثيره، فإذا ثقلت لم يكن إلا للتكثير أو ~~التكرير. والشاعر يصف ما أجرى إليه القوم في سبق داحس من قطيعة الرحم، ~~وانتهاك المحرم، واستحلال المحظور المحرم؛ ويقتص ما تنقلوا فيه وتدرجوا ~~إليه حالا بعد حال، وشيئا بعد شيء. وقوله " أجروا إليها " الإجراء يستعمل ~~في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه أجروا فعلهم إليها، والضمير في " ~~إليها " للقطيعة، لأن الفعل يدل على مصدره. وهذا كما يقال: من كذب كان شرا ~~له، أي كان الكذب شرا له. # فيا ليتهم كانوا لأخرى مكانها ... ولم تلدي شيئا من القوم فاطما # البيت على كلامين: صدره إخبار، وعجزه خطاب لفاطمة، وهي أخت لهم. ومثله في ~~أنه كلامين قوله تعالى: " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ". والشاعر قصده ~~إلى إظهار التوجع من الحال، فيقول متمنيا: بودي إن يكونوا لو ms0257 صلة وقرابة ~~غير وصلتهم وقرابتهم، حتى لا يبلغ الجفاء من جهتهم مبالغة في نفوسنا، لأن ~~ظلم ذوي القربى أشد تأثيرا. والشر إذا ورد على الإنسان من مظنة الخير كان ~~أنفذ تحزيزا. فقوله " كانوا لأخرى مكانها " أي لقرابة أخرى مكان هذه ~~القرابة؛ أو لأرحام أخرى مكان هذه الأرحام. وقوله " لم تلدي شيئا " تمنى ~~ارتفاع الوصلة كما تمنى في الأول انقطاع القرابة؛ كأنه ود بعد استبدالهم ~~بالتناصر تدابرا، وبالتواصل تقاطعا، أنهم كانوا منهم غرباء. وقوله " فيا ~~ليتهم " المنادى محذوف، أراد يا قوم ليتهم. # PageV01P327 # فما تدعي من خير عدوة داحس ... فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما # يذم ما أحمدوه من سبق داحس وتبريزه، ويسوئ رأيهم في تبجحهم، ويعرفهم قبح ~~عاقبة ما اختاروه، وسوء مغبة ما شرعوا فيه. وإنما قال " ما تدعي " لأن ~~أصحاب الغبراء كانوا يعللون سبق داحس وينكرونه، فلهذا علق ما حكاه عنه ~~بالدعوى. وقوله " من خير عدوة " أي من نفعه وسناء ذكره. وقوله " فلم تنج ~~منها " رد الضمير على المضاف إليه وهو العدوة. يريد: لم يرجع إليك منها ~~جدوى، ولا ارتفع الأمر فيه كفا. ولما فاتت الغنيمة فيه لم تحصل لك السلامة ~~أيضا. # شأمتم بها حيي بغيض وغربت ... أباك فأودى حيث والى الأعاجما # قال أبو زيد: يقال شأم فلان أصحابه، إذا أصابهم الشؤم من قبله. و " بها " ~~يريد بالعدوة، وهذا تفسير قوله: فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما. يقول: ~~أوقعتم بعدوتها والخطار عليها الشؤم في حيي بغيض: عبس وذبيان، وأحوج أبوك - ~~يعني قيس بن زهير - إلى ترك أرض العرب ومهاجرتها. يعني حين أحرج وأزعج إلى ~~بلاد العجم، حتى صار يواليهم بها، إلى أن مات غريبا بين ظهرانيهم. وأشار ~~بقوله " حيث " إلى عمان وما وراءه. # وكانت بنو ذبيان عزا وإخوة ... فطرتم وطاروا يضربون الجماجما # يقول: كان بنو ذبيان لكم يا بني عبس ملاذا وعزا، وعتادا وظهرا، لما ~~يجمعكم وإياهم من الأخوة، فاطرحتم موات التمازج والتشابك، وتجاوزتموها إلى ~~التجاذب والتقاتل. وهذا تحسير للمخاطب فيما انتقل عنه من موالاة العشيرة، ~~والإبقاء على ms0258 الأحوال الجامعة، وتلهيف فيما انتقلوا إليه من تهييج الحرب، ~~وبسط الأذى والشر، وتنبيه على ما يتعقب أحوالهم إن استمروا عليها من ~~التفاني والتهالك. وكان الواجب أن يقول: فطرتم تضربون وطاروا يضربون، ~~فاكتفى بالإخبار عن إحدى الفلاقتين؛ إذ قد علم أن حال الأخرى كحالها. ومعنى ~~طرتم: تسرعتم، كما قال: # طاروا إليه زرافات ووحدانا # PageV01P328 # فأضحت زهير في السنين التي مضت ... وما بعد لا يدعون إلا الأشائما # أنث الفعل لأن المراد بذكر زهير القبيلة بأسرها، ومعنى يدعون يسمون، كما ~~قال ابن أحمر: # وكنت أدعوت قذاها الإثمد القردا # يريد أسمي، ولذلك تعدى إلى مفعولين، فيقول: صار أسلاف بني زهير ابن حذيفة ~~وأخلافهم لا يسمون قديما ولا حديثا إلا المشائم. والأشائم: جمع أشأم. ~~ويقال: جرت لهم طير أشائم، أي جرت لهم بالشؤم. وقال زهير: # فتنتج لكم غلمان أشأم # أي غلمان أمر أشأم. وقوله " في السنين " يجوز أن يكون ظرفا لأضحت، ويجوز ~~أن يكون ظرفا لقوله " لا يدعون ". وقوله " وما بعد " يراد به وفيما بعد ~~فيكون ما معطوفا على السنين. ويجوز أن يكون موضع " ما " نصبا على أن يكون ~~معطوفا على موضع في السنين لا على لفظه، لأن موضعه نصب لكونه ظرفا. ويجوز ~~أن يجعل ما صلة، كأنه في السنين الماضية وبعدها. ويجوز أن يروى: " ومن بعد ~~لا يدعون "، وهو حسن. وذكر بعضهم أن ما من قوله " وما بعد " لا يجوز أن ~~يكون إلا صلة وزائدة لأن بعد لما جعل غاية ودخله النقصان بحذف ما كان مضافا ~~إليه امتنع من أن يكون مبينا على شيء وخبرا عنه، وإذا امتنع من ذلك امتنع ~~أن يكون صلة لموصول، لأن الذي يكون صلة من الظروف والجمل هو ما جاز أن يكون ~~خبر المبتدأ. وليس الأمر على ما قاله، ألا ترى أن قوله عز وجل: " قال ~~كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم ~~في يوسف ". معناه: ومن قبل الذي فرطتم في يوسف، أي قدمتم. ويجوز أن يراد: ~~ومن قبل تفريطكم، فيكون ما ms0259 مع الفعل في تقدير مصدر. وعلى الوجهين جميعا ما ~~في موضع رفع ومن قبل خبره. وذكر أبو إسحاق الزجاج في ما من الآية ثلاثة ~~أوجه، ما ذكرنا أحدها. وإذا # PageV01P329 # كان الأمر على هذا فما ذكره هذا القائل غير صحيح، لأني قد أريتكه بعد وهو ~~غاية خبرا، وكونه صلة تابع لكونه خبرا، فاعلمه. ### || وقال المساور بن هند # أودى الشباب فماله متقفر ... وفقدت أترابي فأين المغبر # يقول: أدبر الشباب وولى، فهو فائت لا يتتبع، ومطلوب لا يلحق، وعدمت ~~نظرائي وأقراني، فأين بقائي بعدهم، وكيف خلاصي مما اخترمهم وأفناهم. وهذا ~~الكلام توجع وتحسر لما تقضى من شبابه، وعنفوان عمره وتقدم من أقرانه ~~ولداته. أي إذا خلوت منهم، وصرت عائشا في غيرهم فكم عسى أن أبقى بعدهم. ~~ويقال غير إذا مضى، وغير إذا بقي. ويريد بالمغبر هنا البقاء، ويقال: اقتفرت ~~الشيء وتقفرته، إذا تتبعته. # وأرى الغواني بعدما أوجهني ... أعررضن ثمت قلن شيخ أعور # الغواني: جمع غانية، وهي التي تستغني بزوجها عن الرجال، وقيل هي التي ~~تستغني بمحاسنها عن التزين بالحلى. وقال أبو عبيدة: هي المتزوجة، وأنشد ~~لجميل بن معمر: # حبت الأيامى إذ بثينة أيم ... فلما تغنت أعلقتني الغوانيا # وأنشد ابن الأعرابي: # أزمان ليلى كعاب غير غانية # والشاعر يقول متشكيا من الشيب المعتاض من الشباب، ومن الضعف التابع لصحة ~~الجسم، ومن السقوط والانحطاط بعد الجاه عند الغانيات: أرى النساء بعدما كن ~~يجعلن لي عندهن جاها أعرضن عني واطرحنني، وأبدلنني بالحمد ذما، وبالتسمية ~~تلقيبا ونبزا، فمتى ذكرت عندهن قلن هو شيخ أعور. وقوله " أوجهنني " من ~~الوجاهة: المنزلة. يقال وجه وجاهة، ووجهني السلطان وأوجهني: جعل لي جاها ~~ومنزلة. # PageV01P330 # ورجل موجه ووجيه. وقوله " شيخ " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد مضى ~~القول في التاء من ثمت وربت، وأنه علامة التأنيث للقصة. وجعلت تاء مفتوحة ~~فرقا بينها وبين التي تلحق الفعل والاسم. # ورأين رأسي صار وجها كله ... إلا قفاي ولحية ما تضفر # يقول مستمرا في تكلف الجزع إتر ما تولى من الشباب، وباسطا معذرة النساء ~~فيما استحدثن له: ms0260 رأينني قد صلعت وانحسر الشعر عن رأسي حتى صار كله كوجهي، ~~وإلا قفاي فإن به نبذا من الشعر، وإلا لحية لا تقام مقام الذؤابة في الضفر ~~والتجمل. فقوله " لحية ما تضفر " تحسر على ما عدم في رأسه من الضفائر وإن ~~كانت اللحية لم يعتد ضفرها. وقوله " كله " ارتفع على أنه توكيد المضمر في ~~صار، أو على أنه اسم صار، أو على أنه يرتفع بفعله وفعله ما دل عليه قوله " ~~وجها " كأن المراد توجه كله، ويكون كقولك رأيت زيدا قيسيا أبوه، أي تقيس ~~أبوه، ومررت بسرج خز صفته. # ورأين شيخا قد تحنى صلبه ... يمشي فيقعس أو يكب فيعثر # يقول: ورأين شيخا منحني الصلب، محدودب الظهر، يمشي مشية القعسان إذا ~~استمر في المشي، أو يتعثر فيسقط لوجهه. وكان الواجب أن يقول: أو يعثر فيكب، ~~لأن العثار قبل السقوط للوجه، لكنه لم يبال بتغيير الترتيب، لأمنه من ~~الالتباس، وهذا دون ما يجيء في كلامهم من القلب، مثل قوله: # كما أسلمت وحشية وهقا # وكقول امرئ القيس: # كما زلت الصفواء بالمتنزل # ويقال: قعس يقعس، إذا صار أقعس خلقة فيه، وقعس يقعس قعسانا إذا مشى مشية ~~الأقعس تكلفا، ومثله عرج يعرج وعرج. ويقال: أكب زيد فلا يتعدى؛ وكبة الله ~~لوجهه، وهذا على العكس مما عليه أكثر الأفعال. ومثله أقلع الغيم وقلعه ~~الله. # PageV01P331 # لما رأيت الناس هروا فتنة ... عمياء توقد نارها وتسعر # إنما قدم ما اقتصه من ضعفه وكبرته، ليري العذر فيما يعجز عنه من النهوض ~~في الفتنة التي ذكرها، فيقول: لما وجدت الناس قد كرهوا ما ترددوا فيه من ~~فتنة لا يهتدي لوجهها، ولا يقتدر على كشفها، تستعر نارها وتتلهب، ويبتعث ~~شرها فشتمل. ويعني بهذا فتنة ابن الزبير وعبد الملك. وجواب لما منتظر، وهو ~~هنا محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: انقبضنا عن النهوض فيها والحراك، ~~لننظر ماذا تكون. والفتنة العمياء: التي لا يهتدي فيها لوجه أمر، وفصل شأن. ~~والتعمية: التلبيس. ويقال: هو في عميانه، أي عماه، مصدر كالطغيان. # وتشعبوا شعبا فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ms0261 ومنبر # شعبت يكون بمعنى جمعت وبمعنى فرقت. ويقال التأم شعبهم، إذا اجتمعوا بعد ~~تفرق؛ وتفرق شعبهم، إذا تبددوا بعد تجمع. والشعبة: الطائفة، وجمعها شعب. ~~يقول تفرق الناس فرقا، فصار الاختلاف لازما لأهوائهم، والتباين مقترنا ~~بآرائهم، في كل جزيرة أمير المؤمنين ومنبر، يدعو إلى نفسه ويخطب على منبره ~~لجذب الأمر إليه. وقوله " أمير المؤمنين " لفظه معرفة للإضافة المعتادة في ~~هذه اللفظة المألوفة على الحد الذي ترى، لكن التنوين منوي، وإذا كان كذلك ~~كان في حكم النكرات. وإنما ساغ ذلك لأن قوله " أمير المؤمنين " يشار به إلى ~~الحال، أي فيها أمير على المؤمنين، واسم الفاعل إذا أريد به الحال أو ~~الاستقبال كانت إضافته على وجه التخفيف لا على وجه التعريف، ويصير التنوين ~~الذي هو الأصل منويا فيه، وعلى هذا قوله: " عارض ممطرنا " لأن التقدير ممطر ~~لنا. وكذلك قوله عز وجل: " هديا بالغ الكعبة ". وعنى بذلك ابن الزبير ~~ونظراءه ممن كان يطلب الخلافة في أيام عبد الملك بن مروان. وهذا البيت ~~منعطف بما فيه على قوله " هروا فتنة ". # ولتعلمن ذبيان إن هي أعرضت ... أنا لنا الشيخ الأغر الأكبر # يقول على وجه التوعد: لتعلمن هذه القبيلة إن توجهت نحونا أنا لنا هذا ~~الرئيس المشهور الشأن، العظيم الأمر. ويقال: عنى به زهير بن جذيمة العبسي. ~~وقيل هو قيس بن زهير. ويروى " إن هي أدبرت ". والمعنى: إن ولت وأعرضت، ~~فإنها ستعلم أنا نكتفي من دونهم. ويجوز أن يكون المراد بأدبرت: تركت الحق. ~~وجواب إن في قوله: " لتعلمن ذبيان "، وقد مضى مثله. # PageV01P332 # ولنا قناة من ردينة صدقة ... زوراء حاملها كذلك أزور # قوله: " من ردينة " أي من رماح ردينة، وهي امرأة كانت تبيع الرماح؛ فحذف ~~المضاف. والصدقة: الصلبة، والعرب تذكر القناة وصلابتها واعوجاجها، وأنها لا ~~تلين ولا تقبل التقويم والتثقيف، ضاربة بها المثل في الخلاف والإباء، ~~والامتناع والتعسر على من يريد إكراههم، والتصعب على من يريد تليينهم أو ~~الغض منهم. والمعنى: قناتنا لا تستقيم لمقوم، وحاملها لا ينقاد لمجتذب. ~~وعلى هذا قول عمرو بن كلثوم: # عشوزنة إذا عمزت ms0262 أرنت ... تشج قفا المقوم والجبينا # وقول الآخر: # كانت قناتي لا تيلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء # وهذا الشاعر لم يرض بذكر القناة وما جرت به العادة من وصف اعوجاجها، حتى ~~عقبه بقوله " حاملها كذلك أزور "، فزاد على من تقدم كما ترى، وإنما أراد ~~التأكيد والمبالغة وتبيين قوة الامتناع على من يطلب اقتسارهم. وهذا كما ~~يصفون المتكبر بالشوس والصعر والصيد. وقوله: " حاملها كذلك " من صفة ~~القناة، وارتفع حاملها بالابتداء، وقد أخبر عنه بخبرين: كذلك، وأزور. وقوله ~~" كذلك " إذا وقع هذا الموقع لا يغير، بل يكون للمذكر والمؤنث على حال ~~واحدة. وأنشد أبو زيد: # أما أقاتل عن ديني على فرس ... ولا كذا رجلا إلا بأصحابي # والمعنى ولا كما أنا الساعة راجلا. ### || وقال عروة بن الورد # قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ماوان رزح # تقدير البيت: قلت لقوم رزح عشية بتنا عند ماوان في الكنيف: تروحوا. ~~والمعنى بعثتهم على السير في الرواح، وإن كانوا متساقطي القوى كالين، لا ~~حرك # PageV01P333 # بهم، ولا نهوض يقيمهم، هزلى لتأثير السفر فيهم، وظهور أثر الشقة عليهم. ~~وواحد الرزح رازح، ويقال رزح البعير رزوحا، إذا أعيا، وإبل رزحى، وقوم رزاح ~~أي مهازيل ساقطون. والكنيف: الحظيرة من الشجر. # تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح # قوله " تنالوا " جواب الأمر من البيت الأول، وهو تروحوا. والمعنى: سيروا ~~واجتهدوا تنالو الغنى، وتبلغوا حدا من الطلب يفضي بكم إلى الموت المريح ~~الباسط لعذركم. والمبرح: الملح الشديد، ومن هذا وصف الريح بالبارح. ويقال: ~~برح بي الحب، أي اشتد؛ وبرح بي فلان، إذا آذى؛ وأبرح الرجل، إذا أتى ~~بالبرح، والبرح يكون الشدة ويكون العجب، ومنه قول الأعشى: # أبرحت ربا وأبرحت جارا # ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # قوله " ليبلغ " تفسير ما قدمه. ويشير بقوله " عذرا " إلى قاطع الموت لأن ~~المجتهد في طلب الشيء إذا حال أجله دون أمله فقد أعذر، إذ كان قد فعل ما ~~عليه. وقوله " أو يصيب رغيبة " إشارة إلى نيل الغنى. والرغب: اتساع الشيء، ms0263 ~~ومنه بطن رغيب. وقوله " ومبلغ نفس عذرها مثل منجح " أي من أعذر فيما يطلبه، ~~أصابه أو فاته، فقد أنجح. وهذا الكلام وإن كان ظاهره وظاهر صدر البيت الأول ~~أنه يتكرر به المعنى الذي قدمه فيه، فليس الأمر كذلك، لأنه ذكر في الأول ~~إبلاغ النفس من الموت حدا يريحه، ولم يبين من فعل ذلك: هل أنجح أو لا. وفي ~~الثاني بين أن المعذر في طلب الشيء كالمنجح، وأنه إذا استغرق وسعه في طلب ~~ما يهم به ثم حال دونه حائل فقد أعذر. وفي طريقته قول أبي تمام: # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # PageV01P334 ### || وقال أبو الأبيض العبسي # ألا ليت شعري هل يقولن فوارس ... وقد حان منهم يوم ذاك قفول # قوله " شعري " اسم ليت، وخبره مضمر استغني عنه بمفعول شعري. وليت شعري لا ~~يجيء إلا هكذا، كما أن لولا يجيء أبدا محذوف خبر المبتدأ الذي بعده، وقد ~~استغني عنه بجوابه، وذلك كقولك لولا عبد الله لفعلت. وقوله " هل يقولن ~~فوارس " سد مسد مفعول ليت شعري. ومعنى الكلام ليت علمي واقع: هل يقع هذا ~~القول من الفرسان في تلك الحال؟ ومفعول " يقولن " أول البيت الثاني، وهو ~~قوله " تركنا "، واعترض بينهما قوله " وقد حان منهم يوم ذاك فقول "، وموضعه ~~نصب على الحال، والذي تمنى علمه أنه هل يقتل، فإذا انصرف الأبطال عنه قالوا ~~هذا القول أولا. وتحقيق الكلام: ليتني علمت ما يقتضي هذا السؤال من الجواب، ~~لأن ذاك يهمه لا نفس السؤال. وقوله: وقد حان منهم قفول، أي رجوع عن المعركة ~~إلى ديارهم وحيهم، كأنه كان هم بالاستقبال، ووطن نفسه من مصادمة العدو، ~~ومصادمة القتال على ما غلب اليأس من الانصراف عنهم، لتعرضه لما لا يسلم معه ~~من يلابسه، فتكلم بذلك. وقوله " يوم ذاك " إشارة إلى يوم ملاقاة الأعداء. ~~فإن قيل: هل تقدر في الكلام بعد الاستفهام شيئا لأنك إذا استفهمت عن شيء ~~كان ما تستفهم عنه وخلافه سواء عندك، وإلا الم تكن مستفهما؟ قلت: معنى ~~الاستفهام هل يقولن فوارس ms0264 كذا، وهل زيد عندك، على " أو " أو " أم " ولولا ~~ذلك لامتنع الاستفهام. وسنشرح الكلام فيما يقتضيه هذا الموضع في البيت الذي ~~بعده. # تركنا ولم يجنن من الطير لحمه ... أبا الأبيض العبسي وهو قتيل # يقول: ليتني علمت هل يقولون في منصرفهم تركنا أبا الأبيض مصروعا متروكا ~~بالعراء، تعفوه سباع الطير وتأكل من لحمه، غير مستور عنها ولا ممنوع منها. ~~وقد اعترض بين تركنا ومفعوله وهو أبو الأبيض بقوله " ولم يجنن من الطير ~~لحمه "، وموضعه نصب على الحال. فإن قيل: فما المقدر بعد الاستفهام هنا من # PageV01P335 # حرفي العطف: أم، وأو، وكيف يكون معنى الكلام مع ذلك المقدر؟ قلت: المعنى ~~على أو، بدلالة أنه يجاب مثل هذا الكلام بنعم أو لا، إذ كان المبني على ~~ليتني علمت هل يقع ذلك منهم. فأما تقدير أم وهي عاطفة فلا يصح في مثل هذا ~~الموضع، كما لا يجوز اللفظ بها على جهة المعادلة. وقد قال أبو العباس: لا ~~يكون أم بعد شيء من حروف الاستفهام سوى الألف إلا على كلامين. وأما تقدير ~~أم المنقطعة فبعيد، لأنه لو قصد لم يكن بد من ذكره وذكر المستفهم به عنه ~~بعده. فاعلمه. # وذي أمل يرجو تراثي وإن ما ... يصير له مني غدا لقليل # يقول: رب إنسان يعلق طمعه بميراثي، ويرجو تحصيله بعدي، والذي يناله منه ~~غدا - يشير إلى يوم موته - قليل غير كثير. والمعنى: إني لا أذخر مالي بل ~~أتلفه في اكتساب المحامد، فلا يكون لي تراث إلا سلاحي وما لا بد للفارس ~~منه. # وما لي مال غير درع حصينة ... وأبيض من ماء الحديد صقيل # وأسمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل # نفي أن يكون له مال يدخره طول حياته، ويرثه الوارث بعد مماته إلا درعه ~~وبيضته، وسيفا مصقولا طبع من خالص الحديد، ورمحا حملت قناته من الخط - وهو ~~جزيرة بالبحرين - وفرسا قصير الشعر منجرد الظهر من اللحم، مشرف الهامة، ~~طويل القامة. المغفر: حلق يتقنع بها المتسلح، وكذلك الغفارة. وقال الخليل: ~~المغفر: رفرف البيضة. وأصل الغفر التغطية والستر. ms0265 وقوله " غير درع " يجوز ~~رفعه، وهو الوجه، على أن يكون بدلا، ويجوز النصب على الاستثناء. # أقيه بنفسي في الحروب وأتقي ... بهاديه إني للخليل وصول # هذا معنى شريف حسن. يقول: أحفظ مقاتل فرسي بفخذي ورجلي، وأتقي فيما ~~يأتيني بعنقه. والمعنى: من أراد أن يصيب مقتلي جعلت بيني وبينه عنق دابتي، ~~كما أن من أراد مقتل فرسي أجعل بينه وبينه فخذي ورجلي. ثم قال: " إني ~~للخليل وصول " أي لا أخذله في الشدائد ولا أنتفع به إلا وأنفعه. وهذا مثل. ~~والعربي يسمى # PageV01P336 # سلاحه ومركوبه خليلا، على ذلك ما أنشده الأصمعي، وهو: # وإني كما قالت نوار إن اجتلت ... على رجل ما شد كفي خليلها ### || وقال قيس بن زهير العبسي # لعمرك ما أضاع بنو زياد ... ذمار أبيهم فيمن يضيع # اللام من " لعمرك " لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوف، كأنه قال: لعمرك ~~قسمي. يقول: وبقائك ما ضيع لهؤلاء العصابة من حق أبيهم وشرف أسلافهم، ما ~~يوجب التذمر عند المحافظة عليه في جملة من يضيع حقوق آبائهم، وما أثلوه من ~~مفاخرهم ومحاسنهم؛ بل حافظوا عليه بما ضموا مما استحدثوه واطرفوه إليه. ~~وحذف مفعول يضيع كأنه قال فيمن يضيع الذمار. ويقال: فلان حامي الذمار، أي ~~إذا ذمر وغضب حمي. وهذا كما يقال، هو ثبت الخبار، أي إذا حصل في الخبار ~~ثبت. وقوله " ما أضاع " تهكم أو تعريض؛ لأن الذين أخبر عنهم أشهر أمرا ~~وأعظم شأنا من أن يقال فيهم ذلك. # بنو جنية ولدت سيوفا ... صوارم كلها ذكر صنيع # يعني ولد زياد بن عبد الله بن ناشب العبسي، يقول: هم بنو امرأة كأنها في ~~فضلها ودهائها من الجن. وهذه المرأة هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي ~~إحدى المنجبات من العرب، وكانت قد رأت في منامها كأن قائلا قال لها: " ~~أعشرة هدرة، أحب إليك أم ثلاثة كعشرة " فلما انتبهت اقتصت رؤياها على زوجها ~~فقال لها: إن عاودك فقولي: بل ثلاثة كعشرة. فرجعت إلى المنام ورأت مثل ما ~~رأت من قبل، فجعلت تقول في الجواب: بل ثلاثة كعشرة. فولدت بنين ثلاثة صار ms0266 ~~كل منهم أبا لقبيلة، ومعظما في قومه وعشيرته، وهم ربيع الحفاظ، وعمارة ~~الوهاب، وأنس الفوارس. وكما جعل الأم جنية لخروجها فيما أتت به عن المعتاد ~~من الإنس جعل الأولاد سيوفا. ومعنى البيت: هم أولاد امرأة ولدت رجالا كأنهم ~~في النفاذ سيوف قواطع، كل واحد منها ذكر الحد، مصنوع صقيل. و " صنيع " كما ~~استعمل في السيف استعمل في الخيل. يقال صنعت الفرس، إذا ضمرته. # PageV01P337 # شرى ودي وشكري من بعيد ... لآخر غالب أبدا ربيع # يقال: شربت الشيء بمعنى اشتريت وبعت جميعا، وكذلك بعت يصلح للأمرين، ومن ~~شريت الضروري، وهو المثل، لكن لامه وهو ياء قلبت واوا، لأن فعلى إذا كان ~~اسما ولامه ياء يفعل به ذلك، فرقا بين الاسم والصفة. وعلى هذا قولهم ~~الفتوى. فيقول: اشترى ربيع الحفاظ على بعده مني، ودي له، وثنائي عليه وعلى ~~آخر رجل يبقى من بني غالب أبدا. وقوله " من بعيد " في موضع الحال. وإنما ~~قال هذا لأنه ناله إحسانه ووجب عليه شكره وبينهما مسافة وبعد. # ؟؟؟ ### || وقال هدبة # إني من قضاعة من يكدها ... أكده وهي مني في أمان # ليس يريد بهذا الكلام نسبة نفسه إلى قضاعة فقط، بل يريد اختصاصه بهم، ~~وتعصبه لهم. وهذا كما يقال: أبا من فلان وإلى فلان، أي ابتدائي منه ~~وانتهائي إليه، فيقول: إني منتم إلى قضاعة أهوى هواها، وضلعي معها، فمن ~~عاداها أوة نابذها عاديته ونابذته، وهي آمنة من مكروهي وأذاي، إذ كنت أنعطف ~~عليها فيما ينوبها، وأغتفر زلاتها فيما يتفق منها. وهذا الكلام في التنبيه ~~في الاختصاص، والإبانة عن الطاعة والإخلاص، من أبلغ كلام وأكرم إيناس. ألا ~~ترى أنه فصل ما أجمل، وفسر ما أبهم بقوله " من يكدها أكده وهي مني في أمان ~~"؟ وهذا صفة جوارح الإنسان مع جملته وأبعاضه مع كله، بدلالة أنه يدافع من ~~يريد إصابة أحدها، ثم هي آمنة من جنايته عليها، أو على شيء منها. # ولست بشاعر السفساف فيهم ... ولكن مدره الحرب العوان # يقول: ليس محلي منهم وفيهم محل شاعر يسفسف القريض، ثم يقف دون غايته ~~باليد ms0267 واللسان. والسفساف: ما لا خير فيه من الأفعال والأقوال: وفي الحديث: ~~" إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها ". والعوان من الحرب: التي ~~قوتل فيها مرة بعد أخرى. فإن قيل: أين عجز البيت من صدره في النظام، وهلا ~~قال بعد ما نفى عن نفسه من الشعر الركيك: ولكني شاعر المتخير الرصين؟ قلت: ~~إنما # PageV01P338 # المراد التنبيه على فضله فيهم وطوله، وعلى كفاية بيانه، وعلى غناء سنانه. ~~والحرب كما تقع بالضراب والطعان تقع بمجاذبة الحجاج عند النفار والفخار. ~~وآثر أن يقول: " ولكن مدره الحرب " ليدخل تحته الأمران جميعا. وقيل: المدره ~~هو السيد الذي يدفع به الشر فينتظم به أمور الحرب، ويقوم بأسباب الصحاب. ~~وذكر بعضهم أنه من دره علينا، أي طلع. وقيل إنه من درأ أي دفع، وأن الهاء ~~فيه بدل من الهمزة. ويجوز أن يكون الكلام تعريضا بإنسان نفى عن نفسه حاله ~~وأنبأ أن الأمر بخلافه. # سأهجو من هجاهم من سواهم ... وأعرض منهم عمن هجاني # قوله " من سواهم " يتعلق من يهجاهم، وموضعه نصب على الحال. ويحتمل معاني: ~~يجوز أن يريد به مخالطا لغيرهم؛ لأن من هذه تكون للملابسة؛ على ذلك قولهم: ~~أنت مني فرسخين، أي أنت مخالطي. يقوله الدليل والخفير. ويكون للولاء ~~والنصرة، على ذلك قول النابغة: # إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني # فيكون معنى " من سواهم " ناصرا لغيرهم. وتكون للنسل والولادة. يقول هم من ~~أب واحد وبعضهم من بعض، فيكون المعنى منتسبا إلى غير أصلهم. وعلى هذا قوله ~~" وأعرض منهم " يتعلق من يهجاني، ويكون الكلام في موضعه ومعناه على الحد ~~الذي بيناه. من تعرض لهم بمكروه أو ذكرهم بسوء فإني أدافعه عنهم، وأعارضه ~~دونهم، وأقاتله عن تناوله منهم، ومن تعرض لي منهم فإني أعرض عنه، وأصفح عن ~~غيه فلا أؤاخذه به، صيانة لهم، ومحافظة على ما يجمعني وإياهم. ### || وقال عمرو بن كلثوم # معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نضج من القتل # معاذ الله، من المصادر التي لا تكون إلا منصوبة، وضعت موضعا واحدا ms0268 من ~~الإضافة على ما ترى، ولا يتصرف. والعياذ في معناه ومن أصله، وهو يتصرف ~~مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، وبالألف واللام. وانتصب معاذ الإله على إضمار فعل # PageV01P339 # ترك إظهاره. ويقولون: عائذا بالله من شرها، فيجري مجرى عياذا بالله، كأنه ~~قال: أعوذ بالله عائذاوعياذا. ومن أبيات الكتاب: # ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا ... وعائذا بك أن يعلو فيطغونى # ويقال: عذت بالله عوذا ومعاذا وعياذا. ويقال: أفلت منه عوذا بفتحتين، أي ~~عائذا، وأتيته عوذا. وهذا الكلام تبرؤ من إظهار الجزع على قتلاهم، واستعمال ~~البكاء والضجاج في بلواهم، وتصبر على نوائب الدهر، وانتفاء من تكره القتل. ~~يقول: نعوذ بالله من نوح نسائنا على متوفى منا مفقود، ومن ضجيجنا من القتل ~~والقتال، وكيف يكون أحد هذين منا وقد تعودت نساؤنا الثكل، ونشأنا في ممارسة ~~الحرب ومزاولتها. وفي طريقته قول الآخر: # إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي # قراع السيوف بالسيوف أحلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل # الأصل في البراح الأرض التي لا بناء فيها ولا عمران. والمقارعة: مضاربة ~~القوم في الحرب. وكل شيء ضربته بشيء فقد قرعته. وهذا على حذف المضاف، كأنه ~~قال قراع أصحاب السيوف بالسيوف. أخبر عن نفسه وذويه بأن صبرهم في دار ~~الحفاظ هو الذي أنزلهم بأرض واسعة ذات أثل وأراك، وصرفهم عن الانتجاع وتطلب ~~الخصب في المظان. وهذا صريح ما قاله غيره، وهو: # أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر # والأراك: شجر تتخذ منه المساويك. ويقال: إيل أوارك، إذا اعتادت أكلها. ~~والأثل أيضا: شجر. وهذا كما قال الآخر: # وتحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا بالأمرع # PageV01P340 # ونبه بذكر الأرض البراح على أنهم غير محتجزين بحصون ولا قلاع، ولا ~~ممتنعين بهضاب ولا حبال. والأثل والأراك ينبتان في السهل أكثر، فوكد ~~بذكرهما المراد، وجعل البراح بدلا من قوله " بأرض " ولذلك قال " ذي أراك " ~~ولم يقل ذات. # فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل # أراد بالأيام الوقعات. وقوله " ملمال " أراد من المال، فجعل الحذف بدلا ~~من الإدغام لما التقى ms0269 بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحرك والثاني ~~ساكن سكونا لازما. والمعنى: ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من ~~أصول المال ومقتنياتها، إلا بقايا أذواد قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسوء ~~الحال منها، فهي على شرف فناء وذهاب. والجذم: الأصل. والأذواد: جمع الذود، ~~والذود يقع على ما دون العشرة. وقال أكثر أهل اللغة: إنها تقع على الإناث ~~دون الذكور. وبعضهم يجوز وقوعها على الذكور أيضا. وما في البيت يشهد للأول. # ثلاثة أثلاث فأثمان خيلنا ... وأقواتنا وما نسوق إلى العقل # أراد: أموالنا ثلاثة أثلاث، فيرتفع الثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما ~~بعدها تفسير لها وتفصيل. ونبه بما أورد وقسم على الوجوه التي انصرفت إليها ~~أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها، فقال: افترقت أموالنا فرقا ~~ثلاثا ففرقة منها صرفناها إلى أثمان خيلنا لأنا غزاؤون، ومعالجو حروب، فلا ~~نستغني عنها؛ إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها. وفرقة منها حبسناها على ~~أقواتنا ومعايشنا؛ لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى ~~تستغرقها، لأن إقامتنا بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها. ~~وفرقة منها وجهناها إلى الديات، وأروش الجنايات التي كسبتها أيدينا، ~~واجترحتها رماحنا، إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في الاقتصاص منا. ومثل هذا ~~قول الآخر: # نأسو بأموالنا آثار أيدينا # PageV01P341 # ### || وقال المثلم بن عمرو # إنى أبى الله أن أموت وفي ... صدري هم كأنه جبل # يقول: يأبى الله عز وجل لي الاخترام وفي نفسي هم عظيم لا أسعى في إمضائه ~~وتنفيذه. ويعني بذلك دما يطلبه، أو حقدا ينقضه، أو منى من عدوه يدركه. وهذا ~~الكلام وعيد وإيذان بأنه مجتهد في الطلب، وراج ألا يحول الأجل بينه وبين ~~الأمل، بما عوده الله من الصنع والظفر بالمطلوب. والواو من قوله " وفي صدري ~~" واو الحال. وموضع " كأنه جبل " صفة للهم. والهم يجوز أن يكون مصدر هممت ~~بالشيء، ويجوز أن يكون واحد الهموم. # يمنعني لذة الشراب وإن ... كان قطابا كأنه العسل # هذا من صفة الهم. يقول: يصدني ذلك الهم عن التلذذ بالشراب، وإن طاب وصار ~~مزاجا كالعسل ms0270 يستحلى ولا يتكره. ومثله لأبي ذؤبب: # فجاء بمزج لم ير الناس مثله # جعل ما يمزج به مزجا. ورواية الأصمعي " مزجا " بكسر الميم. فالمزج ~~كالمزاج والقطاب، سماه بما يستصلح له من ذلك أو يفعل به من بعد. وإنما قال ~~هذا لأن الواحد منهم إذا أصيب بمن يمسه أو وتر فيمن يقرب منه ويختصه، كان ~~يعقد على نفسه نذرا في مجانبة بعض اللذات أو أكثرها، من معاقرة الشراب أو ~~مجامعة النساء أو ما يجري مجراهما، إلى أن ينال المراد، ويحصل المرتاد. ~~ويقال قطبت الشراب، أي مزجته. ويروى: " وإن كان رضابا ". ويجوز أن يريد به ~~ماء فم محبوب. ويجوز أن يريد ماء محله في جنسه ذلك المحل من الشراب. # حتى أرى فارس الصموت على ... أكساء خيل كأنها الإبل # حتى تعلق إن شئت بقوله أبى الله، وإن شئت تعلق بيمنعني، والتقدير في ~~الوجهين: يأبى الله موتي حتى أرى هذا الأمر، أو يمنعني الهم الالتذاذ ~~بالشراب حتى # PageV01P342 # أراه وأشاهده. والصموت: اسم فرسه. ويعني بفارسه نفسه. وأكساء الخيل: ~~أدبارها. ويقال هو يكسؤه ويدبره ويذنبه، أي يكون في أثره. وحكى الخيل ~~أكسأته الخيل. والمعنى: لا يكون ذلك حتى أرى نفسي تركض في أدبار خيل منهزمة ~~وتسوقها، كما تساق الإبل. وقيل شبهها بالإبل في عظم خلقها وإشرافها. ~~والكلام على هذا يراد به خيل مخصوصة بتوعدها ويعين عليها. # ؟ لا تحسبني محجلا سبط ال - ساقين أبكي أن يظلع الجمل هذا توعد وتعريض ~~بالمخاطب. المحجل، يجوز أن يكون مأخوذا من الحجل الذي هو القيد، ومن الحجل ~~الذي هو الخلخال، ويجوز أن يكون من الحجلة. والمعنى: لا تظنني إنسانا مترفا ~~منعما لا غناء عنده، ولا كفاية لديه، ولا رأي يستند إليه، ويعول في المهمات ~~عليه، فهو في العجز كالممنوع المقيد، وكالمرأة المخلخلة، وكالمخدر الملازم ~~للحجال والفرش يجزع - لضعف نهوضه، وسقوط قواه، وسوء بصيرته - من ظلع جمله ~~فضلا من غيره. وقوله " أبكي أن يظلع الجمل " صرف الكلام إلى الإخبار عن ~~نفسه، ولو قال " يبكي أن يظلع " لترك الاستمرار في صفة المحجل جاريا على ms0271 ~~حده، غير متحول عنه، وكان الكلام أحسن في قران النظم. # إني امرؤ من تنوخ ناصره ... محتمل في الحروب ما احتملوا # قوله " من تنوخ " أي أنتسب إليها، وأهوى هواها. و " ناصره " نكرة لأن ~~إضافته إضافة تخفيف لا إضافة تعريف، والتنوين منوي فيه، أراد: ناصر له. ~~وقوله: " ما احتملوا " أراد: ما احتملوه، فحذف المفعول لطول الصلة. ~~والمعنى: إني مخالطهم وناصر لهم، وصابر على ما يصبرون عليه، وناهض تحت ~~العبء الذي ينهضون فيه. ### || وقال عبد الله بن سبرة # إذا شالت الجوزاء والنجم طالع ... فكل مخاضات الفرات معابر # PageV01P343 # وإني إذا ضن الأمير بإذنه ... على الإذن من نفسي إذا شيت قادر # أراد بالنجم الثريا، وأكثر ما يعترض هذه اللفظة في استعمالهم معرفا يراد ~~به الثريا لا غير، ألا ترى قول الهذلي: # فوردن والعيوق مقعد رابئ ال ... ضرباء حلف النجم لا يتتلع # والجوزاء سميت بذلك لأن وسطها أبيض. وحوز كل شيء: وسطه. والوقت الذي يشير ~~إليه يشتد فيه الحر. لذلك قال ساجعهم: " إذا طلع النجم، فالصيف في حدم، ~~والعشب في حطم ". فكأن قائل هذا الشعر استأذن صاحبه في الانتقال إلى البدو ~~فلم يأذن له، فأخذ يتشكى عن مراده بهذا الكلام ويتوجد. ويقول: إذا تناهى ~~الحر وارتفعت الجوزاء في أول الليل إلى كبد السماء، وطلع الثريا عند السحر، ~~فكل مخاضة من جوانب الفرات معبر لي أهرب فيه؛ لأن نضوب الماء ونقصانه يكون ~~في ذلك الوقت. وقوله " والنجم طالع " لو وليه " إذا " فقيل إذا النجم طالع، ~~لم يصلح؛ لأن الجملة التي يبين بها إذا لا بد فيها من فعل، لما يتضمن من ~~معنى الشرط والجزاء. تقول آتيك إذا زيد يأمر. ولو قلت آتيك إذا زيد أمير لم ~~يصلح؛ لكنه لما انعطف على قوله " شالت الجوزاء " حسن حملا على المعنى، كأنه ~~قيل: وطلع النجم. وهذا إذا كان الواو فيه للعطف، ويجوز أن يجعل الواو واو ~~الحال، يريد إذا شالت الجوزاء في حال طلوع النجم. والعامل في " إذا " ما دل ~~عليه قوله: " فكل مخضات الفرات معابر ". وقوله: " وإني إذا ضن ms0272 الأمير "، ~~يقول: إذا تمنع الأمير من الإذن لي، وصدني الوقت عن مرادي، وأقدر على جواز ~~المسالح والمراصد، لكونها مشحونة بالمرتبين فيها، انتظرت غيض الماء وجزره ~~في الفرات، وإمكان الخاضات من العبور والذهاب، فحينئذ آذن لنفسي وأهرب. ~~وإنما قال ذلك لأن المشارع لا تضبط كما تضبط الجسور ومضايق الطرق. ### || ؟ وقال الربيع بن زياد العبسي # حرق قيس على البلا - د حتى إذا اضطرمت أجذما # PageV01P344 # يقول: ألهب قيس بن زهير البلاد على نارا تتوهج، فلما استعرت وتأججت هرب ~~وتركني اصطلي بها وإنما قال هذا لأن قيسا ترك أرض العرب وانتقل إلى عمان ~~بعد إثارة الفتن واهتياج الشر، في سبق داحس. والإجذام: الإسراع في السير، ~~وجعله مثلا لانزوائه ونفضه اليد مما كان لابسه وتولاه من إيقاد نار الحرب ~~بين الفريقين. # جنية حرب جمتخت فما ... تفرج عنه وما أسلما # جني: فعيل في معنى مفعول، لكنه ألحق الهاء به لأنه جعله اسما، كما ألحق ~~بالبنية وهي الكعبة، وبالذبيحة والنطيحة. وهذا اعتداد على قيس بما جناه، ~~وتحمد بما أتاه، وامتنان بأنه لم يقعد عن نصرته، ولم يخذله وقت حاجته، ولم ~~يخله للأعداء وقت إقامته، ولا ترك النيابة عنه واعتناق الأمر بعد غيبته، بل ~~نهض في الشر والقتال ما اتصل نهوضه، وتفرد بالدفاع عنه عند فتوره ونفوره. ~~وقوله " فما تفرج عنه "، أي ما تفرق عنه ولا تكشف. # غداة مررت بآل الربا ... ب تعجل بالركض أن تلجما # أقبل يخاطب بعد ما كان يخبر، على عادتهم في تصاريف كلامهم، وقوله " غداة ~~مررت " ظرف لما دل عليه أجذما. أي هربت في ذلك الوقت والأوان. و " تعجل " ~~في موضع الحال. والمعنى: اجتزت بآل هذه المرأة مستعجلا بركض الأعداء في ~~أثرك، حتى لم تتسع لإلجام دابتك، ولم تأمن ريث إصلاح أمرك، والتهيؤ لنجاتك. ~~وقوله " أن تلجم " في موضع النصب من تعجل، وكان الواجب أن يقول تعجل بالركض ~~عن أن تلجم، فحذف الجار ووصل الفعل فعمل. وفي القرآن: " وما أعجلك عن قومك ~~يا موسى ". # ؟ وكنا فوارس يوم الهري - ر إذ ما سرجك فاستقدما يوم ms0273 الهرير معروف. وإنما ~~قال كنا فرسان هذا اليوم، لما كان عرف من جميل بلائهم، وحسن ثباتهم فيه ~~ووقائهم، وليذكر بتبريزهم حين نكصوا على أعقابهم، وقصروا عن شأوهم. وذكر ~~ميل السرج مثل، وقول جرير يشهد لذلك # PageV01P345 # ويكشفه، حين قال: # قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناج # والمراد اضطراب الأمر وفشل الرأي وتمكن الخوف والدهش من المنهزم، ونزوله ~~عما يهم بركوبه. وفي طريقته قول الآخر: # لا تجعلونا إلى مولى يحل بنا ... قد الجزام إذا ما لبده مالا # وكما جعل الحزام مثلا لتدارك الأمر وتلافي فاسده على الوجه الذي تراه، ~~جعل ترك شد الحزام عند ما يطرق أو ينوب مثلا للتحزم والتجمع قبل نزول ~~الخطب، حتى إذا بدت أعناقه لا يحتاج إلى استئناف شيء لتمام أهبته. وعلى ذلك ~~قول امرئ القيس: # أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي # فتأمل ما فتحنا مبهمة تنل كل فائدة، وتظفر بكل غنيمة. ويقال: استقدم ~~بمعنى قدم، وفي ضده استأخر بمعنى تأخر. والمعنى: كنا فرسان هذه الوقعة في ~~هذا اليوم المشهور، حين كنت للشر معورا، وعلى شفا البلاء موفيا. # عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد أسلم الشفتان الفما # يقول: تعطفنا عليك في ذلك الوقت، ودافعنا دونك، وقد كشرت الأسنان ~~وأسلمتها الشفاه، تقلصا عنها ويبوسة حادثة فيها. وذكر الفم كناية عن ~~الأسنان؛ كما يقال فض الله فاه. ويقال في هذا المعنى ذبت الشفاه. ومثله قول ~~عنترة: # إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم # والواو من قوله قد أسلم الشفتان واو الحال. والاستعارة بإسلام الشفتين في ~~نهاية الحسن. # PageV01P346 # إذا نفرت من بياض السيو ... ف قلنا لها أقدمي مقدما # يقول: إذا جبنت خيلنا وحادت عن تلألؤ السيوف وبريق الشمس وشعاها في ~~السلاح، وهرير الأبطال وتداعيها، أكرهناها على الإقدام. وذكر النول ها هنا ~~كناية عن الفعل، وهذا كما يقال قال برأسه كذا، إذا حركه، وقال بسوطه، إذا ~~أشار به. والمقدم والإقدام بمعنى. وحقيقة الكلام إذا نفرت قدمناها تقديما. ### || وقال الشنفري # لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشي ms0274 أم عامر # يقال: قبرت الإنسان، إذا دفنته؛ وأقبرته إذا جعلت له موضع قبر، وفي ~~القرآن: " ثم أماته فأقبره ". والشاعر كأنه نبه بهذا الكلام على أنه ممن ~~يقتل ويترك بالعراء لا يرثي له شقيق، ولا يرثه نسيب ولا رفيق، فيأتيه عوافي ~~السباع والطير. فخاطب أصحابه وقال: لا تدفنوني إن دفني محرم عليكم، يريهم ~~استغناءه عنهم حيا وميتا، ورفعة نفسه عن الاستنامة إليهم والاعتماد عليهم، ~~وذهابه عنهم فعل المجانب لهم، البعيد منهم. ثم قال " ولكن أبشري أم عامر "، ~~أي ولكن الضبع تأكل لحمي فأبشري أم عامر، جعله كما هو لقب الضبع. وموضعه من ~~الإعراب مبتدأ والخبر محذوف، وهو يأكلني وتتولى أمري ونحوه. وهذا في أنه ~~جملة جعلت لقبا وفي أن شرطها أن تحكى، كتأبط شرا وما أشبهه. وإنما جعلت ~~لقبا لها لأن العادة في اصطياد الضبع أن يقصد وجارها ويحفر وهي تتأخر شيئا ~~شيئا. والصائد يقول: أم عمر ليست ها هنا؟ أبشري أم عامر بشاء هزلى، وجراد ~~عظلى؛ خامري أم عامر ليست ها هنا؟ فلا يزال يحفر الوجار، ويكرر هذا الكلام؛ ~~والضبع تتأخر حتى تبلغ أقصى وجارها فتخرج حينئذ بأغلظ عنف. ولما كان الأمر ~~على هذا في اصطيادها لقبها ببعض ما تخاطب به في تلك الحال، فكأنه قال: لا ~~تقربوني إذا مت فقد حرمت دفني عليكم، ولكن الذي يقال له أبشري أم عامر ولي ~~أمري دونكم. فهذا وجه حسن إليه يذهب الحذاق من أصحاب المعاني. وحكى سيبويه ~~عن الخليل في # PageV01P347 # قول الأخطل: # ولقد أبيت من الفتاة بمعزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم # أنه قال أبيت الذي يقال له لا حرج، فحكى. ثم قال: يقويه في ذلك قول ~~الأخطل: # على حين أن كانت عقيل وشائظا ... وكانت كلاب خامري أم عامر # لأنه أراد كانت كلاب التي يقال لها خامري أم عامر، فحكى ذلك الكلام وكنى ~~به عن الضبع. ويحتمل أن يكون البيت على كلامين، كأنه قال: لا تدفنوني، ~~مخاطبا أصحابه ورفقاءه، وليس يريد نهيهم عن ذلك؛ ولكن يريد كشف حاله لهم، ~~وبيان عاقبة أمره ms0275 فيهم. ثم أقبل على الضبع فقال: أبشري يا أم عامر، فإنك ~~تأكلين مني. ويكون هذا في تحويل الكلام عن شيء إلى آخر، كقول الله عز وجل: ~~" يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "، فاعلم ذلك تنتفع ~~به إن شاء الله. ويقال بشرته فأبشر، كما يقال فطرته فأفطر. ويقال بشرته ~~بالتخفيف بمعنى بشرته، فاستبشر. وحكى أبشرته أيضا. # إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري # إذا ظرف لقوله تقبروني، أو لما دل عليه اللفظ والحال، وقد جعل خبرا ~~للمبتدأ الذي بعد لكن، وهو قوله أبشري أم عامر من يأكلني أو يتولى أمري. ~~ويجوز أن يكون ظرفا لقوله أبشري في القول الثاني. وإنما قال " وفي الرأس ~~أكثري " لأن الحواس خمس، وأربع منها في الرأس: البصر للمرئيات، والأذن ~~للمسموعات، والأنف للمشمومات، والفم للمذوقات. وقد اعترض به بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، وساغ ذلك لأنه يسدد المعنى المطلوب ويؤكده. وقوله " وغودر ~~عند الملتقى ثم سائري "، يروى بفتح الثاء ويكون ظرفا وإشارة إلى المعركة ~~ومزدحم الناس. والتقدير وغودر ثم سائري حيث التقى القوم بعد أن حمل رأسه ~~لشهرته، أو ليعلم به إيتان القتل عليه. ويروى " ثم " بضم الثاء ويكون حرف ~~العطف عطف به سائري على المضمر في غودر، والمعنى غودر رأسه ثم سائره حيث ~~التقى القوم للنظارة. # PageV01P348 # والأولى أجود. وإنما ضعفت هذه لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيف ~~حتى يؤكد. وتأكيده: وغودر هو عند الملتقى ثم سائره. ويجوز أن يكون سائري في ~~موضع النصب معطوفا على رأسي، كأنه احتملوا رأسه ثم سائره، فيكون أقرب. وكان ~~الشنفري أحد الخلعاء الذين تبرأ عشائرهم منهم وأسلموا بجرائرهم، ولهذا قال ~~في نفسه: # طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيا يما حن أول # ومن أجل ذلك كشف القناع مع قومه، وأخذ يتفادى منهم ويقول: لا تقبروني إن ~~قبري محرم عليكم. فإن قيل: أين جواب إذا؟ قلت: إن جعلته ظرفا لقوله لا ~~تقبروني فذاك جوابه، وكذلك إن جعلته ظرفا للخبر المقدر. والسائر: الباقي من ~~الشيء، وهو ms0276 من السؤر، وأسأرت في الإناء. # هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سجيس الليالي مبسلا بالجرائر # أشار بقوله " هنالك " إلى الوقت الذي يتناهى فيه الأمد، ويدنو فيه الأجل، ~~لا إلى الوقت الآني بعد القتل، وهو ظرف للا أرجو. والمعنى: في ذلك الوقت لا ~~أطمع في حياة سارة لي، وأنا مخذول مسلم بجرائري في القبائل، لا يرى إلا ~~شامت بي، أو طالب للانتقام مني. وقوله " سجيس الليالي " يراد به امتداده ~~وسلاسته في الاتصال وهو اسم الفاعل من سجس. وقد أحكمنا القول فيه في كتابنا ~~الأزمنة. وهو ظرف لقوله مبسلا بالجرائر. وانتصب مبسلا على الحال. والجرائر: ~~جمع الجريرة. وأبسلوا: أسلموا. وفي القرآن " ألئك الذين أبسلوا كسبوا ". ### || وقال تأبط شرا # وقالوا لها لا تنكحيه فإنه ... لأول نصل أن يلاقي مجمعا # كان تأبط شرا خطب امرأة عبسية، فأرادت إجابته ووعدت مناكحته، فلما جاءها ~~أظهرت الزهد، وأخلفت الوعد، واعتلت بأن الرغبة في شرفه وفضله كما كانت لكنه ~~قيل لها ما تصنعين برجل يقتل عنك قريبا، لأن له في كل حي جناية، وعنده لكل ~~إنسان طائلة، فتبقين أيما! فانصرف تأبط شرا وقال هذه الأبيات. # PageV01P349 # وقوله " أن تلاقى " يجوز أن يكون موضعه رفعا بالابتداء، وخبره لأول نصل، ~~والجملة في موضع خبر إن. والتقدير: إن تأبط شرا ملاقاته مجمعا لأول نصل ~~يجرد. ويجوز أن يكون " يلاقي " في موضع النصب على أن يكون بدلا من الهاء في ~~" إنه "، كأنه قال إن ملاقاته مجمعا لأول نصل. والهاء في فإنه يجوز أن يكون ~~لتأبط شرا، وهو الأجود في الوجهين. ويجوز أن يكون للأمر والشأن في الوجه ~~الأول، ويكون تفسيره الجملة. ويجوز أن يكون في موضع الظرف، أي زمن أن يلاقي ~~مجمعا. والمعنى هو لأول نصل إذا لاقى مجمعا، أي يقتل بأول نصل يعمل في ذلك ~~الوقت. ويروى " أن يلاقي مصرعا "، والمصرع يجوز أن يكون مصدرا، ومكانا، ~~وزمانا. وانتصابه يجوز أن يكون على أنه مفعول يلاقي ويجوز أن يكون مفعول ~~يلاقي محذوفا ويكون مصرعا في موضع الحال؛ كأنه قال أن تلاقيه ذا مصرع، أي ms0277 ~~مصروعا، فحذف المضاف. # فلم تر من رأي فتيلا وحاذرت ... تأيمها من لابس الليل أروعا # يقول: لم تر هذه المرأة من الرأي لما قبلت مشورة الناس وتمنعت من مناكحتي ~~ما يوازي فتيلا، أي ما يغنى غناء فتيل. وقد حذرت بقاءها أيما من رجل ركاب ~~الليل لا يفارقه فيما يهمه، فكأنه لبأسه ذكي القلب شهم. والقتيل والنقير ~~والقطمير يضرب المثل بها في حقارة الشيء. والأروع يكون الحديد القلب المروع ~~الفؤاد، ويكون الجميل. وقوله " وحاذرت " في موضع الحال والأجود أن يضمر ~~معها " قد " أي لم تر فتيلا من الرأي محاذرة. # قليل غرار النوم أكبر همه ... دم الثأر أو يلقى كميا مسفعا # هذا من صفة لابس الليل. فإن قيل: ما معنى قليل غرار النوم؟ وإذا كان ~~الغرار القليل من النوم، بدلالة قولهم ما نومه إلا غرارا، فكيف جاز أن تقول ~~قليل غرار النوم، وأنت لا تقول هو قليل قليل النوم؟ قلت: يجوز أن يراد ~~بالقليل النفي لا إثبات شيء منه، والمعنى: لا ينام الغرار فكيف ما فوقه؟ ~~ويجوز أن يكون المعنى نومه قليل ما يقل من النوم، أي نومه قليل القليل، ~~يريد به أنه مسهد، وأن أكابر ما يهتم له طلب دم الثأر، أو ملاقاة كمي مسفع ~~الوجه، لدوام تبذله للسمائم، وتسياره في الهواجر. والكمي: الذي يكمي شجاعته ~~لوقت الحاجة إليه، وقيل هو الذي يتكمى في سلاحه، وقوله " أو يلقى " أن ~~مضمرة بين أو والفعل، ولولا ذلك لم يجز عطف الفعل # PageV01P350 # على الاسم، لاختلافهما. وإذا أضمر " أن " يصير حرف العطف ناسقا اسما على ~~اسم، والتقدير: أكبر همه دم الثأر أو لقاء كمي. ومثل هذا قوله تعالى: " ما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا "، ~~والتقدير: أو أن يرسل رسولا، حتى يكون أن مع الفعل في تقدير مصدر منسوق على ~~قوله وحيا، إذ قد امتنع أن يحمل على أن يكلم. # يماصعه كل يشجع قومه ... وما ضربه هام العدى ليشجعا # يجوز أن يكون قوله " يماصعه " صفة لكميا مسفعا؛ لأن ms0278 مثله من الأفعال يكون ~~صفة للنكرة وحالا للمعرفة، ويكون الثناء على خصمه الذي همه ملاقاته، ~~كالثناء عليه. ويجوز أن يكون راجعا إلى الأول، وداخلا في صفاته فيتبع قوله ~~قليل غرار النوم. ومعنى يماصعه: يقاتله. وأصله الضرب بالسيف والرمي. ويقال ~~مصع بذنبه، إذا حركه. ومصع الطائر بذرقه، إذا رمى به. وقوله " كل " أي كل ~~واحد من الناس، فأفرد وهو في النية مضاف. ومعنى البيت: إن كل من قاتل هذا ~~الرجل قاتله طمعا في أن ينسبه قومه إلى الشجاعة، وليتبجح به عند أقرانه، ~~ويذهب به صيته في الناس. وليس قتله للشجعان وضربه هام الأعداء لمثل ذلك، ~~لكنه طبع منه، وجري على عادته. وقوله " يشجع قومه " أي لأن يشجعه قومه، ~~والمفعول محذوف بدلالة قوله: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # يريد أن أحضر، يدل على هذا ما بعده، وهو: # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # قليل ادخار الزاد إلا تعلة ... فقد نشز الشرسوف التصق المعا # قوله " إلا تعلة " من عللته بكذا، فهو كالتقدمة من قدمت. والشراسيف: مقاط ~~الأضلاع، ولا ينشز إلا للهزال. وذكر القلة ها هنا مقصود به إلى النفي لا ~~غير، بدلالة مجيء الاستثناء بعده، وإذا كان كذلك لم يثبت القليل به. ~~والمعنى: ما يذخر من الزاد إلا قدرا يتعلل به، فقد أثر الطوى فيه حتى هزل، ~~فترى رءوس أضلاعه شاخصة، وأمعاءه بجنبه ملتصقة، لقة طعمه، واتصال ممارسته ~~للشدائد. وعلى هذا # PageV01P351 # قول الله عز وجل: " قليلا ما تؤمنون " و " قليلا ما تذكرون ". # يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمى لها الدهر مرتعا # قوله " يبيت بمغنى الوحش "، أي استمرت هذه الحالة به، واتصلت منه ودامت، ~~لأن الأماكن سواه ضاقت عنه، ومجامع الإنس تكرهته فلفظته، فألف القفار ولزم ~~مرابع الوحش ومساكنها، حتى أنست به وسكنت إليه، وعدته واحدا منها، وصار هو ~~أيضا على تعاقب الزمان وتصرف الأحوال لا يحمي من أجلها مرعى، ولا يراعي من ~~مرادها مأوى، لأن همته مصروفة إلى غيرها، ونفسه مشغولة بسواها، فلا نفرتها ~~منه تقبضها عنه، ولا صيده لها يجعلها ms0279 من همه. ومثل هذا قول الآخر: # علام ترى ليلى تعذب بالمنى ... أخا قفرة قد كان بالغول يأنس # وأضحى صديق الذئب بعد عداوة ... وبغض وربته القفار الأمالس # على غرة أو جهرة من مكانس ... أطال نزال القوم حتى تسعسعا # تعلق قوله " على " بقوله " لا يحمى ". والمعنى: لا يحافظ لها ولا ~~يترقبها، لا على غفلة منها واغترار منه إياها، ولا بمجاهرة لها ولا مكاشفة ~~دونها، بل أطال مزاولة الغارات ومنازلة الكماة منذ ترعرع، إلى أن ولى شبابه ~~وتسعسع. وهذه إشارة إلى ما تنقل فيه على تغير الأحوال ومضي الأوقات، من ~~اكتساب العداوات وإيقاع الوقعات، وتهييج الغارات. وقوله " تسعسع " من قولك ~~تسعسع الليل أو النهار، إذا أدبر. وفي الحديث: " تسعسع الشهر ". والمكانس: ~~الملازم للكناس. ويقال كنسى الظبي فهو كانس، إذا أوى إلى كناسه. قال لبيد: # تسلب الكانس لم يؤر بها ... شعبة الساق إذا الظل عقل # PageV01P352 # ويقال للكناس المكنس. تقال: ظبي كنس، إذا لزم كناسه. # ومن يغر بالأعداء لا بد أنه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا # قوله " لا بد " يجري مجرى لا محالة، وهو من البدد مصدر للأبد، وهو سعة ما ~~بين اليد والجنب، كأن المراد لا سعة في ذلك ولا تجوز. وكان الواجب أن يقول: ~~لا بد من أنه سيلقى، فحذف من. فإذا قلت: لا بد من كذا، فانتصاب بد بلا، ~~وخبره من كذا. ولم يتعلق من ببد كما تعلق بخير من قولك لا خير منه لك، لأنه ~~لو كان كذلك لنون بد ولم يجز غيره: يقول: من أولع بمنابذة الأعداء، وغري ~~بمضارتهم لا بد أن يلقى بهم يوما من الأيام مصرعا من مصارع الموت، لأنه كما ~~يرى فيهم يرى بهم. ويقال: غري بكذا وأغري به، وقد روى " يغر " بفتح الياء، ~~و " يغر " بضمها. والمصرع ها هنا مصدر، وقد يكون في غير هذا اسما للمكان ~~والزمان وعلى طريقة هذا البيت المثل السائر: " من ير يوما ير به ". وجواب ~~الجزاء في ضمن قوله لا بد أنه سيلقى، والتقدير من يغر بالأعداء فهو سيلقى ~~بهم ms0280 مصرع الموت، لا بد من ذلك. # رأين فتى لا صيد وحش يهمه ... فلو صافحت إنسا لصافحنه معا # رجع إلى ذكر الوحش بعد أن اعترض بين الكلام فيها بقوله: " أطال نزال ~~القوم "، وبقوله " ومن يغر بالأعداء ". وهو يريد أن يبين سبب أنسها به، ~~وزوال نفارها منه بأشفى مما قدمه. فيقول: رأت الوحش به فتى صيد الوحش مما ~~ليس يخطر ببال، ولا يعده من جملة الأشغال. فلو مكنت من نفسها إنسا لمكنت ~~هذا. فقوله " لا صيد وحش يهمه " من صفة الفتى، ونفى بقوله لا الغفل، فلذلك ~~لم يكرر لا مرتين كما تقول لا عبد لك ولا جارية. وإذا كان كذلك فقد أضمر ~~بعد لا فعلا، وجعل الصيد يرتفع به، ويكون الفعل الظاهر بعده تفسيرا، كأنه ~~قال لا يهمه صيد وحش يهمه. والمصافحة أصلها في مماسة صفحة إحدى اليدين ~~للأخرى عند السلام، فاستعارها للتمكين والاستسلام. وقوله " معا " في موضع ~~الحال، أي مجتمعة ومصطحبة. والفائدة في ذكر الإتيان بلفظة تفيد العموم، ~~فكأن المراد الوحش على اختلاف أجناسها. # ولكن أرباب المخاض يشفهم ... إذا اقتفروه واحدا أو مشيعا # وإني وإن عمرت أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا # PageV01P353 # قوله " المخاض " هي النوق الجوامل، وهو اسم صيغ للجماعة منها، ولا واحد ~~لها من لفظها، وإنما خصها لأن التنافس فيها أكثر، وأربابها بها أشح. ~~والشاعر ترك قصة إلى قصة، فكأنه قال: لا يهمه طلب الوحش، ولكن يهمه قصد ~~أرباب الإبل في أموالهم، فهو يؤذيهم ويفزعهم، ويضنيهم إذا تتبعوا أثره. وقد ~~أغار عليهم واستاق إبلهم منفردا عن أصحابه، أو محتفلا بهم معانا بتشييعهم. ~~وهذا بيان ما قدمه في قوله " أطال نزال القوم حتى تسعسعا ". وانتصب واحدا ~~على الحال، والعامل فيه اقتفروه، أي منفردا. ويقال اقتفرت للوحش إذا تتبعت ~~أثره. ومعنى يشفهم، يهزلهم ويكد عيشهم. ومشيعا: معه شيعة. يريد أنه لا ~~يبالي كيف سقط عليهم وأنه يشفهم على كل حال. وقوله " وإني وإن عمرت " بيان ~~قوله " ومن يغر بالأعداء "، لأنه فسر كل بيت من الأبيات الثلاثة ببيت. ~~فيقول: أنا وإن ms0281 أطبل عمري، ومد من نفسي بما يلحقني من واقية الله تعالى على ~~ما أجترحه وأختاضه، أتيقن أني سألقى أجلي، وأوافي مصرعي إذا دنا الحين ~~المعلوم، بالحين المحتوم، وتراءى سنان الموت لي بارزا بارقا، أي السنان ~~الذي يكون به الموت، فلا أختار النفس إلا ما لا يكسبني عارا. وفي الكلام مع ~~هذا الذي ذكرناه التسلي التام، والرضا بالمقدور. وجواب الشرط في قوله أعلم ~~أنني، وهو على إرادة الفاء، ويجوز على نية التقديم والتأخير. ### || وقال بعض بني فقعس # دعوت بني قيس إلي فشمرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد # يقول: استغثت بهؤلاء القوم وندبتهم إلى نصرتي والدفاع دوني، فخفت لي رجال ~~كأنهم فحول ممتدة القامات، مبسوطة الأيدي بالضرب والطعن. ويجوز أن يريد ~~بالطول الاقتدار والغلبة، كما يقال في السلاطة: هو طويل اللسان والخناذيذ: ~~الكرام من الخيل، فاستعارها للكرام من الرجال كما يستعار القروم المصاعب ~~لهم. ومن زعم أن الخناذيذ: الخصيان أو الفحولة، فقوله بعيد عن الصواب؛ يشهد ~~لما ذكرناه من أنه الكرام قول الشاعر: # وخناذيذ خصية وفحولا # PageV01P354 # والطوال، يكون جمع طويل وطوال جميعا. ومفعول شمرت محذوف، والمراد، رفعت ~~ذيولها، وتهيأت مجتمعة ومتخففة للقتال. وكما قيل هم طوال الأيدي والسواعد ~~في الجرئ المقدم، المستعلي المقتدر، قيل في السخاء: هم بسط الأيدي والأكف، ~~وقيل هو شديد الساعد للقوى الجلد. # إذا ما قلوب القوم طارت مخافة ... من الموت أرسوا بالنفوس المواجد # انتصب مخافة على أنه مفعول له. وجواب إذا " أرسوا ". والمعنى: إذا تمكن ~~الرعب من القلوب والصدور حتى طاشت له الألباب، وطارت له الأفئدة، ثبت هؤلاء ~~القوم في مواقف التدافع والتحارب بنفوس كريمة لا تغضي على قذى، ولا تصبر ~~على أذى، فهي آبية للدنيات، صابرة عند النائبات. وقوله " أرسوا " مفعوله ~~محذوف، كأنه قال أرسوا قلوبهم بالنفوس الكريمة. ويجوز أن يكون الباء من ~~بالنفوس زائدة للتأكيد، كما قال: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # والمعنى أرسوا النفوس، أي أثبتوها إثباتا لا تحلحل معه ولا تموج. على هذا ~~قولهم: الجبال الراسيات، وهو راسي الدعائم. والمواجد: جمع ماجدة، وأصله ~~الكثرة، ms0282 يقال أمجدت الدابة العلف، إذ أكثرته لها. ### || وقال سعد بن مالك # يا بوس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا # اللام من قوله " يا بوس للحرب " دخلت لتأكيد الإضافة في هذا الموضع، وهي ~~إضافة لا تخصص ولا تعرف. وهذه اللام لا تجيء على هذا الحد إلا في بابين: ~~أحدهما باب النفي بلا، وذلك منه في قولك لا غلامى لك ولا أبا لك وما ~~أشبههما، والثاني باب النداء في قولك يا بوس للحرب، وإنما المعنى يا بوس ~~الحرب. ألا ترى # PageV01P355 # أنه لو لم يرد الإضافة لنون يابوس في النصب، لكونه نكرة، أو كان يجعله ~~معرفة مبينة على الضم. وقد أتى الشاعر في باب النفي على أصله في الإضافة ~~فقال: # أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني # والذي يدل على أن هذه الإضافة لا تخصص أن لا قد عمل معها، وهو لا يعمل ~~إلا في النكرات. ومعنى البيت أنه على وجه التعجب دعا بوس الحرب التي حطت ~~أراهط وأذلتهم حتى استسلموا للأعداء، وألفوا وضع الحرب، وحالفوا الراحة، ~~وآثروا السلامة. وهذا الكلام فيه مع القصد إلى التعجب تهكم وتعبير؛ كأنه ~~أراد: ما أبأس الحرب التي فعلت ذلك. وقوله " فاستراحوا " فيه تهكم وبيان ~~لاستغنامهم ذلك، وميلهم إليه؛ كأنهم عدوا نفض اليد من مجاذبة الأعداء ~~ومراقبتهم والاحتراز من مكايدهم، لظهور عجزهم، وتصورهم بصورة من لا يحتفل ~~له، ولا يستظهر عليه، ولا يتقى منه - سلامة وراحة، وإن كان سقوطا ومهانة. ~~وكل ذلك لخروجهم عن ملكة العزة، واطراحهم قناع الحمية. وأراهط جمع، يقال ~~رهط وأرهط وأراهط. والرهط يقع على ما دون العشرة - ولذلك جاز أن يضاف ما ~~دون العشرة من أسماء الآحاد إليه - وفارق الخيل والغنم والإبل. # والحرب لا يبقى لجا ... محها التخيل والمراح # يقال: جحمت النار فهي جاحمة، إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. وهذا الكام جار ~~مجرى ما قبله، وفيه إزراء بالذين ذكرهم، وإيهام بأنهم كانوا أصحاب خيلاء ~~وبطر، ومراح ونزق، فلم تثبت أقدامهم عند اللقاء، ولا صبرت أنفسهم أوان ~~الكفاح، فقال معرضا: لا يبقى لنار الحرب ms0283 كبرياء المتكبرين، ولا نشاط ~~المرحين، بل يستبدلون بهما اللين والكسل، والانخزال والفشل، والصبر على ~~الامتهان، والاستسلام عند الامتحان. وقوله " لا يبقى لجاحمها التخيل " يجوز ~~أن يريد به صاحب التخيل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحينئذ يكون ~~البدل في إلا الفتى - وهو أول البيت الذي يليه منه، وجه الكلام ومختاره؛ ~~لأن الثاني يكون # PageV01P356 # من الجنس الأول، وفي الوجه الأول لا يكون من جنسه، والاختيار في المستثنى ~~بعده النصب. # إلا الفتى الصبار في ال ... نجدات والفرس الوقاح # قوله " إلا الفتى " ارتفع على أنه بدل من التخيل، وهذا لغة تميم، ولغة ~~سائر العرب النصب فيما كان استثناء خارجا وإن كان جائيا بعد النفي، لأن ~~كونه ليس من الأول يبعد البدل فيه. والنصب كان جائزا على كل وجه. والنجدات: ~~الشدائد. والصبر أصله الحبس، وفعال بناء المبالغة، ولا يجوز أن يكون اسم ~~الفاعل من صبر، لأن اسم الفاعل من صبر مصبر. يقول: لكن لا يبقى لملابسة ~~الحرب والصبر على شدائدها إلا الفتى الحسن الثبات في الكرائه، والفرس ~~الصلبة على الجراء. ويقال فرس وقاح، وحافر وقاح، وهو وقح الوجه؛ ومصدره ~~القحة. # والنثرة الحصداء وال ... بيض المكلل والرماح # عدد الآلات التي يحتاج إليها الفتى الصبار في النجدات عند مراس الحرب، ~~ودفاع الشر. فالنثرة: الدرع الواسعة المحكمة السرد، ويقال فيها النثلة ~~باللام أيضا. والحصداء: الجدلاء، ومصدره الحصد. يقال حصد يحصد حصدا، ~~وأحصدته وهو محصد. يقال ذلك في الأوتاد والحبال والدروع إذا أحكمت وفتلت. ~~ويقال هو حصيد ومستحصد أيضا. وقوله " البيض المكلل " يعني بالمسامير، كأنها ~~غشيت وسمرت. والمعنى إنما يبقى على صلاء الحرب ومزاولتها من كان في نفسه ~~يرجع إلى قوة وجلد، ومن صبره يعتمد على أبلغ أمد، ومن سلاحه يثق بأتم عدد. ~~ولم يصف الرماح، ويعني أقومها لا محالة. # والكر بعد الفر إذ ... كره التقدم والنطاح # بين ما يحتاج إليه الصبار من الأفعال في الحرب، كما بين الآلات التي من ~~شرطه استصحابها فكأنه قال: ويبقى لجاحمها الكر بعد الفر في وقت يكره فيه ~~الإقدام والتقدم، والنطاح والتجرد. ms0284 ويعضهم يروي هذا البيت في غير هذا ~~الموضع، والصواب هذا الترتيب. وجعل النطاح بين الكباش مثلا للمبالطة بين ~~الفرسان. # وتساقط التنواط وال ... ذنبات إذ جهد الفضاح # PageV01P357 # هذا ينعطف على قوله وضعت أراهط فاستراحوا. يقول: وتساقط الدخلاء والهجناء ~~الذين نيطوا بصميم العرب فلم يكونوا منهم. والتنواط مصدر في الأصل، ~~كالترداد والتكرار؛ وكأن المراد ذوو التنواط؛ فحذف المضاف وأقيم الضاف إليه ~~مقامه. ويجوز أن يكون وصف به كما يوصف بالمصادر. وذكر بعضهم أن التنواط ما ~~يعلق على الفرس من إداوة وغيرها؛ لأن كل ذلك قد نيط به، ثم أطلق تشبيها على ~~الدخلاء. وقد استعمل هذه اللفظة في الدعي، فقيل: هو منوط. وقال الشاعر: # وأنت دعي نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # فعلى هذا يجوز أن يريد بذوي التنواط الأدعياء. وقوله الذنبات، يريد ~~التباع والعسفاء. ويقال الذنائب والأذناب أيضا. وكما قيل هذا تشبيها بذنابة ~~الوادي، قيل في الرؤساء الذوائب، لأنهم الأعلون. وذكر بعضهم أن الذنبات لا ~~يقال في الناس، وإنما يقال لهم أذناب، ثم أنشد: # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا # ومن حيث جاز الأذناب واستعارتها جاز استعارة الذنبة والذنابة والذنائب ~~والذنبات، ولا فصل. وقوله " إذ جهد الفضاح " معناه بلغ بالفضيحة جهدها ولم ~~يرض بالعفو منها. وفي الوقت الذي أشار إليه، لا يثبت إلا من يرجع إلى كرم ~~متناه، وحرص على المحافظة على الشرف بالغ. # كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح # أخذ يقتص ما جرى عليهم. وقوله " كشفت لهم عن ساقها " مثل يضرب لشدة ~~الحرب، وإنما أهلها في ذلك الوقت يكشفون عن الساق، فجعل الفعل لها، والمراد ~~انكشفت الحرب لهم عن تشمر أهلها واشتدادها. وقد قيل: الساق اسم للشدة، وفسر ~~عليه قوله تعالى: " يوم يكشف عن ساق " فقيل: المعنى يوم يكشف عن شدة. وكذلك ~~كشفت الحرب عن ساقها، معناه أبرزت عن شدتها. وقوله " وبدا من الشر الصراح " ~~أي الخالص الذي لا يمتزج به خير ولا يرجى بعده صلاح. # PageV01P358 # ويقال: صريح وصراح، كما يقال ms0285 طويل وطوال، وعريض وعراض. ويقال: صرحت ~~الخمرة، إذا انكشفت عنها زبدتها. # فالهم بيضات الخدو ... ر هناك لا النعم المراح # أقبل يصف ما امتحنوا به في الحرم إذا ترك حديث المال والبلاء في النفوس. ~~وقوله " فالهم بيضات الخدور " يجوز أن يراد به ما يهتم له في ذلك الوقت: ~~الحرم والنساء المخدرات اللاتي كأنهن بيض مكنون صيانة وجمالا، لا الإبل ~~المراحة من مراعيها. كأنه سمى ما يهتم له هما. ويجوز أن يكون المعنى ما يهم ~~به: النساء لا الإبل. والمراد أنهم كانوا يغتنمون سباء النساء وإلحاق العار ~~بسببهن، لا اغتنام الأموال. وتشبه المرأة بالبيض لتلملمها وزوال الحجوم ~~عنها. وقال الخليل: بيضة الخدر هي المجارية المخدرة الجميلة. وإنما قال ~~المراح لأن النعم مذكر. ويقال سرحت الماشية بالغداة، وأرحتها بالعشية. # بئس الخلائف بعدنا ... أولاد يشكر واللقاح # أولاد يشكر، هم من جملة من وضعته الحرب. فيقول: إذا خلفنا من لا دفاع به ~~من الرجال والأموال، فبئس الخلائف بعدنا. جعل أولاد يشكر كاللقاح وهي الإبل ~~بها لبن في حاجتها إلى من يذب عنها، ويحامي عليها. ورواه بعضهم: " واللقاح ~~" بفتح اللام، وهم بنو حنيفة، وكانوا لا يدينون للمولك. ويكون الكلام على ~~هذا تهكما. # من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح # يقول: من أحجم عن الحرب وكره الاصطلاء بنارها والصبر على بلواها، وعجز عن ~~الثبات في وجوه أبنائها، فأنا ابن قيس لا براح لي فيها ولا انحراف. ومعنى " ~~فأنا ابن قيس " فأنا المشهور بأبيه، المستغني عن تطويل نسبه. فقوله لا ~~براح، الوجه فيه # PageV01P359 # النصب، ولكن الضرورة دعته إلى رفعها. وقال سيبويه: جعل لا كليس ها هنا ~~فرفع به النكرة، وجعل الخبر مضمرا. ومثله: # بي الجحيم حين لا مستصرخ # كأنهما قالا: حين ليس عندي مستصرخ ولا براح عندي في الحرب. وهذا يقل في ~~الشعر ولا يكثر. وجعل غيره براح مبتدأ والخبر مضمرا؛ وإنما يحسن ذلك إذا ~~تكرر، كقول القائل: لا درهم لي ولا دينار، ولا عبد لي ولا أمة. إلا أنه جوز ~~للشاعر الرفع في النكرة بعد ms0286 لا وإن لم يكرر، لأن أصل ما ينفى بلا الرفع، ~~فكأنه من باب رد الشيء إلى أصله. ويقال ما برحت من مكان كذا، أي ما زلت ~~براحا وبروحا. وما برحت أفعل كذا براحا، أي أقمت على فعله، مثل ما زلت ~~أفعله. والبراح الأول في المكان، والبراح الثاني في الزمان، ولا بد له من ~~خبر. ### || قال جحدر، وهو ربيعة بن ضبيعة # قد يتمت بنتي وآمت كنتي # وشعثت بعد ادهان جمتي # ردوا علي الخيل إن ألمت # إن لم أناجزها فجزوا لمتي # قد علمت والدة ما ضمت # ما لففت في خرق وشمت # إذا الكماة بالكماة التفت # هذا توجع وتحشر. والمراد إني قد استقتلت، وكانت هذه الأمور من اليتم ~~والأيمة والتشعث قد اتفقت ووقعت. وإنما قال هذا لأنه كان قد سم في يوم ~~تحلاق # PageV01P360 # اللمم أن يحلق الشعر، إذ كانوا جعلوا ذلك شعارا لهم، وهذا اليوم من أيام ~~بكر وتغلب. وكان جحدر هذا حسن اللمة غزلا، متبجحا بجماله ووفرته عند ~~النساء، فسأل - لكراهته ما ساموه - الإعفاء منه، منتظرين ما يكون من بلائه، ~~وتشهير نفسه بين الصفين بعلامة تميزه وآثار تشرفه، وحملات على الأعداء تدل ~~على غنائه، ومقامات تشهد بوفائه؛ فإن لم يف بذلك حينئذ تجز لمته عقوبة ~~وتنكيلا، ففي جز اللمة إذلال؛ ولذلك كان يفعل بالأسير عند المن عليه. ثم ~~ذكر ما نشأ عليه وتفرس فيه من وقت الولادة إلى الإيفاع، من الغناء ~~والكفاية، والذكاء والشهامة، فقال: قد علمت والدتي أي ولد تضمه إلى نفسها ~~بي، وأي إنسان تلفف في القمط حين لفتني، وأي فارس تشمه بشمي، إذا تراكمت ~~الأهوال، وتداعت الأبطال، وضاق المكر والمجال، وتلاحقت الرجال بالرجال، ~~فهذا سبب توطينه النفس على القتل، ووجه الشرط في مناجزة الخيل. وقوله " ~~يتمت " مصدره اليتم. قال الدريدي: اليتيم الفرد، لذلك سمي الذي يموت أحد ~~والديه يتيما، كأنه أفرد، وقيل اليتيم في الناس من الأب والأم، ومن البهائم ~~من الأم. وقوله " آمت " مصدره الأيمة والأيوم. والأيم: التي لا زوج لها. ~~والكنة، قال الخليل: هي امرأة الأخ أو ms0287 الابن. ويشهد لما قاله قول الشاعر: # هي ما كنتي وتز ... عم أني لها حمو # ويعني جحدر بالكنة امرأة نفسه، كأنه من حيث كانت كنة قومه أضافها إلى ~~نفسه. # والشعث والشعوثة: اغبرار الشعر وتلبده. # وقوله " ردوا علي الخيل " يريد اصرفوا وجوها إلي. # والمناجزة: المعالجة بالقتال، ومنه إنجاز الوعد، ونجز الشيء. # وقوله " ما لففت في خرق " بدل من قوله ما ضمت، والتكرار على هذا الوجه ~~تفخيم للقصة. # PageV01P361 ### || وقال شماس بن أسود # أغرك يوما أن يقال ابن دارم ... وتقصى كما يقصى من البرك أجرب # لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوبيخ والتقريع. ويقال غره، إذا غشه ~~وختره بما يجب السكون إليه والإيمان به. ويقال: ما غرك مني، أي لم وثقت بي؟ ~~وما غرك بي، أي لم اجترأت علي؟ وما غرك عني، أي لم غفلت عني؟ فيقول: اغتررت ~~بقول الناس فيك هو ابن دارم وإن أخر منزلتك، وأقصيت في نفسك كما يقصى ~~البعير الجرب من البرك مخافة الإعداء، وكان حكم مثلك ألا يقنعه فخامة الذكر ~~مع سقوط القدر، ولا يسكن من الناس إلى تسميتهم إياه بأحب أسمائه إليه وهذا ~~فعلهم به. قوله " ابن دارم " يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، وأن يكون ~~خبرا والمبتدأ محذوف، والمضمر في الوجهين أنت أو هو. ويقال بعير جرب وأجرب، ~~والبرك: جمع بارك، كتاجر وتجر. # قضى فيكم نوس بما الحق غيره ... كذلك يخزوك العزيز المدرب # نوس هذا المذكور كان له جار، واهتضمه ابن دارم واستاق ماله، فلما جاء ~~الصريخ نوسا ذهب في أثر ابن دارم وارتجع مال جاره منه، وسلبه ما صحبه من ~~مال نفسه، وأبان يده منه بضربة تناوله بها، فلهذا قال: حكم فيكم نوس عند ~~الانتقام لجاره منكم بحكومة جائرة خارجة عن الاقتصاد إلى الاشتطاط. ثم قال ~~" كذلك يخزوك " أي يسوسك الرجل الجلد العزيز المجرب. وهذا الكلام، أعني ~~كذلك يخزوك، يجري مجرى الالتفات، كأنه التفت إلى غيرهم فخاطبهم مبكتا لهم ~~ومقرعا بذلك. ولا يمتنع أن يكون صرف الكلام عن خطاب الجماعة وأقبل يخاطب ~~الواحد. ويقال خزاه يخزوه، إذا ms0288 كفه عن المكروه وحبسه على مر المراد. قال ~~لبيد: # واخزها بالبر لله الأجل # PageV01P362 # فأد إلى قيس بن حسان ذوده ... وما نيل منك التمر أو هو أطيب # يخاطب ابن دارم متوعدا ومعيرا، ويقول: اخرج مما في ذمتك من ذود قيس بن ~~حسان إليه، وحالك إذا رمت ظلم غيرك أن ما ينال منك كالتمر في الحلاوة أو ~~أطيب. والمعنى: إن تعرضك لأخذ مال قريب منك أو بعيد عنك، مع ضعف المنة في ~~سقوط العزة، ولا يجدي عليك نفعا، ولا يسوق إليك غنما، فازهد فيما عندك له، ~~ورده قبل أن تستوبل عاقبته، وتستوخم مغبته. والواو من قوله " وما نيل "، ~~واو الحال، كأنه قال أده وأنت إذا أكلت مستطاب. وقوله " أو هو أطيب " أي ~~أطيب من التمر. والحذف من الخبر جائز، وقد مضى مثله. وأو هي أو الإباحة، ~~وقد نقل إلى الخبر. # فإلا تصل رحم ابن عمرو بن مرثد ... يعلمك وصل الرحم عضب مجرب # يقول: إن لم تصل رحمك مختارا له، ومعفيا أثر العقوق به، ومزيلا عن نفسك ~~سمة الجاهل الذي يدخل فيما لا يمكنه الخروج منه، والآكل ما لا يقدر على ~~استمرائه، علمك صلة الرحم والخروج من الحقوق، سيف قاطع لا يبقي عليك ولا ~~يالو تأديبك. وفي طريقته السائرة قولهم: " الطعن يظأر "، ومن الشعر قول ~~زهير: # ومن يعص أطراف الرماح فإنه ... مطيع العوالي ركبت كل لهذم ### || وقال حجر بن خالد # وجدنا أبانا حل في المجد بيته ... وأعيا رجالا آخرين مطالعه # قوله " حل في المجد بيته " في موضع المفعول الثاني لوجد، لأنه بمعنى علم. ~~والبيت لا يحل ولكن يحل فيه، لكنه رمى بالكلام على السعة والمجاز، لأن ~~المعنى لا يختل. ويقولون: فلان عالي المكان، لأنه إذا علا مكانه فقد علا ~~هو. وقال الآخر: # وحلت بيوتي في يفاع ممنع # PageV01P363 # فيقول: علمنا بالاختبار في طلاب العلو، والاجتهاد في منال أقصى السمو، ~~تمكن بيت أبينا من ذروة المجد والشرف، فمحله فائت لا يلحق، ومطلعه معجز لا ~~يمكن، إذ كان مداه الغاية التي ليس وراءها مستشرف لناظر، ولا ms0289 منال للاحق. # فمن يسع منا لا ينل مثل سعيه ... ولكن متى ما يرتحل فهو تابعه # يقول: من طلب نيل مكانه، أو الارتقاء إلى درجته، بسعي يتكلفه ويجهد فيه ~~نفسه، وقف دونه وقعد به طوقه، وكان أقصى غايته بعد استفراغ مجهوده، أن يكون ~~تابعا له، وواطنا عقبه؛ فأما مساماته في مدارجه، أو مسامتته في مطالعه، فلا ~~سبيل إليه، ولا مطمع فيه. # وقد سلك الأعشى هذا المسلك فقال: # كل سيرضى بأن يلقى له تبعا # وذكر الارتحال حسن في الاستعلاء مع ذكر السعي. وقد قيل: " لولا السعي لم ~~تكن المساعي ". # يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا ... يسود معدا كلها ما تدافعه # الثني: من دون الرئيس، لكنه يليه في الرتبة. والبدء: السيد غير مدافع عن ~~أولية سيادته، فكأن المراد بهما الأول في الرياسة والثاني. وأصله من ثنيت ~~الشيء. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ثنى في الصدقة ". والمعنى ~~أنها لا تؤخذ في السنة مرتين. ويقال ثنيت الشيء ثنيا، ثم يسعى المثنى ثنيا ~~وما ثني به هو أيضا ثنيا. وعلى هذا الضعف، يقال ضعفت الشيء مخففا في معنى ~~ضاعفت ضعفا، ثم يسمى المضعوف ضعفا بالكسر، والمضعوف به ضعفا أيضا. قال ~~لبيد: # وعالين مضعوفا وفردا سموطه # PageV01P364 # والبدء: العظم المنفصل مما عليه من اللحم، كأنه من هذا. قال: # أغلت الشتوة أبداء الجزر # ومعنى البيت: المغمور فينا إذا حصل في غيرنا سادهم وعلاهم، والرئيس منا ~~تسلم له الرياسة على قبائل معد كلها، غير معارض فيها، ولا مدافع عنها. # ونحن الذين لا يروع جارنا ... وبعضهم للغدر صقم مسامعه # يصف عزهم ومنعتهم، وعهدهم ووفاءهم، وأن المجاور لهم، والمعتصم بحبلهم، ~~يبقى آمنا معهم غير مذعور، وموفورا غير مسلوب. ثم قال معرضا بغيره: وبعض ~~الناس لما يستعمله من الغدر، ويشتهر به من تضييع الذمار، ولكونه منطويا ~~فيما يأتيه على الإصرار، يصم مسامعه عن ذكر العار، فلا يبالي بذم الناس له، ~~ولا يأنف من تهجينهم أفعاله. وفي طريقته قول الآخر: # إن يجبنوا أو يغدروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا # يغدوا عليك مرجلي ... ن ms0290 كأنهم لم يفعلوا # وكان وجه الكلام أن يقول لا يروع جارهم حتى يرجع من الصلة إلى الموصول ~~الذكر؛ لكنه لما كان المقصود بقوله نحن والذين شيئا واحدا لم يبال برجوع ~~الضمير إلى كل واحد منهما. وقد مضى مثله. # ندهدق بضع اللحم للباع والندى ... وبعضهم تغلي بذم مناقعه # الدهدقة: الصوت. والبضع: القطع. أي نتولى ذلك كرما منا على اعتساف وسوء ~~تأت: ويجوز أن يكون البضع جمع بضعة فيكون المعنى: إنا نقلبها في القدور، ~~فلعظمها يسمع لها في التقلب صوت. والمناقع: جمع المنقع والمنقعة، وهي ~~القدور الصغار، وقيل هي الأتوار الصغيرة. وقيل المناقع واحدها، وأصله ما ~~ينقع فيه # PageV01P365 # الشيء، فاستعاره للقدور. فأما قوله منقع البرم فقد قيل فيه ما ذكرنا ~~وغيره. وقد روي منقع البرم، بكسر الميم، وفسر على وعاء القدر وذكر الباع ~~مثل، والمراد الكرم. فعلى الطريقة الأولى يكون معنى البيت: يسمع لقطع ~~اللحام بأيدينا دهدقة، لقلة رفقنا فيه وسوء حذقنا به، كما قال الآخر: # جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ... ولا يأكلون اللحم إلا تخذما # على الطريقة الثانية يكون المعنى: تغلي قدورنا بفدر اللحم، فإذا قلبناها ~~فيها إقامة لخدمة الضيف، واكتسابا للحمد، ورغبة في ابتناء المجد، تقلبت ~~ولها صوت، لعظمها واتساع قدورها. وبعض الناس - وهذا تعريض بالغير - تغلي ~~قدوره التي كأنها مناقع في الصغر بذم الناس له. فقوله " بذم " في موضع ~~الحال، تقديره: تغلي مذمومة. # ويحلب ضرس الضيف فينا إذا شتا ... سديف السنام تستريه أصابعه # يروى " ضرس الضيف " بالرقع على أن يكون فاعلا، وسديف بالنصب على أن يكون ~~مفعولا، وهو الجيد. ويعضهم ينصب الضرس ويرفع سديف السنام، والمعنى لا يلتبس ~~في الوجهين. يقول: وإذا اشتد الزمان، وأسنت الناس، فإن الضيف فينا يأكل ~~سديف السنام، من الإبل السمان، على ما تختاره أصابعه في الجفان. والسديف: ~~قطع السنام. وقيل هو شحم السنام. ومعنى إذا شتا، إذا أمحل. وذكر الحلب ~~كناية عن الأكل. والمعنى: إنا لا نرضى بنحر الكسيرات المهزولات، بل نعتبط ~~خيار الإبل وكرائمها عند حلول الضيفان. وتستريه: تختاره، يقال استسريت ~~الشيء أيضا. ms0291 والسري: الخيار من كل شيء. وموضع تستريه نصب على الحال للسديف، ~~والعامل فيه يحلب، كأنه قال تحلبه الضرس مختارا بالأصابع. # منعنا حمانا واستباحت رماحنا ... حمى كل قوم مستجير مراتعه # يقول: إذا أحمينا مكانا ذببنا أعداءنا عنه، ولا يجسر أحد منهم على دخوله، ~~ومتى شئنا استبحنا أحمية الناس لعزنا وفضل قوتنا، ولاستسلام القبائل لنا، ~~وإن كانت الأحمية مستجيرة المراتع. وقوله " مستجير مراتعه " الهاء يرجع إلى ~~حمى كل قوم، # PageV01P366 # والمعنى الحمى الذي قد استجار مراتعه بالممتنع القوي، وتعزز بالظهر ~~الظهير. وهذا إشارة إلى إيلاف الجوار، كأنها تجمع بين جوارين في حيها وحي ~~غيرها، تستظهر بأحدهما على الآخر. وجعل الفعل للمراتع مجازا، أي تستبيح ~~الحمى الذي هذا صفته. ويجوز أن يكون أراد الحمى الذي قد أدخل على قومه ~~الضعفاء من الأجانب في الجوار. ويقال: استجار، إذا تضمن الإجارة وطلب من ~~غيره المجاورة، واستجار أيضا إذا طلب أن يدخل في الجوار ويحامى عليه. ويقال ~~استجرت فلانا وبفلان، والمفعول محذوف. ### || وقال أيضا: # لعمرك ما ألياء بن عمرو ... بذي لونين مختلف الفعال # وصفه بأنه ثابت القدم بحسن الوفاء، محافظ على الذمار، باق على طريقة ~~واحدة في الشدة والليان. فيقول: وبقائك ما هو بذي لونين يخالف باطنه ظاهره، ~~ولا يوافق مقاله فعاله، يتنقل في الأهواء، ويتلون تلون الأوفاقات، فهو على ~~أن يجيب كل ناعق، ويتبع كل قائد وسائق، إن ضمن لم يف، وإن وعد لم ينجز. # غداة أتاه جبار بإد ... معضلة وحاد عن القتال # جبار: رجل. والإد: المنكر من الأمر الشديد. وفي القرآن: " لقد جئتم شيئا ~~إدا ". وقد أفرد ها هنا عن موصوفه فأجري مجرى أسماء الدواهي. والمعضلة: ~~الداهية العسرة الضيقة. ومنه قولهم: هو عضلة من العضل، وداء عضال: الذي غلب ~~وأعيا. وقوله " غداة أتاه " ظرف للفعل الذي دل عليه قوله " بذي لونين مختلف ~~الفعال "، كأنه جلب عليه هذا الرجل أمرا منكرا، ضيقا عسرا، ثم خلاه يصلى ~~بناره ويقاسي مكروهه، ويماصع خصماءه فيه ويجاذبهم، وهرب هو. # ففض مجامع الكتفين منه ... بأبيض ما يغب عن الصقال # الفض: الكسر ms0292 والتفريق، ويقال انفض القوم، إذا تفرقوا. يقول: فصل مجمع ~~كتفيه بضربة من سيف بحادث بالصقل، ولا يتغافل عنه. والإغباب: أن ترد الإبل # PageV01P367 # الماء غبا. ويقال أغب القوم، إذا صارت إبلهم كذلك. وليس يريد بنفي ~~الإغباب أن يدل على صقل السيف كل يوم؛ ولكن المراد أنه لا يهمل صقله زمانا ~~ممتدا؛ إذ كان صاحبه يستعمله كل يوم. وعلى هذا ذكر الغب في المثل السائر: " ~~زر غبا تزدد حبا ". # فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجب أزب من العوالي # يقول: لو حضرناكم لنصرناكم وجاهدنا معكم بجيش له جلبة وصوت، أزب لكثرة ~~الرماح فيه. أي تشبه كثرة الرماح فيه والتفافها كثرة شعر الأزب. وهذا على ~~طريق الاستعارة، لأن أصل الزبب في الشعر. وفي المثل: " كل أزب نفور "، يعني ~~البعير الكثير الشعر على الوجه والعثنون، لأن ما حوالي عينيه من الشعر يخيل ~~إليه المناظر على خلاف ما تكون عليه فينفر. والعوالي: جمع عالية، ويراد بها ~~جنس من الرماح. # ولكنا نأينا واكتفيتم ... ولا ينأى الحفي عن السؤال # يروى " واكتفينا ". يقول: بعدنا عنكم فاستقللتم بأنفسكم واستغنيتم عمن ~~يعاضدكم في كل ما يدهمكم، فلم تدعكم حاجة إلى مجاورتنا، ولا ألجأتكم ~~الضرورة إلى التكثر بنا. والرجل اللطيف البار بصاحبه لا يبعد عن تنسم ~~الأخبار واستنشائها لمن يهمه أمره، وإن بعد بنفسه ومكانه. ومن روى " ~~واكتفينا " كان المعنى اكتفينا في البعد عنكم فلم تحتج إليكم. والقصد في ~~الروايتين أنه لم يكن بإحدى الجنبتين افتقار إلى الأخرى، فصار ذلك سببا في ~~التنائي، وعذرا بينا في التأخر عن المعاونة والمكانفة. ودل بقوله: " ولا ~~ينأى الحفي " على أن القلوب في التعطف والخلوص، على ما يوجبه الوداد ولم ~~يغيرها البعاد. ويقال فلان حفي بفلان ظاهر الحفوة، أي البر. ### || وقال حسان بن علبة # إذا كنت من سعد وأمك منهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعد # PageV01P368 # يقول: إذا كنت بعيدا عن وطنك وذويك من قبل أبيك، وحاصلا في بني خالك، ~~ضاربا فيهم بسهم الخؤولة، لكون أمك منهم، فلا تغتر بهم، ولا تعتمد على ~~قرابتك فيهم، فإن ms0293 التشابك الموثوق به المستصلح لإعداده، إذا كان الالتحام ~~بالأبوة لا بالأمومة. فأما الخؤولة فمشابهة للغربة، بعيدة من القربى ~~والقربة، والمكانفة والنصرة. وهذا المعنى قد كشفه غيره فقال: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # قوله " في سعد " يجوز أن يكون خبرا، ويجعل غريبا منتصبا على الحال، ويكون ~~العامل فيه كنت، أو العامل في الظرف. ويجوز أن يجعل في سعد لغوا، ويجعل ~~غريبا خبر كان. وقوله " فلا يغررك " جعل النهي في اللفظ للخال، والمعنى لا ~~تغتر بخالك من سعد، لأن المنهي هو المخاطب. ومثل هذا قولهم: لا أرينك ها ~~هنا. وقول الآخر: # إن الرياضة لا تنصبك للشيب # فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد # يقول: ابن أخت القوم منحوس الحظ، منقوص الشرب، ممال الإناء والحوض متى لم ~~تنجده أبوة يشتد بها أمومته، وعمومة يتأيد بها خؤولته. وهذه الأمثال مضروبة ~~للهضيمة تلحق فلا يتحرك لدفعها الأخوال وإن كان بين ظهرانيهم، ولأن الحمية ~~إنما يبعثها تراقد بني الأعمام، أو المنتسبين إلى الآباء، وجواب إذا لم ~~يزاحم مقدم، وهو ظرف لإصغاء الإناء. واستعارة الإناء ها هنا كما قال زهير: # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # ومن هذه الطريقة قوله: # يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئت ... بئني صفين يعلو فوقها القتر # PageV01P369 # وإن كان في الكفء ما ليس في الإصغاء، فاعلمه. ### || وقال بعض بني جهينة # ألا هل أتى الأنصار أن ابن بحدل ... حميدا شفى كلبا فقرت عيونها # هذا الاستفهام طريقه طريق التمني وإظهار الميل إلى أن يكون الأنصار شركوه ~~في العلم بالحالة التي يقتصها. ويجوز أن يكون أخرج الكلام على هذا ليبلغوا. ~~فيقول: هل تأدى خبر حميد بن بحدل فيما كان من نصره كلبا على قيس، وإقراره ~~عيونهم منهم، وشفائه قلوبهم مما كان تداخلها من عداوتهم، واهتاج فيها من ~~نار حقودهم. # وأنزل قيسا بالهوان ولم تكن ... لتقلع إلا عند أمر يهينها # يقول: وأحل حميد قبيلة قيس بمحل الذل والامتهان، والهضم والهوان، حتى ~~كفوا عن ms0294 مجاذبة كلب والتعرض لهم بالسوء. ثم قال: ولم تكن قيس تنزجر وترتدع ~~إلا عندما يسقطها، وينزلها بدار الرغم ويسخطها، لفرط لجاجها، وتأبيها ~~وجماحها. واللام من " لتقلع " لام الجحود. # فقد تركت قتلى حميد بن بحدل ... كثيرا ضواحيها قليلا دفينها # هذا بيان لما حل بقيس. يقول: تركت القتلى الذين أبادهم حميد ابن بحدل ~~بالعراء، فقد كثر بوارزهم للشمس، وقل دفائنهم في الأرض. وإنما يفظع بما يصف ~~ما دفع إليه قيس وابتلي به. والضواحي: جمع ضاحية، وهي الظواهر، والفعل منه ~~ضحي يضحى عند الكوفيين، ولغة أخرى ضحى يضحى، وهذا أفصح. وفي القرآن: " وأنك ~~لا تظمأ فيها ولا تضحى ". وأضاف قتلى إلى حميد لأنه الموقع بهم، القاتل ~~لهم. # فإنا وكلبا كاليدين متى تقع ... شمالك في الهيجا تعنك يمينها # هذا الكلام تحمد وتنبيه على أن ما يجمعهم وكلبا في نهاية القوة ~~والاستحكام، فلا يعرض فيه فتور، ولا يتسلط عليه كلة ولا قصور، فهم كاليدين ~~إذا دفعت إحداهما إلى شدة أعانتها الأخرى. وجعل الفضلى من اليدين - وهي ~~اليمين - مثلا لأنفسهم. # PageV01P370 ### || وقال المنخل اليشكري # إن كنت عاذلتي فسيرى ... نحو العراق ولا تحوري # يستعفي من لومها وتقريعها في تبذير المال وإتلافه، وترك الادخار منه ~~ليومه وغده؛ فيقول: إن كان دأبك إدمان عذلي، والاستمرار في توبيخي، ~~ففارقيني وخذي طريق العراق لا ردك الله. قوله " لا تحوري " دعاء عليها، من ~~قولك حار أي رجع. ومنه قول الناس: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "، لأن ~~النقصان تراجع. ويجوز أن يكون " سيري " دعاء أيضا، كأنه قال فسيرك الله ولا ~~ردك! # لا تسألي عن جل ما ... لي وانظري كرمي وخيري # قال الخليل: الخير: الهيئة. يقول: اتركي البحث والفحص عن ذخائري ومعاظم ~~مالي، ولكن اعلمي شرفي وكرمي وحسن هيئتي وخلقي. وقوله " وانظري " معناه ~~واعلمي. وعلى هذا قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ~~ذلك ويتيقنونه. والعرب تضع عبارات طرق العلم في موضع العلم. يقولون: سمعت ~~كذا، بمعنى علمته. وعلى هذا قولنا: سمع الله لمن حمده. ويقولون: ذقت الشيء ~~بمعنى علمته وخبرته. ويقال: ms0295 شممت رائحة الفضل من فلان، أي علمته. # وفوارس كأوار ح ... ر النار أحلاس الذكور # يقول: ورب فرسان يشتعلون ليلا ونهارا، ذكاء وحمية، وبأسا ونجدة، اشتعال ~~النار، ويلزمون ظهور الذكور من الدواب اللزوم الشديد، إذ كان ذلك شأنهم ~~ودأبهم. وجواب رب منتظر. وقوله " كأوار حر النار "، الأوار: التوهج ~~والالتهاب، ولهذا أضافه إلى الحر. ويقال وأرت النار، إذا توهجت، ومنه ~~الإرة. وإذا كان كذلك فالأصل في أوار وؤار، فإما أن يكون قد قلب، فقدم ~~الهمزة، وإما أن يكون لين الهمزة ثم أبدل من الواو المضومة التي هي فاء ~~الفعل همزة، كما فعل في وقت إذا قيل أفت، فصار أوارا. وقوله " أحلاس الذكور ~~"، # PageV01P371 # الحلس: كل شيء ولي الظهر تحت الرحل. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن ~~الأحلاس البسط، واحدها حلس، قال: ومنه الخبر: " إذا ظهرت الفتن فكن حلس ~~بيتك ". وأنشد: # نومت عنهن غلاما جبسا ... وقد تغطى فروة وحلسا # معنى اللزوم صح الوصف به. وعلى هذا أسماء الأجناس إذا ضمنت معاني ~~الأفعال. # شدوا دوابر بيضهم ... في كل محكمة القتير # واستلأموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير # قوله " شدوا دوابر "، هو جواب رب. والمعنى: رب فرسان هذا صفتهم استعدوا. ~~والمعنى استعدوا معي أولي مغيرين أو مدافعين، بأن شدوا مآخير المغافر في ~~جيوب دروع محكمة رءوس المسامير، ضيقة السرد. والدوابر، واحدتها دابرة وهي ~~المآخير، وتستعمل أيضا في الحوافر والمخالب. ومنه قطع الله دابرتهم، لأن ~~سباع الطيور إذا قطعت دوابرها تعطلت عن الكسب. و " استلأموا "، أي لبسوا ~~اللؤم، وهي جمع لأمة. وفعلة وفعل قليل، ومثله نوبة ونوب. وهي من الملاءمة ~~المطلوبة في نظم الحلق وسردها. ولما كان الواو العاطفة لا توجب شيئا من ~~الترتيب لم يبال بتأخير واستلأموا، وإن كان لبس الدروع مقدما على لبس ~~البيض، وشدوا دوابرها فيها. وقوله " إن التلبب للمغير " يجري مجرق ~~الالتفات. والتلبب: التحزم، وقيل هو الانتطاق والتجرد. ويمكن الاستشهاد ~~بهذا على أن الفوارس الموصوفين كانوا مغيرين. # وعلى الجياد المضمرا ... ت فوارس مثل الصقور # الواو من قوله " وعلى الجياد المضمرات فوارس " واو الحال، كأنه قال ms0296 شدوا ~~دوابر بيضهم والحال ذا. يريد: رب فرسان تشمروا واستعدوا معي للغارة أو ~~الدفاع للمغيرين، وبإزائنا خيل هكذا. يقول: وعلى الجياد العتاق المسومة ~~المصنوعة، فرسان # PageV01P372 # كأنهم في حدة نظرهم وارتفاع ناظرهم وطموحهم، صقور في حال ما تخلى للصيد. ~~وسمعت من يقول. إن جواب رب لم يجيء بعد، وإنما أعاد ذكر الجياد لتباعد رب ~~عنه بما حال بينها، وجوابه أقررت عيني من أولئك. وهذا البيت لم يدخل في ~~الاختيار، أعني أقررت عيني. # وإذا الرياح تناوحت ... بجوانب البيت الكسير # ألفيتني هش اليدي ... ن بمري قدحي أو شجيري # أخذ يتبجح بالسخاء والتكرم، كما يتبجح بالثبات والتشجع. وهذه الفصول ~~تفسير قوله " وانظري كرمي وخيري ". فيقول. وإذا تقابلت الرياح أوان الشتاء، ~~ووقت الجدب والإمحال، حتى زعزعت جوانب البيت العظيم الكسور والأركان، ~~ألفيتني هكذا. ويقال بيت كسير إذا كان عظيم الكسر، كما يقال رجل جسيم بدين، ~~إذا كان عظيم الجسم والبدن. وكسر البيت وكسره بالفتح والكسر: جانبه. وتفسير ~~الكسر على هذا أبلغ وأحسن من أن يجعل في معنى المهدم والمكسور. وعلى ما به ~~فقد يفسر عليه. وقوله " ألفيتني " جواب إذا. يقول: تجدني في ذلك الوقت خفيف ~~اليد بمسح القداح، وعند حضور الأيسار، نشيطا في إجالتها، حريصا على فوزها ~~وتحمل الكلف في إدارتها. وقوله " أو شجيري " الشجير: الغريب. ويقال: نزل ~~بينهم شجيرا، أي غريبا. وإنما قدحا يتبرك به، فيستعار من الغير، فإذا أجاله ~~الياسر مع قداحه كان كالشجير فيما بينها والدخيل. والهش الخفيف. ويقال ~~استهشني الشيء، أي استخفني. ومنه هو يهش إلى إخوانه. # ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير # ذكر أن أوقاته منقسمة بين الجد والهزل، وأمواله متوزعة بين لوازم الحقوق، ~~ولواحق الفضول، فيقول: ولقد أعطيت الصبي حقه، وأقمت للهوى رسمه، وسعيت في ~~البطالة أوقاتها وأعطيت الخسارة مقاودها، فدخلت على الفتاة المخدرة في أطيب ~~أوقات اللذة، وهو ما أشار إليه بقوله " في اليوم المطير ". ثم وصف الفتاة ~~فقال: كانت ناهدة الثديين، حسنة الخلقة، موفرة الحظ من ms0297 النعمة والنعمة، فهي ~~تتبخر في ملابس الحرير المتلونة على أجناسها المختلفة، والدمقس: الحرير ~~الأبيض، ولهذا # PageV01P373 # قال امرؤ القيس: # وشحم كهداب الدمقس المفتل # وإذا كان كذلك فقوله " وفي الحرير " ينصرف إلى سائر الألوان، ويشتمل على ~~جميع الأجناس، فكأنه قال: ترفل في أجناس الحرير، الأبيض منها وغير الأبيض ~~يريد أن معارضها من تلك الأجناس. # فدفعتها فتدفعت ... مشي القطاة إلى الغدير # ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي العقير # قوله " فتدافعت " هو مطاوعة دافعت، ومطاوعة دفعت اندفعت، إلا أنه يوضع كل ~~موضع صاحبه. فيقول: هززتها لمساعدني، وبعثتها لتسعى معي فانبعثت واسمحت وهي ~~تمشي مشي القطاة إذا وقعت على الغدير، ومشت نحو الماء. وهذه المشية فيما ~~يقال أحسن المشي، لأمنها وسرورها بالورود، وعجبها بالخلاء، وانتصب " مشي " ~~على أنه مصدر من غير لفظه لأن معنى تدافعت مشت، والقصد إلى التشبيه لأن ~~المعنى مشت مشية تشبه تلك المشية. وسيبويه يضمر في مثل هذا الموضع فعلا من ~~لفظ المصدر إن وجده، وإلا قدره، ويجعل الظاهر دليلا عليه. وقوله " ولثمتها ~~" يريد. وقبلتها فتنفست. ومنه اللثام، لأنه في الفم كاللثام في الأنف. ~~والمعنى أني لثمتها فلحقها من ذلك تعب، فتنفست له تنفسا كتنفس الظبي إذا ~~عقر. ويقال إنه في تلك الحالة يتنفس تنفسا ممتدا طويلا؛ فشبه تنهدها به. ~~ويروى. " كتنفس الظبي البهير "، والمعنى قريب، لأن البهر: النفس العالي. ~~وفي طريقة قوله " ولثمتها فتنفست " قول طرفة العبدي. # تحسب الطرف عليها نجدة ... يا لقوز للشباب المسبكر # PageV01P374 # لأن المعنى في الموضعين التنبيه على تناهي الموصوف في النعمة والرقة. # فدنت وقالت يا من ... خل ما بجسمك من حرور # ما شف جسمي غير ح ... بك فاهدئي عني وسيري # وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري # قوله " فدنت " أراد به دنو الشفقة، والتقرب بحسن العطفة، لا قرب المسافة. ~~والمعنى: تأملت تغير لوني ونحولي، فاعتقدت أنه من ملازمة تبذل، ومقاساة ~~تعمل، فأعارتني شفقتها وقالت: ما الذي بجسمك من حرور، أي من أثر الحرور. ~~وقد اختلف في السموم والحرور، فمنهم من جعل السموم بالنهار والحرور بالليل، ~~ومنهم من يقول على العكس مما ms0298 ذكرت. وقال الخليل: السموم الريح الحارة، ليلا ~~هبت أو نهارا. والحرور: حر الشمس. وقوله " ما شف جسمي " يقول: أجبتها مبطلا ~~اعتقادها، ومكذبا ظنها، وراجعا بالعتب عليها، وقلت: ما أنحل جسمي ولا أثر ~~في لوني إلا حبك، فاسكني عني وسيري. ومعنى سيري هوني عليك الأمر. وعلى نحو ~~من هذا يحمل قول الله تعالى: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم " إذ لم يكن ثم مشى ولا انطلاق. ويجوز أن يكون سيري أمرا بالسير، ~~فقد قال فيما تقدم: # فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير # وقوله: وأحبها وتحبني، هو بيان تطاول الألفة بينهما، وتواصل الصحبة في ~~أيامهما، حتى صارت لامتداد الملازمة كما حصل التحاب بينهما حصل التألف بين ~~بعيريهما، فإذا اتفق التباعد والافتراق، وتسلط على كل واحد منهما الاشتياق، ~~أقبل البعيران يتحابان، ويتجاذبان الوجد والنزاع كما يفعل المتحابان. ### || وقال باعث بن صريم # سائل أسيد هل ثأرت بوائل ... أم هل شفيت النفس من بلبالها # إذ أرسلوني مائحا بدلائهم ... فملأتها علقا إلى إسبالها # PageV01P375 # أسيد أراد به قبيلة، ولما منعه الصرف. وهذا الاستشهاد هو تصوير للحال ~~وتطرق إلى الإخبار. وإنما يفتخر بأنه قتل قاتل وائل، وأدرك ثأره، لما اعتمد ~~في طلب دمه، واعتقد أن إدراك شفاء النفوس من جهته وبه. والبلبال: الحزن. ~~وقوله " أم هل " الاستفهام بأم دون هل، لأن أم هذه هي المنقطعة، ولا يجوز ~~أن يكون العاطفة. لأن تلك تجيء عديلة الألف. وقوله " شفيت النفس " يجوز أن ~~يريد به نفسه، ويجوز أن يريد به الكثرة والجنس، كأنه يريد أنه شفى ~~الموتورين فيه، وأزال ما خامرهم من لذع المصيبة، وألم الفجيعة. وقوله " إذ ~~أرسلوني " إذ ظرف لقوله ثأرت، أو لقوله شفيت. والمائح: الذي يدخل البئر ~~فيملأ الدلو عند قلة الماء فيها، والحاجة إلى الغرف من قعرها. وإنما جعل ~~نفسه مائحا لينبه على أن طلب دم الواترين كان متعسرا متعذرا، كما أن ~~الاستقاء على الوجه الذي ذكره يكون شاقا متعبا. فهذا وجه عدوله عن المتح ~~إلى الميح. وقوله " فملأتها علقا إلى أشبالها "، انتصب علقا على ms0299 التمييز. ~~وأسبالها: أعاليها، ومثله الأصبار، وسبلة الرجل منه. واختار بعضهم أن يرويه ~~" إلى إسبالها " بكسر الهمزة، مصدر أسبل، وليس بشيء. والمعنى: ملأت دلاءهم ~~من دمك واتريهم. وجعل لهم دلاء لاشتراكهم في الدم وطلبه، ولنيابته عن كل ~~أوليائه. ولما استعار الدلاء والميح لما ذكرته كنى عن فعله وتصرفه بالملء. # وذكر بعضهم أن وائلا المفتول هو وائل بن صريم الغبري أخو باعث الشاعر، ~~وله قصة. وهي أن عمرو بن هند بعثه ساعيا على بني تميم، فكان جالسا على شفير ~~بئر يجمع الصدقات، فدفعوا في صدره وأسقطوه في البئر، ثم رجموه بالحجارة حتى ~~قتلوه، وأخذوا يرتجون على طريق التهكم والاستهزاء: # يأيها المائح دلوى دونكا # فاتصل خبره بأخيه باعث، فسار في بني غبر وآلى أنه لا يمسك عن مقاتلتهم ~~حتى يملأ دلوا من دماء بني تميم! ففعل، حتى كانت المرأة تقول: " تعست غبر، ~~ولا سقيت المطر، ولا لقيت الظفر ". قال: فهذا معنى " إذ أرسلوني مائحا ~~بدلائهم "، وهذا حسن، والأول محمول على طرقهم وعاداتهم. ومثله قول الآخر: # مخضت بدلوه حتى تحسى ... ذنوب الشر ملأى أو قرابا # PageV01P376 # إني ومن سمك السماء مكانها ... والبدر ليلة نصفها وهلالها # آليت أثقف منهم ذا لحية ... أبدا فتنظر عينه في مالها # أقسم بمن سمك السماء، وهو الله عز وجل. ومعنى سمك رفع، ومنه سمي عمود ~~البيت المسماك. وجواب القسم في آليت أثقف، وهو خبر إن أيضا. وقوله " ليلة ~~نصفها " أضاف النصف إلى السماء لما كان استكمال البدر عند انتصاف الشهر في ~~السماء، فلاجتماعهما في ظهور البدر كاملا في السماء ساغت الإضافة بينهما، ~~على عادتهم في إضافة الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة تحصل بينهما. وعلى هذا ~~قول الآخر: # ضوء برق ووابله # إذ كان أضاف الوابل إلى البرق لاصطحابهما. وأبعد منه قول الآخر: # نحن صبحنا عامرا في دارها ... عشية الهلال أو سرارها # وأضاف السرار إلى العشية لاعتقاده أن استسرار القمر في العشيات، كما أن ~~طلوعه فيها. وعلى هذا الكلام في إضافة قوله " وهلالها " وإن كان إضافة ~~الهلال إلى السماء أبين أمرا، وأقرب متصورا. ms0300 فالتقدير ليلة كماله في نصف ~~الشهر، وليله إهلاله. و " مكانها " انتصبت على الظرف، والمعنى حلفت بالله ~~الذي رفع السماء في مكانها بلا عمد - وجعل البدر فيها كاملا عند انتصاف ~~الشهر، وهلالا عند أوله في ليلتيهما - إني لا أثقف من هؤلاء القوم ملتحيا ~~أبدا ناظرا عينه في ماله، وراجعا من مقصده إلى أهله وداره. أي إذا ثقفته ~~قتلته حتى لم تنظر عينه في ماله، ولم يستقر بعده في داره وقراره. وقوله " ~~أثقف " هو الجواب، وحذف معه لا لأنه أمن التباسه بالواجب، إذ لو أراد ~~الواجب لقال لأثقفن، فلما كانت صيغة الواجب بما يلزمها من اللام وإحدى ~~النونين الثقيلة أو الخفيفة لم يبال بحذف حرف النفي. ومثله قول الآخر: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... وإن ضربوا ### || .............. # PageV01P377 # لأن المراد لا أبرح. فإن قيل: إذا كان القسم يتناول ما ذكرت من قوله لا ~~أثقف فما معنى قوله آليت؟ وهل يصح أن يقال إني حلفت والله لا أفعل كذا؟ قلت ~~إن قوله آليت دخل مؤكدا للقسم على أحد وجهين: " أحدهما " أنه لما تطول ~~الكلام باليمين وبعد ما بين إن وخبره ذكر آليت، ثم أتى بما هو الجواب، ~~ليكون كالمعيد لليمين، والمجدد لما خاف من دروس رسمها. و " الثاني " أنه ~~لما كان آليت لو اكتفى به مغنيا عن ذكر المقسم به صار كتكرار اليمين، فجرى ~~مجرى قوله لو قال والله والله، وما أشبهه. فأما قوله " فتنظر عينه في مالها ~~" فلفظه لفظ الجواب، والمعنى معنى الحال، والصفة للنكرة التي قبله، كأنه ~~قال: لا أظفر أبدا بذي لحية إلا لم ننظر عينه في ماله. ومثله من أبيات ~~الكتاب قول الفرزدق: # وما قام منا قائم في ندينا ... فينطبق إلا بالذي هو أعرف # لأن المعنى ناطقا. فإن قيل: هل يجوز أن يكون جوابا؟ قلت لا، وذاك أن ~~المعنى يفسد وينعكس، لأن التقدير حينئذ يكون لا أثقفه، فكيف ينظر؟ أي لو ~~ثقفته لنظر، لأن في وجه الجواب يتعلق وقوع الثاني بوقوع الأول، ويمتنع ~~بامتناعه، وفي هذا خروج عما يقصده المتكلم. ومثله ms0301 في باب الواو: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # لأن المعنى آتيا مثله. # وخمار غانية عقدت برأسها ... أصلا وكان منشرا بشمالها # تبجح في هذا البيت بأنه يغيث المذعورين فيؤمنهم. والغانية: التي تستغني ~~بجمالها عن الحلي، وقد مضى القول مستقصى فيه. ومعنى البيت: رب امرأة تبرجت ~~متبرزة من خدرها حاسرة الرأس، مطارة القناع، منشورة الخمار، لما استولى ~~عليها من الخوف، وامتلكها من الروع والغارة الطالعة، والخيل العادية، حتى ~~كأن خمارها طول نهارها منشور على شمالها، وهي لا تشعر أني أنا آمنتها وحفظت ~~عليها صيانة نفسها، رددت إليها عازب عقلها حتى اختمرت وأمنت ما # PageV01P378 # كانت تقلق لها، وسترت وجهها. وإنما قال أصلا، لأن الغارة كأنها وقعت أول ~~النهار، ولحوقه للإغاثة والتدارك بعقبها، فحصل الأمن عشية. وفي طريقته ~~لعنترة: # ومرقصة دفعت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام # وعقيلة يسعى عليها قيم ... متغطرس أبديت عن خلخالها # لما قدم في البيت الأول قدم أتى في الثاني بما يضاده، ليرى أنه كما يدفع ~~الشر والبلاء يوقعه أيضا، حتى يكون جامعا للضر والنفع، كافيا في الدفاع ~~والوقاع، فيقول: ورب كريمة حي، بعلها أو ذو محرمها القائم بأمرها متكبر ~~أنف، يرى صيانتها عن التكشف دينا، وحفظها عن التبذل كرما، أنا أخرجتها من ~~خدرها، وأحوجتها إلى العدو وطلب التملس مشمرة عن ساقها، مبدية خلخالها، ~~مذيلة مصونها. أي كما آمنت خوفت، وكما سكنت أقلقت. # وكتيبة سفع الوجوه بواسل ... كالأسد حين تذب عن أشبالها # قد قدت أول عنفوان رعيلها ... فلففتها بكتيبة أمثالها # يذكر أنه يجمع بين الجيشين العظيمين مدبرا لهما، ومرسلا أحدهما على ~~الآخر، وأنه على ذاك يكون المتقدم والمشاهد، والمرتب والصادم. فيقول: رب ~~كتيبة قد تعودت الغارات والصبر على الإبعاد فيها، فاسودت ألوانها بما ~~تقاسيه من التعب، وتديم لبسه من الأسلحة، وكأنها في بأسها ونجدتها، وما ~~تأوي إليه من قوتها وشدتها، الأسد إذا ذبت عن جرائها، ودفعت عن خيسها، أنا ~~قدت أوائلها فخلطتها بأمثالها، وقابلتها بنظائرها من أولى العدد والعدة، ~~والجلد والشدة. فإن قيل: لم ms0302 قال " أول عنفوان رعيلها " والعنفوان هو الأول، ~~على ذلك قولهم فعلت كذا في عنفوان الشباب؟ قلت: كأنه أراد قدت سوابق ~~أوائلها؛ فأضاف الأول إلى العنفوان لذلك. وكما قاد الأوائل والسوابق فقد ~~قاد الأواخر واللواحق، ولكن جعل القود لمن وليه، وجعل ما بعدهم كالتابع. ~~يريد أنه تقدم ووطئ عقبه الأعيان والأفراد، ثم احتف بهم غيرهم. وحقيقة ~~العنفوان اعتنفت الشيء، أي استأنفته. والرعيل من الخيل والرماح: # PageV01P379 # أوائلها. وقوله " بكتيبة أمثالها "، لو قال مثلها لجاز، ولكنه جمع على ~~معنى طوائف الكتيبة، لاختلافها. ### || وقال الفند الزماني # يا طعنة ما شيخ ... كبير يفن بال # تقيم المأتم الأعلى ... على جهد وإعوال # ما من قوله " ما شيخ " زائدة، أراد طعنة شيخ، وهذا اللفظ لفظ النداء، ~~والمعنى معنى التعجب والتفخيم، كأنه أراد: ما أهولها من طعنة، ويا لها من ~~طعنة بدرت من شيخ كبير السن، فاني القوى، بالي الجسم. واليفن: الشيخ الهرم. ~~قال الأعشى: # وما إن أرى الموت فيما خلا ... يغادر من شارخ أو يفن # ويجوز في قوله يا طعنة ما شيخ، أن يكون المنادى محذوفا، فيكون التنبيه ب ~~" يا " متناولا غير الطعنة، وينتصب على هذا طعنة بفعل مضمر، كأنه أراد: يا ~~قوم أذكر طعنة شيخ. كما قال: # فيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع # وقوله " تقيم المأتم الأعلى " من وصف الطعنة، فكأنه كان تناول بها رئيسا، ~~فلذلك وصف المأتم بالأعلى. والمأتم أصله أن يقع على النساء يجتمعن في الخير ~~والشر، واشتقاقه من الأتم، وهو الضم والجمع، ومنه الأتوم وهي المرأة التي ~~صار مسلكاها مسلكا واحدا، وأراد بالمأتم هنا الاجتماع للرزيئة، وهو ببنيته ~~مصدر وصف به. ويجوز أن يراد به أهل المأتم، فحذف المضاف كما يقال جاء ~~المجلس، والمراد أهل المجلس. وقوله " الأعلى " يراد به الأفظع شانا. ووصف ~~الطعنة بأنها تقيم الجمع على مجاهدة وبلاء، وإسراف في الصياح والعواء، أي ~~تديم ذلك له. والعويل والعولة: صوت الصدر. # PageV01P380 # ولولا نبل عوض في ... خضماتي وأوصالي # لطاعنت صدور الخي ... ل طعنا ليس بالآلي # يعتذر من رضا نفسه ms0303 بتلك الطعنة الواحدة. وعوض اسم للدهر معرفة مبني، وكما ~~يبنى على الفتح فقد يبنى على الضم، والضم فيه حكاه الكوفيون. ويقال لا ~~أفعله عوض العائضين. وإنما بني لتضمنه معنى الألف واللام والخضمة: ما غلظ ~~من الساعد والذراع، ويبدل من ميمه الباء، فيقال خضبة. وقد روي هذا البيت، ~~وهو: # يذري بأرعاش يمين المؤتلي ... خضمة الذراع هذا المختلي # بالميم من " خضمة " والباء جميعا. ويعني بنبل الدهر تأثيره في مفاصل ~~الشيوخ. وعلى هذا قول الآخر: # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف يمن يرمى وليس برام # ومعنى البيت الأول: لولا رميات الدهر في مفاصلي ومجامع أعضائي، ومستغلظ ~~عضدي وذراعي، لكان تأثيري وبلائي في الحرب أكثر مما كان، ولشفعت تلك الطعنة ~~ولم أتركها وترا. وقوله " لطاعنت صدور الخيل " أراد بالخيل الفرسان أي لولا ~~ما قدمت من العذر لدافعت بالطعن أوائل الخيل، طعنا لا تقصير فيه ولا قصور. ~~وخص الأوائل منهم لتقدمه. ويجوز أن يريد بالصدور الرؤساء والأكابر. وهم ~~يتبجحون بمجاذبة العلية. ألا ترى قول الآخر: # من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها # وكما استعملوا الصدور في الأماثل والجلة استعملوا في الأرذال والسفلة ~~الأعجاز. وهذا كما قالوا: الرءوس والأذناب، وكما قال: # ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا # PageV01P381 # يقال: ألوت في الأمر آلو، أي قصرت. وجعل التقصير للطعن على المجاز. # ترى الخيل على آثا ... ر مهري في السنا العالي # ولا تبقى صروف الده ... ر إنسانا على حال # قوله " على آثار مهري " موضعه نصب على الحال، والمعنى تابعين لي. و " في ~~السنا " في موضع المفعول الثاني لترى، ومعنى في السنا قال بعضهم: النور ~~العالي: يريد به بريق السلاح، كأنهم يقدمونه ويتقون به. وهذا معنى. وأجود ~~منه وأعلى أن يكون المعنى: ترى الفرسان إذا تبعت أثري ووطئت عقبي، في مجد ~~عال قاهر، له نور يستضاء به. ويكون هذا في طريقة بيت الأعشى: # كل سيرضى بأن يلقى له تبعا # وشرحه بأنهم يرضون برياستي عليهم، ويعدون اتباعهم لمراسمي، واحتذاءهم ~~لآثاري مما يعلو به سناهم، ويسمو به علاهم. ms0304 وقوله " ولا تبقي صروف الدهر " ~~تسلية لنفسه فيما صار إليه من ضعف بعد قوة، وهرم بعد شبيبة، حتى رضي بأدنى ~~المنزلتين في ممارسة الحرب، ووقف عند أقصر السعيين في ملابسة الضرب والطعن. ~~وقوله " على حال " في موضع الصفة لإنسانا، وتعلق على بمضمر، كأنه قال: لا ~~تبقى حوادث الدهر إنسانا قائما، أو ثابتا على حال، بل تبدل وتحول، وكما ~~تعطي ترتجع. # تفتيت بها إذ ك ... ره الشكة أمثالي # كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت بعد إجفال # الشكة: ما يلبس من السلاح، وقد شك الرجل في السلاح، إذا لبسه يشك شكا، ~~وهو شاك. يقول: تكلفت بهذه الطعنة وإحداثها فعل الفتيان وأبليت بها بلاء ~~الشبان، في وقت يكره فيه حمل السلاح أمثالي من الرجال الشيوخ، فكيف # PageV01P382 # استعمالها. ومثل تفتيت: تشجعت وتكيست. وقوله " كجيب الدفنس " شبه اتساع ~~الطعنة وسرعة خروج الدم منها باتساع جيب المرأة الحمقاء، ونزوها في روعها، ~~واضطرابها في متخرق قميصها. والدفنس: الحمقاء. والورهاء: المتساقطة العقل، ~~الضعيفة التماسك، ومعنى ريعت أفزعت بعد استعجال في العدو، وإسراع في السعي. ~~وخص جيب الورهاء لأن عادة مثلها أن تخرج اليد منه، فيتسع خرقه وجعلها مروعة ~~لتندفع في الإجفال وتنزو. والإجفال والجفل واحد، وكل هارب من شيء مسرع مجفل ~~وجافل. ومنه جاء جفالة من الناس، أي جماعة كثيرة مسرعة. ويشبه هذا قول ~~الآخر: # مستنة سنن الفلو مرشة ... تنفي التراب بقاحز معرورف # لأن نزو الدم من الطعنة شبهه هذا بنزو المهر واستنانه، كما شبهه ذلك بعدو ~~المجنونة عن ذعر. وقد سلك آخر هذا المسلك فقال في معنى هذا ولفظه: # كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت وهي تستفلي # ومعنى تستفلي تطلب فلي شعرها، وقد أخرجت يدها من جيبها فذعرت في تلك ~~الحالة، فلم تصبر لترد اليد إلى جوفها، ولم ترفق بجيبها فمزقته ووسعته. ~~وهذا كأنه لما قصد بيان سعة الطعنة جعل التشبيه بالجيب في حالة إخراج ~~الحمقاء يدها منه مستفلية، فزاد على الأول هذه الزيادة الغامضة المأخذ ~~اللطيفة الموقع، وإن كان قوله " بعد إجفال " قد اختص بما اختص. ويشبه هذا ms0305 ~~في الزيادة على المعنى وقد استقر قول امرئ القيس: # أن تيس أظب ببطن واد ... يعدو وقد أفرد الغزال # لأنه زاد فيه إفراد الغزال، فدل على شدة الخوف وخفة العدو. فأما قول أوس: ~~وفي صدره مثل جيب الفتا - ة تفهق جينا وحينا تهر # PageV01P383 # فهو وإن زاد التقسيم قاصر عنهما. ### || وقال ربيعة بن مقروم # أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا # قوله أخوك مبتدأ، وكرره على وجه التأكيد، ومن يدنو في موضع الخبر. ومعنى ~~البيت: مخالصك في الأخوة والود من يقرب مكانه منك، ويحسن شفقته عليك، وتطمع ~~في إثمار وده لك، وإن استغثت به لملمة تنزلن أو نائبة تطرق، أغاثك باذلا ~~مقدوره في نصرته لك. ويجوز أن يكون قوله، " من يدنو " أراد به قرب النصح ~~والشفقة، لا تقارب الدار والمسافة، كما يقال فلان أدنى إليك من فلان. # إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا # يجوز أن يكون هذا الكلام متصلا بما قبله، والضمير في حارب لأخوك ومن ~~تعادي في موضع المفعول من حاربت، ويكون المعنى: إذا حاربت من تعادي حارب ~~هذا المواخي لك معك، وزاد نصرته وعدته منك قربا ما دمت محاربا. ويجوز أن ~~يكون منقطعا مما قبله، ويكون مثلا مضروبا، فيقول: إذا كاشفت عدوك وأبديت ~~صفحة ما تضمره من السوء له بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد ~~وغيره منك دنوا. وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساترا لا ~~مجاهرا. # وكنت إذا قريني جاذبته ... حبالي مات أو تبع الجذابا # هذا مثل قول عمرو بن كلثوم: # متى نقصد قرينتنا بحبل ... نجذ الحبل أو نقص القرينا # وجعل الجذاب للحبال على المجاز. وقوله أو تبع الجذاب يريد أوانجذب وترك ~~الطماح والإباء. ومعنى البيت: إذا جاذبني قرين لي حبلا بيني وبينه، فإما أن ~~ينقطع دون شأوي في الجذاب فيهلك، وإما أن يتبع صاغرا فينقاد. وخبر كان في ~~إذا أو جوابه. # PageV01P384 # فإن أهلك فذي حنق لظاه ... علي يكاد يلتهب التهابا # هذا الكلام تسل عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ms0306 ثأره، وإرغام عدوه، ~~ولولا ما تيسر له من ذلك وتسهل لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات ~~مات بغصة. فيقول: إن أمت فرب رجل ذي غيظ وغضب تكاد نار عداوته تتوقد توقدا، ~~أنا فعلت به كذا. وقوله " لظاه " في موضع المبتدأ، و " يكاد يلتهب " في ~~موضع الخبر، والجملة في موضع الصفة لذي حنق، وانجر ذي حنق بإضمار رب، ~~والمجرور برب يقع موصوفا في الأكثر وجواب رب فيما بعده، والفاء من وقوله " ~~فذي حنق " مع ما بعده جواب الجزاء. فإن قيل: إن الفاء في جواب الجزاء إنما ~~يجيء إذا خالف الجملة التي تكون جزاء الجملة التي تكون شرطا بأن تكون مبتدأ ~~وخبرا، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء ها هنا؟ قلت: يكون التقدير: إن أهلك ~~فالأمر والشان رب ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا. فقوله طرب ذي حنق " خبر ~~للمبتدأ الذي أظهرناه. # مخضت بدلوه حتى تحسى ... ذنوب الشر ملأى أو قرابا # هذا جواب رب. فيقول: رب إنسان هكذا، أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر ~~الذي خضنا فيه، حتى ملأتها. وجعل الدلو كناية عن السبب الذي جاذبه فيه، ~~والطمع الذي جرأه عليه، قال: فتحسى دلو الشر مملوءة أو قريبة من الامتلاء. ~~وقراب الملء: أن يقارب الامتلاء، ويقال قراب بكسر القاف وقراب بضمها. ~~والمعنى: جعلت شربه من الشر شربا مرويا. # وقد استعمل أبو تمام الدلو على الطريقة التي استعملها ربيعة فقال: # ألقوا دلاء في بحورك أسلمت ... ترعاتها الأكراب والأوذام # واستعمل غيره دلوت في معنى الاستخراج فقال: # قد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ... بباب دارك أدلوها بأقوام # PageV01P385 # فكأن المراد أن هذا المعادى الممتلئ غيظا لما ألقى دلوه يستقي بها الماء ~~من بئر ملأتها شرا وجعلته سقياه. ### || وقال سلمى بن ربيعة # حلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا وأهلك باللوى فالحلت # تماضر: امرأته وكانت قد فارقته عاتبة عليه في استهلاكه المال، وتعريضه ~~النفس للمعاطب فلحقت بقومها، وأخذ هو يتلهف عليها ويتحسر في أثرها وأثر ~~أولاده منها، فيقول: نزلت هذه المرأة بعيدة منك، فاحتلت فلجا وأهلك ms0307 نازلون ~~بين هذين الموضعين. وهذا الكلام توجع. وفلج على طريق البصرة، والحلة: موضع ~~من الحزن ببلاد ضبة، واللوى: رمل متصل به رقيق. وبين المواضع الذي ذكرها ~~تباعد. إن قيل لم قال حلت، ثم قال احتلت، وهلا اكتفى بأحدهما؟ قلت: نبه ~~بالأول أنها اختارت البعد منه والتغرب عنه، وبالثاني الاستقرار، فكأنه قال: ~~نزلت في هذه الغربة فاستوطنت فلجا. وفلج بفتح اللام: موضع. وفلج بسكون ~~اللام: ماء. # وكأن في العينين حب قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلت # يقول: ألفت البكاء لتباعدها، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعهما غزيرا ~~متحلبا، واكفا منهملا، فكأن في عيني أحد هذين المهيجين الحاليين للعيون. ~~وقوله " كحلت " إخبار عن إحدى العينين، وساغ ذلك لما في العلم من أن ~~حالتيهما لا تفترقان. وعلى العكس من هذا قول امرئ القيس: # وعين لها حدرة بدرة ... شقة مآقيهما من أخر # لأن امرأ القيس وحد في الابتداء ثم ثنى عند رد الضمير، على أنه متى اجتمع ~~شيئان في أمر لا يفترقان فيه اجتزى بذكر أحدهما عن الآخر. وفي طريقة هذا ~~البيت قول ابن هرمة: # وكأنما اشتملت مواقي عينه ... يوم الفراق على يبيس الخمخم # PageV01P386 # زعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي # زعم يتردد بين الشك واليقين، وها هنا يريد به الظن. وأنني مع الجزاء ~~والجواب نائب عن مفعوليه. يقول: ظنت هذه المرأة أنه إن نزل بي حادث قضاء ~~الله عز وجل، سد مكاني ورم ما يتشعث من حالها بزوالي أبناؤها الأصاغر. ~~ويريد بهذا الكلام التوصل إلى الإبانة عن محله، وأنه لا يغنى غناءه من ~~الناس إلا القيل. وقوله " أبينوها " تصغير أبناء مقصورا عند أصحابنا ~~البصريين، وهو اسم صيغ للجمع كأروى، وأثأب، وأضحى فهو على أفعل بفتح العين. ~~وعند الكوفيين هو تصغير أبن، مثل أدل على أفعل بضم العين. ويقال: سد فلان ~~مسد فلان، وسد خلته، وناب منابه، وشغل مكانه بمعنى. فإن قيل: كيف ساغ أن ~~يقول يسدد خلتي، وإذا مات لم تكن له خلة. قلت أضافها إلى نفسه لما كان ~~يسدها أيام حياته، ms0308 فكأنه قال: الخلة التي كنت أسدها. وهذا من إضافة الشيء ~~إلى الشيء على المعتاد فيهما. ومثله قولهم: شهاب القذف، فأضيف الشهاب إلى ~~القذف لما كان من رمى الرامي. ووجوه الإضافات واسعة كثيرة، وكذلك ~~متعلقاتها. # تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسرى وحين تعلتى # أقبل عليها يوبخها ويخطئ رأيها، ويكذب ظنها، ويقبح اختيارها، في إفاتة ~~نفسها الحظ منه، ويدعو عليها بالفقر والبأساء، والخيبة في الرجاء، فيقول: ~~صار في يدك التراب، وهل رأيت لقومه من يماثلني في حالتي السراء والضراء ~~واليسر والعسر، والغنى والفقر، حتى تعلقى منك رجاءك في بغيري إذا أخليت ~~مكاني. وترب يستعمل في الفقر والخيبة لا غير، وأترب يستعمل في الغنى والفقر ~~جميعا، فإذا أريد به الغنى فالمعنى صار له من المال بعدد التراب، وإذا أريد ~~به الفقر فالمعنى صار في التراب، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. وقد يجوز ~~أن يكون مثل أقل، والمعنى: صار مالك قليلا من المال. وأضاق: صار في حال ~~ضيق. وقوله " حين تعلتى " المعنى وحين اعتمدت على إقامة العلة بحصول الفقر. ~~وعلى هذا قوله: # قليل ادخار المال إلا تعلة # أي قدر ما يقام به العلة. وقوله " لقومه " أضمر قبل الذكر، لأن الكلام ~~يحتمل نية التقديم ونية التأخير. # PageV01P387 # رجلا إذا ما النائبات غشينه ... أكفى لمعضلة وإن هي جلت # انتصب " رجلا " على أنه بدل من مثلى، كأنه قال: هل رأيت لقومه رجلا أكفى ~~للشدائد وإن عظمت عند طروق النوائب وغشيان الحوادث مني. فحذف مني لأن ~~المراد مفهوم. ويروى " أكفى لمعضلة " وهي الداهية الشديدة، يقال أعضل الأمر ~~إذا اشتد. يروى " لمضلعة " وهي التي تضم الأضلاع بالزفرات وتنفس الصعداء ~~حتى تكاد تحطمها. # ومناخ نازلة كفيت وفارس ... نهلت قناتي من مطاه وعلت # أخذ يعدد ما كانت كفايته مقسومة فيه، ومصروفة إليه. وقوله " ومناخ " مصدر ~~أنخت. وكفيت يتعدى إلى مفعولين وقد حذفهما، كأنه قال: كفيته العشيرة. يقول: ~~ورب نازلة أناخت، أنا دفعت الشر فيها، وكفيت قومى الاهتمام بها؛ ورب فارس ~~سقيت رمحي من دم ظهره العلل بعد النهل. ms0309 وخص الظهر ليعلم أنه قد ولى وأدبر. # وإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القور فملت # أقبل يعد خصال الخير المجموعة فيه، بعد أن نبه على أنه لا يقوم مقامه ~~أحد، فكيف من طمع في نيابته عنه بعده. والعذارى: جمع عذاراء، وأصله العذاري ~~بتشديد الياء، فالياء الأولى مبدلة من المدة قبل الهمزة، كما تبدل في سربال ~~إذا قلت سرابيل، فلما انقلبت المدة ياء لانكسار ما قبلها وكان الأصل في ~~همزة التأنيث ألفا عاد إلى أصلها لزوال الألف قبلها، فأبدل منه ياء ثم أدغم ~~الأولى في الثانية فقيل عذاري، وكذلك في صحراء صحاري، ثم حذفت إحدى الياءين ~~تخفيفا فقيل عذارى وصحارى، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة ~~فانقلبت ألفا فقيل عذارى وصحارى. ويقال: عذر المرأة وأعذرها، إذا ذهب ~~بعذرتها، وهو أبو عذرها وأبو عذرتها. فيقول الشاعر: وإذا أبكار النساء صبرت ~~على دخان النار حتى صار كالقناع لوجهها، لتأثير البرد فيها، ولم تصبر على ~~إدراك القدور بعد تهيئتها ونصبها، فشوت في الملة قدر ما تعلل به نفسها من ~~اللحم، لتمكن الحاجة والضر منها، ولإجداب الزمان واشتداد السنة على أهلها ~~أحسنت. وجواب إذا في البيت بعده. وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة ~~انقباضهن، ولتصونهن عن كثير مما يتبذل فيه غيرهن. وجعل نصب القدور مفعول ~~استعجلت على المجاز والسعة. ويجوز أن يكون المراد استعجلت غيرها بنصب ~~القدور وفي نصبها، فحذف. # PageV01P388 # دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيدي من قمع العشار الجلة # قوله " أرزاق العفاة " كلام شريف، وتقدير البيت: دارت بيدي مغالق بأرزاق ~~العفاة من قمع العشار الجلة، ففصل بالفاعل بين الأرزاق وبين من قمع العشار. ~~والعفاة: جمع العافي، والجمع على فعلة يختص بالمعتل دون الصحيح. يقول: وإذا ~~صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة ~~النوق المسان الكبار الحوامل، التي قرب عهدها بوضع الحمل، وكل ذلك يضن بها، ~~ويتنافس فيها، وإنما سميت القداح مغالق لأن الجزر تغلق عندها وتهلك بها. ~~والقمع: قطع السنام، الواحدة قمعة: والقميع: ما فوق السناسن من ms0310 السنام. ~~وبعير قمع: عظيم القمع. ويقال سنام قمع، أي عظيم قد تمكن فيه الشحم. ~~والعشار: جمع عشراء، وهي التي قد أتى عليها من حملها عشرة أشهر، وتستصحب ~~هذا الاسم فتسمى به بعد وضعها الحمل بأشهر. كأنه نبه على أنه يعتبط صحاح ~~الإبل وخيارها، لا كسيرها وهزلاها. # ولقد رأيت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللتيا والتي # الثأى: الفساد. يقال ثأى الجرح يثأى ثأى. والرأب: العشب والإصلاح. يقول: ~~وكما ظهر غنائي في تلك الأبواب فلقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة، ~~ورد التعطف الذاهب عنها إليها، ولم شعثها، وضم نشرها، وكفيت من جني منها ~~الجناية الصغيرة والكبيرة، بالمال والنفس، والجاه والعز. وقوله " جانيها " ~~إن فتحت الياء كان واحدا وإن أدى معنى الجمع، وإن سكنت الياء جاز أن يكون ~~جمعا سالما وأن يكون واحدا قد حذف فتحتها. وقوله " اللتيا " تصغير التي، ~~فجعلهما اسمين للكبيرة من الدواهي والصغيرة، ولهذا استغنيا عن الصلة ~~وانتقلا عن كونهما وصلتين. ويذهب بعضهم إلى أن صلتيهما محذوفتان لدلالة ~~الحال عليهما. # وصفحت عن ذي جهلها ورفدتها ... نصحي ولم تصب العشيرة زلتى # وكفيت مولاي الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذي الخلة # قوله " وصفحت عن ذي جهلها " يصف نفسه بالحلم معهم، وكظم الغيظ فيهم، ومنع ~~سفهائهم. يقول: وعفوت عن جاهلها فلم أؤاخذه بما بدر منه من هفوة أو زلة، ثم ~~بذلت نصحي لعشيرتي، وحسنت لهم عشرتي مقدار جهدي، ولم أجر # PageV01P389 # عليهم جريرتي، ولم أوسعهم زلاتي. وقد ألم في هذا بقول الآخر: # إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها # وفي طريقته قول الآخر: # ولو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي # وقوله وكفيت مولاي الأحم جريرتي "، أي لم يؤاخذوا بجرائري، بل كنت ~~المداوي لها والخارج منها. ويروى: " الأحم إضاقتي " فيكون مثل قول الآخر: # أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه # والشاعر يقول: وكما لم يشمل أباعد ذوي رهطى زلاتي، كذلك لم ينل الأداني ~~جناياتي؛ ثم إذا نلت خيرا أشركت ذوي الحاجة منهم فيه وحبست مالي الراعية ~~عليهم، حتى ms0311 لا يتميزوا عني في التصرف والتناول. وقوله " الأحم "، يريد ~~الأخص والأمس، وهو أفعل من الحميم، ولهذا قال الشاعر وإن كان في ضد هذا ~~المعنى: # ومولاك الأحم له سعار # أي لهب الجوع، ومنه قولهم: كيف السامة والحامة. ### || وقال أبي بن ربيعة # وخيل تلافيت ربعانها ... بعجلزة جمزى المدخر # ريعان كل شيء: أوله، أكثر ما يستعمل في الشباب والخيل. والريع فضل كل ~~شيء، ومنه ريع الحنطة إذا زكت، وريع الدروع: فضول أكمامها على الأنامل. ~~والعجلزة: الفرس الشديدة الخلق، وربما وصفت به الناقة. وبعضهم يحكي فيها: # PageV01P390 # عجلزة، بفتح العين واللام. يقول: رب خيل مغيرة تداركت أوائلها طاردا ~~للوسائق، وأنا على فرس صلبة تجمز فيما تذخر من جريها. وعادة عتاق الخيل أن ~~تبقى من عدوها بقية لوقت الحاجة إليها، فمتى استحثت بعد الكد والعمل ~~أعطتها. ولذلك قال كلحبة العريني: # فأدرك إبقاء العرادة ظلعها ... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا # فقوله إبقاء العرادة كقوله ها هنا " المدخر ". وجمزى مثله وكرى وهو صفة. ~~وجعل الجمز لمذخور الجري على المجاز، لأن الجمز ومذخور الجرى جميعا للفرس. ~~والحقيقة أنها تجمز في مدخر الجرى. وليس هذا كقولهم هو حسن الوجه، وكريم ~~الأب، إذا كان الحسن والكرم في الحقيقة للأب والوجه، ولكن هو كما يقال فلان ~~ثبت الغدر، نزق المجال، قموص الخبار، وما أشبهه. # جموم الجراء إذا عوقبت ... وإن نوزقت برزت بالحضر # يقال بئر جموم، إذا كان ماؤها ينقطع ويعود سريعا. ومعنى قوله " جموم ~~الجراء إذا عوقبت " أي جريه يمتد ولا ينقطع إن طلب عقبها لمسابقتها فيه، ~~فكأنه لا آخر لجريها، كالبئر الجموم. و " إن نوزقت " أي إن غولبت فيما ~~يستنزق من سيرها سبقت بعدوها. وكما سمى آخر الجرى العقب سمى آخر الشهر به، ~~فقيل جئت في عقب الشهر، إذا جئت بعد ما مضى، وجئت في عقبه وعقبه، إذا جئت ~~وقد بقيت منه بقية. ويقال: عاقبت الفرس ونازقته، كما يقال طاولت زيدا ~~وفاضلته، وذلك إذا غالبته في الطول والفضل. ومعنى برزت: تقدمت. والحضر: ~~العدو. ويروى " عوفيت " أي إن طلب عفوها، وليس بجيد. ms0312 ألا ترى أنه قيل: " ~~أول الجرى نزقة، وآخره عقبة ". # سبوح إذا اعتزمت في العنان ... مروح ململمة كالحجر # أراد بها أنها تسبح في جريها إذا اعتزمت في العنان، أي انتحت في العدو ~~وهي ملجمة كثيرة النشاط، مجتمعة الخلق صلبة كأنها حجر. والاعتزام: لزوم ~~القصد في الحضر وغيره وترك الانثناء. وقد اعتزمت الطريق. ويقال اعتزم الفرس ~~على الجري # PageV01P391 # إذا مر جامحا. وقوله " في العنان " في موضع الحال، كما يقال: جاء فلان في ~~جبة، أي وعليه جبة. واللملمة: جمعك الشيء، وهو مثل اللم في المعنى وإن لم ~~يكن من لفظه عندنا. ورواه بعضهم " إذا اعترمت " بالراء غير معجمة، وجعله من ~~العرام؛ وليس بشيء. # دفعن على نعم بالبرا ... ق من حيث أفضى به ذو شمر # هذا جواب رب إذا جعلت قوله " تلافيت ريعانها " من صفة " وخيل " حملا على ~~ما يجيء عليه المجرور برب في الأكثر، من لزوم الوصف له؛ وقد جاء غير موصوف ~~وإن قل. وعلى هذا يكون تلافيت الجواب ودفعن من صفة الخيل. والمعنى دفعت هذه ~~الخيل وأرسلت على إبل واقفة بالبراق من حيث أداه إلى الفضاء ذو شمر، وهو ~~مكان. قوله " أفضى به " الضمير للنعم، وهو يذكر، يقال هذا نعم وارد. ~~والبراق: جمع برقة، وهو موضع فيه حجارة بيض وسود؛ ومثله جبل أبرق. أي لما ~~حصل بالفضاء تلقيت بالخيل وشنت الغارة عليه. # فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر # رجع إلى صفة الفرس لما ركضها في إثر الخيل المغيرة على النعم الذي وصفه، ~~يقول: لو أن ذوات الحوافر جعل في قدرتها الطيران بآلة تخصبها لطارت هذه ~~الفرس، وكانت الأولى بذلك، لما فيها من النجابة والعتق، ولكن الطيران خص به ~~ذو الجناح. # فما سوذنيق على مربإ ... خفيف الفؤاد حديد النظر # رأى أرنبا سنحت بالفضاء ... فبادرها ولجات الخمر # يقول: ما شاهين واقع على محرسة ذكى شهم النفس، بعيد النظر حديد العين، ~~سريع الإدراك، رأى أرنبا سنحت. ومعنى سنحت عرضت، يقال منه سنحت الحاجة. ~~والأرنب: الأنثى من الأرانب. والذكر خزز. والكلام بعد مشغول ms0313 بصفة السوذنيق. ~~أي رأى أرنبا اتفقت بالعراء واعترضت فسابقها إلى مداخل الخمر، ثم رجع عليها ~~في طريقها لئلا تفوته بأسرع من فرس. والولجات: جمع ولجة، وهي موضع الولوج، ~~وموضع ولجات نصب على أن يكون مفعول بادرها. والخمر: ما واراك من الشجر. ~~ويقال: بادرت مكان كذا، وإلى مكان كذا. # PageV01P392 # بأسرع منها ولا منزع ... يقمصه ركضه بالوتر # قوله " بأسرع " خبر " ما ". يقول: ما سوذنيق هذا وصفه بأسرع من فرس، ولا ~~سهم بنزيه ركض الوتر به. والمنزع: السهم. ويقال: نزعت في القوس نزعا، ~~وانتزعت له بمنزع، ونزعت، أي بسهم. وفي المثل: " عاد السهم إلى النزعة " في ~~معنى رجع الحق إلى أهله. ويقمص، أي يحرك. ويقال قمص البحر بالسفينة، إذا ~~حركها بالموج، حتى كأنها بعير يقمص. قال: # يقمص بالبوصي معرورف ورد # وإنما جعل الركض للوتر لأنه هو الذي يزج بالسهم ويدفعه فكأنه يركضه، وهذا ~~يشبه القلب لأن الركض للوتر وقد جعله للسهم، فهو كقول الآخر: # ما أمسك الحبل حافره # وما أشبهه. ويمكن أن يترك على ظاهره، فيجعل السهم راكضا من حيث كان راكبا ~~للوتر. والركض: تحريك الفارس رجليه على الفرس عند الاستحثاث، وإذا كان كذلك ~~فكأن السهم هو الذي يركض الوتر وإن كان الحفز للوتر. # PageV01P393 ### || وقال زيد الفوارس # نألى ابن أوس حلفة ليردني ... على نسوة كأنهن مفائد # آلى الرجل وائتلى وتألى بمعنى واحد. وهذه الأبنية من الألية، وهي اليمين. ~~و " حلفة " انتصب على أنه مصدر من غير لفظه. وقوله " ليردني " يروى بفتح ~~اللام وضم الدال، على أن يكون اللام لام اليمين. وذكر سيبويه أن لام القسم ~~يلزمها إحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة، وقال أيضا وقد يحذف النون في ~~الشعر. وهذا الموضع بالرواية الثانية جاء على ما سوغه. وقد جاء أعجب من هذا ~~وأبعد في الاستعمال، وهي حذف اللام وإثبات النون. قال: # وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاهم لم يقصد # والمفائد: جمع المفأد، وهي المساعير والسفافيد. والفأد في اللغة: ~~التحريك، وقيل إن الفؤاد منه اشتق، لأنه ينبض. ومعنى البيت: حلف الرجل حلفة ~~ليأسرنني ثم ms0314 يمن علي فيردني على نسوة كأنهن مساعير، لاحتراقهن وجدا بي وغما ~~علي، ففعلت أنا به مثل ما هم به في. وقد قيل: إن ابن أوس كان مأسورا فحلف ~~أنه ينجيه زيد الفوارس ويفك أسره، ويرده على نساءهن من الوجد به بهذا ~~المحل، فاقتص ابن أوس قصته فيما كان يرجوه من جهته. ثم ذكر أنه كان عند ~~الظن به، وأنه حقق أمله. ويمكن الاستشهاد للخبرين والمعنيين على اختلافهما ~~مما يشتمل # PageV01P397 # عليه الأبيات التي بعده. وقد قيل في الوجه الأول أنه أراد بالنسوة حرم ~~ابن أوس، وأنه شبههن بالسفافيد لسوء أحوالهن، وتأثير الضر والجهد فيهن، ~~وعلى هذا يكون هجوا وتعبيرا لابن أوس، وأن أهله وأولاده من الفقر بهذا ~~المحل. فأما من روى " ليردني " فالمعنى حلف لهذا الأمر، وجواب القسم يكون ~~محذوفا مقدرا، ويستدل عليه بما ذكره. وقال بعض المتقدمين: تقول حلف ليفعلن، ~~فإذا حذفت النون كسرت اللام وأعملتها إعمال لام كي، والموضع موضع القسم ~~والمعنى معناه. وأنشد: # إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغنى عني ذا إنائك أجمعا # وقيل مثل تألى ليردني: أراد ليفعل كذا. وفي القرآن: " يريدون ليطفئوا نور ~~الله بأفواههم "، كأن الفعل دل على المصدر، واللام مع الاسم المجرور به في ~~موضع الخبر لذلك المصدر المبتدأ، كأنه إرادتي كذا. # قصرت له من صدر شولة إنما ... ينجى من الموت الكريم المناجد # أخذ يذكر أنه كذب نفسه فيما حدثها به، وأنه استعمل البغي فنصر عليه، ~~فقال: قصرت عليه فرسي شولة وأسرته، لأن الكريم ينجي نفسه، وينهض حيلته إذا ~~جد جده وكاد عدوه يغلبه وتعلو عليه يده. هذا إذا جعلت ابن أوس هو الذي حدث ~~نفسه وأكد طمعه ويمينه بأنه سيأسر الشاعر. فأما إذا جعلت ابن أوس أسيرا ~~وراجيا أنه سيفك زيد الفوارس إساره، ويحل عقاله، فالمعنى في " قصرت له من ~~صدر شولة " أنه بين كيف حقق رجاءه، ومن أين يوصل إلى تخليصه. وفي قوله " ~~إنما ينجى من الموت الكريم " أنه خلص نفسه لما علق الرجاء به، وجعل يحلف أن ~~خلاصه بسعيه وتعطفه، ms0315 لأنه بعثه ذلك على أن يكون عند ظنه به. # دعاني ابن مرهوب على شنء بيننا ... فقلت له إن الرماح مصايد # حول كلامه إلى قصة أخرى فقال: استغاث بي هذا الرجل على ما بيننا من عداوة ~~وبغضاء، فأجبته بعد أن هونت عليه ما خافه أولا، وصغرت في هاجسه ما أكبره ~~ثانيا، وبينت أن الرماح حبائل الرجال الكرام في الحرب ومصايدهم، فلا تبال # PageV01P398 # بالموت إذا كان على وجهه لا يتعقبه عار، ولا يصحبه هوان. وكما جعل هذا ~~الشاعر الرمح آلة في صيد الأبطال، جعل غيره الصيد له لا به، فقال: # وإني لمن قوم تصيد رماحهم ... غداة الصباح ذا الحدورة والحرد # وقوله على شنء بيننا " في موضع الحال، يقال شنئته أشنؤه شنئا ومشنأة ~~وشنآنا. # وقلت له كن شمالي فإنني ... سأكفيك إن ذاد المنية ذائد # يقول: تعطفت عليه وأخذت بالفضل معه بعد استنصاره، وإظهار حاجته وإذعانه، ~~ورسمت له الكون في الجانب الأيسر مني، واثقا بحسن محافظتي، وجميل مدافعتي، ~~ومعتمدا من جهتي على أني سأكفيه المحذور إن دفع الموت دافع. والمراد: إن ~~فعل أحد من الناس ما لا يطاق من دفع المحتوم فعلته أنا معك، اعتناء بأمرك، ~~وإيثارا لصيانتك، وتحريا للمحاماة عليك. وإنما قال " كن عن شمالي " لأنه ~~موضع المعان المنصور، واليمين موضع الناصر. يقال: أنا على يمينك وعن يمينك، ~~أي ناصرك. ### || وقال الوقاد بن المنذر # لقد علمت عوذ وبهثة أنني ... بوادي حمام لا أحاول مغنما # بهثة من سليم، بطن منهم، والبهثة في اللغة: ولد البغي. والبهث البشر وحسن ~~اللقاء. والحمام، بضم الحاء: حمى الإبل والدواب. وفي طريقة هذا البيت قول ~~عنترة: # يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # المعنى: والله قد علم هاتان القبيلتان أني في هذه الوقعة الواقعة بهذا ~~الوادي لم أشتغل باجترار المنافع، واحتواء المغانم، وإنما قصرت سعي على طلب ~~الثار، وإدراك الأوتار. # PageV01P399 # ولكن أصحابي الذين لقيتهم ... تعادوا سراعا واتقوا بابن أزنما # أراد بالأصحاب من لاقاه من الأعداء. ومعنى تعادوا سراعا: تبادروا مسرعين ~~وتسابقوا، وهذا من العدو. ويجوز أن ms0316 يكون من عادى بينهما، أي والى، فيكون ~~المعنى توالوا. ومن هذا قولهم: تعادى القوم، أي مات بعضهم في إثر البعض. ~~وقوله " واتقوا بابن أزنما "، يريد جعلوه بيني وبهم، وهذا الرجل الذي ~~استجنوا به كأنه كان مدره الكتيبة. وإنما ثبت في وجه القوم يشغلهم ليسلم ~~أصحابه، ويأخذوا المهلة في الفرار. وفي الحديث: " كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ". # فركبت فيه إذ عرفت مكانه ... بمنقطع الطرفاء لدنا مقوما # يقول: طعنته لما عرفت محله من أصحابه، وموضعه من البلاء والمحاماة فيهم، ~~برمح لين مثقف، عند منقطع الطرفاء. والطرفاء: شجر. ومنقطعه: المكان الذي ~~يخلو منه على اتصاله بمنابته. وقال الأصمعي: واحد الطرفاء طرفة كقصبة ~~وقصباء. والباء من قوله " بمنقطع " يتعلق بقوله " ركبت " على ما فسرناه. ~~وكان لا يمتنع أن يكون معنى قوله عرفت مكانه، عرفت موضعه ومقامه، لأن ~~الرئيس يخفي مكانه ويخمل نفسه كثيرا، وحينئذ يتعلق الباء من قوله بمنقطع ~~الطرفاء بقوله مكانه، ولكن قوله " واتقوا بابن أزنما " يأبى إلا القول ~~الأول. # ولو أن رمحي لم يخني انكساره ... جعلت له صالحي القوم توءما # نسبة الخيانة إلى الرمح لما انكسر كنسبة العجز إلى الحبل إذا لم يصل، من ~~قولهم حبل عاجز. والتوءم، زنته فوعل، واشتقاقه من الوأم، والتاء فيه مبدلة ~~من الواو، وكأن الولد واءم في الإتيان غيره، أي وافق. وكما توسعوا فيه ها ~~هنا فأخرج إلى باب غير باب الولد والولادة، توسع فيه في قوله: # قالت لنا ودمعا تؤام ... كالدر إذ أسلمه النظام # PageV01P400 # وقد أحكمت القول فيه وفي تصريفه وجمعه في شرح كتاب الفصيح فيقول: لولا أن ~~رمحي خانني حين أعملته في هذا الرجل فانكسر، لجعلت له نظيرا من أشراف القوم ~~وزعمائهم حتى يصير معه كتوءمين. وخص الصالحين منهم لأنهم يتبجحون بقتل ~~الملوك والرؤساء. فإن قيل: لم ذم الإجرار في الطعن وهم يحمدونه حتى عد ~~انكسار الرمح خيانة منه؟ قلت: الإجرار فعل الطاعن، وهو محمود، وإنما ذم من ~~الرمح ضعفه وقلة ثباته في العمل؛ وليس ذلك من الإجرار في ms0317 شيء. # ولو أن في يمنى الكتيبة شدتي ... إذا قامت العوجاء تبعث مأتما # كأنه خفى عليه مكان واتره فلم يعلم أهو في الميمنة أم في الميسرة، فأخذ ~~يتلهف على ما فاته منه. والشدة: الحملة، فيقول: لو اتفقت حملتي في يمناها ~~بدلا من يسراها، لقامت أمه وقد ثكلته تهيج المأتم، وتبعث على النوح عليه ~~النوائح، ولكن ذهاب مقامه عن علمي هو الذي نجاه مني. وجعلها عوجاء إما على ~~طريق السب، كما قال: # كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت على عشاري # فيكون العوج في تلك لتفاوت خلقتها، وزوالها عن سنن الاستقامة، كالفدع في ~~هذه. وإما أن يكون أراد أنها مضرورة مجهودة معوجة الوجه، مهزولة. وإما أن ~~يكون العوجاء لقبا لها، والمأتم؛ أصله في الضم والجمع. ### || وقال أيضا: # إذا المهرة الشقراء أركب ظهرها ... فشب الإله الحرب بين القبائل # روى أركب ظهرها ". ويقال أركب المهر، إذا حان أن يركب واستصلح للإسراج ~~والإلجام. وجعل الفعل للظهر على التوسع إذ كان موضع الركوب، ويكون أركب كما ~~يقال أجز الخضر، وأحصد الزرع. ويروى: " أدرك ظهرها " المعنى بلغ حد الركوب ~~والانتفاع به، وهذا كما يقال أدرك الثمر، إذا أمكن الانتفاع به. فيقول: إذا ~~بلغ فرسي هذا الحد فهيج الله نار الحرب، وأقام سوق التغاور بين القبائل، ~~حتى أتوصل بها إلى ما كنت أريده وأنتظره. وارتفاع المهرة بفعل مضمر بعد ~~إذا، يكون الظاهر تفسيره. # PageV01P401 # وأوقد نارا بينهم بضرامها ... لها وهج للمصطلى غير طائل # هذا من جملة الدعاء. والكلام يدل على استعجاله بحصول الحالة لتمناة ~~فيقول: وأجج بينهم نار الشر بما يلهبها حتى يصير لها وهج لا خير فيه لمن ~~يدنو منه ويصطلى به. وخص الضرام لأنه يسرع ذهاب النار فيه فيعلو لهبها. إن ~~قيل: لم كرر طلب اتقاد النار في البيت الأول والثاني؟ قلت: الأول أراد به ~~نار الحرب، والثاني أرد به نار الخلاف والشر المنتتج عن النمائم والوشايات، ~~حتى أن من دخل فيهم طالبا لإيقاع صلح وصلاح بينهم لم يقدر على إزالته، وكان ~~خليقا بأن يشقى ms0318 شقاوتهم، ويدخل مداخلهم. وقد مر القول في طائل، وأنه من ~~الطول. ويقال: ما حليت من هذا الأمر بطائل. # إذا حملتني والسلاح مشيحة ... إلى الروع لم أصبح على سلم وائل # المشيح والشائح والشيح واحد. قال: # مشيح فوق شيحان # يعني رجلا على فرس. وقال: # وشايحت قبل القوم إنك شيح # فيقول: إذا جال تحتي وعلى سلاحي قاصدا إلى الحرب فرس جادة، لم أصالح ~~وائلا، ولم أرض منها إلا بالشفاء والاشتفاء. والمشايحة: المحاذرة. والمشيح: ~~الحازم. # فدى لفتى ألقى إلي برأسها ... تلادى وأهلي من صديق وجامل # قوله " ألقى إلي برأسها " أي وهبها لي ومكنني من قيادها بنفسي. وذكر ~~الرأس كما يقال: هو يرتبط كذا رأسا وكذا ظهرا. وذكر الإلقاء كما يقال: ألقى ~~إليه مقاليد الأمور. والمعنى: أفدى بمالي القديم وأهلي المصادقين فتى مكنني ~~من هذه المهرة # PageV01P402 # وملكنيها. وقوله " من صديق وجامل " دخل من على طريق التببين، قال صديق ~~تفسير الأهل، والجامل تفسير التلاد. وكأن هذا الرجل ينتظر إمكان الفرصة من ~~أعدائه لينتهزها في وقته، ويتمنى اهتياج الشر في الناس وتداعي القبائل ~~بالأوتار، وتناهضهم للقتال عند تكامل عدته ليجد طريقا إلى مكاشفة من يريد ~~مكاشفته، وتسببا إلى إدراك ما يريد إدراكه، فلهذا علق الدعاء بإركاب المهر، ~~وأجل الزمان في ابتغاء المطلوب. وخص الصديق من أقاربه وذويه لأن النفس أضن ~~بهم، كما خص الجامل وهو ذكور الإبل وإناثها لأنها هي المال المختار من ~~الأزواج الثمانية. ويروى: " من صديق وحامل " بالحاء، فيكون من تفسير الأهل ~~خاصة، كأنه يريد وأهلي من مصادق لي وبار بي. ويقال: حمله على كذا مركبا، ~~إذا أعطاه. كأنه قال: كل من حملني على فرس من أهلي فهو فداء لمن حملني على ~~هذا المهر؛ لأنه يقع دونه في القدر والمكانة. ### || وقال شمعلة بن الأخضر # ويوم شقيقة الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالا قصارا # الشقيقة: رملة تشق من معاظم الرمل، وهي في الأصل صفة فجعلت اسما وألحق به ~~الهاء. وقد قيل فيها إنها رملة بين رملتين، والحسنان قيل هما رملتان ببلاد ~~بني تميم، وقيل حسن كثيب ضم ms0319 إليه قطعة أرض تقرب منه فقيل حسنان، كقولهم ~~الكوفتان والحيرتان. وهذه الأبيات في مقتل بسطام ابن قيس، قيلت على طريق ~~التشفي وإظهار الشماتة. يريد: لاقى بنو شيبان يوم اجتماعنا بهذا المكان ~~آجالا غير ممتدة، متقاصرة عن الغابة التي كانت آمالهم تنزع إليها، ويعدهم ~~اغترارهم بها. # شككنا بالرماح وهن زور ... صماخي كبشهم حتى استدارا # الشك: النظم. يقول: انتظمنا بالرماح والخيل منحرفة للطعن صماخى رئيسهم - ~~يعنى بسطاما - حتى دير به فسقط. وكان بسطام أغار في بني شيبان على بني ضبة، ~~واستاق إبلها، وكان رجال الحي غائبين، فلما أحسوا بذلك ركبوا إثره، فلما ~~لحقوه أخذ بسطام يعرقب الإبل، فقالوا: يا بسطام ما هذا السفه، إما أن تكون ~~لنا أو لك! ثم أصيب صماخه - والصماخ هو الخرق الباطن الذي يفضى إلى الرأس - ~~وقاتل # PageV01P403 # بسطام هو عاصم ابن خليفة الضبي، ويقال إنه كان مضعوفا، وفي ذلك اليوم ~~رأته أمه يسن سنان رمحه فقالت: ما تريد بهذا؟ قال: أريد أن أقتل به بسطاما! ~~فقالت الأم متعجبة ومستنكرة: لست أمك أضيق من ذاك!. وحكى أنه أدرك الإسلام ~~وأسلم، فكان إذا ورد باب عمر رضي الله عنه يقول: عاصم بن خليفة، قاتل بسطام ~~بن قيس بالباب! مفتخرا. ومعنى " استدار "، أخذه دوار الموت. وقوله " شككنا ~~بالرماح " والشك كان من واحد منهم وبرمح، على عادتهم في نسبة الفعل إلى ~~القبيل وإن كان من أحدهم، لاشتراكهم في الرضا به، وتجمعهم لإيقاعه. على ذلك ~~قول الله تعالى: " فعقروا الناقة " وما أشبهه. # فخر على الألاءة لم يوسد ... وقد كان الدماء له خمارا # الألاءة: شجرة حسنة المرأى، قبيحة المختبر، ولهذا شبه به كل من قصر مخبره ~~عن منظره. قال: # فإنكم ومدحكم بجيرا ... أبا لجإ كما امتدح الألاء # يرأه الناس أخضر من بعيد ... وتمنعه المرارة والإباء # ومعنى خر على الألاءة، أي مال عليها لما أصيب. والمراد بالبيت: سقط بسطام ~~لما طعن على الألاءة وهو غير موسد، قد غشى رأسه ووجهه بالدم. قوله " لم ~~يوسد " في موضع الحال، وهو بيان لكونه مقتولا، وأن خروره كان لذلك. ms0320 وعلى ~~هذا قوله تعالى: " خروا له سجدا " وما أشبهه. والخمر والخمار: كل ما غطاك. ### || وقال حسيل بن سجيح # لقد علم الحي المصبح أنني ... غداة لقينا بالشريف الأحامسا # يقول: صبحته مشددا ومخففا، إذا قصدته للغارة صباحا. وفي المثل: # صبحناهم فغدوا شأمة # والأحامس لقب لبني عامر، وجمع جمع الأسماء وإن كان صفة في الأصل فهو ~~كالأبطح والأجدل وأشباههما؛ وقد تقدم القول فيه. والشاعر يقول: تيقن الحي ~~المغار عليهم صباحا أنني غداة لقينا بني عامر بالشريف - وهو موضع بنجد، ~~وكذلك الشرف - # PageV01P404 # أيليت. وهذا الكلام منه استشهاد بمن دافع عنهم. وخبر أن فيما بعده، وهو ~~قوله " جعلت لبان الجون ". وغداة لقينا ظرف له. فإن قيل: هلا جعلته ظرفا ~~لعلم أو للقينا؛ قلت: لا يجوز أن يكون ظرفا لعلم، لأنه إذا جعل كذلك صار ~~أجنبيا مما دخل في صلة أن، وحائلا بينه وبين خبره، والفصل بين الموصول وما ~~في صلته بالأجنبي منه غير جائز. ولا يجوز أن يكون ظرفا للقينا، لأنه مضاف ~~إليه، والمضاف لا يجوز أن يكون عاملا في المضاف. # جعلت لبان الجون للقوم غاية ... من الطعن حتى آض أحمر وارسا # جعلت ها هنا عدى إلى مفعولين لأنه بمعنى صيرت. واللبان: الصدر من الفرس. ~~والورس: صبغ أحمر معروف. وثوب ورس ووارس. وأورس الرمث، إذا اصفر ثمره، فهو ~~وارس، وهو أحد الحروف التي جاءت على أفعل فهو فاعل؛ ولا يقال مورس. وربما ~~فسر الورس على الزعفران. يقول: ثبت في وجوه القوم فصيرت صدر فرسي للطعن ~~وموقعا، حتى صار لسيلان الدم عليه أحمر كالورس. # وأرهبت أولى القوم حتى تنهنهوا ... كما ذدت يوم الورد هيما خوامسا # يقول: خوفت أوائلهم حتى كفوا وتنكسوا، كما تكلف إبلا عطاشا وردت لخمس، ~~فازدحمت على الماء يوم الورود. والهيم: التي بها الهيام، وهو داء يصحبه ~~العطش الشديد. جعل أوائلهم تتبادر وتزدحم حرصا على القتال، مبادرة الهيم ~~وازدحامها على الماء وردت لخمس. وهذا التشبيه من باب التصوير، وقد تقدم ~~القول في شرحه. وقوله: " تنهنهوا كما ذدت " يجوز أن يكون أراد حتى ذدتهم ~~كما ms0321 ذدت، فوضع تنهنهوا بدله ودالا عليه. ويجوز أن يكون أراد: كما نهنهت يوم ~~الورد إذا ذدت هيما، فوضع ذدت موضعه. ويجوز أن يكون المراد: أرهبتهم كما ~~أرهبت، فوضع ذدت موضع أرهبت، وهذا أقرب. # بمطرد لدن صحاح كعوبه ... وذي رونق عضب يقد القوانسا # وبيضاء من نسج ابن داود نثرة ... تخيرتها يوم اللقاء الملابسا # الباء من قوله " بمطرد " تعلق بقوله أرهبت. فيقول: خوفتهم بالبروز لهم، ~~ومعالنة ذوي الحشمة بالتنكر معهم، والشد عليهم برمح مسوى لين صحيح الكعوب ~~والأناييب، وسيف ذي ماء، قاطع نافذ في القوانس، لا ينبو ولا يرتدع. ومعنى ~~الاطراد في الرمح تقومه وتوافق أنابيبه عند الهز. والقوانس: أعلى البيض؛ ~~وقونس # PageV01P405 # الفرس منه، وهو العظم الذي تحته العصفوران. هكذا قال أبو عبيدة. وقال ~~الأصمعي: هو والعصفوران سواء، والقد: القطع طولا، فإن كان عرضا فهو القط. ~~وقوله " وبيضاء من نسج ابن داود " فإنه عنى به درعا، والمراد تعداد عدته ~~واحدا واحدا. أي أرهبتهم بدرع نقية اللون من الصدا داودية واسعة، اخترتها ~~من الملابس يوم اللقاء. وإنما قال " من نسج ابن داود " كما قال الآخر: # ونسج سليم كل قضاء ذائل # وللعرب عادة معوفة في إقامة الأب مقام الابن، والابن مقام الأب، وتسمية ~~الشيء باسم غيره إذا كان من سببه. والأعلام لا يدخلها المجاز، ولكن تستعار ~~إذا حصل بها القصد وأمن معها اللبس عند الذكر. وانتصب الملابس على المفعول، ~~لأن الفعل بعد انحذاف حرف الجر منه وصل إليه فنصبه. وأصلها تخيرتها يوم ~~اللقاء من الملابس. ومثله قوله تعالى: " واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا ". والمراد: اختار موسى من قومه، ومثل هذا من الحذف لا ينقاس. # وحرمية منسوبة وسلاجم ... خفاف ترى عن حدها السم قالسا # يريد: وبقوس متخذة من شجر الحرم، لها نسب لجودتها وعتق نجارها، حتى يقال ~~فيها: ملكها فلان، وورثها فلان، واتخذها فلان، وهي القوس التي من شأنها كيت ~~وكيت، وبنصال طوال خفاف تقلس حدودها السم وترشحه، لأنها أمهيت به وشربته. ~~والقلس: القيء، يقال قلس قلسا، ثم يقال للدسعة تخرج إلى الفم القلس، ms0322 بتحريك ~~اللام. والسلاجم: الطوال، وأراد بها النبل كما هي، ويقال حرم وحرم. وانتصب ~~قالسا على الحال للسم، كأنه قال: ترى السم ذا قلس، أي ممجوجا به ملقى من ~~جوانب حدودها. # فما زلت حتى جنني الليل عنهم ... أطرف عني فارسا ثم فارسا # يروى " أطرف فرسانا وألحق فارسا ". يقول: لم أزل بياض ذلك اليوم أدفع في ~~جوانب مجالي وأطراف أرضي، الفارس بعد الفارس، إلى أن تغشاني الظلام فحال ~~بيني وبينهم، وستر كلا منا عن صاحبه. ومعنى أطرف أجعله مني في طرف، وموضعه ~~من الإعراب نصب على أن يكون خبر ما زال. وأراد بقوله " فارسا ثم فارسا " # PageV01P406 # المداومة والاتصال. أي لم أفتر عن دفاعهم وقتا واحدا بعد واحد. وهذا كما ~~يقال: جاءني بنو تميم واحدا فواحدا، أي توالوا أفرادا. ومن روى " أطرف ~~فرسانا وألحق فارسا " فالمعنى أسوق فرسانا وأذودهم عني، وقد ألحق في الطرد ~~الواحد بعد الواحد فأصيبه. # ولا يحمد القوم الكرام أخاهم العتيد السلاح عنهم أن يمارسا # هذا الكلام تبرؤ من التحمد بما فعل إلى الناس، وترك للتبجح بالدفاع حين ~~دافع، وإظهار لأن مذهب الكرام ذلك وأن الواجب في اعتقادهم ألا يحمد الواحد ~~منهم إذا قاتل دونهم، أو مارس الشدة فيهم ولهم، متى كان تام السلاح، مزاح ~~العلل، إذ كان ذلك دأبهم ودينهم، وإذ كان سبيله فيما يأتيه كمن يؤدي الفرض ~~الذي لا يحتمل التضجيع، والحتم الذي لا يسوغ التجوز فيه والتأويل. وقوله " ~~عنهم " يتعلق بالعتيد السلاح، ولا يجوز أن يتعلق بيمارس، لأنه لو كان كذلك ~~لكان في صلة أن، فلم يجز تقدمه عليه. ويكون المعنى: أخاهم المعد السلاح ~~عنهم، النائب منابهم. ومعنى أخاهم الواحد منهم، كما يقال: يا أخا بكر أو ~~تميم. ### || وقال محرز بن المكعبر # نجى ابن نعمان عوفا من أسنتنا ... إيغاله الركض لما شالت الجذم # قال الخليل: الإيغال: الإمعان في السير مع دخول فيما بين جبال أو في أرض ~~العدو. وقال غيره: هو الإسراع في إبعاد. يقول: أنقذ هذا الرجل من رماحنا ~~استعجاله فرسه، واستحثاله بالركص إياه، لما رفعت ms0323 بقايا السوط تخوف بها ~~الخيل، ويستدر منها العدو. وهذه إشارة إلى وقت الانهزام وجد الطالبين في ~~اللحاق. والركض ينتصب على أنه مفعول من الإيغال، كما يقال أبعد السير، ~~وأسرع السير. ويجوز أن يكون مصدرا موضع الحال، كأنه قال إيغاله راكضا. ~~وأدخل الألف واللام على حد دخولهما في قوله: # فأرسلها العراك # PageV01P407 # أوردها التقريب والشد منهلا # وما أشبهه. وجذم كل شيء: أصله؛ يقال جذمت الشيء، إذا قطعته. والجذمة: ~~القطعة من الحبل وغيره. # حتى أتى علم الدهنا يواعسه ... والله يعلم بالصمان ما جشموا # الدهنا ببلاد تميم. وقال الخليل: الدهنا موضع رمل كله، والنسب إليه ~~دهناوي. ومعنى يواعسه يسير في وعسائه، وهي الرملة اللينة، والسير فيها ~~يصعب. ويقال: وعست المكان وعسا، إذا وطئته وطأ شديدا، ويسمى الأتر الوعس. ~~وسمى ضرب من سير الإبل المواعسة من هذا. وحقيقة قوله " يواعسه " يواعس إليه ~~أو فيه، أي يمد سيره إليه وفيه. والصمان: الأرض الصلبة، واحدته صمانة، ~~وموضع ما من قوله ما جشموا نصب على المفعول من جشموا، فيقول: أوغل الركض ~~حتى بلغ جبال الدهنا، مواعسا في رمله، والله يعلم أي شيء تكلفه هو وأصحابه ~~من السير في الصمان. وموضع يواعسه نصب على الحال، ويجوز أن يكون موضع ما من ~~قوله ما جشموا نصبا على المفعول من فعل دل عليه، والله أعلم. ومثله في ~~القرآن: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته ". وقد تقدم القول فيه. # حتى انتهوا لمياه الجوف ظاهرة ... ما لم تسر قبلهم عاد ولا إرم # الجوف واد. وظاهرة انتصب على أنه ظرف، ويقال: ورد الماء ظاهرة، إذ ورد ~~نصف النهار؛ واشتقاقه من الظهيرة. وأظهرنا: صرنا في الظهيرة: وقد جعل اسما ~~لهذا الظمء. وقوله " ما لم يسر " أراد سيرا لم يسره قبلهم أحد، أو انتهاء ~~لم يقدر عليه إنسان. وعلى هذا يكون ما في موضع النصب على أنه مصدر مما دل ~~عليه حتى انتهوا، وتلخيص الكلام: حتى ساروا إلى مياه هذا الوادي نصف النهار ~~سيرا لم يسر مثله واحدة من هاتين الأمتين، والمعنى أنهم حملهم الرعب الذي ~~تداخلهم، ms0324 والاجتهاد في الخلاص من الهزيمة المستولية عليهم، على أن يقطعوا ~~ما بين المكانين المذكورين في يوم وليلة، لأنهم كانوا في اليوم الأول ~~بالصمان، وفي اليوم الثاني بالدهنا، وذلك شاق مستبعد وقوعه. # PageV01P408 ### || وقال عامر بن شقيق # فإنك لو رأيت ولن تريه ... أكف القوم تخرق بالقنينا # يخاطب امرأة مفظعا للشأن الذي منوا به، ومهولا للأمر الذي دفعوا إليه، ~~فيقول: لو رأيت ولا أراك الله مثله مشهد القوم وأكفهم تخرق بالرماح لرأيت ~~أمرا هائلا. وجواب لو محذوف، كما يقال: لو رأيت زيدا وفي يده السيف. وقد مر ~~القول في أن تبقيه الإبهام في مثل هذا المكان بترك الجواب أبلغ في الإفهام. ~~وقوله " ولن تريه " دعاء، وأكثر ما يقع الدعاء يقع بلاء، وبلن يجيء قليلا، ~~تقول: لن يبارك الله في كذا وتريد الدعاء، كما تقول لا بارك الله. وفسر ~~قطرب قول الله تعالى: " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين " على ~~أنه دعاء. ويجوز أن يكون قوله " ولن تريه " إخبارا بأنها وقد فاتها رؤية ~~ذلك فيما مضى لا ترى مثله في المستأنف فظاعة وشناعة، وأن الخطب بلغ حدا خرج ~~به عن المعتاد المستجاز. وقوله " تخرق بالقنينا " أي تثقب، ومنه خرقت الأرض ~~واخترقتها، وريح خريق. ويروى: " تخرق " بفتح التاء وضم الراء، وله وجهان: ~~أحدهما أن يكون من الخرق: ضد الرفق، كأن الأكف كانت تخرق في الطعن ولا ~~ترفق، لشدة الأمر؛ وهذا حسن. والثاني: أن يكون من الخرق، كأنها تشقق بالطعن ~~ملتئم الأحوال ومتواصلها وتمزقها، كما قال: " ومزقناهم كل ممزق ". وهذا ~~الوجه أغرب ويكون المفعول محذوفا، لأن الكلام يدل عليه. ومن روى " تخرق " ~~فالمعنى تنظم. وإن جعلت الفعل للفاعل فرويت " تخرق " جاز أيضا على أن يكون ~~المفعول محذوفا، والمراد كأنها تنظم مطعونين في شدة وحملة. والقنين: جمع ~~سالم، وهو نادر، وأكثر ما يجيء مثله في المنقوص كظبة وظبين، وثبة وثبين، ~~كأنه يجعل هذا البناء في جمعه جبرا له مما نقص منه. ويجيء أيضا كثيرا في ~~أسماء الدواهي، كالذربين، والأقورين، والفتكرين؛ كأنه بلغ بها رتبة ~~الناطقين ms0325 تهويلا. وقد حكى كسر القاف من القنين وحينئذ يكون كعصا وعصى، ~~ويكون وزنه فعولا والنون بدلق من لام الفعل. ويحمل على هذا الوجه سنين في ~~جمع سنة. # PageV01P409 # بذي فرقين يوم بنو حبيب ... نيوبهم علينا يحرقونا # قوله " بذي فرقين " يجوز أن يتعلق بقوله لو رأيت، ويجوز أن يتعلق بقوله ~~تخرق بالقنين، كذلك قوله " يوم بنو حبيب " يجوز أن يكون ظرفا لكل واحد من ~~الفعلين لأنهما ظرفان: أحدهما للمكان والآخر للزمان. وأضاف اليوم إلى ~~الكلمة التي بعده لأن الأزمنة تضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل ~~والفاعل، تبيينا لها. ويقال: هو يحرق أنيابه، إذا حك بعضها ببعض تهديدا. ~~ويقال أيضا: هو يحرق عليه الأرم، ويعلك على الأرم، أي يصرف بأنيابه تغيظا. ~~وحكى فيه الأزم بالزاء أيضا. والأزم: العض. ويقال حرقه بالمبرد، إذا برده. ~~وحكى أبو حاتم: فلان يحرق نابه علي، يرفع الناب. قال: لأنه هو الذي يحرق. ~~وبيت زهير يشهد لذلك. وأنشد: # أبي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله # كفاك النأي ممن لم تريه ... ورجيت العواقب للبنينا # كأنه وكلها إلى الاعتبار بعد ما فاتها من مشاهدة الحال، ودعاها إلى ~~الاستدلال، والاكتفاء فيه بما آل إليه أمرها في أعزته مع غيبتهم عنها. ~~فيقول: أغناك بعدك إذا نظرت واعتبرت عن الاستكشاف والسؤال، وإن تلهفت لما ~~تدركيه من مساقطهم، ولم تشار فيه من مصارعهم، وحالك أنك علقت رجاءك ~~بالأولاد، وبأن يحسن الله العقبى لهم إذا بلغوا طلب الأوتار، ورأوا السعي ~~في درك الثار، وقطعت طمعك في الآباء وملكك اليأس منهم. وقوله " ورجيت " قد ~~معه مضمرة، لأن الماضي بتقدير قد معه يقع موقع الحال. وضعف عينه للتكثير، ~~كأنها كانت تكرر الرجاء وتجدده مع كل حادثة، وعند كل مهمة. ### || وقال أبو ثمامة بن عارم # رددت لضبة أمواهها ... وكادت بلادهم تستلب # يقول: اعتنيت بضبة، فأعنتها على مجاذبها ومنازعها، وحفظت لها وعليها ~~مياهها وبلادها، ومراعيها ومرادها، بعد أن شارفوا التسليم والاستسلام، ~~والملاينة # PageV01P410 # والانقياد، حتى كادوا يغلبون عليها، ويمنعون من حقوقهم فيها، لما يظهر ~~على صفحات أحوالهم من ms0326 التخاذل، ويبنون أمورهم عليه في التهاون والتواكل. # بكر المطي وإنعابه ... وبالكور أركبه والقتب # الباء من قوله " بكر " تعلق برددت. ويروى: " بكرى المطي "؛ وساغ الوجهان ~~لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. ومراده أن يبين كيف كانت ~~نيابته عنهم، ومدافعته دونهم، وكيف جاذب أعداءهم وجادل عنهم، حتى توصل إلى ~~قمعهم، ونزع أيديهم عما أنشبوها فيه من أملاكهم، وردهم دون ما سوغوه من ~~اهتضامهم. والقتب أخف من الكور. وإنما ذكر هذه المراكب ليبين تطاول الأمد ~~بينه وبنيهم، وتحمل أنواع المشاق اللاحقة في نزاعهم، وليدل على كثرة ~~مناقلاتهم، واختلاف التردد في مجالسهم وأماكنهم. # أخاصمهم مرة قائما ... وأجثو إذا ما جثوا للركب # انتصب قائما على الحال؛ ونبه بما أورده على امتداد المجازبة، وتكرر ~~المحاجة، وعلى اختلاف الهيئات وتغير الأوقات، وكل ذلك بحسب اشتداد سورة ~~الخصام ولينها؛ وأنه تكفل بالأمر معهم تكفل من تعين عليه الفرض في مرادتهم، ~~فابتدل نفسه معهم، ووطنها على مصابرتهم، فإن قاموا قام معهم، وإن بركوا ~~باراهم في بروكهم، لئلا يكون مخلا بمعرض يخرجون فيه، أو تاركا لشيء من ~~نصبهم. ويقال: جثا لركبته، إذا سقط. # وإن منطق زل عن صاحبي ... تعقبت آخر ذا معتقب # فصل بين إن والفعل بقوله " منطق "، ولو ظهر تأثيره بالجزم لم يجز فيه. ~~وارتفع بفعل هذا الظاهر تفسيره. فإن قيل: فإن في أي الفعلين عمل؟ وهل تقول ~~إنه عمل فيهما جميعا؟ قلت: أما عمله فيهما فغير سائغ، لأن أداة واحدة لا ~~تجزم شرطين في حالة واحدة، لكن الفعل المضمر لما لم يظهر صار في حكم ما لم ~~يعتد به، وإن كان الاسم يرتفع به، حتى صار التقدير: وإن زل منطق زل عن ~~صاحبي. وقد روى " تعقبت " و " تعرقبت "، ومعنى تعقبت تتبعت وطلبت عقبه؛ ~~ومثله اعتقبت. وقيل المعتقب أخد عقبه الشيء، وهي آخره. ومعنى تعرقبت: عدلت ~~عنه وأخذت في # PageV01P411 # غيره. ويقال تعرقبت الفرس، إذا ركبتها من خلفها. وعراقيب الأمور: ~~التباساتها وطلب الحيل والحجج فيها، وأنشدت: # فلا يعدمك عرقوب للأي ... إذا لم يعطك النصف الخصيم # والمعنى: لا ms0327 يعدمك حيلة لالتواء خصم عليك. # وقال آخر: # إذا حبا قف له تعرقبا # أي عدل عنه فالتوى. ومثل تعقبت في إفادته طلبت عقبه وعقباه: تفقدت الشيء ~~وتعهدته؛ لأن المعنى طلبت فقده وعهده، أي نظرت هل فقدته وهل بقى على عهده. ~~ومعنى البيت: إن بدرت من واحد منهم كلمة لم يوفق فيها للصواب، أو خفت عودها ~~بغير صلاح عدلت عنها وطلبت مكانها أخرى ذات متتبع فأعقبتها بها. # أفر من الشر في رخوة ... فكيف الفرار إذا ما اقترب # قوله في " رخوة " أي تراخيه. وهو رخو، أي مسترخ. كأنه أراد: أهرب منه ~~مالم يتشدد. ونبه بهذا الكلام على أنه يتفادى من الشر ما أمكن، وأنه لا ~~يستعمل البغي ولا يبتدئ الخصم، فإن جاء منه مالا معدل عن اقتحامه وركوب ~~البلوى فيه، ولا معول إلا على الصبر على شدائده وتوسط الأذى العارض له خاضه ~~متلقيا لمكارهه بعدته، مجاذبا للمنازعين بأقصى ما في طوقه وقوته، إلى أن ~~يتحصل له الفلج والظفر، أو يتحصن عن لوم اللائمين بما يقيمه من العذر في ~~المجاهدة والتثبت. ومثله قول هدبة ابن خشرم: # ولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب ### || وقال أبو ثمامة أيضا: # قلت لمحرز لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام # تكب وتنكب بمعنى واحد. ويقول هو أنكب عن الحق، ومنه الريح النكباء، ~~لعدولها عن مهاب الرياح الأربع. وهذا الكلام تهكم واستهزاء، كأنه يرميه ~~بأنه لم # PageV01P412 # يباشر الشدائد، ولم يدفع إلى مضايق المجامع. فيقول: انحرف متماسكا لا ~~يسقطك تزاحم الناس. والتقطير: الإلقاء على أحد القطرين، وهما الجانبان، ~~وكأنه يخاف عليه أن يداس بالقوائم، كما يخاف على الصبيان والنساء، لقلة ~~غنائه، وضعف ثباته. وهذا في بابه أبلغ ما مر بي. وفي طريقته قو حجل بن ~~نضلة: # جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح # وقول سبرة بن عمرو الفقعسي: # لا شيء يعدلها ولكن دونها ... خرط القتاد تهاب شوكتها اليد # وفي هذا تعريض أيضا. ومن التعريض ما أنشدته عن اليزيدي قال: أنشدني ~~الأصمعي: # فدع شوك السيال فلا ms0328 تطأه ... وخض إن خضت ماء غير غمر # وقول الآخر: # فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم # أتسأل السوية وسط زيد ... ألا إن السوية أن تضاموا # يخاطبه مقررا ومتوعدا. والتقرير بألف الاستفهام ولا حرف نفي معه يكون ~~فيما لا يثبت ولا يستجاز كونه. والسوية: الإنصاف؛ وهي من الاستواء كالجريمة ~~والدنية والخطيئة. وزيد: قبيلة المخاطب. فيقول على وجه الإنكار والهزء: ~~أتسأل إنصافك وأنت وسط رهطك وفيما بين عشيرتك ومحل عزك. ثم قال: إن من ~~السوية اهتضامكم وضيمكم، وهذا من باب إبدال الشيء من الشيء. كقول الآخر: # تحية بينهم ضرب وجيع # والضرب لا يكون تحية. والمعنى: أنهم يعطون بدل الإنصاف الظلم، لأنهم لا ~~يستحقون غيره، ولأن النصفة لا تصلحهم ولا توافقهم. # PageV01P413 # فجارك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بيتي لا يرام # يصفهم بسوء الوفاء، وقلة المحافظة على عقد الجوار، فيقول: جارك كالصيد ~~لمن يطلبه، وبعرض الأكل والاستباحة لمن يريده، وهذا وهو في فنائك، وغير ~~مفارق لدارك، لضعف حشمتك وسقوط همتك، واستسخاف الناس لدرك وزنك؛ وجاري لا ~~يطلب ولا يطمع فيه لتحصن مكانه في فنائي، وتعززه بي، ما دام متمسكا بحبلي، ~~أو معتصما بحلفي. وإنما قال ذلك لأن النزاع بينهما كان بسبب جار. وإضافة ~~اللحم إلى الظبي في نهاية الموافقة للمعنى الذي يقصده، والغرض الذي كان ~~يرميه. وقد جاء اللحم غير مضاف إلى اسم الصيد في الكناية عن الذل ~~والاهتضام. على هذا قولهم: هو لحم موضع، وهو لحم على وضم. وقد استعمل الشحم ~~في مثل ذلك، على هذا قوله: # لمن كنت فيه شحمه وأطايبه # وقول الآخر: # فلا تحسبنني يا ابن أزنم شحمة ... تزردها طاهي شواء ملهوج # وقد قال آخر سالكا هذه الطريقة في الكناية: # ولست خلاة لمن أوعدن # وقالوا في الذليل: هو قنع، وهو فقع بقرقر، وهو بيضة البلد. ### || وقال عبد الله بن عنمة # أبلغ بني الحارث المرجو نصرهم ... والدهر يحدث بعد المرة الحالا # قوله " والدهر يحدث " اعتراض حصل بين أبلغ بني الحرث وبين مفعوله الثاني: ~~وهو قوله، " إنا تركنا فلم نأخذ ms0329 به بدلا ". # PageV01P414 # ومثله مما قد دخل الاعتراض بينه وبين المفعول قول أبي النجم: # وبدلت والدهر ذو تبدل ... هيفا دبورا بالصبا والشمأل # وفي القرآن قوله عز وجل: " ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني ~~كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ". لأن قوله يا ليتني مفعول ليقولن، وكأن لم يكن ~~اعتراض. وكذلك الدهر ذو تبدل اعتراض. وقوله " المرجو نصرهم " فيه تعيير ~~وتقريع كما أنه في قوله والدهر يحدث بعد المرة الحالا " هزؤ وسخرى. وهؤلاء ~~القوم كانوا تركوا عشيرتهم وانتقلوا عنهم للوثة حصلت بينهم إلى بني الحارث ~~طمعا في نيل ما يفوتهم منهم من جهتهم، فلما لم يجدوهم عند الظن بهم تندموا، ~~فأخذ هذا الشاعر منهم يرمى بهذا الكلام معيرا ومتلهفان فيقول: أبلغ هؤلاء ~~القوم الذين رجى معونتهم وطمع في نصرتهم وذبهم - والدهر ذو غير وتلون، ~~فيتعقب فيه الشدة لين، والقوة ضعف، والعزة ذل - رسالتي إليهم. وإنما تبين ~~من قوله الحال، وإن كان واحد الأحوال، الضعف، والمعنى الذي ذكرته لقوله ~~يحدث بعد المرة. وحكى بعضهم أن هذا كما يقال تركته بحال، للمشرف على الشر ~~أو الهلاك، والمراد بحال سوء، فكذلك هنا يريد والدهر يحدث الحالة المنكرة ~~بعد المرة. وقيل أيضا الحال: التراب اللين والحمأة، فاستعاره للضعف واللين. # إنا تركنا فلم نأخذ به بدلا ... عزا عزيزا وأعماما وأخوالا # يقول: أد إليهم أنا بمفارقة قومنا تركنا أقارب من جهة الآباء والأمهات، ~~متناصرة على دفاع حوادث الدهر متعاونة، وظهرا ظهيرا، وعزا متناهيا قويا، ~~ولم نتعض منهم ما فيه طائل. قوله " وأعماما وأخوالا " أي تركناهم وهم من ~~البر والشفقة على ما يكون عليه الأعمام والأخوال، وفيما يرجى من الوفور بهم ~~والتأيد بمكانهم. وقوله " عزا عزيزا "، من شأنهم أن يشتقوا من لفظ الشيء ~~الذي يريدون المبالغة في وصفه بناء يتبعونه به تأكيدا وتنبيها على تناهيه ~~في معناه. على ذلك قولهم: ظل ظليل، وداهية دهياء، وشعر شاعر. # PageV01P415 # قد كنت آخذ حقي غير مهتضم ... وسط الرباب إذا الوادي بهم سالا # هذا الكلام توجع وتلهف في إثر ما فاته من ms0330 قومه، بما حصل من فساد ذات ~~بينهم، حتى صاروا إلى التباين، والتمايز بالأبدان والتهاجر. فيقول: كنت ~~أتقاضى بحقوقي بين ظهرانيهم فأقتضيها وأستوفيها غير مهضوم ولا مهين إذا ~~جاءوا محتفلين تمتلئ منهم الطرق والفجاج، وتسيل بهم المذانب والتلاع. ومثل ~~قوله " إذا الوادي بهم سالا " قول الآخر: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # لا تجعلونا إلى مولى يحل بنا ... عقد الحزام إذا ما لبده مالا # المولى في البيت: الناصر أو الولي لا غير. وكأنه أقبل على قومه يستعطفهم، ~~ويشكو إليهم ما لاقوه من غيرهم. فيقول: تلافوا أمرنا ولا تكلوه إلى ناصر ~~يؤثر صلاح حاله وإن فسد حالنا، ويروم انتعاشه وإن سقطنا، ويسوى لبده إذا ~~اعوج وزال عن مقره بنا. وهذا تعريض لمن كانوا انتقلوا إليهم. كأنهم كانوا ~~يهمهم ما يختص بأنفسهم، ثم لا يحلفون بما يختل من شأن هؤلاء أو ينحل من ~~عقدهم. # وفي هذه الطريقة قول الآخر: # وكنا فوارس يوم الهرير ... إذا مال سرجك فاستقدما # وأفصح من هذا قول ابن أحمر: # فإما زال سرج عن معد ... وأجدر بالحوادث أن تكونا ### || وقال ابن عنمة أيضا: # ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهم ... كما يراه بنو كوز ومرهوب # السيد: قبيلة، وكذلك كوز ومرهوب. وقوله " ما إن " إن زيدت لتأكيد النفي. ~~وذكر سيبويه أن ما الحجازية إذا قرن بإن هذه يبطل عمله، يقول: بنو السيد لا # PageV01P416 # يقسمون لزيد من التعظيم، ولا يوجبون له في نفوسهم من الحرمة والتبجيل، ما ~~يوجبه ويقسمه بنو كوز ومرهوب. والضمير على هذا من قوله " في نفوسهم " يكون ~~للسيد. ولا يمتنع أن يكون الضمير لزيد لأنه قبيلة أيضا. وهذا كما يقال: لك ~~في نفسك حق ومنزلة. كأن زبدا كان له إذا راجع نفسه من التوجيه والإدلال، ~~والتخصص والاعتزاز في بني كوز ومرهوب، ما لا يكاد يجده في بني السيد. # إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب # يقول: إن وقفتم عندما يثبت من حقكم، ورضيتم بما لا نجحده من واجبكم، ولم ~~يخيل إليكم أن طلب ما فوقه أعود عليكم، خرجنا ms0331 منه إليكم من غير إباء ولا ~~امتناع، ولا اهتياج حرب أو إعمال سلاح. وقوله " والدرع محقبة " أي مشدودة ~~في الحقائب، لأنه أراد بالدرع الجنس. والاحتقاب والاستحقاب: شد الحقيبة من ~~خلف. وكذلك قوله " والسيف مقروب " أي متروكة في قربها؛ لأنه أراد السيوف. ~~ويقال: قربت السيف وأقربته، وغمدته وأغمدته. وقال أبو زيد: القراب: غشاء ~~يكون السيف مغمدا فيه. واحتج بقوله: # يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا # وإن أبيتم فإنا معمر أنف ... لا نطعم الخسف إن السم مشروب # يقول: إن عدوتم طوركم، وتجاوزتم في الطلب حقكم إلى ما ليس لكم، فإن ~~أنفتنا تمنع من احتمالكم، والتزام شهوتكم، وحميتنا تأبى الرضا بالتحمم، ~~والصبر على الاقتسار والتهضم، فلا نطعم الخسف وإن شربنا السم. والخسف: أن ~~يحملك إنسان ما تكرهه. ومن الصنعة الحسنة مقابلته الطعم بالشرب، واستعارته ~~إياهما في تجرع الغصة، وتوطين النفس على المشقة، عند إزالة المذلة، ورد ~~الكريهة. وأنف: جمع أنوف. والمعشر: الجماعة أمرهم واحد، ويقال: جاء القوم ~~معشر معشر، أي عشرة عشرة. # فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروب # PageV01P417 # هذا مثل. والمعنى: انقبض عن التعرض لنا، والدخول في حرمتنا، ورعى سوامك ~~روضتنا؛ فإنك إن لم تفعل ذلك ذممت عاقبة أمرك، وعدت خاسر الصفقة وخيم ~~الرتعة. جعل إرسال الحمار في حماهم كناية عن التحكك بهم، والتعرض لمساءتهم. ~~ولا حمار ثم ولا روض. وقال ابن الأعرابي: أرادا كفف لسانك. قوله " إذا " ~~قال سيبويه: هو جواب وجزاء، فالابتداء الذي هو جزاؤه محذوف مستدل عليه مما ~~في كلامه، كأنه قال فإنه إن رتع رجع إليك وقد ضيق قيده، أي ملئ قيده فتلا ~~حتى لا يمشي إلا بتعب، كأنه يضرب أو يستعمل حتى يرم جسمه ويؤدي الوجع منه ~~إلى موضع حافره فيضيق عليه القيد. # إن تدع زيد بني ذهل لمغضبة ... نغضب لزرعة إن الفضل محسوب # يقول: إن غضب بنو ذهل لزيد وامتعضوا من ضيم يركبها، وأغاثوها إذا استجارت ~~بهم، غضبنا لزرعة، وانتقمنا له ممن يهتضمه، إن الفضل معدود. فالمعنى: إنه ms0332 ~~لا فضل لكم علينا فقد عددنا ما لكم، فلم نجد زيادة لكم، ولا استظهارا يوجب ~~لكم التعلي والتغلب. وإذا كان الأمر بيننا على التساوي فلا استبداد ولا ~~احتكام. ويروى: إن القبص محسوب، وهو العدد الكثير، ويكون الكلام مثلا. ~~ويقال إنهم لفي قبص العدد وفي قبص الحصى، أي في أكثر ما يستطاع عدده من ~~كثرته، والمراد: إن الأعداد الكثيرة تضبط وتحصر، فكيف ما بيننا من تفاوت ~~وتفاضل، أو تساو وتعادل. # ولا يكونن كمجرى داحس لكم ... في غطفان غداة الشعب عرقوب # كان التنازع بينهم في رهان وقع على عرقوب، وهو فرس لهم. فيقول: لا يكونن ~~جرى عرقوب عليكم في الشؤم كجري داحس في غطفان غداة شعب الحيس. فقوله " ~~عرقوب " ارتفع على أنه اسم لا يكونن، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه، لأن المراد: ولا يكونن مجرى عرقوب كمجرى داحس. وقوله " غدة الشعب " ~~ظرف لقوله كمجرى. وجعل النهي في اللفظ لعرقوب وهو في المعنى لهم. حذرهم ~~استعمال اللجاج لئلا يتأدى الأمر إلى مثل ما تأدى في رخان داحس والغبراء. ~~ومثل هذا من النهي قولهم: لا أرينك ها هنا. # PageV01P418 ### || وقال الأخضر بن هبيرة # ألا أيهذا النابح السيد إنني ... على نأيها مستبسل من ورائها # وصف أي بذا غير جار على سنن ما يجلب له الصفات، لأن الصفة شرح الكلام ~~وتبيينه، ومزيل اللبس عنه، وإذا كان أي وذا مبهمين فالانشراح غير حاصل ~~بهما، لكنه لما كان المعول على ما يتبعه من المعرف بالألف واللام صار ذا ~~كأنه لا اعتداد به في الشرح. فيقول: أيها المتعرض لبني السيد والمتنقص لهم، ~~والناحت أثلتهم، إنني على بعدها مني مدافع عنها وذاب، مع تغيبهم دونها، ~~قضاء لحق الشرف، وذهابا مع النصفة. ويقال بسل واستبسل وتبسل بمعنى. وقال ~~الخليل: استبسل الرجل، إذا وطن نفسه على الموت واستيقن به. وقد استعار أبو ~~ذؤيب النباح للتعرض والإيذاء، كما فعل هذا، فقال: # ولا هرها كلبي ليبعد نفرها ... ولو نبحتني بالشكاة كلابها # وقوله " على نأيها " موضعه نصب على الحال، لأن المعنى أستبسل من ورائها ms0333 ~~بعيدة. # دع السيد إن السيد كانت قبيلة ... تقاتل يوم الروع دون نسائها # يقول: اترك ذكر هؤلاء القوم ولا تطلب عيبهم، فإنها قبيلة ذات أنف وإباء، ~~فما لحقهم منذ كانوا عار في حرمة، ولا أصابهم سباء عند غارة، بل كانت تحفظ ~~على علاتها نساءها، وتبتذل عند الفزع مصونات نفوسها، وهذا تعريض بالمخاطبين ~~وأنهم بخلاف ذلك. # على ذاك ودوا أنني في ركية ... تجذ قوى أسبابها دون مائها # ذاك من مثل هذا الموضع لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ويشار به إلى المقتص ~~من الحال. يقول: وعلى ما ذكرته فيهم، ومع محافظتي على ما يجب علي لهم، ~~ليسوا إلى بأوداء، بل يتمنون أني في بئر تقطع طاقات حبالها دون الوصول إلى ~~مائها لبعد قعرها. وهذا الكلام إعلام بأن تعصبه لهم، ليس عن مصادقة بينهم ~~توجب إعارة الشهادة فيهم، أو مواخاة تؤلفهم وتعطف أواصرهم عليهم، لكنه رأى ~~حقا فقاله، # PageV01P419 # وتحمل صدقا فأداه. وقوله " دون مائها في موضع الحال لأن دون للقاصر عن ~~الشيء. والتقدير: تجذ القوى قاصرة عن الماء. ### || وقال سنان بن الفحل # وقالوا قد جننت فقلت كلا ... وربي ما جننت ولا انتشيت # كان الواجب أن يقول قالوا جننت أو سكرت، فاكتفى بذكر أحدهما لأن النفي ~~الذي يتعقب في الجواب ينظمهما. ومثل هذا قول الآخر: # فما أدري إذ يممت وجها ... أريد الخير أيهما يلبني # لأن المراد أريد الخير وأتجنب الشر أيهما يليني، فاكتفى بذكر أحدهما لأن ~~ما بعده يبينهما: ولكلا موضعان: أحدهما أن يكون للردع والزجر، وحينئذ يصح ~~الاكتفاء به والوقف عليه. والثاني أن يكون للتنبيه كألا، وحينئذ يحتاج ما ~~بعده إلى ما يتم به. وسيبويه قصر تفسيره على أنه للردع والزجر. والشاعر ~~أراد قال الناس في لما أظهرت إنكاري، وتشددت في إبائي، وتحفظت عندما عرض ~~وجشم، واستنكفت مما سيم وكنف: إنه قد جن أو سكر. فزحرتهم وردعتهم، وحفت ~~بالله نافيا لما نسبت إليه ووسمت به من الجنون والسكر جميعا. ثم أخذ يبين ~~كيف استنكر ما دفع إليه، واشمأز مما عرض عليه حتى قيل ms0334 فيه ما قيل. ~~والانتشاء والنشوة: السكر. # ولكني ظلمت فكدت أبكي ... من الظلم المبين أو بكيت # لكن استدراك بعد نفي. وهذا الكلام بيان ما أنكر منه حتى قيل إنه جن. وذكر ~~البكاء ليرى أنفته وامتعاضه، وإنكاره لما أريد ظلمه فيه واغتياظه. فأما ~~العرب فإنها تنسب أنفسها إلى القساوة، وتعير من يبكي لذلك. قال مهلهل: # يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # PageV01P420 # يقول: لكن عرض علي ضيم لم آلفه، واستنزلت عن حق لي طال ملازمتي له، ~~فشارفت البكاء أو بكيت. كل ذلك لاستنكافي مما ندبوني إليه وتعجبي مما ~~راودوني عليه. # فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت # صرح بما أريد غصبه عليه فقال: هو ماء موروث عن الرسلاف وحمى معروف بي ~~وبهم، سلمة الناس لنا على مر الأيام، وبئر توليت استحداثها وحفرها وطيها. ~~وقوله " ذو حفرت " ذو لغة طائية في معنى الذي. يقولون: هذا ذو قال ذلك، ~~ورأيت ذو قال ذلك، ومررت بذو قال ذلك، فيحتاج من الصلة إلى مثل ما يحتاج ~~إليه الذي، لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث ولهذا صلح أن يقول " وبئري ~~ذو حفرت "، والبئر مؤنثة. # وقبلك رب خصم قد تمالوا ... علي فما هلعت ولا دعوت # نبه على حسن ثباته في وجه الخصوم، وتمرنه بمجاذبتهم قديما وحديثا، وتحككه ~~بهم على احتفال منهم في مناوأته سالفا وآنفا، فيقول: وقد بليت قبلك بقوم لد ~~تألبوا علي وتعاونوا، فلم أجزع لما منيت بهم جزعا فاحشا، ولا استنصرت عليهم ~~غيري عند دفاعهم استنصارا مكروها. والهلع: أفحش الجزع. وتمالوا، هو تفاعلوا ~~من قولهم هو مليء بكذا. فإن قيل: كيف قال هلعت، وقد قال فيما قبله: فكدت ~~أبكي من الظلم المبين أو بكيت وهل الهلع إلا البكاء والجزع؟ قلت: إن الهلع ~~هو الجزع الفاحش الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد، فهذا هو الذي انتضح منه، ~~وزعم أنه لا يظهر عليه. والبكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد يشارفه قد بينا ~~أنه كان منه على طريق الاستنكاف والامتعاض؛ فإذا كان ms0335 كذلك فإنه لم يكن عن ~~تخشع وتذلل، ولا انقياد واستسلام، وسلم الكلام من التناقض والفساد. # ولكني نصبت لهم جبيني ... وألة فارس حتى قريت # يقول: ولكني صبرت لهم، وانتصبت في وجوههم، وهيأت عدتي وسلاحي لدفعهم، ~~دارئا في نحورهم، محلئا لهم عن ورودهم، فعل الفارس الذاب المانع يوم ~~الحفاظ، حتى خلصت من غصبهم حقي، وقريت الماء من دونهم في حوضي. والآلة: ~~الحربة، وجمعها إلال، وأصله البريق واللمعان. والقرى: الجمع. # PageV01P421 ### || وقال جابر بن حريش # ولقد أرانا يا سمى بحائل ... نرعى القرى فكامسا فالأصفرا # فالجزع بين ضباعة فرصافة ... فعوارض جو البسابس مقفرا # لا أرض أكثر منك بيض نعامة ... ومذانبا تندى وروضا أخضرا # ومعينا يحمى الصورا كأنه ... متخمط قطم إذا ما بربرا # إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوى ... قبل الفساد إقامة وتديرا # قوله " أرانا " حكاية الحال، وما يستمر ويتصل من الأفعال إذا أريد فيه ~~الإخبار عن الماضي قد يؤتى بلفظ المستقبل فيوضع موضع بناء الماضي. على ذلك ~~قوله: # ولقد أمر على اللئم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني # ألا ترى أنه قال أمر، ثم قال فمضيت ثمت قلت. كذلك هذا قال ولقد أرانا، ثم ~~جاء في آخر الأبيات فقال: إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوى. فإن قيل: كيف جاز ~~أن يقول أراني وأرانا، وأنت لا تقول أضربنا ولا أضربني؟ قلت: أفعال الشك ~~واليقين يجوز ذلك فيها وإن امتنع في غيرها، لأن تأثيراتها في المفعول ~~الثاني من المفعولين، إذ كان الشك واليقين يتعلقان به لا بالأول، فصار لذلك ~~المفعول الأول كأنه غير الثاني، وكاللغو الذي لا تأثير له في حصول الفائدة، ~~فجرى الثاني من الأول لذلك مجرى الأجنبي. وإذا قلت أضربني أو أضربنا لم يصر ~~أحد الضميرين كالأجنبي من الأول لا لفظا ولا معنى، والمعتاد في الفاعل ~~والمفعول مغايرة الثاني للأول، فلما كان الأمر على ذلك لم يجز فيه ما جاز ~~في الأول. يبين هذا أنك لو قلت ضربت نفسي أو أضرب نفسي لصلح، للتغاير ~~الحاصل في اللفظ، فاعلمه. # وقوله حائل: اسم واد. والقري: مجرى الماء ms0336 إلى الروضة، وكامس والأصفر: ~~مكانان. وضباعة ورصافة: جبلان، وكذلك عوارض. وجو البسابس أي داخل البسابس، ~~وهي المفاوز الواسعة الخالية. والجو: الهواء بين السماء والأرض أيضا. # PageV01P422 # والمقفر: الصائر في القفر، وهو المكان الخالي. وانتصب جو على الظرف، ~~ومقفرا على الحال. # ومعنى الأبيات: كما نرى أنفسنا ياسمية بهذا الوادي، ونحن ننتقل في هذه ~~المراتع التي ذكرتها، ونتحول بين هذه المناجع التي عددتها الحاصلة في جو ~~الأرضين المستوية، وفي أثناء الأرضين المقفرة، ولا أرض أكثر خصبا من أرضك ~~وخيرا، وأندى مذانب وتلاعا، وأحوى لبيض النعام، وأجمع لخضر الرياض التي ~~يستوطنها الوحوش من البقر وغيرها؛ وثورها يحفظ قطيعه وكأنه لنشاطه إذا جأر ~~فحل متغضب أيام أمنا عادية النوى. وبائقة الدهر والأذى، ولم تخف نساؤنا من ~~ترامي الغربة، وتقاذف الشقة، ولم يقع بين العشائر حرب الفساد، وضرر التهاجر ~~والبعاد، ونحن متديرون ومقيمون، وفي أنواع النغمة والنعمة مترددون، ولدار ~~السلامة والخفض مستوطنون. # وهذا الكلام تحسر في إثر أيام السلامة، وتشك من أيام الفتنة. # وقوله إذ الخاف ظرف لقوله ولقد أرانا. وقوله قبل الفساد بدل منه، ~~والمذانب: مسايل المياه. ومعنى أكثر منك بيض نعامة أكثر من أرضك، فحذف ~~المضاف، وانتصب بيض على التمييز. وقوله ومذانبا انتصب على أنه معطوف على ~~بيض نعامة، وتندى في موضع الصفة للمذانب، أي ندية، وكذلك " وروضا " و " ~~معينا ". المعين: الثور الكبير العين، والصوار: القطيع، واشتقاقه من صرته ~~أي قطعته. والحدوج: المراكب، ونسب الخوف إليها مجازا، لأن المراد بها ~~النساء، وقوله متخمط شبه الثور بفحل له سورة وجبلة، لاهتياجه وغضبه، ومنه ~~قيل للبحر إذا التطمت أمواجه: هو خمط التيار. والقطم: الهائج. وبربر: صوت. ~~وقذف النوى: رميه. وقوله قبل الفساد يريد قبل حرب الفساد، وإنما سميت بهذا ~~الاسم لأن بعضهم كان يشرب في قحف رأس صاحبه إذا قتله، وبخصف نعله بأذنه، ~~إظهارا للتشفي. وانتصب إقامة على أنه مصدر لعلة، ويجوز أن يكون في موضع ~~الحال، فتقدير الأول: لا تخاف قذف النوى لإقامتنا وتديرنا، وتقدير الثاني: ~~لا تخافه مقيمين ومتديرين. ويقال ما بالدار ديار، وداري، ms0337 ومنه قوله: # لبث قليلا يلحق الداريون # PageV01P423 # والأصل في تدير الواو ولكنه بنوه على ديار، لإلفهم له بكثرة تردده في ~~كلامهم. ### || وقال إياس بن مالك # سمونا إلى جيش الحرورى بعدما ... تناذره أعرابهم والمهاجر # يقول: سمت أبصارنا ونفوسنا، وارتفعت هماتنا إلى محاربة الحرورية - وهم ~~فرقة من الخوارج - بعد اشتداد شوكتهم وتكاثف عدتهم، وحين تحامى جيشهم بادى ~~الناس وحاضرهم، حذر ناحيتهم وقصدهم عربيهم ومهاجرهم. وأراد بالمهاجر من ترك ~~البدو وانتقل إلى الأمصار. # بجمع تظل الأكم ساجدة لهم ... وأعلام سلمى والهضاب النوادر # الباء من قوله بجمع تعلق بسمونا، يريد قصدناهم بجيش كثيف يلحق الحزن ~~بالسهل، ويسوى الهضاب بالأرض إذا سار عليها لكثرته. وهذا كما قال الآخر: # ترى الأكم منه سجدا للحوافر # وأصل السجود الخضوع، كأنها تصير لها ترابا. والأكم: جمع، يقال أكمة وأكم، ~~وإكام وأكم. وسلمى: أحد جبلي طيئ. والهضاب: جمع هضبة، وهي ما انبسط على ~~الأرض من الجبال. والنوادر: المرتفعة، وكل شيء زال عن مكانه فقد ندر؛ ومه ~~نوادر الكلام. وجعل لسلمى أعلاما لامتداده واتصال جبال به. # فلما ادر كناهم وقد قلصت بهم ... إلى الحي خوص كالحني ضوامر # أدرك: افتعل من الإدراك، وهو في معنى أدرك. وقلصت: ارتفعت. وقد كنى عن ~~طول القوائم بالتقليص فقيل في وصف الفرس مقلص، والمراد ذلك. يقال للمشمر: ~~هو مقلص أسفل السربال، كما قيل هو مشقوق ذيل القميص. والحني: القسي، سميت ~~بذلك لانحنائها؛ فهو فعيل بمعنى مفعول، فيقول: حين لحقناهم كانت خفت بهم ~~وشمرت إلى الحي خيل غائرة العيون، لاحقة البطون، كأنها في # PageV01P424 # ارتفاع جنوبها قسي مأطورة. ولما يقتضي جوابا، وهو فيما يجيء من بعد. ~~والواو من قوله وقد قلصت بهم واو الحال. # أنخنا إليهم مثلهن وزادنا ... جياد السيوف والرماح الخواطر # يجوز أن يكون معنى إليهم عندهم، فقد حكى: لا تذكر فلانا إلى بسوء، أي ~~عندي. ويجوز أن يكون معناه الانتهاء، ويكون المراد: أنخنا إلى فنائهم ~~وبإزائهم. وأنخنا هو جواب لما. يقول: لما أدركناهم ثم سامينا جيشهم بمثله ~~عددا وعدة، وجازيناهم بأشباههم فرسانا ورجالة، وزادنا سيوف منتخلة ورماح ms0338 ~~لدنة مثقفة. وإنما قال أنخنا لما استمرت به عادتهم من ركوب الإبل وقود ~~الخيل إلى المغار، إبقاء عليها، وإعدادا لوقت الحاجة إليها. والخواطر من ~~الخطر، وأصله التحرك. # كلا ثقلينا طامع بغنيمة ... وقد قدر الرحمن ما هو قادر # كلا ثقلينا أي كل واحد من جماعتينا. والثقل: الجماعة. والثقلان: الجن ~~والإنس. وقال الخليل: ثقل الرجل: حشمه ومتاعه. وقوله بغنيمة، أي بسبب ~~غنيمة. والمعنى: كل واحد من الغارين طمع في اغتنام صاحبه، أي يعده غنيمة، ~~لثقته ببأسه ونجدته. والله عز وجل قد قدر من الإظفار وإعطاء الفلج والغلبة ~~ما قدره، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره. ويقال قدرت من التقدير، قدرا ~~وقدرا. و " هو قادر " إن شئت جعلت ما موصولا بمعنى الذي، وإن شئت جعلته ~~موصوفا بمعنى شيئا. وعلى الوجهين وجب أن يقول ما هو قادره، فحذف الضمير ~~تخفيفا. # فلم أر يوما كان أكثر سالبا ... ومستلبا سرباله لا يناكر # قوله كان أكثر سالبا من صفة اليوم، والمفضل محذوف الذكر، كأنه قال من ذلك ~~اليوم. وانتصب سرباله على أنه مفعول ثان من مستلبا. و " لا يناكر " في موضع ~~الصفة له، كأنه قال وأكثر مستلبا ذا صفته. ومعنى لا يناكر: لا يقدر على ~~الامتناع. يقال ناكرني، أي دافعني ومانعني. يقول: ما رأيت يوما حصل فيه من ~~السالبين والمسلوبين مثل ما اجتمع في ذلك اليوم ولا وقعة أظهر حالا وأكشف ~~أمرا في قوة غالبها وضعف مغلوبها، واستسلام المقهور المسلوب واستعلاء ~~القاهر السالب، من تلك الوقعة. # PageV01P425 # وأكثر منا يافعا يبتغي العلى ... يضارب قرنا دارعا وهو حاسر # في هذا أيضا حذف وإيجاز كما كان في البيت الأول، كأنه قال: ولم أر قوما ~~كان أكثر شابا يطلب الصيت والذكر، ويعف عن الغنيمة في الروع، فيضارب نظيرا ~~له في البأس مستلئما، وهو ينازله حاسرا متجردا - من قومنا. وقوله وهو حاسر ~~حال للمضمر في يضارب، ويضارب ويبتغى جميعا صفتان لقوله يافعا، وعلى هذا قد ~~حذف حرف العطف من قوله يضارب، لأن الجمل حقها إذا وصف بها النكرات أن ينسق ~~بعضها على ms0339 بعض بحرف العطف. ويجوز أن يكون يضارب في موضع الحال مما في ~~يبتغي. واليافع: الشاب المتناهي الشباب، والفعل منه أيفع الغلام وتيفع. ~~وباب يفع مقصور على الارتفاع والإشراف في الجبل والأرض وغيرهما. ويقال غلام ~~يفاع ويفعه ويافع، ولا يقال موفع. وجعل القرن دارعا وصاحبه حاسرا، تفضيلا ~~له عليه. وقد يوصف الممدوح بلبس الدرع ويراد به حزامته وتحرزه، كما يوصف ~~بضده ويراد وجرأته. # فما كلت الأيدي ولا انأطر لقنا ... ولا عثرت منا الجدود العواثر # نبه بهذا الكلام على تساعد أحوالهم فيما ترددوا فيه، وتناصر أسبابهم ~~عندما لابسوه ونهضوا له. وإمكان الفرص فيما يقرب التمكن من العدو، وارتفاع ~~العلل من موجبات القهر والعلو. فيقول: قويت أيدي المقاتلين منا فلم يمسها ~~لغوب، ووفت الأسلحة بمواعيدها من البقاء فلم يخن رمح منها بانكسار وفتور، ~~ولا سيف بنبو وكلول، ولا خذلتنا جدودنا فمالت إلى تعثر أو سقوط. وإذا ~~توازرت هذه الأسباب وتعاونت، فحصل الجد والجد، وانزاحت العلل في الدواعي ~~والآلات، كان الكمال في نيل المراد. وقوله انأطر في معنى انعطف وتثنى. يقال ~~أطرته فانأطر، ومنه إطار الباب والمنخل. وقوله ولا عثرت منا الجدود ~~العواثر، مثل قول الآخر: # ولا ترى الضب بها ينجحر # لأنه لم يثبت لأنفسهم جدودا من شأنها أن تزل وتعثر ثم نفى ذلك عنها في ~~ذلك اليوم، بل أراد أنهم لا جدود لهم بهذه الصفة، كما أن الشاعر الآخر أراد ~~لا ضب فينجحر. ومعنى الكلام: كان الغلب لنا وتعثرت جدود غيرنا. # PageV01P426 ### || وقال الأخرم السنبسي # ألا إن قرطا على آلة ... ألا إنني كيده ما أكيد # يقال: فلان لي على حالة وعلى آلة، إذا تنكر وتغير عما كان يعهد عليه من ~~قبل. وهذا يجري مجرى الكنايات. ويقال أيضا: حصل فلان لنا على لون، يراد على ~~لون مذموم. فيقول: إن هذا الرجل تحول عما كان يجري عليه معي، إلى أمر أنكره ~~ولا أعرفه، ألا إنني أكيد كيده، أي أقابل كيده لي بكيد مثله. وما زائدة، ~~وتلخيصه: أكيده كيدا يماثل كيده لي. وهذا كما يقال ضربه ضرب ms0340 غريبة الإبل. ~~والمعنى: أقتدي به فيما تنطوي لي عليه ويعاملني به، لا أبتدئه بمساءة، ولا ~~أعاجله بمكر وخيانة، بل أقلده البغي، وأنتظر من جهته الحؤول والنكث، ثم ~~أجازيه كيل الصاع بالصاع. # بعيد الولاء بعيد المحل من ينأ عنك فذاك السعيد # يذم قرطا فيقول: هو بعيد النصرة والموالاة، أي بطيئها، بعيد الدار ~~والمسكن؛ يعني تنائيها. ثم قال: من بعد عنك فقد سعد جده. نقل الكلام عن ~~الإخبار إلى الخطاب على عادتهم في افتنانهم، وكأنه التفت إليه يريه الزهادة ~~في مجاورته، والاستغناء عن معونته، واكتفاءهم بأنفسهم دونه، فقال ذلك بعد ~~ما أخذ في وصفه. # وعز المحل لنا بائن ... بناه الإله ومجد تليد # الهاء من قوله بناه الإله يجوز أن يكون للعز، ويجوز أن يكون للمحل. فإذا ~~جعلته للعز فالأجود أن ينعطف مجد على الإله، كأن العز حصل للمحل بالله ~~تعالى وبمجد الآباء. وإذا جعلته للمحل يجوز أن يرتفع ومجد بالابتداء، ويكون ~~الكلام منعطفا والخبر محذوفا، كأنه قال: ولنا مجد تليد. وبناه الإله في ~~موضع الحال للمحل، والأجود أن يضمر معه قد. وإنما يفتخر بأن بلادهم حصينة، ~~وديارهم عزيزة. وذلك أن بلاد طيئ يكتنفها جبلاهم أجأ وسلمى، فلا تستطرفهم ~~الغارات، ولا تهجم عليهم سوابق الفلتات والنزوات. فيقول: عزنا في دارنا ~~ظاهر للناس غير خاف، آثرنا الله تعالى به، ولنا مجد متوارث. وأصل المجد ~~الكثرة. والتالد والتليد: القديم. # PageV01P427 # ومأثرة المجد كانت لنا ... وأورثناها أبونا لبيد # مأثرة: مفعلة من أثرت الحديث، إذا رفعته ونسبته. يريد: أن بالعز اجتمع ~~لهم مكتسبا وموروثا، وتالدا وطريفا، ومخولا من عند الله تعالى تخويلا، فلهم ~~بذلك صيت في الناس يؤثر، وذكر على مر الأيام يخلد، وثناء يتصل ولا ينقطع، ~~وسناء يستمر ولا يقف، كما كان لأبيهم لبيد. # لنا باحة ضبس نابها ... يهون على حامييها الوعيد # الباحة: الساحة. والضبس: الشديد. ويقال هو ضبس شرس، في الحريص الشديد. ~~والناب: سيد القوم. وأراد بالحاميين جبلي طيئ، والضمير منها يعود إلى ~~الساحة. ويجوز أن يريد بالناب واحد الأنياب، وجعله مثلا للشدة. وذكر الباحة ~~والمراد ms0341 أهلها، كما قال الآخر: # وإن مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم # يقول: لنا ساحة دار رئيسها والمدافع عنها شكس الخلق، شديد الإباء على ~~الأعداء، يهون وعيد المتوعدين على النازلين في جوانب جبليها، المانعين ~~منها. وقوله على حامييها حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # بها قضب هندوانية ... وعيص تزاءر فيه الأسود # ثمانون ألفا ولم أحصهم ... وقد بلغت رجمها أو تزيد # نبه بهذا الكلام على أن ديارهم تحوى العدد والعدة، فرجالهم أسود في ~~مأسدتها تزئر فيها، وسلاحهم الهندوانية يستعملونها. والعيص: الأصل الكريم، ~~ومنابت كرائم الأشجار الملتفة، ومنه قولهم أعياص قريش لكرامهم وقوله ثمانون ~~ألفا هو تبيين كمية ما أشار إليه، وتفصيل ثروتهم بعد الإجمال، فقال: هو ~~ثمانون ألفا، ولست أقول هذا عن إحصاء وعد، أو ضبط بعد حصر، لكنه رجم مني ~~وحدس، فهم يبلغونه أو يزيدون عليه. وتحقيق قوله لم أحصها، لم أضبط كثرتها. ~~والحصاة # PageV01P428 # تستعمل في الكثرة والعقل. وقوله وقد بلغت رجمها، أي رجمي لها، أضيف ~~المصدر إلى المفعول. ### || وقال عبد الرحمن المعني # قد قارعت معن قراعا صلبا # قراع قوم يحسنون الضربا # ترى مع الروع الغلام الشطبا # إذا أحس وجعا أو كربا # دنا فما يزداد إلا قربا # تمرس الجرباء لاقت جربا # أصل القرع الضرب على الشيء الصلب. ومعن: قبيلة. يريد أنها ضاربت أعداءها ~~ضربا شديدا، ودافعتهم دفاعا مرضيا، ضراب قوم لهم نيقة حسنة في القتال، ~~وأخذة عجيبة في اللقاء، يهتدون للغلاب والاعتلاء أحسن اهتداء، ويتأتون ~~للقراع من أقرب غاية وإلى أبعد انتهاء؛ ترى عند اهتياج الفزع الغلام التام ~~القامة منهم، القليل اللحم، المطاول عند مبارزة الخصم متى أدرك وجعا، أو ~~أحس شدة وضيقا، يقدم ولا يحجم، بل يزداد على حد الجذاب مصادمة، وعلى طول ~~المراس مكافحة ومكافة، فيحتك بالأبطال في المواقف احتكاك الإبل الجربى في ~~المعاطن. # قوله ترى مع الورع أي عند حصول الروع لا يتأخر عنه، فهو معه يقوم بقيامه، ~~ويهتاج باهتياجه. # وقوله إذا أحس ظرف لقوله دنا. وانتصب تحكك على أنه مصدر من فعل دل ms0342 عليه ~~قوله فما يزداد إلا قربا. # وقوله لاقت جربى يجوز أن يكون جمع أجرب وجرب كأحمق وحمق وحمقى. ويجوز أن ~~يكون مقصورا من جرباء، والشاعر أن يقصر الممدود. أي تحكك الجرباء لاقت ~~جرباء مثلها. ويجوز أن يروى جربا بضم الجيم، فيكون كأسود وسود، وأقلف وقلف. # PageV01P429 ### || وقال عبيد بن ماوية # ألا حي ليلى وأطلالها ... ورملة ريا وأجبالها # يخاطب نفسه مظهرا للتجلد، ومتبجحا بأن الشدائد لا تنسيه الأحبة ولا ~~تعتاقه عن التسليم عليها، والوقوف على منازلها ومساءلتها، وأنه متى مني بها ~~أهمه أمرها أشد مما كان قبل، ولم يله عنها؛ فيقول: سلم على هذه المرأة وعلى ~~ديارها، وعلى رمال ريا والجبال المحيطة بها، وإن طرفك من الحوادث ما يشغل ~~عن مثله. # وأنعم بما أرسلت بالها ... ونال التحية من نالها # قوله بما أرسلت أي بدلا مما أرسلت. وما مع الفعل من تقدير مصدر، يعني ~~بإرسالها. وتقول العرب: هذا بذاك، أي عوض منه، وهذا لك من ذاك في معناه. ~~وعلى هذا قول الشاعر. # ليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على الطهيان # أي عوضا من ماء زمزم. والبال والخلد يستعملان على طريقة واحدة، يقولون: ~~وقع في خلدي كذا، وسقط على بالي وخطر ببالي. والمعنى: قل أنعم الله بالها، ~~جوابا لتحيتها، وجزاء على مراسلتها. وقوله ونال التحية من نالها يحتمل ~~وجهين. يجوز أن يكون المعنى: وأصاب الملك من أصاب هذه المرأة. وهذا الكلام ~~تفخيم لشأن المرأة وتعظيم لخطبها. ويقال نلت كذا أنال نيلا. والتحية: ~~الملك، ومنه التحيات لله. وقيل في قول الشاعر: # ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية # إنه أراد به تحية الملك، وهو قولهم في مخاطبته: أبيت اللعن، والمعنى معنى ~~واحد. ويجوز أن يكون نال بمعنى أنال. قال أبو زيد: يقال نلته أنوله نولا ~~ونوالا، أي أعطيته. وعلى هذا يكون الكلام دعاء. والمعنى: أنال الله التحية ~~من أنال هذه # PageV01P430 # المرأة تحيتي. كأنه يدعو نفسها إلى إهداء التحية إليها على بعدها. وفي ~~الوجه الأول يجوز أن تكون المرأة قريبة. # فإني لذو مرة ms0343 مرة ... إذا ركبت حالة حالها # المرة: القوة والقتل، ومنه قولهم: استمرت مريرته، واستمر عذاره، في ~~الإباء والتمنع. ولم يرض بأن جعل لنفسه مرة حتى وصفها بأنها مرة، يعني في ~~فيم ذائقها، وعند تجربة مزاولها. وهذا التجنيس حسن المورد. والضمير من قوله ~~حالها يعود إلى الحالة، كأنه أضافه إليها لما كانت تليها، وجعلها مركوبها. ~~فيقول: افعل ذلك واصرف همك إليها، وإلى الدعاء لها، وطلب السقيا لديارها، ~~ولا تبال بما يعن ويعرض من مزاحمة عدو، أو مراغمة حسود، فإني لذو قوة لا ~~تستحليها الفرق المنابذة، إذا تراكمت الأمور، وتراكبت الأحوال والوجوه، ~~فخفيت مواردها ومصدرها، والتبست فصولها ووصولها. # أقدم بالزجر قبل الوعيد ... لتنهى القبائل جهالها # يجوز أن يكون أقدم بمعنى أتقدم، ويكون الباء من بالزجر في موضعه. ومثله ~~نبه بمعنى تنبه، ووجه بمعنى توجه، ونكب بمعنى تنكب. ويجوز أن يكون قدم ضد ~~أخر، ووجب أن يقول: أقدم للزجر، فجعل الباء زائدة للتأكيد، كما جاء في ~~قوله: " تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " لذلك. ومثله قول الشاعر: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ومعنى البيت: أزجر المتعرض لي قبل أن أتوعده، وأعظه بالنهي والتحذير قبل ~~تخشين الجانب له، لكي ينهى حكماء القبائل سفهاءها، وليكون مني تدرج في ~~مؤاخذتهم؛ فابتدئ بالزجر، ثم أرتقي إلى الوعيد، ثم إلى الإيقاع. # وقافية مثل حد السنان ... تبقى ويذهب من قالها # تجودت في مجلس واحد ... قراها وتسعين أمثالها # PageV01P431 # القافية: آخر البيت المشتمل على ما يجب على الشاعر مراعاته وإعادته في كل ~~بيت، سمى بذلك لأنه يقفو ما قبله. وهم يسمون البيت بأسره قافية، لاشتماله ~~على القافية، والقصيدة بأبياتها قافية، لاشتمالها على الأبيات المقفاة. ~~وهذا توسع منهم، كما يسمون القصيدة كلمة؛ والحقيقة ما قدمته. والأولى بهذا ~~الشاعر عندي أن يريد بالقافية البيت، لأن نظم تسعين بيتا غير مستنكر في ~~العرف والعادة من المقتدرين، المجيدين المفلقين، ذوي البدائة العجيبة، ~~والخواطر السريعة، ولو أراد القصيدة لبعد عن المعتاد. فيقول: رب قافية تنفذ ~~نفاذ السنان، وترويه لجودتها الواة فلا تخلق على مر الأيام، ولا تبليه ~~السنون والأعوام، ms0344 بل تبقى مع الليل والنهار بقاء الظلم والأنوار، وإن درج ~~قارضها، ومضى منشئها، أنا تجودتها في مجلس واحد مع تسعين من نظائرها. يريد ~~أنه لسان قومه، ومدره عشيرته. ومعنى تجودت: اخترت عند الجمع جيدها. وهذا ~~كما يقال: تنقيت الشيء وتخيرته. وقوله وتسعين أراد مع تسعين، فيكون انتصابه ~~على أنه مفعول معه كقوله تعالى: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم "، لأن المراد مع ~~شركائكم. ويجوز أن تكون الواو عاطفة منه، كأنه قال: قراها وقرى تسعين ~~تماثلها. وقرى يجوز أو يكون من قريت الماء في الحوض، ويجوز أن يكون من قروت ~~الأرض إذا تتبعته. ويجوز أن يكون القرى ما يطعم الضيف، فاستعاره كما قال: ~~قرى الهم إذا ضاف الزماع كأن القوافي لما تواردت أحسن القيام بها، وجود ~~القرى لها. ### || وقال ابن رالان السنبسي # لما رأت معشرا قلت حمولتهم ... قالت سعاد أهذا مالكم بجلا # الحمولة: الإبل التي يحمل عليها. والحمولة بالضم: الأحمال، يقول: حين رأت ~~هذه المرأة فقرنا وقلة إبلنا قالت منكرة ومتعجبة: أهذا مالكم فحسب. و " ~~بجلا " في موضع الحال، والمعنى أهذا مالكم مكتفى به. والأصل في بجل البناء ~~على السكون، ودعت الضرورة إلى تحريكه فحركه بالفتح، وكان الواجب إذا حرك ~~الكسر # PageV01P432 # فيه. ومثله قول الآخر: # ونعم إن قلتم نعما # لأن نعم أيضا مبني على السكون فحرك آخره للضرورة بالفتح كما ترى. وقد ~~يضاف بجل لكونه اسما كما يضاف قد إذا كان بمعنى حسب. قال: # بجلى الآن من العش بجل # وفي قد جاء: # قدني من نصر الخبيبين قدى # والمال عندهم الإبل، ولهذا يطلقون فيقولون: المال في الرعي، لاشتهار لفظة ~~المال عندهم بها. # إما ترى مالنا أضحى به خلل ... فقد يكون قديما يرتق الخللا # الخلل الأول النقص، والخلل الثاني الفرجة بين الشيئين حتى يصح الرتق معه. ~~وفي الكلام اختصار، لأن المعنى أجبناها بأن قلنا: إن كنت ترين اختلال حالنا ~~وانتقاص مالنا، وظهور الفاقة والفقر على صفحات ظواهرنا، فقديما كان يسد ~~الخل بمالنا، وترتق الفتوق بها، وترد عادية الشر بتفريقها. وقوله فقد يكون ~~جعل اللفظ مستقبلا وإن ms0345 أراد المضي، لاستمرار الحال على طريقة واحدة؛ وقد ~~مضى مثله. ويجوز أن يكون حكى الحال، كقوله تعالى: " وكلبهم باسط ذراعيه ~~بالوصيد ". # قد يعلم القوم أنا يوم نجدتهم ... لا نتقي بالكمى الحارد الأسلا # قوله قد يعلم القوم الكلام في استعمال لفظ المستقبل هو على ما قدمناه في ~~قوله فقد يكون قديما من البيت الذي قبله. فيقول: قد اشتهر من شأننا يوم ~~البأس والشدة، ووقت احتماء الوطيس والتهاب النائرة، أنا لا نحجم فنتقي رماح ~~الأعداء # PageV01P433 # بالشجعان، ولكن غيرنا يتقي بنا فنتقدم إذا تأخر، ونستبسل إذا تحرز. ~~والحارد: المجتمع الخلق الشديد المهيب، الذي يحسب من عزه غضبان. # ولكن ترى رجلا في إثره رجل ... قد غادرا رجلا بالقاع منجدلا # هذا تصوير لما أثبت من أفعالهم في الإقدام، لما نفي عن أنفسهم الإحجام، ~~فيقول مخاطبا واحدا من الناس: لكنا نتهافت ونتتابع حرصا على القتال، حتى ~~ترانا من بين طارد وقاتل، وكار وفار، وطالب ومطلوب، وقد تركا صريعا ساقطا ~~على الأرض، كأن أحجهما صرع قتيلا والآخر يتبعه لينال منه. ويجوز أن يكون ~~معنى قد غادرا قد غادر كل واحد منهم رجلا مصروعا، كما يقال: كسانا الأمير ~~حلة، والمعنى كسا كل واحد منا. وكقول الله تعالى: " فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~". وفي هذه الطريقة قول الآخر: # وهل غمرات الموت إلا نزالك الكمى ... على لحم الكمى المقطر # والقاع: المستوى من الأرض. والمنجدل: المصروع. والجدالة: الأرض، كأن معنى ~~جدلته: أصبت الجدالة به. ### || وقال قبيصة بن النصراني الجرمي # لم أر خيلا مثلها يوم أدركت ... بني شمجى خلف اللهيم على ظهر # أراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، كما روى: " يا خيل الله اركبي ". وقوله ~~على ظهر في موضع الصفة لقوله خيلا، كأنه قال لم أر فرسانا تماثلها على ظهر ~~يوم أدركت هذه القبيلة خلف هذا الجبل. وقوله على ظهر يحتمل وجهين: أحدهما ~~أن يكون المعنى لم أر خيلا على ظهر الأرض، كما جاء في التنزيل: " ما ترك ~~على ظهرها من دابة ". والثاني أن يكون المعنى: لم أر خيلا على ظهور الدواب، ~~لكنه قصد الجنس ms0346 فوحد كما يقال هو يرتبط كذا رأسا من الدواب، وكذا ظهرا ~~منها. وذكر بعضهم أن ظهرا اسم ماء، كأنه قال خلف هذا الجبل على هذا الماء. ~~وهذا إذا ثبت سيلم للسماع. وذكر بعض أصحاب المعاني أن قوله على ظهر يجوز أن ~~يكون في موضع الحال للمضمر في أدركت، أي يوم أدركتهم قاهرة لهم، # PageV01P434 # وعلى قهر وغلبة فيهم؛ من قولك ظهرت على فلان ظهورا وظهرا. وفي القرآن: " ~~ليظهره على الدين كله ". # أبر بأيمان وأجرأ مقدما ... وأنقض منا للذي كان من وتر # ولما أراد بالخيل أصحابه وفرسان جيشه ساغ أن يقول وأنقض منا. ويشبه هذا ~~ما يحي. من صلة الذي في مثل قوله: # أنا الذي سمتن أمي حيدرة # فقال سمتن والوجه سمته. وباب الصلات والصفات تتداخل وتتشابه. فيقول: لم ~~أر أوفى بالنذور والأقسام إذا عقدناها والتزمناها، وأجرأ إقداما وثباتا في ~~وجوه الأعداء إذا ناصبناها وكاشفناها، وأسعى في نقض الأوتار وإدراك الذحول ~~بعد إبرامها وتعقدها منا. ونقض الوتر هو حل عقده باشتفاء النفس من الواتر ~~الذي يبرمه. وكان الشريف الأنف منهم إذا أصيب ووتر ينذر أنه لا يشرب خمرا ~~ولا يقرب امرأة، ولا يغسل رأسا، وما يجري هذا المجرى مما يكرث النفس إذا ~~أخلت به، حتى ينال الوتر. لهذا قال امرؤ القيس بعد تأثيره في بني أسد ونيله ~~منى النفس فيهم: # حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل # فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # فأما قول الأعشى: # فأظعنت وترك في دارهم ... ووترك من قبلهم لم يقم # فهو في طريقة قوله نقضت الوتر منه. # عشية قطعنا قرائن بيننا ... بأسيافنا والشاهدون بنو بدر # أضاف القرائن إلى بيننا لأنه جعله اسما ونقله من باب الظروف. وعلى هذا ~~قراءة من قرأ: " لقد تقطع بينكم " بالرفع، والمعنى وصلكم. ولك أن تروى ~~قرائن بيننا فلا تضيف وتترك بيننا في بابه ظرفا، كما قد قرئ: " لقد تقطع ~~بينكم " بالنصب. ويعني بالقرائن الأرحام والأواصر. # PageV01P435 # وانتصب عشية على أنه بدل من قوله يوم أدركت بني شمجى ms0347 فيقول: لم أر خيلا ~~تماثلها عشية أرسلنا دوابنا على أعدائنا، وأوقعنا أنفسنا عليهم، فقطعنا ~~باستعمال السيوف الوصل الجامعة لنا، والأسباب الناظمة لشتاتنا، وبنو بدر ~~حاضرون لنا، ومتوسطون لما نثيره بيننا، والمشاهدون لبلائنا، والمصدقون لما ~~ندعيه من فعلنا. # فأصبحت قد حلت يميني وأدركت ... بنو ثعل تبلى وراجعني شعري # يقول: أتى على الصباح ثاني ذلك اليوم، وقد حل نذري، وأدرك قومي ذحلي، ~~وانطلق بالفخر لساني، فصرت خفيف الظهر بعد أن كنت مثقلا بعبء الوتر، وكان ~~الشعر هاجرني وفارقني مدة السعي في نيل المطلوب من إمكان فرصة أنتهرها، ثم ~~راجعني. وهذا ضد قول الآخر: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت ### || وقال أدهم بن أبي الزعراء # قد صبح معن بجمع ذي لجب # قيسا وعبدانهم بالمنتهب # وأسدا بغارة ذات حدب # رجراجة لم تك مما يؤتشب # إلا صميما عربا إلى عرب # تبكي عواليهم إذا لم تختضب # من ثغر اللبات يوما والحجب # يروى: الألباب. # قوله قد صبحت معن بجمع، الجمع: المجتمعون: والجماع: المتفرقون. ومعنى ~~صبحت، أي أتت قيسا صباحا بكتيبة لها جلبة وصوت، لكثرتها. والعبدان بكسر ~~أوله ويضم، وهو جمع عبد، يقال عبد وأعبد وعبيد وعباد وعبدي ومعبوداء، # PageV01P436 # وعبد، فعبدان جمع عبيد. والمنتهب، قيل هو اسم مكان، ويجوز أن يكون المراد ~~به الإنتهاب أو موضع الإنتهاب. ومعنى البيت أغارت هذه القبيلة وقصدت بجيش ~~عظيم، بني قيس وعبيدهم بهذا الموضع. ويعنى بالعبيد الرعاة والعسفاء الذين ~~يكونون مع الإبل. كأنهم في أحويتهم، وفي موضع كانت أموالهم حاضرة، غير ~~عازبة ولا غائبة. # وقوله وأسدا بغارة، يقول: وصبحت أسدا بخيل ذات اعتلاء وموجان، تتدافع في ~~سيرها ولا تستقيم، لكثرتها، ولم يكونوا أشابات وفرقا جمعت من شيء إلى شيء. ~~وقوله ذات حدب يجوز أن يكون مصدر الأحدب، ويكون وصف الغارة بالحدب كما قيل ~~آلة حدباء، وعزة قعساء، كأنه ينبو ظهرها عمن يريد ركوبها واقتسارها. ويجوز ~~أن يراد به الارتفاع والكثرة. وقال الخليل: الحدب حدور في صبب، يعني ~~العقبة. قال: ومعه حدب الريح وحدب الرمل. وفي القرآن: " وهم من كل ms0348 حدب ~~ينسلون ". فأما قوله بغارة فالعرب تسمى الخيل غارة لأنها من قبلها تكون، ~~وهذا من باب تسمية الشيء بما يكون من سببه. والغار بلا هاء يستعمل في الجمع ~~الكثير، وفي الحديث: " ما ظنك برجل جمع بين هذين الغارين ". # وقوله: رجراجة يقال كتببة رجراجة، أي تضطرب وتموج من كثرتها. وامرأة ~~رجراجة، أي تترجرج من بدنها ونعمتها. وقوله مما يؤتشب يقال أشبته وائتشبته، ~~أي جمعته من وجوه مختلفة لا خير فيها. وأصل الأشب الالتفاف. ويقال غيضة ~~أشبة. وتوسعوا فيه فقالوا: عند فلان أشابة من المال، أي مما كسبه من الحرام ~~وما لا خير فيه. # وقوله إلا صميما، يقال هو من صميم قومه، إذا كان من خالصتهم ومحض أصلهم؛ ~~ومنه قولهم: صميم الأس والساق، للعظم الذي به قوام العضو، وتوسعوا فقالوا: ~~جاء في صميم الصيف أو الشتاء. وانتصب صميما على أنه استثناء خارج. وجعل ~~قوله عربا إلى عرب بدلا منه. ومعنى إلى عرب: مع عرب، كما يقولون: هذا إلى ~~ذاك. # PageV01P437 # وقوله تبكي عواليهم إذا لم تختضب فعالية الرمح وغيره أعلاه، وقيل العالية ~~القناة المستقيمة. وقوله إذا لم تختضب يقال خضب الرجل شعره، واختضب. ولا ~~يذكر الشعر معه، وقد يكون اختضب في مطاوعة خضب. ومعنى البيت: لكنهم كانوا ~~خلصا عربا مع عرب، عودوا رماحهم أن تسقى دماء الصدور والقلوب، فإذا انقطع ~~شربها عنها تبكي تحسرا عليه، ووجدا به. وهذا مثل. # ويعنى بثغر اللبات: هزمات التراقي وحجب الأفئدة. ويقال لبب ولبة، ولذلك ~~روى: من ثغر الألباب واللبات. والمعنى أنهم بصراء بالطعن فلا يصيبون إلا ~~المقتل. ### || وقال برج بن مسهر الطائي # إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خلال كلها لي غائض # جعل شكواه إلى الله عز وجل، ليأسه من معونة المخلوقين فيما يتألم منه ~~ويتضجر به. يقول: أشكو ثلاث خلال من صديق لي أميل إليه، وأخلص الواد له، ~~وكل واحدة من تلك الخلال يهزلني وينقص من لحمي، ويكسر من نشاطي. ويقال غاض ~~الماء وغضته أنا، وفي القرآن: " وغيض الماء " فهي من باب فعلت الشيء ففعل. ms0349 ~~قال الشاعر: # فلا راكد يجري ولا هو غائض # فمنهن ألا تجمع الدهر تلعة ... بيوتا لنا يا تلع سيلك غامض # يجوز أن يروى تجمع بالنصب والرفع، فإذا نصبت فلأن أن قبله هي الناصية ~~للفعل، وإذا رفع فأن تكون مخففة من الثقيلة، أراد أنه لا تجمع، والهاء ضمير ~~الأمر والشأن. ومثله في القرآن: " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا "، قرئ ~~يرجع بالرفع والنصب، حملا على الوجهين المذكورين. والتلعة: أرض مرتفعة ~~يتردد فيها السيل إلى بطن الوادي. ويقال: فلان لا يوثق بسيل تلعته، إذا كان ~~غير صدوق في أخباره. وباب التعل كله يدور على الإشراف والارتفاع. وقوله " ~~يا تلع سيلك غامض " يسمى نقاد الكلام مثله التفاتا، فهو مثل قول جرير فيما ~~حكى عن الأصمعي: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # PageV01P438 # وصلح ترخيم تلعة وإن كان نكرة، لأنه قصد بها في النداء إلى واحدة بعينها. ~~ومعنى البيت: من تلك الخلال التي أتألم منها أني وإياه لا نجمع طول الدهر ~~في مكان، ولا يحوى بيوتنا تلعة من التلاع. ثم التفت مظهرا التضجر، ومبديا، ~~التوجع إلى التلعة. ثم التفت مظهرا التضجر، ومبديا، التوجع إلى التلعة، ~~فقال: لا جرى فيك سيل، ولا ظهر بك خصب، ولا سقي لك عهد. وهذا كأنه للموضع ~~الذي لا يتفق له مع صديقه المذكور فيه التقاء على قربه وجواز كون ذلك فيه ~~ذنبا، فأقبل يدعو عليه تضخرا به. ومن عادة الناس النظر في الديار وما يسنح ~~فيها من اجتماع الأحبة أو افتراقهم، وانتظام شملهم فيها أو انبتاته. وقد ~~ورد الخبر بمثل ذلك أيضا. # ومنهن ألا أستطيع كلامه ... ولا وده حتى يزول عوارض # يجوز أن يروى أستطيع بالرفع والنصب على ما تقدم في البيت قبله. وقوله " ~~ولا وده " إن قيل كيف قال لا أستطيع وده، وقد قال في البيت الأول من خليل ~~أوده، فأثبت الود؟ قلت: إنما يعني لا أستطيع مقتضى وده وموجبه، فحذف ~~المضاف. وقوله حتى يزول عوارض، معناه حتى كان ما لا يكون. والمراد بالبيت: ~~ومن تلك الخلال ms0350 ما عرض بيني وبينه من إعراض متصل وهجر دائم، فلا أقدر على ~~مفاوضته فيما يعن من خير وشر، ولا أطيق مباثته ما ينتقل فيه من محبوب أو ~~مكروه، ولا أستطيع موادته ومخالصته بحسب الأحوال المتشابكة بيننا، ما ثبت ~~عوارض وهو جبل ودام للدهر متصل. # ومنهن ألا يجمع الغزو بيننا ... وفي الغزو ما يلقى العدو المباغض # وجه جواز الرفع في يجمع والنصب على ما تقدم. وقد رتب الشاعر في هذه ~~الأبيات مسببات المودة ونتائجها، وما يوجبه غراس المقة وآثارها، أحسن ~~ترتيب، فابتدأ عند ذكر انتفائها وامتناعها بتعذر الاجتماع بالأبدان في ~~المجالس والمحال، لأنه الأول والأصل في انعقاد الوداد، ثم أتبعه بما يصحب ~~الاجتماع للتألف، حتى لا ينفك منه من التوانس والتساؤل، والمخالقة ~~والإلطاف، لأنه تلو الأول وثانيه. ثم أردف المقدمتين بنتيجتهما من التعاون ~~والتساعد، والاهتمام والشفقة عند ما يحدث ويتجدد من صغير وكبير، ومردود ~~ومقبول، فيقول: ومن تلك الأحوال أن التشارك في جوالب الدهر بيننا رفض، ~~والتألب على الأعداء من مقاصدنا سقط، فلا يؤلف بيننا مراعاة عز، ولا عمارة ~~ود، ولا ينظم نوانا اجتذاب محمدة، ولا دفاع مظلمة. ثم # PageV01P439 # قال: وفي الغزو ما يلقى العدو ما صلة، والمعنى: وفي العز يحتاج إلى ~~الصديق المخالص، إذ كان إنما يلقى فيه العدو المباغض. فهذا وجه. ويجوز أن ~~يكون المعنى: وفي الغزو قد يلقى العدو المباغض فكيف الصديق المواد. والأول ~~أشبه وأجود. # ويترك ذا البأو الشديد كأنه ... من الذل والبغضاء شهباء ماخض # أخذ يبين مساس الحاجة في الغزو إلى ائتلاف الأوداء، وتعاون الأشداء، ~~فيقول: وإذ كان الغزو يترك المتكبر الذاهب بنفسه مذاهب ذوي الجبرية والعز، ~~وكأنه مما لزمه من الذل والبغض للخلاف والحرب، وتناسى الاعتلاء والقهر، ~~ناقة شهباء أثر وجع الولادة فيها فضعفت وسقطت. وإنما خص الشهباء بالذكر ~~لأنها أنعم الإبل وأرقها، وأقلها صبرا وأضعفها. # والمخاض: وجع الولادة، ويستعمل في أنواع الحيوان. والطلق لا يكون إلا في ~~النساء. # فسائل هداك الله أي بني أب ... من الناس يسعى سعينا ويقارض # أخذ يستعطف الصديق الذي شكاه، ms0351 ويستميل بقلبه، فقال: سل أرشدك الله للخير ~~وصلة الرحم، وعدل بك عن سبل الضلال والقطيعة: أي قوم من الناس يسعى في منع ~~قوى التشابك من الانبتات، وصون عرى التواصل عن الانفصام، سعينا؛ أو يقارض ~~ذوي القربات، وإخوان الوداد والمصافاة، في حالتي السراء والضراء، مقارضدنا؛ ~~ثم توفر علينا بمثل ما يقتضيه الخبرة والمعرفة، وعلى ما يبعث عليه البحث ~~والمساءلة. # نقارضك الأموال والود بيننا ... كأن القلوب راضها لك رائض # في الكلام إلمام بالعتب، وإظهار للاستجفاء؛ لأنه أخذ يبين تمام ميلهم ~~إله، وحسن احتمالهم منه، وأنهم على جفائه لا يمنعونه مالا، ولا يمذقون له ~~ودا، وكأن قلوبهم جبلت على حبه، وأشربت مودته، فمتى رامت سلوة أو نبوا ~~أديرت إلى عادته الأولى، وعطفت على محبته القدمى. # كفى بالقبور صارما لو رعيته ... ولكن ما أعلنت باد وخافض # قوله بالقبور في موضع الرفع على أن يكون فاعل كفى، وانتصب صارما على ~~الحال أو التمييز. ولما كان القصد بذكر القبور إلى ما يؤدي إليها، وهو ~~الأجل # PageV01P440 # المضروب، صلح أن يقول صارما لو رعيته. ويقال رعيت النجوم وراعيتها، إذا ~~راقبتها. وقوله وخافض أراد به منخفض لكنه أخرجه مخرج النسبة كأنه قال وذو ~~خفض. يقول: لو انتظرت الموت، وصبرت على المجاملة مدة العيش، لكان يكفيك عند ~~حصوله ما تعجلته من الصرم، ولكن ما أظهرته من البغض تمكن من نفسك وقلبك، ~~واستولى على فعلك وقولك فلم تملك معه صبرا، ولم تطق بما يجمعنا رفقا، فهو ~~باطن ظاهر، مسر معلن. وإنما قال هذا لأن الإنسان قد يظهر خلاف ما ينطوي ~~عليه أو دونه، ما دام يملك زمام تجمله وتستره، وصار الغلبة لعقله وإرادته. ~~فإذا كان ما ينبع منه عن معين في القلب كنين، وعريق مكين، قد امتلك النفس ~~وغلب المسكة والصبر، فذلك النهاية لا يقدر على ستره، ولا يهتدي إلى دفعه. ~~وفي القرآن ما فيه هذا المعنى قوله تعالى: " قد بدت البغضاء من أفواههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر ". ### || وقال قبيصة بن النصراني # ألم تر أن الورد عرد صدره ... وحاد عن الدعوى ms0352 وضوء البوارق # التعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والمراد بالدعوى قول الكماة من ~~يبارز! وخذها وأنا فلان! وأنا الذي من شأنه كذا! وأشباهه. والبوارق، جمع ~~بارقة: السيوف وسائر الأسلحة. # وقائل هذه الأبيات يعتذر من إحجام اتفق، وتأخر عن الزحف ظهر للناس من ~~فعله، فأخذ يورك بالذنب على فرسه، وإن نفرته كانت السبب في نكوصه، فقال على ~~طريق التلهف والتوجع: أما تعلم أن فرسي الورد انحرف عن القصد صدره، وتولى ~~إلى غير الوجهة التي أريدها وجهه، لنفوره عن تداعي الأبطال، ونكوله عن ~~لمعان السيوف والرماح. # وأخرجني من فتية لم أرد لهم ... فراقا وهم في مأزق متضايق # قوله وأخرجني معطوف على ما اعتل به من نفور الفرس، ومعدود فيما أمله من ~~جنايته عليه. والواو من قوله وهم في مأزق واو الحال، والأزق: الضيق في # PageV01P441 # الحرب، ومأزق مفعل منه. وقال متضايق لأن ضيق المكر في المعارك يحصل شيئا ~~بعد شيء. فيقول: فرق بيني وبين فتيان أحببت الكون معهم، وأوجبت على نفسي ~~ممالأتهم ومساعدتهم، في وقت كنت خليقا بالثبات معهم، وإظهار البلاء في ~~نصرتهم، وكانوا مدفوعين منه إلى ضنك مجال مثلي يستدعى له، ويستنهض للإعانة ~~فيه. # وعض على فأس اللجام وعزني ... على أمره إذ رد أهل الحقائق # هذا بيان جماح فرسه وتأبيه عليه، فيقول: ركب رأسه وغلبني على أمره، فلما ~~كر أهل الحقائق لم أقدر على الكر معهم، ولا ملكت رد فرسي مع ردهم. وأهل ~~الحقائق هم الذين يبلغون فيما يلونه ما يحق ويجب. ويقال حققت العقدة، إذا ~~شددتها. # فقلت له لما بلوت بلاءه ... وأبى بمتع من خليل مفارق # يروى: وأبنا تمتع. وله، الضمير للفرس. كأنه كان يخاطبه متحسرا ويباثه ~~متلهفا، ويقول بعد أن مني منه بما مني، وابتلى من نفرته وركوب رأسه بما ~~ابتلي: من أين لي الاستمتاع من خليل فارقته، وكيف أساعده وأتحمل عنه ثقلا ~~وقد باعدت بيني وبينه. فقوله وأني بمتع في موضع المفعول لقلت. ويقال متع ~~بكذا واستمتع، ومتعه الله به وأمتعه. ومن روى: وأبنا تمتع يدخل وأبنا في ~~جملة ما ms0353 اتصل بلما، ويكون المعنى: ولما بلوت بلاءه وأكرهني على مراده، ~~فانصرفنا من مقصدنا، قلت له مقرعا ومتوجعا: الآن تمتع من أجل خليل بعدت ~~بيني وبينه. كأن تفجعه امتد أولا وآخرا، وقبل الأوبة وبعدها وجواب لما في ~~الوجهين قوله فقلت بما اتصل به. # أحدث من لاقيت يوما بلاءه ... وهم يحسبون أنني غير صادق # يقال حدثته كذا وبكذا، فيحمل على خبرته كذا وبكذا، ونبأته كذا وبكذا. قال ~~الهذلي: # ولكن خبروا قومي بلائي # وقال الآخر: # وأنبأته أن الفرار خزاية # PageV01P442 # يقول: أبث في الناس قصتي وقصة فرسي، وأخبر كل من لاقيته بجنايته علي ~~وبلائه معي، وهم بحسدهم وسوء رأيهم يوجهون الظنة إلي، ويسلطون التهمة علي، ~~فأنا بين تكذيب وتعيير معهم وفيهم. ### || وقال أيضا: # هاجرتي يا ابنة آل سعد # أأن حلبت لقحة للورد # يروى هاجرتني على الخطاب، والكلام به ظاهر الاستقامة، ويروى هاجرتي، ~~والمعنى أنت هاجرتي. وقال يا ابنة آل سعد يجوز أن يريد يا ابنة سعد فزاد ~~الآل كما يزاد لفظه حي وذو. ومثله قول الآخر، أنشده ابن الأعرابي: # إن ابن آل ضرار حين أندبه ... زيدا سعى لي سعيا غير مكفور # أراد إن ابن ضرار. وهذا باب واسع مختلف. ويجوز أن يكون جعلها ابنة الآل ~~إعظاما لها، كما يقال يا ابنة القوم، وقد تقدم القول في الآل وحقيقته. ~~واللقحة: الناقة الحلوب؛ ويوصف به، لا يقال ناقة لقحة، بل يجرى مجرى ~~الأسماء. يقول: صارمتني أيتها المرأة حين آثرت فرسي الورد بلبن لقوحى، ~~فأخرج قوله أأن حلبت مخرج التقريع والتوبيخ، وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، ~~لأن المراد به: ألأن حلبت، أي ألهذا الشأن كان منك الهجران لي. # جهلت من عنانه الممتد # ونظرى في عطفه الألد # إذا جياد الخيل جاءت تردى # مملوءة من غضب وحرد # قوله جهلت من عنانه يجوز على مذهب أبي الحسن الأخفش أن يكون زاد " من " ~~في الواجب، أراد جهلت عنانه، ويكون قوله، ونظرى في موضع النصب عطفا عليه إن ~~شئت. ومما حكاه من الحجة له القول بعضهم: قد كان من مطر، قد كان ms0354 من شيء فخل ~~عني. وعلى مذهب سيبويه يكون فيه وجهان: أحدهما أن يكون الكلام محمولا على ~~المعنى، لأن الجهل نفي العلم، كأنه قال بدل جهلت: ما # PageV01P443 # علمت وما عرفت. والثاني أن يكون حذف مفعول جهلت كأنه قال جهلت من عنانه ~~الطويل مذلوله من العتق والنجابة، لأن الذي جهلته ذلك، إذ كان امتداد عنقه ~~يدرك مشاهدة. والشاعر أبل يبين عذرها فيما أنكرته وعذر نفسه تفقده فرسه ~~فقال: جهلت ما أعرفه من كرمه ونجابته، وما أتبينه وأستدل عليه من امتداد ~~عنقه ولجاج جانبه، واعتراضه في مشيه، فلذلك استعظمت إيثاري إياه. وذكر ~~العنان والقصد العنق لأن طوله بطولها، واللدد أصله في الخصومة، يقال خصم ~~ألد. وقوله إذا جياد الخيل إذا ظرف لما دل عليه قوله في عطفه الألد. وقوله ~~تردي في موضع الحال، والعامل فيه جاءت. والرديان: ضرب من المشي. قوله ~~مملوءة في موضع الحال، والعامل فيه تردى. والحرد: القصد، وفي القرآن: " على ~~حرد قادرين "، أي على جد من أمرهم، والمعنى: إذا جاءت الخيل العتاق قد حميت ~~ونشطت فامتلأت غضبا، وصار مشيها رديانا، كان في عطف هذا لدد واعتراض، وفي ~~مشيه اقتسار والتواء. والعطف من كل شيء: جانبه من لدن رأسه إلى وركه. ~~ويقال: ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. ### || وقال آخر: # لعمر أخيك لا ينفك منا ... أخو ثقة يعاش به متين # قوله لعمر أخيك يجوز أن يريد بأخيك نفسه، كأنه قال لعمري. وجعل نفسه أخاه ~~على طريق الاستعطاف وتلطيف الحال. ويجوز أن يكون المخاطب كان له أخ يعز ~~عليه ويقسم بحياته، فاقتدى به في ذلك إعظاما له وللمقسم به. ولعمر مبتدأ ~~وخبره محذوف، كأنه قال لعمر أخيك قسمي أو ما أقسم به. ومعنى لا ينفك: لا ~~يزال. والمتين: كل صلب شديد، والمصدر المتانة، وماتنة، إذا حاكيته ففعلت ~~مثل ما يفعله من الشدة. يقول: وبقاء أخيك لا يزال منا أخ يوثق بوده، ويحسن ~~الظن بنيابته، ويعاش به وفي ظله، جلد قوي عزيز. # مفيد مهلك ولزاز خصم ... على الميزان ذو زنة رزين # PageV01P444 # قوله مفيد مهلك ms0355 مثل قول الآخر: # مفيد مفيت # ويكون أفاد متعديا إلى مفعولين، وقد حذفهما، وكذلك مفيت. ويجوز أن يكون ~~أفاد بمعنى استفاد، فيكون معنى مفيد مهلك: كسوب بالغزو منفاق. والأول أصلح ~~في هذا. وقوله لزاز خصم لزاز كالسناد والعماد وما أشبههما. واللز أصله ~~اللزوم الثبات. على ذلك قولهم لزاز الباب. ثم توسعوا فقيل هو ملز في ~~الخصومة ولزاز؛ وهو ملزز الخلق، أي مجتمعه. يقول: يفيد أولياءه الخير ~~والغنم ويهلك أعداءه، ثم يلز خصمه فلا يفارقه أو يغلبه. وإذا وزن بغيره رجح ~~عله في السبر والاختبار، فإذا استخف ذلك كان هو وقورا رزينا. ويقال رزين ~~بين الرزانة، وامرأة رزان. # يزيد نبالة عن كل شيء ... ونافلة وبعض القوم دون # نبالة مصدر نبل. والنافلة: الفضل. ودون، حقيقته القاصر عن الشيء. ويقال ~~هو دونك في الحسب على التوسع، هذا إذا كان زرفا. ويقال هو دون في الرجال، ~~وما هو بدون، فيجعل اسماهن والذي في البيت هو على هذا. يقول: ومع اجتماع ~~هذه الخصال فيه سرو ونبل، وحمية وعز، فيفضل على كل نبيل، ويعلو على كل ذي ~~شأن نبيه، وبعض القوم ساقط قاصر، متأخر ناقص. ### || وقال خفاف بن ندبة # أعباس إن الذي بيننا ... أبى أن يجاوزه أربع # المخاطب عباس بن مرداس، ومراد الشعر أن يقول: يا عباس، إن الحرمات الأربع ~~التي تجمعنى وإياك، مننعت أن يتخطاها ما بيننا من الشر، فهو يقف دونها، ~~ويقصر عن تجاوزها. وظاهر الكلام فيه قلب، لأنه جعل الفعل الذي هو المجاوزة ~~للأربع، والأربع هي الآبية من أن يجاوزها ما حدث بينهما. وصلح ذلك لأن ~~المراد # PageV01P445 # لا يلتبس من الكلام. وعلى هذا قول الآخر: # كما اسلمت وحشية وهقا # لأن الوهق يسلم الوحشية. ويمكن أن يقال: إذا تعدى أحد الشيئين صاحبه فقد ~~صار الآخر كأنه تعداه، وإذا كان كذلك ساغ لأن يجعل لكل واحد منهما ~~المجاوزة. # علائق من حسب داخل ... مع الإل والنسب الأرفع # وأن ثنية رأس الهجا ... ء بين وبينك لا تطلع # هذا تفسير الخصال الأربع التي أجملها. والعلائق، جمع علاقة، وهو ما ms0356 يتعلق ~~به من الشيء أو يعلق به الشيء. وقوله من حسب داخل مع الإل، فالحسب: الشرف. ~~والإل: العهد. ومعنى داخل معه، أي مختلط به. والنسب الأرفع يجوز أن يكون ~~يعني به النسب من قبل الأب، لأنه أرفع النسبين، ويجوز أن يعنى النسب الرفع ~~العلي. وقد حصل إلى هذه الغاية من العلائق الثلاث: حسب، ونسب، وعهد بينهما، ~~والعلاقة الباقية هي مذكورة في البيت الذي يليه، وهو قوله: # وأن ثنية رأس الهجا ... ء بيني وبينك لا تطلع # كأنهما كانا تعاقدا أن لا يهجو أحدهما صاحبه، لا يذكره في الشعر ناحتا ~~أثلته. وجعل لرأس الهجاء عقبة تثنى بشقتها من يريد قطعها. ويقال طلع الثنية ~~واطلعها، إذا أشرف عليها. فإن قيل: وما الفصل بين الحسب؟ قلت: إن الحسب ما ~~يعد من الخصال الكريمة، وترى الحسيب يوجب للحسيب ويعرف له بحسبه محلا ~~وقدرا، وإن لم يكن بينهما قربى ولا قرابة. والنسب يريد به الرحم والقرابة. ~~فإن قيل: فما معنى الإل، وما الفرق بينه وبين الخصلة الرابعة، وهي التعاقد ~~على ترحك الهجاء واطراحه؟ قلت: الإل: العهد، بذلك فسره أبو عبيدة في قوله ~~تعالى: " لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ". كأنهما كانا تواثقا على أن لا ~~يدبر كل واحد منهما على صاحبه، ولا يسعى في نصب المكايد له فهذا ميثاق ~~بينهما ثم اتفقا أيضا على أن لا يتهاجيا. وإذا كان كذلك فالفصل بين الأمرين ~~ظاهر، كما ظهر بين الحسب والنسب. # PageV01P446 # وأبغض إلى بإتيانها ... إذا أنا لم أنسها أدفع # قوله وأبغض إلى بإتيانها استعير فيه بناء الأمر للخبر، لأن معناه التعجب ~~والتعجب خبر، وهم يستعيرون المباني للمعاني، كما يستعيرون الجمل والمفردات. ~~وهذا كما يستعار بناء الخبر للأمر كقوله: والمطلقات يتربصن ". وموضع ~~بإتيانها رفع على أنه فاعل، كأنه قال بغض إتيانها إلي جدا. يقول: ما أبغض ~~إتيان عقبة الهجاء واطلاعها إلي، لأني أربأ بنفسي عنه وقدري، وأصون منه ~~ديني وعرضي، وأتناسى فعل ذلك فلا يكون من همي. ولو لم أتركها تأثما وتكرما ~~ثم أراد مناقضتك ومقاذعتك، لكان ما ms0357 تعاقدنا عله من تركه يدفعني عنه، ~~ويمنعني منه. فإذا ظرف لقوله أدفع. ### || وقال بعض اللصوص من طيئ # ولما أن رأيت ابني شميط ... بسكة طيئ والباب دوني # تجللت العصا وعلمت أني ... رهين مخيس إن أدركوني # الشعر لبعض المتلصصة، وكان أنهى حاله إلى أمير المؤمنين على عليه السلام ~~وهو بالكوفة، فوجه في طلبه ابنى شميط، فأحس بذلك وركب فرسه العصا فنجابه، ~~وذكر قصته في هذه الأبيات. وقوله والباب دوني يعني باب البلد والمسالح. ~~وقوله تجللت العصا جواب لما، أي ركبته على جله ومل أتلوم لإسراجه، خوفا على ~~نفسي، وعلما أني إن توقفت أو دعي السجن مرتهنا بما كسبت يدي. ومخيس: اسم ~~سجن بناه أمير المؤمنين عليه السلام. والتخييس: التذليل، أصله في الكد. # PageV01P447 # على هذا قال النابغة: # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفا والعمد # ويقال في الشتم: خيس أنفه فيما يكره، كما يقال أرغم أنفه. # ولو أني لبثت لهم قليلا ... لجروني إلى شيخ بطين # شديد مجامع الكتفين باق ... على الحدثان مختلف الشئون # قوله قليلا يجوز أن يكون ظرفا، يريد زمانا قليلا، ويجوز أن يكون صفة ~~لمصدر محذوف، يريد لبثا قليلا. فيقول: لم أتمكث للطالبين لما عرفت الحال، ~~ولم أتمكث للطالبن لما عرفت الحال، ولم أتباطأ معرجا على إعداد شيء، ولو ~~ظفروا بي لجروني إلى حضرة رجل عظيم البطن شيخ، وذلك صفة أمير المؤمنين عليه ~~السلام. ولقد روى عن النبي صلوات الله عليه في عظم بطنه أنه قال: " هو ~~لكثرة علمه ". وقوله " شديد مجامع الكتفين " من صفته إلى آخر البيت. يريد ~~أنه شديد الزهر، قوي المتن، مجتمع الخلق، وذلك خلقة الأسد. وقوله باق على ~~الحدثان يعني صبره في حوادث الدهر، وانتصابه في وجوه بغاة الجور، لا يأخذه ~~في طلب الحق وإمضائه لومة لائم، واعتراض ممانع، ولا يلفته عن هديه وسننه ~~كراهة كاره، وقعدة خاذل. وقوله مختلف الشئون يعني طرائقه في زهده وعلمه ~~وورعه، وبأسه وإقدامه في ذات الله، وجبنه عن محارم الله، وتعففه عن احتجاز ~~المطامع، وابتناء المصانع، مع قلة الاحتفال ms0358 باكتساب رضا خلقه، إذا أداه إلى ~~سخط ربه، إلى ما لا يكاد يجتمع إلا في مثله، ويطول الكلام بعده وضبطه. وفي ~~هذه الطريقة وإن اختلف الوصفان والموصوفان قول الآخر: # قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك ### || وقال حريث بن عناب # لما رأيت العبد نبهان تاركي ... بلماعة فيها الحوادث تخطر # نصرت بمنصور وبابنى معرض ... وسعد وجبار بل الله ينصر # PageV01P448 # ولله أعطاني المودة منهم ... وثبت ساقي بعد ما كدت أعثر # لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه نصرت. وأراد بني ~~نبهان فذكر الجد والمراد القوم، وسمى نبهان العبد تهجينا له، ورميا إياه ~~باللؤم. واللماعة: المفازة يلمع فيها السراب. وجعلها مخوفة لا تؤمن فيها ~~نوائب الدهر، وحوادث الموت. ومعنى تخطر تحدث وتعترض. ويقال رمح خطار، أي ~~شديد الاهتزاز، ومنه خطران الفحل بذنبه عند الصيال. فيقول: لما وجدتهم ~~متخلفين عني وتاركين لي بمفازة هذه صفتها، استنصرت غيرهم فنصرني الله ~~بالأقوام الذين ذكرتهم. ولا يمتنع أن يكون اللماعة كناية عن الأمر الشديد ~~والداهية المنكرة. ويكون قوله تاركي بلماعة كما يقال تركته بحالة سوء، ~~وبآخر رمق، وما يجري مجراه. وقوله فيها الحوادث تخطر جعله مثلا لما لم يكن ~~يأمنه من فنون الحوادث، وصروف المتالف. ثم أخذ يشكر الله على ما عطف عليه ~~من ميل الأقوام الذين أغاثوه، وثنى إليه من نصرهم، وعلى تثبيت قدمه بعد ما ~~كادت تزل به، وتلافيه بحسن الاستمساك، عند ما ظن من إشراف الهلاك. # إذا ركب الناس الطريق رأيتهم ... لهم قائد أعمى آخر مبصر # الضمير من قوله لهم قائد يجوز أن يكون لناصريه، وهم الذين سماهم، ويكون ~~الكلام مدحا وما بعد هذا البيت يتلوه في ذلك ويتبع. ويجوز أن يكون لخاذليه ~~بني نبهان، ويكون الكلام ذما، وما بعده يطرد معه ويذهب. ووجه المدح أن يكون ~~المراد بقوله إذا ركب الناس الطريق إذا انتوى الناس نياتهم، فسلكوا في ~~مناجعهم ومزالفهم، ومتصرفاتهم ومناقلهم، وطرائقهم الآمنة، رأيت هؤلاء القوم ~~لعزهم ومنيعتهم يسيرهم الليل والنهار، ويقودهم الظلم والأنوار، لا يحذرون ~~منيعا، ولا ms0359 يخافون مغيرا، ولا ينأى عنهم استباحة حمى، ولا يعرض لهم حيثما ~~توجهوا أذى. فالقائد الأعمى هو الليل، والآخر المبصر هو النهار. ووجه الذم ~~أنهم لجهلهم وسوء تأتيهم، إذا أبصر الناس مراشدهم واستبصروا فيما يقدمون ~~عليه أو يحجمون عنه وحدت هؤلاء القوم يستضيئون برأي كل أحد، ويستشيرون كل ~~ذي نحلة ومذهب، فيرشدهم جماعة ويغويهم آخرون، على حسب اختلاف الآراء ~~والمقاصد، لا بصيرة تمسكهم، ولاعزيمة تغلبهم وتجذبهم، فهم تبع لكل ناعق، ~~وجواب لكل نادب. # PageV01P449 # لهم منطقان يفرق الناس منهما ... ولحنان معروف وآخر منكر # إذا جعل الكلام مدحا على ما قدمته ورتبته يكون معنى لهم منطقان أنهم ~~خطباء شعراء، فالناس يرهبون نظمهم ونثرهم، ويهابون ألسنتهم وأقوالهم في ~~مجالس الملوك، وأندية الاحتفال. ومعنى ولحنان معروف وآخر منكر أن لهم ~~اصطناعا لمواليهم فلحنهم فيه لحن معروف حسن مرجو، واستئصالا لمعاديهم ~~فلحنهم فيه لحن منكر مخوف. وفي طريقة هذا الوجه قول نصيب: # يحيون بسامين طورا وتارة ... يحيون عباسين شوس الحواجب # واللحن: المعاريض، وفي القرآن: " ولتعرفنهم في لحن القول ". وأصله العدول ~~والميل عن الظاهر. وإذا جعل ذما لأولئك القوم يكون المعنى أنهم ذوو وجوه في ~~لقاء الناس مختلفة، وأقوال غير صادقة، فكل منهم منطقان: أحدهما في التقول ~~والتنفق، والآخر في البهت والتخرص، عرفهما الناس فهم يفرقون منهما. ولهم ~~تعريضان بعدهما: أحدهما يعتادونه عند نكث العهود ونقض العقود، وقد عرفه ~~الناس فهو مشهور من أفعالهم؛ والآخر يتعاطونه عند إعمال حيلة، وإمضاء غيلة، ~~فهو خاف بعد منكور. # لكل بني عمرو بن عوف رباعة ... وخيرهم في الخير والشر بحتر # قوله لكل بني عمرو بن عوف رباعة، أي لكل واحد منهم أمر مستقيم، وتدبير ~~مرضي، وأفضلهم في السراء والضراء بحتر بن عتود. ويقال: ما في بني فلان أحد ~~يضبط رباعتهم غير فلان، أي أمرهم وشأنهم. الناس على ربعاتهم ورباعتهم، أي ~~على استقامتهم. وحكي: تركناهم على سكناتهم وربعاتهم، أي على حالتهم الحسنة. ~~ولا يقال ذلك في غير الحسن. وحكي أيضا: هو على رباعة قومه، وهو ذو رباعة ~~قومه، أي سيدهم ومدبرهم. فعلى ms0360 هذا يجوز أن يكون المعنى لكلهم ذو رباعة، ~~فحذف المضاف. ويؤيد هذا قوله وخيرهم في الخير والشر بحتر ". وقد حكى في هذه ~~الأبيات معان غريبة فتفهمها. ### || وقال أبان بن عبدة بن العيار # إذا الدين أودى بالفساد فقل له ... يدعنا ورأسا من معد نصادمه # الدين يجوز أن يراد به الطاعة والائتلاف ها هنا. ومعنى أودى بالفساد: هلك ~~بفساد ذات البين. ويجوز أن يراد به دين الإسلام، ومعنى أودى بالفساد أوقع ~~بما ظهر # PageV01P450 # من ولاة الأمر، جعلوا الخلافة ملكا، وفيء المسلمين ملكا. وقيل أراد ~~بالفساد الحرب المعروفة بحرب الفساد، وسميت بذلك لتناهي الشر والحقد بين ~~أهلها، ويقال إن الواحد منهم كان يخصف نعله بأذن مقتوله ويشرب الماء في قحف ~~رأسه. ويكون المراد بالدين في هذا الوجه ائتلاف العشيرة، لأن هذه الحرب ~~كانت في أحياء طييء. والرأس: الجماعة الكثيرة. قال: # ورأس أعداء شديد أضمه ... سرنا إليه إذا غزانا أعظمه # وقوله نصادمه أي ندافعه ونصاكه. فيقول: إذا ارتفعت دعوة الاتفاق ~~والائتلاف من بين العشائر، وبطلت طاعة بعضهم للبعض، وسقط التعاون والتجمع ~~منهم بما يعمهم من المباينة، ويظهر فيهم من أثر العقوق والمشاقة، فقل له ~~ليتركنا وجيشا عظيما من قبائل معد ندافعه ونحاربه. وإذا كان بيننا التوازر ~~والتألف لم نبال بقبائل معد كلها. قوله " نصادمه " في موضع الحال، أي ~~مصادمين له. وقوله " يدعنا " إن شئت قلت انجزم بلام الأمر وقد حذف، كأنه ~~قال: قل له ليدعنا. وإن شئت قلت انجزم على أن يكون جواب أمر محذوف، كأنه ~~قال: قل له دعهم يدعنا. وعلى هذا قوله عز وجل: " قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلاة "، كأنه قال قل له لهم افعلوا يفعلوا. # ببيض خفاف مرهفات قواطع ... لداود فيها أثره وخواتمه # الباء من قوله " ببيض " تعلق بنصادمه من البيت الأول. ويعني بها السيوف. ~~وجعلها خفافا لسرعة الضاربين بها في إعمالها. والمرهفات: المرققات الحد، ~~المواضي في الضرائب. وقال: لداود فيها خواتم، يريد عتقها. وداود عليه ~~السلام إنما سرد الدروع لما لين الله الحديد له معجزة لا السيوف، لكن القصد ms0361 ~~إلى العتق والقدم، لا إلى الطبع والعمل. وقيل فيه إنه قدر أن الأمر في نسبة ~~السيوف والدروع إلى داود على سواء، لجهله. والأثر: فرند السيف. وذكر ~~الخواتم مثل، أي هي مما اتخذ في أيامه، واستعمل تحت خواتمه. # وزرق كستهار يشها مضرحية ... أثيث خوافي ريشها وقوادمه # بجيش تضل البلق في حجراته ... بيثرب أخراه وبالشأم قادمه # PageV01P451 # يعني بالزرق نصالا مجلوة قذذت بريش صقر. والمضرحي: الكريم من الصقور، ~~وقيل هو ما طال جناحاه منها؛ وتوسع فيه فقيل للسيد السري هو مضرحي. وقال " ~~كستها ريشها مضرحية " على المجاز، لما كان القذذ من جناحها. وجعل في ~~القوادم - وهي كبار الريش - وفي الخوافي - وهي صغاره - أثاثة وجثولة، نفيا ~~للحرق والفساد عنها. وذكر أثيثا لأنه أجري مجرى الفعل، وتأنيث الخوافي ليس ~~بحقيقي. وقوله " بجيش تضل البلق في حجراته " يصفة بالكثرة - ألا ترى أنه ~~جعل له حجرات، وهي النواحي، واحدتها حجرة. وفي المثل " يربض حجرة ويرتعي ~~وسطا " - وأن البلق من الخيل على شهرتها إذا ضلت عن أربابها فذهبت في ~~جوانبه لم يهتد إليها. وقوله " بيثرب أخراه " يعني مدينة الرسول عليه ~~السلام. يريد أن جيشه يأخذ من الأرض، لكثرته، ما بين المدينة إلى الشأم. # إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه # لم يرض بما انتهى إليه من الوصف في كثرته، فزاد وقال: إذا سرنا بين مشارق ~~الأرض ومغاربها طبقنا الأرض بكثرتنا، فتزلزل لنا الطريق المسلوكة وغير ~~المسلوكة. واليقظان: ما وطئ بالأرجل وسلك، فكأن ترابه منتبه. والنائم: الذي ~~لم يوطأ ولم يسلك، فكأن ترابه نائم. وقد أحسن ما شاء في الاستعارة، والطباق ~~بالنوم واليقظة. فأما قول زهير: # يهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله # فقد حسنه التقسيم وإن كان شأوه مقصورا عن شأو هذا. ### || وقال أنيف بن حكيم النبهاني # جمعنا لهم من حي عوف ومالك ... كتائب يردي المقرفين نكالها # لهم عجز بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حيي جديس رعالها # قوله " من حي عوف ومالك " أراد من حي عوف ومالك فاكتفى بالتوحيد عن ~~التثنية. ms0362 ومثل هذا الاكتفاء قوله في البيت الثاني " وقد جاوزت حيي جديس ~~رعالها " لأن # PageV01P452 # المراد حيي طسم وجديس فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، لتجاورهما في الذكر، ~~واشتهارهما في العرف. وقوله " يردي المقرفين نكالها " فالإفراف: هجنة تلحق ~~من قبل الفحل. وخصهم بالذكر لأنهم عنده لا يأنفون من التقصير في الحرب ~~والنكول، ولا يمتعضون من الانهزام والنكوص، فالبلاء إليهم أسبق، والنكال ~~فيهم أبسط. وقوله " لهم عجز بالحزن فالرمل فاللوى " رتب النسق بالفاء لما ~~يفيده من التعقيب بلا مهلة. وفي الأمر العام يقطع الحزن - وهو ما غلظ من ~~الأرض - إلى ما سهل من الرمل، ويقطع الرمل إلى اللوى، وهو مسترقه. وقوله " ~~وقد جاوزت حيي جديس " فإنه يعني بلاد حيي طسم وجديس، فحذف المضاف. والرعال: ~~جمع الرعلة والرعيل، وهما الجماعة المتقدمة من الجيش. والمراد أنهم لكثرتهم ~~شغلوا ما بين هذه المواضع. ومثله ما تقدم من قوله: # بيثرب أخراه وبالشأم قادمه # وتحت نحور الخيل حرشف رجلة ... تتاح لغرات القولب نبالها # الحرشف: الجماعة من الرجالة. ويقال راجل ورجل ورجلة ورجالة للمشاة على ~~أرجلهم. وصفهم بأن فيهم رماة وأنهم عند التعبية تتقدم الرجالة الرماة، ~~وخلفهم الفرسان كالسثد لهم والإياد، يمنعونهم مما يشردهم أو يغير نظمهم؛ ثم ~~وصفهم بأن نبالهم تقدر للقلوب الغارة، لأنهم حذاق يصيبون المقاتل. ومعنى " ~~تتاح " تهيأ. ويقال تاح يتوح ويتيح، لغتان. وأتاح الله له كذا. والغرات: ~~جمع غرة، يقال جارية غرة: غريرة. ويروى " لحبات القلوب "، والمعنى ظاهر. # أبى لهم أن يعرفوا الضيم أنهم ... بنو ناتق كانت كثيرا عيالها # يقول: منع لهم التزام الضيم والرضا بالدنية وفور عددهم، وذلك أن العزة في ~~الكثرة. ويقال نتقت المرأة والناقة فهي تنتق نتوقا، وهي كثرة الولد سرعة ~~الحمل. وذكر العيال استعارة في الأولاد، واحدها عيل، يقال عنده كذا عيلا. ~~ويقال عيل وعيايل، وهو معيل معيل، أي كثير العيال. وفاعيل أبى قوله " أنهم ~~بنو ناتق "، وأن يعرفوا في موضع وباقي الأبيات قد تقدم بتفسيره. # PageV01P453 ### || وقال الكروس بن زيد # رأتين ومن لبسي المشيب فأملت ... غنائي فكوني آملا خير آمل # يقول: رأتني ms0363 هذه القبيلة، وقد قنعني المشيب بخماره، ونجذني الدهر بأحداثه ~~ومصائبه، فعلقت رجاءها بغنائي وكفايتي، وشددت أزرها لما تفرست في نظري ~~وشهامتي، فقويت أملها، وأكدت طمعها، وقلت: كوني آملا خير آمل. وهذا الكلام ~~يجوز أن يكون معناه دومي على أملك وكوني خير آمل، فأصدق ظنك وأحقق طمعك. ~~ويجوز أن يكون دعاء لها، كأنه قال: جعلك الله خير آمل. وخير الآملين من ~~يبلغه الله ما موله، وينيله طلبته وسوله. وإنما قال " كوني آملا " ولم يقل ~~آملة، لأن المراد كوني حيا آملا، فلم يقصد قصدها. # لئن فرحت بي معقل عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل # أهل به لما استهل بصوته ... حسان الوجوه لينات الأنامل # يقول: إن كانت هذه القبيلة سرت بي عند كبرتي، واستكمال رأيي وتجربتي، فحق ~~لها ذلك، فقد استبشرت بي عند ولادتي، وحين هنئت بقدمتي. والقوابل: جمع ~~القابلة، وهي التي تقبل الولد عند الولادة. واللام من قوله لئن دخلت موطئة ~~للقسم، وجواب القسم المنوي لقد فرحت. وهذا خلاف قول الآخر: # وهنيء بي قومي وما إن هنأتهم ... وأصبحت في قومي وليسوا بمنبتي # وقوله أهل به لما استهل بصوته نقل اللفظ إلى الغيبة بعد أن كان في حديث ~~نفسه، على عادتهم في تصاريفهم. يقول: تباشرت نساء الحي عند ميلادي، فرفعن ~~أصواتهن بالشكر لله والثناء عليه، كما يهل الملبي في الحج، والناظر إلى ~~الهلال، حين وقعت عن أمي، واستهللت ببكائي. وإنما وصف النساء بحسن الوجوه ~~ولين الأبدان، ليدل على أنهن ربائب نعمة وذوات نعمة، لم يقاسين شقاء عيش، ~~ولم يكتسين جلابيب فقر. # PageV01P454 ### || وقال قوال: # قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلم فإن المشرفي الفرائض # قوله ذو جاء ساعيا ذو بمعنى الذي، وهي لفظة طائية تجيء بهذه الصورة في كل ~~حال ولا تغير. وقوله هلم لهم فيه طريقان: منهم من يجعله اسما للفعل فلا ~~يغيره عن حاله في المؤنث والتثنية والجمع، وهم أهل الحجاز. وفي القرآن: " ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعله هاء التنبيه وقد ركب مع لم ~~وهو فعل، فيثنيه ويجمعه ms0364 ويؤنثه. وعلى الطريقتين جميعا يكون ميمه مفتوحة ولا ~~يجريه مجرى رد وزر، فيكسر آخره ويضم وإن كان فعلا، وذلك لأن التركيب قد ~~غيره فسلب بعض أحكامه. ومعنى البيت: أبلغا المرء الذي جاء واليا للصدقات ~~ومستوفيا لها: أقبل وتعال، فإن الذي تعطى بدلا من الفرائض السيف. وهذا في ~~جعله المشرفي هو الفرائض مجازا، كما قال الآخر: # تحية بينهم ضرب وجيع # والفرائض: الأسنان التي تصلح لأن تؤخذ في الصدقات. والمشرفي: السيف نسب ~~إلى المشارف: قرى لهم كانت تطبع السيوف فيها. وقد حكي في المرء الامرؤ وقد ~~بقى ألف الوصل مع دخول الألف واللام، إلا أنه قيل. # وإن لنا حمضا من الموت منقعا ... وإنك مختل فهل أنت حامض # العرب تقول: " الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها ". ومعنى منقعا ثابتا، ~~يقال " أنقع له الشر حتى يسأم " أي أدمه. والمختل: راعي الخلة، وكانت الإبل ~~إذا بشمت الخلة وسئمته حتى اتخمت منه، نقلوها إلى الحمض لتشتهي الخلة ~~ثانيا. وهذا مثل ضربه لهذا الساعي. يقول: إنك مللت العافية والسلامة، فهلم ~~إلى البلاء والشر من الولاية. # أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ... ستلقاك بيض للنفوس قوابض # PageV01P455 # قوله دون المال تعلق بأظنك، ولا يجوز أن يتعلق بقوله جئت، ولا تبتغي، لأن ~~ذو يطلب من الصلة ما يطلبه الذي وإذا كان كذلك فما في صلته لا يعمل فيما ~~قبله. وقال ذو جئت وكان الأجود أن يقول: ذو جاء يبتغي، لأنه أجري مجرى ~~الذي، فكما جوز أن يقال أنت الذي فعلت كذا، و: # أنا الذي سمتن أمي حيدره # جوز في ذو أيضا، لأن المراد به المخاطب. والمال في الأكثر يطلقونه على ~~الإبل، على هذا قولهم: المال في الرعي. والشاعر قصده في الكلام إلى التهكم ~~والسخرية، وقد خلط به التوعد والاستهانة، لذلك قال أظنك. وقوله ذو جئت في ~~موضع المفعول الثاني وتبتغي في موضع الحال، ومفعوله حذف. والمعنى أحسبك ~~الذي جاء دون المال تبتغي صدقاته، سترى ما أعد لك من سيوف تنتزع الأرواح ~~والمهج. فإن قيل: كيف استجاز تكرير معنى واحد في بيتين ms0365 على تقارب بينهما، ~~وهلا اكتفى بقوله " هلم فإن المشرفي الفرائض "؟ قلت: إن قوله أظنك دون ~~المال ذو جئت تبتغي، بما دخله من التهكم والوعيد، وتكشف فيه من الغرض ~~المقصود، صار كأنه أدى غير ما أداه قوله هلم فإن المشرفي الفرائض. ومثله ~~قول عيقمة بن عبدة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب # ألا ترى أنه لم ير المعنى متكررا في البيتين، لما كان أحدهما يشتمل من ~~الاستيفاء والبيان على ما لم يشتمل عليه الآخر. ### || وقال وضاح بن إسماعيل # صبا قلبي ومال إليك ميلا ... وأرقني خيالك يا أثيلا # يمانية تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسن وتكن غيلا # PageV01P456 # يقال صبا قلبي يصبو صبوا وصبوا. والصبوة: جهل الفتوة. يقول: أسهرني ~~خيالك، وانعدل قلبي عن وجهه وطيته، ذهابا فيك، وميلا إليك. ثم أخذ يصف ~~الخيال فقال: هي تأتيني من ناحية اليمن، فتزور زيارة خفيفة لا لبث معها ولا ~~تمكث فأتمتع بها، وتبدي لي في إلمامها ما دق من محاسنها كالعين والأنف ~~والأسنان والفم، وتستر ما جل منها كالمعصم والساعد والساق والفخذ، فاسهر. ~~كأنه رآها في المنام على ما كان يراها في اليقظة خرادة وحياء. ويقال معصم ~~غيل، وساعد غيل، أي ممتلئ من اللحم غليظ. والمحاسن قيل لا واحد لها، ومثله ~~في ذلك المساوي والمذاكير. وقال الخليل: واحدها محسن، وهي المواضع الحسنة. ~~يقال: امرأة كثيرة المحاسن. # ذريني ما أممن بنات نعش ... من الطيف الذي ينتاب ليلا # يستعفي من خيالها لاشتغال قلبه بالغزو. والاستعفاء في الحقيقة من الحب ~~الذي يصورها في فكره حتى يحلم بها. وقوله ما أممن الضمير للخيل ولم يجر لها ~~ذكر، ولكن المراد مفهوم. وموضع ما أممن نصب على الظرف، أي مدة أمها، لأن ما ~~مع الفعل في تقدير مصدر حذف اسم الزمان معه. وبنات نعش من الكواكب الشامية، ~~وكان غزوه نحو الروم. والمعنى: أعفيني من الصبا واللهو، وشغل القلب بالحب ~~والعشق، ms0366 ما دمت في هذا الوجه، وقاصدا نحو الغزو. وليلا، انتصب على الظرف، ~~كأنه كان يسير النهار، فإذا نزل ليلا ونام أرقه الخيال. وروى بعضهم: " ~~يأناب ليلا " وهو يفتعل من الأوب؛ وينتاب أوجه في النقد وأحسن. # ولكن إن أردت فهيجينا ... إذا رمقت بأعينها سهيلا # يقول: إن أردت تشويقنا إليك، وتذكيرنا بك، فليكن عند منصرفنا من الغزو، ~~وقفولنا من هذا الصقع، وحين تنظر خيلنا إلى سهيل. وإنما قال ذلك لأن سهيلا ~~من الكواكب اليمانية. لذلك قال عمر بن أبي ربيعة: # أيا المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان # PageV01P457 # ومثل قول وضاح ما قاله المتلمس، وهو: # فلتتركنهم بليل ناقتي ... تدع السماك وتقتدي بالفرقد # والسماك من قبل المشرق، والفرقد من قبل الشام. # فإنك لو رأيت الخيل تعدو ... عوابس يتخذن النقع ذيلا # رأيت على متون الخيل جنا ... تفيد مغانما وتفيت نيلا # يصف الغزو وملاقاة العدو، وأنه لا يحتمل التصابي والتبطل، ولا يصلح ~~للمشتغل به التشوق والتغزل، فيقول: لو رأيت الدواب عادية بفرسانها وقد ~~تكلحت لاشتداد الحال عليها، وسحبت ذيلا من الغبار لتناهي شدها، لرأيتها كأن ~~علها جنا لا رجالا، تستفيد المغانم من أعدائها. وتفيتهم نيل شيء منها. وهذا ~~كما قيل " يسبق إن طلب، ويلحق إن طلب "، ويشهد لأفاد وأنه يكون بمعنى ~~استفاد قول الآخر: # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي ### || وقال آخر: # لا قوتي قوة الراعي قلائصه ... يأوي فيأوي الكلب والربع # ولا العسيف الذي يشتد عقبته ... حتى يبيت وباقي نعله قطع # أخذ أبو تمام هذا المأخذ في قوله: # والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجساد # يقول: ليس غنائي في الأمور وكفايتي غناء الرعاة الذين سعيهم وكدهم ~~مقصوران على ضم القلاص وحفظها في مراعيها عند سرحها وإراحتها، فإذا أوى إلى ~~موضع أوى إليه كلبه الذي يحرس به وربعه. والربع: ما نتج في الربيع. وقوله ~~ولا العسيف انعطف على الراعي. يريد: ولا قوتي قوة العسيف. فالعسيف: الأجير # PageV01P458 # والعبد المستهان به، الممتهن ms0367 في العمل. يقال: كم أعسف عليك، أي كم أعمل ~~لك. وقوله يشتد عقبته انتصب عقبته على الظرف، أي وقت عقبته، كأنه يعاقب ~~الركوب غيره. يقال هما يتعاقبان للركوب بينهما، أو الأمر يركب هذا عقبة ~~وهذا عقبة. والعقبة قيل فرسخان. ويشتد: يفتعل من الشد: العدو. وبعضهم يرويه ~~" تشتد عقبته " بالرفع، ويجعل تشتد من الشدة، أي تشتد عقبته عليه، والصواب ~~ما قدمته. والمعنى: ولا غنائي أيضا غناء الأجير الذي يعدو عقبته ووقت ~~عقبته، وليس يريد أن له عقبة فيتركها ويعدو، لكن المعنى إذا كان لغيره نوبة ~~في الركوب لمعاقبته صاحبه، فنوبته الشد والخدمة حتى يأتي عليه المساء وقد ~~تقطع ما بقي عليه من حذائه. وقوله " وباقي نعله قطع " في موضع خبر يبيت، ~~تقديره: حتى يبيت منقطع باقي النعل. # لا يحمل العبد فينا فوق طاقته ... ونحن نحمل ما لا تحمل القلع # يقول: العبد المستخدم فينا لا نكلفه إلا دون ما يطيقه، إبقاء عليه، وتركا ~~لاستنفاد وسعه، ونحن نحتمل من مشاق الأمور، ومثقلات الأعباء ما لا تطيقه ~~الجبال. والقلع: جمع قلعة، وهي الهضاب العظام، وبها سمي الحصن المبني على ~~الجبل قلعة. ويقال أقلع فلان قلاعا، إذا يناها؛ وبها سميت السحاب العظام ~~قلعا أيضا. # منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... أنا بطاء، وفي إبطائنا سرع # الأناة: الرفق. يقول: نستأني في الأمور فعل الحازم ذي الرأي السديد، ~~والتأمل اللطيف، الذي ينظر فيما له وعليه، فيدري كيف يورد ويصدر، ويبرم ~~وينقض، ولا نتهجم فيما نزاوله فعل العجول الأخرق الذي لا يتتبع العواقب، ~~ولا يتجنب المقابح، فلا يبالي أيا سأخذ ويدع. وكثير من الناس يظن بنا ~~تباطؤا في المهمات وتثاقلا، والذي يعدونه بطئا فهو سرعة، لأنا نترك كل ما ~~تتولاه مفروغا منه محكما، لا تفاوت فيه فيحتاج إلى استئناف تدبر، واستحداث ~~نظر وتتبع. # ؟؟ ### || وقال عمرو بن مخلاة الكلبي # ويوم ترى الرايات فيه كأنها ... حوائم طير مستدير وواقع # PageV01P459 # أصابت رماح القوم بشرا وثابتا ... وحزنا وكل للعشيرة فاجع # طعنا زيادا في استه وهو مدبر ... وثور أصابته السيوف القواطع # وأدرك هماما بأبيض ms0368 صارم ... فتى من بني عمرو طوال مشايع # وقد شهد الصفين عمرو بن محرز ... فضاق عليه المرج والمرج واسع # الرايات: الأعلام. والحوائم: جمع حائمة، وهي العطاش من الطيور تحوم حول ~~الماء. وحوماتها: دورانها؛ فكثر استعماله حتى صار كل عطشان حائما. ويروى: " ~~عواطف طير ". وقوله " مستدير وواقع " بدل من حوائم، وجعل الرايات بعضها ~~جائل في الجو دائر، وبعضها ساقط، لأن المنهزمين تسقط أعلامهم فتنخفض، ~~والظافرين تثبت أعلامهم فتخفق. وقوله وكل للعشيرة فاجع، أي كل واحد من ~~المذكورين رئيس عشيرة قد فجعوا به. والشاعر يذكر وقعة المرج مرج راهط - ~~وراهط رجل من قضاعة في الجاهلية الأولى - واجتمع به المروانية، وهم الذين ~~دعوا إلى مروان بن الحكم، وهم كلب وعبس وغيرهم من قبائل اليمن. والزبيرية، ~~وهم الذين دعوا إلى ابن الزبير، وهم قيس ومن تبعهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فكانت الدبرة على القيسية ورئيسهم زفر بن الحارث، ومعهم الضحاك بن قيس. ~~ولهذا قال الشاعر: # فمن يك قد لاقى من المرج غبطة ... فكان لقيس فيه خاص وجادع # وقوله " طعنا زيادا في استه "، فهو زياد بن عمرو العقيلي. وقوله وهو مدبر ~~أي مول منهزم. ويجوز أن يكون من الإدبار، لتركه الرأي حتى بلي بما بلي. ~~وعمرو بن محرز من أشجع. وقال: ضاق عليه المرج على سعته، لأنه كان مغلوبا ~~مطلوبا. ويقال ضاق بفلان الفضاء. والمشايع: المقوي لأصحابه المتابع لهم. ~~وجعله طوالا لأنهم يستحبون تمام الخلق، وامتداد القامة. وقوله وثور أصابته ~~السيوف القواطع، رفع ثورا لأن الفعل بعده شغل عنه، وإن نصبه طلبا للمطابقة ~~إذ كان في الجملة التي قبله منصوب كان أحسن. # PageV01P460 ### || وقال زفر بن الحارث # أفي الله أما بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل # كان معاوية بن أبي سفيان لما جعل ابنه يزيد ولي عهده بايعه الناس إلا ~~الحي من قيس، فإنهم قالوا: والله، ما نبايع ابن الكلبية - وذاك أن أم يزيد ~~ميسون بنت مالك بن بحدل الكلبي - فصار في نفس يزيد لقيس ذلك ضغنا وحقدا، ~~وابتدأ الشر بينهم وبين بني أمية، فلما هلك ms0369 يزيد استخلف ابنه معاوية بن ~~يزيد، وأمه كلبية أيضا، وصار حسان بن مالك بن بحدل أخو ميسون وخال يزيد بن ~~معاوية كالمالك للأمر، فكانت خلافته أياما قليلة، وتحركت فتنة ابن الزبير، ~~فاضطرب حسان بن مالك في الأمر اضطرابا شديدا، وصار يدعو الناس إلى نفسه ~~تارة وإلى من يختارونه من بني أمية أخرى، حتى قال الشاعر: # وما الناس إلا بحدلي على الهوى ... وإلا زبيري عصى فتزبرا # إلى أن وقع الاختيار على مروان بن الحكم، فلما قام بالدعوة صارت البحدلية ~~معه، فسموا مروانية، وصار السبب في حرب قيس وتغلب أن صارت قيس زبيرية وتغلب ~~مروانية، فيقول زفر بن الحارث وهو رئيس قيس أفي الله يريد: أفي ذات الله ~~ومرضي حكمه أن يطلب حياة ابن بحدل والمتعصبة لبني أمية ومروان وعبد الملك ~~ابنه، ويطلب قتل عبد الله بن الزبير مع فضله وشرفه وسابقته. وهذا الكلام ~~تقريع للناس وإكبار للأمر. وقوله أما بحدل حكم أما أن ينقطع عما قبله، ~~ولهذا عد من حروف الابتداء، ولأنه يتضمن معنى الجزاء والجزاء له صدر ~~الكلام، إذا كان كذلك فكأنه قال: أفي الله هذه القصة وهذا الأمر والشأن. ~~وقوله فيحيا فأخبر عن أحد الاسمين لما علم أن صاحبه في مثل حاله. وفي ~~القرآن: " والله ورسوله أحق أن يرضوه ". # كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يوم إغر محجل # إنما قال كذبتم لأن الذي أنكره منهم وقرعهم عليه كان خبرا. ويجوز أن يكون ~~المعنى: كذبتم أنفسكم حين حدثتموها بما لا يتم لكم. وقوله لا تقتلونه ولما ~~يكن يوم، يقول: لا تقدرون قبل أن يكون لنا عليكم يوم مشهور على قتله، وإذا ~~عجزتم قبله ففي مستقبل الزمان بعده أنتم أعجز، وعن أمنيتكم وترجيم ظنكم ~~أبعد. # PageV01P461 # ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاع كقرن الشمس حين ترجل # قرن الشمس: أول ما ظهر منها. والترجل، قالوا: إذا ارتفعت الضحى وانبسطت ~~الشمس ولم يشتد حرها فذاك الترجل. وقال ابن الأعرابي: الترجل قبل المتوع، ~~والمتوع قبل انتصاف النهار، وأنشد لمزرد: # فأصبح كالدهقان لما بدا له ... من ms0370 الشمس إشراق ولما ترجل # بين بالشرط الثاني غرضه في تعجيزهم، وأن الذي يريدونه من قتله لا يتم ~~أبدا لهم، ولا يدخل تحت مقدورهم. ### || وقال حسان بن الجعد # أبلغ بني حازم أني مفارقهم ... وقائل لجمالي غدوة بيني # إني امرؤ غرض من كل منزلة ... لا شدتي تبتغي فيها ولا ليني # هذا الشاعر خرج إلى عبد الله بن خازم راغبا في جواره والكون في جملته فلم ~~يحمده وانصرف عنه، وقال: ليبلغ هذا الرجل وذووه أني مرتحل ونافض يدي منه، ~~وحامل إبلي على مفارقة أرضه، ومظهر الزهد في صحبته، لأني أجتوي كل منزلة لا ~~تمس حاجتها إلى كوني بها، وأنتوي البعد عن كل جنبة لا تشتد رغبتها في ~~إقامتي فيها، كما أني أضجر بجوار كل من اعتقد الغنى عن رأيي وغنائي، ~~وخشونتي وليني. ويقال: غرضت من كذا، إذا مللته؛ وغرضت إلى كذا، إذا اشتقته. ~~فهو كما يقال رغبت فيه ورغبت عنه. ### || وقال القتال الكلابي # إذا هم هما لم ير الليل غمة ... عليه ولم تصعب عليه المراكب # يصفه بالإقدام والتشمير، وحسن النفاذ في الأمور، وأنه متى ما وقع في نفسه ~~أمر فهم به اقتعد الليل ولم يعده حائلا دون مراده ولا مانعا عن قصده ~~ومراده، حتى يصير ركوبه غمة، وما يتصور من هوله شدة تدفع في الصدر، وتحلئ ~~عن الورد، ولم يشق عليه المراكب، ولا يستكره فيه المصاعب. ويقال: هو في غمة ~~من أمره، أي حيرة وظلمة. وأصل الغم التغطية. # PageV01P462 # قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحت ... منازله تعتس فيها الثعالب # يقول: يجعل قرى همه إذا اعتراه، النفاذ والعزيمة، والإجماع فيه والصريمة، ~~فترى منازله تستبدل بسكانها وحشا تعتس فيها، ويعتاض هو من الدعة والخفض ~~تعبا يمتطيه، ودءوبا يستمر فيه. والاعتساس: الاختلاف بالليل. ويقال: عس ~~واعتس، ومنه أخذ العسس. وفي المثل الجاري " كلب عس خير من أسد ربض ". # جليد كريم خيمه وطباعه ... على خير ما تبنى عليه الضرائب # يقال هو جلد وجليد بمعنى. والخيم: الطبيعة؛ وقال أبو عبيدة: أصله فارسي ~~معرب. والطباع: ما طبع عليه الإنسان في ms0371 مأكله ومشربه وسائر أحواله. ~~والضرائب: جمع الضريبة، وهي الخليقة. ويقال: ليس لفلان ضريب، أي شبيه، وهو ~~كريم الضريبة. فيقول: قوي الجأش، مرضي الطبيعة، وقد جبل في كل ما يستشف من ~~أموره على أحسن ما تجبل عليه النفوس والأخلاق. # إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ... ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب # أحسن حاتم طيئ في هذه الطريقة حين قال: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلتاهما يسقي بكأسيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر # والشاعر يصف كرم نفسه وحسن صبره على تقلب الأحوال، فالشبعة لا تطغيه، ~~والجوعة لا تؤيسه فترديه. والسغب: الجوع. وأضاف الأكلة إلى ساعة تقصيرا بها ~~وإزراء، وإن كان ذلك وقتا لها. وقوله من فقدها يريد من فقد لها، والمصدر ~~يضاف إلى الفاعل والمفعول جميعا، على هذا قوله تعالى: " من دعاء الخير ". # يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى ... إذا كان يسر أنه الدهر لازب # PageV01P463 # يستحسن لبشار في هذه الطريقة قوله، بل قد صار مثلا: # خليلي إن العسر سوف يفيق ... وإن يسارا في غد لحقيق # وما أنا إلا كالزمان، إذا صحا ... صحوت، وإن ماق الزمان أموق # يقول: يعلم أن أسباب الدنيا وتصاريفها مبنية على التغير والتبدل، فالعسر ~~واليسر يتعاقبان ولا يلزمان، فمتى استغنى كرم ولم يبطر، علما بأنه يفنى فلا ~~يبقى، وإذا افتقر عف ولم ييأس، ثقة بأنه يزول ولا يدوم. وقوله " يرى " من ~~البيت يجري مجراه من قوله تعالى: " إنهم يرونه بعيدا "، لأنه بمعنى يظنونه، ~~وليس كذلك في قوله " ونراه قريبا " لأنه بمعنى نعلمه. وقد يستعمل العلم في ~~موضع الظن أيضا، لذلك قال: # وأعلم علما ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل ### || وقال أوس بن حبناء # إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره # حقيقة أولاك كذا: جعله مما يليك، لكنه اشتهر في الإحسان، وقد يستعمل في ~~الإساءة، كما فعله هذا الشاهر. ومثله بشرته في معنى تناوله الشر، وإن كان ~~اشتهاره في الخير. ألا ترى قوله تعالى: " فبشرهم بعذاب أليم ms0372 ". يقول: قابل ~~معاملك بمثل ما يرصده لك، فإن الأفعال بين الناس قروض، وشرط القروض الوفاء ~~بها، والحروج من ذممها، فمن أهانك فأهنه وإن قربت عواطف أرحامه، وشوابك ~~أسبابه، ولا توجب له إلا مثل ما يوجبه لك. ويقال: بيني وبينه أصرة، أي ~~عاطفة، والأصر: العطف. وقوله قريبا خبر كان، وقدمه على اسمه ولم يؤنثه لأنه ~~أراد النسبة فلم يبنه على الفعل. ومثله قوله تعالى: " إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين ". # فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره # يقول: إن أعجزك مكافأته على إساءته إليك، وأعوزك إنالته مثل ما ينيلك في ~~الحال، فأنظره إلى الوقت المساعد لك من مستقبل أيامك، وانتظر نوبتك من ~~الدهر، # PageV01P464 # فإذا أمكنتك الفرصة فانتهزها. وقوله إلى اليوم الذي أنت قادره أراد أنت ~~قادر فيه، فقدر الظرف تقدير المفعول الصحيح لأن الظرف إذا أضيف إليه يخرج ~~من أن يكون ظرفا كما يخرج منه إذا دخل عليه حرف الجر. على هذا قولهم: # يا سارق الليلة أهل الدار # وقوله: طباخ ساعات الكرى زاد الكسل # وقارب إذا ما لم تكن لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت أنك عاقره # يقول: اجر مع الدهر في تصرفه وتلونه، ودار عدوك وجامله إن أعياك مكايلته ~~ومحاسبته، فإذا انقضت أيامه وتيسر لك بعد مداجاتك له عقره وإهلاكه فاثبت في ~~الأزم عليه، والانتقام منه، ثبات السيف القاطع في ضريبته، وإياك والغفلة ~~عند بعد إيقاظك إياه، واللين معه وقد خشنته. ### || وقال آخر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه # واضطرب القوم اضطراب الأرشيه # وشد فوق بعضهم بالأرويه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # قوله إني إذا ما القوم خبر إن في قوله أوصيني ولا توصي بيه. والمعنى: إني ~~أهل لأن يوصي إلي حينئذ في غيري، ولا يوصى غيري بي. فتبين هذا من الكلام ~~وإن كان على لفظ الأمر والنهي. وعلى هذا قول القائل زيد قم إليه، أي هو أهل ~~لأن تقوم إليه. فبهذا التقدير وأمثاله جاز أن يقع الأمر موضع الخبر. وأنشد ~~أبو زيد: # وكوني بالمكارم ms0373 ذكريني ... ودلي دل ماجدة صناع # PageV01P465 # وقال: أراد كوني تذكرينني، فوضع ذكريني موضع تذكرينني. ومرجع هذا الذي ~~قاله إلى مثل ما بيناه. وكما أن خبر إن فيما بيناه فكذلك جواب إذا، فافهمه. ~~وما من قوله ما القوم زائدة. وأنجية: جمع نجي، والنجي يقع للواحد والجمع. ~~وفي القرآن: " خلصوا نجيا ". ومعنى كانوا أنجيه، أي صاروا فرقا لما حزبهم ~~من الشر، ودهمهم من الخوف، يتناجون ويتشاورون. # وقوله واضطرب القوم أي أخذهم القيام والقعود، وفارقهم القرار والهدو، ~~فأقبل بعضهم يمشي إلى بعض، متعاونين في التهيؤ والارتحال، ومتساعدين على ~~التيسر للانتقال. فشبه ميلانهم وترجحهم في اختلافهم، بترجح الأرشية عند ~~الاستقتاء عليها من الآبار البعيدة القعر، وميلانها. # وقوله وشد فوق بعضهم بالأرويه، يعني أنهم ركبوا الليل وداوموا السير، ~~فغلب النعاس على طائفة منهم حتى خيف عليهم السقوط، لضعف استمساكهم، فشدت ~~الحبال فوقهم. والأروية: جمع الرواء وهو الحبل الذي يروى به، أي يستقى. ~~ومنه قيل الراوية، ويجوز أن يكون الاضطراب الذي ذكره لاتصال التسيار وغلبة ~~النوم، للإخلال بالنزول والقرار أيضا. وصرفه إلى الأول أحسن. # وقوله هناك أوصيني، هناك يشار به إلى الزمان والمكان معا، وموضعه نصب على ~~الظرف، والكاف منه كاف الخطاب، والعامل فيه أوصيني. والمعنى: في ذلك الوقت ~~يوجد الغناء والكفاية عندي، ويحصل الصبر والمداومة مني، فاجعلي وصاتك إلي ~~لا بي، واعتمدي علي لا على غيري. وقال بعض القدماء: معنى كانوا أنجيه، يريد ~~قوما ناموا على رواحلهم فرأوا في منامهم كأنهم يتناجون. والصواب عندي ما ~~قدمته. ### || وقال المتلمس # ألم تر أن المرء رهن منية ... صريع لعافي الطير أو سوف يرمس # فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرا وجلدك أملس # PageV01P466 # قال هذا فيما كان بين ضبيعة وبكر بن وائل، ومعنى ألم تر اعلم. يقول: ~~الإنسان مرتهن بأجله، فإما أن يموت حتف أنفه فيدفن، وإما أن يقتل في معركة ~~فيترك لعوافي السباع والطير. وجعل رهن منية وصريع لعافي الطير جميعا خبرين ~~لأن، ثم أتي بأو الإباحة. ويجوز أن ينتصب صريع على الحال، وفي رفعه وجه ~~آخر، وهو ms0374 أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه هو صريع. وإن جعلت أو التي تكون ~~للشك يكون الكلام مبنيا على اليقين ثم يعترض فيه الشك. والأصلح في مثل هذا ~~أن يجعل بإما، ليكون بنية الكلام على الشك، إذ كان واحد من الأمرين لا ~~يتيقن. # وقوله فلا تقبلن ضيما يقول: أدفع عن نفسك خطة الضيم والهضيمة، ولا تلتزم ~~العار والدنية، إشفاقا من المنية. وانتصب مخافة على أنه مفعول له. وقوله ~~وموتن بها، الضمير من بها يرجع إلى المخافة، أي مت بتلك المخافة حرا لم ~~يستعبدك الخصم، ولم يستوطئك الظلم، وجلدك نقي من العيب، سليم من العار ~~والشين. ويروى " واحين بها حرا وجلدك أملس " والرواية الأولى أحسن، ويكون ~~واحين أمرا بالحياة وقد أدخل عليه النون الخفيفة. ومعنى يرمس: يدفن. ~~والرمس: الدفن. والرياح الروامس منه، وتوسعوا في الدفن فقيل ارمس هذا ~~الحديث، كما يقال ادفن. وعافي الطير: ما يعتري منه. ويقال فلان كثير ~~العافية والعفاة، ويراد الزوار والمجتدون. # فمن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس # نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس # قصير: صاحب جذيمة الأبرش. وقصة جذيمة وزباء الرومية مشهورة. وإن قصيرا ~~توصل بأن جدع أنف نفسه، إلى أن استخدمته زباء ثم استخلصته حتى تمكن فأدرك ~~ثأره منها. وبيهس هو الذي يلقب نعامة، وهو رجل من بني غراب بن فزارة، وكان ~~يحمق، فقتل له سبعة إخوة فجعل يلبس القميص مكان السراويل، والسراويل مكان ~~القميص، فإذا سئل عن ذلك قال: # البس لكل عيشة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها # PageV01P467 # فتوصل بما صوره من حاله عند الناس إلى أن طلب بدماء إخوته. وحديثه مشهور ~~أيضا. وكلام المتلمس بعث وتحضيض على دفع الضيم، وركوب الإباء من التزام ~~العار، فلذلك أخذ يذكر بحال من استضعف. فلم يزل يحتال حتى أدرك مباغيه من ~~أعدائه. # وقوله: ما حز أنفه ما زائدة. وارتفع نعامة على أنه بدل من قوله بيهس. ~~وموضع كيف نصب على أنه مفعول تبين، والعامل في كيف يلبس تبين. كأنه قال: ~~تبين ms0375 في أثوابه يلبس أي لبسة. # وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا # قوله ما رأوا ما مع الفعل في تقدير مصدر، كأنه قال: وما الناس إلا رؤية ~~وتحدث، أي اعتبار بالمشاهدة أو بما يروى من أخبار الأمم البائدة؛ فهو ~~كقولك: ما زيد إلا ذو أكل وشرب، فيكون إما على حذف المضاف، كأنه قال: ما ~~زيد إلا ذو أكل وشرب؛ وإما أن يكون لكثرتهما منه، وولوعه بهما، كأنه نفس ~~الأكل والشرب. فيقول: ما الناس إلا ذوو الاعتبار بما يشاهدونه أو يسمعونه ~~من أخبار أسلافهم، فيتيقنون بأنه لا بد من الفناء، فلا ينبغي لأحد أن يحتمل ~~ضيما أو يصبر على مكروه، وما العجز إلا أن يظلموا ويساموا الخسف فيرضوا به، ~~وينطووا عليه كاظمين وساكنين. ويجوز أن يريد بقوله وما الناس: وما حزم ~~الناس، فحذف المضاف، ويكون حينئذ ما رأوا في موضع الظرف، كأنه أراد: ما ~~حزمهم إلا مدة رؤيتهم وتحدثهم، أي إذا اعتبروا بالأمرين، ويكون هذا في باب ~~الإخبار كقولهم: الهلال الليلة، على تقدير حدوث الهلال أو طلوعه الليلة. ~~ويكون الدلالة على هذا الوجه أنه طابقه بقوله وما العجز. # ألم تر أن الجون أصبح راسيا ... تطيف به الأيام ما يتأيس # الجون: حصن اليمامة، ويقال إنه من مصانع طسم وجديس. فيقول: لا توعدونا ~~فإن حصننا حصين لا يوصل إليه، ولا يستباح حماه. ومعنى تطيف به الأيام تلم ~~به الأحداث وتنوبه النوائب فلا يطيع. وقوله لا يتأيس أي لا يلين. وأنشد ~~الأصمعي: # إن تك جلمود صخر لا أؤيسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع # PageV01P468 # وموضع تطيف به الأيام نصب إن شئت على الصفة، وإن شئت على أنه خبر بعد ~~خبر. وموضع ما يتأيس نصب على الحال، والعامل فيه تطيف. # عصى تبعا أزمان أهلكت القرى ... يطان عليه بالصفيح ويكلس # يروى: # ... أيام أهلكت القرى ... يطان على صم الصفيح ويكلس # يقول: إن تبعا لما غزا القرى والمدن لم يصل اليمامة للحصن. وذكره العصيان ~~كما قال غيره. تمرد مارد وعز الأبلق. وقوله يطان عليه بالصفيح ms0376 أي يجعل بدل ~~طينه في الإصلاح والعمارة الكلس بالحجارة. ويجوز أن يكون بالصفيح في موضع ~~الحال، أي يطان ويكلس بصفائحه، أي وهو مبني الحجارة. # هلم إليها قد أثيرت زروعها ... وعادت عليها المنجنون تكدس # يخاطب النعمان. وإليها أي إلى اليمامة. وهذا الكلام تهكم وسخرية. يقول: ~~إن قدرت عليها فاقصدها فإنها أخصب ما يكون، مزدرعها مثار وداليتها تدور. ~~ومعنى تكدس يركب بعضها بعضا في الدوران. ويستعمل في سير الدواب وغيرها. ~~وقال ابن الأعرابي: التكدس أن يحرك منكبيه إذا مشى. وقال الأصمعي. هي من ~~مشى القصار الغلاظ. ويقال كدس به الأرض إذا ضربها به. وأنشدت: # وخيل تكدس بالدارعي ... ن نازلت بالسيف أبطالها # وروى بعضهم: " قد أبيثت زروعها ". والإباثة: الإثارة. وقوله هلم إليها ~~كما يقال أقبل إليها. وقد مضى القول في هلم. # وذاك أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس # ويروى جن ذبابه أي كثر ونشط. والعرض: واد من أودية اليمامة، فلك أن تجره ~~بإضافة الأوان إليه وهو مرفوع، ولك أن تنصب الأوان فترفع العرض بالابتداء، # PageV01P469 # واسم الزمان يضاف إلى الجمل من الابتداء والخبر، والفعل والفاعل، وكأنه ~~قال: وهذا الذي ذكرت هو في هذا الأوان. وقوله حي ذبابه أي عاش بالخصب فيه. ~~وزنابيره يرتفع على أنه بدل من الذباب. وذباب الروض قد تسمى الزنابير. ~~وقوله والأزرق المتلمس إشارة إلى جنس آخر غير الأول، وهو ما كان أخضر ضخما. ~~والمتلمس: الطالب، ويقال إنه سمي المتلمس بهذا البيت، واسمه جرير بن عبد ~~العزى. # يكون نذير من ورائي جنة ... وينصرني منهم جلي وأحمس # وجمع بني قران فاعرض عليهم ... فإن يقبلوا هاتا التي نحن نوبس # قوله " يكون نذير " قيل فيه هو نذير بن بهثة بن وهب بن حرب. وقيل أراد ~~بالنذير المنذر. والمعنى: إني أرصد لهم من ينذرني بهم فيخبرني بمجيهئهم إذا ~~هموا به، فأتقي وأستجن وأتحرز. وجلي وأحمس من ضبيعة بن ربيعة بن نزار يقول: ~~وإذا جاء وقت التجاذب والتدافع قام بنصري هذان البطنان. وقوله وجمع بني ~~قران النصب فيه على إضمار فعل، كأنه قال: سم جمع ms0377 بني قران، ويكون الفعل ~~الظاهر تفسير المضمر؛ والرفع على الابتداء. ومعنى البيت: أجرونا مجرى ~~نظرائنا فإنا نرضى بهم قدوة، واعرضوا ما تسوموننا على بني قران، فإن ~~وجدتموهم يتلقونه بالقبول، ويوطنون أنفسهم عليه، فلنا بهم أسوة، وإلا ~~فالامتناع منه واجب. وقوله هاتا التي نحن نوبس أي هذه الخطة التي نكره ~~عليها. والأبس: القهر. وقال ابن الأعرابي: أبست الرجل، إذ لقيته بما يكره؛ ~~وأبست منه، إذا وضعت منه باستخفاف به وإهانة له. وجواب الجزاء لم يجيء بعد. # فإن يقبلوا بالود نقبل بمثله ... وإلا فإنا نحن آبى وأشمس # وإن يك عنا في حبيب تثاقل ... فقد كان منا مقنب ما يعرس # قوله فإن يقبلوا بالود أعاد به الشرط، وذاك أنه قال في البيت الذي قبله ~~فإن يقبلوا هاتا التي نجن نوبس، ولم يأت للشرط بجواب، ثم قال فإن يقبلوا ~~بالود نقبل بمثله، فاكتفى بجواب واحد لاشتماله على ما يكون جوابا لهما، ~~فكأنه قال: إن قبلوا ما نوبس نقبل مثله، وإن أقبلوا بعد ذلك وادين ووامقين ~~أقبلنا بمثله، وإلا فنحن أشد # PageV01P470 # إباء، وأبلغ شماسا، وأحمى أنفا وأعز جانبا، والشماس: الامتناع، ومنه شماس ~~الدابة، وهو أن لا يمكن من الإسراج والإلجام. وكانت بنو ضبيعة حلفاء لبني ~~ذهل بن ثعلبة بن عكابة، فوقع بينهم نزاع، فعاتبهم المتلمس. وقوله وإن يك ~~منا في حبيب تثاقل فإنه أراد حبيب فخفف، وهو حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن ~~وائل. يقول: إن تكاسل بنو حبيب عن طلب دمائنا، وتثاقلوا عن إدراك ثأرنا، ~~فقد كان منا من يدأب ويسهرن فلا يرى تعريسا وتلوما وتعريجا في ذلك. ~~والمقنب: زهاء ثلاثمائة من الخيل. والتعريس: نزول في آخر الليل. ### || وقال سعد بن ناشب # تفندني فيما ترى من شراستي ... وشدة نفسي أم سعد وما تدري # فقلت لها إن الحليم وإن حلا ... ليلفي على حال أمر من الصبر # تفندني أي تجهلني. والفند: إنكار العقل من هرم. يقال شيخ مفند. وفي ~~القرآن: " لولا أن تفندون "، أي تجهلوني، وفسر على تكذبوني أيضا. والشراسة: ~~صعوبة الخلق وخشونة الجانب. ms0378 فيقول: تعيبني هذه المرأة على ما ترى من عسر ~~الخلق وإباء النفس وفظاظة القلب، جاهلة بأحوال الرجال، والفصل بين أوقات ~~الجد والهزل، والشدة والليان، فأجبتها وقلت: إن الرجل الحليم وإن لان عطفه ~~وسهل خلقه فقد يوجد في وقت الغلظة وعند حالة القسوة أمر مرارة من الصبر، ~~وأشد صلابة من الحجر. وقوله وما تدري في موضع الحال. وفي هذه الطريقة قول ~~الآخر: # وإني لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومر إذا نفس العزوف اقشعرت # وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر # الواو من قوله والشراسة عاطفة لجملة على جملة، ولا يجوز أن يجر الشراسة ~~على أن يكون معطوفا على في اللين، لما فيه من العطف على عاملين بحرف واحد. ~~ومعنى البيت أن من استلين جانبه في كل حال استضعف واهتضم، ومن استخشن خلقه ~~هيب وتحومي. # PageV01P471 # وما بي على من لان من فظاظة ... ولكنني فظ أبي على القسر # في هذه الطريقة قول الآخر: # أبي لما آلى سريع مباءتي ... إلى كل نفس تنتحي في مسرتي # يقول: أضع كل واحد من الفظاظة والسهولة، والشراسة والسلاسة، في موضعه، ~~وأستعمله مع من يستحقه، فمن جرى معي وانقاد لي لنت له، وقابلته بمثل فعله، ~~ومن تأبى علي وطلب مني متابعته والجري مع هواه أبيت عليه، وخالفته فيما ~~يبتغيه. والقسر: القهر على الكره، ويقال قسرته واقتسرته، ومنه قيل للأسد ~~قسورة. # أقيم صغا ذي الميل حتى أرده ... وأخطمه حتى يعود إلى القدر # فإن تعذليني تعذلي بي مرزأ ... كريم نثا الإعسار مشترك اليسر # قوله أقيم صغا ذي الميل، تبجج فيه بأنه عارف بأسرار الرجال، لطيف التوصل ~~إلى إنزالهم منازلهم، بصير بمداواة أدوائهم، لا يتركهم سدى، ولا يخليهم ~~إهمالا. والصغا: الميل والاعوجاج، يقال صغا فؤاده يصغى ويصغو، أي مال. ~~وصغوك مع فلان، أي ميلك. يقول: من مال عنا فإني أقوم اعوجاجه بما يحوج إليه ~~من قول وفعل، حتى أرده إلى ما أريده، فإن تبينت فيه تعديا لطوره، وذهابا عن ~~حقه وحده، زممته بزمام مثله حتى يرجع إلى مرتبته ms0379 وقدره. وقوله فإن تعذليني ~~يصف نفسه بأنه سمح معطاء، لا يكف عن البذل، ولا يرد عن الإعطاء والجود، على ~~تلون الزمان به، وتغير الأحوال عليه. والمرزأ: المصاب في ماله كثيرا. وقوله ~~تعذلي بي مرزأ، أي رجلا مرزأ، وذلك الرجل هو هو كما يقال: لقيت بزيد الأسد. ~~والنثا: الخبر، ويستعمل في الخير والشر، والثناء لا يستعمل إلا في الخير، ~~يقول: إن لمتني على ما هو دأبي من الإفضال، لمت بي رجلا لا يفكر في عقب ~~الدهر، وكروره بالغنى والفقر، فإن نابه العسر حسن بلاؤه وكرمت أخباره فيه، ~~وإن ناله اليسر أشرك الأقارب والأجانب في نفعه، فعمت فواضله لديهم. # وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. فمن ذلك قول الشمردل: # وصول إذا استغنى وإن كان مقترا ... من المال لم تحف الصديق مسائله # PageV01P472 # وقول المرار: # إذا افتقر المرار لم ير فقره ... وإن أيسر المرار أيسر صاحبه # وأحسن من الجميع قول الآخر: # إذا افتفروا عضوا على الفقر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر # إذ هم ألقى بين عينيه عزمه ... وصمم تصميم السريجي ذي الأثر # يذكر من نفسه الصرامة والنفاذ، وفصل الأمور، والصبر على ممارسة الخطوب. ~~يقول: إذا عزم على الأمر كان جميع الرأي، يجعل المهموم به نصب عينيه، حتى ~~يخرج منه، ونفذ نفاذ السيف الخذم لا يتوقف في الضريبة، ولا يكهم. والسريجي: ~~منسوب، ويجوز أن يكون وصف بذلك لكثرة ماله ورونقه، حتى كأن فيه سراجا؛ ومنه ~~قيل: سرج الله أمرك، أي حسنه ونوره. والتصميم: المضي في الأمر، ويقال صمم ~~في عضته، إذا نيب. قال: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # والأثر: الفرند والماء، ويقال أثر بالضم. ### || وقال أيضا: # لا توعدنا يا بلال فإننا ... وإن نحن لم نشقق عصا الدين أحرار # يخاطب بهذا الكلام بلالا الخارجي، ويعيره خروجه من طاعة السلطان وشقه عصا ~~الإسلام، فيقول: اترك توعدنا فإنا وإن لم نفرق الجماعة تفريقك، ولم نخالف ~~المسلمين مخالفتك فإن فينا كرما وإباء يحمينا من الانهضام، ويحرم علينا ~~الصبر على المذلة والعار، فلا طريق ms0380 لك إلى تملكنا والتحكم فينا. وقال ~~الخليل قولهم شق عصا المسلمين، العصا: الاجتماع والائتلاف. والأجود عندي أن ~~يكون مثلا كما يقال للرفيق الحسن السياسة: هو لين العصا، وفي ضده: هو صلب ~~العصا، وكقولهم: قشرت له العصا، إذا أبنت له ما في نفسك، وكما قيل: " عصا ~~الجبان أطول ". وقال بعضهم يصف الخوارج: # رجوا بالشقاق الأكل خضما فقد رضوا ... أخيرا من أكل الخضم أن يأكلوا قضما # PageV01P473 # فأتى بالشقاق وأصله من شق العصا. # وإن لنا إما خشيناك مذهبا ... إلى حيث لا نخشاك والدهر أطوار # يتوعده بأنه إن أعياه مقارته ولم يف بمدافعته، فارق أرضه وتربص به ما لا ~~يؤمن من تغير الزمان، وتحول الأحوال، لأن في سعة الأرض مذهبا له، وفي ~~التباعد عنه راحة تؤمنه. وقد أومأ بقوله والدهر أطوار إلى تصاريف الزمان، ~~وتلونه بالخير تارة وبالشر أخرى. ويقال الناس أطوار، أي أخياف على حالات ~~شتى. وفي القرآن: " وقد خلقكم أطوارا ". وقوله إلى حيث لا نخشاك أجرى حيث ~~مجرى الأسماء، وجعل لا نخشاك من تمامه، وحذف الضمير منه تخفيفا، كأنه قال ~~إلى حيث لا نخشاك فيه، أي إلى مكان الأمن منك. ويروى " فإن لنا عنكم مزاحا ~~ومذهبا ". والمزاح: المبعد، يقال: زاح عني. # فلا تحملنا بعد سمع وطاعة ... على غاية فيها الشقاق أو العار # يقول: لا تلجئنا بعد انقيادنا لك في كثير من الأمور، ودخولنا تحت هواك، ~~وتلقينا بالسمع والطاعة أمرك، إلى غاية تضيق نطاق صبرنا، وتعجز طاقتنا ~~وجهدنا، فتفضى بنا الحال إلى أحد شيئين، إما مشاقتك ومجاهدتك، وركوب كل صعب ~~وذلول في الخروج عنك وعليك، وإما الرضا بالدنية والدخول تحت العار ~~والهضيمة، فلا حظ لنا ولك في واحدة منهما. وقد مضى القول في الشقاق وأصله. ~~يقال هو يشاقهم خلافا وعنادا. # فإنا إذا ما الحرب ألقت قناعها ... بها حين يدفوها بنوها لأبرار # قوله إذا ظرف لخبر إن، وهو أبرار. وكذلك قوله حين يجفوها، والتقدير: إنا ~~لأبرار بالحرب إذا ألقت قناعها وجفاها أبناؤها. وقوله ألقت قناعها مثل. ~~يريد: إذا اشتدت فتكشفت، وزالت المساترة بين أولادها ms0381 فتبرجت، في أقبح زيها ~~وأفظع صورتها. وتشبيه الحرب في ابتدائها بالفتية المخدرة وتسترها، وعند ~~تفاقمها بالعجوز واطراحها لقناعها، مشهور في عاداتهم وطرائقهم. وبر أبنائها ~~بها: صبرهم على حرها، وتهييجهم لنارها. وجفاؤهم بها أن يكونوا على الضد من ~~ذلك. # PageV01P474 # ولسنا بمحتلين دار هضيمة ... مخافة موت إن بنا نبت الدار # هذا خلاف قول الآخر: # إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وقدهم يستقيلها # وانتصب مخافة على أنه مفعول له، الهضيمة والمضيمة واحد. ### || وقال قراد بن عباد # إذا المرء لم يغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا # ولم يحبه بالنصر قوم أعزة ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب # تهضمه أدنى العدو ولم يزل ... وإن كان عضا بالظلامة يضرب # يخبر بأن عز الرجل بعشيرته، واعتلاءه بذويه وأقاربه، فإذا لم يتغضب له ~~فرسان يسخطون لسخطه ويمتعضون من دخول الضيم عليه، فيركبون حد الموت في ~~هواه، ويقتحمون الشدائد في نصرته، تجاسر عليه أضعف أعدائه، وأدنى مخالفيه، ~~وإن كان في نفسه منكرا داهية لا يطاق، ولم يزل مضروبا بالظلم والهضيمة، ~~مقهورا بالإزراء والمضيمة، وإن كان لا يؤتى من حد ومضاء. والعض: السيئ ~~الخلق، والمنكر الشديد اللسان. ويقال هو عض مال وعض سفر وقتال، إذا كان حسن ~~الغناء في جميعها. وجواب إذا المرء قوله تهضمه، وهو العامل فيه والمقاحيم: ~~جمع المقحام، وهو الذي يخوض قحمة الشيء، أي معظمه. ومعنى تهضمه كسره وأذله. ~~والحباء: عطاء بلا من ولا جزاء. ويقال: حباه الله بكذا، وحباه كذا أيضا. ~~وخبر لم يزل " يضرب "، وفي الجملة جواب " وإن كان عضا ". # فآخ لحال السلم من شئت واعلمن ... بأن سوى مولاك في الحرب أجنب # ومولاك مولاك الذي إن دعوته ... أجابك طوعا والدماء تصيب # PageV01P475 # فلا تخذل المولى وإن كان ظالما ... فإن به تثأى الأمور وترأب # يحثه على استصلاح بني الأعمام، وينبه على أنهم المعتمدون في الشدائد، ~~فيقول: وال لأيام السلامة وأحوال الموادعة والمسالمة من شئت، وإن لم يجمعك ~~وإياه نسب ولا سبب، عالما بأنه لا يصلح للحرب ومجاذبة الأعداء إلا قريب، ~~وأن من ms0382 سواه فيها غريب. وقوله ومولاك مولاك تلافى به تحقيق ما قدمه، وتأكيد ~~ما أطلقه، ونفى عنه تسلط المجاز والاتساع. فيقول: مولاك في الحقيقة هو ابن ~~عمك الذي إن استغثت به أبعد ما كان منك أغاثك عن حنو وشفقة، وإن دعوته ~~والكلم يقطر وحبل الألفة ينقطع، أجابك لا بتصنع وتعمل، فأما من ولاؤه ~~بالاسم دون المعنى، أو يكون مداجيا لك يجاملك بالغش وينطوي لك على الضغن، ~~يخذلك أحوج ما كنت إليه، ويبعد عنك أقرب ما كنت فيه، فلا معتمد عليه، ولا ~~استنامة إليه. وانتصب طوعا لأنه مصدر في موضع الحال. ومثل هذا قول الآخر: # أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب # وقوله ولا تخذل المولى وإن كان ظالما يجوز أن يكون المعنى: لا تخذله وإن ~~كان ظالما لك، ويجوز أن يكون على منهاج ما جاء في الخير: " انصر أخاك ظالما ~~أو مظلوما ". يقول: طالب نفسك لمولاك بمثل ما تطالب به مولاك لنفسك، وانصره ~~على كل حال. # وفي مثل طريقة البيتين الأولين من هذه المقطوعة قول الآخر: # ومن لا يكن ذا ناصر يوم حقه ... يغلب عليه ذو النصير ويضهد # وفي كثرة الأيدي لذي الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد # ومعنى به تثأى الأمور وترأب يريد بالمولى تصلح الأمور وتفسد. ويقال: رأيت ~~الثأي، كما يقال رفعت الخرق. ### || وقال زاهر أبو كرام التيمي # لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام به وتصل جلاد # PageV01P476 # قوله لله تيم، تيم: رجل من بني يشكر، بارز أبا كرام فقتله، وكان أحد ~~الفرسان، فأخذ أبو كرام يقيم أمره ويعظم شأنه، لأن ثناءه عليه وإكباره ~~لمكانه راجع إليه، إذ صار قتيله. واللام من لله تيم دخلت للتخصيص، والعجب ~~دخل في الكلام أيضا بقوله أي رمح طراد. وعلى هذا قولهم: لله دره. وهذا ~~التخصيص باللام يجري مجرى الإضافة في قولهم: بيت الله، وكعبة الله، وإن ~~كانت الأشياء كلها لله. وقوله أي رم طراد لاقى الحمام به الضمير في به ~~لتيم، والمعنى: لاقى الموت بتيم أي رمح ms0383 مطاردة، وأي نصل مجالدة، كأنه كان ~~رمحا ونصلا، ومحش حرب. ويجوز أن يكون المراد: لاقى الموت به أي سلاح وعدة، ~~وأي مقاتل وبطل. ولك أن ترفع الحمام، والمعنى: لاقى الموت بتيم أي رمح وأي ~~رامح، وأي سيف وأي سائف. ودل على صاحب السيف والرمح قوله " ومحش حرب " في ~~البيت الثاني. # ومحش حرب مقدم متعرض ... للموت غير معرد حياد # يقال: حششت النار، إذا جمعت الحطب إليها وهيجتها. كأنه جعله آلة في حش ~~نار الحرب، لأن المفعل والمفعال للآلات. والتعريد: ترك القصد وسرعة ~~الانهزام. والحياد: الذي يحيد عن موضع القتال كثيرا. يريد أنه يقدم ولا ~~يحجم. وانعطف ومحش حرب على ونصل جلاد. # كالليث لا يثنيه عن إقدامه ... خوف الردى وقعاقع الإيعاد # مذل بمهجته إذا ما كذبت ... خوف المنية نجدة الأنجاد # يقول: هو في بأسه وإقدامه، مثل الليث لا يصرفه عن الوجه الذي يؤمه، ~~والأمر الذي يهمه، ما يستشعره الجبان من خوف الموت، وقعقعة الوعيد. ~~والقعقعة: صوت الجلد اليابس والبكرة؛ وتوسعوا فيه فقالوا: هال فلانا قعقعة ~~الوعيد. وقالوا: تقعقعت مفاصله أيضا. # وقوله: مذل بمهجته كأنه يطول تعرضه للشدائد، ويدوم ابتذاله لما يجب صونه ~~من كرائم النفس، فعل من ضجر بمهجته فاستقتل، واستطاب الموت فتعجل. ويقال: ~~مذل بسره، إذا باح به. والمهجة: خالصة النفس، ومنه الأمهجان في اللبن. # PageV01P477 # وانتصب خوف المنية على أنه مفعول له، وإذا ما كذبت نجدة الأنجاد، ظرف ~~لقوله مذل، والمعنى: إذا خانت شدة الأشداء، ولم تف بما تعد شجاعة الشجعان، ~~لاستفحال الشأن، فإن هذا الرجل كان ينذل بمهجته، فكأنه يميل إلى انقطاع ~~العمر. والأنجاد: جمع النجد. والنجدة: البأس. ويقال: هو صادق البأس، كما ~~قيل كاذب البأس. # ساقيته كأس الردى بأسنة ... ذلق مؤللة الشفار حداد # فطعنته والخيل في رهج الوغى ... نجلائ تنضح مثل لون الجادى # أخذ يقتص كيف قتل تيما. والمساقاة تكون من اثنين، ولذلك قال: " بأسنة ذلق ~~" فجمع، وإنما كان سنانان من رمحين. ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد الزج ~~والسنان من كل واحد منهما. والذلق: المحددة. وذلق كل شيء: ms0384 حده، ومنه قيل ~~ذليق اللسان. والمؤللة أيضا: المحددة. والشفار، أصله أن يستعمل في السكين ~~العريض. وكما جعل هذا الشفرة للرمح جعله غيره للسيف فقال: # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مز حل # وقوله فطعنته والخيل الوالو والو الحال، والرهج: الغبار. وقوله: نجلاء ~~أراد طعنته طعنة نجلاء أي واسعة، تنضح أي ترش. والنضح بالحاء غير معجم ~~يستعمل فيما رق، وبالخاء معجمة فيما غلظ. وقوله مثل لون الجادى يعني به ~~دما، أي لونه مثل لون الزعفران. # فكأنما كانت يدي من حتفه ... لما انثنيت له على ميعاد # فهوى وجائشها يفور بمزبد ... من جوفه متدارك الإزباد # قوله فكأنما كانت يدي من حتفه يريد أنه سقط لأول طعمة، فكانت نفسه فيها، ~~لأنها كانت جائفة نافذة إلى المقتل، فكأن بين حينه وبين يدي لما أملتها ~~للطعن موعدة أنجزت، وخطفة اختطفت. وقوله فهوى وجائشها يفور يريد: سقط وما ~~يجيش من نجيعه يسيل وقد علاه الزبد لكثرته وقوته، فهو يمور ولا يرقأ ولا ~~يهدأ. ومعنى متدارك الإزباد أي متتابعه، أي إزباده لا ينقطع. # PageV01P478 ### || وقال عمرو القنا # القائلين إذا هم بالقنا خرجوا ... من غمرة الموتت في حوماتها عودوا # الحومات: جمع حومة، وهي في الأصل أكثر موضع في البحر ماء، وكذلك في ~~الحوض، فاستعارها لشدة الحرب. وإنما يصف حرصهم على القتال، وأنه لا يلحقهم ~~السآمة فيه والملال، فمتى خرجوا من غمرة منية، وحومة كريهة، مطاردين ~~الأعداء، دعتهم أنفسهم إلى أن يتنادوا: عودوا، فلا شفاء نلنا، ولا بواء من ~~الأعداء أصبنا. وقوله بالقنا خرجوا أي خرجوا ومعهم القنا. وعودوا في موضع ~~المفعول من القائلين، وهو حكاية ماقالوا. # عادوا فعادوا كراما لا تنابلة ... عند اللقاء ولا رعش رعاديد # قوله لا تنابلة عند اللقاء مثله قول الهذلي: # قد ظلت فيها معي شعث كأنهم ... إذا يشب سعير الحرب أرماح # يقول: عادوا لاتفاق آرائهم واجتماع كلماتهم، وهم كرام الموافقة، شداد ~~المناصبة، لا يتضاءلون عند اللقاء، ولا يتقاصرون في جهد البلاء، ولا ~~يرتعشون في الدفاع، ولا يتخاضعون أوان الامتناع. والتنابلة: ms0385 جمع التنبال، ~~وهو القصير. والرعاديد: جمع رعديد، وهو الذي لا يتماسك جبنا وضعف قلب. # لا قوم أكرم منهم يوم قال لهم ... محرض الموت عن أحسابكم ذودوا # دخل تحت قوله أكرم منهم كل خصلة محمودة، لأنه إذا تناهى كرمهم إذا دعا ~~الداعي وقت التحريض: أن ادفعوا عن أحسابكم، فقد حصلوا كل منقبة شريفة، ~~وطلعوا على كل ثنية من ثنايا المجد منيفة، واكتسبوا من الأحدوثة الجميلة ~~بما يظهر من بلائهم ما يقصر عنه كل أكرومة نبيهة. # PageV01P479 ### || وقال الفرزدق # إن تنصفونا يا آل مروان نقترب ... إلتكم وإلا فأذنوا ببعاد # يقول: إن حملتمونا في مجاوتنا لكم على السواء، وتركتم البغي علينا ~~والعلاء، اختلطنا بكم، وطلبنا موافقتكم، وإلا فاعلموا أن البعاد منكم همنا ~~وهمتنا؛ لأنه إذا لم يكن لنا صبر على الاهتضام، ولا طريق إلى الانتقام، فلا ~~ثالث لهما إلا الانتقال. ويقال أذنت بكذا، إذا علمت به فاستعددت له؛ وآذنني ~~فلان؛ ومنه الأذان بالصلاة، والفعل منه أذن. # فإن لنا عنكم مزاحا مذهبا ... بعيس إلى ريح الفلاة صواد # قوله مزاحا هو من زاح يزيح، إذا ذهب؛ ومنه أزحت العلة، والكلام خارج على ~~أنه تفسير البعاد الذي ذكره وبيانه. يقول: إن سمتمونا خسفا، وأذقتم ممونا ~~في ولايتكم عسفا، فإن لنا عنكم في الأرض مبعدا ومنتاى، بإبل بيض كرام، ألفت ~~المفاوز، فهي للتلكؤ عنها نوازع دونها، عواطش إلى ريحها. والصوادي: جمع ~~صادية؛ والصدى: العطش. # مخيسة بزل تخايل في البرى ... سوار على طول الفلاة غواد # التخييس: حبس الإبل على الكد والعمل؛ ومه قول النابغة: # وخيس الجن إني قد أذنت لهم # أي احبسهم واستعملهم، وإنما وصف العيس ليى أنه متمكن من مراده في ~~التباعد، ومستظهر في العدة للسفر إن اضطر إليه. وجعلها بزلا لتكون متناهية ~~في القوة. وقوله تخايل في البرى أي تحتال في سيرها وهي مبراة تطيق وصل ~~السير بالسرى، على امتداد الشقة وطول الوجهة. وقوله في البرى في موضع النصب ~~على الحال. # PageV01P480 # وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب ... وكل بلاد أوطنت كبلادي # أظهر في الكلام طيب نفسه ms0386 على السفر، وسلوه عن بلده وموطنه، فقال: في ~~الأرض الواسعة منتزح ومتوجه عن الجائرين، وكل مكان اتخذته وكنا كان كمسقط ~~رأسي، ومقر نشئي، إذ لا قرابة بين الديار وسكانها ولا مشاكلة، وإنما يختار ~~منها ما كان إلى السلامة أقرب، وللعز أجلب، ومن المهانة والذل أبعد. # وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا خفير زياد # كان شكوه من الحجاج بن يوسف، وتأذيه بسوء معاملته، فأخذ يستهين به. يقول: ~~إذا خرجت من ملكته، وفارقت أرضى مملكته، تباعدت عن حومة سلطانه، ودار أمره ~~ونهيه، وخلفت ورائي حفير زياد بن أبيه، الذي هو حد عمله، فماذا تراه يقدر ~~عليه مني، أو يستطيع اختياره من إذائي وقصدي. وعسى من أفعال المقاربة، ~~والفعل بعده يصحبه أن في الكلام. وفي القرآن: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ". إلا أنه في الشعر قد يشبه تكاد، ~~وهو نظيره في أنه من أفعال المقاربة، فينزع منه أن، لأن الفعل بعد كاد يكون ~~بغير أن. ومثله في ذلك قول الآخر: # عسى الله يغني عن تلاد ابن قادر # ويعني بحفير زياد نهرا كان احتفره زياد. # فباست أبي الحجاج واست عجوزه ... عتيد بهم ترتعي بوهاد # قوله باست أبي الحجاج قال أبو زيد: القصد بمثل هذا القول أن يبين أنه ~~يتجاسر على ذكر السوءة منه. والباء من قوله باست متعلقة بمضمر، كأنه لحق ~~باست والديه كل خزية وعار، ومنقصة وشنار. وقوله عتيد بهم انتصب على الشتم ~~والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمر، كأنه قال: أعني وأذكر. وجعله بهذا الاسم ~~أشهر وأعرف منه بالعلم له، والاسم الذي سمى به. وهذا هو الغرض في كل ما ~~ينصب على المدح أو الذم، ولذلك كان أبلغ من الصفات التابعة لموصوفها في ~~المعنى، إذ كانت الصفة تجيء لشرح الاسم وإزالة اللبس عنه، وباب المدح والذم # PageV01P481 # يجيء للتنويه والرفع أو التهجين والحط. والعتيد: تصغير عتود، وهو ما رعى ~~وقوى من أولاد الغنم. والبهم: صغار أولاد الغنم. وقوله ترتعي موضعه جر على ~~أنه ms0387 صفة لقوله بهم. والوهاد: ضد النجاد. والمعنى: أنه في القلة والخسة رئيس ~~أشباه له هذا صفتهم فيما ينالونه من دنياهم، فهو فيهم كعتود من بهم ذلك ~~صفتها. # فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد # يقول: لولا تقدم الحجاج ببني مروان، واستعمالهم إياه، وجذبهم بضبعه ~~ورفعهم خسيسته، وإيطاؤهم الناس عقبه لكان حديثا كما كان قديما ذليلا مهينا ~~حقيرا قميا بين أمثال له من إياد. ### || وقال آخر: # قد علم المستأخرون في الوهل # إذا السيوف عريت من الخلل # أن الفرار لا يزيد في الأجل # يقال استأخر بمعنى تأخر، كما يقال استقدم بمعنى تقدم. والوهل: الفزع. ~~والخلل: بطائن جفون السيف، والواحدة خلة، والمراد بها ها هنا الجفون. وقوله ~~أن الفرار سد مسد مفعولي علم. يقول: بان وظهر للذين يتأخرون عن الدفاع، ~~ويتحامون المصاع، مستشعرين أن الإحجام يقبهم ويبقيهم، وظانين أن الفرار من ~~الزحوف إذا انتضيت السيوف يزيد في أعمارهم - أم الحذر لا يغني من القدر، ~~وأن الهرب لا يزيد في الأجل. وهذا كلام من ابتذل نفسه فسلم وصار يعير من ~~كان بخلافه. ### || وقال شبل الفزاري # وحاربه بنو أخيه فقتلهم # أيا لهفى على من كنت أدعو ... فيكفيني وساعده الشديد # يتندم على ما أجرى إليه وجره القدر فيهم وفيه، ويتذمم من نكايته في ذويه ~~ويتحزن على ما فاته من تلافيه، ويتلهف من فقدانه إياهم على فاقته إليهم، ~~فقال: يا # PageV01P482 # حسرتاه على من كان مفزعي في النوائب، ومعتمدي في الشدائد، أستنصرهم ~~فينصونني، وأتكفيهم فتحصل منهم كفايتي، والقوة لهم وبهم، والنصرة مجتلبة من ~~جهتهم. وقوله وساعده الواو واو الحال، أي يكفيني بقوة وشدة بأس. # وما من ذلة فلبوا، ولكن ... كذاك الأسد تفرسها الأسود # بين أنهم لم يؤتوا من ضعف، ولم ينكبوا عن وهن، ولكن الأشداء إذا تلاقوا ~~متدافعين ومتجاذبين، فلا بد من حصول الغلب في أحد جانبيهم، واحتجان القهر ~~لأقرب طائفتيهم. على ذلك الأسود تكسرها الأسود. وقوله: كذاك الأسد الأسد ~~مرتفع بالابتداء، وتفرسها الأسود في موضع الخبر، وكذاك في موضع الحال، ~~والتقدير: ولكن ms0388 الأسد تفرسها الأسد كذلك، أي أمثالا لمن قتلت، ويجوز أن ~~يكون أشار بذلك إلى الغلب، لأن غلبوا يدل عليه، ويجوز أن يكون ذلك خبرا ~~مقدما للأسد، وتفرسها في موضع الحال والتقدير: ولكن كأمثالهم الأسد إذا ~~فرستها الأسد، ومثل هذا قول الآخر: # قومنا بعضهم يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد # ومن الأمثال: " النبع يقرع بعضه بعضا ". # فلولا أنهم سبقت إليهم ... سوابق نبلنا وهم بعيد # لحاسونا حياض الموت حتى ... تطاير من جوانبنا شريد # هذا الكلام اعتراف منه بقوتهم وغنائهم في الحرب واستقلالهم، فيقول: لولا ~~أنا رشقناهم بالنبل على بعدهم عنا، وقبل تمكنهم منا، لكان الإتيان عليهم ~~متعذارا، والفراغ من مناوشتهم متصعبا، لما فيهم من الثبات في الدفاع والصبر ~~على الوقاع، ولأنهم كانوا يساقوننا الموت من حياضه إلى أن يتفرق عنا، ويذهب ~~من جوانبنا كل مختلط بنا، يأسا منا، ونفورا من حالنا، لما يستشنعه من جهد ~~بلائنا، ويبشمه من عسر لزامنا، لكنهم شغلوا بما دهمهم من ذلك. وقوله وهم ~~بعيد: بعيد مثل الصديق والرسول، في أنه يقع للواحد والجمع. وقوله شريد يراد ~~به الكثرة، وإن كان لفظه واحدا. وقوله: لحاسونا حياض الموت فيه توسع، لأن ~~المعنى ما في الحياض. # PageV01P483 ### || وقال قطري بن الفجاءة # ألا أيها الباغي البراز تقربن ... أساقك بالموت الذعاف المقشبا # يخاطب من طلب مبارزته. ومعنى تقربن أقبل وهلم. وقوله أساقك بالموت الذعاف ~~يجوز أن يكون معناه أساقك بسبب الموت، ويجوز أن يكون على القلب أراد أساقك ~~الموت بالذعاف، والمعنى بأن أفعل بك ما يقوم مقام سقي الذعاف. ويدل على هذا ~~الوجه قوله فيما بعد: فما في تساقي الموت في الحرب سبة. والذعاف: سم ساعة، ~~ويقال طعام مذعوف. وموت ذعاف أي وحي. والمقشب: الذي قد خلط به أدوية تقويه ~~وتهيجه. وأصل القشب: الخلط، حتى قيل رجل مقشب، أي مخلوط الحسب باللؤم. # فما في تساقي الموت في الحرب سبة ... على شاربيه فاسقني منه واشربا # التساقي: أن يسقى بعضهم بعضا، ولا يصح الأمر منه لواحد، ولا يعتدي إليه. ~~ومن هذا الوجه خالف تفاعل، ms0389 وإن لم يكن فعلهما إلا من اثنين فصاعدا. ألا ترى ~~أنك تقول يا زيد ضارب عمرا، ولا تقول تضاربه. والمراد بالكلام إظهار طيب ~~النفس بالموت، والتسلي عن الحياة، وأنه لا يدخل العار على من شرب كأس ~~الردى، ولا منقصة على متنازعيها، فهاتها وخذها. ### || وقال دراج حين طعن # شدي على العصب أم كهمس # ولا تهلك أذرع وأرؤس # مقطعات ورقاب خنس # فإنما نحن غداة الأنحس # هيم بهيم طليت تمرس # يقوى قلبها على أسو جراحه، وإحكام شد عصائبه، ويقول: لا يهولنك ما ترين ~~من أذرع مفصلة، وأرؤس مقطعة، ورقاب مقصرة، فإن الموت يأتي لحينه وأوانه، ~~وقدره وميقاته، ولا يقربه شدة الجلاد، ولا فظاعة الجراح، واعلمي أن الذي ~~أدانا إلى ما تشاهدينه تناهى العداوات والضغائن، وانطواء الصدور على ~~الحزازات والسخائم، وأن كلامنا كان يكظم غيظه، ويكتم حقده، انتظارا لعقب ~~الأيام، وفرص الإمهال، # PageV01P484 # فلما جمعنا القدر لغداة الأنحس، كنا كإبل جربى طليث بالهناء لاقت مثلها ~~فتحاكت متلذذة، وتدافعت متشفية. الهيم: الإبل العطاش، وإذا كانت جربى قد ~~عطشت وطليت كان حماها أزيد، وكربها افظع، وتحككها أشد. والخنس: جمع خانس، ~~كشاهد وشهد. والخنوس: الانقباض والانخفاض. والباء من قوله بهيم يتعلق ~~بتمرس، وتمرس صفة الهيم الأول، وطليت صفة للثاني. ### || وقال الأرقط بن دعبل بن كلب العنبري # إني ونجما يوم أبرق مازن ... على كثرة الأيدي لمؤتسيان # لقى هذا الرجل وابنه قوما لصوصا فقاتلاهم وظفرا بهم، فأخذ يقتص الحال. ~~ونجم: اسم ابنه. يقول: إني وابني نجما في يوم الالتقاء مع المتلصصة بأبرق ~~مازن والأبرق مكان فيه حجارة سود وبيض، ومنه جبل أبرق، إذا كان طاقاته ذات ~~لونين سواد وبياض على كثرتهم وقلتنا، لمؤتسيان، أي يواسي كل منا صاحبه على ~~أمره، ويساعده على مراسه. وقوله على كثرة الأيدي في موضع الحال. # يلوذ أمامي لوذة بلبانه ... وترهب عنا نبعة ويمان # الضمير في قوله يلوذ لنجم ابنه، والباء في بلبانه يتعلق بيلوذ، ولا يجوز ~~أن يتعلق بقوله لوذة، لأن الفعل والمصدر إذا اجتمعا فالفعل بالعمل أولى. ~~والهاء ضمير الفرس، ولم يجر ذكره، ولكن ms0390 المراد مفهوم، وكان الأرقط فارسا ~~على ما يدل الكلام عليه، والابن راجلا. وكان لياذه من حر الوقاع في الوقت ~~بعد الوقت بأبيه، على عادة مزاولي الحروب في تساند الرجالة إلى الفرسان، ثم ~~قال " وترهب عنا نبعة ويمان تنبيها على عدتهما واستظهارهما بسلاحهما. ويعني ~~بالنبعة قوسا. # ونغشى فنغشى ثم نرمى فنرتمي ... ونضرب ضربا ليس فيه توان # يقول: نحمل عليهم فيحملون علينا، ثم يرموننا من بعد فنرميهم. كأنهم ~~طاردوا أولا ثم ناضالوا وأخروا الجلاد. فقال: ونضرب ضربا لا فتور فيه ولا ~~تقصير، وهذا # PageV01P485 # كما قال الآخر: # عنا طعان وضرب غير تذبيب # فالتذبيب المنفى كالتوانى. ### || وقال وداك بن نميل المازني # نفسي فداء لبني مازن ... من شمس في الحرب أبطال # يقول: أفدي من كل سوء بنفسي بني مازن، من فرسان ينفرون من الضيم، ويشمسون ~~إذا التقوا مع الأعداء في الحرب، شماسا لا يحصهم على طمع متيح، ولا يؤديهم ~~إلى يأس مريح، بل يترددون في الجذاب، فلا يزالون معهم على مراس إتعاب لا ~~ينقطع، ولزام شر لا يقلع، وهكذا يكون شموس الخيل في الإباء والانقياد. وقال ~~لقيط فبين المعنى وأوضحه: # جرت لما بيننا حبل الشموس فلا ... يأسا مبينا نرى منها ولا طمعا # وفي طريقة بيت وداك قول عبد الرحمن بن حسان: # وإني من قوم كرام يزيدهم ... شماسا وصبرا شدة الحدثان # هيم إلى الموت إذا خيروا ... بين تباعات وتقيال # الهيم: العطاش، والتباعة والتبعة بمعنى. يقول: إذا خير بنو مازن فيما ~~يزاولونه بين الصبر على القتال وبين الرضا فيما يلحقهم معه تبعات العار، ~~وجدوا يؤثرون فوت الروح على التزام الهضم، إيثار العطشان للماء. # حموا حماهم وسما بيتهم ... في باذخات الشرف العالي # يقول: منعوا حماهم ممن يريد دخوله، ويروم إباحته، فسلم على مر الأيام، ~~وصار بينهم من يفاع الشرف العالي في أعلى منزلة، فلا يرتقي إليه همة حاسد، ~~ولا يناله أمنية منازع. والباذخ: الجبل الطويل؛ ومه البذخ الكبر. # PageV01P486 ### || وقال سوار # أجنوب إنك لو رأيت فوارسي ... بالسيف حين تبادر الأشرار # سعة الطريق مخافة أن يؤسروا ... والخيل يتبعهم وهم فرار ms0391 # هذا الكلام تلهف وتحسر، وإخبار بحسن بلائه وبلاء فرسانه فيما منوا به ~~وتحمد. فيقول: لو شاهدت فرساني يا جنوب بالسيف وهو شاطئ البحر حين تسابق ~~شرار الرجال وجبناؤهم إلى متسع الطريق، خارجين من منافذ المضيق، خوفا من ~~الإسار، هائمين على وجوههم، والخيل في طلبهم وهم يستغيثون بي عند احمرار ~~الباس، واشتداد المراس، على عادتهم معي في الكرائه، لرأيت أمرا منكرا. حذف ~~جواب الأمر، وإبهام الحال في مثل هذا الكلام أبلغ من بيانها، وقد مضى القول ~~في مثله، فيما تقدم. وسعة الطريق: مفعول تبادر، ومخافة انتصب على أنه مفعول ~~له، وأن يؤسروا مفعول من المخافة. # يدعون سوارا إذا احمر القنا ... ولكل يوم كريهة سوار # احمرار القنا إنما يكون من الدم السائل عليه، لكثرة الطعن. وقد قيل: موت ~~أحمر، ومنية حمراء، يراد الشدة، حتى قيل سنة حمراء، وقالوا: " الحسن أحمر " ~~أي يتجشم في طلب الجمال الشدائد. وقوله ولكل يوم كريهة سوار أراد أن يبين ~~أن ذلك دأبهم عند الكريهة في دعائي ودأبي في الإجابة، وأنه لم يكن بدعا ~~منهم ومني ولا نكرا. ### || وقال أبو حزابة التميمي # من كان أحجم أو خامت حقيقته ... عند الحفاظ فلم يقدم على القحم # فعقبة بن زهير يوم نازله ... جمع من الترك لم يحيم ولم يخم # PageV01P487 # هذا الكلام يجري مجرى التعريض لما يشتمل عليه من التعيير. وقوله فعقبة ~~مبتدأ وخبره لم يحجم. فيقول: من كان كف في اللقاء عن الإقدام وقت الحاجة، ~~وأعفى نفسه من الاقتحام أوان المحافظة، راضيا بالقصور والتقصير، والانخزال ~~والفتور، أو سقطت همته، وتخترت حقيقته، فلم تبعثه أنفة، ولم يهيجه امتعاض ~~وأبية، فعقبة بن زهير يوم منازلته للأتراك لم يتوقف في المدافعة، ولم يتلبث ~~فيها دون أبعد الغاية. والإحجام: ضد الإقدام. وقد مضى القول في موضوعه. ~~وحقيقة الرجل: ما يحق عليه الدفع عنه من ذويه وحسبه، كما أن حقيقة الأمر ما ~~يتيقن من وجوبه. واستعارة النوم فيها حسن، فهو كما يقال نام الثوب إذا ~~أخلق. وقحم الأمور والطرق: ما صعب منها. وقوله لم يخم يقال ms0392 خام عن قرنه، ~~إذا نكل ونكص على عقبه. ويقال أيضا: خام في مكيدته يخيم، إذا لم يظفر فيها ~~بخير. وقوله فعقبة جواب من كان أحجم. # مشمر للمنايا عن شواه إذا ... ما الوغد أسبل ثوبيه على القدم # يقول: كشف في المجاهدة عن ساقه، وتشمر للبلاء عند سياقه، إذا الدني من ~~الرجال أرخى ذيله، فلا يتشمر لتلقي المهمة، وتغشى غطاء عجزه، فلا ينبعث ~~لدفع الملمة، ولا يتحرك لمنع المظلمة. والشوى: الأطراف. والوغد من قولك: ~~وغدت القوم، إذا خدمتهم. وقوله إذا ما الوغد ما زائدة، وإذا ظرف لما دل ~~عليه قوله مشمر وهو جوابه. وفي خلاف قوله قول الآخر: # وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري # خاض الردى في العدي قدما بمنصه ... والخيل تعلك ثني الموت باللجم # يقول: دخل قديما في مكاشفة أعدائه الهلاك بسيفه، لا ينقبض ولا يحجم، ~~والخيل عواض على لجمها، تعلكها في أثناء الموت. والعلك: المضغ، ويقال: في ~~لسانه عولك، أي يمضغه. فعلى هذا يكون ثني الموت ظرفا، كما يقال جعلته ثني ~~كذا. ويجوز أن يكون مفعولا من تعلك. ويقال: ثنيت الشيء ثنيا، ثم يسمى ~~المثني ثنيا. ويكون باللجم في موضع الحال، كأنه قال: والخيل تمضغ مثنى ~~الموت، أي # PageV01P488 # مضاعفه، ملجمة. وهذا حسن. وبعضهم روى والخيل تعلك ثن الموت، والثن: حطام ~~اليبس، والمختار ما قدمته. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # خضنا إليه الموت في أيماننا ... حمر الشفار جفونهن الأرؤس # وهم مئون ألوفا وهو في نفر ... شم العرانين ضرابين للبهم # يقول: واقع الأعداء وناجزهم، على كثرة عددهم، وهو في رجال كرام يستنكفون ~~من تقبل العار، فتالين لبهم الرجال. وقوله مئون جمع مائة وهي من الأسماء ~~المنقوصة إذ كانت لامها محذوفة، بدلالة قولهم: أمأيت، ولذلك جمع على ~~السلامة. وإنما أشار إلى جنس الترك كله فعدهم أعداءه، لا أنه حارب مئين ~~ألوفا منهم. والبهم: جمع بهمة، وهم الشجعان الذين لا يدرى كيف يؤتون، ~~لاستبهام أحوالهم. ### || وقال أوس بن ثعلبة # جذام حبل الهوى ماض إذا جعلت ... هواجس الهم بعد النوم تعتكر ms0393 # بصفة بالنفاذ في الأمور، واجتماع الرأي في الخطوب، والمضي فيما يعرض، ~~وترك التباطؤ عما يعن ويحدث، وأنه لا يمنعه من ركوب الأسفار وتجشم المشاق ~~ما يدفع في صدر العزم، ويثنى من حد القصد، بل يقطع علائق الهوى، ويبعد عن ~~نفسه عوائق المنى، فيمضي قدما إذا أقبلت عوارض الهموم بالليل، تتردد بين ~~القلب والخاطر، وتجول بين الفعل والفاعل. والجذم: القطع. وحبل الهوى: ~~الوصلة التي بينه وبين النفس. وعكر واعتكر: وعطف. والهاجس: ما وقع في خلدك. ~~وأنشد: # فطأطأت النعامة من قريب ... وقد قرت هاجسها بهجسي # النعامة: اسم فرسه. # وما تجهمني ليل ولا بلد ... ولا تكاءدني عن حاجتي سفر # PageV01P489 # قوله وما تهجمني ليل فيه قلب؛ لأن المعنى: ما تجهمت ليلا ولا بلدا. ويقال ~~تجهمت فلانا ولفلان، إذا استقبلته بوجه كريه. وأسد جهم الوجه. فيقول: لا ~~أنكره زمنا، ولا أستصعب مركبا، ولا أستبعد بلدا إذا سنح أمر أوجب نهوضا، أو ~~سفر اقتضى لبعده صبرا جميلا. ويقال تكاءدني كذا، تصعدني كذا، إذا شق عليك. ### || وقال آخر: # أقول وسيفي في مفارق أغلب ... وقد خر كالجذع السحوق المشذب # مفعول أقول أول البيت الذي بعده، وهو قوله بك الوسبة. وقال في مفارق لأنه ~~جمعه على ما حوله، كما يقال بعير ضخم العثانين، كأنه جعل كل قطعة مما يلي ~~المفرق مفرقا فجمعه. ومعنى خر سقط، ومصدره الخرور. والسحوق من النخل ~~والحمر: الطويل. يقال: أتان سحوق، نخلة سحوق. يقول: لما تمكنت من أغلب ~~قنعته بسيفي فسقط، فقلت متشفيا ومستهينا: أناخت الوجبة بك لا بمن كنت تطلبه ~~لها، وهذا كما يقال: لليدين وللفم. وقوله كالجذع في موضع الحال، والعامل ~~فيه خر، وتشبيهه إياه بالجذع من قديم التشبيه، وفي القرآن: " كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية ". زدهلخ كشذبا ليكون طوله أظهر. # بك الوجبة العظمى أناخت ولم تنخ ... بشعبة فابعد من صريع ملحب # أراد بالوجبة العظمى المنية. وفي القرآن: " فإذا جبت جنوبها ". أي مزل بك ~~المكروه الأعظم، والبلاء الأفظع، لا بشعبة. كأن هذا المصروع كان يتوعد شعبة ~~بالقتل، أو يريده له ويتمناه، فما ائتمره به ms0394 أصابه وحق عليه. وقوله فابعد ~~دعاء عليه على طريق الاستهانة بما حل به. والملحب: المذلل، ومنه طريق لاحب ~~أي واضح. ويجوز أن يكون معنى ملحب مجروح مقطع يقال لحبت اللحم إذا قطعته ~~طولا. # سقاه الردي سيف إذا سل أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كل مرقب # PageV01P490 # هذا مثل قول تأبط شرا. # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # وإن كان هذا أبلغ؛ جعل ضحك الموت تألق السيف إذا جرد من الغمد سرورا به، ~~وذلك جعله إلى المضروب به ثقة بكونه له. ويقال أومض وومض، إذا لمع. ورواه ~~بعضهم: " أومضت إليه منايا الموت "، وهو تصحيف. # ويا عجل عجل القاتلين بذحلهم ... غريبا لدينا من قبائل يحصب # جنيتم وجرتم إذا أخذتم بحقكم ... زعمتم غريبا مرملا غير مذنب # قوله عجل القاتلين وإضافة البعض إلى الكل، وكرره توكيدا. ولك أن تضم عجل ~~الأول وتنصب الثاني على البدل، أو على عطف البيان. وبنو عجل كانوا موتورين ~~بما ارتكب منهم قبيلة الشاعر، وهم بنو مازن، فلم يطلبوا ذخلهم من وجهه، ولا ~~أدركوا الثأر من كاسبه، لكنهم أخذوا غريبا كان جاور بني مازن فقتلوه، فقال ~~هذا الشاعر في مخاطبتهم معيرا، وهازئا متهكما: يا عجل القاتلين بوترهم ~~غريبا كان عندنا من بني يحصب، لم يسع في اكتساب الثأر الذي تدعونه، ولا ~~أعمل فيه يداه وسنانه حتى جنيتم وعدلتم عن طريق الرشاد، إذ أخذتم بحقكم على ~~زعمكم غير واتركم. فقوله: إذ أخذتم بحقكم زعمتم يجوز أن يضعف بالزعم دعواهم ~~الحق المشار إليه، ويجوز أن يضعف ما توهموه من درك الثأر بما فعلوه. ويجوز ~~أن يضعف الأمرين جميعا، وهو الأشبه. فإن قيل: أين مفعولا زعمتم، وكيف ساغ ~~حذفهما؟ قلت: الحذف هنا كالحذف في قوله تعالى: " أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون ". وكالحذف في قول الكميت: # بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا عليك وتحسب # فكما حذف مفعولا تحسب في بيبت الكميت، ومفعولا تزعموت في الآية، كذلك حذف ~~مفعولا زعمتم من هذا البيت، ويكون التقدير: إذ أخذتم بحقكم زعمتموه ms0395 مأخوذا ~~رجلا هذا صفته، وبحقكم زعمتموه ثاناي، فحذف ذكر الحق لما # PageV01P491 # تقدم من ذكره، ولما حذف المفعول الأول جاز حذف الثاني، وهذا كما يحذف ~~المبتدأ والخبر من مسألة الكتاب، وهي متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا. إذا ~~أعملت الفعل الأول ساغ ذلك، لأن الفعل الثاني نقيضهما، وقد حصل في الكلام ~~ذكرهما. فاعلمه. والمرمل: الفقير. # وما قتل جار غائب عن نصيره ... لطالب أوتار بمسلك مطلب # فلم تدركوا ذحلا ولم تذهبوا بما ... فعلتم بني عجل إلى وجه مذهب # يقول: الوتر مقيم في موضعه ثابت على حاله، لم تزيلوه ولم تظعنوه عن محله، ~~لأن قتل جار للواتر غائب عن نصاره، بعيد عن أرضه ودياره، لطالب الثأر ليس ~~بطريق يؤديه إلى نيل مراد، ولا بسبب يوصله إلى اشتفاء من داء، فأنتم لم ~~تصيبوا نجحا في فعلكم، ولا سلمتم فيما أتيتم من عار يلحقكم. # ولكنكم خفتم أسنة مازن ... فنكبتم عنها إلى غير منكب # وقد ذقتمونا مرة بعد مرة ... وعلم بيان المرء عند المجرب # يقال نكب بمعنى تنكب، ومثله قدم بمعنى تقدم؛ ومعناه انحرف. ويقال هو أنكب ~~عن الحق ومنكاب عنه، إذا جانبه فيصير منه في شق. يقول: هبتم أعداءكم عندما ~~هممتم به من طلب وتركم، واستشعرتم منهم جبنا، فحذرتموهم، ثم عدلتم عنهم إلى ~~غير معدل فقبحت صورتكم، واخترتم ذلك لأنكم خبرتمونا حالة بعد أخرى، والمرء ~~يتبين الشيء، ويعرف الخصم عند تجربته. ### || وقال بغثر بن لقيط الأسدي # أما حكيم فالتمست دماغه ... ومقيل هامته بحد المنصل # وإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد العزيمة ليتني لم أفعل # قوله أما يتضمن معنى الجزاء، وأكثر ما يجيء مكررا، وقد جاء هنا غير مكرر. ~~فيقول: هما كان من شيء فقد طلبت دماغ هذا الرجل بسيفي، فأصبته غير متندم ~~على ما فعلت، ولا متذمم منه، لأني إذا حملت على خطة صعبة فوطنت نفسي عليها، ~~وقررت عزمي في تجشمها لم أقل بعد الدخول فيها والخروج منها بودي ألا # PageV01P492 # أكون لابستها. وأراد بالمقيل المقر. والهامة: رأس كل حيوان، والجميع ~~الهام. والمنصل، من أسماء ms0396 السيف. ويقال: ماله عزيمة أي لا يثبت على ما يعزم ~~عليه. ورأيه ذو عزيم. والعزم: توطين النفس على المراد. ### || وقال رجل من بني نمير # أنا ابن الرابعين من آل عمرو ... وفرسان المنابر من جناب # نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب # فآبائي سراة بني نمير ... وأخوالي سراة بني كلاب # يفتخر بأن آباءه رؤساء خطباء. والرابع: الرئيس الذي كان يأخذ ربع الغنيمة ~~في الغزو. ويقال ربع فلان في الجاهلية وخمس في الإسلام. وذكر عمرا وجنابا ~~ليرى أنه كريم الطرفين، يدل على هذا قوله فيما بعده: # فآبائي سراة بني نمير ... وأخوالي سراة بني كلاب # وقوله نعرض للطعان إذا التقينا يصف تكرمهم وتصونهم في السلم، وتبذلهم في ~~الحرب. ويشبه هذا قول الراعي: # ويبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقا عليه ابتذالها # وقول الآخر: # نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للطام # وسراة القوم: خيارهم. وقال الخيل: السرو: سخاء في مروة. وفعلة في جمع ~~المعتل نادر، لأنه يختص بالصحيح، نحو الفجرة والكفرة، وبإزائه من المعتل ~~فعلة نحو قضاة وغزاة. ### || وقال الهذلول بن كعب العنبري # حين رأته امرأته يطحن للأضياف، فقالت: أهذا بعلي؟! # PageV01P493 # تقول ودقت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس # حكى ما قالته امرأته وهي تدق صدرها بيمينها، مستنكرة لما رأته من طحنه ~~لضيفه، ومستفظعة لما شاهدت من تخففه وتبذله، وهو قوله: أبعلي هذا المتقاعس ~~بالرحا. فإنها استشنعت هيئته وامتهانه نفسه فيما يمتهن فيه الخدم، وبأنف من ~~توليه ذوو الرزانة والعزة. وإنما ابتدأ كلامه بتقول لأن القول يحكى به ما ~~كان كلاما، ويعمل فيما كان قولا. والمتقاعس: بناء لما يفعل تكلفا. على هذا ~~قولهم تخازر وتعامى. والقمس: دخول الظهر وخروج الصدر. وقوله أبعلي موضعه ~~رفع بالابتداء، والألف لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار والتقريع. وقوله ~~هذا يكون في موضع الخبر، والمتقاعس يتبعه على أنه عطف البيان له. وإن شئت ~~جعلت هذا صفة لبعلي والمتقاعس خبرا. وقوله بالرحا لا يجوز أن يتعلق ~~بالمتقاعس، لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في ms0397 الصلة لا ~~يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبيينا وتتصور المتقاعس اسما تاما، ويصير ~~موقع بالرحا بعده موقع بك بعد مرحبا، ولك بعد سقيا وحمدا. وإذا كان كذلك ~~جاز تقديمه عليه، كما جاز أن تقولك بك مرحبا، ولك سقيا. وللمازني في مثل ~~هذا طريقة أخرى: وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس للتعريف فقط، ولا ~~يؤدى معنى الذي، كما تقول نعم القائم زيد، وبئس الرجل عمرو، وإذا كان كذلك ~~لم يحتج إلى الصلة، فجاز وقوع بالرحا مقدما عليه ومؤخرا بعده. وموقع الجملة ~~التي حكاها من كلام المرأة نصب على أنه مفعول لتقول. فأما ما يعمل في لفظه ~~" قال " ومتصرفاته فهو ما يكون قولا ووصفا للجمل، كقولك قلت حقا أو باطلا، ~~أو قلت صدقا أو كذبا وما أشبهه. والبعل يقال للرجل ولامرأة، وقيل بعلة ~~أيضا، والفعل منه بعل بعالة وبعولة. والبعال: ملاعبة الرجل أهله. ويقال بنو ~~فلان لا يباعلون، أي لا يتزوج إليهم ولا يزوجون. # فقلت لها لا تعجلي وتبيني ... بلائي إذا التفت على الفوارس # حكى ما جعله جوابا للمرأة: كما حكى كلامها، وهو قوله لا تعجلي مع ما ~~يتبعه. ومعنى البيت: لا تسرعي إنكارك، بل تثبتي في حكمك، وتبيني براعتي في # PageV01P494 # فعالي، وغنائي عند الشدائد وبلائي، إذا اجتمع علي في حومة الحرب الفرسان، ~~وأحاط في مضايقها بى الأفران، فإن نجدة الأبطال تظهر في مثل تلك الحال. ~~واعلمي أن ما يستنكف منه هو التخلف عن الكفاح، والرضا عن النفس بما لا ~~يجعله الكريم منه ببال، فأما خدمة الضيف وامتهان النفس في الاحتفال له، ~~فمقبول من أخلاق الكرام، محمود عند تجارب الرجال. # وقدم القول في شذوذ فوارس وحكمه. # ألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين يابس # أقبل يقرر المرأة على زكي أفعاله، ورضى أخلاقه. وألف الاستفهام إذا اتصل ~~بحرف النفي تقرر به فيما كان واجبا واقعا، وإذا انفرد عن حرف النفي تقرر به ~~فيما كان منفيا مدفوعا. يقول القائل مقررا: أفعلت هذا؟ إذا لم يكن فعله ~~فأنكره. وألم أفعل كذا؟ إذا ms0398 كان قد أتاه واكتسبه. والقرن: النظير في البأس. ~~وموضع يركب ردعه نصب على الحال، أي راكبا ردعه. والردع: الدفع والكف. ~~وتحقيق الكلام: أدفع القرن وقد ركب ردعي إياه فسقط. وقال الخليل: ركب ردعه ~~ورديعه، أي خر صريعا لوجهه. وذكر الركوب مثل. ويجوز أن يكون المراد بالردع ~~ما تلطخ به من الدم؛ ويقال ثوب مردوع، إذا كان قد لطخ بالزعفران أو غيره. ~~وذكر بعض أصحاب المعاني أن معنى ركب ردعه أي إذا كف لم يرتدع ومضى لوجهه، ~~كأنه يتلقى الرجع بالركوب. وقال أبو العباس المبرد: هو من ارتدع السهم، إذا ~~رجع النصل في سنخه متجاوزا. قال: ويقال ركب البعير ردعه، إذا سقط فدخل عنقه ~~في جوفه. ومنه ارتدع فلان عن دينه. والذي قاله تحصيله ما أوردته وكشفته. ~~وقوله وفيه سنان يريد أنه مطعون بسنان ذي حدين صلب. وموضع وفيه موضع الحال، ~~والعامل فيه يركب، كما أن يركب في موضع الحال والعامل فيه أرد. # وأحتمل الأوف الثقيل وأمترى ... خلوف المنايا حين فر المغامس # قوله وأحتمل ينعطف على خبر ليس، وهو أرد، ويكون من جملة ما قررها به. ~~والأوق: الثقل. ومعنى أمتري أي أمسح. والخلوف: جمع الخلف، وهو ما يقبض عليه ~~الحالب. وقوله حين فر المعامس يروى المغامي بالغين معجمة. # PageV01P495 # فمعنى المعامس بالعين الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها. ويقال: يوم ~~عماس، أي شديد. ويكون المعامس كقولهم المغامر، وهو الذي يدخل في الغمرات ~~ويدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها. وقال بعضهم: العماس: الحرب الشديدة وكل ~~ما لا يقام له. ويجوز أن يكون المعامس من قولهم عمست الأمر، أي أخفيته. ~~ورجل عموس: يتعسف الأشياء بجهله. فيكون المعنى: الذي يركب رأسه ولا يبالي ~~أصيب أو أصاب. ومعنى المغامس بالغين معجمة: الذي ينغمس في الشر والبلاء، ~~ويغمس غيره فيهما. ومعنى البيت: ألست المتحمل للأعباء الثقيلة، والمستخرج ~~من ضروع المنايا وأخلافها الشر، في الوقت الذي يزل فيه المعامس أو المغامس، ~~فلا يثبت. وجعل مرى الخوف مثلا لتهييج الشر، واستدرار الموت، كأنه يستزيد ~~من البلاء ولا يمله، ms0399 إذا لم يثبت له من ذلك صفته. # وأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس # يقال: قريت الضيف، إذا أحسنت إليه وأعددت له قراه. ويقال: ألست أقرى ~~طوارق الهم، وعوائق البث، حزما ورأيا، وجلدا ونفاذا، إذا ازدحمت الوساوس ~~على القلوب، واعتلجت بنات الصدور، فارتبكت الآراء، وذهب من الرجال الغناء. # إذا خام أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حمياها الألد المداعس # خام عن قرنه يخم: هاب الإقدام عليه. ويقال خام الرجل، إذا رجع عليه كيده، ~~فضره؛ فيجري مجرى خاب وإن كان يختص بالكيد. فيقول: إذا ضعف الأقوام عن ~~التدبير، وعيوا بالأمور فلم يعرفوا مصادرها ومواردها، توسطت قحمة كل شر ~~يهاب سورتها الرجل الخصيم الجوج، المدافع للأقران. قوله جمياها مصغر لا ~~مكبر له. والدعس: الطعن والدفع وشدة الوطء. ويقال: طريق مدعاس، أي مذلل. # لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس # قوله لعمر أبيك استعطاف لها، إذ أقسم بحياة أبيها لما جرى في العادة من ~~إعظام المقسم به؛ وإكبار موقعه. والعمر والعمر لغتان، ولا يستعمل في القسم ~~إلا بفتح العين. وإضافة الأب إلى الخير، كما يقال هو فتى صدق، وهو رجل كرم. ~~وقوله إني لخادم لضيفي اعتراف بما عدته ذنبان وبيان أن التبجح فيما أنكرته، ~~وأن التوفر على الضيف وإكرامه في قران الفروسية، ومن الخصال المحمودة. # PageV01P496 # وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان ناعس # هذا من جملة ما أقسم عليه، فيقول: إني لأشتري الحمد طالبا ربحه، ومجتنيا ~~ثمره. وثمرة الإحسان الشكر، ويجلب الشكر الثناء الجميل والأحدوثة الحسنة من ~~كل من يسمع بالصنيع. ولما استعمل الشرى في اكتساب الحمد مجليا للمعنى، ~~استعمل الربح فيما يتسبب منه وينتتج. على ما يتعود في المتاجر، ويتطلب من ~~البياعات. وقوله وأترك قرني وهو خزيان أي أهينه وأكسره، حتى يبقى مطرقا ~~خجلا مغضوض الطرف متندما، كمن غلبه النعاس. وقيل ناعس المراد به أنه مشرف ~~على الموت. قال: ويقال طعنت صاحبي فأنمته، أي قتلته. وطعنت صاحبي فأنعسته، ~~أي رنحته. والرباح: مصدر كالربح. ويقال للفائز بالخير: هو رابح ms0400 الصفقة. ### || وقالت كنزة أم شملة بن برد المنقرى # إن يك ظني صادقا وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبسا أزلا # قد مضى الكلام في حذف النون من يك في غير موضع. ومراد كنزة من الكلام أن ~~تجعل التقصي في مجاهدة القوم، وبلوغ أبعد الغايات في طلب الثأر من ابنها ~~ببال، فأقبلت تقول: ظني بابني كيت وكيت، مذكرة وموصية. والذي زعمت أنه في ~~ظنها، ومن أحاديث نفسها، هو ما تقترحه على ابنها، وتتمنى أن يحتفظ به من ~~وصاتها. وقولها " وهو " يجوز أن يكون للظن، والمعنى: إن كنت ألمعيا، فظني ~~بشملة يصدقني لا محلة، فإنه يفعل كذا. والباء من قولها بشملة يجوز أن يكون ~~متعلقا بصادقي، أي وهو يصدقني بسبب شملة، وإن شئت يتعلق بظني. ويجوز أن ~~يكون " هو " ضمير ابنه شملة والمعنى: وهو فيما أتفرس فيه وأعتقده من غنائه، ~~يصدقني ويكون بشملة تبيينا لا صلة، كما يكون بك بعد مرحبا تبيينا بحبس ~~القوم بتلك المعركة محبسا ضيقا. ويقال أزلوا ما لهم يأزلونها أزلا، إذا ~~حبسوها في المرعى، مخافة الأعداء عليها. فالأزل مصدر وصف به. # فيا شمل شمر واطلب القوم بالذي ... أصبت ولا تقبل قصاصا ولا عقلا # PageV01P497 # هذا يدل على ما قدمناه في البيت قبله، فإنها رجعت إلى مخاطبة ابنها بعد ~~ما ذكرت هواجس ظنونها، وجردت القول له بمرادها منه، وأمرته بالتشمير في طلب ~~القوم كلهم بمن أصيب به، واطراح التقصير فيما جعل له من سلطانه في حقه، ~~وبأن لا يقبل الدية وإن غالوا بها، ولا يرضى بالقصاص منهم وإن مكنوا من ~~الجاني عليه أيضا، بل يعم القوم كلهم بالقتل، فإنه حينئذ يكون مدركا تبله، ~~وناقضا وتره، وقاضيا حق صاحبه. والقصاص: أخذ الشيء بالشيء، وأصله من القص: ~~القطع. ### || وقالت أيضا: # لهفي على القوم الذين تجمعوا ... بذي اليد لم يلقوا عليا ولا عمرا # فإن يك ظني صادقا وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا # قد تقدم القول في لهفي، وكما يجوز فيه من نية الإفراد والإضافة.. وإنما ~~تحسرت الشاعرة على ما فات عليا وعمرا ms0401 من ملاقاة القوم المجتمعين بذي السيد ~~المتخلفين للقتال. وإنما تلهفت لما كانت تؤمل من تأثيرهما فيهم. وموضع لم ~~يلقوا نصب على الحال، والعامل فيه تجمعوا. ثم قالت كالمستدرك برجائه. إن ~~كنت صادقة الظن بابني شملة وهو يصدقني لا محالة فإنه يحبس القوم بتلك ~~المعركة محبسا صعبا. تريد أن ما فات المذكورين سيتلافاه، فيما يعدها به ~~ظنها وأملها فيه. والقول في إن يك ظني صادقا على ما تقدم. والصدق والكذب ~~أصلهما في الكلام، وتوسع فيهما فقيل برد صادق، والفجر الصادق والكاذب، وهو ~~فتى صدق، وصدقوهم القتال. ويقال: طريق وعر: بين الوعورة والوعارة، أي غليظ. ~~وقد توعر ووعر. ### || وقال شبرمة بن الطفيل # لعمري لريم عند باب ابن محرز ... أغن عليه اليارقان مشوف # أحب إلينا من بيوت عمادها ... سيوف وأرماح لهن خفيف # الأصل في الرئم: الظبي الخالص البياض. وهذا الكلام يخص به الشاعر واحدا ~~معينا كان يقصر في طلب الوتر، ويشتغل عنه بالصبا واللهو، ويؤثر المقام ~~بأطيب # PageV01P498 # المنزلين من البدو والحضر، لا يهمه إلا الرقاعة والخلاعة، وخاليتين من ~~التعب والنصب، فأخذ يعرض به ويقول على وجه التهكم والسخرية منه: وبقائي، ~~للقاء امرأة كأنها ظبية مسكنها في جوار هذا الرجل في صوتها غنة، محلاة ~~بيارقين، مجلوة الوجه، أحب إلينا من الأوى إلى بيوت مستحدثة بنيت على عمد ~~متخذة من رماح وسيوف. وهذه البيوت للغزاة والمتصيدة أكثر ما تكون. ألا ترى ~~قول امرئ القيس بعد فراغه من الصيد: # ورحنا إلى بيت بعلياء عردح ... سماوته من أتحمي مشرعب # وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب # وفي هذه الطريقة قول الآخر: # والله للنوم على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج # مع الفتاة الطفلة المغناج ... أهون يا عمرو من الإدلاج # وزفرات البازل العجعاج # وقوله مشوف من الشوف، وهو التجلية، يقال تشوفت المرأة، إذا تزينت وطرت، ~~وشفتها وهي مشوفة. وقوله لهن حفيف، فالحفيف: صوت طيران الطائر وصوت الرمية. # أقول لفتيان ضرار أبوهم ... ونحن بصحراء الطعان وقوف # أقيموا صدور الخيل إن نفوسكم ... لميقات يوم ما لهن خلوف # قوله أقيموا صدور الخيل ms0402 في موضع المفعول لأقول، والواو من قوله ونحن ~~بصحراء الطعان واو الحال. ويقال أقمته فقام بمعنى قومته فتقوم، فيتعدى. ~~وأقمت بالمكان إذا ثبت فيه إقامة، وأقمت من المكان إذا ارتحلت عنه. قال ~~امرؤ القيس: # وفيمن أقام من الحي هر # PageV01P499 # فأما قول الشاعر: # أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور الخيل شطر بني تميم # فمعناه إقصدي وتوجهي بعيسك نحوهم. والشاعر أخذ يبين ما يأخذ به نفسه من ~~حث القوم على القتال، وتشجيعهم على اقتحام الأهوال، ويرى أنه مع تقصير من ~~قدم التعريض به، وعلق التقريع بإهماله وتعذيره، وعيره اشتغاله بما لا يشتغل ~~الموتور به، لا يدع أن يقول محضضا لهؤلائ الفتيان وقد وقعوا في ميدان ~~الطعان وعرصة الطراد: اثبتوا في وجوه أعدائكم، وانتصبوا صدور خيلكم لهم، ~~واستبدلوا بالانحراف تقحما، وبالازورار تهجما، ودعوا الذهاب إلى ما يأمركم ~~به الفشل، ويدعوكم إليه التهاون والكسل، مستشعرين الخوف من الموت، فإن لكل ~~نفس أجلا لا يؤهره الإحجام والنكوص، ولا يقدمه الإقدام والنهوض. وقوله ما ~~لهن خلوف، أي ليس للنفوس تخلف عن الأمد المسمى، ولا تراجع عن الحين الموحى. ~~والميقات يستعمل في الزمان والمكان، لأن الوقت الحد. ألا ترى أنهم يقولون ~~ميقات أهل المشرق، يريدون الموضع الذي يقبل له الحج إذا ابتدئ بالمسير إليه ~~منه. ### || وقال قبيصة بن جابر # بثنيى هضيم جد نماني ... بطيا بالمحاولة احتيالي # رواه بعضهم بنيى هضيم هو جد تماني وأوجد تماني، وليس بشيء، لأنه يصير ~~المعنى: يا بنيى هيصم أوجدتماني بطيء الحيلة بالمحلولة؟ يريد: إني سريع ~~الحيلة. وهذا كلام مثبج مختل. وعلى روايتنا يقول: سما بي جد عال بثنيى هذا ~~المكان. والثني: ما انثنى من الوادي، أي انعطف. ويقال: ثنيته ثنيا، ثم يسمى # PageV01P500 # المثنى ثنيا، وما ثنى به أيضا ثنيا. على هذا قول طرفة: # لكالطول المرخى وثنياه باليد # وقوله بطيا بالمحاولة احتيالي انتصب بطيا على الحال، فالعامل فيه نماني. ~~واحتيالي في موضع الرفع على أنه فاعل بطيء، وقد أضاف المصدر إلى المفعل، ~~لأن المعنى: يبطؤ احتيال الناس علي إذا حاولوه والمعنى يتعذر وقوع ذلك ms0403 ~~منهم، لفرط حزامتي، واستحكام تجربتي. ومثل هذه الإضافة قوله تعالى: " ولمن ~~انتصر بعد ظلمه "، لأن المعنى بعد ظلم الظالم له. هضيم: فعيل من الهضم، مثل ~~حذيم، وهو اسم لمكان ضيق. وقيل فرس أهضم، إذا كان ضيق الجوف. # وعاجمت الأمور وعاجمتني ... كأني كنت في الأمم الخوالي # العجم: العض في الأصل، ويستعمل في الامتحان، لأن الناظر في الشيء هل هو ~~صلب أو لا يعجمه ويعض عليه. ويقال عجمتني الخطوب، أي ابتليت بها. وفيما حكى ~~عن الحجاج: " إن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها عودا عودا ". وإنما ~~استعمل في معاناة الشدائد ومزاولتها كما استعمل المحاكة والاحتكاك فيها. ~~فيقول: إني مجرب مدرب، زاولت النوائب، وعاركت الأهوال والعجائب، فلزمتها ~~ولزمتني، وأزمت بها وأزمت بي، وصرت لطول تجاربي وامتداد أيام محاكتي نقابا ~~محدثا، أبلغ بظني ما يبلغ غيري بمشاهدته. هذا على قرب ميلادي، وحداثة سني، ~~حتى كأني كنت في الأمم الماضين، وأحد الرجال المعمرين، فأدرك الشيء قبل ~~حصله، وأتصوره ولم يجيء بصورة ما فرغ منه وقضى، فزني عيان، ويومي دهر. # فلسنا من بني جداء بكر ... ولكنا بنو جد النقال # الجداء: المقطوعة الثدي. والبكر: الباقية على حالتها الأولى. ويقال رحم ~~جداء، إذا كانت غير موصولة. والشاعر جعل الجداء البكر كناية عن الضعيفة ~~الشر، القليلة الأهل، على عادتهم في جعل النتاج لها، والولاد والرضاع ~~والفطام إذا فظعوا حالها. فيقول: لسنا أبناء الحرب القليلة الدر، اليسيرة ~~الأذى والشر، التي لم يتكثر # PageV01P501 # موقدوها، ولم يتشمر لها خطابها ومولدوها ولكنا بنو المناقلات الشديدة ~~الهياج، والوقعات الصعبة المراس، التي كثر ذرؤها، وتركر القتال حالا بعد ~~حال من أهليها. وقوله بنو جد النقال يريد: بنو النقال البليغ المتناهى، ~~الذي لا مساهلة فيه ولا مياسرة. ويجوز أن يكون المعنى: لسنا أصحاب حرب بكر، ~~ولكنا بنو حرب عوان. كأنه جعل النقال في الولاد. # وقد اضطرب بعض المفسرين في هذا البيت، فأني بما يحجبه السمع، ولا يعيه ~~القلب، فقال: المعنى لسنا بعقم لم يكثر أولادنا، بل فينا الكثرة والعز. ~~وقوله بنو جد النقال يعني به المناقلة ms0404 في الكلام، يريد أنهم خطباء. قال: ~~فالمصراع الثاني ليس من الأول في شيء، وإذا كان كذلك فكأن أبا تمام ذكر ~~البيت على رداءته ليتجنب قول مثله، ولينبه على المترذل منه، كما نبه على ~~المختار المستحسن بغيره. # وهذا القائل لم يرض بذهابه عن الصواب، حتى ظن بأبي تمام ما لم يخطر له ~~ببال. # تفرى بيضها عنا فكنا ... بني الأجلاد منها والرمال # تبجح فيما مضى بما أعطاه الله من الظفر بالأعداء، وتوحده به من الفطنة ~~والذكاء، والنكارة والدهاء، وبحسن الصبر على مدارسة العوصاء، ومداوسة ~~الغماء، وبمجانبة الهين من الحروب، واقتحام أصعب الخطوب. وأقبل الآن يفتخر ~~بالكثرة، إذ كان العز فيها، فقال: تغرى بيضها عنا. والضمير في بيضها للأرض، ~~كما يقال: من الأرض خلقنا وإليها عودنا. وفي القرآن: " ألم نجعل الأرض ~~كفاتا. أحياء وأمواتا ". وساغ ذلك وإن لم يجر لها ذكر لما لم يلتبس، لدلالة ~~الكلام عليه. والمعنى: تشقق بيض الأرض عنا، فنحن بنو حزونها وسهولها. وإنما ~~يعني كثرتهم واتساع ديارهم، إذ كان الأرض لا تنقصم إلا إليها. والأجلاد: ~~جمع الجلد، وهو الصلب من الأرض، وذكر البيض مثل، وقد تقدم القول في بيضة ~~البلد. # لنا الحصنان من أجإ وسلمى ... وشرقياهما غير انتحال # وتيماء التي من عهد عاد ... جميناها بأطراف العوالي # هذا كالبيان لما تقدم، والكشف عما أجمل، لأنه أتبع ما وصف من أخلاقهم ~~وعزهم، بتحصن بلادهم وتمنع جبالهم، فقال: لنا جبلا طيئ أجأ وسلمى، ونواحى # PageV01P502 # الشرق منهما، دعوى صحيحة لا يضعفها انتحال، ولا يوهنها كذاب. ويقال ~~انتحلت الشيء، إذا ادعيته ولم يكن من شانك. على هذا قال الأعشى: # فكيف أنا وانتحالي القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عارا # ونحل الشاعر قصيدة، إذا رويت عنه ولم تكن من قبله. وانتصب غير على أنه ~~مصدر أكد به ما قبله، وعلى قولهم: هذا زيد حقا، وغير شك. وقوله وتيماء أراد ~~ولنا تيماء التي هذا صفتها وحظها من عنايتنا بها. وهي بلدة بناحية يثرب. ~~وقوله من عهد عاد جعل من بدل منذ، لأن منذ في الأزمنة بمنزلة ms0405 من في ~~الأمكنة، فهو في موضع الظرف، والعامل فيه حميناها. وقد ذكر امرؤ القيس ~~تيماء فقال: # وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجما إلى مشيدا بجندل ### || وقال سالم بن وابصة # عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأنى دونه الخلق # قوله عليك مما أغرى به وحضض، وصار بذلك من أسماء الأفعال. ويقال عليك كذا ~~وعليك بكذا. والمعنى الزمه وخذ نفسك به. والقصد: واسطة الأمور، فما تعداه ~~سرف وما انحط عنه قصور. ولذلك قيل لمن ليس بجسيم ولا ضئيل، وليس بقصير ولا ~~طويل: هو قصد ومقتصد. ومعنى البيت: عليك باستقامة الطريقة وملازمة الأعدل ~~في القضية مما تلابسه وتفعله، واترك تكلف ما ليس من شيمتك وسجيتك، فإنك إن ~~تجشمته صابرا على البلوى فيه نزعت نفسك قريبا عنه، وعدت إلى مذهبك الأول ~~فلحقك الذم له. # وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمى الذمار وترمينى به الحدق # يقال للمكان النابي بصاحبه ولا يمكنه الاستقرار به تشبيها: هو مثل حد ~~السيف، وكقرن الأعفر، وحد السنان. وذمار الرجل: ما يجب عليه حفظه. ورجل # PageV01P503 # ذمر وذمير، إذا كان منكرا داهية. ويقال ذمرت الرجل إذا حضضته، وتذامر ~~القوم في كذا إذا تحاضوا. والمعنى: رب مكان ضيق دقيق، لا تثبت عليه ~~الأقدام، أنا قمت به حاميا لما يحق على حمايته، والعيون ترمقني والنفوس ~~تتطلع إلى ما يكون مني، وتتنسم أخباري فيه وبلائي. وقوله وترميني به الحدق ~~جعل الفعل على التوسع للحدق، وإنما هو للناظرين بها. ألا ترى أنه يقال ~~رماني القوم بأبصارهم. وموضع أحمى الذمار موضع الحال. # فما زلقت ولا أبليت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا # يقول: استقمت في فعلي، وتثبت في موقفي، ولم أتعثر فيما صرفت القول فيه، ~~ولم أتزلق عندما حاضرت به ودافعت عنه، ولم أقدم على ما يعد سقطة مني أو ~~يشينني، إذا تحدث به عني في وقت تكثر زلات الرجال في مطالعة أمثاله من ~~المواقف، وتبطل دعاويهم المتقدمة لما يظهر من عجزهم، وسوء استمساكهم. وجواب ~~إذا فيما تقدم. والمعنى: إذا زلق الرجال في ms0406 أمثاله من المقامات ثبت أنا. ### || وقال آخر: # إن أك قصدا في الرجال فإنني ... إذا حل أمر ساحتي لجسيم # قد تقدم القول في حذف النون من أك. ومعنى البيت إن كان في خلقتي اقتصاد ~~فلم أبلغ غايات الجسام، فإن غنائي في النوائب إذا نابت، واهتدائي لوجوه ~~الخروج منها إذا حزبت، يحكمان لي بجزالة الرأي وجسامة النفس؛ لأن الرجل ~~بقلبه ولسانه، لا بجسمه وجثمانه. وفي هذه الطريقة قوله: # إذا كنت في القوم الطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل # والساحة: فضاء بين دور الحي، وكما قيل على التوسع نزل بساحته أمر، قيل ~~أيضا نزلت بعقوته خطوب. ### || وقال عامر بن الطفيل # قضى الله في بعض المكاره للفتى ... برشد وفي بعض الهوى ما يحاذر # PageV01P504 # ألم تعلمى أني إذا الإلف قادني ... إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر # معنى هذا يماثل قول الله تعالى: " عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ". وفي مثله قال غيره: # كم فرحة مطوية ... لك تحت أثناء النوائب # ومساءة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المواهب # ويقال قضاه وقضى به. وقوله وفي بعض الهوى أراد به: وقضى له في بعض المحاب ~~ما يحاذر؛ فوضع الهوى موضع المحاب لأن كل محبوب يصحبه الهوى، كما أن قوله ~~ما يحاذر موضوع موضع الغواية لكونه في مقابلة الرد، إذ كان الغي من حقه أن ~~يحاذر. وقوله ألم تعلمى تنبيه على مكانة من الرأي، وأن ظنه يقوم مقام عيان ~~غيره. وألف الاستفهام إذا اقترن بحرف النفي يقرر به فيما يجب ويحق، فيقول: ~~أما عرفت من دأبي وطبيعتي، أني لا أتبع الغير، ولا أنقاد لما يجانب العدل، ~~فمتى سامني أليفي مطاوعته فيما لا أستوفقه أبيت عليه، وتركته وما يختار من ~~الاعتساف وركوب الجور والضلال. وكان يجب أن يقول: لا أنقاد وهو جائر، فوضع ~~الظاهر موضع المضمر. ### || غزا مجمع بن هلال # ابن خالد بن مالك بن هلال بن الحارث بن تيم الله، يريد ~~بني سعد بن زيد مناة، فلم يغنم ورجع من عزاته تلك، ms0407 فمر بماء لبني تميم عليه ~~ناس من مجاشع، فقتل فيهم وأسر، فقال في ذلك: # إن أمس ما شيخا كبيرا فطال ما ... عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع # قوله ما شيخا، ما زائدة للتأكيد. يقول: إن صرت شيخا طاعنا في السن، ~~وضارعا لنائبة الدهر، مهدفا لسهامه، مقرعا بلياليه وأيامه، فحق ذلك واجب، ~~لأن من يعش يكبر ومن يكبر يهرم، وطول العمر لا يجدي إذا كان مؤداه إلى ~~الضعف، وقصاراه الموت. وقوله طال ما عمرت يجوز أن يكون ما مع الفعل في ~~تقدير المصدر، ويكون حينئذ حرفا عند سيبويه، والتقدير: فقد طال عمري. وعلى ~~هذا # PageV01P505 # يكتب طال منفصلا من ما. ويجوز أن يكون ما كافة للفعل عن العمل، ومخرجا له ~~من بابه، ولذلك جاز وقوع الفعل بعده، وإن كان الفعل لا يدخل على الفعل، ~~وعلى ذلك يكتب طال متصلا بما لأنه منه ومن تمامه. ومعنى عمرت: بقيت وحييت. ~~والعمر، قال الخليل: هو الحياة والبقاء، ومه لعمر الله. وقول الشاعر: # وعمرت حرسا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود # يشهد لذلك. وقوله لا أرى العمر أراد اتصال العمر وطوله، فحذف المضاف ~~وأقام المضاف إليه مقامه. وذكر بعضهم أن أبا تمام أخطأ في قوله: # ما لأمرئ خاض في بحر الهوى عمر ... إلا وللبين منه السهل والجبل # لأن العمر اسم مدة الحياة بأسرها لا يتبعض، فكما لا يقال ما لزيد رأس إلا ~~وفيه شجة، كذلك لا يقال ما له عمر إلا وهو قصير. قال: وليس قولهم: ما له ~~عيش إلا منغص، والحياة إلا مكدرة، مثل قولك ما له عمر إلا قصير. لو قلته، ~~لأن عيش الإنسان ليس هو مدة حياته بأسرها. ألا ترى أنك تقول: كان عيشي ~~بالعراق طيبا، وكانت حياتي بمصر لذيذة، ولا تقول كان عمري. والذي قاله هذا ~~المعترض على أبي تمام يبطله ما حكيته عن الخليل في تفسير العمر، والبيت ~~الذي أنشدته. ألا ترى أن قوله عمرت حرسا قبل مجرى داحس يقتضي تبعيض عمره، ~~إذ كان ما بعده من عمره قد ms0408 أفرده عما قبله، وإذا كان الأمر على هذا جاز أن ~~يقال: كان عمري قبل مجرى داحس أطيب من عمري بعده. وفي القرآن: " فقد لبثت ~~فيكم عمرا " أي بعض عمري، فحذف المضاف. # مضت مائة من مولدي فنضوتها ... وخمس تباع بعد ذاك وأربع # هذا تفصيل ما ألجمه من كبرته. يقول: أتت علي مائة سنة من ميلادي فألغيتها ~~ورائي، كأني لبستها ثم خلعتها واستتبعت بعدها تسعا توالت، فلي عذر في ضعف ~~يظهر، أو كسل يلحق، إذ كنت غابر لدات فنوا، ومتعرق أعوام باد أهلها فنسوا. ~~قوله فنضيتها يروى فنضوتها. ويقال نضا ثوبه ينضو وينضي إذا نزعه، لغتان. ~~على # PageV01P506 # هذا قول امرئ القيس: # فجئت وقد نضت لنوم ثيابها # ويقال نضى سيفه وانتضى بمعنى. وقوله " بعد ذاك " إن قيل لم لم يقل بعد ~~تلك، والإشارة إلى قوله مائة؟ قلت: لم يراع تأنيث المذكور وتذكيره، بل أراد ~~ما ذكرت. على ذلك قول ذي الرمة: # ومية أحسن الثقلين خذا ... وسالفة وأحسنه قذالا # ألا ترى أنه لم يقل وأحسنهما. وقوله وخمس تباع يقال تبع تباعا، فهو مصدر ~~وصف به. ويقال أيضا رميته بسهمين تباعا، أي زلاء، وتابع بينهما فلان تباعا. # وخيل كأسراب القطا قد وزعتها ... لها سبل فيه المنية تلمع # تذكر بما كان منه عند تعالي سنه وتناهي عمره، ما كان منه في ريعان شبابه، ~~وعند استكمال قوته وترامي الأحداث به، فيقول: رب خيل تمتد وتتوالى مبادرة ~~إلى الملتقى، وتسترسل استرسال فرق القطا عند اندفاعها للورد، أنا بعثتها ~~وهيجتها، ولها عارض يمطر بالموت ويلمع. والسبل: المطر. ورواه بعضهم: " لها ~~أسل " وهي الرماح. وقوله قد وزعتها يجوز أن يكون معناه كففتها عن التعجل، ~~ويجوز أن يكون قسمتها للتعبئة أو الغارة، لأنه يقال وزعت الشيء ووزعته ~~جميعا؛ وعنده أوزاع من الناس، أي فرق، وعلى الوجهين فتدبيرها كان إليه. ~~وقوله قد وزعتها من صفة الخيل، لأن جواب رب فيما بعده، ولها سبل في موضع ~~الحال. وقوله فيه المنية من صفة السبل، ويلمع في موضع الحال للمنية، ~~والعامل ما يدل عليه الظرف. ms0409 # شهدت وغنم قد حويت ولذة ... أتيت وماذا العيش إلا التمتع # قوله شهدت جواب رب، فيقول: رب خيل على هذه الصفة حضرتها مدبرا لها، ورب ~~غنيمة تغنمتها وتوليت قسمتها، ورب لذة أتيتها ونلت منالي منها. ثم أقبل ~~كالمتلفت إلى غيره، فقال: وما العيش إلا التمتع بهذه الأشياء. ارتفع " ~~العيش " على # PageV01P507 # أنه عطف البيان لذا، لأنه جعل العيش كالحاضر، فأشار به إليه وإن كان ~~القصد إلى الجنس. والتمتع: الانتفاع بالشيء زمانا طويلا. ومنه متع النهار: ~~ارتفع، واستمتعت وامتتعت وتمتعت بمعنى. # وعاثرة يوم الهييما رأيتها ... وقد ضمها من داخل الخلب مجزع # يقول: ورب امرأة في هذا اليوم لتمكن الخوف منها، وتملك الجزع قلبها، ~~رأيتها تعثر لوجهها ولا تستقيم في مشيها، مخافة السباء لها، وقد ضمها مجزع، ~~أي استولى عليها الحزن والقلق، حتى صار يضمها إليه ولا يدعها لغيره. # وقوله من داخل الخلب بين به منشأ الجزع ومقره، والخلب: حجاب القلب، ومنه ~~قوله: خلبت المرأة فلانا، أي أصابت خلبه بلطفها وخدعته، خلبا. ثم يقال: هو ~~خلب نساء، كما يقال هو زير نساء. وهذا على طريقتهم في النقض والنقض وما ~~أشبهه. # لها غلل في الصدر ليس ببارح ... شجى نشب والعين بالماء تدمع # يجوز أن يكون قوله لها غلل في موضع الجر على أن يكون صفة لعاثرة، ويجوز ~~أن يكون في موضع المفعول الثاني لقوله رأيتها: وأصل الغلل هو الماء يجري ~~بين الشجر، فاستعاره لما تداخلها من الشجى. وقال الخليل: الغلل: تغلغل ~~الماء بين الشجر. والغلغلة: سرعة السير؛ ومنه رسالة مغلغلة أي محمولة من ~~بلد إلى بلد. ورواه بعضهم لها غلل بضم الغين، جمع غلة. ولو كان كذا لقال ~~ليست ببارحة. ومعنى ليس ببارح أي ليس بزائل، وموضع قوله شجى نشب رفع على ~~البدل من غلل. ويريد فلان أنه علق به كما ينشب الصيد في الحبالة. وفي ~~الكلام المروى: نشب فلان منشب سوء، أي وقع فيما لا يتخلص منه. وقوله والعين ~~بالماء تدمع في موضع الحال، ولا بد من الواو فيه ليتعلق بذي الحال. والعامل ~~فيه ms0410 قوله شجى نشب. ولو كان في الجملة ضمير لكنت في دخول الواو وسقوطه ~~بالخيار، إذ كان الضمير يعلق من الحال ما يعلقه الواو. # تقول وقد أفردتها من حليلها ... تعست كما أتعسني يا مجمع # قوله تقول جواب رب. والمراد: رب عاثرة هذه صفتها في يوم الهييما قالت لي ~~بعد أن سبيتها وفرقت بينها وبين زوجها بالقتل سقطت لوجهك، ولا انتعشت من # PageV01P508 # عثرتك يا مجمع، ولحقك الانكسار والنكس كما ألحقتهما بي. وسمي الزوج حليلا ~~والمرأة حليلة لأن كل واحد منهما يحل مع صاحبه. # فقلت لها بل تعس أخت مجاشع ... وقومك حتى خدك اليوم أضرع # يقول: أجبتها بأن قلت بل التعس لك ولقومك حين ضيعوك، وفعلوا ما أدى وباله ~~إلى أن صار خدك اليوم ضارعا، وجدك سافلا. وقوله بل تعس أخت مجاشع تدارك ببل ~~دعاءها عليه فنقله إليها، لأن بل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني. وأجرى ~~تعسا في الإضافة مجرى ويك، وذاك أن المصادر التي قد اشتق الأفعال منها إذا ~~دعي بها تستعمل باللام لا غير، تقول: تب لزيد وخسر لعمرو. وما لم يشتق ~~الفعل منه وهو ويل وويح وويس إذا كان معها اللام رفعت وصارت باللام جملا، ~~وإذا أفردت عن اللام أضيفت ونصبت. تقول ويل لزيد وويح لعمرو فترفع، وويل ~~زيد وويح عمرو فتنصب. وهذا الشاعر قال: بل تعس أخت مجاشع فأجراه مجرى ويل ~~الفعل يشتق منه. ومجاشع: قبيلة. فقال أختت مجاشع كما يقال يا أخا بكر ويا ~~أخا تميم، وأضرع بمعنى ضارع. ويقال خده ضارع، وجنبه ضارع. والضراعة: ~~الاستفال في خضوع. قال الهذلي: # لشانئك الضراعة والكلول # عبأت له رمحا طويلا وألة ... كأن قبس يعلى بها حين تشرع # أخذ يبين كيف تمكن من قتل زوجها، وماذا أعد من السلاح له. ويقال: عبأت ~~الخيل وعبأتها، إذا هيأتها للحرب، وعبيتها أيضا. وعبأت الطيب والمتاع لا ~~غير. المراد: هيأت له رمحا طويلا، وسنانا لماعا براقا، كأنما يعلى به نار ~~إذا أشرع للطعن. والألة: تستعمل في الحرية وتشتهر بها. وأصل الأليل البريق. ~~المراد بها ها هنا ms0411 السنان كما ذكرت. وقوله كأن قبس يجوز فيه الرفع والنصب ~~والجر، فإذا رفعت فعلى الضمير، يريد كأنها قبس يعلى بها حين أشرعت. والقبس: ~~النار. ومن نصب فلأنه أعمل كأن مخففة عملها مثقلة. يريد: كأن قبسا يعلى ~~بها، ويكون الخبر يعلى بها. ومن # PageV01P509 # جر فقال كأن قبس، جعل أن زائدة وأعمل الكاف كما زيد في قوله: لما أن جاء ~~زيد أعطيته، وفي قوله: والله أن لو جئتني لأكرمتك، يريد والله لو جئتني. # وكائن تركت من كيمة معشر ... عليها الخموش ذات حزن تفجع # نبه بهذا الكلام على أن ما حكاه من حديث العاثرة يوم الهييما، واقتصه من ~~شأن بعلها، لم يكن بدعا منه ولا عجبا، بل ذلك دأبه مع أمثالها قبلها ~~وبعدها. وقوله وكائن لغة في كأين، وهما جميعا بمعنى كم، وهو للتكثير. ~~فيقول: وكم امرأة كانت كريمة عشيرتها تركتها وهي تخمش وجهها، وتتفجع جزعا ~~على قيمها من بعل أو أخ أو ابن. والمعنى: كان ذلك مني كثيرا. وقوله عليها ~~الخموش الخمش في الوجه وفي سائر البدن مثل الخدش. ومعنى عليها ركبها وعلاها ~~كما يقال على فلان دين أي ركبه وعلاء. ### || وقال الأخنس بن شهاب # فمن يك أمسى في بلاد مقامه ... يسائل أطلالا لها لا تجاوب # يروى في بلاد مقامه والمراد: من أمسى مقامه في بلاد مسائلا أطلالا لتلك ~~البلاد. فمقامه اسم أمسى، وخبره في بلاد. ويروى بلاد مقامة على الإضافة، ~~ويكون اسم أمسى ضمير " من " المستكن فيه. والمقامة: الإقامة، والمراد: من ~~أمسى في بلاد إقامة، أي بلاد مستصلحة للإقامة مستوطنة. ويسائل على ~~الروايتين في موضع الحال. وكما يقال هو بلد مقامة، يقال في ضده هو بلد ~~قلعة. والبلاد: جمع بلد، وهو القطعة من الأرض اختط فيها أو لم يختط. يشهد ~~لهذا قول الراجز: # قد ترك البرني فاه بلدا # أي لا أسنان فيه. وقول الآخر: # عرف الديار توهما فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها # PageV01P510 # ومعنى البيت: من كان الوقوف على ديار الأحبة من همه، فأمسى مقامه في بلاد ~~مسائلا أطلالا فيها ms0412 لا تجاوبه، فأميى كيت وكيت. وجواب الجزاء فيما بعده. ~~وقد مر القول في حذف النون من يك. # فلابنة حطان بن قيس منازل ... كمانمق العنوان في الرق كاتب # الفاء مع ما بعده إلى صدر البيت الذي يليه جواب الجزاء، كأنه قال: فلهذه ~~المرأة منازل أنا وفقت بها، وقضيت حق الهوى فيها. والمعنى: من كان الوقوف ~~على الديار من دينه في الهوى ومذهبه، حتى صار يسائل مالا يجيب، فلى في ~~الوقوف على ديار ابنة حطان ما يزيد على كل مذهب، ويعفى على كل عادة. وقوله ~~كما نمق العنوان من صفة المنازل، ويروى العنيان والعلوان. فأما العلوان فهو ~~فعوال من علن الأمر، أي ظهر. وأما عنوان فهو فعوال أيضا من عن له كذا، أي ~~عرض. وأما عنيان فهو فعلان من عناه كذا يعنيه. وفي هذا القدر من الكلام في ~~هذا الموضع كفاية إذ كنا قد بسطنا القول في شرح كتاب الفصيح. وكان الواجب ~~أن يقول كعنوان نمقه كاتب، وتشبيه آثار الديار بالكتابة مألوف في طرائقهم، ~~لكنه طول الكلام تحقيقا للتشبيه، فصار ظاهره كأنه شبه الآثار بتنميق الكاتب ~~خطه إذا عنون كتابا. ومثله قول الهذلي: # هبطن بطن رهاط واعتصبن كما ... يسقى الجذوع خلال الدور نضاح # ألا ترى أن المراد تشبيه الإبل وقد دخلت في السراب بجذوع نخل مسقية في ~~أصولها الماء، فجاء ظاهره كأنه شبه الإبل بسقى النضاح للجذوع؛ لأن معنى كما ~~يسقي كسقى، كما أن معنى كما نمق كتنميق. # وقفت بها أبكي وأشعر سخنة ... كما اعتاد محموما بخيبر صالب # يقول: وقفت بهذه الأطلال مقيما بها رسم من ثبت عهده في الهوى، ولم يغيره ~~تقاذف الأحبة والنوى، ومظهرا التلهف والتحسر في إثر ما تقادم من أيام ~~الوصال بالبكا، وقد أبطنت جوى اعتادني منه حمى سخنت منها بشرتي، وحمت لها ~~روحي # PageV01P511 # ومهجتي، كما يعتاد الصالب وهي الحمى التي معها صداع محموما بخيبر. وإنما ~~قال ذلك لأن خيبر محمة، وحماها موصوفة بالشدة. ويقال في المثل: " صالبي أشد ~~من نافضك ". وحكى الأصمعي أن أعرابيا ثقلت عليه مؤن ms0413 عياله لكثرتهم، فحدثته ~~نفسه بأنه لو نقلهم إلى خيبر لنقصهم وباؤه، وأثر فيهم بالتقليل صالبه، ~~وأوردهم خيبر، وأنشأ يقول: # ويحك حمى خيبر استعدي ... هاك عيالي فاذهبي وجدي # وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذا الجند # فحموا بأجمعهم وسلموا، ثم تلف هو من بينهم. # وقوله وأشعر سخنة يروى بضم السين وكسرها. فالسخنة كالحمرة، والسخنة ~~كالجلسة. ومعنى أشعر جعل شعاري. والشعار: ما يلي الجسد من الثياب، وتوسع ~~فيه فقيل أشعر قلبي هما. ويقال شعرت المرأة، أي نمت معها في شعارها. # خليلاي هو جاء النجاء سملة ... وذو شطب لا يجتويه المصاحب # موضع قوله خليلاي مع خبره نصب على الحال من قوله وقفت بها، واستغنى ~~بالضمير فيه عن إدخال الواو العاطفة لأنه يعلق من الحال بالأول ما يعلقه ~~الواو. ومعنى قوله هوجاء النجاء ناقة في نجائها وسرعة مرها هوج واضطراب. ~~ويقال نجاء أهوج، كما يقال عدو واله. وقد تجاوزوا هذا الحد حتى قالوا غبار ~~مجنون، وزمام سفيه. والشملة: الخفيفة. وقوله وذو شطب أراد به سيفا ذا ~~طرائق. لا يجتويه أي لا يكرهه متحمله لجودته. وهذا الكلام إشارة إلى أن ~~أصحابه خذلوه ولم يروا مساعدته في الوقوف على الدار. # وقد عشت دهرا والغواة صحابتي ... ألئك خلصاني الذين أصاحب # قرينة من أسفى وقلد حبله ... وحاذر حراه الصديق الأقارب # يذكر ما تعاطاه من البطالة أيام صباه، فيقول: بقيت زمانا فيما مضى من ~~عمري طويلا متباعد الأطراف، والذين أصاحبهم وأوثر معاشرتهم أهل الغواية، ~~وأرباب # PageV01P512 # البطالة والخسارة، لا أواخي غيرهم، ولا أصالح سواهم. والصحابة مصدر في ~~الأصل، وصف به الخلصان أيضا مصدر كالكفران والشكران في الأصل، ولذلك صلح أن ~~يقع للواحد والجميع. يقال فلان خالصتي وخلصاني، إذا خلصت مودته. قال: # وعاش صافية لله وخلصانا # ويقال: هؤلاء خلصاني، أي أخلائي. وقوله الذين أصاحب أراد أصاحبهم، وحذف ~~الضمير استصالة للاسم بصلته. وقوله قرينة من أسفى فالقرينة ألحقت الهاء به ~~لأنه جعل اسما، فهو كالبنية والذبيحة. ومعنى أسفى: دخل في السفاء. والسفاء ~~ممدود: السفه، والرجل سفي. ومعنى قلد حبله خلى واختياره، وأصله ms0414 في البعير ~~إذا أرسل في المرعى وجعل زمامه على عنقه لتتصرف كما يشاء، ثم نقل إلى من ~~وعظ كثيرا حتى أهمل أمره تبرما به. ويقال أيضا: ألقى حبله على غاربه، في ~~هذا المعنى. ومعنى وحاذر جراه الصديق الأقارب، أي تبرءوا منه خوفا من ~~جرائره التي يجنيها عليهم. وكانوا يسمون مثله الخليع. وعلى هذا قول الشنفري ~~في صفة نفسه: # طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لايا بما حن أول # ومعنى تياسرن لحمه اقتسمن لحمه من الميسر. وهذا من فصيح الكلام. والصديق ~~يوصف به الواحد والجمع. والبيت الثاني شرح لقوله والغواة صحابتي، ويفيد من ~~نهايات الغي ما لا يستفاد من ظاهره ومطلقه. # فأديت عني ما استعرت من الصبا ... فالمال عندي اليوم راع وكاسب # ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعز الحجاز أعوزته االزرائب # يقول: رفضت الآن ما كنت أقصر وقتي عليه، وأصرف همي إليه، من سلوك طرائق ~~الجهل، والجري في ميادين اللهو، واستبصرت حتى عرفت من الرشاد ما حملني على ~~رد مستعار الغي، واطراح مستعاد البطل، فصرت أحفظ من المال ما كنت أضيعه، ~~وأصحب من الحزم ما صرت أخلفه، وأجمع من العدة للحوادث ما # PageV01P513 # بقيت أهمله وأفرقه. وقوله أديت عني حقق بدخول عن أن المؤدى وجب عليه. ألا ~~ترى أنه لو قالا أديت كذا من دون عن لجاز أن يكون لنفسه أدى ما أدى، ولجاز ~~أن يكون لغيره. ولأن معنى أديت عني نحيت عن نفسي. وقوله فللمال عندي اليوم ~~راع وكاسب نبه به على أنه جامع له وحافظ. ولم يشر بقوله اليوم إلى وقت ~~معين، لأنه أراد حاضر الأزمان ومؤتنفها. فأما قوله ترى رائدات الخيل ~~فالرائدات المختلفات، ومنه المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". والمراد أن ~~الذي يرتبطونه من المال ويقتنونه الخيل، لا الإبل والغنم، وأنها تختلف فيما ~~بين بيوتهم لكثرتها، لأنهم غزاءون وأرباب غارات، فخيولهم مربوطة بالأفنية ~~لئلا تبعد عنهم أوان الحاجة لقصد أو متع؛ وهي في اختلافها وكثرتها وترددها ~~بين البيوت كمعزى الحجاز وقد ضاق عنها محابسها ومرابضها. وقوله كمعزى ~~الحجاز في موضع ms0415 الحال من ترى، وأعوزتها في موضع الحال مما دل عليه الكاف من ~~قوله كمعزى. والأجود أن يضمر معها قد ليقرب بناء الماضي من الحال. والتقدير ~~تراها مشابهة لمعزة الحجاز وقد عدمت محابسها، فهي ترود. وفي هذه الطريقة ~~قول سلمة بن الخرشب: # يسدون أبواب القباب بضمر ... إلى عنن مستوثقات الأواصر # والزرب والزريبة واحد، ويقال أعوزه الدهر: أفقره. وأعوز الرجل: ساءت ~~حاله. # فيغبقن أحلابا ويصبحن مثلها ... فهن من التعداء قب شوازب # يقال غبقته إذا سقيته غبوقا، وصبحته إذا سقيته صبوحا. والصبوح والغبوق: ~~يشرب بالغداة والعشي، لأنهما كالفطور والذرور والسحور. فيجوز أن يريد أنها ~~تعدى في القرتين، ويكون أحلابا بمعنى أشواط وأطلاق. يقال احلب فرسك قرنا أو ~~قرنين، واحلبها أحلابا وحلبات. ويشهد لهذا قوله فهن من التعداء قب شوازب. ~~وتحقيق الكلام أنه جعل صبوحهن وغبوقهن أن أعديت في أول النهار وآخره لتضمر، # PageV01P514 # كما قال أبو تمام: # تعليقها الإسراج والإلجام # وكما قال غيره: # فإن المندي رحلة فركوب # والتندية: أن ترعى في الورد بعد السقي شيئا ليعرض عليها الماء ثانية. ~~ويجوز أن يريد أنها تسقى اللبن غدوا وعشيا، كما قال: # نطعمها اللحم إذا عز الشجر # يريد باللحم اللبن، وكما قال الآخر # يعطى دواء قفي السكن مربوب # ويكون الأحلاب جمع حلب، مصدر حلبت، والمراد به المحلوب فجمعه لاختلافها. ~~ويكون قوله فهن من التعداء كلاما مستأنفا، والمعنى أنها تصنع وتضمر، فتتفد ~~بكل ما يصلحها ويقويها ويعودها الجراء. والقب: جمع أقب وقباء. والشوازب: ~~الضوامر. # فوارسها من تغلب ابنة وائل ... حماة كماة ليس فيهم أشائب # قوله من تغلب ابنة وائل أخبر به أنهم لم يتكثروا بغيرهم، فليس فيهم خلطاء ~~من سواهم ولا غرباء، وإنما هم من أصل واحد. وهذا كما قال سلمة ابن الخرشب. # وأمسوا حلالا ما يفرق بينهم ... على كل ماء بين فيد وساجر # PageV01P515 # وهو خلاف قول الآخر وهو يهجو: # ولما أن رأيت بني جوين ... جلوسا ليس بينهم جليس # إذا ما قلت أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرءوس # لأن هذا يصف أهل بيت بأنهم لا يرى فيهم نديم ولا ms0416 معاشر، ولا يغشى فناءهم ~~جليس ولا مخالط، ولا يقصدهم عاف ولا مجتد، ولا يؤمهم راح ولا معتف، إنما ~~اكتفى كل منهم بصاحبه، وانفرد كل ذي بيت بنسيبه. وعلى هذا الذي فسرنا يكون ~~من تغلب ابنة وائل خبرا، وحماة خبرا ثانيا. والتقدير: فوارسها تغلبيون ~~حماة. ويجوز أن يكون من تغلب ابنة وائل في موضع الحال، وحماة الخبر، ~~والتقدير: فوارسها وهم من بني تغلب حماة. وحماة: جمع حام. وكماة: جمع كمى. ~~وهذا البناء من الجوع لا يكون إلا في المعتل. والاشائب: جمع أشابة، وهم ~~الذين جمعوا من شيء إلى شيء، على رداءة فيهم وهجنة تشوبهم. # فهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب # وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب # وصفهم بأنهم يطلبون الرؤساء في الحرب بالقتل والنكاية، دون الأوساط ~~والعجزة والسقاط، فهو كقول الآخر: # من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها # وقوله يبرق بيضه في موضع الحال من يضربون، وعلى وجهه من الدماء سبائب في ~~موضع الحال أيضا من قوله يبرق بيضه. والسبائب: الطرق، الواحدة سبيبة، وقوله ~~وإن قصرت أسيافنا مثل قول الآخر: # تصل السيوف إذا قصرن بخطونا # وفي طريقته قول الآخر: # إذا الكماة تنحوا أن ينالهم ... حد الظبات وصلناها بأيدينا # PageV01P516 # فلله قوم مثل قومي عصابة ... إذا حفلت عند الملوك العصائب # قوله فلله قوم تعجب وتحضيض. والكلام في مثله قد تقدم مشروحا. وانتصب ~~عصابة على أنه تمييز. ويجوز أن يكون حالا أيضا. وقوله إذا حفلت أي اجتمعت. ~~وإذا ظرف لما دل عليه قوله لله قوم مثل قومي، أي ناهيك بهم من قوم في ذلك ~~الوقت. والمعنى أنه يظهر من عزهم وفخرهم في مجالس الملوك ما يستحق به ~~التعجب منهم. # أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب # يصف عزهم وكرمهم وعظم حشمتهم في قلوب من سواهم، وأن أحدا لا يتجاسر على ~~التعرض لأسبابهم، والتبسط في أحميتهم، فما لهم وإن عزبت في مراعيها محمية، ~~وسروبهم آمنة، وإذا كانت الأقوام غيرهم يقيد فحولها ms0417 تقييدا مقاربا، وتحفظ ~~مراعيها حفظا ملاحظا، مخافة أن تسرب في المرتع، وتبعد عن المجمع، وتتبعها ~~الإناث فتقرب من المغير عليها، وتمكن الطامع فيها، رأيتنا لا نبالي بشيء من ~~ذلك، فنخليها وذهابها حيث شاءت، وأني اختلفت وتصرفت، لأمننا عليها، وعلمنا ~~بأن عزنا يحميها ويذب عنها، ويقصر الأيدي دونها. والسارب: الذاهب في الأرض، ~~حتى قيل سرب الماء وانسرب، ومنه اشتقاق السراب. ### || وقال العديل بن الفرخ العجلي # ألا يا اسلمى ذات الدماليج والعقد ... وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد # قوله يا اسلمى يراد به يا هذه اسلمى، فحذف المنادى. ومعنى اسلمى: دومي ~~سالمة. وانتصب ذات الدماليج على أنه نداء ثان، ويجوز أن يكون انتصابه على ~~إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ذات الدماليج. وهذا يجري مجرى الكناية لما كره ~~التنبيه # PageV01P517 # على اسمها. والدماليج: جمع الدملوج، وهي المعضد. وقال الخليل: يقال دملجت ~~الشيء، إذا سويت صيغته، كما يصاغ الدملج. وثوله وذاب الثنايا كان وجه ~~الكلام أن يقول: والثنايا الغر، لكنه أعاد لفظ ذات ليكون الخطاب به أفخم ~~وأجل قدرا، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه، كأنه عدهما اسما واحدا لا ~~محمل بالحذف عليه. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: " قد أفلح المؤمنون. الذين ~~هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم "، " والذين هم ". وقول الشاعر: # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر # والعقد: القلادة: يقال عقدت عقدا، ثم يسمى المعقود عقدا، فهما كالنقض ~~والنقض. والفاحم: الشعر الأسود الحسن وقد فحم فحوما. # وذات اللثات الحم والعارض الذي ... به أبرقت عمدا بأبيض كالشهد # اللثات: مغارز الأسنان. والحم: جمع أحم وحماء، وهو الأسود من كل شيء. ~~ويروى الحو وهو جمع أحوى وحواء. والحوة: حمرة تضرب إلى سواد. والعارض: ما ~~يظهر من الثغر عند النطق من الجانبين. ومعنى أبرقت به: أطلعت البرق. ~~والبرق: وميض السحاب أصله. ويقال: برق السحاب برقا وبريقا، وأبرق لغة فيه، ~~كذلك قال الخيل. وقوله عمدا مصدر في موضع الحال، أي أبرقت عامدة. ويريد ~~بالأبيض رضاب الفم. والتشبيه بالشهد قصد به إلى العذوبة. # كأن ثناياها اغتبقن مدامة ... ثوت ms0418 حججا في رأس ذي قنة فرد # الاغتباق: شرب العشي، وخصه بالذكر لأن القصد إلى أنها عند السحر يطيب ~~نكهتها، فإذا تغيرت الأفواه وخلفت كانت هذه كأنها مغتبقة خمرا بقيت سنين في ~~رأس جبل انفرد عن الجبال ورءوسها، بحصانته وتمنعه. وهذا منه إشارة إلى قلعة ~~في قلة جبل شاهق، أو قصر أو حصن شبهه بحبل هذه صفته. # لعمري لقد مرت لي الطجير آنفا ... بما لم يكن إذ مرت الطير من بد # PageV01P518 # كان زجارا فلذلك قال ما قال. وخبر لعمري محذوف، كأنه قال لعمري قسمي. ~~ولقد جواب القسم مع ما بعده. والقسم كما يقع بالمفرد يقع بالجملة. وأنث ~~الطير لأنه أراد الجماعة، فلذالك قال مرت. وآنفا انتصب على الظرف، والمعنى ~~فيما ائتنف من الوقت، وإنما عاف هذه العيافة التي أشار إليها فيما دار بين ~~قومه من الشر، وكأنه آمن بما أوجبه مرور الطير في حلمه، فلذلك قال بما لم ~~يكن من بد. ومن بد موضعه اسم لم يكن، وخبره محذوف، لأن التقدير بما لم يكن ~~بد من وقوعه إذ مرت الطير. وهذا كما يقال ما جاءني من رجل في اللفظ، وإن ~~كان التقديران مختلفين. ومعنى قول القائل لا بد من كذا: لا اتساع في ~~الاستغناء عنه. ويقال رجل أبد وأمرأة بداء، إذا تباعد إحدى فخذيه عن ~~الأخرى، وبددت الشيء أبده، إذا جزأنه أجزاء في القسم. ويقال هات بدتي، أي ~~نصيبي، ومنه يقال استبد فلان بكذا إذا اختص. # ظلت أساقي الهم إخوتي الأولى ... أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد # يقال: ظل يفعل كذا، إذا فعله نهارا، ثم يتوسعون فيه، ويجري مجرى صار يفعل ~~كذا يدل على ذلك قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا " ألا ~~ترى أن البشارة بالأنثى تتفق كل وقت من ليل ونهار. وقوله أساقي الهم يجوز ~~أن يريد به الغم، كأنه كان يباث إخوانه وأصفياءه لما كان يدور عليه أمر ~~عشيرته من الخلاف المؤدي إلى التقالى والتحزب، وما كان يخافه من التفاني ~~عليهم عند التجارب. والأولى في معنى ms0419 الذين، والجملة التي بعده من صلته. ~~وقوله أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد يجري مجرى التأكيد للأخوة، والتحقيق ~~للتشابك، والممازجة بالنسبة، والمعنى: على كل حال إذ لا ثالث لهما. ووضع ~~المزاح موضع الهزل. ومثل هذا في معنى التأكيد، وإن كان لفظة لفظ البدل ~~قولهم: جاءني بنو تميم صغيرهم وكبيرهم، صريحهم وهجينهم، وما أشبهه. ويجوز ~~أن يريد بالهم مصدر هممت بالشيء، كأنه اجتمع مع إخوته ليوافقهم على رأي ~~يبنون أمرهم عليه مع الفساد الظاهر له بين ذويه وفصيلته. ويروى المزاح بضم ~~الميم فيكون اسما، والمزاج بكسر الميم فيكون مصدر مازحت. # كلانا ينادي يا نزار وبيننا ... قنا من قنا الخطى أو من قنا الهند # كلا اسم مفرد يؤكد به المثنى، كما أن كلا اسم مفرد يؤكد به المجموع. ~~والمراد به هنا كل واحد منا، لذلك قال ينادي. والمعنى إن اعتزاء كل واحد من # PageV01P519 # طائفتينا إلى أب واحد، والشر إذا وقع بين الأقارب كان في عقول ساداتهم ~~أشد تأثيرا، وأبلغ عند الاستعمال به تحذيرا، إذ كان مفاسدة النسيب لنسيبه ~~أفظع، وكان التقاطع حيث يجب التواصل أشنع، لأن عز السيد بتابعيه، وليس ~~الأقارب منهم كالأجانب. وقوله وبيننا قنا من قنا الخطى الواو واو الحال، ~~وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والمراد: وبيننا اختلاف قنا خطية ~~بالطعن، أي بلغ جهد البلاء بينهم هذا المبلغ وانتهى إلى هذه الحالة. وقال ~~من قنا الخطى والمراد من قنا الموضع الخطى أو المكان، فأقام الصفة مقام ~~الموصوف. يدل على هذا أنه قال بعده أو من قنا الهند. ويجب أن يكون القنا ~~الأول وإن كان جمع قناة متناولا لما هو أقل مما يتناوله القنا الثاني حتى ~~يحصل معنى التبعيض بمن. والخط: جزيرة عمان. ويقال في الرماح هي الخطية، ~~كأنه اسم لها. # قروم تسامى من نزار عليهم ... مضاعفة من نسج داود والسغد # القروم في الأصل: الفحول المصاعب التي أعفيت من الحمل عليها وتركت ~~للفحلة. ويقال أقرمت البعير فاستقرم. وعنى بها ها هنا الأبطال الكرام. ~~وتسامى، أي تتعالى في التباري والتماري. ms0420 والأصل في تسامي تتسامى فحذف إحدى ~~التاءين استثقالا لاجتماعهما. وقوله من نزار في موضع الصفة لقروم، والتقدير ~~قروم نزارية تتسامى، وقوله عليهم مضاعفة في موضع الحال والعامل فيه تسامى. ~~ومعنى المضاعفة: التي نسجت حلقتين حلقتين. ومن نسج داود في موضع الصفة ~~للمضاعفة، وأراد مضاعفة داودية وسغدية. وارتفع مضاعفة بالظرف في المذهبين ~~جميعا لوقوع الظرف في موضع الصفة. ومثله من مسائل الكتاب: مررت برجل معه ~~صقر صائدا به غدا. # إذا ما حملنا حملة ثبتوا لنا ... بمرهفة تذرى السواعد من صعد # وإن نحن نازلناهم بصوارم ... ردوا في سرابيل الحديد كما نردى # أما البيت الأول فقد ألم فيه بمعنى قول الآخر: # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # PageV01P520 # والمرهفة: السيوف المرققة الحد، وسيف رهيف، وقد رهف رهافة. ومعنى تذرى ~~تسقط، وهو في موضع الصفة لمرهفة. ومعنى من صعد من أعلى. وهذا كما قال غيره: # يذري بإرعاش يمين المؤتلى ... خضمة الذراع هذا المختلى # وقوله وإن نحن نازلناهم فالنزال يأتون به ويركبونه في المضايق حيث لا ~~يتسع المجال للخيل، وإذا كان كذلك فالبيت الأول من صفة الفرسان، والثاني من ~~نعت الرجالة. وقوله ردوا في سرابيل الحديد كما نردى، الرديان في الأصل عدو ~~الحمار بين آريه ومتمعكه، ولم يقصد تفضيلا لأحد الفريقين على الآخر إما ~~لقصده إلى الإنصاف في اقتصاص ما يجري من الأحوال، وإما لأن الفرقتين كانتا ~~من أصل واحد جعلهما على سواء من البلاء. # كفى حزنا ألا أزال أرى القنا ... يمج نجيعا من ذراعي ومن عضدي # لك أن ترفع أزال على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، والمراد أني لا أزال. ~~ولك أن تنصبه على أن يكون أن هي الناصبة للفعل. وموضع أن لا أزال على ~~الوجهين جميعا رفع بكفى. وحزنا انتصب على التمييز. والمعنى: كفى من حزن أنى ~~لا أزال أرى الرماح تصب دما من ذراعي ومن عضدي، أي من قوم بهم أبطش وأعتز، ~~فهم مني بمنزلة الذراع والعضد. وهذا في الاستعارة لمن يقوى به الرجل ويعتضد ~~أبلغ وأشبغ وإن ms0421 تشاوت الطريقتان - من قول الآخر: # فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني # وقد قيل " أخ الرجل عضده ". والمج: إخراج الماء من الفم، وتوسعوا فقالوا ~~للمطر: هو مجاج السحاب. والنجيع: دم الجوف. ويقال تنجع الرجل، إذا تلطخ به. # لعمري لئن رمت الخروج عليهم ... بقيس على قيس وعوف على سعد # وضيعت عمرا والرباب ودارما ... وعدوان ود كيف أصبر عن ود # PageV01P521 # لكنت كمهر بق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية صلد # نبه بهذا الكلام على قرب القرابة بينهم، وتأكد الالتحام فيهم، وأن تمازج ~~الأنساب، وتواشج الأسباب، يوجبان أن طوائف هؤلاء الجموع كطوائف تلك، فإن ~~أخذ يطلب الخروج عليهم، والنكاية فيهم، احتاج أن يخرج بقيس على قيس، وبسعد ~~على سعد، لأن عوفا هو ابن سعد. واحتاج أن يراغم عمرا والرباب ودارما وودا، ~~وأن يضيع حظوظهم وحقوقهم، وبفيت نفسه وذويه مأمول الخير من جهتهم، والتكثر ~~والتعزز بمكانهم، وذلك أيسر نتائج التقاطع والتدابر، والتنازع والتنابذ، ~~والتجاذب والتحارب؛ هذا إلى ما فيه من مجانبة الرشاد، والتباعد في طرق ~~الضلال والفساد. وقوله كيف أصبر عن ود هو الذي يسميه النقاد والبصراء بصنة ~~الشعر وتمييز البديع فيه الالتفات. كأنه لما ذكر وداص والخلاف عليه، ونفض ~~اليد مما يجمعه وإياه، وكشف الرأس بالمعاداة معه، رق للرحم قلبه، وضاق ~~بالحال المتصورة صدره، والتفت إلى من بحضرته فقال: كيف يكون صبري عن مثله. ~~ثم أخذ يمثل نفسه فيما يأتيه، ويصور نفسه إن أخذ فيه، فقال: لعمري إن صورتي ~~إذا ركبت هذه الخطة معهم، ومثلي فيما أختاره من مفاسدة الأقارب مع هذا ~~التحقق والتداني، والاستنامة إلى آمال متخلية في الأجانب، مثل رجل قد أعد ~~ماء فمه لوقت حاجته، وهو في مفازة متنائية الأرجاء، فترقرق له السراب من ~~مكان يتوصل إليه بمشقة تتكلف، وزيادة تعب تتجشم، فصب ما قد استصحبه من ~~الماء، وتيقن النجاة به، اغترارا بما تراءى له وتظناه، وهو لا يدري هل يقدر ~~على الوصول إليه، وإذا جاءه هل يجد له حقيقة أو لا. وقد ضرب الله ms0422 المثل ~~بالسراب لأعمال الكفار واغترارهم بها فقال: " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ". والرابية: المكان المرتفع. والصلد: الصلب ~~الذي لا ينبت شيئا. والرقراق: ما ترقرق فيما يتخيل للعين ولمع، ويوصف به ~~الدمع والماء والجارية الرائقة. يدل على ذلك قوله: # رقاق لا زرق العيون ولا رمدا # ولامرئ القيس يصف الدمع: # أو الدر رقراقه المنحدر # PageV01P522 # وقوله لكنت كمهريق الذي جواب القسم، وبعضهم رواه: فكنت كمهريق وعلى هذا ~~يكون الجواب محذوفا. وقد حمل الكلام على المعنى لظهور المراد منه دون ~~اللفظ، والأول أكشف. # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصد # يجوز أن يكون المرضعة امرأة فعلت ذلك فضرب المثل بهذا، ويشهد لذلك قول ~~الآخر: # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا # ويقال: النعام تفعل ذلك لسوء هدايتها، فتترك الواحدة منها بيض نفسها ~~وتسوم في المرعى، فإذا أرادت العود إليها لم تهتد، فتجثم على بيض غيرها. ~~ويشهد لهذا الوجه قول الآخر: # فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا # كتاركة بيضها بالقراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقوله هذا الضلال عن القصد يجري مجرى قوله كيف أصبر عن ود، في أنه من باب ~~الالتفات. ومثلهما قول جرير: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # والشاعر لم يقنعه التشبيه الأول ولم يكتف به، لأن الثاني أدل على الحال ~~فيما يروم تصويره، وأشبه بقصته إذا فعل فعلته. والقصد: الطريق المستقيم، ~~وهو المقصود. # فأوصيكما يا ابنى نزار فتابعا ... وصية مفضى النصح والصدق والود # فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي ... ولا تراميا بالنبل ويحكما بعدي # PageV01P523 # جعل وصاتة شاملة لقبائل ربيعة ومضر، وهما ابنا نزار بن معد، فيقول: أبذل ~~نصحي لكم، وأبسط وصيتي إياكم فيكم، فتابعوها واعملوا بحسبها، فإنها ممحوضة ~~لكم عن قلب رجل سليم الغيب، نقي الجيب، صائب الرأي، صادق الود. وقوله مفضى ~~النصح أي واصل نصحه إليكم، وصائر في فضاء وسعة. والمعنى انكشافه وخلوصه. ~~وفي القرآن: وقد أفضى بعضكم إلى بعض. وقوله فلا تعلمن الحرب في ms0423 الهام هامتي ~~هذا صريح الوصية التي دعا إليها، وسامهم ارتسامها وحفظها. وجعل النهي ~~لهامته، والمخاطبون هم المنهيون، فهو كقولك: لا أرينك ها هنا، والمراد: لا ~~تكن ها هنا فأراك. وتحقيق قوله فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي: لا ~~تتحاربوا بعدي فتعلم هامتي بين الهام الحرب بينكم، أي عليكم بالتواصل ~~والتعاضد، وإياكم والتقاطع والتدابر، فإن ذلك يؤدي ضعفكم، واجتراء الخصم ~~عليكم، إن لم يؤد إلى التفاني والتهالك. وكانت العرب تقول: إن عظام الموتى ~~تصير هاما فتطير وتتنسم أخبار الأحياء. وقوله ولا تراميا بالنبل ويحكما ~~بعدي، يقول: دعوا التفاخر والتنافر، والتجاذب والتحارب، فإن ذلك من آكد ~~أسباب التلاقي والتهاجر. وهم يجعلون المناضلة مثلا للمفاخرة، على هذا قول ~~لبيد: # فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضى ويجل # ثم قال: # فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل # أما ترهبان النار في ابنى أبيكما ... ولا ترجوان الله في جنة الخلد # فما ترب أثري لو جمعت ترابها ... بأكثر من ابنى نزار على العد # هما كنفا الأرض اللذالو تزعزعا ... تزعزع ما بين الجنوب إلى السد # ذكرهم بما في صلة الرحم من الأجر، وبما في قطيعته من الإثم، فأخذ يرغبهم ~~ويحذرهم، فيقول: أما تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد ~~الوارد في القطيعة واستعمال البغي، وتعرضتم لسخط الله عز وجل في تجاوز ~~مأموره، وأما ترجون أن يحل الثواب الكريم في الصلة واستعطاف أولى المحارم ~~والقربة، إذا رعيتم # PageV01P524 # أمره، والتزمتم حتمه، واستنجزتم موعده. وإنما أخرج الخطاب بلفظ التثنية، ~~وإن كان الوعظ متوجها إلى جميعهم، لأنه قال فأوصيكما يا ابنى نزار. # وقوله فما ترب أثري أثري والثرى يجعلان اسمين للأرض، إلا أن أثري جعل ~~كالعلم لها، ولذلك لم يصرف. والثرى: النتدى. وفي المثل التقى الثريان. وفسر ~~قوله وما تحت الثرى على ما تحت الأرض. ويقال: ثرى ثري، فيراد به التراب ~~الندي. وفي الاستكثار قيل: هم أكثر من الثرى. والشاعر وصف ابنى نزار ~~بالكثرة، لأن فيها العز والغلبة، ثم لم يرض بذلك حتى قال هما كنفا الأرض. ~~ومعنى لو ms0424 جمعت ترابها لو أحطت علما به وضبطته. ومعنى بأكثر من ابنى نزار ~~على العد بأكثر منهما معدودين؛ فموضع على العد موضع الحال. وقطع همزة ابنى ~~نزار ضرورة، كما قال الآخر: # إذا جلوز الاثنين سر فإنه ... بنث وإكثار الوشاة قمين # ويركبون هذه الضرورة في الأكثر الأعم إذا كانت الألف في اسم، وذلك أن ~~ألفات الوصل بابها الأفعال دون الأسماء حتى يمكن حصرها إذا لم تكن في مصدر، ~~فإذا كان كذلك فالمعتاد في ألفات الأسماء القطع، فعلى ذلك يستحسن قطعها ~~فيها، وإن كانت في الوصل للضرورة. # وقوله هما كنفا الأرض فالكنف: الجانب والناحية. ومنه تكنفه بنو فلان. ~~والمعنى أنهم محدقون بالأرض. وقوله اللذا لو تزعزعا حذف النون استطالة ~~للاسم بصلته. وعلى هذا قوله: # أبنى كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا # والزعزعة: التحريك، ومنها ريح زعزاع. وقوله ما بين الجنوب إلى السد يريد ~~ما بين مهب الجنوب إلى سد يأجوج. ويقال سد وسد لغتان، وقيل السد ما يفعله ~~الآداميون، والسد بالضم ما لا صنع للآدمي فيه. ومراد الشاعر أن مساك الأرض ~~وجوانبها بابنى نزار، فإن تزعزعا تزلزلت الأرض. وهذا الكلام نهاية في بابه. # PageV01P525 # وإني وإن عاديتهم وجفوتهم ... لتألم مما عض أكبادهم كبدي # لأن أبي عند الحفاظ أبوهم ... وخالهم خالي وجدهم جدي # يقول: أنا وإن كنت متنكرا لهم مستجفيا، وجافيا معهم معاديا، ومتحاملا ~~عليهم مناصبا، فللعلائق الجامعة بيني وبينهم، والأواصر العاطفة ضميري ~~عليهم، ولأني أرى أطرافي من السبب والنسب تظأرنى وتأبى إلا التحنن لهم، ~~وتضمني فتمنع من الانحراف عنهم - يسوؤني ما يسوؤهم، وأشتكي لشكواهم، وأتألم ~~مما ينالهم، وبحسب ذلك أختار لهم ما أختاره لنفسي، وأريد بهم ما أريد بمن ~~لا يتميز عني، فذلك هو الذي يدعوني إلى استصلاحهم، والوصاة بما يؤدى إلى ~~مصالحتهم، فعل الأمس سهمة، والأخص نسبة. وكيف لا أكون كذلك، وإذا حفظنا ~~الحقوق، وراعينا الوسائل والحظوظ تناسقت الأبوة بيننا والأمومة، وتلاحظت ~~البنوة والأخوة. ### || وقالت عاتكة بنت عبد المطلب # سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه # قيسا وما جمعوا لنا ms0425 ... في مجمع باق شناعه # هذه الأبيات تناسب ما قبلها وتؤدي إلى مثل مؤداها، لذلك قالت سائل بنا في ~~قومنا لأن ما تألمت منه كان في عشيرتها وذويها، وكأن الخطب كان عظيما، ~~والشر كان مستفحلا شديدا، فأخذت تبعث على التسآل عنهم في قومهم، إذ كان ~~البلاء لم يعدهم. ويجوز أن يريد: سائل بنا وعن حالنا فيما بين قومنا، كأنه ~~يدعى أن لهم شأنا في قومهم ليس لغيرهم. وقولها وليكف من شر سماعه توجع مما ~~نالهم، واستفظاع لما أجروا إليه فيما أداروا أنفسهم عليه. وظاهر لفظ الأمر ~~للسماع، وهو في الحقيقة للمخاطب، لأن المراد: واكتف إذا سألت من الشر ~~بالسماع دون العيان، فهو في باب الأمر - أعني ليكف - كقولهم في باب النهي: ~~لا أرينك ها هنا، إذ كان المراد: لا تكن ها هنا فأراك. فإن قيل: لم نكر ~~قوله من شر، والذي يومي إليه يجب أن يكون معروفا مشهورا؟ قلت: إن فائدة ~~المنكر مثل فائدة المعرف في مثل هذا المكان، ألا # PageV01P526 # ترى أنك تقول: فلان يلبس خزا وقزا، والخز والقز، فلا يختلف المفهوم ~~منهما؟ وقوله قيسا وما جمعوا لنا انتصب قيسا على إضمار فعل، كأنه قال: سائل ~~قيسا والجيش الذي جمعوه لنا في محفل أخباره تتحمل وتنشر على مر الأحقاب ~~والأيام، وشناعته تستفظع وتذكر في المشاهد والأقوام. والشنع والشناعة ~~والشناع والشنوع: قبح الشيء الذي يطير خبره ويعلو. ومنه شنع النجم، إذا ~~ارتفع في السماء والشناع: الناقة الخفيفة. وتشنعت: تشمرت في السير وجدت. ~~وإنما قالت وما جمعوا لنا لأنها أشارت بما إلى الجنس. ويجوز أن تريد: والذي ~~جمعوا من أنواع الملامات والجرائم. وإذا فسدت ذات البين من قوم أخذوا ~~يتجرمون ويعددون ما لا يكون جناية جناية. # فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمعا قناعه # أشار بقوله فيه السنور إلى ما اشتمل عليه ذلك المشهد من العدد والعدة. ~~وموضع فيه السنور من الإعراب جر على أنه صفة لمجمع. والمراد بالسنور والقنا ~~والكبش أجناسها. والسنور: الدرع، وقيل هو جماعة الأسلحة والكبش: الرئيس. ~~ومعنى ملتمعا قناعه بارقا، أي ms0426 عليهم البيض. وانتصب ملتمعا على الحال. ويجوز ~~أن ينوى الاستئناف بقوله والكبش، وحينئذ يروى ملتمع بالرفع، فيكون خبرا ~~عنه، وموضع الجملة يكون نصبا على الحال، وقد سميت البيضة يلمعا لبريقه، كما ~~سمى السراب يلمعا. وفي المثل السائر أكذب من يلمع. # بعكاظ يعشى الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه # فيه قتلنا مالكا ... قسرا وأسلمه رعاعه # ومجدلا غادرنه ... بالقاع تنهسه ضباعه # قوله بعكاظ الباء منه تعلق بقوله في مجمع، ويجوز أن يتعلق بملتمعا. ~~وشعاعه يرتفع بيعشى، والضمير منه يجوز أن يعود إلى عكاظ لكون الشعاع به، ~~ويجوز أن يعود إلى القناع لأن اللمعان له. ويقال أشعت الشمس، أي انتشر ~~شعاعها. ويقال لمحه ببصره ولمح البصر، ولمح البرق، وبرق لماح. وقولها فيه ~~قتلنا مالكا الضمير يعود إلى المجمع، ويجوز أن يعود إلى عكاظ. ومعنى قتلناه # PageV01P527 # قسرا، أي قصدا، لا اتفقا. والقسر: القهر على كره. ويقال قسرته واقتسرته. ~~وقولها وأسلمه رعاعه، إشارة إلى لفائف انضموا إليه فخذلوه ولم يفوا له. ~~والرعاع: سفلة الناس وسقاطهم. وقال الخليل: الرعاعة: الرجل الذي لا فؤاد ~~له، ومنه رعاع الناس. ومجدلا انتصب بفعل ما بعده تفسيره، كأنه قال: وغادرن ~~مجدلا غادرنه. والضمير في الفعل للخيل. والمجدل: المصروع على الجدالة، وهي ~~الأرض. والقاع: المستوى من الأرض. وموضع تنهسه نصب على الحال، والعامل فيه ~~غادرن. والنهس: أخذ الشيء بمقدم فيك. ويروى: تنهشه بالشين معجمة. وكان ~~الأصمعي يقول: النهس والنهش سواء، وهو أخذ اللحم بالفم. وخالفه أبو زيد ~~فقال: النهس بالسين أخذك الشيء بمقدم فمك. والضمير في قوله ضباعه يعود إلى ~~القاع. ### || وقال عبد القيس بن خفاف أحد بني حنظلة بن مالك، البرجمي: # صحوت وزايلني باطلي ... لعمر أبيك زيالا طويلا # يقول: وبقاء أبيك لقد أفقت من سكر البطالة، وفارقني ما كنت أتعاطاه من ~~الصبا والجهالة، فراقا ممتدا لا ينقطع بمعاودة تعرض دونه، أو بمواصلة تبطله ~~وتزيله. فإن قيل: كيف وصف الزيال بالطول؟ قلت: الطول في الحقيقة لوقت ~~الزيال لا له، لكنه وصفه بع على طريق التوسع. وهم يستعملون الطول والعرض ~~على ضربين: أحدهما ms0427 في المجسمات، وذلك وصف لذهابها في الجهتين. والثاني أن ~~يراد بهما الاتساع للشيء، أو امتداد الوقت به. وهذا الوجه قد يستعمل في ~~المجسم وغير المجسم. وأكثر ما يستعمل منه العرض من دون الطول. على هذا ~~قولهم: نعمة عريضة وجاه عريض. وقال الله تعالى: " وجنة عرضها السموات ~~والأرض " وقال: " فذو دعاء عريض ". وريما جمعوا بينهما فقد قالوا: عشنا ~~زمنا طويلا عريضا. والدهر العريض الطويل، يراد به الكمال # PageV01P528 # والاتساع، وقد قال كثير: # بطاحي له نسب مصفى ... وأخلاق لها عرض وطول # فهذا على التشبيه بالمجسمات، والقصد إلى السعة، لأن الأخلاق توصف بالسعة ~~والضيق. وقد عيب على أبي تمام قوله: # بيوم كطول الدهر في عرض مثله # وقيل جعل للزمان عرضا مع أنه لا حاجة به إليه، إذ كان بذكر الطول قد ~~استوفى المعنى المقصود. وهذا من قائله ظلم صريح لأنه سلك مثل طريقة كثير من ~~التشبيه بالمجسم، فكما قال في الأخلاق لها عرض وطول، كذلك قال في الزمان له ~~طول كذا فيعرض مثله، ولا فصل. وقوله وزايلني باطلي قال سيبويه: يقال زايلت ~~بمعنى بارحت، ومنه قولهم ما زال يفعل كذا، لأن معناه ما برح، ويقال زال ~~الشيء من الشيء بزيله زيلا، إذا مازه منه، وزال الشيء يزول زوالا، إذا ~~فارق. وجواب القسم مقدم عليه. # وأصبحت لا نزقا للحاء ... ولا للحوم صديقي أكولا # ولا سابقي كاشح نازح ... بذحل إذا ما طلبت الذحولا # أجرى أصبحت مجرى صرت. والبزق: الطياش الخفيف العقل. ويقال نزق ينزق نزقا، ~~ومنه نزقت الفرس، إذا ضربته حتى ينزق واللحاء: المشاتمة. يقول: استبدلت من ~~الخفة وقارا؛ ومن العجلة أناة وسكونا، فلا يستخفني النزق لملاحاة الرجال، ~~وثلب أعراض الأصدقاء بالاغتياب. ويقال للمغتاب: هو أكول للحوم الناس، ~~كالسبع الضاري. وللنمام: هو أضرب من مشي بشفة، من قوله عز وجل: " مشاء ~~بنميم ". وفي القرآن: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ". وقوله صديقي ~~أراد به الكثرة لا الواحد. # وقوله ولا سابقى كاشح نازح فالكاشح: العدو الباطن العداوة. والنازح: ~~البعيد الدار أو النسب. وفي البيت يحتمل الوجهين. ms0428 يقول: إذا سعيت في طلب # PageV01P529 # إصابة الأوتار، لم يفتني العدو البعيد الدار، لأن المسافات لا تمنعني عن ~~الطلب وإن شقت وثقلت. # وأصبحت أعددت للنائبات ... عرضا برئيا وعضبا صقيلا # ووقع لسان كحد السنان ... ورمحا طويل القناة عسولا # يقولك وصرت كما استنكفت من مساوي الأخلق، وأخذت أنعطف على مكارمها، أعددت ~~أيضا لحوادث الدهر نفسا نقية من الدنيات، رافضة للمنكرات، وسيفا قاطعا ~~مصقولا. كأنه في وقت مساعدة الأحوال له وإقبال الزمان عليه، يعلم أن ~~المقدور كما يعطى يرتجع، فيسعى فيما تسلم معه النفس وبطيب به النشر. وإنما ~~قرن بذكر العرض المعد أسلحته ليرى اكتفاءه بها إذا نابت النائبات، كما قال ~~غيره: # فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر # فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر # وقوله ووقع لسان يجوز أن يكون من وقعت الحديدة بالمطرقة، إذا ضربتها؛ ~~ومنه حافر وقيع، إذا أثرت فيه الحجارة. ويجوز أن يكون من وقعت بهم وأوقعت؛ ~~ومنه وقعات الدهر ووقائعه. يقول: وأعددت لها لسانا مؤثرا تأثيرا شديدا، إذا ~~اغترز في ركاب القول نافذا حديدا، نفاذ السنان. وهذا كما قال: # ولسانا صيرفيا صارما ... كحسام السيف ما مس قطع # وقد قيل: " المرء بأصغريه قلبه ولسانه ". وإذا تنقت الأعراض طالت ~~الألسنة. وكانت الشعراء والخطباء عدة للقبائل كالرجال والأموال، بل كان ~~الانتفاع بمكانهم، والدفاع بألسنتهم أتم وأكمل. وقوله ورمحا أي وأعددت ~~رمحا، وجعله طويل الخشبة لأن مستعمله طويلا أفرس. والعسول: الشديد ~~الاهتزاز؛ ومنه عسلان الذئب، وقولهم: عسل الدليل في الطريق. # PageV01P530 # وسابغة من جياد الدروع ... تسمع للسيف فيها صليلا # كمتن الغدير زهته الدبور ... يجر المدجج منها فضولا # يقول: وأعددت لها أيضا درعا واسعة من خير أجناسها، ينبو عنها السيف فلا ~~يعمل فيها، لاستحكامها وجودة سردها، إلا ما تسمع من صليلها عند إصابتها به، ~~صافية كأنها صفحة الماء من غدير هبت عليه ريح الدبور، فحركته واستخفته، ~~فصار على ظواهره حباب يتدافع. وإذا لبسها المتدجج في السلاح، المستعد ~~للكفاح، فضل عنه منها فواضل يجررها. وهذا كما قال الآخر: ms0429 # تغشي بنان المرء والكف والقدم # والقصد في هذا إلى صفة الدرع وجودتها. ولو قصد مدح لابسها لكان يجعلها ~~صدارا أو بدنة. على أن كثيرا لما أنشد عبد الملك قوله فيه: # على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها # قال له: قول الأعشى لقيس بن معد يكرب أحسن من قولك: # وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الذائدون نهالها # كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها # فقال كثير: يا أمير المؤمنين وصفتك بالحزم، ووصف الأعشى صاحبه بالخرق. # ولقائل أن يقول: إن المبالغة في الشعر أحسن من الاقتصاد، والأعشى أعطى ~~المبالغة حقها، فهو أعذر، وطريقته أسلم. ### || وقالت امرأة من بني عامر: # وحرب يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات # انعطف قوله وحرب على مجرور تقدمه، وليس على إضمار رب، بدلالة قولها ~~سيتركها قوم. كأنه غلب على ظنها لما رأت من أمارات الشر بين قومها # PageV01P531 # باستعمالهم البغي، واستيطائهم الظلم، واستبدالهم بالتحاب تباغضا ~~وبالتعاطف تدابرا، وبالتناصر تخاذلا، وهم من جرثومة واحدة، أنه سيحدث في ~~مؤتنف الأحوال منهم أحداث، وتظهر على مرور الأيام لدواعي الهلك آيات من كذا ~~وكذا، وحرب يتشاكون من اشتمالها لهم، وتناولها بالمشاركة من عداهم معهم، ~~وتجاوز القرباء بعد ذلك إلى البعداء فيهم. وهذا المعنى اقتضاه قوله من ~~نفيانها لأن أصله أن يستعمل فيما يتطاير من القطر عند سيلان الماء من أعلى ~~إلى أسفل في جوانب المصب، فشبه ما يتدافع وينتشر من أذى الحرب في جوانب ~~القوم به. والجلة: المسان من الإبل. وتعني التي مع السن أضربها الكد، ~~وجهدها الاستعمال، وأزمنها الدبر، فقالت: تضج العشيرة لما يقاسونه من هذا ~~الحرب ضجيج تلك الإبل عند ما تقاسي من العمل. وهذا التشبيه الصائب المتناهى ~~في الدلالة على حالة المشبه. وقد قال الراجز في هذه الطريقة يصف حربا: # وأغشت الناس الضجاج الأضججا ... وصاح خاشي شرها وهجهجا # سيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات # نبهت بهذا إلى استفحال الحرب التي توعدت بها وتفاقم الخطب، فقالت: تضجر ~~بها فرقة منهم فينفضون الأيدي ms0430 منها تفاديا من ملابستها، ويعتزلون عنها طلبا ~~للسلامة من عقباها، وحذرا من امتدادها إلى غاية لا تملك فيها الاستقالة ~~منها؛ ويصبر فيها أخرى، وهم المنهمكون في إيقاد نارها، والاصطلاء بحرها، ~~للعنون في إثارة كامنها، وإذاعة واقفها، الذين لا يبالون بما يفعلونه أو ~~يفعل بهم، وقد تعود الثكل أمهاتهم فلا يجز عن لقتلهم، وألف الأيمة نساؤهم ~~فلا يحزن لموتهم. ومعنى للثكل أي من أجله، وهذه اللام في هذا الموضع قد ~~تؤدي معنى على، فاعلمه. # فإن يك ظني صادقا وهو صادقي ... بكم وبأحلام لكم صفرات # تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ... ويمسكن بالأكباد منكسرات # قولها فإن يك ظني صادقا يجري منها مجرى التحذير والوعيد، وفيه بعض ~~الاستفاءة، لأنها إذا رهبت من القطيعة وآفاتها، فقد رغبت في الصلة وآياتها. ~~وقد # PageV01P532 # تقدم القول في صادقا وصادقي، وفي حذف النون من يك في الجزم مشروحا. ~~وقولها وبأحلام لكم صفرات، أي لا خير فيها، وقد زالت المسكة عنها. ويقال ~~صفر الإناء وغيره صفورا، وإناء صفر وصفر. وقال الخليل: هو صفر صحر على ~~الإتباع، أي خال. وقولها تعد فيكم جزر الجزور جواب الجزاء من قولها، فإن يك ~~ظني صادقا، كأنها ذكرتهم حالة منكرة تقدمت لهم، فلذلك قالت: تعد فيكم. ~~والجزر: القطع. وقيل الجزور لأنها تقطع وتقسم. والجزرة: الشاة تذبح. ويقال. ~~ترك بنو فلان جزر الرماح، أي قتلوا واجتزرتهم السباع. وجعل الإعادة للرماح ~~على الاتساع. وقوله ويمسكن بالأكباد يروى بفتح السين، أي يضبطن؛ ويروى بكسر ~~السين: وهو ظاهر المعنى. وانتصب منكسرات على الحال والمراد أنهم يجرون ~~الرمح عند الطعن ويصيبون المقاتل. ### || وقال معبد بن علقمة # غيبت عن قتل الحتات وليتني ... شهدت حتاتا يوم ضرج بالدم # وفي الكف مني صارم ذو حقيقة ... متى ما يقدم في الضريبة يقدم # فيعلم حيا مالك ولفيفها ... بأن لست عن قتل الحتات بمحرم # إنما قال هذا لأنه كان يستبعد وقوع قتله من جهته، إذ كان منه ذا رحم ~~محرم. فجمع في كلامه هذا بين تلهف على فائتة، وتمن على شرط عقده به له، ~~فيقول: أخرت ms0431 عن قتل هذا الرجل يوم أصيب ولطخ بالدم، فذهبت نفسه فيه وتغيبت، ~~وكنت أود وأتمنى أن أكون حاضره، ومشاهدا وقته وحينه، ومعي سيف قاطع ينفذ في ~~الضريبة إذا أعمل بحقه من المضاء وحقيقته، ويأتي على المضروب بحده وصرامته، ~~فيتيقن الجيشان ومن لف لفهم وانضاف إليهم من أوباش تجمعوا لهم، وقماش ~~تكثروا بهم، بأني لست عن قتل هذا الرجل بذاهب ولا ممتنع حتى كأني في حرم. ~~وقوله يوم ضرج فهو من الضرج، وهو الحمرة. والإضريج: ضرب من الخز أحمر. ~~ويقال: ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصة، وتضرج الخد عند الخجل. وقوله # PageV01P533 # ذو حقيقة فالحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وتوسعوا فقيل: حاققت ~~الرجل، إذا جاذبته حقا بينكما. ويقال هو نزق الحقاق، إذا جاذب في صغار ~~الأمور. وقوله بمحرم يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الحرم، أو في الشهر ~~الحرام. وفسر قول الراعي: # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما # على أنه كان له حرمة الإمامة والبلد والشهر، لأنه قتل رضي الله عنه في ذي ~~الحجة. وانتصب فيعلم على أنه جواب التمني. # فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم # ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم # يقول: أبلغ هذا الرجل أنك إن اعتمدت على ركوب السفه معنا، وتعمدت في ~~مجاذبتنا سب خيارنا، وثلب أعراضنا، فإنا نربأ بأنفسنا عن مجاراتك في هذا ~~الميدان، ومكايلتك بمكيال السباب. والمتشتم: المتحكك بالشتم والمتعرض له. ~~ويصلح أن يكون للجنس فيدخل فيه زهير وغيره، ويصلح أن يراد به زهير خاصة. ~~وقوله ولكننا نأبى الظلام يريد: لا نرضى بالدنيات، ونمتنع من التزام ~~الظلامات، وندافع عن أحسابنا بكل سيف رقيق الحدين، نافذ في الضريبة. ~~والظلام والظلامة والمظلمة واحد، وهو ما تظلم الناس بسببها بينهم. ويروى: ~~الظلام بكسر الظاء، مصدر ظالمته مظالمة وظلاما. وقوله ونعتصي يقال عصيت ~~بالسيف، واعتصيت وعصوت بالعصا. ومر يعتصي على العصا، أي يتوكأ عليها. ~~والتصميم: المضي في الأمر. ويقال صمم في عضته، إذا نيب. # وتجهل أيدينا ويحلم رأبنا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # ؟ وإن التمادي في الذي ms0432 كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم أفعال جملة ~~الإنسان تنسب إلى جوارحهم على المجاز والسعة، فلذلك نسب الجهل إلى الأيدي. ~~والمعنى أن ما يذم من أفعال القلوب لا نكتسبه بوجه، بل فينا الرأي الثاقب، ~~والوقار الغالب، والأناة والحلم، والسكينة والعلم؛ فأما اليد فإذا بطشنا # PageV01P534 # بها بطشنا جبارين. أي نحلم بجهدنا ومقدار طاقتنا فإذا أحرجنا فخرجنا عن ~~العادة كانت أفعال أيدينا أفعال الجهال الذين لا رعة تردعهم، ولا رقة ~~تضبطهم. وقوله ونشتم بالأفعال، يقول: نجعل جزاء الشتم والمنقصة والثلب ~~الفعل لا القول، إذ كان القول يذهب أدراج الرياح، والفعل يبقى أثره على مر ~~الأيام. وقوله إن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك توعد. يقول: أمر اللجاج ~~والاستمرار فيما يزيد ما بيننا فسادا أنت قادر عليه، ومتمكن من اختياره، ~~فإن شئت فتقدم فيه، وإن شئت فتأخر عنه. ويقال استأخر واستقدم وتأخر، بمعنى ~~واحد. # ؟؟ ### || وقال أمية بن أبي الصلت # غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل # إذ اليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكوك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيني تهمل # اعتد عليه بما تجشمه فيه بعد أن كان السبب في إبدائه وإنشائه، وبما أعد ~~له وتكفل به، من ابتداء الطفولة إلى انتهاء الشباب واستكمال القوة، إذ كان ~~جارحه ومربيه، والقائم بمؤنه على اختلاف سنيه. ويقال غذوتك غذوا. والغذاء: ~~الطعام والشراب. ويقال غلام يافع ويفاع ويفع، وقد أيفع وأصله الارتفاع، ~~ومنه اليفاع من الأرض والجبل. وقوله علتك أي أنفت عليك. يقول: ربيتك لما ~~ولدت، ومنتك حين أيفعت، وفي تلك المدة تسقى العلل والنهل، وتطعم الحار ~~والبارد، وتكسى اللين والخشن، كل ذلك مما أجمعه لك، وأدنيه منك، وبعد أن ~~أقيك من المحاذر، وأحفظك دون المتالف، شفقة عليك، واهتماما بشأنك، فإن ~~طرقتك ليلة بشكاة تؤذيك، أو عارض يضنيك، سهرت طول تلك الليلة لا أهدأ قلقا، ~~ولا أستنهض لدفع ما أجده سكنا، ولا أستلين مهادا، ولا أثني لمقر رأسي ~~وسادا، بل أتلوى وأضطرب، وأتململ على فراشي وأتقلب، حتى ms0433 كأني المختص بما ~~أشكاك، والمدهي بما دهاك، لا يحف مدمعي، ولا يوطؤ مضجعي. وقوله تعل بما ~~أدني يجوز أن # PageV01P535 # يكون موضع تعل صفة لقوله يافعا، أي معلولا؛ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ ~~محذوف كأنه قال: وأنت تعل وتهل بما أدنيه. وقوله لم أبت لشكوك فالشكو ~~والشكوى والشكاة واحد. والتململ: القلق وترك الهدو. ويروى تعل بما أجني ~~عليك والمعنى أجني لك. وهذا كما يقال: سعى فلان على ذويه، إذا سعى لهم في ~~مصالحهم: ويقال جنى الثمر يجني جنيا وجناية. قال الأخطل: # داني الجناية مونع الأثمار # فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أومل # جعلت جزائي منك جبها وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل # يقول: فلما تكامل منك الشباب، وتعلقت بك الآمال، وبلغت المدى المنتظر ~~للانتفاع بك، والاستظهار بمكانك، والاضطلاع بكفايتك، وصلحت لأن تكون عدة ~~وعددا، وبأسا مخوفا، وطمعا مرجوا، أقبلت تجازبني بإحساني إساءة، ومما ~~استلنت من جانبي غلظة، ومما ترفرف عليك من رحمتي ورقتي نبوا وقسوة، حتى كأن ~~ما سال عليك من نعمتي كان لك، وما أسبل عليك من فضلي وإفضالي كان منك؛ لا ~~مراجعة في الأول تردك، ولا ملاحظة لعقباك تفيء بك. # والجبه: مقابلة الإنسان بما يكرهه. # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل # تراه معدا للخلاف كأنها ... برد على أهل الصوب موكل # يقول: وددت أنك إذ لم تنلني إكبار الآباء، ولم ترع مني حقوق الولاد ~~والإنشاء سرت معي بسيرة المجاور لجاره، والمرافق لرفيقه؛ فإن ذلك إذا عد ~~درجات المبار، ومدت علائق التحاب، وتؤمل ذمم القرابة، وحرم الصداقة، أضعف ~~الأواخي، وأدون المراقي. ثم أخذ ينبه على سوء اختياره، وتمادي لجاجه، ~~وتناهي جهله والتوائه، فقال: تراه معدا للخلاف أي جعل الخلاف على ذوي الرأي ~~وأرباب العقل، وأولي # PageV01P536 # الحزامة والحلم، عدة فكأنه وكل برد صوابهم. واستقباح المحسن عندهم. فإن ~~قيل: بماذا دخل هذه الأبيات وما يتلوها - وهو في معناه - في باب الحماسة؟ ~~قلت: دخلت فيه بالمشاكلة التي بينها وبين ما تقدمها من الأبيات، المنبئة عن ~~المفاسدة ms0434 بين العشائر، وما يتولد فيها من الإحن والضغائن، المنسية للتواشج ~~والتناسب، المنشئة لهتك المحارم، المبيحة لسفك الدماء وقطع العصم؛ إذ كان ~~عقوق البنين للآباء، وتناسي الحرم، فيه مثل ذلك. وهو ظاهر بين. ### || وقالت امرأة من بني هزان يقال لها أم ثواب في ابن لها عقها: # ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في جلده زغبا # حتى إذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا # أنشا يمزق أثوابي يؤدبني ... أبعد شيبي عندي تبتغي الأدبا # يقال رببته وربيته بمعنى. ومعنى البيت: كان ابني حين ولده في ضعفه وصغره، ~~وتساقط قوته، وتخلخل بنيته، ورخاوة مفاصله، كفرخ القطاة ولم يستبدل بعد ~~بزغبه شكيرا، ولا بانحلال عقده تماسكا، فأقبلت أربيه وأعظم شيء فيه بطنه، ~~وأرقيه في مدارج النشء والترشيح وهو لا يميز ما ينفعه مما يضره، مترددا في ~~الأحوال التي تجري إليه، وتتغير عليه، بين صيانة كاملة، وشفقة بارعة، وحفظ ~~متصل، وإشفاق مطرد. وتسميته البطن بأم الطعام، كما قيل للجلدة الرقيقة ~~الملبسة الدماغ أم الدماغ، وكما سمي المجرة أم النجوم، وكل ذلك لما في ~~المضاف والمضاف إليه من الانضمام والاحتواء. وقد سمى الشنفري تأبط شرا بأم ~~عيال، فقال: # وأم عيال قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت # لما كان يجمع من أمر أصحابه ويتكفل به لهم ويدبره. وقولها حتى إذا آض ~~كالفحال حتى وضع للغاية، وأضيف إلى إذا وما بعده من الجملة التي انشرح إذا # PageV01P537 # بها. والمعنى إلى هذا الوقت. وموضع كالفحال نصب على الحال. يقول: لم أزل ~~أجري معه في تربيته وتفقده، إلى أن استكمل شبابه، وبرع نباته، وامتد قوامه، ~~فصار كفحل النخل وقد قطع متعهده منه شذبه، وألقى عن ظهره كربه، ليكمل طوله، ~~ويتم غراسه. والكرب: أصول الأعذاق تترك كالأوتاد ليرتقى بها في النخل. ~~والفحال: فحل النخل خاصة، ولا يقال لغير فحلها فحال. والابار والمؤبر: ~~الملقح للنخل. والفحال لا يؤبر، ولكن لما كان يؤبر به النخل أضاف الأبار ~~إلى ضميره، على عادتهم في إضافة الشيء إلى غيره لأدنى تفلق بينهما. ألا ms0435 ترى ~~إلى قوله تعالى: " فإذا جاء أجلهم " وفي موضع آخر: " فإن أجل الله ". ومعنى ~~آض، قال الخليل: الأيض صيرورة الشيء شيئا غيره وتحوله عن حاله. وقوله أنشا ~~يمزق أثوابي هو جواب قوله حتى إذا آض كالفحال، وهو العامل في إذا، أعني ~~أنشأ. ويقال أنشأ الله الخلق، ونشأ فلان حديثا، ثم يقال: أنشأ يفعل كذا ~~ويقول كذا. يقول: لما بلغ هذا المبلغ ابتدأ يضربني ويخرق ثيابي، مرشدا ~~ومؤدبا ثم قالت وكأنها أقبلت على إنسان غيره بحضرتها تخاطبه منكرة ومتعجبة: ~~أبعد المشيب يطلب تأديبي. وهذا الكلام منها كالإشارة إلى المثل المضروب ~~السائر في الأمم: " من العناء رياضة الهرم "، وهو مع ذلك يجري مجرى ~~الالتفات. # إني لأبصر في ترجيل لمته ... وخط لحيته في خده عجبا # قالت له عرسه يوما لتسمعني ... مهلا فإن لنا في أمنا أربا # ولو رأتني في نار مسعرة ... ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا # قولها إني لأبصر، يقال أبصرت الشيء وبصرت به. والبصر: العين ونفاذ القلب. ~~وحكي أن معاوية قال لابن عباس وقد كف بصره: ما لكم يا بني هاشم تصابون ~~بأبصاركم إذا أسننتم؟ فقال: كما تصابون ببصائركم عنده!! والترجيل: غسل # PageV01P538 # الشعر ومشطه. وعجبا مفعول أبصر. ويقال أمر عجب وعجيب وعجاب، إذا تجاوز حد ~~العجب. والاستعجاب: شدة التعجب. تقول: أرى بعد ما شاهدته من طفولته وضعف ~~حراكه وتنقل الأحوال به وقتا بعد وقت، ونشئا بعد نشء، عجبا في لمته ولحيته ~~المختطة. أي أتعجب كيف تحول عن تلك الحالة إلى ما أجده عليه الساعة. ثم ~~قالت حاكية عن زوجته ما كانت تتفوه به سمعة ورياء، وتقيم به سوقها حيلة ~~ونفاقا، إظهارا لخلاف ما ينطوي عليه قلبها، ويشتمل عليه ضميرها: كف عن ~~أيذاء أمنا فإنا لا نستغني عنها، ولا تتمشى أمورنا إلا بها وبحياتها. ومعنى ~~مهلا رفقا لا تعجل. وأصل المهل والمهل السكينة والوقار، ومنه الإمهال في ~~الدين. والأرب: الحاجة. ثم صرحت بما عرفته من سوء نيتها فيها، وحرصها على ~~الزيادة في مساءتها، فقالت: تكلفت ذلك المقال منها ملقا منها ومجاملة، ولو ~~وجدتني ms0436 في نار محرقة ثم قدرت لزادت في وقودها وإضرامها. ويقال. سعرت النار ~~والشر وأسعرتهما، وإنه لمسعر حرب. ### || وقال ابن السلماني # لعمرك إني يوم سلع للائم ... لنفسي ولكن ما يرد التلوم # سلع: موضع أضاف اليوم إليه تعريفا. وحكي السلع: شق في الجبل، ومنه قيل: ~~تسلعت رجله، إذا تشققت. وكأن قولهم: هاد مسلع من هذا، أي يشق أجواز الفلاة ~~شقا. واللام من لعمرك لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوف. ولا يجيء عمرو في ~~القسم إلا مفتوح العين، وإن كان الضم لغة فيه، ومعناه البقاء. والتلوم: ~~تكلف اللوم، فهو كالتذمم. يقول: وبقائك إني في هذا اليوم لعاتب على نفسي ~~ومقرع لها، ولكن ماذا يغني التعتب والأمر فائت. وقوله ما يرد يجوز أن يراد # PageV01P539 # به ما يرجع، ويجوز أن يكون بمعنى ما ينفع. ويقال: هذا أرد عليك، أي أنفع. ~~وموضع " ما " يجوز أن يكون مفعولا، ويجوز أن يكون مبتدأ. # أأمكنت من نفسي عدوي ضلة ... ألهفى على ما فات لو كنت أعلم # قوله أأمكنت لفظه الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ. وهذا الكلام هو ~~صريح لومه لنفسه، فيجوز أن يكون حذف قبله لفظة قائل، كأنه قال: إني لائم ~~لنفسي وقائل أأمكنت. ويجوز أن يكون استأنف عذل نفسه من بعد أيضا. وقوله ضلة ~~مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا له، أي فعلت ذلك ضالا أو ~~لإضلالي. وأصل الضلال الذهاب عن القصد. ويقال ضللت مكاني، بكسر اللام ~~وفتحها، إذا لم تهتد إليه وأضللت بعيرى، إذا شرد فذهب عنك. وقوله ألهفى على ~~ما فات تحسر وتأسف، وهو كلام مستقل بنفسه. وقوله لو كنت أعلم تندم على ما ~~قصر فيه من النظر والفحص، والكشف عن عقبي الأمر. وأعلم مفعوله محذوف، وهو ~~بمعنى أعرف، فيكتفي بمفعول واحد، كأنه أراد: لو كنت أعلم مغيبه. وجواب لو ~~محذوف، أي لو علمت ما نتدمت ولا شقيت، وهذه اللفظة هجيري كل متوان في الشيء ~~حتى يفوته أو يكابد المكروه فيه. والبيت على ثلاثة فصول، كل فصل منها ينفرد ~~بمبناه ولا يفتقر إلى سواه. فالأول قوله ms0437 أأمكنت من نفسي عدوي ضلة كأنه ~~يستنكر ما أتفق منه ضلالا، فأخذ يستفهم تقريعا وعتابا. والثاني ألهفى على ~~ما فات، وقد تقدم القول في إعراب ألهفى. والثالث قوله لو كنت أعلم أي لو ~~علمت لتحزمت. # لو أن صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندم # هذا معذرة فيما سها عنه ومسلاة عما بلي به فتحزن له. وقوله لو أن صدور ~~الأمر، هو حذف المضاف، والمراد: لو أن مؤديات صدور الأمر ومسبباته تظهر ~~للفتى كما تظهر له عند أعجازه، لم تره نادما على فائت، ولا جازعا إثر هالك. ~~وفي طريقته قول ابن الرقيات: # في مقبل الأمر تشبيه ومدبره ... كأنما فيه بالليل المصابيح # لعمري لقد كانت فجاج عريضة ... وليل سخامي الجناحين أدهم # إذ الأرض لم تجهل علي فروجها ... وإذ لي عن دار الهوان مراغم # PageV01P540 # هذا تذكر لموارد مخلصه من الأمر الذي لز به، والبلاء الذي استأسر له، ~~وتحسر في عدوله عن مدارج الحزم فيه، وانتهاز الفرصة في الممكن منه، اغترارا ~~بما لم يجز السكون إليه، وانتظارا لما لم يصلح الاعتماد عليه، حتى يتمكن ~~طالبه من مراده فيه، وانسدت الطرقات بينه وبين ما يرومه من بعد عنه، ~~واحتراز منه؛ فقال متهافتا: لعمري لقد كانت لي سبل واسعة يمكنني سلوكها، لا ~~مدافع دونها ولا ممانع، وليل أسود الطرفين مظلم، يسترني إذا ركبته، ~~ويساعدني على مجانبة ما أحذره، لا مجاذب عنه ولا منازع. وكان من قوله لقد ~~كانت فجاج هو كان التامة المستغنية عن الخبر. وقوله وليل سخامي فالسخام: ~~الأسود، كأنه يريد سرار الشهر؛ ومنه سخم الله وجهه، أي سوده. والسخامي ~~المنسوب، في معناه، ومثله الدواري والدوار من قوله: # والدهر بالإنسان دواري # ويجوز أن يريد بالسخامي الجناحين، اللين وقلة الآفات في جوانبه؛ فإن ~~السخام الريش اللين تحت الجناح، لأن قوله أدهم قد دل على الظلمة. # وقوله إذ الأرض إذ لما مضى، وقد شرح بالجملة التي أضيف إليها ومعنى لم ~~تجهل على فروجها، أي ثغورها ومواضع المخالفة منها كانت على معالم لا مجاهل، ~~فأدري كيف آتيها، ms0438 وأنفذ في قطعها والخروج منها، لا أتهيب ولا أتحير. ويقال ~~جهل فلان على، إذا شق عليك، قال الشاعر: # جهلا علي وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن # وقوله وإذ لي عن دار الهوان مراغم الأصل في المراغمة الهجران، يقال فلان ~~يراغم أهله أياما ثم يرجع. وفي القرآن: " يجد في الأرض مراغما كثيرا "، أي ~~متسعا لهجرته. # فلوشيت إذ بالأمر يسر لقلصت ... برحلي فتلاء الذراعين عيهم # عليها دليل بالبلاد نهاره ... وبالليل لا يخطي لها القصد منسم # PageV01P541 # يخبر عن نفسه بأنه إنما أتي من تقصيره وتهاونه فيما وجب من جده وتشميره، ~~فيقول: لو أردت حين كان الخطب أيسر، وأسباب المنع أقصر، لخفت بي وشمرت في ~~الانتقال عن دار المذلة والهوان، ناقة في ذراعيها فتل. والفتل هو تباعد ~~المرفقين عن لزور، لئلا يصر حازا ولا ناكتا ولا ضاغطا. والعيهم والعيهمة: ~~الناقة الماضية، وكذلك العيهامة؛ وقيل هي الطويلة العنق، الضخمة الرأس، ~~وذلك محمود في صفاتها. وقوله عليها دليل بالبلاد فإنه يعني به نفسه. ~~وبالبلاد أراد به في البلاد، كما يقال فلان بالبصرة وفي البصرة. ويجوز أن ~~يكون أجرى قوله " دليل " مجرى عارف وعالم، فلذلك أتى بالباء. وقوله وبالليل ~~لا يخطي لها القصد منسم، أي لبصره لا يخطئ منسم بعيره فيزيغ عن القصد. وهذا ~~وإن جعله من صفة البعير فالمراد به أنه هاد خريت. والدليل أصله فاعل ~~الدلالة، فهو كالدل، وقد توسع فيه. والبلد: الأرض وإن لم تختط. ### || وقال آخر: # أعددت بيضاء للحروب ومصقول الغرارين يفصم الحلقا # وفارجا نبعة وملء جفير من نصال تخالها ورقا # أريحيا عضبا وذا خصل ... مخلولق المتن سابحا تئقا # يملأ عينيك بالفناء وير ... ضيك عقابا إن شئت أو نزقا # تبجح في هذه الأبيات بهمته في جمع آلته ليوم حاجته، فأخذ يذكر الشيء بعد ~~الشيء من عدته وعتاده، على مايسره له مر الأيام في جده وجهاده، فقال: هيأت ~~لملاقاة الأبطال ومناوشة الرجال درعا لم يشنها صدأ، ولم يعبها في السرد خلل ~~وسيفا مسنون الحدين، مصقول الصفحتين، يقطع البيض ويفصل الحلق. والفصم: ~~الكسر بلا ms0439 بينونة، والقصم: الكسر مع بينونة. # وقوله وفارجا أي وأعددت فارجا، وهو القوس المتباعدة الوتر عن الكبد، ~~وكذلك الفرج. وقوله نبعة أي هي قضيب وليست بشقة. والنبع أجود شجر يتخذ # PageV01P542 # منه القسي العربية، وجعله صفة لأنه ضمنه معنى الصفات. وعلى هذا أسماء ~~الأجناس، كقولك هذا خاتم حديد، متى وصفت بها تضمن معنى فعل. وقوله وملء ~~جفير الملء: القدر الذي يملأ به الظرف، والملء بالفتح المصدر. والجفير: ~~كنانة النبل إذا كانت واسعة من خشب، والجفر في البئر منه. وقوله من نصال ~~أراد بها نبالا ركبت فيها نصال بيض تتلألأ فتحسب فضة. # وقوله وأريحا عضبا يعني رجلا يرتاح للنفاذ في الأمور الصعاب والمضاء ~~ويهتز، والمراد به نفسه. والعضب: القاطع. وقد مر القول في تصرفه. وقوله وذا ~~خصل يعني به فرسا له خصل من الشعر مخلولق المتن، أي مصنوعا أملس المتن شديد ~~الملاسة، لأن مفعوعلا من أبنية المبالغة. على هذا قولهم اعشوشبت الأرض فهي ~~معشوشبة. والتئق: الممتلئ نشاطا. وقوله يملأ عينيك بالفناء، في طريقته قول ~~الآخر: # يزين البيت مربوطا ... ويشفي قرم الركب # والعقاب: جمع العقب، وهو الجري بعد الجري. وقال الخليل: إذا كان للقرس ~~جمام بعد انقطاع الجري قيل: عقاب. والنزق: الخفة والعجلة ويقال نزفت الفرس، ~~إذا ضربته حتى ينزق. ومعنى يملأ عينيك، أي يشغلهما محاسنها حتى لا تتسع ~~لغيرها. ### || وقال قتادة بن مسلمة الحنفي # بكرت علي من السفاه تلومني ... سفها تعجز بعلها وتلوم # البيت على كلامين، وذلك أن المصراع الأول إخبار عن زوجته بسوء عشرتها، ~~وتوجيهها العتب عليه في غير كنهه؛ والمصراع الثاني رجوع منه عليها فيما ~~أنكرت، ورد للعتب إليها لما تجرمت. وقال تلومني في الصدر وفي العجز تعجز ~~بعلها # PageV01P543 # وهما واحد، على عادتهم في تصريفهم الكلام عند الأمن من الالتباس، فيقول: ~~ابتكرت علي تلومني وتنسبني إلى العجز، من السفاه، أي مما تصورته سفاها من ~~أحوالي. ثم أخذ يجبهها ويسفه قولها وفعلها فقال: سفها تعجز بعلها، أي ~~تعجيزها لي وتقريعها إياي لسفهها، وجهلها بموارد الأمور ومصادرها. والسفه ~~والسفاه والسفاهة: الخفة والاضطراب. ويقال: ms0440 تسفهت الريح الغصون، إذا ~~حركتها. والبكور، أصلها الابتداء، ولذلك قيل لأول النهار بكرة. وتلومني في ~~موضع الحال، والعامل فيه بكرت. وانتصب سفها على أنه مفعول له وقد قدم. ~~والبعل، أصله النكاح، ولذلك قيل للمرأة بعلة أيضا، وقد ابتعلت وتبعلت، أي ~~أطاعت زوجها. # لما رأتني قد رزيت فوارسي ... وبدت بجسمي نهكة وكلوم # جواب لما تقدم، وهو بكرت علي. كأن هذا الشاعر لاقى هو أعداءه ومنابذيه، ~~بأصحابه ومعاونيه، فكانت الدبرة عليه وعليهم، فجرح هو وقتل أولئك، فعدت ~~امرأته تلك الفعلة منه وما اتفق عليه سفها وذنبا يستحق لهما اللوم، فطفقت ~~باكرة عليه تعجزه وتؤنبه. والنهكة: التأثير، يقال بانت عليه نهكة العلة ~~والمصيبة. ومعنى رزيت: أصبت بهم. وتقدم القول في مجيء الفوارس جمعا لصفات ~~المذكر يغنى عن إعادته. # ما كنت أول من أصاب بنكبة ... دهر وحي باسلون صميم # قوله من أصاب نكرة تفيد الكثرة، والمراد أول إنسان أصابه بنكبة دهر. وهذا ~~على عادتهم في نسبة الحوادث إلى الدهر، كما قال بعضهم: # يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم # فأما تنكيره للدهر فقد حكي عن أبي زيد وأبي عبيدة ويونس أن الدهر والزمان ~~والزمن والحين، يقع على محدودوغير محدود، وعلى عمر الدنيا من أوله إلى ~~آخره. وقال الخليل: الأبد الدهر الممدود، ويجعل اسما للنازلة. ويقال: دهر ~~من الدهر، لبعضه، كما يقال حين من الدهر. وقد اشتق منه فقيل: إنها لداهرة ~~الطول، أي طويلة جدا. والشاعر أراد بما قاله التجلد للشامت والتسلي من ~~المصاب، وأن يظهر لمن # PageV01P544 # ألقى السمع جهل امرأته وعدولها عن الصواب. وقوله وحي باسلون صميم. ~~فالبسول: عبوسة الشجاعة والغضب. ويقال بسل واستبسل. والصميم: خالصة الشيء ~~وما به قوامه؛ ومنه قيل صميم الصيف والشتاء. ويقال للرجل: هو من صميم قومه، ~~أي من محض أصلهم. ويوصف بالصميم الواحد والجميع. # قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم ... والخيل في سبل الدماء تعوم # معنى تكافأ جمعهم: انكفؤوا فهزموا. وهذا من الكفء: قبلك الشيء لوجهه. ~~ومنه كفأت الإناء، إذا قلبته. ويجوز أن يكون من الكفء: النظير والمثل، ~~ويكون ms0441 المعنى تكافؤوا في مدافعتي ومقاومتي، أي تساووا حتى لم يفضل أحد منهم ~~على الآخر في ذلك. وعلى هذا ما روي في الخبر: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ". ~~والسبل: ما سال من المطر والدم، ومنه أسبل الستر والإزار، إذا أرخاهما. ~~ومعنى تعوم: تسبح؛ ويسمى الفرس عواما، لسبحها في الجري. وعلى التشبيه ~~قالوا: النجوم تعوم في الفلك. ومراد الشاعر اقتصاص الحال، وأنه قد أدى ما ~~كان إليه من المجاهدة، فلا تبعة عليه. # إذ تتقي بسراة آل مقاعس ... حذر الأسنة والسيوف تميم # قوله إذ تتقي ظرف لقوله تعوم. والاتقاء: أن تجعل بينك وبين محذورك شيئا ~~يقيك. والسراة: جمع سري، والفعل منه سرا يسرو، ولم يجئ في المعتل فعلة في ~~الجمع إلا هذا؛ لأن هذا البناء يختص بالصحيح، نحو فسقة وكتبة، فهو بإزاء ~~فعلة من المعتل نحو قضاة ورماة. وانتصب حذر الأسنة على أنه مفعول له، وتميم ~~يرتفع بفعلهم، وهو تتقي، والتقدير: إذ تتقي وحين تتقي بسراة هؤلاء القوم ~~تميم حذارا من الأسنة والسيوف. # لم ألق قبلهم فوارس مثلهم ... أحمى وهن هوازم وهزيم # يجوز أن يكون عنى بالفوارس أصحابه الذين فجع بهم، فبين أنهم لم يؤتو فيما ~~منوا به من ضغف وفشل، ولا من تقصير وكسل، بل حاموا عن أحسابهم جهدهم، ~~ودافعوا عن أعراضهم طاقتهم، حتى لم يبقوا غاية يتعلق بها حسن المحافظة إلا ~~أشرفوا عليها، وراموا بجهد الممارسة تجاوزها. ويكون في وصف أصحابه بهذه # PageV01P545 # الصفة على الحد الذي عليه في وصف نفسه بقوله قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم ~~وبقوله يممت كبشهم بطعنة فيصل. وإنما تكلف كل ذلك ليقم عذر نفسه وعذرهم ~~فيما اتفق عليهم، وليرى أن ما لزمه وإياهم قد أدي بتمامه، وإن حال محتوم ~~القدر بينهم وبين النجاج. ويجوز أن يكون المراد بهم فرسان الأعداء، ويكون ~~ثناؤه عليهم على عادتهم في الرفع من الخصم عند اقتصاص الأحوال، ونسبته فيما ~~تجاذبوه إلى الغناء والاستقلال، وكمال الشدة والاضطلاع، ليكون صورته غالبا ~~ومغلوبا أحسن، والاعتداد بمجاراته ومجاذبته أوفر وأبلغ فأما قوله أحمى ~~فالمراد به أحمى منهم، فحذف. وهذا ms0442 الحذف من أفعل الذي يتم بمن يجوز إذا وقع ~~خبرا لا صفة، وقد تقدم القول فيه. أي لم ألق فرسا مثلهم قبلهم هم أحمى منهم ~~هازمين ومهزومين. وقوله وهن هوازم الواو واو الحال، والضمير منه لفرق الخيل ~~وطوائفها، ولهذا قال هوازم، لما كان فواعل يختص بجمع المؤنث إلا في الأحرف ~~المعدودة عند الكلام في فوارس. ومثل هوازم قولهم الخوارج - لأن المراد به ~~الفرق - وما أنشدناه أبو علي النحوي الفارسي رحمه الله، للقطامي: # فوارس بالرماح كأن فيها ... شواطن ينتزعن بها انتزاعا # قال: وجاء في شعره أيضا: # ما ينام سوافره # ثم قال: لا يمتنع أن يكون سوافر جمع سافر الذي هو المصدر، كما قال الآخر: # فقد رأى الراءون غير البطل # فجمع باطلا على البطل، والباطل مصدر، تقول قد قلت باطلا كما تقول قد قلت ~~حقا. فأما قوله وهو هزيم فهو فعيل بمعنى مفعول، والمراد به الكثرة لا ~~الواحد، كأنه قال وهن من بين هازمة ومهزومة. # PageV01P546 # لما التقى الصفان واختلف القنا ... والخيل في رهج الغبار أزوم # في النقع ساهمة الوجوه عوابس ... وبهن من دعس الرماح كلوم # يممت كبشهم بطعنة فيصل ... فهوى لحر الوجه وهو ذميم # لما هذه علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، وجوابه يجيء من بعد، وهو ~~قوله يممت كبشهم. فيقول: لما تواقف الفئتان في مصافهم، واشتجرت الرماح ~~بالطعن بينهم، والدواب غواض على لجمها في القتام الساطع، متغيرة الألوان ~~لاشتداد الشر اللازم، كوالح الوجوه لما يقع بها من الطعن الدراك، والدفع ~~بالرماح، قصدت رئيسهم بطعنة رجل يقضي الأمر، ويفصل العمر، فسقط لوجهه وهو ~~مذموم لعتوه وبغيه. وقوله أزوم جمع آزم، والأزم: الإمساك والعض، وكني به عن ~~الحمية فقيل: " نعم الدواء الأزم ". # وقوله في النقع الأجود أن يكون مصدر نقع الشر والصوت والموت، إذا كثر ~~وارتفع، وأن يعدل به عن الغبار، لأنه قال: في رهج الغبار. ومعنى رهج ~~الغبار: ما أثير من الغبار. وقوله ساهمة الوجه السهوم: تغير اللون مع هزل ~~ويبوس. والدعس: الطعن وشدة الوطء. ويقال طريق مدعاس، أي مذلل؛ ورجل ms0443 مدعس ~~شديد الطعن. # وقوله فهوى لحر الوجه فالحر من كل شيء أعتقه، وقال الخليل: حر الوجه: ما ~~بدا من الوجنة. حرة الذفرى: موضع مجال القرط. # ومعي أسود من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رءوسهم تسويم # قوم إذا لبسوا الحديد كأنهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم # فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... نحو الغنائم أو يموت كريم # قوله من حنيفة في موضع الصلة لأسود، وفي الوغى ظرف لما دل عليه قوله ~~أسود، وتقديره معي رجال يشابهون الأسود شجاعة وإقداما في الحرب حنفيون. ~~والوغى أصله الجلبة والصوت، ثم صار كالاسم للحرب. وقوله: للبيض فوق # PageV01P547 # رءوسهم تسويم، فالتسويم: العلامة والتأثير، ومنه قولهم: الخيل المسومة؛ ~~وكل ذلك من السيما: العلامة، ويقال السيميا. ومعناه أنهم لطول لبسهم للبيض، ~~ودوام ممارستهم للحرب، قد انحسر الشعر عن جوانب رءوسهم. ويشبه هذا المصراع ~~قول الآخر: # قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع # وقول أبي تمام الطائي: # عبوس كسا أبطاله كل قونس ... يرى المرء منه وهو أفرع أنزع # وقوله قوم إذا لبسوا الحديد ارتفع قوم على أنه بدل من قوله أسود. ويجوز ~~أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هم قوم. وإنما يصفهم بأنهم مشاهير بحسن ~~البلاء، متميزون عن الفرسان إذا حضروا الوقعات، بعلاماتهم ومعارضهم التي ~~عرفوا بها وفيها، فلا يخفى آياتهم إذا تدججوا، ولا يلتبس أحوالهم متى ~~تطلعوا، بل كأنهم النجوم في المناظر والقلوب. وجعل الحديد كناية عن أنواع ~~الأسلحة. والدلاص: اللينة الملساء، يقال درع دلاص ودليص، ودروع دلص. وقال ~~الخليل: ربما جاء دلاص في صفة الجمع. # وقوله فلئن بقيت لأرحلن بغزوة اللام من لئن موطئة للقسم، ولأرحلن جوابه. ~~وقوله نحو الغنائم ظرف لأرحلن. ورواه بعضهم: تحوي الغنائم، ويكون صفة ~~لغزوة، أي حاوية للغنائم. وقوله أو يموت كريم، أو بدل من إلا، ويموت ينتصب ~~بأن مضمرة، كأنه قال إلا أن يموت كريم. ويعني بالكريم نفسه. وفي طريقته قول ~~لبيد: # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # PageV01P548 ### || وقال رجل من بني يشكر # ألا أبلغ بني ذهل رسولا ... وخص إلى سراة بني ms0444 النطاح # بأنا قد قتلنا بالمثنى ... عبيدة منكم وأبا الجلاح # فإن ترضوا فإنا قد رضينا ... وإن تأبوا فأطراف الرماح # مقومة وبيض مرهفات ... تتر جماحما وبنان راح # قوله رسولا أراد رسالة. وقوله وخص إلى سراة بني النطاح أي توصل إلى أن ~~تخصهم بأدائها. والسراة تقدم القول فيه. # وقوله بأنا قد قتلنا الباء زائدة للتأكيد، وموضع بأنا نصب على أنه بدل من ~~رسولا. ومثله أعلم بكذا، يريد أبلغ خيار هؤلاء القوم وأماثلهم أنا قتلنا ~~بدل الواحد الذي قتلتموه منا اثنين منكم، فإن رضيتم فرضانا مع رضاكم، وإن ~~أبيتم وتسختطم حاكمناكم إلى ظبى السيوف وقد أرهفت، وإلى أسنة الرماح وقد ~~قومت. وهذا الكلام اعتلاء واقتدار، وتوعد واستكبار. والفاء من قوله فأطراف ~~بما بعدها جواب الجزاء، وارتفع أطراف بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: ~~فأطراف الرماح وبيض السيوف بيننا. وتتر في موضع الصفة للبيض، ومعناه تسقط. ~~والمرهفات: المرققات الحد. والراح: جمع راحة. ### || وقال جريبة بن الأشيم الفقعسي # فدى لفوارسي المعلمي ... ن تحت العجاجة خالي وعم # PageV01P549 # هم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أو جههم كالحمم # حمدهم لما ظهر من وفائهم وبلائهم، ففداهم وأثنى عليهم. والمعلم: الذي شهر ~~نفسه في الحرب بعلامة لكي إذا أبلى عرف بها. والعجاج: الغبار، وكذلك ~~العجاجة. ويقال لف عجاجته على بني فلان، إذا أغار عليهم. وقوله خالي في ~~موضع الرفع، لأنه خبر المبتدأ. وقوله هم كشفوا عيبة العائبين: العيبة: شبه ~~الخريطة من الأدم. وهذا مثل، أي أظهروا من عيب من كان يطلب عيبهم ما كان ~~خافيا، وكذبوهم فيما كانوا يختلقونه ويتنفقونه به، فكأنهم كشفوا عيابهم ~~المنطوية على عيوبهم، فاسودت وجوههم بما غشيها من العار حتى صارت كالحمم. ~~ويقال: " فلان عيبة عيوب، ومذنب ذنوب ". ويقال: عاب المتاع وغيره، إذا صار ~~ذا عيب؛ وعبته أنا، أي جعلت فيه عيبا. وعلى هذا قول الله تعالى: فأردت أن ~~أعيبها. والحمم: الفحم. ويقال جارية حممة، أي سوداء. # إذا الخيل صاحت صياح النسور ... حززنا شراسيفها بالجذم # يقول: إذا ضجت الخيل من الطعن الواقع على نحورها، وهمت بالازورار ~~أكرهناها على ms0445 الصبر والتقدم. ومثله قول خذاش بن زهير: # يصيحون مثل صياح النسو ... ر من أسل وارد صادر # ومعنى حززنا قطعنا. والشراسيف: مقاط الأضلاع: والجذم: السياط. وقوله صاحت ~~صياح النسور، يريد صياحا يشبه صياح النسور. وإذا ظرف لقوه حززنا. # إذا الدهر عضتك أنيابه ... لدى الشر فأزم به ما أزم # هذا مثل، والذي أشار إليه بالأنياب نوب الدهر وحوادثه. وقوله فأزم به أي ~~اعضض به، والمعنى صابره. والتوسع في الأزم والعض على طريقة، يقال: هذا ~~عضيضي وأنا عضيضه، أي نتشاكس في الأمر. وإني لعضاض عيش، أي صبور على شدته. ~~و " ما أزم " ما مع الفعل في تقدير المصدر، واسم الزمان محذوف معه، فهو # PageV01P550 # في موضع الظرف. والمعنى: اعضض به مدة عضه بك. ورواه بعضهم: " فا رزم له ~~ما رزم "، والمعنى: اثبت له ما ثبت لك. وإنما قال فأزم به طلبا للمطابقة ~~والموافقة. على هذا قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه "، والثاني ~~ليس باعتداء، بل هو جزاؤه. وجواب إذ قوله فأزم به وهو العامل فيه. # ولا تلف في شره هائبا ... كأنك فيه مسر السقم # في شره، أي في سر الدهر. يقول: لا توجدن فيما تدفع إليه وتمتحن به من ~~نوائب الدهر خائفا متهيبا مستشعرا لليأس من النجاح، وانقلاب الأمر إلى ~~الخير والصلاح، فتكون بمنزلة من به داء عضال لزمه، فأعياه مداواته حتى يئس ~~من إقلاعه وذهابه، فجعل يكتمه ويخفي أثره، وهو خائف مما يتعقبه. ورواه ~~بعضهم: مشر السقم. أي مظهره. وهذا كما روى بيت امرئ القيس: # لو يشرون مقتلي # وأنشد فيه: # وحتى أشرت بالأكف المصاحف # ومعناه تغتم لما تقاسيه، وتخاف نزول أمثاله، فتنخزل وتنقطع، فعل الوصب ~~المريض إذا اشتكى مما به. # عرضنا نزال فلم ينزلوا ... وكانت نزال عليهم أطم # يقول: عرضنا عليهم المنازلة فقلنا نزال، لما ضاق مجال الخيل عن الطراد، ~~فتكرهوه ولم ينشطوا له. وكانت هذا العرضة بهذه اللفظة أشد عليهم وأغلب لهم ~~من كل ما تقدم من ألفاظ التداعي والتجاذب. وقد تقدم في لفظة نزال وبنائه ~~وتأنيثه وحقيقته ما فيه كفاية. ms0446 ومعنى أطم يقال طم البحر، إذا غلب سائر ~~البحور. والطامة: الخصلة التي تطم على ما سواها. وفي القرآن: " فإذا جاءت ~~الطامة الكبرى "، يراد به القيامة. # PageV01P551 # وقد شبهوا العير أفراسنا ... فقد وجدوا ميرها ذا بشم # العير: الإبل عليها الميرة وغيرها. وقال بعضهم: هو من قولهم: عار الشيء: ~~ذهب، يعير، وهي جماعات السفر، ووزنه فعل، جمع عائر، كعائذ وعوذ، إلا أن ~~العين كسرت لتدل على الياء. والمير: مصدر مارهم يميرهم، إذا نقل إليهم ~~الميرة. والمعنى: لجهلهم بخصمهم، وثقتهم بأنفسهم وتمكن البغي من اختيارهم ~~ونظرهم، عدونا غنيمة تغتنم، وإبلا بأجمالها تساق وتقتسم، فقد استوبلوا ~~عاقبة غنيمتهم وذاقوا وخامة ميرتهم. والبشم: الثقل، يقال بشمت من الطعام، ~~وبغرت من الماء. ### || وقال آخر: # أتاني عن أبي أنس وعيد ... فسل لغيظة الضحاك جسمي # ولم أعص الأمير ولم أربه ... ولم أسبق أبا أنس بوغم # هذه الأبيات إنما ختم بها الباب وإن لم تكن منه على عادته، في إتباع ~~المعنى بضده كثيرا. والأغلب في الظن بقائها أن يكون قصد بها الهزء والتملح. ~~وفي طريقتها قول الآخر: # إني أعوذ بروح أن يقربني ... إلى القتال فيخزى بي بنو أسد # إن المهلب حب الموت أورثكم ... ولم أرث نجدة في الحرب عن أحد # إن الدنو من الأعداء تعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد # ولبعضهم: # باتت تسخفني هند وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب # PageV01P552 # يا هند لا والذي حج الحجيج له ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب # للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى أهوالها وثبوا # ولست منهم ولا أرضى فعالهم ... ما القتل يعجبني منهم ولا السلب # وأبلغ منه قول الآخر: # اثنان منا يغلبان واحدا ... إذا تعاونا وكان رقدا # فأما قوله فسل لغيظة الضحاك فالضحاك اسم أبي أنس. ومعنى سل: ذاب، كجسم من ~~به السلال، وهو داء معروف. وقال غيظة لأنه أراد المرة الواحدة، وهذه الهاء ~~تدخل في المصادر على اختلافها لهذا المعنى كالضربة والخرجة والإلمامة ~~والاستخراجة. وقوله ولم أربه يروى بفتح الهمزة وضمها؛ والفرق بينهما أنه ~~يقال رابه الدهر إذا ms0447 قصده بريبه وحوادثه؛ وأرابه: أتاه بريبة. والوغم: ~~الترة والذحل. # ولكن البعوث جرت علينا ... فصرنا بين تطويح وغرم # وخافت من جبال السغد نفسي ... وخافت من جبال خوارزم # قوله ولكن البعوث جرت علينا يقال ضرب البعث على الجند، وأجري البعث ~~عليهم، أي بعثوا إلى العدو. وجمعه فقال البعوث، لاختلافه وتكرره. وهذا كما ~~يجمع الضرب على الضروب والفن على الفنون. والتطويح: والتبعيد في الأرض، ~~والحمل على ركوب المهالك. ويقال طوحوا وطيحوا جميعا. # وقارعت البعوث وقارعوني ... ففاز بضجعة في الحي سهمي # فأعطيت الجعالة مستميتا ... خفيف الحاذ من فتيان جرم # قوله قارعت البعوث يريد به ساهمتهم، والقرعة الاسم. ويقال: هو قريعي أي ~~مقارعي، كما يقال هو خصيمي. وقوله البعوث أراد أصحاب البعوث، فحذف المضاف. ~~ويجوز أن يكون سمى المبعوث بعثا ثم جمعه، وهذا على عادتهم في الوصف باسم ~~الحدث. وقوله فاز بضجعة في الحي سهمي أي خرج # PageV01P553 # قدحي باضطجاعي وراحتي. ويقال رجل ضجعي بضم الضاد وكسرها، وضجعة، للعاجز ~~اللازم منزله، ومنه قيل للنجوم الثوابت الضواجع. وقوله أعطيت الجعالة، يريد ~~أعطيت الرشوة لنائب عني من بني جزم، خفيف الحال فقير، رضي بالموت وعرض ~~بنفسه له، لا سعد بالراحة والسلامة، ويشقى هو بالتعب والهلكة. ويقال: فلان ~~خفيف الحاذ، أي الحال والمؤنة؛ وهما بحاذ واحد، أي بحال واحد. # تم باب الحماسة، بحمد الله الذي هو ولي الحمد # PageV01P554 ### | باب المراثي ### || قال أبو خراش الهذلي # حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض # خراش: مصدر خارشته، أو جمع خرش، وهو الأثر كالخدش؛ ومنه تخارش الكلاب: ~~مزق بعضها بعضا. والخراش: سمة مستطيلة كاللذعة الخفية، ويقال بعير مخروش. ~~والمخرش: اسم لما يؤثر به، خشبة كان أو غيرها. فأما أبو خراشة من بيت ~~الكتاب: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع # فقد روي بضم الخاء وكسرها، فخراشة يجوز أن يكون من خرش لعياله، أي كسب، ~~ويكون من باب عمالة وعجالة وصبابة وما أشبهها. وخراشة منه من باب ولاية ~~ونكابة وما أشبههما. # وأبو خراش هذا كان ms0448 خراش ابنه وعروة أخوه، اصطحبا في متصرف لهما فأسرهما ~~بطنان من ثمالة: بنو رزام وبنو بلال، وكانوا موتورين، فاختلفوا في الإبقاء ~~عليهما وقتلهما، فمال بنو بلال إلى قتلهما، وتفاقم الأمر بينهما في ذلك إلى ~~أن صار # PageV01P555 # يؤدى إلى المقاتلة، فتفرد أولئك بعروة فقتلوه، وتفرد هؤلاء بخراش فخلا به ~~واحد منهم منتهزا للفرصة في الإسداء إليه، فقال له: كيف دليلاك؟ قال: قطاة! ~~فألقى عليه رداءه وقال: أنجه. فمر لطيته، فلما انحرفوا للنظر في أمره قال ~~لهم ممسكه: إنه أفلت! فطردوه فأعياهم، فلما رجع خراش إلى أبيه وخبره بما ~~جرى على عروة، وبما اتفق من صاحبه في باببه، اقتص قصته في هذه الأبيات. # وقد حكي فيما روي عن الأصمعي وأبي عبيدة أنهما قالا: لا نعرف من مدح من ~~لا يعرفه غير أبي خراش. وقد سلك من شعراء الإسلام مسلكه أبو نواس في أبيات ~~أولها: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس # ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقي ساباط الديار البسابس # ومر بي أبيات لبعض الأغفال فيها: # سقيا لهم فتية تدمى سيوفهم ... لا علم لي غير أن القوم أحرار # فهذا ما رواه الناس وقد حكى أبو العباس في الكامل: أن خراشا كان في القد ~~مأسورا، وأن آسره نزل به ضيف فقام يحتشد له، فنظر ذلك الضيف إلى خراش وكان ~~ملقى وراء البيت، فسأله عن حاله ونسبه فشرح له قصته وانتسب، فقطع إساره ~~وخلاه، فلما رجع رب البيت قال: أسيري أسيري!! وأراد السعي في أثره، فوتر ~~قوسه وحلف أنه إن تبعه رماه. # وقد ذكر أن ملقي الرداء كان مجتازا بعروة، فرآه بادي العورة مصروعا، ففعل ~~ذلك به. فهذا قصته على الاختلاف فيه. # وقوله حمدت إلهي روي: حمدت الإله، وقل ما يقع في الاستعمال الإله معرفا ~~باللام، وقد أتى به على أصله، إذ كانت العادة جرت باستعمال لفظة الله بدله، ~~حق جرى مجرى الألقاب في أن يكون مقدما وسائر الصفات ms0449 تتبعه. ومعنى اللفظة: # PageV01P556 # الذي تحق له العبادة. والحمد يجري مجرى الشكر، إلا أنه يستعمل في مسدي ~~الإحسان، وفي من رضيت أفعاله وإن لم يكن منه إحسان، فيقال: حمدت فلانا على ~~اصطناعه لي، وحمدته على براعته وفضله؛ والشكر لا يستعمل إلا فيمن يكون منه ~~إسداء معروف وأخذ بإحسان. والمعنى أشكر الله بعد ما اتفق من قتل عروة، على ~~تخلص خراش، وبعض الشر أخف من الآخر. كأنه تصور قتلهما جميعا لو اتفق، فرأى ~~قتل أحدهما أهون. وهذا الكلام، أعني وبعض الشر أهون من بعض رمى به مرمى ~~الأمثال. فإن قال قائل: ليس في الشر هين، وأفعل هذا يستعمل في مشتركين في ~~صفة زاد أحدهما على الآخر؛ لا تقول: زيد أفضل من عمرو، إلا وقد اشتركا في ~~الفضل، فكيف جاز أن يقول: وبعض الشر أهون من بعض، ولا هين في الشر؟ قلت: إن ~~للشر مراتب ودرجات، فإذا جئت إلى آحادها، وقد تصورت جملها، ورتب الآحاد ~~فيها، وجدت كل نوع منها بمضامته للغير له حال في الخفة أو الثقل، وإذا كان ~~كذلك فلا يمتنع أن يوصف شيء منه بأنه أهون من غيره. ولا يشبه هذا قوله عز ~~وجل: " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا "؛ لأنك إذا تصورت حال ~~أهل الجنة مع أهل النار لم تجد ثم مراتب متقاربة يترقى الواصف في درجها، ~~ويتصور اشتراكهم فيها، إذ لم يكن ثم مشاركة البتة بوجه من الوجوه. فالجامع ~~بين الآية وبين هذا وأشباهه خارج عن الطريقة. والصواب أن يقال في الآية: إن ~~المعنى: أصحاب الجنة يومئذ أحسن حالا وأعظم شانا، وأعلى درجة ومكانا، وخير ~~مستقر وأفضل مقيلا، من أن يشبه بشيء، أو يحد بوصف، فحذف منه ما حذف. وعلى ~~هذا يحمل قول المسلمين: الله أكبر، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه لما سمع الكفار يقولون: اعل هبل! قال: " الله أعلى وأجل! ". # فوالله ما أنسى قتيلا رزيته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض # تعلق الباء من قوله بجانب بقتيلا، كأنه قال: ما أنسى قتيلا ms0450 بجانب قوسي ~~رزيته. وموضع رزيته وبجانب قوسي جميعا صفة للقتيل؛ وقد دخله بعض الاختصاص ~~بذكرهما. وقوله ما مشيت ما مع الفعل في تقدير مصدر حذف اسم الزمان معه، ~~كأنه قال: مدة مشيي على الأرض. وفي الكلام نية الشرط والجزاء، كأنه قال: لا ~~أنسى قتيلا رزيته إن مشيت على الأرض، ومعناه إن بقيت حيا، فلذلك وقع الماضي ~~فيه في موضع المستقبل، لأن ما مشيت على الأرض في # PageV01P557 # موضع ما أمشي على الأرض، وإن أمش على الأرض. فأما تذكره له أبدا فالوجه ~~أن يكون عاما فيما يتعلق بالمتوفى وبمن يرثيه، كأنه لا ينسى أخلاقه وطيب ~~العيش معه، ولا الامتناع بمكانه وشدة الفاقة إلى حياته، فلا ينسى ما يلزمه ~~في قضاء ذمامه وطلب دمه، ومكافأة أعدائه وقاتليه، إلى غير ذلك. يشهد لهذا ~~الذي قلناه ما يجيء كثيرا في هذا الباب من قولهم " هون وجدي أنني لم أفعل ~~كذا " و " يذكرني من فلان كذا "، وما يجري هذا المجرى، ويجوز أن يكون قال: ~~لا أنساه، تعظيما للمصيبة به، وتفظيعا للحال المعترضة فيه، وعلى عادة قول ~~الناس عند النازلة الهائلة، والنائبة الكاربة: لا ينسيني هذا شيء، وهو نصب ~~عيني إلى أن أموت، والمعنى: لا يرى أعظم منه. # على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي # مثله قول الأحوص: # إن القديم وإن جلت رزيئته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف # وقوله على أنها تعفو الكلوم يجري مجرى الاعتذار منه والاستدراك على نفسه ~~فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلا رزئته مدة حياتي. يكشف هذا أن موضع على ~~أنها تعفو الكلوم من الإعراب نصب على الحال، والعامل فيه ما أنسى قتيلا. ~~وهذا كما تقول: ما أترك حق فلان على ظلع بي، كأن التقدير أؤديه ظالعا، فعلى ~~المثال الذي ذكرنا يجيء ما أنسى قتيلا رزئته على عفاء الكلوم، أي أذكره ~~عافيا كلمى كسائر الكلوم. ويعنى بالكلم: الحزة عند ابتداء الفجعة. وإنما ~~قال هذا لأن الإنسان بكونه مهدفا للأحداث، غرضا للمصائب والأرزاء، موزع ~~الحال بين ما يتجد له ms0451 أو يبلى، مقسم الصبر في أثناء ذلك على ما يحدث أو ~~يتولى، فلذلك قال نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي فهذا بيان كون الكلام ~~اعتذارا. وقوله على أنها الضمير للقصة، وخبر أن الجملة بعدها، ولو قال: على ~~أنه لجاز وكان الضمير للشأن والأمر. والمراد: على أن القصة إذا اقتصت، ~~والصورة إذا تحققت، أن الجروح تعفو، وإنما الجزع للأقرب منها فالأقرب يتسلط ~~فيعلو. وهذا كما سئل بعضهم: ما أشد الأدواء؟ فقال: ما يحضرك، وإن برح بك ما ~~غاب! ويقال عفا الشيء، إذا درس عفاء وعفوا، وتعفى أيضا، وعفته الريح، وعفا ~~الشيء: كثر عفوا وعفوته. قال أبو زيد: يقال عفوت صوف الشاة، إذا أخذته، ~~وعفوته إذا وفرته، فهو من الأضداد. وأبلغ مما # PageV01P558 # قاله قول الآخر: # فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجد محض # ويجوز أن يكون من بمعنى الذي فيكون في موضع المفعول، وألقى عليه رداءه ~~صلته، ويجوز أن يكون من استفهاما مبتدأ وألقى عليه رداءه في موضع الخبر، ~~ويكون الجملة في موضع المفعول ل " لم أدر ". وتحقيق الكلام: لم أدر ما ~~يقتضى هذا السؤال، لأن الذي خفي عليه ذات الملقى واسمه لا فعله. وموضع على ~~أنه نصب في موضع الحال، كأنه قال: أدريه مسلولا من ماجد محض. ويروى: سوى ~~أنه قد سل ويكون موضع سوى من الإعراب نصبا على أنه استثناء خارج، ألا ترى ~~أنه يتأتى أن يجعل مكانه لكن، والتقدير: لا أعرف اسمه ونسبه، إلا أنه ولد ~~كريم بما ظهر من فعله. والمستثنى قد انقطع عن الأول، ألا ترى أنه قد عرفه ~~بدلالته وإن لم يعرف نفسه وذاته. ومعنى البيت: ولا أعلم الذي اهتدى لهذه ~~المكرمة في باب ابني خراش، ولكنه كريم الأصل شريف الفرع، مؤثر لفعل الصنيعة ~~كيف اتفقت، لا يراعي وجوبها ولا زكاءها. وأصل المجد الكثرة، يقال أمجدت ~~الدابة العلف، إذا أكثرت له. وأراد بالمحض صفاء النسب. # ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجا ... أضاع الشباب ms0452 في الربيلة والخفض # قوله ولم يك حذف النون من يكن لكثرة الاستعمال لهذه اللفظة، ومضارعة ~~النون لحروف المد واللين، وقد مضى مثله. وقوله مثلوج الفؤاد أي بارد الفؤاد ~~غير ذكي ولا حديد. والمهبج: المتورم، يقال هبجه بالعصا فهبج وتهبج، إذا ~~ضربه بها فانتفخ وتورم. والربيلة، أصلها الرطوبة والسمن. يقال: رجل ربل، ~~وبئر ذات ربالة، إذا كانت ناجعة الماء في الماشية تسمن عليه. والربل: ما ~~تفطر من الورق في آخر الصيف ببرد الليل. يقال: هم يتربلون. والريبال من ~~أسماء الأسد إذا لم يهمز، يجوز أن يكون فيعالا من هذا، لتربله وعظمه. ~~والخفض: الدعة وترك السفر. ومعنى البيت: أنه رجع إلى صفة عروة فقال: كان ~~ذكي الفؤاد شهما، نافذا في الأمور حي # PageV01P559 # القلب، لا آفة به فيتورم جلده أو يتغير لونه، ولم يكن ممن ضيع شبابه في ~~التودع وصلاح البدن، حتى كان يترك السفر واكتساب الأحدوثة بما يمتهن فيه ~~النفس، ويتعرض من أجله للتلف. # ولكنه قد نازعته مجاوع ... على أنه ذو مرة صادق النهض # لكن المخففة استدراك بعد نفي، والمشددة وإن كان للتحقيق فيه معناه. فلما ~~نفى عنه ما قدمه في البيت الذي قبله، استدرك على نفسه إثبات ما يتضمن هذا ~~البيت له. ويروى ولكنه قد لوحته مخامص، ومعنى لوحته غيرته، والمخامص: جمع ~~مخمصة، وهي خلاء البطن من الطعام جوعا، وفي الحديث: تغد الطير خماصا وتروح ~~بطانا. والمجاوع مثل المخامص. والخصال التي تحمل النفوس على الصبر على ~~الجوع والخماصة مخامص ومجاوع. فيقول: كما انتفى عنه تلك الأوصاف الذميمة ~~جاذبته في مساعيه ومتصرفاته لمباغيه الشريفة ومطالبه مجاوع أو مخامص، يريد ~~خصالا تجوع فيها النفس وتفطم فيها عن لذيذ الطعم؛ وهو ذو قوة، إذا نهض في ~~الأمور صدق فيها، ولم يكذب فعل من يأتي الشيء تعذيرا أو رياء. وقوله صادق ~~النهض جعل الصدق للنهض وإن كان الفعلان له ولذلك كان نكرة تقديره: ذو مرة ~~صادق نهضته، وأصل النهوض البراح من الأرض، ومنه الناهض: الفرخ الذي وفر ~~جناحاه فنهض للطيران. ### || وقال عبدة بن الطبيب # عليك ms0453 سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # حياه بقوله: عليك سلام الله ورحمته وهكذا تحية الموتى، بتقديم عليك، ~~والمعنى: عليك من الله السلامة! وسلامته وقد مات، في توفر الرحمة عليه لذلك ~~قال ما شاء أن يترحما، فاستدام له التحية بقوله: ما شاء أن يترحم؛ لأن ~~الترحم من الله دائم، لاتصال رحمته في خلقه، فكأنه قال: توفرت عليك الرحمة ~~ما شاء # PageV01P560 # أن يترحم. وقوله ما شاء ما مع الفعل في تقدير مصدر، وهو في موضع الظرف، ~~والمصادر يحذف معها أسماء الزمان كثيرا، فالتقدير: مدة مشيئته للرحمة. ~~والسلام من أسماء الله تعالى، مصدر في الأصل، والمراد به ذو السلامة. وليس ~~في أسمائه تعالى ما هو مصدر إلا هذا، وقولهم إله، والباقي كله صفات. وقوله ~~قيس ابن عاصم هو على لغة من لا ينون في غير النداء، ومن ينون يقول قيس ~~فيبنيه على الضم. # تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما # انتصب تحية على المصدر مما دل عليه قوله عليك سلام الله، كأنه قال: أحييك ~~تحية من غادرته. و " من غادرته " يجوز أن يكون من معرفة في موضع الذي ~~وغادرته من صلته، ويجوز أن يكون نكرة في موضع إنسان كأنه قال: تحية إنسان ~~هكذا، فيكون غادرته صفة له. وانتصب غرض الردى على الحال، وهو في موضع ~~النكرة وإن كان مضافا إلى ما فيه الألف واللام، لأن غرض يتضمن معنى الصفة، ~~كأنه قال غادرته منصوبا للردى وهدفا له. وقوله إذا زار عن شحط بلادك سلما ~~يجوز أن يكون في موضع الصفة لغرض الردى أو حالا له، ويجوز أن يكون في موضع ~~الحال إذا جعلت من معرفة، ويجوز أن يكون في موضع البدل من غادرته إذا جعلته ~~صلة. وقوله عن شحط أراد بعد شحط أي بعد. يقال: شحط يشحط شحطا وشحوطا. وكأنه ~~أشار به إلى بعد المزار والعهد جميعا. وقوله سلما جواب إذا. ومعنى البيت: ~~أحييك تحية الرجل الذي غادرته غرض الردى، أو تحية إنسان هكذا، على ~~التقديرين. ms0454 أي تركته مهدفا للمهالك والمعاطب، وبمدرجة الآفات والنوائب، أشد ~~ما كان حاجة إليك، لا ناصر له ولا ملتجأ، ولا مستغاث ولا معتمد، وإذا أراد ~~قضاء حقك، أو زيارتك للتسلي بك، فقطع المسافة بينه وبينك لم يرزأك شيئا إلا ~~تسليما عليك. وهذا الكلام تصريح باليأس منه، وإظهار للحاجة إليه. # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # يجوز أن يروى هلك بالنصب والرفع، فإذا نصبت كان هلكه في موضع البدل من ~~قيس وهلك ينتصب على أنه خبر كان كأنه قال: فما كان هلك قيس هلك واحد من ~~الناس، بل مات بموته خلق كثير، وتقوض ببنيته وعزه بنيان رفيع. وإذا رفعته ~~كان هلكه في موضع المبتدأ، وهلك واحد في موضع الخبر، والجملة في موضع النصب # PageV01P561 # على أنه خبر كان. ويشبه هذا البيت قول امرئ القيس: # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # إذا رويت تساقط بضم التاء. ومثلهما وإن أغمض قول الهذلي: # مطأطأة لم ينبطوها وإنها ... ليرضى بها فراطها أم واحد # لأن المعنى أن الفراط لما حفروا القبر رضوا بأن يضعوا فيه واحدا، فإذا هم ~~يدفنون بدفنه خلقا كثيرا. # وصلح قوله ولكنه بنيان قوم تهدما في مقابلة فما كان قيس هلكه لمعناه ~~الموافق له، وذلك أن البنيان وتهدمه لم يكن إلا لموت أربابه. ### || وقال هشام أخو ذي الرمة # تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع # هشام هذا فجع بأخيه أوفى، وأني عليه زمان مقاسيا لآلام الفجيعة به، ثم ~~أصيب بعده بغيلان - وهو ذو الرمة - فيقول: تسليت عن الرزيئة بأوفى أخي، بعد ~~أن أصبت بغيلان عقيبه، وجفن عيني مملوء دمعا، عزاء. وانتصب عزاء على ~~المصدر، وهو موضوع موضع التعزي، والفعل من العزاء عزى وعزي جميعا، أي صبر. ~~ويقال: هو حسن العزوة، أي العزاء، وبناء تعزى بناء تكلف. والواو من قوله ~~وجفن العين واو الحال، والعامل في موضع الجملة تعزيت. وفائدة اقتران هذه ~~الحال بما قبله هو أن يتبين به ضعف العزاء المشار إليه؛ لأن العزاء المتكلف ms0455 ~~إذا صحبه البكاء لم يكن عزاء في الحقيقة، ولا يمتنع أن يكون الجملة التي هي ~~وجفن العين ملآن في موضع الصفة لعزاء، لأنك إذا قلت رأيت رجلا ومعه غلامه، ~~معناه رجلا بهذه الصفة، فكذلك يكون المراد عزاء بهذه الصفة وهي أن يصحبه ~~البكاء. ولا يجوز أن يكون العامل في موضع قوله وجفن العين عزاء إذا جعلته ~~حالا؛ لأن # PageV01P562 # الاعتماد على الفعل، وعزاء معموله، والمصدر وقد تبع الفعل معمولا له ~~يؤكده لا يعمل في غيره عمله، ولا فعل معه. وقوله مترع أراد الامتلاء ~~وزيادة، وهو الانصباب. يقال أترعت الإناء، إذا ملأته ملأ يضيق عما يحويه ~~حتى ينصب منه. ويقال ترع الإناء وأترع بما فيه. والمتترع: المتسرع إلى الشر ~~المقتحم فيه، منه. وجعل الامتلاء للجفن لأنه ممسك الدمع، وأصل الجفن الحبس، ~~لذلك قيل لقراب السيف: جفن. # نعى الركب أوفى حين آبت ركابهم ... لعمري لقد جاءوا بشر فأوجعوا # نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه ... تكاد الجبال الصم منه تصدع # أتبع ما تقدم باقتصاص نعي الركبان لأوفى، كأنه أراد أن يذكر ابتداء ~~المصاب به ليتبين كيف توفر الجزع عليه، وكيف انصرف ما انصرف منه إلى ما ~~تعقبه من المصاب الثاني، فيقول: ذكر الركبان موت أوفى عند إيابهم، ولعمري ~~لقد ذكروا شرا عظيما، وأوجعوا قلبا سليما. وقوله نعوا باسق الأفعال أعاد ~~ذكر النعي تفظيعا للشأن. ويقال نعى نعيا ونعيا ونعيانا، أي خبر بالموت. ~~وقولهم: نعاء فلانا، لفظة يشهرون بها موت الرئيس. ومعنى باسق الأفعال لا ~~يخلفونهأنهم ذكروا موت رجل على الشأن، شريف الأفعال، رفيع الحكمة، هم ~~بأجمعهم لا يقومون مقامه فيما كان يتولاه في الحي من الإحسان إليهم، ~~والتحمل عنهم، وبسط الخير فيهم، والبسوق في الأفعال، وهو في الأصل الطول ~~والاستكمال، ويجوز أن يكون إشارة إلى أنه لا يدرك غايتها، فكل فعل يقع من ~~غيره إذا قيس إلى ما يأتيه يتضع دونه، وينحط عن رتبته، فلا يعلو علوه، ولا ~~يكمل كماله. وعلى هذا قولهم: فلان رفيع الفعال علي المقال. ويجوز أن يريد ~~بالبسوق امتداد الصيت بها، ms0456 وصعودها في درج تقبل الله تعالى إياها إلى ~~السماء. وهذا كما يقال: قولك هذا يرتقي إلى الملاء الأعلى. وهذا الشعر ~~إسلامي، فلا يمتنع أن يشير فيه إلى قوله عز وجل: " إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه ". وقوله " تكاد الجبال الصم منه تصدع " منقطع مما ~~قبله ويجري مجرى الالتفات، لأنه لما قال نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه كأنه ~~أقبل على من حوله فقال: تكاد الجبال الصم منه تصدع، ويكون الضمير من قوله ~~منه يرجع إلى النعي، ودل عليه قوله نعوا. وهذا كما يقال: من حمد الله تعالى ~~كان خيرا له، أي كان الحمد خيرا له. والمراد بالصم الصلاب كأنه لا خروق في ~~أثنائها ولا تخلخل. # PageV01P563 # خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهم ... وأمسى بأوفى قومه قد تضعضعوا # ابن دلهم كان السبب في عمارة المسجد الذي أشار إليه، فلما مضى لسبيله صار ~~المسجد خاليا إذ كان هو المراعي والمتفقد لصلاح أمره. وأوفى - يعني الذي ~~يرثيه - كان قوام أمر عشيرته به، وانتظام شئونهم بمكانه، فلما ثل عرشه ~~وأصيبوا به اضطربت أحوالهم، واتضعت رتباتهم، فصاروا بعده كالمسجد المعمور ~~بعد ابن دلهم. أراد أن يشبه تضعضع القوم بموت أوفى، بخراب المسجد بموت ابن ~~دلهم فلم يأت بلفظ التشبيه إذ كان معناه من الكلام مفهوما. والضعضعة: ~~الخضوع والتذلل. # فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع # القرح والقرح لغتان في عض السلاح وما يجرح في الجسد. ويقال إنه لقرح ~~قريح، وقرح قلبه من الحزن. ونبه بهذا الكلام على أن الجزع بأوفى لم يزله ما ~~تعقبه من المصائب، ولكنه زاده اشتدادا، ثم شبهه بالقرح وهو الجرح، وقد جلب ~~ويبس، إذا نكئ وقرح ثانيا، أي أدمي وقشرت جلبته كما أن القرح إذا فعل به ~~ذلك كان إيجاعه أشد وأبلغ، فالهلع بموت أوفى وقد أمد بمصاب آخر يكون أتم ~~وأكمل. وقوله أوجع موضوع موضع أشد إيجاعا. # فإن قيل: كيف صلح ذلك، وأفعل الذي للمبالغة والتفضيل يتبع ما أفعله وكذلك ~~أفعل به، وفعل التعجب يجب أن يكون من ms0457 الثلاثي لا غير: فعل وفعل وفعل، ~~وأوجعني ليس منها؟ قلت: ذلك سائغ على مذهب سيبويه، إذ كان عنده أن فعل ~~التعجب يكون من الثلاثي ومما كان على أفعل خاصة، على ذلك حكي قولهم: ما ~~أعطاه للمال، وما آتاه للخير، وإنما هما من الإيتاء والإعطاء، لا من الأتي ~~والعطاء، وكذلك قولهم: ما أسداه للمعروف، وذلك لكثرة وجوه الشبه بين فعل ~~وأفعل، ألا ترى أنهما يتفقان في معنى، وأه يقال في مفعولهما مفعول، وفي ~~فاعلهما فاعل، وأن كل واحد منهما يقع في مطاوعة الآخر، إلى غير هذا من ~~الشبه. وكان أبو العباس المبرد يقول: ذلك جائز على حذف الزوائد، يعني بناء ~~التعجب من أفعل ويشبهه بقول الشاعر: # يكشف عن جمامه دلو الدال # PageV01P564 # وقوله: # ومهمه هالك من تعرجا # ويقول الله تعالى: " وأرسلنا الرياح لواقح ". ويجوز مثل هذا في كل ما كان ~~أصله ثلاثيا على أي بناء حصل. وكان يتبع مذهب الأخفش في ذلك، فاعلمه. ### || ؟ وقال متعم بن نويرة يرثي مالكا أخاه # لقد لامني عند القبور على البكا ... رقيقي لتذراف الدموع السوافك # فقال أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدوانك # فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك # يقول: استسرف رفيقي بكائي عند القبور، واستفظع سيلان الدموع من عيني فقال ~~موبخا: أمن أجل قبر لك بين اللوى فالدوانك تبكي عند كل قبر تراه؟ فأجبته ~~بأن الحزن يهيج الحزن فاتركني، فكل قبر أنتهي إليه يذكرني قبر مالك، إذ ليس ~~لي في قبر مالك إلا مثل مالي في القبور كلها. يريد أن أسباب الحزن ومهيجاته ~~تتشابه، فكل منها يقوم مقام الآخر ولا سيما وقد توافقت في الجنسية. وقوله ~~لتذراف الدموع السوافك أي من أجله، بعد قوله على البكا، فيه من الفائدة ~~المتجددة التبيه، على إجابة الدموع له، وانصبابها بحسب مراده، حتى لا جمود ~~من الحجاج في شيء من الأوقات، ولا توقف من السيلان في حال من الحالات، وليس ~~كل باك بهذه الصفة. فكأنه لامه على البكاء من أجل ما استنكره من ms0458 إجابة ~~الدموع السائلة له، إذ كان ذلك بالضرر عليه أعود، وإلى بطلان العين بمكانه ~~أدعى. وقال السوافك والسفك صب الدم والدمع، فوصف الدموع بها لأنها جمع ~~سافكة، والمراد ذوات السفك. والسفك أيضا: نثر الكلام. ويقال: رجل سفاك ~~للدماء، وسفاك بالكلام، أي يثير الكلام ويصب الدماء. # PageV01P565 # وقوله بين اللوى فالدوانك اكتفى بين باللوى، وهو مسترق الرمل لوقوعه على ~~أماكن مختلفة، ولما اكتفى به جاز أن يترتب عليه فالدوانك. ولو روي والدوانك ~~كان جائزا، إلا أن اللوى حينئذ لا يتصور شموله لبقاع كما يتصور في أسماء ~~الجموع شمولها للكثير، نحو القوم والرهط والعشيرة. # والشجا: الحزن. يقال شجاه يشجوه شجوا، فشجي يشجي شجا. ومعنى يبعث يهيج ~~ويثير. وعلى هذا قولك بعثته من منامه، والبعث في الجند. وقوله فهذا كله قبر ~~مالك أشار بهذا إلى الجنس كما هو، كأنه أراد جنس القبور؛ يدل عليه إتباعه ~~إياه بما يفيد العموم، وهو وقوله كله. ويقال ذرفت عينه ذرفا وذرفانا ~~وذريفا. فأما قوله تذارف فهو من باب ما تكثر فيه المصدر من فعلت وتلحقه ~~الزوائد وتبنيه بناء آخر على غير ما يجب للفعل، قصدا إلى المبالغة ~~والتكثير. وقوله الدوانك علم لموضع. ودونك فيما أظنه مهمل. # ومالك بن نويرة قتل في الردة أيام أبي بكر رضي الله عنه. ### || ؟ وقال أبو عطاء السندي # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود # عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود # افتتح كلامه بألا، ثم أخذ يعظم أمر الفجيعة، ويبين موقعها من النفوس، ~~وشدة تأثيرها في القولب، واشتراك الناس كافة في الجزع لها، والهلع عليها، ~~فقال: إن عينا لم تتسخ بدمعها الجاري على هذا المرثي يوم واسط لجمود الحجاج ~~على المصائب، شديدة البخل بما في شئونها من الذخائر. والجمود: ضد الذوب، ~~واستعماله في الدمع مجاز. # وقوله عشية قام النائحات بدل من قوله يوم واسط، وأسماء الزمان تضاف إلى ~~الأفعال، وهو توقيت وتحديد، إلا أن فيه بيانا لتفظيع الشان. وعلى هذا ضبطهم ~~لمدى الأوقات في ترتيب النوائب، والتنبيه على ms0459 ما يتقدم من الأحداث أو ~~يتأخر. ومعنى قيام النائحات، تهيؤها للنوح. وعلى هذا قولهم: قامت السيوف، ~~وقوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة. وأصل التناوح: التقابل، يقال # PageV01P566 # في الجبلين المتقابلين: هما يتناوحان. وقوله شققت جيوب بأيدي مأتم وخدود ~~فالمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، وأصله من الأتم، وهو التقاء ~~المسلكين، ومنه أيضا الأتوم في صفة النساء. وهذا الكلام وإن كان اقتصاص حال ~~ففيه دلالة على تمكن الجزع بالمصاب من كافة الناس، وتناهيهم فيما يستدل به ~~على شدة تأثيره فيهم. # فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود # فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد # الرواية المختارة: " وربما أقام به بعد الوفود وفود "، بالواو، وذلك أن ~~الشرط في قوله فإن تمس مهجور الفناء جوابه فإنك لم تبعد، ويصير: وربما أقام ~~بيان الحال فيما تقدم من رياسته وقت توفر الناس على قصده وزيارته. والمعنى: ~~إن مت وصرت مهجور الساحة مرفوض الخدمة - وربما كانت الوفود فيما مضى من ~~حياتك تزدحم على بابك، وتتلاقى في فنائك - فإنك الساعة لم تبعد على من ~~يتعهدك، ويرى قضاء حقك، وإقامة الرسم في واجبك، ثم قال مستدركا على نفسه: ~~بلى كل من تحت التراب فقد بعد عن ذلك كله. ويعني بالوفود طلاب الحاجات ~~والمؤدين لواجبات الشكر، إذ كان في حياته المقصود والمشار إليه، والمصطنع ~~لطوائف الناس بما يتفرق من إحسانه فيهم. # وقوله على متعهد يريد متتبع العهود بالحفظ لها، ومنعها من الضياع ~~والدروس. وكما يقال: تعهدت الشيء إذا تأملته هل بقي على ما عهدته، يقال: ~~تفقدت الشيء إذا تأملته هل لحقه فقود أم لا. وإذا روبت فربما أقام به بعد ~~الوفود وفود، وجعلته جزاء للشرط، يصير فإنك لم تبعد استئناف كلام، ويكون ~~الفاء رابطة لجملة على جملة، والمعنى: إن هجر فناؤك الساعة لموتك فربما كان ~~مألفا للوفود أيام حياتك. وفي طريقته قول الآخر: # فقد كان يخشاك الكمي ويتقي ... أذاك ويرجو نفعك المتضعضع # فإن قيل: الشرط والجزاء لا يصحان إلا فيما كان مستقبلا؛ ألا ms0460 ترى أنه لا ~~يجوز أن يقول القائل: إن خرجت أمس أعطيتك فيه درهما؛ لأن الوقت وقد انقضى # PageV01P567 # لا يصح تعليق الشرط والجزاء به، وإنما يعلقان أبدا بما يستأنف من الزمان، ~~حتى يصح من الفاعل إيقاع فعله به واستحقاقه الجزاء عليه. قلت: إن الأمر في ~~الشرط على ما ذكرت إلا في لفظ كان، لأنهم جوزوا أن يقول القائل: إن كنت ~~خرجت أمس إلى موضع كذا أعطيتك اليوم كذا، والمعنى إن ثبت في علمي وقوع ~~الخروج منك أمس. وجوزوا هذا في لفظة كان لقوته في العبارة عن الأحداث، فأما ~~الجزاء فلا يجوز فيه مثل هذا لا بلفظة كان ولا بغيره. ويمتنع أن يقال: إن ~~تجئني اليوم أعطيتك أمس، على أن تكون العطية سلفا في جزئه على فعله. فإن ~~قيل: كيف جاز أن تقول على هذا " فربما أقام " وأقام بناء ماض؟ قلت: إن ~~الجواب في قوله فربما ليس بالفعل، وإنما هو بجملة من مبتدإ وخبر، كأنه قال: ~~ففناؤك ربما أقام به بعد الوفود وفود فيما مضى. والفاء في جواب الجزاء إنما ~~تجلب إذا كان الجزاء غير موافق للشرط، وهو أن يكون مبتدأ وخبرا، لا فعلا ~~وفاعلا، وإذا كان كذلك فقد سلم اللفظ وصار المعنى: إن أمسى فناؤك مهجورا ~~الساعة فربما كان مألوفا من قبل. والعرب تقول: هذا بذاك. أي عوض من ذاك. ~~فأما وقوع الماضي بعد إن فلأن إن ينقله بكونه شرطا إلى المستقبل، وهذا كما ~~ينقل لم بناء المستقبل إلى الماضي. وهذا ظاهر. # ؟؟ ### || وقال آخر: # لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلا بإذن حمار آخر الأبد # حمار اسم أخيه، وكان في حياته يتعزز به فلا يعترض عليه أحد فيما يفعله، ~~ولا يطمع إنسان في اهتضام جانبه وقصده فيما يختصه، فلما أصيب به استلين ~~جانبه، واستبيح حريمه، حتى إنه جبى ماء في حوض ليسقي إبله منه، فجاء من ~~زاحمه فيه واستبد به دونه، فقال متلهفا: لو كان هذا الحوض حوض حمار أخي ما ~~جسرت على شرب مائه، ولا على امتهانه فيه، بل ms0461 كنت تستأذنه ثم تقدم عليه. ~~وقوله آخر الأبد يتعلق بقوله ما شربت به. فأما تكريره لفظة حمار فهم يفعلون ~~ذلك في الأعلام وما يجري مجراها، وفي أسماء الأجناس، ويكون القصد إلى ~~التعظيم في التكرير. # PageV01P568 # على ذلك قوله تعالى: " رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته " وقول ~~الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى الفقيرا # وقد قيل إن حمارا المذكور اسم رجل كان يضرب به المثل في الذل، فلذلك ~~ذكره. ولا يجوز أن يراد به واحد من الحمر، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يقول ~~في الثاني إلا بإذن الحمار؛ لأن النكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفه بالألف ~~واللام إشارة إليه. على هذا كتب في أواخر الكتب وقد قدم في أوائلها: سلام ~~عليك: والسلام عليك. # لكنه حوض من أودى بإخوته ... ريب الزمان فأمسى بيضة البلد # هذا الكلام فيه تنبيه إلى شدة فاقته إلى من يذب عنه، وتأكد جزعه لما فاته ~~من الصيانة بإخوته، فيقول: لكنه حوض رجل فرق الدهر بينه وبين من كان يعتز ~~به، ويدفع الظلم والهضيمة عن نفسه بمكانه، فأمسى لا ناصر له، ولا دافع ~~دونه، كبيضة البلد. وقد قيل في بيضة البلد: إنه أراد بيض النعام، لأنها ~~سيئة الهداية، فتضع بيضها في موضع، ثم تتركه ضلالا عنه فتضيع، وربما تذهب ~~وتحضن بيض غيرها تظن أنها بيضها. وقد ضرب المثل بها فقيل: # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقد قيل: إن بيضة البلد هي الكمأة البيضاء تنشق عنها الأرض - وهي الفقع - ~~فتطؤه الماشية، وتنقره العافية، ولذلك قيل: أذل من فقع بقاع. وكما ضرب ~~المثل ببيضة البلد في الذل ضرب المثل بها في العز أيضا. وقد مضى ذكرها. ~~وأنشدني بعضهم لأخت عمرو بن عبد ود ترثي أخاها، وكان أمير المؤمنين عليه ~~السلام قاتله: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... بكيته ما أقام الروح في جسدي # PageV01P569 # لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد # والمراد إذا مدح أنه لا نظير لها، ولا أخت ms0462 معها، فالنعامة تطيف بها ~~إشفاقا عليها. ومما يحتج به في الذم قول الآخر: # إن أبا نضلة ليس من أحد ... ضل أباه فهو بيضة البلد # وبيضة الإسلام: جماعتهم. ويقال تفرى بيضة الأرض عن بني فلان، إذا تناسلوا ~~وكثروا. وبيضة الخدر قد تقدم القول فيه. # لو كان يشكي إلى الأموات ما لقي الأحياء بعدهم من شدة الكمد # ثم اشتكيت لأشكاني وساكنه ... قبر بسنجار أو قبر على قهد # قصده إلى بيان بر أخيه به أيام حياته، فقال: لو جرت العادة بتكلف الأحياء ~~الشكوى إلى الأموات، وإنهاء ما يقاسونه من الجزع فيهم، ومن النوائب بفقدهم ~~وبعدهم، ثم كان ينفع ذلك أو يثمر إصغاء وإجابة، وجريت أنا على عادتهم في ~~مباثة أخي، والإفاضة في الشكو إليه، لأرضاني وأزال شكواي. # وقوله أشكاني يقال شكوته فأشكاني، كما يقال طلبت منه كذا فأطلبني، وعتبت ~~عليه فأعتبني. وقوله وساكنه قبر بسنجار أو قبر على قهد، قدم المعطوف وهو ~~ساكنه على المعطوف عليه، وهو قبر بسنجار. ومثله قوله: # عليك ورحمة الله السلام # وإنما يحسن هذا إذا كان العامل مقدما، وهو في الفعل والفاعل أكثر منه في ~~المفعول، فأما المجرور فلا يجوز ذلك فيه، لا يجوز أن تقول مررت وعمرو بزيد ~~إذ كان فيه تقدم المعطوف على المعطوف عليه وعلى العامل فيه. والكمد: حزن ~~وهم لا يستطاع إمضؤه، وقال الدريدي: هو مرض القلب من الحزن. يقال كمد يكمد ~~كمدا، ورأيته كامد الوجه وكمد الوجه، إذا بان به أثر الكمد؛ وأكمده الحزن ~~إكمادا. # PageV01P570 ### || وقال رجل من خثعم # نهل الزمان وعل غير مصرد ... من آل عتاب وآل الأسود # من كل فياض اليدين إذا غدت ... نكباء تلوي بالكنيف الموصد # النهل: الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني. والتصريد: تقليل الشرب؛ يقال ~~إناء مصرد، إذا كان ما يحويه دون الري، ويقال صرد عطاءه إذا نزره. وقصد ~~الشاعر إلى بيان تأثير الزمان في الذين ذكرهم حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت، ~~وأنه استوفى منهم ما أراد دفعة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، غير مقلل ولا ~~مطفف. # وقوله من ms0463 كل فياض اليدين بدل من قوله من آل عتاب، وقد أعاد العامل فيه، ~~وهذا يكثر في المجرور. على هذا قول الله تعالى: " قال الملأ الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم " ألا ترى أنه أعاد اللام كما أعاد هذا الشاعر ~~من. وهذا التكرير تأكيد للإبدال، وتنبيه على أن الثاني من الأول. والفياض: ~~الكثير السيلان، وهو بناء المبالغة. والنكباء: ريح تنكبت عن مهاب الرياح ~~الأربع. وإذا كثرت النكباوات واشتد هبوبها شمل القحط: ويقال: إنه لمنكاب عن ~~الحق، أي كثير العدول عنه، والأنكب البعير كأنه يمشي في شق، ومعنى تلوي: ~~تذهب به. والكنيف: الحظيرة من الشجر؛ والموصد: الذي جعل له إصاد إحكاما له، ~~والإصاد: عتبة الباب، والجميع الأصد. وفسر قوله عز وجل: " إنها عليهم مؤصدة ~~" أي مطبقة. ويهمز ولا يهمز. وقيل: الوصيد الفناء. والمعنى أن الزمان ألح ~~عليهم، وتناول منهم الأفضل فالأفضل تناولا لا تقليل فيه ولا تعذير، فذهب ~~منهم بكل رجل سخي واسع المعروف إذا اشتد الزمان وأسنت الناس. وقول الجعدي: # سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل # ليس مما قاله في شيء، وإنما يريد مر عليهم دهر مديد وزمان طويل، فشرب ~~الناس بعدهم وأكلوا ونسوا أولئك. وهذا مثل. # فاليوم أضحوا للمنون وسيقة ... من رائح عجل وآخر مغتد # PageV01P571 # خلت الديار فسدت غير مدافع ... ومن الشقاء تفردي بالسودد # قوله فاليوم أشار به إلى الزمان الحاضر المتصل بما بعده، غير محصور ~~بنهاية، ولا مضبوط بذكر غاية، وهذا كما يقال: فلان بالأمس كان يفعل كذا وهو ~~اليوم رئيس بلد. فذكر الأمس واليوم لاتصال الوقتين، وتقريب المدى بين ~~الماضي منهما والحاضر. والوسيقة: الطريدة. ونبه بهذا الكلام على أن الدهر ~~بعد جار على عادته المستأنفة معهم في الأخذ منهم، والذهاب بهم. وقوله من ~~رائح عجل وآخر مغتد بيان لذهاب الواحد منهم في إثر الآخر. والعجل: ~~المستعجل. ويقال عجل بكسر الجيم وعجل، ومثله العجلان. # وقوله خلت الديار فسدت غير مدافع يروى غير مسود. # ومعنى خلت الديار مات الرؤساء الذين لكل واحد منهم بيت ودار ينسب إليه، ms0464 ~~ويتبجح به. وإذا رويت غير مدافع يكون حالا، كأنه سادهم ولا منازع له ولا ~~متأبي عليه. وإذا رويت غير مسود جاز أن يكون غير مفعولا من سدت، فيكون مثل ~~قول الآخر: # وضع الدهر عليهم بركه ... فأراه لم يغادر غير فل # فيكون المعنى: سدت من لا يصلح أن ينسب إلى السيادة في حال؛ لأن من استصلح ~~لها، أو ذكر في عداد الرؤساء إذا عدوا، ماتوا وبادوا. وجاز أن يكون حالا، ~~ويكون المعنى سدت قبل أوان سيادتي، أي سدت ولم أسود بعد. وقوله ومن الشقاء ~~تفردي بالسودد، يؤكد المعنى الذي ذكرناه أولا في غير مسود، وإنما شقي بزعمه ~~لأنه فجع بؤساء عشيرته، وفي ذاك ضعفه وتراجع رياسته. ### || وقال محمد بن بشير الخارجي # نعم الفتى فجعت به إخوانه ... يوم البقيع حوادث الأيام # PageV01P572 # سهل الفناء إذا حللت ببابه ... طلق اليدين مؤدي الخدام # وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام # المحمود: الذي يطلبه نعم بالاختصاص من بين جنسه محذوف، كأنه قال نعم ~~الفتى فتى فجعت به إخوانه. والضمير من قوله به عائد إلى المحذوف، والجملة ~~من الفعل والفاعل قد خصصته حتى صار كالمعرفة. ومثله قوله تعالى: " نعم ~~العبد إنه أواب " كأنه قال: نعم العبد أيوب. والحذف في مثل هذا المكان يصلح ~~إذا كان المحمود مشهور الشان، معلوما أمره من القرائن في الكلام. وارتفع ~~حوادث بفعلها وفعلها فجعت، وذكر الإخوان تنبيه على من آخاه من الأجانب ~~والقرائب جميعا. # وقوله سهل الفناء ارتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، وجعل فناءه للزوار ~~والمجندين والعفاة سهلا، وذلك مثل لكثرة إحسانه إليهم، وحسن توفره عليهم. ~~ومعنى مؤدب الخدام تنبيه على اقتدائهم بمولاهم في تفقد الوراد وإكرامهم، ~~والمبالغة في التخفف لهم والسعي في مصالحهم. # وقوله وإذا رأيت شقيقه وصديقه فالشقيق إشارة إلى إخوان الولاد ومن جرى ~~مجراهم، ممن شاركه في نسبه حتى كأنه شق منه. والصديق إشارة إلى إخوان ~~المودة ومن صرب بسهم في الانصباب إليه، والاعتزاء إلى جنبته والاعتماد ~~عليه. ثم قال لم تدر أيهما ذوو الأرحام تنبيها ms0465 على تساويهما في المحل عنده، ~~وشمول حسن التفقد لهم، حتى ترى كلا منهم يدل بمثل إدلال صاحبه، لا تمايز ~~ولا تباين. وفي طريقته قوله: # فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم ... وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي # وأشار بقوله: شقيقه وصديقه إلى الجنسين، وفائدتهما الكثرة لا الوحدة. ألا ~~ترى أنه قال: لم تدر أيهما ذوو الأرحام، أي أي الجنسين. ### || وقال أيضا: # طلبت فلم أدرك بوجهي وليتني ... قعدت فلم أبغ الندى بعد سائب # PageV01P573 # قوله بوجهي تعلق الباء منه بطلبت، والمعنى ببذل وجهي، كأنه تولى الطلب ~~بنفسه، وابتذل وجهه وجاهه فيه، فلم يدرك المطلوب. ومفعول طلبت محذوف دل ~~عليه قوله فلم أبغ الندى والتقدير: طلبت بعد سائب الندى ببذل وجهي فلم ~~أنله، وليتني قعدت فلم أبغه، ولا يمتنع أن يتعلق الباء من قوله بوجهي ~~بأدرك، وهو المختار عند أصحابنا البصريين، ويكون التقدير: طلبت الندى فلم ~~أدركه ببذل وجهي. وقوله بعد سائب يجوز أن يكون العامل فيه طلبت وكل واحد من ~~الأفعال المجتمعة، وهي: طلبت وأدرك وقعدت ولم أبغ. والمعنى: بعد موت سائب. # ولو لجأ العافي إلى رحل سائب ... ثوى غير قال أو غدا غير خائب # ألم في هذا البيت بقول الآخر: # حتى يكون عزيزا من نفوسهم ... أو أن يبين جميعا وهو مختار # لأن معنى من نفوسهم مقيما فيهم، وكالواحد منهم. يقول: ولو التجأ العفاة ~~هاربين من الزمان، ونكد الحدثان، إلى فناء هذا المرثي، أقاموا مكرمين ~~معظمين، لا يجتوونه ولا يبغضونه ما داموا مقيمين، وإذا أرادوا الانصراف عنه ~~اغتدوا غير محرومين ولا يائسين. وانتصب غير على الحال وأشار بالعافي إلى ~~الجنس؛ ويقال عفاه واعتفاه، إذا طلب معروفه، فأعفاه أي أعطاه. ومنه عافية ~~السباع والطير. # أقول وما يدري أناس غدوا به ... إلى اللحد ماذا أدرجوا في السبائب # موضع ماذا أدرجوا نصب على أنه مفعول لأقول، ويجوز أن يكون ما مع ذا ~~بمنزلة اسم واحد وأدرجوا في موضع الخبر، ويجوز أن يكون ما وحده اسما وذا ~~خبره بمنزلة الذي وأدرجوا من تمامه. والمعنى: أقول متلهفا فعل من أعياه ~~الأمر ms0466 فالتحف باليأس، وتعلل بكلمة الحسرة بعد الفوات: أي رجل أدرج في الكفن ~~والغادون به إلى اللحد لا يعلمون. وهذا تفظيع للشأن، وتعظيم لحادث الرزء، ~~وقوله أناس أشار به إلى الجماعة والطائفة، والألف فيه زائدة بدلالة قولهم ~~أنس وأناسي وإنس. وإذا كان كذلك فقوله ناس منه أيضا، والألف زائدة، وفاء ~~الفعل محذوفة. ومن ذهب إلى أن لفظة الناس ليست من أناس في شيء، وأن الألف ~~فيه منقلبة عن حرف أصلي فقد أخطأ. والسبائب: جمع سبيبة، وهي الثوب الأبيض، ~~العمائم # PageV01P574 # وغيرها. وكذلك السب. قال الشاعر: # يحجون سب الزبرقان المزعفرا # وكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب # العدى: الغرباء، وانتصب كارها على الحال من سيركب، وموضع على النعش منصوب ~~على الحال مما في قوله كارها، ويجوز أن يكون صفة لكاره، كأنه قال: يركب ~~كارها حاصلا على النعش أعناق العدى يوما ما. وقال الخليل: قوم عدى: بعد عنك ~~وغرباء ويقال قوم أعداء أيضا بهذا المعنى. والعدى: البعد نفسه. ### || وقال دريد بن الصمة # نصحت لعارض وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد # يقال نصحته ونصحت له، نصحا ونصيحة ونصاحة ونصاحية، وهو ناصح الجيب، أي ~~ناصح الصدر. وقوله والقوم شهدي فائدته أنهم كانوا له حاضرين ومضطرين من ~~كلامه وإشارته وبذله النصح لهم، إلى ما كان أدى إليه مراسلتهم في ذلك وهو ~~غائبون، إذ كان يبين لهم منه ما كان يبين وقت الحضور. # وقوله ظنوا بألفي مدجج يجوز أن يكون معناه: ظنوا كل ظن قبيح بهم إذا ~~غزوكم في أرضكم وعقر دياركم. ويجوز أن يكون معنى ظنوا أيقنوا، لأن الظن ~~يستعمل في معنى اليقين. على ذلك قول الله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم ". # وقوله سراتهم، يعني به رؤساءهم وخيارهم، وقد مضى القول في بنائه. ~~والفارسي المسرد، يعني به الدروع. والسرد: تتابع الشيء، كأنه أراد في ~~الدروع # PageV01P575 # تتابع الحلق في النسج. لذلك قيل في الأشهر الحرم: ثلاثة سرد، وواحد فرد. ~~وقال الخليل: السرد: اسم جامع ms0467 للدروع وما أشبهها من عمل الحلق، لأنه يسرد ~~فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار، وفي القرآن: " وقدر في السرد "، أي اجعل ~~المسامير على قدر خروق الحلق، لا يغلظ المسمار فيتخرق، أو يدق فيقلق. ومعنى ~~البيتين: بذلت نصحي لهؤلاء القوم بلساني وقولي فيما صلح فيه التخاطب، ~~وبإشارتي وتعريضي، وهم لي حاضرون يسمعون ويعون، وقلت لهم: إن الأعداء لكم ~~مترصدون، وإليكم قاصدون، وعددهم وعددهم تامة، فوسعوا مجال الظن السيء بهم ~~إذا تمكنوا منكم، أو أيقنوا بقصدهم، على الطريقتين اللتين بينا. # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد # لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، فيقول: لم أصروا على ما ~~كانوا عليه، واطرحوا نصحي ومشورتي عليهم، تبعث رأيهم ولم أتفرد عنهم وأنا ~~أرى جهلهم، وأتصور عاقبة لجاجهم، وأني ضال عن الطريق عادل عن الصواب في ~~اتباعي لهم، لكني لم أستصلح لنفسي الخروج منهم، والتباعد عنهم. وقوله كنت ~~منهم من هذه تفيد تبيين الوفاق وترك الخلاف، وأن الشأنين واحد لا تمايز ~~بينهم ولا تباين. وهم يقولون في النفي أيضا. لست منك، أي انقطع ما بيننا، ~~فلا خلاط ولا اشتراك. على هذا قول الشاعر: # فإني لست منك ولست مني # فأما قولهم: أنت مني فرسخان، قال شيخنا أبو علي الفارسي رحمه الله هذا ~~كلام الذليل مع المستذل، والمعنى: أنت في هدايتي مدى الفرسخين. وإلى ~~غايتهما، وقد خالف هذه الطريقة حصين بن المنذر فقال: # أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما # فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما # PageV01P576 # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # قوله أمري يجوز أن يريد المأمور به، ويكون الأصل: أمرتهم بأمري، فحذف ~~الجار ووصل الفعل بنفسه. ويجوز أن يكون مصدر أمرت، وجاء به لتأكيد الفعل. ~~وقوله بمنعرج اللوى تحديد وتوقيت، وبيان أن ذلك كان من همه حتى اختار له ~~الموضع الذي كان أوفق عنده، والوقت الذي كان أعود عليهم فيما أمرهم به. ~~واللوى: مسترق الرمل. ومنعرج: منعطف. وقوله فلم يستبينوا الرشد أي ms0468 لم ~~يتبينوه في الحال حتى جاء الوقت المقدر له. وذكر الغد يكثر فيما يتراخى من ~~عواقب الأمور إذا أحيل عليه البيان والظهور فيه. والمعنى: في المستأنف من ~~الوقت. وهذا زاد عليه ضحى لأنه من النهار أضوأ، فكأن المعنى: لم يبن لهم ما ~~دعوتهم إليه إلا في الوقت الذي لا لبس فيه ولا اعتراض شك. ومثله قول ~~المتلمس: # عصاني فلم يلق الرشاد وإنما ... يبين عن أمر الغوي عواقبه # وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد # يقال رشد يرشد رشدا ورشادا، ورشد يرشد؛ فلك أن تضم الشين من ترشد وأن ~~تفتحها. وقوله هل أنا هو في مذهب النفي وإن كان استفهاما ولذلك تبعه إلا، ~~كأنه قال: ما أنا إلا من غزية في حالتي الغي والرشاد، فإن عدلوا عن الصواب ~~عدلت معهم، وإن اقتحموه اقتحمت بهم. وغزية هو رهطه. فإن قيل: إنه كرر معنى ~~واحدا في هذه الأبيات مرتين، لأن قوله إن غوت غويت قد اشتمل عليه كنت منهم ~~وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد. قلت: في الأول اقتص الحال التي دار عليها ~~معهم، وفي الأمر بقية، وللنصح توجه، وأنه اجتهد في ردهم إلى ما هو أرد ~~عليهم وأنفع لهم، فلما عصوه في ذلك أمسك عنهم جاريا في الطريق الذي يسلكونه ~~وإن علم الخطأ فيه. وقوله وهل أنا إلا من غزية بيان لما دفعوا إليه بعد ~~تبين الرشاد لهم، وابتلوا به من مقاساة سوء العاقبة لسوء اختيارهم، فقال: ~~وما أنا إلا شريك لهم فيما أثمر لهم جهلهم وغوايتهم كما كنت شريكا لهم لو ~~رشدوا فيما كان يثمر لهم رشادهم. فهو في الأول ذكر اتباعه لهم بعد النصح ~~ناظرا من وراء رأيه ما يدفعون إليه ويمتحنون به، وفي الثاني ذكر انغماسهم ~~معهم فيما أعقب لهم اختيارهم، وأنه شقي بمثل ما شقوا به في عقبى جهلهم أو ~~بأشد منه، وإذا كان كذلك اختلف الحالتان # PageV01P577 # والاتباعان. ثم أخذ يبين محنته، فقال: # تنادوا فقالوا أرادت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي ms0469 # فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد # يعني بالخيل الفرسان. يقول: نادى بعضهم بعضا: أسقطت الخيل فارسا! فقلت: ~~أعبد الله ذلكم الساقط الهالك، وإنما دعاه إلى هذا القول أمران: أحدهما سوء ~~ظن الشقيق؛ والثاني أنه علم إقدامه في الحرب، وابتذاله النفس وتعرضه للحتف، ~~فدعاه الشفقة والإشفاق إلى قصده لوقايته بنفسه، فلحقه والرماح تتناوله وتقع ~~فيه وقع الصياصي، وهي خشبة الحائك في نسجه الممدود إذا أراد تمييز طاقات ~~السدى بعضها من بعض، وكأنه سميت بذلك تشبيها بصيصية الديك وهما مخلبان في ~~ساقه، وبصيصيه الثور، وهو قرنه. وقوله أعبد الله، وقد سماه معبدا أيضا، وهم ~~يفعلون كثيرا في الأعلام مثل ذلك. ألا ترى حالهم في سليمان، وأنهم يسمونه ~~مرة سليما ومرة سلاما وقول الآخر: # صبوت أبا ذيب وأنت كبير # يعني أبا ذؤيب. وقوله: تنوشه من النوش. والظبية تنوش الأراك وتنتاشه، أي ~~تتناوله، وفي القرآن: " وأني لهم التناوش من مكان بعيد ". # وكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... إلى جلد من مسك سقب مقدد # بين ماذا أدرك من أخيه لما أراد وقايته والذب عنه فقال: كنت كناقة لها ~~ولد فأفزعت فيه لما تباعدت عنه في مرعاها، فأقبلت نحوه، فإذا هو بجلد مقطع، ~~وشلو مبدد. كأنه انتهى إلى أخيه، وقد فرغ من قتله ومزق كل ممزق. والبو، ~~أصله جلد فصيل يحشى تبنا لتدر عليه، فاستعاره للولد. وكذلك الجلد هو ما جلد ~~من المسلوخ وألبس غيره لتشمه أم المسلوخ فتدر عليه. والمسك: الجلد، لأنه ~~يمسك ما وراءه من اللحم والعظم. والسقب: الذكر من أولاد الإبل؛ وناقة ~~مسقاب، إذا ولدت الذكران كثيرا. # PageV01P578 # فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون أسود # قتال امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد # يقول: دافعت الخيل - يعني الفرسان - عنه حتى انكشفوا، وإلى أن جرحت فسال ~~الدم علي، وكان ذلك مني دفاع رجل جعل نفسه إسوة أخيه، واختار لها مثل ما ~~سيق إليه، عالما بأن المرء لا يبقى، بل مآله إلى الفناء، وأن استقتاله ~~ليلحق بأخيه خير له ms0470 من أن يبقى بعده فيشقى بالجزع له وفيه. ويقال: هو يأتسي ~~بفلان، أي رضي لنفسه ما رضي ذاك لنفسه. والمواساة والتأسي والائتساء واحد. ~~وقوله: حتى علاني حالك اللون أسود، فيه إقواء، وكثير من العلماء يهونون ~~الأمر في الإقواء ولا يعدونه عيبا قبيحا. وحكي عن الأخفش أنه قال: ما ~~أنشدتني العرب قصيدة سلمت من الإقواء طالت أو قصرت. ويروى: " وحتى علاني ~~حالك لون أسود "، والضعف فيه ظاهر. ألا ترى أنه قال حالك وهو الشديد ~~السواد، ثم قال لون أسود. وفي إضافة لون إلى أسود ما لا يرتضى. وأجود من ~~هذا أن يروى: حالك اللون أسودي وهو يريد أسودي، كما قيل في الأحمر الأحمري، ~~وفي الدوار دواري، ثم خففت ياء النسبة بحذف أحدهما، وهو الأول، وجعل الثاني ~~صلة. # فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافا ولا طائش اليد # قوله خلى مكانه أي مضى لسبيله. والوقاف: الجبان المتوقف فيما يعن له عجزا ~~وضعف قلب. ويقال: وقافة أيضا، والهاء للمبالغة، والطائش: الخفيف، ومنه ~~الطياش. ويقال: هو طائش اليد، إذا عدل سهمه عن الهدف ولم يقصد قصده؛ ثم ~~يقال: هو طائش اليد، إذا كان فيما يتولاه من الأعمال كذلك. يقول: إن كان ~~عبد الله توفي وخلى ما كان يسده بنفسه وغنائه من أمر العشيرة وسياستهم، ~~فلقد كان مقداما صائب الرأي، حليما فيما يأتيه، لا يطيش زهوا، ولا يؤثر على ~~الصواب شيئا. # كميش الإزار خارج نصف ساقه ... بعيد من الآفات طلاع أنجد # الكمش والكميش: الخفيف السريع الحركة. يقال: انكمش في حاجتك، أي تخفف ~~وأسرع. وأضاف الكميش إلى الإزار على المجاز كما يقال: عفيف الحجزة، # PageV01P579 # ونقي الجيب. وقوله خارج نصف ساقه يصفه بالتشمر. وقد قيل: هو عاري الظنوب، ~~في هذا المعنى. قال: # عاري الظنابيب ممتد نواشره # وقد يراد بهذا قلة اللحم والهزال. وقوله بعيد من الآفات يريد أنه لا داء ~~به ولا غائلة، فهو سليم الأعضاء متين القوى. ومعنى طلاع أنجد أنه يتصعد في ~~درج السمو. ويقال طلاع أنجدة أيضا، قال: # طلاع أنجدة في كشحه ms0471 هضم # فأنجدة جمع نجاد، ونجاد جمع نجد. فأما أنجد، فالأصل أن يكون لأدنى العدد ~~وقد استعير للكثير، لأنه كفلس وأفلس. وهم كما يضعون بناء القليل للكثير ~~والكثير للقليل في أصل الوضع، يستعيرون بناء القليل للكثير وإن كان بناء ~~الكثير قد استعمل أيضا. يكشف هذا أيضا أنهم يقولون: رسن وأرسان، فوضعوه ~~للكثير وإن كان في الأصل للقليل؛ وقالوا درهم ودراهم فوضعوه للقليل. وقال ~~الله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون " يريد أهل الجنة. فوضع الغرفات موضع ~~الغرف على الاستعارة. # قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد # يريد بقوله قليل نفى أنواع التشكي كلها عنه. على هذا قوله تعالى: " ~~فقليلا ما يؤمنون "، وقولهم: قل رجل يقول ذاك، وأقل رجل يقول ذاك. والمعنى: ~~أنه لا يتألم للنوائب تنزل بساحته، والمصائب تتجدد عليه في ذويه وعشيرته، ~~وأنه يحفظ من يومه ما يتعقب أفعاله من أحاديث الناس في غده، فهو نقي ~~الأفعال من العيوب، طيب الأخبار في أفواه الناس، صبور على العزاء. # تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويغدو في القميص المقدد # PageV01P580 # مثل المصراع الأول قول الآخر: # يابس الجنبين من غير بوس # يصفه بقلة الطعم مع اتساع الحال، وطاعة الزاد، فيقول: ترى بطنه منطويا ~~والزاد معد، لأنه يؤثر به غيره على نفسه، ولأنه لا نهمة ثم ولا حرص على ~~عمارة البدن، ولا على استسراء الثياب، فهو يغدو في القميص الممزق، إذ كان ~~يبتذل بنفسه فيما كان يكسبه فخرا وعلوا. ويقال: عتد فهو عتيد عتادا، ~~وأعتدته أنا. ومنه سمي العتيدة التي يكون فيها الطيب، والعتد بفتح التاء ~~وكسرها: الفرس المعد للمهمات من الطلب والهرب وغيرهما، الذكر والأنثى فيه ~~سواء. # وإن مسه لإقواء والجهد زاده ... سماحا وإتلافا لما كان في اليد # يقول: وإن انفق عليه إعسار ونفاد زاد، وجهد من نكد الزمان وإعواز زاده ~~سخاء وإتلافا للمال، جريا على عاداته التي ألفها، لا يهضمه ضر، ولا يلفته ~~فقر. ويقال: أقوى الرجل، إذا نفد زاده. ويقال: زاد الشيء ضد نقص، وزدته أنا ~~فازداد. وفي طريقته قول ms0472 الآخر: # قد جعل الله فيك قلبا ... يأبى على الشغل أن يضيقا # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد # يجوز أن يكون صبا الأول من الصبا واللهو، وصبا الثاني من الصباء بمعنى ~~الفتاء، فيكون المعنى: تعاطى اللهو والصبا ما دام صبيا، فلما اكتهل وظهر في ~~رأسه الشيب فاشتعل نحى الباطل عن نفسه زهدا فيه، ورجوعا إلى الحق، ورغبة ~~فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة من أبواب الصلاح والجد. ويجوز أن يكون المعنى: ~~تعاطى الصبا ما تعاطاه إلى أن علاه المشيب، فيسقط التجنيس من البيت، وهو ~~يحسن به. وما صبا في موضع الظرف على الوجهين جميعا، أي مدة الأمرين. وحتى ~~للغاية. وقوله ابعد من بعد يبعد، إذا هلك. ولو أراد البعد لقال ابعد، بضم ~~العين. وجرى أبو نواس في هذه الطريقة لما قال: # قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا ... فلا تعدن ذنبا أن يقال صحا # PageV01P581 # وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي # أنني في موضع الفاعل لطيب، وليس القصد إلى أنه لم يقل له كذبت قط، وإنما ~~المراد أني لم أجفه بأدون ألفاظ الجفاء. على ذلك قول الله تعالى في الوصاة ~~بالوالدين وتنزيههما عن قبائح القول والفعل: " ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~" فأف الأصل في صيانتهما عن الخنا وفحش القول، والنهر الأصل في ترك ~~إيذائهما بالفعل والزحر. فيقول: سلاني طاعتي له واحتشامي منه مدة حياته، ~~وإعظامي إياه في القول عند مخاطبته، والفعل وقت مجالسته ولدى معاملته. ~~وأشار إلى القول بقوله لم أقل له كذبت وإلى الفعل بقوله ولم أبخل بما ملكت ~~يدي. والمعنى لم أبخل بملك يدي عليه، فحذف عليه كما يحذف المفعول إذا دل ~~عليه الكلام. ### || وقال أيضا: # تقول ألا تبكي أخاك رقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر # فقلت أعبد الله أبكي أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر # يقول: اجتمعت علي المصائب والرزايا فاقتسمتني، فإذا دعيت إلى البكاء على ~~أخي، أرى البكاء يحق له لفاقتي إلى حياته، ms0473 وتكامل فضله في نفسه، لكني وجدت ~~صبورا إذ كانت عليه بنيتي، وإذ صار ديدني ودأبي وقوله مكان البكا بيان ~~استحقاق أخيه البكاء عليه. وقد قصر البكاء، وللشاعر أن يقصر الممدود باتفاق ~~من المذهبين. وفي طريقته قول الآخر: # ولو شيت أن أبكي بكا لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع # وقوله فقلت أعبد الله أبكي، كشف به عن توالي الرزايا، وأن جلده متوزع ~~فيها، فكأنه قال: إلى من أصرف البكا، ومن أخص به أعبد الله أم المدفون في ~~القبر الأعلى قتيل أبي بكر بن كلاب. وقوله الأعلى يريد الأشرف، ويجوز أن ~~يريد الأعلى في مكانه وموضعه. والجدث: القبر، وكذلك الجدف، وجمعه الأجداث. # PageV01P582 # وفي القرآن: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ". وانتصب عبد الله ~~بأبكي، وقتيل على البدل من الذي. # وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وعز المصاب جثو قبر على قبر # نبه بقوله تحجل الطير حوله على أنه ترك بالعراء، وعوافي الطير بأكله، فلم ~~يدفن، وإنما قال تحجل إشارة إلى امتلاء حواصلها وثقلها، فهي تحجل حوله ولا ~~تطير. والحجل: مشي المقيد، وتوثب الإنسان على إحدى رجليه وقد رفع الأخرى. ~~ونزوان الغراب حجله. وهذا الكلام تلهف وتحزن. وقوله وعبد يغوث وإن استأنف ~~الكلام به فهو في المعنى معطوف على ما قبله، كأنه قال: أيهم أبكي وقد ~~كثروا. وقوله وعز المصاب يروى المصاب بالرفع ويراد بالمصاب المصيبة، ويرتفع ~~جنو على أنه بدل منه، ويكون مفعول عز محذوفا، كأنه قال: وعز الشاعر المصيبة ~~جثو قبر على قبر. وإذا رويت وعز المصاب بالنصب، يكون المصاب الشاعر، وجثو ~~قبر هو الفاعل، والمعنى غلبه تولي المصائب عليه. وقوله جثو قبر على قبر أي ~~حصول الواحد في إثر الواحد. ويقال: جثا لركبته، وفي القرآن: " حول جهنم ~~جثيا "، أي لازمين لركبهم لا يستطيعون القيام. واستعمال الجثو مجاز هنا؛ ~~لأن القبر لا يجثو. والجثوة من التراب وغيره: ما جمع، وبه سمي القبر جثوة. ~~وروى بعضهم: حثو قبر على قبر فجعل الحثو للقبر، وإنما يحئى عليه، كما قال: # وما من قلى يحئى ms0474 عليه من الترب # وروى بعضهم وعزي والمعنى سلى المصاب، أي نفسه، من البكاء والتحزن، توالي ~~الأرزاء عليه؛ فإنه تمرن بها، فصار يصبر عليها. ويكون في هذا ملما بمعنى ~~قول الآخر: # فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام # أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر # PageV01P583 # يقول: لم يرض القتل إلا آل صمة لأنهم الكرام، والدهر يأبى في الاختيار أن ~~يكون حظه من غيرهم، كما أن آل صمة لم يرضوا من أحداث الزمان فيهم إلا ~~بالقتل، إذ كان ذلك عندهم أحسن الميتات وأكرمها وقوله أبى القتل إلا آل صمة ~~يشبهه قول الآخر: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتسدد # وقوله إنهم أبوا غيره يشبهه قول الآخر: # وما مات منا ميت حتف أنفه # وقوله والقدر يجري إلى القدر يريد كما قدروا للقتل قدر القتل لهم، لأنهم ~~بما اجتمع فيهم من الخصال الشريفة التي يختارها الدهر لنوائبه، كأنهم خلقوا ~~للدهر ولتأثيره الذي هو القتل، لأن القتل لما كان أشرف أسباب الحتف عندهم ~~فأحبوه ومالوا إليه، صاروا لذلك كأن القتل خلق لهم. # فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واتر يسعى بها آخر الدهر # فإنا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذي نكر # جواب إما أول البيت الذي يليه، وهو فإنا. والفاء من فإنا رابطة ما بعدها ~~بما قبلها، ولا تزال دماؤنا إلى آخر البيت في موضع المفعول لترينا، ولدى ~~واتر لفظه واحد والمراد به الكثرة. وآخر الدهر: ظرف، والعامل فيه لا تزال ~~دماؤنا لأن المعنى إما ترينا لا تزال دماؤنا أبد الدهر لدى واترين يسعون ~~بها. ولا يجوز أن يكون العامل فيه يسعى بها، لأن فيه إيهاما أنهم لا ينالون ~~الوتر من الواترين سريعا، ولكنهم يسعون بدمائهم أبد الدهر. وهذا الكلام ~~كالاعتذار من كثرة القتل فيهم، فيقول: إن اتصل القتل فينا حتى نرى دماءنا ~~أبد الدهر لدى واترين، فإنا لحبنا للقتل طعم السيوف حقا غير ذي إنكار ولا ~~امتراء، وكما تتطعم منا فإنا ms0475 نطعمها أيضا من غيرنا، فنجعل أعداءنا لحمة لها ~~غير ذي شك ولا مرية. وقوله غير نكيرة انتصب على المصدر # PageV01P584 # وأكثر ما يستعمل نكير بغير الهاء فالنكر والنكير، كالعذر والعذير ~~والعذرى. ومثل هذا المصدر يؤكد به الكلام الذي قبله، ويجري مجرى حقا وما ~~أشبهه. ويجوز أن يكون الهاء من النكيرة للمبالغة. وقوله ونلحمه حينا فالحين ~~اسم للزمان المتصل، فكأنه قال: ونلحمه فيما يتصل من الأوقات. وليس يريد ~~حينا من الأحيان. وإن روي غير نكيره على أن يكون الضمير منه يعود إلى السيف ~~كأنه قال: غير منكور له، فيجعله حالا للحم، فليس بجيد؛ لأن القصد إلى تأكيد ~~الكلام بهذا المصدر؛ فكما أن في آخر البيت قوله وليس بذي نكر تأكيد لما ~~قبله، كذلك يجب أن يكون غير نكيرة هكذا، ليتقابل الصدر والعجز على حد واحد ~~من التأكيد وحصول هاء التأنيث في نكيرة لا يجب أن ينكر، كما لا ينكر في ~~قولهم نكرة ومعرفة، وكما لا ينكر الألف في آخر ذكرى وعذرى. # يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر # نبه بقوله فيشتفى بنا أنهم الثأر المنيم، فإذا أصيبت دماؤهم كان فيها ~~للأعداء الشفاء. وانتصب على الحال من الضمير في علينا. وقوله أو نغير على ~~وتر، يريد على وتر لنا عندهم، فكأنه قال: أو نغير على واترين لنا. وقد سلك ~~الأعشى هذه الطريقة، فلم يوف القسمة حقها كما فعل هذا؛ لأنه قال: # فأظعنت وترك من دارهم ... ووترك من قبلهم لم يقم # والمعنى أزعجت الوتر الذي كان لك عندهم من دارهم، على عادتك مع سائر ~~الناس من قبل في إدراك الثأر سريعا؛ لأن قوله ووترك من قبلهم لم يقم إشارة ~~إلى أنه لا يمهل ولا يهمل فوتره لا يتلوم عند الأعداء. # قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر # أشار بقوله ذاك إلى ما تقدم ذكره من تردده في مجاذبة الأعداء طالبين مرة، ~~ومطلوبين أخرى. وانتصب شطرين على المصدر، كأنه قال: قسمنا الدهر قسمين. ~~ويجوز أن يكون حالا ms0476 على معنى قسمناه مختلفا؛ فوقع الاسم موقع الصفة لما ~~تضمن معناه، كما تقول: طرحت متاعي بعضه فوق بعض، كأنك قلت متفرقا. والمراد: ~~جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومة قسمين، فتراها لا ينقضي شيء ~~منها إلا ونحن فيه على أحد الحدين. إما أن تكون لنا الكرة عليهم فننال ~~منهم. وإما أن تكون لهم الجولة علينا فينال منا. # PageV01P585 ### || وقال تأبط شرا # وذكر أنه لخلف الأحمر، وهو الصحيح. # إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل # يجوز أن يكون ذكر الشعب الموصوف لأن قبر ذلك القتيل كان فيه، ويجوز أن ~~يكون ذكره لأنه قتل عنده، وهو في اللغة ما انفرج بين جبلين ونحوهما. والسلع ~~بفتح السين وكسرها: شق في الجبل، ومنه سلعت رأسه، أي شققته. وقولهم هاد ~~مسلع، أي يشق أجواز الفاة. وقوله دمه ما يطل من صفة القتيل، والمعنى أني في ~~طلب ثأره، فدمه لا يذهب هدرا. والطل: مطل الدم والدية وإبطالهما. وقال: # أزهير ليس أبوك بالمطلول # خلف العبء علي وولى ... أنا بالعبء له مستقل # أراد بالعبء طلب دمه والنيل من عدوه. وقوله أنا بالعبء له مستقل تحقيق ~~للوعد بإدراك الثأر، وإظهار اقتدار على النكاية في الأعداء. وقوله له أي من ~~أجل المرثي، وإنما سمي الثقل عبئا لأنه من عبأت المتاع أعبؤه عبئا، ثم يسمى ~~المتاع عبئا، فهو كالنقض والنقض. وكثر استعماله حتى تسمحوا به فيما يدخل من ~~الثقل على القلب ولا يحمل على الظهر. # ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل # أعطى فيما اجتمع من الوصف الترتيب حقه، وذلك لأنه اجتمع مفرد وجملة في ~~صفة ابن أخت فقدم المفرد على الجملة، وهذا وجه الكلام وحقه؛ لأن الجملة ~~إنما # PageV01P586 # وصف بها لوقوعها موقع المفرد، فإذا صاحبها مفرد كان الأولى تقديمه، وإذا ~~كان كذلك فعقدته ارتفع بالابتداء، وما تحل خبره. والمصع: الشديد المقاتلة ~~الثابت فيها. ويعني بوراء ها هنا الخلف، وإن كان يصلح للقدام. وفي هذا ~~الكلام ضرب من الوعيد، كأنه يجري مجرى قول القائل: الله من ورائك. ويريد: ms0477 ~~وفي طلب الثأر من جهتي ابن أخت هذه صفته، ويعني به نفسه. ويجري هذا المجرى ~~قول الشنفري: # هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارط متمهل # والفارط المتمهل هو الشنفري. وقوله عقدته ما تحل يجوز أن يريد ما يعقده ~~برأيه أو يحكمه لا ينقض. ويجوز أن يريد به قوته وجلادته، وتكون العقدة ~~راجعة إلى استحكام خلقه وصبره في الشدائد. # مطرق يرشح موتاكما أط ... رق أفعى ينفث السم صل # شبه نفسه في إطراقه وسكونه، منتظرا لفرصة ينتهزها في إدراك ثأره بالحية، ~~وأنه في إمساكه يرشح بالموت لعدوه كما أن الحية إذا أطرق نفث بالسم. والرشح ~~كالعرق، والنفث، كالقذف. والصل من صفة الأفعى، ويوصف به الداهية وكل خبيث، ~~يقال: هو صل إصلال، كما يقال داهية دواه. وأسماء الحيات وصفاتها تستعار في ~~الدواهي كثيرا. والأفعى مؤنثة، وذكرها الأفعوان. وقال الخليل: الأفعى حية ~~قصيرة عريضة الرأس. وبنون فيقال أفعى، وبعض طيئ يقلب ألفه واوا فيقول أفعو، ~~وبعض قيس يقلبها ياء فيقول أفعى. ومنه تفعى فلان، إذا ساء خلقه. وقال ~~سيبويه: صرفه أكثر وأجود. ويصلح للذكر والأنثى. والأفعوان الذكر لا غير. # خبر ما نابنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل # بزني الدهر وكان غشوما ... بأبي جاره ما يذل # يعني بالخبر نعي المتوفي؛ وقد استعظمه وجعله داهية منكرة حتى علا شأنه ~~وجل عن أن يضبط بوصف، أو يحد بنعت، فلذلك قال جل حتى دق فيه الأجل. ويقال ~~داهية مصمئلة، إذا اشتدت. والأجل تأنيثه الجلى، والألف واللام فيه بدل من # PageV01P587 # الإضافة النائبة عن من في قولهم: هو أجل من كذا، ومعناه الجليل. وقوله ~~بزني الدهر أي غلبني واستلبني. وقوله بأبي الباء دخلت للتأكيد زائدة، كأنه ~~قال: بزني الدهر أبيا. ومثله قول الآخر: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ويجوز أن يكون عدى بزني بالباء لما كان معناه فجعني، ويكون من باب ما عدي ~~بالمعنى دون اللفظ، كقوله: # إذا تغنى الحمام الوزق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمار # وقوله جاره ما يذل من صفة الأبي. والأبي المتصعب المتمنع. والغشم: الظلم ms0478 ~~والقهر. وقوله وكان غشوما يعني به الدهر، وهو اعتراض بين الفاعل والمفعول، ~~ومثله يتأكد به الكلام. وقوله يذل يروى بفتح الياء، ويذل على ما لم يسم ~~فاعله، والمعنى ظاهر، وصفه بأنه كان عزيز الجار محمي الفناء، وأنه كان له ~~عدة على الدهر، وسلاحا معه فاستلبه منه. # شامس في القر حتى إذا ما ... ذكت الشعرى فبرد وظل # يابس الجنبين من غير بوس ... وندي الكفين شهم مدل # وصفه بأنه كان ينتفع به في كل حال وزمان، وأنه كان غياثا للناس في حالتي ~~السراء والضراء، فكان الشمس عند البرد، والظل عند الحر. يقال: ذكت النار ~~تذكو، وأذكيتها، وكذلك أذكيت الحرب. ونوء الشعرى بشدة الحر يجيء. ويقال ~~للشمس ذكاء من ذلك. وقد جاء مثل هذا في النسيب، يقول ابن الرقيات: # سخنة في الشتاء باردة الصيف هلال في الليلة الظلماء # والمعنى أنها للضجيع في الصيف هكذا، وفي الشتاء هكذا. وقد أتى الأعشى ~~بهذين المعنيين في بيتين، وابن الرقيات أتى بهما مع ثالث لهما في بيت واحد. ~~وبيت # PageV01P588 # الأعشى: # وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا # وتسخن ليلة لا يستطي ... ع أن ينبح الكلب إلا هريرا # وأما قوله يابس الجنبين من غير بوس يريد أنه يؤثر بالزاد غيره على نفسه. ~~وعادتهم التمدح بالهزال، فهو كقول الآخر: # تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويغدو في القميص المقدد # وقوله ندي الكفين، أراد أنه سخي. ويقال: هو يتندى على أصحابه، أي يتسخى. ~~والشهم: الذكي الحديد، ومنه قيل للقنفذ الشيهم. والمدل هو الواثق بنفسه ~~وبآلاته وعدته. # ظاعن بالحزم حتى إذا ما ... حل حل الحزم حيث يحل # غيث مزن غامر حين يجدي ... وإذا يسطو فليث أبل # وصفه بأنه مستعمل للحزم وآخذ به، ظاعنا كان أو مقيما. وأشاد بقوله ظاعن ~~إلى غزواته، وأسفاره وغارته؛ وبقوله حل الحزم حيث يحل إلى شدة حذره في ~~إقامته، ودوام اتقائه من الأعداء حتى لا ينساهم ولا يغفل عنهم. وقوله غيث ~~مزن غامر حين يجدي وصفه بأن منافعه عامة للخلق. والمزنة: السحابة البيضاء. ~~والغامر: الشامل ms0479 جدواه وعطيته. وقوله وإذا يسطو فليث أبل، الأبل: الفاجر ~~المصمم الماضي على وجهه، لا يبالي ما لقي. والمراد أنه في الإحسان بالغ ~~أقصى الغايات، وعند السطوة على الأعداء كالليث الكثير الإفساد، الشديد ~~النكاية. والسطو: البسط على الإنسان تقهره من فوق. ويقال: سطا عليه وسطا ~~به. وقال الخليل: سمي الفرس ساطيا لأنه يسطوا على سائر الخيل، فيقوم على ~~رجليه ويرفع يديه. # مسبل في الحي أحوى رفل ... وإذا يغزو فسمع أزل # وله طعمان: أري وشري ... وكلا الطعمين قد ذاق كل # PageV01P589 # مفعول مسبل محذوف. وصفه بأنه في الحي - والحال سلامة - يسبل إزاره خيلاء ~~وكبرا، ويتبختر ذاهبا في الترفة إلى أرفع الدرجة، وأنه ذا غزا فهو كالسمع، ~~وهو الولد بين الذئب الضبع، وهو أخبث السباع وأعداها. والزلل: خفة العجز، ~~وذلك خلقته. # وقوله وله طعمان أري وشري يريد به أنه للموالين كالأري - ويراد به العسل ~~وإن كان في الأصل عمل النحل - وللمعادين كالشري، وهو الحنظل. ثم قال: وكلا ~~الطعمين قد ذاق كل، أي كل واحد من الطعمين قد ذاقه كل واحد من قبيلي ~~الأعداء والأولياء. ومفعول ذاق محذوف إذا جعلت كلا مبتدأ، كأنه قال: قد ~~ذاقه كل. والأجود أن تجعل كلا مفعول ذاق ولا تجعله مبتدأ. ومثله: زيدا ضربت ~~ألا ترى أنه يختار على: زيد ضربت. وكلا اسم موحد يؤكد به المثنى، كما أن ~~كلا اسم موحد يؤكد به الجمع. وهو مقصور كمعى، وألفه منقلبة عن واو، وهذا ~~مذهب أصحابنا البصريين، والكوفيين عندهم أنه اسم مثنى. # يركب الهول وحيدا ولا يص ... حبه إلا اليماني الأفل # هذا كقول الآخر: # يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك # والمعنى: أنه لا يتكثر بالأصحاب إذا هم باقتحام أمر عظيم، وهول شديد، بل ~~يتفرد فيه مستصحبا سيفه الافل، وهو الذي قد كثر فلوله بكثرة الاستعمال. ~~وانتصب وحيدا على الحال. وقوله ولا يصحبه انعطف عليه، وهو صفة للوحيد ~~وتأكيد للوحدة. # وفتو هجروا ثم أسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلوا # كل ماض قد تردى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسل # فتو: ms0480 جمع فتى، ولام فتى ياء بدلالة قولهم فتيان، لكنه بناه على مصدره وهو ~~الفتوة، وهذا المصدر إنما جاء على هذا عوضا من حمل بنات الواو على الياء ~~كثير، # PageV01P590 # فكأنهم أرادوا أن يحملوا ما هو من الياء على الواو أيضا، وهو شاذ. ومعنى ~~هجروا: ساروا في الهاجرة. ويقال: جبت الظلام واجتبته فانجاب. وجبت المفازة: ~~قطعتها. يريد أنهم وصلوا السير بالسرى، تلما انكشف الظلام نزلوا. وقد اشتمل ~~هذا الكلام على جواب رب؛ لأن قوله حلوا - وهو جواب إذا إنجاب - صار جوابا ~~لرب أيضا. ويقال: سرى وأسرى بمعنى واحد. وقوله كل ماض قد تردى بماض يريد أن ~~كل واحد من هؤلاء الفتيان نافذ في الأعمال والغزوات، وقد تقلد سيفا نافذا ~~في الضريبات، وإذا انتزع من غمده لمع التماع البرق. ويقال: ارتدى بسيفه ~~وتردى واعتطف به، ويسمى السيف الرداء والعطاف. # فاحتسوا أنفاس نوم فلما ... ثملوا رعتهم فاشمعلوا # قوله رعتهم جواب لما، ومعنى اشمعلوا جدوا في المضي. ويقال رجل مشمعل، أي ~~جاد خفيف. والمعنى أنهم ساروا يومهم وليلتهم، وكل يرجع من نفسه وسلاحه إلى ~~ما يرتضى ويعتد به، ثم نزلوا وهوموا، وناموا نومة خفيفة مثل حسو الطير ماء ~~الثمد، تمشت في يقظتهم بقدر بيبها في عروقهم، ومزاولتها لخفوتهم وسكونهم، ~~فلما صاروا منها كالسكارى أنبهتهم وبعثتهم للارتحال، فخفوا وأطاعوا. ودل ~~بهذا الكلام على أن المرثي كان رئيسهم ومدبرهم، على زيادة غنائه وذكائه، ~~وشهامته ومضائه، وأنه لما بعثهم جدوا وخفوا غير متوقفين في أمره، ولا ~~معتلين على رأيه. # فلئن فلت هذيل شباه ... لبما كان هذيلا يفل # وبما أبركهم في مناخ ... جعجع ينقب فيه الأظل # يقول: إن كان هذيل قد تمكنت منه فكسرت حده وأتعست جده، فهو بما كان يؤثر ~~من قبل في هذيل فيطأ حريمها، ويكثر قتيلها. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو ~~عوض منه. واللام من قوله لئن موطئة لقسم مضمر، والتي في قوله لبما جواب ذلك ~~القسم. والشباة حد الشيء. ويقال: أشبي الرجل، إذا أتى بأولاد نجباء يصير له ~~بهم حد حديد كشبا الأسنة. ويقال ms0481 أيضا: أشبيت الرجل، أي # PageV01P591 # وجدت له شباة. حكاه أبو عمرو. ويجوز أن يكون شبوة وهو اسم العقرب، من ~~الشبا، لإبرتها. # وقوله وبما أبركهم معطوف على لبما كان. والجعجع: مناخ سوء، وهو الأرض ~~الغليظة. والأظل: باطن خف البعير. ومعنى ينقب أي يحفى. والمراد: وبما كان ~~ينال منهم ويحملهم فيه على المراكب الصعبة، وينزلهم له بالمنازل الحزنة، ~~التي تؤثر في أنفسهم وأموالهم. وهم يجعلون مثل هذا الكلام كناية عن التأثير ~~القبيح. ويشبهه قول الآخر: # من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتبركه بجعجاع # وقول الآخر: # لقد حملت قيس بن عيلان حربنا ... على يابس السيساء محدودب الظهر # وقول الآخر: # وحملناهم على حزن ثهلا ... ن شلالا ودمي الأنساء # صليت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا # ينهل الصعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل # يقول: ابتليت هذيل من جهتي برجل كريم يتخرق في العرف مع الأولياء، ~~وبالنكر مع الأعداء، لا يفتر عن النكاية فيهم، وعن الإغارة عليهم ما دام ~~لهم ثبات وكان للجزاء عليهم محمل. وقوله حتى يملوا يريد حتى يملوه، وليس ~~المراد قعودهم عن مكافأته، ومتاركتهم لهيجه، وإنما يريد أنه لا يكف عن ~~الإيقاع بهم، ولا يمسك عن التأثير فيهم، حتى يبشموا الشر وحتى لا تبقى فيهم ~~قوة ولا نهوض فيراصدوا أو يناكدوا. # وقوله ينهل الصعدة يريد الإبانة عن الحال التي أشار إليها من دوام الحرب، ~~وبسط القتل، فيقول: يروي الرمح من دمائهم بالسقية الأولى، فإذا ما رويت لم ~~يرضه # PageV01P592 # ذلك حتى يعقبه بمثله من السقية الثانية. والمعنى اتصال الوقعات، وامتداد ~~البلاء منه في صب الغارات. والصعدة: القناة تنبت مستوية، وجمعها صعدات بفتح ~~العين، لأنه اسم. ثم قيل في المرأة المستوية القامة، والأتان الطويلة: ~~صعدة، وهي وصف لهما، ويجمع حينئذ على صعدات بسكون العين، لكونها صفة. # وقوله صليت مني هذيل بخرق، مثل قوله من قبل: ووراء الثأر مني ابن أخت في ~~أن الخرق هو هو لا غيره. ويقال صليت بكذا أي ابتليت به ومنيت، وأصله من ~~صلاء النار، يقال صليت أصلى ms0482 صلاء، واصلطليت أصطلي اصطلاء. # تضحك الضبع لقتلي هذيل ... وترى الذئب لها يستهل # وعتاق الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما تستقل # استعار الضحك للضبع، والاستهلال للذئب. وأصل التهلل والاستهلال في الفرح ~~والصياح، والمراد رغد العيش لهما، واتصال طعمهما باتصال قتله في هذيل. وليس ~~قول من قال معنى تضحك: تحيض، بشيء. وقوله وعتاق الطير تهفو بطانا مثل قول ~~الآخر فيما تقدم: # وعبد يغوث تحجل الطير حوله # ويعنى بالعتاق آكلة اللحمان وعافية الجيف منها. وقوله تهفو بطانا أي إنها ~~قد زورت، وامتلأت حواصلها فثقلت، فإذا طارت تخطنهم في الطيران فلا ترتفع في ~~الجو، بل تسف لثقلها. وبطان: جمع بطين. وتهفو: تطير؛ يقال: هفت الصوفة في ~~الهواء، أي ارتفعت. قال الخليل: ويقال لرفارف الفسطاط إذا تحركت: تهفو بها ~~الريح. ثم توسع فيه، فيقال: هفا الظليم، وهفا قلب فلان في إثر كذا. # حلت الخمر وكانت حراما ... وبلأي ما ألمت تحل # فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل # PageV01P593 # هذا على عادتهم في تحريم الخمر وما يجري مجراها في ولوع النفس به والميل ~~إليه إذا قتل لهم قتيل، حتى يدركوا ثأره، أو حزبهم أمر عظيم يحتاجون فيه ~~إلى مناهضة ومزاولة. وربما كانوا يحرمون على أنفسهم تنظيف البدن والأخذ من ~~الشعر وما شاكله، وذلك على حسب ميل الطباع وإيثار فطم النفس عن الشيء الذي ~~لا مترك له عندها. والقصد في جميعه حبس النفس عن المطلوب وتذكيرها ~~بالمفقود، لئلا تتناساه أو تتشاغل عنه. فيقول: أدركت الثأر فحلت الخمر بعد ~~أن كانت محرمة بالنذر علي، وبجهد ألمت حلالا، إشارة منه إلى ما قاساه في ~~طلب دمه. ومعنى بلأي: بعد جهد وبجهد. على ذلك قوله: # فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا # وفي هذه الطريقة لامرئ القيس: # حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل # وقول الآخر: # فيا ليل إن الغسل ما دمت أيما ... علي حرام لا يمسني الغسل # وقوله ما ألمت يجوز أن يكون ما صلة، ويجوز أن مع الفعل بعده في تقدير ~~المصدر. يريد: وبلأي ألمت حلالا. ms0483 والإلمام أصله في الزيارة الخفيفة، وتوسع ~~فيه فأجرى مجرى حصلت عندي. وقوله: # فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل # أظهر التشفي بما ناله من الأعداء حتى دعا من خاطبه إلى ما كان يتشوفه من ~~سقيه له، كما أظهر التوجع لفقده من أصيب به بقوله إن جسمي بعد خالي لخل. ~~والخل: المهزول. وقوله يا سواد بن عمرو جعل سواد - وقد رخمه عن سوادة - ~~بمنزلة ما جاء تاما ولم يحذف منه شيء فجعل سواد وابن بمنزلة شيء واحد، ~~وبناه على الفتح. فالفتحة في ابن للإعراب، والفتحة في سواد للبناء. ولك أن ~~ترويه: يا # PageV01P594 # سواد بن عمرو والضمة فيه ضمة المنادي المفرد، فيكون كقولك: يا زيد بن ~~عمرو ويا زيد بن عمرو، فاعلمه. ### || وقال سويد المراثد الحارثي # لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعي سويد أن فارسكم هوى # أجل صادقا والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولا أنبط الماء في الثرى # يروى: أن صاحبكم هوى، ومعنى صاحبكم رئيسكم، كما أن معنى فارسكم أفرسكم، ~~ولهذا أقسم وعظم الحال في نعي الناعي حتى جعله ينادي بأرفع صوته فعل النادب ~~المتحسر، ثم صدقه في ثنائه وخبره فقال: أجل صادقا أي قلت صادقا. وأجل هو ~~لتحقيق الإخبار، كأنه لما قال: إن صاحبكم أو فارسكم سوى، قال: أجل أنت ~~مصدق، ثم زاده ثناء فقال: وإن القائل الفاعل الذي إذا قال قولا أنبط الماء ~~في الثرى. وقوله " أن " صاحبكم، أراد بأن صاحبكم، فحذف الباء ووصل الفعل. ~~وانتصب صادقا على الحال، والعامل فيه ما دل عليه الكلام من معنى قلت. ~~والقائل الفاعل عطفه على صاحبكم، ويجوز أن ترفعه، كأنه قال: وهو القائل ~~الفاعل؛ والنصب أحسن وأجود، ومعنى أنبط الماء في الثرى: وصل القول بالفعل ~~الجالب للخير، وقرب الغناء من العناء االلاحق في الأمر، وهو بعد ذلك مثل ~~لتحقيق قوله، وصلة النجاز بوعده. ومعنى أنبط الماء: أخرجه. ويقال نبط أيضا، ~~فإن قيل: هل يجوز أن يكون التصديق منه للناعي في قوله هوى لا غير لأنه هو ~~الخبر، ويكون هذا كما ms0484 قال دريد: أعبد الله ذلكم الردى جوابا لقوله أردت ~~الخيل فارسا؟ قلت لا يجوز ذلك، بدلالة قوله والقائل الفاعل الذي، لأن هذا ~~العطف لا يكون إلا على صاحبكم. فكأنه صدقه في الأمرين جميعا، وزاده من بعد ~~ما زاده. وكذلك قول دريد، لا يمتنع أن يثبت الفروسية له مع الإرداء أيضا في ~~استثباته إياهم لما قالوا: أردت الخيل فارسا. # PageV01P595 # فتى قبل لم تعبس السن وجهه ... سوى خلسة في الرأس كالبرق في الدجى # وصفه بأنه مقتبل الشباب لم يمسه أوائل الكبر، وأن السن لم تنقص رونق ~~شبابه، ولم ترنق ماء بشرته، فهو طلق الوجه غير عابس. والعبوس: ظهور الغضب ~~في الوجه. ويقال منه: يوم عبوس، أي شديد. وقوله سوى خلسة في الرأس استثناء ~~منقطع، ويعني أنه ظهر من الشيب في رأسه شعلة، فهو كالبرق يلمع في سواد ~~الليل. والخلسة: بياض في سواد، وقد أخلس رأسه، وشعر خليس، ومنه قيل للمولود ~~بين الأسود والبيضاء، والأبيض والسوداء: خلاسي. # أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أول من أتى # ولم يجنها لكن جناها وليه ... فآسى وآداه فكان كمن جنى # قوله أشارت له الحرب العوان كأنه لم يصبر إلى أن دعي، ولكن حين اهتاجت ~~الحرب جاءها، فكأن الحرب أشارت إليه. والعوان: الحرب التي قوتل فيها مرة ~~بعد أخرى، تشبيها بالعوان من النساء، وهي النصف. والفعل منه عونت وعانت. ~~وقوله يقعقع بالأقراب يجوز أن يكون المعنى جاءها ولخواصره قعقعة، أي صوت، ~~لشدة عدوه وحرصه. وقد يسمع من جوف العادي العجل وصدره النهيم والصوت ~~الشديد، إذا استعجل في الإدراك ويجوز أن يكون القعقعة التي ذكرها من السلاح ~~الذي كان عليه. وقوله أول من أتى يجوز أن يكون من نكرة، كأنه قال: أول فارس ~~طلع، فيكون أتى صفة له؛ ويجوز أن يكون معرفة وأتى صلة له، كأنه قال: أول ~~الآتين، ويكون من موحد اللفظ مجموع المعنى. وانتصب أول على الحال في ~~الوجهين جميعا، والعامل فيه جاءها أو يقعقع. وقوله ولم يجنها لكن جناها ~~وليه يحقق ما قلناه من أنه ms0485 لم ينتظر الاستغاثة، ولكن لما طلعت له أمارات ~~امتحان وليه آساه بنفسه، وأعداه على محنته، فكان كالجاني وإن لم يكن منه ~~جناية، بذل اجتهاد وسرعة إنجاد. فالبيت الأول كما قال الآخر: # قوم إذا الشر أبدى ناجذبه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # PageV01P596 # والبيت الثاني كقول الآخر: # وإني لا أزال أخا حروب ... إذا لم أجن كنت مجن جان # وقوله آداه أثله أعداه، والألف الثانية همزة أبدلت من العين في الأصل، ~~والمعنى أعانه. ويجوز أن يكون من الأداة، أي جعل له أداة الحرب وعدتها. ~~وأنشد الأصمعي قول الأسود بن يعفر: # ما بعد زيد في فتاة فرقوا ... قتلا وسبيا بعد حسن تآد # وقال: معناه بعد أخذ الدهر أداته. ### || وقال رجل من بني نصر بن قعين # أبلغ قبائل جعفر إن جئتها ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب # أن الهوادة والمودة بيننا ... خلق كسحق اليمنة المنجاب # قوله ما إن أحاول جعفر بن كلاب يجري مجرى الصفة في شرح الاسم الذي أراده ~~وإزالة اللبس عنه. والهوادة: الحرمة والذمام والصلح. والمهاودة: الموادعة. ~~وتهودت إلى فلان تهودا، أي توسلت إليه بوسيلة؛ من قولهم: بيننا هوادة؛ ومنه ~~هود الرجل إذا مشى مشيا ساكنا. فيقول: أبلغ هؤلاء القوم إن زرتهم أن أسباب ~~الصلح والمودة، والذمام والحرمة، قد خلقت بيني وبينهم، وتغيرت عما عهدت، ~~فهي تزداد على مر الأيام دروسا وهمودا كخلق البرود المنشق، تزيده الأيام ~~بلى وانسحاقا، فلا تماسك فيها، ولا رجاء لصلاحها وعودها إلى ما كانت. ~~والثوب السحق وصف # PageV01P597 # بالمصدر، كأن البلى سحقه. واليمنة: ضرب من برود اليمن. والمنجاب: المنشق. ~~وهذا الكلام وعيد، ويشتمل على أن الطمع من رجوع الأمر إلى ما كان زائل، وأن ~~الفساد في ذات بينهم متظاهر، لا يقبل إصلاحا، ولا يلقى مزاولوه فلاحا. ~~وقوله أن الهوادة في موضع نصب على أنه مفعول ثان لأبلغ. # أذؤاب إني لم أهبك ولم أقم ... للبيع عند تحضر الأجلاب # يروى لم أهبك من الهبة، أي لم أسمح بدمك كما يتواهب الناس الشيء بينهم، ~~وحكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداءك. ومنه قولهم: ms0486 هبه كذا، أي احسبه. ~~ويروى: لم أهنك، أي لم أتغافل عن طلب دمك استهانة بك. وقوله ولم أقم للبيع ~~عند تحضر الأجلاب، يريد: إني لم أجد الدية، فكنت بائعا لدمك كما يباع الجلب ~~من الأموال، إذا سيقت إلى الحضر. ولم يرد بقوله لم أقم القيام الذي هو ضد ~~الجلوس، إنما المراد لم أترشح ولم أتهيأ. على ذلك قوله عز وجل: " إذا قمتم ~~إلى الصلاة ". # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # بأشدهم كلبا على أعدائهم ... وأعزهم فقدا على الأصحاب # الثل: الهدم؛ ويقال ثل عرش فلان، إذا تضعضعت حاله واتضع عزه قال الأصمعي: ~~وربما قيل ثل عرشه، وإذا أريد به القتل فليس إلا بضم العين. قال ذو الرمة: # وقد ثل عرشيه الحسام المذكر # والعرشان: لحمتان مستطيلتان من جانبي العنق، وفيهما الأخدعان. وقوله إن ~~يقتلوك وقد كانوا قتلوه يريد إن تبجحوا بقتلك وصاروا يفرحون به، فقد أثرت ~~في عزهم، وهدمت أساس مجدهم بما نلت من رئيسهم عتيبة ابن الحارث. وقوله ~~بأشدهم كلبا جعله بدلا من قوله بعتيبة، وقد أعاد حرف الجر فيه، وقد مضى ~~مثله، وذكرنا الشاهد فيه من قوله تعالى: " وقال، الذين استكبروا من قومه ~~للذين # PageV01P598 # استضعفوا لمن آمن منهم " ومعنى أشدهم كلبا أشدهم تأثيرا ونكاية في ~~الأعداء. ومن كلام الحسن: " إن الدنيا لما فتحت على أهلها كلبوا عليها أشد ~~الكلب "، أي حرصوا أشد الحرص. ويقال: دهر كلب، أي ملح على أهله بما يسوؤهم. ~~وقولهم كلب كلب يأكل لحوم الناس فيأخذه منه شبه جنون. وقوله وأعزهم فقدا ~~على الأصحاب يريد وأشدهم، ومنه استعز اللحم، إذا صلب؛ ويعز علي أن أرى كذا، ~~أي حق واشتد. ويقولون: أتحبني؟ فيقال: لعز ما، أي لحق ما. ### || وقال الحريث بن زيد الخيل # ألا بكر الناعي بأوس بن خالد ... أخي الشتوة الغبراء والزمن المحل # فإن تقتلوا بالغدر أوسا فإنني ... تركت أبا سفيان ملتزم الرجل # أبو سفيان مصدق ورد حيهم لاستيفاء الصدقة عليهم، فاتهم أوس بن خالد بأنه ~~ستر بعض ماله طمعا فيما يلزمه من ms0487 الصدقة فيه، واقتطاعا من الواجب عليه، ~~فأخذه أبو سفيان يضربه، وارتقى ما بينهما إلى أن أدى إلى قتله، فصاحت أم ~~أوس فأغاثها قائل هذه الأبيات، ورمى أبا سفيان بسهم نفذ فيه فقتله. # وقوله بكر الناعي، يجوز أن يكون معناه ابتدأ ينعاه لأن البكور أصله ذلك، ~~ولذلك قيل في أول النهار: بكرة. ويجوز أن يكون بمعنى جاء بكرة. فيقول: ~~ابتكر المخبر بقتل أوس بن خالد ملجأ الضعفاء، وثمال الأيتام، في الشتوة ~~الغبراء، القليلة الأمطار، الشديدة الإمحال. والمحل: يبس الأرض. ويقال زمن ~~ماحل ومحل، وقد # PageV01P599 # أمحل الناس إذا أسنتوا. وقوله فإن يقتلوا بالغدر أوسا يريد أن أبا سفيان ~~هذا كان انطوى على غل لأوس، وعداوة كامنة له، فتوصل بما ادعى من خيانته في ~~مال الصدقة إلى ضربه وقتله، لذلك قال: إن تقتلوا بالغدر. وقوله فإنني تركت ~~أبا سفيان ملتزم الرحل، يريد: إني اتأرت من أبي سفيان وجعلته ملتزما لرحله ~~لا حراك به، أي قتلته بدلا من صاحبه. # فلا تجزعي يا أم أوس فإنه ... تصيب المنايا كل حاف وذي نعل # أخذ بعد اقتصاص الحال يسلي أم أوس عن ابنها، وبطيب قلبها، ويعرفها أن ~~الموت طريق يسلكه الناس على اختلاف طبقاتهم، وأنه لا محيد عنه ولا معدل. ~~وحسن ذلك منه لأنه كان قد أدرك الثأر لها، وشفى نفسها من داء مصيبتها، ~~فأقبل يبرد غليلها بوعظه، زيادة في الاهتمام لها والتوفر عليها. # وكان يجب أن يقول: كل ذي حفى وذي نعل، أو كل حاف وناعل، لكنه لما وجد اسم ~~الفاعل ينوب مناب ذي كذا، لم يبال أن يكون أحدهما بذي. وهذا يبين ما يسلكه ~~أصحابنا البصريون في مثل قولهم: طالق وحائض، أنه على طريق النسبة وفي معنى ~~ذات طلاق وذات حيض، ويؤكد صحته. # قتلنا بقتلانا من القوم عصبة ... كراما ولم نأكل بهم حشف النخل # ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي # في هذا الكلام دلالة على استفحال الشر بينهم حتى قتل من الجانبين عدة، ~~لذلك قال: قتلنا بدل قتلانا ms0488 من القوم عصبة يرجعون إلى كرم. والعصبة: العشرة ~~من الرجال، وقيل ما بين العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة من الناس ~~والطير والخيل. وهذا تنبيه على أن الثأر الذي أدركه منهم كان منيما، ~~والاشتفاء من دائه به كان مجيبا. وقوله ولم نأكل بهم حشف النخل يريد: لم ~~نشتغل عن طلب دمهم بالأكل. وذكر الحشف إزراء بذلك الطعام لو صرفت النفوس ~~إليه مع تضايق الوقت في طلب الدم. ويجوز أن يريد: لم نأخذ ديتهم. وجعل ~~التمر حشفا كما قال غيره. # ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم # PageV01P600 # والإفال والأبكر لا تؤخذان في الدية، ولكن حقر أمرها. وقوله: ولولا الأسى ~~ما عشت في الناس بعده يريد لولا التصبر والتأسي والاقتداء بهم في المصائب، ~~لقتلت نفسي ولم أعش بعده - يعني بعد أوس - في الناس، ولكن متى شئت وجدت ~~لنفسي نظائر ممن فقدوا أعزتهم. ويشبه هذا قول الخنساء: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وقوله ما عشت في الناس بعده جواب لولا، ونابت عن خبر المبتدأ وهو الأسى، ~~كأنه قال: لولا الأسى مانع لي ما عشت في الناس بعده. وقد تقدم القول في ~~لولا، وفيما يقع فيه. ### || وقال البراء بن ربعي الفقعسي # أبعد بني أمي الذين تتابعوا ... أرجي الحياة أم من الموت أجزع # قوله أبعد لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوجع. والاستفهام يطلب ~~الفعل. فيقول: أرجي الحياة أم أجزع من الموت بعد إخواني الذين انقرضوا وذهب ~~والواحد في إثر الواحد فدرجوا. والمعنى: ماذا يجوز أن يكون مني: أيحسن ~~الطمع في الحياة بعدهم، أم الجزع من الموت عقب الفجع بهم. وأم هذه يجوز أن ~~يكون أو بدلها، لأنها المنقطعة. ألا ترى أن التي تكون عديلة الألف في العطف ~~من شرطها أن يكون أحد الأمرين اللذين يسأل عنهما المستفهم قد وقع عنده إلا ~~أنه لا يدري أيهما هو. يقول القائل: أرأيت زيدا أم عمرا، وهو لا يشك أن ~~أحدهما رآه، إلا أنه لا يدري أيهما هو. والذي في البيت ليس كذلك فتأمله. ms0489 # ثمانية كانوا ذؤابة قومهم ... بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع # أولئك إهوان الصفاء رزيتهم ... وما الكف إلا إصبع ثم إصبع # ذكر أن إخوانه كانوا ثمانية، وأنهم كانوا رؤساء قومهم، وأنه بعزهم ~~ومكانهم من قبيلتهم كان يدفع عن نفسه ما يشاء، ويقبل لها ما يشاء. وفي قوله ~~كنت أعطي ما أشاء حذف، ولو أتي على حده لكان: كنت أعطي ما أشاء إعطاءه ~~وأمنع ما أشاء # PageV01P601 # منعه. والمفاعيل تحذف كثيرا لأن القرائن تدل عليها. وإنما قال ذؤابة ~~قومهم ولم يقل ذوائب قومهم، لأنه عدهم شيئا واحدا، لتناصرهم واتفاق ~~أهوائهم. والذوابة: اسم في الأصل، وقد وصف به، وكما قيل هو ذؤابة قومه، وهم ~~ذوائب قومه، قالوا في الضد منه: هو ذنابة قومه، وهم ذنائب قومه. وقوله ~~أولئك إخوان الصفاء نبه به على زوال الخلاف وسقوط المراء من بينهم، وعلى ~~خلوص نية كل واحد منهم مع صاحبه، حتى كان ما يجمعهم تصافيا لا كدر، وتوافقا ~~بلا حسد، وأنهم كانوا في التعاون والتظاهر كالكف الواحدة، فكل واحد منهم ~~كالإصبع من تلك الكف، فلما تخرموا ومات الواحد بعد الواحد، صارت الكف ~~تتراجع بنقصان أصابعها حتى صارت لا تغني في البطش بها، ولا تعمل عند القبض ~~والبسط عملها. # لعمرك إني بالخليل الذي له ... علي دلال واجب لمفجع # وإني بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتع # أقسم بأنه مفجع بمن تعز حياته ويكرم مقامه، حتى يرى لنفسه تدللا واجبا ~~عليه، وتمكنا مكينا منه؛ وممتع بمن لا رغبة له في العيش معه، فليس في بقائه ~~نفع له ولا في ذهابه ضرر عليه، وكان الواجب أن يقول: ليس نافعي حياته أو ~~وجدانه، حتى يكون في مقابلة قوله ولا ضائري فقدانه إلا أنه لما ضاق نطاق ~~البيت عنه لم يبال بالاقتصار على نافعي، إذ كان المراد بها مفهوما، وإذ كان ~~ضميره في ليس يقوم مقام حياته لو أتي به. وسمى من اشتدت فاقته إلى حياته ~~خليلا لاختصاص مكانه من قلبه، وعلى عادتهم في تسمية المعتمد عليه خليلا، ~~حتى سموا الفرس ms0490 والسيف خليلا. قال يعني الفرس: # ................... # وأتقي ... بهاديه إني للخيل وصول # وقال الآخر في السيف: # ما سد كفي خليلها # PageV01P602 # وسمى القبيل الثاني مولى إشارة إلى أبناء عمه الذين لا غناء عندهم، ولا ~~انتفاع له بمكانهم. ### || وقال مطيع بن إياس، في يحيى بن زياد # يا أهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع السواكب السفح # راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم تبتكر ولم ترح # لم يرض بتجرده لتلقي الأمر الذي دهمه، وبتفرده في الجزع للخطب الملم به ~~حتى طلب من ذويه وعشيرته إسعاده في البكاء لما نابه فأقرح قلبه، وأسال ~~دمعه. وإنما فعل ذلك لأنه يعد التعاون فيه والتشارك، أدل على تجليل الفجيعة ~~له؛ والائتساء والتساوي، أجلب للتخفيف مما يه. ألا ترى أن الله تعالى يقول ~~في أصحاب النار: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون "، ~~فأيأسهم من أن يكون اشتراكهم في العذاب يسليهم أو يرجع بضرب من النفع ~~عليهم، على العادة في دار الدنيا. وقوله قلبي القرح يقال: أقرحه الهم فقرح ~~وهو قرح قريح. وقيل في القرح هو البثر إذا ترامى إلى فساد. وقوله السواكب ~~جمع ساكبة، ووصف الدموع به على معنى ذات سكوب، كما قيل عيش ناصب، أي ذو نصب ~~على النسبة. والسفح: جمع سفوح، والسكب والسفح يراد بهما الصب إلا أن السفح ~~أبلغ من السكب، لذلك ارتقى من السواكب إليه. وحكى الخليل أن أهل المدينة ~~يقولون: اسكب على يدي. ويقال رجل سفاح للدماء، ولم يقل سكب، لأن السكب لا ~~يبلغ حد السفح. # وقوله راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقدار، يقول منبها على مساس الفاقة إلى ~~بقائه، وغلبة اليأس من الاعتياض منه: راحوا ولو أطاعني القدر ما فجعنا ~~بفراقه، فكان لا يبتكر لا غاديا ولا رائحا. ومن روى بالتاء لم تبتكر جعل ~~الفعل منسوبا إلى الأقدار يريد: لم تبتكر الأقدار ولم ترح به وأنا راض. ~~وإنما قال بكوا لأن فعل يفيد التكثير من الفاعلين. وتكرير الفعل من واحد ~~حالا بعد حال. # PageV01P603 # يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان ms0491 أمس للمدح # قد ظفر الحزن بالسرور وقد ... أديل مكروهنا من الفرح # إنما ناداه لقوله قد ظفر الحزن بالسرور، كأنه يريد إعلامه تأثير المصاب ~~فيهم، وأنهم قد استبدلوا بعده بالسرور حزنا دائما، وبالفرح مكروها راتبا. ~~ومن نكرة. وقوله يحسن البكاء له اليوم صفة له، فيقول: يا خير إنسان كان ~~المدح فيما مضى من الزمان أولى به، والبكاء عليه في الحال والاستقبال أحق ~~له، قد تأدى حالنا بعدك إلى أن أبدلنا القدر بالفرح ترحا متصلا، وبالمحبوب ~~مكروها لازما. # ومعنى ظفر الحزن بالسرور وأديل مكروهنا، أن الغلب لهما حتى لا ثبات ~~للسرور والفرح معهما، ولا انتياش منهما. يبين ذلك أنه قال وقد أديل مكروهنا ~~أي جعل له على الفرح دولة. وقوله من الفرح يريد من المفروح به، وهو ~~المحبوب؛ لأنه كما طابق الحزن بالسرور في الصدر، طابق المكروه بالمحبوب في ~~العجز. وهذا كما يقال: لا يسرني بهذا الأمر فرح ومفروح به ومفرح. والوصف ~~بالمصدر ووضعه موضع الفاعل والمفعول مشهور. وقد خرج في هذا الكلام جواب ~~سائل يقول: ما الفرق بين السرور والفرح؟ وكيف أتي بهما وهما بمعنى واحد؟ ### || وقال مطيع أيضا: # قلت لحنانة دلوح ... تسح من وابل سحوح # أمي الضريح الذي أسمي ... ثم استهلي على الضريح # ليس من العدل أن تشحي ... على فتى ليس بالشحيح # أراد أن يدعو للقبر بالسقيا فجعل بدل الدعاء سؤالا وتمنيا، لأن طريقة ~~الجميع واحدة فقال: قلت لسابة فيها رعد، فكأنها كانت تحن برعدها إلى شيء ~~كحنين الناقة إلى وطنها أو ولدها. دلوح، أي ثقيلة. يقال: مر البعير يدلح ~~بحمله، أي # PageV01P604 # يمشي متثاقلا. والسحابة تدلح من كثرة مائها. تسح أي تصب. وابل: مطر ضخم ~~القطر. سحوح: كثير الانصباب شديده: إن قيل: كيف جعل السح مرة للحنانة ومرة ~~للوابل، والوابل يكون مصبوبا لا صابا، وما فائدة من في قوله من وابل سحوح ~~فإن المراد به الكثرة، وهم يجعلون، إذا قصدوا إلى المبالغة، الفعل الواقع ~~بالشيء له. ألا ترى أنهم يقولون: موت مائت، وشعر شاعر. وهذا كما قالوا: سيل ~~مفعم، والسيل ms0492 لا يملأ إنما يملأ به الشيء. وإذا كان كذلك فالسح من الحنانة ~~حقيقة، والسح من الوابل مجاز، والمراد به ما ذكرنا. على أنه لا يمتنع أن ~~يكون سح من باب فعلته ففعل؛ فقد حكى الخليل: سح المطر والدمع، وقال: هو شدة ~~انصبابهما. ويقال من السح: فرس مسح، أي يصب العدو. وأرض سحاح، أي تسيل من ~~مطر يسير. # وقوله أمي الضريح الذي أسمي يريد الذي أنص عليها وأبينه بذكر اسم صاحبه، ~~إذ لم يكن للضريح اسم يتميز به عن القبور، فكأن بيان الكلام: أسمي صاحبه، ~~فحذف المضاف وهو صاحب، ثم أقام المضاف إليه مقامه، فجاء أسميه، ثم حذف ~~المفعول من الصلة لطولها فبقى أسمىي ومعنى استهلي: صبي. ويقال هل السحاب ~~بالمطر واستهل وانهل المطر انهلالا. والأهاليل: الأمطار الشديدة الانصباب. ~~ويجوز أن يكون لما وصف السحابة بالحنانة لرعدها كنى عن المطر بالاستهلال، ~~لأنه كالحنين، وهو رفع الصوت بالتلبية وغيرها، فيكون الحنين والاستهلال ~~للرعد والمطر كالسؤال والجواب. فأما قوله على الضريح فتكراره تنبيه على عظم ~~شأنه وفظاعة الفجع به. والتفخم بالتكرير يحصل كثيرا. والضريح: القبر بلا ~~لحد، وهو فعيل بمعنى مفعول، لأنه يقال ضرحوا له ضريحا. وقال الدريدي: سمي ~~ضريحا لأنه انضرح عن جالي القبر، أي اندفع فصار في وسطه. وقوله: # ليس من العدل أن تشحي ... على فتى ليس بالشحيح # يريد: ليس من الإنصاف البخل بمائك وصوبك على فتى كان لا يبخل بماله، وما ~~يجتدى منه في جاهه وحاله. وهذا ظاهر. وفي طريقته قول أبي تمام: # وكيف احتمالي للغيوث صنيعة ... بإسقائها قبرا وفي لحده البحر # PageV01P605 ### || وقال الأشجع السلمي # مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح # يقول: فجع الناس بابن سعيد حين كمل وبرع وشمل نفعه فعم حتى لم يبق بقعة ~~من جوانب الشرق والغرب إلا وترى فيها شاكرا لنعمه، حامدا لفعاله، مادحا ~~لفرط إحسانه. وإنما يعظم الرزء باستكمال فضائل المرثي، وشمول فواضله. # وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح # قوله ما فواضل كفه ms0493 استفهام، وموضع الجملة من الإعراب أنه مفعول أدري وقد ~~علق عنه، والمعنى: ما أدري ما يقتضى هذا السؤال. والفواضل: جمع فاضلة، وهو ~~اسم لما يفضل من ندى كفه فيتجاوزها إلى الناس. ويجوز أن يكون فاضلة مصدرا ~~بمعنى فضل أو إفضال، فيكون كالعافية والقائم من قولهم قم قائما، والبالية ~~من قولهم ما أباليه بالية، ثم لاختلافه جمعه. والمصادر تجمع إذا اختلفت؛ ~~على ذلك قولهم العلوم والعقول وما أشبههما. وإذا جعل كذلك يكون قد عدى ~~فواضل وهو جمع مكسر إلى قوله على الناس. وحصل من هذا الكلام أن قوله على ~~الناس يتعلق بفواضل على وجهين: أحدهما أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو اسم ~~للفاعل، والثاني أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو مصدر، وتعدى مثله ليس بكثير. # وقوله حتى غيبته الصفائح معناه إلى أن غيبته الصفائح. والصفائح: أحجار ~~عراض سقف بها قبره. يقول: لم أتبين مقادير إحسانه عند الناس، ومبالغ أياديه ~~لديهم، وفنون بره بهم، وانصباب مننه إليهم، لاختلاف مواقعها، ولخفاء كثير ~~منها على حسب قصوده في الإفضال، ولتباين مواضع الصنيعة في التفصيل ~~والإجمال، إلى أن خلى مكانه فظهرت الفاقة على متحملي نعمه، وتظاهر الحمد ~~والثناء من الكافة على اختلاف منازلهم وتباعد مظانهم، فحينئذ بان لي كثرتها ~~وتوفرها. # فأصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكانت به حيا تضيق الصحاصح # PageV01P606 # قوله في لحد موضعه نصب على أن يكون خبر أصبح، وانتصب ميتا على الحال، ~~وكذلك قوله حيا انتصب على الحال. ولا يجوز أن يكون لحد في موضع الحال وميتا ~~خبر أصبح، لأن ميتا من الصدر في مقابلة حيا من العجز، ولا يكون ذلك إلا ~~حالا، فكذلك يجب أن يكون ميتا، وإلا اختلفا وفسد المعنى. يقول: أصبح وهو ~~ميت يتسع له لحد من الأرض، وكانت الصحاصح تضيق عنه وهو حي. فيجوز أن تكون ~~تضيق عن جيوشه وأصحابه الذين كانوا يحيون بحياته، ويسطون على الدهر بعزته، ~~ويجوز أن يريد بالضيق ما كان يبث من إحسانه، وينتشر من جدواه في أهل الأرض ~~ويشملهم من المنافع بمكانه وجاهه، ms0494 فيكون التقدير أنها لو جسمت لكانت ~~الصحاصح تضيق عنه. والصحصح والصحصحان: الأرضون المستوية الواسعة. وفي ~~طريقته للبحتري: # كانوا ثلاثة أبحر أفضى بها ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر # سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجن الجوانح # ضمن له دوام البكاء ما دامت الدموع تجيبه وتساعده، فإن عجزت ونقصت عن ~~المراد، وانقطعت أوان الحاجة، فكافيه منه ما تشتمل عليه جوانحه، ويتضمنه ~~صدره وفؤاده. وقوله ما فاضت في موضع الظرف، أي مدة فيضها. وقوله حسبك مبتدأ ~~وخبره ما تجن. وقد يتم حسبك بنفسه فلا يحتاج إلى خبر، فيقتل حسبك، وحينئذ ~~يتضمن معنى الأمر، كأنه يراد به اكتف، ولذلك يستقل الكلام به. ويقال: غاض ~~الماء وغضته. والجوانح: الضلوع، سميت بذلك لانحنائها. والجنوح: الميل. # وما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح # قوله ما أنا من رزء تبرؤ من الجزع على الرزء، أي ليت له بصاحب وإن جل ~~الفادح، كما أتى لست بسرور به وإن عظم بفارح. والمعنى: أن المنايا والعطايا ~~تساوت أقدارهما عندي بعدك، لأنك كنت المرجو عندي. والمخوف عليه لدي، فلما ~~فاتني القدر بك أمنت من الجزع لحادث شر، ويئست من الفرح لنائب خير. ولو قال ~~بذل جازع وفارح: جزع وفرح، كان أفصح وأكثر، لأن فعل إذا كان غير متعد ~~فالأجود والأقيس في مصدره فعل، وفي اسم الفاعل فعل، وإذا كان متعديا فبابه # PageV01P607 # فاعل. وقد قيل في المريض مارض، وفي السليم سالم، لأن البابين يتداخلان. ~~وقوله ولا بسرور أي ولا بذي سرور فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح # لئن حسنت فيك المرائي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح # قوله كأن مخفف كأن، واسمه مضمر، أراد كأن الأمر أو الشأن لم يمت حي سواك. ~~والخطب إذا وقع مستغربا كان تأثيره أشد، ونكؤه أوجع منه، إذا ألف وقوعه، ~~وتمرن بتكرره. فيقول: إن المصيبة عظم تأثيرهافي النفوس، فكأن موتك بدع ~~فعلات الدهر، وكأن النياحة لم تقم ms0495 على من سواك، إذ كانت طوائف الناس على ~~تباينهم وتباعد أقطارهم، واختلاف هممهم وأوطارهم، تشاركوا في الجزع لك، ~~وتشابهوا في استعظام الأمر والخطب بك، فكأنهم لم يروا مفقودا، ولا قامت ~~النوائح فيهم عند بكائهم هالكا. وقوله لئن حسنت فيك المراثي وذكرها مثله ~~قول الآخر: # يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح # وقد تقدم القول في لام لئن واليمين المضمرة في الكلام. والجواب لقد حسنت، ~~وقوله حسنت في موضع تحسن، لأن حرف الشرط نقل المضي إلى الاستقبال، وجواب ~~الشرط بالفاء ها هنا وقد حذف كأنه قال: إن يحسن الرثاء لك وفيك، الآن وفي ~~مستقبل الزمان، فللمدائح فيما مضى كانت حسنة فيك. ### || وقال يحيى بن زياد # نعى ناعيا عمرو بليل فأسمعا ... فراعا فؤادا لا يزال مروعا # يقول: خبر الناعيان بموت عمرو ليلا، فأبلغا الخبر وهو فظيع منكر، وفزعا ~~قلبا لا يزال مفزعا. وإنما قال بليل لأنهما لم يصبرا إلى مجيء النهار ~~استعظاما للخطب؛ لأن اليل لما كان أخفى للويل صار سعي الناعيين فيه أدل على ~~استفحال # PageV01P608 # الرزء. وقوله أسمعا حذف مفعوليه لأن المراد أسمعا الناس نعيه، وهو بتجرد ~~من المفعول يستعمل في المكروه كثيرا، ولأنه إذا أطلق مبهما فالإطلاق في مثل ~~هذا المكان أبلغ، وإنما قال مروعا إيذانا بأن ذلك الروع ثبت في القلب حتى ~~لا إفاقة منه. ويجوز أن يريد أنه مرزأ في الكرام، فهو الدهر قلق لا يسكن، ~~وحذر لا يأمن. # وما دنس الثوب الذي زودوكه ... وإن خانه ريب البلى فتقطعا # الدنس: لطخ الوسخ ونحوه حتى في الأخلاق. يقال: هو دنس المروءة، وقد دنس ~~عرضه. ونبه بهذا الكلام على أن زاد المتوفى من الدنيا كفنه، وأن ما كفن فيه ~~المتوفى بقي طاهرا لطهارة نفسه وعنصره، وأنه كان يجب بقاؤه جديدا لا يؤثر ~~فيه البلى، ولا تسبق إليه الخلوقة، وأن تأثير ريب الدهر فيه بالتقطيع خيانة ~~منه. وكل هذا تعظيم للمرثي، وأن حاله بخلاف أحوال غيره حيا وميتا. ومعنى ~~خانه ريب البلى أي نزول البلى، قال ms0496 أبو عبيدة: يقال راب عليه الدهر، أي ~~نزل. # دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا # يجوز أن يريد بالأيام نوائب الأيام وأحداثها فحذف المضاف وأقام المضاف ~~إليه مقامه، ويجوز أن يريد الأيام أنفس الأحداث، فسماها أياما كما تسمى ~~الوقعات بها، وكما قال الله عز وجل: " وتلك الأيام نداولها بين الناس ". ~~ومعنى حتى إذا أتت تريدك موضع تريدك نصب على الحال، أي مريدة لك. وفائدة ~~حتى الغاية: كأنه قال: دافعنا الأيام بك وبمكانك إلى وقت مجيئها مريدة لك، ~~فحينئذ لم تقدر على دفاعها. وقوله لم نسطع أراد نستطع فحذف منه تخفيفا ~~لكثرته في الكلام. يقال اسطاع يسطيع، بمعنى استطاع يستطيع؛ وقد حكى أسطاع ~~بفتح الهمزة يسطيع بضم الياء، وليس هذا من الأول لأن هذا في معنى أطاع. # مضى فمضت عني به كل لذة ... تقر بها عيناي فانقطعا معا # يقول: مضى عمرو لسبيله فانقطعت عني لذات الدنيا، وفارقتني بفراقه، ~~فانقطعا مجتمعين ومصطحبين. وموضع تقر بها عيناي جر على أن يكون صفة للذة، ~~أي كل لذة تبرد لها عيناي لها وتسر نفسي بحصولها. وقوله " معا " في موضع ~~الحال. وقوله تقر بها عيناي، قيل هو من القرار، وقيل هو من القر: البرد. ~~وهذا أقرب لأنه يقال في ضده: سخنت عينه، وهو سخنة العين. # PageV01P609 # مضى صاحبي واستقبل الدهر صرعتي ... ولا بد أن ألقى حمامي فأصرعا # هذا في طريقة قوله: # فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع # ومعنى استقبل الدهر صرعتي توطين للنفس على أنها على أنها بمدرجة الدهر، ~~فهو ينتظر إيقاعه بها وكأن قد. ومعنى استقبل الدهر صرعتي، أي إماتتي، كما ~~يقال لكل جنب مصرع. ومعنى لا بد: لا محالة، وهو من البدد: الاتساع ~~والتفريج. كأنه تضايق الأمر فيه فلا اتساع معه، ويقال: لا بد من أن يكون ~~كذا، ولا بد أن يكون كذا، وأن يحذف حرف الجر معه كثيرا. ### || وقال ابن المقفع يرثي يحيى بن زياد # رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع # يقول: ms0497 أصبنا بأبي عمرو، وهو مفقود النظير، معدوم الشبيه. فموضع ولا حي ~~مثله نصب على الحال، والعامل فيه رزينا. ثم قال على وجه التعجب: لله ريب ~~الدهر بأي رجل وقع. فقوله بمن وقع منقطع مما قبله وإن كان فاعل وقع الضمير ~~العائد إلى الريب المستكن، لأن قوله لله ريب الحادثات كلام مستقل بنفسه ~~فيما يفيد من إكبار الشان وتفظيع الحال. وإضافة الشيء إلى الله عز وجل ~~تفخيم وتعظيم، على ذلك قولهم: بيت الله - وإن كان الساجد لله - ولله دره. ~~وقوله بمن وقع مستقل بنفسه أيضا وفيه استعجاب من أن يكون الدهر يعرض لمثله ~~أو يهم به مع فخامة أمره، وجلالة نفسه. ولو قال: وبمن وقع، فزاد واوا، لكان ~~أكشف في المعنى المراد به. ولا يمتنع أن يكون بمن وقع في موضع الحال، كأنه ~~قال: لله ريب الحادثات واقعا # PageV01P610 # بمن وقع، ومؤثرا موجعا، ويكون حالا للريب، والعامل فيه ما دل عليه لله ~~ريب الحادثات. # فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع # فقد جر نفعا فقدنا لك إننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع # حذف النون من تك قد تقدم القول فيه. والمعنى إن فارقتنا والوهى بك لا ~~يرقع، والخلة بك لا تسد، وحديث النفس بالطمع فيك لا يخطر بالقلب ولا يجول ~~في الفكر، فقد جلب إلينا فقدك نفعا، وهو أمننا من تسلط الجزع علينا لرزيئة ~~مستأنفة، أو نكبة معترضة، إذ كان خوفنا عليك، وحذرنا فيك. وقوله ما في ~~انسداد لها طمع في موضع الجر، لأنه صفة لخلة. يريد ما لنا طمع في انسداد من ~~أجلها وبعدها يحصل. وجواب إن تك، الفاء مع ما بعدها من قوله فقد جر نفعا، ~~وإنما جلب الفاء لمخالفة الجزاء للشرط بكونه مبتدأ وخبرا، والمبتدأ محذوف ~~كأنه قال: والأمر والشان قد جر فقدنا لك نفعا. وقوله إننا أمنا إذا كسرت ~~الهمزة من إن يكون على الاستئناف، ويكون جملة الكلام تفسيرا للنفع المستجد ~~له، وإذا رويت أننا بفتح الهمزة يكون بمعنى لأننا أمنا، فيكون ms0498 الكلام بيانا ~~لعلة حصول النفع. ويجوز أن، يكون موضع أننا نصبا على البدل من نفعا. # وقوله على كل الرزايا، على تعلق بقوله أمنا، يقال هو آمن على كذا، وقد ~~أمنت على مالي عند فلان من امتداد الأيدي إليه، أي لا تمتد، كذلك أمنا على ~~كل الرزايا من الجزع، أي لا نجزع. وأتى بلفظة العموم فيه، وهو كل، إبذانا ~~بتساوي الخطوب عنده، وانحطاطها عن درجة المصاب به وفيه، حتى لا جزع يتجدد ~~بعده لحادث يحدث ولا يجوز أن يتعلق قوله على كل الرزايا بقوله: من الجزع، ~~لأنه لو كان كذلك لكان في صلته، والصلة لا تتقدم على الموصول. ### || وقال بعض بني أسد # بكى على قتلي العدان فإنهم ... طالت إقامتهم ببطن برام # كانوا على الأعداء نار محرق ... ولقومهم حرما من الأحرام # PageV01P611 # يخاطب امرأة والنساء كلهن عنده تلك المرأة، فيقول: أكثري البكاء على ~~المقتولين بهذا المكان - وقيل العدان ساحل من سواحل البحر - والمدفونين ~~ببطن برام، فقد طالت إقامتهم. والمراد أن اليأس منهم قد حصل وقوي، وأن ~~غيبتهم اتصلت فرفعت الأطماع من عودهم والاجتماع معهم. ثم أخذ بصفهم فقال: ~~كانوا على المنابذين والمخالفين كنار هذا الملك، لا تبقى ولا تذر - ومحرق ~~هو عمرو بن هند، وكان نذر أن يحرق مائة نفس، ففعل، فضرب المثل بناره - ~~وكانوا لقومهم حرما من الأحرام، لا مخافة فيهم ولا هضيمة. يريد أن قومهم ~~يأمنون نزول النوائب بهم في فنائهم، فكانوا كمن حصل في الحرم، وأن أعداءهم ~~كانوا يحترقون بنكايتهم فيهم، فكانوا عليهم كنار هذا الملك. # وقوله محرق وإن كان صفة في الأصل، فصار بالاشتهار في رجل واحد كالعلم له. ~~وعلى هذا جاء في قوله: # عليهن فتيان كساهم محرق # وقوله: # إليك ابن ماء المزن وابن محرق # وقوله حرما من الأحرام نكره لاختلاف الأحرام. وهي حرم الله تعالى بمكة ~~والشام، وحرم الرسول عليه السلام بالمدينة. # لا تهلكمي جزعا فإني واثق ... برماحنا وعواقب الأيام # هذا الكلام تسلية لها وإن كان أمرها بالبكاء، وإيذان أنه سيدرك الثأر، ~~فهو ينتظر عقب الأيام وانتهاز الفرص. ms0499 ونبه بقوله واثق برماحنا على الغناء ~~عندهم، وأن العناية متوفرة من جهتهم. وانتصب جزعا على أنه مصدر لعلة، ولا ~~يمتنع أن يكون في موضع الحال يريد جازعة، وهذا الجزع الذي نهاها عنه ليس ~~يريد به الحزن لفقده، وإنما يريد الحزن لسلامة الواتر على مر الأيام لا ~~غير. ألا ترى أنه قال: فإني واثق برماحنا. وقوله عواقب الأيام يشير فيه إلى ~~تغير الزمان واختلاف الحدثان، وأن # PageV01P612 # الدهر كما يعطى يرتجع. وكما يولى ينتزع، فغيره لا تؤمن، وأحداثه على حالة ~~واحدة لا تقف. ### || وقال آخر: # نعى لي أبا المقدام فاسود منظري ... من الأرض واستكت على المسامع # وأقبل ماء العين من كل زفرة ... إذا وردت لم تسطعها الأضالع # يقول: خبر الناعي بموت أبي المقدام فدير بي، وأصبحت الدنيا مظلمة في ~~عيني، وأورث خبره صمما في أذني، فلا الأذن تأذن للكلام على ما كانت تعمل، ~~ولا العين تدرك المرئيات إدراكها من قبل، كل ذلك لتأثير نعيه في الحواس ~~التي هي طرق العلوم وتبين المشاهدات. وبعد ذلك أقبل الدمع يسيل في إثر ~~زفرات اتصلت وتعاقبت، وكل واحدة منها لامتلاء الصدر بها كادت الضلوع تستقيم ~~لورودها. والزفرة: أن يتردد النفس في الصدر ثم يمتلىء منه ويزفر به، أي ~~يرمى. وقد أومأ أبو تمام إلى هذا المعنى وإن يصرح تصريحه في قوله: # وما للدار إلا كل سمح ... بأدمعه وأضلعه سخى # فأما أبو عبادة ففي قوله: # ووراءهم صعداء أنفاس إذا ... ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع # قد بالغ في الإبانة كل المبالغة. وقوله استكت على المسامع فالمسامع: جمع ~~المسمع بكسر الميم، وهو الأذن. والمسمع، بفتح الميم: موضع السماع وقوله ~~استكت من قولهم بئر سكوك، إذا كانت ضيقة الخرق. فإذا أريد الصمم وقيل استكت ~~أذنه فحيقتة ضاق صماخا، وهو الخرق الباطن المفضى إلى الرأس. ### || وقال آخر: # قد كان قبلك أقوام فجعت بهم ... خلى لنا هلكهم سمعا وأبصارا # أنت الذي لم يدع سمعا ولا بصرا ... إلا شفا فأمر العيش إمرارا # PageV01P613 # قوله فجعت بهم الجملة في موضع الصفة لقوله أقوام. وخلى ms0500 لنا هلكهم، في ~~موضع خبر كان. والمعنى: قد فجعت فيما مضى من الزمان بأقوام جزعت لهم بل ~~هلعت، وأقمت الرسم في البكاء عليهم بل أسرفت، فبقى الفجع بهلاكهم لي ولمن ~~تبعني واقتدى بي، السمع والبصر بعدهم، فزجينا الوقت مستمتعين بما سلم من ~~حواسنا، وعائشين مع الناس في باقي عمرنا؛ فلما أصبنا بك لستنفدت قوانا، ~~واستنزلتنا عن ذخائر صبرنا، فبطلت طرائق العلوم منا، وتناهت في العجز عنا ~~حواملنا إلا شفا، فطالت شقوتنا، وأمر عيشنا. والشفا: الباقي من الشيء ~~القليل. ويقال: ما بقى من النهار إلا شفا، أي مقدار ما بين الليل والنهار ~~حين غربت الشمس. # وقوله لم يدع بالياء، هو أقيس الروايتين؛ لأن الصلة جاءت على حدها مع ~~الموصول. وإذا رويته بالتاء فعلى الخطاب، وساغ لأن المخاطب والذي مرجعهما ~~إلى شيء واحد، وقد مضى مثله، فاعلمه. وقال المازني: لولا كثرة مجيئه ~~لرددته. ومثله: # أنا الذي سمتن أمي حيدرة # وقال سمعا وأبصارا لأن السمع اسم الجنس، فهو كالجمع. ### || وقال نهشل بن حري # بنفسي خليلاي اللذان تبرضا ... دموعي حتى أسرع الحزن في عقلي # تعلق الباء من بنفسي بفعل مضمر دل عليه جلية الحال، وقرينة الكلام، كأنه ~~قال: أفدى بنفسي من أخاله. ومعنى تبرضا أفنيا دموعي شيئا فشيئا، وقليلا ~~قليلا؛ لأن التبرض التبلغ والتطلب من ها هنا وها هنا. وماء برض، أي قليل. ~~وبرض لي من ماله برضا، إذا أعطاك القليل. قال: # لعمرك إنني وطلاب سلمى ... لكالمتبرض الثمد الظنونا # PageV01P614 # والمعنى فديت بنفسي صديقي اللذين نضب في البكاء لهما دموعي، وتأدى إلي ~~الحزن إلى أن عمل في عقلي فأزاله، فدمعي وصبري مستنفدان لتأثير الفجيعة ~~بهما. وجعل الفعل في تبرضا للخليلين، وحق الكلام تبرض الحزن لهما والبكاء ~~عليهما دموعي، إلى أن أسرعا في عقلي فصار والها. # ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي # قوله ما عشت في الناس أي مع الناس ومختلطا بهم، فموضع في الناس نصب على ~~الحال، والكلام جواب لولا، وخير المبتدأ الذي هو الأسى محذوف استغنى عنه ms0501 ~~بجواب لولا، والمعنى لولا أن لي بالناس إسوة في مصائبهم، فأورثني ذاك ~~تماسكا وصبرا، لقتلت نفسي فلم أعش ساعة من عمري، ولكن متى شئت وجدت لنفسي ~~أقرانا إن دعوتهم أجابوني، وإن استسعدتهم أسعدوني. والإسعاد، قال الخليل: ~~يستعمل في المساعدة على البكاء خاصة، ومثله: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي ### || وقال أيضا: # أغر كمصباح الدجنة يتقى ... قذى الزاد حتى يستفاد أطايبه # الدجنة: الظلمة؛ وليلة مدجان. والدجن: إلباس الغيم؛ ويقال: هو يوم دجن. ~~وأراد بقوله أغر إنه كريم نقي العرض أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤه ونور ~~وجهه وتهلله مصباح الظلام. ومعنى " يتقي الزاد " أنه يزهد في خبائث الزاد ~~وما يشين أخذه وتطعمه، إلى أن يستفيد الطيبات منه. ويشير بقذى الزاد إلى ما ~~يفيء عليه غدر أو غلول، أو مخانة أو ابتذال. ويشير بالطيب إلى ما كان من ~~حله ووجهه، لا عار في اكتسابه، ولا بذلة في احتجانه. وبعض الناس روى: قدى ~~الزاد، والقدى: # PageV01P615 # الرائحة الطيبة، يقال قدر قدية، إذا كانت طيبة الرائحة. كأن المراد عنده: ~~لا يتشمم الزاد ورائحته حتى يتيقنه طيبا. والأول الأصح والأجود، وذلك أنه ~~أراد بالقذى الخبيث، وقد طابق الطيب به، كما قال الآخر: # وما كان زادي بالخبيث كما زعم # وذكر القدى مستبعد ها هنا، ولا فائدة في إبقائه له، ويغلب في ظني أنه ~~تصحيف. # وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا لاقيت امرأ مات صاحبه # أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه # يقول: خفف وجدي بخليلي لما أصبت له أئتسائي بغيري من الناس، لأني متى شئت ~~لاقيت من امتحن بمثل محنتي. ثم قال أخ ماجد أي خليلي وصاحبي أخ ماجد، لم ~~يهني يوم حفل ولم يخذلني عند احتشاد وجمع، ولا جلب علي في مشهد من المشاهد ~~ما أستحيى منه أو أخزى له، بل كان لي عند ما أدعوه له مجيبا، وفي الشدائد ~~عوانا وظهيرا، لا يتغيب عني ولا يفتر معي، كصمصامة عمرو، له نفاذ حيث ~~أعمله، ومضاء عند ما يهزه، لا يخون ms0502 ولا يرتد، فكذلك كان صاحبي. وارتفع قوله ~~أخ ماجد على أنه خبر مبتدأ مضمر. وقوله كما سيف عمرو لو رويت كما سيف عمرو ~~لجاز، تجعل ما صلة وينجر السيف بالكاف. ومثله قوله: # كما العظم الكسبر يهاض حتى ... يبت وإنما بدأ انصداعا # تجر العظم بالكاف، وإن رفعته كان مبتدأ، وكذلك إذا رفعت سيف، ويكون ما من ~~قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله عز ~~وجل: " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ". والضمير من قوله لم يخنة ~~يرجع إلى عمرو، ويجوز أن يرجع إلى السيف أيضا. # PageV01P616 ### || وقال أسود بن زمعة # أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود # فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود # ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا # كان السبب في قول الأسود هذا الشعر أن قريشا كانت حرمت البكاء على أنفسهم ~~لقتلى بدر، لئلا يشمت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهم، وكان الأسود ~~قد فجع بابنه زمعة، إذ كان من قتلى ذلك اليوم، فافتدى بالناس في ترك البكاء ~~عليه، فاتفق أن كانت له مشربة فتنزه ومضى إليها فسمع بكاء امرأة فقال ~~لأصحابه: انظروا فإن كان البكاء قد حلل، حتى نبكي نحن أيضا زمعة، فرجع إليه ~~وقيل: إنه بكاء امرأة ضل لها بعير. فقال هذا الشعر منكرا لبكائها ومستعظما. # وقوله أتبكي أن يضل لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار. وقوله أن ~~يضل: أراد من أن يضل، وهم يحذفون حرف الجر من أن كثيرا. والسهود: امتناع ~~النوم؛ ورجل مسهد، إذا كان قليل النوم. ولم يرض بأن أنكر البكاء عليها، ~~وترك النوم لفقدان بعيرها، حتى نهاها فقال: # فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود # يريد أن الذي يجب البكاء له ما جرى على رؤساء قريش وأرباب الجدود فيهم ~~ببدر، وأن الحيف العظيم والخسران المبين والغبن الشديد في ذاك، لا في ضلال ~~بكر. وبدر: اسم بئر اتفقت الوقعة عندها. وقوله تقاصرت الجدود من ms0503 فصيح ~~الكلام، وهو تفاعل من القصور والعجز، لا القصر الذي هو ضد الطول، كأنه ~~تبارت في القصور، يدل على ذلك أنه يقال قصرت كذا على كذا، إذا حبسته عليه ~~ومنعته من الذهاب عنه حتى صار كالعاجز عن غيره. ويقال أيضا قصرته على كذا، ~~إذا رددته دون ما أراد. ومنه القصر في الصلاة. ويقال تقاصرت إلى فلان نفسه ~~ذلا. وقصر السهم عن الهدف فهو قاصر. ولا يمتنع - وإن كان الأول هو الوجه - ~~أن يجعل من # PageV01P617 # القصر، ويكون ضد تطاولت، ويكون على موضوعا موضوع الباء، كما يقال: هم على ~~ماء كذا وهم بماء كذا. # وقوله ألا قد ساد بعدهم رجال يريد أن أهل السيادة انقرضوا وبادوا في ذلك ~~اليوم، فعادت إلى من لا يستحقها ولم يكن لها بأهل. ومثل هذا وإن كان أغمض ~~منه قول الآخر: # وألحقنا الموالي بالصميم ### || وقال الأسدي وخبره في منادمته معروف: # خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما # قوله طال ما يجوز أن يكون ما الكافة وقد ركب مع طال تركيبا واحدا حتى ~~صارا معا كالشيء الواحد. ويجوز أن يكون ما منفصلا من طال، ويكون مع الفعل ~~الذي بعده في تقدير المصدر، كأنه قال: طال رقودكما. فإذا كتب المركب مع ما ~~يجب أن يوصل أحدهما بالآخر، وإذا كتب الثاني يفصل بين طال وبين ما. وأجدكما ~~انتصب على المصدر، ذكره سيبويه في باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما ~~قبله. قال: ومثله في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا، كأنه قال أجدا. غير أنه ~~لا يستعمل إلا مضافا، فهو يجري في التأكيد مجرى حقا. وفي الإضافة: جهدك، ~~ومعاذ الله، والمعنى: أتجعلان فعلكما جدا. وقوله لا تقضيان كراكما كأنه لما ~~اتصل رقادهما ودل على حاليهما في امتداده قوله هبا، وقوله طالما قد رقدتما، ~~جعل النفي بلا، ليدل على اتصاله في الاستقبال، وأن سؤاله عما يجيء لا عما ~~هو فيه. ولو جعل بدل " لا " ما، كان للحال. ومعنى البيت: يا خليلي انتبها ~~فقد امتد رقادكما. # PageV01P618 # وأتجدان جدكما في أن ms0504 كراكما بعد لا منتهى له ولا انقضاء، بل يتصل ويدوم. ~~وقوله طالما قد رقدتما يكتفى به إذا كان المتقدم من الكلام يشتمل على ما قد ~~استطيل. وعلى ذلك عزما، وشدما. # ألم تعلما مالي براوند كلها ... ولا بخزاق من صديق سواكما # قوله ألم هو لم أدخل عليه ألف الاستفهام، والاستفهام كالنفي في أنه غير ~~موجب، ونفي النفي إيجاب، لذلك قرر بألم فيما كان واجبا واقعا، لأنه يتضمن ~~من التحقيق والتثبيت في التقرير، وتأكيد المقرر على المخاطب، مثل ما يتضمنه ~~القسم لو أتى به بدله؛ لذلك عقبه بما يعقب به القسم، وهو ما النافية. وقد ~~تقدم القول في قول القائل: الله يعلم ويعلم الله، والله يشهد؛ أن جميع ذلك ~~يستعمل استعمال الأيمان. وكذلك قول القائل: # ولقد علمت لتأتين منية ... ما بعدها خوف علي ولا عدم # فقوله ولقد علمت جار مجرى اليمين فيما ذكرت من التأكيد، لولا ذلك لما عقب ~~بما يكون جواب اليمين. وقوله ألم تعلما أصله تعلمان، ودخلت ألم للتقرير. ~~وقوله مالي براوند في موضع المفعول لتعلمان، لأن تعلم ها هنا في موضع تعرف، ~~كقوله تعالى: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت "، وكذلك: لقد علمت ~~لتأتين، أصله لتأتين ودخلت علمت ليؤكد بها، لأنك أخرجت الكلام بها من أن ~~يكون على سبيل التظني أو من خبر مخبر فيكون إحالة عليه. واللام من لتأتين ~~له الصدر، فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأتين له الصدر، ~~فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأنين نصبا على أنه مفعول ~~علمت، وعلمت بمعنى عرفت. وقوله من صديق في موضع الرفع على أن يكون اسم ما. ~~وفائدة من الاستغراق، وسواكما في موضع غير، وهو صفة لصديق. والكلام هو ~~استبطاء في استمرار رقادهما عنه، وغفلتهما مما هو بسبيله، وباطنه تلهف ~~وتوجع. # أقيم على قبريكما لست بارحا ... طوال الليالي أو يجيب صداكما # أصب على قبريكما من مدامة ... فإن لم تذوقاها أبل ثراكما # PageV01P619 # يقول: أصل مقامي على قبريكما باتصال الليالي ودوامها، ولا أبرح إلا ms0505 أن ~~يجيبني صداكما. وقوله لست بارحا في موضع الحال، كأنه أراد: أقيم ملازما ~~أبدا. وطوال انتصب على الظرف، والعامل فيه يجوز أن يكون بارحا، ويجوز أن ~~يكون أقيم. فأما قوله أو يجيب فأو بدل من إلى، والفعل بعده انتصب بأن ~~مضمرة. والعرب تقول: عظام الموتى تصير أصداء وهاما، لذلك قال: أو يجيب ~~صداكما. # وقوله أصب على قبريكما من مدامة من أفاد التبعيض، وموضع من مدامة نصب على ~~أنه مفعول أصب، والمعنى أجريكما في المنادمة والشرب مجراكما وأنتما حيان، ~~فإذا عادت النوبة إليكما أصب ما نابكما من المدامة على قبريكما، لأنه إن لم ~~يبل ريقكما رطب قبريكما. وقوله أبل يجوز أن تبنيه على الفتح والضم والكسر، ~~لأنك تدغم وإن كان معربا، فيلتقى بنقل الحركة عن العين إلى الفاء ساكنان، ~~ثم يبنى على الكسر لأنه أصل في التقاء الساكنين، أو على الفتح لخفته، أو ~~على الضم للإتباع. ولا خلاف في إدغام المعرب من كل العرب، فأما المبني فبعض ~~يظهر التضعيف فيه فيقول: أردد، وبعض يقول رد فيدغم وإن كان مبنيا، إلا أن ~~الأصل في الإدغام للمعرب، ثم حمل المبني عليه فاعلمه. # وأبكيكما حتى الممات وما الذي ... يرد على ذي عولة أن بكاكما # قوله وما الذي يرد على ذي عولة يجري مجرى الالتفات. وقوله إن بكاكما إذا ~~فتحت الهمزة يكون موضعه من الإعراب الرفع على أن يكون فاعل يرد، لأن أن مع ~~الفعل في تقدير المصدر، وإن رويت إن بكسر الهمزة كان شرطا وجوابه يدل عليه ~~ما تقدمه، وفاعل يرد ما يدل عليه أبكيكما من مصدره، كأنه قال: وما الذي يرد ~~البكاء على ذي عولة إن بكاكما. على ذلك قولهم: من كذب كان شرا له، ومن صدق ~~كان خيرا له يريدون كان الكذب شرا له والصدق خيرا له. والمعنى: أبكيكما ما ~~اتصل عمري. ثم قال كالملتفت إليهما على طريق اليأس: وما يغني البكاء عن ~~المعول إن بكاكما. فقوله " ما " استفهام ومعناه للإنكار. والعويل: صوت ~~الصدر، ومنه العولة، وقد أعولت المرأة. # PageV01P620 ### || وقال عبد الملك ms0506 بن عبد الرحيم الحارثي # إبى لأرباب القبور لغابط ... لسكني سعيد بين أهل المقابر # وإني لمفجوع به إذ تكاثرت ... عداتي ولم أهتف سواه بناصر # قوله سكني أن تسكن إنسانا منزلا بلا كراء، والمنزل سكن ومسكن؛ وهو مصدر ~~كعذرى وبشرى. ومعنى البيت: إني أغبط الموتى لحصول سعيد فيما بينهم، فإن ~~الجمال الذي كان للأحياء بمقامه فيهم كأنه انتقل إلى الأموات عنهم؛ وإنى ~~لمتبين تأثير الفجع به، وشدة فاقتي إليه، إذا تزاحم الأعداء وتبالغوا في ~~قصدي، ولا يكون لي من أستنصره عليهم غيره. وقوله سواه في موضع النصب على ~~أنه استثناء مقدم. ويقال هتف هتفا وهتافا. والهتف: الصوت الشديد، وقوس ~~هتفي، والحمام تهتف. وهتف به وصاح به، إذا دعاه. # فكنت كمغلوب على نصل سيفه ... وقد حز فيه نصل حران ثائر # النصل: اسم حديدة السيف، لذلك صلح إضافته إلى سيفه وإن كان قد يستعمل ~~استعمال السيف. ألا ترى أنه قال: وقد حز فيه نصل حران. يقول: كان عدنى على ~~الدهر وسلاحي على أعدائي، فلما فقدته والأعداء بالمرصاد لي، صرت كان غلب ~~على سيفه وسيف عدوه قد خرج عليه كطالب ثأر وكبده حرى، لشدة عداوته واستحكام ~~غيظه يعمل فيه، وينفذ في الضريبة منه، والمراد: كنت كمن غلب على عدته أشد ~~ما كان حاجة إليها، وحين تمكن العدو وهو تام الآلة، مكين القوى في ~~المنازلة. # أتيناه زوارا فأمجدنا قرى ... من البث والداء الدخيل المخامر # وأبنا بزرع قد نما في صدورنا ... من الوجد يسقى بالدموع البوادر # يقول: جئناه زائرين فوسع قرانا من الحزن والداء المتمكن من القلب، ~~المخامر له. والمخامر مأخوذ من الخمر، وهو ما واراك من الشجر وغيره. وإذا ~~كان كذلك فهو أبلغ من قوله الدخيل، لأنه يفيد في الموصوف فائدة أكثر من ~~الدخول، إذ كان # PageV01P621 # المراد به دبيبه في أثناء القلب وأطباقه، وذهابه في أجزائه وأضعافه، وليس ~~في الدخيل هذا المعنى. ويقال أمجدت الدابة العلف، إذا أكثرت له. # وقوله وأبنا بزرع قد نما في صدورنا نبه بهذا الكلام على أن حزنه يزيد على ~~مر الأيام، ms0507 فهو كالزرع النامي، وأن سقياه الدموع. ومعنى البوادر المستبقة ~~لكثرتها وغلبتها. وأصل الزرع الإنبات. والزرعة: البذر. لذلك قال الله عز ~~وجل: " أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ". وازدرع، إذا زرع أو أمر به لنفسه ~~خاصة. ويقال: زرع لفلان بعد شقاء، إذا أصاب مالا بعد الحاجة. فإن قيل: كيف ~~قال أمجدنا قرى والميت لا يعمل شيئا؟ قلت: لما جعله مزورا أقام له قرى ~~لزائره على عادته وهو حي. وهذا المعنى من كلامه أبين وأظهر من كلام عبدة بن ~~الطبيب لما قال: # إذا زار عن شحط بلادك سلما # ولما حضرنا لاقتسام تراثه ... أصبنا عظيمات اللهى والمآثر # وأسمعنا بالصمت رجع جوابه ... فأبلغ به من ناطق لم يحاور # اللهى: أفضل العطايا وأجزلها، والواحدة لهية ولهوة؛ ومه اللهوة التي تلقى ~~في الرحى. يقول: لما اجتمعنا لنقتسم تركته فيما بيننا لم نجد له إلا ما ~~كسبه عطاياه من المآثر الكريمة. فأضاف عظيمات إلى اللهى والمآثر جميعا، وهي ~~جمع مأثرة، وهي ما يؤثر من المحامد والمعالي ويذكر. ويجوز أن يريد ~~بالعظيمات المفاخر التي ادخرها له اللهى، ويكون اللهى حينئذ الأموال ~~الكثيرة. ويجوز أن يكون المراد بالمآثر الأعلاق الثمينة، والنفائس الكريمة، ~~التي فرقها في حياته، وآثر غيره بها. وقوله وأسمعنا بالصمت رجع جوابه أي ~~مرجوع جوابه، كما قال غيره: " اسأل الأرض، أين من شق أنهارك، وغرس أشجارك، ~~وجنى ثمارك؛ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا "؛ وكما قال الآخر: # وعظتك أجداث صمت # PageV01P622 # ومثله: # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا ### || وقالت امرأة من بين شيبان # وقالوا ماجدا منكم قتلنا ... كذاك الرمح يكلف بالكريم # بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم # انتصب ماجدا على معنى أنه مفعول مقدم، ومنكم في موضع الصفة له. وموضع ~~ماجدا منكم قتلنا الجملة موضع المفعول لقوله قالوا. وقوله كذاك الرمح جواب ~~لهذا الابتداء، كأنه قال: فأجيبوا: الرمح يكلف بالكريم كذلك، فأشير بذاك ~~إلى الخبر الذي اقتصوه. والكاف من كذاك كاف الخطاب لا موضع له من الإعراب. ~~وتلخيص الكلام: الرمح يكلف بالكرام كلفا ms0508 مثل ذلك الكلف. والعامل في كذاك ~~يكلف. والمعنى: تنادوا: قتلنا ماجدا منكم؛ فأجيبوا: الرمح يعشق الكرام ~~ويولع بهم مثل ذلك. وأكثر ما يجيء الجواب في إثر السؤال من واحد في القرآن، ~~كقوله تعالى: " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ". وقد ألم في هذا البيت ~~بقوله طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # وقوله بعين أباغ قاسمنا المنايا مثله قول الآخر: # وقاسمني دهري بني بشطره # كأنه كان للمنايا نصيب فيهم فقاسمتهم على نصيبها فوقع إليها خير ~~النصيبين. والمعنى: اختارت منهم الأمثل فالأمثل، وغادرت الفل منهم ~~والمسترذل. وقوله قسيم # PageV01P623 # يكون في معنى مقسوم، وقد يكون القسيم المقاسم، وليس هذا موضعه. ولك أن ~~تروى قاسمنا المنايا بسكون الميم، ويكون المنايا في موضع المفعول، ولك أن ~~تفتح الميم وتجعل المنايا فاعلة؛ والمعنى فيهما متقارب. وكانت الوقعة بعين ~~أباغ، فلذلك خصه بالذكر، وقاسم يقتضي مفعولا آخر، كأنه قال: قاسمنا المنايا ~~الناس أو الأصحاب. وقوله قسيمها، كقولك نصيبها. وخير القسيم كقولك خير ~~الأنصباء. وأنشد ابن الأعرابي في هذه الطريقة: # إذا ما المنايا قاسمت بابن مسحل ... أخا واحد لم يرض نصفا قسيمها # فآب بلا قسم وآبت بقسمها ... إلى قسمه لاقت قسيما يضيمها # كأنه كان للمنايا نصيب في أخيه، فقاسمته وأخذت نصيبه إلى نصيبها، وآب هو ~~بلا نصيب. ثم دعا على المنية فقال: قيض الله لها قسيما يظلمها كما ظلمتني. ### || وقال عتي بن مالك # أعداء من لليعملات على الوجى ... وأضياف ليل بيتوا لنزول # أعداء ما للعيش بعدك لذة ... ولا لخيل بهجة بخليل # أعداء ما وجدى عليك بهين ... ولا الصبر إن أعطيته بجميل # ناداه مسائلا له على طريق التوجع: من خلفت بعدك للوراد، وعلى من اعتمدت ~~في تفقد الأضياف. واليعملات: النوق السراع. والوجى هو الحفى. وقال الخليل: ~~اليعملة لا يوصف بها إلا النوق. وقال أبو سعيد: يقال للجمل يعمل، اسم له من ~~العمل، كما يقال يعملة، وأنشد: # إذ لا أزال على أقتاد ناجية ... صهباء يعمله أو يعمل جمل # أراد أو جمل يعمل. وموضع على الوحى نصب ms0509 على الحال، كأن فناءه وداره كان ~~مألفا للعفاة ومجمعا للأضياف، فإذا أرادوا من يؤويهم لم يؤثروا تطلبا على ~~قصده، ولم يجدوا تطلقا وتوفرا إلا من عنده، فقال على طريق التحسر: من يؤوي ~~الأضياف وقد بهرهم السعي وأتعبهم الطلب غيرك، ومن ينزل السفر وقد أكلهم ~~التعب # PageV01P624 # وأملهم الدأب حتى حفيت رواحهم، وحتى بيتوا لنزول، ميلا إلى نيل راحتهم. ~~ويقال بيت الأمر، إذا دبره بالليل. وكل رأي أجلته بليل فهو مبيت. وماء ~~بيوت، إذا بات ليلة في الإناء. وبيت القوم، إذا أوقعت بهم ليلا. ويقال ~~للهم: هو بيوت، وللصقيع بيوت. # وقوله أعداء ما للعيش بعدك لذة يصفه فيه بأنه كان ببليغ لطفه وجميل خلقه، ~~وسهولة جانبه ورحابة جنابه، يطيب العيش معه على ما يعترض فيه من مساءة أو ~~مسرة، إذ كان يتحمل الأعباء عمن يجاوره، ويخفف ظهر من ينصب إليه، أو يتسبب ~~بقرابة لديه، أو يتوكل لمخلة عليه، فكان لذيذ الحياة يوجد عنده، وصفى ~~البقاء يحصل معه. وقوله ولا لخليل بهجة بخليل يعني أن الناس وقد رأوا مآل ~~أمرك إلى الفناء، وانقطاع السرور عنهم بعد النماء، صار لا يبتهج بعضهم ~~ببعض، فلا يسكن الصديق إلى صديقه، ولا القريب مع قريبه، لغلبة اليأس من ~~الخير، وارتفاع الطمع من الفرج. # وقوله أعداء ما وجدى عليك بهين كرر مناداته دلالة منه على لزوم التوجع، ~~وتنبيها على حصول العناء والاشتكاء بعد التودع. ثم قال: ليس جزعي عليك ~~بخفيف، ولا وجدي عليك بطفيف، ولا صبري لو حصل بجميل، لأن الصبر على فقدك ~~منكر، وهون الوجد وخفته مستفظع، فليس لنا إلا الاستمرار فيما نحن بسبيله من ~~اللهف والحسرة والاستسلام للشقاء والهلكة. ### || وقال أيضا: # كأني والعداء لم نسر ليلة ... ولم نزج أنضاء لهن ذميل # ولم نلق رحلينا ببيداء بلقع ... ولم نرم جوز الليل حيث يميل # أدخل الألف واللام ي هذه المقطوعة على العداء لأنه صفة في الأصل، فهو ~~كالحسن والعباس وما أشبههما، فإذا أتيت به ولا ألف ولام فيه فلأنك جعلته ~~علما، فصار معرفة بالعلمية، وإذا أدخلت الألف واللام ms0510 عليه فإنك راعيت حاله ~~وهو صفة ثم جعلتها نفس المسمى وأدخلت الألف واللام عليه. فعلى الأول لا ~~يفيد الاسم في المسمى شيئا أكثر من تمييزه عن غيره، وعلى الثاني أفاد معنى ~~الوصيفة فيه مع التمييز، فصار كالصفات الغالبة الجارية مجرى الألقاب في ~~الخصيص. # PageV01P625 # وقوله كأني والعداء لم نسر ليلة يريد أن الشيء إذا انقطع فكأنه لم يكن. ~~والمعنى أنى وقد فقدته فكأني وإياه لم نصطحب في قطع مسافة، ولم نشترك في ~~سوق أنضاء من الإبل لتحمل كلفة، أو صبر على مشقة. ونبه بهذا الكلام على ~~تبذله - كان - فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة، وإن تكلف فيه الأثقال العظيمة. ~~والذميل: إسراع السير. والأنضاء: جمع النضو. وقال الدريدي: يقال: ذملت ~~الناقة ذميلا وذملانا، وهو ضرب من السير أعلى من العنق، وناقة ذمول. ~~والإزجاء: السوق. # وقوله ولم نلق رحلينا لو قال رحالنا لكونهما اثنين من اثنين، فجرى مثل ~~قوله تعالى: " فقد صغت قلوبكما " كان أدخل في الاستعمال، لكنه أتى به على ~~الأصل. والبيداء: المفازة. والبلقع: القفر الخالي. والمعنى على ما تقدم في ~~البيت الذي قبله، من الصبر على الشدائد. # وقوله ولم نرم جوز الليل حيث يميل أراد حيث يميل الليل. وحيث هذا ظرف ~~زمان. يريد فكأنا لم نرم بأنفسنا جوز الليل وقت ميله. يشير إلى جنوحه ~~وإشرافه على تهوره، لأن ميله على ذلك يكون. ومما جاء فيه وهو للزمان دون ~~المكان عند أبي الحسن الأخفش قوله: # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه # لأن المعنى: للفتى عقل يعيش به مدة سعيه وحياته؛ ونهوضه بساقه في أمره. ~~ويجوز أن يكون حيث ظرفا لمكان، ويكون المعنى: إنا نعتسف الطريق فحيث مال ~~الليل ملنا معه. ويجوز أن يكون فاعل يميل ما دل عليه " ولم نرم " من ~~المصدر، ويكون المعنى حيث يميل الرمي ويذهب فيه. ### || وقال أبو الحجناء # أضحت جياد ابن قعقاع مقسمة ... في الأقربين بلا من ولا ثمن # ورثتهم فتسلوا عنك إذ ورثوا ... وما ورثتك غير الهم والحزن # PageV01P626 # القعقاع والقعقعاني: الذي إذا مشى سمع لمفاصله تقعقع. وأراد ms0511 بالأقربين ~~وراثه، وبالجياد خيله. فيقول: أضحت خيله مفرقة في وراثه، وهم لا يعتدون له ~~بها ولا يبتاعونها، فتكون له المنة أو الثمن. ثم قال: ورثتهم فنسوك اشتغالا ~~بالإرث، وتسليا عنك بالمال، وأنا باق على ما كنت عليه من التحزن والاهتمام ~~لا إرث لي غيرهما. وهذا كلام متأسف ومستنكر من أقاربه ما يراهم عليه من ~~نسيانه والسرور بما فازوا به من ماله. والسلو: طيب النفس عن الشيء. وفي ~~تسلى من التكلف ما ليس في سلاه. ### || وقال آخر: # لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل ... غداة الوغى أكل الردينية السمر # لعمري لقد أرديت غير مزلج ... ولا مغلق باب السماحة بالعذر # سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر # المحمود محذوف، كأنه قال: نعم الفتى فتى أضحى. وانتصب أكل على أنه خبر ~~أضحى، وبأكناف حائل ظرف مكان. وغداة الوغى ظرف زمان، وتعلقا جميعا بأضحى. ~~ويجوز أن يجعل بأكناف حائل الخبر، وينتصب أكل على الحال. ولا يمتنع أن ينصب ~~غداة بما دل عليه بأكناف حائل من الفعل المضمر. ويجوز أن يكون العامل فيه ~~أكل، لأنه ليس بمصدر فلا يعمل الفعل المضمر. ويجوز أن يكون العامل فيه أكل، ~~لأنه ليس بمصدر فلا يعمل ما في صلته فيما قبله. والأكل: الطعم، وإضافته إلى ~~الردينية لم تفد فيه اختصاصا. ألا ترى أن فائدته وهو مضاف مثل فائدته لو ~~نون فقيل أكلا للردينية. ومثله قيد الأوابد وما أشبهه. ومعنى البيت: محمود ~~في الفتيان فتى حصل بجانب هذا الوادي غداة الحرب طعما للردينية السمر. وأصل ~~الوغى الجلبة والصوت. واللام من لنعم جواب قسم مضمر. # وقوله لعمري لقد أرديت غير مزلج أقبل عليه يخاطبه بعد أن كان يخبر عنه، ~~على عادتهم في افتنانهم في الكلام، وكأن الخطاب أدل على التحسر والتوجع من ~~الإخبار، ولذلك عدل إليه. واللام في لعمري لام الابتداء. وخبر المبتدأ ~~محذوف، كأنه قال: لعمري قسمي. واللام من لقد جواب اليمين، والمعنى: وبقائي ~~لقد أهلكت غير ضعيف ولا جبان وقت المدافعة والممانعة فتضيع محفوظا، ولا ~~متشددا على تزاحم ms0512 المحتدين والسؤال، بإقامة المعاذير والعلات، فتغلق ~~للسماحة بابا مفتوحا. # PageV01P627 # وقوله سأبكيك لا مسبقيا فيض عبرة يريد أن بكاءه يتصل إلى أن يستنفد مواد ~~دمعه، وأنه لا يطلب بتكلف الصبر ما يتعقبه من التسلي. فقوله بالصبر أراد ~~بتكلف الصبر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وذاك أن الإنسان إذا ~~تصبر فيما يدهمه مدة، وتماسك به برهة، أداه مرور الأوقات إلى أن يتسلى؛ ~~فعاقبة الصبر هو التسلي، فإذا تسلى عاد طمعه فيما يرجى، وحذره مما يخشى، ~~إلى ما كان أو أشد، وذلك حال من لا هم له. ### || وقال خلف بن خليفة # أعاتب نفسي إن تبسمت خاليا ... وقد يضحك الموتور وهو حزين # انتصب خاليا على الحال من أعاتب. وأن تبسمت بفتح الهمزة معناه لأن تبسمت، ~~ومن أجل تبسمى. ولك أن تكسر الهمزة من إن فيكون شرطا ويكون جوابه ما دل ~~عليه أعاتب نفسي. والمعنى: إذا خلوت بنفسي أبسط العتب عليها لما يتفق منها ~~في الملأ من متابعة الناس على تصرفهم في المؤانسة والمضاحكة، وطلب موافقتهم ~~عند المفاكهة والمحادثة. هذا وليس ذاك لداعية سرور، ولا لباعثة ابتهاج ~~وحبور. ثم قال وقد يضحك الموتور وهو حزين يريد أن الموتور وإن تناهى حزنه، ~~واشتد قلقه وبثه، فقد يضحك قطعا لشماتة شامت، وتجلدا مع عدو مكافح، أو جريا ~~على عادة، أو استمرارا عفي إقامة موافقة، ولا يعد ذلك منه إخلالا بواجب ~~الهلع، ولا إغفالا للوازم الجزع، والضحك أبلغ من التبسم، فكذلك أنا وإن ~~تبسمت لضرب من تلك الضروب، فطلب الوتر والقيام بسنة الحزن نصب عيني، وأهم ~~الأمور إلي. # وبالدير أشجاني وكم من شج له ... دوين المصلى بالبقيع شجون # ربي حولها أمثالها إن أتيتها ... قرينك أشجانا وهن سكون # كذا الهجر أنا لم يضح لك أمرنا ... ولم يأتنا عما لديك يقين # الأشجان: جمع الشجن، وهو الحزن، وفي أدنى العدد، والشجون جمعه الكثير. ~~وقوله ربي حولها أمثالها موضعه رفع على أنه بدل من قوله شجون. ويعنى بها ~~القبور المسنمة. وحولها أمثالها صفة للربى. وما أشار إليه من المماثلة يعني ~~في ms0513 # PageV01P628 # الصورة والغناء جميعا. وقد ألم في هذا بقول الآخر: # فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك # وإنما يريد أن قبور أحبته بالدير وقبور أحبة من يأتسي بهم من المفجوعين ~~ببقيع الغرقد، لأن أولئك ماتوا حتف أنفهم وفي أماكنهم، فدفنوا في مقابرهم، ~~وأصحاب الشاعر قتلوا وتغربوا فدفنوا ثم. والكلام توجع وتلهف. وقوله دوين ~~المصلى تحديد للمقبرة، وتقريب لها من المصلى، لذلك قال دوين فصغر دون. وعلى ~~ذلك تصغيرهم لقبيل وبعيد وفويق. وقوله إن أتيتها قرينك أشجانا مثل قول ~~الآخر: # أتيناه زوارا فأمجدنا قرى ... من البث والداء الدخيل المخامر # وأضاف إليه معنى البيت الآخر بقوله " هن سكون " وهو " وأسمعنا بالصمت رجع ~~جوابه ". وقوله كذا الهجر يجوز أن يشير بذا إلى ما قدمه، ويجوز أن يكون وضع ~~حرف الإشارة والمشار إليه يجيء من بعد على طريق التفسير له، والترجمة منه. ~~والمراد ما بيننا من استعجام الأخبار، وذهاب لالتقاء والاجتماع، على انصال ~~التزاور إذا فعل، أشبه شيء بالهجران؛ وذلك ما لم يدخل بيننا في شيء من ~~الأوقات والأحوال. وهذا تحسر آخر جديد، وتلهف شديد. ### || وقال عبد الله بن ثعلبة الحنفي # لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد # وما إن يزال رسم دار قد اخلقت ... وبيت لميت بالفناء جديد # هم جيرة الأحياء أما جوارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد # يقول على وجه التحزن والتفجع والتوجع: تساوت أحوال الناس في مقاساة ~~البلاء، ومعاناة الشقاء، لا تفاضل فيما بينهم ولا تمايز، يرون مصارعهم ~~بأفنيتهم، # PageV01P629 # وجنود الموت والفناء متسلطة على طوائفهم، تخترم الواحد بعد الواحد منهم ~~بلا حياء ولا رقبة، ولا استبقاء ولا رعة، وقد رضوا بحكمه وأخذه، واختياره ~~وقسمه، فعسفه عندهم رفق، وبطشه رحمة وعدل، يرون فرق أحيائهم على مرور ~~الأيام إلى تراجع وتناقص، ومصير مصانعهم ومساكنهم قريبا إلى البلى والتعطل، ~~ويجدون عدد الأموات إلى تزايد وتكاثر، ومقابرهم إلى عمارة وتوافر. هذا وقد ~~التزموا ما يجري عليهم التزاما، لا سخط فيهم ولا إنكار، ولا كراهة ولا ~~ملال؛ فلا المجاورة بين الفريقين تنقطع، ولا ms0514 المهاجرة ترتفع، ولا الأحوال ~~تتبدل، ولا العادة في جميعها تتغير؛ ففي كل قبيلة حدوث مصيبة، ونزول بليل؛ ~~وفي كل مجمعة تأثير فجيعة، ونكاية منية. فبماذا نستمسك ونعتصم من الفناء، ~~وعلى ماذا نعول ونعتمد في الرخاء، وكيف رضينا بتدان يبطله فناء، وتجاور بني ~~على تدابر، وأتى يستقيم البناء والتشييد، لمن ملكه النفاد والتشتيت، ومتى ~~يحصل السلو لمن هو مرتهن بتجديد الفقود. ### || وقال آخر: # لا يبعد الله إخوانا لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد # نمدهم كل يوم من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد # معنى لا يبعد الله لا يهلك الله. يقال بعد الرجل إذا هلك. فإن قيل: كيف ~~قال لا يبعد اله وقد عقبه بقوله أفناهم حدثان الدهر والأبد، وهل الهلاك إلا ~~الفناء؟ قلت: هذه اللفظة جرت العادة في استعمالها عند المصائب، وليس فيه ~~طلب ولا سؤال، وإنما هو تنبيه على شدة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع في ~~الفجع به. ألا ترى أن الآخر قال: # يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا # وأشار بقوله حدثان الدهر إلى النوائب والنكبات، وبقوله الأبد إلى نفس ~~الدهر؛ لأن من سلم من الآفات أداه مرور الأيام والليالي إلى الفناء والهرم. ~~أما سمعت قول القائل: # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء # PageV01P630 # والأموات على اختلافهم لا يخرجون من هذين الحكمين. وقوله نمدهم كل يوم من ~~بقيننا مثل قوله: # فهم ينقصون والقبور تزيد # إلا أنه زاد على ما قاله، حين قال: ولا يؤوب إلينا منهم أحد. ويجوز أن ~~يريد بقوله من بقيتنا من خيارنا. يقال: فلان من بقية قومه، أي من خيارهم. ~~ويكون مثل قوله: # أرى الدهر يعتام الكرام ويصطفى ### || وقال الغطمش الضبي # إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب # أخلاء لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب # صرف شكواه عن الناس إلى الله عز وجل، يأسا من معونتهم، وإشكاء يحصل من ~~جهتهم، ولأن الله تعالى هو الذي أجرى المقادير بما يتألم منه، من بقاء ms0515 ~~الأرض وفناء الأصدقاء. ثم قال أخلاء لو غير الحمام أصابكم، كأنه أقبل على ~~الذاهبين معتذرا إليهم من استسلامه للحكم الجاري عليهم، ومن عجز قواه عن ~~نصرتهم فيما أصابهم فقال: لو كان القاصد لكم غير الموت لتسخطت الحال ولم ~~يكن مني بها رضا، ولكن ما على الموت طريق للعتب، ولا فيه لي رجاء لإعتاب، ~~ورجوع باعتذار. وقوله أخلاء يروى أخلاى على قصر الممدود. والأجود أن يترك ~~مدته على حالها، وتحذف الياء من آخره في النداء، لأن الكسرة تدل عليه. وقد ~~ألم بقوله: # أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع # PageV01P631 ### || وقال أرطاة بن سهية # هل أنت أبن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الركب أو غاد غداة غد معي # وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع # عن الدهر فاصفح إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع # خاطب المرثى متلهفا على مفارقته، ومتحسرا في إثر الفائت منه، فقال: هل ~~تروح مع ركبان الإبل إن انتظرناك، وهل تغدو غداة غد معي إن أقمت لك. وهذا ~~تحزن وإظهار يأس، وبيان انقطاع ما بينهم من التألف والاجتماع، والتعاون ~~والاصطحاب. ومن روى غداتئذ فالمراد غداة إذ الأمر كذا، فحذف الجملة التي ~~أضيف إذ إليها لينشرح بها، لكون المراد مفهوما، ثم أتى بالتنوين عوضا من ~~الجملة المحذوفة ليستقل إذ به. # وقوله: # وفقت على قبل ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع # مثل ما تقدم من قول الآخر: # ربي حولها أمثالها إن أتيتها ... قرينك أشجانا # ............ # وقول الآخر: # أتيناه زوارا فأمجدنا قرى ... من البث والداء الدخيل المخامر # وقوله عن الجهر فاصفح رجع إلى نفسه وأقبل يشير علها بالرضا بالمقدور، ~~وترك التكلف للعتب على الدهر في ارتجاع الموهوب، إذ كان ذاك لا يؤدى إلى ~~زجر وارعواء، ولا إلى تلاف من جهته أو إعتاب. وقوله وفي غير من قد ورات ~~الأرض فاطمع تصوير لليأس من المدفون، وأنه لا طمع في إيابه إذ لم يكن حاله ~~كغيبة الغائبين. # وكل ما فيه من ms0516 غريب وتصريف قد مر القول فيه. # PageV01P632 ### || وقال آخر في أخ له مات بعد أخ: # كأني وصيفيا خليلي لم نقل ... لموقد نار آخر الليل أوقد # فلو أنها إحدى يدي رزيتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي # فأقسمت لا آسى على إثر هالك ... قدى الآن من وجد على هالك قدي # يقول: لما انقطع ما بيني وبين أخي صيفي بالموت صرت كأن لم يجمعني وإياه ~~أخوة ووصال، ولا ولادة ولبان، فلم نترافد على ابتناء مكرمة، وإيقاد نار ~~لطارق ليل، وطالب قرى وضيافة، ولم نتعاون على إقامة مروءة وإسداء عارفة. ثم ~~قال فلو أنها إحدى يدي رزيتها. وموضع إحدى مبتدأ ورزيتها في موضع الخبر. ~~والشاعر إنما يريد بيان توالي المصائب عنده وعليه، وتفاقم الخطب لديه فقال: ~~لو أصبت بإحدى يدي لكان في الباقية بعض الاجتزاء والاستغناء، ولكن تبعت ~~الأولى الثانية، فأدى فقدهما إلى انقطاع الحياة، وافتقاد العدة في الآلات. ~~وحذف جواب لو لأن المراد مفهوم، فهو كما تقول: لو رأيتني وأنت شاب، ولو ~~رأيت زيدا وفي يده السيف؛ لأن المعنى لرأيت الأمر بخلافه. والضمير في قوله ~~فلو أنها يجوز أن يكون للقصة، ويجوز أن يكون للمصيبة، كأنه قال: فلو أن ~~القصة والشان إحدى يدي رزيتها. # وقوله فأقسمت لا آسى على إثر هالك معناه حلفت لا أتحزن لغمة في هالك بعد ~~هذا تتجدد، لأن حذري كان عليهما، وخوفي كان من فقدهما، كما كان رجائي ~~فيهما، وطمعي معلقا بحياتهما. # وقوله قدى الآن معناه حسبي. وقد تزاد النون عليه ليسلم السكون في داله، ~~إذ كان مبنيا عليه، فيقال قدني، وإن جعلت قد غير مضاف في الموضعين جاز. ~~ويجوز تحريك الدال في الأول لالتقاء الساكنين، وفي الثاني لأن كل ساكن وقع ~~رويا يجوز إطلاقه بالكسر. قال حجة في زيادة النون وحذفه: # قدني من نصر الحبيين قدى # فأتى بالوجهين جميعا. وقوله الآن موضعه نصب على الظرف، ولا يجيء إلا ~~بالألف واللام ومبنيا معه. ومن وجد موضعه رفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو # PageV01P633 # قدى. وكرر قدى على طريق التأكد، ms0517 والثاني مبتدأ مثل الأول وخبره مضمر وهو ~~مثل ما ظهر وصار خبر الأول. ومعنى الآن أنه اسم للزمان الحاضر: وقال بعضهم: ~~هو الزمان الذي هو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وإنما بني لأنها ~~وقعت في أول أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون شائعة منكورة في ~~الجنس ثم يدخل عليها ما يعرفها من إضافة وألف ولام، فخالف الآن سائر ~~أخواتها بوقوعه معرفة في أول الأحوال، ثم لزم مع ذلك موضعا واحدا، لأن ~~لزومها في هذه الحالة لموضعه قد ألحقه بشبه الحروف، إذ كان حكم الحروف ~~لزومها لمواضعها في أوليتها لا يزول عنها، فبني لذلك، واختبرت الفتحة ~~لخفتها. ### || وقال آخر: # هوى ابني من على شرف ... يهول عقابه صعده # هوى من رأس مرقبة ... فزلت رجله ويده # يقول: سقط ابني من أعلى جبل يهول الارتقاء إليه والصعود فيه عقبانه، ~~لسموقه وارتفاعه. أي إذا همت العقاب بالطيران إلى قلته تداخلها منه هول ~~وهيبة. وهذا تهويل وتفظيع للشأن. وأعاد قوله هوى تحسرا وتوجعا. والمرقبة هو ~~المحرسة. والعلى هو الأعلى. ويقال صعد يصعد صعودا وصعدا وصعدا. # وهوى مصدره الهوى والهوى بالفتح والضم، وقد تقدم القول فيه. والأهوية: ~~البئر، وما بين أعلى الجبل إلى مستقر بطن الوادي. وقيل الهاوية: كل مهواة ~~لا يدؤك قعرها. وقوله يهول عقابه صعده في موضع الصفة. للشرف. ومعنى زلت ~~رجله، أي انخلعت وبانت منه. # فلا أم فتبكيه ... ولا أخت فتفتقده # لم يجعل فتبكيه ولا فتفتقده جوابا للنفي، لأن الجواب يكون منصوبا، لكنه ~~عطف على ما قبله، وهو عطف جملة على جملة. ومثله في القرآن: " ولا يؤذن له م ~~فيعتذرون "، لأن المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. وكذلك هذا، معناه لا أم ~~له فلا تبكيه، إلا أن الجملة المعطوفة مما في القرآن موافقة للجملة المعطوف ~~عليها؛ لأن كل واحدة منهما متركبة من فعل وفاعل، والتي عطف # PageV01P634 # عليها هي من ابتداء وخبر. والجمل الخبرية إذا اختلفت مثل هذا الاختلاف ~~يسوغ عطف بعضها على بعض، ألا ترى أن الله تعالى يقول: ms0518 " سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون "، فعطف أنتم صامتون وهو ابتداء وخبر، على ما ~~قبله وهو فعل وفاعل، لأن المعنى لا يختلف، بل يصير كأنه قال: أدعوتموهم أم ~~صمتم. وقد جاء على العكس من هذا، لأن الشاعر يقول: # أموف بأدراع ابن طيبة أم تذم # فعطف تذم، وهو من فعل وفاعل بأم على موف وهو ابتداء وخبر، لأن المعنى ~~أأنت موف محمود أم غادر مذموم. والكلام في لا أخت فتفتقده على ذلك، كأنه ~~قال لا أخت له فلا تفتقده. وقال الخليل: تفقدت أمر كذا: تعهدته، وافتقدته: ~~لم أره هلاكا وغيبة. # هوى عن صخرة صلد ... ففتت تحتها كبده # ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده # وكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده # أعاد قوله هوى استفظاعا وتحسرا. وعدى هوى ها هنا بعن لأنه أجراه مجرى زل ~~وما أشبهه. والصلد: ما لا ينبت شيئا من الحجارة. ومن الأرضين. ومنه أصلد ~~الزند، إذا لم يخرج منه النار ولم يكن وريا. ومعنى قوله فتت تحتها كبده ~~تقطعت كبده لما حصل على الأرض. ويشير بالصخرة إلى المرقبة. # وقوله: # ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده # معناه أن الناس يستسرفون اتصال بكائي عليه، ودوام التحسر في إثره، ~~والحاجة إليه تدعوني إلى طلبه فلا أظفر به، فعند كل طلب يحصل يأس، ويتعقب ~~ذلك اليأس مني بكاء وتحزن. وقوله ألمسه بمعنى ألتمسه. واللمس والمس ~~يتقاربان في معنى الطلب والالتماس. ألا ترى قوله تعالى: " وأنا لمسنا ~~السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا # PageV01P635 # وشهبا "، وأن مسترقة السمع لم يلمسوا السماء ولا طلبوا ذلك منها، وإنما ~~تراقوا للسمع ليسترقوا السمع لا غير. وإذا كان كذلك فمعنى لمس التمس وطلب. ~~وكذلك قول الشاعر: # مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع # معنى مسسنا منه طلبنا وفتشنا ونظرنا، وليس هو من المس باليد في شيء. ويدل ~~على أن معنى قوله ألمسه أطلبه أنه عقبه بقوله فلا أجده؛ وهذا ظاهر. # وقوله: # وكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده. # يريد: كيف يلام على البكاء والتوجع محزون قد مسه ms0519 الكبر، ومن كان أعده ~~لحياته ومماته، واعتده للنيابة عنه في عياله ومعاشه، قد فاته حتى لا طمع في ~~إياب له، ولا في مغوثة من جهته وإن استغاث به. ### || وقال آخر: # إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر # فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقى الدهر # يقول: إذا ميلت الرأي بين حمل النفس على الاستمرار في الجزع، والذهاب في ~~الهلع، وبين ضبطه وإمساكه والأخذ بالصبر فيه، ثم استدعيت الصبر من جانب ~~والبكاء من جانب، وجدت البكاء يستجيب سريعا من غير تباطؤ واستكراه، ووجدت ~~الصبر يخذل ويتأخر، فلا يكون منه دنو ولا مساعدة. وهذا الكلام تلهف وتوجع. ~~ثم أقبل على المرثي فقال: إن كان الأمل فيك منقطعا، والرجاء من إيابك ~~متأخرا مستبعدا، فإن الحزن يبقى عليك ويتصل باتصال الأبد، لا يفتر ولا ~~يتغير. وقوله طوعا مصدر في موضع الحال، أراد: أدجاب طائعا غير مجبر. ### || وقال النابغة يرثي أخا له من أمه # لا يهنئ الناس ما يرعون من كلإ ... وما يسوقون من أهل ومن مال # PageV01P636 # بعد ابن عاتكة الثاوي على أبوي ... أمس ببلدة لا عم ولا خال # دعاه الضدر بموت من أصيب به إلى أن دعا على الناس كافة بأن لا يهنئهم ~~الله ما يرعونه من حمى، وما يحوزونه من مال ولهى، ويسوقون من أهل وولد، ~~ويجمعونه من عتاد وذخيرة. وهذا يدل على شماتة من قوم حصلت عليه حين فجع ~~بأخيه، فيجوز أن يكون الناس وإن كان لفظه عاما يختص بمن منى بعداوته، ~~وابتلى بشماتته. فقد قيل في قوله تعالى: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم " إنه كان رجلا واحدا. ولا يمتنع أن يكون اعتقد في الناس كافة ~~أنهم نظروا بعين الحاسدين إليه أيام حياته، لحسن توفره، وكمال براعته. وهذا ~~شأن من أعجب بشيء أوتيه، فلما فقده ظنهم شمتوا به، وأدركوا مرادا لهم في ~~فقده، لا اختصاص فيه ولا تباين، فعمهم بالدعاء عليهم. # وقوله بعد ابن عاتكة نسبه إلى أمه تنبيها على ms0520 أن الجامع بينهما كانت ~~الأمومة. وقوله الثاوي على أبوي يدل على أن قبره كان به. وقوله ببلدة لا عم ~~ولا خال نبه به على تباينه عن بلاده وأقاربه، وأنه مات في غربة. # سهل الخليقة مشاء بأقدحه ... إلى ذوات الذرى حمال أثقال # حسب الخليلين نأى الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بال # وصفة بأنه كان سهل الجانب حسن الخلق، جميل التعطف أوان القحط والجدب على ~~الفقراء والمساكين، ضروبا بقداحه على الإبل السمان ذوات الأسنمة الكبيرة، ~~إذا حضر الأيسار، لشدة الزمان؛ وأنه كان يدخل تحت الأعباء الثقيلة فيحملها ~~على جاهه وماله لذويه، والعفاة الراجين له. # وقوله حسب الخليلين نأى الأرض بينهما، يعني بالخليلين نفسه والمفقود، ~~فيقول: حسبنا من البعد وإن كان التداني بالجوار حاصلا أن صاحبي تحت التراب ~~يبلى، وأنى على ظهرها أمشي وأحيا. وقوله هذا عليها وهذا تحتها أشار إلى كل ~~واحد منهما بما يشار به إلى الحاضر، تنبيها على التجاور والتداني في ~~الديار، وأن البعد إنما كان في تعذر الوصال، وسقوط التزاور والالتقاء. # PageV01P637 ### || وقال مويلك المزموم يرثي امرأته # امرر على الجدث الذي حلت به ... أم العلاء فحيها لو تسمع # أنى حللت وكنت جد فروقة ... بلدا يمر به الشجاع فيفزع # صلى عليك الله من مفقودة ... إذ لا يلائمك المكان البلقع # يخاطب نفيسه ويبعثها على زيارة المفقودة والتسليم عليها، قضاء لحقها، ~~وتجديدا للعهد بها، فقال: أمرر على القبر الذي دفنت فيه، وسلم عليها إن ~~كانت تسمع. وهذا توجع وتلهف. ويروى فحيها هل تسمع، والفرق بين لو هنا وبين ~~هل، أن " لو " فائدته الشرط ها هنا، والكلام به كلام من غلب القنوط عليه من ~~إدراكها تحية من زارها؛ و " هل " من حيث كان للاستفهام يصير الكلام به كأنه ~~كلام راج أو طامع في سماعها. ويكون المعنى: حيها وانظر هل تسمع. # وقوله أنى حللت معنى أنى كيف ومن أين. وفروق بناء المبالغة، وازداد ~~تناهيا بدخول هاء المبالغة عليه. فيقول مخاطبا لها: كيف تأتى منك الاستيطان ~~والنزول في قفر إذا مر به الرجل القوي القلب ms0521 تداخله رعب، واستولى عليه قلق ~~وذعر، وعهدي بك وكنت أضعف الناس قلبا وأشدهم من ذكر المحاذر استيحاشا. ~~وقوله كنت جد فروقة، كقولك كنت فروقة جدا لا هزلا، وحقا لا باطلا. والبلد: ~~القطعة من الأرض اختط أو لم يختط. # وقوله صلى عليك الله فالصلاة من الله تعالى الرحمة، كأنه يئس منها فأقبل ~~يترحم عليها، فيقول: إنك في شبابك وقرب ميلادك، وكمالك في خصال أمثالك، لم ~~يلق بك فقدان، ولا كان لوقت مجيء الموت بطلبك مني انتظار، ثم كنت من الترفة ~~والنعمة، ومساعدة القدر لك، بحيث لا يوافقك الانتقال إلى القفر، والتوحش عن ~~الأهل. # وهذه الأبيات غاية فيما يحدث به المفجوع نفسه. # فلقد تركت صغيرة مرحومة ... لم تدر ما جزع عليك فتجزع # فقدت شمائل من لزامك حلوة ... فتبيت تسهر أهلها وتفجع # PageV01P638 # فإذا سمعت أنينها في ليلها ... طفقت عليك شؤون عيني تدمع # قوله لم تدر ما جزع عليك فتجزع لم يجعل فتجزع جوابا ولا عطفا على ما ~~قبله، وليس اللفظ على واحد منهما ولا المعنى، وإنما قوله فتجزع منوي به ~~الاستئناف، كأنه أراد أنها من صغرها لا تعرف المصيبة ولا الجزع لها، وهي ~~على حالها لا تجزع، لأن ما تأتيه من الضجر والبكاء، وتتركه من النوم ~~والقرار، فعل الجازعين، وغاية الفاقدين. وفي كتاب الله عز وجل قوله: " إن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء "، لك أن ترفع ~~فيغفر على نية الابتداء، كأنه قال: فهو يغفر لمن يشأ. ومثل هذا كثير في ~~القرآن والشعر. على ذلك قوله: # فما هو إلا أن أراها فجاة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب # يرفع أبهت على الابتداء والاستئناف. # وقوله فقدت سمائل، يريد الأخلاق والشكل وجميل المخالطة. وقال الخليل: ~~الشمال: خليقة الرجل وطبيعته، وجمعه شمائل. وأنشد: # هم قومي وقد أنكرت منهم ... شمائل بدلوها من شمالي # فيقول: كانت اعتادت منك توفرا ومداراة وحسن خلق، ولين عطف وكرم مخالطة، ~~وإيناسا في مجاملة، فلما انقطع عنها جميع ذلك بالفراق باتت لا تنام ولا ~~تنيم، بل تفجع وتوجع، ms0522 ومهما أدركت شكواها وبكاءها أقبلت مفاصل رأسي تسمح ~~بالدمع فأبكي عليك ولها. ومعنى طفقت عليك شؤون عيني كقولك: أقبلت تفعل كذا، ~~وجعلت تقول كذا. ### || وقال حفص بن الأحنف الكناني # لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قرره بذنوب # PageV01P639 # نفرت قلوصي من حجارة حرة ... بنيت على طلق اليدين وهوب # قوله لا يبعدن لفظه لفظ الدعاء، والكلام فيه على ما تقدم. وكما قيل: بعدا ~~له وسحقا لم يقل من بعد بعدا إذا هلك بعدا له، وكان استعمال هذا في الدعاء ~~أقرب فلم يجيء. ومعنى وسقى الغوادي قبره بذنوب أنه دعا له بالسقيا. ~~والغوادي هي السحابات التي تنشأ غدوة. والذنوب: الدلو بما فيه من الماء، ~~قال: # له ذنوب ولنا ذنوب # وربما جعل الذنوب الحظ النصيب، كما قال: # وحق لشأس من نداك ذنوب # وفي القرآن: " فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ". وفي البيت الذي ~~نحن فيه يحتمل الوجهين. # وقوله نفرت قلوصي من حجارة حرة فإنه كان اجتاز بقبر ربيعة وقد نضد عليه ~~حجارة سود، فنفرت قلوصه، فأخذ يقتص ما كان اتفق وينكره. وقوله بنيت على طلق ~~اليدين من صفة الحجارة. ومعنى طلق اليدين أنه سخي بذال يطلق يديه بالمعروف. ~~والوهوب: الكثير الهبات. # لا تنفري يا ناق منه فإنه ... شراب خمر مسعر لحروب # لولا السفار وبعد خرق مهمه ... لتركتها تحبو على العرقوب # جعل نفار ناقته كأنه كان من المدفون، فنهاها عن ذلك، ثم أخذ يصفه بالكرم ~~والشجاعة، والتقدم والشرب والبطالة. والمسعر: الذي كأنه آلة في إيقاد نار ~~الحرب. # وقوله لولا السفار، كانت العادة في العرب أن الواحد منهم إذا اجتاز بقبر ~~كريم كان مأوى للأضياف، ومقيما لقراهم، ينحر راحلته ويطعمها الناس إذا أعوز ~~الزاد ولم يتسع، يفعل ذلك نيابة عنه، إلا أن يمنع مانع من بعد السفر وتناهي ~~المشقة وما يجري مجراه، فقال هذا الشاعر معتذارا من إبقائه على راحلته، لما ~~خف الزاد الذي # PageV01P640 # كان معه، وعجز عن الصحب على بعد المسافة وطول المشقة ومساس الحاجة. ومعنى ~~لتركتها تحبو على العرقوب أي لعرقبتها. والحبو: ms0523 ما يفعله الصبي من الزحف ~~قبل القيام، ويفعله البعير وهو يريد المشي. ومنه الحابي من السهام، وهو ~~الذي يسقط ثم يزحف إلى الهدف. ويقال: حبا للخمسين، أي لم يبلغها وقد دنا ~~منها؛ وهو من فصيح الكلام. والخرق: المكان الواسع تتخرق فيه الريح. ~~والمهمه: الأملس الواسع. ### || وقال آخر: # أجاري ما أزداد إلا صبابة ... عليك ولا تزداد إلا تنائيا # أجاري لو نفس فدت نفس ميت ... فديتك مسرورا بنفسي وماليا # الصبابة: الوجد والمحبة، والفعل منه صببت بكسر الباء أصب. ورجل صب، ~~وامرأة صبة. وقوله أجاري، ليس بندبة، لأن المندوب لا يكون إلا بيا ووا، ~~لكنه على العادة والرسم ناداه ورخمه. يقول: لا أزداد على مرور الأيام وتصرف ~~الأوقات إلا شوقا إليك، وولوعا بك، وقوة أسف عليك، إذ لم يكن حالي حال ~~المتحسر في إثر فائت، والرافع طمعه من لقاء مائت، فيعقبه الفوات يأسا، ~~ويورثه ما يشاهده من حال الفناء تناسيا أو تسليا؛ وأنت لا تزداد إلا تناهيا ~~في الانقطاع، وتنائيا في الهجرة والإعراض. فقوله تنائيا لم يرد تباعد ~~الأجرام وتراخي المزار؛ لأن تجاور الديار وتصاقبها كان باقيا على ما كان في ~~الأصل. # وقوله أجاري لو نفس فدت ميت، يريد: لو كان السبيل إلى التفادي بين ~~الأحياء والأموات مسلوكا، وقبول الأبدال عند الاستعراض والدعاء مجابا إليه ~~مألوفا، لكنت السابق إليه، والجاعل في فدائك النفس والمال، وأنا مغتبط بذلك ~~ومغتنم له، لكن لا مانع لما طلب، ولا معدل عما حتم. # وقد كنت أرجو أن أملاك حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا # ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا # قوله أن أملاك يقال مليت فلانا فتمليته، أي جعل لي أن أعيش معه ملاوة ~~فيبقى لي ممتعا به. والملوان: الليل والنهار، من هذا. يقول: كنت أرجوا أن ~~أمتع # PageV01P641 # بحياتك حقبة - وقال الخليل: الحقبة زمان من الدهر لا وقت له، والجميع ~~الأحقاب والحقب والحقب مثله - فحجز بيني وبين مرادي القدر الذي لا يملك معه ~~إلا الاستسلام له. # وقوله: ألا ليمت من شاء بعدك مثل ms0524 قول الآخر: # فآليت لا آسى على إثر هالك # وقول الآخر: # أمنا على كل الرزايا من الجزع ### || وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية # يا عين بكى عند كل صباح ... جودى بأربعة على الجراح # قوله بكى يجوز أن يريد به أكثري البكاء، ويجوز أن يريد كرري البكاء، لأن ~~تضعيف العين إذا لم يكن للتعدية مثل كرم - لأنه كأكرم لا فرق بينهما، يكون ~~للتكثير أو التكرير، وذلك كقولك ضرب وقتل. وإنما قال عند كل صباح لأنه يريد ~~اجعلي مبدأ نهارك لذلك، أو لأنه يريد كان وقت نكايته في الأعداء، وشن ~~الغارات على المنابذين، فاجعلي بإزاء فعله حينئذ البكاء عليه الساعة. وقوله ~~جودى بأربعة أراد بالأربعة قبائل الرأس. والدمع يخرج من الشؤون. فأراد: ~~جودي بدمعك كله. ولا تدخري منه شيئا. وقوله يا عين حذف الياء لوقوعها موقع ~~ما يحذف في النداء وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه. وباب النداء باب حذف ~~وإيجاز. # قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح # أقبل يخاطب المرثي على عادتهم في الانتقال عن الإخبار إلى الخطاب، وعن ~~الخطاب إلى الإخبار، تفننا واقتدارا. فيقول: كنت لي جبل عز، آوى إليك في # PageV01P642 # الشدائد، وأعول على حسن دفاعك في النوائب، وأستكن بظلك، وأتحصن بتمنعك، ~~فغادرتني بارزا للآفات، ومعرضا للحوادث والنكايات. لا معقل لي مما يدهم، ~~ولا ملاذ عند ما يهجم. والضاحي: البارز للشمس، والفعل منه ضحى يضحى؛ وقد ~~أتى بهما في البيت. والأجرد: الأملس. يضرب ذلك مثلا لكونه معورا لا واقي له ~~ولا ساتر، ولا محامي ولا مدافع. # قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي # فاليوم أخضع للذليل وأتقى ... منه وأدفع ظالمي بالراح # قوله قد كنت ذات حمية يقال حميت من الشيء أحمي حمية، أي أنفت وغضبت. ورجل ~~حمى الأنف: لا يحتمل الضيم، وحمى أنفه من كذا. والمعنى: كنت في حياتك آنف ~~مما أسام من الضيم فأتسخطه، وتتسع المقدرة لدفعه والإباء منه، والآن صار ~~بدل ذلك السخط الرضا، وبإزاء ذلك الانتقام الاستسلام. وما عشت في موضع ms0525 ~~الظرف، أراد مدة عيشك لي. وقوله أمشي البراز البراز: المكان الفضاء من ~~الأرض. وإذا خرج إنسان إلى ذلك الموضع قيل برز. ومن هذا قولهم: برز على ~~أقرانه، أي صار في البراز ظهورا عليهم واقتدارا. وكما تصرفوا في هذا على ما ~~ترى تصرفوا في الظاهرة، وهي الضاحية العالية، فقيل: ظهر فلان على فلان، أي ~~علاه، وأظهره الله عليه، وفي القرآن: " ليظهره على الدين كله ". وأصله أمشى ~~في البراز، فحذف الجار ووصل الفعل فعمل. والمعنى: كنت لا أستتر ولا أكتتم ~~تهيبا وتخوفا من شيء. وقوله وكنت أنت جناحي فالجناح من الطائر والإنسان: ~~يداه. والمعنى: كنت أطير بقوتك، وأنهض في الأمور بصولتك، وأبطش بالأعداء ~~بيدك وأيدك. # وقوله فاليوم أخضع للذليل أراد باليوم متصل وقته من الحال والاستقبال، ~~والمعنى: صرت من طلب السلامة على الدهر وأهله بحيث يطمع في الذليل، ويستلين ~~جانبي المهين، فأتقي ذا الشوكة ومن لا شوكة له، وأحذر من يخشى كيده ومن لا ~~كيد له. وقوله وأدفع ظالمي بالراح يريد أدفعه بألين ما أجد السبيل إليه، لا ~~خشونة لي في قولي ولا مزاحمة في ركني، ولا اعتراض شديدا مني في اهتضامه لي، ~~ولا محاجة قوية على جداله إياي، فعل من لا حد له ولا حديدة، ولا عدد ولا ~~عتيدة، ولا حمى ولا حمية. # PageV01P643 # وإذا دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحي # وأغض من بصري وأعلم أنه ... قد بان حد فوارسي ورماحي # قوله وإذا دعت قمرية شجنا كلام أخرج على ما في اعتقادهم من بكاء الحمام، ~~فيقول: إذا ناحت حمامة على غصن وهي تدعو حزنها ليهتاج بكاؤها ويمتد صوتها، ~~فإني أشجي لصوتها وأجاوبها داعيا صباحي، أي قائلا: وا صباحاه! وقوله وأغض ~~من بصري غض الطرف من فعل الذليل المخزل، كما أن طموحه فعل العزيز الناظر من ~~فوق. فيقول: إني عارف بمقداري بعدك، ومتيقن نكوصي وسقوط حشمتي بذهابك، وكلة ~~حدي وحد أصحابي لفقدانك، فأغمض عيني في كثير مما يجري علي وألابسه، مخافة ~~أن أرى ما هو أكبر منه. وقوله وأعلم أنه ms0526 الضمير ضمير الأمر والشأن. يريد: ~~وأعلم أن الأمر انفلال فرساني، وتفلل أسنة رماحي. وهذا مثل لسقوط القوى ~~واستعلاء العدي، وذهاب العدة وتراجع العدة. ولا يمتنع أن يريد بحد فوارسي ~~نفس المفقود، جعله لفرسانه حدا إذا كان مقدامهم ومدرههم، ولرماحه سنانا إذ ~~كانت تعمل بقوته، وتنفذ بصرامته. ### || وقال آخر: # إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا # ولو تملتهم عشيرتهم ... لاقتناء العز أو ولد # هان من بعض الرزيئة أو ... هان من بعض الذي أجد # كل ما حي وإن أمروا ... واردو الحوض الذي وردوا # لك أن تروي إخوتي وأخوتا. فمن روى إخوتي فإنه يسكن الياء وأصله الحركة، ~~لكونه علامة الضمير متطرفا على حرف واحد فوجب تقويته بالتحريك كما كان سبيل ~~أختيه الكاف والهاء لو وقعا موقعه، لكنهم آثروا الفتحة لخفتها، ويدل على أن ~~الأصل الفتحة أنه لو كان ما قبله ساكنا كان لا يجيء إلا مفتوحا. وذلك قولك ~~رحاي وعصاي، إلا أنه لما كان باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة استعمالهم ~~له، # PageV01P644 # سكنوا الياء. ومن قال إخوتا فر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ~~الياء ألفا. على ذلك قولهم بادية وباداة، وناصية وناصاة، وقولك يأباهما ~~وأنت تريد بأبي هما. وقوله لا تبعدوا قد تقدم القول فيه. فأما استدراكه ~~لقوله وبلى والله قد بعدوا فإنه تنبيه منه على أن لا تبعدوا وإن كان لفظه ~~لفظ الدعاء فهو جار على غير أصله، وأنه إنما هو تحسر وتوجع. # وقوله لو تملتهم عشيرتهم، يريد: لو بقوا معهم ملاوة من الدهر ممتعين بهم، ~~ومقتنين العز بمكانهم أو أولادهم بقوا معهم فتربوا في جحورهم، وتأدبوا ~~بسياستهم، واحتبوا بأردية السيادة في أقنيتهم ومحافلهم - لهان بعض الرزيئة. ~~ولك أن تروى أو ولدوا على أن يكون فعلا وواو الضمير بعد حرف الروي تجعل ~~وصلا، ويكون المعنى: لو أعقبوا وخلفوا أولادا يرثون مجدهم ويحيون أسماءهم، ~~ويعمرون معالي آبائهم بعدهم. وجواب لو أول البيت الذي يليه، وهو هان من بعض ~~الرزيئة ومعناه: لو قضى الأمر على ذلك لخف بعض ما على الناس ms0527 لهم ومن أجلهم، ~~أو خف بعض الذي أجده أنا من الاكتئاب والاهتمام مفوتهم. وقوله من بعض ~~الرزيئة الأخفش يجيز زيادة " من " في الواجب، فعلى طريقته يكون المعنى هان ~~بعض الرزيئة. وسيبويه يمتنع من زيادة من إلا فيما ليس بواجب، كالاستفهام ~~والنفي. فعلى طريقته يكون المعنى: كان ابتداء المهون بعض الرزيئة أو من بعض ~~الرزيئة. وقوله كل ما حي ما زائدة، ويجوز أن يريد بالحي القبيلة. ومعنى ~~أمروا كثروا. يقال أمر الشيء وآمره الله له. ويجوز أن يريد بالحي ضد الميت ~~ويكون الضمير من أمروا عائدا إلى لفظ كل. فيقول: كل قبلة وإن تناسلوا ~~وتكاثروا فمآل أمرهم إلى مثل ما آل أمر إخوتي، وموردهم من الذهاب والفناء ~~مثل موردهم، إذ كان الموت لا معدل عنه، ولا منجي لأحد منه. وجواب الشرط في ~~قوله وإن أمروا دل عليه قوله واردو الحوض الذي وردوا، والضمير العائد من ~~الصلة إلى الموصول محذوف، كأنه قال: الذي وردوه، لأنهم استطالوا الاسم ~~بصلته. ### || وقالت امرأة أخرى # طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك # PageV01P645 # ليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك # النجاة والنجوة: ما ارتفع من الأرض حتى لا يصل إليه السيل ولا يبلغه. ~~قال: # فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن من يمشي بقرواح # فجعله ها هنا مثلا لما كان يطلبه من وجه الخلاص من الآفات. وكأن هذا ~~المرثي كان استشعر خوفا من الموت فأخذ يتنقل في البلاد والبقاع ويتطلب ~~موضعا يبعده من الآفات، فبقى يتردد في ذلك ويتحير، فإذا الهلاك قد فاجأه من ~~حيث لا يحتسب ولا يرتقب. وإنما نكر من هلاك لأنه جعل كل نوع منه هلاكا، ولم ~~يدر ماذا يصيبه. # وقوله ليت شعري موضع شعري نصب في معنى علمى. ويقال شعرت شعرة كما يقال ~~فطنت فطنة، إلا أنه لا يستعمل مع ليت إلا وقد حذف الهاء منه. وقوله أي شيء ~~قتلك الجملة كما هي في موضع نصب، لأنه نابت عن مفعوليه. وخبر ليت مضمر لا ~~نجده إلا كذلك، فهو يشبه خبر المبتدأ بعد لولا إذا قلت لولا زيد ms0528 لخرجت، لأن ~~لخرجت جواب لولا. وخبر المبتدأ محذوف لا يجيء إلا على ذلك. واستغناء ليت ~~بمعولي شعري عن خبره، كاستغناء المبتدأ بعد لولا بجوابه عن خبره. وضلة، ~~انتصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر. وهذا الضلال يجوز أن يكون لنفسه ~~فيما استبهم علها من حال المتوفي، كأنه ضل عن العلم ضلة، ويجوز أن يكون ~~للمتوفي نفسه، كأنه عد غيبته وخفاء أمره ضلالا له، والمعنى: تمنيت أني أعلم ~~أي شيء أهلكك، وهذا لضلالي عن معرفة حالك، وذهابي عن العلم به. وهذا على ~~الأول، وعلى الثاني يكون المعنى: ما الذي قتلك حتى ضللت هذا الضلال. # فإن قيل: خبر ليت كيف يجيء في التقدير وإن لم يظهر في الاستعمال. قلت: ~~تقديره ليت شعري واقع أي شيء قتلك، أي ليتني علمت أو وقع علمي بما يقتضي ~~هذا السؤال، لأن الذي تمناه هو ما كان جوابه لا نفس السؤال. # PageV01P646 # أمريض لم تعد ... أم عدو ختلك # كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك # والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك # أي شيء حسن ... لفتى لم يك لك # قوله أمريض لم تعد هو إعلام منها بأنه تغيب فخفي أمره فيما أصابه حتى لم ~~يبن له أثر، ولا لمرضه نبأ. وهو يجري مجرى البيان لقولها أي شيء قتلك ~~فتقول: أمريض كنت في غربة ووطن وحشة، فمت حتف أنفك فلا يعودك مشفق، ولا ~~يتفقدك ممرض، أو اغتالك عدو فتوصل إلى الغيلة في بابك بإعمال الختل ~~والحيلة. ويروى: أو رصيد ختلك، والمعنى: أو خدعك عن حياتك من كان بالمرصاد ~~لك من أعدائك. وقال الخليل: الختل: تخادع عن غفلة. # وقوله: # كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك # تريد الإخبار عن استواء أسباب الموت في الأخذ والظفر، إذا دنا الأجل. وأن ~~كل سبب ينوب مناب الآخر إذا انتهت المدة. # وقوله: # والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك # تريد به أن البقاع والتحول فيها لا يغني؛ لأن حكم الله تعالى يبحث وينقب ~~عن المطلوب حيث كان، فالموت رصد للفتى حيث استطرق وأبى توجه. # وبعضهم يرويه: والمنايا رصد كأنه جمع ms0529 الراصد لكون المنايا جمعا. والأول ~~أفصح وأجود. # وقوله: # أي شيء حسن ... لفتى لم يك لك # PageV01P647 # يصفه ببراعته وتكامل محاسنه، واستتمام آلات الرياسة فيه، فكأنه لا يستحسن ~~من الفتيان شيء خلقا ولا خلقا إلا وقد كان حصل له، واجتمع فيه. وقد تقدم ~~القول في حذف النون من لم يك. # سأعزي النفس إذ ... لم تجب من سألك # إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك # طالما قد نلت في ... غير كد أمك # قوله سأعزي النفس أي سأصبرها، إذ كنت مع السائلين - وإن اختلفوا - على حد ~~واحد في ترك مجاوبتهم، فعممت ولم تخص. وهذا التعزي الذي أشار إليه ليس لتسل ~~عن المفقود، ولا لتناس منه، ولكنه طيب النفس بتشارك الناس في إمساكه عن ~~إجابتهم. # وقوله: إن أمرا فادحا اكتسب أمر وهو نكرة من النعت الذي تبعه بعض ~~الاختصاص، فلذلك صلح الابتداء به حتى دخل إن عليه. ألا ترى أن فائدته مع ~~إبهامه كاملة في المراد، والمعنى: إن عظيما من الأمور صرفك عن رسمك ودأبك ~~في مباسطتي ومباثتي. ولأن الكلام قد يحمل على المعنى فيما يستفاد منه، ~~فكأنه قال: ما صرفك وشغلك عن جوابي إلا أمر عظيم فادح؛ إذ كانت العادة قدمت ~~منك في حسن التوفر علي والإقبال، لتوجه خطابي نحوك. # وقوله: # طالما قد نلت في ... غير كد أملك # إيذان بأنه نال من الدنيا كثيرا من إرادته وأمانيه، حين هبت أرواحه، ~~وساعدته أيامه وحالاته، وأنه طالما كان يتحصل له المباغي بلا كد لإقبال ~~الدنيا عليه، ويتسهل له المطالب لاقتران المناجح بما لديه أو إليه، وفي ذلك ~~بعض التسلي للجازعين له، والمتوجعين لفنائه. # PageV01P648 # وقد تقدم القول في لفظه طالما وبينت معناه وهجاءه في الكتاب: ### || وقال العجير السلولي # تركنا أبا الأضياف في ليلة الصبا ... بمر ومردى كل خصم يجادله # يروى تركنا أبا الحجناء وهو فيما أظنه كنية المرثي. وجعله أبا الأضياف ~~لتوفره عليهم، ولأن داره كانت مثواهم. وهم يقولون: فلان أبو مثواى، وفي ~~المرأة: أم مثواى، لمن قراهم. وأشار بليلة الصبا إلى ليلة بعينها اتفق فيها ~~على هذا ms0530 الرجل بمر، وهو موضع، اجتماع الخصوم حوله. والمردى: صخرة يكسر بها ~~النوى؛ هذا أصله، ثم يقال فلان مردى الخصوم، أي يرمون به فيكسرهم. وقوله كل ~~خصم أراد بالخصم الكثرة، كأنه حضره من كل قبيل من مخالفيه مردى لهم يجادله ~~عنهم ويجاذبه. وقوله بمر منعه من الصرف لأنه جعله مؤنثا معرفة، ولو ذكره ~~لصرفه. والواو من قوله ومردى كل خصم واو الحال. والصبا: ريح تستقبل القبلة؛ ~~والفعل منه صبا يصبو. وأضاف الليلة إلى الصبا تعريفا وتخصيصا، كأنه كان ~~للصبا شأن في تلك الليلة. # تركنا فتى قد أيقن الجوع أنه ... إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله # يقول: تركنا في ذلك المكان فتى كان ربيعا للفقراء، ومألفا للأضياف. وإذا ~~اشتد الزمان وأسنت الناس تيقن الجدب والقحط أنه لا يقاره، بل يقتله بما ~~يفيضه على الناس من إحسانه، ويشملهم من تفقده وبره. وقوله قد أيقن الجوع ~~إلى آخر البيت، من صفة الفتى، وفي طريقته قول الآخر: # يقاتل جوعهم بمكللات ... من الفرني يرعبها الجميل # وقوله إذا ما ثوى ظرف لقاتله. # PageV01P649 # فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وأباجله # معنى قد قد السيف أنه في مضائه ونفاذه كالسيف. والقد: القطع طولا. ويقال: ~~هو حسن القد، أي التقطيع؛ وهو على قده، أي على قدره. وهو يقتد الأمور ~~بالسيف، إذا دبرها بالسيف. ومعنى لا متضائل: لا متخاشع. والضؤولة: الدقة، ~~يقال: هو ضئيل الجسم. والرهل: المسترخي اللحم من السمن. يقال: فرس رهل ~~الصدر. واللبات: جمع اللبة، وهو الصدر؛ وجمعه على ما حوله، أو جعل كل قطعة ~~لبة. والأباجل: جمع أبجل، وهو عرق في الساق، والمعنى أنه ليس بكثير اللحم ~~على الصدر غليظ الساق. وهم يتمدحون بالهزال ويذمون السمن. ويروى وبآدله، ~~وهو ما بين العنق والترقوة. ومعنى البيت: أنه في قد السيف ومضائه، لا يشينه ~~تخاضع، ولا هو سمين مسترخي اللحم على الصدر ولا على ما حوله. ولا متضائل، ~~ارتفع متضائل على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو متضائل. ولباته ~~ارتفع بفعله، وفعله رهل. # إذا ms0531 جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله # يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله # يصفه بأنه كان مستصلحا للهزل والجد، فإن جد حسن جده وتناهى الرضا به ~~والاستحسان له، وإن هزل ألهى هزله على اقتصاد فيه واستطابة له، لأنه أخذ من ~~مكارم الأخلاق بأوفر النصيب، فهو ينخرط في كل سلك، ويدخل في كل شأن وأمر. # وقله يسرك مظلوما انتصب مظلوما على الحال. يقول: إن اهتضمت انتقم لك من ~~ظلمك، وإن اهتضمت أنت غيرك لم يبعد عن نصرتك. وهذا على طريقتهم في قولهم: " ~~انصر أخاك ظالما أو مظلوما ". وقوله وكل الذي حملته فهو حامله يصفو برحابة ~~الصدر والأخذ في كل ما يدعى إليه بالصبر، وأنه يتحمل الأعباء الثقيلة # PageV01P650 # عن ذويه والمنتسبين إليه، لا يضجر بما يحل بفنائه، ولا يتسخط أمرا يقترح ~~عليه، أو يستنهض إليه. ### || وقال أبو الحجناء # أعاذل من برزأ كحجناء لا يزل ... كثيبا ويزهد بعده في العواقب # يقول: يا عاذلة، من يصب بمثل من أصبت به يتصل اكتئابه، ويدم زهده في ~~عواقب أطهار النساء ومباشرتهن علما بأن مثل ذلك الولد لا يعتاض منه. ~~وحجناء: ابنه. كأن عاذلة آذته بتكرير الوصاة عليه وإدامة الوعظ له، وأن ما ~~يأتيه من التفجع مستسرف ومستقبح، لخروجه عن العادات، فأقبل يجيبها ويذكر ~~عذره لها. وقد صرح غيره بهذا المعنى فقال: # أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار # حبيبا إلى الفتيان صحبة مثله ... إذا شان أصحاب الرحال الحقائب # انتصب حبيبا على الحال للضمير في قوله بعده. وصحبة ارتفع على أنه قام ~~مقام فاعل حبيبا. ويروى حبيب إلى الفتيان فيكون خبرا مقدما، والمبتدأ صحبة ~~مثله. وجواب إذا ما يدل عليه صدر البيت، كأنه قال: إذا بخل أصحاب الرحال ~~بالزاد فشأنهم امتلاء حقائبهم وقلة إنفاقهم منها، ففي ذلك الوقت يستحب ~~الفتيان صحبة مثل ابنى حجناء، لحسن توفره، ورحابة صدره، وكرم صحابته، وجميل ~~تفقده لأصحابه. وإنما قال صحبة مثله ولم يقل صحبته، إجلالا له، وصيانة ~~لاسمه، لا إثباتا لنظير له. ms0532 وعلى هذا قولهم: مثل فلان لا يوازي، ومثلك لا ~~يفعل كذا. وفي القرآن: " ليس كمثله شيء ". # نظام أناس كان يجمع شملهم ... ويصدع عنهم عاديات النوائب # PageV01P651 # يريد أن داره كان مجمعا لأناس هو ينظم شملهم، ويؤلف جمعهم، فإن حزبهم من ~~النوائب عادياتها فرقما عنهم، وإن حل بفنائهم من أثقال الزمان ما يبهظمم ~~آساهم وتحمل عنهم. وقوله عاديات يجوز أن يكون من العداء الظلم؛ يقال عدا ~~يعدو عدوا وعداء وعدوانا. ويجوز أن يكون من العدو، يريد مسرعات النوائب ~~وصادماتها. ومعنى يصدع يفرق، ومنه تصدعت الأرض بفلان، إذا تغيب فارا. # وجربت ما جربت منه فسرني ... ولا يكشف الفتيان غير التجارب # يريد أن ينبه على أن ما وصفه به لا عن تقليد أو شك والتباس، ولا عن تخمين ~~أو حدس وقياس، بل عن تجريب واستكشاف على مر الأيام. فيقول: لم أرض منه بعفو ~~أفعاله وما يختاره في مقاصده، بل أخذت أستدرجه وأتعرف غور مقاله وفعاله ~~بالسبر والنظر، فلم أر إلا ما سر وآنس، وزاد في العلم به فأبهج. وقوله ولا ~~يكشف الفتيان غير التجارب، يشبه الالتفات، كأنه أقبل بعد ما خبر، على إنسان ~~فقال: إن الفتيان تتشابه ظواهر أمورهم، ولم يخبرك عنهم مثل مجرب. ولهذا قيل ~~في المثل السائر: # ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما النخل # بعيد الرضا لا يبتغي ود مدبر ... ولا يتصدى للضغين المفاضب # قوله بعيد الرضا يريد أنه ليس بسريع الفيئة إذا سخط، لكنه يعرك أذى ~~مجاذبه ومجاوره بجنبه، ويصبر ما أمكن، فإذا أظهر النكير، وتلقى ما يزاوله ~~بالضجر الشديد، لم يرضه أدنى المعاذير فعل من لا حمية له ولا عزيمة. وقوله ~~لا يبتغي ود مدبر وصفه بأنه آخذ بالصرم إذا أحوج إليه، غير راغب في الزاهد ~~فيه. وهذا كما يقال: فلان وصال صروم. # وقله ولا يتصدى للضغين المغاضب معنى يتصدى أن ينظر إليه نظر غير محتفل ~~به، وكالمعرض عنه، حتى يخرجه ذلك إلى ما يطلبه. يريد أنه لا يتعرض لعدوه ~~والمضطغن عليه، بل يتركه ينطوي على ما في صدره من ms0533 غل وعداوة، ولا يخرجه إلى ~~مبادرة ومكاشفة، بل يجري على المداجاة معه، منتظرا ما يكون منه، # PageV01P652 # ومحاذرا ما يتقي من جهته. وهذا كما قال الآخر: # أفر من الشر في رخوه # وقد ألم بقول الآخر: # إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا # وكنت إذا ما خفت أمرا جنيته ... يخفض جأشي ضبثك المتراعب # يصفه بحسن المدافعة عن متسبب إليه، ومبالغة النصرة لمن أوى إلى جنبته، ~~فيقول: إذا خفت جريرة ارتكبتها ثم لذت بفنائك، واعتمدت تعصبك، سكن من جأشي ~~وأزال قلقي قبضك الواسع، ودفعك المحامي، وذبك المبالغ. وقوله المتراغب يروى ~~بالغين معجمة وبالعين، فإذا روى بالغين معجمة فهو من الرغابة. ويقال: واد ~~رغيب، وحوض رغيب، أي واسع؛ ورجل رغيب البطن، أي أكول. ومن روى بالعين غير ~~معجمة فهو من قولهم سيل راعب: يملأ الوادي. ومنه حسي متراعب. أي واسع لا ~~يملؤه شيء. ومعنى يخفض جأشي يسكن نفسي. ويقال: هو رابط الجأش، أي قوي ~~النفس؛ وخافض الجأش، أي ساكنه. والخفض: ضد الرفع. والتخفيض: مدك رأس البعير ~~إلى الأرض. والضبث: القبض الشديد، ومنه يقال: ناقة ضبوث، أي سمينة لا يشك ~~في سمنها، كأنه فعول في معنى مفعولة، أي حيث ضبث منها باليد ملأت الكف ~~لحما. ### || وقال آخر: # إذا ما أمرؤ أثنى بآلاء ميت ... فلا يبعد الله الوليد بن أدهما # فما كان مفراحا إذا الخير مسه ... ولا كان منانا إذا هو أنعما # لعمرك ما وارى التراب فعاله ... ولكنما وارى ثيابا وأعظما # PageV01P653 # الآلاء: النعم، واحدها إلى. ويعنى بها صنائعه ومننه عند الناس. فيقول: ~~إذا ذكر منعم عليه إحسان المنعم عليه، وأياديه لديه، فشكر ثم تجاوز الشكر ~~إلى الثناء فأفرط، فلا أبعد الله هذا الرجل. وهذا الكلام وإن كان دعاء في ~~موضعه الذي استعمل فيه أبلغ من كل ثناء، وأزيد من كل تقريظ وإطراء. ولذلك ~~اقتصر عليه ولم يخلط به غيره. # وقوله فما كان مفراحا إذا الخير مسه يصفه بأنه لا يطغيه الغنى فيكسبه ~~كبرا وبأوا، بل يزداد تواضعا فيما يناله، وتوددا إلى الناس على اتساع ms0534 حاله، ~~حتى يشركهم في خيره. وقوله ولا كان منانا إذا هو أنعما يصفه بأنه لا يكدر ~~نعمه عند غيره بالمن والأذى، بل يتناساها حتى يكون في صورة من لم يسد ولم ~~يصطنع. # وقوله لعمرك ما وارى التراب فعاله يريد أن مكارمه لم تمت بموته، ولم تدفن ~~في قبره، بل هي منشورة في الناس لا تنسى، ومأثورة لا تلغى، فهي على مر ~~الأيام تزداد جدة، وعند الناس طراءة، لأنها تذكر وتتلى، ولأن ما سير فيه من ~~الشعر والمدائح تقرأ وتروى. وقوله ولكنما وارى ثيابا وأعظما الفعل للتراب، ~~وهذه إشارة إلى الكفن ونفسه المتوفى، وفيه من إظهار التوجع ما كفى وأغنى. ### || وقال أبو الشغب العبسي # في خالد بن عبد الله، وهو أسير في يدي يوسف ين عمرك: # ألا إن خير الناس حيا وهالكا ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل # قوله حيا وهالكا يجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه ما دل عليه خير ~~الناس، ويكون الكلام ثناء على المخبر عنه بخير الناس، ويجوز أن ينتصب على ~~التمييز، وحينئذ يكون تفصيلا للناس، كأنه قال: إن خير الناس من الأحياء ~~والأموات أسير ثقيف. وقوله عندهم يجوز أن يكون في موضع الحال، ومعناه حاضرا ~~لهم وقريبا منهم، ويكون العامل فيه ما دل عليه أسير ثقيف، ويكون فائدة ~~الكلام أنه كان # PageV01P654 # يجوز أن يكون أسيرا لهم ولم يكن عندهم، فأفاد أنه أسيرهم وحاصل بحضرتهم. ~~وكذلك قوله في السلاسل يجوز أن يكون في موضع الحال ويكون العامل فيه ما عمل ~~في الظرف، فيكون تقديره بحضرتهم مقيدا، ويجوز أن يكون العامل في عندهم ما ~~دل عليه قوله في السلاسل من الفعل. # لعمري لقد عمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل # هذا الكلام تفظيع للأمر الذي ركبوه، وإعلام منه بأنهم أتوا قبيحا من ~~الأمر منكرا، عم وباله الناس وظهر تأثيره فيهم. فهذا فائدة اليمين وجوابها. ~~وقوله عمرتم أي أدمتم سجنه وأطلتم حبسه، كأنهم جعلوا خالدا للسجن عمره. ~~والعمر: السنون ولاحين، ومنه قوله تعالى: " لقد لبثت فيكم عمرا ". وقوله ~~وأوطأتموه وطأة المتناقل ms0535 يجوز أن يكون وطأة مصدرا من أوطأتموه وإن لم يكن ~~من لفظه، وهذا كما يجعل العطاء موضع الإعطاء، والجابة موضع الإجابة. ~~والمفعول الثاني محذوف، كأنه قال: أوطأتموه السجن أو الأرض إبطاء المتثاقل، ~~أي أثقلتموه. ويجوز أن يريد: أوطأتموه فوطئ وطأة المتثاقل أي يفعل فعل ~~المتثاقل وإن لم يكن معه تثاقل، هو يطأ عقبه. ### || وقال مهلهل # نبيت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وتكلموا في أمر كل عظيمة ... لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا # كان كليب وائل لا توقد مع ناره للضيفان نار في أحمائه، وفيما يقرب من ~~منازله وأوطانه، بل يتفرد بذلك لا مباري له ولا مشارك؛ وكان إذا حضر مجلسه ~~الناس لا يجسر أحد أن يجاذب غيره أو يفاخره أو يسابه، إعظاما لقدره وإجلالا ~~لشأنه وأمره، فيقول على وجه التحسر: خبرت أن نيران الضيافة بعدك أوقدت ~~لسقوط # PageV01P655 # احتشامك، وأن أهل المجلس تنازعوا الكلام بعدك وتجاذبوه، حتى صار بعضهم ~~يسب البعض ويصك في وجهه الكلام القبيح، لا رقبة تردعهم، ولا حشمة تدفعهم. # وقوله وتكلموا في أمر كل عظيمة، يريد أن الكلام منهم فيما يدهمهم من ~~النؤب نهبى، لأنهم صاروا سدى لا يبين التابع من المتبوع فيها، ولا الرئيس ~~من المرءوس، حتى صار تدبير العظيمة بينهم فوضى فضا، يتناهبون إدارة الكلام ~~في دفعها، ويتجاذبون إجالة الرأي في رفعها، ولو كنت حاضرهم ما جسروا أن ~~يتقدموا بين يديك بارتجال خطاب، أو رجع جواب. ويقال: كلمته فما نبس، أي لم ~~يتكلم بحرف، وما سمعت للقول نبسة ولا زجمة. وقوله استب يقتضي اثنين فصاعدا، ~~وإنما نم بالمجلس، لأن المراد به أهل المجلس، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، كقوله تعالى: " وسل القرية "، وقول العرب: بنو فلان يطؤهم ~~الطريق. ### || وقال آخر: # قد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زينا للمواكب وانشرب # تظل بنات العم والخال حوله ... صوادي لا يروين بالبارد العدب # يهلن عليه بالأكف من الثرى ... وما من قلى يحثى عليه من الترب # الحمى: اسم للموضع الذي فيه الماء والكلأ وقد ms0536 دفع عنه الناس. ويقال: ~~أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وقوله بالبيضاء من جانب الحمى توقيت للمكان ~~الذي وقع فيه الحادثة، وذلك إعظام لخطبها، وتفظيع لشأنها. وقوله كان زينا ~~للمواكب والشرب يصفه بالرياسة، وأنه كان يزين المواكب خلفه من حيث يستحق ~~التعظيم والتقديم والإتباع؛ لم يرث ذلك فيهم عن كلالة، فهو كما قال الأعشى: # كل سيرضى بأن يلقى له تبعا # وقوله والشرب يريد أن من نادمه واختلط بأهل مجلسه زانه ذلك ولم يشنه، لما ~~سلم له من الاعتلاء والفضل، والسابقة في الرياسة والطول. # PageV01P656 # وقوله تظل بنات العم والخال حوله صوادي أراد أن غليلهن وحمى أكبادهن لا ~~يزول بالبارد العذب من الماء، إذ لم يكن ذلك عن عطش، ولكن كان لما اهتاج في ~~صدورهن من بوارح التوجع، ولواذع الغموم والتفجع، حتى كوبت أكبادهن ~~بمواسمها، واحترقت أحشاؤهن من لفح نوائرها. # وقوله يهلن عليه بالأكف من الثرى يريد أن النوائح لما هان التراب عليه لم ~~يفعلن ذلك عن بغض وإهانة، ولكن إظهارا لما أفضى إليه أحوالهن من السقوط في ~~التراب والالتزاق به، ولما شملهن من الصغار والابتذال بموته. ويقال: هلت ~~التراب وغيره أهليه هيلا. وفي الحديث: أتكيلون أم تهيلون؟ قالوا: نهيل. ~~قال: فكيلوا ولا تهيلوا وحثوته أحثوه حثوا. والصوادي: العطاش، والفعل منه ~~صدى يصدى صدى. ### || وقالت جارية ماتت أمها فأضرت بها رابتها # ولو يأتي رسولى أم سعد ... أتى أمي ومن يعنيه حاجي # ولكن قد أتى من بين ودي ... وبين فؤاده غلق الرتاج # ومن لم يؤذه ألم برأسي ... وما الرئمان إلا بالنتاج # كأنها لما ناكدتها رائبتها، ولجت في إهانتها والإضرار بها، راسلت أباها ~~تطلعه على ما تقاسي منها، وتستمد التعصب لها رجاء أن يزجرها، فلم تر من ~~عطفه عليها ما يرضيها، ولا من إنكاره فيها ما يردعها، فلما استمرت الحال ~~بها على طريقة واحدة اقتصتها شاكية فقالت: لو وردت رسالتي على والدتي ومن ~~يهمه أمري لاقتضتها الشفقة الاعتناء بشأني، وعطفتها الأمومة على ما أقترحه ~~من حاجى، ولكن قد وردت علي من صرف وده عني، وحيل ms0537 بينه وبين الحنو علي، ~~فانسدت طرق الأمل فيه، وأغلقت أبواب الخير من جهته، فلا اهتزاز لماربة، ولا ~~انبعاث لدفع مضرة، ولا توجع لشكوى تظهر، ولا ترحم لبلوى تذكر. وما ذلك إلا ~~لأن علائق الوداد تستحكم # PageV01P657 # بالنتاج، ومعاقد الإشفاق تتوثق بالولاد، فبهذا انفصلت الأبوة عن الأمومة، ~~وضعفت الأسباب إلا عن الرضاع والحضانة. # وقوله وما الرئمان إلا بالنتاج فيه بعض ما في المثل السائر، وهو ابنك من ~~دمي عقبيك. يريد من قمت عنه وقد ولدته. وفي المثل الآخر: ابنك ابن بوحك أي ~~الناشئ في باحة دارك. والباحة: عرصة الدار، وجمعها بوح. والرئمان: العطف، ~~يقال رئمته أرأمه رأما ورئمانا، ثم يسمى الولد رأما، وهو المرءوم. قال أبو ~~ذؤيب: # كعوذ المعطف أحزي لها ... بمصدرة الماء رأم رذي ### || وقالت أم الصريح الكندية # هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... بجيشان من أسباب مجد تصرما # أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلما # ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأون اصبرا على الموت أكرما # قوله هوت أمهم أي هلكت. والمهواة والهوة والهاوية والأهوية والهواءة على ~~فعالة بمعنى، وهو ما بين أعلى الجبل أو البئر إلى المستقر. وفي القرآن: " ~~فأمه هاوية "، قيل هي اسم لجهنم، أي هي مأواهم كما تؤوى الأم الولد، وقيل ~~هي من هوت أمهم، وهذه اللفظة تستعمل عند الداهية يشرف عليها الإنسان أو يقع ~~فيها، وفيها معنى للتعجب والاستفهام. على ذلك قوله: # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب # PageV01P658 # وعلى الأول قول الآخر: # كنت كمن تهوي به الهاوية # وقيل: هوت أمهم، معناه أم رءوسهم هاوية في الهوة أو في النار. وتلخيص ~~البيت هوت أمهم أي شيء تصرم بهم من أسباب المجد يوم صرعوا بجيشان، وهو علم ~~البقعة اتفقت الوقعة بهم فيها. وماذا إن شئت جعلت ما اسما مبتدأ وذا خبره، ~~وإن شئت جعلت ما مع ذا اسما واحدا ويكون مبتدأ وتصرم في موضع خبره. وهذا ~~الكلام مخرجه على الاستفظاع والتعجب. # وقوله أبوا أن يفروا يصف ثباتهم في ms0538 وجه البلاء، وصبرهم على الطعان ~~والوقاع. والواو من قوله والقنا في نحورهم واو الحال؛ أي امتنعوا من ~~الإحجام والنكوص فلم يطلبوا وجه المهرب، ولا سلكوا طرق المخلص، مع الإمكان ~~والتمكن، وتمهد المعذرة عند الناس فيما يأتونه والتنصل، ومع العلم باستظهار ~~الأعداء عليهم، وقعود العجز عن الوفاء بهم. # ثم قال ولو أنهم فروا لكانوا أعزة أي لو تأخروا وكفوا لما لحقهم ذل فيه ~~ولا غضاضة؛ ولا تسلط على عزهم نقيصة وحقارة، ولكن وجدوا الصبر على الموت، ~~والاستقتال بعد اللفاء أكرم في الأحدوثة، وأنفى للعار والمذمة. ### || وقال الحسين بن مطير. # ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا # فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا # يخاطب صاحبين له، يسألهما زيارة قبر معن وإبلاغه عنه أنه مقيم على ما هو ~~دأبه ووكده من طلب السقيا له، فواصل الله ذلك لك من السحب التي تنشأ غدوة، ~~ربيعا بعد ربيع. والمعنى: دامت النضارة والطراوة. وإنما خص الغوادي لأن ~~المراد # PageV01P659 # حصوله له غداة كل يوم. وقوله مربعا يجوز أن يكون ظرفا، ويكون أن يكون ~~مفعولا، ويكون المربع والربيع المطر نفسه. قال الخليل: وقد يسمى الوسمى ~~ربيعا. ويكون المعنى: سقتك مطرا الغوادي بعد مطر. ويجوز أن يكون مصدرا من ~~قولهم ربعت الأرض، إذا أصابها الربيع، فكأنه قال: ربعتك الغوادي مربعا بعد ~~مربع، أي سقتك الغوادي سقيا بعد سقى. # وقوله: # فيا قبر معن أنت أول حفرة # يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مثل قول الآخر: # كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح # ويكون الكلام تفظيعا للحال، وتنبيها على أن ما وقع لم تجر العادة بمثله، ~~فهو مستبدع لعظم موقعه في النفوس، حتى كأنه لم ير قبر قبله دفن فيه كريم. ~~والآخر أن يكون المعنى: أنت أول حفيرة استحدثت لتواري فيها السماحة والسخاء ~~والمروءة، فتصير مضجعا لها، ويكون المعنى أن السماحة ماتت بموت معن ودفنت ~~بدفنه، وأنت أول خطة اختطت للسماحة نفسها. وقوله مضجعا انتصب على الحال. # ويا قبر ms0539 معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # كرر مناداة القبر توجعا وتحسرا، ثم أخذ يتعدب ويقول منكرا: كيف سترت ~~جوده، وقد كان ملئا للبر والبحر معا. وفي طريقته قول الآخر: # عجبا لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشم كبير # فإن قيل: لم قال مترعا فوحد والإخبار عن البر والبحر جميعا؟ قلت: يجوز أن ~~يكون إنما وحد لأنه نوى التقديم والتأخير، كأنه قال: وقد كان منه البر ~~مترعا والبحر، أي والبحر أيضا مترع، فيرتفع البحر بالابتداء، واكتفى ~~بالإخبار عن الأول إذ # PageV01P660 # كان المعطوف كالمعطوف عليه. ومثله: # فإني وقيارا لغريب # يريد: إني لغريب بها وقيار أيضا غريب، وهو اسم فرسه. ويجوز أن يكون لما ~~علم أن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه اكتفى بالإخبار عن أحدهما، ثقة بأن ~~الثاني علم أنه في حكمه. ومثله: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوى رماني # بلى قد وسعت الجود والجود ميت # بلى جواب استفهام مقرون بنفي نحو قولك ألم، أليس، وما أشبههما. وهذا ~~الشاعر لما قال متعجبا من مخاطبة القبر ومنكرا: كيف واريت جوده على كثرته ~~ووفوره، وشموله لأقطار البر البحر، صار بما اعتبر وشاهد من الحال كأن القبر ~~قال له: ألم أسعه، ألم أواره، ألم أتضمنه على ما به؟ فقال مصدقا له، ~~ومتلهفا: بلى قد وسعته واشتملت عليه وهو ميت، ولو كان حيا لضقت عنه حتى ~~تنقطع وتنشق، والصدع: الشق في الشيء الصلب. وصدعت الفلاة والنهر قطعتهما. # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # ولما مضى معن مضى الجود فانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا # قوله فتى عيش في معروفه موضعه نصب على المدح والاختصاص، والعامل فيه فعل ~~مضمر، كأنه قال: أذكر فتى هذا صفته. ويجوز أن يكون موضعه رفعا على ~~الاستئناف أو من أؤبنه فتى، وقوله " عيش في معروفه بعد موته " يجوز أن يكون ~~أراد من استغنى به وبمعروفه من المتصلين به، ms0540 والمنقطعين إليه، والراجين له. ~~ويجوز أن يكون أراد من عاش من وقوفه وحبائسه بعده، ويجوز أن يريد أنه علم ~~الناس الجود والكرم، فمن مقتدس به آخذ أخذه، ومستن بسنته سلك مسلكه، فما ~~يفعله هؤلائ صار كأنه هو الفاعل له. ثم شبهه # PageV01P661 # بالفيث يصوب فيحيى العباد ثم يعيش الناس في آثاره بعد انقطاعه ومضيه. ~~وقوله كما كان بعد السيل مجراه ارتفع مجراه بكان، وكان الحكم أن يليه فلم ~~يسغ لأن الضمير فيه يرجع إلى السيل وقد تقدم عليه، والإضمار قبل الذكر أو ~~ما يجري مجراه لا يجوز، فامتنع رده إلى رتبته من ولي العامل له، لشيء يرجع ~~إلى الضمير المتصل به لا لشيء يرجع إليه. وتلخيص الكلام: كما كان مجرى ~~السيل مرتعا بعده. # وقوله ولما مضى معن لما يجئ لوقوع الشيء لوقوع غيره، وهو علم للظرف. ~~فيقول: حين مضى معن لسبيله وانقطعت حياته، فقد الجود وانمحت آثاره، فأصبحت ~~المكارم ذليلة إذ مات من يربها ويعمرها، كمن جدع أنفه مثلة وعقوبة، وإرغاما ~~وإهانة. ويقال في المثل: " منى أنفي وإن كان أجدع ". والعرنين: ما ارتفع من ~~الأنف والأرض، وأوائل الشيء، وأشراف القوم وسادتهم، وكما ضرب المثل بجدع ~~الأنف في الإذلال، ضرب بصلم الأذن فيه لذلك. قال: # فمشوا بآذان النعام المصلم ### || وقال آخر: # ماذا أجال وتيرة بن سماك ... من دمع باكية عليه وباك # ذهب الذي كانت معلقة به ... حدق العناة وأنفس الهلاك # يقول على وجه التعدب وإكبار الأمر: أي دمع أراقه وتيرة بن سماك من عين ~~باكية عليه وباك. يريد أن المصيبة به أثرت في جماهير الناس وطوائف الخلق، ~~وأنهم لم يملكوا فيما دهمهم إلا البكاء إطفاء لنار الوجد، وإراحة من تعب ~~القلب، وماذا يغني العويل، وهو الراحة المطلوبة من البكاء إذا حقت الحقيقة، ~~إلا زيادة في اللوعة وإنجاد للمصيبة. وقد تقدم القول في ماذا، وشرحنا أمره. # وقوله: ذهب الذي كانت معلقة به يريد أنه كان يفك الأسراء، وينعش الفقراء، ~~حتى أن من ابتلي بأسر، أو رمي بفقر، فإنه لم يعد لفكه ولم يرج ms0541 لجبره # PageV01P662 # غيره، فأعينهم كانت ممتدة إليه، وآمالهم كانت معلقة به، وإذ قد مضى ~~لسبيله، وانتقل إلى جوار من هو أحق به، فقد استبدلوا بالطمع خيبة، ومن ~~التعزز ذلة، وبقوا في ملكة محنهم لا انفكاك لهم منها، ولا ارتياش من ~~سقطاتها. ### || وقال أشجع بن عمرو السلمي # أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود # أنعى فتى مص الثرى بعده ... بقية الماء من العود # قوله أنعى فتى الجود إنما أضافه إلى الجود أيذانا بأن الجود كان يمتلكه ~~فهو فتاه. أو يريد أن الجود كان يتبجح بكون هذا الرجل من أسرته وأصحابه، ~~لأنه كان يتفتى في الجود؛ وهذا كما يقال: فلان فتى الحرب، وكما قيل: لا فتى ~~إلى علي في الوغى. فيقول: إنه الآن وقد مضى لسبيله فإني أنعاه إليه، ~~لنتشارك في فقده والجزع عليه. ثم قال: ما مثل من أنعى بموجود، وهذا يشبه ~~الالتفات، كأنه أقبل على إنسان فقال: أذكر موت من كان معدوم النظير، قيل ~~الشبيه، فلا الجود يجد من يخلفه ويعلى ذكره، ويقوم بأوده فيقيمه فيقال هو ~~فتى الجود، ولا نحن نعتاض منه من يجمع شملنا، ويجبر كسرنا، ويسد مفاقرنا ~~إذا أضر الزمان بنا. # وقوله أنعى فتى مص الثرى بعده، يريد: تغيرت الأرض عما كانت عليه، فيبست ~~أشجارها واغبرت ساحاتها بموت هذا المرثي، فالدنيا مدبرة، والأقطار مقشعرة، ~~والبؤس للبئيس معانق، والخير بتوابعه من الندى والتطول والخصب والترطب ~~مفارقة. ### || وقال عبد الله بن الزبير الأسدي # رماى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # PageV01P663 # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجههن البيض سودا # السمود: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. ويقال للمأخوذ عن الشيء: اترك ~~سمودك. وفي القرآن: " وأنتم سامدون "، أي ساهون لاهون. وقوله رمى الحدثان ~~نسوة آل حرب بمقدار فيه ما يجري مجرى القلب، لأنه لو قال رمى المقدار نسوة ~~آل حرب بحدثان، لكان أقرب في المعتا، وأجرى على طريق الدين. فيقول: جر ~~المقادير على نسوة آل حرب نوبة من نوائب الدهر أثرت في عقولهن، حتى غفلن عن ~~أسباب ms0542 الدين والدنيا كلها، وحتى شيبتهن ولفحت وجوههن، فردت السود من شعورهن ~~بيضا، والبيض من وجوههن سودا. # وهذا كما حكى عن العريان بن الهيثم، لما سأله عبد الملك عن حاله، فقال: ~~ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، وأسود مني ما كنت أحب أن يبيض في كلام طويل. ~~ثم قال: # وكنت شبابي أبيض للون زاهرا ... فصرت بعيد الشيب أسود حالكا ### || وقال مسلم بن الوليد وماتت امرأته # حنين ويأس كيف يجتمعان ... مقيلاهما في القلب مختلفان # غدت والثرى أولى بها من وليها ... إلى منزل ناء لعينك دان # فلا وجد حتى تنزف العين ماءها ... وتعترف الأحشاء للخفقان # هذا الكلام شكو من حاله فيمن أصيب به، فيقول: اليأس حاصل منها إذ كان ~~غائب الموت لا إياب له، والشوق إليها غالب حتى كأني ما فقدتها؛ فيا عجبا ~~كيف اجتمع مع اليأس رجاء مع اختلاف مقرهما في القلب، ومع تنافيهما عند # PageV01P664 # التحصيل والكشف، وهل يكون الإنسان فيما اعتيد وعرف من أحوال الأزمان ~~مبتلى بأسباب الخيبة من الشيء، ومترددا معها بين علائق الطمع فيه. والمقيل ~~الموضع من قلت. وفي القرآن: " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ". # وقوله غدت والثرى أولى بها من وليها تحسر، فيقول: ابتكرت وهي في ملكة ~~التراب دون ملكة وليها، فالثرى صار أولى بها. والانتقال من بين الأحياء إلى ~~الأموات أحق وأوجب في أمرها. وقوله إلى منزل ناء لعينك دان مثل قول الآخر: # ..... # أما جوارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد # وقد ألم قوله غدت والثرى أولى بها بقول الآخر: # صلى الإله عليك من مفقودة ... إذ لا يلائمك المكان البلقع # وقوله فلا وجد حتى تنزف العين ماءها يريد به: لا وجد يعتد به إذا ذكر ~~الهلع على مثله حتى تستنفد العين دمعها، لاتصال البكاء بها، وحتى تستمر ~~الأحشاء في خفقان القلب فتذل له وتصبر عليه، حتى يصير عادة وسجية ويقال: ~~عرف فلان لكذا واعترف له، إذا صبر فيه واعتاده. على ذلك قوله: # على عارفات للقاء عوابس # ويقال نزفت البئر وأنزفتها جميعا، قال العجاج: # وأنزف العبرة من ms0543 لاقى العبر # وفي المثل أجبن " من المنزوف قرطا ". # PageV01P665 # وقوله لا وجد خبره محذوف، كأنه قال: لا وجد حاصل أو موجود. والخفقان في ~~القلب والجناح: الاضطراب، ومنه خفق البنود والأعلام، حتى سمى الأعلام ~~خوافق. قال: # لقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح عقاب دائم الخفقان ### || وقال مسلم أيضا: # قبر بحلوان استسر ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار # نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار # قوله استسر بمعنى أسر، ومثله استعجب بمعنى عجب. وأكثر ما ترى استسر يكون ~~في معنى استخفى وتوارى. على ذلك قولهم في آخر الشهر استسر القمر ليلة أو ~~ليلتين، فهو من السرار، وهو آخر يوم في الشهر، والخطر: ارتفاع المكانة ~~والحال في الشرف، ثم يقال في الشريف: هو عظيم الخطر. والضريح، أصله القبر ~~يشق وسطه ولا يلحد. وارتفع قبر بالابتداء لأنه بصفته وهو بحلوان قرب من ~~المعارف؛ واستسر في موضع الخبر. والمعنى: قبر بهذا المكان اشتمل جوفه على ~~عظيم من العظماء، رفيع المكانة جليل الخطر، يتقاصر عنه كل عظيم جليل. وقوله ~~خطرا أراد ذا خطر، فحذف المضاف، وكذلك الأخطار، أراد ذوو الأخطار. وقوله ~~تقاصر يجوز أن يكون من القصور: العجز، أي تعجز أن تبلغ محله الأخطار. ويجوز ~~أن يكون ضد تطاول فيكون من القصر. # وقله نفضت بك الأحلاس نفض إقامة يريد أن العفاة قعدوا عن الاجتداء بعد ~~موتك يأسا ممن يطمع فيه، أو يرجى خيره، فنفضوا أحلاس رواحلهم نفض من يقيم ~~في بلاده ويطرح الترحال. وقوله استرجعت نزاعها ممن يتعطف عليهم، أو يصطنعهم ~~وينظر لهم، فكأنهم كانوا ودائع الأمصار عنده مدة مقامهم ببابه فارتجعتهم. ~~والنزاع: جمع نازع، وهو البعيد والغريب جميعا، وكذلك النزيع والجميع ~~النزائع. ويجوز أن يكون # PageV01P666 # من نزعت إليه نزاعا، أي حننت. فيقول: المقيم في موضعه رفض الترحال، ~~والمسافر عاد إلى مقره يأسا من كسب المال. # فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار # سلكت بك العرب السبيل إلى العلى ... حتى إذا سبق الردى بك حاروا # يقول: اذهب لوجهك وآلاؤك منشورة، وصنائعك محمودة مشكورة، وآثارك كآثار ms0544 ~~السحب وقد أغاثت الناس بأمطارها، فإذا أقلعت ترى أهل السهل والوعر يثنون ~~عليها. والغوادي: السحابات التي تنشأ غدوة، وكأنه أراد أقطاعا منها، ~~وأضافها إلى المزنة لأنه منها تجمعتن فكملت مزنة. ويجوز أن يكون المراد ~~بالغوادي أمطارا تصوب غدوة، وأضافها إلى المزنة. # وقوله سلكت بك العرب السبيل إلى العلى يريد أنك هادي العرب ودليلهم في ~~اكتساب المعالي وابتناء المكارم، فأنت قائدهم وهم يطؤون عقبك، ويقتدرون بك، ~~حتى إذا فقدوا إرشادك تحيروا فلم يهتدوا، وضلوا فلم يرشدوا. ومعنى سبق ~~الردى بك كأنهم كانوا يتشبثون به ويلزمونه حافظين بقاءه فجاء الردى بطلبه ~~ويختاره، فانتهز الفلاصة في السبق به واجتذابه من أيديهم، والفوز به من ~~دونهم. ومفعول سبق محذوف، كأنه قال سبقهم الردى بك. ### || وقال حنش في يعقوب بن داود # يعقوب لا تبعد وجنبت الردى ... فلنبكين زمانك الرطب الثري # ولئن تعهدك البلاء بنفسه ... فلقيته إن الكريم لبتلي # لم يرضى بالجري على عادة الناس في قولهم عند المصاب: لا تبعد، حتى زاد ~~عليه وجنبت الردى ليكون الكلام أدل على التوجع، وأوفى بالتنبيه على حاجة ~~الناس إلى بقاء المتوفي. وقوله فلنبكين زمانك الرطب الثري يشير فيه إلى ~~إحسانه الضافي، ومعروفه الواسع الوافي، وأنه كان للناس كالحيا يحيى الأرض ~~وسكانها، فكان ثرى # PageV01P667 # الأرض به رطبا، وزمانه خصبا. وفيه إلمام بقوله: # اذهب كما ذهبت غوادي مزنة # وقوله ولئن تعهدك البلاء بنفسه أفاد قوله بنفسه إكبار الأمر وتفظيع الشأن ~~في موته وفقدانه، كأن البلاء لم يرض في الذهاب به بان يعتمد على نائبيه ~~ورسله، بل جاءه بنفسه. وقوله إن الكريم ليبتلى تسلية. ومعنى تعهدك أي نظر ~~هل أنت على ما عهدك ليرى فيك رأيه. وفي الكلام إلمام بقول الآخر: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # ويعني بالبلاء الموت، وقد يكون في غير هذا الموضع النعمة والاختبار. ومنه ~~قوله تعالى: " ليبتلي الله "، أي يمتحن. وقوله لئن اللام موطئة للقسم، وهو ~~مضمر وجوابه إن الكريم ليبتلى. # وأرى رجالا ينهسونك بعدما ... أغنيتهم من فاقة كل الغنى # لو أن خيرك ms0545 كان شرا كله ... عند الذين عدوا عليك لما عدا # معنى ينهسونك يغتابونك، وأصل النهس في العظم إذا عرق ما عليه من اللحم. ~~وانتصب كل الغنى على المصدر، ووضع الغنى موضع الإغناء على عادتهم في وضع ~~الاسم موضع المصدر. والمعنى: أرى من أحسنت إليه وأنعشته وبعد الفاقة ~~أغنيته، يتنقصك ويغتابك، سوء محافظة منهم، ولدناءة أصلهم ولؤم عرقهم. # ثم قال: لو أن خيرك عندهم كان كله شرا لما جاوز فعلهم بك، ومكافأتهم لك، ~~ما نراه. ومعنى عدوا عليك ظلموك. ومعنى لما عدا لما جاوز ويقال عدا عليه ~~عدوا وعدوا وعداء وعدوانا. وارتفع كله على التوكيد للمضمر في كان، ويجوز أن ~~يكون اسم كان. وفي قوله لما عدا ضمير للشر، ومفعوله محذوف، كأنه قال: لما ~~جاوز الشر، أي جزاء الشر، ما يأتونه في نقيصتك والوضع منك. والكلام تحسر ~~وتشك من متحملي صنائع المفقد. وذم للدهر وأهله. # PageV01P668 ### || وقالت صفية الباهلية # كنا كغصنين في جرثومة سمقا ... حينا بأحسن ما تسمو له الشجر # حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... فطاب فيئاهما واستنظر الثمر # قوله سمقا أي طالا في كمال. والجرثومة: الأصل فيقول: كنا كفننين خرجا من ~~أصل واحد فنميا وطالا، واستكملا زمانا، وبقيا يزدادان على أحسن ما تزداد له ~~الأشجار، حتى إذا فرعا، وآتت أغصانهما وبرعا، وكثر ورقهما، واستطيب ظلهما، ~~وصارا ينتظر ثمرهما، وقف الأمر بهما دون الغاية المرجوة فيهما، ودعى أحدهما ~~مقدما على الآخر للمحتوم لهما. والفرع من كل شيء: ما تفرع منه في أعلاه. ~~الفيء من الظل: ما فاء من جانب إلى جانب. ومعنى استنظر انتظر. ورواه بعضهم: ~~واستنضر الثمر، أي وجد ناضرا غضا. والأول أحسن. # أخنى على واحد ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء وما يذر # كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر # قوله أخنى جواب إذا من قوله حتى إذا قيل قد طالت فروعهما، وقوله وما يبقى ~~الزمان اعتراض حصل بين ما قبله وما بعده من القصة، مؤكد له. فيقول: لما بلغ ~~الأمر بنا ذلك المبلغ أناخ ms0546 حدثان الدهر على أحدهما فأتلفه وأفسده، والزمان ~~هذا دأبه، لا يسلم عليه شيء، بل يرتجع كما يعطى، ويسلب كما يهب. # ثم قال: كنا كأنجم ليل بينها قمر، وهذا تشبيه ثان، كأنها في الأول وهو ~~كنا كغصنين شبهت نفسها وصاحبها بغصنين، وفي الثني شبهت العشيرة كلها ~~والمتوفي فيها، بنحوم ليل أحدقت بقمر استضاء ظلامه الليل بنوره فسقط ذلك ~~القمر من وسطها فعاد الليل كما كان. # وهذا الكلام فيه تفضيل للمتوفي على ذويه كلهم، فإنهم كانوا يستكشفون ظلمة ~~حوادث الدهر من جهته ومكانه، فلما فارقهم عاد الشر جذعا، والضياء حندسا. # PageV01P669 ### || وقال التيمي في منصور بن زياد # لهفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير # لهفي مبتدأ، وهو لهف مضاف إلى ضمير النفس، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى ~~الفتحة فانقلبت ألفا. ولو روي لهفي عليك، لجاز، ويكون جاريا على أصله. ~~وعليك في موضع الخبر. واللام من للهفة متعلق بما دل عليه لهفي. فيقول: لي ~~عليك حسرة شديدة من أجل حسرة رجل نابه من حوادث الدهر ما اختشي له فطلب ~~جوارك، والاستعاذة بفنائك، وقت لا مجير له ثم لا يجدك. وقوله حين ليس مجير ~~ظرف ليبغي، ويبغي في موضع الصفة لخائف. وخبر ليس محذوف، كأنه قال: حين ليس ~~مجير في الدنيا، أو ينعشه، أو ما أشبه ذلك. وأضاف حين إلى ليس فبناه لأن ~~المضاف إليه غير متمكن، فاكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين إلى ليس ~~فبناه لأن المضاف إليه غير متمكن، فكتسب البناء من جهته، فالفتحة في حين ~~فتحة بناء. ولا يمتنع أن يكون فتحة إعراب، كأنه أجرى حين على سلامته ولم ~~يعتد بالإضافة فيه. # أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور # عمت فواضله فعم هلاكه ... فالناس فيه كلهم مأجور # يقول: فارقت الأحياء وفي كل فرقة من فرقهم غم شامل، وزفرة متصلة، فاختلطت ~~بالأموات، فالأنس الذي كان في الأحياء انتقل بانتقالك إلى الأموات، فديار ~~الأحياء ذات وحشة ونفور، فهي كالقبور لما حصل فيها من الفجع بك، وفارقها من ~~نسيم ms0547 الروح والراحة بفراقك. وقبور الأموات ذوات أنس وقرار بمجاورتها لقبرك، ~~ولما يغدو ويروح إليها من زوارك. # وقوله عمت فواضله فعم هلاكه يريد أن إحسانه عم الخلق، وصنائعه شملتهم، ~~فبحسب ذلك عمتهم الفجيعة به، فالناس كلهم مصابون مأجورون، قد استوت أقدامهم ~~وتناسبت أحوالهم فيما نالهم من الحسرة فيك، وأضر بهم من الخلل الواقع في ~~عيشهم بك. # PageV01P670 # يثنى عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير # ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور # يقول: عرف الناس على اختلافهم وتباين أوطانهم، فضلك وفواضلك، فاتفقت ~~ألسنتهم في الثناء عليك والحمد لك، فمن لم تسد إليه خيرا منك، ولم تشركه في ~~النعمة عندك، صار مقتديا بغيره في إطائك ومدحك، وتقريظك وتزكيتك، لأنك ~~عندهم كلهم جدير بذلك، لا لمكافأة على إحسانك، ولا لشكر وجب عليهم في تحمل ~~أفضالك. # وقوله ردت صنائعه إليه حياته، يقول: تذاكر الناس بعوارفك لديهم، ونشروا ~~محامدك فيهم، فكأنك حي لم يوارك قبر، ولم يفز بك موت. ويقال أنشر الله ~~الموتى ونشرهم جميعا. وأنشر أفصح. وقوله من نشرها أي من نشر الناس لها، ~~فأضيف المصدر إلى المفعول. # فالناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير # عجبا لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشم كبير # أصله المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله ها هنا المصيبة نفسها. ~~والرنين: الصوت. والرنة الفعلة منه. وانتصب عجبا على المصدر، والعامل فيه ~~فعل مضمر، كأنه قال: عجبت عجبا. وإنما قال أربع أذرع، لأن الذراع مؤنثة، ~~وفي خمسة لأنه أراد الأشبار. والشبر مذكر. ويشبه هذا قوله: # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # والجبل الأشم: الطويل الرأس. ويقال عز أشم، يراد به الارتفاع. ### || وقال نهار بن توسعة يرثي أخاه # عتبان قد كنت امرأ لي جانب ... حتى رزيتك والجدود تضعضع # قد كنت اشوس في المقامة سادرا ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع # PageV01P671 # يقول: يا عتبان، كنت رجلا كان لي ملاذ ألوذ به، وجانب أستنيم إليه، ~~وأتعزز بعزه، إلى أن فقدتك، والجدود تنحط بعد ms0548 الارتفاع، وتعوج عقيب ~~الاستواء. فقوله والجدود تضعضع اعتراض، لأن قوله كنت أشوس متصل بما قبله. ~~والشوس هو النظر في اعتراض كنظر الغضبان والكاره للشيء المعرض عنه ~~والمقامة: المجلس. والسادر: الذاهب عن الشيء ترفعا عنه. ويقال أتى فلان ~~أمره سادرا، إذا جاءه من غير جهته. والسدر: ظلمة تغشى العين، وكأن السادر ~~منه. وقوله فنظرت قصدي أراد نظرت حين أقصد، ومكان قصدي. وإعرابه يجوز أن ~~يكون نصبا على الظرف، وقد حذف اسم المكان معه، ويحوز أن يكون مصدرا، كأنه ~~قال: فنظرت أقصد قصدي، أي قاصدا قصدى فدل المصدر على اللفظ بالفعل، والواقع ~~موقع الحال هو الفعل. ومعنى البيت: قد كنت بما في نفسي من الكبر والتعلي ~~على الناس أنظر إلى أهل المجلس نظر المعترض عليهم، المعرض عنهم المستهين ~~بهم، المأخوذ عن قصدي فيهم عجبا واستغناء، فلما فقدتك زالت تلك الخنزوانة ~~عني، واستقام عنقي من الصور العارض له، كما اعتدل نظري فزال عنه الشوس الذي ~~كان فيه. # ويستحسن لأوس بن حجر قوله: # تشاوس يزيد إنني من تأمل # وفقدت إخواني الذين بعيشهم ... قد كنت أعطي ما أشاء وأمنع # خاطب عتبان فيما تقدم، وشكا بثه إليه، على عادة الناس في إظهار التلهف ~~عند مخاطبة المفقود، والجري في مباثته علي عادتهم معه في حياته. وفي الثاني ~~أخبر عن نفسه بأنه مرزأ في إخوانه. كأن المصائب كانت متوافية إليه، ملحة في ~~تكرير الفجائع عليه، فإخوانه تفانوا واحدا بعد واحد، وتدانوا في التتابع ~~سندا بعد سند، فقال: ورزئت إخواني الذين كنت أعطي ما أشاء إعطاءه، وأمنع ما ~~أشاء منعه، مدة عيشهم، وزمن بقائهم. ويقال: عشت عيشا ومعاشا. والمعيش ~~والمعيشة والمعاش. اسم ما يعاش به. ويقال هو عائش أي حاله حسنة. # PageV01P672 # فلمن أقول إذا تلم ملمة ... أرني برأيك أم إلى من أفزع # فليأتين عليك يوم مرة ... يبكي عليك مقنعا لا تسمع # قوله فلمن أقول إذا تلم ملمة كلام من سلبه القدر إخوانه، وقص جناحه ~~فأعياه طيرانه، فمتى طرقه حادث أو ألم بساحته من الدهر نائب لم يكن له من ms0549 ~~يرجع إليه مستشيرا، أو يقتبس من نور رأيه مستضيئا، ولا وجد من يستدفع به ~~البلاء أو يستعديه على مهتضمه، فيصرف بقوته عن نفسه العداء فيبقى أسير ~~الغبر، وقيذ الفكر. ومعنى أرني برأيك أرشدني برأيك، واهدني بنظرك. وقد حذف ~~المفعول الثاني لقوله أرني، والمراد أرني الصواب أو وجه الأمر برأيك. ~~ويقال: رأيت الشيء بعيني رؤية ورأيا، ورأيته بقلبي رأيا لا غير. فأما قول ~~زهير: # فقال أميرى ما ترىرأى ما ترى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله # فالمراد به ما ترى رأى أي الأمرين ترى. فما ترى سؤال عن جملة الرأي ورأى ~~ما ترى سؤال على طريق التفصيل، وقد بينه بقوله أنختله أم نصاوله. وقوله إلى ~~من أفزع يقال فزعت إلى فلان أفزع، إذا التجأت إليه؛ وهو لنا مفزع، أي نفزع ~~إليه. وفي ضده يقال: هو لنا مفزعة، أي نفزع منه. ويستوي فيه الواحد ~~والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث. # وقوله فليأتين عليك يوم مرة خطاب لنفسه. وقد ألم بقول الآخر: # وإخال أني لاحق مستتبع # يريد أن أجله قد قرب ولا بقاء للروح على ما يمارسه ويزاوله. وأشاد بقوله ~~يوم إلى وقت النازلة. ويقال فعل كذا مرا ومرين كما تقول مرة ومرتين، ومقنعا ~~انتصب على الحال من قوله يبكي عليك ومعناه مسجى مستور الوجه. ولا تسمع في ~~موضع الصفة لقوله مقنعا، أي مقنعا غير سامع عولة الباكي. وليأتين جواب يمين ~~مضمرة، ويبكي عليك في موضع الصفة ليوم، أي يوم يبكي عليك فيه، أو يبكاه # PageV01P673 # عليك إن قدرته تقدير المفعول به. ومثله: " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن ~~نفس شيئا "، وقد مر القول فيه. ### || وقال يزيد بن عمرو الطائي # أصاب الغليل عبرتي فأسالها ... وعاد احتمام ليلتي فأطالها # ألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها # الغليل: حرارة الجوف، يقال به غلة. والاحتمام: القلق والانزعاج، يقال ~~أحمنى الأمر إحماما. والعاضد: قاطع النخل، والذي يقطع به يقال له المعضد. ~~فيقول: تناهى حمى جوفي وغلة كبدي، فأسلت دمعي إطفاء لنائرتها، وعاد قلق ~~ليلتي، وطار النوم عني فطال ms0550 له ليلتي. وقوله احتمام ليلتي أضاف الاحتمام ~~إلى ليلته لكونه فيها، ولاجتماع الوساوس عليه، لتفرده عما يشتغل به. ويروى: ~~احتمامى ليلتي، ويكون ليلتي في موضع الظرف، يريد احتمامى في ليلتي. وإنما ~~قال احتمام ليلتي لما كان تقدم من مصائبه في عشيرته. # وقوله ألا من رأى قومي لفظه استفهام، والمعنى معنى التوجع. وقد يأتون به ~~على الخطاب هل رأيت قومي؟ كأن هذه الرؤية مستنكرة فهو يستثبت. وقوله كأن ~~رجالهم نخيل شبههم وقد صرعوا بنخيل معضودة. وهذا التشبيه ورد مثله في ~~القرآن، في قوله تعالى: " كأنهم أعجاز نخل خاوية ". وجملة المعنى كأنه ينكر ~~أن يكون قومه بهذه الصفة، فقال مستثبتا على طريق التحسر: من رأى قومي ~~مقتلين مصرعين كأن فرسانهم نخيل قصدها عاضد فأمالها. وفائدة أمالها، على ~~فصاحته في هذا الموضع، تصوير حالة الرجال حين تركوا بالعراء كيف تركوا. # أدفن قتلاها وآسو جراحها ... وأعلم أن لا زيغ عما مني لها # وقائلة من أمها طال ليله ... يزيد بن عمرو أمها واهتدى لها # وصف حالته وما مني به في ذويه وعشيرته، وكيف تولى من المقتولين دفنهم، ~~ومن المجروحين أسوهم، لأنه إذا احتاج إلى تولي ذلك منهم كان أشقى له وأعود # PageV01P674 # بالكمد عليه. وقوله وأعلم أن لا زيغ عما منى لها رضا منه بمحتوم القضاء، ~~وإظهار للتصبر في البلاء، وتحسر على ما فاته من القوم في حالتي الشدة ~~والرخاء. ومنى لها، يعني قدر لها، وأصله مني، فأخرجه على لغته، لأنهم يفرون ~~من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فتنقلب الياء ألفا. والزيغ: الميل ~~والانحراف. وقوله أن لا زيغ أن فيه مخففة من الثقيلة، أراد أنه لا زيغ. ~~والضمير في أنه للأمر والشأن، ولا زيغ في موضع خبر أن. # وقوله وقائلة من أمها من في موضع المبتدأ، وطال ليله في موضع الخبر، كأنه ~~قال: الذي أمها طال ليله. ويزيد بن عمرو مبتدأ آخر وأمها في موضع الخبر، ~~وهو استئناف كلام منقطع عما قبله. ويعنى بيزيد بن عمرو نفسه. # وروى الأثرم هذه الأبيات عن أبي عبيدة للنابغة الذبياني، ms0551 وأثبتها في ~~ديوانه وقد غير أبياته ترتيبا ولفظا، وقال: إنما هو زياد بن عمرو؛ لأن اسم ~~النابغة زياد، وزعم أنه قالها في وقعة طيئ يوم شراف، غزاهم حصن بن حذيفة ~~ومعه النابغة، فالتفوا بشراف. والناسبون كالكلبي والشيباني واليربوعي ~~والأصمعي، ذكروا أن النابغة هو زياد بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع ~~ابن غيظ بن مرة. وأبو تمام نسبها إلى يزيد بن عمرو الطائي. وفي ألفاظ هذه ~~الأبيات على ما رواه أبو تمام شاهد صدق على أنه ليزيد لا للنابغة. والله ~~أعلم. # ومعنى البيت: رب امرأة قالت متوجعة متحسرة: من قصد هؤلاء المقتولين، ووفق ~~في الاهتداء فقد أطيل ليله، لأنه يرد منهم على ما يجرح القلب ويطيل السهر. ~~ثم قال يزيد بن عمرو: أنا الشقي الذي أمها واهتدى لها، مجيبا للقائلة. ~~وفائدة اهتدى أن الموضع الذي قتلوا فيه كان كالملتبس عليهم، فصار هو الطالب ~~له، والمهتدي إليه، والمنبه عليه. وانجر وقائلة بإضمار رب، وجوابه من أمها، ~~والجملة في موضع المفعول لقائلة. وقد تعرى قائلة من صفة لها، وأكثر ما يجيء ~~المجرور برب يجيء موصوفا. ### || وقال قسام بن رواحة السنبسي # لبئس نصيب القوم من أخويهم ... طراد الحواشي واستراق النواضح # PageV01P675 # وما زال من قتلى رزاح بعالج ... دم ناقع أو جاسد غير ما صح # أخويهم يريد صاحبيهم. والعرب تقول: يأخا بكر، يريد واحدا من بني بكر. ~~والحواشي: صغار الإبل ورذالها. والنواضح: التي يستقى عليها الماء، واحدتها ~~ناضحة. وسميت بذلك لأنه جعل الفعل لها كأنها هي التي تنضح الزراعات ~~والنخيل. وهم يسمون الأكار النضاح. على ذلك قول الهذلي: # هبطن بطن رهاط واعتصبن كما ... يسقى الجذوع خلال الدور نضاح # فيقول: مذموم في أنصباء القوم من صاحبين لهم يقتلان طرد الإبل وسوقها، ~~وسرقة البعران التي يستقى عليها. وإنما جعل الطرائد حواشي الإبل ونواضحها ~~إزراء بها، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب: # ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا # يعني في الدية. وهذا تعريض بمن وجب عليه أن يهمه طلب دم صاحبهم فاقتصر من ~~الأعداء على الغارة ms0552 عليهم، وسرقة الإبل منهم. وفيه هزؤ أيضا، وبعث على طلب ~~الدم. # وقوله وما زال من قتلى رزاح بعالج دم ناقع فالناقع: الثابت، مصدره ~~النقوع. والماصح، قال الخليل: هو الراسخ في الثرى، وهو ها هنا الذليل، ~~والدارس. يقال مصحت الدار إذا درست، ومصح الظل، إذا قصر. # قال الأعشى: # إذا الآل مصح # وهذا الكلام تذكير بدماء قتلاهم. ورمل عالج: موضع معروف. ورزاح: قبيلة. ~~فيقول: ولا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم ثابت، أو يابس غير ~~زائل. والمعنى أن دماءهم بحالها ما لم يثأروا بهم؛ لأن غسل تلك الدماء إنما ~~يكون بما يصب من دماء أعدائهم. # PageV01P676 # دعا الطير حتى أقبلت من ضرية ... دواعي دم مهراقه غير بارح # لم يرض بما ذكره في البيت المتقدم من التذكير بدماء المقتولين حتى بسط ~~القول فيه وجنحه بأن قال: دعا دواعي دمائهم طيور الأماكن النائية والجبال ~~المطلة، حتى أقبلت من ضرية وهو اسم بلاد تشتمل على جبال عوافي سباعها ~~وطيورها تستدل بها، فوقعت عليها تأكل من جيفها. ويجوز أن يريد بالدواعي ~~الرياح الذاهبة في الأقطار. وقوله مهراقه غير بارح أي هو مصبوب موضعه لم ~~يحل ولم يزل. # أعاد المعنى تفظيعا، ويجوز أن يريد بقوله مهراقه الموضع المصبوب فيه ~~الدم، كأنه يستشهد به فقال: هو غير بارح. وقال مهراقه والأصل مهراق فيه. ~~وإنما قلنا هذا ليكون بين هذا وبين قوله دم ناقع أو جاسد غير ما صح فصل. ~~والكلام يشتمل على ما يطرى المصيبة ويهيج الفجيعة، ويصور مصرع القوم بما ~~يأتيه من عوافي الطير. وفيه بعث شديد وحض بليغ على طلب الدم. # عسى طيئ من طيئ بعد هذه ... ستطفى غلات الكلى والجوانح # عسى لفظه ضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع ~~فيه، فيجب أن يستأنى له، وإن كانت من أفعال المقاربة. وبهذا يبين عن لفظة ~~كاد لأن كاد لمشارفة الفعل فهو يلي الفعل بنفسه تقول كاد زيد يفعل كذا، ~~وعسى يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه كاد زيد يفعل كذا، ms0553 وعسى ~~يحول بينه وبين الفعل أن، يدلك على هذا أنه قال ستطفئ غلات الكلى والجوانح. ~~لما كان من شرط عسى أن يجيء بعده أن إيذانا بالاستقبال جعل هذا بدل أن ~~السين، لأنه أشهر في الدلالة على الاستقبال، وإنما قال عسى طيئ من طيئ لأن ~~الجذاب الذي أشار إليه والقتال، كان بين بطنين منهما. وقوله بعد هذه أشار ~~إلى الحالة الحاضرة، الجامعة لكل ما ذكره. والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع ~~القصار. والمعنى: المطموع فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل، ~~وإن كانوا أخروه إلى هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. وقد آلم بهذا ~~الكلام كل الإيلام، لما ختم به كلامه المتقدم. # وأبلغ من هذا قول الآخر، وهو في طريقته: # وإني لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # PageV01P677 ### || وقال سليمان بن قتة العدوي # مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها يوم حلت # فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت # الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد، ويدل على ذلك أن تصغير الآل ~~أهيل، كما أن تصغير الأهل أهيل. وأخبرنا الفراء عن الكسائي أنه قال: سمعت ~~أعرابيا فصيحا يقول: أهل وأهيل، وآل وأويل، قال أبو العباس ثعلب: فقد صار ~~أصلين لمعنيين، لا كما قال أهل البصرة؛ وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب أن ~~الأهل القرابة، كان لها تابع أو لم يكن، والآل: القرابة بتابعها. قال: ~~ولهذا أجود الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم وأفضلها: اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد: وقد ورد فيه التوقيف. روي أن أمير المؤمنين عليه السلام ~~سأل النبي صلوات الله عليه: كيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد ". # وقوله فلم أرها أمثالها يوم حلت، يريد أنها قد ظهر عليها من آثار الفجع ~~والمصيبة ما صارت له وحشا، فحالها في ظهور الجزع عليها ليست كحالها في ~~السرور أيام حلوها. فهو مثل قول الآخر: # بكت دارهم من فقدهم فتهللت ... دموعي فأي الجازعين ألوم # أمستعير يبكي من الهون ms0554 والبلى ... أم آخر يبكي شجوه ويهيم # وقد سلك محمد بن وهيب مثل هذا في مديحة في المأمون أولها: # طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا نضد # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد # وسلك أبو تمام هذا المسلك فزاد عليهم كلهم، لأنه قال: # قد أقسم الربع أن البين فاضحه ... أن لم تحل به عفراء عن عفر # PageV01P678 # وقوله فلا يبعد الله الديار وأهلها فيه دلالة على أنه جعل الدار وحالها ~~كالمفقودين وأحوالهم، إذ كانت لفظة لا نبعد ولا يبعد الله يستعمل في ~~الفائت. وقوله وإن أصبحت منهم برغمي تخلت تحسر على أهل الدار والدار جميعا. # ألا إن قتلى الطف من آل هاشم ... أذلت رقاب المسلمين فذلت # وكانوا غياثا ثم أضحوا رزية ... ألا عظمت تلك الرزايا وجلت # قتلى الطف: الحسين ومن معه من ذويه عليه السلام. وقوله أذلت رقاب ~~المسلمين فذلت كأنها لما أذلت، بأن بغى لعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وولده عليه السلام الغوائل، واستحل منهم المحارم، ونيل منهم ما كان محظورا ~~من غيرهم من المسلمين، فكيف منهم، وقهروا على حقوقهم واستبيحت دماؤهم ~~وحرمهم التزمت رقابهم ذلك الذل فأقرت به وخضعت، ولبسته لبسة من كان ذلك ~~نصيبه من مواليه، فصاروا كالراضين به وإن لم يكن ذلك رضا. وقوله وكانوا ~~غياثا يريد أنهم كانوا للمسلمين غوثا عندما ينزل بهم فلا يرجون لملمهم دينا ~~ودنيا غيرهم، فلما نيل منهم ما نيل صاروا رزيئة لهم كلهم، لأنه بحسب رجائهم ~~كان فيهم، وعلى مقدار مكانتهم من قلوبهم صار نوازل الغم تنكى فيهم، وفواقر ~~الرزء تكسر ظهورهم. # وقوله ألا عظمت تلك الرزايا وجلت التفات، كأنه أقبل مكبرا ومستفظعا على ~~من حوله فقال: ما أعظم هذه الرزايا وما أجلها، لقد بلغت مبلغا شنيعا، ~~وافترت عن البلايا افترارا قبيحا، فيا لها ما أنكاها وأقرحها. ### || وقالت قتيلة بنت النضر بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أباها صبرا: # يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق # الأثيل: موضع كان ms0555 فيه قبر النضر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم تأذى به ~~فقتله صبرا، وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على ~~العرب، ويقول: محمد # PageV01P679 # يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة. يريد ~~بذلك القدح في نبوته، وأنه إن جاز يكون ذلك نبيا لإتيانه بقصص الأمم ~~السالفة فإني وقد أتيت بمثلها رسول أيضا. وذكر ابن عباس في قوله تعالى: " ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث "، أنها نزلت في النضر بن الحارث الداري، ~~وكان يشتري كتب الأعاجم فارس والروم، وكتب أهل الحيرة، فيحدث بها أهل مكة، ~~وإذا سمع القرآن أعرض واستهزأ به. وقتيلة ابنته لما جاءت إلى حضرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأنشدته هذه الأبيات رق لها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبكى. وقال: " لو جئتني من قبل لعفوت عنه "، ثم قال: " لا يقتل قرشي بعد ~~هذا صبرا ". فأما قولها يا راكبا فإنها دعت واحدا من الركبان غير معين، فكل ~~من كان يجيبها منهم كان هو المدعو. والمظنة: المنزل المعلم. وقولها من صبح ~~خامسة تيريد من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبتدئ في السير منها إلى الأثيل ~~وأنت على الطريق غير عادل منها. وإنما تريد أن تقول: إذا كان ابتداء السير ~~من موضعها يكون انتهاؤه في أثيل من سير يحصل في صباح ليلة خامسة لليلتها. ~~ومن قولهم: إذا خرجت عن مكان كذا فموضع كذا منزل قمن منك ضحوة غد، وموضع ~~كذا مظنة من عشية يوم كذا. وعلى هذا الوجه قول الآخر: # يسط البيوت لكي يكون مظنة ... من حيث توضع جفنة المسترفد # وإن كان الأول في الزمان وهذا في المكان. # بلغ به ميتا فإن تحية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق # منى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق # هذا هو الرسالة التي تريد أن تحملها الراكب، تريد: يا راكبا بلغ بهذا ~~المكان، إذا أتيته، مقبورا فيه تحيتي، فإن التحيات أبدا تخفق بها الركائب ~~وتبلغ أربابها. والخفق. الاضطراب. ومفعول بلغ الثاني محذوف، لأن قولها فإن ~~تحية ms0556 يدل عليه. # وقولها منى إليه يتعلق بفعل مضمر قد دل عليه بلغ، كأنه قال: أوصل إليه ~~مني تحية، وأد مني تحية، لأن جميع ذلك معناه بلغه عني. وقولها وعبرة مسفوحة # PageV01P680 # معطوف على المفعول المضمر الذي أظهرته. والمسفوحة: المصبوبة. وقولها: ~~جادت لمائحها أي أجابت داعيها وساعدت مستقيها. وقولها وأخرى تخنق معطوف على ~~عبرة، كأنها قالت: وأد إليه أيضا عبرة قد خنقتني وهي في الطريق لم توجد. ~~وهذا الكلام يشتمل على اقتصاص حالها، وعلى ما في نفسها من الحسرات والآلام ~~الفجيعة. والركائب: جمع ركوبة، وهي مفردة عن الموصوف، لا يقال ناقة ركوبة، ~~وكذلك حلوبة وقتوبة. وقولها جادت لمائحها في موضع الصفة لعبرة، كما أن تخنق ~~في موضع الصفة الأخرى. والمعنى: بلغه عني تحية وأعلمه من حالي بكاء يتصل ~~ولا ينقطع، ودمعا يساعد ولا يخذل، فمن سائل مسفوح، ومن خانق مدفوع. وجادت ~~من الجود. ولك أن تروى لماتحها ولمائحها. والمائح أبلغ، لأن المتح ~~الاستقاء، والميح أن تدخل البئر ليملأ الدلو إذا قل الماء. والذي يدل على ~~قلة الدمع والجهد في إسالته يكون أجود في الرواية. # فليسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت أو ينطق # قولها إن ناديته شرط وجوابه ما دل عليه ليسمعن، وكذلك قولها إن كان يسمع ~~ميت شرط ثان وجوابه يدل عليه ليسمعن. وترتيب الكلام إذا جاء على وجهه. إن ~~ناديت النضر وقد أتيته عني فليسمعن نداءك وليجيبنك إن كان الميت يسمع أو ~~ينطق. وقولها ليسمعن جواب يمين مضمرة ودل على ليجيبنك أيضا، لأن من صح فيه ~~السمع إذا دعى صح منه الجواب. وقد يقول الإنسان وقد سئل شيئا: السمع ~~والطاعة، والمفهوم فيه: إني أجيبك إلى ملتمسك. ويريد به الفعل لا سماع ~~سؤاله من دون الفعل. # ظلت سيوف بين أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # قولها ظلت سيوف بني أبيه ms0557 تنوشه تحسر منها لما جرى على أبيها، تريد: صارت ~~سيوف إخوانه تتناوله بعد أن كانت تذب عنه، وتضع منه بعد أن كانت ترفعه، # PageV01P681 # وتبتذل حرماته بعد أن كانت تصونها. ثم قالت كالمستعطفة والمتعدبة. لله ~~أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت أسبابها، وهتكت أستارها. # وقولها هناك ظرف، والكاف كاف الخطاب، ويشار به إلى مكان متراخ. وإذا قيل ~~هنالك فزيد فيه اللام كان آكد، والمشار إليه أبعد. والعامل في هناك تشقق، ~~وهو في موضع الصفة للأرحام. واللام من قوله لله لام التعجب. وهم إذا عظموا ~~شيئا نسبوه إليه تفخيما لأمره جل شأنه. # وقولها أمحمد نونت المنادى المفرد المعرفة ضرورة، ولو رد إلى أصله فقيل ~~أمحمد لجاز. وسيبويه يختار تركه على البناء في هذا المكان وإن نونه ~~للضرورة، لمشابهة البناء في هذا المكان الإعراب. ولذلك جاز حمل الصفة عليه. ~~ومثل هذا قول الآخر: # لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع # فنون خلة، والفتح فيه للبناء، لأنه مبني كمنصوب. وبعضهم روى: أمحمد ها ~~أنت نجل نجيبة، فأدخل ها التنبيه على الجملة وقد تعرت من حرف الإشارة. وقد ~~جاء مثله. قال النابغة: # ها إنها عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد # والواو من ولأنت عاطفة للجملة ومفيدة معنى الحال، وكذلك الواو من قوله ~~والفحل فحل معرق. والمعنى: أنت كريم الطرفين معم مخول. واستعطفته مقرظة ~~ومثنية والمدعو له قولها: ما ضرك لو مننت. وهذا الكلام فيه اعتراف بالذنب، ~~والتزام للنعمة والمنة في العفو لو حصل. فتقول: أي شيء كان يصرك لو عفوت ~~والفتى وإن كان مغضبا مضجرا، منطويا على حنق وعداوة، قد يمن ويعفو. هذا إذا ~~جعلت ما استفهاما. ويجوز أن تجعل ما نافية والاستفهام في مثل هذا الكلام ~~يفيد معنى النفي. # PageV01P682 # وإنما قالت ربما لأن الحالة التي أشارت إليها بقولها المغيظ المحنق يقل ~~فيها المن، ورب للقليل. وقولها والنضر أقرب من أصبت وسيلة تذكير منها بما ~~يجمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وإياه من القربى والقرابة. وإنما يدل ~~بذلك ms0558 على وجه الاستحقاق للصفح عن الخيانة، لما يدل به من الأسباب ~~المتواشجة، والأرحام المتشابكة. وقولها وأحقهم إن كان عتق يعتق أرادت: ~~وأحقهم بأن يعتق إن كان عتق، أي إن وقع عتق، فحذف الباء، وحروف الجر مع أن ~~تلغى كثيرا، ثم حذف أن ورفع الفعل، فهو كقوله: # ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # يدل على أن من أحضر محذوف أنه عطف عليه بأن فقال: وأن أشهد اللذات. وجواب ~~الشرط، وهو إن كان عتق، ما يدل عليه وأحقهم وأقرب من أصبت. وكان هذه كان ~~التامة فلهذا استغنت عن الخبر. والمعنى: والنضر أقرب الأسراء الذين أسرتهم ~~إليك، وأحقهم بالعتق إن وقع فكاك وعتق. ### || وقال النابغة الجعدي # فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر # هذا مثل قول الهذلي: # أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناء # وأحسن منهما قول الآخر: # إذا افتقروا عضوا على الفقر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر # PageV01P683 ### || وقال أيضا: # فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فلا يبقى من المال باقيا # لما قال: كان فيه ما يسر صديقه وعلم أن في الناس من يجمع الخير خالصا من ~~دون الشر خشي أنه إن سكت على هذه الجملة ظن به القصور عن التمام، والوقوف ~~دون الكمال، فلا يكون فيه النكاية في الأعداء والإساءة إليهم، وإذلالهم ~~وإرغامهم. ثم وصفه بأن قال على أن فيه ما يسوء الأعاديا وهذا هو النهاية في ~~الكمال؛ لأنه إذا عرف لأوليائه ما يوجب عليه التوفر عليهم، وجميل التفقد ~~لهم، وعرف لأعدائه ما يوجب التنقص منهم وإذلالهم، كان في ذلك أكمل الكمال. # وقوله فتى كملت خيراته غير أنه جواد هذا استثناء في نهاية الحسن، فهو ~~كالتأكيد لأول الكلام؛ لأن كونه جوادا لا يكون عيبا فيخرجه من قوله كملت ~~خيراته، لكنه إذا كان عيبه المستثنى من الخيرات الجود الذي هو مؤثر عند ~~الله تعالى وعند الناس، فخصاله المحمودة ms0559 الباقية ماذا ترى تكون. فهو ~~استثناء منقطع من الأول، كأنه قال: كملت خيراته لكنه جواد. وإذا تأملت وجدت ~~البيت الثاني مثل البيت الأول، في أنه أتبع ثناء بثناء، وأردف مديحا بمديح، ~~فعجز كل واحد منهما يؤكد صدره، ويزيده مبالغة معنى وتظاهر مبدأ ومنتهى. ~~ومثلهما بيت النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن يسوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وموضع قوله فتى في البيتين جميعا نصب على الاختصاص، كأنه قال أذكر فتى ~~هذه صفته. ولا يمتنع أن يكون موضعه رفعا على أن يكون خبر مبتدأ محذوف. فإن ~~قيل: ما موضع على أن فيه ما يسوء الأعاديا من الإعراب؟ قلت: هو يجري وإن ~~كان جمعا بين صفتين متضادتين على أن الثانية كالحال للأولى، كأنه قال: فيه ~~ما يسر صديقه مركبا على ما يسوء الأعاديا. وقوله فما يبقى من المال باقيا ~~تأكيد للجود. وانتصاب باقيا يجوز أن يكون على المفعول، ويجوز أن يكون على # PageV01P684 # المصدر، وقد وضعه موضع الإبقاء. ومثله: # كفى بالنأي من أسماء كاف # وضع كاف موضع كفاية، وهو مصدر منصوب، لكنه حذف فتحة الإعراب من آخره وإن ~~كانت الفتحة مستخفة، على طريقة من قال: # أن أيديهن بالقاع القرق ### || وقال: # وأي فتى ودعت يوم طويلع ... عشية سلمنا عليه وسلما # رمى بصور العيس منخرق الصبا ... فلم يدر خلق بعدها أين يمما # فيا جازي الفتيان بالنعم اجزه ... بنعماه نعمى واعف إن كان أظلما # انتصب " أي " بودعت، والكلام فيه تعجب على طريق التفخيم للشأن، والتعظيم ~~للأمر. وانتصب عشية على البدل من يوم، والمعنى: ما أجل شأن فتى ودعناه عشية ~~شيعناه من يوم طويلع، وقضينا فيما بيننا وبينه بعد حق التوديع، بأن سلمنا ~~عليه وسلم هو علينا، أي قلنا: أصحبك الله السلامة، وحفظك حيث كنت! وقال لنا ~~مثل ذلك. وهذا كأنه كان تثنية للوداع حينئذ، وتذكرة من بعد من الشاعر. ~~وإرسال القول فيه تحسر وتوجع. وقوله وسلما يريد وسلم علينا، فحذف علينا ~~ويجوز أن يكون أراد بودعت الوداع الذي لا تلاقي بعده. ألا ترى أنه يقال ~~للمفارق: ms0560 غير مودع! أي جعل الله بعده التقاء. وقد كشف عن هذا المعنى طرفة ~~حيث يقول: # قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك # قفي لا يكن هذا تعلة ساعة ... لبين ولا ذا حظنا من نوالك # فإذا جعلت ودعت على هذا، انفصل معناه عن معنى سلمنا عليه وسلما. وهذا ~~ظاهر. # PageV01P685 # وقوله رمى بصدور العيس مخرق الصبا يريد أنه توجه في المفازة حيث تنخرق ~~الريح، ورمى بصدور رواحله نحوها، فلم يعرف له بعد ذلك خبر ولا أثر. وقوله ~~أين يمما موضع الجملة من الإعراب نصب على أنه مفعول لم يدر، كأنه قال: لم ~~يدر خلق ما يقتضي هذا السؤال. وهذا الكلام نهاية فيما يثيره الجزع من ~~المشفق القلق، ويدور في شكوى المتوله الحدب، لأنه إذا لم يمكنه الرجوع إلى ~~شيء بعد جولة الوداع والافتراق، إلا إلى صدمة اليأس والاكتئاب، فذاك أجلب ~~للوادع الرزيئة، وأجمع لبوارح الشكية. # وقوله فيا جازي الفتيان بالنعم اجزه دعاء له، والمعنى أحسن إليه بدل ~~إحسانه إلى خلقك، وجزاء على إنعامه في عبادك، وتجاوز عن سيئاته فيما كان ~~فيه ظالما، وعن الحق والنصف عادلا. وقوله كان أظلما أي كان ظالما. وأفعل ~~بمعنى فاعل جاء كثيرا. ومثله: # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # وجعل في الثاني شرطا لأنه قال واعف إن كان وفي الأول لم يأت بمثله ليدل ~~على سلامة طريقته من الجور والاهتضام، وبراءة ساحته في غالب ظنه مما يستحق ~~به العقاب والانتقام. الكلام وإن كان فيه دعاء فهو تحسر وتوجع. وإنما قلت ~~هذا لأن استعمال الدعاء بعقب ما ذكر طريق في إظهار الخيبة لا يكاد يعفيها ~~تعاور الأحوال بالسلوة، ولا يحول عن سلوكها تعاقب الأرمان بالمساءة ~~والمسرة. ### || وقال شبيب بن عوانة # لتبك النساء المعولات بعولة ... أبا حجر قامت عليه النوائح # عقيلة دلاه للحد ضريحه ... وأثوابه يبرقن والخمس مائح # خدب يضيق السرج عنه كأنما ... يمد ركابيه من الطول ماتح # لتبك النساء أمر من فعل يدل على الحال. ألا ترى أنه وصف النساء المأمورات ~~بأنهن معولات. والأمر وإن ms0561 كان في الأكثر يبنى على المستقبل يصح أن يبنى على ~~ما # PageV01P686 # للحال، ويراد به الاستدامة والاستمرار في الفعل. على ذلك قول الله تعالى: ~~" يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ". وقوله بعولة تعلق الباء منه ~~بلبتك، والمراد أن يكون بكاء المعولات أبا حجر بزيادة عولة. المعولات: ~~الصائحات، والاسم العويل. وقامت عليه النوائح في موضع الحال وقد مضمرة، ~~كأنه قال: لتبكه النساء فقد مات والنوائح ينحن عليه. وهذا كله تفظيع ~~للرزيئة، وتنبيه على وجوب البكاء له، وأن الزيادة في العولات عليه مسوغة، ~~لأن فقد اسمه غير مشاهد من قبل ولا معتاد. # وقوله عقيلة دلاه اقتصاص حال التجهيز والدفن، وأنها وقعت بمرأى منه ~~ومسمع، فشقي بمزاولتها، وكمد لشاهدتها. وأراد بالأثواب أكفانه، فجعلها تبرق ~~لبياضها. والمائح أصله الذي يدخل البئر فيغرف الماء في الدلاء إذا قل ~~الماء. وها هنا أراد الذي يدخل القبر فينظفه ويصلح ما يجب إصلاحه منه. ~~ودلى، أصله الإرسال، وتوسعوا فيه فقيل: دلاه بغرور، إذا خدعه. وتدلى على ~~كذا بالحيل. فيقول: عقيلة هو الذي أرسله للحد القبر، وأكفانه لبياضها ~~ونظافتها تلمع، والخمس هو الذي تولى من القبر ما تولى. وسوق كل هذا تفجع ~~وتألم، وتذكر لما سخنت له العين، وأحرقت له الكبد. # وقوله خدب هو الكامل الخلق التام الأعضاء، القوي السوي. لذلك قال يضيق ~~السرج عنه وقوله كأنما يمد ركابيه وصفه بامتداد القامة وطول البادين. ويحمد ~~من الفارس ذلك. وقوله كان ماتحا أي مستقيا، يمد ركابيه من بئر لطولهما. ~~والخدب: الطويل. يقال: إن في ذلك لخدبا أي طولا. وبعير خدب: ضخم شديد. ### || وقال: # أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا # لعمري لئن سر الأعادي وأظهروا ... شماتا لقد مروا بربعك خاليا # فإن تك أفنته الليالي فأوشكت ... فإن له ذكرا سيفنى اللياليا # PageV01P687 # خاطب المرثي فقال متلهفا: ما أعظم مصيبة أصيبت بها قبائل معد يوم فجعت بك ~~فأصبحت مقيما في مكان لا تبرح منه. يشير إلى القبر. ويقال: ثوى بالمكان ~~وأثوى جميعا. وقوله أدهى يقال دهاه كذا يدهاه دهيا ودهوا، ms0562 إذا أثر فيه ~~تأثيرا شديدا وداهية دهياء ودهواء. والداهية: المنكر من الأمر. فيقول: إن ~~المصيبة بك ما أعظمها وأنكرها، فيا لمعد فقد بليت بها. # وقوله لعمري مبتدأ وخبره محذوف، ولئن سر شرط، واللام موطئة للقسم، وجواب ~~لعمري لقد مروا، وجواب الشرط ما دل عليه هذا الجواب. والمعنى: وبقائي لئن ~~كان الأعادي مسرورين بموتك، شامتين بذويك وعشيرتك لفقدهم لك، فقد وقعت ~~الشماتة في وقتها وحينها، ووافاهم السرور لحادث أمر عظم موقعه، لأنهم مروا ~~بربعك خاليا. والمعنى: أن ما كان ممدودا على ذويك وأوليائك من نطاق ~~الاعتزاز بمكانك، والاعتلاء بجدك وجدوه قاصرا زائلا منقطعا. وانتصب خاليا ~~على الحال. وقوله فإن يك أفنته الليالي فأوشكت معنى أوشكت. أسرعت. كأنه ~~استقصر مدة بقائه. ويجوز أن يكون استقصر مدة علته. والكلام في حذف النون من ~~إن تك فقد تقدم في مواضع. وقوله فإن له ذكرا سيفنى الليالي يريد: إن كان ~~عمره قد انقطع فإن ذكره متصل بالأبد، لا تفنيه الأيام ولا تقطعه الآماد، بل ~~هو يفنى الأيام والآماد. ووشك البين: سرعة القطيعة. وتقول: لو شكان ذا، كما ~~تقول: لعجلان ما كان كذا. ومثله قوله: # فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل ### || وقالت امرأة من كندة # لا تخبروا الناس إلا أن سيدكم ... أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا # أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة ... يوما من الدهر إلا ضر أو نفعا # قوله لا تخبروا الناس إلا تهكم وسخرية، يشوبه تعيير شديد. أي قد ارتكبتم ~~أمرا عظيما بتسليمكم سيدكم، فاستروا أمركم ولا تنبئوا الناس به. وهذا ~~مخاطبة لقوم خذلوا رئيسهم ولم يثبتوا معه، حتى قتل. فيقول: لو ثبتوا ~~وتابعوا الدافع عن نفسه # PageV01P688 # وعنهم. وقوله إلا أن سيدكم إلا بمعنى غير، فهو منقطع مما قبله. وهذا ~~الاستثناء من المعنى، كأنه قال: سلمتم إلا أن سيدكمم أسلمتم. # وقولها أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة انتصب طالعة على الحال المؤكد لما ~~قبله. والكوفيون يقولون في مثله: انتصب على القطع. وكما أن الحال يجيء ~~مؤكدا لما قبله تجيء الصفة ms0563 أيضا مؤكدة لما قبلها. ومثال الحال: رأيته في ~~الحمام عريانا، فعريان حال مؤكدة. ومثال الصفة أن تقول: فعلت كذا أمس ~~الدابر. وذرور الشمس: انتشارها في الجو. والمعنى: أذكر موت فتى لم تطلع ~~الشمس يوما من أيام الدهر عليه إلا وهو ضار لأعدائه ناك فيهم، أو نافع ~~لأوليائه مسد إليهم. وفي هذا ذهب إلى مثل ما قاله عدي: # إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبوس عدوك فابعد ### || وقالت امرأة من بني أسد # خليلي عوجا إنها حاجة لنا ... على قبر أهبان سقته الرواعد # تخاطب صاحبين لها تسألهما التعرج على قبر أهبان زائرين له، ومجدين العهد ~~به. وقوله سقته الرواعد دعاء للقبر بالسقيا. والرواعد: السحاب التي فيها ~~الرعد. وقولها إنا حاجة لنا حشو واعتراض، وقد وقع موقعا حسنا، وفيه استعطاف ~~للمخاطبين واستلطاف فيما تكلفهما. ويقال: ما عند فلان تعويج عليهم، أي ~~تعريج. وعجنا بالمكان أشد العياج والعوج، أي عطفنا. # فثم الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد # قولها كل الفتى مفيد للتأكيد، وجامع أسباب الفتوة كلها للموصوف، فكأنها ~~قالت: ثم الفتى التام الفتوة حتى لم يغادر شيئا من علائقها وأسبابها. ~~وقولها كان بينه وبين المزجى، والمزجى: الضعيف، كأنه يزجى الوقت في ~~الاعتداد به بين الفتيان. ويجوز أن يكون سمى الضعيف مزجى لتأخره وحاجتهم ~~إلى تزجيته واستحثاثه فيما يعن. وهذا كما قيل المركب في الضعيف الفروسية. ~~والنفنف: المهواة بين الجبلين، والأرض بين الأرضين. وهذا كما يقال: بين هذا ~~وبين كذا بون بعيد. # PageV01P689 # فتقول: بين هذا الفتى وبين من يزجى في الفتيان مهواة بعيدة، حتى لا ~~التقاء ولا تداني. # إذا انتضل القوم الأحاديث لم يكن ... عييا ولا عبئا على من يقاعد # أصل الانتضال والنضال في الرماء، ثم يستعمل توسعا في المفاخرة وقت ~~المنافرة، ومجاثة الخصوم لدى المناقرة. ألا ترى لبيدا يقول: # فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضى ويجل # ثم قال: # فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل # فيقول: إذا تجاذب القوم أطراف السمر والأخبار، وتنازعوا قصص الفرسان ~~والأيام، ودسوا ms0564 في أثناء المسارة روائع التبجح والمكاثرة، لم يكن حاجزا ~~فيما بينهم فدما، ولا ضعيف التصرف بكيا، ولا كان ثقيلا على جلسائه، سيئ ~~العشرة لخلطائه، بل كان حسن المجلس معهم، مستحلى المنادمة بينهم، خفيف ~~الوطأة عليهم. # ومن روى: ولا ربا على من يقاعد فإنه يريد: لا متكبرا على جليسه فعل ذي ~~الملكة والسلطان؛ والآخذ على مصطنعه بالاعتلاء والامتناع. ### || وقال كعب بن زهير # لقد ولى أليته جوى ... معاشر غير مطلول أخوها # كان جوى على ما دل عليه الكلام حلف في وجوه ناكبيه والعازمين على قتله، ~~أنهم لا يستمرئون فعلهم ذلك، وأن عشيرته وأصحابه سيطلبون دمه ويدركون ثأره، ~~فكانوا عند ظنه بهم من غير إهمال ولا تضجيع. فيقول: جعل جوى ولاية يمينه ~~التي أقسم بها إلى معاشر لا يبطل دم صاحبهم ولا يهدر، بل لا ينامون ولا ~~ينيمون حتى # PageV01P690 # ينالوا الوتر. وقوله غير مطلول أخوها أي دم أخيها، فحذف المضاف وأقام ~~المضاف إليه مقامه. قال: # دماؤهم ليس لها طالب ... مطلولة مثل دم العذره # وقال: # تلكم هريرة لا تجف دموعها ... أهرير ليس أبوك بالمطلول # أي لا ينسى دمه ولا يبطل ديته. والألية: اليمين، وجمعها ألايا. والفعل ~~منه آليت أولى إيلاء، وائتلى. وفي بعض اللغات يقال الألوة. # فإن تهلك جوى فإن حربا ... كظنك كان بعدك موقدوها # خاطب بعد أن أخبر على طريق التسلية، فيقول: إن ذهبت لما دعيت له فإن ~~الذين شبوا نار الحرب بعدك في التقاضي بك كانوا كما ظننتهم، وعند أملك ~~فيهم. فقوله " موقدوها " ارتفع بكان، وكظنك في موضع خبر كان وقد تقدم، ~~والجملة أعني كان موقدوها بعدك كظنك خبر إن، واسم إن وهو حربا نكرة غير ~~موصوفة أيضا، وساغ ذلك لما كان المراد بها مفهوما معلوما. ويجوز أن يجعل ~~قوله " كظنك كان بعدك موقدوها " من صفة حربا، ويجعل خبر إن محذوفا، كأنه ~~قال: إن حربا هذه صفتها وقعت. وبيت الأعشى حجة في الوجهين جميعا. وهو: # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا # ألا ترى أن معناه إن لنا محلا ms0565 إن لنا مرتحلا، فحذف الخبر، ومحل ومرتحل ~~نكرتان. # وما ساءت ظنونك يوم تولى ... بأرماح وفى لك مشرعوها # ولو بلغ القتيل فعال قوم ... لسرك من سيوفك منضوها # PageV01P691 # كأنك كنت تعلم يوم بزت ... ثيابك ما سيلقى سالبوها # قوله وما شاءت ظنونك تشكر للعشيرة وإن كان لفظه إعلام جوى ما كان منهم ~~وثناء عليهم، فيقول: لقد حسن ظنك بأرماح وفى لك مهيئوها ومعلموها يوم حلفك، ~~فلا جرم أنهم صدقوا ظنك بهم، وحققوا اعتقادك فيهم، وجدوا في طلب الأمر ~~وانكمشوا، حتى برت يمينك، وطابت نفوس أودائك والمفجوعين بك. وجعل الباء من ~~قوله بأرماح متعلقا بقوله ظنونك، وإنما الظن كان بأربابها، مجازا واتساعا. # وقوله ولو بلغ القتيل فعال قوم يريد لو أمكن إبلاغ المقتولين ما يفعله ~~الأحياء بعدهم لقمت في ذلك وقعدت، علما بأن ما أتاه قومك إذا تأدى إليك سرك ~~وقوعه وحمدتهم له. ويقال: نضا سيفه وانتضاه، إذا جرده من غمده. وقال من ~~سيوفك وأضافها إليه لما كان أربابها من أسبابه، وما للسبب مثل ما للمسبب. # وقوله كأنك كنت تعلم يوم بزت ثيابك أراد بالثياب السلاح، وهذا كما يقال ~~له البز. قال الهذلي: # فوقر بز ما هنالك ضائع. # يعني به السيف، ومعنى وقر وقع وقرات وهزمات فيه. ويقال بزه كذا وابتزه. ~~وفي المثل: " من عز بز "، أي من غلب سلب. وقال الدريدي: البز السلاح، يدخل ~~فيه الدرع والمغفر والسيف. وجعل تعلم بمعنى تعرف، لذلك اكتفى بمفعول واحد، ~~كقول الله تعالى: " لا تعلمونهم الله يعلمهم ". وما سيلقى ما بمعنى الذي، ~~وما بعده من صلته، وحذف المفعول من سيلقى استطالة للاسم بصلته، أراد ما ~~سيلقاه، ويعني بذلك ما يصيبهم في مكافأة فعلهم، وعند الانتقام منهم. # PageV01P692 ### || وقال آخر: # نعى الناعي الزبير فقلت تنعى ... فتى أهل احجاز أهل نجد # خفيف الحاذ نسال الفيافي ... وعبدا للصحابة غير عبد # يقول: خير الناعي بموت الزبير، فقلت معظما لشأنه، ومفخما للتأثير بمكانه: ~~إنك تذكر موت قريع أهل الحجاز وأهل نحد ومختارهم، ومن لا تحق الفتوة ~~بالاتفاق إلا له. وقوله خفيف الحاذ ms0566 وصفه بخفة العجز وقلة اللحم على الفخذ، ~~وذلك مستحب من الفرسان. قال الخليل: الحاذان: أدبار الفخذين، والآحاذ ~~الجميع. وقيل هو الظهر. والحاذ في غير هذا المكان: الحال والمؤونة. وقوله ~~نسال الفيافي أراد نسال في القيافي، فأجراه مجرى قطاع الفيافي. والنسان: ~~مشية الذئب إذا أعنق وأسرع. ويقال: نسل الماشي، إذا أسرع. وفي القرآن: " ~~فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون " أي يسرعون. # وقوله عبدا للصحابة غير عبد يصفه بكرم الصحاب، وحسن التوفر على الرفاق. ~~والصحابة مصدر في الأصل، يقال أحسن الله صحابتك، ثم استعمل صفة، وقوى في ~~الوصفية حتى جرى مجرى الأسماء، وتفرد عن الموصوف به. وكذلك قولهم صاحب اسم ~~الفاعل من صحب، تفرده بنفسه، قوى حتى كأنه ليس بمشتق من صحب، لا يكاد يقال ~~هو صاحب زيدا كما يقال هو ضارب زيدا. ومعنى غير عبد نفي لذل العبودية، لأن ~~قوله عبدا للصحابة أراد كرم الخلق وسهولة الجانب، وتحمل الأعباء عن رفقائه. ~~وقد ألم في هذا بقول الآخر: # طباخ ساعات الكرى زاد الكسل ### || وقال رقيبة الجرمي، من طيئ # أقول وفي الأكفان أبيض ماجد ... كغصن الأراك وجهه حين وسما # أحقا عباد الله أن لست رائيا ... رفاعة طول الدهر إلا توهما # PageV01P693 # مفعول أقول هي جملة البيت الذي يليه، والواو من قوله: وفي الأكفان أبيض ~~ماجد واو الحال، وكغصن الأراك في موضع الصفة لأبيض. شبه امتداد قامته به. و ~~" وجهه " على هذا يكون مبتدأ وخبره حين وسما، والجملة في موضع الصفة لما ~~قبله. وظروف الأزمنة لا تتضمن الأشخاص والجثث، لا تقول زيد اليوم، ولكن هذا ~~مثل قولهم: الهلال اللليلة، فكما جاز هذا لأن المراد طلوع الهلال الليلة، ~~كذلك قوله وجهه حين وسما لأن المعنى: بقول وجهه حين وسم. ومعنى وسم: خرج ~~قليلا، وحقيقته أنه بمعنى توسم، كما أن وجه بمعنى توجه، ونبه بمعنى تنبه، ~~وقدم بمعنى تقدم. ويقال لون الغلام، وطر، ووسم، وبقل بالتخفيف، في معنى ~~واحد. وأجاز أبو حاتم بقل بالتشديد ورواه الأصمعي ولم يجزه غيره. والمعنى: ~~أقول متلهفا وقد كفن بمرأى مني ms0567 ثم شاب مجتمع كريم شريف حسن الطأة، كأنه غصن ~~من الأراك ووجهه قد وسم حديثا. والمعنى: اعتبط ولم يمتع بشباه، ولا أمهل ~~لاستكماله واكتتهاله. فأقول: حقا عباد الله ما أرى. # وقد ألم في هذا المعنى بقول النابغة: # يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم # كأنه يكذب المشاهدة كما كذب النابغة الإخبار. وكل ذلك لاستفظاع الحال، ~~واستعظام الأمر والخطب. فأما قوله أحقا انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه ~~أفي الحق ذلك. فإن قيل: كيف جاز أن يكون ظرفا؟ قلت لما رآهم يقولون: أفي حق ~~كذا، أو أفي الحق كذا، جعله إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال: # أفي حق مواساتي أخاكم ... بمالي ثم يظلمني السريس # وقال: # أفي الحق أني مغرم بك هائم ... وأنك لا خل هواك ولا خمر # PageV01P694 # وقوله أن لست رائيا أن مخففة من الثقيلة. والمعنى أفي الحق لست رائيا هذا ~~الفتى إلا متوهما أبد الدهر. وقوله توهما مصدر في موضع الحال. # وفائدة قوله عباد الله أنه رجع فيما كان لا يؤمن به ولا يسكن إليه شناعة ~~وقباحة، إلى الناس كافة يستثبتهم ويستفتيهم. # فأقسم ما جشمته من مهمة ... تؤود كرام القوم إلا تجشما # ولا قلت مهلا وهو غضبان قد غلا ... من الغيظ وسط القوم إلا تبسما # يصف رضاه وحسن طاعته له، وقوة نهضته بكل ما يحمله من الأثقال المتعبة، ~~والآراب المثقلة، ودوام صبره على جميع ما يكلفه من المهمات الشاقة على كرام ~~الناس الباهظة، إلى ما كان يوجب له ويعظم قدر كلامه، فقال: ولم أقل له رفقا ~~إذا احتمى غيظا إلا سكن وحسنت فيئته، وكرمت عطفته، حتى بدا لي مضحكه، ~~وتهللت في لقياي غرته. هذا ومجلسه مشهود، والأقوام حوله قعود، فلا يتداخله ~~نخوة، ولا تأخذه بالإباء والتشدد عزة. وهذا كله تنبيه على تعالى لوعته، ~~وتغالي حرقته وفجعته. ### || وقال آخر: # ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى فأدبرا # فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا # لحى الله قوما أسلموك وجردوا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمرا # حذف الخبر ms0568 من قوله لا فتى ولا عرف جميعا، كأنه قال: لا فتى في الدنيا بعد ~~ذهابه، ولا عرف موجود بعد تولي عرفه. وفي وصفه المرثي بالفتى كأنه جمع له ~~الفضائل كلها، كما أن نفيه العرف كأنه نفى به المحامد كلها؛ لأن مهن شرط ~~الفتوة أن يدخل تحتها خصال الخير، كما أن العرف والمعروف يدخل تحته كل ما ~~عرف في الإحسان والصلاح. ولك أن تنون لا فتى وإن كان الأول أشرف في المعنى ~~وأبلغ، فيكون في موضع الرفع بالابتداء، وكذلك لا عرف ترفعه وتنونه، لأنك ~~تلقى حركة الهمزة من إلا وهي كسرة على التنوين. والفصل بين الرفع والنصب أن ~~النصب يفيد الاستغراق، كأنه نفي قليل الجنس وكثيره، إذا كان جواب هل من ~~فتى، ومن عرف؟ # PageV01P695 # والرفع لا يكون فيه الاستغراق، لكونه جواب هل فتى وهل عرف، فلا يمتنع أن ~~يكون السؤال عن واحد من الجنس ويكون الجواب على حده. وقوله ما تزال ركابه ~~من صفة فتى، وتجود بمعروف خبر ما تزال. # وارتفع فتى حنظلي على أنه خبر مبتدأ محذوف، ولو نصبه على المدح والاختصاص ~~لجاز، وقصده إلى أنه أمار بالمعروف، ونهاء عن المنكر، ولا يرضى بذلك فيما ~~يليه من البلاد، بل ترى الركبان تطوف به، فيأتيهما في الأباعد مثل ما ~~يأتيهما في الأقارب. وقوله ركابه أراد أصحاب ركابه يعني رسله. # وقله لحى الله قوما أسلموك تصريح بأن أصحابه خذلوه وتقاعدوا عن نصرته حتى ~~تمكن منه الأعداء فقتلوه. وقوله جردوا عناجيج أعطتها يمينك ضمرا بيان لأن ~~الخيل التي جردوها للركض في الهرب مما سمحت به يده، فلم يراعوا ذمة، ولم ~~يحافظوا حرمة، ولا راجعوا أنفسهم فيما تنتجه الأحدوثة، وتسير به الركب من ~~سيئ القالة. والعناجيج: الخيل الطوال، واحدها عنجوج. ومعنى لحى الله يجوز ~~أن يكون من اللحاء: السب والذم. ويجوز أن يكون من اللحى: القشر. وكيف جعلته ~~فهو دعاء عليهم، تسويدا لوجوههم، وإلحاقا للعار بهم، وتقبيحا لفعلهم، وجزاء ~~على صنعهم. وفائدة قوله ضمرا أنهم لم يؤتوا من عدة ولا عدد، وإنما أتوا من ms0569 ~~عجزهم وجبنهم، وسوء نياتهم، وسقوط همتهم. ### || وقال آخر: # أضحى أبو القاسم الثاوي ببلقعة ... تسفي الرياح عليه من سوافيها # قوله أضحى ها هنا لاتصال الوقت، والباء من قوله ببلقعة تعلق بالثاوي، ~~وخبر أضحى تسقى الرياح عليه، والكلام توجع وتحسر بأنه استبدل بمجالسه ~~الفضاء، ومن ندمائه وخلطائه الخلاء، ومن رفيع دسته ونبيه فرشه التراب، ~~والرياح السوافي تأتي بها إليه، وتجمعه عليه. والسفا والسافياء: التراب. ~~ويقال سفت الريح التراب وغيره تسفيه # PageV01P696 # سفيا، والريح سافية، والجميع السوافي، لتراب والورق واليبيس. وقيل ~~السافياء: الريح تحمل ترابا كثيرا تهجم به على الناس. والسفا: اسم ما ~~تسفيه. والبلقع: المكان الخالي. # هبت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيرا إذ يباريها # يقول: هبت الرياح عليه رافعة الحشمة في ابتذالها إياه، عالمة أنه لا هبوب ~~لريح دولته، ولا نفاذ لأمره، ولا استقامة لصولته، وقد كانت إذا همت ~~بمباراته تقف حسيرا بهيرا لا انخراق لها، ولا مجر لذيلها. وقوله أن لا هبوب ~~أن مخففة من الثقيلة، كأنه قال: أنه لا هبوب به. والضمير للأمر والشأن، وإن ~~شئت كان للمرثي. ولا هبوب في موضع خبرأن، والجملة سدت مسد مفعولي علمت. # أضحى قرى للمنايا رهن بلقعة ... وقد يكون غداة الروع يقريها # يقول: صار طعمه للمنايا هذا المفقود ومرتهنا في قبره، لا انفكاك له ولا ~~دفاع به، وقد كان وهو حي غداة الروع يقرى المنايا من لحوم الأعادي، ويجعلهم ~~قراها وطعمها. ويقارب هذا قول الآخر: # وإنا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذي نكر ### || وقال عقيل بن علفة # لتغد المنايا حيث شاءت فإنها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل # فتى كان مولاه يحل بنجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل # طويل نجاد السيف وهم كأنما ... تصول إذا استنجدته بقبيل # كأنه أذن لأنواع الموت أن تبتكر حيث شاءت، وتنال من الناس من أرادت، فقد ~~حل لها ذلك بعد أخذها الفتى ابن عقيل، لأنه هو الذي كان يخشى عليه منها، ~~ويرتجي يومه وغده، وإذ قد أصيب الناس به فلا خطر على المنايا، ولا خوف من ms0570 ~~الرزايا. ويقال: حللته من كذا تحليلا، إذا أطلقته له. # PageV01P697 # وقوله كان مولاه يحل بنجوة فالنجوة: اسم المكان المرتفع، والجميع النجاء. ~~وقيل هو اسم لما إذا أويت إليه نجوت من محذورك. وقد دخل تحت قوله مولاه ابن ~~العم وكل من ينتسب إليه بولاء. ألا ترى أنه لما أعاد ذكره قال: فحل الموالي ~~بعده بمسيل. وإنما قال ذلك لأنهم كانوا بأجمعهم يتعززون به ويستظهرون على ~~الدهر بحياته، فلما أصيبوا به تمكنت الأقدار من التأثير فيهم، وتسلقت ~~الآفات من كل جانب عليهم، وصاروا بمنزلة من نزل في مسيل من الأرض فلعبت ~~السيول به، وتهجمت نؤب الزمان عليه، وقد كان من قبل في يفاع لا يرتفع إليه ~~الأتي وإن طما، ولا يرتقى إليه الأبي وإن استعلى. # وقوله طويل نجاد السيف وصفه بامتداد القامة، وهذا كما أن الفرس إذا وصف ~~بطول الخد قيل: هو طويل العذار. ومثله قول أبي نواس: # سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام # وهذا المعنى مضاد لما وصف به بعضهم تأبط شرا، وكان يلقب بالشعل، فسلب بز ~~قتيسل له وتقلد سيفه، وكان القتيل حسن الشطاط، وتأبط شرا قصير القامة، فطال ~~عليه حمائل السيف المسلوب وانجر على الأرض، فقال فيه: # فويلم بز جر شعل على الحصى ... فوقر بز ما هنالك ضائع # أراد بالبز السيف، ومعنى وقر وقع فيه وقرات وهزمات، لتأثير الحصى فيها. ~~وجعل البز ضاعا لما لبسه غير صاحبه. فأما قوله يصول إذا استنجدته بقبيل ~~فإنه يصفه بغنائه إذا استغيث به وكمال آلاته، حتى صار المستنصر له ~~والمستغيث به، إذا أجابه واحتضره، كأنه أجابه قبيل لا رجل. والوهم: العظيم ~~التام الخلق. ويقال: جمل وهم، وهو القوي العظيم المنقاد، المطيع لصاحبه. ### || وقال مسافع العبسي # أبعد بني عمرو أسر بمقبل ... من العيش أو آسى على إثر مدبر # وليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر # PageV01P698 # قوله أبعد بني عمرو أسر بمقبل كأنه قال منكرا مستقبحا. يريد أسر بعد أ، ~~فجعت بهؤلاء القوم بقدر يساعد، أو عيش يقبل، أو ms0571 زمان يطاوع، أو أحزن في إثر ~~فائت، أو أجزع لتولي مدبر. والمعنى: أن السرور كان يتصل بحياتهم، والغم كان ~~يحذر مخافة أن يكون فيهم، وإذا قد مضوا لسبيلهم فلا شيء من أعراض الدنيا ~~يلحق له حبور إذا نيل، ولا شيء من أعلاق المنى يحزن له إذا أفيت. # وقوله وليس وراء الشيء شيء يرده عليك أي يرجعه إليك. فالاعتصام بحبل ~~الصبر هو الأولى؛ والأحب دينا ودنيا، فاصبر وقوله سوى الصبر موضعه من ~~الإعراب استثناء خارج، لأن الصبر ليس من الشيء الراد الفائت في شيء، فقد ~~انقطع مما قبله. # سلام بني عمرو على حيث هامكم ... جمال الندي والقنا والسنور # أولاك بنو خير وشر كليهما ... جميعا ومعروف ألم ومنكر # لما استسلم للجزع وما اعتاده من الهلع، وصبر نفسه مسليا، وتتبع أثر ~~المصيبة معفيا، حياهم فقال: عليكم التحية من الله يا بني عمرو حيث قرت ~~هامكم. وهامكم ترتفع بالابتداء وخبره محذوف، كأنه قال: حيث هامكم حاصلة ~~موجودة. والجملة أضيف إليها حيث لينشرح بها، لأن حيث يقتضي جملتين، فهي في ~~الأمكنة مثل حين في الأزمنة. ثم قال جمال الندى أي أذكر جمال المجلس يوم ~~الحفل، وزين السلاح غداة الروع، فانتصب جمال على الاختصاص والمدح. وذكر ~~الهام على عادة العرب، في زعمهم أن عظام الموتى تصير هامة تطير. والندي ~~والنادي: المجلس. ويقال: نداهم المجلس، أي جمعهم، فانتدوه. # وقوله أولاك بنو خير وشر كليهما إيذان منه بأنهم كانوا مستصلحين لكل ما ~~يعن ويحدث من السراء والضراء، فكانوا بني الخير لاستدرار المنافع من مالهم ~~وجاههم، وبني الشر لاستدفاع البلايا ببأسهم. وكانوا يسعدون مواليهم ببرهم ~~وتفقدهم، ويشقون معاديهم بحدهم وسطوتهم. وقوله كليهما جميعا انجر كليهما ~~على البدل من خير وشر، ولا يجوز أن يكون توكيدا لهما، لأن توكيد ما لا يعرف ~~لا فائدة فيه. والكوفيون يجوزون توكيد ما يدخله التجزئة من النكرات، ~~يقولون: قرأت كتابا كله، وأكلت رغيفا كله، على التوكيد. وأصحابنا البصريون ~~يجيزون الكلام بمثل هذا، ولكنهم يمتنعون من إجراء الآخر على الأول على طريق ~~التأكيد ويجعلونه بدلا، ms0572 # PageV01P699 # كأنه قال بنو كلا الخير والشر. انتصب جميعا على الحال. وكلا يضاف إلى ~~المثنى، إلا أن المعطوف والمعطوف عليه والحرف العاطف الواو بمنزلة المثنى ~~وفائدة قوله معروف ألم ومنكر أن يصرفا إلى النوازل الملمة والحوادث ~~الطارئة، فيكون الخير ولاشر مقصورين على أفعالهما، فلذلك قال ومعروف ألم ~~ومنكر ليتميز ما يكون من فعلهما عما يحدث من غير فعلهما. ### || وقال الربيع بن زياد العبسي في مالك بن زهير العبسي: # إني أرقت فلم أغمض حار ... من سيئ النبأ الجليل الساري # من مثله تمسي النساء حواسرا ... وتقوم معولة مع الأسحار # يقول: لما تساقط الخبر الموجع الساري بليل، والعظيم في شأنه، الفظيع عند ~~وقوعه إلى، سهرت فلم أغمض يا حار. كأنه ذكر ابتداء حاله لابتداء نعيه. ~~والأرق: السهر. ويقال غمضت عيني بالتشديد، وغمضتها، واغتمضت. وأضاف السيئ ~~إلى النبأ لأنه جعل النبأ للجنس، فهو كإضافة البعض إلى الكل. ويقال: أساء ~~ما صنع، فهو سيئ، وساءني الشيء مساءة، وسؤتني بما فعلت مساءة ومسائية. ~~ويقال السيئ والسيئة والسوءى. والسيئة كالخطيئة، وهو بإزاء الحسنة، والسوءى ~~بإزاء الحسنى. والسوء: الاسم الجامع للآفات والأدواء. وقوله من مثله تمسي ~~النساء حواسرا أي يأتي عليهن المساء وقد طرحن خمرهن فهن كاشفات الرءوس، ~~مسبلات الشعور، لا يكتسين ولا يستترن، ويقمن مع السحر صائحات عائدات إلى ~~عادتهن من النياحة والبكاء. وقيل الإمساء من الظهر إلى المغرب، وقيل بل إلى ~~نصف الليل من الإمساء. وروى بعضهم: " تمشي النساء " أي يمشين متبرزات لا ~~يدفعهن عن ذلك حشمة ولا يحجزهن رقبة. والأول أجود، حتى يكون المساء في ~~مقابلة الصباح، ويكون الشاعر قد ذكر طرفي النهار من أوقاتهن. # أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار # ما إن أرى في قتله لذوي القوى ... إلا المطي تشد بالأكوار # PageV01P700 # هذا فيه ما في قول الأخطل: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار # وإلى هذا أشار أبو تمام في قوله: # لبيت صوتا زبطريا هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب # وقوله أفبعد لفظه لفظ الاستفهام، والاستفهام يطلب الفعل، ms0573 فكأنه قال: ~~أترجو النساء عواقب الأطهار بعد مقتل مالك؟ وهو ينكر أن يكون ذلك أو يستجاز ~~وقوعه. والمراد بعواقب الأطهار مراجعة البعولة إلى مضاجعة النساء بعقب ~~أطهارهن والتمتع بهن. والمعنى أن الأمر أفظع من أن يتوهم ذلك، والخطب في ~~المصاب به أنكى في القلوب والنفوس من أن يتذكر لذات، أو يتحدث بتناسل ~~وولادات. وقوله ابن زهير جعل عروض الضرب الثاني من الكامل مقطوعة، ولو قال ~~زهير لاستفام له وكان يكون متفاعلن. وهم يدخلون على الأعلام التغيير كثيرا، ~~لكنه مال إلى هذا وجعله فعلاتن. وقد فعل في أول المقطوعة مثل ذلك، لكنه في ~~ذلك أعذر لأنه جعلها مصرعة، ولم يرض بأن جعله فعلاتن حتى سكن العين منه ~~وجعل مفعولن، ويسمى مقطوعا مضمرا. وفعل أيضا مثله في قوله: # ومجنبات ما يذقن عذوفا # والعذر فيه كالعذر في قوله " أفبعد مقتل مالك بن زهير " ولو قال " عذوفة ~~" لاستقام له. وربما مالوا إلى المزاحف من غير ضرورة. على ذلك قول المتنخل ~~في الطائية: # أبيت على معار فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط # رووا أن كل العرب ترويه معار فاخرات بالتنوين، وإنما هو من الضرب الأول ~~من العروض الأولى من الوافر: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، فجعل مفاعلتن الثاني ~~مفاعلين بالعصب، وهو في زحاف هذا البحر جائز، لكنه لو روى معارى بفتح الياء ~~لسلم، ولم يفعل. وقوله " ما إن أرى في قتله لذوي القوى " أضاف المصدر إلى # PageV01P701 # المفعول والمراد في قتلهم لمالك، ويعنى بذوي القوى ذوي الرأي والفعل، ~~والعدد والعدة، فيقول: لا أرى لمن كان هكذا من أولياء دمه وطلاب ثأره، إلا ~~امتطاء الإبل وتجنيب الخيول، وركوب كل صعب وذلول، إلى أن ينال من العدو مثل ~~ما ناله منهم، فإن في ركوب الجد مساعدة من الجد، ولن ترى العزم أصرخ بالفعل ~~إلا وثم مطاوعة من القدر. وقوله تشد بالأكوار يريد تشد الأكوار عليها، فرمى ~~بالكلام. # ومجنيات ما يذقن عذوفا ... يقذفن بالمهرات والأمهار # ومساعرا صدا الحديد عليهم ... فكأنما تطلى الوجوه بقار # عطف قوله ومجنبات على إلا المطي والمراد أرى لهم ms0574 أعدادهم مطايا مرحولة، ~~وخيلا مجنوبة. وكذا كانت عادتهم في مقصدهم الغارات، وركوبهم إلى الوقعات، ~~أن يركبوا الإبل ويجنبوا الخيل إلى أن ينتهوا إلى موضع الغارة، أو ملتقى ~~القوم للمحاربة، فحينئذ ينيخون الإبل ويركبون الخيل وهي وادعة لم يلحقها ~~كبير تعب، ولم يمتلكها سآمة ضجر، فيعلمونها كما يحبون. # وهذا كما قال النابغة يصف خيل عمرو بن هند: # مقرنة بالأدم والعيس كالقطا ... عليها الخبور محقبات المراجل # ويقذفن بالأولاد في كل منزل ... تشحط في أسلائها كالوصائل # ومعنى ما يذقن عذوفا أي أدنى ما يؤكل. وقال الخليل: يستعمل في الطعام ~~والشراب. ويقال: ما ذقت عذفا ولا عذوفا ولا عذوفة ولا عذفا أي ذواقا. ~~والفعل منه قد يبنى فيقال تعذفت عذوفة. وقوله بالمهرات والأمهار أي لما ~~يلحقهن من الكلال، والتحامل عليه في طي المنازل بها والترحال والمساعر: جمع ~~المسعر، وهو كأنه آلة في إسعار نار الحرب وإيقادها. وإنما قال صدأ الحديد ~~عليهم لاتصال لبسهم الدروع، وكأنما تطلى الوجوه بقار لأن المراد أن السموم ~~والحرور قد لفحت وجوههم، وغيرت ألوانهم، لأنهم تعودوا قصد الغارات، وقطع ~~المشاق. وجعل الخيل كالفرسان والفرسان كالخيل في الصبر والثبات. # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت ساحتنا بوجه نهار # PageV01P702 # يجد النساء حواسرا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار # كانت العادة مستمرة مستحكمة فيهم، أنهم لا يندبون القتيل أو يدرك ثأره. ~~فيقول: من كان فرحا بمقتل مالك، شامتا بأوليائه، فلينزع ملابس المسرة ~~وليطرح أردية الشماتة، فقد أدركت الأثار وأريقت الدماء، وشفيت الأدواء، ~~وليحضر ساحتنا في أول النهار، ليرى أن ما كان محرما من الرثاء قد حل، وأن ~~الحظر الواقع ببكائه قد رفع، ويجد النساء مكشوفات الرءوس يذكرنه بما كان من ~~فضائله، ويندبنه بأشهر أوصافه، وأعلى مراتبه ومحاله، فإن ذلك متصل من فعلهن ~~غير منقطع في أطراف الليل والنهار، والآصار والأسحار، وبعضهم يرويه: # من كان محزونا بمقتل مالك # والمراد الموالون، كما كان المراد بالأول المنابذين. وأكثر من رأيناه كان ~~يروى فليأت نسوتنا ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل ابن العميد يقول: إني ~~لأتعجب من أبي تمام مع ms0575 تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن ~~بشع الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله فليأت نسوتنا. وهذه لفظة شنيعة. وكيف ذهب ~~عليه تأمل قوله: # قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عندما وان رزح # تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح # حتى جمع بين كنيف ومستراح في بيتين. وتأمل أمثال ما ذكره وبينه من شرائط ~~الاختيار. # قد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فاليوم قد أبرزن للنظار # يضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار # يصفهن بأنهن ابتذلن أنفسهن للمصيبة وقد كان من قبل ستر الصيانة مسبلا ~~عليهن، لا يظهرن المعاري من الوجوه وسائر الأعضاء لأحد من الناس، لتسترهن ~~وارتفاع محالهن ومناصبهن عن التبرز والتبرج، إذ كن بيضات خدور وربات حجال ~~وستور. وقوله فاليوم قد أبرزن للنظار يريد الوجوه. وهن وإن رمين قناعهن، # PageV01P703 # وأظهرن محياهن فإن أحدا لا يطمع في الدنو منهن، والنظر إليهن، فيخرج إلى ~~حد المنكر. وقوله يضربن حر وجوههن على فتى يريد ما ينلن من أنفسهن بالضرب ~~والإهانة، إجلالا للرزيئة، وافتداء للمرثى. والعف: العفيف، ومصدره العفة ~~والعفاف. والشمائل: خليقة الرجل وطبيعته، واحدها شمال. وقولهه طيب الأخبار ~~أي حديثه حسن في الناس لا يؤبن بدنية، ولا يوسم بنقيصة. ### || وقال كعب بن زهير # لعمرك ما خشيت على أبي ... مصارع بين قو فالسلى # ولكني خشيت على أبي ... جريرة رمحه في كل حي # من الفتيان محلول ممر ... وأمار بإرشاد وغي # ألا لهف الأرامل واليتامى ... ولهف الباكيات على أبي # قوله لعمرك مبتدأ وخبره مضمر، وفيه معنى اليمين، وجوابها ما خشيت. فكأن ~~هذا المتوفي مضى لسبيله لعارض عرض له بين قو والسلى. وإنما قال " مصارع " ~~لأنه جعل كل قطعة مما بين هذين الموضعين كالمصرع لواحد من الناس. فيقول ~~توجعا: وبقائك ما خشيت على هذا الرجل أن يصرع بين هذين الموضعين، ولكني كنت ~~أخشى عليه جرائره في الأحياء، وتراته في القبائل. وعلى ما يدل عليه كلامه ~~كان مات هذا المرثي حتف أنفه، فلهذا قال: لم أختش عليه القدر ين هذين ms0576 ~~المكانين ما خشيت عليه من جرائر رمحه في الأحياء. # وقوله من الفتيان محلول ممر تعلق من بمحذوف، كأنه قال: كان من بين ~~الفتيان سهل الخلق، وطيء الجانب. والمحلولى هو الذي تناهى حلاوته. قال ~~الخليل: افعوعل: بناء للمبالغة. على ذلك قولهم اعشوشب المكان، إذا تناهى ~~عشبه؛ واحلولى، إذا تناهى حلاوته. والممر: الذي صار مرا. وليس هذامن قولهم: ~~ما أمر وما أحلى، لأن ذلك معناه ما أتى بحلو ولا مر، ولكن يجب أن يكون من ~~أمر الشيء فهو ممر، وفي بعض اللغات مر. قال: # لئن مر في كرمان ليلى لطالما # PageV01P704 # حتى يكون مثل محلول. وقوله أمار بإرشاد وغي وضع إرشادا موضع رشاد، ألا ~~ترى أنه قال وغي. وهم كما يستعيرون الاسم للمصدر يستعبرون المصدر للاسم، ~~وكما يوضع العطاء موضع الإعطاء في قوله القطامى: # وبعد عطائك المائة الرتاعا # يضعون الإعطاء موضع العطاء. فعلى هذا وضع الإرشاد موضع الرشاد. وإذا كان ~~كذلك فيجب أن يكون إرشاد هذا لا يتعدى، لوقوعه موقع الرشاد. وقوله ألا لهف ~~الأرامل واليتامى الصدر من البيت تحسر لما أصاب الفقراء واليتامى بعد موته، ~~إذ لم يكن في الدهر من يؤوبهم أو يمونهم. والأرامل: جمع أرمل، وهذه الصفة ~~يشترك فيها المؤنث والمذكر، واشتقاقه من أرمل القوم، إذا نفدت نفقاتهم، ~~وحقيقته صاروا من الفقر في الرمل، كما يقال أترب الرجل. والشهادة في اشتراك ~~الرجل والمرأة في هذه الصفة قول جرير: # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # وقوله ولهف الباكيات على أبي هذا العجز تحسر للمتعلقين بحبله، والراجين ~~ليومه وغده، والواصلين سببهم بسببه دون أولئك، فتكريره اللفظ يشتمل على هذا ~~المعنى. ### || وقال: # في بعض تطواف ابن طع ... مة آمنا لاقى حمامه # وصدا له من خلفه ... يغتره لا بل أمامه # غر امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامة # هيهات أعيا الأولي ... ن دواء دائك يا دعامة # PageV01P705 # قوله في بعض تطواف ابن طعمة قد أبرز اسمه، يقول: يا دعامة. فهو دعامة بن ~~طعمة. وتطواف: بناء لما يشوبه في الوقوع أدنى ms0577 تكلف. فكأن هذا الرجل كان ~~جوالة، فاتفق عليه أن مات آمن ما كان، فأخذ يقتص حاله ويتحزن له، وجعل ~~التطواف للجنس، وأضاف البعض إليه. وانتصب آمنا على الحال من لاقى حمامه، ~~وإذا كان العامل في ذي الحال فعلا جاز تقديم الحال عليه. # وقوله وصدا له خفي عليه كيف اتفق مصرعه. ومعنى صدا له دعاه. ويجوز أن ~~يكون فعل بمعنى تفعل، كأن صدا بمعنى تصدى له قائدا. والتصدي تعرض يختلط ~~بازورار وإعراض. على ذلك قوله تعالى: " فأنت له تصدى ". يقول: تصدى له ~~الحين سائقا له يأتيه على غرة، بل تصدى قائدا لا سائقا. كأنه لما خفي عليه ~~من أين أتى لم يقطع الكلام على وجه واحد، بل تدارك وانتقل وهو بعد شاك، ~~ولكن كأنه أومأ إلى جماع الطرق. وقوله: # غر امرؤ منته نف ... س أن تدوم له السلامه # معنى غر خدع على وجه له في الاستنامة إليه غرر. ويقال: ما غرك بفلان؟ أي ~~لم أجترأت عليه وكان الوجه أن لا تجتزئ. على ذلك قوله تعالى: " ما غرك بربك ~~الكريم ". ويقال: من غرك من فلان؟ أي من الذي جذبك عنه وحال بينك وبينه، ~~وكان الوجه أن تكون مقبلا عليه. ويقال: ما غرك من فلان؟ أي لم وثقت به وكان ~~الحكم أن لا تثق به. فأما قوله منته نفس فإنما نكره لغرض ما، وهو أن لكل ~~رجل فيما يهم به أو يرجوه أو يخافه نفسين: نفس تبعثه عليه، ونفس تصرفه عنه، ~~فلهذا قال: منته نفس أن تدوم له السلامة، أي غرت تلك النفس امرأ جعلت من ~~أمانيه دوام السلامة. يشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر: # شاور نفسي طمع وخيبة ... تقول هاتي: لا، وهاتيك: بلى # ثم قال: # فشجعته نفس حرص طعمت ... وحذرته نفسه الأخرى الردى # وقوله: # هيهات أعيا الأولين دواء دائك يا دعامة # أراد بالأولين الأمم السالفة، وقد أعجزهم دواء الموت. وقوله هيهات ~~استبعاد لوقوع ما تقدم ذكره، وهو أن تدوم له السلامة. وهيهات: اسم للفعل ~~وهو # PageV01P706 # بعد، وفاعله ما دل عليه ما قبله، ms0578 وكأنه قال: بعد ذاك أن يكون. على هذا ~~قوله: # فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق تواصله ### || وقال غوية بن سلمى بن ربيعة # ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما أبالي # فسيري ما بدا لك أو أقيمي ... فأيا ما أتيت فعن تقال # يقول: أظهرت هذه المرأة من نفسها ارتحالا عني لتجلب علي حزنا وغما، ونادت ~~بالفراق وكثرته على ألسنة الناس. ثم انصرف عن الإخبار عنها وأقبل عليها ~~يخاطبها فقال: لا بك ما أبالي. وهذه اليمين فيها تهكم وسخرية، لأن من يحل ~~من قلبه امرأة محلها لا يجعلها أهلا للإقسام بها. فقولك لا بك، كقولك لا ~~بالله. وما أبالي جواب القسم. وقيل: أراد لا بك أبالي، أي لا أبالي بك، ~~ويكون ما صلة، والقسم في هذا الكلام على هذا. وروى فآبك ما أبالي فيكون ~~دعاء عليها. ومعنى آبك: أبعدك الله، والشاهد في ذلك قوله: # وخبرتني يا قلب أنك ذو نهي ... بليلى فذق ما كنت قبل تقول # فآبك هلا والليالي بغرة ... تلم وفي الأيام عنك غفول # فإذا رويت لا بك فالبيت على كلامين، لأن لا بك ينفصل عما قبله، ويصير ما ~~أبالي متصلا به لأنه جوابه. وإذا رويت آبك فالكلام على فصول ثلاثة: فالفصل ~~الأول أنها أرادت أن تدخل عليه جزعا بالفراق، فكأنه أقبل قبلها ودعا عليها، ~~ويكون الدعاء حشوا حسنا، وما أبالي كلاما آخر، وينفصل ما أبالي عن الدعاء ~~وعن الأول. # وقوله فسيري ما بدا لك أو أقيمي استهان بها وبفراقها، فخيرها بين السير ~~ما بدا لها وأرادته، وبين الإقامة، ثم قال: فأي الأمرين اخترت فعن تقال لي ~~إياه. وإنما قال تقال ولم يقل قلى، لأن في التقالي زيادة معنى، وهو أن يحدث ~~الفعل شيئا بعد # PageV01P707 # شيء. على ذلك قوله تداعى البناء وما أشبهه. وقوله فأيا ما أتيت أيا انتصب ~~بأتيت، وما صلة، ومن شرط أي أن يجيء مضافا، فأفرده هنا لما كان المضاف إليه ~~معلوما. على ذلك قوله تعالى: " أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى ". ألا ترى ~~أن ms0579 المعنى أي الأسماء تدعوا. ولما كان السير منها أحب إليه علقه بما وسع ~~أمده فقال: ما بدا لك، ولم يشترط في الإقامة شيئا. وقوله فعن تقال، عن ~~تقتضي فعلا مضمرا، كأنه قال: أي الأمرين أتيت أتيت عن تقال مني، فحذف ~~الثاني، لأن الأول يدل عليه. وحذف مني أيضا لأن في الكلام عليه دليلا. وما ~~بدا لك في موضع الظرف. وبدا هذا من البدوك الظهور، وليس من البداء: التحول، ~~لأن المعنى سيري مدة ظهور السير في رأيك. ففاعل بدا السير، ودل عليه سيري ~~لأن الفعل يدل على مصدره كما أن المصدر يدل على فعله. # فكيف تروعني امرأة ببين ... حياتي بعد فارس ذي طلال # وبعد أبي ربيعة عبد عمرو ... ومسعودد وبعد أبي هلال # أصابتهم حميدين المنايا ... فدى عمي لمصبحهم وخالي # أولئك لو جزعت لهم لكانوا ... أعز علي من أهلي ومالي # أخذ يتعجب من نفسه وممن يظن به أنه يقف موقف من يفزعه امرأة بفراق، فقال: ~~كيف يكون ذلك مدة حياتي بعد أن فجعت بفارس هذا الفرس. وذو طلال كان اسم ~~فرسه، وحياتي انتصب على الظرف، أي مدة حياتي؛ لأنه حذف اسم الزمان معه. ثم ~~عدد بعد ذكر هذا الفارس من فجع به من عشيرته حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت، ~~ذكر أبا ربيعة ومسعودا وأبا هلال، وهؤلاء كانوا حماة العشيرة وفرسان ~~الكتيبة، فلهذا خصهم بالذكر وشهر نفسه بالتوجع لهم. ولو كانوا على غير هذه ~~الصفة لما استحسن لنفسه الاعتداد بهم في الحالة التي ذكرها. # وقوله أصابتهم حميدين المنايا حميدين انتصب على الحال، يريد أن أيامهم ~~سلمت من شوب العار، وقباحة الذكر، وأنهم أصيبوا وهم مشكورون محمودون بلسان ~~القريب والبعيد، والأجنبي والنسيب. وقوله فدى عمي لمصبحهم وخالي كلام منقطع ~~مما قبله، وهو كالالتفات. كأنه أقبل على مخاطب فقال: أفدى ممساهم ومصبحهم ~~بأطرافي العمومة والخوؤلة. وذكر المصبح وكأن الممسي معه منوي، لأن طرفي ~~النهار مذكوران في الغارة والضيافة وما يشبههما من الإساءة والإحسان. وقيل # PageV01P708 # الممسي يتصل بأول حد الليل، وكذلك المصبح يبتدئ من أول ms0580 حد النهار. وقيل ~~إن الممسي يستحقه الوقت إلى أن ينقضي شطر من الليل، وكذلك المصبح يستحق إلى ~~أن ينقضي شطر من النهار. والغرض في التفدية التي تبرع بها هو إظهار اليأس ~~والتفجع في إثر أوقاتهم وأفعالهم فيها. # وقوله أولئك لو جزعت لهم لكانوا إقرار بأنه لم يوف الجزع فيهم حقه، ولو ~~وفي لكان ذلك يوجب عليه الزهد في العشيرة والأهل والمال، وسائر ما يطيب ~~العيش به وله. فالشرط الذي ذكره ليس هو شرطا فيما يوجبه التوجع في كونهم ~~عزيزا، لأنهم أعزاء عليه في كل حال، وإنما هو شرط فيما يوجبه التوجع ~~للمتوفي لو تكلف على وجهه وكنهه، لكأنه قال: لو أعطيت الجزع حكمه لكان حالي ~~حينئذ بخلاف حالي الساعة، ولكان لي عذر في ذلك، لأنهم أعز علي من أهلي ~~ومالي، لكني تركت ذلك اقتداء بالناس في جزعهم لمصابهم. فذكر السبب في أن ما ~~يظهر منه ليس يعده شيئا مغنيا مع ما يستحقونه. وهم يكتفون بذكر السبب عن ~~المسبب وبذكر المسبب عن السبب كثيرا. ### || وقال قراد بن غوية # ألا ليت شعري ما يقولن مخارق ... إذا جاوب الهام المصيح هامتي # ودليت في زوراء يسفى ترابها ... علي طويلا في ثراها إقامتي # تقدم القول في ليت شعري وأن خبر ليت يحذف أبدا كما يحذف خبر المبتدأ بعد ~~لولا، وأن شعري بمعنى علمي، ويصير ما بعده سادا مسد مفعوليه كما يسد جواب ~~لولا مسد خبر المبتدأ بعده. وإنما تمنى أن يعلم موقع مصابه من مخارق على ~~حسن تربيته له، وحميد تعطفه عليه، وميله مدة عيشه إليه. وكيف يجزع له ويقلق ~~لفراقه إذا حدث به قضاء الله ودخل في جملة الأموات، وجاوب صداه أصداءهم. ~~وهذا على عادتهم فيما كانوا يقولونه من أن عظام الموتى تصير أصداء وهاما؛ ~~حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا عدوى ولا هامة ولاصفر ". ويقال صاح ~~يصيح، فإذا أريد # PageV01P709 # المبالغة قالوا صيح. ويقال: سمعت الصيحة في الغارة وما أشبهها، وسمعت ~~الصائحة، في صيحة المناحة. وقوله " ما يقولن مخارق " أدخل النون الخفيفة ms0581 ~~لتؤذن بالاستقبال، وموضع النونين الخفيفة والثقيلة الاستفهام وكل ما ليس ~~بواجب، وإذا ظرف ليقولن، وجاوب جملة مضاف إليها وشرح إذا بها. # وقوله " ودليت في زوراء يسقى ترابها " أي أدخلت فأرسلت في حفرة معوجة، ~~يعني اللحد، وقوله " يسفى ترابها علي " أي يهال ترابها عليه إذا دفن فيها. ~~وقد مضى القول في السافياء والسوافي، إلا أنه يقال سفت الريح التراب سفيا، ~~ثم قالوا: سفى التراب يسفى، والتراب ساف، وهو من باب فعل وفعلته. وقال ~~بعضهم: كان يجب أن يقال في التراب مسفى فقيل ساف، كقولهم عيشة راضية وإنما ~~هي مرضية. وقال الخليل: السفا: اسم ما تسفيه الريح من التراب وغيره. ~~وطويلا: انتصب على الحال، والعامل فيه دليت، وإقامتي في موضع الرفع على أنه ~~فاعل طويلا. والمقبور هكذا مقامه في الثرى. وهذا اقتصاص حاله عند ما تمنى ~~معرفته من جهة مخارق إذا حصلت له من التلهف والتوجع. ثم استمر في ذكر الحال ~~فقال: # وقالوا ألا لا يبعدن اختياله ... وصولته إذا القروم تسامت # وما البعد إلا أن يكون مغيبا ... عن الناس منى نجدتي وقسامتي # يريد: وقال الناس مكبرا ما يقع بي، ومظهرا الفجيعة لي: لا يبعدن اختياله ~~وصولته، يعني كبره وحميته، وبأسه وبطشه، إذا حصل بين الصفين، فتدافعت فحولة ~~الرجال، وتزاحمت أركانهم في القتال أو الجدال. وقد تقدم القول في لا يبعدن ~~وما أشبهه. والقرم: جمع القروم، وهو الفحل أقرم، أي ترك حتى استقرم، وهو ~~المكرم لا يحمل عليه شيء، وإنما يترك للفحلة. ويقال قرم ومقرم. على ذلك ~~قوله: # إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم. # ومعنى تسامت تبارت في السمو ذكرا وحالا. # وقوله وما البعد إلا أن يكون مغيبا يقول: إن الانتفاع بهذا القول إعظاما ~~للرزء ليس يقع، لأن البعد كل البعد في الموت، الذي يتغيب به عن الناس ما ~~شملهم من # PageV01P710 # معونتي ومغوثتي، وإحساني وإفضالي، ويقال رجل نجد، وهو ظاهر النجدة. ورجل ~~قسيم وسيم: ظاهر القسمة والوسامة. كأنه أراد بالقسامة ما قسم في الخلق من ~~طوله. وكذلك قولهم: ms0582 رجل مقسم الوجه، يرجع إلى هذا، لأن المعنى ما قسم في ~~أعضائه من الحسن، فكل عضو يمت بمثل ماتة صاحبه. والقسامة: الجماعة يشهدون ~~على الشيء ويقسمون مع الشهادة. # أيبكي كما لو مات قبلي بكيته ... ويشكر لي بذلي له وكرامتي # وكنت له عما لطيفا ووالدا ... رؤوفا وأما مهدت فأنامت # قوله " أيبكي " هو بيان ما تمنى معرفته من أحوال مخارق عند مفارقته له، ~~فقال: ليتني علمت هل يوفى الجزع حقه، كما لو أصبت به كنت أوفيه، ويرثي لي ~~بمثل ما كنت أرثيه؛ وهل يشكر آلائي لديه، وإقبالي عليه، وإحساني إليه مدة ~~حياتي أم لا. فحذف لا لأن المراد مفهوم، أنه يريد أيكون ذلك أم لا. وعلى ~~ذلك قول القائل: ليتني علمت أزيد في الدار إذا سكت عليه، فلا بد من أن تريد ~~أم لا. # وقوله " وكنت له عما لطيفا "، أي كنت جمعت له مدة عمري وما اطرد في نفسي، ~~بين حدب الآباء وشفقتهم، ولطف العمومة وتوفرهم، وتفقد الأمهات وإشبالهن. ~~والمعنى: كنت أتنقل له في الأحوال بين ما يأتيه العم في وقت لطفه أو يأتيه ~~الوالد وقت رأفته، أو الأم وقت تربيتها ولطفها. وقد سارت هذه اللفظة، وهي ~~أم مهدت فأنامت مثلا فيما ينشر من إحسان الغير إلى الغير. ويقال: ما امتهد ~~فلان عندي مهد ذلك، أي ما وطد لنفسه. وقد أخرج في معرض آخر فقيل: # كما مهدت للبعل حسناء عاقر # وروى بعضهم: " ويشكرني بذلي له وكرامتي " على أن يكون بذلي بدلا من ~~المضمر في يشكرني. # PageV01P711 ### || وقال مسجاح بن سباع # لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد # وأفناني ولا يفنى نهار ... وليل كلما يمضي يعود # وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد # ومفقود عزيز الفقد تأتى ... منيته ومأمول وليد # يقول: جلت في نواحي الأرض شرقها وغربها، عافيا وطالبا بما يطلب به مثلي ~~المال والجاه، والعز والفخر، إلى أن مسني الكبر، وتسلط علي البلى والهرم، ~~وضعف الأمل في البقاء بحسب قوة الخوف من الفناء، فقد آن لي أن ألحق ms0583 ~~السابقين إن قدر لي ذلك. وقوله أنى لي يقال أنى وآن بمعنى، وفاعله ما دل ~~عليه لو أبيد، والمعنى أنى لي البيود إن كتب وقضى علي. # وقوله وأفناني ولا يفنى نهار جمع بين فعلين، على قوله نهار، لكنه أعمل ~~الثاني، وهو المختار. المراد: أثر في قواي مضى نهار لا يتقضى، وتجدد ليل لا ~~يتصرم، بل كلما يمضي واحد عاد بدله آخر، وكذلك أفناني، أي أفنى جدتي ~~وغنائي، شهر ينسلخ بعد استهلاله، إلى وقت استكماله، وسنة يتبعها مثلها، فلا ~~يعرف قضاؤها. ثم ما يلحقني في أثناء تلك الليالي والأيام، والسنين ~~والأعوام، من فقد من أعتمده ليومي وغدي، وخلافتي بعد موتي وأستكفله ولدي، ~~وأسترعيه هملي. هذا مع كماله في فضله، وبراعته وطوله، والإشادة بالتنويه ~~إليه من كل جانب، والشهادة له بالتبريز من كل فاضل. ومن ولادة طفل يعلق ~~الرجاء بنشئه، وتجمع أسباب الطمع في حياته، ويشغل الوقت بتربيته والترفرف ~~عليه عوضا مما كان له من كاسبه وكافله، ورحمة لبقائه بعد من كان يعز عليه، ~~وعقب من هنئ فيه فلم يهنأه. # وإذا تأمل الناظر ما اقتصه هذا الشاعر في هذه الأبيات على قلتها، من ~~امتحانه بالكبرة والسن، وتراجع القوة بمآخذ الدهر، ومع التجوال في البلدان، ~~ومقاساة الشقاء في الحل والترحال، والتنقل في الأحوال، ثم مرور الأيام ~~وكرورها بما لا يسر عليه، إلى أن رفع الطمع عما كان تجمعه يده ونفض اليد ~~مما كان يشده قبضه، ثم المصاب # PageV01P712 # في الكامل البارع، وتعليق الرجاء بالطفل الدارج وجد عيشه على العكس مما ~~وصفه امرؤ القيس في قوله: # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي # وهل ينعمن من كان أقرب عهده ... ثلاثين شهرا أو ثلاثة أحوال # وهل ينعمن إلا خلي مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال # فتأملها فإنها عجيبة. # ؟؟؟؟؟؟؟؟ // ### || وقال حران بن عمرو بن عبد مناة يرثى زيد الفوارس وغيره من أبناء عمومته: # تبكي على بكر شربت به ... سفها تبكها على بكر # هلا على زيد الفوارس زي ... د اللات أو هلا ms0584 على عمرو # تبكين لارقأت دموعك أو ... هلا على سلفى بنى نصر # هذه امرأة ضايقت الشاعر - وهي من بطائنه - في بكر باعه واشترى بثمنه ~~خمرا، فأخذ يذكر حالها وينكر بكاءها، فقال: تبكي هذه المرأة على بكر شربت ~~به، أي شربت خمرا سبأت بثمنه. ويروى (شربت به) ، ويكون أظهر. # ثم قال، بعد أن أخبر عنها بما أخبر، كالمتلفت إلى إنسان بحضرته: سفها ~~تبكيها على بكر. فانتصب سفها على المصدر، وهو المفعول له. وتبكيها في موضع ~~رفع بالابتداء، وعلى بكر في موضع الخبر، أي لسفها فعلت ذلك، لأنه لم يبلغ ~~من قدر بكر ماتكلفته. ولو روى: سفه تبكيها على بكر، فجعل التبكي هو السفه ~~لم يمتفع، وكان خبرا مقدما، وعلى بكر يكون لغوا. # PageV01P713 # قوله (هلا زيد الفوارس) إلى آخر البيت، هلا حرف تحضيض وهو يطلب الفعل، ~~وذلك الفعل هو تبكين. يخاطبها، أي هلا تبكين على هؤلاء الجبال التي انهدت، ~~والبحور التي غاضت بزيد الفوارس أو عمرو. ثم دعا عليها فقال: لاأرقأ الله ~~دمعك، أم هلا تبكين على سلفى بني نصر. وإنما ثنى السلف لأنه أراد العمومة ~~والخؤولة. # خلوا على الدهر بعدهم ... فبقيت كالمنصوب للدهر # إن الرزيئة ما أولاك إذا ... هز المخالع أقدح اليسر # أهل الحلوم إذا الحلوم هفت ... والعرف في الأقوام والنكر # يقول: مضوا لسبيلهم، وانتقلوا إلى جوار من هو أملك بهم، وتركوا أعباء ~~الدهر على ظهري، فهي تثقل علي وتعرضني لنوائبه وأحداثه، فأنا كالغرض ~~المنصوب له، ليس لي من يتحمل عني، ولا من يؤازرني أو يشد أزرى. ومعنى (خلوا ~~على الدهر) أي صرت فريسة للدهر، فكأنهم هم الذين أغرزوه بي لما ذهبوا عني ~~وأفردوني. وهذه اللفظة تستعمل في إغراء الجوارح على الصيد. # وقوله (إن الرزيئة ما أولاك) إلى آخر البيت، يريد: المصيبة كل المصيبة هم ~~أولاك إذا اشتد الزمان وأسنت الناس، واحتيج إلى مجامع الآيسار، لإصلاح أمر ~~الفقراء والأيتام، فلم يوجد من يرجع إليه أو يعتمد على إفضاله وتفقده. ~~وقوله (ما أولاك) ماصلة. ومعنى هز أجال. والمخالع: المقامر. والمخالعة: ~~القمار. وقيل إنما ms0585 سمى مخالعا لأنه هو المولع باليسر، فهو الذي يخلع مال ~~غيره وينخلع هو أيضا من ماله، منافسة وحرصا على الميسر واكتساب الحمد فيه ~~وله. وقوله (إذا هز) هو ظرف لما دل عليه (ما أولاك) . # يريد أن الرزيئة افتقار الناس إلى أولئك في مثل هذا الوقت فلا ينالون. ~~وقوله (أهل الحلوم إذا الحلوم هفت) بصفهم بالرزانة فيقول: إذا دهم من الأمر ~~ما تهفو فيه العقول وتزل فيه الأقدام، فهؤلاء لأصالة آرائهم يثبتون عند ~~المزاولة، ويداوون الأمور بدوائها من غير طيش ولا سفه، ولا تجاوز حد وعنت. ~~وقوله (والعرف في الأقوام) أراد: وهم أهل العرف والنكر في الأقوام. يعنى ~~أنهم ينزلون الأقوام منازلهم من الموالاة والمداجاة، فمن داجى كان له النكر ~~منهم، ومن والى كان له العرف. # PageV01P714 ### || وقال زويفر بن الحارث بن ضرار # ألم تر أني يوم فارقت مؤثرا ... أناني صريح الموت لو أنه قتل # يروى (صريخ الموت) بالخاء المعجمة (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) ~~والنبي عليه السلام لم ير ذلك. فيقول: أعلم أني يوم فارقت هذا الرجل ورد ~~على مايجري مجرى الموت الصريح الخالص لو أنه قتلني وأنى علي، ولكن القدر ~~ثبت قدمي في الأحياء، فلم يخلني للموت. ومن روى (صريخ) بالخاء و (قبل) ~~بالباء فالمراد: أتاني داعي الموت. والصريخ يكون المستغيث والمغيث جميعا، ~~والمراد أتاني داعي الموت لو أنه قبلني لكنت لا امتنع من إجابته لما ~~استدعى، وإغاثته لما استغاث، لكنه لما بقاني ولم يأخذني فكأنه لم يقبلني. # وكانت علينا عرسه مثل بومه ... غداة غدت منا يقاد بها الجمل # تقدير البيت إذا أزيل ما فيه من هجنة التقديم والتأخير: وكانت علينا عرسه ~~غداة غدت منا يقاد بها الجمل مثل يومه. والمعنى: كانت مفارقة عرسه لنا غداة ~~انتقالها عنا، وقد حملت الجمال وقيد بها ظعينتها مثل يوم فقده، أي كان ذلك ~~اليوم مثل ذلك اليوم. كأنهم كانوا ألفوا من مقامها أيام عادتها أنسابها، ~~وببقاء دارها على ماكانت تعهد من قبل، فلما رأت من التنقل مارأت، وخلت ~~الديار منها ومن ms0586 أسبابها وتغيرت، عادت المصيبة على أحيائها جذعا، والشر ~~مستفحلا. # وكان عميدنا وبيضة بيتنا ... فكل الذي لاقيت من بعده جلل # أي كان رئيسنا والمصمود بالحاجات فينا، وأصل بيتنا وأساس فخر، وقد تقدم ~~القول في بيضة البلد، وأنه يستعمل في المدح والذم. فاما بيضة الخدر وبيضة ~~البيت فلا يستعملان إلا في المدح. وقد صيغ من البيضة هذا فعل، حكى ابن ~~الأعرابي قال: يقال اجتاحوهم وابتاضوهم، إذا استأصلوهم. وقوله فكل الذي ~~لاقيت من بعده جلل أي صغير هين في جنب مالاقيناه فيه. والجلل يستعمل في ~~الصغير والكبير. وقال بعضهم: المراد ببيضة البلد أنه المعروف الموضع، ~~المرجوع # PageV01P715 # إليه في كل مهم، كما يرجع صاحب الأدحى إلى أدحيه كيف توجه فيه المرعى، ~~وأنى انتجع ورعى. والأجواد أن يكون المراد به وقد أضيفت إلى البيت، وهو بيت ~~الفخر والعز، أنه الأصل والجرثومة، كما حكى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه ~~قال: " نحن عترة رسول الله التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه ". ### || وقال ابن عنمة الضبي في مقتل بسطام بن قيس: # لأم الأرض ويل ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل # يعظم شأن الارض كيف ترشحت لستر بسطام فيها، ومن أين صارت يتسع بطنها له ~~ميتا وهي تضيق عن أفعاله وذكره حيا. وقال الأصمعي في تفسير ويل إنه قبوح. ~~ولك أن تقول لإم تتبع حركة الهمزة حركة اللام. وارتفع ويل بالابتداء وإن ~~كان نكرة، لأنه علم أنه دعاء، فحصل به مثل فائدة المعارف. ومعنى لام الأرض ~~ويل، فهو في لفظ ما وقع. وقوله " ما أجنت " ما استفهام، وموضعه مفعول أجنت. ~~يقول: سترت رجلا وأي رجل، أي سترت جليلا من الأملاك رفيع بناء العز، واسع ~~باع الفخر. وقوله بحيث أضر جعل حيث اسما. ومعنى أضر: دنا. والحسن، حتى نكون ~~مثلناه على المذهبين جميعا. # نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل # يقول: نقسم فواضل ماعندنا من غنائم غزواته وما بقاه ولم يقسم فينا لوقت ~~يختاره له، فبقى بعده. وفي اقتسام تلك الأموال ما يهيج الحسرات، لأوقات ms0587 ~~الغارة في البكرات. ثم قال وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل يشير إلى وقت ~~الأضياف، وأن الحي في ذلك الوقت يصير ضجة واحدة، تلهفا في إثر الفائت، ~~وتذكرا له، وتوجعا لما فقد من المستانف من تلك الرسوم واستمرارها. ومعنى ~~ندعوه نندبه # PageV01P716 # ونقول: وابسطاماه! وإنما قال ماله لأن ما اجتمع بسعيه وحده، وبأسه ~~وسطوته، كان له. ومعنى جنح مال. والأصيل العشية. وأبو الصهباء: كنية بسطام. # أجدك لن تراه ولن تراه ... تخب به عذافرة ذمول # ألم في هذا بقول النابغة: # يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم # كأنه لشدة الأمر عليه يكذب المشاهدة ويدع التصديق بها في الوقت بعد ~~الوقت، إما استعظاما للحال، وإما لآفة تلحق العقل، وضعف يتخلل التحصيل، ~~فكأنه بعدما اقتص من الحال ما اقتص، وشرح من الفجع ماشرح عاودته تلك الحالة ~~وعادته، فاقبل على نفسه يستثبتها وقال: أعلى جد منك، وانجد جدك، أنك في ~~مستقبل الأوقات لا تراه متمكنا منه قريبا، على عادتك في حال الأمن معه، ولا ~~تراه أيضا من بعيد في الغزو وتسير به الخبب راحلة قوية خفيفة. # وقد ظهر بما ذكرته فائدة تكرار حرف النفي في كلامه، لأن لن نفى قول ~~القائل أسيفعل كذا زيد؟ فيقول: لن تفعل. فقوله لن تراه نفي الرؤية في حال ~~السلم، ولن تراه نفى لها في حال الغزو. وتخبء به في موضع الحال. # حقيبة رحلها بدن وسرج ... تعارضها مريبة دؤول # إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمن في جوانبها الخيول # يقول: تخب به ناقة بهذه الصفات وقد شد في الحقيبة التي ارتدفها درع قدر ~~ما يستر البدن، وسرج لما جنب معه من فرس تعارض هذه الناقة في السير؛ وهي ~~لعزها وكرمها على ربها، ربت في البيوت ولم تترك هملا، وسيرها الذميل. ويقال ~~رببته بالتشديد بمعنى. والدألان: ضرب من السير. والاحتقاب: شد الحقيبة من ~~خلف، وكذلك الاستحقاب. # PageV01P717 # وقوله: إلى ميعاد أرعن يعنى به جيشا كانه رعن جبل. وقيل: جيش أرعن: له ~~فضول. والرعن: أنف يتقدم من الجبل، والجميع الرعان والرعون. مكفهر، أي ~~مرتفع عال. وقوله تضمن ms0588 في جوانبها الخيول أي تقرن الخيل بالإبل في جوانبها، ~~إذ كان لكل رجل راحلة وفرس يقوده معه. # ومثل هذا قوله: # خصفن بآثار المطي الحوافرا # يقول: تسير به راحلة معها جنيبة، إلى ميعاد أرعن، أي جيش كثير ضمن جوانب ~~رواحلها الخيول. ويروى: (تضمر في جوانبها) بالراء، والمعنى تصنع الخيول ~~وتعدى في القرتين في جوانبها. والمراد أن فرسان هذه الكتيبة دأبهم ذلك. # لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول # أقبل يخاطب المرثى بعد الإخبار، على عادتهم في الكلام. # وقال أبو عبيدة: كان رئيس القوم في الجاهلية إذا غزا بهم فغنم أخذ من ~~جماعة الغنيمة ومن الأسرى والسبى على أصحابه المرباع، وهو الربع، فلذلك قال ~~(لك المرباع منها) فصار هذا الربع الذي كان في الجاهلية للرئيس في الاسلام ~~خمسا. وكان له الصفى: واحد الصفايا من جماعة الغنائم والأسلاب والكراع قبل ~~القسمة، وهو أن يصطفى لنفسه شيئا: جارية أو سيفا أو فرسا أو ماشاء، وبقى ~~الصفى على حاله في الإسلام: اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم سيف منبه ابن ~~الحجاج ذا الفقار يوم بدر، واصطفى جوير ية بنت الحارث من بني المصطلق يوم ~~المريسيع، فجعل صدقتها عتقها وتزوج بها، واصطفى صفية بنت حي ففعل ذلك بها. # وقال أبو عبيدة: وكان له النقيعة أيضا، وهو بعير ينحره قبل القسمة فيطعمه ~~الناس كذلك. قال: # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام # قال: وسقط في الإسلام النقيعة. # PageV01P718 # قال: وله حكمه، وهو أن يبارز الفارس فارسا قبل التقاء الجيشين فيقتله ~~ويأخذ سلبه. والحكم فيه إلى الرئيس، إن شاء نفله وإن شاء رده إلى جملة ~~المغنم. وهذا باق في الاسلام. # وله أيضا (النشيطة) وهو ما انتشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ~~ركاب. فبقيت في الإسلام. وفدك من ذلك، لم يوجفوا عليه فكان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. # قال: وكان للرئيس البسيطة، وبعضهم يسميها البسط، وهي الناقةأو الحجر معها ~~ولدها، فتجعل هي وولدها في ربع الرئيس ولا يعتد عليه بالولد. # وقال: وسقط البسيطة في الاسلام. # وكان ms0589 له (الفضول) وهو ما فضل بعد القسمة ويعجز عن عدد الغزاة، أو لا ~~يتناوله القسم، وهذا سقط أيضا في الاسلام. قال أبو عبيدة: غير أني حدثت عن ~~مجاهد أنه قال في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) ~~، قال: هو ما شذ من الغنائم، كالفضول. وقيل إنها منسوخة. # أفاتته بنو زيدبن عمرو ... ولا يوفى ببسطام قبيل # فخر عللا الألاءةلم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل # قوله (أفاتته) فات يتعدى إلى مفعول. تقول: فاتني الشيء، فإذا أدخلت عليه ~~حرف التعدية تعدى إلى مفعولين. فإذا كان كذلك فأحد المفعولين محذوف، كأنه ~~قال: أفاتت الناس بنو زيد بن عمرو بسطاما، أي الانتفاع ببسطام. وقوله (ولا ~~يوفي ببسطام قبيل) بالباء يروى، والمعنى لا يوفى بدمه قبيل، كأن القبيلة ~~بأسرها مطالبون بدمه ووافون به إذا أتى بهم كلهم. وهذه الرواية أقرب إلى ~~مايدل عليه صدر البيت وأشبه. ويروى (قتيل) بالتاء، ويكون الكلام تحسرا، ~~والمعنى لا يوفى بدم بسطام دم قتيل. ويقال وفى وأوفى بمعنى واحد. # وقوله (فخر على الألاءة) ، معناه سقط. والألاءة: شجرة ولم يوسد، ~~يستعملونه كثيرا في القتيل، وليس ذلك لأن القتلى بعضهم يوسدون. وقد يقال ~~(وسد يمينه في ضريحه) ، وهذا أيضا مثل؛ لأن الميت لا يوسد يمينه، وإنما # PageV01P719 # يراد: تجافى المكان به في حالتي الدفن والقتل، وقوله (كأن جبينه سيف ~~صقيل) يريد وجهه وإشراق لونه. ### || وقال الهذلول بن هبيرة # ألكني وفر لابن الغريرة عرضه ... إلى خالد من آل سلمى بن جندل # فما أبتغى في مالك بعد دارم ... ولا ابتغى في دارم بعد نهشل # وماأبتغى في نهشل بعد جندل ... إذا ما دعا الداعي لأمر مجلل # وما أبتغى في جندل بعد خالد ... لطارق ليل او لعان مكبل # قوله (ألكني) أي أعنى على أداء ألوكتي، وهي الرسالة. وقد تقدم القول في ~~هذه اللفظة؛ وأن أصلها آلكني، فقلب وقدم اللام على الهمزة فصار ألئكني، ثم ~~حذفت الهمزة استخفافا وألقيت حركتها على اللام فصار ألكني. # وقوله (وفر لابن الغريرة عرضه) معناه اترك عرضه وافرا. يقال وفرته أفره ms0590 ~~وفرا، وهو موفور. والمراد: خص برسالتي خالدا واترك ابن الغريرة جانبا، لا ~~تذكر له قبيحا ولا توله مكروها. والرسالة ابتداؤها: (فما أبتغى في مالك) . ~~والشاعر رتب أفخاذا وبطونا، وذكر أن كل واحد منها كان له رئيس يدور أمره ~~عليه، ويعتصم بأمره في الملمات. وأنه بعد افتقاد ذلك فيهم فلا طائل ولا خير ~~عند واحد منهم. ألا تراه قال: فما أبتغى في بني مالك بعد خروج بني دارم ~~منهم، وماأبتغى في بني دارم بعد خروج بني نهشل منهم، وما أبتغى في بني نهشل ~~إذا صرخ الصارخ لأمر عظيم بعد خروج جندل منهم، وما أبتغى في بني جندل لسار ~~يسري بليل يطلب الضيافة، أو أسير مكبل يطلب من يفك أسره بعد أفتقاد خالد. ~~كأنه كان يأخذ بعضهم بما يتماسك به البعض الآخر، وذلك البعض يتماسك بآخر ~~إلى آخر القصة. وهذا على مارتبه في نهاية الحسن. وقوله (أمر مجلل) أي معظم. ~~والكبل: القيد، ورجل مكبل. ### || وقال إياس بن الأرت # ولما رأيت الصبح أقبل وجهه ... دعوت أبا أوس فما إن تكلما # PageV01P720 # وحان فراق من أخ لك ناصح ... وكان كثير الشر للخير توءما # لما علم للظرف، وهو لتوقع الشيء لوقوع غيره، ولذلك احتاج إلى الجواب، ~~وجوابه هنا دعوت. فيقول: لما دنا الصبح وأقبل وجهه ينفلق ويقبل، دعوت هذا ~~الرجل - يعني المرثى - فما أجاب. وإنما خص وقت تنسم الصبح، لأن المريض يخف ~~فيه، فكأنه على عادته في تمريضه، وتعرف خبره، وتحدبه عليه في العارض له، ~~دعاه فوجده ثقيلا، لا يجيب ولا ينطلق لسانه، فتيقن منه قرب المفارقة، ~~والبعاد بعد المقاربة، فلذلك قال: (وحان فراق من أخ لك ناصح) . ومعنى حان: ~~قرب. والنصاحة: صفاء الود، وخلوص العقيدة من الغل. وقوله (وكان كثير الشر) ~~يعني مع منابذيه ومشاقيه. ولن يكمل الفتى حتى يكون مستصلحا للخير والشر، ~~فيحل الناس محالهم، ويوفيهم مستحقاتهم، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. # وقد عمل لطيفة في الصفة الثانية فقال (للخير توءما) فجعل الخير ولد معه ~~فنشأ بنشئه. يقال: غلام توءم، للذي ولد معه ms0591 غيره. وأتأمت المرأة فهي متئم. ~~واشتقاقه من الوأم، والتاء فيه بدل من الواو، كالتاء في تكأة وما أشبهها، ~~والجمع تؤام، وفعال في الجمع قليل. كأن الولد واءم غيره في الاتيان، أي ~~وافق وفي المثل: (لولا الوئام هلك اللئام) . وقد استقصيت القول فيه شرح ~~كتاب الفصيح. # تتابع قروش بن ليلى وعامر ... وكان السرور يوم ذاك مدمدما # يريد: أنهم قد تداعوا في الذهاب، وتقاطروا في الموت، فمات الواحد بعقب ~~الواحد، كأنهم دعوا بلسان واحد فأجابوا، وكان السرور يوم مات ملقى مهلكا ~~غير باق، لأن كل من سمع بموته أخذ قسطا من الجزع له فخفى سرور الناس وظهر ~~جزعهم، وقوله (يوم مات) يعني أبا أوس. هذا من باب ما خص البعض بشيء من دون ~~الجملة، فأعيد ذكره. والدمدمة: الإهلاك والاستئصال. وفي القرآن: فدمدم # PageV01P721 # عليهم ربهم بذنبهم. ويروى: (وكان السرور يوم ذاك مذمما) : # هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة فكان الصبر أبقى وأكرما # قوله: (بأن لا أطعم الدهر بعدهم) انتصب أطعم بأن، ولو رفع لجاز على أن ~~يكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون إسمه مضمرا، والفعل مع ما بعده خبر كأنه ~~قال: هممت بأني لاأطعم حياة بعدهم، أي كنت وطنت نفسي على الزهد في الحياة، ~~وجعلت قتل نفسي من همي، ثم نظرت فكان الائتساء بالناس في مصائبهم، والصبر ~~على مقاساة البلاء معهم، أبقى في الذكر، وأحسن في الأحدوثة، وأكرم عند عد ~~الأفعال وعرضها على العقول. وروى: (أتقى) بالتاء المعجمة، والمعنى أوقى، ~~لأن التاء مبدلة من الواو، أي أصون للدين والعرض. ### || وقال قبيصة بن النصراني الجرمى # ألا يا عين فاحتفلي وبكى ... على قرم لريب الدهر كاف # وما للعين لا تبكي لحوط ... وزيد وابن عمهما ذفاف # وعبد الله يا لهفي عليه ... وما يخفى بزيد مناة خاف # وجدنا أهونالأموال هلكا ... وجدك ما نصبت له الأثافى # يقول: ياعين جاء وقت البكاء فتهيئي له، واجمعي دموعك ثم فرقيها، ولا مساغ ~~لتقصير، ولا مجال لتعذير. والحافل من الغنم: التي جمعت اللبن في ضرعها. ~~ومعنى بكى: أكثري البكاء أو كرريه. ms0592 والقرم: الكريم من الرجال، وأصله في ~~الفحول، وكذلك المقرم، وقد تقدم ذكره. # وقوله (لريب الدهر كاف) قد حذف أحد مفعولي كفى، كأنه كاف الناس ريب ~~الدهر، أي ما راب من أحداثه. # ثم عدد من فجع به من أعزته فوجب البكاء له، ليعلم عظيم شقائه وما أصيب به ~~في أودائه. # PageV01P722 # وقوله (يالهفي عليه) يجوز أن يكون المنادى محذوفا كأنه قال: وعبد الله ~~لهفي عليه يا قوم. ويجوز أن يكون نادى اللهف ليرى عظيم حسرته، وكمال شقوته ~~في فجيعته. # وقوله (وما يخفى بزيد مناة خاف) يجوز أن يكون موضعه رفعا على أنه يرتفع ~~بيخفى، فكأنه قال: ما يخفى خاف بزيد، أي زيد مناة لا يخفى، لأن الخافي هو ~~زيد، وهذا كما تقول: لقيت بزيد أسدا. ويجوز أن يكون قوله (بزيد) هو الفاعل ~~والباء فيه مثل الباء في قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) . والمعنى ما يخفى ~~زيد مناة خفاء، وخاف في موضع خفاء، لكنه لم ينصبه كما لم ينصب قوله: # كأن أيديهن بالقاع القرق # ومثله: # كفى بالنأي من أسماء كاف # وقمت قائما، وعذت بالله عائدا. وقد مضى مثله. # وقوله (وجدنا أهون الأموال هلكا) كأنه نبه به على ما كانوا يقيمونه من ~~الضيافة، وينفقونه من الأموال في العفاة وأبواب البر والإحسان، وأن أهون ~~الأموال هلاكا على نفوس الكرام وأخفها في الصدور والقلوب ما وقف على ~~الأضياف، وصرف إلى مآكلهم، وكذلك من أشبه الأضياف. وانتصب (هلكا) على ~~التمييز. ومعنى (وجدك) وحق جدك. # وقوله (ما نصبت له الأثافى) في موضع المفعول الثاني لوجدنا. والأثافى، ~~واحدتها أثفية. ويقال: ثفيت القدر وأثفيتها. فأثفية أفعولة. ومن قال أثفتها ~~فأثفية عندي فعلية؛ لأن الهمزة أصلية. من ذلك قول النابغة: # وإن تاثفك الأعداء بالرفد # PageV01P723 ### || وقال أبو صفرة البولاني # زكيرة وابنا أمة الهم والمنى ... وفي الصدر منهم كلما غبت هاجس # أودهم ودا إذا خامر الحشا ... أضاء على الأضلاع والليل دامس # بني رجل لو كان حيا أعانني ... على ضر أعدائي الذين أمارس # يعني بزكيرة وأخويه أولاد أخيه، وكان توفى والدهم فصار هو كافلهم. ms0593 فيقول: ~~هم الذين أهتم لهم، وأتمنى خيرهم وبقاءهم، وأقصر همي على ما تستقيم به ~~أحوالهم، وتستتب له أمورهم، ومتى غبت عنهم كان في صدري هاجس من الفكر فيهم، ~~وسانح من التوفر عليهم، يحولان بيني وبين الذهاب عنهم؛ فجسمي غائب عنهم، ~~وهواي حاضرهم. فهذه التي أشار إليها نتائج العناية بهم، ومسببات الرعاية في ~~النيابة عن اخيه فيهم. ثم أخذ يذكر ما غرسه الحب في قلبه لهم، ورعاه صدره ~~من التحنن والشفقة في بابهم، فقال: أودهم ودا إذا خالط الحشا في ظلمة الليل ~~أضاء على الأضلاع. وإنما قال هذا لأن الشيء إذا أشرق بالليل وعند التباس ~~الظلام، فهو بالنهار أولى بالأشراق. فكأن المعنى أن طلائع حبهم في مكامن ~~صدره مضيئة الأرجاء، نيرة الأكناف، في كل حال ووقت. # وقوله (بني رجل) يعني أخاه، كأنه ذكر ما يقتضيه في أمرهم بما يأتيه، ~~فأشار إلى الدواعي القائمة بينه وبين أولاد الأخ، فقال: أذكر بني رجل لو ~~كان في جملة الاحياء لأعانني على الأعداء، وأنصفني من الزمان، ودفع عني من ~~مضراتهم ومناكداتهم ما يخفف معه ظهري، ويقوى فيه نهوضي وجذابي. ### || وقال الغطمش من بني شقرة بن كعب بن ثعلة: # ألا رب من يغتابني ود أنني ... أبوه الذي يدعى إليه وينسب # على رشدة من أمة أو لغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب # قوله (من يغتابني) من نكرة ويغتابني في موضع الصفة له، و (ود أنني) جواب ~~رب. فيقول: رب إنسان يأكل لحمي بظهر الغيب ويتنقصني، ومع ذلك # PageV01P724 # يتمنى أن أكون أباه الذي الذي يسعى به وينسب إليه، وإنما يبعثه على ذلك ~~الحسد والبغضاء. # وقوله (على رشدة من أمه أو لغية) فإن على ما يتعلق بقوله أنني أبوه، كأنه ~~يريد: ود أبوتي سواء كان ولد حلال أو حرام. والرشدة: أسم الهيئة في الرشاد. ~~والغية: الفعلة الواحدة من الغي. وهكذا يختار أن يقال هو لرشدة بكسر الراء، ~~ولغية بفتح الغين. وقوله (فيغلبها) نصب جواب التمني بالفاء، والعامل فيه أن ~~مضمرة. وهذا شرح الغية، كأنه قال: تمنى أن يكون ولدي ms0594 على رشدة، أو يغلبها ~~فحل منجب على النسل فتاتي به لغية. وأراد بالفحل المنجب نفسه، ويعني ~~بيغلبها على النسل غلبة الشبه ليبرئه من هجنها. وإذا قال القائل وددت أنني ~~أجيئك فتكرمني، فقوله فتكرمني انتصب ولم يعطف عل أجيئك، لمخالفة آخر الكلام ~~أوله، وذلك ان قوله أنني أجيئك متمنى غير واجب، وفتكرمني ليس من التمني بل ~~هو واجب، فلما خالفه نوى بالأول الأسم، وأضمر بعد الفاء أن، لتكون الفاء ~~عاطفة لاسم على اسم، فكأنه قال: وددت مجيئي إليك فإكرامك لي. وكذلك إذا ~~قال: ألا ماء فأشربه، يراد: لو كان لي ماء لشربته، تقديره: ألا ماء فشربه. # فبالخير لا بالشر فارج مودتي ... وأي امرىء يقتال منه الترهب # كأنه اقبل على هذا المغتاب له، الناحت أثلته، المداجى له بعداوة كامنة ~~مستحكمة في الصدر فقال له: هذه المودة التي تظهرها من نفسك لي، أرج انتفاعك ~~بالخير لا بالشر، لأنك إن فعلت غير ذلك فإنما تحتاج إلى إصلاحه من نفسك، ~~فأما إذا كانت المودة صافية، والعقيدة خالصة، فإن صاحبها لا يرجو بها إلا ~~خيرا، وكيف لا يرجو غيره من ثماره وهو يغرس الخير لا الشر. وقوله (ارج ~~مودتي) أي ارج مودتك لي، والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. ~~وقوله (أي امرىء يقتال منه الترهب) فمعنى يقتال يحتكم، وهو يفتعل من القول، ~~يريد أي رجل يحتكم عليه ومنه الترهب، التخوف، وترك السكون والإمنة إليه. أي ~~كيف يطلب وده على الرهبة منه. # أفول وقد فاضت بعيني عبرة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب # أخلاء لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الهر معتب # PageV01P725 # قوله (وقد فاضت بعيني عبرة) اعتراض بين الفعل ومعموله. وقوله (أرى الأرض ~~تبقى) متصل بقوله (وقد فاضت بعيني عبرة) ، وهو من جملة الاعتراض. ومفعول ~~أقول البيت الثاني. فيريد: أقول وقد اتصل البكاء مني، وسالت العبرات من ~~عيني، إذ كنت أرى الأرض باقية، والإخوان الخلص ذاهبة، وأنا لا أملك شيئا: ~~أخلاى إني مغيظ مغلوب، مأخوذ عن عزائي لما أتاه الدهر، ولكني إذا فكرت ms0595 وكان ~~سبب اخترامكم الموت الذي تتساوى فيه الاقدام فلا يبقى على شريف ولا وضيع، ~~ولا صغير ولا كبير، صدني ذلك عن العتب، لأن الموت لا معتب علي؛ ولو كان ~~الجاني فيكم، والسالب لكم غير الموت لعتبت على الدهر، وقلت وأكترث في موضع ~~القول، وانتصفت وأسرفت في موضع الفعل. ويقال عتبته فأعتب، أي لمته فأرضى. ~~ويروي (أخلاى) بالقصر وإثبات ياء الإضافة و (أخلا) بالمد وحذف ياء الإضافة، ~~وهذا أجود. ### || وقالت امراة # ألا فاقصرى من دمع عينيك لن ترى ... أبا مثله تنمى إليه المفاخر # وقد علم الأقوام أن بناته ... صوادق إذ يندبنه وقواصر # تقول متسلية ورافعة الطمع من أن يكون الجزع يرد فائتا، فقالت كفى من دمع ~~عينيك، ونهنهي عبراتك، فإنك لن ترى من تعتاضيه من أبيك الذي كان إليه ينتمي ~~المفاخر. ومعنى (تنمى إليه المفاخر) أنه غاية المفاخر، فهي إليه تنتمي. ~~ويروى: (ينمو إليه المفاخر) بضم الميم، والمعنى يرتقى إليه المفاخر إذا ~~نافر خصمه وجاذبه. # وقولها (وقد علم الأقوام أن بناته صوادق) استشهدت بطوائف الأقوام على ~~اختلافها، وذكرت أنهم قد علموا أن ينات هذا المتوفى فيما ينبدبن به أباهن ~~ويذكرنه من فضائله وإفضاله، آتيات بالصدق غير الكذب، وعاجزات عن بلوغ ~~الغاية التي يستحقها أبوهن المرثى، فإن القول لا يحيط بحده، والوصف لا ينظم ~~كنه حقه. # PageV01P726 ### || وقال آخر: # سقى جدثا وارى أريب بن عسعس ... من العين غيث يسبق الرعد وابله # ملث إذا ألقى بأرض بعاعه ... تغمد سهل الأرض منه مسابله # دعا لقبر المرثى بالسقيا، وهو أريب بن عسعس. ومعنى (من العين) من ~~السحابات التي تنشأ من عين القبلة وهي أغزر، فلذلك خصها. وقوله (يسبق الرعد ~~وابله) يطلب به الكثرة. والوابل: المطر الضخم القطر، وإذا سبق المطر الرعد ~~كان النوء أغزر. # وقوله (ملث) لم يرض بأن يكون سقياه عارضا، ولكن جعل الغيث ملثا، وهو ~~بمعنى مقيم. وقوله (إذا ألقى بأرض بعاعه) يريد إذا جاء مطره على أرض فوضع ~~أثقاله بها امتلأت الوهاد، وتغمدت المسايل بطون الأباطح السهلة. والبعاع: ~~الثقل، والجهاز. يقال: بع السحاب ms0596 بعا وبعاعا، إذا ألح بمكان فألقى بعاعه ~~فيه. # فما من فتى كنا من الناس واحدا ... به نبتغي منهم عميدا نبادله # ليوم حفاظ أو لدفع كريهة ... إذا عي بالحمل المعضل حامله # قوله (فما من فتى) بيت فيه تقديم وتأخير، وتلخيصه مبينا معادا كل شيء إلى ~~موضعه: مامن فتى من الناس كنا نبتغي به واحدا منهم عميدا نبادله فعلى هذا ~~قوله (من الناس) من صفة الفتى، وبه يعود الضمير إلى الفتى. والمعنى: كنا ~~بسببه نبتغي واحدا منهم - أي من الناس - عميدا، من صفة الواحد، لأنا جعلنا ~~واحداص مفعولا لنبتغي. نبادله، أي نبادل به الناس، فحذف الجار وقال نبادله، ~~على هذا قول عارق الطائي: # وليس من الفوت الذي هو سابقه # أي سابق به. وخبر ما محذوف، كأنه قال: ما فتى ذا صفته بموجود في الدنيا، ~~وما أشبهه. # PageV01P727 # وقوله (ليوم حفاظ) اللام تعلق بقوله نبادله، أي نبادل به لهذا الشأن، وهو ~~أن يحافظ على حسبه محافظة الكرام، أو يدافع الكرائه والشدائد لدى الجدل ~~والخصام، في وقت من الزمان يعز من العشير من يكفيه الهضمية، وترى الناهض ~~بالأثقال لتضاعف المؤن والبلايا يعيا بما يحمله فيعده داء عضالا. وأصل ~~العضل: المنع والتضييق. ويقال عضلت المرأة وعضلتها، إذا منعتها من التزويج. ~~وعضلت، إذا عسر ولادها. # وذي تدرا مالليث في أصل غابة ... بأشجع منه عند قرن ينازله # قبضت عليه الكف حتى تقيده ... وحتى يفي للحق أخضع كاهله # قوله (وذي تدرا) الواو عاطفة، وانجر ذي بإضمار رب. وتدرأ: تفعل من الدرء، ~~وهو الدفع بشدة. فيقول: رب رجل هكذا ما الأسد في خدره بأقوى قلبا منه نظير ~~له في بأسه وشدته ينازله. فقوله (ما الليث) إلى آخر البيت، من صفة ذي تدرا. ~~والغابة: الأجمة. وإنما قال (في أصل غابة) إشارة إلى دخوله وتمكنه من ~~غايتها. والمنازلة إنما تكون عند تضايق المجال وتداني أطراف موضع الالتقاء، ~~عن الإقدام والإحجام. # وقوله (قبضت عليه الكف) يقول جمعت عليه قبضتك فمنعته عن الانفصال عند ~~الخروج من إسارك، حت أمكنك من الاقتياد منه، وحتى عاد ms0597 كاهله خاضعا للحق ~~راضيا به. والخطاب بجميع هذا للمرثى. وإنما يصفه بحسن الثبات في معاركة ~~الخصوم ومزاولتهم، وأنه باقي الصبر في استيفاء الحقوق عليهم. وقوله (كاهله) ~~يجوز ان يرتفع بقوله يفى ويجوز أن يرتفع أخضع فيكون خبرا مقدما وكاهله يكون ~~مبتدأ. والأخضع: الذي في عنقه انخفاض وتطاطؤ. # فتى كان يستحي ويعلم أنه ... سيلحق بالموتى ويذكر نائله # راجع الإخبار عنه ثانيا فيقول: هو فتى كان الحياء يملكه فلا يتعاطى ما ~~يقبح ي الأحدوثة، ولا يسمع منكرا إلا ألغاه، ولا رأى مستشنعا إلا رفضه ~~وأقصاه، ليطيب # PageV01P728 # مسمع ما يروى عنه، ومنظره فيما يشاهد منه. وقوله (ويعلم أنه سيلحق ~~بالموتى) يقول: تيقن أن الخلود لا مطمع فيه، فإن الذي له من المال ما يقدمه ~~لمثوبة، وادخارا لأكرومة، إذا تحدث عنه بها كان ذكره حيا وإن الشخص فينا ~~مغيبا. ### || وقال الضبي # أأبى لا تبعد وليس بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد # أأبى إن تصبح رهين قرارة ... زلج الجوانب قعرها ملحود # فلرب مكروب كررت وراءه ... فمنعته وبنو أبيه شهود # أنفا ومحمية وأنك ذائد ... إذ لا يكاد أخو الحفاظ يذود # ولرب ءان قد فككت وسائل ... أعطيته فغدا وأنت حميد # يثنى عليك وأنت أهل ثنائه ... ولديك إما يستردك مزيد # البيت الأول يشتمل على أنواع ثلاثة من الكلام: فقوله (لا تبعد) ما يندب ~~به الموتى على إظهار الفاقة إلى حياته، وقد مر القول فيه. وقوله (وليس ~~بخالد حي) تسل وإيمان بمحتوم القدر، وأن ذلك يوجب على المصاب الصبر ~~والائتساء بفرق الخلق. وقوله (ومن تصب المنون بعيد) تبرو من الجري على عادة ~~الناس في المصائب واعتراف بأن الموت يبعد الالتقاء بين الأحياء والأموات، ~~فلا تزاور ولا تراسل، ولا تخاطب ولا تكاتب. فكل هذا تحشر وتوجع. # وقوله (أأبى إن تصبح رهين قرارة) جواب الشرط أول البيت الذي يليه، وهو ~~قوله (فلرب مكروب) . والمعنى: إن خليت مكانك من الدنيا وصرت مرهونا في ~~قرارة قبر زلق الجوانب، صريعه لا ينعش، ورهينه لا يفك، وأسيره لا يتخلص بمن ~~ولا فداء، ولزيمه لا يتملس ms0598 لوقت وعداد، فلربما فعلت كذا وكذا. وقوله (قعرها ~~ملحود) ، تصوير للقبر بلحده. # وقوله (فلرب مكروب كررت وراءه) يريد: رب مضيق عليه أسلمه بنو أبيه لما ~~امتحن به حتى تمكن العدو منه، أنت تعطفت عليه، وصرفت عنايتك إليه، فخففت # PageV01P729 # ثقله، وألقيت عنه وزره، ودفعت من فورته دونه، ومواليه من بني الأعمام ~~وغيرهم حضور لا يرعون له إلا، ولا يحفظون له عهدا. # وقوله (أنفا ومحمية) انتصب على أنه مفعول له، وما بعده معطوف عليه وفي ~~معناه، كأنه ذكر العلة الموجبة لما أتاه فقال: فعلت ذلك حمية وأنفة، وأن ~~عادتك المدافعة عن كل من يتعلق بحبلك، أو يتمسك بعروة من عرى عنايتك، غريبا ~~كان أو نسيبا؛ وهذا تفعله في وقت يزهد الناس في الإحسان، لشدة الزمان، ويرى ~~المحافظ ممسكا والمراعي مهملا. # وقوله (ولرب عان قد فككت) فالعانى: الأسير، وأصله من عنا يعنو، إذا خضع. ~~على ذلك قوله تعالى: (وعدت الوجوه للحي القيوم) . فيقول: رب مأسور أخرجته ~~من ضيق الإسار إلى سعة الأمان، فأطلقت كبله، ونزعت غله؛ ورب سائل اجتداك ~~فأغنيته، وعن التجوال أقعدته، فانصرف عنك وهو يثني عليك ويتشكر نعمتك؛ وقد ~~استحققت عليه ذلك بما أسديته إليه، ولو عاد إليك لوجد معادا لا ضجر منك ~~يلحقه، ولاسآمة فيك تمحقه، وإن استزاد زدته، لا يمنع من موجود، ولا يحال ~~على مفقود. ### || وقال عكرشة أبو الشغب يرثي ابنه شغبا: # قد كان شغب لو أن الله عمره ... عزا تزاد به في عزها مضر # فارقت شغبا وقد قوست من كبر ... لبئست الخلتان: الشكل والكبر # يعظم شأن ابنه، وذلك أنه كان قد برع في فضله، وورد أبواب الملوك فقبلته ~~العيون والقلوب نباهة وحلاوة، وتوجها وتقدما. فقال: لو أن القضاء أمهل ابني ~~شغبا ولم يعاجله عن استكماله، وعن الاستمتاع بما توحد به من فضائله لكان ~~بقاؤه عزا مستجدا لقبائل مضر كلها، تضيفه إلى عزها، وتتبجح باستقرارها. # وقوله (فارقت شغبا) عاد إلى ما يخص نفسه من الفجع بموته، والجزع لفراقه، ~~فقال: فارقته والكبر قد صافحني، وحنى ظهري، وانتقص جلدي، وأوهن ms0599 # PageV01P730 # قواي، ولا أمل في إدراك مثله، ولا استقلال بالنهوض بأعباء أهله. ثم قال ~~متحسرا: بئست الخلتان المجتمعتان لي: ثكل من لا يتعاض منه أبد الدهر، ~~والكبر المقصر للأمل، المقرب ليوم الأجل. ### || وقال آخر يرثي ابنه # لله در الدافنيك عشية ... أما راعهم في القبر مثواك أمردا # مجاور قوم لا تزاور بينهم ... ومن زارهم في دارهم زار همدا # قوله (لله در الدافنيك) ، فدر، وإن كان في الأصل مصدرا فقد لزم هذا ~~الموضع وجرى الكلمة به لكثرة الاستعمال مجرى: لله خيرك، فلا يعمل في ظرف ~~ولا في حال؛ ولا في شيء مما يعمل فيه أمثاله من المصادر. فيقول على وجه ~~التعجب من الذين تولوا دفنه في عشية يومه: لله درهم، أما أفزعهم مقامك في ~~القبر على استقبال شبابك، ونضارة غصنك وقرب ميلادك، حين لم تجتمع نفسك، ولا ~~توجه وجهك. وفي طريقته قول الآخر: # أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن على ابن طريف # وأبلغ منهما قول الآخر: # أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... به الأرض تهتز العضاه بأشواق # وانتصب (أمرد) على الحال، وأصل التمرد والتملس والانجراد. يقال صخرة ~~مرداء، إذا لم ينبت عليها شي. # وقوله (مجاور قوم لا تزاور بينهم) هذا حال الأموات فيما بينهم، يتجاورون ~~ولا يتزاورون، ومن زارهم من الأحياء منا انصرف عنهم بالخيبة، والزيادة في ~~الغمة والحسرة. والهمد: جمع هامد، وهو الميت؛ وأصله من همود النار. ويقال ~~للثوب إذا بلى: قد همد. # PageV01P731 ### || وقال لبيد # لعمري لئن كان المخبر صادقا ... لقدرزئت في حادث جعفر # أخا لي أما كل شيء سألته ... فيعطى وأما كل ذنب فيغفر # يرثي بهذا أربد أخاه. وقوله (إن كان المخبر صادقا) فهو قد علم صدق ~~الحديث، لكنه لاستعظامه للنبأ، وفخامة أمر المتوفى في النفوس وعنده، يرجع ~~على المخبر بالتكذيب، ويدخل الشك على المشهود والمسموع، كما قال الآخر: # يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم # واللام من (لعمري) لام الابتداء، ومن قوله (لئن) هي الموطئة للقسم، ومن ~~قوله (لقد) هي جواب القسم. # والمعنى: وبقائي لئن ورد هذا الخبر من صادق بريء من ms0600 الحسد والتزيد مؤد ~~لما تحققه سماعا أو عيانا. لقد أصيبت قبيلة جعفر بن كلاب فيما حدث من ريب ~~الدهر بمرزئة عظيمة فظيعة. # وقوله (أخا لي) انتصب عن (رزئت جعفر) ، أي رزئت شقيقا لي هذا صفته، وهو ~~أن سماحته وتكرمه كانا يبعثانه عل بذل كل حسنة تقترح عليه، وأن سلاسته ~~وسهولته تدعوانه إلى التجافي عن كل سيئة تبدر إليه. ### || وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها # أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيما وقد غالت يزيد غوائله # الأئل: شجر. وإنما قالت ما قالت منكرة ومستوحشة، إذ كان الحكم عندها أن ~~تتغير الأمور عن مقارها لموت أخيها، فتتحول الأحوال وتتبدل الأبدال، وتتخشع # PageV01P732 # الجبال، وتقتلع الأشجار؛ فلما جرى الأمر بخلافه أخبرت متوجعة ومتحسرة، ~~فقالت: إن بطن العقيق ومنابت أثله بما تحويه أرى مقيما في جواري على ماكان ~~عليه، وأخي يزيد قد دعاه محتوم القضاء فذهب به غوائله. ويقال غالته ~~الغوائل، أي أهلكته المهلكات، وهذا كما يقال: علقت به العلوق. وانتصب ~~(مقيما) على أنه مفعول ثان لأرى، ومجاورى في موضع الجر على أنه صفة لبطن ~~العقيق. # فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وأباجله # وصفه بأنه في خلقةالسيف تجريدا واقتضابا، وعلى خلقه مضاء ونفاذا. وقوله ~~(لا متضائل) يريد أنه شهم حي النفس والقلب، جريء المقدم، لا يتخاشع لشيء ~~ولا يتماوت على حدث. والضؤولة، أصله الدقة. والرهل: المسترخي. يصفه بقلة ~~اللحم على الصدر والساق. والأباجل: جمع أنجل، وهو عرق. وذكر الأباجل وهو ~~يريد مواضعها. وجمعه كما يقال وهو ضخم الثعانين، كأنه أراد ما حوله. # اذا نزل الأضياف كان عذورا ... على الحى حتى تستقل مراجله # العذور: السئ الخلق، القليل الصبر فيما يطلبه ويهم به. واذا ظرف " لقوله ~~(كان عذورا) . وصفه بأنه يجمع الحى لأمره فيطاع، لسيادته وجلالة محله، وأنه ~~اذا نزل به الأضياف قام بنفسه في اقامة القرى لهم، غير معتمد على أحد فيه، ~~وأنه يعرض له وفي خلقه عجلة يركبها، وتشدد في الأمر والنهي على جماعة الحي ~~به يصرفها، حتى تنصب المراجل، وتهيأ المطاعم؛ ms0601 فاذا ارتفع ذاك على مراده عاد ~~الى خلقه الأول. والمراجل: جمع مرجل، وهي القدر العظيمة النحاسية، ~~واستقلالها: انتصابها على الأثافى. وحتى تستقل، أراد لتستقل وكى تستقل. أي ~~كان عذورا لذلك الشأن. # مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هنديا طويلا حمائله # يقول: أجاب داعيه فمضى لوجهه، وورثناه دريس مفاضة. فانتصب دريس على أنه ~~مفعول ثان. ويقال: ورثته كذا وورثت منه كذا. فعلى هذه اللغة كان أصله ورثنا ~~منه، فحذف الجار، ووصل الفعل فعمل. والدريس: الخلق من الدرع وغيره، لأنه ~~كأنه فعيل بمعنى مفعول. والجمع الدرسان. والمفاضة: الدرع الواسعة. وأبيض، ~~أي # PageV01P733 # وسيفا أبيض. وجعله طويل الحمائل لطول قوامه. والمعنى أنه أنفق ماله في ~~ماادخر له أجرا، ونشر له حمدا وشكرا، فلم يكن ارثه الا ما ذكر من السلاح. # وقد كان يروى المشرفى بكفه ... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله # وصفه بأنه كان غزاء شديد النكاية في الأعداء، فكان يعطى السيف حقه اذا ~~أعمله، ويرويه من دماء مشاقيه ومنابذيه اذا جرده، ويبلغ أبعد ناحية الحى ~~عطاياه. وانما قالت (يروى المشرفى بكفه) لأنها تريد أن نهضته في ذلك بنفسه ~~خاصة من غير اعتماد على حميم او غريب؛ لأنه كان لايجر الجرائر على ذويه ثم ~~يتركهم لها، ولكن كل ما أتاه أو تجشمه فبنفسه لابغيره. # كريم اذا لاقيته متبسما ... واما تولى أشعث الرأس جافله # قولها " كريم " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أرادت: هو كريم اذا ~~لاقيته متبسما. فانتصب " متبسما " على الحال. وجواب اذا يدل عليه كريم. ~~فتقول اذا لقيته راضيا ساكنا متبسما لاقيت منه طلعة الكرام وأفعالهم، وان ~~أعرض عنك وولى وجدته أغبر الرأس كثير الشعر، لايهمه أمر نفسه في اللباس ~~والطعام، وانما به الغزو والسعي في اصلاح أمر العشيرة، وما يكسبه الجمال ~~والشرف. وقولها " أشعث الرأس " أي اغبرشعره وتلبد. والفعل منه شعث ~~شعثاوشعوثة، وهوأشعث وشعث. وقولها " جافله " من قولهم: أخذت جفلةمن الصوف، ~~أى جزة منه. وفي كلام لهم عن الضائنة: " أجز جفالا ". ويقال: جافل، ومجفل. # اذا القوم أموا بيته فهو عامد ... لأحسن ما ظنوا به ms0602 فهو فاعله # يجوز أن يريد بالقوم رجال الحى خاصة، ويجوز أن يريد به طوائف الرجال، ~~ويكون المراد به الكثرة. وانما وصفته بأنه مدبر العشيرة عندما يدهمهم، ~~والمشير عليهم فيما يحز بهم، فاذا قصدوا حضرته قائلين ما نأتمر وكيف نصنع؟ ~~أرشدهم وهداهم، وتحمل عنهم ما يثقل عليهم. ثم بعد ذلك تعمد الى أحسن ظنونهم ~~به # PageV01P734 # فيأتيه معهم لامتبرما ولا متكرها، بل باسطا من آمالهم، وجامعا الحسن في ~~كل باب لهم. # ترى جازريه يرعدان وناره ... عليها عداميل الهشيم وصامله # يجران ثنيا خيرها عظم جارة ... بصيرا بها لم تعد عنها مشاغله # جعلت له جازرين على عادتهم في جعلهم اصحاب المهن فيهم اثنين اثنين، ~~كالبائن والمستعلى في الحلب، والماتح والقابل في الاستغناء. وجعلهما يرعدان ~~لشدة البرد، وانما تعنى وقت الجدب وعند امحال الناس. والعداميل: العتيق من ~~الخشب الغليظ، واحدها عدمول على القياس وعدملى. والصامل: اليابس. والمعنى: ~~اذا اشتد الزمان وشمل القحط واشتد البرد، كان له جازران ينحران، وناره ~~عظيمة وقودها من الحطب الغلاظ العتق؛ وترى العفاة والمضرورين بالفناء ~~نازلين، وذوى الحاجة من جوانب الحى يعترون، وهو يقتسم فيها ما يرضيهم. ~~وقولها " يجران ثنيا " يعنى الجازرين. والثنى: التي ولدت بطنين، وهي مما ~~يضن بها. وقولها " خيرها " تريد: خير أبدائها ومفاصلها البدء الذي يجعل ~~لجارة له قد عرفها، فهو بصير بها وبحالها، وليست تعني جارة بعينها، انما ~~المراد الكثرة، فالجارات علىذلك لاتتخطاها أشغاله المزدحمة، ولايغض العناية ~~بها الأسباب المتراكمة، بل قد وصى بها وبأمثالها فيتفقدن بأوفر الانصباء ~~عند قسمة الجزور. وقالت " بصيرا بها " والفعل للمرثى، فجرى على غيره من ~~هوله، لأنه تبع الجارة، واذا كان كذلك فالواجب كان عليها أن تظهر ضميره ~~فتقول بصيرا بها هو، لأن اسم الفاعل والصفة المشبهة اذا جرى واحد منهما على ~~ماقبله صفة أو صلة أو حالا أو خبرا لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، ~~لضعفه وانحطاط منزلته. وأكثر أصحابنا على أنه لابد من ذلك، حتى أبا الحسن ~~كان يلحن الكلام اذا لم يجر على هذ السنن. والكوفيون وبعض أصحابنا يجوزون ms0603 ~~ترك اظهاره. وهذه الشاعرة دعتها الضرورة الى وضع المتصل موضع المنفصل، ~~فتركت التغيير. وقولها " لم تعد عنها " أي لم تصرف. يقال: # عدت بيننا عواد، اى صرفت صوارف # PageV01P735 ### || وقال ابو حكيم المرى # وكنت أرجى من حكيم قيامه ... على اذا ما النعش زال ارتدانيا # فقدم قبلى نعشه فارتديته ... فياويح نفسي من رداء علانيا # النعش: شبيه بالمحفة، كان يحمل عليه الملك اذا مرض؛ ثم كثر حتى سمى النعش ~~الذي فيه الميت نعشا. يقول: كنت أؤمل في حكيم ابنى أن يمهل وينفس من عمره، ~~فيقوم على اذا مت، ويرتدى نعشى اذا حملت، ثم بعد ذلك يقضى فيما أخلفه عليه، ~~وأعتمد على كفايته وخلافته، فخاب أملي وكذبني ظني، وقدم قبلى فارتديت أنا ~~نعشه، فوابلاء نفسي من رداء علاني بنعشه. وقوله " ارتدانيا " تفسير لقيامه ~~عليه وقد وضع الماضي موقع المستقبل؛ أي يرتديني في ذلك الوقت. ولو ساق ~~الكلام على تلاؤم لقال: قيامه على وارتداءه اياي اذا ما النعش زال ~~ارتدانيا، أي يرتديني، فيكون اذا ما النعش زال ظرفا، وارتداني مفعول أرجى. ~~أي أرجوه يرتديني اذا ما النعش زال. ### || وقال منقذ الهلالي # الدهر لاءم بين ألفتنا ... وكذاك فرق بيننا الدهر # وكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله وتر # نسب ما اتفق عليه وعلى محبيه الى الدهر، فقال: الدهر جمع بيننا وسوى ~~ألفتنا، فلما أراد كل منا أن يفرح بصاحبه كما يهواه، ويتمتع به ويتملاه، ~~فرق بيننا وشتت شملنا، فعاد ما كنا نأمله من التملي والاستمتاع تباينا ~~وتوجعا. ومعنىوكذاك فرق بيننا: ومثل ذك. وأشار الى مادل عليه لاءم من ~~التأليف. يريد: وكتأليفه فرق أيضا. وكرر لفظ الدهر تفخيما. وموضع كذاك نصب ~~على الحال من فرق بيننا. وقوله " وكذاك يفعل في تصرفه " يريد أن الدهر في ~~مصارفه فعال لمثل ما فعل بنا، يهب ويرتجع، ويؤلف ويفرق، ولايترك شيئا على ~~حاله الا ريث ما # PageV01P736 # يسلط عليه التغيير. وقوله: # والدهر ليس يناله وتر # يريد أنه يتر غيره فلا يوتر، وينكى فلا يجازى، فليس معه الا الاستسلام ~~لحكمه، والرضا بمحتومه. وهذا الذي ms0604 جعله للدهر، الفاعل له القادر على كل ~~شيء، تعالى عن الأشباه. # كنت الضنين بمن أصبت به ... فسلوت حين تقادم الأمر # ولخير حظك في المصيبة أن ... يلقاك عند نزولها الصبر # قوله " كنت الضنين " تشك من الفراق الواقع بينه وبين من يرثيه، واظهار ~~لضنه كان به، وتنافسه فيه. فيقول: كنت لاأصبر عنه، وأعد الأوقات التي ~~لاأراه فيهاكثلمة في العيش، ونقيصة من زاكي الحظ، اذ كنت لاأرى طيب العيش ~~الا معه، ولا أعرف طعم الحياة الا في صحبته فلما افترقنا وتقادم العهد ~~بيننا سلوت عنه، حتى كأنني لم يجمعني واياه حال. وهذا الكلام منه استقصار ~~لجزعه، واعتراف بأنه لم يفعل كنه الواجب عليه عند الرزيئة. وقوله: " ولخير ~~حظك " يريد: خير انصبائك فيما تصاب به وتعنوله، أن يتلقاك الصبر عند الصدمة ~~الأولى لتصون به دينك ونفسك وعقلك؛ لأن المرجع اليه، فألايتسلى الانسان ~~تسلي البهائم أحسن وفي هذه الطريقة قول الخريمي: # واني وان أظهرت صبرا وحسبة ... وصانعت أعدائي عليك لموجع # ولو وشيت أن أبكي دما لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع ### || وقالت ابنة ضرار الضبية ترثي أخاها قبيصة بن ضرار: # لا تبعدن وكل شيء ذاهب ... زين المجالس والندى قبيصا # (لا تبعدن) لفظة قد مر القول فيها فيما تقدم. وقوله (وكل شيء ذاهب) تسل. ~~كأنها قالت متوجعة: لا تبعد، ثم عقبته بالتسلى فقالت: وكل حي منا ميت، وكل ~~أمر فينا متغير يا زين المجالس والندى يا قبيصة. وقولها (وكل شيء ذاهب) ~~اعتراض # PageV01P737 # بين المنادى وبين الدعاء له. والجمل المعترضة بين أنواع الكلم تفيد فيها ~~التأكيد وتحقيق معانيها. وقولها (زين المجالس والندى) ، إنما ذكرتهما وهما ~~واحد لأنها أرادت بالمجالس مجالسة خاصة إذا قصد لإنزال الحاجات به، ~~واستخراج المطالب منه، وأرادت بالندى نادي الحي. وانتصب قبيصة على أنه عطف ~~البيان ليا زين. ويجوز أن يكون على تكرير النداء وقد رخمه، فكأنه قال: يا ~~زين المجالس يا قبيصة. # يطوى إذا ما الشح أبهم قفله ... بطنا من الزاد الخبيث خميصا # يصفه بقلة الشره، وأنه لا يرغب من أعراض الدنيا إلا ms0605 فيما يزين ولا يشين، ~~ويستطاب ولا يستخبث. وقوله (إذا ما الشح أبهم قفله) ، يريد إذا اشتد الزمان ~~فصار كل مالك لشيء يبخل به حتى لا يمكن انتزاعه منه. وإذا رويت (أبهم قفله) ~~على ما لم يسم فاعله، فالمعنى أحكم أمره وجعل كالفرض الذي لا يحتمل التجوز، ~~وإذا رويت (أبهم قفله) جعل الفعل للشح، كأن له قفلا يبهمه. وإبهامه: أن ~~يجعله على وجه لا يدري كيف يفتح. فيقول: هذا الرجل يطوي بطنا له صغيرا ~~مضطمرا من الزاد السيء، إذا تملك البخل الناس لشدة الزمان، فجعلهم كذلك. ### || وقال عكرشة الضبي يرثي بنيه # سقى الله أجداثا ورائي تركتها ... بحاضر قنسرين من سبل القطر # مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر # الأجداث: القبور، وكذلك الأجداف بالفاء. ويعني بالأجداث قبور بنيه. ودعا ~~لها بالسقيا وجعل موضعها بحاضر قنسرين، إجلالا لها وتنبها عليها. وقوله (من ~~سبل القطر) مفعول ثان لسقى الله. والمعنى سقى الله هذه القبور التي وصفتها ~~من ماء السحاب ما سال على عجلة وبشدة. وخص ذلك لأنها أعذب المياه عندهم. ~~والقصد في طلب السقيا لها أن تبقى عهودها غضة محمية من الدروس، طرية لا ~~يتسلط عليها ما يزيل حدتها ونضارتها. ألا ترى أنه لما أراد ضد ذلك قال: # فلا سقاهن إلا النار تضطرم # PageV01P738 # وقوله (مضوا لا يريدون الرواح) يريد: ساروا لا يعرجون على شيء، فلا ~~يريدون لبثا ولا مقاما، بل استعجلوا فتعجلوا، وأهلكهم من أحداث الدهر أسباب ~~جاءت على قدر، فكأنهم كما دعوا أجابوا، وكما تهيئوا أخذوا، لا تلوم ولا ~~اختلاف، ولا قصور ولا امتناع. # ولو يستطيعون الرواح تروحوا ... معي وغدوا في المصبحين على ظهر # يقول: ولو قدروا فيما هموا به من سيرهم على النزول رواحا لتروحوا معي، ~~ولغدوا في صباح اليوم الثاني على ظهر الأرض ولم يصيروا مع الأموات في بطنها ~~مأخوذين عن حظوظهم، لكنهم استمروا في المفارقة فعل من لايملك إلا ذاك، ولا ~~اختيار له فيما يركبه. # وهذا الكلام منه توجع وتحسر، حين أتوا من حيث لم يشعروا، ms0606 وطولبوا بما لا ~~رجعة فيه ولا استبقاء وإن استنظروا. # لعمري لقدوارت وضمت قبورهم ... أكفا شداد القبض بالأسل السمر # يذكر نيهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكر # يقول: وبقائي، لقد اشتملت قبورهم على فرسان شجعان يملكون بالطعن أكفا ~~شداد القبض على الرماح. وإنما قال (وارت وضمت) لأن الموارى هو الساتر، ~~وساتر الشيء يكون ضامنا وغير ضامن. وإنما أراد أن يجعل القبور موارية ~~وضامنة، فلذلك جمع بين اللفظين. ثم عقب هذا بأن قال: يذكرنهم الأمور التي ~~أنتهى إليها على اختلافها، فإنها لا تخلو من أن تكون نافعة أو ضارة؛ فإن ~~كانت نافعة كانت خيرا، وكانت عمله ديمة مع من يتسبب إليه بحرمة، أو يدل ~~بآصرة. وإن كانت ضارة كانت شرا، وهو الذي يشقى به من يشاقه ويعانده، حتى لا ~~يخليه منه أمن من ترقبه ساعة، فلا أزال ذاكرا له بما أعتبره من أمور الدنيا ~~وأحوالها، وأنتهى إليه فأتأمله من مسبباته في طوائف الناس بعده. ويقال: ما ~~انفك يفعل كذا، بمعنى مازال. والذكر، بضم الذال، يكون بالقلب؛ والذكر بكسر ~~الذال، يكون باللسان. # PageV01P739 ### || وقال رجل من بني أسد يرثي أخاه وكان مرض في غربة، فسأل الخروج به هربا من موضعه، فمات في الطريق: # أبعدت من يومك الفرارفما ... جاوزت حيث انتهى بك القدر # لو كان ينجى من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر # يروى: (أبعطت) ، والإبعاط والإبعاد متقاربان. فالإبعاط: الإسراع في ~~السير. ويقال: أبعطت من الأمر، إذا أبيته وهربت منه. ويروى: (أسرعت من يومك ~~الفرار) والأول أشهر وأجود، لأن من يتعلق فيها بأبعدت. والمعنى: فررت من ~~أجلك فرارا بعيدا. ومعنى (من يومك) من آخر أمدك. وإذا رويت (أسرعت) احتجت ~~إلى إضمار فعل يتعلق به من، ولا يجوز تعلقه بأسرعت، ولا بالفرار لأنه يكون ~~من صلته وقد قدم عليه. وقوله (فما جاوزت حيث انتهى بك القدر) يريد أن الحذر ~~لا يغني من القدر، وأنك وإن تحزمت في تغيير الأماكن تباعدا من المحذور، ~~وتنقلت في المنازل هربا من القدر المحتوم، فما وجدت فيه واقية ms0607 لنفسك، ولا ~~جاوزت الوقت المرصد لحينك. وجعل قوله (حيث انتهى) اسما، فهو في موضع ~~المفعول لجاوزت. ومثله في القرآن: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) . ومن محكى ~~كلامهم وفصيحه: (هي أحسن الناس حيث نظر ناظر) يعني وجهها. # وقوله: (لو كان ينحني) جواب لو قوله (نجاك) . والمعنى: إنك لم تؤت من ~~تضجيع وقع منك، أو إغفال اعترض دون طالبك؛ فلو كان يخلص من الموت توق لوقاك ~~ما أخذت به نفسك من الحذر الشديد، والهرب البعيد؛ ولكن هو الموت الذي لا ~~منجى منه ولا تهرب عنه. وكل هذا النوع توجع وتحسر، واعتراف بالقصور والعجز ~~لدى مبرم القضية. # يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو وده كدر # فهكذا يذهب الزمان ويف ... نى العلم فيه ويدرس الأثر # PageV01P740 # قوله (يرحمك الله) استسلام. والرحمة من الله: الإحسان والعفو. ومعنى (من ~~أخي ثقة) دخل من للتنبين، أي من أخ يوثق بوده، ويؤمن غله ووبال حسده، وإذا ~~صافى الوداد وافق باطنه ظاهره، ولم يك ذا وجهين يعطيك حضرته خلاف ما يعطيك ~~غيبته. # وقوله (فهكذا يذهب الزمان) يريد أن ما رآه وأصابه ليس بمستبدع من حدثان ~~الدهر ونوائبه، بل استمراره قديما وحديثا على وجه واحد ينقرض أهله كما ~~أتاه، ويفنى فيه كل معلوم حواه، ويدرس كل أثر اقتناه ووعاه. وهذا الكلام ~~إظهار اليأس من المفقود، وتضعيف الطمع في بقاء الموجود. # ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ### || وقالت أم قيس الضبية # من للخصوم إذا جد الضجاج بهم ... بعد ابن سعد ومن للضمر القود # قوله (إذا جد الضجاج بهم) أي صار ضجاجهم جدا. ويقال: ضج يضج ضجيجا، ~~والإسم الضجاج، قال العجاج يصف حربا: # وأغشت الناس الضجاج الأضججا ... وصاح خاشى شرها وهجهجا # وقوله (من للخصوم) لفظه استفهام، والمعنى التوجع والاستفظاع. فيقول: من ~~يفصل بين الخصوم إذا اشتد بهم النزاع، وطال الجدال والدفاع، فاحتيج إلى من ~~يرد الجامح، ويلين الكامح، حت إذا رجع كل منهم إلى ما يقرب مسمعه، ولا يبعد ~~عن الفحص مستنزعة، أنفذ قضيته فقطعها، لا يلفتهم عن القبول مراجعة، ولا ~~تخلجهم عن الإلتزام مماتنة ومدافعة ms0608 بعد ابن سعد. ومن للضمر القود بعدة، أي ~~من أصحاب الخيل المضمرة، وتريد: من يدفعهم عن اشتطاطهم إذا جاءوا واترين أو ~~موتورين. ويجوز أن تريد أنه كان غزا بها فمن لها بعده. والضمرة جمع ضامر. ~~والقود: الطوال العناق. # ومشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصى الناس مشهود # فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مزءود # PageV01P741 # يقول: ورب مشهد عظيم الشأن يسأل عن حال حاضريه، ويستمع إلى ما ينشر عنه ~~من حجاج منافريه، تكلمت فيه عن نفسك ونبت عن الغائبين من معتلقي حبلك، ~~واليوم يوم مشهود، ورؤساء الناس وأماثلهم فيه شهود؛ ثم كشفت الغمة، وأثبت ~~الحجة بكلام فصيح لا يلتبس، وجدال راجح لا يخيل ولا يغتمص، وقلب ثابت لا ~~يرتدع إذا استنهض، ولا ينتكس إذا استقدم. وقوله (نواصى الناس) أي أشراقهم ~~والمقدمين منهم. وهذا كما وصفوا بالذوائب، يقال: فلان ذؤابة قومه، وناصية ~~عشيرته. وقوله (بلسان غير ملتبس) يريد بكلام. وفي القرآن: (وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه) ، وتسمى الرسالة لسانا. وقال: # إني أتتنى لسان لا أسربها # وقوله (غير مزءود) فالزؤد: الذعر، والفعل منه زند فهو مزءود. وقوله (عند ~~الحفاظ) أي فعلت ذلك كله عند المحافظة على الشرف، والإحتماء من عار الهضمية ~~والعنت. # إذا قناة امرىء أزرى بها خور ... هز ابن سعد قناة صلبة العود # ذكرالقناة مثل للإباء والامتناع، وأن المكره لا يخرج منهم الخضوع ~~والانقياد. ألا ترى قول سحم بن وئيل: # وإن قناتنا مشظ شظاها ... شديد مدها عنق القرين # ويقال: مشظت يده تمشظ مشظا. والشظية والشظا من العصا كالليطة منها، تدخل ~~ي اليد فتمشظ منها. ومثل هذا قول عمرو بن كلثوم: # عشورنة إذا غمزت أرنت ... تشج قفا المثقف والجبينا # وقال أيضا: # وإن قناتنا ياعمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا # PageV01P742 # وزاد الآخر عليهم فقال: # ولنا قناة من رديئة صدة ... زوراء حاملها كذلك أزور ### || وقال الجعدي # ألم تعلمي أني رزئت محاربا ... فما لك منه اليوم شيء ولا ليا # ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ... وكان ابن أمي والخليل ms0609 المصافيا # يخاطب صاحبته أم محارب، ومحارب ابنه. وقوله (ألم تعلمي) ظاهره تقرير، ~~وإنما هو تحسر وتوجع. لذلك قال: (فما لك منه اليوم شيء ولا ليا) أي قد ~~فجعنا به فأصبحنا خلوا من الاستمتاع بحياته، والانتفاع بمكانه، ثم ذكرأنه ~~قد فجع قبله بأخيه أيضا وكان نسيبا قريبا وصديقا مصافيا حبيبا. # فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا # فتىتم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # قوله " فتى كملت خيراته " يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، كأنه قال: هو فتى. وقوله " غير أنه جواد " استثناء منقطع، وقد تقدم ~~الكلام في مثله، وأن من كان عيبه والمستثنى من خصاله المحمودة ما يذكر بعد ~~غير فناهيك به رجلا كاملا. وقوله " فتى تم فيه ما يسر صديقه " مثله، وقد ~~تقدم في مواضع وشرحناه. ### || وقال رجل من بني هلال يرثي ابن عم له # أبعد الذي بالنعف من آل ماعز ... يرجى بمران القرى ابن سبيل # لقد كان للسارين أى ممرس ... وقد كان للغادين أي مقيل # بني المحصنات الغر من آل مالك ... يربين أولادا لخير خليل # يقول على وجه الانكار: أيرحى ابن السبيل القرى بمران بعد المدفون بالنعف ~~من آل ماعز. أي لايكون ذلك، لأن من كان يشمل خيره ويرتجى النزول مكرما # PageV01P743 # ضيفه قد مات. والنعف: ما ناعفك من الجبل، أي استقبلك، وقيل: هو ماانحدر ~~عن السفح وغلظ، فكان فيه صعود وهبوط. ذكره الدريدي، قال: وجمعه نعاف. وقوله ~~" لقد كان للسارين " جواب قسم محذوف. والتعريس: النزول عند الصبح. والمقيل: ~~موضع القيلولة، فيقول: من أسرى ليلة ثم طلب من ينزل به، كان هذا الرجل ~~معرسا له كريما، وأي معرس. وهذا الكلام فيه تعجب وتفخيم. وكذلك من ارتحل ~~غدوا ثم أراد الرواح كان فناؤه له مقيلا طيبا وأي مقيل. وقوله " بني ~~المحصنات " جمع الى ذكره ذكر اخوته، فقال: اذكر قوماكرام الأطراف، أمهات من ~~الحصانة والطهارة في أعلى محل، وأبعد رتبة، ويرببنأولادا لبعول لايوازى ~~بهم، علو منصب، وزكاء منسب ms0610 وتقدما في الشرف والافضال. وبراعة في جميع ~~الأحوال. ### || وقال كبد الحصاة العجلى # ألا هلك المكسر يال بكر ... فأودى الباع والحسب التليد # ألا هلك المكسر فاستراحت ... حوافي الخيل والحي الحريد # افتتح كلامه بألا، ثم أخذ يعظم الخطب ويفظع الشأن، فقال: مات هذا الرجل ~~فمات بموته الكرم العميم، الشرف الصميم. وقوله " يال بكر " استغاثة مما ~~دهاه. وقد مر القول في هذه الام والفصل بينها وبين لام التعجب من قولك يا ~~لبكر. ومعنى أودى: هلك. والباع ها هنا الكرم. ويقال: باع الرجل يبوع بوعا، ~~اذا مد باعه، وتبوع. وكذلك تبوع البعير، اذا مد ضبعه. والحسب: الشرف، وأصله ~~من الحساب، لأن الحسيب يعد لنفسه مآثر فتلك المآثر حسب. كما يقال نفضت ~~نفضا، ثم يسمى المنفوض نفضا. والتليد والتالد: ضد الطريف والطارف. والتلاد: ~~ما ولد عندك من مالك. قالوا: وأصل هذه التاء الواو. # PageV01P744 # وقوله (ألا هلك المكسر) كرره لتفظيع الأمر. ومعنى (استراحت حوافي الخيل) ~~وصفه بأنه يبعد الغزو فلا يبقى على الخيل وان حفيت، فلما مضى نالت الراحة ~~وتودعت. وقال (حوافي الخيل) على أن يصفها بما كان آل أمرها اليه بعد الغزو. ~~وكذلك قوله (الحي الحري) هو المنفرد والمتباعد عن غيره. كأنه لايسلم عليه ~~وان حذر وتباعد. ويقال: كوكب حريد، اذا طلع في أفق السماء متنحيا عن ~~الكواكب. ورجل حريد المحل، اذا لم يخالط الناس ولم ينزل معهم. وقال: # أما بكل كوكب حريد # وقال آخر: # حريد المحل غويا غيورا ### || وقال ابن أهبان الفقعسي يرثي أخاه: # على مثل همام تشق جيوبها ... وتعلن بالنوح النساء الفواقد # فتى الحي أن تلقاه في الحي أة يرى ... سوى الحي أو ضم الرجال المشاهد # يقول: عظم الرزءبموت همام فلا مخبأ للجزع ولا مصطبر، ولا اسرارللالتياع ~~ولامدخر. وأنى يكون للسامع به معدل الى التجمل والتجلد، وقد فقد به من ~~يستباح في ندبته كل محظور، ويستجاز في الرثاء له كل مذكور، فلا منع من شق ~~الجيوب، وصدع الأكباد والقلوب، واعلان النياحة، وامتداد المآتم في الاعوال ~~الى كل غاية. وقوله (على مثل همام) يذكر ms0611 المثل والمقصود نفسه لاغير صيانة ~~له ونزاهة. على ذلك قول القائل: مثلك لايحسن به كذا معناه: أنت لايحسن به ~~ذلك؛ ولكن الغرض ما ذكرته، وقوله (بالنوح) يراد به مصدر ناح. وقد يراد به ~~في غير هذا المكان النساء النائحات. # وقوله (فتى الحي أن تلقاه) جعل له الفتوة والرياسة مسلمة له في كل حال، ~~وعلى كل وجه. ألا ترى أنه قال: هو الفتى بين رجال الحي وعند لقائك اياه ~~فيهم. # PageV01P745 # فمعنى أن تلقاه، هو الفتى لأن تلقاه في الحي، ووقت تلقاه في الحي. وقوله ~~(أو يرى سوى الحي) أيفي مكان آخر وفي قوم آخرين. بدلا من الحي. لأنك اذا ~~قلت: عندي رجل سوى زيد، معناه: عندي رجل مكان زيد، وبدلا من زيد. # وقوله (أو ضم الرجال المشاهد) معناه وهو الفتى اذا حصلت وفود القبائل ~~وألسنتهم ورؤساؤهم في مجامع الملوك الأعاظم، ومشاهد السادة الأكابر. وقوله ~~(أو ضم) محمول على المعنى. يريد: وهو الفتى لأن ضم الرجال. والقسمة بما ~~رتبه قد استوفت الأحوال كلها. # اذا نازع القوم الأحاديث لم يكن ... عييا وعبئا على من يقاعد # طويل بحاد السيف يصبح بطنه ... خميصا وجاديه على الزاد حامد # وصفه بالبراعة وتمام الآلة، وأنه سهل الخلق، سهل الجانب، يباسط منازعه في ~~الأحاديث ويطاوله، لاعى يقصر حديثه، ولا كبر ينفر قعيده، فهو طيب المجلس، ~~خفيف الملتزم، واذا تاملت خلقته كان حسن القوام، تام الجسم، طويل حمائل ~~السيف. هذا في الحي ما أقام، وفي السفر تراه يؤثر غيره بالزاد، فبطنه خميص، ~~ومجتديه والمعول عليه حامد له شكور. وأبلغ من قوله (طويل نجاد السيف) قول ~~مسلم: # يطول مع الرمح الرديني قامة ... ويقصر عنه طول كل مجاد ### || وقال ابن عمار الأسدي يرثي ابنه # ظللت بجسر سابور مقيما ... يؤرقني أنينك يا معين # وناموا عنك واستيقظت حتى ... دعاك الموت وانقطع الأنين # أصل الظلول العكث في النهار، ولكنه يتوسع فيه فيجعل للأوقات كلها. على ~~ذلك قوله تعالى: (واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا) وذلك لايختص ~~بالنهاردون الليل. وهذا الكلام اقتصاص حاله معه في ms0612 تمريضه، وتوليه منه ما ~~تفرد به، وفيه التشكي مما قاساه وتجرع الغصص عنه، فيقول: بقيت # PageV01P746 # مقيما بذلك المكان يسهرني تألمك وأنينك، ونام كل من صحبته فاستيقظت أنا ~~متجردا فيك، ومتحملا ما أمكن تحمله عنك، الى أن أجبت داعيك، واطلقت من أسر ~~الانتظار ناعيك، فانقطع الأنين، وجد منى لفقدك العويل. ### || وقال أبو وهب العبسي يرثي ابنه # أرابع مهلا بعض هذا وأجملى ... ففي اليأس ناه والعزاء جميل # فان الذي تبكين قد حال دونه ... تراب وزواء المقام دحول # سلك فيما مسلك أوس بن حجر، حين قال: # أيتها النفس أجملى جزعا ... ان الذي تحذرين قد وقعا # والمرأة المخاطبة فيما نظن أم المرثى. (مهلابعض هذا) انتصب بعض باضمار ~~فعل، كأنه قال: رفقا كفى بعض ما تأتينه، وأحسني العزاء، ففي اليأس ممن قد ~~مضى ناه لك عن الاسراف في الجزع، والافراط في الالتياع والهلع؛ والصبر جميل ~~كيف كان، فإن من تبكينه حجز بينه وبيننا تراب مهيل، ولحد قعير، وحفرة ~~معوجة، وهوة مهولة، فلا طمع في الالتقاء، ولا في الرجوع والانكفاء. # وقوله (وزوراء المقام) أي معوجة الموضع الذي يقام فيه منها. وقوله دحول، ~~يقال بثر دحول، أي ذات تلجف. # نحاه للحد زبرقان وحارث ... وفي الأرض للأقوام قبلك غول # فأي فتى واروه ثمت أقبلت ... أكفهم تحثي معا وتهيل # اللحد: ما حفر في عرض القبر. ويقال لحدث القبر وألحدته، وقبر ملحود وملحد ~~ولاحد، أي ذو لحد، يقول: ولاه للحد قبره هذان الرجلان، والعادة مستمرة في ~~فناء الأمم السالفة قبلنا؛ لأن الأرض لا تخلو مما يغتال الأحياء ويهلكهم. ~~والغول: الهلكة، ويقال: غالة الموت. وقال الشاعر: # وما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها # PageV01P747 # والكلام فيه تأس وتعز، بعد أن اقتص دفنه ومن تولى ذلك منه. ثم قال على ~~وجه التعجب: أي فتى غيبوه ودفنوه؟! يعظم أمره ويفخم شأنه. وقوله (ثمت ~~أقبلت) التاء من ثمت علامة التأنيث، وهو تأنيث الخصلة. وكما تتصل هذه ~~العلامة بالاسم نحو امرىء وامرأة، وبالصفة نحو قائم وقائمة، تتصل بالفعل، ~~والاسم والفعل هما ms0613 موضعها، إلا أنها في الاسم يبدل منها الهاء في الوقف، ~~وينتقل الإعراب عن آخر الاسم إليها. وفي الفعل يسكن إلا أن يلاقيه ساكن ~~آخر، ويكون تاء في الوصل والوقف جميعا. وفي الحرفيقل دخوله، وإذا دخل حرك ~~بالفتح، نحو ربت وثمت، وتبقى تاء في كل حال. # وقوله (تحثي معا) انتصب معا على الحال. والحثى: أن ترفع يدك بالتراب أو ~~غيره فتفرقه في الجو. قال: # الحصن أدنى لو تآبيته ... من حثيك الترب على الراكب # والحاثياء: تراب يجمعه اليربوع، من هذا: والهيل: أن تجرفة من غير أن ترفع ~~اليد به. ويقال: هلت التراب وأهلته. وفي المثل (محسنة فهيلى) ويقال: (جاء ~~بالهيل والهيلمان) أي بالشيء الكثير، ويجوز أن يكون من هذا، لأن المعنى جاء ~~بما اجتمع هيلا لا كيلا. # وفي الطريقة التي سلكها من اقتصاص الحال في الدفن والحثي، قد أحسن من ~~قال: # ألم ترني أبني على الليث بيته ... وأحثى عليه الترب لا أتخشع # كأنى أدلى في الحفيرة باسلا ... عقيرا ينوء للقيام ويصرع # تخال بقايا الروح فيه، لقربه ... بعهد الحياة، وهو ميت مقنع # ألا تراه كيف صور التهيب منه والإعظام له في تلك الحالة. # PageV01P748 # وظلت في الأرض الفضاء كأنما ... تصعد بي أركانها وتجول # وشد إلى الطرف من كان طرفه ... بعهد عبيد الله وهو كليل # يقول: دبر بي لما شاهدت من أمره ما أنكرت، واسودت الأرض في عيني فصارت ~~على سعتها كأنما جمعت جوانبها، فأصعد فيها وهي تجول فلا تهدأ، وتدور فلا ~~تقر. # وقوله (وشد إلى الطرف) أي نظر إلى بشدة وتحديق. وفي الحديث: قيل لأبي ~~محذورة وشد أذانه: (أما خشيت أن تنشق مريطاؤك) . ويقال: شددنا على يد فلان ~~وشددنا يده، أي قويناه، والطرف: تحريك الجفن في النظر. يقول: شخص بصره فما ~~يطرف. وقوله (من كان طرفه) كان هذه هي التامة. والمعنى من وقع طرفه وحدث ~~طرفه وحدث طرفه في زمن عبيد الله وبعهده وهو كليل، يريد: من كان لا يملأ ~~عينه منى في حياته تهيبا صار ينظر إلى شزرا ونظرا شديدا. وإنما قواه تجاسره ms0614 ~~وما حدث له وفي تقديره، من منة استجدها، وقوة عاودته واستظهر بها. وقوله ~~(وهو كليل) الواو واو الحال. # لئن كان عبد الله خلى مكانه ... على حين شيبي بالشباب بديل # لقد بقيت منى قناة صليبة ... وإن مس جلدي نهكة وذبول # وما حالة إلا ستصرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول # اللام من (لئن) موطئة للقسم المضمر، وجوابه (لقد بقيت) . وخلى مكانه، أي ~~ترك مكانه من العيون والقلوب خاليا. ويجوز أن يريد ترك مكانه من دنياه لمن ~~شاء. على حين شيبي، أي في وقت استبدلت بالشباب شيبا، وبالقوة ضعفا، لقد بقي ~~مني إباء شديد، ولجاج على من يقصد اهتضامي بليغ؛ فقناتي صلبة على غامزها، ~~ممتنعة على مثقفها، وإن كانت المصيبة نالت مني فنحل جسمي، وذبل جلدي، وحال ~~لوني، وتحول عما كان عليه أمري وشأني. وقد تقدم القول في القناة # PageV01P749 # وطريقتهم في استعارتها وجعلها مثلا. وقوله (وما حالة إلا ستصرف حالها) ~~يريد: وما خطه إلا ستحول صورتها إلى صورة أخرى ما بقيت وأمهلت، ثم من بعد ~~سوف تزول فلا تبقى، ونحول عن المعهود فتفنى. والمعنى: إن شيئا من أسباب ~~الدنيا وأعراضها لا يدوم على حد، ولا يستمر على طريق ووجه، لكن يسلط عليه ~~التغير والتبدل، فيزداد عما يكون عليه، أو يتراجع هذا إذا سلم، ومن بعد سوف ~~يكون مغيره مهلكة، ومدبرة مدمرة. ### || وأنشد أيضا: # وقاسمني دهري بنى بشطره ... فلما تقضى شطره عاد في شطري # ألا ليت أمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية نجري # كانت رواية الناس برهة (وقاسمني دهري بني بشطره) مضافا، (فلما تقضى شطره) ~~بالضاد، وارتفاع الشطر به، فجاء شيخ لنا فرواه: # بشطرة فلما تقصى شطره # وكان يقول: هذه ضالة أنا وجدتها، وهو مما حكاه أبو زيد من قولهم: بنو ~~فلان شطرة، إذا كان ذكورهم بعدد إناثهم. يريد: ناصفني. ومعنى (تقصى شطره) ~~بلغ أقصاه واستوفاه. والذي أختاره أن يروى (بشطره) على الإضافة. ومن الظاهر ~~أن تقصى أحسن من تقضى في اللفظ، وأبلغ في المعنى. ومعنى بشطره كأن الدهر ~~ادعى ms0615 أنه قسيمة في بنيه وأن له منهم الشطر، وهو النصف، فقاسمه على ذلك، ~~فلما استوفى حظه أقبل بأخذ من نصيبه الذي كان أفر له به، وساهمه عليه، ~~وإنما اخترت بشطره على (شطرة) ، لأن شطرة لم يستعمل في الانصباء والسهم، ~~والشطر في النصف معروف ومستعمل، ومنه شاة شطور، إذا يبس أحد ضرعيها. وكذلك ~~قولهم: حلب الدهر أشطرة، إذا جرب الأمور، وأصله من الحلب، أي حلب شطرا من ~~الخير وشطرا من الشر، حتى تبصر وعرف مواضع النجاة من مواضيع العطب والهلكة. # PageV01P750 # وقوله (ألا ليت أمي لم تلدني) تمنى السلامة بأن كان لا يخلق ولا يخترع ~~فينجو من الابتلاء، وملابسة أنواع البلاء، والتردد بين السعادة والشقاء؛ ~~وتمنى بعد أن أوجد وخلق ألا يكون فاقدة والمعزى فيه، بل كان السابق له ~~والمقدم عليه، سيما وهما جاريان إلى غابة من العطب لا محيص عنها، ولا مفر ~~منها. # وكنت به أكنى فأصبحت كلما ... كنيت به فاضت دموعي على نحري # وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى ... فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري # جرى على افتتنانهم في تحويل الكلام عن الاخبار إلى الخطاب، وصرفه عن ~~العموم إلى تخصيص بعضهم بالذكر. ألا ترى أنه أخبر في قوله (وقاسمني دهري ~~بني) ثم قال (ليتني سبقتك) فرجع إلى خطاب واحد منهم، ثم قال (وكنت به أكني) ~~فأخبر به عن أحد بنيه. والمعنى: كنت اكتنيت به حبا لذكره واسمه، وتفاؤلا ~~ببقائه وداومه، فبقي الاسم والشخص مفقود، فلا جرم أني متى كنيت به تجدد لي ~~حزن أفاض عبرتي، وأغاض ماء عيشتي. # وقوله (وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى) يريد: إني كنت تام السلاح بهم، ~~موفور العدد والعدد بمكانهم، مخشي الجانب، لا يطمع في استنزالي عن حجة ~~أركبها، أو شبهة اتعلق بها. وذكر الناب والظفر مثل ضربه لسلاحه وآلاته التي ~~كان يدفع الخصوم بها، ويقهر الأعداء باستعمالها. وقوله (لا يخشون نابي ولا ~~ظفري) يريد لا ناب لي بعدهم ولا ضفر فيخشى. فهو مثل: # ولا ترى الضب بها ينجحر ### || وأنشد لامرأة ترثي أباها ms0616 # إذا ما دعا الداعي عليا وجدتني ... أراع كما راع العجول مهيب # وكم من سمى ليس مثل سميه ... وإن كان يدعي بأسمه فيجيب # يقول: متى قرع أذني دعاء داع بإسم ولدي أذعن وأقلق، كما يذعر الثكلى ~~مهيب، وهو الداعي. والثكلى تفزع لأدنى صبحة ترهقها، أو قرعة تصدم قلبها. # PageV01P751 # ويجوز أن يريد بالعجول ناقة فقدت ولدها بنحر أو موت، فهي في حنينها تنفر ~~من أخفض إهابة، وأدنى بعث وإزعاجة. # ويقال لأمثالها من النوق: المعاجيل أيضا. ووجدهن يزيد على كل وجد. لذلك ~~قال: # فما وجد أظار ثلاث روائم ... رأين مجرا من حوار ومصرعا # يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا # وقوله (وكم من سمى) يقول: ليس التوافق في الأسماء مما يوجب التعادل ~~والتشابه في المسميات، لأن الأعلام لا تفيد في المسمين شيئا، لكن التشابه ~~إنما يكون بالأوصاف الحاصلة، والمعاني المتماثلة، وإذا كان كذلك فالتشارك ~~في الأسماء وإن حصلت به الإجابة عند الدعاء لا يوجب تقارب المسمين ولا ~~تباعدهم. ### || وقال رجل من كلب # لحى الله دهرا شره قبل خيره ... ووجدا بصيفي أتى بعد معبد # بقية إخواني أتى الدهر دونهم ... فما جزعي أم كيف عنهم تجلدي # فلو أنها إحدى يدي رزيتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي # قياليت أسى بعدهم إثر هالك ... قدي الأن من وجد على هالك قدى # لحى الله: دعاء على الدهر الذي وصفه، وقد تقدم القول في حقيقته. ومعنى ~~(شره قبل خيره) أي ما كان يختشى من شره في الأحبة سبق ماكان يرتجى من خيره ~~بهم. # ثم دعا على وجد تعجل له بصيفي بعد وجد تقدم في معبد، كأنه كان لايأمن من ~~أحداث الدهر فيما حبى وأنعم عليه في اخوة كرام تناسقوا في الولاد والوداد، ~~وتقابلوا في جواز تعليق الرجاء بهم عند الحفاظ، فيخاف. وعلى ذلك كان يغلب ~~في # PageV01P752 # نفسه وعلى قلبه سلامتهم وبقاؤهم، حسن ظن بالواهب، وشدة طمع في الموهوب، ~~فيسكن ولا يهاب. فلما جرى الأمر على خلاف ما ظن زعم أن شر الدهر سبق خيره، ~~فدعا ms0617 عليه. وقوله (ووجدا بصيفي) يقول: ولحى أيضا جزعا تجدد بصيفي بعد معبد. ~~وهذا تبرم منه بما قاسى من الدهر، وكابد من جزع بعد جزع. وفيه اشارة الى ~~معنى قول الآخر: # نوكل بالأدنى وان جل ما يمضى # وقوله (بقية اخواني) يجوز أن يكون المراد به خيار اخواني، كما يقال: فلان ~~من بقية الناس. ويجوز أن يريد به أنه كان في اخوانه وفور ففقد منهم عدة، ~~وجعل يأنس ببقيتهم، فأتى الدهر عليهم أيضا. وقوله (فما جزعي أم كيف عنهم ~~تجلدي) كأنه كان لايعتد بالجزع الواقع لهم ومن أجلهم، ليقصوره عن الواجب، ~~ووقوعه دون اللازم، ولا يطمع من نفسه في مسكة يتعلقها، أو سلوة يتكلفها، اذ ~~كان الخطب أعظم، والرزء أملك. # وقوله (فلو أنها احدى يدي رزيتها) جواب لو محذوف، يريد: لو أصبت ببعضهم ~~لسهل ما تعذر أو خف ما ثقل، ولكنهم تجاوبوا للدعوة، وتتابعوا في النقلة، ~~ففدحت المصيبة، وجلت الرزيئة. # وقوله (وآليت آسى بعدهم) يريد: حلفت لا آسى بعدهم في اثر هالك، فحذف لا ~~ولم يخف التباسه بالواجب، اذ كان للواجب صيغة مفردة باللام واحدى النونين ~~الثقيلة أو الخفيفة، وقد مر مثله. والمعنى أن خوفي كان فيهم، واذ أصيب بهم ~~فاني لا أجزع لفائت، فحسبي على الهلاك ما بي حسبي. وقال (قدى) ولو قال: ~~قدني، فأتى بنود العماد ليسلم سكون قد، لجاز. قال الشاعر: # قدني من نصر الخبيبين قدى # فأتى بهما جميعا. # وقوله (اثر هالك) انتصب على الظرف. # PageV01P753 ### || وأنشدني لأعرابي # لحى الله دهرا شره قبل خيره ... تقاضى فلم يحسن الينا التقاضيا # فتى كان لا يطوى على البخل نفسه ... اذا ائتمرت نفساه في السر خاليا # قد مر القول في بيان الدعاء على الدهر وشرحه، وفي معنى (شره قبل خيره) ~~فأما قوله (تقاضى فلم يحسن الينا التقاضيا) فالمعنى طالبنا برد ما منحنا ~~فلم يحسن في التقاضي، لاسرافه في الفعل، واستعجاله في الرد، واعتسافه في ~~الأخذ، ولأن العواري قد ترتجع، ة المنائح قد تسترد، على وجه لايخل فيه ~~بالاجمال، ولايفسد به ماتقدم من الافضال. # وقوله ms0618 (فتى كان لايطوى على البخل نفسه) يريد أنه اذا اجتداه المجتدي ~~لايرى لنفسه أن تطوى على البخل والامساك، والضن بم في يده عليه، اذا ائتمرت ~~نفساه، أي تشاورت فيما بينه وبينهما، فأقبلت واحدة تأمر بالبذل، والأخرى ~~تشير بالامساك. ففي ذلك الوقت يصمم على ترك الائتمار للآمر بالبخل ويخرج من ~~طاعته الى العطاء والبذل. والائتمار: التشاور ها هنا. فأما قوله: # ويعدو على المرء ما يأتمر # فالمراد به ما يجعله من أمره وهمه، فيقول: اذا ائتمر المرء لغيره ما ليس ~~برشاد فانه يعدو عليه فيهلكه. وهذا كما قيل: من حفر مهواة وقع فيها. ### || وقال الأبيرد اليربوعي: # ولما نعى الناعي يزيد تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر # PageV01P754 # يقول: لما خبر المخبر بموت يزيد تلونت الأرض في عيني فابيضت تارة واسودت ~~أخرى، لشدة حزني، وانقطع ظهري، وتساقطت قواي، وقوله (تغولت) اشتقاقه من ~~الغول. وهم يعتقدون في هذا القبيل من الجن أنهم يتصورون بما شاءوا من ~~الصور. ويقال: غولتهم الغول وتغولتهم، اذا توهتهم. وانتصب (فرط الحزن) على ~~أنه مفعول له. والكلام تسل من غير الدهر وتأثير المصيبة فيه، حتى انكسر ~~قناة ظهره، واختل ما كان قويما من أمره. # عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو سكرة دارت بهامته الخمر # العساكر: جمع عسكرة، وهي الشدة. قال: # ظل في عسكرة من حبها # فيقول: غشيت نفسي أنواع البلاء، فزال عقلي لها، حتى صرت كأني سكران دبت ~~الخمر في عقله ودماغه، حتى دارت هامته، وزال تماسكه وقوته. ولك أن تروي: ~~(دارت بهامتي الخمر) لأنه لما كان أخو السكرة نفسه جاز أن يجعل الضمير ~~الراجع اليه ضمير نفسه. وهم يفعلون في الصفات والصلات هذا. على ذلك قوله: # أنا الذي سمتن أمي حيدره # ولم يقل أمه، وان كان وجه الكلام. وان رويت (دارت بهامته الخمر) فهو ~~الصواب المختار. # فتى ان هو استغنى تخرق في الغنى ... وان قل مال لم يضع متنه الفقر # فتى لايعد الرسل يقضي ذمامه ... اذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر # PageV01P755 # البيت الأول يشبهه قول الهذلي: # أبو مالك قاصر ms0619 فقره ... على نفسه ومشيع غناه # وقوله (تخرق في الغنى) أي تكرم في غناه وتوسع. وهو تفعل من الخرق: الكريم ~~من الرجال، الذي يتخرق بالمعروف. # وقوله (وان قل مال) أراد ماله. ومعنى (لم يضع متنه الفقر) أي لم يورثه ~~اقلاله تخضعا وتخشعا حتى تطأطأ ظهره وانخفض شخصه. وان رويت (وان قل مالا) ~~بالنصب جاز، ويكون فاعل قل ما استكن فيه من ضمير الفتى، وانتصب مالا على ~~التمييز، كقوله عزوجل: (واشتعل الرأس شيبا) . # وقوله (فتى لايعد الرسل يقضي ذمامه) يريد اذا نزل الأضياف به لايعد اللبن ~~قاضيا ذمام قراهم، ولا كافيا فيما يجب عليه لهم، حتى ينحر جزره، ويوسع ~~مطاعمه. وقوله (أو تنحر) أو بدل من الا، وانتصب الفعل باضمار أن. ### || وأنشد لسلمة الجعفى يرثي أخاه لأمه: # أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر # ألم تعلمي أن لست ما عشيت لاقيا ... أخي اذ أتى من دون أوصاله القبر # يقول: اني اتسخط ما أقيمه من الهلع فيمن أصبت به، حتى أرجعالى نفسي اذا ~~خلوت بها باللوم والتعنيف، وأقول حل بك الويل، ما الذي يظهر منك من تكلف ~~الجلد والصبر فيما بليت به. أما علمت أني مدة عيشي لا ألاقي أخي وقد حجز ~~بيني وبينه الثرى؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقوله (ألومها) في موضع ~~الحال، (ولك الويل) في موضع المفعول لأقول، و (ما هذا التجلد) استفهام على ~~طريق التقريع والتوبيخ. وارتفع التجلد على أنه عطف البيان. وقوله (ألم ~~تعلمي) تقرير فيما هو واجب، لأن حرف الاستفهام قد ضامه حرف النفي، ~~والاستفهام غير واجب فهو كالنفي، ونفي النفي ايجاب. # PageV01P756 # وقوله (أن لست) أن مخففة من الثقيلة، واسمه يجوز أن يكون ضمير الرجل، ~~أراد أني لست، ويجوز أن يكون ضمير الأمر والشان. و (ماعشت) في موضع الظرف. ~~و (لاقيا) خبر ليس. و (اذ اتى) ظرف له. والأوصال: جمع وصل، وهو اسم للأعضاء ~~المتصل بعضها ببعض. ويقال: وصل ووصل، بالفتح والكسر. # وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر # وهون وجدي أنني سوف أغتدي ms0620 ... على اثره يوما وان نفس العمر # قوله (كالموت) جعل الكاف وحده اسما. وكان أبو العباس يتبع أبا الحسن ~~الأخفش في جواز وقوعه اسما في غير الضرورة، وأنشد: # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل # وبجعل الكاف في موضع فاعل ينهى. وسيبويه لايرى ذلك الا في الضرورة، كأنه ~~قال: وكنت أرى شيئا أو أمرا مثل الموت. # وقوله (من بين ليلة) من دخل للتبيين، والمعنى: كنت أعد مفارقت له في ليلة ~~كالموت، أو قاسى مثل الموت من أجل مفارقة ليلة منه، فكيف يكون حالي وقد فرق ~~بيني وبينه بين موعد الالتقاء بعده يوم القيامة. ومثل قوله (من بين ليلة) ~~قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) . ولك أن تجعل من بين، في موضع ~~المفعول لأرى، وتجعل من زائدة على طريقة الأخفش في جواز دخوله زيادة في ~~الواجب، فيكون التقدير: كنت أرى بين ليلة، أي فراق ليلة، كالموت. فيكون ~~كالموت في موضع المفعول الثاني. وقوله (كان ميعاده) وضع الماضي موضع ~~المستقبل أي يكون ميعاده، والهاء يرجع الى البين، كأنه وعده الزوال ~~والالتقاء معه من بعده في يوم الحشر. # وقوله (وهون وجدي أنني) موضع رفع، لأنه فاعل هون والمعنى: خفف وجدي وقلقي ~~أنني ذاهب في إثره، ومخل مكاني في الدنيا بعده يوما، وإن أطيل عمري، ونفس ~~في أجلي. # PageV01P757 # فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر # فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر # يريد أن المرثي كان إذا حضر الوغى تصور السيف عليه حقا، فجاهد نفسه في ~~توفير ذلك الحق عليه إذا أعاد الداعي وكرر: يال فلان!! مرارا. والتثويب في ~~الآذان معروف. وقوله (وتشقى به الجزر) يريد وقت نزول الأضياف، وأنه كان لا ~~يرضيه أقرب المنازل في نزل الضيف، بل كان يرتقى إلى أعلاها. # وهذا المعنى قد مضى قريبا، وكذلك البيت الثاني قد مضى مثله. ومعنى يدينه ~~الغنى من صديقه أنه كان يعد التفرد بالغنى لؤما، وكان يشرك أصدقائه فيه، ~~كما يعد ms0621 في حال الإضافة والفقر ملابسة الأصدقاء كالتعرض لخيرهم، فيبتعد ~~عنهم. ### || وقالت عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها # لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وا بأباهما # الزعم يستعمل كثيرا فيما لا حقيقة له، لذلك قالت فيما حكمت عن القوم: ~~زعموا. كأنها لما استشرف الناس جزعها وهلعها، فتذاكروا أمرها فيما بينهم ~~أظهرت الانكار والتكذيب فيما توهموه، فقالت: وهل جزع أن قلت وأباباهما، من ~~التوجع لهما على قدر القائل: وأباباهما. ولفظة (وا) تألم وتشك، وهي حرف ~~للندبة. و (بأباهما) أرادت: بأبي هما، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة ~~فانقلبت ألفا. على ذلك قولهم: باداة وناصاة، في بادية وناصية. وقولها (وهل ~~جزع) ارتفع جزع على أنه خبر مقدم، (وأن قلت) في موضع المبتدأ، وبأبا خبره. ~~هذا على طريقة سيبويه، وعلى مذهب الأخفش يرتفع بالظرف. ورواه بعضهم: ~~(بأناهما) ، أي أفديهما بنفسي وأنا هو ضمير المرفوع، وقد وقع موقع المجرور، ~~وكقولهم: هو كأنا، وأنا كهو. # PageV01P758 # هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما # ألمت في هذا بقوله: # إذا لم أجن كنت مجن جان # تقول: كان ينصران من لا ناصر له من القوم إذا خشي نبوة من نبوات الدهر ~~يوما فاستغاث بهما. وقولها (أخوا في الحرب من لا أخا له) فصلت فيه بين ~~المضاف إليه والمضاف بالظرف، فلذلك حذفت النون من أخوان فهو كقوله: # كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج # ففصل بقوله (من إبغالهن بنا) . قولها (من لا أخا له) نوت الإضافة ثم ~~أدخلت اللام تأكيدا للإضافة التي قصدتها، لذلك أثبتت الألف من لا أخا، لأن ~~هذه الألف لا تثبت إلا في الإضافة إذ كان في الأفراد يقال اخ. وخبر لا ~~محذوف كأنها قالت: لا أخا موجودا وفي الدنيا. ولوقالت: لا أخ له، لكان له ~~خبرا للا، على قولهم: لا أب لك، وإنما قلت أدخلت اللام لتوكيد الإضافة التي ~~قصدتها، لأن الإضافة غير معتد بها هنا، فلا تعرف الأخ، واللام تبطل الإضافة ~~في الأصل. وهذه اللام لا ms0622 تدخل إلا في بابين: أحدهما باب النفي، وهو ما نحن ~~فيه، والثاني باب النداء في مثل قولهم: يابوس للحرب، لأن المراد: يابوس ~~الحرب. # هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما # وصفتهما بأنهما يكتسبان المجد ويستمتعان به أحسن استمتاع وأجمل اكتساب، ~~وأنهما يضنان به حيث ظهر وطلع فلا يتركانه لأحد ماداما يستطيعان كسبه ~~والفوز به. وانتصب (أحسن لبسة) على أنه مصدر. وارتفع (شحيحان) على أنه خبر ~~مقدم، # PageV01P759 # والمبتدأ (كلاهما) ، و (ما اسطاعا) في موضع الظرف وإسم الزمان محذوف معه. ~~واسطاع منقوص عن استطاع. وتقدير الكلام: كلاهما شحيحان به مااسطاعا عليه، ~~أي ما قدروا عليه، ومعنى (يلبسان المجد) ، أي يتمليانه ويمتعان به. وقال: # لبست أبي المجد أبي تمليت عيشه ... وبليت أعمامي وبليت خاليا # شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سدا للمدلجين سناهما # ارتفع (شهابان) على أنه مبتدأ، وجاز الأبتداء به لكونه موصوفا بمنا، ~~وأوقد في موضع الخبر، والمعنى: أنهما لم يمهلا للتمام والكمال، بل كانا ~~كنارين أوقدتا ثم أنبعتا بالإخماد. والكلام توجع وتلهف. وقولها (وكان سدا ~~للمدلجين سناهما) تريد نارهما الموقدة للضيفان وللطراق بالليل، وأنهم كانوا ~~يستضيئون بها فيردون فناءه مستمسكين أرماقهم به، ومتخلصين من سلطان البرد ~~والجوع وشقة السفر إليه. ولا يمتنع أن يرتفع شهابان على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي هما شهابان. # إذا الأرض المخوف بها الردى ... يخفض من جاشيهما منصلاهما # تصفها بالصبر في دار الحفاظ، وأنهما إذا نزلا مكانا مخوفا لا يؤمن الردى ~~فيه يسكن من قلقها سيفاهما. وهذا فيه إعلام بأنهما كانا لايعتمدان في الشدة ~~تنزل بساحتهما على غيرهما، وأنهما كانا يتحملان الأثقال بأنفسهما، فلا صاحب ~~لهما يتكل عليه، ولا معين يسكن إليه، إلا السيف. فهو كقول الآخر: # ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # إذا استغنينا حب الجميع إليهما ... ولم ينأ عن نفع الصديق غناهما # تقول: وإذا نالا الغنى وساعدها الحال حبب جماعة الحي والمتعلقين بحبلهما، ~~فازداد توفرا عليهم، وتفقدا لهم، ولم يبعد غناهما من انتفاع الغرباء ~~والأجانب، ومن يتسبب بود صداقة إليهما. فقولها (حب ms0623 الجميع إليهما) مقصور # PageV01P760 # على النسب، وآخر البيت مصروف إلى الصديق الغريب. وساغ أن يراد بالجميع ~~الحي كلهم لاجتماعهم حوله. والجميع والجمع: المجتمعون. والجماع: المتفرقون. ~~قال: # من بين جمع غير جماع # إذا افتقرا لم يجثما خشية الردى ... ولم يخش رزءا منهما مولياهما # تريد أنهما إذا مسهما الفقر، وضاق بهما الأمر، لم يلزما بيوتهما تاركين ~~للغزو والتجوال في طلب المال، خوفا من الهلاك، وميلا إلى الراحة عن التسيار ~~لكنهما يسعيان للاكتساب، ويتحملان من المشاق ما ينالان به مناهما، أو ~~يقيمان به العذر عند من راعى أحوالهما. وقولها (ولم يخش رزءا منهما ~~مولياهما) تريد أنهما لا يستحملان موليهما عبثا من فقرهما، ولم يضعا ~~أنفسهما في موضع الارتزاء منهما، وجبر الحال بمالهما ويسارهما. وهذا كقول ~~الآخر: # أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه # وقولها (لم يحثما) من جم الطائر. وهم يسمون من رضى بفقره وصار لبيته كبعض ~~أحلاسه: الضايع والضجعى؛ لأن الضجعة خفض العيش. وإلى هذا المعنى يشير ~~القائل في ذمة قوما: # أولئك معشر كبنات نعش ... ضواجع لا تسير مع النجوم # يروى: (رواكد) . وانتصب خشية الردى على أنه مفعول له. وقولها (مولياهما) ~~ليس يراد به التثنية، بل المراد به الكثرة. وعلى ذلك. وعلى ذلك قولهم: لبيك ~~وسعديك. # لقد ساءني أن عنست زوجتاهما ... وأن عريت بعد الوجى فرساهما # ولن يلبث العرشان يستل منهما ... خيار الأواسي أن يميل غماهما # PageV01P761 # يقال: عنست المرأة وعنست بالتشديد، إذا قعدت بعد بلوغ النكاح أعواما لا ~~تنكح. ويستعمل في الرجل أيضا. قال: # حتى أنت أشمط عانس # كأنهما كانا تزوجا بامرأتين ولم يحولاهما، ولما اتفق عليهما ما اتفق ~~بقيتا على حالهما زهدا في النكاح بعدهما، وعلما بألا اعتياض منهما. فتقول: ~~زاد ذلك في مساءتي، وزاد فيها أيضا تعرية من الإسراج والإلجام، بعد أن كانا ~~يستعملان على ما يعترض لهما من الحفي في غزو الأعداء وغيره. وإنما ساءها ما ~~حصل من الأمنة في الجوانب التي كانا يقصدان ويوقعان بها بعد الرقبة ~~الشديدة، وما علم أنهم وجدوه ولزموه من الشماتة وإظهار الفرح والمسرة. ms0624 # وقولها: (لن يلبث العرشان) جعلت لكل واحد عرشا به كان يثبت ويقوم، فيقول: ~~العرش إنما بقاؤه بعمده، فإذا انتزع خيارها منه فلن يلبث أن يميل سقفه ~~فيسقط. وهذا مثل ضربته لعز ذويهما، وإذ قد مضيا فيوشك أن يتثلم وينخفض. ~~والأواسي: جمع آسية، وهي الأساطين. والغماء، بكسر العين والمد: سقف البيت. ~~والغما بالفتح والقصر لغة. ### || وقال الآخر: # صلى الإله على صفي مدرك ... يوم الحساب ومجمع الأشهاد # نعم الفتى زعم الرفيق وجاره ... وإذا تصبصب آخر الأزواد # يروى: (ومجمع الأشهاد) تجره وتعطفه على الحساب، ويكون مجمع في معنى جمع. ~~ويروى (ومجمع) بالنصب، ويكون ظرف مكان ومعطوفا على يوم الحساب. والصلاة من ~~الله تعالى: الرحمة. والمراد: رحم الله مدركا صفي في الود، رحمة تأتي من ~~وراء ذنوبه، وتعفى على سوابق فرطاته يوم القيامة، إذا حضر الشهود ووضع ~~الحساب على تحاكم الخصوم، وقام الجزاء من الثواب والعقاب على المطيعين ~~والعصاة. # PageV01P762 # وقوله: (نعم الفتى) الممدوح محذوف، كأنه قال نعم الفتى مدرك. قال: وليست ~~هذه الشهادة مني ومن جهتي، ولا من جملة مدحي، على عادة الناس في تأبين ~~الهلاك، ولكنها مما أداه وكثره رفقاؤه في السفر، وجيرانه في الحضر؛ فهي ~~حكاية ألسنتهم، ومؤادة قضيتهم. وقوله (وإذا تصبصب آخر الزواد) معنى تصبصب ~~قرب من النفاد. يريد: ونعم الفتى هو في ذلك الوقت، لأنه يؤثر غيره بالطعم ~~على نفسه. وتلخيص الكلام: نعم الفتى مدرك في المرافقة والمجاورة، وعند نفاد ~~الزاد. والأشهاد: جمع الشهود. واكتفى زعم بالفاعل في اللفظ، لأن مفعوليه دل ~~على الكلام عليهما: # وإذا الركاب تروحت ثم اغتدت ... حتى المقيل فلم تعج لحياد # يريد: ونعم الفتى هو إذا وصلت الركاب السير باسرى، فلم تعطف لا محراف ~~وازورار، ولم تعرج لإصلاح شأن، لكنها استمرت وجدت لما أزعجهم وبعثهم على ~~استدامة التشمير، وتعجيل الحركة وترك التقصير، وطي المنازل، واستقصار ~~المراحل. ومعنى تروحت راحت. والرواح: العشي. وراحت الأبل رواحا. والإراحة: ~~رد الإبل عشيا من المرعى. يقال: سرحتها بالغداة وأرحتها بالعشى. ومعنى ~~اغتدت حتى المقيل: سارت غدوا إلى وقت القيلولة. أي كان ms0625 في هذه الحالة يأتي ~~بما يستحق به المدح من أصحابه ورفقائه، لكرم صحابته، وحسن رفاقته. ومعنى ~~(لم تعج) لم تعطف. يقال: عاج عوجا وعياجا. والحياد: الإعراض عن السير ~~للنزول. والفعل منه حاد. # ويقال: مالك عن هذا محيد وحيدان وحياد. # حثوا الركاب تؤوبها أنضاؤها ... فزها الركاب مغنيان وحاد # لما رأوهم لم يحسوا مدركا ... وضعوا أناملهم على الأكباد # وصف وراد فنائه بعد فنائه، وزاور قبره طلبا لحبائه، فيقول: استعجلوا ~~رواخلهم وحضوها على قصده والوصول إلى بابه، ومهازيلها التي قد أثر بعد ~~الشقة فيها فأنضاها، تؤوب إليها إذا نزلت، أي تسير النهار كله حت يتصل ~~سيرها بالليل، # PageV01P763 # طلبا للتلاحق معها، فاستخفها ونشطها مغنيان بالحداء، وسائق يحدوها حتو ~~وصلوا، فلما رأوا أنفسهم قد فقدت مدركا، يعني المرثى، أمسكوا على أكبادهم ~~خوفا من تصدعها، إذ لو أدركوا حيا لم يكن بينهم وبين الغنى إلا مالا يعد ~~حاجزا ولا مانعا. # إن قيل: لم جاز لما رأوهم، والفاعلون هم المفعولون، وأنت لا تقول ضربتني ~~ولا ضربتك، بل تأتي بدل ضمير المنصوب بالنفس، تقول: ضربت نفسي وضربتنفسك؟ ~~قلت: إن أفعال الشك واليقين جوز فيها ذلك. تقول: حسبتني ورأيتك وعلمتني، ~~لمخالفتها سائر الأفعال في دخولها على المبتدأ والخبر. وقوله (تؤوبها ~~أنضاؤها) في موضع الحال من الركاب. ### || وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يدالله في ذاك الأديم الممزق # فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # يقول: جزاه الله عن الرعية خيرا من بين الأمراء، وباركتنعمة الله - تعالى ~~جده وإحسانه - في أديمه الممزق، يعني جلد عمر رضي الله عنه، ومنه برك ~~البعير بروكا. وبراكاء القتال: حيث يبتركون، أي يبحثون، على ركبهم. وقوله ~~(فمن يسع) يريد أن شأوه في الإيالة واستصلاح الرعية وتفقد مصالحهم لا يدرك، ~~فمن أراد بلوغه والارتقاء إلى غايته بقي حسيرا مسبوقا ولوركب جناح النعامة. ~~يريد: لو أسرع إسراعها. وقوله (بالأمس) ذكره على طريق تقريب الأمد. وقوله ~~(يسبق) هو جواب الجزاء. # PageV01P764 # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ms0626 ... بوائج في أكمامها لم تفتق # يقول: أحكمت أمورا بصائب نظرك، وجميل رأيك، وحسن تألهك ثم أعجلت فتركت ~~بعدها دواهي وخطوبا عظيمة، هي في أغطيتها لم تظهر ولم يكشف عنها. والفتق: ~~ضد الرتق، وكل متصل مستو رتق، فإذا انفصل وانكشففهو فتق. والبوائج: الدواهي ~~العامة. ويقال: باجهم الشر، أي عمهم. قال الشاعر: # فبجته وأهله بشر # والأكمام: الأغطية، منه كم الثمرة. ويقال: لكل شجرة مثمرة كم وهو ~~برعومتها. # أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسواق # قوله (أبعد قتيل) لفظه استفهام، ومعناه التفظيع والإنكار. وحرف الاستفهام ~~يطلب الفعل، فكأنه قال: أتهتز العضاه على أسؤقها بعد قتيل بالمدينة أظلمت ~~له الأرض. هذا عجب. # وقوله (أظلمت له الأرض) من صفة قتيل. والمعنى أن حصول هذا الأمروجريانه ~~على ماكان منكر فظيع، بعد ما اتفق على قتيل هذا صفته. والعضاه: شجر، ~~واحدتها عضة. قال: # ومن عضة ما ينبتن شكيرها # وقد مضى القول في مثل هذا البيت. ويشبهه قول الآخر: # أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كانك لم تخزن على ابن طريف # تظل الحصان البكريلقى جنينها ... نثا خبرها فوق المطى معلق # وماكنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتي أزرق العين مطرق # PageV01P765 # الحصان: العفيفة وقد أحصنت وحصنت. والبكر: التي حملت أول حملها، فهي بكر ~~والولد بكر. والنثا، استعمل في الخير والشر. يقال: نثوت الكلام أنثوه نثوا، ~~إذا أظهرته. فيقول: ترى الحامل يسقط حملها ما ينثى من خبر سار به الركبان، ~~وتقاذفته الأقطار، استفظاعا لوقوعه، واستشعارا لكل بلاء وخوف منه. # وقوله (وما كنت أخشى) يقول: إن ةإن لم آمن الحدثان عليه، وصرت أرقب جميع ~~أسباب الردى فيه حتى ظنت ظنون المشفقات، مستدفعا للآفات عنه، فإنه لم يخطر ~~ببالي أن يكون في جلالته وارتفاع محله يرديه عبد جسور لئيم جريء، أزرق ~~العين، مسترخي الأجفان. وإنما حلى قاتله بهذه الحلية تنبيها على حقارته في ~~نفسه وجنسه، وذما لأصله وفرعه، وإعلاما بأن الصغير من الرجال يجنى الكبير ~~من الأمور، وأن ما لايقع في الوهم استبعادا لكونه، يشاهده الإنسان أقرب من ~~كل قريب، ms0627 ثم لا يملك إلا استغرابه وقضاء العجب منه والتزام الجزع فيه، ~~والسبنتي والسبندي، أصله في النمر، ويستعمل في الجريء المقدم. وقال ~~الدريدي؛ المطرق: الغليظ الجفن الثقيلة. ### || وقال صخر بن عمرو أخو الخنساء # وقالوا ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي وإهداء الخنا ثم ماليا # أبى الهجر أنى قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا # يريد: قال الناس باعثين لي على هجاء من أصابني في أخ معاوية ونحت أثنتهم، ~~وذكر أعراضهم: ألا تنتقم منهم بالقول إلى أن يتسهل الفعل فتذكر معايبهم، ~~وتكشف عن مستور مخازبهم، ومجهول مقابحهم ومساويهم؟ فأجبتهم وقلت: مالي وذكر ~~القبيح وإهداء الفواحش ثم مالي؟ أما تعلمون أن ما بيني وبينهم أقذع من # PageV01P766 # الهجاء، وأن جزاء من أصاب كريمتي أفضع من الإهجار، وأنه ليس قول القبيح ~~وتنقص الناس من عادتي وطبيعتي، إذ كنت أربا بقدري عن الوقوف موقف المغتابين ~~والطاعنين في الأنساب والأعراض. وقوله (ومالي وإهداء الخنا) انتصب إهداء ~~بفعل مضمر، وتكريره لمالي دلالة على استقباحه لما بعث عليه، ودعى إليه. ~~والخنا هو الفحش، كأنه قال: مالي ألابس الخنا وأتكلفه. وقوله (أصابوا ~~كريمتي) فالكريمة أخرج إخراج المصادر، وعلى ذلك ماروى على النبي صلى الله ~~عليه وسلم (إذا أتا كم كريمة قوم فأكرموه) . # ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة. وقوله (وأن ليس إهداء الخنا) أن مخففة من ~~الثقيلة، واسمه مضمر، والجملة التي بعده في موضع الخبر، وموضع أن رفع بكونه ~~معطوفا على أنى قد أصابوا، وأنى فاعل أبي الهجر. # إذا ماامرو أهدى لميت تحية ... فحياك رب الناس عني معاويا # لنعم الفتى أدى ابن صرمة بزه ... إذا راح فحل الشول أحدب عاريا # يقول: اذا رجل حيا ميتا فتولى الله تعالى عني تحيتك يا معاوية. والتحية ~~من الله تعالى: الاكرام والاحسان، والتفضل عليه بما هو أهله. # وقوله (لنعم الفتى) المحمود بهذا الكلام محذوف، كأنه قال: لنعم الفتى ~~الذي ذا صفته. وقوله (ادى ابن صرمة بزه) اراد سلاحه وسلبه. وقوله (اذا راح) ~~ظرف لما دل عليه نعم الفتى. أي يحمد في هذا الوقت اذا ms0628 اشتد الزمان وأجدبت ~~الأرض، وانصرف فحل الشول من مرعاه عاريا من اللحم مهزولا، لكثرة أفضاله، ~~وحسن تفقده واتصال بره بمن يجمعه اليه نسب أو سبب. والشول: النوق القليلة ~~الألبان، واحدتها شائلة. وابن صرمة المذكور يجوز أن يكون القاتل لمعاوية أو ~~المعين عليه. # وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا # وذي اخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخاليا # PageV01P767 # تسلى فيما أوجعه من الرزء بأن لم يكن جفاه وهو حي قولا ولا فعلا، ثم تسلى ~~أيضا بأنه كما فرق بينه وبين اخوته وترك فريدا وحيدا، قد تولى مثل ذلك من ~~معاديه، فرب اخوة متناصرين صارت كلمتهم واحدة، وأهواؤهم متفقة، وهم في ~~تألفهم وتشابههم، وتلاؤمهم وترافدهم، كالحلقة المفرغة لايدرى أين رأسهم، ~~أنا قطعت علائق بينهم، ووصل نظامهم، فتفرقوا وتفاقدوا حتى صاروا في التشتت ~~مثلا، كما كانوا في التجمع مثلا. وهذا بازاء ما فعل بي، وفي مقابلة مانيل ~~مني. والدهر تارات، و (ومن ير يوما يرى به) . وقد مر القول في قوله ~~(لاأخاليا) . وانتصب (واحدا) على الحال من تركوني، ولا أخالياصفة له، كأنه ~~قال: تركوني وحيدا فريدا. وقوله (أقران بينهم) أي وصل بينهم. وأصل الأقران ~~الحبال، والواحد قرن. يريد: إني قطعت الأسباب الجامعة بينهم بقتلهم ~~وتفريقهم. و (بين) جعله اسما. وفي القرآن: لقد تقطع بينكم. ### || وقالت أخت المقصص # ياطول يرمي بالقليب فلم تكد ... شمس الظهيرة تتقي بحجاب # ومر جم عنك الظنون رأيته ... ورآك قبل تأمل المرتاب # قول (ياطول يومي) لفظه نداء، ومعناه تعجب واشتكاء، وإنما استطاله لأنه ~~كان يوم نحس ومكروه. فيقول: يومي بالقليل امتد وطال حتى كادت الشمس لا # PageV01P768 # تحتجب عن الأبصار بحجابها المعلوم؛ فيا له من يوم ما أطوله. والقليب: ~~موضع. وأضاف الشمس إلى الظهيرة كأنه لما قام قائم الظهيرة وقفت حيرى فلم ~~تكن تجنح إلى المغيب، ولا كانت تسير فتهوى للغروب. # وقوله (ومرجم عنك الظنون) وصفه بأن الآفاق على بعدها كانت قريبة عليه لما ~~أيد به من العزم وتسهل له وفي نفسه من وعورة السير، ms0629 فيقول: رب مكاشح لك كان ~~على تنائيه عنك، وتحزمه معك، واستظهاره بإبعاد الدار منك، يرجم الظن فيك، ~~ويوسوسإليه ما يعرفه من إبعادك في الغزو، وقلة احتفالك فيما تركبه بلواحق ~~التعب، وعوارض الخطر - أنك تقصد وتوقع به آمن ماكان منك، وهو فيه وسواسه لم ~~يحدث نفسه بتأمل ما وقع في خلده، ولا بالكشف عما ارتاب له، إذ أنت أتيته من ~~حيث لا يحتسبه، واستبحت حريمه، واتسغنمت. وقوله (قبل تأمل المرتاب) يجوز أن ~~يريد به قبل تأمله، فيكون المرتاب هو المرجم المكاشح. ويجوز أن يكون جعله ~~مثلا. # وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام في قوله: # أسرت لك الآفاق عزمة همة ... جبلت على أن المسير مقام # فأفأت أدما كالهضاب وجاملا ... قد عدنا مثل علائف المقصاب # لكم المقصص لا لنا إن أنتم ... لم تأتكم خيل ذوو أحساب # يقول: غزوته فجعلت ماله فيئا وغنيمة: نوقا كالجبال سمانا، وذكورة عظاما ~~ضخاما، عدنا كالتي يسمنها الجزار للنحر. # وقوله: (لكم المقصص لا لنا) يقول: إن لم تأتكم خيل إذا طلبوا الثأر طلبوه ~~عن إمتعاض وشدة أنفة، وجد في الأمر واجتهاد، فعل الحسيب الكريم الذي لا ~~يغمض عن قذى، ولا يصبر فيما يحق له على أذى، فأنتم أولياء دمه من دوننا، ~~والمالكون له سوانا. وقد تركنا لكم، وفزتم بما أصبتموه، واستمرأتم ما ~~طعمتموه. # PageV01P769 # وقوله (أفأت) من الفيء: الغنيمة، لا من الفيء الرجوع. والجامل موحد اللفظ ~~مصوغ للجمع، ويراد به الإبل، لكنه مشتق من لفظ الجمل كالباقر من البقر. ~~والعلائف: جمع العلوف، وهو ما يسمن في البيوت. ويقال: شاة معلفة، أي مسمنة. ~~والمقصاب، بناه بناء مايكون آلة، فهو كالمفتاح، لا بناء ما يكون الحرفة ~~والمزوالة. والواجب أن يكون (القصاب) ، وهو من القصب: القطع والفصل، لأنه ~~يقصب الشاة أي يقطعها. # وأبو اليتامى ينبتون ببابه ... نبت الفراخ بمكلىء معشاب # فكه إلى جنب الخوان إذا غدت ... نكباء تقلع ثابت الأطناب # قوله (وأبة اليتامى) أي كان يكفلهم ويعولهم، ويشفق عليهم ويتحدب، حتى ~~كأنه ابوهم. وارتفع (أو) كأنه خبر ابتداء محذوف كأنها قالت: وهو لليتامى ms0630 ~~أب. ومعنى (ينبتون ببابه) يروى (فناءه) ، وانتصابه على أنه أخرجه الى باب ~~الظروف، كما فعل ذلك بمقعد القابلة، ومناط تاثريا وما أشبههما. والمعنى ~~أنهم يتربون في فنائه ويتنعمون، تري فراخ الطير بمكان كثير العشب والكلأ. ~~ويقال: أكلأ الموضع، اذا صار ذا كلإ وعشب. والمعشاب: الكثير العشب. # وقوله (فكه الى جنب الخوان) فالفكه: الكثير المزاح واللعب، تأنيسا للضيف ~~وبسطا منه، كما قال الآخر: # أحدثه إن الحديث من القرى # وقوله (اذا غدت) ظرف للفكه. يريد: يفاكه الضيف عند الأكل بملح الكلام، كي ~~يستأنس ويتسع الوقت له فيستوفى. والى من قوله (إلى جنب الخوان) تعلق بفعل ~~مضمر دل عليه فكه، كانه مع قرب الخوان يفكه. و (اذا غدت نكباء) يريد البرد ~~وهبوب الريح الباردة المزعزعة للبيوت، القالعة لأوتادها وحبالها. وأطناب ~~البيوت: حبالها. ومنه إطنابة الحزم والقسى. والجميع الأطانيب. # PageV01P770 # قال: # يركضن قد قلقت عقد الأطانيب ### || وقالت عمرة بنت مرداس ترثي أخاها عباسا # أعيني لم أختلكما بخيانة ... أبى الدهروالأيام أن تتصبرا # وما كنت أخشى أن أكون كأنني ... بعير اذا ينعى أخي تحسرا # ترى الخصم زورا عن أخى مهابة ... وليس الجليس عن أخى تحسرا # ترى الخصم زورا عن أخى مهابة ... وليس الجليس عن أخى بأزورا # تقول: يا عيني لاأقول إنكما لم تجزعا ولم تذرفا، ولم تخلطا بدمع دما، ~~فاكون قد خدعتكما بخيانة استعملتها معكما. وكيف لا تكونان كذلك والأيام ~~والليالي امتنعت عليكما أن تتصبرافيها، اذ كانت حملتكما من أعباء الرزية ما ~~استنفد وسعكما، واستغرق طوقكما، حتى نزفت دموعكما، وتوقفت عن الإجابة ~~شؤونكما، فما بقي منكما إلا شفا. # وقولها: (وما كنت أخشى) يقول: كنت قبل هذه الرزيئة واثقا بقوتي وصبري، ~~ومسكتي وعقلي، حتى لا أخشى - اذا أخطرت ببالي أحداث الدهر وتأثيرها في ~~الأحبة والأهل - سوء احتمال فيها، وضعف منة عنها، إلى أن نعى أخى فورد له ~~على نفسي ما أبدلني بالتماسك تهالكا، وبالتثبت تساقطا، حتى صرت كأني بعير ~~ألح عليه فتحسر ورزح، وعقل في مبركه بالعجز فما برح. # وقولها (ترى الخصم زورا) جعلت الخصم للجمع فلذلك قالت ms0631 زورا. والمصدر اذا ~~وصف به بقي على حاله فلم يثن ولم يجمع. وقد قيل: خصمان وخصوم، لما غلبت ~~عليه الوصفية وكثر في الاستعمال أجرى عليه حكم الصفة. والمعنى: ترى منابذي ~~أخي منحرفين عنه وعن كل متصل به، مسلمين له ولمن اعلق حبله بحبله، إعظاما ~~له وتهيبا، وإكبارا وتخوفا. وترى جلساءه وندماءه مباسطين له ومستأنسين به، ~~لايتداخلهم منه رعب، ولا يقبضهم عنه تجبر وكبر. والختل: # PageV01P771 # المكر. وقال الخليل: هو تخادع عن غفلة. وإنما قال الدهر والأيام، لأنه ~~أراد بالأيام الأحداث. وهذا كما قيل للوقعات: الأيام. وإنما صغرت الأخ ~~لتلطيف المحل. هذا على قولهم صديقي. والتحسر: الضعف عن الاعياء. ويقال: ~~الحسر والحسور أيضا. وحسرت الناقة فهي حسير والجمع الحسرى. ولك أن تروى: ~~(أختي) وهو الأصل، و (أخي) فتحذف ياء استثقالا لاجتماع الياءات، وتبنيه على ~~الفتح لأنه أخف الحركات. وانتصب (مهابة) لأنه مفعول له. ### || وقالت ريطة بنت عاصم # وقفت فأبكتني بدار عشيرتي ... علىرزئهن الباكيات الحواسر # غدوا كسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر # فوارس حاموا عن حريم وحافظوا ... بدار المنايا ز القنا متشاجر # ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت ولكن تحمل الرزءعامر # تقول: دعاني ما أصبت به في عشيرتي إلى الوقوف بدارهم، فشجيت بشجى النساء ~~النوادب الحواسر، حتى بكيت لبكائهن على حادث الرزء، واقتفرت آثارهن في ~~الهلع والحزن. # وقولها (غدوا كسيوف الهند) أخذت تصف حال عشيرتها فقالت: ابتكروا وهم في ~~خلقهم وتجردهم، وصفائهم ونفاذهم كسيوف الهند، فوردوا حومة من الموت أعجزهم ~~الصدر عنها. والحومة: معظم الحرب وغيرها. وحومة البحر: أكثر موضع منه ماء، ~~وكذلك حومة الحوض. ويقال: حام الطائر على الماء يحوم حوما، إذا دار عليه في ~~الطيران. # وقولها (فوارس حاموا عن حريم) وصفتهم بأنهم حفظوا ما وجب عليهم حفظه من ~~حرمهم. وفي المثل: (لا بقيا للحمية بعد الحرام) أي عند الحرمة، والحرمة: ~~مالا يحل لك انتهاكه، وكذلك المحارم، واحدتها محرمة. قال: # ومحرمات هتكها بجري # PageV01P772 # ومن ذلك قيل: حريم الدار، لما كان من حقها. # وقولها (وحافظوا بدار المنايا) أي ثبتوا ms0632 في دار الحفاظ، ودافعوا وصبروا، ~~ولم ينتقلواعنها طلبا للسلامة، وحرصا على نيل الخصب والأمنة. وفي هذه ~~الطريق قول من الآخر: # وتحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع # وقولها (والقنا متشاجر) الواو منه واو الحال. وأشار بذلك إلى قيام الحرب ~~بينهم، وانتصاب الشر فيهم، وأن للطعن تلاحقا كما أن للقنا في الأختلاف ~~تداخلا. # وقولها (ولوأن سلمى) فسلمى: أحد جبلي طيء. والمعنى: لو أن ما نزل بنا من ~~الرزء مثله نزل بهذا الجبل لانهد، ولكن الإنسان صبور شديد، يتحمل كل ما ~~حمل؛ وإن ضوعف على وسعه وثقل. وعامر: قبيلتهم. ### || وقالت عاتكة بنت زيد بن نفيل # آليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي اغبرا # فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا # إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا # روى بعضهم أن عليا عليه السلام استأذن عمر رضي الله عنه في مكالمة عاتكة ~~بنت زيد، وهي يومئذ زوجته، فقال عمر رضي الله عنه: لا غيره منك يا أبا ~~الحسن! فقال علي عليه السلام مازحا: آنت القائلة: # آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا # فقالت: لم أقل كذا. وعاودت حزنها وجزعها. ومعنى (لا تنفك) لا تزال. # PageV01P773 # وقولها (فلله عينا) تعجب، وهي في تعظيم الشيء ينسبونه إلى الله عز وجل، ~~وإن كانت الأشياء كلها له تعالى وفي ملكته. # وقولها (أكر) أي لأكثر كرا. و (أحمى) يجوز أن يكون من الحماية ويجوز أن ~~يكون من الحمية. والمعنى: لله عينا رجل رأى فتى مثله أكر منه وأحمى. وقولها ~~(من) نكرة يرتيد رجلا أو إنسانا. و (رأى مثله) صفة لمن. وقولها (إذا أشرعت ~~فيه الأسنة) ، تريد: في الهياج. ويجوز أن تريد في المرثى، أي قبله. والهياج ~~يجوز أن يكون مصدر هائج، ويجوز أن يكون جمع هيج، والراد به الحرب وقد هاجت. ~~فتريد: إذا هيئت الرماح لطعنه اقتحمها وتلقاها، لا يحيد عنها حتى يخوض ~~الموت بها، فيتركه أحمر، أي شديدا. # ويقال: ميتة حمراء، وسنة حمراء، ms0633 وسنون حمراوات. ويقولون: (الحسن أحمر) ، ~~أي طلب الجمال تتجشم فيه المشاق. ### || وقالت امرأة من طيء # تأوب عيني نصبها واكتئابها ... ورجيت نفسا رث عنها إيابها # أعلل نفسي بالمرجم غيبة ... وكاذبتها حتى أبان كذابها # أصل التأوب والتأويب: سير النهار كله حتى يتصل بالليل. وقد فسر ابن ~~الأعرابي قول النابغة: # وليس الذي يتلو النجوم بآيب # على أنه من هذا لا من الأوبة الرجوع. والنصب، من قولهم أنصبه المرض ~~والحزن، إذا أثر فيه. قال: # تعناك نصب من أميمة منصب # وقال الدريدي: يقال نصبه أيضا. والاكتئاب: الحزن. والمعنى أنه ناب عيني، ~~وواظب عليها من السهر والكآبة والهم الناصب، ماأثر فيها، وعلقت رجائي بنفس ~~غائبة عني قد استعجمت أخبارها علي، فأبطأ رجوعها إلي. # PageV01P774 # وقولها (أعلل نفسي بالمرجم غيبة) تريد: أزجى وقتي وأرضي نفسي بظن مرجوم ~~وأمل مرجو، وحديث مؤلف، وتمن مزخرف فيما لا حقيقة يعتمد عليها، ولا أمارة ~~يتأكد الطمع فيها. ويقال: رجم الرجل بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم. # وقولها (وكاذبتها حتى أبان كذابها) أي استعلمت ملفق الأحاديث ومموه ~~الأباطيل معها، إلى أن برح الخفاء، وانكشف عن جلية الأمر الغطاء، وتعلى ~~رغوة الكذب عن مصدوقة الخبر. والمكاذبة تكون من اثنين، كأنه كان يكذب نفسه ~~فتقتربهوتزيد عليه. # فلهفي عليك ابن الأشد لبهمة ... أفز الكماة طعنها وضرابها # متى يدعه الداعي إليه فإنه ... سميع إذا الآذان صم جوانبها # هو الابيض الوضاح لو رميت به ... ضواح من الريان زالت هضابها # تتلهف على مافات عشيرتهمنه من حسن الدفاع، والثبات في وجه الشجاع الذي لا ~~بدري كيف يدفع، وأنى يؤتى ويقدع، وقد طرد الشجعان وطرقهم ذعرا، شدة ~~مطاعنته، وقوة مضاربته. وقال الخليل: أفزه: أفزعه. واستفزوه: أخرجوه من ~~داره وخدعوه حتى ألقوه في الجهل. وفي القرآن: وإن كادور ليستفزوانك من ~~الأرض ليخرجوك منها. والبهمة تقع على الواحد والجماعة، وهاهنا هي للواحد، ~~بدلالة قولها (متى يدعه الداعي إليه) فلم تقل إليهم، فأما قولها (طعنها ~~وضرابها) فالضمير جاء فيه على لفظ البهمة. # ومعنى (متى يدعه الداعي إليه) ، أنه إذا الداعي لمارزة هذه البهمة ~~ومنازلته، ms0634 فإنه كان يسمع ويجيب، في وقت تستك فيه المسامع لشدة الأمر، ~~وإلباس الخوف. وجعل الصمم للجواب مجازا، وإنما تصم الآذان عن السماع فينقطع ~~الجواب. # وقولها (هو الابيض الوضاح) تريد خلوص النسب وزكاء المنصب، واشتهار الذكر ~~في الأفق. وقولها (لورميت به ضواح) تريد نفاذه وحسن خروجه مما يدخل فيه ~~وشدة صدمته للأمور، ولجاجه في إبرامها. فيقول: لو رميت بوارز هذا الجبل به ~~لزعزعها، وهد جوانبها. # PageV01P775 ### || وقالت العوراء ابنه سبيع # أبكي لعبد الله إذ ... حشت قبيل الصبح ناره # طيان طاوى الكشح لا ... يرخي لمظلمة إزاره # يعصى البخيل إذا أرا ... د المجد مخلوعا عذاره # تريد أنها إذا تذكرت حال المرثي فيما كان تجري أموره عليه، ويأخذ نفسه ~~به، عاودها البكاء والنحيب. ومعنى (حشت ناره) ضم ما تفرق من الخطب إليها ~~وأوقدت. وإنما تريد نار الضيافة. ومعنى (طيان) صغير البطن، مهضوم الجنبين، ~~قليل الطعم. وقولها (طاوى الكشح) أي يمضى في الأمور لوجهه لا يعرج على شيء ~~ولا ينثني. ويقال: انطوى كشحا فيصير من باب تصبب عرقا. قال: # أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا # وقولها (لا يرخى لمظلمة إزاره) تريد أنه إذا نابته النوائب تجرد لها ~~وفيها وهو مشمر الإزار، مقلص الذيل، فدواها بدوائها، ونهض فيها نهض ~~المقتدرعليها، الفاصل لها. # وقولها (يعصى البخيل) تقول: وإذا أراد اكتساب المجد أهان ماله للفقراء ~~والعفاة، وفي إصلاح أمر العشيرة، وعصى المشير عليه بالإمساك والبخل، فخلع ~~ربقة طاعته، وعذار احتشامه. ### || وقالت عاتكة بنت زيد # من لنفس عادها أحزانها ... ولعين شفها طول السهد # جسد لفف في أكفانه ... رحمة الله على ذاك الجسد # فيه تفجيع لمولى غارم ... لم يدعه الله يمشي بسبد # PageV01P776 # قولها (من لنفسي) توجع وتشك واستغاثة. وعادها، أي اعتادها. قال: # عاد قلبي من اللطيفة عيد # والمعنى من يؤمن نفسا مما اعتادها من الأحزان، واجتمع عليها في رزئها من ~~الأوصاب والآلام، ومن لعين آذان طول الأرق، ودوام السهر. # وقولها (جسد لفف في أكفانه) لفف بما بعده صفة للجسد، ورحمة الله بما ~~بعده، اعتراض بين الأوصاف، لأن قولها (فيه تفجيع) صفة ms0635 أيضا. والكلام تحسر ~~وتلهف. فتقول: رحم الله جسدا جهز بما يجهز به الموتى، وفجع به مواليه الذين ~~كانوا يعيشون في فنائه، فإذا لحق أحدهم غرم وقد ضاقت حاله عن احتماله وشع ~~له في جنابه، وأعانه على دهره بماله. وقولها: (لم يدعه الله يمشي بسبد) ~~تريد أفقره فلم يبق له شيئا. ويقال: (ماله سبد ولا لبد) ، فالسبد: الشعر، ~~واللبد: الصوف. ### || وقالت امرأة من بني الحارث # فارس ما غادروه ملحما ... غير زميل ولا نكس وكل # لو يشا طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل # غير أن البأس منه شيمة ... وصروف الدهر تجري بالأجل # قولها: (فارس ما غادروه) ماصلة، والكلام فيه تفخيم لأمر المرثي وتعظيم ~~لشأنه. تريد: تركوا فارسا رفيع المحل ملحما، أي طعمة لعوافي السباع والطير. ~~قال: # قد ألحمتني المنايا السبع والرحما # وقولها (غير زميل) فالزميل والزمال والزمل: الضعيف، كأنه زمل في العجز ~~كما يزمل الرجل في الثوب. وقولها (ولا نكس وكل) فالنكس: المقصر عن غاية ~~النجدة والكرامة، وأصله في السهام، وهو الذي انكسر فجعل أسفله أعلاه، فلا ~~يزال ضعيفا. والوكل: الجبان الذي يتكل على غيره فيضيع أمره. # PageV01P777 # وقولها (طار به ذر ميعة) حكى الحال، والمراد لو شاء أنجاه فرس له ذو ~~نشاط. وقال الخليل: ميعة الحضر والنشاط: أولهما وجدتهما. وقولها (لا حق ~~الآطال) تريد: ذامر الجنبين. نهد، أي غليظ، ذو خصل أي من الشعر. # وقولها: (غير أن البأس منه شيمة) تقول: ثبت ولم ير لنفسه الانقباض ~~والإحجام، لأن الصبر في الشدة والبأس عادة منه وطبيعة، ولأن صروف الدهر ~~تجري إلى النفوس بآجالها، ولكل حي وقت من يوم معلوم، فإذا انتهى العمر به ~~إلى ذلك الوقت انقطع. ### || وقال جرير يرثي قيس بن ضرار # وباكية من نأى قيس وقد نأت ... بقيس نوى بين طويل بعادها # أظن انهمال الدمع ليس بمنته ... عن العين حت يضمحل سوادها # وحق لقيس أن يباح له الحمى ... وأن تعقر الوجناء إن خف زادها # قوله (وباكية من نأى قيس) ألم فيه بقول الآخر: # وكنت أرى كالموت من بين ms0636 ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر # فيقول: رب امرأة باكية لبعد قيس عن مقر عزه، ومسكن فخره، ونأى قيس الساعة ~~لمنتوى بعده طويل. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها، وهي مؤنثة. وأضاف ~~النوى إلى البيتين - وهو الفراق - لأن الغرض في تلك النوى كان مفارقة ~~الأحياء، والتنقل إلى دار القار، فالبين سببها ومقتضيها. وارتفع (بعادها) ~~بطويل، والضمير منها يعود إلى النوى. والواو من قوله (وقد نأت) واو الحال. # وقوله (أظن انهمال الدمع) يريد أن أوقات البكاء متصلة، وآماد سيلان ~~الدموع غير منقطعة، والعين وشؤونها لا تثبت لذلك ولا تقوى به، فلا شكأن ~~سوادها يبطل. وذللك أن مسببات الأشياء إنما تقوى وتدوم بقوة أسبابها ~~ومقتضياتها، فما دام سب البكاء - وهو الحزن والهلع - يملك الباكي ويقود ~~زمامه، فالدمع سائل ذارف، وسواد العين مشف على البطول هالك. # PageV01P778 # وقوله (وحق لقيس أن يباح له الحمى) الأصل في الحمى الماء والكلأ، ولما ~~كان العزيزمنهم يستبيح الأحمية ويحفظ حمى نفسه ويمنع منه كل أحد، وإذا قال ~~أحميت هذا المكان، أي جعلته حمى، كان يتجنب ويتحامى إجلالا وخوفا منه - ~~استعير من بعد للقلب وما يمتلك منه الحب أو الحزن أو غيرهما وما لا يمتلك ~~منه، فيصير كأنه حمى العقل. فيقول: حق لقيس وللمصاب به أن يباح له من ~~القلوب ما كان حمى، فلا ينزل به غم، ولا ولا يمتلكه سرور، أي حق للجزع به ~~أن يبلغ من القلب حدا لم يبلغ منه شيء. وقد أخرجوا هذا المعنى في معارض ~~لأنه صحيح حكيم الشريف، فقال كثير في الحب يصف إمرأة: # أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت # يريد: بلغت من القلب هذا المبلغ. # وأخذه منه عبد الله بن الصمة القشيري، فقال: # فحلت محلا لم يكن حل قبلها ... وهانت مراقيها لريا وذلت # وأخذه أبو نواس فقال: # مباحة ساحة القلوب له ... يرتع فيها أطالب الثمر # بصحن خد لم يغض ماؤه ... ولم يخضه أعين الناس # فنقل إلى الخد وغمض كما ترى. # وقال آخر يصف ناقة: # حمراء منها ضخمة ms0637 المكان # يريد عظيمة المكان من القلب. ذكره الأصمعي. يريد أنها محببة. وقد قيل فيه ~~غير هذا. وقوله: (وأن تعقر الوجناء أن خف زادها) كان الواحد منهم إذا مر ~~بقبر رئيس وهو في صحبة أحب أن ينوب عن المقبور في الضيافة، فإذا لم يساعده ~~من الطعام ما # PageV01P779 # يدعو الناس إليه عقر ناقته؛ إكراما له. لذلك قال (وأن تعقر الوجناء إن خف ~~زادها) . والوجناء: الناقة الصلبة، أخذ من الوجين، وهو الأرض الصلبة. فمن ~~روى (أن خف زادها) بفتح الهمزة، فالمراد لأن خف زادها. ومن روى (إن خف) ~~بكسر الهمزة فهي للشرط. وقد اعتذر بعضهم من ترك ذلك فقال: # لولا السفار وبعد خرق مهمة ... لتركتها تحبو على العرقوب # يعني ناقته. # وقد حكى ابن الأعرابي حكاية مليحة، قال: كان رجل يواصل امرأة فخرج في سفر ~~له وعاد وقد استبدلت به، فأتاها لعادته، فقالت: # ألم تر أن الماء بدل حاضرا ... وأن شعاب القلب بعدك حلت. فأجابها: # فإن تك حلت فالشعاب كثيرة ... وقد نهلت منها قلوصي وعلت # تم باب المراثي بحسن توفيق الله وجميل صنعه، وله على تواتر نعمه، وتتابع ~~أياديه، أجزل الحمد. # PageV01P780 ### | باب الأدب ### || قال مسكين الدارمي # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أتى جماعها # قوله: (وفتيان صدق) أضاف الفتيان إلى الصدق، كما يقال فتيان خير. والمعنى ~~أنهم يصدقون في الود ولا يخونون. وقال الخليل: يقال رجل سوء وإذا عرفت قلت ~~الرجل السوء، ولم تضف، بل تحعله نعتا. وتقول: عمل سوء وعمل السوء، وقول صدق ~~وقول الصدق، ولا تقل الرجل الصدق، لأن الرجل ليس من الصدق. # فيقول: رب فتيان هكذا استناموا إلي واستودعوني أسرارهم، فكنت أنا نظامها ~~لا يفوتني من خبيثات صدورهم شيء، ثم أردت كلا منهم بالوفاء له، وكتمان ~~ماأودعني من سره، ولا أطلع بعضهم على ما يستكتمني البعض الآخر، بل أصونه من ~~الإذاعة، وأحفظه من النشر بالطي والصيانة. وذاك لأن حفظ السر يجري مجرى ~~أداء الأمانات، فهو في الدين والدنيا مأخوذ به ومبعوث عليه. وقوله (جماعها) ~~هو كما يقال نظام، ms0638 لأن النظام اسم لما ينظم به الشيء فهو كالوثائق والرباط، ~~وكذلك الجماع: اسم لما يجمع به الشيء. والضمير من جماعها يرجع إلى الفتيان، ~~ويجوز أن يرجع إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار. وانتصب (غير) على أنه ~~استثناء منقطع. # لكل امرىء شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # PageV01P783 # يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # قوله (لكل امرىء) يريد لكل رجل منهم جانب من القلب، وشق قد فرغ له وخص ~~بموضع سره ونجواه، لا يطلب الاطلاع عليه والكشف عنه، لما عرف من محافظتي ~~ووفائي. والنجوى يجري على أحكام المصادر: الدعوى، والعدوى، وألفه للتأنيث، ~~ويوصف به الأمر المكتوم. ويقال: نجوته فهو نجى. وقد وصف بالنجوى والنجى ~~الواحد والجمع. وفي القرآن: خلصوا نجيا، وإذ هم نجوى، وما يكون من نجوى ~~ثلاثة. ويقال: تناجوا وانتجوا. وقوله (يظلون شتى في البلاد) يريد أنهم ~~يفارقونه فيتغيبون في أقطار الأرض، وسرهم مكتوم محصن، كأنه أودع صخرة أعجز ~~الرجال صدعها، ويقال: شت الأمر شتا وشتاتا، وهو شتيت وشت، وهم أشتات وشتى. ~~فأشتات جمع شت، وشتى: جمع شتيت. ويروى (أعيا الجبال اتضاعها) والمعنى أن ~~هذه الصخرة لإشرافها وثبوتها في موضعها لو رام الجبال حطها لأعجزها ذلك. ~~وقوله (إلى صخرة) أي مضموم إلى صخرة. فتعلق إلى بفعل مضمر دل عليه الكلام. ### || وقال يحيى بن زياد # لما رأيت الشيب لاح بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا # ولو خفت أني إن كنت كففت تحيتي ... تنكب عني رمت أن يتنكا # ولكن إذا ما حل كره فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبب # قوله (لما رأيت الشيب) لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره. ~~وجوابه (قلت للشيب مرحبا) . وكان الواجب أن يقول: قلت له مرحبا ولكنهم ~~يكررون الأعلام وأسماء الأجناس كثيرا، والقصد بالتكرير التفخيم. والمعنى: ~~لما وجدت الشيب اشتعل رأسي ببياضه، طيبت نفسي بطلوعه وقلت له: أتيت رحبا ~~وسعة. وقوله (مرحبا) انتصب على المصدر. ويقال: رحبت بلادك رحبا ورحابة. # PageV01P784 # وحكى رحبت بلادك بكسر الحاء ترحب رحبا. ms0639 والرحبة والرحبة، واحد وهما ساحة ~~المسجد. # في قوله (ولو خفت) يريد بخفت رجوت، وهم يضعون كل واحد من الرجاء والخوف ~~موضع الآخر. ألا ترى قولع تعالى: إنهم كانوا لا يرجون حسابا، أي لا يخافون. ~~وقول الآخر، وهو الهذلي: (يرجون لسعه) . يعني النحل. فيقول: لو رجوت أني ~~إذا تكرهت الشيب وتسخطته، وكففت عن إظهار الرضا به والسرور لطلعته فارقني ~~وانحرف عني، لرمت ذلك، ولكن إذا حل مايكرهه فطاوعت نفسه به، وتلقاه بالصبر ~~عليه، كان ذلك أعون على زوال الكراهة فيه، وإلا اجتمع وجهان مما يشق نزوله ~~به، واغتنامه له. وقوله (فسامحت به النفس) أي ساهلت. ومنه قيل: عود سمح أي ~~لا ابن فيه. ومما يجري مجرى المثل: (إذا لم تجد عزا فسمح) أي لن وهن. وقوله ~~(كان للكره أذهبا) كان الحكم أن يقول أشد إذهابا، لأن الفعل منه ليس ~~بثلاثي. ولكن على طريقة سيبويه يحىء أن يبنى فعل التعجب مما كان على أفعل ~~أيضأ، وإن كان الباب على الثلاثي. ةقد يمكن أن يقال: إنما قال (أذهبا) على ~~حذف الزوائد. ألا ترى قوله: # فإن وجدنا العرض أفقر ساعة ... إلى الصون من برد يمان مسهم # والفعل لم يجيء إلا افتقر، فكأنه نوى حذف الزوائد ورده إلى فة، وعليه جاء ~~(فقير) وإن لم يستعمل الفعل. # وقوله (ولكن إذا) لكن جاء في هذا المكان لترك قصة إلى قصة، وهي إذا جاءت ~~عاطفة كانت لاستدراك بعد النفي. وجواب (لو) في قوله: لو خفت (رمت أن ~~يتنكبا) ، وجواب إذا من قوله (إذا ما حل كره) : (كان للكره أذهبا) . ويوما ~~انتصب على الظرف، والعامل فيه حل، واسم كان ما دل عليه قوله سامحت، كأنه ~~قال: كان المسامحة أذهب للكره. # PageV01P785 ### || وقال المرار بن سعيد # إذا شئت يوما أن تسود عشيره ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم # وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشمس من ظلم # جواب وقوله (إذا شئت) قوله فبا لحلم، والمعنى أن السيادة لها آلات، ~~وإليها مراق ودرجات، فمن أتاها من وجهها ومأتاها تمت له؛ وذاك ms0640 أن منها ~~استعمال الحلم، وترك التعجل، وكظم الغيظ، وتسهيل الجانب، والاحتمال في ~~النفس والمال والجاه، إلى غير ذلك مما يطول ذكره. فمن صبر في طلب الرياسة ~~وحصول سيادة العشيرة، على هذه الخصال، فهو حقيق بإدراكها، فإن أخذ يخشن ~~جانبه ويقطب وجهه، ويغلظ كلامه، ويوسع غيظه ويفظظ قلبه، ويعجل الطاعة له، ~~نفرت العشيرة منه، وبانوا عنه. لذلك قال من قال: # فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل # وقوله (وللحلم خير فاعلمن مغبة) انتصب على التمييز. قوله (فاعلمن) حشو. ~~فإن قيل: كيف اختير هذا البيت بهذا الحشو، والمتكلم إذا استعمل في كلامه مع ~~المخاطب أعلم وأسمع وما يجري مجراهما، عد ذلك منه عيا؟ قلت: إن هذه اللفظة ~~في هذا المكان محتاج إليها في عمدة المعنى المقصود، وإن ما أشرت إليه إنما ~~يكون زوائد وفضولا لا يحتاج إليه، فإذا وصل المتكلم بها كلامه مستعينا بها ~~عد منه خطلا وعيا، وهو في هذا الكان وصاه بالفكر فيما أورده والتبين له، ~~وبمعرفة الحلم ووقته حتى يدري كيف يأخذ به. فقوله: فاعلمن، فاعرفن، ومفعوله ~~محذوف، والمراد فاعلمن الحلم ومغبته، فأطلق. رجع فيما أشار به مطلقا، ~~واستثنى في كلامه فقال: إلا أن تنفر من ظلم يركبك، وهضيمة تنالك؛ فإن الجهل ~~في ذلك الوقت أرجح في الاختيار من الحلم، إذ كان صدم الشر بالشر أقرب، ودفع ~~الجهل بالجهل أحلم. ويقال: غبت الأمور، إذا صارت إلى أواخرها. وإن لهذا ~~الأمر لمغبة محمودة، أي عاقبة. وقوله (تشمس) ، يقال إنه لذو شماس شديد، إذا ~~كان عسرا. وشمس لي فلان إذا تنكر وهم بالشر. # PageV01P786 ### || وقال عصام بن عبيد الله # أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام # أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم ... في الحق يدخلوا الأبواب قدامى # قوله (مغلغلة) أي رسالة يغلغلها إلى صاحبها. وهو من قولهم: تغلغل الماء، ~~إذا دخل بين الأشجار، وغلغلته أنا. وقال الدريدي: الغلغلة: دخول الشيء في ~~الشيء. وقال الخليل: الغلغلة: سرعة السير. يقال تغلغلوا ومضوا. ورسالة ~~مغلغلة: محمولة من بلد إلى بلد. ms0641 وقوله (وفي العتاب حياة بين أقوام) اعتراض، ~~وقد مر القول في فائدة الاعتراضات. والمعنى أنهم ماداموا بتعاتبون فإن ~~نياتهم تعاود الصلاح وتراجعه، وإذا ارتفع العتاب من بينهم انطوت صدورهم عن ~~الإحن والضغائن، وظهر الشر على صفحات أقوالهم وأفعالهم، فاهتاجت الحميات، ~~وأنتجت من سوء عقائدهم البليات. وفي طريقته قال أبو تمام: # إن الدم المغتر يحرسه الدم # وقال غيره: (القتل أقل للقتل) . فأما قول الله تعالى: ولكم في القصاص ~~حياة فإن بلاغة القرآن لا تدانيها بلاغة، وكل كلام وإن علا ينحط دونه. ~~والرسالة قوله: أدخلت قبللي يوما. والمعنى أنك قدمت على في الإذن والدخول ~~قوما لم يكن من حقهم أن يتقدموا على إذا وردنا الأبواب، ولا بلغت من محالهم ~~ورتبهم أن ترفع على ما يقسم لي في مجالس الكبار. وقوله (أن يدخلوا الأبواب) ~~حقه عند سيبويه أن يقال أن يدخلوا في الأبواب، يجعله مما يتعدى في الأصل ~~بحرف الجر ثم يحذف الجار من اللفظ تخفيفا. ومسألة الكتاب: دخلت البيت. ~~وغيره يذهب إلى أنه مما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر، وفي أنهم يقولون ~~دخلت في الأمر فيعدى بفي لا غير، وأن ضده وهو خرجت يتعدى بحرف الجر، بيان ~~لصحة قول سيبويه. # ولو عد قبر وقبر كنت أكرمهم ... ميتا وأبعدهم من منزل الذام # PageV01P787 # فقد جعلت إذا ماحاجتي نزلت ... بباب دارك أدلوها بأقوام # قوله: (لو عد قبر وقبر) المراد به والأصل فيه: لو عدت القبور قبرا قبرا، ~~إلا أنه اختصر الكلام وحذف القبور ورفع قبرا على أن يقوم مقام الفاعل، فلما ~~رفعه وأزاله عن سنن الحال في نحو قولهم: بعت الشاء شاة شاة، وقبضت المال ~~درهما درهما، وصمت رمضان يوما يوما، رد حرف العطف، وإنما قلت هذا لأنه من ~~مواضع العطف، لكنهم اتسعوا في الحال لعلم المخاطب. وقال سيبوبه: إن الغالب ~~على هذا الباب كله أن يكون انتصابه من إحدى الجهتين: الحال أو الظرف، لأن ~~الاتساع منهم على هذا الحد والجواز لم يكن إلا فيهما. والظرف كقوله: لقيته ~~يوم يوم، وصباح مساء، وماجانسهما. قال: ms0642 والإفراد في هذا الباب لا يجوز ~~حماية على المعنى الذي يتضمنه التكرار. # وإن قيل: هل يجوز على ما بينت: لو عدت القبور قبر وقبر، على البدل، وكذلك ~~بين حسابه باب وباب؟ قلت: لا يجوز ذلك، لأن القصد والغرض من الكلام، وقد ~~أجرى على ماتقدم، التفصيل والتتابع، ومن الإبدال على ما ذكرت لا يتبين ذلك. ~~ومع ذكر القبور يحذف من الاسمين المترجمين عن الحال بعده. لا يجوز بعت ~~الشاء شاة وشاة؛ فكذلك هذا، على أن بابي الحال والظرف يحتملان من التوسع ما ~~يضيق عنه أكثر أبواب الإعراب ويعجز، وإذا كان كذلك لم يجز تجاوزهما ~~بالاتساع فيهما إلى غيرهما. ألا ترى أنه لو قال: لو عد قبران كنت أكرمهما ~~ميتا، لم يجز، ولم يتبين منه ذلك المعنى، وإن كان المعطوف والمعطوف عليه ~~إذا قلت جاءني رجل ورجل بمثابة جاءني رجلان. # ومعنى البيت: لو عدت القبور منوعة مفصلة - وإنما يعني أسلاف من قدم عليه ~~في الإذن والدخول خؤولة وعمومة - لكنت أكرمهم أبا، وأشرفهم بيوتا. فكنى عن ~~البيت والمنصب بقوله (وأبعدهم من منزل الذام) أي من منزل العيب، لأن الذام ~~والذم بمعنى. يقال: ذامه يذيمه، كما يقال ذمه يذمه، وحيث يحصل العيب يحصل ~~الذم، أظهر أو لم يظهر. # وقوله (فقد جعلت إذا ماحاجتي نزلت) يريد بجعلت طفقت وأقبلت. يقال: جعل ~~يفعل كذا. والمعنى: أنى قعدت عنك وتركت زيارتك، وإذا اتفق مالا بد لي منك ~~ومن معونتك من حاجة أو عارض سبب فإني معتمد على غيري في التنجز # PageV01P788 # والاستسعاف. ومعنى (أدلوها) من قولك دلوت الدلو، إذا أخرجتها من البئر، ~~أي أتسبب بغيري، وأصون من التبذل عرضي. ### || وقال شبيب بن البرصاء # وإني لتراك الضغينة قد بدا ... ثراها من المولى فما أستثيرها # مخافة أن تجنى علي وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها # يقول: إني أصابر موالي وأحتمل أذاهم، وأعفى على فرطاتهم ما وجدت سبيلا ~~إلى الصبر، فأترك ضغائهم تبدو أوائلها، وتظهر مخابلها، ولا أكشف عنها ولا ~~أطلب ثورانها، مخافة أن يستفحل الشر ويرجع الصغير منه كبيرا، وسهله عسيرا؛ ms0643 ~~فإن أوائل الأمور كلها ضعيفة ضيقة، فإذا اتفق لها من يهيجها ويزيد في ~~موادها قويت واتسعت. والتراك: بناء المبالغة، وهو الكثير الترك للشيء، وليس ~~هو باسم الفاعل من ترك. والضغينة والضغن والضغن واحد، وهي الحقد والعداوة. ~~ويقال: ضغن على واضغن. وقال الخليل: الضغن في الدابة: عسره والتواؤه. ودابة ~~ضغنة، إذا نزعت إلى وطنها. والثرى: الندى، والفعل منه ثرى. والمراد به ~~هاهنا ما يستدل به على كامن الحقد. ويقال: ثار الأرنب من موضعها، واستثرتها ~~أنا. وقوله (مخافة) انتصب على أنه مفعول له، و (أن تجنى) في موضع المفعول ~~منها، وقد أضافها إليه، وقوله (صغيرها) يراد به الكثرة، أي صغائرها. # لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة ... على رغبة لو شد نفسي مريرها # تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها # قوله (على رغبة) أي على مرغوب فيه، كأنه كان ظهر له من الفرص في صاحبه ~~مالو انتهزها ولم يغفل عنها لكان فيها الاشتفاء منه، ودرك المطلوب في بابه، ~~فلما لم يفعل وأصر صاحبه على مساءته أخذ يتحسر. وقوله (لو شد نفسي مريرها) ~~يريد: لو قوى نفسي عزيمها، وحصيف رأيها. والمرير: الممر المحكم. ووصف # PageV01P789 # الحبل به لذلك. ويقال: استمر مرير فلان، إذا استحكم رأيه واستحصف. ~~وعنيزة: موضع. # وقوله (تبين أعقاب الأمور إذا مضت) مثله قول القطامي: # ولا يعلم الغيب امرؤ قبل ما يرى ... ولا الأمر حتى تستبين دوابره # وأكشف منه قول حميد بن ثور: # أشبه غب الأمر ما دام مقبلا ... ولكنما تبيانه في التدبر # وأعقاب الأمور: أواخرها. ويروي: (تبين أدبار الأمور إذا انقضت) يراد به ~~تتبين. وانتصب (أشباها) على الحال. # إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم تجد ... سوى ما ابتنينا ما يعد فخورها # ألم تر أنا نور قو وإنما ... يبين في الظلماء للناس نورها # يقول: مفاخر سعد ومباني مكارمها على ما أسسه قديمنا، وعمره حديثنا، فمتى ~~استعرضت المساعي في منافرة الخصوم لم تجد بنو سعد ما يعتمده فخورها، ويكاثر ~~به خصيمها، إلا ما شيدناه على مر الأيام، وتعاقب الأحوال. فقوله (سوى ما ~~ابتنينا) ms0644 استثناء مقدم. و (ما) يعد في موضوع مفعول لم تجد. # وقوله (ألم تر) تقرير لمن تصوره مخاطبا فيقول: أما علمت أنا لأهل قو ~~بمنزلة النور للأبصار، فهم بنا يهتدون، وبمعالنا يقتدون، ولمراسمنا ~~يقتفرون، وبسنا رأينا يستضيئون، ولولا ذلك لكانوا يتوقفون في مراشدهم فلا ~~يقضون، ويتحيرون في آرائهم فلا يمضون، كما أن الناس لولا ما يمد به النور ~~أبصارهم في رواكد الظلم حتى يتبينوا المرئيات، ويتميزوا أشباح المدركات على ~~حقائقها، لوقفوا حيارى لا يتقدمون ولا يتأخرون. # ومفعول (يبين) محذوف، والضمير من نورها يعود إلى الظلماء لما كان ~~يتعقبها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى تناسب بينهما. # PageV01P790 ### || وقال معن بن أوس # لعمرك ما أدرى وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول # لعمرك مبتدأ، وخبره مضمر، وفيه معنى القسم، وقد تقصى القول فيه. وقوله ~~(إني لأوجل) مما جاء فيه أفعل ولا فعلاء له، كأنهم استغنوا عن وجلاء بوجلة. ~~ويقال: وجلت أوجل وآجل وجلا، وهو وجل وأوجل. وقلبي من كذا أوجل وأوجر، ~~بمعنى. ويروى: (تعدو المنية) و (تغدو) ومعناهما ظاهر. وأول، بني على الضم، ~~كما فعل ذلك بقبل وبعد، وذاك انه لما كان أصله أفعل الذي يتم بمن، وأضيف من ~~بعد، وجعل الإضافة فيه بدلا من من، والمضاف إليه من تمامه ثم حذف المضاف ~~إليه ليعلم المخاطب به، وجعل في نفسه غاية، وكان معرفة كما كان قبل وبعد ~~كذلك وجب أن يبنى كما بنيا. وموضعه نصب على الظرف. ومعنى البيت: وبقائك ما ~~أعلم أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه، وانتهاء الأجل إليه، وإني لخائف ~~مترقب. فموضع (على أينا) نصب لأنه مفعول ما أدرى، والذي لا يدريه هو مقتضى ~~هذا السؤال. وقوله (إني لأوجل) اعتراض. # وأني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل # أحارب من حاربت من ذي عدواة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل # يقول: إني وديدك الذي يدوم عهده، ويتصل على تقلب الأحوال وتبدل الأبدال، ~~ولا يحول إن تطاول عليك الخصم، أو بطش بك عدو، أو ضاق عنك ms0645 منزل، فاحتجت إلى ~~التحول عنه والاستبدال به. وقال الخليل: يقال أبزيت بفلان، إذا بطش به ~~وقهرته. وحكى الدريدي: بزاه يبزوه بزوا، إذا قهره. وأنشد: # جارى ومولاي لا يبزي حريمهما ... وصاحبي من دواء السر مصطحب # ويبزى يكون مستقبل بزى وأبزى جميعا. والله أعلم. ويجوز أن يكون أبزى ~~منقولا بالألف عن بزى يبزى بزى فهو أبزى، وامرأة بزواء؛ وهو دخول الظهر # PageV01P791 # وخروج البطن. ويكون المعنى: إن خفض منك خصم، أو طأطأ من إشرافك عدو، ~~وحملك من الثقل ما يبزى له ظهرك، فلا تطيق الثبات تحته، والنهوض به. # وقوله (أحارب من حاربت) هو تفسير دوام عهده وثبات وده. والمعنى تجدني ~~ذابا نك واقعا معك، أرصد الشر لأعدائك، وأدافعهم دونك، وإن أصابك غرم حبست ~~مالي عليك، واحتملت فيه الثقل عنك. وكان الواجب أن يقول: فأعقل عنك، لأنه ~~يقال عقلته إذا أعطيت دبته، وعقلت عنه إذا غرمت ما لزمه في ديته. وقال ~~الخليل: الغرم لزوم نائبة في مال من غير جناية. والمال إذا أطلق يراد به ~~الأبل. ويجوز أن يكون معنى فأعقل: أشدها بعقلها بفنائك، لندفعا في غرامتك. # كأنك تشفى منك داء مساءتي ... وسخطى وما في ريثي ما تعجل # قوله (مساءتي) يريد مساءتك إلى، وكذلك (سخطى) يريد سخطك علي، فأضافهما ~~إلى المفعول. ويقال: مساءة ومسائية. والسخط والسخط لغتان، ومثله السقم ~~والسقم، والعدم العدم، وهو نقيض الرضا. ويقال: سخطته وتسخطته، إذا لم ترض ~~به، وإن كان في التفعل فضل تكلف. ومعنى البيت أنك تستمر في إساءتك إلى ~~وسخطك علي، حتى كأن بك داء ذاك شفاؤه، وما تطلبه من عجلتي لا تجده في بطئي، ~~أي ما تقدره يتعجل لك من المكاشفة بيني وبينك، واستثارة الحقد الكامن فيك، ~~لا يحصل لك مني متباطئا أيضا. والمعنى أني أصابرك وأتركك على مداجاتك. # وإن سؤنني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل # قوله (وإن سؤنني يوما) يقال: سوؤت فلانا، وسؤت له وجهه مساءة ومسائية. ~~والمعنى: أني لا أؤاخذك ms0646 بما يظهر من مساءتك، بل أقابله بصفح جميل عنك، ~~انتظارا لفيئة تظهر منك في مقتبل أمرك، ومراجعة تعفى على قبيحك، فإن لم ~~يتفق منك عقبى حسنة تنسى زلاتك، بل تتابع بين مسببات القطيعة وموجباتها بما ~~تظهره من الجفاء والعقوق فيما يجمعني وإياك، فإنك تقطع أخا هو في مظاهرتك، ~~وانطواؤ # PageV01P792 # على مساعدتك، والدخول تحت طاعتك في كل ما يعن ويعرض لك، بمنزلة يدك ~~اليمنى، فانظر من بعد من تعتاض منه، وعلى من تعول إذا صارمته. وانتصب (أي ~~كف) ب (تبدل) . وقوله (ليعقب يوما منك آخر) يجوز أن يكون من قولهم أعقب هذا ~~ذاك، أي صار مكانه، ويكون المعنى: ليصير مكان يوم من أيامك مذموم يوم آخر ~~منها مقبل محمود. وهذا حسن. ويجوز أن يكون أعقب غير متعد، بيعقب، ويكون ~~قوله يوما منك ظرفا. والمعنى: ليصير ما يقبل من أمرك يوما ذا عاقبة محمودة. ~~ويجوز أن يكون من أعقب فلان عزا، أي أبدل، ويكون المعنى: ليعقبنا يوما منك ~~محمودا أمر آخر مؤتنف. ورأيت من يرويه: (ليعقب يوما منك آخر) بفتح الياء، ~~ويكون من قولهم عقب فلان فلانا إذا خلفه، وهما عقيبان، وقد اعتقبا ةتعاقبا. ~~ويكون المعنى: ليخلف يوما منك يوم آخر مقبل. # وفي الناس إن رئت حبالك واصل ... وفي الأرض عد دار القلى متحول # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على شرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل # قوله (وفي الناس إن رثت حبالك واصل) إظهار للزهد في وداده إذالم يستقم ~~معه. ويقال: رث الثوب يرث رثوثا ورثاثة. وقال أبو زيد وأبو عبيدة: رث ~~المتاع وأرث جميعا. وأنشد لعدي: # أرث جديد الوصل من أم معبد # وفي طريقة ما قاله لبيد: # واحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها # وقول أوس: # وإن قال لي ماذا ترى يستشيرني ... يجدنب ابن عم مخلط الأمر مزيلا # PageV01P793 # فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل ~~غيرك، وإذا نبا بي جوارك، ms0647 وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل ~~عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا ~~أعدل عنها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخيا ~~المعدلة، ولم يوجب به عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجرا لك، ~~مشارفا قطيعتك، مستبدلا بك وبمؤاخاتك إن كانت به مسكة، أو يمتلكه عقل ~~ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر ~~تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ~~ركوبه مبعدا ومعدلا. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره: # دار الهوان لمن رآها داره # وقوله (من أن تضيمه) معناه بدلا من أن تضيمه. ويجوز أن يريد بركوب السيف ~~على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منه. # وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل # قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أمحول # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل # يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنه ويولد ~~تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدوا، وقلبت له ظهر الترس ~~متقيا منه، ومدفعا له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما ~~أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله (رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله ~~(بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالة لصلة الذي. # وقوله (إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني ~~الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكا عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت ~~(عنه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل ~~إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان. # PageV01P794 ### || وقال عمرو بن قمية # يالهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما # إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللمما # لاتغبط المرء أن يقال ms0648 له ... أضحى فلان لعمره حكما # إن سره طول عيشه فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما # يتحسر على ما فاته من الشباب وحسن أيامه، ونضارة العيش به، فقال: يا حسرة ~~نفسي على مقتضى الشباب ومتوليه، فإن ما فاتني منه لم أفارق به أمرا قريبا، ~~وشيئا هينا، لكني فقدت به صحة بدني، وروعة وجهي، وطيب عيشي، وقوة روحي، حين ~~كنت أجر ريطتي (وهو الإزار الذي ليس بملفق) ومروطي (وهو جمع مرط، وهو ملحفة ~~يؤتزر بها) إلى أقرب الخمارين إلى وأنفض شعر رأسي إعجابا به، واستحسانا له، ~~وطربا يداخلني في جميع أسبابي معه. ثم قال مزريا بالشيب وبما يكتسبه المرء ~~اذا علاه، من إكبار الناس له، وتقديمهم في المجالس إياه، ومن الرجوع إلى ~~قوله، واستشارتهم فيما يعز من الخطوب رأيه، فقال: لاتغبطن الرجل ولا ترمقن ~~ولاتجعلن محسدا اذا قيل فيه: صار فلان حكما في عشيرته لكثرة تجاربه، ~~وامتداد عمره، ودوام مزاولته للأمور، واتصال لقائه للناس وممارسته لهم ~~وفيهم، لأنه إن سره امتداد عمره، وتنفس عيشه فلقد ظهر في نفسه من ضعف ~~وانحناء، وعلى وجهه من ذبول وسهوم إلى غيرها مما يدل على طول سلامته التي ~~هي الداء الذي لادواء له. ومثل هذا قول الشاعر: # وحسبك داء أن تصح وتسلما # وقول الآخر: # فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء # PageV01P795 # وقوله (أن يقال له) أراد لايغبط لأن يقال له، ومن أجل أن يقال له. وقوله ~~(أدنى تجاري) إظهار لغلوه في سباء الخمر وسرفه، ثم تبجح بإضافتهم إلى نفسه. ### || وقال إياس بن القائف # يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمفترين المراميا # يفضل الغنى على الفقر ويبعثه على طلبه وارتياده. فقال: ترى الموسرين ~~يتودعون، وتطول إقامتهم في دورهم وأرضهم يمتعون، والفقراء تراهم ترتمي بهم ~~البلدان النائية، وتقذف النوى بهم المقاذف البعيدة، والمهالك المستصعبة، ~~فلا يهدؤون ولا يقرون. والنوى: وجهة القوم التي ينوونها. والمرامي: جمع ~~مرمى، وهو المكان لاغير هنا، لأنه قابل الأغنياء بالمقترين، وأرض الأغنياء ~~بمرامى الفقراء، لأنهم لاتذوبهم دار أبدا، فمجال تسيارهم لكسبهم وتصرفهم ms0649 ~~كدور أولئك لهم. ومفعل يكون اسما للحدث، وزمانه، ومكانه. # فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا # إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقي والبلاد كما هيا # يقول: أحسن صحبة أخيك وصاحبك. وتناوله بالإكرام طول الدهر ومدة العمر، ~~فإن المنايا كفتك مفرقة ومبعدة. وقوله (الدهر) انتصب على الظرف، وما دمتما ~~انتصب على أنه بدل من الدهر. وانتصب (معا) على أنه خبر ما دمتما. ومعنى ما ~~دمتما معا: مدة بقائكما ودوامكما مجتمعين. وقوله (كفى بالمنايا) موضع ~~بالمنايا رفع على أنه فاعل كفى. وانتصب (فرقة) على التمييز، أو يكون في ~~موضع الحال، كأنه قال: كفى بفرقة المنايا فرقة. والتقدير: كفى فرقة ~~بالمنايا من فرقة، أو كفى المنايا مفرقة ومتنائية. # وقوله (إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها) هذا الكلام توجع وتشك من نوائب ~~الدهر. يقول: أرى الإخوان تخترمهم المنايا فهم يتفاقدون، وبلادهم وأروضهم ~~على ما كانت عليه، فمتى زرت مكانا بعد طول العهد به وجدت أصدقائي مفقودين، # PageV01P796 # وأماكنهم كما كانت. وقد تقدم القول في إعراب (كما هيا) وقول صديقي يراد ~~به الكثرة لا الواحد. ### || وقال ربيعة بن مقروم # وكم من حامل لي ضب ضغن ... بعيد قلبه حلو اللسان # ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب أو لسان تيحان # كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنه اسم ورب حرف وله ~~موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد. قال: # فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي # وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنه حقد عسر ولجاج. فيقول: كثير من ~~الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جريا على ~~سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمرارا في طريق الشنآن لي والمعاداة، ~~ولو شئت لانتقمت منه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى ~~له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم ~~لغتان. والتيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه. # ولكني وصلت الحبل منى ... مواصلة ms0650 بحبل أبى بيان # وضمرة إن ضمرة خير جار ... علقت له بأسباب متان # هجان الحي كالذهب المصفى ... صبيحة ديمة يجنيه جان # قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل ~~مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه ولجاجه، لأني قد واصلت أبا ~~بيان # PageV01P797 # وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنه خير جار، وقد استحكمت بيني ~~وبينه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني ~~الوقوف فيما يكرهانه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشهما، وهما مع ذلك كرام الحي ~~لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز ~~الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، ~~فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنها تكثر في ~~نواحي اليمن واليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت ~~الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه ~~أو أحسن. # وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم هجان ~~الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضا، لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع ~~كثيرا؛ فهجان جاء من هجان واحدا كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع ~~الحال، وكذلك قوله (يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلة) يجوز ~~أن يكون مصدرا في موضع الحال، أي مواصلا، ويجوز أن يكون موضوعا موضع صلة ~~فيكون مصدرا من غير لفظه، مثل قوله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتا) : ~~وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه. # ؟؟ ### || وقال سلم بن ربيعة # إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون # يجشمها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين # والبيض يرفلن كالدمى ... في الريط والمذهب المصون # والكثر والخفض آمنا ... وشرع المزهر الحنون # من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون # واليسر كالعسروالغنى ... كالعدم والحي للمنون # PageV01P798 # هذه المقطوعة خارجة عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال ~~فيها أنها تجيء على السادس من البسيط، وليس هذا موضعا لبسط الكلام فيه. # والنشوة: الخمر والسكر. والخبب ms0651 والخبب: ضرب من السير. والبازل: التي قد ~~استكمل لها تسع سنين فتناهى قوتها. والأمون: الموثقة الخلق. وخبر إن في ~~قوله (من لذة العيش) . # وقوله (يجشمها المرء) من صفة البازل والمعنى يكلفها صاحبها قطع المسافة ~~البعيدة فيما يهواه. والمسافة مأخوذة من السوف، وهو الشم. وكان الدليل إذا ~~اشتبه عليه الطريق يفعل ذلك. والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع ~~الغامض. # وقوله (والبيض يرفلن كالدمى) يعنى به النساء. ويرفلن: يتبخترن في الريط، ~~وهي الملاءة الواسعة. والمذهب المصون؛ يراد به الثياب الفاخرة المطرزة ~~بالذهب. وتعلق في من قوله (في الريط) بيرفلن، وكا الدمى في موضع الحال. ~~والمعنى: والنساء البيض يتبخترن في المصونات من الثياب الكريمات وهن مشبهات ~~للصور. والكثر انعطف على البيض، كما أن البيض انعطف على (وخبب البازل ~~الأمون) . والمراد بالكثرة كثرة المال ومساعدة الحال، وضده القل. وقال ~~الخليل: كثر الشيء: أكثره، وكذلك قله أقله. والخفض: التودع. وانتصب (آمنا) ~~على الحال، وانعطف (وشرع) على الخفض. فيقول: إن لذات الدنيا من مأكول ~~ومشروب وملبوس، ومركوب وقد استعمله صاحبه فيما يهواه، وكلفه قطع المسافات ~~فيما تدعوه إليه نفسه، والنساء البيض بالصفة التي ذكرها، والغنى والراحة في ~~الأمن والملاهي، جميع ذلك من لذة العيش. وقوله (وشرع المزهر) أي الأوتار، ~~واحدها شرعة. والمزهر: العود. والحنون: يريد به الصبت من الحنين، فكأنه ~~أشار إلى المزهر منقورا ينقره الملهى. فانظر فإنه جمع كل ما يلتذ به النفس، ~~وجعلها تامة بما قرن به من حال الأمن، لأن جميع ذلك إذا عرى من الأمن لم ~~يستعطب ولم يستمرا. # ثم قال: (والفتى للدهر والدهر ذوفنون) الواو واو الحال، وذو فنون أي ضرب. ~~يريد: أن كل ذلك مما يتلذ العائش به، لكن الفتى مهدف للدهر، والدهر ذو ~~تارات: كما يهب يرتجع، وكما يسلم بعل، وكما يودع يتعب، وكما يصفى # PageV01P799 # يكدر، وبعد ذلك قال: # واليسر كالعسر والغنى ... كالعدم والحي للمنون # يريد أن شيئا من هذه الأحوال لا يدوم إلا ريث ما يسلط عليه القواطع ~~والمغيرات، فاليسار إذا حصل كالإعسار، في أن واحدا منهما لا ms0652 يبقي، وغنى ~~النفس كفقرها، ثم انتهاء كل ذلك للحي منا إلى الموت الذي لا غاية وراءه، ~~وليس يتخلص منه بحيلة تنقذ، أو روية تعمل. ### || وقال آخر: # وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم # فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم # يقول: أنت رجل إما وثقت بك في شيء يحتاج إلى أداء الأمانة فيه، وقد خلوت ~~معك وأظهرت السكون إليك فخنتني، وإما أستنيم إلى ناحيتك في الخير فكذبت ~~علي، وخبرت بما لا علم لك به، فأنت مما بيني وبينك واقف في محل بين الخيانة ~~فيما ائتمنت فيه. والإثم فيما رجع إليك في الكشف عنه. وقوله (ائتمنتك) هو ~~افتعل من الأمانة، ولك أن تخفف الهمزة وتبدل منها ياء، ولك أن تعوض من ~~الهمزة تاء فتدغمه في التاء التي بعدها فتقول: اتمنتك. # وخاليا انتصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون الشاعر. والمعنى: جعلتك ~~موضعا للأمانة وقد خلوت بك لئلا يتجاوزنا السر الذي أودعتك. ويجوز أن يكون ~~حالا للمخاطب، والمعنى منفردا. # ويروى أن رجلا أتى عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همام السلولي ~~سبه وأسرف جهارا، لا حشمة تردعه، ولا رقبة تمنعه. فأرسل عبيد الله إلى ان ~~همام واستحضره ليقابله بالرجل، ويتبين من حضورهما صحة الخبر، فأتاه ابن ~~همام، فلما استقر به المجلس قال عبيد الله: يا ابن همام، إن هذا يزعم أنك ~~قلت كذا وكذا. فأقبل ابن همام على الرجل وخاطبه بقوله: (أنت امرؤ إما ~~ائتمنتك خاليا) ... البيتين. # PageV01P800 # فإن قيل: ما موضع (إما ائتمنتك) من الإعراب؟ قلت: هو في موضع الرفع على ~~أن يكون صفة لامرىء. وإما هذه هي التي تعد في حروف العطف، والكلام خير. ~~يريد: أنت رجل لا تخلو مما تصك به وجهي من أحد الأمرين اللذين أذكرهما. فهو ~~كما تقول: أنت رجل إما صالح وإما طالح. وقوله (فخنت) انعطف على ائتمنتك، ~~كأنه قال: أنت رجل إما مؤتمن فخائن، وإما قاتل قولا لا علم لك به. وقوله ~~(وإما) الواو هي ms0653 العاطفة. وإما كأو في أنه لأحد الأمرين، إلا أن (أو) يبنى ~~الكلام فيه على اليقين، ثم يعترض ما يخرج به عنه؛ و (إما) يبنى الكلام فيه ~~على عين اليقين. ولهذا الذي قلناه قال حذاق أصحابنا: إنه ليس من حروف ~~العطف، وكيف يكون منها وهو يحيء قبل ما يعطف عليه أو مع حرف العطف. تقول: ~~رأيت إما زيدا وإما عمرا. فإما الأولى سابق المعطوف عليه وهو زيد، وإما ~~الثانية معها الواو العاطفة. وقوله (فأنت من الأمر الذي كان بيننا) مبتدأ ~~وخبره (بمنزلة) وبين الخيانة صفة للمنزلة. والمعنى: أنت مما بيننا في موقف ~~يشفي بك إما على الخيانة فيما ائتمنت فيه، وإما على الإثم فيما تستشهد فيه، ~~فتقول بما لا علم لك به. ### || وقال شبيب بن البرصاء # قلت لغلاق بعرنان ما ترى ... فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي # عرنان: إسم واد. وقوله (عن ظهر واضحة) يجوز أن يريد عن ظهر خصلة بينة ~~والمراد: لما استشرته وقد حصلنا بعرنان ارتبك فلم يكد يكشف لي عما يصح ~~المراد به، ويمكن الإعتماد عليه. ويجوز أن يريد بالواضحة السن. والمعنى: لم ~~يكد يتهلل أو يكشف عن أسنانه به ضاحكا أو كاشرا. ويكون استعمال الواضحة كما ~~قال طرفة: # كل خليل كنت عاهدته ... لا ترك الله له واضحه # وقوله (تبسم كرها) يدل على الوجه الثاني. # PageV01P801 # تبسم كرها واستنبت الذي به ... من الحزن البادي ومن شدة الوجد # إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد # انتصب كرها على أنه مصدر في موضع الحال. يقول: بسم لي كارها فتبينت الذي ~~به من حزن ظهر عليه، ومن وجد استكن في قلبه. ويقال استنبت وتبينت بمعنى ~~واحد. وبسم وابتسم بمعنى واحد، إلا أن في تبسم زيادة معنى التكلف، كأنه ~~تكلف منه ما تكلف على كراهية. وقوله (إذا المرء أعراه الصديق) يريد به: إذا ~~الرجل خذله صديقه وقعد عن نصرته، وتركه بالعراء، في أرض الأعداء، بدا له من ~~ألوان الأرض يكون إذا اسودت بعضها. وهذا التفصيل والتبعيض دل على ms0654 أن اسوداد ~~الأرض يكون من وجوه عدة، وللحالة التي أشار إليها ما يختص بها، ويجب أن ~~يكون شدها. وهذا لأن ما يرد على النفس من المكاره مراتب، فاسوداد الأرض ~~عليه لها حسب مقاديرها في أنفسها. ### || وقال سالم بن وابصة # أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن به عن كل فاحشة وقرا # سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا # يقول: أحب من أخلاق الفتى أن يكون متكرما إذا طرق أذنه ذكر الفواحش، فلا ~~بعيها ولا يجعلها من نفسه ببال، حتى كأن به صمما عن أنواع الفواحش كلها. # وقوله (سليم دواعي الصدر) ، ارتفع سليم لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: ~~هو سليم، ويكون ما بعده صفات له. ويريد بالدواعي ما يتعلق بالأغيار منه ~~لاما يخصه في نفسه. ألا ترى أنه فسره بقوله (لا باسط أذى ولا مانع خيرأ ولا ~~قائل هجرا) وكل ذلك للغير لا للنفس. ويكشف هذا أنه إذا بسط أسباب الأذى عاد ~~الضرر منها لا عليه. وإذا منع خيره كذلك عاد الضرر على المنتفع به وعلى هذا ~~إذا قال هجرا. والهجر: الفحش. ويقال: أهجر الرجل، إذا أنى به. وقد # PageV01P802 # كان من فلان هاجرة. على ذلك قوله: # إذا ما شبت نالك هاجراتي # ولك أن تنصب (سليم) بما بعده، فيكون في موضع الحال، وما يتبعه صفات له، ~~وهو لا باسطا أذى ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا. # إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا # غنى النفس مايكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # يقول واعظا ومهدئا: إذا اتفقت من صديق لك زلة، أو وقوف موقف تهمة، فحسن ~~أمره في ذلك واحمله على ضروب مما يبسط عذره فيه، بل كن أنت المحتال لعذره، ~~فلا تحوجه إلى تكلف الأعتذار. # وقوله (غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة) يقول: خذ من دنياك ما تسد به ~~فقرك، فإن غنى النفس ما يضمن الكفاية، فإن زاد قليلا عاد ذلك بزيادتك فيه ~~الفقر، وذاك أن ms0655 الدواعي إنما تكثر وتتوسع الأسباب وكثرتها، وما يفضل عن ~~الكفاية يمت كل جزء منه بماتة صاحبه فلا يكاد يكتفي ببعضه إلا وما عداه يمت ~~بمثل ماتته. وإذا صار الأمر على ذلك فكل منزلة ينتهي إليها طلب الفضل تدعوه ~~إلى مافوقها، فيبقى أبدا متعبا فقيرا. وقوله (فإن زاد، شيئا) انتصب شيئا ~~على المصدر، لأنه واقع موقع زيادة. وزاد هاهنا بمعنى ازداد، فلا يتعدى. ~~وانتصب فقرا على الحال. ### || وقال آخر: # وكم من لشيم ود أنى شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم # PageV01P803 # وللكف عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمه حين يشتم # اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه. فيقول: كم من رجل ~~دنى النفس والأصل، يتمنى أن أتخذه نظيرا لي أكابله وزنا بوزن، وأكافيه لفظا ~~بلفظ، وإن كان في هجوى له وشتمي إياه ما يجري مجرى الصاب والعلقم في ~~المرارة. والصاب: شجرة لها لبن فإذا أصاب العين حلبها. والعلقم: الحنظل. ~~وقال الخليل: يقال: علقم الحنظل، إذا اشتدت مرارته. ثم قال: لإمساكي عن ~~مشاتمة اللئام آخذا بالكرم، أصون لعرضي، وأعود عليهم بالضرر من كل ذم وهجو. ~~وانتصب (تكرما) على أنه مصدر في موضع الحال، أي متكرما، ويجوز أن يكون ~~مفعولا له، أي للتكرم. ### || وقال عقيل بن علفة # وللدهر أثواب فكن في ثيابه ... كلبسته يوما أجد وأخلقا # وكن أكيس الكيسي إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا # ذكر الأثواب مثل، وإنما يريد تلون الدهر بأهله، وتصرفه بأحداثه وتاراته ~~وغيره. واللبسة: اسم حالة اللابس. أي البس ثيابه لبسته مجدا أو مخلقا، وإن ~~أجد أو أخلق، لأن الحال يتضمن معنى الجزاء. والقصد إلى توصية المخاطب بأن ~~يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. والقصد إلى توصية المخاطب ~~بأن يطلب موافقة الناس في دهرهم، ويتخلق بأخلاقهم. ومعنى أجد: جعل ثوبه ~~جديدا. وكذلك أخلق الثوب نفسه فهو مخلق؛ وهذا أشهر من الأول. وقد قيل في ~~الدعاء للآبس الجديد: (أبل وأجدد) يراد به فعل مثله في المستأنف، واتصال ~~عمره. وقد صرح عن ms0656 المعنى فيما بعده، لأنه قال: وكن أكيس الكيسى إذا كنت ~~فيهم. والمعنى: تكيس مع الأكياس، بل اجتهد أن تفوقهم في كيسهم وإن ابتليت ~~بحمقى فتحامق معهم. وقوله (كن أنت) أنت توكيد للمضمر في كن. و (أحمقا) يجوز ~~ألا يريد به أفعل الذي يتم بمن ويكون المعنى تحامق. ويجوز أن يكون أفعل ~~الذي يتم بمن، وقد حذف منه من لأنه خبر فجاز ذلك فيه. ويدل على هذا أنه ~~قال: كن أكيس الكيسى. وقد قيل: ما أحمقه، لأنه ليس من الخلق في شيء. ألا ~~ترى أن صاحبه يوبخ على ما يأتيه منه. فأما قوله (الحمقى) ففعلي جمع فيما ~~يكون بلاء وزمانة. على ذلك # PageV01P804 # الجرحى والمرضى، فشبهت الحماقة به، ثم حمل الكيسى عليه، لأنهم يحملون ~~النقيض على النقيض كثيرا. ### || وقال بعض الفراريين # أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا # كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا # يصف حسن عشرته لصاحبه وجليسه، ومؤاخذة نفسه بصيانته وإكرامه فيقول: إذا ~~خاطبته خاطبته بأحب أسمائه إليه، وهو الكنية، وأعدل عن نبزه ولقبه؛ لأني ~~على هذا أدبت، حتى به تطبعت، فصار خلقا ثانيا لي وإن كان أصله تخلقا؛ إني ~~وجدت الأدب ملاك الأخلاق. والملاك: اسم لما يمتلك به الشيء، فهو كالرباط ~~والنظام وماأشبهما. وقوله (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) ينصب السوءة. فتنصب ~~اللقب من ألقب، وينتصب السوءة على أنه مفعول معه، فيكون من باب: جاء البرد ~~والطيالة. والتقدير: لا ألقبهاللقب مع السوءة. ويجري هذا المجرى قوله ~~تعالى: فأجمعوا أمركم وشر كاءكم، لأن المعنى مع شركائكم. ويكون المراد: لا ~~أجمع بين اللقب ومايسوءه من فحش الكلام. فهذا وجه للنصب. ويجوز أن يكون ~~انتصاب السوءة على المعنى، كأنه قال: ولا آتي السوءة، فعمل فيه معنى لا ~~ألقبه، فيكون على هذا من باب: # ياليت بعلك قد غذا ... متقلدا سيفا ورمحا # وعلفتها تبنا وماء باردا # ويجوز أن يمون السوءة مفعولا به، وقد عمل ماقبل الواو فيه، كما تقول: ~~مازلت وزيدا حتى فعل كذا، أي مازلت بزيد حتى فعل. ms0657 وتقدير الباب في هذا أكشف # PageV01P805 # من تقدير مع وإن تقارب معنياهما، كأنه قال: لا ألقبه اللقب بالسوءة. ~~ويقال: سميته كذا وبكذا، ولقبته كذا وبكذا. قال الله تعالى: ولا تنابزوا ~~بالألقاب. وإن رفع فارتفاعه يجوز أن يكون بالإبتداء ويكون الخبر مضمرا، ~~كأنه قال: والسوءةذاك، يعني إن لقبته فالفحش فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ ~~وخبره للقبا، ويكون مصدرا كالجمزى والوكرى وما أشبههما. والمراد: والفحش ~~استعمال اللقب معه، ويكون تفظيعا للأمر لو فعل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ ~~محذوف، كأنه قال: لا ألقبه اللقب، وهو السودة. وهذا أقرب. والسوءة: الفعلة ~~القبيحة. قال الشاعر: # يالقوم للسوءة السواء # ويسمى الفرج السوءة، لقبحه. وفي القرآن: فبدت لهما سواتهما. ويقال: سوءة ~~لفلان! دعاء عليه. ### || وقال رجل من بني قريع # متى ماير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد # وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود # أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكمعلى الأغنياء ~~والفقراء. فيقول: مما يقضى به الناس على الغنى وإلأى جنبه فقير، ان يقولوا: ~~هذا من عجزه أتى، وهذا لجلادته أغنى. وهذا خطأ، لأن الغنى والفقر مما قدر ~~الله تعالى وأجرى به قسمه في خلقه، وليس المعتم فيه على احتيالهم، وسعيهم ~~واجتهادهم، لكنها جدود وحظوظ درجوا عليها، وخلقوا لها، على ماعرف الله ~~تعالى من صالح خلقه. # وجواب (متى ما ير) قوله (يقولوا) . وارتفع عاجز على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~كأنه: هذان عاجز وجليد. # PageV01P806 # إذا المرء أعيته المرورءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد # وكأن رأينا من غنى مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد # قوله (إذا المرء أعيته) بعث وتحضيض على النهوض في طلب المعالي في ابتداء ~~النشء، وحين كان في القوة فضلة، وفي العمر مهلة، حتى تتلاقى أوائل عمره ~~وأواخرهفي طلب الرياسة، وإقامة المروءة، وأنه إن دافع بما عليهفي ذلك وماطل ~~انتظارا لأحوال تجتمع له، فاكتهل ولما تساعده تلك الأحوال فإنه يتعذر عليه ~~طلبها، ويشتد عليه إدراكها. وانتصب (ناشئا) على الحال، والعامل فيته أعيته. ~~ويقال: فتى ناشىء، أي شاب. قال ms0658 الخليل: ولا يوصف به الجارية. والناشئة: أول ~~الوقت، من هذا. وينتصب (كهلا) على الحال أيضا، والعامل فيه مطلبها، لأن ~~المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان ~~كهلا، ومثله: هذا تمرا أطيب منه بسرا. # وقوله (وكائن رأينا) كائن بمعنى كم. وكأنه أخذ يفضل الفر إذا جرى صاحبه ~~في محمود الطرائق من التجمل، والإكتفاء والتعفف، على الغنى وصاحبه يبطر، ~~ويطفى ويأشر، ثم لا يؤدي حق النعمة عليه، فقال: كم من غنى ساعدته الدنيا ~~والأقدار، ثم أصبح مذمما حين لم يلتزم شروط محمود الغنى، وكم من فقير قوم ~~لما جرى في ميدان العفاف والتجمل، والرضا بماله والتشكر، مات وهو حميد ~~الطريقة، رضى السريرة. والصعلوك: الفقير. ويقال: صعلكته، أي ذهبت بماله ~~كله. ### || وقال بعضهم: # وأضحت أمور الناس بغشين عالما ... بما يتقى منها وما يعتمد # جدير بإلا أستكين ولا أرى ... إذا الأمر ولى مدبرا أتبلد # قوله (يغشين عالما) أي يغشين منى عالما، لأن العالم هو هو، فحذف منى. ~~والمعنى: إني باشرت الأمور العظيمة، ولا بست الخطوب الجليلة، فصرت بطول ~~تجربتي، واتصال ممارستي، عالما من أمور الناس إذا وردت أخبارها على بما ~~يتحامى منها ويحذر، وما يتمنى منها فيطلب. فلا جرم أني خليق بألا أضرع عند ~~نوائب الدهر # PageV01P807 # ولا أخضع، ولا أرى إذا فاتني أمر أتحسر في إثره وقد ولى، وأضرب بلدة إحدى ~~كفى بالأخرى، ثوجعا وتلهفا، إذا كنت واثقا بأن الأمور يملكها التغير، وأن ~~الفائت يتلافى، فلا يدوم شيء على حال إلا ريث ما يتسلط عليه انتقال. # وقال الدريدي: تبلد الرجل، إذا تحير في أمره فأقبل يضرب بلدة نحره بيده. ~~وبلدة النحر: الثغرة وما حواليها. وقال الخليل: التبلد: نقيض التجلد وهو ~~استكانة وخضوع. وبلد الرجل، إذا انكسر في العمل وضعف. ### || وقال آخر: # وإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد # عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سولا أن يكون له غد # وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود # هذه ms0659 الأبيات تشبه قول الآخر: # وأكرم كريما إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إن العضاه تروح # وقوله الأخر: # لا تهين الفقر علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه # وقوله (أأنت بما تعطيه أم هو أسعد) تقديره أأنت أسعد بما تعطيه أم هو. ~~وأم هذه هي المتصلة المعادلة لألف الاستفهام، فانعطف هو به على أنت. وقد ~~يجيء الخبر في مثله مكررا، كقول الشاعر: # بات يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه # فيكون التكرار فيه على طريق التأكيد. ويجري (بين) هذا المجرى في نحو ~~قولهم: بين زيد وبين عمرو خلاف، ولو لم يكرر بين لكان الوجه. والشاعر يقول: # PageV01P808 # اذا زارك سائل فتوفر عليه، ولين قولك وجانبك له، فإنك لاتعلم أأنت أسعد ~~بما يناله منك أم هو، واعلم أن المحتاج إليك إن منعته سؤله وطلبته فهو حقيق ~~بأن ينال ما منعته في غده. وقوله (أن يكون له غد) في موضع خبر عسى، والضمير ~~من له يعود إلى السائل، والمعنى: عساه إن منعته سؤله من يوم كان عليه، أن ~~يكون غد ذلك اليوم له، ولهذا قال الله عز وجل: وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس، فغد يرتفع بيكون، وله في موضع الخبر. # وقوله (وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر) يريد استبق إخوانك وذويك، واعلم ~~أن في التكاثر بهم مزجرة للجاهل، ولتعاون أيديهم مدفعة لأذى المغلب الخامل. ~~ومع ذلك فالحلم أبقى شأنا وأمرا للرجال، وأرد عليهم وأنفع لهم. وهذه الوصاة ~~اشتملت على أمرين: أحدهما اكتساب مودات الإخوان لكي يكونوا إذا احتيج إليهم ~~عونا. والثاني استعمال الحلم مع الأعداء، والجري معهم على حد لايخرجهم إلى ~~المكاشفة، ولا يحوجهم إلى خرق الهيبة. وقوله (من اليوم سولا) يقال: أعطى ~~فلان سوله، فيهمز ولا يهمز. ### || وقال آخر: # إياك والأمر الذي إن توسعت ... مداخله ضاقت عليك المصادر # فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر # انتصب (والأمر) بفعل مضمر. وإياك ناب عن أحذرك، فكأنه قال: أحذرك أن ~~تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. والمعنى: تأكل كل ما ms0660 ~~تلابسه، واعرف أواخره وإن اشتبهت، كما تعرف أوائله وإن تبينت، لأنه يقبح ~~بالمرء أن يكون فيما يقتحمه عند نفسه معذورا، وعند الناس ملوما. # وقوله (فما حسن أن يعذر المرء نفسه) في إعراب (أن يعذر) وجوه: أحدها أن ~~يرتفع بالابتداء وخبره متقدم عليه، وهو حسن، لأن ما النافية إذا قدم خبره ~~على اسمه يبطل عمله. ويجوز أن يكون موضعه رفعا بفعله وفعله حسن، ويرتفع حسن ~~بالابتداء، ويستغنى بفاعله عن خبره، وجاز الابتداء بحسن وإن كان نكرة ~~لاعتماده على حرف النفي. والمعنى: ما يحسن عذر المرء نفسه فيما يتولاه # PageV01P809 # وليس له من الناس عاذر. ويجوز أن يرتفع (أن يعذر) بأنه خبر المبتدأ الذي ~~هو حسن، وهذا أضعف الوجوه. ويروى: (إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر) ~~وقوله (من سائر الناس) أي من باقي الناس، وهو من السؤر. ومن موضع الجميع ~~فقد أخطأ. ### || وقال العباس بن مرداس # ترى الرجل النحيف فتزدربه ... وفي أثوابه أسد مزير # ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير # ينبه بهذا الكلام على أن الرجال ليسوا بجزر يطلب عظمها وسمنها، لأن المرء ~~بأصغريه: قلبه ولسانه. فيقول: ترى الرجل النحيف المهزول الدقيق، فتستحقره ~~لضؤولته، واذا فتشت عنه واستشفقت ما وراء ظاهره وجدته أسدا مزيرا. والمزير ~~هو الجلد الخفيف النافذ في الأمور. ويروى: (يزير) وليس بجيد من طريق ~~المعنى، فكأنه أصله يزئر فنقلت الحركة إلى الزاء وأبدل من الهمزة ياء، كما ~~يقال المراة والكماة، في المرأة والكمأة. وإنما ضعف من طريق المعنى لأن ~~تشبيهه إياه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ~~ووجهه على ضعفه أن يكون مورد (يزئر) تأكيدا للتشبيه، كما يستعار صفة المشبه ~~به للمشبه وإن كان حصوله لو حصل ذما فيه، تأكيدا للتشبيه. على ذلك قوله: # أزل إن قيد وإن قاد نصب # والزلل من صفة الذئب. ومثله قول الآخر: # صكاء ذعبلة إذا استدبرتها # والصكك من صفة النعام. # PageV01P810 # وقوله (فيعجبك الطرير) فالطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة. فيقول: ويتفق في ~~الرجال من يعجبك خلقته، فإذا بلوته وامتحنت أخلاقه ms0661 وجدته لايصدق ظنك فيه، ~~بل يخلف ويخالف في كل ما تعتمد عليه، أو تكله إليه. # فما عظم الرجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرم وخير # ضعاف الطير أطولها جسوما ... ولم تطل البزاة ولا الصقور # بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور # صرح عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمه وفضله ~~وكثرة محاسنه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخلق، فلا اعتبار ~~بالعظم، ولا فخر في البسطة إذا حصلت في الجسم خاصة من دون العلم. ثم أخذ ~~يمثل فقال: ترى الطير ضعافها كالكراكي وطيور الماء أطولهاجسوما، وأمدها ~~أعناقا وسوقا، ثم كرائمها كالبزاة والصقور، وهي تصيد ما وزنه يتضاعف على ~~وزنها. وما طوله وعرضه يتزايد على طولها وعرضها، ثم بغائها وهي صغارها ~~ومصطادها أكثر فراخا وأوسع نسلا، وأم الصقر قليلة الفراخ مقلات لايبقى لها ~~أيضا ما تفرخه. وانتصب (جسوما) و (فراخا) على التمييز. والمقلات: مفعال من ~~القلت، وهو الهلاك. والنزور: القليلة الأولاد، من النزر، وهو القليل. # لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير # يصرفه الصبي لكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير # وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير # لما ضرب المثل بذوات الأجنحة والماشية على رجلين، عاد يذكر من ذوات الربع ~~مثل ذلك فقال: ترى البعير مع عظمه وقوته، وصبره على النهوض بالأعباء ~~الثقيلة، والأحمال العظيمة، لما لم يصحب عظمه اللب، وقوته التمييز، لم ~~يستغن بما أعطي من ذلك، بل تراه مسخرا لأن يديره الصبي على وجه من وجوه ~~التذ ليل، ةيحبسه زمامه على كل خسف وهضم، حتى أن الوليدة تضربه أوجع الضرب، ~~فلا إنكار منه ولا ذهاب عنه، ولاتغيير إليه ولا نكير لديه. # PageV01P811 # وقوله (الهراوي) جمع هراوة، ووزنه فعائل هرائي، لأن فعيلة وفعالة يشتركان ~~في هذا البناء من التكسير، تقول: صحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، إلا أنهم ~~فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فصار هراءا، فاجتمع همزة وألفان ~~فكأنه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فأبدلوا من الهمزة واوا فصار ~~هراوى. ms0662 فإن قيل: هلا أبدلت منه الياء، كما فعلته في مطايا وما أشبهها؟ قلت: ~~أرادوا أن يظهر في الواو كما ظهر في الواحد ليتميز بنات الياء عن بنات ~~الواو. # فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير # يقول: إن كثرني شراركم وأراذلكم، لوفور عددهم وكوني واحدا فيهم، فإني ~~أكثر خياركم وأغلبهم لقلتهم وكثرتي، وذلك أني أنوب عن جماعة إذا عد ~~الأخابر. ويجوز أن يريد أنه لاخيار لكم، فأنا وإن كنت واحدا من حيث العدد، ~~كثير إذا طلب الخيار منكم، إذ لم يكن لكم خيار. وقد مضى القول في غير موضع ~~في حذف النون من لم أك وإن أك. ### || وقال بعضهم: # أعاذل ماعمري وهل لي وقد أتت ... لداتي على خمس وستين من عمري # رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسرى به وهو لايدري # مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر # وقوله (ما عمري) استفهام على طريق التحقير والاستقلال، فكأنه العاذلة ~~كانت عتبت عليه في تبذير وإنفاق، وخوفته العواقب وما تؤدى إليه باتفاق، ~~فأخذ يجيبها ويقول: يا عاذلة، أي شيء عمري، وكيف يدوم بقائي حتى أخوف ~~بالفقر، وهل لي عمر وأقراني يعدون خمسا وستين سنة. ثم أخذ يذم الحريص على ~~الدنيا وأعراضها، ويقص ما تستوي فيه أقدام الخلائق من إرصاد الفناء لها ~~فقال: رأيت صاحب الدنيا وإن كان متودعا مقيما، كامسافر يسار به وهو لا ~~يعلم؛ وذلك لأن له أجلا يساق إليه، ومنتهى من العمر يحال عليه، فالأيام ~~تأخذ منه، وتنقص من عمره، فهو كالمسافر وقد انتوى نية فما يقطعه من المسافة ~~يقربه من مقصده، ويعجل وصوله إلى أمده. # وقوله (مقيمين في دار) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا) ، لأنه أراد ~~به الكثرة، فهو كأسماء الأجناس. وقال: (نروح ونغتدي) لأنه من إخوان الدنيا، ~~فادخل # PageV01P812 # نفسه فيهم. وقوله (بلا أهبة الثاوي المقيم ولاالسفر) يريد: لانأمل البقاء ~~في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته، ولا كالمسافر ~~فنعد عدته. واراد بالثاوي المقيم الكثرة لا الواحد. ms0663 وقد تقدم القول في ~~حقيقة العمر. ### || وقال بعضهم: # لاتعترض في الأمر تكفى شؤونه ... ولاتنصحن إلا لمن هو قابله # ولاتخذل المولى إذا ما ملمه ... ألمت ونازل في الوغى من ينازله # يوصى مخاطبه بأن يعرض عن الأمر الذي لايعنيه، ويترك الاعتراض فيه، والا ~~يتنصح إلا لمن يرجو قبول النصح منه، وبألا يخذل ابن عمه إذا نزلت به نازلة، ~~بل من ينازله، ويناوىء من يناوئه. وهذا على طريقتهم في قولهم: (انص أخاك ~~ظالما أو مظلوما) . وأصل الوغى هو الجلبة والصوت. وقوله (في الأمر تكفى ~~شؤونه) يريد تكفى أسبابه وجوانبه. والضمير من (قابله) لما دل عليه قوله ~~لاتنصحن، وهو النصح. ### || وقال منظور بن سحيم # ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكى وأبكى البواكيا # فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا # وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادكرت حيائيا # يصف نفسه بالتعفف عن المطامع الدنية، والمطامع الذميمة، فيقول: لاأهجو ~~بسبب القرى، وهو ما يقدم إلى الضيف، ولا أشكو أهل دار فأبكي على ما يفوتني ~~من زادهم وأبكي غيري معي. وقوله (أبكي وأبكي البواكيا) لا بكاء ثم، وإنما ~~أراد # PageV01P813 # تفظيع التأسف. فيريد: لا آسف لما أرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره ~~تهالكا على مال غيره، وتوجعا لشدة نهمته. # وقوله (فإما كرام) فصل بين حرف الجزاء والفعل بقوله كرام، فارتفع بفعل ~~مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. كأنه قال: فإما يقصد كرام موسرون أتيتهم. ~~وقوله (فحسبي) في موضع الابتداء، و (ما كفاني) في موضع الخبر، والفاء ما ~~بعده جواب الشرط. وقوله (من ذي عندهم) أراد من عندهم. والعرب تقول: هذا ذو ~~زيد، يريدون: هذا زيد. وهذا من إضافة المسمى إلى الاسم. قال الكميت: # إليكم ذوي آل النبي تطلعت # يريد أصحاب ذا الاسم. وقال الأ عشى: # فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا # أي العسكر الذي يقال له آل حسان. # ويروى: (من ذو عندهم) ويكون ذو بمعنى الذي، وعندهم في صلته، وذو هذه ~~طائية. والمعنى: لايخلو من أقصده ms0664 وأنزل به من وجوه: إما أن يكونوا قوما ~~يرجعون إلى كرم ويسار، فيتوفرون على حسب ما يقتضيه كرمهم وأكتفى من الذي ~~عندهم لي بما يكفيني، وإما أن يكونوا كراسسما مضيقين أثر الدهر فيهم، ~~فأعذرهم لإضاقتهم، وعلمي بحالهم. فقوله (وإما كرام معسرون) بيانه: وإما قصد ~~كرام مضيقون عذرتهم في تقصيرهم، وإما أن يكونوا قوما لئاما في أخلاقهم ~~دناءة، وفي أعراقهم نذالة، فتذكرت حيائي وصيانتي لنفسي، فلم أبذل لهم وجهي، ~~ولم أبتذل بتقاضيهم ومطالبتهم جاهي. # وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة ... وبطني أطويه كطي ردائيا # قوله (أبقى ما ادخرت) ما في موضع الجر، كأنه قال: عرضي أبقى شيء أدخره ~~ذخيرة، أي اكتسبه ذخيرة. فعلى هذا ينتصب (ذخيرة) على الحال المؤكدة لما # PageV01P814 # قبله. وادخر: افتعل من الذخر لكنه ابدل من التاء دالا فأدغم الدال فيه، ~~فلك أن تقول ادخر ولك أن تقول اذخر. # وهذا الكلام بيان ما يأخذ به نفسه من الصيانة والقناعة، وسلوك طرائق ~~الانقباض عما يشين ولايزين من الانبساط إلى اللئام. فكأنه قال: أبقي على ~~عرضي، لأنه أعز الذخائر لي، وأطوي بطني عن المآكل المردية كما أطوي ردائي، ~~إذ كان التزهد قيما يخزي أولي عندي. ### || وقال سالم بن وابصة # ونيرب من موالي السوء ذي حسد ... يقتات لحمي وما يشفيه من قرم # داويت صدرا طويلا غمره حقدا ... منه وقلمت أظفارا بلا جلم # النيرب: النميمة والعداوة وقوله (ونيرب) أراد وذي نيرب، والمصدر وما يجري ~~مجراه إذا وصف به إما أن يكون على حذف المضاف، وإما أن يجعل الموصوف نفس ~~الحدث لكثرة وقوعه منه. فيقول رب ذي نيرب حسود من موالي السوء، يغتابني ~~بظهر الغيب، ويأكل لحمي ولا يشفيه ذلك من قرم. والقرم: شهوة اللحم. والمعنى ~~أنه لايكفيه ما يتناول مني وإن كان لا يألو جهدا في ثلبي. وجواب رب قوله ~~(داويت) من البيت الثاني. ويقتات: يفتعل من القوت، وهو فعل المطاوعة. ~~ويقال: قاته كذا فاقتاته. # ومعنى (داويت صدرا طويلا غمره) أي صابرته على مداجاته وانطوائه على حقدي، ~~فدفعت شره عن نفسي بطول مداواتي، وفللت ms0665 حده بترك مكاشفته حتى لم يجد إلى ~~إثارة كامن غمره طريقا، فاحتاج إلى الإمساك عن أذاتي، لدوام تمسكي بمجاملته ~~شاء أو أبى. وقوله حقدا هو اسم الفاعل من حقد، وهولغة في حقد. يقال حقد ~~يحقد فهو حقود، وحقد يحقد فهو حقد. # بالحزم والخير أسديه وألحمه ... تقوى الإله وما لم يرع من رحمي # فأصبحت قوسه دوني موترة ... يرمي عدوى جهارا غير مكتم # الباء من قوله (بالحزم) تعلق بقلمت او داويت من البيت المتقدم. والخير: ~~الكرم، وقيل: هو الهيئة والطبيعة، يقال: هو كريم الخيم والخير جميعا وقوله # PageV01P815 # (أسديه وألحمه) خبران لف أحدهما بالآخر. فقوله (تقوى الإله) يرجع إلى ~~أسديه، و (ما لم يرع من رحمي) رجع إلى ألحمه. والمعنى: داويت صدره أي مكنون ~~صدره، وقلمت ظفره باستعمال الحزم والخير معه، ثم جعلت تقوى الله تعالى سدى ~~ما بيني وبينه، وألحمته رعاية ما ضيعه من الرحم، فلا جرم أنه كف من شأو شره ~~وغرب عداوته، وأقبل في الظاهر يعادي من يعاديني، فقوسه الآن موترة دوني ~~يرمي منها أعدائي بأسهم النصرة. مجاهرة لا مكاتمة. # إن من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم # نبه بهذا الكلام على أن تحلمه عن أدانيه كان عن قدرة لا عن عجز ونقيصة، ~~ولو شاء لانتقم منهم. وأنه لم يكسبه إمساكه عن مجاذبتهم ذلا، ولو كان يفضي ~~به الحال إلى ذلك لما فعل، فتحلمه كرم، وإبقاؤه على ما يجمعه وإياهم من ~~قربي وقرابة تقي وتفضل. وقوله (فضل من الكرم) يريد أنه نوع من الفضل يعد في ~~خصال الكرم. ومثل هذا قول الآخر: # جهول إذا أزرى التحلم بالفتى ... حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل ### || وقال بعضهم: # وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء # فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء # يماثل هذا قول الآخر: # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المطعم # قوله (وأظلله) يريد أظل عليه، فحذف حرف الجر، كما قال: # لولا الأسى لقضاني # PageV01P816 # أي لقضى علي. ### || وقال ms0666 نافع بن سعد الطائي # ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما # ولست بلوام على الأمر بعدما ... يفوت ولكن عل أن أتقدما # يقول: أما علمت من أخلاقي الكف عن كثير من المباغي الجالبة لقالة الناس ~~وتصرفهم في الحكم عليه وله، وأنني إذا أمكنني الفوز بالمطامع القريبة ~~والمآكل الهنيئة، فأشرفت منها على تحصيلها لم أنس أخذ النفس بالنظر فيها، ~~واستعمال الكرم في ترك ما يجمع على عارا منها. وقوله (على طمع) أي على ~~مطموع فيه، ومنه قيل لأرزاق الجند: أطماعهم. # وقوله (ولست بلوام) يقول: إذا فاتني أمر لا أرجع على نفسي بللوم الكثير ~~تحسرا في إثرهم، لكنني حقيق أن أتقدم في تحصيله قبل فواته إن كان مما يهم ~~وقوله (ولكن عل) هو أصل لعل، وهو حرف موضوع للطمع والإشفاق، واسمه مضمر ~~كأنه قال ولكن لعلني أن أتقدم. وهويجيء بأن وبغير أن، فإذا كان معه أن أفاد ~~فائدة عسى، وإذا جاء بغير أن كان الفعل أقرب وقوعا، لأن أن للاستقبال، ولعل ~~وإن كان حرفا يعد مع أفعال المقاربة وهي عسى وكاد ولوام بناء المبالغة، ~~وليس بمبنى على لوم لأن المبني عليه هو ملوم. ### || وقال بعض بني أسد # إني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري على مبتغى قرضي # وأعسر أحيانا فنشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي # ومانالها حتى تجلت وأسفرت ... أخو ثقة منى بقرض ولا فرض # PageV01P817 # يعدد في هذه الأبيات عاداته في حالتي الغنى والفقر، فقال: إني أنال الغنى ~~فلا يكسبني أشرا ولا بطرا، لكني أشكر الواهب وأبقى على حالتي الأول، بل ~~يقربني ما أناله من المتصلين بي، والمضمين إلى بسبب من الأسباب، فأعرض ما ~~يتيسر لي عن طلاب قرضي، وأشرك من يمت إلى في الخير المتاح. وقد يتعقب ~~الإيسار إعسار في الوقت بعد الوقت، فأصبر وإن اشتد عسري، وأسبل على نفسي ~~جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ونفسي معي، لم أبتذلها ولم أدنسها ~~بتعريض أو تصريح لمفضل أطلب بهما عنده مطمعا، وأجتلب مرغبا. وقوله: (وما ~~نالها) ms0667 يريد وما نال تلك العسرة أخ لي يوثق بوده لا بعارية ولا بعطية، إلى ~~أن انكشف وفارقت. # وقوله: (أبطر الغنى) معناه أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر فأتجاوزه ~~وأخلفه ورائي، غمطا للنعمة، أو جهلا بحق الصنيعة. وقال الله تعالى: وكم ~~أهلكنا من قرية بطرت معيشتها. وقوله (أعرض ميسوري) وضعه بلفظ المفعول ~~للمصدر، يريد اليسر. ومثله ماله معقول. وضده حمل عليه وهو العسر، فقيل ~~معسور. وإنما قال (ومعي عرضي) لأنه إذا صانهعن القبائح ولم يسلط عليه من ~~يتملكه بهبة أو صلة، فكأنه معه لم يفارقه. ولو أجراه على غير هذا لكان ~~مفارقا له، وداخلا في ملكه غيره. # ولكنه سيب الإله ورحلتي ... وشدى حيازيم المطية بالغرض # الهاء من قوله (ولكنه) يعود إلى الميسور الغنى. واستدراك النفي من قوله ~~(ما نالها حتى تجلت) بقوله لكن، يريد: لكن الغنى المتجدد، وهو عطية الله ~~تبارك وتعالى، وتقلبي وارتحالي، وشدى حيازيم المطايا بالغروض. كأنه ذكر ~~الأسباب التي يسرت له الغنى، وأنها لم تخرج من تفضل الله تعالى واجتهاده. ~~وقوله (المطية) أراد بها الجنس، لذلك قال (حيازيم) وجمعها. والسبب: العطاء ~~والمعروف، وكثر في الاستعمال حتى سمى الكنوز سيوبا، وقيل لكا تخرجه المعادن ~~سيوب. والغرض والغرضة: البطان، وهو للبعير بمنزلةالحزام للدابة. والمعرض ~~منه كالمحزم. # وأستنقذ المولى من الأمر بعدما ... يزل كما زل البعير عن الدحض # وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محي الضلوع على بغضي # PageV01P818 # يقول: إني أتعطف على أبناء عمي، فأخلصهم من الشدائد، وآخذ بأضباعهم إذا ~~زلت أقدامهم، فأقيمهم بعد أن كانت زلتهم كزلة البعير عن المزلفة. وإنما خص ~~البعير لأن سقطته أفظع وأسرع في المزل. يقال: مكان دحض ومدحضة. ودحضت رجل ~~البعير، إذا زلقت. قال: # وحدت كما حاد البعير عن الدحض # ومنه: حجتهم داحضة أي لا تثبت. ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت. # وقوله (وأمنحه مالي) يريد: أني بعد استنقاذي إياه أتوفر عليه ببذل المال، ~~وإخلاص الود، وتقريب النصرة، وإن كان منطويا على العداوة والبغضاء. # وقوله (محنى الضلوع) أي معطوفها. ويقال: حنيت الشيء وحنونه ms0668 حنيا وحنوا، ~~فهو محني. ### || وقال حاتم الطائي # وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركاب # وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأترك صاحبي # يقول: لا أجتذب إلى نفسي الفضل مع خلطائي وشركائي في الشرب وغيره فلا ~~أتسرع في الورود مستعجلا براحلتي لتشرب ماء الحوض قبل ورورد ركائبهم. ومعنى # PageV01P819 # قوله (بالساعي بفضل زمامها) السابق بما أعطى راحلتي من زمامها. وهذا مثل. ~~والركائب: جمع ركوب، وهو إسم يجمع ما يركب، ويقال: ركوبة، فهي كالحلوبة ~~والحمولة، وتقع للواحد والجمع. وقوله (وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها) ، ~~يقول: وإذا كان لي رفيق في السفر وسعت جنابي له، ولا أتركه يمشي وقد خففت ~~حقيبة رحل ناقتي طلبا للإبقاء عليها، ولكني أردفه أو أركبه. والحقيبة: ما ~~يشد خلف الرحل. قال: # والبر خير حقيبة الرحل # والفعل منه احتقب واستحقب. واستعير فقيل: احتقب إثما. قال: # فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل ### || وقال آخر: # وإني لأنسى عند كل حفيظة ... إذا قيل مولاك، احتمال الضغائن # وإن كان مولي ليس فيما ينوبني ... من الأمر بالكافي ولا بالمعاون # يصف نفسه بأن الحقد ليس من طبعه ولا عادته، فيقول: إني أشفق على موالي ~~حتى إذا اتفق لواحد ما يحتاج منى إلى معونة نسيت سيئته، ولم أحتمل في صدري ~~له ضغنة، فأخذت بيده وأعنته على دهره، وإن كان فيما ينوبني ليس بكاف لي ولا ~~معين، إذ كنت أوجب له بكونه مولى ما ينسى تباغضه وجفاءه. والحفيظة: الخصلة ~~يحفظ لها الإنسان، أي يغضب. ويقال: (أهل الحفائظ أهل الحفاظ) ، لأنهم ~~يحامون من وراء إخوانهم. وانتصب (احتمال) بأنسى. والضغائن: جمع الضغينة، ~~وقد مر ذكرها. ### || # PageV01P820 ### || وقال آخر: # ومولى جفت عنه الموالى كأنه ... من البوس مطلى به القار أجرب # رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب # يقول: رب ابن عم زهد أقاربه في الإحسان إليه فاطرحوه وانثنوا عن الفكر ~~فيه والتوفر عليه، نبوا عنه وعن اصطناعه، فأثر فيه البؤس، وأحلط بجوانبه ~~الشقاء والضر، حتى صار كالبعير الجرب وقد طلى بالقار، ms0669 هيئة ولونا، وضؤولة ~~وانخزالا، وتباعدا عن الناس وتجافيا، أنا عطفت عليه، وأشركته فيما وهب الله ~~لي في وقت من الزمان لا يؤوي أحد من أهله غيره، لشمول القحط، وغلبة الضر ~~والفقر، حتى أن النوق تؤثر التباعد عن أهلها فلا ترأمها، وترى الذين يبسون ~~بذوات الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا، وترى الذين يبسون بذوات ~~الألبان عند الحلب، لا يجدون في ضرعها خيرا. ويقال: بس بالناقة وأبس، إذا ~~دعاها للحلب. ومن أمثالهم: (لا أفعل كذا ما أبس عبد بناقة) ، أي دعاها ~~للحلب. ويقال: رئمت الناقة رئمانا، إذا عطفت. ### || وقال عروة بن الورد # دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي محمل # أليس عظيما أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول # يخاطب عاذلة له فيما هم به من الترحال في طلب المال، فقال: اتركيني وما ~~اختاره من التجوال، والتنقل في البلدان، طمعا في خير أستفيده، وغنى أستجده، ~~لكي إذا نابنا ذو حق وجد على مالنا محملا وعلينا في التزام واجبه متكلا؛ ~~لأن من جال نال، ومن قرع بابا وجد ولوجا، وأول درج الحرمان الوقوف عند أدنى ~~الهمتين، وآخرها الرضا بأودع العيشين. # وقوله (أليس عظيما) يريد تقريرها على فضاعة الفقر والفاقة، وقباحة إمساك ~~الناس عن تعليق الرجاء بهم والطاعة، فقال: ألا تستعظم أن تنوب الحي نائبة ~~فلا يعولون علينا في الإحتمال عنهم، ولا يرتجون منا تعطفا عليهم، لا تضاع ~~حالنا، وتأكد # PageV01P821 # اليأس من نيلنا. وقوله (أفيده) بمعنى أستفيد. وأليس يقرر به في الواجب ~~الواقع، وأن تلم في موضع الرفع بليس. ### || وقال آخر: # تناقلت إلا عن يد أستفيدها ... وخلة ذي ود أشد به أزرى # هذا في طريقة ما تقدم. والمعنى: أني أتباطأ عن المطالب والمباغى كلها إلا ~~إذا اتفق مصنع عند حر، فإني أتسرع إليه، وأتخفف في تحصيله، مخافة أن يفوز ~~به غيري، لأن اعتقاج المنن في أعناق الرجال أعده غنيمة تغتنم، وفائدة تدخر؛ ~~وإلا صداقة أخ وديد أعتمدها في مدافعة شر، ولا شتداد أزر، فإني أجمع يدي ~~عليها، ولا ms0670 أصبر على المزاحمة فيها. ويقال: شد فلان أزره، إذا شد معقد ~~إزره. ويقال: آزره على امره، إذا ظاهره وعاونه عليه. ### || وقال عبد الله بن الزبير # لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أخر على ما فاتني الودجا # وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا # يصف حسن ثقته بربه، وجميل ظنه بتفضله، وأنه قد جرب وتبصر، وعرف من أعقاب ~~الأمور ما جعله لا يذل لنائبة، ولا يتخشع لنازلة، فلا يظن الشر إذا بلى به ~~ضربة لازم لا يخالف، وجار سوء لا يفارقز قال: وإذا فاتني أمر وإن جل لا ~~أهلك أسى في إثره، ولا أقتل نفسي جزعا لفوته، ولا أنزل من مظان الماره ~~منزلة إلا وثقتي بتلى الفرج وتعجله على أقرب مسافة مني. والودجان: عرقان ~~يقطعهما الذابح. ويقال: ودجت الدابة، إذا أصبت ودجها. ### || وقال مالك بن حزيم # أنبيت والأيام ذات تجارب ... وتبدي لك الأيام ما لست تعلم # بأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثنى عليه الحمد وهو مذمم # PageV01P822 # وأن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المحرم # يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسط القوم لا يتكلم # قوله (والأيام ذات تجارب) اعتراض وقع بين أنبيت ومفعوليه، وهما في قوله ~~(بأن ثراء المال ينفع ربه) لأن أنبيت ونبيت وأخواتها كل واحدة منها تتعدى ~~إلى ثلاثة مفاعيل. وقوله (وتبدي لك الأيام) اعتراض ثان وإن عطف على ماقبله. ~~والمعنى أن الأيام والليالي تفيد أربابها تجارب بما يحدث فيها من الحوادث، ~~ويتحول من الأحوال، وتعلمهم بما ينكشف عنها ويشتملعليها من غوامض الأمور ~~وخفياتها، مالا يخطر لهم ببال، ولا يؤديهإليهم رسم ولا مثال. فيقول: أخبرت ~~والأيام هذه حالها أن كثرة المال، والتوسع في الحال، يرجعان بالنفع على ~~صاحبهما فيصورانه بصورة المشكور والمحمود، وإن كان عند التحقيق والتحصيل ~~مشكوا مذموما؛ وأن قي قلة المال مفسدة لحال المقل وجاهه ونفسه، حتى يبريه ~~ويقطعه بري السوط الجديد الذي لم يلين بعد، المضروب به، فتراه يبخع نفسه، ~~وبتخشع للاقيه والناظر إليه، ويلزم السكوت في نادي الحي ms0671 فلا ينبس تماوتا ~~وتصاغرا، إذ كان قد علم من نفسه أنه لا يستطيع الترقي في مدارج الفضل ~~والإفضال، وانه تقعد الحال به عن النهوض بما ينهض به أماثل الرجال، فهو ~~يسلم الأمر لهم، ويبرأ من التدبير إليهم إليهم. وقوله (بأن ثراء المال) ~~تعلق بأنبيت بأن الأمر كذا وأن الأمر كذا. والقطيع: السوط. والمحرم: الذي ~~لم يمرن بعد. ### || وقال محمد بن بشير # لأن أوجى عند العرى بالخلق ... وأجتزي من كثير الزاد بالعلق # خير وأكرم لي من أن أرى مننا ... خوالدا للئام الناس في عنقي # يصف رضاه بيسير الحظ من الدنيا، وعفافه عن كثير ما يستغني عنه فيتوقى، ~~فيقول: لأن أتبلغ عند التعري باكتساء الخلق، وأكتفي من الزاد الكثير بما ~~يمكن به سد # PageV01P823 # الفاقة - أصون لي وأرد على من أرى مننا معقودة في عنقي، مثقلة لظهري، ~~باقية على أعقاب الزمان للئام الناس عندي. والعلق: جمع العلقة، وهي اليسير ~~من الشيء يتبلغ به ويعتلقه المحتاج إليه. ويجوز أن يكون من علق يعلق، إذا ~~رعى. ومنه الحديث: (إن أرواح الشهداء لتعلق في الجنة) وتكون العلقة كالغرفة ~~والطعمة وما أشبههما. وقوله (لأن أزجي) اللام لام الابتداء، وأن أزجى مبتدأ ~~وخبره قوله (خير وأكرم بي) . # إني وإن قصرت عن همتي جدتي ... وكان مالي لايقوى على خلقي # لتارك كل أمر كان يلزمني ... عارا ويشرعني في المنهل الرنق # نبه على تمام الظلف والعفاف إذا أخذ به الإنسان، فيقول: أنا وإن عجزت ~~غنيتي عما توجبه همتي، وكان في حالي قصور عما يدعو إليه خلقي، معرض عن كل ~~أمر إذا نلته رجع منه على أذكر به، ويوردني مشارع الكدر، فإذا صدرت عنها لم ~~أتهنأ بشربي منها. ولك أن تروى: (في منهل الرنق) فيكون المنهل مضافا إلى ~~المصدر، ولك أن تروى: (في المنهل الرنق) بكسر النون فيكون صفة له. والمنهل: ~~موضع النهل. والناهل: العطشان، والريان جميعا. والوجد والجدة: مصدر وجدت، ~~في المال. ويقال: شرعت في الماء، إذا خضت. وأشرعني فيه فلان وشرعني أيضا. ~~وفي المثل: (أهون الورد التشريع) . ### || وقال أيضا: # ماذا ms0672 يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا # كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا # قوله (ماذا) لفظة استفهام، والمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون (ما) مع ذا ~~بمنزلة اسم واحد مبتدأ، ويكلفك خبره. ويجوز أن يكون وحده اسما، وذا في موضع ~~الخبر، ويكلفك من صلته؛ كأنه قال في الأول: أي شيء يكلفك، وفي الثاني: ما ~~الذي يكلفك السير في الليل والنهار متصلا، لاتفتر تركب البر تارة، والبحر ~~أخرى. والروحات: جمع الروحة، وهو يريد به السير رواحا. والدلج والدلجة: ~~السير بالليل. وقوله (طروا) انتصب على الظرف، والبر انتصب بفعل مضمر دل ~~عليه الفعل الذي # PageV01P824 # بعده. واشتقاق الطور من قولهم: لاأطور به، ومن طوار الدار، وهو ما كان ~~ممتدا معها. # وقوله (كم من فتى) أفاد كم التكثير، والكلام خبر، والمراد: كثير من ~~الفتيان تودعوا في منازلهم، وقصرت خطواتهم للسعي في طلب أرزاقهم، ألفوا قد ~~نالوا ما غلبوا به المجد في الطلب، المتعب نفسه في التنقل. ومعنى فلج: غلب. ~~وسهام الرزق، يراد به قداح الرزق، كأنه فاز لما خرج له من عند الإجابة بما ~~غلب به مقامره ومزاحمه. ويجوز أن يري بسهام الرزق ما حظ له من الحظ، وأسهم ~~له وقسم في الرزق. # إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا # لاتيأس وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # يقول: استعن بالصبر في كل ما تزاوله وتراوده، فإن الأمور إذا انسدت ~~طرقها، وأعيت الحيل في تحصيلها، فإن الصبر يسهل مدارجها، ويوسع موالجها، ~~ويفتح ما انغلق منها، ويفتق ما ارتتق من أسبابها، ولا يتسلطن عليك من اليأس ~~ما يفتر عزمك، أو يقصر سعيك، وإن دامت مطالبتك، واتصلت مواظبتك. واعتقد أن ~~الفرج يتلقاك، والنجح بأقرب المنازل منك؛ فإنك إذا فعلت ذلك فزت بكل ما ~~ترومه، وتعجل لك كل ما تهواه. وقوله (أن ترى) في موضع المفعول من تيأسن. ~~وقوله (فالصبر يفتق) جواب إذا، وخبر إن الأمور في الشرط والجواب. ويقال ~~رتجت الباب وأرتجته، إذا أغلقته، وباب ms0673 مرتج ومرتوج. والرتاج: الباب نفسه. # أخلق بذي الصبرأن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا # يقول: إن مدمن الصبر في الأمور، وملازم التثبت والتلوم عند الخطوبحقيق ~~بأن يظفر بطلبته، وبنجاح السعي في مرامه وبغيته. كما أن من أدام قرع أبواب # PageV01P825 # مداخله، وغمز مفاصل آرابه، حقيق بولوجه ووصوله، ومعرفة متيح ما يرجوه ~~ومريحه. # ثم قال: وإذا سعيت في أمر فاعرف مواطىء قدمك قبل أن تعلوها، ومواقع خطوك ~~قبل أن تعدوها، واقسمها بين نظرك واختبارك، وتحقيقك وحدسك؛ فإن من ركب ~~مزلقة عن غرة وغفلة، يوشك أن يسقط ليديه وفمه، وتزل به قدمه إلى قرار هلكته ~~وحينه. والزلج: السرعة في المشي والسقوط وغيره. وفرس زلوج: سريع السير. ~~وكذلك يقال قدح زلوج. ومزلاج الباب: الخشبة التي يغلق بها. ### || وقال آخر: # لججنا ولجت هذه في التغضب ... وشد الحجاب بيننا والتنقب # تلوم على مال شفاني مكاني ... إليك فلومي ما بدا لك واغضبي # كان هذا الشاعر اطلع من أحوال أيتام أخيهعلى ماساءهوأنف منه، ثم دعاه ~~التحنن والإشفاق مما يتداوله الناس في مجالسهم من أحاديث البر والعقوق، ~~وتصرفهم في صرف المقت إلى مستحقه، والحمد إلى مكتسبه، إلى أن أمر عبديه ~~الراعيين بإراحة ما ردا إلى فنائه من مسارح إبله عليهم، فاغتاظت امرأته من ~~ذلك وأنكرت فعله، وخوفته في أثناء ملامها بالفقر وهجرته، فأخذ يقتص ما كان ~~منها ومنه فقال: تمادت امرأتي في الغضب والهجران، واللوم والإحتجاب، وكل ~~ذلك منها في مالي شفاني موضعه الذي وضعته فيه، ومصرفه الذي صرفته إليه. ثم ~~أقبل عليها مستهينا بها وبفعلها فقال: إليك فلوميما بدلك. والمعنى: اجمعي ~~أمرك واستمريي عتبك وغضبك ما بدا لك، فإن الرشاد فيما آثرته، والصلاح في ~~قران ما اخترته. و (إليك) : اسم من أسماء الأفعال هنا، كما يكون عليك، ~~وعندك. ولذلك عطف عليه قوله (فلومي) . و (ما بدالك) في موضع الظرف. وقد ~~تقدم القول في أمثاله. # PageV01P826 # رأيت اليتامى لا تسد فقورهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب # فقلت ms0674 لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي مثل آخر معزب # عيالي أحق أن ينالوا خصاصة ... وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسبي # يعني باليتامى أولاد أخيها المتوفي. يريد: رأيتهم لا تسد مفاقرهم ولا ~~تقيم مختل أحوالهم، تحف توجه إليهم، وهدايا تحمل نحوهم في قعاب مشعوبة. ~~يشير بذلك إلى ما كانت امرأته تتولاه وتأتيه من برهم وتفقدهم قبل ذلك. وفي ~~قوله: (هدايا لهم في كل قعب مشعب) إزراء بصنيعها، وبالألبان المنقولة إليهم ~~وظروفها. وجمع الفقور لاختلاف وجوهها. # وقوله (فقلت لعبدينا) يعني راعييه اللذين أمرا بسوق الإبل المردود من ~~المراعي إلى فناء أولاد أخيه. وإنما ثنى على عادتهم في تثنية مزاولي ~~أعمالهم، كالبائن والمستعلى في الحلب وما أشبههما. وقوله: (سأجعل بيتي مثل ~~آخر) ، يريد مثل بيت آخر وقد عزبت إبله وتباعدت، فإن عيالي ولهم كاسب مثلي ~~أحق بمزاولة الفقر، ورثاثة العيش، والصبر على المشرب الرنق، إلى أن أكسب ما ~~تعود به حالهم إلى ما ألفوه من الخطب والسعة، والخفض والدعة. ويقال: أعزب ~~الرجل، إذا عزبت عنه إبله في المرعى. # ذكرت بهم عظام من لو أتيته ... حريبا لآساني لدى كل مركب # أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب # PageV01P827 # يقول: تذكرت بهؤلاء الأولاد أباهم الذي لو أتيته محزونا مسلوبا، ومتعبا ~~بأعباء الفقر مبهورا، لضمني إلى صدره، وشملني تضاعيف بره، وجعلني إسوة نفسه ~~في كل ما أركبه، والمسعف بطلبته عند جميع ما أخطبه، لأن الأخ الكامل الأخوة ~~هو الذي يشد أزرك، ويحمي ظهرك، وإن دعوته لنائبة تنوب أجابك سريعا، وإن ~~أعملت سيفك أعمل سيفه معه حثيثا. ### || وقال المقنع الكندي # يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا # أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا # وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحما مدفقة ثردا # وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا # كأن قومه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما ~~تساعده به حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه ms0675 في الأديان، ~~فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنها ~~علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ ~~يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونها عجزا ~~عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها. # ومنها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانها معددة منصوبة، لا ~~يمنع منها طالبها ولا يحجب عنها رائدها، فلحمانها كلأكاليل على رءوسها، ~~وثرئدها قد نمق تدقيقها. # ومنها: أن بفنائي فرسا مربوطا قد أعد للمهمات، على عادة لأمثالي من ~~الأكابر والرؤساء. ولكرمه وما يتوفر عليه من إكرامي إياه قد صار كالحجاب ~~لباب بيتي، وقد شغلت بخدمته عبدا يتفقده بمرأى مني، لا أهمله ولا أغفل عنه. # PageV01P828 # قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثردا) بضم الثاء. ويروى ~~(مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثردا دقيقا. والنهد: الجسم المشرف ~~من الخيل. # وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا # وإن زجروا طيري بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # ذكر بعد ما عدد معاذيره فيما أنكروه عليه، أن إخوته وأبناء عمه يحسدونه ~~ويأتمرون العداوة والغواية له، وهو يصابرهم ويجاملهم، ويتغابى معهم، فقال: ~~إن ما بيني وبينهم في طرفي نقيض، وعلى لون من الخلاف عجيب؛ فإنهم إن ~~اغتابوني وتطعموا لحمي أمسكت عنهم، وتركت أعراضهم موفورة، لم يتخونها مني ~~إذالة ولا ثلب، وأعراقهم محفوظة لم يتحيفها تحامل ولا غض. وإن سعوا في نقض ~~ما أبرمته من مسعاة كريمة، وهدم ما أسسته من خطة مجد علية، جازيتهم ~~باببتناء شرف لهم مستحدث، وإعلاء شأن لهم مستأنف. وإن أهملوا غيبي فلم ~~براعوه بحسن الدفاع عنه، وإسباغ ثوب المحاماة عليه حفظت أنا غيبهم، وأرصدت ~~الغوائل لمن اغتالهم. وإن أحبوا لي الغواية، والتسكع في الضلالة والبطالة، ~~اخترت لهم المراشد، وهويت في مباغهم ms0676 المناجح. وإن تمنوا لي المنحسة، وزجروا ~~من بوارح الطير وسوانحها في المشأمة، جعلت عيافتي لهم فيما يمر بي منها ~~المسعدة والطيرة الحميدة. وقوله: (سعدا) صفة لطيرا. # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا # أثبت لنفسه الرياسة عليهم في هذا البيت. والمعنى أنه متى استعطفوه عطف ~~عليهم، وإن استقالوه أقالهم وأسرع الفيئة لهم، غير حامل الضغن واللجاج ~~معهم، ولا معتقدا انتهاز الفرص فيهم، لما اكتمن من عوادي الحقد عليهم. # PageV01P829 # وقوله: (وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا) يجري مجرى الالتفات، كأنه أقبل ~~على مخاطب فقال: إني لا أتجمل بترك مؤاخذتهم، وأطراح الحقد في مساوقتهم، ~~فإن الرئيس يحب ذلك عليه في شروط الرياسة. وقوله: (لهم جل مالي) يريد إن ~~تواصل الغنى لي أشركتهم في معظمه، من غير امتنان ولا تكدير، وإن تحيف مالي ~~حادث يلم، أو عارض يحدث، لم أنتظر من جهتهم معونة، ولا كلفتهم فيما يخف أو ~~يثقل مؤونة. # وقوله (وإني لعبد الضيف) أراد أن يبين ما عنده للغريب الطارق، والضيف ~~النازل، بعد أن شرح حاله مع مواليه، وخصاله في مرافقة ذويه، فقال: وابلغ في ~~خدمة الضيوف مبالغ العبيد فيها. ثم أكد ما حكاه بقوله (وما شيمة لي غيرها ~~تشبه العبدا) ، فانتصب (غير) على أنه مستثنى مقدم؛ وذاك لأنه لما حال بين ~~الموصوف والصفة، وهما شيمة وتشبه، وتقدم على الوصف صار كأنه تقدم على ~~الموصوف، لأن الصفة والموصوف بمزنلة شيء واحد. وقوله (تشبه العبدا) يريد: ~~تشبه شيم العبد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # فليتأمل الناظر في هذا الباب وفي مثل هذه الأبيات، وتصرف قائلها فيها بلا ~~اعتساف لا تكلف، وسلاسة ألفاظها، وصحة معانيها، فهو عفو الطبع، وصفو القرض. ### || وقال رجل من الفزاريين # إلا يكن عظمي طويلا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول # ولا خير في حسن الجسوم ونبلها ... إذا م تزن حسن الجسوم عقول ms0677 # إذا كنت في القومالطوال أصبتهم ... بعارفة حتى يقال طويل # يقول: إن لم يكن في طولي امتداد، ولا في خلقي بسطة وكمال، فإني لا أزال ~~أصل نقص جسمي، وأمد قصر قامتي بما أتولاه من الأفعال الكريمة، وأختاره من ~~الخصال الحميدة، حتى أمحو سمة الإزراء عن نفسي. ومن أوتي الفضل في خلقه ~~ونفسه، وعاداته وشيمه، خير ممن أوتي العظم في خلقه، والبراعة في جسمه، فلا ~~فضيلة لمن حسن وجهه ونبل منظره، إذا لم يزينه عقل وافر، ومخبر رائق. # PageV01P830 # ومتى حصلت بين أقوام طوال القامات، قابلت طولهم بطول يدي فبهم، وأنلتهم ~~معروفي حتى عظمت في أعينهم، وامتلأت من حبهم لي وميلهم إلى قلوبهم، فأنساهم ~~طول باعي بالغطية قصر قامتي بين قاماتهم. وقوله (حتى يقال طويل) ارتفع طويل ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو طويل. أي يسلمون له فضيلة الطول ~~عندهم. # وكم رأينا من فروع كثيرة ... تموت إذا لم تحيهن أصول # ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل. # هذا مثل ضربه للخصال المجتمعة في الانسان، لا تعد فضائل إلا إذا اقترنت ~~بخصال أخر، وهي كالأصول لها. ومثال ذلك ما قدمه من ذكر عبالة الخلق إذا ~~عربت من نباهة الخلق، وما شاكلها من صباحة الوجه إذا خلت من صحابة العقل. ~~ثم قال: ولو أر شيئا كإسداء المعروف وبث العطاء والإحسان، فإن من ذاقه ~~استجلاه، ومن رآه استحسنه وارتضاه. وهذا تأكيد ما ذكر من قوله: (أصبتهم ~~بعارفة حتى يقال طويل) . ### || وقال عبد الله بن معاوية # أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن مالي # فنفسي لا تطلوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي # قد مضى له أمثال، ومعناه ظاهر، ويروى: (لا يقوم له فعالي) . ### || وقال مضرس بن ربعي # إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد # ومتى نخف يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد # PageV01P831 # يصف صفاء نيتهم لقومهم، وأنهم يسلكون معهم طرائق ما يعود على المسود ~~بالصلاح، وعلى السائد باستكمال الرياسة والارتفاع، فقال: إذا جهلوا علينا ~~صفحنا عنهم، وأبقينا ms0678 على الحال بيننا وبينهم، واستفأنا إقامتهم ورجعتهم. كل ~~ذلك لئلا ينفروا فيزداد ما بيننا وبينهم تفاقما. فأما الأعداء فإنا نكسرهم ~~ونستل عنهم كبرهم وخنزواتهم، وانلين أعناقهم حتى ينقادوا على ضغن منهم. ~~والسالفة: صفحة العنق. والصيد: ميل في العنق من الكثير كما ما يكون الصغر ~~في الخد، وكما أن الصاد يستعمل في الناظر. # وقوله: (ومتى نخف يوما فساد عشيرة) يريد: إنا نسعى في إصلاح ذات بينهم، ~~ولا ندعهم يتدابرون ويتضاغنون؛ لأن عز الرجل بعشيرته. ثم إن رأيناهم على حد ~~مت الصلاح زدنا في قوة نياتهم، وحملناهم على ما يزدادون به استقامة ~~واستمرارا. # وإذا نموا صعدا فليس عليهم ... منا الخبال ولا نفوس الحسد # ونعسين فاعلنا على ما نابه ... حتى نيسره لفعل السيد # يقول: وإذا ارتقوا في درجات العز وتبوءوا منازل الفضل، لم نحسدهم، ولم ~~نضيق عليهم طرائق مقاصدهم، فيورثهم ذلك خبلا وفتورا. والساعي منهم إذا جد ~~في إقامة ما ينوبه من الحقوق أعنا على إتمام ما يشيده، والزيادة فيما ~~يؤيده، حتى نبلغ به فعل السيد، علما بأن رفعتهم لنا، وجمالهم جمالنا. # ونجيب داعية الصباح بثائب ... عجل الركوب لدعوة المستنجد # فنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى تبوخ وحمينا لم يبرد # ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... رتع الجمائل في الدرين الأسود # قوله (ونجيب داعية الصباح) ، يريد: وإن استعان بنا من أغير عليه صباحا من ~~ذي محرم أو جار، أو متسبب بإل وقرابة، أجبناه سريعا بجيش سريع الركوب لدعوة ~~المستصرخ، فنكسر شوكة المغيرين، ونخمد نائرتهم ونسكن حماهم حتى تبرد، ~~وحمانا لم تسكن ولم تبرد. وجعل الشوكة كناية عن السلاح والقوة جميعا، وقوله ~~(نفثأ) هو من فثأت القدر، إذا سكنت غليانها. وقوله (حتى تبوخ) يقال باخت ~~النار إذا طفئت. # PageV01P832 # ومعنى (ونحل في دار الحفاظ بيوتنا) نصبر في دار المحافظة على الشرف إذا ~~اشتد الزمان، وإذا قصد غيرنا للخصب أو طلب الإنتجاع أقمنا مرتعين في الدرين ~~مالنا، ولانمكن أعدائنا من أرضنا وحمانا. والدرين: اليابس من الكل القديم ~~العهد. وجعله أسود لفساده وطول قدمه. ويروى (وتحل في دار الحفاظ ms0679 بيوتنا) . ~~وانتصب (رتع الجمائل) على أنه مصدر في موضع الحال. ومثله قول الآخر: # ونحل في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع ### || وقال المتوكل الليثي # إني إذا ما الخليل أحدث لي ... صرما ومل الصفاء أو قطعا # لاأحتسي ماءه على رنق ... ولا يراني لبينه جزعا # يقول: إذا اعوج صديق لي والتوى، وطلب الخلاف علي فأحدث لي نبواوجفاء، ~~وتبرم من مصافاتي فاقبل يتجنى علي، فإني لا أروم منه العود، ولا أعرض عليه ~~الرجوع، بل أصارحه ولا أتجرع ماء الود بيني وبينه علىكدر فأحتمل مكروهه، ~~ولا أظهر جزعا لاستحداث فراق من، أو تنكر ينطوي عليه فأخبث له، لأني وصال ~~صروم، أصافي من يصافيني، وأجامل من يجاملني، وأداجي من يداجيني. # أهجر ثم تنقضي غبر ال ... هجران عني ولم أقل قذعا # اخذر وصال اللئيم إن له ... عضها إذا حبل وصله انقطعا # الغبر: البقايا، واحدتها غبرة. ويقال: تغبرت الناقة، إذا احتلبت غبرتها. ~~وغبر الليل: مآخيره. قال: # فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح # والقذع والقذيعة: الفحش. يقال: قذعته، إذا رميته بالقذع. وأقذع الرجل: ~~أتى بالفحش. وكلام قذع. ويتوسع فيه فيقال للقذر: القذع، حتى يقال: قذع ثوبه ~~بالبول # PageV01P833 # وغيره. يقول: أقطع العلائق بيني وبينه فأنصرف عنه هاجرا، وتنقضي مدة ~~الهجران عنا ولم أعتبه ةلا قلت فيه فحشا، ولا ذكرته بزلة كانت منه. # ثم قال: احذر مواصلة اللئيم ومؤاخاته، لأنه إذا انقطع حبل وصله، وانصرم ~~ما يجمعك وإياه من وده يتكذب عليك، ويخلق من الإفك فيك ما لم تكتسبه لابيدك ~~ولا لسانك، وهذا كأنه لما نفى عن نفسه في البيت الأول ما نفى بين في البيت ~~الثاني أنه لايفعل ذلك، لكونه من فعل اللئام. والعضه: ذكر القبيح كذبا ~~وزورا. ويقال: عضهته، إذا رميته بالزور. واعضه الرجل أتى بالعضيهة، وهي ~~الإفك. ومن كلامهم: يا للعضيهة! ويا للأفيكة! ### || وقال بعضهم: # خليلي بين السلسلين لو أنني ... بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا # ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت خاليا # النعف: ما ناعفك، ms0680 أي عارضك من الجبل أو المكان المرتفع. واللوى: مسترق ~~الرمل. وجواب لو (أنكرت) ، وكأن نعف اللوى كان أرضه ودياره، فيقول: لوكنت ~~في أرضي ومعي عشيرتي وأهلي، ثم سمتماني ما سمتماني لأنكرته ولم أقبله، ~~ولكنني لم أذهب عما وصاني به صاحبي من قوله: الزم نصيبك من الذل إذا كنت في ~~دار غربة، ومتباعدا عن نصارك والمشفقين عليك. وانتصب (نصيبك) بإضمار فعل. ### || وقال قيس بن الخطيم # وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء # وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء # يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء # وكل شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء # PageV01P834 # قوله (وما بعض الإقامة) إنما بعضها لأنه أشار إلى الإقامة التي أوائلها ~~تنزاح معها العلل، ويسهل في اختيارها الانفصال والترحل، وأواخرها تتغير بما ~~يعرض فيها حتى يشق لها التلوم والتلبث. وارتفع (بلاء) لأنه خبر المبتدأ، ~~وهوبعض الإقامة، (ويهان بها الفتى) في موضع الصفة لقوله في ديار. فيقول: ~~إذا أمكن الارتحال عن دار الهوان، ولادافع ولامانع يوجبا الصبر فالإقامة ~~بها بلاء، ويجب على الحر طلب الانفكاك منه، وروم الخلاص من أذاه. # وقوله (وبعض خلائق الأقوام) يريد أن يعض ما يتخلق به الناس يتعذر مفارقته ~~ومداواة إزالته، فهو كالداء الذي يكون بالإنسان وقد استصحبه من بطن أمه. ~~يريد أن ما اعتاده الإنسان من الأخلاق يصير لإذا أتت الأيام عليه، وقوى ~~الإلف له، كالخلقة أو ما يجري مجراها. # وقوله (يريد المرء أن يعطي مناه) معناه أن الإنسان يتمنى أن يحصل له ما ~~يتعلق به شهوته، ويرتاده هواه وإرادته، ويمنع الله تبارك وتعالى إلا ما ~~يكون بشيئته، ويعرفه من مصالح خليقته. # وقوله (وكل شديدة) يريد أن الشيء لايدوم على حال، فالشدائد إذا نزلت ~~يتعقبها الخير ورخاء العيش وسعته، لأن لكل أمر أمدا يمد له الوقت، فإذا ~~تناهى انقطع. # ولايعطى الحريص غنى لحرص ... وقد ينمي إلى الجود الثراء # غنى النفس ما عمرت غنى ... وفقر النفس ماعمرت شقاء # وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر ms0681 بصاحبه السخاء # وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاء # قوله (ولا يعطى الحريص) يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه ~~نفعا، ولايقرب منه بعيدا، لأن ميسر اليسر والغنى هو من له الخلق والأمر، ~~وإليه الإبرام والنقض. # وقوله (وقد ينمي إلى الجود) يريد أن الثروة والكثر هما ينميان مع الجود. ~~وإنما يقدح بهذا الكلام في البخل والإمساك، وأن زيادة المال وبقاءه ~~لايحصلان لهما وبهما. وقوله (إلى الجود) إلى بمعنى مع. تقول: هذا إلى ذاك. # PageV01P835 # وقوله (غنى النفس ما عمرت غنى) ، يريد أن غنى النفس خير من كثرة المال؛ ~~لأن من كان راضيا بماله، غنيا عن غيره بما يحصل في يده، تراه باكتفائه اغنى ~~الموسرين، وفقير النفس وإن ساعده المال، وأطاعه القدر يزداد على مر الأيام ~~وزيادة الحال، حرصا ونهمة وشقاء. # وقوله (وليس بنافع ذا البخل مال) ، يريد أن البخيل لاينتفع بماله، لنه ~~يجمعه ويتركه لغيره، والسخاء لايقصر بصاحبه، بل يرفع منه، ويكسبه الحمد ~~والأحدوثة الجميلة. # وقوله (وبعض الداء ملتمس شفاه) جعل الداءللجنس فناب عن الجمع فقال: بعضها ~~يعرف شفاؤه فيطلب إزالته، وداء الحمق لاشفاء له، ولامحيد لصاحبه عنه. وقوله ~~(شفاه) قصر الممدود، وهذا لاخلاف في جوازه على المذهبين. ### || وقال يزيد بن الحكم # يا بدر والأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم # دم للخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم # قوله (والأمثال يضربها) اعتراض دخل بين قوله (يا بدر) وبين دم للخليل من ~~البيت الثاني، ونبه بهذا الاعتراض على أن وصيته وصية حكيم، وأن اللبيب ~~العاقل يأخذ بها ويتأدب. # ومعنى قوله (دم للخليل بوده) أي بودك له، فأضافه إلى المفعول، والمصدر ~~كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى المفعول. وقوله (ما خير ود) استفهام على طريق ~~الاستثباب والقصد إلى النفي والمعنى: أن الوداد إذا لم يصف ولم يدم فلا خير ~~فيه. وقوله (لايدوم) صفة لود. تلخيصه: أي شيء خير ود غير دائم. # واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم # واعلم بأن الضيف يو ... ما سوف يحمد أو يلوم # والناس مبتنيان مح ms0682 ... مود البناية أو ذميم # يقول: ارعف حق الجوار لمجاورك، فإن الكريم هو الذي يعرف حق مثله. وقوله ~~(والحق يعرفه) الواو واو الحال، وهو واو الابتداء. فإذا رويته بالواو يكون ~~حالا لقوله حقه، كأنه قال: اعرف حقه معروفا للكرام، وهو معروف للكرام. # وقوله (واعلم بأن الضيف) يقال علمت كذا، وبكذا. وهذه الوصاة بالضيف قد ~~عللها بقوله (سوف يحمد أو يلوم) . والمعنى: أحسن إليه وتفقده، عالما بأن ~~نزوله بك يجلب حمدا إن أحسنت إليه، أو لوما إن أسأت إليه أو قصرت في حقه. # وقوله (محمود البناية) أتى بالبناية غير مبنى على مذكر حصل من قبل، ثم ~~ادخل تاء التانيث عليه، فهو كالثناية اسم الحبل، والشقاوة والرعاية ~~والغباوة. ولو كان مبنيا على مذكر لكان (البناءة) لأن الواو والياء إذا ~~كانا حرفي إعراب بعد ألف زائدة تبدل منهما الهمزة. على ذلك: الرعاء والكساء ~~والرداء والباب كله. # ومعنى البيت: ان افعال عقلاء الناس لاتخلو من أن تكون مما يستحق به حمد ~~او ذم، فهم يبنون مبانيهم، ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن ~~الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم، فانظر ماذا تجلب على ~~نفسك بما من فعلك، وتدخره من كسبك. # وارتفع (محمود) على أنه بدل من (مبتنيان) ، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنه ~~قال: هما محمود البنية أو ذميم. # PageV01P836 # واعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع العليم # أءن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم # والتبل مثل الدين تق ... ضاه وقد يلوى الغريم # والبغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم # قوله (بني) إن ضممته فهو منادى مفرد، وإن كسرته فهو منادى مضاف وقد حذف ~~ياء الإضافة. وإذا كان ياء الإضافة في المنادى يحذف في نحو يا غلام لأن ~~الكسرة تدل عليه، وهو واقع موقع ما يحذف في هذا الباب وهو التنوين وباب ~~النداء باب حذف، لكثرة الاستعمال، فهو في بني أولى بالحذف، لاجتماع الياءات # PageV01P837 # والكسرات. في آخرهاوقوله (فإنه بالعلم يتنفع العليم) الهاء ضمير الأمر ~~والشأن، والجملة اعتراض بين اعلم ومفعوليه. والمراد باستعمال العلم، وذاك ~~أن من علم طرق ms0683 الرشاد ثم لم يسلكها كان معرفته بها وبالا عليه. # وقوله (إن الأمور) مفعول واعلم، ودقيقها مبتدأ وما بعده خبره، والجملة ~~خبر إن. ولك أن تكسره فتقول (إن) عل الاستئناف، ويكون واعلم معلقا والمعنى: ~~أن الشر يبدؤه أصغره، كما أن السيل أوله مطر ضعيف. وهذا الكلام بعث على ~~النظر في ابتداءات الأمور وتصور عواقبها. # وقوله (والتبل مثل الدين) ، التبل: الذخل، ومعنى يلوي يمطل، ومصدره اللي ~~والليان. وفي الحديث: (لي الواجد يحل عقوبته) . وقد روى (يلوى) و (يلوى) ~~فإذا رويت يلوى بالكسر، فمعناه يذهب بالحق، يقال: الوى بالشيء إذا ذهب به، ~~و (يلوى) هو بناء ما لم يسم فاعله، لوى إذا مطل. والغريم: اسم لمن له ~~الدين، وللذي عليه الدين. وأصل الغرامة اللزوم، ولكون كل واحد منهما ملازما ~~لصاحبه إلى أن ينقضي ما بينهما أجرى الاسم عليهما. والمعنى أن الوتر والذحل ~~كالدين على الواتر، فهو بعرض المطالبة به كالغريم ثم، قد يقضي وقد يمطل، ~~فلا تكتسبه، لأن العداوات وخيمة الأواخر، سيئة المبادىء. # وقوله (والبغي يصرع أهله) يقول: وإذا كان لك خصم في شيء فلا تستهن به، ~~ولا تستعمل البغي معه، فإن من بغى عليه بعرض النصرة، والباغي بعرض التلف ~~والهلكة، ولاتظلم فإن الظلم ذميم المرتع وبيله، وفظيع المسمع قبيحه. ويقال: ~~ظلمته ظلما بفتح الظاء وهو المصدر، وظلما بضم الظاء وهو الاسم. # ولقد يكون لك الغري ... ب أخا ويقطعك الحميم # والمرء يكرم للغنى ... ويهان للعدم العديم # قد يقتر الحول التق ... ي ويكثر الحمق الأثيم # يملى لذاك ويبتلي ... هذا فأيهما المضيم # قوله (ولقد يكون) معناه أن لوفاء قد يكون في الغريب إذا آخيته، والخيانة ~~تتفق من القريب إذا صافيته، فانظر لنفسك إذا اخترت، ولا تعتمد القربى # PageV01P838 # والقرابة، فإن المواخاة مبنية على الأصول الزكية، والنفوس الوفية، لا على ~~الأنسا والأسباب. # وقوله (والمرء يكرم) يقول: ادخر المال واسع في جمعه، وإياك واستعمال ~~التبذير فيه، فإن اليسير منه مع حسن التدبير يتصل بقاؤه، وكرامة المرء ~~متسببة عن غناه، كما أن هوانه في قران فقره. وقوله (والمرء) ارتفع ms0684 ~~بالابتداء، وخبره يكرم، وقد عطف على هذه الجملة جملة مخلفة لها من التقارب ~~لما صلح ذلك. ومثله قول الآخر: # أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم # على العكس من هذا قول الله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون، ~~لأن هذا عطف فيه على المبتدأ والخبر على الفعل والفاعل. # وقوله (قد يقتر الحول) فالحول: الكثير الحيلة. وصحح بناؤه ولم يقل إخراجا ~~له على أصله، وتنبيها أن ما علل من نظائره كان حكمه أن يجيء على هذا. ومما ~~جاء على القياس من نظائره: رجل مال وصات وما أشبههما. وكذلك هذا كان يجب أن ~~يقال حال. والمعنى أن الكثير الحيل، الخراج الولاج، وهو سديد في طرائقه، قد ~~يفتقر فيكون مقلا، وأن المائق الناقص في عقله، المكتسب بجهله، المرتكب ~~للأوزار بحرصه، قد يستغنى هو فيكون مكثرا، إذ كانت القسم والحظوظ لا تقف ~~علي كيس المرء وخرقه، ولا على تقاه وفسقه. # وقوله (يملى لذاك) أشار بذاك إلى الحمق الأثيم، وبهذا إلى الحول التقى. ~~وقد طابق بذاك وهذا فيقول: أملي لذاك الجاهل وأرخى له الحبل فنال ما نال، ~~وابتلى هذا الحول التقي حتى شقى وحرم، فأيهما المظلوم. والمعنى أن ذلك من ~~قسمة من عرف مصالح خلقه، وعلم ما يتأدى إليه حال كل واحد منهم، فاختار ~~الأحكم في التدبير، والأصلح للصغير والكبير. # والمرء يبخل في الحقو ... ق وللكلالةما يسيم # ما بخل من هو للمنو ... ن وريبها غرض رجيم # PageV01P839 # ويرى القرون أمامه ... همدوا كما همد الهشيم # يقول: ترى الرجل يسوف بما يلزمه من أداء الحقوق، فيبخل بإخراجه وأدائه، ~~فيموت عما يجمعه ويبخل به، ويتركه للكلالة. والكلالة هم الوارث وقد خلوا من ~~الوالد والولد. وأصله من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل هو من الكلال: ~~الإعياء؛ كأن بعد النسب أكله. وقوله (مايسيم) يجوز أن يكون مصدرا، كأنه ~~قال: فإسامته لماله للغيرلا لنفسه. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، وقد حذف ~~الضمير العائد إليه من يسيم، كأنه قال: وللورثة ما له الذي يسيمه. ~~والإسامة: إخراج المال إلى المرعى. ويقال أسمت ms0685 البعير فسام. ومنه السائمة ~~للمال: الراعية. # وقوله (ما بخل من هو) استفهام على طريق الإنكار. فيقول: ما يغنى بخل من ~~هو للحوادث كالغرض المنصوب للرمي، فإذا علم من نفسه أنه غير مخلد، بل هو ~~منقول من دار الفناء إلى دار البقاء، فلماذا يمسك ولا ينفق، ويجمع ولا ~~يفرق. هذا وقد رأى الأمم الخالية قبله ماتوا وفنوا فعادوا رميما، كما يهمد ~~النبات فيصير بعد نضارته دريبنا هشيما، وهو اليابس المتشهم الأسود لطول ~~القدم. والمنون يكون اسما للدهر فيذكر، ويراد به المنية فيؤنث. وهو من ~~المن: القطع. فلك أن تروى: (وريبه) (وريبها) جميعا. ومعنى (وريبها) نزولها، ~~قال أبو عبيدة: راب عليه الدهر، أي نزل. وقد يراد بريب الزمان أحدائه ~~وصروفه الرائبة. # وتخرب الدنيا فلا ... بؤس يدوم ولانعيم # كل امرىء ستئيم من ... ه العرس أو منخها يئيم # ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم # يقول: وإذا كانت الدنيا مبنية للفناء لا للبقاء، والخراب لا للعمارة، ~~وكذلك أعراضها مخلوقة للزوال لا للدوام، وقرب الأمد في الاستمتاع بالمعار ~~لا الإملاء، فلماذا يفرح الإنسان بما ينال، ويجزع لما يفوت، وكل بائد غير ~~ثابت، ومستلب غير موفر. # وقوله (كل امرىء) ، يقول: إن الأليفين فيها لابد من فقدان أحدهما للآخر، ~~والبعل يموت فتبقى العرس منه أيما، لتقدم موته، والعرس تموت فيبقى هو منها ~~أيما # PageV01P840 # لتقدمها. ويقال: رجل أيم وامرأة أيم. وقد آمت تئيم أيمة. وكذلك ذو الولد ~~لايدري أيموت فيتيم الولد، أم يهلك الولد فيثكل الوالد، فإن سكان الدنيا ~~موعودون آجال منتظرة، مدعوون لأحوال مؤخرة. # وقوله (ما علم ذي ولد) استفهام معناه النفي، والمراد: لايعلم الوالد ما ~~يكون منه ومن ولده في الإمهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. وقد ~~عطف قوله (أم الولد اليتيم) وهو جملة من ابتداء وخبر على (أيثكله) وهو فعل ~~وفاعل. وجاز ذلك لما قدمته. # والحرب صاحبها الصلي ... ب على تلاتلها العزوم # من لايمل ضراسها ... ولدي الحقيقة لايخيم # واعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم # والخيل أجودها المنا ... هب عند كبتها الأزوم ms0686 # الصليب: الصلب ذو الصلابة. والتلاتل: الشدائد، ويقال: تلتله، إذا حركه، ~~يقول: وصاحب الحرب هو الصبور على شدائدها، القوى العزم في مصارفها، الحامي ~~الشكة على نوائبها، فلا يمل عضاضها، ولايخيم عند حقائقها. ومعنى يخيم: ~~يجبن. # وقوله (من لايمل ضراسها) في موضع الرفع على أن يكون بدلا من قوله الصليب. ~~والضرس: العض، وأصله إصابة الشيء بضرسه. # ثم قال: واعلم أن الحرب لايطيقها الملول النزق، العجول الطرف، لأن ~~مبانيها على الصبر والثبات، والتدبير السديد، والحذر الشديد، واستعمال ~~الإقدام في وقته، والإحجام لدى موجبه. وقوله (لايسطيعها) يريد لايستطيعها. ~~والماضي منه اسطاع يستطيع بكسر الهمزة، وأصله استطاع، وقوله (والخيل ~~أجودها) يريد: خير الخيل ما ينتهب الأرض انتهابا في سعيه. وقال الخليل: ~~المناهبة: المباراة في الجري والحضر. ومعنى (عند كبتها) أي حملتها. وسئل ~~رجل: كيف طعنت قتيلك؟ قال: (طعنته في الكبة، طعنة في السبة فأنفدتها من ~~اللبة) . وكل ما جمعته فقد كببته ومن كبة الغزل. # PageV01P841 # والأزم: العض، وكنى به عن الاحتماء فقيل: (نعم الدواء الزم) ، فكأنه أراد ~~بالأزم هنا الصبر والثبات. ### || وقال منقذ الهلالي # أي عيش عيشي إذا كنت منه ... بين حل وبين وشك رحيل # كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول # ما أرى الفضل والتكرم إلا ... كفك النفس عن طلاب الفضول # وبلاء حمل الأيادي وأن تس ... مع منا تؤتىبه من منيل # قوله (أي عيش) استفهام مبتدأ. والمعنى الإزراء به والذم له. (وإذا) تعلق ~~بما دل عليه عيشي. والمراد؛ إذا كنت من عيشي بين سفر متواصل، ونزول وارتحال ~~متتابع، ولاأنال دعة، ولا أحصل خفضا وراحة، فكأنه لا عيش لي. وقوله: # كل فج من البلاد كأني ... طالب بعض أهله بذحول # قد سلك مثل هذا المسلك أبو تمام في قوله: # كأن به ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب # والمعنى: أني لا أقتصر على قصد منتوى، ورمى نفسي في جانب من الأرض مرتمى، ~~ولكني أتنقل في أطراف الأرض وآفاقها، وأضرب في أعراض البسيطة وأعماقها، ~~كأني أطلب بعض أهلها بترة، فهو في الهرب ms0687 وأنا في الطلب. # وقوله (ما أرى الفضل) ينبه به على أن سعيه في إصلاح عيشه، وترك ما ~~لايعنيه من شأنه، فقال: ليس الفضل والعفاف، وحبس النفس فيما بينك وبين ~~الناس على التكرم والكفاف، إلا إذا زممت نفسك عما يتجاوز رم الحال، ووقفت ~~عندما يمكن الاكتفاء به من المعاش. فمن البلاء العظيم تحمل النعم عن ~~المفضلين، وسمعك امتنان المنيلين. وهذا دأبى فيما ألتزمه من التعب، وأحمل ~~عليه نفسي من التجوال في البلاد والتقلب. وارتفع (بلاء) على أنه خبر مقدم، ~~والمبتدأ حمل الأيادي. وقوله (تؤتى به) من صفة المن. # PageV01P842 ### || وقال محمد بن أبي شحاذ # إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد # إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... بريب من الأدنى رماك الأباعد # قوله (إذا أنت) جوابه ألقيت، وهو الفعل الواقع فيه، لأن إذا بتضمنه ~~للجزاء يطلب جوابا ويكون ظرفا له، فيقول: إذا نلت اليسار والغني، ومكنت من ~~أطماع الدنيا فملكتها، ثم لم تتسخ بما يفضل من وجدك، وجدت لا يثنى عليك ~~حامد، ولا يحفظ غيبك ذائد، وفي الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاذ العمر، ~~فإن لم تكتسبه بما تناله لحقك الذم ممن ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقوله ~~(إذا أنت لم تعرك) جوابه رماك الأباعد. وكما بعث في البيت الأول على ~~الإفضال وذم الإمساك مع القدرة، بعث في هذا البيت على مصابرة العشيرة ~~واستبقائهم، وترك مؤاخذتهم بما يتفق من هفواتهم، وتدقيق محاسبتهم علي ~~بدوائهم وزلاتهم. فقال: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك إدبارها عنك، ولا دولة ~~لك من إدالة منك. وأعلم أنك إذا لم تعف عما يريبك من أدانيك، ولم تحتمله في ~~عفوك وحلمك، اجترأ عليك الأباعد فرموك بما لا صبر لك عليه من أذاهم ~~ومكروههم. ويقال: عركت كذا بجنبي، أي احتملته وجعلته مني بظهر. والعرك ~~والدلك بمعنى واحد. وقال: (بعض ما يريب من الأدنى) ، إشارة إلى ما يكون فيه ~~على الحلم محمل. لأنه ليس كل ما يريب يعد التجافي عنه حسنا. # إذا الحلم لم يغلب لك ms0688 الجهل لم تزل ... عليك يروق جمة ورواعد # إذ العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد # قوله (إذا الحلم) جوابه لم تزل، فيقول: تحلم في كثير مما يعروك ويطرقك، ~~وانظر أن تكون لك الغلبة على جهلك، والتملك لاحتدادك وصولك، فإنك إن لم ~~تستعمل الأناة في مقارضاتك، وتسرعت إلى المكافأة على ما يظهر لك، ولم تضن ~~بمن بلوته فعرفت مذاهبه، وخبرت خلائفه وصار مستمد رأيك ومشتكي حزنك لم ~~تنتفع بغيره، واجتمعت عليك البروق والرواعد ممن تعده لك وعليك. وهذا مثل ~~لأنواع الأذى والمكروه، والتوعد بضروب القول، وفنون الفعل. # PageV01P843 # وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيبا. والمعنى: أنظر لنفسك فيما ~~تشرف عليه طالبا للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا ~~بقيت تابعا لغيرك، متوقفا فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوبا له. ~~وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في ~~الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى ~~في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر ~~فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث. # وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثا وواراك لأحد # تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد # المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على ~~الحال، أي مغنيا عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنه وتركته ~~لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجرا، أو ~~يكسب لك حمدا، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ~~ولا نصيب، بل تكتسي عارا منه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره ~~سباب الرجال، من النثر تارة، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان ~~حيا وميتا، وفي كل زمان موجودا ومفقودا، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، ~~فهم يذمونه بظهر الغيب، ويقذعونه في الحضور، فلا يزال مسبوبا، مأكول اللحم ms0689 ~~مدحورا. ### || وقال: # ويلم لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى # وقد يعقل القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد # لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، ~~والمعنى ألزم الله زيدا ويلا، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمه أن ~~يرفع # PageV01P844 # فيصير مع ما بعده جملة، ابتدىء بها وهي نكرة لأن معنى الدعاء منه مفهوم. ~~والمعنى: الويل ثابت لزيد. كأنه عدد محصلا له، كما يقال: رحيم الله زيدا! ~~فيجعل اللفظ خبرا. وإذا كان حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله (ويلم لذات ~~الشباب) فمن الظاهر أن أصله ويل لأم لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، ~~واللام من ويل، وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة، فصار ويلم. وقيل: ~~ويلم، كما قيل: الحمد لله والحمد لله إتباعا إحدى الحركتين الأخرى، وقصده ~~إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش وقد طع لصاحبه الكثر، وهو كثرة ~~المال، فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا، وصيتا ~~عاليا. ثم قال: وقد يحبس قلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد ~~كان لولا إضافته وقلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان ~~لوللا إضافته وقلة ذات يده طلابا للترقي في درجات الفضل والإفضال، طلاعا ~~على عوالي الرتب في النهايات. وانتصب (معيشة) على التمييز. ### || وقالت حرفة بنت النعمان # بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منهم سوقة نتنصف # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف # بينا: كله تستعمل في المفاجآت، وهي من ظروف الزمان. وقد يقال بينما؛ ~~كأنهم أرادوا أن يصلوه بدلا مما كان يضاف إليه من قبل الناس وندبر أمرهم ~~بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا نافذة، إذا الأمر انقلب فانضعت الأحوال، ~~وتسلطت الأبدال. وصرنا سوقة نخدم الناس. والناص في اللغة: الخادم. والسوقة: ~~من دون الملك. ومعنى (والأمر أمرنا) ، أي لا يد فوق أيدينا. والعامل في ~~بينا مادل عليه قولها (إذا نحن منهم سوقة) ms0690 . وإذا هذه ظرف مكان، وهي ~~للمفاجأة، وقد تقدم القول فيه. # وقوله (فأف) فيه لغات عدة، يفتح ويكسر ويضم، وينون في كل ذلك ويترك ~~التنوين فيه. وهو اسم من أسماء الفعل، وأسماء الفعل أكثر ما تقع في الأمر ~~والنهي، وفي باب الخبر تقع قليلا، فمنها أف هذه، وواها، وهيهات وأحرف أخر. ~~ومعنى أف # PageV01P845 # الحقير. كأنه قال: حقارة لدنيا نعيمها يزول، وحالها لا يدوم، بل تقلب ~~بأهلها وتتحول، وتتصرف بطلابها وتتبدل. فمن فتح أف فلخفة الفتحة، ومن كسر ~~فلالتقاء الساكنين؛ لأن الكسر فيه أولي، ومن ضم فلإنباع الضمة الضمة. ~~والتنوين فيه أمارة للتنكير، وترك التنوين أمارة للتعريف. ### || وقال الحكم بن عبدل # أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا # وأحلب الثرة الصفى ولا ... أجهد أخلاف غبرها حلبا # يقول: مطالبى من الدنيا ومراغبي على حد من استعمال الكرم والتعفف، لايزري ~~بي نظر الناظر إلي، لأني إذا طلبت أجملت، وإذا سدت مفاقري اكتفيت، ثم ~~لاأعول فيما أزاوله إلا على نفسي، متهما سعي غيري، وكل ذلك أبقى على مراعاة ~~العفاف والكفاف. # وقوله: (وأحلب الثرة الصفي) يقول: أعلق طمعي بمن إذا استدر حلبه كان ~~غزيرا، لأني لاأسف للمطامع الدنية، ولا أضع نفسي في المواضع الخسيسة. ~~والثرة: الغزيرة. ويقال: عين ثرثار، إذا كانت كثيرة الماء. والصفى: الجامع ~~بين محلبين في حلبة. وقوله (ولا أجهد أخلاف غبرها حلبا) انتصب الحلب على ~~أنه مصدر في موضع الحال. والمعنى: أني لاأطلب الزهيد الحقير القدر، ولا ~~أستدر البكى القليل الدر. والحلب قد يراد به المصدر، وقد يراد به المحلوب. # إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا # والعبد لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا # مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا # قوله (إني رأيت الفتى الكريم) يقول: إن من تكرم عروقه وتزكو أصوله، إذا ~~دعوته إلى اصطناع صنيعة، وهززته لابتناء مكرمة، أجابك حريصا على استغنامه. ~~وترى الدنى الخسيس الهمة والنفس لايطلب ارتفاعا ولا يكسب ادخارا، ولا يسمح ~~بشيء إلا عن رهبة، فعل من ms0691 لايبتغي في مصارفه حمدا، ولايقتني ليومه وغده # PageV01P846 # خلا، فهو كالحمار السوء، الذي بظهره آثار دبر وقد ذلل في العمل، لايجيب ~~إلا إذا استحث حتى يضرب، بلادة منه وكسلا. وقوله (لايحسن) موضعه من الإعراب ~~نصب على الحال. وارتفع (مثل) على أنه خبر مبتدأ مضمر. # وقوله (مثل الحمار الموقع) يجوز أن يراد منه الذي في ظهره أثر الإكاف أو ~~الدبر، ويجوز أن يراد به المذلل، كما يقال: طريق موقع. ويجوز أن يكون من ~~وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأنه لبلادته يضرب كثيرا. # ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين لما اعتبرت والحسبا # قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولاقتبا # ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا # قوله (لم أجد) يريد أن مساك الخلائق الشريفة، ووثائق عراها، إنما هي إذا ~~اعتبره المعتبر في الدين وعمارته، وفي الشرف وتحصيله. كأنه جعل طلب الحسب ~~للدنيا وأسبابها والاعتلاء فيها، وجعل الدين للآخرة وتقديم ما يفوز به من ~~رضا الله عز وجل، والثواب الجسيم. # وقوله (قد يرزق الخافض المقيم) سلك فيه مسلك الآخر في قوله: # ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البرطورا وطورا تركب اللججا # البيتين، وقد تقدما. # والخافض: الوداع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال. فيقول: قد ينال الرزق ~~الواسع من لايؤثر على الإقامة في وطنه شيئا، وقد ترى قاطع الشقة البعيدة، ~~وصاحب الرحل والمطية، الصابر على الغربة، محروما مضيق العيش، مكدود العمر. ~~والرحل: مركب البعير؛ والرحالة نحوه؛ وهوالسرج أيضا. والقتب: إكاف الجمل، ~~كذا ذكره الخليل. وقوله (ذو المطية والرحل) ، الرحل: مصدر رحلت البعير، إذا ~~شددت عليه الرحل. # PageV01P847 ### || وقال آخر: # يأيها العام الذي قد رابني ... أنت الفداء لذكر عام أولا # أنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحسا ولا بين الأحبة زيلا # يفضل أيامه الماضية على أيامه الحاضرة، فقال كالمخاطب لها: أيها العام ~~الذي قد أتى بما يريبني، جعلك الله فداء لعام أول من عامي، تقضى بما سرني. ~~وقوله (عام أولا) مما ألف فيه كثرة الاستعمال، فوصف بصفة لم توصف به ~~نظائره، اعتمادا على التعارف. والمراد ms0692 بهذا أنه لم يقل شهر أول ولا حول ~~أول، ول سنهة أولى، وإنما خص هو بذلك لكثرة الاستعمال، ولأن دلالة الحال ~~وتعارف المتكلمينبه سوغ الحذف والإجراء على ما ألف قيه. # وقوله (أنت الفداء) يريد تكرير الدعاء على التضجر بحاضر وقته وعامه، ~~والتنبيه على ما رابه منه. فيقول: جعلك الله فداء لذكر عام لم يعد بمنحسة، ~~ولاحكم بين الأحبة بفرقة. وإنما قال (لذكر عام) لأن العام وقد تقضى لايصح ~~فيه التفدية. والنحس: ضد السعد، وقد وصف به الغبرة والأمر المظلم. وفي ~~القرآن: في أيام نحسات. ويقال: رجل منحس أي محزون. ### || وقال الفرزدق # إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا # فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا # يقول: إذا صروف الدهر أناخت على قوم بإزالة نعمهم، وتكدير عيشهم، فجرت ~~عليهم أذيال الشر والتغيير، ودرست آثارهم ومحت دولهم، تراها تنتقل إلى ~~آخرين، لأنها كما تهب ترتجع، وكما تولى تستلب. # ثم قال: قل لمن شمت بنا فيما رأى من أثر الزمان فينا: انتبهوا من رقدتكم ~~واصحوا من شمانتكم، فستلقون كما لقينا، وتمتحنون كما امتحنا؛ لأن حياتنا ~~وجميع ما في أيدينا عوار، والعواري تسترد وإن طالت المهلة. # PageV01P848 ### || وقال الصلتان العبدي # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الليالي ومر العشى # إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى # نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لاتنقضي # ذكر في الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام، وصروف الأزمان، وأنها لاتقف ~~عند غابة، ولا تعرف فيما تجري فيه مقر نهاية، وأن من عادتها تغيير الأمور، ~~وفي تقضيها وقضاياها تحويل الأحوال، فقال: إن كرور الأيام، ومرور الليالي ~~والأوقات، تراها تجعل الصغير كبيرا، والكبير حقيرا، وتجعل الطفل شابا، ~~والشيخ فانيا، فكلما خلقت جدة يوم جاء بعدها يوم آخر فتى جديد، ونحن فيها ~~ندأب في حاجاتنا، فلا نحن نمل، ولا حاجاتنا تفنى أو تقل، ولا الوقت بنا ~~يقف، ولا واحد منا ينتظر أو يتوقف، إذ كان ذو العيش مآربه متصلة، كما أن ~~أوقاته دائرة متتابعة. # معنى هرمت يومها: ضعفته مسلما ms0693 للزوال. ويقال: هو ابن هرمة أبيه، كما ~~يقال: هو ابن عجزة أبيه، لآخر الأولاد، كأنه من الهرم. والهرمى من الخشب: ~~مالا دخان له، لعتقه وذهاب قوته. والفتى مصدره الفتاء، وضده الذكي. ويقال: ~~فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان. # تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي # إذا قلت يوما لمن قد ترى ... أروني السرى أروك الغنى # يقول: تموت مع المرء حاجاته. يريد أن المرء ما دام حيا فمآربه وشهواته ~~تتجدد تجدد الأوقات، وأمانيه تتصل ما اتصل عمره، فإذا جاء أجله وتناهى ~~أمده، انتهت مآربه، ووقفت مطالبه. # وقوله (إذا قلت يوما لمن قد ترى) يريد: وإن سألت كل من تقع عينك عليه من ~~المميزين، عن سراة الرجال وكرامهم، أحالوا على المثرين وإن ضعفت رغباتهم # PageV01P849 # في اكتساب الخير، واستجلاب الحمد. والسرو: سخاء في مروة. ويقال: سرو ~~الرجال يسرو، وهو سري من قوم سراة. وكأن هذا سلك مسلك الآخرحين قال: # وأن ثراء المال ينفع ربه ... ويثني عليه الحمد وهو مذمم # ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصي # بني بدا خب نجوى الرجال ... فكن عند سرك خب النجى # وسرك ما كان عند أمرىء ... وسر الثلاثة غير الخفى # معنى (ألم تر) : اعلم. ويريد التنبيه على أن له في وصاته ابنه اقتداء ~~بالحكماء قبله، فكما ساغ للقمان أن يوصي ابنه ساغ للصلتان أن يوصي عمرا ~~ولده. والمحمود في قوله (نعم الوصى) محذوف، كأنه قال: ونعم الوصى هو. وهذا ~~ترغيب منه لعمرو في الاحتذاء بما يرسم له. وقوله (بني بدا خب نجوى الرجال) ~~فالخب: المكر بكسر الخاء، والخب بفتحها: المكار. ومثله رجل صب. والنجوى: ~~مصدر، وهو يستعمل فيما يتحدث فيه اثنان على طريق الستر والكتمان. فيقول: ~~إذا ناجيت صاحبا لك فكن خبا فيما تودعه من سرك، فإن نجوى الرجال إذا بدا ~~خبها، ومكر أربابها فيها، عادت وبالا وفضيحة. والنجي يقع على الواحد ~~والجمع، وكذلك النجوى. وفي القرآنإذ هم نجوى. # وقوله (وسرك ما كان عند امرىء) ذهب فيه مذهب من قال: # إذا جاوز الاثنين سر ms0694 فإنه ... ببث وتكثير الوشاة قمين # وقد قيل في (الاثنين) من هذا البيت أراد به الشفتين. وكأن من فسر هذا ~~التفسير يريد: لاتتفش سرك إلى أحد. # آخر باب الأدب، والحمد لله وحده، والصلاة على نبيه محمد وآله بعده. # PageV01P850 ### | ### || وقال الصمة بن عبد الله القشيري # حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصببابة أسمعا # الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. فإن قيل: هلا قيل روى، لأن ~~فعلى إذا جاء اسما من بنات الياء يقلب ياؤه واوا، على هذا الفتوى والشروى ~~والتقوى والبقوى؟ قلت: إنه سمي به منقولا عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه ~~الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال ~~عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. ~~وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو ~~كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان ~~الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت ~~شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما معا) الواو واو الحال أيضا، ~~والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: ~~(معا) مجتمعان ومصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ. # PageV01P851 # وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعا) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، ~~وجاز الابتداء به وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع ~~الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر ~~طائعا. وانتصب طائعا على الحال من أن تأتي. ويجوز أن يرتفع حسن على أنه خبر ~~مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في ~~موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة. وقوله ~~(وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن ~~داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت ms0695 شوقك إلى هذه المرأة، ~~وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حيا كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك ~~الأمر طائعا غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منه إليك أسمعك ~~وحرك منك. # قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا # وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا # يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منه. ~~ثم استأنف فقال ملتفتا: ويقل لنج وساكنه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ~~ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منه الناس. ~~ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون للمكان ~~وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد: # فخيرت بين حمى وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى # وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى ~~برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك ~~لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحة. وفي ~~هذا إلمام بقول الآخر: # فنلت له إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا # وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالا للعينين. # ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا # PageV01P852 # بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا # البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، ~~إذا نظرت هل يتحرك. ومنه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن ~~نجد؛ وحجز بيننا وبينه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرة ~~ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى) . وأراد ببنات الشوق مسبباته. ~~وهذا كما قال الآخر: # يضم إلى الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق # فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى ~~كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونهما من أصل واحد يستعار ~~ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنه كان أعور ممتعا ms0696 بعينه ~~اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها ~~عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت ~~العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ~~ائتمارهما له، وأنهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منهما # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا # يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ~~ملتفتا إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق ~~فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسرا في إثر الفائت من أحبابي ~~وديارها، وتذكرا لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من ~~خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منها قوله: # عيل صبري بالثعلبية لما ... طال ليلى وملني قرنائي # كلما سارت المطايا بناميلا تنفست والتفت ورائي # قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونه عاشقا # PageV01P853 # وانتصب (ليتا) لأنه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنه، كأن الأصل: وجع ~~ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: ~~تصببت عرقا، وقررت به عينا. # وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان ~~من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع ~~الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها ~~مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقا إلى أمثالها، وحسرة في إثر ~~منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع رحمه الله، في حد الغزل ~~من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منها في (باب الصبابة) ، وهما: # حننت إلى ريا ونفسك باعدت # وفما حسن أن تأتي الأمر طائعا # وقال في تفسيرهما: (يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها) ~~. وذكر مع البيتين قول عنترة: # علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس ms0697 بمزعم # ثم جاء إلى (باب الحنين) ، فذكر ما في الأبيات، # وأذكر أيام الحمى # ووليست عشيات الحمى برواجع # وبكت عيني اليمنى # الأبيات، وقال في تفسيرها: هذا كان مجرورا لأحبابه وهم منتجعون بجنوب ~~الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار ~~القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت ~~عيني # PageV01P854 # اليسرى، كناية عن السحاب. وجهلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منها زجرا ~~لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى ~~قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفا بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين. ~~وقال جرير: # إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقا بها ومجالا) . # هذا كلامه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. ~~وأظن أنه تذكر أبيتا غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في ~~أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفا فعله. والله ~~أعلم. # وقال آخر: ### || ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلى شفيعها # أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها # نبىء يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وقد حصلت إلى قوله (أرسلت بشفاعة إلى) . ~~وقوله (هلا نفس ليلى) هلا: حرف تحضيض، وهو يطلب الفعل، وقد وقع في البيت ~~بعده جملة من مبتدأ وخبر. وفارق (هلا) هذه أختها (لولا) في قوله: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكمي المقنعا # وذاك لأن تأثير الفعل بالنصب بعد لولا من البيت دل عليه، فأمره في إضمار ~~الفعل بعده قوى. وهذا لم يصلح له أن ينصب النفس بعد هلا، فكان يجيء ~~التقدير: فهلا أرسلت نفسها شفيعها؛ لأن القوافي مرفوعة، فجعل ما بعده مبتدأ ~~لما لم يتأت له ما تأتي لذاك. وقد يفعلون هذا في الحروف المختصة بالأفعال ~~إذا كان في الكلام دلالة على المضمر من الفعل. ألا ترى أن ويطلب الفعل. ثم ~~جاء قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق. # PageV01P855 # وعلى ذلك ms0698 جاء إن الجازمة الدالة على الشرط في وقوع الإسم بعده، وإن كان ~~يطلب الفعل عاملا فيه بالجزم، وذلك نحو: إن زيد أتاني أكرمته. وقول الشاعر: # إن ذو لوثة لانا # وما أشبهه. فإن قيل: هلا جعلت المضمر بعد هلا فعلا رافعا فيرتفع النفس به ~~لا بالإبتداء، كما يفعل ذلك في: إن زيد أتاني أكرمته، فيصير هلافي ذلك أجرى ~~في بابه من أن يكون ارتفاعه بالإبتداء؟ قلت: إن قولك إن زيد أتاني أكرمته، ~~ارتفع زيد بفعل هذا الظاهر تفسيره، وأكرمته جواب إن، فساغ فيه مالم يسغ ~~هاهنا، لأنه ليس هاهنا شيء يكون تفسيرا لذلك الفعل. وإنما جاء بد الفعل ~~المفسر شفيعها، ويكون خبرا، ويكون خبرا لا غير، وإذا كان كذلك لم يمكن حمل ~~هذا عليه. # ومعنى البيت: خبرت أن ليلى أرسلت إلى ذا الشفاعة في بابها، تطلب به جاها ~~عندي، مستكفية عن ذكرها في الشعر وعن إتيانها وما يجري مجراه. ثم قال: هلا ~~جعلت نفسها شفيعا. فقوله (بشفاعة) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ~~الفعل الذي يقتضيه هلا دل عليه شفيعها، لو قال: هلا نفسها شفيعها - لكان ~~أقرب في الإستعمال، إلا أنه قصد إلى التفخيم بتكرير اسمها. # ثم قال: (أأكرم من ليلى علي) ، فأتى بلفظ الاستفهام، والمراد التقريح ~~والإنكار، كأنه أمكر منها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت ~~لديه. وقوله (فتبتغي) في موضع النصب على أن يكون جواب الاستفهام بالفاء. ~~وقوله (أم كنت) هي أم المتصلة، كأنه قال: أي هذين توهمت: طلب إنسان أكرم ~~علي منها، أم اتهامها لطاعتي لها. وخبر أكرم علي محذوف، كأنه قال: أأكرم ~~منها موجود، أو في الدنيا. ### || وقال آخر: # أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... توهم صيف من سعاد ومربع # PageV01P856 # أخادع عن أطلالها العين إنه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع # عهدت بها وحشا عليها براقه ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع # استفاق وأفاق بمعنى صحا. وانبرى: تعرض. وأراد بالصيف المصيف. وقوله (من ~~سعاد) أراد من دار سعاد وأرضيها. و (أما) هي ما النافية أدخل عليها ألف ~~الاستفهام ms0699 تقريرا او إنكارا. والمراد: لا يحدث القلب بالسلو والإقامة مما ~~تداخله من علائق حب هذه المرأة، وتشبث به فألهاه عن كل شيء، إلا اعترض له ~~تذكر مصيف ومربع من أرضيها بعد التوهم. كأنه كان يقف على منازلهم فيتوهمها ~~بآياتها وعلاماتها، ثم يعرفها. وأكثر ما يذكرون التوهم في الديار يعقبونه ~~بالعرفان دون العلم. وهذا أحد ما نفصل به بين العلم والمعرفة، ولهذا ~~وأشباهه ممتنع من أن نصف الله تعالى بأنه عارف. لذلك، قال زهير: # فلآيا عرفت الدار بعد توهم # أشباهه كثير. وقوله (أخادع عن أطلالها العين) يريد أني إذا وقفت على آثار ~~دارها وجوانب محلها رمت خداع النفس والعين عن تأملها، تفاديا مما يتسلط من ~~الوجد بها، ويتجدد لي من الصبابة نحوها. ولائلا أتذكر بما أتفرس فيها ~~أحوالي قبلها، ولأن العين إذا عرفتها وكفت بالدمع، والنفس إذا تبينتها ~~أشقيت بالوجد. # وقوله (عهدت بها وحشا) هذا تحسر فيما رأى الدار عليه من الإستبدال وحوشا، ~~فقال: عهدت بها نساء مبرقعة - يشير بذلك إلى عفافها وقلة تبرجها - كالوحش ~~كمالا وحسنا، ونفورا عن الريب، وأرى الآن وحوشا تختلف فيها غير # PageV01P857 # مبرقعة. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # يعز على أن يرى عوض الدمى ... بحافاته هام وبوم وهجرس # وقوله (عليها براقع) صفة للوحش، وكذلك (أصبحت لم تبرقع) . ### || وقال آخر: # فيا رب إن هلك ولم ترو هامتي ... بلبلى أمت لا قبر أعطش من قبري # وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولو ألمن صبر # وإن يك عن ليلى غنى وتجلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر # حذف الياء من (يارب) لوقوعها موقع ما يحدث في باب النداء، البتة، وهو ~~التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه، وإن باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة ~~تردده في الكلام، وقوله (أمت) جواب الشرط. وقوله (لا قبر أعطش من قبري) ~~الجملة في موضع الحال. وقد روى: (ترو) بفتح التاء ويكون الفعل للهامة، ~~(وترو) بضم التاء والفعل لله عز وجل. فيقول متألما من برح الصبابة، وعطش ~~الاشتياق، ومتشكيا إلى الله تعالى: يا رب ms0700 إن مت ولم أنل شفاء من دائي، وريا ~~من عطشي إلى هذه المرأة مت ولا قبر لعاشق أشد عطشا من قبري. وإنما قال: لم ~~ترو هامتي، لأنهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هاما فتطير. والأصلح في ~~هذا المكان أن يكون جعل نفسه مقتتلا لحبها. ومعنى (ترو هامتي) لم تطلب دمي ~~من قاتلي، تبق هامتي أعطش من كل هام. وكانوا يقولون: إنه يخرج من رأس ~~المقتول هامة فتصيح وتقول: اسقوني اسقوني! إبى أن يدرك ثأره. # إنما آثرت هذا لتوحيده هامة. والرةايتان في ترو وترو معنياهما ظاهران ~~وقوله (وإن أك عن ليلى سلوت) قد تقدم القول في حذف النون من أكن. وجواب ~~الشرط قزله (فإنما) بما بعده والمعنى: إن اك في الظاهر حصل لي سلو عنها لمن ~~يتأمل حالي، فإنما تكلفت ما ظن مني سلوا لغلبة اليأس منها على، فأما نفسي ~~فهي كما كانت، ذهابا فيها وولوعا بها. وقوله (سلوت) مهناه طبت نفسا. وتسليت ~~معناه تكلفت ذلك، والتفعل لا يكون إلا عن تكلف في أكثر # PageV01P858 # الأحوال، وكذلك التفاعل، فأتى بسلوت بناء على ظنهم واعتقادهم، وتسليت ~~بناء على حاله. # وقوله (وإن يك عن ليلى غنى) يريد: وإن كان ظاهر أمري أني استغنيت عنها ~~بخلو قلبي من حبها، أو أني أتجلد للوهن العارض في الإشتياق إليها، فرب غني ~~نفس يقرب من الفقر، والمعنى أن باطن أمري بخلاف ظاهره. وإنما يتصور مني غنى ~~يقرب من الفقر إذا حصل وتؤمل. ومن روى (أمر من الفقر) فالمعنى ظاهر والفاء ~~من فرب بما يعده جواب للشرط. وفائدة رب التقليل، كأنه استقل الحالات التي ~~تشبه حاله، فلذلك أتى برب. ### || وقال آخر: # يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والعقل متله والقلب مشغول # ثم انصرف إلى نضوى لأبعثه ... إثر الحدوج الغوادي وهو معقول # انتصب (يوم) بإضمار فعل، كأنه أراد: أذكر يوم هذا الأمر والشأن. وأضاف ~~اليوم إلى الفعل تشيهرا له وتعظما لما اتفق فيه. وذلك أنه باغته حديث ~~الفراق وما هم به المجتمعون معه في النجمة من الارتحال، فلما ورد عليه ms0701 مالم ~~يحسبه ولم يحدث نفسه به تولة وخولط، حتى صار لا يدري ماذا يأتي عندما هم به ~~من تشييعهم، والتهيؤ للكون معهم، فقال: أذكر يوم أقبلت أضع الرحل على ~~الناقة قبل البرذعة، وعقلي فاسد وقلبي مشغول بما دهمه من الحال. وقوله ~~(متله) هو مفتعل من الوله، وأصله مؤتله، فأبدل من الواو تاء كما تقول في ~~اتقى واتجه وما أشبههما، ثم أدغم إحدى التاءين في الأخرى. ويروى: (مختبل) ~~والخبل: الفساد. # وقوله (ثم انصرفت إلى نضوى) تتميم لبيان حاله فيما انعكس عليه من قصده، ~~وفسد من همه، فقال: ثم رجعت إلى بعيري لأقيمه في إثر الظغائن الباكرة، وهو ~~مشدود بعقالة لم أحله. وهذا غاية ما يقال في انحلال العقدة، واسترخاء ~~المسكة، وسوء الضبط وانقلاب القلب. ومعنى أبعثه أهيجه. والنضو: البعير ~~المهزول. والحدوج: مراكب النساء الظاعنة. وانتصب إثر على الظرف. # وقد سلك أبو تمام هذا المسلك فقال: # أصمني سرهم أياهم فرقتهم ... هل كنت تعرف سرا يورث الصمما # PageV01P859 # نأوا فظلت لوشك البين مقلته ... تندى نجيعا ويندى جسمه سقما # أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما ### || وقال جران العود # أيا كبدا كادت عشية غرب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع # عشية ما فيمن أقام بغرب ... مقام ولا فيمن مضى متسرع # يروى (ياكبدا) والمراد يا كبدي على الإضافة، ففر من الكسرة وبعدها ياء ~~إلى الفتحة، فانقلبت ألفا. ويروى (ياكبدا) والمراد به كبده وإن نكرها، ~~بدلالة أنه وصفها بقوله (كادت عشية غرب من الشوق) ... البيت. وهذه الصفة لم ~~تحصل إلا لها. والمراد أنه تألم مما دهمه من أمر الفراق بعد الاجتماع ~~الحاصل في مواضع الانتجاع، وكأن المجتمعين تحزبوا حزبين، ارتحل أحدهما ~~وصاحبته معهم، وأقام أحدهما بالتهيؤ والاستعداد وهوفيهم، فالمتقدمون ليس ~~فيهم متسرع، لانتظارهم المتخلفين، والمتخلفون لا مقام لهم لاستعجالهم ~~اللحاق بهم. فشكا الحالة الواقعة في أثناء ذلك، وهو مع ذلك يحن ويشتاق. ~~وغرب: موضع. وأضاف المشية إليه تخصيصا. وفصل بين كاد وبين الفعل الذي ~~تناوله بالظرف على ما اتصل به. و (وإثر) انتصب ms0702 على الظرف من الشوق، و ~~(عشية) من البيت الثاني بدل من العشية الأولى. وكما أضاف الأولى إلى غرب ~~تبيينا أضاف الثانية إلى قوله (ما فيمن أقام بغرب) تبيينا، وهما عشية واحدة ~~وإن اختلف مبينهما. ### || وقال الحسين بن مطير # لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها # وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها # PageV01P860 # يقول: كنت قوى النفس، ثابت القلب، راجح العقل، صبورا في الشدائد، قبل أن ~~بليت بفراق الأحبة، فلما أوقدت نيته التي انتوها نار الصبابة على كبدي ~~فأبطأ سكونها ضعفت عن الثبات لها، وظهر عجزي عن تحمل أعبائها، وقد كنت أؤمل ~~إذا أتت الأيام على ما أقاسيه، واستمرت النفس في التألم تارة وفي التصبر ~~أخرى، أن يتنقص ذلك صبابتي، وأن قدم الأيام وانحاء العهود يؤثر في تسكين ~~نائرتها، ويبطل ما تسلط على من أذاها ومكروعها. وقوله (إذا قدمت) ظرف لتوت ~~صبابتي. # فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها # يريد أن ما كان يرجوه من سكون صبابته قد ازداد، لأنها صيرت في حبة القلب ~~وأحشائه أمطار الهوى، تجدد وتتبع بولي من الشوق يردها كما كانت، وانتصب ~~(عهاد) على أنه مفعول أول لجعلت. وتولى بشوق في موضع المفعول الثاني، ~~ويعيدها في موضع الصفة للشوق. ومعنى (تولى) تمطر الولى. والولى المطرة ~~الثانية لأن الأولى منها تسمى الوسمى. والعهاد: جمع العهد، وهو المطر الذي ~~يجيء ولما تقدمه عهد باق لم يذهب. وحبة القلب هي العلفة السوداء في جوفه. ~~ويورى (عهاد الهوى - بالرفع - يولى - بالياء - بشوق بعيدها، بالباء) ، ~~فيكون معنى جعلت طفقت وأقبلت، ويكون غير متعد، ويرتفع عهاد بجعلت، وبعيدها ~~يقوم مقام فاعل يولى. فيكون المعنى: فقد طفقت أوائل هواها يمطر أبعدها بشوق ~~يجددها. # بسود نوصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها # مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها # الباء من قوله (بسود نواصيها) يجوز أن يتعلق بقوله تموت صبابتي، ويجوز أن ~~يتعلق ms0703 بجعلت إذا ارتفع عهاد الهوى به يريد: جعلت العهاد تفعل هذا بسبب نساء ~~هكذا. وإنما جاز أن يجمع سود وحمر وغيرهما وإن ارتفع ما بعدها بها، لأن هذه # PageV01P861 # الجموع لها نظائر في هذه الأسماء المفردة، ولو كانت جموع سلامة أو مالا ~~نظير له في الواحد لما جاز جمعه. تقول: مررت برجال ظراف آباؤهم، لم يجز. # وقوله (يمنيننا) يصف لطافتهن في مواعيدهن، وتقريبهن أمر الوصال بينه ~~وبينهن، وأنها لا تزال تمنى وتضمن من حسن الإجابة ما يصير للقلوب به بريق ~~ونضارة، كبريق الخزامى إذا بفي ليلته يطل بالجود، والرفيف كثرة الماء في ~~النبات ونضارتها. ومعنى (حتر ترف) إلى أن ترف. ### || وقال أبو صخر الهذلي # أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر # لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر # تكريره للذي ليس بتكثير للأقسام، لأن اليمين يمين واحدة بدلالة أن لها ~~جوابا واحدا، ولو كانت أيمانا مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة، ~~وفائدة التكرير التفخيم والتهويل. وعلى هذا إذا قال القائل: والله والله ~~لقد كان كذا، فاليمن واحدة. وما في القرآن من قوله: والليل إذا يغشى. ~~والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم لشتى مثله. على أن ما ~~في البيت من اختلاف الأفعال الداخلة في الصلات جعل الكلام أحسن، والتفخيم ~~أبلغ. وجواب القسم (لقد تركتني) ، وفاعل تركتني ضمير المرأة المستكن فيه. ~~والمعنى: أنى إذا تأملت الوحوش وهي تأتلف في مراعيها ومتصرفاتها اثنين ~~اثنين، لا يفزعها رقيب، ولا يدخل فيما بينها تنفير، حسدتها وتمنيت أن تكون ~~حالتي مع صاحبتي كحالها في ألافها. # PageV01P862 # وقوله (أحسد الوحش) في موضع الحال، وأن أرى، في موضع البدل من الوحش. ~~وقوله (لا يروعهما) في موضع الصفة لأليفين، لأن أرى من رؤية العين، ويكتفي ~~بمفعول واحد، وهو أليفين. # فيا حبذا زدني جوى كل ليلة ... وياسلوة العشاق موعدك الحشر # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # تجلد في الهوى وادعى اللذاذة به، حتى استزاد من أجزاء ms0704 الجوى الحاصلله، ~~وهو داء الجوف، ما يتضاعف بتجدد الأوقات، واستبعد التسلي منها حتى جعل ~~الموعد بينهما يوم النشر. وهذا غاية التفتى في الهوى، والتصبر على الردى. # وقوله (عجبت لسعي الدهر) يجوز أن يريد به سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال ~~بينهما، وأنه لما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون. وهذا على ~~عادتهم في استقصار أيام السرور واللهو، واستطالة أيام الفراق والهجر. ويجوز ~~أن يريد بسعي الدهر سعاية أهل الدهر وإيقادهم نار الشر بينهما بالنمائم ~~والوشايات، وأنه لما فترت أسواقهم بالتهاجر الواقع منهما، وارتفع مرادهم ~~فيما طلبوه من الفساد بينهما، سكنوا. وكما أراد بسعي الدهر سعى أهل الدهر، ~~كذلك أراد بسكون الدهر سكون أهل الدهر. ### || وقال: # بيد الذي شعف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم # ويقر عيني وهي نازحة ... مالا يقر بعين ذي الحلم # الذي شغف القلب به من زعمه هو الله تعالى. ومعنى شعف الفؤاد: أصاب شعفته. ~~وشعفة كل شيء أعلاه. وقوله (بكم) أراد بحبكم، ويقال: فلان مشعوف بكذا، إذا ~~شغل قلبه به وأصيب. وارتفع (تفريج) بالابتداء، وخبره بيد الذي، على طريقة ~~سيبويه، وعلى مذهب أبي الحسن الأخفش ارتفع تفريج بالظرف، والمعنى: بيد الله ~~الذي ابتلاني بكم، وشغل قلبي بحبكم، كشف ما أقاسيه من الهم. وهذا للشاعر في ~~الهوى على الضد ممن تقدم ذكره، لأن شكواه في نهاية القوة والعلو، كما أن ~~التذاذ ذاك في نهاية الجدة والغلو. # PageV01P863 # وقوله (ويقر عيني وهي نازحة) يريد أنه يسره فيها على بعدها منه مالا يسر ~~به عاقل. وإنما نبه بهذا على شدة تمنعها، وعلى قوة يأسه منها، حتى أنه مع ~~البعاد إذا أخطر بباله شيئا من أحوالها التي يشاركه فيها، عده مرزئة منها، ~~واستمتاعا بها. وقد شرح ذلك فيما بعده. وقد روى بعضهم: (بعين ذي الحلم) بضم ~~الحاء، وليس بشيء. # إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم # لك أن تروى (أني) وتجعله في موضع الرفع بدلا من (مالا يقر) ؛ ولك أن تكسر ~~إن، كأنك تستأنف شرح ما قدم، وتفصل ms0705 ما أجمل. ويكون المعنى: بقر عيني أني ~~أرى بياض النهار وعالي الكواكب بالليل، وهو أضوؤها وأعلنها، وأظن أنها ~~تشاركني في رؤيتها، فأفرح بذلك، وهذا مما لا يفرح به عاقل، ولا يعتده لذة، ~~ويروى والمعنى ما بينته، على غير هذا، وهو: # إني الذي سأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم # فيرتفع وضح على أن يكون خبر إن، وأتى بعالي النجم على أصله فضم الياء ~~منها. والمعنى ذلك المعنى، إلا أنه زاد الظن تراخيا بإدخال السين عليه. ~~ويروى: # إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار عوالي النجم # فينتصب وضح على الظرف، وعوالي على أنه مفعول أرى. والمعنى: أرى الكواكب ~~ظهرا، فيما أقاسيه من برح الهوى، وأظن أنها ستمتحن في حبها لي بمثل ما ~~امتحنت في حبي لها، وأن أسباب الهوى تفارقني وتعود إليها، فترى مثل ما أرى، ~~فأفرح بذلك وتطيب له نفسي، وهذا مما لا يفرح به عاقل. # ولليلة منها تعود لنا ... في غيرما رفث ةلا إثم # أشهى إلى نفسي ولو نزحت ... مما ملكت ومن بني سهم # نبه بهذا الكلام على تهالكه في هواها، وتناهى صبابته بها، وأن اليسير إذا ~~عاد عليه منها عده كثيرا. وقد أظهر العفاف في بلواه، وأنه يتمنى ما يتمنى ~~فيها حلالا لا # PageV01P864 # حراما، فيقول: ولليلة من أوقاتها تحصل لنا في غير فحش تذكر به، أو إثم ~~تكتسبه، ألذ إلى نفسي وأطيب في قلبي من ملكي كله، ومن عشيرتي بأسرهم. # وقوله (أشهى إلى نفسي) في موضع المبتدأ، وهو ولليلة منها. وقوله ولو نزحت ~~شرط فيما تمنى حصوله، وقد فصل بها بين أشهى إلى نفسي وبين ما ملكت أي وإن ~~بعدت تلك الليلة فعادت إلى أولى أحوالها في التمنع علي والتفصى مني. # قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم # ولما بقيت ليبقين جوى ... بين الجوانح مضرع جسمي # فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شيت عن علم # عاد إلى مخاطبتها، بعد أن تألم مما تألم، فقال يعتب عليها: قد كان لنا في ~~الموت قطيعة وافتراق، ms0706 لكنك لم تصبري إلى حين وقوعه، ولم تنتظري نزوله، ~~فتعجلت الصرم قبل الموت، فلا جرم أن بين جوانحي داء يبقى مدة بقائي فيها، ~~ويذيب جسمي، ويكسف بالي. وقوله (ولما بقيت) أدخل اللام الموطئة للقسم على ~~مابقيت، وهو مصدر في موضع الظرف، لما يتضمن من معنى الشرط. وقوله (ليبقين ~~جوى) جواب القسم المضمر، والكلام كأنه: لئن بقيت ليبقين جوى؛ لأن المعنى: ~~ولمدة بقائي ليبقين جوى. فمحصول الكلام يعود إلى ذلك. # وقوله (فتعلمي أن قد كلفت بكم) يضعون تعلم موضع أعلم، إلا أن المخاطب ليس ~~له في الجواب أن يقول تعلمت، لكن يقول: علمت. والمعنى: اعلمي كلفي بكم، ~~وانحطاطي في هواكم، وكنه ما أقاسيه في حبكم، ثم آثرى في بابي ما أردت بعد ~~علمك بالحال، لأن الذي أطلبه رضاك، ثم لا أبالي بما يلحقني من بقاء أو ~~فناء، أو سراء او ضراء. ### || وقال آخر: # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # PageV01P865 # بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها # يقول: إن المرأة التي ادعت عليك ملال قلبك منها، وإعراضك عنها، ونيتك في ~~استبدالك بها، خلقت هوى لك كما خلقت أنت هوى لها. والمعنى أن دعواها تجن ~~منها، وتسخط لما يظهر من شعفك بها، وهي لك لا انفكاك لقلبك من عشقها، كما ~~تدعي أنها لك بهذه المنزلة، فأنت تهواها كما أن تلك تهواك، لا مرية في ذلك ~~ولا شك. # وقوله (بيضاء باكرها النعيم) يريد أنها نشأت في النعمة والنعمة، وأن خفض ~~العيش رباها وحسن خلقها بحذق ولباقة، فجعل محاسنها مرتبة بين ما يستحب ~~دقتها، وبين ما يستحب 4فخامتها. ومعنى (باكرها) سبق إليها في أول أحوالها؛ ~~لأن البكور: اسم لابتداء الشيء؛ على ذلك باكورة الربيع. واللباقة: الحذق؛ ~~يقال: هو لبق ولبيق، أي حاذق. ومعنى أدقها وأجلها: أتى بها دقيقة جليلة، ~~فما يستحب دقتها منها مثل الأنف والعين والثغر والخصر جعلها دقيقة، وما ~~يستحب جلالتها منها مثل الساق والفخذ والعجز والصدر جعلها جليلة. وهذا كما ~~قال الآخر: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو ms0707 جن إنسان من الحسن جنت # وكما قال: # يمانيه تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسن وتكن غليلا # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير لها إلى فسلها # كأنها لما لامته في ملامه وظهور التسلي منه، هجرته وأقبلت لا تقبل تحية ~~ولا ترد جوابها. فيقول: لما أعرضت وتحجبت عن رسلي، وأظهرت اطراح ودي، قلت ~~متأسفا ومتعجبا: ماكان أكثرها لنا حين كانت متوفرة علينا وما أقلها لنا ~~الساعة وقد زهدت فينا هذا الزهد المسرف، وضجرت بنا الضجر المفرط. والذي ~~استكثره واستقله هو نيلها وميلها. هذا إذا جعلت الضمير من (أكثرها) و ~~(أفلها) راجعا إلى # PageV01P866 # المرأة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى التحية، والمراد: ما كان أكثرها لنا لو ~~حصلت، إذ كان فيه مساك أرماقنا، وحياة قلوبنا. وما كان أقلها في نفسها. ~~وهذا كما قال الآخر: # إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل # وقوله (وإذا وجدت لها وساوس سلوة) يبين به استحكام حبتها في قلبه، وأنه ~~كلما تداخله ضجر بدلالها وتأبيها، فحدت نفسه بالتسلي عنها والتصبر دونها، ~~أقبلت دواعي الميل إليها، والأسباب المتسلطة على قلبه والمشتملة على لبه، ~~ولها تشفع وتعصب، فنزعت ما خطر، بالبا من ذلك، وصارت شوافع الضمير أغلب على ~~تدبيره، وأملك لمتصرفاته، حتى يصير الحكم لها، والغلب لقضاياها. وفي طريقته ~~قول كثير: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل ### || وقال آخر: # أما الذي حجت له العيس وأرتمى ... لمرضاته شعث طويل ذميلها # لئن نائبات الدهر يوما أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا لأقيلها # افتتح كلامه بأما، ثم أقسم بالله، لأن الذي قصدت العيس بيته، وطلبت ~~الحجاج الغبر الوجوه الطوال الذميل مرضاته، هو الله تبارك وتعالى. # واللام من (لئن) هي الموطئة للقسم، وجواب القسم (لا أقيلها) . والمعنى: ~~والله لئن جعلت نوائب الدهر لي دولة على أم عمرو لعددت ذلك ذنبا لا أقيلها ~~منه. فالضمير من لا أقيلها يرجع إلى النائبات، كأن لذته كان في الهوى، وأن ~~يكون لتلك عليه البسطة ms0708 في الأمر، والتمكن من التصريف فيما يسوءه أو يسره، ~~فإذا تغير الأمر عن ذلك عدة شقاء وضررا فادحا. وهذا الوجه حسن. ويجوز أن ~~يكون الضمير يعود إلى المرأة، فيكون المعنى: إنى إن صارت لي اليد عليها، ~~وجعلت أملك من أمرها مثل ما تملك من أمري جازيتهاحينئذ بما تعاملني به كيل ~~الصاع بالصاع، وتركتها لا أنعشها من صرعتها، ولا أقيلها عثرتها. وهذا ~~المعنى وهذا المعنى إذا قايسته إلى ما تقدم ذكره كان # PageV01P867 # منحطا عنه، وواقعا دونه، وفيه إظهار العجز عن مكابدة الصبابة، والتصريح ~~بسوء الملكة. ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها أرباب الهوى، والحكام على مدعي ~~العشق ولهم. ومعنى (أدلنني) جعلن لي دولة. ويروى: أدرن لي فينتصب دولة على ~~أنه مفعول به. والدائرات كالدائلات لا فصل. ومن روى (أدلن لي) انتصب دولة ~~على أنه مصدر، فيكون موضوعا موضع الإدالة. ويقال: أدالك الله من عدوك، أي ~~جعل لك عليه دولة. ### || وقال آخر: # وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتبعتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # الرائد: الذي يتقدم القوم فيطلب لهم الماء والكلأ، ولذلك قيل في المثل: ~~(لا يكذب الرائد أهله) لأنه إن كذبهم هلك معهم. فيقول: إنك إذا جعلت عينك ~~رائدا لقلبك تطلب له مصب هواه، ومقلا لهوه وصباه، أتعبتك مناظرها في ~~مطالبك، وأوقعتك مواردها في أشق مكارهك؛ وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتياده ~~لها على مالا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على ~~السلو عن جميعه مع تذكر غرائب الحسن منه، فهو الدهر ممتحن ببلوى مالا يقدر ~~على كله، ولا يصبر عن بعضه. والجناية فيهما للعين، لكونها قائدا للفؤاد إلى ~~الردى وسائقا، وهاديا لدواعي الحب إليه وحاديا. # وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام حيث يقول: # لم تطلع الشمس المضيئة مذ رأت ... عيني خلال الخدر شمسا تغرب # لأعذبن جفون عيني إنما ... بجفون عيني حل ما أتعذب # وأبين من هذا قول الآخر: # ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب ms0709 يألف # PageV01P868 # وقوله (رائدا) انتصب على الحال، وجواب إذا أرسلت (أتعبتك المناظر) . وقد ~~حصل خبر كنت فيه ومعه. وقوله (رأيت الذي) تفصيل لما أجمله قوله (أتعبتك ~~المناظر) . ### || وقال الصمة بن عبد الله القشيري # أقول لصاحبي والعيسى تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # العيس: بياض في ظلمة خفية. والعرب تجعله في الإبل العراب خاصة. والمنيفة: ~~موضع، أو هضبة مرتفعة. ومنه: أناف على كذا، أي أشرف، وقولهم: مائة ونيف. ~~والضمار: مكان أو واد منخفض يضمر السائر فيه، لذلك قال الأعشى: # نراناإذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم # ومنه قيل للعدة المسوفة: الضمار، وقيل لما لايرجى رجوعه من المال: ~~الضمار. قال: # وعينه كالكالىء الضمار # يذمه بأن حاضره كغائبه. يقول: إني أجاري رفيقي وأباثه قصتنا، والرواحل ~~تسرع بين هذين الموضعين، وأقول في أثناء ذلك متلهفا: استمتع بشم عرار نجد، ~~فإنا نعدمه إذا أمسينا بخروجنا من أرض نجد ومنابته. # والشميم: مصدر، وأكثر ما يجيء فعيل مصدرا في الأصوات، كالصهيل والشحيج؛ ~~ومثله العذير والنكير. ويقال: تمتعت بكذا ومن كذا. والعرار: بقلة صفراء ~~ناعمة طيبة الريح، والواحدة عرارة. قال الخليل: العرارة البهارة البرية، ~~وقيل هو شجر. وقد شبه لون المرأة بها. قال # PageV01P869 # الأعشى: # بيضاء صحوتهاوصف ... راء العشية كالعراره # وقوله (من عرار) من لاستغراق الجنس، وموضع (من عرار) رفع على أن يكون اسم ~~ما. والواو من قوله (والعيس تهوى بنا) واو الحال، وموضع (تمتع من شميم) نصب ~~لأنه مفعول أقول. وقوله (بين المنيفة فالضمار) أجود الروايتين (بين المنيفة ~~والضمار) لأن بين يدخل لشيئين يتباين أحدهما عن الآخر فصاعدا، وإذا كان ~~كذلك لا يكتفي بقوله المنيفة فيرتب عليه الضمار بالفاء العاطفة، اللهم إلا ~~أن تجعل بين الأجزاء (المنيفة) فتصير المنيفة كاسم الجمع، نحو القوم ~~والعشيرة وما أشبههما. وعلى هذا قول امرىء القيس: # بين الدخول فحومل # وكان الأصمعي يرده ويرويه بالواو. # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة غب القطار # وأهلك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار # شهور ms0710 ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # ألا: حرف لافتتاح الكلام، والمنادى في ياحبذا محذوف كأنه قال ياقوم أو يا ~~ناس، حبذا نفحات نجد. وارتفع نفحات بالابتداء، وخبره حبذا، كأنه قال: محبوب ~~في الأشياء نفحات نجد، وهو تضوع الرياح بالنسيم الطيب. ويقال: له نفحة طيبة ~~وخبيثة. وقوله (ريا روضه) يراد بها الرائحة هنا. وارتفع قوله (وأهلك) عطفا ~~على وريا، وهما جميعا معطوفان على (نفحات) وكأنه قال: وحبذا أزمان أهلك حين ~~كانوا نازلين بنجد وأنت راض من الزمان، لمساعدته إياك بما تهواه وتريده، ~~فلا تعيبه ولا تشكوه. ويقال: زريت عليه، إذا عبت عليه؛ وأزريت به، إذا قصرت ~~به. وقوله (وأنت) الواو واو الحال، وارتفع (شهور) على أنه مبتدأ، وهو تفسير ~~الزمان الذي حمده وتلهف على إنقضائه. وقوله (ينقضين) خبره. ويجوز أن يرتفع ~~شهور # PageV01P870 # على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما ينقضين حينئذ يكون صفة له. وقوله (وما ~~شعرنا) أي ما علمنا. يقال: شعرة وشعرا. ومنه الشعر. يقال: شعر الرجل، إذا ~~قال الشعر، فشعر بكسر العين أي صار شاعرا. وسرار الشهر: آخره؛ لأن القمر ~~يستسر فيه. وقد حكى كسر السين فيه، وليس بكثير. والمعنى: يا قوم، محبوب ~~فيما تقضى نسيم أرواح نجد وروائح رياضه عقب إتيان المطر عليه، وهز الريح ~~لنباتها. ومحبوب أيضا زمان أهلك وإقامتهم بنجد، حين كنت تشكر وقتك وترضيه، ~~إذ كانت شهوره وأيامه تنقضي وأنت لا تشعر بأنصافها، ولا بأواثلها وأواخرها، ~~لاشتغالك بلهوك، وذهابك في غفلتك. وهم يستقصرون أيام السلامة والسعادة ~~ومواصلة الأحبة، وعند طاعه الدهر والأقدار لهم، كما يستطيلون ما كان على ~~خلافه من الشهور والأعوام. ### || وقال آخر: # ومما شجاني أنها يوم لأعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر # فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلى التفاتا أسلمته المحاجر # يقول ملما بالمعنى الذي شرحه أبو تمام حين قال: # لأودعنك ثم تدمع مقلتي ... إن الموع هي الوداع الثاني # يقول: ومما حزني وصار نصب عيني وحلف قلبي تذكرنيه الأحوال فلا أنساه، ~~وتمثله لناظري الأوقات فلا أتغاباه، أن صاحبتي يوم الفراق عند الوداع ms0711 أعرضت ~~لي ودمعها يترقرق في جفن عينها ويتحير، لامتلائها به، إلا أنها كانت تحسبه ~~فلا تسيله، فلما أعادت التفاتها إلى بعد إعراضها عني، بنظرة جددتها، أسلمت ~~محاجر عينها ما اجتمع فيها من الدمع، فتحدر في مدامعها؛ لأن ذلك كوداع ثان ~~منها، وكمتعة متعتني بها وزيادة زاد في الحب زودتنيها. وقوله (أنها) مبتدأ ~~و (مما شجاني) خبره. ويقال: شجاه يشجوه شجوا فشجى يشجى؛ فهو شج. وحار الماء ~~والدمع، إذا تحير في موضعه وقد ملأه فلا موضع له. وقوله (أعرضت) : أبدت ~~عرضها. وخبر أن تولت. # PageV01P871 # وقوله (فلما أعادت) يجوز أن يكون التفاتا مفعول أعادت، وموضع بنظرة حالا، ~~كأنه قال: لما أعادت التفاتها ناظرة من بعيد إلى أسلمته. وجواب لما ~~(أسلمته) وإلى تعلق بنظرة. ولا يجوز أن يتعلق بالتفاتا، لأنه إذا جعل كذلك ~~يكون صلة المصدر وقد قدمت على الموصول. ويجوز أن يكون بنظرة في موضع ~~المفعول لأعادت، والباء إن شئت جعلتها مؤكدة، كما جاء في قول الآخر: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ويصير (التفاتا) مصدرا في موضع الحال، والتقدير: لما أعادت نظرتها من ~~بعيد إلى ملتفتة أسلمته. والهاء من أسلمته للدمع كما قدمته. والمحاجر: جمع ~~المحجر، وهو ما يبدو من نقاب المرأة إذا تنقبت. والكية حول العينين يقال ~~لها: التحجير. ويقال: حجر القمر، إذا استدار حوله خط رقيق. ### || وقال آخر: # ولما رأيت الكاشحين تتبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظرا شزرا # جعلت وما بي من جفاء ولا قلي ... أزوركم يوما زأهجركم شهرا # الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع، والكاشح: العدو الباطن العداوة. ويقال: ~~هو بين الكشاحة والمكاشحة؛ ويقال: طوى فلان كشحه على كذا، إذا استمر عليه. ~~وهذا كلام مبق على المحبوب، كاره لانتشار القالة فيهما، مختار لاستتار ~~الهوى بينهما. فيقول: لما رأيت الوشاة يتتبعون أحوالنا بالنميمة وإفشاء ~~أسرارنا، وأخذوا ينظرون إلينا نظر الأعداء بتحديق شديد، واستكشاف لما خفي ~~من أمرنا بليغ، أقبلت أحترز وأقصر أشواطهم فيما ينتحونه من مساءتنا، ~~والقعود والقيام بذكرنا، فأتأخر عن زيارتكم شهرا وأوفيكم يوما؛ هذا ولا ~~أقصد جفاء ولا أضمر ms0712 بغضا، وإنما بي مضى أيامنا بالسلامة منهم، ورد كيدهم في ~~نحورهم، ولئلا يجدوا مقالا فيركبون عليه قصصا وأنباء. وقوله (نظرا شزرا) ~~يقال: هو يشزر الطرف إلى، إذا نظر نظرا منكرا يتبين # PageV01P872 # فيه العداوة. قال أوس: # إذ يشزرون إلى الطرف عن عرض ... كأن أعينهم من بغضتي عور # وقوله (جعلت) لا يحتاج إلى مفعول لأنه في معنى طفقت وأقبلت. وانتصب يوما ~~وشهرا على الظرف، و (تتبعوا هوانا) في موضع المفعول الثاني لرأيت. ### || وقال بعض القرشيين # بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويا # خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيا # قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين كرا المطيا # قد تقدم القول في (بيننا) و (بينما) جميعا، وأنهما يستعملان في المفاجأة. ~~وانتصب (سراعا) على الحال، لأنه جعل بالبلاكث مستقرا. والواو من قوله ~~(والعيس) واو الابتداء وهو للحال أيضا. # وقوله (خطرت خطرة) هي الحالة التي فاجأتهم. وانتصب (وهنا) على الظرف، ~~ومعناه بعد ساعة من الليل. وقوله (خطرت خطرة) يقال: خطر ببالي خطورا، وخطر ~~البعير بذنبه خطرانا. ويقال: سنح لي سانح، وهجس هاجس، وخطر خاطر. وكأنه ~~أجرى خطرت خطرة مجرى قوله: دعت دعوة من ذكراك، لقوله: (قلت لبيك إذ دعاني ~~لك الشوق) . والشاعر وصف ما هو عليه من طاعة الهوى، وأنه في ملكته، إذا ~~دعاه أجاب حتى لايقدر إلا على ذلك. فيريد: بينما نحن بهذين الموضعين نسير ~~مسرعين، والرواحل تهوي بنا في أثنائهما ومعاطفهما، وتقطع المسافة # PageV01P873 # بينهما، خطرت ذكرة ببالي، وقد مضى من الليل ساعة، فتحيرت حتى لم أقدر على ~~التوجه في المقصد الذي كنت أؤمه، وحتى لم أملك إلا إجابة داعي الشوق إليك ~~بالتلبية والوقوف له، وبعد ذلك قلت للحادين: انصرفا واعطفا برؤوس مطيكما، ~~فقد منع ما طاعته أوجب، ودفع في صدورنا من أمره أنفذ. وقد تقدم الفرق بين ~~الهوى والهوى. # وقوله (بالبلاكث فالقاع) رتب القاع على البلاكث بالفاء العاطفة، كأنه ~~ارتقى منها إليها، ويجوز أن البلاكث اسم لبقاع مختلفة؛ لأن بناءه بناء ~~الجمع. # وقوله (لبيك) هو ms0713 من ألب بالمكان، إذا أقام؛ إلا أنه لاينصرف كما أن سبحان ~~الله لاينصرف. والكلمة مثناة عند سيبويه، والمراد عنده إقامة للداعي تتبعها ~~إقامة ودوام على طاعته ومتابعته. ويقرن بها سعديك، المعنى: مساعدة بعد ~~مساعدة واستمرار على مشايعته. وحصل التكثير والاتصال فيه بالتثنية، كما حصل ~~بالتكرير في قولك: ادخلوا الأول فالأول. قال سيبويه: أخبرنا أبو الخطاب أنه ~~يقال للمداوم على الشيء لايقلع عنه ولايفارقه: قد ألب عليه. أنشد للتثنية ~~فيه قول الشاعر: # دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور # هكذا روايته وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ. وحكى أيضا عن بعضهم: لب ~~بالكسر، يجعله صوتا مثل غاق. وعند يونس أنه موحد لبي، وانقلب ألفه ياء كما ~~انقلب في على ولدي عند الإضافة إلى مضمر. وعلى مذهبه يجب أن يكون (فلبي ~~يدي) كما أن على وإلى ولدي إذا أضيفت إلى الظاهر لا يتغير ألفها. تقول: على ~~زيد وإلى عمرو. ### || وقال آخر: # استبق دمعك لا يود البكاءبه ... واكفف مدامع من عينيك تستبق # PageV01P874 # ليس الشؤون وإن جادت بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق # بقوله (لايود البكاء به) يجوز أن يكون جواب الأمر، ويجوز أن يكون نهيا ~~وهو أحسن وإن لم يكن معه حرف العطف، لأنه قد ذكر بعده (واكفف مدامع من ~~عينيك) ولم يأت له بجواب، كأنه أمره بكف المدامع وهي تستبق. وإذا كان ~~الكلام نهيا بعد أمر وأمرا بعد نهي، كان أبلغ. ومعنى أودى بكذا أهلكه. ~~والاستباق في المدامع مجاز؛ لأن الذي استبق في التحدر هو الدمع. والمدمع: ~~مجرى الدمع، وهو مصدر دمعت، ويكون المراد به أيضا العين الذي هو الجاري؛ ~~لأن الاستباق لايصح إلا فيه. # وقوله (ليس الشؤون وإن جادت بباقية) يريد: أنك إن أدمت البكاء استهلكت ~~منابع الدمع ومجاريها، وأطباق العين وحماليقها؛ لأن شيئا من هذه الآلات وإن ~~سمحت بالإجابة مدة لايدوم على فعلك، ولايقوم لتكليفك. وقوله (على هذا) أشار ~~بهذا إلى فعله، وعلى تعلق بباقية، وهو مضمر دل عليه الباقية المذكورة، كأنه ~~قال: ولا الجفون باقية على هذا، وجعل ms0714 (لا) من قوله والجفون بدلا من ليس، ~~والجفن في اللغة: المنع والحبس؛ لذلك سمي غلاف السيف الجفن. ### || وقال آخر: # قد كنت أعلو الحب حينا فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا # يقول: بقيت أزاول الحب وأجاذبه، وهو معي متردد بين أن أعلوه تارة فأدفعه ~~عن نفسي بجهدي، وبين أن يعلوني فيغلبني على مرادي، ويأخذ مقره من فؤادي، ~~فلم نزل بين النقض والإمرار، أنقض عليه وهو يمر، وينقض علي وانا أمر، إلى ~~أن صار الغلب له. # PageV01P875 # وهذا الذي أشار إليه حالة الحب إذا لم يكن عن اعتراض. لذلك قال أبو تمام: # هوى كان خلسا إن من أبرح الهوى ... هوى جلت في أفيائه وهو جائل # كأنه يريد المحبوب فيفكر في محاسنه حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت، ~~ويستحلبها شيئا بعد شيء، إلى أن يصير لها في قلب قادح ونازع، فيدفعه عن ~~نفسه بأن يزيف تلك المحاسن، ويتناسى ويدرأ في صدر ذلك القادح من الهوى ~~ويتأنى، فكلما قدر أنه تخلى عاوده الوسواس جذعا، فلا يزال بين القبول ~~والامتناع، والتماسك والانهيار، ومدافعة الداء بالدواء، إلى أن يصير الغلب ~~للهوى. # والمعترض من الهوى هو الذي يقع عن أول وهله، فيسبي القلب في دفعة واحدة، ~~إلا أن تركه أسرع، كما أن أخذه أسرع. على ذلك قول الأعشى: # علقتها عرضا # ومايجري مجراه. وهم يشبهون مثل هذا الهوى بنار توقد بضرام أو بعرفج وما ~~يجري مجراه، فترتفع سريعا وترجع سريعا. وأنشد ابن الأعرابي بيتافي قسمة ~~الهوى زعم أنه لاثاني له، وأ، قائله لايعرف وهو: # ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل # يعني ما يكون من تعمل وطول تأمل. # ولم أر مثلينا خليلي جنابة ... أدش على رغم العدو تصافيا # نبه بهذا الكلام على أنها مع المجانية واستعمال الحذر، واستدفاع شر ~~الرقباء والحافظين بترك الورود والصدر، وإكساد سوق الوشاة والنمامين بإخماد ~~نائرة الخبر، يصافي كل واحد منهما صاحبه، حتى لاخلل في الهوى ولافساد، ولا ~~استزادة في الحب ولاعتاب، ولاتسلط تهمة لعارض تسل وحؤول عن عهد. # PageV01P876 # وإنما قال (على ms0715 رغم العدو) استهانة بهم. وهو من الرغام: التراب. وإذا ~~قيل: أرغم الله أنفه فالمعنى أذله الله وأسخطه. وانتصب (تصافيا) على ~~التمييز. وقوله (خليلي جنابة) انتصب على أنه بدل من مثلينا، وأشد مفعول ثان ~~لأرى. # خليلين لا نرجو لقاء ولا ترى ... خليلين إلا يرجوان التلاقيا # ذضكر أن اليأس قد استقر في قلب كل واحد منهما من ملاقاة صاحبه والتصافي ~~بينهما هو أن ذلك من كمال البلاء، إذ لا يوجد خليلان غيرهما إلا وهما على ~~شفا الرجاء في الاجتماع، وقوة من الطمع في الالتقاء والاستمتاع، واليأس لذي ~~أشار إليه كأنه لارتفاع منزلة المحبوب عن منزلته: أو لكثرة أوليائه وقوة ~~عشيرته أو لعفافه وتألهه، وما يجري مجراها. ### || وقال آخر: # وكل مصيبات الزمان رأيتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # موضع (سوى فرقة الأحباب) نصب على أنه مستثنى مقدم، لأن تقدمه على صفة ~~المستثنى منه كتقدمه عليه نفسه. ومعنى البيت ظاهر. ### || وقال الحسين بن مطير # فيا عجبا للناس يستشرفونني ... كأن لم يروا بعدي محبا ولا قبلي # قوله (يستشرفونني) أي ينظرون إلي، وتطمح أبصارهم نحوي. ويودون أني على ~~شرف من الأرض، لأكون معرضا لهم. # والشاعر أخذ يتعجب من أحوال الناس فيما رأوه عليه، واستطرافهم لحالته في ~~حبه، واستشرافهم لما يشاهدونه عليه، حتى كأنه بدع من الحوادث لم يشاهد ~~مثله، ولم يقع في تقدير أحد جواز صورته، فقال: يا عجبا للناس في حال ~~استشرافهم لي، # PageV01P877 # واستطلاعهم من جهتي ما أنا عليه، وإفراطهم في التعجب مما يجدونني مبتلي ~~به، ومرهونا له كأنهم لم يشاهدوا قبل مشاهدتهم لي، ولابعد مشاهدتهم لي ~~محبا، وكأن الحب شيء أنا ابتدعته، وكأن مسبباته لم توجد قط إلا في. وليس ~~الأمر كذلك، لأن الدنيا وأهلها إذا تؤملت أحوالهم فيها لم يعوز تقديرا أو ~~تحصيلا من حاله حال مثلي فيه زائدا على ما أنا عليه، أو قاصرا عنه. هذاإذا ~~جعلت (لم يروا) بمعنى لم يشاهدوا. فإن جعلته بمعنى لم يعلموا كان المعنى ~~أكشف وأبين، إلا أنه يكون بمعنى يعرف، ويكتفي بمفعول واحد. وقوله (بعدي) أي ms0716 ~~بعد رؤيتهم لي، وقوله (يا عجبا) يجوز أن يكون منادى مضافا، ويجوز أن يكون ~~مفردا، وقد تقدم القول فيه وفي أشباهه. # يقولون لي اصرم برجع العقل كله ... وصرم حبيب النفس أذهب للعقل # يقول: يشير الناس علي بالتسلي عنها، ةالأخذ في مصارمتها، وأخذ النفس على ~~الانفكاك منها، فإن في ذلك يزعمهم إذا تدرجت فيه مراجعة العقل كاملا، ~~وانتزاع ربقة الذل عاجلا. وإذا تأملت حالي في قبول ما يشيرون به وركوب الجد ~~في قطيعتها، والحيلولة بين النفس ومرادها فيها، وجدت ذلك أدعى إلى زوال ~~العقل كله، وإن كان الباقي منه شفافة، وأجلب لهلاك النفس، وحرج الصدر، وإن ~~كنت عائشا بصبابة. وقوله (أذهب للعقل) قد تقدم القول في أن سيبويه يجوز ~~بناء فعل التعجب بعد الثلاثي مما كان على أفعل خاصة، فإذا جاز ذلك فبناء ~~التفضيل يتبعه. # ويا عجبا من حب من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودة من قتلى # تعجب من حال نفسه في مقاساة ما يقاسى منا، وبقائه على حبها فيقول: إني ~~أداوم اعتقاد الجميل لها، وقيام القلب بعمارة الهوى فيها، حتى كأني أجازيها ~~على قتلها إياي بأن أزيد في ودها وإخلاص العقيدة لها. وقوله (من قتلى) أراد ~~من قتلها لي. والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وكذلك قوله ~~(من حب من هو قاتلي) أي من حبي من هو قاتلي، لأن من في موضع المفعول. وقوله ~~(يا عجبا) يجوز أن يكون الألف بدلا من ياء الإضافة ويجوز أن يكون ألف ~~الندبة وزيدت ليمتد الصوت به، ويكون يا عجب منادى مفردا، وامتداد الصوت يدل ~~على عظم البلية، وتفخيم أمر العجيبة. # PageV01P878 # ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحب إلى قلبي وعيني من أهلي # يقول: ومن آيات حبي البينة، وشواهده الصادقة، على تكامله لها، وتناهيه في ~~استحكامها، أني أوثر أهلها على أهلي، وأن رتبتهم في العين والقلب أعلى من ~~رتبة عشيرتي عندي. وقد خلص هذا المعنى عنترة حيث قال: # علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم # لأن في قضية الهوى والعقل ms0717 أن حبها مع عداوة أهلها ليس بمتسق ولا متسبب، ~~بل ينافي كل واحد صاحبه، وأن الواجب أنها إذا كرمت عليه فكل متسبب إليها ~~بسبب، ومنتسب بنسب، يجب أن يكون مؤثرا عنده مبجلا في حكمه. # وأبين من ذلك كله قول الآخر: # وأقسم لو أني أرى نسبا لها ... ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها # وقوله (أن كان أهلها) أن مخففة من الثقيلة، أراد أنه كان أهلها، والهاء ~~من أنه ضمير الأمر والشأن، وقد تقدم مثله. وموضع أن بما بعده رفع بالإبتداء ~~وخبره قوله ومن بينات الحب. ### || وقال عمر بن أبي ربيعة # ولما تفاوضنا الحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # فقلت لمطريهن ويحك إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعا فتنفعا # قوله (لما) يحتاج إلى جواب، لأنه لوقع الشيء لوقوع غيره، إذا كان علما ~~للظرف، فيقول: لما تنازعنا الحديث، واندفعنا فيه، وأشرقت وجوه تلألأ نورا، ~~استخف أربابها الحسن الجائل في جوانبها، ومنعها من أن يسترها بقناع عجبا ~~بها، # PageV01P879 # والتذاذا بخوض عيون الناس في محاسنها، قلت للمثنى عليهن: إن ثناءك يضرنا، ~~لتنبيهك على كثير مما لعله يخفي عليهن من دقائق الجمال، ولطائف الكمال. إذ ~~كان ذلك يزيد في الإعجاب بأنفسهن، ويكسب الكبر في أخلاقهن، فهل تقدر بدل ~~ذلك على ما ينفعنا معهن. وجواب لما إن شئت جعلته (فقلت) على أن يكون الفاء ~~زائدة، وإن شئت جعلته محذوفا، كأنه قال: لما فعلنا ذلك كله توانسنا، أو ما ~~يجري مجراه. وقد تقدم القول في أن لو ولما وحتى يحذف أجوبتها، ويكون ~~لإبهامها لحذقها أبلغ في المعنى. ويقال: أطرى فلان فلانا إذا مدحه بأحسن ما ~~قدر عليه. وقوله (تسطيع) منقوص عن تستطيع. وويح، قال الأصمعي: هو ترحم، ~~فإذا أضيف بغير اللام بنصب، ويكون العامل فيه فعلا مضمرا، كأنه قال: ألزمه ~~الله ويحا، وانتصب فتنفعا بأن مضمرة، وهو جواب الاستفهام. ومعنى (زهاها ~~الحسن) استخفها ويقال: زهت الأمواج السفينة والرياح النبات. وقوله (أن ~~تتقنعا) أراد من أن تتقدما، وهم يحذفون الجار مع أن كثيرا. ### || وقال أبو الربيس التغلبي # هل تبلغي أم ms0718 حرب وتقذفن ... على طرب بيوت هم أقاتله # مبينة عنق حسن خد ومرفقا ... به جنف أن يعرك الدف شاغله # قوله (على طرب) يجوز أن يتعلق بتبغلني، ويجوز أن يتعلق بوتقذفن، والفعلان ~~جمعا على قوله (مبينة عنق) وهي ناقة. والاختيار عند أصحابنا البصريين أن ~~يرتفع بالأقرب، وهو تقذفن، ويجوز أن يرتفع بتبلغني، وعلى هذا: جاءني ~~وأكرمني زيد. والطرب: خفة تلحق لنشاط وجذل، واهتمام وجزع. وبيوت هم، فعول ~~من قولك: باب يبيت. كأنه هم جاءه ليلا فلازمه. وعلى هذا قيل في الصقيع: ~~البيوت. وانتصب (حسن خد) على التمييز. والجنف: الميل. ورجل أجنف: في خلقه ~~ميل، وقيل: هو الطويل المنحني. والعرك: الدلك والغمز. وقوله (به جنف) في ~~موضع النصب، لأنه صفة لمرفق. و (شاغله) صفة لجنف. وإضافته على طريق ~~التخفيف، فهو نكرة والتنوين منوى، كأنه شاغل له. ويريد بقوله (به جنف) أن ~~المرفق متباعد عن الزور، لأن الناقة فتلاء؛ ولولا بعده عنه لكان يكون ناكتا ~~أو حازا # PageV01P880 # أو ضاغطا، أو ناقرا وذلك عيب يمنع من إدامة السير. فيقول عى وجه التمني: ~~هل أراني راكب ناقة وصلني إلى هذه المرأة، نشيطة طربة، وتطرح عني ثقل هم ~~أزواله وأدافعه، وهي تلازمني بالليل ولا تفارقني. وهذه الناقة لها شواهد ~~توجب عتقها وكرمها، من حسن الخد والمرفق المتجانف عن الزور. # مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها ... بسلم غرز في مناخ تعاجله # هذا يرجع إلى صفة الناقة، والمراد أنها ذكية الفؤاد، شهمة النفس، فكأن ~~بها لنشاطها وذكائها جنونا أطار قلبها، وأزال مسكتها. وقوله (إن ثنى الرجل ~~ربها) جواب الشرط فيه قوله (تعاجله) وأصله تعاجله، اللام ساكنة للجزم، ~~ولكنه نقل إليها حركة الهاء، وهو ضمير يرجع إلى (ربها) . ومثله قول طرفة: # لو أطيع النفس لم أرمه # يريد: لم أرمه، فنقل. والمعنى أنها لخفتها وحدتها، متى هم صاحبها بركوبها ~~فثنى رجلها، أي غطف بغرزها الذي هو كالسلم، وهو الركاب، عاجلته فنهضت به ~~قبل تمكنه من ركوبها، واستقراره على ظهرها. # وقد سلك هذا المسلك ذو الرمة في البائية التي أولها: # ما بال ms0719 عينك منها الماء ينسكب # حدثت عن الكسروي علي بن مهدي الأصفهاني عن شيوخه، أن ذا الرمة أنشد هذه ~~القصيدة كثير عزة، فلما انتهى إلى قوله: # حتى إذا ما استوى في غرزها تئب. # قال له: أهلكت والله راكبها، هلا قلت كما قال الراعي: # تراها إذا قمت في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر # PageV01P881 # فهذا ما روى لنا. وقد ذكر الراعي في موضع آخر فقال: # وكأن ريضها إذا ياسرتها ... كانت معاودة الرحيل ذلولا # وحكى لي أن سعيد بن سلم الباهلي، قال: قرأنا هذه القصيدة على الأصمعي من ~~شعر الراعي، فلما انتهينا رواه: # وكأن ريضها إذا باشرتها # فقلت: ما معنى (باشرتها) ؟ قال: ركبتها، من المباشرة. فسألنا ذلك أبا ~~عبيدة عنه، فقال: صحف والله، إنما هو (إذا ياسرتها) أي لم أعازها ولم ~~أقتسرها. ومثله قوله. # إذا يوسرت كانت وقورا أديبة ... وتحسبها إن عوسرت لم تؤدب # يباري بها القود النوافخ في البري ... قليل النزول أغيد الخلق عاطله # مراجع نجد بعد فرك وبغضة ... مطلق بصرى أصمع القلب جافله # يقول: يعارض بهذه الرالة التي وصفتها رواحل طوال الأعناق، تنفخ في براها ~~لنشاطها، رجل قليل النزول عنها، ناعم الخلق عاطله، يعني نفسه، أي أنه يجد ~~في السير ويديمه. وقوله: (مراجع نجد) أي أنه بعد أن فارق نجدا وأبغضه لخلوه ~~من حبيبه يريد أن يراجعه وينتقل عن بصري - وهي قرية بالشأم تطبع فيها ~~السيوف البصرية - ويخليها. ومعنى أصمع القلب: حديده. جافله، أي مسرعه. ~~ويقال: أجفل الظليم وجفل، إذا نشر جناحيه ومر يعدو، وكل هارب من شيء فقد ~~أجفل عنه. والظليم مجفل وجافل جميعا. وذكر الرماجعة والتطليق، واستعارة ~~للانتقال والتخلية. وقد فعل أبو تمام مثل هذا فقال: # فبها وطلقت السور ثلاثا # إلا أن ماقاله هذا الشاعر أحسن، حين زاوج التطليق بالمراجعة. وقوله ~~(نوافخ في البري) النوافخ: المتنفسات نفخا لنشاطها. والبري: الحلق التي في # PageV01P882 # أنوفها. وقوله (أغيد الخلق) أي منثنيه، وعاطله أي يعطله من الترفه، ~~ويفطمه عن النعمة. وكل مهمل متروك فهو معطل وعاطل. ### || وقال عبد الله بن عجلان النهدي # وحقة مسك ms0720 من نساء لبستها ... شبابي وكأس باكرتني شمولها # جديدة سربال الشباب كأنها ... سقية بردى نمتها غيولها # قوله (وحقة مسك) كناية عن امرأة جعلها لطيب رباها كظرف مسك. ومعنى ~~(لبستها) تمتعت بها. وقال ابن أحمر: # لبست أبي حتى تمليت عيشه ... وبليت أعمامي وبليت خاليا # وموضع قوله: (شبابي) نصب على الظرف. والمعنى زمن شبابي، ومدة شبابي. ~~والمصادر تحذف منها أسماء الزمان كثيرا. وقوله (وكاس) انعطف على قوله (وحقة ~~مسك) والعامل فيها رب، والواو واو العطف، وليست بنائبة عن رب، بدلالة أنه ~~لو كان كذلك لوجب أن يدخل الحرف العاطف عليه، فيقال ووحقة مسك. والشمول: ~~الخمرة التي لها عصفة كعصفة الشمال وقد قيل: هي التي تشتمل على العقل ~~فتملكه وتذهب به. # وقوله (جديدة سربال الشباب) أدخل الهاء على جديدة، والأكثر أن يقال: ~~ملحفة جديدة. وطريقة سيبويه فيه أنه صفة مذكرة تبعت مؤنثا، وينوي في ذلك ~~المؤنث ما يكون لفظه مذكرا، كأنه ينوي بالملحفة إزارا، وما يجري هذا ~~المجرى. وبعضهم يذهب إلى أنه فعيل في معنى فاعل، فلحقه الهاء قياسا، فهو ~~كظريف وظريفة، لأن الفعل منه جد الثوب يجد جدة وبعضهم ذهب إلى أنه فعيل في ~~معنى مفعول، كأن ناسجها جدها قريبا، أي قطعها، فلهذا يستنكر إلحاق الهاء ~~به. ومعنى (جديدة سربال الشباب) أنها في عنفوان شبابها، وأن عليها غضارة ~~الحدوث، ونضارة النشىء، فكأنها سقية بردى. والسقيه في معنى مسقية، جعلها ~~اسما، فهي كالبنية # PageV01P883 # واللقيطة. وشببها بها لزيادة خلقتها وحسن بنيتها. ألا ترى أنه قال: ~~(نمتها غيولها) . والغيول: جمع الغيل، وهو الماء الذي يجري بين الأشجار. ~~وقال الدريدي: الغيل: الماء الذي بين الحجارة في بطن واد. والغيل، بكسر ~~الغين: الماء يجري بين الأشجار، وربما سموا الشجر الملتف غيلا. ويشبه هذا ~~قول الآخر: # بردية سبق النعيم بها ... أقرانها وغلابها عظم # وفي طريقته قول الآخر: # لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها # وإنما يكون ذلك من نتائج الترفه، ولوائح النعمة. وقد ظهر معنى البيتين ~~بما ذكرته، لأنه تبجح بتعاطيه الصبا واللهو، وشرب الخمر مدة الصبا وأيام ~~الشباب. # ومخملة ms0721 باللحم من دون ثوبها ... تطول القصار زالطوال تطولها # كأن دمقسا أو فروع غمامة ... على متنها حيث ستقر جديلها # قوله (زمخملة) من جملة صفاتها وإن عطفتها بالواو، فعلى هذا لك أن تقول: ~~مررت برجل فاضل عاقل أديب، وأن تقول: برجل فاضل وعاقل وأديب. ومعنى ~~(ومخملة) أن أعضاءها تساوت في ركوب اللحم إياها، وظهور السمن والبدن عليها، ~~فكأن اللحم جعل خملا لها. وفائدة (من دون ثوبها) أنها ملء درعها، فهي سمينة ~~المعري. وإلى هذا أشار الأعشى في قوله: # صفر الوشاح وملء الدرع بهكنة # وقوله (تطول القصار) يريد أنها ربعة، فإذا حصلت في القصار طالتهن، وإذا ~~حصلت في الطوال طلنها يشير إلى التوسط الذي هو المختار في كل عقل، # PageV01P884 # ولذلك قيل: (خير الأمور أوساطها) ولأن الغلو والإفراط مذمومان، كما أن ~~القصور والتفريط مذمومان. و (تطول) في البيت معدي، لأنه بمعنى تغلب في ~~الطول، فهو من طاولته فطلته. # وقوله (كأن دمقسا أو فروع غمامة) الدمقس: الحرير الأبيض. وفروع الغمامة، ~~أشار إلى أطرافها وجوانبها والشمس تحتها، لأن تلك الأطراف بشعاع الشمس تشرق ~~أبدا. والمعنى أنها لينة المجس براقة اللون، كأن الحرير وأطراف غمامة ~~استكنت الشمس تحتها على متنها. وقوله (حيث استقر جديلها) تخصيص لما عمه ~~قوله (على متنها) . والجديل، هو الوشاح، وما تشده المرأة في حقوها من الأدم ~~المضفور. وليس هذا من عادات العرب. وإذا كان من لونين فهو البريم. وهذا يشد ~~في أحقي الصبيان يدفع به العين. ### || وقال عبد الله بن الدمينة الخثمعي # ولما لحقنا بالحمول ودونها ... حميص الحشا توهي القميص عواتقه # قليل قذى العينين نعلم أنه ... هو الموت إن لم تلو بوائقه # قوله (ولما لحقنا) جوابه ما دل عليه البيت الثالث، وهو (عرضنا) . وأراد ~~بالحمول الظعائن وأثقالها. وقوله (ودونها خميص الحشا) يريد قيمهن. فيقول: ~~لما دعانا الشوق إلى اللحوق بالظعائن بعد تشييعنا لها، وإلى تجديد العهد ~~بها، فأدركناها ودونها رجل قليل اللحم على بدنه، لطيف طي البطن، مديد ~~القامة، حتى إن عواتقه، وهي النواحي من عاتقي الإنسان، تكاد أن توهي قميصه. ~~وهذا مما ms0722 تتمدح به العرب، لأن السمنة عندهم مذمومة. # وقد كشف عن هذا المعنى قول الآخر: # فتى لا يرى قد القميص بخصره ... ولكنما تفرى الفرى مناكبه # وقوله (قليل قذى العينين) يصف امتعاضه وقلة صبره على درن العار. ويقال: ~~فلان لا يغضى على قذى، إذا لم يحتمل ضيما. وقوله (نعلم أنه ع هو الموت) ~~يصفه بشدة الحمية عند غضبه. وأن ناره لا يصطلى بها إذا غار على حرمه. ~~والمعنى أنا # PageV01P885 # مع تعرضنا له نحذره نخافة أن يحمى، لتحققنا أن شره لا يقام له إذا سطا. ~~والبوائق: جمع بائفة، وهي الخصلة المنكرة في شمولها، فيقال: باقتهم بائفة. ~~والبوقة. الدفعة الشديدة من المطر، منه. قال رؤبة: # من باكر الوسمى نضاح البوق # وقول (تلو عنا) أي تصرف. ويرى (تلق عنا) من الإلقاء. # عرضنا فسلمنا فسلم كارها ... علينا وتبريج من الغيظ خانقه # فساي رته مقدار ميل وليتني ... بكرهي له ما دام حيا أرافقه # يقول: لما لحقنا بالظعائن عرضنا لهن، وسلمنا على قيمهن والمحامي دونهن، ~~فأجابنا جواب الكاره لنا، والمنكر لتسليمنا، قد خنقه غيظ مبرح. ويقال: ~~لحقته ولحقت به. وانتصب (كارها) على الحال. والتبريج: التشديد. ويقال: برح ~~بي كذا وكذا، ومنه قول الأعشى: # أبرحت ربا وأبرحت جارا # ويقال: هو في برح من الشوق بارح. وقوله (خانقة) يريد أنه امتلأ صدره من ~~الغيظ فارتقى إلى ما هو فوقه حتى خنقه. وقوله (فسايرته مقدار ميل) انتصب ~~مقدار على الظرف. ومعنى ساريرته صاحبته في السير، ثم قال: وليتني أرافقه ~~مادام حيا، على كره مني، لأنه استطاب صحبته لما له من الذاذة في النظر ~~إليهن، واستكره الكون معه لما يخاف على نفسه منه، إلا أنه غلب الالتذاذ. و ~~(مادام حيا) انتصب على الظرف، و (أرافقه) في موضع خبر ليت. وقوله (بكرهي ~~له) نصب على الحا، والعامل فيه أرافقه. # فلما رأت أن لا وصال وأنه ... مدى الصرم مضروب علينا سرادقه # رمتني بطرف لو كمياررمت به ... لبل نجيعا نحره وبنائقه # ولمح بعينها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه # PageV01P886 # قوله (أن لا وصال) أن ms0723 فيه مخففة من أن الثقيلة، يريد أنه لا وصال. ألا ~~ترى أنه عطف عليه (وأنه مدى الصرم) . ووصال انتصب بلا، وخبره محذوف، كأنه ~~قال: لا وصال بيننا. والجملة في موضع خبر إن، والضمير في أنه الأولى ~~والثانية ضمير الأمر والشأن. وقوله (مدى الرم) في موضع الإبتداء، و (مضروب ~~علينا) خبره. وسرادقه ارتفع بمضروب، لأنه قام مقام الفاعل. وقوله (رمتني ~~بطرف) جواب لما. كأنه لما تأملت حاله في مسايرته، وضيق الوقت عن مجاذبته، ~~لما كان يجو بينهما من مراقبته، ثم رأت تغيظ الرقيب وكراهيته، مع معرفتها ~~بنتائج ضجره، نظرت إلى الشاعر نظر إنكار استدل منه على ضلاله فيما يأتيه، ~~وسوء توفيقه فيما يلح فيه، فكأنه رمته بسهم لو لم يكن نظرا، بل كان سهما ~~رمي به شجاع في معركة، لأصيب مقله، فكان يبتل نحره وبنائق قميصه نجيعا. ~~والنجيع: دم الجوف. ويقال: تنجع به، أي تلطخ. # وقوله (ولم بعينيها) انعطف على قوله بطرف. واللمح: النظر، ويستعمل في ~~البرق والبصر. وكذلك الطرف هو النظر هنا، كأن الرمي بالطرف كان إنكارا ~~منها. واللمح بالعينين مواعدة وتوحية بجميل بعد تعذر المطلوب: والومض ~~والوميض: اللمع. وأومضت له فلانة بعينها، إذا برقت. لذلك شبه وميض لمحها ~~بوميض الحيا، وهو الغيث المحي للأرض وأهلها وقد هدبت أي أرشدت شقائقه، وهي ~~قطع سحابه، لنجد. كأنه جعلها قاتلة في رميها، محيية بلمحها. والشقيقة: ~~البرقة إذا استطارت في عرض السحاب وتكشفت ايضا. ### || وقال أبو الطمحان القيني # ألا عللاني قبل صدح النوائح ... وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح # وقبل غد يالهف نفسي عى غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح # يروي (يا لهف نفسي من غد) . والصدح: شدة صوت الديك والغراب وغيرهما. ~~والصيدحي: الشديد الصوت. والجوانح: ضلوع الصدر. وارتقاء النفس # PageV01P887 # فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. فيقول: عللاني بالمقترح عليكما قبل ~~أن أموت فتقوم النوائح علي يندبنني، وقبل ميقات أجلي. وأو أن تخلفي عن ~~أصحابي وقد راحوا عني، لنزول القدر المقدور بي. # فإن قيل: كيف قدم ذكر صدح النوائح على ذكر الموت، وإنما يكون ms0724 بعده؟ قلت: ~~إن العطف بالواو لا يوجب ترتيبا. ألا ترى أن الله تعالى قال: واسجدي ~~واركعي، والركوع قبل السجود في تريب أفعال الصلاة. وقوله (إذا راح أصحابي) ~~يجوز أن يكون إذا في موضع الخبر بدلا من غد، والبدل إذا جاء مؤكدا للمبدل ~~منه ومفصلا جمله قد لا يستغني عن المبدل منه، وإذا كان كذلك فليس لأحد أن ~~يقول: من شرط البدل أن يلقي المبدل منه ويجعل هو مكانه. وإذا كان كذلك لم ~~يجز أن بلى إذا العامل في غد، وهو (على) أو (من) في الروايتين جميعا. على ~~أن أبا العباس قد جوز وقوع إذا في موضع المجرور والمرفوع. ويجوز أن يكون ~~نصبا بدلا من موضع (من غد) أو (على غد) العامل والمعملول فيه جميعا، لأن ~~موضعهما نصب على المفعول مما دل عليه قوله يالهف نفسي، وهو: أتلهف من غد. # وإنما جاز أن يودع البيتين باب النسيب لرقتهما ولأن المتعلل به كان لذة ~~من اللذات. وهذا عادته في أبواب اختياره. ### || آخر: # هلة الوجد إلا أن قلبي لودنا ... من الجمر قيد الرمح لاحتراق الجمر # أفي الحق أني نغرم بك هائم ... وأنك لا خل هواك ولا خمر # فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذاوإن كنت مسحورا فلا برأ السحرقوله: هل الوجد ~~استفهام لفظه ومعناه النفي، بدلالة وقوع إلا بعده، كأنه قال: ما الوجد، ~~أوليس الوجد إلا هذا الذي بي، وهو أن قلبي لو قرب من الجمر حتى لايكون ~~بينهما إلا قدر رمح لغلب ناره نار الجمر، وكان يحترق. وقوله # PageV01P888 # " الوجد " مبتدأ وخبره إلا مع ما بعده. وانتصب " قيد الرمح " على الظرف. ~~ويقال: بيني وبينه قاب قوس، وقيد رمح، وغلةوة سهم. وحكى بعض أهل التفسير في ~~قوله تعالى: " فكان قاب قوسين " أن لكل قوي قابين، وهو ما بين المقبض ~~والسية. وأهل اللغة على ما قدمته. # وقوله " أفي الحق أني مغرم بك هائم " فالمغرم: الذي قد لزمه الحب يقال: ~~حبه غرام، أي لاتفصى منه. ومنه عذاب غرام. والهائم: المتحير. والهيام ~~كالجنون من العشق، ومنه المهيم: الذي ms0725 يهذي بالشيء ويكثر ذكره. والمعنى أنه ~~لايدخل في الحق ووجوهه، وأنواع قسمه. أن يكون حبي لك غراما، وحبك لايرجع ~~إلى معلوم، ولايحصل على حد محصور. ويقال: ما هو بخل ولاخمر، والمعنى أنه ~~ليس بشيء يخلص ويتبين. # وقوله " فإن كنت مطبوبا " فالطب: السحر والعلم جميعا. وهو طب، أي عليم. ~~وفي الحديث: " حين طب " أي سحر. وهو مطبوب، أي مسحور. ومعنى البيت: إن كان ~~الذي بي وأقاسيه داء معلوما يعرف دواؤه، فلا فارقى فأني ألتذ به - وهذا هو ~~الفتيانية في الهوى، والتجلد على البلاء - وإن كنت مسحورا، يريد وإن كان ~~الذي بي لايعلم ما هو، وأعيا الوقوف عليه الأطباء، والعلماء بالأدواء، حتى ~~يسلم للسحر فلا فارقني أيضا. وإنما قال هذا من عادة العامة، لأنهم كذا ~~يعتقدون في الأوصاب والعلل. ولايجوز أن يكون معنى مطبوبا مسحورا، لأنه يصير ~~الصدر والعجز لمعنى واحد. ### || آخر: # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # وكانت لنفسي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولابعدي # هذا كلام من تجلد في الهوى وادعى التلذذ به وإن برح به وأثر فيه، فيقول: ~~شكا المحبون جناية الصبابة عليهم، وجريرة العشق لديهم، وبودي أني تحملت ~~أعباءها كلها وحدي، وخلص للصبر فيها ولها عفوي وجهدي، وكانت نفسي تنال لذة # PageV01P889 # مجموعها ومفرقها، وتنفرد بمكابدة مجهولها ومعرفها، فأفوز بادعائها، وتسقط ~~المشاركة بيني وبين أربابها ممن سبقني لتقدم زمانه، أو تأخر عني لتأخر ~~ميلاده. ### || وقال شبرمة بن الطفيل # ويوم شديد الحر قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر # لدن غدوة حتى أروح، وصحبتي ... عصاة على الناهين شم المناخر # كأن أباريق الشمول عشية ... إوز بأعلى الطف عوج الحناجر # قوله " ويوم " انجر بإضمار رب، وجوابه قصر طوله. يقول: رب يوم من أيام ~~الصيف شديد الحر، جعل طوله قصيرا، ما اشتغلنا به فيه من الشرب والقصف. ~~وأراد بدم الزق الخمر. واصطكاك المزاهر: ودافعة أوتار البربط بعضها لبعض ~~بالضرب. ويقال: ازدهر الرجل، إذا فرح. فيجوز أن يكون العود وقوله " لدن ~~غدوة " انتصب غدوة عن النون من لدن، ms0726 ولاينتصب به غيره، فهو شاذ. والمعنى: ~~باكرنا الشرب، فلما رحنا كان أصحابي قد سكروا واكتسبوا كبرا ونبلا، وذهابا ~~عما يشير به الناهي والمسدد. # وقوله " كأن أباريق الشمول عشية " شبه أواني الخمر وقد فرغت وأمليت بطيور ~~ماء اجتمعت عشية بأعلى الساحل، معوجة الحناجر والحلوق. # وأدخل هذه القطعة في باب النسيب لرقتها ودلالتها على اللهو والخسارة. # ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟ ### || وقال جابر بن ثعلب الجرمي: # ومستخبر عن سر ريا رددته ... بعمياء من ريا بغير يقين # فقال انتصحني إنني لك ناصح ... وما أنا إن خبرته بأمين # يروي: " انتصحني إنني ذو أمانة، وهذا في كتمان سر المحبوب، والمحافظة على ~~الذمام والحرم. يقول: رب مستدرج لي فيما بين ريا وبيني، طالب للوقوف على ~~المكتوم من أمرها وأمري، رددته عن نفسي بقصة عمياء لايهتدي فيها لمطلوب، ~~ولا # PageV01P890 # يرجع فيها الى يقين، فلما لم يمكنة انزالى عما حاوله قال: انتصحنى، أي ~~أدخلني في أمرك، وأجرني مجرى نصحائك، إني أمين لادغل في همتي، ولا خيانا في ~~شأني، ولو خبرته بما التمس، وأطلعته على ما استشرح، كنت أنا غير أمين، فكيف ~~أصير معه مؤتمنا، وذاك أني إن بحت بسرها فقد ضيعت أمانتها، والسر إذا جاوز ~~اثنين خرج من أن يكون سرا. ومثل هذا قول جرير: # ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يا أميم ضنينا ### || وقال نفر بن قيس، وبنو نفر رهط الطرماح: # ألا قالت بهيشة ما لنفر ... أراه غيرت منه المرأة ازدرته وأنكرت شحوبه ~~وهزاله، وتغيره الدهور # وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشعري العبور # كأن عما عهدته، فصرفت ذلك إلى أنه من مقتضيات الكبر، ومسببات القشف، ~~وقالت مستفهمة: ما لنفر، أرى الأيام أثرت فيه، والأحداث أضنته وهزلته، ~~فأجابها من طريق إنكارها وقال: إن كان ذلك من عقب الأيام فإنها لم تغفل عنك ~~ولم تهمل تغييرك أيضا، فما أنكرته مني موجود فيك وظاهر على سحنتك ولونك، ~~فقد كنت كالشعري العبور إشراقا وتلألؤا، وقد حلت وتغيرت و " العبور " قيل ~~فيه: هو من عبرت النهر، إذا جزته. وقيل: بل هو من عبرت به، إذا ms0727 أشفقت عليه، ~~كأنها إذا طلعت تعبر المال الراعية بحرها، وإذا سقطت فببردها. وقوله: وأنت ~~كذاك "، الكاف الأولى للتشبيه، و " ذا " أشار به إلى ما أنكرت منه، والكاف ~~الأخيرة للخطاب ولاموضع له من الإعراب، فهو حر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ف. ### || وقال برج بن مسهر # وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تعرضت النجوم # رفعت برأسه وكشفت عنه ... بمعرفة ملامة من يلوم # PageV01P891 # الندمان والنديم: من ينادمك على الشراب، ومثله في البناء سلمان وسليم، ~~وحمدان وحميد، ورحمن ورحيم. ومعنى يزيد الكأس طيبا، أي بحسن عشرته، وأدب ~~مجالسته يزداد شرب المدام وإدارة الكأس معه لذة. والمعنى: رب نديم على ما ~~وصفته سقيته إذا تعرضت النجوم، أي أبدت عرضها للغيوب. ويقال: تعرضت الجبل، ~~أي أخذت يمينا وشمالا فيه، ولم أصتقم في الصعود. وقال: # تعرضى مدارجا وسومى ... تعرض الجوزاء للنجوم # ومعنى قوله رفعت برأسه أنبهته من منامه، وأزلت عنه ماكان يداخله من الغم ~~بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشرب وإدمانه اللهو، بأن سقيته معرقة - وهي ~~الصرف من الخمر، وقيل هي القليلة المزاج. ويقال: تعرقت الخمرة، إذا مزجتها. ~~وأعرقه الساقي، إذا سقاه معرقا. وقوله إذا تعرضت النجوم يشير به إلى ~~الاصطباح. # فلما أن تنشى قام خرق ... من الفتيان مختلق هضوم # إلى وجناء ناوبة فكاست ... وهي العرقوب منها والصميم # انتشى ونشى وتنشى بمعنى سكر. والنشوة: السكر. وأراد بالخرق نفسه، وهو ~~الكريم المتخرق بالعروف. والمختلق: التام الخلق. والهضوم، قال الأصمعي: هو ~~المنفاق في الشتاء. وقال غيره: هو الكريم المفضال، كأنه يهضم ماله بأن يخرج ~~منه أكثر من الواجب فيه. والوجناء، هي الناقة الغليظة الوجنتين. وقيل بل هي ~~الصلبة، مأخوذ من الوجين، وهي الأرض الغليظة. قال الخليل: وقل ما يقال ~~للجمل أو جن. والناوية: السمينة. # وقوله فكاست اختصر الكلام، والمراد فعرقبها فكاست. والكوس: المشي على ~~ثلاث قوائم. وأراد بالصميم العضو الذي به القوام؛ يقال: هذا صميم الوظيف، ~~وصميم الرأس. والعرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان وبين ~~مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وعرقبته: قطعت عرقوبه. وقوله وهي # PageV01P892 # العرقوب إظهار للعلة في ms0728 كوسها. والوهى: الشق والخرق. وفي المثل " غادر ~~وهية لا ترقع "، أي فتقة لا يطاق إصلاحها ورتقها. والمعنى: لما أيم رسم ~~الاصطباح، وانتشى الندمان، قام هو إلى ناقة بهذه الصفة فعرقبها. # كهاة شارف كانت لشيخ ... له خلق يحاذره الغريم # فأشبع شربه وجرى عليهم ... بإبريقين كأسهما رذوم # تراها في الإناء لها حميا ... كميتا مثل ما فقع الأديم # ترنح شربها حتى تراهم ... كأن القوم تنزفهم كلوم # الكهاة: الناقة الضخمة كادت تدخل في السن، وكذلك الكيهاة. والشارف: ~~المسنة. وقوله كانت لشيخ كان الكريم منهم المحسان إلى عشيرته، المفضال على ~~رفقائه وندمائه، يتعمد إذا نحر لهم في الشرب وعند السكر، أن يفعل ذلك في ~~غير ملكه، يستام مالك الجزور بها أغلى الأثمان فيغرمه، ويعد ذلك الغرم ~~غنما، والصبر على سوء خلقه وإنكاره التبسط في ملكه بغير إذنه كرما. لذلك ~~قال: له خلق يحاذره الغريم، يريد البخل منه والاستقصاء. # وقد سلك هذا المسلك طرفة فقال ووفى المعنى حقه، وكأنه صب في قالب هذا ~~الشاعر: # وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... نواديها أمشى بعضب مجرد # فمرت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل ألندد # يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أنيت بمؤيد # وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديد علينا بغية متعمد # فقال ذروه إنما نفعها له ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد # PageV01P893 # فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد # قوله فأشبع شربه يعني من النافة المعقورة. وجعل الجاري عليهم بأبريقين ~~والكأس ملأى تقطر؛ لأن شربهم كان بدارا. ثم وصف الخمرة فقال: أحمر فاقع. ~~ويروى مثل ما نصع والمراد خلص. والحميا مصغر لا مكبر له، وقد تقدم القول في ~~بنائه. وكميت: مصغر مرخم، والمراد به تكبيره، وهو أكمت، لذلك جمع على كمت. ~~ومثله فرس ورد، ثم قيل خيل ورد، لأنه أريد به أفعل. ومما جاء مصغرا قولهم ~~كعيت، وهو طائر، وجميل، والثريا، والغبيراء، والمريطاء، واللجين، وهنيدة. # وقوله ترنح شربهم أي لشدتها تويل قواهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم. ~~ويقال: ضربته حتى رنحته، أي غشى عليه. # فقمنا والركاب ms0729 مخيسات ... إلى فتل المرافق وهي كوم # كأنا والرحال على صوار ... برمل خزاق أسلمه الصريم # يروى محبسات أي معقولات مناخة بالفناء، وهو الوجه. وروى بعضهم: مخيسات أي ~~مذللات، لكي إذا ركبت للهو، وفي حالة السكر كما فعله هؤلاء، لم تعسف ~~بركبانها، ولم تأت العرضنة فس سيرها. والفتل: جمع أفتل وفتلاء، وهي البعيدة ~~المرفق عن الزور. والكوم: العظام الأسمنة. وقال الخليل. الكوم، العظم في كل ~~شيء. وقوله كأنا والرحال شبه ركائبهم بقطيع من البقر بالرمل الذكور، أسلمه ~~الصريم إلى الصيادين والكلاب، فخفت وعدت. والصريم استعمل في الصبح والليل ~~جميعا، لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه وقت السحر. وإنما ركبوا بعد ~~الاصطباح للتنزه أو في بطالة حضرتهم. # فبتنا بين ذاك وبين مسك ... فيا عجبا لعيش لو يدوم # وفينا مسمعات عند شرب ... وغزلان يعد لها الحميم # PageV01P894 # تبجح بأنهم نالوا أكثر أنواع اللذات، من شرب وقصف، وتنزه ولهو، ومعاشرة ~~وطرب، وتسخ وإفضال، وتند على الندماء وإكرام، وتترف وتعطر، وتمتع بالنساء ~~وتغزل. وقوله فيا عجبا إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، ~~وكيف سمح الزمان به ثم غفل عنه حتى اتصل. والمسمعات: المغنيات. والسماع: ~~الغناء. وذكر الحميم لتنعمهن، ولأن بلادهن كانت صرودا. وعلى هذا قال عمرو ~~بن كلثوم: # مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها شخينا # قال ابن الأعرابي: سخينا حال بمعنى مسخن، لأن البرد اقتضاهم بذلك الماء. # وقوله فبتنا بين ذاك يريد أن حاضر وقتهم كان على ذلك ثم تغير. # نطوف ما نطوف ثم يأوى ... ذوو الأموال منا والعديم # إلى حفر أسافلهن جوف ... وأعلاهن صقاح مقيم # يقول: يكثر الواحد منا التطواف على اللذات، والتجوال في الأطراف لطلب ~~البطالة، وليس مآل الجميع مقترنا وغنينا إلا حفر، يعني بها القبور. ثم ~~وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها نصبت عليها حجارة عراض ~~كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبدا. # وقوله نطوف ما نطوف أي مدة تطوافنا. ويقال: أوى إلى كذا أويا. ### || وقال إياس بن الأرت # هلم خليلي والغواية قد تصبي ... هلم نحي المنتشين ms0730 من الشرب # نسل ملامات الرجال برية ... ونفر شرور اليوم باللهو واللعب # قوله والغواية قد تصبي اعتراض، وكرر هلم على طريق التأكيد. والفائدة في ~~هذا الاعتراض تحقيق القصة المدعو إليها. # وللعرب في هلم طريقتان: منهم من يحريه مجرى أسماء الأفعال، وحينئذ يقع ~~الواحد والجمع مؤنث والمذكر على حالة واحدة، والقرآن نزل به، لأنه قال # PageV01P895 # تعالى ذكره: " يقولون لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعل أصلها ها ~~التبيه ضم إليه لم، وهو فعل، جعلا معا كالشيء الواحد، فيثنبه ويجمعه ~~ويؤنثه. وكان الفراء يقول: هو هل أم تركبا معا. وليس لهل في الكلام إلا ~~موضعان: أحدهما - وهو الأكثر - أن يكون للاستفهام؛ ولا معنى للاستفهام ها ~~هنا. والثاني: أن يكون بمعنى قد، على ذلك فسر قوله تعالى " هل أتى على ~~الإنسان "، وليس لمعنى قد في هذا مدخل. وإذا كان كذلك فما قاله فاسد. وقوله ~~والغواية قد تصبي يريد أن الغي يدعو صاحبه إلى أمور كثيرة مختلفة، وقد ~~يحمله على الصبا واللهو في الوقت بعد الوقت. وطلب من صاحبه مساعدته على ~~تحيته للشرب، والدخول في جملتهم، وتسلية النفوس عن ملامات من يدعو إلى ~~الرشاد، ويحمل على سلوك طرق الصلاح والسداد، بشرب رية، وهي الكأس الممتلئة ~~خمرا، وقطع وقت الشر والغم باللهو واللعب. وقوله نسل في موضع الجزم، لأنه ~~جواب الأمر. ونفر، معطوف عليه. ويقال: فريت الأديم، إذا قطعته على جهة ~~الصلاح، وأفريته إذا قطعته للفساد. # إذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... لخير فإن الدهر أعصل ذو شغب # فإن يك خير أو يكن بعض راحة ... فإنك لاق من غموم ومن كرب # قوله: إذا ما رتاخت ساعة فاجعلنها في طريقته ماأنشده ابن الأعرابي: # إذا كان يوم صالح فاقبلنه ... فأنت على يوم الشقاوة قادر # وقوله فإن الدهر أعصل، العصل: اعوجاج الأنياب. قال الخليل: ولا يقال أعصل ~~إلا لكل معوج فيه صلابة وكزازة. والمعنى: أن ما يعض عليه الدهر لا يمكن ~~انتزاعه منه، كما لا يمكن انتزاع الشيء من الناب التي فيها عصل. والشغب: ~~تهييج الشر. ويقال: رجل مشغب. # وقوله فإن ms0731 يك خير أو يكن بعض راحة، يريد أن الدهر لا تصفو أحواله من ~~الكدر، ولا عطاياه من التعب والأذى، فلا تعنه على نفسك، واجتهد في إصلاح ما ~~يفسده، وإلأقاء ما يشق منه. وقوله فإنك لاق من غموم، من زائدة على مذهب ~~الأخفش، كأنه قال: إنك لاق غموما. وسيبويه لا يرى زيادة من في # PageV01P896 # الواجب، فطريقته في مثله أنه صفة لمحذوف، كأنه قال: إنك لاق ما شئت من ~~غموم. ### || وقال آخر: # أحب الأرض تسكنها سليمتي ... وإن كانت توارثها الجدوب # وما دهري بحب تراب أرض ... ولكن من يحل بها حبيب # يذكر حنينه إلى محل سليمى ومكانها، وميله وإن كان قفرا مترددا في الجدوبة ~~متناهيا أقطاره في اليبوسة، وأن ذلك زعيله لكونها به، فأما حب الأرضين ~~مجردة فليس من دأبة وعادته. وقوله وما دهري بحب تراب أرض، جعل الحب للدهر ~~على طريقتهم في قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. والمعنى: ليس حب الأرضين ~~مني بعادة في دهري، وقوله ولكن من يحل بها حبيب يشبه قول الآخر: # ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حب أهلك ما أتيت # يريد أن بيوت في الموضع الذي جئت منه قد كثرت، ولكني قصدتك لحب أهلك. ~~وقوله توارثها أي تتوارثها. فحذف إحدى التاءين استثقالا. وقد مضى مثله. # أعاذل لو شربت الخمر حتى ... يكون لكل أنملة دبيب # إذن لعدرتني وعلمت أني ... بما أتلفت من مالي مصيب # كأن عاذلة أفرطت في لومه على ما يدمنه من الشرب، ويذهب فيه من طرق اللهو، ~~فقال لها: لو شربت الخمر فأخذت منك، ودبت في عروقك ومفاصلك، وجمعت السار ~~لك، وكشفت أنواع الغم عنك، لعرفت من لذاتها ومنافعها، وحدوث الطرب والجذل ~~في النفوس لها، واستمتاع الروح بنشوتها وقواها، ما يبعثك على بسط عذرى في ~~الولوع بها، والثبات على هواها، ولعلمت أني راكب ثبح الصواب، وغير # PageV01P897 # عادل عن الواجب في إنفاق المال. معنى لما أتلفت أي من أجل إتلافي. ويروى: ~~بما أتلفت والمعنى أني مصيب بسببه ومن أجله. ### || وقال أبو صعترة البولاني # فما نطفة من حب مزن ms0732 تقاذفت ... به حسن الجودي والليل دامس # فلما أقرته اللصاب تنفست ... شمال لأعلى مائه فهو قارس # بأطيب من فيها وما ذقت طعمه ... ولكنني فيما ترى العين فارس # قوله حسن الجودي رواه البرقي: به حزن الجودي، وكثير من الناس يرويه: به ~~جنبتا الجودي. وقيل في حسن الجودي: إنه قطعة متصلة بالجودي، والجودي: جبل. ~~وقال صاحب العين: حسن: اسم رمل لبني سعد. وذكر البرقي أن الحزنة والحزن من ~~الأرض والدواب: ما فيه خشونة، والفعل منه حزن حزونة، ورجل حزن: شرس، وقوم ~~حزن. ومن روى: به جنبتا الوادي فالمراد به الكنف والناحية. وبعضهم استدل ~~على أن قول الناس: فلان في جنبة فلان ليس بشيء، وإنما الصواب في جنبة فلان، ~~بسكون النون، استدلالا بهذا البيت. # وقد روى الأصمعي: # والناس في جنب وكنا جنبا # فيقول: ما ماء اجتمع من حب مزن - وهو البرد، لأن المزن اسم يجمعأنواع ~~السحاب، فهو كالغيم - ترامت به جوانب هذا الجبل والليل مظلم إلى أن زال ~~رنقه، وانقطع كدره. وخبرما قوله بأطيب. ثم وصف الماء بأنه لما حصل في ~~القرارات بعد تقطعه بنضد الحجارة، وجوانب المذانب والأدوية، فزال عنه أكثر ~~شوبه، هبت عليه شماللينة فصفته وبردته. يريد: ما ماء ساربة بهذه الصفة ~~بأعذب من رضاب فم هذه المرأة، ولا أقول هذا عن ذواق واختبار، ولكن عن صدق ~~فراسة، واعتبار مشاهدة. # PageV01P898 # وفي طريقته قول الآخر: # يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك # واللصاب: جمع لصب، وهو شقوق في الجبل. والقارس: البارد. وقوله فارس أراد ~~به المتفرس. ويقال: هو فارس على الخيل بين الفروسة، وإذا كان يتفرس في ~~الأشياء ويحسن النظر فيها قلت: هو فارس بين الفراسة. والدامس: المظلم، ~~ويقال: دمس، أي أظلم؛ وأتيته دمس الظلام. ### || وقال الحارث بن خالد المخزومي # إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل # لو بدلت أعلى مساكنها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # لعرفت مغناها لما ضمنت ... منى الضلوع لأهلها قبل # أقسم بالقرابين التي ينحرها الحجيج عند المحصب غداة منى وهي معقولة أنه ~~لو غيرت ديار ms0733 هذه المرأة عن خططها المعهودة، ورسومها المشهورة، حتى جعلت ~~أعاليها أسافلها، وأسافلها أعاليها لعرف مغناها المختص بها، ومثواها الجامع ~~لأسبابها لما انطوت عليه محاني ضلوعه من ود أهلها أيام مواصلتها، حتى كان ~~لا يلتبس عليه شيء منها. ومعنى تؤودها تثقلها. وجواب اليمين لعرفت. ~~والمغنى: المنزل. ويقال غنينا بمكان كذا نغنى به غنى. # وجواب لو بدلت ماهو إلا جواب القسم، وهو لعرفت. ### || آخر: # مريضات أوبات التهادي كأنها ... تخاف على أحشائها أن تقطعا # تسيب أنسياب الأيم أخصره الندى ... فرفع من أعطافه ما ترفعا # PageV01P899 # التهادي: المشي بين اثنين؛ يقال: رأيته يهادى بين اثنين ويتهادى. يصفها ~~بالنعمة والرقة وضعف الحركة، لثقل ردفها، ودقة خصرها، وترفتها المتملكة ~~لأعضائها وحواملها، فيقول: إذا تهادت بين اثنين فعطفات حركاتها مريضة، ~~ونهضات اندفاعها بطيئة، فكأنها تجذب أعاليها أسافلها، تخاف على خصرها ~~التقطع إن انبسطت في المشي، أو تسرعت في القصد. وقوله تسيب انسياب الأين. ~~فالأين: الجان من الحيات. ويروى الأيم أيضا، وهي الحية. والحبة لا تصبر على ~~البرد، لأنه إذا أثر فيها يبس جرمها فتكسرت. فيقول: هي تنساب أي تتدافع في ~~مشيها تدافع الحية وقد أثر فيها الندى فخصرت وأخذت من جرمها وأعطافها ما ~~أطاعها وأمكنها. كأن الحية وقد خصرت شق عليها ما ينالها من خصر الندى ~~وبرده، فهي في انسيابها تجافي عن الأرض جهدها. ويقال: ساب وانساب بمعنى ~~واحد. وفي القرآن: " ولا سائبة ". قال الدريدي: ساب الماء، إذا جرى. ### || آخر: # أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا # وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا # لف في البيت الأول الخبرين لفا، ثم رمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع ~~لكلامه يرد إلى كل ماله، وذلك لأنه قال أبت الروادف والثدي لقمصها، فجمع ~~بين ما يكون خلفا وقداما من الردف والثدي. وهو يريد أن يصفها بأنها ناهدة ~~الثديين، دقيقة الخصر، لطيفة البطن، وأنها عظيمة الكفل والردف، فالثدي تمنع ~~القمص أن تلتصق ببطنها، والردف يمنعها أن تلتصق بظهرها، فبين في التفسير في ~~عجز البيت ما لفه في صدره ms0734 كما ترى. # وقوله وإذا الرياح مع المشي تناوحت، يريد: وإذا دنت الأصل وهبت رياح ~~الصيف، فتقابلت ريحان كالشمال والجنوب، أو الصبا والدبور، وابتردت هذه، ~~التصق من درعها ببطنها وظهرها ما كان يمنعه ثديها وردفها قبل هبوبها، وظهر ~~من # PageV01P900 # محاسنها ما ينبه الحاسد ويهيج الغيور، لأن ما هفي منها ظهر للعيون ~~والمناظر، فالغيور يكره، والحاسد يتنبه. وقوله وأن تمس جاز انعطافه على مس ~~البطون لكون العامل والمعمول فيه في موضعه ومعناه. والبطون مع لفظ مس، ~~كظهورا مع أن تمس. ### || وقال بكر بن النطاح # بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو وحف أسحم # فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم # وصف شعرها بالطول، وكثرة الأصول، فإذا قامت سحبته، وإذا أرسلته سترها ~~فتغيب فيه، وهو مع ذلك شديد السواد، مسترسل في جعودة وارد في جثولة، فكأنها ~~لشدة بياضها إذا تغشاها، نهار يسطع من خلل الظلام، وكأن شعرها لشدة سوداه ~~عليها، ليل مظلم تغشى بياض نهاره. ### || آخر: # تأملتها مغترة فكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا # إذا ما ملأت العين منها ملأتها ... من الدمع حتى أنزف الدمع أجمعا # يقول: نظرت إليها على غرة منها اختسلتها، وقفلة ترصدتها، فكأنني رأيت بها ~~بدرا طالعا. وسنة البدر، أراد وجهه. ويقال: اغتر فلان، إذا فوحى عن غرة. # وقولهإذا ما ملأت العين منها ملأتها من الدمع، يقول: إذا تزودت عيني من ~~حسنها فنظرت في أعطافها، امتلأت متحيرة من جمالها، كما يتحير ظرف الماء إذا ~~امتلأ منه. وإنما قال ملأتها من الدمع، لأنه كان يتقطع وصل تحمله، وتنحل ~~عقد نجلده، وجدا بها، وتحسرا فيها. والذي يدل على أن نظره لم يكن عن اتفاق ~~أنه قال: تأملتها مغترة، ومعنى أنزف الدمع، أفنيه كله. يقال: نزفت الماء ~~وأنزفته بمعنى واحد. # PageV01P901 ### || وقال كثير # وددت وما تغنى الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم # فإن كان خيرا سرني وعلمته ... وإن كان شرا لم تلمني اللوائم # يقول: تمنيت أنني عالم بما ينطوي عليه قلب هذه المرأة لي، وما ينفع ~~التمني إذا لم يساعد ms0735 القدر. وقوله: وما يغني الودادة اعتراض بين وددت ~~ومفعوله، وهو أنني. ويقال: وددت ودادة وودادة، بفتح الواو وكسرها. وقوله ~~فإن كان خيرا يريد: فإن كان ما تضمره لي ودا صافيا، وميلا ناصعا سرني ذلك ~~وسكنت إليه، فلا يذهب ما أتكلفه في هواه باطلا، وإن كان ما تضمره وتنطوي ~~عليه اعتراضا خالصا، وجفاء مرا، قتلت نفسي وأرحتها من لوم اللائمات. وقوله ~~وعلمته أكتفى بمفعول واحد لأنه بمعنى عرفته. # وما ذكرتك النفس إلا تفرقت ... فريقين منها عاذر لي ولائم # يقول: ما أخطرتها ببالي على ما أقاسي فيها، ويوافيني من اطراحها وزهدها ~~إلا تفرقت نفسي فريقين: ففريق يعذرني ويقول: إن مثلها في كمالها وظرفها ~~وحسبها ومنصبها، وشرفها وسرورها، يصبر على كل أذى يعرض في اكتسابها ويعتلق ~~على جميع علاتها، احتفالا باسمها في العشاق، وتكثرا بمكانها بين ذوي ~~الأهواء. وفريق يلومني ويقول: إنك جاهل بمالك وعليك، مبتذل الروح في هوى من ~~لا يشفق عليك ولا يرفق بك، ولا يرجع إلى شيء مما تؤثره، وإن امتج مدى ~~ذهابها عنك. وهذا قاله عاى عادة الناس فيما يهمون، وتردهم بين ما يقوى ~~العزم عليه وبين ما يضعفه، فجعل كل واحد منهما كأنه نفس على حيالها. ### || وقال أيضا: # وأنت التي حببت شغبا إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما # PageV01P902 # وحلت بهذا حلة ثم أصبحت ... بهذا فطاب الواديان كلاهما # خاطبها في البيت الأول معتمدا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، ~~آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفيى محالها فقال: " أحب لك وفيك شغبا إلى ~~بدا، وبلادي " بلاد غيرها. ثم أخبر عنها في البيت الثاني فقل: ونزلت بهذا - ~~يشير إلى شغب - نزلة، ثم أصبحت ببدا، ففاح الوديان وتضوعها برياها. ومثله ~~قول الآخر: # استودعت نشرها الرياض فما ... تزداد إلا طيبا على القدم # ومثله أيضا: # تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات ### || وقال نصيب # لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم # كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم # هتفت: صاحت. في جنح ms0736 الليل، أي فيما مال من الليل. والفنن: الغصن. وهنا: ~~بعد ساعة من الليل. يقول: جددت لي حمامة بتغريدها وجداوصبابة. وهي على غصن ~~فيما مال من الليل، وإني لساكن نائم، ولوكنت عاشقا وحق بيت الله لما سبقتني ~~الحمائم بالبكاء، لكني كاذب في دعواي متزيد. وهذا كلام مستقصر فيما هو ~~عليه، مستزيد لنفسه فيما يجري إليه، يصورها بصورة المتشبع بما ليس فيه. ~~وهذه الطريقة زائدة على طريقة الملتذ بالهوى. وقوله " لما سبقتني "، على ~~عادتهم فيما يعتقدون من شجو الحمام. لذلك قال أبو تمام: # لاتشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام # PageV01P903 # وسلك مسلك نصيب عدي بن الرقاع فيما أظن فقال: # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بلبني شفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم # وقوله " لما سبقتني بالبكاء الحمائم " اشتمل على جواب اليمين، وعلى جواب ~~لو. ### || وقال الشماطيط الغطفاني # أرار الله مخك في السلامي ... إلى من بالحنين تشوقينا # فإني مثل ما تجدين وجدي ... ولكني أسر وتعلنينا # وبي مثل الذي بك غير أني ... أجل عن العقال وتعقلينا # قوله: " أراد الله " يخاطب ناقته ووجدها تحن فقال داعيا عليها: جعل الله ~~مخك ريرا. والرير: الرفيق من المخ. والقصد في الدعاء إلى أن يجعلها الله ~~نضوا مهزولا، وخص اللامى لأنها والعين آخر ما يبقى فيه المخ عند الهزال. ~~لذلك قال الشاعر: # لايشتكين ألما ما أنقين ... مادام مخ في السلامي أو عين # وقوله: " إلى من بالحنين تشوقينا "، يجوز أن يكون إنكارا منه على الناقة ~~في حنينها، ويجوز أن يريد تفخيم شأن المشتاق إليه، كأنه قال: تشوفينني ~~بحنينيك إلى إنسان وأي إنسان، ويكون " من " اسما نكرة، ويكون الكلام خبرا، ~~وفي الأول يكون استفهاما. وإنما أنكر ضجرا بها، لأنه لم يدر أحنينها إلى ~~ولد أو وطن أو صاحب. # وقوله: " فإني مثل ما تجدين " يجوز أن يكون " وجدي " في موضع النصب، على ~~أن يكون بدلا من المضمر في إني، ويكون مثل في موضع خبر إن، فكأنه قال: إن ~~وجدي مثل ما تجدين، ويجوز أن ms0737 يكون وجدي في موضع الرفع على الابتداء، # PageV01P904 # ومثل خبر له مقدم، والجملة في موضع خبر إن، كأنه قال: إني وجدي مثل ما ~~تجدين. # وقوله: " ولكني أسر وتعلنينا " يريد إن عقلي يمسكني، وإن كان وجدي مثل ~~وجدك وبرحي مثل برحك، عن إظهار التألم، وفي القلب ما فيه، وأنت تعلنين ~~وتصيحين. # وقوله: " وبي مثل الذي بك " يقول: إن نزاعي مثل نزاعك، ولكني يؤمن مني أن ~~أهيم على وجهي، إذ كنت أضبط نفسي بما أعطيت من تمييزي وإبقائي، وأنت تعقلين ~~مخافة أن تندي على وجهك، إذ لا مسكة بك، ولا رقبة لك، ولا حياء يردعك، ولا ~~رعة تمسكك. ### || وقال: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولاتسلي # يقول: لما عصى قلبه وتأبى إلا جماحا في لجاجته، وخروجا عن طاعته، ولم ~~تنصرف نفسه عن ليلى شغلا بتئمير مال، وترقيح عيش، ولا بإرضاء أهل واستصلاح ~~عشيرة، أخذ يطلب السلو عنها في مواصلة غيرها من النساء وشغل القلب بحبها ~~دونها، فإذا التي طلب التسلي بها تبعث على الرجوع إلى ليلى، وتحض على ترك ~~الإيثار عليها، لأنه يظهر من زيادات محاسنها، وأنواع ما توحدت به من ~~فضائلها، ما يدعو إلى التشبث بها، وعمارة هواها. وجواب لما أبى " تسلى ". ~~والجماح من قولهم: جمح الفرس، إذا جرى جريا غالبا لراكبه. وقوله " فإذا ~~التي تسلى بها " إذا هي هذه التي للمفاجأة، ومن الظروف المكانية لا ~~الزمانية، وما بعده مبتدأ وخبر، فإنه لم يجعل مستقرا. ### || 498- اخر: # 1- # عجبت لبرئى منك يا عز بعدما ... عمرت زمانا منك غير صحيح # PageV01P905 # فإن كان برء النفس لي منك راحة ... فقد برئت إن كان ذاك مريحي # تجلى غطاء الرأس عني ولم يكد ... غطاء فؤادي ينجلي لسريح # يقول: قضيت العجب من انصراف قلبي عنك، وبرئي من الداء فيك، بعد ما بقيت ~~زمانا مبتلي النفس في هواك، عليل القلب بوجدك، مبرحا بي حبك؛ فإن كان برء ~~النفس يعقب لي راحة منك وفي هواك فقد برئت ms0738 والراحة منتظرة، إن كانت من ~~نتائجه ومسبباته. ثم قال " تجلى غطاء الرأس " يريد شبت واستبدلت بلون وسواد ~~شعري لونا آخر حديثا، فكأن المتقدم كان كالغطاء على رأسي، تكشف بالتأني، ~~ولم يكد ما تغشى قلبي من حبك ينكشف بالهويني. # فإن قيل: في ظاهر هذا الكلام تناقض، لأن القائل إذا قال كدت أفعل كذا ~~معناه شافهت فعله وشارفته، ولا يكون قد فعله؛ وإذا قال: لم يكد فلان يفعل ~~كذا، معناه يقرب وقوع ذلك منه. فإذا كان كذلك فقد نفى عن نفسه ما أثبته ~~بقوله " تجلى غطاء الرأس " لقوله: ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي لسريح؟ قلت: لو ~~أمسك عند قوله " ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي " لكان الأمر على ما قلت، لكنه ~~لما قال " لسريح " بين أنه لم يكن عن سهولة وبعجلة، وقلة تعب ومشقة، فنفيه ~~في الحقيقة لقلة التعب والسهولة لا للانجلاء، وإذ كان كذلك يكون الغطاء قد ~~انجلى عن القلب، لكنه انجلى بعد طول مزاولة نصب، ومقاساة كمد، وعن شدة ~~تفاقم، وبلاء ملازم. ويقال في الدعاء للمرأة إذا طلقت عند الولادة: اللهم ~~اجعله سهلا سرحا. فالسراح والتسريح والسريح كلها في طريق واحد، وهو السهولة ~~والعجلة. ويقال: سرحه اللهتعالى للخير، أي وفقه له وعجله. وفي المثل: " ~~السراح من النجاح ". ### || وقال عروة بن أذينة # إلفان يعنهما للبين فرقته ... ولايملان طول الدهر ما اجتمعا # مستقبلان نشاصا من شبابهم ... إذا دعا دعوة داعي الهوى سمعا # لايعجبان بقول الناس عن غرض ... ويعجبان بما قالا وما صنعا # PageV01P906 # البين يقع على وجوه: أحدهما أن يكون مصدر بان يبين وبينونة. والثاني أن ~~يكون ظرفا، تقول: بين القوم كذا، وهو لشيئين يتباين أحدهما ن الآخر فصاعدا. ~~والثالث أن يفيد معنى الوصل، على ذلك قوله تعالى: " لقد تقطع بينكم ". ألا ~~ترى معناه تقطع وصلكم، ولا يصح أن يكون المراد تقطع افتراقكم، لفساج ~~المعنى. وعلى هذا قولهم: سعى فلان لإصلاح ذات البين من عشيرته، لأن المراد ~~إصلاح الوصل لا الافتراق. والذي في البيت هو الثالث، لأن المعنى: هما ~~متحابان قد ألف كل منهما ms0739 صاحبه، والذي يهمهماويعنيهما للوصل ما يخشى تعقبه ~~له من الفرقة، فخوفها منها وفكرهما فيها، ولا يكتسبان ملالا من اتصال طول ~~الدهر. فقوله طول الدهر يجوز أن يكون مفعول يملان، أي لا يملان تطاول الوقت ~~إذا اجتمعا، ومدة اجتماعهما. ويجوز أن يكون طول الدهر. وقوله مستقبلان ~~نشاصا فالنشاص أصلهالسحاب إذا ارتفع من قبل العين حين ينشأ ويعلو، فاستعير ~~هنا لما يقتبل من الشباب وأيام الصبا واللهو. كأنه يمطرهما النشاط والسرور ~~كما يمطر السحاب الغيث. وجعل ذلك فيهما بحيث يسمعان قريبا دعاء منادى اللهو ~~ويحييانه؛ لأن الوقت وقت التصابي والبطالة. وإلى هذا أشار أبو النواس في ~~قوله: # قد عذب الحب هذا القلب ما صلحا ... فلا تعدن ذنبا أن يقال صحا # وقوله لا يعجبان بقول الناس عن عرض، هو من قولهم: نظرت إليه عن عرض، أي ~~عن ناحية. والمعنى أنه لا يعجبها من مقال الناس وفعالهم شيء، ولا يأخذ ~~قلبهما وعينيهما حديث ولا إبلاع ممن كان عن ناحية وشق، لكن الحسن عندهما ~~فيما يتفاوضانه أو يتقارضانه، والإعجاب يتعلق بما يصنعانه ويؤثرانه؛ إذ كان ~~كل واحد منهما قد صار في ملكة هوى صاحبه، وفي رفاق قبيله، فلا يبصر إلا ~~بعينه، ولا يسمع إلا بأذنه. ### || وقال: # ولما بدا لي منك ميل مع العدى ... سواى ولم يحث سواك بديل # PageV01P907 # صددت كما صد الرمى تطاولت ... به مدة الأيام وهو قتيل # قال سيبويه: معنى سوى بدل ومكان تقول. عندي رجل سوى زيد، معناه ومكان زيد ~~وبدل زيد، وعلى ما فسره يكون معنى البيت: ولما بدا لي ميلك مع الأعداء بدل ~~ميلكك إلى ومكان ميلك، ولم يحدث لي بديل مكانك وعوضا منك أعرضت عنك إعراض ~~المرمى من الصيد المصاب بسهم الصياد، وهو قتيله، لأن الإصابة عملت عملها، ~~لكن المدة تطاولت به، فهو رهين بإصابته. يريد: صددت عنك صدود يأس لا صدود ~~مقلبة، وأنا أعلم أن هواك قاتلي كهذا المرمى الذي لا يشك في كونه قتيلا وإن ~~طال نفس مهلته، ومد من أمد منيته. ### || وقال آخر: # أحبا على حب وأنت ms0740 بخيلة ... وقد زعموا أن لا يحب بخيل # بلى والذي حج الملبونيته ... ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل # وإن بنا لو تعلمين لغلة ... إلي كما بالحائمات غليل # الألف من قولهأحبا لفظه الإستفهام ومعناه التوبيخ. وانتصب حبا باضمار ~~فعل، كأنه قال: أتجمعين على حبا على حب، أو أتزيدينني حبا بعد حب، مع بخلك ~~وإيثار زهدك، وعند الناس وفي أحكامهم واعتقادهم أن البخيل لا يكون محبوبا. ~~كأنه عاتبها وقرعها من أمر الذي بينهما، وأنهما من أجله في طرفي نقيض، وفي ~~لون من العشق طريف، وذلك أن معاملتها له معاملة من لا ينتدى عليه ولا ~~يرحمه، ولا يتسخى بشيء له، وأن جذبها إياه في الهوى جذب من لا يكتفي معه ~~بعفوه حتى يجهده ويزيده وجدا على وجد، وألما بعد ألم. قال: هذا حالي معك، ~~وفي زعمات الناس أن القلوب جبلت على حب المحسنين الباذلين، لا المسيئين ~~الباخلين، ثم استدرك فقال: بلى والله المحجوج بيته، المعظم حرمه، المداوي ~~من داء الهوى باليسير الخفيف من النيل، إن البخيل ليحب. ودل على المقسم له ~~بقوله: وإن بنا لو تعلمين لغلة، وهي حرارة العطش، كما يكون غلة الحائمات، ~~وهي الطيور التي تحوم على الماء وتدور من شدة العطش ثم تقع عليه، وقد تكون ~~العطاش أنفسها. وقوله: وأنت بخيلة، الواو واو الحال. وقوله ألا يحب إن شئت ~~جعلت أن الناصبة للفعل فنصبت يحب به، وإن شئت جعلته المخففة من الثقيلة ~~فيرتفع يحب، يريد أنه لا يحب. ثم قال: بلى، وهو جواب استفهام مقرون بنفي. ~~على ذلك قول # PageV01P908 # الله عز وجل: " أليت بربكم قالوا بلى ". كأنه قيل له مستفهما منه: أيحب ~~البخسيل الممسك؟ فقال: بلى وأقسم أيضا، تأكيدا. والحج: القصد. والنيل: مصدر ~~فلته أناله. وقوله لو تعلمين، كالعذر لها، وقد أقامه مستعطفا، يصورها بأنها ~~لو علمت ما به كانت لا تستجيز ما يجري عليه. ### || وقال آخر: # إذا كنت لا يسليك عن من توده ... تناء ولا يشفيك طول تلاق # فهل أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة نفس آذنت بفراق # يخاطب نفسه متوجعا لها، ms0741 ومستوحشا من الحالة التي منى بها، فيقول: إذا لم ~~تستوفق مع من تحب التباعد عنه، وأخذ النفس بالتفصى منه، ليورثك سلوا دونه، ~~ولم يقرب شفاءك من الداء فيه طول الاجتماع معه، واتصال التردد منه، والمريض ~~في العرف والعادة إذا اشتكى من دواء عولج به نقل إلى ما يضاده، فإن لم يغن ~~سلم لعلته، فكذلك أنت إذا لم ينفعك فيما تقاسيه لا التنائي ولا التداني، ~~فما ذاك إلا غرام، وما أنت فيه إلا مستعير حشاشة، وهي روح القلب، ورمق من ~~حياة النفس وقد آذنت بالمفارقة. والمهجة: خالصة النفس؛ ومنه لبن أمهجان. ### || وقال عبد الله بن الدمينة # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد # أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غصن النبات من الرند # بكيت كما يبكي الوليد ولم تزل ... جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي # الصبا: القبول. يقال: صبت الريح تصبوا صبوا. ومتى هجت، أي متى ثرت ~~واهتجت. يقال: هاج الفحل والريح هياجا. وهم يخاطبون الريح والبرق إذا كانا ~~من نحو أرض المحبوب. فيقول: متى اهتجت من أرضي نجد فقد زادني سيرك شوقا، ~~وجدد لي هبوبك على ماكنت أكابده من الوجد وجدا. # PageV01P909 # وقوله: أأن هتفت، يخاطب نفسه مبكتا فيقول. ألأن صاحت حمامة ورقاء في أول ~~الضحى واقعة على غصن غض من شجر الرند بكيت بكاء الصبى إذا أعياه مطلوبه، ~~وأظهرت العجز عما حملته، وعهد الناس بك فيما مضى من أيامك ولم تزل ثابت ~~القدم فيما ينوبك، دائم الصبر على بلواك، إن هذا منكر. # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خير من البعد # على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود # يقول: زعم الناس أن الاستكثار من المحبوب والتداني منه يكسب المحب ملالا، ~~وأن الاستقلا من زيارته والتنائي عن محله وداره ينتج له سلوا، فداويت بكل ~~واحد من ذلك فلم ينجع؛ إلا ms0742 أنه على الأحوال كلها وجدت قرب الدار منه خيرا ~~من بعدها عنه، لما توسوس به النفس في الوقت بعد الوقت من طمع فيه، ولتطلع ~~المجاورين له، وتجدد الحديث عنه، إلى كثير مما يعدم في البعاد. ثم رجع فيما ~~أعطى فقال: على أن تقارب الديار لا يكاد ينفع إذا كان المحبوب لا ود له، ~~ولا ميل له. ويروى: ليس بذي عهد، أي لا يبقى على ما عهده عليه. ### || آخر: # إذا مشت أن تسلى خليلا ... فأكثر دونه عدد الليالي # فما سلى خيلك مثل نأى ... ولا بلى جديدك كابتذال # معناهما ظاهر بما تقدم، ويقال: بمعنى سلوت. قال: # لو أشرب السلوان ما سليت ### || وقال آخر: # ألا طرقتنا آخر الليل زينب ... عليك سلام هلى لما فات مطلب # PageV01P910 # وقالت تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب # يقول: أتتنا هذا المرأة سحرا فقلت مسلما عليها: عليك سلام الله هل لما ~~فات من أيام الوصال والإقبال على الإحسان مطلب لي فأسأله. فقالت لي مجيبة: ~~جانبنا ولا تدنون منا. فقلت: أنى يكون مني مجانبة وأنتم في الدنيا حاجتي ~~ومناي، ولا اختيار مع الضرورة، كما أنه لا غنى عن الفاقة. هذا هو ظاهر ~~الكلام. وقد رأيت من يفسره على أن المراد بآخر الليل آخر أيام الشباب. وكان ~~يروى: عليك سلام بفتح الكاف، ويجعل الخطاب والتسليم من المرأة للرجل، ~~ويقول: إنما حيته بتحية الموتى لتولي أيامه، وتناهي عمره، وقولها: هل لما ~~فات مطلب من كلامها معاتبة، كأنها أنكرت التعرض لها وقد فاته دالة الشباب، ~~وشفاعة النضارة والإقتبال. والأولى ما قدمته. # يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب # لقد جل خطب الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب # المضمر في يقولون المتعصبون للمرأة والناس. يريد: عيروني بتعاطي الصبا ~~واللهو واللعب، بعد تقضي الثلاثين من أيام عمري فقالوا: هل بعد الثلاثين ~~ملعب، أي لا ينبغي اللهو لمثلك، فقلت لهم: وهل قبل الثلاثين ذلك. والمعنى ~~أن من عد ما دون الثلاثين فهو في عداد الصبيان، لا يعرف اللذات، ms0743 ولا يصلح ~~للبطالات. ويجوز أن يكون المراد: وهل تسهل لي قبل الثلاثين شيء من مباغي ~~اللهو واللعب فينكر مني طلبي إياه بعده. # وقوله: لقد جل خطب الشيب، لقد جواب يمين مضمرة، ولك أن تروي أن كنت كلما، ~~والمعنى لأن كنت كلما. ولك أن تكسر الهمزة فتكون إن المفيدة للشرط، ~~والمراد: إن كنت كلما بدت في رأسي لمعة من الشيب يلزم منها أن أعرى مركبا ~~من مراكب اللهو، فلقد عظم خطب الشيب، ويكون جواب إن في قوله لقد جل خطب ~~الشيب، وكلما في موضع الظرف. ### || وقال كثير # وأد نيتني حتى إذا ما فتنتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح # PageV01P911 # تناهيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح # يقول: توفرت علي ولطفت لي المقال والفعال، على تطلق من وجهك، وهشاشة ~~ظاهرة منك، حتى أوقعتني في حبالتك، وخببت قلبي بكلام يقرب البعيد، ويسهل ~~العسير، ويؤنس النافر، ويطمع اليائس، فلما استكمل مرادك في ضممت أطرافك ~~إليك، وقبضت ما انبسط من أملي فيك. والعصم: جمع أعصم وعصماء، وهي الوعول ~~الجبلية التي في قوائمها بياض. وجواب إذا تناهيت عني. والمعنى: بعد ما ~~كسبتني خبالا، وجلبت على عقلي وقلبي فسادا، كففت عني، وتباعدت مني وقت ~~أعيتني الحيل في الانفكاك، وتأبى تمازج الهوى وتلاصقه من الإنسلاخ، وتركت ~~بين جوانحي ما تركت من وجد متصل، وحزن دائم. # فإن قيل: إن كثير علم في النسيب، فلم لم يرض بإظهار التوجع من المعاملة، ~~والتألي من التهاجر والقطيعة، حتى اعتد على صاحبته ذنبا. ونسب إليها خيانة ~~ووزرا؛ لأن الذي وصف من افتتانها في افتتان الرجال ليس من شأن العفائف؟ إن ~~كثيرا لم يصف صاحبته إلا بصفة العفائف. ألم تسمع قول الآخر: # برزن عفافا واحتجبن تسترا ... وشب بقول الحق منهن باطل # فذو الحلم مرتاب وذو الجهل طامع ... وهن عن الفحشاء حيد نواكل # كواس عوار، صامتات نواطق ... بعف الكلام، باذلات بواخل # فتأمل ما قاله فإنه غاية في استقامة الطريقة، وإن هلكت نفوس، وخبلت عقول. ~~وحدثت عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي ms0744 عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: ~~كنت مع جرير وهو يريد الشام، فطرب فقال: أنشدني لأخي بن مليح، يعني كثيرا، ~~فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله: وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني، الأبيات، قال ~~جرير: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثل النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره. ### || وقال آخر: # تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا ... من النبل لا بالطائشات الخواطف # PageV01P912 # ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف # وللعين ملهى في التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف # قوله: مرمى الصيد، موضعه نصب على الظرف، أي تعرضن لنا وبيننا وبينهن غلوة ~~سهم، فعل المتعرض للصيد إذا أراد رميه. ويراد بالصيد المصيد، كما يراد ~~بالخلق المخلوق. وقوله: ثم رميننا من النبل، يريد: ثم نظرن إلينا وعرضن ~~محاسنهن علينا، وتلك نبالهن التي لا تخف فتعدل، ولا تخطف فتقصر. والخاطف من ~~السهام: الذي يقع على الأرض ثم يحبو إلى الهدف كأنه يخطف من الأرض شيئا. ~~والطائش: الخفيف الذي لا يستقيم؛ ومنه الطيش والطياش، كأنه يرى لخفته عادلا ~~عن سواء السبيل. ومفعول رميننا الثاني محذوف كأنه قال: رميننا لا ~~بالطائشات، ولكن بالصائبات الناقرات. والناقر: الذي ينقر الهدف. # وقوله ضعائف يقتلن الرجال بلا دم، يريد بلا ترة وذحل. والضعف الذي أشار ~~إليه يريد في الخلقة والخلق، أي يقتلن الرجال وإن ضعفن عن جذابهم كيدا ~~وفعلا. ثم قال: يا عجبا لمن يقتل القوى على ضعفه. ويا عجبا يجوز أن يكون ~~على طريق الندبة، ويكون منادى مفردا ألحق به الألف ليمتد به الصوت، ويدل ~~على فرط الشكو. ويجوز أن يكون منادى مضافا ففر من الكسرة وبعدها ياء ~~فانقلبت ألفا. واللام من قوله للقاتلات هي التي تفسر بأنها لام العلة، كأنه ~~علل تعجبه بقوله للقاتلات، فارتفع ضعائف على أنه خبر مبتدأ محذوف. # وقوله وللعين ملهى في التلاد، يريد أن للعين لهوا وراحة إذا نظرت في ~~التلاد الرائق المعجب - والتلاد: ما قدم ملكه - ولم يجذب هوى النفس شيء كما ~~يجذبه الطرائف، وهي المستحدثات، وهذا كما يقال: لكل جديدة ms0745 لذة، وما أشبهه. ~~وقاد واقتاد بمعنى واحد، والملهى كما يجوز أن يراد به الحدث، وهو اللهو، ~~يجوز أن يراد به موضع الحدث ووقته. ### || وقال آخر: # لئن كان يهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير # PageV01P913 # قوله يهدي يجوز أن يكون من الإهداء الإتحاف، ويجوز أن يكون من الهداء ~~الزفاف. وقوله أنيابها العلي، يراد به الشريفة العالية الشأن. ويجوز أن ~~يراد بالعلي الأعالي من الأسنان، لأنها موضع القبل. ويعني ببرد الأسنان ~~عذوبة الرضاب عند المذاق. وقوله إنني لفقير، فعيل بناء المبالغة، ولا سيما ~~إذا أطلق إطلاقا، فلا يقال فقير إلى كذا وكذا فيخصص. والمعنى: إن كان يتربص ~~بمتسق مضحكها، وواضح مقبلها، وطيب رضابها، وبراد أسنانها، لمن هو أفقر مني ~~إليها، فإنني الفقير مطلقا. والمعنى: لا غاية وراء فقري. ومما يجري مجرى ~~فقير إذا أطلق، قولهم سقيم. ألا ترى قول الآخر: # لئن لبن المعزى بماء مويسل ... بغاني داء إنني لسقيم # يريد المتناهي في السقم حتى لا غاية وراءه. وأفقر، كأنه بني على فقر ~~المرفوض في الاستعمال. وإنما قلت هذا لأن فقيرا كان حكمه أن يكون فعله على ~~فقر، ولم يجيء منه إلا افتقر. وشرط فعل التعجب وما يتبعه من بناء التفضيل ~~أن لا يجيء إلا من الثلاثي في الأكثر، وما كان علي أفعل خاصة، وإذا كان ~~كذلك فأفقر لا يصح أن يكون مبنيا على افتقر ولكن على فقر؛ فهذا طريق. ولك ~~أن تقول: بنى منه على حذف الزوائد، كما جاء: ريح لاقح والمراد ملقح، وما ~~أشبهه. # فما أكثر الأخبار أن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير # قوله أن قد تزوجت، أراد: بأن قد تزوجت. وحذف الجار مع أن كثير، وموضعه من ~~الإعراب مفعول من قوله الأخبار. والأخبار: جمع خبر، ووضع خبرا موضع ~~الإخبار، كما يوضع الطاعة موضع الإطاعة، ثم عداه وهو مجموع، ومثله: # مواعيد عرقوب أخاه بيثرب # ألا تراه أنه انتصب أخاه عن جمع وهو مواعيد. ومعنى البيت: كثر في أفواه ~~الناس الإخبار بتزوجها، واشتغالها ببعلها عن غيره، فهل يأتيني مبشر ~~بتطليقها. ms0746 وهذا ليس باستفهام وإنما هو تمن. # PageV01P914 ### || وقال آخر: # يقر بعيني أن أرى رملة الغضى ... إذا ما بدت يوما لعيني قلالها # ولست وإن أحببت من يسكن الغضى ... بأول راج حاجة لا ينالها # أضاف الرملة إلى الغضى تشهيرا لها. وقوله يقر بعيني، هذه الباء تزداد ~~كثيرا مع أقر، والأصل يقر عيني، وزيدت الباء تأكيدا. تقول قرت عيني وأرها ~~الله. وقوله أن أرى في موضع الفاعل ليقر، والمراد: إذا بدت يوما لعيني قلاق ~~الغضى - وهو جمع القلة وهي أعلى الجبل - فقره عيني في أن أرى رمالها أيضا ~~وبطحاواتها. ثم قال على طريق اليأس من ذلك: ولست بأول من رجا مؤملا. وائتمر ~~مقدرا، ثم لم يحصل منهما على طائل. يريد: ولا غرو إن كنت أحببت سكان الغضى ~~أن يكون هذا حالي معهم. كأنه كان بين أهل الغضى وبين قومه عداوة، أو حالة ~~مانعة من المزاورة والمواصلة، فلذلك قال ما قال. ### || وقال آخر: # سلى البانة الغناء بالأجرع الذي ... به البان هل حييت أطلال دارك # وهل مت في أظلالهن عشية ... مقام أخي البأساء واخترت ذلك # ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراق عيني رهبة من زيالك # سلي، أصله اسألي فحذف الهمزة تخفيفا وأبقيت حركتها على السين فصار اسلي، ~~ثم استغنى عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها فحذفت فصارت سلي. وهذا كما تقول في ~~الأحمر إذا خففته: لحمر. ومن قال الحمر يقول: اسلى فيبقي ألف الوصل. ويروى: ~~البانة الغيناء، والغناء: الملتفة الكثيرة الورق والأغصان، فإذا # PageV01P915 # ضربتها الريح غنت. وهذا كما قال الآخر: # للثرى تحتها سبات وللما ... ء خرير وللغصون غناء # والأجرع من الأماكن: السهل المختلط بالرمل. والغيناء، هي العظيمة ~~الواسعة، من قولهم غان عليه كذا إذا ستر، وبه سمى السحاب الغين. وإنما قال: ~~الذي به البان، لأنه كان منبته. وهل حيا أطلاله تحية المتقرب إليها، ~~والقاضي لوازمها، وهل قام في أظلال البان بها مقام الضرير البائس، والكسير ~~الرزاح، تذللا لها، وتلؤما بها؛ وهل ذلك كله عن اختيار وقصد أو كما اتفق. ~~ثم قال: ليهنك إمساكي، كأنه لما وقف ms0747 على الدار وتذكر العهود فتصور له ما ~~كان درس من آيات هواه، وتجدد ما أخلق منها، خشي على كبده التصدع فأمسك بكفه ~~على حشاه، تثبيتا لها وتقوية، وبكى فترقرق الدمع في عينيه ثم سال. فقال: ~~هناك الله ذلك كله مني. وانتصب رهبة لأنه مفعول له. وهذا من باب التجلد في ~~الهوى. والزيال: مصدر زايل. وفي هذه الطريقة قول الآخر: # يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى ### || وقال آخر: # تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... عليك شجى في الصدر حين تبين # وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لغيرك من خلانها ستلين # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين # يصف النساء وأخلاقهن في الانقياد والتأبى إذا روودن، واستمالهن الوفاء من ~~بعد غدرهن، ويوصي باستبقاء المقاربة معهن، وترك تدقيق محاسبتهن، والرضا ~~بالميسور من مصافاتهن، فيقول: عليك في الاستمتاع بهن مدة انقيادهن لك، ~~وإسعافهن بالمراد من جهتهن، لا يشجونك تنكرهن لك، وبينونتهن إذا عدلن عنك، ~~وأعلم أن الواحدة منهن إذ لانت لك فهي بعرض أن تلين لغيرك، فلا تعتمد عليهن # PageV01P916 # وإن حلفت لك أنها تفي وتيقي على عهدها معك، وأعلم أنه لا يمكين لمثلها ~~يستوثق بها، أو يستنام إليها، وفي طريقته قول بشار: # لا يوئسنك من مخبأة ... قول تغلطه وغن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا ### || وقال العباس بن مرداس # قليلة لحم الناظرين يزبنها ... شباب ومخفوض من العيش بارد # أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم ... إليه ولكن طأطأته الولائد # تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد # الناظران: عرقان في مدمع العينين: يصفها بأنها ليست بجهمة الوجه، لكنها ~~أسيلة الخدين، ويزينها شباب مقتبل، ورفاهة من العيش ودعة، ويقال: عيش خفض، ~~وخفضت عيشه فهو مخفوض. والبارد: الثابت. ويقال: برد لي على فلان حق، أي ~~ثبت. # وقوله أرادت لتنتاش الرواق، فالانتياش: التناول. يصفها بأنها مخدمة لا ~~تبتذل نفسها في مهنة، ولا في عارض خدمة، حتى أنها إذا أرادت تناول رواق ~~البيت - والرواق: ما مد مع البيت من ستارة ms0748 - لم تترك والقيام إليه، ولكن ~~قدمته الولائد، وأملنه لها حتى نظرت إلى ماوراءه، فإذا كانت في مثل هذا ~~تودع وتكفي، فما هو أثقل منه أبعد من استعمالها فيه. والطأطأة: خفض الرأس ~~وغيره عن الاشتراف. ويقال للفارس إذا ضبط فرسه بفخذيه ثم حركه للحضر: طأطأ ~~فرسه. وقوله: تناهى إلى لهو الحديث أراد أنها تنصب من كل أحوالها إلى ~~اللهو، وتنتهي إليه، إذ كان ما عدا اللهو قد كفيت، فهي منعمة لا تتعلل إلا ~~باللعب والهزل، فكأنها عليل يترفرف عليه ويشفق، حتى يترك لا يهمه شيء، ولا ~~يشغله شأن، يعني أنها في توفرها على الحديث والملاهي على نعمتها وكسلها، ~~كذلك العليل في توفره على مقاساته ما به. # PageV01P917 ### || آخر: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودوني تربة وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من داخل القبر صائح # واعبط من ليلى بمالا أناله ... ألا كل ما قرت به العين صالح # يقول: لو أن هذه المرأة سلمت علي وقدمت فحال بيني وبينها صفائح القبر، ~~وثرى اللحد، لتسرعت إلى جوابها، وقابلت سلامها ببشاشة مني لها وطلاقة وجه، ~~لتلقيها وإجابتها. فإن حصل منع دون المراد صاح إليها صدى لي من داخل قبري ~~بدل جواب مني. وهذا على اعتقادهم كان، أن عظام الموتى تصير هاما وأصداء. ~~وقوله: وأغبط من ليلى، يقول: إني مرموق ومحسود منذ عرفت بلبلي وإن لم أنبل ~~منها مطلوبا، ولا حصلت من الشقاء بها طائلا. ثم قال: ألا كل مافرت به العين ~~صالح، يريد أني قرير العين بأن أذكر بها وتعرف بي دون طلابها، وهذا القدر ~~نافع وإن تجرد مما سواه. ### || وقال آخر: # فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها ... فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا # فهلا منعتم إذ منعتم حديثها ... خيالا يوافيني على النأي هاديا # يقول: إن حلتم بيني وبين ومنازعتها الكلام، والتأنس بحديثها، وحبس النفس ~~على التزود منها ومن مغازلتها، فإنكم لا تقدرون على ما أنا بصده من البكاء ~~لها وجدا فيها، ومن قرض الشعر في النسيب بها؛ وإذ قد منعتم حديثها والدنو ~~منها، فهلا ms0749 حبستم عني خيالا عارفا بالطريق على البعد بيني وبينها، حسن ~~الاهتداء إلى حيث ذهبت عنها، يزورني في المنام فيطري من الشوق ما أخلق، ~~ويعيد من الهوى مادرس. وهذا الكلام تحسير لهم، وتشهير بمكايدتهم، وتذكير ~~بما يسوؤهم، وإعلام أن العهد بينهما مرعي، والهوى مما يقدح فيه من الجانبين # PageV01P918 # محفوظ، بدلالة أنه لو استجفاها لامتنع خيالها، لزوال نومه، وذهاب هدوه. ~~ألا ترى الآخر يقول: # وكان يزورني منه خيال ... فلما أن جفا منع الخيالا ### || وقال نصيب # كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح # يقول: لما أحسست بالليلة التي رسمت بوقوع الفراق في صبيحتها، أو في وقت ~~الرواح من غدها، وتصورت أن المتواعد به حق، والمتحدث به واقع، صار قلبي في ~~الخفقان والاضطراب كقطاة وقعت في شرك يحبسها، فيقيت ليلتها تجاذبه والجناح ~~علق لا متخلص له، نشب لا متنزع منه، وكمثل ذلك قلبي قلق في حشاه، غلق عند ~~بلواه. # وارتفع قطاة على أنه خبر كأن، وعزها في موضع الصفة لقطاة، يريد غلبها. ~~وانتصب ليلة على الظرف مما دل عليه كأن القلب من التشبيه، ولا يجوز أن يكون ~~ظرفا بقيل، لأنه بما بعده مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ~~وقوله تجاذبه والمفاعلة تكون في الأكثر من اثنين، فلأنه جعل منع الشرك ~~للقطاة من التخلص جذبا منه. ### || وقال أبو حية النميري # رمتني وستر الله بيني وبينها ... ونحن بأكناف الحجاز رميم # PageV01P919 # فلو أنها لما رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم # رميم: اسم المرأة، وارتفع لأنها فاعلة، وقد بنى على رمتني. وأراد بستر ~~الله الإسلام. فيقول: نظرت إلى رميم، ى فكأنها رمتني بسهم، ونحن مقيمون ~~بأكناف الحجاز، والإسلام حاجز بيني وبينها، يمنع من مغازلتها ومراودتها. ~~ومثل قول الهذلي: # فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئا واستراح العواذل # كنى عن الإسلام في منعه عن القبائح وأنواع الفحش والظلم بالسلاسل في ~~الأغلال المحيطة بالأيدي والأعناق. وقوله فلو ms0750 أنها لما رمتني رميتها، جواب ~~لو محذوف، والمراد لو تعرضت لها وقابلتها في عرض محاسنها بمثل ما يكون ~~للشبان بمنزلة الشفعاء عند النساء، لحق الأمر وكان القدر يجري إلى القدر، ~~ولكني قد شخت وكبرت، فعهدي بمناضلة النساء قديم. ### || ؟ وقال آخر: # أسجنا وقيدا واشتياقا وعبرة ... ونأى حبيب إن ذا لعظيم # وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على كل ما قاسيته لكريم # انتصب سجنا بإضمار فعل، كأنه قال: أتجمع علي حبسا وتقييدا، واشتياقا إلى ~~حبيب وبكاء، مع بعد بيني وبينه، إن ذلك أمر منكر فظيع، يتضايق نطاق الصبر ~~عن احتماله والبقاء معه، وأشار بذا إلى اجتماع هذه الأشياء عليه، ونبه على ~~عجزه في احتمالها لولا كرم عرقه، واستحكام عقده. ألا ترى أنه تحمد بحاله، ~~واعتد على حبيبه بقاءه على العهد له. ودوام وده على اجتماع هذه الأحوال ~~عليه، فقال: إن امرأ دامت مواثيق عهده، يريد: إن رجلا ثبت على أولية شأنه، ~~ومبادىء مواثيقه، # PageV01P920 # مع ما يقاسيه من تزاحم هذه البلايا على قلبه، لكريم المهد، نببه الشأن، ~~وثيق العقيدة. # ويروى: أسجن وقيد بالرفع، والمراد: أتجمع هذه الأشياء على طريق التفظيع ~~والتهويل. ### || وقال آخر: # رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يشفيك أغنى وأوسع # يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع # أشار بقوله: ضمان الله إلى ما في القرآن من قوله تعالى: " أدعوني أستجب ~~لكم "، فقال: أنا أدعو بأن يشفيك الله عز وجل يا أم مالك، وقد ضمن الإجابة ~~للداعي فرعاك ضمانه. ثم قال: ولله بأن يشفيك، فحذف حرف الجر، والجار يحذف ~~مع أن كثيرا، لأن حذفه حذفه أظهر غناء وأوسع قدرة. ونبه بهذا الكلام أنه في ~~كلته الأمر إلى الله تعالى الغني القادر اعتمد على ما لا بد من وقوعه. ~~وقوله يذكرنيك الخير والشر، يريد: أنه لا ينساها في شيء من الأحوال ~~والأوقات، فما يتقلب فيه من خير باكر، أو شر طارق، فهو يذكره، وكذلك ما ~~يخاف وقوعه أو يرجوه، ولم يصر منهما على يقين يذكره أيضا، وكذلك ما صار منه ~~على ms0751 يقين، فهو يتوقعه، يذكر أيضا. وإذا تأملت حوادث لدهر وجدتها لا تنقسم ~~إلا إلى قسمته، لأنها لا تخلو من أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو ~~منتظرة، أو مخوفة أو مرجوة. ### || وقال الحكم الخضري # تساهم ثوباها ففي الدرع رادة ... وفي المرط لفاوان ردفهما عبل # PageV01P921 # فوالله ما أدرى أزيدت ملاحة ... وحسنا إلى النسوان أم ليس لي عقل # معنى تساهم تقاسم، ولذلك قيل: سهمة فلان من هذا كذا، أي قسمته ونصيبه. ~~ويجوز أن يكون أصله من السهام: القداح التي تجال بين الخصوم إذا تقارعوا ~~ليستبد كل بما خرج له لقسمته وبدنه. وفي القرآن: " فساهم فكان من المدحضين ~~"، فكأنه استعار - وإن كان أصله ما ذكرت - للتقاسم، إذ كان يفعل للقسم وما ~~يشبهه لاغير، فيقول: انقسم جسم هذه المرأة بين درعها وإزارها، ففي درعها ~~بدن ناعم وخصر دقيق، وفي مرطها فخذان غليظتان عليهما ردف ضخم. وقوله: ~~فوالله ما أدرى، يريد: أن الحيرة قد ملكته في أمرها، لما يرى من ميل قلبه ~~إليها، وشدة افتتانه بها، فهو لايدري أزيدت حسنا وملاحة على نساء الدنيا ~~كلها، أم هو فائل الرأي في الإختيار، مخبول العقل في الإعتبار، ضعيف ~~التبصر، في الإرتياد والتخير. والرادة والرؤدة: الناعمة. واللفاء: الكثيرة ~~اللحم والعبل: الضخم، ومصدره العبالة. ### || آخر: # أروح ولم أحدث لليلى زيارة ... لبئس إذا راعى المودة والوصل # تراب لأهلي لا ولا نعمة لهم ... لشد إذا ما قد تعبدني أهلي # كأن من صحبه من أهله استعجلوه عن زيارة ليلى، فيقول منكرا ومفظعا: أروح ~~من غير أن أقضى حفها، أو أجدد الإلمام بها، لبئس راعي المودة والمواصلة ~~أنا. حذف المذموم ببئس لأن المراد مفهوم، ومثله في القرآن: " نعم العبد إنه ~~أواب "، والمعنى: نعم العبد أيوب، فحذف الممودح بنعم، لكون المراد مفهوما. ~~وإذا جواب وجزاء، وكأنه حشا به الكلام ليعلم أن ما يقوله جواب لما سيم. ~~واللام من لبئس لام الابتداء، وارتفع راعى المودة به. وقوله تراب أهلي دعء ~~عليهم، وتحقير لهم، واستخفاف بهم. وجاز الابتداء بقوله تراب وهو نكرة، لأن ~~معنى الدعاء ms0752 منه مفهوم. ومثله قوله: # فترب لأفواه الوشاة وجندل # PageV01P922 # والمراد في الدعاء طلب الذل لهم. # وقوله: لا ولا نعمة لهم، يجوز أن يكون المنفي بلا الأولى حذف لما دل عليه ~~الكلام، فكأنه قال: لأهله التراب لا عز لهم ولا نعمة. ويجوز أن يكون لا ردا ~~لما عرضوا عليه. وهذا كما يقال للإنسان. افعل لفلان كذا وكذا، فيقول: لا ~~ولا كرامة، أي لا أفعل ذلك ولا أكرم من يسومنيه. قوله: لشد إذا ما قد ~~تعبدني أهلي، تعبده واستعبده بمهنى واحد، أي استذله، ولشد ما، هو كما يقال: ~~لعز ما. والمعنى الإنكار فيما عرض عليه ودعي إليه، وأنهم تجاوزوا كل حد في ~~امتهانه حين عرضوا عليه مثل ذلك. وهذا الكلام مشتمل على الخلاف وقلة ~~الاحتفال. ويجوز أن يجري شد ما، مجرى نعم وبئس. ### || وقال أو دهبل الجمحي # أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذا لصبور # قوله: أأترك، لفظه الاستفهام والمعنى معنى الإنكار، كأنه أنكر من نفسه أن ~~يترك التعريج على ليلى وبينهما مسيرة ليلة، فقال: أأخل بزيارتها وأداء ~~واجبها مع قرب المسافة بيني وبينها؟ إني إذا لمتناه في الصبر عن الأحباب، ~~كسول عن البر بذوي الأذمة والأسباب. وإنما قال هذا باعثا لصحبه على ~~مساعدته، وطالبا منهم تمكينه من من مراده. لذلك قال: # هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمةإن الدمام كبير # وللصاحب المتروك أعظم حرمة ... على صاحب من أن يضل بعير # عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكما على تجور # قوله هبوني، معناه احسبوني واجعلوني، وهو يتعدى إلى مفعولين. وحكى ابن ~~الأعرابي: وهبني الله فداءك بمعنى جعلني فداءك. وقوله أضبل بعيره، يقال # PageV01P923 # في الشيء الزائل عن مكانه إذا فقد: أضللته، فإن ثبت في مكانه ولم يهتد ~~إليه قيل: ضللته. وقوله: إن الذمام كبير، كالتفات، وقوله: أضل بعيره في ~~موضع الصفة لامرأ، وكذلك له ذمة صفة أخرى. ومعنى منكم من خاصتكم وبطانتكم، ~~وهو يفيد معنى الوصف أيضا، والمعنى: أجروني مجرى رجل منكم ند له بعير، وله ~~ذمام الصحبة والنسب والقرابة، ms0753 فإن للذمام حقه، وحرمه المرافقة كبيرة، ~~ودعوني أقض من حق ليلى واجبه، ولا تستعجلوني في ذلك ولا تمنعوني عنه، ثنم ~~قال: فإنكم إذا تركتموني ولم توفروني على ماأهم به فيما يختص بي لها، كنتم ~~وتركتم رفيقا لكم وضيعتموه أشد ما كان حاجة إليكم، والرفيق أعظم حرمة في ~~صاحبه المتروك من ضلال بعير. يريد: وإذا عد ترك الاستبناء بمن أراد نشدان ~~ضالته، تجوزا في المحافظة، وتعديا في حكم المرافقة كان مثل ذلك إذا فعل مع ~~من يروم تجديد العهد بروحه، والاستبقاء على لبه، أعظم في الجناية، وأقبح في ~~الأحدوثة. # وقوله: عفا الله عن ليلى الغدة، تشك وتألم من سوء معاملتها وأنها متى ~~حكمت فيه وفيما يتعلق به جارت ولم تنصف. وهذا الكلام منه إيذان بأنها ~~تستعظم الصغير إذا وقع منه، بل تعده كبيرة وتغلظ العقوبة عليها، والمؤاخذة ~~بها. ### || وقال آخر: # أآخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي # مزيدك عندي أن أقيك من الردى ... وود كماء المزن غير مشوب # قوله: في كل هجعة، العامل فيه أآخر، وكذلك عند هبوبي العامل فيه أول شيء. ~~يقول: لا أخلو من ذكراك ساعة؛ لأني إن نمت كان خيالكسميري مدة هجوعي، وإن ~~أوقظت كنت لزيم ذكراك مدة يقظتي، فأنت في النوم آخر شيء لي، ولا فاصل بين ~~الحالين. ثم قال: والذي يزيدك من عندي ألا أشهر بك، ولا أبوح بسرك، ولا ~~أعلن النسيب بإسمك، إذ كان في جمعية تنفيرك، وتعريضك للردى: فضيحتك، فأنا ~~أقيك من ذلك، وأنا أصفي لك الود حتى لا يشركك في قلبي أحد، فيصير ثاوي الود ~~مشوبا، وصافي الهوى مكدرا ويجوز أن يكون المراد: مزيدك عندي أن أدعو الله ~~تعالى بالصيانة لك، وتوفير الحياطة عليك من كل ما تكرهينه، أو يؤدي إلى ~~شينك فيما ترومينه. # PageV01P924 # والذي يشهد لقوله من الردى وأن المراد به الفضيحة قول امرىء القيس: # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال # ألا ترى أنه كان ملكا لا يخاف معارضا له فيما يتعاطى من ms0754 اللهو، ويختاره ~~من الصبا والبطالة مع من كان وفيمن اتفق، فكيف ما يتعداه من طلب الغوائل ~~له، لكنه عند انتشار الحديث فيه، وقيام الناس وقعودهم يذكره هلاكا وعطبا. ~~وقوله أن أقيك في موضع خبر المبتدأ وهو مزيدك، وانعطف عليه قوله وود كماء ~~المزن. ### || وقال آخر: # ما أتصف ذلفاء أما دنوها ... فهجر وأما نأيها فيشوق # تباعد ممن واصلت فكأنها ... لآخر ممن لا تود صديق # يقول: جارت هذه المرأة علي في حكم الهوى ولم تنصف، لأني إن طلبت التداني ~~منها هجرتني واطرحتني، وإن رمت التنائي منها شوقتني وهاجتني، وإذا كانت من ~~مواصلها متباعدة، ولموادها مهاجرة، فكأنها تصادق معاديها، وتخالص منابذها ~~من دون مواصلها ومقاربها، وهذ عجب من مثلها. وقوله أما دنوها فهجر، المعنىى ~~في دنوها فتهجر. ألا ترى أنه قال وأما نأيها فيشوق، كأنه: وأما في نأيها ~~فتشوق. إلا أنه جعل فعلها منسوباإلى دنوها ونأيها. ### || وقال عبد الرحمن الزهري # ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا # جواب لما قوله أجد لنا. فيقول: لما خرجنا إلى ظاهر محالنا متنزهين، ~~ونزلنا موضعا رياضه ركبها الطل بالليل، فتناثر عنها القطر بالغدوات، ونباته ~~شرقت # PageV01P925 # بالري بعد الشمس، وضاحكت الشمس بعد الشروق؛ وبساتين تحلت بالأزاهير، ~~وتحفت من بركة الله بآثار الصنع، دعتنا نفوسنا إلى أن نتذكر لطيب المكان، ~~ومساعدة الوقت والزمان، ما يكمل به السرور، ونتمنى ما إليه تتناهى في ~~الاقتراح العيون والقلوب، فوجدنا الأماني كلها لا تتعلق إلا بك، ولا تحوم ~~فيما تجال فيه وتراود عنه إلا عليك، ذهابا فيك وشعفا بك. # ويقال: طلت الأرض فهي مطلولة. والأنيق: المعجب. ويقال: حلي بكذا، وتحلى ~~بكذا. ### || وقال معدان بن مضرب # إن كان ما بلغت عني فلامتني ... صديقي وشلت من يدي الأنامل # وكفنت وحدي منذرا في ردائه ... وصادف حوطا من أعادي قاتل # قد مضى تفسيره في باب الحماسة. ### || وقال آخر: # صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به ... عدوا ولم نسمع به قيل صاحب # فلما تولى ود ms0755 ليلى لجانب ... وقوم تولينا لقوم وجانب # وكل خليل بعد ليلى يخافني ... على الغدر أو يرضى بود مقارب # سلك في هذا مسلك ذي الرمة حين قال: # فيا مي هل يجزى بكاي بمثله ... مرارا وأنفاسي إليك الزوافر # وقد زيف النقاد هذا وقالوا: ذو الهوى لا يستدعي ممن يهواه المكافأة على ~~ما يتحمله فيه، وقد عاب ابن أبي عتيق على كثير قوله: # ولست براض من خليلي بنائل ... قليل ولا راض له بقليل # وقال: هذا كلام مكاف لا كلام محب. فقوله ود ليلى، يجوز أن يكون الود ~~مضافا إلى المفعول، والمراد ودنا لليلى، فينتصب موضع قولهما صفا، لكون # PageV01P926 # ظرفا، والمعنى: صفا ودنا لليلى مدة بقائه خالصا مما يشوبه ويفسده من طاعة ~~عدو لها، وإصغاء إلى قيل ناصح يتنصح فيها. ويجوز أن يكون المراد: صفا ودنا ~~لليلى مدة صفاء ودها لنا، فحميناه من قدح الأعداء فيه والإصغاء إلى قيل ~~اللائمين وعتبهم له. ويدل على هذا التفسير قوله من بعد: # فلما تولى ود ليلى لجانب ... وقوم تولينا لقوم وجانب # فإن قيل: كيف زعمت أن المعنى ما صفا ودها لنا، وقد ذكرت أن الود مضاف إلى ~~المفعول؟ قلت: إن المضمر في الثاني هو ود ليلى، والمصدر كما يضاف إلى ~~المفعول يضاف إلى الفاعل أيضا، واللفظ لفظ واحد. وإذا كان كذلك صلح أن ينوي ~~في قوله ما صفا عود الضمير إلى ود ليلى، ويكون ليلى فاعلة لأن اللفظ ذلك ~~اللفظ، فيكون التقدير: صفا ود ليلى ما صفا ود ليلى. والمعنى: صفا ودنا ~~لليلى ما صفا ودها لنا، أي صافيناها ما دامت تصافينا. ويجوز أن يكون ود ~~ليلى أضاف الود إلى ليلى، وهي الفاعلة، لكنه حذف لمضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه، والمراد: صفا جزاء ود ليلى منا ما صفا هو في نفسه لنا. وقد روى: لم ~~تطع بها عدوا فيعود الضمير إليها، وكذلك ولم نسمع بها. وإذا رويت به يعود ~~الضمير إلى الود. وقوله: فلما تولى ود ليلى، يرد: ود ليلى لنا. والمعنى: ~~لما مالت إلى جنبة غير جنبتي، ms0756 وقوم غير قومي، نفضت يدي من الاعتماد عليها، ~~وأخليت قلبي من هواها، وصرفت نفسي إلى جنبة أخرى غير جنبتها، وطائفة أخرى ~~غير طائفتها، لأني كما أصل أقطع، وكما أخالط أزايل، ولست ممن يقتل نفسه في ~~إثر من لا يريدني إذا تولى عني. وقوله تولى، يجوز أن يكون من التولي ~~الإعراض والذهاب، ويجوز أن يكون من الولاء والطاعة. # وقوله: وكل خليل بعد ليلى يخافني، يريد أن الناس لما رأوا ولوعي بليلى، ~~وصفاء عقيدتي في الميل إليها والبقاء على العهد معها، ثم رأوا بعده انصرافي ~~عنها في أقرب المدد، ولأدنى السبب، صار كل خليلي فيما بيني وبينه يخافني ~~على الغدر. ويتهمني في الود، فلا يطلب مني التناهي فيما يجمعني وإياه، خوفا ~~من الإعراض عنه، أو يرضى معي ومن جهتي بود قريب لا سرف فيه ولا اشتطاط. # PageV01P927 ### || وقال آخر: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وذكرك لا يسري إلي كما يسري # وهل يدع الواشون إفساد بيننا ... وحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري # هذا كلام متبرم بالهوى، مستقيل من الوشاة وإفسادهم، متفاد من تحريشهم ~~وألبهم، متمن أن تنقطع أسباب الهوى، وتنقلع أغراس الود. # وقوله " ليت شعري " موضع شعري نصب لأنه اسم ليت. وقوله " هل أبيتن ليلة " ~~سد مسد مفعولي شعري، لأن معناه علمي، وبتعدي تعديه، وخبر ليت مضمر لايظهر. ~~والتقدير: ليت علمي واقع، وما يجري مجراه والمعنى: أتمنى أن أعلم هل أبقى ~~أنا ليلة من ليالي الدهر وخيالك لايسري الساعة، وهل أرى نفسي سليمة من رمي ~~الوشاة وطلبهم إفساد ما بين وبينك، وحفر المغواة لنا إذا غبنا عنهم من حيث ~~لانشعر ولاندري فنتقيه ونحذره. فإن قيل: كيف جاز أن يكنى عن الخيال بالذكر ~~حتى قال: " وذكراك لايسري إلي "؟ قلت: إن الخيال في المنام لايكون إلا عن ~~التذكر في اليقظة، يشهد لذلك قول أبي تمام الطائي. # نم فما زارك الخيال ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال # وهذا ظاهر وعليه مباني وصف الخيال. # والعائور: مصيدة للبهائم، ويجعل اسما للمتالف، وهو فاعول من العثار ~~والعثور، وكذلك ms0757 استعير للنقص في الحسب، لأن صاحبه يعثر به عن غاية السابق. ~~وانتصب قوله " العاثور " من المصدر المنون وهو حفرا، وأقوى ما يكون المصدر ~~في العمل إذا كان منونا، إذ كان شبه الفعل فيه أقوى. وقال بعض أصحاب ~~المعاني: إنما يتمنى أن يملكها على حد يسقط تسوق المفسدين فيه، ويأمن ~~التبعة معه، ويرتفع العشق والهوى من بينهما. ### || آخر: # إن كان هذا منك حقا فإنني ... مداوى الذي بيني وبينك بالهجر # ومنصرف عنك انصراف ابن حرة ... طوى وده والطى أبقى من النشر # PageV01P928 # يقول: إن كان هذا الذي يظهر منك موافقا لما يبطن، وهذا الإعراض عن جفاء ~~وقلى لادلال وهوى، فإني سأداوي ما بيني وبينك بالتهاجر، وقاعد عنك قعود حر ~~لايصبر على الجفاء والتدابر، ولايرضي من وديده بالمماذقة دون الصفاء، فأطوي ~~ودي معه وأصونه عن النشر، لأن الطي أوقى فيه، وصيانته عن الإبتذال أوعى له. # وإنما قال: ابن حرة، والقصد إلى الكريم من الرجال، الذي يصون نفسه ونفس ~~صاحبه فلا يوحش مع التهاجر، ولا يفحش على التنكر والتباغض، لكنه يلزم ~~المجاملة والمساترة في كل حال، لأن الأم إذا كانت متملكة تبعها الولد في ~~الرق، فيحصل الرق والهجنة معا، ومتى كانت حرة لم يتبع الولد أباه في الرق ~~وإن كان عبدا مملوكا، ولكنه يكون هجينا غير عربي خالص. ### || آخر: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال كحيل المقلتين ربيب # فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب # كان شعبا الشاعر وصديقته مجتمعين ببطن وجرة زمانا، فوقعت الألفة بينهما ~~ثم افترقوا، فقال متأسفا في إثرها، ومتلهفا لما فاته من الاجتماع بينهما: ~~وفي الخلطاء الباكرين من هذا المكان امرأة كأنها غزال مكحل العينين مريب في ~~البيوت، منعم بالاقتناء، ملك قلبي. ثم قال مخاطبا لها: لا تظني أن الغريب ~~من بعد عن سكنه، ونأى عن إلفه ووطنه، ولكن الغريب هو من تبعدين عنه وفي يدك ~~قياده، فعلى البعد تجذبينه، ومن مراده تمنعينه، وقد ضاق عنه مكانه حتى صار ~~فيه كمن نأى عن أهله، وحصل في ms0758 غير أرضه ومنزله. ### || وقال آخر: # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب # PageV01P929 # تعلق الباء من قوله " بنفسي " بفعل مضمر، كأنه قال: أفدي بنفسي وعشيرتي ~~إنسانا - ويعني به محبوبه - إذا اجتمع عليه اللوام، وتصرفوا في فنون الغض ~~منه والعتب عليه، فآذوا قلبه وضيقوا صدره، ارتبك في الجواب وحار، ولم يدر ~~لغرارته بماذا يجيب، ولسوء اهتدائه بوجود الحيل كيف يتخلص، فلا عذره عذر من ~~لا جناية له، ولاسكوته سكوت من لااحتفال بهم معه، فهو في إطراقه وخفوته إذا ~~قضيتم نفذت فيه بأنه مريب، مرتكب، ولما رمى به مكتسب، استدلالا بسكوته على ~~الذنب، وبإمساكه عن إقامة المعاذير على صحة القرف. ### || وقال آخر: # أرى كل أرض دمنتها، وإن مضت ... لها حجج، يزداد طيبا ترابها # ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة ... دعوتك فيها مخلصا لو أجابها # يقول: أرى كل مكان أقامت فيه هذه المرأة زمنا فأثرت فيه أثرا يزداد على ~~استمرار السنين والأحقاب ترابه طيبا، وإن لم يكن لإقامتها أوان ممتد وزمان ~~متصل، فقوله " يزداد " في موضع المفعول الثاني لأرى. ودمنتها: فعل مبني من ~~الدمنة: أثر الدار وما سود بالرماد وغيره، فكأن معنى دمنتها أثرت فيها ~~بالإقامة. وانتصب " طيبا " على التمييز، وقد نقل الفعل عنه لأن الأصل يزداد ~~طيب ترابها، فجعل الفعل للتراب فأشبه " طيبا " المفعول. وعلى هذا: قررت به ~~عينا. فإن قيل: هل في هذا دلالة على صحة قول المخالف لسيبويه في جواز تقديم ~~التمييز إذا كان العامل فيه فعلا، وهل يفصل بين هذا البيت وبين ما استدلوا ~~به من قول الآخر: # وما كان نفسا بالفراق تطيب # قلت: لادلالة في هذا الذي نحن فيه وإن كان البيت الذي أوردته أمكن التعلق ~~به، حتى ذكر أصحاب سيبويه أن الرواية على غيره، وهو: # وما كان نفسي بالفراق تطيب # PageV01P930 # وذلك أن " طيبا " لم يقدم على العامل وهوالفعل، وإنما قدم على ما صار ~~فاعلا، وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج به ms0759 له، لأن الموضع المختلف فيه هو ~~جواز تقدمه على العامل فيه وامتناعه منه لاغير، فأما مادام واقعا بعد الفعل ~~فلا مستدل به على موضع الخلاف. # وقوله " ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة "، أن مخففة من أن الثقيلة، ~~والتقدير: أنه رب دعوة. وفي رب لغات: إحداها التخفيف. وكأنه يتضرع في هذا ~~الكلام إلى خالقه ومن يستغيث به فيما يقاسيه، ويقرر في الدعاء عليه أنه قد ~~ضمن الاستجابة في قوله تعالى: " ادعوني استجب لكم " فقال: إنك تعلم يا رب ~~أني قد أخلصت دعاءك في أوقات كثيرة لطلبتي لو اقترن بالدعاء إجابة وإسعاف، ~~وضمانك الأصح الأوفى، فاستجب. وفيه أيضا ما يجري مجرى الاستزادة إذا توجه ~~إلى غيره تعالى. وانتصب " مخلصا " على الحال. وقوله " لو أجابها " يريد به ~~لو أجاب فيها. # وأقسم لو أني أرى نسبا لها ... ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها # لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت ... بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها # قوله " أقسم " جملة تنوب عن اليمين، والجواب " حبت إلى ذئابها " متعلقا ~~بالشرط المذكور، وهو أن تكون مناسبة. وجواب لو هو ما صار جوابا لليمين، ~~وكذا يقع الشرط والجزاء بعدها، تقول: والله لئن جئتني لأكرمنك ويروى: " حبت ~~" بفتح الحاء والأصل حببت، وفعل في المضعف قليل. ويروى " حبت " بضم الحاء، ~~وهو بناء لما لم يسم فاعله. ويقال: حببته فهو محبوب، لغة في أحببته. # وقوله " لعمر أبي ليلى " إقسامه بأبيها تعظيم لها، وتنبيه على محله من ~~قلبه، وأنه إلى من يجمعه وإياها علقة وإن ضعفت، فكيف أبوها والمختص بها. ~~وفي هذا زيادة على ما قاله الآخر، وهو: # ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحب إلى قلبي وعيني من أهلي # واللام من " لئن " موطئة للقسم، وجواب القسم ما ضر، والمعنى: إن عادت هذه ~~المرأة إلى موضعها من وادي القرى لم يضر غير ي البعد منها، والاغتراب عنها. ~~وقوله " اغترابها " يريد اغترابي عنها، ويجوز أن يريد تباعدها # PageV01P931 ### || وقال آخر: # لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا ... بداراء إلا أن تهب جنوب # أعاشر في داراء من لا ms0760 أحبه ... وبالرمل مهجور إلى حبيب # إذا هب علوي الرياح وجدتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب # يقول: وبقائك ما الموعد بين البكاء وأنت بداراء إلا عند هبوب الجنوب، ~~وإنما قال هذا لأن الجنوب كان مهها من أرض صاحبته، فعلى هذا التأويل يكون " ~~والبكا " في موضع الجر عطفا على عينيك. ولا يمتنع أن يكون المراد. ما ميعاد ~~عينيك مع البكا بهذا المكان إلا إذا هبت الجنوب؛ فيكون مفعولا معه. ولإنما ~~قال ذلك لأنها تهدي إليه أريجتها، أو يعتقد أنها رسولها، فتجدد ذكراها، ~~وتطري الوجد بها، فيبكي شوقا إليها. وقال الخليل: الميعاد لايكون إلا وقتا ~~أو موضعا. وإذا كان كذلك فالميعاد مبتدأ وخبره أن تهب، والمراد وقت هبوبها، ~~حتى يكون الآخر هو الأول، إلا أنه حذف المضاف. # وقوله " أعاشر في داراء من لا أوده " شكو من الدهر حين جمع بينه في داراء ~~وبين من لاهوى له معه، وفرق بينه وبين محبوبه فجعله بالرمل. # وقوله " إذا هب علوي الرياح " يريد: إذا هبت الريح من نحو عالية نجد، ~~فكأني يجمعني وإياها نسب، لاهتزازي لها، وارتياحي لهبوبها، فأنا أنتظرها ~~ترقب المسافر وقد دنا موافاته. ### || آخر: # هل الخب إلا زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد # وفيض دموع العين يا مي كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو # الاستفهام هنا في معنى النفي، كأنه حاجته صاحبته أو إنسان لائم أو ~~غيرهما، فيما يدعيه من الحب، فقال رادا عليه حين كذبه في دعواه: ما الحب ~~إلا تتابع الزفرات تحسرا، والتهاب توجدفي الحشا لايتعقبه ابتراد، وسيلان ~~دمع من العين لا # PageV01P932 # يرقئه انقطاع، في كل وقت ظهر في مرأى العين له جبل من أعلام ارضكم لم يكن ~~يبدو من قبل، وجميع ذلك أعتاده من نفسي، ويدركه من يتأمل حالي، وتصدقه ~~المشاهدة مني. ### || وقال ابن ميادة # كأن فؤادي في يد ضبئت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضيه # وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه # الضبث: القبض على الشيء؛ ومنه ناقة ضبوث، أي لايشك في سمنها إذا ضبث ms0761 على ~~سنامها. وانتصب " محاذرة " لأنه مفعول له، وموضع " أن يقضب " نصب من ~~محاذرة. فيقول: كأن قلبي يعصر بقبض قابض عليه، لخوفي من أن يقطع الوصل ~~قاطعه من البين، ومع ذلك أخاف من وقوعه سريعا لقوة الأمارات، وتتابع ~~المحذرات المنذرات. وإنما قال " أظن لمحمول عليه، والظن بمعنى اليقين، فهو ~~مثل قوله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ". وقوله " لمحمول عليه " ~~إيذان بأنه ليس يقع عن اتفاق معه أو مشاركة في تدبيره. وأظن مقعوله الأول، ~~والثاني مستدل عليه، لأن المراد ذلك في ظني أو علمي، فهو ملغى. والقضب: ~~القطع، ومنه سيف مقضب وقضاب. ووشك الفراق: سرعة القطيعة. ويقال أوشك هذا أن ~~يكون، أي أسرع. # فوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه # فإن أستطيع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # يقول: شارفت فراق الأحبة بالدلائل اللائحة، وأحلف بالله ما أعلم من حالي ~~إذا وقع، أأجزع أم أصبر. # وقوله " إذا جد جد البين " يجوز أن يكون المراد: إذا ازداد جده جدا، كأنه ~~يظهر من جلية أمره ما يزول اللبس والشبهة معه. ويجوز أن يريد: إذا صار هزله ~~جدا، فسماه بما يؤول إليه، كما يقال: خرجت خوارجه، وريع روعه. والمراد أنه # PageV01P933 # التبس عليه إذا باغته الفراق حاله معه، فلا يدري أي الأمرين يقع: أيغلبه ~~الهوى فيسلبه التجمل، ويلبسه التهتك، أم يغلب بدوام مسكته وكمال تثبته ~~الهوى فيستمر حال السلامة به. ثم قال كالمتسلي والمنقاد لخاتمة الكائنة: ~~فإن أطقت وكان في مقدوري - إذا اجتهدت - غلب الهوى فهو المراد؛ وإن جرى ~~القدر بخلافه فمثل ما أقاسيه يغلب معانيه، ويجتذبه إلى ما يكرهه، وعذره ~~لائح. ### || وقال آخر: # فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم ... من أمثالها حتى تجودوا بها ليا # فمامس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها في ثيابيا # بنى الكلام على أن عشيرتها والمالكين أمرها إنما ضنوا بها لأنها معدومة ~~النظير فيهم، وأقبل يستعطفهم ويدعو لهم بأن يكثر الله أمثالها وأشباهها ~~فيهم، حتى يتركوا المنافسة، وتحتمل قلوبهم الجود له بها. ms0762 وقوله فما مس جنبي ~~الأرض إلا ذكرتها يريد: ما اضجعت للمنام خاليا بنفسي إلا امتنع النوم فقام ~~ذكرها مقام خيالها، ثم صرت من الشوق والتحفي أتصورها معي، وأجد رائحتها في ~~ثيابي. وهذا المعنى هو مخالف لمعنى الأنس بالخيال. ### || وقال آخر: # تقول العدى لا بارك الله في العدى ... قد أقصر عن ليلى ورثت وسائله # ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى حديثا أوائله # يروى: وارثت وسائله. المراد بالعدى الوشاة المفسدون. وأصل البركة الثبات ~~مقترنا بالنماء ومنه مبرك الإبل، وبراكاء القتال. ويقال: أقصر عن الشيء، ~~إذا كف عنه وهو يقدر عليه؛ وقصر عنه، إذا عجز؛ وقصر، إذا فرط. يقول: ادعى ~~الوشاة أني قد كففت عن ليلى وزال ولوعي بها، وأن وسائلي لديها قد أخلقت ~~وتقطعت، فلا بارك الله فيهم فإنهم ادعوا باطلا، واختلفوا إفكا، ومرادهم ~~إفساد قلبها علي، وصرفها عن الإنطواء على الجميل لي وفي. ثم ذكر ما دل به ~~على بقائه على العهد، واستمراره في # PageV01P934 # عمارة الود، وعلى بطلان قولهم فيما صنفوه، وبهتهم وتمويههم فيما نسبوه ~~إليه ووضعوه، فقال: لو شاخت ليلى حتى يصير مشيها دبيبا وهي متوكئة على ~~عكاز، لكان هواها في قلبي جديدا أوائله، شديدا أركانه وقواعده. ### || وقال حفص بن عليم # أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر علي الغوانيا # طلبت الهوى الغوري حتى بلغته ... وسيرت في نجديه ما كفانيا # يصف انهماكه في البطالة، وتماديه في الغواية، والتذاذه للصبا واللهو ~~والخسارة فقال: أقول لحلمي: تباطأ عني، ولا تعاجلني فتكفني عما أهواه وقصرت ~~شغلي عليه؛ وللشيب: تراخ ولا تبادر فتروع النساء وتنفر. وهذا الكلام وإن ~~كان ظاهره تلطفا وسؤالا فإنه يجري مجرى التمني في استدامة ما كان يشتهيه، ~~ويوزع به. # وقوله طلبت الهوى الغوري يريد: تفننت في الهوى فأنجد بي طورا، وغار بي ~~طورا، إلى أن تناهيت، وبلغت أقصى الغايات فوقفت. وموضع ما من قوله ما ~~كفانيا نصب على المصدر من سيرت، يريد: سيرت في نجديه سيرا كفانيا. ومعنى ~~سيرت أكثرت السير وكررته. والغواني من النساء: ms0763 اللاتي تستغني بجمالها عن ~~التحلي. وقيل: الغانية: التي تستغني بزوجها عن الرجال. # فيارب إن لم تقضها لي فلا تدع ... قذور لهم واقبض قذور كما هيا # وياليت أن الله إن لم ألاقها ... قضى بين كل اثنين ألا تلاقيا # البيت الأول دل به على ضيق صدره بحاله، وشدة ضنه بصاحبته، فدعا ربه أن ~~يقبض قذور إليه إن لم يقدر بينهما مرافأة والتحاما، ويتوفاها بالموت ليأمن ~~أن يملك أمرها غيره. وهذا يدل على شدة غيرة فيه، ومضايقة للناس كافة في شيء ~~يتمناه ثم يقصر عنه. فأما قوله كما هي فموضعه من الإعراب نصب على الحال، ~~وما من قوله كما، يجوز أن يكون بمعنى الذي ويكون هي خبرا لمبتدأ محذوف، ~~كأنه قال: كالذي هو هي. ويجوز أن يكون ما كافة الكاف عن عمل الجر ويكون هي ~~في موضع المبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: أقبضها كما هي عليه. # PageV01P935 # والبيت الثاني وهو ياليت أن الله إن لم ألاقها، دل به على حسد شديد منه، ~~وقلة رضا بمساعدة القدر في شيء يجرم المشاركة فيه. وقوله ياليت يريد: يا ~~قوم ليت، والمنادى محذوف، والكلام بعده تمن في ألا يحصل الاجتماع بين ~~متحابين إن لم يرزق مثله في صديقه. وقوله ألا تلاقيا أن فيه مخففة من ~~الثقيلة، والمعنى أنه لا نلاقي لنا، فخبر لا محذوف، والجملة في موضع خبر ~~أن، والضمير المقدر ضمير الأمر والشأن، وخبر أن الله قضى وقد حصل في الجملة ~~جواب الشرط، وهو إن لم ألاقها، وخبر ليت. ### || وقال آخر: # وقفت لليلى بالملا بعد حقبة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع # وأتبع ليلى حيث سارت وودعت ... وما الناس إلا آلف ومودع # كأن زماما في الفؤاد معلقا ... تقود به حيث استمرت فأتبع # يقول: وقفت من أجل ليلى ومن أجل منازلا بالملا، بعد زمان ممتد، ودهر ~~متصل، فتجدد لي من الوجد ما هيج لي بكاء، وطرى لي عهودا فإني أسير هواها، ~~وتبيع البلوى فيها، فقلبي معها حيث ظعنت وأقامت. وقوله ودعت معناه تودعت. ~~ثم قال: وما الناس إلا آلف ومودع يريد: ms0764 أن الناس من بين آلف لها لكونه ~~مسافرا معها ومرافقا لها في طريقها، أو منصرف عنها بعد توديعها وتشييعها، ~~وأنا على خلافهم كلهم، لأني ملازمها في كل حال. # وقد كشف عن هذا الغرض بما بينه في قوله: # كأن زماما في الفؤاد معلقا ... تقود به حيث استمرت فأتبع # يريد طاعة قبله وانقياده لها. ومثل ودعت ومودع يسمى التجنيس الناقص. ### || وقال ورد الجعدي # خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لرضكما قصدا # PageV01P936 # وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا # يخاطب خليلين له متلطفا لهما، وسائلا تعويجها على ديار هند وإن لم تكن ~~مسامته لقصدهما، وأن يبلغاها إذا التقيا معها أنا تعمدنا زيارتك طلياص ~~لقضاء ذمامك، وتجديدا للعهد بك، ولم يكن العدول إليك عن ضلال ملك قيادنا، ~~وصرفنا عن وجه رشادنا، ليقع الاعتداد منها بتحرينا وفعلنا. ### || وقال: # وما في الخلق أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق # فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي # وفي هذه الأبيات حق القسمة، وأقام شرط المقسوم على حده المألوف من ~~التجربة. فيقول: ليس فمن خلقه الله من البشر أو في شقاء، وأعظم بلاء من ~~المحب، وإن استحلى ذواق الحب واستلان جسه، إذ كنت تجده كل وقت متألما من ~~حاله، ضجرا بعيشه؛ ذلك أنه لا يخلو من إحدى حالتين: إما أن يكون مجتمعا مع ~~محبوبه فيخاف الافتراق، أو يكون بعيدا منه فيكده الاشتياق، ولا حالة ثالثة ~~للاجتماع والافتراق، وهو سخين العين في كل منهما، قليل التودع فيعقبهما. ~~وقوله وإن وجد الهوى جواب الشرط منه في قوله ما في الخلق أشقى من محب. ~~وقوله شوقا إليهم انتصب على أنه مفعول له وكذلك قوله خوف الفراق ومخافة ~~فرقة. ألا ترى أنه عطف عليه أو الاشتياق فجعل حرف الجر فيه اللام. ### || وقال ابن الطثرية # عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل # PageV01P937 # تقيظ أكناف الحمى وبظلها ms0765 ... بنعمان من وادي الأراك مقيل # الملاث: الموضع الذي يدار به الشيء. ويقال: لثت على رأسي العمامة لوثا. ~~ومنه قوله: # كانوا ملاويث فاحتاج الصديق لهم # أي كانوا الذين يدار بهم، ويطاف عليهم، ويرجى خيرهم. والمراد بالملاث ~~هاهنا العجز. وشبهها بالدعص، وهو الرمل المجتمع، لكثرة اللحم عليها ~~واكتنازه، والبتيل: الهضم الدقيق، وأصل البتل القطع، ومنه قول الله تعالى: ~~" وتبتل إليه تبتيلا ". وصف المرأة بالنعمة والنعمة، ومطاوعة الخير لها ~~والسعة، فيقول: هي دقيقة الخصر، قليلة العجز، وهي في فصول سنتها تنتقل في ~~المواضع الطيبة المخصبة، لا تكابد ضيقا ولا تعاني جهدا. وتقيظ بالمكان: ~~أقام قيظه فيه. ونعمان: وادي الأراك. وأصل تقيظ تتقيظ، فحذف إحدى التاءين. # أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك، وكلا، ليس منك قليل # فياخلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل # ويا من كتمنا حبه لم يطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل # أما من مكان أشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل # قوله: أليس، يقرر به في الواجب الثابت، وكذلك ألم وألا؛ وذلك أن حرف ~~الاستفهام يضارع حرف النفي، ونفي النفي إيجاب، فإذا قال القائل: ألم أحسن ~~إليك؟ يجب أن يكون قد أحسن، فتقريره به فيما قد وقع وثبت. وفي القرآن: " ~~ألست بربكم ". فكأنه قال مدلا بما يقاسيه فيها، ويتحمله من أجلها: أليس ~~قليلا نظرة منك إذا حصلت لي. ثم استدرك على نفسه راجعا فيما أطلقه، وناقضا ~~لما اعتقده، فقال: كلا - وهو حرف ردع ونفي - لا قليل منك. # PageV01P938 # ومثلى هذا قول الآخر: # هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الظما ويشفي الغليل # إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل # فقوله: القليل مبتدأ، وكثير ممن يحب خبره. # وقوله فياخلة النفس في هذا الكلام اعتداد في المناداة بما يتوخاه معها، ~~فيقول: يا صديقة النفس التي تفردت بملكها واجتذبها من أيدي خطابها ففازت ~~بها، فليس لنا خليل ممن يصافى المودة من دونها، ويامن سترنا حبه عن الناس ~~كافة، صيانة له عن الانتشار والابتذال، فلم نطع فيه في حماه ms0766 واشيا فيفسد ~~ذات بيننا ولا مضربا، ولم نأمن عليه دخيله يزاحمه في حماه فيصير موضعه ~~مشتركا، أما عندك مقام لي فيه إليك سبيل أشتكي غربة النوى، وخوف العدى. ~~فالمنادى له قوله: أما من مقام أشتكي. # فديتك أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل # وكنت إذا ما جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول # فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم إليك رسول # الشقة: بعد مسير أرض إلى أرض بعيدة، وإنما لم يقل بعيدة، لأن فعيلا كثيرا ~~ما يقع للمؤنث والمذكر على حالة واحدة، حملا على النسب أو على فعول. يقول: ~~تفديك نفسي، في أعدائي بحضرتك وفي الطريق إليك كثرة، وفي المسير بيني وبينك ~~بعد ومشقة، وفي النصار لي بحضرتك قلة، وكنت متى جئتك من قبل، ولم تبلغ ~~الحال منا هذا المبلغ، أقيم معذرة وأنصب لفعلي علة. وقد كثر ذلك مني حتى ~~فنيت المعاذير والعلل، فلا أدري ماذا أقول، ومن أين أتوصل، بأي شيء أتبلغ، ~~وعلى ماذا أعول، ومع ذلك فالحاجات بأرضك لا تكاد تعرض كل يوم فتذكر، والرسل ~~لا توجد فتتقاطر، فإذا تومل حالي فإنى حبيس على المكاره، أسير في أيدي ~~النوائب، ضيق المجال والشأو في الزيادة، موفور الحظ من الأسباب الصادة، ~~عظيم # PageV01P939 # المحنة فيما اجتمع على من أنواع البلاء، وموانع القضاء. وقوله فكيف أقول، ~~يريد: كيف أقول ما أقوله، فحذف المفعول، ويجوز أن يكون المراد بأقول اتكلم، ~~فيستغني عن المفعول، كقول الآخر: # بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # أي لم تتكلم في جوابها. ### || وقال آخر: # أبعد الذي قد لج تتخذينني ... عدوا وقد جرعتني السم منقعا # وشفعت من يبغي علي ولم أكن ... لأرجح من يبغي عليك مشفعا # ألف الاستفهام تطلب الفعل، وإن كان المراد به هنا القريع والمعنى: ~~أتتخذينني عدوا بعد ما لج من الحب فيك والهوى، وغلب من عصيان القلب والسى، ~~وبعد أن سقيتني جرع السم المنقع، وأذقتني مرارة المنع الجامد، فوجدتني ~~صابرا على الأذى، منصبا إليك بنوازع الصبا، لا يخلى ورده وإن حلى، ms0767 ولا يكدر ~~صفاء وده وإن دوفع. والمنقع: المثبت، يقال: أنقع له الشر حتى يسأم. وقوله ~~وشفعت من يبغي علي أي رددت الباغي على مشفعا بما جاء له في معناي وطليه، ~~وبقيت أنا لا أقبل نصح النصاح، ولا أصدق قول الوشاة، ولا أوحى الشفيع عني ~~منجحا، ولا أصرف الباغي عليك مظفرا. # فقالت وما همت برجع جوابنا ... بل أنت أبيت الدهر إلا تضرعا # فقلت لها ما كنت اول ذي هوى ... تحمل حملا فادحا فتوجعا # يقول: أجابتني بعد أن كانت في صورة من لا يعبأ بما يبدأ به فلا يجيب، ولا ~~يرق لمن يشكو إليه فيستجيب: بل أنت تأبى إلا ضراعة وتوجعا، وانخزالا ~~وتألما. هذا عادتك والمألوف من طرائفك، فإلى متى هذه الشكوى، وأنى يكون مني ~~في مقابلة عتبك العتبي؟ فقلت في جوابها: ما أنا ببدع في الهوى، ولست بأول ~~من حمل مالا يطيقه، أوثقل عليه ماكلفه فتشكى. والفادح: المثقل. يقال: دين ~~فادح، وقد # PageV01P940 # فدحه الدين. والتضرع: التصاغر والتذلل. يقال: رجل ضرع وضارع وقوم صرع. ~~ويقال: خده ضارع، وجنبه ضارع. ### || وقال آخر: # أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفند # كسحق اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد # انتصب عجوزا على الحال. والتنفيد: التوبيخ. والسحق: الخلق من الثياب الذي ~~قد انسحق وانجرد، وأضافة إلى اليماني إضافة البعض إلى الكل. هذا إذا جعلت ~~اليمامي البرد. ولك أن تجعله التاجر صاحب البرد، فيكون الإضافة إليه. ~~والمعنى: أبي قلبي إلا هذه المرأة وحبه لها في حال تعجيزها، ومن صرف وده ~~إلى العجائز وبخ، لكنها في النساء كخلق البرد اليماني في الثياب، وقد قدم ~~عهده، أي معهوده، وإذا مسته أو نظرت إليه وجدت رقعته زائدة على كل رقعة دقة ~~ومتانة، ومنظره راجحا على كل منظر حسنا وجودة، وكذلك منظر أم عمرو ~~ومختبرها. وقوله وحبها أضاف المصدر إلى المفعول. وقوله ما شئت يريد ما ~~شئته، فحذف المفعول من الصلة تخفيفا. وقوله في العين يريد في النظر. وفي ~~اليد يريد عند اللمس. ### || وقال ms0768 آخر: # هجرتك أياما بذي الغمر إنني ... على هجر أيام بذي الغمر نادم # وإنى وذاك الهجر لو تعلمينه ... كعازبة عن طفلها وهي رائم # الكلام اعتذار من إخلاله بزيارتها، وهجرانه لها لعارض عرض بذي الغمر، ثم ~~أظهر تندمه على ذلك، وأنه مدة هجره في وجده بها وشفقته عليها وتشوقه لها، ~~كأم # PageV01P941 # حيل بينها وبين طفل لها، وهي بعيدة عنه بنفسها، ورئمانها - أي عطفها - ~~متوفر عليه. قال: وكذلك كنت في انقطاعي بالنفس، وتوفري بالقلب. شبه نفسه ~~بالعازبة، والمهجورة بالطفل. # فإن قيل: إنمت قال: وإني وذاك الهجر، فيقتضى كلامه أن يكون التشبيه ~~متناولا له ولهجره؟ قلت: يجوز أن يريد إنى مع ذاك الهجر، وهذا كما يقال: إن ~~الرجال وأعضادها، أي مقرونان؛ وإن النساء وأعجازها، أي مقرونان، لأن المراد ~~مع أعضادها ومع أعجازها. # ويجوز أن يكون أراد بالهجر المهجور، لأن المصدر يوسف به؛ ويجوز أن يكون ~~ذكر الهجر لما كان من سببها، والمراد تلك. وقوله لو تعلمينه الضمير منه ~~يعود إلى الهجر، والمراد ما ذكرته. والعازبة: البعيدة. ويقال: عزب عنه ~~عقله. والعازب أيضا، الكلأ البعيد المطلب. ### || وقال آخر: # ما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا # خليلي إلا تبكيا لي أستعن ... خليلا إذا أفنيت دمعي بكي ليا # كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا # قوله ما أحدث النأي يصف أن الوجد الذي به قد صار غراما، فلا البعد منها ~~يحدث سلوا عنها، والاجتماع معها يوجب ملالا منها، لكنه في الحالتين. جميعا ~~على حد واحد من تباريح الهوى. ثم أقبل على صاحبين له يخالفهما فطلب منهما ~~إسعاده في البكاء، وأنهما متى لم يسعفا له بمطلوبه استعان بغيرهما، حتى إذا ~~نزف دمعه بكى له نائبا عنه. # وقوله كأن لم يكن بين شبه البين إذا تعقبه المواصلة أو الاجتماع بما لم ~~يكن، لكنه زعم أنه يائس لا يظن تسهل التلاقي بينه وبين محبوبه واقعا. وقوله ~~ولا طول اجتماع ارتفع بفعل مضمر، كأنه قال: أحدث طول اجتماع. # وقوله خليلي غلا تبكيا لي، ms0769 تألم وتشك من زمانه، حين لم يكن له من يساعده ~~في شدة أو رخاء، وبتحمل عنه ثقلا في مسرة أو مضرة. # PageV01P942 # وقوله كأن لم يكن كان هذه هي التامة، والمراد: كأن لم يقع بين. وكأن ~~مخففة من الثقيلة، وقع على محذوف، كأنه قال: كأن الأمر والشأن لم يكن بين ~~إذا حصل بعده التقاء. وقوله لا إخال تلاقيا، المفعول الثاني محذوف كأنه ~~قال: لا أحسب تلاقيا بعده. وساغ ذلك لتقدم ذكره، فهو في حكم الملفوظ به. ### || وقال جميل وقد حارب الفخذ الين منهم بثينة: # تفرق أهلانا بثين فمنهم ... فريق أقام واستقل فريق # فلو كنت خوارا لقد باخ ميسمى ... ولكنني صلب القناة عتيق # كأن لم نحارب يا بثين لو انها ... تكشف غماها وأنت صديق # قوله أهلانا أراد شعبيهما. وقال الخليل: أهل الرجل: أخص الناس به. وأهل ~~البيت: سكانه. وأهل الإسلام: من يدين به. وبثين: نداءمفرد مرخم. وقوله ~~فمنهم فريق أقام، تفصيل لما أجمله في تفرق. وإنما افترقوا حتى ارتحل قوم ~~وأقام قوم للخلاف الواقع كان بينهما. # وقوله فلو كنت خوارا، تنبيه على كراهته لما حدث، وإظهار أن ميله مع أهل ~~بثينة، فقال: لو كنت ضعيف المسكة منحل العقدة، لكان ميسمي وقد بخ، أي زالت ~~حرارته، وسكنت حميته، بما أقاسيه وأشاهده حالا بعد حال، من عوارض الدهر ~~ونوائب الزمان، ولكنني عتيق النبع، صليب القناة. وهذا مثل ضربه لإبائه، ~~وبقائه على طريقة واحدة في العهد والوفاء. ثم اعتذر بعد ذلك فقال: كأن لم ~~نحارب يا بثين، يريد أن جميع ما يجرى عليه يخف ويهون إذا بقيت له على ما ~~فارقها عليه، وتعاقدا له، حتى كأنه لم يقع تجاذب بين الحيين، ولا تحارب بين ~~الأهلين، إذا انكشفت الغيابة الحاصلة، وارتفعت العناية الراكدة، وتلك باقية ~~على المصافاة. ويقال: باخت النار بوخا وبؤوخا، إذا خمدت. والغمى، هي الخصلة ~~المظلمة. ولك أن تروى تكشف بالرفع، يريد تتكشف، فحذفت إحدى التاءين ~~استثقالا لاجتماعهما. وإنما عدل عن الإدغام إلى الحذف؛ لأنه كان يحتاج عند ~~الإدغام لسكون أول الحرفيين، إلى جانب ms0770 ألف الوصل، وألف الوصل لا تدخل على ~~الفعل المضارع. ولك أن تروى تكشف على أن يكون التاء للماضي. وجواب لو في ~~قوله كأن لم نحارب، والواو من وانت واو الحال. وذكر صديق لأن المراد ذات # PageV01P943 # صداقة، ولو قال صديقه لجاز. قال: # إذ الناس ناس والزمان بغرة ... وإذ أم عمار صديق مساعف ### || وقال آخر: # شيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون # يقول: أثرت أيام الفراق في فأبدلني بالشاب مشيبا، وبالجدة والقوة خلوقة ~~ووهنا شديدا، وأزعجت نفسي من مقرها فارتفعت من مركزها إلى ما فوقها، فالشيب ~~وإن جاء قبل حينه يؤذنني باقتراب المهل، ونشوز النفس يبشرني بدنو الأجل. ~~هذا إلى ما اعانيه من حوادث الفراق، ولواذع الاشتياق. وقوله فوق حيث تكون ~~جعل حيث اسما وأضاف فوق إليه. وحيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة. ~~ولذلك احتاج إلى جمليتن. وتكون: مستقبل كان التامة، ومعناه يقع ويحصل. ~~ويقال للرجل إذا تزحف عن مجلسه فارتفع فويق ذلك: نشز نشوزا، وأنشزته ~~إنشازا. وقوله أيام الفراق مفارقي، يسمى التجنيس الناقص. وفرق الرأس ومفرق ~~واحد. # وقد لان أيام اللوى ثم لم يكد ... من العيش شيء بعدهن يلين # يقولون ما أبلاك والمال غامر ... عليك وضاحي الجلد منك كنين # فقلت لهم لا تعذلوني وانتظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون # حمد أيامه باللوى إذ كان فيه اجتماع مع الأحبة، ومساعفة من المقدار ~~والأقضية. ثم تعقب بزعمه ما صعب منها وخشن، لما حدث من البعاد فيه فاستنكر، ~~فلم يستوفق بعدها شيئا من الأوقات، ولا ارتضى حالا من الأحوال، لتعسر ~~العيش، ونكد الفراق. # وقوله: يقولن ما أبلاك والمال غامر، يريد أن الناس متعجبون من شأني ~~وأمري، مستنكرون ما يشاهدون من حؤولي وضمري، فيرجعون بالسؤال علي، ويقولون: ~~ما الذي بلاك، وهزلك وأنضاك، وفي مالك وفور، والضاحي من جلدك بالكسوة ~~مستور، فلا تبذل للحرور اعتراك، ولا إضافة في المعاش تغشاك. قال: # PageV01P944 # فأجبتهم بأن اصرفوا عني العقب والملام، واعتبروا حالي بالنظر إلى البعير ~~الحان إلى وطن، مع أنه أغلظ ما خلقه كبدا، وأثبت على ms0771 الشدائد نفسا وجلدا، ~~كيف يضج، ولو خلى كيف يهيم على وجهه ويند. واعلموا أن ما يبلغ به من العجة ~~والغباوة، حقيق بأن يكمد مثلي ما توحدت به من التمييز والتحصيل، والفرق بين ~~أحناء الأمور وأبحاثها. وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فنقله إلى الدار وقد ~~خلت من السكان فقال: # إن شئت الا ترى صبرا لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل ### || وقال أبو دهبل الجمحي # أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النعسة السهر # يا ليت أنى بأثوابي وراحلتي ... عبد لأهلك هذا الشهر مؤتجر # أول البيت الثاني، وهو ياليت أنى بأثوابي، في موضع المفعول لأقول. والواو ~~من قوله والركب، واو الابتداء، وهو للحال. وقوله وقد مالت عمائمهم، يريد ~~لغلبة النوم عليهم، ومجاهدة السير والسرى فيهم، ومزاولتهم السهر، حتى كأنهم ~~سقاهم كؤوس النعاس فسكروا، والمعنى أن أقول، على معاناة هذه الأحوال: بودي ~~أنى مستعبد لأهلك طول الشهر الذي نحن فيه، مؤنجر بكسوتي وزادي وراحلتي، لا ~~أكلفهم مؤونة، ولا أحملهم مرزئة، كل ذلك رغبة في التقرب إليك، والاستسعاد ~~بخدمة أهلك، والفوز بالتعريج على محلك ومرتحلك. وقوله يا ليت، المنادى ~~محذوف، كأنه قال: يا قوم يا ليت أنى. # إن كان ذا قدرا يعطيك نافلة ... منا ويحرمنا، ما أنصف القدر # جنية أو لها جن يعلمها ... رمى القلوب بسهم ما له وتر # جواب الشرط في قوله ما أنصف القدر، على إرادة الفاء. وقوله يعطيك نافلة، ~~في موضع الصفة لقدرا. وأشار بهذا إلى ما بينه وبين محبوبه. والمعنى: إن # PageV01P945 # كان ما يرى بيننا ويشاهد قدرا قدره الله تعالى، يعطيك منا ما تستغنيه ~~وتستفضلينه، ثم يمنعنا مثل ذلك منك فلا يوجبه لنا، فما أعطانا النصفة في ~~القضية، ولا سار بالسيرة المحمودة في الحكومة. # وقوله جنية، يريد أن فعلها مباين لفعل الإنس، وكذلك شكلها وحسنها، فإما ~~أن تكون من الجن، أو لها من الجن من يعلمها فتتان العقول، واختبال الأفئدة ~~في الصدور. وقوله بسهم ماله وتر، يريد سهما لا ينزيه الوتر على القسي، بل ~~تهيئه مقل ms0772 العيون، ونواظر الفتون، إصابة حبات القلوب، وانتظام غرات النفوس. ### || وقال توبة بن المضرس # يقول أناس لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شفت النفوس يضيرها # اليس بضير العين أن ترد البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها # يقال: ضاره يضيره، في معنى ضره يضره. وشف النفوس، أي آذاها وأذابها. ~~والمعنى: أن الناس يطيبون قلبي ويرومون بمحاجتهم لي تسليتي، ويقولون إن ~~بعدها لا يورثك خبالا، ولا يكسبك ضررا ووبالا، بل يعقبك سلوة، ويبدلك من ~~التأنس بالاجتماع معها نفرة، فأثبت ما نفوه، وأبطلت ما ألقوه، وقلت: بلى كل ~~ما يذيب النفس ويهزلها، ويسلبها القرار ويقلقها، فهو عائد بأكمل الضرر ~~عليها، ثم رددتهم إلى الشاهد مستدلا بها، فقلت: أليس العين إذا أديم البكاء ~~بها، ومنسع النوم وما يلتذ به من مسارح اللهو والسرور منها، يضرها ذلك؟ ~~كذلك النفس إذا جمع عليها مالا تهواه، وفرق بينها وبين ما تلتذه وترضاه. ### || وقال ابن أبي دباكل الخزاعي # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير # PageV01P946 # وقالوا لا يضيرك نأى شهر ... فقلت لصاحبي فمتى يضير # يقول: إن السنة الكاملة إذا اتصل الالتقاء بيننا فيها، أستقصرها وأحرص ~~على الاستزادة منها، التذاذا بها وبعدا من الملال لها، وإن اليوم الواحد ~~إذا حيل بيني وبينك فيه استطيله تقاليا له، وتفاديا منه، وكراهية لامتداده ~~والناس يقولون لي: إن الشهر لا يجلب عليك ضررا، فقلت لصاحبي: فمتى يضير ~~إذا؟ استبعادا للأجل المضروب. ويروى: لصاحبي فمن يضير، والمعنى: إذا لم ~~يضرني الفطم عما لم أرتو منه فمن فمن المضرور إذا. ### || وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة # شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتام الفطور # تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور # يصف استحكام أمر الهوى وشدة تسلطه على قلبه وتمكنه من عقله، فيقول: شققت ~~قلبي، وجعلت هواك ذرورا فيه، فرسخ في جوانبه بعد أن دب في مسامه وموالجه، ~~ثم جمعت فتوقه حتى التأمت شقوقه، فتوصل الهوىمنه إلى حيث أعجز كل سرور ~~وحزن. والمعنى أن الهوى ملك مجامع قلبي فأحمي ms0773 منه ما كان محرما على غيره. ~~وقوله ليم أصله الهمز فأبدل من همزته ياء وانكسر اللام لها. والتغلغل: ~~التوصل على مقاساة تعب وشدة. ولا يقال لمن توصل والمذهب سهل: تغلغل. ويقال: ~~ذر الشيء، إذا فرقه؛ وذر الحب في الأرض. وقوله التام الفطور، أراد الفطور ~~منه، فحذف تخفبفا، لأن المراد معلوم. والفطر: الشق، ومنه تفطر الورق. # PageV01P947 ### || وقال ابن ميادة # وما أنس ملى أشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشوالمكاحل # تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول # انجزم أنس بما، وما موضعه نصب على المفعول من أنس. والمعنى: إن أنس شيئا ~~من الأشياء لا أنس قولها. فلا أنس أنجزم على انه جواب الشرط وقوله مل أشياء ~~أصله من الأشياء، وجعل الحذف بدلا من الإدغام لما تعذر إتيانه في ~~المتقاربين، وقد مر مثله مستقصي. وقوله يذرين يريد يسقطن حشو المكاحل. أراد ~~كحلاء، فكان الدمع حين ذرف صحبه الكحل. # وقوله تمتع بذا اليوم القصير، موضعه من الإعراب نصب على أنه مفعول من ~~قولها، أي لا أنسى قولها، وقد شافهنا الفراق من يوم التوديع والتشييع وهي ~~تبكي: تمتع بيومك القصير لكون يوم اجتماع، فإنه مرتهنمن الشهور الطويلة، ~~لكونها أيام التباين؛ أي مثل هذا اليوم لا يفك من الارتهان، ولا يحصل بعد ~~تلك الأيام المستطالة. ### || وقال محمد بن بشير # بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد # موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الحسان مظنة للحسد # وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء ترغب عن سواد الإئمد # وصف المرأة بإشراق اللون. ومعنى آنسة ذات أنس، لأن الحديث يؤنس ولا يأنس، ~~كقولهم: هم ناصب، والمراد منصب. ثم شبهها بقمر توسط السماء فيما جنح من ليل ~~كان فيه غيم وبرد. والقمر إذا خرج من حلك الغمام في ليلة مطيرة كان أضوأ ~~وأحسن. ويجوز أن يكون قوله ليل مبرد، يراد به ليل ذو برد أو برد، ويكون من ~~باب أشملنا، أي دخلنا في الشمال، وأشتينا، أي دخلنا في الشتاء. ويقال: بردت # PageV01P948 # الأرض، إذا مطرت البرد، فهي مبرودة. وأبردنا، أي ms0774 دخلنا في البرد أو ~~البرد، وكذلك قزله شملنا: أصابتنا ريح الشمال، وأشملنا: دخلنا في الشمال. ~~وقال الخليل: يقال أبرد القوم، إذا صاروا في وقت القر في آخر النهار. ~~والأبردان: طرفا النهار. وقال الشاعر: # إذا الأرطي توسد أبرديه ... خدود جوازي بالرمل عين # يصف بقرة وحشية بأنها تتوسد غصون الأرطي التي تلي الغرب بالغداة، فإذا ~~دارت الشمس دارت معها إلى ناحية الشرق، فتوسدت الغصون التي مالت الشمس ~~عنها. وقوله موسومة بالحسن، يريد أنه جعل سيماها الحسن، فهي ممسوحة به ~~موسومة. وأصل السمة العلامة، ومنه السيما. ومعنى ذات حواسد، أي من يراها من ~~الناس يحسدها، لأن الحسان معلم للحسد. وهكذا كما يقال: إن الحسد يتبع ~~النعم. # وقوله وترى مدامعها ترقرق مقلة، فالمدامع مسابل الدمع من القبائل في ~~الرأس. ومعنى ترقرق مقلة، أي ترقرق الدمع في مقلة. والرقراق: الدمع الذي ~~يترقرق في العين ولا يسيل. قال: # أو الدر رقراقة المنحدر # والمعنى أنها كحلاء، وأن الدمع يتجمع في مقلة لها مستغنية عن سواد الكحل، ~~لكحلها. ### || وقال آخر: # صفراء من بقر الجواء كأنما ... ترك الحياء بها رداع سقيم # من محذيات أخي الهوى جرع الأسى ... بدلال غانية ومقلة ريم # وقصيرة الأيام ود جليسها ... لو دام مجلسها بفقد حميم # PageV01P949 # وصفها بأنها درية اللون، وأن فيها مشابه من بقر الجواء، وأنها حيية قليلة ~~الحركات لنعمتها، قليلة الكلام لفرط حيائها، فكأن بها نكس سقم لما الفته من ~~الكسل. وقال الخليل: الردع والرداع: النكس؛ ورجل مردوع. وقيل الرداع: الوجع ~~في الجسد. فأما قول الأعشى: # بيضاء ضحوتها وصفرا ... والعشية كالعراره # فجعل لها لونين: بياضا في أول النهار، وصفرة في آخره حتى لونها لون ~~العرار. وإنما يريد أنها تقيل فيمتد النوم بها إلى آخر النهار، والقائم من ~~نومه أبدا يكون متغير اللون. ومثل قوله ترك الحياء بها رداع سقيم، قول ~~الآخر: # كأن لها في الأرض نسيا تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت # وقوله من محذيات أخي الهوى، يريد أنها من النساء اللاتي تسقى الشبان وهي ~~الحذيا والحذوة. والأسى: الحزن. # وقوله بدلال غانية تعلق ms0775 الباء منه بمحذيات. والغانية: التي تستغني ~~بجمالها عن الحلي. والريم: الظبي الخالص البياض. والمعنى: أنها تفتنه ~~بعينها وكلامها وغنجها. # وقوله " وقصيرة الأيام " يريد أنها لاتمل، فالأيام في ملازمتها قصيرة، ~~حتى أن مجالسها يود أن يدوم مجلسها له وإن فقد أقاربه. والقصد إلى أنها ~~طيبة الحديث، مؤنسة المجلس، مصرفة الملازم في أصناف الملاذ حتى ينسى كل شيء ~~غيرها، ويبشم جميع المناظر سواها. # وقوله " بفقد حميم " الباء فيه يفيد معنى العوض، فهو كما يقال: هذا لك ~~بكذا، أي عوضا منه. ### || وقال آخر: # ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبات الرياح الصوارد # PageV01P950 # أصد بأيدي العيس عن قصد أهلها ... وقلبي إليها بالمودة قاصد # شبه النار في حمرتها وتصاعدها بسحر العود. والسحر: الرئة وما تعلق ~~بالحلقوم. ويقال لمن نزت به البطنة: انتفخ سحره؛ كما يقال: عدا طوره. وأكثر ~~ما يقال ذلك لمن جبن عن شيء. والعود: الجمل المسن؛ وقد عود، أي نيب، ~~والجميع العودة، وفي لغة: العيدة. ويستعمل العود في السؤدد القديم، والطريق ~~العادي. # وقوله " يرفع ضوءها " يريد أن هبات الرياح الباردة تهيجها، فكأنها ترفع ~~من ضوئها في ظلام الليل ومعه. والصوارد: البوارد، وهي من صفة الهبات. # وقوله " أصد بأيدي العيس " جواب رب. # ويشبه البيت الثاني قول الآخر: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل # ومثل البيت الأول قوله: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # وهذا منهم على التشوق والتحفي. ألا إنهم كانوا يتعللون بما كان من نحو ~~أرض الحبيب. ### || وقال الحسين بن مطير # وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها # خليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها # يقول: كنت أصبر النفس فيما ركبها وثقل عليها من الوجد، وأحبس العين مما ~~ترومه من البكاء، فقد عيل الصبر، وتسلط الحزن، وغلب البكاء، فقد وردت عيني ~~المورد الذي كنت أحلها منه، وأدفعها عنه. # PageV01P951 # وقوله " خليلي ما بالعيش عتب " رواه بعضهم: " ما بالعيش عيب "، وذكر ~~العتب أحسن هاهنا. والمراد أنه لامعتبة على ms0776 العيش، لأن صفاءه بأن تتصل له ~~أيام كأيام الحمى، فلو وجدنا من يعيد أمثالها فساعد فيها قرب المزار، ~~وإمكان الوصال، لطاب وصفا كما كان من قبل فلا ذنب للعيش، إنما الذنب لما ~~يكدره ويشحنه بالمكاره. ### || وقال آخر: # ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلي قد أصيب وليدها # هل الله عاف عن ذنوب تسلفت ... أو الله إن لم يعف عنها معيدها # يقول: قذيت عيني بما حصل من صدود الحبيب، فلي نظرة بعده لجوي القلب ~~والجوف، كنظرة أم أصيبت بوليدها فثكلته. ثم قال متمنيا: هل يعفو الله عما ~~سلف لنا من ذنوب، أو يعيد لنا تسهيل أمثالها والتمكين من اقتراف مشابهها إن ~~ضاق عفوه عنها. وهذا كلام من حرج صدره بمستقبل أمره، وامتلأ قلبه من التأسف ~~في إثر مستدبره. ### || وقال سوار بن المضرب # يأيها القلب هل تنهاك موعظة ... أو يحدثن لك طول الدهر نسيانا # إني سأستر ما ذو العقل ساتره ... من حاجة وأميت السر كتمانا # عتب على قلبه في عصيانة له، واطراحه مواعظه، وولوعه المستمر على تطاول ~~الدهر، وتقادم الأمر، وقال: هل لين الوعظ منك أو أحداث مواصلة الأيام ~~واستمرارها نسيانا لك، فتكف عما يكره منك، أو تقبل بعض ما تدعى إليه من ~~رشدك. # وقوله " أو يحدثن " زاد النون الخفيفة في المعطوف من غير أن حصل في ~~المعطوف عليه، وهو " ينهاك " مثله؛ وساغ ذلك لأنهم ألفوا زيادة إحدى ~~النونين فيما ليس بواجب من الأفعال، فكأنه قدر أن الأول حصل فيه النون فزاد ~~في الثانية، لتوهم مثله في الأولى، واستمرار العادة بزيادته. وهذا كما عطف ~~في بيت امرىء # PageV01P952 # القيس: # فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل # قوله أو قدير معجل، وهو مجرور، على صفيف شواء وهو منصوب، لنيته حذف ~~التنوين، وجعل الإضافة بدلا منه في منضج. # وقوله " إني سأستر ما ذو العقل ساتره "، وصف نفسه بحسن التماسك فيما ~~يأتيه، واستعمال العقل في ستر ما يجب إخفاؤه من حاجاته، وضبطه للسر، وقوة ~~كتمانه، حتى يصير السر كالميت الذي لاأثر ms0777 له. ويشير بذلك كله إلى دوام ~~وفائه، واتصال عهده، وكتم ما يجري بينه وبين محبوبه. وانتصب " كتمانا " ~~لأنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال، كأنه قال: كاتما له. # وحاجة دون أخرى قد سنحت لها ... جعلتها للتي أخفيت عنوانا # إني كأني أرى من لاحياء له ... ولا أمانة بين الناس عريانا # يريد: رب حاجة عرضت لها ولأظهرتها وفي النفس خلافها، لأني جعلت المظهر في ~~التوصل به إلى المضمر كعنوان الكتاب الذي يظهر وما ينطوي عليه الكتاب ~~مستور. يصف نفسه بالذكاء وجودة الفطنة، وحسن التأني، والاهتداء فيما يرومه ~~للحيل اللطيفة. وكل ذلك لئلا يقف مةقفا يوجه إليه الظنون السيئة، ويجلب ~~عليه القالة المنكرة. # والعنوان يجوز أن يكون فعوالا من عن لي الشيء، إذا اعترض؛ ويجوز أن يكون ~~فعلانا من عناء كذا. وفيه لغات وكلام طويل أتيت عليه في (شرح الفصيح) . # وقوله إني كأني أرى من لا حياء له، يريد: من خلع ربقة الحياء، واطرح حشمة ~~الناس، وعرض الأمانة للضياع، والمروءة للزوال، فحكمة حكم من أظهر عورته، ~~وهتك لعائبيه ستره، ورضى بما نيل منه، وتحيف من عرضه ودينه. ### || وقال آخر: # أها بك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها # PageV01P953 # وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولكن قل منك نصيبها # انتصب إجلالا لأنه مفعول له، جعله علة في تهيبه لها. ويجوز أن يكون في ~~موضع الحال، فيقول: أحتشمك بظهر العيب، وأخافك ليس لاقتدار سلطاني منك علي، ~~وامتلاك لضرى ونفعي في يديك، ولكن رفعا منك، وإكبارا لقدرك، ولأن العين ~~تمتلىء ممن تحبه استكبارا. واستعظاما، لأنه يحمدها والضمير من حبيبها ~~للعين، وإن جعلتها للمرأة، أي ما تحبه وترضاه يملأ العين، جاز. والملء: ~~القدر الذي يمتلىء منه الشيء؛ والملء، بفتح الميم: مصدر ملأت. # وقوله وما هجرتك النفس، يريد أن الإخلال بالزيارة؛ والتأخر عن إقامة ~~العادة ليس لزهد ولا لاستقلال للحال، وإزراء بالحق، ولكن قل حظي منك، ودام ~~إعراضك عني، فرمت رضاك في البعد عنك، وترك التثاقل عليك وقوله ملء عين جاز ~~الابتداء به وإن ms0778 كان نكرة لحصول الفائدة في تعليق الخير. ### || وقال ابن الدمينة # ألا لا أرى وادي المياه يثيب ... ولا النفس عن وادي المياه تطيب # أحب هبوط الواد بين وإنني ... لمشتهر بالواد بين غريب # قوله يثيب أي يجعل لي ثوابا، ويقسم لي لتوفري عليه رداءا ونفعا، ويجوز أن ~~يكون من قولهم: بئر لها ثائب، إذا كان ماؤها ينقطع أحيانا ثم يعود؛ فيكون ~~أثاب بمعنى صار لها ثائب، كأن الوادي كان كان اتفق فيه مواصلة بينه وبين ~~محبوبه ثم انقطع، فكان لا يثوب خيره، وهذا الذي قلناه في أثاب ذكره أبو ~~زيد. ويجوز أن يكون ذكر الوادي كالكناية عنها، فيقول: ليست تسلو نفسي عن ~~وادي المياه وما يتصل به وعن أحبتي فيهما، وأراه لا يوجب لي مثل ما أوجبه، ~~ولا يرضخ لي جزاء على ما أتحمله، وأنا أحب النزول بالواديين والانتعاش ~~بزيارتهما، لكني مشتهر بهما غريب لا ناصر لي فيهما، فأحتاج أن أحاذر ~~الرقباء خوفا على نفسي، وتفاديا مما يلحق صاحبي من المروه والإعنات بسبي. # أحقا عباد الله أن لست واردا ... ولا صادرا إلا على رقيب # PageV01P954 # ولا زائرا فردا ولا في جماعة ... من الناس إلا قيل أنت مريب # هذا شرح للاشتهار الذي أجمله، والاغتراب الذي اشتكى منه. وقوله أحقا، في ~~موضع الظرف، كأنه قال: أفي حق. وأن لست أن مخففة من الثقيلة، وموضعه بما ~~يعده موضع الابتداء، وأحقا في موضع الخبر. وقوله فردا، انتصب على الحال، ~~والعامل ما دل عليه ولا زائرا، من الفعل، فيقول: أفي حق يا عباد الله أنى ~~لا أراد الوايين، يعني وادي المياه، وما ذكره فيما بعد من ذكر الكئيب ~~الفرد، ولا أصدر عنهما إلا وعلى رقيب محافظ، يعد لحظاتي وأنفاسي، ويتأمل ~~قصودي وإرادتي، ولا أزورهما منفردا ولا في صحابة إلا وسلطت على التهم، ~~ونسبت فيما أتعاطاه إلى الريب، حتى ضاق علي المجال، وأظلم لي المسرح ~~والمطاف. # وقوله إلا قيل، في موضع الحال، أي لا أزورهما إلا مقولا فيه ذلك. وموضع ~~أنت مريب، الجملة رفع على أنه قام مقام فاعل ms0779 قيل. # وهل ريبة في أن تحن نجيبة ... إلى إلفها أو أن يحن نجيب # وإن الكئيب الفرد من جانب الحمى ... إلى وإن لم آته لحبيب # قوله هل ريبة، لفظه استفهام ومعناه النفي، فيقول: لا ريبة في حنين أحد ~~المتألفين الكريمي العهد إلى الآخر، ولا استنكار فيما تنطوي عليه النفس من ~~الهوى والود، ولا محاسبة فيما يوجب المتحابان ويؤثرانه من المصافة على ~~البعد، وإن موضع الحبيب من جانب الحمى قلبي موكل به وإن لم أزره، إذ كان ~~مجانيتي إياه، وتأخرى عنه، لإبقائي على الحال بيني وبين من أحتشمه، ~~ولإيثاري صيانته من تحدث الوشاة فيه، لا لغيره. # لك الله إني واصل ما وصلتني ... ومثن بما اوليتني ومثيب # فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها ... من الوجد قد كادت عليك تذوب # وإني لأستحييك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب # قوله لك الله، يجوز أن يكون جعاء لها، والمعنى: إحسان الله لك، وحفظه ~~مشتمل عليك. ويجوز أن يكون قسما، كما يقال أعطيك الله، وجوابه إني واصل. # PageV01P955 # وكأنه أقسم لها أو دعا لها بأنه يبقى على العهد لها مدة دوام مواصلتها ~~وبقائها على المصافاة والإيثار له، وأنه يوجب من إعظامها والثناء عليها، ~~ومكافأتها بالحسنى فيما تسدى إليه وتوليه ما ينتفي عنه سمة التقصير ~~والإقصار. ووجه الدعاء لها استعطافها وترقيق قلبها، ويكون كالتشبيب من ~~السائل. # وقوله فلا تتركي نفسي شعاعا، فالشعاع: المنتشر، وكذلك الشع والفعل منه ~~شع. ويقال: تطاير القوم شعاعا، أي متفرقين. فيقول: أحفظي نفسي عن الانتشار ~~والزوال، فإنها شارفت الذوب والسيلان وجدا بك، وشافهت التلف والبوار شوقا ~~إليك. ثم قال: وإني مستحي منك على البعد، إعظاما لك، وتهيبا منك، حتى كلأن ~~لك رقيبا معي في كل حال، فأتفف عن المنكرات، وأتنزه عن ذميم المقالات، ~~فكوني لي على ما توجبه صورتي، وتقتضيه قصتي. ومثل هذا قول الآخر: # وإني لأستحي فطيمة طاويا ... خميصا وأستحي فطيمة طاعما # وإني لأستحييك والخرق بيننا ... مخافة أن تلقي أخا لي لائما ### || وقال آخر: # تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي ms0780 # أحبكم ما دمت حيا فإن أمت ... فوا كبدا ممن يحبك بعدي # الشجن: الحاجة، والجميع الأشجان والشجون. قال: # والنفس شتى شجونها # وموضع وحدي نصب على المصدر، وهو موضوع موضع الإيحاد. يقول: ارتحل أصحابي ~~ولم ينلهم من الوجد ما نالني، وفي نفوس الناس حاجات وقد أوحدت نفسي بحاجة ~~إيحادا. ثم أقبل على المحبوب مفسرا لشجنه الذي تفرد به، فقال أحبكم مدة ~~حياتي، وإذا مت فواكبدا ممن يلي حبكم بعدي. وهذا تحسر في إثر ما يفوته من ~~الهوى إذا فارق الدنيا. ويروى: من ذا يحبكم بعدي. # PageV01P956 # وقد عيب الشاعر بهذا فقيل: لم يرض بأن جعل لها محبا حتى صار يتحزن له. ~~وقال بعض أصحاب المعاني: في هذا ظلم للشاعر، وذلك أن غرضه في التماسه محبا ~~لها إشادة ذكرها، وإعلاء قدرها، وتشهيرها عند الناس حتى يصير لها الجاه عند ~~السلاطين. قال: وكثير من نساء العرب طلبن التشبيب من الشعراء مع العفة، ~~كعزة، وليلى، ومية. ولخلفاء بني أمية وأقرانها من الأمراء معهن محاورات. # ويروى عن بعض السلف الصالحين أنه حج، فلما قضى نسكه قال لصاحب له: هلم ~~نتمم حجنا! ألم تسمع قول ذي الرمة: # تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام # والطريقة في تصرفه وتحسين قوله ما قدمته. # وأشنع من هذا قول الآخر: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي # وقد قيل في هذا أيضا: إنه لو قال: # فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي # لكان صوابا، سالما مما يهجنه. ### || أبو حية النميري # رمته أناة من ربيعة عامر ... رقود الضحى في مأتم أي مأتم # فجاء كخوط البان لا متتابع ... ولكن بسيما ذي وقار وميسم # أناة أصله وناة، لأنه من الونى: الفتور والكسل. # والواو المفتوحة لم تبدل منها الهمزة إلا في أحرف قليلة، وهي أناة في صفة ~~المرأة الثقيلة الناعمة؛ وأحد صفة وإسما للعدد؛ وما جاء في الحديث من ~~قولهم: أي مال أديت زكاته فقد ذهبت أبلته، يراد وباله. وقال أبو زيد: ~~الأبلة في الطعام # PageV01P957 # أصله الوبلة. ويقال: أجمعت أجوما، ms0781 في وجمت. فهذه الأحرف جاءت على ما ترى. # وقوله رقود الضحى وصفها بالترفة، وأنها مكفية الخدمة، فهي تنام القيلولة. ~~وهذا كما قال امرؤ القيس: # نؤوم الضحى لم تنطلق عن تفضل # والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر. يقول: نظرت إلى هذا الرجل امرأة ~~طلعت عليه في جملة نساء، مترفة منعمة سمينة، تنام عن شؤونها أوقات الضحى، ~~لأن لها من يكفيها كل ما تهتم له ففتنته، ثم اقتص كيف نصبت الحبالة له، ومن ~~أين وقع فيها حتى اصطادته، فقال: جاء الرجل وكأنه غصن بان لحسن شطاطه ~~وطراءة شابه، لا متهافت في مشيه وتصرفه، ولا خفيف طائش في وروده وصدره، ~~ولكن بعلامة ذي سكون، وميسم ذي صلاح وهدو. والتتابع يوصف به الحيران ~~والسكران إذا رمى بنفسه. وتتابع البعير في مشيته، إذا حرك ألواحه حتى كأنه ~~يتفكك. والمأتم أصله من الأتم، وهو أن تلتقي الخرزتان فتصيرا واحدة. وموضع ~~كخوط نصب على الحال من جاء. والخوط: الغصن الناعم لسنة. وقوله لا متتابع ~~ارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو متتابع. وقوله ولكن استدراك ~~بعد نفي، أي جاء غير متتابع ولكن بهذه السيما. # فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإن لم تقتليه فألمى # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم # قوله سرا يجوز أن يكون مصدرا في موضع الأمر، كلأنه قال ساريه. مسارة، ~~فوضع السر موضع المسارة، ويكون على هذا قوله لا يرخ جواب الأمر الذي دل ~~عليه سرا. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، ويكون لا يرح مجزومابلا ~~النهي. وجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية، كما يقال: لا أرينك ~~هنا. والمعنى: لا تكن هناك فأراك، والمراد: لا تدعيه يروح صحيحا. يقول قالت ~~النساء # PageV01P958 # المحتفة بالاناء المذكورة لها: أشيري إليه في السر إشارة تفتنه، واعرضي ~~عليه محاسنك ما يخبل قلبه بعد تعرضه لنا في سمته ووقاره حتى لا يروح عنا ~~صحيحا، وإن لم تبالغي في استغوائه وفتله ms0782 عن رشاده، وإهلاكه، فكوني منه على ~~أوفى محل. فائتمرت لهن وألقت قناعا وراءه الشمس، أي وجه إشراقه كإشراق ~~الشمس، فعرضت وجهها ثم سترته فأيدت كفها ومعصمها - وهو موضع السوار من يدها ~~- أيضا، وتكلمت بكلام كالمنكرة من نفسها ما اتفق عليها، والمستححية ~~المتذممة من حالها، فلما علم النساء أنها أفرغت في فؤاده بالكلام، وفي ~~عينيه بالكف والوجه السحر أي صبت - قلن للشاب المتعرض: قم عنا فابك لما ~~نابك وأنت لا تعلم. والسحر: إخراج الشيء في أحسن معراضه حتى يفتن، لذلك قيل ~~للرائق المعجب: هو السحر الحلال. يقال: سحرت الفضة، إذا طليتها بالذهب. إن ~~قيل: أين مفعول قالت؟ قلت: إنه هنا في معنى تكلمت، فاستغنى عن المفعول، ~~ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: # لحاجة نفس لم تقل في جوابها # أي لم تتكلم. # فود بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا في المناخ له نم # يقول: انصرف عنهن وهو يتمنى أن جدع أنفه في وقت ما هم بالخروج إليهن، ~~ويمنعه أصحابه من التعرض لهن، وقالوا له: نم في المناخ ولا تبرح، ويجوز أن ~~يكون معناه: ود أن يتركه صحبه ويقولوا له: نم في المناخ ولا تتبعنا، وأن ~~أنفه قطع. والباء من قوله بجدع هو الذي يفيد معنى العوض. تقول: هذا بذاك، ~~أي عوض من ذاك. # وقوله تنادوا يجوز أن يكون معناه تجمعوا، من الندى وهو المجلس؛ ويجوز أن ~~يكون من النداء، أي تداعوا وقالوا له ذلك. ### || وقال آخر: # نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر # PageV01P959 # فعيناي طوراص تغرقان من البكا ... فأعشى وحينا تحسران فأبصر # يقول: وقفت بدار الأحبة فتوهمت آياتها، ثم عرفتها فتمثل لي من كان بها، ~~وتطرى ما كان دار بيني وبينها، فأغرورقت عيناي من الدمع تحسرا وتوجعا، ~~وبقيت إذا نظرت إلى الدار كأني أنظر من وراء زجاجة فلا أتبين الآثار، وإذا ~~انهملتا بما فيهما عدت في صحة الإدراك بهما إلى ما كنت عليه من قبل. وقد مر ~~القول في حقيقة النظر. # فأما تحسران فيجوز أن يكون من ms0783 قولهم: حسر البحر، إذا نضب الماء عن ساحله؛ ~~ويجوز أن يكون من حسرت القناع، ويكون على هذا مفعوله محذوفا. والأول أحسن. ~~ومن الثاني قولهم: امرأة حسنة المحاسر، كما يقال حسنة المعاري. وتلخيص ~~البيت الأول: كأني من فرط الصبابة أنظر إلى الدار من وراء زجاجة. والطور: ~~التارة. ويقال: الناس أطوار، أي على أحوال شتى. ### || وقال آخر # فما شنتا خرقاء واهية الكلى ... سقى بهما ساق فلم يتبللا # بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توهمت ربعا أو تذكرت منزلا # الخرقاء: التي لا رفق لها في الأعمال ولا بصيرة. والشنة، أراد بها هنا ~~الدلو الخلق، وهي السقاء البالي في الأصل. ويقال: لقطران الماء من الشنة ~~شيئا بعد شيء: الشنين، ثم يستعمل في الدمع. قال: # يا من لدمع دائم الشنين # ولم يرض بأن جعل الدلو خلقا حتى يجعلها لامرأة لا تحسن عملا من خرز ~~وغيره، فكانت تصلحها، ثم جعل سقى الإبل بها قبل تهللها وانسداد خرزها ~~وثقبها. فيقول: ما دلوان هذه صفتهما بأشد إضاعة للماء من عينيك للدمع كلما ~~توهمت دار الحبيب وهي مأهولة، أو تذكرت منزلا من منازل سفرها وهي منتجعة. # PageV01P960 # وقوله بأضيع من عينيك، كان الواجب أن يقول: بأشد إضاعة للدمع، فجاء به ~~على حذف الزوائد، أو على طريقة سيبويه في جواز بناء التعجب مما كان على ~~أفعل مما زاد على الثلاثي خاصة. ### || وقال أبو الشيص # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيدة ... حبا لذكراك فليلمني اللوم # يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه فألزمه ولا أفارقه، فأنا ~~معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، ومن لا منى فيك أستلذ ~~لومه محبة لذكرك، ووجدا باسمك، فليستمر اللائمون في أقوالهم، ولتندم عظاتهم ~~علي وإنكارهم، فإنهم لا يجدون مني اتباعا ولا رجوعا، ولا ملالا ولا قصورا. ~~وقوله حبا لذكرك، انتصب لأنه مفعول له، وبيان لعلة لذته، بما يجلب على غيره ~~ضجرا، وهو اللوم. # ومثل هذا قول الآخر: # وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي # يريد، ms0784 أن يستلذ ذكرها. # وقوله حيث أنت، خبر المبتدأ وهو أنت محذوف، كأنه قال: حيث أنت واقفة، لأن ~~حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، في حاجته إلى جملتين، والمتأخر ~~والمتقدم بنمزلة التأخر والتقدم، فهما مصدران. # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم # PageV01P961 # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # يقول: وافقت في مواصلتي أعدائي أخذا فيما أكرهه وأتسخطه، وذهابا عما أحبه ~~وأرضاه، ولأن حظي منك فيم أرومه يماثل حظي من أعدائي فيما أسومهم فأشرب ~~قلبي حبهم، وانصب إلى جانبهم الميل معهم لمشابهتك لهم، ومماثلة فعالك ~~لفعالهم، وأذللتني فأذللت نفسي على صغر مني، اقتداء بك، ومجانبة للخلاف ~~عليك، ولأني لا أرى كرامة من ترين هوانه، ولا إرضاء من ترين إشخاصه. وانتصب ~~صاغرا على الحال من أهنت. وقوله ممن أكرم العائد إلى الموصول محذوف، كأنه ~~قال: ممن أكرمهم. وقوله حظي منهم يريد به التشبيه، كأنه قال: كحظي منهم، ~~ومنك في موضع الحال، وكذلك منهم. ### || وقال آخر: # ولا غرو إلا ما بخير سالم ... بأن بني أستاهها نذورا دمي # ومالي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة أسلمي # نعم فاسلمي ثم اسلمى ثمت أسلمى ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي # معنى لاغرو لاعجب، وخبر لا محذوف، كأنه قال: لا غرو في الدنيا، أو موجود. ~~وموضع ما يخبر رفع على أنه بدل من موضع لا غرو. وإنما قال بني أستاهها لأنه ~~يريد أنهم مخروون لا مولودن. فيقول متهانفا: لا عجب إلا ما يخبر به سالم، ~~بأن سقاطها والذين لا عقول لهم فيها، قالوا: لله علينا سفك دمه. ثم قال: ~~هذا اعتقادهم وأقوالهم؛ ولا جناية لي عليهم، ولا ذنب مني اهتدي إليه فيهم ~~سوى قولي: يا سرحة أدام الله لك السلامة - وكان جعل سرحة، وهي شجرة، كناية ~~عن امرأة فيهم - نعم قد قلت وأقوله مكررا: أسلمي أسلمي. يغايظهم ويناكدهم ~~بهذا المقال. وقوله سوى أنني موضعه من الإعراب استثناء خارج. ويا سرحة إذا ~~ضممته فالضمة الأصل في استعمال المنادى ms0785 المفرد المعرفة، وإذا فتحته ~~فلاعتيادهم الترخيم في مناداة ما في آخره هاء التأنيث، أتموه ونووا الترخيم ~~فجعلوا حركته حركة المرخم منه. وهي الفتحة. وقوله نعم وإن كان في الأصل ~~حرفا بوجب به ويجاب في الاستفهام المحض فقد يتوصل به إلى بسط الكلام وصلته. ~~وقوله ثلاث تحيات، انتصب على # PageV01P962 # المصدر من فعل دل عليه أسلمي، كأنه قال: أحيي ثلاث تحيات، وإن لم ترجعي ~~الجواب إلي. والسرح من العضاه، ويكون دوحه محلالا يحل الناس تحها في الصيف. ~~وقال الفراء: كل شجرة لا شوك فيها فهي سرحة، ذهب إلى السرح، وهو السهل. # وقال ابن هرمة وكنى بها عن امرأة: # سقى السرحة لمحلال دون سويقة ... نجاء الثريا مرثعنا هطولها # وقد تسمى المرأة سرحة. ### || وقال خليد مولى العباس بن محمد # أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك # لقد أضمرت حبك في فؤادي ... وماأضمرت حبا من سواك # أريت الآمر يك بصرم حبلى ... مريهم في أحبتهم بذاك # فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك # أقسم بالحجيج وبرواحلهم التي ترقص بهم في السير متوجهين بوادي عرفة وذات ~~عرق إلى بيت الله عز وجل. وأضاف نعمان إلى الأراك لكثرتها بها. وجواب ~~اليمين قوله لقد أضمرت حبك. والمعنى أنه أقسم أن وده لها مكتوم انطوى عليه ~~قلبه، وخالص فيها قد أكنه ضميره لا يشاركها فيه عديل، ولا يجاذبها بسببه ~~قسم، وإنما يتحمد عليها بحفظ السرار، وتخليص العقيدة، وشغل القلب والعقل ~~بعمارة الهوى لها. ثم أقبل عليها فقال يخاطبها: أعلمت الذين يشيرون عليك ~~بقطيعتي والتنكر لي، وجد الأسباب والمواثيق بيني وبينك؟ كرى عليهم مستدرجة ~~لهم، وعاجمة تنصحهم، وأمريهم في أحبتهم بمثل ماأمروك في، فإن وجدتهم سامعين ~~لك، وإن وجدتهم متأبين عليك مخالفين لك، فأعصى من عصاك، ودعي الاستنامة إلى ~~رأي من # PageV01P963 # لا يرى لك مثل ما يراه لنفسه. وكان الواجب في قضية سياق الكلام أن يقول: ~~وإن عاصوك فعاصيهم؛ فعدل عن الإتيان بالضمير إلى ذكر الظاهر، ليبين فيه ما ~~يشنع به عليهم، وليظهر السبب الموجب للإغراء بهم، والانصراف ms0786 عن رأيهم. ولو ~~قال: فاعصيهم لم يبين ذلك فيه. # وقوله أريت أصله أرأيت، حذف الهمزة منه حذفا كما حذف في يرى، وترى، ونرى. ### || وقال ابو القمقام الأسدي # إقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذ هجرت ذميم # سقيا لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك والمياه حميم # لو كنت أملك منع مائك لم يذق ... ما في قلاتك ما حييت لئيم # الوشل هاهنا: ماء معروف في أرض محبوبه. وقال الدريدي: الوشل: موضع معروف ~~بعينه. والوشل: الماء القليل يترقرق على وجه الأرض. وقال صاحب العين: الوشل ~~محرك: الماء القليل يتحلب من صخرة أو جبل، يقطر منه قليلا قليلا. والوشل: ~~القاطر، يقال: جبل واشل: يقطر منه الماء. والشاعر أهدى إليه التحية، وراسله ~~أن المشارب كلها مذمومة عنده منذ تحول عنه وترك وروده. ثم دعا لظله بالسقيا ~~فقال: سقيا لظلك بالعشى وبالضحى. والظل يكون للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء ~~بالعشى، فكان في الواجب أن يقول: سقيا لظلك بالغداة، ولفيئك بالعشى. ألا ~~ترى قول الآخر: # فلا الظل من برد الضحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشى نذوق # إلا أنه سمى الفيء ظلا لتشابههما في منظر العين والغناء. فلما تساويا ~~وأجرى عليهما معا لفظة الظل، وكان الواو يفيد الجمع من دون الترتيب - لم ~~يبال أن يقول بالعشى وبالضحى، فيقدم بالعشى، وإن كان الظل أليق بأن يليق ~~بالضحى لو جرد. ولم يشبه هذا قول القائل: فلان أشعر الجن والإنس، لتركه ~~فيما تقدمه من المعطوف والمعطوف عليه طلب المطابقة والموافقة. ألا ترى أن ~~الوجه في هذا أن يقال: فلان أشعر الإنس والجن ليصح لفظ الأول، ويضاف أشعر ~~إلى ماهو بعضه ثم يجيء الثاني؛ وأن قولك: سقيا لظلك وقد نويت إجراء الظل ~~للفيء أيضا صار حكمه حكم # PageV01P964 # اللفظة الموضوعة لشيئين، فإذا كان كذلك فأيهما أوليته من العشي والضحى ~~فقد وقع إلى جنب ما يطابقه ويوافقه. فإن قيل: لو سلم لك ما نقوله وتدعيه من ~~الاستعارة لما سلم الكلام المتنازع من أنه جاء على غير حده؛ وذاك أن الظل ~~يكون في الضحى ms0787 حقيقة علىالمجاز. قلت: إن الظل فيما حكاه الخليل ضد الضح، ~~ويقال: أفاء الظل وتفيأ. وفي القرآن: " يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل "، ~~فهو ظل قبل التفيؤ وبعده، وإنما نسخة للشمس هو الذي صار به فيئا، وإذا كان ~~كذلك لم يكن من باب ما يكون حقيقة في شيء، ومجازا في آخر. وهذا بين. وقوله ~~والمياه حميم فالواو فيه للابتداء، وهو واو الحال. # وقوله لو كنت أملك منع مائل جواب لو هو قوله لم يذق. وهذا الكلام فيه ~~إظهار الضنانة بالماء المذكور، واستمراره في الحسد إلى كل حد معلوم بسببه، ~~حتى كان بزعمه يمنع اللئام مدة حياته، ويعني به أربابه فيما أظنه، لأنهم ~~أعداؤه. والقلات: جمع القلت، وهي حفرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر. ### || وقال ابن الدمينة وقد كتب بها إلى أمامه: # وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهين جثوم # وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وقرفت قرح القلب وهو كليم # وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم # قوله دلج السرى، فالسرى: سير الليل، والدلج: السير في بعض الليل. ويقال: ~~سار دلجة، أي ساعة من أول، فلذلك أضاف الدلج إلى السرى، فجرى مجرى إضافة ~~البعض إلى الكل. والشاعر يعدد عليها ما ناله حالا بعد حال من ضروب المشقات ~~والمتالف فيها، فيقول: تجملت فيك كل عظيمة وبلية، فأنت التي # PageV01P965 # كلفتني السرى والسير، وركوب الخطر بالليل والطيور ساكنة في عششتها لم ~~تبرح، وأنت التي قطعت جوانحي، وصدعت جوانب كبدي حزازة بدوام تمنعك وتشددك، ~~واتصال جفائك واطراحك - والحزازة: وجع في القلب - فنكأت الكلم من قلبي قبل ~~اندماله، وقشرت جلبته عند صلاحه والتئامه، فأراه أبدا دامي الظاهر فاسد ~~الباطن؛ وأنت التي أغضبت على معشري، وأفسدت على رهطي وأعزني، فكل واحد منهم ~~إذا خبر واستكشف بعيد الرضا عني، قريب الهجران لي، ممتلىء الصدر من بغضي، ~~يكظم غيظه تجملا، ويسر نكره تصبرا. وقوله جون القطا، جمع جونية. قال: # جونية كحصاة القسم # وهذا كما يقال عربي وعرب، وهذا الجمع كالجمع الذي ليس بينه وبين واحده في ms0788 ~~اللفظ إلا طرح الهاء نحو تمرة وتمر وما أشبهه. وجثوم: جمع جاثم. وجم ~~الطائر، إذا ألصق صدره بالأرض، ويستعمل في السبع وغيره، ومنه الجثمان لجسم ~~الإنسان. وقال الأصمعي: الجثمان الشخص، والجسمان الجسم. والجلهلة: ما ~~استقبلك من الوادي. ومعنى قرفت: قشرت ولم بكن رأ. ويقال: كطم غيظه، إذا ~~جرعه. وكظم البعير جرته، إذا ابتلعها. والظم: مخرج النفس. ويقال للمحزون: ~~إنه لمكظوم وكظيم. ### || فأجابته أمامة # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم # وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم # فلو أن قولاص يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم # أخذت تقابله بمثل الذي ابتدأها، وتعدد من جناياته عليها كفاء ما عدده ~~وعصب به رأسها، فقالت: إن ما ارتكبته مني أشنع، وما خملته وقتا بعد وقت ~~أفظع، لأنك الذي نكثت عهودي، ونقضت مواعيدي، وأشمت بي كل ناصح فيك، وصدقت ~~مقال كل لائم بسببك، فظنوني بك مكذبة، وظنون النصاح واللوام # PageV01P966 # مصدقة؛ ثم جعلتني مضغة في أفواه الناس، وأكلة لمجامعهم، يتعللون بحديثي، ~~ويتغلبون عند أعدائي بقصتي، فقد صرت كالغرض المنصوب لكل قدح مبري، والعلم ~~المقصود لكل مشاء بنميم، يغرى بي من كان لي سلما، ويرق لي من آل لي حربا، ~~وأنت سليم من المكاره، بعيد عن المتاعب، تعرك بجنبك ما يمسني، وتتقي بقلة ~~الاكتراث ما ينضجني؛ لأن نار الوشاية اعتمادها بالإحراق في النساء أبلغ منه ~~في الرجال، وعار الشناعة ألصق بجوانبهن منه بجوانب أمثالك، فلو أن كلاما ~~كلم جسما لبدت بجسمي ندوب ومنافذ وجرزح بأنياب المغتابين، ونبال الرماة ~~المراصدين. وقد عدل في هذه الأبيات وفيما تقدمها في صلات الذي والتي عن ~~الإخبار إلى الخطاب، وقد مضى القول في جوازه مشروحا، وبينا كيف ساغ تعرى ~~الصلة من الضمير العائد إلى الموصول. ### || وقال المعلوط الأسدي # إن الظعائن يوم حزم سويقة ... أبكين عند فراقهن عيونا # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # بل لو يساعدنا الغيور بداره ... يوما لقد مات الهوى وحيينا # الظعينة: المرأة، لأنها تظعن إذا ms0789 ظعن زوجها، أي تشخص. وقيل: الظعينة: ~~الجمل الذي تركبه، سميت به كما قيل للمزادة رواية. والحزم: ما غيظ من ~~الأرض. وإنما وصف حالهن عند التوديع ووقت الفراق، فيقول: غنهن بكين وأبكين، ~~وبجهد منهن كففن الدموع، وخفضن ما علا من النشيج، ثم قلن متحسرات: أي شيء ~~لقيته أنت وقاسيت من أحداث الهوى وأسبابه، وقاسينا نحن، ولو ساعدنا الغيور ~~ودانانا بداره يوما لقضينا من أوطارنا ما تحيا به نفوسنا وقلوبنا، ويموت له ~~كلفنا وهوانا. # وذكر موت الهوى كما قال الآخر: # فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوىلما أصيب مقاتله # PageV01P967 # وقوله غيضن أي قللن. ويقال: هذا من ذاك غيض من فيض، أي قليل من كثير. ~~والمعنى مسحنه بأصابعهن تسترا. # واخذ ذو الرمة هذا فقال: # ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع وزعنا غربها بالأصابع # ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل مزوجا بماء الوقائع # ومعنى يساعفنا الغيور بداره، يقار بنا بمحله. والإسعاف: قضاء الحاجة ~~وإدناؤها. ولك أن تجعل ماذا بمنزلة اسم واحد، فينتصب بلقيت: ولك أن تجعل ذا ~~بمعنى الذي، ويكون ضميره العائد من الصلة محذوفا، كأنه قال: لقيته ولقيناه. ### || وقال جميل # وماذا عسى الوشوان أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك وامق # نعم صدق الواشون أنت كريمة ... علينا وإن لم تصف منك الخلائق # ماذا في موضع المبتدأ، كأنه قال: أي حديث عسى الواشوان يتدثونه سوى ~~قولهم: إنني لك محب. فهو كقولك: أي ضرب عسى زيد أن يضربه، وسبيله سبيل ~~المصدر والمضاف إلى المصدر إذا ابتدى بهما. ولا يجوز أن ينتصب بيتحدثوا، ~~لأنه في صلة أن، فلا يعمل فيما قبل الموصوف، ولا يجوز أن يكون ذا منه ~~بمنزلة الذي، لأن عسى لا يصلح لكونه غير واجب أن يقع صلة له، وكذلك أخوات ~~عسى. ألا ترى أن الاستفهام والنفي وأخواتهما لا يقعن صلات، إذ كانت الصلات ~~إنما تكون من الجمل الخبرية الواجبة والمعنى أنهم لا يقدرون في وشايتهم على ~~أكثر من قطع القول بأنني لك محب وعاشق. ثم أوجب بنعم فقال: قد صدقوا فيما ~~ادعوا ms0790 ولفقوا، أنت تكرمين علينا وإن لم يعد علينا منك خير، ولا صادفنا من ~~إحسانك صفاء ولين. كأنه يبري ساحتها، ويرى أن ميله وهواه لا يشبنها مع ~~سلامة طريقتها، واستحكام عفافها. # PageV01P968 ### || وقال آخر: # وإذا عتبت على بت كانني ... بالليل مختلس الرفاد سليم # ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلب من هواك قديم # يبقي على حدث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم # يقول: اليسير من إنكارك ولومك يعظم عندي ويصعب علي، حتى أبقى له ليلتي ~~ساهرا مؤرقا، وسادما قلقا، كأنني لديغ حية، أو مسلم لعارض علة. ولقد رمت ~~التسلي عنك، والتصبر منك، فدفني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديما وملك ~~قيادي لك، حتى لا أجد دونك منصرفا ومحيا. ثم يوصف العلق اللازم له، والحب ~~الغالب عليه فقال: إنه يبقى على تغير الزمان، وتلون الحدثان، فلا يعض له ~~فتور ولا نكوص؛ وعلى ما يتجدد عليه في كل حال من جفاء فيك شديد، وإعراض ~~أليم، فلا يبدله قصور ولا نبوء؛ إن هذا العلق لكريم المحتد، محكم العقد، ~~ثابت الأساس والبناء، مقدم الذكر في صحف الوداد والصفا. # وهذا الكلام، اعني قوله إنه لكريم يسمى الالتفات. ### || وقال آخر: # ألمم على دمن تقادم عهدها ... بالجزع واستلب الزمان جمالها # رسم لقاتله الغرانق ما به ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها # ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها # لإلمام: الزيارة الخفيفة. يخاطب صاحبا له ويسأله مساعدته في زيارة دار ~~أحبته، فقال: زر آثار دار متقادمة العهد بسكانها. مسلوبة الجمال لتأثير ~~نوائب الزمان فيها، بالجزع - وهو منعطف الوادي. وروى بعضهم: جلالها، ويكره ~~هذا لما حكاه الأصمعي من أنه لا يقال الجلال إلا في الله تعالى، ولأنه وإن ~~جاء في غيره عز وجل فهو قليل في العرف والاستعمال. # PageV01P969 # وقوله رسم لقاتلة الغرانق، ابتداء كلام، أي هو رسم دار لامرأة كانت تصيد ~~الغرانق وتقتتلهم بالحب. والغرانق: الشاب الناعم الحسن، بضم الغين، وجمعه ~~الغرانق بفتحها العراعر، والجوالق والجوالق. وقد استبدلت بأهلها وحوشا فهي ~~خالية لها، وهي رائعة فيها، لا ms0791 تعدل عنها. وقوله ظلت تسائل، أي تبقى نهارها ~~تسأل عشيرة العاشق عنه وعن استهتاره وعلته، وهي أعرف الناس بأخباره، إذ ~~كانت المتولية لفتنته وخباله. والمتيم: المعبد؛ يقال: تيمه الحب، أي عبده ~~واستعبده. وقوله خلت له، في موضع الصفة للرسم. ### || وقال آخر: # وما برح الواشون حتى ارتموا بنا ... وحتى قلوبنا عن قلوب صوادف # وحتى رأينا أحسن الوصل بيننا ... مساكتة لا يقرف الشر قارف # قد تقدم القول في ما برح وأنه في معنى ما زال. فيقول: لم ينفك السعاة عن ~~الوشاية والتقاط الأحاديث للنميمة، واستدراج المختلطين بنا، واستشفاف ~~المتبلغين بأخبارنا وأخبار غيرنا، حتى فرقوا بيننا، فأققبلوا يرمي بعضها ~~بعضا بمصاير أمورنا، وحتى صدفت القلوب، فمال كل من عشيرتنا إلى الاستبدال ~~بموضعه، والانتقال عن جوار صاحبه، وإلى أن رأينا أحين المواصلة بيننا ~~ملازمة السكوت، واطراح الإيحاء والرموز، توقيا من فرقة تتوجه، وتفاديا من ~~تهمة تتسلط. هذا إذا رويت لا يقرف بضم الفاء. ويروى لا يقرف بكسر الفاء، ~~ويكون في موضع الجزم جوابا للأمر الذي يدل عليه قوله مساكتة، لأنه في هذا ~~الوجه مصدر في معنى الأمر، والجملة في موضع النصب على أن يكون مفعولا ثانيا ~~لقوله رأينا. والمساكتة تكون مواصلة تجعل بدلا منها. ويكون هذا مثل قول ~~الآخر: # تحية بينهم ضرب وجيع # PageV01P970 # ويكون المعنى: رأينا أحسن المواصلة بيننا تواصينا بأن ساكتوا الأحبة ومن ~~يختلف بيننا وبينهم، لا يقرف الشر قارفه. وفي الوجه الأول يكون مساكتة ~~مفعولا ثانيا. والمعنى سكوتا من الجانبين، أي كفافا لا يتولد منه قرف ولا ~~تهمة، ويكون قوله لا يقرف الشر، تفسيرا للمساكتة، وبيانا لاختيارهم لها. ~~ويروى صوارف بالراء، والمعنى قلوب تصرف الود بما تأتيه وتستعمله عن القلوب ~~الأخر. ### || وقال آخر: # فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفا مثل صيفي ومربعي # أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع # رجع هذا معدى، لأنه بمعنى رد. يقال: رجعته رجعا فرجع رجوعا. وصيفا انتصب ~~على المفعول من قوله ترجع. وكان الواجب أن يقول: صيفا ومربعا مثل صيفي ~~ومربعي، أو ms0792 يقول: بذي الأثل صيفي ومربعي، أي أياما كأيامها، فلما لم يلتبس ~~المراد قال: صيفا مثل صيفي ومربعي. وقوله أشد بأعناق النوى، أشد في موضع ~~الجزم، لأنه جواب الشرط. ولك أن تضم الدال منه إتباعا للضمة الضمة، وأن ~~تكسرها لالتقاء الساكنين وأن تفتحها، لأن الفتحة أخف الحركات. والمعنى إن ~~ردت الأيام الدائرة بيني وبينها ربيعا مثل مربعي، وصيفا مثل مصيفي معها، ~~استظهرت على النوى بأن أوثق أواخيها، وأمر حبالها التي أربطها بها، حتى إن ~~جاذبتها قاومتك فلم تتقطع. وهذا مثل. والمراد أنى أحكم التألف والتجمع بما ~~يؤمن معه تعقب الآراء بالمزايلة والافتراق. ### || وقال كلثوم بن صعب # دعا داعيا بين فمن كان باكيا ... معي من فراق الحي فليأتني غدا # فليت غدا يوم سواه وما بقي ... من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا # لتبك غرانيق الشباب فإنني ... إخال غدا من فرقة الحي موعدا # كان شعباهما متجاورين في النجعة، فلما تقضى أيامها وهموا بالانصراف إلى ~~المزالف وجوانب القرى، دعا داعي الفراق في كل شعب منهما، وبعثوا على ~~التهيؤ، لذلك ثنى فقال: داعيا بين. وقوله فمن كان باكيا، يريد: فمن آلمه ما ~~أحس به # PageV01P971 # من النوى، وأزعجه ما عزم عليه من شق عصا الهوى، وأراد إسعادي على البكاء ~~فليحضرني غدا، فإنه اليوم الموعود، والمشهد المشهود. وقوله فليت غذا يوم ~~سواه وما بقى، يقول: بودي أن يكون بدل يوم غد يوم آخر غيره، تفاديا مما ~~يجرى ويحدث، وليت بدل الليلة الحائلة دائما. وما بقي لغة طيء، كأنهم فروا ~~من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت الياء الفا. # وقوله لتبك غرانيق الشباب، فالغرانيق جمع، واحدها غرانق. وقال الخليل: ~~يقال: شباب غرانق. وأنشد: # ألا إن تطلاب الصبا منك زلة ... وقد فات ريعان الشباب الغرانق # وقال أيضا: الغرنوق: الشاب الأبيض الجميل، والجمع غرانيق. ومراد الشاعر: ~~لتبك من استصلح للصبا من الشبان وأرباب الهوى، فإن غدا فيما أظن أو أتيقن ~~يوم مواعدة الحي بالزيال. وانتصب سرمدا على الظروف، ويجوز أن يكون صفة ~~لمصدر محذوف، كأنه قال: حبسا سرمدا. ### || وقال زياد بن ms0793 حمل، وقيل زياد بن منقذ # حبذا انت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى مني ولا نقم # ولن أحب بلادا قد رأيت بها ... علما ولا بلدا حلت به قدم # صنعاء: مدينة اليمن. وشعوب ونقم: موضعان باليمن. وعنس وقدم: حيان من ~~اليمن. وقوله لا أحبذا أنت، ذا اشير به إلى لفظة الشيء، والتقدير: لا محبوب ~~في الأشياء أنت يا صنعاء من بين البلاد، وكما أنت لست بمحبوب إلي، فكذلك ~~شعوب ونقم ليسا بهوى مني، أي لا أهواهما ولا أحن أليهما. وقوله ولن أحب ~~بلادا، يريد: ولن أحب أيضا منازل هذين الحيين. كأنه كره المواضع بأهلها ~~فاجتواها وذمها. وقوله بلادا قد رأيت بها عنسا، ضم إلى لفظة بلاد من الصفة ~~ما يخصصها. # PageV01P972 # وقوله حبذا حب فعل، والأصل في حبب، وذا أشير به إلى الشيء، ولذلك وقع ~~للمذكر والمؤنث على حالة واحدة فقلت: حبذا زيد، وحبذا هند؛ لأن لفظة الشيء ~~يشمل المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. فهو كما، وضع للجنس. # إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم # لما كان القصد في الدعاء بالسقيا بقاء المدعو له على نضارته، والزيادة في ~~طرواته، واستمرار الأيام به سالما، مما يؤثر في عنفوان حسنه، أو يغير رونق ~~مائه، جعل عند الدعاء على المذموم عنده السقيا بالنار، لكون النار ضدا ~~للماء ومميتا لما يجيبه. فيقول: إذا أطال الله تعالى جده تنعم أرض بما يقيم ~~من خصبها، ويديم من رفاغتها ورفاهتها، بتأتي الأمطار عليها، وتبكير الغوادي ~~نحوها، فلا سقى هذه الديار إلا نارا يهيج ضرامها، ويؤجج لهبا وسعارها، ~~لتبيد خيرها، وتفيت حسنها وزهرتها. وقوله تضطرم في موضع الحال للنار. # وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشى وفتيان به هضم # الواسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا # والمطمعون إذا هبت شامية ... وباكر الحي ن صرداها صرم # قوله وحبذا حين تمسي الريح باردة، جعل ما نفاه من الحب والحمد عما قدم ~~ذكره من البلدان ثابتا لوادي أشي وأهله، ونبه على انهم في أوان الجدب ~~والقحط ms0794 يشركون غيرهم من العشيرة في خيرهم، ويستنفذون الأموال التي يتنافس ~~فيها فيما يجلب الحمد، وبيب النشر، إذا هبت الريح باردة، واقتشعرت البلاد ~~هامدة، حتى يصير وسعهم مبذولا لهم يتوسعون فيه إذا جر غيرهم الجرائر على ~~عشيرته، وذوي لحمته، ثم من اكتسب جريمة منهم تكلفوا باستنقاذة منها، ~~وأقاموا ظل الحماية والصيانة عليه فيها. # وقوله والمطعمون حذف مفعوله، وإنما يصقهم بأنهم يقيمون القرى للأضياف إذا ~~هبت الريح شمالا، وغادي الحي السحائب الباردة طوائف وفرقا. وقوله هضم جمع ~~هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. وقوله هبت شامية انتصب على الحال. وقوله ~~الواسعون مأخوذ من الوسع وهو الطاقة، ويقال: لا يسعك كذا، أي لست منه في ~~سعة. والصرم، أصله في أقطاع الإبل، فاستعاره. # PageV01P973 # وشتوة فللوا أنياب لزبتها ... عنهم إذا كلحت أنيابها الأزم # حتى انجلى حدها عنهم وجارهم ... بنجوة من حذار الشر معتصم # فللوا: كسروا. واللزبة: السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلا لشدائدها. ~~والكلوح: بدو الأسنان عند العبوس. والأزم: جمع أزوم، وهي العواض، وقوله ~~وجارهم بنجوة، أي عز ومنعة. والنجوة: المرتفعة من الأرض لا يبلغها السيل، ~~فضربه مثلا للملاذ الذي أووا إليه في فنائهم حذرا من الشر، فيقول: دب شتوة ~~دفعوا أذاها ومعرتها عن العشيرة أشد ما كانت، بما قاموا به من إصلاح ~~أمورهم، وإزالة ضررها عنهم، إلى أن انكشف حدها عنهم، وجارهم معتصم فيهم ~~بأحمى مكان، وأمنع عز وملاذ. # هم البحور عطاؤ حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم # وهم إذ الخيل حالوا في كوائبها ... فوارس الخيل لا ميل ولا قزم # انتصب عطار على التمميز، ويجوز أن يكون مفعولا له. وارتفع بهم بالابتداء، ~~وخبره في اللقاء، ومفعول تلقي محذوف، كأنه قال: إذا تلقى بهم الأعداء. ~~والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري كيف يوتى له، لاستبهام شأنه ~~وتناهى شجاعته. والمعنى: هم البحور إذا اجتداهم المجتدى، لكثرة عطائهم، أي ~~لا ينفذ عطاؤهم على كثرة الاجتداء، كما لا ينفد ماء البحر على كثرة الوراد، ~~وهم بهم في اللقاء إذا لقيت بهم الأعداء، وإذا ركب الفرسان الخيل ms0795 وثبتوا في ~~كواثبها - والكاثبة: قدام المنسج منها - ففرسانها لالثام ضعاف صغار ~~الأجسام، ولا ماثلون عن وجوه الأعداء. والميل: جمع أميل، وهو الذي يعرض عن ~~وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: هو الذي لا يثبت على ظهر الدابة. ويقال: حال ~~في ظهر دابته، إذا ركبها. وارتفع ميل على أن يكون معطوفا على فوارس الخيل، ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لاهم ميل ولا قزم. وقد مضى القول ~~في فوارس وشذوذه: # لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم ... إلا يزيدهم حيا إلى هم # كم فيهم من فتى حلو شمائله ... جم الرماد إذا ما أخمد البرم # يقول: لم أخالط بعد فراقي لهم حيا من الأحياء فخيرتهم إلا وازدادوا في ~~عيني ورجحوا، إذا قستهم بمن سواهم في قياسي ونظري، كمال آلة وتناهى رياسة، # PageV01P974 # وتوفرا على من متحرم بذمة، أو مدل بقرابة. وارتفع هم الأخير بيزيد، وقد ~~وضع الضمير المنفصل موضع المتصل لأنه كان لوجه أن يقول: إلا يزيدونهم حبا ~~إلي. وهذا كما يوضع الظاهر موضع المضمر والمضمر موضع الظاهر إذا أمن ~~الالتباس. وانتصب فأخبرهم لأنه جواب النفي بالفاء، والعامل أن مضمرة بين ~~الفاء والفعل. # وقوله كم فيهم من فتى حلو شمائله فكم للكتثير، وموضعه رفع بالابتداء ~~وخبره من فتى. ومعنى جم الرماد أي كثير الأضياف، لأن الرماد إنما يكثر بحسب ~~اتساع ضيافته، وكثرة غاشيته. والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، ~~ومفعول أخمد محذوف، والمراد ما أخمد البرم النار لبخله ولشدة الزمان ونكده. ~~فجعل الفتى حلو الشمائل، وهي الطبائع؛ لأن الضيافة إنما تكرم وتشرف بحسن ~~خلق المضيف وخفته في الخدمة، وملاطفته لضيوف، وتحفيه وبره بهم. # تحب زوجات أقوام حلائله ... إذا الأنوف امترى مكنونها الشيم # وصف النساء منهم بحسن التوفر على أشباههن، وكمال التفقد بما يهدين إليهن ~~إذا قلت الهدايا واشتد الزمان، وبلغ البرد حدا يستخرج مكنون الأنوف من ~~الرعام فيقول: زوجات الأبرام ومن يشبههم من ذوي الحاجة، أو الممتنعين من ~~الميسر، يحببن أزواج هؤلاء الفتيان إذا أمحل الزمان واشتد القحط والجدب، ~~لحسن تعطفهن عليهن، ms0796 وصرف العناية وجميل التفقد إليهن. وامترى: استخرج. ~~والشيم: البرد. وأراد بالمكنون المخاط. والحلائل: النساء المتزوجات سمين ~~بذلك لأنها تحال أزواجها، أي تنزل معها؛ والواحدة حليلة وفعيلة بمعنى ~~مفاعلة، كقعيدة، وجليسة. # ترى الأرامل والهلاك تتبعه ... يستن منه عليهم وابل رزم # كأن أصحابه بالقفر يمطرهم ... من مستجير غزير صوبه ديم # الأرامل: جمع الرمل والأرملة، لأنه يقع الذكر والأنثى، وهم الذين قد ~~انقطع زادهم وضاقت الأحوال بهم. والهلاك، هم الفقراء الذين أشرفوا على ~~الهلاك، وإنما قال تتبعه لأنهم كانوا يتفيئون بظله، ويعيشون في أفنيته من ~~خيره. وقوله يستن منه عليهم وابل، مثل لما كانوا ينصب عليهم ويجري ويدوم، ~~من إحسانه لهم، لأن الحيا يحي الأرض، كما أن معروف هؤلاء كان يحييهم. # PageV01P975 # والرذم السائل. ومعنى: يستن ينصب. سنت الماء وأسنته بمعنى. والوابل: ~~المطر الضخم القطر. وقوله كأن أصحابه بالقطر يمطرهم، يريد أنهم في دورهم ~~ومحلهم ذك فعلهم مع عشيرتهم، ومع روادهم ومؤمليهم، فإذا سافروا ترى الصحابة ~~في المكان الخالي يمطرهم من نواله ما يجري مجرى الصوب من سحاب متحير ممتلىء ~~ماء، غزيزر النوء، دائم السيل. والديم: جمع ديمة، وهي المطر يدوم بسكون، ~~والمستحير والمتحير. بمعنى واحد. وهذا التحير إنما هو كناية عن الامتلاء. ~~ويقال: استحار شبابه. # غمر الندى لا يبيت الحق بثمده ... إلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم # إلى المكارم يبنيها ويعمرها ... حتى ينال أمورا دنها قحم # الغمر: الواسع العطاء. ومعنى بثمده يكثر عليه حتى يفنى ما عنده. والماء ~~المثمود: المزدحم عليه حتى ينزر نزفا. وقوله وهو سامي الطرف، أي لا يكسبه ~~امتداد العطاء منه، ودوام الإحسان، غضاضة طرف وانكسار نشاط، بل يرى بعقبه ~~ضحوكا عالي النظر. وقوله لا يبيت الحق يثمده إلا غدا، يشتمل على معنى الشرط ~~والجزاء، أي كلما بات الحق يثمدها عنده غدا سامي الطرف مبتسما. # وقوله يبنيها ويعمرها، في موضع الحال، أي بانيا عامرا. وقوله إلى ~~المكارم، اتصل إلى بقوله إلا غدا. والقحم: الشدائد، واحدتها قحمة، والمعنى ~~أنه بذال سخي جم المعروف، لا يبيت تورد الحقوق نحوه يستغرق ماله إلا ms0797 ابتكر ~~وهو ضحاك عالي النظر إلى ابتناء المكارم، جريا على العادة وألفا لها، وهو ~~يعمرها ويصل جوانبها بأمثالها حتى يصيب أمورا تحول بينها وبين من يريد ~~نيلها والوصول إليها شدائد وتكاليف. وقحم الطريق: ما صعب منها، وفي الحديث: ~~إن للخصومة قحما، أي يتقحم على المهلك. # تشقى به كل مرباع مودعة ... عرفاء يشتو عليها تامك سنم # ترى الجفان من الشيزى مكللة ... قدامة زانها التشريف والكرم # PageV01P976 # ينوبها الناس أفواجا إذا نهلوا ... علوا كما على بعد النهلة النعم # المرباع: الناقة التي من شأنها أن تضع ولدها في الربيع، وهي المحمود من ~~النتاج، ولذلك قال: # أفلح من كان له ربعيون # ومرباع: بناء المبالغة. والمودعة: المكرمة الموفرة على التناسل لا تعمل ~~ولا تحمل. والعرفاء: التي لسمنها صار لها كالعرف. والتامك: تلسنام المشرف. ~~والسنم: العالي، ويقال: بعير سنم، أي مشرف السنام، والمعنى: تبقى شتوتها ~~سمينة لا يغيرها الجدب والقحط، وإنما قال تشقى به، وهو يريد الفتى لأن ~~المراد لا ينحر من الجزر إلا ما يتنافس فيه مثل ناقة هذه صفتها. وقوله ترى ~~الجفان من الشيزى مكللة، يريد أن الجفان المعدة للأضياف عليها كالأكاليل من ~~فدر اللحم، وقد زينها كرم بارع، وتشريف فاخر، وهذا بما يستعمله من اللطف ~~والتأنيس مع الأضياف، ومن توفر خدمة الخدم عليهم، ولكمال بهاء المجلس وكونه ~~مشحونا بما يروق ويعجب. وقوله ينوبها أي ينتابوها طائفة بعد طائفة، وفوجا ~~بعد فوج، فإذا تنالوا النهل رجعوا فأعقبوه العلل، كما يفعل ذلك النعم عند ~~وروده الماء. وانتصب أفواجا على الحال. والنعم يقع على الأزواج الثمانية، ~~والغالب عليها الإبل. # زارت رويقة شعثا بعدما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم # وقمت للزور مرتاعا وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادتي حلم # وكان عهدي بها والمشي يبهظها ... من القريب ومنها النوم والسأم # يصف الخيال فيقول: زارت خيال هذه المرأة قوما غبرا، أنضاء مرها، بعدما ~~ناموا عند إبل ضوامر مهازيل، شدت في أرساغها سيور الغد، لشدة سيرها وتأثير ~~الكلال فيها، فقمت من مضجعي للطيف الزائر خائفا، وطار النوم عني، وأخذني ~~القلق، ms0798 ووساوس النفس والزمع، فميلت الفكر بين شيئين أحدهما زيارتها بنفسها، ~~والثاني حلم نائم اعتادني فأرانيها، وصرت أراجع نفسي وأقول: كيف يجوز ~~مجيئها، # PageV01P977 # وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة كانت تتكلفه بشق النفس، وتحمل الثقل ~~والكد. هذا والغالب عليها الملال مما يتعب وإن خف، وطلب الراحة بالنوم ~~ليسير الخطب منها ببال ولو قل. وانتصب مرتاعا على الحال. # وقوله أم عادني حلم، أم هذه هي المعادلة، والمعنى أي هذين الأمرين كان. ~~وقوله أهي سرت، أسكن الهاء من هي مع ألف الاستفهام، لأنه أجراها مجرى واو ~~العطف وفائه، فكلما يسكن معها لأنها لا تقوم بنفسها ولا تستقل كذلك أسكن مع ~~الألف. ومعنى يبهظها: يثقل عليها ويشق. وقوله: والمشي يبهظها، خبر كان فيه. ~~وقوله: وكان عهدي بها الواو واو الحال من قوله أهي سرت. # وبالتكاليف تأتي بيت جارتها ... تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم # سود ذوائبها بيض ترائبها ... درم مرافقها في خلقها عمم # يقول: ومما عهدتها عليه أنها كانت تأتي بيت جارتها قضاء لذمام، او أداء ~~لواجب حق، بعد الجهد والشدة، ومداورة النفس على أدنى الكلفة والمشقة، ~~ومشيتها الهوينا، أي على رفق لا استعجال فيها ولا تهافت، ولا تقاذف في ~~أعضائها ولا تتابع، ولذيلها على الأرض سحب وجر، فقدمها لا تبدو، ووقراها ~~المتسبب من كبرها وعجبها لا يهفو. والهوينا: تصغير الهوني والهوني: تأنيث ~~الأهون، وموضعها من الإعراب نصب على المصدر. وقوله تمشي الهوينا، في ضمنه ~~ما يوصف به مثلها من الترفة وفرط الحياء، كما قال: # كأن لها في الأرض نسياص تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت # وقوله سود ذوائبها يصفها بأنها في عنفوان شبابها، ففرعها أسود، وصدرها ~~بما حواليه أبيض، ومرافقها لا حجم لها لكثرة لحمها، وخلقها تام لاستكمالها. # روبق إنى وما حج الحجيج له ... وما اهل بجنبي نخلة الحرم # قوله: وما حج الحجيج له يجوزأن يكون ما بمعنى الذي، كأنه أقسم بالبيت ~~الذي حج إليه الحجاج، وبإهلال الحرم، وهو رفع الصوت بالتلبية، بجنبي نخلة، # PageV01P978 # وهو مكان بقرب مدينة الرسول عليه السلام يقال له بطن ms0799 نخلة. ويجوز أن يكون ~~ما موضوعا موضع من، على ما حكى أبو زيد من قولهم: سبحان ما سبح الرعد ~~بحمده، ويكون الله تعالى المقسم به. # وقوله ما أهل يراد به وما أهل له، فحذف له لتقدم ذكره وطول الكلام به. ~~ويجوز أن يكون الضمير من له يعود إلى الله تعالى وإن لم يجر ذكره، لأن ~~المراد مفهوم، أي حجوا له إقامة لطاعته، وابتغاء لمرضاته. وجواب القسم في ~~قوله لم ينسني. ويقال: أحرم الرجل بالحج فهو محرك، وقوم حرام وحرم ومحرمون. # لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عيش سلوت به عنكم ولا قدم # ولم تشاركك عندي بعد غانية ... لا والذي أصبحت عندي له نعم # حلف بما حلف أنه لم يشغله عن ذكرهم منذ حصل الفرق بينهم، لا عيش استطابة ~~لمساعدة الزمان له بما سره فتسلى عنهم، ولا بلى ما كان يستجده كل وقت من ~~الوجد بهم وتذكار عهودهم تقادم أيام فتناساهم، ولا شاركها في مستوطن هواها ~~ومقر حبه لها امرأة غانية، فتضايق عنها حماها. ثم ثنى اليمين توكيدا فقال: ~~لا والله الذي أصبحت له عندي نعم مقابلتها بالشكر واجبة للأمر كما قلت، ~~فحذف لأن المراد مفهوم. # وقوله لم ينسني ذكركم يجاب اليمين من حروف النفي بما، ولكنه اضطر فوضع لم ~~ينسى موضع ماأنساني. ولا يمتنع أن ينفرد القسم الأول به جوابا، ويكون جواب ~~القسم الثاني: ولم تشاركك عندي، لأنه خبر ثان، فقدم المقسم له على المقسم ~~به، كما تقول: ما فعلته والله. # متى أمر على الشقراء معتسفا ... خل النقا بمروح لحمها زيم # والوشم قد خرجت منها وقابلها ... من الثنايا التي لم أقلها برم # قوله: متى أمر استبعاد واستعجال بما يتمناه من العود إلى هذه الأماكن ~~التي ذكرها. وراوه بعضهم حتى أمر، ويتعلق حتى بقوله لا والذي أصبحت عندي له # PageV01P979 # نعم، أي حصلت له نعم عندي كي أمر، لأن لحتى موضعين، والفعل بعدهما منصوب: ~~أحدهما أن يكون بمعنى لأن وكي، والثاني أن يكون بمعنى إلى أن، تقول: جئتك ~~حتى تكرمني، والمعنى لأن ms0800 تكرمني، وكي تكرمني. وتقول: انتظر حتى تخرج، ~~والمعنى إى أن تخرج. والشقراء، قال الأصمعي: يعني فرسه، وعلى هذا يكون ~~الشقراء والمروح فرسا واحدا. والباء من بمروح، يتعلق بقوله معتسفا، وعلى ~~الشقراء بأمر، ويكون في موضع الحال، أي راكبا الشقراء. وانتصب معتسفا على ~~الحال. والاعتساف: الأخذ على غير هداية ولا دراية. يقال: فلان يتعسف الناس، ~~أي يأخذهم بغيرالحق. والخل: الطريق في الرمل. والنقا: الرمل. والمروح: ~~النشيط. ومعنى زيم: متفرق. ووشم وبرم: موضعان. والثنايا: العقاب. ويروى: من ~~العقاب التي لم أقلها ثرم، وهي جمع ثرمة، وهي صدع يكون في الثنية. ومنه ~~قولهم: فلان أثرم، إذا سقط بعض ثناياه فصارت بينهما فرجة. ولم أقلها: لم ~~أبغضها. وقد قيل في الشقراء: إنه موضع أو هضبة. وانعطف الوشم عليه، وبمروح ~~حينئذ يتعلق الباء منه بحتى أمر. وعلى الوجه الأول تنصب الوشم وتعطف على خل ~~النقا. # ياليت شعري عن جنبي مكشحة ... وحيث يبني من الحناءة الأطم # عن الأشاءة هل زالت مخارمها ... وهل تغير من آرامها إرم # وجنة ما يذم الدهر حاضرها ... جبارها بالندى والحمل محتزم # قوله ياليت شعري يا حرف النداء، والمنادى محذوف. وهذا الكلام تحسر في إثر ~~ما فاته من أمر الأرضيين المذكورة. وشعري أسم ليت، وخبره محذوف لا يظهر ~~البتة، ومفعولا شعري قوله هل زالت مخارمها. وقوله عن جنبي مكشحة بيان ما ~~تمنى علمه، وفي أي جانب هو. ويروى: عن جزعي مكشحة وحوث. والجزع: جانب ~~الوادي. ومكشحة: أرض. وحوث لغة في حيث، لأن فيه أربع لغات: حيث، وحيث، ~~وحوث، وحوث. فالضم تشبيها له بالغايات قبل وبعد، والفتحة لخفته. والحناءة: ~~أرض. والأطم: الحصن وكل بناء مرتفع، والجمع آطام. # PageV01P980 # وقوله عن الأشاءة، فإن كان الأشاءة موضعا وبعض ما يقع عليه مكشحة فإنه ~~بدل من عن جنبي مكشحة، وقد أعيد حرف الجر معه. وإن كان النخلة فإنه يجوز أن ~~يريد بقعتها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ولا يمتنع أن يكون ~~أراد: وعن الأشاءة، فحذف العاطف كما تقول: رأيت زيدا، عمرا، خالدا. وأنشدنا ~~أبو علي الفارسي: # كيف ms0801 أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الحب في فؤاد الكريم # فيقول: ليت علمي كان واقعا بأحوال هذه المواضع، وهل هي باقية على ما ~~عهدتها من قبل، أو هل تغيرت أعلامها وزالت مخارمها. وإنما يدل على حنينه ~~إليها، وتأسفه على البعد عنها. وقوله وجنة يريد وعن جنة حاضرها يرضي عن ~~الدهر ويحمده، فلا يتسخط أيامه، ولا يذم عوارضه. والجبار من النخل: ما فات ~~اليد طولا. وقوله بالندى والحمل محتزم تنبيه على الخصب فيها، وعلى غضارة ~~عيش سكانها. والاحتزام كالالتفاف، ويروى جبارها بالندى والخير. # فيها عقائل أمثال الدمى خرد ... لم يغذهن شقا عيش ولا يتم # ينتابهن كرام ما يذمهم ... جار غريب ولا يؤذي لهم حشم # مخدمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبهم خدم # قوله فيها أي في الجنة. عقائل، أي نساء كريمات، كأنهن الصور المنقوشة ~~حسنا، منعمات لم تمسهن فاقة وفقر، ولا جهدن بأيام أدبرت عنهن، ولا شقين ~~بمناكدة عيشهن، ولا أصبن بموت كافلهن أو قيمهن، عفيفات، حييات، لا يعرفن ~~منكر الأخلاق، ولا مايشين من الأفعال، فهن ربائب النعم، وغرائر الزمن، ~~ومدللات العشائر والسكن. # وقوله: ينتهابهن كرام مدح الرجال عطفا على مدحهن فقال: يدبر هؤلاء النسوة ~~رجال كرام أعزاء، يحمدهم الجار الغريب، لوفائهم له بالعقد، وحسن تعطفهم ~~عليه عند البلاء والجهد، ويرضى عنهم الخليط النسيب لجمال عشرتهم، # PageV01P981 # وكرم أخلاقهم، لا كبر فيهم، ولا ترفع نعهم، ثم ترى حشمهم يسالمهم في ~~الحضر رزان سادة يخدمهم من يغشاهم، وفي السفر خفاف لطاف يكرمون الصابة ~~والمرافقة، ويخدمون الغاشية والمجاورة، ويتحملون في أحوالهم المؤن المجحفة، ~~وفي أموالهم النوب المثقلة. والحشم: خدم الرجل ومن يحتشم له، أي يغضب عند ~~النازلة، ويدافع دونه لطروق الكائنة. وقوله ينتابهن، يروى: يأتابهن يفتعل ~~من الإياب. # بل ليت شعري متى أغدوا تعارضني ... جرداء سابحة أو سامح قدم # نحو الأميلح من سمنان مبتكرا ... بفتية فيهم المرار والحكم # ليست عليهم إذا يغدون أردية ... إلا جياد قسى النبع واللجم # بل: حرف يدخل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني، كأنه لما صرف الكلام عما ~~كان فيه وشغله ms0802 بغيره أتى ببل، إيذانا بذلك. فيقول: ليت علمي واقع بما يقتضي ~~هذا السؤال، وهو متى ابتكر من سمنان نحو الأميلح - وهما موضعان - وتعارضني ~~في السير حجر قصيرة الشعر، تسبح في عدوها، أو ذكر سابق يسبق أصحابه ~~ويتقدمها من حيث جرى، ومعي فتيان فيهم هذان المذكوران، ثم وصف الفتيان ~~بأنهم لا يهمهم إلا الفروسية وركوب الخيل، وإعداد آلات الحرب، والصيد ~~والطرد. وقوله إلا جياد رفعة والوجه الجيد النصب، لأنه منقطع مما قبله، لكن ~~بني تميم يرفعون مثل هذا على البدل. وهذا يشبه بدل الغلط، لهذا ضعف في ~~الإعراب. # والبيت يشبه قول لبيد: # فرط وشاحي إذ غدوت لجامها # وانتصب مبتكرا على الحال. وقسى مقلوب، وأصله قووس، ويروى: قياس النبع. ~~والمرار قيل هو أخوه. والحكم: ابن عمه، كذا ذكره الأصمعي. # من غير عدم ولكن من تبذلهم ... للصيد حين يصيخ القانص اللحم # PageV01P982 # فيفزعون إلى جرد مسحجة ... أفنى دوابرهن الركض والأكم # قولهمن غير عدم ولكن، تعلق من بقوله ليست عليهم إذا يغدون أردية. والمعنى ~~أن إخلالهم بلبس الأردية واستسرائها والتأنق فيها، لا لفقر وفاقة، لكن ~~لولعهم بالصيد، وتبذلهم له في الوقت الذي يستمع الصائد القرم إلى اللحم إلى ~~أصحابه، في اختيار مواضع الصيد، وافتقاره لقلته. ويروى: حين ينادي السائف ~~اللحم. قال الأصمعي: يريد يرتدون بقسيهم ولجم خيلهم إذا ابتكروا، لا هم لهم ~~غيره. والسائف: الذي يحوش الصيد على أصحابه، أي ينادي أصحابه باعثا على ~~الأخذ، ومحذرا من الفوت. وقوله فيفزعون إلى جرد مسحجة أي يلتجئون إلى خيل ~~قصيرة الشعر، نشيطة، قد سحج بعضها بعضا بالعض والاستنان. ويجوز أن يريد أن ~~العمل والكد سحجها، ألا ترى أنه قال: أفنى مآخير حوافزهن ركض الفرسان لها، ~~واستحثاثهم إياها، وتأثير الإكام في حوافرها، لأن جريها كان عليها. ويقال: ~~أكمة وأكم، وإكام وأكم. # يضرحن صم الصفا في كل هاجرة ... كما تطايح عن مرضاحه العجم # يغدو أمامهم في كل مربأة ... طلاع أنجدة في كشحه هضم # أصل الضرح الرمي. وإنما وصف الخيل بصلابة الحوافر، وأنها تكسر ما تطأه من ~~صلاب الصفا إذا ms0803 سارت في الهاجرة. ثم شبه ما يتطاير من حوافرها من الحصي بما ~~يتطاير من النوى عن مرضاحه. والمرضاح: الحجر الذي يكسر عليه النوى أو به. ~~ومعنى تطايح: تطاير. وقوله: يغدو أمامهم يعني في التصيد. والمربأة: ~~المحرسة. وقوله طلاع أنجدة جمع كفرخ وأفرخة، ولا يمتنع أن يكون أنجدة جمع ~~نجاد، ونجاد جمع نجد، فيكون أنجدة جمع الجمع. ويقال: طلع الجبل، إذا علاه. ~~والهضم: انضمام الضلوع. يصف خفته وشهامته، وابتذاله نفسه في الصيد ~~والفروسية. # PageV01P983 ### || وقال عمرو بن ضبيعة الرقاشي # تضيق جفون العين عن عبراتها ... فتسفحها بعد التجلد والصبر # وغصة صدر أظهرتها فرفهت ... حزازة حر في الجوانح والصدر # العبرة: الدمعة، وقد استعبر، أي جرى عبرته، ويقال: لامه العبر، وأراه عبر ~~عينه، أي سخنه عينه وما أبكاه. فيقول: تمتلىء العين دمعا حتى تتضايق جفونها ~~عن احتباسه، فتصبها بعد تجلد منها في الإخفاء، وتصبر على مدافعة البكاء. # وقوله وغصة صدر يريد غمة اغتص بها الصدر فأظهرتها، بعد أن كانت لا تسوغ ~~بتنفس الصعداء، فسكنت تفظيع لوعة تمكنت بين الجوانح والصدر. والجزازة: وجع ~~القلب من أذى يصيبه. والجوانح: الأضلاع القصيرة، الواحدة جانحة. وقوله: ~~رفهت: وسعت؛ وعيش رافة. # ألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيماا استطاع من الأمر # قضى الله حب المالكية فاصطبر ... عليه فقد تجرى الأمور على قدر # ألا: افتتاح كلام. واللام من ليقل لام الغائب، وقد يدخل في فعل الحاضر، ~~على ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: " فبذلك فليفرحوا ". ~~وقوله ماشاء أراد ماشاء أن يقوله، فحذف المفعول، وكذلك قوله من شاء محذوف ~~المفعول، أي من شاء القول؛ فإن الملام يستحقة الفتى فيما يطيقه ويدخل تحت ~~مقدوره ثم لايفعله، فأما ما لا يطيقه فقد سقط اللوم فيه عنه. # وقوله " قضى الله حب المالكية "، يريد حتمه الله عليك وأوجبه، فتكلف ~~الصبر فيه، فقد تجري الأمور على قدر، أي على تقدير، تضيق السبل عن الانفكاك ~~منه، فلا حيلة فيه إلا التزامها. وهذا تسلية منه لنفسه وبعث لها على الرضا ~~بما ms0804 قسم له. وقضي عليه. ### || وقالت وجيهة بنت أوس الضبية # وعاذلة تغدو على تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي # PageV01P984 # فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب # تقول: رب لائمة همها مقصور على لومي وعتبي، فيما أهواه وأميل إليه، وأعد ~~نفسي به فتتشوقه، فلا يؤدي عتبها إلى طائل لها، لأن تنصحها مردود، ووعظها ~~مدفوع؛ ولا إلى طائل لي، إذ كان لاتزداد الصبابة في قلبي إلا تمكنا وثباتا، ~~ولا الاشتياق اللازم لي إلا ازديادا ودواما؛ وأنا إذا أحببت أرض عشيرتي ~~ورهطي، ووطن أحبتي وأهلي، ومسقط رأسي، وحيث حل الشباب تميمتي، وأبغضت ~~القصيبة منبت الطرفاء، أرضا لم أقض مأربة فيها، ولا أوجبت مذمة لها، فلا ~~ذنب لي ألام فيه، ولا جريرة مكتسبة فأعتب عليها. # وقوله " من ذنب " في موضع الرفع، لأنه اسم مالي، وجواب الجزاء من قوله " ~~إن أحببت أرض عشيرتي " في قوله " مالي من ذنب "، وجواب رب في قوله " لم تمح ~~الصبابة ". # فلو أن ريحا أبلغت وحي مرسل ... حفي، لناجيت الجنوب على النقب # فقلت لها أدى إليهم تحيتي ... ولاتخلطيها، طال سعدك، بالترب # فإني إذا هبت شمالا سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب # الوحي: مصدر وحيث لك بخير، أي أجبرت؛ ويستعمل أوحى ووحي في معنى البعث ~~والإلهام. والإيحاء: الإيماء والإشارة. فيقول: لو أن ريحا أدت خبر مرسل، أو ~~بعث ملح منفذ لساررت ريح الجنوب على الطريق - والحفي يكون الملح، ويكون ~~اللطيف، ومصدره الحفاية. والنقب: الطريق في الجبل - ولقلت: ياريح بلغيهم ~~تحيتي، وصونيها عن الإذالة، وخلطها بالتراب، أطال الله سعادتك. وقوله " طال ~~سعدك " دعاء لها، وهو من الاعتراضات المستحسنة، ومثله قول الآخر: # فما مكثنا دام الجميل عليكما ... بثهلان إلا أن تزم الأباعر # وقول الآخر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # PageV01P985 # وقوله: فإني إذا هبت الريح شمالا، انتصابه على الحال. وساغ ذلك فيه لكونه ~~صفة لااسما. وعلى هذا الجنوب والقبول والدبور، يجوز في جميعها أن تقع ~~أحوالا لكونها صفات. وكأن الجنوب كانت تهب من نحو أرضه مستقبلة ms0805 لديار ~~أحبته، فلذلك جعلها رسوله. وكانت الشمال تهب من ناحية أرض حبيبه مستقبلة ~~بلاده، فلذلك زعم أنه يسائلها عما استعجم عليه من أخبارهم. # وقال ابن الأعرابي: مهب الجنوب يمان من قبل اليمن، وقلما تسري بالليل، ~~وهي مباركة. والشمال شآمية، فهي أكثر الرياح هبوبا، وهي صاحبة الشتاء. # و" صداح النميرة " الصدح: الصوت، يقال: صدح الديك والغراب، إذا صوتا. ~~ويعني جلبة الصوت ونداء داعيهم. والمنادى بالرحيل فيهم كأنه ينتظرهم لحضور ~~وقت انتجاعهم ونهضاتهم، وكان يتعرف ذلك ليستبشربه. ### || وقال مرداس بن هماس الطائي # هويتك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كل صاحب # وحتى رأى مني أدانيك رقة ... عليك ولولاأنت ما لان جانبي # ألاحبذا لوما الحياء وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقارب # بأهلي ظباء من ربيعة عامر ... عذاب الثنايا مشرقات الحقائب # يقول: بلغت الغاية القصوى في كل ما كان فيك ولك، فحملت نفسي من أعباء ~~الهوى وطلب التناهي فيه ما كاد يأتي علي، أعد ذلك واجبا لك أؤديه، وفرضا من ~~حقوقك أقيمه وآتيه، ثم أدمنت الزيارة خادما، وترددت في التعرف والاستعطاف ~~متقربا، حتى توجه إلى اللوم من أصحابي، واستسرفني في البرجيرتي وأودائي، ~~وإلى أن ظهر لأقاربك شفقتي عليك ورقتي، ووضح ما اشتهر به أمري عندهم وعرف. ~~ولولا أنت لبقيت على ما وجدت عليه قديما من صبانة النفس وإكرامها ~~وتبعيدهاعن المراكب الشائنة المؤدية إلى ابتذالها، فلم يلن جانبي، ولم يزل ~~جماحي وصعوبتي. # PageV01P986 # وقوله " ألا حبذا " المحبوب محذوف، كما حذف المحمود في قولهتعالى: " نعم ~~العبد إنه أواب "، والمراد حبيب إلى التهتك في الهوى، وتجاوز المألوف فيه ~~إلى المستشنع القبيح، لولا الحياء، على أني ربما منحت هواي مالا مطمع في ~~بلوغه ودنوه. وهذا كما قال أبو تمام: # غالي الهوى، مما يرقص هامتي ... أروية الشعف التي لم تسهل # وقوله " بأهلي ظباء " رجوع منه إلى استلذاذ الهوى وإظهار التجلد فيه، ~~فيقول: أفدي بأهلي نساء من ربيعة عامر، عذاب المباسم، حسان الثغور ~~والمضاحك، عظيمات الأكفال، مشرفات الأرداف. # والحقائب: جمع الحقيبة، وهي عجز الرجل والمرأة جميعا. ويقال: امرأة نفج ~~الحقيبة. ms0806 والقصد بالتفدية في قوله " بأهلي ظباء " إلى صاحبته، وإن كان لفظه ~~عاما لها ولغيرها. ### || وقال بعض بني أسد # تبعت الهوى يا طيب حتى كأنني ... من أجلك مضروس الجرير قؤود # تعجرف دهرا ثم طاوع أهله ... فصرفه الرواض حيث تريد # وإن ذياد الحب عنك وقد بدت ... لعيني آيات الهوى لشديد # يقول: أعطيت الهوى مقادتي فيك، فتبعته حيث جرني، لاأتمنع عليه، ولا أطلب ~~معدولا إليه، حتى صرت كأنني بعير قد عضه الجرير فلان وانقاد. # والجرير: جبل مضفور من أدم. والضرس: العض. والقؤود: فعول في معنى مفعول، ~~فهو كالقتوب والركوب، والهمزة فيه بدل من العين. # وقوله " تعجرف "، أي أخذ غير القصد زمانا، لأنه كان صعبا ثم تذلل ودخل في ~~طاعة مداوره، وهذا مثل ضربه للنفس في ابتداء هواه، وأنه تأبى عليه مدة، ~~فتردد بين جده وهزله، واقتساره وليانه، حتى ركب منه كل مركب، واستوطأ ظهره ~~كل كل استيطاء. فهذا معنى " وصرفه الرواض حيث تريد ". # PageV01P987 # وقوله " وإن ذياد الحب عنك "، يريد أن دفاع حبه عنها وصرفه عسر صعب وقد ~~بدت آيات الهوى. والمعنى أن للهوى علامات حيث مالت بالإنسان ذهب معها، فيعد ~~الغي رشدا، ويرى التهالك فيه حياة، ولورام دفع حبه عنه، ولي نفسه دونه، ~~لتعذر وامتنع. # وما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولاكل مالا تستطيع تذود # وإني لأرجو الوصل منك كما رجا ... صدى الجوف مرتادا كداه صلود # يقول: ليس جميع ما يشتمل عليه صدري، ويشقى في الهوى بتحمله جوانحي، ممكنا ~~إظهاره؛ ولا كل ما تطيقه النفس، أو لاتنهض به، يسهل دفعه؛ فأنا أسير الهوى ~~وتبيعه، متردد في بلواه، لاأجد منه مخلصا، ولا استطيع عنه ملجأ ومناصا. # وقوله " وإني لأرجو الوصل منك " يقول: وعلى ما أصفه من حالي فيك أرجو ~~وصالك رجاء إنسان شديد العطش، يطلب الماء من موضع حفره فأكدى، أي بلغ ~~كديته، وهي حجر يعرض في البئر عند الاحتفار فيمتنع قطعه بالمعاول، وجمعها ~~كدي. وهذا مثل، والمعنى أن رجائي في خيرك مع حاجتي رجاء رجل عطشان يطلب ~~الماء ويرجوه من بئر هكذا. ms0807 والصلود: اليابس، ويقال للبخيل: أصلد وصلد ~~وصلود، تشبيها به، وكذلك زند صلود إذا لم يور. والمرتاد: الطالب، ومفعوله ~~محذوف، ويجوز أن يعنى بالمرتاد المطلوب، ويراد به الماء، وقد أقام الصفة ~~مقام الموصوف، وعلى الوجه الأول ينتصب على الحال. # وكيف طلابي وصل من لو سألته ... قذى العين لم يطلب وذاك زهيد # ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي ... أراك صحيحا والفؤاد جليد # يصف بخلها وتمنعهافيقول: كيف أستجيز طلب وصال إنسان لو سألته إزالة قذى ~~العين لم يجبني إليه، وذاك قليل فيما يسأل ويلتمس. فحذف المضاف، وأقام ~~المضاف إليه مقامه، كما قال الآخر: # يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار # PageV01P988 # يريد: ما في ترك وروده عار، فحذف المضاف. ويجوز أن يريد لو سألته ألا ~~يقذى عيني، كما تقول: سألت فلانا ضرب فلان، أي استوهبته صربه لم يطلبني. ~~ويجوز أن يريد من لو سألته تافها لا خطر له ولا اعتداد به، فضرب المثل ~~بالقذى، والمعنى: لو سألته ما يقذي العين. # وقوله " من لو رأى نفسي " عطفه على من لو سألته، يريد: ولو رأى دمي يسيل ~~لقال لقسوة قلبه علي: أراك صحيحا لاداء بك ولا آفة، وقلبه جليد، أي يرق لي ~~ولا يرحمني، والمراد على هذا بالقلب قلب المرأة، ويكون الواو في " والفؤاد ~~" واو الحال، ويجوز أن يكون من تمام الحكاية ومن كلام المرأة، والمعنى أنها ~~تقول مع ما ترى من سيلان دمي: أرى نفسك صحيحة، وقلبك ثابتا ماضيا، لا آفة ~~بك ولا غائلة. # فيأيها الريم المحلى لبانه ... بكرمين كرمي فضة وفريد # أجدي لاأمسي برمان خاليا ... وغضور إلا قيل أين تريد # كأنه استعطفها وذكرها اشتهاره بها، وتوجه التهم إليه بسببها، حتى ضاق ~~بهذين الموضعين مجاله، وتعسر عليه وإن تفرد فيها إمساؤه. # والرئم: الظبي الخالص البياض. والمحلى لبانه، أي ترائبه. بكرمين، أي ~~بقلادتين. والفريد: الدر. واللبان: الصدر. وقوله " وفريد " إن جعلته معطوفا ~~على فضة يكون إقواء، ولك أن ترفعه بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وفريد ~~فيهما. ويروى: " كرما فضة وفري ms0808 "، فينعطف الفريد على " كرما " ويكون الكلام ~~على الاستئناف لا الإبدال، كأنه قال: هما كرما فضة وفريد. وهذا أصح وأجود. # وقوله " أجدى " يريد: أعلى جد منى هذا الأمر، وهو أني لا أمسي منفردا ~~بنفسي برمان وغضور إلا قيل: أين مرادك. و " أجدى " في موضع المصدر، والفعل ~~العامل فيه محذوف، وذكر الإمساء والمراد الإمساء والإصباح جميعا، لكنه ~~اكتفى بذكر أحدهما لعلم الناس بأن حاله فيما ذكره يستوي فيه الليل والنهار. ### || وقال رجل من بني الحارث # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # PageV01P989 # أماني من سعدى حسانا كأنما ... سقتك بها سعدى على ظمإ بردا # المنى: جمع منية، وموضعها من الإعراب رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه ~~قال: هي منى. فيقول: هذه الخصال التي نعد بها أنفسنا في هذه المرأة وتعدنا ~~بها، لاتخلو من أن تكون صادقة أو كاذبة؛ فإما نعيش بذكرها منتظرين لها زمنا ~~ممتدا، وعيشا واسعا رافها. # وقوله " أماني من سعدى " نصب بإضمار فعل، كأنه قال: أذكر أماني من سعدى. ~~وكرر لفظ سعدى تلذذا لاسمها، وقد تقدم القول في أن الأعلام وأسماء الأجناس ~~يفعل بها ذلك. والمعنى أذكر أماني من هذه المرأة جميلة تزجى أوقاتنا، وكأن ~~موقعها من قلوبنا موقع الماء البارد من ذي الغلة الصادي. وقوله " زمنا رغدا ~~" الرغد: السعة في العيش. ويقال: عيش راغد ورغيد. وانتصاب رغدا على أنه صفة ~~لمصدر محذوف، كأنه قال: عشنا عيشا رغدا بها زمنا. ولا يمتنع أن يكون صفة ~~لقوله زمنا، كأنه قال عيشا واسعا. وقوله " على ظمإ بردا " يريد ماء ذا برد. ### || آخر: # وخبرت سوداء القلوب مريضة ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودها # فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها # قوله " خبرت " تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ومريضة المفعول الثالث. وقوله " ~~أعودها " في موضع الحال من أقبلت. ويجوز أن يريد بقوله " سوداء القلوب " ~~أنها تحل من القلوب محل السويداء منه، كأن القلوب على اختلافها تميل إليها ~~وتنطوي على حبها. ويجوز أن يكون كان اسمها سوداء ms0809 وأضافها إلى القلوب، كما ~~قال ابن الدمينة: # قفي يا أميم القلب نقض تحية ... ونشكو الهوى ثم افعلي ما بدالك # PageV01P990 # ويجوز أن يكون أراد أنها قاسية القلب سوداؤه، فجمع القلب بما حوله فقال ~~القلوب، أو لأنها كأن لها مع كل متيم بها قلبا، فقال القلوب على ذلك. ~~فيقول: نبيت أنها تألمت لعارض علة، فأقبلت من أهلي بمصر عائدا لها، ووالله ~~أحلف ما أدري إذا حصلت عندها أأصبر شفاء مما بها، أو أزيد في شكواها ~~لتبرمها بي؛ كأنه ظن بها تنكرا وحؤولا عن العهد. وقوله " أم أزيدها " يريد: ~~أم أزيدها داء، فحذف لأن المراد مفهوم. ### || وقال آخر: # إني وإياك كالصادي رأى نهلا ... ودونه هوة يخشى بها التلفا # رأى بعينيه ماء عز مورده ... وليس يملك دون الماء منصرفا # يقول: مثلي ومثلك في مساس حاجتي إليك، وتناهى رغبتي في وصلك والنيل منك، ~~وفي احتجازك عني وامتناعك منى، مثل رجل عطشان شاهد ماء، وقد حال بينه وبين ~~وروده وهدة عميقة يخشى من اقتحامها الهلاك، فالماء بمرأى منه، وقد غلبه ~~المانع عنه، ليس يقدر على انصرافه من دونه، لغلبة العطش عليه، وشدة الفاقة ~~إليه، فكذلك أنا وأنت. وقوله " رأى نهلا " في موضع الحال، وقد مقدرة في ~~الكلام، لأن رأى بناء للماضي. والنهل والمنهل: الماء، وموضع الماء. وقوله " ~~ودونه هوة " في موضع الصفة للنهل، كما أن عز مورده في موضع الصفة للماء. ~~وإنما قال " رأى بعينيه " فذكرالعين تأكيدا للرؤية. ومثله قوله تعالى: " ~~ولاطائر يطير بجناحيه " وما أشبهه. ### || وقال آخر: # ألا بأبينا جعفر وبأمنا ... نقول إذا الهيجاء سار لواؤها # ولا عيب فيه غير ماخوف قومه ... على نفسه ألا يطول بقاؤها # قوله ألا بأبينا، الجملة في موضع المفعول لقوله نقول. والباء من بأبينا ~~تعلق بفعل مضمر، والمراد: نفدى بأبينا وأمهاتنا جعفرا إذا سار الخميس وحمل ~~لواء الجيش قاصدا إلى الهيجاء. وأضاف اللواء إلى ضمير لحاجتها إليه. # PageV01P991 # وقوله ولا عيب فيه يريد أن جعفرا بريء من العيوب إلا من مخافة قومه على ~~نفسه ألا تطول مدتها، ولا يتنفس مهلها. وليس ms0810 ذلك بعيب، وإنما يشفقون مما ~~ذكر تنافسا في حياته، ورغبة في الانتفاع به وبمكانه، لكنه أراد أن من ذلك ~~معيبه، فكيف يكون مرضيه. فإن قيل: لم أدخل هذا في جملة النسيب وليس هو منه؟ ~~قلت: لطافة لفظه وحلاوة معناه، ومناسبته بذلك للنسيب، أدخلته في هذا الباب. ~~وقد فعل لمل هذه العلة مثل هذا فيما تقدم، ونبهنا عليه. ### || وقال آخر: # وإني على هجران بيتك كالذي ... رأى نهلا ريا وليس مناهل # يرى برد ماء ذيد عنه وروضة ... برود الضحى فينانة بالأصائل # يقول: إني على ما أجرى عليه من تعزلي لبيتك، ومهاجرتي لفنائك، ولما أتقى ~~به من مكاشفة الرقباء على ترصدهم بالمكروه لي ولك، واختلافهم في التقاط ~~حديثي وحديثك، لكالعطشان وقد رأى ماء مرويا كثيرا، باردا شهيا، فمنع منه، ~~وشافه روضة باردة الظل عند الضحاء، كثيرة الأفنان والغصون، إذا هبت رياح ~~العشاء فحيل بينه وبينها. والنهل: الماء. والناهل: الريان هاهنا، ويكون ~~العطشان أيضا في غير هذا. وذيد عنه، أي منسع منه. والفينانة: الكثيرة ~~الأفنان؛ وهو فيعال. والفنن: الغصن. والأصائل: العشيات. # وقوله يرى برد ماء، فيقول: يرى ماء باردا، لأن البرد لا يدرك بالعين. وإن ~~شئت قلت: جعله للمبالغة في الوصف كالمحسوس. ### || وقال آخر: # فمرا على أهل الغضي إن بالغضى ... رقارق لا زرق العيون ولا رمدا # أكاد غداة الجزع أبدى صبابة ... وقد كنت غلاب الهوى ماضيا جلدا # يخاطب صاحبين له يسألهما أن يجوزا بأهل الغضى، لأن فيها نساء يترقرق ماء ~~الشباب فيهن، لا زرق في عيونهن ولا رمد. ويقال: فتى رقراق، وفتاة رقراقة، # PageV01P992 # والمراد به ابتداء الشباب. وذكر بعضهم أن المراد بالرقارق مياه رقيقة، ~~وأن الزرق الصافية، والرمد المتغيرة الألوان، والأول أقرب، لأن الرمد لا ~~يستعمل إلا في الحاسة، ولأن الفائدة في كون مياه بالغضي على هذه الصفة ~~قليلة. وقصد الشاعر فيما كلف صاحبيه أن يجددا عهد بأهل الغضى، ويتعرفا من ~~أخبار محبوبته، ما تسكن نفسه إليه. وفي قوله إن بالغضي رقارق، إذا جعلت ~~الرقارق نساء، نسيب بها وبصواحبها: وقوله لا زرق العيون، ثبت ms0811 لهن كحل ~~العيون وسلامتها من الآفات، بنفي الأضداد عنها، وهذا كتحديد الشيء بالسلب. # وقوله أكاد غداة الجزع يصف ما ناله يوم البين، وأنه مع ثباته في الشدائد، ~~وصبره على النوائب، وحسن تمسكه عن جوالب الهوى، يفتضح ويظهر عليه من ~~الاكتئاب والوجد ما يستدل به على مستكنات صبابته، وخفيات أحواله. # فلله درى أي نظرة ذي هوى ... نظرت وأيدى العيس قد نكبت رقدا # يقربن ما قدامنا من تنوفة ... ويزددن ممن خلفهن بنا بعدا # قوله لله درى يجري مجرى: لله خيري. ومن عادتهم أن ينسبوا ما يعجبهم إلى ~~الله تعالى ذكره، وإن كانت الأشياء كلها في الحقيقة له. وقد فارق درى ~~بالاستعمال على هذا الوجه المصادر، فلا يتعلق به شيء من متعلقاتها. وقوله ~~أي نظرة ذي هوى تعجب، وانتصب أي بنظرت. وكأنه لما صبر عندما رأى من أيات ~~الفراق ولواذع البين، وصار بمرأى منه وبمسمع، من التهيؤ للارتحال، ومن ~~تدبير عوارض السفر، عد ذلك من نظره وجلده شيئا عجيبا. ومعنى نكبت رقدا وهو ~~موضع كان يجمعهم. ويجوز أن يريد بذلك نظره في إثر الظعائن تحسرا وصاحبته ~~معهن، كما قال الآخر: # بعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرا # وقوله: # ولما بدا حوران في الآل دونها ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا # PageV01P993 # ويكون على هذا قوله نكبت رقدا معناه انحرفن عنه وتركنه، لكونه مفرق ~~الطرق. # وقوله يقربن ما قدامنا من تنوفة وصف العيس بالسرعة. والتنوفة: المفازة. ~~والمراد أن ما يقطعه غيرها في يومين تقطعها هذه في يوم. والكلام تحسر ~~وتوجع، لتباعده عمن هواه معهم. ومثله قول الاخر: # إذا نحن قلنا وردهن ضحى غد ... تمطين حتى وردهن طروق # وتعلق الباء من قوله بنا بقوله يزددن. وبعدا، انتصب على التمييز. ### || وقال ابن هرم الطائي # إني على طول التجنب والنوى ... وواش أتاها بي وواش بها عندي # لأحسن رم الوصل من أم جعفر ... بحذ القوافي والمنوفة الجرد # يصف حسن تأتيه في عمارة الهوى والحب، وبليغ لطفه في تلافي ما يخاف ~~انقطاعه من علائق الوصل، وانتكائه من ms0812 وثائق العهد، لوشاية واش، أو تضريب ~~مفسد، أو قدح ساع بالنمائم متزيد. فيقول: إني على مطاولة البعاد، ومعاونة ~~الوشاة بالتحريش والإفساد، لأحسن عمارة الحال بيني وبينها، ورم ما يسترم من ~~جوانب وصالها، بما أنظمه من الشعر، وأحكمه من عقد السحر في رسائلي، وأردده ~~من الرسل المتوجهين إليها على رواحلي. وقيل في الحذ: إنها الأبيات النافذة، ~~وقيل: هي الخفيفة الوزن، اللطيفة السبك. وقيل: إنها المستقلة بأنفسها، ~~ويقال: بيت أحذ، إذا لم يكن مضمنا. والمنوقة: المروضة المذللة من النوق. ~~كذا قال الخليل. والجرد: السراع. ويقال: نجاء أجرد. قال الشاعر: # جذب القرينة للنجاء الأجرد # وخبر إن في قوله لأحسن رم الوصل. # وأستخبر الأخبار من نحو أرضها ... وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي # فإن ذكرت فاضت من العين عبرة ... على لحيتي نثر الجمان من العقد # PageV01P994 # قوله وأستخبر الأخبار، يجوز أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه. والمراد: وأستخبر ذوي الأخبار من نحو أرضها. ويجوز أن يريد أرجع ~~فيما أعرف من أخبارها فيما بيني وبين نفسها حالا بعد حال، طالبا لاستخراج ~~زيادة فيها، ومستمتعا بما يكون حاصلا فيها، فكأني أستخبر نفس الخبر. وقوله ~~وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي مثله قول الآخر: # وذكرك من بين الحديث أريد # استحلاء لاسمها، وتلذذا بذكرها. # وقوله فإن ذكرت يقول: وإذا قرع سمعى ذكرها بكيت شوقا إليها، ووجدا بها، ~~فسال الدمع من عيني، وانتثر ما غشى لحبتي منه نثر الجمان من قلادة لم يتفقد ~~نظامها، وخان سلكها، وتناثر حباتها. وانتصب نثر على المصدر من غير لفظه، ~~فهو كقولك: تبسمت وميض البرق، وقوله عهدهم عهدي، الجملة في موضع الحال من ~~أسأل. ### || وقال عمرو بن حكيم # خليلي أمسى حب خرفاء عامدي ... ففي القلب منه وقرة وصدوع # ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا ألا يصوب ربيع # جعل أمسى لاتصال الوقت. وخرقاء: اسم امرأة. وقوله عامدي: ممرضى، يقال: أي ~~شيء يعمدك، أي يوجعك. والوفرة: الهزمة والأثر. يقال: وقر الشيء، إذا جعل ~~فيه وقرأت. قال الهذلي: # فوقر بز ما هنالك ضائع # يعني بالبز ms0813 سيفا. # يقول: يا خليلي، إن حب خرقاء أمسى يقدح في قلبي، فقد صار فيه من أجله ~~صدوع، وآثار وشقوق، ولو اتفق في هذا العام معها اجتماع لم نبال وإن أجدينا ~~ألا # PageV01P995 # يقع مطر؛ إذ كان التبرك بها، والاستسعاد الشامل بمكانها، يقوم مقام كل ~~خصب. وقوله لم نبل جزمه مرتين لأنه كان نبالي، فدخل الجازم عليه فحذف له ~~الياء فصار لم نبال، ثم أسكن اللام بعد أن طلب تخفيفه لكثرته في الكلام، ~~فالتقى ساكنان: الألف واللام، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار لم نبل، ~~ومثل هذا لا ينقاس. وقوله على جدبنا في موضع الحال، تقديره مجدبين. ويقال: ~~صاب المطر يصوب، إذا وقع. والربيع: المطر. ويقال: ما باليت بكذا وكذا ~~وبالية. أي لم نبال بأن تنقطع الأمطار على ما بنا من جدب. ### || وقال آخر: # ألما على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشا مقيلها # وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإنى نافع لي قليلها # يامر صاحبيه بزيارة دار حبيبه، ولو كان ساعة. وخصص الدار بقوله التي لو ~~وجدتها بها أهلها، والمعنى التي لو وجدتها مأهولة ما كان موضعها وحشا، أي ~~خاليا موحشا، لكثرة أهلها وكثرة غواشي النعم فيها. وفي الحديث. أن قريشا ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لأكرم مقاما وأحسن مقيلا، أي موضعا، ~~فأنزل الله عز وجل: " أصحاب الجنة " - يعني النبي عليه السلام وأصحابه - " ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ". ويقال: بات فلان وحشا، أي خالي البطن؛ ~~وتوحش للدواء. وقوله وإن لم يكن إلا معرج ساعة، يريد إلا تعريج ساعة، وعطف ~~ساعة. ولم يرض بأن أضاف المعرج إلى الساعة حتى وصفه بقوله قليلا، وهذا على ~~هذا التقدير يكون من الصفات المؤكدة، لا المفيدة، كما يجيء الحال كذلك. ولا ~~يمتنع أن يريد تعريجا قليلا في ساعة، فيكون الصفة مفيدة. وقوله فإني نافع ~~لي قليها، يجوز أن يرتفع قليلها بنافع، ونافع خبر إن، كأنه قال: فإنى ~~ينفعني قليها. ويجوز أن يكون قليلها مبتدأ ونافع خبر له مقدم عليه، والجملة ~~في موضع ms0814 خبر إن، والتقدير إنى قليلها نافع لي، وانتصب معرج على أنه خبر لم ~~يكن، أراد: وإن لم يكن الإلمام إلا معرج ساعة. # PageV01P996 ### || وقال آخر: # ماذا عليك إذا خبرتني دنفا ... رهن المنية يوماص أن تعودينا # أوتجعلي نطفة في القعب باردة ... وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا # قوله دنفا أي مشرقا على الهلاك، وانتصابع على أنه مفعول ثالث الخبر. ~~وقوله ماذا عليك لفظه استفهام ومعناه تقريع وبعث. وانتصب رهن المنية لأنه ~~صفة لدنفا، ومعناه في ضمن المنية وملكتها، وكالرهن عندها، إن شاءت أغلقته، ~~وإن شاءت فكته. والمراد: أي شيء عليك من أن تعودينا، إذا أخبرتني عليلا. ~~فقوله عليك يقتضى فعلا، وذلك الفعل يعمل في أن تعودينا، وقد حذف حرف الجر ~~منه، أي لا عار عليك ولا ضرر من عيادتنا، ولا من مداواتنا بماء هذه صفته، ~~فهلا فعلت. وقوله يوما ظرف لخبرتني. وقد تقدم القول في ماذا في مواضع. ### || وقال جميل # بثينة ما فيها إذا نا تبصرت ... معاب ولا فيها إذا نسيت أشب # لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرت الأبصار كان لها العقب # إذا ابتذلت لم يزرها ترك زينة ... وفيها إذا ازدانت لذي نيقة حسب # تبصرت، أي استقصى النظر إليها، والكشف عن حالها. والمعاب: العيب. والأشب: ~~الخلط: يقول: إنها عند السبر والنظر، والكشف والتأمل، نقية من العيب، بريئة ~~من الشوب، فلها عند المبالغة في البحث النظرة الأولى، ولها البسطة وهي ~~النظرة الثانية، ويعني بها أن يبسط التميز على ما يتجلي من أمرها، ويسلط ~~التنقير على كثير مما يخفي من أحوالها. قال: ولها العقب أيضا، وهو النظر ~~بعد النظر، وفي موضع آخر الجري بعد الجري. والعرب تقول: النظرة الأولى ~~حمقاء، فلهذا قال: لهذه المرأة النظرة الأولى، ولها الكشفة النانية وهي ~~البسطة، ولها البحثة الثالثة، وهي تعقب التجربتين بتجربة ثالثة. وقوله إذا ~~ابتذلت يقول: إذا تركت التزين واكتست المباذل لم يقصر بها ذلك، وإن تزينت ~~كان فيها للمتأنق الكفاية من جميع ما يطلب فيها نفسا وخلقا، # PageV01P997 # ومنسبا وخلقا. وقوله لم يزرها أي لم يزر بها، ms0815 يقال: زريت عليه وأزريت به، ~~لكنه حذف الجار. وقوله حسب أي كاف، فهو مبتدأ. على هذا تقول: حسبي الله ~~وحده، ومثل هذا قول جرير: # إذا جليت فالحلى منها بمعقد ... مليح وإلا لم يشنها عواطله ### || وقال الحارثي # سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحى إليك وتحضر # وأخليتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر # يقول: أذيتني بهوك، وانحسر اللحم من عظامي وتعرت، فهي بارزة في النهار ~~للشمس، وعند الليل للبرد، إذا أوبت إليك وأسأدت. وإليك موضعه بالفعل الذي ~~يقتضيه نصب على الحال، وإنما قال هذا لأن المهزول الحر والبرد إليه أسرع ~~وأشد تأثيرا فيه. ويقال: ضحى بضحى ضحى، أصاب حر الشمس، ولغة: ضحا يضحو ضحوا ~~وضحوا. # وقوله وأخلبتها من مخها، يريد أنها أذهبت النقي من العظام أيضا ورققتها، ~~فخلت من مخها واستنشقت، فهي كالقوارير الخالية لو هبت الريح لصفرت بما ~~يتخللها من الريح صفيرها. # وقوله في أحوافها الريح تصفر الجملة في موضع الصفة للقوارير، وموضع تصفير ~~نصب على الحال إن جعلت الريح ترتفع بالظرف، وكذلك مجردة في موضع الحال. ~~ويروى: فكأنها أنابيب في أجوافها الريح، والأول أحسن. # إذا سمعت باسم الفراق تقعقعت ... مفاصلها من هول ما تنتظر # خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني ... بي الضر إلا أنني أتستر # PageV01P998 # جعل الإخبار عن العظام، وإن كان ما وصفه حالا للجملة لا لها وحدها، ~~لقوله: سلبت عظامي لحمها. والمعنى إن ذكر الفراق يبلغ منها هذا المبلغ ~~العظيم. وهي أنها لارتعادها تتداخل مفاصلها ويحتك بعضها ببعض حتى تسمع لها ~~قعقعة، وذلك لهول ما ينتظره من وقوعه في نفسه، واستعظامه للخطب وفي وله. ~~وقوله خذي بيدي أراد أن يريها ما تستعبده من وصف حاله بالخبر مشاهدة، فقال: ~~خذي بيدي مستنهضة لي يبن لك أمري، ويظهر المكنون فيك من ضري، والمجلول علي ~~من هزالي، والمستور عنك من سوء حالي، وقوله إلا أنني أتستر استثناء منقطع ~~من الأول، كأنه أراد: لكني أتستر بتجلد أظهره، وبصبر أتقى الناس به. وفي ~~البيت طباق بقوله تبيني وأتستر. وأصل تبيني تتبني، فحذف ms0816 إحدى التاءين. # تم باب النسيب، والحمد لله على تظاهر آلائه، وتوالي نعمائه، والصلاة على ~~سيدنا محمد وآله. # PageV01P999 ### | باب الهجاء ### || قال موسى بن جابر # كانت حنيفة لا أبالك مرة ... عند اللقاء أسنة لا تنكل # فرأت حنيفة ما رأت أشياعها ... والريح أحيانا كذاك تحول # هذا الكلام تهكم وسخرية. ولا أبالك: بعث وتحضيض، وليس بنفي للأبوة، وخبر ~~لا محذوف، لأن النية في لا أبالك الإضافة، ولذلك أثبت الألف في أبا؛ فكأنه ~~قال لا أباك موجود أو في الدنيا. وقد مضى القول فيه مشروحا. فيقول: كانت ~~هذه القبيلة فيما مضى من الأيام، وتقصى من المرار، عند لقاء الأعداء وفيما ~~تباشره من الأمور والأحوال، أسنة لا تكبو ولا تضعف، نفاذا في العزائم ~~ومضاء، ولا تنبو ولا تقف، كلولا في الصرائم ونكولا، فقد عادت الآن مقتدية ~~بأشياعها، وآخذة إخذهم في الارتداد والنكوص، والإحجام والنبو؛ والريح تتحول ~~أحيانا كذلك، مرة تكون شمالا ومرة جنوبا. وقوله كذا موضعه من الإعراب نصب ~~على المصدر من تحويل. أراد: والريح تتحول أحيانا تحولا كذلك. أي كما عرفت. ### || وقال قراد بن حنش الصادري # لقومي أرعى للعلى من عصابة ... من الناس يا حار بن عمرو وتسودها # وأنتم سماء يعجب الناس رزها ... بابدة تنحى شديد وئيدها # PageV01P1000 # تقطع أطناب البيوت بحاصب ... وأكذب شيء برقها ورعودها # فويلمها خيلا بهاء وشارة ... إذا لاقت الأعداء لولا صدودها # يقول: لقومي أحسن رعاية وتفقدا، وأوفر عناية وتكسبا لأسباب العلى وحفظ ~~أواخيها وموادها، من طائفة من الناس أنت تسوسها وتدبرها، وما أشبهكم في ~~كثرة دعاويكم وقلة فعالكم إلا بسحابة تكثر بروقها ورعودها، ويعجب متأملها ~~ومستمعها ربابها وهديرها، بريح تعد آبدة - أي أعجوبة أو داهية تبقى على ~~الأبد - شديدة الخفيف، قطاعة لحبال البيوت بما يجيء منها بالحصباء، ثم ~~تراها مخلفة فيما وعدت من المطر، فأكذب شيء برقها اللماع، ورعدها النباح. ~~والباء من قوله بآبدة تعلقت بقوله يعجب الناس أي يعجب رزها بآبدة، أي ومعها ~~آبدة. # وقوله فويلمها خيلا انتصب خيلا على التمييز، وحذفت الهمزة من أم في قوله ~~ويلمها لكثرة الاستعمال، وليس ms0817 الحذف هذا بقياس. واللفظة تفيد التعجب. وبهاء ~~انتصب على انه مفعول له، فيقول ساخرا: ويلمها من خيل، لكمال بهائها، وحسن ~~شارتها، عند لقاء الأعادي، لولا انهزامها وإعراضها. وروى: لقومي أدعى للعلى ~~بالدال، والأول أحسن وأصوب. والعصابة: الجماعة. وقوله يا حار بن عمرو ~~الترخيم في قول من يقول في النداء يا حارث بن عمرو، فيضم وينون في غير ~~النداء، فيقول: هذا زيد بن عمرو. وأحسن منه في قول من يقول: يا حارث بن ~~عمرو، فيفتح ويجعل الأول والثاني بمنزلة شيء واحد، وذلك أنه يخرج آخر الاسم ~~إذا جعل مع الصفة شيئا من أن يكون آخرا، والترخيم يدخل الأواخر لا الأوساط. # وقوله وأنتم سماء يسمون السحاب سماء، وكذلك المطر. ألا ترى قوله: # إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # والرز والوئيد جميعا: الصوت. ومعنى تنحي تقبل. وقوله لولا صدودها جواب ~~لولا في صدر البيت، وقد تقدم القول في المبتدأ بعده ومجيئه بلا خبر. # PageV01P1001 ### || وقال عمارة بن عقيل # من مبلغ عني عقيلا رسالة ... فإنك من حرب على كريم # ألم تعلم الأيام إذ أنت واحد ... وإذا كل ذي قربى إليك مليم # وإذ لا يقيك الناس شيئا تخافه ... بأنفسهم إلا الذين تضيم # تمنى أن يتفق من يبلغ عقيلا عنه رسالته، فأتى بلفظ الاستفهام، والرسالة ~~إنك من حرب على كريم، وما بعده. وبنى كلامه على الاستعطاف، ثم أخذ في ~~التقريع. ومعنى قوله: إنك من حرب على كريم، إنك تكرم على من جملة من ينتسب ~~إلى بني حرب. # وقوله: ألم تعلم الأيام تذكير له بخذلان عشيرته إياه، وتفرده بما كان ~~يقاسيه، فيقول: أتذكر حين كنت فردا وحيدا لا ناصر لك، وإذ كان كل قريب ~~ونسيب لك مليما عندك - والمليم: الذي يأتي بما يلام عليه - وحين لا واقي لك ~~من شيء تخافه إلا الذين أنت تظلمهم الساعة. فقوله إلا الذين استثناء بدل، ~~ويجوز أن يكون في موضع النصب على الاستثناء المطق، والضمير العائد إلى ~~الذين من الصلة محذف، استطالة للاسم، والتقدير: تضيمهم، أي تظلمهم. وقوله: ~~ألم ms0818 تعلم الأيام، ألم: يقرر به فيما ثبت ووقع. ويروى الأيام بالرفع، ~~والأيام بالنصب. فإذا رويت الآيام بالنصب يكون الخطاب لعقيل، ويكون تعلم ~~بمعنى تعرف. والمعنى: أما عرفت الأيام التي كان حالك فيها ما ذكرت، وأتنسى ~~تلك الأيام. والمراد بالأيام حوادث الدهر. وقوله إذ أنت ظرف لها، وإذا رفعت ~~الأيام يكون المعنى: ألم تعرف الأيام حالتك وقصتك - والمعنى أهل الأيام ~~وأصحاب الأيام - حين كنت كذا وكذا. فيكون الكلام على حذف المضاف. # أترفع وهي الأبعدين ولم يقم ... لو هيك بين الأقربين أديم # فأما إذا عضت بك الحرب عضة ... فإنك معطف عليك رحيم # وأما إذا أنست أمنا ورخوة ... فإنك للقربى ألد خصوم # PageV01P1002 # وقوله: أترقع لفظه استفهام، ومعناه التقريع، فيقول: إنك تسعى في استعطاف ~~الأباعد وإدنائهم، وإصلاح الفاسد من أحوالهم، رجاء التئام أمرك بهم، وقد ~~أفت نفسك حظك من أقاربك، ومن تحد بهم عليك، لسعيك في إفساد أحوالهم، ونحت ~~أثلتهم، وتضييع غيبتهم. وهذا رأى فائل، وتوفيق سيء. وقوله لم يقم لو هيك، ~~يريد بالوهي الذي يحصل بك وبثلبك واغتيابك. وذكر الأديم مثل، أي لا يبقى ~~أصله لتمزيقك، ولا يثبت صحته لتخريفك. ويقال: فلان صحيح الأديم، وفلان نغل ~~الأديم. وفي المثل: أوسعت وهيا فارقعه. # وقوله فأما إذا عضت بك الحرب عضة، يريد: أنك إذا نابتك نائبة، وأصابتك من ~~أزمات الزمان وعضاته أزمة، وألجأتك من مصارف الحرب ضغطة فإنك تستعطف عليك ~~ذويك وعشيرتك، وتعتمد رحمتهم لك، وتطلب شفقتهم والأخذ بالفضل فيك. وقوله ~~رحيم هو فعيل في معنى مفعول، أي إنك معطوف عليك مرءوم. وقوله وأما إذا ~~آنست، يقول: أما إذا أمنت ووجدت من مضايقك رخاء، ومن شدائدك ليناص، على حسب ~~عادة الدهر في تلونه، فإنك تخرج خصما ألد لهم، نطلب إعلاق الحجج عليهم، ~~وتسد أبواب الخير دونهم، وتصرف مفاتح الرشد عن وجوههم وطرقهم، وهذا غاية ~~للؤم وسوء الاختيار. والألد: الشديد الخصومة، العسر الانقياد. وهو اليلندد ~~واللندد. والخصوم: بنا المبالغة، وهو أبلغ من خصيم، لأنه أشد تباعدا من ~~أبنية أسماء الفاعلين. ### || وقال أرطأة بن سهية المرىء # تمنت ms0819 وذاكم من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتني محارب # معاذ الإله، إني بقبيلتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب # ارتفع قوله محارب بفعلها وهو تمنت. فيقول: تمنت هذه القبيلة لما تحككت بي ~~وهجنتني، وتشهت مقابلتي إياها بمثل ما فعلت، وذلك لخفة رأيها، وتناهي ~~جهلها. فقوله وذاكم الواو واو الابتداء، وهي للحال، وذاكم ابتداء، ومن ~~سفاهة خبره. وتلخيص البيت: تمنت محارب لما هجتني لأن أهجوها، وذاكم من # PageV01P1003 # سفاهة رأيها. والمراد: حدثت منيتها لهجوى لها. ومثله: # أريد لأنسى ذكرها # وفي القرآن: " يريد الله ليبين لكم ". # وقوله معاذ الإله انتصب على المصدر، أي أعوذ بالله معاذا من أن آتي ذلك، ~~لأنني أرغب بنفسي بأصلي عن الوقوف في ذلك المقام، وأصون شرفي وأرفع عقلي عن ~~مساوقتهم لفظا بلفظ؛ وفعلا بفعل. ### || وقال زميل # إني امرؤ أطوى لمولاي شرتي ... إذا أثرت في أخدعيك الأنامل # خلقت على خلق الرجال بأعظم ... خفاف تطوى بينهن الأنامل # وقلب جلت عنه الشؤون وإن تشأ ... يخبرك ظهر الغيب ما أنت فاعل # يصف نفسه في البيت الأول بأنه يكف أذاه عن مولاه، وأنه إذا أجمع أهل ~~الرأي على نسبة مخاطبه إلى الغدر، والخيانة والشر، فأشاروا بأصابعهم إذا ~~ولى إلى قفاه، فقالوا: هذا قفا غادر، فإنه ينطوي نسيبا، ولا يؤذي جارا ~~قريبا ولا غريبا. # وقوله: خلقت على خلق الرجال، تبجح في هذا البيت بأنه شخت من الرجال قليل ~~اللحم، مديد القامة، فخلقه خلق الرجال لا خلق النساء، فلا يشينه سمنة ولا ~~فشل، ولا يقعد به آفة ولا كسل، فأعظمه خفاف، ومفاصله بينها مطوية ممحصة ~~لطاف. # وقوله: وقلب عطفه علي بأعظم، يريد: وبقلب هذبة الأمور، وكشف عنه الطبع ~~والرين مزاولة الشؤون، فهو بتجاربه يتصور ما لم يكن بصورة ما قد كان، ومتى ~~شئت أخبرك بخبره ومعرفته، وفرط شهامته وتمييزه، وحدة نظره وبصيرته بما أنت ~~فاعله بعد الغيب. وانتصب ظهر الغيب على الظرف، وما أنت ما فيه بمعنى # PageV01P1004 # الذي، وأنت فاعل من صلته، وقد حذف حرف الجر معه، كأنه قال: يخبرك بما أنت ~~فاعله. ويقال: خبرته كذا وخبرته ms0820 بكذا، وحدثته كذا وحدثته بكذا. # ولست بربل مثللك احتملت به ... عوان نأت عن فحلها وهي حافل # فجئت ابن أحلام النيام ولم تجد ... لصهرك إلا نفسها من تباعل # كان رواية الناس قبلنا احتملت به والصواب احتلمت به، بدلالة قوله فجئت ~~ابن أحلام النيام. والربل: السمين الرطب، وقد تقدم ذكره وتصاريفه. والعوان: ~~النصف من النساء، والفعل منه عونت، ويقال: عانت البقرة عونا، صارت عوانا. ~~وحرب عوان: قوتل فيها مرة بعد أخرى فيقول: لست برطب مسترخ مثلك، احتملت به ~~امرأة عوان بعد عهدها بفحلها، وهي ممتلئة شبقا، فحملت فجاءت من احتلامها ~~بك. والمعنى: أنه لا والد لك إلا ما رأت أمك عند شدة غلمتها من احتلامها، ~~فأنت شر ممن يجيء لزنية. ومعنى ولم تجد لصهرك، أي لم تصاهره فيك، أي ~~تخالطه. وقال الخليل: الصهر حرمه الختن. وختن القوم: صهرهم. وحكي عن أبي ~~الدفيش: أصهر بهم الختن، أي صار فيهم صهرا. فيقول: لم تجد ختنا إلا نفسها، ~~إذا كان ذلك الاحتلام لم يتجاوزها، وغذ كان مباعلة النفس على ما وصفه إنما ~~حصلت عن شبق ولوزم ذكر الجماع في اليقظة، وإلا نفسها: مستثنى مقدم. وقوله ~~ابن أحلام النيام، نصب على الحال، لأن أحلام النيام لا يتخصص، فلا يصير ~~المضاف إليه معرفة. ### || وقال خارجة بن ضرار المري # أحارج هلا إذ سفهت عشيرة ... كففت لسان السوء أن يتدعرا # وهل كنت إلا حوتكيا ألاقه ... بنو عمه حتى بغى وتجبرا # PageV01P1005 # فإنك واستبضاعك الشعر نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا # قوله سفهت عشيرة، قال يونس: سفه لغة في سفه، وعلى هذا تنصب عشيرة على ~~المفعول به، ويجوز أن يكون مما نقل عنه الفعل، كأه قال: سفهت عشيؤتك فنقل ~~السفه إلى نفسه فقال: سفهت، فأشبه عشيرة المفعول، فنصب نصب التمييز. وقوله ~~يتدعر أي يخبث ويفجر. يقال: رجل داعر بين الدعارة. وحكى: في خلقه دعارة، في ~~معنى زعارة، وعلى زنته. ومنه عود دعر، أي كثير الدخان. والحوتكي: القصير ~~الصغير. ومعنى ألاقه: ألصقه وضمه أبناء عمه إلى أنفسهم، فبغى لما رأى ذلك. ~~واستبضاع ms0821 السلعة: أن تحملها بنفسك؛ وإبضاعها: بعثها، وكما قيل في المثل: " ~~كمستبضع تمرا إلى أهل خيبر، لكثرة نخلها، قيل أيضا كمستبضع التمر إلى أهل ~~هجر، وهذا كما قيل كمستبضع الملح إلى بارق. # ومعنى الأبيات: هلا إذ كنت سفيه العشيرة لئيم الفصيلة، أمسكت عن الحنا ~~والفحش، وصنت نفسك ولم تعرضها للهجاء الممض: هذا وما كنت إلا حقيرا قليلا؛ ~~قميئا صغيرا، رق له أقاربه بعد كا كانوا ينفونه ويتبرمون منه، فألصقوه ~~بأنفسهم، فطغى من ذلك واستلى. وأما علمت أنك وحملك الهجاء إلينا في الندم ~~والخسران، وسوء العاقبة، كمن حمل التمر إلى خيبر يتجر فيه، فرجع نادما، ~~وحصل خاسرا. ### || عمارة بن عقيل # بنى منقذ لا آمن الله خوفكم ... وزادكم ذلا ورقة جانب # فمن يرتجيكم بعد نائلة التي ... دعت ويلها لما رأت ثأر غالب # دعته وفي أثوابه من دمائها ... خلبطا دم من ثوبه غير ذاهب # نائله: امرأة زوجت قاتل أبيها أو أخيها، فجعل عمارة يعيرهم ذلك. # والعرب تقول: دم فلان في ثوب فلان، إذا كان قاتله. # PageV01P1006 # قال أوس بن حجر: # نبيت أن دما حراما نلته ... فهريق في ثوب عليك محبر # وقال الفرزدق: # تمشي حرام بالبقيع كأنها ... نشاوي وفي أثوابها دم سالم # فيقول: أبدلكم الله يا بني منقذ بالأمن خوفا لا يفارقكم، وزادكم على مر ~~الأيام ذلا وخضوعا، ولين مجس وسقوطا، فإنه لا يعلق الرجاء بكم، ولا يستنم ~~أحد إليكم؛ بعد نائلة التي دعت بالويلات لما رأت ثأر غالب أخيها أو أبيها، ~~وقد ملكتموه أمرها، وجعلتموه بالتزويج قيمها، ثم قال: دعت نائلة الويل وفي ~~أثواب زوجها لها خليطا دم هما دم أبيها أوأخيها، بقتله له؛ والثاني دم ~~عذرتها، لتزوجه بها، فهما لازمان لثوبه لا يفارقانه. ويروى شريجا دم. وكل ~~لونين اجتمعا فيهما شريجان. وقوله غير ذاهب، غير صفة لدم، ويروى: مهرقاة ~~غير ذهب، ويكون الجملة صفةلدم أيضا. وقوله من يرتجيكم استفهام على طريق ~~التقريع، وفيه معنى النفي، أي لا يرجوكم أحد. ومعنى دعت ويلها صاحت بالويل ~~لي. وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ms0822 ". ### || وقال طرفة بن العبد # وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعمرا وعوفا ما تشى وتقول # وأنت على الأدنى شمال عرية ... شامية تزوى الوجوه بليل # وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل # وأعلم علما ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل # قوله ما تشى في موضع الفاعل لفرق. وما إن شئت جعلته بمعنى الذي، وصلته ~~تشي، والضمير العائد من الصلة إليه محذوف كأنه قال: ما تشيه وتقوله. وإن ~~شئت جعلت ما حرفا ويكون مع الفعل في تقدير مصدر، ولا يحتاج إلى ضمير من # PageV01P1007 # الصلة يعود إليه لكونه حرفا، ويكون التقدير وشايتك وقولك. ويعني ببيتيك: ~~أخواله وأعمامه. فيقول: فرق عن بيتي أهلك وذويك من قبل أبيك وأمك ما تأتيه ~~من إبلاغات تتقولها، ونمائم تختلقها وتصنفها: سعد بن مالك وعمرا وعوفا؛ ~~وإنما يعني بهم أفخاذا وبطونا كان ضلعهم معهم، فلم يزل يسعى بالتحريش، ~~ويمشي بالنميم، حتى فرق جمعهم، بما أوقع من الشر فيهم. وقوله وأنت على ~~الأدنى شمال عرية، فالعرية: الباردة، ومنه قولهم: عرواء الحمى. فيقول: أنت ~~على أقاربك في سوء اعتقادك لهم، وسوقك الشر إليهم، وجرك الجرائر عليهم، ~~بمنزلة الريح الشمال الباردة، المرقة للوجوه، إذا هبت في الشتاء، ويصحبها ~~بلل من المطر، وندى يقبض الجلد، ويجفف المفصل والوجه. وإنما قال شآمية، وإن ~~كان الشمال لا تهب إلا من ناحية الشأم تأكيدا. وللصفات كما تجيء مفيدة ~~مميزة تجيء أيضا مؤكدة لا تفيد في الموصوف أكثر مما عرف فيه. وعلى هذا قد ~~تجيء الأحوال أيضا، لكونها صفات في الأصل. # وقوله وأنت على الأقصى صبا غير قرة يريد أنه على الأجانب في تعطفه عليهم، ~~والانطواء على الجميل لهم، بمنزلة ريح الصبا تهب ولا برد معها. وقد تذاءب ~~منها، أي تسهل واضطراب من اجلها. والذئب فيمن همزه منه اشتق، لأنه كلما طرد ~~من جانب يتسهل ويحصل من جانب آخر، لوقاحته. والمرزغ: الذي يأتي بالرزغة، ~~وهي الوحل. والمسيل: المذيب للجامد. والمعنى: أنت للأجانب بمنزلة القبول ~~التي ترزغ الأرض في مهلبها، وتسيل التلاع، ms0823 وتبث الخير، وتوسع الخصب. وقوله ~~وأعلم علما ليس بالظن لما كان لفظة العلم قد يطلق على الظن الغالب، ليقامه ~~مقام ماهو علم في الحقيقة، أكد قوله وأعلم بقوله ليس بالظن، وبين بهذا ~~الكلام الخطأ فيما يأتيه المخاطب، وأنه إذا أقامت نفسه حظه من أقاربه ~~وعشائره بسوء معاملته، فإنه لا يستفيد من الأجانب ما عند الحاجة يغنى، وإذا ~~ذل أتباعه ولم يستبقهم لنفسه فالذل لاحق له، ومحتف به. وبهذا الخطاب نعى ~~عليه فعله، وبين له سوء التقدير فيما اختاره، وفعل الغواية فيما اعتقده ~~واعتاده. والضمير من قوله إنه للأمر والشأن، كأنه قال: وإن الأمر الحق إذا ~~ذل ابن عم المرء فهو ذليل. # PageV01P1008 ### || بشير ابن أبي جذيمة # أتخطر للأشراف يا قرد حذيم ... وهل يستعد القرد للخطران # أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم بنى قرد بكل مكان # لقد سمنت قعدانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحي غير سمان # قوله أتخطر لفظ الاستفهام، والمعنى التبكيت. ولما كان المخاطب من بني قرد ~~جعله قردا في الحقيقة. والخطر: أصله إشالة الذنب من الفحل عند هياجه ~~ومصاولته لفحل آخر، فاستعاره لفعل هؤلاء المخاطبين لما حدثوا أنفسهم ~~بمباراة الأشراف ومساجلتهم. فيقول: أتحدث نفسك على باعك الضيق، وذنبك ~~القصير، بمحاذاة الأشراف ومخاطرتهم، حتى تفعل ما يفعله الفحل في صياله؟ أنى ~~لك ذلك، والقرد لا ذنب له يشاول به ويخطر؟ وهذا مثل، وفيه مع الإزراء تهكم. ~~وقوله أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها رجع الضمير لإللا القبيلة بأسرها. ~~وقوله ولؤم بني قرد الواو للابتداء ومفيدة للحال: والحال اشتهارهم باللؤم ~~حتى لا يخفي أمرهم في جوانب أرضهم، وعند أعلام معارفهم. وقوله أبى قصر ~~الأذناب تفسير لما أنكره بقوله: وهل يستعد القرد للخطران، وتفصيل لما ~~أبهمه. وقوله لقد سمنت قعدانكم فالقعدان: جمع القعود، وهي الناقة تقتعد، أي ~~تركب. وقوله آل حذيم إضافة لآل إلى حذيم إضافة البعض إلى الكل وكذلك في ~~قوله ياقرد حذيم، يكشف لك أنه قال: ولؤم بني قرد بكل مكان. وإنما ينسبهم ~~إلى حسن تفقدهم لأموالهم، وسوء إهمالهم لحسبهم، ms0824 فقد سمنت إبلهم بحسن رعيتهم ~~لها، وتوفرهم على إصلاحها، وترقيح هيشهم بتثميرها وتكثير نسلها، وأن # PageV01P1009 # أحسابهم مضيعة مهملة، متروكة من التفقد بائرة، لا ترم فروعها، ولا تضبط ~~أصولها، ولا يحفظ بحسن المراعاة من السقوط والرزوح هزيلها. ### || وقال أبو منازل في ابنه # جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنزل الدين طالبه # تربيته حتى إذا آض شيظما ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه # تغمد حقيظالما ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه # قوله جزت رحم دعاء على ابنه منازل. وجعل فعل الجزاء للرحم. والجازي هو ~~الله تعالى، لأنه السبب في الجزاء، ولتكون الشكوى أبلغ، فيقول: جزى الله ~~منازلا على الرحم التي بيني وبينه وقد قطعها ولم يقم بحقها، جزاء يستوفى له ~~وعليه ما يحق، كما يستنزل طالب ممن عليه الدين حقه. ثم أخذ يقتص مادار ~~بينهما، وما أوجب عليه الفرض الذي ضيعه فقال: تربيته طفلا وناشئا، حتى إذا ~~صار شابا طويل القامة يكاد غاربه يساوي غارب الفحل، أي بلغ قامته قامة ~~الفحل. والغارب: مقدم السنام. والشيظم: الطويل الغليظ. ويروى: لربيته، ~~ويكون اللام جواب قسم انطوى عليه الكلام. ويقال: ربيته وربيته وتربيته ~~بمعنى واحد. حتى إذا آض، أي إلى أن صار. وإذا جوابه قوله تغمد حقي يريد: ~~لما بلغ هذا المبلغ ستر حقي ولم يف به، متعديا طوره، وباخسا ما استوجبته ~~عليه بالولادة والتربية، فلما جاذبته بلساني مد يده فلوى يدي، أي فتلها ~~وأزلها عن حالها وهيئتها ثم قال داعيا # PageV01P1010 # عليه: لوى يده الله، أي أشلها وأبطلها، وهو القادر على ذلك منه، والغالب ~~له وعليه. ### || وقال عارق الطائي # والله لو كان ابن جفنة جاركم ... لكما الوجوه غضاضة وهوانا # وسلاسلا يثنين في أعناقكم ... وإذا لقطع منكم الأفرانا # ولكان عادته على جاراته ... مسكا وربطا رادعا وجفانا # لهذه الأبيات قصة طريفة، وأنا أذكرها بما عرض من السهو فيها. # ذكر هشام الكلبي أن عمرو بن المنذر بن ماء السماء - وأمه هند بنت الحارث ~~الملك - كان عاقد طيئا ألا بغزوا ولا يفاخروا، فاتفق أن غزا عمرو اليمامة ms0825 ~~فرجع منفضا، فمر بطيء، فقال زرارة بن عدس: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي ~~شيئا. فقال: ويلك، إن لهم عقدا! قال: وإن كان، فإنك لم تكتب العقد لهم ~~كلهم. فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذوادا، فقال في ذلك قيس ابن جروة الأجئى: # ألا حي قبل البين من أنت عاشقة ... ومن أنت مشتاق إليه وشائقه # - وستجيء الأبيات في هذا الباب من الاختيار من بعد، لكن في آخرها قوله: # لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه # فلقب يومئذ بعارق - فلما بلغ عمرو بن هند هذا الشعر قال له زرزارة: أبيت ~~اللعن، إنه ليتوعدك على انتقامه بزعمه. فقال عمرو لثرملة بن شعاث الأجئي: ~~أيهجوني ابن عمك ويتوعدني؟ فقال: والله ما هجاك، ولكنه قال: # والله لو كان ابن جفنة جاركم ... ما إن كساكم غضة وهوانا # وسلاسلا يبرقن في أعناقكم ... وإذا لقطع منكم الأقرانا # ولكان عادته على جيرانه ... ذهبا وريطا رادعا وجفافا # PageV01P1011 # يعني بابن جفنة عمرو بن الحارث، وإنما أراد ثرملة أن يقبح عليه فعلته، ~~ومع ذلك يذهب شخيمته على ابن عمه، فقال عمرو: والله لأقتلنه! فيلغ ذلك ~~عارقا فقال: # من مبلغ عمرو بن هند رسالة ... إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد # وستجيء من بعد أيضا إن شاء الله. # قال الشيخ الإمام أبو علي رحمه الله: وإذا تأملت ما اقتصصت، بان لك أن ~~هذه الأبيات التي أولها: والله لو كان ابن جفنة، ليس يهجو لابن جفنة وإنما ~~هو مدح له، وقد عير بذكره عمرو بن هند، وأنه لو تولى من طيء ما تولاه عمرو ~~بن هند كان معاملته إياهم بخلاف ما عاملهم به هو، فتصور أنها هجو لابن ~~جفنة، وجعل بدل ما إن كساكم: لكسا الوجوه، وبدل قوله إذا لقطع تلكم ~~الأقرانا: منكم الأقرانا، وبدل قوله ولكان عادته على جيرانه: على جاراته، ~~ومع هذه التغيرات ليس يخلص هجوا. # قال أبو علي: وأنا أعود إلا عادتي من تفسيرها وشرح معانيها: قوله غضة ~~فعلة من غض، والغضاضة والغض: الفتور في الطرف. ms0826 ونصب قوله وسلاسلا على ~~المعنى، فهو من باب قول الآخر: # يا ليت بعلك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # لأن السلاسل لس من كسوة الوجوه، فكأنه قال: ما إن كساكم غضة ولا قلدكم ~~إذا غلكم سلاسل تبرق في أسناقكم. وقوله يثنين نعناه يعطفن ويلوين. وإذا ~~لقطع تلكم الأقرانا فالأقران الحبال، والواحد قرن. وإذا رويت يبرقن فالمعنى ~~ظاهر. ويشير إلى ما لحقهم من جهة عمرو بن هند. وقوله إذا أجاب لو بإذا كما ~~أجابه باللام من قوله لكسا وبما على الأصل الأول. ومعنى لقطع تلم الأقرانا ~~أي لو كنتم مأسورين لكان يفكم، ويقطع تلك الحبال التي صارت إسارا لكم. وإذا ~~روى وإذا لقطع منكم الأقرانا كان معنى البيت: يشدكم في السلاسل ويبدد ~~جمعكم. وقوله ولكان عادته على جيرانه، يريد أنه يفعل خلاف ما فعله عمرو بن ~~هند، لأن # PageV01P1012 # عادته في الجيران أن يمولهم ويصلهم، ويبرهم ويخلع عليهم، ويقريهم ~~ويمونهم. وعلى الرواية الثانية يرميه ويقذفه بالجارات، ومعنى ذلك ظاهر. ~~والرادع: المتغير اللون بالطيب والخلوق. ويقال: تردع بالخلوق، إذا تلطخ. ### || وقال آخر: # زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف # أولئك أومنوا جوعا وخوفا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا # يخاطب بني أسد ويكذب دعواهم في انتمائهم إلى قريش، وتنسهم بالقربى ~~والقرابة منهم، فقال: ادعيتم أن قريشا إخوتكم، وسيماء الكذب ظاهرة علة هذه ~~الدعوى، لأن لقريش إيلافا في الرحلتين المعروفتين للتجارة، وليس لكم ذا؛ ~~وقد آمنهم الله تعالى من الجوع والخوف، وأنتم خائفون جائعون. وإنما يشير ~~إلى السورة المنزلة: لإيلاف قريش إيلافهم. رحلة الشتاء والصيف ... إلى ~~آخرها. ويقال: ألف يألف إلفا وإلافا، وآلف يولف إيلافا. ### || وقال آخر: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منى وما سمعوا من صالح دفنوا # صم إذا سمعوا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا # جهلا على وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن # انتصب فرحا على انه مفعول له، وكان الواجب أن يقول: يطيروا بها فرحا، ~~لأنه لا يجوز أن يعمل حرف الشرط في الشرط بالجزم ويجعل الجواب فعلا ms0827 ماضيا ~~في الكلام، وإن كان يجوز في الشعر. ومعنى البيت الأول أنهم إذا رأوا حسنة ~~كتموها، وإذا رأوا سيئة أظهروها. وقوله منى أراد من جهتي. ومعنى طاروا بها ~~أي كثروها في الناس وأذاعوها، ووصلوا القيام بالقعود في نشرها. وهذا ما ~~ذكره من الدفن في قوله وما سمعوا من صالح دفنوا في المعنى. # PageV01P1013 # وقوله صم إذا خيرا ارتفع صم على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم صم، ~~أي يتصاءمون عما أنسب إليه من الخصال الصالحة. ويقال للمعرض عن الشيء: هو ~~أصم عنه. على ذلك قوله: # أصم عما ساءه سميع # قال: ومتى ذكرت بشر أدركوه وعلموه. ويقال: أذن يأذن أذنا. قال: # بسماع يأذن الشيخ له # ويجوز أن يكون اشتقاقه من الأذن الحاسة. وانتصب جهلا لأنه مصدر لعلة. ~~ينسبهم إلى أنهم مع الأقارب يستعملون الجهل والحسد عليهم ومعهم، وأنهم ~~جبناء عن الأعداء ضعفاء عجزة إذا طلب كفايتهم، لا يصلحون لدفع مكروه، ولا ~~لجلب محبوب. ثم سوأ عليهم فعلهم فقال بئست الخصلتان جهلهم على أقاربهم، ~~وجبنهم عن أعاديهم. وهذا تأكيد في التعبير، ومبالغة في التقريع. ### || وقال منصور بن مسجاح # ثأرت ركاب العير منهم بهجمة ... صفايا ولا بنيا لمن هو ثائر # من الصهب أثناء وجذعنا كأنها ... عذارى عليها شارة ومعاصر # قوله ركاب العير يروى ركاب القوم. وأراد بالعير السيد، وكان استيق ~~لرئيسهم إبل فارتجع بدلا منها على ما وصفه. ومعنى ثأرت ركاب العير أي أدركت ~~الثأر فيها منهم بأن أخذت هجمة من الإبل - وهي المائة وما داناها - غزارا ~~سمينات، والثأثر ليس من حقه أن يبقى، والأصل في الثأئر القاتل، فوضعه موضع ~~الواتر المنتقم. يقال: ثأرت فلانا وثأرت بفلان، إذا قتلت قاتله. وقوله من ~~الصهب أثناء وجذعنا، هذا تفسير للهجمة، وتفصيل للجملة، يريد: من الإبل ~~الصهب. والصهبة: حمرة يعلوها بياض. وتعلق من بقوله هجمة. # PageV01P1014 # وأثناء: جمع ثنى. والجذع: جمع جذع، وهو كخشب وخشب. والحجة في أن العير ~~السيد قوله: # زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا وأنا الولاء # وهذا أحد الوجوه التي قيل ms0828 فيه. وقوله كأنها عذارى يعني حسنها، زالمعاصر: ~~جمع المعصر، وهي من النساء التي شارفت الإدراك والبلوغ. قال: # قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # والشارة: الهيئة. ويقال: رجل شير صير، من الصورة والشارة. # فإن نلق من سعد هنات فإننا ... نكاثر أقواما بهم ونفاخر # لقد كان فيكم لو وفيتم لجاركم ... لحي ورقاب عردة ومناخر # بين أن الذين أدرك منهم ما أدرك هم بنو سعد. وهذا الكلام تهكم وسخرية. ~~كأنه يريد: إن اتفق من سعد الزلة بعد الزلة، والسقطة المنكرة بعد السقطة، ~~فإنا على ذلك نكاثر بهم الأعداء. ونفاخر بمكانهم. ثم أقبل عليهم وقد نقل ~~الكلام عن الإخبار إلى الخطاب، فقال: لو رمتم الوفاء لجاركم، ولم تطعموا في ~~ماله لقرب ذاك عليكم، فإن آلات الوفاء معدة فيكم: لحي موفورة، ورقاب غليظة، ~~ومناخر واسعة منتفخة. ### || وقال حواس الضبي لامرأة # والله ما أخشى حكيما ورهطه ... ولكنما يخشى أباك حكيم # PageV01P1015 # وجدت أباك تابعا فتبعته ... وأنت لعهار الرجال لزوم # رمى المرأة المخاطبة وقذفها بحكيم، فقال لها معيرا ومشهرا بها: إني لا ~~أخاف صاحبك حكيما ولا عشيرته، ولا أحتشمهم فيك، ولكن حكيم يخشى أباك ~~لاجتماعه معك على الفاحشة. ثم قال: تعاطيك الفجور وراثة، لأنك وجدت أباك في ~~الأبنة تابعا لسلفه فيها، فاقتديت به، فهو يطلب من يشفيه من دائه، وأنت ~~أيضا شديد اللزام للزناة والفساق، والولد يتقيل أباه. # على كل وجه عائذي دمامة ... يوافي بها الأحياء حين تقوم # وأورثها شر التراث أبوهم ... قماءة جسم والرداء ذميم # تعداهما إلى فصيلتهما بل قبيلتهما فقال: على وجه من بنى عائذة قبح وخزى، ~~إذا قامت أحياء العرب في أسواقهم ومجامعهم يوافيهم به. والمعنى أنهم ~~مشهورون باللؤم ودناءة النفوس، فوجوههم مسودة بالعار، مشوهة بسوء الفعال ~~عند القبائل، فمتى وافوا يوما مجموعا فيه الناس وجد آثار الخزى، وغضاضة ~~الطرف للخزاية، تلوح على صفحات وجوههم. ودمامة الوجوه ضربها مثلا لذلك. ~~وقوله: وأورثها، يريد أن اللؤم فيهم وراثة، وقد عرفوا ذلك من أنفسهم ~~واعترفوا به، فترى أجسامهم في المحافل والمشاهد قميئة تصاغرا وتذللا، ~~وتقاصرا وتخشعا. وقد ms0829 رداهم الله برداء أعمالهم من الغدر والخيانة، والغلول ~~والسفاهة؛ فرادؤهم مذموم في الألسنة عند الخاصة والعامة. ويجوز أن يكون ~~المراد أن سيماهم كالرداء عليهم، فهم مذمومون لها وعليها، ويروى: والرواء ~~دميم، يعني قبح الطلعة. ودميم: اسم الفاعل من دممت دمامة. وفعلت في المضاعف ~~قليل. والرواء يجوز أن يكون فعالا من الرؤية، ويجوز أن يكون من الري. # كأن خروء الطير فوق رءسهم ... إذا اجتمعت قيس معا وتميم # متى نسأل الضبي عن شر قومه ... يقل لك إن العائذى لئيم # لما كان يوصف الوقور المتثبت في الأمور إذا حصل مع أشباهه من أهل الأناة ~~والرفق والرزانة وسكون الجأش في منتدى لهم، وتناجوا وتشاوروا، أو حضروا في # PageV01P1016 # مجلس محتشم فتجاذبوا وتناظروا، بقولهم: كأن على رءوسهم الطير، وهذا ~~التشبيه إنما حصل على أنهم من السكون ومفارقة التعجل بمنزلة من على رأسه ~~طير فيخاف في تحركه ذهابها وطيرانها؛ ولما كان هذا الشاعر يهجو بني عائدة ~~ويهزأ بهم، جعل بدل ذلك القول كأن خروء الطير فوق رءوسهم. وقوله إذا اجتمعت ~~قيس معا وتميم بيان لاختلاطهم بأهل الحل والعقد من وجوه القبائل ورؤساء ~~المحافل. وكان الحكم أن يقول: إذا اجتمعت قيس وتميم معا، فقدم معا لأن ~~العاطف ينبه على موضع المعطوف. وقوله متى تسأل الضبي عن شر قومه، يروى: عن ~~سر قومه، وهو حسن، والمعنى أنهم لئام باعتراف من قومهم به، واتفاق منهم ~~عليه، لكنهم يسرون أمرهم ويخفونه. ### || وقال محرز بن المكعبر الضبي # أبلغ عديا حيث صار بها النوى ... وليس لدهر الطالبين فناء # كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... بلهى به المتبول وهو عناء # أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المنبئون أساءوا # يقول: أد إلى بني عدي رسالتي حيث استقرت بها النوى بأن زمن طلاب الأوتار ~~فيما عليهم من إدراك الثأر قد اتصل وامتد، فليس ينقطع لكسلهم عن السعي في ~~ردء المغار عليه، واستيطائهم مراكب العجز عن نصرته، غير مواعيد خالية من ~~الفعل يقربونها، وأقوال مزخرفة عند الالتقاء يبذلونها، إذا اعتمدها الموتور ~~انصرف بها مغرورا، فكانت ms0830 عند السامعين لها ضلالا وبورا، وعناء للقلوب ~~والجوارح، لا يحلى منه بطائل، ولا يرجع على أحد بعائد. هذا وأنا أحسن ~~أمركم، وأقول لمن يسأل عن أخبارنا وأخباركم: إنهم قد وفوا بالعهد، وأدوا ~~مالزمهم من النصرة بحق الجوار والعقد، لكن للأمور أوقات، وللأقضية آجال ~~وآماد، فينثنى الذم عنكم، وينحط العار دون فنائكم، ولو شئت لقال السائل ~~والسامع: أساؤا حين بدلوا الخفارة بالإخفار، وضيعوا الحقوق بالتقصير ~~والإقصار: وقوله أن قد وفيتم أن فيه مخففة من الثقيلة # PageV01P1017 # واسمه مضمر، وهو ضمير الأمر، والجملة في موضع الخبر. وقوله غير منطق ~~انتصب على أنه استثناء خارج. ويلهى به من لهوت عن كذا ولهيت، ألهو لهوا، ~~وألهى لهيا، إذا انصرفت عنه. والمتبول: المصاب بذحل وتبل. # لهم رثية تعلو صريمة أمرهم ... وللأمر يوما راحة فقضاء # وإنى لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # الرثية: الضعف. والصريمة: ما يقطع من العزيمة ويجزم إمضاؤه بعد العقيدة، ~~فيقول مصورا حالهم في التفريط والإهمال: متى هموا بإنفاذ عزائمهم، وتشديد ~~شكائمهم، وإنجاز ما يتنجز عليهم من مواعدهم، أو يهتمون لرحض درن العار عن ~~شيمهم وأخلاقهم، ولسد طريق العار والتعبيرعن مذاهبهم وأفعالهم، علا همهم ~~وهمتهم وهن وفشل، وملك قيادهم ومقودهم ضعف وكسل. ثم أخذ يتهكم ويهزأ فقال: ~~والمرء في أمره يمضي يوما ويكف يوما، فما يجبر كسر التعب إلا التعب ما ~~يتعقبه من الراحة. وقوله فإنى لراجيكم على بطء سعيكم، يريدأنهم على تباطئهم ~~وتأخر فعالهم عن مقالهم مرجوون، كما أن الحاملات على تأخر وضعهن مرجوات، ~~فأنا ناظر في أعقاب الأمل متى يتحقق. وقوله فقضاء أي فقضاء يوما آخر. وقوله ~~كما في بطون الحاملات رجاء أي أرجوكم مثل ذلك الرجاء. # فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء # لهم أذرع باد نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الجروب غثاء # كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء # هذا الكلام بعث وتحضيض. وهلا: حرف إغراء وتحضيض. وذكر بني مازن تحريكا ~~منهم، وليوجعهم بتفضيل غيرهم عليهم. وقوله وهل كفلائي، فالكفيل: الضامن ms0831 ~~للشيء: وهذا المصراع التفات، كأنه لما هجن فعلهم وقرعهم، وأطرى غيرهم مؤثرا ~~عليهم. التفت إلى من حوله فقال: وهل ضمنائي مستوون في الوفاء # PageV01P1018 # فأجريهم مجرى واحدا. وهذا أبلغ من كل نكير، ومن كل هجو فظيع. وسواء وإن ~~كان في الأصل مصدرا؛ فقد صار هنا كأسماء الفاعلين لنيابته عنها، لذلك صح أن ~~يعمل في الظرف قبله وهو قوله في الوفاء، لأن المصادر لا تعمل فيما قبلها ~~إلا إذا أمر بخا، كقولك: صربا زيدا، أو إذا أجرى هذا المجرى. وقوله لهم ~~أذرع صفة للعصبة المازنية. وهم يتمدحون بالهزال. والنواشر: عروق ظاهر ~~الذراع. وقوله وبعض الرجال في الحروب غثاء، تعويض بالآخرين، وهم بنو عدى. ~~والغثاء: ما يعلو السيل من الغثر والزبد. والمعنى: بعضهم لاغناء عنده ولا ~~كفاية، كيبيس النبات وقد احتمله الماء. # وقوله كأن دانيرا على قسماتهم، القسمات: الوجوه، وقيل هي مجاري الدموع. ~~ويقال: وجه مقسم، أي حسن، والقسامة: الحسن. ومرجعه إلى القسمة، كأنه مسح كل ~~جزء من الوجه بقسم من الجمال، فتعادلت الأجزاء وحسنت. وقوله وإن كان قد شف ~~الوجوه لقاء تعريض أيضا، والمعنى أن وجوههم تشرق في الحرب وتضيء، إذا صارت ~~وجوه غيرهم مشفوفة متغيرة. ويقال: شفة المرض، إذا أذابه وهزله. وذكر ~~الدنانير في إثبات ماء الوجه ونضارة الحسن قد جاء في النسيب، ألا ترى قوله: # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم ### || وقال شمعلة بن الأخضر # وضعنا على الميزان كوزا وهاجرا ... فمالت بنو كوز بأبناء هاجر # ولو ملأت أعفاجها من رثيئة ... بنو هاجر مالت بهضب الأكادر # ولكنما اغتروا وقد كان عندهم ... قطيبان شتى من حليب وحازر # هذا الكلام هزء وسخرية. فيقول: نظرنا ما بين كوز وهاجر بالمقياس القائم، ~~والميزان الحاكم، فوجدنا كفة بني كوز أرجح وأوزن، ولو علمت بنا وبفعلنا ~~لملأت # PageV01P1019 # بطونها من الرثيئة، فزادت زنتها على هضاب الأكادر، لكنها أصيبت غفلتها، ~~وفوجئوا بالوزن قبل الشرب والامتلاء، والتجرد للأمر والاستعداد، وكانت ~~الحال مساعدة، وأنواع الحليب ممكنة، وذاك أجلب لحسرتهم، وأدعى إلى ندامتهم. # والأعفاج: الأمعاء، والواحد عفج. ويقال: اغتر فلان، ms0832 أي أخذ على غرة. ~~والقطيب: الممزوج. والحازر: الجامض. والرثيئة: المجموع من الحازر والحليب. ~~وقد رماهم بأن طعامهم ذلك لا غير. ### || وقال قرواش بن حوط الضبي # نبئت أن عقالا ابن خويلد ... بنعاف ذي غذم وأن الأعلما # ينمي وعيدهما إلى وبيننا ... شم فوارع من هضاب يرمرما # الأجود في العلموقد وصف بالابن أو الابنة، إذا كانا مضافين إلى علم، أو ~~ما يجري مجراه، ترك التنوين فيه. وقد نون هذا نون هذا الشاعر عقالا، وإذ قد ~~فعل ذلك فالأجود ابن خويلد أن يجعل بدلا، ويجوز أن يجعل صفة على اللغة ~~الثانية. # والنعاف: جمع نعف، وهو المكان المرتفع في اعتراض، وأعلى كل شيء؛ ومنه ~~مناعف الجبل. والأعلم: اسم رجل، وأعاد أن معه توكيدا، والخبر قوله ينمي، ~~والعامل فيه أن الأولى، لأن الثانية لا يعتد بها عاملا إن كان مؤكدا. ومثل ~~هذا قول الحطيئة: # إن العزاء وإن الصبر قد غلبا # ويكون على هذا الألف في غلبا ضمير المثنى. والشم: الجبال المرتفعة. ~~والفوراع: العوالي. ويلملم: علم لجبل، ويروى: يرمرم. # غضا الوعيد فما أكون لموعدي ... قنصا ولا أكلا له متخضما # ضبعا مجاهرة وليثا هدنة ... وثعيلبا خمر إذا ما أظلما # PageV01P1020 # لا تسأما لي من دسيس عداوة ... أبدا فليس بمسئمى أن تسأما # يقول: أقصرا إليكما من تهددكما، فإني لا أحتفل بكما ولا بوعيدكما، ولا ~~أصطاد بإرعادكما وإبراقكما، ولا أصبر مأكلة لأحد فيأكلني بفمه كله خضما كما ~~يؤكل الرطب اللين، لا قضما. ثم أخذ يعدد مخازيهما فقال: عند المكاشفة ~~والملاقاة تخبثان وتحمقان، خبث الضبع وحماقته، وعند الاصطلاح والهدو تشجعان ~~وتقدمان إقدام الأسد وشجاعته، وفي ظلام الليل تسرقان وتحتالان على الناس، ~~وتراوغان مراوغة الثعلب وسرقته. والخمر: ما واراك من شجر وغيره. وإذا ما ~~أظلما أي دخلا في الظلام. والعامل في إذا ما دل على جوابه وقد تقدمه. # وقوله لا تسأما يقول: لا تملأ مداجاتي وطلب الغوائل لي في السر وبظهر ~~الغيب، فإني لكما على مثل حالتكما لي، ولا تفترا عنه فإني لا أفتر ولا أمل ~~وإن مللتما أيضا، فإن ملالكما لا يكسبني ms0833 فتورا ولا إمساكا. والدس: إدخالك ~~شيئا تحت شيء، وهو الإخفاء. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " والداسوس ~~والجاسوس يتقاربان. ويروى: من رسيس عداوة، ويكون مثل رسيس الحمى والهوى ~~ورسهما، لما يبدأ منهما. وموضع أن تسأما من الإعراب رفع على أن يكون اسم ~~ليس، كأنه قال: ليس بمسيئي سأمتكما فهو كقولك: ليس بمنطلق عمرو. ### || وقال سويد بن مشنوء # ذرى عنك مسعودا فلا تذكرنه ... إلي بسوء واعرضي لسبيل # نهيتك عنه في الزمان الذي مضى ... ولا ينتهي الغاوي لأول قيل # قوله ذرى؛ أي دعى. والأمر يبني على المستقبل، وهو يذر، وقد استعمل. فأما ~~وذر فمن المرفوض استعماله استغناء عنه بترك. وقوله: لا تذكرنه إلي كسر ~~الراء منه لأنه مخاطبة مؤنث، والأصل تذكرينن، فحذف النون الأولى للجزم، ثم ~~حذف الياء لالتقاء الساكنين، فصار تذكرن. والمعنى: لا ينتهين ذكره إلى، ولا ~~يتجاوزن ذكره إلي بسوء. فعدى تذكرن تعدية تتجاوزن إلي، حملا على المعنى. ~~ومما # PageV01P1021 # جاء على هذا قوله: # إذا تغنى الحمام الورق هيجنى ... ولو تعزيت عنها، أم عمار # عدي هيجني تعدية ذكرني، لأنه في معناه. وهذا كما يحملون في التعدية ~~النقيض على النقيض، كقوله: # إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # عدي رضيت تعدية غضبت لأنه نقيضه، كما عدي هيجني تعدية ذكرني لأنه نظيره. ~~وكما حكى: # قد قتل الله زيادا عني # عدى قتل تعدية صرف. # وقوله نهيتك عنه، يقول: كنت أحذرك عنه فيما سلف من الزمان وتقضى، لكن ~~الجاهل لا يرتدع للزجرة الأولى حتى يردع مرة بعد أخرى. وهذا مثل، أعني ~~قوله: # ولا ينتهي الغاوي لأول قيل # وقوله واعرضي لسبيل أي إلى طريق غيره، واذكريه بسوء. ويقال: لا تعرض ~~عرضه، أي لا تذكره بسوء. ### || وقال معدان بن عبيد # عجبت لعبدان هجوني سفاهة ... أن اصطبحوا من شأنهم وتقيلوه # بجاد وريسان وفهر وغالب ... وعون وهدم وابن صفوة أخيل # فأنا الذي يحصيهم فمكثر ... وأما الذي يطريهم فمقلل # يقال: عبدو أعبدو وعباد وعبيد وعبدي وعبدان ومعبوداء ومعبدة وعبد. فيعض ~~هذه الأسماء مما صيغ للجمع، وبعضها جمع في ms0834 الحقيقة. وانتصب سفاهة لأنه # PageV01P1022 # مفعول له. وهم يكنون عن اللئام بالعبيد والعبدان، وبالقزم والقزمان. وأن ~~اصطبحوا يريد لأن اصطبحوا، أي شربوا الصبوح، وهو ما يشرب صباحا. والقيل، ~~وهو شرب نصف النهار. وكما قال تقيلوا، يقال تصبحوا أيضا. والمعنى عدوا ~~طورهم فهجوني، لأنهم رأوا بأنفسهم ما لم يعهدوه. فطغوا عند الغنى، وأصابوا ~~من شائهم الصبوح والقيل، بعد أن كانوا كلا على غيرهم. ثم ذكرهم بأسمائهم ~~تخضيعا وتشنيعا. ويرتفع بجاد إن شئت على الاستئناف، يريد: هم بجاد وريسان؛ ~~وإن شئت على البدل من المضمرين في قوله اصطبحوا. # وقال من بعد: من يعدهم يكثر لوفور عددهم، ومن يئنى عليهم يقلل لقلة من ~~يستحق الثناء فيهم ومنهم. ويجوز أن يكون أن من قوله أن اصطبحوا أن المفسرة، ~~كأنه فسر لم طغوا فهجوه. ### || وقال يزيد بن قنانة # لعمري وما عمري على بهين ... لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم # غداة أنى كالثور أحرج فاتقى ... بجبهته أقتاله وهو قائم # كأن بصحراء المريط نعامة ... تبادرها جنح الظلام نعائم # أعارنك رجليها وهافي لبها ... وقد جردت بيض المتون صوارم # قد مضى الكلام في قوله لعمري. وقوله وما عمري على بهين تحقيق لليمين، وأن ~~عمره ليس يهون عليه فيحلف به كاذبا. وفي الكلام إزراء بالمخبر عنه. # PageV01P1023 # وقوله المدعو بالليل كثير من النحويين يذهبون في مثله إلى أنه بدل لا ~~صفة، لأن نعم وبئس يرفعان من المعارف ما فيه الألف واللام ودل على الجنس؛ ~~وما يدل على الجنس لا يتأتى فيه الوصفية. والصواب عندي تجويز كونه وصفا، ~~بدلالة أنه يثنى ويجمع، فيقال: نعم الرجلان الزيدان، ونعم الرجال الزيدون، ~~والتثنية والجمع أبعد الأشياء من أسماء الأجناس، إلا إذا اختلفت، فكما يجوز ~~تثنية هذا وجمعه لدخول الأختلاف فيه، كذلك يجب أن يجوز وصفه لمثل هذه ~~العلة، ولا فصل. وإذا كان كذلك كان قوله الدعو بالليل صفة للفتى، كأنه قال: ~~مذموم في الفتيان المدعوين بالليل حاتم. وهذا ظاهر. # وذكر الليل لشدة الهول فيه. # وقوله غداة أتلى كالثور يعني حاتما، وإنما يهزأ به. ومعنى أحرج: ضيق عليه ms0835 ~~وأخرج من عادته فأحوج إلى أن يعيث. والأقتال: الأقران والأعداء، والواحد ~~قتل، فيقول متهكما: جاء كالثور الهائج غضبا وحمية، وقد بان له من طلابه ترك ~~الإبقاء عليه، فجعل بينه وبين أقرانه قرنية يتقيهم بهما، وييعدهم الشر ~~بإعمالهما، فهو ثابت القدم متهيء للقتال. هذا كان حاله في المجيء، فلما جاء ~~وقت الدفاع والمصادمة، والقراع والمكافحة، انهزم فكأن نعامة سابقها حين جنح ~~الظلام نعائم إلى أداحيها، أعارت حاتما رجليها وطائر قلبها، وهو يعدو ~~مذعورا، ويطلب النجاء مفلولا، وقد جردت السيوف من أغمادها، وصار الأمر في ~~الطلب والهرب جدا. وإنما قال أعارتك رجلها لأنه نقل الكلام عن الإخبار إلى ~~الخطاب. ### || وقال عارق وهو قيس بن جروة الطائي # من مبلغ عمرو بن هند رسالة ... إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد # أيوعدني والرمل بيني وبينه ... تبين رويد ما أمامة من هند # ومن أجأ حولي رعان كأنها ... قنابل خيل من كميت ومن ورد # كان عمرو بن هند غزا اليمامة على ما حكيت من قصته فيما تقدم، فأخفق ورجع ~~منفضا. فمر بطيىء، وكانوا في ذمته بكتاب عقدا كتبته لهم، وعهد أحكمه # PageV01P1024 # معهم، فقال زرارة بن عدس له: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئا. قال: ~~ويلك إن لهم عقدا لا يجوز لنا تخطيه. فأخذ زرارة يهون أمر العهد عليه، ~~ويحسن الإيقاع بهم؛ فلم يزل يفتل في الذروة والغارب معه لشيء كان في نفسه ~~على طيىء حتى أصاب أذوادا ونساء، فهجا عارق عمرو ابن هند بأبيات يعصب رأسه ~~فيها بالغدر الذي كان منه، فوقعت الأبيات إلى عمرو بن هند، فتوعد عارقا ~~وحلف أنه يقتله، فاتصلت مقالته بعارق فقال هذه الأبيات. ومعنى استحقبتها ~~حملتها في الحقائب. وجعل الفعل للعيس اتساعا. ومعنى تنضى: تهزل، لبعد ~~المسافة. # وقوله أيوعدني استفهام على طريق التقريع لعمرو، واستعظام منه للأمر. ~~والمعنى أنه لا ينالني مع حصانة حبلى ودارى، ولا يتمكن مني على بعد طرقي ~~وأرضي، فلينظر برفق، وليميل بين أمه وأمي، وليكن التعلي والتوعد بمقدار ~~فضله وقدرته. وذكر الأم إظهار لقلة المبالاة، وأنه يجسر ms0836 على تناول الحرم ~~منه باللسان. # وقوله ومن أجأ حولي رعان أجأ: أحد جبليهم. والرعان: جمع رعن، وهو أنف ~~يتقدم من الجبل. والمراد بيان حال جبلي طيىء في وثاقتهما وحصانتهما، وأمن ~~من ينزل بهما، وأن رعانه كأنها جماعات أحاطت بالجبل وأحدقت، فهي تذب عنها ~~كمتا ووردا. وذكر القنابل في التشبيه، والعز بأربابها يحصل. # غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد # وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى جله من دم الفصد # يروى: أنت احتديتنا، وهو افتعل من الحدو: السوق. واجتذبتنا، من الجذب. ~~ويروى: أنت دعوتنا. والشاعر يشير إلى ما كان في يد طيىء من عقد الجوار ~~وكتاب العهد، فيقول: كنت أنت الباني لذلك، والمؤسس لمناره، فأبيت إلا أن ~~تنقضه، وبئس العادة الغدر مع العقود، ونكث عرى العهود. والفتى قد يؤثر ~~الإقامة على الوفاء مع الإضافة، وشدة الفاقة، ويطلب اكتساب المحمدة، وإن ~~كان مسكينا ذا متربة، حتى إذا أمسى يكون جل طعامه فيصيد الدم. ويروى: إذا ~~هو أمسى حلبة من دم الفصد؛ والأول أحسن. # PageV01P1025 # ويرتفع جله على أنه مبتدأ ثان، والجملة خبر المبتدأ الول، وهو طعامه. ~~وينتصب إذا من قوله جله من دم الفصد، لأنه الدال على جوابه. ### || وقال آخر: # لعمري وما عمري على بهين ... لقد ساءني طورين في الشعر حاتم # أيقظان في بغضائنا وهجائنا ... وأنت عن المعروف والبر نائم # بحسبك أن قد سدت أخزم كلها ... لكل أناس سادة ودعائم # فهذا أوان الشعر سلت سهامه ... معابلها والمرهفات السلاجم # أقسم بحياة نفسه، وخبر المبتدأ محذوف، والمراد: لعمري ما أقسم به؛ لأن ~~اللام منه لام الابتداء، وجواب القسم لقد ساءني. وقوله ما عمري اعتراض، وقد ~~مر القول في فائدته. والطور: التارة. أي تعرض لي مرتين بما ساءني. ثم أقبل ~~عليه فقال: أيقظان؟ والمعنى: أأنت يقظان، أي منتبه في هجونا وبغضنا ~~وعدواتنا، ونائم عن الخير والإحسان، وإسداء المعروف والبر والإفضال؟! ثم ~~أخذ يهزأ به فقال: بحسبك. والمراد حسبك، لكنهم يزيدون الباء في المبتدأ، ~~نحو قولك: بحسبكأن تفعل كذا، وفي الخبر أيضا ms0837 يزيدون، نحو قوله: # ومنعكها بشيء يستطاع # أي شيء يستطاع. وهذا أحد ما قيل فيه، وقال آخر: # بحسبك في القومأن يعلموا ... بأنك فيهم غنى مضر # والمعنى: كافيك أن ترأست على أخزم، وأخزم: رهط حاتم. ثم أزرى برياسته ~~وبهم، فقال: ولكل طائفة من طوائف الناس رؤساء وعمد، وهذا يجري مجرى ~~الالتفات. كأنه بعد ما قال ذلك التفت إلى من حوله يؤنسهم ويقول: ليس ذا ~~بمنكر، فلكل قوم من يسوسهم ويدعمهم. # PageV01P1026 # وقوله فهذا أوان الشعر سلت سهامه، يعني شعره. فيقول: لكل زمان شيء ~~يظهرفيه ويغلب، وزماننا هذا مع قرضك للشعر زمان الشعر، وقد انتزعت سهامه من ~~كنايتها بعد أن نثرت، فجرت للرمي بها معابلها، وهي العراض، وسلاجمها وهي ~~الطوال. المرهفات: المرفقات الحد. والمراد بهذا التنويع فنون الشعر ~~وأساليبه. أي أنت فيه ذو فنون، والمعبل: الذي معه معابل. وعبلته: أصبته ~~بمعبلة. ### || وقال رجل من طيىء # إن امرأ يعطي الأسنة نحره ... وراء قريش لا أعد له عقلا # يذمون لي الدنيا وقد ذهبوا بها ... فما تركوا فيها لملتمس ثعلا # وصف الأمراء الذين أشار إليهم بسوء المحافظة، وذهابهم عن معرفة الحقوق ~~ومراعاتها، وإنزال الموالين منازلهم فيها فقال: إن من يغتربكم بعد هذا ~~الوقت واعتمدكم، فبذل نفسه وراءكم للمتالف، وركب في هواكم المعاطب، لا عقل ~~له ولا أرى. # ثم بين ما أشكاه منهم، وسوأ معاملتهم فقال: يذمون الدنيا لي، ويزهدونني ~~فيها وفي الأخذ منها، وقد فازوا بها حتى لم يبقوا فيها فضالة لأحد، أي ~~تغبروا كل محلوب فيها، ولم يبقوا في ضروعها شيئا حتى لم يتركوا ثعلا فيها. ~~وهذا مثل، والثعل هو الطبي الزائد، والسن الزائدة. ويقال: ثعلت سنه. وشاة ~~ثعول: لها ثعل. وذكر بعض أهل اللغة أن الثعلول من الشاء: التي يمكن أن يحلب ~~من ثعلها أيضا. وقوله وراء قريش يكون وراء بمعنى خلف وقدام، والأولى به هنا ~~أن يكون بمعنى قدام. ومثله في القرآن: " وكان وراءهم ملك ". ### || وقال رويشد # وموقع تنطق غير السداد ... فلا جيد جزعك يا موقع # فما فوق ذلتكم ذلة ... ولا تحت موضعكم موضع ms0838 # PageV01P1027 # موقع: قبيلة. يريد أنهم يتكلمون بالفحش وغير الصواب، لسفهها وسوء ~~تمييزها، ثم دعا عليها، فقال: لا مطر جانبك وفناء واديك بالجود، ولا أصابكم ~~خصب. # وقوله فما فوق ذلكتكم طابق بتحت وفوق فيه، وهو غريب حسن. يريد: لا مرتبة ~~في الذل أعلى من مرتبتكم، فإنها الغاية القصوى؛ ولا موضع أشد تأخرا ~~وانحطاطا في العز من موضعكم، فإنه المنزل الأخس الأدنى. وقوله غير السداد، ~~يريد به تنطق النطق غير السداد. ويقال: جيد جودا، في المطر، وتوسع فيه ~~فقيل: # ومجود من صابات الكرى # ويقال جيد جوادا، إذا عطش. ### || وقال جابر # أجدوا النعال بأقدامكم ... أجدوا فويها لكم جرول # وأبلغ سلامان إن جئتها ... فلا يك شبها لها المغزل # يكسى الأنام ويعرى استه ... وينسل من خلعه الأسفل # يقول: استجدوا النعال لأقدامكم، أو في أقدامكم استجدوها يا جرول، ويها ~~لكم. وإنما كرر الأمر تأكيدا للقول عليهم. ويقال في الدعاء: أبل وأجدد. ~~وويها: اسم من أسماء الأفعال يعرى به، ولا يحىء إلا منونا، وذاك علامة ~~لتنكيره. وإنما قلنا هذا لأن في أسماء الأفعال ما ينكر ويعرف. ومنه ما لا ~~يجيء إلا منكورا. ومثل ويها إيها، ويستعمل في الكف، وواها وهو للتعجب، وكل ~~ذلك يجيء منونة منكرة. وجرول: اسم رجل. وجعل أول الكلام خطابا لجماعتهم، ثم ~~خص بالنداء واحدا منهم وحعله المأمور بما أراد. ألا ترى أنه قال: وأبلغ ~~سلامان إن جئتها. وسلامان: قبيلة. ومثل هذا التخصيص قول الهذلي: # أحيا أباكن يا ليلى الأماديح # PageV01P1028 # فقال: أباكن، ثم قال: يا ليلى، وهذا التخصيص مثل التخصيص الذي في قوله ~~تعالى: " حافظواعلى الصوات والصلاة الوسطى "، ومااشبهه. وقوله فلا يك شبها ~~لها المغزل، لو قال لكمم لساغ، لأنهم يفتنون في مثل هذا الموضع بين الخطاب ~~والإخبار؛ على هذا قول الله تعالى: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا ~~تعبدون إلا الله "، قرىء: " لا يعبدون " بالياء والتاء فالتاء للخطاب، ~~والياء للإخبار. والرسالة التي يريد إبلاغها قوله: # فلا يك شبها لها المغزل # والمعنى لا يكونن سبيلكم سبيل من يتبع الغير ويضر نفسه، كالمغزل الذي ~~يكسى الخلق ms0839 ويجعل استه عريان. وهذا مثل. وكما ضرب المثل بالمغزل ضرب أيضا ~~له بالسراج فقيل: # ولا تكونن ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق # فأما قوله وينسل من خلعه الأسفل، فإنه كان يروى: من خلفه وليس يصح له ~~معنى. والمستقيم كما روينا: من خلعه الأسفل. وذاك أن المغزل ينسل أسفله بأن ~~يختلع كبته، وهذا ظاهر. وكأن سلامان كانت تقتحم أهوالا غنمها يصير لغيرها، ~~وغرمها يكون لها، فلذلك جعل المغزل مثلا له. # فإن بجيرا وأشياعه ... كما تبحث الشاة إذ تذأل # أثارت عن الحتف فاغتالها ... فمر على حلقها المغول # وآخر عهد لها مونق ... غدير وجزع لها مبقل # قوله كما تبحث الشاة محمول على المعنى، لأن المعنى أن بحث بجير وأشياعه ~~كبحث الشاة في ذألاتها، وهو جنس من عدوها، وذاك لأنه يشبه الحدث بالحدث، ~~والذات بالذات، وإذا كان كذلك فقوله إن بجيرا حذف المضاف منه، لأن القصد ~~تشبيه البحث بالبحث. وفي المثل: حتفها تحمل ضان بأظلافها، وكما # PageV01P1029 # تبحث الشاة عن مديتها ولا تكن كالباحث عن الشفرة، وإنما ينهي بهذا من ~~يجني على نفسه فيما يأتيه، ويسعى في إهلاكه برجله، فيقول: لا يكونن سبيله ~~سبيل الشاة التي كشفت عن المدية، وقد استترت عن الذابح، بظلفها، حتى ذبحت ~~بها. ومعنى أثارت عن الحتف، أثارت عن المدية، ثم كان الحتف فيها. ففيه ~~توسع. وهو يقيمون السبب مقام المسبب كثيرا. واغتال: افتعل من الغول، وهو ~~الهلاك. والمغول: السكين، وقد اشتهرت بها إذا جعلت في وسط السوط فصار ~~كالغلاف لها. وقوله وآخر عهد لها مونق غدير، يعني الشاة بعد إثارتها ~~السكين. وهو إظهارها إياها. فيقول: كان آخر عهدها المعجب لها روضة قد ~~أبقلت، وغديرا امتلأ ماء وكان شبعه وريه منهما، فبطرت وأثارت عن حتفها حتى ~~هلكت. ولك أن تروى مونق بالرفع، فيكون صفة لآخر عهد، ومونق بالجر فيكون ~~للعهد. وجعل الإيناق للعهد لأن المراد بالعهد المعهود، وهو المرعي المعجب. ~~ويجوز أن يجعل المونق من صفة الغدير وقد قدم عليه، وجعل هو بدلا منه، ويكون ~~التقدير: وآخر عهد لها غدير مونق ms0840 وجزع مبقل. ويقال: أبقل المكان فهو باقل ~~ومبقل. وأفعل فهو فاعل شاذ ليس بكثير. ### || وقال إياس بن الأرت # كأن مرعي أمكم إذ بدت ... عقربة يكومها عقربان # إكليلها زول وفي شولها ... وخز أليم مثل وخز السنان # كل عدو يتقي مقبلا ... وأمكم سورتها بالعجان # قوله كأن مرعى أمكم، يجوز أن يكون مرعى اسما لها، وأمكم بدلا منه، ويجوز ~~أن يكون لقبها الشاعر به. وسئل الأحنف عن شيء من أمور النساء، فقال: الرجال ~~حمى والنساء مرعى، فعدت من سقطاته. ومثل قوله عقربة يكومها عقربان قول ~~الآخر: # كالجعلين ركبا دحروجا ... دمامة ومنظرا سميجا # والعقربان: ذكر العقارب. والكوم: السفاد. وقوله إكليلها زول، كنى عن قرني ~~العقربة بالإكليل. والزول: الخفيف الظريف. وقوله وفي شولها وخز أي # PageV01P1030 # فيما تشول العقربة من ذنبها. وزاد الهاء في عقربة توكيدا للتأنيث. وهذا ~~كما قالوا: جمل وناقة، وكبش ونعجة، ووعل وأروية الحقوا الهاء توكيدا ~~وتحقيقا للتأنيث؛ ولو لم تلحق لم تحتج إليها. وحكى: عجوزة. والوخز: الطعن ~~الشديد الموجع. وإنما يعني شوكتها إذا ضرب بها، فبه تأثيرها بتأثير السنان. # وقوله كل عدو يتقي مقبلا، أراد أن يذكر السوءة فيها استهزاء واستهانة ~~بذكرها، فقال: كل عدو يتقي شره إذا أقبل، وأمكم يتقي شرها إذا أدبرت. ~~والعجان يريد الدبر به. وهو في الأصل ما بين الخصية إلى سم الدبر. والسورة: ~~الوثبة. ### || وقال أدهم بن أبي الزعراء # بني خيبرى نهنهوا من قنازع ... أتت من لدنكم وانظروا ما شؤونها # فكائن بها من ناشص قد علمتم ... إذا نفرت كانت بطيئا سكونها # هذا الكلام منه توعد واستهزاء. فيقول: يا بني خيبرى، كفوا عن أبيات هجاء ~~وفخر جاءتنا من عندكم، وانظروا كيف ترسلونها وماذا شؤونها حتى اهتاجت ~~وجاءت. والقناذع، اصله الفحش. ويقال للديوث: القنذع. وقوله فكائن بناء كائن ~~لغة في كم. وبنا أي عندنا. ناشص أصله في المرأة، يقال: نشصت المرأة على ~~زوجها ونشرت، إذا تمنعت. فاستعاره للشعر والهجو. يريد: كم من قافية إذا ~~نفرت كانت بطيئا سكونها. وهذا توعد، والمراد: إنما نمسك عن القول ما أمكن، ~~فإذا تكلمنا ms0841 استمر القول بنا فيبطؤ سكوننا؛ لأن للاحتمال غاية وللسكون ~~نهاية، إذا بلغناهما فقد أقمنا العذر، وما وراء ذلك نبلغ فيه الأقصى، ولا ~~نرضى بالمنزل الأدبي. والكناية عن القصائد والقوافي بالهدى والعروس مشهورة. ~~وقد قيل: المراد بالناشص الحرب، وقيل: أراد به امرأة سيئة الخلق والعشرة، ~~لعجبها بنفسها. كأنه لما جاءهم خاطبا زهدهم في نسائهم ترفعا عنهم. والصواب ~~فيما بدأت به. # وبالحجل المقصور حول بيوتنا ... نواشىء كالغزلان نجل عيونها # PageV01P1031 # وإنا لمحقوقون حين غضبتم ... بأيمة عبد الله أن سنهينها # فلست لمن أدعى له إن تفقأت ... عليها دماميل استه وحبوبها # الحجل: جمع حجلة. والمقصور: المرسل عليه الستور. والنواشىء: النساء ~~الشواب. وقصد الشاعر إلى أن يحسرهم ويقصر بشأنهم ويهينهم حين عدوا طورهم، ~~فخطبوا غير كفوهم، فقال: إن عندنا نساء كالغزلان في جيدها، وبقر الوحش في ~~عينها، مخدرات في الحجال، ممنعات حوالي بيوتنا، نربأ بأقدارها عن مواصلتكم ~~بهن، فتحسروا وارجعوا عنا مقذوعين مذللين؛ فإنا أحقاء حين غضبتم بسبب أيمة ~~عبد الله، وترفعنا عن مناكحته، بأنا لا نستعظمها بل نهونها، ونقل فكرنا ~~فيها. وقوله أن سنهينها أن مخففة من الثقيلة. والمعنى: إنا لمحقوقون بأنا ~~سنهينها لا محالة. ومثل هذا قول الآخر: # فما أكبر الأشياء عندي حزازة ... بأن أبت مزريا عليك وزاريا # وقوله فلست لمن أدعي له يجري مجرى اليمين، أي للوالد الذي أنسب إليه، أن ~~أنكح عبد الله فينا، وتشققت خراجات استه عليها. وهذا الكلام إزراء به، ~~واحتقار له، بذكر السوأة منه. وذكر الدماميل تشنيع للحال، وأن العزبة بلغت ~~به هذا المبلغ لزهد الناس في مناكحتهم. وقال دماميل لأنه أشبع كسرة الميم ~~فأحدث عنها ياء. ومثله: # نفى الدراهيم تنقاد الصياريف # والأصل الدراهم والصيارف. ### || وقال حريث بن عناب # بنى ثعل أهل الخناما حديثكم ... لكم منطق غاو وللناس منطق # PageV01P1032 # كأنهم معزى قواصع جرة ... من العي أو طير بخفان تنغق # ديافية غلف كأن خطيبهم ... سراة الضحى في سلحه يتمطق # قوله بنى ثعل أهل الخنا يجوز أن يكون أهل الخنا انتصابه على الذم ~~والاختصاص، كأنه قال: يا بني ثعل، أذكر أهل ms0842 الخنا. وقوله ما حديثكم يريد: ~~ما لغتكم. ويفسره قوله بعده لكم منطق غاو وللناس منطق، ينسبهم إلى أنهم ~~نبط، وأن لغتهم ذات غواية وزيغ. ويعني بقوله وللناس منطق العرب. ويجوز أن ~~يكون معنى ما حديثكم: ما شأكم المستدث وما امركم؟ ينسبهم إلى أنهم لا قديم ~~لهم ولا حديث. وقوله كأنهم معزى قواصع حرة، يقول: إنهم لعبهم إذا تكلموا ~~كأنهم معزى تجتر، أو طير بخفان تنغق. يعني بالطير الغراب، ليكون أشأم، ~~والقلوب من ذكرها أنفر. ويقال: قصع البعير بحرته، إذا دقعها من جوفه. وقوله ~~ديافية، دياف: أرض بالشام. وقصده إلى أن يخرجهم من أن يكونوا عربا، وجعلهم ~~غلفا إلحاقا لهم بالعجم والغلفة والغرلة والقلفة تتقارب. ورجل أغرل وأغلف ~~وأقلف. وقوله كأن خطيبهم أي الفصيح منهم، والمعد يوم فخارهم، والنيابة عنهم ~~في نفارهم، كأنه يتمطق في سلحه. والتمطق: تذوق الشيء بضم إحدى الشفتين على ~~الأخرى مع صوت بينهما. وجعلهم كذلك في سراة الضحى، أي أنهم يتباطؤون في كل ~~حال، حتى لا يقوموا من فرشهم إلا في ذلك الوقت. ### || وقال شعيث من كنانة # أترجو حي أن تحيء صغارها ... بخير وقد أعيا عليك كبارها # إذا النجم وافى مغرب الشمس أجحرت ... مقاري حي واشتكى الغدر جارها # أجود الروايتين اترجو حييا، كأنه يخاطب إنسانا ويلومه في تعليقه الرجاء ~~برشاد صغار حي، وقد أعياه كبارها. والمعنى أنهم لا يفلحون أبدا، وإذا كان ~~رؤساؤهم واهل الحل والعقد منهم معجزين في دعائك إياهم إلى الخير والصلاح # PageV01P1033 # فرذالهم أولى بذلك. وإذا رويت أترجو حي كأنه جعل الفعل للقبيلة بأسرها، ~~أي إنهم وحالهم ذلك في ضلال إذا رجوا من صغارهم فلاحا وحالهم مع كبارهم ~~ذلك. وقوله إذا النجم وافى أشار بالنجم إلى الثريا. وهم يقولون: # طلع النج غديه ... وابتغى الراعي شكيه # فهذا يكون في الصيف وعند اشتداد الحر. # وطلع النجم عشاء ... وابتغى الراي كساء # وهذا يقال في شدة البرد. فيقول: إذا طلع النجم عند غروب الشمس، - يشير ~~إلى تجرد المحل، وتكشف الجدب - أخرت مقاري هذه القبيلة وسترت، تفاديا من ~~الضيافة، وهربا ms0843 من الضيفان. والمقاري: جمع مقراة، وهي ما يطعم فيه الضيف من ~~الجفان. والمراد أنه لا مقراة نم؛ لأنهم في الشتاء يضيفون ويستضيفون، فإذا ~~عطلت جفانهم في ذلك الوقت فلأنه لا قرى عندهم ولا مقاري. وقوله واشتكي ~~الغدر جارها ينسبهم إلى أن إساءتهم مقصورة على الجار، وطمعهم فيه وفيمن جرى ~~مجراه؛ فعند الحاجة لا يشقى بهم إلا جارهم. وجواب إذا النجم أجحرت. ومغرب ~~الشمس يجوز أن يكون مفعولا، وأن يكون اسما لموضع الغروب، ويكون وافي من ~~الموافاة. ويجوز أن يكون ظرفا، ويكون معنى وافى طلع. ### || وقال آخر: # فما كنانة في خير بخائرة ... وما كنانة في شر بأشرار # يقال: خايرته فخرته خيرا. وأنا خائره، إذا كنت خيرا منه. واستخرت الله ~~فخار لي. وهذه خيرتي، أي التي أختاره. والمعنى لا يرجعون إلى حال يعتد بهم ~~لها، ويعتمد بمكانتهم عليها، فلا عند الخير وتعداد أهله يفوزون بسهمة، ولا ~~في الشر وتعداد أهله يحصلون على خطة. # PageV01P1034 ### || وقال حريث بن عناب # قولا لصخرة إذ جد الهجاء بها ... عوجى علينا يحييك ابن عناب # هلا نهيتم عويجا من مقاذعتي ... عبد المقذ دعيا غير صياب # مستحقين سليمى أم منتشر ... وابن المكفف ردفا وابن خباب # قوله يحييك، يجوز أن يكون في موضع الحال، أي عوجي محييا لك هذا، ومثله: " ~~فهب لي من لدنك وليا. يرثني وبرث " أي وارثا. ويجوز أن يكون في موضع الجزم ~~جوابا لقوله عوجى، وأجرى المعتل مجرى الصحيح. ومثله: # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بن زياد # وهذا الكلام تهكم وسخرية. وإنما يخاطب صاحبين له يبعثهما على أن يبلغا ~~بني صخرة ويبعثاها وقت تهيجها بالهجاء وكون تصرفهم فيه جدا منهم وهما لهم ~~على أن يعطفوا عليهم، ليسلم عليهم ابن عناب، يعني نفسه. وذكر التحية هاهنا ~~عزء منه. وهذا كما قال الأخر: # تحية بينهم ضرب وجيع # إلا أن هذا في الأفعال، وابن عناب جعلها في الأفوال. # وقوله هلا نهيتم تقريع ولوم وتذكير بسوء تأتيهم، وقبح فعلهم. فيقول: هلا ~~كففتم عن مفاحشتي عويجا - وهو رجل منهم - وجعله عبد ms0844 المقذ، أي لئيملا ودعيا ~~فيهم غير خالص النسب. المقاذعة: المفاحشة. ويقال: أقذع الرجل، إذا أتى ~~بفحش. وانتصاب عبد المقذ يجوز أن يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الذم، ~~ويجوز أن يكون على الحال. والمقذ؛ منبت الشعر من مقدم الرأس ومؤخره. ويقال: ~~فلان عبد القفا، وعبد المقذ، ويراد بالمقذ القفا. وهذا كما يقال في ضده: # PageV01P1035 # هو حر الوجه، وكريم المحيا. والصياب: الخالص، كأنه يهجنه. وقال الخليل: ~~الصياب والصيابة: أصل كل قوم. وقال أيضا: الصياب: الخيار من كل شيء. وأنشد: # يحتل من كندة في الصياب # وقوله مستحقبين سلينى، أفحش فيه؛ أي جئتم لمهاجاتي وقد استحقبتم هذه ~~المرأة وابن المكفف معها ردفا وابن خباب. كأنه يرمي سليمى بهمات أو يعدهم ~~جميعا من مخازيه. فهذا هزء أيضا. أي جازيتموني بمن هو شينكم، وجعلتم عيوبكم ~~بمرأى ومسمع إذا كان غيركم يخفي أمره ويستره. يريد: استهدفتم لي بهؤلاء. ~~وسليمى كانت لها قصة. والاستحقاب: شد الحقيبة من خلف، وكذلك الاحتقاب: وكنى ~~عن العجز بالحقيبة لذلك. # يا شر قوم بني حصن مهاجرة ... ومن تعرب منهم شر أعراب # لا يرتجى الجار خيرا في بيوتهم ... ولا محالة من شتم وألقاب # ينسبهم إلى أنهم شر قوم هاجروا إلى الأمصار أو بقوا في البدو. وبني حصن ~~يجوز أن يكون انتصب على النداء، كأنه قال: يا شر قوم يا بني حصن. وانتصب ~~مهاجرة على الحال، ناداهم في هذه الحالة. أي أنتم شر قوم في مهاجرتكم. ~~ومثله: # يا بوس للجهل ضرارا لأقوام # ويؤنس بوقوع الحال بعد النداء قولهم: يا زيد دعاء حقا. فإذا ساغ أن يقع ~~المصدر بعده تأكيدا، فكذلك الحال. قوله ومن تعرب فيه معنى التكلف، لأن تفعل ~~يجيء لذلك كثيرا. وصرف الكلام عن السنن الأول وجعله استئناف خبر. ويجوز أن ~~يكون انتصب بني حصن على الذم والاختصاص. وقوله لا يرتجى الجار يريد أن ~~جارهم مبتذل فيهم، يائس من خيرهم ما دام معهم، وملقى من جهتهم بالاستخفاف ~~والتلقيب، والشتم القبيح. وأجرى قوله لا # PageV01P1036 # محالة مجرى قولهم لابد، كأنه أراد: الجار لا يرجو ms0845 خيرا فيهم، ولا بد له ~~من شتم يقصد به، ولقب يعرف بذكره. وقال الخليل: يقولون في موضع لابد: لا ~~محالة. ويقال: حال حولا وحيلة، أي احتال. ### || وقال آخر: # بني أسد إلا تنحوا تطأكم ... مناسم حتى تحطموا وحوافر # وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا ... مياه تحامتها تميم وعامر # وما نام مياح البطاح ومنعج ... ولا الرس إلا وهو عجلان ساهر # يقول: يا بني أسد، خلوا الطريق وتباعدوا عنها، فإنكم إن لم تفعلوا ذلك ~~وطئتكم الإبل والخيل فحطمتكم. ينسبهم إلى القلة والضعف، ويتهكم مع ذلك بهم. ~~وقوله: وميعاد قوم يعني بني أسد وأنصارهم، والميعاد والوعد واحد، وإذا كان ~~كذلك كان المعنى: وموضع الوعد لم أراد الالتقاء معنا مياه تتحاماها بنو ~~تميم وبنو عامر - يعني أحميتهم - فلا تجسر على ورودها وإن كثروا. فحذف ~~المضاف، وهو الموضع. وقوله وما نام مياح البطاح ومنعج والرس موارد الماء. ~~والرس: البئر القديمة. جعل المستقي من هذه الآبار يميح. وأراد بمياح ~~الكثرة؛ لأن لكل موضع من المواضع المذكورة ماحة. والميح: الدخول إلى أسفل ~~البئر ليغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. والميح: الاستقاء، يريد: متحوا ~~أولا ثم ملحوا، لكثرة الواردة. وغنما وصف سكان هذه المواضع - وهو جيشهم - ~~بوفور العدد، وأن سقاتهم بهذه الصفة من العجلة والسهر. وقوله: وما نام إلا ~~وهو عجلان ساهر، يريد: نومهم ترك النوم، والاستعجال في السقي. وهذا كما قال ~~الآخر: # فإن المندى رحلة فركوب # PageV01P1037 # وكقول أبي تمام: # تعليقها الإسراج والإلجام # تضلءلتم منا كما ضم شخصه ... أمام البيوت الخارىء المتقاصر # ترى الجون ذا الشمراخ والورد يبتغي ... ليالي عشرا وسطنا وهو عائر # قوله تضاءلتم أن تصاغرتم منا وانزويتم، لفشلكم وذهاب منتكم، كما يفعله ~~المتغوط أمام البيوت إذا استولى عليه الخجل لما يريده من قضاء الحاجة، فهو ~~يتقاصر ويخفي شخصه لائلا يرى. وهذا التشبيه في المنخزل وقد مسه الحياء ~~والخجل غاية. # وقوله ترى الجون ذا الشمراخ يريد به ذا الغرة السائلة على النف، والشمراخ ~~من الجبل: المستدق الطويل، على التشبيه. والعائر: المختلف، والسهم العائر ~~من هذا. يقول: إنا لكثرتنا ms0846 واتساع منادحنا وأفطارنا، لو أفلت فينا فرس أدهم ~~ذو غرة سائلة - وجعله كذلك ليكون أشهر أمرا وأقل خفاء - وفرس ورد أغر أيضا، ~~ثم طلب عشر ليال فيما بيننا لما ظفر به. # ولما رأينا لئاما أدقة ... وليس لكم مولى من الناس ناصر # ضمناكم من غير فقر إليكم ... كما ضمت الساق الكسير الجبائر # وصف حالهم القديمة معهم، وكيفية اتصالهم بهم وانعطافهم عليهم حتى أبطرهم ~~ذلك، فاستعصوا عليهم، ووسوست نفوسهم إليهم بالاستغناء عنهم، والاكتفاء من ~~دونهم. فيقول: لما رأيناكم أدنياء في أنفسكم، أدقاء في أحوالكم لا ناصر ~~لكم، ولا مدافع دونكم، تعطفنا عليكم لنرفع خسيستكم، رحمة لكم، وضمناكم إلى ~~أنفسنا من غير حاجة إليكم ولا تكثر بكم، لنجبر كسركم، ونوفر نقصكم كما تضم ~~العصائب التي يعصب بها الكسر، والجبائر التي يسوى بها العظم الكسير ~~المجبور. وهذا من التشبيه الصائب، والكلام المتخير. والأدقة: جمع الدقيق، ~~وهو الرجل # PageV01P1038 # القليل الخير. والفعل دق دقة. وقال: الكسير، والساق مؤنثة لأنه فعيل في ~~معنى مفعولة. وعند أصحابنا البصريين هذا لا ينقاس، بل يتبع فيه المحكى ~~عنهم. ### || وقال أبو صعترة # أتهجونا وكنا أهل صدق ... وتنسى ما حباك بنو براء # هم نتجوك تحت الليل سقبا ... خبيث الريح من خمر وماء # وهم جهلوا عليك بغير جرم ... وبلوا منكبيك من الدماء # يخاطب رجلا من عشيرته، ويقرعه على ما كان منه من ثلبه وهجوه، فيقول: ~~أتذمنا مع إحساننا إليك، وكوننا أهل صدق لك، ورهط صفاء ووداد معك، وتنسى ما ~~كان منك حتى تعرضت لني براء بمثل تعرضكلنا، وما قابلوك به من عطية وحباء، ~~وحسن مكافأة وجزاء على فعلك، وقد كان في الحكم أن يؤدبك ذلك ويردعك، وينبهك ~~على رشادك وصلاحك، ويمنعك من معاودة شبهه ويقمعك. ثم أخذ يصف الحباء الواصل ~~إليه من جهتهم، والجزاء المعد له، فقال: هم نتجوك تحت الليل سقبا، أي ولدوك ~~ليلا سقبا خبيثا. وهو في الأصل المذكر من أولاد الإبل. ويقال: أسقبت الناقة ~~وهي مسقاب. والمعنى: ضربوك حتى سلحت شيئا منكرا. والذكر أرذل النتاجين، ~~فلذلك خصه. وقال تحت الليل ms0847 لأن الليل أخفى للويل. # وقوله وهم جهلوا عليك بغير جرم، يعني أنهم فعلوا ذلك بك، ومن قبل ذلك ~~كانوا أسلفوك، بلا جناية كانت منك عندهم، ولا جريرة سبقت عنك إليهم، أن ~~جرحوك حتى بلوا منكبيك من الدماء السائلة عليك. ### || وقال الطرماح # إن بمعن لإن فخرت لمفخرا ... وفي غير تبنى بيوت المكارم # متى قدت يا بن النظلية عصبة ... من الناس تهديها فجاج المخارم # PageV01P1039 # هذا الكلام هزء وسخرية، يقول: لك أن تفتخر ببني معن، فإنهم في موضع ذاك، ~~لكونهم مجمع الفضائل، لكن مباني الكرم تؤسس في غيرهم. ثم أقبل عليه فقال: ~~أخبرني مت حدثت نفسك بأن تكون قائد طائفة من الناس فتقدمهم وتهديهم الطرق، ~~وهو يطؤون عقبك، ويدورون على مرادك؛ لقد رأيت ما لم تؤمله، ونلت ما لم ترتق ~~إليه همتك. والفجاج: الطرق. والمخارم: جمع مخرم، وهو منقطع أنف الجبل. وهذا ~~مثل، أي تصرفهم حيث أردت، وتوجههم كيف شئت. # إذا ما ابن جد كان ناهز طيىء ... فإن الذرى قد صرن تحت المناسم # فقد بزمام بظر أمك واحتفر ... بأير أبيك الفسل كراث عاسم # ابن جد يريد به صاحب جد وحظ في الدنيا. فيقول: إذا اتفق لمتقدم بنفسه ~~مجدود، لاأولية له، خارجي، أن يكون ناهز طيىء، أي مدرهم وكبيرهم والذي ينهز ~~الدلو من البئر، أي ينزعها، كأنه أراد: الذي يقوم بأمرهم عند السلطان، ~~ويتنجز عليه حاجاتهم ومهماتهم، فقد اتقلب الدهر، وانحط الأعالي، وصارت ~~الأشراف أذلاء، لأنه لا يتقدم الوضيع إلا بتأخر الرفيع. وحكى غير واحد من ~~أهل اللغة أنه يقال: هو ناهز القوم، أي كاسبهم والساعي لهم. وقوله فقد ~~بزمام استهزاء وإزراء بهم، وقلة احتفال، بتناول القبيح من ذكرهم. لذلك سمى ~~السوءة من طرفيه. والفسل: الرذل. والفشل: الضعيف، وهما روايتان. وعاسم: ~~موضع. ### || وقال الكروس بن زيد # ألا ليت حظي من عطائك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانع # فقد كان لي عما أرى متزحزح ... ومتسع من جانب الأرض واسع # وهم إذا ما الجبس قصر همه ... طلوع إذا أعيا الرجال المطالع # PageV01P1040 # يقول: تمنيت أن يكون ms0848 الذي حظيت بهمن عطائك لي أني علمت وأنا وراء الرمل ~~ما أنت صانعه وقد قدمت عليك. فقوله وراء الرمل ظرف لعلمت، وأنني علمت خبر ~~ليت، كأنه ود أن يكون بدل حظه من العطاء علمه بما يفعله، فكان اختياره ~~بحسبه. ولا يجوز أن يكون وراء الرمل يتعلق بصانع، لأنك إن جعلت ما موصولا ~~فالصلة لا تتقدم هي على الموصول، ولا شيء مما يتعلق بها. وإن جعلت ما ~~موصوفا فالصفة لا تتقدم على الموصوف ولا ما يتعلق بها، وإن جعلت ما ~~استفهاما فما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله. وإذا كان كذلك ظهر فساد ~~تعلقه به على الوجوه كلها، من طريق الإعراب ومن طريق المعنى، فالصحيح ما ~~قدمته. ألا ترى أنه قال: فقد كان لي عما أرى متزحزح ومتسع. والمتزحزح: ~~المبعد. أي كان لي جانب من الأرض واسع أتزحزح فيه عما أراه وأرد عليه، وكان ~~لي هم طويل ممتد الشأو يذهب صعدا، إذا كان هم الجبس قصيرا. طلوع إلى أعالي ~~العز وذراه إذا أعجز الرجال مطالع العز. والجبس هو الثقيل الجافي. أي ~~يقصرهم نفسه فيرضي بالحاصل له. وقوله إذا مالجبس ظرف لما دل عليه هم، وإذا ~~أعيا ظرف لطلوع. ولا يمتنع أن يكون إذا ما الجبس ظرفا لطلوع، ويجعل إذا ~~أعيا بدلا منه؛ لأن المعنيين يتقاربان. والأول أقرب وأجود. ### || وقال وضاح بن اسماعيل # من مبلغ الحجاج عني رسالة ... فإن شئت فاقطعني كما قطع السلا # وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة ... جميعا فقطعنا بها عقد العرى # وإن قلت لا إلا التفرق والنوى ... فبعدا أدام الله تفرقة النوى # فإني أرى في عينك الجذع معرضا ... وتعجب أن أبصرت في عيني القذى # هذه أبيات ذهب الناس من طريق الرواية والمعنى فيها مذاهب طريفة، والصحيح ~~ما أورده. وذاك أنه رتب ما بينه وبين الحجاج مراتب ثلاثا، خبره فيها ~~بالشروط المبينة. # PageV01P1041 # فالشرط الأول قوله إن شئت فاقطعني كما قطع السلا وهذا يحتمل معنيين: ~~أحدهما أن يريد إن شئت خصني بقطيعة لا وصال يتعقبها، كما أن السلا، وهو ~~الجلدة التي ms0849 يلتف فيها الولد عند خروجه من بطن أمه، إذا قطع عنه لم يعد ~~إليه. ويجوز أن يكون المعنى: اقطعني قطيعة لا يرجى معها وصل؛ لأن السلا إذا ~~انقطع في بطن الحامل لم يمكن استخراجه، ولا يرجي الخلاص معه. ولهذا ضرب ~~المثل به في الشدائد فقيل: انقطع السلا في البطن. والمراد في هذه القطيعة ~~المذكورة أن تبقى العلائق التي بينهما على ما حصلت وثبتت لا يغير منها شيء. # والشرط الثاني: وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة، يقول: وإن شئت أخذ كل منا ~~موسى محددة، فقطعنا بها الأواصر التي بيننا. وهذا مثل، والمعنى أن لنا ~~الأسباب التي توصلنا بها فصارت مثل الأنساب، وحللنا عقد العرى الوثيقة فيما ~~تواشجنا فيه حتى نصير كالأجانب لا وصل تجمعنا، ولا أواخي تنظمنا، إلا ما ~~طوى البعاد بيننا من قرب الجوار والدار. # والشرط الثالث: ولإن قلت لا إلا التفرق بالأيدن معها، فيكون النوى مبددة ~~شمائلنا، فلا نلتقي في شعب ومسلك، ولا نتحاذى في منزل ومجمع، ولا نتجاوز في ~~محل ومقر، فإنا نبعد بعدا كما نختار؛ وأدام الله تفرقة النوى بيننا ولا جمع ~~ما تشتت منها. # ويقال: سكين رميض: حاد. وكل حاد رميض، ومنه ارتمض من كذا، إذا اشتد عليه ~~وأغضبه. وقوله فإني أرى عينك الجذع، يقول: إن العداوة بيننا رسختوثبتت ~~واستحكمت من جهتك، فلا استبقاء معك، ولا صبر عللا أذى مضض منك، حتى تعجب ~~لأدنى شيء يحول، وتستعظم أصغر ما يحدث ويدور، وأنا أرى الجذع يعترض في ~~عينيك فلا أنكر، ولا أحاسب عليه ولا أضايق. وهذا كما يقال في المثل: " تبصر ~~القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع المعترض في حلقك ". # PageV01P1042 ### || وقال جواس الكلبي من بني عدي بن جناب # ضربنا لكم عن منبر الملك أهله ... بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا # وأيام صدق كلها قد علمتم ... نصرنا ويوم المرج نصرا مؤزرا # فلا تكفروا حسنى مضت من بلائنا ... ولا تمنحونا بعد لين تجبرا # يخاطب إذ لا تستطيعون منبرا، أي ارتقاء منبر وصعوده، فحذف المضاف. ~~والمراد: إنا نصرناكم في طلب أمر كان ms0850 لغسيركم لا لكم بجيرون، حين لا تقدرون ~~على صعود منبر، ولا تستقيم لكم قناة ملك ونصرنا أيضا يوم مرج راهط، وأياما ~~أخر قبله وبعده، صادقناكم فيها ونصرناكم نصرا قويا، فلا تجحدوا نعمنا فيها، ~~فكفران النعم ذميم، ولا تتكبروا علينا بعد ملاينتكم لنا، فإن التكبر منكم ~~عظيم. وقوله حسنى مضت مصدر في معنى الإحسان، وليست بتأنيث الأحسن، لأن تلك ~~تلزمه الألف واللام. # فكم من أمير قبل مروان وابنه ... كشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا # ومستسلم نفسن عنه وقد بدت ... نواجذه حتى أهل وكبرا # إذا افتخر القيسى فاذكر بلاءه ... بزراعة الضحاك شرقي جوبرا # فما كان في قيس من ابن حفيظة ... يعد ولكن كلهم نهب أشقرا # قوله كم من أمير أراد به معاوية وأشياعه. أي ذببنا دونه وأزلنا كا كان ~~تراكم عليه من رواكد الظلم حتى أبصر رشده، وعادت إليه بصيرته، بعد أن كان ~~تحير في أمره، والتبس عليه ما يتنقل فيه، فلا يعرف ما عليه مما له. # PageV01P1043 # وقوله ومستسلم عطفه على من أمير، والضمير في نفسن للخيل ولم يجر لها ذكر، ~~ولكن عرف منه المراد. يريد: وكم من منقاد لما دهمه، مستسلم للشر المفاجيء ~~له والمحيط به، نفست خيلنا عنه بعد أن يبس ريقه، وتقلصت شفتاه فظهرت ~~نواجذه، لما مني به من شدة البلاء، وجهد البأساء، حتى أهل، أي رفع بالحمد ~~لله صوته، وأظهر شكره، وعظمه وكبره لما أعقب من الأمن عقيب الخوف، والسلامة ~~بعد الهلك. ويروى: كشفناغطاء الموت. ويروى: ومستلحم نفست عنه وقد بدت ~~مقاتله والمعنى فيهما ظاهر. وقوله إذا افتخر القيس فاذكر بلاءه، يعيرهم ما ~~كان منهم من التقصير والقصور في ذلك الموضع. وأخرج الكلام مخرج الهزء، ~~لأنهم قصروا ولم يبلغوا؛ لذلك قال: اذكر بلاءه. والزراعات: مواضع الزرع، ~~كالملاحات. والزريع: العثرى الذي يسقى من السماء، فكل ناعم زريع تشبيها به. ~~وجوبر: نهر. وانتصب شرقي على الظرف، يعني ما ولى المشرق منه. والضحاك كان ~~على شرطة معاوية، ثم صار مع ابن الزبير بعد موت يزيد. # وفي جملة هذه الأبيات: # فلو كنت من ms0851 قيس بن عيلان لم أجد ... فخارا ولم أعدل بأن اتنصرا # يقبح صورتهم كما ترى. # وقوله: فما كان في قيس من ابن كريهة يعد ويروى: فما كان في قيس بن عيلان ~~سيد يعد، ويعني بنهب أشقر فرس طفيل بن مالك، وكان فرارا. يقول: كأنما ~~انتهبهم طفيل في ذلك اليوم. وكان اسم فرس طفيل قرزلا، لذلك قال الآخر يصف ~~قوما منهزمين: # يعدو بهم قرزل ويستمع النا ... س إليهم وتخفق اللم # جعل فرس كل منهم كقرزل لما هربوا. ### || وقال جواس الكلبي أيضا: # أعيد المليك ما شكرت بلاءنا ... فكل في رخاء الأمن ما أنت آكل # PageV01P1044 # بجابية الجولان لولا ابن بحدل ... هلكت ولم ينطق لقومك قائل # يعاتب عبد الملك بن مروان، وذلك أنه لما قتل ابن الزبير وسكنت الحرب وصفا ~~له الأمر: أقبل يتألف قيسا وهو اعداؤه، ويوحش بني كلب على أعماله، وجعل ~~أبدالهم من قيس، فقال جواس: يا عبد الملك، ما حمدت بلاءنا في نصرتك، ولا ~~قابلت انقطاعنا إليك وسعينا ببعص ما وجب لنا عليك، فكل من دنياك في سعه ~~الأمن وظل الهدو ما أنت آكله، لا مدافع لك ولا معترض عليك، فلولا ابن يحدل ~~وقيامه بأمرك بجابية الجولان لهلكت ولم ينطق لقومك قائل، أي لم يكن فيهم ~~خليفة يخطب على منبر فيدعو ويدعي له. وتعلق قوله بجابية الجولان بقوله ما ~~شكرت بلاءنا. وهلكت جواب لولا، وخبر المبتدأ محذوف، وقد مر أمثاله. # فلما علوت الشأم في رأس باذخ ... من العز لا يسطيعه المتناول # نفحت لنا سجل العداوة معرضا ... كأنك مما يحدث الدهر جاهل # يقول: فلما ملكت المطلوب وأدركت المأمول، واستويت على الشأم في عز باذخ ~~وجد صاعد، لا يقدر على تناول مثله أحد بأمل أوهمة، اطرحتنا وأعرضت عنا، ~~معطيا سجل العداوة لنا، كأنك جاهل بالدهر وفعلاته، وحوادثه وملماته. ومن ~~روى: كأنك مما يحدث الدهر، يريد كأنك مماا أحدثه الدهر لك من الرياسة جاهل. ~~أي اغتررت فكأنك استحدثت جهالة. ويروى: كأنك عما يحدث الدهر غافل فجاهل ~~يجري مجرى غافل. وهذا يجري مجرى الوعيد. أي لا ms0852 تأمن غير الأيام ومعاودتك ما ~~يحتم عليك بالفقر إلينا ثانيا. # وفي هذه الطريقة ما أنشدته لمحمد بن غالب: # فتى مسمع أنت من مسمع ... بحيث السويداء والناظران # ملكت فأسجح وزع بالزمام ... وخف ما يدور به الدائران # وكنت إذا أشرفت في رأس رامة ... تضاءلت إن الخائف المتضائل # فلو طاوعوني يوم بطنان أسلمت ... لقيس فروج منكم ومفاتل # PageV01P1045 # رامة: هضبة. يذكره ضيق أقطار الأرض عليه، فيقول: إنك حينئذ مت أشرفت في ~~رأس هذه الهضبة تخاشعت وتذللت، لاستشعارك الخوف الشديد، واستظهارك بالاتقاء ~~من أعدائك البليغ. والخائف هذا دأبه وعادته. على أنهم - يعني أصحابه - لو ~~طاوعوني في هذا اليوم وقبلوا نصحي، وعملوا برأي، لأسلمت لقيس فروجكم، وهي ~~مواضع المخافة، ومقاتلكم. والمعنى: كنا نخذلكم ونسلمكم حت يتمكن القتل ~~منكم، وتعلو سمة الذل على أحوالكم. وإنما قال هذا لأن القيسية كانت تدعو ~~إلى ابن الزبير، وكلب تدعو إلى المروائية، وكان الناس يومئذ إنما يعرفون ~~بالبحدلية أصحاب مروان، والزبيرية، وهم أنصار ابن الزبير. لذلك قال عبد ~~الرحمن بن الحكم أخو مروان: # وما الناس إلا بحدلي على الهدى ... وإلا وبيري عصى فتزبرا ### || وقال جواس أيضا: # صبغت أمية بالدماء رماحنا ... وطوت أمية دوننا دنياها # أأمي رب كتيبة مجهولة ... صيد الكماة عليكم دعواها # كنا ولاة طعانها وضرابها ... حتى تجلت عنكم غماها # يقول: استنصرنا أمية ودافع الأعداء بنا، وعرضنا للقتل والقتال، والضراب ~~والطعان، حتى رويت قناتنا من دماء مجاذبيهم، والمتكرهين لأيامهم ومقاصدها، ~~استبدوا بطي الدنيا وزيها، والفوز بها وبأعراضها من دوننا. ثم أخذ يخاطبها ~~فقال: يا أمية، رب كتيبة مجهولة الشان، لم ندر كيف يدفع في وجهها. ولا من ~~أين يصرف شرها، متكبرى الأبطال، بهم الشجعان، دعواها عليكم لا لكم، ودفاعها ~~فيكم لا عنكم، تولينا مطاعنتها ومكافحتا، وافترضنا على أنفسنا دفعها. ويجوز ~~أن يكون المراد بقوله مجهولة أنا لا نعرفها، ولا مجاذبة بيننا وبينهم ولا ~~معاملة، فهي مجهولة لنا، اتخذنا كالأعداء لنا في هواكم ونصرتكم. أما قوله ~~صيد الكماة فإنما جمع فقال صيدا، حملا على معنى الكتيبة، ولو حمل على اللفظ ~~لقال: رب ms0853 كتيبة صيداء الكماة. والصيد يستعمل على وجهين: يقال: ملك أصيد، أي ~~متكبر لا يلتفت إلى الناس يمينا ولا شمالا. وحكى الخليل أن الصيد ذباب يدخل ~~في أذن البعير فيقلق له، # PageV01P1046 # فيظل رافعا رأسه. فشبه الملك ذو الزهو به. فهذا وجه. والوجه الآخر: أن ~~يراد بالأصيد الذي لا يستطيع الالتفات من دائه. وقوله حتى تجلت عنكم غماها، ~~هم من أمرهم في غماه، أي في شدة والتباس شديد عليهم. ومعنى حتى: إلى أن. ~~والولاة: جمع الوالي، وهو المتولي للشيء والفاعل له. ولا يمتنع أن يريد به ~~الملاك، كأنهم ملكوا تدبير الحي فصاروا كالولاة لها وفيها. # والله يجزي لا أمية سعينا ... وعلى شددنا بالرماح عراها # جئتم من الحجر البعيد نياطه ... والشأم تنكر كهلها وفتاها # إذ أقبلت قيس كأن عيونها ... حدق الكلاب وأظهرت سماها # يقول: الآن وقد جحدت أمية نعمتنا عندها، وبعدت عن الصلاح بكفرانها، فإن ~~الاعتماد على الله تعالى جده في أن يتولى جزاء سعينا، ويعرف لنا ما أنكرته ~~أمية من بلائنا، وعلى معال أحمكنا وثائقها، وشددنا عقدها وعلائقها، فتوجب ~~لنا من إثابة الله عز وجل ما يكون فيه عوض من كل فائت. وقوله جئتم من الحجر ~~أراد بالحجر الجنس. والمراد: جئتم من المكان الكثير الحجر، ومن بلاد الحجر، ~~يعني الجاز. ومعنى البعيد نياطه البعيد معلقه. ويقال: نطت الشيء أنوطه ~~نياطا ونوطا، إذا علقته. وروى بعضهم: من الحجر، بالزاء، وقال: يريد الحجاز. ~~فهذا كما قيل في تهامة: التهم. قال: # نظرت والعين مبينة التهم # والحاجز والحجاز والحجز، واحد. قال: وسمى الحجاز حجازا، لأنه يفصل بين ~~الغور والشام وبين البادية. وقوله والشأم تنكر كهلها وفتاها، أي لم يكونوا ~~من اهلها فاستغربتهم. وهذا كما قال في المقطوعة الأولى: رب كتيبة مجهولة. # PageV01P1047 # وقوله إذا أقبلت قيس، إذ ظرف جئتم من الحجر، أي جئتم وقت إقبال قيس. ~~ويجوز أن يكون ظرفا لقوله تنكر كهلها أي تنكر في ذلك الوقت. ويروى: وتزبرت ~~قيس كأن عيونها، أي صار هواها زييريا. وقوله كلأن عيونها حدق الكلاب وأظهرت ~~سيماها قصده إلى الذم ms0854 وإلى أن نظرهم نظر الكلاب، لكنه جرد التشبيه أولا، ثم ~~قال: وأظهرت سيماها أي أظهرت سيما الكلاب في إقبالها، فترك لفظ التشبيه، ~~وصار كأنه يخبر عن حقيقة. ### || وقال عبد الرحمن بن الكحم # لحا الله قيسا عيلان إنها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت # فشاول بقيس في الرخاء ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت # قوله لحا الله، يجوز أن يكون بمعنى قشر الله، ويجوز أن يكون بمعنى سب ~~الله. وقوله إنها أضاعت ثغور، يروى بفتح الهمزة، والمعنى لأنها، ويروى ~~بالكسر على الاستئناف. ومعنى ولت انهزمت وأعرضت. وقوله فشاول بقيس، أي خاطر ~~غيرك ورافعهم بهم في الرخاء والسعة، والأمن والدعة، ولإياك والاعتماد عليهم ~~ومؤاخاتهم في الحرب وعند استلال السيوف؛ فإنهم يسلمونك وينهزمون، ويخذلونك ~~ولا ينصرون. ويقال: شاول الفحل وخاطره، إذا هايجه. ### || وقال أبو الأسدفي الحسن بن رجاء # فلأنظرن إلى الجبال وأهلها ... وإلى منابرها بطرف أخزر # PageV01P1048 # ما زلت تركب كل شيء قائم ... حتى اجترأت على ركوب المنبر # قوله بطرف أخزر تعلق الباء منه بقوله فلأنظرن، والمراد بنظر يميل إلى ~~ناحية، أي نظر بغض وشنآن، لكونه متوليا لها والمعنى: هانت في عيني وصغر ~~قدرها عندي، فصرت أتكرهها، وأبغض أهلها وكروها، ومواضع الدعوة منها، مذ صرت ~~أميرها ومدبرها. # وقوله ما زلت تركب معناه ظاهر. ### || وقال آخر: # عجبت من السارين والريح قرة ... إلى ضوء نار بين فردة والرحى # إلى ضوء نار شتوي القد أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقد يشتوي # فلما أتونا فاشتكينا إليهم ... بكوا وكلا الحيين مما به بكى # بكى معوز من أيلاموطارق ... يشد من الجوع الإزار على الحشا # يقول: تعجبت من العصبة التي سرت ليلا إلى ضوء نار أوقدت في مكان يتوسط ~~فردة والرحى؛ وهما موضعان. والرواية المستقيمة على كل وجه: بين فردة فالرحى ~~وهذا هو ما كان الأصمعي ينكره في بيت امرىء القيس، وهو: # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وقد مر القول فيه وفي أشباهه، وفي حكم بين ومقتضاه أن الاسم الذي يليه ~~يجب أن يكون كاسم الجمع في تناوله أكثر من واحد، حتى يصح ms0855 ترتيب الفاء عليه ~~في العطف. # وقوله والريح قرة أي تهب شمالا ببرد شديد. والواو منه واو الحال. # PageV01P1049 # وقوله إلى ضوء نار شتوي القد أهلها، أبدل إلى ضوء نار مما في البيت الأول ~~بإعادة حرف الجر معه. ويعني نارا لقوم مضرورين مجهودين لا خير عندهم، ولا ~~طعام بفنائهم، مضطرين إلى شي القد، لأنهم أعوزهم ما هو خير منه. فتعجب وقد ~~استضافهم هؤلاء السارون، ثم قال: وقد يكرم الأضياف مع مجاهدة الفقر، ~~ومزاولة الضر، إذا كان المضيف لطيف الحيلة، رفيع الهمة. # ويقال: شويت اللحم واشتويته، فانشوى هو. وحكى سيبويه في بناء المطاوعة ~~اشتوى أيضا. ومثله نظمت الشيء وانتظمته فانتظم هو. وقوله فلما أتونا يقول: ~~فلما حصلوا عندنا تباثثنا وتباكينا، وكل واحد من الحيين شكا إلى الآخر دهره ~~وأنهى إليه في إضافته أمره. # وقوله بكى معوز، هذا بيان وجه العلة في البكاء. يقول: بكى فقير مخافة أن ~~يتهم ولا يصدق ظاهر حاله فيما ينطق به من ضره، وأن تلحق به اللائمة إذا ذكر ~~واجبات ضيفه؛ والضيف الطارق بكى لما مسه من نائبات دهره، ولما يظهر من مساس ~~حاجته، ويقيم به العذر في إلمامه، حتى شد حشاه لخلاء جوفه. # فألطفت عيني هل أرى من سمينة ... ووطنت نفسي للغرامة والقرى # فأبصرتها كوماء ذات عريكة ... هجانا من اللائي تمتنعن بالصوى # فأومأت إيماء خفيا لحبتر ... ولله عينا حبتر أيما فتى # وقلت له ألصق بأيبس ساقها ... فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا # وقوله ألطفت عيني أي نظرت بعيني نظرا لطيفا، هل أرى في إبل المستضعفين ~~ورواحلهم ناقة سمينة أنحرها لهم، وإذا ردت إبلى إلى باءتها أعوض صاحبها ~~خيرا منها، وأغرم من بعد ذلك له ما ارضيه به. ويقال: ألطفت أخي بكذا، إذا ~~أتحفته بما يعرف به برك ولطفك. وألطفت الأم بالولد، وأم لطيفة، أي أكرمته ~~وبرته. # وقوله أبصرتها كوماء، الكوماء؛ الطويلة السنام الغليظة، وقيل: الكوم: ~~العظم من كل شيء: والعريكة: السنام إذا عركه الجمل. وناقة عروك: لم يكن في ~~سنامها إلا اليسير من الشحم. والهجان: الكريمة. ويقال: ناقة ms0856 هجان ونوق ~~هجان. وقد مر القول في وقوعه للواحد والجمع على صورة. وقوله تمتعن بالصوى ~~فالصوى: الأعلام والحجارة. أي رعت الحزن والتسهل. ومعنى تمتعن، أي أفمن بها # PageV01P1050 # ويقين حتى استمتعن. ويقال: متع الماء الشجرة، إذا أنشأها. ونخلة ماتعة، ~~أي طويلة. # ويروى: ...... # من سمنية ... تدارك فيها ني عامين والصرى # والنى: الشحم. والصرى: حبس الإبل في الرعي، ومنه سمى الماء الذي قد طال ~~إنقاعه في موضع: الصرى: الصرى. ويروى: والصوى، وهو الإحسان إليها إليها ~~والابقاء عليها. # وقوله فأومأت لإيماء خفيا لحبتر فحبتر: اسم ابنه، وإنما رسم له عرقبتها ~~في السر بعد أن اختارها مخافة أن يمتنع صاحبها مما هم به فيها. وقوله عينا ~~حبتر اعتراض. وانتصب أيما فتى على الحال، كأنه أحمده حين حسنت فطنته وتسرع ~~إلى مراده. ويقالك مررت برجل أي رجل، فتجعله صفة للنكرة؛ وبزيد أي رجل، ~~فيصير حالا للمعرفة. وعلق المدح بعينيه، لأنه بهما أدرك إيماءه. وإذا عظموا ~~الشيء نسبوا ملكه إلى الله عز وجل. وقوله ألص بأيبس ساقها الأيبس: ما قل ~~عليه اللحم من الساق وغيرها. والسيف أعمل فيه. وقوله فإن يجبر العرقوب ~~العرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان، وهو موصل الوظيف ~~والساق من ذوات الأربع. والمعنى: أصب ساقها فإن العرقوب إن أمكن التلافي ~~منه بالجبر والعلاج والشد، فإن نساه لا ينقطع الدم منه، فصاحبها ييئس منها ~~عند ذلك. والمعنى: اضربها ضربة ليس في البرء منها مطمع، ليرضي صاحبها ~~بالتعويض منها، ويستقيم أمر الضيف والضيافة، وإن لحقنا غرم فيها. # فأعجبني من حبتر إن حبترا ... مضى غير منكوب ومنصله انتضى # كأني وقد أشبعتهم من سنامها ... جلوت غطاء عن فؤادي فانجلى # فبتنا وباتت قدرنا ذات هزة ... لنا قبل ما فيها شوء ومصطلى # قوله غير منكوب أي غير مدفوع في صدره. ويقال: حافر منكوب ونكيب، إذا أثر ~~فيه ما يطؤه من حصى أو حجر. وقوله ومنصله انتضى أي جرد سيفه. وانتصب منصله ~~لأنه مفعول مقدم. وقوله جلوت غطاء، يقول: كنت مهتما قلقا، # PageV01P1051 # فلما شبعوا مما أعدت لهم وتمحلت ms0857 من أجلهم سكنت فكأنه كان على قلبي غطاء ~~من الغم ران عليه، فانجلى وذهب. وقوله فبتنا وباتت قدرنا خبر بتنا وقله لنا ~~قبل ما فيها شواء، وشواء ارتفع بالابتداء. يريد: بتنا لنا قبل ما أودع ~~القدر شواء واصطلاء بالنار، كأنه طال عليهم انتظار القدر، فعمد إلى أطاليب ~~الجزور وشوى. وقوله ذات هزة خبر بانت قدرنا، أي لها هزيز بالغليان. ويجوز ~~أن يريد: لقدر اللحم فيها اهتزاز واضطراب، كما قال: # قرشية يهتز موكبها # وهذا الذي اقتصه من حاله وحالهم، بيان اهتمامه بأمر الضيف وحسن التأني في ~~تفقده. # وأصبح راعينا بريمة عندنا ... بستين أنقتها الأخلة والخلا # فقلت لرب الناب خذها ثنية ... وناب علينا مثل نابك في الحيا # يقول: أصبحنا وراعينا بريمة رد إبلنا من مرعاها، وهي ستون قد أنقتها - أي ~~جعل لها نقيا - الأخلة، وهي جمع خلال، وهو مااختل واجتز من العشب وهو أخضر. ~~والخلا: الرطب. وقال بعض أصحاب المعاني: لا يقال أنقت الناقة، إذ سمنت؛ ~~ولكن لما سمن من الحشيش، وكان الحشيش والخلا سبب سمنها جعل الفعل لها على ~~سعة الكلام، والأصل أنقت هي. قال: # لا يشتكين ألما ما أنقين ... ما دام مخ في سلامي أو عين # وقال غيره: يجوز أن يكون أنقى هاهنا معدى، ويكون على غير ما فسرتموه، وهو ~~أنه يقال: أنقيته فأنقي، كما يقال: أمأيت الدراهم فأمأت هي. والمعنى سمنته ~~وجعلت له نقيا فسمن واحتمل. قال البرقي: الرواية الصحيحة عندي: أبقتها ~~الأخلة، أي أبقتها على البرد والجدب، لأنا كنناها وخلينا لها. ورواه بعضهم: ~~الأجلة بالجيم. قال: ويقال: جل وجلال وأجلة، أي لم ندعها ولم نهملها، بل ~~ألبسناها وتفقدناها. # PageV01P1052 # وقوله وقلت لرب الناب خذها ثنية، أي حكمت صاحب النب التي عقرتها في أن ~~يختار من إبلى ثنية على ما يشتهيه، وتصطفيه عينه وتنتقيه، وقلت مضيفا إلى ~~العوض الواجب له: لك علينا ناب مثل نابك في السمن. والحيا من باب ما سمي ~~باسم غيره إذ كان منه بسبب. فالحيا: المطر، لأنه يحيي العباد والبلاد، ثم ~~يسمى النبت حيا لأنه بالمطر ms0858 يكون، ويسمى الشحم حيا لأنه عن النبت يكون. ~~وهذا الباب كثير واسع. ### || فقال في ذلك خنزر بن أقرم # بني قطن ما بال ناقة ضيفكم ... نعشون منها وهي ملقى قتودها # غدا ضيفكم يمشي وناقة رحله ... على طنب الفقماء ملقى قديدها # وبات الكلابي الذي يبتغي القرى ... بليلة نحس غاب عنها سعودها # أخذ يسائلهم عما غيرهم به تهكما وسخرية. ومعنى الكلام الإنكار. يقول: لم ~~تتعشون من ناقة ضيفكم؟ وكيف استجزتم ذلك حتى صارت قد ألقي قتودها وهي ~~مطبوخة مأكولة؟ والقتود لا واحد لها عند أصحابنا البصريين. ثم قال مقبحا ~~الصورة: ابتكر ضيفكم يمشي وراحلته قد نحرت وقددت لحمومها، وشمست على طنب ~~القماء. وهذا تفظيع للشأن. والطنب: حبل من حبال الخيمة. والفقماء يعني بها ~~امرأة الراعي، لقبها بذلك. # وقوله: وبات الكلابي يعني به بات المستضيف الطالب للقرى عندكم بليلة شؤم ~~قد فارقها السعود، لأنكم غصبتم ناقته، ولم ينل القرى عندكم. # أمن ينقص الأضياف أكرم عادة ... إذا نزل الأضياف أم من يزيدها # PageV01P1053 # كأنكم إذ قمتم تنحرونها ... براذين مشدود عليها لبودها # فما فتح الأقوام من باب سوءة ... بني قطن إلا وأنتم شهودها # يقررهم على تقبيح ما كان منهم، فيقول: خبروني أي العادتين أقرب إلى ~~الكرم، وأحرى في وفاء الشيم: أعادة من يستنزل الأضياف عن أموالهم وينقص ما ~~توفر لهم، أم عادة من يزيدهم ويثمر حظوظهم. وقوله عادة انتصب على التمييز. ~~وإذا نزل ظرف لقوله أمن ينقص الأضياف. وكرر لفظ الأضياف ولم يأت بالضمير ~~على عادتهم في تكرير الأعلام والأجناس، وقد مضى مثله. وقوله كأنكم إذ قمتم ~~تنحرونها براذين شبههم في العجز والثقل وقلة الغناء، والتباطؤ والبلادة، ~~بالبراذين، وهم يضربونها مثلا للمذموم. وجعلها شدت اللبود عليها تقبيحا ~~لصورها. وقوله: فما فتح الأقوام من باب سوءة، يريد: لا يسبق طوائف الناس ~~وفرقهم إلى خصلة مذمومة أو سوءة مشوهة منكرة إلا وبنو قطن حضورها؛ أي لا ~~يمكن الإغراب في المخازي عليهم، لأنهم السابقون في البدار إلى كل عار، ~~والأولون عند الولوج في كل باب، والحاضرون لكل نكر وعاب. ### || فأجابه ms0859 الراعي # ماذا ذكرتم من قلوص عقرتها ... بسيفي وضيفان الشتاء شهودها # فقد علموا أي وفيت لربها ... فراح على عنس بأخرى يقودها # قربت الكلابي الذي يبتغي القرى ... وأمك إذ تخذى إلينا قعودها # الرواية الجيدة: ماذا نكرتم. ويقال: نكرت الشيء وأنكرته واستنكرته بمعنى. ~~فأما ذكرتم فمراده ماذا عيرتم فذكرتم من ناقة لغيري عقرتها حين عوبت إبلى ~~لضيفان الشتاء بحضرتهم، وبمرأى منهم. وقد جرى رسم الكرام بمثل ذلك إذا دعت ~~الحال إليه، موطنين أنفسهم للغرامة، ورد الاثنين بدل الواحد على الخصم فيه. # PageV01P1054 # وقوله فقد علموا يستشهد بالضيفان فيقول: حضروا وتيقنوا أني وفيت لربها ~~بمثلها وزدته أخرى، فراح راكبا إحداهما وقائدا الأخرى معها. ثم اقتص ما ~~دعاه إليه فقال: قريت الكلابي المبتغي للقرى وقريت أمك، يعني أم خنزر بن ~~أفرم المعير المنكر. والخدى: ضرب من السير. والقعود: البكر إذا بلغ ~~الإثناء؛ والذي يقتعده الراعي فيركبه ويحمل زاده عليه قعود أيضا. وفي ذكر ~~الأم وأنه أضافها مع الكلابي بعض الغض والإيهام. # رفعنا لها نارا تثقب للقرى ... ولقحة أضياف طويلا ركودها # إذا أخليت عود الهشيمة أرزمت ... جوانبها حتى نبيت نذودها # إذا نصبت للطارقين حسبتها ... نعامة حرباء تقاصر جيدها # ويروى: رفعنا لها مشبوبة يهتدي بها. ومعنى تثقب تذكي وتضاء. وقيل: الكوكب ~~الثاقب والحسب الثاقب، للضوء والتلألؤ. ومعنى للقرى الإقامة القرى، واللقحة ~~يراد به القدر هاهنا، وأصله في الناقة الحلوب. وجعل ركودها طويلا لثقلها ~~وكبرها، ولأنها لا تنزل إلا للغسل ثم تعاد والجفنة الركود: الثقيلة ~~الممتلئة. وقوله إذا أخليت أي جعل الحطب لها بمنزلة الولد، فهو لها كالولد، ~~وهي له كالناقة الخلية، وهي التي تعطف على ولدها وترأمه. والهشيمة: اليابس ~~من الشجر وغيره. وأرزمت: صاحت بغليانها، لكبرها، حتى نبيت نسكن منها. وإذا ~~نصبت على الأثافي لزوار الليل - يعني الأضياف - حسبتها لإشرافها نعامة ~~حزباء. والحزباء: الأرض الصلبة المرتفعة: شبد القدر بالنعامة، لأنها تكثر ~~رفع رأسها ووضعه، لجبنها ونفورها، فكذلك القدر ترفع المحال وتخفضها، لشدة ~~غليانها. وقال: تقاصر جيدها ليتبين وجه التشبيه منه ويصح. ومثله قول الآخر: # غضوب كحيزوم النعامة احمشت ms0860 # تبيت المحال الغر في حجراتها ... شكارى مراها ماؤها وحديدها # بعثنا إليها المنزلين فحاولا ... لكي ينزلاها وهي حام حيودها # PageV01P1055 # فباتت تعد النجم في مستجيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها # المحال: فقر الضهر، والواحدة محالة. وجعلها غرا لسمنها. والحجرات: ~~النواحي، وجعلها شكارى لامتلائها ودكا. ويقال: شاة شكرة، إذا كانت غزيرة ~~اللحم، وضرة شكرى، أي ممتلئة. وشكر النعم من ذلك، لأنه به تستدام وتمترى ~~الزيادة. ويروى: سكارى بالسين غير معجمة، والمراد مثل ذلك لأن السكر من ~~الامتلاء يكون. ومعنى مراها استخرج دسمها. ماؤها، أي مرقتها. وحديدها أي ~~مغرفتها. # وقوله بعثنا إليها المنزلين إنما ثنى ليرى أن الواحد لا يطيقها ولا ينهض ~~بتحريكها لثقلها. واللام من قوله لكي ينزلاها يجوز أن يتعلق بقوله بعثنا، ~~كأنه قال: بعثنا المنزلين إليها لكي ينزلاها فحاولاه، وحذف مفعول حاول وكي ~~هذه هي الناصبة للفعل، لذلك دخلها اللام الجارة. والمحاولة: مطالبة الأمر ~~بالحيل، ويجوز أن يتعلق بحاولا. والحيود: الجوانب، أي إذا أراد إنزالها وفي ~~جوانبها بعد حمى، استعجالا. وقوله فباتت تعد النجم إخبار عن إم خنزر بن ~~أقرم. والمتسحيرة: المتحيرة لامتلائها. أي في مرقة أو قدر قد تحيرت، فهي من ~~صفائها وكثرة دسمها ترى فيها نجوم السماء. وقيل: شبه الراعي النفاخات التي ~~كانت على رأسها من كثرة الدسم بالنجوم، ويجوز أن يكون أراد أن هذه القدر ~~مرتفعة الشأن، عالية الأمر، فإمه كانت تعد النجوم فيها لما أطعمت منها ~~كأنها بلغت النجوم في علوها، لنها لم تر مثلها قط. وهذا هو الوجه عندي، ~~ليكون قد غض من أمه جزاء على ما قاله وأنكره. وقوله حيودها ارتفع بحاك، ~~وكذلك جمودها ارتفع بسريع. ويجوز أن يروى: سريع بالرفع على أن يكون خبرا ~~للمبتدأ وقد قدم عليه، والمبتدأ جمودها. ### || وقال رجل من بني أسد # دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا # فكابر والمجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من أوفى من صبرا # PageV01P1056 # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # يقول: تباطأ سعيك للمجد، ولما سعيت كان ms0861 سعيك دبيبا وطلاب المجد قد جهدوا ~~أنفسهم، وألقوا الأزر دونه، تخفيفا عن أنفسهم، وتشهيرا في طلبهم وهذا مثل. ~~والمراد أن ما يفعله الساعي في سعيه إذا طلب شيئا من التجرد والتخفف ليدرك ~~مطلوبه قد فعلوه. ثم اخذ يفصل مجهودهم من بعد، فقال: كابروا والمجد، أي ~~جاهدوه ليبلغوا قسرا لا ختلا، فمن صبر وأوفى ناله واحتواه ظافرا به، معانقا ~~له، ومن مل وقصر - وهم الأكثر - خاب وأخفق ورجع نادما لاهيا عنه. وقوله لا ~~تحسب المجد تقريع، والمراد: لا تظنن المجد يدرك بالسعي القصير، واستعمال ~~التعذير، وعلى ملازمة الراحة دون توطين النفس على الكد الشديد والمجاهدة؛ ~~فإنه لن ينال إلا بتجرع المرارات دونه، واقتحام المعاطب بسببه. ويقال: لعقت ~~الصبر لعقا. واسم ما يلعق هو اللعوق. ### || وقال آخر: # ومستعجل بالحرب والسلم حظه ... تلما استثيرت كل عنها محافره # وحارب فيها بامرىء حين شمرت ... من القوم معجاز لئيم مكاسره # فأعطى الذي يعطى الذليل ولم يكن ... له سعى صدق قدمته أكابره # يقال: استعجل بالشيء، إذا طلب عجلته ولم يصبر إلى وقته وإياه. فيقول: رب ~~امرىء يعجلك في هيج الحرب له، ونصب الشر بينك وبينه، فتراه يرتقي في ~~الإيذاء والمكاشفة إلى أعلى درجات القصد، وحظه في أن يسالم، لكنه بسوء ~~تأتيه ونقص اختياره، أبى لنفسه إلا تعريضها لما يستوخم عاقبته، ويتعجل شره، ~~فلما هيجت الحرب له وأجيب في إثارتها، وإيقاد نائرتها، إلى مراده منها، عجز ~~فيها عن الإيفاء والاستيفاء، وكل عن مباشرة الورد والصدر، واستعان فيها ~~برجل ركاب لرواحل العجز، لئيم المكسر والمختبر، ضيق العطن والمبرك، ويعني ~~به نفسه، وهذا كما يقال: لقيتني لقيت بي قرنا باسلا. ويعني بالقرن نفسه. ~~وقوله حين شمرت يريد حين كشفت الحرب عن ساقها، وأبدت أعجازها وهوادبها، ~~ففعل فعل الذليل، وأعطى من الانقياد ما يعطيه الضعيف الفريد، ولم يكن سعيه ~~سعيا مصدوقا فيه، ولا وقوفه وإمساكه إمساكا يعذر له، فتراه عند الأماثل من ~~جملة الأراذل، وعند طلاب الخير مقتحما في الشر. ومعنى قدمته أكابره أسلافه ~~وأماثل قومه. # PageV01P1057 ### || وقال إسماعيل بن عمار # بكت ms0862 دار بشر شجوها إذ تبدلت ... هلال بن مرزوق ببشر بن غالب # وهل هي غلا مثل عرس تحولت ... على رغمها، من هاشم في محارب # شجوها انتصب على أنه مفعول له، والشاعر يفضل بشرا على هلال، ويقول: إن ~~الدار التي كان يستوطنها بشر لما ارتحل عنها وصار فيها بدلا منه هلال بكت ~~وتحسرت، وحق لها ذلك، فما هي في استبدالها إلا كعروس زوجت في هاشم، م ~~انتقلت إلى محارب. ومحارب قبيلة فيها ضعة وخمول، حتى قال بعض الشعراء وهو ~~يحلف: # فصيرني ربي إذا من محارب ### || وقالت امرأة قتل زوجها # متى تردوا عكاظ توافقوها ... بأسماع مجادعها قصار # أجيران ابن مية خبروني ... أعين لابن مية أم ضمار # تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لخلفها منه اعتذار # فإنكم وما تخفون منها ... كذات الشيب ليس لها خمار # عكاظ: واد للعرب فيه سوق لهم يجتمع فيها طوائف الناس من جميعالأحياء، ~~فيتعارفون فيها ويتعلقون بالأخبار بعد التذاكر بها والتنسم لها، وبينهم ~~المواعدات والمقايضات، والإحن والترات، والمنافرات والمناقضات، فكل فرقة ~~تتجمل للأخرى وتود أن تسمع فيها ما ليس عندها من حسن وقبيح، ومحمود ومذموم، ~~إلى غير ذلك من الأنباء السائرة، والأوابد العائرة، التي يتهادى بها، ~~ويستطرف وقوعها، ويتبلغ باستماعها وأدائها. فيقول: متى وردتم عكاظ ~~وافيتموها أذلاء قد اكتسيتم عارا يخزيكم # PageV01P1058 # ويلازمكم، فتصير كالمثلة عليكم، فكأن آذانكم قد استوعب صلمها، عقوبة لكم ~~بما عاملتم به جاركم من إحفار وإسلام، حين قتل في جواركم، واستبيح محرماته ~~في ذممكم. ثم قال مستهزئا ومعيرا: يا جيران ابن مية، أنبئوني أنصرتكم له ~~عين أم ضمار، ووفاؤكم بما عقدتم له حق أم كذاب. والعين: ما يحضر ويشاهد، ~~لذلك قيل في المثل: يدع العين ويتبع الأثر. والضمار: الغائب الذي لست منه ~~على ثقة. قال الأعشى: # نرانا إذا أضمرتك البلاد ... نجفى وتقطع منا الرحم # وقوله تجلل خزيها عوف بن كعب، يريد: لبس خزى هذه الغدرة وتغطى بذمها ~~قبائل عوف بن كعب كلها لا أنتم فحسب، لأعقابها بعدها عذر يقبل، ولا تنصل ~~يسنع. # وقوله وإنكم وما تخفون منها، ms0863 يريد مثلكم في ستركم أمرها، وتقديركم ~~إخفاءها، على إنتشارها وذهابها في الناس، وعلى تغشيكم بدرنها، واستقذار ~~الناس لكم لوسخها، مثل امرأة شاب رأسها ولا خمار لها فتختمر، مع ميلها إلى ~~أن لا يرى شيبها. والمعنى: الأمر أظهر من أن يكتم أو يدفن. ### || وقال آخر: # تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا # فليت قريشا أصبحت ذات ليلة ... تؤم بها موجا من البحر أكدرا # هذا كلام رجل قد جمره الوالي، وتبرم بغربته، وشقى بالتباعد عن أهله ~~ووطنه، فيقول: تفرد قريش بالتنعم والتلذذ، واستأثر بالعيش الطيب والرتعة ~~الهنيئة، ورمت بنا مرامي منكرة لا راحة معها، ولا طائل فيها، وسدت طرق ~~المفاوز الغبر التي لا تسلك ولا تعبر، بينها وبين أهل المشرق، وبودي أن ~~ثبتت قريش على ليلة تفضى بها صبيحتها إلى أن تسلمها إلى موج أكدر، يجرفها ~~إلى البحر ويغرقها. وهذا مثل، والمعنى: أتمنى أن تشملها بلية تفنيها وتريح ~~العباد والبلاد منها. والكدر: نقيض الصفاء. ويقال: عيش أكدر، وقد كدر. وجعل ~~الموج كذلك تهويلا، وتكثيرا لماء # PageV01P1059 # بحره. وقوله ذات ليلة يريد الساعة التي يكون فيها الليلة المطلوبة. وعلى ~~هذا قولك: فعلت كذا ذات العشاء، يريد الساعة التي فيها العشاء. والمعنى: ~~أصبحت منا على هذه الحالة قريش، أي حصلت من ليلتها على صباح هكذا. ### || وقالت امرأة # حلفت ولم أكذب وإلا فكل ما ... ملكت لبيت الله أهديه حافيه # لو ان المنايا أعرضت لاقتحمتها ... مخافة فيه إن فاه لداهيه # فما جيفة الخنزير عند ابن مغرب ... قتادة إلا ريح مسك وغاليه # فكيف اصطباري يا قتادة بعدما ... شمعت الذي من فيك أثأى صماخيه # قولها ولم أكذب في موضع الحال أي حلفت صادقة في خبري، وإلا فما أملكه ~~لبيت الله - تعني لمن حول بيت الله، فحذف المضاف - أهديه إليه بنفسي حافية ~~لا حذاء لي. فقولها أهديه، يجوز أن يكون في موضع خبر المبتدأ، كأنها قالت: ~~وإلا فما أملكه أهديه لبيت الله حافية، أي في هذه الحال. ويقال: أهديت إلى ~~البيت وللبيت هديا، إذا تقربت فيه ms0864 بقربان. واللام من لبيت الله على هذا ~~يتعلق بأهديه، ويجوز أن يكون لبيت الله خبر المبتدأ. وأهديه إن شئت كان ~~مستأنفا، وإن شئت كان خبرا ثانيا، وإن شئت كان بدلا. وقولها لو أن المنايا ~~أعرضت أي مكنت من النظر إلى عرضها، أي إلى الجانب الذي تجيء منه لاقتحمتها، ~~أي لوقعت فيها وصرت في قحمتها. وانتصب مخافة فيه على أنه مفعول له. وقولها ~~فما جيفة الخنزير تريد: ما رائحة جيفة الخنزير إلا ريح مسك لأن الحدث يشبه ~~بالحدث، والعين بالعين. # وقولها فكيف اصطباري يا قتادة، يريد: كيف أتكلف صبرا على مجاورتك والكون ~~معك. بعد ما بليت به من بخرك ونتن فمك، الذي أفسد على آلة الشم # PageV01P1060 # والسمع. ومعنى أثأى صماخيه، أي أفسده. والصماخ: ثقب الأذن الذي يفضي إلى ~~الرأس. وآلة الشم الأنف دون الأذن، ولكن تريد أنه فسد بمحاورته. ### || وقال عبد الله بن أوفى الخزاعي # نكحت ابنة المنتضى نكحة ... على الكره ضرت ولم تنفع # ولم تغن من فاقة معدما ... ولم تجد خيرا ولم تجمع # منجذة مثل كلب الهراش ... إذا هجع الناس لم تهجع # مفرقة بين جيرانها ... وما تستطع بينهم تقطع # بقول رأيت لما لاترى ... وقيل سمعت ولم تسمع # قوله " على الكره " في موضع الحال من نكحت. وقوله " ضرت " من صفة نكحة، ~~وكذلك ما في البيت الثاني من الجمل كل في موضع الصفة لها. فيقول: نكحت هذه ~~المرأة مكرها نكحة ضارة غير نافعة في شيء من الوجوه، فما أغنت من عدم ~~عديما، ولا أنالت خيرا، ولا جمعت شملا. وحذف مفعول " ولم تجمع "، لأن ~~المراد مفهوم. # وقوله " منجذة " من الناجذ، وهوضرس الحلم. والنواجذ: أربعة أضراس، وقال ~~بعضهم: هي الضواحك، محتجا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم " أنه ضحك حتى ~~بدت نواجذه ". ويقال: نجذ فلانا الخطوب، إذا أحكمته. وقال: " ونجذني مداورة ~~الشؤون " فيقول: إنها قد جربت ومل منها وملت. وقوله مثل كلب الهراش يعني في ~~خلقها وخلقها. ومعنى إذا هجع الناس لم تهجع، يصفها بأنها تمشي بالنمائم. ~~ولذلك قال الآخر: # قوم إذا دمس الظلام ms0865 عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمرع # PageV01P1061 # لأن القنفذ لاينام بالليل. فيقول: هي بوشايتها تفرق بين الخلطاء، وتقطع ~~الوصل والأواصر بينهم. ولك أن تنصب منجذة ومفرقة على الحال، ولك أن ترفعهما ~~على الاستئناف. وقوله وما تستطع شرط وجزاء، والمفعول محذوف، فهو كقولك: ما ~~تطق تفعل. فأما قوله: يقول رأيت وقيل سمعت، فالباء تتعلق بقوله تقطع. ~~والمعنى أنها تباهت وتكابر، وتتزيد في القول وتجاهر، فتدعي مشاهدة ما ~~لاتشاهده، وسماع ما لاتدركه. وهذا زائد على ما قاله الآخر حين نفى هذه ~~الطريقة، وهو: # وليست من اللائي يكون حديثها ... أمام بيوت الحي إن وإنما # ورواه بعضهم: # تقول رأيت لما لاترى ... وقالت سمعت ولم تسمع # والذي رويناه أحسن تلاؤما وأقرب. # فإن تشرب الزق لايروها ... وإن تاكل الشاة لاتشبع # وليست بتاركة محرما ... ولو حف بالاسل الشرع # ولو صعدت في ذرى شاهق ... تزل بها العصم لم تصرع # فبئست قعاد الفتى وحدها ... وبئست موقية الأربع # محرما، أي حراما. والحرمة: ما لايحل انتهاكه، وكذلك المحارم. وفي المثل ~~لابقينا للحمية بعد الحرام أي عند الحرمة. وهو ذو محرم وحرمة في القرابة. ~~والشرع: جمع شارع، ويقال: أشرعت الرمح قبله فشرع. وصفها بالنميمة وشدة ~~الحرص على تناول المحرم ولو انتزعته من بين الأسنة. ثم وصفها بالتجليح، ~~وحسن التنقيح، والحذق في التوصل إلى الممنوع، ولو احتاجت إلى أن تترقى في ~~مصاعد الجبال، ومدارج الهضاب المعجزة للعصم. # وقوله فبءست قعاد الفتى وحدها انتصب قعاد وموفية على التمييز، لأنه وإن ~~كان معرفة في اللفظ، فلا اختصاص فيه. ويروي بالرفع في الموضعين. فإذا نصبت # PageV01P1062 # فهو كقولك: بئست ربة البيت هند. وإذا رفعت فهو كقولك: بئست دار الكافر ~~النار. وفي القرآن: " ولنعم دار المتقين ". والمذمومة بئست في الوجهين ~~محذوفة. وانتصب وحدها على المصدر. فيقول: هي مذمومة في النساء تفردت أو ~~اجتمعت مع ثلاث أخر. والقعاد والقعيدة واحدة، ويقال: ليست له قعيدة تقعده، ~~أي امرأة تعزبه، أي تزيل عزبته. وحكى أن الأصمعي ألقى على أصحابه يوما هذا ~~البيت، وهو: # واحدة أعضلكم شأنها ... فكيف لو قمت على أربع # أربع يعنى ms0866 النساء. ### || وقال بعض آل الملهب # قوم إذا أكلوا أخفقوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار # لايقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولاتكف يد عن حرمة الجار # معناهما ظاهر ولا إعراب فيهما. والقبس: الشعلة من النار. والقابس طالب ~~النار وآخذها، ويقال: قبست النار واقتبسها وأقبستها وأقبسنيها فلان. ~~والمقياس نحو من القبس. والرتاج: الغلق. ويقال: رتجت الباب وأرتجته. ### || وقال آخر: # كاثر بسعد إن سعدا كثيرة ... ولاتبغ من سعد وفاء ولا نصرا # ولاتدع سعدا للقراع وخلها ... إذا أمنت ونعتها البلد القفرا # يروعك من سعد بن عمروجسومها ... وتزهد فيها حين تقتلها خبرا # كاثر: أمر من كاثرته، إذا غلبته بالكثرة، ويقال: كاثرته فكثرته أكثر بضم ~~العين. وعلى هذا يجيء هذا البناء، سواء كان مفتوحا في الأصل أو مضموما أو ~~مكسورا، إلا أن يكون البناء معتلا، فإنه يترك على حاله. يقال باكيته فبكيته ~~أبكيه لاغير. وذلك لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو. وقوله: ونعتها البلد ~~القفرا، يصفهم # PageV01P1063 # بالسلامة في حال الأمن، وبحسن تصرفهم في فنون القول، وأن لهم المنظر ~~الحسن دون المخبر، ثم لا وفاء لهم في الذمم والعقود ولا نصرة في الدفاع عند ~~الحروب. ومعنى يروعك يعجبك. يريد: اعطوا البسطة في الأجسام، فإذا خبرتهم ~~صغرهم الخبر، فأورثك الزهد فيهم. ويقال: لي بهم خبر وخبرة. ### || وقال آخر: # أعاريب ذوو فخر بإفك ... وأسنة لطاف في المقال # رضوا بصفات ما عدموه جهلا ... وحسن القول من حسن الفعال # يقول: إنهم يفتخرون بمفاخر مأفوكة مكذوبة، ولهم ألسنة يلطفون بها، ~~ويصورون الباطل من مفاخرهم بصورة الحق، فهم أصحاب مقال لا فعال، وأرباب كذب ~~وزور، لاحق وصدق، ولجهلهم يرضون من أنفسهم ولها بأن يصفوها بما هو معدوم ~~فيهم، وقنعوا بحسن الصفات من أنفسهم بقولهم، وإن عدموا شهادة الأشهاد على ~~دعواهم، اعتقادا منهم أن القول يغني عن الفعل، وأن الخبر يكتفي به عن ~~الخبرة، وأن الكرم في الدعاوي لا في الحقائق. ### || وقال مالك بن أسماء # لو كنت أحمل خمرا حين زرتكم ... لم ينكر الكلب أني صاحب الدار # لكن أتيت وريح المسك تفغمني ... وعنبر الهند ms0867 مشبوبا على النار # فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزق والقار # قوله تفغمني، أي تسد خياشيمي وتملؤها. ويقال: الريح الطيبة تفغم المزكوم. ~~وقوله مشبوبا على النار، يقال: رأيت شبة النار، أي اشتعالها، وقد # PageV01P1064 # شببتها. وتوسعوا فيه فقالوا: فلانة يشبها فرعها، إذا أظهر بياض وجهها ~~سواد شعرها. وانتصب مشبوبا على الحال. ومعنى الأبيات ظاهر. ### || وقال آخر: # هجوت الأدعياء فناصبتني ... معاشر خلتها عربا صحاحا # فقلت لهم وقد نبحوا طويلا ... على فلم أجب لهم نباحا # أمنهم أنتم فأكف عنكم ... وأدفع عنكم الشتم الصراحا # وإلا فاحمدوا رأيي فإني ... سأنفي عنكم التهم القباحا # وحسبتك تهمة ببرىء قوم ... يضم على أخي سقم جناحا # هذه الطريقة في ذم الأدعياء غريبة حسنة جدا. وفيما قال أبو العتاهية في ~~والبة بن الحباب ما هو مستبدع أيضا، وهو: # ما بال من آباؤه عرب ال ... ألوان أصبح من بني قيصر # أكذا خلقت أبا أسامة أم ... لونت سالفتيك بالعصفر # وأخذ أبو نواس فقال أيضا: # وابن الحباب صليبة وعموا ... ومن المحال صليبة أشقر # ومصدر الدعي الدعوة والدعاوة. وناصبتني، أي عادتني؛ ويقال: ناصبت فلانا ~~الحرب والعداوة، ونصبنا لهم حربا. ويقال: العرب العاربة والعرباء، أي ~~الخلص. والعرب المستعربة: الذين فيهم بعد. وقوله عرب الألوان مثل قولهم: ~~سروج خز الصفات. # وعربا صحاحا أي صحاح الأنساب. والنباح يستعمل في صوت التيس عند السفاد، ~~وفي الهدهد والظبي. ويستعمل في الشاعر على طريق الذم. ويقال: نبحه # PageV01P1065 # ونبح عليه. قال الهذلي: # ولو نبحتني بالشكاة كلابها # والمراد بقوله لهم نباحا: لم أجب نباحهم. ولهم تبيين. وقوله أمنهم أنتم ~~في موضع المفعول من قلت، وانتصب فأكف بإضمار أن، وهو جواب الاستفهام ~~بالفاء. والصراح: الخالص من كل شيء، وكذلك الصريح والصراح. ورجل صريح: ضد ~~هجين، من قوم صرحاء. وخمر صراح: لم تشب بمزاج. وقوله حسبك تهمة ارتفع على ~~الابتداء، ويكتفي به لأن فيه معنى الأمر، أي اكتف. وانتصب تهمة على ~~التمييز، ومعنى الأبيات ظاهر. ### || وقال مدرك # لقد كنت أرمي الوحش وهي بغرة ... وتسكن أحيانا إلى شرودها # فقد أمكنتني الوحش مذ رث ms0868 أسهمي ... وما ضر وحشا قانص لا يصيدها # فأعرضت عن سلمى وقلت لصاحبي ... سواء علينا بخل سلمى وجودها # جعل الوحش كناية عن النساء. وإنما يذكر أيام شبابه، ووقت صباه ولهوه، ~~فيقول: كنت أتعرض للنساء وهي مغترة وفي غفلة عني، فأصيبها بمحاسني ~~وأصطادها. والشاردة منها النافرة من الريب تسكن إلي وتميل نحوي وقتا ~~بعدوقت، وحالا بعد حال. هذا فيما مضى من عمري، والآن قد شخت فسهامي قد رثت، ~~وآلاتي كلت. وإنما يريد محاسنه عندهن من قبل، وأنها قد بارت، وما كان ينفقه ~~عندهن من نفوذ نصاله عند الرماء فيهن كلت. قال: فالوحش تمكنني وأنا لا ~~أرميها وتكتب لي وأنا غافل دونها. ومعنى تمكنني أن النساء تنبسط إلي فلا ~~تنقبض، وتستنيم فلا تنفر لأمنها من توجه الريبة. قال: والصائد لا يضر الوحش ~~إذا لم يصدها، يعني نفسه. وهذا الكلام يجري مجرى الأمثال. والمعنى أنهن لا ~~ينفرن مني، وقد سكن إلي وأمن رميي. # PageV01P1066 # وقوله فأعرضت عن سلمى، يقول: تركت صاحبتي التي كنت أولع بها؛ وأستلذ ~~ذكرها، زاهدا فيها، وقلت لقربتي وأليفي: بخلها وجودها يستويان علي مع ~~إعراضي وضعف حاجتي، وكلال حدي، وعجز قدرتي، وتسلط رثيات الشيب علي، وتمكن ~~أبدال اللهو مني. وقوله سواء علينا سواء مصدر في الأصل، وقد وصف به. # فلا تحسدن عبسا على ما أصابها ... وذم حياة قد تولى زهيدها # تشتبه عبس هاشما أن تسر بلت ... سرابيل خز أنكرتها جلودها # كان الوليد وسليمان ابنا عبد الملك أمهما عبسية، فارتفع شأن بني عيسى ~~بها، واختلطوا بمدبري الخلافة وسواس الرعية، والذابين عن المملكة. فيقول ~~مخاطبا لصاحب له: لا تحسدن بني عبس على ما نلته من الملك والرياسة، وذم ~~زمانا ساعدها على ذلك وأهلها له، وحياة تولي زهيدها في الشقاء بها، ومكابدة ~~الأوابد منهم فيها. والزهيد: القليل الخير، ويقال: رجل زهيد وامرأة زهيدة، ~~وهما القليل الطعم، يريد أن أمرهم خلسة من خلس الدهر، وسينقطع منكره ويعود ~~إلى دون ما يجب له. وقوله تشبه عبس هاشما، يقال: شبهته كذا وبكذا، وتشبه ~~زيد بكذا وكذا. يقول: تنعموا ms0869 بلذات الدنيا وزخارفها، وشاركوا أرباب الخلافة ~~وولاتها في ملابسهم التي تنكرها جلودهم، ومطامعهم التي لم تذقها لهواتهم، ~~فحدثوا أنفسهم بأنهم أمثالهم، ووسوس الشيطان إليهم مماثلة حالهم لأحوالهم ~~عند الحفل، وفي الخلوات. وقوله أن تسربلت يريد: لأن تسربلت. كأنهم لمساعدة ~~الأحوال لهم فعلوا ما فعلوا. وإنما قال أنكرتها جلودها لأنها لم تعتمدها من ~~قبل. ومثله قول الآخر: # بكى الخز من عوف وأنكر جلده ... وضجت ضجيجا من جذام المطارف # فلا تحسبن الخير ضربة لازب ... لعبس إذا مافات عنها وليدها # فسادة عبس في الحديث نساؤها ... وقادة عبس في القديم عبيدها # PageV01P1067 # هوذا يسلى صاحبه عما تداخله من الغيظ على زمان بلغ بيني عبس ما بلغ، ~~فيقول: لا تظنن أن هذه الأمور تجري على ما تشاهدها سليمة من الحوادث، وأن ~~الدولة تمتد لبني عبس وتصير كالواجب لها، بريئة من الصوارف، نقيةمن ~~الشوائب؛ فإن كل ذلك بعرض الزوال والتغير، متى مات من تقدموا به، وهو ~~الوليد بن عبد الملك. وحكى عن الحضين بن المنذر أنه قال لبعض بني عبس وقد ~~تنازعا في شيء: إنما أنتم يا بني عبس بحر، فإن ابتل ابتللتم، وإن يبس ~~يبتسم. وقوله فسادة عبس نساؤها، يعني أم الوليد والمتصلات بها. هذا في ~~الحديث زعم. قال: وفي القديم كانوا بالعبيد، يعني به عنترة بن شداد، لأنه ~~عيسى، وكان هجينا، ولذلك قال: # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل # وقال أيضا: # أنا الهجين عنترة ... كل امرىء يحمى حره # أسوده وأحمره وهو أحد الفرسان الذين جل أمرهم، وعظم شأنهم. ### || وقال آخر: # أقول حين أرى كعبا ولحيته ... لا بارك الله في بضع وستين # من السنين تملاها بلا حسب ... ولا حياء ولا قدر ولا دين # أجري جمع السلامة في أن أعرب آخره مجرى جموع التكسير، وقد جاء ذلك كثيرا. ~~على هذا قول الآخر: # وقد جاوزت حد الأربعين # PageV01P1068 # وقوله: # وابن أبى أبى من أبيين # وقوله من السنين تعلق بقوله في بضع. والبضع مختلف به، فمنهم من يقول: ~~يتناول ما بين الثلاثة إلى العشرة كله، ومنهم ms0870 من يجعله متناولا للنصف من ~~ذلك. والأول هو الصحيح. وقيل في قوله: " بضع سنين " إنها سبعة، وقد حكى ~~الفتح في الباء منه أيضا، وأصله من القطع. وقوله تملاها عاش ملاوتها. ~~والملاوة تكسر ميمه وتضم. ومنه الملى من الدهر، وقولهم: ثمليت حبيبا. ### || وقال عويف القوافي # وما أمكم تحت الخوافق والقنا ... بثكلى ولا زهراء من نسوة زهر # ألستم أقل الناس عند لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر # وصفهم بأنهم يتصونون، فلا يبتذلون في الحروب، فأمهاتهم تثكلهم تحت ~~الأعلام إذا خفقت، والرماح إذا أشرعت. وقوله ولا زهراء، أي لسيت هي بكريمة ~~في نفسها. وهذا ضد قول الآخر: # أمك بيضاء من قضاعة # يريد بياض الكرم لا بياض اللون. # وقوله: ألستم أقل الناس، ويقررهم على لؤمهم وتأخرهم في الحروب، وقلتهم ~~عند خفق البنود، وعند عقدها للرياسات؛ وعلى أنهم يكثرون في المآدب، ~~ويتزاحمون على الذبائح. وإنما يقرر بأليس وبألم وما أشبهه في الواجب، لأن # PageV01P1069 # الاستفهام كالنفي، والنفي إذا دخل على النفي صار واجبا، وقد مر الكلام ~~فيه فيما تقدم. ### || وقال آخر: # ونبيت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلا إذا حلوا الذناب فصرخدا # فتى بجعل المحض الصريح لبطنه ... شعارا ويقرى الضيف عضبا مهندا # قوله تناذروا، أي أنذر بعضهم بعضا، وموضعه من الإعراب نصب على أن يكون ~~مفعولا ثالثا لنبئت. والذناب وصرخد: موضعان. والمعنى أن السفر والسابلة ~~والمارة قد عرفوا عقيلا بالغدر والخيانة، والطمع في مال الضيف والجار ~~والحليف، فإذا نزلوا هذين الموضعين وهما مما يقارب محل عقيل ومأواه، حذر ~~بعضهم بعضا، وتواصلوا بالاحترا منه، ثم قال: هو فتى يملأ بطنه من خالص ~~المحض، فالمحض شعار بطنه، يليه ويشحنه ويلتبس به، ويعد لقرى ضيفه سيفا ~~قاطعا. والأصل في الشعار ما يلي الجسد من الثياب، ثم توسع فيه فقيل: أشعر ~~قلبي هما أي أبطنه. وحكى بعضهم: هندت السيف: شحذته وأحدودته. والمشهور ~~نسبته إلى هند. # وقد استعمل القرى على هذا غيره فقال، وهو أبو وجزة: # وذاك القرى لا قرى قوم رأيتهم ... يقرون ضيفهم الملوية الجددا # يعني السياط. ### || وقال آخر: # أناخ اللؤم وسط بني ms0871 رياح ... مطيته فأقسم لا يريم # كذلك كل ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته مقيم # يقال: أنخت البعير فبرك، ولا يقال فناخ. وهذا من باب ما استغنى به من ~~غيره، ومعنى لا يريم لا يبرح. وقوله كذلك في موضع الحال، لأن كل ذي سفر ~~مبتدأ، ومقيم خبره، قال، وكل مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقي عصاه، ويحط ~~رحله. كذلك، أي مثل إقامة اللؤم فيهم. # PageV01P1070 # وهذا المعنى قد نقله البحتري إلى المدح فيهم. # أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول ### || وقال آخر: # إذا بكرية ولدت غلاما ... فيا أؤما لذلك من غلام # يزاحم في المآدب كل عبد ... وليس لدي الحفاظ بذي زحام # قوله يا لؤما لفظه لفظ النداء والمهنى معنى التعجب، أي ما أشده من لؤم. ~~ومثله: " يا حسرة على العباد "، وقول الشاعر: # فيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع # وقوله يزاحم في المآدب يشبه قول عويف: # ألستم أقل الناس عند لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر # وإن كان زاد عليه لما جعل مزاحمته على الطعام مع العبيد. وقوله من غلام ~~أي لذلك الغلام من بين الغلمان. وواحد المآدب مأدبة، والفعل منه أديت. ### || وقال آخر: # ردي ثم اشربي نهلا وعلا ... ولا يغررك أقوال ابن ذيب # فلو كان القليب على لحاهم ... لأسهل وطؤها شفة القليب # يشجعها على الورود والصدر، وشرب العلل بعد النهل. وعلى ألا تحتفل بتهدد ~~ابن ذئب وإرعاده وإبراقه، فإنه قول لا فعل معه، وقعقعة لا وقع بعدها. وكان ~~التخاصم في بئر، فلذلك قال ما قال. وقوله فلو كان القليب على لحاهم استخفاف ~~بهم وإهانة. ومعنى أسهل: وجدها سهلا، ويعني بوطئها وطء الإبل، ولم يجر لها ~~ذكر، ولكن المراد مفهوم: والمعنى: كانت تجد حرف البئر سهلا لا حزنا. يقول: ~~لو كان موضع البئر # PageV01P1071 # لحاهم ماجسروا على المنع، ولا على التمانع، ولا كان يتعقب ورودها إنكار ~~ولا وبال. ### || وقال آخر: # إن تبغضوني فقد أسخنت أعينكم ... وقد أتيت حراما ما تظنونا # وقد ضممت إلى ms0872 الأحشاء جارية ... عذبا مقبلها مما تصونونا # يقول: لا ملام عليكم في بغضائكم لي، فقد نلت منكم ما استحققت به ذاك. ~~وانتصب حراما على الحال من أتيت، وما تظنونا في موضع المفعول، والضمير ~~العائد من الصلة محذوف. وقوله مما تصونانا ولم يقل ممن، لأن القصد إلى ~~الجنس وما للصفات والأجناس ولما دون الناطقين. فأما قوله تظنون فيجوز أن ~~يكون من غالب الظن، ويجوز أن يكون من اليقين. ### || وقال آخر: # يا قبح الله أقواما إذا ذكروا ... بني عميرة رهط اللؤم والعار # قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا ... في سوءة لم يجنوها بأستار # المنادى في قوله يا قبح الله محذوف، كأنه قال: يا قوم، أو يا ناس قبح ~~الله أقواما، أي أبعدهم الله. وبني عميرة انتصب على البدل من أقواما، ~~والمعنى في قوله إذا ذكروا أي وقت ذكروا فأبعدهم الله. ورهط اللؤم انتصب ~~على الذم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمر، كأنه قال: أذكر رهط اللؤم. ~~وقوله قوم ارتفع على أنه خبر المبتدأ، أي هم قوم إذا خرجوا من سوءة ومخزية، ~~أي من اكتسابهما وفعلهما، دخلوا في مثلها أو أسوأ منها وأخرى لا يتسترون ~~فيها ولا يستحيون منها. ### || يهجو الحضري ويمدح البدوي: وقال آخر: # جواب بيداء بها عروف # PageV01P1072 # لا يأكل البقل ولا يريف # ولا يرى في بيته القليف # إلا الحمت المفعم المكشوف # للجار والضيف إذا يضيف # والحضري مبطن معلوف # للفسو في أثوابه شفيف # أعجب بيتيه له الكنيف # أوطاية مبقلة وسيف # قوله جواب بيداء يصف به البدوي، أي قطاع المفاوز بليغ المعرفة بها. ~~ويقال: رجل عروف وعروفة وعريف، أي عارف. ويقال من العرف بكسر العين، وهو ~~الصبر: عارف وعروف أي صبور؛ فيجوز فيه الوجهان. ويروى: جواب بيد أيه عروف، ~~والأيه: الصيت المتيقظ الحي القلب والنفس: والبيد: جمع بيداء. وقوله لا ~~يأكل البقل، أي هو قوى صلب العروق، لأن البقول ترخي الأعصاب. ولا يريف أي ~~لا يدخل الحضر. والريف: الخضرة. وقال الدريدي: الريف: ما قارب السواد من ~~أرض العرب، والجميع أرياف وريوف. وتريف القوم ورافوا: دنوا ms0873 من الريف. ~~وقوله: ولا يرى في بيته القليف أي طعامه طعام البدويين: اللبن والتمر، لا ~~الخبز. وقلافة الخبز وقليفه: الذي يلزق منه بالتنور. # وقوله: إلا الحميت بدل من القليف، وهو نحى السمن. والمفعم: المملوء. ~~وجعله مكشوفا للجار والضيف ليدل على سخائه بما فيه، ولا ستر عليه ولا حجاب ~~دونه، فاللام من قوله للجار يتعلق بالمكشوف. وقوله والحضري مبطن معلوف، أي ~~بطيعه ما يأكله، ويرتع فيه فينهم فيه ويتجاوز حدود أكل الناس حتى يصير ~~معلوفا كما تعلف الدواب للسمن. والمبطن: الموسع البطن. وقد بطن بطنا، أي ~~عظم بطنه، وأصابته البطنة. وفي المثل: البطنة # PageV01P1073 # تذهب الفطنة، أي كثرة الأكل تحدث البلادة، ورجل بطين ومبطان: عظيم البطن. ~~والمبطن: الخميص البطن. قال: # فأتت به حوش الفؤاد مبطنا # وقال متمم: # فتى غير مبطان العشيات أروعا # والشفيف: برد ريح في ندوة، واسم تلك الريح الشفان. وقوله أعجب بيتيه أي ~~الذي يأكل فيه والذي يحدث فيه. والكنيف جعله أعجب إليه لكثرة أطيافه. # والطاية: الأرض الفضاء الواسعة. والسيف: ساحل البحر. وأبقل المكان: كثر ~~بقله. ### || وقال ربعان # إذا كنت عميا فكن فقع قرقر ... وإلا فكن إن شئت أير حمار # فما دار عمى بدار خفارة ... ولا عقد عمى بعقد جوار # يعني بالفقع الكمأة. ويضرب المثل بهذا في الذل فيقال: أذل من فقع بقاع، ~~وذلك لآنه يجتنيها من يشاء، وأضافه إلى قرقر منبته. ويقال: قاع قرقر، أي ~~مستو. وأنى بالصفة لأن المراد مفهوم، والمعنى: إذا كنت عميا فكن ذليلا ~~كالفقع، أو شيئا يتحامى ذكره ومنظره كذلك العضو. وأخفرته، إذا نقضت عهده. ~~والمعنى ظاهر. وجعل لا من قوله ولا عقد بدلا من ما، ولذلك أدخل الباء في ~~بقعد. # PageV01P1074 ### || وقال آخر: # أراني في بني حكم غريبا ... على قتر أزور ولا أزار # أناس يأكلون اللحم دوني ... وتأتيني المعاذر والقتار # قوله على قتر أي على حرف. ويقال قتر وفتر. ويقول: ليس فيهم تمكن، لغربتي. ~~والفتر والقطر والحرف والجانب تتقارب. وقد استعمل الحرف استعمال القتر، بل ~~هو أشهر في هذا المعنى، وأكثر تصرفا، يقال: هو على ms0874 حرف من أمره، أي انحراف، ~~وانحرفت بهم دنياهم، ومالي عن كذا محرف، أي مصرف ومنتحي. وفي القرآن: " ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف ": وإنما وصفهم بأن من جاورهم يسيئون عشرته ولا ~~يرون له ما يراه لهم من قضاء ذمام، وإيجاب حق، بل يطرحونه ويهملونه. وقوله ~~وتأتيني المعاذر، أراد ريح عذراتهم وأفنيتهم، فحذف المضاف. والقتار، أي ~~وتأتيني ريح اللحم المشوي. وقيل في المعاذر: إنها جمع معذرة. والأول أبلغ. ~~والمعاذر والعاذرة والعذرة: الحدث، وقد أعذر، أي أحدث. ويرتفع أناس على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، كأنه أراد: هم أناس، وقد وصفوا بجملتين. وقدكان يجب أن ~~يقول: وتأتيني المعاذر والقتار منهم، فحذف الضمير، ويجوز أن يكون وتأتيني ~~على الاستئناف. ### || وقال آخر: # ما إن في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم # ولا البرص الفقاح بني نمير ... ولا العجلان زائدة الظليم # أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النجوم # يعني بزائدة الظليم الخف، لأنه لا يكون للطير. أي هم زيادة في الناس ~~بمنزلة تلك الزائدة في الظليم. وقوله أولئك معشر كبنات نعش، يريد أنهم لا ~~ينهضون لا كتساب مكرمة. ولا يقومون لاجتلاب منقبة، فهم لا خير فيهم يلزمون ~~مضاجعهم كسلا وقصر همة، ورضى بأدنى الهمتين وأسقط العيشتين. والعرب تسمى من ~~كان كذلك ضاجعا وضجيعا وضجعة. وبنات نعش ليست من النجوم السيارة، فلذلك ~~شبهه بها. # PageV01P1075 ### || وقال رجل من بني جرم # دلفت إلى صميمك بالقوافي ... عشية محفل فهتفت فاكا # وصدق ما اقول عليك قوم ... عرفت أباهم ونفوا أباكا # الصميم: الخالص من النسب والفخر. وجعل له ذلك على طريق الهزء، فهو كقول ~~الله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم ". يقول: ما كان من حسبك خالصا، ~~ومن نسبك صافيا لا شوب فيه ولا لبس دونه، أبطلته بقوافي، وزيفته حين اختلفا ~~في المجمعة بمرامى، فهتمت أسنانك، وأخرستك في دعاويك. والهتم: كسر الثنية ~~من الأصل، وجعل الفم كناية عن الأسنان. أي جعلتك بحيث لا معض لك، ومشهدنا ~~مشهود، وأهل التمييز حضور، وصدقني من له القدمة والسابقة عليك، وأنت ms0875 تعرفهم ~~وتعرف أوليتهم، وهم ينكرون سلفك، ويبطلون دعاويك. ### || وقال زيد الأعجم # ومن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصير # وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائر # فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر # قوله إنا نسينا من أنتم يجوز أن تجعل من استفهاما، وقد كرره، وعلق نسينا ~~قبله، وإن لم يكن من أفعال الشك واليقين، لأنه أجراه مجرى نقيضه، وهو عرفت ~~وذكرت؛ وهم يجرون النظير مجرى النظير، والنقيض مجرى النقيض. وقد مر له ~~نظائر. ويجوز أن نجعل من بمعنى الذي. وقد حذف صلته، كأنه قال: إنا نسينا ~~الذين هم أنتم والأول أوجه. ونظير الأول عند أصحابنا البصريين قوله تعالى: ~~" لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ". وفي باب الذي قوله تعالى: # PageV01P1076 # " تماما على الذي أحسن ". لأن المعنى من هو أحسن. وقوله من أي ريح ~~الأعاصير، والأعاصر: جمع الإعصار، وهو الغبار الساطع المستدير، وفي المثل " ~~إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ". وإنما خصها بالذكر لأنها تسوق غيثا، ولا ~~تدر سحابا، ولا تلقح شجرا، فضرب المثل بها لقلة الانتفاع بهم. وهذا كما قال ~~الآخر: # وأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل # وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة، فيقال: فلان هبت له ريح، فكأنه جعل ~~دولتهم لا تجدي ولا ترد نفعا، بل تتوى وتجر شرا، وقوله وأنتم أولى جئتم، ~~يريد الذين جئتم مع البقل. والمعنى أن شرفكم حديث. ومثله قول الآخر: # تموتون هزلى في السنين وأنتم ... أساريع تحيا كلما نبت البقل # وقوله فطار وهذا شخصكم غير طائر تضجر بهم وتعجب من بقائهم، وعتب على ~~الزمان في استبقائهم. وقوله فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم يريد أن كل من ~~يذكر لكم وعندكم فهو سابق لكم، مقدم عليكم بالزمان والفضل، فأنتم على ~~الساقة لم تدركوا ممن أحرز قصبات السبق إلا مدق الحوافر، ومواطىء الأقدام. ~~جعلهم فساكل، ومتأخرين عند الفضائل. ### || وقال عمرو بن الهذلي # نحن أقمنا أمر بكر بن وائل ... وأنت بثأج ما تمر ms0876 وما تحلي # وما تستوي أحساب قوم تورثت ... قديما وأحساب نبتن مع البقل # PageV01P1077 # ثأج: اسم ماء. وما تمر وما تحلي، أي لا تأتي بحلو ولا مر. يصف عجزه ~~وضعفه، وقعوده عن المعونة أوان الحاجة. وقول زهير: # على صير أمر ما يمر وما يحلوا # فأمر فيه بمعنى صار مرا. ويقال في هذا مر أيضا. وقولهم في المثل: " ما ~~أمر فلان وما أحلى " فهو مثل المعنى الذي في البيت. والمعنى: ما أتى بحلو ~~ولا مر. ومراد الشاعر في هذا البيت ظاهر، وهو المعنى المتقدم. # وقوله وما تستوي أحساب قوم تستوي بمعنى تساوي وتماثل، وقد يكون استوى ~~بمعنى استعلى. على ذلك قولهم: # قد استوى بشر على العراق ### || وقالت كنزة في مية # ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا # على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الجزى لو كان باديا # ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كان لون الماء في العين صافيا # إذا ما أتاه وارد من ضرورة ... تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا # كذلك مي في الثياب إذا بدت ... وأثوابها يخفين منها المخازيا # فلو أن غيلان الشقي بدت له ... مجردة يوما لما قال ذا ليا # كقول مضى منه ولكن لرده ... إلى غير مي أو لأصبح ساليا # PageV01P1078 # قوله ذا من لفظة حبذا أشير به إلى الشيء، وهو مع حب بمنزلة الرجل من نعم ~~الرجل، إلا أنه أجرى معه مجرى الأمثال، لا يغير ولا يفصل بينهما. والمعنى: ~~محبوب في الأشياء أهل الملا غير مي، فإنها إذا ذكرت لا تستحق مدحا ولا ~~اختصاصا، ولا ثناء ولا إطراء، فلا تعطي هذا القول، ولا تذكر عند الدعاء ~~بالسقيا، ولا تدخل عند الحمد أو الحب في الذكرى. وقولها فلا حبذا هي جعل ~~ألف ذا على انفصالها تأسيسا، لأن الروى من اسم مضمر وهو هي. وقولها على وجه ~~مي مسحة تريد أن ظاهرها حسن، كأن الله عز وجل قد مسها بالجمال مسحا، ويكون ~~أصله من المسح باليد، وقد استعمل في الدعاء فقيل للمريض: مسح الله ms0877 ما بك من ~~علة، وقيل أيضا: هو ممسوح الوجه أي مستوى الخلقة. وقولها وتحت الثياب الخزى ~~تريد أنها ما سوى المعاري منها مما هو مواري من بدنها، ومستور بثيابها، ~~قبيح. وقولها لو كان باديا جواب لو مقدم عليه. أرادت: لو ظهر الخافي منها ~~كان خزيا. ثم شبهتها بالماء يتناهى صفاؤه ولونه، ويتراءى للناظر زرقته، ~~ويحسب عذبا سلسالا فإذا هو ملح أجاج، حتى إذا ورده الوارد فنظر إليه صار ~~كأنه بعده من نفسه بظاهره عذوبة، فإذا طعمه يخلف ولا يفي، بل يعطيه مرارة. ~~هذا إذا روى يخلف لأنه من الخلف في الوعد، وقد روى يخلف فيكون من الخلوف: ~~التغير. وفي الحديث " خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "، ~~والمراد أن ظاهر هذه المرأة كظاهر هذا الماء، وباطنها كباطنه فكما أن وارد ~~هذا الماء وقد اضطره العطش وساقه حرارة الجوف والغلة يصدر عنه وقد تضاعف ~~ظمؤه وتزايدت حرته، كذلك هذه المرأة للكاشف عن أمرها، والذائق بعد الاغترار ~~بها. وقولها بأضعاف الذي جاء، تريد جاء عليه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل ~~بنفسه، فصار جاءه، ثم حذف الضمير من الصلة استثقالا واستطالة لكون أربعة ~~أشياء شيئا واحدا: الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول، ومن جوز حذف الجار ~~والمجرور من الصلة فالأمر عنده أقرب. وانتصب ظامئا على الحال. # وقولها فلو أن غيلان الشقي تعني به ذا الرمة، لأنه كان ينسب بمية، وكان ~~يسميها مرة ميا ومرة مية. فتقول: لو أنها تجردت له لتبرأ منها وتندم على ما ~~سيره من النسيب فيها. وانتصب مجردة على الحال. وأشارت بذا من قولها لما قال ~~ذاليا إلى مجرد مية، أي ما حدث نفسه بأنه له. ويروى: لما قال آليا وهذا ~~يتعلق بما # PageV01P1079 # بعده. أرادت: لما قال كقوله فيما سلف ذاليا. وآليا، أي مقصرا عند نفسه في ~~دعواه، ولصرف تشبيبه إلى غيرها، ولتسلى من النساء رأسا. وزهد فيهن استبشاعا ~~لها. وقولها: لرده، اللام جواب يمين مضمرة. وذكر بعضهم ان معنى آليا حالفا، ~~أي كان لا يقسم بها، وهذا خطأ، لأنه ms0878 كان يجب أن يكون موليا، ألا ترى أنه ~~يقال: آليت في اليمين إيلاء. وقيل: آا: توجع فهو كأوه، والمعنى: لم يقل لما ~~يستجد من الزهد فيها آالي، متأوها ومتوجعا - وهذا كما يقال في الأمر وقد ~~نكأ في متوليه: شقاء لي، بكاء لي، وأشقى لي، وأبكي لي - وجدا بها، فعلى هذا ~~يكون آالى حكاية صوت موضعة رفع بالابتداء، ولي خبره، والأول أقرب عندي. ### || وقال أبو العتاهية # جزى البخيل على صالحة ... عني بخفته على ظهري # أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعملت ونزه قدره قدري # ورزقت من جداوه عافية ... ألا يضيق بشكره صدري # وغنيت خلوا من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر # ما فاتني خير امرىء وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر # يقول: جزى الله البخيل علي بماله خصبة صالحة، فقد خف محمله على ظهري، ~~لسقوط منته عني، وذاك أن أجلني عن صنيعه، وأكرم محلي إذ أخلاني من عارفته، ~~وصان قدري حين لم يبتذله لعطيته، ورفع يدي وكرمها حين لم يشنها بمرزيته، ~~فرزقني الله عافية من ضيق الذرع بشكره، والتطوق بأفضاله، واستغنيت عنه ~~خاليا من بره، منصرفا من تفضله، متعطفا عليه يبسط عذره حين لم يجد علي، ولم ~~يتلق إقبالي عليه بقبوله لي. # ولما قال: أعلى يدي فعلت، كان الأحسن في مقابلته أن يقول: ونزة قدري ~~فنزه. ويقال: فلان نزيه كريم، إذا كان بعيدا من اللؤم. وقوله ألا يضيق لك # PageV01P1080 # أنن ترفعه وأن تنصبه، فالنصب على أن يكون أن الناصبة للأفعال، والرفع عل ~~أن تكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون اسمه مضمرا، كأنه قال: أنه لا يضيق، ~~والجملى خبره. والعافية: مصدر كالعاقبة، ومثله ما أباليه بالية، وقم قائما؛ ~~لأنه لا خلاف أن اسم الفاعل يكون اسما للمصدر وإن اختلفوا في بناء المفعول. ~~وموضع ألا يضيق نصب بكونه بدلا من قوله عافية. وانتصب خلوا على الحال. ~~وجملة المعنى: أنه لم يفتني إحسان رجل لم يلزمني له شكر إفضال، ولم يجب ~~بفعله بي علي اعتداء. ### || قال ابن عبدل الأسدي # أضحى عراجة قد تعوج دينه ... بعد المشيب تعوج ms0879 المسمار # وإذا نظرت إلى عراجة خلته ... فرجت قوائمه بأير حمار # أراد أن يظهر أنه يجسر على تشبيهه بالسوءة. وضرب الخنا والفحش مثلاله في ~~هجوه، فأما المعنى فظاهر، وإنما شبه تعوج دينه على كبرته وسنه بتعوج ~~المسمار في العمل، وقد عجز عما حمل، فإن أكره على النفاذ انكسر؛ وإن طلب ~~نزعه ليجعل أقوى منه بدله تعسر، فكذلك عراجة في اعوجاج دينه والتوائه، لا ~~صرفه وردعه ممكن، ولا احتماله عليه مسوغ. ### || وقالت أم عمرو بنت وقدان # إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق # وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق # ألهاكم ان تطلبوا بأخيكم ... أكل الخزير ولعق أجرد أمحق # تقول: إن ضيعتم دم أخيكم، وقعدتم عن الانتقام له، لتقصيركم في طلب ثأره، ~~فضعوا السلاح واطرحوه بالأبرق. ويقال: وحش بثوبه وبسيفه، إذا رمى به بعيدا. ~~وفي الحديث: " وحشوا برماحهم "، أي رموا بها. ويجوز أن تريد توحشوا، أي ~~صيروا مع الوحش حياء من فعلكم، وهاجروا الناس وحانبوهم. والعرب تقول: # PageV01P1081 # إذا أظلم الليل تأنس كل وحشتي، وتوحش كل إنسى. يريدون بتأنس استأنس، ~~وبتوحش استوحش. ومثل وحش بمعنى توحش قدم بمعنى تقدم، ونبه بمعنى تنبيه. ~~وعلى هذا يحمل قول امرىء القيس: # وأنا المنبه بعد ما قد نوموا ... وأنا المعالن صفحة النوام # لأنه لم يجعل منبه بمعنى متنبه يصير عجز البيت كصدره في أنهما بمعنى ~~واحد. وقال بعضهم: وحشوا معناه اطلبوا صيد الوحش وتقوتوه. وهذا يرجع معناه ~~إلى ما ذكرناه؛ لأن معناه فارقوا الناس والكون معهم. وخصت الأبرق لأنه كان ~~مما وليهم، وهو المكان فيه حجارة سود وبيض. ويقال: جبل أبرق، إذا كانت ~~طاقاته سودا وبيضا. # وقولها وخذوا المكاحل، تريد: اجعلوا بدل السلاح آلات النساء: والمجاسد: ~~جمع المجسد، وهو الثوب المشبع صبغا. والجساد: الزعفران. والنقب: جمع نقبة، ~~وهي إزار تجعل له حجزة كحجزة السروايل تلبسه المرأة. قال: # بيضاء مثل القلب ... في نقبة وإنب # والإنب: القميص. # والمعنى: إن لم تثأروا لصاحبكم فتزيزا بزي النساء فإنكم إناث، وبئس رهط ~~المرهق: المضيق عليه أنتم. وحذف المذموم ms0880 ببئس، وهو أنتم، لأن المراد مفهوم. ~~وهذا الكلام بعث وتحضيض على طلب الدم، فهو كقول أخت عمرو حين بعثت عمرا على ~~طلب دم أخيه عبد الله فقالت: # فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم # ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم # وقولها ألهاكم أن تطلبوا تهييج وإغراء. والخزير: حساء يحسى. والأجرد: ~~الأمحق، يراد به نحي أو زق دبي. والأمحق: القليل، كأنه يصير لكم محقا لا ~~يبارك # PageV01P1082 # الله فيه، وأمحق من باب أفعل الذي لا فعلاء له واللعق، هو لما في النحي ~~لا له، فتوسع فيه. ### || وقالت امرأة من طيىء # فلو أن قومي قتلتهم عمارة ... من السروات والرءوس الذوائب # صبرنا لما يأتي به الدهر عامدا ... ولكنما إثآرنا في محارب # قبيل لئام إن ظفرنا عليهم ... وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب # العمارة: الحي العظيم يطيق الانفراد، وقد يفتح العين منه فيقال: العمارة، ~~لغة. ومثله العميرة، وقيل: هما جميعا البطن. والسروات: الرؤساء. والذوائب: ~~الأعالي، وهو جمع ذوابة، واستعملوا الذنائب في خلافه، وهو جمع ذنابة، وهما ~~اسمان في الأصل وصف بهما. وأثار: جمع الثأر. يقول: هم الذين أصابوبنا عن ~~ذلتهم وخستهم، فالبلاء أعظم، وقرح القلب أوجع، ولو أصابنا غيرهم كان الخطب ~~أيسر، والصبر عليه أوسع. وهذا كما يقال في المثل السائر: " وذات سوار ~~لطمتني ". وقولها قبيل لئام، هو تفصيل ما أجمله. وقولها إن ظفرنا عليهم عدي ~~ظفرنا تعدية علونا، لأنه في معناه، وهم يحملون الضمير على الضمير. والمعنى: ~~لا اشتفاء في الانتقام منهم إذا نيلوا، ولا ينيمون طلاب الأوتار إذا ثأروا. ~~وجواب الشرط، وهو قوله إن ظفرنا، متقدم يشتمل عليه قوله قبيل لئام، لأن فيه ~~معنى الفعل. # ومثل قولها وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب قول امرىء القيس: # ولم يغلبك مثل مغلب # إلا أنه السبب. # PageV01P1083 ### || وقال آخر: # إذا ما الرزق أحجم عن كريم ... فألجأه الزمان إلى زياد # تلقاه بوجه مكفهر ... كأن عليه أرزاق العباد # الإحجام: النكوص عن القرن هيبة له. وقد توسع به هنا. وضده الإقدام. ~~ويقال: نكص على عقبيه. والمكفهر: ms0881 المستقبل بكراهة وتغصن وجه. ويقال: سحاب ~~مكفهر، إذا تراكم، ووجه مكفهر. ويروى: بوجه مقشعر، والأصل في الإقشعرار ~~تقبض الجلد وانتصاب الشعر، ثم يتوسع فيه فيقال: اقشعرت الأرض والنبات ~~والسنة. والمعنى ظاهر، وهو أن العافي إذا ورد عليه تلقاه بعبوس، كأنه اجتمع ~~عليه لورود واحد من الناس أرزاق الخلق كلهم. وجواب إذا تلقاه. ### || وقال أبو محمد اليزيدي # عجبا لأحمد والعجائب جمة ... أبي يلوم على الزمان تبذلي # إن العجب لما أبثك أمره ... من كل مثوج الفؤاد مهبل # وغد يلوك لسانه بلهانه ... وترى ضبابة قلبه لا تنجلي # متصرف للنوك في غلوائه ... زمر المروءة جامح في المسحل # وإذا شهدت به مجالس ذي النهى ... وبلت سحابته بنوك مسهل # غلب الزمان بجده فسما به ... وكبا الزمان لوجهه والكلكل # قوله والعجائب جمة اعتراض بين أحمد وقصته التي عجب منها. ويقال: أمر عجب ~~وعجاب وعجيب وعاجب. وأبلغ هذه الأبنية العجاب. وانتصب عجبا على المصدر. ~~يقول: أتعجب لأحمد كيف أنكر خلقي وطريقتي، حتى لامني في تبذلي على تنكر ~~الأيام وتغيرها، ومن أين استطرف ما رأى من # PageV01P1084 # حالي وقصتي، ومقتضى الوقت وموجب حكمه لا يدعوان إلى غيره. ثم أقبل يخاطب ~~أحمد بعد الإخبار عنه فقال: إن العجب ما أطلعك عليه وأباثك فيه، وأكشف لك ~~مستوره وخافيته، من كل رجل بطيء الفهم، ميت الخاطر، مدعو عليه بالهبل لثقله ~~وعجزه غبي، إن حدث أدار لسانه في فيه يمضخ كلامه، وإن أئتمن خان، وكان ذا ~~لونين لنفاقه، وكأن قلبه قد رين عليه لما يضمره من غل، فعليه لكل أحد ~~ضبابة، فلا تصفو نيته، ولا تخلص طويته، متصرف في غلواء الحمق وارتفاعه ~~وانتهائه، قليل المروءة، وزمر الحمية، يركب رأسه فيما يعن، ويغفل عن القصد ~~فيما فيه يجد، ويمضي قدما في الشر فلا يرتدع، ويعلو على زاجره فلا يرجع، ~~ولا يقف وإن كبح بلجام المنع، ولا يرعوى وإن أوذن بالهلك؛ ثم إن حضرت به ~~مجالس الفضل والعقل، سالت سحابة جهله بحمق تلتطم أمواجه، وتتدافع بصوبه ~~أركانه؛ وعلى ما به من النذالة والجهالة رزق جدا فحظي، ms0882 وغلب على أهل زمانه ~~بما قسم له فعلى، وذل له الدهر فكبا لصدره ووجهه ضارعا، وانقاد لأمره ونهيه ~~صاغراص، حتى أدرك ما شاء ممتدا ي شأوه، مشترفا في شأنه، آخذا قصب السبق في ~~ميدانه، فإن تعجبت فالعجيب هذا، وإن استنكرت فالنكير هذا. ويروى: # غلب الزمان بجده وسما به ... فكبا الزمان # ................. # فيجعل الفعل للزمان ويكون معنى سما به رفعه. ثم أخذ يدعو على الزمان ~~فقال: سقط لوجهه وكلكله، حين اختار مثله لإحسانه، وهذا حسن جدا. والوغد: ~~الدني، من قولك: وغدت القوم إذا خدمتهم. والنهي: العقول، والواحدة نهية. ~~والنوك: الحمق. والمسحلان: جلقتا شكيم اللجام، والجميع المساحل. ومعنى على ~~الزمان، على تصاريف الزمان؛ فحذف المضاف. وقوله: أبثك أمره أي أجعل أمره ~~مما تبث وتحزن له. والمثلوج الفؤاد: البليد الخالي من الذكاء والحدة. ~~واللؤك: المضخ. # ولقد سموت بهمتي وسما بها ... طلبي المكارم بالفعال الأفضل # لأنال مكرمة الحياة وربما ... عثر الزمان بذي الدهاء الحول # فلئن غلبت لتمضين ضريبتي ... كلب الزمان بعفة وتجمل # PageV01P1085 # رجع إلى صفة نفسه على تنكر الزمان له، فقال: إني وإن لم تساعدني الحال، ~~ولا يقوم لما أنويه المال، فلى همة رفيعة، ونفس أبية، يسمو بهما ارتقائي في ~~درجات الفضل، وطلبي المعالي بأحسن الفعل، لأعيش مكرما مصونا، فلا يفةتني ~~سلامة الدين والمروءة، وإن فاتتني الزيادة في الحال والمقدرة؛ والدهر قد ~~يعثر بالرجل التام النكر، المرير القوة والحول، لجهله بموضع الصنيعة، فإن ~~غلبني على حظي، وتخطاني عند القسم إلى غيري، فطبيعتي تسليني وترضيني، ~~ومعرفتي بمن عنده المال والعتاد تصرف الهم عني، فتمنحني آثار الحدثان، ~~وعرامة الليالي والأيام، بعفاف أستعمله، وتجمل ألتزمه، لئلا يشمت عدو، أو ~~يفرح حسود. # تم باب الهجاء بحمد الله وعونه والحمد لله على تظاهر آلائه، والصلاة على ~~سيدنا محمد وآله. # تم القسم الثالث من شرح المرزوقي للحماسة # PageV01P1086 ### | باب الأضياف ### || قال عتبة بن بجير الحارثي # ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... إلى كل صوت فهو في الرحل جانح # يعني بالمستنبح ضيفا ألجأه الضلال عن الطريق ليلا، أو دعاه ضيق الوقت ~~وجهد المسير منفضا إلى ms0883 أن يتكلف نباح الكلب وحكايته، لتجاوبه كلاب الحي ~~المتوهم نزولهم في سمته ووجهته فيهتدي إليهم بصياحها، ويستعين بهم على ضره ~~وحيرته. وهكذا كان يفعله الضال والمقرور في ظلام الليل. وكانوا إذا قربوا ~~من البيوت المظنون دنؤها، أو المعلوم حلولها، ريما حملوا رواحلهم على ~~الرغاء أو البغام، إيذانا بأنفسهم. ولذلك جاء في الأمثال السائرة: " كفى ~~برغائها مناديا ". وأصله أن بعض المتعرضين للقرى أرغى ناقته فلم يتلق ~~بالاستنزال، فجعل يذم، فقيل: لو ناديتهم ليعلموا بك؟ فقال: كفى برغائها ~~مناديا. وقال متمم: # وضيف إذا أرغى طروقا بعيره ... وعان ثوى في القد حتى تكنعا # وقوله بات الصدى يستتيهه، الصدى: صوت يرجع إليك من الجبل أو مما يجري ~~مجراه في رد الصوت. يريد: أنه لما استنبح صار الصوت الراجع إليه يحمله على ~~أن يتيه إلى كل صوت يدركه متبينا للصدى من غير الصدى لكي يؤديه ما يبين له # PageV01P1089 # الى مطلوبه من حي أو ما سبيله سبيلهم. وجعله في الرحل مائلا لغلبة النوم ~~عليه، أو لتهيئه لإدراك الصوت. ويقال: جنح يجنح جنوحا، إذا مال. ومعنى ~~يستتيهه إلى كل صوت جعل الفعل مضافا إلى الصدى لغلبته عليه، واعتقاده في كل ~~صوت أنه هو، فقد صار تائها إليه. # فقلت لأهلي ما بغام مطية ... وسار أضافته الكلاب النوابح # فقالواغريب طارق طرحت به ... متون الفيافي والخطوب الطوارح # رجع إلى أهله في التعرف لما غشيه بغام بعير الطارق، فقال سائلا: ما بغام ~~مطية. وما يستفهم به عما دون الناطقين، وعن صفات الناطقين. فكأنه سأل عن ~~صفات الساري وعما أدركه من صوت المطية. وجعل الكلاب مضيفة للساري لاستنباحه ~~ولإجابتها إياه. # وقوله غريب طارق هو بيان ما سأل عنه من صفة الساري، واكتفى بوصفه لأن ~~البغام وإن سئل عنه أيضا فهو من توابع الساري. ومعنى طرحت به رمت به. ومتون ~~الفيافي: جمع متن، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض. وكل صلب غليظ متين. ويقال: ~~ما تنت الرجل، إذا فعلت من ذلك ما يفعله. ومتن بالمكان: أقام به. وقوله: ~~طرحت به المتون والخطوب، فيه ms0884 دلالة قوية على ضلاله وضره وإنفاضه. ويروى: ~~طوحت به و: الخطوب الطوائح. وكان يجب أن يقول: والخطوب المطوحات في الجمع ~~بالألف والتاء، لأن اسم الفاعل من طوح مطوح، ولكنه أخرج الطوائح على حذف ~~الزيادة من الفعل. ومثله قوله عز وجل: " وأرسلنا الرياح لواقح "، لأن أصله ~~أن يجيء على ملاقح أو ملقحات، لكونها ملقحة للأشجار. والفعل منه ألقح، ~~فأخرجه على حذف الزوائد فصار لقح ولواقح. وكذلك الطوائح قياسه أن يكون إذا ~~عدل عن الجمع بالتاء: مطاوح. وارتفع غريب على انه خبر مبتدأ محذوف، كأنه ~~قال: هو غريب طارق. ومعنى طوحت به: حملته على ركوب المهالك. والطائح: ~~الهالك، والذاهب الفاني. ويقال: تطاوحنا الأمر بيننا، كما يقال تطارحنا # فقمت ولم أجثم مكاني ولم تقم ... من النفس علات البخيل الفواضح # وناديت شبلا فاستجاب وربما ... ضمنا قرى عشر لمن لا نصافح # PageV01P1090 # يقول: لما بان لي أمر الضيف الطارق قمت من مكاني مستعجلا غير متلوم، حرصا ~~على إصلاح أمره، وتوطيد محله. ويقال: جثم مكانه وفي مكانه بمعنى. والجثوم، ~~أصله إلصاق الصدر بالأرض ولزومها، ويستعمل كثيرا في الطير والسباع. ~~والجثمان: الشخص منه اشتق. ومعنى لم تقم مع النفس علات البخيل يريد أن نفسي ~~لما تهيأت للإضافة وتشمرت لم تقم معها العلات التي تفضح أربابها، والمعاذير ~~التي تحسن التفريط في اللوازم عند مستعدها. وجعل العلات تفضح لما يتعقبها ~~من ذميم القالة، وتضييق المعذرة، وتجاوب الناس في الإنكار إذا كانت العلل ~~كاذبة، ووجوه التنصل مسودة. وقوله وناديت شبلا يعني بشبل ابنه، يستعين به ~~يقام من خدمة الضيف، فذكر أنه استجاب وتخفف منه. وذكر استجاب ها هنا أحسن ~~من أجاب، وذاك أن قول القائل: دعوت زيدا فأجابني، كقوله: أمرته فأطاعني. ~~وقوله: دعوته فاستجاب لي، أي تقبل ما قلته وطاوعني فيه. وعلى هذا يفسر ~~أصحاب المعاني قوله تعالى: " فلسيتجيبوا لي وليؤمنوا بي ". وكذلك بيت كعب ~~بن سعد: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يذعن لدعائه أحد. ويقال: استجبته واستجبت له. وقوله وربما ضمنا ms0885 قرى ~~عشر أي التزمنا قرى عشر نسمة، ولا معرفة بيني وبينهم سابقة، ولا ما يوجب ~~عند الالتقاء مصافحة. والقصد بقوله ضمنا إلى توطينهم النفس على توسيع القرى ~~لمن لا حرمة له سوى حرمة الضيافة. ولا يمتنع أن يريد بقوله قرى عشر قرى عشر ~~ليال، وهم إن أرادوها بأيامها يغلبون التأنيث. قال سيبويه: وتقول: سار خمس ~~عشرة من بين يوم وليلة، لأنك ألقيت على الليالي، أنه قد علم أن الأيام ~~داخلة مع الليالي. وعندهم أن لليل قبل النهار، فلهذا يؤرخون بها. وتقول: ~~أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية، لا غير، # PageV01P1091 # لاختلاطهما. قال سيبويه: وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة، ~~وليس على حد كلام العرب. # وقوله لمن لا نصافح يجوز أن يكون من المصافحة المعروفة، ويجوز أن يكون من ~~صفحت الناس، أي نظرت في أحوالهم. # فقام أبو ضيف كريم كأنه ... وقد جد من فرط الفكاهة مازح # إلى جذم مال قد نهكنا سوامه ... وأعراضنا فيه بواق صحائح # يعني بأبي الضيف نفسه، وهذا كما يقال: هو أو مثواي، وهي أم مثواي. وجعله ~~كالمازح المفاكه لما أظهره من التطلق والبشاشة، وإظهار السرور بما يأتي من ~~توفير الضيافة والاحتفال فيه، وإيناس الضيف والبسط منه، محتفا بالضيافة. ~~وارتفع مازح على أنه خبر كأن. وموضع وقد جد موضع الحال، كأنه قال: يشابه ~~المازح من فرط الفكاهة وهو جاد، لأنه قاضي ذمام، وباني مكارم. ويقال: ~~فاكهته بملح الكلام، وهي الفكيهة والفكاهة. # وقوله إلى جذم مال تعلق إلى بقام، ويريد بالقيام غير الذي هو ضد القعود، ~~وإنما يريد به الأشغال له بما يؤنسه ويرحب منزله ويطيب قلبه. على ذلك قوله ~~تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة "، لأنه لم يرد القيام المضاد للقعود، بل ~~أراد التهيؤ والتشمر له. والجذم: الأصل. ومعنى نهكنا سوامه أثرنا في ~~السائمة من المال بما عودناها من النحر والتفريق. ويقال: نهكه المرض، إذا ~~أضر به. وقوله: وأعراضنا فيه بواق صحائح، أي نفوسنا باقية على حدها من ~~الظلف والصيانة، لم تشنها الأفعال الذميمة، ولا ms0886 كسرتها التكاليف المبخلة، ~~فهي سليمة لا آفة بها، ولا عار يكتنفها، وإن كانت أموالنا مشفوهة مقرفة. # جعلناه دون الذم حتى كلأنه ... إذا عد مال المكثرين المنائح # لنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح # الضمير من قوله جعلناه، للمال، أي وقينا به أنفسنا من لوم اللائم، ودرن ~~العائب. وقوله: كأنه المنائح، يريد أن إبلنا، وإن كانت ملكا لنا، فهي ~~كالعوارى عندنا، لما يتسلط عليها بأفعالنا من النقلة والتغييرات. والمنائح: ~~جمع المنيحة، وهي # PageV01P1092 # الناقة تدفع لينتفع بلبنها ما دام بها لبن، فإذا انقطع لبنها ردت. وإذا ~~عد مال المكثرين، أشار به إلى قلة ماله. والمكثر: صاحب الكثير من المال، أي ~~ما لنا في جنب المكثرين كذلك. # وقوله جعلناه دون الذم، يريد صيرناه دون الذم، فعلى ذلك يحتمل أن يكون ~~ظرفا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، فيكون معنى دون الذم قاصرا عن الذم، ~~فيبعد الذم عنا ولا يلحقنا، لأن مالنا يحول بيننا وبين الذم. ومعنى لنا حمد ~~أرباب المئين، أي نكتسب بما لنا القليل حمد أرباب المال الكثير، أي الحمد ~~الذي يكسبه أولئك هذا ولا يرى مال يروح إلى بيتنا مع الليل لأنها على قلتها ~~باركة بالفناء، معدة للنوائب والحقوق، ولم تبلغ ما يصير منها سارحة ورائحة، ~~وباركة بالفناء وسائمة. ### || وقال مرة بن محكان # يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خرطومه الذنبا # خاطب امرأته، وبعثها على القيام للاحتفاف بالنازلين من الأضياف. وقوله: ~~غير صاغرة، يقال: صغر يصغر صغارا، إذا ذل وهان؛ وصغر يصغر صغرا: ضد كبر. ~~والقرب: جمع قراب، وهو جراب واسع يصان فيه السلاح والثياب. # وقوله في ليلة، إن شئت جعلت الجار متعلقا بضمي، وإن شئت جعلته متعلقا ~~بقومي. والأجود في الجمع بين الفعلين في باب الأمر أن يدخل الثاني حرف ~~العطف، كقول الله عز وجل: " قم فأنذر. وربك فكبر "، وادن ms0887 فاكتب، وما أشبه ~~ذلك. وهذا قال: قومي غير صاغرة ضمي إليك، ولم يأت بالعاطف فيه، وهو جائز. ~~وانتصب غير على الحال. وجعل الليلة من ليالي جمادى لأنها من شهور البرد، ~~والمراد في ليلة من ليالي جمادى ذات أنداء وأمطار. وكانوا # PageV01P1093 # يجعلون شهر البرد جمادى وإن لم يكن جمادى في الحقيقة، كأن الأسماء وضعت ~~في الأصل مقسمة على عوارض الزمان، والحر والبرد، والريح والمطر، وتبدل ~~الفصول، ثنم تغيرت فصارت تستعار. وقوله ذات أندية، تكلم الناس فيه، لأن جمع ~~الندى أنداء. قال الشاعر: # إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت ... حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز # فكان أبو العباس المبرد يقول: هو جمع ندى المجلس. وكان أماثل الناس ~~وأغنياؤهم إذا اشتد الزمان وجد القحط والجدب يجلسون مجالس يدبرون أمر ~~الضعفاء، ويفرقون فيها ما حصل عندهم من فضل الزاد، وينصبون الميسر، وينحرون ~~الجزر متبارين فيها ومتباهين. فيريد: في ليلة توجب ذلك وتقضي به. وقال ~~غيره: هو جمع ندى، كأنه جمع فعلا على فعال، ثم جمع فعالا على أفعلة، كأنه ~~ندى ونداء، ثم جمع النداء على الأندية ككساء وأكسية، ورواق وأروقة. وقيل ~~أيضا: هو شاذ استعير ما للممدود للمقصور. وهو يفعلون ذلك في المباني كما ~~يفعلون في الألفاظ. قالوا: ومثله قفا وأقفية، ورحى وأرحية. وهذا مما حكاه ~~الكوفيون. وقال بعضهم: هو أفعله بضم العين، كأنه جمع فعلا على أفعل، كما ~~قيل زمن وأزمن، فجاء ندى وأند، ثم ألحق الهاء لتأنيث الجمع، كما تقول بعولة ~~وحجارة، فصار أندية، ويكون في هذا الوجه شاذا أيضا. وقوله: لا يبصر الكلب ~~من ظلمائها الطنبا، فيه مبالغة في وصف الظلمة وتراكمها. والطنب: حبل البيت. ~~والكلب قويالبصر، فإذا بلغ أمره إلى ما وصفه فذاك لتكامل الظلام وامتداده. ~~لذلك قال الآخر: # أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء معضل # وقد قيل في هذا البيت وجه آخر. وموضع الجملة على الصفة لليلة، فهو جر، ~~وساغ ذلك فيها لاحتمالها ضميرها، وكذلك قوله لا ينبح الكلب فيها غير واحدة. ~~وانتصب غير على أنه ms0888 مصدر، وأراد غير نبحة واحدة، ولما لم يجيء إلا مضافا ~~ولم # PageV01P1094 # يكن له معنى إلا مخالفة ما يضاف إليه جاز أن يجيء فاعلا، ومفعولا، وحالا، ~~وظرفا، ووصفا، واستثناء، ومصدرا. وقوله: حتى يلف انتصب الفعل بإضمار أن. ~~وحتى بمعنى إلى، كأنه قال: إلى أن يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن ~~يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن يلف الذنب إلا نبحة. ولو رفعت ~~الفعل فقلت: حتى يلف لجاز ذلك، ويراد به الحال، والمعنى أن يكون الفعل ~~الثاني متصلا بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: ~~سرت متصلا بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: سرت ~~حتى أدخلها، فقرن السير بالدخول، ومعناه أنه خرج من السير إلى الدخول، إلا ~~أنه يخبر أنه في حال دخول، فمعناه كمعنى الفاء إذا قلت: سرت فأنا أدخلها، ~~أي هذا متصل بهذا. # ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا # لمرمل الزاد معنى بحاجته ... من كان يكره ذما أو يقي حسبا # أقبل يشاورها ويستقي الرأي من عندها، ويبعثها على تعرف الحال منهم فيما ~~يرافقهم ولا يخرج من مرادهم ورضاهم. # وقد تقدم القول في لفظة ماذا مشروحا. # وترين: أصله ترأيين، لأنه تفعلين، فحذف الهمزة استخفافا بعد أن ألقي ~~حركتها على الراء، فصار تريين ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ~~ما قبلها فاجتمع ساكنان، وحذفت الألف منهما فصار ترين. والمعنى: أخبريني ~~بعد رجوعك إليهم ماذا نأتيه في شأنهم، وما الذي يرونه في إقامتهم وظعنهم، ~~فإن أرادوا إطالة اللبث بنينا لهم قبابا يتفردون فيها، فذاك آنس لهم، وأبقى ~~لحشمتهم؛ وإن أرادوا تخفيف اللبث خلطناهم بأنفسنا، وأدنيناهم من رحالنا في ~~جوانب بيوتنا، لأن الصبر مع خفة التلوم منهم على ما يعترض من أحوالهم ممكن. # وقوله: لمرمل الزاد تعلق اللام بقوله: ماذا ترين، كأنه أعاد الذكر فقال: ~~وذا السؤال والاستشارة من أجلهم، ولمكامنهم. والمرمل: الذي قد انقطع زاده. ~~ويجوز أن يكون لمرمل الزاد ms0889 بدلا من المضمرين في نبني لهم، وقد أعاد حرف ~~الجر معه. # PageV01P1095 # وقوله: من كان يكره موضعه رفع بمعنى، كأنه قال: ذاك مني لمنقطع به، يعني ~~بحاجته، من كان كارها لذم الناس، أوصائنا لشرفه. كأنه بين العلة في العناية ~~به. # وقمت مستنبطا سيفي وأعرض لي ... مثل المجادل كومم بركت عصبا # فصادف السيف منها ساق متلية ... جلس فصادف منه ساقها عطبا # زيافة بنت زياف مذكرة ... لما نعوها لراعي سرحنا انتحبا # انتصب مستبطنا على الحال من قمت، والمعنى: شغلت ربة بيتي بما رتبت من ~~أمرهم، وقمت أنا حاملا سيفي ومتقلدا له. ويقال: استبطنت فلانا دونك، أي ~~خاصصته؛ وتبطنت كذا: ودخلت فيه حتى عرفت باطنه. وقوله: أعرض لي أي أبدى ~~عرضها لي نوق كأنها قصور، كمال جسم وبلوغ سمن. والكوم: جمع أكوم وكوماء، ~~وهي العظام الأسمنة. وقوله: بركت إنما ضعف عين الفعل على التكثيرأو ~~التكرير. وجعل إبله فرقا باركة لشدة البرد، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: # واعصوصبت بكرا من حرجف ولها ... وسط الديار رذيات مرازيح # وانتصب عصبا على الحال، وهو جمع عصبة. # وقوله: فصادف السيف منها ساق متلية أراد: عرقب ناقة منها. والمتلية هي ~~التي لها ولد يتلوها، وقيل هي الحامل. والجلس: الصلبة المشرفة وقيل هي ~~الواسعة الأخذ من الأرض. ومعنى: صادف منه، أي من السيف. والمعنى أن السيف ~~والساق تصادما، فأبان السيف الساق منها. والزيافة، هي التي تزيف في مشيتها ~~وتتبختر. جعلها بنت زياف استكراما لعرقها وجوهرها. والمذكرة: التي تشبه ~~الذكورة في خلقتها. وقوله: لما نعوها، الفاعلون هم الناس ولم يجر لهم ذكر، ~~لكن المراد مفهوم فأضمره. أي بما ذكر الناس ما جرى عليها لراعي سرحنا، أي ~~راعي مالنا السارحة # PageV01P1096 # بكى بكاء فيه نحيب وصوت، ضنا بمثلها، وتحزنا لما فات منها، ولأن لبنها ~~كان يبقى على محاردة الإبل، وشدة اللزبة. # والعطب: الهلاك، ويقال: عطب البعير، إذا انكسر. # أمطيت جازرنا أعلى سناسنها ... فصار جازرنا من فوقها قتبا # ينشنش اللحم عنها وهي باركة ... كماتنشنش كفا قاتل سلبا # يقال: امتطيت البعير، إذا ركبت مطاه، وهو الظهر، ms0890 وأمتطيته غيري. وإنما ~~يصف إشراف الناقة التي وصفها، فيقول: ركبها جازرنا لما نحرها، إذ كان أعلى ~~سنامها لم تصل يده فصار منها لما علاها بمكان القتب حتى كانها مقتبة. ~~والسناسن: أعالي السنام والخارج من فقار الظهر، واحدتها سنسة. ومعنى ينشنش ~~يكشف ويفرق. وقيل: النشنشة معاسرة الشيء حتى تأخذه كما تريد. يقول: ركب ~~مطاها لما يبلغ سنامها لعظمها ولم يمكنه أن يكشط الجلد عنها، فأقبل يقطع ~~اللحم عنها وينتزعه منها، فعل القاتل السالب لثياب المقتول وسلاحه. وهذا ~~تشبيه حن جاء على حقه. ورواه بعضهم: كما تنشنش كفا فاتل سلبا، وقال: شبه ~~نشنشته بنشنشة فاتل الحبل من السلب، وهو نبات يخرج على صورة الشمع وعلى ~~قدره، فيجز ويفتل منه الحبل. وبائعها ومتخذها السلاب. # هكذا حكاه أبو حنيفة الدينوري، والرواية الأولى أجود وأكثر مشابه. # وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدى بنيك فلن تلقبهم حقبا # أدعى أباهم ولم أقرف بأمهم ... وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا # أنا ابن محكان أخوالي بنو مطر ... أنمي إليهم وكانوا معشرا نجبا # قوله: لما غدوا أي هموا بالارتحال غدوا، لأن لما علم الظرف. وأوصى في ~~موضع النصب على الحال، وتقديره: موصيا قعيدتنا. ومفعول قلت قوله غدي بنيك. ~~والمعنى بالغي في تفقد أضيافك في هذه الغداة، فإن لقاءهم سيتأخر زمانا ~~ممتدا. والحقب: السنون، واحدتها حقبة. والمعنى عدي الإحسان إليهم نهزة ~~تفترصينها، وزادا من اإحسان تدخرينها، فإنه لا يدري متى تظفرين بأمثالهم، ~~وهل يكون فيما بقي من الزمان لهم عودة إلينا. # PageV01P1097 # وإنما قال: أدعي أباهم، لأنه يقال للمضيف: أبو المثوى، وللمضيفة: أم ~~المثوى. ولم أقرف بأمهم أي لم أتهم. والقرفة؛ التهمة. ومعنى عمرت: بقيت ~~حيا. وقصد الشاعر أن ينبه على أنه لا عواطف بينهم، ولا أواصر تجمعهم، وقد ~~التزم ما التزم لهم تكرما واصطناعا. ثم نبه على طرفيه فقال: أخوالي بنو مطر ~~أنتمي إليهم وهم منجبون، وأعمامي بالفضل والإفضال معروفون، ونجل الجواد ~~جريه يتقيل. ### || آخر: # ومستنبح قال للصدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل # فقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة ms0891 قومي أن يفوزوا به قبل # فأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل # قوله ومستنبح يريد به رجلا ناكده الزمان في صفره، أو لم تساعده الحال فيه ~~على مؤنه، فاستنبح كلاب الأحياء ليهتدي إليهم، فأقبل الصدى يحاكيه، ويؤدي ~~إليه مثل صوته. ومعنى حضأت له نارا فتحت عينها لترتفع وتلتهب وقد أوقدت ~~بغلاظ الحطب وكبارها، فقمت إلى الضيف متعجلا، واستغنمت خدمته مسارعا لئلا ~~أبادر إليه فيغتمنه غيري، ويفوز به سابقا لي. وقوله حضأت له نارا، جواب رب. # وانتصب مسرعا على الحال، ومخافة قومي مفعول له، أي فعلت ما فعلت لهذه ~~العلة فأكثر الضيف من إطرائي وتزكيتي، وشكري وتقريظي، وأكثرت القرى له ~~محتفلا ومتكثرا، ومتوددا ومتكرما، وما أرخص حمدا جالبه أكل، وكاسبه إطعام. ~~وقوله كان كاسبه أكل جعل النكرة اسم كان، والمعرفة خبرا. وابهام الحاصل من ~~التنكير في هذا الموضع أبلغ في المعنى المستفاد. ومثله قول النابغة: # كأن مدامة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء # وإن شئت رويت: وأرحص بحمد كان كاسبه الأكل؛ وأمره ظاهر. # PageV01P1098 ### || آخر: # تركت ضأني تود الذنب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد # الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكل يوم تراني مدية بيدي # قوله تود الذئب راعيها، لك أن تقول: عدي تود إلى المفعولين، ويسوغ ذلك ~~فيه أنه عطف على مفعوله الأول قوله وأنها لا تراني آخر الأبد، ويكون ~~التقدير لكشفه: وتود أنها لا تراني أبدا. ويشهد لهذا قول الآخر: # وددت وما تغني الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم # ألا ترى أن وقوع أن بعده يقرب الأمر في تعديه إلى مفعولين، وأن يجري مجرى ~~أفعال الشك واليقين، كما تقول ظننت أن زيدا منطق، وأصحابنا النحويون بمثل ~~هذا الاستدلال حكموا على زعمت بأنه يتعدى إلى مفعولين. ولا يمتنع أن يكون ~~راعيها في موضع الحال، والمراد راعيا لها، ويتعدى تود حينئذ إلى مفعول ~~واحد. والمعنى أن ضأني تتمنى أن يكون مدبرها في الرعية أعدى عدو لها، وتخرج ~~من ملكتي وملكي، حتى لا أراها آخر الدهر، وذلك أن عدوها ms0892 ينفع معه الحذر، بل ~~لا يكاد يتمكن من الاضار بها طول الدهر إلا مرة واحدة، وذلك لعارض إهمال أو ~~اتفاق سيء وإغفال، أو لما هو عادة الزمان في انتهاء الآماد من الإرصاد، وهي ~~لا تحترز مني إذا أردتها وإن اجتهدت، ولا تطيق دفعها لي وإن احتفلت. # وقوله الذئب يطرقها هو بيان سبب تمنيتها وكشف العلة في تفاديها من أن ~~تكون في ضمن سياسته لها. وانتصب واحدة على الظرف، مرة واحدة، ويجوز أن يكون ~~صفة لمصدر محذوف، كأنه أراد طرقة واحدة. وقوله وكل يوم هو ظرف لقوله تراني ~~حاملا مدية لها، ومتهيئا بآلة ذبحها. وإن شئت رويت مدية، ويكون بدلا من ~~المضمر في تراني، وهذا البدل هو بدل الاشتمال، أي ترى مدية. فأما وجه ~~الرفع، فالضمير الذي استغنى عن الواو المعلقة للجمل بما بعدها وهي صفات أو ~~أحوال، لأن الضمير يعلق كما يعلق العاطف. وفي الوجه الثاني وهو البدل مثله ~~قول الله تعالى: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ". # PageV01P1099 ### || آخر: # ما أنا بالساعي إلى أم عاصم ... لأضربها إني إذا لجهول # لك البيت إلا فينة تحسنينها ... إذا حان من ضيف على نزول # قوله لأضربها اللام منها لام كي. فإن قيل: كيف يكون كذلك وفي صدر الكلام ~~ما النافية، ولم لا يكون لام الجحود؟ قلت: لام الجحود تقع بعد ما كان وما ~~تصرف منه، كقول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ". وكقولك: ~~ما كنت لأشتمك، لأنه جواب قول قائل: كنت ستشتمني، فأجيب: ما كنت لأشتمك، ~~ولهذا لم يظهر معه لأن الناصبة للفعل وإن جاز ظهورها مع لام كي. وإذا رقع ~~لغوا لافتقار ما قبلها إلى ما وقع بعدها. والجهول: الكثير الجهل وبناؤه ~~للمبالغة. وهذا الكلام خارج على سبب، كأنه رأى إنسانا يضرب امرأته ويحول ~~بينها وبين تدبيرها دارها، فنفى عن نفسه مثل ذلك بعد ان اعتقد فيه أنه ~~يقتدي به حتى كأنه أجاب من قال له: أكنت لتضرب أم عاصم؟ فقال: ما انا ~~بالساعي لذلك. وبين أن ذلك يفعله المتناهي في ms0893 الجهل والغباوة. وقوله لك ~~البيت إلا فينة حكى أو زيد أن قولهم فينة مما يعتقب عليه تعريفان: أحدهما ~~بالوضع، والآخر بالآلف واللام، ومثله شعوب والشعوب، والمراد به المنية، كما ~~أن المراد بالفنية الوقت. كأنه أقبل على امرأته فقال: إليك تدبير البيت ولك ~~الأمر فيه نافذا إلا وقتا تحسنين فيه، وهو وقت حين نزول الضيف فيه علي، ~~لأنه من أجله يجب أت تحسني إليه فيه، وتدبري له لا عليه، لأن البيت كأنه له ~~ونحن من حوله. وقوله تحسنينها قدر الظرف تقدير المفعول الصحيح، كما قال: # ويوم شهدناه # وما أشبه. ويروى بعضهم: إلا فينة تحسبينها أي تظنين فيها أنه لغيرك لا ~~لك، ويكون على هذا قد حذف مفعولا يحسب وشغل بضمير الفينة. والمعنى في ذلك: ~~تجعلين النظر له والتجمل، والاحتفال بسببه. وانتصب إلا فينة على الاستثناء # PageV01P1100 # من واجب، كأنه قال: لك البيت كل وقت وساعة إلا ساعة كذا. وهذا الاستثناء ~~من معنى لك البيت، ومما انطوى عليه فحوى الكلام. وقوله إذا حان من ضيف على ~~نزول موضعه نصب على أنه بدل من فينة. وإنما قال إذا حان لأن الاستعداد ~~والاحتشاد يتقدمان النزول. ### || وقال بعض بني أسد # وسوداء لا تكسي الرقاع نبيلة ... لها عند قرات العشيات أزمل # إذا ما قريناها قراها تضمنت ... قرى من عرانا أو تزيد فتفضل # أراد بالسوداء قدرا، ولا تكسي الرقاع في موضع الصفة لها. # وفي طريقته قول الآخر: # إذا النيران ألبست القناعا # وجعلها مكسوة قناعا لأن الرقعة والرقعتين لا تكفي في سترها لعظمها. وإنما ~~تستر القدور لشدة الزمان، بل تعطل وترفض لضيق الأحوال، وقصور الأيدي عن ~~المراد، مع اتساع الغاشية وتورد الطلاب. ويشبه ما ذكره من جمع الرقاع لعظم ~~القدر قول الأعشى، وقد وصف امرأة بعظم العجيزة: # تشد اللفاق عليها إزارا # أي تلفق بين ثوبين حتى يتسع إزارا لها. # ويجوز أن يريد أنها كبيرة لا يمكن سترها بالرقاع، أولا تستر، كما قال: # ولا ترى الضب بها ينجحر # PageV01P1101 # والمعنى لا ضب هناك فينجحر. # وقوله نبيلة أي عظيمة الشأن، وخص قرات ms0894 العشيات لأنها وقت الأضياف. ~~والمراد: لها عند العشيات القرة أزمل، وهو الصوت، والمراد غليانها. والقر ~~والقر والقرة: البرد. # وقوله إذا ما قريناها قراها، يريد إذا ملأناها فدرا وأوصالا تضمنت لنا ~~الكفاية لمن نابنا من حق، وأتانا من ضيف، أو تزيد عن المطلوب فتفضل على ~~غيرهم ممن لا يعد في الوقت ولا يذكر. ويروى: فتفضل بفتح التاء، وهو ظاهر ~~المعنى، والأول أحسن. وجعل المطبوخ في القدر قرى ليطابق قوله: تضمنت قرى من ~~عرانا. وعادتهم في طباق الألفاظ ووفاقها في النظام معروفة. ### || وقال آخر: # سلي الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما أتاني بين قدري ومجزرى # أيسفر وجهي أنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري # الطارق: الآتي ليلا. وسلى أصله أسألي فحذفت الهمزة وألقي حركتها على ~~السين ثم استغنى عن الهمزة المجتنبة، لتحرك السين بالفتحة، فحذفت. والمعتر: ~~المتعرض ولا يسأل. يقال: عره واعتره بمهنى. وفسر في التنزيل قوله تعالى: " ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " على ذلك، لأن القانع قيل هو السائل، ~~والمعتر الذي يتعرض ولا يتكلم. وقال الأصمعي: عراه واعتراه وعره واعتره، ~~إذا أتاه طالبا لمعروفه. وقوله إذا ما أتاني بين قدري ومجزري يريد إذا ~~أتاني في موضع الضيافة ودارها بين مسقط الجزر ومنصب القدور. والمعنى: سلي ~~أضيافي عن أخلاقي معهم، وكيفية إكرامي لهم في مثواهم، وهل أتدرج في مدارج ~~الخدمة وأتوصل بأنواع التودد والقربة من ابتداء نزولهم، إلى انتهاء ذهابهم ~~عني وخفوفهم. وإنما خاطب امرأة على عادتهم في نسبة الملامات بسبب التبذير ~~والإسراف والتوسع في الإنفاق إليهن، وإقامة الحجاج والجدال في الأنصباب إلى ~~جوانب الخسارات معهن. ويجوز أن يكون التبجح عندها بما يحمد من خصاله، فلذلك ~~خصها بالخطاب. # PageV01P1102 # وقوله أيسفر وجهي ي موضع المفعول الثاني لسلي، وقد اكتفى به لأن في ~~الكلام إضمار أم لا. وساغ حذفه لما يدل عليه من قرائن اللفظ والحال. وقال ~~سيبويه: لو قلت علمت أزيد في الدار لاكتفى به من دون إضمار. ولو قلت: سواء ~~علي، أو ما أبالي، لم يكن بد من ذكر أم ms0895 لا بعدهما. ومعنى قوله أنه أول ~~القرى، يريد أن إظهار البشاشة للضيف وتطلق الوجه معه، وإظهار السرور بقصده ~~ومثواه من أوائل قراه. ثم الترجيب به وإيناسه من بعد حتى كان ينتظر كما ~~ينتظر الغائب الآيب، ثم المبالغة في الإنزال وحط الأثقال، وإظهار سعة الرحل ~~والمكان إلى غير ذلك - مما يبسط منه، ويزيل الحشمة والانقباض عنه؛ لذلك ~~قال: # وأبذل معروفي له دون منكري # لأن قوله معروفي دخل تحته كل محمود من الأفعال والرسوم، كما أن قوله دون ~~منكري اشتمل على نفي كل مذموم من الخصال والأمور. وقيل: إن المنكر هو أن ~~يسأل عن حاله ونسبه، وقصده في صفره، وكيفية مأتاه حين نزل به؛ لأن جميع ذلك ~~مما يجلب عليه حياء، ويوسعه نفورا وإمساكا. والضمير من قوله أنه أول القرى ~~لما يدل عليه قوله أيسفر وجهي؛ لأن الفعل يدل على مصدره. والمراد أن ~~الإسفار أول القرى، وعلى هذا قولهم: من كذب كان شرا له، وما أشبهه. ### || آخر: # وإنا لمشاؤون بين رحالنا ... إلى الضيف منا لاحف ومنيم # قذو الحلم منا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم # قوله إنا لمشاؤون إبانة عن حسن خدمتهم للضيف، وعن قرب محطه من رحالهم ~~ومقارهم. وقوله منا لاحف ومنيم يريد: ومنامنيم، فحذف لأن المراد مفهوم. وفي ~~القرآن: " منها قائم وحصيد ". واللاحف والمنيم إنما ينهضان بعد تقضي ~~الإطعام والإيناس. ألا ترى قول الآخر: # أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع # PageV01P1103 # وقوله قذو الحلم منا جاهل دون ضيفه في هذا البيت بعض ما في قول الآخر: # وأبذل معروفي له دون منكري # وإنما يتجاهل الحليم دون ضيفه إذا أوذى عند طلب ثأر من جهته أو تخشين ~~جانب له بكلام أو فعال. وقوله: وذو الجهل منا عن أذاه حليم، يريد به وإن ~~أخذ الضيف يؤذينا ترى الجهول يحتمله، ويغفر زلته، ولا يطلب مؤاخذته ~~ومكافأته. ### || وقال ابن هرمة # أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في نشر الربى فأقيم # إن امرأ جعل الطريق لبيته ... طنباص وأنكر حقه للئيم # يقارب ms0896 ما قاله قول الآخر: # يسط البيوت لكي يكون مظنة ... من حيث توضع جفنة المسترفد # وقول الآخر: # ويأبى الذم لي أني كريم ... وأن محلي القبل اليفاع # وذاك أن الكرام ينزلون الروابي والإكام، ويتوسطون الناس في أيام الجدب، ~~وعند اشتمال القحط، لكي تهتدي إليهم السابلة والمارة، ويشترك في خيرهم ~~الداني والقاصي. واللئام ينزلون الأهضام وبطون الأودية، ويتفردون عن الناس ~~إبقاء على زادهم، وضنا بطعامهم، وتفاديا من أن تعرف أماكنهم فيكثر قصد ~~أبناء السبيل لهم، ووطوهم إياهم، وتنضم الطوائف والفرق إليهم. لذلك قال ~~المرقش: # وعاد الجميع نجعة للزعانف # PageV01P1104 # أي تأوى الفرق القليلة إلى الجمع، لتعيش بعيشهم. فيقول: إني أنزل على ~~الطريق وأبني عليها قبتي، وقد مد رواقها ورفع سمكها لتمتد العيون إليها، ~~ويغشاني ذوو الحاجات فيها. وكذلك أحل التلاع والنشاز تشهيرا لمكاني، وتعرضا ~~لتعليق الآمال بي إذا اشتد الزمان، وأوثر الخمول والاندفان. والقباب يتخذها ~~الرؤساء، فلذلك خصها بالذكر، ولم يرض بذلك حتى جعل لها روافا ممدودا، ~~وموضعا له من الطريق مغشيا موطوءا. # ولمثل ذلك قال أبو تمام: # لولا بنو جشم بن بكر فيكم ... رفعت خيامكم بغير قباب # والنشز: ما ارتفع من الأرض. والربى: جمع ربوة. ولم يرض بالحلول حتى وصله ~~بالإقامة. وقوله إن امرأ جعل الطريق لبيته طنبا، أراد جعل الطريق موضع طنب ~~بيته، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون على القلب، ~~أراد: جعل طنب بيته للطريق، أي مما يليه، ثم لم يقم بحقه ولم يلتزم مايجب ~~عليه فيه، للئيم. وإنما أعاد هذا الذكر تأكيدا لما يأتيه، واعترافا بالواجب ~~فيه. والأطناب: حبال البيوت، قال الشاعر: # تقطع أطناب البيوت بحاصب # وقد تسمى عروق الشجر أطنابا على التشبيه، وهذا كما سميت أذنابا وأشطانا. ~~قال: # ..................... # تستقي ... بأذنابها قبل استقاء الحناجر # وقال آخر: # أشطانها في عذاب البحر تستبق # PageV01P1105 ### || وقال آخر: # ومستنبح يستكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم # عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوم # كشط واستكشط بمعنى. فهو كعجب واستعجب. والكشط يقارب الكشف. ويقال: كشط ~~الجلد عن الجزور، ms0897 ويستعمل في الجزور خاصة كثيرا ولإن أجرى على غيره أيضا. ~~والجلد يقال له الكشاط؛ يقال: ارفع عنه كشاطه. والمعصم والمستعصم واحد، وهو ~~المستمسك بالشيء. وإنما أراد أن يصور حال المستنبح وما هو ممنو به من البرد ~~والريح. # وقوله عوى في سواد الليل أي نبح وصاح. وفي المثل السائر: لولك عويت لم ~~أعو. وأصله المستنبح أجابه الذئب. ويقال فلان ما يعوى ولا ينبح إذا استضعف. ~~ويقال للداعي إلى الفتنة: عوى، تشبيها له بالكلب وإزراء به. فأما قولهم ~~للحازم: والاعتساف: الأخذ في الطريق على غير هداية. وإنما قال أو ليفزع نوم ~~لأنهم إذا انتبهوا لصوته أجابوه أو رفعوا النار له وذلك على حسب مكانه في ~~القرب والبعد. وجواب رب: عوى. # فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبين مطعم # يكاد إذا ما أصبر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # يعني بمستمع الصوت: الكلب. ويقال: استمع بمعنى سمع، فهو كاستعجب وعجب. ~~وإنما قال مع إتيان المهبين مطعم لسعة عيش الكلب فيما ينحر للضيف. ~~والمهبون: الأضياف. ويقال: هب من منامه، وأهببته. وقوله يكاد إذا ما أبصر ~~الضيف مقبلا يكلمه، أي يكاد الكلب يلكم الضيف حبا له إذا أقبل، على عجمته. ~~وانتصب مقبلا على الحال، والكلب مما يوصف به # PageV01P1106 # حبه للضيف، لذلك قال الآخر: # حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر # وحبه للظاعن، لذلك قيل في المثل: " أحب أهل الكلب إليه الظاعن " وحبه ~~لوقوع الآفات في المال، لذلك قيل في المثل: نعيم كلب في بؤسي أهله. واللام ~~من قوله للقرى يجوز أن يتعلق بقوله جاوبه، أي لهذه العلة جاوبه، ويجوز أن ~~يتعلق بقوله مستسمع الصوت. ### || وقال سالم بن قحفان # لا تعذليني في العطاء ويسري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا # فإني لا تبكي على إفالها ... إذا شبعت من روض أوطانها بقلا # فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام العطاء لها سبلا # كانت امرأته عاتبته وأنكرت منه تبذير المال، وقلة الفكرفي عواقب الأمور ~~وحاضر العيال، وقال لها اطرحي اللوم معي فيما ms0898 تعودته وأجري عليه من البذل ~~والسخاء، وهيئي لكل بعير جاء طالب له حبلا يقتاده به، حتى تكوني شريكا لي ~~في العطاء ومعينا، واعلمي أني إن أبقيت على مالي وسعيت في توفيرها ~~وتثميرها، وأهنت نفسي بإعزازها، فإنها لا تبكي على إفالها إذا مت وقد طاع ~~لها المرتع من قبل فشبعت من بقول الرياض، وسمنت بالتوديع وحسن الإرعاء، ولا ~~تذكرني بجميل، وإنما يفعل ذلك من أحسنت إليه في حياتي واصطفيته بإسدائي، ~~وآثرته باتخاذ الأيادي إليه، وإكمال النعم عليه. # PageV01P1107 # وقوله فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن فالمقتني: الذي يتخذها قنية للنسل، ~~والمراد أنها إذا لم يوجد للإقتناء خير منها، فلا طريق تصرف إليه أصلح من ~~طرق الجقوق الراتبة فيها. وانتصب بقلا على التمييز. وإنما قال: لا تبكي على ~~إفالها وهي الصغار منها، والواحد أفيل، إزراء بها إذ صارت إرثا، ولم تدخل ~~تحت ما فرقه في النوائب الطارقة، والفروض الواجبة. ### || وقال آخر: # ألا ترين وقد قطعتني عذلا ... ماذا من البعد بين البخل والجود # إلا يكن ورقي غضا أراح به ... للمعتفين فإني لين العود # يخاطب امرأة ويقررها على ما انكرت عليه في السخاء والبذل، ويريها أن ~~الصواب فيما يختاره ويجري عليه من اكتساب الحمد ببذل ما تملكه يداه، ~~وابتناء المكرمات بالتخرق في العطاء، فيقول: قد قطعتني لوما، وحرقتني ~~توبيخا وعذلا، ومتى راجعت نفسك، وناجيت عقلك، وخايرت تجربتك عرفت التفاةت ~~بين الإمساك والبذل، وبين النسخي والبخل، وبان لك أن الصواب فيما أختاره، ~~وعلى تغير الأحوال أراجعه واعتاده، وأن الخطأ فيما تبعثين عليه، وتسوقين ~~إليه. ثم قال: إن كان في مالي قصور عن المراد، وقعود عند حضور المرتاد، فإن ~~نفسي سمحة مجيبة، وعلى ما تقصر الحال عنه متحسرة، وسيعود عودي وريقا، ~~فحينئذ أرتاح للعفاة بورقي غضا طريا، وأزل معروفي موفورا هنيا. ويقال: رحت ~~له أراح، أي ارتحت. وقيل: الأريحي أفعلي من هذا. وذكر الورق كناية عن المال ~~الكثير في كلامهم. قال زهير: # وليس مانع ذي قربى ولا رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا # لما استعار الورق ms0899 للمال وصله بالخابط تشبيعا للفظه، وتحسينا لكلامه، ~~وكذلك هذا لما كنى عن معروفه بالورق وصله بالعود. وإذا لان العود اهتز، وعن ~~الاهتزاز للخير يحصل التندي ويكرم الطبع. # PageV01P1108 ### || وقال قيس بن عاصم # إني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يفنده ولا أفن # من منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوبه الغصن # خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن # قوله يفنده أي يفحشه، والفند: الفحش. ويقال: أفند الرجل، إذا أتى بالفحش. ~~والأفن أصله في استخراج اللبن من الضرع حتى يخلو منه، ثم قيل: أفن الرجل ~~فهو مأفون، إذا زال عقله. والمعنى: إني رجل لا يتسلط على خلقي ما يدنسه ~~ويفحسه من تغير وتبدل، وتسرع إلى الشر وتلون، وزوال عن السنن المعهود، ~~وذهاب في طريق المأفول المعتوه، ولكنني أبقى على حالة واحدة محمودة، لا ~~أحول ولا أزول. ثم أنني من بني منقر في بيت من الكرم قد فرعته، والفرع من ~~شأنه أن يلتف بأغصانه النابتة حوله. وهذا مثل ضربه للمحتفين به من أقاربه، ~~والآخذين إخذه في طبائعه ومذاهبه. قم وصفهم فقال: هم خطباء إذا قام قائلهم ~~يبين عن نفسه وعن عشيرته، كرام لا يسود وجوههم عار في الأصل، ولا شين مكتسب ~~على وجه الدهر. المصاقع: جمع مصقع، وأصل الصقع الضرب، وكما وصف به اللسان ~~وصف بالسق والصلق فقيل: خطيب مصقع مصلق مسلق سلاق. وفي القرآن: " سلقوكم ~~بألسنة حداد ". واللسن: جمع اللسن. ويقال: لسن يلسن لسناص، إذا تناهى في ~~البلاغة والفصاحة. ويقال لسنت فلانا، إذا ضايقته فيما يجاذبه من الكلام. ~~على هذا قوله: # وإذا تلسننس ألسنها # PageV01P1109 # وقوله: لا يفطنون لعيب جارهم، يقول: هم يلابسون الجار على ظاهر أمره، لا ~~يتجسسون عليه، ولا يتطلبون مشاينه ومقابحه، وإن اتفق له ما يوجب عليهم حفظه ~~لعقد الجوار فطنوا له، وحافظوا عليه. وإنما قال هذا لما سار في الناس وجرى ~~مجرى الأمثال، من أن التكرم مكيال ثلثاه حسن الفطنة وحدة الذكاء في ~~العارضات، وأن اللؤم مكيال ثلثاه سوء الفطنة واستعمال ms0900 التجوز في الواجبات. ~~والفطن: جمع فطن وهو كخشن وخشن. ### || وقال ابن عنقاء الفزاري # رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر # دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا باد يرجى ولا حضر # فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ماأسديت من ذم أو شكر # يقول: راعي حالي عميلة وتأملها على ما بها، فأنهى رثاثتها واختلالها إلى ~~ماله، متحملا الشكوى منها على قلبه ونفسه ظاهرا وباطنا، ومسرا ومعلنا، لا ~~يشوبه مداجاة ولا نفاق، ولا يتخلل فعله مخاتلة ولا رياء، بل اعتنى بها على ~~خلوص نية، واهتمام بإحسان مع نقاء طوية. وقوله دعاني فآساني، يقول: ابتدأ ~~في تغيير حالي، وإزالة ما مسني من فقري من ذات نفسه، فجبرني وانتاشني، ولو ~~سعى سعي غيره من البخلاء لم يلحقه مني عيب فيي وقت قد تساوى الناس في المنع ~~واطراح الحقوق حتى لاذو البدو # PageV01P1110 # يرجى ولا ذو الحضر. وقوله ولا حضر حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ~~وهذا كما يقال: الجود حاتم، يراد جود حاتم. وكان الوجه أن يقول: ولا حاضر، ~~مع ذكر البادي، ليكون الكلام أشد التئاما، أو يقول: فلا بدو يرجى، مع قوله ~~ولا حضر. وقوله فقلت له خيرا، يقول: شكرته على اصطناعه، وأثنيت على فعله، ~~وكثرته في الناس ما تكلفه لي وتبرع به ونشرته. وقد وفاك حقك في الآسداء من ~~حمدك، كما وفاك في المكافأة من أسأت إليه إذا ذمك. وكان وجه الكلام أن ~~يقول: وأوفاك ما أسديت أو أسأت من ذم أو شكر، فاقتصر على ذكر الإسداء وإن ~~كان يستعمل في الخير لا غير. وأصله من السدى وهو ندى الليل خاصة. يقال: ~~سديت ليلتنا، إذا كثر نداها، ولا يكاد يستعمل في النهار. قال: # فأنت الندى فيما ينوبك والسدى # وقيل أصله من السدو، وهو التذرع في المشي اتساع الخطو. يقال: سدى البعير ~~وأسدتيه، والأول هو الصواب. # ومثل قوله وافاك ما أسديت من ذم أو شكر قول الآخر: # فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # لأن ms0901 المراد أريد الخير وأجتنب الشر، فاكتفى بذكر أحدهما، ألا ترى أنه قال ~~من بعد: # أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي هو يبتغيني وقوله وأثنيت فعله أصله ~~على فعله، فحذف الجار ووصل الفعل نفسه. # غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيمياء لا تشق على البصر # كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري وفي خذه القمر # PageV01P1111 # إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر # قوله رماه الله بالخير معناه كساه الخير ومسحه به مقبلا فيه لا مدبرا. ~~وقد كشف معنى الرمي بقوله: له سيمياء لا تشق على البصر، يريد ما عليه من ~~حسن القبول والتمن من النفوس والقلوب، حتى إن المبصرين له يجدون راحة في ~~النظر إليه، فلا تملها العيون، ولا تنطبق دونها الجفون. ومثل قوله: رماه ~~الله بالخير في باب الاستعارة، قوله تعالى: " وألقيت عليك محبة مني ". ~~والسيمياء أصله العلامة، ومنه الخيل المسومة. ويقال سيماء وسيمياء جميعا. ~~وانتصب مقبلا على الحال. وتحقيقب معنى سيمياء أي قد وسمه الله تعالى ~~بسيمياء حسنة مقبولة، يلتذ الناظر بالنظر إليها. وقوله كأن الثريا علقت فوق ~~نحره، يريد أنه قد غشي من كل جانب بما ينوره، فالثريا فوق نحره، والشعري، ~~يعني العبور، مركزة في أنفه، والقمر متلألىء في خده، فهو نور على نور. ~~وقوله إذا قيلت العوراء أغضى، كأن يصف فيه اجتواءه للخنا والفحش، واطراحه ~~لقبح القول، ورفضه لأنواع الهجر، فمتى ذكرت عنده فحشاء أطرق مغضيا، عاركا ~~بجنبه متحلما، فكأنه ذليل لتغابيه، وترك المحاسبة فيه، ولو شاء لانتقم. ~~وهذا غاية ما يكون من حسن الاحتمال، ومصابرة الناس على أذاهم، مع التعزز ~~والاقتدار. ### || آخر: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى زلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت # PageV01P1112 # يقول: إني سأنشر آلاء عمرو ونعمه عندي إن نفس من عمري، وتراخت غاية ~~المقدار من منيتي، فإنها صافية من المن والأذى على جلالتها وفخامتها. وقوله ms0902 ~~لم تمنن يجوز أن يكون المراد ولم تقطع وإن عظمت، وقال ذلك لأن الأيادي ~~السنية لا تكاد تتناسق. ويقال: حبل منين وممنون. وفي القرآن: " لهم أجر غير ~~ممنون ". ويجوز أن يكون المراد به لم يخلط بمن. # وقوله فتى غير محجوب الغنى، أخذ يصفه. وارتفع فتى على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، والمعنى هو يشرك صديقه في غناه مدة مساعدة الزمان له، فإن تولى ~~الأمر وزلت النعل تراه لا يتشكى ولا يتألم. وهذا مثل قول الآخر: # أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه # ويقال في الكناية عن نزول الشر وامتحان المرء: زلت القدم به، كما يقال: ~~زات النعل به. # وقوله رأى خلتي من حيث يخفى مكانها زائد على ما تقدم من قول ابن عنقاء ~~الفزارى، وهو: # رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر # وذاك لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها، فكأنه أدرك الحال، من ~~طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن ~~السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عيانا، فاشتكى إلى ماله سرا وجهرا، ~~وقال هذا بإزاء الاشتكاء: فكانت قذى عينيه، أي من حسن الاهتمام ما جعله ~~كالداء الملازم له، حتى تلاقاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك فموضع الزيادة في ~~كلامه وقصده ظاهر. ### || آخر: # إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد # PageV01P1113 # لأحبني حب الصبي ورمني ... رم الهدي إلى الغنى الواجد # ولقد نضحت مليلتي فتميثت ... عن آل عتاب بماء بارد # يقول: إن رمت القيام بواجب سعى علقمة لي، وأديت المفروض لحسن بلائه عندي، ~~لم أقابله على صنيعة واحدة، ولا جازيته لبلاء معمة فاردة، لأن أياديه عندي ~~كثيرة متظاهرة، وآلاءه لدى متواترة متناصرة، فوالله لقد أحبتني كما يحب ~~الصبي، وأصلح من أموري ما يصلح من شأن العروس إذا زفت إلى الموسر الغنى، ~~فتضاعف مؤنها، وتزايد التكاليف في هدائها وتحويلها. فقوله لأحبني، اللام ~~جواب يمين مضمرة، وغنما قال: حب الصبي لأنه يخلط بمحبته زيادة الشفقة، ~~وكفالة الترفرف عليه والمرحمة. ms0903 # وسئل بعض حكماء العرب عن أحب أولاده إليه فقال: الصغير حتى يكبر، والغائب ~~حتى يقدم، والعليل حتى يبرأ. وإذا تأملت وجدت حال الغائب والعليل كحال ~~الصغير فيما ذكرت، فلذلك جمعها في قرن الذكر. وقوله: ولقد نضحت مليلتي ~~يريد. ولقد رششت غليلي من آل عتاب وما امتله نار وجدي من أحشائي وصدري بماء ~~بارد، فكنت وزال حميمها، حتى كأنها لم تكن. وإنما قال ذلك لأن آل عتاب ~~كانوا وتروه فاشتد برح حميه واتسع قرح وتره، فأعانه على إدراك الثأر علقمة ~~بن سيف، وشفاه من دائه. وإذا تؤمل ما عدده من أياديه لديه حصل فيه الميل ~~والإكرام، والبر والإنعام، وإصلاح الحال، والمؤاساة بالمال، والشفاء من ~~الداء، والانتقام من الأعداء، وذلك مالا مزيد عليه. ومعنى تميثت تذللت ~~وتذوبت. ويقال: ميثت الشيء، إذا مرسته. والنضخ بالخاء المعجة ابلغ من ~~النضح. # PageV01P1114 ### || وقال أبو زياج الأعرابي # له نار تشب بكل واد ... إذا النيران ألبست القناعا # ولم يك اكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا # قوله تشب أي توقد، وموضع الجملة من افعراب رفع على أن يكون صفة لنا، ~~والمعنى أن نار ضيافته توقد بكل واد ينزل به إذا النيران في الآفاق سترت ~~وحجبت عن الاستدلال بها، مخافة طروق الأضياف. وجواب إذا مقدم عليه، كأنه ~~قال: إذا النيران جعلت كذلك له نار توقد بكل واد. ويجوز أن يكون أوقدت ناره ~~في جواب محله وفي كل من أودية فنائه وداره وإذا أخمدت نيران الناس، فلذلك ~~قال: تشب بكل واد، وهذا يكون منه كإتمامهم الأيسار، ونياتهم عن غيرهم إذا ~~عدم الشركاء. وقوله ولم يك أكثر الفتيان قد تقدم الكلام في حذف النون من يك ~~في غير موضع. وانتصب مالا على التمييز، وكذلك ذراعا. والمعنى: أن ما تحمله ~~وتكلفه لم يك السبب فيه اليسار، وكثرة المال. ولكن كرمه الفائض، وعرقة ~~الزاخر. ### || وقال العرندس أحد بني أبي بكر بن كلاب: # هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار # إن يسألوا الخير يعطوه وغن خبروا ... في العهد أدرك منهم طيب أخبار ms0904 # وإن توددتهم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار شر غير أشرار # العرندس في اللغة: الأسد العظيم، وكذلك الجمل. ويقال: هو هين لين وهين ~~لين، والتشديد الأصل، والتخفيف على عادتهم في الهرب من ثقل التضعيف وما # PageV01P1115 # يجري مجراه. والمعنى أنهم يلزمهم السكينة والوقار في مجالسهم. ويقال: جاء ~~يمشي هونا، وهو المصدر. والأيسار: جمع اليسر، وهم الذين يجتمعون في الميسر ~~على الجزور عن الجدب والقحط، فيجيلون القداح عليها، ثم يفرقونه في الفقرار ~~وأرباب الحاجة والضراء. ويقال: يسر إذا أجال قدحه، فهو ياسر ويسر. قال: # إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم ... فواحش ينمي ذكرها بالمصايف # وقال أبو ذؤيب: # فكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع # والمعنى أنهم يرجعون إلى سجاخة خلق، وسلامة طبع، موقرون في مجالسهم، ~~متكرمون في عاداتهم وشؤونهم، متعطفون على الفقراء زمن الجدب بميسرهم، ~~يسوسون المكارم ويعمرونها بعد ابتنائها، ولا يغفلون عنها؛ وأن هذا الخصال ~~لم يرثوها عن كلالة، وأن آباءهم على ذلك درجوا وتقضوا. ثم قال: إن يسألوا ~~الخير يعطوه، يريد أنهم لا يتقاعدون عن البذل في الحقوق والنوائب، ولا ~~يحوجون إلى استخراج ذلك منهم بالعنف والاستقصاء بل يخرجون منها إلى ~~أصحابها، والمطالبين بها؛ وإن جربوا عند جهد البلاء، واشتمال الشدة ~~والبأساء، وحملوا أكثر مما يلزمهم، وأثل مما ينهض به حالهم، طابت أفعالهم، ~~وحسنت أنباؤهم، والأحاديث عنهم. ومن انتمى بتقرب إليهم، أو تودد لهم، لانوا ~~له، وانقادوا لما يريده من جهتهم. وإن أوذوا وأحرجوا انكشفوا عن أذمار شر - ~~وهو جمع الذمر، وهو الشديد لا يطاق - وإن كانوا في أنفسهم وسجاياهم غير ~~أشرار، إلا أنهم إذا جذبوا إلى الشر وألجئوا زادوا على الأشرار. وقوله ~~شهموا أي هيجوا. ويقال: فرس شهم، أي حديد نشيط ذكي؛ ومنه الشبهم. ويقال شهم ~~الرجل، إذا ذعر أيضا، ويرجع في المعنى إلى الأول. # PageV01P1116 # فيهم ومنهم يعد الخير متلدا ... ولا يعد نثا خزى ولا عار # لا ينطقون على الفحشاء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري ms0905 # وصفهم بأن الخير مرجو من جهتهم، ومعدود في خصالهم قديما وحديثا، وسلفا ~~وخلفا، ولا يعد في أفعالهم ما يخزى ذكره، والتحدث به، أو يجلب عارا عليهم ~~لدى الكشف عنه والتأمل له، وذلك لخاوص مناقبهم عما يشين ولا يزين، وحسن ~~قصودهم فيما يتصرفون فيه فيتناولونه بالنقض والإبرام، ثم إن تكلموا فليس عن ~~فحشاء يضمرونها، ولا عن نكراء ينطوون عليها، فكانت الأقوال توافق الضمائر ~~وتقفوها، والظواهر تطابق السرائر وتتلوها، بل يولون الكلمة العوراء إذا ~~أدركوها الغفول عنها، والإغضاء على القذى فيها، تحلما وترفعا. وإن جاذبوا ~~غيرهم وحملوا على لجاج في نزاعهم عرفت نهاية جدالهم، ونكتوا فيما يدلون به ~~من حجاجهم، فقولهم فصل، وإمساكهم قصد وعدل، لا إكثار ولا إسراف، إذ كان من ~~أكثر أهجر، ومن أسرف أفحش؛ ولأن عادتهم الاقتصاد فيما يخافون أداءه إلى ~~القبيح، والامتداد إلى أبعد الغايات فيما يحسن مسمعه عند ذوى التحصيل. ~~وقوله من تلق منهم، يريد ان النباهة تشملهم، فكل منهم يتسم بسيما الرياسة، ~~ويتصور بصورة السيادة، وهم في الاشتهار والتميز عن طوائف الناس كالنجوم ~~المعروفة النيرة، التي يهتدي بها السابلة والمارة، ويتفقد المعرفة بها في ~~طلوعها وأفولها أولو النحل والممارسات. وقوله فيهم ومنهم يعد الخير متلدا ~~يريد ما يلزمهم من الخصال وما يتعداهم. وانتصب متلدا على الحال. ويقال: تلد ~~وأتلد بمعنى. والنثا يستعمل في الخير والشر، والثناء يستعمل في الخير لا ~~غير، ويقال: نثا الخبر ينثوه نثوا. ### || آخر: # رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد # PageV01P1117 # ولو ان شيئا يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد # يقول: غمرني بره وعجز حواملي نعمه، فاعترفت بالقصور، والقعود ن الوفاء ~~بأداء الفروض، وجعلت يدي مرتهنة بالعجز، ولساني معقولة عن التصرف في الشكر، ~~وإن كان لا مزيد على ما اتولاه منه لمبالغ في الحمد، ولا فوق اجتهادي غاية ~~يرتقي إليها في النشر والثناء مرتق؛ فإني لم أوت من تقصير يلزني، أو إقصاء ~~مع قدرة يدفعني، ولكن لكون مننه معجزة غير داخلة تحت استطاعتي؛ ومالا يطاق ~~تحمله منيع، والنهوض ms0906 به عسر شديد. ### || وقال الحسن بن مطير # له يوم بوس فيه للناس أبوس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم # فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويمطر يوم البأس من كفه الدم # ولو أن يوم البأس خلى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم # ولو أن يوم الجود خلى يمينه ... على الناس لم يصبح على الأرض معدم # يقول: أيام هذا الممدوح مقتسمة بين إنعام وانتقام، من إحياء وإهلاك، ~~وإفضال وإعدام، فله يوم بوس يشقى به أعداؤك، ويوم نعيم يحيا به ويسعد ~~أولياؤه، فيوم جوده يعم نداه مؤمليه وعفاته، ويوم بؤسه يعم إهلاكه منابذيه ~~وحساده، ولو أراد في اليوم المخصوص بالانتقام أن يجعل عقابه مخلى يتناول ~~طبقات الناس، لم يبق في الأرض مجرم ولا حسود يضمر سوءا له، ولكن أبى عفوه ~~إلا إبقاء؛ كما أنه لو خلى يوم جوده منافع يمينه تعم طوائف الخلق لم يبق في ~~الأرض فقير، ولكن أبى ذلك بعده عنهم، وقصور معرفته بهم. ويجوز أن يكون ~~المراد بقوله لم يصبح على الأرض مجرم، أنه كان يغني الخلق حتى لا يبقى مجرم ~~وغير مجرم. ### || وقال أبو الطمحان # إذا قيل أي الناس خير قبيلة ... وأصبر يوما لا توارى كواكبه # PageV01P1118 # فإن بني لأم بن عمرو وأرومة ... سمت فوق صعب لاتنال مراقبه # أضاءت لهم حسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # يقول: لو صمم الناس بالسؤال عنهم فقيل أيهم خير أصلا وسلفا وأيهم أصبر ~~يوما ومشهدا ترى كواكبه ظهرا، لكان يجيء في جواب هذا السؤال: بنو لأم بن ~~عمرو؛ ولأن لهم منصبا علا شرفا باذخا، وعزا شامخا لا تدرك مراقبه، ولا تنال ~~مطالعه. والغرض من الجملة تفضيلهم على جميع الخلق. والأرومة: الأصل الثابت ~~الراسي. وانتصب قبيلة على التمييز، وكذلك يوما. ويعني بذكر اليوم الوقعات ~~والحروب. وعلى ذلك قولهم: يوم جبلة، ويوم الكلاب وما أشبههما. وقوله لا ~~تواري كواكبه إن شئت فتحت فرويت: لا تواري كواكبه، والمعنى لا تتوارى ~~كواكبه، فحذف إحدى التاءين تخفيفا. ومعنى لا تواري بضم التاء لا تستر، ~~والأصل ms0907 في هذا، وهو يجري مجرى الأمثال، يوم حليمة، وذلك أنه سدت عين الشمس ~~في ذلك الغبار الثائر في الجو فرئيت الكواكب ظهرا، فقيل: ما يوم حليمة بسر، ~~وصار الأمر إلى أن قيل في التوعد: لارينك الكواكب ظهرا. وأصل الصبر حبس ~~النفس على الشر، لذلك قيل: قتل فلان صبرا. وقوله سمت فوق صعب، يريد: فوق ~~جبل صعب يشق الارتقاء إليه. والمراقب هي المحارس، واحدتها مرقبة، وكل ذلك ~~أمثال. وقوله أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم، يريد طهارة أنفسهم، وزكاء أصولهم ~~وفروعهم، فهم بيض الوجوه نيرو الأحساب، فدجى ليلهم تنكشف من نور أحسامهم، ~~حتى أن ثاقبه يسهل نظم الجزع فيه لناظمه، وهذا مثل أيضا. ولهاء من ثاقبه ~~يعود إلى ما دل عليه قوله أضاءت لهم أحسابهم، والثقوب: الإضاءة، ويقال: نار ~~ثاقبة، وكوكب ثاقب، وحسب ثاقب، وقد ثقب أي اشتد ضوءه وتلألؤه. وكعنى نظم ~~حمل على النظم وأقدر، فهو بمعنى انظم. ومثله كرم وأكرم. والضمير من ثاقبه ~~يدل على ظاهره صدر البيت، فهو مثل قولهم: من كذب كان شرا له، ومن صدق كان ~~خيرا له، يريد كان الكذب وكان الصدق، فكذلك هذا، كأنه قال: حتى نظم ثاقب ~~حسبهم الجزع لناظمه. # PageV01P1119 ### || وقال آخر: # يأيها المتمني أن يكون فتى ... مثل ابن زيد لقد خلى لك السبلا # أعدد نظائر أخلاق عددن له ... هل سب من أحد أو سب أو بخى # يقول: يا من يود ويشتهي أن يكون فتوته مثل فتوة عروة بن ويد الخيل، لقد ~~خلى لك الطرق في اكتساب مناقب الفتوة وادخار أسبابها وموجباتها، فاسع ~~واطلب، لأن مباغيك إن قدرت معرضة لك، وغير ممتنعة عليك، وسبلها غير منسدة ~~ولا محجوبة عن ذهابك واختراقك، ثم قال: هات خصالك واعدد نظائر أخلاقه ~~المعدودة له، وانظر هل أنت في اشتمال الكرم والتحاف العز بحيث لا تسب أحدا ~~تعليا وارتفاع منزلة، وفي نقاء الجيب وطهارة الأصل والفرع بحيث لا يسبك أحد ~~توقيا وتعففا، وهل تقف موقفا تبعد فيه وتتنزه عن أن يقال: ما بخل بما في ~~يده، ولا منع أحدا على ms0908 رجائه به، فإنه حينئذ يبين لك تفاوت ما بينك وبينه. ### || وقال آخر: # لم أر معشرا كبني صريم ... تلفهم التهائم والنجود # أجل جلالة وأعز فقدا ... وأقضى للحقوق وهم قعود # وأكثر ناشئا مخراق حرب ... يعين على السيادة أو يسود # قوله تلفهم التهائم أي تجمعهم، وانتصب جلالة على التمييز، وكذلك قوله ~~فقدا، ولا يجوز أن يكون مصدرا، أعني قوله جلالة، لأن أفعل هذا لا يؤكد ~~بالمصدر، فهو من باب شعر وموت مائت، لأن أصله مأخوذ من جلال جليل. وانتصب ~~أجل بفعل مضمر، كأنه قال: لم أر أجل جلالة منهم، لكنه اختصر وحذف. وقوله ~~تلفهم التهائم موضعه نصب لأنه صفة لقوله معشرا، والتقدير: لم أر معشرا ~~تلفهم الأغوار والأنجاد كبني صريم، وام أر أجل جلالة منهم أيضا. وتهامة من ~~الغور، بل هو أعمقها. ثم بين ما فضلهم فيه بعد أن أبهم، وفصل ما أجمل، # PageV01P1120 # فقال: هم أتمهم رياسة وأفخمهم فخامة، وأشدهم على الناس فقدا، وأحسنهم في ~~قضاء الحقوق الواجبة عليهم أداء، هذا وهم قعود. وإنما قال ذلك لأن الرئيس ~~ينفذ أمره في مطالبة وإن لم يبرح مكانه. وأعز فقدا، يريد شدة حاجة الناس ~~إلى حياتهم، لوفور فضائلهم وإفضالهم. # وقوله وأكثر نائشا يريد به الشاب المبتدىء في اكتساب ما يعتلي به ويفوق ~~أقرانه. وانتصاب ناشئا على التمييز. والمخراق: بناء الآلة، فهو كالمفتاح، ~~يريد أنه يتخرق في الحرب ويسعى سعيا بليغا. وأصل المخراق هو ما يتلاعب به ~~الصبيان من منديل يفتلونه، أو زق ينفخونه، أو ما يجري مجراهما. وسمي مخراقا ~~لأنه يخرق الهواء في استعمالهم إياه. لذلك قال: # كأن يدي بالسيف مخراق لاعب # وقوله يعين على السيادة أو لا يسود جمع بين الأمرين، وذلك لأن الفضلاء ~~إذا قسموا ودرجوا في مراتبهم فهم من بين سيد يقوم بنفسه ويكمل بخصاله، ومن ~~بين معين على السيادة يصلح لأن يكون تابعا لا متبوعا، ومسودا لا سيدا. ### || وقال شقران مولى سلامان # لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... على الانسان من الناس درهما # ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست ابالي أن ms0909 أدين وتغرما # يقول: لوكان ولائي في قيس عيلان لاقتديت بهم، واستننت بسنتهم في الكف عن ~~الانفاق، وحبس النفس على شرائط الانقباض والإمساك، فكنت أرى خفيف الظهر في ~~جميع ما يعرض، فسيح الصدر بكل ما يعن ويسنح، لم يركبني دين فأستنزل، ولاعبء ~~على قلبي من كتقاض فأتضجره، لكن ولائي في قضاعة كلها فأتبسط في أخذ القروض ~~إذا استغرقت ملك يميني، وأتوسع في إضافة ما لغيري إلى # PageV01P1121 # مالي ثقة بأنهم يتحملون عني الأثقال إذا استحملتهم، وأنهم يعدون الغرامة ~~غنما إذا أحلت عليهم، فلا أبالي كيف تخرقت، وفي أي وجه من وجوه البر أنفقت، ~~وإن كانت معلومة من لازم حق أؤديه، وعارض مكرمة أوفيه، إلى كل ما يكون ~~التبجح به مشتركا، واكتساب الفخر والأجر فيه مشتملا. وقوله فلست أبالي أصله ~~من البلاء النعمة، وقد تقدم القول في شرحه وما حصل بالاستعمال عليه. # أولئك قومي بارك الله فيهم ... على كل ما أعف وأكرما # ثقال الجفان والحلوم رحاهم ... رحى الماء يكتالون كيلا غذ مذما # جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ... ولا يأكلون اللحم إلا تخدما # أشار بقوله أولئك قومي إلى قضاغة، ثم أخبر عنهم بأنهم كثروا وطابوا ونموا ~~بما جعل الله من البركة فيهم، فازدادوا. وقوله على كل حال تعلق بقوله بارك ~~الله فيهم، وموضعه من الإعرابنصب على الحال، أي بارك الله فيهم متحولين في ~~إبدال الدهر وتصاريفه من عسر ويسر، وسعة وضيق، وقلة وكثرة، وانحطاط ~~وارتفاع. ثم قال مستأنفا: ما أعفهم وأكرمهم، أي تمت عفتهم، وكملت أكرومتهم ~~في حالتي الإعسار والإيسار، والإضافة والإيساع، والإقلال والإكثار. وقوله ~~ثقال الجفان أي هم مطاعيم في الخصب والجذب، فجفانهم ثقيلة، وأفنيتهم ~~بالواردوالطراق مأهولة معمورة، وحلومهم ثابتة قائمة، لا يستخفها جزع، ولا ~~يطغبها فرح؛ وترى رحاهم لكثرة غاشيتهم وحشم دورهم، رحى الماء، إذ أنى ~~الاكتفاء بيسير الزاد مع العدد الجم، والخير الدثر، والنعم الغمر، وإذ كان ~~سائر الأرحام لا يستغني بها، ولا يفي بالمطلوب منه دورانها؛ ثم إذا كالوا ~~اكتالوا واسعا لااستقصاء فيه ولا مضايقة، فهو يجري مجرى ما يهال ms0910 هيلا، أو ~~يؤخذ جزافا لا كيلا. والغذم: الأكل بسرعة، ومنه الغذمذم، وإن حضروا مقسم ~~الجزر وتكرموا بتولي قسمها، وجدتهم يوسعون الحز، ويخطئون المفصل، إذ لم يكن ~~فعل ذلك من عادتهم وطبائعم، لكونهم ملوكا، ولأنهم متى تأخر الخدم عنهم لم ~~يحسنوا التصرف في شيء من وجوه المهن، ولا دروا كيف تسلخ الجزر وتقتسم ~~الأبداء، وإذا أكلوا اللحم على موائدهم لم تناوله إلا قطعا بالسكاكين، لا ~~نهشا بالأسنان، إقامة للمروءات وذهابا عن شنيع العادات. # PageV01P1122 # وقوله إلا تخذما انتصب تخذما على أنه مصدر في موضع الحال. والخذم: سرعة ~~القطع، وفي التخذم زيادة تكلف. ويقال: سيف خذوم ومخذم. وقوله يكتالون كيلا ~~وضع كيلا موضع الاكتيال، كما وضع النبات موضع الإنبات، في قوله تعالى: " ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا ". ### || وقال أبو دهبل الجمحي # إن البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكل بيوته ضخم # عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم # متهلل بنعم، بلا متباعد ... سيان منه الوفر والعدم # نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم # المعادن: جمع المعدن، وهو من عدن بالمكان إذا أقام عدنا وعدونا، وقيل: بل ~~هو من قولهم عدنت الحجر، إذا قلعته، لأن المعدن يقلع منه ما ضمن، ويرتجع ~~منه ما اودع. وفي القرآن: " جنات عدن "، أي جنات إقامة. والمراد أن البيوت ~~الناس وأصولهم مختلفة المسبر، متفاوتة المخبر، تتفاضل تفاضل المعادن، ونجار ~~هذا الرجل أفضل النجر فهو كالذهب الإبريز. ويقال: هو من نجر كريم ونجار ~~كريم، أي أصل كريم. وقوله وكل بيوته ضخم أي هو من أطرافه: أعمامه وأخواله، ~~عظيم الشأن نبيه. وإنما قال ضخم لأن المراد بكل الاتحاد، أي كل واحد من ~~بيوته. ومثل كل كلا لأن كلا يراد به مرة الجميع ومرة الاتحاد، وكذلك كلا ~~يراد به مرة التثنية ومرة الاتحاد. وقد ذكرت أمرها مشروحا في غير هذا ~~الكتاب. # وقوله عقم النساء أصل العقم المنع، ويقال: عقمت المرأة وعقمت الرحم عقما ~~بضم العين فعقمت، وهي معقومة بناء على عقمت، وعقيم بناء على عقمت، ولهذا ~~يجمع عقيم على عقم، ms0911 لأنه فعيل بمعنى فاعل، ولم يلحق به الهاء للمؤنث لأن ~~المراد به النسبة، فهو كقولهم طالق وحائض. ولو كان عقيم كجريح وصريع في أنه ~~فعيل بمعنى مفعولة لوجب أن يقال في الجمع عقمى، كما قيل جرحى وصرعى. ويقال: ~~رجل عقيم، وريح عقيم، والدنيا عقيم، والملك عقيم. # PageV01P1123 # ومعنى البيت أن هذا الرجل لا شبيه له فضلا وتفضلا، وكمالا وتبرعا، لأن ~~النساء منعن أن يأتين بمثله فعقمن، أي صرن كذلك. وقوله متهلل بنعم، يريد ~~بلفظ نعم. وجعل نعم اسما، أي هو بش طلق الوجه قريب المأخذ، مجيب فيما يسأل، ~~وعند كل ما يطلب منه ويقترح عليه، بقوله نعم، وهو متهلل، أي ضاحك مستبشر. ~~وقوله بلا متباعد أي يتباعد عن كل أحد بأن يصك في وجهه فيما يطلب نيله منه ~~بأن يقول لا، ولا جعله كالإسم. فنعم كأنه اسم الإسعاف، ولا كأنه اسم المنع ~~والدفاع. وقوله سيان منه الوفر والعدم أي مثلان عنده الغنى والفقر لا يخل ~~بالمعهود منه، ولا يترك عادته فيه. وقوله نزر الكلام من الحياء، أي هو قليل ~~الكلام حتى كأنه ملجم لغلبة الحياء عليه، وحتى يظن من لا يعرفه أنه لآفة ~~يترك الكلام، ولا آفة ثم، إنما مانعه ما يمتلكه من حياء ممتزج بالكرم، ~~ولقلة رضاه عن نفسه في كل مايرتئيه أو يأتيه، إذ كانت طباعه لا ترضي عنه ~~بشيء يبلغه، فالحياء يمسكه، والكرم يسكته. لا تحمد منه ولا تبجح. ولا تسحب ~~ولا تعلى. ومثل هذا قول الاخر: # راحوا تخالهم مرضى من الكرم # والضمين: الزمن، ومصدره الضمانة. ### || وقالت ليلى الأخيلية # يا أيها السدم الملوى رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما # السدم والسادم: النادم الحزين، وقيل بل السادم مأخوذ من المياه الأسدام، ~~وهي المتغيرة لطول المكث. والسدم أيضا: الفحل العظيم الهائج. والسدم أيضا: ~~اللهج بالشيء. وحكى أبو حاتم قال: قلت للأصمعي يوما: إنك تحفظ من الرجز ما # PageV01P1124 # لم يحفظه أحد. فقال: إنه كان همنا وسدمنا. والبيت يحتمل الوجوه الثلاثة ~~فيه. والملوى رأسه يجوز أن يكون مثل قول الآخر: # .......... # غارزا رأسه ms0912 في سنة # ........... # والمراد: كأنه ملكه التحير فهو يلوى رأسه. وتلويه الرأس كما يكون من ~~الفكر والتحير فقد يكون من الكبر والتبجير، وقلة الاحتفال بالمحتضر كقوله ~~تعالى: " فسينغصون إليك رءوسهم ويقولون متى هو ". فالنغص كالتلوية وإن كان ~~النغص أقرب إلى الحقيقة. # وقولها ليقود من أخل الحجاز بريما، فأصل خيط يفتل من قوى بيض وسود. ~~ويقال: قطيع بريم، إذا كان خلطان ضأن ومعزى. وقال الدريدي: كل لونين اجتمعا ~~مثل السواد والبياض فهو البريم، وإنما يتخذون البريم من الخيوط ليشد في ~~أحقى الصبيان فيدفع به العين. والمراد به هنا جيش متفاوتون أدنياء، كالبريم ~~وهو الخيط المبرم من عدة ألوان. والقصد فيما ذكرته إلى الإنكار على المخاطب ~~فيما يأتيه، وتوبيخه فيما حدث به نفسه من قود جيش إلى عمروبن الخليع، كما ~~وصفته. # أتريد عمرو بن الخليع ودونه ... كعب إذا لوجدته مرءوما # إن الخليع ورهطه في عامر ... كالقلب ألبس جؤجؤا وحزيما # تقول مقرعة ومقبحة لما أنكرته من مخاطبها وموبخة: أتقد بما هممت به من ~~جمع الجموع الحجازية عمرو بن الخليع وحوله بنو كعب، إذا لوجدته معطوفا ~~عليه، محروسا منك ومن لفيفك. أما علمت أن الخليع وعشيرته من بني عامر بمكان ~~القلب من النفس، قد التف به الصدر والحزيم، وحماه الحشا والجوف. # والحزيم والمحزم: موضع الحزام من الصدر. يقال للرجل إذا أريد تشمره: شد ~~حزيمك للأمر، وحيازيمك وحيزومك. والحيزوم: وسط الصدر. والمعنى: أن مكانه من ~~الحي مكين، ومحله من جانب المنع منه والدفاع دونه عزيز مصون. ويقال: رأمته ~~رأما ورئمانا. والمعنى: كيف يقع في نفسك نزاعهم، أو يتصور في وهمك غلبهم. # PageV01P1125 # ثم أخذت تحذر فقالت: لا تغزونهم ولا تستشعرون ذلك فيهم. # لا تغزون الدهر آل مطرف ... لا ظالما أبدا ولا مظلوما # قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوما # ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما # حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما # نهته عن غزوهم على كل حال. وانتصب ظالما على الحال. فيقول لا تقصدهم ~~طامعا فيهم ومحاربا لهم، ms0913 لا منتقما ولا مبتدئا، فإنك لا تطيقهم، إذ كان ~~همهم الغزو، ومربط خيولهم وسط بيوتهم، يضمرونها ويتفرسون على ظهووها، ولا ~~يأتمنون عليها في سياستها وصنعتها إلا أنفسهم، فلا ترى إلا من يهذب آلته ~~للحرب ويصلحها، فمركوبه صنيع، وسنان رمحه مجلو سنين، ونفسه مبتذلة فيما ~~يحصل به أكرومة، لا يهمه مطعوم ولا ملبوس. ثم لفرط حيائه وتناهي كرمه تحسبه ~~وسط بيوت الحي سقيما، قلة كلام ولين جانب، وضعف مجاذبة، فإذا نصب لواء ~~الجيش مجهزا لطلب وتر، وانتواء غزو، أو محاماة على ولي، أو سد ثغر، رأيته ~~مهيأ للزعامة، معتمدا للرياسة والسياسة، غير مزاحم ولا مدافع. ### || وقال آخر: # نحن الأخايل لايزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مذكورا # تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا ... جزعا وتعلمنا الرفاق بحورا # ولنحن أوثق في صدر نسائكم ... منكم إذا بكر الصراخ بكورا # الأخايل جمع، وهي قبيلتها. ويقال للشاهين الأخيل، والجميع الأخايل. فأما ~~قول الشاعر: # له بعد إدلاج مراح وأخيل # PageV01P1126 # فهو الخيلاء، والفعل منه اختال. ومراد الشاعر: نحن المعروفون المشهورون، ~~كما قال أو النجم: # أنا أبوالنجم وشعري شعري # أي أصحاب هذا الاسم النبيه الخطير. ولا يزال غلامنا أي الغلام منا وفينا، ~~من وقت ترعرعه إلى وقت دبيبه، معتمدا على عكازه، رفيع الذكر على الشأن ~~تقدما وتكرما. والسيوف إذا فقدت أيدينا بكت حنينا إليها، وجزعا على ما ~~يفوتها منها. والمرافقون في الأصفار لنا تعلمنا بحورا، لما يقسم لهم من ~~إفضالنا، ويعمهم من تفضلنا، ولحسن توفرنا على الرواد والوارد، ويمن صحبتنا ~~على الأداني والبعداء. وقوله ولنحن أوثق في صدور نسائكم، يريد انهن إذا ~~صبحن بالغارة فارتفع لما يتداخلن من الرعب الصراخ، لأنهن خفن السباء وما ~~يلحق من العار، فقلن: واصباحاه أو واسوء صباحنا! واسم ذلك الصوت الصرخة ~~والصراخ، وفي المثل: لهم صرخة الحبلى. ومعنى البيت أنا في ذلك الوقت أوثق ~~في اعتقاد النساء، وفيما يشتمل عليه ظنهن ويعتمده استقامتهن منكم، لما عرفن ~~من ذبنا وحمايتنا، واشتهرنا به من غيرنا وحميتنا. ### || آخر: # يشبهون سيوفا في صرائمهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم # إذا غدا ms0914 المسك يجري في مفارقهم ... راحوا تخالهم مرضى من الكرم # يقال: شبهته كذا وبكذا، كما يقال نصحتك ونصحت لك. والصرائم: العزائم، ~~والواحدة صريمة. وقال الخليل: الصريمة إحكامك الأمر وعزمك عليه. وكان أصله ~~من الصرم: القطع. والأنضية: جمع النضى؛ وهو مركب النصل في السيف في # PageV01P1127 # الأصل، والمراد به هنا مركب الرأس في العنق. ونضى السهم: قدحه، وهو ما ~~جاوز من السهم الريش إلى النصل. وأنشد الخليل في ذلك: # فمر نضى السهم تحت لبانه ... وجال على وحشية لم يعتم # والأمم: جمع أمة وهي القائمة؛ يقال: ما أحسن أمته. وقوله راحوا تخالهم ~~مرضى من الكرم، أي من الحياء. وصفهم بالصرامة والنفاذ في الأمور، فكأنهم ~~السيوف؛ وبطول القوام وحسن الشطاط، وباستعمال العطر وكرم النفس وشدة الحياء ~~بعد الشرب، وبتمام الأبهة والمروءة في مجالس الأنس. وهذا وإن لم يصرح به ~~فهو متبين من فحوى: إذا إذا المسك راحوا وكأنهم مرضى. على ذلك رسم ~~الاصطباح، وعادة كرام شراب الراح. ### || وقال آخر: # فإن تكن الحوادث حرقتني ... فلم أر هالكا كابني زياد # هما رمحان خطيان كانا ... من السمر المثقفة الصعاد # تهال الأرض أن يطئا عليها ... بمثلهما تسالم أو تعادي # يقول: إن كانت نوائب الزمان أثرت ي وأزالت تحملي بالصبر، وتجلدي لريب ~~الدهر، فإني لم أر فيمن شاهدتهم هالكا كهذين الرجلين؛ وابنا زياد لم يكونا ~~منه بسبيل، لا قربي ولا قرابة، ولا آصرة ولا وسيلة، فيكون الكلام تأبينا ~~والشعر مرثية؛ وإنما كان من جملة من تأذى بهم، وساقوا الشر إليه بسعيهم، ~~لكنه شهد لهما بما شهد، موردا الحق، وتابعا الصدق، فهو بالمدح أشبه منه ~~بالمراثي، إذ كان الرثاء من شرطه التوجع والتحزن وقد عدما هنا، والثناء على ~~العدو ثناء على نفسه. ويجوز أن يكون المراد: لي بهما على فضلهما ونفاذهما ~~وتقدمها، أسوة في الرضا بما قدر لي، والصبر على حكم به علي، ولأن الأرض لو ~~هابت ماشيا على ظهرها، لكانت تهاب هذين لما أوتيا من قدرة، وأبلغنا من عز ~~وقوة. وشبههما برمحين استواء خلقة وامتداد قامة، وسرعة نفاذ وحسن وجه. ms0915 ~~والسمرة في ألوان الرماح محمودة. والصعدة: القناة تنبت مستوية. وقوله من ~~السمر # PageV01P1128 # المثقفة الصعاد، سوى بينهما في التشبيه حتى لا مخالفة، تنبيها على ما ~~يقصد من المبالغة وتناهي البراعة. وقوله تهال الأرض أن يطئا عليها أي لأن ~~يطئا عليها، فحذف الجر. يريد: أن قوتهما بالغة، ومشيهما شديد، والأرض لشدة ~~وطئهما لها في هول عظيم، وزلزال فضيع. ويجوز أن يريد بالأرض أهل الأرض فحذف ~~المضاف. ثم قال: وبمثلهما تسالم أو تعادي، يريد أنهما أهل الصلاح والفساد ~~والخير والشر، والعدارة والصداقة. وأو من قوله أو تعادي أو الإباحة وقد نقل ~~إلى الخير. ### || آخر: # كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان # وكالسيف إن لا ينته لان مسه ... وحداه إن خاشنته خشنان # يصفه بأن خصال الكرم قد اجتمعت فيه، فلتناهى حيائه تراه يكسر طرفه عند ~~النظر، فعل من عمل ما يستحيا منه، أو لزمه منة منعم توالي نعمه عليه، أو ~~قصر في أداء واجب فيخاف عتبه فيه؛ ولكمال حميته في الحرب يقتحم على الشر، ~~فلا يزداد والرماح شارعة نحوه إلا قربا منها، وتهجما عليها، ثم هو في طباعه ~~كأنه السيف متى لاينته وجدت اللين في صفحتيه عند ملمسه، ومتى خاشنته وجدت ~~القطع والخشونة في حديه ومضربه. # ومثل هذا قول الآخر: # ضربا ترى منه الغلام الشطبا ... إذا أحس وجعا أو كربا # دنا فما يزداد إلا قربا ... تحكك الجرباء لاقت جربا # وقد مرت مستقصى شرحها في باب الحماسة. ### || وقال العجير السلولي # إن ابن عمي لابن زيد وإنه ... لبلاب أيدي جلة الشؤل بالدم # PageV01P1129 # طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم # افتخر بابن عمه، وبمكانه من قرابته، ذاكرا اسم أبيه، ومكتفيا به ~~لاشتهاره، ثم وصفه بأنه أوان الجدب والقحط، وعند إسنات الناس، ووقت طروق ~~الأضياف، يعرقب الإبل السمان فيبل أيديها من دماء عراقيها. # وقد أحسن لبيد كل الإحسان في قوله لما سلك هذا المسلك: # مدمن يجلو بأطراف الذرى ... دنس الأسواق بالعضب الأفل # وقوله طلوع الثنايا بالمطايا يريد أنه يعلو العقاب ويشرف عليها مرتبثا ~~فيها، ms0916 أو نافضا طرق الصيد عليها. ومثله قوله: طلاع مرقبة، وطلاع أنجدة، إلا ~~أن هذا زاد على ما قولوا لقوله بالمطايا. وقوله وسابق إلى غاية مثله قول ~~تأبط شرا: # سباق غايات مجد في عشيرته # وقوله من يبتدرها يقدم في موضع الصفة لغاية، والمعنى: من يبتدر مثل تلك ~~الغاية في أقرانه ونظرائه، وسلم السبق له. # من النقر المدلين في كل حجة ... بمستحصد في جولة الرأي محكم # جديرون ألا يذكروك بريبة ... ولا يغرموك الدهر ما لم تغرم # يقال: أدلى بحجته، إذا أظهرها وقام بها؛ وأدلى رداءه في البئر ليبتل، ~~ودلاه على كذا فتدلى. وقال الهذلي: # تدلى عليها بين سب وخيطة # وتوسعوا فيه فقالوا: دلاه بغرور. فيقول: هذا الرجل من القوم الذين إذا ~~أوردوا حجة قوموها برأي محكم الفتل فيما يجول من الرأي محصف. والنفر يقع ~~على ما # PageV01P1130 # بين الثلاثة إلى العشرة، ولذلك صلح أن يقال ثلاثة نفر وأربعة نفر. ونافرة ~~الرجل: بنو أبيه الذين يغضبون لغضبه. قال: # لو أن حولي من عليم نافره ... ما غلبتني هذه الضياطره # وقوله جديرون ألا يذكروك بريبة، يريد أنهم أحقاء بألا يغتابوك إذا غبت ~~عنهم، لسلامة صدورهم من الدغل والغش والخيانة، ولا يقذفوك بريبة تشينك أو ~~يقبح في الأحدوثة بها عنك، وبألا يجروا عليك أبدا جريرة يثقل وطأتها عليك ~~فتحتاج أن تغرم لها ما لا تطيب نفصسك به، ولا تسمح بتحملها في مالك. ### || وله أيضا: # أقول لعبد الله وهنا ودوننا ... مناخ المطايا من منى فالمحصب # لك الخير عللنا بها على ساعة ... تمر وسهوان من الليل يذهب # فقام فأدنى من وسادي وساده ... طوى البطن ممشوق الذراعين شرحب # بعيد من الشيء القليل احتفاظه ... عليك ومنزور الرضا حين يغضب # هو الظفر الميمون إن راح أو غدا ... به الركب والتلعابة المتحبب # وهنا، أي بعد ساعة من الليل؛ ومنه الموهن. ومفعول أقول أول البيت الثاني، ~~وهو لك الخير؛ وموضع ودوننا مناخ المطايا موضع الحال. فيقول: أخاطب عبد ~~الله وقد تقضى من الليل بعضه، ومبرك الإبل من منى فموضع الجمار منه بقرب ~~منا: ملكت ms0917 الخير ولقيت السعادة، عللنا في هذه الأرض بأحاديثك لعل ساعة تمر ~~ترجع إلينا نفسنا وطائفة من الليل تمضي نطويها على بعض مرادنا، ولأن التعلل ~~بالأحاديث وقطع الأوقات به، للنفس فيه راحة، ولها به اعتبار. وقوله وسهوان ~~أي طائفة. ويروى: وسهواء ويقال: لقيته بعد سهواء من الليل، أي بعد مضى ~~صدره. ويجوز أن يكون فعلاء من السهو، وتكون همزتها ملحقة، ويجوز أن يكون ~~فعوالا ويكون همزتها مبدلة من الواو. فأما سهوان فكأنه أربد به # PageV01P1131 # الوقت الذي يسهو فيه الناس عن مباغيهم، وعلى ذلك يحمل يحتاج معهم إلى ~~التوصية. ولا يمتنع أن يكون السهوان في الوقت مأخوذا من الساهية، وهو ما ~~استطال واتسع من الأرض من غير خمر يرد العين؛ فنقل من المكان إلى الزمان، ~~أي طائفة من الليل ممتدة واسعة. # وقوله: فقام فأدنى من وسادي وساده جمع بين فعلين قام وأدنى. فيجوز أن ~~يكون طوى البطن يرتفع بالأول منهما، وهو قام، ويجوز أن يرتفع بأدنى وقد ~~أضمر في قام على شريطة التفسير فاعله. والمعنى: فقام به أو منه رجل هكذا ~~فقرب مجلسه من مجلسي. الشرجب: الطويل. والطوى البطن: الصغيرة خلقة. ~~والممشوق: الطويل القليل اللحم. وجارية ممشوقة: حسنة القوام قليلة اللحم. ~~وقوله بعيد من الشيء القليل احتفاظه أي غضبه، يريد أنه سهل الجانب لا يكاد ~~يحتمي من الشيء القليل الخطروالموقع من النفوس، لكنه قليل الرضا إذا غضب، ~~لا يكاد يرجع إذا ذهب عنك بالهوينا. وذكر البعد هاهنا يريد النفي، وهذا كما ~~يستعمل القليل والأقل ويراد بهما النفي. والمعنى لا يحتفظ بالشيء القليل ~~ولا يؤاخذ بصغائر الذنوب. # وقوله هو الظفر الميمون يصف إقباله في متصرفاته، وأن المناجح والسعادات ~~في رفاقه ولاحقة لمطالبه ومباغيه، والميامن تترفرف على جوانب آرائه ~~وأهوائه، ثم هو حسن البشر، لين العريكة، ضحاك لعوب. والاحتفاظ: افتعال من ~~الحفظة والحفيظة: الغضب. والتلعابة على بنائه التقوالة والتلقامة والهاء في ~~آخره للمبالغة. ويقال: نزرت الشيء نزارا، ثم يقال للمنزور هو نزر. ### || وقال أبو دهبل في الأزرق # ماذا رزينا غداة الخل من رمع ... عند ms0918 التفرق من خيم ومن كرم # ظل لنا واقفا يعطي فأكثر ما ... قلنا وقال لنا في وجهه نعم # PageV01P1132 # الخل: الطريق في الرمل. ورمع: موضع، وقيل هو جبل باليمن. يقول: أصبنا ~~وفجعنا غداة اجتماعنا لتوديع الفراق، بعظيم نبيه من الكرم والخيم، وهو سعة ~~الخلق. # وقوله ظل لنا واقفا يعطي يعني الأزرق. أي بقي نهاره واقفا ونحن محتفون به ~~ومجتمعون حوله، وأكثر ما قلناه في وجهه وخاطبناه به، وقال لنا في جوابه ~~نعم. كأن القوم المعترين اكتفوا بعرض نفوسهم عليه من ذكر حاجاتهم لتمام ~~كرمه، وكمال فطنته، وهو بعدهم الخير ويقرب لهم الإسعاف والبذل، ويقول لكل ~~منهم: نعم، عالما بما يقترحه، وضامنا لما يطلبه، وماء الوجوه في مواضعها لم ~~تهرق. # ونعم: حرف إيجاب، ويعطي موضعه نصب على الحال. # ثم انتحى غير مذموم وأعيننا ... لما تولى بدمع سافح سجم # تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم # وكيف أنساك لا نعماك واحدة ... عندي ولا بالذي أسديت من قدم # يقول: اعتمد، بعد الوقوف لنا والنظر في مآربنا، لوجهته، وهو ممدح ~~بالألسنة، محبب في الصدور والأفئدة، وأعيننا لنوازع نفوسنا لما ولي، سيالة ~~بدموعها. ومعنى سافح: ذو سفح، أي ذو انصباب. والسجم: جمع سجوم. وقوله تحمله ~~الناقة الأدماء متجرأص، يريد ملتفا. والاعتجار: لف المعجر، وهو العمامة، في ~~الرأس من غير إدارة تحت الحنك. وقيل: بل المعجر ضرب من ثياب اليمن. وشبهها ~~بالبدر في تلالئه ونوره. ألا ترى أنه قال: جل ليلة الظلم. وقوله: وكيف ~~أنساك، يريد أن أياديه عنده تذكره لأنها كثرت وعمت وغمرت فلا يعرج على ~~منفسة إلا كانت منه، ولا يردد نظره في ذخيرة إلا وكان السبب فيها، ولم تأت ~~الليالي والأيام عليها فتقادم عهدها، وحال النسيان دونها، بل هي غضة طرية ~~تنادي على نفوسها، وتلوح الجدة على على صفحاتها، وتحمي من الدروس ذكر ~~موليها. وقوله لا نعماك واحدة في موضع الحال من لا لأنساك. وقد تقدم القول ~~في الإسداء وأصله. # PageV01P1133 ### || وقال أيضا فيه: # ما زلت في العفو للذنوب وإطلاق لعان بجرمه غلق # حتى ms0919 تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق # قوله في العفو في موضع النصب على أنه خبر مازال، والجار منه تعلق بمضمر، ~~كأنه قال: مازلت آخذا في العفو وداخلا فيه، إلى أن تمنى من لا جرم له أن ~~يكون جارما عليك حتى يتوفر عليه نظرك وإحسانك. # وأم أبو تمام بهذا المعنى فقال: # وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام # فعده كثير من أصحاب المعاني خطأ فيه، وقالوا: جعله لا يعرف مواضع الصنيعة ~~إذ صار الناس يمنون منزلة الأيتام عنده وحرماتهم لديه حتى ينالهم إفضاله، ~~ولو ساغ هذا القول فيما قاله أبو دهبل، وهو تمني البراة أن يكونوا أسراء ~~مصفدين لديه حتى يلحقهم إحسانه، إذ لا فرق بين الموضعين. ولم ينكر أحد من ~~المتقدمين والمتأخرين ما قاله أبو دهبل ولا قدحوا فيه. وقد أحكمت القول في ~~التسوية بينهما في رسالة الانتصار، من ظلمة أبي تمام، وبينت أن المعنى الذي ~~انتحاه سليم من العيب صحيح. # والعاني: الأسير. والغلق: المتروك لا يفك. ### || وقال الفرزدق علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجوههم: # إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # PageV01P1134 # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # فائدة إلى قوله إلى مكارم هذا الانتهاء، والجملة في موضع المفعول لقال. ~~والمعنى أن الكريم إذا انتهى إلى درجة مكارم هذا وقف، لأنها الغاية ~~السامية، والمرتبة التي لا متجاوز منها إلى ما هو أعلى. ثم قال: هذا، يعني ~~علي بن الحسين بن علي صلوات الله عليه الذي تعرف البطحاء وطأته من بين وطآت ~~الناس إذا مشوا عليها وفيها. والبطحاء: أرض مكة المنبطحة، وكذلك الأبطح. ~~وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح، والتي هي فر الروابي والجبال للغرباء ~~وأوساط الناس. والحطيم: الجدار الذي عليه ميزاب الكعبة، فكأنه حطم بعض ~~حجره. والأبطح والبطحاء وإن كانا صفتين فإنهما قد لحقا بالأسماء، لذلك جمعا ~~الأباطح والبطحاوات. وانتصب عرفان على أنه مفعول له أي ms0920 يكاد يمسكه ركن ~~الحطيم لأن عرف راحته. ويستلم، بمعنى يلمس الحجر الأسود. يريد: أنه ابن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شرف به هذه المواضع، فهي عارفة به، وإذا ~~جاء إلى المستلم يكاد يتمسك به الركن تمييزا لراحته عن راحة غيره. وأصل ~~يستلم تناول الحجر باليد أو بالقبلة أو مسحه بالكف، فكأنه من السلام: ~~الحجارة. قال الخليل: ولم نسمع أحدا يفردها. # أي القبائل ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم # بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # يغضى حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # يريد: أن طوائف الناس مغمورون بنعمه أو نعم سلفه، يعني النبي والوصي ~~عليهما السلام، لأنهم اهتدوا بدعائهم، وفارقوا الهلك والضلالة بإرشادهم ~~ودلالتهم فلا قبيل إلا ورقابهم قد شغلت بما قلدت من مننهم، وذممهم قد رهنت ~~بما حملت من عوارفهم. وقوله بكفه خيرزان يعني به المخصرة التي يمسكها ~~الملوك بأيديهم يتعبثون بها. وقوله ريحه عبق، إذا فتح الباء فمخرجه مخرج ~~المصادر، كأنه نفس الشيء، أو على حذف المضاف، والأصل ذات عبق. وإذا كسرت ~~فهو اسم الفاعل، ومعناه # PageV01P1135 # اللاصق بالشيء لا يفارقه. يريد أن رائحته تبقى فهي تشم الدهر من كف أروع، ~~وهو الجميل الوجه. والشمم: الطول. والعرنين: الأنف وما ارتفع من الأرض، ~~وأول الشيء، وتجعل العرانين كناية عن الأشراف والسادة. وإذا قرن الشمم ~~بالعرنين أو الأنف، فالقصد إلى الكرم. لذلك قال حسان بن ثابت: # شم الأنوف من الطراز الأول # وقوله يغضي حياء، أي لحيائه يغض طرفه، فهو في ملكته وكالمنخزل له. ويغضى ~~من مهابته أي ويغضي معه مهابة له، فمن مهابته في موضع المفعول له، كما أن ~~قوله حياء انتصب لمثل ذلك، والمفعول له لا يقام مقام الفاعل، كما أن الحال ~~والتمييز لا يقام واحد منهما مقام الفاعل. فإن قيل: إذا كان الأمر على هذا ~~فأين الذي يرتفع بيغضى؟ قلت: يقوم مقام فاعله المصدر، كأنه قال: ويغضى ~~الإغضاء من مهابته. والدال على الإعضاء يغضى، كما انك إذا قلت سير ms0921 بزيد ~~يومين، لك أن تجعل القائم مقام الفاعل المصدر، كأنه قيل: سير السير بزيد ~~يومين، وهو أحد الوجوه التي فيه، فاعلمه. ### || آخر: # إذا انتدى واحتبى بالسيف دان له ... شوس الرجال خضوع الجرب للطالي # كأنما الطير منهم فوق هامهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال # انتدى: جلس في نادي القوم، وهو مجمعهم. وقوله احتبى بالسيف، أي حضر لعقد ~~جوار، أو فصل أمر حرب، أو إيقاع حلف، أو تسويد رئيس أو ما يجري هذا المجرى ~~وذلك أن السيف في أمثال هذه الأحوال ربما مست الحاجة إليه، لذلك قال جرير: # ولا يحتبى عند عقد الجوار ... بغير السيوف ولا يرتدي # وفي غير هذه الأحوال إنما يحتبون بالأدوية وأشباهها. ودان له، أي خضع. ~~وشوس الرجال: جمع أشواس، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه عداوة أو كبرا. وانتصب # PageV01P1136 # خضوع الجرب على أنه مصدر من غير لفظه، لأن معنى دان له، أي خضع له. ~~ومثله: # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # لأن معنى رضت أذللت. وانتصب أي إذلال نه. # وخص الجرب لأنها إذا هنئت بالطلاء طاب لها وطاعت لطالبها. لذلك قال امرؤ ~~القيس: # كما شغف المهنوءة الرجل الظالي # وقوله كأنما الطير منهم فوق هامهم، أراد أن مجالسهم مهيبة، وأن حاضريها ~~لا يموجون ولا يتخففون، بل يتوقرون ويسكنون فكأن على رءوسهم الطير، فإن ~~حركوا رءوسهم طارت إعضاما لها وتبجيلا لصاحبها. وقوله لا خوف ظلم، أي ~~يخافونه لا خوف ظلم وانتقام، ولكن خوف جلالة واحتشام، وتوقير وإعضام. ودل ~~على يخافونه حتى انتصب عنه لا خوف قوله كأنما الطير منهم فوق هامهم. ولما ~~كان غير هذا الشاعر أراد التخكم والسخربة قال في وصف قوم: # كأن خروء الطير فوق رؤوسهم # وقد مر ذلك. ### || وقالت ليلى الأخيلية # فإني لم أكد آتيك تهوى ... برحلي رادة الأصلاب ناب # قريح الظهر يفرح أن يراها ... إذا وضعت وليتها الغراب # قولها " لم أكد آتيك "، من قولهم: أعطاني الأمير ما لم يكد يعطى، وسمح ~~بما لم يكد يسمح. تقول: لم أكد أزورك وقد زرتك تطير برحلي راحلة وثيقة ~~الظهر # PageV01P1137 # لينته، ms0922 قد أخذت من السن والقوة بالنصيب الأوفر، دبرة الظهر يفرح الغراب ~~إذا وضعت عنها برذعتها فنظر إلى ظهرها، لأنه ينقره ويدميه إن ترك. وقولها " ~~رادة " من راد يرود، إذا جاء وذهب للينه؛ والأصل رائدة، فحذفت الهمزة ~~تخفيفا، كما قيل في شائك شاك السلاح. ويجوز أن يكون فعلة بنيت منه، وعلى ~~ذلك قولهم: رجل مال، كأنه مول. ورواه بعضهم: " رارة الأصلاب ". وزعم أن ~~عينه ياء، واحتج له بقول الآخر: " والساق منى باديات الرير " والرار ~~والرير: المخ. وليس الصلب بموضع مخ، فاعلمه. ومثله على الوجه الأول قوله: " ~~في صلب مثل العنان المؤدم " ألا ترى أنه شبهه بالعنان للينه. ### || وقال العريان # مررت على دار امرىء السوء حوله ... لبون كعيدان بحائط بستان # فقال ألا أضحت لبوني كما ترى ... كأن على لباتها طين أفدان # فقلت عسى أن يحوي الجيش سربها ... ولا واحد يسعى عليها ولا اثنان # يعني بامرىء السوء المبخل الملوم، الذي لاهم له إلا تثمير ماله وحفظها ~~ومنعها من الحقوق الواجبة فيها. واللبون، أراد بها الجنس، لذلك قال " حوله ~~لبون ". وأصل اللبون الإبل ذوات " الألبان ". والعيدان: النخل الطوال، ~~واحدها عيدانة، وهو فيعالة من عدن بالمكان، إذا أقام. ومثله غيداق من غدق. ~~ويعني بها الراسيات الثابتات على مر السنين. وعنى بالحائط موضع شجر. ~~والبستان: النخل. والأصل في الحائط أنه اسم الفاعل من حاط، واستعمل استعمال ~~اسم الفاعل الذي لم يشتق من الأفعال، ومثله من جنسه قولهم والد وصاحب، ومن ~~المصادر: لله درك. وشبه الإبل # PageV01P1138 # بالعيدان لطولها، ومثل هذا قول الآخر: # طيبة الأنفس بالدر نعس ... كأنها حائط نخل ملتبس # وقوله " فقال ألا أضحت لبوني كما ترى " أخذ يتبجح عنده بوفور ماله ~~وسمنها، وتراكم اللحم والشحم على ظهورها، فأخذ يعجبه منها، ثم شبه اللحم ~~للسمن على لباتها بطين قصور طينت به، فالإبل كالقصور، وما قذف به من زيادة ~~اللحم كالطين. وهذا كقول القطامي: " كما بطنت بالفدن السياعا " وقوله " ~~فقلت عسى أن يحوي الجيش "، هذه أسنية تمناها. أراد كايدته وقلت عسى أن يقبض ~~الله لها جيشا يحويها، ويحول ms0923 بينك وبين التمتع بها، فلا يسعى عليها مالك ~~واحد ولااثنان، لكنها تصير مقسمة في المغيرين، موزعة في السالبين. ويجوز أن ~~يريد: لايتفقدها مصلحا لها لا واحد ولا اثنان، لكنها تساق وتذال بالغارة ~~وتهان. # ورحت إلى دار امرىء الصدق حوله ... مرابط أفراس وملعب فتيان # ومنحر مئناث يجر حوارها ... وملعب إخوان إلى جنب إخوان # فقلت له إني أتيتك راغبا ... بذعلبة تدمى وإني امرؤ عان # فقال ألا أهلا وسهلا ومرحبا ... جعلتك منى حيث أجعل أشجاني # فقلت له جادت عليك سحابة ... بنوء يندى كل فغو وريحان # وقلت سقاك الله خمر سلافة ... بماء سحاب حائر بين مصدان # قوله " دار امرىء الصدق " ضد قولهم: امرىء السوء، والمعنى فيهما نعم ~~الرجل وبئس الرجل. وإذا قصد إلى الوصف به فتح فقيل الصدق. يقال: رجل صدق ~~ونساء صدقات. والسوء يوصف به فيقال الرجل السوء. وقال الخليل: الصدق بفتح ~~الصاد: الكامل من كل شيء. فتقول: عدلت رائحا إلى الرجل الكريم الممدح ~~بالألسنة، المرضى المحبب إلى كل طائفة، المرزأ في ماله، المنفاق على أضيافه # PageV01P1139 # وزواره وحوله مرابط الخيل، وفناؤه ملعب الفتيان، إذ كان همه الاشتغال ~~بالفروسية وما يكتسب به فنون الذكر الجميل وضروب المحمدة، وندماؤه الفتيان ~~ذوو الكرم والحرية، والافتنان في اللعب والشطارة، وبقرب داره مدارج ~~الكرامات، ومبوأ الضيافات، ومجزر النوق العشار الصحيحات الرائعات، فتجر ~~حيرانها إذا بعجت عنها بطونها لكبرها. يريد أن ما يضن بأمثالها ويتنافس ~~فيها، هو يبتذلها ويستهين بها، وله دار ندامةووفادة، تنصب فيها الموائد، ~~وقد رتب عليها الإخوان على سنن الدوام، ولا يقع فيه خلل ولا تجوز، ولا فتور ~~ولاتخون. # وقوله: " فقلت له إني أتيتك راغبا " يريد تعرضت له وأريته رغبتي في ~~معروفه، وعرفته أني قصدته على ناقة سريعة من مكان بعيد، فقد دميت أخفاقها ~~وحفيت، وأني رجل مضرور، أسير فاقة وفقر، محتاج من جهته إلى تفقد ومواساة. ~~فقال في جوابي: أتيت أهلا لا غرباء، ونزلت سهلا من الجوانب لا حزنا، واخترت ~~رحبا لاضيقا، فأنت في قلبي وصدري بحيث أجعل مهماتي وحاجاتي، تشملك عنايتي، ~~ويسعك إفضالي، فكن ms0924 كالشريك فيما لنا، لاتمايز ولاتباين، ولا تمانع ولا ~~تضايق. فقلت له في مقابلة ما أورده داعيا وشاكرا: هنأك الله ما أعطاك، ومطر ~~أرضك ومأواك، بجود من سحابة نشأت بنوء يحيى كل نبت وريحان، بكل أرض ومكان. ~~وقلت أيضا: داعيا له بالسقيا: سقاك الله خمرة صافية رقيقة، ممزوجة بماء مطر ~~حائر بين المنافع والغدران، بعد أن تقاذفته المدافع والمسلان، وتقطع بأنضاد ~~الحجر، وتغلغل في جوانب الخمر. والمصدان: جمع مصاد، وهي شقوق الجبال. وقال ~~الخليل: المصدان: الهضاب، واحدها مصاد، وفي أدنى العدد أمصدة، ومنه سمى ~~المعقل مصادا. والفغو: ماله رائحة طيبة من النبات، وكذلك الفاغية. والذعلبة ~~يوصف بها النعامة والناقة الشديدة السريعة. ويقال: اذلعب البعير إذا أسرع. ~~وسلافة الخمر: أول ما يخرج من عصيرها. وإضافة الخمر إليها على طريق ~~التبيين. وهذا كما يفيده " من " من قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ". ### || وقال آخر: # لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # PageV01P1140 # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي # قوله " أبتغي الغنى " في موضع الحال، وأفدت بمعنى استفدت. يقول: لما زرته ~~صافحته واضعا كفي في كفه، وملتمسا الغنى من عنده، وراجيا نيل الخير في ~~قصده، ولم أعلم أن السخاء يعدي من يده، فلا أنا استفدت من جهته ما استفاده ~~الأغنياء منه، وأعداني لمس كفه الجود فأهلكت ما عندي أيضا. # وقوله " ما أفاد " في موضع المفعول من قوله أفدت. ### || وقال آخر: # إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا # هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا # يتبجح قائله عند المرأة التي خاطبها، بسهولة جانبه، وترك المناقشة في ~~استخراج حقوقه، وسماحة نفسه بما يملكه، فيقول: إذا رأيت قومي فارجعي إليهم ~~سائلة عني، ومستخبرة حالي ومعتمدة على ما تسمعينه من قصتي وأمري، فكفى ~~بقومي عالما بي وبأخلاقي. وقوله " كفى قوما بصاحبهم " مقلوب وكان الواجب أن ~~يقول: كفى بقومي خبيرا بصاحبهم، ويعني بصاحبهم نفسه. والخبير: ذو الخبرة ~~التامة والمعرفة الكاملة. وانتصابه على الحال إن شئت، وإن ms0925 شئت على التمييز ~~وقد وضع خبيرا موضع خبرا، ومثله في القرآن: " وحسن أولئك رفيقا ". وفاعل ~~كفى قبل القلب " بقومي " وهذا كقوله تعالى: " كفى بالله شهيدا " والباء ~~زائدة. # وقوله: " هل أعفو عن أصول الحق فيهم " يريد سليهم هل أسامح بما يجب لي من ~~أصول حقي، وهل أترك الاستقصاء في استخراجها، وهل أعنف بهم إذا تعسرت عندهم، ~~وهل أجبى صدر ما يحل لي ويجب راضيا به، وغير معرج على أواخره وأعجازه، لئلا ~~أكون مناقشا في الاستقصاء مضايقا، ويكون هذا مثل قول # PageV01P1141 # الآخر: # إنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب # فإن أبي كانت له القليب وقيل معنى " أقتطع الصدور " أراد به مودات ~~الصدور، فحذف المضاف. وقيل: بل أراد بالصدور الرؤساء. والمراد من البيت أني ~~أسامح في معاملة أوساط قومي لأمتلكهم بذلك، وأجعل رؤساءهم منصبين إلى ~~ومائلين نحوي، لأني أقتطعهم عن غيري، وأعدل بهم عمن سواي. ### || وقال عمرو بن الإطنابة # إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدءوا بحق الله ثم النائل # المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام النازل # والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل # والضاربين الكبش يبرق بيضه ... ضرب المجهجهعن حياض الآيل # يفتخر بأنه من القوم الذين إذا عقدوا مجلسا للنظر في أحوال الجيران لشدة ~~الزمان، ولإصلاح الأمور في جوانب الحي عند فسادها، وكان اليوم مشهودا، ~~والتوفر على المصالح في الأباعد بعد الأقارب شديدا، ابتدأوا بإخراج حق الله ~~تعالى جده الواجب عليهم في أموالهم، ثم كروا على النائل من بعد. ويريد ~~بالنائل العطايا التي لا تجب في فرائض الدين ونوافلها، وإنما يقيمون بها ~~المروءات، ويتطلبون بفعلها وجوه التحمد والتشكر. # وقوله " المانعين من الخنا جاراتهم " قصد فيه إلى تعداد خصالهم، ورواتب ~~سيرهم، مع الإفضال التام، والبر العام، فقال: يمنعون جاراتهم " من الفحش " ~~ويصونونهن من درن الريبة وقبح القالة، وإذا نزل بهم نازل حشدوا الطعام له - # PageV01P1142 # والحشد: مالا تكلف فيه - ذلك ليكون أدنى لانبساطه، وأدعى إلى إقامته. ولو ~~قال بدل الحاشد محتشد أو متحشد لكان لابد من اقتران الكلفة بما يأتون به. ~~وتعلق " على ms0926 " من قوله " على طعام النازل " بالحاشد، كأنهم يجتمعون على ~~إعداد الطعام له، ويتعاونون في إزالة الوهم في أنه زيد على الحاضر منه، ~~ليكون أهنأ، وعلى المجموع له أخف. # وقوله " والخالطين فقيرهم بغنيهم "، يريد أنهم يسوؤن بين طوائف الأقارب ~~فترى الفقير منهم لايتميز عن الغني ولا ينحط في الإكرام عنه، فينقبض أو ~~يمتعض، ثم يبذلون للأجانب والغرباء فراطهم وورادهم، لايذخرون وقدورا عليه، ~~ولا يعتلون بما يكون سببا في حرمانهم. والمعنى أن حرمانهم ليس بمقصور على ~~ما يدلي بقربي وقرابة، بل تشترك فيه الكافة. # وقوله " والضاربين الكبش " وصفهم بأنهم يقاتلون الرؤساء متدججين في ~~السلاح، فيضربونهم ضرب المدافع غرائب الإبل عن حياض الآبل. والآبل: صاحب ~~الإبل الكثيرة. وقوله " يبرق بيضه " في موضع الحال. والمجهجه والمهجهج: ~~الزاجر بقوله: هج هج، وجه جه. وقد حذف مفعول قوله ضرب المجهجه. # ويقال: فلان آبل من فلان، أي أحذق برعي الإبل وتثميرها. # والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء الوائل # خزر عيونهم إلى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل # قوله " والقاتلين لدى الوغى أقرانهم "، أصل الوغى هو الجلبة والصوت، ثم ~~كثر استعماله فصار كناية عن الحرب، فيريد أنهم يقتلون نظراءهم من الكماة ~~والأبطال في الوغى، ومن أعدائهم في حال من أحوالهم فالمنية من ورائهم، ~~لأنهم يمهلون ولا يهملون، ويطلبون أوتارهم ولا يضيعون. # وقوله " خزر عيونهم إلى أعدائهم "، يريد أنهم يتخازرون إذا نظروا إلى ~~أعدائهم، فعل المتكبر المتوعد، فلا يملؤون أعينهم منهم، ولا يسؤون النظر ~~إليهم، بل يتبين في نظرهم ما تنطوي عليه قلوبهم، وإذا مشوا رأيتهم كالأسد ~~تحت المطر الشديد وهي تبادر إلى مواضعها من العرين. # والقائلين فلا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل # PageV01P1143 # ليسوا بأنكاس ولا ميل إذا ... ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل # أجرى قوله: " القائلين " مجرى قوله المتكلمين والناطقين، لذلك عداه ~~بالباء فقال " بالقضاء الفاصل ". ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: # بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # أي لم تتكلم. ومما يدل على ذلك قوله " فلا يعاب كلامهم " ولم يقل قولهم. ms0927 ~~ويقال: فلان يقول بالإمامة، أي يدين بها ويعتقدها مذهبا. فيجوز أن يكون ~~قوله على هذه الطريقة. وإنما وصفهم بأنهم مفوهون خطباء يفصلون الأمور عند ~~المجامع بالحكم العدل، والقضاء الفصل، ولا يتجاوز مرسومهم، ولا يعاب ~~مقضيهم؛ ثم إذا حضروا الحرب وأوقد نارها فليسوا فيها بضعاف العقد. # والأنكاس: جمع النكس، والنكس أصله في السهام، تنكسر فيجعل أسفلها أعلاها ~~فتضعف. والميل: جمع أميل، وهو الذي لايستقيم على الدابة. وقوله " أشعلوا ~~بالشاعل " يقول أوقدوا وهيجوا. والشاعل يجوز أن يراد به يسير الايقاد، ~~والإشعال له تقويته، والباء مقحمة، والمراد أشعلوا الشاعل وقووه وزادوا ~~فيه. ويجوز أن يراد بالشاغل ذا الشعل أو الإشعال أو الاشتعال، ويكون معناه ~~المشعل، كما يقال: لابن وتامر، وحينئذ يكون الباء داخلا على حده. والمعنى ~~أشعلوها بالمشعل. ويقال: أشعلت الخيل في الغارة فشعلت وهي شاعلة، وأشعلت ~~النار في الحطب فاشتعلت. ### || وقالت حبيبة ابنة عبد العزى # أإلى الفتى بر تلكأ ناقتي ... فكسا مناسمها النجيع الأسود # إني ورب الراقصات إلى منى ... بجنوب مكة هديهن مقلد # أولى على هلك الطعام ألية ... أبدا ولكني أبين وأنشد # تريد أتتلكأ ناقتي، أي أتتحبس وتتبطأ، فحذف إحدى التاءين تخفيفا، لأن ~~الإدغام ممتنع هنا. وبر: اسم الممدوح. والمعنى الإنكار والإستفظاع، وإن كان ~~اللفظ على الاستفهام. وانجر بر على البدل من الفتى، والمراد أن ذلك لايكون، ~~ثم دعت على ناقتها بالعرقبة فقالت: إن تأخرت أو تلومت في المسير فعقرها ~~الله حتى يسيل دم # PageV01P1144 # أسود ثخين على مناسمها فيصير كاللباس لها. والنجيع في الأصل دم الجوف، ~~ويقال: تنجع به، أي تلطخ. # وقولها إني ورب الراقصات إلى منى أقسمت بالله مالك رواحل الحجيج وهي تسير ~~إلى منى من جوانب الحرم وفيها الهدى المقلد. والهدى: ما يهدي إلى البيت، ~~وكانوا يقلدونه ويجعلون في عنقه لحاء الشجر أو الصوف المفتول ليكون علامة ~~لإهدائها. # وقولها أولى على هلك الطعام ألية هو جواب القسم، أي لا أولى، فحذف حرف ~~للنفي ولم يخف الالتباس، لأنه لو أريد الإيجاب لوجب أن يقال: لأولين باللام ~~وإحدى النونين، والمعنى لا أحلف ms0928 على أن أصون طعامي ولا أطعم الناس، مدعية ~~أنه قد نفد وهلك، ولكني أظهره وأنشد من أطعمه. ويجوز أن يريد بأنشد: أقول ~~للزائر والماربي: أنشدك الله أن تفارق حتى تطعم. وقولها هديهن مقلد في موضع ~~الحال للراقصات، وامتفى بضميرها في الجملة عن إدخال العاطف عليه، لأن ~~الضمير يعلق الحال بما قبله كما يعلق حرف العطف. ومثله في القرآن: " سقولون ~~ثلاثة رابعهم كلبهم "، والمراد بهديهن التكثير لا الواحد. وأبدا في ~~المستقبل بإزاء قط في المضي. # وصى بها جدي وعلمني أبي ... نفض الوعاء وكل زاد ينفد # فأحفظ حميتك لا أبالك واحترس ... لا تخرقنه فأرة أو جدجد # تريد أن هذه الأفعال التي ذكرتها هي مورةثة عن الأسلاف، ومأخوذة عن ~~عاداتهم، جدي وصى بها أبي، وأبي علمنيها فهم قدوتي، وهذه دأبي وسجيتي، أصب ~~الزاد صبا، وأنفض وعاءه بعد أن أخليه نفضا. والزاد كله لا يبقى وإن بخل به، ~~فلماذا يكتسب الذم فيه. ثم أقبلت على من تذمه وتبخله فقالت متهكمة وساخرة ~~منه: احفظ نحى سمنك لا أبالك - وهذا بعث وتحضيض - واحذر عليه الفأر ~~والجدجدلا يقطعه. # وقد مر القول في قولهم لا أبالك وإعرابه. والفأر مهموز، ويقال مكان فئر، ~~إذا كثر فأره. # PageV01P1145 ### || وقال مالك بن جعدة # وأبلغ صلهبا عني وسعدا ... تحيات مآثرها سفور # فإنك يوم تأتيني حريبا ... تحل على يومئذ نذور # تحل على مفرهة سناد ... على أخفافها علق يمور # لأمك ويلة وعليك أخرى ... فلا شاة تنيل ولا بعير # يقول على وجه الإزراء بالمخاطب والغض منه: أبلغ عني هذين الرجلين تحيات ~~ما يؤثر منها وعنها، ويتحدث بها، تتسع لها وتستغرقها سفور إذا اكتتبت ~~ونسخت. والسفور: جمع سفر وأسفار وسفور. وفي القرآن: " يحمل أسفارا ". ~~والمآثر، واحدتها مأثرة، ويجوز أن ييد مكارمها التي تؤثر، أي تروى وتنسب، ~~واضحة كسفور الصبح. ويقال: سفر الصبح وأسفر، وكان الأصمعي يأبى إلا أسفر. # وقوله فإنك يوم تأتيني حريبا، أي سلبيا، وانتصابه على الحال. ويوم مضاف ~~إلى تأتيني على وجه التبين، وهو ظرف لقوله تحل على يومئذ نذور. وانتصب ~~يومئذ على البدل من ms0929 يوم تأتيني، وكأن الشاعر أراد عراه سائلا فحرمه، ووعده ~~بما لم يف به له فقال: إنك إن تأتيني حريبا وجدتني لك بخلاف ما كنت لي، ~~وعلى نذور يلزمني الوفاء بها متى احتجت إلي ورأيتك على الحالة الداعية إلى ~~الألمام بي، والقصد لي. ومعنى تحل علي تجب محلا. والمفرهة: الناقة التي تلد ~~الفره من الأولاد. والسناد: القوية. # ويقال للمرتفع في قبل جبل سند وسناد. أي أعقر في جملة النذور لك ناقة ~~هكذا، فيمور أي يسيل العلق، وهو الدم على أخفافها. # وقوله لأمك ويلة دعاء عليه مصرحا بالذم وذاكرا الحرمة منه بقوله لأمك ~~ويلة. وقوله وعليك أخرى أي ويلة أخرى. واللام وعلى هنا متقاربان في المعنى. ~~وقوله فلا شاة تنيل لك أن تنصب شاة بتنيل، ويرتفع ولا بعير على الاستئناف، ~~كأنه قال ولا بعير مطموع فيه منك ومنول. ولك أن ترفعهماجميعاص، ويكون مفعول # PageV01P1146 # تنيل محذوفا، والمراد لا يرجى من جهتك شاة ولا ما فوقها. ويقال: نلت ~~الشيء فهو منيل نيلا، إذا كنت تتناول بيدك، وليس هو من التناول، لأن ~~التناول من النوال، ويقال منه نلت أنوال. ومن الول قوله تعالى: " ولا ~~ينالون من عدو نيلا "، ومن الثاني: نولك أن تفعل كذلك. ### || وقال عبد الله الحوالي # لما تعيا بالقلوص ورحلها ... كفى الله كعبا به كعب # دعونا لها قينا رفيقا بمدية ... يجزئها ينا كما يجزأ النهب # يقال: عييت الأمر وعييت بالأمر. والقلوص في الإبل، يمنزلة الجارية في ~~الناس. يقول: لما أعيا كعبا مزاولة القلوص وشد الرحل عليها كفاه الله ~~أمرها، لأنا دعونا لها جزارا حاذقا بسكين لينحرها ويقسمها فينا كما يقسم ~~المهب، أي المال المنتهب. والقين: الحداد في الأصل، واستعاره. وهم في ذوى ~~المهن وأسماء الصناع يفعلون هذا. ألا ترى قول الآخر: # وشعبتا ميس براها إسكاف # والرحل: مصدر رحلت البعير، وإنما كعبا ما أعياه منها لنشاطها وعرضنتها في ~~سيرتها. والضمير من قوله ماتعيا به راجع إلى ما. ويقال: تعيا عليه كذا، أي ~~أعياه، قال أوس: # .......................... # كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا # لعمري لقد ضيعت ms0930 يا كعب ناقة ... يسيرا عليها أن يضر بها الركب # موكلة بالأولين فكلما ... رأت رفقة فالأولون لها نصب # أقبل على كعب يوبخه في أمرها، وذاك أنه كان كثر شكوه منها، فيقول: وبقائي ~~لقد ضيعت ناقة يا كعب يخف عليها ويقل في قوتها إضرار القوم بها في الحمل # PageV01P1147 # والركوب والاستحثاث في السير، فلا تبالي بما تحمل أو تكلف، حتى أنها كانت ~~كالموكلة بالسابق المتقدم، فكلما رأت رفقة فالهوادي منها نصب عينيها حتى ~~تلحق بها أو تتقدمها. ومعنى التصنيع أنها لم تكن سمينة ولا مستصلحة للنحر، ~~وإنما كانت للعمل لا غير. ### || وقال حجر بن خالد # سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كمثل أبي قابوس حرما ونائلا # فساق إلهي الغيث من كل بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا # فأصبح منه كل واد حللته ... من الأرض مسفوح المذنب سائلا # يقول: بلغني سعي طالبي الحمد، ومدخري الشرف والمجد، وما عليه ملوك الأرض ~~في مضصارفهم ومباغيهم، وحزمهم ومساعيهم، فقسمت بعضه ببعض، فلم أجد كحزم أبي ~~قابوس حزما، ولا كنائله نائلا. ثم دعا له بالسقيا ولمحله بالخصب والحيا ~~فقال: جمع الله لك وفي فنائك ما هو مفرق في أطرار الأرض، وجوانب الأفق، من ~~سواكب الغيث، فصار حواليك، فأي واد نزلته من الأرض جعله ممطور التلاع ~~والمذاني، مخصب المسايل والمدافع، سائلا بصوبه، مغمورا بنداه وبركته. ~~وانتصب حزما على التمييز، والكاف من كمثل أبي قابوس زائدة، ومثله: # لواحق الأقراب فيها كالمقق # أراد فيها المقق، كما أن هذا يريد: لم أر مثل أبي قابوس. وفي القرآن: " ~~ليس كمثله شيء "، ويروى: فسيق إليه الغيث في كل بلدة إليك. وكأنه أخبر في ~~صدر البيت ثم خاطب على عاداتهم. وقوله من كل بلدة إليك أي إليك أمرها ~~وتدبيرها، فصرت تتولاها. وهذا كما قال: جعل بلد كذا إلى فلان. والمراد من ~~البيت على هذه الرواية: جعل الله الدنيا تحت أمرك، ومنوطة بتدبيرك، ثم ساق ~~إلى الغيث من آفاقها وأطرارها كلها إلى ما حولك فصار محتفا ببيتك، # PageV01P1148 # ومشتملا على مخلك. فأين تنقلت ونزلت صحبك الخير وانساق معك ms0931 الغيث. وعلى ~~هذا يكون قوله من كل بلدة عاما في أقطار الأرض وأبلادها. وروى أيضا: فسيق ~~الغمام الغر من كل بلدة وهو ظاهر المعنى. وقوله فأصبح منه، أي من الغيث. ~~وقوله كل واد وصفه بقوله حللته وانتصب مسفوح المذانب على أنه خبر أصبح. # متى تنع ينع البأس والجود والندى ... وتصبح قلوص الحرب جرباء حائلا # فلا ملك ما يدركنك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنك باطلا # يقول: بقاء السخاء والمروءة وتقوى الإله والشدة، متصل ببقائك، لأنها شيمك ~~وطبائعك، فأنت تقيمها وتربها، وتحفظها عن الذهاب والدروس وتحرسها فإن هلكت ~~فقد هلك جميعها، ويصبح الاستسلام والانقياد لهضمية والشر شاملين للناس، فلا ~~يكون بهم دونها دفاع، ولا إباء منها ولا امتناع، وتصير قلوص الحرب سيئة ~~الحال يقتطعها الحيال عن اللقاح، ويمتلكها ما بنفسها من الجرب والضعف عن ~~النزو والجذاب. وهذا مثل لما يفارق الناس من العز والاقتدار، ويلازمهم من ~~الذل والاكتئاب. وضد هذا قول زهير: # ............................ # وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # وقوله فلا ملك ما يدركنك سعيه يصفه بأنه لا غاية وراء غايته لمرتق ولا ~~فوق نهايته نهاية لمعتل، فكل ساع من الملوك يقف دونها، وينحط عن درجتها، ~~وأن السوق وإن أسرفوا وأفرطوا في التفريظ والإطراء، يقصرون عن بلوغ حده ~~بالوصف، وتصوير كنهه عند النعت، بل أحسن أحوالهم أن يقولوا بعض ما قيل من ~~الحق. # وأدخل النون الثقيلة في يمدحنك ويدركنك لما في الكلام من من معنى النفي، ~~ولأن ما الزائدة للتأكيد لفظه لفظ ما النافية. ومثله: # في عضة ما ينبتن شكيرها # PageV01P1149 # وبألم ما تختننه. وقوله ما يمدحنك باطلا أراد مدحا باطلا، فانتصب باطلا ~~على أنه صفة لمصدر محذوف. # ومثل البيت الأول قول النابغة: # فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهرليس له سنام # وقول الآخر: # فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره ### || وقال آخر: # ومستنبح بعد الهدو دعوته ... بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها # فقلت لها أهلا وسهلا ms0932 ومرحبا ... بموقد نار محمد من يرودها # نصبنا له جوفاء ذات ضبابة ... من الدهم مبطانا طويلا ركودها # فإن شئت أثويناك في الحي مكرما ... وإن شئت بلغناك أرضا تريدها # يعني بالمستنبح طالب ضيافة، وقد تقدم الكلام فيه. ومعنى دعوتهبشقراء أي ~~رفعت له نار شقراء حتى اهتدى بها، فكأني دعوته. وجعل النار شقراء، وربما ~~قيل صفراء، لأنها أوقدت خالية من طرح اللحم عليها فاشتعلت شقراء، ولو كبب ~~عليها اللحم لالتهبت كميت اللون من أجل دخانها. لذلك قال الأعشى: # وأوقدتها صفراء في رأسي تنضب ... وللمكثت أروى للنزيل وأشبع # وذاك وقودها، أي مضى اتقادها. فقلت له أهلا، انتصب أهلا بفعل مضمر. ~~والباء من قوله بموقد نار تعلق بفعل مضمر، كأنه قال: ينال ذلك كله بوقد نار ~~يحمدها من يرودها. ومعنى محمد من يرودها أي مصادف الحمد من يطلبها. ويقال: ~~أحمدت فلانا، كما يقال أجبنته وأبخلته. # PageV01P1150 # وقوله نصبنا له جوفاء يعني به قدرا كثيرة الأخذ، واسعة الجوف. والضبابة: ~~ما يتعقب المطر من الظلمة الرقيقة والسحاب الركيك. وذكرها هاهنا مثل. ~~ويروى: ذات صبابة، وهي البقية، أي يفضل ما فيها عن الآكلين لعظمها. والدهم: ~~السود. والمبطان: العظيم البطن. ومفعال بناء المبالغة. وجعلها طويلة الركود ~~لأنها إذا نصبت لم تنزل إلا بعد لأي كبرها، ولأنه لا يخف محملها فيتناول كل ~~وقت. وقوله فإن شئت أثويناك، هذا تخيير منهم للضيف بعد إطعامه، ويقال: ثوى ~~بالمكان، إذا أقام؛ وأثواه غيره. وانتصب مكرما على الحال. والمعنى: إن أردت ~~المقام أقمت مكرما معظما، وإن أردت التوجه في مقصدك، والارتحال لطيتك، ~~بلغناك مقرك محميا مشيعا. ### || وقال آخر: # ومستنبح تهوى مساقط رأسه ... إلى كل شخص فهو للسمع أصور # يصفقه أنف من الريح بارد ... ونكباء ليل من جمادى وصرصر # حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر # يعني بالمستنبح ضيفا. ومساقط رأسه: جمع مسقط، ويعني به المصدر لا اسم ~~المكان. ومعنى تهوي تقصد وتسرع. ويقال في القرس: إنه يساقط العدو سقاطا. ~~واسقط علينا، أي اقصدنا. وقال: # يساقط عنه روقة ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول ms0933 أخولا # أي يزيلها ويبعدها. ومعنى تهوي مساقط رأسه، أي يساقط رأسه الشخوص سقاطا ~~سريعا. وقوله فهو للسمع أصور أي مائل. والسمع: مصدر سمع. ومعنى البيت: رب ~~مستضيف بنباحه يتسرع ميل رأسه ومهواه إلى كل شخص يمثل له، فهو مائل للسمع، ~~ومنتظر متى يجيبه الكلام أو يتلقاه من ينزله. # وقوله يصفقه أي يضربه. والأنف من الريح: أوله. ومنه استأنفت الأمر. وكلأ ~~ألف، إذا لم يرع. وقوله ونكباء ليل يريد: وريح تنكب عن مهاب الرياح الأربع، ~~في ليلة من ليالي جمادى. وصرصر، أي ورد شديد. والصر والصرصر # PageV01P1151 # بمعنى، وليس من بناء واحد، لأن صرصر رباعي وذلك ثلاثي. وجمادى، يريد به ~~شهرا من شهور الشتاء وإن لم يكن جمادى في الحقيقة. وإنما وصف ما قد أشرف ~~عليه المستنبح من أذى الريح والبرد والمطر، ليكون ذلك عذرا في الاستنباح ~~وطلب النزول. # وقوله حبيب إلى كلب الكريم مناخه، يجوز أن يرتفع حبيب على أنه خر مقدم، ~~والمبتدأ مناخه. ويجوز أن يكون صفة للمستبيح. وقد جعل خبر مبتدأ مضمر، ~~فيرتفع مناخه على أنه مفعول لم يسم فاعله من حبيب. ويقال: أنخت البعير ~~إناخة ومناخا فبرك. واستغنى ببرك عن ناخ. وإنما حبب مناخ الضيف إلى الكلب ~~لأنه يسعد بنزوله ويشركه في القرى المهيأ له. وأضاف الكلب إلى الكريم، لأن ~~كلب اللئيم يعقر السابلة والمارة، ولا يعرف الاستضافة والاستنزال. وقوله ~~بغيض إلى الكوماء لأنها تنحر. والكوماء: العظيمة السنام. وقوله والكلب أبصر ~~مما وقع في أحسن موقع وشرف المعنى به وجاد البيت. # حضات له ناري فأبصر ضوءها ... وما كاد لولا حضأة النار يبصر # دعته بغير اسم هلم إلى القرى ... فأسرى يبوع الأرض والنار تزهر # فلما أضاءت شخصه قلت مرحبا ... هلم وللصالين بالنار أبشروا # قوله حضأت له ناري جواب رب المضمرة في قوله ومستنبح. ومعنى حضأت النار ~~رفعتها وهيجتها له فأبصرها واستدل بها، ولولا رفعى النار وتهييجي إياها ~~لكان لا يبصر الطريق ولا يرى مستدلا به. وفصل بين كاد وخبره بقوله لولا ~~حضأة النار، وفي كاد ضمير المستنبح، لولا ذلك ms0934 لما جاز أن يقال: زيد كاد ~~يخرج، لأن الفعل لا يلي الفعل. # وقوله حضأة ارتفع بالابتداء وخبره محذوف استغنى بجواب لولا عنه، وجواب ~~لولا في قوله: وما كاد يبصر لولا حضأة النار. وقوله دعته بغير اسم يريد: ~~دعت الضيف النار، كأنه سمي استدلاله بها وتصور النار له دعاء منها وإجابة ~~من الضيف. وقوله بغير اسم إنما نكره ولم يقل بغير اسمه، لأن المدعو قد يدعى ~~باسمه، وبكنيته، وبلقب له، وباسم جنسه، وبصفة له، كقولك يا رجل، ويا فتى، ~~ويا مقبل، ويا راكب، ويا فلان، ويأبا فلان. والنار # PageV01P1152 # لم تدع الضيف بشيء من ذلك، فلذلك قال بغير اسم، أي بغير اسم يدعى به ~~مثله. يجوز أن يكون قال ذلك لأن دعوتها لم تكن بكلام، وإنما كان علامة ~~واستدلالا، كما أن الإجابة كانت قصدا وإسراء. وكذلك قوله هلم إلى القرى من ~~ذلك، لأن النار لم تتكلم بهذا الكلام. وهلم يجوز أن يكون أصله هاء التتنبيه ~~ولم فعل، وعلى هذا يثنى ويجمع. ويجوز أن يكون اسما للفعل، وحينئذ لا يثنى ~~ولا يجمع ولا يؤنث، وهذا أفصح اللغتين. وفي القرآن: " يقولون لإخوانهم هلم ~~إلينا ". وقوله أسرى، يقال سرى وأسرى بمعنى. ويبوع الأرض أي يقطعها بخو ~~واسع وحركة سريعة. يقال: بعت الشيء أبوع بوعا في هذا. وفرس بيع: واسع ~~الخطو. وكما استعمل البوع في هذا استعمل الذرع أيضا. ومنه قيل ناقة ذرعة، ~~إذا كانت واسعة الخطو. وقوله والنار تزهر الواو واو الحال، وتزهر أي تضيء ~~في صعود. وقوله فلما أصاءت شخصه قلت مرحبا، أي لما دنا مني وتراءى لي شخصه ~~بضوء النار تلقيته بالترحيب والاستدناء، وقلت لمن حول النار من اصطلين ومن ~~الأهل والخول: استبشروا بالضيف فقد طرق، وبمرادنا فإنه حصل. ويقال صليت ~~بالنار، أي دنوت منها، أصلي صليا. وقوله: مرحبا، هلم: كلامان، ولم يتوسطهما ~~العاطف، لأن مرحبا تسليم عليه، وهلم أمر بالدنو، فكأنه استانف هذا الكلام ~~بعد التسليم بهذا الكلام، ولم يجمعهما اللفظ به في حالة واحدة. # فجاء ومحمود القرى يستفزه ... إليها وداعي الليل ms0935 بالصبح يصفر # تأخرت حتى لم تكد تصطفي القرى ... على اهله والحق لا يتأخر # يقول: جاء الضيف وما هيىء له من القرى المحمود يجتذبه ويهديه إلى النار ~~الموقدة والديك يصفر مؤذنا بإصباح الليل. وإنما قال ومحمود القرى لأن طعام ~~الكرام لا يستنكف منه، ويستطيبه كل متناول ويستمرئه، كما يستكرم المثوى ~~عندهم كل نازل بهم. # وقوله تأخرت استبطاء من القاري للضيف. والمراد أنك تأخرت عن أول الليل ~~حتى كأنك لم تكد تطلب اختيار صفو القرى على النازلين، ونحن وإن فعلت # PageV01P1153 # ذلك فلك الواجب من حقك، والمفروض من قسطك، ولن يتأخر إن تأخرت. والمعنى ~~أنا نستأنف لك ونحتفل، ونقيم الرسم ونتكلف، ونفردك بما يجب لك وإن تقدمك من ~~تقدم. والهاء من قوله على أهله يعود إلى القرى. # وقمت بنصل السيف والبرك هاجد ... بهازره والموت في السيف ينظر # فأعضضته الطولي سناما وخيرها ... بلاء وخير الخير ما يتخير # يقول: قمت مجردا السيف ومتجردا لعقر ناقة، والإبل الباركة بفنائي نائمة ~~ساكنة، عظام سمان، والموت ينظر في سيفي: أيها المعد والموعود به. وإنما قال ~~والبلارك هاجد ولم يقل هاجدة، ردا على لفظه، لأن لفظه لفظ الواحد وإن أريد ~~به الكثرة. ورد بهازره على المعنى لا على اللفظ. والهجود: النوم، وقال ~~الخليل: هجدوا، أي ناموا، هجودا؛ وتهجدوا: استيقضوا، تهجدا. والبهازر: ~~السمان الصفايا، واحدتها بهزار في القياس. والواو من قوله والموت في السيف ~~ينظر واو الحال. وقد حسن موقع هذا العجز من صدر البيت. ويجوز أن يكون ~~المعنى: والموت راكب في السيف ينتظر ماذا يكون مني. # وقوله أعضضته الطولى سناما أي عرقبتها به، وجعلته يعض عليها. وانتصب ~~سناما على التمييز، وكان الواجب في مقابلة الطولي أن يقول: والخوري بلاء، ~~أو خوارها بلاء، فعدل به الوزن عن تخير المقابلة. ومعنى خيرها بلاء يعني في ~~العمل والولادة وغزارة الدر. وقوله وخير الخير ما بتخير يريد أن البرك كلها ~~خيار، ثم أني اخترت من بينها خيرها، إكراما للضيف، وخير الخير ما يتخير من ~~الخير. # فأوفض عنها وهي ترغة حشاشة ... بذي مفسها والسيف ms0936 عريان أحمر # فباتت رحاب جونة من لحامها ... وفوق بما في جوفها يتغرغر # قوله أوفض عنها يريد أن البرك لما جرى مني على صاحبتها التي اخترتها ما ~~جرى من العرقبة نفرق وتفرقن عنها، وهي، يعني المعقورة، ترغو بروحها حشاشة، ~~وقال بذي نفسها يريد خالصة نفسها. والحشاشة: البقية من ذمائها، وقال ~~الخليل: روح القلب، وهو رمق من حياة النفس. وانتصابه على الحال، ويجوز أن ~~ينتصب على التمييز، فيكون مما نقل الفعل عنه، كأنه كان وهي ترغو # PageV01P1154 # حشاشتها، فنقل الفعل إليها، فصار تمييزا كقولك طبت نفسا وما أشبهه. وقوله ~~والسيف عريان أحمريريد انه متجرد من غمده. ولم يصرف عريان ضرورة، وجعله ~~أحمر مما تلطخ من دمها. وقوله فباتت رحاب يعني القدر. ويقال: رحيب ورحاب، ~~كما يقال: طويل وطوال، وعجيب وعجاب، وهي الواسعة. والجونة: السوداء. وقوله ~~من لحامها خبر باتت، كقولك أنت مني. والمعنى: باتت مملوءة من لحامها. وقوله ~~وفوها يتغرغر أي يسيل ما في جوفها، يعني عند غليانها علة النار. ومثله: # إذ لا تزال لكم مغرغرة ... تغلي وأعلى لونها كتر # والكثر: السنام، ويكون أبيض اللون. ### || آخر: # وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزولي الفصيل # إنما قال جبان الكلب لأنه عود أن يسالم الطراق لئلا يتأذى به الضيوف إذا ~~وردوا، فقد أدب لذلك ودرب عليه، ولأنه بطول اعتياده لنزول السابلة بهم ~~ألفهم، فصار لا يستنفر منهم. وقال مهزول الفصيلي لأنه يؤثر بلبن أمه غيره ~~أو تنحر عنه. ومثله قول الآخر: # ترى فصلانهم في الورد هزلى ... وتسمن في المقاري والحبال ### || وقال آخر: # سأقدح من قدري نصبا لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلي # إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلا لم تشاركه في الفضل # سأقدح، أي سأغرف من قدري نصيب الجارة وإن كان ما فيها كفافا على أهلي، أي ~~لا يفضل عنهم ولا ينقص من حاجتهم. وفي طريقته قول الآخر: # نقسم ما فيها فإن هي قسمت ... فذاك وإن أكرت فعن أهلها تكرى # PageV01P1155 # قسمت بمعنى تقسمت، ومثله نبه بمعنى تنبه، ووجه ms0937 بمعنى توجه. ومعنى أكرت ~~نقصت، يريد أنه يوفر نصيب الغريب ولا ينقص منه، بل يجعل النقصان في نصيب ~~العيال. وكذلك قول الآخر: # ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل # يريد: والذي لديك قيليل وقال الراعي: # إني أقسم قدري وهي بارزة ... إذ كل قدر عروس ذات جلباب # أي مستورة مغطاة، لشدة الزمان. ### || وقال عمرو بن الأهتم # ذريني فإن الشح يا أم هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق # ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق # يقول: اتركيني على أخلاقي وإن أنكرتها فإن ما تبعثين عليه من الإمساك ~~والإبقاء على المال هو البخل، والبخل مزر بأخلاق الرجال الكريمة، ومستهلك ~~متحيف لها، وواضع من عوالي رتبها. ذريني وحطي أي اتركيني واخفضي من كلامك ~~ووصاتك فيما أهواه وأوثره. وكرر ذريني على طريق التأكيد ومظهرا التبرم ~~بإفراطها. والمراد: انزلي عن مراكبك في اللوم واتبعي هواي، فإنني مشفق على ~~الحسب الذي رفعت بناءه، إذ كانت الأحساب متى لم تتفقد بالعمارة استرم ~~بناؤها وشيكا، وتهدمت وبارت أخيرا. # ذريني فإني ذو فعال تهمني ... نوائب يغشى رزؤها وحقوق # PageV01P1156 # وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللحق بين الصالحين طريق # يقول: اتركيني واختياري، فإني قدمت مساعي تقتضيني مراعاتها، وأسست مباني ~~تدعو إلى استكمالها وتبعث على الزيادة فيها، وعودت الناس مني عادات توجب ~~على الصبر لها وعليها، وتغشاني نوائب تنوبني، وحقوق يلزمني الخروج منها. ثم ~~إن الكرام يتقون ببذل القرى وإقامته على أشرف وجوهه ذم النزال، وشكو ~~الطراق. ولقضاء واجبات الحقوق في الكرم والمروءة طريقة مسلوكة معروفة، متى ~~أخل بها ولم تعمر باستطراقها والنظر في مصالحها والإنفاق في استبقائها، ~~درست وخفيت. ويروى: وللحمد بين الصالحين طريق، والمعنى ولكسب الحمد. ومعنى ~~يغشى رزؤها أي يغشاني رزؤها، فحذف المفعول، أي إصابة الناس وانتفاعهم بي. ~~ويقال منه: هو مرزأ، إذا كان سخيا ينال الناس إفضاله. ### || وقال عروة بن الورد # إني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد # أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق والحق جاهد # أقسم جسمي ms0938 في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد # قوله عافي إنائي شركة أي يأكل معي عدة يشاركونني فيما في الإناء، وأنت ~~رجل تأكل وحدك فعافى إنائك واحد. وأصل العافى من عفاه واعتفاه، إذا طلب ~~معروفه، فأعفاه أي أعطاه، كما يقال: طلب منه فأطلبه، ومنه عافية الطير ~~والسباع. وأنشد بعضهم فيه: # لعز علينا ونعم الفتى ... مصيرك يا عمرو للعافية # أي السباع والطيور، وقيل: بل أراد العواد. ومثله قول حاتم: # يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # لأن قوله سبيل المال واحدة يريد إنفاقه على نفسه دون غيره. # PageV01P1157 # وقوله أتهزأ مني أن سمنت أي لأن سمنت ولأن ترى بوجهي شحوب الحق. وأضاف ~~الشحوب إلى الحق لأن سببه كان توفره على إقامة الحقوق وأدائها في وجوهها. ~~وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة بينهما، فكأنه قال الشحوب الذي ~~كان سببه توفري علة الحق، وتوفيري الأزواد على طلابها. وقوله والحق جاهد ~~يريد القيام بالحق في الشدائدوأدائه يجهد النفوس ويغير الألوان وينضي ~~الأبدان. # وقوله أقسم أراد قوت جسمي وطعمته، لأني أوثر به الغير على نفسي وأجتزىء ~~بحسو الماء القراح، وهو البحت الذي لا يخالطه شيء من اللبن وغيره، والماء ~~بارد، أي والشتاء شات والبرد متناه. وقال بعضهم: المهزول يجد برد الماء ~~أكثر مما يجده السمين. وأنشد: # عافت الماء في الشتاء فقلنا ... بل رديه تصادفيه سخينا # أي سمنت فرديه تصادفي حارا ما صادفته باردا. قال: ويدل على انه كنى عن ~~الهزال ببرد الماء قوله: # أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق والحق جاهد ### || وقال آخر: # أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غنى في القلوب جليل # وليس الغنى إلا غنى زين الفتى ... عشية يقرى او غداة ينيل # يقول: لما استغنيت عظمت في عيون الناس فأجلوا قدرك ورفعوا مكانتك، وكذا ~~الأغنياء مواقعهم من النفوس عظيمة، ومحالهم في الأفئدة والقلوب جليلة ~~رفيعة، وأقدارهم موقوفة على سعة أحوالهم، ومردودة إلى مقادير قدرهم، لكن ~~الغنى المحمود المتفق على فضله عند التحصيل هو ما يزين ms0939 الفتى فلا يشينه، ~~ويكسب له الحمد والذخر فلا يذيمه، عشية ينزل الأضياف فيكرم مثواهم، أو غداة ~~ينيل العفاة ويوسع في فنائه مأواهم. # PageV01P1158 ### || وقال المثلم بن رياح # بكر العواذل بالسواد يلمنني ... جهلا يقلن ألا ترى ما تصنع # أفنيت مالك في السفاه وإنما ... أمره السفاهة ما أمرنك أجمع # يقول: بكر اللوائم في سواد الليل، ولم تصبر إلى وقت الإصباح، حرصا من ~~نفوسهم على تقريعي وتوبيخي، لجهلهن وضعف رأيهن، وقصور بصائرهن عن معرفة ما ~~لهن وعليهن، يقلن لي مستعظمات لما آتيه، ومستنكرات لما أنفقه وأفرقه: ألا ~~ترى ما تأتي وما تذر. وإنما صلح أن يقول بكرن بالسواد لأن البكور الابتداء ~~في الشيء، ومنه باكورة الربيع، والبكر في النساء. # وهذا كما قال غيره: " ألا بكرت عرسي بليل تلومني " وقوله " أهلكت مالك " ~~هو تفسير ما أبهمه قوله " ألا ترى ما تصنع " والمعنى: صرفت مالك فيما هو ~~سفه وضلال، وغباوة وضياع. ثم قال: وإذا تؤمل الحال فيما يراودنك عليه ~~فالأمر بالسفاهة ما أمر نكه كله. جعل يخاطبنفسه بذلك. ويقال: أمرتك كذا ~~وبكذا. قال الشاعر: " أمرتك الخير فافعل ما أمرت به " فجمع بين الوجهين. ~~وفي القرآن: " فاصدع بما تؤمر ". ويجوز أن يكون معنى أمر السفاهة الأمر ~~الذي تولد عن السفاهة، ويكون الإضافة فيه إضافة المسبب إلى السبب، كأنه جعل ~~السفاهة فيهن ومنهن. وقوله " ما أمرنك " ما مع الفعل في تقدير المصدر، ~~وأجمع توكيد له. والسفاهة والسفاه والسفه: الخفة والطيش. ويقال: زمام سفيه ~~كما يقال زمام عيار. وسفهت الريح الغصن: حركته. وتسفهت الرياح: اضطربت. و " ~~يلمنني " في موضع الحال. # وجهلا يجوز أن تكون مفعولا " له "، ويجوز أن تكون في موضع الحال. و " ألا ~~ترى " ما تصنع " في موضع # PageV01P1159 # مفعول يقلن. وما من قوله " ما تصنع " يجوز أن يكون بمعنى الذي، وقد حذف ~~المفعول من صلته، يريد تصنعه. ويجوز أن يكون مفعولا مقدما لتصنع، والمعنى ~~أي شيء تصنع. # وقتود ناجية وضعت بقفزة ... والطير غاشية العوافي وقع # بمهند ذي حلية جردته ... يبرى الأصم من العظام ويقطع # قوله " وقتود ناجية " انجر ms0940 بإضمار رب، وجوابه وضعت بقفزة، والواو من قوله ~~والطير واو الحال. فيقول: رب رحل ناقة سريعة وضعته بمكان خال وتركته، لأني ~~عرقبتها، والطير عوافيها تغشاها وتقع عليها. وأكثر ما يجيء المجرور برب ~~يجيء الجواب، وها هنا لم يصفه. وقوله " غاشية العوافي " وجب أن يكون فيه ~~ضمير للناقة، حتى يكون بين ذي الحال وبينه تعلق، فحذف ذلك الضمير لأن ~~المراد مفهوم، ولو أتى به لكان والطير غاشية العوافي إياها وقع عليها. ~~والعوافي: جمع عافية، وهو من قولهم عفاه واعتفاه؛ وقد مر ذكره. # وقوله " بمهند " تعلق الباء منه بقوله وضعت بقفزة، لأنه لم يحط الرحل عن ~~الناجية ولم يضعها " بالقفزة " إلا وقد عرقبها، فكأنه " جعل ": وضعت بقفزة ~~دلالة على العقر والعرقبة. # وقوله " ذي حلية " يريد أنه كان ملطخا بالدم، فجعل ذلك الدم كالحلية لها. ~~وقوله " يبرى الأصم من العظام ويقطع " يعني بالأصم ما ليس بأجوف، وذلك ~~أصلب، فإذا برى الأصم فهو للمجوف أبرى. # لتنوب نائبة فتعلم أنني ... ممن يغر على الثناء فيخدع # إني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجرا لآخرة ودنيا تنفع # قوله " لتنوب " تعلق اللام بفعل مضمر دل عليه ما تقدم، كأنه قال: فعلت ~~ذلك لكي إذا نابت نائبة علمت أني أنهض فيها، وأطلب الأحدوثة الجميلة في ~~دفعها، وأني أحمل على الغرر، وأخدع عن المال بالثناء والشكر. ثم قال: إني ~~أقسم ما أملكه بين أمرين: مدخر للآخرة، ومنتفع به في الدنيا. وجعل قوله ~~لآخرة ودنيا نكرتين، وقد جاء في غير هذا المكان دنيا في صورة المعرفة، # PageV01P1160 # قال: " في سعي دنيا طال ما قد مدت " ووجه التنكير فيها وفي آخره أن يراد ~~أجر عائد في أمد من آماد الآخرة، ومنفعة في مثله من الدنيا، وكان الواجب أن ~~يقول ومنفعة لدنيا، حتى يكون لفق الأول فيما ساقه من الكلام، وتفسيرا لما ~~قسمه من مصارف المال، إلا أنه رمى بالكلام على ما ترى لما لم يلتبس. ### || وقال أبو البرج القاسم بن حنبل # أرى الخلان بعد أبي خبيب ... وخجر في جنابهم جفاء # من البيض الوجوه بني ms0941 سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا # لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء # هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا # الجناب: ناحية القوم. ويقال: فلان رحب الجناب، كأنه استجفى نبوهم فعتب ~~عليهم، ثم أخذ يمدحهم ويستعطفهم، فيقول: أجد الأصدقاء بعد هذين الرجلين ~~يجفو جنابهم عني وينبو جانبهم، وهم من القوم الكرام الغر الوجوه، أذكر بني ~~سنان. فقوله بني سنان يجوز أن ينتصب على المدح والاختصاص، ويجوز أن يجعل ~~مجرورا على البدل من البيض الوجوه. وإنما وصفهم بنقاء الحسب وانتفاء العار ~~والعيب من الذمم. قال: فلو استضأت بنور وجوههم لأضاءوا في بهم الظلم، فلهم ~~مننور الكرم مثل شمس النهار إذا ارتفعت وعلت، ومثل نور الليل لا يستره ~~ظلام، ولا يخفيه عماء، وهو الغيم الرقيق، ومثل نور الليل الذي اكتسبوه، ~~ويحميد أفعالهم شيدوه، المعلى يعني المرفع، إلى أبعد الغايات، وأقصى ~~النهايات. ويجوز أن يكون أراد القدح المعلى، لأنه أشرف القداح وأكثرها ~~أنصباء، فجعله مثلا لأرفع المدارج وأسنى المراتب. وقوله ومن حسب العشيرة ~~يريد به المتوارث، أي نزلوا منه حيث اختاروه وأحبوه. ومراده أنه جمع لهم ~~بين المكتسب والمتوارث من الشرف ةالحسب. وأضاف الحسب إلى العشيرة لأنهم ~~شركاء في التليد منه. # PageV01P1161 # وأزيد مما قصده في قوله من البيض الوجوه بني سنان قول الآخر: # بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء # فأما بيتكم إن عد بيت ... فطال السمك واتسع الفناء # وأما أسه فعلى قديم ... من المعادي إن ذكر البناء # فلو أن السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء # البناة: جمع بان. والأساة: جمع آس، وهذا الجمع يختص بالمعتل، كما أن فعلة ~~نحو كفرة وظلمة يختص بالصحيح. والآسي: مداوي الجراحات. والكلم: الجرح. وهذا ~~مثل لشدة الهوال واضطراب الأحوال. والمعنى: إذا تفاقمت الأمور، وحرجت بما ~~اجتمعت فيها الصدور، فإنهم يتلافونها بعنفهم او لطفهم، وهم ملوك ففي دمائهم ~~شفاء من عض الكلب الكلب، وهو الذي يكلب بأكل لحوم الناس، فيأخذه من ذلك شبه ~~الجنون، فلا يعض إنسانا إلا كلب. # ويقال: إن ms0942 من عضه ينبح نبيح الكلاب فينتظر به سبعة أيام، فإن بال هنات ~~على خلقة الكلاب برأ، وإلا مات بزعمهم. ويقولون: إنه لا دواء له أنجع من ~~شرب دم ملك. ومثله قول الفرزدق: # ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف # وقوله فأما بيتكم إن عد بيت فإنه يريد: إذا عدت البيوت فبيتكم طويل السمك ~~ثابت الأس، فسيح الساحة والفناء، واسع الأقطار والأرجاء. والسمك: أعلى ~~البيت الداخل، فأما أعلاه الخارج فإنه الصهوة. والعادي: القديم، نسب إلى ~~عاد. فيريد: بناء شرفكم قديم، ومكانه وسيع، وسموقة رفيع، ورسوخة عميق. # وقوله: فلو أن السماء دنت لمجد، يريد لو ملكت السماء الدنو والانحطاط عن ~~موضعه الذي سمك فيه ليرتقي إليها مجدهم، أو ليشارك الأرض في إقلالهم ~~وإيوائهم، والاحتواء على مكارمهم، لفعلت ذلك، ولكنها عاجزة غير مالكة. # PageV01P1162 ### || وقال أرطاة بن سهية # لو أن ما نعطى من المال نبتغي ... به الحمد يعطي مثله زاخر البحر # لظلت قراقير صياما بظاهر ... من الضحل كانت قبل في لجج خضر # قوله نبتغي موضعه نصب على الحال، وموضع يعطى مثله الجملة رفع على أنه خبر ~~أن، وقد حذف الضمير العائد إلى ما من قوله نعطي، كأنه قال: لو أن الذي ~~نعطيه من المال مبتغين به الحمد يعطى مثله طامي البحر ومرتفعه لظلت سفن ~~راكدة وواقفة بظاهر من الماء قليل، كانت من قبل في معاظم من البحر خضر ~~كثيرة. وقوله لظلت جواب لو. وقوله كانت قبل من صفة القراقير، وهي السفن، ~~والواحد قرقور. وقد فصل بين الصفة والموصوف بخبر لظلت وهو قوله صياما. يريد ~~أن السفن التي كانت في الماء في بحر تعود بمثل العطايا منه إلى أن تكون ~~واقفة في ضحل، إذ كان ماؤه لا يقوم مع الإغتراف منه لما يقوم له ما لنا على ~~الإسراف العظيم منه. والضحل: الماء القليل، والجميع الضحول. وأتان الضحل: ~~صخرة بعضها في الماء مغمور ةبعضها ظاهر مكشوف، فيصلب ويملاس. واللجج: جمع ~~لجة، وهي معظم الماء. ويقال: التج البحر. والصيام: القيام. والزاخر من ~~البحور: ms0943 الطامي الماء، المرتفع الموج. وإذا جاش القوم لنفير أو حرب، قيل ~~زخروا. # ولا نكسر العظم الصحيح تعذرا ... ونغني عن المولى ونجبر ذا الكسر # غلبنا بني حواء مجدا وسوددا ... ولكننا لم نستطيع غلب الدهر # يصف كرمهم في عشيرتهم، وأنهم يتعطفون على الضعاف الفقراء منهم ويتحدبون، ~~فيجبرون كسرهم، ويسدون مفاقرهم، ويظهرون الغنى عن مواليهم، فلا يصلحون ~~أحوال أنفسهم بل يوفرونهم على مصالح أمورهم، ويخلونهم واختياراتهم في ~~مباغيهم ومكاسبهم، ومن كان مستقيم الأمر واسع المراد يقوم برم عيشه، وينهض ~~بتدبير تجمله، لا يلحون عليه في نوائبه، ولا يضاعفون المؤن في مصارفه، ~~متوصلين بذلك إلى الغض منه والحط من قدره، وجلاله ومكانه، لحسدهم ~~واستعلائهم. # PageV01P1163 # وقولهم غلبنا بني حواء، يريد أنا قهرنا الناس على طبقاتهم وتباين منازلهم ~~رياسة وشرفا، فلما جاء الدهر يغلبنا على ما نريده من استبقاء وبقاء، ~~واستصلاح وصلاح، لم نستطيع دفعه، ولم نطق غلبته ومنعه. وانتصب قوله تعززا ~~على انه مصدر في موضع الحال، ولا يمتنع أن يكون مفعولا له. ### || وقال حجر بن حية # ولا لأدوم قدري بعج ما نضجت ... بخلا لتمنع ما فيها أثافيها # لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ... ولا أقوم بها في الحي أخزيها # ولا أكلمها إلا علانية ... ولا أخبرها إلا أناديها # قوله لا أدوم يريد لا أطيل إدامة قدري بعد إدراكها على الأثافي، بخلا بما ~~فيها، ولتمنعها عن طلابها أثافيها. جعل المنع للأثافي، لأنها لما لم تغرف ~~ما دامت منصوبة على الثافي جعل الفعل لها، كأنها هي المانعة. وانتصب بخلا ~~على التمييز أو على الحال إن شئت. ويقال: أدمت الشيء، إذا سكنته ودومته ~~أيضا. والماء الدائم: الساكن الذي لا يجري، وكأن البخيل منهم يفعل ذلك ليرى ~~أن القدر لم تدرك، وأن ما فيها لم نضج، انتظارا لمن تأخر عنه ويوجب الحال ~~حضوره. وقوله لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت، يريد أنه يشركها في فصل ~~نعمته بعج دنوها من داره، وأنه لا يطلب عثراتها ولا يقبح آثارها، فلا يقوم ~~بذكرها في الحي مخزيا لها. وقال بعضهم: أراد لا أحكي ms0944 عليها قبيحا. يقال: ~~قام بي فلان وقعد، أي نثا عني قبيحا. وقوله أخزيها يجوز أن يكون ألف النقل ~~دخل على خزي خزيا من الهوان، ويجوز أن يكون دخل على خزي خزاية من ~~الاستحياء، وذاك لأنها إذا ذكرت بالقبيح أو شهرت بما تستره وكشفت، فقد ~~تستحيي كما تذل، أو تذل كما تستحيي. # وقوله ولا أكلمها إلا علانية انتصب علانية على أنه مصدر في موضع الحال، ~~وكذلك قوله إلا أناديها، الجملة في موضع الحال، ونظام الكلام يقتضيه أن ~~يقول: ولا اخبرها، إلا أنه لما كان الغرض إلا مناديا لها، ناب الفعل عن ~~المصدر، ولا يجوز في علانية أن يكون تمييزا، بدلالة أن الصدر يجب أن يكون # PageV01P1164 # حكمه حكم العجز، ومن الظاهر أن أناديها في موضع الحال، والمعنى أنه لا ~~يقف، لسلامة طريقته وتكامل عفته، الجارة في مواقف التهمة، فلا يخفي ~~مكالمتها، ولا يخاطبها مخبرا لها إلا برفع صوت ونداء عال. كل ذلك هربا من ~~قرفة تحصل، أو تهمة تتوجه، وهذا هو الغاية في العفاف، والدرجة القاضية في ~~التوقي من العار. ### || وقال المساور بن هند بن قسيس بن زهير # فدي لبني عبد غداة دعوتهم ... بجو وبال النفس والأبوان # إذا جارة شلت لسعد بن مالك ... لها إبل شلت بها إبلان # خبر المبتدأ الذي هو فدي قوله النفس، وجو وبال أضاف الجو إلى وبال، وهو ~~اسم ماء. وإنما دعا لبني عبد بالتفدية لأنه وجدهم عند الظن بهم لما ~~استنصرهم على أعدائه بجو وبال. وقوله إذا جارة ظرف لقوله شلت به غبلان، وهو ~~جوابه. وتلخيص الكلام: إذا شلت إبل لجارة لسعد بن مالك شلت بسببها ولمكانها ~~إبلان، وذلك لكرم محافظتهم، وللعز اللاحق في معاقدة جوارهم. ومعنى شلت: ~~طردت، شلا. وقد فصل بين المرتفع به وهو إبل، وبينه بقوله لسعد بن مالك، ~~ولولا أن حكمه الظروف وقد توسعوا فيها، لكان ذلك غير جائز، لأن الفصل بين ~~الفعل وبين المبنى عليه بأجنبي لا يجوز عندنا. ألا ترى أنهم امتنعوا من ~~جواز قول القائل: كانت زيدا الحمي تأخذ، وإن ms0945 جوزوا: كان في الدار زيد ~~واقفا، لكون الحائل هنا ظرفا وفي ذاك غير ظرف. وأما قوله لها إبل فموقع لها ~~أن يكون بعد إبل، لأنه صفة لها، والصفة لا تتقدم على الموصوف، كما أن الصلة ~~لا تتقدم على الموصول، لكنها قدمت على ان تكون حالا، والحال كما يتأخر ~~يتقدم إذا لم يمنعه مانع، فهو كقول الآخر: # لمية موحشا طلل ... كأن رسومها الخلل # وتقدم لها على إبل كتقدم موحشا على طلل. # PageV01P1165 # وقوله إبل، اسم صيغ للجمع، ويتناول الكثير دون القليل. وقد ثنى هاهنا على ~~فرقتان، فقيل إبلان. وهذا كما يقال قومان ةعشيرتان وأهلان. وقوله شلت بها، ~~أي من أجلها وبسببها. ويروى: شت لها إبلان، ويرجع معناه إلى معنى الباء، ~~وذلك لأنه في معنى المفعول له، أي شلت عوضا عما شل منها، فيكزن لها الأولى ~~في موضع الحال كما قلت، لكونه صفة متقدمة، وضميرها يرجع إلى الجارة لا غير، ~~أي إبل متملكة لجارة لقبيلة سعد بن مالك. ولها الثانية تكون في موضع ~~المفعول له، والضمير منها يعود إلى الإبل إن شئت، وإن شئت إلى الجارة. ~~فاعرف الفصل بينهما إن شاء الله. # إذا عقدت أثناء سعد بن مالك ... لها ذمة عزت بكل مكان # إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم ... أبى كل مجني عليه وجان # ودار حفاظ قد حللتم مهانة ... بها نيبكم والضيف غير مهان # قوله إذا عقدت أفناء سعد بن مالك، يصفهم بحسن التعاون والترافد فيما ~~بينهم، وانتفاء التخاذل والتباين عن سيرهم وأخلاقهم، فإنهم يد واحدة على من ~~سواهم، لا استبداد للكبيرفيهم، ولا انحطاط للصغير منهم، بل كل يرضى فعل ~~صاحبه، واختصاص النفر منهم في الأمور كفعل الجمهور، فمتى دخل واحد من ~~أفنائهم في الأمر العظيم وتكفل به، أعانه الرؤساء حتى يخرج منه، لا يهملون ~~أمره، ولا يستهينون بشأنه. وإن عقدت أوساطهم أو المتأخرون منهم ذمة لها عزت ~~تلك الذمة وغلبت في الأماكن كلها، وجب الوفاء فيها عليهم بأسرهم، لا اختلال ~~منهم في دفعها، ولا انفكاك لهم من ملازمتها. # وقوله إذا سئلوا ما ms0946 ليس بالحق فيهم، يريد أنهم إذا سيموا خطة الضيم ~~اجتمعوا على اجتوائها والتسخط لها، واترين كانوا أو موتورين، وطالبين كانوا ~~أو مطلوبين، لما يفرضونه على أنفسهم من إباء الدنية، والتشارك في طروق ~~البلية، إلى أن تنقضي بمدافعتهم لها، وبالانتقام من جالبيها. وقوله ودار ~~حفاظ قد حللتم، يعني أنهم نزلوا دار المحافظة على الشرف رأوا مراغمة ~~الأعداء لدى الصبر على الكلف، وحسن ثيابهم، وكرم بلاؤهم، وطابت أخبارهم، ~~وكثرت غاشيتهم، لأنهم يهينون كرائم أموالهم، ويعزون ضيوفهم. # PageV01P1166 # وهذا كما قال الآخر: # ودار حفاظ أطلنا المقام ... بها فحللنا محلا كريما # إذا كان بعضهم للهوان ... خليط صفاء وأما رءوما ### || وقال: # جزى الله خيرا غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه # فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... علي وموج قد علتني غواربه # يقول متشكرا وداعيا: جزى الله غالبا من بين العشائر خيرا أشد ما كان حاجة ~~إلى من يكافئه على مستحدث بلائه الحسن في أضيق أوقات النوب، فكممرة دافعوا ~~دوني واشتلوني من كرب انضمت علي، وأطبقت لها الدنيا بظلامها لدي، فكأني ~~غريق تتلاعب الأمواج بي، وتقامسني في غمارها، وترادني في لججها. # وقوله: حدثان الدهر، مصدر حدث. الكربة: الاسم من الكرب، وهو الغم الذي ~~يأخذ بالنفس. والمتلاحم: الملازم بعد أن كان متباينا. ويقال: التحم وتلاحم ~~بمعنى. والغارب: أعلى الموج، وأعلى الظهر. ومنه قولهم: حبلك على غاربك. وكم ~~موضعه من الإعراب نصب على الظرف، والمعنى فمرارا كثيرة دافعوا دوني. # إذا فلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه # إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرد فيها متلف المال كاسبه # يقول: إذا عرض على كل واحد من بني غالب معاودة الحروب والكرور فيها عاد ~~منهم كل رجل تام الخلقة ممتد القامة، كريم النفس، كثير العطية. وأصل الشم ~~ارتفاع الأنف. ولك ان تروى: أشم جزل، وأشم جزل، فالرفع على كل والجر على ~~شمردل. والشمردل: الطويل. والشمم كناية عن الكرم. # PageV01P1167 # وقوله إذا أخذت بزل المخاض سلاحها فالمراد بسلاحها محاسنها وأمارات عتقها ~~وكرمها، كأنها تتحلى بتلك المحاسن في عين أربابها ms0947 حتى تحلى، فيصير ذلك سببا ~~للضن بها. وقوله متلف المال كاسبه هو كقولهم: مفيد مفيت، ومخلاف متلاف، ~~ومخلف متلف. والبزل: جمع بازل، وهو المتناهي قوة وشبابا. وأصل البزل الشق. ~~والمخلض: النوق الحوامل، وهو اسم مصوغ للجمع كالقوم والنسوة. ومعنى تجرد ~~فيها أي تشمر في عقرها ونحرها، يريد أن تحسنها بسلاحها في عينه لا يجدي ~~عليها نفعا، ولا يدفع عنها مكروها، لما به من إكرام الضيوف، ويوجب على نفسه ~~من قضاء الحقوق. ### || وقال آخر: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمسيله ... أيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... وما في إلا تلك من شيم العبد # حسن تكرير ابنة وإن كان المراد واحدة لاختلاف المضاف إليه، والقصد إلى ~~تفخيم أمرها وتعظيم شأنها. والذي يدل على ان المراد واحدة قوله إذا ما صنعت ~~الزاد فالتمسي. ويعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث ~~البردين حتى لقب به، أن وفود العرب اجتمعت عن المنذر بن ماء السماء - وهو ~~المنذر بن امرىء القيس، وماء السماء أمه نسب إليها لشرفها. وقيل: ماء ~~السماء لقبت به لصفاء نسبها، وقيل لنقاء لونها، يراد أنها كماء السماء لم ~~يحتمل كدورة - فأخرج المنذر بن بردين يوما يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز ~~العرب قبيلة فليأخذهما. فقام عامر بن أحيمر فأخذهما واترز بأحدهما وارتدى ~~بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز والعدد في معد، ~~ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم ~~في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينا فرني! فسكت الناس، فقال المنذر: ~~هذه عشيرتك كما تزعم، # PageV01P1168 # فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال: أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم ~~عشرة؛ وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من ms0948 ~~أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل! فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز ~~بالبردين. # وقوله إذا ما صنعت الزاد، يريد إذا فرغت من اتخاذ الزاد وإعداده فاطلبي ~~من أجله من يؤاكلني، فإني لم أعود نفسي التفرد في الأكل. وهذا الذي أنف منه ~~حتى تبرأ من الرضا به قد ورد في الخبر ما يقوى استقباح العرب له، وتزييفهم ~~إياه فيما يختارونه من كرم الطباع، وإقامة المروءات. ألا ترى أنه قال صلى ~~الله عليه وسلم، فيما روى عنه: " ألا أخبركم بشر الناس؟ من اكل وحده، ومنع ~~رفده، وضرب عبده ". # وموضع وحدي من الإعراب نصب على المصدر، والتقدير لست آكله وقد أوحدت نفسي ~~في أكله إيحادا، فوضع وحده موضع الإيجاد. والكوفيون يجعلون وحدي في موضع ~~الحال، وإن كان لفظه معرفة، يجعلونه من باب: جاءوا قضهم بقضيضهم، وكلمته ~~فاه إلى في، وما أشبهه. وجواب إذا قوله فالتمسي له أكيلا. وأكيل الرجل ~~وشريبه ونديمه وجليسه، يقال كل منها فيمن عرف بالصفة. لا يقال لمن أكل مع ~~صاحبه مرة واحدة هو أكيله، ولا لمن شرب معه مرة واحدة هو شريبه. وعلى ذلك ~~قولهم: هو جليسه، لا يطلق إلا على من عرف بهذه الصفة فتكررت منه. فإن قيل: ~~كيف نكره وقال التمسي له أكيلا؟ وهلا قال أكيلي؟ قلت: لا يمتنع أن يكون قد ~~عرف بمواكلته عدة، فأراد التمسي من أجله بعد ما هيأته واحدا من المعروفين ~~بمواكلتي، ألا ترى أنه قال مفصلا لما جمله، وشارحا لما أبهمه: أخا طارقا أو ~~جار بيت، فأبدل من الأول وهو أكيلا ما أبدل. والمراد: التمسي أكيلا من أحد ~~هذين النوعين طارقا آخيناه، أو جار بيت باسطناه. وقوله: فإنني أخاف مذمات ~~الأحاديث من بعدي، بيان علة استضاعه من التفرد في الأكل. يريد: أخشى ما ~~يلحق من العار في الأكل منفردا إذا افتقدت أو ذكرت أحوال الناس، واستعرضت ~~عاداتهم، فاستهجن الهجين منها، واستكرم الكريم. والمذمة بالفتح: الذم، ~~وجمعها مذمات. والمذمة بالكسر: الذمام. وأضاف المذمات إلى الأحاديث ليرى أن ~~خوفه مما يبقى من ms0949 الذم فيما يتحدث به بعده. # PageV01P1169 # وقوله: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا، يروى: نازلا. ويقال: ثوى بالمكان ~~وأثوى بمعنى. يريد أني أتكلف من خدمة الضيف ما يتكلفه العبيد، لا أستنكف ~~ولا آنف، وليس لي من أخلاق العبيد وطبائعهم إلا تلك، يريد إلا تلك الخدمة، ~~أو تلك الخليقة. وموضع ما دام نصب على الظرف أي مدة دوام ثوائه عندي. وموضع ~~من شيم العبد رفع على أن يكون اسم ما، وخبره في وإلا تلك استثناء مقدم، ~~وفائدة من التبيين فهو كمن الذي في قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان "، ~~لأن الأوثان كلها رجس، وليس يريد التبعيض بذكر من، لكن المراد اجتنبوا ~~الرجس من الضرب، إذ كان الأهم فيما يجب اجتنابه. ### || وقال آخر: # ليس في الفتيان من كل همه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق # ولكن فتى الفتيان من راح أو غدا ... لضر عدو أو لنفع صديق # يقول: ليس المختار من الفتيان والكامل الفتوة فيهم من إذا أصبح كان معظم ~~همه ما يشربه صباحا، وإذا امسى كان معظم همه ما يشربه مساء. والصبوح: ما ~~يصطبح به، اسما له. والغبوق: ما يغتبق به. يريد أن الفتوة ليس في إعداد ~~الأطعمة والأشربة، وإعطاء النفس مناها منهما، لكن الفتوة هو السعي غدوا ~~ورواحا في جر ضرر على منابذ مداج، أو جلب نفع إلى ناصح مواخ. ### || وقال حزاز بن عمرو، من بني عبد مناف # لنا إبل لن تهن ربها ... كرامتها والفتى ذاهب # هجان تكافأ فيها الصديق ... ويدرك فيها المنى الراغب # ونطعن عنها نحور العدى ... ويشرب منا بها الشارب # قوله لنا إبل لم تهن ربها كرامتها، يريد: أنا نوئر إكراما للنفوس ~~وصيانتها على إكرام المال وصيانته، لأن الأموال إذا لم تجعل واقية للنفس ~~جلبت العار وكسبت # PageV01P1170 # الشنار، فنحن نهينها ونبتذلها صونا للنفس، ولئلا يكون المال كالمالك لنا، ~~إذ كان عمر الفتى عارية مستردة، فهو هالك وإن أمهل مدة، وما يقدمه يذكر به، ~~فصيانة مروءتنا من أن ترث أو تهون، أجدى وأوجب من صيانة المال وتثميرها ~~والضن بها. وقد اعترض بقوله ms0950 والفتى ذاهببين الصفة والموصوف، لأن قوله هجان ~~من صفة الإبل، كما ان لم تهن ربها من صفتها أيضا. ولولا تأكد الجملة به ~~لكان يقبح مافعل، لكون الاعتراض أجنبيا مما قبله وبعده. والهجان يقع على ~~الواحد والجميع، وذلك أن فعالا كما يكون جمعا لفعيل، نحو ظريف وظراف، وكريم ~~وكرام، وكبير وكبار، كسروا عليه فعالا أيضا، فقالوا: درع دلاص وأدرع دلاص، ~~وبعير هجان وإبل هجان، لأن فعيلا متواخيان في أنهما من الثلاثي، وفي موقع ~~الزائد منهما، وفي عدد حروفهما، فيتشاركان في أحكامهما، وإذا كان كذلك ~~فهجان وهو للواحد، كضناك وكناز وماأشبههما، وهجان وهو للجميع، كظراف وكبار. ~~وقال: سيبويه: يدلك على أن هجانا ليس كالمصادر التي وصف بها نحو ضيف وجنب ~~وزور وماأشبهها، أنك تقول هجانان فتنتيه، وإذا كان مرصدا للتثنية فهو للجمع ~~كذلك. ومعنى تكافأ فيها الصديق تماثل، من الكفء المثل في المال والحسب ~~وغيرهما. والمراد بالصديق الجنس، يريد يتساؤون فيها، لا استئثار منا بشيء ~~منها دونهم ولا تفرد، بل كل منا ومن الأصدقاء يتصرف فيه على مراده نافذا ~~أمره، وبالغا حكمه. وقوله ويدرك فيها المنى الراغب، أراد الراغبين، أي إن ~~العفاة وطلاب الخير إذا نزلوا بساحتنا نالوا أمانيهم منها كاملة لا يتخللها ~~خرم، ولا يتسلط عليها ثلم. # وقوله ونطعن عنها نحور العدى، لما عدد الوجوه التي ذكر أنهم يصرفون ~~أموالهم غليها، ويقتسمونها فيما ذكر في أثنائها أنهم يدافعون عنها الأعداء ~~فعليها حافظ من محافظتهم، ودونها دافع من مدافعتهم، لا يطمع الأعداء في ~~الإغارة عليها، ولا في احتجان شيء منها، بل يمتلكها وجهان: مثوية أو صنيعة ~~وقوله ويشرب منا بها الشارب، أراد أنهم يسبؤون بها الخمر ويجعلونها في ~~أثمانها. فهو في هذا وفيما سلكه كقول الآخر: # نحابى بها أكفاءنا ونهيها ... ونشرب في أثمانها ونقامر # PageV01P1171 # ونؤلفها في السنين الكلول ... إذا لم يجد مكسبا كاسب # ولم تك يوما إذا روحت ... على الحي يلفى لها جادب # حبانا بها جدنا والإله ... وضرب لنا خذم صائب # قوله: ونؤلفها في السنين الكلول يعني بالسنين العوام التي تقل الأمطار ms0951 ~~فيها وتشمل الناس الآفات لها. يقال: أصابتهم السنة. وقد أسنت الرجل، إذا ~~أصابه القحط والجدب. وأراد بالكلول من كان كلا على صاحبه وعيالا لمعيله، لا ~~يحسن التوجيه لكسب، ولا يهتدي لارتزاء خير وترقيح عيش، كالأيتام والأرامل ~~وذوي العاهة. وقوله إذا لم يجد مكسبا كاسب بدل من قوله في السنين. أي إذا ~~اشتد الزمان وتضايقت الخطوب بما يعم من القحط، وأعوز الكاسبين كسبهم فلزموا ~~مقارهم آيسين من إقبال الزمان وأهله، جعلنا إبلنا يألفها كلول الناس ~~فينالون منها، ويعيشون فيما يعود عليهم من أبانها ومنافعها. # وقوله ولم يك يوما إذا روحت، يريد ردت في مراعيها رواحا فوردت على الحي ~~لم يوجد لها عائب يعيبها، أي لم يوجد لأربابها من يعيبهم فيرميهم بالخل ~~والإمساك. وإنما قال يلفى لها لأنه يريد يلفي من أجلها. والجادب: العائب. ~~كأن المراد اتفاق على حمدهم، ونفى العيب على العلات كلها عن أخلاقهم، ~~وتسليم الفضل والإفضال لهم. # وقوله حبانا بها جدنا والإله أشار بالجد إلى استسعادهم بالزمان، فهم ~~محظوظون فيه، وأن الله عز وجل خصهم بالغنى لما عرفه من استحقاقهم، ومن ~~طولهم إذا مكنوا وملكوا. وقال والإله فأتى به على الأصل، وقلما يعدلون عن ~~لفظه الله تعالى إلى الإله، إذ كان جاريا مجرى الأعلام بعد لزوم الألف ~~واللام له عوضا من المحذوف منه. # وأشار بقوله وضرب لنا خذم صائب إلى ما نالوا من الأعداء وإيقاع الغارات ~~بهم. والخدام: القطع. ويقال: سيف مخذم وخذوم. ومعنى صائب ذو صواب، واخرجه ~~مخرج النسب. ويجوز أن يكون من صاب المطر، إذا وقع، صوبا. فإن جعلته من ~~الصواب كان المعنى ضرب يقع على حده من الاستحقاق والقصد، وإذا جعلته من ~~الصوب فالمعنى واقع موقعه عند الحاجة إليه. # PageV01P1172 # وهذه الأبيات يزيد تفاصيلها على جملها عند الفحص عنها. وقد وقع دون ~~غايتها قول الآخر وقد سلك مسلكه في تعداد مصارف أموالهم: # ثلاثة أثلاث فإثمان خيلنا ... وإقواتنا وما نسوق إلى القتل # وإن اختلفت الطريقتان. وكل يدعو إلى نفسه في حسنه وشموله واستيفائه. ### || وقال منصور بن مسجاح # ومختبط ms0952 قد جاء أو ذي قرابة ... فما اعتذرت إبلى عليه ولا نفسي # حبسنا ولم نسرح لكي لا يلومنا ... على حكمه صبرا معودة الحبس # فطاف كما طاف المصدق وسطها ... يخير منها في البوازل والسدس # أصل الاختباط في الورق. يقال: خبطت الورق واختبطته، إذا نفضته من الشجر؛ ~~والمنفوض خبط ومختبط. وكما يستعار الورق فيكنى به عن المال يستعار الخبط ~~فيكنى به عن طلبه. على ذلك قول زهير: # وليس مانع ذي قربى ولارحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا # وكأن الاختباط يختص بفعل من يسأل عن عرض، ولا يقف على تحرم أو توسل أو ~~تذرع، ولكن يكون به السؤال وبذل الوجه كيف جاء. وفي الافتعال زيادة تكلف، ~~فلذلك اختص هذا الاختصاص. وعلى هذا قولهم الاكتساب والكسب. وقوله " أو ذي " ~~قرابة "، خص من يمت بالنسب أو السبب فيقول: رب سائل تعرض لنا، أو ذي " نسب ~~اعتمدنا، فلا نفسي احتجزت عنه بمنع، ولا إبلى اعتذرت عليه بعذر. كأن عذر ~~الإبل تأخرها عن مباءتها، أو ذكر وقوع آفة فيها أو تسلط جدب عليها. واحتجاز ~~النفس: بخلها بها، وإقامة المعاذير الكاذبة دونها، وما يجري هذا المجرى. # وقوله " حبسنا ولم نسرح " جواب رب مختبط، وبيان ما تلقاه به عند استقباله ~~من القبول. ويقال: سرحت الماشية بالغداة، إذا أخرجتها إلى مراعبها، وأرحتها ~~إذا رددتها رواحا إلى أفنيتها. ومفعول " حبسنا " قوله " معودة الحبس "، ~~ومفعول " لم نسرح " محذوف، أي لم نسرحها. # PageV01P1173 # وقوله " على حكمه " تعلق بحبسنا. وانتصب " صبرا " على أنه مصدر من غير ~~لفظه، لأن معنى حبسنا وصبرنا واحد. وتقدير البيت: حبسنا على حكم هذا ~~المختبط العافي أو النسيب إبلا جعل من عادتها الحبس بالفناء صبرا، ولم ~~نخرجها إلى المرعى لئلا يجد طريقا إلى لومنا فيما يقدره عندنا. ويجوز أن ~~ينتصب " صبرا " على أنه مصدر لعلة، أي لصبرنا على ما نمونه ونتحمله للعفاة ~~فعلنا ذلك. ويجوز أيضا أن يكون انتصابه على الحال، لأن المصادر تقع مواقع ~~الأحوال، أي صابرين على ذلك لهم. # وقوله " فطاف كما طاف المصدق "، يريد أن هذا الطالب مكناه ms0953 من إبلنا ~~المحبوسة في الفناء فطاف فيها متخيرا منها في خيارها وكرائمها، وإذا كان ~~متخيرا في بوازلها وسدسها وهي أكرم الإبل وأقواها، فما دونها أولى أن يكون ~~مخيرأ فيها. وتشبيهه إياه بالمصدق وهو طالب الصدقة تحقيق لتحكمه وتبسطه ~~وتسحبه. يريد أن إدلاله إدلال من يستخرج حقا واجبا لله تعالى. وقوله " يخير ~~منها "، إعرابه نصب في موضع الحال من طاف الأول. ومعنى يخير، يجعل له ~~الاختيار منها. وهذا تحكيم ثان سوى ما سوغت له نفسه بإدلاله. ### || وقال عامر بن حوط، من بني عامر # ولقد علمت لتأتين عشية ... ما بعدها خوف على ولا عدم # وأزور بيت الحق زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوض وانهدم # فلأتركن الساملين حياضهم ... ولأحبسن على مكارمي النعم # قوله: " ولقد علمت " يجري على القسم، ولذلك أجابه بلتأتين. ويعني بالعشية ~~آخر النهار من يوم موته. فيقول: تيقنت والله أنه يأتي على عشية من يوم قد ~~تخليت فيه من الدنيا وانقطعت الأسباب بيني وبينها، فلا أكون من الفقر على ~~رقبة، ولا من حوادث الدهر على خيفة، وأزور القبر الذي هو " بيت الحق ". ~~وأضاف البيت إلى الحق لأنه لاسكنى بعده، فكأنه الموضع الذي يؤوي إليه الحق ~~ويفضي إليه من أنزله الموت ناقلا من دار إلى دار. وقوله " زورة ماكث " أي ~~أزوره زيارة المقيم المنتظر # PageV01P1174 # الذي لاعجلة به، فلماذا أبالي بما تقوض منه أو انهدم. والمعنى أن تدبير ~~أمره يصير إلى غيره فلا يهتم لمأواه اهتمامه له أيام حياته. ويقال: لاأحفل ~~كذا، ولا أحفل بكذا. " وعلام " ما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف ~~الألف من آخره. وقد مضى مثله مشروحا أمره. # وهذا الاستفهام هو على طريق الإنكار، أي لم أحفل. والأحوال في كون البيت ~~عامرا أو غامرا تتساوى عندي. وقوله فلا تركن الساملين حياضهم السامل: ~~المصلح. والمعنى: إني أرفض حال من همته مقصورة على تثمير ماله، وعمارة ~~حياضه، والفكر في موارد إبله ومصادرها. ومن سمل الحوض سمى الماء الذي يبقى ~~في أسفل الحوض السملة. قال: # ممغومة أعراضهم ممرطله ... في كل ماء آجين ms0954 وسمله # والمراد: أهجر من هذا همته من عيشه، وأحبس نعمي على عمارة المكارم وتفقد ~~ما تشيد لي من المعالي. والنعم يقع على الزواج الثمانية، والغالب عليه ~~الإبل، وهو مذكر، يقال: هذا نعم وارد. وحبسه على المكارم هو أن يصرف منافعه ~~إلىالمستحقين من الوارد والزوار، مقصورة عليهم ومشغولة بهم. ### || وقال زيد بن حصين # أقلي على اللوم يا ابنة منذر ... ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري # ألم تعلمي أني إذا الدهر مسني ... بنائبة زلت ولم أتترتر # يخاطب لائمة له تبرم بلومها فقال: قللي من لومك علي ونامي عني، فإن تعذر ~~النوم عليك ضجرا بالحالة التي تجمعنا فاسهري، فليس لك من عتبك مايرد نفعا ~~علي ولا عليك. ثم أخذ يقررها على قلة احتفاله بما يأتي به الدهر، فقال: أما ~~علمت أن الزمان إذا مسني بحدثانه ذهب عني ولم أتردد في حيرته، ولم أتنكس في ~~لواحق شره ونوائبه، بل أمضى قدما على ما يمسني منه ويخصني، راضيا بما يقسم ~~لي من عفوه، وملتزما ما يعرض منه عند جهده. # PageV01P1175 # وقوله زلت استعارة حسنة. كأن صبره على الشدة، وثباته في وجه المحنة، تزل ~~النوب عنه كما يزل الماء الدنس عن الصخور، ويقال: قدح زلول، كما يقال للشيء ~~السريع الدوران: درور. والتترتر: العجلة، فكأن المراد: زلت النائبة ولم ~~تستخفني فكنت أعجل أو أتحول عما كنت عليه. # يراني العدو بعد غب لقائه ... خليا نعيم البال لم أتغير # يقول: وإذا قاسيت من العدو مضارة ومناكدة فيما يتجاذبهومجاحشة، يراني بعد ~~يوم لقائه بيوم وكأنه ما مسني أذى، ولا نالني مكروه، لأنه يجدني خليا منعم ~~البال، لم اتغير عما عهدت عليه قبل الامتحان به، ولم أتبذل. وقوله نعيم ~~البال هو من الضوال التي وجدت الآن، وذاك لأن فعيلا في معنى مفعل معدود ~~محصور، وقد ذكرته في غير هذا الموضع وتقصيته. ونعيم البال من ذلك، يقال: ~~أنعم الله بالك، وبال منعم ونعيم. ولا يمتنع أن يكون نعيم فعيلا من نعم أو ~~نعم عيشه، وأكثر ما يستعمل مصدرا. يقول: هو في نعيم لا ms0955 يزول، وغذا كان كذلك ~~فهو غريب إن جعلته اسم الفاعل، كقدم فهو قديم أو حزن فهو حزين؛ أو فعيلا في ~~معنى مفعل، كفرس حبيس ومحبس، وباب تريص ومترص. وانتصب خليا؟ على الحال من ~~يراني، وهو الذي لا هم له. وفي المثل. ويل للشجي من الخلي وقد يكون في غير ~~هذا المكان المخلى. # وراكدة عتبي طويل صيامها ... قسمت على ضوء من النار مبصر # طروقا فلم أفحش وقسمت لحمها ... إذا اجتنب العافون نار العذور # يعني بالراكدة قدرا لانتصابها وبقائها على الأثافي. ويقال: ماء راكد، أي ~~ساكن. وجعلها عتبى لغليانها كأنها تعتب وتشكو. وهذا من عتب عليه من ~~الموجدة. يقال: عتبت عليه فأعتب. ويروى: غيري يكون من الغيرة، لأن صاحبها ~~يحتد، فشبه غليانها بغليان الغيرى. وفي الحديث: " ردوني إلى أهلي غيري نغرة ~~". والصيام: القيام. ووصفه بالطول، فقال: طويل صيامها لكبرها. كأنه لا تنزل ~~قريبا إذا نصبت. # PageV01P1176 # وقوله قسمت على ضوء من النار مبصر، جعل الضوء مبصرا لما كان الإبصار فيه، ~~على ذلك قوله تعالى: " وجعلنا آية النهار مبصرة ". وجعل قسمة القدر وهو ~~يريد قسمة مرقها وما احتوت عليه ليلا، وبضوء من النار، لشدة الزمان، وتناهي ~~البرد، ولأنه وقت طروق الضيف. وقوله لم أفحش أي لم آت بفحش لا فعلا ولا ~~قولا، ولم أقترف ما يقبح من الذكر ويستنكر. في السمع. وقوله إذا اجتنب ~~العافون ظرف لقوله لم أفحش، وطروقا ظرف لقسمت على ضوء، ويكون تقدير ~~البيتين: وراكدة طويلة القيام قسمت مرقها ظلاما وقت طروق العفاة والأضياف، ~~وبددت لحمها، ولم أت بفحشاء، في وقت يتسرع الضجر من كثرة الوارد وازحام ~~الأشغال إلى من كان سيء الخلق، سريع التغير، حتى اجتنب ناره، وزهد في ~~ضيافته. وجعل لنفسه قسمين كان أحدهما للمرق على الثرد، والثاني لفدر اللحم. ~~وعلى الأول قول الاخر: # وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ### || وقال الهذيل بن مشجعة البولاني # إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفه وورائه # ومفيده نصري وإن كان امرأ ... متزحزحا في أرضه وسمائه # يصف كرم محافظته وحسن نيابته عن ms0956 غياب أهله وذويه، فيقول: إني لمدافع مرام ~~دون ابن عمي إذا غاب عني، فأذب من قدامه وخلفه. والمعنى: أني أقاتل دونه ~~كنت هاديا له وقد تخلف عني، أو حاديا له وقد تقدمني. فقوله من ورائه، من ~~البين الظاهر أنه بمعنى القدام، وقد ذكر معه خلف. واشتقاقه من المواراة وهي ~~المساترة، ولذلك صلح وقوعه موقع الخلف والقدام. وفي القرآن: " وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا ". وموضع من خلفه نصب على الحال أي متخلفا أو ~~متقدما. وقوله ومفيده نصري أي لا أمسك عن معونته وإن تباعد عني في أرضه ~~وسمائه. والمعنى: أني بظهر الغيب لا أخذله وإن اشتغل عني بمصارف حياته في # PageV01P1177 # بلاده وأوطانه. وعطف على أرضه السماء تأكيدا لتنائيه عنه، واشتغاله دونه ~~بمباغيه، كأنه لما جعل له أرضا مباينة لأرضه، جعل لأرضه سماء مباينة لسماء ~~أرضه. ولا يمتنع أن يكون جعل ذلك مثلا لاختلاف أحواله، كما يقال نفضت نهائم ~~فلان ونجوده. والمعنى: جربته وكشفت عن أحواله. وعلى هذا قولهم: خبرت ضحى ~~فلان ودجاه، والمعنى سره وإعلانه. # ومتى أجئه في الشديدة مرملا ... ألق الذي في مزودي لوعائه # وإذا تتبعت الجلائف مالنا ... خلطت صحيحتنا إلى جربائه # يقول: ومتى زرته في شدائد الزمان فوجدته منقطعا به لم أحوجه إلى السؤال ~~وبذل الوجه واستحمال المفاقر عنه، لكن ألقيت في وعائه ما كان في مزودي. أي ~~أرم حاله في السر من غير أن يلحقه خجل، أو يمسه تعب. وقوله وإذا تتبعت ~~الجلائف، يقول: وإذا تعاونت الآفات والسنون على أموالنا، وتتابعت الأزمات ~~معترضة في أحوالنا، فقشرتها ولحتها، وأثرت بالسوءى فيها خلط ما سلم من ~~مالنا بالمعيب من ماله. وذكر الصحيحة والجرباء مثل. والمعنى: أصلحنا فاسد ~~حاله بصالح حالنا وتحملنا أوزار الأيام السيئة عنه بما خف من ظهورنا. ~~والجلائف: جمع جليفة، وهي الأعوام المدبة. وأصل الجلف القشر. يقال: جلفت ~~الدن، إذا قشرت الطين عنه. # وإذا أتى من وجهة بطريفة ... لم أطلع مما وراء خبائه # يروى: من وجهه، والمعنى من حيث ما توجه له كاسبا للمال. وقوله من ms0957 وجهة ~~وهو اسم وليس بمصدر، ولذلك سلم فاؤه. والمصدر الجهة، أعل كما أعل فعله، على ~~ذلك العدة والزنة، والوعدة والوزنة إذا بنيت اسما. # والطريفة، أراد ما استطرف من المال واستحدث، لكن القصد هنا إلى ما يستحسن ~~من الأعراض، لكونه طرفة. وقوله لم أطلع مما وراء خبائه أي لم اتعرض له تعرض ~~المتتبع لحاله، المتطلع على سرائر أمره. ووراء هاهنا بمعنى خلف. # PageV01P1178 # ويجوز أن يكون المعنى: ام اعرض نفسي عليه متعرفا ما جاء به ليشركني في ~~طرفه، ويجعلني إسوة نفسه. # وإذا اكتسى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت أن على حسن ردائه # يصف طيب نفسه بما يناله صاحبه من الخير، وينفرد به من زيادة تجمل، أو ~~ظهور أثر نعمة، وقلة حسده له، وأنه لا يشتمل صدره فيه على غل، ولا ينطوى ~~قلبه له على مكنون حقد لما يرى به من ظهور غنى، واتساع أمر، حتى يتمنى ~~مكانته، ويختار الاستبداد بما أوتيه، أو مشاركته فيه. وقوله ياليت المنادى ~~محذوف، وموضع ياليت نصب على أنه مفعول لم أقل، كأنه قال: لم أقل يا ناس، ~~ليت أن على رداءه الحسن. ### || وقال حسان بن حنظلة # تلك ابنة العدوى قالت باطلا ... أزرى بقومك قلة الأموال # إنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال # انتصب باطلا على أنه مفعول قالت. ومن شرط القول أن يحكي ما بعده إذا كان ~~جملة، تقول: قال زيد عمر وخارج. فإن كان ما بعده معنى جملة ولم يكن جملة ~~كاملة انتصب على أن يكون مفعوله، كقولك قال زيد حقا وقال كذبا وصدقا. وموضع ~~قوله أزرى بقومك قلة الأموال نصب على البدل من قوله باطلا. ويجوز أن ينتصب ~~باطلا على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال قالت قولا باطلا، ويكون أزرى ~~بقومك في موضع المفعول لقالت وقد حكاه لكونه جملة. وقوله قالت باطلا رفع ~~على أنه خبر المبتدأ، وابنة العدوى ارتفع على أنه عطف البيان لتلك. ومعنى ~~البيت: قالت ابنة العدوى زورا من القول وباطلا: لقد قصر بقومك فقرهم وقلة ~~مالهم، وإعراض ms0958 الدنيا عنهم! فأجبتها بقولي: إنا لعمر أبيك يحمدنا الضيف، ~~ويشكرنا الزائر والمجتاز. والمعنى: ليس الاعتبار بكثرة المال واتساع الحال، ~~فإنا وحق أبيك يحمدنا ضيوفنا إذا نزلوا بنا، فينصرفون مادحين لنا، وترى ~~مقلنا ينال السيادة على إقلاله، ولا يؤخره ذلك عن رتبة أمثاله. وحذف من ~~قوله إنا # PageV01P1179 # لعمر أبيك فأجبتها أو قلت لها. ومثل هذا يحذف في الكلام كثيراص. على ذلك ~~قول الله عز وجل: " وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم "، أي يقال ~~لهم: أكفرتم بعد إيمانكم. # غضبت على أن اتصلت بطيء ... وأنا امرؤ من طيء الأجبال # وأنا امرؤ من آل حية منصبي ... وبنو جوين، فأسألي، أخوالي # يقول: أنكرت مني هذه المرأة انتسابي إلى طيء، وتأثلي فيهم، واعتزائي ~~إليهم، وتغضبت لتجرني إلى تميم وتحولني فيهم، وذلك بعيد لا يقع في الوهم ~~كونه، ولا يستجاز حصوله، وذلك أني رجل من طيء خرجت، وفي عشتها درجت، وعلى ~~طرائقهم وشيمهم تخرجت، إذ كانوا الأصل الذي منه تفرعت، وعليهم إذا ذكرت ~~المناسب نسبي أدرت. وقوله وأنا امرؤ من آل حية منصبي، وذكر طرفيه فزعم أن ~~آل حية عمومته التي تؤويه، وأن بني جوين خؤولته التي تدنيه، والقصد إلى ~~مراغمة تلك وتشهير نفسه بما تنكره منه. وقوله من طيء الأجبال يعني سلمى ~~وأجأ. وهذه الإضافة على طرق التخصيص والتبيين، وذلك لأن طيئا فرقتان: فرقة ~~تنزل السفل من جبالهم، وفرقة تنزل العلو. وقوله منصبي يجوز أن يكون مبتدأ ~~ومن آل حية خبره، والجملة في موضع الصفة لامرىء، ويجوز أن يكون من آل حية ~~في موضع الصفة، ومنصبي في موضع الرفع على البدل من امرؤ، كأنه قال: أنا ~~منصبي من آل حية. وقوله فاسألي اعتراض، وقد توسط المبتدأ والخبر، ومفعوله ~~محذوف. # وإذا دعوت بني جديلة جاءني ... مرد على جرد المتون طوال # أحلامنا تزن الجبال رزانة ... ويزيد جاهلنا على الجهال # بنو جديلة: من طيىء. أراد أن يبين أنه كما يعتزى إليهم يقبلوله ويتبجحون ~~بكونه منهم وينصرونه، فمتى استغاث بهم واستعانهم على دهره أو عدوه أعانه ~~رجال مراد، على ms0959 خيل جرد، وانتقموا له وانتصفوا من أعدائه. وقوله أحلامنا ~~تزن الجبال، مدح نفسه وقبيلته والمراد أنهم من الوقار والسكون والرزانة ~~والهدو في المنزل الأعلى، والمكان الأقصى، لا يتحلحلون للنوائب، ولا ~~يتضعضعون للشدائد. هذا ما لم يحرجوا أو يحوجوا، فإن استجهلوا من بعد، ~~واستجروا إلى الشر، وجد جاهلهم يزيد على الجهال قهرا وتأبيا، واشتطاطا في # PageV01P1180 # الحكم وتصعبا. وإنما افتخر بأن حلمهم موجود ثابت ما لم يساموا خسفا، فإن ~~عدل بهم عن طريق النصفة، وأروا في معاملتهم عسفا، كان جهلهم معدا، وزائدا ~~على كل ما يقدر فيعد عدا. # وقوله تزن الجبال رزانة الوزن: مثقال كل شيء، ثم كثر حتى قيل: هو راجح ~~للوزن، أي راجح الرأي والعقل؛ وهو يزن كذا، أي هو على وزنه؛ وهو أوزن قومه، ~~أي هو أرجحهم وأوجههم. ### || وقال إياس بن الأرت # إني لقوال لعافي مرحبا ... وللطالب المعروف إنك واجده # وإني للما أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده # قوله عافى أصله عافوني، لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيهما سبق الآخر ~~بالسكون يقلب الواو ياء، ثم يدغم الأول في الثاني، وكسر الفاء لمجاورته ~~للياء. وانتصب مرحباعلى المصدر، وقد وقع وهو يجري مجرى الجمل لمكان العامل ~~فيه معه موقع المفعول من قوله قوال. وانعطف عليه قوله " وللطالب المعروف ~~إنك واجده " كأنه قال: وقوال للطالب المعروف إنك واجده. فقوله إنك واجده ~~واقع في مثل قوله مرحبا. والمعنى أن العفاة وطلاب العرف إذا نزلوا بي ~~تلقيتهم بالترحيب والإكرام، وتلطيف القول في الإنزال، وأقول: إنكم تجدون ما ~~تطلبون، لامنع ولاحرمان، ولادفاع ولامطال؛ لأني إذا تقبضت أكف البخلاء فلم ~~تنبسط، وقصرت سواعدهم عن الامتداد في البذل فلم تطل، تنديت وعلت على أكف ~~السؤال كفي فبسطت، لأن معروفي دار وخيري مبذول. وقوله: " لمما أبسط الكف " ~~أي لمن الأمر أني أبسط الكف بالندى، ف " أبسط " شرح المبهم بلفظة ما. و " ~~إذا شنجت " ظرف لأبسط، ويشير إلى زمان السوء، وشمول المحل، وظهور البخل. # لعمرك ما تدري أمامة أنها ... ثنى من خيال ما أزال أعاوده # فشقت على ms0960 صحبي وعنت ركائبي ... وردت على الليل قرنا أكابده # PageV01P1181 # لعمرك: مبتدأ وخبره محذوف، وقد مضى القول فيه فيما تقدم. فيقول: وبقائك، ~~ما تعلم هذه المرأة أن خيالها يأتيني ثنى، أي مرة بعد أخرى. وفي الحديث: " ~~لاثنى في الصدقة "، أي لاتؤخذ في السنة مرتين. وقوله " ماأزال أعاوده " ~~يريد أني ممتحن بمجيئها، لأنها تراجعني فتصرفني عن أسبابي، وتعوقني عن ~~مهماتي. والمعنى أنها غافلة عما أكابده من خيالها في المنام، ومن ملازمة ~~ذكرها لي عند الانتباه، لأنها لاتجد مثل وجدي، فلا الذكر يهيج الشوق، ولا ~~الفكر يجدد الطيف. وهذا الكلام تشك منه وتعتب على صاحبته، يدل عليه قوله " ~~فشقت على صحبي "، يعني الخيال؛ وذاك لأنه لما سهر بعث أصحابه على النهوض ~~معه والانبعاث في السير مساعدين له، فهذا معنى الشقة عليه. وقوله " وعنت ~~ركائبي " جمع ركوبة، وهي تجري مجرى الأسماء في انفرادها عن الموصوف، لايقال ~~ناقة ركوبة. والمعنى: أتعبت رواحلي، لأن أزعجتها للسير، وبعثتها من القرار، ~~وحلت بينها وبين الراحة. وقوله " وردت على الليل قرنا أكابده " أي جعلتني ~~ممتطيا لليل، ومتخذا قرنا لي أزاوله وأجاذبه، أي أشاقه وأناصبه. وأصله من ~~الكبد، في قوله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في كبد "، أي في شدة ومشاقة. ~~وقال الخليل: يقال كابدت ظلمة الليل بكابد شديد، أي مكابدة شديدة. وكل هذا ~~الكلام تبجح منه عندها بأنها تملكه على غفلتها عنه، وانفراده بالبث فيها، ~~فخيالها يصرفه التصريف الذي وصف. وانتصب قرناعلى الحال. ### || وقال آخر: # أثنى على بما لا تكذبين به ... يا بكر أي فتى للضيف والجار # إني أجاور ما جاورت في حسبي ... ولا أفارق إلا طيب الدار # قوله " بما لاتكذبين به " أي لاتصادقين بذكره كاذبة. يقال: خبرني فلان ~~فأكذبته، أي وجدته كاذبا. والمعنى: ليكن ثناؤك على حقا، وبما لايستسرفه معه ~~ولا يستنكره مخبره. ثم علمها فقال: قولي يا بكر، أي فتى كنت للجار إذا ~~استجار، والضيف إذا استضاف. # PageV01P1182 # وقوله " إني أجاور ما جاورت في حسبي "، يريد أن من صاحبته مجاورا له ~~يجدني حسيبا في فعالي، كريما عند مقالي. هذا مدة ms0961 الجوار، ثم إن فارقته ~~فارقته والدار تنطق بالثناء علي، فأخباري تستطاب في السماع إذا شهدت. وفي ~~هذه الطريقة قول الآخر: # إذا كنت في دار فحاولت تركها ... فدعها وفيها إن رجعت معاد # وقوله في حسبي أي معي حسبي، فموضعه نصب على الحال. وإذا جاور ومعه حسبه ~~منعه مما لايحسن. ألا ترى قوله تعالى في صفة المؤمنين: " وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما "، أي الكرم منهم من التعريج على اللغو. ويقال: جاءنا فلان في ~~درع، أي عليه درع، والعامل فيه لا أفارق. وقوله " أي فتى " مبتدأ وخبره ~~مضمر، كأنه قال: أي فتى أنت؟ وقد جعل الطيب كناية عن الكريم؛ على ذلك قوله ~~تعالى: سلام عليكم طبتم فادخلوها، أي كرمتم. ### || وقال آخر: # كم من لئيم رأينا كان ذا إبل ... فأصبح اليوم لامعط ولا قار # ولويكون على الحداد يملكه ... لم يسق ذا غلة من مائه الجاري # كم موضعه نصب على المفعول من رأينا. يريد: رأينا كثيرا من اللئام يملكون ~~نفائس الأموال وكرامها، ثم ماتوا عنها أو أزيلت نعمهم وحيل بينهم وبينها، ~~فصاروا من بعد لا هم معطون ولا فارون، أي عادوا وقد تغيرت حالهم، فلا يرجى ~~ذلك من جهتهم. وقوله فأصبح اليوم وكان ذا إبل، كل ذلك مردود على لفظ لئيم، ~~وإن كان من حيث المعنى يفيد الكثرة. # وقوله ولو يكون على الحداد، يريد: ولو ولى فيض الحداد، وهو اسم بحر، ~~ممتلكا له أيام غناه لما برد غليل رجل حران، ولا سقاء ماء لفيه، لبخله ~~وقسوة قلبه. ومعنى على الحداد، أي متوليا له ومدبرا أمره، يقال: من عليكم؟ ~~أي من يأمر عليكم ويلكم. وإذا كان كذلك فقوله على الحداد يتم الكلام به، ~~لأنه خبر يكون، # PageV01P1183 # ويملكه في موصع النصب على الحال. وقوله لا معط معط في موضع المبتدأ كأنه ~~قال: لا هو معط. والكلام بعث على البذل والسخاء، وأن المال في الدنيا بعرض ~~الحوادث ملقي، وعلى طريقي النوائب، فلا يبقى لمالكه، كما أن مالكه لا يبقي ~~له، فما يقدمه في اجتلاب شكر واكتساب أجر هو ms0962 الباقي له، دون ما يخلفه ~~فيقتسمه الوارث بعده فائزين به وذامين له. ### || وقال حسان بن ثابت # المال يغشى رجالا لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي # أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال # أحتال للمال إن أودي فأجمعه ... ولست للعرض إن أودي بمحتال # قوله لا طباخ لهم، أي لاخير عندهم. ويقال: هذا لحم لا جباخ له، أي لا دسم ~~له. وشاب مطبخ، أملا ما يكون شبابا وأرواه. وطبخ الغلام، إذا ترعرع وعمل. ~~والدندن: المسود من الكلاء لقدمه ويبسه. والمعنى أن المرء لا يؤتى الغنى ~~لفضل فيه وغناه لديه، وإنما ذلك لمقادير قدرت على حسب ما عرفه الله تعالى ~~جده، وهو الذي يغني ويقني من مصالح خلقه. وإذا كان كذلك فقد يتفق حصول ~~المال عند من لا يستحقه بفضل أوتيه، أو ذمام وجب له، بل يكون كالسيل يمتد ~~من المذانب والتلاع حتى يقف حاصلا في أصول يابس الكلاء ومسوده، في أنه لا ~~ينتفع به ولا يرد خيرا على جامعه، كما لا ينتفع الدندن البالي بما يغشى ~~أصوله من ماء المطر. وفي مثل هذا قول الراعي: # وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه به والعرق مدخول # وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال وأحسن: # لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي # PageV01P1184 # وقوله أصون عرضي بمالي، يريد أني أجعل المال واقية لحسبي ونسبي، فأصونه ~~ولا أدنسه بتثميره وتوفيره، وإن تقلدت العار له واكتسبت الإثم الفاحش في، ~~فلا بارك الله في المال بعد النفس، لأن المال يحتاج إليه لتنتفع به النفس، ~~ولتتنزه عن المعايب والمقاذر بإنفاقه. فأما قوله بارك فأصله من اللزوم، ~~ومنه برك البعير، إذا لزم مكانه. فمعنى بارك الله فيه: بقاه الله. وعلى ذلك ~~قول المسلمين: تبارك الله: أي بقي ودام، فهو تفاعل في معنى فعل لا تكلف ~~فيه، تعالى الله عن ذلك. وقوله أحتال للمال إن أودي فأجمعه، يريد أن المال ~~إذا استهلكه منفقه أمكن الاعتياض منه، ونفذ الاحتيال في جمعه وتثميره، ms0963 وإذا ~~هلك العرض فلا طريق إلى رده إلى ما كان عليه، ولا استطاعة في تنقيته من درن ~~العار وقد جعل وقاية للمال. ### || وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي # دعوت إليها فتية بأكفهم ... من الجزر في برد الشتاء كلوم # إذا ما اشتهوا منها شواء سعى لهم ... به هذريان للكرام خدوم # فإلا أكن عين الجواد فإنني ... على الزاد في الظلماء غير شتيم # وإلا أكن عين الشجاع فإنني أرد سنان الرمح غير سليم # إليها، يعني إلى راحلته. وجعل الفتية مكلومي الأكف عندما يتولونه من قسمة ~~الجزور وتفصيل أوصالها، لأنهم لا يهتدون إلى المفاصل، ولم يزاولوا نحر ~~الإبل وجزرها قبل ذلك. فيقول: جمعت على قسمة ناقتي فتيانا قد تكلفوا ما ~~دعوتهم إليه تكرما، وإن لم يكن ذلك من شأنهم، ولا صار منهم ببال، لكن شدة ~~الزمان، وتناهي الضر في الجيران وطوائف الناس فرض على أمثالهم تجشم فعله ~~لهم، وحسن توليه فيهم. # PageV01P1185 # وقوله إذا ما اشتهوا منها شواء، يريد: زإذا انبسطوا للتناول وتواضعوا ~~وأظهروا في المعاون اهتزازهم فنشطوا، سعى في اتخاذ الشواء لهم وتهيئته رجل ~~خفيف السعي، كثير الألطاف، حسن الخدمة للكرام، عارف برسومهم في اكتساب ~~المكرمات. ويعني به نفسه. # وقوله: فإلا أكن عين الجواد، يريد إن لم أكن كل الجواد والجامع لأسباب ~~السخاء، فإنني لا أشتم في الظلماء بعلة الزاد وحبسه عن مريده؛ وإن لم أكن ~~حق الشجاع، والتام الآلات في المصاع، فإني أجر الرمح في المطعون وأرد سنانه ~~كسرا. وليس الجود ولا الشجاعة إلا ما ذكره، ولكنه أراد أن تكون دعواه قاصرة ~~عن الغاية المرموقة، ليكون أحسن في الأحدوثة، وأدخل في العقل، وأقرب في ~~الذكر. وقد مر القول في مثله في باب الحماسة أشبع من هذا. # والهذريان والهيذار: الكثير الكلام فيما يحمد. والهذر والمهذار: الكثير ~~الكلام في كل باب. ### || وقال آخر # وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ... وأكثرالشوب إن لم يكثر اللبن # وسع به وتلت حول حاضره ... إن الكريم الذي لم يخله الفطن # قوله بمدك مصدر مددت القدر، إذا أكثرت مرقها. ويقال: مددت الدواة ms0964 أيضا، ~~إذا كثر مرق قدرك ليتسع لغاشيتها، وأكثر خلط اللبن إن لم يكثر في نفسه ولم ~~يتسع لوارده. والشوب: مصدر شاب يشوب، إذا خلط وهذا مثل ما سار به المثل، ~~وهو مثل الماء خير من الماء. وأصله أن رجلا استسقى غيره لبنا، فقال: إنه ~~مثل الماء، أي فضلة بقيت من لبن مشوب. فقال المستسقي: مثل الماء خير من ~~الماء. يريد أن المشوب من اللبن خير من الماء القراح. ومثله قول الآخر: # نمد لهم بالماء من غير هونهم ... ولكن إذا ما ضاق شيء يوسع # وقوله وسع به وتلفت حول حاضره يريد كثره والتفت فيمن حولك من جار ومحتاج، ~~ولا تنتظر بما تفرقه السؤال والطلب، ولكن ليكن من نفسك باعث على # PageV01P1186 # تمييز المحتاج، والنظر له، والإفضال عليه؛ لأن الكريم هو الذي لا يخليه ~~فطنه، والتفاته ونظره. واللؤم: سوء التغافل. # وهذا كما قال الآخر: # إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أفود ### || وقال آخر # إذا هي لم تمنع برسل لحومها ... من السيف لاقت حده وهو قاطع # ندافع عن أحسابنا بلحومها ... وألبانها إن الكريم يدافع # ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه وترجعه إليه الرواجع # قوله إذا هي لم تمنع، يعني الإبل. فيقول: إذا لم يكن في النوق لبن تحمي ~~نفوسها به من العقر عند نزول الضيفان لاقت حد السيف وهو يجزرها ويقطعها. ~~ومثله قول الآخر: # وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... على الضيف يجرح في عراقيبها نصلي # وأبلغ منهما قول الآخر: # فتى لا يعد الرسل يقضي ذمامه ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر # وقوله ندافع عن احسابنا بلحومها، يريد بإطعام لحومها، وسقى ألبانها لأن ~~عادتنا تفرض علينا المدافعة عن الكرم، والمحاماة على الشرف، وذلك خلقنا ~~الذي ننشأ عليه، وننبت فيه، ومن يتعاط خلقا مستجدا مخالفا لما ألفه وتعوده ~~يفارقه ويرجع إليه الخلق الأول. ومثله قول الآخر: # كل امرىء راجع يوما لشيمته ... وإن تخلق أخلاقا إلى حين # والقرف يكون من الذنب والجرم، يقال: هو يقترف ذنبا، أي يأتيه ويفعله، ~~ويقال أيضا: هو ms0965 يقترف لعياله، أي يكتسب. واقترف حسنة، أي اكتسبها. وقوله: # PageV01P1187 # وترجعه إلى الرواجع، يقال: رجع فلان من كذا رجوعا، ورجعته أنا رجعا، ~~ومثله صد وصددته، وكسب وكسبته. ### || وقال مضرس بن ربعي # وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما ... كسا الأرض نضاح الجليد وجامده # لأكرمه إن الكرامة حقه ... ومثلان عندي قربه وتباعده # أبيت أعشيه السديف وإنني ... بما قال حتى يترك الحي حامده # يقول: إني أدعو الضيف بإيقاد النار وإعلاء ضوئها، عند اشتداد البرد، ~~وامتساء الأرض من جامد الماء، ومنتضح الجليد أي نداه الذي يبسه البرد، ~~لأقضى حقه بإكرامه وإلطافه. والنضح كالنضح، إلا أن النضح له أثر. والعين ~~تنضح بالماء، وكذلك الكوز. والنضيح: العرق، لأن جرم الإنسان ينضح به. وسمى ~~أبو ذؤيب الهذلي ساقي النخل نضاحا، كما سمى البعير الذي يستسقي عليه الماء: ~~الناضح، فقال: # ..................... # كما ... يسقي الجذوع خلال الدور نضاح # وقوله ومثلان عندي قربه وتباعده، يريد في النسب. أي يتساوى عندي تمازحه ~~وتواشجه، وتنائيه وتباينه؛ لأن الواجب له على أقيمه لا أتحمد لذلك عليه، ~~لأن إكرام الضيف فرض على ذي المروءة، ومسقط الفرض عن نفسه لا يستحق من ~~الناس اعتدادا. # وقوله أبيت أعشيه السديف فالسديف: شحم السنام. والمراد: أبقى ليلتي مطعما ~~له خيار ما عندي ويحضرني من شطب السنام، ثم إن اقترح على شيئا أعده نعمة ~~تتجدد له يستوب منى حمدا وشكرا عليها، وذلك له طول مقامه إلى أن يفارقني، ~~ويترك عشيرتي. ### || وقال حماس بن ثامل # ومستنبح في لج ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل # PageV01P1188 # فقلت له أقبل فإنك راشد ... وغن على النار الندى وابن ثائل # المشبوبة: النار، وتوسعوا فقيل: شببت الحرب، كما قيل شببت النار. ولج ~~الليل: معظم ظلمته، وكذلك لج البحر. والصمد: الجبل أو الأرض المرتفعة. جعل ~~ناره في يفاع مقابل لسمت الضيف، فدعاه بها لما أعلاها ورفعها حتى اهتدى ~~لها. وهذا مثل ما قد شرحته. # وقوله فقلبت له أقبل فإنك راشد أي قويت نفسه في النزول، وأريته استبشاري ~~له وانتظاري إياه. ألا ترى أنه قال: وإن على النار الندى وابن ms0966 بامل. ولولا ~~اشتهاره بالطول والإفضال لما قال ذلك. وهذا مثل قول الأعشى: # وبات على النار الندى والمحلق ### || # وداع دعا بعد الهدو كأنما ... يقاتل أهوال السري وتقاتله # دعا بائسا شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يجاوله # يعني بالداعي مستنبحا طلب بعد أن مضى من الليل قطعة من يغيثه ويستنقذه من ~~هول الليل، وبلاء الضر، حتى كأنما كان يقاتل أسباب السري لشدة الأمر عليه، ~~وتقاتله، أي بلغ الحال به حدا رأى السري تغالبه عن نفسه، وتصارعه عنها. # وقوله دعا بائسا يعني كلبا ذا بؤس لضرر القحط، ويكون على هذا مفعولا. ~~ويجوز أن ينتصب على الحال للداعي، أي دعا وهو ذو بؤس. ويجوز أن يريد دعا ~~دعاء عن بؤس يشبه الجنون. فأما تكريره للدعاء فهو لتهويل الأمر وتفظيع ~~الشأن. وانتصب شبه الجنون أي دعاء يشبه الجنون، فهو صفة للمصدر المحذوف. ~~قال: وليس به جنون، لكنه يكابد أمرا، ويعاني مشقة وضرا، فهو يطلب الخلاص من ~~محنة # PageV01P1189 # لا طريق للمخلص الا على ذلك الوجة. وتحقيق الكلام: ليس به جنون، ولكن به ~~كيد أمر يطلب دفعه والسلامة منه. # فلما سمعت الصوت ناديت نحوه ... بصوت كريم الجد حلو شمائله # فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله # يقول: جمعت في تلقيه وإغائته بين الأسباب التي يستنزل بها الضيف، ويستقبل ~~بها الجيران؛ لإشالته من صرعته، واشتلائه من محنته، فناديته بنفسي على رفع ~~من صوتي، وهو صوت رجل كريم الأصل، حلو الطبائع، سهل الجانب، حسن الاشتمال ~~على الضيف، وجعلت ناري في براز، وهو المرتفع من الأرض. ومثل البراز البرز. ~~وقال: # يظل على البرز البفاع كأنه # قال: ثم أيدتها بثقوب يرتفع الضوء له، ويقوى به، وأخرجت كلبي من مقره، ~~وهو لشدة البرد ملازم للبيت لا يخرج، كل ذلك فعلته تقريبا للأمر على الضيف، ~~وتسهيلا لهدايته. وقوله وهو في البيت داخله في البيت موضعه خبر الابتداء ~~وليس بلغو، وداخله خبر ثان، والهاء من داخله يعود إلى البيت كأنه قال: وهو ~~مستقر في البيت داخل فيه، ولا ms0967 يمتنع أن يكون داخله في موضع البدل من قوله ~~في البيت، ويكون كقولك زيد داخل البيت وخارجه. # فلما رآني كبر الله وحده ... وبشر قلبا كان جما بلا بله # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... رشدت ولم أقعد إليه أسائله # يقول: لما رآني هذا الضيف قال: الله أكبر! استبشارا واغتباطا بما تعجل له ~~من الفرح، وفرح قلبا كانت غمومه مجتمعة عليه يأسا من الخير في مثل مكانه، ~~وطمعا فيما يستبقيه من حياته؛ فقلت له: أتيت أهلا لا غرباء، ووردت سهلا من ~~الأفنية لا حزنا، وتعمدت رحبا من الأماكن لا ضيقا، وصحبت الرشاد في عدولك ~~إلى لا الضلال، ورافقت السعادة لا الشقاء والهلكة، ولم أقعد إليه مسائلا عن ~~أخباره وعما أداه إلى أرضي في انتقالاته، بل عمدت إلى الاحتفال له، وقصرت ~~سعيي على ما يقتضيه إنزاله، وعلى تهيئة القرى والأنزال له. وانتصب وحده ~~علىالمصدر، لأنه موضوع موضع الإيجاد، أي أوحد الله إيحادا. # PageV01P1190 # فقمت إلى برك هجان أعده ... لوجبة حق نازل أنا فاعله # بأبيض خطت نعله حيث أدركت ... من الأرض لم تخطل على حمائله # يقول: وقمت إلى إبل باركة بالفناء، كريمة بيض، أعدت لواجب حق ينزل بي. ~~وزاد الهاء في وجبة للمرة الواحدة، ويجوز دخولها لهذا المعنى في المصادر ~~كلها، وقد شرحت القول في لفظه هجان ووقوعه بلفظه للواحد والجمع. وقوله ~~بأبيض تعلق الباء منه بقوله قمت. واللام من قوله لوجبة حق متعلق بقوله ~~أعده، وموضع الجملة صفة للبرك، كما أن قوله أنا فاعله صفة للحق. والمعنى: ~~قمت وقد تقلدت سيفا مصقولا، تخط حديدة جفنه في الأرض إذا أدركتها خطأ؛ وليس ~~ذلك لأن حمائله اضطربت علي أو قصرت قامتي عن ارتدائها لطولها، ولكن تختط ~~حيث تدرك، لارتفاع أرض أو عارض حال. والحمائل: جمع الحمالة. وإذا طال ~~النجاد خطل على لابسه واضطرب. وافتخارهم بامتداد القامة وطول الحمالة ~~معروف. والنعل: الحديدة التي يغشى بها أسفل الجفن. وعلى ذلك قوله: # طويل نجاد السيف ليس بجيدر # فجال قليلا واتقاني بخيره ... سناما وأملاه من الني كاهله # بقرم هجان مصعب ms0968 كان فحلها ... طويل القرى لم يعد أن شق بازله # قوله جال قليلا انتصب قليلا على الظرف، أي زمنا قليلا. وفاعل جال هو ~~البرك. ويجوز أن ينتصب قليلا على انه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: جال جولا ~~قليلا؛ فأقام الصفة مقام الموصوف. لأن المراد مفهوم. والمعنى: لما بصر ~~البرك بي ثارت من مباركها، لما يغشاها من الخوف المعتاد لها واضطربت، ثم ~~انقتني - أي جعلت بيني وبينها - بأتمكها سناما، وأملاها من الني كاهلا. ~~والني: الشحم واللحم. وانتصب سناما على التمييز. وارتفع قوله كاهله بفعل ~~مضمر دل عليه وأملاه، كأنه قال وأملاه من الني قال امتلأ كاهله. ويشبه قول ~~الآخر في إضمار الفعل، وإن كان ناصبا وذاك رافعا، # PageV01P1191 # وهو: # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # وانتصاب القوانس بفعل مضمر دل عليه وأضرب منا، كما ان ارتفاع الكاهل بفعل ~~دل عليه: وأملاه. وقوله بقرم هجان أعاد حرف الجر فيه، وهو بدل من قوله: ~~بخيره سناما. ومثله في إعادة حرف الجر في المبدل قوله تعالى: " قال الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ". والهجان، وصف به الواحد ~~هاهنا، فهو في زنة قولهم: ناقة دلاث، وخمار. وفي قوله برك هجان وصف الجمع ~~به، فهو كظراف وحسان. والمصعب: الفحل الكريم الذي لا يبتذل في العوارض، بل ~~يقصر على الفحلة. وقال الخليل: هو الذي لم يركب قط ولم يمسه حبل. ويقال ~~أصعب الفحل فهو مصعب، وبه سمى الرجل إذا كان مسودا مصعبا. وقوله كان فحلها ~~رجع الضمير إلى البرك، أي كان هذا القرم فحل هذه البرك، وهو طويل الظهر لم ~~يتجاوز بازله أن انشق اللحم عنه. يعني أنه كان في غاية ما يراعي من شبابه ~~وقوته. والبزول: في السنة التاسعة. والمعنى أنه لم يعد هذه الحالة إلى ما ~~وراءها، فكان يضعف. # فخر وظيف القرم في نصف ساقه ... وذاك عقال لا ينشط عاقله # بذلك اوصاني أبي وبمثله ... كذلك أوصاه قديما أوائله # خر: سقط، يخر خرورا. وخر الماء يخر خريرا. في الطلام إضمار، كأنه قال ~~اتقاني بخيره فعرقبته فخر وظيفه. ms0969 ويروى: فحز وظيف القرم في نصف ساقه، وفاعل ~~حز يكون السيف، أي عقرتها فعمل السيف في وظيفة وأندره من نصف ساقه، وذلك شد ~~عاقله لا ينشط، أي لا يحتاج إلى إحكامه وإبرامه لأنه لا يقع إلا مبرما. ~~ويقال نشطت العقد تنشيطا، إذا أحكمته؛ وأنشطته، إذا حللته. وعقد عليه ~~بأنشوطة، إذا جعله مهيئا للحل مقربا أمره فيه. ومما يجري مجرى المثل: " ~~كأنما أنشط من عقال ". وذكر بعضهم أن الشاعر سها فوضع نشط موضع أنشط؛ لأن ~~المراد ذاك عقال # PageV01P1192 # عاقله لا يحله ولا ينقض مايبرم منه. وكلام الشاعر سليم من العيب قويم. ~~والمعنى فيه ما ذكرت. وقوله بذلك أوصاني أبي وبمثله، يعني في أمر الضيف ~~أتي، بذا الفعل الذي وصفت وصاني أبي وبما يماثله. ثم قال: كذلك أسلافه ~~أوصوه قديما. وموضع كذلك نصب على الحال، وانتصب قديما على الظرف، والمعنى ~~أني لم أرث ذلك عن كلالة، وإنما ورثناه أبا عن أب وخلفا عن سلف. ### || وقال النابغة الذبياني # له بفناء البيت سوداء فخمة ... تلقم أوصال الجزور العراعر # بقية قدر من قدور تورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر # تظل الإماء يبتدرن قديحها ... كما ابتدرت سعد مياه قراقر # أراد بالسوداء قدرا. والفخمة: الضخمة. تلقم: تحتوي وتبتلع لعظمها أعضاء ~~الجزور موفرة. والعراعر: الضخم السمين، وجمعه عراعر، بفتح العين. ومثله ~~جوالق وجوالق. وعرعرة الجبل: معظمه. فيقول: لهذا الرجل بإزاء القوم وفناء ~~الدار منهم، قدر هذه صفتها من العظم، وتضمن أعضاء الجزور موربة لم تنتقص، ~~وهي بقية قدر من قدور تورثت من أسلافهم آل الجلاح كبيرا بعد كبير، ورئيسا ~~بعد رئيس، ولم يوجد كابرا في معنى كبير إلا في هذا المكان. وقد بين بذكر ~~لفظة بعد أن عن في قوله كابرا عن كابر بمعنى بعج. وكان أبو علي رحمه الله ~~يقول قولهم كابرا ليس باسم الفاعل، كالقاعد والقائم والجالس، وإنما هو اسم ~~صيغ للجمع، كالباقر والجامل. والمراد كبراء بعد كبراء. # وقوله تظل الإماء يبتدرن قديحها، يريد وقت القسمة، أي يستبقين طول النهار ~~إليها، وإلى تناول الغرفات منها، استباق ms0970 بني سعد مياه هذا المكان. وقراقر: ~~موضع فيه ماء لقضاعة، وهو فراطة بين أحيائهم، أي شرع لا تناوب فيه، بل ~~يفوز، بل يفوز السابق إليه. فشبه تبادر الإماء نحو القدر بتبادر بطون سعد ~~إلى تلك المياه. والقديح: فعيل بمعنى مفعول، وهو المرق المقدوح. # PageV01P1193 ### || وقال الفرزدق # وداع بلحن الكلب يدعو ودونه ... من الليل سجفا ظلمة وغيومها # دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا ... فتى كابن ليل حين غارت نجومها # بعثت له دهماء ليست بلقحة ... تدر إذا ما هب نحسا عقيمها # قوله داع بلحن الكلب، يعني مستنبحا تكلف نبيح الكلب في صوته، ولحن لحنه، ~~وفعل ذلك إذ حال بينه وبين المناظر من الليل ستران من الظلم، والتباس ~~الغيوم. وإنما قال سجفا ظلمة وغيومها تأكيدا، كما قيل: " ظلمات بعضها فوق ~~بعض " ولهذا لم يرض بذلك حتى أضاف إليه ظلمة السحاب أيضا المغطية للكواكب. # وقوله دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا، يقول: استنبح، وهو يؤمل أن ينتبه ~~لدعائه وينبعث فتى كغالب، حين غارت النجوم بالليل، والأهوال متراكمة، وظلم ~~الليل والسحاب متراكبة، واستيدت فرج السماء وآفاق الجو. كأن الضيف تمنى أن ~~يتفق له إجابة كإجابة غالب، وهو ابن ليلى، فاتفق أن هيىء له إجابة الفرزدق. ~~يشهد لذلك قوله: بعثت له دهماء، يعني بها قدرا. وكشف عن مراده بقوله ليست ~~بلقحة، أي ليست هي بناقة، وإنما هي قدر تدر مرفتها إذا هب عقيم الرياح ~~بالنحس. ويعني به الدبور، لأنها لا تلقح، وبها هلكت الأمم السالفة. وجواب ~~رب المضمرة في قوله داع قوله بعثت له دهماء. وقد اعترض بينهما بيت. # كأن المحال الغر في حجراتها ... عذارى بدت لما أصيب حميمها # غضوب كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجواز خشب زال عنها هشيمها # محضرة لا يجعل الستر دونها ... إذا المرضع العوجاء جال بريمها # جعل المحال، وهي فقر الظهر، والواحدة محالة، في نواحي القدر وجوانبها ~~لسمنها وبياضها مع تضمن القدر السوداء لها، وإحاطتها بها، كأبكار النساء، ~~وقد لبسن ثياب السلاب لما أصبن بحميمهن، فيبدون بيض الوجوه، سود الثياب. ~~وقد أحكم القول ms0971 في أصل عذارى في غير هذا الموضع. # PageV01P1194 # وقوله غضوب، يريد غليانها وهزتها، ثم شبه إشرافها بحيزوم النعامة، كما ~~قال الآخر: # نعامة حزباء تقاصر جيدها # وجعلها قد أوقد تحتها النار بحطب جزل أفرد عنها دقاقها وا تهشم من ورقها، ~~والقصد في هذا إلى تعظيم النار الموقدة تحتها لكبرها. # وقوله محضرة أي لا يمنع منها أحد ولا تقنع بما يسترها عن العيون إذا أمحل ~~الزمان، واشتد القحط، وصارت المرأة المرضع قد اعوج خلقتها فجال عليها ~~وشاحها، لانحسار اللحم عنها، وتأثير الهزال فيها. والبريم: خيط يفتل من صوف ~~أبيض وأسود يشد في أحقى الصبيان لتدفع العين به عنها. وثل ما وصف قول ~~الراعي: # إن أقسم قدري وهي بارزة ... إذ كل قدر عروس ذات جلباب # وقوله: إذا المرضع العوجاء جال بريمها ظرف لقوله محضرة، أو لقوله لا يجعل ~~الستر دونها وفيهما جواب إذا. والحجرات: النواحي، واحدتها حجرة، ويقال: قعد ~~حجرة، فيجعل ظرفا. وإحماش النار: إلهابها. وأحمشت القدر، إذا أشبعت وقود ~~النار تحتها حتى تغلى، ومنه حمش الشر والغضب، إذا اشتد. وقوله بأجواز خشب، ~~جوز كل شيء: وسطه. وإنما أراد الغلاظ من الحطب. ### || وقال شريح بن الأحوص # ومستنبح يبغي المبيت ودونه ... من الليل ظلمة وكسورها # رفعت له ناري فلما اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهر عقورها # فبات وإن أسرى من الليل عقبة ... بليلة صدق غاب عنها شرورها # PageV01P1195 # يريد: رب مستضيف بالنباح يطلب لنفسه مكانا يبيت فيه، وقد سقط عنه كلف ~~السير، وأسباب الجهد، وحجز بينه وبين الليل سجفا ظلمة وكسورها. والسجف: ~~الستر، وتكسر السين منه وتفتح. والكسور: جمع الكسر، وهو جانب البيت. قال ~~الخليل: الكسر والكسر: الشقة السفلى من الخباء، يرفع أحيانا ويرخي أحيانا، ~~وكذلك من كل قبة وغشاء، حتى يقال لناحيتي الصحراء كسراها. ولما استعار ~~السجف لتراكم الظلمة استعار الكسور لها أيضا، كأنه جعل الليلة كالبيت ~~لظلامها وقد أرخى سجفاه وألبس كسراه، فأظلم داخله. وجواب رب قوله فعت له ~~ناري، والواو من قوله ودونه واو الحال. وقوله فلما اهتدى بها يريد لما رفعت ~~النار ms0972 فأبصرها وأقبل نحوي منعت كلابي من أن يهر في وجهه عقورها. والعقور، ~~يريد به السيئة الخلق منها، المولعة بالعقر. فإن قيل: ولم يجعل في كلابه ~~العقور حتى احتاج إلى زجره عن ضيفه؟ قلت: كأنه كان في الكلاب ما لم يكن ~~يلزم الفناء، وإنما يكون مع الراعي في السرح للحفظ، فاتفق أن حضر مع كلاب ~~الحي، فلذلك احتاج إلى زجره. # وقوله فبات وإن أسرى من الليل عقبة خبر بات بليلة صدق وجواب إن الجزاء ما ~~اشتمل عليه البيت. فيقول: مكث الضيف عندي في ليلة صدق لا نحس فيها ولا شر، ~~والراحة تعاوده، والسلامة تلزمه وتتلقاه، وإن كان قد سرى عقبة منها، أي ~~طائفة. وانتصب عقبة على الظرف، وأصلها أن يتعاقب اثنان على البعير، فإذا ~~ركب أحدهما مشى صاحبه، ثم كثر استعماله فأجرى مجرى النوبة والفرصة، فيقال: ~~سار عقبة كم يقال سار نوبة. وقال الخليل: العقبة فرسخان؛ وهما يتعاقبان ~~الركوب بينهما. وقوله أن يهر في موضع النصب على البدل من كلابي. وقد تقدم ~~القول في ليلة صدق وما أشبهه: ### || وقال مسكين الدرامي # كأن قدور قومي كل يوم ... قباب الترك ملبسة الجلال # كأن الموفدين لها جمال ... طلاها الزفت والقطران طال # بأيديهم مغارف من حديد ... أشبهها مقيرة الدوالي # PageV01P1196 # جعل قدور قومه متبجحا بها، منصوبة في كل وقت. وجعلها لكبرها مشبهة بخر ~~كاهات الترك وقد جللت وألبست أغطية سوداء. وقوله كأن الموفدين لها، يريد ~~المزاولين لها في نصبها وإنزالها، وطبخها وتهيئتها. والموفد: المشرف على ~~الشيء العالي له. وانتصب ملبسة الجلال على الحال. وشبه الموفدين في سواد ~~ثيابهم وتدنسها بالغمر وتلطخها بالدرن بجمال مطلية بالقطران. والزفت، عهو ~~القار، وقال الدريدي: أصله معرب، وقد تكلمت العرب به كثيرا، وفي الحديث: ~~نهى عن الدباء والمزفت. ويقال: طلاه كذا وبكذا، فهو مطلي. # وقوله بأيديهم مغارف من حديد جعل القدور كالأنهيار او البحور، والمغارف ~~لها كالدوالي المقيرة، لاحتمالها الماء من الأنهار وصبها إلى أعاليها. وجعل ~~المغارف سودا لما علق بها في الممارسة من سواد القدور والنار، ومن زهومة ~~اللحم والشحم. ms0973 وقوله أشبهها مقيرة الدوالي، يقال: شبهته كذا وبكذا. وموضع ~~الجملة رفع على الصفة للمغارف. ### || وقال آخر: # أعاذل بكيني لأضياف ليلة ... نزور القرى أمست بليلا شمالها # أعامر مهلا لا تلمني ولا تكن ... خفيا إذا الخيرات عدت رجالها # بكيني، أي أكثري البكاء لي وكرريه، من أجل أضياف ليلة قليلة القرى، ~~لإمساك الناس عن الإنفاق، وإعوازهم الزاد، وقد أمست ريح الشمال فيها ذات ~~بلل وشفان للندى البرد، فإذا ورودوا فقدوا حسن تفقدي لهم، وتوفري عليهم. ~~وقوله أعامر مهلا جمع على نفسه لائمة ولائما، فيقول: يا عامر رفقا في عتبك ~~علي، ولومك إياي، واقتج بي في طلب السمو والاستعلاء على الأفران. فأما ~~انتقاله عن ذكر اللائمة إلى مذكر، فمثله قول تأبط شرا: # يامن لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق # PageV01P1197 # ثم قال: # عاذلتا إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باق # والمراد بيان تعاون العشيرة في اللوم والإنكار، وتساعد رجالهم ونسائهم ~~على الوعظ والإنذار. وقوله ولا تكن خفيا، يريد اتخذني إسوة واعمل على أن ~~تكون ساكي الذكر، عالي الصيت، حتى لا يخفي إذا عدت رجال الخيرات أمرك، ولا ~~ينمحي إذا بانت الصالحين أثرك. وأشار بالخيرات إلى الخصال الصالحة والخلال ~~الشريفة. وواحدتها خيرة. وليست هذه التي تكون في موضع أفعل من كذا ومعناه، ~~كقولك فلان خير من فلان، بل هي الواردة في قوله عز وجل: " فيهن خيرات حسان ~~". وفي قول الشاعر: # وأمها خيرة النساء علي ... ما خان منها الدحاق والأنم # أرى أبلي تجزي مجازي هجمة ... كثير وإن كانت قليلا إفالها # مثا كيل ما تنفك أرحل جمة ... ترد عليهم نوقها وجماله # قوله أرى إبلي تجزي يقول: أجد إبلي تقضي عني وتحصل في النيل منها وتورد ~~الحقوق إياها محاصل هجمة، وهي القطعة من الإبل بين الستين إلى المائة. ~~والجزية من هذا، وهي الخراج الموضوع، لأنها قضاء لما عليه أخذ. وفي القرآن: ~~" واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا "، أي لا تقضي ولا تغنى. وفي ~~الحديث: " كان رجل يداين الناس، وله كاتب ومتجاز ". وقوله: وإن ms0974 كانت قليلا ~~إفالها، يريد وإن كانت ضعيفة النسل، قليلة العدد. والإفال: صغار الإبل ~~واحدها أفيل، وإنما قلت إفالها لذهاب التثمير والزكاء عنها، ولكونها محبسة ~~بالأفنية، مقصورة على الحقوق، مصروفة إلى أرزاق العفاة. يشهد لذلك قوله ~~مثاكيل، وهي جمع مثكال: التي تثكل أولادها كثيرا؛ لأن ربها يفصل دائما ~~بينها وبين أولادها بالنحر تارة وبالهبة أخرى. وقوله ما تنفك أرحل جمة، أي ~~لا تزال أرحل جماعة منزله. وفي الحديث: " إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال ". أي لا يزال مأوى جماعة تصرف إليهم إذا وردوا ذكورها وإناثها. أما ~~إناثها فللحلب، وأما ذكورها فللنحر. # PageV01P1198 # وأصل الجمة الجماعة ترد في سؤال تحمل الديات عنهم إذا ثقلت، أو السعي في ~~صلح أو الدم بين عشائر. قال: # وجمة تسألني أعطيت # وجعله اسم الجماعة من الناس وإن وردوا لغير ذلك القصد. ### || وقال جابر بن حباب # وإن يقتسم مالي بني ونسوتي ... فلن يقسموا خلقي الجميل ولا فعلي # أهين لهم مالي وأعلم أنني ... سأورثه الأحياء، سيرة من قبلي # وما وجد الأضياف فيما ينوبهم ... لهم هند علات الزمان أبا مثلي # يقول: إن اقتسم مالي لأولادي وأزواجي وبناتي، وفازوا بما أخلفه فيهم فلن ~~يقتسموا ما تفردت به من خلق كريم أعده لزواري، وفعال شريف أقيمه لعفاتي، ~~وأديمه لمن يعتلق حبلى، أو يتصل سببه ونسبه بسبب ونسبي. وقوله أهين لهم ~~مالي، يريد أني أبذله وأبتذله، لعلمي بأن ما أبقيه للأحياء سيرة من تقدمني ~~فليس بمال لي، وأن الذي يختص بملكي هو ما أتولى تفريقه وإنفاقه في الوجوه ~~المحمودة عندي. وانتصب سيرة على المصدر مما دل عليه قوله سأورثه الأحياء، ~~كانه قال: أسير فيما أتركه من مالي سيرة أسلافي والناس قبلي. يقال: سار ~~سيرة حسنة؛ يشار بها إلى الحال في السيرة المعتادة. ثم أجرى مجرى الشيم ~~والعادات. وقال القطامي: # وسارت سيرة ترضيك منها ... يكاد وسيجها يشفي الصداعا # وقوله وما وجد الأضياف فيما ينوبهم، يريد بيان مكانه من مآرب أضيافه، ~~وأنهم لا يعتاضون فيما ينوبهم عند الزمان وتغيره وإمكان العلات في البخل ~~وأهله ابا مثله ms0975 إذا فقدوه. وجعل نفسه أبا على عادتهم في تسمية المضيف أبا ~~المثوى. على # PageV01P1199 # ذلك قال أبو العيال الهذلي: # أبو الأضياف والأيتا ... م ساعة لا يعد أب # ويجوز أن يكون المراد بعلات الزمان تحوله وتبدله. ### || وقال حاتم # وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها # أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لومها # قوله وعاذلة انجر بإضمار رب، وجوابه يجوز أن يكون قامت علي وتلومني في ~~موضع الحال، ويجوز أن يكون الجواب محذوفا، كأنه قال: قلت لها: أعاذل إن ~~الجود ليس بمهلكي، لأن قامت علي من صفة العاذلة. وقوم كأني إذا أعطيت مالي ~~أضيمها اعتراض وقع بين رب وجوابه. والمجرور برب أكثر ما يجيء موصوفا. ويجوز ~~أن يكون قوله كأني إذا أعطيت مالي أضيمها الجواب. # ثم أقبل عليها يخاطبها، وهذا تشبيه يجري مجرى تصوير الحال في إخراج ~~الخافي إلى البيان، فيقول: رب لائمة على تعتب وتوبخ، كأني أبخس حظا لها إذا ~~بذلت مالي، أو أغصبها حقا من حقوقها، لتناهي ظلامها - قلت لها: إن ما أعتده ~~من البذل والسخاء لا يقرب منيتي عن أمدها، ولوم النفس البخيلة، لا يديم ~~بقاءها في دنياها، فإذا كان الجود يفنى والبخل لا يبقي ولا يقنى وكان في ~~السخاء إقامة المروءة واكتساب الأكرومة، وادخار الشكر واقتناء الأجر، ~~فالعقل يوجب الأخذ به، والحزم يقتضى الزهد في غيره. # وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها # ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه علىالنفس خيمها # يقول: إن أخلاق الفتى مذكورة بعد موته، ومترددة في المجالس مع اسمه، فإن ~~حسنت عند الفحص حمدت، وإن قبحت في السمع ذمت. هذا وعظامه بالية قد صارت رمة ~~في لحده، ومغيبة عن المشاهدة ضمن قبره. ومن تكلف ما ليس من # PageV01P1200 # خلقه، أو استبدع خيما ليس من شأنه، فارقه المستحدث، وعاوده المستقدم. ~~ومثله: # ومن يبتدع خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه فترجعه إليه الرواجع # ويقال فلان كريم الخيم، أي الطبيعة. وقال أبو عبيدة: هو فارسية معربة. ### || وقال آخر: # أكف يدي ms0976 عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا # أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا # يقول: إذا اجتمعت مع أصحابي على طعام لم تزاحم كفى أكفهم، بل آثرتهم بما ~~يروق من الزاد فقلبته العين، واصطفاه القصد، وانقبضت ليستأثروا به دوني إذا ~~كانت حاجتنا متوافقة، وأيدي الآكلين متواردة؛ وأبقى ليلتي صغير البطن، ضامر ~~الجنب، والزاد ممكن، والمشتهي مساعد، فلا أتضلع شبعا خشية من ذم يلحق، أو ~~عار يلزم. وقوله أن أتضلعا، أي مخافة أن أتضلع. ويقولون: هو الحصن أن يرام ~~ويراد: هو الذي يحصن من أن يرام. قال لبيد: # وهم العشيرة أن يبطىء حاسد # أي تعاشروا وتعاونوا مخافة أن يبطئهم حاسد. # وحذف حرف الجر يكثر مع أن. # وقوله حين حاجتنا معا حاجتنا مبتدأ، ومعا سد مسد الخبر، وإن كان في موضع ~~الحال، لأن المصادر إذا ابتدىء بها وقعت الأحوال أخبارا لها، كقولك: ضربي ~~زيدا قائما. وكذلك المضاف إلى المصدر تقول: أكثر ضربي زيدا قائما. وانتصب ~~حين على الظرف وقد أضيفت إلى الجملة بعده، والعامل فيه أكف يدي. # PageV01P1201 # وإني لأستحي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وصف حسن أدبه في مواكلة رفيقه ولفه، وأنه لا يستأثر بما يعجب من الزاد، ~~ولا تظهر منه نهمة وحرص، بل يستحي من أن برى ما يلي يده من الزاد خالي ~~المكان. وليس لأحد أن يقول إن إنقباضه يؤدي إلى انقباض أكيله، وذلك مذموم، ~~وإنما المحمود أن ينبسط في الأكل ويبسط من أكيله وذلك أنه قد بين الغرض في ~~البيت الذي بعده، لأنه قال: # وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم .... # فبين أن إبقاءه جانبه من الزاد مشغولا ليس مع حاجة إليه، ولا عن إمساك ~~يؤدي إلى ما ذكرته، فيصير ذلك سببا في إنقباض من يواكله، وإنما يريد ما ~~يجري به من عادة الناس من إظهار الشره والذهاب فيه إلى حد السرف، حتى يمد ~~يده إلى ما ms0977 يلي غيره، ويتخطى أيدي الناس. وهذا ظاهر. وموضع أجمع من الإعراب ~~جر على أن يكون تأكيدا للذم، وهو إلى التأكيد أحوج من قوله منتهى، لأنه ~~متناول للجنس والعموم، وما يفيده في الجنس أولى. وقوله نالا منتهى الذم، ~~كأن الأجود أن يأتي المضارع في جواب الشرط، وقد حصل مضارعا وظهرت الجزمية ~~فيه، لكنه أتى به ماضيا للضرورة. # وقد ألم بهذه الطريقة المرقش فقال في الغزل: # وإني لأستحي فطيمة جائعا ... خميصا وأستحس فطيمة طاعما # وإني لأستحييك والخرق بيننا ... مخافة أن تلقى أخا لي لائما # ألا ترى أنه أجمل ما فصله هذا الشاعر في قوله: أستحيي طاعما، وجائعا. هذا ~~مع البعد بينه وبين صاحبته. ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد ~~أقرعا، ويجوز أن يريد بقوله مكان يدي من جانب الزاد أقرعا، أنه يكثر الزاد ~~حتى يسعه وجماعتهم ويفضل أيضا، والأول أحسن. وأصل الفرع ذهاب شعر الرأس من ~~داء. وحكى أنه قل نعامة تسن إلا قرعت؛ لذلك قيل: نعام قرع. والسول يجوز أن ~~يكون من سلت أسأل، لغة هذيل في سأل. ويجوز أن يكون لين همزته وأصله الهمزة. ~~ويجوز أن يكون من سولت له نفسه كذا، إذا زينت له. وسول له الشيطان كذا، إذا ~~أرخى حبله فيه وفي القرآن: " الشيطان سول لهم ". # PageV01P1202 # وقال الهذلي: # سح نجاء الحمل الأسول # فوصف السحاب بالول لتدليه واسترخائه، لكثرة مائه. ### || وقال آخر: # أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحي العظام البيض وهي رميم # لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم # وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم # أقسم بالله تعالى المطلع على الضمائر، العالم بخفيات الأمور، والمحيي ~~للأموات بعد أن رمت عظامها وبليت يوم النشور، بأنه يختار إطعام الضيف ~~وإيثاره بالزاد وهو محتاج إليه قد اضطمر حشاه من الجوع، لئلا ينسب إلى ~~اللؤم، وليحافظ على الشرف القديم. ويروى: لقد كنت أختار الخوى. والخوى: ~~خلاء الجوف من الطعام، وخلاء الدار من السكان. فأما من روى: أختار القرى ~~فمعناه ظاهر، يريد أختار ms0978 إقامة القرى، فحذف المضاف. وبعضهم رواه: لقد كنت ~~أختار القوى وزعم أنه مقصور من القواء؛ وليس بشيء. # وقوله: وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام، فقد زاد فيه على ~~ما تقدم في المقطوعة قبله، لأنه ذكر أنه يستحي من نفسه ويده وهو لا ثاني ~~له، في الليلة الظلماء، وإنما يريد تعوده ما يستحسن في الأكل، ويختار في ~~الإطعام، فإذا تفرد جرى على عادته إذا تجمع. وانتصب محافظة على أنه مفعول ~~له. وطاوى الحشا، انتصب على الحال، ويجوز أن يريد إن لم يرني الضيف فيما ~~آتيه عند الأكل للظلام الشامل، ولم يبن له ما أترك، فإنس أستحي م يدي فلا ~~أحجن ولا أستأثر. والأول أحسن. والبهيم: الظلم، وأصله الذي لاشية فيه ولا ~~وضح، أي لون كان، وأراد به هنا تأكيد السواد، لأن قوله داجي الظلام أفاد ~~الإظلام. # PageV01P1203 ### || وقال رجل من آل حرب # باتت وتلحاني على خلق ... عودته عادة والجود تعويد # قالت أراك بما أنفقت ذا سرف ... فيما فعلت فهلا فيك تصريد # قلت اتركيني أبع مالي بمكرمة ... يبقى ثنائي بها ما أورق العود # إنا إذا أتيتنا أمر مكرمة ... قالت لنا أنفس حربية عودوا # يقول: بقيت هذه المرأة ليلتها تعتب علي وتذمني في عادة نشأت عليها، ~~وخليقة تخلقت بها، والجود عادة وإلف. وقوله والجود تعويد اعتراض دخل في ~~أثناء الحكاية عنها، فقالت لي: أراك تسرف في الإنفاق، وتجري إلى ما يقوم له ~~مالك في التقدير، ن ولا يفي به وجدك عند التحصيل، فهلا فطمت نفسك عنها، ~~وجريت على سنن يساعدك عليه حالك، ولا تعجز عنه مقدرتك. والأصل في التصريد ~~تقليل الشرب. يقال: سقاه سقية مصردة. # وقوله قلت اتركيني، أي أجبتها بأن خليني وابتياع المكارم بمالي، ليبقى ~~ثناء الناس علي أبدا بها، ومدة إيراق الشجر. فما أورق العود، في موضع ~~الظرف. وقوله ثنائي بها أضاف المصدر إلى المفعول، والمراد ثناء الناس علي. ~~وقال أبع مالي، والمال ثمن المبيعات، لأن المتبايعين كل منهما يبيع ويشتري. ~~وقوله إنا إذا ما أتينا أمر مكرمة، يقول: من ms0979 شأننا أن لا نرضلى في ابتناء ~~المكارم، وإسداء المعروف والصنائع بالإيحاد فيها، والاكتفاء بالوتر عند ~~فعلها، ولكنا نشفع ونعاود، ونتبع الأكرومة بأختها فنطابق. # وقوله عودته عادة انتصب عادة على المصدر، لأنها وضعت موضع التعويد، كما ~~يوضع الطاعة موضع الإطاعة، يدل على أن ذلك هو المراد قوله والجود تعويد. ~~ويقال: تعودت كذا واعتدته واستعدته وأعدته بمعنى، وفحل معيد ومعاود، أي ~~معتاد للضراب، وإنما قال أنفس حربية تبجحا بأسلافه، وإظهارا بأن من كان ~~منهم لا يأتي عرقه ونجره إلا الكرم. # PageV01P1204 ### || وقال أبو كدراء العجلي # ياأم كدراء مهلا لا تلوميني ... إني كريم وإن اللوم يؤذيني # فإن بخلت فإن البخل مشترك ... وإن أجد أعط عفوا غير ممنون # يخاطب امرأته وقد تضجر بملامتهاولذعة إنكارها وعتابها، فيقول: رفقا فيما ~~تسلكينه، وكفا عما أولعت به، فإني نشأت على الكرم فلومك يؤذيني ولا يغني ~~عنك شيئا؛ لأني لا أقابله بالقبول، وقد يؤدي الإفراط في القول إلى الزيادة ~~في الولوع، ولأني إن بخلت فالمبخول به مشترك بيني وبين ورثتي، وإن أجد أعط ~~مالي عفوا، أي تسمحنفسي نفسي به فلا أكون مجهودا، ولا أمتن على من يأخذه، ~~لأني أقضي بالبذل لذة ومأربة، وأمضى هوى لي في مصارف ومنية، مستخلصا من ~~شركة غيري، ومقتسما في وجوه إرادتي وبذلي. # وقوله فإن البخل مشترك إن شئت جعلته على حذف المضاف، ويكون المراد: فإن ~~ذا البخل. وإن شئت جعلته المفعول، كما يقال الخلق والمراد المخلوق، ودرهم ~~ضرب والمراد مضروب. والممنون يجوز أن يكون من المن، وهو القطع، أي أديم ذلك ~~إدامة من يتصرف في ملكه لا من يتصرف في مشتركه. ويجوز أن يكون من المن ~~والأذى. وقال بعضهم: أراد بقوله إن البخل مشترك، أن الناس أكثرهم بخال، ~~فيكون لي شركاء. وهذا كلام معتذر من البخل لا كلام ذام له. ومع ذلك فعجز ~~البيت يبتعد عنه ولا يلائمه، وقد أبان عما ذكرته فيما يليه، لأنه قال: # ليست بباكية إبلي إذا فقدت ... صوتي ولا ورائي في الحي يبكيني # بنى البناة لنا مجدا ومكركة ... لا كالبناء من ms0980 الآجر والطين # يقول: إني لا أبقى على إبلي ولا أبقى منها ما يفضل عن إفضالي، فإذا مت ~~عنها وفقدت صوتي في زجرها والأمر بتفريقها، فإنها لا تبكيني؛ وكذا وارثي ~~لايحصل شيئا من إرثي فلا تراه يندبني. ثم قال: إن أسلافي بنوا لي مجدا ~~وكرما، فأحتاج أن أقتدي بهم وأعمر خططهم، وإن لم يكن كالبناء المبني من ~~الطين والآجر، لأن المكارم تسترم فتدعو إلى تفقدها، بخلاف ما تنفقد به ~~المصانع إذا استرمت. # PageV01P1205 ### || وقال عتبة بن بجير # لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع # أحداثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع # يقول: إذا نزل الضيف بي فإني أوثره بأشرف مكان من بيتي، وأعز فراش لي، ~~ولم يشغلني عنه لا الأهل ولا الولد، فأخدمه وأؤنسه، وأبسط منه وأخرفه، وكل ~~ذلك من شرط القرى وإن لم يكن طعاما؛ ومع ذلك تعلم نفسي وقت هجوعه فلا أمله ~~ولا أتعبه، ولا أشغله عن راحته ولا أضجره. فإن قيل: كيف تحمد بقوله أحدثه ~~إن الحديث من القرى، وقد قال غيره في إنزال الضيف ولم أقعد إليه أسائله؟ ~~قلت: ليس قوله أحدثه مما انتفى منه ذاك في قوله ولم أقعد إليه أسائله؛ لأن ~~ذاك أشار إلى ابتداء النزول، وذلك وقت الاشتغال بالاحتفال له أولى. وهذا ~~يريسد أنه يحدثه بعد الإطعام، كأنه يسامره حتى تطيب نفسه، فإذا رآه يميل ~~إلى النوم يخليه. قال الأصمعي: من سنة العرب أن الغريب منهم إذا نزل فصادف ~~هشاشة وفكاهة أيقن بالتكرم وحسن التفقد، وإن رأى إعراضا والنواء عرف ~~ابتذالا وحرمانا. فلذلك قال إن الحديث من القرى. ### || وقال عمرو بن أحمر الباهلي # ودهم تصاديها الولائد جلة ... إذا جهلت أجوافها لم تحلم # ترى كل هر جاب لجوج لهمة ... زفوف بشلو الناب هوجاء عيلم # أراد بالدهم قدورا سودا. ومعنى تصاديها تداريها وتمارسها في الغضب ~~والإنزال وإعداد الآلات لها. والولائد: الجواري. والجلة: الكبار العظام. ~~وقوله إذا جهلت أجوافها، يريد إذا غلت وأرزمت. فعد ذلك جهلا منها. وقال # PageV01P1206 # أجوافها جمعا على ما ms0981 حوله. وقوله لم تحلم أراد لم تسكن بالهويني لعظمها. # وقوله ترى كل هر جاب، فالهر جاب: الضخم الثقيل. واللجوج هي التي إذا ~~استعرت النار تحتها لجت. واللهمة: الكبيرة التي تلتهم الأوصال الموفرة، ~~والأعضاء الموربة. وقوله زفوف بشلو الناب أي لسعتها ترمي جوانبها بأشلاء ~~الناب وتزف بها. والزفيف: ضرب من السير. والهوجاء: التي كأن بها هوجا ~~وجنونا. والعيلم: الواسعة الكثيرة الأخذ من المرق، كالعيلم من الآبار. # لعا لغط جنح الظلام كأنها ... عجاريف غيث رائح متهزم # إذا ركدت حول البيوت كأنما ... ترى الآل يجري عن قنابل صيم # اللغط: الصوت، يعني هزتها في الغليان. وانتصب جنح الظلام على الظرف، يريد ~~أنها تغلي إذا جنح الظلام بالعشى، وذاك وقت الضيافة، وكأن لغطه صوت رعد من ~~غيث ذي تعجرف. والعجارف: شدة وقوع المطر وتتابعه، يريد أنه هبت الريح فيه ~~وصار له هزمة أي صوت. شبه صوت القدر في غليانها بصوت الرعد من سحاب هكذا. # وقوله إذا ركدت حول البيوت رجع إلى صفة القدور كلها، فيقول: إذا نصبت ~~فتثبتت على الأثافي حول البيوت وقد أشبعت وحفلت باللحوم والدسوم، تراها ~~تبرق إهالتها، وتتلألأ تلألؤ الآل، وقد جرى على متون خيول واقفة، فساعده ~~بريق السلاح. والقنابل: الجماعات من الخيل، حدها قنبلة. والصيم: جمع صائم، ~~وهو القائم. والصوم قيام بلا عمل. وصام الفرس على المعلف، إذا لم يعتلف. ### || وقال المرار الفقعسي # آليت لاأخفي إذا الليل جنني ... سنا النار عن سار ولا متنور # فيا موقدجي ناري ارفعاها لعلها ... تضيء لسار آخر الليل مقتر # يقول: أخذت على نفسي موليا ومقتسما، أني لا أخفي إذا الليل سترني بظلامه ~~ضوء ناري عن سار يبغي مبيتا، ولا ناظر إلى نار ليهتدي بها، # PageV01P1207 # ثم ترك الإخبار عن نفسه، وأقبل يخاطب موقدي ناره فقال ارفعاها، أي ~~اجعلاها في يفاع ومكان مشرف، فعسى أن تضيء لسار مرمل فقير في آخر الليل، ~~وقد كابد ما كابد من أوله، فخلص إلينا، واهتدى بنارنا. والمتنور: الناظر ~~إلى النار. وإنما قال فيا موقدي ناري على عادتهم في جعل مزاولي الأمور ~~اثنين ms0982 اثنين. على ذلك قول الآخر: # ترى جازرية يرعدان # وكما قالوا في الحلب البائن والمستعلي، وفي الاستقاء القابل والمستقي. # ولعل يعد مع أفعال المقاربة وإن كان حرفا. والمقتر: الفقير. ويقال قتر ~~وأقتربي بمعنى. وقد يجعل المقتر نقيض المكثر. # وماذا علينا أن يواجه نارنا ... كريم المحيا شاحب المتحسر # إذا قال من أنتم ليعرف أهلها ... رفعت له باسمي ولم أتنكر # فبتنا بخير من كرامة ضيفنا ... وبتنا نهدي طعمة غير ميسر # قوله وماذا علينا، أي أي ضرر يلحقنا في أن يتوجه إلى نارنا رجل كريم ~~الوجه، هزيل المعري، قد ظهر أثر الضر على متحسره، أي حيث يتحسر الثوب عنه، ~~كالوجه وسائر مالا يغطيه. وقوله كريم المحيا ضد قولهم: لئيم المقذ، لأن ~~المحيا هو الوجه، فأضيف الكرم إليه. والمقذ: منتهى الشعر من القفا، فأضيف ~~اللؤم إليه، وقد قيل: حر الوجه، وعبد لامقذ، وعبد القفا. وقوله إذا قال من ~~أنتم، يريد أنه يتعرف لينظر هل على النار من يكرم قراه ويطيب النزول عليه. ~~وقوله رفعت له باسمي جواب إذا، أي عرفته اسمى إذا سأل، ولم ألبس نفسي ~~خمولا، ثقة بأنه يرضاني لنزوله، ولأنهم كانوا ير وزون المستضاف بالكلام، ~~لينظروا ماذا يكون منه من استهلال واهتزاز، أو ازورار وانقباض. # PageV01P1208 # وقوله فبتنا بخير من كرامة ضيفنا، يريد: احتفلنا لضيفنا فشركناه في الخير ~~المعد له، وبقينا ليلتنا نهدي إلى الجيران من فواضل الطعام والزاد عنا وعن ~~ضيفنا، وذلك غير ميسر، أي لم يكن مما ضرب عليه بالقداح وتياسرناه أي ~~اقتسمناه، بل كان مما نجشم للضيف لا يشركنا أحد فيه. ### || وقال عروة بن الورد # أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأعداء والنفس أخوف # لعل الذي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه في أهله المتخلف # يقول: لما هممت بالسفر وجعلته مني ببال اعترضت هذه المرأة علي وأقبلت ~~تلومني وتحذرني الأعداء في الوجه الذي أردت تيميمه، ونفسي أشد أشد خوفا ~~لأنها حساسة حذرة، لكني تجلدت لها وأجبتها بأن الذي أنذلاتناه من قدامنا، ~~والسمت الذي هو نيتنا وطيتنا، لعله يلقاه المتخلف عن السعي في طلب ms0983 الرزق ~~المقيم في أهله راضيا بأدون العيش؛ لأن الحذر لا يغني عن القدر، وقد يؤتى ~~الإنسان من ناحية أمنه، ويصادف فيه ما لا يصادفه الخائف من ناحية خوفه. ~~وقوله خوفتنا حذف الضمير العائد إلى الذي منه، استطالة للاسم بصلته. وقوله ~~من أمامنا، يريد من حيث نأتمه، والوجه الذي نتوجه إليه، وذلك قدامه لا شك. ~~وموضع يصادفه رفع على أن يكون خبر لعل، وفي أهله تعلق الجار منه بفعل مضمر ~~وموضعه نصب على الحال، أي يصادفه المتخلف مقيما في أهله ومستقرا. # إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه ... أبو صبية يشكو المفاقر أعجف # له خلة لا يدخل الحق دونها ... كريم أصابته حوادث تجرف # يقول: إذا اتفق لي في مقصد من مقاصدي ما أقدر فيه حصول الغنى وجواز ~~الاعتماد عليه في مباغي الدنيا، ووعدت نفسي له ومن أجله بالاكتفاء عند ~~الفكر في مؤن العيال، حال بيني وبينه اجتداء صاحب عيلة، ووالد صبية، ظاهر ~~الفقر، سيء الحال، يشكو زمانه وتأثير الضر فيه، وعليه مما يتألم منه شواهد ~~تمنع دخول حق دون خلته، وتأبى أن يقال في شيء من المفاقر هو أولى منه. ~~فكأنه يعني بالحق نسيبا # PageV01P1209 # أو جارا أو متحرما بحرمة، لأنه متى قوبل حاله بحال من ذكره لم يوجب ~~تقديمه عليه، ولم يستحق العدول عنه إليه. هذا من طريق الوجوب له، ثم هو في ~~نفسه يرجع إلى كرم ومروءة، ويستظهر بعنوان نعمة وترفة، وقد نابته نوائب ~~تجرف المال، أي تتويه جملة لا تزيله شيئا بعد شيء، كما يكال الشيء أو يوزن، ~~فعهده به قريب، والتوفر عليه متعين مفروض، فإذا التزمت له واجبه، وآثرته ~~بصرف ما في يدي إليه، عدت محتاجا كما كنت، وساعيا في الطلب كما ابتدأت. ~~وقوله كريم من صفة أبو صبية، وقد تابع بين صفات من مفرد وجملة. ### || وقال يزيد بن الطثرية # إذا أرسلوني عند تقدير حاجة ... أمارس فيها كنت عين الممارس # ونفعي نفع الموسرين وإنما ... سوامي سوام المقترين المفالس # يقول: إذا أرسلني عشيرتي في مهم لهم يقدرون ارتفاعه بي ms0984 وبسعيي، ويؤملون ~~انتفاعهم به عند اجتهادي، فاعتمدوا مزاولتي، ووثقوا بالنجاح لدى ممارستي، ~~كنت فيه حق الممارس، لا أجع فيه ولا أفرط ولا أقصر، بل زدت على ظنهم بي، ~~وتجاوزت الغاية التي يقفون فيها من رجائي، فنفعي نفع المكثرين وإن كان مالي ~~الراعية مال المفلسين المقترين. وقوله المفالس، الإفلاس: لفظة عربية وإن ~~كثر التداول لها في ألسنة العامة. وكان الأصل في أفلس الرجل أن يصير صاحب ~~فلوس بعد أن كان صاحب أموال. وتفليس الحاكم معروف، وهو من هذا، كأنه ينسبه ~~إلى ذلك، فهو كالتعديل والتنسيق. والسوام من قولهم: سامت الماشية تسوم، وهي ~~سائمة. والمراس: مزاولة الشيء، ويقال: مرس الحبل، إذا نشب في البكرة عند ~~الاستقاء. ويقال لمن يرده إلى موضعه أمرس فهو ممرس. على ذلك قوله: # بئس مقام الشيخ أمرس أمرس # ثم يقال في الصبور على طلب الشيء القوى: هو مرس، وشديد الممارسة والمراس. ~~وقوله أمارس فيها في موضع الجر على أن يكون وصفا لحاجة. # PageV01P1210 ### || وقال سالم بن قحفان، وقد عاتبته امرأته # لقد بكرت أم وليد تلومني ... ولك أجترم جرما فقلت لها مهلا # فلا تحرقيني بالتلامة واجعلي ... لكل بعير جاء طالبه حبلا # فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام العطاء لها سبلا # يقول: ابتكرت هذه المرأة لائمة لي وعاتبة علي من غير جناية جنيته ~~واكتسبتها، ولا جريمة اجترمتها وقدمتها، فقلت لها: رفقا في قولك لا خرقا، ~~وصبرا على مضضك واقتصادا؛ ولا تحرقيني بنار عتبك، وسلطان غيظك، ولكن اتبعي ~~مرادي، واهتدي بهديي، واثقة بأن الصواب في فعلي وقولي، وجوامع الخير مقرونة ~~بعفوي بعفوي وجهدي، واجعلي لكل بعير نصصت عليه لسائل حبلا، ليقتاده به، ~~مشاركة لي في الكرم وابتغاء الصلاح، وموافقة فيما أوثره من وجوه الاصطناع، ~~لا يظهر منك تكره، ولا اشتطاط وتسخط. واعلمي أني لم أر مالا مثل الإبل لمن ~~يقتضي خيرا، ويدخر أجرا، ولا مثل أوقات العطاء سبيلا لها وممرا. ويجوز أن ~~يريد بقوله مالا لمقتن أي لمن يجمع ما يقتنيه ويجعله الأصل في يساره وغناه. ~~وبعد ذلك فتحويلها ms0985 إلى العفاة برمتها أعود عليهم وأرد، وأبقى في حالهم ~~وأغنى. والاقتنا: اتخاذ الشيء للنفس لا للبيع. ويقال: هذه إبل قنية، وهذه ~~مال قنيان، لما يتخذ للنسل لا للتجارة. ويقال قنا يقنو، لغتان، ومن الثانية ~~قولهم: أقنى حياءك. ومن الأولى قوله: # كذلك أقنو كل قط مضلل ### || فرمت إليه امرأته بخمارها وقالت: صيره حبلالبعضها وأنشأت تقول: # حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي ... تكفل بالأرزاق في السهل والجبل # PageV01P1211 # تزال حبال مبرمات أعدها ... لها ما مشي يوما على خفه جمل # فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل ... فعندي لها عقل وقد زاحت العلل # يقول: أقسمت يمينا بالله الذي تضمن الأرزاق لمرتزقها، وفطر الخلق الذي ~~اخترعهم في سهل الأرض وحزنها، لا تزال من جهتي حبال مستحصدة معدة لإبلك ~~التي صرفتها في مصارف بذلك مدة الدهر، اقتداء بك، ودخولا تحت طاعتك. ~~فالمتكفل بالأرزاق هو الله تعالى في أقطار الأرض، وقد وثقنا بتفضله والتعيش ~~من فضله. وقولها تزال حذفت حرف النفي منه لأمنها من الالتباس، وقد مر القول ~~فيه في غير موضع. # وقولها فأعط ترغيب منها وتحضيض، أي توسع في البذل منها، ودع البخل بها، ~~فلا اعتراض عليك، ولا مرادة معك، والعقل من جهتي معدة، والعلل معي مرتفعة. ~~ويقال: أزحت العلة في كذا فزاحت، أي أزلتها فزالت. وحكى الدريدي: زاح الشيء ~~يزيح ويزوح زيحا وزيحانا، أي تحريك عن مكانه. وزحته فانزاح، وأزحته فزاح، ~~وهو مزوح ومزاح. وقولها ما مشى يوما في موضع الظرف، والعامل فيه لا تزال ~~حبال. ### || وقال الأقرع بن معاذ # إن لنا صرمة تلفى محبسة ... فيها معاد وفي أربابها كرم # نسلف الجار شربا وهي حائمة ... ولا تبيت على أعناقها قسم # ولا تسفه عند الحوض عطشتها ... أحلامنا وشريب السوء يحتدم # الصرمة: القليل من المال، ويريد بالمحبسة أنها مناخة بالفناء لا تسام في ~~المراعي. وقوله فيها معاد أي أنها تحتمل ما تحمل من مؤن العفاة عودا على ~~بدء. وقوله في أربابها كرم أي في ملاكها صدر وحسن صبر على ما يتعريهم من ~~حقوق السؤال والمجتدين. # PageV01P1212 # وقوله نسلف الجار ms0986 شربا وهي حائمة الحائمة: العطاش؛ يقال: هو يحوم حول ~~الماء. إذا دار حوله. وهو حائم لائب، إذا اشتد عطشه وحام حول الماء. فيقول: ~~نقدم الجار على انفسنا عند سقي الإبل وإن كانت إبلنا عطاشا، كأنا نجعل ~~الزيادة على نصيبه كالسلف عنده. ويقال: أسلفت كذا وسلفت جميعا. وقوله ولا ~~تبيت على أعناقها قسم يعني الأيملن التي يؤك بها المعاذير والعلل عند المنع ~~والبخل. فيقول: لا تبيت صرمتنا وقد لزمها كفارة يمين احتجزت بها عن البذل. ~~ولك أن ترى: تسلف الجار بالتاء، حتى يكون الإخبار في العجز والصدر عن ~~الإبل، والحال لا تلتبس في أن ذلك كله لأربابها. # وقوله ولا تسفه عند الحوض عطشتها، أي لا تستخف حاجتها إلى الماء أحلامنا ~~فنبطش بشركائنا في الورد، ونفعل ما يفعله المتعزز والمقتدر من الهضيمة في ~~الشرب، لأن شريب السوء هو الذي يتحفظ ويغضب فيحتدم. والاحتدام: شدة ~~الإحماء. قال الأعشى: # وهاجرة حرها محتدم ### || وقال يزيد بن الجهم الهلالي # لقد أمرت بالبخل أم محمد ... فقلت لها حتى على البخل أحمدا # فإني أمرؤ عودت نفسي عادة ... وكل امرىء جار على ما تعودا # يقول: أمرتني هذه المرأة بالإمساك عند البذل: والإبقاء على المال، فقلت ~~لها حتى على البخل وابعثي عليه إنسانا أحمد لك وأرضي بوعظك مني، فيكون أحمد ~~مفعولا، وقد نابت الصفة عن الموصوف. ويروى: حثى على الجود أحمدا ويكون قوله ~~أحمد منتصبا بإضمار فعل، كأنه لما قال حثى على الجود نوى ائتى ما هو أحمد ~~لك. وهذا كما يقال: وراءك أوسع لك، واتق الله أعود لك. وفي القرآن: " ~~انتهوا خيرا لكم ". ومن روى حثى على البخل، يجوز أن يكون أحمد اسما علما ~~لولد لها أو قريب منها، فقال: أبعثي ذلك على البخل من # PageV01P1213 # دوني، لأني لا أصغي إليك ولا أئتمر لك، فقد تعودت منذ كنت عادة فطمي عنها ~~ومنعي منها يتعذر ويبعد، وكل رجل سيجري على عادته، وما هو من هجيراه وسمته. # أحين بدا فر الرأس شيبا وأقبلت ... إلى بنو غيلان مثنى وموحدا # رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي ms0987 ... وراءك عني طالقا وارحلي غدا # ألفت الاستفهام وإن كان المراد بها التوبيخ والتقريع، يطلب الفعل وهو ~~رجوت. فيقول: أرجوت مني بعد اشتعال الشيب في رأسي اتباعي لك، وقبولي منك، ~~وبعد أن ألف الناس مني طريقة أجرى عليها وقد أقبلت بنو غيلان شرعا نحوي ~~اثنين اثنين، وواحدا واحدا، من طرق مختلفة، ووجوه مفترقة، وقد علقوا آمالهم ~~بي، يكون مني نبؤ عنهم، واعتلال عليهم، وزوال عن السنة المعروفة فيهم ~~ومعهم، إلى غيرها. وقوله سقاطي، يقال لمن لم يأت مأتى الكرام: هو يساقط. ~~قال الشاعر: # كيف يرجون سقاطي بعد ما ... جلل الرأس مشيب وصلع # والمعنى: كيف أملت مساقطتي عند هذا الدأب مع اجتماع هذه الأحوال، ومع ~~تجربتي وكمالي، اذهبي عني بائنة مني وارحلي غدا. وقوله وراءك ظرف في الأصل، ~~وقد جعله اسما للفعل. والمراد: ابعدي عني. وعطف عليه وارحلي وهو فعل، وهذا ~~يبين قوة الظروف إذا جعلت أسماء للأفعال، لأنه لولا ثباتها في النيابة عن ~~الأفعال والاستغناء بها عنها، لما جاز عطف الفعل عليها؛ وذلك أن المعطوف ~~والمعطوف عليه في حكم المثنى، والتثنية لا تحسن إلا بين متوافقين، فكذلك ~~العطف. ومثنى وموحد مما عدل في النكرة، فلا ينصرف في المعرفة والنكرة ~~جميعا، لكونه معدولا عن أسماء الأعداد وعن الإفراد إلى التكرير. وطالقا ~~انتصب على الحال من قوله وراءك عني، ولم يقل طائقة لأنه أخرجه مخرج النسب. ### || وقال آخر: # إني وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... فياض ما ملكت كفاي من مال # PageV01P1214 # لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ... ولا تغيرني حال إلى حال # يقول: أنا وإن كان مالي لا يقوم بمؤني، وكان عاجزا عن غاية خلقي، وقاصرا ~~دون مدى بذلي وإفضالي، فإني أصب ما تملكه يداي فييض فيضا لا أمنعه طالبا له ~~كيف يتوسل، وبماذا يتوصل، إذ كنت لا أحبس المال ولا أخزنه إبطاءه إلا قدر ~~الوقت في إتلافه وتفرقته، ولا تنقلنيحالة تعرض عن حالي الأولى فيما أعتاده ~~وآلفه. يريد أنه مستمر فيما يجري عليه كيف واتاه الزمان، وأداره الأحوال. ~~وقوله إلا ريث في ms0988 موضع الظرف من لا أحبس. ### || وقال سوادة اليربوعي # لقد بكرت مي على تلومني ... تقول ألا أهلكت من أنت عائلة # ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله # يقول: اغتدت هذه المرأة إلى لائمة وقائلة: لقد أهلكت من تكفله وتمونه، ~~إذا كنت بعرض الفقر، لتضييعك ما تملكه، وسرفك فيما تبذله. فأجبتها وقلت: ~~ارتكيني على عادتي، فإن البخل بالمال لا يبقى صاحبه، والبذل لا يميت ~~معتاده. وقد مضى مثل هذا. ### || وقال حطائط بن يعفر أخو الأسود # تقول ابنة العتاب رهم حربتنا ... حطائط لم تترك لنفسك مقعدا # إذا ما أفدنا صرمة بعد هجمة ... تكون عليها كابن أمك أسودا # رهم ارتفع على البدل من ابنة العتاب، وحطائط منادى مفرد. ويقولون: ما ترك ~~فلان لك مقاما ولا مقعدا، أي لم يبق لك ما يمكنك الإقامة والقعود له به. ~~والصرمة: الفليل من الإبل. والهجمة أكثر منها، لأنها تقع على الثلاثين أو ~~الأربعين. فيقول: عاتبتني هذه المرأة في إنفاقي وإفضالي، وقالت: أفقرتنا يا ~~حطائط، وأزلت تجملنا، وجنيت على نفسك أيضا، إذ لم تترك من المال ما تكتفي ~~به، وتستغني عن # PageV01P1215 # السعي والتجول معه، فتريح نفسك من الحل والترحال في طلبه، وتقعد عن ~~التصرف وتحمل المشاق في حوزه واحتجانه، لأنا متى استفدنا قليلا من الإبل ~~بعدما تفيتنا الكثير منها تعود عليها سالكا طريق أخيك الأسود بن يعفر، ~~فتفنيه وتخلينا منه. وإنما قال تكون عليها لأنه لما لم يسع في تثميرها كان ~~عليها لا لها. وقد جمع الشاعر بين سيرين في خرزة في قوله تكون عليها كابن ~~أمك. # فقلت ولم أعى الجواب تبيني ... أكان الهزال حتف زيد وأربدا # أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # قوله ولم أعي الجواب، يقال: عييت الأمر وعييت به عيا، ورجل عيي وعي، وعيي ~~عن حجته عيا. يريد: أجبتها ولم أعجز عن محاجتها: تأملي وانظري، هل كان ~~الفقر والهزال سبب موت من مات من عشيرتنا، وأريني سخيا أماه الضر، منا أو ~~من غيرنا، لعلني أهتدي بهديك ms0989 وأعتقد مذهبك، وأئتمر لك فيما ترينه رشادا، أو ~~بخيلا بقي في الدنيا وعاش ما أراد ليطلب بموافقته ما حصل له من الدوام، ~~وانصرف عنه من الشقاء والفناء. # وقوله أريني جوادا أي دليني عليه وعرفيني مكانه. وقال أبو عبيدة في قوله: ~~" أرنا مناسكنا " المراد علمنا، ويروى: لأنني أرى ما ترين، وهو بمعنى ~~لعلني. يقال: ائت السوق لأنك تشتري لنا شيئا، أي لعلك. ويقال أيضا: أنك ~~تشتري، وهذا كما تقول: علك ولعلك. ويقال في هذا المعنى: لعنك. وينشد بيت ~~أبي النجم: # واغد لعنا في الرهان نرسله # وبعضهم ينشده: لأنا أي لعلنا. وإبدال الهمزة من العين والعين من الهمزة ~~كثير لا ينكر. ### || وقال المقنع الكندي # نزل المشيب فأين تذهب بعده ... وقد ارعويت وحان منك رحيل # PageV01P1216 # كان الشباب خفيفة أيامه ... والشيب محمله عليك ثقيل # ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل # يعظ نفسه ويذكره ما انتهى إليه حاله في عيشه وتصرفه، فيقول: قد مسك ~~الكبر، فأي طريق تسلك، وأي مذهب تذهب، وقد رجعت عن جهالتك، وارتدعت عن كثير ~~مما كنت تلابسه بغباوتك، وقرب منك التحول من دار الفناء إلى دار البقاء، ~~وقد كان أيام الشباب طيبة الممر، خفيفة المستقر، وأيام الشيب البادي كريهة ~~الظهور، ثقيلة الأعباء والحمول؛ فعليك بما يجمع لك إلى الحمد ذخرا، وإلى ~~ثناء الناس وشكرهم أجرا. واعلم أن البذل مما يفضل عنك ليس بسماحة، إنما ~~الجود أن تعطى من قليلك، وتنفق من كفايتك. وقوله وما لديك قليل، يجوز أن ~~يريد والذي لديك، ويكون ما مبتدأ ولديك صلته وقيليل خبره؛ ويجوز أن يكون ما ~~نافية وقليل اسمه، ولدييك خبره. والمعنى حتى تجود بكل شيء لك فلا يبقى ~~قليله أيضا. ### || وقال جوية بن النصر # قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق # إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق # يقول: اشتكت هذه المرأة الحال في سرعة نفاذ ما يحصل عندهم من الورق ~~والمال، وهم لا يسرفون في الإنفاق، ولا يخرقون في الإتلاف، فقالت: لا ms0990 بركة ~~مع سوء التدبير، ولزوم التضييع والتفريق. وتنسب قلة تلومه وخفة بقائه إلى ~~ضعف النظر وعجز التدبير، وإرهاق التعجل ونقص التقصير. فقلت لها: إن دراهمنا ~~إذا اجتمعت تسابقت إلى منافذ المعروف، وتلاحقت في مصارف الإجسان المألوف، ~~فذلك سبب سرعة فنائها، وعجلة ذهابها لا غير. فقوله إذا اجتمعت ظرف لقوله ~~ظلت إلى طرق المعروف تستبق. ويوما ظرف لاجتمعت. ### || وقال زرعة بن عمرو # وأرملة تنوء على يديها ... من الضراء أو قصص الهزال # PageV01P1217 # خلطت بغثها سمنى فأضحت ... شريكة من يعد من العيال # يقول: رب امرأة منقطع بها سيئة الحال ضعيفة الحراك، إذا أرادت النهوض ~~تعتمد على يديها، لتأثير الضر فيها، أو لإقصاص الهزال إياها، وهو دنو الموت ~~منها - ويقال: أقصة كذا من الموت، أي أدناه - أنا خلطت بفقرها غناي، وبما ~~رق من حالها كثافة حالي، فصارت تعد في جملة العيال، ومشاركة فيما أقتنيه من ~~المال، لا تمايز يظهر لها، ولا تباين يوجب انقباضها. وقوله تنوء على يديها، ~~أي تنهض، وهو في موضع الصفة لأرملة. وجواب رب خلطت بغثها سمنى. ويقال لحم ~~غث بين الغثانة والغثونة، إذا كان مهزولا. وقيل: كلام غث، على التشبيه، أي ~~لا طلاوة عليه. # وأفنتني الليالي، أم عمرو ... وحلى في التنائف وارتحالي # وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالا عن هلال # يقول: أفنى قواى نوائب الزمان، وتصاريف الليالي والأيام، وتنزلي في ~~المفاوز والقفار، وتنقلي في مختلفات الأسفار، وتربيتي الطفل الرضيع إلى أن ~~يبلغ ويجتمع، واليافع الكبير إلى أن يعلو ويستكمل، وتعليقي الأمل بشهر ~~مستهل بعد شهر، وحول مؤتنف بعد حول. وإنما يصف ما عاناه، وامتحن به حالا ~~بعد حال، وتردد فيه فقاساه وقتا بعد وقت، إلى أن تقضي عمره، ونفدت قوته. # ويشبه هذه الأبيات قول الأخر: # لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد # وأفناني ولا يفنى نهار ... وليل كلما يمض يعود # وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد # ومفقود عزيز الفقد تاتي ... منيته ومأمول وليد # وإن كان هذا أحسن استيفاء. # PageV01P1218 # وقوله وتاميلي هلالا عن هلال، أي ms0991 بعد هلال. ومما جاء فيه عن بمعنى بعد ~~قولهم: سادوك كابرا عن كابر، لأن معناه كبيرا بعد كبير. والمراد: شغله أمله ~~بما يتاح له في مؤتنف الأيام من الخير، والتمكن من المراد. ### || وقال عبد الله بن الحشرج # ألا كتبت تلومك أم سلم ... وغير اللوم أدنى للسداد # وما بذلي تلادي دون عرضي ... بإسراف، أميم، ولا فساد # يقول: خاطبتني هذه المرأة تعتب علي، واستعمال غير اللوم أقرب في تسديدي ~~وإرشادي، إذ كان اللوم ربما يعود إغراءه، ولا سيما إذا تكلف فيما لا يستحق ~~فيه، فما إعطائي مالي القديم في وقاية نفسي بإسراف فينكر، ولا بإفساد ~~فأعتب. وقوله تلومك في موضع الحال، أي لائمة لك. وخاطب نفسه في البيت ~~الأول، ثم نقل الاخطاب إلى الأخبار، على عادتهم في كلامهم. # فلا وأبيك لا أعطى صديقي ... مكاشرتي وأمنعه تلادي # ولكني أمرؤ عودت نفسي ... على علاتها جرى الجياد # محافظة على حسبي وأرعى ... مساعي آل ورد والرفاد # أخذ يخاطبها مجيبا عن كتابها، ومخبرا عن طرائقه وأخلاقه، فيقول: أنا وحق ~~أبيك لا أرضى صديقي بأن أكشر في وجهه إذا لقيته - والكشر: إبداء الأسنان ~~بالضحك - ثم أمنعه مالي وأحرمه خيري. وقوله وأمنعه عطف على أعطى، فرفعه. ~~والمعنى: لا أكشر للصديق ولا أمنعه تلادي، يريد لا أضاحكه باسطا من أمله، ~~وقابضا يدي عن بذله. زمثله في القرآن: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، لأن ~~المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. ولو رويت وأمنعه بالنصب كان جائزا، ويكون ~~انتصابه بأن مضمرة، ويكون كقولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك. والمعنى: لا ~~يسعني شيء عاجزا عنك، فكذلك هذا وتقديره: ما # PageV01P1219 # أعطى صديقي مكاشرتي مانعا له تلادي، أي لا يجتمع هذان في شيء: العجز لك ~~والسعة لي، فكذلك لا يجتمع على صديقي مني الكشر والمنع. ويجوز في رفع أمنعه ~~وجه آخر، وهو أن يكون على الإستئناف والانقطاع مما قبله، ويكون المعنى لا ~~أعطي صديقي مكاشرتي وأنا أمنعه تلادي ومثله قول القائل: ما تأتيني وتحدثني، ~~والمراد: ما تأتيني وأنت الآن تحدثني. والرفع أجود، ألا ترى أن القائل ms0992 إذا ~~قال: ما جاءني زيد وعمرو، كان دون قوله ما جاءني زيد ولا عمرو؛ لأن الأول ~~يجوز أن يريد أنهما لم يجتمعا في المجيء، ولكن تفرد كل منهما عن صاحبه فيه، ~~وفي الثاني إذا قال ولا جمعهما النفي، فلا يجيء على حال من الأحوال. وكذلك ~~البيت، لو كان فيه حرف النفي لكان يمتنع حصول الكشر والمنع جميعا على كل ~~وجه، ووجه الرفع عليه يدور. # وقوله ولكني امرؤ عدوت نفسي، يريد أني جعلت من عادتها على ما يعرض لها من ~~حوادث الدهر أن تجري في مكرماتها، أي في اكتساب مكرماتها، جرى الجياد ~~السبق، لا الكودان البطاء. وقوله محافظة انتصب على انه مفعول له. فيقول: ~~أفعل ذلك لأحفظ شرفي، وأرعى مكارم آبائي وأسلافي. وقوله أرعى حمله على ~~المعنى فعطف على ما قبله وإن اختلفا، أي أفعل ذلك لأحافظ أرعى، محافظة على ~~الشرف ورعيا لمساعي آل ورد. والمساعي واحدتها مسعاة، وهي السعي في تحصيل ~~الكرم والجود. ويقال: هو يسعى لعياله، أي يكسب لهم. وقيل: السعي العمل في ~~الكسب. ### || وقال رجل من بني سعد # ألا يكرب أم الكلاب تلومني ... تقول ألا قد أبكأ الدر حالبه # تقول: ألا أهلكت ما لك ضلة ... وهل ضلة أن ينفق المال كاسبه # يقول: لا متني هذه المرأة وقالت: قد قلل اللبن من يحلب الإبل - ومعنى ~~أبكأ الدر: أتى به بكئا. ويجوز أن يريد صادفه بكئا، كما يقال: أحمدت فلانا. ~~والبك: قلة للبن. يقال: نافة بكئة، وهي ضد الغزيرة - فأنت في ضلال مادام ~~تضييع المال منك ببال. فأجبتها وقلت منكرا عليها، ورادا لكلامها: وهل يسمى ~~جامع المال إذا فرقه ضالا، وكاسبه إذا أنفقه فيما يريده ويهواه مضيعا. ~~وانتصب ضلة على المصدر، وهو في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدرا لعلة، ~~فيكون مفعولا له. # PageV01P1220 # وإنما أعاد قوله تقول إيذانا بتفننها في الملام، وتوسع مجالها في الكلام. ~~وقوله هلى ضلة خبر مقدم، وأن ينفق المال في موضع المبتدأ. والتقدير: وهل ~~إنفاق كاسب المال له ضلال. ### || وقال مزعفر # وإني لأسدي نعمتي ثم أبتغي ms0993 ... لها أختها حتى أعل فأشفعا # وأجعل نعمي ما فعلت ذمامة ... علي وآتى صاحبي حيث ودعا # قوله وإني لأسدي نعمتي، يقول: إذا اصطنعت عند إنسان صنيعه، وأوليته ~~لاتصال رجائه بي عارفة، لم أرض بإفرادها، لكني أطلب لها توابع ولواحق، حتى ~~تصير النعمة عنده شفعا لا وترا، والإحسان إليه مكررا لابدعا، كل ذلك تلذذا ~~بالإفضال، وشهوة في إسداء العرف والإجمال. ويقال: شاة شافع، إذا كان معها ~~ولدها. والعلل: الشرب الثاني. والنهل: الشرب الأول، فاستعاره لإتباع ~~الصنيعة بمثلها. # واجعل نعمي ما فعلت ذمامة، أجعل: أسمي، من قول الله عز وجل: " وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إنائا ". ويجوز أن يكون بمعنى أصير. كأنه ~~يعتقد في الإحسان أنه إساءة. والذمامة: الذم. والذمام، بكسر الذال: الحرمة. ~~والمعنى: أتذمم من نعماي عند غيري، لأن بالغا ما بلغت أكون لنفسي مستقصرا، ~~ولفعلي مستزيدا، فلا أعتد بما أسديه، ولا أتجمد بالإنعام فيه، ولكنه أعده ~~كالوصمة التي يتذمم منها. # وقوله وآتى صاحبي حيث ودعا، يريد أن من يستغيث بي أجيبه وأغيثه أشد ما ~~كان حاجة إلى حين ودع أهله وعشيرته، ليأسه من الدنيا وتوطينه النفس على ~~الهلك والردى، فآتيه مستنقذا ومحاميا، ومنتعشا ومراميا. وقوله حيث ودعا، ~~يجوز أن يكون للزمان والمكان جميعا. وقد تقدم القول فيه. وقد جعل ودع بمعنى ~~مات، وبيت متمم يشهد له، وهو: # فقد بان محمودا أخي حين ودعا # PageV01P1221 # وإني بما يكفي من الزاد أهله ... أقابل بذل المال حلساء أجمعا # يقول: إن أقابل بما يكون فيه كفاية الأهل من الواد بذل حلسي المال كله. ~~فقوله حلساه في موضع الجر على أن يكون بدلا من المال، ويكون على لغة من ~~يجعل المثنى بالألف في موضع النصب والجر. وأجمعا في موضع الجر، ويكون ~~تأكيدا للمضمر المتصل بحلساه. ولك أن تجعله تأكيدا للمال. وأجود من هذا أن ~~يجعل حلساه مرتفعا بقوله بذل، فيكون فاعلا. وقد أضاف المصدر إلى المفعول، ~~كقولك: أعجبني ضرب زيد عمرو. وجعل الحلس باذلا وإن كان الفعل لصاحبه، على ~~السعة، ويكون التقدير: أني أقابل بما يكتفي ms0994 به من الزاد أن يبذل حلسا المال ~~جميع ما يحويانه، ويكون على هذا أجمع تأكيدا للمضمر المتصل بحلساه لا غير. ~~والمعنى: إذا حصلت الكفاية لأهل الزاد فإني أنفض الوعاء الجامع للمال، ~~وأفرق كل ما فيه، أي أقتصر على الكفاية، وما تعداه أعده فضلا. والحلس: ~~الواحد من أحلاس البيت. قال الخليل: وهو ما يبسط تحت حر المناع من مسح ~~وجوالق ونحوهما. ### || وقال عارق الطائي # ألا حي قبل البين من أنت عاشقة ... ومن أنت مشتاق إليه وشائقه # ومن لا تواتي داره غير فينة ... ومن أنت تبكي كل يوم تفارقه # افتتح كلامه بألا، ثم قال: جدد عهدك بصاحبك وسلم عليه، قبل أن تحول النوى ~~بينكما فيهيج شوقك تعشقك له، وبعد الدار منه، وتهييج شوقه لمثل ذلك، لأن ~~جميع ما أقوله من مقتضيات صفاء المقة، واستحكام المحبة. وقوله ومن لا تواتي ~~داره فينة الأحسن أن تفع الدار بتواتي، يريد من لا تقاربك داره إلا ساعة لا ~~تطوعك الزيارة إلا فيها. والفينة: الوقت، ويكون معرفة ونكرة، وقد مر القول ~~فيه، وأنه يجري مجرى الصفات في ذلك إذا جعلت أعلاما كالحارث والعباس. ولك ~~أن تنصب داره. والمعنى تبكيه أو تبكي عليه، وكذلك قوله تفارقه أريد تفارق ~~فيه فحذف مفعول الفعلين، ولا يمتنع أن يجعل كل يوم مفعول تبكي. والمعنى ~~تتأسف على كلي يوم تفارقه فيه، فتبكيه شوقا إليه، إذ كان # PageV01P1222 # التوديع جمعك وإياه فيه. ويكتفي في هذا الوجه بالضمير العائد من تفارقه، ~~فأما إضمار فيه في تفارقه فلا بد منه. وقوله من وقد كرره في البيتين جميعا ~~مرارا، يجوز أن يكون بمعنى الذي، والجمل بعده في صلته، كأنه قال: حي الذي ~~أنت عاشقه والذي أنت مشتاق إليه وشائقه والذي أنت كذا. ويجوز أن يكون نكرة ~~في معنى إنسان، ويكون الجمل بعده صفات له. يريد: حي إنسانا هذه صفاته. فأما ~~تكريره له فهو على طريق التعظيم والتفخيم. وهكذا العادة فيما يهول أمره من ~~مرجو أو مخوف. # نخب بصحراء النوية ناقتي ... كعدو رباع قد أمخت نواهقه # إلى المنذر ms0995 الخير بن هند نزوره ... وليس من الفوت الذي هو سابقه # يقول: تسير ناقتي الخبب - وهو ضرب من العدو - في هذه الصحراء تحتي، عدو ~~فرس، أو عير قد أربع. والإرباع بينه وبين القروح سنة، فكأنه أراد استحكام ~~شبابه وقوته، إذ ليس بينه وبين النهاية وهي القروح إلا سنة. ومعنى أمخت ~~نواهقه أي قد أطاعه العلف أو المرتع فصار لعظامه مخ، والنواهق: عظمان في ~~الساق، وفي غير هذا المكان مايكتنف الخاشم من الدابة، والواحدة ناهقة. # وقوله إلى المنذر تعلق بتخب والخير من صفته، وهو الذي تأنيثه خيره. ولا ~~يمتنع أن يكون مخففا من الخير، كما يقال لين ولين، وهين وهين. ونزور في ~~موضع الحال، ويريد المنذر بن ماء السماء. وقوله وليس من الفوت الذي هو ~~سابقه أراد سابق به، وفي الكلام وعيد. # ولهذا الشعر قصته، وهو أن الملك كان غزا أرضا فأخفق، وفي منصرفه عثر ~~بطائفة من طيىء كانوا في ذمته وعهده، فأراد تجاوزهم فقال بعض ندمائه له: ~~استغنمهم وأوقع بهم. فقال: إنهم في ذمتي! فلم يزل يقرب الأمر فيه معه حتى ~~استباحهم. لذلك توعد فقال: ما سبق به لا يفوت تداركه. # فإن نساء غير ما قال قائل ... غنيمة سوء وسطهن مهارقه # ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب ... وفينا وهذا العهد أنت مغالقه # PageV01P1223 # أكل خميس اخطأ الغنم مرة ... وصادف حيا دائنا هو سائقه # قوله غير ما قال قائل، يجوز أن يكون صفة لنساء. وقوله غنيمة سوء يرتفع ~~على أن يكون خبر مبتدأ، كأنه قال: هن غنيمة سوء، حكاية لكلام القائل الذي ~~ذكره. وإضافة الغنيمة إلى السوء يكون على طريق الإزراء والاستحقار. وقوله ~~وسطهن مهارقه، الجملة في موضع خبر إن، فيكون المعنى إن نساء مخالفة صفتها ~~لما قاله قائل، يعني من حسن في عين الملك الإيقاع بهن هن غنيمة سوء معهن ~~كتب العهد والذمة اللذين يخرجن بهما عن كونهن غنيمة. فهذا وجه، ويجوز أن ~~يكون غنيمة سوء خبر إن، ووسطهن مهارقه من صفة النساء، وقد فصل بين الصفة ~~والموصوف بخبر إن، وغير ms0996 ما قال قائل ينتصب على المصدر، فيكون مؤكدا للقصة، ~~والتقدير: إن نساء وسطهن مهارقه غنيمة سوء، غير قول القائل المحسن الإيقاع ~~بهن. ويجري هذا مجرى قولهم: هذا ولا زعماتك. أي هذا هو الحق لا ما تزعمه. ~~ويكون المعنى: إن نساء معهن عهدك، ولا أقول ما قاله قائل حسن الإيقاع بهن، ~~غنيمة سوء لا غنيمة صدق. والمهارق: جمع المهرق، وهو فارسية معربة. وكانت ~~العرب تصقل الثياب البيض وتكتب فيها كتب العهود وما أرادوا إبقاءه على ~~الدهر، وقوله ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب وفينا يقبح عنده ما ارتكبه منهن. ~~فيقول: ولو أصيب لحم أرنب فيما تشعله أذمتنا لوفينا به. ثم أنت أيها الملك ~~تغالق هذا العهد، وتستجيز تخطيه، وتستحسن نقضه وترك الوفاء به. وقوله لحم ~~أرنب ذكره تحقيرا وأنه صيد مستباح. # وقوله أنت مغالقة لك أن تروى معالقة بالعين. والمعنى: وهذا العهد الذي ~~معهن متعلق بذمتك وفي رقبتك حتى تخرج منه. ومن روى مغالقه بالغين معجمة، ~~يكون من غلق الرهن، أي أنت مفسده ومحتسبه تاركا للوفاء به. وقوله أكل خميس ~~لفظه استفهام ومعناه تقريع. فيقول: أكل جيش أخفق في وجه قدر الغنم فيه، ~~وصادف في منصرفه حيا في طاعته يسوقه ويوقع به. أي إن ذلك غير مستجاز في ~~السياسة والديانة، ولا مستحسن في المروءة؛ والغدر مغبته ذميمة، وعاقبته ~~قبيحة دميمة. # PageV01P1224 # وكنا أناسا دائنين بغبطة ... يسيل بنا تلع الملا وأبارقه # فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة ... حرام عليك رمله وشقائقه # قوله دائنين، أي آخذين بالطاعة، مغتبطين بما لنا من الذمة. ويكون بغطبة ~~في موضع الحال. وروى: دائبين، وهو أقرب، ويكون من الدؤوب. والمعنى إنا كنا ~~نسير مغتبطين آمنين فرحين حيث شئنا. ويدل على هذا قوله يسيل بنا تلع الملا ~~وأبارقه. وإنما يقتص حالهم قبل معاهدته لهم، ومعاقدته الذمة بينه وبينهم. ~~والملا: الصحراء. والتلعة: مسيل ماء، وجمعها تلع، كجوزة وجوز. والأبارق: ~~جمع الأبرق، وهي المواضع التي قد ألبست حجارة سودا. ومنه حبل أبرق، إذا كان ~~ذا لونين سودا وبياض. وقوله لا أحتل إلا ms0997 بصهوة، يقول: حلفت لا انزل إلا ~~بعيدا من أرضك، وخارجا من ملكتك، في صهوة أو في مكان عال تحرم عليك جوانبه ~~وآفاقه. والشقائق: جمع شقيقة، وهي رملة بين أرضين. ورمله ترتفع بحرام، أي ~~يحرم عليك. ولك أن تروى حرام عليك رمله فيكون خبرا مقدما، ورمله مبتدأ، ~~والجملة في موضع الصفة للصهوة. # حلفت بهدي مشعر بكراته ... تخب بصحراء الغبيط درادقه # لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه # يقول: أقسمت بقرابين الحرم وقد اعلمت لكراته بعلامات الإهداء. والإشعار، ~~هو أن يطعن في أسنتها فيسيل الدم الدم عليها، فيستدل بذلك على كونه هديا. ~~وجعل الهدى دالا على الجنس وما بعده صفته. وقوله تخب بصحراء الغبيط درداقه، ~~يريد سوقها نحو البيت. والدرداق: صغار الإبل. والخبب: ضرب من السير. وجواب ~~القسم لأنتحين للعظم، والئن فيها بين القسم والمقسم له موطئة للقسم. فيقول: ~~آليت إن لم تغير أيها الملك بعض صنيعك، ولم تتدارك ما فاتنا من عدلك ~~ووفائك، لأقصدن في مقاتلتك كسر العظم الذي صرت أعرفه فينتزع العظم منه. جعل ~~تقبيحه لما أتاه وشكواه كالعرق، وهو انتزاع اللحم وما بعده، إن لم يغير ~~معاملته، تأثيرا في العظم نفسه. وقد أحسن في التوعد، وفي الكناية عن فعله ~~وعما يهم به بعده. وقوله # PageV01P1225 # ذو أما لغتهم وهو في معنى الذي، وأنا عارقة من صلته، وقد مضى الكلام في ~~مثله. ### || وقال برج بن مسهر # مرت من لوى المروت حتى تجاوزت ... إلي ودوني من قناة شجونها # إلى رجل يزجى المطي على الوجى ... دقاقا ويشقي بالسنام سمينها # فللقوم منها بالمراجل طبخة ... وللطير منها فرشها وجنينها # اللوى: مسترق الرمل. والمروت: فعول من المرت، وهو الأرض التي لا تنبت ~~شيئا. وقال الدريدي: هو المكان القفر. وقناة: موضع. وشجونها: جوانبها ~~المتقاربة ونواحيها. والشجون أيضا: الأشجار الملتفة المتداخلة. والشواجن، ~~واحدتها شاجنة، وهي المواضع التي فيها الشجون. ومن التداخل والالتفاف ~~قولهم: الحديث ذو شجون. وإنما يخبر عن خيال زاره. # وقوله إلى رجل، تعلق إلي بسرت. ويعني بالرجل نفسه، ويزجى المطي، أي ms0998 ~~يسوقها. والوجى: الحفا؛ أي لا يبقى عليها ولا يرفق بها، لكنه يديم السير ~~عليها ولا يقبها مع الحفا ولا يبقى عليها مما يهلكها. ودقاقا انتصب على ~~الحال، أي ضوامر مهازيل. ويشقى بالسنان سمينها، أي بالسنان له، فحذف الضمير ~~لأنه لا يخيل. والمعنى أنه لا ينحر سمان الإبل للعفاة والضيوف. وقوله ~~فللقوم منها بالمراجل طبخة منها رجع الضمير إلى قوله سمينها، لأنه أراد بها ~~الجنس، وهذا إخبار عن حالتها وقد جزرت. فيقول: للوارد منها طبخة في ~~المراجل، وللطير فرثها والولد الذي في بطنها. ### || وقال ملحة الجرمى # فتى عزلت عنه الفواحش كلها ... فلم تختلط منه بلحم ولا دم # كأن زرزور القبطرية علقت ... علائقها منه بجذع مقوم # PageV01P1226 # يمدحه بالرزانة والعقل، ونقاء الجسم من العيب، وصفاء السبب والنسب من ~~الفحش ومعنى عزلت نحيت منه في جانب. ويقال: هو بمعزل عن هذا الأمر ~~والأصحاب، فيقول: بعدت عنه الفواحش كلها وصرفت، وجعل بينه وبينها حاجز حتى ~~لا تمازج ولا تخالط، ولا تداني ولا تشابك. والقبطرية: جنس من الثياب رفيع. ~~ومعنى البيت أنه طويل القامة مديد الجسم، فكأن زرور القميص من هذا الجنس من ~~الثياب علقت منه على جذع مقوم. أراد أن طول جذع هكذا. وهم يتمدحون بامتداد ~~القوام، والبسطة في الأجسام. # عملس أسفار إذا استقبلت له ... سموم كحر النار لم يتلثم # إذا ما رمى أصحابه بجبينه ... سرى ليلة الظلماء لم يتهكم # كأن قرادي زوره طبعتهما ... بطين من الجولان كتاب أعجم # العملس: الجريء المقدام، ويوصف به الذئاب، وكذلك السلمع ويوصف به الخبيث ~~من الذئاب والكلاب. ويقال: هو عملس دلجات، أي قوي على السير. وزاد اللام في ~~قوله إذا استقبلت له تأكيدا، والأصل استقبلته. وجواب إذا لم يتلثم وهو ~~العامل فيه. فيقول: هو في السفر بهذه الصفة مبتذلا نفسه لا يتوقى من ~~السمائم، ولا يتخشى منأنواع المهالك، فإذا قابلته السموم المحرقة إحراق ~~النار لم يصن وجهه منها، ولا جعل على محياه لثاما. واللثام: رد المرأة ~~قناعها على انفها، وقد تلثمت، وتلثم الرجل بعمامته. والملثم ما حول الفم، ~~وقيل ms0999 الأنف وما حوله، والفام: رد القناع على الفم، وقيل أيضا: هو مثل ~~اللثام لا فرق بينهما. # وقوله إذا ما رمى أصحابه بجبينه أراد أنهم إذا قدموه ليهتدوا به وهم ~~يسرون في ليلة شديدة الظلام هائلة لم يجبن ولم يتكذب، ولكن تقدمهم وقادهم ~~على عادته. # وقوله كأن قرادي زوره طبعتهما وصفهما بالصغر، ثم شبههما بطابعين من طين ~~الجولان، ويقال إنه أسود، تولي طبعهما كاتب من كتاب العجم. وخصهم لأنهم ~~حينئذ كانوا أحذق بالكتابة وأسبابها. وهم يتمدحون بالهزال وقلة اللحم. ~~والطبع: الختم. والطابع: الخاتم. وحكى: هذا طبعان الأمير، أي طينه الذي ~~يختم به # PageV01P1227 ### || وقال بعضهم: # إنك يا ابن جعفر نعم الفتى # ونعم مأوى طارق إذا أتى # ورب ضيف طرق الحي سرى # صادف زادا وحديثا ما اشتهى # إن الحديث جانب من القرى # ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى # يخاطب بهذا الكلام عبد الله بم جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهم، ~~فيقول: نعم الفتى أنت، أي محمود في الفتيان أنت ومحمود دارك وفناؤك، مأوى ~~الطراق إذا وردوا. وقوله مأوى طارق أضافه إلى النكرة لأن القصد بطارق إلى ~~الجنس، واسم الجنس في مثل هذا المكان وأن تنكر فائدته فائدة المعارف، وإذا ~~كان كذلك كان قولك مأوى طارق بمنزلة مأوى الطراق. والمحمود هو المخاطب. ~~ويجب أن يكون في نعم ضمير يعود إلى المخاطب، وقد اشمل عليه قوله نعم الفتى ~~ونعم مأوى طارق، لأن فائدة نعم الرجل، محمود في الرجال. فكأنه قال: إنك ~~محمود في الفتيان يا ابن جعفر. وقد قيل في قول القائل: زيد نعم الرجل: إنه ~~لما كان القصد بالرجل إلى الجنس، وكان زيد منهم، اكتفى بكونه منهم من ضمير ~~يعود إليه. # وقوله ورب ضيف طرق الحي سرى، يريد ليلا؛ لأن السرى لا يكون إلا بالليل ~~فالسري في موضع ظرف، واسم الزمان محذوف معه، وهو كقولك: جئتك مقدم الحاج ~~وما أشبهه. فيقول: رب ضيف أتى الحي راجيا وجود القرى عنده، أنزلته فصادف في ~~فنائك زادا عتيدا، وحديثا مؤنسا، وإكراما مبرا. وقوله ما اشتهى في ms1000 موضع ~~الظرف، فهو كقوله: # أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع # PageV01P1228 # لأن في قوله ما اشتهى المعنى الذي عليه قوله تعلم نفسي أنه سوف يهجع. ~~وقوله إن الحديث جانب من القرى، يقول: تأنيس الضيف بملح من الحديث من أسباب ~~القرى وشرائطه، وخصاله التي تكمله وتفضله. وقوله ثم اللحاف بعد ذاك في ~~الذرى، إشارة إلى إكرامه بما يفترش له ويمهد به موضعه. والذرى: الكنف. ### || وقال الشماخ # وأشعث قد قد السفار قميصه ... وجر شواء بالعصا غير منضج # دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج # يصف مضيفا. والأشعث: الذي يبتذل نفسه ولا يصونها عن التعمل، فيصير مقطوع ~~القميص في السفر، لتحمله عن أصحابه أثقال المهن، حتى يتشعث طواهره، ويغبر ~~شعره، وترث ثيابه، ويختل أمره. وقوله: وجر شواء إشارة إلى توليه من خدمة ~~الرفقاء والأصحاب مالا يكون من عمله. وجعل الشواء غير مدرك لتعجله وحرصه ~~على تقديم أمرهم والتسرع في إطعامهم. ويجوز أن ينتصب غير على أن يكون حالا ~~للنكرة - وهو أجود الروايتين - حتى لا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف ~~بالأجنبي منهما، وهو قوله بالعصا، لأن التعلق بينهما يقارب التعلق بين ~~الصلة والموصول. # وقوله: دعوت إلى ما نابني، أي استغثت به وطلبت منه الإغاثة على ما نابني ~~من حدثان الدهر فأجابني منه كريم من الفتيان غير ضعيف الممة، ولا مؤخر عن ~~الغاية البعيدة. وأصل التزليج من قولهم قدح زلوج، أي سريع في الإجابة. أي ~~إذا وقف على حد مكرمة وأشرف على الفوز بمنقبة لم يزلج عنه ولم يدفع منه، ~~لأن الزلج السرعة في المشي وغيره. وكل زالج سريع، ومنه مزلاج الباب للخشبة ~~التي يغلق بها. # فتى يملأ الشيزى ويروى سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج # فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج # PageV01P1229 # يقول: هذا المدعو المستغاث به فتى يملأ الجفان المتخذة من الشيزى للضيوف ~~والرفقاء، ويروى سنان رمحه من دماء الأعداء، وإذا بارزه في الحرب القرن ~~التام السلاح، الكمي بين الصحاب، غلبه وركبه، وأتى ms1001 عليه فأسقطه، وهو فتى لا ~~يرضي لنفسه في دنياه بأقرب الهمتين، وأدون المعيشتين، ولكن يطلب غايات ~~الكرم ونهايات الفضل، ولا يداخل بيوت الحي والمجاورة، ولا يخالط النساء ~~للريبة والمعازلة. يصفه بالعفة والجد، وصيانة النفس، وارتفاع الهمة والهم ~~عما يزيل الحشمة، ويدنس المروءة. # وقوله ولا في بيوت الحي، جعل في بيوت تبيينا، وقد حصل الاكتفاء بقوله ~~المتولج، فيكون موقعه منه كموقع بك بعد مرحبا، لئلا يحصل تقديم الصلة على ~~الموصول، وإن شئت جعلت الألف واللام في قوله المتولج للتعريف، لا بمعنى ~~الذي، فلا يحتاج إلى تقدير الصلة في الكلام. وقد مر نظائره. # PageV01P1230 ### | باب المدح ### || وقال يزيد الحارثي # وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد # وأتيت أبيض سابغا سرباله ... يكفي المشاهد غيب من لم يشهد # يقول: إذا أخلى الفتى مكانه من الدنيا وانقضى عمره، فانتقل من الأولى إلى ~~الأخرى، فلولا ثناء الناس عليه، وذكره بالجميل الذي يقدمه ويسديه، لنسي ~~وقته وأمده، وصار حكمه من لم يولد فيعرف يومه وغده، لكن باقي الذكر ونامي ~~العهد والرسم، بما ينشر من حديث حسن وقصة، ويحمد من عادة وسنة، هو الذي ~~يصير به في حكم الحي الذي لم يمت، والمشهود الذي لم يفت. وقد توصل بهذا ~~الكلام إلى إطرائه من يتشكره والثناء عليه، وهو قوله وأتيت أبيض سابغا ~~سرباله، يريد: وزرت رجلا كريما حرا، نقى الحسب من العيوب، واسع العطاف ~~والقميص، لباسه لباس الرؤساء والسادة. وقوله يكفي المشاهد يريد أنه ينوب في ~~مجالس الكبار عمن لا يحضرها، فيحسن المحضر، ويقصر لسان المغتاب. ومثله قول ~~الآخر: # إنا لنذكر والرماح تنوشنا ... تحت العجاجة ما يقال ضحى الغد # PageV01P1231 ### || وقال دريد بن الصمة # تراه خميص البطن والزاد حاضر ... عتيد ويغدو في القميص المقدد # وقد مرت هذه الأبيات مشروحة. ### || وقال آخر: # كريم رأى الإفتار عارا فلم يزل ... أخا طلب للمال حتى تمولا # فلما أفاد المال عاد بفضله ... على كل من يرجو جداه مؤملا # الإفتار: نقيض الإكثار. يقال فلان مكثر، وفلان مقتر. وكذلك التقتير عقيب ~~التكثير. ويقال: قتر على ms1002 أهله وأقتر، إذا ضيق عليهم في الإنفاق، وفي ~~القرآن: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا "، قرى بضم الياء وفتحها ~~على اللغتين. يقول: لما رأى في ماله القصور والعجز عن مدى همه، رأى ذلك ~~عارا ومنقصة، فلم يزل يمتطي المراكب الشاقة طالبا للمال، ويدبم الحل ~~والترحال في كسبه وجمعه، حتى إذا استغنى ونال مناه، لم ينفرد به دون ~~مؤمليه، ولك يجعله مقصورا على لذاته ومباغيه، ولكن عاد يفضل عليهم، وأقبل ~~يشركهم فيه ويعطيهم. ويقال أفاد بمعنى استفاد. والجدا والجدوى: العطية. ### || لما أتى يزيد بن عبد الملك بآل الملهب قام " كثير " بيد يديه فقال: # حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشد العقاب أو غفا لم يثرب # فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تحتسب من صالح لك يكتب # أسلموا فإن تغفر فإنك أهله ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب # PageV01P1232 # يصفه بكرم النفس وكظم الغيظ، واستعمال الحلم في وقته، والانتقام من ~~الأعداء بأشده في إبانه وحينه. فيقول: إذا نال الجاني عليه، أو العدو ~~المكاشح له، عاقبه وهو مجمل، أي لا يشتط ولا يسرف، ولكن ينتهج طرق العدل في ~~الانتقام، ويقصد الحق في إقامة الحد عند التمكن واللزام، وذلك أشد ما يعاقب ~~به مثله، أو عفا عنه غير موبخ على ذنبه، ولا مكدر نعمته في عفوه. وقال أبو ~~عبيدة في قوله تعالى: " لا تثريب عليكم ": لا تخليط ولا إفساد. وقال غيره: ~~لا تعيير ولا توبيخ. # وقوله فعفوا أمير المؤمنين طلب وسؤال، عفوا على المصدر. فيقول: اعف وقد ~~قدرت، واحتسب عند الله بما تأتيه، فهو مكتوب لك إلى يوم فاقتك، ومدخر إلى ~~مجازاتك، فكما تعفو يعفى عنك. وقوله أساءوا فإن تغفر، اعتراف بالذنب، ~~واستعطاف بالغفر. فيقول: إن تجافيت عن إساءتهم واستعملت ما أنت أهله من ~~العفو عنهم، فإن ذاك هو المرجو منك، والمعتاد من نظرك، وأفضل الحلم احتسابا ~~وأجرا حلم المغيظ، والمضجر الممتلك. # فروى أن يزيد لما قرع سمعه هذه الأبيات قال: لولا أنهم قدحوا في الملك ~~لعفوت عنهم. ### || وقال يزيد بن الجهم # تسائلني هوازن أين مالي ms1003 ... وهل لي غير ما أنفقت مال # فقلت لها هوازن إن مالي ... أضر به الملمات الثقال # أضر به نعم ونعم قديما ... على ما كان من مال وبال # يقول: تباحثني هذه القبيلة عن حالي، وتسائلني عن وجوه غناي، ومصارف مالي. ~~وهذا إخبار عنهم وعن مباحثتهم واستكشافهم في إنكارهم. وقوله وهل لي استفهام ~~على طريق النفي، كأنه قال: ومالي مال إلا ما أتلفته ووضعته حيث اخترته. ~~وهذا اعتراض بين الابتداء من هوازن في السؤال وبين ما أتى به في الجواب، ~~وهو # PageV01P1233 # قوله فقلت لها هوازن. وانتصب غير على أنه استثناء مقدم، كلأنه لم يعتد ~~بما فضل له عن مآربه، وبقي عنده في جواب مطالبه. والمعنى أنه لا مال له إلا ~~ما انفقه وقدمه لا ما يسأل عنه. # وقوله فقلت لها هوزان، يريد أجبتهم وقلت: مالي أفناه ما نزل بي من ~~الملمات الفادحة، والنوائب المجحفة، وأضر به قولي في جواب السؤال والوارد: ~~نعم، إيجابا لهم، وإسعافا بمقترحاتهم. وهذه اللفظة وبال على الأموال معروف ~~فيما تقادم من الأزمان. وانتصب قديما على الظرف، والعامل فيه ما اشتمل عليه ~~قوله على ما كان من مال وبال. # ونعم: حرف وضع للإيجاب، ونقيضه لا. وقد جعله الشاعر على هيئته منقولا إلى ~~باب الأسماء، فهو فاعل لأضر، ومبتدأ في قوله ونعم قديما والخبر وبال. # فأما قول أبي تمام: # تقول إن قلتم لالا مسلمة ... لأمركم ونعم إن قلتم نعما # فقد عيب عليه نعما، وليس كما ظن، لأنه لما نقلها وجعلها اسما نصبها ~~بقلتم، على حد قولك: قلت خيرا وقلت شرا. ويجوز أن يكون قديما انتصب على ~~الصفة المتقدمة، أي نعم وبال قديم على الأموال، فلما قدمه نصبه. ومثله: # لمية موحشا طلل ### || وقال أعرابي # ألا فتى نال العلا بهمه # ليس أبوه بابن عم أمه # ترى الرجال تهتدي بأمه # PageV01P1234 # قوله ألا فتى تمن، وألف الاستفهام دخل على لا النافية لهذا المعنى، ولذلك ~~حذف التنوين من فتى. ومعنى نال العلا بهمه أي صرف همه، وشغل نفسه بما ابتنى ~~به العلا، وعمر به مكارم قومه ms1004 وذويه. وقوله ليس أبوه بابن عم أمه، هو ~~المعنى الذي ورد به الخبر: اغتربوا لا تضووا، لأنهم كانوا يعتقدون أن الولد ~~إذا حصل بين متشاركين في النسب متقاربين، جاء ضاويا. وقوله ترى الرجال ~~تهتدي بأمه، أي تراهم يطؤون عقبه ويقدمونه فيهتدونن بقصده، ويقتدون برسمه، ~~لرياسته وفضله. ### || وقال ابن المولى، ليزيد بن حاتم # وإذا تباع كريمة أو تشتري ... فسواك بائعها وأنت المشتري # وإذا توعرت المسالك لم يكن ... منها السبيل إلى نداك بأوعر # يقول: إذا قامت سوق المكارم، وثار رهج المغانم بين طلاب المعالي وتجار ~~المحامد، فغيرك من حاضريها يزهد في حوز المكرمات، ويرفع يده عنها، فكأنه ~~يبيعها؛ وأنت تحصلها وتجمع يدك عليها، وتفوز بابتياعها وإن كان بأغلى ~~الأثمان، وأثقل السيم، فلا رغبة إذا نظرنا في مجامع المجد، واعتبرنا فيها ~~دواعي طلاب الثناء والحمد، كرغبتك. وقوله: تباع أو تشتري، أو بمعنى الواو، ~~فهو كما يكتب في العقود: وكل حق له داخل أو خارج. # وقوله وإذا توعرت المسالك، يريد وإذا اشتد الزمان وانسدت الطرق إلى من ~~يتندى ويشتهر بفعل المعروف، لشمول القحط وإمحال الناس، فعادت مسالك الجود ~~وعرة لا يمكن قطعها، ولا الوصول إلى أسباب الخير منها، كنت قريب المأخذ، ~~سهل الفناء، حسن الإقبال على مجتديك، جميل الاشتمال على قصادك وزائريك، فلا ~~تستحزن أرضك، ولا يستوعر جنابك. وتوعرت، من قولهم: طريق وعر، أي غليظ. وقد ~~وعر يوعر. وطريق أوعر، من هذه اللغة. # PageV01P1235 # وإذا صنعت صنيعة أتمتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر # وإذا هممت لمعتفيك بنائل ... قال الندى فأطعته لك أكثر # يا واحد العرب الذي ما إن لهم ... من مذهب عنه ولا من مقصر # قوله وإذا صنعت صنيعة، يقول: وإذا اتخذت عند إنسان يدا وأزللت إليه نعمة، ~~فإنك لا تخدجها ولا تترك ترتيبها، لكنك تكملها وتقوم بعنراتها، مصونة ~~منالمن والتكدير، صافية من الشوائب والتعذير؛ ومتى نويت لمجتديك الإفضال ~~عليه اقتضاك كرمك والندى الذي هو همك وسدمك، وقالا وأنت تطيعمها وتوجب ~~مرسومهما: أكثر له ليستغني عن غيرك، ويخلص المن لك. وقوله يا واحد العرب، ~~يجوز أن ms1005 يتصل بقول الندى ويكون الشاعر حاكيا، ويجوز أن يتصل بمخاطبة ~~الشاعر، والقصد في الدعاء التخصيص والإطراء. والمعنى أنه واحد العرب لا ~~نظير له فيهم، فهو المنظور إليه من بينهم، فلا معدل عنه في المهمات، ولا ~~مقصر دونه في الملمات. والمقصر: الكف والإمساك. ### || وقال المعذل # جزى الله فتيان العتيك وإن نأت ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا # هم خلطوني بالنفوس وأكرموا ال ... صحابة لما حم ما كنت لاقيا # كان المعذل أخذ بجرم، فكفل عليه النهس بن ربيعة العتكي، وكان حيث كفل ~~عليه: دفع إليه فحمله على فرس وبغل، وأمره أن ينجو بدمه، وأسلم نفسه مكانه، ~~فقال المعذل: اختر أن أمتدحك أو أمتدح قومك. فاختار امتداح قومه، فقال: ~~تولى الله عني جزاء فتيان التعيك، فقابلهم بخير ما يجازي به مستحقا لجزاء، ~~وإن بعدت عنهم، وتناءت داري عن دارهم. # ثم أخذ يقتص ما عومل به فذكرهم وقال: هم الذين خلطوني بأنفسهم، وأسقطوا ~~الحشمة بيني وبينهم، فجعلوني أشاركهم في خيرهم، ولا أتفرد بالضير فيهم؛ ثم ~~إنهم صاحبوني مصاحبة كريمة لما قدر لي ما كنت أكابده، فضموني إلى أنفسهم ~~متكفيلن بي، وصابرين على المكروه دوني، ثم فكوا أسري وأبلغوني مأمني. # PageV01P1236 # فإن قيل: ما فائدة قوله وإن نأت بي الدار عنهم؟ قلت: أراد أنه لا يشكرهم ~~مقارضا ولا طامعاص فيؤثر فيما هو الغرض فيه فرب الدار وبعدها، بل يؤدي حق ~~نعمة، ويقضي لازم فريضة وقوله لما حم يجوز أن يكون ظرفا لأكرموا. ومعنى حم ~~فدر. # هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا # طعامهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا # كأن دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان تحاسيا # ذكر ما شاهدهم عليه في مجاورتهم، ويجرون عليه في عاداتهم ومصارفهم، ~~وينتقلون فيه أوقات حفلهم، وعند خلوتهم، وقيما ينوبهم من نائبة تخصهم أو ~~تهمهم. فقوله يفرشون اللبد بضم الياء، أي يجعلون اللبد فراشا لظهر كل رمكة ~~وثابة، وكل فحل كريم سباح في عدوه، غلاب لمباريه في الغلو، سباق في الرهان ~~يحوز قصب ms1006 التقدم والعلو. # ويقال: ى فرشت الفراش وأفرشنيه فلان، وافترشت الأرض والمرأة. وروى بعضهم: ~~هم يفرشون بفتح الياء، وقال: أراد يفرش للبد على كل طمرة، فحذف الجار. قال: ~~ويقال فرشت ساحتي الآجر وبالآجر. # وقوله يبذ المغاليا إن ضممت الميم جاز أن يراد به السهم نفسه أو فرس ~~يغاليه. وجاز أن يراد به الرافع يده بالسهم يريد به أقصى الغاية. ويقال: ~~بيني وبينه غلوة سهم، كما يقال قيد رمح وقاب قوس. وإن فتحت الميم يكون جمعا ~~للمغلاة، وهي السهم يتخذ للمغالاة. والمعنى يسبق في غلوته. ومراد الشاعر أن ~~سعيهم مقصور على تفقد الخيل وخدمتها، والتفرس على ظهورها. وقوله طعامهم ~~فوضى فضا فوضى من فوضت الأمر إليك. والفضا من فضت الأرض، إذا اتسعت؛ ومنه ~~الفضاء، وأفضيت إليه بكذا. والمعنى أن الطعام عندهم وفيهم لا يكال ولا ~~يوزن، ولا يقتسم ولا يفرز، بل يأكله في رحالهم كل من احتاج إليه، غير ممنوع ~~عنه. وقوله ولا يحسنون السر إلا تناديا، أي لا ريبة في أقوالهم وأفعالهم ~~فيخفضوا الصوت بما يتخاطبون به، فعلى هذا يكون تناديا مستثنى، ويكون ~~التقدير: لا يحسنون السر لكنهم يتنادون. ويجوز أن يكون تناديا في موضع # PageV01P1237 # الحال، ويكون من باب: # تحية بينهم ضرب وجيع # وأعتبوا بالصيلم، وما أشبههما. # وقوله كأن دنانيرا على قسماتهم فالقسمة: الوجه. ويقال: وجه مقسم، إذا وفى ~~كل جزء منه حظه من الحسن يريد أن الشدائد لا تكسر شوكتهم ولا تغض أبصارهم ~~ولا تغيض مياه وجوههم، بل يزدادون على طول المراس والجذاب حسنا ونشاطا. ~~فكأن سحناتهم غشيت بالدنانير إشراقا ونورا، في وقت تتحامى الأبطال فيه ~~الموت. وهذا مثل للشدة وقد وطنت النفوس عليها، وذللت لها. أي تشرب الشجعان ~~كؤوس الموات حسوات. ### || وقال بعضهم: # وزاد وضعت الكف فيه تأنسا ... وما بي لولا أنسة الضيف من أكل # وزاد رفعت الكف عنه تكرما ... إذا ابتدر القوم القليل من الثفل # وزاد أكلناه ولم ننتظر به ... غدا إن بخل المرء من أسوأ الفعل # يصف وفور عقله وحسن تأتيه في تقلب الأحوال به، وذهابه مع ms1007 الكرم أني ~~اعتمد، ومع من تصرف. فيقول: رب زاد وضعت كفي فيه إيناسا للمجتمعين عليه، ~~وتأنسا بمؤاكلتهم، ولكي ينشطوا بكوني معهم، ويطرحوا الحشمة لانضمامي إليهم، ~~لولا ذلك لكنت غير محتاج إليه، ولزهدت في التناول منه. وقوله أنسة الضيف، ~~يقال انس وأنسة كما يقال: بعد وبعدة، وشقاء وشقاوة، ومنزل ومنزلة، ودار ~~ودارة. # ورب زاد أمسكت عن أكله، وانقبضت عن الاجتماع مع آكليه مؤثرا لغيري به، ~~وتوسيعا على متناوليه، في وقت من الزمان يرى القوم يتبقون إلى القليل من ~~سقط # PageV01P1238 # الزاد، لعزته وشدة حاجتهم إليه، وبعد عهدهم بأطايبه، ورب زاد أفنيناه ~~وتوسعنا فيه، غير مفكر في مستأنف الزمان، ولا خائف من عواصف الحدثان، ولو ~~بقيناه لعد ذلك من فعلنا بخلابه، والبخل من أسوأ أفعال المرء وأقبحها. ~~وانتصب تأنسا على أنه مصدر في موضع الحال. وقوله مناكل في موضع الرفع لأنه ~~اسم ما، والنفي بما تناوله من حديث لولا. وكذلك قوله تكرما في موضع الحال، ~~وإذا ابتدر ظرف لرفعت، وهو جوابه. وقوله لم ننتظر به غدا أي لم ننتظر ~~باستيفائه غدا، أي مجيء الوقت الذي نسميه غدا. ### || وقال بعضهم: # لقل عارا إذا ضيف تضيفني ... كا كان عندي إذا أعطيت مجهودي # جهد المقل إذا أعطاك نائله ... ومكثر في الغنى سيان في الجود # اللام من لقل جواب يمين مضمرة، وفاعل قل ما كان عندي. وعارا انتصب على ~~التمييز، وهو مما نقل الفعل عنه، كأنه كان لقل كا كان عندي، فنقل قل وجعله ~~لقوله ما كان، واشبه عارا المفعول فنصبه. وقوله إذا أعطيت ظرف لقوله: قل ما ~~كان عندي. وإذا ضيف تضيفني، ظرف لقوله: إذا اعطيت مجهودي. وتلخيص الكلام: ~~لقد قل عار ما كان عندي إذا أعطيت منه مجهودي إذا ضيف تضيفني. والمعنى: لا ~~عار في القليل الذي عندي إذا اعطيت مجهودي في الوقت الذي يتضيفني الضيف. ~~ومثل هذا البيت فيما اجتمع فيه من الظرفين قول الآخر: # علام تقول الرمح يثقل ساعدي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت # وقوله جهد المقل مبتدأ، وعطف مكثر على ms1008 المقل، وقد حذف المضاف منه، ~~والمراد وجهد مكثر في الغنى، فاكتفى بالأول عن الثاني، وسيان خبر المبتدأ، ~~كأنه قال: جهد المقل إذا أعطاك ما عنده وجهد مكثر في الغنى مثلان في أحكام ~~الجود وشرائطه، لأن كلا منها قتل مجهوده. وإنما قلنا هذا لأنكإن لم تضمر في ~~قوله ومكثر المضاف تكون قد جمعت بين الحدث وهو جهد المقل، وبين الذات وهو ~~مكثر فجعلتهما سبين. والشرط أن يضم الحدث إلى الحدث، والذات إلى الذات. ~~وقوله في الغنى في موضع الصفة لكثر، كأنه قال ومكثر غنى. # PageV01P1239 # وهذا كما تقول: جاءني رجل في جبة، تريد وعليه جبة، ةتحقيقه: جاءني رجل ~~لابس جبة. # وقد تبين من البيت الثاني معنى البيت الأول، واعتذاره من القليل الذي ~~يعطيه إذا ضاف ضيف. ### || وقال خلف بن خليفة # عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل # إلى هضبة من آل شيبان أشرفت ... لها الذروة العلياء والكاهل العبل # إلى النفر البيض الأولاء كأنهم ... صفائح يوم الروع أخلصها الصقل # إلى معدن العز المؤيد والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل # قوله والهوى إليهم مبتدأ وخره قد اعترض بين صدر البيت وعجزه، والواو واو ~~الحال. والمعنى: وهواي معهم؛ لأن إلى بمعنى مع، كما يقال هذا إلى ذاك. ~~ويجوز أن يعطف والهوى على فخر العشيرة، فيكون المراد عدلت إلى الافتخار ~~بهم، وإلى الهوى معهم. فيقول: صرفت همي إلى ذكر مفاخر العشيرة، وهواي معهم، ~~وتركت غيره لأن في عج مجدهم وإحصائه ما يشغلني عن غيره. ثم كرر إلي مفخما ~~ومعظما، فقال: إلى هضبة من شأنها كذا، وإلى النفر الذين من شأنهم كذا، وإلى ~~معدن العز الذي من أمره كذا. والمراد بجميع ما ذكر العشيرة وإن اختلفت ~~العبارات عنها. وقوله أشرفت لها الذروة العلياء، يعني هضبة العز. فيقول: ~~علت لهذه الهضبة ذروة شامخة وكاهل ضخم، يريد عظم الهضبة وسموقها واتساع ~~جوانبها. # وقوله إلى النفر البيض يعني آل شيبان. ذكر عزهم وكنى عنه بالهضبة، والقصد ~~إلى أنهم الملجأ والمعقل. والأولاء في معنى الذين، وما بعده من ms1009 صلته، ويمد ~~ويقصر، فيقال الأولاء والأولى. وأراد بالبيض الكرام المنقي الأحساب. وقوله ~~كأنهم صفائح يوم الروع، يجوز أن يضيف صفائح إلى يوم الروع، ويريد تشبيههم ~~في نفاذهم وقدودهم بالسيوف المعدة ليوم الروع، لا المعاضد وما يبتذل في ~~العوارض سوى الحرب. ولك أن تنصب يوم على الظرف. يريد صفائح مصقولة # PageV01P1240 # جردت يوم الروع، وأعملت وأنفذت. وعلى الوجهين جميعا يكون أخلصها الصقل من ~~صفة الصفائح. # وقوله إلى معدن العز المؤيد معنى المؤيد المقوي بمواده التي تصرف إليه، ~~لحسن مراعاتهم ومحافظتهم على المجد. ولك أن تروى المؤبد بالباء، ويكون ~~المعنى العز الدائم الثابت على مر الأيام. وقوله والندى لك أن تجره معطوفا ~~على العز وتصير هناك مكررا، والفضل مبتدأ وهناك خبره، وقد كرر الخبر تفخيما ~~وتعظيما. وكما يكرر الخبر يكرر المبتدأ، تقول: زيد زيد عاقل، وزيد عاقل ~~عاقل. ولك أن تجعل والندى مبتدأ ويكون هناك الأول خبره، والواو واو الحال، ~~ويكون هناك الفضل مستأنفا. # وقوله الخلق الجزل الجزالة مستعملة في الرأي والخلق، وفي القرآن: " وإنك ~~لعلى خلق عظيم "، فاستعمل العظم أيضا. # أحب بقاء القوم بالمصر إنهم ... متى يظعنوا عن مصرهم ساعة يخلو # عذاب على الأفواه ما لم يذقهم ... عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو # عليهم وقار الحلم حتى كأنما ... وليدهم من تاجل هيبته كهل # إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل # قوله " أحب بقاء القوم بالمصر " يصف به كثرة خيرهم وعموم النفع بمكانهم ~~في مقامهم، وسكون الناس إليهم، وقيام مرواتهم وسياساتهم في أوطانهم ~~ومظانهم، فيقول: أحب لبثم في دورهم ومواضعهم، فإنهم متى ارتحلوا عن مصرهم ~~ساعة خلا وصار في حكم ما لم يختط من البلاد ولم يؤهل بالقطان والسكان، لأن ~~عمارته كانت بهم، ودخل في عداد الأمصار بسكناهم. وانجزم " يخلو " لأنه جواب ~~الشرط، وهو متى يظعنوا، لكنه أطلق فزاد ما يلحق للإطلاق في قوله تخلو. ~~قالوا: وهاهنا ليست التي كانت لام الفعل، وإنما هي كالواو التي في قولك: # أيتها الخيامو # PageV01P1241 # وبمثل هذا القول في لم نرمي، ولم يخشى، إذا وقعت ms1010 في القافية، فيصير الألف ~~كألف " الجرعا "، والياء كياء " الأيامي ". وعلى هذا القول في: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # الياء فيه للاطلاق، فأما من قال: # ألم يأتيك والأنباء تنمي # وولا ترضاها ولا تملق # ومن هجو زبان لم يهجو ولم يدع # فالياء والواو والألف لامات بقيت في موضع الجزم، لأن المحذوف للجزم عنده ~~من هذه الأفعال وأشباهها حركات كانت في النية اتثقل اللفظ بها في موضع ~~الرفع مع حروف المد، ثم حذفت حروف المد ليكون الفعل مجزوما أنقص لفظا منه ~~وهو غير مجزوم، فعند الضرورة أثبتها ولم يكن مخطئا، إذ لم يكن سقوطها ~~إعرابا، ويكون الياء على هذا القول في قوله " ألا انجلي " لام الفعل أيضا. # وقوله " عذاب على الأفواه ما لم يذقهم " ما في موضع الظرف. أراد أن طعمهم ~~حلو إلا على أفواه العداة، لأن أخلاقهم تشمس عند الأعداء فيخشن جانبهم لهم، ~~ويمر مذاقهم على أفواههم إذا ذاقوهم. وقد جمع بين الطعم والذكر، لذلك اعاد ~~ذكر الأفواه فقال: وبالأفواه، كانه قصد في الأول الإنباء عن كرم طبعهم ولين ~~أخلاقهم عند التجربة، وفي الثاني أنه يستحلى ذكرهم فيطيب في المسمعة، لشمول ~~إحسانهم، وكثرة محاسنهم، فتقوم الشهادات بفضلهم في الحالتين. # PageV01P1242 # وقوله " عليهم وقتر الحلم "، أراد أنهم يحلمون في المعاملة، ويتوقرون مع ~~من يجر الجرائر عليهم، فصغارهم لهيبتهم في النفوس كالكهول من غيرهم؛ وإن ~~حملوا على جهل في وقت، بأن يصير مجاذبهم عاديا طوره، لم يفارقهم الحلم ~~أيضا، بل يكافئون المسيء على قدر إساءته. ثم إن آثروا استعمال الجهل لأمر ~~يوجب ذلك فاستمروا فيه واشتطوا عظم البلاء بهم فلم يطاقوا. # ويقال أثرت الشيء وآثرت بمعنى. # هم الجبل الأعلى إذا ماتناكرت ... ملوك الرجال أو تخاطرت البزل # ألم تر أن القتل غال إذا رضوا ... وإن غضبوا في موطن رخص القتل # لنا فيهم حصن حصين ومعقل ... إذا حرك الناس المخاوف والأزل # لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم ... إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل # وصفهم بعلو الشان وارتفاع االمكان، فقال: هم الركن الأرفع، والطود ~~الأمنع، وقت مداهاة الرجال بعضهم ms1011 بعضا، ومناكدة الأملاك حالا فحالا، فلا ~~يغالب رأيهم، ولا يحللعقدهم، ولا يبلغ غورهم، ولا يستقصر مكرهم. فقوله " ~~تناكرت " تفاعل من النكر الداهية؛ وهو حسن. ويجوز أن يكون تفاعل من ~~الإنكار، فيكون تناكرت ضد تعارفت، أي ينكر بعضهم بعضا، لما ينطوي عليه كل ~~لصاحبه من سوء الرأي وإضمار الشر. # وقوله " أو تخاطرت البزل " هو تفاعل من الخطران، وهو إشالة الأذناب ~~وإدارتها عند الهياج، وهذا إشارة إلى المتحاربين المتجاذبين إذا تدافعوا ~~بأركانهم، كما أن قوله " تناكرت ملوك الرجال " يريد إذا تداهوبمكايدهم. ~~فيريد أنهم يعلون رؤساء الناس قولا وفعلا، ومطرا ودهيا. # وقوله " ألم تر أن القتل غال إذا رضوا "، يريد أن من أوى إليهم واستنام ~~إلى جانبهم، فاستعطف هواهم وحصل رضاهم، أمنن وأعز فلا يلحقه قصد، وسلم على ~~الدهر فلا يجري عليه جور؛ ومن عدل عنهم واستن في سنن غضبهم، عرض بنفسه ~~وتعجل الطمع من كل أحد فيه، فقتله يسهل ويرخص إذا قتل المتعزز بهم يصعب أو ~~يغلو ثم قال: " لنا فيهم حصن حصين "، يصف ما عمهم من الأنمنة فيهم ~~وبمكانهم. فيقول: هم لنا معقل حريز وحصن حصين، في وقت يقلق الناس فيه، ~~لاستيلاء الخوف عليهم، واستعلاء القحط والبالاء فيهم. والأزل: الضيق. # PageV01P1243 # وقوله " لعمري لنعم الحي "، المحمود بنعم محذوف، كأنه قال: إذا استغاث ~~بهم الصريخ وهو المستغيث فاستصرخهم أجابوه ونصره، فنعم الحي وقد دعوا، إذا ~~الجار مأكول ومطموع فيه، وإذا اشتد الزمان ففني الزاد وعز الطعام. وقوله " ~~الجار " مبتدأ وأرهقه الأكل في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار عنه وإن كان ~~عطف المأكول عليه، كأنه قال: إذا الجار أرهقه الأكل والمأكول كذلك. # ويشبهه قول الآخر في الإخبار عن المعطوف عليه دون المعطوف: # فإني وقيارا بها لغريب # وقد مر مثله. # ومعنى أرهقه الأكل ضيق عليه وغشيه. وقد قيل: أكلت فلانا، إذا غلبته ~~وقهرته. وكني عن المستضعف باللحم والشحم فقيل: ترك فلان لحما على وضم، ~~وفلان شحمة للمتبلغ. قال الشاعر: # فلا تحسبني يا ابن أزنم شحمة ... تزردها طاهي شواء ملهوج # سعاة على أفناء بكر بن وائل ... وتبل ms1012 أقاصي قومهم لهم تبل # إذا طلبوا ذحلا فلا الذحل فائت ... وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل # مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل # بحور تلاقيها بحور غزيرة ... إذا زخرت قيس وإخوتها ذهل # قوله: سعاة على أفناء كر " السعي يستعمل على وجوه، وكذلك السعاية. ويقال ~~للمصدق الساعي، والمصدر السعاية. وهو يسعى على قومه، إذا قام بأمورهم. ~~والمسعاة في الكرم والجود. والشاعر يرد أنهم يذبون عنها ويسعون في مصالحهم ~~وحفظ ذممهم. وقوله " وتبل أقاصي قومهم " تبل يؤكد مات قبله. والمعنى ذحل ~~الأباعد من قومهم كذحل المختص بهم، لأنهم يتشمرون في الانتقام والانتصار ~~فيهما على حد واحد. # PageV01P1244 # وقوله " إذا طلبوا ذحلا فليس بفائت "، يقال: طلبت عند فلان ذحلا، إذا رمت ~~مكافأته على عداوة منه أو جناية. وأراد أنهم إن وتروا لا يفوتهم إدراك ~~الوتر، وإن وتروا غيرهم من أكفائهم وظلموهم لم ينتصف منهم، ولم يدرك الثأر ~~من جهتهم. # وقوله " مواعيدهم فعل "، أراد أنهم ينجزون الوعد ويصدقون الأقوال بالفعل، ~~وأن هذا دأبهم في الخصال التي إذا سميت موعودا بها وذكرت، قال الناس يجب مع ~~القول فعلها، استبعادا للوفاء. # وقوله " بحور تلاقيها بحور غزيرة "، يريد أنهم في أنفسهم كالبحور كثرة ~~وسماحا، واتساعا وعزة، فإذا لاقتها بحور قيس وذهل زاخرة فقد كمل الأمر ~~وتناهى العز، واطرد الماء، وطما التيار حتى لا يطاق. ### || وقال آخر: # عادوا مروءتنا وضلل سعيهم ... ولكل بيت مروءة أعداء # لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء # يشبهه قول الآخر: # لا يملكون عداوة من حاسد ... وحذاء كل مروءة حسادها # وقول الآخر: # إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا # وقوله " وضلل سعيهم " أي نسب إلى الضلال لما لم يلحقوا شأوهم. # وقوله " لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر " يريد: لا نعتمد على مناسبنا، وعلى ~~ما قدمه أسلافنا من المفاخر والمساعي، لكنا نعمر ما شيدوه، ونستحدث ~~بأفعالنا ما يقويه ويكثره، ولا يصير مزريا به. # PageV01P1245 ### || وقال أعشى ربيعة يمدح عبد الملك بن مروان: # ويقال إنه دخل عليه فقال: يا أبا المغيرة، ما ms1013 ~~بقي من شعرك؟ فقال: لقد بقي منه وذهب. على أني أنا الذي أقول. ثم أنشد هذه ~~الأبيات: # وما أنا في حقي ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع قرني # ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني # قوله " في حقي " أي فيما استحقه من الناس كافة، من الصيانة والتمييز، لما ~~توحدت به من فضل ومزية. وقوله " بمهتضم حقي " يريد به حقوقه عند الناس. ~~فيقول: إني فيما أجاذب فيه الغير وأنازعه، وفي طلب حقوقي إذا حلت لي عندهم، ~~وفيما يجب لي عند المزاولات والمحاكمات من التبجيل عليهم، لا أبخس ولا ~~أظلم، ولا أدفع ولا أهان. وقوله. " ولا قارع قرني "، ويريد أنه لا يأمنني ~~فيشتغل عني بأسبابه ومصارفه، ولكن يكون أبدا خائفا مني، ومشغولا بي وحذرا ~~من الإيقاع به. # وقوله " ولا مسلم مولاي عند جناية " يريد بقوله مولاي أجناس ما يسمى مولى ~~من حليف ونسيب، ومنتم بولاء بعيد أو قريب. فيقول: إني لا أخذل أحدا منهم ~~عند جناية يجتنيها، أو جريمة يجترمها، بل أنصره وأستنقذه كيف ما أمكن، سهل ~~أو تعذر، ثم إني لا أجر الجرائر عليهم فيؤاخذوا بي وبما تكتسبه يدي، لأن ما ~~يرجع إلي من النوائب أقوم في وجهه، وأحتال في نقضهودفعه، سواء على حق ذلك ~~في مالي أو في نفسي. # وإن فؤادا بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني # وفضلني في الشعر واللب أنني ... أقول على علم وأعرف من أعني # وأصبحت إذ فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن # يقول: إني اكتسبت من مشاهداتي والأخبار الواقعة إلي، الصادقة في مواردها، ~~المتواترة على ألسن حملتها ما صار قلبي به عالما ومتميزا، فلا يلتبس على ~~وجوه # PageV01P1246 # الحق وحدوده، ولا صنوف الصدق وفنونه، فإذا قلت الشعر قلته على علم ~~بمرافقه وأساليبه، ومعرفة المقول فيه ومستحقه، فلا أكذب في الأخبار ولا ~~أتزيد في الأوصاف، ولكن أعطي كل منعوت حقه من القول والوصف، وأقسم لكل منوه ~~به قسطه من التقريظ والمدح، فمن أجل ذلك أصبحت ms1014 إذ فضلت مروان وابنه عبد ~~الملك على الناس قد فضلت خير والد وولد، فلا يقال كذب أو أخطأ، أو اشتبه ~~عليه أو شبه له، فلم يأت بالحق، ولم يقتصر على الصدق. # وقوله " وإن فؤادا " جعله نكرة لأنه باتصال قوله " بين جنبي " به اختص، ~~حتى علم أنه قلبه من بين القلوب. ### || وقال في سليمان بن عبد الملك # أتينا سليمان الأمير نزوره ... وكان امرأ يحبي ويكرم زائره # إذا كنت في النجوى به متفردا ... فلا الجود ولا البخل حاضره # كلا شافعي سؤاله من ضميره ... عن الجهل ناهيه وبالحلم آمره # يقول: قصدت هذا الرجل، وكان لحسن تعطفه وكرم تألفه، وكمال احتفافه ~~بزائريه، وجمال إقباله على عفاته ومجتديه، ينيل الحباء مؤمليه على أبلغ ما ~~تعلق الرجاء به وفيه. # وقوله " إذا كنت في النجوى به متفردا " فالنجوى: المسارة. فيقول: إذا ~~وقعت في خاطره، وتفردت بمناجاته، فالجود نصب عينيه، والبخل غائب عن همته، ~~لا يحتاج إلى باعث ولا شافع، ولا مذكر ولا عاطف. # وقوله " كلا شافعي سؤاله من ضميره " جعل السؤال من سانح فكرهوجائل صدره ~~شافعين، وزعم أن كلا منهما ينهاه عن البخل، ويأمره بالإفضال والبذل. وهذا ~~على طريقتهم في أن الإنسان له نفسان عندما يحضره من الفعال والمقال، ~~فأحدهما يأمره بالفعل، والآخر ينهاه ويبعثه على الترك، فقال هذا الشاعر: إن ~~نفسي هذا الممدوح هما يشفعان لوراد حضرته، ورواد سيله ومطره، فكل يدعو إلى ~~الإسداء # PageV01P1247 # إليه، ويبعث على الإفضال عليه. ومثله: # إذا ائتمرت نفساه في السر خاليا # والنجوى مصدر، ويستعمل وصفا فيقع على الواحد والجمع، وقد مضى القول فيه. ### || وقال المتوكل الليثي # مدحت سعيدا واصطفيت ابن خالد ... وللخير أشباب بها يتوسم # فكنت كمجتس بمحفاره الثرى ... فصادف عين الماء إذ يترسم # يقول: اخترت من بين الناس ابن خالد وقرظت في شعري سعيدا، وللخير حدود ~~ووجوه بها يتبين رسمه وعلامته، فكنت في اصطفائي إياهما، وصرفي ثنائي ~~إليهما، كرجل يتطلب الماء بمحفاره من ثرى الأرض، فصادف عينه ومنبعه، إذ ~~تتبع أثره ورسمه. والمعنى: أصبت في القصد والاختيار، ووضعت الثناء موضعه ms1015 من ~~الإيثار، فسيق الخير إلي من مطلبي، وحصل التوفر علي من مقصدي. فأما من روى ~~" محتس " فهو مفتعل من الحس. والمحفار: اسم الآلة التي يحفر بها، كالمعول ~~وما أشبهه. وهذا مثل واستعارة. ومن روى " كمجتس " بالجيم، فهو مفتعل من ~~الجس. والتحسس والتجسس يتقاربان. ومعنى يترسم: يتتبع رسومه. # فإن يسأل الله الشهور شهادة ... تنبئ جمادى عنكم والمحرم # بأنكما خير الحجاز وأهله ... إذا جعل المعطي يمل ويسأم # يصف دوام بذلهم في فصول السنة، واتصال جدواهم في شهور الضيق والسعة، وفي ~~الجدب والخصب، وعند شمول الحر والبرد. وجمادى من أزمان القحط والضر، ~~والمحرم من الأشهر الحرم، فيقول: إن استشهد الله تعالى أوقات السنة وأهلة ~~الشهور شهدت لكم، وأخبرت عنكم بأنكما خير أهل الحجاز بذلا وإفضالا، وحسن ~~تفقد وإحسانا، في الوقت الذي ترى المعطي يمل الإعطاء، ويتبرم بالسؤال، ~~فيصير ذلك داعية له إلى الإمساك والكف. # PageV01P1248 # وقوله " إذا جعل المعطي " إذا ظرف لما دل عليه قوله " خير الحجاز ". وجعل ~~بمعنى طفق وأقبل، فلا يتعدى. والسآمة فوق الملال. ### || وقال نصيب في عمر بن عبيد الله بن معمر # والله ما يدري امرؤ ذو جنابة ... ولا جار بيت أي يوميك أجود # أيوم إذا ألفيته ذا يسارة ... فأعطيت عفوا منك أم يوم تجهد # أقسم بالله عز وجل أنه لا الغريب المجانب ولا القريب المجاور يعلم أي ~~يومي هذا المسموح أكثر سخاء وأتم إفضلا. وجعل الجود لليوم على طريقة قوله ~~تعالى " بل مكر الليل والنهار " لما كان فيهما. وعلى حد قول الناس: نهاره ~~صائم، وليله قائم. # وقوله: " أيوم إذا ألفيته " تفضيل لما أجمله. ومعنى ألفيته ألفيت فيه، ~~فحذف الجار وجعل اليوم مفعولا على السعة. # وقوله: " ذا يسارة "، يقال يسار ويسارة، كما يقال ذكر وذكرى، ومكان ~~ومكانة. # وقوله: " أم يوم تجهد "، يريد أم يوم تجهد فيه، فأضاف اليوم إلى الفعل ~~وأوصل الفعل بنفسه. والمعنى: لا يعلم الغريب المنتائى عنك، ولا القريب ~~المتدانى منك، أي وقتيك أكثر سخاء وخيرا، أيوم تلفى في موسرا فتعطى ما ~~تعطيه عفوا، أم يوم توجد فيه معسرا ms1016 فتعطى ما تعطيه مجهودا متعبا. يريد: أنه ~~لا يبين أحد وقتيه من الآخر، كما لا يبين إحدى حالتيه من الأخرى. ويروى " ~~أيوما إذا ألفيته ذا يسارة ... أم يوم تجهد " ويكون هذا مردودا على المعنى، ~~لأنه لما أراد بقوله أي يوميك أجود " أي جوديك أفضل، قال: " أيوما " أي ~~أجودك في يوم إذا ألفيت فيه موسرا أم جودك في يوم تكون فيه مجهودا معسرا. # وإن خليليك السماحة والندى ... مقيمان بالمعروف ما دمت توجد # مقيمان ليسا تاركيك لخلة ... من الدهر حتى يفقدا حين تفقد # PageV01P1249 # جمع بين السماحة والندى، لأن السماحة هو سهولة الجانب في الإعطاء، وطيب ~~النفس به. # وقوله " مقيمان " أي ثابتان، من قوله تعالى " إلا مادمت عليه قائما ". # ومنه أقام بالمكان، أي جعل لنفسه ثباتا. ومنه قوام الأمر، أي دوامه. وما ~~دمت ظرف. فيقول: السماحة والندى يقيمان بسبب معروفك وله، ويدومان ما دمت ~~ثابتا وقائما. وإنما قال بالمعروف كما يقال: فلان مقيم بمكان كذا، أي يجعل ~~قيامه به وثباته. فكذلك جعل قيامه بالمعروف على هذا الوجه. # وقوله " مقيمان ليسا تاركيك لخلة "، يريد: هما مقيمان بسبب معروفك، ~~وثابتان لك ولمكانك، لا يفارقك لخلة من خلات الدهر تعرض، ولا لفقر يحصل، ~~إلى أن يفقدا وقت فقدك. ### || وقال أميمة بن أبى الصلت # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء # وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء # خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق اللجميل ولا مساء # قوله " أأذكر حاجتي أم قد كفاني ". يقول: أي الأمرين أعتمد منك؟ لأن أم ~~هذه هي المعادلة لألف الاستفهام والمفسرة بأي. فيقول: ألقى حاجتي قبلك ~~إليك، وأنهى قصتي المرفوعة إليك، ام أعتمد اكتفائي بكرم فطنتك، وذكاء ~~معرفتك، وحسن التفاتك إلى المعلقتين بحبلك، والراجين لخيرك وفضلك، لأن ملاك ~~خلقك الحياء، فإذا توصل تابعلكبعرض وجهه عليك، صار ذلك مهيجا لحيائك، ~~وداعيا إلى الفكر فيما أحوجه إليك، وسائقا إلى قضاء مأربته لديك؛ ولأن ~~محافظتك على أولى المواتوالحرم، تبعثك على صيانتهم، وتحميهم من ابتذال ~~يلحقهم، إذ كنت الفرع لأصل يجمع إلى الحسب ms1017 المنقى، والمجد المزكى، علو همة ~~وارتفاع منزلة. # وقوله " خليل " ارتفع بأنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه " قال ": أنت خليل لا ~~تغيره الأوقات عما ألف من بره، وعهد من كرمه. وأشار في قوله: الصباح ~~والمساء، وهما # PageV01P1250 # طرفا النهار ووقتا " الغارة " والضيافة، إلى أنه لا يتغير على علات ~~الزمان ولما تغير له الإنسان من عارض ملال حادث، أو تضجر بمصارف أمر سانح. # وأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # قوله " وأرضك "، يريد ما توطد له من مباني المجد والشرف بقومه وفصيلته، ~~فجعله كالأرض له، وجعل مراعاته له من بعد وتوفره على ما يشيده بنفسه ~~كالسماء له، وقد علم أن حياة الأرض وإضاءتها بما يأتى عليها من حيا السماء ~~بنورها. فيريد أن عمارة مكارم آبائه كانت برمه لها، وبالمواد الذي يمدها ~~بها، فلذلك زكت وربت، وثبتت على مر الأيام وعلت. # وقوله " إذا أثنى عليك المرء يوما "، إن المثنى عليك لا يحتاج إلى قصدك ~~به، لأنه متى تأدى إليك ثناؤه أنلته إحسانك، وأغنيته عن التعرض والقصد، ~~وقطع المسافة دونك وحملالمشاق والجهد. # تبارى الريح مكرمة ومجدا ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء # يقول: يدوم عطاوك ويتصل، فكأنك تبارى الريح في هبوبهاأوان الجدب والقحط، ~~وحين يقل صبر الكلب على الاعتساس والطوف، حتى يصير رابضا في البيوت، ~~ومستدفئا بجوانب الأخبية والكسور. وقوله " إذا ما الكلب " ظرف لتبارى أي ~~تفعل ذلك في مثل هذا الوقت. " مكرمة "، انتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن ~~يكون في موضع الحال. ### || وقال ابن عبدل الأسدي # بينا هم بالظهر قد جلسوا ... يوما بحيث ينزع الذبح # فإذا ابن بشر في مواكبه ... تهوى به خطارة سرح # فكأنما نظروا إلى قمر ... إو حيث علق قوسه قزح # بينا يستعمل في المفاجأة، وكذلك بينما. وكان شيخنا أبو علي - رحمه الله - ~~يقول: هو ظرف زمان، كأن الأصل كان: بين أوقات، فحذف المضاف إليه. # PageV01P1251 # والظهر: موضع. ويوما انتصب على البدل من بيناهم، ويريد به المتصل من ~~الأوقات، كما يقال فلان يفعل ms1018 كذا وكذا، وكان بالأمس يفعل كذا. والذبح: نبت ~~له اصل يفتش عنه ويخرج كالجزر، ويقشر عنه جلد أسود، وهو حلو يؤكل. وهذا ~~أعني قوله " بحيث ينزع الذبح "، بيان للميقات المشار إليه. # وقوله " فإذا ابن بشر في مواكبه "، الفاء زائدة، لأن بينا وبينما يجيئان ~~ولا فاء فيما يقع فيهما. على ذلك قوله: # فبينا يمشيان جرت عقاب ... من العقبان خائنة طلوب # فأما " إذا " فقد ذكر سيبويه خاصة أن إذ تقع بعدهما ولم يذكر إذا. تقول: ~~بينما نحن نسير إذ أقبل زيد. وكثير من النحويين والأصمعي ينكرون هذا ~~ويقولون: لا حاجة إلى إذ وإذا، ويستشهدون بقول أبي ذؤيب: # بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جري سلفع # وإذا رجعنا إلى الموجود فيما يختارونه هو الأكثر. واستشهد سيبويه بقوله: # بينما نحن بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكب على جمله # والبيت الذي نحن فيه جاء بإذا، فهو أغرب. # ومعنى تهوى به: تسرع. والخطارة: الناقة تخطر بذنبها نشاطا فعل الفحولة، ~~أو تخطر في مشيها. والسرح: السهلة اليدين. فيقول: بين أوقات الناس جالسون ~~بهذا المكان، حيث يقتلع هذا النبت، إذا ابن بشر وخلفه مواكبه، تسرع به ~~نجيبة هكذا، فكأنما نظروا إلى قمر، أي لما اجتاز بهم شبهوه في إشراقه ~~ونوره، وبهاء موكبه، بالقمر، أو نظروا إلى حيث يتراءى للناظرين قوس قزح. ~~فقوله " أو حيث " يجوز أن يكون معطوفا على قمر، فيكون المعنى: نظروا إلى ~~قمر إلى مكان قوس قزح. ونكر قمرا لأن فائدة المعرفة والنكرة إذا وقع في مثل ~~هذا المكان لا تتغير. ويجوز أن # PageV01P1252 # يكون " حيث " في موضع الظرف، كأنه قال: نظروا إلى القمر، أو نظروا حيث ~~علق قوس قزح. وجعل قزح فاعلا على اعتقاد من يعتقد أن قزح اسم شيطان، لهذا ~~أخبر عن المضاف إليه من قولهم قوس قزح. وقد ورد في الخبر النهي عن هذا، وهو ~~مشهور، وقال الخليل حكاية عن أبي الدقيش: تقزيحه: طرائقه، واحده قزحة، ~~والجمع قزح. وذكر في الخبر أن فيه أمانا من الغرق. ويروى: " على قوسه قزح " ~~من العلو. وعند النحويين ms1019 أن قولهم قوس قزح كحمار قبان وماأشبهه. وإذا كان ~~كذلك لم يصلح الإخبار عن المضاف إليه. وذكر بعضهم أنه يقال لقوس قزح: قوس ~~قزيع، " وهو من " تقزع الفرس، إذا تشمر للعدو وخف. ### || وقال حاتم طيئ # متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر # يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هز لم يرض بالهبر # وأسمر خطيا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعا عالى العشر # قوله " جمع كف " هو القدر الذى يجمع عليه الكف من المال وغيره. # ويقال للمرأة الحامل: هي بجمع، وكذلك للبكر منهن. والصفر: الخالى من ~~الشيء. فيقول: متى جاء وأرثى بعد موتى يجد قدرا من المال لا يوصف بالكثرة ~~ولا بالقلة، يجد فرسا ضامرا كالعنان فى إدماجه وضمره، وسيفا قاطعا إذا حرك ~~في الضريبة لم يرض بالقطع، ولكن يتجاوزه ويخرج إلى ما وراءه، ورمحا أسمر فى ~~لونه وذاك أصلب، محولا من الخط، وهو اسم جزيرة يجلب منها الرماح. والكعوب: ~~العقد. شبهها فى صلابتها بنوى القسب. والقسب: ضرب من التمر رديء غليظ النوى ~~صلبها. وقوله " قد أربىذراعا على العشر "، وصفه بأنه لم يكن طويلا ولا ~~قصيرا حتى لا يكن مضطربا ولا قاصرا. بل يجرى مع الاعتدال. وقال الدريدي ~~القسب البسر اليابس. ونوى القسب يشبه به أيضا ما في جوف الحافر من النسور. ~~قال: # له بين حواميه ... نسور كنوى القسب # PageV01P1253 # وقصد الشاعر إلى أن ما يحصل له يجود به، فإذا مات لم يبق له إلا ما ذكره ~~من آلات الحرب والغزو. ### || وقال آخر: # آل المهلب قوم خولوا شرفا ... ما ناله عربي لا ولا كادا # لو قيل للمجد حد عنهم وخالهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا # إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا # وصفهم بأنهم أعطوا مجدا لم ينله قبلهم عربي، ولا قرب من أن يناله، فهم ~~متفردون به، لا ينبغي لغيرهم. ثم قال: لو قيل للمجد حد عنهم. يريد أنهم ~~للمجد موضع ومقر لو كان يعقل ثم سيم ms1020 تركه إياهم، وإخلاله بهم بما يحتكم من ~~الدنيا، ويقترحه من أعراضها، لما تجنبهم، ولا عدل عنهم، وذاك لأن المجد ~~رضيهم محلا، ورضوا هم بسكناه أهلا. والقدر يجرى إلى القدر. وقد ألم بهذا ~~المعنى البحتري في قوله: # أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول # ويقال: خالي فلان قبيلته، إذا تركهم وتحول عنهم. قال النابغة: # قالت بنو عامر خالوا بني أسد ... يابوس للجهل ضرارا لأقوام # معناه تاركوهم وفارقوهم. # وقوله " إن المكارم أرواح " جعل آل المهلب كالأجساد، والمكارم لها ~~كالأرواح، كما جعلهم في الأول دارا، والمجد سكانا، والروح لا يثبت إلا في ~~جسم على صفة، كما أن الجسم لا يتصرف إلا بالروح الحاصل فيه مع القدرة فيريد ~~أنهم مقار للمكارم، مصرفون في اكتساب المعالي، فالمكارم بهم تثبت وتبقى، ~~كما أن تصرفهم واقتدراهم من بين الأجساد بها ولها. # PageV01P1254 ### || وقالت أخت النضر بن الحارث # الواهب الألف لا ينبغي به بدلا ... إلا الإله ومعروفا بما اصطنعا # تقول: إنه يفرق ما يفرق من ماله لا لطلب عوض، ولا اجتذاب نفع واجتلاب ~~محمدة، ولكن يريد به التقرب إلى الله تعالى، وأن يفعل المعروف بما يصنعه، ~~فهو يتلذذ بفعل المعروف، وباحتساب الأجر عند الله. ### || وقالت صفية بنت عبد المطلب # ألا من مبلغ عني قريشا ... ففيم الأمر فينا والإمار # لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار # وكل مناقب الخيرات فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار # الرسالة التي تطلب إبلاغها، وترتاد من تضعها على لسانه فيحتملها، قولها " ~~ففيم الأمر فينا "، وما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف من ~~آخره، تقول: فيم وبم. وقد تقصى القول فيه من قبل. كأن هذه المرأة تستبطء ~~قبيلتها قريشا. فتقول: من يبلغهم عني لماذا كان الأمر فيهم والتشاور، ~~والاقتداء والترافع، حتى صار الناس تبعا، ومالكم تنقبضون فيما يجب عليكم ~~السعي فيه، ولنا الشرف الرفيع والسلف القديم، وقد علمتموه علما خاليا من ~~الشك، بريئا من الشبهة، ولم يعرف غدر لنا بجارأو ذي محرم، وقدت من أجله لنا ~~نار. ms1021 وكانت العرب إذا أرادت تشهير غدر غادر حتى يتجنبه الناس أوقدت نارا في ~~يفاع هضبة، ونصبت لواء عند مجمع لهم أو سوق عظيمة، وينادون: هذه نار فلان ~~الغادر ولواؤه!! يشهرون أمره ويقبحون صورته على هذا يحمل قول زهير: # وتوقد ناركم شزرا ويرفع ... لكم في كل مجمعة لواء # ولا يمتنع أن يراد بإيقاد النار قيام الناس وقعودهم، وتفاوضهم للغدرة إذا ~~ظهرت من الغادر، وما يثور من الفضيحة والذكر القبيح، فيكون هذا مثل قول أبي # PageV01P1255 # ذؤيب: # تحرق ناري بالشكاة ونارها # والأول أشهر. # وقوله " وكل مناقب الخيرات فينا "، تريد أن معالم الخير ومواسم الفضل ~~فيهم، لا يدفعها دافع، ولا يختلط بها تنقص من عائب. ومنقبة: مفعلة من ~~النقابة وهي المعرفة. فتقول: فينا أنواع الخير والشر، معلومة للناس، وبعض ~~ما يذكر من الأمور عار على صاحبه ونقص في شأنه، إذ كان لا يسلم على ~~المجاذبين. ### || وقال المتوكل الليثي # لسنا وإن أحسابنا كرمت ... ممن على الأحساب يتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # يقاربه قول الآخر: # لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء # وقد مضى القول فيه مشروحا. ### || وقال طريح بن إسماعيل # طلبت ابتغاء الشكر فيما فعلت بي ... فقصرت مغلوبا وإني لشاكر # وقد كنت تعطيني الجزيل بديهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر # فأرجع مغبوطا وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر # PageV01P1256 # يقول: غمرني إحسانك، وغلبني برك واعتناؤك، لا جرم أني لما طلبت مقابلتك ~~بالشكر على صنيعك بي، صرت كالمفرط مغلوبا وأنا مجتهد في الشكر، بالغ إلى ~~أقصى الغايات في النشر، لكن إحسانك كثرني وخلفني بالبعد من غايته، لأنك كنت ~~تعطيني الكثير من المال مبتدئا لا عن سؤال تقدم، ولا عن ذكرفي نفسك تردد، ~~ومع ذلك كنت تستحقر عطاياك وتذدريها، وأنا أستكثرها وأعجز نفسي عن ضبطها ~~وإحصائها، وأبلغ بها مبالغ المكثرين المتكلفين، ثم أرجع مغبوطا عنك مرموقا، ~~ومحسدا في الناس مذكورا، وترجع بخصلالكرم والسبق إلى الغاية المطلوبة، التي ~~لها عند طلاب المكارم أول ييتدأ به، وآخر ينتهى إليه. ### || وقال حبيب ms1022 بن عوف # فتى زاده السلطان في الحمدر غبة ... إذا غير السلطان كل خليل # يقول: لم يبطرك الغنى ولا أطغتك السلطنةونيل أسباب العلى في الدنيا، ~~لكنها زادتك رغبة في الخير واكتساب الحمد بين الناسإذا غير مساعدة القدر، ~~ومطاوعة الجد والجدة كل خليل لصاحبه. # والسلطان في غير هذه: الحجة، وقيل اشتقاقه من السليط: الزيت. ### || وقال ابن الزبير، يمدح محمد بن مروان # لا تجعلن مبدنا ذا سرة ... ضخما سرادقة وطئ المركب # كأغر يتخذ السيوف سرداقا ... يمشي برايته كمشي الأنكب # قوله " مبدنا "، أي سمينا عظيم البدن، ويروى " مثدنا "، وهو العظيم ~~الثندوة وعلى ما يقتضيه بناء الفعل يكون ثندوة مقلوبة والأصل ثدوة، فعلوة، ~~فأما ثندوة بضم الأول والهمز فهو بناء آخر. فكأنه يخاطب إنسانا فقال: لا ~~تجعلن صاحبا لك همته في الأكل وتسمين البدن، وتحسين الهيئة والسحنة، فترى ~~مركبه وطيئا، وسرادقة # PageV01P1257 # ضخما، وجماله باهرا ومنظره رائعا، كرجل كريم سرادقة ظلال السيوف، وقد ~~غشيت بما تفيء عليه، ثم يمشي قدام أتباعه وأصحابه برايته مشي الأنكب. ~~والأنكب: الذي أحد منكبيه أشرف من الآخر. وهذا تصوير في التشبيه. وإنما ~~يتحمل الراية بنفسه إذا لم يأمن عثرة حامله وإسقاطه إياها عند ما يغشاه من ~~الذعر، فهو يمشي بها لينظر أصحابه إليها فيثبتون معه، ويحاربون على مراده ~~وهواه. # فتح الإله بشدة قد شدها ... ما بين مشرق أهلها والمغرب # جمع ابن مروان الأغر محمد ... بين ابن الأشتر وبين المصعب # يقول: فتح الله تعالى على يده بما توحده به من فضله، وسعيه وجده، ما بين ~~أقاصي الشرق والغرب، بحملة حملها في جوانبها، ثم جمع بين قتل الأشتر ومصعب ~~بن الزبير، فأراح العباد والبلاد منهما، وأزاح عن الإسلام والمسلمين شرهما ~~وفتنتهما. وإنما قال " بشدة " لما تعجل وترادف من الأمور في نهضاته، وتسرع ~~وترافد من كسر الجمهور عندما تكلف من مداراتهوقوله " أشترهم " أضافه إلى من ~~كان يدين له، ويدخل تحت طاعته وهواه. ### || وقال الكميت في مسلمة بن عبد الملك # فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا ... ولا استعذب العوراء يوما فقالها # يدوم على خير ms1023 الخلال ويتقي ... تصرفها من شيمة وانفتالها # وتفضل أيمان الرجال شماله ... كما فضلت يمنى يديه شمالها # يقول: ما أخل هذا الممدوح بالأخذ بالحلم، وترك السفه والجهل في مشهد من ~~المشاهد، وعند حضور أمر من الأمور، ولا استحسن الفاحشة فرضى بها أو تولاها، ~~ولا استطاب اللفظ بالكلمة القبيحة فتفوه بها يوما أو توخاها، لكنه يدوم على # PageV01P1258 # الخصال المحمودة، والأخلاق الشريفة، ويتقي انصرافه عن شيمة زكية عرف بها، ~~وذهابه عن طبيعة رضية فيقال تسخطها أو رفضها، فهو في درجات المجد يسمو ~~ويصعد، وعلى مطالع الشرف يعلو ويغلب. # والانفتال: مطاوعة فتلته فتلا، وهو الانصراف والالتواء. والعوراء: الكلمة ~~القبيحة. والعورة: السوءة وكل ما يستحيا منه. # وقوله: " وتفضل أيمان الرجال شماله "، يقول: تزيد في الفضل والإفضال شمال ~~هذا الرجل على أيمان الرجال كلهم وتعلو عليها، كما غلبت اليمنى من يديه ~~الشمال. والضمير من " شمالها " يرجع إلى اليمنى، أى كما غلبت يمينه شماله ~~غلبت شماله أيمان الرجال كلهم. ويكون هذا كقول الآخر: # وما فضل الجواد على أخيه ... إذا اجتهدا وكل غير آل # فبرز سابقا إلا كفضل ال ... يمين من اليدين على الشمال # فهذا وجه، والأجود أن يجعل الضمير من الشمال عائدا إلى الرجال، فيكون ~~المعنى: كما فضلت يمناه شمال الرجال كلهم. يريد أن زيادة شماله على أيمانهم ~~في الظهور مثل زيادة يمينه على شمائلهم في الظهور. # وما أجم المعروف من طول كره ... وأمرا بأفعال الندى وافتعالها # وتبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقا عليه ابتذالها # قوله " ما أجم "، أى ما كره فعل المعروف حتى كان ينصرف عنه وإن طال تكرره ~~على يده، ودام اكتسابه له، بل يزداد على مر الأيام رغبة فيه، وولوعا به. ~~ويقال: فلان أجم من الطعام، إذا عافه وانصرفت نفسه عنه. # وقوله: " وأمرا بأفعال الندى " عطفه على المعروف، ويريد: ولم يأجم الأمر ~~بفعل الندى واكتسابه له، كأنه كان يبعث الغير عليه، ويتولى فعله بنفسه. # وقوله " ويبتذل النفس المصونة نفسه ". نصب " نفسه " على البدل من النفس. ~~ويكون المعنى أنه إذا رأى ابتذال نفسه المصونة ms1024 واجبا عليه، وحقا ملازما له، ~~يبتذلها ولا يصونها. وإنما يريد أنه يفعل ذلك في الشدائد وعند احتماء ~~البأس. وهذا كما روي في الخبر: " كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ". ويروى " نفسه " بالرفع، ويكون فاعل تبتذل. ويريد بالنفس ~~المصونة كرائم أصحابه وأمواله، فالمعنى أنه لا # PageV01P1259 # يبقى ذخيرة من ذخائره إذا وجب إنفاقها، ولا يصون نفسا عزيزة عليه من ~~كرائمه إذا وجب ابتذالها. # بلوناك في أهل الندى ففضلتهم ... وباعك في الأبواع قدما فطالها # فأنت الندى فيما ينوبك والسدى ... إذا الخود عدت عقبة القدر مالها # يقول: خبرناك في جملة من يدعي الندى وزمرتهم، فغلبتهم وسبقتهم، كما بلونا ~~بسط يدك، واتساع باعك عند البذل في الأبواع كلها قديما، فغلبها في الطول. ~~وقوله " فضلتهم "، هو للمبالغة؛ يقال: فاضلته ففضلته أفضله. # ولذلك تعدى وإن كان فضل الشىء إذا زاد لا يتعدى. ومن شرط فعل في المبالغة ~~أن يجعل مستقبله على يفعل إذا كان صحيحا، وإن كان في الأصل يجىء مفتوح ~~العين أو مضمومه أو مكسوره. وكذلك قوله " فطالها " إنما تعدى وطال الذي هو ~~ضد قصر (لا يتعدى) لأنه من طاولته فطلته أطوله. والمعتل في هذا المعنى يجرى ~~على أصله، يقال: باكيته فبكيته، إذا غلبته في البكاء، وطاولته فطلته، إذا ~~غلبته في الطول. وإنما لم يغيروا المعتل لئلا يلتبس بنات الواو ببنات ~~الياء. ولا يجيء هذا في كل فعل. # وقوله " فأنت الندى فيما ينوبك والسدى "، يريد ترطبه للمعروف وتندى كفه ~~في العطاء عند يبوس المحل، واشتداد الجدب. والندى والسدى هما بمعنى واحد. ~~وقد قيل الندى بالنهار والسدى بالليل. # وقوله " إذا الخود عدت "، يريد أنه يفعل ذلك في الوقت الذي تعد عقيلة ~~الحي وكريمة القوم مالها الذي تعيش منه وتعتمده، ما يرد عليها من المرق في ~~القدر إذا استعيرت. وهذا كانوا يفعلونه في تناهى القحط، وفي شدة الزمان، ~~وعند إسنات الناس. وكما يسمى المردود في القدر عقبة سمى عافيا قال الكميت: # وجالت الريح من تلقاء مغربها ... وضن من قدره ذو القدر بالعقب # وقال ms1025 آخر: # فلا تسأليني واسألي ما خليقتي ... إذا رد عافى القدر من يستعيرها # PageV01P1260 # وخص الخود لكرمهاا ونعمتها وكرامتها في ذويها وقال الخليل: الخود: المرأة ~~الشابة ما لم تصر نصعا. وقال الدريدي: الخود: الفتاة الناعمة؛ لم نبن منه ~~فعل. ### || وقال الأعجم يمدح عمر بن عبيد الله # أخ لك ليس خلنه بمذق ... إذا ما عاد فقر أخيه عادا # أخ لك لا تراه الدهر إلا ... على العلات بساما جوادا # المذق: اللبن وقد خلط به الماء، فاستعاره للمودة. ويقل: فلان يمذق الود، ~~وهو يماذقنى. فيقول: صداقة هذا الأخ صافية من الشوائب، لأنه لا ينطوي لك ~~على غل ولا حقد، ولا سوء دخلة، ولا فساد طوية، وإذا أعطى راجية أغناه، فإن ~~راجعه الفقر لكثرة مؤنه، وتزايد غاشيته، أو لتحامل نوائب الزمان عليه، وجد ~~على خلقهوماله محملا، فعاد بالإحسان إليه. ثم لا تراه على تغير الزمان، ~~واختلاف الأحوال، إلا ضحوكا طلق الوجه، جوادا طيب النفس. وبسام: بناء ~~المبالغة، ولم يبن على بسم، لأن البناء على بسم باسم. ويقال: بسم، وابتسم، ~~وتبسم. ### || وقالت امرأة من بنى مخزوم # إن تسألى فالمجد غير البديع ... قد حل في تيم ومخزوم # قوم إذا صوت يوم النزال ... قاموا إلى الجرد اللهاميم # من كل محبوك طوال القرى ... مثل سنان الرمح مشهوم # قولها " غير البديع " انتصب على الحال، وإنما تخاطب امرأة. فتقول: إن ~~سألت الناس عن مقر المجد ومسكنه، فقد حل غير مستبدعولا مستنكر، في بني تيم ~~ومخزوم، وهم قوم إذا تداعى الأبطال يوم النزال، وصاح المستغيث بناصره عند # PageV01P1261 # القراع، قاموا إلى خيل قصار الشعور عراب، كرام سراع. ولهاميم الإبل: ~~غزارها. ولهاميم الناس: أسخياؤهم. # وقولها " من كل محبوك طوال القرى "، تريد: من كل فرس محكم الخلق، مشرف ~~طويل الظهر، خفيف نافذ فى العدو، كأنه سنان رمح. والمسهوم: الذي قد أثر ~~الغزو فيه ولوحه سموم الحرب والحر. هذا إذا رويته " مسهوم " بالسين غير ~~معجمة، ومن رواه " مشهوم " بالشين معجمة فمعناه حديد القلب؛ ومنه الشيهم: ~~اسم القنفذ، للشوك الذي في ظهره ### || وقالت أخرى: # ألا إن عبد الواحد ms1026 الرجل الذى ... ينيلك ما طالبت والوجه وافر # تقول: يعطي قبل أن يسأل ويبزل الوجه له. ويشبهه قول الآخر: # أهنأ المعروف ما لم ... يبتذل فيه الوجوه # ويقال: نلت الشيء أناله نيلا، وأنالنيه فلان. والنيل والنول يتقاربان فى ~~المعنى وإن كان بناءاهما مختلفين، يقال: نلته أنوله نولا، فهذا من النوال، ~~ونولته وتناول الشيء، وما كان نولك أن تفعل كذا، أي ما كان ينبغى لك ### || وقالت الخنساء # دل على معروفه وجهه ... بورك هذا هاديا من دليل # تحسبه غضبان من عزه ... ذلك منه خلق لا يحول # ويل أمه مسعر حرب إذا ... ألقى فيها وعليه الشليل # قولها " دل على معروفه وجهه "، تريد طلاقة وجهه وتهلله عند تعرض السائل ~~له، وفرحه وبشاشته به إذا حصل عنده، ثم قال: بارك الله في هذا الدليل من ~~بين # PageV01P1262 # الأدلاء، يعني وجهه. وأصل البركة النماء والزيادة، وقيل هو من اللزوم ~~والثبات، ومنه برك البعير. وانتصب " هاديا " على الحال. # وقولها " تحسبه غضبان من عزه "، هم - أعثى العرب - يشبهون الحيي الكريم ~~بالمشتكي من علة، والعزيز المنيع بالمتغضب من عزة. ولا غضب في هذا كما أنه ~~لا علة ثم، وإنما يراد في العزيز إباء النفس وأبهة النبل، كما أنه يراد في ~~الحيي لين الجانب، والانخزال من الكرم. وقولها " ذلك منه خلق لا يحول "، ~~يريد أنه طبع على ذلك، فلا يزول عنه ولا يتحول منه. # وقولها " ويل أمه مسعر حرب " انتصب مسعر على التمييز، وقد مر القول في ~~ويل أمه. والكلام تعجب وتعظيم. والمسعر من أبنية الآلات، يراد أنه كالآلة ~~في إيقاد نار الحرب إذا ألقي فيها وقد تدجج في السلاح. والشليل: الدرع. ### || وقالت امرأة من إياد # الخيل تعلم يوم الروع إذا هزمت ... أن ابن عمرو لدى الهيجاء يحميها # لم يبد فحشا ولم يهدد لمعظمة ... وكل مكرمة يلفى يساميها # تعني بالخيل الفرسان. تريد: قد تيقنوا أنه إذا اتفق عليهم كسر، وأثر فيهم ~~ردع في يوم حرب، لا يدفع عنهم ولا يذب دونهم إلا ابن عمرو، فهم ساكنون ~~إليه، ومعتمدون عليه عند استعارنار الروع والاصطلاء ms1027 بحرها، لأنه جابر ~~كسرهم، ومخمد جمرهم. # وقولها " لم يبد فحشا " تريد أنه لا يعرف القبيح، فلا يظهر في أفعاله ~~وأقواله كما يستهجن أو يستفحش، ثم إذا مني بخصلة فظيعة لا يهد لها، ولا ~~يحار فيها، بل يصبر ويثبت، ويحسن حديثه في أفواه الناس لخروجه منها ويعذب؛ ~~وكل مكرمة تسنح، ومأثرة على القرب والبعد تتفق وتعرض، تراه تطمح عينه ~~إليها، وتحرص نفسه على جمع يده عليها، لعلو همته، وكمال خصاله. وقولها " ~~يساميها " في موضع الحال أي مساميا لها، ولك أن تروي " يلقى " بالقاف، و " ~~يلفى " بالفاء، ومعناهما قريب. # PageV01P1263 # المستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذا الهنات أهم القوم ما فيها # لا يرهب الجار منه غدرة أبدا ... وإن ألمت أمور فهو كافيها # وصفته بجزالة الرأي، وبراعة النفس والعقل، وأن المرجع فيما يدهم القوم ~~إليه، والمعتمد عندما يهجم فيهمهم عليه، فهم يستضيئون بتدبيره في ظلم ~~الخطوب ويستكشفونه ما يتغشاهم من دواهي الأمور. والهنات: جمع هنة، وهي ~~كالكناية عن المنكرات، ولا تستعمل في الخير البتة. وقولها " أهم القوم " أي ~~جعل من همهم. وموضع يحزبهم نصب على الحال. # وقولها " لا يرهب الجار منه غدرة " تصغه بحسن الوفاء فيما يعقد للجار من ~~ذمة، ويعطيه من عهد وموثقة. فيقول: جاره آمن لا يخاف ختلا ولا مكرا وإن ~~نزلت به أمور خارجة من الجوار فهو يقوم بها ويتكفل بالكفاية فيها. وانتصب " ~~أبدا " على الظرف، وهو في المستقبل بمنزلة قط في الماضي. # PageV01P1264 ### | باب الصفات ### || قال بعضهم: # وهاجرة تشوي مهاها سمومها ... طبخت بها عيرانة واشتويتها # مفرجة منفوجة حضرمية ... مساندة سر المهارى انتقيتها # أراد بالهاجرة الوقت الذي يهجر السير له إذا قام قائم الظهيرة وغلب الحر ~~فيه. وهي فاعلة بمعنى مفعولة. والمها: بقر الوحش. فيريد أن حرها يشوي الوحش ~~ويطبخها. وقوله " طبخت بها عيرانة " يعني بتلك الهاجرة. والعيرانة: الناقة ~~تشبه العير. و " شويتها " أي سرت عليها حتى أنضاها الهواجر وحسرها وأذهب ~~لحمها، فصارت كالمحترقة. والمفرجة: هي التي بعدت مرافقها عن زورها واتسعت ~~آباطها وفرجت ما بين قوائمها، فهي فتلاء المرفق لا يصير حازا ms1028 ولا ناكتا ولا ~~ضاغطا. والمنفوجة: الواسعة الجنبين. والحضرمية هي التي حصلت من نسل إبل ~~حضرموت، وهي قرية بالشأم. والمساندة: القوية الظهر وسر المهارى، أي خيارها. ~~والمهارى: جمع مهرية وهي المنسوبةإلى مهرة بن حيدان، أي من نتاجه. ~~وانتقيتها، أي اخترتها. والمراد أنه قاع للمفاوز في الهواجر، مبتذل لنفسه ~~وراحلته لا يبقي عليهما في حر، ولا يقيهما من سموم وتعب. وقوله " تشوي ~~مهاها سمومها " في موضع الصفة للهاجرة. وقوله " طبخت " جواب رب. # فطرت بها شجعاء قرواء جرشعا ... إذا عد مجد العيس قدم بيتها # وجدت أباها رائضيها وأمها ... فأعطيت فيها الحكم حتى حويتها # PageV01P1265 # قوله " فطرت بها " قيل أراد به حثثتها واستعجلتها في السير، فيكون طرت ~~بها بمعنى أطرتها على هذا، كما يقال ذهبت بزيد وأذهبته بمعنى، ويجوز أن ~~يكون المراد أني انتزعتها من عيون الباعة والمشترين، واختلستها وفزت بها، ~~بدلالة أنه قال " وأعطيت فيها الحكم حتى حويتها ". والشجعاء: الجريئة ~~القلب، وانتصب على الحال. والقرواء: الطويلة الظهر. والجرشع: المنتفخة ~~الجنبين. # قوله " إذا عد مجد العيس " يريد إذا ذكرت مفاخر العيس ومناسبها قدم نسلها ~~وقبيلها الذي يؤويها. # وقوله " وجدت أباها رائضيها وأمها " فصل بين المعطوف والمعطوف عليه ~~بمفعول وجدت الثاني، والمعنى: وجدت أباها وأمها رائضين لها، كأنها نتجت ~~مروضة مؤدبة، فما حمد منها حصل لها وراثة لا تعلما. # وقوله " أعطيت فيها " أي بذلت في تملكها ما احتكم بائعها واقترحه واستام ~~بها، حتى حصلتها. ### || وقال عنترة بن الأخرس # لعلك تمنى من أراقم أرضنا ... بأرقم يسقي السم من كل منطف # تراه بأجواز الهشيم كأنما ... على متنه أخلاق برد مفوف # الأراقم: الحيات. والكلام دعاء على المخاطب وإن كان لفظه ترجيا وتأميلا. ~~ومعنى تمنى تمتحن. يقال: مني بكذا، أي بلي به وقاسى شره. ومعنى " يسقي السم ~~من كل منطف " يريد من كل مقطر، لأن نطف الماء معناه قطر. وسمي الماء نطفة ~~لذلك. يريد أنه يرشح بالسم، فسموم جلده تقطر به. ولعل: طمع وإشفاق. كذا قال ~~سيبويه. ويستعمل بأن وبغير أن. يقال: لعلك أن تفعل كذا، كما تقول لعلك تفعل ms1029 ~~كذا. # وقوله " تراه بأجواز الهشيم " فالهشيم: اليابس من الأشجار والنبات، ~~والقصد إلى النبات هنا. يقول: تراه يتخلل الهشيم ويتوسط أثناءه، فكأن على ~~متنه بجلده الذي سلخه قطع برد وشيه كالفوف، وهو البياض الذي يظهر في أظافير ~~الأحداث. وجعله سالخا ليكون أخبث. # PageV01P1266 # كأن بضاحي جلده وسراته ... ومجمع ليتيه تهاويل زخرف # أراد أنه ملون الجلد. والضاحي: البارز للشمس في الأصل، والمراد به هنا ~~ظاهر الجلد. والتهاويل: ما يعلق من العهون على الإبل، ولا واحد له من لفظه، ~~والقياس تهوال، كما يقال تجفاف وتجافيف. والزخرف: كل ما حسن به شيء، وأصله ~~الذهب. فشبه بارز جلد الحية وظهره ومجمع صفحتي عنقه لاختلاف ألوانها ~~بالتهاويل التي تزخرف بها الإبل. # كأن مثنى نسعة تحت حلقه ... بما قد طوى من جلده المتغضف # إذا نسل الحيات بالصيف لم يزل ... يشاعر باقي جلبة لم تقرف # شبه غضون حلقه لما انطوى من جلده المتكسر لكونه فاضلا عن لحمه، وذلك ~~لكثرة سمه بنسعة مثنية جعلت تحت حلقه، ويقال: إن الحيات إذا اجتمعت سمومها ~~وكثرت دقت وهزلت، لأن سمها ينقص لحمها، فلذلك يفضل جلدها عن حجمها فيتغضف، ~~أي يثنى، والغضف: انكسار في الأذن. # وقوله " إذا نسل الحيات " يريد أنه بخبثه يقاتل سائر الحيات، سوء خلق منه ~~وعرامة، فإذا انتشرت الحيات في الصيف لا يزال يمارس ويطاول بواقي جلب منه ~~لم تقشر عنه، لأنه في مقاتلة الحيات يحصل على جروح طول الصيف وتيبس عليه ~~جلبها. وقوله " يشاعر باقي جلبة "، ويروى " يساعر " بالسين، من قولهم كلب ~~سعر، أي كلب. وفي القرآن قوله تعالى: " في ضلال وسعر "، أي جنون. ومنه ناقة ~~مسعورة: لا تستقر قلقا، ومن قولهم: عنق مسعر أي طويل. وأن تروى " يشاعر " ~~بالشين المعجمة أحسن، تجعله من الشعار الذي هو خلاف الدثار. ويقال: جلب ~~الجرح وأجلب، إذا يبس الدم عليه. ### || وقال ملحة الجرمي # أرقت وطال الليل للبارق الومض ... حبيا سرى مجتاب أرض إلى أرض # نشاوى من الإدلاج كدري مزنه ... يقضي بجدب الأرض ما لم يكد يقضي # تحن بأجواز الفلا قطراته ... كما حن نيب ms1030 بعضهن إلى بعض # PageV01P1267 # قوله " أرقت "، يريد سهرت، ولا يكون الأرق إلا بالليل. فيقول: فارقني ~~النوم وطال ليلي من أجل سحاب فيه برق يومض، أسرى ليلا وقد قطع أرضا إلى ~~أرض. والومض: مصدر كالوميض، وهو لمعان البرق. وقد وصف به. ويقال: ومض ~~وأومض. وانتصب " حبيا " على الحال، وهو المشرف. والعامل فيه إن شئت البارق، ~~وإن شئت الومض. و " مجتاب أرض "، أي قاطعها، وانتصابه على الحال، والعامل ~~سرى. # وقوله " نشاوى من الإدلاج " رده على قطع السحاب. ألا ترى أنه قال في ~~البيت الأول " للبارق الومض "، ثم قال " نشاوى من الإدلاج ". وهو جمع ~~نشوان. يريد أن أقطاعه لسراه صارت كالسكارى تميل من جانب إلى جانب، وتنعطف ~~من أرض إلى أرض. كأنه جعل حال الساري من السحاب كحال الساري من الإنسان. ~~وقوله " كدري مزنه " مبتدأ، و " يقضي بجدب الأرض " في موضع الخبر، و " ما ~~لم يكد " مفعول يقضي. وجعل في لونه كدرة لكثرة مائه وارتوائه. والمعنى أن ~~الكدري منه يحكم للمجدب من الأرض، ويقسم من المطر له ما لم يكد يقضي به ~~لنفسه، ولم يقرب من قسمه له كأنه يصب لجدب الأرضأكثر مما يتحكم به لو حكم، ~~ويختاره لو خير. ولك أن تروى " ما لم تكد تقضى " بالتاء؛ ترده على الأرض. ~~وقال بعضهم: هذا كما يقال: أعطاني الأمير ما لم يكد يعطيه لأحد، وسمح لى ~~بما لم يكد يسمح به لأحد. والأول أحسن وأغرب. وقال بعضهم: أخبر أن هذا ~~السحاب إذا أتى على أرض مجدبة لم يفارقها مطرها حتى يهريقبها من الماء ما ~~يكون فيه عهد ووليفي دفعة واحدة، وفراغه من هذا لا يكون سريعا هينا. كأن ~~حاجة السحاب في الأرض المجدبة إحياؤها وإخصابها من مطرة واحدة، فلما فعل ~~قضى وطره، ولم يكد يقضيه إلا بعد بطء. # وقوله " تحن بأجواز الفلا قطراته " أى نواحيه. والقطر: الجنب. ويقال: ~~قطره، إذا ألقاه على قطره. ويقال في معناه قترا أيضا بالتاء. يريد أن ~~جوانبه تتجاوب بالرعد، فكأنها تحن إلى مواضع لها قد ألفتها، فهى تشتاقها ~~وتتشوف. ثم ms1031 شبه حنينها بحنين الإبل وقد فرقت بعد اجتماع، فتحانت وتهادرت. # ويقرب من هذا قول الهذلى: # يجش رعدا كهدر الفحل يتبعه ... أدم تعطف حول الفحل ضحضاح # PageV01P1268 # كأن الشماريخ الأولى من صبيره ... شماريخ من لبنان بالطول والعرض # تبارى الرياح الحضرميات مزنه ... بمنهمر الأوراق ذى قزع رفض # أعالى السحاب بأعالى هذا الجبل وأنوفه التى تتقدم منه، وقال " الأولى " ~~تخصيصا لما كان من صبيره خاصة، وقال " بالطول والعرض " ليبين وجه التشبيه. # وقوله " تبارى " أى تحاكى وتسامى الرياح الشامية سحبه بمطر سامى الأعالى. ~~ويقال للسحابة إذا ألحت بالمطر فى موضع: ألقت عليه أرواقها. # ويقال للرجل إذا ألقى همه على الشئ ونفسه: ألقى عليه أرواقه. لذلك قال ~~تأبط شرا: # ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقى # والقزع: قطع من السحاب متفرقه، والواحدة قزعة. وقال الخليل: القزع قطع من ~~السحاب رقيقة كالظل. وعلى ما قاله يكون الإشارة من الشاعر إلى السحاب إلى ~~وصفه وقد هراق ماءه فرق. قال الخليل: ولذلك قيل: شعر مقزع، أى خفيف. ~~والرفض: المرفض المتفرق، وكأن الأصل فيه الرفض، محرك الفاء، والجميع ~~الأرفاض، فسكن. ويجوز أن يكون وصف بالمصدر، لأنه يقال رفضت الشىء رفضا، ~~والمرفوض رفض. والمعنى أن مزنه وهو السحاب، تحاكى الرياح الهابة من ناحية ~~الشأم - يشير إلى الشمال - بمطر ذا صفته من سحاب كذلك. # يغادر محض الماء ذو هو محضه ... على إثره إن كان للماء من محض # يروى العروق الهامدات من البلى ... من العرفج النجدى ذوباد والحمض # أصل المحض اللبن الحامض بلا رغوة، ثم استعمل في الحسب وغيره، يقول: يترك ~~خالص الماء الذى هو خالصة السحاب وصافيته، ويخلفه في مسايل الأودية على ~~إثره. وإنما يشير إلى ما تقطع ورق من ماء المطر بنضد الأحجار، وأصول ~~الأشجار، حتى صفا من شوائب الكدورة، وقر في المناقع وقرارات الأودية. # PageV01P1269 # وقوله " إن كان للماء من محض "، لأن ماء المطر جنس واحد إذا لم يختلط به ~~غيره لا يختلف. وقد مر القول فى ذو وأنه بمعنى الذى فى لغة طيئ، فقوله: " ~~ذو باد "، أى الذى باد، وهو فى موضع ms1032 الجر، لكنه لا يغير عن بنيته. # وقوله " يروى العروق الهامدات من البلى "، يريد أنه أحيا ما أشرف على ~~اليبس من عروق الشجر البالية خلتها وحمضها، وأعادها غضة مرتوية. والهمود ~~أبلغ من الخمود. # وبات الحبى الجون ينهض مقدما ... كنهض المدانى قيده الموعث النقض # الحبى من السحاب: المشرف المتراكم. والجون؛ الأسود هنا، وجعله كذلك لا ~~رتوائه وكثرة مائه. وقوله " ينهض مقدما " انتصب مقدما على الحال، يريد أن ~~سير السحاب لثقله وحركاته مثل سير هذا البعير وحركته؛ ثم وصفه. والمدانى ~~قيده: الذي قصر عقاله وضيق عليه قيده. ولم يرض بذلك حتى جعله سائرا في ~~الوعث، وهي الأرض اللينة الكثيرة التراب والرمل؛ والسير فيها يصعب. ويقال ~~في الدعاء: " اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر "، يراد شدته وصعوبته. ~~ويقال: أوعث، إذا صار في الوعثاء، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. ثم لم ~~يرض بعد ذلك أيضا حتى جعله نقضا، وهو المهزول الضعيف. ويقال نقضت البعير ~~نقضا، والمنقوض نقض. # وقد زاد في هذا الوصف على الأعشى لما قال - وإن كان الأعشى يصف امرأة ~~بالنعمة والترفة، وهذا يصف سحابة ثقيلة -: # تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوجل # لأن هذا جعل البعير مداني القيد أيضا. # PageV01P1270 ### | باب السير والنعاس ### || وقال حطيم # وقال وقد مالت به نشوة الكرى ... نعاسا ومن يعلق سرى الليل يكسل # أنخ نعط أنضاء النعاس دواءها ... قليلا ورفه عن قلائص ذبل # فقلت له كيف الإناحة بعدما ... حدا الليل عريان الطريقة منجلى # مفعول قال أول البيت الثاني، وهو: أنخ نعط ". وقوله: " وقد مالت به نشوة ~~الكرى "، والواو واو الحال. والنشوة: السكر. والكرى: النوم. وانتصب " نعاسا ~~" على أنه مصدر في موضع الحال. # وقوله " ومن يعلق سرى الليل يكسل " اعتراض بين الفعل ومفعوله. ويعلق في ~~معنى يتعلق. والسرى: سير الليل خاصة، وأضافه إلى الليل فقال سرى الليل، ~~تأكيدا. ومعنى البيت: وقال رفيقي وقد انتشى من الكرى وصار يتميل ولا يستقيم ~~وهو ناعس، ومن يمارس السير ويهاجر النوم يتسلط عليه الكسل: أنخ راحلتك نداو ~~المطايا التي أنضاها النعاس وهزلها الجهد، ms1033 دواءها من الراحة والنوم، وسكن ~~من قلائص مهازيل، ووسع ما ضيقت عليها من أوقاتها. والقلوص في الإبل بمنزلة ~~الجارية في الناس. والذبل: جمع ذابل. والترفيه: التوسيع والتنفيس. ويقال: ~~رفهت البعير، إذا تركت الحمل عليه، وعيش رافه ورفيه: فيه رفاهة وخصب. ~~وانتصب قليلا على الظرف، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه قال نعطها ~~دواءها إعطاء قليلا، أو وقتا قليلا. والأنضاء: جمع النضو، وهو المهزول. # PageV01P1271 # وقوله " فقلت له كيف الإناحة "، يريد كيف الوصول إلى النزول وقد أصبحنا ~~وساق الليل صبح واضح الطريقة، متكشف الشريعة، يجلى الظلام فيه ويفرق. يريد ~~أن الرأي وقد انصرم الليل أن نتبلغ إلى الماء الذي نقصده ثم ننزل. ### || آخر: # وفتيان بنيت لهم ردائي ... على أسيافنا وعلى القسي # فظلوا لائذين به وظلت ... مطاياهم ضوارب باللحي # فلما صار نصف الظل هناوهنا نصفه قصم السوي يقول: رب فتيان أثر فيهم الحر، ~~ومالوا إلى النزول، فبنيت لهم ما أظلهم على الأسياف والقسي، وقد غشيت ~~بردائي فظللوا من نهارهم ملجئين إليه ولائذيم من الحر به، وبقيت مطاياهم ~~لتأثير أواره فيها، وإحراقها بتوقد الهاجرة عليها، تضرب بلحيها على الأرض، ~~فلما زال قائم الظهيرة وصار الظل نصفين لا شطط في انقسامه ولا اعوجاج في ~~سويه. وجواب لما منتظر. وقوله " هنا " انتصب على الظرف، وقد وقع موقع خبر ~~صار. # وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي رحمه الله يقول: ليس هنا من لفظ هنا في شيء، ~~ووزنه فعلل مثل جعفر، فهو رباعي، وهنا ثلاثي. كأن أصله هنن، فأبدلوا من ~~إحدى نوناته الألف هربا من التضعيف. # وقوله " قسم السوي " انتصب على المصدر، والمراد وقد قسم قسم الإنصاف. ودل ~~على الفعل قوله " نصف الظل هنا ". # والسوي أكثر ما يجيء في آخره هاء التأنيث: السوية، قال الشاعر: # ألا إن السوية أن تضاموا # ويجوز أن يريد بالسوي المسوي، كما جاء في الخبر: " لا تحل الصدقة لغنى، ~~ولا لذي مرة سوي ". # دعوت فتى أجاب فتى دعاه ... بلبيه أشم شمردلي # PageV01P1272 # فقام يصارع البردين لدنا ... يقوت العين من نوم شهي # فقاموا يرحلون منفهات ... كأن ms1034 عيونها نزح الركي # قوله " دعوت " جواب لما من قوله " فلما صار نصف الظل "، وهو العامل فيه، ~~لكونه علما للظرف. وقوله " أجاب فتى دعاه " يريد أجابني، لأنه هو الداعي ~~له. وقوله " بلبيه " أراد أجاب بالتلبية، أضاف لبي إلى ضمير المجيب، وحكى ~~ما لفظ به. ولبيك، من قولهم: ألب بالمكان، إذا أقام به، وهذه اللفظة مثنى، ~~والتثنية فيها إيذان بأن المراد إلباب بعد إلباب، لأن قد تفيد التكثير، ~~فكأن المراد: دوام على طاعتك، وإقامة عليها مرة بعد آخرى. قال سيبويه: ~~انتصابه على المصدر كانتصاب سبحان الله، ولا ينصرف كما لا ينصرف سبحان. ~~وقال يونس: إنه واحد غير مثنى، والياء فيه كالياء في عليك ولديك، وأنشد ~~الخليل وسيبويه عن العرب، قول القائل: # فلبي فلبي يدي مسور # وموضع الحجة أنه لو كان كلدي وعلي لكان يجيء بالألف إذا أضيف إلى الظاهر، ~~كما تقول لدى زيد وعلى عمرو، والشاعر قال: لبي يدي. # وقوله " أشم " في موضع الجر على أن يكون بدلا من الضمير المتصل بلبيه. # وأصل الشمم الطول في الأنف، لكنه جعل لفظة أشم كناية عن الكريم. ~~والشمردل: الطويل. وزاد ياء النسبة في آخره توكيدا للوصفية، فهو كقول رؤبة: # أطربا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري # يريد قنسرا ودوارا، فزاد الياء لمثل ذلك. # ومراد الشاعر: لما انقسم الظل هذا الانقسام، وخف احتدام الوقت واشتد أمر ~~الحر على مواصل السير والسري، دعوت فتى أجابني بلبيك، كريم مديد القامة، ~~تام # PageV01P1273 # الخلقة، فقام ولما لحقه من التعب والكلال وترك النوم يتمايل، فكأنه يصارع ~~برديه. وهو لين الأعطاف، يهتز اهتزاز الرمح اللدن، وهو ينفي عن عينه نوما ~~لذيذا تمكن " منها "، فهو لها قوت وقوام " وينفضها منه شيئا بعد شيء. وإنما ~~قال ذلك لأنه لم يكن استوفى من الراحة والنوم ما يكتفي ويتماسك له " إذ كان ~~هيجه وبعثه للارتحال قبل ذلك. وقوله " وقاموايرحلون " يريد: قام هو وأصحابه ~~يرحلون رواحل لهم قد اسقطها واستنفد قواها السير المتصل الحثيث، فهي غائرة ~~العيون، ساقطة القوى، قد دخلت مقلها في أقفائها، فكأن عيونها آبار نزحت ms1035 ~~مياهها. ويقال: نفهت نفسه ونفهتها أنا. والنزح: جمع نزيح. ### || آخر: # ولقد هديت الركب في ديمومة ... فيها الدليل يعض بالخمس # مستعجلين إلى ركي آجن ... هيهات عهد الماء بالإنس # يريد أنه يتعسف البلاد، ويركبها بأصحابه، وهو هاديهم، وأنه وراد للمياه ~~التي انقطع الناس عنها فلا يردها إلا السباع والطير. ولا خلاف بينهم أن ~~القطا أهدى الطير، وأن الذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى المياه، لذلك ~~وصفهما الشعراء وضربوا الأمثال بهما. والركب: ركبان الإبل. والديمومة: ~~المفازة، واشتقاقه من دمه، أي أهلكه، وهو يجري مجرى مهلكة ومفازة، والياء ~~فيه زائدة. وقوله " يعض بالخمس "، يقال عض كذا، وعض على كذا، وعض بكذا، ~~قال: # فعض بإبهام اليمين ندامة # وقال غيره: # عض على شبدعه الأريب # في القرآن: " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ".وإنما جعل الدليل يفعل ذلك ~~لخوفه الهلاك والضلال على نفسه ومن معه. ويريد بالخمس، الأصابع، وهي مؤنثة، ~~لذلك قيل: السبابة، والدعاءة، والوسطى. # PageV01P1274 # وقوله " مستعجلين إلى ركي آجن "، أراد: مبادرين إلى بئر متغيرة الماء، ~~فلما وردوها بعيدة العهد بالإنس، لأن المفازة التي يقصدها بالوصف كانت غير ~~مسلوكة لهم إلا في النادر، وإنما يرد الماء بها الطير والوحش. وارتفع " عهد ~~الماء " بقوله هيهات، وهو اسم لبعد. والمراد ركي متغير بعد عهد مائه ~~بالإنس. وقد روى عهد الماء بالأمس " ويكون على هذا عهد الماء مرتفعا ~~بالابتداء، وبالأمس خبره. وأتى بلفظة " هيهات " على طريق الاستبعاد، كأنه ~~قال: إلى ركي آجن بعد المطلوب والمبتغى. ثم قال " عهد الماء بالأمس "، أي ~~كان الماء في وقت متقادم. والرواية الأولى أصح وأجود وأحسن. وفي طريقته قول ~~الشماخ: # وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين # ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين # وقال ذو الرمة: # وماء بعيد العهد بالناس آجن ... كأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # مستعجلين فمشتو ومعالج ... نقبا بخف جلالة عنس # ومهوم ركب الشمال كأنما ... بفؤاده عرض من المس # أعاد لفظ " مستعجلين " تأكيدا، والأول منهما حال للركب. وقوله ms1036 " فمشتو " ~~مبتدأ وخبره مضمر. كأنه قال على الاستئناف: فمنهم مشتو ومنهم معالج نقبا، ~~ومنهم مهوم. وذكره للمشتوي وغيره ليري ضيق الوقت، وأن آرابهم لم تقض فيه ~~عند نزولهم: من الأكل وإصلاح عواض السفر، إلى سائر ما أحاط التعداد به ودل ~~عليه، فإنه أزعجهم وهيجهم للارتحال. والنقب: الحفى. والجلالة: الناقة ~~العظيمة الجسم. والعنس: الصلبة. # وقوله " ومهوم " أراد: ورب رجل نائم لما نبهه ركب شماله لغلبة النوم ~~عليه، وكأنما بقلبه عرض من الجنون. والمراد بقوله " ركب الشمال " أنه أخطأ ~~في القصد. ومن قولهم ركب شؤمهوركب الشق الأشأم، للعادل عن سواء السبيل، ~~وللمنهزم والمخطئ. ويجوز أن يريد بقوله: " ركب الشمال " شمال نفسه، والراكب ~~إذا لم يزغ من شرطه أن يركب من يمين نفسه وشمال مركبه، ومتى ركب من شمال ~~نفسه # PageV01P1275 # ويمين مركوبه كان معكوس الركوب. ويجوز أن يريد: ركب الشمال مرة واليمين ~~أخرى، فاكتفى بذكر أحدهما. والمعنى: لا يبالي على أي جنبيه سقط، لغلبة ~~النعاس عليه. # وفي هذه الطريقة قول لبيد: # قلما عرس حتى هجته ... بالتباشير من الصبح الأول # يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل # يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حي هل ### || آخر: # وهن مناخات يحاذرن قولة ... من القوم أن شدوا قتود الركائب # تكاد إذا قمنا يطير قلوبها ... تسربلنا ولوثنا بالعصائب # قوله " هن مناخات "، يريد الأبل. و " يحاذرن " في موضع الصفة أي خائفة ~~محاذرة. وقوله " من القوم " اتصل بقولة. و " أن شدوا " في موضع المفعول ~~لقولة. وأن مخففة من الثقيلة واسمه مضمر. والمراد أن الأمر والشأن شدوا ~~قتود ركائبكم. " وشدوا " بما بعده في موضع الخبر. ويريد أن مطاياهم وهي ~~مناخة في ركائبها خائفات قول منادى القوم تهيئوا للانفصال وشدوا على ~~رواحلكم الرحال. # ثم قال " تكاد إذا قمنا يطير قلوبها " أي قلوب الإبل، أي أنها لما ~~استشعرت من هو السير ولما تخونها وأثر في قواها من الكلال والتعب، إذا ~~رأتنا نتسربل ونلف عمائمنا على رءوسنا، تكاد تطير قلوبها انزعاجا وخوفا، ~~لعلمها بما تكابده وتعانيه. ### || آخر: # حبسن في قرح وفي داراتها ms1037 # سبع ليال غير معلوفاتها # حتى إذا قضيت من بتاتها # وما تقضي النفس من حاجاتها # حملت أثقالي مصمماتها # غلب الذفارى وعفرنياتها # PageV01P1276 # قرح: موضع. ويريد بالدارات دارات الرمل. ودرارات العرب نيف وعشرون، قد ~~ذكرناها في موضع آخر. وانتصب " سبع ليال " على الظرف. و " غير معلوفاتها " ~~في موضع الحال، والمراد: غير معلوفات فيها، لكنه قدر الظرف تقدير المفعول ~~الصحيح، وحذف في. والبتات: المتاع. والمصممات هي التي لا ترغو. والغلب: ~~الغلاظ الأعناق. والذفارى: جمع الذفرى، وهي الحيد النائي عن يمين النقرة ~~وشمالها. والعفرنيات: الصلبة السريعة، والواحدة عفرنات. فيقول: حبست هذه ~~الإبل في هذا الموضع، وفي دارات رمالها ليالي سبعا غير مستوفية من علفها ~~حظوظها وكفايتها، حتى إذا أصلحت أحوالها، وفرغت من قضاء حاجات نفسي فيها ~~وفي غيرها، ومن رفيق وصاحب، حملت أثقالي صابراتها في السير، وهي التي لا ~~ترغو ولا تشكو، وقد غلظت أعناقها، وعادتها أن تخف في السير وتسرع. # والبتات: المتاع. والبتات، بكسر الباء: جمع البت، وهو الكساء. وانعطف " ~~وما تقضي النفس " على بتات، يريد: وما تقضيه النفس من مهماتها. # وقوله " حملت أثقالي " جواب إذا، والمصممات: الصابرات على السير ~~الماضيات، وهي لا ترغو. # وغلب الذفارى، انتصب على البذل من مصمماتها. # فانصلتت تعجب لانصلاتها # كأنما أعناق سامياتها # بين قروري ومرورياتها # قسي نبع رد من سياتها # كيف ترى مر طلاحياتها # والحمضيات على علاتها # يبتن ينقلن بأجهزاتها # والحادي اللاغب من حداتها # قوله " فانصلتت " أي مضت جادة حتى تعجب لمضيها، وكأن أعناق اللاتي تسمو ~~بأعينها، وترفع رءوسها، وتمد في المسير أضباعها، بين هذه المواضع قروري # PageV01P1277 # وما حولها، من الأرضين التي لا نبات فيها، في طولها وتجردها - قسي نبعية ~~رد ما عطف من أطرافها. # ثم قال: " كيف ترى مر طلاحياتها " على طريق التعجب منها، والإعجاب بها. ~~وطلاح بكسر الحاء: جمع طلحة، ويقال إبل طلاحية، إذا ألفت الطلح وأكلته، ~~وقياسه إذا كسرت الطاء طليحة، لأن الجمع يرد إلى واحده، وهو صفة في النسب. ~~قال الفراء في طلاحي إذا نسب إلى الطلح: هو بمنزلة أذاني ورؤاسي، وأنافي، ~~وإنما هذه النسبة ms1038 تكون للأعضاء، فشبه طلاحي به إذ كان ملازما له، فصار كأنه ~~منه. وقال غيره: قيل طلاحي كما قيل نباطي، وهو منسوب إلى النبط، وكيفما كان ~~فإنه لم يجيئ على القياس الأكثر، وما هو الأصل. وقال الكسائي: إذا اشتكت ~~الإبل بطونها عن أكل الأراك قيل: إبل أراكي، وإن كان من الطلح قيل طلاحي ~~بفتح الحاء مقصورا. # وقوله " والحمضيات "، أراد ومر الحمضيات على علاتها، أي على ما يعترض لها ~~من الأسباب الباعثة والمانعة، والأحوال المهيجة والمبطئة. وحرك الميم من ~~الحمضيات لأن هذا مما غير في النسب. وقال أبو العباس المبرد: يقال حمض ~~وحمض، وإذا صح هذا فقد جاء على وجهه. # وقوله " يبتن ينقلن بأجهزاتها " أي ينقلن أجهزاتها، فزاد الباء تأكيدا ~~وهو جمع الجمع، يقال جهاز وأجهزة وأجهزات، وهي الأمتعة. # وقوله " والحادي اللاغب " عطف الحادي على موضع " بأجهزاتها "، أي وينقلن ~~الحادي والمعي لدوام حدائها. ويروى " بالغضويات "، وهي التي ترعى الغضا. ~~قال: # فما وجد ملياع الهوى غضوية ... بلوذ الشرى في غلة وهيام ### || وقال حكيم بن قبيصة # لعمر أبي بشر لقد خانه بشر ... على ساعة فيها إلى صاحب فقر # فمنا جنة الفردوس هاجرت تبتغي ... ولكن دعاك الخبز أحسب والتمر # PageV01P1278 # ذكر المدائني " في كتاب العققة "، أن هذا الشعر لحكيم بن ضرار الضبي، ~~قاله لابنه وكان غزا وترك أباه. وذكر غيره أنه حكيم بن قبيصة، وأن ابنه كان ~~فارقه مهاجرا البدو إلى الأمصار. يقول: وبقاء أبي بشر - يعني نفسه - لقد ~~خانه بشر، يعني ابنه، في وقت كان يشتد فقره إليه. يشير إلى أوان كبرته ~~وضعفه، وتعليقه الرجاء بالانتفاع به وتحمله أعباء المؤن عنه في ظعنه ~~وإقامته. فقوله " على ساعة " في موضع الحال، وتعلق على بفعل مضمر، كأنه ~~قال: مشرفا على وقت هكذا. وقوله " إلى صاحب " في موضع النصب على الصفة ~~المتقدمة، لأن المراد: فيها فقر إلى صاحب، وصفة النكرة إذا قدمت عليه صارت ~~حالا. على هذا قوله: # لمية موحشا طلل # وقوله " فما جنة الفردوس " جنة انتصب على أنه مفعول تبتغي، وتبتغي في ~~موضع الحال، والتقدير: ما هاجرت ms1039 مبتغيا جنة الفردوس. ووجه هذا الكلام نحو ~~الابن معيرا. يريد أن الذي دعاك إلى الهجرةنهمة بطنك، ورغبتك في أطعمة ~~الحضر، لا الدين وطلب الآخرة، إذ كان ذلك يفرض عليك طاعة أبويك، وطلب ~~رضاهما. وقوله " أحسب " قد حذف فيه مفعولاه، فهو كقول الآخر: # ترى حبهم عارا علي وتحسب # وفي الكلام مع التعيير تقريع وتهكم وسخري. # أقرص تصلى ظهره نبطية ... بتنورها حتى يطير له قشر # أحب إليك أم لقاح كثيرة ... معطفة فيها الجليلة والبكر # هذا الاستفهام أتى به على طريق التبكيت، وليريه الخطأ فيما اختاره من ~~الحضر إلى البدو، ومن ترك والده والعصيان له أشد ما كان حاجة إليه. فقال: ~~أقرص تنضجه في التنور امرأة خبازة نبطية حتى يصير له قرافة تتقشر عنه، أحب ~~إليك أم نوق حوامل كثيرة قد عطفت على أولادها، وفيها الجلالة الكبيرة ~~والأفتاء القوية. يريد أن فعله فعل من لا يفرق بين هاتين الخصلتين، ولا ~~يميز الرجحان في أي جانبيهما يكون # PageV01P1279 # فيختاره. ويقال: صليت الشواء، إذا شويته. وأصليته وصليته، إذا ألقيته في ~~النار. ويقال أيضا صلى عصاه، إذا أرادها على النار، فهو مثل أكرمته وكرمته ~~وأفرحته وفرحته. وفي القرآن: " إلا من هو صال الجحيم ". ويقال: تصليت حر ~~النار واصطليته. # كأن أدواي بالمدينة علقت ... ملاء بأحقيها إذا طلع الفجر # كأن قرى نمل على سرواتها ... يلبدها في ليل سارية فطر # استمر في وصف اللقاح، لأن تفخيم أمرها يزيد في بيان الخطإ فيما اختاره. ~~وشبه ضروعها بمزاد مملوء. والأحقي: جمع حقو، وهو من الإنسان معقد الإزرار ~~من كل ناحية، ومن غيره مما يحلب مواضع الضروع. والمعنى أنها بالغدوات وقد ~~حلفت من الليل، كأنما علقت بمواضع ضروعها أدواي مملوءة ماء. وانتصب " ملاء ~~" على الحال. # وقوله " كأن قرى نمل على سرواتها " يشبه قول الآخر: # إلى سراة مثل بيت النمل ... غنية من وبر وخمل # والسروات: الأعالي. وقرية النمل ربما ترى كأعظم جثوة، ولذلك شبه ارتفاع ~~أسنمتها وكثرة اللحم والشحم عليها بها. ومعنى يلبدها يصلبها والسارية: ~~السحابة تسرى ليلا. ### || وقال واقد بن الغطريف وكان مريضا ms1040 فحمي الماء واللبن: # يقولون لا تشرب نسيئا فإنه ... وإن كنت حرانا عليك وخيم # لئن لبن المعزى بماء مويسل ... بغاني داء إنني لسقيم # النسئ: الرثيئة. والحران: الشديد العطش. وعليك من صفة وخيم، وقد قدمه ~~فانتصب على الحال. ومويسل: تصغير مأسل الذي ذكره امرؤ القيس في قوله: # وجاراتها أم الرباب بمأسل # PageV01P1280 # فيما أظن يريد: قال الناس وهم يحمونني الماء واللبن: لا تشربهما وإن اشتد ~~حمى كبدك، وغليل جوفك، فإنه يثقل عليك، ويزيد في ألمكمن العارض لك. فقلت ~~مجيبا لهم: إن كان اللبن ممزوجا بماء هذه العين يورثني خبالا، ويسكبني ~~إتخاما، وهو غذائي ومساك قوتي منذ كنت، إنني لمتناهي السقم والله. فأطلق ~~لفظة سقيم، والمراد المبالغة، وفعيل من أبنيتها. # ومثل هذا مما رمى به هذا المرمى قول الآخر، وقد مر في باب النسيب: # لئن كان يهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير # فهذا بإزاء ذاك، وهو على منهاجه. ومعنى " بلغى داء " كسبني وأنزل بي. ~~وقوله " بماء مويسل "، الباء أفاد الجمع والاختلاط. ويقولون: خذ كذا بكذا، ~~والمعنى مجموعا إليه ومخلوطا به. ### || وقال حندج بن حندج: # في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول # لا فارق الصبح كفي إن طفرت به ... وإن بدت غرة منه وتحجيل # لساهر طال في صول تململه ... كأنه حية بالسوط مقتول # جعل الليل كالمجسمات حتى صار ذا طول وعرض عنده. وقال: " تناهى العرض ~~والطول " لأنه قد علم أنهما لليل، كما أنك تقول: زيد حسن الوجه، لأنه علم ~~أنه لم يرد إلا وجهه. والمعنى أن في ليل هذا المكان بلغ الطول والعرض ~~نهايتهما وغايتهما، حتى وقفا لا مستزاد فيهما، فكأنماليل صولموصول بجنسه ~~كله، فليس ينقطع ولا ينكشف. # وقد قال أبو تمام الطائي مستطيلا ليوم: # بيوم كطول الدهر في عرض مثله # PageV01P1281 # ومن كلام الناس: عشنا زمنا طويلا عريضا، والدهر الطويل العريض. وكل ذلك ~~تشبيه بالأجسام. وعلى ما فسرناه يتعلق الجار من قوله: في ليل صول بتناهي. ~~وقد استعمل العرض منفردا عن الطول والمراد به السعة؛ على ذلك قوله تعالى: " ~~فذو ms1041 دعاء عريض "، وقوله عز وجل: " وجنة عرضها السموات والأرض ". # وقوله: " لا فارق الصبح كفي "، يجوز أن يكون دعاء، يريد: إن ظفرت بالصبح ~~فلا فرق الله بيني وبينه، كما يقال: لا بارك الله في الكفار، ويجوز أن يكون ~~إخبارا. والمعنى أنه يتشبث به فلا يخليه للزوال. وهذا على التشوق له ~~والتبرم بليله. والليل في الاستعمال بإزاء النهار على الإطلاق، والليلة ~~بإزاء اليوم. وهذا يدل على أنه لم يقصد إلى ليلة واحدة، وإنما أراد: الليل ~~في صول هكذا علي. # وقوله " إن بدت غرة منه وتحجيل "، يريد تباشيره ممتزجة بالظلام، كأنه جرى ~~على عادة الناس في قولهم للمتشوف المتوقع: إن ظفرت بزيد أو رأيت وجهه فعلت ~~كذا، والمراد إظهار الفاقة إليه وشدة التشوف له، وطول الملازمة له إذا ظفرت ~~به. والغرة والتحجيل معروفان. وقد قيل: صبح أقرح، مأخوذ من القرحة، لأنه ~~بياض في سواد. وقوله " لساهر "، واللام تعلق بقوله " وإن بدت ". ويعنى ~~بالساهر نفسه، كما أراد بذكر الغرة والتحجيل نفس الصبح. والتململ: القلق ~~والانزعاج. وإنما تقلقل على فراشه لأرقه واستطالته لليل، ثم شبه نفسه في ~~التوائه واضطرابه بحية قتل بالسوط فطال اضطرابه لطول ذمائه. # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل # ليل تحير ما ينحط في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول # نجومه ركد ليست بزائلة ... كأنما هن في الجو القناديل # قوله " متى أرى الصبح " لفظه استفهام ومعناه التمني والتطلع، واستبعاد ~~المنتظر المترقب. ومخايله: ما يتبين به دنوه. كأنهأظهر ما عليه النفس من ~~ضجره بالليل واسراحته للصبح. ولك أن تروي " والليل " بالنصب، ويكون مردودا ~~على الصبح وداخلا تحت متى أرى. ولك أن تروي " والليل " بالرفع ويكون الواو ~~للحال، ويرتفع الليل بالابتداء. و " قد مزقت " في موضع الخبر، ويعني ~~بالسرابيل الظلام. # PageV01P1282 # ثم جعل الليل لامتداده واتصال دوامه كالمتحير كواكبه عن المسير. القائم ~~على حد لا يزول عنه " ولا يحول "، ولا يجنح ولا يميل. # والمشكول: المقيد. وهذا المعنى هو الذي يؤمه امرؤ القيس في قوله: # كأن الثريا علقت في مصاصها ... بأمراس ms1042 كتان إلى صم جندل # وشبه النجوم في إضاءتها بالقناديل، وإنما يعلو ضوء الكواكب ويزهر عند ~~تراكم الظلام واستحكامه. والركد: جمع الراكد. وجعل الكواكب في الجو لأنه ~~توهمها كالقناديل المعلقة. # ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول # الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول # قوله " ما أقدر الله " لفظه تعجب ومعناه الطلب والتمني. وكان الواجب أن ~~يقول: ما أقدر الله على أن يدني، فحذف الجار، ومثل هذا الحذف يكثر مع أن ~~لطوله بصلته. والشحط: البعد، شحط شحطا وشحوطا. قال: # والشحط قطاع رجاء من رجا # لكنه حرك الحاء. ويقال: منزل شاحط وشحيط. وموضع " على شحط " نصب على ~~الحال. # وقوله " الله يطوي بساط الأرض بينهما " البساط: الأرض الواسعة. وجعل ~~الكلام لما يتمناه، ويطلب قربه ويتشهاه، على أنه إخبار عن الشيء وقد وقع. ~~وكل ذلك تحقيق لما يؤمله ويسأله. وهذا كما يجعل الدعاء على لفظ الخبر، كأنه ~~لقوة الأمل يجعل المطلوب في حكم ما قد حصل. وقوله " حتى يرى الربع منه "، ~~يعني الربع بالحزن ممن هو مقيم بصول. # PageV01P1283 ### || وقال حميد الأرقط # قد أغتدى والصبح محمر الطرر # والليل يحدوه تباشير السحر # وفي تواليه نجوم كالشرر # بسحق الميعة ميال العذر # الطرر: جمع الطرة، وهي الناحية والحرف، ومنه أطرار الوادي. وفي المثل: " ~~أطري فإنك ناعلة "، أي أركبي أطرار الطريق. والبغداديون يروونه: " أظري " ~~بالظاء معجمة، والمعنى أركبي الظرر، وهي حجارة محددة يصعب المشي عليها. ~~فيقول: أبتكر - والصبح محمر الأرجاء والنواحي، والليل قد تجلى بما يطرده ~~مقدمات السحر وعلاماته، وفي مآخيره ومدارس آثاره من الظلام نجوم تتوقد ~~كأنها شرر النار - بفرسبعيد غور النشاط، يضطرب عذره على خديه وجبهته. ~~والميعة: النشاط. وجعله سحقا لاتصاله ودوامه. والسحق: البعد. ونخلة سحوق، ~~منه، أي طويلة. والعذر: الخصل من الشعر. والعذر أيضا: علامة تعقد في ناصية ~~الفرس السابق من العهن، والواحدة عذرة. وقال الخليل: الميعة: ميعة الشباب ~~والحضرأولهما. وروى السكري: " بمشعل الميعة " وهو من إشعال النار والقصب. # كأنه يوم الرهان المحتضر # وقد بدا أول ms1043 شخص ينتظر # دون أثابي من الخيل زمر # ضار غدا ينفض صئبان المطر # قوله " كأنه يوم الرهان "، يريد: كأن هذا الفرس يوم السباق وقد حضره ~~الناس فصار يوما مشهودا. والمحتضر: الذي يحضره الناس. ويروي " يوم الرهان ~~المبتدر ". # PageV01P1284 # والأنابي: الجماعات، وليس لها واحد، وقيل واحدها أثبية، أفعولة من الثبة، ~~وهي الجماعة الكثيرة؛ ومنه تثبيت الثناء، إذا أكثرته. والمعنى: كأنه وقد ~~جاء في هذا اليوم سابقا وأول طالع ينتظر دون جماعات من الخيل " جاءت " زمرة ~~بعد زمرة، صقر قد ضرى بالصيد، ابتكر وقد مطر الليل، فهو ينفض صغار القطر ~~وكباره عن ريشه، وهو شديد الإلحاح في طلب الصيد بعدالانقضاض عليه. # عن زف ملحاح بعيد المنكدر # أقنى يظل طيره على حذر # يلذن منه تحت أفنان الشجر # من صادق الوقع طروح بالبصر # بعيد توهيم الوقاع والنظر # كأنما عيناه في حرفي حجر # بين مآق لم تخرق بالإبر # قال الدريدي: الزف صغار الريش كالزغب. وقال قوم: لا يكون الزف إلا للنعام ~~إلا على وجه التشبيه. والملحاح: بناء المبالغة من ألح. أي يلح في الصيد على ~~نفسه. ويجوز أن يكون من لحت عينه ولححت؛ إذا التصقت أجفانها بالرمص، كأنه ~~يلتصق بالصيد التصاقا شديدا من هذا قولهم: هو ابن عمي لحا، أي لاصق النسب. ~~وقوله " بعيد المنكدر " يقال: انكدر، وانصلت، وخات، وانقض بمعنى. وهذا كما ~~قال الآخر: # ضار يضري بطري اللحم ... أكدر كالجلمود يوم الرجم # إذا تقضى من أعالي النجم ... ضم جناحيه انخراط السهم # وقوله " أقتى " القنا يستحب في الصقورة والشواهين، وكذلك طول المنسر، ~~وقصر الذنب، وغوؤر العينين، وبعد ما بين المنكبين. وقال " تظل طيره على حذر ~~"، أراد ما عرفه من الطير أو رآه، فلذلك أضاف إليه. والمعنى يخافه فيحذره، ~~ويلوذ منه بغصون الأشجار فيستخفي فيه، وهو صادق الوقع، أي لا يكذب فيه، ~~بعيد المطلب # PageV01P1285 # والنظر، شديد المواقعة والبغت. ويقال طرف مطرح، أي بعيد النظر، ورمح ~~مطرح، أي طويل، وفحل مطرح: بعيد موقع الماء في الرحم. # ومثل قوله " يلذن منه تحت أفنان الشجر " قول الآخر: # رأى أرنبا سنحت بالفضاء ms1044 ... فبادرها ولجات الخمر # وقوله " كأنما عيناه في حرفي حجر "، أي في جانبي حجر، يعني رأسه، ونفسه ~~بين مأق لم تخط، أي لم يصطد فكان في العليم تخاط عيناه. والمآقي جمع مؤق ~~مثل معق، وبعد القاف ياء زائدة، فهو من الفعل فعلو، نقلت إلى فعل. وفي هذه ~~اللفظة لغات كثيرة، وقد علمتها مسألة وشرحتها. # PageV01P1286 ### | باب الملح ### || قال بعضهم: # يقول لي الأمير بغير نصح ... تقدم حين جد بنا المراس # وما لي إن أطعنتك من حياة ... وما لي بعد هذا الراس راس # ذكر أبو العباس المبردأن المهلب بن أبي صفرة قال يوما وقد حميت نائرة ~~الحرب بينه وبين الخوارج، لأبي علقمة اليحمدي: أمددنا بخيل اليحمد وقل لهم: ~~أعيرنا جماجمكم ساعة. فقال: أيها الأمير، إن جماجمهم ليست بفخار فتعار، ~~وأعناقهم ليست بكراث فتنبت. وقال لحبيبكر على القوم!! فقال: " يقول لي ~~الأمير بغير نصح ". # وقوله " جد بنا المراس " أي اشتد. والمراس: المجاذبة والمدافعة. ### || وقالت امرأة # فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه # ترى زوجة الشيخ مغمومة ... وتمسي لصحبته قاليه # PageV01P1287 # فلا بارك الله في عرده ... ولا في غضون استه البالية # وإن دمشق وفتيانها ... أحب إلينا من الجاليه # نكحت المديني إذ جاءني ... فيالك من نكحة غاليه # له ذفر كصنان التيوس ... أعيا على المسك والغاليه # الكلام دعاء على الشيوخ وإظهار القلى لصحبتهم والكون معهم. # وأرادت بالأشياع من يرضى مناكحتهم، أو يتعصب لهم، أو يهوى هواهم. وقولها ~~" وذلك من بعض أقواليه " إيذان منها بأن لها في الشيوخ وذمهم طرائق من ~~القول، وألوانا من الوصف. وما أظهرته جزء من تلك الجملة. والعرد: الفرج. ~~وقال الخليل: هو الشديد المنتصب من كل شيء، ومنه تر رعد. # وقولها " ترى زوجة الشيخ مغمومة " بيان للعلة في الدعاء والذم. والغصون: ~~جمع غصن، وهو تكسر الجلد وتثني فضوله على الشيخ لبلاده. # وقولها " وإن دمشق "، كان هواها ثم. وكان يجب أن تقول: أحب إلينا من ~~الجالية وفتيانها، فاكتفت بما ذكرت، إذ كان مرادها مفهوما. # وقولها " يا لك من نكحة غالية " لفظها لفظ النداء، والمعنى التعجب. وإنما ~~قالت ms1045 من نكحة غالية، لتبين أنها مكروهة كما يكره ما يشترى بغلاء. والذفر: ~~شدة النتن هنا، ويكون الطيب أيضا. والدفر، بالدال غير معجمة، لا يكون إلا ~~للنتن. والصنان: ريح الإبط، ومنه الصن: بول الوبر. قال جرير: # بصن الوبر تحسبه الملابا # وقولها: " أعيا على المسك " موضعه من الإعراب نصب على الحال للمضمر في ~~أعيا. ومفعول أعيا محذوف، أي أعجز ذلك االذفر ما يستعمل من الطيب. ### || وقال آخر: # من أينا تضحك ذات الحجلين # PageV01P1288 # أبدلها الله بلون لونين # سواد وجه وبياض عينين # الحجل: الخلخال. وفي الكلام هزؤ وإزراء، ثم دعا عليها بأن يغير الله ~~لونها ويبدلها منه لونين. وقال بعضهم " بلون لونين " هو كقولك بدلك بالشباب ~~هرما وضعفا، وبالعز حخضوعا وقلة ناصر. وشرح هذا أنه جعل اللون منتظما ~~للألوان، ثم أبدل منها السواد والبياض. ويجوز أن يريد بقوله " بلون " لونها ~~المعروف، أي أبلها مما خلقت عليه من لون لونين آخرين، ثم فسرهما. ### || آخر: # أعوذ بالله من ليل يقربني ... إلى مضاجعة كالدلك بالمسد # لقد لمست معراها فما وقعت ... مما لمست يدي إلا على وتد # في كل عضو لها قرن تصك به ... جنب الضجيع فيضحي واهي الجسد # الدلك: الغمز والفرك. بقال دلكت السنبل فانفرك قشره عن حبه. والمسد: ~~الحبل، وأصله من الفتل. ويقال: مسدت الحبل مسدا، والحبل ممسود ومسد، كما ~~يقال نفضت الشيء نفضا، والشيئ منفوض ونفض. قال: # ومسد أمر من أيانق # أي حبل فتل من جلود النوق. فأما قوله تعالى: " في جيدها حبل من مسد ". ~~فقيل: المسد ليف المقل. ولا يمتنع أن يكون الليف مسدا بما يؤول إليه من ~~الفتل عند اتخاذ الحبل، ثم استمر الاستعمال به فقيل له المسد وإن لم يمسد. # وقوله " لقد لمست معراها " يريد مسحت ظاهر بدنها فما وقعت يدي مما مسحته ~~عنها إلا على الأوتاد. ييصفها بالهزال وتعري العظام من اللحم، حتى صار لها ~~حجوم فأشبهت الأوتاد. وقوله " في كل عضو لها قرن " العضو والعضو لغتان، # PageV01P1289 # والمراد بالقرن نتو عظامها. والصك: الدفع. يقال: صكه، إذا ضربه بحجر أو ~~غيره. وصك ms1046 البازي صيده، إذا ضربه بكفه يحطه، قال: # إذا اجتمعوا علي فخل عني ... وعن باز يصك حباريات ### || آخر: # وإذا مررت به مررت بقانص ... متشمس في شرقة مقرور # للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير # وكأنهن لدى دروز قميصه ... فذ وتوءم سمسم مقشور # ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى العدو مغير # تشمس: جلس في الشمس. ويقال شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه. والشرقة ~~والمشرقة بمعنى، وهما المكان الذي يتشرق فيه. والفذ الفرد. والتوءم: اثنان. ~~وقد بسطنا القول فيه في شرح الفصيح. # ويقال ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصة، فضرج وانضرج. ومنه قيل تضرج ~~الخد عند الخجل، إذا احمر. والحنق: المغتاظ الشديد الغيظ. ### || آخر: # خبروها بأنني قد تزوج ... ت فظلت تكاتم الغيظ سرا # ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعا ليته تزوج عشرا # وأشارت إلى نساء لديها ... ما ترى دونهن للسر سترا # ما لقلبي كأنه ليس مني ... وعظامي أخال فيهن فترا # يقال: خبرته كذا وبكذا. والكتم: نقيض الإعلان. ويقال: كاتمت، إذا كان ~~الكتمان من اثنين. وقد حذف المفعول الأول من تكاتم. ويجوز أن تكون تكاتم # PageV01P1290 # بمعنى تكتم، فلا يكون من اثنين، ولكن كما يقال: قاتله الله. والكتوم في ~~الناقة: التي لا ترغو، وفي القوس التي لا شق في نبعها. و " سرا " يجوز أن ~~يكون مصدرا من غير لفظه، لأن تكاتم بمعنى تستر، ويكون كقوله: # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. وجزعا انتصب على أنه مفعول له. وموضع ~~قوله " ليته تزوج عشرا " نصب على أنه مفعول ثالث، وقوله " للسر سترا "، ~~يجوز أن يروى " سترا " بفتح السين، فيكون مصدر سترت، ويجوز أن يروى " سترا ~~" بكسر السين فيكون واحد الستور، والمعنى في الوجهين ظاهر. وقوله " فيهن ~~فترا " يقال: فتر الإنسان، إذا لانت مفاصله وضعفت فترا وفتورا، وإدخال كسر ~~الهمز منه لغة هذيل، ثم فشت في غيرها. ### || آخر: # جزى الله عناذات بعل تصدفت ... على عزب حتى يكون له أهل # فإنا سنجزيها بما فعلت بنا ... إذا ما تزوجنا وليس ms1047 لها بعل # أفيضوا على عزابكم بنسائكم ... فما في كتاب الله أن يحرم الفضل # روى محمد بن حبيب أن هذا الشاعر صعد إلى مئذنة وسط الحي وأنشد هذه ~~الأبيات، فاجتمع عليه غيارى الحي وفتاكه فقتلوه. # وقوله " عزابكم " هو جمع العازب، وقصده إلى جمع العزب، وهو الأعزاب، لكنه ~~تصور بعدهما عن الأهل وتساويهما فيه، فجعل العزب والعازب بمعنى واحد، ثم ~~استعار بناء جمع العازب للعزب. وهذا كما قيل نمر ونمر، لأنه لما تصور أنه ~~أنمر في لونه جمعوه جمع أنمر، فأجروه مجرى أحمر وحمر. # وقوله " أفيضوا على عزابكم بنسائكم " توهم في أفيضوا معنى تصدقوا، فعداه ~~تعديته، فلذلك زاد الباء في " بنسائكم ". ويجوز أن يكون من قولهم أفاض ~~الإناء بمائه علينا، ويكون التقدير: أفيضوا العطاء بنسائكم. وقوله " فما في ~~كتاب الله " يجوز أن يريد بالكتاب المصدر، والمعنى فيما كتبه وفرضه. ويجوز ~~أن يريد به القرآن. # PageV01P1291 ### || آخر: # أنشد بالله وبالدلو الخلق # يا رب من أحسها ممن صدق # فهب له بيضاء بلهاء الخلق # ومن نوى كتمان دلوى فاحترق # فابعث عليه علقا من العلق # أنشد بالله، أي مستعينا بالله أو مذكرا بالله. وقوله: " وبالدلو الخلق "، ~~يريد وبسبب الدلو نشداني وطلبي. ففصل بين دخول الباءين. # وقوله " من أحسها " أي من رآها وأدركها بعلمه، ثم صدقني عند السؤال عنها. ~~فقوله " ممن صدق " يجوز أن يكون " من " نكرة، والمراد من إنسان يصدق أو ~~عادته الصدق. ويجوز أن يكون " من " معرفة، والمراد من الذين يصدقون في ~~المقال. # وقوله " فهب له بيضاء بلهاء " دعاء له بأن يملكه الله تعالى امرأة كريمة ~~مستقيمة الطريقة، سليمة الصدر، لا غائل لها ولا غلول لديها. # ومثل هذا قول الآخر: # بلهاء لم تحفظ ولم تضيع # وقوله " ومن نوى كتمان دلوى فاحترق " يريد فأحرقه الله ولا تهنأ بعيش. ~~والعلق: دويبة حمراء تكون في الماء وتأخذ بالحلق. ويجوز أن يكون العلق مصدر ~~علقت به العلوق الداهية. وسمي الأذى نفسه العلق، واسم الحدث قد يجعل صفة ~~للفاعل، ويكون على هذا علقا يتناول واحدا من الجنس. والعلق يتناول الجنس ~~كله. ms1048 # إن لم يصبحه بما ساء طرق # وبات في جهد بلاء وأرق # وهب له ذات صدار منخرق # مشئومة تخلط شؤما بخرق # PageV01P1292 # فاعل يصبحه العلق المذكور. والطروق يكون بالليل. وقوله " في جهد بلاء "، ~~أي فيما يجهده ويشق عليه من مقاساة البلاء. والأرق: السهر بالليل. والصدار: ~~الثوب الذي يبلغ الصدر. وجعله منخرقا لجنون صاحبته، لأنه دعا على من يكتم ~~دلوه بأن يهب له امرأة مجنونة تخرج يدها من جيب صدارها فتمزق على نفسها. # وفي هذه الطريقة قول الآخر: # كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت بعد إجفال # وإنما وصف طعنة. فشبه سعتها بسعة جيب الورهاء. ويقال: رجل مشئوم، وقد ~~شئم، وشأم فلان أصحابه إذا أصابهم شؤم من قبله. وتقول: هذا طائر أشأم، وطير ~~أشائم، أي جارية بالشؤم. والخرق: ضد الرفق. ### || وقال أعرابي # كأن خصييه من التدلدل # سحق جراب فيه ثنتا حنظل # التدلدل: الاضطراب. ويقال: ثوب سحق وجرد، وقد انسحق وانجرد. وإنما قال " ~~ثنتا حنظل " لأن مراده ثنتان من الحنظل. ولو أراد تثنية حنظلة لم يجز إلا ~~حنظلتان. وقد أحكم القول فيه وفي أمثاله في غير هذا الموضع. ### || آخر: # كأن خصييه إذا تدلدلا # أثفيتان تحملان المرجلا # قوله " أثفية " يجوز أن يكون أفعولة بدلالة قولهم: أثفيت القدر وثفيتها: ~~ويجوز أن يكون فعلية، بدلالة قولهم أثفت القدر. ألا ترى النابغة يقول: # وإن تأثفك الأعداء بالرفد # PageV01P1293 # فتأثف تفعل، والهمزة أصلية. وإنما يتفق مثل هذين التقديرين في الكلمة ~~الواحدة من لغتين. ويقتضي كيفية وقوع الاختلاف في مثلها كلاما ليس هذا ~~موضعه، فاعلمه إن شاء الله. ### || آخر # كأن خصييه اذا ما جبى # دجاجتان تلقطان حبا # جبى: قام منحنيا للاحتراش، وهو إثارة الضب. ويقال: جبى تجبية، إذا سقط ~~لركبتيه وطمأن بدنه ويديه. ### || وقال آخر: # وفيشة زين وليست فاضحه # نابلة طورا وطورا رامحه # على العدو والصديق جامحه # من لقيت فهي له مصافحة # تسد فرج القحبة المسافحه # مفسدة لابن العجوز الصالحه # كأنها سفجة ألف راجحه # الفيشة: رأس القضيب، والفيشلة في معناه، وليس من بنائه، لكنه من باب سبط ~~وسبطر وما أشبهه. والرامح: صاحب الرمح. ms1049 والنابل: صاحب النبل. ورمحت الدابة ~~رمحا: ضربت برجلها. ويقولون: برئت إليك من الجماح والرماح؛ لأن الجموح ~~صلابة الرأس وأن يمضي الشيء لوجهه فلا يضبط. وفرس جموح وجامح. والمصافحة ~~أصله في الالتقاء والتسليم ووضع اليد في اليد. ويقال: لقيته صفاحا، أي ~~مفاجأة. والقحبة: الفاجرة. وأهل اللغة يقولون: هو من القحاب: السعال، لأن ~~مراودها إذا مشى في إثرها تقحب لتلتفت إليه، فيشير إليها بما يريد. ~~والمسافحة: # PageV01P1294 # الزانية، أصله من سفح الماء عند الجماع. وهذا كما يقال من المذى: ماذيته. ~~واشتهر السفاح بمضادة النكاح. ### || آخر: # وفيشة ليست كهذي الفيش # قد ملئت من خرق وطيش # إذا بدت قلت أمير الجيش # من ذاقها يعرف طعم العيش ### || آخر: # لا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي # وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب # أنمها: أفشيها وأظهرها. وقوله " جنبا إلى جنب " في موضع الحال. والمعنى: ~~يقلق في مضجعه محافظة على السر، ولا يعركها بجنبه. ويجوز أن يكون بدلا من ~~الهاء في تقلبه. ### || آخر: # فجاءوا بشيخ كدح الشر وجهه ... جهول متى ما ينفد السب يلطم # الكدح والخدش والخمش، تتقارب في المعنى. ويقال: نفد الشيء إذا فني، ~~وأنفدته أنا. ### || وقالت قابلة لامرأة أخذها الطلق واسمها سحابة # أيا سحاب طرقي بخير # وطرقي بخصية وأير # ولا تريني ظرف البظير # PageV01P1295 # التطريق: أن يظهر عند الولادة طرقة الولد، وهي أطرافه: رأسه ويداه. ولك ~~أن تروى " يا سحاب " بفتح الباء على أصل الترخيم، ولك أن تضمها نويت تمام ~~الاسم بعد ذهاب الهاء ثم بنيت على الضم للنداء. ### || آخر: # فإنك إن ترى عرصات جمل ... بعاقبة فأنت إذا سعيد # لها عينان من أقط وتمر ... وسائر خلقها بعد الثريد # قوله " إن ترى " أتى بترى تاما وإن كان فى موضع الجزم. فهو كقول الآخر: # ولا ترضاها ولاتملق # وكقول الآخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد # وجمل: اسم امرأة. وعرصة الدار وحرصتها بمعنى. ويكون الذى حذفه للجزم فى ~~ترى حركة كانت فى النية فى موضع الرفع. وحروف المد تحذف ms1050 من الأواخر، ليكون ~~بين الأفعال وهى فى موضع الرفع وبينها وهى فى موضع الجزم فصل، فلذلك جاز أن ~~تأتى بها تامة، ولولا ذلك لكان لحنا. وقوله " فأنت إذا سعيد " جمع بين ~~الفاء وبين إذا فى جواب الشرط تأكيدا للجزاء، ولو قال فأنت سعيد، لكفى ~~وأغنى، ويكون إذا للحال، كأنه يحكى الكائن من الأمر فى ذلك الوقت، وكذلك لو ~~قال فأنت إذ سعيد، لجاز كما قال الهذلى: # بعاقبة وأنت إذ صحيح # وقوله " سعيد " يجوز أن يكون اسم الفاعل من سعد، ويجوز أن يكون فعيلا ~~بمعنى مفعول، ويقال سعده الله بمعنى أسعده الله. وقوله " بعاقبة " أى بعقب ~~ما # PageV01P1296 # عرفتها ودفعت إليها. ومن روى " فأنت إذ " يريد فأنت إذ الأمر ذلك وفى ذلك ~~الوقت. ونون إذ ليكون التنوين فيه عوضا مما كان يضاف إليه من الجمل. وعلى ~~هذا حينئذ، ويومئذ. ### || آخر: # أنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوى ... بزيت كما يكفيك فقد الحبائب # إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... نسيت وصال الآنسات الكواعب # رواه بعضهم: " فاصطنع " كأنه يجعله من الصنع، كما قال الآخر: # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدى # وليس هذا بشئ، وإنما الرواية " فاصطبغ " من الصباغ وهو الأدم، يدل على ~~صحة هذه الرواية قوله " بزيت ". ومثل هذا قول الآخر: # كل إذا كنت عاشقا ... ما تهيا من الدسم # وادفع الشوق والصدو ... د عن القلب بالتخم # وصاحب الأكل فى الهوى ... ليس يخشى من السقم # وقوله " كما يكفيك " رواه الكوفيون، ويقولون كما فى معنى كيما. ورووا ~~أيضا حجة فيه قول الآخر: # إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر # وأصحابنا البصريون يروونه " لكى يحسبوا ". وكذلك رووا البيت الأول " لكى ~~يكفيك "، ولا يعرفون ما ذكروه. والآنسات: ذوات الأنس. والكواعب: اللاتى ~~نهدت ثديها. ### || وقال آخر: # كأن ثناياها وما ذقت طعمها ... لبا نعجة سوطته بدقيق # PageV01P1297 # يقال: سطت الشئ، إذا جمعته مع غيره فى الإناء وضربتهما حتى يختلطا. قال ~~الدريدى: وبه سمى السوط الذى يضرب به لأنه يسوط اللحم بالدم. ### || آخر: # رمتنى ms1051 بسهم الحب أما قذاذه ... فتمر وأما ريشه فسويق # يريد أنها كانت تطعمه التمر والسويق، فلذلك أحبها. والقذاذ: جمع القذة، ~~وهى الريش، ويقال: قذذت السهم، إذا جعلت له قذاذا. وكان أبو زيد يجيز: ~~أقذذت أيضا، وأباه الأصمعى. وكل شئ سويته وأصلحته فقد قذذته. والسهم الأقذ، ~~الذى لا ريش له. ومن أمثالهم ما أصبت منه أقذ ولا مريشا. ### || آخر: # ألا رب خود عينها من خزيرة ... وأنيابها الغر الحسان سويق # الخود: المرأة الناعمة الجسم. والخزيرة: دقيق يلبك بشحم. وكانت العرب ~~تعير بأكله. وقيل: إن المقصود بذلك بنو مجاشع وقريش، وهى السخينة. ### || آخر: # وما العيش إلا نومة وتشرق ... وتمر كأكباد الجراد وماء ### || آخر: # قامت تمطى والقميص منخرق # فصادف الخرق مكانا قد حلق # كأنه قعب نضار منفلق # تمطى، أراد تتمطى، أى تتمدد، فحذف إحدى التاءين. والنضار: شجر يتخذ من ~~خشبه القصاع. ومثل هذا قول الآخر: # إذا قعدت مقعدا نبا بيه ... كالقدح المكبوب فوق الرابيه # PageV01P1298 ### || آخر: # إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت ### || آخر: # يا رب إن قتلتها فعد لها # فلن تموت أو تشد قتلها # أراد إلا أن تشد قتلها وتبالغ فيه. ### || آخر: # وأبغض الضيف ما بى جل مأكله ... إلا تنفجه حولى إذا قعدا # ما زال ينفج جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعل الضيف قد ولدا # قوله " إلا تنفجه " استثناء خارج. والتنفج قيل هو التجشؤ. ويقال: تنفج ~~فلان، أى توسع فى جلوسه. ومنه: هو منتفج الجنبين. وهذا غرض الشاعر، بدلالة ~~قوله: ما زال ينفج جنبيه وحبوته. والنفج: الكبر؛ وفى التنفج زيادة تكلف. ### || آخر: # وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود # قوله " فيعود " لم يعطفه على أن يضرى بنا، لكنه قصد به إلى الاستئناف، ~~والمراد فهو يعود، ويقال: إن بعض المتحذلقين فى زمن الأصمعى خالفه فى هذا ~~وزعم أن الشاعر تمدح بهذا ولم يتملح، وزعم أن المراد إنا لا نتكلف للضيف ~~ولا نحتشد له، بل نقدم إليه ما يحضرنا لئلا ينفر من احتشامنا له، فينقبض ~~عنا، ولا يعود إلينا. قال: ومعنى ms1052 " مخافة أن يضرى " أن لا يضرى بنا، ولا ~~مضمرة، كما قال الله عز وجل: " يبين الله لكم أن تضلوا ". وهذا كما تكلف # PageV01P1299 # بعضهم القول فى قوله: # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النار # وزعم أنه مدح مع اتفاق الناس على أنه أهجى بيت. ### || آخر # ونظر إلى جارية سوداء تخضب كفها فقال: # تخضب كفا بتكت من زندها # فتخضب الحناء من مسودها # كأنها والكحل فى مرودها # تكحل عينيها ببعض جلدها # وقوله " بتكت من زندها " منقطع مما قبله، كأنه خبر عنها، ثم دعا على ~~كفها. ولا يجوز أن يتصل بما قبله، لأنه حينئذ يكون واقعا موقع الصفة للكف، ~~والأمر والنهى والدعاء لا تكون صفات ولا صلات ولا أخبارا إلا بتأويل. # وقوله " فتخضب الحناء من مسودها "، يريد أن سواد لونها يغير من الحناء ~~فيخضبه. والحناء وزنه فعال، والهمزة منه أصلية، بدلالة قولهم: حنأته ~~بالحناء. # وقوله " فى مرودها " استقبح الزحاف فشدد الدال، ومثله: # تعرض المهرة فى الطول ### || آخر: # لعمرى لقد حذرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر # نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ماؤه يتسعر # فما منهم إلا أتانى موقعا ... به أثر من مسها يتقشر # PageV01P1300 # أجد كما لم تعلمنا أن جارنا ... أبا الحسل بالصحراء لا يتنور # ولم تعلما حمامنا ببلادنا ... إذا جعل الحرباء بالجذل يخطر # قوله " أتانى موقعا "، انتصب على الحال. ويقال: بعير موقع الظهر، إذا كان ~~به آثىر الجرب. ورجل موقع، إذا كان به آثار الجراح. قال: # مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا # وقوله " لا يتنور " الأجود في هذا أن يقال: لا يتنأر، وقد قيل تنور أيضا. # وقوله " أجد كما " انتصب على المصدر من فعل مضمر، كأنه قال: أتجدان جد ~~كما. # وذكره سيبويه فى باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله، كقولك هذا زيد ~~حقا لا باطلا، وهذا القول لا قولك، وهذا زيد غير ما تقول، والتقدير: هذا ~~القول لا أقول قولك. قال سيبويه: ومثله في الاستفهام أجدك لا تفعل كذا، ولا ~~يستعمل إلا ms1053 مضافا، والتقدير أجدا لك. وجرى هذا مجرى ما لزمته الإضافة نحو ~~لبيك وما أشبهه، ومعاذ الله. والمعنى أعلى جد لم تعلما ما ذكرت. والحرباء ~~أعظم من العظاءة، وهو أغبر ما دام صغيرا، ثم يصفر إذا كبر، فإذا حميت الشمس ~~عليه أخذ جلده يخضر. ولذلك قال ذو الرمة لما وصفه: # ويخضر من لفح الهجير غباغبه # وقال الطرماح: # وانتمى ابن الفلاة في طرف الجذ ... ل وأعيا عليه ملتحده # وابن الفلاة: الحرباء. والجذل: العود وأصل الشجرة. وقال آخر: # أنى أتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا # PageV01P1301 # تنضبة: شجرة. والحرباء يستقبل الشمس فيدور معها في سوق الأشجار. # وقوله " جعل الحرباء " بمعنى طفق. # وقوله " لا يرسل الساق " مثل للملحف الذي لا يقضي حاجة إلا سأل أخرى. ### || آخر: # ألا فتى عنده خفان يحملني ... عليهما إنني شيخ على سفر # أشكو إلى الله أحوالا أمارسها ... من الجبال وأني سيئ النظر # إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم ... إن لم يكن لهم ضوء من القمر # يروى " إنني شيخ على سفر " بكسر الهمزة على الاستئناف، ويروى " أنني " ~~بفتح الهمزة، والمعنى لأنني شيخ. # وقوله " لم أبصر طريقهم "، يريد أنه لا جادة في بلادهم. وهذا خلاف قول ~~الآخر: # ....... # ترى ... للسائلين إلى أبوابه طرقا # كأنه عيرهم متملحا. ### || وقالت جارية في جارية تسبها # سبي أبي سبك لن يضيره # إن معي قوافيا كثيره # ينفح منها المسك والذريرة # يروى " سبك لي بصيره ". وإذا رويت " سبك لي بصيرة " يرتفع سبك بالابتداء. ~~وتنصب سبك على المصدر، أي كما تسبينني، فسبي أبي أيضا، و " بصيرة " على ~~النداء. # PageV01P1302 ### || وقالت أخرى: # إن أباك زهزق دقيق # لا حسن الوجه ولا عتيق # تضحك من طرطبه العنوق # الزهزق: اللئيم الدقيق الحسب. والعتيق: الكريم الرائع من كل شيء. والفعل ~~منه عتق عتقا. والطرطب: صوت الراعي إذا سكن معزاه. والعنوق: إناث أولاد ~~العزى، أي كأنها تسر لفعلته تلك. ويروى: " تضحك من طرطبه العبوق "، وذكر أن ~~المخاطب كان لثديه حلمة طويلة - والضرع الطويل يقال له الطرطب - وأن العبوق ~~امرأة. يريد أنها تسخر منه وتعجبها خلقته. ms1054 ### || وقالت أخرى: # يا رب من عادى أبي فعاده # وارم بسهمين على فؤاده # واجعل حمام نفسه في زاده ### || وقالت أم النحيف # لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني ... حزت بعصياني الندامة فاصبر # ولا تك مطلاقا ملوما وسامح ال ... قرينة وافعل فعل حر مشهر # فقد حزت بالورهاء أخبث خبثة ... فدع عنك ما قد قلت يا سعد واحذر # تربص بها الأيام عل صروفها ... سترمي بها في حاجم متسعر # فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر # فطاولها حتى أتتها منية ... فصارت سفاة جثوة بين أقبر # فاعقب لما كان بالصبر معصما ... فتاة تمشى بين إنب ومئزر # مهفهفة الكشحين محطوطة الحشا ... كهم الفتى في كل مبدى ومحضر # PageV01P1303 # لها كفل كالدعص لبده الثرى ... وثغر نقي كالأقاحي المنور # كأن المخاطب كتان تزوج بامرأة لم ترضها له، فلم تحمد العاقبة، فأخذت ~~توبخه في الخلاف عليها، والعصيان لها، وتشير عليه بمصابرتها وإن لم ~~يستوقفها منتظرا ريب الزمان وأحداثه فيها. فقالت: عاملها معاملة ~~الأحرارالكرام، فلا تطلقها وإن تك وإن تك قد حزت بها ورهاء، وهي الحمقاء. ~~وأصل الوره الخرق في كل عمل. ويقال: توره الرجل في عمله. وقولها " أخبث ~~خبثة " فالخبيث نعت كل فاسد، وكذلك الخابث. وقد استعمل الخبثة في العجوز ~~أيضا. والأخبثان: البهر والسهر، وقيل الرجيع والبول. # وقولها " دع عنك ما قد قلت "، كأنه كان هم بمباينتها فأنكرت ذلك وقالت ~~تربص بخها. والجاحم: النار الشديدة التأجج. ومنه جاحم الحرب، وجحمت النار ~~والحرب جحمة: اشتدت. والسفاة: التراب. والجثوة: الكبة منه. والإنب: الدرع. ~~وأعصم من الشر واعتصم: التجأ وامتنع. محطوطة الحشا، أي كأنها قد صقلت ~~بالمحط، وهو ما يحط به السيف والجلد. والمهفهفة: الخميصة البطن الدقيقة ~~الخصر. # وقولها " كهم الفتى " أي كما يهواه ويهم به حيثما تصرف. والدعص: المجتمع ~~من الرمل. ولبده: صلبه. يعني أن لحمها في تراكمه واكتنازه كذلك. ### || وقال أبو الطمحان الأسدي # وبالحيرة البيضاء شيخ مسلط ... إذا حلف الأيمان بالله ربت # لقد حلقوا منها غدافا كأنه ... عناقيد كرم أينعت فاسبكرت # فظل العذارى يوم تحلق لمتي ... على عجل يلقطنها حيث ms1055 خرت # PageV01P1304 # برت اليمين برا، وهي بارة وبرة، وأبررتها أنا. قال: # إني حلفت على يمين برة # ويقال: ينعت الثمرة، إذا نضجت، وأينعت أيضا. واسبكرت: استرخت ولانت. ~~وخرت: سقطت خرورا. وخر الاماء خريرا. شبه الشعر في طوله ولينه ولونهبعناقيد ~~من الكرم استرسلت. # وقوله " لقد حلقوا منها "، أي من الهامة. والغداف: الأسود، ووصفه به ~~الغراب لذلك. وظل العذارى، بمعنى صار. وإنما التقطن لمتها لحسنها وولوعهن ~~بها من قبل. # PageV01P1305 ### | باب مذمة النساء ### || قال بعضهم: # دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر # أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # أظهر التضجر بها وبالكون معها، وطلب الخلاص منها، وبعث البلدة على أخذها ~~وقبضها إلى نفسها. وقوله " تمر بعودى نعشها " إن جعلت الفعل لدمشق اقتضى أن ~~يكون في قوله تمر بعودى نعشها ضمير يرجع إلى ليلة، والمراد تمر بعودى نعشها ~~فيها ليلة القدر. فإن جعلت الفعل لليلة يكون المعنى أن الليلة التي تموت ~~فيها أوتميتها تحل منها في عظم موقعها محل ليلة القدر التي هي خير من ألف ~~شهر ليس فيها ليلة القدر. وجاء في الخبر أنه إنما عظم موقعها لأن الله ~~تعالى أنزل فيها جملة القرآن إلى سماء الدنيا، ثم أنزل منها نجوما الشيء ~~بعد الشيء على ما عرف من المصلحة فيه. # وقوله " أكلت دما " يجري مجرى اليمين، وإن كان لفظه لفظ الدعاء. وأكل ~~الدم يسوغ عند الإشفاء على الهلكة وجهد البلاء في الإعواز. والمعنى: إن لم ~~أفزعك # PageV01P1306 # بأن أتزوج بامرأة حسنة السالفة، طيبة الرائحة، فابتلاني الله تعالى بما ~~يحل معه أكل الدم. ### || آخر: # سقى الله دارا فرق الدهر بيننا ... وبينك فيها وابلا سائل القطر # ولا ذكر الرحمن يوما وليلة ... ملكناك فيها لم تكن ليلة البدر # دعا للدار بينهما بالسقيا الغزيرة وعلى ما جمع بينهما من أيام الدهر ~~ولياليها بمنعها الخير، وحرمانها الحيا والقطر، ثم قال " فيها " فرد الضمير ~~على أحدهما واختار الأقرب، إذ علم أن المعطوف والمعطوف عليه يستويان في ~~الإخبار. ومثله قوله تعالى " والذين يكنزون الذهب والفضة ms1056 ولا ينفقونها في ~~سبيل الله ". وقوله " لم تكن ليلة البدر " من صفة الليل، أي كانت تلك ~~الليلة مظلمة لا نور فيها ولا سعود. ومعنى " ولا ذكر الرحمن "، أي لا تعطف ~~عليها، ولا قسم لها خيرا. ### || وقال آخر في امرأتين تزوج بهما # رحلت أنيسة بالطلاق ... وعتقت من رق الوثاق # بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآقي # ودواء ما لا تشتهيه ال ... نفس تعجيل الفراق # لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق # وخصيت نفسي لا أري ... د حليلة حتى التلاقي # يريد: طلقتها فبانت مني وفارقتني، فصرت حرا عتيقا. ومعنى " رق الوثاق "، ~~يريد أني كنت كالموثق الأسير ففككت وثاقي، وجعل البكاء للمآقي مجازا، وهو ~~جمع المؤقي على وزن المعقي، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، وهو مخرج الدمع، ~~فلذلك جعل الفعل لها. وفي هذه اللفظة عدة لغات: مأق على وزن المعق وجمعه ~~آماق، وماق على زنة قاض والجميع مواق. وحكى أبو زيد ماقئ والجمع # PageV01P1307 # مواقئ. وقال امرؤ القيس في المآقي: # شقت مآقيهما من أخر # وحكى يعقوب " في المنطق " عن الفراء، أنه ليس في كلام العرب مفعل بكسر ~~العين إلا حرفان: مأقي العين، ومأوي الإبل، وهذه اللفظة على اختلاف اللغات ~~قد عملتها مسألة، وتكلمت في وجوهها، وبينت خطأ من وزن مأقي العين بمفعل ~~بكسر العين. وقوله " تعجيل الفراق "، يريد تعجيل فراقه، فجعل اللفظ عاما، ~~والمراد الخاص، وعلى هذا قوله " من رق الوثاق "، يريد وثاقها. والإباق: ~~الهرب. والراحة: وجدانك الروح بعد مشقة. وما لك رواح، أي راحة. والتراويح ~~في رمضان منه، وكذلك قولهم: تراوحته الأمطار، وأفعل ذلك في سراح ورواح. ~~والحليلة: الزوجة، سميت بذلك لأنها تحال بعلها، أي تنازله وينازلها، وقوله ~~" حتى التلاقي "، أي إلى وقت تلاقي الخلق في يوم القيامة. # وانعطف " وخصيت " على قوله " لأرحت نفسي ". وموضع لا أريد نصب على الحال، ~~والعامل فيه خصيت. ### || وقال آخر: # ألمم بجوهر بالقضبان والمدر ... وبالعصي التي في روسها عجر # ألمم بها لا لتسليم ولا مقة ... إلا ليكسر منها أنفها الحجر # ألمم بوطباء في أشداقها سعة ... في ms1057 صورة الكلب إلا أنها بشر # حدباء وقصاء صيغت صيغة عجبا ... وفي ترائبها عن صدرها زور # الإلمام: الزيارة الخفيفة، والباء من قوله " بجوهر " تعلق به. وقوله " ~~بالقضبان " أي والقضبان معك، وهذا كما يقال: خرج بسلاحه، أي والسلاح عليه. ~~والعجر: جمع عجرة، وهي العقدة، وخيط عجر وعصا عجراء: فيهما عقد. وقالوا في ~~روس جمع رأس. لأنه جمع فعلا على فعل، كقولهم سقف وسقف، ورهن ورهن. # PageV01P1308 # وقد أقوى في بيت واحد، فهو أقبح. # وقال " في أشداقها " جمعا على ما حواليه، كما يقال هو ضخم العثانين. ~~والوطباء: العظيمة الثديين، وهي فعلاء ولا أفعل لها. ومثله ديمة هطلاء، ~~والحلواء. وقد مر نظيره. وقوله " إلا أنها بشر "، البشر يقع على الواحد ~~والجمع، ويتناول الإنس دون سائره. والوقصاء: القصيرة العنق. والترائب: جمع ~~التريبة، وهي موضع القلادة. وإنما يصف اعوجاجها في خلقتها وهزالها. ### || آخر: # تمت عبيدة إلا في محاسنها ... والملح منها مكان الشمس والقمر # قل للذي عابها من عائب حنق ... أقصر فرأس الذي قد عيب والحجر # قوله " تمت عبيدة إلا في محاسنها "، أطلق القول بتمامها، ثم استثنى ~~المحاسن من خصالها، فخلص التمام في المقابح لا غير. وقوله " والملح منها ~~مكان الشمس "، لك أن تنصب مكان على الظرف، يريد أن الملح بعيد، فهو في ~~السماء، ولك أن ترفعه كما تقول: هو مني فرسخان، فتجعل الملح منها نفس ~~السماء، كما تجعل المخبر عنه في قولك: هو مني نفس الفرسخين، وعلى هذا ينعطف ~~قوله " والقمر "، فإما أن تجري على موضع مكان وقد نصب لأنه وهو ظرف في موضع ~~الرفع، وإما أن تجري على لفظ مكان وقد رفع لأنه يصح أن يقال الملح منها ~~القمر كما يصح أن يقال الملح منها مكان القمر. وإذا جررت " والقمر " كان ~~معطوفا على الشمس، ويكون الشاعر مقويا في البيت الذي بعده. # وقوله: " فرأس الذي قد عيب "، أي رأس الإنسان الذي قد عيب، لذلك لم يقل ~~فرأس التي. وعطف الحجر على الرأس على أحد وجهين: إما أن يريد رأسه والحجر ~~مقرونان على طريق الدعاء لا على طريق ms1058 الإخبار، فحذف الخبر لأن المراد ~~مفهوم. وهذا كما يقال: كل امرىء وشأنه. وإما أن يريد بالواو معنى مع، كأنه ~~قال رأسه مع الحجر وحينئذ يكون الخبر في الواو، وهذا يكون كقولهم: الرجال ~~وأعضادها، والنساء وأعجازها، لأن المراد الرجال بأعضادها والنساء بأعجازها. ~~وإنما # PageV01P1309 # قال: " قل للذي عابها من عائب حنق " تخفيفا لقبحها وتسليمالاتنهاء عيبها. ~~والحنق: أشد الغيظ. ### || وقال آخر: # لا تنكحهن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت # تحك قفاها من وراء خمارها ... إذا فقدت شيئا من البيت جنت # تجود برجليها وتمنع ردها ... وإن طلبت منها المودة هرت # قوله " لا تنكحن " أراد بالنكاح العقد لا الجماع. والأيم: التي قد مات ~~عنها زوجها. وقد آمت تئيم أيمة. # وقوله " قد مل منها وملت " يريد أنها طعنت في السن، فقضت مآرب الشهوات ~~وقضيت منها. # وقوله " تحك قفاها من وراء خمارها " أي تركت التنظف والتنطس، ونسيت ~~الحياء والأنفة، فرأسها تحكها دائبا، ومحبتها للحقير تجننها، حتى إذا فقدت ~~ما لا خطر له، كان عندها كالكبير الذي لاعوض منه. # وقوله " تجود برجليها وتمنع درها "، ويجوز أن يكون مثلا لقلة خيرها، ~~فشبهها بالشاة التي تفاج رجليها، فإذا أريد حلبها منعت. ويجوز أن يكون ~~المراد أنها قعدت عن الولاد فهي تساعد في الجماع ولا تحمل ولا تلد. # وقوله " وإن طلبت منها المودة هرت " يريد أنها لا يبتغى عندها من نتائج ~~الود وأسباب الشفقة والحب شيء إلا نبحت نبيح الكلاب. ويجوز أن يريد بهرت ~~كرهت وتقبضت. ### || آخر: # لأسماء وجه بدعة من سماجة ... يرغبني في نيك كل أتان # بدا فبدت لي شقة من جهنم ... فقمت ومالي بالجحيم يدان # وغادرت أصحابي الذين تخلفوا ... بما شيت من خزي وطول هوان # وما كنت أدري قبلها أن في النسا ... جحيما أراها جهرة وتراني # PageV01P1310 # قوله " بدا " الفعل للوجه، وشقه، أي قطعة. ولك أن ترويه بكسر الشين، ~~فيكون كصرمة وكسرة وجذوة وقطعة وفدرة، ولك أن تضم الشين فيكون كالشعبة ~~والعجرة والعقدة؛ فاروه كيف شئت. وقوله " فقمت ومالي بالجحيم يدان " أي ~~تهيأت للهرب منها، إذ لم ms1059 يكن لي طاقة بالصبر عليها، ولا قوة في ملاقاتها. # وقوله " وغادرت أصحابي " كأنه شايعه في النهضة قوم وتخلف عنه قوم، فقال: ~~من تخلف عني كانت حاله على ذلك. ### || آخر: # لا تنكحن عجوزا إن أتيت بها ... واخلع ثيابك منها ممعنا هربا # فإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أمثل نصفيها الذي ذهبا # المراد بالنكاح العقد ههنا، وفي القرآن: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع ". وقوله " واخلع ثيابك " يجوز أن يكون مثل قول امرئ ~~القيس: # فسلى ثيابي من ثيابك تنسل # وكما يقال ضم إليك من كذا جناحك. ويجوز أن يريد به تشمر وتخفف واخرج من ~~مسكك. ومعنى " منها " أي من أجلها. ونصب " ممعنا " على الحال. ويقال: أمعن ~~في السير، إذا أبعد. و " هربا " يريد هاربا. وإنما سامه ما سامه ليكون أخف ~~سيرا وأسرع حراكا. # وقوله " فإن أمثل نصفيها " أي أصلحهما، ويقال: فلان أمثل من فلان، أي هو ~~أدنى منه إلى الخير. وأماثل القوم: خيارهم. ### || آخر: # رقطاء حدباء يبدي الكبد مضحكها ... قنواء بالعرض والعينان بالطول # PageV01P1311 # لها فم ملتقى شدقيه نقرتها ... كأن مشفرها قد طر من فيل # أسنانها أضعفت في خلقها عددا ... مظهرات جميعا بالرواويل # الرقطاء: المنقشةبالبرش. والقنا: طول الأنف، وإذا كان بالعرض كان كأنف ~~الخنزير. # وقوله " ملتقى شدقيه نقرتها "، أراد أنها لسعة فمها يلتقيان عند نقرة ~~القفا. ومعنى طر قطع. وقوله " مظهرات " أي جعل لها ظهارة كما يجعل للفرش ~~ظهارة، وكما قيل من الظهارة ظهر قيل من البطانة بطن، ويجوز أن يكون من قولك ~~هو ظهيرك أي معينك. ويقال: بعير مظهر، أي شديد الظهر قوي. والظهر: ما غلظ ~~من الأرض وارتفع، والظاهرة مثله، وهما مما تقدم. والرواويل: زوائد على عدد ~~الأسنان، والواحد راوول. ### || آخر: # اصرميني يا خلقة المجدار ... وصليني بطول بعد المزار # فلقد سمتني بوجهك والوص ... ل قروحا أعيت على المسبار # ذقن ناقص وأنف غليظ ... وجبين كساجة القسطار # طال ليلي بها فبت أنادي ... يالثارات مستضاء النهار # قامة القصعل الضعيف وكف ... خنصراها كذينقا القصار # قوله " يا خلقة المجدار " يريد أنت غليظة ثقيلة، ms1060 فكأنك في غلظ الجدار ~~وثقله، وكما قيل من الجدار مجدار قيل في الغليظ الثقيل من الجبل مجبال. ~~وقال امرؤ القيس: # إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير مجبال # ومفعال من أبنية الآلات، فهو كالمفتاح والمقياس والمدراك، وكان الأصل في ~~الجدر الارتفاع والنتو. ويقال: جدرت الجدار. وقال بعضهم: الجدري منه اشتق. # والقروح: الجراح. والمسبار: الملمول الذي يقدر به الجرح وغوره، وهو من ~~سبرت، وتوسع في استعماله حتى وضع موضع جربت. والقسطار: الصيرفي، وساجته: ~~لوحه الذي يقوم عليه كفتا الشاهين إذا وزن به. # PageV01P1312 # وقوله " يالثارات " يا حرف النداء، واللا لام الاستغاثة. وإنما يستغيث ~~بمن يرد عليه النهار. # والقصعل: القصير، والخليل أهمله وكذلك الخارزنجي والدريدي. والضئيل: ~~الدقيق. ورواء بعضهم: " قامة الفصعل "، بالفاء، وهو العقرب الصغير، والرجل ~~اللئيم. والمراد أن في أعضائها تفاوتا فلا يتلاءم خلقها. ### || آخر: # ألام على بغضي لما بين حية ... وضبع وتمساح تغشاك من بحر # تحاكي نعيما زال في قبح وجهها ... وصفحتها لما بدت سطوة الدهر # هي الضربان في المفاصل خاليا ... وشعبة برسام ضممت إلى النحر # إذا سفرت كانت بعينك سخنة ... وإن برقعت فالفقر في غاية الفقر # وإن حدثت كانت جميع مصائب ... موفرة تأتي بقاصمة الظهر # حديث كقلع الضرس أو نتف شارب ... وغنج كحطم الأنف عيل به صبري # وتفتر عن قلح عدمت حديثها ... وعن جبلي طي وعن هرمي مصر # جمع بين الحية والضبع والتمساح، لأنه ليس يقصد التشبيه من وجه واحد، ~~وإنما يريد التشبيه من وجوه كثيرة من الخلق والخلق. والتمساح: الدابة ~~المعروفة، والرجل الكذاب. وجاء على هذا البناء شيء من الأسماء قليل لأن ~~المصادر كلها على تفعال بفتح التاء، إلا حرفين وهما تبيان وتلقاء، وقد ~~حصرتها في كتابي المسمى ب " عنوان الأديب ". # وقوله " تحاكي نعيما زال "، يريد به المثل السائر: " أقبح من روال النعمة ~~". يريد: تحاكي في قبح وجهها قبح زوال النعمة، فجعل اللفظ توسعا على ما ~~ترى، ثم جعل جانبها وما تصافح به ملاقيها كسطوة الدهر. والسطوة: البسط على ~~الإنسان تقهره من فوق، وتقول: سطوت به، ms1061 وفي القرآن: " يكادون يسطون بالذين ~~يتلون ". قال الخليل: سمي الفرس ساطيا لأنه يسطو على غيره فيقوم على رجليه ~~ويسطو على يديه. وقوله " هي الضربان في المفاصل خاليا "، أي # PageV01P1313 # إذا خلوت بها كانت خلوتها كموجان العروق بالألم في مفاصل المنقرس، وإن ~~جذبتها إلى نفسك مرتديا بها قاسيت منها ما يقاسي المبرسم من عارضه، وإن ~~ألقت قناعها سخنت العين بالنظر إليها. كأنها إذا تبرقعت تناهى افتقارك من ~~كل منظر يروق، ومطلع يعجب ويروع، في رد الطرف إليها. وقوله " فالفقر في ~~غاية الفقر "، أي إذا تناهى الفقر، حتى لا يكون وراءه شيء منه. # والمصائب: جمع مصيبة، وهي مفعلة، وشبه مدتها بمدة فعيلة، وجمعت جمعها، ~~والقياس مصاوب وقد جاء ولكنه في الاستعمال دون مصائب. وهذا مما شذ في ~~القياس، أعني مصائب. ومصاوب شاذ في الاستعمال مطرد في القياس. وموفرة، أي ~~مكملة. وقاصمة: كاسرة، أي رزية هكذا وداعية هكذا. # وقوله " كحطم الأنف "، الكسر للشيء اليابس. والحطام، ما تحطم، من ذلك. ~~ورجل حطم. وعيل به صبري، أي غلب. وفي المثل: " عيل ما هو عائله ". # وقوله " عدمت حديثها " دعاء لنفسه وعليها، وهو من الحشو الحسن. ومثله في ~~الدعاء وحسن الموقع قول الآخر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وتفتر، أي تضحك، ومنه فررت الدابة. وقوله " جبلي طي " يعني أجأ وسلمى، ~~وإنما يعني اختلاف أسنانها وعظمها. ### || آخر: # لو تسمعت صوته قلت هذا ... صوت فرخ في عشه مزقوق # أو تأملت رأسه قلت هذا ... حجر من حجارة المنجنيق # معمل قرض لحية لو تراها ... قلت عثنون هربذ محلوق # لم أعبه ألا يكون تقيا ... مؤمنا مبغضا لأهل الفسوق # غير أني أردت أن ينظر النا ... س إلى خلق ربنا المخلوق # PageV01P1314 # مزقوق أي يزقه أبواه زقا. قال: # نتساقى الريق فيما بيننا ... زق أمات القطا زغب القطا # وقوله " قلت هذا حجر "، يريد شبهته فقلت من كبره: هو حجر المنجنيق. # والمنجنيق معربة، وقد اختلف في الفعل منه، فقال بعضهم: الميم زائدة، ~~واحتج بما حكاه النوزي عن أبي عبيدة، قال: سألت أعرابيا عن حروب كانت ms1062 ~~بينهم، فقال: " كانت بيننا حروب عون، تفقأ فيها العيون، مرة نجنق، ومرة ~~نرشق ". قال: فقوله نجنق دال على أن الميم زائدة، ولو كانت أصلية لقال ~~نمنجق. وإلى هذا ذهب الدريدي. # وكان أبو عثمان المازني يقول: الميم من نفس الكلمة، والنون زائدة، لقولهم ~~مجانيق، فسقوط النون في الجمع كسقوط الياء في جمع عيضموز إذا قلت عضاميز. ~~وحكى الفراء: جنقوكم بالمجانيق أيضا. فهذا على الوجه الأول. # وقوله " معمل قرض لحية " أي قطع لحية. و " لو تراها " حمل اللفظ على ~~اللحية والمراد منبتها. والعثنون: أصل اللحي، وأوائل الريح والسحاب. # وقوله " خلق ربنا المخلوق "، وصف الخلق بالمخلوق تأكيدا، ويجوز أن يكون ~~المراد خلق ربنا المقدر، لأن الأصل في الخلق التقدير. ألا ترى قوله: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري ### || آخر: # وأقسم لو خرت من استك بيضة ... لما انكسرت لقرب بعضك من بعض # الخرور: السقوط للوجه. وخر الماء المكان: جعل فيه أخاديد. # والخرخار: الماء الكثير الجاري. # PageV01P1315 ### || آخر: # أظن خليلي من تقارب شخصه ... يعض القراد باسته وهو قائم ### || آخر: # ولقد غدوت بمشرف يافوخه ... عسر المكرة ماؤه يتدفق # أرن يسيل من النشاط لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتمزق # كأنه ألغز في هذا، وأراد بمشرف اليافوخ ذلك العضو. # وروي أن أعرابيا حضر مجلس أبي عبيدة، فألقى البيتين عليه، فذهب أبو عبيدة ~~إلى أن الشاعر يصف به فرسا، وأخذ يفسره، فقال الأعرابي: حملك الله يا شيخ ~~على مثله! ففطن أبو عبيدة وخجل. ومعنى يتدفق يتصبب شيئا فشيئا. والأرن ~~النشيط، ويقال للمستن من النشاط: أرن يأرن أرنا. وقيل إن الأرن نشاط الخيل، ~~كما أن الهبص نشاط الظباء. والسنن: نشاط الإبل، ومنه جاء في المثل: " استنت ~~الفصال حتى القرعى ". والأشر: نشاط الإنسان. والإهاب: الجلد الذي هو أهبة ~~ما وراءه من اللحم. كما أنه سميما يمسكه المسك. ولذلك قال " جلد إهابه " ~~فأضاف الجلد إليه. ### || آخر: # لو تأتى لك التحول حتى ... تجعلي خلفك اللطيف أماما # ويكون الأمام ذو الخلقة الجب ... لة خلفا مركنا مستكاما # لإذا كنت يا عبيدة خير ms1063 ال ... ناس خلفا وخيرهم قداما # يصفها بأنها قليلة اللحم على العجيزة، عظيمة البطن. فيقول: لو قدم مؤخرك ~~وأخر مقدمك لارتضي خلفك وقدامك، لالتئام أعضائك، واعتدال مقاسمك. واستعمل ~~الخلف والأمام استعمال المقدم والمؤخر فجعلا اسمين. والمركن: الذي له ~~أركان. والجبلة: الغليظة. والمستكام، من الكوم، وهو الجماع. وانتصب خلفا ~~وقداما على التمييز. # PageV01P1316 ### || وأنشد لأبي الغطمش أبو عبيدة # منيت بزنمردة كالعصا ... ألص وأخبث من كندش # تحب النساء وتأبى الرجال ... وتمشي مع الأخبث الأطيش # لها شعر قرد إذا ازينت ... ووجه كبيض القطا الأبرش # وثدي يجول على نحرها ... كقربة ذي الثلة المعطش # يروى " زنمردة " بفتح الزاي وكسر الميم، ويكون مما عرب ولا نظير له في ~~أبنية العرب. ويروى بفتح الزاي وفتح الميم ويكون على مثال قهقر، وهو حجر ~~يملأ الكف. ويروى " زنمردة " بكسر الزاي وفتح الميم فيكون على وزن فعلة من ~~الرباعي نحو علكد، وهو الغليظ الشديد، أو يكون فعلل من الخماسي نحو خنزقر، ~~وهو القصير، وقرطعب دابة. والمراد بها المرأة التي خلقها وخلقها كما يكون ~~للرجال. وشبهها بالعصا لقلة لحمها وهزالها، واستواء صدرها وظهرها. وكندش: ~~لقب لص كان معروفا عندهم. وقوله " إذا ازينت " أراد تزينت، فأراد الإدغام ~~فيها وأبدل من التاء زاء فسكن أولها، فجلب ألف الوصل ليتوصل إلى النطق ~~بساكن، فصار كما ترى. والثلة: الفرقة والطائفة من الضأن. والمعطش: الراعي ~~الذي قد عطشت رعيته. # لها ركب مثل ظلف الغزال ... أشد اصفرارا من المشمش # وأبرد من ثلج ساتيدما ... وأكثر ماء من العكرش # وفخدان بينهما نفنف ... تجيز المحامل لا تخدش # وساق مخلخلها حمشة ... كساق الجرادة أو أحمش # كأن الثآليل في وجهها ... إذا سفرت بدد القشمش # لها جمة فرعها جثلة ... كمثل الخوافي من المرعش # PageV01P1317 # الركب: أصل الفخذ الذي عليه لحم الفرج من المرأة ومعلق الذكر من الرجل. ~~والنفنف: المهواة ببين الجبلين. والخدش والخمش والكدح نظائر. والحمشة: ~~الدقيقة. وإنما أنث والمخلخل مذكر لأن المخلخل من الساق، والساق مؤنثة، ~~وبعض الشيء إذا أطلق عليه اسم الكل أجري في الأحوال مجراه إلا أن يمنع ~~مانع. وهذا كما قال الآخر: ms1064 # كما شرقت صدر القناة من الدم # لأن صدر القناة قناة، كما أن المخلخل يقال له الساق. فالبدد: جمع بدة، ~~وهي القطعة المتفرقة. وتباد القوم: تباعدوا. والجمة من الشعر: دون اللمة في ~~الطول. والجثلة: الكثيرة الأصول. والمرعش: الحمام الأبيض. والخوافي: ما دون ~~الريشات العشر. ### || وقال آخر: # ماذا يؤرقني قدما ويسهرني ... من صوت ذي رعثات ساكن الدار # كأن حماضة في رأسه نبتت ... في أول الصيف قد همت بإثمار # قوله " ماذا يؤرقني " لفظه استفهام ومعناه تعجب. وقد مر القول في لفظه ~~ماذا. وقوله " من صوت ذي رعثات " أي من انتظار صوته، فحذف المضاف. ورعثات: ~~جمع رعثة وهي من الديك عثنونه. ورعثة الشاة: زنمتها. والرعاث: كل معلاق من ~~قرط أو قلادة أو غيرهما، وربما علق من الرحل والهودج رعث من الصوف. ~~والحماض، من ذكور البقل، له زهرة حمراء كأنها الدم. والإثمار: إخراج الثمر. ~~وشبه عرف الديك به. ### || وقال آخر: # صوت النواقيس بالأسحار هيجني ... بل الديوك التي قد هجن تشويقي # PageV01P1318 # كأن أعرافها من فوقها شرف ... حمر بنين على بعض الجواسيق # على نعانع سالت في بلاعمها ... كثيرة الوشي في لين وترقيق # كأنما لبست أو ألبست فنكا ... فقلصت من حواشيه عن السوق # قوله " صوت النواقيس " أي انتظار صوت النواقيس هيجني، فحذف المضاف. وهذا ~~كما قال الآخر: # لما تذكرت بالديرين هيجني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس # وقال غيرهما: # وصوت نواقيس لم تضرب # فنبه بقوله " لم تضرب " على أنه كان منتظرا لا واقعا. والجواسيق: جمع ~~الجوسق، وهي قريبة من القصور. وأشبع الكسرة في السين فتولد منها ياء. ~~ومثله: # نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # والنعانع: أعراف الديكة. وأصل التنعنع الاضطراب. لذلك قيل للطويل المضطرب ~~النعنع. ونعانع المنطقة: ذنابها. والبلعوم والبلعم: مجرى الطعام، وباطن ~~العنق. # وهذه المقطوعة وما قبلها، باب الصفات أولى بهما، فاتفق وقوعهما هنا. # وهذا آخر الاختيار. والحمد لله رب العالمين، ووصلواته على النبي محمد ~~وآله أجمعين. # قد سهل الله وله الحمد، تعالى جده، بلوغ المنتظر من تتميم شرح هذا ~~الاختيار، والله بمنه وطوله ينفعك وإيانا به، ويعينك على تفهمه. # وهذا ms1065 الكتاب وإن عظم حجمه، وكثر ورقه، فإنه لا يملك تصفحه وقراءته، إذا ~~كان كل باب من أبوابه ذا فنون من آثار العقول الصحيحة، والقرائح السليمة، ~~فكل # PageV01P1319 # نوع من أنواعه جمام لما يليه، وجلاء لما يعيه، ولأن غوامض المقاصد إذا ~~تبرجت لك في روائع المعارض، وأقبل فهمك رائدا لقلبك، يتشمم نوادر الزهر في ~~مغارس الفطن، ويخير فرائد الدرر من قلائد الحكم، فكلما ازداد التقاطا زادك ~~نشاطا، كما أن من عرف الفرق بين الإطناب والإيجاز، وبين التطويل والتقصير، ~~وعلم أن الإطناب تفخيم وتكميل، كما أن الإيجاز تخليص وتهذيب، وأن التطويل ~~زيادة على الكفاية، وذهاب عن غاية الحاجة، كما أن التقصي قصور عن الحد ~~المرتاد، ووقوف دون مدى المراد، حمد الإطناب والإيجاز لما نالهما من سهام ~~البلاغة، وذم التطويل والتقصير بما فاتهما من أقسام الفصاحة. # واعلم صحبك التوفيق في مباغيك، أن ما جمعت منتشره، وأثرت مكتمنه، وحللت ~~معقوده، وأعدت محذوفه، ونشرت مطويه، ومددت مقصوره من بيوت هذا الاختيار ~~وفصوله، فإني لم أدركه إلا في مدة طويلة لا أذكر طرفيها، وبمجاهدات لشيوخ ~~الصناعة عحجيبة لا أنسى مجاذباتي فيها، حين كان في القول إمكان، وللتحصيل ~~إرصاد، ولسهم النضال تسديد، وفي قوس الرماء منزع وتوتير، وكان الرأي ولودا، ~~والخاطر عمولا، والحد حديدا، والحرص عتيدا، مع تمام البراعة، واجتماع ~~المادة والآلة. # فلتا تظنن فيخه ما يظنه الوادع في جهد المكدود، فإن أهون السقي التشريع، ~~ولن تناله إلا بتعب شديد. وتيقن أني أمليت هذا الشرح مستعملا أرفق الآلات ~~في اختراعه، وأوفق الألفاظ في تصويره وبيانه، ومستحضرا من الشواهد والمثل ~~ما لم يكمل إلا بتعاونه وحضوره، ولو عدلت عن نهج التقريب مشتغلا بأبواب ~~الإعراب والغريب إلا غيرهما مما يعد في الفضول، لتضاعفت المؤن، وضاعت في ~~غمارها النكت. على أني أرجو أن يكون ضننا في تحصيله وحصره، وسماحتنا بعده ~~بتصنيفه وبذله، يكسبنا من القلوب استحلاء، ومن النفوس ميلا واستحبابا، وأنه ~~لا تزال تلك المحبة زائدة نامية، ما دامت فوائده قائمة باقية. وعلى اللع ~~تعالى جده معولنا في أن يوفقنا لمرضاته، ms1066 وأن يجعل سعينا له وفيه، وحسبنا هو ~~ونعم الوكيل. والحمد لله الواحد القهار، وصلواته على نبينا محمد وآله ~~الطيبين الطاهرين الأخيار. PageV01P1320 ms1067