######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009255 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو علي مسكويه #META# 010.AuthorNAME :: أبو علي مسكويه أحمد بن محمد بن يعقوب الرازي الأصبهاني #META# 011.AuthorBORN :: لا يوجد #META# 011.AuthorDIED :: 421 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الهوامل والشوامل سؤالات أبي حيان التوحيد لأبي علي مسكويه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أخرى :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الهوامل والشوامل #META# 030.LibURI :: JK_009255 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سيد كسروي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1422هـ - 2001م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # | # | 1 ( المسألة الأولى وهي لغوية ) 1 # قلت أعزك الله : ما الفرق بين العجلة والسرعة وهل يجب أن يكون بين كل ~~لفظتين - إذا تواقعتا على معنى وتعاورتا غرضا - فرق لأنك تقول : سر فلان ~~وفرج وأشر فلان ومرح ، وبعد فلان ونزح وهزل فلان ومزح وحجب فلان وصد ومنع ~~فلان ورد وأعطى فلان وناول ورام فلان وحاول وعالج فلان وزاول وذهب فلان ~~ومضى وحكم فلان وقضى وجاء فلان وأتى واقترب فلان ودنا وتكلم فلان ونطق ~~وأصاب فلان وصدق وجلس فلان وقعد ونأى فلان وبعد وحضر فلان وشهد ورغب عن كذا ~~وزهد . | وهل يشتمل السرور والحبور والبهجة والغبطة والفكه والجذل والفرح ~~والإرتياح والبجح على معنى واحد أو على معان مختلفة ؟ | وخذ على هذا فإن ~~بابه طويل وحبله مثنى وشكله كثير . | فإن كان بين كل نظيرين من ذلك يفصل ~~معنى من معنى ويفر مرادا من مراد ويبين غرضا من غرض فلم لا يشترك في معرفته ~~كما اشترك في معرفة أصله . | وعلى هذا : | فما الفرق بين الغرض والمعنى ~~والمراد وها هو ذا ، وقد تقدم آنفا ؟ وما الذي أوضح الفرق بين نطق وسكت ~~وألبس الفرق بين نطق وتكلم ، وبين سكت وصمت ؟ | الجواب | قال أبو علي أحمد ~~بن محمد مسكويه رحمه الله : | لما كان نحتاج في الجواب عن هذه المسألة إلى ~~ذكر السبب الذي من أجله إلى الكلام المصطلح عليه ، والحاجة الباعثه على وضع ~~الأسماء PageV01P032 الدالة بالتواطؤ ، والعلة الداعية إلى تأليف الحروف ~~التي تصير أسماء وأفعالا وحروفا بالاتفاق والاصطلاح ، والأقسام التي تعرض ~~لنا بموجب حكم العقل ، قدمنا بيان ذلك . | أما الجواب ليكون توطئة له ، ~~وليسهل علينا هذا الطلب ، ويبين عن نفسه ، ويعين على ما اعتاض منه ، فأقول ~~: | إن السبب الذي احتجت من أجله إلى الكلام هو : أن الإنسان الواحد قد كان ~~غير مكتف بنفسه في حياته ، ولا بالغ حاجاته في تتمة بقائه مدته المعلومة ~~وزمانه المقدر المقسوم احتيج إلى استدعاء ضروراته في مادة بقائه من غيره ، ~~ووجب بشريطة العدل أن يعطي غيره عوض ما استدعاه منه بالمعاونة التي ms001 من ~~أجلها قالت الحكماء : إن الإنسان مدني بالطبع . | وهذه المعاونات والضرورات ~~المقتسمة بين الناس ، التي بها يصح بقاؤهم ، وتتم حياتهم ، وتحسن معايشهم ، ~~هي أشخاص وأعيان من أمور مختلفة ، وأحوال غير متفقه ، وهي كثيرة غير ~~متناهية ، وربما كانت حاضرة فصحت الإشارة إليها ، وربما كانت غائبة فلم تكف ~~الإشارة فيها فلم يكن بد من أن يفزع إلى حركات بأصوات دالة على هذه المعاني ~~بالاصطلاح ليستدعيها بعض الناس من بعض وليعاون بعضهم بعضا فيتم لهم البقاء ~~الإنساني وتكمل فيهم الحياة البشرية . | وكان الباري - جل وعز - بلطيف ~~حكمته وسابق علمه وقدرته قد أعد للإنسان آلة هي أكثر الأعضاء حركة وأوسعها ~~قدرة على التصرف ووضعها في طريق الصوت وضعا موافقا لتقطيع ما لا يخرج منه ~~مع النفس ملائما لسائر الأخر المعينة في تمام الكلام - كانت هذه الآلة أجدر ~~الأعضاء باستعمال أنواع الحركات المظهرة لأجناس الأصوات الدالة على المعاني ~~التي PageV01P033 ذكرناها وقد بلغت عدة هذه الأصوات المفردة المقطعة بهذه ~~الحركات المسماة حروفا - ثمانية وعشرين حرفا في اللغة العربية . | ثم ركبت ~~كلها ثنائيا وثلاثيا ورباعيا وجميعها متناهية محصاة لأن أصولها وبسائطها ~~محصورة معدودة فالمركبات منها أيضا محصورة معدودة . | ولما كانت قسمة العقل ~~توجب في هذه الكلم إذا نظر إليها بحسب دلالتها على المعاني أن تكون على ~~أحوال خمس لا أقل منها ولا أكثر وجدت منقسمة إليها لا غير وهي : أن يتفق ~~اللفظ والمعنى معا أو يختلفا معا أو تتفق الألفاظ وتختلف المعاني أو تختلف ~~الألفاظ وتتفق المعاني أو تتركب اللفظة فيتفق بعض حروفها وبعض المعنى ~~وتختلف في الباقي . | وهذه الألفاظ الخمسة هي التي عدها الحكيم في أول كتبه ~~المنطقية وتكلم عليها المفسرين وسموها المتفقة والمتباينة والمتواطئة ~~والمترادفة والمشتقة وهي مشروحة هناك ولكن السبب الذي من أجله احتيج إلى ~~وضع الكلام يقتضى قسما واحدا منها وهو أن تختلف الألفاظ بحسب اختلاف ~~المعاني وهي المسماة المتباينة فأما الأقسام الباقية فإن ضرورات دعت إليها ~~وحاجات بعثت عليها ولم تقع بالقصد الأول وسنشرح ذلك بعون الله وتوفيقه . | ~~وقد تقدم البيان أن ms002 المعاني والأحوال التي تتصور للنفس كثيرة جدا وأنها بلا ~~نهاية . | فأما الحروف الموضوعة الدالة بالتواطؤ والمركبات منها فمتناهية ~~محصورة محصاة بالعدد . | ومن الأحكام البينة والقضايا الواضحة ببدائه ~~العقول أن الكثير إذا قسم على القليل اشتركت عدة منها في واحدة لا محالة ~~فمن ههنا حدث الاتفاق في الإسم وهو أن توجد لفظة واحدة دالة على معان ~~PageV01P034 كثيرة كلفظة ' العين ' الدالة على العين التي يبصر بها وعلى ~~عين الماء وعين الركبة وعين الميزان والمطر الذي لا يقلع أياما وأشباهه من ~~الأسماء كثيرة جدا ولم يقع هذا الفعل المؤدي إلى الإلباس والإشكال وإلى ~~الغلط والخطأ في الأعمال والإعتقادات باختيار بل باضطرار طبيعي كما بينا ~~وأوضحنا . | وعرض بعد ذلك أن أصحاب صناعة البلاغة وصناعة الشعر والسجع ~~وأصحاب البلاغة والخطابة هم الذين يحتاجون إلى الإقناعات العامية في مواقف ~~الإصلاح بين العشائر مرة والحض على الحروب مرة والكف عنها مرة وفي المقامات ~~الأخر التي يحتاج فيها إلى الإطالة والإسهاب وترديد المعنى الواحد على ~~مسامع الحاضرين ليتمكن من النفوس وينطبع في الأفهام - لم يستحسنوا إعادة ~~اللفظة الواحدة مرارا كثيرة ولا سيما الشاعر فإنه مع ذلك دائم الحاجة إلى ~~لفظ يضعه مكان لفظ دال على معناه بعينه ليصحح به وزن شعره ويعدل به أقسام ~~كلامه . | فاحتيج لأجل ذلك إلى أسماء كثيرة دالة على معنى واحد . | وهذا ~~العارض الذي عرض للألفاظ المترادفة كأنه مناصب للقصد الأول في وضع الكلام ~~مخالف له وقد دعت الحاجة إليه كما تراه ولولا حاجة الخطباء والشعراء وأصحاب ~~السجع والموازنة إليه لكان لغوا باطلا . | ولما كانت المسألة متعلقة بهذين ~~القسمين من الكلام اقتصرنا على شرحهما وعولنا - بمن نشط للوقوف على الأقسام ~~الأخر - على الكتب المصنفة فيها لأهل المنطق لأنها مستقصاة هناك . | وإذ قد ~~فرغنا من التوطئة التي رمناها أمام المسألة فإنا نأخذ في الجواب عنها فنقول ~~: إن من الألفاظ ما توجد متباينة وهي التي تختلف باختلاف المعنى وإليها كان ~~القصد الأول بوضع اللغة . | PageV01P035 ومنها ما توجد متفقة ، وهي التي ~~تتفق فيها ألفاظ واحدة بعينها ومعانيها ms003 مختلفة . | ومنها ما توجد مترادفة ~~وهي التي تختلف ألفاظها ومعانيها واحدة . | وهذان القسمان حدثا بالضرورة ~~كما بينا . | وربما وجدت ألفاظ مختلفة دالة على معان متقاربة وإن كانت ~~أشخاص تلك المعاني مختلفة وربما دلت على أحوال مختلفة ولكنها مع اختلافها ~~هي لشخص واحد فلأجل ذلك يستعملها الخطيب والشاعر مكان المترادفة لموضع ~~المناسبة والشركة القريبة بينها وإن كانت متباينة بالحقيقة ومثال ذلك ما ~~يوجد من أسماء الداهية فإنها على كثرتها نعوت مختلفة ولكنها لما كانت لشيء ~~واحد استعملت كأنها معنى واحد . | وكذلك أسماء الخمر والسيف وأشباهها . | ~~وأنت إذا أنعمت النظر واستقصيت الروية وجدت هذه الأشياء مختلفة المعاني ~~ولكنها لما كانت أوصافا لموصوف واحد أجريت مجرى الأسماء الدالة على معنى ~~واحد وذلك عند اتساع الناس في الكلام وعند حاجتهم إلى التسمح وترك التكلف ~~والتجوز في كثير من الحقائق . | ولولا علمي بثقافة فطنتك وإحاطة معرفتك ~~وسرعة تطلعك بفهمك على ما أومأت إليه لتكلفت لك الفرق بين معاني ألفاظ ~~الخمر والشراب والشمول والراح والقهوة وسائر أسمائها . وبين معاني ألفاظ ~~السيف ، والصمصام ، والحسام وباقي ألقابه ونعوته . وكذلك في أسماء الدواهي ~~ونعوتها . ولكني رأيت تجشم ذلك فضلا وإطالة و تكثيرا عليك بما لا فائدة لك ~~فيه . | PageV01P036 فينبغي لنا إذا وجدنا ألفاظا مختلفة ومعانيها متفقة أو ~~متقاربة أن ننظر فيها فإن نبهنا على موضع خلاف في المعاني حملنا تلك ~~الألفاظ على مقتضى اللغة وموجب الحكمة في وضع الكلام فنجعلها من الألفاظ ~~المتباينة التي اختلفت باختلاف المعاني . | وهي السبيل الواضحة والطريقة ~~الصحيحة التي يسقط معها سؤال السائل وشك المتشكك . | فإن لم يقع لنا موضع ~~الخلاف في المعاني ولم يدلنا عليه النظر حملناه على الأصل الآخر وصرفناه ~~إلى القسم الذي بيناه وشرحناه من الضرورة الداعية في الشعر والخطابة إلى ~~إستعمال الألفاظ الكثيرة الدالة على معنى واحد . | فلما وجدت المسائل التي ~~صدرت في هذه الرسالة قد مثل فيها بألفاظ بعينها - تكلفت الكلام فيها ~~ليستعان بها على نظائرها فإنها عند التصفح كثيرة واسعة جدا والله الموفق . ~~| أما الفرق بين العجلة والسرعة فإن ms004 العجلة على الأكثر تستعمل في الحركات ~~الجسمانية التي تتوالى وأكثر ما تجيء في موضع الذم فإنك تقول للرجل : عجلت ~~علي وعجل فلان على فلان فيعلم منه أنه ذم وأنت لا تفهم هذا المعنى من أسرع ~~فلان . | وأيضا فإنك لا تستعمل الأمر من العجلة إلا لأصحاب المهن الدنية ~~ولا تقوله إلا لمن هو دونك . | فأما السرعة فإنها من الألفاظ المحمودة ~~وأكثر ما تجيء في الحركات غير الجسمانية وذاك أنك تقول فلان سريع الهاجس ~~وسريع الأخذ للعلم وقد أسرع في الأمر وأسرع في الجواب [ اي ] { والله سريع ~~الحساب } [ \ اي ] وفرس فلان أسرع من الريح وأسرع من البرق . | PageV01P037 ~~ويقال في الطرف سريع وفي القضاء سريع والفلك سريع الحركة ولا يستعمل بدل ~~هذه الألفاظ عجل ولا تنصرف لفظة العجلة في شيء من هذه المواضع . | وهذا فرق ~~واضح ولكن الإتساع في الكلام وتقارب المعنيين يحمل الناس على وضع إحدى ~~الكلمتين مكان الأخرى . | وأما قولهم سر فلان وفرح وأشر ومرح فإن الفرق بين ~~السرور والفرح وبين الأشر والمرح ظاهر فإن الأشر والمرح لا يستعملان إلا في ~~الذم والعيب وأما السرور والفرح فليسا من ألفاظ الذم . | ووضوح الفرق ههنا ~~أظهر وأبين من أن يحتاج فيه إلى تكلف شرح وبيان . | فأما السرور والفرح وإن ~~كانا متقاربين في المعنى فإن أحدهما وهو السرور لا يستعمل إلا إذا كان ~~فاعله بك غيرك . | وأما الفرح فهو حال تحدث بك غير فاعل وتصريف الفعل منهما ~~يدل على صحة ما ذكرناه وذلك أنك تقول : سررت وسر فلان ولا يستعمل فيه إلا ~~لفظ فعل الذي هو وإن لم يسم فاعله فهو فعل غيرك . | وأما بعد فلان ونزح ~~فبينهما أيضا فرق وذلك أن البعد في المسافات على أنواع وإن كان يجمعها هذا ~~الاسم فإن الأخذ في الطول والعرض والعمق مختلف الجهات وإن كان الجنس واحدا ~~فلما اختلفت الجهات وكانت كل واحدة منها خلاف الأخرى - وجب أن تختلف ~~الألفاظ الدالة عليها . PageV01P038 فلفظة البعد : وإن كان كالجنس مستعملة ~~في كل واحدة من الجهات فإنه يختص بالأخذ طولا ms005 . | وأما لفظة نزح فإنه يختص ~~بالأخذ عمقا فأصله في البئر وما جرى مجراها من العمق ثم حملهم الإتساع في ~~الكلام - وأن العمق أيضا بعد ما - على أن أجروه مجرى الطول . | وأما هزل ~~فلان ومزح فبينهما فرق وذلك أن الهزل هو ضد الجد وهو مذموم . | فأما المزح ~~فليس بمذموم : كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا ولم يكن ~~يهزل . | ويقال : فلان حسن الفكاهة مزاح يوصف به ويمدح فإذا هزل عيب وذم . ~~| فأما قولهم : حجب فلان وصد فإن الحجاب معنى سابق وكأنه سبب للصدود ولما ~~كان الصدود هو الإعراض بالوجه - وإنما يقع هذا الفعل بعد الحجاب منه - صار ~~قريبا فاستعمل مكانه وبين المعنيين تفاوت . | فأما الألفاظ الأخر التي ذكرت ~~بعد فإن المتأمل لها يعرف الفرق بينهما بأدنى تأمل ولذلك تركت الكلام فيها ~~إذ كان أعطى أصله من عطا يعطو وإنما عدى بالهمزة كما تقول قام فلان وأقامه ~~غيره . | وأما ناول فهو فاعل من النول وحاول فعل من الحول . | وهذه الأشياء ~~من الظهور بحيث يستغني عن الكلام فيها . | وأما قولهم جلس فلان وقعد فإن ~~الهيئة وإن كانت واحدة فإن الجلوس لما كان بعقب اتكاء واستلقاء PageV01P039 ~~| والقعود لما كان بعقب قيام وانتصاب - أحبوا أن يفرقوا بين الهيئتين ~~الواقعتين بعقب أحوال مختلفة . | والدليل على أنهم خالفوا بين هاتين ~~اللفظتين لأجل الأحوال المختلفة قبلهما أنك تقول : كان فلان متكئا فاستوى ~~جالسا ولا تقول استوى قاعدا . | ولست أقول : إن هذا الحكم واجب في كل ~~لفظتين مختلفتين إذا دلتا على معنى ولا هو حتم عليك ولا ضربة لا زب لك بل ~~قد قدمنا أما هذه المسألة ما جعلنا لك فيه فسحة تامة ورخصة واسعة : إذا لم ~~تجد الفرق واضحا بينا أن تذهب بهما إلى الاتفاق في الاسم الذي هو أحد أقسام ~~الألفاظ التي عددناها . | ثم قلت في آخر المسألة : ما الفرق بين المعنى ~~والمراد والغرض وبينهما فروق بينة وذلك أن المعنى أمر قائم بنفسه مستقل ~~بذاته وإنما يعرض له بعد أن يصير مرادا وقد ms006 يكون معنى ولا يكون مرادا . | ~~فأما الغرض فأصله المقصود بالسهم ولكنه لما كان منصوبا لك تقصده بالحركة ~~والإرادة صار كالغرض للسهم فاستعملت هذه اللفظة ههنا على التشبيه . | وأما ~~قولك في خاتمة المسألة : ما الذي أوضح الفرق بين نطق وسكت وألبس الفرق بين ~~سكت وصمت فما أعجبه من مطالبة وأغربه من مسألة ! كيف لا يكون الفرق بين ~~المتضادين اللذين هما في الطرفين والحاشيتين وأحدهما في غاية البعد من ~~PageV01P040 الآخر ، أوضح من الشيئين المتقاربين اللذين ليس بينهما إلا بعد ~~وأمد قريب يخفى على الناظر إلا بعد حده النظر واستقصاء التأمل على أن الفرق ~~بين صمت وسكت أيضا غير ملتبس لأن السكوت لا يكون إلا من متكلم ولا يقع إلا ~~من ناطق . | وأما الصمت فليس يقع إلا عن نطق لا محالة لأنه يقال : جاء فلان ~~بما صاء وصمت يعني به ضروب المال الحي منه والجماد . | ولا يقال في المال : ~~صامت إلا لما كان غير ذي حياة ولا نطق ولا صوت كالذهب والفضة وما جرى ~~مجراها من الجمادات . | وأما المال الذي هو ماشية وحيوان فلا يقال له : ~~صامت ولا يقال للصامت من المال ساكت لأن السكوت إنما يكون عن كلام أو صوت . ~~| وقد يقال في الثوب إذا أخلق : سكت الثوب وإنما ذلك على التشبيه كأنهم لما ~~وجدوه جديدا يصوت ويقعقع شبهوه بالمتكلم ثم لما أمسك عند الإخلاق شبهوه ~~بالساكت وهذا من ملح الكلام وطرف المجاز . | # | 1 ( مسألة خلقية لم تحاث الناس على كتمان الأسرار ) 1 # وتبالغوا في أخذ العهد به وحرجوا من الإفشاء وتناهوا في التواصي بالطي ~~ولم تنكتم مع هذه المقامات وكيف فشت وبرزت من الحجب المضروبة حتى نثرت في ~~المجالس وخلدت في بطون الصحف وأوعيت الآذان ورويت على الزمان ؟ | ~~PageV01P041 ومن أين كان فشوها مع الإحتياط في طيها نعم ومع الخوف العارض ~~في نشرها والندم الواقع من ذكرها والمنافع الفائتة والعواقب المخوفة ~~والأسباب المتلفة الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تبين في ~~المباحث الفلسفية أن للنفس قوتين فهي بالقوة الآخذة تستثيب ms007 المعارف وتشتاق ~~إلى تعرف الأخبار وبها يوجد الصبيان أول نشوئهم محبين لسماع الخرافات فإذا ~~تكهلوا أحبوا معرفة الحقائق . | وهذه القوة هي انفعال وشوق إلى الكمال الذي ~~يخص النفس . | وهي بالقوة المعطية تفيض على غيرها ما عندها من المعارف ~~وتفيده العلوم الحاصلة لها وهذه القوة ليست انفعالا بل فاعلة . | وهاتان ~~القوتان موجودتان للنفس بالذات لا بالعرض . | فكل إنسان يحرص بإحدى قوتيه ~~على الفعل وهو الإعلام وبالأخرى على الانفعال وهو الاستعلام . | ولما كان ~~ذلك كذلك لم يمكن أن ينفعل المنفعل ولا يفعل الفاعل ولا أن يفعل الفاعل ولا ~~ينفعل المنفعل لأنهما جميعا للنفس بالذات . | فقد ظهر السبب الداعي إلى ~~إخراج السر وهو أن النفس لما كانت واحدة واشتاقت بإحدى قوتيها إلى ~~الاستعلام واشتاقت بالأخرى إلى الأعلام - لم ينكتم سر بتة . | وهذا هو ~~تدبير إلهي عجيب ومن أجله نقلت الأخبار القديمة وحفظت قصص الأمم وعني ~~المتقدمون بتدوين ذلك وحرص المتأخرون على نقله وقراءته . | ولذلك ضرب ~~الحكماء فيه المثل ، وحزموا عليه PageV01P042 القول وقطعوا به الحكم وقالوا ~~: لا ينكتم سر وإنما يتقدم ظهوره أو يتأخر . | وتقول العامة : أي شيء ينكتم ~~ثم تقول في الجواب : ما لا يكون . | فحقيق على صاحب السر أن يستودعه إلا ~~القادر على نفسه والقاهر لنزواتها عند حركاتها وشهواتها بل المجاهد لها ~~المعتاد عند الجهاد غلبها وقهرها . | وإنما يتم للإنسان ذلك بخاصة قوة ~~العقل الذي هو أفضل موهبة الله تعالى وأكبر نعمة له على العبد وبه فضل ~~الإنسان على سائر الحيوان . | ولولا هذا الجوهر الكريم الذي هو مسيطر على ~~النفس ومشرف عليها لكان الإنسان كسائر الحيوانات غير الناطقة في ظهور قوى ~~النفس منه مرسلة من غير رقبة ومهملة بغير رعية ولكنه بهذا الجوهر النفيس في ~~جهاد للنفس عظيم . | ومعنى قولي هذا أن الإنسان دائما في جهاد النفس بقوة ~~عقله لأنه محتاج إلى ردعها به وإلى ضبطها ومنعها من شهواتها الردية حتى لا ~~يصيب منها إلا بمقدار ما يطلقه العقل ويحده لها وما يرسمه ويبيحه إياها . | ~~ومن لم يقم بهذا الجهاد مدة عمره ms008 فليس ممن له حظ في الإنسانية بل هو خليع ~~كالبهيمة المهملة وإذا انحط الإنسان عن رتبته العالية إلى رتبة ما هو أدنى ~~منه فقد خسر نفسه ورضى لها بأخسر المنازل هذا مع كفره نعمة الله ورده ~~الموهبة التي لا أجل منها وكراهيته جوار بارئه ونفوره من قربه . | وقد شرح ~~الحكماء هذا المعنى واستقصوه وعلموا الناس جهاد النفس في كتب الأخلاق فمن ~~اشتاق إلى معرفة ذلك فليأخذ من هناك . | فانفعالات النفس وأفعالها بحسب ~~قوتها كثيرة وهي الشهوات PageV01P043 الموجودة في الناس وليس يخلو منها ~~البشر ولكنها فيهم بالأكثر والأقل فمجاهدة العقلاء لها مختلفة والجهال هم ~~المسترسلون فيها غير المجاهدين لها . | وإخراج السر من جملة هذه الشهوات ~~وهو متعلق بالإخبار والإعطاء إذا كان لحفظ السر هذا الموقع من المجاهدة ~~للنفس لأنها تحرص في إظهاره على أمر ذاتي لها وإنما يقمعها العقل ويمنعها - ~~فأخلق به أن يكون صعبا شديدا جاريا مجرى غيره من شهوات النفس التي يقع ~~الجهاد فيها . | وربما وجدت إحدى هاتين القوتين في بعض الناس أقوى والأخرى ~~أضعف فإن من الناس من يحرص على الحديث ومنهم من يحرص على الاستماع ومنهم ~~الضنين بالعلم ومنهم السمح به ومنهم الحريص على التعلم والاستفادة ومنهم ~~الكسلان عنه وعلى هذا يوجد بعضهم أحرص وكان لنا صديق صاحب السلطان قريب ~~المنزلة منه فكان يقول لصاحبه : إذا كان لك سر تحب كتمانه وتكره إذاعته فلا ~~تطلعني عليه ولا تجعلني موضعه ولا تبلني بحفظه فإنه أجد له في صدري وخزا ~~كوخز الأشافي ونخس الأسنة . | وسمعته يقول : اطلعت على سر للوزير فجعل لي ~~على كتمانه وطية مالا وألطافا حملت إلي في الوقت فعزمت على الوفاء له وحدثت ~~نفسي به ووطنتها عليه فبت بليلة السليم وأصبحت وقيذا فلم أجد حيلة لما أجد ~~من الكرب غير أني ذهبت إلى ناحية من الدار خالية فيها دولاب خراب فنحين من ~~كان حولي ثم قلت : أيها الدولاب من الأمر والقصة PageV01P044 كذا وكذا . | ~~وأنا والله أجد من الراحة ما يجده المثقل بالحمل إذا خفف عنه وكأنني ms009 فرغته ~~من وعاء ضيق إلى أوسع منه ثم لم ألبث أن عادت الصورة في ثقله وجثومه على ~~قلبي إلى أن كفيته بظهوره من جهة غيري . | وهذا الذي قد نثره الرجل قد نظمه ~~الآخر فقال : ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي ~~فإن قليل العقل من بات ليلة تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب . | يروي : وإن ~~غبين الرأى . | وقد سبق المثل المضروب بالملك الذي كأن أذنه أذن حمار فإن ~~صاحب ذلك المثل أراد أن يبالغ في الوصاة بحفظ السر فأخبر أن الشجر والمدر ~~غير مأمون على السر وأنه ينم به فكيف الحيوان وهذا ما تقول العامة : ~~للحيطان آذان . | وأما قول الشاعر : وإخوان صدق لست مطلع بعضهم على سر بعض ~~غير أني جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها . ~~| وقول الآخر : وأكتم السر فيه ضربة العنق . | فكلام لا يصح ودعوى لا تثبت ~~فاسمعه سماعا وإياك والإغترار به . | # | 1 ( مسألة مركبة من أسرار طبيعية وحروف لغوية ) 1 # وهي : لم ثار اسم من الأسماء أخف عند السماع من اسم حتى إنك لتجد الطرب ~~يعترى سامع ذاك أنا رأيت بعض من كان يهوى البحتري ويخف لحديثه ويتعصب ~~لقريضه يقول : ما أحسن تشبيب البحتري بعلوة وما أحسن اختياره علوة . | ~~PageV01P045 ولا وهذا عارض موجود في الأسماء والكنى والشمائل والحلى والصور ~~والبني والأخلاق والخلق والبلدان والأزمان والمذاهب والمقالات والطرائق ~~والعادات . | وإذا بحثت عن هذا الباب فصله بالبحث عما ثقل على النفس والسمع ~~والطبع من هذه الأشياء فإنه إن كان قبولها لعلة فمجها لعلة وإن كان وصالها ~~لسبب فصدودها لسبب . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الاسم ~~مركب من الحروف والحروف عددها ثمانية وعشرون وتركيبه يكون ثنائيا وثلاثيا ~~ورباعيا وخماسيا . | والأولى في جواب هذه المسألة أن نتكلم في الحروف ~~المفردة التي هي بسائط الأسماء ثم بعد ذلك في الأسماء المركبة منها ليبين ~~موضع استحلاء السامع للحروف المفردة ثم لمزج هذه الحروف وتركيبها ثم لوضع ~~اللفظة إلى جانب اللفظة حتى تصير منها ms010 خطبة أو بيت شعر أو غير ذلك من أقسام ~~الكلام فإن مثل ذلك العقود والسموط المؤلفة من خرزات مختلفة في القد واللون ~~والجوهر والخرط . | وقد علم أن للعقد المنظوم من النفس ثلاثة مواضع : أحدها ~~مفردات تلك الخرز واختيار أجناسها وجواهرها . | والثاني موقع النظم الذي ~~يجعل للحبة إلى جانب الحبة قبولا آخر وموضعا من النفس ثانيا . | وإذا كان ~~هذا المثال صحيحا وكانت الحروف الأصلية كالخرز وهي مختلفة اختلافا طبيعيا ~~لا صنع فيها للبشر ولا يظهر فيها أثر PageV01P046 للصناعة ولا ريبة للحذق ~~والمهارة - كان القسمان الباقيان من النظم والتركيب هما موضع الصناعة ~~وفيهما يظهر أثر الإنسان بالحذق وجوده البصر والثقافة . | وبيان ذلك : أن ~~الحروف الثمانية والعشرين يطلع كل واحد منها من مطلع غير مطلع الآخر وذلك ~~من أقصى الرئة إلى أدنى الفم على ما قسمه أصحاب اللغة وبينه الخليل وغيره ~~وعلى خلاف بينهم في مخارجها ومواضعها وموضعنا هذا لا يليق بشرح هذا الكلام ~~فإنه يعوقنا عن قصدنا وبغيتنا . | ونقول : إن الصوت إنما يتم بآلة هي الرئة ~~وقصبتها لأنها مستطرق الهواء والصوت إنما هو اقتراع في الهواء ولما لم يكن ~~للهواء طريق في الإنسان إلا من الرئة وقصبتها والمدخل إليها من الفم ولا ~~مخرج له إلا من هذه الجهة - جعل اىقتراع - الذي هو الصوت - في هذه المسافة ~~حسب فبعض الأصوات أقرب إلى الرئة وأبعد من الشفة وبعضها أقرب إلى الشفة ~~وأبعد من الرئة والوسائط بين هذين الموضعين كثيرة . | فالنفس وهو الهواء ~~إذا خرج من الرئة إلى أن يبلغ الشفة له مسافة بين أقصى الحلقوم وبين منتهى ~~الفم والإنسان مقتدر على تقطيع هذا الهواء بالاقتراعات المختلفة غي طول هذه ~~المسافة فيخرق هذا الهواء مرة في أقصى الحلق ومرة في أدناه ومرة في غار ~~الفم إلى أن يصير لها ثمانية وعشرين موضعا . | ومثال ذلك مثل مزمار فيه ثقب ~~متى أطلق الإنسان فيه النفس وخرق موضعا بإصبع إصبع اختلفت الأصوات في السمع ~~بحسب قربه وبعده . | ولا يكون المسموع من الاقتراع الذي يحدث عند الثقب ~~الأخير المسموع ms011 من الاقتراع الذي يحدث عند الثقب الأول . | وكذلك سائر ~~الاقتراعات التي بين هذين الثقبين مختلفة المواقع من PageV01P047 السمع لا ~~يشبه واحد الآخر فيقال لبعضها : حاد ولبعضها : حلو ولبعضها : جهير ولبعضها ~~: لين . | وكل واحد من هذه الأصوات له أثر في النفس وموقع منها ومشاكلة لها ~~. | وليس للسائل أن يكلفنا بحسب هذا البحث الذي نحن فيه أن نتكلم في سبب ~~قبول النفس بعض الأصوات أكثر من بعض لأن هذا النظر والبحث يتعلق بصناعة ~~الموسيقى ومبانيها ومعرفة أقدار النغم المختلفة بالنسب التي هي نسبة ~~المساواة ونسبة الضعف ونسبة الضعف والنصف وأشباهها . | وهذه النسب بعضها ~~أقرب إلى قبول النفس من بعض حتى قال بعض الأوائل : إن النفس مركبة من عدد ~~تأليفي . | فلما كانت قصبة الرئة كقصبة المزمار وتقطيع الحروف فيها كخرق ~~الصوت بالمزمار في موضع بعد موضع وكانت الأصوات في المزمار مختلفة القبول ~~عند النفس - كانت الحروف كذلك أيضا لا فرق بينها وبينها بوجه ولا سبب . | ~~فقد بان أن الحروف أنفسها مفردة لها مواقع من النفس مختلفة فبعضها أوقع ~~عندها من بعض . | وإذا كانت بهذه الصفة وهي مفردات وبسائط كان تركيبها أيضا ~~مختلفا في قبول النفس سوى أن للتركيب والتأليف تعلقا بالصناعة كما ضربنا به ~~المثل في نظم الخرز ونظم الأصوات في الموسيقى لأن الموسيقار ليس يعمل أكثر ~~من تأليف هذه الأصوات بعضها إلى بعض على النسب الموافقة للنفس . ~~PageV01P048 | فمؤلف الحروف يجب أن يؤلفها أيضا ويمزجها مزجا موافقا من ~~الثنائي والثلاثي وغيرهما إذا أحب أن يكون لها قبول من النفس . | فقد تبين ~~إلى هذا الموضع سبب خلاف هذه الحروف مفردة ثم مركبة وأنه بحسب هذا البيان ~~يجب أن يكون بعض الأسماء أحسن من بعض وأعذب في السمع وأقرب إلى قبول النفس ~~وبقي الاعتبار الثالث الذي هو نظم الكلم بعضه إلى بعض ووضعه في خواص مواضعه ~~ليصدق المثال الذي ضربناه في الخرز والعقود ثم وضع كل عقد حيث يليق به . | ~~وههنا تظهر صناعة الخطابة والبلاغة والشعر وذلك أنه إذا اختار المختار ~~الحروف المؤلفة بالأسماء حتى ms012 لا يكون فيها مستكره ولا مستنكر ووضعها من ~~النظم في مواضعها ثم نظمها نظما آخر - أعني وضع الكلمة إلى جنب الكلمة - ~~موافقا للمعنى غير قلق في المكان ولا نافر عن السمع - فقد استتمت له ~~الصناعة إما شعرا وإما خطبة وإما غيرهما من أقسام الكلام . | ومتى دخل عليه ~~الخلل في أحد هذه المواضع الثلاثة اختلت صناعته وأبت النفس قبول ما نظمه من ~~الكلام بحسب ذلك . | فقد لخصنا وشرحنا هذه المسألة تلخيصا وشرحا كافيا إن ~~شاء الله . | فأما سؤالك في آخر مسألتك أن أصل هذا البحث بالبحث عما ثقل ~~على النفس والسمع والطبع فقد فعلت ذلك فظهر في أثناء كلامي وذلك أنه إذا ~~بان سبب أحد الضدين بان سبب الضد الآخر . | والأصوات المستكرهة التي ليس ~~لها قبول في النفس كثيرة ولا عناية للناس بها فتؤلف وإنما تجدها مفردة ~~بالاتفاق كصرير الباب وصوت الصفر إذا جرده الصفار وما أشبههما . ~~PageV01P049 فإن النفس تتغير من هذه فتقشعر وربما قام له شعر البدن حدث ~~بالنفس منه دوار حتى ينكر الإنسان حاله . | وهو معروف بين . | # | 1 ( مسألة اختيارية لم تواصى الناس في جميع اللغات والنحل وسائر ~~العادات ) 1 # والملل بالزهد في الدنيا والتقلل منها والرضا بما زجا به الوقت وتيسر مع ~~الحال هذا مع شدة الحرص والطلب وإفراط الشره والكلب وركوب البر والبحر بسبب ~~ربح قليل ونائل نزر حتى إنك لا تجد على أديمها إلا متلفتا إلى فانيها حزينا ~~أو هائما على حاضرها مفتونا أو متمنيا لها في المستقبل معنى وحتى لو تصفحت ~~الناس لم تجد إلا منحسرا عليها أو متحيرا فيها أو مسكرا PageV01P050 منها . ~~| وأشرفهم عقلا أعظمهم خبلا وأشدهم فيها إزهادا أشدهم بها انعقادا وأكثرهم ~~في بعضها دعوى أكثرهم في حبها بلوى . | وهات السبب في ذلك والعلة وعلى ذكر ~~السبب والعلة فما السبب والعلة وما الواصل بينهما إن كان واصل وهل ينوب ~~أحدهما عن الآخر وإن كانت هناك نيابة أفهي في كل مكان وعلى ذكر المكان ~~والزمان ما الزمان وما المكان وما وجه التباس أحدهما بالآخر ms013 وما نسبة ~~أحدهما بالآخر وهل الوقت والزمان واحد والدهر والحين واحد وإن كان كذا فكيف ~~يكون شيئآن شيئا وإن جاز أن يكون شيئآن شيئا واحدا هل يجوز أن يكون شيء ~~واحد شيئين اثنين هذا - أيدك الله - فن ينشف الريق ويضرع الخد ويجيش النفس ~~ويقيىء المبطان . | ويفضح المدعى ويبعث على الإعتراف بالتقصير والعجز ويدل ~~على توحيد من هو محيط بهذه الغوامض والحقائق ويبعث على عبادة من هو عالم ~~بهذه السرائر والدقائق وينهي عن التحكم والتهانف ويأمر PageV01P051 ~~بالتناصف والتواصف ويبين أن العلم بحر وفائت الناس منه أكثر من مدركه ~~ومجهوله أضعاف معلومة وظنه أكثر من يقينه والخافي عليه أكثر من البادي وما ~~يتوهمه فوق ما يتحققه والله تعالى يقول : [ اي ] { ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء } [ \ اي ] | فلو استمر المعلوم بالنفي لما علم شيء ولولا ~~الإيضاح بالإستثناء لما بقي شيء لكنه جل وهز نفى بلا على ما يقتضيه التوحيد ~~وبقي بإلا ما يكون حلية ومصلحة للعبيد . | ثم أتبعت المسألة من تنقص ~~الإنسان وذمه وتوبيخه ما أستغنى عن أثباته . | الجواب : قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله : هذه المسألة موشحة بعدة مسائل طبعية وقد جعلتها مسألة واحدة ~~ولعل التي صيرتها أذنابا هي أشبه بأن تكون رؤوسا . | وقد عرض لك ~~PageV01P052 فيها عارض من العجب وسانح من التيه فخطرت خطران الفحل ومشيت ~~العرضنة ومررت في خيلائك ومضيت على غلوائك حتى أشفقت أن تعثر في فضل خطابك ~~فلو تركت هذا الغرض للمتكلم على مسائلك ووفرت هذا المرض على المجيب لك . | ~~ارفق بنا يا أبا حيان - رفق الله - وأرخ من خناقنا وأسغنا ريقنا ودعنا وما ~~نعرفه في أنفسنا من النقص فإنه عظيم وما بلينا به من الشكوك فإنه كثير ولا ~~تبكتنا بجهل ما علمناه وفوت ما أدركناه فتبعثنا على تعظيم أنفسنا وتمنعنا ~~من طلب ما فاتنا فإنك - والله - تأثم في أمرنا وتقبح فينا أسأل الله أن لا ~~يؤاخذك ولا يطالبك ولا يعاقبك فإنك بعرض جميع ذلك إلا أن يعفو ويغفر فإنه ~~أهل التقوى وأهل المغفرة . | أما ms014 أولى المسائل فالجواب عنها : أن الإنسان ~~لما كان مركبا من نفس وجسد واسم الإنسانية واقع على هذين الشيئين معا . ~~PageV01P053 | وأشرف جزأي الإنسان النفس التي هي معدن كل فضيلة وبها ~~وبعينها يرى الحق والباطل في الإعتقاد والخير والشر في الأفعال والحسن ~~والقبيح في الأخلاق والصدق والكذب في الأقاويل . | وأما جزؤه الآخر الذي هو ~~الجسم وخواصه وتوابعه فهو أرذل جزأيه وأخسهما وذلك أنه مركب من طبائع ~~مختلفة متعادية ووجوده في الكون دائما لا لبث له طرفة عين بل هو متبدل سيال ~~ولهذا سمى عالمه العالم السوفسطائي . | وهذه مباحث محققة مشروحة في مواضعها ~~وإنما ذكرنا بها لحاجتنا في جواب المسألة إليها . | فإذا كان الإنسان مركبا ~~من هذين الجزأين وممزوجا من هاتين القوتين وكان أشرف جزأيه ما ذكرناه - وهو ~~النفس التي ليس وجودها في كون ولا هي متركبة من أجزاء متعادية متضادة بل هي ~~جوهر بسيط بالإضافة إلى الجسم وهي قوة إلهية غنية بذاتها - وجب أن يكون شغل ~~الإنسان بهذا الجزء أفضل من شغله بالجزء الآخر لأن هذا باق وذاك فان وهذا ~~جوهر واحد وذاك جواهر متضادة وهذا له وجود سرمدي وذاك لا وجود له إلا في ~~الكون الذي لا ثبات له . | وفي عدنا فضائل النفس ونقائص الجسم خروج عن غرض ~~هذه المسألة . | والذي يكفي في الجواب عن هذه المسألة بعد تقرير هذه الأصول ~~والإقرار بها أن الإنسان إذا أحس بهذه الفضائل التي في نفسه والرذائل التي ~~في جسمه - وجب عليه أن يستكثر من الفضائل ليرتقي بها إلى درجات الإلهيين ~~ويقل العناية بما يعوق عنها . | ولما كان الشغل بالحواس وخصائص الجسم عائقا ~~عن هذه الفضائل والعلوم الخاصة بالإنسان استقبح أهل كل ملة الإنهماك فيه ~~وصرف الهمة PageV01P054 والبال إليه وأمروا بأخذ قوته الذي لا بد له منه في ~~مادة الحياة وصرف باقي الزمان بالهمة إلى تلك الفضائل التي هي السعادة . | ~~وهذا المعنى يلوح للناظر ويبين له بيانا جليا إذا نظر إلى فوق ما بين ~~الإنسان وسائر الحيوانات لأنه إنما فضلها بخاصة النفس لا بخواص الجسد ms015 لأن ~~خواص الجسد للحيوانات أتم وأغزر - وقد علم أن الإنسان أفضل منها - وأعنى ~~بخواص الجسد الأيد والبطش والقدرة على الأكل والشراب والجماع وما أشبه ذلك ~~فإذا تمامية الإنسان وفضيلته إنما هي بهذه المزية التي وجدت له دون غيره ~~فالمستريد منها أحق باسم الإنسانية وأولى بصفة الفضيلة ولهذا يقال : فلان ~~كثير الإنسانية وهو من أبلغ ما يمدح به . | ومن أحب الاطلاع على تلك الأصول ~~والاستكثار منها وبلوغ غاية اليقين فيها فليأخذه من مظانه . | فأما حرص ~~الناس - مع شعورهم بهذه الفضيلة - وكلبهم على الدنيا بركوب البر والبحر ~~لأجل الملاذ الخسيسة فلأن الجزء الذي فينا معاشر البشر من الجسم الطبيعي ~~أقوى من الجزء الآخر . | وعرض لنا من تجاذب هاتين القوتين ما يعرض لكل مركب ~~من قوى مختلفة فيكون الأقوى أبدا ونحن وإن علمنا أن هذا كما حكيناه وتيقنا ~~هذا المذهب تيقنا لا ريب فيه فإنا في جهاد دائم فربما غلب علينا هذا الجزء ~~وربما ملنا إلى الجزء الآخر بحسب العناية وسأضرب في ذلك مثلا من العيان ~~والحس وهو أن المريض والناقة والخارج عن مزاج الاعتدال قد تيقن أنه بالحمية ~~وترك الشهوات يعود إلى الصحة والاعتدال الطبيعي وهو مع ذلك لا يمتنع من ~~كثير من شهواته لشدة PageV01P055 جاذبتها له وغلبتها على صحيح عقله وثاقب ~~فكره ونصيحة طبيبه حتى إذا فرغ من مواقعه تلك الشهوة وأحس بالألم ندم ندامة ~~يظن معها ألا يعاود أبدا ثم لا يلبث أن تهيج به شهوة أخرى أو هي بعينها وهو ~~في ذلك يعظ نفسه ويديم تذكيرها الألم ويشوقها إلى الصحة ولا ينفعه وعظ ولا ~~تذكير للعلة التي ذكرناها قبل من شدة مجاذبة الشهوة الحاضرة حتى ينال شهوته ~~ثانيا ثم هذه حال مستمرة به ما دام مريضا . | وكذلك هو أيضا في حالة الصحة ~~يتناول من الشهوات ما يعلم أنه يخرج عن مزاج الاعتدال ولا يأمن هجوم ~~الأمراض عليه فيحمله سوء التحفظ وشدة مجاذبة الطبيعة إلى مخالفة التمييز ~~ومشاركة البهائم . | فإذا رأيت هذا المثل صحيحا ووجدته من نفسك ضرورة اطلعت ~~على ms016 ما قدمناه وفهمته فهما بينا وعذرت من زهدك في الدنيا وإن خالفك إليها ~~ومن نصحك بتركها وإن أخذ هو بها فأما ما اعترض في المسألة من ذكر السبب ~~والعلة والمسألة عن الفرق بينهما فإن السبب هو الأمر الداعي إلى الفعل ~~ولأجله يفعل الفاعل . | فإما العلة فهي الفاعلة بعينها ولذلك صار السبب أشد ~~اختصاصا بالأشياء العرضية وصارت العلة أشد اختصاصا بالأمور الجوهرية . | ~~والحكماء قد أطلقوا لفظ العلة على الباري تقدس اسمه وعلى العقل والنفس ~~والطبيعة حتى قالوا : العلة الأولى والعلة الثانية والثالثة والرابعة ~~وقالوا أيضا : العلة القريبة والعلة البعيدة في أشياء تتبينها من كتبهم . ~~PageV01P056 | وعلى أن هذه المسألة بجهة من الجهات تنحل إلى المسألة الأولى ~~وتعود إليها لأنها يجوز أن توجد في المتباينة اسماؤها بضرب من الاعتبار وفي ~~المترادفة أسماؤها بضرب آخر من الاعتبار وقد مر هذا الكلام مستقصى فلا وجه ~~لإعادته . | وأما الزمان والمكان فإن الكلام فيهما كثير قد خاض فيه الأوائل ~~وجادل فيه أصحاب الكلام الإسلاميون وهو أظهر من أن ينشف الريق ويضرع فيه ~~الخد ولا سيما وقد أحكم القول فيه الحكيم وناقص أصحاب الآراء فيهما وبين ~~فساد المذاهب القديمة وذكر رأى نفسه ورأى أستاذه في كتاب السماع الطبيعي ~~وكل شيء وجد لهذا الحكيم فيه كلام فقد شفى وكفى ، وقد PageV01P057 فسر ~~كلامه فضلاء أصحابه المفسرين ، ونقل إلى العربية ، وهو موجود . وأنا أذكر ~~نص المذاهب لما تقتضيه مسألتك في عرض المسألة الأولى وأترك الاحتجاج لأنه ~~مسطور وإذا دللت على موضعه فقرىء منه كان أولى من نقله إلى هذا المكان نسخا ~~. | أما الزمان فهو مدة تعدها حركات الفلك . | وأما المكان فهو السطح الذي ~~يجوز المحوي والحاوي . | وأما الفرق الذي سألته بين الوقت والزمان والدهر ~~والحين فإن الوقت قدر من الزمان مفروض مميز من جملته مشار إليه بعينه . | ~~وكذلك الحين هو مدة أطول من الوقت وأفسح وأبعد وإنما تقترن أبدا هاتان ~~اللفظتان بما يميزهما ويفصلهما من جملة الزمان الذي هو كل لهما فيقال : وقت ~~كذا وحين كذا فينسب إلى حال أو شخص ms017 أو ما أشبه ذلك . PageV01P058 | فإذا ~~أريد بهما الإبهام لا الإفهام قيل : كان كذا أو يكون كذا في حين أو وقت ~~فيعلم السامع أن المتكلم لم يؤثر تعيين الوقت والحين وهما لا محالة معينان ~~محصلان . | فأما الدهر فليس من الزمان ولا الحين ولا الوقت في شيء ولكنه ~~أخص بالأشياء التي ليست في زمان ولا مقدرة بحركات الفلك لأنها أعلى رتبة من ~~الأمور الطبيعية . | فأقول : نسبة الزمان إلى الأمور الطبيعية كنسبة الدهر ~~إلى الأمور غير الطبيعية أعنى ما هو وهذا القدر من الكلام كاف في الإيماء ~~إلى ما سألت عنه وإن أحببت التوسع فيه فعليك بالمواضع التي أرشدناك إليها ~~من كلام الحكيم ومفسري كتبه فإنه مستقصى هناك . | وهذه المواضع - أبقاك ~~الله - إذا نظر فيها الإنسان وعرفها حق معرفتها تنبه على حكمة بارئها ~~ومبدئها وصارت أسبابا محكمة ودواعي قوية إلى التوحيد . | وليس معرفتنا بها ~~وإحاطتنا بعلمها إلا من نعمة الله علينا وإفاضته الخير بها علينا وهي مما ~~شاء أن نحيط به من علمه ولم يكن علمنا بالزمان والمكان والوقت والآن إلا ~~كسائر ما علمناه الله . | ووراء هذه المواضع سرائر ودقائق لا يبلغها العقل ~~الإنساني ولم يطمع في إدراكها أحد قط وهناك يحسن الاعتراف بالضعف البشري ~~والعجز الإنساني وسائر ما تكلم فيه أو حيان ورمى الإنسان به من الذلة ~~والقلة فيقعى حينئذ على أسته ويستحي من الفسولة والذل عند الحاجة إلى خالق ~~الخلق وبارئ الكل . PageV01P059 | فأما هذه المواضع التي تكلمنا فيها فهي ~~مواضع الشكر له والتحدث بنعمته والتعجب من حكمته والاستدلال بها على جوده ~~وقدرته وفيضه بالخير على بريته . | ومسألته الزيادة منها والحرص على نيل ~~أمثالها بالنظر والفحص وإدامة الرغبة إلى واهبها ومنيلها بإفاضة أشباهها ~~وأشكالها مما هو موضوع للبشر وميسر لهم وهم مندوبون له مبعوثون عليه بل ~~أقول إنه مأخوذ على الإنسان الكامل بالعقل ألا يقعد عن السعي والطلب لتكميل ~~نفسه بالمعارف ولا يني ولا يفتر مدة عمره عن الازدياد من العلوم التي بها ~~يصير من حزب الله الغالبين وأوليائه الفائزين الآمنين الذين ms018 لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون . | فأما القوم الذين يفنون أعمارهم في قنية الذهب والفضة ~~ويجعلون سعيهم كله مصروفا إلى الأمور الزائلة الفانية من اللذات الجسمانية ~~والشهوات البدنية - فهم الذين قد بعدوا من الله وصاروا من حزب الشيطان ~~فوقعوا في الأحزان الطويلة والخوف الدائم والخسوان المبين ! ! ! إذ كانوا ~~أبدا من مطلوبهم على إحدى حالتين : إما أسف على فائت ونزاع إليه أو لهف على ~~مفقود وحزن عليه لأن الأمور التي يطلبونها لا ثبات لها ولا نهاية لأشخاصها ~~ولا وجود بالحقيقة لها وإنما هي في الكون والإستحالة والتنقل بالطبع . | ~~نسأل الله الواحد الذي نخلص إليه رغباتنا ونرفع أيدي نفوسنا له ونسجد ~~بهممنا وعقولنا - أن يفيض علينا الخير المطلوب منه الذي نشتاق إليه لذاته ~~لا لغيره وأن ينير عقولنا لندرك بها حقيقة وحدانيته وعجائب مبروءآته ويفضى ~~بنا إلى السعادة القصوى التي خلقنا لها من أقصر الطرق وأهدى السبل صراط ~~الله المستقيم فإنه أهل ذلك ووليه والقادر عليه . PageV01P060 # | مسألة اختيارية لم طلبت بالدنيا بالعلم والعلم ينهى عن ذلك ؟ # | ولم يطلب العلم بالدنيا و العلم يأمر بذلك ؟ | وقد يقول من ضعفت غريزته ~~وساء أدبه جرؤ مقدمه : قد رأينا من ترك طلب الدنيا بالعلم ورأينا من طلب ~~العلم بالدنيا . | فليعلم أن المسألة ما وضعت هناك ولا فرضت كذاك ولو سدد ~~هذا المعترض فكره عرف الفحوى ولحق المرمى ولم يعارض بادرا بشائع ولم يناقض ~~نادرا بذائع . | الجواب : أما طلب الدنيا فضروري للإنسان لما ذكرناه فإن ~~وجوده بأحد جزأيه طبيعي ولا بد من إقامة هذا الجزء بمادته لأنه سيال دائم ~~التحلل ولا بد من تعويض ما يتحلل منه . | ولم ينه العلم عن هذا المقدار فقد ~~وإنما نهى عن الزيادة على قدر الحاجة إذ كانت الزيادة مذمومة من جهات : ~~أحدها أنها تؤدي إلى تفاوت الجسم الذي سعينا لحفظ اعتداله . | والثاني أنها ~~تعوقنا عما هو أخص بنا من حيث نحن ناس أعنى الجزء الآخر الذي هو فضيلة . | ~~فمن طلب بالعلم من الدنيا قدر الحاجة في حفظ الصحة على الجسد فهو ms019 مصيب تابع ~~لما يرسمه العقل ويأمر به العلم . | ومن طلب أكثر من ذلك فهو مفرط مسرف . | ~~وموضع الاعتدال من الطلب هو الصعب وهو الذي ينبغي أن يلقى فيه أهل الحكمة ~~والعلم وتقرأ له كتب الأخلاق ليعرف الاعتدال فيلزم ويعرف الإفراط فيحذر . | ~~ولا بد مه هذه الجملة التي ذكرناها - وإن دللنا فيها على المواضع التي | ~~PageV01P061 يرجع إليها من أدنى كشف وبيان فنقول : إن الناس لما اختلف ~~نظرهم بحسب جزئهم : فناظر إلى الطبيعة وناظر إلى العقل وناظر فيهما معا - ~~اختلفت مقاصدهم وصارت أفعالهم تلقاء نظرهم . | وقد علم أن الناظر في أحد ~~جزأيه دون الآخر مخطىء لأنه مركب منهما معا والناظر فيهما مصيب إذا قسط لكل ~~واحد منهما قسطا من نظره وجعل له نصيبا من سعيه على قدر استحقاق كل واحد ~~منهما ويحسب رتبته من الشرف والضعة . | أما الناظرون بحسب الجزء الطبيعي ~~فإنهم انحطوا في جانب الطبيعة وانصرفوا بجميع قوتهم إليها وجعلوا غايتهم ~~القصوى عندها ولذلك جعلوا العقل آلة في تحصيل أسبابها وحاجاتهم فاستعبدوا ~~أشرف جزأيهم لأخسهما كمن يستخدم الملك عبده . | وأما الناظرون بحسب الجزء ~~العقلي فإنهم أغفلوا النظر في أحد جزأيهم الذي هو طبيعي لهم ونظروا نظرا ~~إلهيا فطمعوا - وهم ناس مركبون - أن ينفردوا بفضيلة العقل غير مشوب بنقص ~~الطبيعة فاضطروا لأجل ذلك إلى إهمال الجسد وهو مقرون بهم والضرورة تدعو إلى ~~مقيماته من المصالح أو إلى إزاحة علته في حاجاته وهي كثيرة فظلموا أنفسهم ~~وظلموا أبناء جنسهم . | أما ظلمهم لأنفسهم فتركوا النظر لأحد قسميهم الذي ~~به قوامهم حتى التمسوا مصالحها بتعب آخرين فظلموهم بترك المعاونة إياهم ~~والعدل بأمر بمعونة من يسترفد معونته والتعب لمن يأخذ ثمرة تعبه . | وبهذه ~~المعاونة تتم المدينة ويصلح معاش الإنسان الذي هو مدني PageV01P062 بالطبع ~~، وهؤلاء هم الذين تسموا بالزهاد وهم طبقات وفي الفلاسفة منهم قوم وفي أهل ~~الأديان والمذاهب والأهواء منهم طوائف وفي شريعتنا الإسلام منهم قوم وسموا ~~أنفسهم بالصوفية وقال منهم قوم بتحريم المكاسب . | وإذ قد بينا غلط الناظر ~~في أحد جزأيه دون الآخر ، فلنذكر المذهب ms020 الصحيح الذي هو الناظر في الجزأين ~~معا وإعطاء كل واحد منهما قسطه طبيعية وعقلا فنقول : إن الإنسان كما ذكرناه ~~هو مركب من هاتين القوتين لا قوام له إلا بهما فيجب أن يكون سعيه نحو ~~الطبيعي منهما والعقلي معا . | أما السعي الطبيعي فغاية الإنسان فيه حفظ ~~الصحة على بدنه والاعتدال على مزاج طبائعه لتصدر الأفعال عنه تامة غير ~~ناقصة وذلك بالتماس المآكل والمشارب والنوم واليقظة والحركة والسكون ~~والاعتدال في جميع ذلك إلى سائر ما يتضل بها من الملبس والمسكن الدافعين ~~أذى القر والحر والأشياء الضرورية للبدن ولا يلتمس غاية سواها أعني التلذذ ~~والاستكثار من قدر الحاجة لطلب المباهاة واتباع النهمة والحرص وغيرهما من ~~الأمراض التي توهم أن غاية الإنسان هي تلك . | وأما سعيه العقلي فغايته فيه ~~أيضا حفظ الصحة على النفس لأنها ذات قوى . | ولها أمراض بتزيد هذه القوى ~~بعضها بعض وحفظ الاعتدال هو طبها والاستكثار من معلوماتها هو قوتها وسبب ~~بقائها السرمدي وسعادتها الأزلية . | وفي شرح كل واحد من هذه الفضائل طول ~~وهذا القدر من الإيماء كاف . | فليكن الإنسان ساعيا نحو هذين الجزأين بما ~~يصلح كل واحد PageV01P063 منهما وليحفظ على نفسه الاعتدال فيهما من غير ~~إفراط ولا تفريط فإنه حينئذ كامل فاضل لا يجد عليه أحد مطعنا إلا سفيه لا ~~يكترث له أو جاهل لا يعبأ به وبالله التوفيق . | # | 1 ( مسألة طبيعية ما السبب في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره ) 1 # حتى إنه ليحن حنين الإبل ويبكي بكاء المتململ ويطول فكره بتخيله ما سلف ~~وبهذا المعنى هتف الشاعر فقال : وقال الآخر : رب يوم بكيت منه فلما صرت في ~~غيره بكيت عليه . | وقال الآخر : وأرجو غدا فإذا ما أتى بكيت على أمسه ~~الذاهب . | هذا العارض يعترى إن كان الماضي من الزمان في ضيق وحاجة وكرب ~~وشدة وما ذاك كذاك إلا لسر للنفس الإنسان غير شاعر به ولا واجد له إلا إذا ~~طال فحصه وزال نقصه واشتد في طلب تشميره واتصل في اقتباس الحكمة رواحه ~~وبكوره وكانت الكلمة الحسناء أشرف ms021 عنده من الجارية العذراء والمعنى المقوم ~~أحب إليه من المال المكوم وعلى قدر عنايته يحظى بشرف الدارين ويتحلى بزينة ~~المحلين . | الجواب : قال أبو مسكويه - رحمه الله - ليس يشتاق إلى الشباب ~~والصبا إلا أحد رجلين : إما فاقد شهواته ولذاته التي سورتها وحدتها وقت ~~PageV01P064 الشباب . | وإما فاقد صحته في السمع والبصر أو بعض أعضائه التي ~~قوتها ووفورها زمن الصبا وحين الحداثة . | والمعنى الأول أكثر ما يتشوق فإن ~~المكتهل والمجتمع ومن بلغ الأشد الذي لا ينكر شيئا من حواسه - يتشوق إلى ~~الصبا والشيخ لا يعدم من نفسه ورأيه وعقله شيئا مما كان يجده في شبابه ~~واللهم إلا أن يهرم ويلحقه الخرف فحينئذ لا يذكر بشيء من التشوق ولا يوصف ~~به ولا يحتج برأيه . | وههنا سبب ثالث يشوق إلى الصبا وهو أن الأمل حينئذ ~~في البقاء قوي وكأن الإنسان ينتظر أمامه حياة طويلة فكلما مضى منها زمان ~~تيقن أنه من أمده المضروب وعمره المقسوم فاشتاق إلى أن يستأنف به طمعا في ~~البقاء السرمدي الذي لا سبيل للجسد الفاني إليه . | إلا المعنى الأول هو ~~الذي ذهب إليه الشعراء فأكثروا فيه وقد صرحوا به وذكروه في أشعارهم . | ~~والمتشوق إلى شهواته صورته عند الحكماء صورة من أعتق فاشتاق إلى الرق أو ~~صورة من أفلت من سباع ضارية كانت مقرونة به فاشتاق إلى معاودتها . | وذلك ~~أن الشاب تهيم به قوى الطبيعة عنده الشهوة وعند الغضب حتى تغمر عقله فلا ~~يستشير لبه ولا يكاد يظهر أثر العقل عليه إلا ضعيفا . | وقد بينا فيما تقدم ~~من المسائل أن فضيلة الإنسان وشرفه في الجزء الألهي منه وإن كان الجزء ~~الآخر ضروريا له . | فقد بان أن السن التي تضعف فيها قوى الطبيعة حتى يقتدر ~~عليها العقل فيزمها ويجرها ذليلة طائعة غير متأبية ولا هائجة - أفضل ~~الأسنان | PageV01P065 والرجل الفاضل الصالح لا يشتاق من أشرف أسنانه إلى ~~أخسها . | والدليل البين على أن الأمر على ما حكيناه - أن الشاب العفيف ~~الضابط لنفسه القوى على قمع شهواته مسرور بسيرته وإن كان في جهد عظيم ~~ومحكوم له ms022 بالفضل مشهود له به عند جميع أهل العقل وأنه إذا كبر وأسن لم ~~يشتق إلى الشباب لأن ضبطه لنفسه وقمعه لشهواته أيسر عليه وأهون . | ومن كان ~~فلسفي الطريق شريعي المذهب لم تعرض له هذه العوارض - أعنى التلهف على نيل ~~اللذات والأسف على ما يفوته منها والندم على ما ترك وقصر فيها - بل يعلم أن ~~تلك انفعالات خسيسة تقتضي أفعالا دنيئة وأن الحكماء - رضى الله عنهم - قد ~~بينوا رذائلها وسطروا الكتب في ذمها وأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - قد ~~نهوا عنها وحذروا منها وكتب الله - تعالى وتقدس - ناطقة بجميع ذلك مصدقة له ~~. | فأي شوق يحدث للفاضل إلى النقص وللعالم إلى الجهل وللصحيح إلى المرض ~~وإنما تلك أعراض تعرض للجهال الذين غايتهم الانهماك في الطبيعة والحواس ~~وطلب ملاذها الكاذبة لا التماس الصحة ولا بلوغ السعادة ولا تكميل الفضيلة ~~الإنسانية ولا معتبر بهؤلاء ولا التفات إلى أقوالهم وأفعالهم . | # | 1 ( مسألة مسألة خلقية لم اقترن العجب بالعالم ) 1 # والعلم يوجب خلاف ذلك من التواضع والرقة وتحقير النفس والزراية عليها ~~بالعجز الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله - أما العالم المستحق لهذه ~~السمة فليس يلحقه العجب ولا يبلي بهذه الآفة وكيف يبلي بها وهو يعرف سببها ~~؟ PageV01P066 وأنها مرض سببه مكاذبة النفس وذلك أن حقيقة العجب هي ظن ~~الإنسان بنفسه من الفضل ما ليس فيه وظنه هذا كذب ثم يستشعره حتى يصدق به ~~فتكون صورته صورة من يرى رجلا في الحرب شجاعا يحمل على الأبطال ويظهر فضيلة ~~شجاعته فيكفي العدو ويفنى القرن وهذا الرأي عنه بمعزل ناكص على عقبيه ناء ~~بجانبه وهو ذاك يدعي تلك الشجاعة لنفسه فهو يكذبها في الدعوى ثم يصير مصدقا ~~بها وهذا من أعجب آفات النفس وأكاذيبها لأجل أن الكذب فيه مركب فقد يكذب ~~الإنسان غيره ليصدقه الغير فيموه نفسه عليه فأما أن يموه نفسه بالكذب ثم ~~يصدق فيه نفسه فهو موضع العجب والعجب . | ولأجل هذا التركيب الذي عرض في ~~الكذب صار أشنع وأقبح من الكذب نفسه البسيط المعروف . | وإذا كان العالم ms023 ~~الفاضل لا تقترن به آفة الكذب البسيط لمعرفته بقبحه لا سيما إذا استغنى عنه ~~- فهو من الآفة المركبة أبعد . | فلذلك قلت : إن العالم لا يعجب فقد صارت ~~هذه المسألة مردودة غير مقبولة . | فأما ما يعرض من العجب لمن يظن أنه عالم ~~فليس من المسألة في شيء . | # | 1 ( مسألة ما سبب الحياء من القبيح مرة وما سبب التبجح به مرة ) 1 # وما الحياء أولا فإن في تحديده ما يقرب من البغية ويسهل درك الحق وما ~~ضمير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحياء شعبة من الإيمان ؟ ~~PageV01P067 | فقد قال بعض العلماء : كيف يكون الحياء - وهو من آثار ~~الطبيعة - شعبة من الإيمان والإيمان فعل يدلك آمن يؤمن إيمانا وهناك تقول ~~حيى الرجل واستحيي فيصير من باب الانفعال أى المطاوعة . وهل يحمد الحياء في ~~كل موضع أم هو موقوف على شأن دون شأن ومقبول في حال دون حال . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما الحياء الذي أحببت أن نبدأ به ~~فحقيقته انحصار نفس مخافة فعل قبيح يصدر عنها . | وهو خلق مرضى في الأحداث ~~فإنه يدل على أن نفسه قد شعرت بالشيء القبيح وأشفقت من مواقعته وكرهت ظهوره ~~منه فعرض لنفسه هذا العارض . | وإحساس النفس بالأفعال القبيحة ونفورها عنها ~~دليل على كرم جوهرها ومطمع في استصلاحها جدا . | قال صاحب الكتاب في تدبير ~~المنزل : ليس يوجد في الصبي فراسة أصح ولا دليل أصدق لمن آثر أن يعرف ~~نجابته وفلاحه وقبوله الأدب - من الحياء . | وذلك لما ذكرناه من علة الحياء ~~وبيناه من أمره . | فأما المشايخ فلا يجب أن يعرض لهم هذا العارض لأنه لا ~~ينبغي لهم أن يحذروا وقوع فعل قبيح منهم لما سبق من علمهم ودربتهم ومعرفتهم ~~بمواضع القبيح والحسن ولأن نفوسهم يجب أن تكون قد تهذبت وأمنت وقوع شيء ~~قبيح منهم فلذلك لا ينبغي أن يعرض لهم الحياء . | فقد ذكرنا الحياء ما هو ~~وأنه انفعال وأنه يحسن بالأحداث خاصة وذكر سبب حسنه فيهم . PageV01P068 ~~فأما المسألة عن سبب التبجح بالقبيح فمسألة غير لازمة لأن ms024 هذا العارض سببه ~~الجهل بالقبيح وليس يعرض إلا للجهال من الناس والدليل على ذلك أنهم إذا ~~عرفوا القبيح أنه قبيح اعتذروا منه وتركوا التبجح به . | وإنما يتبجح حين ~~لا يعلم وجه قبحه وهو في تلك الحالإذا تبجح به خرج له وجها مموها في الحسن ~~فيصير تبجحه بالحسن الذي خرجه أوموه به فإذا تيقن أنه قبيح أو ليس يتموه ~~وجه الحسن فيه - عدل عنه واستحيى منه وترك التبجح به . | فأما قولة عليه ~~السلام : الحياء شعبة من الإيمان فكلام في غاية الحسن والصحة والصدق وكيف ~~لا يكون شعبة منه وإنما الإيمان التصديق بالله عز وجل والمصدق به مصدق ~~بصفاته وأفعاله التي هي من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها ~~شيء من المستحسنات لأنها هي سبب حسن كل حسن وهي التي تفيض بالحسن على غيرها ~~إذ كانت معدنه ومبدأه وإنما نالت الأشياء كلها الحسن والجمال والبهاء منها ~~وبها . | وكذلك جميع أوامر الله - تعالى - وشرائعه وموجبات العقل الذي هو ~~رسوله الأول ووكيله - عند جميع خلقه - الأقدم . | ومن عرف الحسن عرف ضده لا ~~محالة ومن عرف ضده حذره وأشفق منه فعرض له الحياء الذي حررناه ولخصناه . | ~~وصديقك أبو عثمان يقول : الحياء لباس سابغ ، PageV01P069 وحجاب واق وستر من ~~المساوىء . | أخو العفاف وحليف الدين ومصاحب بالتصنع ورقيب من العصمة وعين ~~كالئة يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس . | وإنما حكيت لك ألفاظه ~~لشغفك به وحسن قبولك كل ما يشير إليه ويدل عليه . PageV01P070 | # | 1 ( مسألة طبيعية ما سبب من يدعى العلم وهو يعلم أنه لا علم عنده ؟ وما ~~الذي يحمله على الدعوى ويدينه من المكابرة ويحوجه إلى السفه والمهاترة ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : سبب ذلك محبة الإنسان نفسه ~~وشعوره بموضع الفضيلة فهو لأجل المحبة يدعى لها ما ليس لها لأن صورة النفس ~~التي بها تحسن وعليها تحصل ومن أجلها تسعد - هي العلوم والمعارف وإذا عريت ~~منها أو من جلها حصلت له من المقابح ووجوه الشقاء بحسب ما يفوتها من ذلك ms025 . ~~| ومن شأن المحبة أن تغطي المساوىء وتظهر المحاسن إن كانت موجودة وتدعيها ~~إن كانت معدومة فإن كان هذا من فعل المحبة معلوما وكانت النفس محبوبة لا ~~محالة عرض لصاحبها عارض المحبة فلم ينكر ادعاء الإنسان لها المعارف التي هي ~~فضائلها ومحاسنها وإن لم يكن عندها شيء من ذلك . | # | 1 ( مسألة طبيعية ما سبب فرح الإنسان بخبر ينسب إليه وهو فيه وما سبب ~~سروره بجميل يذكر به وليس فيه ) 1 # الجواب قال أبو علي مسكويه رحمه الله | PageV01P071 عن هذه المسألة هو ~~الجواب عن المسألة التي قبلها لأن الخير المختص بالنفس هو العلوم الصحيحة ~~والأفعال الصادرة بحسبها عنها . | فإذا اعترف الإنسان بأن نفسه فاضلة خيره ~~وجب أن يسر لمحبوبه وقد شهد له بالجمال والحسن فلذلك يسر إن ذكر بجميل ليس ~~فيه للعلة التي ذكرناها في المسألة الأولى . | # | 1 ( مسألة اختيارية لم قبح الثناء في الوجه حتى تواطئوا على تزييفه ) 1 # ولم حسن في المغيب حتى تمنى ذلك بكل معنى ألأن الثناء في الوجه أشبه ~~الملق والخديعة وفي الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : لما كان ~~الثناء في الوجه على الأكثر إعارة شهادة بفضائل النفس وخديعة الإنسان بهذه ~~الشهادة حتى صار ذلك - لاغتراره وتركه كثيرا من الاجتهاد في تحصيل الفضائل ~~وغرض فاعل ذلك احتراز مودة صاحبه إلى نفسه بإظهار مودته له ومحبته إياه - ~~صار كالمكر والحيلة فذم وعيب . | فأما في المغيب فإنما حسن لأن قصد المثنى ~~في الأكثر الاعتراف بفضائل غيره والصدق عنه فيها . | وفي ذلك تنبيه على ~~مكان الفضل وبعث للموصوف والمستمع على الازدياد والإتمام وحض على أسبابه ~~وعلله . | وربما كان القصد خلاف ذلك أعني أن يكون غرض المثنى في المغيب ~~مخادعة المثنى عليه والطمع في أن يبلغه PageV01P072 ذلك عنه فيتنفق عليه ~~ويستميله ويستجر به منافعه وهو حينئذ شبيه بالحالة الأولى في المكر ومستقبح ~~. | وربما قصد الأول في الثناء والمدح في الوجه الصدق لا الملق فيصير ~~مستحسنا إلا بقدر ما يظن أن الممدوح يغتر به فيقصر في الاجتهاد . | فقد ~~تبين أن ms026 الثناء يحسن بحسب قصد المثنى وأغراضه وبحسب صدقه فيه وكذبه وعلى ~~قدر استصلاحه للمثنى عليه أو استفساده ولكن الأمر محمول على الغائب في الظن ~~والعادة فيه . | ولما كان الأمر على الأكثر كما ذكرناه وعلى ما حكيناه - ~~قبح في البوه وحسن في المغيب وإن جاز أن يقع بالضد فيحسن في الوجه ويقبح في ~~المغيب . | # | 1 ( مسألة طبيعية لم أحب الإنسان أن يعرف ما جرى من ذكره بعد قيامه من ~~مجلسه ) 1 # حتى إنه ليحن إلى أن يقف على ما يؤبن به بعد وفاته ويحب أن يطلع على ~~حقيقة ما يكون ويقال وكيف لم يتصنع لفعل ما يحب أن يكون منسوبا إليه مزينا ~~به هذا ومحبته لذلك طبيعة لو رام زواله عنها لما أطاق ذاك وإن كابر طباعه ~~وأراد خداعه . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تقدم لنا في ~~بعض هذه الأجوبة التي مضت أن للنفس قوتين : إحداهما هي التي بها يشتاق ~~الإنسان إلى المعارف واستثباتها ولما كانت هذه المعرفة عامة له في سائر ~~الأشياء كانت بما يخصه في نفسه التي هي محبوبته ومعشوقته أولى . | ~~PageV01P073 فالإنسان يشتاق إلى هذه المعرفة بالطبع الأول والقوة التي هي ~~ذاتية للنفس ثم يتزيد هذا فأما تصنعه لفعل ما يحب أن يكون منسوبا إليه فإنه ~~ليس يتركه إلا أن يعترضه عارض آخر من شهوة عاجلة تقاومه فهي أغلب وأشد ~~مجاذبة له كما ضربنا به المثل فيما تقدم من علم المريض بحفظ الصحة وحاجته ~~إليها ثم إيثاره عليها نيل شهوة دنية عاجلة وإن فاتته الصحة المؤثرة في ~~العاقبه . | ولولا هذه الشهوات الدنية المعترضة على السعادات المؤثرة - ما ~~تميز الفاضل من الناقص ولا مدح العفيف وذم النهم - وكنا حينئذ لا ننتفع ~~بالآداب والمواعظ وكان لا يحسن منا التعب والرياضة فيما على الطبيعة فيه ~~كلفه ومشقة . | وهذا بين كاف في جواب المسألة . | # | 1 ( مسألة اختيارية قال لم حمق الشاب إذا تشايخ وأخذ نفسه بالزماته ~~والمتانة ) 1 # وآثر PageV01P074 الجد ، واقشعر من الهزل ونبا عن الخنا وسدد طرفه في ~~مشيه ms027 وجمع عطفه في قعوده وشقق في لفظه وحدق في لحظه . | الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : السبب في ذلك أن الشاب إذا تشايخ فإنما يظهر أن ~~لا حركة لطبيعته نحو الشهوات وهذه القوة والطبيعة هي في الشباب على غاية ~~التمام والتزايد لأنها في حال النشوء ولا تزال متزيدة إلى أن تبلغ غايتها ~~وتقف ثم تنتقص على رسم سائر قوى الطبيعة فإذا ادعى الشاب مرتبة الشيخ التي ~~قد انحطت فيها هذه القوة علم أنه كاذب فاستقبح منه الكذب والرياء في غير ~~موضعه ومن غير حاجة إليه . | والكذب إذا كان صراحا وغير خفي وكان صاحبه ~~يأتيه من حاجة إليه ازداد مقت الناس له واستبدل به على رداءة جوهر النفس . ~~| فإن اتفق لهذا الشاب أن يكون صادقا أعني أن تكون طبيعته ناقصة وشهوته ~~خامدة - استدل على نقصان طبائعه وبرىء من عيب الكذب إلا أن يكون مرحوما ~~لأجل نقص بعض طبائعه عما فطر عليه الناس ويصير بالجملة غير مذموم ولا معيب ~~إذا كان صادقا . | وأما إن كان صادقا في ضبط نفسه مع حداثة سنه والتهاب ~~شهواته ومنازعة قواه إلى ارتكاب اللذات فإن مثل هذا الإنسان لا يلبث أن ~~يشتهر أمره ويعظم ذكره ويصير إماما معصوما أو نبيا مبعوثا أو وليا مستخلصا ~~. | وليس يخفى على الناس المتصفحين حركات الصادق من PageV01P075 حركات ~~الكاذب ، وأفعال المتصنع من أفعال المطبوع . | على أن هذا الشاب الصادق ~~الذي استثنينا به إنما يوجد في القرانات الكبيرة والأزمنة المتفاوتة فأما ~~المسألة التالية لهذه وهي قولك : وعلى هذا لم سخف شيخ تفتى وحرك منكبيه ~~وحضر مجالس اللهو وطلب سماع الغناء وآثر الخلاعة وأحب المجون وما المجون ~~والخلاعة حسب ما جرى ذكرها . | فإن الجواب عنها شبيه الأولى لأنها عكسها ~~وذلك أن الشيخ إذا ادعى تزيد قوى طبيعته في حال الشيخوخة لم يخل من كذب ~~يمقت عليه - لا سيما وكذبه إنما هو في ادعاء شرور ونقصانات كان ينبغي له ~~ولو كانت موجودة له أن بجحدها - أو صدق يوبخ عليه إذا لم يقهر هذه القوة ms028 ~~الغالبة عليه في الزمان الطويل الذي مد له فيه ويتنبه في مثله على الفضائل ~~ويتمكن فيه من رياضة النفس واستكمال التأديب فحاله أقبح من حال الشاب الذي ~~سبق الكلام فيه ولذلك هو أمقت وأقبح صورة عند ذوي العقول . | فأما المجون ~~فهو المسارعة إلى فعل ما تستدعيه النفس الشهوانية من PageV01P076 غير ~~مشاورة للعقل ولا مراقبة للناس . | وأما الخلاعة فاشتقاقه من خلع العذار ~~الذي يضبط به العقل أفعاله . | ولفظة العقل شبيهة بذلك لأنه من العقال . | ~~وكذلك الحجر . # | مسألة خلقية لم خص اللئيم بالحلم ؟ | وخص الجواد بالحدة # وهل يجتمع الحلم والجود ؟ وهل تقترن الحدة واللؤم ؟ | PageV01P077 وما ~~حكمهما في الأغلب فإن الثابت على وجه غير المتقلب إلى وجه . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : أظنك أردت بالبخيل اللئيم وبينهما فروق . | ~~وقد تكلمت على مرادك لأن باقي الكلام يدل عليه . | فلعمري إن ذلك في الأكثر ~~كذلك وإن كان قد ينعكس الأمر فيوجد حليم جواد وبخيل حديد إلا أن الأولى أن ~~يكون الجواد حديدا وذلك أن البخيل هو الذي يمنع الحق من مستحقيه على ما ~~ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وكما ينبغي فإذا منه البخيل الحق على الوجوه ~~التي ذكرت صار ظالما وإذا أحس بهذه الرذيلة من نفسه وجب أن يصبر على ~~المتظلمين وهم الذامون لأنه من البين أن البخيل إذا ذمه الذام فإنما يذكره ~~مواقع ظلمه وإخراج الحق الذي عليه على غير الوجوه التي تنبغي . | وإذا كان ~~الذام صادقا والبخيل يعرف صدقه بما يجده من نفسه فيجب أن يحلم لا محالة ~~لموافقته الصدق ولأن النفس بالطبع تسكن عند الصدق وتستخذي له فالأشبه ~~بالنظام الطبيعي أن يكون البخيل حلما لما ذكرناه وربما عرض ضد ذلك وهو إذا ~~كان البخيل جاهلا بالحقوق التي تجب عليه على الشرائط التي ذكرناها فإذا جهل ~~ذلك لم يعرف صدق من يصدقه عنه ولا ظلمه وإنصافه وفيعرف قبح أفعاله فتعرض له ~~رذيلتان : إحداهما منع الحق والأخرى الجهل بموضع الحق فربما عرض للجاهل ~~الحدة والنزق والعدول عن الحلم لما ذكرناه ، PageV01P078 وأخبرنا السبب ms029 فيه ~~. | فأما قولك : لم خص الجواد بالحدة فمسألة غير مقبولة لأن الجواد ليس ~~يختص بالحدة وذلك أن حقيقة الجود هو بذل ما ينبغي فيالوقت الذي ينبغي على ~~ما ينبغي ومن كانت له هذه الفضيلة لم ينسب إلى الحدة لأن الحديد لا يميز ~~هذه المواضع فهو يتجاوز حد الجواد وإذا تجاوزه سمى مسرفا ومبذرا ولم يستحق ~~اسم المدح بالجود . | ولكن لما كانت لغة العرب وعادتها مشهورة في وضع الجود ~~موضع السرف والتبذير حتى إذا كان الإنسان في غاية منهما كان عندهم أشد ~~استحقاقا لاسم الجود - خفي عليهم موضع الفضيلة ومكان المدح وصارت الحدة ~~المقترنة بالمبذر والمسرف على حسب موضوعهم محمودة لأنها لا تمكن من الروية ~~فيبادر صاحبها إلى وضع الشيء في غير موضعه فيسمى مسرفا عند الحكاء . | وقد ~~تبين في كتب الأخلاق أن الجود الذي هو فضيلة وسط بين طرفين مذمومين : ~~أحدهما تقصير والآخر غلو . | فأما جانب التقصير من الجود فهو الذي يسمى ~~البخل وهو مذموم وأما الجانب الذي يلي الغلو فهو الذي يسمى السرف . | ~~والواجب على من أحب استقصاء ذلك أن يقرأه من كتب الأخلاق فإنها تستغرق شرحه ~~. | # | 1 ( مسألة طبيعية واختيارية لم كان الإنسان محتاجا إلى أن يتعلم العلم ~~) 1 # ولا يحتاج إلى أن يتعلم الجهل ألأنه في الأصل يوجد جاهلا ؟ | PageV01P079 ~~فما علة ذلك ؟ فبإثارة علته يتم الدليل على صحته . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : قد تبين في المباحث الفلسفية أن العلم هو إدراك النفس ~~صور الموجودات على حقائقها ولما قال بعض الأوائل : إن النفس مكان للصورة ~~استحسنه أفلاطون وصوب قائله لأن النفس إذا اشتاقت إلى العلم الذي هو غايتها ~~نقلت صورة المعلوم إلى ذاتها حتى تكون الصورة التي تحصلها مطابقة لصورة ~~المنقول منه لا يفضل وإن كانت الصورة المنقولة إلى النفس غير مطابقة ~~للمنقول فليس بعلم . | وهذه الصورة كلما كثرت عند النفس قويت على استثبات ~~غيرها والنفس في هذا المعنى كالمناصب للجسد وذلك أن الجسد إذا حصلت فيه ~~صورة ضعف عن قبول صورة غيرها إلا بأن ms030 تنمحي الصورة الأولى منه أو تتركب ~~الصورة الأولى والثانية الواردة فتختلط الصورتان ولا تحصلان ولا إحداهما ~~على التمام وليست النفس كذلك . | ولما كانت نفس الإنسان هيولانية مشتاقة ~~إلى الكلام الموضوع لها بأن يتصور بصورة الموجودات كلها أعني الأمور الكلية ~~دون الجزئية وكانت قوية على ذلك وكانت صورة الموجودات فيها غير مضيفة بعضها ~~مكان بعض بل هي بالضد من الأجسام في أنها كلما استثبتت صورة في ذاتها قويت ~~على استثبات أخرى وخلصت الصور كلها بعضها من بعض وذلك بلا نهاية - كان ~~الإنسان محتاجا إلى تعلم العلم أي إلى استثبات صور الموجودات وتحصيلها عنده ~~. | PageV01P080 فأما الجهل : فاسم لعدم هذه الصور والمعلومات ونحن في ~~اقتناء هذه الصور محتاجون إلى تكلف واحتمال مشقة وتعب إلى أن تحصل لنا . | ~~فأما عدمها فليس مما يتكلف ويتجشم بل النفس عادمة لذلك . | ومثل ذلك من ~~المحسوس صورة لوح لا كتابة فيه وإثبات الكتابة وصور الحروف يكون بتكلف فأما ~~تركه بحاله فلا كلفه فيه إلا على مذهب من يرى صور الأشياء موجودة للنفس ~~بالذات وإنما عرض لها النسيان وان العلم تذكر وإزالة لآفة النسيان عن النفس ~~. | ولو كان الأمر كذلك لكان جواب المسألة بحسب هذا المذهب بينا في أن ~~التعب بإزالة آفة واجب وتركه مأووفا لا تعب فيه . | ولكن هذا المذهب غير ~~مرغوب فيه والشغل به في هذا الموضع فضل ، PageV01P081 لأنه ليس من المسألة ~~في شيء وإن كان الكلام قد جر إليه ولكنا ندل على موضعه فليؤخذ من هناك وهو ~~كتب النفس . | فقد تبين أن العلم تصور النفس بصورة المعلوم والتصور تفعل من ~~الصورة . | والجهل هو عدم الصورة فكيف يستعمل التفعل من الصورة في عدم ~~الصورة هذا محال . | # | 1 ( مسألة طبيعية لم شارك المعجب من نفسه المتعجب منه ) 1 # مثال ذلك : شاعر يفلق في قافية فيتعجب منه السامع حسب ما اقتضى بديعه ~~فالشاعر لم يتعجب أيضا وهو المتعجب منه وهذا نجده في النظم والنثر والجواب ~~والكتاب والحساب والصناعة . | وعلى ذكر التعجب ما التعجب وعلى ماذا يدل فقد ~~قال ناس ms031 فيه كلاما : قل لبعض الحكماء : ما أعجب الأشياء قال : السماء بكوا ~~كبها . | وقال آخر : أعجب الأشياء النار . | وقال الآخر : أعجب الأشياء ~~لسان الناطق . | وقال الآخر : أعجب الأشياء العقل اللاحق . | وقال الآخر : ~~الشمس . | PageV01P082 قال أرسطاليس : أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه . | ~~وقال الآخر : بل أعجب الأشياء الجهل بعلة الشيء . | فعلى قياد ما قال أولئك ~~كل شيء عجب . | وعلى ما وضع ما قال هذا الحكيم كل مجهول سببه فهو عجب كان ~~ذلك من الحقير أو من النفيس . | وقال آخر : أعجب الأشياء الرزق فإن مناطه ~~بعيد وغوره عميق والعقل مع شرفه فيه جيران والعاقل مع اجتهاده سكران . | ~~وقال آخر : لا عجب . | فما هذا التفاوت والتباين وليس في الحق اختلاف ولا ~~في الباطل ائتلاف وعلى ذكر الحق والباطل ما الحق والباطل وينتظم في هذا ~~الفصل . | قال بعض الأولين : أعجب الأشياء إكداء الوافر ومنال العاجز . | ~~وقال آخر من الصوفية : وشاهدته وناظرته واستفدت منه أعجب الأشياء بعيد لا ~~يجحد وقريب لا يشهد وهو الحق الأحد . PageV01P083 | وعلى ذكر الله تعالى بم ~~يحيط العلم من المشار إليه باختلاف الإشارات والعبارات أهو شيء يلتصق ~~بالاعتقاد أم هو مطلق لفظ بالاصطلاح أم هو إيماء إلى صفة من الصفات مه ~~الجهل بالموصوف أم هو غير منسوب إلى شيء بعرفان فإن كان منعوتا بنعت فقد ~~حصره الناعت بالنعت . | وإن كان غير منعوت فقد استباحه الجهل وزاحمه ~~المعدوم . | ولا بد من الإثبات إذا إستحال النفي وإذا وقف الإثبات والنفى ~~على المثبت النافي فقد سبق إذن كل إثبات ونفى . | فإن كان سابقا كل هذه ~~الألفاظ وجميع هذه الأغراض فما نصيب العارف وما بغية ما ظفر به الموحد ~~هيهات ! هيهات ! اشتد الغلط ورجع كل إلى الشطط وفات الله الفهم والفاهم ~~والوهم والواهم وبقي مع الخلق علم مختلف فيه وجهل مصطلح عليه وأمر قد تبرم ~~به ونهى قد ضجر منه : وحاجة فاضحة وحجة داحضة وقول مزوق ولفظ منمق وعاجل ~~معشق وآجل معوق وظاهر ملفق وباطن ممزق . | إلى الله الشكوى من غلبات الهوى ~~وسطوات البلوى إنه رحيم ms032 ودود . | الجواب : قال أبو مسكويه - رحمه الله : ~~هذه المسألة التي ذنب فيها صاحبها بمسائل أعظم منها وأبعد غورا ، ~~PageV01P084 وأشد اعتياصا وأصابه فيها ما كان أصابه قبل في مسألة تقدمها ~~فظهر لي في عذره أنه داء يعتريه ومرض يلحقه وليس من طغيان القلم ولا سلاطة ~~الهذر ولا أشر الاقتدار في شيء كما أنه ليس من جنس ما يستخف المتكهن عند ~~الكهانة ولا من نمط ما يعترى المتواجد من الصوفية وما أحسبه إلا من قبيل ~~المس والخبل والطائف من الشيطان الذي يتعوذ بالله منه فلقد أطلق في سجاعته ~~القافية بما تسد له الآذان وتصرف عنه الأبصار والأذهان . | ولولا أنه اشتكى ~~إلى الله تعالى في آخرها من سطوات البلوى فاعترف بالآفة واستحق الرأفة لكان ~~لي في مداواته شغل عن تسطير جواباته . | PageV01P085 إفهم - عافاك الله - ~~أن أثار النفس وأفعالها كلها بديعة عند الحس وأصحابه ولذلك تجد أكثر الناس ~~متعجبين من النفس نفسها ومتحيرين فيها ظانين بها ضروب الظنون وليس يخلون مع ~~كثرة تفننهم في هذه الظنون من أن يجعلوها جسما على عاداتهم في الحس وتصورهم ~~في المحسوسات ثم يجدون أفعال هذه النفس وآثارها غير مشبهة شيئا من آثار ~~الجسم وأفعاله فيزداد تعجبهم ولو أنهم حصلوا مائية النفس لكان تعجبهم من ~~آثارها أقل إذ كانت هي غير جسم ولو صح لهم أنها جسم لم يكن بديعا عندهم أن ~~تكون آثارها غير جسمانية . | ولما كان الشاعر المفلق والناظر في المسألة ~~العويصة مكن الحساب وغيره من الصناعات - إنما يستدعي نظرا نفسانيا ووجودا ~~عقليا ويحرك نفسه حركة غير مكانية ليظفر بمطلوب غير جسماني ثم وجد هذه ~~الحركة من النفس مفضية بالإدمان والإمعان إلى وجود المطلوب - عجب هو أولا ~~من هذه الحركة التي يجدها من نفسه ضرورة وليست مكانية على عادة الجسم في ~~حركة الجسم ثم من وجوده المطلوب بعقب هذه الحركة . | عرض له هذا العارض من ~~التعجب ولم يكن السامع أولى بهذا التعجب منه لأنهما قد اشتركا في الجهل ~~بالنفس وبآثارهما وأفعالهما وكل واحد منهما حقيق بالتعجب . | فأما ms033 العارف ~~بالنفس وجوهرها العالم أنها ليست بجسم وأن آثارها وأفعالها لا يجب أن تكون ~~جسمانية - فإنه لا يعترض له هذا العارضفي نفسه وكذلك صورة مستمعة إذا كان ~~عالما كعلمه | PageV01P086 فأما التعجب نفسه الذي سأل عنه السائل في عرض ~~مسألته الأولى فإنه حيرة تعرض الإنسان عند جهل السبب فكلما كانت المعرفة ~~بأسباب الموجودات أقل كانت المجهولات أكثر والتعجب بحسبها أشد وبالضد إذا ~~كانت المعرفة بأسباب الموجودات أكثر كانت المجهولات أقل والتعجب بحسبها أقل ~~ولذلك قال قوم : كل شيء عجب . | وقال قوم : لا عجب من شيء . | فإن كانت ~~الطائفة الأولى اعترفوا بالجهل العام وزعموا أنهم يجهلون أسباب الأمور ~~فالطائفة الثانية ادعت لنفسها مزية عظيمة لأنهم زعموا أنهم يعرفون أسباب ~~الأمور . | فأما قولك - أعزك الله - عندما عددت أقوال المتكلمين في التعجب ~~- ما هذا التفاوت والتباين وليس في الحق اختلاف ولا في الباطل ائتلاف ~~فالجواب : أن التعجب ليس بشيء له طبيعة ولا وجود له من خارج وإنما هو كما ~~ذكرنا النفس عند جهلها السبب ولما كان ما يجهله زيد قد يعلمه عمرو ولم ينكر ~~تفاوتهما في العجب لأن كل واحد منهما متعجب مما يجهل سببه ومجهول هذا هو ~~بعينه معلوم هذا . | وإنما كانت تكون المسألة عويصة وبديعة لو كان لأمر ما ~~وجود من خارج ثم اختلف فيه قوم فضلاء يعتد بآرائهم ويذكر تباينهم وقال قوم ~~منهم : هو حق وقال آخرون : هو باطل . | على أن مثل هذا قد وقع في مسألة ~~الخلاف وفي الزمان والمكان ، PageV01P087 والعدم وأشباهها من المسائل فقال ~~قوم : هي جواهر لا أجسام لها وقال قوم : هي أعراض وقال آخرون : ليست أجساما ~~ولا جواهر ولا أعراضا . | واحتج كل قوم بحجج قوية . | إلا أن جميع هذه ~~المذاهب تحررت في زمان الحكيم واستقر قرارها ووضح مشكلها وبان صحيحها من ~~سقيمها . | وليس من شأننا الإطالة في هذه المسائل فنذكرها ونحكيها . | فإن ~~أحببت معرفتها فقف عليها من مظانها وجرد لها مسائل لنفرد لها زمانا ونظرا ~~إن شاء الله . | وأما سؤالك في آخر هذه المسألة : بم يحيط على ms034 الخلق من ~~المشار إليه بقولنا الله باختلاف الإشارات والعبارات مع سائر ما ذكرت فغير ~~معترف بشيء منه ولا يقول أحد إنه يحيط علمه بشيء من هذا ولا يلصق به كما ~~ذكرت ولا يعترف أيضا بهذه النعوت فيه . | والكلام في هذا الموضوع لا يمكن ~~استقصاؤه إذ كان جميع سعى الحكماء بالفلسفة إنما ينتهى إلى هذا وإياه قصد ~~بالنظر كله وليس يمكن أن يتكلم فيه إلا بعد جميع المقدمات التي قدمت له ~~ومهدت لأجله أعنى الرياضيات والطبيعيات ثم ما بعد الطبيعة من علم النفس ~~والعقل ثم بعد معرفة جميع هذه الجواهر الشريفة يمكن أن يعلم أنها محتاجة ~~ناقصة متكثرة مضطرة إلى سبب أولى وموجد قديم ومبدع ليس كهي في ذات ولا صفة ~~فيكون هذا الجهل أشرف من كل علم سبقه وهو من الصعوبة والغموض بحيث تراه . | ~~ولو كان إلى معرفة هذا الموضع طريق غير ما ذكرناه لسلكه القدماء وأهل الحرص ~~على إشاعة الحكمة وإذاعتها ، PageV01P088 وفإنهم - رضى الله عنهم - ما ~~أسفوا ولا بخلوا ولكن لم يجدوا إلى هذا المطلوب إلا طريقا واحدا فسلكوه ~~وسهلوه بغاية جهدهم ودلوا عليه وأرشدوا عليه وهو غاية سعادة البشر فمن ~~اشتاق إليه فليتكلف الصبر على سلوك الطريق إليه صعبا كان أو سهلا وطويلا ~~كان أم قصيرا على عادة المشتاق فإنه يسلك السبيل إلى الظفر بمحبوبه كيف ~~كانت غير مفكر في الوعورة والبعد . | ومن لم يعط الصبر على هذا السلوك ~~فليقنع برخص الألفاظ والصفات المطلقة له في الشرائع الصادقة المعتادة ~~وليصدق الحكماء والأنبياء والمقتدين بهم وليحسن الظن فليس يجد غير هذين ~~الطريقين . | والله ولى المعونة والتوفيق . # | مسألة اختيارية لم إذا اشتد الأنس واستحكم | والتحمت الزلفة وطال العهد ~~- سقط التقرب وسمج الثناء # ومن أجله قيل : إذا قدم الإخاء سقط الثناء . | وهذا عيانة مشهود وخبره ~~موجود . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الثناء في الوجه ~~وغير الوجه إنما هو إعطاء المثنى عليه حقوقه من أوصافه الجميلة والاعتراف ~~بها له وإعلامه أن المثنى قد شعر بها وأوجبها له وسلمها إليه ms035 ليصير ذلك له ~~قربة ووسيلة ولتحدث بينهما المودة والمشاكلة وليستجلب الود وتستحكم المعرفة ~~. | فإذا حصلت هذه الأمور في نفس كل واحد منهما وعلم المثنى عليه أن المثنى ~~قد أنصفه وسلم إليه حقه واعترف له بفضله ولم يبخسه ماله وحدثت المودة ~~والمحبة التي هي نتيجة الإنصاف وثمرة العدل وقد PageV01P089 قدمت هذه الحال ~~وأتى عليها الزمان - سمج تكلف إظهار ذلك ثانيا لذهاب الغرض الأول وحصول ~~الثمرة المطلوبة بالسعى الأول . | وتكلف مثل هذا عبث وسفه مع ما فيه من ~~إيهام ضعف اليقين الثناء الأول وأنه احتاج إلى تطرية وتجديد شهادة لأن ~~الشهادة الأولى كانت زورا وظنا مرجما . | وهذا توهين لعقد المودة التي شهد ~~لها في المسألة بشدة الأسر واستحكام الأصل ووثاقة . | # | 1 ( مسألة طبيعية لما صار الأعمى يجد فائته من البصر في شيء آخر ) 1 # كمن نجده من العميان من يكون ندى الحلق طيب الصوت غزير العلم سريع الحفظ ~~كثير الباه طويل التمتع قليل الهم . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : إن للنفس خمسة مشاعر تستقي منها العلوم إلى ذاتها وكأنها في المثل ~~منافذ وأبواب لها إلى الأمور الخارجة عنها . | أو مثل أصحاب أخبار يردون ~~إليها أخبار خمس نواح . | وهي متقسمة القوة إلى هذه الأشياء الخمسة . | ~~ومثالها أيضا في ذلك مثال عين ماء ينقسم ما ينبع منها إلى خمسة أنهار في ~~خمسة أوجه مختلفة . | أو مثال شجرة لها خمس شعب وقوتها منقسمة إليها . | ~~وقد علم أن هذه العين متى سد مجرى ماء أحد أنهارها توفر على أحد الأنهار ~~الأربعة الباقية ، PageV01P090 حتى يبين في ساقها وورقها وأغصانها ، وفي ~~زهرها وحبها وثمرها . وقد عرف الفلاحون ذلك ، وأصحاب الكروم ، فإنهم يقضبون ~~من الشجر الشعب والإغصان التي تستمد الغذاء الكثير من الأصول ، ليتوفر على ~~الباقي فيصير ثمرا نتفعون به . وكذلك صنيعهم في الأشجار التي لا تثمر إذا ~~أحبوا أن تغلظ واحدة منها ، وتستوي في الانتصاب ، ويسرع نموها كأشجار السرو ~~، والعرعر ، والدلب وأشبهاهها ، مما يحتاج إلى خشبه بالقطع و النحت و النحر ~~. فإنهم يتأملون أي الأغصان أولى ms036 بأن ينبت مستويا غير مضطرب وأيها أحق ~~بالأصل الذي يمده بالغذاء ، فيبقونه ، ويحذفون الباقي فينشأ ذلك الغصن في ~~أسرع زمان وأقصر مدة ، لانصراف جميع الغذاء إليه . PageV01P091 وإذا كان ~~هذا ظاهرا من فعل الطبيعة ، فكذلك حال الأعمى ، في أن إحدى قوى نفسه التي ~~كانت تنصرف إلى مراعاة حس من حواسه ، لما قطعت عن مجراها توفرت النفس بها ~~إما على جهة واحدة أو جهات موزعة ، فتبينت الزيادة ، وظهرت إما في الذهن ~~والذكاء أو الفكر أو الحفظ أو غيرها من قوى النفس . وهذا يبين لك أيضا ~~باعتبار الحيوانات الأخر . فإن منها ما هو في أصل الخلقة ، والطبع مضرور في ~~أحد حواسه ، أو فاقد له جملة ، وهو في الباقيات منها أذكى من غيره جدا ~~كالحال في الخلد فإنه لما فقد آلة البصر ، كان أذكى شيء سمعا . وكالحال في ~~النحل فإنه لما ضعف بصره كان أدهى من المبصرات شما . وأنت تعرف ضعف بصر ~~النحل ، و النمل والجراد ، والزنابير ، وما أشبهها من الحيوانات التي لا ~~تطرف ، ولم تخلق لها جفون ، وعلى أبصارها غشاء صلب حجري يدفع عنها الآفات ، ~~بما يعرض لها في البيوت التي لها جامات الزجاج فإن يظن أن الجاه كوة نافذة ~~إلى الهواء فلا PageV01P092 يزال يصدمه إرادة للخروج إلى أن يهلك . فأما ~~صدق شمه فهو ظاهر بما قصده من المشمومات عن المسافة البعيدة جدا . فأما ~~تميع الأعمى بالباه ، وقلة الهم : فإن سببه أيضا ، فقد النفس إحدى آلاتها ~~التي كانت تقتطعه عن هذه الأشياء بمراعاتها ، فإذا انصرفت إلى الفكر في شيء ~~آخر قوي فعلها فيه . ولما كانت الاهتمامات بالمبصرات كثيرة ، ودواعي النفس ~~إلى اقتنائها شديدة كالملبوسات وأصنافها ، والمفروشات وأنواعها ، ~~والمنتزهات وألوانها . وبالجملة جميع المدركات بالبصر ، ثم فقدته ، انقطعت ~~عن أكثر الأشياء التي هي هموم الإنسان ، وأسبابه في الفكر ، واستخرج الحيل ~~في تحصيلها وقت الطمع فيها ، وأسفه على قوتها إذا فاتته ، فتقل هموم الأعمى ~~لأجل ذلك . # | مسألة طبيعية واختيارية لم قال الناس لا خير في الشركة ؟ # وهذا نجده ظاهر في الصحة ، لأنا ما رأينا ملكا ثبت ms037 ، ولا أمر تم ، ولا ~~عقدا صح بشركة ، وحتى قال الله عز ذكره : ^ ( لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا ) ^ | وصار هذا المعنى أشرف دليل على توحيد الله جل ثناؤه ونفي كل ~~ما عداه . | الجواب | قال أبو علي مسكويه رحمه الله : | إنما صارت الشركة ~~بهذه الصفة لأن كل من استغنى بنفسه ، وكفته PageV01P093 قوته في تناول ~~حاجته لم يستعن فيها بغيره ، فإذا عجز واحتاج إلى معاونة غيره اعترف بالنقص ~~، واستمد قوة غيره في تمام مطلوبه . | ولما كان العجز مذموما ، والنقص ~~معيبا كانت الشركة التي سببها العجز و النقص معيبة مذمومة لأنه يستدل بها ~~على النقص المتشاركين جميعا وعجزهما على أن الشركة للإنسان ليست مذمومة في ~~جميع أحواله ، بل إنما تذم الأشياء التي قد يستقل بها غيره ، وينفرد ~~باحتماله سواه ، كالكتابة وما أشبهها من الصناعات التي لها أجزاء كثيرة ، ~~وقد يجمعها إنسان واحد فيستقل بها ، وينفرد بها ، وينفرد بالصناعة أجمعها . ~~فإذا نقص فيها آخر احتاج إلى الإستعانة بغيره ظهر نقصه ، وبان عجزه ، ودخل ~~في صناعته خلل . أو كاحتمال مائة رطل من الثقل ، فإن الإنسان الواحد يكتمل ~~ويستقل به ، فإذا احتاج إلى غيره في احتماله دل على نقصه ، وعجزه وخوره . ~~ثم يعرض في الأمر المشترك فيه من النقص والتفاوت لأجل القوة المختلفة ، ~~والهمم المتباينة ، والأغراض المتضادة التي قد تعاورته ، ما لا يعرض في ~~غيره من الأمور التي ينفرد بها ذو القوة الواحدة ، وتخلص فيها همة ~~PageV01P094 واحدة ، ويختصرها غرض واحد فإن مثل هذا ينتظم ويتسق ، ويظهره ~~فيه فضل بين على الأول . فأما الأمور التي لا يكمل الإنسان الواحد لها ، ~~ولا يستقل بها أحد ، فإن الشركة واجبة فيها كاحتمال حجر الرمي ، ومد السفن ~~الكبار وغيرها من الصناعات التي تتم بالجماعات الكثيرة ، وبالشركة ~~والمعاونة . فإن هذه الأشياء ، وإن كانت الشركة فيها واجبة لعجز البشر ، ~~وكان الذم ساقطا ، ومصروفا عن أصحابها بما وضح من عذرهم فيها . فإن المعلوم ~~من أحوالها أنها لو ارتفعت بقوة واحدة وتمت بمدبر واحد ، كانت لا محالة ~~أحسن انتظاما ، وأقل اضطرابا وفسادا ، وأولى بالصلاح ms038 ، وحسن المرجوع . | ~~فالشركة بالإطلاق دالة على عجز الشريكين وعادة بعد الأمر المشترك فيه ، ~~وبالخلل والفساد عما يتم بالتفرد ، وإن كان البشر معذورين في بعضها وغير ~~معذورين في بعض . وأما الملك البشري : | فإنه لما كان من الأمور التي ينتظم ~~بتدبير واحد ، وأمر واحد ، وإن اشتركت فيه الجماعة ، فإنهم يصدرون عن رأي ~~واحد ، ويصيرون كآلات للملك ، فتتآحد الكثرة ، ويظهر النظام الحسن ، كان ~~الاستبداد والتفرد به أفضل لا محالة كما مثلناه فيما تقدم . فإذا اختلفت ~~الجماعة التي تتعاون فيه ، ولم تصدر عن رأي واحد ، ظهر فيه من الخلل ، ~~والوهن ، والتفاوت ، ما يظهر في غيره ، باختلاف الهمم ، وانتشار الكثرة ~~المؤدي إلى فساد النظام المتآحد ، ثم يكون فساده أعم ، وأظهر ضررا بحسب ~~غنائه وعائدته وعظم محله ، وجلالة موضعة . وقد أبان الله تعالى جميع ذلك ~~بأقصر لفظ وأوجز كلام ، وأظهر معنى ، وأوضح دلالة ، في قوله عز من قائل : ^ ~~( لوكان فيهما آلهة PageV01P095 إلا لفسدتا ) ^ . سبحانه وجل ثناؤه ، ولا ~~إله غيره . | # | مسألة اختيارية | لم فزع الناس إلى الوسائط في الأمور مع ماقالوه في ~~المسألة الأولى من فساد الشركة و الشركاء # ، حتى أن جماهير الأمور ومعاظم الأحوال في الشريعة السياسية ، لا تتم ولا ~~تنظم إلى بوسيط يلحم ويسدي ، و يرتق ويغتق ، ويحسن ويجمل ؟ | الجواب | قال ~~أبو علي مسكويه رحمه الله : | لما كانت ضرورات الناس داعية إلى شركة ~~الأحوال التي قدمنا ذكرها في المسألة الأولى ، وكان كل إنسان يحب نفسه ، ~~ويحب لها المنفعة ، ويحرص لها على الإستئثار بها دون صاحبه ، ظهر الفساد ~~وحدث التظالم الذي ذكرته في المسألة المقدمة ، ولم يثق أحد المشاركين في ~~الأمر بصاحبه ، لأنه ذو نصيب فيه ، ومحبة للمنفعة العائدة منه لنفسه وكان ~~للهوى ، تطرق إليه وتسلق عليه ، فاحتاج إلى واسطة تكون حاله في ذلك الأمر ، ~~برية من حالهما ، ليعتدل الحكم ، ويصح رأيه ، ويعطي كل واحد قسطه ونصيبه من ~~غير خيف ولا هوى . وليس يجب إذا كانت الشركة مذمومة أن يجلو منها الإنسان ، ~~لأنه يضطر بالضعف البشري إليها كما ضربنا له المثل من الحمل الثقيل ، أو ~~كثرة ms039 أجزاء الشيء المنظور فيه . فإن تركت الشركة في مثل هذه الأمور ، ~~وأهملت المعاونة ، فات ذلك PageV01P096 الأمر دفعة ، وفي فوته فوت منافع ~~عظام ، فكان تحصيله على ما يقع فيه من الخلل أولى من تركه رأسا | وأكثر ~~أمور البشر لا يتم إلا بالمعاونة والتشارك لعجزهم عن التفرد ونقصهم عن ~~الكمال وظهور أثر الخلق والإبداع فيهم فلما كان المتشاركون في الأمر أكثر ~~عددا والآراء أشد اختلافا والأهواء أغمض مدخلا - كانت الحاجات إلى الوسائط ~~أصدق والضرورة إليهم أشد . | والسياسة من هذه الأمور أعني التي تكثر فيها ~~الأهواء ويحتاج فيها إلى الإشتراك والتعاون فيحتاج فيه إلى من يصدق رأيه ~~ويسلم من الهوى والعصبية فإن أمكن أن يكون الوسيط خلوا من ذلك الأمر كان ~~أجدر بالحكم العدل والرأى الصائب وإن لم يكن ذلك اجتهد أن يكون حظه في ~~الأمر أقل من حظ المختصمين أو يكون أكثر ضبطا للنفس وأقمع للهوى وأكثر ~~رياضة من غيره وكل ذلك ليسلم من داعي الهوى والميل معه والانصباب إليه ~~لتتفق الكلمة ويحدث العدل الذي هو سبب التآحد وزوال الكثرة . | # | 1 ( مسألة طبيعية خلقية لم طال لسان الإنسان في حاجة غيره إذا عنى به ) ~~1 # وقصر لسانه في حاجته مع عنايته بنفسه وما السر في هذا . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : بنية الإنسان وتركيبه ومبدأ خلقه وقه على أنه ~~ملك فكل إنسان له أن يكون ملكا بما أعد له من القوى المساعدة عليه ولا ~~ينبغي لأحد أن يقصر عن أحد في هذا المعنى إلا لآفة أو نقص في البنية . ~~PageV01P097 | ولما عرض للواحد بعد الواحد أن يسأل غيره مع أن موضوعه موضوع ~~الآخر ولم يكن بأن يحتاج إلى صاحبه أولى من أن يحتاج صاحبه إليه - وجب أن ~~تحدث له عزة نفس تمنعه من التذلل . | ولهذه العلة وجب التمدن وحدث الاجتماع ~~والتعاون وحسن بين الناس التعامل وأن يدفع الإنسان إلى صاحبه حاجته إذا ~~كانت عنده ليستدعي مثلها منه فيجدها أيضا عنده . | فالسائل إذا لم يكن ~~معوضا ولا معاملا والتمس الرفد من غيره ms040 من غير مقابلة عليه ولا وعد من نفسه ~~بمثله - كان كالظالم وأيسر ما فيه أنه قد حط نفسه عن رتبة خلق عليها وندب ~~إليها فقصر لسانه واحتقر نفسه . | فأما إذا تكلم في حاجة غيره لم يعرض له ~~هذا العارض فكأنه إنما يحيل بهذا النقص على من تكلم عنه فانطلق لسانه ولم ~~تذل نفسه . | # | 1 ( مسألة طبيعية خلقية ما سبب الصيت الذي يتفق لبعضهم بعد موته ) 1 # وأنه يعيش خاملا ويشتهر ميتا كمعروف الكرخي PageV01P098 الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : معظم السبب في ذلك الحسد الذي يعتري أكثر الناس ~~لا سيما إذا كان المحسود قريب المنزلة من الحاسد أو كان في درجته من النسب ~~أو الولاية والبلدية أو ما أشبهها فإن هذه النسب إذا تقاربت بين الناس ~~فاشتركوا فيها ثم انفرد واحد منهم بفضيلة نافسه الباقون فيها وحسدوه إياها ~~حتى يحملهم الأمر على أن يجحدوه آخر الأمر ولذلك قيل : أزهد الناس في عالم ~~جيرانه لأن الجوار وكثرة الاختلاط سبب جامع لهم يتساوون فيه PageV01P099 ~~فإذا انفرد أحدهم بفضيلة لحق الباقين ما ذكرته . | وربما كان سبب زهدهم فيه ~~غير هذا ولكن الأغلب ما ذكرته . | فأما البعيد الأجنبي فإنه لما لم يجمعه ~~وإياه سبب خف عليه تسليم الفضل له وقل عارض الحسد فيه لأجل ذلك إذا مات ~~المحسود وانقطع السبب الذي بينه وبين الحساد أنشئوا يفضلونه ويسلمون له ما ~~منعوه إياه في حياته . | # | 1 ( مسألة خلقية ما الحسد الذي يعترى الفاضل العاقل من نظيره ) 1 # في الفضل مع علمه بشناعة الحسد وبقبح اسمه واجتماع الأولين والآخرين على ~~ذمه وإن كان هذا العارض لا فكاك لصاحبه منه لأنه داخل عليه فما وجه ذمه ~~والإنحاء عليه وإن كان مما لا يدخل عليه ولكنه ينشئه في نفسه ويضيق صدره ~~باجتلابه فما هذا الإختيار وهل يكون من هذا وصفه في درجة الكلمة أو قريبا ~~من العقلاء وقد قيل لأرسططاليس : ما بال الحسود أطول الناس غما قال : لأنه ~~يغتم كما يغتم الناس ثم ينفرد بالهم على ما ينال ms041 الناس من الخير . | الجواب ~~: قال أبو على مسكويه - رحمه الله : الحسد أمر مذموم ومرض للنفس قبيح وقد ~~غلط فيه الناس حتى سموا غيره باسمه مما ليس يجرى مجراه . | وهذا بعينه هو ~~الذي غلط السائل حتى قال : PageV01P100 ما الحسد الذي يعترى الفاضل لأن من ~~يكون فاضلا لا يكون حسدا . | وسنتكلم على الحسد ما هو لتعرف مائيته فيعرف ~~قبحه ويوضع في موضعه ولا يخلط بغيره فنقول : إن الحسد هو غم يلحق الإنسان ~~بسبب خير نال مستحقه ثم يتبع هذا الانفعال الرىء أفعال أخر رديئة فمنها أن ~~يتمنى زوال ذلك الخير عن المستحق ويتبع هذا التمنى أن يسعى فيه بضروب ~~الفساد فيتأدى إلى شرور كثيرة . | فمن عرض له عارض الحسد الذي حددناه فهو ~~شرير والشرير لا يكون فاضلا . | ولكن لما كان هذا الغم قد يعرض الإنسان على ~~وجوه أخر غير مذمومة غلط فيه الناس فسموه باسم الحسد ومثال ذلك أن الفاضل ~~قد يغتم بالخير إذا ناله غير مستحقه لأنه يؤثر أن تقع الأشياء مواقعها ولأن ~~الخير إذا حصل عند الشرير استعمله في الشر إن كان مما يستعمل أو لم ينتفع ~~به بتة . | وربما اغتنم الفاضل لنفسه إذا لم يصب من الخير ما أصابه غيره ~~إذا كان مستحقا مثله . | وإنما لما اسم هذا حسدا لأن غمه لم يكن بالخير ~~الذي أصاب غيره بل لأنه حرم مثله . | وإذا آثر لنفسه ما يجده لغيره لم يكن ~~قبيحا بل يجب لكل أحد إذا رأى خيرا عند غيره أن يتمناه أيضا لنفسه لأن هذا ~~الغم لا يتبعه أن يتمنى زوال الخير عن مستحقه . | وقد فرقت العرب هذين : ~~فسموا أحدهما حاسدا والآخر غابطا . | ونحن نؤدب أولادنا بأن ندلهم على ~~الأدباء ونندبهم على فضائلهم فإن ذا الطبع الجيد منهم يتمنى لنفسه مثل حال ~~الفاضل ويسلك سبيله ويجتهد في PageV01P101 أن يحصل له ما حصل للفاضل وبهذه ~~الطريقة ينتفع أكثر الأحداث . | وأما ذو الطبع الردىء فإنه يغتم بما حصل ~~لغيره من الأدب والفضل ولا يسعى في تحصيل مثله لنفسه ولكنه يجتهد في ms042 إزالته ~~عن غيره أو منعه منه أو يججده إياه أو يعيبه به فهو حينئذ حاسد شرير ! ! ! ~~فأما قولك إن هذا العارض لا فكاك لصاحبه منه لأنه داخل عليه إلى آخر الفصل ~~فإني أقول : إن الانفعالات - أعني ما لا يكن نحو الاستكمال - كلها مذمومة ~~لأنها من قبيل الهيولى ولذلك لو أمكن الإنسان ألا ينفعل بتة لكان أفضل له ~~ولكن لما لم يكن إلى ذلك سبيل وجب عليه أن يزيل كل ما أمكن إزالته من ~~الانفعالات ليتم ويكمل وذلك بالأخلاق والآداب المرضية ويحصل له ذلك بسياسة ~~الوالدين أولا ثم بسياسة السلطان ثم بسياسة الناموس والآداب الموضوعة لذلك ~~فإن الإنسان يستفيد بهذه الأشياء صورا وأحوالا ثم تصير قنية وملكة وهي ~~المسماة فضائل وآدابا . | # | 1 ( مسألة طبيعية خلقية ما سبب الجزع من الموت وما الاسترسال إلى الموت ~~) 1 # وإن كان المعنى الأول أكثر فإن الثاني أبين وأظهر . | وأي المعنيين أجل : ~~الجزع منه أم الاسترسال إليه فإن الكلام في هذه الفصول كثير الريع جم ~~الفوائد . | PageV01P102 الجواب : قال أبو على مسكويه - رحمه الله : الجزع ~~من الموت على ضروب وكذلك الاسترسال إليه . | وبعضه محمود وبعضه مذموم وذلك ~~أن من الحياة ما هو جيد محبوب ومنها ما هو ردىء مكروه فيجب من ذلك أن يكون ~~ضدها الذي هو الموت بحسبه : منه ما هو حيال الحياة الجيدة ولا بد من تبيين ~~هذه الأقسام ليبين سبب الجزع والاسترسال وأيهما أعلى فأقول : إن الحياة ~~المقترنة بالآفات العظيمة والمهن الهائلة والآلام الشديدة : مثل أن يسبي ~~الرجل وأهله وولده ويملكهم قوم أشرار حتى يرى في أهله وولده ما لا طاقة له ~~به ويسام في نفسه وجسمه ما لا صبر عليه ويقع في الأمراض الشديدة التي لا ~~برء منها ويضطر إلى فعل قبيح بأصدقائه وبوالديه فهذا كله ردىء مكروه وليس ~~أحد يختار العيش فيه ولا يؤثر الحياة معه فضده إذا جيد محبوب لأن الموت ~~أمام هذه المحن في مجاهدة عدو يسوم هذا السوم - موت مختار جيد . | فيجب ~~بحسب هذا النظر أن نقول : إن تلك ms043 الحياة المكروهة يستحب فيها الموت الذي هي ~~ضده فالاسترسال إلى هذا الموت جيد وسببه ظاهر . | وكذلك إذا عكست الحال فإن ~~الحياة المحبوبة والعيش المضبوط التي معها صحة البدن واعتدال المزاج ووجود ~~الكفاية من الوجوه الجميلة والتمكن بهذه الأشياء من السعي نحو السعادة ~~القصوى وتحصيل الصورة المكملة للإنسان مع مساعدة الإخوان الفضلاء وقرة ~~العين بالأولاد النجباء والعز بالعشيرة وأهل بيت الصالحين - كله محبوب مؤثر ~~جيد . | ومقابله إذن الذي هو الموت ردىء مكروه لأن الموت ينقطع به ~~PageV01P103 استكمال السعادة وإتمام الفضيلة ويفوته أمرا عظيما كان معرضا ~~له . | وهذا ضرب من النظر وباب من الاعتبار . | وضرب آخر وهو أن البقاء ~~بنفسه أمر مختار لأنه وجود متصل والوجود كريم شريف . | وضده العدم رذل خسيس ~~والرغبة في الشيء الكريم واجبة كما أن الزهد في الشيء الخسيس واجب . | وإذا ~~كانت حياة ما منقطعة لا محالة ثم كان ذلك يفضي إلى حياة أخرى أبدية ووجود ~~سرمدي - صار هذا الموت غير مكروه إلا بقدر ما يكره من الدواء المر إذا أدى ~~إلى الصحة فإن العلاج المؤلم والدواء الكريه مختاران إذا أديا إلى صحة ~~طويلة وسلامة متصلة . | فإن لم يكونا مختارين بالذات فهما مختاران بالعرض . ~~| فالإنسان المستبصر الذي يرى أن أخراه أفضل من دنياه وآجله خير له من ~~عاجله - يسترسل إلى الموت استرساله إلى الدواء الكريه والعلاج المؤلم ليفضي ~~به إلى خير دائم وإن كان هذا الأختيار بالعرض لا بالذات وربما ظن ذلك ظنا ~~فحسن أيضا منه الاسترسال إليه بحسب قوة ظنه وما وقع إقناعه به كما يحسن في ~~الدواء إذا قوى ظنه بمعرفة واصفه له . | فأما من خلا من هذا الإعتقاد والظن ~~القوي فهو يجزع من الموت لأنه عدم ما والعدم مهروب منه وهذا سبب صحيح وعلة ~~ظاهرة . | وهذا ضرب آخر من الاسترسال إلى الموت والجزع منه وهو أن من قوى ~~ظنه واستحكمت بصيرته في عاقبته ومعاده ولكنه لم يقدم ما يعتقد أنه يسعد به ~~ولم يتأهب بأهبته ولا استعد له عدة فهو يكره الموت ويجزع منه ولا ms044 يسترسل ~~إليه . | وبالضد من راى أنه مستعد لعدته آخذ أهبته فهو حريص عليه مسترسل ~~إليه . | وأنت ترى ذلك في أصحاب الأهواء المختلفة والديانات المتضادة ~~كالهند في تسرعهم إلى إحراق نفوسهم وإقدامهم على ضروب المثل والقتل ~~PageV01P104 في أبدانهم وكالخوارج في حرصهم على الموت وبذلهم نفوسهم في ~~مواقفهم المشهورة وحروبهم المأثورة وأن الرجل إذا طعن قنع فرسه ليسبح في ~~الرمح وينتهي إلى طاعنه ثم قرأ : [ اي ] { وعجلت إليك رب لترضى } [ \ اي ] ~~ولذلك اتخذ أصحاب السلطان في صدور رماحهم حاجزا لئلا يسبح فيها المطعون ~~فيصل إلى الطاعن . | والصابرون على أنواع العذاب وضروب المثل والقتل من أهل ~~الأهواء - أكثر من أن يحصوا . | PageV01P105 وإنما ذكرنا سبب الجزع من ~~الموت والاسترسال إلى الموت وأيهما يحسن وفي أي موضع وعلى أي حال . | ولم ~~كانت الفسولة في السمان أكثر الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ~~هذه المسألة كأنها عن الحال الأغلب والوجود الأكثر . | والسبب فيه أنه لما ~~كانت الحرارة الغريزية سبب الحياة وسبب الفضائل التابعة للحياة أعنى الذكاء ~~والحركة والشجاعة وما أشبهها - كانت الأبدان التي حظها منها أكثر - أفضل . ~~| والحكم الصحيح في هذا أن الأبدان المعتدلة في النحافة والسمن والطول ~~والقصر وسائر الكيفيات الأخر - أفضل الأبدان . | ولما كانت مسألتك مخصوصة ~~بالنحافة والسمن خصصنا الجواب أيضا فنقول : إن الحرارة إذا قاومت أخلاط ~~البدن فأذابت فضول الرطوبات منه ونفت البرد الغالب عليه هو ضده - كان ذلك ~~سببا للحركة واليقظة وسببا للإقدام والنجدة . | ويتبع هذه الأشياء سائر ~~الفضائل اللازمة لها وذكو الحرارة التي في القلب وهي أول هذه الفضائل كلها ~~. PageV01P106 | وإذا غلبت الرطوبات عليها أطفأتها وغمرتها وحالت بينها ~~وبين أفعالها وعاقتها عنها فكان والنحافة والسمن وإن كانا جميعا قد خرجا عن ~~الإعتدال فأحدهما وهو النحافة خروجه عن الاعتدال بإفراط الحرارة التي هي ~~سبب الفضائل وهي أولى بها من اطرف الأخر الذي ضدها اعني السمن الذي هو خروج ~~عن الاعتدال إلى جانب البرد وعدم الحرارة المؤدي إلى بطلانها وزوالها . | ~~وقد تبين في كتاب الأخلاق أن أطراف الفضائل كلها مذمومة ولكن بعضها ms045 أقرب ~~إلى المدح . | وإن كان البعد من الوسط فيهما واحدا كان الاعتدال الممدوح ~~بالجود والسخاء له طرفان أحدهما البخل والآخر التبذير وهما جميعا مذمومان ~~وخارجان من الاعتدال إلا أن أحد الطرفين وهو التبذير أشبه بالجود من الطرف ~~الآخر لأن أحد الطرفين بالإمعان يتأدى إلى بطلان الشيء الممدوح وعدمه ~~والآخر يتأدى إلى الزيادة فيه بالإفراط . | ولعمري إنهما في فقد الاعتدال ~~سواء ولكن أحدهما أشبه به من الآخر . | وهذا هو موضع لا يدفع ولا ينكر . | # | 1 ( مسألة طبيعية لم كان القصير أخبث والطويل أهوج . ) 1 # PageV01P107 الجواب : قال أبو على مسكويه - رحمه الله : هذا أيضا طرفان ~~لموضع الفضيلة وذلك أن الاعتدال من الطول والقصر هو المحمود ولكن الطول ~~بالتفاوت في الخلق أقرب إلى الذم وذلك لبعد الأعضاء الرئيسية بعضها من بعض ~~لا سيما العضوان اللذان هما أظهر الأعضاء رياسة أعني القلب والدماغ فإن ~~هذين يجب أن يكون بينهما مسافة معتدلة لتتمكن الحرارة التي في القلب من ~~تعديل برودة الدماغ وحفظ اعتداله وبقاء الروح النفساني الذي يتهذب في بطون ~~الدماغ وتتمكن أيضا برودة الدماغ من تعديل حرارة القلب وحفظ اعتداله عليه . ~~| وهذا الاعتدال إذا بعد أحد العضوين من الآخر تفاوت واضطرب نظامه وفسد ~~التركيب وفسدت الأفعال الصادرة عن الإنسان ونقصت فضائله . | وليس يعرض في ~~قرب التفاوت ما يعرض في بعد أحدهما من الآخر . | # | 1 ( مسألة خلقية لم صار بعض الناس إذا سئل عن عمره نقص في الخبر وآخر ~~يزيد على عمره في الخبر ) 1 # PageV01P108 الجواب : قال أبو علي بن مسكويه - رحمه الله : غلاض الرجلين ~~أعني الناقص من مدة عمره والزائد فيها - غرض واحد وإن اختلفا في الخبر . | ~~وربما فعل الرجل الواحد ذلك بحسب زمانين مختلفين أو بحسب حالين في زمان ~~واحد . | وسبب هذا الفعل محبة النفس وذاك أن الإنسان يحب أن يعتقد فيه من ~~الفضل أكثر مما هو ويحب أن يعذر في نقص إن وجد فيه . | وهو إذا كان حدثا ~~وظهرت منه فضيلة أو نقيصة نقص من زمان عمره ليعلم غيره أن الفضيلة حصلت ms046 له ~~في زمان قصير وأن ذلك لم يكن ليتم له إلا بعناية كثيرة وحرض شديد ونفس ~~كريمة وانصراف عن الشهوات الغالبة على أقرانه وترك اللعب الذي هو يستولى ~~على لداته وكلما كان الزمان أقصر كان إلى الفضيلة أقرب وكان التعجب منه ~~أكثر . | وإن كانت منه نقيصه عذر في فعله بقلة الحنكة والدربة وانتظر فلاحه ~~ورجى تلافيه وإنابته . | وإن الإنسان مرشح طول عمره لاقتناء الفضائل ~~والاستكثار من PageV01P109 المعارف ويجب أن يكون أبدا بحال من الفضل يستكثر ~~في مثل سنه أن يبلغ إليها أو يعجب من كثرة تدربه بالزمان القصير في الأمور ~~التي يحتاج فيها إلى الزمان الطويل . | وأيضا فإن المكتهل وذا السن الكثير ~~التجربة ممن صحب الزمان ولقى الرجال وتصرف في العلوم - مهيب في النفوس جليل ~~في الصدور موقر في المجالس مستشار في النوائب مرجوع إليه في الرأي . | وهذه ~~حال مرغوب فيها فإذا بلغ الإنسان من السن ما يحتمل أن يدعي فيه هذه الدعوى ~~أو فكل واحد من الرجلين أو الرجل الواحد في الزمانين أو الحالتين غايته في ~~التكذب بما ينقص من عمره التمويه بالفضل وادعاء رتبة ليست له . | وهذا شر ~~ظاهر فمتعاطيه شرير وأفاضل الناس لا يعتريهم هذا الشر لأنهم لا يتدنسون ~~بالكذب ولا يستكثرون . PageV01P110 | # | 1 ( مسألة طبيعية لم صار الإنسان يحب شهرا بعينه ويوما بعينه ومن أن ~~يتولد للإنسان صورة يوم الجمعة على خلاف صورة يوم الخميس ) 1 # وقيل للروذكي - وكان أكمه وهو الذي ولد اعمى - كيف اللون عندك قال : مثل ~~الجمل . | الجواب : قال أبو على مسكويه - رحمه الله : أما محبة الإنسان ~~شهرا بعينه فلأجل ما يتفق له فيه من شعادة ما بحصول مأمول أو ظفر بمطلوب أو ~~انتظار مرجو في وقت بعينه أو سرور بعقب غم أو راحة بعد تعب وربما استمر ذلك ~~به وتكرر عليه مدة من عمره في وقت بعينه فأنس به وألفه وأحبه لما يتفق له ~~فيه . PageV01P111 ولذلك أحب صبيان المسلمين يوم الجمعة وألفوه بعد ذلك طول ~~عمرهم وكرهوا يوم السبت لأن يوم الجمعة مفروض ms047 لهم فيه الراحة مرخص لهم ~~اللعب ويتلوه يوم السبت الذي هو يوم تعبهم وعودهم إلى ما يكرهون من فقد ~~اللعب . | فأما صبيان اليهود فإنما يعرض لهم ذلك في يوم السبت وما يليه ~~وصبيان النصارى في يوم الأحد وما يليه وكذلك أيام الأعياد التي أطلق للناس ~~فيها الراحة والزينة يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أيام أكل وشرب وبعال ~~) | وهذه الأيام مختلفة في أصحاب الملل . | وكل قوم يحبون الأيام التي هي ~~أعيادهم التي أطلق لهم فيها الزينة والمتعة والراحة . | وأما من تساوت به ~~الأحوال من الأمم التي ليست تحت شرع ولا لهم نظام في سيرتهم وأحوالهم ~~كالزنج وأواخر الترك وأشباههم فليس يلحقهم هذا المعنى وليس يحبون يوما ~~بعينه ولا شهرا ولا وقتا مخصوصا . | فأما تولد صورة يوم الجمعة على خلاف ~~صورة يوم الخميس فإنه على ما أقول : إن الزمان الأظهر الأعم الأشهر هو ما ~~تحدثه دورة واحدة من الفلك الأقصى أعني الذي يدبر جميع الأفلاك ويحركها ~~بحركة نفسه إلى غير جهة حركاتها وذلك من المشرق إلى المغرب من مفروضه إلى ~~أن يعود إليها وهو في أربع وعشرين ساعة . | وإنما صار هذا الزمان أظهر ~~للناس لما يظهر فيه من صباح يعرض ومساء بيوم وليلة وسببهما ظهور الشمس في ~~بعض هذه المدة فوق الأرض وغيبتها في بعض تحت الأرض . | وفي كل دور منها ~~للناس أفعال PageV01P112 وحركات ومواليد ومعاملات ليست في الدورة الأخرى . ~~| ويتعلق بأفعالهم هذه أحكام وأقضية في مدد معلومة وآجال مفروضة في مدة ~~مضروبة يحتاجون فيها إلى نسبتها إلى دورة بعد دورة من الفلك الأقصى التي هي ~~سبب لكون اليوم والليلة لتصح معاملاتهم وتصدق قضاياهم وتتعين آجالهم ~~المضروبة في أعمالهم ومعاملاتهم . | وههنا زمان آخر تحدثه دورة أخرى تختص ~~بها الشمس في سيرها . | وذلك أن تبتدىء الشمس من نقطة مفروضة وتعود إليها ~~بعينها بحركة نفسها دون تحريك المحرك الأول . | وهذه الدورة هي من المغرب ~~إلى المشرق بخلاف تلك . | وتتم الدورة الواحدة من هذه الحركة التي تخص ~~الشمس في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع ms048 يوم على التقريب . | وهذا هو زمان ~~أيضا ولكنه منسوب إلى حركة الشمس نفسها ويسمى : سنة . | وههنا زمان آخر قد ~~تعارفه الناس أيضا واشتهر بينهم وظهوره وإن لم يكن كظهور الشمس فهو تال له ~~وهو ما يكون ويحدث بدورة واحدة من حركة القمر التي تخصه دون تحريك المحرك ~~الأول . | وتتم الدورة الواحدة بهذه الحركة التي تخص القمر وهي أيضا من ~~المغرب إلى المشرق في ثمانية وعشرين يوما ويسمى شهرا . | فهذه الأزمنة ~~الثلاثة لما كانت ظاهرة مكشوفة تراها العيون لأجل تعلقها بالشمس والقمر ~~اللذين هما أنور الكواكب وأبينها وأكبرها في الظاهر - تعارفها الناس ~~وتعاملوا عليها وحدثت صورة لكل دورة بحسب ما يقسطه الناس في أعمالهم وبحسب ~~ما يفشو فيها ويحدث من الأعمار والمواليد وبحسب نسبة حركاتهم إليها بمبدأ ~~ومنتهى . | وإذا نظر الإنسان إلى هذه الأدوار في أنفسها خالية من حركات ~~الناس وأفعالهم ولم ينسب إليها حركة أخرى وفعلا آخر - لم يكن بينها فرق بتة ~~PageV01P113 التكرر الذي لا بد فيه من العدد بالأول والثاني والثالث وإلى ~~حيث انتهى الإحصاء . | فإن نظر فيها بحسب الأحوال ونسب إليها أفعالا وآثارا ~~ونظمها بالحساب - حدثت صور مختلفة بحسب اختلاف الأمور الواقعة فيها ~~المنسوبة إليها . | فأما الأكمه الذي ذكرته في المسألة فإن الفاقد حاسة من ~~حواسه لا يتصور شيئا من محسوساته لأن التصور في النفس من كل محسوس إنما يقع ~~بعد الإحساس به . | وذلك أن هذه القوى من قوى النفس التي تأخذ العلوم من ~~الحواس إنما ترقيها إلى قوة التخيل عن فأما إذا فقد الحس فكيف يترقى ~~المحسوس إلى قوة التخيل فبحق صار الأكمه لا يتخيل شيئا من الألوان ولا ~~يتصوره . | وكذلك إن فقد فاقد حس الشم والسمع من مبدأ ولادته لم يتخيل شيئا ~~من محسوساتهما لما قدمناه . | وحدثني بعض أهل التحصيل من المتفلسفين أنه ~~سأل رجلا أكمه : كيف يتصور البياض فقال : حلو . | فكأنه لما لم يجد صورة ~~البياض في تخيله ردها إلى حاسة أخرى هو واجد لمحسوسها فسماها بها وظنها ~~إياها . | # | 1 ( مسألة في حد الظلم ) 1 ms049 # ما معنى قول الشاعر : - والظلم في خلق النفوس فإن تجد ذا عفه فلعلة لا ~~يظلم . | وما حد الظلم أولا فإن المتكلمين ينفكون في هذه المواضيع كثيرا ~~ولا ينصفون شيئا وكأنهم في الغضب والخصام . | وسمعت فلانا في وزارته يقول : ~~أنا أتلذذ PageV01P114 بالظلم . | فما هو هذا ومن أين منشؤه أعني الظلم أهو ~~من فعل الإنسان أم هو من آثار الطبيعة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : الظلم انحراف العدل . | ولما احتيج في فهمه إلى فهم العدل ~~أفردنا له كلاما ستقف عليه ملخصا مشروحا . | وهو في معنى الجور الذي هو ~~مصدر جار يجور إلا أن الجور يستعمل في الطريق وغيره إذا عدل فيه عن السمت ~~والظلم أخص بمقابلة العدل الذي يكون في المعاملات فالعدل من الاعتدال وهو ~~التقسيط بالسوية وهذه السوية من المساواة بين الأشياء الكثيرة والمساواة هي ~~التي توجد الكثرة وتعطيها الوجود وتحفظ عليها النظام . | وبالعدل والمساواة ~~تشيع المحبة بين الناس وتأتلف نياتهم وتعمر مدنهم وتتم معاملاتهم وتقاوم ~~سننهم . PageV01P115 | ولشرح هذا الكلام وتحقيق مائية القول في العدل وذكر ~~أقسامه وخصائصه - بسط كثير لم آمن طوله عليك وخروجي فيه عن الشريطة التي ~~اشترطتها في أول الرسالة من الإيجاز ولذلك أفردت فيه رسالة ستأتيك مقترنة ~~بهذه المسألة على ما يشفيك بمعونة الله . | ولو أصبنا فيه كلاما مستوفى ~~لحكيم مشهور أو كتابا مؤلفا مشروحا - لأرشدنا إليه على عادتنا واحلنا عليه ~~كرسمنا ولكنا لم نعرف فيه إلا رسالة لجالينوس مستخرجة من كلام أفلاطون ~~وليست كفاية في هذا المعنى وإنما هي حض على العدل وتبيين لفضله وأنه أمر ~~مؤثر محبوب لنفسه . | وإذا عرفت العدل من تلك الرسالة عرفت منه ما عدل عنه ~~ولم يقصد سمته . | وكما أن إصابة السهم من الغرض إنما هو نقطة منه فأما ~~الخطأ والعدول عنها فكثير بلا نهاية - فكذلك العدل لما كان كالنقطة بين ~~الأمور تقسمها بالسوية كانت جهات العدول عنها كثيرة بلا نهاية . | وعلى حسب ~~القرب والبعد يكون ظهور القبح وشناعة الظلم . | فأما قول الشاعر : والظلم ~~في خلق النفوس فمعنى شعري ms050 لا يحتمل من النقد إلا قدر ما يليق بصناعة الشعر ~~. | ولو حملنا معاني الشعر على تصحيح الفلسفة وتنقيح المنطق لقل ~~PageV01P116 سليمه وانتهك حريمه وكنا مع ذلك ظالمين له بأكثر مما ظلم ~~الشاعر النفوس التي زعم أن الظلم في خلقها . | على أنا لو ذهبنا نحتج له ~~ونخرج تأويله لوجدنا مذهبا وأصبنا مسلكا ولكن هذه الأجوبة مبينة على ~~تحقيقات مغالطة الشعراء ومذاهبهم وعاداتهم في صناعتهم . | ثم أقول : إن ~~الظلم الذي ذكرنا حقيقته يجري مجرى غيره من سائر الأفعال فإن صدر عن هيئة ~~نفسانية من غير فكر ولا روية سمى خلقا وكان صاحبه ظلوما . | وهذه سبيل غيره ~~من الأفعال المنسوبة إلى الخلق لأنها صادرة عن هيئات وملكات من غير روية . ~~| فأما إذا ظهر الفعل بعد فكر وروية فليس عن خلق مذموما كان أو معلوما وإذا ~~لم يكن عن خلق فكيف يكون عن خلق . | وإنما يستمر الفاعل على فعل ما بروية ~~منه فتحدث من تلك الروية الدائمة هيئة تصدر عنها الأفعال من بعد بلا روية ~~فتسمى تلك الهيئة خلقا . | فأما الشيء الصادر عن هذه الهيئة فإنه إن كان ~~عملا باقي الهيئة والأثر سمى صناعة واشتق من ذلك العمل اسم يدل على الملكة ~~التي صدر عنها كالنجار والحداد والصائغ والكاتب فإن هذه الأعمال إذا صدرت ~~من أصحابها بلا روية سموا بهذه الأشياء ووصفوا بهذه الصفات . | فأما إن ~~تكلف إنسان استعمال آلة النجارة والحدادة والكتابة والصياغة فأظهر فعلا ~~يسيرا بروية وفكر فعلى سبيل حكاية وتكلف فإن أحدا لا يسمى هذا نجارا ولا ~~كاتبا ولذلك لم والصناعة كلها تجري هذا المجرى فهذه الأعمال كما نراها ~~والأفعال أيضا التي لا تبقي آثارها - جارية هذا المجرى . PageV01P117 | ~~وعلى هذه السبيل جرت أمور الأخلاق والأفعال الصادرة عنها لأن الأخلاق هيئات ~~للنفوس تصدر عنها أفعالها بلا روية ولا فكر . | فأما الوزير الذي سمعته ~~يقول : أنا أتلذذ بالظلم فإن الإختيارات المذمومة كلها إذا صار منها هيئات ~~وملكات صارت شرورا وسمي أصحابها : أشرارا . | وليس يختص الظلم في استحقاق ~~اسم الشر وخروجه عن الوسائط التي ms051 هي فضائل النفس - بشيء دون أمثاله ونظائره ~~. | وفقد هذه الوسائط هو شرور ورذائل تلحق النفوس كالشره والبخل والجبن سوى ~~أن الظلم اختص بالمعاملة وترك به طلب الاعتذار والمساواة . | وهذه النسبة ~~العادلة والمساواة في المعاملة - قد بينها أرسططاليس في كتاب الأخلاق وأن ~~المعاملة هي نسبة بين البائع والمشتري والمبيع والمشتري وأن نسبة الأول إلى ~~الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع على التكافؤ وفي النسبة والتبديل فيها وعلى ~~ما هو مشروح مبين في غيره من الكتب . | فأما قولهم : لا يزال الناس بخبر ما ~~تفاوتوا فإذا تساووا هلكوا فإنهم لم يذهبوا فيه إلى التفاوت في العدل الذي ~~يساوي بينهم في التعايش وإنما ذهبوا فيه إلى الأمور التي يتم بها التمدن ~~والاجتماع . | والتفاوت بالآحاد ههنا هو النظام للكل . | وقيل : إن الإنسان ~~مدني بالطبع فإذا تساوى الناس في الاستغناء هلكت المدنية وبطل الاجتماع . | ~~وقد تبين أن اختلاف الناس في الأعمال وانفراد كل واحد منهم بعمل هو الذي ~~يحدث نظام الكل ويتم المدنية ومثال ذلك الكتابة التي كليتها تتم باختلاف ~~الحروف في هيئاتها وأشكالها وأوضاع بعضها عند بعض فإن هذا الاختلاف هو الذي ~~يقوم ذات الكتابة التي هي كلية ولو استوت الحروف لبطلت الكتابة . ~~PageV01P118 | # | 1 ( مسألة زجرية ولغوية لم صار الرجل إذا لبس كل شيء جديد قيل له : خذ ~~معك بعض ما لا يشاكل ما عليك ليكون وقاية لك ) 1 # ألم تكن المشاكلة مطلوبة في كل موضع وعلى ذكر المشاكلة وما المشاكلة ~~والموافقة والمضارعة والمماثلة والمعادلة والمناسبة وإذا وضح الكلام في هذه ~~الألفاظ وضح الحق أيضا الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذا فعل ~~عامي يذهب إلى صرف العين . | وعند القوم أن الشيء إذا كمل من جهاته أسرعت ~~العين إليه بالإصابة فإذا كان منه شيء منتقص أو ظاهر فيه عيب شغلت العين به ~~عن الإصابة . | وكان ينبغي ألا تختلط هذه المسائل هذا الاختلاط فإني أرى ~~المسألة الشريفة الصعبة إلى جانب الأخرى التي لا نسبة بينهما قلة وسهولة . ~~| وليس للمجيب أن يقترح السؤال وينظم الشكوك ولأجل هذا ms052 اضطرت إلى الكلام في ~~جميعها على حسب مراتبها . | ولم أقل ذلك إبطالا للعين وأفعالها ولا زراية ~~على الأصول التي بنت العامة عليها ولكن المسألة PageV01P119 توجهت عن فعل ~~عامي وإن كان له أصل بعيد ورجع إلى أول وأسند إلى حقيقة . | فأما المسألة ~~عن المشاكلة والموافقة فإن الشكل المثل وهي مفاعلة منه ولا فرق بينها وبين ~~المماثلة على ما ذكره اللغويون . | وأنا أظن المثل أعم من الشكل لأن شكل ~~مثل وليس كل مثل شكلا . | فأما الموافقة فمن الوفق في المسألة التالية لهذه ~~المسألة ونحن نشرحه هناك مع ذكر البخت والجد . فأما المضارعة : فهي ~~المشابهة ، وهي مفاعلة من الضرع ، ومنه أصله PageV01P120 واشتقاقه . | فأما ~~المعادلة والمناسبة فقد مر ذكرها مستقصى في مسألة العدل . | والعدل لما كان ~~يماثل عدله بالموازنة صار قريب المعنى منه والمعادلة هي مفاعلة منه . | ~~وقلت في آخر المسألة : إنه إذا وضحت لك هذه الألفاظ وضح بها ما بعدها . | ~~فلذلك أمسكت عنها . | # | 1 ( مسألة خلقية لم اشتدت عداوة ذوي الأرحام والقربى ) 1 # حتى لم يكن لها دواء لشدة الحسد وفرط الضغائن وحتى زالت بها نعم وبادت ~~نفوس وانتهى إلى الجلاء والهلاك وهل كان الجوار وما يتعوذ بالله منه في شكل ~~هذه العداوة أم لا | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تقدم في ~~مسألة حد الحسد وفي المعاني القريبة التي يغلط الناس فيها وفي ذكر أسمائها ~~ما فيه غنى عن إعادته في جواب هذه المسألة لأنا ذكرنا هناك أن الاثنين أو ~~الجماعة من الناس إذا اشتركوا في أمر وجمعهم سبب فتساووا فيه مع تساويهم في ~~الإنسانية ثم تفرد من بينهم واحد بفضيلة - حسده نظيره أو غبطه . ~~PageV01P121 | وذوو الأرحام هم جماعة يشتركون في نسب واحد ولا يرى أحدهم ~~للآخر فضلا فإن انفرد وأيضا فإن موضوع الشركة في النسب هو المؤازرة ~~والمعاونة والتساوي في الأحوال . | وهذه حال منتظرة يتوقعها كل واحد من ~~الآخر فإذا أخلف الظن كان أشد احتمالا وأصعب علاجا وصار بمنزلة الدين ~~المجحود والحق المغموط فإذا اقتضى ثقل وإذا ثقل تنوكر ms053 وإذا تنوكر ثارت قوة ~~الغضب بالجميع والغضب يزرع الحقد ويبعث على الشرور . | وينضاف إلى هذا شدة ~~العناية والتفقد للأحوال وهذا لا يكون مع البعداء ولا يمكن فيهم فتكثر وجوه ~~المطالبات بالحقوق وادعاؤها وإن لم تكن وتثور أسباب الغضب والغضب يرى أكثر ~~مما تريه الحال نفسها ويطلب كل واحد من صاحبه وينتظر مثل ما يطلبه صاحبه ~~وينتظره وينتهي من العدد وكثرة الوجوه إلى حيث يتعذر دواؤه ويقع الإياس منه ~~. | والجوار أيضا سبب قوى لأنه شركة ما تبعث على تفقد الأحوال وتلقح الحسد ~~وجميع الأحوال التي ذكرناها في ذوي الأرحام إلا أن هناك عطفا مرجوا وإبقاء ~~معلوما لا يوجد مثلهما في الجوار فالشر إذا ثار منه صرف والحسد فيه محض لا ~~مزاج للخير فيه ولا داعي إلى البقيا معه . PageV01P122 | # | 1 ( مسألة طبيعية لم غضب الإنسان من شر ينسب إليه وهو فيه ) 1 # وما سبب غضبه من شر ينسب إليه وليس هو فيه والصدق في الأول من باب ~~المحبوب المحمود والكذب في الثاني من باب المذموم المكروه | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : سبب ذلك محبة النفس وقد تقدم شرحه . | ~~والإنسان إذا ذكر بشر هو فيه كره أن يفطن له وإن فطن له أن يجبه أو يغتاب ~~به لأنه يعرف قبح الشر ويحب لنفسه التي هي حبيبته أن تكون بريئة من كل عيب ~~بعيدة من كل ذنب وذم فإذا رميت بشر لحقه غم أولا ثم محبة الانتقام ممن غمه ~~. | والغضب حقيقته حركة النفس للانتقام وهذه الحركة تثير دم القلب حتى يغلي ~~ولذلك يحد الغضب بأنه غليان دم القلب شهوة الانتقام . | فأما غضب الإنسان ~~من شر ينسب إليه وليس هو فيه فبالواجب لأنه قصد بالظلم ليغم . | وفائدة ~~الغضب وسبب وجوده في الإنسان هو أن ينتصر به من الظالم أو يمنعه ويضعه عن ~~نفسه فإذا علم الإنسان أن قاصدا يقصده بالظلم أحب الانتقام منه وتحركت نفسه ~~لذلك فحدث الغضب . | فقد استبان من الصدق والكذب جميعا في هذه المسألة سبب ~~هيج الغضب ومائيته أيضا . PageV01P123 # | مسألة ms054 نفسانية ما علة حضور المذكور عند مقطع ذكره وهو لا يتوقع فيه # هذا كثير معهود وإن لم يكن من باب المعتاد المألوف ولو كان من ذلك لسقط ~~التعجب وزال الإكبار ووقع الإشتراك . | ومن هذا الضرب رؤية الإنسان ~~بالالتفات من لم يكن يظن أنه يراه . | وكذلك تشبيهك بعض من يلحقه طرفك ~~بمعهود لك حتى إذا حدقت نحوه لم يكن ذاك ثم إنك لا تلبث حتى تصادف المشبه ~~به . | وهل هذا كله بالاتفاق وإن كان بالاتفاق فما الاتفاق وهل الاتفاق هو ~~الوفاق وما الوفاق حتى يكون البيان عنه بيانا عن الأول أو مطلعا عليه أو ~~مقربا إليه . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن النفس علامة ~~بالذات دراكه للأمور بلا زمان وذاك أنها فوق الطبيعة والزمان إنما هو تابع ~~للحركة الطبيعية وكأنه إشارة إلى امتدادها ولذلك اشتق اسم المدة منه لأن ~~المدة فعلة والامتداد افتعال وأصلها PageV01P124 واحد من المد . | ولما ~~كانت النفس فوق الطبيعة وكانت أفعالها فوق الحركة أعني في غير زمان فإذن ~~ملاحظتها الأمور ليست بسبب الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل بل الأمر عندها ~~في السواء فمتى لم تعقها عوائق الهيولى والهيوليات وحجب الحس والمحسوسات - ~~أدركت الأمور وتجلت لها بلا زمان وربما ظهر هذا الأمر منها في بعض المزاجات ~~أكثر حتى يرتفع إلى حد التكهن وهذا الإنذار ربما كان في زمان بعيد فكلما ~~كان أبعد والمدة أطول كان أبدع عند الناس وأغرب ثم لا يزال يقرب الزمان ~~ويقصر فيه حتى يتلو وقت الإنذار بلا كبير فاصلة . | وهذه الحال تعرض لمن ~~يذكر الإنسان فيحصر المذكور عند مقطع ذكره ولم يكن سببا لحضوره بل كان ~~الأمر بالضد فإن قرب حضوره أشعر النفس حتى أنذرت به . | وكذلك الحال في ~~الرؤية بالالتفات فإن قرب الملتفت إليه هو الذي حرك النفس حتى استعملت آلة ~~الالتفاف . | واستقصاء هذا غير لائق بشرطنا في ترك الإطالة ولولا ذلك ~~لذكرنا أمورا بديعة من هذا الجنس وفي هذا القدر كفاية PageV01P125 وبلاغ ~~فيما سألت عنه . | فأما مسألتك عن الاتفاق وهل هو ms055 الوفاق وما الوفاق فقد ~~وعدنا بالكلام فيه في مسألة تجيء بعد هذه . | ولعمري إن الاتفاق هو الوفاق ~~لأنه افتعال منه والأصل واحد والاشتقاق دال عليه . | وسنحبر عنه إخبارا ~~كافيا عند ذكر البخت والجد إن شاء الله . | # | 1 ( مسألة تشتمل على نيف وعشرين مسألة طبيعية ولغوية ما الخصائص ~~الفارقة بين حقائق المعاني في ألفاظ دائرة بين أهل العقل والدين ) 1 # وهي أسماء طابقت أغراضها لكنها خفية الأصول جلية المعاني وهي : ما القوة ~~والقدرة والاستطاعة والطاقة فهي القوة بالمحمول عليها والشجاعة والنجدة ~~والبطولة والمعونة والتوفيق واللطف والمصلحة والتمكن والخذلان والنصرة ~~والولاية والملك والملك والرزق والدولة والجد والحظ . ولم أذكر البخت فإنه ~~ليس من كلام العرب ومعناه قد التبس ببعض هذه الأشياء وكذلك المبخوت . | ~~فأما المجدود والمحدود والمحظوظ والحظى والجدى فكل ذلك مراد به معنى ومرمى ~~به غاية ولكن البيان عنها عزيز والتحقيق فيها شديد . | الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : وجدت في هذه المسائل مع اختلافها ما يتقارب وما ~~يتباعد في المعاني PageV01P126 فألفت الشكل إلى شكله ولم أراع تأليفها ~~ونظمها . | أما القوة : | فاسم مشترك يقال على القوة التي هي في مقابلة ~~الفعل . | وهذا اسم خاص يستعمله الحكماء حسب ولا يعرفه الجمهور ومعناه أنه ~~الشيء الممكن أن يظهر فيصير موجودا بالفعل فيقال : الجرو مبصر بالقوة ~~والإنسان كاتب بالقوة وإن لم يكن في ويقال على القوة التي يشار بها إلى ~~معان موجودة للنفس كقوة الإبصار والإدراك والفكر والتمييز والغضب وما ~~أشبهها . | ويقال على المعنى الذي في الحديد وأشباهه من الصلابة والامتناع ~~على التثنى والكسر . | ويقال أيضا على البطش والجلد الذي يختص الحيوان ~~وأظنك إياها عنيت بالمسألة لأنها ذكرت مع الطاقة والقدرة . | وقد أصبت حدا ~~يعم أكثر هذه الأسماء ويخص مسألتك وهو أن القوة PageV01P127 حال لذي القوة ~~تظهر عند ما هي قوة عليه . | فأما شرح هذا الحد بحسب ما يختص الحيوان فهو ~~اعتدال في الأعصاب بين الرطوبة واليبوسة وذلك أن العصب إذا أفرط في الرطوبة ~~استرخى عند العمل فسمى مستعمله ضعيفا وإذا أفرط في ms056 اليبوسة انبتر وانقطع أو ~~خشى عليه ذلك وألم عند العمل فكان مستعمله أيضا ضعيفا . | وليس يطلق اسم ~~القوة إلا بالإضافة وعلى حسب موضوع ذي القوة فقد يقال : رجل قوى وجمل ضعيف ~~كما يقال : نملة قوية وفيل ضعيف . | فأما الطاقة فهي وفاء القوة بالمحمول ~~عليها وهي مستعملة في الحيوان وفي قوته خاصة وفي وقد تستعمل أيضا في ~~الأثقال النفسانية تشبيها واستعارة فيقال : فلان يطيق حمل مائة منا أى قوته ~~وفاء بهذا الثقل إذا حمله PageV01P128 ويقال : فلان يطيق الكلام ولا يطيق ~~النظر ولا الغم والسرور . | فإن استعمل في غير الحيوان فعلى المجاز البعيد ~~. | فأما القدرة فهي تمكن من إظهار هذه القوة عند الإرادة ولذلك تختص ~~بالحيوان ولا تستعمل في غيره ألبته لما حددناه به . | وأما الاستطاعة فهي ~~استفعال من الطاعة أي استدعاؤها هذا بحسب الاشتقاق ودليل اللغة . | فأما ~~على الحقيقة فهي كلمة مستعارة وذلك أنك لا تستدعي طاعة شيء لك إلا وأنت ~~تستحقها منه بالقدرة عليه . | وتلخيص هذا الكلام أنك إذا قلت : استطعت كذا ~~وأنا أستطيع الأمر أي إذا استدعيت طاعته أجابني . | وهي توول إلى معنى ~~القدرة وإن كانت أقدم منها بالذات وكان بينهما فرق من هذا الوجه لأن النفس ~~هي التي تستدعي طاعة الشيء بالقدرة عليه وتحكم بإجابته لها . | وهذه ~~المعاني مضمنة لفظة الاستطاعة واشتقاق الاسم دال عليه فتأمله تجده واضحا إن ~~شاء الله . | PageV01P129 فأما الشجاعة فهي استعمال قوة العصب بقدر ما ~~ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وفيما ينبغي وعلى الحال التي تنبغي . | وهي خلق ~~يصدر عنه هذا الفعل على ما يحده العقل وهي حال واسطة بين طرفين مذمومين : ~~أحدهما زيادة بالإفراطن والأخرى زيادة بالتفريط . | فأما من جانب الزيادة ~~فأن تستعمل بأكثر مما ينبغي في سائر شرائطها فتسمى تهورا . | وأما من جانب ~~النقصان فأن تستعمل بأقل مما ينبغي في سائر شرائطها فتسمى جنبا . | ~~والشجاعة لفظة مدح كالجود والعفة وما جرى مجراهما . | وأول ما يظهر منها ~~أثرها في الإنسان نفسه إذا قمعت شهواته فاستعمل منها قدر ما يحده العقل ~~بسائر شرائطها ثم ms057 يظهر أثرها في غيره إذا قصده آخر بضيم أو ظلم فإنه يدفعه ~~عن نفسه بالشروط المذكورة من غير إفراط ولا تفريط . | وأما النجدة فهي في ~~معنى الشجاعة أعني أنها لفظة مدح وتؤدي عن PageV01P130 معناها إلا أنها ~~بحسب اللغة مأخوذة من الارتفاع والرجل النجد كأنه المرتفع عن الضيم الذي ~~علا عن مرتبة من يستذل ويمتهن كالنجد من الأرض الذي هو ضد الغور . | وأما ~~البطولة - وإن كانت في معنى الشجاعة - فإنها مختصة بما يظهر في الغير ولا ~~تستعمل في وأخلق بالبطولة أن تكون عائدة إلى معنى البطلان لأن صاحبها - ~~أبدا - متعرض لذلك من الفرسان لا سيما والعرب لا تميز بين الشجاعة الممدوحة ~~وبين الزيادة فيها المذمومة بل عندها أن الإفراط هو الشجاعة . | فأما ما ~~سميناه نحن شجاعة - فهو بالإضافة إلى ما سمته بها - جبن كما فعلوا ذلك في ~~السخاء والجود فإنهم استعملوا هذا المذهب بعينه . | PageV01P131 وأقول : إن ~~الشجاعة ربما أدت إلى بطلان الحياة وكان الموت حينئذ خيرا جيدا ممدوحا لما ~~وقع بحسب الشجاعة أعني على ما حده العقل وكما ينبغي وعلى سائر الشروط لأنه ~~لو قصر صاحبها أعني الشجاعة لكان مذموما جبانا كما بينا وأوضحنا وكما تقدم ~~من شرحنا معنى الموت الجيد والحياة الرديئة فيما تقدم . | فأما المعونة فهي ~~إمداد القوة بقوة أخرى من جنسها خارجة عنها . | والخذلان ترك هذا الإمداد ~~مع التمكن منه . | فإذا كانت المعونة من البشر كانت نافعة مرة وضارة مرة ~~لجهلهم بعواقب الأمور ولكن اسم المعونة اسم المدح لأن المعمول عليه بين ~~الناس هو النية والقصد في الوقت لا عواقب الأمور . | فأما إن كانت من الله ~~- تعالى - فليست إلا نافعة غير ضارة لعلمه بالعواقب ولأن الله - تعالى - لا ~~يفعل إلا الخير والنافع وهو متعال عن الشر منزه عنه جل ذكره وتقدس اسمه ~~وعلا علوا كبيرا عما يقول الظالمون . | وإذا تبين ما العونة وكيف تقع من ~~البشر ومن البارى - تعالى - فقد تبين ضدها الذي يسمى الخذلان فلا معنى ~~لإطالة الكلام فيه . | PageV01P132 فأما اللطف والمصلحة فلفظتان مختصتان ~~بأصحاب الكلام وإن ms058 كانتا أيضا معروفتين عند الجمهور ومعناهما عند القوم ~~معروف . | وأنت - أبقاك الله - ريان شبعان من كلامهم ومعانيهم وأغراضهم غير ~~محتاج أن نتكلف لك إيضاح شيء منها . | زادك الله وامتع بالنعمة فيك . | ~~وأما التمكين فهو تفعيل من الإمكان والإمكان في الشيء هو جواز إظهار ما في ~~قوته إلى الفعل وطبيعته بين الواجب والممتنع . | وذلك أنك إذا تصورت طبيعة ~~الواجب كان طرفا وبإزائه في الطرف الآخر - أعني ما هو في غاية PageV01P133 ~~البعد منه - طبيعة الممتنع وبينهما طبيعة الممكن . | ولأجل هذا صار للممكن ~~غرض كبير ولم يكن للواجب لا للممتنع غرض لأن بين الطرفين مسافة تحتمل ~~الانقسام الكثير فأما الطرف فلا مسافة له والمسافة التي بين هذين الطرفين - ~~أعنى الواجب والممتنع - إذا لحظت وسطها على الصحة فهو أحق شيء وأولاه ~~بطبيعة الممكن . | وكلما قربت هذه النقطة التي كانت وسطا إلى أحد الطرفين ~~كان ممكنا بشرط وتقييد فقيل : ممكن قريب من الواجب وممكن بعيد منه . | ~~وكذلك يقال في الممكن القريب من الممتنع والبعيد منه . | فأما إذا كان في ~~الوسط فهو ممكن على الإطلاق وحينئذ ليس هو بالواجب أولى منه بالممتنع لا هو ~~بأن يظهر من قوته إلى الفعل أولى من أن يبقى بحاله في القوة . | فالتمكين ~~هو مصدر مكن تمكينا كما تقول : كرم تكريما وكلم تكليما والإمكان مصدر أمكن ~~إمكانا كما تقول : أكرم إكراما . | والممكن مفعل منه كما تقول مكرم . | ~~وأما الاسم الذي منه اشتق هذا الفعل فلم يستعمل في اللغة ولا جاء منه ذلك ~~لأن الشيء لا فعل له إلا الفعل المتعدي بالهمزة فإذا قلت في الشيء : هو ~~ممكن فكأنك قلت : إن هذا الشيء الذي في القوة - ولم يستعمل له اسم وهو في ~~التقدير وتقديره الممكن - قد أعطاك ذاته والإمكان مصدر أمكن الشيء من ذاته ~~. | فأما التمكين فهو فعل شيء آخر بك إذا جعلك من هذا الشيء بحيث تخرجه إلى ~~الفعل بالإرادة وهو مصدر مكن وهذا التشديد يجىء في مثل هذا الوضع من اللغة ~~إذا أريد به تكرير الفعل وتأكيده كما تقول : ضرب ms059 وضرب وشد وشدد . | وقد ~~يجيىء التمكين بمعنى آخر وهو أن يكون تفعيلا مشتقا من PageV01P134 المكان ~~كما تقول : مكنت الحجر في موضعه إذا وافيته حقه من مد المكان ليلزمه ولا ~~يضطرب . | ومنه تمكن الفارس من السرج وتمكن الإنسان من مجلسه . | وتمكن ~~الإنسان من الأمير من هذا على التشبيه والاستعارة . | وبين هذا المعنى ~~والمعنى الأول بون بعيد كما تراه . | وأما الرزق فهو وصول حاجات الحي إليه ~~بما هو حي . | وههنا أشياء توصل إلى هذه الحاجات وهي عوض منها ونائبة عنها ~~أعني ما يتعامل عليه فجعلت كأنها هي وسميت أيضا أرزاقا لما أدت إليها ~~والأصل الأول قال الله تعالى : [ اي ] { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } [ \ ~~اي ] PageV01P135 | ولما كانت أسباب الوصول إلى الحاجات كثيرة : فمنها قريب ~~ومنها بعيد ومنها طبيعي ومنها وغير طبيعي منها اتفاق ومنا غير اتفاق وغلط ~~الناس ضروبا من الغلط : منها أنهم راموا أن يجعلوا الأسباب الكثيرة سببا ~~واحدا ومنها أنهم راموا في الأسباب البعيدة القرب فلما خفى عنهم ذلك ولم ~~يجدوه حيث طلبوه - لحقتهم الحيرة وبقدر جهلهم بالسبب عرض لهم التعجب من ~~الأمر . | فأما الدولة فمن قولك دال الشيء بين القوم وتداولوه بينهم إذا ~~اعتوروه بالمعاطاة قال الله تعالى : [ اي ] { كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم } [ \ اي ] أي ليتعاوره الكل ولا يخص قوما دون قوم . | وهي لفظة مختصة ~~بالأمور الدنيوية المحبوبة لا سيما الغلبة . | وأسبابها أيضا كثيرة : فمنها ~~بعيد ومنها قريب ومنها طبيعي ومنها غير طبيعي وغير الطبيعي منقسم إلى ~~الإرادي والإتفاقي . | وكل واحد من هذه الأقسام أيضا ينقسم وتبعد علله ~~وتقرب وتختلط ويتركب ضروب التراكيب فإذا فقد الجمهور وجود سببه عرض لهم فيه ~~من الحيرة والتعجب ما عرض في الرزق . | فأما التوفيق والاتفاق والموافقة ~~والوفاق فقد مر ذكرنا كل واحد منها منفردا وفي مسائل متفرقة ، ووعدنا ~~PageV01P136 الكلام عليها في هذا الباب مع ذكر البخت و الجد لأنها أشكال ~~وقرائب . | وهذه الألفاظ الأربعة التي عددناها متقاربة المعاني وهي مشتقة ~~من الوفق وهي من ألفاظ الإضافة لأنها لا تقع إلا ms060 بين شيئين أو بين الأشياء ~~. | ويقال هذا وفق هذا أى لفقه وطبقة وملائمه ويستعمل في كل متلائمين من ~~جسمين وخلقين وغيرهما . | وفي المثل : وافق شن طبقة وافقه فاعتنقه فقولك ~~وافق فاعل من الوفق . | وهذا الوزن يجىء في كلام العرب لما كان بين اثنين ~~وكان كل واحد منهما وافق الآخر وهو موافق كما قيل : ضارب صاحبه فهو مضارب . ~~| والاتفاق افتعال من الوفق . | وهذا الوزن يجىء فيما لم يكن فاعله خارجا ~~منه . | كما يقال : اقترب واعتلق واضطرب والأصل في اتفق اوتفق . | وكل هذا ~~مشتق من الوفق . | وهذا الوزن لا يجىء فيما لم يكن فاعله إلا الذي ذكرناه . ~~| فإذا اجتمع شيئان أو أشياء على ملاءمة بينهما بسبب إرادي مجهول وكان ~~منهما موافقة لإرادة إنسان ما - كان اتفاقا له ولا بد أن يكون فيه قسط من ~~الإرادة ونصيب من القصد والاختيار فإن لم يكن للإرادة PageV01P137 فيه نصيب ~~وإنما وقع بسبب طبيعي مجهول وكان فيه أمر نافع لإنسان - كان بختا له . | ~~ولما كانت الأمور بعضها يتم بأسباب طبيعية وبعضها بأسباب إرادية وبعضها ~~يتركب فيكون تمامه بأسباب طبيعية وأسباب إرادية وكل واحد منهما يتم منه أمر ~~واحد محبوب أو مكروه وإن اختلفت أسبابه بحسب إنسان إنسان ونحو غرض غرض - ~~خولف بين أمسائها ليدل بها على اختلاف أسبابها . | وما كان من الأمور له ~~سبب طبيعي بعيد أو قريب إلا أنه مجهول ثم عرض أن يكون نافعا لإنسان من غير ~~إرادة ولا قصد - سمي بختا . | وما كان من الأمور له سبب إرادي بعيد أو قريب ~~إلا أنه مجهول ثم عرض له أن يكون نافعا لإنسان موافقا لغرض له وإرادة - سمي ~~اتفاقا . | ولا يشتق للإنسان اسم من هذين إلا بعد أن يتكرر له أمر أعني أنه ~~إنما يسمى مبخوتا إذا عرض له مرات كثيرة أن تحدث أفعال طبيعية لأسباب لها ~~مجهولة فتتم بها أغراض مطلوبة محبوبة . | وأيضا فإنما يسمى موفقا إذا عرض ~~له مرات كثيرة أن تقع أفعال إرادية لأسباب لها مجهولة فتتم وأنا أكشف هذين ~~المعنيين بمثالين ليضح ms061 أمرهما وينكشف . | على أني رأيتك تستعفي أن تفهم ~~معنى البخت لأنك لم تجده في كلام العرب كأنك خطرت على نفسك أن تفهم حقيقة ~~إلا أن تكون في لفظ عربي فإن عدمت لغة العرب رغبت عن العلوم لكنا - أيدك ~~الله - لا نترك البحث عن PageV01P138 المعاني في أي لغة كانت وبأي عبارة ~~حصلت فأقول : أما مثال البخت فأن يسقط حجر من مكان عال فيصيب رجلا في عضو ~~له تنفجر منه عروق ويخرج منه الدم فإن كان الرجل محتاجا قبل ذلك إلى إخراج ~~الدم صار سقوط الحجر الذي فجر العرق وأخرج الدم سببا لصحته ومنع المرض عنه ~~فهذا بخت جيد . | فإن كان عرض للرجل أشياء كثيرة تشبه هذا فهو مبخوت . | ~~وإن كان خروج الدم غير نافع للرجل ولا كان به حاجة قبل ذلك إلى إخراجه بل ~~تعجل بسقوط الحجر الألم وبخروج الدم سقوط القوة والوقوع في مرض كان غير ~~مستعد له فهو بخت ردىء . | وأما المثال في الاتفاق فإن يخرج إنسان من منزله ~~بإرادة وقصد إلا أنهما كانا منه نحو التماس الحاجة فلقي في طريقه ذلك صديقا ~~كان يهوى لقاءه أو غريما كان يطلبه فلا يجده فهذا اتفاق جيد فإن عرض للرجل ~~مثال لهذا كثير فهو موفق . | وإن كان لقاؤه أيضا وافق عدوا كان يهرب منه أو ~~غريما كان متواريا عنه فهو اتفاق ردىء والرجل إذا دام عليه مثل هذا غير ~~موفق . | ولما كانت أسباب الحركات الإرادية إنما تكون من خواطر وعوارض ~~للنفس ليست بإرادة إذ لو كانت عن إرادة لوجب من ذلك وجود إرادات لا نهاية ~~لها وهذا محال - كانت هذه الخواطر والعوارض التي هي آثار وأفعال منسوبة إلى ~~فاعل وقد قلنا إن فاعلها غير الإنسان فهي PageV01P139 إذن فعل غيره لا ~~محالة . | فإن كانت مؤدية إلى خيرات ومنافع كانت منسوبة إلى الله - تعالى - ~~وهو التوفيق تفعيل من الوفق وهذا التوفيق ربما فعله الله - تعالى - بالعبد ~~من غير مسألة وربما كان بعد مسألة وتضرع إلا أن الناس كافة يرغبون إلى الله ~~- تعالى - فيها ms062 ويسألونه إياها دائما في كل زمان فإذا سنحت هذه العوارض ~~والخواطر للنفس فزعت إلى حركات يتم بها وبغيرها أمر واحد مختار لإنسان ما ~~نحو غرض جيد له - كان توفيقا وكان الرجل موفقا . | فأما الجد فكأنه اسم ~~شامل لهذين المعنيين جميعا لأن الإنسان إن وفق وبخت فهو مجدود وإن انفرد ~~أيضا بأحدهما فهو مجدود أيضا . | وأما الحظ فهو القسم والنصيب . | ولما كان ~~لكل إنسان نصيب من السعادة وقسط من الخير مقسوم له من الفلك بحسب مولده - ~~فأما المحدود فهو الممنوع واشتقاقه من الحد وهو المنع ، ويقال PageV01P140 ~~للبواب حداد من هذا وكأن المحدود ممنوع مما يصيب غيره من الخير . | والحظى ~~والجدى منسوبان إلى الجد والحظ كما يقال تميمى وبكرى . | فأما النصر فهو ~~المعونة إلا أنه فيما أدى إلى الغلبة والقهر وقد قلنا ما المعونة فيما سلف ~~. | وأما الولاية فاسم مشترك وتصرفه بحسب تصرف اسم المولي أعني أنه يكون من ~~فوق ويكون من أسفل إلا أن الحقيقة فيهما أنهما حال توجب اختصاصا وتحققا ~~يدعو الأعلى إلى الحنو والشفقة والأسفل إلى النصيحة والطاعة . | وإذا أخذ ~~هذا الاسم بحسب الشريعة وأنه لفظ شرعي حد بقدر ذلك المعنى المشار إليه وإن ~~كان الأصل ما ذكرناه . PageV01P141 | فأما ملك الشيء فهو التفرد بنفاذ ~~الحكم فيه . | وهذا قد يكون بالطبيعة والشريعة وبالاصطلاح : أما بالطبيعة ~~فملك الإنسان لأعضائه وآلاته الطبيعية وحركاته التي يصرفها على إرادته . | ~~وأما بالشريعة فمثل ملك الرق بالسبي لمن خالف أصول الشرع . | وأما ~~بالاصطلاح فمثل المفاوضات التي تقع بين المتعاملين . | ونفوذ الأمر فيه على ~~طريق عموم المصلحة بالشفقة فإذا كان بحسب الشرع والقيام بقوانينه وإنفاذ ~~أحكامه وحمل الناس عليه طوعا وكرها ورغبة ورهبة ونظرا لهم كافة بلا هوى ولا ~~عصبية - فهو الملك الحقيقي الذي يستحق هذا الاسم ويستوجبه بحسب معناه . | ~~وإن لم يكن بحسب الشرع وشروطه التي ذكرناها فهو غالبة والرجل متغلب ولا يجب ~~أن يسمى ملكا ولا صناعته ملكية ولا نفوذ أمره بحسب الملك . | وقد استبان من ~~هذا الكلام حقيقة الملك والفرق بينه وبين المتغلب وإن ms063 كان شرح ذلك يضيق عن ~~هذا المكان لكن الإشارة إليه كفاية بالغة . PageV01P142 | # | 1 ( مسألة ما معنى قول الناس هذا من الله وهذا بالله وهذا إلى الله ~~وهذا على الله ) 1 # وهذا من تدبير الله وهذا تدبير الله وهذا بإرادة الله وهذا بعلم الله ~~وحكاية طويلة في إثر هذه المسألة عن شيخ هذه المسألة عن شيخ فاضل مقرظ ~~وجوابات له ؟ | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما الناس ~~ومقصدهم بهذه الحروف من المعاني فلا يمكن أن يعتذر له لكثرة وجوه مقاصدهم ~~واختلاف آرائهم ومذاهبهم . | وليس من العدل تكليفنا ذلك ولو ذهبنا نعدد ~~آراء الناس لطال فكيف الاعتذار لهم وتأويل أقوالهم . | وأنا أضمن بالجملة ~~أن أعرفك وجه الصواب عندي في هذه المسائل وما أذهب إليه وأجتهد لك في ~~إيضاحه على غاية الاختصار والإيماء كما شرطته في الرسالة التي صدرت بها ~~فأقول : إن جميع ما يطلق على الله - تعالى ذكره - من هذه المعاني وما ينسب ~~إليه من الأفعال والأسماء والصفات إنما هو على المجاز والتسمح وليس يطابق ~~شيء من حقائق ما تتعارفه بيننا بهذه الألفاظ - شيئا مما هناك . | وأول ذلك ~~أن لفظة من في هذه المسائل تستعمل في اللغة وبحسب ما قاله النحويون لابتداء ~~الغاية ولفظة إلى لانتهاء الغاية والباء للاستعانة وكذلك سائر الحروف لها ~~معان مبينة عندهم . | ولست أطلق شيئا من هذه الحقائق في الله - عز وجل - ~~إلا مجازا فإني لا أقول إن لفعله ابتداء ولا نهاية ولا له استعانة بشيء ~~فنطلق عليه الباء أعني أن يقال هذا تدبير الله ولا تدبير هناك ولا حاجة به ~~إلى هذا الفعل ولا غيره وكذلك أقول في سائر الأفعال المنسوبة إليه وكذلك ~~أقول PageV01P143 في الأسماء والصفات التي أطلقت ورخص فيها صاحب الشريعة ~~وإنما أتبع فيها الأثر وامتثل باستعمالها الأمر وإلا فمن ذا الذي يطلق ~~حقيقة الرحمن الرحيم وغيرهما من الأوصاف على الباري المتعالي عن الانفعالات ~~وإنما الرحمة انفعالا للنفس تصدر بحسبها أفعال محمودة بيننا وليس هناك شيء ~~من هذه المعاني والحقائق ولكن لما كان ms064 الإنسان قدير الجهد والوسع وليس عليه ~~ما لا يفي به ولا يطيقه - أطلق أكرم الأسماء التي هي ممدوحة شريفة بيننا ~~على الله - تعالى - كمثل السميع العليم والجبار العزيز وأشباهها . | وأنا ~~أعتقد أن الشرع خاصة أطلق لنا هذه الأسماء والصفات ولو خلينا ورأينا لما ~~أقدمنا على شيء منها أصلا برخصة ولا سبب . | فإذا سمعنا بشيء من هذه ~~الأسماء والأفعال والحروف منسوبة إلى الله تعالى - نظرنا فيه : فإن كان ~~مطلقا في الشريعة أطلقناه ثم تأملنا مراد قائله فإن كان خيرا وحكمة وعدلا ~~تركناه ورأيه وإن لم يكن كذلك ولائقا بإضافة إليه أبطلناه وزيفناه وكذبنا ~~قائله ونزهنا بارئنا الواحد المنزه المتعالي عن هذه الأوصاف الباطلة . | ثم ~~إني وجدتك - أيدك الله - تحكي في هذه المسألة جوابات عن شيخ PageV01P144 ~~فاضل تثني عليه وتسكن إلى قوله وتقنع بأجوبته فرأيت أن أقنع أبا أيضا لك ~~بها وذلك أنك ذكرت في آخر المسألة ما هذه حكايته : طال هذا الفصل عن هذا ~~الشيخ في معان متفرقة تجمع فوائد غريبة بألفاظ مختارة وتأليفات مستحسنة ولو ~~أمكن أن يتلو كل ما تقدم مثل هذا لكان في ذلك للعين قرة للروح راحة ولكن ~~الوقت مانع من المفروض الموظف فضلا عن غيره وأنا إلى إتمام الرسالة أحوج ~~مني إلى غيره . | # | 1 ( مسألة ما الإلف الذي يجده الإنسان لمكان يكثر القعود فيه ولشخص ~~يتقدم الأنس به ؟ ) 1 # وهذا تراه في الرجل يألف حماما بل بيتا من الحمام ومسجدا بل سارية في ~~المسجد ولقد سمعت بعض الصوفية يقول : حالفتني حمى الربع أربعين سنة ثم أنها ~~فارقتني فاستوحشتها . | ولم أعرف لاستيحاشي معنى إلا الإلف الذي عجنت ~~الطينة به وطويت الفطرة عليه وضبغت الروح به . | الجواب : الإلف هو تكرر ~~الصورة الواحدة على النفس أو على الطبيعة PageV01P145 مرارا كثيرة . | فأما ~~النفس فإنما تتكرر عليها صور الإشياء إما من الحس وإما العقل . | فأما ما ~~يأتيها من الحس فإنها تخزنه في شيبه بالخزانة لها أعنى موضع الذكر وتكون ~~الصورة كالغريبة حينئذ فإذا تكرر مرات شيء واحد وصورة واحدة زالت الغربة ms065 ~~وحدث الأنس وصارت الصورة والقابل لها كالشيء الواحد فإذا أعادت النفس النظر ~~في الخزانة التي ضربناها مثلا - وجدت الصورة الثانية فعرفتها بعد أنس وهو ~~الإلف . | وهذا الإلف يحدث عن كل محسوس بالنظر وغيره من الآلات . | فأما ما ~~تأخذه من العقل فإنها تركب منه قياسات وتنتج منها صورا تكون أيضا غريبة ثم ~~بعد التكرر تنطبع فيقع لها الأنس إلا أنه في هذا الموضع لا يسمى إلفا ولكن ~~علما وملكة ولهذا يحتاج في العلوم إلى كثرة الدرس لأنه في أول الأمر يحصل ~~منه الشيء يسمى حالا وهو كالرسم ثم بعد ذلك بالتكرر يصير قنية وملكة ويحدث ~~الاتحاد الذي ذكرناه . | فأما الطبيعة فلأنها أبدا مقتفية أثر النفس ~~ومتشبهة بها إذ كانت كالظل للنفس الحادث منها فهي تجرى مجراها في الأشياء ~~الطبيعية ولذلك إذا عود الإنسان طبعه شيئا حدثت منه صورة كالطبيعة ولهذا ~~قيل : العادة طبع ثان . | PageV01P146 وإذا تصحفت الأمور التي تعتاد فتصير ~~طبيعة وجدتها كثيرة واضحة أبين وأظهر من الإلف الذي في النفس كمن يعود نفسه ~~الفصد والبول والبراز وغيرها في أوقات بعينها وكذلك الهضم في الأكل والشرب ~~وسائر ما تنسب أفعالها إلى الطبيعة . | # | مسألة طبية لم صار الصرع من بين الأمراض صعب العلاج ؟ # وسبب ذلك نرى الطبيب كاليائس من برئه ويقال : إنه فيمن طغن في السن وأخذ ~~بدنه في الخلوقة أصعب وفي الصبي اللين العود الرطب الطين السريع الحيلولة ~~أقرب مرارا وأسهل برءا . | الجواب : قال أبو علي مسكوبه - رحمه الله : ~~الصرع هو تشنج يحدث في الأعصاب ومبدأ العصب الدماغ لأنه من هناك ينبت في ~~جميع البدن وسبب هذا التشنج بخار غليظ يكون من بلغم لزج وكيموس غليظ يسد ~~منافذ الروح التي في بطون الدماغ ولأن البخار - وإن كان غليظا - فهو سريع ~~التحلل تكون الإفاقة سريعة بحسب تحلله . | وهذا الانسداد ربما كان من ~~الدماغ نفسه وربما كان باشتراك المعدة من بخار غليظ يرتفع إليه منها وهو ~~الأكثر وربما كان باشتراك عضو آخر . | PageV01P147 والعليل يحس قبيل وقت ~~النوبة إذا كان من عضو غير المعدة ms066 كأن شيئا ينشأ من هناك وينجذب إلى فوق ~~فيربط الطبيب ذلك الموضع ويلف عليه عصائب قوية ليمنع البخار من الصعود إلى ~~الدماغ . | ولما كان الصبي ضعيف الدماغ رطبه كان سريعا إلى قبول البخارات ~~وحرارته في النشوء معمورة بكثرة الرطوبات وليس البخار بشيء أكثر رطوبة ~~كثيرة تضعف الحرارة عن تحليلها وإحالتها فلذلك كثرت البخارات في رأسه فحدثت ~~منه السدد التي ذكرناها . | والطبيب الماهر لا يعالج الصبي بشيء من أدوية ~~الصرع بل يتركه ويداوي الموضع بإصلاح الغذاء فإن الطبيعة إذا قويت وجف فضول ~~الرطوبات عن جميع البدن وذكت الحرارة - زال الصرع لنفسه لزوال السبب أعني ~~البخار الكثير ولصلابة جوهر الدماغ وقلة قبوله الآفات التي كان سببها ~~رطوبته وضعفه وإنما غاية الطبيب إصلاح اللبن للمرضعة بالغذاء الذي يعدله ~~حسب . | فأما الطاعن في السن فإن أمره بالضد لأن ضعف آلاته كلها يكون من ~~قبل الانحطاط وضعف القوى والأعضاء وليس ينتظر بها أن تتزيد في القوة بل هي ~~في كل يوم إلى النقصان والضعف فإذا قبل دماغه بخارا غليظا من نفسه أو من ~~عضو آخر صار مغيضا له وازداد في كل نوبة قبولا . | والحرارة التي هي سبب ~~تخلخل البخارات أيضا تضعف عن التحليل فلذلك يقع اليأس منه . | ومن شأن ~~المادة التي تنصرف إلى موضع البدن إذا عاودته مرارا أن تتسع لها المجارى ~~وتلزمها الطبيعة بالعادة التي ذكرناها في المسألة المتقدمة . | فالآلة ~~تزداد ضعفا والمادة تزداد انصبابا والبخار يزداد كثرة للرطوبة الغريبة التي ~~تحدث في أبدان المستعدين لها واستحالتها بلغما في PageV01P148 معدتهم ~~والحرارة تزداد ضعفا على التحليل . | # | 1 ( مسألة ما سبب محبة الناس لمن قل رزؤه حتى إنهم ليهيئون الطعام ~~الشهي له بالغرم الثقيل ويحملونه إليه في الجون على الرءوس ) 1 # ويضعونه بين يديه وكلما ازداد ذلك الزاهد تمنعا ازداد هؤلاء لجاجة فإن ~~مات اتخذوا قبره مصلى وقالوا : كان كثير الصوم قليل الرزء وإذا عرض لهم من ~~يأكل الكثير ويتذرع في اللقم مقتوه ونبدوه وكرهوا قربه واستسرفوا أدبه ~~ولعلة ما هجر الناس زيارة مقابر الملوك والخلفاء ms067 ولهجوا بزيارة قبور أصحاب ~~البت والخلقان وأهل الضعف والمسكنة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : ذلك لأن الإنسان بنفسه النامية يناسب النبات وبنفسه المتحركة ~~بالإرادة يناسب البهائم وبنفسه الناطقة يناسب الملائكة فهو إنما فضل وشرف ~~بهذه الأخيرة . | والاغتذاء من خاصة النبات وإن كان يعم الحيوان أيضا لأجل ~~ما فيه من القوة النامية . | PageV01P149 فأما النفس الناطقة فلا حاجة بها ~~إلى الأكل والشرب . | ولما كانت الملائكة أشرف من الأنس لاستعانها بذاتها ~~عن الغذاء وبقاء خروجها جوهرها - كان الإنسان المناسب لها بنفسه أكثر وأشرف ~~من الإنسان الذي يناسب النبات والبهائم نسبة أكثر . | وكما أن الإنسان ~~يستخف بالنبات والبهيمة ويستخدمها ويعظم الملائكة ويسبحها فكذلك من الواجب ~~في كل شيء كان مناسبا لتلك أن يكون مهانا مستخفا به وكلما كان مناسبا لهذا ~~أن يكون معظما مشرفا . | وهذا أبين من أن يبسط فيه قول ويتكلف له جواب ~~ولكنا لم نحب الإخلال بالمسألة رأسا فلذلك علقنا فيه هذا القدر . | # | 1 ( مسألة لم صار بعض الناس يولع بالتبذير مع علمه بسوء عاقبته ) 1 # وآخر يولع بالتقتير مع علمه بقبح القالة فيه وما الفرق بين الرزق والملك ~~فقد قال لي شيخ من الفلاسفة - وقد سمعنى أشكو الحال - يا هذا أنت قليل ~~الملك كثير الرزق وكم من كثير الملك قليل الرزق أحمد الله عز وجل . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تقدم لنا في هذه المسائل ~~كلام في السبب الذي يختار الناس له فعل ما تقبح عاقبته مع علمهم بذلك ~~وضربنا فيه المثل بالمريض PageV01P150 الذي يعلم أن تناول الغذاء الضار ~~يبطل صحته فإن الغذاء إنما احتيج إليه للصحة فيختار للشهوة الحاضرة أخذ ~~الغذاء الضار بسوء ملكته وضبطه لنفسه وانقياده للنفس البهيمية وعصيانه ~~للنفس الناطقة . | ولا وجه لإعادته . | وكذلك قد بينا مائية الرزق والفرق ~~بين الملك والرزق وإذا قرأته مما تقدم جوابا لهذه المسألة . | # | 1 ( مسألة خلقية لم يكن الناس لهجا بطي ما يأتيه وكتمان ما يفعله ويكره ~~أن يطلع على شيء من أمره ) 1 # وآخر يظهر ما ms068 يكون منه ويتشنع به ويدل الناس على قليلة وكثيرة . | وما ~~معنى قول النبي - عليه السلام - ( استعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي ~~نعمة محسود ) . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد مضى أيضا ~~جواب هذه المسألة فيما تقدم وكما يعرض للنفس في الأموال الشح والسماحة كذلك ~~يعرض لها في المعلومات فمرة تسمح ومرة تضن . PageV01P151 | وقد تقدم جميع ~~ذلك مستقصى حيث تكلمنا عن السر فيما مضى . | # | 1 ( مسألة إرادية لم سمج مدح الإنسان لنفسه وحسن مدح غيره له وما الذي ~~يحب الممدوح من المادح وما سبب ذلك ؟ ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : المدح تزكية للنفس وشهادة لها ~~بالفضائل ولما كان الإنسان يحب نفسه رأى محاسنها وخفى عليه مقابحها بل رأى ~~لها من الحسن ما ليس فيها فقبح منه الشهادة بما لا يقبل منه ولا يرى له . | ~~فأما غيره فلأجل غربته منه وخلوه من آفة العشق صارت شهادته مقبولة ومدحه ~~مسموعا . | وربما كان هذا الغير يجري في محبة الممدوح مجرى الوالد والأخ ~~والصديق الذي محله منه قريب من محل نفسه فعرضت له تلك الآفة بعينها أو قريب ~~منها فقبح ثناؤه ومدحه ولم يقبل منه وإن كان دون قبح الأول أعني مادح نفسه ~~لأن أحدا لا يبلغ في محبته غيره درجة محبته نفسه . | فأما ما يجده الممدوح ~~من المادح فهو حلاوة الإنصاف وتأدية الحق وسماع الكلام الطيب أي المحبوب ~~الموافق للإرادة . PageV01P152 | # | 1 ( مسألة إرادية وخلقية ولغوية ما سبب ذم الناس البخل مع غلبة البخل ~~عليهم ؟ ) 1 # وما سبب مدحهم الجود مع قلة ذلك فيهم وهل الجود والبخل طبيعيان أو ~~مكسوبان وهل بين البخيل واللئيم والشحيح والمنوع والنذل والوتح والمسيك ~~والجعد والكز - فروق . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما ~~سبب ذم الناس البخل فلأن البخل منه الحق من يستحقه على الشروط التي تقدم ~~ذكرها وهو في نفسه أمر مستقبح عند العقل وليس يمنع من استقباحه غلبته عليهم ~~وهو خلق مذموم ومرض للنفس مكروه وكما لا يمنعهم ذم أمراض ms069 البدن PageV01P153 ~~وإن كانت موجودة لهم كذلك لا يمنع ذم أمراض النفس وإن كانت غالبة عليهم على ~~أن الإنسان في أكثر الأمر يذم هذا العارض للنفس من البخل ولا يعترف أنه ~~موجود فيه إلا إذا كان منصفا من نفسه عارفا بما لها وما عليها فقد سمعت ~~جماعة من الأصدقاء يذمون أنفسهم بأمور ويشكون أنهم في جهد من مداواتها وحرص ~~على إزالتها وان العادة السيئة قد أفسدت وأما سبب مدحهم الجود فلأن الجود ~~في نفسه أمر حسن محبوب وقد مر حده فيما مضى وهو في النفس كالصحة في البدن ~~فالناس يؤثرونه ويمدحونه وجد لهم أم لم يوجد . | وأما قولك : هل الجود ~~والبخل طبيعيان أم مكسوبان فإن الأخلاق بأجمعها ليست طبيعية ولو كانت كذلك ~~لما عالجناها ولا أمرنا بإصلاحها ولا طمعنا في نقلها وإزالتها إذا كانت ~~قبيحة ولكانت بمنزلة الحرارة والإضاءة في النار وبمنزلة الثقل والارجحنان ~~في الأرض فإن أحدا لا يروم معالجة هذه الطبائع ولا إزالتها ونقلها ولكنا ~~نقول : إنها - وإن لم تكن طبيعية - فإنها بسوء العادة أو بحسنها تصير قريبة ~~من الطبيعة في صعوبة العلاج وإزالة الصورة من النفس . | ولسنا نسميها خلقا ~~إلا بعد أن تصير هيئة للنفس يصدر أبدا عنها فعل واحد بلا روية فأما قبل ذلك ~~فلا تسمى خلقا ولا يقال : فلا بخيل ولا جواد إلا إذا كان ذلك دأبه . | فأما ~~الطفل والناشىء فقد يكون مستعدا بمزاج خاص له نحو قبول خلق PageV01P154 ~~بعينه لكنه بؤدب ويعود الأفعال الجميلة لتصير صورة لنفسه وهيئة لها يصدر ~~عنها - أبدا - ذلك الفعل المحمود كما يكون مستعدا لقبول مرض بعينه فيعالج ~~بالأغذية والأدوية إلى أن ينقل من ذلك الاستعداد إلى ضده بتبديل المزاج إلى ~~أن يصح ولا يقبل ذلك المرض . | وأما قولك : هل بين الألفاظ التي عددتها ~~فروق فلعمري أن بينها فروقا : أما البخيل واللئيم فقد فرقنا بينهما فيما ~~تقدم من أن اللؤم أعم من البخل لأن كل لئيم بخيل وليس كل بخيل لئيما واللؤم ~~لا يختص بالمال والأعراض حسب بل يكون في النسب ms070 والهمة والبخل خاص بالأخذ ~~والإعطاء . | وأما المسيك والمنوع فاشتقاقهما يدل على معناهما . | وأما ~~المجعد والكز فلفظتان مستعارتان مأخوذتان من الجمادات . | وأما النذل ~~والوتح فاسما مبالغه في الذم وكل واحد أبلغ من الآخر والنذالة أبلغ من ~~القلة والوتاحة وفي مثل للعامة : فلان مقدد العرس وذكره بعينه أرسططاليس . ~~| ودلني على ان تلك اللغة وافقت هذه اللغة في هذا المثل أو أخذه قوم عن قوم ~~. | وهذا قد تجاوز البخل الذي هو منع الحق أهله على الشروط وانحط إلى غاية ~~في معاملة نفسه أكثر من غاية البخيل في معاملة غيره . PageV01P155 | # | 1 ( مسألة إرادية وخلقية وعلى ذم الناس البخل ومدحهم الجود ما سبب ~~اجتماعهم على استشناع الغدر واستحسان الوفاء مع غلبة الغدر وقلة الوفاء ؟ ) ~~1 # وهل هما عرضان في أهل الجوهر أم مصطلح عليهما في العادة الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : سبب استحسان الناس الوفاء حسنه في العقل وذلك أن ~~الناس لما كانوا مدنيين بالطبع اضطروا إلى أمور يتعاقدون على لزومها لتصير ~~بالمعاونة أسبابا لتمام أغراض أخر . | وقد تكون هذه الأمور في الدين السيرة ~~وفي المودة والمعاملة وفي الملك والغلبة وبالجملة في كل ما يحتاج فيه إلى ~~التمدن وما يتم بالمعاونات فتقدم لها أسباب تعقد بينهم حالا يراعونها أبدا ~~في تمام ذلك الأمر فإذا ثبت عليها قوم ولزموها تمت أغراضهم وإذا زالوا عنها ~~وخاس بعضهم ببعض فيها انتقضت عليهم الأغراض وانتقضت عن بلوغ التمامات . | ~~وبحسب الأمر المقصود بالتمام يكون حسن الوفاء وقبح الغدر فإن كان الأمر ~~شريفا كريما عام النفع استشنع الغدر فيه واستحسن الوفاء وبالضد . | # | 1 ( مسألة في مبادىء العادات ما مبدأ العادات المختلفة من هذه الأمم ~~المتباعدة ) 1 # فإن العادة مشتقة من عاد يعود واعتاد يعتاد فكيف فزع الناس إلى أوائلها ~~وجروا عليها PageV01P156 وما هذا الباعث الذي رتب كل قوم في الزي وفي ~~الحيلة وفي العبارة والحركة على حدود لا الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : لعمري إن العادة من عاد يعود فأما السؤال عن مبادىء العادات ~~وكيف نزع الناس ms071 إلى أوائلها وما كانت تلك الأوائل ومن شبق إليها ورتبها لكل ~~قوم في الزى فأمر لا أضمن لك الوفاء فيه ولو ضمنه ضامن لي لما رغبت فيه ولا ~~عددته علما ولا كان فيه طائل . | # | 1 ( مسألة طبيعية لم لم يرجع الإنسان بعدما شاخ وخرف وكهلا ثم شابا ~~غريرا ثم غلاما صبيا ثم طفلا كما نشأ وعلام يدل هذا النظم وإلى أي شيء يشير ~~هذا الحكم ؟ ) 1 # الجواب : قال أو علي مسكويه - رحمه الله : ليست الشيخوخة والهرم نهاية ~~نشوء الإنسان ولا غاية الحركة الطبيعية أعنى النامية فتروم - أيدك الله - ~~أن يعود الشيخ في مسالكها إلى المبدأ الذي تحرك منه بل ينبغي أن تعلم أن ~~غاية النشوء والحركة إنما هي عند منتهى الشباب ثم حينئذ يقف وذلك زمان ~~التكهل ثم ينحط وذلك زمان الشيخوخة PageV01P157 وذلك أن الحرارة الغريزية ~~التي في الإجسام المركبة من الطبائع الأربع ما دامت في زيادة قوتها فهي ~~تنشىء الجسم الذي هي فيه بأن تجتذب إليه الرطوبات الملائمة بدل ما يتحلل ~~منها فتكون غذاء له ثم تبقى بقية جذبها فضل القوة - فاضلة عن قدر الغذاء ~~الذي عوض من المتحلل فزادتها في مساحة الجسم ومددت بها أقطاره فإذا تناهت ~~القوة وقفت فلم تزد في الأقطار شيئا بل غايتها حينئذ أن تحفظ على ذلك الجسم ~~أقطاره ومقداره بأن تغذية أعني أن تجتذب من الرطوبات مقدار ما يسري في ~~الجسم عوضا عما تحلل بلا زيادة تنصرف إلى التزييد والتمديد . | ثم إن ~~الحرارة تضعف قليلا وتأخذ في النقصان بعد أن تقف وقفة في زمان التكهل ~~فيبتدىء البدن في النقص ويصير الإنسان إلى الانحطاط عن تلك الحركة الأولى ~~فلا يزال الغذاء ينقص عن مقدار الحاجة فلا يفي ما يعتاض من الرطوبة بما ~~تحلل منها فهو كذلك إلى أن يهرم ويبلغ إلى الإنحلال الذي هو مقابل التركيب ~~الذي بدأ منه وهو الموت الصحيح الطبيعي . | وهذه سبيل كل حركة قهرية في ~~أنها تبتدىء بتزيد ثم تنتهي إلى غاية ثم تقف وقفة ثم تنحط . | ولما كان ~~مزاج ms072 الإنسان وكل مركب من الطبائع المتضادة إنما كان بجامع جمعها وقاهر ~~قهرها حتى ألفها مع تضادها ونفور بعضها من بعض - صارت حركتها قهرية ومن شأن ~~الحركة القهرية ما ذكرت من أمرها إذا لم يتبعها القاهر أبدا بقهر بعد قهر . ~~| فوجب في حركة النشوء ما وجب في كل حركة من جنسها ولم يعد الشيخ كهلا ثم ~~شابا ثم طفلا لأن الحركة لم تقع على هذا النظام ولا الشيخوخة هي غاية ~~الحركة بل هي غاية الضعف ونظير الطفولة . | ووسط زمان الإنسان الذي بين ~~الطفولة والشيخوخة هو غايته ثم العود في الانحطاط والحركة يكون على سبيل ما ~~بدأ . PageV01P158 | # | 1 ( مسألة إرادية ما الذي يجده الإنسان في تشبيه الشيء بالشيء ) 1 # حتى يخطر ذلك المعنى على قلبه ويلهج بذكره في قوافيه ونثره ولم إذا لم ~~يكن التشبيه واقعا والمعنى فيه بارعا - أورث الصدود ومنه الاستحسان . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الذي يجده الإنسان من ذلك هو ~~السرور بصدق التخيل وحسن انتزاع الصور من المواد حتى تأحدت الصورة بعد أن ~~كثرتها المادة . | وذلك أن تشبيه الخوخة بالحمصة هو انتزاع الشكل الذي ~~وجدفي مادتيهما وملاحظتهما شيئا واحدا وإن اختلفت به المواد في الكبر ~~والصغر والرطوبة واليبوسة واللون والمذاق وغيرها من الأعراض . | والتفطن ~~لذلك وتجريد الصور من المواد ورد بعضها إلى بعض من خاص فعل النفس فالشرور ~~به سرور نفساني فلذلك يلهج به كما يلهج بما يظفر إذا كان طبيعيا بل هذا ~~أشرف وأفضل . | # | 1 ( مسألة في الرؤيا ما السبب في صحة بعض الرؤيا وفساد بعضها ) 1 # ولم لم تصح الرؤى كلها أو لم لم تفسد كلها ؟ PageV01P159 وعلام يدل ~~ترجحها بين هذين الطرفين فلعل في ذلك سرا يظهر بالامتحان . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد صح وثبت من المباحث الفلسفية أن النفس ~~أعلى من الزمان وأن أفعالها غير متعلقة بشيء من الزمان ولا محتاجة إليه إذ ~~الزمان تابع للحركة والحركة خاصة بالطبيعة وإذا كان ذلك كذلك فالأشياء كلها ~~حاضرة في النفس سواء الماضي ms073 والمستقبل منها فهي تراها بعين واحدة والنوم ~~إنما هو تعطيل النفس بعض آلاتها إجماما لها - أعني بالآلات الحواس - وهي ~~إذا عطلت هذه الحواس بقيت لها أفعال أخر ذاتية خاصة بها من الحركة التي ~~تسمى رؤية وجولانا نفسانيا . | وهذه الحركة التي لها في ذاتها تكون لها ~~بحسب حالين : إما إلهيا وهو نظرها في أفقها الأعلى وكما أنها إذا كانت ~~مستيقظة ترى بحاسة العين الشيء مرة رؤية جلية ومرة رؤية خفية بحسب القوة ~~الباصرة من الحدة والكلال وبحسب الشيء المنظور إليه في اعتدال المسافة ~~وبحسب الأشياء الحائلة بينها وبينه من الرقة والكثافة . | وهذه أحوال لا ~~يستوي فيها النظر بل ربما نظر الناظر بحسب واحدة من هذه العوارض إلى حيوان ~~فظنه جمادا وربما ظنه سبعا وهو إنسان وبما ظنه زيدا وهو عمرو فإذا زالت تلك ~~الموانع وارتفعت العوائق أبصرها بصرا تاما - كذلك حالها إذ كانت نائمة أي ~~غير مستعملة آلة الحس إنما ترى من الشيء ما يحصل من الرسم الأول - أعني ~~الجنس العالي الشامل للأشياء التي PageV01P160 هو عام لها - ثم لا يزال ~~يتخلص لها بصورة بعد صورة حتى تراه صريحا بينا فإن اتفق أن ترى من الشيء ~~رسمه احتيج فيما تراه إلى تأويل وعبارة وإن رأته مكشوفا مصرحا كانت الرؤيا ~~غير محتاجة إلى التفسير بل يكون الشيء بعينه الذي رأته في النوم هو الذي ~~ستراه في اليقظة . | وهذا هو القسم الذي لها بحسب نظرها السريع الشريف الذي ~~من أفقها الأعلى وبه تكون الإنذارات والرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة ~~. | فأما القسم الآخر الذي لها بحسب نظرها الأدون من أفقها الأسفل فإنها ~~تتصفح الأشياء المخزونة عندها من الصور الحسية التي إنما استقتها من ~~المبصرات والمسموعات بالحواس وهي منثورة لا نظام لها ولا فيها إنذار بشيء ~~وربما ركبت هذه الصور تركيبا عبثيا كما يفعله الساهي أو العابث من أفعال لا ~~يقصد بها غرضا كالولع بالأطراف وبما يليها من الأشياء ولا فائدة له فيها . ~~| وهذه الرؤى لا تتأول وإنما هي الأضغاث التي سمعت بها . | # | 1 ms074 ( مسألة ما الرؤيا فقد جل الخطب فيها وهي جزء من أجزاء النبوة ) 1 # وما الذي يرى وما يرى وما الذي يرى ما يرى النفس أم الطبيعة أم الإنسان ~~وأكره أن أرقى إلى البحث عن النفس وتحقيق شأنها وما قال الأولون والآخرون ~~فيها . | وإذا كان هذا معجزا وعن الطاقة بارزا فما ظنك بالبحث عن العقل ~~وأفقه أعلى وعالمه أشرف وآثاره ألأطف وميزانه أشد اتصالا وبرهانه أبعد ~~مجالا وشعاعه أقوى سلطانا وفوائده أكثر عيانا . | PageV01P161 الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن النفس ترى عند غيبة المرئيات ما تراه من ~~وهذه حال يجدها الإنسان من نفسه ضرورة لا يمكنه أن يدفعني عنها وإلا فمن ~~أين لنا صورة بغداد وخراسان والبلاد التي شاهدناها مرة ثم منازلنا بها وصور ~~أصدقائنا فيها وجميع ما نتذكره منذ الصبي لولا حصول هذه الصورة في الحاس ~~المشترك سيما وقد تبين بيانا لا ريب فيه أن البصر وسائر الحواس إنما هي ~~انفعالات من المحسوسات واستحالات إليها وهذه الاستحالة لا تثبت بعد زوال ~~المحسوس المخيل فلولا هذا الحاس المشترك العام الذي تثبت فيه صور المحسوسات ~~ولا تزول لكنا إذا أبصرنا شيئا أو سمعناه ثم زال عن بصرنا وسمعنا زالت عنا ~~صورته ألبتة حتى لا يمكننا أن نعرف صورته إلا إذا وقعت أبصارنا وأسماعنا ~~عليه ثانيا ولكنا أيضا مع أبصارنا له ثانيا وثالثا لا نعلم أنه الأول وكذلك ~~المسموعات . | ولولا أننا نستثبت صورة المحسوسات أولا أولا في هذه القوة - ~~أعني الحاس العام المشترك - لكنا لا نستفيد بالقراءة ورؤية الرقص والحركات ~~كلها التي تنتهي مع آنات الزمان شيئا ألبتة لأن البصر مستحيل بقراءة الحرف ~~بعد الحرف وبالحركة بعد الحركة فلا تثبت الحالة الأولى من استحالتها ولو ~~ثبت الأولى لما حصلت الثانية لكن الأمر بالضد في وجودنا هذه الصور بعد ~~مفارقتها كأنها نصب عيوننا تراها النفس . | وهذه الرؤية التي تسمى تذكرا في ~~اليقظة هي بعينها تسمى في النوم رؤيا ولكن هناك حال أخرى زائدة على حال ~~اليقظة لأن قوى النفس عند تعطيل الحواس ms075 تتوفر على الرؤية فترى أيضا الأشياء ~~الآتية في الزمان PageV01P162 المستقبل : إما رؤية جلية وإما رؤية خفيفة ~~كالرسم . | واشتقاق هذه الألفاظ يذلك - أيها الشيخ اللغوي أيدك الله - أن ~~المعنى فيها واحد لأن الرؤية والروية والرؤيا - وإن اختلفت بالحركات - فهي ~~متفقة بالحروف وكذلك إذا قلت : رأى فلان وارتأى وروى فهذه صورة الأسماء ~~المشتقة وأنت تعرف أحكامها لدربتك بها . | وكذلك الحال في أبصر واستبصر وفي ~~البصر والبصيرة . | فأما لفظة النظر فإنها استعملت بعينها في الأمرين جميعا ~~من غير زيادة ولا نقصان فقيل لما كان بالحس : نظر ولما كان بالعقل : نظر من ~~غير تغيير لحركة ولا تبديل لحرف . | فقد تبين ما الرؤيا وما الذي يرى وما ~~الذي يرى : أما الرؤيا ملاحظة النفس صور الأشياء مجردة من موادها عند النوم ~~. | وأما الذي يرى فالنفس بالآلة التي وصفناها . | وأما الذي يرى فالصورة ~~المجردة . | وقد مر في المسألة المتقدمة كيف يكون بعض المنام صادقا وبعضه ~~كاذبا وبعضه إنذارا وبعضه أحلاما وبعضه أضغاثا ولكن بغاية الإيجاز لأنا لو ~~شرحنا هذه المواضع لاحتجنا إلى تصنيف عدة كتب نقرر فيها الأصول ونلخص بعدها ~~الحروف ولكن الشرط سبق بغير هذا وسرعة فهمك أمتع الله بك - وقبولك لما يشار ~~به - يقتضي ما رأيناه ووأيناه . PageV01P163 | # | 1 ( مسألة إرادية وخلقية ما السبب في تصافي شخصين لا تشابه بينهما في ~~الصورة ولا تشاكل عندهما في الخلقة ) 1 # ولا تجاوز بينهما في الدار كواحد من فرغانة وآخر من تاهرت وهذا طويل قويم ~~وهذا قصير دميم وهذا شخت عجف وهذا علج جلف وهذا أزب أشعر وهذا PageV01P164 ~~أمعر أزعر وهذا أعيا باقل وهذا أبلغ من سحبان وائل وهذا أجود من السحاب إذا ~~سح بودق بعد برق وهذا أيخل من كلب على PageV01P165 عرق ، إذا ظفر بعرق ~~وبينهما من الخلاف والاختلاف ما يعجب الناظر إليهما والفاحص عن أمرهما . | ~~وعلى ذكر الخلاف والاختلاف ما الخلاف والاختلاف وما الإلف والائتلاف نعم ثم ~~لا تراهما إلا متمازجين في الأخذ والإعطاء والصدق والوفاء والعقد والولاء ~~والنقص والنماء بغير نحلة عامة ولا مقالة ضامة ولا ms076 حال جامعة ولا طبيعة ~~مضارعة . | ثم هذا التصافي ليس يختص ذكرا وذكرا دون ذكر وأنثى ودون أنثى ~~وأنثى . | وإذا تنفس الاعتبار أدى إلى طرق مختلفة : منها أن التصافي قد ~~يمتد وقد ينقطع ففيما يمتد ما يبلغ آخر الدهر وفيما ينقطع ما لا يثبت إلا ~~شهرا أو أقل من شهر . | ومن أعجب ما ينبع منه العداوة والشحناء والحسد ~~والبغضاء حتى كأن ذلك التصافي كان عين التنافي وحتى يفضي إلى عظائم الأمور ~~وإلى غرائب الشرور وإلى ما يفتي التالد والطارف ويأتي على البقية ~~PageV01P166 المرجوة . | وربما سرت العداوة في الأولاد كأنها بعض الإرث ~~وربما زادت على ما كانت بين الآباء . | وهذا باب عسر وللتعجب فيه مجال ~~وموقع والعلل فيه مخبوءة . | وقلما تصيب في زمانك هذا ذهنا يولع بالبحث عن ~~غامضه ويلهج بالمسألة عن مشكله . | وليتهم إذ زهدوا في هذه الحكم لم يقذفوا ~~الخائضين فيها والمنقبين عنها بالتهم ! ! ! . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : سبب الصداقات بين الناس ينقسم أولا إلى قسمين عاليين ~~وهما أسباب الذاتي والعرضي . | ثم ينقسم كل واحد منهما إلى أقسام وبحسب ~~أقسام المودات تنقسم أيضا أسباب العداوات . | وإذا عرف أحد المتقابلين عرف ~~مقابله الآخر لأن أقسامه كأقسامه . | أما السبب الذاتي من أسباب التصافي ~~فهو السبب الذي لا يستحيل ويبقي ببقاء الشخصين فأما المزاج فقد يوجد بين ~~الإنسانين وبين الهيمتين فإن تشاكل الأمزجة يؤلف ويجذب أحد المتشاكلين بها ~~إلى الآخر من غير قصد ولا روية ولا اختيار كما تجد ذلك في كثير من أنواع ~~البهائم والطير والحشرات . | وكذلك تجد بين الأمزجة المتباعدة عداوات ~~ومنافرات من غير قصد ولا روية ولا اختيار PageV01P167 وإذا تصفحت ذلك وجدته ~~أكثر من أن يحصى . | وإن ارتقيت من الأمزجة إلى البسائط من الأمور وجدت هذا ~~مستمرا أيضا فيها - أعني المشاكلة والمحبة والمنافرة والعداوة - فإن بين ~~الماء والنار من المنافرة والمعاداة وهرب كل واحد منهما من صاحبه ليبعد عنه ~~ثم ميل كل واحد منهما إلى جنسه وطلبه لشكله ليتصل به - أمر لا خفاء به على ~~أحد . | فإن ms077 انضاف إلى ذلك مزاج مناسب بتأليف موافق ظهر السبب وقوى كما ~~يوجد حجر المغناطيس والحديد وبين حجري الخل أعني محب الخل وباغض الخل . | ~~وفي الحيوان من هذا المعنى شيء كثير بين لا يحتاج إلى تعديده وإطالة الجواب ~~بذكره . | وإذا كان اتفاق الجسمين يوجب المودة بالجوهر وبالمزاج الخاص فكم ~~بالحرى أن يوجبها اتفاق النفسين إذا كان بينهما مناسبة ومشاكلة . | وأما ~~الأسباب العرضية فهي كثيرة وبعضها أقوى من بعض : فأحد أسباب المودة العرضية ~~العادة والإلف . | والثاني الأمر النافع أو المظنون به النفع . | والثالث ~~اللذة والرابع الأمل والخامس الصناعات والأغراض والسادس المذاهب والآراء ~~والسابع العصبيات . | ثم طول مكث أحد هذه الأسباب وقصره علة طول المودات ~~وقصرها . | ومثال النافع مودات الأتباع أو الخدم وأربابهم وأصحاب الشركة ~~PageV01P168 والتجارات وطلاب الأرباح والمكاسب . | ومثال اللذيذ مودة الرجل ~~والمرأة على أن هناك أيضا مودة النافع ومودة الآمل فهو لذلك قوى وثيق ومودة ~~المتعاشقين المتعاشرين على المأكول والمشروب والمركوب وما أشبه ذلك . | ~~وأما مثال الرجاء والأمل فكثير ولعل مودة الوالدين للولد فيها شيء من هذا ~~الضرب لأنه متى زال الأمل وقوي اليأس انتفيا من الولد وزالت المودة وحدث ~~البغض . | فأما مودة الولد فالنفع لا غير ثم يصير مع ذلك أيضا إلفا . | ~~ولست أقول إن الأسباب كلها مودة الوالدين ما ذكرته فإن هناك أسبابا أخر ~~طبيعية ولكن ومثال الصناعات والأغراض كثير ظاهر لا يحتاج إلى ذكره مع ظهور ~~. | ومثال النحل والعصبيات كذلك أيضا في البيان والظهور . | وهذه الأقسام ~~محصورة تحت قوى النفس البهيمة والغضبية والناطقة . | فما كان منها عن نسبة ~~ومشاكله بين النفس النامية والبهيمة كان منه أسباب المودة للذيذ أو النافع ~~. | وما كان منها بسبب مشاكلة بين النفس الغضبية كان منه أسباب المودة ~~للغلبة كالاجتماع للصيد والحرب وسائر العصبيات التي تكون فيها قوة الغضب . ~~| وما كان منها عن نسبة ومشاكلة في النفس الناظقة كان منه المودة التي ~~للدين والآراء . | وهذه تتركب وتنفرد فكلما تركبت وكثرت الأسباب ، وقويت ~~PageV01P169 المودة وكلما تفردت ضعفت المودة ويكون زمان المكث بحسب ذلك ~~أيضا . | وأقوى ms078 الأسباب المفردة العرضية ما كان عن النفس الناطقة ويتلوه ما ~~كان عن النفس الغضبية . | وأنت تستقرىء ذلك وتتبينه لئلا يطول الجواب فيخرج ~~عن الشرط الأول من تحري الإيجاز . | وجميعها يزول بزوال أسبابها وليس منها ~~شيء ثابت لا يزول إلا الجوهري الذاتي إما نفسا وإما طبيعة . # | مسألة ما العلم ؟ وما حده وطبيعته ؟ # فقد رأيت أصحابه يتناهبون الكلام فيه وقال قوم : هو معرفة الشيء على ما ~~هو عليه وقال آخرون : هو اعتقاد الشيء PageV01P170 على ما هو به . | وقال ~~قائلون : هو إثبات الشيء على ما هو به . | فقيل لصاحب القول الأول : لو كان ~~حد العلم معرفة الشيء على ما هو به لكان حد المعرفة على الشيء على ما هو به ~~والحاجة إلى تحديد المعرفة كالحاجة إلى حد العلم . | وهذا جواب فيه سهو ~~وإيهام . | وقيل لصاحب القول الثاني : إن كان حد العلم اعتقاد الشيء على ما ~~هو به فبين أن كون الشيء على ما هو به سبق الإعتقاد ثم اعتقد والاعتقاد سبق ~~كون الشيء على ما هو به فإن ما هو به هو المبحوث عنه ومن أجله وضع العيار ~~ولزم الاعتبار . | فقال المجيب مواصلا لكلامه الأول : هو اعتقاد الشيء على ~~ما هو به مع سكون النفس وثلج الصدر . | فقيل له : إن الإعتقاد افتعال من ~~العقد يقال : عقد واعتقد والكلام عقد والتاء عرض لغرض ليس من سوس الكلمة ~~فإذن هو فعل مضاف إلى العاقد الذي له عقد والمعتقد الذي له اعتقاد والمسألة ~~لم تقع عن فعل وإنما وقعت عن العلم الذي له قوام بنفسه وانفصال من العالم ~~ألا ترى أن له اتصالا به فهب أنك تحده باعتقاد الإنسان الشيء ما دام متصلا ~~به فما حقيقته من قبل ولما يتصل به وهذا جواب المعتزلة ولهم التشقيق ~~والتمطيط والدعوى والإعراب والعصبية والتشيع . | وقيل لصاحب هذا الجواب : ~~لو كان العلم اعتقاد الشيء على ما هو به لكان الله معتقدا للشيء على ما هو ~~به لأنه عالم . | فقال : إن الله - تعالى ذكره - لا علم له لأنه عالم بذاته ~~كما ms079 هو قادر بذاته حي بذاته . | فقيل له : إنك لم تمانع في هذه الحاشية فلا ~~تتوار عن السهم إن كان حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به فحد العلم أنه ~~معتقد للشيء على ما PageV01P171 هو به . | ويستأنف النظر : هل له علم أم ~~ليس له علم فراغ هكذا وهكذا . | وقيل لصاحب القول الثالث : إثبات الشيء ~~عبارة مقصورة على إضافة فعل إلى الفاعل والفعل هو الإثبات والفاعل هو ~~المثبت وباب العلم والجهل والفطنة والعقل والنهي والدرك - ليس من الأفعال ~~المحضة وإن كانت مضارعة لها كمضارعة طال ومات ونشأ وشاخ واستعر وباخ . | ~~وهذا البحث متوجه إلى صاحب القول الرابع أعني في قوله : حد العلم إدراك ~~الشيء على ما وينبغي أن تعلم أن الغرض في حد الشيء هو تحصيل ذاته معراة من ~~كل شائبة خالصة من كل مقذية بلفظ مقصور عليها وعبارة مصوغة لها وما دامت ~~عين الشيء ثابتة في النفس ماثلة بين يدي العقل فلا بد للمنطق من أن يلحق ~~منها الحقيقة أو يدرك أخص الخاصة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : أما الأجوبة المحكية والاعتراضات عليها فأنا معرض عن جميعها إذ كان ~~هؤلاء القوم الذين حكي عنهم ما حكى لا يعرفون صناعة التحديد وهي صناعة ~~تحتاج إلى علم واسع بالمنطق ودربة - مع ذلك - كثيرة . PageV01P172 | وغاية ~~ما عند هؤلاء القوم في التحديد إبدال اسم كان اسم بل ربما كان اسم الشيء ~~أوضح من الحد الذي يضعونه له . | وهذه سبيلهم في جميع ما يتكلفونه إلا ما ~~كان مأخوذا من المتقدمين ومنقولا عنهم نقلا صحيحا كحد الجسم والعرض وما ~~أشبههما . | فأما ما تكلفوه من الحدود فهو بالهذيان أشبه . | وأقول إن الحد ~~مأخوذ من جنس الشيء المحدود القريب منه وفصوله الذاتية المقمومة له المميزة ~~إياه عن غيره . | فكل ما لم يوجد له جنس ولا فصول مقومه فإنما يرسم . | ~~والرسم يكون من الخواص اللازمة التي أشبه بالفصول الذاتية فلذلك ما نحد ~~العلم بأنه إدراك صور الموجودات بما هي موجودات . | ولما كانت الصور على ~~ضربين : منها في ms080 هيولى ومادة ومنها مجردة خالية من المواد - صار إدراك ~~النفس أيضا على ضربين : أحدهما بالحواس وهو إدراكها لما كان في مادة . | ~~والآخر بغير الحواس بل العين الباطنة الروحانية التي تقدم الكلام فيها في ~~بعض المسائل المتقدمة . | فاسم العلم خاص بإدراك الصور التي في غير مادة . ~~| واسم المعرفة خاص بإدراك الصور ذوات المواد . | ثم يستعمل هذا مكان هذا ~~الاتساع في اللغة . | ووجدتك دق اعترضت على أجوبة من لم ترتض جوابه ~~باعتراضات يجوز أن تظن أنها لازمة لجوابنا هذا فلذلك احتجت إلى الكلام ~~عليها فأقول : إن من شأن الحد أن ينعكس على المحدود وذاك أن الاسم والحد ~~جميعا دالان على شيء واحد لا فرق بينهما إلا في أن الاسم يدل دلالة مجملة ~~والحد يدل دلالة مفصلة مثال ذلك أن تقول في حد الجسم . PageV01P173 إنه ~~الطويل العريض العميق أو تقول : هو ذو الأبعاد الثلاثة ثم ينعكس ذلك : إن ~~الطويل العريض العميق هو الجسم أو ذو الأبعاد الثلاثة هو الجسم . | وكذلك ~~تقول في سائر الحدود الصحيحة ولهذا تقول في العلم : إنه إدراك صور ~~الموجودات وتقول أيضا : إدراك صور الموجودات هو العلم فلا يكون بينهما فرق ~~إلا أن العلم يدل دلالة إجمال وحده يدل دلالة تفصيل على ما قدمناه ذكره ~~وبيانه . | وإذا بان أن العلم إدراك وتصور فقد بان أنهما انفعال لأن الصور ~~إنما تكون موجودة : إما مجردة عقلية وإما مادية حسية وإذا أدركتها النفس ~~فإنما تنقلها إلى ذاتها نقلا لتنطبع تلك الصور فيها وإذا انطبعت فيها تصورت ~~بها . | وهذا مستمر في المحسوس والمعقول . | وإذا بان هذا فقد بان أنه من ~~باب المضاف لأن الإدراك أثر يقع بالمنفعل من الفاعل وكذلك التصور . | ~~والأشياء التي من باب المضاف لا سبيل إلى وجودها منفردة ولا إلى تحصيل ~~ذواتها معراة من كل شائبة كما طالبت خصمك به لأنها لا عين لها ثابتة في ~~النفس مائلة بين يدي العقل إلا من حيث هي مضافة فالمعلوم إذن يتقدم العلم ~~تقدما ذاتيا وكذلك المحسوس يتقدم الحاس بالذات . | والفرق بين التقدم ~~الذاتي ms081 والتقدم العرضي والزماني بين في غير هذا الموضع وإن كانا معا فأما ~~ما ألزمته في خاصتك في الله - تعالى عن صفات المخلوقين - فقد عرفت مما تقدم ~~من المسائل أنا لا نقول فيه - تقدس ذكره - إنه عالم بالحقيقة التي نقولها ~~في العالم منا ولا نطلق شيئا من صفاته بالمعاني التي نطلقها في غيره بوجه ~~من الوجوه وإنما نتبع الشريعة ونتمثل ما تأمر به ونسميه بأحب الأسماء ونصفه ~~بأعظم الصفات التي نتعارفها نحن معاشر البشر لأنه لا سبيل لنا إلى غير ما ~~نعرفه فيما بيننا ولا طريق لنا إلا ما يستحقه - عز PageV01P174 وجل - ذاته ~~لأنا لا نعلم بالحقيقة منه شيئا إلا الإنية المحض حسب . | ثم جميع ما يشار ~~إليه بعقل أو حس فهو مخلوق له . | وإذا كان الأمر كذلك ووجدنا الشريعة قد ~~رخصت في أسام وصفات ممدوحة عظيمة بين البشر - ائتمرنا للشرع فأطلقناها من ~~غير أن نرجع بها إلى الحقائق المعروفة من اللغة والمعاني المحصلة بها . | ~~وهذا موضع قد أومأت إليه فيما سلف وأعلمتك وجه الصعوبة فيه . | والله ~~الموفق والمعين ولا قوة إلا به . | # | 1 ( مسألة لم إذا أبصر الإنسان صورة حسنة أو سمع نغمة رخيمة قال : ~~والله ما رأيت هذا قط ولا سمعت مثل هذا قط ولا سمعت مثل هذا قط وقد علم أنه ~~سمع أطيب من ذاك وأبصر أحسن من ذاك . ) 1 # | الجواب : قال أبو علي مسكويه : رحمه الله : أما بحسب الفقه أو مقتضى ~~اللغة فهو غير حانث ولا مخطىء لأن شيئا لا يماثل شيئا بالإطلاق ولا يقال في ~~شيء : هذا مثل هذا إلا بتقييد فيكون مثله في جوهره أو كميته أو كيفيته أو ~~غير ذلك من سائر المقولات وقد PageV01P175 يماثله في اثنتين منها وأكثر ~~فأما في جميعها فمحال . | فهذا وجه صحة قول الإنسان : والله ما رأيت مثله . ~~| فأما من جهة أخرى - وهي جهة طبيعية - فإنك تعلم أن الحس سيال بسيلان ~~محسوسه فإذا استثبت صورة ثم زالت عنه وحضرت أخرى شغلته وثبتت بدل الأخرى ~~فلا يحصر الحس إلا ما قد ms082 أثر فيه دون ما قد زال وإنما حصلت الأولى في الذكر ~~وفي قوة أخرى وربما لم يجتمعا أو لم يحضر الذكر فيكون قول الإنسان على حسب ~~الحاضر وحضور الذكر أو غيبته . | # | 1 ( مسألة ما سبب استحسان الصورة الحسنة وما هذا الولوع الظاهر والنظر ~~والعشق الواقع من القلب والصبابة المتيمة للنفس ) 1 # والفكر الطارد للنوم والخيال الماثل للإنسان أهذه كلها من آثار الطبيعة ~~أم هي من عوارض النفس أم هي من دواعي العقل أم من سهام الروح أم هي خالية ~~من العلل جارية على الهذر ! وهل يجوز أن يوجد مثل هذه الأمور الغالبة ~~والأحوال المؤثرة على وجه العبث وطريق البطل . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : أما سبب الاستحسان لصورة الإنسان فكمال في الأعضاء ~~وتناسب بين الأجزاء مقبول عند النفس . | وهذا الجواب غرضك من المسألة ~~PageV01P176 التي هي متوجهة نحو الصورة الإنسانية المعشوقة دون غيرها . | ~~وأقول : إن الطبيعة مقتفية أفعال النفس وآثارها فهي تعطي الهيولى والأشياء ~~الهيولانية صورا بحسب قبولها وعلى قدر استعدادها وتحكي في ذلك فعل النفس ~~فيها - أعني في الطبيعة - ولكنها هي بسيطة فتقبل من النفس صورا شريفة تامة ~~فإذا أرادت أن تنقش الهيولى بتلك الصور أعجزت الأمور الهيولانية عن قبولها ~~تامة وافية لقلة استعدادها وعدمها القوة الممسكة الضابطة ما تعطاه من الصور ~~التامة . | وهذا العجز في الهيولى ربما كان كثيرا وربما كان يسيرا وبحسب ~~قوتها على قبول الصور يكون حسن موقع ما يحصل فيها من النفس فإذا المادة ~~الموافقة للصورة تقبل النقش تاما صحيحا والمادة التي ليست بموافقة تكون على ~~الضد . | والمثال في ذلك أن الطبيعة إنما تعمل من المادة عند تجبيل الناس ~~في الرحم الفطس في الأنف والزرقة في العينين والصهوبة في الشعر وبحسب قبول ~~الهيولى الموضوعة لها لا لأنها تقصد الصور الناقصة بل تقصد - أبدا - الأفضل ~~ولكن المادة الرطبة تأتي إلا قبول ما يلائمها وذلك أن الدعج في العين ~~والشمم في الأنف صور تحتاج إلى اعتدال المادة بين PageV01P177 الرطوبة ~~السيالة واليبوسة الصلبة ولا يمكن إظهارها في ms083 المادة الرطبة كما لا يمكن ~~صياغة خاتم من شمع ذائب . | وربما كانت المادة حاجزة من طريق الكمية دون ~~كيفية فلا تتم الخلقة على أفضل الهيئات . | وكذلك الحال في شعر الرأس وأهدب ~~العين والحاجب فإنها لا تنتقش على ما ينبغي إذا كانت ناقصة المادة أو غير ~~معتدلة في الكيفيات فتعمل الطبيعة منها ما يمكن ويتأتى فتجىء الصورة غير ~~مقبولة عند النفس لأنها لا تطابق ما عندها من الكمال . | فأما وأنت تتأمل ~~ذلك من طين الختم فإنه إذا كان ناقص الكمية غير مقدار الخاتم أو يابسا أو ~~رطبا أو خشنا - نقصت صورة الخاتم ولم يقبل النقش على التمام والكمال . | ~~فأما المثال في المادة الموافقة فهو بالضد من هذا المثال فلذلك تقبل ما ~~تعطيها الطبيعة على التمام وتنتقش نقشا صحيحا مناسبا مشاكلا لما في النفس ~~فإذا رأتها النفس سرتها لأنها فكما أن الصناعة تقتفي الطبيعة فإذا صنع ~~الصانع تمثالا في مادة موافقة فقبلت منه الصورة الطبيعية تامة صحيحة : فرح ~~الصانع وسر وأعجب وافتخر لصدق أثره وخروج ما في قوته إلى الفعل موافقا لما ~~في نفسه ولما عند الطبيعة - فكذلك حال الطبيعة مع النفس لأن نسبة الصناعة ~~إلى الطبيعة في اقتفائها إياها كنسبة الطبيعة إلى النفس في اقتفائها إياها ~~. | ثم إن شاء من شأن النفس إذا رأت صورة حسنة متناسبة الأعضاء في الهيئات ~~والمقادير والألوان وسائر الأحوال مقبولة عندها موافقة لما أعطتها الطبيعة ~~- اشتاقت إلى الاتحاد بها فنزعتها من المادة واستثبتها في ذاتها ~~PageV01P178 وصارت إياها كما تفعل في المعقولات . | وهذا الفعل لها بالذات ~~له تتحرك وإليه تشتاق وبه تكمل إلا أنها تشرف بالمعقولات ولا تشرف ~~بالمحسوسات . | فإذا فعلت النفس ذلك واشتاقت إلى الطبيعيات والأجسام ~~الطبيعة - رامت الطبيعة في الأجساد من الاتحاد ما رامته النفس في الصور ~~المجردة فلا يكون لها سبيل إليه لأن الجسد لا يتصل بالجسد على سبيل الاتحاد ~~بل على طريق المماسة فتحصل حينئذ على الشوق إلى المماسة التي هي اتحاد ~~جسماني بحسب استطاعتها . | وهذا من النفس غلط كبير وخطأ عظيم لأنها ms084 تنتكس ~~من الحال الأشرف إلى الحال الأدون وتتصور بصورة طبيعية منها أخذت وبها ~~ابتديت وتفوتها الصور الشريفة العقلية التي ترتقي بها إلى الرتبة العليا ~~والسعادة العظمى . | وهذا الذي ذكرته هو الأمر الذاتي الكلي الجاري على ~~وتيرة طبيعية تحصرها الصناعة وتضبطها القوانين . | فأما الاستحسان العرضي ~~والجزئي - أعني ما يستحسنه شخص ما بحسب مزاج ما - فهو أيضا لأجل نسبة ما ~~ولكنه يصير شخصيا والأمور الشخصية لا نهاية لها فلذلك لا تنحصر تحت صناعة ~~ولا لها قانون . | والذي ينبغي أن يعلم منها أن كل مزاج متباعد من الاعتدال ~~تكون له مناسبات نحو أمور خاصة به ويخالفه المزاج الذي هو منه في الطرف ~~الآخر من الاعتدال حتى يستقبح هذا ما يستحسن هذا وبالضد وكذلك ما تقيده ~~العادات والاستشعارات وهو موجود في استلذاذ المأكول والمشروب فإن الأمزجة ~~البعيدة من الاعتدال تناسب طعوما غريبة PageV01P179 وتستلذ منها طرائف ~~وعجائب . | والاستقراء يفيدك كل عجيبة وطريفة من هذا النحو في الروائح ~~والسماع وجميع الحواس . | # | مسألة لم صار الخصيف المتمكن واللبيب المبرز يشاور فيأتي بالفلق # والداهية حتى يدع الشعر مشقوقا والغيث مرهوقا فإذا انفرد بشأنه وانتصر ~~وتعقب غاية منافعة عاد كسراب بقيعة لا يحلى ولا يمر حتى يفتضح عند من كان ~~يثني الخنصر عليه بنكره ودهائه ويشير إلى صواب رأيه ما الذي أصابه ونزل به ~~وما الذي بدله وتحيف عليه وما هذا الأمر الذي وسمه بما وسمه وأداه إلى ما ~~أداه ؟ PageV01P180 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : سبب ذلك ~~شيئان : أحدهما محبة الإنسان ذاته وتخوفه على نفسه من خطإ ينسب إليه أو غلط ~~يقع منه فتعرض له الدهشة والحيرة . | والآخر ميله إلى الهوى والهوى عدو ~~العقل والخطأ - أبدا - مع الهوى فإذا حضر الهوى غاب العقل وحيث يغيب العقل ~~يغيب الخير كله فالإنسان - أبدا - أسير في يد الهوى والهوى يريه ما يقبح ~~جميلا والخطأ صوابا . | ولإحساس الرجل المميز الفاضل بذلك منه لا يأمن أن ~~يكون رأيه لنفسه من قبل ما يريه الهوى دون العقل فيضطرب فكره ولا يصح رأيه ~~لنفسه ms085 . | فأما إذا رأى لغيره فهو سليم من الحالين جميعا فلذلك يأتي بالرأى ~~الصحيح السليم كالقدح وربما كان له هوى في غيره أيضا فيعرض له من الخطأ مثل ~~ما عرض له في نفسه . | وهذا يدلك على صحة ما ذكرناه من السبب في خطئه على ~~نفسه وسداده في أمر غيره . | وإذا احترز العاقل لنفسه أيضا وتجنب الهوى - ~~صح رأيه لنفسه وقل خطؤه إلا بمقدار ما جبل عليه المرء من محبة نفسه واشتباه ~~الهوى في بعض المواضع اللطيفة بالرأى الصحيح فإنه حينئذ يغلط غلطا يعذر فيه ~~ويسلم من تبعته . PageV01P181 | # | 1 ( مسألة لم يشمئز الإنسان من جرح قد فغز فوه حتى إنه لينفر من النظر ~~إليه والدنو منه وينفي خيال ذلك عن نفسه ) 1 # ويتعلل بغيره وكلما اشتد نفوره منه اشتد ولوعه به ما هذا أيضا فإنه باب ~~آخر في طي التعجب مما تقدم وفي المسألة : أن المعالج يباشر ذاك بعينه نظرا ~~وبيده علاجا وبلسانه حديثا أترى ذاك من المعالج إنما هو لضراوته وعادته ~~وطول مباشرته وملاحظته أم لمكسبه وحاجته وعياله ونفقته فإن كان للضراوة ~~والعادة فما خبره في ابتداء هذه الضروة والعادة وإن كان لحرفته فكيف عاند ~~طباعه معاندة وجاهد نفسه مجاهدة وهل يستوى للإنسان أن يعتاد ما ليس في طبعه ~~ولا في عادته ثم يستمر ذلك عليه ويكون كمن ولد فيه وعمر به . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تبين في المباحث الفلسفية أن النفس ~~بالحقيقة واحدة وإنما تكثرت بالأشخاص وإذا كان ذلك كذلك فالإنسان إذا رأى ~~بغيره أمرا خارجا عن الطبيعية من جرح أو تفاوت في الخلق أو من نقص في ~~الصورة - عرض له من ذلك ما يعرض له في ذاته وكأنه ينظر إلى نفسه وجسمه لأن ~~النفس هناك هي بعينها النفس ههنا فبحق ما يعرض هذا العارض . | فأما ولوعه ~~به وحضوره في ذكر أبدا فإنما ذلك لأجل أن النفس إذا PageV01P182 قبلت صورة ~~نزعتها من مادتها واستثبتتها في ذاتها وقيدت عليها قوة الذكر . | وليس تجري ~~النفس مجرى المرآة التي ms086 إذا قابلها الشيء قبلت صورته ما دام ذلك الشيء ~~قبالتها فإذا زال زالت صورته عنها ولا كناظر العين في قبول الصور أيضا وذلك ~~أن هذه أجسام طبيعية تقبل صورة الأجرام قبولا عرضيا فأما النفوس فإنها تقبل ~~الصور بنوع أشرف وأعلى ثم تستثبت تلك الصورة وإن زال حاملها عن محاذاة ~~العين . | وقد مر في هذه المسائل طرف من هذا المعنى وبين هناك كيف تقبل ~~النفس بقوتها المتخيلة صورة الشيء سريعا وكيف تبقى بعد ذلك هذه الصورة في ~~قوتها الذكرية حتى تراها مناما ويقظة فإنا متى شئنا أحضرنا صور آبائنا ~~وأجدادنا ومدننا حتى كأننا نراهم وإن كانوا غائبين فأما لم ذلك وكيف ~~استقصاء الكلام فيه فموجود في مظانه . | وأما المعالج لما سألت عنه المعتاد ~~به بالضراوة فإنما كان ذلك لأجل تكرر الصورة وأن ذلك الفعل صار كالخلق له . ~~| وقد بينا فيما تقدم أن الصور إذا تكررت على النفس حصل منها شيء ثابت ~~كالجوهري لها وقلنا إنه لولا هذه الحال لما أدبنا الأحداث ولا دعونا ~~الصبيان في أول نشوئهم العادات الجميلة فإن الأفعال إذا اتصلت ودامت ألفتها ~~النف سواء كانت حسنة أو قبيحة . | فإذا استمر الإنسان عليها صارت ملكة له ~~وقنية فعسر زوالها . PageV01P183 | # | مسألة ما العلة في حب العاجلة # | ألا ترى الله - تعالى - يقول : [ اي ] { كلا بل تحبون العاجلة } [ \ اي ~~] والشاعر يقول : والنفس مولعة بحب العاجل . | ومن أجل هذا المعنى ثارت ~~الفتن واستحالت الأحوال وحارت العقول واحتيج إلى الأنبياء والسياسة ~~والمقامع والمواعظ فإذا كان حب العاجلة طباعا ومبذورا في الطينة ومصوغا في ~~الصيغة فكيف يستطاع نفيه ومزايلته وكيف يرد التكليف بخلاف ما في الطبيعة ~~أليست الشريعة مقوية للطبيعة أليس الدين قوام السياسة أليس التألة قضية ~~العقل أليس المعاد نظير المعاش فكيف الكلام في هذا الشق وكيف يطرد العتب ~~على من أحب ما حببت إليه وقصرت همته عليه كما خلق ذكرا أو أنثى أو طويلا أو ~~قصيرا أو ضريرا أو بصيرا أو جلفا أو شهما فإن سقط اللوم في إحدى الحاشيتين ~~سقط في التي ms087 تليها وإن لزم في إحداهما لزم في أخراهما . PageV01P184 | وهذا ~~نظر ينسل إلى الجبر والاختيار وهما فنان يحتاجان إلى تحديد نظر وتجديد ~~اعتبار . | والحال المقسمة للبال من قضاء الوطر وبلوغ الغاية فقي النظر . | ~~الجواب : قال أوب علي مسكويه - رحمه الله : العاجلة إنما يومأ بها إلى ~~الحواس وتوابعها من اللذات في المآكل والمشارب والاستفراغات والاستراحات . ~~| والتي تختص بهذه الأشياء من الحواس هي النفس البهيمية . | ثم ينبغي أن ~~تعلم أن هذه النفس هي معنا من أول النشوء ومع الولادة فقد ألفناها إلفا ~~قويا مع الزمان المتصل الطويل فلذلك كانت قوتها أظهر وغلبتها أشد وصار ~~الحكم لها . | وإنما نظرنا النفس المميزة بقوة العقل من بعد فيظهر أثرها ~~قليلا قليلا إلى أن يقوى في وقت التكهل والاجتماع وبلوغ الأشد فنحن نحتاج ~~لذلك إلى مقاومة تلك النفس والاستعداد لها وكسر حدتها وإيهان قوتها بكلفة ~~شديدة وصبر طويل بحسب قوتها واستيلائها علينا وإلفنا إياها ونحتاج أيضا إلى ~~تقوية النفس الناطقة بامتثال أمرها وتثميرها وتنفيذ عزائمها فلأجل هذا صعب ~~علينا قبول أمر هذه وسهل قبول أمر تلك . | فأما قولك : كيف يرد التكليف ~~بخلاف ما في الطبيعة فإنا نقول : إن طبيعة النفس البهيمية الانقياد للنفس ~~الناطقة والوقوف عند أمرها . | ولولا أن ذلك في جلبتها وسوسها وهو قبول ~~التأديب وأن PageV01P185 تصدر أفعالها الخاصة بها بحسب ما يأمرها به العقل ~~- لكان - لعمري - تكليفا بخلاف ما في الطبع ولكن أحدا لا يروم إبطال هذه ~~القوة رأسا بل يطالبها بأن تقبل ترتيب الأفعال على ما يرسمه العقل وهي ~~مطبوعة على قبول هذا الأدب كما قلنا . | وليس يجري هذا مجرى ما ضرب به ~~المثل من الطول والقصر وغيرهما لأن هذا شيء لا صنع فيه للأدب وإنما هو أثر ~~يقبل الهيولى من المعطي بحسب موضوعه ولا يمكن خلافه بوجه ولا سبب . | ~~وتفسير ذلك أن الرطوبة التي في المادة تقبل من الحرارة امتدادا وانجذابا ~~إلى العلو الذي هو حركة ولا يمكن أن يكون إلا على ما يظهر بالفعل . | فقد ~~بان الفرق بين هذين النوعين اللذين رمت ms088 الجمع بينهما وظهر السبب في حب ~~العاجلة وحسن ما أدب الله - تعالى - به الناس بالدين والآداب وخرج الجواب ~~عن المسألة في إيجاز وإيضاح . | # | 1 ( مسألة ترى ما السبب في قتل الإنسان نفسه عند إخفاق يتوالى عليه ~~وفقر يحوج إليه ) 1 # وحال تتمنع على حوله وطوقه وباب ينسد دون مطلبه ومأربه وعشق يضيق ذرعا به ~~ويبعل في معالجته . | وما الذي يرجو بما يأتي ؟ وإلى PageV01P186 أي شيء ~~ينحو فيما يقصد وينوي وما الذي ينتصب أمامه ويستهلك حصافته ويذهله عن روح ~~مألوفة ونفس معشوقة وحياة عزيزة وما الذي يوهمه من العدم حتى يسلبه من قبضة ~~الوجدان ويسلمه إلى صرف الحدثان . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : الإنسان مركب من ثلاث قوى نفسانية وهو كالواقف بينها تجذبه هذه مرة ~~وهذه مرة . | وبحسب قوة إحداها على الأخرى يميل بفعله فربما غلبت عليه ~~القوة الغضبية فإذا انصبغ بها وما بفعله إليها ظهرت قوته كلها كأنها غضب ~~وخفيت القوى الأخرى حتى كأنها لم توجد له وكذلك إذا هاجت به القوة الشهوية ~~خفيت آثار القوى الأخر . | وأحصف ما يكون الإنسان وأحسنه حالا إذا غلبت ~~عليه القوة الناطقة فإن هذه القوة هي المميزة العاقلة التي ترتب القوى ~~الأخرى حتى تظهر أفعالها بحسب ما تحده وترسمه . | والإنسان حينئذ نازل ~~بالمنزلة الكريمة بحيث هيأه الله تعالى وكما أراده . | فإذا كان الأمر كذلك ~~فغير منكر أن يهيج بالإنسان بعض تلك القوى منه عند التواء أمر عليه أو ~~انسداد باب دون مطلب له فيظهر منه فعل لا توجبه روية ولا يقتضيه تمييز ~~لخلفاء أثر القوة الناطقة واستيلاء القوة الأخرى . | وأنت تجد ذلك عيانا ~~عند الأحوال المختلفة بك فإنك تجد نفسك في أوقات على أحوال مؤثرة لها قاصدة ~~إليها غير مصغية إلى نصيح ولا قابلة أمر سديد حتى إذا أفقت من تلك السكرة ~~التي غلبت عليك في تلك الحال - عجبت من الأفعال التي ظهرت منك وأنكرت نفسك ~~فيها وكأن غيرك PageV01P187 كان الذي آثرها وقصد إليها فلا تزال كذلك حتى ~~تهيج بك تلك القوة ms089 الأولى مرة أخرى فلا يمنعك ما جربته من نفسك ووعظتها به ~~- أن تقع في مثله . | وسبب ذلك التركيب من القوى المختلفة النفسانية . | ~~وليس يمكن الإنسان أن يخلص بقوة واحدة ويصدر أفعال الباقية بحسب التي هي ~~أفضل وأشرف إلا بعد معالجة شديدة وتقويم كثير وإدمان طويل فإن العادة إذا ~~استمرت والعزيمة إذا أنفذت في زمان متصل طويل - حصل منها خلق فكان الحكم له ~~وصار هو الغالب ولذلك نأمر الأحداث بالسيرة الجميلة ونؤاخذهم بالآداب التي ~~تسنها الشرائع وتأمر بها الحكمة . | واستقصاء هذا الكلام وذكر علله لا ~~تقتضيه المسألة ولا يفي به المكان . | فإن شك فيما قلنا شاك وظن أن الإنسان ~~المركب من القوى الثلاثة يجب أن يكون لا زما لأمر واحد متركب من تلك القوى ~~كما نجد الحال في سائر المعجونات والمركبات من الطبيعة فليعلم أن مثاله ليس ~~بصحيح لأن قوى الإنسان النفسانية لها من ذاتها حركات تزيد وتنقص وأحوال - ~~أيضا - تهيجا . | وليست كذلك قوى الطبيعيات فلتنعم النظر في ذلك تجده كما ~~أومأنا إليه وذكرناه . | # | 1 ( مسألة سألت بعض مشايخنا بمدينة السلام عن رجل اجتاز بطرف الجسر ) 1 # وقد اكتنفه الجلاوزة لا يسوقونه إلى السجن فأبصر موسى وميضة في طرف دكان ~~مزين فاختطفها كالبرق وأمرها على حلقومه فإذا هو يخور PageV01P188 في دمائه ~~فقلت : من قتل الإنسان فإذا قلنا : قتل نفسه فالقاتل هو المقتول أم القاتل ~~غير المقتول فإن كان أحدهما غير الآخر فكيف تواصلا مع هذا الانفصال وإن كان ~~هذا ذاك فكيف تفاصلا مع هذا الاتصال وإنما شيعت المسألة الأولى بهذا السؤال ~~لأنه ناح نحوها وقاف أثرها . | الجواب : قال أبو على مسكويه - رحمه الله : ~~كأن هذه المسألة مبينة على أن الإنسان شيء واحد لا كثرة فيه والشبهة فيها ~~من هذا الوجه تقوى فإذا بان أن للإنسان قوى كثيرة وهو مركب منها وأنه يميل ~~في وقت ما نحو قوة وفي وقت آخر نحو غيرها وأن أفعاله - أيضا - بحسب ميله ~~إلى إحدى القوى وغلبتها عليه كما بيناه في المسألة التي قبل هذه - زال هذا ms090 ~~الشك . | فأما قوله : كيف تواصلا مع هذا الانفصال فأقول : إن السبب في ذلك ~~أن الباري تعالى لما علم أن هذا المركب من نفس وجسد يحتاج إلى أشياء تقيمه ~~من غذاء وغيره وأنه لا قوام لحياته إلا بمادة وكان لا يصل إلى تلك المادة ~~إلا بحركة وسعي وكانت العائقات والمانعات عنها كثيرة - أعطاه قوة يصل بها ~~إلى حاجاته ويدفع بها أضدادها عن نفسه ليتم له البقاء . | ومن شأن هذه ~~القوة أن تهيج وتثور في أوقات بأكثر مما ينبغي وفي أوقات تقصر عما ينبغي . ~~| وهاتان الحالتان لها رذيلتان : أما الأولى فيتبعها التهور وأما الثانية ~~فيتبعها الجبن . | وللإنسان - بقوة التمييز والعقل - أن يستعمل هذه القوة ~~على ما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وعلى الشيء الذي ينبغي . PageV01P189 | ~~فإذا حصل في هذه الرتبة فهو شجاع وممدوح وكما أراده الله تعالى منه على ~~خلقه له . | وقد بقي في المسألة موضع شك وهو أن يقول قائل : إن كان قاتل ~~نفسه إنما ظهر منه هذا الفعل بحسب القوة الغضبية فهو شجاع والشجاع محمود ~~ونحن نعلم أن هذا الفاعل بنفسه هذا الفعل مذموم فكيف حاله وأين موضع ~~الشجاعة الممدوح فنقول : لعمري إن هذا الفعل من أثر القوة الغضبية ولكنه ~~بحسب رذيلتها وتقصيرها عما ينبغي لا بحسب الزيادة ولا بحسب الاعتدال الذي ~~سميناه شجاعة وذلك أن المرء الذي يخاف أمرا فيه من فقر أو شدة ولا يرحب ~~ذرعا به ولا يستقبله بعزيمة قوية ومنه تامة - جبان ضعيف فيحمله هذا الجبن ~~على أن يقول : أستريح من تحمل هذه المشقة التي ترد علي . | وهذا هو النكول ~~والضعف المسمى جبنا . | وقد ذكرنا أن قوة الغضب ربما كلت ونقصت عما ينبغي ~~فتكون رذيلة ومنقصة ولا تسمى شجاعة ولا يكون صاحبها محمودا ولا ممدوحا . | # | مسألة كيف صار يخلص في وقت معتاد النفاق ؟ # ويتيقن من اشتمل بالريب ويستيقظ من هو راقد ويتنصح من هو غاش وكيف صار - ~~أيضا - ينافق من نشأ على الإخلاص ويريب من ألف النزاهة وعلى هذا كيف يكون ~~يخون من استمر على الأمانة ستين ms091 عاما ويتحرج من عتق في الخيانة ستين عاما ~~ما هذه العوارض المختلفة والعادات المستطرفة ؟ PageV01P190 وكذلك نجد ~~الكذاب يصدق أحيانا لغير أرب مجتلب والصادق يكذب لغير معنى محدد ثم لا يتفق ~~أن يصدق ذلك في نافع أو يكذب هذا في دافع . | الجواب : قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله : هذه المسألة أيضا قريبة من المسألتين المتقدمتين والجواب ~~عنها قريب من الجواب عنهما . | وذلك ان النفاق والنصح وسائر ما ذكره في هذه ~~المسألة هو من آثار النفس الناطقة . | ومن البين أن هذه النفس لها أيضا مرض ~~وصحة فصحتها اعتدالها في قواها الباقية ومرضها خروجها عن الاعتدال . | وهي ~~إن خرجت عن اعتدالها في وقت فغير منكر لها أن تعود إليه في وقت آخر وكما أن ~~الصدق والنصيحة وصحة الروية وتقسيط الأعمال بحسب الأحوال هو صحتها ~~واعتدالها فأضداد هذه مرضها وخروجها عن الاعتدال . | ولكن ليس نسلم أنها ~~تصدق ثم تكذب لغير سبب ولا لدفع مضرة بل يظن - أبدا - أن فعلها صواب لأمر ~~تراه فربما كان ذلك الظن غلطا وخطأ فأما أن تفعل ذلك لغير أرب وفير قصد إلى ~~ما تراه خطأ فمحال . | # | 1 ( مسألة ما معنى قول بعض العلماء إن الله عم الخلق بالصنع ولم يعمهم ~~بالاصطناع ) 1 # وما مبسوط هذا المعنى وكيف وجه تحصيله وهل ترك الله - تعالى - فيه صلاح ~~الخلق فلم يجد به ابتداء من غير طلب كيف يكون هذا وقد بدأ بالنعم قبل ~~الاستحقاق وخلق الخلق من غير حاجة إلى الخلق فإن قيل : أبلى بالحاجة ثم منع ~~من غير بخل قيل : فلن ينبغي أن PageV01P191 يجحد إحسانه فيما ظهر لحيرة تقع ~~فيما يظن ولعل في غيب ما منع ما قد يقع ولكنه مجهول وهو بتدبيره ملىء وعلى ~~موجب الحكمة ماض بغير مدافعة ولا اعتراض . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : أما قول من قال : إن الله - تعالى - عم بالصنع خلقه ولم يعمهم ~~بالاصطناع فكلام قد ذهب به مذهب البلاغة ومعناه صحيح لولا التكلف الذي ~~تجشمه صاحبه . | وهذا المعنى في قول المسيح - عليه ms092 السلام - أظهر وذاك أنه ~~روى لنا ونقل من لغته إلى لعتنا أنه قال : ( لا تهمتوا ولا تقولوا ما نأكل ~~وما نشرب وما نلبس فإن قدر الحاجة قد عم به جميع الخلق وإنما يلتمسون ~~الفضول فيها واعلموا أن ليس كل من دعا إلى الله يرى وجه الله بل من أكمل ~~رضوانه بالعمل الصالح ) . | فهذا قول المسيح - عليه السلام - على ما نقل ~~وروى . | فأما تفسير هذا الكلام وهو تبيين الكلام الأول الذي سألت عن معناه ~~فإن الصنع البين الظاهر لجميع الخلق هو إعطاؤهم الحياة ثم إزاحة العلة فيما ~~هو ضروري في بقائها وذلك أن بقاءها بالحرارة الغريزية وبقاء الحرارة ~~الغريزية بالترويح يخرج من معدنها الذي هي متعلقة به - الدخان الذي يحدث عن ~~الحرارة والرطوبة الدهنية وتبديل الهواء اليابس بذلك الدخان بهواء آخر رطب ~~سليم موافق لمادة تلك الحرارة وذلك بمنفاخ دائم العمل في شبيه بكير ~~الحدادين وهو الرئة وآلة النفس في جميع ماله قلب ومعدن لهذه الحرارة وما ~~يجرى مجراها في الحيوانات الأخرى التي لا قلب لها . PageV01P192 ولا حاجة ~~بها إلى الترويح عن الحرارة الملتهبة في المادة الرطبة الدهنية ثم إزاحة ~~العلة في نفس الهواء الذي هو مادة تلك الحرارة ثم في الرطوبة التي لولاها ~~لفني مقدار ما في الجسم منها مع اغتذاء الحرارة بها أعني الماء . | وهذه هي ~~الأشياء الضرورية في الحياة التي لو فقد منها واحد طرفة عين لبطلت الحياة . ~~| وقد أزيحت العلة فيها إزاحة بينة كثيرة ظاهرة وعم بها جميع الحيوان . | ~~فأما الأشياء التي تتبع هذه مما هي ضرورية في طول بقاء الحي وفي حسن حاله ~~من العروق الضوارب وغير الضوارب وآلات الغذاء والقوى الجاذبة والمغيرة ~~والمحيلة الممسكة والدافعة وارئيسة من هذه القوى والخادمة لها وقيام ~~الرئيسة - أبدا - بسياسة الخوادم واستخدامها وقيام الخوادم منها بالطاعة ~~والخدمة الدائمة - فأمر قد تبين في صناعة الطب وظهر ظهورا لا يحتاج معه إلى ~~استئناف قول . | ويبقى بعد ذلك تخير الحي لقوت دون قوت مما ليس بضروري في ~~بقائه فقد أعطى بحسب حاجته - أيضا ms093 - قوة يطيق بها التخير والتوصل إلى قدر ~~حاجته . | وهذا كله معموم به جميع الخلق غير ممنوع من شيء منه . | فأما ~~الاصطناع فهو القرب من الباري - جل اسمه - وليس يتم هذا إلا بسعي ورغبة ~~وتوجه . | وقد دل - أيضا - تقدس اسمه إلى ذلك وبقي أن يتحرك العبد إلى هذه ~~الحال فإنه لا يمنع - أيضا - من الاصطناع بل الباب مفتوح والحجاب مرفوع ~~وإنما المرء يحجب نفسه ويمتنع من التوجه والرغبة وقصد المنهاج والسبيل الذي ~~دل عليه ورغب فيه - بأن يتشاغل بفضول عيشه الذي هو مستغن عنه بما هو حي ~~وبالميل إلى لذات الحس التي تعوقه عن مطلبه وغايته ومنتهى سعادته وهذا بحسب ~~الموضع كاف فيما سألت عنه ، والله الموفق ؟ PageV01P193 | # | 1 ( مسألة ما سر النفس الشريفة في إيثار النظافة ومحبة الطهارة ) 1 # وتتبع الوضاءة وعلى هذا فما وجه الخير في قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~البذاذة من الإيمان ) وقال بعض النساء : القشف من الشرف والترف من السرف . ~~| وسمعت صوفيا يقول : سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا . | ومطلق هذا ~~يقتضي قيدا ولكن قال هذا وسكت . | وسمعت فيلسوفا يقول : إذا صفا السر انتفى ~~الشر . | وهذا وإن كان قولا رشيقا فإن السبب فيه متوار والدليل عنه متراخ . ~~| الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ينبغي أن نتكلم أولا في سبب ~~النظافة والدنس حتى تبين معنى كل واحد منهما ثم ننظر في نفور الإنسان عن ~~الدنس وميله إلى الطهارة فأقول : إن العناصر الأربعة إذا لم تمتزج ضروب ~~الامتزاجات المتغايرة لم ينفر الإنسان منها ولم يسمها دنسا وإنما يقع ~~النفور من بعض المزاجات . PageV01P194 | وإذا نظرنا في المزاجات وجدنا هذه ~~الأربعة إذا اختلطت ضربا من الاختلاط على مناسبة ما كانت معتدلة وحصل ~~المزاج الإنساني وهذا المزاج له غرض ما فكل ما لم يخرج عنه فهو إنسان ~~بالصورة والمزاج وإن انحرف عن هذا المزاج وخرج عنه - لم يكن إنسانا . | ولا ~~بد أن يكون انحرافه وخروجه إلى واحد من هذه الأربعة أكثر فإن كان مائلا إلى ~~جهة الحرارة وباقي العناصر مقاربة ms094 للمزاج الإنساني أو باقية بحالها - نظر ~~في مقدار خروجه إلى جهة الحرارة فإن كان كثير جدا كان سما للإنسان قاتلا له ~~وإن كان دون هذا كان ضارا له بحسب خروجه عن اعتداله في الحرارة وهذا لا ~~يسمى دنسا وكذلك إن خرج في جهة اليبوسة والبرد فإن هذه إن أفرطت وحصلت ~~مضادة للمزاج المعتدل حتى تبطله - كانت سموما وإن لم تبطل ذلك المزاج فهي ~~تضره وتغيره عن صورته وسواء كان هذا الخارج عن الاعتدال الإنساني نباتا أو ~~حيوانا فإنه يعرض فيه ما ذكرناه . | فهذه حال مفردات العناصر إذا أفرطت مع ~~اعتدال الباقيات . | فإما إذا خرج اثنان منها عن الاعتدال فإن خروجهما أيضا ~~يكون على ضروب وأنحاء إلا أن الرطوبة - خاصة - إذا أفرطت في الزيادة ~~والحرارة إذا أفرطت في الزيادة - عرض من هذا المزاج حال تسمى عفونة وهي عجز ~~الحرارة عن تحليل الرطوبة فيحصل مخالفا للمزاج المعتدل من هذا الوجه ~~فيتكرهه الإنسان ويأباه سواء أكان ذلك في حيوان أو جماد . | وهذا النفور ~~والتكره على ضروب بحسب خروج المزاج المقابل له عن الاعتدال وسأضرب لذلك ~~مثلا وهو أن مزاج الإنسان لما كان مقاربا لمزاج الفرس وكانت بينهما مناسبة ~~- حصل بينهما قبول من تلك الجهة فإذا PageV01P195 تباعد هذا المزاج حتى ~~يكون منه الغبار والدود والجعل والذباب - نفر منه الإنسان وتكرهه وذلك أن ~~هذه الأنواع من الحيوانات مكونة من عفونات - كما وصفناه من زيادة الرطوبة ~~ونقصان الحرارة - فبعدت من مزاج الإنسان وكذلك حال فضول البدن وذلك أن ~~الطبيعة إذا استولت على الغذاء فتناولت منه القدر الملائم وميزته أيضا ~~وحصلته في أوعيته وشبهته أولا أولا بالبدن ونفت ما ليس بملائم وميزته أيضا ~~وحصلته في أوعية أخرى وهي آلات النفض فإن ذلك المميز الذي قد خرج عنه جميع ~~ما فيه من الملاءمة - يحصل على غاية البعد من المشابهة وتعرض له غلبة ~~الرطوبة ونقصان الحرارة فيعفن فينفر عنه الإنسان ويكرهه ويحب الراحة منه . ~~| وهذا سبيل ما يرشح من البدن من سائر الفضول فإن جميعه ما نفاه الطبع ~~وميزه ms095 فهو لذلك غير ملائم وما لم يكن ملائما كان متكرها ويسمى هذا النوع ~~دنسا إلا أنه ما PageV01P196 دام مستبطنا وغير بارز من البدن فهو محتمل ~~بالضرورة فإذا برز عفناه - حينئذ - وتكرهناه وتقررنا منه . | وههنا أشياء ~~أخر ينفر منها الإنسان بالعادة ويألفها أيضا بالعادة وليس ما نحن فيه من ~~هذه المسألة في شيء . | فأما قول النبي - عليه السلام - ( البذاذة من ~~الإيمان ) فهو بعيد من هذا النمط الذي كنا في ذكره فإن من كاد باذ الهيئة ~~يكره الدنس ويحب النظافة وليس يخالفك في شيء مما تؤثره من معنى الطهارة فإن ~~خالفك فليس من حيث بذاذة الهيئة لكن كما يخالفك غيره ممن ليس بباذ الهيئة . ~~| وكذلك حال التقشف الذي حكيت فيه كلاما ما عن بعض الصوفية فإن تلك المعاني ~~هي موضوعات أخر ليست مما كنا فيه والكلام فيها يتصل بمعاني العفة والقناعة ~~والاقتصاد وهي فضائل قد استقصى الكلام فيها في مواضع أخر . | فأما قول ~~القائل : سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا وقول الآخر : إذا صفا السر ~~انتفى الشر فهو إيماء إلى مراتب النفس من المعارف ومنازل اليقين . | ولعمري ~~أن PageV01P197 من حصل له مرتبة في القرب من بارئه - جل اسمه وتعالى علوا ~~كبيرا - فقد انتفى منه الشيء ولم يحتمل الجفاء . | وشرح هذا الكلام وبسطه ~~طويل وقد لاح مما ذكرناه ما فيه كفاية وبلاغ . | # | مسألة الغناء أفضل أم الضرب ؟ # والمغنى أفضل وأشرف أم الضارب . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : أما الموسيقا فإنه علم وقد يقترن به عمل وعامله يسمى موسيقارا . | ~~فأما علمه فهو أحد التعاليم الأربعة التي لا بد لمن يتفلسف أن يأخذ بخط منه ~~وأما عمله فليس من التعاليم ولكنه تأدية نغم وإيقاعات متناسبة من شأنها أن ~~تحرك النفس - في آلة موافقة وتلك الآلة إما أن تكون من البدن أو خارجة عن ~~البدن . | فإن كانت من البدن فهي أعضاء طبيعية أعدت لتكمل بها أمور أخر ~~فاستعملت في غيرها . | وإن كانت خارجة من الطبيعة فهي آلات صناعية أعدت ~~لتكمل بها تأدية النغم ms096 والإيقاع . | ومن شأن الآلات الطبيعية إذا هي ~~استعملت في غير ما أعدت له - أن تضطرب وتخرج عن أشكالها فتتبذل وتتغير . | ~~فإن كان غرض المتكلف ذلك فيها الوصول إلى خسائس الأمور ونقائصها كان قبيحا ~~مستهجنا . | وإن كان غرضه منها إظهار أثر العلم للحس ليتبين النسب المؤلفة ~~في النفس وإظهار الحكمة في ذلك - كان جميلا مستحسنا وإن كان لا بد فيه من ~~الخروج عن العادة والإلف عند قوم لكن PageV01P198 غرض أهل زماننا من العمل ~~هو إثارة الشهوات القبيحة وإعانة النفس البهيمية على النفس المميزة حتى ~~تتناول لذاتها من غير ترتيب العقل وترخيصه فيها . | وإذا كان قصده لذلك ~~بآلات طبيعية فهو - لا محالة - يضم إليه كلاما ملائما له يؤلف منه تلك ~~النغم في ذلك الإيقاع . | فإن كان - أيضا - منظوما نظما شعريا غزليا قد ~~استعمل فيه خدع الشعر وتمويهاته - تركب تحريكه للنفس وكثرت وجوهه واشتدت ~~الدواعي وقويت على ما ينقض العفة ويثير الشبق والشره لأن الشعر وحده يفعل ~~هذه الأفعال . | وهذه أسباب شرور العالم وسبب الشر شر فلذلك يعافه العقل ~~وتخطره الشريعة وتمنع منه السياسة . | فإذا كانت الآلة خارجة من البدن ~~فأحسنها ما قل استعمال الأعضاء فيه وبقيت هيئة الإنسان ونصبته صحيحة غير ~~مضطربة وكان مع ذلك أكثر طاعة في إبراز على التأليف وأقدر على تمييز النغم ~~وأفصح على حقائق النغم المتشابهة لا إلى المتناسبة التي حصلها على الموسيقا ~~. | ولسنا نعرف أكمل في هذه الأسباب من الآلة المسماة عودا لأن أوتارها ~~الأربعة مركبة على الطبائع الأربع ولدساتينها المشدودة نسب موافقة لما يراد ~~من تمييز النغم فيها وليس يمكن أن توجد نغمة في العالم إلا وهي محكية منها ~~ومؤادة بها . | فأما ما يحكى عن الأرغن الرومي فلم تسمعه إلا خبرا ولم نره ~~إلا مصورا وقد عمل فيه الكندي وغيره كلاما ما لم يخرج به PageV01P199 إلى ~~الفعل من القوة ولو عملت الآلة لا حتاجت من مهارة مستعملها ما يتعذر وجوده ~~ويبعد . | وكما أن العود لما خرج إلى الفعل احتيج إلى ماهر يضربه ولم يكن ~~ليغني فيه ms097 العلم دون العمل والحذق فيه فكذلك هذه الآلة لو خرجت إلى الفعل ~~فلذلك توقفنا عن الحكم لها بالشرف وقطعناه للعود . | # | 1 ( مسألة ما علة افتتان بعض الناس في العلوم على سهولة من نفسه ~~وانقياد من هواه ) 1 # واستجابة من طبعه وآخر لا يستقل بفن مع كد القلب ودوام السهر ومواصلة ~~المجالس وطول المدارسة . | ولعل الأول كان من المحاويح والثاني من المياسير ~~. | وقال آخرون : هي أقسام . | وقال قائلون : هي طبائع مختلفة وعروق نزاعة ~~ونفوس أباءة . | وقال آخرون : إنما هي تأثيرات علوية ومقابلات سفلية ~~واقترانات فلكية . | وقال آخر : الله أعلم بخلقه وبفعله ليس لنا إلا النظر ~~والاعتبار فإن أفضينا بنا إلى البيان فنعمة لا يقوم بشكرها إنس ولا جان وإن ~~أديا إلى اللبس فتسليم لا عار فيه على الإنسان . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إن النفس وإن كانت في ذاتها كريمة شريفة فإن أفعالها ~~إنما تصدر بحسب آلتها فكما أن النجار إذا فقد الفأس واستعمل المثقب أو ~~المنشار PageV01P200 مكانه لم يصدر فعله الذي يتم بالفأس كاملا ولم تحصل له ~~صور المنجور تاما ولم يكن ذلك لتقصير منه بل لفقد الآلة - فكذلك حال النفس ~~إذا ثارت إلى معرفة ونهضت نحو علم ثم لم تجد آلته فإنها حينئذ بمنزلة ~~النجار الذي ضربناه مثلا وذلك أن بعض العلوم يحتاج فيه إلى تخيل قوى ~~والتخيل إنما يكون باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ المقدم . | وبعض العلوم ~~يحتاج فيه إلى فكر صحيح والفكر الصحيح إنما يتم باعتدال ما في مزاج بطن ~~الدماغ الأوسط . | وبعض العلوم يحتاج فيه إلى حفظ صحيح جيد والحفظ الجيد ~~يحصل باعتدال ما في مزاج بطن وبعض هذه المزاجات يحتاج في اعتداله الخاص فيه ~~إلى رطوبة ما وبعضه يحتاج فيه إلى يبوسة ما وكذلك الحال في الكيفيتين ~~الأخريين . | ولما كانت هذه البطون متجاورة أدى بعضها إلى بعض كيفيتها فإن ~~رطوبة أحدها ترطب الآخر بالمجاورة وإن كان غير محتاج إلى الرطوبة في ~~اعتداله الخاص به فلذلك قل من يجتمع له الفضائل الثلاث من ms098 صدق التخيل وصحة ~~الفكر وجودة الحفظ . | وإذا غلب أحد هذه كانت سهولة العلم الموافق لذلك ~~المزاج على الإنسان بحسب ما ركب فيه وأعطى القدرة عليه . | ومن فقد ~~الاعتدال فيها كلها فقد الانتفاع بالعلوم أجمعها . | وربما حصلت الفضائل في ~~التركيب من صحة المزاج ثم أهمل صاحبها نفسه بمنزلة النجار الذي يجد الآلة ~~ثم لا يستعملها كسلا وميلا إلى الراحة والهوينا وشغلا باللعب والعبث فهذا ~~هو المذموم المضيع حظه الذي خسر نفسه قال الله تعالى فيه [ اي ] { قل إن ~~الخاسرين PageV01P201 الذين خسروا أنفسهم } [ \ اي ] | فأما من استعمل آلته ~~بحسب طاقته وحصل فضيلتها بنحو استطاعته فهو معذور . | وليس يكون ذلك بيسار ~~ولا فقر بل بحصول الآلة ومواتاة المزاج وبقدر عناية الإنسان بعد فمن قال من ~~الناس : إنها مواهب أو أقسام أو طبائع أو تأثيرات علوية أو غير ذلك فهو ~~صادق وليس يكذب أحد في شيء مما حكيته لأن كل واحد منهم يومىء إلى جهة صحيحة ~~وسبب ظاهر وإن كانت جميع الجهات والأسباب مرتقية إلى سبب واحد لا سبب له ~~وإلى علة أولى هي علة الباقيات وإلى مبدع للجميع خالق للكل - تعالى ذكره ~~وتقدس إسمه - ونحن نستمده التوفيق ونسأله العصمة ونستوزعه الشكر ونفوض إليه ~~أمورنا وهو حسبنا ومولانا وعليه توكلنا ونعم المولى ونعم النصير . ~~PageV01P202 | # | مسألة ما الفراسة وماذا يراد بها وهل هي صحيحة أم هي تصح في بعض ~~الأوقات دون بعض أو لشخص دون شخص ؟ # | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الفراسة صناعة تتصيد ~~الأخلاق والأفعال التي بحسب الأخلاق من الأمزجة والهيئات الطبيعية والحركات ~~التي تتبعها . | وهي صناعة صحيحة قوية الأصول وثيقة المقدمات ويحتاج صاحبها ~~ومتعاطيها أن يتدرب في ثلاثة أصول لها حتى يحكمها ثم يحكم بها فإنه حينئذ ~~لا يخطىء ولا يغلط . | والأصول الثلاثة هي هذه : أما أحدها فالطبائع الأربع ~~أنفسها . | والثالث الهيئات والأشكال والحركات التابعة للأخلاق . | ونحن ~~نشرحها على مذهبنا في الإيجاز والإيماء إلى النكت والدلالة بعد ذلك على ~~مظانها . PageV01P203 فأما قولك : فما الذي يراد بها ؟ فإن المراد من هذه ~~الصناعة ms099 تقدمة المعرفة بأخلاق الناس ليلابسهم على بصيرة . | والفراسة قد ~~تكون في الخيل والكلاب وسائر الحيوانات التي ينتفع بها الناس وقد تكون في ~~الجمادات أيضا كفراسة السيوف والسحاب وغيرهما إلا أن العناية التامة إنما ~~وقعت بفراسة الإنسان خاصة لكثرة الانتفاع به مما سنذكره بمشيئة الله . | ~~وأما قولك : هل تصح أبدا أم في وقت دون وقت ولشخص دون شخص فإني أقول : إنها ~~تصح أبدا في كل وقت ولكل أحد ولكن على الشريطة التي ذكرناها من إحكام ~~الأصول التي وعدنا بذكرها مجملة والدلالة على مواضعها مفصلة . | وإنما قلنا ~~إنها تصح أبدا ودائما لأن مقوماتها ودلائلها ثابتة غير منقلبة وليست كأشكال ~~الفلك التي تتبدل وتتغير بل شكل الإنسان وهيئاته ومزاجه والحركات اللازمة ~~له عن هذه الأشياء ثابتة باقية ما دام حيا فالمستدل بها أيضا يتصفحها ~~فيجدها بحال واحدة . | ونعود إلى ذكر الأصول الثلاثة فنقول : أما الاستدلال ~~بالطبائع أنفسها فهو أن الحرارة التي تكون في قلب الإنسان - وهي سبب الحياة ~~- من شأنها إن زادت على الاعتدال أن تزيد في النفس لحاجة القلب إلى الترويح ~~بالرئة وأن توسع التجويف الذي تكون فيه بالحركة الزائدة وأن يكون لها دخان ~~فاضل على القدر المعتدل بحسب زيادتها وبقدر الرطوبة الدهنية التي تجاورها . ~~| فيعرض من هذه الأحوال التي ذكرتها أن يكون الإنسان الذي حرارة قلبه بهذه ~~الصفة عظيم النفس واسع الصدر جهير الصوت كثير الشعر في نواحي الصدر ~~والأكتاف إذا لم يمنع منه مانع PageV01P204 كما يعرض لمن يكون جلده مستحصفا ~~ومسام جلده مسدودة أو ضيقة . | فمن وجد هذه الصفات فحكم بأن الموجب لها ~~حرارة غالبة فهو صادق إلا أنه لا ينبغي أن يتسرع إلى حكم آخر حتى في ~~الأصلين الباقيين ليثق كل الثقة وذلك أن الحرارة يتبعها الغضب والشجاعة ~~وسرعة الحركة ولكن على شروط وهي أن للدماغ مشاركة في أفعال الإنسان وتعديل ~~حرارة القلب إذا كان باردا رطبا فينبغي أن ينظر فيه فإن كان صاحب هذا ~~المزاج صغير الرأس بالإضافة إلى صدره فاحكم عليه بما قلناه . | فإن أضاف ~~المستدل إلى ms100 هذه الدلالة الدلالتين الأخريين من الأصلين الباقيين لا أشك في ~~صحة حكمه وصدق قياسه . | وأنا الاستدلال بالأصل الثاني وهو المزاج فقد ~~علمنا أن لكل مزاج خلقا ملائما وشكلا موافقا وذلك الخلق يتبعه خلق النفس ~~فإن الطبيعة تعمل - أبدا - من كل مزاج خلقا خاصا فلذلك لا تعمل من نطفة ~~الحمار إلا حمارا ومن النواة إلا النخلة ومن البرة إلا برا . PageV01P205 | ~~وكذلك أيضا - أبدا - تعمل من المزاج المخصوص بالأسد خلقة الأسد ومن مزاج ~~الأرنب خلقة الأرنب وأن ذلك الخلق يتبعه خلق خاص - أبدا - بموجب الطبيعة ~~وذلك أن الأسد لما كان مزاج قلبه حارا تتبعه الجرأة ولأنه مستعد لأن يلتهب ~~قلبه - صار يسرع إليه الغضب ولأن مزاجه موافق لخلقه أعدت له الطبيعة آلة ~~الفرس والنهس وأزاحت علته في الأعضاء التي يستعملها بحسب هذا المزاج وأعطته ~~الأيد والبطش . | ولما كان مزاج الأرنب مقابلا لهذا المزاج صار خوارا جبانا ~~ضعيفا قليل المنة فأعدت الطبيعة له آلة الهرب فهو لذلك خفيف جيد العدو لا ~~يصدر عنه شيء من أفعال الشجاعة والإقدام فكل أسد شجاع مقدام وكل أرنب جبان ~~فرار حتى لو تحدث إنسان أن أرنبا أقدم على سبع وولى السبع عنه لكان موضع ~~ضحك . | فإذا وجد صاحب الفراسة في مخايل الإنسان وخلقه مشابهة لأحد هذين ~~الحيوانين فحكم له بقريب من ذلك المزاج والخلق الصادر عنه فهو غير بعيد من ~~الحق لا سيما إن أضاف إليه الأصلين الباقيين . PageV01P206 | وهذا المثالان ~~اللذان ذكرناهما يستمر القياس عليهما على مزاج خاص بحيوان أعني أنه يتبع كل ~~مزاج خلق كالروغان للثعلب والخداع والجبن للأرنب والختل وكالملق للسنور ~~والأنس وكالسرق للعقعق والدفن . | وإنما صار الإنسان وحده لا يظهر منه ~~الخلق الطبيعي ظهورا تاما كظهوره من هذه الحيوانات لأنه مميز ذو روية فهو ~~يستر على نفسه مذموم الأخلاق بتعاطي ضده وتكلف فعل المحمود وإظهار ما ليس ~~في طبعه ولا في جبلته فيحتاج حينئذ إلى أن يستدل على خلقه الطبيعي بأحد ~~شيئين : إما بطول الصحبة وتفقد الأحوال وإما بالاستدلال الذي نحن في ذكره ~~والاستعانة ms101 بصناعة الفراسة على ما يسيره من أخلاقه الطبيعية . | فإن كان ~~مزاجه وخلقه مناسبا لخلق الأرنب حكم بخلقه وإن كان مناسبا للأسد حكم عليه ~~بخلقه مع سائر دلائله الأخر . | فأما الاستدلال بالأصل الأخر وهو الهيئات ~~والأشكال والحركات فهو أن كل حال من حالات النفس من غضب ورضا وسرور وحزن ~~وغير ذلك هيئات وحركات وأشكالا تتبع تلك الحال أبدا وظهورها يكون في ~~PageV01P207 العين والوجه أكثر وأصحاب الفراسة يعتمدون العين خاصة ويزعمون ~~أنها باب القلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لها كثيرة يضيق موضعنا ~~عن ذكرها - أكثر الأخلاق والشيم وتحسن إصابتهم ويصدق حكمهم لا سيما إن ~~أضافوا إليه الأصلين الباقيين وذلك أن عين المسرور مثلاص وعين الحزين ~~ظاهرتا الهيئة والحركة فإذا وجد الإنسان وهو بالخلقة والطبيعة على أحد ~~هاتين الحالتين من هيئة عينه وحركتها حكم عليه بذلك الطبع وكذلك من ظهر في ~~وجهه في حال سكوته قطوب وغضون في الجبهة وعبوس - حكم عليه بهذا الطبع وأنه ~~سيىء الخلق . | فهذه هي الأصول الثلاثة التي اعتمدها أصحاب الفراسة وهي ~~قوية طبيعية كما تراها . | وقد عمل فيها أفليمون كتابا . | ويقال إنه أول ~~من سبق إلى هذا العلم ممن انتهى إلينا أثره وعرفنا خبره ثم تبعه جماعة ~~صنفوا فيه كتبا وهي مشهورة فمن أحب الاتساع في هذا العلم فليأخذه من مظانه ~~. | وههنا نوع آخر من الاستدلال - وإن لم يكن طبيعيا فهو قريب منه - وهو ~~العادات فإن المثل قد سبق بأن العادة طبيعة ثانية وقد علمنا أن من نشأ ~~بمدينة وفي أمة وطالت صحبته لطائفه - تشبهبهم وأخذ طريقتهم كمن يصحب الجند ~~وأصحاب الملاهي أو سائر طبقات الناس حتى يظن بمن صحب البهائم طويلا أنه ~~يحدث فيه شيء من أخلاقها . | وأنت تبين ذلك في الجمالين والرعاة الذين ~~يسكنون البر وتقل مخالطتهم للناس وفي القوم الذين فهذه جملة من القول في ~~الفراسة . | وينبغي أن تحذر الحكم بدليل واحد وتتوخى جميع الدلائل من ~~الأصول الثلاثة لتكون PageV01P208 بمنزلة شهود عدول لا يتداخلك الشك في ~~صدقهم فيكون حكمك صادقا وفراستك صحيحة وذلك ms102 بحسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك ~~بالأصول . | وما أكثر الانتفاع بهذا العلم وأحضره فإني أرى في الجولان الذي ~~يتفق لي في الأرض وكثرة الأسفار أن أرى ضروبا من الناس وأخالط أخياف الأمم ~~وأشاهد عجائب الأخلاق فأستعمل الفراسة فيعظم نفعها وتتعجل فائدتها . | ~~والفراسة ربما تخطىء في الفيلسوف التام الحكمة ووجه ذلك أنه ربما كان ذا ~~مزاج فاسد وخلق - بالطبع - مشاكل له فيصلحه ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد ~~نفسه بدوام السيرة الحميدة ولزوم السجايا الرضية كما يحكي عن أفليمون وهو ~~أول من سبق إلى هذا العلم فإنه حمل إلى أبقراطيس وهو متنكر فدخل إليه وهو ~~لا يعرفه فلما تأمله حكم عليه : زان فهم أصحابه بالوثوب عليه فنهاهم ~~أبقراطيس وقال : قد صدق الرجل بحسب صناعته ولكني بالقهر أمنع نفسي من إظهار ~~سجيتها . | # | مسألة ما سر قولهم : الإنسان حريص على ما منع ؟ # ولم صار هذا هكذا وكيف يسرع الملل مما بذل ويضاعف الولوع بطلب ما بخل به ~~هل PageV01P209 كان الحرص في مقابلة ما وجد والزهد في مقابلة ما منع ولهذا ~~ما صار الرخيص مرغوبا عنه والغالي مرغوبا فيه ولهذا إذا ركب الأمير لا يحرص ~~على رؤيته كما يحرص على رؤية الخليفة إذا برز . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إن النفس غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى ~~شيء خارج عنها . | وإنما عرض لها الحاجة والفقر إلى ما هو خارج منها ~~لمقارنتها الهيولى وذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر ~~والحاجة والإنسان لما كان مركبا منها عرض له التشوف إلى تحصيل المعارف ~~والقنيات . | أما العارف والعلوم فهو يحصلها في شبيه بالخزانة له يرجع إليه ~~متى شاء ويستخرج منه ما أراد أعني القوة الذاكرة التي تستودع الأمور التي ~~تستفاد من خارج أعني من العلماء والكتب أو التي تستثار بالفكر والروية من ~~داخل . | وأما القنيات والمحسوسات فإنه منها ما يروم من تلك التي تقدم ~~ذكرها فلذلك يغلط فيها ويخطىء في الاستكثار منها إلى أن يتنبه بالحكمة على ~~ما ينبغي أن يقتني من العلوم والمحسوسات ms103 وإنما حرص على ما منع لأنه إنما ~~يطلب ما ليس عنده ولا هو موجود له في خزانته فيتحرك لاقتنائه وتحصيله بحسب ~~ميله إلى أحد الأمرين أعني المعقول أو المحسوس فإذا حصله سكن من هذه الجهة ~~وعلم أنه قد ادخره ومتى رجع إليه وجده إن كان مما يبقى بالذات وتشوف إلى ~~جهة أخرى PageV01P210 ولا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها ~~وما ما لا نهاية له فلا طمع في تحصيله ولا فائدة في النزاع إليه ولا وجه ~~لطلبه سواء كان في المعلوم أو في المحسوس . | وإنما ينبغي أن يقصد من ~~المعلومات إلى الأنواع والذوات الدائمة السرمدية الموجودة أبدا بحالة واحدة ~~ويكون ذلك برد الأشخاص التي بلا نهاية إلى الوحدة التي يمكن أن تتأحد بها ~~النفس ومن المحسوسات المقتناة إلى ضرورات البدن ومقيماته دون الاستكثار ~~منها فإن استيعاب جميعها غير ممكن لأنها أمور لا نهاية لها . | فإذن كل ما ~~فضل عن الحاجة وقدر الكفاية فهو مادة الأحزان والهموم والأمراض وضروب ~~المكاره . | والغلط في هذا الباب كثير وسبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من ~~معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة والغنى هو الاستقلال اعني ألا يحتاج بتة ~~ولذلك قيل أنه الله - تعالى - غني لأنه غير محتاج بتة . | فأما من كثرت ~~قنياته فإنه ستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته وعلى قدر منازعته إلى الاستكثار ~~تكثر وجوه فقره وقد تبين ذلك في شرائع الأنبياء وأخلاق الحكماء . | فأما ~~الشيء الرخيص الموجود كثيرا فإنما رغب عنه لأنه معلوم أنه إذ التمس وجد ~~وأما الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان ويصيبه الواحد بعد الواحد فكل ~~إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليحصل له ما لم يحصل لغيره وذلك من الإنسان ~~على السبيل الذي شرحناه من أمره . | # | 1 ( مسألة ما سبب نظر الإنسان في العواقب وما مثاره منها وما آثاره ~~فيها ؟ ) 1 # PageV01P211 وما الذي يحلى به إذا استقصى وما الذي يتخوفه إذا جنح إلى ~~الهويني أو ما مراد الأولين في قولهم : المحتفل ملقي والمسترسل موقى . | ~~الجواب : قال ms104 أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما نظر الإنسان في العواقب ~~فيكون لأمرين . | أحدهما لتطلعه إلى الأمور الكائنة وشوقه إلى الوقوف على ~~الأمر الكائن قبل حدوثه لما تقدم فيه من الكلام في المسألة الأولى . | ~~والآخر لأخذ الأهبة له إن كان مما ينفع فيه ذلك ولهذا المعنى اشتاق الإنسان ~~إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك إلى الفأل ~~والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك وحركات النجوم وربما ~~عدل إلى المتكهن وصدق بكثير من الظنون الباطلة . | وأما قول المتقدمين : ~~المحتفل ملقي والمسترسل موقي فهو على ظاهره كالمناقض للحكم الأول ولذلك أن ~~الإشارة في هذا المثل هو إلى أن المحتفل إنما يتوقى ما لا بد أن يصيبه فهو ~~يجتهد أن يخرج من حكم القضاء أعني موجبات الأقدار بتوسط حركات الفلك فيصير ~~اجتهاده في الخروج منه سببا لحصوله فيه ووقوعه عليه . PageV01P212 | وإلى ~~هذا المعنى أشار الشاعر بقوله : وإذا حذرت من الأمور مقدرا وهربت منه فنحوه ~~تتوجه فأما المسترسل إلى ذلك الراضي به فإنه موقى مما هو غير مقضي ولا هو ~~بمصيب له وإن لم يتوقه كما قال الشاعر فيمن كان بغير هذه الصفة : حذرا ~~أمورا لا تكون وخائف ما ليس منجيه من الأقدار . | ويتصل بهذا الباب شرح ما ~~يجب أن يتوقى وما يجب ألا يتوقي أعني بذلك ما يغني فيه الفكر والروية وما ~~لا يغني فيه . | وإذا مر ما يقتضيه من الكلام استقصيته إن شاء الله . | # | مسألة ما يصيب الإنسان من قرينه في خيره وشره ؟ # وكيف صار يؤثر الشرير في الخير أسرع مما يؤثر الخير في الشرير وما فائدة ~~النفس في المقارنة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ينال ~~القرين من قرينه الاقتداء والتشبه وكما أن كل متجاورين من الأشياء الطبيعية ~~لا بد أن يؤثر أحدهما في الآخر فكذلك حال النفس وذاك أن الطبيعة متشبهة ~~بالنفس لأنها شبيهة بظل النفس ومن شأن الشيء الأقوى في الطبيعة أن يحيل ~~الأضعف إلى نفسه ويشبهه بذاته كما تجد ذلك في ms105 الحار والبارد والرطب واليابس ~~ولأجل تأثير المجاور في مجاوره حدثت الأمراض في البدن وبسببه عولج بالأدوية ~~. | ولما كانت النفس التي فينا هيولانية صار الشر لها طباعا والخير تكلفا ~~وتعلما فاحتجنا - معاشر البشر - أن نتعب بالخير حتى تستفيده ونقتنيه ثم ليس ~~يكفينا تحصيل صورته حتى نألفه ونتعوده ونكرر زمانا طويلا PageV01P213 ~~الحالة التي حصلت لنا منه على أنفسنا لتصير ملكة وسحية بعد أن كانت حالا . ~~| فأما الشر فلسنا نحتاج إلى تعب به وتحصيله بل يكفي فيه أن نخلى النفس ~~وسومها ونتركها على طبيعتها فإنها تخلو من الخير والخلو من الخير هو الشر ~~لأنه قد تبين في المباحث الفلسفية أنه ليس الشر بشيء له عين قائمة بل هو ~~عدم الخير ولذلك قيل : الهيولى معدن الشر وينبوعه لأجل خلوها من جميع الصور ~~فالشر الأول البسيط هو عدم ثم يتركب وسبب تركبه الأعدام التي هي مقترنة ~~بالهيولى . | وشرح هذا الكلام طويل إلا أن الذي يحصل لك من جواب المسألة ~~فيه أن النفس تتشبه بالنفس المقارنة لها وتقتدي بها والشر أسرع إليها من ~~الخير وهو أن النفس التي فينا هي هيولانية وأعني بهذا القول أنها قابلة ~~للصور من العقل فالمعقولات إنما تصير معقولات لنا إذا ثبتت صورها في النفس ~~ولذلك قال أفلاطون : إن النفس مكان للصور . | واستحسن ارسططاليس هذا ~~التشبيه من أفلاطون لأن استعارة حسنة وإيماء فصيح إلى المعنى الذي أراده . ~~| فيجب - على هذا الأصل - أن نتوقى مجالسه الأشرار ومخالطتهم ومقارنتهم ~~ونقبل قول الشاعر : عن المرء لا تسأل وأبصر قرينة فإن القرين بالمقارن مقتد ~~وينبغي أن نأخذ الأحداث والصبيان به أشد الأخذ فقد مر في مسألة PageV01P214 ~~ما يحقق هذا المعنى ويؤكده وينبه عليه . | # | مسألة ما وجه تسخيف من أطال ذيله وسحبه وكبر عمامته # وحشا زيقه قطنا وعرض جيبه تعريضا ومشى متبهسنا وتكلم متشادقا ولم شنع هذا ~~ونظيره وما الذي سمج هذا وأمثاله ولم لم يترك كل إنسان على رأيه واختياره ~~وشهوته وإيثاره وهل أطبق العقلاء المميزون والفضلاء المبرزون على كراهة هذه ~~الأمور إلا لسر خاف وخبيئة ms106 موجودة فما ذلك السر وما تلك الخبيئة . | الجواب ~~: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ينكر مما ذكرته كله التكلف وذاك أن من ~~خالف عادات الناس في زيهم ومذاهبهم وتفرد من بينهم بما يباينهم ثم احتمل ~~مؤونة ما يتجشمه فليس ذلك منه إلا لغرض مخالف لأغراضهم وقصد لغير ما ~~يقصدونه : فإن كان غايته من هذه الأشياء أن يشهر نفسه وينبه على موضعه فليس ~~يعدو أن يوهم بها أمرا لا حقيقة له ويطلب حالا لا يستحقها لأنه لو كان ~~يستحقها لظهرت منه وعرفت له من غير تكلف ولا تجشم لهذه المؤن الغليظة فإذن ~~هو كاذب فعلا ومزور باطلا وما تعاطي ذلك إلا ليغر سليما ويخدع مسترسلا . | ~~وهذا مذهب المحتال الذي يتحرز منه ويتباعد عنه . | هذا إلى ما يجمعه من ~~بديهة المخالفة والمخالفة سبب الاستيحاش وعلة النفور وأصل المعاداة . ~~PageV01P215 | وإنما حرص الناس وأهل الفضل وحرص لهم الأنبياء عليهم السلام ~~بما وضعوه لهم من السنن والشرائع لتحدث بينهم الموافقة والمناسبة التي هي ~~سبب المحبات وأصل المودات ليتشاركوا في الخيرات ولتحصل لهم صورة التأحد ~~الذي هو سبب كل فضيلة ولأجله تم الاجتماع في المدنية الذي هو سبب حسن الحال ~~في العيش والاستمتاع بالحياة والخيرات المطلوبة في الدنيا . | # | 1 ( مسألة ما ملتمس النفس في هذا العالم ) 1 # وهل لها ملتمس وبغية وإن وسمت بهذه المعاني خرجت من أن تكون علية الدرجة ~~خطيرة القدر لأن هذا عنوان الحاجة وبدء العجز . | ولولا أن يتسع النطاق ~~لسألت : ما نسبتها إلى الإنسان وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا ~~فعلى أي وجه هو وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان فإن الإنسان قد أشكل عليه ~~الإنسان . | ثم حكيت حكايات ليس لها غناء في المسألة فلنشتغل بالجواب . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : لولا لفظة الالتماس توهم غير ~~المعنى الصحيح في حال النفس وظهور آثارها في هذا العالم لأطلقتها ورخصت ~~فيها لك كما أطلقها قوم ولكني رأيت أبا بكر محمد بن زكريا الطبيب وغيره ممن ~~كان في ms107 PageV01P216 طبقته قد تورطوا في مذهب بعيد من الحق سببه هذه اللفظة ~~وما أشبهها مما أطلقته الحكماء على سبيل الاتساع في الكلام بل لأجل الضرورة ~~العارضة للألفاظ عند ضيقها عن المعاني الغامضة التي أطلقوا عليها . | ولكني ~~سأشير لك إلى ما ينبغي أن تعتقده في هذا الباب وهو أن الطبائع إذا امتزجت ~~ضروب الامتزاجات بضروب حركات الفلك حدثت منها ضروب الصور والأشكال التي ~~تعملها الطبيعة وتقبل من آثار النفس بوساطة الطبيعة ضروب الآثار لأن النفس ~~تظهر آثارهما في كل مزاج بحسب قبوله وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها ~~في كل ما يمكن أن تستعمل فيه وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من ~~الفضيلة . | وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ظهور الحكمة وذاك أن ظهور ~~الحكمة من الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة لأن أجل الأفعال ما لم يرد ~~الشيء آخر بل ذاته وكل فعل أريد لغاية أخرى PageV01P217 ولشيء آخر فذلك ~~الشيء أجل من ذلك الفعل . | ولا يمكن أن يكون ذلك مارا بلا نهاية فالغاية ~~الأخيرة والفعل الأفضل ما لم يفعل لشيء آخر بل هو بعينه الغاية والغرض ~~الأقصى ولذلك ينبغي ألا يكون قصد المتفلسف بفلسفته شيئا آخر غير الفلسفة ~~ولا يجب أن يكون قصد فاعل الجميل شيئا آخر غير الجميل أعني أنه لا يجب أن ~~يقصد به نيل منفعة ولا طلب ذكر ولا بلوغ رئاسة ولا شيئا من الأشياء غير ذات ~~الجميل لأنه جميل . | وقد أشار الحكيم إلى أن النفس تكمل في هذا العالم ~~بقبولها صور المعقولات لتصير عقلا بالفعل بعد أن كانت بالقوة فإذا عقلت ~~العقل صارت هي هو إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئا واحدا لا فرق ~~بينهما . | فأما حديث الإنسان الذي شكوت طوله وحكيت من الكلام المتردد الذي ~~لم يفدك طائلا فالذي ينبغي أن تعتمد عليه هو أن هذه اللفظة موضوعة على ~~الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج ~~إلى اسم مفرد يعبر عن ms108 معنى التركيب ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي ~~تجتمع مع مادة الفضة فسمى خاتما وكما تجتمع صورة السرير مع مادة الخشب ~~فيصير اسمه سريرا وعلى هذا أيضا يفعل إذا اجتمع جسمان طبيعيان أو أجسام ~~طبيعية فتركب منها شيء آخر فإنه يسمى باسم مفرد كما يفعل بالخل إذا تركب مع ~~العسل أو السكر فيسمى سكنجبنا PageV01P218 وكما تسمى أنواع الأدوية ~~والمعجونات من الأخلاط الكثيرة وأنواع الأغذية والأشربة المركبة ينفرد كل ~~واحد منها باسم خاص وكذلك يفعل بالمادة التي تستحيل من صورة إلى صورة كعصير ~~العنب الذي يسمى عصيرا مرة وخمرا مرة وخلا مرة فالإنسان هو النفس الناطقة ~~إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدنا لتصدر عنها الأفعال بحسب ~~التمييز . | # | مسألة # حكيت - أيدك الله - حكايات بين سائل ومتكلم ولم تتوجه إلى مطلوب ينبغي أن ~~نبحث عنه لأن المسألة من باب الأسماء والصفات وقد تكلمنا عليه فيما مضى ~~كلاما مستقصى لا وجه لإعادته فينبغي أن تعود إلى ما مضى وتطلبه لتجده كافيا ~~بمعونة الله . | # | 1 ( مسألة ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف ) 1 # والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا ~~مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ~~ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب ~~شمائله ؟ PageV01P219 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : سبب ذلك ~~توقع مكروه حادث فإن كان السبب صحيحا قويا والدليل واضحا جليا كان الخوف في ~~موضعه . | ثم بحسب ذلك المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه ~~وتظهر من الإنسان أمارات الشجاعة أو الجبن . | وأثبت الناس جنانا وجأشا ~~وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء ~~عليه لا سيما إن كان هائلا فإن أرسططاليس يقول : من لم يجزع من هيج البحر ~~وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون . | وكثير ~~من المكاره يجري هذا المجرى ويقاربه والجزع لا ms109 حق بالمرء على حسبه ومقداره ~~: فإن كان المكروه والمتوقع مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه ~~أمره واستولى عليه الجزع ولم يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة ~~. | ودواؤه التدرب باحتمال الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس ~~لها قبل حدوثها لئلا ترد عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها . | وإذا كانت ~~الشجاعة فضيلة وكانت ضدها نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر ~~فضيلته مع ما تقدم من قولنا فيما سبق . | إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه ~~. | # | مسألة ما سبب غضب الإنسان وضجره # إذا كان مثلا يفتح قفلا فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا ~~عارض فاش في الناس . PageV01P220 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : هذا العارض وشبهه من أقبح ما يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه ~~بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام ~~وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو ~~مذموم فكيف به إذا كان على الصورة التي حكيتها . | فأما سؤالك عن سبب الغضب ~~فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق ~~المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع ~~فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر ~~بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه ~~أثر التمييز ومكان العقل . | وجالينوس قد ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل ~~بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل ~~يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جدا والبهيمية غالبة عليه أعني سوء ~~التمييز وقلة استعمال الفكر . | وليس هذا وحده يعرض لحشو الناس وعامتهم بل ~~الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في ~~حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه الله - تعالى - لهم وفضلهم به ~~وجعلهم له أناسي اعني ms110 أثر العقل بحسن الروية وصحة التمييز والله المستعان ~~ولا قوة إلا به . | # | 1 ( مسألة لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ ؟ ) 1 # ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ ؟ PageV01P221 الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : يحتاج الدماغ إلى اعتدال في الكيفية والكمية ~~فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيدا في الكيفية وكانت ~~كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة فليس هو - لا ~~محالة - رديئا فقد يكون كثيرا وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن يكون مناسبا ~~لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - الاعتدال ~~المحبوب المحمود . | ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من الرداءة ~~قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ولأن يكون ~~جيدا وكثيرا زائدا على قدر الحاجة خير من ان يكون جيدا وناقصا عن قدر ~~الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوها | # | 1 ( مسألة لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية ) 1 # وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف ~~الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة ؟ ~~PageV01P222 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذه المسألة من ~~باب الفراسة . | والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجا ما هو الاعتدال . | ~~فأما الطرفان اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما ~~مذمومان مكروهان . | فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع ~~جهات الوجه دليل السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة ~~والنزرة والقلة دليل الخبث والدهاء . | وهما جميعا طرفان خارجان عن ~~الاعتدال المحمود . | وأحسب أن للاختيار السيء مدخلا : وذلك أن الرجل إذا ~~كان وافر إضاعة اللحية فهو قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على ~~القدر المعتدل والهيئة المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه ~~بها وإصلاحها دائما أو تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية ~~فليس يقدر صاحبه على حيلة فيها ms111 فهو معذور . | # | 1 ( مسألة لم سهل الموت على المعذب مع علمه ) 1 # أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون ~~بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضا أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف ~~للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا ~~الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحا فالكلام فيها مضطرب ~~PageV01P223 غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأسا بل ~~إنما تبطل عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا ~~يجوز على الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ~~ومن أشياء أخر ليس هذا موضعها . | فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر ~~وأجزاء الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن ~~يستحيل إليها . | وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق ~~بالجوهرية من عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضا . | ولما لم تكن ~~مسألتك متوجهة إلى هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة ~~وإرسال الكلام فيها على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى ~~جواب الغرض من المسألة فنقول : إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة ~~وأعني بالحياة الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة ~~جيدة ولم يلحق الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم ~~والمصائب في الأهل والولد . | وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة ~~الرديئة وبين الموت الجيد أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ~~ويمتنع به عن المذلة والمكاره التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن ~~يختار الموت والقتل في مجاهدة من يسومه ذلك . | وهذه مسألة قد سبقت لها ~~نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو قولك : ما سبب الجزع من الموت وما سبب ~~الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه ms112 فإنه كاف . PageV01P224 | # | 1 ( مسألة لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه ) 1 # وعلى ذلك عادى الناس ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة : وقد عادى ~~الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول ~~العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق ~~. | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذا من قبيح ما يعترى الناس ~~من الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه . | وصاحب المثل الذي يقول : ~~المرء عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل : الناس شجرة بغي ~~وحسد . | والسبب في محبة النفس أولا ثم الغلط في تحصيل ما يزينها . | وذلك ~~أنه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة صورة ~~نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه ~~. | ويذهب عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير ~~- أيضا - صورة أخرى له جميلة . | ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن ~~يتعلم منه بعد حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى . | فأما قولك فلم ~~لم يحبوه حتى يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب ~~المثل بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة . | وسمعت بعض أهل العلم ~~يحكي عن قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن . ~~| قال : فقلت له : ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن ~~السفهاء عليك وأنت | لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن ، PageV01P225 ~~وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال ~~العمر فقال : ويحك ! أحسست من نفسي بغضا لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن ~~أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علما فأعادي اهله . | وهذا هو الانقياد للحق ~~وتجرع مرارته حرصا على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين ~~لها وأعود عليها وحملها ms113 على ما يصلحها ويهذبها . | # | 1 ( مسألة لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة ) ~~1 # قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان ~~واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : جواب مسألتك هذه منها . | وما ~~أشبهها بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئا قرأ عليه : ~~PageV01P226 الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال : يا أبا ~~سعيد : ما الألمعى فقال : الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا . | فأنا ~~قائل في هذه المسألة أيضا : إنما صار الإنسان قادرا على اتخاذ الأعداء ~~بسرعة وغير قادر على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن ~~هذا فتق وذاك رتق وهذا هدم وذاك بناء . | وسق باقي كلامك فإنه جوابك . | # | 1 ( مسألة ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل ) 1 # وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجئ ~~PageV01P227 إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثوابا ولا ينتظر مآبا ~~ولا يخاف حسابا . | أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة ~~رغبته في الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا ~~يظن به التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله ~~تبارك وتعالى . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : للإنسان - بما ~~هو إنسان - أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه ~~وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما ~~عنده والتنبيه عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - ~~تعالى - وسطره فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من ~~الإنسانية ففيه حركة إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من ~~الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في ms114 ~~بعض الأوقات محبة الشكر وطلب السمعة والتماس أمور أخر . | ولولا أن محبة ~~الشكر وما يتبعه - أيضا - جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى ~~- واحد لما تساوت هذه الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها ~~إذا لم يجد في نفسه شاهدا لها ومصدقا بها . | ولعمري إذا هذا أوضح دليل على ~~توحيد الله تعالى ذكره وتقدس اسمه . | # | 1 ( مسألة ما الذي قام في نفس بعض الناس حتى صار ضحكة ) 1 # أعني يضحك PageV01P228 ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب ~~وربما خلا من النائل وربما نزر النائل . | فكيف هون عليه الأمر القبيح ~~ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف المحل . | وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثا ~~مغنيا لعابا إلى آخر ما اقتصه من حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو ~~من بيت كبير . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : مر لنا في ~~مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقا يتبعه والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك ~~الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل ~~القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة ! ! ! ~~. | وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج ~~عن الاعتدال التي من ترك الإنسان وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب ~~وأسوأ طريقة . | وحق على من بلى بها أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها . ~~| فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم ~~والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من ~~الآباء والملوك وقوام المدن به . | ومتى لم يستجب إنسان لمعالجة هذه ~~الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة فيه . | وما أشبه الأمراض ~~النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى لم يعالجه صاحبه ~~بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر . | PageV01P229 فكذلك مرض ~~النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ينبغي أن يراح ~~من نفسه ويستراح منه وتطهر ms115 الأرض منه على حسب ما تحكم فيه الشريعة أو ~~السياسة الفاضلة . | # | 1 ( مسألة ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة ) 1 # ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها ~~حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع ~~بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ~~ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في ~~هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي : الناطقة والبهيمية ~~والغضبية . | PageV01P230 فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول ~~بها اللذات البدنية كلها . | وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق ~~إلى أنواع الكرامات وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة ~~العالية ويظهر أثرها من القلب . | وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب ~~مزاج قوة هذه الأعضاء التي تسمى الرئيسية في البدن . | فربما خرج عن ~~الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط ~~فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ~~ولا يسترسل لها بترك التقويم والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه . | ~~فإن تركت وسومها وترك صاحبها إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - ~~تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها . | ~~وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها ~~- أعني المميزة العاقلة التي تسمى القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن ~~تستولي وتكون لها الرئاسة على الباقية . | فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي ~~له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون في موضعها وكما ينبغي . | فإن زادت أو ~~نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك ~~كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي . | وقد مضى من ذكر هذه ~~القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن ms116 يقتصر بها هنا على هذا المقدار . | ونقول ~~: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال البر والبحر ~~لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية فيه وتركه قمعها . PageV01P231 ~~فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات ~~والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها . | ومدار الأمر على العقل الذي هو ~~الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة ~~وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف ~~عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك ~~الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - ~~كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد ~~والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد . | والله المعين وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل . | # | مسألة ما السبب في تشريف في سلف له أب أو جد منظور إليه # مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك ~~أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في المتقدم ~~. | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الأب علة الولد وعرفه ~~يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه ~~أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق ~~إليه . | فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سببا للعلة حتى يرجع ~~PageV01P232 مقلوبا فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في ~~جواب هذه المسألة . | # | 1 ( مسألة ولم إذا كان أبو الإنسان مذكورا بما أسلفنا نعته وبغيره من ~~الدين والورع ) 1 # - وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون ~~الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ~~ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر ~~وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا ms117 الفن . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب ~~هذه التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف دينا وعلته ~~الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد ~~مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو ~~كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم . | وأما قولك : هل كان في سالف ~~الدهر شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان . | ولم تزل ~~النجابة على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى ~~في البيت الواحد زمانا طويلا لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم . ~~| وذلك في جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس . | وكذلك ~~العرق اللئيم والأصل الفاسد يهجي به الأولاد وينتظر منهم PageV01P233 ~~النزوع إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له . | ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين ~~وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة ~~نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ~~ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر ~~خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال ~~حاضرا فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد . | والسلام . | # | 1 ( مسألة هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف ~~دون تباينهم ) 1 # فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا ~~فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به . | ولست اعني التساوي في الحال وفي ~~الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع ~~لسوس العالم وجار مع العقل . | وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن ~~التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب . | والحكمة تأبى وضع ما يكون ~~فسادا أو ذريعة ms118 إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون ~~تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ) . | PageV01P234 ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إنما يشرف الإنسان نفسه وبما ~~يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام : قيمة كل امرىء ما ~~يحسن . | وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع ~~يقوى فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضا ولا سيما إن كانت علته ~~قريبة منه . | وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان ~~شرف ولا ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس ~~يتساوون في الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام ~~والأوضاع ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض . # | 1 ( مسألة ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما ) 1 # وكيف نفى عن PageV01P235 الشريعة أحدهما ورخص الآخر ؟ وهل لهما أصل يرجع ~~إليه ويوقف لديه ؟ أو هما جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق ~~والاضطرار والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس ~~طريقه محدثا للعلم ولا منته مجيلا للرأى إذ يقول : لا عدوى ولا طيرة . | ~~وقد قيل في مكان آخر : كان يحب الفأل الحسن . | وزعم الرواة أنه حين نزل ~~المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه يقول لغلامين له : يا سالم يا يسار . | ~~فقال لأبي بكر : سلمت لنا الدار في يسر . | فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ~~ذلك في تطايره أم يقف ؟ ثم PageV01P236 حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة ~~الزعفراني . | وحكيت أيضا عن ابن الرومي قوله : الفأل لسان الزمان وعنوان ~~الحدثان . | وقلت : ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع مما لم يتقدم فيه قول ولا ~~إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب والشيء المستطرف . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الإنسان متطلع إلى الوقوف على كائنات ~~الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله فيما تقدم فهو بالطبع ~~يتشوفها ويروم معرفتها ms119 على قدر استطاعته وبحسب طاقته فربما أمكنه التوصل ~~إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن في الأمور لا يكاد ~~يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه فربما تعدد في ~~بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص العلوية ~~وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ولهذه ~~الصناعة أصول كثيرة جدا وفروع بحسب الأصول . PageV01P237 | وخطأ المخطىء ~~ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه يروم من الصناعة ~~أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما فاتته هذه الأسباب ~~ونظائرها من الدلائل الطبيعية . | وليس من شأن النفس أن تعمل عملا بغير داع ~~إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم يرجح أحدهما على الآخر ~~طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح حينئذ إلى الأسباب الضعيفة ~~ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين المتكافئين في نفسه على ~~الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به . | وسبيل الرجل الفاضل أن يكون حسن الظن قويم ~~الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ . | والفأل قد يكون بأصوات بسيطة ليس فيها ~~أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم . | وقد يكون بصورة مقبولة وأشكال ~~مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان . | وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه ) . | فأما أصحاب الطيره ~~فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن فطريقهم مكروهة وتطيرهم ~~من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك أنهم يأخذون بعضها من ~~الخيلان في الناس PageV01P238 والدوائر في الخيل وأصناف الخلق الطبيعية ~~وبعضها من الأمزجة المتنافرة والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر ~~وما أشبهها . | وبعض من الأصوات المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما ~~أشبهها . | وبعضها من الأسماء والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض ~~الحروف أو في كلها كاسم الغراب من الغربة والبان من البين والنوى - نوى ~~التمر - من البعد . | وبعضها من العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من ~~الرجل ms120 . | وبعضها من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل . ~~PageV01P239 | وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها ~~. | وهذه الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها . | وكانت العرب ~~خاصة من بين الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد ~~أحسن : تخبر طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد ~~أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء ~~يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير . | # | مسألة ما السبب في كراهة بعضهم إذا قيل له : يا شيخ على التوقير ~~والإحلال وهو لا يكون شيخا # وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على ~~الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيما ~~فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف . | وفقد الشباب موجع ووجه الشيب مفظع . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إنما يختلف الناس في ذلك ~~باختلاف نظرهم لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم . PageV01P240 | وذلك ~~انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره فإذا ~~قيل له : يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة في ~~الزمان الطويل والتجربة الكثيرة . | وربما كره ذلك أيضا لأرب له في الشباب ~~وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له : يا شيخ رأى ~~هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ~~ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه . | وربما نظر الإنسان إلى مرتبة ~~حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر ~~بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة . | # | 1 ( مسألة ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره ) 1 # وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة . | ~~وما سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به ms121 هذا ~~الخاطر فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ~~ولم يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلا بالفارسية ترجمته : من احترق بيدره ~~أراد ان يحترق بيدر غيره . PageV01P241 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : الجزع والأسف من عوارض النفس وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر ~~كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان ~~فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط التي أحصيناها مرارا كثيرة ويذم ~~بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط . | وإنما تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه ~~العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن ~~الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل ~~فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل ~~سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذور به . | فأما ما كان ~~ضروريا أو واجبا فليس يحزن له عاقل لأن غروب الشمس مثلا لما كان ضروريا لم ~~يحزن له أحد وإن كان عائقا عن منافع كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر ~~والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا ~~يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته . | وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له ~~أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ~~ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد على موت ولده لأن الذي ~~احتسبه أن يموت هو قبله . | فأما الولد فيقل جزعه على والده لأن الأمر كما ~~كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلا بزمان يسير أو كما ينبغي . | فأما ما يعرض ~~للمسافر ولراكب PageV01P242 البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو ~~جسمه فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ~~ولذلك يعذر فيه أدنى عذر . | وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له ~~فهو شر في طبعه لا سيما ms122 إذا لم يجد عليه شيئا ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن ~~توبيخه وتأديبه . | وقد أحسن الشاعر في قوله : | # | 1 ( مسألة ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم ~~والفرس والهند ) 1 # وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك ~~مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم ~~والتعجب واقعا مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت ~~تهذيب ألفاظ المسألة . | وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك ~~الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على ~~طرقهم فأقول وبالله التوفيق : قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل ~~الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا ~~على الموضع الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلا من الحرارة الغريزية وغيرها ~~إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس PageV01P243 الناطقة حتى تكون كما ينبغي ~~وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن الرياضة وحسن التقدير والترتيب ~~ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة والخلق المحمود . | فإذا كان ~~هذا الأصل محفوظا فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه ! وذاك أن لكل أمة مزاجا ~~هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ما هو مخالف لذلك المزاج ~~وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع لذلك ولما كرهته أنت ~~أيضا من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر في هذا العالم ~~بالجملة . | أما أولا فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على الأقل ~~والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال . | وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا ~~لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب . | ولولا أن مسألتك وقعت عن غير ~~هذا المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل . ~~| وإذا كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة ms123 الشريفة أعني في ~~الأعضاء الشريفة وهي : القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من ~~أخلاق فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها ~~يتكرر الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها . | وسواء ~~أكان ذلك في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئا ~~فشيئا بعد أن يكون المزاج مسعدا والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة ~~حاصلة غير زائلة . PageV01P244 | # | 1 ( مسألة ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل ) 1 # وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران ~~فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكرا وأشد اهتماما . | ~~هذا ويقال إن الفرح من الدم . | والحمران أكثر دما وأعدل مزاجا وأوجد ~~لأسباب الفرح وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه . | وأنت ترى - أيضا - ~~هذا العارض في رفيقين خليطين : أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الغم يعرض من جهتين مختلفتين : ~~إحداهما جهة الفكر والأخرى جهة المزاج . | فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم ~~إذا كان المرء ينتظر به مكروها . | وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى ~~السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين ~~. | وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ~~ذلك التجويف . | وإذا كان سبب الغم معلوما فمقابله الذي هو سبب الفرح ~~والسرور معلوم أيضا . PageV01P245 | فالعاقل لأجل جولان فكره يكثر انتظاره ~~مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ينتظر مكروها فلا سبب له يغمه . | وأما ~~المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو ~~تأخر عنه . | وهذا المزاج ليس يخلوا أن يكون طارئا أو حادثا أو طبيعيا في ~~أصل الخلقة فإن كان حادثا فهو مرض وينبغي أن يعالج بما تعالج به أصناف ~~المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق ~~وانحرافه إلى السوداء . | وإن كان أصليا وخلقة فلا علاج له لأنه ليس بمرض ~~كأجيال ms124 من الناس وأمم أمزجتهم كذلك . | فأما ما حكيته عن السودان فإن ~~الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم وليس ظننت أن ~~أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم ~~وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها - ~~أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل أن الحرارة ~~تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها لأن الحرارة ~~تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك . | ~~وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق ~~بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب . | ودماء الزنوج رقيقة أبدا صافية ولذلك تقل ~~الشجاعة أيضا فيهم . | فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان ~~الباردة التي تبعد PageV01P246 الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في ~~قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سباطا وتعود ~~حرارتهم إلى داخل أبدانهم هربا من البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم ~~فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب . | ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد ~~والخروج عن الاعتدال . | وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ~~ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من | # | مسألة # حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في ~~الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم ~~والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان ~~الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو ~~سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان PageV01P247 في الإسلام وارتاب فلان في ~~الحكمة . | وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد خرج من دار الخليفة ~~PageV01P248 بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى ~~السماء وقال : أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل ~~شاهد وبينه ثم أمشي هكذا عاريا جائعا نائعا ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز ~~والوشي والخدم والحشم ms125 والحاشية والغاشية . | ويقال هذا الإنسان هو ابن ~~الراوندي ومن كان فإن الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا ~~السر واجب فإنه باب إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو ~~لم يكن فيه إلا التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافيا . | ~~والمنجمون يقولون : إن الثامن من مقابلة الثاني . | وحدثنا شيخ عن ابن ~~مجاهد أنه قال : الفضل معدود من الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان ~~. PageV01P249 | وقال شيخ لي مرة : اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه ~~بإزاء ما أعطاك من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه ~~والكفاية واليسار فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء ~~كيف انقسم عليكما أيضا : أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة ~~. | فهل العدل إلا في هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة . | ولعمري إن هذا ~~المقدار لا يصير عليه الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن على كل حال فيه ~~تبصرة من العمى . | ولو قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض ~~والمتشكك في ذلك مشبع ومروى . | والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه ~~وانعقدت النية به . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذه ~~المسألة كما حكيت ووصفت من صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها ~~على أصناف أهل النظر حتى صار الكلام فيها مشبها بقائم الشطرنج الذي يتنازعه ~~الخصمان إلى أن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد ~~فيها مقالة تشتمل على جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ~~ذلك فإن أمثال هذه المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ~~ليس ينبغي أن يقنع فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز ~~الشديد وضمنت أنا فيها الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف PageV01P250 ~~في معناها كلاما مبسوطا لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت ~~بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب ~~متوسط بين الإسهاب والإيجاز . | وأنا مجتهد ms126 في بيانها وإزالة ما لحق الناس ~~من الحيرة فيها . | ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول : إن من ~~الأصول التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود ~~في العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالا وغرضا خاصا وجد من أجله ~~وبسببه اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر ~~دون ذلك الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي ~~قصد به وأريد له في شيء . | ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم ~~له بها مد الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن ~~يشق بها وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضا المقراض إنما أعد ~~للخياط ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان ~~السكين وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية . | وهكذا صور الأمور الطبيعية ~~فإن الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني ~~الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة ~~بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي ~~تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا . | وقد تتم بها أفعال أخر . PageV01P251 ~~| وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما ~~غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب ~~به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله . | ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ ~~صدروها عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها ~~يكون على اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها ~~المطلوبة منها الموجودة من أجلها . | وإذا كان ذلك مستمرا في جميع الألات ~~الصناعية والأشخاص الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في ~~أجناس هذه الأنواع فإن الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون ~~غرضهما وكمالهما واحد - أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ms127 ألا يكون للإنسان الذي ~~ميز بهذه الصورة وأعطي التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له ~~وأفضل مخصوص به - غرض خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه . | وإذا كان هذا ~~الأصل موطأ ومقرا به وكان على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم ~~بنا نبحث بحثا آخر عن هذه الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد ~~تشترك في أشياء وتتباين في أشياء . | أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة ~~والمنشار وغيرها في الصورة التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها ~~من غيرها والإنسان يشارك النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ ~~بالمأكل والمشرب وسائر راحات الجسد ونفض الفضول عنه . PageV01P252 ونريد أن ~~نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله المفروض له ~~هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به التي ميزته عن ~~غيره وصار بها هو ما هو . | أعني صورة الفأس التي بها هو فأس هي التي جعلت ~~له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات . | ثم نصير إلى الإنسان ~~الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول : إن الإنسان من حيث هو ~~حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات ~~والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية ~~لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه ~~على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما ~~عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء . | ولما ~~كانت صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز ~~والروية - وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه ~~الخصائص أكثر كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها ~~حظه من صورته الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر . | ثم نعود إلى شرح ~~مسألتك ونبينها بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول : لعمري إنه ms128 لو كان غاية ~~الإنسان وغرضه الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية ~~والتمتع بالمآكل والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته ~~الخاصة به ولوجب أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من ~~الإنسانية حتى يكون الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية ~~والاستمتاع بها ولكن لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا PageV01P253 ~~أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف ~~وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة ~~البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب ~~صورته أفضل منها كلها . | وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير ~~الإختيار الخاصيين بالعقل . | ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه : إن ~~هذه الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا في ~~هذا الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر ~~وأكثر بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل ~~في أفضل الموجودات . | وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل ~~وغير محتاج ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على ~~جميع الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب ~~استحقاقاتها . | فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية ~~إذا استعملت في الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق ~~بها ولا إشارة إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض ~~الإنسان من الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة ~~البهائم ومن هو في عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى : [ اي ] { قل ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } [ \ اي ] | فهذا - لعمري - هو الخسران ~~المبين الذي يتعوذ بالله منه دائما . | ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع ~~لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر ms129 التي كان متصنعا به ~~وهائما في واديه منغمسا في معانيه : PageV01P254 أرانا موضعين لحتم غيب ~~ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما هذا الحتم من الغيب لقد ~~أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام وقريحة عجيبة ألا تراه يقول ~~: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر ~~بهذين . | فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن غايته هذه الأشياء التي تسميها ~~العامة أرزاقا ولم يخلق لها ولا هي مقصود بالذات - فليس ينبغي له أن ~~يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ويحبها فليس ذلك من حيث هو ~~إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي . | وقد أزيحت علته في الأمور ~~الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى غايته . | ولم يظلم أحد في ~~هذا فتأمله تجده بينا إن شاء الله . | # | مسألة ما الاتفاق ؟ وما يتلوه من الكلام ؟ # هذه المسألة مكررة وقد مضى الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز . | ~~وبعدها مسألة التوفيق وقد مرت أيضا فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما . ~~PageV01P255 | # | 1 ( مسألة لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار ) 1 # فيقال : ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما ~~وانتمائهما . | اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم ~~مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ~~ينفردون بالحس دون العقل . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضا . | وذلك أنه يظهر ~~منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد . | ويظهر منه فعل آخر من ~~حيث هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات . | ويظهر منه ~~فعل آخر من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم . | ويظهر منه ~~فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه ~~الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب ~~وينظر أيضا فيها من جهات مختلفة ms130 وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها ~~طبيعية وبعضها اتفاقية ، PageV01P256 وبعضها قهرية . | ومتى لم يفصل الناظر ~~في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت ~~عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه ~~الشبه والشكوك . | ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر ~~والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل جدا ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله ~~تعالى - فأقول : إن الفعل - مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ~~ظهروه إلى أربعة أشياء : أحدهما الفاعل الذي يظهر منه . | والثاني المادة ~~التي تحصل فيها . | والثالث الغرض الذي ينساق إليه . | والرابع الصورة التي ~~تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة وربما كانت الصورة هي ~~الفعل بعينه . | فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية في وجود الفعل وظهوره وقد ~~يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ليست بضرورية في كل فعل . | ~~ثم إن كل واحد من الأشياء التي هي ضرورية في وجود الفعل ينقسم قسمين : فمنه ~~قريب ومنه بعيد : أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء ~~في اتخاذ الدار . | والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس الدار ويأمر بها ~~ويتقدم بجميع آلاتها . | وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن للحائط والخشب ~~للباب . | والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى . PageV01P257 | وأما ~~الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار . | والكمال البعيد بمنزلة حفظ ~~المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك . | وأما أنواع الأفعال التي ~~ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن ~~لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا ~~يصدر إلا عنها . | وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر ~~والروية وقد تتركب هذه . | وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية ~~وبعضها قهرية وبعضها طبيعية . | فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه ~~فيلقاه عدو لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في ~~بئر . | والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن ~~يقيده السلطان ليمنعه من ms131 السعي والهرب منه . | والطبيعية بمنزلة الفالج ~~والسكتة وأما أشبههما . | وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ~~ربما نظرنا في الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك ~~أنا قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ~~ويكرهه خالد ومن جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله . | وهذا النظر ليس ~~يكون في ذات الفعل بل في إضافته إلى غيره . | وإذ قد نظرنا في الفعل ~~وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ~~ناظرون في الاختيار ما هو فنقول : إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير ~~وهو افتعال منه وإذا قيل : اختيار PageV01P258 الإنسان شيئا فكأنه افتعل من ~~الخير أي فعل ما هو خير له : إما على الحقيقة وإما بحسب ظنه . | وإن لم يكن ~~خيرا له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر ~~منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له . | ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ~~ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه ~~في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض ~~وجوده لم يعرض عنه محال . | ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة ~~بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت محتاجة في تمام وجود الفعل ~~إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - أعني في هذه الجهة - يعرض ~~للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة بالإنسان ولا مبدؤها إليه . ~~| وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخر فيكون حكمه ~~على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة ~~الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخر ~~التي هي أيضا ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه إذا نظر في فعل الكاتب ~~من هذه الجهة . | أعني تعذر الكاغد ms132 عليه ظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه ~~الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث هو كاتب ومختار ~~للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحدا من تلك PageV01P259 ~~الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على ~~الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار . | وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من ~~حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي ~~أيضا ضرورية في وجوده فإنه أيضا سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ~~ويمنع من الجبر . | وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك ~~المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية ~~- تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها . | ~~والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحدا فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا ~~بها فمتى لحظ الناظر فيه شيئا واحدا منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له ~~الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها . | والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في ~~واحد واحد منها فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل ~~الفعل الإنساني اختيارا كله ولا تفويضا كله ولهذا قيل : دين الله بين الغلو ~~والتقصير . | فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه ~~متمكنا من القوة الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية ~~والأسباب القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض . | وكذلك ~~حال من زعم أن فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له ~~الأشياء الهيولاينة فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا ~~يؤديه إلى الجبر . | وإذا كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب ~~الحق وفيه جواب مسألتك عن الجبر والاختيار . | ويعلم علما واضحا أن الإنسان ~~إذا PageV01P260 امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ~~ظهور فعله أو عرضية فيه أو قهرية أو ms133 اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة . | ~~مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء ~~الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة ~~وبحسبها وعلى مقدارها . | فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت ~~تلك الموانع عنه وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على ~~طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ~~ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه ~~قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب ~~والذم . | وهذه الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر ~~وإجالة الرأى المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته . | ولولا هذه ~~الجهة لما كان لوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثا ولغوا ونحن نتيقن أن ~~العقل أجل الموجودات وأشرف ما من الله تعالى به PageV01P261 ووهبه للإنسان ~~ونتيقن أيضا أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في وجوده بمنزلة ~~اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس الموجودات . | هذا ~~خلف لا يمكن أن يكون . | فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو الصادق . | # | 1 ( مسألة لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته ) 1 # ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابرا على وعثاء ~~السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر : إن الغريب بحيث ما ~~حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبدا كليل وآخر ينشأ في حضن أمه ~~وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر ~~جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول : مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك ~~اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في ~~آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - ~~أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد . | الجواب ms134 : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس . | وكما ان بعض ~~المزاج تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك PageV01P262 ~~الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى تكمل ~~الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة . | ومعنى هذا الكلام أن الحواس ~~كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس بالفعل ~~. | وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض ~~الحواس قويا ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى ~~النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات ~~وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها . | وربما اجتمع ~~لواحد أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها . | ولكل واحد من ~~هذه المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية . | وهي على ~~كثرتها وعددها الجم وخروجها إلى حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان ~~من حيث هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله . | ~~أعني العلوم . | وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات . | وإنما صار البصر ~~والسمع أشرف الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما ~~تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق . | وإذا كانت ~~الحالة على هذه الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل ~~وكان من الظاهر المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل ~~مشقة وأذى حتى يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعا ولا عجبا أن يشتاق آخر إلى نوع ~~آخر فيحتمل مثل ذلك فيه . | إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له ~~اسما وفي بعضها لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول ~~والمشروب إذا أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرته من ~~PageV01P263 الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق ~~- اسما وهو الشره والنهم . | ولم نجد ms135 لمن يعرض له ذلك في المشموع اسما . | ~~وأظن ذلك لأجل كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من ~~الآثام والقبائح أكثر . | فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة ~~وجولان الأرض . | وهو أن قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من ~~المبصرات وتحديدها ويظن أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيرا من ~~المشاق في الوصول إلى أربه من إدراك هذا النوع . | وقد نجد من يحتمل أكثر ~~من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها ~~. | فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح جزئياتها تجد الأمر فيها واحدا . | # | مسألة ما سبب رغبة الإنسان في العلم ؟ # ثم ما فائدة العلم ؟ ثم ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر ~~العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول ~~يثيران علما وحكما جما وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها ~~- مشقة على النفس وثقل على الكاهل . | ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه ~~التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله تعالى ولى ~~PageV01P264 المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ~~ينبه على جواب هذه المسألة . | ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف ~~الشبهة وإزالة الشك . | وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه ~~إنما صار إنسانا بصورته التي ميزته عن غيره . | أعني النبات والجماد ~~والبهائم . | وهذه الصورة التي ميزته ليست في تخاطيطه وشكله ولونه . | ~~والدليل على ذلك أنك تقول : فلان أكثر إنسانية من فلان فلا تعني به أنه أتم ~~صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في اللون ولا في شيء آخر غير قوته ~~الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في الأمور وبين الحسن والقبيح في ~~الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ولذلك قيل في حد الإنسان : إنه حي ~~ناطق مائت . | فميز بالنطق أعني بالتمييز ms136 وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله ~~وسائر أغراضه ولواحقه . | وإذا كان هذا المعنى من الإنسان هو ما صار به ~~إنسانا فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في نوعه . | كما أن كل موجود في ~~العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه فإنه إذا كان فعله ~~أجود كان أفضل وأشرف . | مثل ذلك الفرس والبازي من الحيوان والقلم والفأس ~~من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملا ~~PageV01P265 كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد ~~فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس ~~إذا كان تاما أو ناقصا . | فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ~~ويعطيك ذاتك حتى يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ~~ويقربك من الملائكة والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر ~~وأكلم وأطم مما ينكسك في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ويحطك عن شرف مقامك ~~إلى خساسة مقامات ما هو دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا ~~محالة - جاها أو سلطانا أو مالا تتمكن به من شهوات ولذات . | فلعمري إن ~~العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ~~ويكمل به الإنسانليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن . | وإن كان قد يتم به ~~ذلك في كثير من الأحوال . | ومتى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك ~~البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في ~~أشرفها . | # | 1 ( مسألة ما سبب تصاغي البهائم والطير إلى اللحن الشجي والجزم الندي ) ~~1 # PageV01P266 وما الواصل منه إلى الإنسان العاقل المحصل حتى يأتي على نفسه ~~وهذا جار في العادة ومعروف عند المتعرفين للأمور . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : قد مر لنا في المسألة الثالثة من هذه المسائل كلام ~~كثير في سبب قبول الإنسان بعض الأسماء وكراهية بعضها وثقل بعض الحروف وخفة ~~بعضها وما يلحق النفس من الأصوات المختلفة ms137 بالحدة والجهارة وغير ذلك ونحن ~~نزيد في هذا الموضع ما يليق بزيادتك في المسألة فنقول : إن النفس وإن كانت ~~صورة فاعلة من حيث هي كمال لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة فإنها هيولانية ~~منفعلة من حيث هي قابلة رسوم الأشياء وصورها . | ولذلك صار لها سببان : ~~أحدهما إلى ما تفعل به والآخر إلى ما كان ينفعل به . | فالنفس تقبل نسب ~~الاقتراعات بعضها إلى بعض كما تقبل نفس الاقتراعات مفرد مركبة . | وذاك أن ~~أفراد الأصوات ومجموعها غير نسب بعضها إلى بعض لأن النسبة هي إضافة ما ~~والنظر الإضافي غير النظر في ذوات الأدوات وكذلك تأثير هذا غير تأثير ذاك . ~~| ولما كانت هذه النسب كثيرة مختلفة وجب فيها - ضرورة - ما يجب في الأشياء ~~المتكثرة . | أعني أن لها طرفين : أحدهما الزيادة والآخر النقصان . | ولها ~~من PageV01P267 هذين الطرفين اعتدال . | فإن كانت الأطراف كثيرة ~~فالاعتدالات أيضا كثيرة . | والنفس تأبى الزيادة والنقصان وتميل إلى ~~الاعتدال ولأن لها قوى تظهر بحسب الأمزجة فلتلك القوى المختلفة إضافات ~~مختلفة إلى نسب مختلفة واعتدالات مختلفة . | وقد اجتهد أصحاب الموسيقا في ~~تمثيل هذه النسب وتحصيل هذه الاعتدالات بأن جعلوا لها أمثلة في مقولة الكم ~~من العدد وإن كان بعضها بمقولة الكيف أحق لأن الصناعة مؤلفة من هاتين أعني ~~الكم والكيف ولكن الكم الذي هو العدد أقرب إلى الأفهام ومثلوا ما كان من ~~الكيفية بالكمية ثم لخصوا كل واحدة منهما تلخيصا تجده مبينا في كتبهم . | ~~وإذا قد قلنا ما الذي يصل إلى النفس من آثار الأصوات وما المحبوب منه وما ~~المكروه على طريق الإجمال من القول فقد تبين أن الإفراط منه والخروج إلى ~~إحدى الجهتين يؤثر بحسب ذلك . | وقد كان تبين في مواضع كثيرة أن النفس ~~والبدن كل واحد منهما مشتبك ما يظهر أثر أحدهما في الآخر فإن الأحوال ~~النفسية تغير مزاج البدن ومزاج البدن أيضا يغير أحوال النفس فإذا قوى أثر ~~ما في النفس حتى يتفاوت به المزاج ويخرج عن اعتداله لم يقبل أثر النفس وعرض ~~منه الموت لأن الموت ليس بأكثر ms138 من ترك النفس استعمال الآلات البدنية . | ~~وقد علمنا أن دم القلب الذي له اعتدال ما إذا انتشر في البدن ورق بالسرور ~~أكثر مما ينبغي أو عاد واجتمع إلى القلب بالغم أكثر مما ينبغي - عرض من كل ~~واحدة من الحالتين الموت أو ما يقارب الموت بحسب قوة الأثر . | وما أكثر ما ~~تؤثر الأجسام تأثيرا طبيعيا فيتأدى ذلك الأثر إلى النفس فتعرض لها حركة ما ~~وتصير تلك سببا لتأثير آخر في الجسم يكون به انتفاضه وخروجه عن الاعتدال . ~~| وإذا تأملت ذلك في الأشياء المغضبة والمحزنة إذا كانت قوية تبين لك ذلك . ~~| فهذا كاف في هذا الموضع وإن أحببت الإتساع فيه فعليك بكتب PageV01P268 ~~الموسيقى فإنها تشفيك إن شاء الله . | # | 1 ( مسألة لم كلما شاب البدن شب الأمل ) 1 # قال أبو عثمان النهدي : قد أتت PageV01P269 علي مائة وثمانون سنة وأنكرت ~~كل شيء إلا الأمل فإنه أحد ما كان . | ما سبب هذه الحال وعلى ماذا يدل ~~الرمز فيها وما الأمل أولا وما الأمنية ثانيا وما الرجاء ثالثا وهل تشتمل ~~هذه على مصالح العالم فإن كانت مشتملة فلم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع ~~الأماني وبصرف الرجاء إلا في الله - تبارك وتعالى - وإلى الله فإنه ساتر ~~العورة وراحم العبرة وقابل التوبة وغافر الخطيئة وكل أمل في غيره باطل وكل ~~رجاء في سواه زائل . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذه ~~المسألة قد أخذ فيها فعل من أفعال النفس فقرن بفعل من أفعال الطبيعة التي ~~بحسب البدن إلى الطبيعة والمزاج البدني ثم وقعت المقايسة بينهما وهما ~~يتباينان لا يتشابهان فلذلك عرض التعجب منها . | فأما الشيب والنقصانات ~~التي تعرض للبدن وعجز القوى التابعة للمزاج فهي أمور طبيعية في آلات تكل ~~بالاستعمال وتضعف على مر الزمان . | وأما أفعال النفس فإنها كلما تكررت ~~وأديمت فإنها تقوى ويشتد أثرها فهي بالضد من حال البدن . | مثال ذلك ان ~~النظر العقلي كلما استعمل قوى واحتد وأدرك في الزمان القصير ما يدركه في ~~الزمان الطويل ولحق الأمر الذي كان خفيا عنه بسرعة . PageV01P270 | والنظر ~~الحسي ms139 كلما استعمل كل وضعف ونقص أثره إلى أن يضمحل . | فأما الفرق بين ~~الأمل والرجاء وبين الأمنية فظاهر وذاك أن الأمل والرجاء يعلقان بالأمور ~~الاختيارية وبالأشياء التي لها هذا المعنى . | فأما الأمنية فقد تتعلق بما ~~لا اختيار له ولا روية فإنه ليس يمنع مانع من تمنى المحال والأشياء التي لا ~~تمييز فيها ولا لها . | والأمل أخص بالمختار . | والرجاء كأنه مشترك وقد ~~يرجو الإنسان المطر والخصب وليس يأمل إلا من له قدرة وروية . | وأما المنى ~~فهو - كما علمت - شائع في الكل ذاهب كل مذهب فقد يتمنى الإنسان أن وليس ~~يرجو هذا ولا يأمله . | ثم قد يرجو المطر وليس يأمل إلا منزل القطر ومنشىء ~~الغيث . | فهذه فروق واضحة . | فأما قولك لم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع ~~الأماني وصرف الرجاء إلا في الله تعالى فأقول : لأن سائر الأشياء المأمولة ~~والمرجوة والمتمناة منقطعة المدد متناهية العدد ثم هي متلاشية في أنفسها ~~مضمحلة بائدة فاسدة لا يثبت شيء منها على حال لحظة واحدة فلو وصل الواصل ~~إليها وبلغ نهمته منها لأوشك ان يتلاشى ويضمحل ذلك الشيء في نفسه أو يتلاشى ~~ويضمحل الأمل فيه أو رجاؤه وتمنيه . PageV01P271 | فأما ما اتصل من هذه ~~بالله - تعالى ذكره - فهو أبدى غير منقطع ولا مضمحل بل الله - تعالى - دائم ~~الفيض به أبدى الجود منه . | تعالى اسمه وتقدس ولا قوة إلا به وهو حسبنا ~~ومعيننا وناصرنا وهادينا إلى صراط مستقيم . | # | 1 ( مسألة لم صارت غيرة المرأة على الرجل أشد من غيرة الرجل على المرأة ~~) 1 # هذا في الأكثر والأقل وكيفما كان ففيه خبىء وهو المشدد على وقد أدت ~~الغيرة جماعة إلى تلف النفوس وإلى زوال النعم وإلى الجلاء عن الأوطان . | ~~ثم فلت في المسألة التالية لهذه : ما الغيرة أولا وما حقيقتها وكيف أصلها ~~وفصلها وعلى ماذا يدل اشتقاقها وهل هي محمودة أو مذمومة وهل صاحبها ممدوح ~~أم ملوم فإن إثارة هذا أبلغ بك إلى الفوائد وأجرى معك إلى الأمد وبوقوفك ~~عليها تعرف غيرها وتتخطى إلى ما عداها . | الجواب : قال أبو علي مسكويه ms140 - ~~رحمه الله : أما الغيرة فهي خلق طبيعي عام للإنسان والبهائم . | وهو ممدوح ~~إذا PageV01P272 كان على شرائط الأخلاق . | أعني إذا وضع في خاص موضعه ولم ~~يتجاوز به المقدار الذي يجب ولم ينقص عنه على مثال ما ذكرناه فيما مضى من ~~سائر الأخلاق كالغضب والشهوة . | فإن هذه أخلاق طبيعية وإنما يحمد منها ما ~~لم يخرج عن الاعتدال أو أصيب به موضعه الخاص به . | وحقيقة الغيرة هي منع ~~الحريم وحماية الحوزة لأجل حفظ النسل والنسب فكل من كانت غيرته لأجل ذلك ثم ~~لم يتجاوز ما ينبغي حتى يحكم بالتهمة الباطلة فيصدق بالظنون الكاذبة ويبادر ~~إلى العقوبة على ذلك ولم ينقص عما ينبغي حتى يتغافل عن الدلائل الواضحة ~~ويترك الامتعاض من الرؤية والسماع إذا كان حقا وكان معتدل الخلق بين هذين ~~الطرفين يغضب كما ينبغي وعلى ما ينبغي - فهو محمود غير ملوم . | فأما من ~~فرط أو أفرط في الغيرة فسبيله سبيل من تجاوز الاعتدال في سائر الأخلاق إلى ~~الزيادة أو النقصان . | فقد بينا إن الزيادة والنقصان في كل خلق يهجم ~~بصاحبه على ضروب من الشر وأنواع من البلايا والمكاره ويكون هلاكه على مقدار ~~زيادته أو نقصانه منها ومن شرائطها المذكورة في الأخلاق . | فأما زيادة حظ ~~الأنثى على الذكر من الغيرة أو الذكر على الأنثى فليس بلازم طريقة واحدة ~~ولا جار على وتيرة واحدة . | بل ربما زاد ذكر على أنثاه في هذا المعنى ~~وربما زادت أنثى على ذكرها فيه كما يعرض لهما ذلك في قوة الغضب وغيره من ~~الأخلاق . | على أن الذكر أولى بالمحاماة وأخص بهذا الخلق لأنه تستعمل فيه ~~قوة الغضب والشجاعة وهذا أولى بالذكر منه بالأنثى وإن كانت الأنثى تشارك ~~فيه الذكر . PageV01P273 | وهنا خلة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها فإن ~~كثيرا من الناس يضل عن وجه الصواب فيها وهي أن الغيرة إذا هاجت قوتها وكان ~~سببها الشهوة وجب الاستئثار وأن يختص الإنسان بحال لا يشاركه فيها غيره ~~وكان هذا العارض له في غير حرمته ولا من أجل حفظ نسبه وزرعه - فهو أمر قبيح ms141 ~~. | وإن كانت على شرائطها التي ذكرت فهو أمر حسن جميل . | وأما سقوط هذه ~~القوة دفعة فهجنة قبيحة فقد نجد في بعض الحيوان من لا تعرض له الغيرة ~~كالكلب والتيس ويسب به الإنسان إذا ذكر به وسمي باسمه . | ونجد أيضا بعضها ~~غيورا محاميا كالكبش وغيره من فحول الحيوان فيمدح بذكره الإنسان إذا شبه به ~~وسمي باسمه . | فلست اعرف وجه السب بالتيس والمدح بالكبش إلا لما يظهر من ~~هذا الخلق في أحدهما دون الآخر . | فهذه حال الغيرة وحقيقتها وما يجب أن ~~يمدح منها أو يذم . | # | 1 ( مسألة ما السبب في أن الذين يموتون وهم شبان أكثر من الذين يموتون ~~وهم شيوخ ) 1 # الشاهد على ذلك أنك تجد الشيوخ أقل ولولا ذلك لكانوا يكثرون لأنهم كانوا ~~يتجاوزون الشبيبة إلى الكهولة والكهولة إلى الشيخوخة فلما دب الحمام في ذوي ~~الشباب أفناهم وتخطى القليل منهم فبلغوا التشيخ وهو قليل . PageV01P274 | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الحياة تابعة لمزاج ما خاص ~~بإنسان إنسان . | وذلك المزاج له بمنزلة النقطة من الدائرة . | أعني أنه ~~شيء واحد والخروج عنه إلى النقط التي حواليه مما يقرب منه أو يبعد عنه بلا ~~نهاية . | وذلك أن لكل إنسان وبالجملة لكل حيوان - اعتدالا خاصا به بين ~~الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة فإذا انحرف عن ذلك الاعتدال إلى أحد ~~الأطراف كان مرضه أو هلاكه . | ثم إن الأمور التي تخرجه إلى الأطراف كثيرة ~~من الأغذية والأشربة والهواء الواصل إليه بالاشتتشاق وغيره وحركاته ~~الطبيعية وغير الطبيعية مما يخرجه عن هذا الاعتدال - كثيرة . | والآفات ~~الأخرى التي تطرأ من خارج مما لا تحتسب كثيرة . | وإذا كانت الأسباب التي ~~يخرج الإنسان بها عن الاعتدال كثيرة بلا نهاية والأسباب التي يثبت بها على ~~الاعتدال الخاص به قليلة ويسيرة - لم يكن ما ذكرته عجبا بل العجب لو اتفق ~~ضده . | ولولا أن العناية الموكلة بحفظ الحيوان كله - والإنسان من بينه - ~~شديدة والوقاية له تامة بالغة فتأمل جميع ما ذكرته من الآفات الداخلة ~~والخارجة عن بدن الإنسان وحركاتها المختلفة أعني منازعة النارية فيه ms142 إلى ~~حركة العلو ومنازعة المائية منه إلى حركة السفل ثم حرص كل واحد منهما ~~بطبيعته على إفناء الآخر وإحالته ثم المجاهدة الواقعة في حفظ الاعتدال ~~بينهما حتى لا تزيد قوة أحدهما على الآخر مع كثرة الشهوات والمنازعات إلى ~~ما هو لا محالة زائد في أحدهما PageV01P275 ناقص من الآخر - تجد الأمر ~~محفوظا بعناية شديدة إلى أكثر مما يمكن في مثله من الحفظ حتى يأتي شيء ~~طبيعي لا سبيل إلى مقاومته . | ومثل ذلك سراج يحفظ بالفتيلة والدهن والمواد ~~تجيئه من خارج أعني الدهن الكثير الذي هو سبب إطفائه والنار العظيمة التي ~~هي كذلك والرياح العاصفة التي لا طاقة له بها ولا سبيل إلى حفظه معها فإذا ~~سلم من جميع ذلك مدة طويلة فلا بد من الفناء الطبيعي . | أعني أن الحرارة ~~تستغرق - لا محالة - ما يغتذى به على طول الزمان فيكون الفناء به ومن أجله ~~. | فإن هذا مثل صحيح مطابق للممثل به . | وإذا تفقدت الحرارة الغريزية ~~وحاجتها إلى ما تحفظ قواها بلا زيادة ولا نقصان وإفنائها الرطوبة الأصلية ~~مع المواد التي تأتيها من خارج وقوتها على الإحالة وضعفها - طلعت على ما ~~سألت عنه وتبين لك ما ضربت به المثل # | مسألة ما السبب في طلب الإنسان فيما يسمعه ويقوله ويفعله ويرتئيه ويروى ~~فيه الأمثال # وما فائدة المثل وما غناؤه من مأتاه ، وعلى ماذا PageV01P276 قراره فإن ~~المثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلاما رائقا وغاية شريفة . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الأمثال إنما تضرب فيما لا تدركه الحواس ~~مما تدركه . | والسبب في ذلك أنسنا بالحواس وإلفنا لها منذ أول كونها ~~ولأنها مبادىء علومنا ومنها نرتقي إلى غيرها . | فإذا أخبر الإنسان بما لم ~~يدركه أو حدث بما لم يشاهده وكان غريبا عنده - طلب له مثالا من الحس فإذا ~~أعطي ذلك أنس به وسكن إليه لإلفه له . | وقد يعرض في المحسوسات أيضا هذا ~~العارض . | أعني أن إنسانا لو حدث عن النعامة أو الزرافة والفيل والتمساح ~~لطلب أن يصور له ليقع عليه ويحصل تحت حسه البصري ولا ms143 يقنع فيما طريقه حس ~~البصر بحس السمع حتى يرده إليه فهذا الأمر في الموهوبات فإن إنسانا لو كلف ~~أن يتوهم حيوانا لم يشاهد مثله لسأل عن مثله وكلف مخبره أن يصور له مثل ~~عنقاء مغرب فإن هذا الحيوان وإن لم يكن له وجود فلا بد لمتوهمه أن يتوهمه ~~بصورة مركبة من حيوانات قد شاهدها . | فأما المعقولات فلما كانت صورها ألطف ~~من أن تقع تحت الحس وأبعد من أن تمثل بمثال الحس إلا على جهة التقريب - ~~صارت أخرى أن تكون غريبة غير مألوفة . | والنفس تسكن إلى مثل وإن لم يكن ~~مثلا لتأنس به من وحشة الغربة . | فإذا ألفتها وقويت على تأملها بعين عقلها ~~من غير مثال سهل حينئذ عليها تأمل أمثالها . | والله الموفق لجميع الخيرات ~~. PageV01P277 | # | 1 ( مسألة كيف قوى الوهم على أن ينقش في نفس الإنسان أوحش صورة وأمقت ~~شكل ) 1 # وأقبح تخطيط ولم يقو على أن يصور أحسن صورة وألطف شكل وأملح تخطيط ألا ~~ترى أن الإنسان كلما اعترض في وهمه أوحش شيء عرته شمأزيزة وعلته قشعريرة ~~ولحقه صدوف ورهقه نفور فلو قوى الوهم على تصوير أحسن الحسن تعلل به الإنسان ~~عند فراغ فما هذا وكيف هذا ولا عجب فلهذا الإنسان من هذه النفس والعقل ~~والطبيعة أمور تستنفد العجب وتحير القلب . | جل من أودع هذا الوعاء هذه ~~الطرائف وعرضه لهذه الغايات وزين ظاهره وحسن باطنه وصرفه بين امن وخوف وعدل ~~وحيف وحجبه في أكثر ذلك عن لم وكيف . | الجواب : قال أبوعلي مسكويه - رحمه ~~الله : إن الحسن هو صورة تابعة لاعتدال المزاج وصحة مناسبات من الأعضاء ~~بعضها إلى بعض في الشكل واللون وسائر الهيئات . | وهذه حال لا يتفق اجتماع ~~جميع أجزائها على الصحة ولذلك لا تقوى الطبيعة نفسها على اتخاذها في ~~الهيولى على الكمال لأن الأسباب لا تساعد عليها أعني أنه لا يتفق في ~~الهيولى والأشكال والصورة والمزاج أن تقبل الصورة الأخيرة على غاية الصحة . ~~| فإذا كانت الطبيعة تعجز عن إيجاد هذا الاعتدال وهذه المناسبة الصحيحة ~~التي يتبعها الحسن التام فكم ms144 بالحرى PageV01P278 يكون الوهم أعجز عنه وإنما ~~الوهم تابع للحس والحس تابع للمزاج والمزاج تابع أثر من آثار الطبيعة . | ~~ومثال ذلك أن الأوتار الكثيرة إنما يطلب بها وبكثرة الدساتين عليها أن تخرج ~~من بينهما نغمة مقبولة وتلك النغمة إنما يتوصل إليها بجميع الآلة وأجزائها ~~من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة وإن كانت واحدة فإنها تتم بمساعدة ~~جميع تلك الإجزاء . | فإن خان واحد منها خرجت النغمة كريهة : إما بعيدة من ~~القبول وإما قريبة على قدر عجز الأسباب وقصور بعضها . | فكذلك الهيولى في ~~حاجتها إلى مزاج ما بين اسطقصات وصور أخرى كثيرة تصير بجميعها مستعدة لقبول ~~صور الحسن الذي هو اعتدال ما ومناسبة ما صحيحة بين أمزجة وأعضاء في الهيئة ~~الشكل واللون وغيرها من الأحوال التي مجموعها كلها هو الحسن . | والحسن وإن ~~كان أمرا واحدا وصورة واحد فهو مثل النغمة الواحدة المقبولة التي تحتاج إلى ~~هيئات كثيرة وصور مختلفة جمة ليحصل من بينها هذا الاعتدال المقبول . | ~~والوهم في خروجه عن الاعتدال سهل الحركة . | فأما في حفظه إياه وتوصله إليه ~~فإنه يحتاج إلى تعب شديد وأخذ مقامات كثيرة واستخراج اعتدال بينها . | ~~وهكذا الحال في كل اعتدال فإن حفظه والثبات عليه صعب . | فأما PageV01P279 ~~الخروج عنه فهو بأدنى حركة . | فإن اتفق أن يكون لذلك الاعتدال تمامات من ~~خارج ومعاونات من أمور مختلفة كانت الصعوبة | # | 1 ( مسألة لم صار السرور إذا هجم تأثيره أشد وربما قتل ) 1 # وقد حكي الثقة من تأثيره أمورا . | ولقد خبرت والدة بعض الناس أن ابنها ~~ولى إمرة فبرقت وانحرفت وما زالت تنتقض حتى ماتت . | وقال لي ابن الخليل : ~~الحيرة التي تلحق واجد الكنز هي من إفراط فرحه وغلبة سروره ولذلك ما يبين ~~على شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عن كتمانه مابه وسياسته . | ولا تكاد ~~تجد هذا العارض في الغم والهم النازل الملم وقل ما وجد من انشقت مرارته ~~وانتقضت بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بخبر ساءه وناءه ومكروه غشيه وناله . | ~~فإن كان فهو أيضا قليل وإن ساوى عارض السرور فذاك أعجب والسر فيه أغرب ms145 . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد مر جواب هذه المسألة في عرض ~~ما تكلمنا عليه في المسائل المتقدمة . | وقلنا : إن النفس تؤثر في المزاج ~~المعتدل عن البدن وكما أن المزاج يؤثر في النفس وبينا جميع ذلك وضربنا له ~~الأمثال . | ولسنا نشك أن السرور يحمر منه الوجه . وأن الخوف PageV01P280 ~~يصفر منه . وما ذاك إلا لانبساط الدم من ذاك في ظاهر البدن وغوره من الآخر ~~إلى قعر البدن . | والحرارة التي في القلب هي التي تفعل هذا أعني أنها ~~تنبسط فترق الدم تارة وتنقبض فتغلظة أخرى . | ويتبع ذلك الحال السرور ويتبع ~~هذه الغم . | فإذا كان زائد المقدار في أي الطرفين كان - تبعه الخروج عن ~~الاعتدال . | وبحسب الخروج عن الاعتدال يكون الموت الوحي أو المرض الشديد . ~~| # | 1 ( مسألة ما السبب في أن إحساس الإنسان بألم يعتريه أشد من إحساسه ~~بعافية تكون فيه ) 1 # حتى لو شكا يوما لأن أياما وهو يمر في لباس العافية فلا يجد لها وقعا ~~وإنما يتبينه إذا مسه وجع أو دهمه فزع ولهذا قال الشاعر : والحادثات وإن ~~أصابك بؤسها فهو الذي انباك كيف نعيمها ومما يحقق هذا أنك تجد شكوى المبتلى ~~أكثر من شكر المعافي وإنما لوجدان أحدهما مالا يجده الآخر . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : السبب في ذلك أن العافية إنما هي حال ملائمة ~~موافقة للحال الطبيعي من المزاج المعتدل الموضوع لذلك البدن . | والملائمة ~~والموافقة لا يحس بهما وإنما الحس يكون للشيء الذي لا موافقة فيه . | ~~والسبب في ذلك أن الحس إنما أعطي الحيوان ليتحرز به من الآفات الطارئة عليه ~~وليكون ألمه بما يريد عليه مما لا يوافقه سببا لتلافيه وتداركه قبل أن ~~PageV01P281 يتفاوت مزاجه ويسرع هلاكه . | فأنشئت لذلك أعصاب من الدماغ ~~وفرقت في جميع البدن ونسجت بها الأعضاء التي تحتاج إلى إحساس كما بين ذلك ~~في التشريح وفي منافع الأعضاء . | فكل موضع من البدن فيه عصب فهناك حس وكل ~~موضع خلا منه فلا حس فيه . | ولم يخل منه إلا ما لا حاجة به إلى ms146 حس . | ~~وإنما وفرت الأعصاب على الأعضاء الشريفة لتصير أذكى حسا ولتكون بما يرد ~~عليها من الآفات أسرع إحساسا . | وكل ذلك ليبادر إلى إزالة ما يجده من ~~الألم بالعلاج ولا يغفل عنه بتوان ولا غيره . | ولو خلا الإنسان من الحس ~~ومن الألم ومكانه لكان هلاكه وشيكا من الآفات الكثيرة . | وأما الحال ~~الملائمة فلا يحتاج إلى إحساس بها . | وهذه حال جميع الحواس الخمس في ~~أحوالها الطبيعية وانها لا تحس بما يلائمها وإنما تحس بما لا يوافقها . | ~~أقول : إن حس اللمس الذي هو مشترك بجميع البدن إنما يدرك ما زاد أو نقص عن ~~اعتداله الموضوع له فإن البدن له اعتدال من الحرارة مثلا فإذا لاقاه من ~~حرارة الهواء ما يلائمه ويوافقه لم يحس به أصلا . | فإن خرج الهواء عن ذلك ~~الاعتدال الذي للبدن إما إلى برد أو حر أحس به فبادر إلى تلافيه وإصلاحه . ~~| وكذلك الحال في البرد والرطوبة واليبوسة . | فأما سائر الحواس فلكل واحد ~~منها اعتدال خاص به لا يحس بما يلائمه وإنما يحس بما يضاده ويزيله عن ~~اعتداله كالعين فإنها لا تحس بالهواء وبكل ما لا لون له ولا كيفية تزيلها ~~عن اعتدالها . | وكذلك السمع وباقي الحواس . | وهذا باب مستقص في ~~PageV01P282 مواضعه من كتب الحكمة فليرجع إليها . | # | ( مسألة ) # | قد نرى من يضحك من عجب يراه ، ويسمعه أو يخطر على قلبه ، ثم ينظر إليه ~~ناظر من بعد فيضحك لضحكه من غير أن يكون شريكه فيما يضحك من أجله ، وربما ~~أربي ضحك الناظر على ضحك الأول ، فما الذي سرى من الضاحك المتعجب إلى ~~الضاحك الثاني ؟ | ( الجواب ) | قال أبو علي مسكويه رحمه الله : | إن النفس ~~الشخصية تتأثر من النفس الشخصية ضروبا من التأثيرات بعضها سريعة ، وبعضها ~~بطيئة ، وقد مر لنا كلام كثير في هذا المعنى فمن تأثيرها السريعة بعضها في ~~بعض : النوم ، و التثاؤب ، وكثير ما الراحات فإنه قد اشتهر في الناس أن من ~~نعس أو تناعس عند المستيقظ الذي لا فتور به أنعسه ونومه ، وكذلك المتثائب ~~والمتكاسل عن عمل . | وقد يعرض قريب من ms147 ذلك في النشيط للعمل أن ينشط أولا [ ~~فيعدي الآخر ] ، ولكن الأول أنشط وأبين . | والسبب في ذلك أن النفس وإن ~~كانت كثيرة بالأشخاص فهي واحدة في ذاتها فليس بعجب أن يتأدى من بعض الأشخاص ~~إلى بعض آثار نفسية سريعة بلا زمان بتة . | وليس يحتاج هذا المعنى إلى شيء ~~يسري على طريق النقلة والحركة الجسمية التي تقع في كل زمان ، بل يكفي في ~~ذلك أن تتلاحظ النفسان ، فإن التأثير من أحدهما في الآخر يقع بلا زمان . ~~PageV01P283 و ينبغي أن يتذكر في هذا المعنى اللطيف الأثر الذي يقبله ~~الناظر من المنظور إليه ، فإن هذا وإن كان بوساطة الجسم فإنه يكون بلا زمان ~~بتة . | فلست تقدر أن تقول : إن الناظر إلى كوكب من الكواكب الثابتة يكون ~~بين فتحة عينه وبين رؤيته إياه زمان . | # | ( مسألة ) # | لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم حتى لصق به وآثره وكدح فيه مع ما يرى ~~من صروفه وحوادثه ونكباته وغيره وزواله بأهله ومن أين استفاد الإنسان هذا ~~العرض . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : وكيف لا يشتد عشقه ~~إلى للعالم وهو طبيعي وجزء له إنما مبدؤه منه ومنشؤه فيه وتولده عنه ألا ~~تراه يبتدىء وهو نطفة فينشأ نشوء النبات أعني أنه يستمد غذاءه بعروق موصولة ~~برحم أمه فيستقي المادة التي تقيمه كما تستقي عروق الشجر فإذا تم وصار خلقا ~~آخر وأنشأه الله - تعالى - حيوان أخرجه من هناك فحينئذ يغتذى بفمه ويتنفس ~~فيصير في مرتبة الحيوان غير الناطق ولا يزال كذلك إلى أن يقبل صورة النطق ~~أولا فيصير إنسانا ثم يتدرج في إنسانيته حتى ينتهي إلى غاية ما يؤهل له من ~~المراتب فيها وليس ينتهي إلى الرتبة الأخيرة التي هي غاية الإنسانية إلا ~~الأفراد من الناس والواحد بعد الواحد في الأزمنة الطوال والفترات الكثيرة . ~~| وعامة الخلق وجمهور الناس واقفون في منزلة قريبة من البهيمية وغاية نطقهم ~~وتمييزهم أن يرتبوا تلك البهيمية ترتيبا ما فيه نظامك عقلي . | وأما أن ~~يفارقوها ويصيروا إلى الحد الذي طالبت به فلا وإنما يصير إلى هناك ms148 الحكيم ~~PageV01P284 التام الحكمة الذي يستوفي جميع أجزائها علما وعملا أو نبي له ~~تلك المنزلة بالإلهام والتوفيق ثم لابد من المادة البشرية التي يأخذها من ~~هذا العالم وإن كان بلا عشق ولا لصوق شديد ولا إيثار . | وهذا المعنى واسع ~~البحر طويل الميدان قد أكثر فيه الناس وفيما أومأت إليه وصرحت به والسلام . ~~| # | 1 ( مسألة لم قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا ) 1 # وما في الحياة الحمقى من الفائدة على الدين والدنيا وهل الذي قالوه حق . ~~| الجواب : قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله : قد تبين أن الإنسان مدني ~~بالطبع وأنه لا يعيش متوحدا كما تعيش الطير والوحش لأن تلك مكتفية بما خلق ~~لها من الرياش والهداية إلى مصالحها وأقواتها والإنسان عار لا طاقة له ولا ~~هداية إلى قوته ومصلحته إلا بالاحتماع والتعاون هو المدنية . | ثم إن ~~المدينة لها حال تسمى بالأولى عمارة وبالإضافة إلى الأولى . | فأما حال ~~عمارتها فإنما يتم بكثرة الأعوان وانتشار العدل بينهم بقوة السلطان الذي ~~ينظم أحوالهم ويحفظ مراتبهم ويرفع الغوائل عنهم . | وأعني بكثرة الأعوان ~~تعاون الأيدي والنيات بالأعمال الكثيرة التي بعضها ضرورية في قوام العيش ، ~~وبعضها نافعة في حسن الحال في العيش ، PageV01P285 وبعضها نافعة في تزيين ~~العيش فإن اجتماع هذه هي العمارة . | فأما إن فات المدنية واحدة من هذه ~~الثلاث فإنها خراب . | وإن فاتها اثنتان - أعني حسن الحال والزينة جميعا - ~~فهي غاية في الخراب وذلك أن الأشياء الضرورية في قوام العيش إنما يتبلغ بها ~~الزهاد الذين لا يعمرون الدنيا وليسوا في عدد العمار . | وعمارة الدنيا ~~التامة وقوامها بثلاثة أشياء هي كالأجناس العالية ثم تنقسم إلى أنواع كثيرة ~~. | وأحد الأشياء الثلاثة إثارة الأرض وفلاحتها بالزرع والغرس والقيام ~~عليها بما يصلحها ويستعد لما يراد منها اعني الآلات المستخرجة من المعادن ~~كالحجارة والحديد المستعملة في إثارة الحرث والطحن وإساحة الماء على وجه ~~الأرض من العيون والأنهار والقنى والدوالى وغير ذلك . | والثاني آلات الجند ~~والأسلحة المستعملة لهم في ذب الأعداء عن أولئك الذي وصفناهم ليتم لجماعتهم ~~العيش ويقام غرضهم فيما اجتمعوا له بالمعاونة . | وللجند ms149 أيضا صناع وأصحاب ~~حرف فهم يعدون لهم الخيل بالرياضة والجنن للوقاية وسائر الأسلحة للدفع ~~والذب . | والثالث الجلب والتجهيز الذي يتم بنقل ما يعز في أرض إلى أرض ، ~~PageV01P286 وما يكون في بحر إلى بر . | ولها أصحاب يختصون بجزء جزء من ~~أقسام الأحوال الثلاثة التي ذكرناها . | وينبغي أن تعلم أن العيش غير جودة ~~العيش وحسن الحال في العيش لتعلم أن العمارة متعلقة بجودة العيش وحسن حاله ~~. | وقد عرف أن هذه الأمور لا تتم إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال ~~واحتمال المشاق والتعرض للمخاوف . | ولو تبلغ الناس بضروراتهم وطرحوا فضول ~~العيش وعملوا بما يقتضيه مجرد العقل لصاروا كلهم زهادا ولو كانوا كذلك لبطل ~~هذا النظام الحسن والزين الذي في العالم وعاشوا عيشة قشفة كعيشة أهل القرى ~~الضعيفة القليلة العدد أو كعيشة سكان الخيم وبيوت الشعر وأظلال القصب . | ~~وهذه هي الحال التي تسمى خراب المدن . | فأما قولك : هل يسمى القوام بعمارة ~~الدنيا حمقى فأقول : إنه لا يجوز أن يسميهم بذلك كل أحد وذلك ان الذين ~~وصفنا أحوالهم من سكان القرى وأطراف الأرض والذين لا يكملون لتحسين معايشهم ~~هم اولى بهذا النبز من الذين استخرجوا بعقولهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم - ~~هذه الصناعات الكثيرة الجميلة العائدة بمنافع الناس . | وإنما يسوغ ذلك لمن ~~أطلع على جميع العلوم والمعارف وميزها ونزلها منازلها فترك ما ترك منها عن ~~خبر وعلم وآثر ما آثر منها على روية وبعد يقين فإن الحكماء إنما تركوا ~~النظر في عمارة الدنيا لأنها عائدة بعمارة PageV01P287 الأبدان ولما اطلعوا ~~على شرف النفس على البدن ورأوا لها عالما آخر وجمالا يليق بذلك العالم ~~وصناعات وعلوما ومسالك ركوبها أشق وأعسر من ركوب مخاطرات الدنيا ولزوم ~~محجتها والدءوب فيها بالنظر والعمل أصعب وأكثر تعبا من الدءوب والعمل في ~~الدنيا - آثروا التبلغ وتبلغوا بالقوت الضروري من الدنيا على أنهم هم الذين ~~عملوا لهؤلاء أصول الصناعات والمهن وتركوهم وإياها لما لم يكملوا لغيرها ثم ~~اشتغلوا وشغلوا من جالسهم بالأمر الأعلى الأفضل . | # | مسألة ما السبب في قلق من تأبط سوأه واحتضن ريبة واستسر ms150 فاحشة # | حتى قيل - من أجل ما يبدو على وجهه وشمائله - : كاد المريب يقول خذوني ~~وما هذا العارض ومن أين مثاره وبأي شيء زواله . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : هذه المسألة إنما تعترض الحيرة فيها لمن لا يعترف ~~بالنفس وأن حركات البدن الاختيارية كلها إنما تكون بها ومنها . | فأما من ~~علم أن النفس هي المدبرة لبدن الحي ولا سيما الإنسان المختار الذي مدبره ~~النفس المميزة العاقلة فلا أعرف لحيرته وجها . | وذاك ان النفس إذا عرفت ~~شيئا واستعملت ضد ما يليق بتلك المعرفة لحقها من الاضطراب ما يلحق الطبيعة ~~إذا كانت حركتها يمنة فحركت يسرة بقوة دون قوتها أو مساوية لها . ~~PageV01P288 | فإن الاضطراب يظهر هناك مثل ما يظهر ههنا . | # | 1 ( مسألة لم إذا كان الواعظ صادقا نجع كلامه ونفع وعظه وسهل الاقتداء ~~به ) 1 # وخفت الطاعة له والأخذ بما قاله ولم إذا كان بخلاف ذلك لم يؤثر كلامه وإن ~~راق ولا ينفع وعظه وإن بلغ وما في انسلاخه من حقيقة ما يقول مع حقيقة القول ~~وصحة الدلالة وسطوع الحجة وكيف صار فعله مشيدا لقوله وخلافه موهنا لدلالته ~~ألست الحكمة قائمة في نفسها مستقلة بصحتها ولهذا قيل : الموعظة إذا خرجت من ~~القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : لأن المواعظ إنما يأمر بما عنده أنه الأصوب ~~فإذا خالف نفسه أوهم غيره أنه كذب وغش وإنما نهى عن الدنيا لتترك له وتوفر ~~عليه . | وظن من عجز عن رتبته وسقط عن بلوغ درجته في النظر أنه إنما يقتدر ~~على الوعظ بحسن اقتداره على التلبيس وإظهار المموه في صورة الحق . | ولو ~~اعتقد ما يظهر بلسانه لعمل بحسبه فهذا وأشباهه يعرض في قلب المستمع لوعظ من ~~لا يعمل بوعظه . | هذا . | وربما كان أكثر من تراه من الواعظين هو بالحقيقة ~~غير معتقد لما يظهره وإنما غايته أن يشغل الناس عما في أيديهم أو لتتم له ~~PageV01P289 رئاسة باجتماع الناس إليه أو لأرب له من الدنيا . | فأي ms151 موقع ~~لكلام مثل هذا إذا عرف الموعوظ غايته وأشرف على نيته ومذهبه . | والأمر ~~بالضد فيمن عمل واجتهد وأخلص سره ووافق عمله علمه وقوله نيته فإنه يصير ~~إماما يقتدى به ويوثق بكلامه ويكثر اتباعه والناظرون فيما ينظر فيه ~~والمصدقون بحكمه . | # | 1 ( مسألة لم عظم ندم الإنسان على ما قصر فيه من إكرام الفاضل ) 1 # وتعظيمه واقتباس الحكمة منه بعد فقده ولم كان يعرض له الزهد فيه مع ~~التمكن منه والانقطاع إليه وقد كان في الوقت الأول أفرغ قلبا وأوسع مذهبا . ~~| الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذه مسألة قد أجيب عنها فيما ~~تقدم ولا معنى لتكرير الكلام فيها . | # | 1 ( مسألة لم اعتزت العرب والعجم في مواقف الحروب ) 1 # وأيام الهياج والاعتزاء هو الانتساب إلى الآباء والآجداد وإلى أيام ~~مشهورة وأفعال مذكورة . | وما الذي حرك أحدهم من هذه الأشياء حتى ثار وتقدم ~~وبارز وأقدم وأخطر نفسه واقتحم وربما سمع في ذلك الوقت بيتا أو تذكر مثلا ~~أو رأى من دونه في البيت والمنصب والعرق والمركب دون ما يقدر - يفعل فوق ما ~~يفعل فتأتيه الأنفة فتقوده بأنفه إلى مباشرة حتفه ما هذه الغرائب المبثوثة ~~والعجائب المدفونة في هذا الخلق عن هذا الخلق جل من هذا بعلمه وبأمره ومن ~~فعله وهو الإله الذي انقادت له PageV01P290 الأشياء طوعا وكرها وأشارت إليه ~~تعريضا وتصريحا . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الغضب في ~~الإنسان يكون بالقوة إلى أن يخرجه إلى كذلك سائر قوى النفس . | وما يخرجه ~~إلى الفعل ينقسم قسمين : إما من خارج وإما من داخل . | فالذي يكون من خارج ~~فهو مثل انتهاك الحرمة وشتم العرض وما أشبه ذلك . | والذي يكون من داخل فهو ~~تذكر الذنوب والأحقاد وجميع الأحوال التي من شأنها قدح هذه القوة . | ومن ~~شأن النفس إذا كانت ساكنة والتمر الإنسان فعلا قويا منها لم تستجب له ~~الأعضاء عما يلتمس فحينئذ يضطر إلى تحريك النفس وإثارتها . | وبحسب تلك ~~الحركة من النفس تكون قوة ذلك الفعل . | وأنت تتبين ذلك من المسرور إذا ~~أراد أن ms152 يظهر غضبا أو يفعل فعل الغضوب كيف تتخاذل أعضاؤه ويظهر عليه أثر ~~التكلف فربما أضحك من نفسه وضحك هو أيضا في أحوج ما كان إلى قوة الغضب ~~فيحتاج في تلك الحال إلى إثارة القوة الغضبية بتذكر أمر يهيج تلك القوة حتى ~~يصدر فعله على ما ينبغي . | وهذه الحال تعرض في الحرب إذا لم يخص المحارب ~~أمرها . | وأعني بذلك أن المحارب ربما حضر الحرب التي لا يخصه أمرها بل ~~لمساعدة غيره أو لأجرة وهو تذكر لأحوال شجاعات ظهرت لأولين ليكون ذلك قدحا ~~له ، PageV01P291 وإثارة لشجاعته وسببا لحركة قوية من نفسه . | فإذا ثارت ~~هذه القوة كان مثلها مثل النار التي تبتدىء ضعيفة وتقوى بمباشرة الأفعال ~~وبالإمعان فيها حتى تصير تلك الأفعال لها بمنزلة المادة للنار تتزيد بها ~~إلى أن تلتهب وتستشيط ويصير بمنزلة السكران في قلة الضبط والتمييز . | وهي ~~الحال التي يلتمسها المحارب من نفسه . | # | 1 ( مسألة ما السبب في أن الناس يقولون هذا الهواء أطيب من ذلك الهواء ~~) 1 # وذلك الماء أعذب من ذلك الماء وتربة بلد كذا وكذا أصلب من تربة كذا وطين ~~مكان كذا أنعم من طين مكان كذا وأعفن وأسبخ ثم لا يقولون في قياس هذا : بلد ~~كذا ناره أجود وأحسن وأصفى أو أشد حرا وإحراقا وأعظم لهيبا بل يصرفون هذه ~~الصفات على اختلاف المواد كأنها في الحطب اليابس أبين سلطانا وفي القطن ~~المنفوش أسرع نفوذا . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~الأركان الأربعة وإن اشتركت في ان بعضها يأخذ قوة بعض الأقل والأكثر حتى ~~يكون بعضها أخلص في صورته ونوعه من بعض فإن النار من بينها خاصة أقل قبولا ~~لقوة غيرها وأعسر ممازجة وذلك أن صورة النار غالبة على مادتها . | وبيان ~~هذا أن الأرض تقبل من ممازجة الماء والهواء ما تستحيل به عن صورتها الخاصة ~~بها حتى تصير منها الحمأة والملح وضروب الأشياء التي تختلف بها الترب . | ~~وكذلك الماء يقبل من الأرض التي يجاوره والهواء الذي يليه ضروب PageV01P292 ~~الطعوم والأراييح والصفاء والكدر حتى يخرج من ms153 صورته الخاصة به خروجا بينا ~~وهذه حال الهواء في قبول الآثار من الأرض والماء حتى يصير بعضه غليظا وبعضه ~~رطبا ويابسا ومعتدلا . | فتظهر في هذه الثلاثة آثار بعضها في بعض حتى تتبين ~~للحس بيانا ظاهرا وتنقص آثار بعضها عن بعض حتى يحكم كل إنسان بخروجه عن ~~اعتداله وخروجه عن اعتداله سبب الاستضرار البين في الأبدان . | فأما النار ~~فإن صورتها الخاصة بها غالبة على مائيتها حتى لا تقبل من المزاج ما يظهر ~~للحس منه نقصان أثر من الإحراق الذي هو فعلها أو الضوء الذي هو خاصتها . | ~~وعلى ان النار أيضا قد تقبل من المزاج ومجاورة ما تليه أثرا ما ولكنه - ~~بالإضافة إلى الآثار مثال ذلك أن النار التي مادتها النفط الأسود والكبريت ~~الصرف لونها بخلاف لون النار التي مادتها الزيت الصافي ودهن البنفسج الخالص ~~لأن تلك حمراء وهذه بيضاء . | ولكن الفعل المطلوب من النار للجمهور غير ~~ناقص أعني الإحراق والضوء . | وأن نقص بحسب المواد فإن تلك الحال منها ~~مشتركة في البلدان كلها لا تخص بعضها دون بعض . | وإذا حصل الناس أغراضهم ~~من أفعال النار تبلغوا به إلى حاجاتهم ولم ينظروا PageV01P293 في المواد ~~التي تخص البلدان لا سيما والمواد متفقة فيها وليست هكذا أخوات النار . | # | 1 ( مسألة لم فرح الإنسان بنيل مال وإصابة خير من غير احتساب له ) 1 # وتوقع أكثر من فرحه بدرك ما طلب ولحوق ما زوال الأنه في أحد الطرفين ~~ينبغي طلب شيء متخير أم لغير ذلك . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : إن جميع ما يصيب الإنسان مما يخص نفسه أو جسمه إذا وصل إليه بتدريج ~~قل إحساسه به وضعف ظهور أثره عليه . | أما مثال ذلك في الجسم فإن الأمراض ~~التي يخرج بها عن الاعتدال على تدريج فليس يشعر بها إلا شعورا يسيرا وربما ~~لم يشعر بها ألبتة . | فإن خرج بها على غير تدريج تألم منها جدا كالحال في ~~الدوي وأشباهه من الأمراض فإن الإنسان يخرج عن الاعتدال بها إلى ~~PageV01P294 الطرف الأقصى الذي يليه الموت فلا يحس ms154 بألمه لأنه على تدريج . ~~| ولو خرج دون ذلك الخروج ضربة للحقه من الألم ما لا قوام له به . | وكذلك ~~الحال في اللذات لأن اللذة إنما هي عود الإنسان إلى اعتداله ضربة . | ~~فاللذة والألم حالان يستويان في انهما يردان دفعة بلا تدريج فيستويان في ~~باب شدة الإحساس . | وهذه المسألة أحد الآثار التي ترد على الإنسان مرة ~~بتدريج ومرة بغير تدريج فتصير حال الإنسان بما لم يحتسبه ولم يتدرج ~~بالمزاولة حال ما يصيبه ضربة واحدة مما ضربنا مثاله فيكثر إحساسه به وظهور ~~أثره عليه . | # | 1 ( مسألة لم صار البنيان الكريم والقصر المشيد إذا لم يسكنه الناس ~~تداعى عن قرب ) 1 # وما هكذا هو إذا سكن لعلك تظن أن ذلك لأن السكان يرمون منه ما استرم ~~ويتلافون ما تداعى وتهدم ويتعهدونه بالتطرية والكنس فاعلم ان هذا ليس لذاك ~~لأنك تعلم انهم يؤثرون في المسكن بالمثنى والاستناد وأخذ القلاعة وسائر ~~الحركات المختلفة ما إن PageV01P295 لم يضعفه على رمهم ولمهم كان بإزائه ~~ومقابله . | فقد بقيت العلة على هذا وستسمعها في عرض الجواب عن جميع مسائل ~~هذا الكتاب . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن معظم آفات ~~البنيان يكون من تشعيث الأمطار وانسداد مجاري المياه بما تحصله الرياح في ~~وجه المآزيب ومسالك المياه التي ترد المياه إلى أصول الحيطان من خارج ~~البناء وداخله وبما يتثلم من وجوه البنيان الكريمة بالآفات التي تعرضها ~~لحركات الهواء والأمطار والبرد والثلوج . | وربما كان سبب ذلك قصبة أو هشيم ~~من تبن الطين الذي تطيره الأرواح إلى مسلك الماء فتعطف الماء إلى غير جهته ~~فيكون به خراب البنيان كله . | فأما ظهور الهوام في أصول الحيطان والعناكب ~~في سقوفه وأخذها من الجميع ما يتبين أثره على الأيام فشيء ظاهر وذلك أن هذا ~~الضرب من الخراب قبيح الأثر جدا ينبو الطرف عنه ويسمج به البناء الشريف . | ~~وربما أغفل السكان بيتا من عرض البناء إما بقصد وإما بغير قصد فإذا فتح عنه ~~يوجد فيه من آثار الدبيب من الفأر والحيات وضروب الحشرات التي تتخذ ms155 لنفسها ~~أكنة بالنقب والبناء كالأرصنة والنمل وما تجمعه من أقواتها ومن نسج ~~العنكبوت وتراكم الغبرة على النقوش - ما يمنع من دخوله . | هذا إن سلم من ~~الوكف وتطرق المياه وهدمها لما تسيل عليه PageV01P296 من حائط وسقف ورضه ~~بما يثقله من طين السطوح وتقصف جميع الخشب والسنادات والعمد . | وإذا كان ~~فيها السكان منعوا هذه الأسباب العظيمة في الخراب وكان ما يشعثونه بعد هذه ~~الأشياء يسيرا بالإضافة إليها فكان البناء إلى العمران أقرب ومن الخراب ~~أبعد . | # | 1 ( مسألة لم صار الكريم الماجد النجد يلد اللئيم الساقط الوغد ) 1 # وهذا يلد ذاك على تباين ما بينهما في أغراض النفس وأخلاقها مع قرب ما ~~بينهما في أصولها وأعراقها . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ~~إن أخلاق النفس وإن كانت تابعة لمزاج البدن فإن التأديب والسياسة تصلح منها ~~إصلاحا كثيرا . | وربما كان مزاج الابن بعيدا من مزاج الأب وانضاف إلى ذلك ~~سوء تأديب ورداءة سياسة ، ويكفي أحدهما في الفساد فتختلف الشيمتان ~~والمذهبان . PageV01P297 | # | 1 ( مسألة لم إذا كان الإنسان بعيدا عن وطنه ومسقط رأسه وملهى عنه ) 1 # ومضطجع جنبه ومطرب نفسه ومعدن أنسه - يكون أخمد شوقا وأقل قلقا وأطفأ ~~نائرة وأسلى نفسا وألهى فؤادا حتى إذا دنت الديار من الديار وقوى الطمع في ~~الجوار نفد الصبر وذهب القرار وحتى قال الشاعر # وأعظم ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار . | وهل هذا معنى يعم ~~أو يخص وما علته وهل له علة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ~~هذا المعنى موجود في الأشياء الطبيعية أيضا مستمر فيها وذاك أنك لو أرسلت ~~حجرا من موضع عال مركزه لكان يبتدىء بحركته وكلما قرب من مركزه احتدت ~~الحركة وصارت أسرع إلى أن تصير عند قربه من الأرض على أحد ما تكون وأسرعه . ~~| وكلما كان الموضع الذي يرسل منه الحجر أعلى كان هذا المعنى فيه أبين ~~وأظهر . | وكذلك حكم النار والعناصر الباقية إذا أرسلت من غير أمكنتها ~~الخاصة بها فإنها كلما قربت من مراكزها اشتدت حركتها ونزاعها . | ومثل هذه ms156 ~~المواضع لا يسأل عنها بلم لأنها أوائل طبيعية وغايتنا فيها أن نعرفها ونعلم ~~أنها كذلك وكذلك حال النفس في أنها إذا كانت بعيدة من مألفها كان نزاعها ~~أيسر فكلما دنت منه اشتد نزاعها وحركتها التي تسمى شوقا . | وإنما ~~PageV01P298 قلت : إن هذه المواضع لا يبحث عنها بلم لأن لم إنما يبحث بها ~~عن طلب علة ومبدأ . | وهذه مبادىء في أنفسها وليس علة أكثر من أن الأمور ~~أنفسها كذلك أى مبادئها هي أنفسها ولم تكن كذلك لعلة أخرى مثال ذلك : لو ان ~~قائلا قال : لم صارت العين تبصر بهذه الطبقات من العين ولم صارت ترى الشيء ~~بحسب الزاوية التي بينها وبين المبصر : إن كانت كبيرة فكبيرة وإن كانت ~~صغيرة فصغيرة أو سأل : لم صارت الأذن تحس باقتراع الهواء على هذا الشكل - ~~لم يلزم الجواب عنه لأن الأشياء الواضحة التي هي أوائل إنياتها هي لمياتها ~~. | # | 1 ( مسألة لم قيل الرأى نائم والهوى يقظان ولذلك غلب الهوى الرأى ) 1 # يروى هذا عن حكيم العرب عامر بن الظرب . | أليس الرأى من حزب العقل ، ~~PageV01P299 وأوليائه فكيف غلب مع علو مكانه وشرف موضعه وما معنى قول الآخر ~~من الأوائل : العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ما سبب هذه الصداقة مع هذا ~~العقوق وما سبب تلك العداوة مع تلك المتابعة وهل يرى هذا حقائق الأمور ~~معكوسة منكوسة فإن الظاهر خارج عن حكم الواجب جار على غير النظام الراتب . ~~| الجواب : قال أبو على مسكويه - رحمه الله : هذا كلام خرج في معرض فصاحة ~~وخطابة . | فأما معناه فهو أن الهوى فينا قوى جدا والرأى ضعيف وسبب ذلك أنا ~~- معشر الناس - طبيعيون وجزء الطبيعة فينا أغلب من جزء العقل لأنا في عالم ~~الطبيعة والعقل غريب عندنا ضعيف الأثر فينا ولذلك نكل عند النظر في ~~المعقولات ولا نكل عند النظر في الطبيعيات ذلك الكلال . | والعقل وإن كان ~~في نفسه شريفا عالى الرتبة فإن أثره عندنا يسير . | والطبيعة وإن كانت ~~ضعيفة بالإضافة إلى العقل منحطة الرتبة - فإنها قوية فينا لأنا في عالمها ~~ونحن أجزاء ms157 منها ومركبون من عناصرها وفينا قواها أجمع . | وهذا واضح غير ~~محتاج إلى الإطناب في الشرح . PageV01P300 | # | مسألة # حضر أبو بشر متى صاحب شرح المنطق مجلسا ، فقال له أبو هاشم المتكلم عائبا ~~للمنطق : هل المنطق إلا في وزن مفعل من النطق فحدثني : أأنصف أبو هاشم وحز ~~الحق أم تشيع وقال ما لا يجوز ان يسمع منه هذا مع محله وشدة توقيه في ~~مقالته فإن البيان عن هذا القدر يأتي على كنائن العلم ويوضح طرق الحكمة . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما من طريق الوزن فقد صدق فيه ~~أبو هاشم وأما من طريق الازدراء والعيب - إن كان قصد ذلك - فقد ظلم لأنه لا ~~عيب على العلم إلا من جهة خطأ المخطىء فيه لا من جهة اسمه . | ولو كايله ~~أبو بشر مكايلة فقال له : وهل المتكلم إلا في وزن متفعل من الكلام وتصفح ~~سائر العلوم فقال فيها مثل هذا وقال هل التفقه إلا نفعل من قولك فقهت الشيء ~~وهل النحو إلا مصدر قولك نحوت الشي أى قصدته - لكان هذا مستمرا وما أكثر ما ~~يسمى من العلم لما لا يستحقه رتبته وما أكثر ما يسمى بما يحط من رتبته فلا ~~ذاك ينفع في ذلك العلم ولا هذا يضر في هذا العلم . | وقد عرفت قوما سموا ~~أنفسهم المدركين وسموا PageV01P301 علومهم الإدراك الحقيقي وهو في غاية ~~البعد من حقائق الأمور وقد سمى قوم أنفسهم المستحقين وأهل الحق وما أشبه ~~ذلك فكانوا فيه مدعين باطلا . | # | 1 ( مسألة ) 1 # رأيت رجلا يسأل شيخا من أهل الحكمة فقال له : العرب تؤنث الشمس وتذكر ~~القمر فما العلة في ذلك وأى معنى عنوا بهذا الإطباق فإنه إن خلا من العلة ~~جرى مجرى الاصطلاح على غير غرض مقصود . | فلم يورد ذلك الشيخ شيئا ولهذا لم ~~أسمه فإن في ذكره مع إظهار عجزه تعريضا به وتحقيرا لشأنه وما يستحق بهذا ~~اليسير ان يجحد ما يصيب فيه الصواب الكثير . | فقال السائل : فإن المنجمين ~~يذكرون الشمس ويؤنثون القمر . | وهذا أيضا من المنجمين اتفاق . | فأجاب ms158 ~~ههنا وقال ما قالوه ولم يعجز عن المسألة الأخرى لقصر باعه في الأدب ولكن لم ~~يحفظ فيها جوابا عن اهل العربية . | والمعنى فيه خاف ليس من شأن المتمسحين ~~في العلم بل من شأن المتبحرين فيه الخائضين في غماره البالغين إلى قراره ~~وهيهات ذلك العلم عميق البحر عالى الفلك وليس كل قلب وعاء لكل سانح ولا كل ~~إنسان ناطقا بكل PageV01P302 لفظ ولا كل فاعل آتيا بكل عمل . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما النحويون فلا يعللون هذه الأمور ~~ويذكرون أن الشيء المذكر بالحقيقة ربما أنثته العرب والمؤنث بالحقيقة ربما ~~ذكرته العرب فمن ذلك أن الآلة من المرأة بعينها التي هي سبب تأنيث كل ما ~~يؤنث هي مذكر عند العرب واما آلة الرجل فلها أسماء مؤنثة . | فأما العقاب ~~والنار وكثير من الأسماء التي هي أولى الأشياء بالتذكير وهي مؤنثة وأمثالها ~~فكثير . | ولكن الشمس التي قصد السائل قصدها بعينها فإني أظن السبب في ~~تأنيث العرب إياها أنهم كانوا يعتقدون في الكواكب الشريفة أنها بنات الله - ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وكل ما كان منها أشرف عندهم عبدوه . | وقد ~~سموا الشمس خاصة باسم الآلهة فإن اللاة اسم من اسمائها فيجوز أن يكونوا ~~أنثوها لهذا الاسم ولاعتقادهم أنها بنت من البنات بل هي أعظمهن عندهم . | # | 1 ( مسألة هل يجوز لإنسان أن يعي العلوم كلها على افتنانها وطرقها ~~واختلاف اللغات والعبارات عنها ) 1 # فإن كان يجوز فهل يجب وإن وجب فهل يوجد وإن كان وجد فهل عرف وإن كان ~~جائزا فما وجه جوازه وإن كان الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ~~أحد الحدود التي حدت بها الفلسفة أنها علم الموجودات كلها بما هي موجودات . ~~ولكن ليس على الشرائط التي ذكرتها في مسألتك أعني قولك : على افتنانها ~~وطرقها واختلاف اللغات بها والعبارات عنها فإن علما واحدا من بين العلوم لا ~~يجوز أن يحتوي على جميع هذه الشرائط فيه لأن جزئيات العلوم بلا نهاية وما ~~لا نهاية له لا يخرج إلى PageV01P303 الوجود . | ولكن المطلوب ms159 من كل علم هو ~~الوقوف على كلياته التي تشمل على جميع أجزائه بالقوة . | مثال ذلك أن الطب ~~إذا تعلمت أصوله وقوانينه التي بها يستخرج نوع المرض ونوع العلاج فقد كفي ~~فيه ذلك . | فأما أن يعرف منه جميع أجزاء الأمراض فذلك محال . | وكذلك تجد ~~كتب جالينوس وغيره من الأطباء فإنها تعلمك أصول الأمراض والعلاجات فإذا ~~باشرت الصناعة ورد عليك من أجزاء مرض واحد ما لا يمكنك إحصاؤه ويبقى من ~~أجزائه ما لا يمكن أحصاؤه أحدا بعدك . | وإذا كان الأمر على ذلك فالجواب عن ~~مسألتك يكون مقيدا على ما ذكرته . | فأما اختلاف الطرق والعبارات فلا معنى ~~لتعاطي معرفتها فإن المقصود من العلوم هي ذواتها وأما قولك : هل يجب فأقول ~~: إنه واجب لأن التفلسف واجب من أجل أنه كمال الإنسانية وبلوغ أقصى درجتها ~~. | وكل شيء كان كمال فإن غايته البلوغ إلى ذلك الكمال . | ومن قصر من ~~الناس عن بلوغ كماله مع حصول الأسباب وارتفاع الموانع عنه فهو غير معذور ~~فيه . | وأما قولك : هل يوجد فإنه موجود لأن الفلسفة موجودة وهي صناعة ~~الصناعات وما تب شيء من أجزائها كما رتبت هي نفسها فإنه قد بدىء من أدنى ~~درجة يبتدىء بها المتعلم إلى أقصى مرتبة يجوز أن يبلغها . | وهذا لجميعه ~~أصول وشروح على غاية الأحكام وهي معروفة موجودة غير ممنوع منها ولا مضنون ~~بها على من يطلبها وفيه منة لتعلمها . PageV01P304 | # | 1 ( مسألة ما غضب الصارف على المصروف ) 1 # هكذا تنشأ هذه المسألة وصورتها أنك تولى إمرة بلد أو قضاء مدينة فترد ~~البلد وبه أمير قبلك صرف بك فتعنف به وتغضب عليه وتكلح وجهك في وجهه وهو ما ~~أغضبك ولا ومن جنس هذا الغضب غضب الجلاد والسياف . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : لما كان الصارف يستشعر من المصروف أنه يبغضه ويكرهه ~~لا محالة وفي الطباع أن يكره الإنسان من يكرهه وببغض من يبغضه - عرض هذا ~~العارض لكل صارف على كل مصروف . | وربما انضاف إلى ذلك أشياء أخر منها أن ~~المصروف ربما صرف عن خيانة ms160 أو جناية كثيرة يعرض في مثلها الغضب بالواجب . | ~~وربما انضاف إلى ذلك أن يؤمر الصارف بالقبض على المصروف وموافقته على ~~جناياته واستصفاء ماله . | وهذه أشياء تثير الغضب وتزيد في مادته لا سيما ~~والمصروف يحتج لنفسه ويدفع عنها كل ما نسب إليه من القبيح ويدافع عن ماله ~~بما أمكنه . | فأين يذهب الغضب عن هذا المكان وهل هو إلا في حقيقة موضعه ~~الخاص به ؟ | PageV01P305 فأما الجلاد والسياف فلهما وجه آخر من العذر وهو ~~أنهما إنما يأخذان أجرة على صناعتهما وإن لم يوفياها حقها خشيا اللائمة ~~والاستخفاف وليس يمكنهما توفية صناعتهما حقوقهما إلا بإثارة الغضب . | # | 1 ( مسألة لم كان اليتم في الناس من قبل الأدب وفي سائر الحيوان من قبل ~~الأم ) 1 # فإن قلت : لأن الأم ههنا كافلة فإن الأمر في الناس كذلك وفيه سر غير هذا ~~ونظر فوقه . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الإنسان من ~~حيث هو حيوان مشارك للبهائم في هذا المعنى محتاج إلى ما يقيمه من الأقوات ~~التي تحفظ عليه حيوانيته . | ومن حيث هو إنسان مشارك للفلك في هذا المعنى ~~يحتاج إلى ما يبلغه هذه الدرجة بالتعليم والتأديب لأن الأدب يجري من النفس ~~مجرى القوت من البدن والذي يقوم بالحال الأولى وهي الأم والذي يقوم له ~~بالحال الثانية هو الأب . | ولما كانت الحالة الثانية أشرف أحواله وهي التي ~~بها يصير هو ما هو اعني أن يصير إنسانا - وجب أن يكون يتمه من قبل أبيه . | ~~ولما كان سائر الحيوانات كما حيوانيتها في القوت البدني وجب أن يكون يتمها ~~من قبل الأم . | ولعل الإنسان قبل أن يبلغ حد التعلم من الأب وفي حال حاجته ~~إلى PageV01P306 الرضاع إذا فقد أمه سمي يتيما من قبل الأم ولم يمتنع إطلاق ~~ذلك عليه . | # | مسألة # قال المأمون : إني لأعجب من أمري : أدبر آفاق الأرض وأعجز عن رقعة - يعني ~~الشطرنج وهذا معنى شائع في الناس فما السبب فيه فإنه إنما عجب من خفاء ~~السبب . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الصناعات لا يكتفي ms161 ~~فيها بالعلم المتقدم والمعرفة السابقة بها حتى يضاف إلى ذلك العمل الدائم ~~والارتياض الكثير وإلا لم يكن الإنسان ماهرا . | والصانع هو الماهر بصناعته ~~. | ومثال ذلك الكتابة فإن العالم بأصولها وإن كان سابق العلم غزير المعرفة ~~إذا اخذ العلم ولم تكن له دربة انقطع فيها ولم ينفعه جميع ما تقدم من علمه ~~بها . | وكذلك حال الخياطة والبناء . | وبالجملة كل صناعة مهنية كقيادة ~~الجيش ولقاء الأقران في الحروب ليس تكفي فيها الشجاعة ولا العلم بكيفيتها ~~حتى يحصل فيها الارتياض والتدرب فحينئذ تصير صناعة . | ولما كان الشطرنج ~~أحد الأشياء الجارية هذا المجرى من الصناعات لم يكتف فيه بالتدبير ولا حسن ~~التخيل ولا جودة الرأى حتى تنضاف إلى ذلك مباشرة الأمر والدربة فيه فإن لكل ~~ضربة يتغير بها شكل الشطرنج ضربة من الرسيل مقابلة لها إما على غاية الصواب ~~وإما بخلافه . | ويحتاج إلى ضبط جميع ذلك وتخيل تلك الأشكال كلها ضربة بعد ~~PageV01P307 ضربة على وجوه تصاريفها وليس ذلك إلا مع دربة ورياضة . | # | 1 ( مسألة ما السبب في استيحاش الإنسان من نقل كنيته أو اسمه ) 1 # فقد رأيت رجلا غير كنيته لضرورة لحقته وحال دعته فكان يتنكر ويقلق وكان ~~يكنى أبا حفص فاكتنى أبا جعفر وكان سببه في ذلك أنه قصد رجلا يتشيع فكره أن ~~يعرفه بأبي حفص . | وكيف صار بعض الناس يمقت الشيء لاسمه دون عينه أو للقبه ~~دون جوهره . | وما النفور الذي يسرع إلى النفس من النبز واللقب . | وما ~~الشكون الذي يرد على النفس من النعت وما هما إلا متقاربان في الظاهر ~~متدانيان في الوهم . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~المعاني تلزمها الأسماء ويعتادها أهل اللغات على مر الأيام حتى تصير كأنها ~~هي وحتى يشك قوم فيزعمون أن الاسم هو المسمى وحتى زعم قوم أفاضل أن الأسامى ~~بالطباع تصير إلى مطابقة المعاني كأنهم يقولون إن الحروف التي تؤلف لمعنى ~~القيام أو الجلوس أو الكوكب أو الأرض لا يصلح لغيرها من الحروف أن تسمى به ~~لأن تلك بالطبع صارت له . | واضطر ms162 لأجل هذه الدعوى أن يشتغل كبار الفلاسفة ~~في بمناقضتهم ووضع الكتب في ذلك فليس بعجب أن يألف إنسان اسم نفسه حتى إذا ~~غير ظن أنه إنما يغير هو وإذا دعى بغير اسمه فإنما دعى غيره بل يرى كأنما ~~بدل به نفسه . | ولقد سمعت بعض المحصلين يستشير طبيبا ويخاف فيما يشكوه أنه ~~قد أصابه الماليخوليا . PageV01P308 فقلت له : وما الذي أنكرت من نفسك . | ~~قال : يخيل لي أن يميني قد تحول شمالا وشمالي يمينا لست أشك في ذلك . | ~~فلما امتد بي النظر في مساءلته وجدته كان قد تختم في يمينه مدة للتقرب إلى ~~بعض الرؤساء من أصدقائه ثم لما فارقه لسفره اتفقت له إعادة إلى التختم ~~اليسار فعرض له من الإلف والعادة هذا العارض . | فأعتبر بذلك يسهل جواب ~~مسألتك وتعلم ما في العادة من المشاكلة لما في الطبع . | فأما كراهة الناس ~~الشيء لأسمه أو للقبه ونبزه فالجواب عنه قريب من الجواب عن هذه المسألة ~~وذلك أن الأسماء والألقاب أيضا تكره لكراهة ما تدل عليه للعادة الأولى فلو ~~أنك نقلت اسم الفحم إلى الكافور فيما بينك وبين آخر لكان متى ذكر الفحم ~~تصور السواد ولم يمنعه ما انتقل فيما بينه وبينك إلى مسمى آخر أبيض طيب ~~الرائحة وذلك لأجل العادة اللهم إلا أن يكون تركيب الحروف تركيبا قبيحا ~~والحروف أنفسها مستهجنة فإن الجواب عن ذلك قد مر في صور هذه المسائل مستقصى ~~. | # | 1 ( مسألة قال أبو حيان لم صار صاحب الهم ومن غلبة عليه الفكر في ملم ~~يولع بمس لحيته وربما نكت الأرض بإصبعه وعبث بالحصى ) 1 # . | وقد يختلف الحال في ذلك حتى إنك لتجد واحدا يحب عند صدمة الهم ولوعه ~~الحزن جمعا وناسا ومجلسا مزدحما يريغ بذلك تفريحا ويجد PageV01P309 خفا . | ~~وآخر يفزع إلى الخلوة ثم لا يقع إلا بمكان موحش ونشر ضيق وطريق غامض . | ~~وآخر يؤثر الخلوة ولكن الخلوة يحن إلى بستان حال وروض مزهر ونهر جار . | ثم ~~تختلف الحال بين هؤلاء حتى إنك لتجد واحدا عند غاشية ذلك الفكر أصفى طبعا ~~وأذكى ms163 قلبا وأحضر ذهنا وحتى يقول القافية النادرة ويضنف الرسالة الفاخرة ~~وحتى يحفظ علما جما ويستقبل أيامه نصحا وآخر يذهل ويعله ويزول عنه الرأى ~~ويتحير حتى لوهدي ما اهتدى ولو أمر لما فقه ولو نهى لما وبه . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن النفس لا تعطل الجوارح إلا عند النوم ~~الأسباب ليس هذا موضع ذكرها . | والعقل يستهجن البطالة ولا بد من تحريك ~~الأعضاء في اليقظة إما بقصد وإدارة وبصناعة ولأغراض مقصودة وإما بعبث ولهو ~~وعند غفلة PageV01P310 وسهو ، ولأجل ذلك نهت الشريعة عن الغفلة ونهى الأدب ~~عن الكسل وأمر الناس وسواس المدن بترك العطلة واشتغال الناس بضروب الأعمال ~~. | ولقباحة العطلة ونفور العقل عنها اشتغل الفراغ بلعب الشطرنج والنرد على ~~سخافتهما وأخذهما من العمر وذهابهما بالزمان في غير طائل فإن الجلوس بلا ~~شغل ولا حركة بغير ضرورة أمر يأباه الناس كافة لما ذكرناه . | فصاحب الفكر ~~والهم لا تتعطل جوارحه وإنما ينبغي أن يتعود الإنسان بالتأديب حركات جميلة ~~مثل القضيب الذي وضع الملوك وقد ذكره ذلك أيضا ونسب إلى النزق وجعل في جنس ~~الولع بالخاتم . | فأما مس اللحية وقلع الزئبر من الثوب فمعدود من المرض ~~لأنة حركة غير منتظمة ولا جارية على سنة الأدب بل هو عبث يدل على أن صاحبه ~~قد احتمل حتى عزب عقله وذهب تمييزه دفعة . | ولا ينبغي ذلك لمن له تمييز ~~وبه مسكة أن يفعله بل ينبه عليه من نفسه ويتركه إن كان عادته . | فأما ~~اختلاف الحال في الناس فيمن الاجتماع مع الناس أو يحب الخلوة وغير ذلك مما ~~حكيته وذكرت أقسامه فإن ذلك تابع للمزاج وذاك أن صاحب السوداء والفكر ~~السوداوي يحب الخلوة والتفرد ويأنس بذلك . | وأما صاحب الفكر الدموي فإنه ~~يحب الاجتماع والناس وربما آثر النزهة والفرجة . | وأما ما حكيت عمن يصنع ~~الشعر ويصنف الرسالة ويشغل نفسه بالعلوم فجميع ذلك إنما يكون بحسب عادة من ~~يطرقه الفكر فإن كان قبل ذلك ممن يرتاض ببعض هذه الأشياء أو يكثر الفكر ~~فيها فإنه بعد ورود العارض يلجأ إلى ms164 ما كان عليه ويعود إلى عادته بنفس ~~ثائرة مضطرة إلى الفكر فينفذ فيما كان فيه . PageV01P311 | ولا بد أن يصير ~~ذلك الفكر من جنس ما دهمه أعني أنه يقول القافية ويصنف الرسالة في ذلك ~~المعنى الذي طرأ عليه لكن يستعين عليه بفكر كأن يتصرف في شعر آخر فيرده إلى ~~الأهم الذي وأما الذي يذهل ويعله ويتحير فهو الذي لم يكن قبل ورود ذلك ~~الشغل عليه ممن لا يرتاض بشعر ولا ترسل ولا عادته أن يلجأ إلى فكره ~~ويستعمله في استخراج الخبايا واللطائف فإذا طرقه عارض يحتاج فيه إلى فكر لم ~~يجده وأصابه من الوله والدهش ما ذكرت . | # | 1 ( مسألة ما بال أصحاب التوحيد لا يخبرون عن الباري إلا بنفي الصفات ) ~~1 # فقيل له : بين قولك وابسط فيه إرادتك . | قال : إن الناس في ذكر صفات ~~الله - تعالى - على طريقتين : فطائفة تقول : لا صفات له كالسمع والعلم ~~والبصر والحياة والقدرة لكنه مع نفي هذه الصفات موصوف بأنه سميع بصير حي ~~قادر عالم . | وطائفة قالت : هذه أسماء لموصوف بصفات هي العلم والقدرة ~~والحياة . | ولا بد من إطلاقها وتحقيقها . | ثم إن هاتين الطائفتين تطابقته ~~على أنه عالم لا كالعالمين وقادر لا كالقادرين وسميع لا كالسامعين ومتكلم ~~لا كالمتكلمين . | وكانت الطائفتان في ظاهر الرأى مثبتة نافية معطية آخذه ~~إلا أن يبين ما يزيد على هذا . PageV01P312 | هذا آخر المسألة . | والجواب ~~عنها حرفان مع الإيجاز إن ساعد فهم وتبسيط مع البيان إن احتيج إليه في ~~موضعه إن شاء . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما قولك : ~~الجواب عنها حرفان مع الإيجاز فهو قريب مما قلت وذاك أن كل صفة وموصوف يقع ~~عليه وهم وينطلق به لسان فهو جود من الله تعالى وإبداع له ومن منه امتن به ~~على خلقه وليس يجوز أن يوصف الله - تعالى - بما هو مبدع ومخلوق له . | فهذا ~~مع الإيجاز كاف . | ولا بد من أدنى بسط وبيان فنقول : إن البرهان قد قام ~~على أن الباري الأول الواحد هو - عز اسمه - متقدم الوجود على كل ms165 معقول ~~ومحسوس وأنه أول بالحقيقة أي ليس له شيء يتقدمه على سبيل علة ولا سبب ولا ~~غيرهما . | وما ليس له علة تتقدمه فوجوده أبدا وما وجوده أبدا فهو واجب ~~الوجود وما كان كذلك فهو لم يزل وما لم يزل فليس له علة فليس بمتركب ولا ~~متكثر لأنه لو كان مركبا أو كان متركبا لكان وقد قلنا إنه أول لم يتقدمه ~~شيء فإذن ليس بمركب ولا متكثر . | والأوصاف التي يثبتها له من يثبتها ليس ~~تخلو من أن تكون قديمة معه أو محدثة بعده . | ولو كانت قديمة معه موجودة ~~بوجوده لكان هناك كثرة ولو كانت كثرة لكانت - لا محالة - متركبة من آحاد . ~~| ولو كانت الآحاد متقدمة أو الوحدة - سيما التي تركبت منها الآحاد - ~~والكثرة متقدمة ، لم PageV01P313 يكن أولا وقد قلنا إنه أول . | ولو كانت ~~أوصافه بعده لكان خاليا منها فيما لم يزل وخلصت له الوحدة . | وإنما حدث له ~~ما حدث عن سبب وعلة - تعالى الله وجل عما يقولون المبطلون - وقد قلنا إنه ~~لا سبب له ولا علة . | وأما أطلاقنا ما نطلقه عليه من الجود والقدرة وسائر ~~الصفات فلأن العقل إذا قسم الشيء إلى الإيجاب والسلب أو إلى الحسن والقبيح ~~أو إلى الوجود والعدم - وجب أن ينظر في كل طرفين فينسب الأفضل منهما إليه ~~إن كنا لا محالة مشيرين إليه بوصف مثلا كأنا سمعنا بالقدرة والعجز وهما ~~طرفان فوجدنا أحدهما مدحا والآخر ذما فوجب أن ننسب إليه ما هو مدح عندنا . ~~| ومع ذلك فينبغي ألا نقيس على هذا القدر أيضا إلا إذا كان معنا رخصة في ~~شريعة أو إطلاق في كتاب منزل لئلانبتدع له من عندنا ما لم تجربه سنة أو ~~فريضة ونحذر كل الحذر من الإقدام على هذه الأمور . | ولأنا ضمنا ترك ~~الإطالة في جميع أجوبة هذه المسائل فلنقتصر على هذا النبذ . | ومن أراد ~~الإطالة والتوسع فيه فليقرأه من موضعه الخاص به من كتابنا الذي سميناه ~~الفوز أو من كتب غيرنا المصنفة في هذا المعنى إن شاء الله . PageV01P314 | # | 1 ( مسألة لم صار ms166 الإنسان في حفظ الصواب أنفذ منه في حفظ الخطأ ) 1 # شاهد هذا أنك لو سمت الغفل أن يتعلم الأدب ويعتاد الصواب في اللفظ كان ~~أخرى بذلك وأجرأ عليه من قاض أو عدل أو أديب عالم تسوم واحدا منهم ان يتخلق ~~بخلق بعض العامة أو يقتدي بلفظه في خطابه وفساده ولهذا تجد مائة ينشدونك ~~لأبي تمام والبحتري ولا تجد ثلاثة ينشدونك للطرمي وأبي العبر . PageV01P315 ~~| الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الصواب شيء واحد وله سمت ~~يشير إليه فأما الانحراف عن ذلك السمت والخطأ فيه وعنه فأمر لا نهاية له ~~فلذلك لا يمكن ضبطه . | وإن انحرف عنه منحرف فإنما يكون ذلك منه كما جاء ~~واتفق لا بإشارة من فهم ولا دليل من عقل . | وحفظ مثل هذا عسير جدا إذ كان ~~الحفظ إنما هو تذكر لصورة قيدها العقل وتلك الصورة هي مقتضى العقل أو رسم ~~من رسوم قوى العقل . | فالإنسان معان على هذا الرسم بالفطرة ومعان على ~~تذكره - أيضا - بالفطرة . | فأما العدول عنه فهو كالعدول عن نقطة الدائرة ~~التي تسمى مركزا فإن النقطة في الدائرة - التي ليست مركزا - هي كثيرة بلا ~~نهاية وإنما المحدودة منها على نقطة واحدة أعني التي بعدها من جميع محيط ~~الدائرة بالسواء . PageV01P316 | # | 1 ( مسألة لم صار العروض ردىء الشعر قليل الماء ) 1 # والمطبوع على خلافه ألم تبن العروض على الطبع أليست هي ميزان الطبع فما ~~بالها تخون وقد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطي ويخرج من وزن إلى وزن وما ~~رأينا عروضيا له ذلك . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~المطبوع من المولدين يلزم الواحد ولا يخرج عنه مادام طبعه يطيع ذلك . | ~~ولكن سمعنا للشعراء الجاهليين المتقدمين أوزانا لا تقبلها طباعنا ولا تحسن ~~في ذوقنا وهي عندهم مقبولة موزونة يستمرون عليها كما يستمرون في غيرها كقول ~~المرقش : لابنه عجلان بالطف رسوم لم يتعفين والعهد قديم وهي قصيدة مختارة ~~في المفضليات ولها أخوات لا أحب تطويل PageV01P317 الجواب بإيرادها - كانت ~~مقبولة الوزن في طباع أولئك القوم ms167 وهي نافرة عن طباعنا نظنها مكسورة . | ~~وكذلك قد يستعملون من الزخاف في الأوزان التي تستطيبها ما يكون عند ~~المطبوعين منا مكسورا وهي صحيحة . | والسبب في جميع ذلك أن القوم كانوا ~~يجبرون بنغمات يستعملونها مواضع من الشعر يستوى بها الوزن . | ولأننا نحن ~~لا نعرف تلك النغمات إذا أنشدنا الشعر على السلامة لم يحسن في طباعنا ~~والدليل على ذلك أنا عرفنا في بعض الشعر تلك النغمة حسن عندنا وطاب في ~~ذوقنا كقول الشاعر : إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل فإن هذا ~~الوزن إذا أنشد مفكك الأجزاء بالنغمة التي تخصه طاب في الذوق وإذا أنشد كما ~~ينشد سائر الشعر لم يطب في كل ذوق . | وهذه سبيل الزحاف الذي يقع في في ~~الشعر مما يطيب في ذوق العرب وينكسر في ذوقنا . | لولا أن الموسيقا مركوزة ~~في الطباع ووزن النغم ومقابلة بعضه بعضا مجبولة عليه النفس لما تساعدت ~~النفوس كلها على قبول حركات أخر بعينها . | وتلك الحركات المقبولة هي النسب ~~التي يطلبها الموسيقي ويبني عليها رأيه وأصله . | والعروضي إنما يتبع هذه ~~الحركات والسكنات التي في كل بيت فيحصلها بالعدد وبالأجزاء المتقابلة ~~المتوازنة . | فإن نقص جزء من الأجزاء ساكن أو متحرك فإنما يجبره المنشد ~~بالنغمة حتى يتلافاه . PageV01P318 | فمتى ذهب عنه ذلك لم يستقم في ذوقه ~~ولم يساعد عليه طبعه . | فأما من نقص ذوقه في العروض فإنما ذلك للغلط الذي ~~يقع له في بعض الزحافات التي يجيزها العروض وله مذهب عند العرب فيقع لصاحب ~~الذوق الذي لا يعرف تلك النغمة التي تقوم بذلك الزحاف - أنه جائز في كل ~~موضع فيغلط من ههنا ويتهم أيضا طبعه حتى يظن أن المنكسر من الشعر أيضا هو ~~في معنى المزاحف وأنه كما لم يمتنع المزحوف من الجواز كذلك لا وهذا غلط قد ~~عرف وجهه ومذهب صاحبه فيه . | وأما واضع العروض فقد كان ذا علم بالوزن ~~وصاحب ذوق وطبع فاستخرج صناعة من الطباع الجيدة تستمر لمن ليست له طبيعة ~~جيدة في الذوق ليتمم بالصناعة تلك النقيصة . | وكذلك الحال في ms168 صناعة النحو ~~والخطابة وما يجري مجراها من الصنائع العلمية . | وليس يجري صاحب الصناعة ~~وإن كان ماهرا في صناعته - مجرى الطبع الجيد الفائق . | # | 1 ( مسألة ما معنى قول بعض القدماء العالم أطول عمرا من الجاهل بكثير ) ~~1 # وإن كان أقصر عمرا عنه . | ما هذه الإشارة والدفنية فإن ظاهرها مناقضة . ~~| الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تبين من مباحث الفلسفة أن ~~الحياة على نوعين : أحدهما حياة بدنية وهي البهيمية التي تشاركنا فيها ~~الحيوانات كلها . PageV01P319 | وحياة نفسية وهي الحياة الإنسانية التي ~~تكون بتحصيل العلوم والمعارف . | وهذه هي الحياة التي تجتهد الأفاضل من ~~الناس في تحصيلها . | فالواجب أن يظن بالجاهل الذي يحيا حياة بدنية أنه ليس ~~بحي بتة أعني أنه ليس بإنسان ولا فأما العالم فالواجب أن يقال فيه : إنه هو ~~الحي بالحقيقة كما أن غيره هو الميت . | # | 1 ( مسألة لم صارت بلاغة اللسان أعسر من بلاغة القلم ) 1 # وما القلم واللسان إلا آلتان وما مستقاهما إلا واحد فلم نرى عشرة يكتبون ~~ويجيدون ويبلغون وثلاثة منهم إذا نطقوا لا يجيدون ولا يبلغون والذي يدلك ~~على قلة بلاغة اللسان إكبار الناس البليغ باللسان أكثر من إكبارهم البليغ ~~بالقلم . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ذلك لأن البلاغة ~~التي تكون بالقلم تكون مع روية وزمان متسع للانتقاد والتخير والضرب ~~والإلحاق وإجالة الروية لإبدال الكلمة بالكلمة . | ومن تبادل بالكلام متى ~~لم يكن لفظه ومعناه متوافيين عرض له التتعتع والتلجلج وتمضغ الكلام وهذا هو ~~العي المكروه المستعاذ منه . | فأما البليغ فهو حاضر الذهن سريع حركة ~~اللسان بالألفاظ التي لا يقتصر منها أن يبلغ ما في نفسه من المعنى حتى ~~تتفرغ له قطعة من ذلك الزمان السريع إلى توشيح عبارته وترتيبها باختيار ~~الأعذب قالأعذب وطلب المشاكلة والموازنة والسجع وكثير مما يحتاج في مثله ~~إلى الزمان الكثير والفكر الطويل . PageV01P320 | # | مسألة على ماذا يدل انتصاب قامة الإنسان من بين هذا الحيوان ؟ # فقد قال أبو زيد البلخي الفلسفي كلاما سأحكيه . PageV01P321 | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : هذا الرجل ms169 الفاضل الذي ذكرته إذا كان ~~يوجد له كلام في هذا المعنى فالأولى بنا أن نستعفيك الكلام فيه . | وإذا ~~كنت غير معفينا فالأولى أن نكتفي بالإيماء إلى المعنى دون الإطالة فنقول : ~~إن الحرارة إذا كانت مادتها لطيفة مواتية في الرطوبة والاستجابة إلى ~~الامتداد فهي تمد الجسم الذي تعلقت به إلى جهتها - أعني العلو - مدا ~~مستقيما . | وإنما يعرض الانكباب والميل إلى جهة الأرض لشيئين : إما لضعف ~~الحرارة وإما لقلة استجابة المادة التي تعلقت بها . | وأنت تتبين ذلك ~~وتتأمله في الأشجار التي بعضها ينشعب بشعب مر جحنة نحو الأرض . | وبعضها ~~ممتدة على جهة الاستقامة إلى فوق . | وبعضها مركبة الحركة بحسب مقاومة ~~المادة لأن حركة الشيء المركب وما كان من الشجر والنبات ممتدا على وجه ~~الأرض غير منتصب فهو لكثرة الأجزاء الأرضية فيه ولضعف الحرارة وما كان ~~الشجر منتصبا وقد تشعبت منه نحو الأرض ويمينا وشمالا فلأن حركة النار ~~والأرض قد تركبتا فحدث منهما هذا الشكل المركب بين الانتصاب والارجحنان . | ~~وما كان الشجر ممتدا كالقضيب إلى فوق كالسرو وما أشبهه فلأن أجزاءه الأرضية ~~والرطوبة المائية فيه لطيفة والحرارة قوية فلم يمتنع من الحركة المستقيمة ~~التي تحركها النار . | وإذا تأملت حق التأمل هذه الأمثلة لم يعسر عليك ~~نقلها إلى الحيوان إن شاء الله . PageV01P322 | # | 1 ( مسألة لم صار اليقين إذا حدث وطرأ لا يثبت ولا يستقر ) 1 # والشك إذا عرض أرسى وربض يدلك على هذا أن الموقن بالشيء متى شككته نزا ~~فؤاده وقلق به والشاك متى وقفت به وأرشدته وأهديت الحكمة إليه لا يزداد إلا ~~جموحا ولا ترى منه إلا عتوا ونفورا . الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : أظن السائل عن اليقين لم يعرف حقيقته وظن ان لفظة اليقين تدل على ~~المعرفة المرسلة أو على الإقناع اليسير . | وليس الأمر كذلك فإن مرتبة ~~اليقين أعلى مرتبة تكون في العلم وليس يجوز أن يطرأ عليه شك بعد أن صار ~~يقينا . | وكذلك من علم أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين ليس يجوز أن يشك ~~فيه . | وهذه سبيل العلوم المتيقنة ms170 بالبراهين وبالأوائل التي بها تعلم ~~البراهين . | فأما ما دون اليقين فمراتبه كثيرة على ما بين في كتاب المنطق ~~. | والشكوك تعترض كل مرتبة بحسب منزلتها من الإقناع . | وإذا كان الأمر ~~كذلك فليس يرد قلب المتيقن - أبدا - شك ينزو منه فؤاده بل قار وادع لا تحرك ~~منه الشكوك بتة . | فأما ما ذكرته من أن الشاك إذا أرشد وأهديت له الحكمة ~~لا يزداد إلا جموحا فإن ذلك يعترض لأحد شيئين : إما لأن المرشد لم يتأت ~~للشاك ولم يدرجه إلى الحكمة فحمله ما لا PageV01P323 يضطلع به وإما لأن ~~الحكيم ربما نهى عن أشياء يميل إليها الطبع بالهوى . | وقد علمت بما بيناه ~~فيما تقدم أن تقدم أن قوى الهوى أغلب وأقوى فينا من قوى العقل فيصير حاله ~~حال من يجدنه حبلان أحدهما ضعيف والآخر قوى - لا محالة - يستجيب للأقوى إلى ~~أن تقوى عزيمته على الأيام فيضعف القوى ويقوى الضعيف كما أشار به الحكماء ~~وشرعه الأنبياء . | # | مسألة لم صار الناس يضحكون من السخرة والمضحك إذا لم يضحك - أكثر من ~~ضحكهم منه إذا ضحك # وهذا عارض موجود في كل من ألهاك ولم يضحك . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إن من شأن المضحك أن يتطلب أمورا معدولة عن جهاتها ~~ليستدعي بذلك تعجب السامع وضحكه . | وإذا لم يضحك هو إنما يدل من نفسه أنه ~~متماسك غير مكترث للسبب الذي من شأنه أن يعجب منه ويضحك فيتضاد الحال ~~بالتسامع حتى يقترن إلى السبب الأول السبب الثاني . | # | 1 ( مسألة ما معنى قول العلماء على طبقاتهم النادر لا حكم له هكذا تجد ~~الفقيه والمتكلم والنحوي والفلسفي . ) 1 # PageV01P324 فما سر هذا وما علمه وعلته ولم إذا ندر خلا من الحكم وإذا شذ ~~عرى من التعليل . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ليس الأمر ~~على ما ظننته من أن جميع الطبقات من العلماء يستعملون هذه اللفظة . | وإنما ~~يستعملها منهم من كانت طبقته في العلوم المأخوذة من التصفح والآراء ~~المشهورة فإن هذه أوائل عند قوم في علومهم . | وأعني بقولي أوائل أي أنهم ms171 ~~يجعلونها مبادىء مسلمة بمنزلة الأشياء الضرورية من مبادىء الحس والعقل فإذا ~~فعلوا ذلك لم يخل من أن يرد عليهم ما يخالف أصولهم فيجعلونه نادرا وشاذا ~~مثال ذلك : أنه تصفح رجل منهم يوما في السنة كيوم السبت من كانون أنه يجىء ~~فيه مطر وبقي إلى ذلك سنين - حكم بأن هذا واجب لا بد منه . | فإن انتقض ~~عليه ذلك زعم أنه شاذ نادر . | وكذلك من يتبرك بيوم في الشهر ويتشاءم بآخر ~~كما تفعله الفرس بأول يوم من شهرهم المسمى هرمز وبآخر يوم المسمى بانيران ~~فإنه لا يزال يحكم بأن هذا على الوتيرة فإن انتقض قالوا هذا شاذ ونادر . | ~~وكذلك حال من حكم بحكم مأخوذ من أوائل غير طبيعية وغير ضرورية فإنه غير ~~مستمر له استمرار العلوم المبرهنة المأخوذة الأوائل من الأمور الضرورية . | ~~وأنت ترى ذلك عيانا ممن لا يعرف علل الأشياء ولا أسبابها من جمهور الناس ~~فإن أحدهم إذا رأى أمرا حدث عند حضور أمر آخر نسبه إليه من غير أن يبحث هل ~~هو علته أم لا . PageV01P325 | وذلك أنه إذا رأى حالا تسره عند حضور زيد ~~زعم أن سبب ذلك الحال زيد . | فإن اتفق حضور زيد مرة أخرى واتفقت له حال ~~أخرى سارة قوى ظنه وزادت بصيرته وكذلك تكون الحال في أكثر أمور هذا الصنف ~~من الناس . | لا جرم أنه متى انتقض الأمر زعموا أنه شاذ . | ولهذه الحال ~~عرض كثير وذلك أنه ربما مازج أسبابا صحيحة كما يحكم في الشتاء أنه يجيء مطر ~~يوم كذا لأنه كذلك اتفق في العام الماضي . | فلأن الوقت شتاء ربما اتفق ذلك ~~مرارا كثيرة ولكن ليس سبب المطر ذلك اليوم بل له أسباب أخر وإن اتفق فيه . ~~| فأما الرجل الفلسفي فإنه إذا تشبه بغيره أو أخذ مقدماته من مثل تلك ~~المواضع عرض له - لا محالة - ما عرض لغيره . | ولذلك وجب أن تنزل الأمور ~~منازلها فما كان منها ذا برهان لم يتغير ولم ينتظر ورود ضد عليه ولا شك فيه ~~. | وإذا كان غير ذي برهان إلا أن له ms172 دليلا مستمرا صحيحا سكن إليه وثق به . ~~| فأما ما ينحط إلى الإقناعات الضعيفة فينبغي ألا يسكن إليه ولا يوثق به ~~وانتظر أن ينقضه شيء طارىء عليه ولم يمتنع من الشكوك والاعتراضات عليه . | # | مسألة # قال بعض المتكلمين : قد علمنا أنه لا يجوز أن يتفق أن يمس أهل محلة لحاهم ~~في ساعة واحدة وفصل واحد وحال واحدة . | وإن PageV01P326 جاز هذا فهل يجوز ~~في جميع من في العالم وإن كان لا يجوز أن يتفق هذا فما علته فإن المتكلم ~~سكت عند الأولى حين ذكر اليقين والضرورة . | ولعمري إن الغشاء حق ولكن ~~العلة باقية . | وسيمر بيان ذلك على حقيقته في الشوامل إن شاء الله . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الكلام على الواجب والممتنع ~~والممكن قد استقصاه أصحاب المنطق وبلغ صاحب المنطق فيه الغاية . | والذي ~~يليق بهذا الموضع هو أن يقال : إن الواجب من الأمور هو الذي يصدق فيه ~~الإيجاب ويكذب فيه السلب أبدا . | والممتنع ما يكذب فيه الإيجاب ويصدق فيه ~~السلب أبدا . | والممكن ما يصدق فيه الإيجاب أحيانا ويكذب فيه أحيانا ويكذب ~~فيه السلب أحيانا ويصدق أحيانا . | فإذا كانت طبائع هذه الأمور مختلفة ~~فمسألتك هذه من طبيعة الممكن . | فإن جوز فيه أن يكون جميع الناس يفعلونه ~~في حال واحدة ضير من طبيعة الواجب . | وأيضا فإن أرسططاليس قد تبين أن ~~المقدمات الشخصية في المادة الممكنة والزمان المستقبل لا تصدق معا ولا تكذب ~~معا ولا تقتسم الصدق والكذب مثال ذلك زيد يستحم غدا ليس يستحم زيد . | فإن ~~هاتين المقدمتين ليس يجوز أن تصدقا معا لئلا يكون شيء واحد PageV01P327 ~~بعينه موجودا وغير موجود . | ولا يجوز أن تكذبا معا لئلا يكون شيء واحد ~~موجودا وغير موجود ولا يمكننا أن نقول إنهما تقتسمان الصدق والكذب لئلا ~~يرفع بذلك الممكن . | وهذا قول محير فلذلك ألطف أرسططاليس فيه النظر فقال : ~~إن الشيء الممكن إنما يصدق عليه الإيجاب أو السلب على غير تحصيل . | والشيء ~~الواجب والممتنع يصدق عليهما الإيجاب والسلب على تحصيل . | أعني أنه إنما ~~يقتسم الصدق والكذب المقدمات ms173 الممكنة بأن توجد على طبيعتها الإمكانية . | ~~فأما الضرورية فإنها تقتسم الصدق والكذب على أنها ضرورية . | وهذا كلام بين ~~واضح لمن ارتاض بالمنطق أدنى رياضة . | ومن أحب أن يستقصيه فليعد إليه في ~~مواضعه يجده شافيا . | # | مسألة # سئل بعض العلماء بالنحو واللغة فقيل له : أيستمر القياس في جميع ما يذهب ~~إليه من الألفاظ فقال : لا . | فقال السائل : فينكسر القياس في جميع ذلك ~~فقال : لا . | فقيل له : فما السبب فقال : لا أدري ولكن القياس يفزع إليه ~~في موضع ويفزع منه في موضع . | وعرضت هذه المسألة على فيلسوف فأفاد جوابا ~~سيطلع عليك مع إشكاله إن شاء الله . PageV01P328 | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : أما قياس النحو فليس مبينا على أوائل ضرورية فلذلك لا ~~يستمر وإنما أجاب هذا الرجل العالم بالنحو عن القياس الذي يخص صناعته ولم ~~يلزمه إلا ذلك . | فأما الفيلسوف فقياساته كلها مستمرة لا ينكسر منها شيء ~~لا سيما ضرب من القياس وهو المسمى برهانا . | وقد تقدم - في المسألة ~~المتقدمة إن النادر لا حكم له كلام يصلح أن يجاب به ههنا فلتعد إليه إن شاء ~~الله . | # | 1 ( مسألة سأل سائل هل خلق الله - تعالى - العالم لعلة أو لغير علة ) 1 # فإن كان لعلة فما هي وإن كان لغير علة فما الحجة الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : ليس يجوز أن يقال : إن الله خلق العالم لعلة لما تقدم ~~من قولنا إن العلة سابقة للمعلول بالطبع . | فإن كانت العلة أيضا معلولة ~~لزم أن تكون لها علة تتقدمها . | وهذا مار بغير نهاية وما لا نهاية له يصح ~~وجوده . | فإذن لا بد من أن يقال أحد شيئين : PageV01P329 إما أن العلة لا ~~علة لها وإما أن العالم لا علة له غير ذات الباري - تعالى ذكره - فإن قيل : ~~إن للعالم علة غير ذات الباري - تعالى - فإن تلك العلة لا علة لها . | فيجب ~~من ذلك أن تكون العلة أزلية لأنها واجبة الوجود . | وإذا كانت كذلك لزم ~~فيها جميع ما سلم في ذات الباري - تعالى - ولو كان كذلك ms174 أولا لم يزل . | ~~وقد قلنا في الباري - تعالى - ذلك بالبراهين التي تأدت إلى القول به . | ~~وليس يجوز ان يكون شيئان لهما هذا الوصف أعني أن كل واحد منهما اول لم يزل ~~. | وذلك أنه لا بد أن يتفقا في شيء صار كل واحد منهما أول وأن يختلفا في ~~شيء به صار كل واحد منهما غيرا لصاحبه . | وذلك الشيء الذي اشتركا فيه ~~والذي تباينا به لا بد أن يكون فصلا مقوما أو مقسما فيصير فالجنس متقدم على ~~النوع بالطبع . | والنوع الذي يلزمه فصل مقوم ليس بأول لأنه مركب من ذات ~~وفصل مقوم . | والمركب متأخر عن بسيطه الذي تركب منه . | فهذه أحوال يناقض ~~بعضها بعضا ولا يصح معها أن يدعى في شيئين أن كل واحد منها اول لم يزل . | ~~وشرح هذا المعنى وإن طال فهو عائد إلى هذا النبذ الذي يكتفي به ذو القريحة ~~الجيدة والذكاء التام . PageV01P330 | # | 1 ( مسألة لم يضيق الإنسان في الراحة إذا توالت عليه وفي النعمة إذا ~~حالفته ) 1 # وبهذا الضيق يخرج إلى المرح والنزوان وإلى البطر والطغيان وإلى التحكك ~~بالشر والتمرس به حتى يقع في كل مهوى بعيد وفي كل امر شديد . | ثم يعض على ~~أنامله غيظا على نفسه بسوء اختياره وأسفا على تركه محمود الرأى ومجانبته ~~نصيحة الناصحين مع ما يجد من الألم في صدره من شماتة الشامتين . | أي أطفاه ~~الشبع وأبطرته الكفاية وأترفته النعمة حتى بطر وأشر واضطرب وانتشر . | ومن ~~أجل ذلك قال بعض السلف الصالح : العافية ملك خفي لا يصبر عليها إلا ولى ~~ملهم أو نبي مرسل . | هذا والناس مع اختلافهم يحبون العافية ويميلون إلى ~~الراحة ويعوذون من الشر ومما يورث منه ويستعقب عنه . | الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : السبب في ذلك ان الراحة إنما تكون عن تعب تقدمها ~~لا محالة . | وجميع اللذات يظهر فيها أنها راحات من آلام . | وإذا كانت ~~الراحة إنما تكون عن تعب فهي إنما تستلذ وتستطاب ساعة يتخلص من الشيء ~~المتعب . PageV01P331 | فإذا اتصلت الراحة وذهب ألم التعب لم تكن الراحة ms175 ~~موجودة بل بطلت وبطل معناها . | ومع بطلانها بطلان اللذة . | ومع بطلان ~~اللذة غلط الإنسان في الشوق إلى اللذة التي يجهل حقيقتها . | أعني أنه ~~يشتاق إلى معنى اللذة ويجهل أنها راحة من ألم . | وهذا المعنى إذا لاح ~~للعالم به وتبينه لم يشتق إلى اللذة بتة وصار قصاراه إذا آلمه الجوع أن ~~يداويه بالدواء الذي يسمى الشبع لا أنه يقصده اللذة نفسها بل يرى اللذة ~~شيئا تابعا لغرضه لا أنها مقصودة الأول ولذلك يزهد العالم في الأشياء ~~البدنية أعني الدنيوية وهي ما يتصل بالحواس وتسمى لذيذة . | فأما الجاهل ~~فلأنه يعترض له ما ذكرناه بالضرورة صار يقع فيه دائما فيحصل في هموم وآلام ~~وامراض لا نهاية لها . | وعاقبه جميع ذلك الندم والأسف . | # | 1 ( مسألة لم صار بعض الأشياء تمامه أن يكون غضا طريا ولا يستحسن ولا ~~يستطاب إلا كذلك ) 1 # وبعض الأشياء لا يختار ولا يستحسن إلا إذا كان عتيقا قديما قد مر عليه ~~الزمان ولم لم تكن الأشياء كلها على وجه واحد عند الناس وما السبب في ~~انقسامها على هذين الوجهين ففيه سر . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : لما كانت كمالات الأشياء المختلفة أعني ان بعضها تتم صورته التي هي ~~PageV01P332 كماله في زمان قصير وبعضها تتم صورته في زمان طويل - كان ~~انتظار الإنسان للكمال منها وتفضيله إياها بحسبه . | ولما كان الشيء يبتدىء ~~وينتهي إلى الكمال ثم ينحط حتى يتلاشى ويعود إلى ما منه بدأ - كان أفضل ~~أحواله وقت انتهائه إلى الكمال . | فأما حين صعوده إليه أو انحطاطه عنه ~~فحالان ناقصان وإن كانت الأولى أفضل من الثانية . | ولما كانت هذه القضية ~~مستمرة فيما كان في عالمنا هذا أعني عالم الكون والفساد - وجب من ذلك أن ~~تكون استطابة الناس واستحسانهم لصورة الكمال في واحد واحد من الأشياء ~~المختلفة أيضا مختلفا لأجل ما ذكرناه . | # | 1 ( مسألة لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائدا عن الفرض المشترك فيه ~~حقر غيره ) 1 # واشتط عليه وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه وطارت النعرة في ms176 ~~أنفه حتى كأنه صاحب الوحي أو الواثق بالمغفرة ، PageV01P333 والمنفرد ~~بالجنة . | وهو مع ذلك يعلم أن العمل معرض للآفات وبها يحبط ثواب صاحبه ~~ولهذا قال الله - تعالى - [ اي ] { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا } [ \ اي ] ولما يعرض له من هذا العارض علة ستنكشف في جواب ~~المسألة وكان بعض أصحابنا يضحك بنادرة في هذا الفصل قال : أسلم يهودى غداة ~~يوم فما أمشى حتى ضرب مؤذنا وشتم آخر وغضب على آخر . | فقيل له : ما هذا ~~أيها الرجل فقال : نحن معاشر القراء فينا حده ! . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : كل من استشعر في نفسه فضيلة وكان هناك نقصان من وجه ~~آخر وخشى أن تنكتم تلك الفضيلة أو لا يعرفها غيره منه - عرض له عارض الكبر ~~لأن معنى الكبر هو هذا . PageV01P334 | أي أن صاحبه يلتمس من غيره أن يذعن ~~له بتلك الفضيلة ويعرفها له . | فإذا لم يعرفها تحرك ضروب الحركة المضطربة ~~ولهذا صدق القائل : ما تكبر أحد إلا عن ذلة يجدها في نفسه . | وإنما ~~السلامة من هذا العارض هو أن يلتمس الإنسان الفضيلة لنفسه لا لشيء آخر أكثر ~~من أن يصير هو بنفسه فاضلا لأن يعرف ذلك منه أو يكرم لأجله . | فإن اتفق له ~~أن يعرف فشيء موضوع في موضعه وإن لم يعرف له ذلك لم يلتسمه من غيره ولم ~~يكترث لجهل غيره به . | ولأجل محبة الكرامة تعرض قوم للمتالف وعرض لقوم ~~الصلف ولآخرين الهرب من الناس إلى غير ذلك من المكار . | والذي يجب على ~~العاقل هو أن يلتمس الفضائل في نفسه ليصير بها على هيئة كريمة ممدوحة في ~~ذاته أكرم أم لم يكرم وعرف ذلك له أم لم يعرف . | ويجعل مثاله في ذلك الصحة ~~فإن الصحة تطلب لذاتها ويحرص المرء عليها ليصير صحيحا حسب لا ليعتقد فيه ~~ذلك ولا ليكرم عليها . | وذلك إذا جعلت له صحة النفس بحصول الفضائل لا ~~ينبغي أن يطلب من الناس أن يكرموه لها ولا أن يعتقدوا فيه ذلك . | ومتى ~~خالف هذه الوصية وقع في ms177 ضروب من الجهالات التي أحدها الكبر والحالة التي ~~وصفت . PageV01P335 | # | 1 ( مسألة ) 1 # حكى بعض أصحابناأن الرشيد قال لإسحاق الموصلي كيف PageV01P336 حالك مع ~~الفضل بن يحيى وجعفر بن PageV01P337 يحيى فقال : يا أمير المؤمنين أما جعفر ~~فإني لا أصل إليه إلا على عسر PageV01P338 فإذا وصلت إليه قبلت يده فلا ~~يلتفت إلى بطرف ولا ينعم لي بحرف . | واما الفضل فإني ما أغشى بابه إلا ~~ويتلقاني ويهش لي ويخصني ويسألني عن دقيق أمري وجليله ويصحبني من بشره ~~وطلاقة وجهه وتهلله ورقة نغمته - ما يغمرني ويعجزني عن الشكر وأبقى خجلا في ~~أمره وليس غير ذلك . | فقال الرشيد عند هذا الحديث : يا أبا إسحاق فأيهما ~~عندك آثر وفعل أيهما من نفسك أوقع فقال : فعل الفضل . | هذا آخر الحكاية . ~~| وموضع المسألة منها : ما السبب في تشريف إسحاق فعل الفضل دون فعل جعفر ~~والفضل مبذولة عرض لا بقاء له ولا منفعة به . | ومبذول جعفر جوهر له بقاء ~~والحاجة إليه ماسة والرغبات به منوطة والآمال إليه مصروفة . | الدليل على ~~ذلك أنك لا تجد طالبا في الدنيا لبشر رجل ولا ضاربا في الأرض لبشاشة إنسان ~~. | وأنت ترى البر والبحر مترعين بمنتجعي المال وأبناء السؤال وخدم الآمال ~~عند الرجال . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما الحكاية ~~فأظنها مقلوبة . | وذلك أن الموصوف بالكبر هو الفضل وهو صاحب الشرف في ~~العطاء . PageV01P339 وأما جعفر فهو إلا أن المتفق عليه أن إسحاق فضل صاحب ~~الطلاقة - وإن كان في الأكثر خاليا من بره على صاحب البر والعطاء الجزيل ~~لما قرنه بالكبر والتيه . | والناس على تفاوت عظيم في الموضع الذي سألت عنه ~~وتعجبت منه . | وذلك أن منهم المحب للثروة واليسار ومنهم المحب للكرامة ~~والجاه . | فأما محب الثروة فقد يحب الجاه والكرامة ولكن ليكتسب بهما مالا ~~. | وأما محب الجاه والكرامة فقد يحب المال والثروة ولكن ليكتسب جاها وينال ~~كرامة . | وكل طائفة من هاتين الطائفتين تزعم أنها هي الكيسة وأن صاحبتها ~~هي الغافلة البلهاء . | والصحيح من ذلك ان كل واحد منهما ينازع إلى أمر ~~طبيعي وإن كان ms178 قد مال السرف بهما جميعا إلى الإفراط وذاك أن المال ينبغي أن ~~يعتدل في طلبه ويكتسب من وجهه ثم ينفق في موضعه . | فمتى قصر في أحد هذه ~~الوجوه صار شرها وأورث ذلة وكسب بخلا وإثما . | وأما الكرامة فينبغي أن ~~تكون في الإنسان فضيلة يستحق بها أن يكرم لا أن تطلب الكرامة بالعسف أو ~~بالكبر الذي ذممناه فيما تقدم من المسائل آنفا . | فإذا كان الأمر على ما ~~ذكرناه وكانت الكرامة تابعة للفضيلة فالكرامة أشرف من المال تتبعه وبالجملة ~~فإن المال ليس بمطلوب لذاته بل هو آلة يوصل به إلى المآرب والأشجان الكثيرة ~~. PageV01P340 | وإنما يحب لأنه بإزاء جميع المطلوبات أي به يتوصل إلى ~~المحبوبات فأما في نفسه فهو حجر لا فرق بينه وبين غيره إذا نزعت عنه هذه ~~الخصلة الواحدة . | فأما الكرامة فقد تطلب لذاتها إذا كان الطالب لها من ~~جهة الاستحقاق بالفضيلة وذلك لما تحصل عليه النفس من الالتذاذ الروحاني ~~والسرور النفساني . | وإن كانت من جهة النفس الغضبية فإن هذه النفس وإن ~~كانت دون الناطقة فإنها فوق النفس البهيمية التي تلتذ اللذات البدنية التي ~~تشارك فيها النبات والخسيس من الحيوانات . | فأما قولك : إنك تجد محبي ~~المال أكثر من محبي الكرامة فكذا يجب أن يكون لأن أكثر الناس هم الذين ~~يشبهون البهائم وإنما يتميز القليل منهم بالفضائل . | فكما أن المتميزين ~~بفضائل النفس الناطقة من القليل فكذلك المتميزون بفضائل النفس الغضبية أقل ~~من الجمهور . | # | 1 ( مسألة ما بال خاصة الملك والدانين منه والمقربين إليه لا يجري من ~~ذكر الملك على ألسنتهم مثل ما يجري على ألسنة الأباعد منه ) 1 # مثل البوابين PageV01P341 والشاكرية الساسة فإنك تجد هؤلاء على غاية ~~التشيع بذكره ونهاية الدعوى في الإشارة إليه والتكذب عليه . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : لسببين : أحدهما أن الأقربين إلى الملوك هم ~~المؤدبون المستصلحون لخدمتهم . | وفي جملة الآداب التي أخذوا بها ترك ذكر ~~الملك فإن في ذكرهم إياه ابتذالا له وانتهاكا لهيبته وهتكا لحرمته . | فأما ~~أولئك الطبقة فلسوء آدابهم لا يميزون ولا يأبهون لما ms179 ذكرته فهم يجرون على ~~طباع العامة اللائقة بهم في الافتخار بما لا أصل له وادعاء ما لا حقيقة له ~~ولظنهم أنهم ينالون بذلك كرامة ومحلا عند أمثالهم . | وأما السبب الآخر ~~فخوف حاشية الملك من عقوبته فإن الملك يعاقب على هذا الذنب ويراه سياسة له ~~لئلا يتعدى ذاكروه إلى إفشاء سر وإخراج حديث لا ينبغي إخراجه . | # | 1 ( مسألة ما الشبهة التي عرضت لابن البصري فيما تفرد به من مقالته ) 1 # PageV01P342 حين زعم أن الله - تعالى - لم يزل ناظرا إلى الدنيا رائيا ~~لها مدركا فإن شغبه وشغب ناصريه وأصحابه قد كثر بين العلماء . | فما وجه ~~باطله إن كان قد أبطل وما وجه الحق إن كان قد حقق . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : أما شبهة صاحب هذه المقالة فمركبة وذلك أنه لحظ إدارك ~~الحي منا فوجده بنوعين : أحدهما عقلي والآخر حسي . | والحسي منه وهمي ومنه ~~بصري . | فأما الحسي البصري فإنما يدرك المبصر بآلة ذات طبقات ورطوبات ~~وقصبة مجوفة ذاتية من بطن الدماغ ويحتاج إلى جرم مستشف يكون بينه وبين ~~المبصر وإلى ضوء معتدل ومسافة معتدلة وألا يكون PageV01P343 بينهما حاجز ~~ولا مانع . | وأما الوهم فقد ذكرنا من أمره أنه يتبع الحس فلا يجوز أن ~~يتوهم ما لا يدرك أو يدرك له نظير . | وأما الإدراك العقلي فليس يحتاج إلى ~~شيء من الحواس بل للعقل نفسه قوة ذاتية بها يدرك الأشياء المعقولة . | ~~والكلام على هذا الإدراك ألطف وأغمض من الكلام في الإدراك الحسي . | ولما ~~اختلطت على صاحب المسألة هذه الإدراكات وعلم أن الباري - جلت عظمته - عالم ~~بالأمور الكائنة سمي هذا العلم إدراكا وظنه من جنس إدراكنا وعلومنا الوهمية ~~فتركبت الشبهة له من الظنون الكاذبة . | وتحقيق هذه الإدراكات وتمييزها حتى ~~يعلم ما يختص به الحي منا ذو العقل والحس وكيف تكون إدراكاته للأمور ~~الموجودة وتنزيه الباري - جل اسمه - عن جميعها إذ كانت هذه كلها منا ~~انفعالات أعني العلوم والمعارف كلها وأنه لا يجوز أن نعلم شيئا محسوسا ولا ~~معقولا بغير انفعال وأن الله تقدس وتعالى ms180 ذكره - ليس بمنفعل وإنما يعلم ~~الأشياء بنوع أعلى وأرفع مما نعلمه - أمر صعب يحتاج فيه إلى تقدمة علوم ~~كثيرة . | وفيما ذكرناه كفاية في إيضاح وجه شبهة لهذا الرجل فيما ذهب إليه ~~. | # | 1 ( مسألة حدثني عن ولوع الشاعر بالطيف وتشبيبه به واستهتاره بذكره ~~وهكذا تجد أصناف الناس ) 1 # PageV01P344 وهذا معروف عند من عبثت به الصبابة ولحقته الرقة وألفت عينه ~~حلية شخص ومحاسنه وعلق فؤاده هواه وحبه . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله : الطيف هو اسم لصورة المحبوب إذا حصلته النفس في قوتها المتخيلة ~~حتى تكون تلك الصورة نصب عينه وتجاه وهمه كلما خلا بنفسه . | وهذه حال تلحق ~~كل من لهج بشيء فإن صورته ترتسم في قوته هذه التي تسمى المتخيلة وتكون ببطن ~~الدماغ المقدم . | فإذا تكررت هذه الصورة على المحبوب على هذه القوة انتقشت ~~فيها ولزمها . | فإذا نام الإنسان أو استيقظ لم تخل من قيام تلك الصورة ~~فيها ويجد المشتاق في النوم خاصة إنسانه لأن النوم يتخيل فيه أشياء مما في ~~نفسه فربما رأى في النوم أنه قد وصل إليه الوصول الذي يهواه فيكون من ذلك ~~الاحتلام واستفراغ المادة التي تحركه إلى الشوق والاجتماع مع المحبوب فيزول ~~عنه أكثر ذلك العارض ويصير سببا لبرء تام فيما بعد . | # | 1 ( مسألة ما السبب في ترفع الإنسان عن التنبيه على نفسه بنشر فضله ~~وعرض حاله ) 1 # وإثبات اسمه وإشاعة نعته وليس بعذ هذا إلا إثبات الخمول . | والخمول عدم ~~ما وهو إلى النقص ما هو لأن الخامل مجهول والمجهول نقيض المعدوم . | ~~PageV01P345 ولا تبارى في المعدوم ولا تمارى في الموجود . | وكان منشأ هذه ~~المسألة عن حال هذا وصفها : عرض بعض مشايخنا كتابا له صنفه علينا فلم نجده ~~ذكر على ظهره : تأليف فلان ولا تصنيفه ولا ذكر اسمه من وجه الملك . | فقلنا ~~له : ما هذا الرأى . | فقال : هو شيء يعجبني لسر فيه . | ثم أخرج لنا كتبا ~~قد كتبها في الحداثة فيها اسمه وقال : هذا أثر أيام النقص . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الفضل ms181 ينبه على نفسه وليست حاجة إلى تنبيه ~~الإنسان عليه من نفسه . | وذاك أن الفضائل التي هي بالحقيقة فضائل تشرق ~~إشراق الشمس ولا سبيل إلى إخفائها لو رام صاحبها ذلك . | وأما الشيء الذي ~~يظن أنه فضيلة وليس كذلك فهو الذي يخفى . | فإذا تعاطى الإنسان مدح نفسه ~~وإظهار فضيلته بالدعوى تصفحت العقول دعواه فبان عواره وظهر الموضع الذي ~~يغلط فيه من نفسه . | فإن اتفق أن يكون صادقا وكانت فيه تلك الفضيلة فإنما ~~يدل بتكلف إظهارها على أنه غير واثق بآراء الناس وتصفحهم أو هو واثق ولكنه ~~يتبجح عليهم ويفخر . | فأما الإنسان الكبير الهمة فإنه يستقل لنفسه ما يكون ~~فيه من الفضائل لسموه إلى ما هو أكثر منه ولأن المرتبة التي تحصل للإنسان ~~من الفضل وإن كانت عالية فهي نزر يسير بالإضافة إلى ما هو أكثر منه . | وهو ~~متعرض لطباع الإنسان مبذول له وإنما يمنعه العجز الموكل PageV01P346 بطبيعة ~~البشر عن استيعابه وبلوغ أقصاه أو يشغله عنه بنقائص تعوقه عن التماس الغاية ~~القصوى من الفضائل البشرية . | # | 1 ( مسألة سأل سائل عن النظم والنثر وعن مرتبة كل واحد منهما ) 1 # ومزية أحدهما ونسبة هذا إلى هذا وعن طبقات الناس فيهما فقد قدم الأكثرون ~~النظم على النثر ولم يحتجوا فيه بظاهر القول وأفادوا مع ذلك به وجانبوا ~~خفيات الحقيقة فيه وقدم الأقلون النثر وحاولوا الحجاج فيه . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن النظم والنثر نوعان قسيمان تحت الكلام ~~والكلام جنس لهما . | وإنما تصح القسمة هكذا : الكلام ينقسم إلى المنظوم ~~وغير المنظوم . | وغير المنظوم ينقسم إلى المسجوع . | ومثال ذلك مما جرت به ~~عادتك أن تقول : الكلام بما هو جنس يجري مجرى قولك الحي . | فكما أن الحي ~~ينقسم إلى الناطق وغير الناطق . | ثم إن غير الناطق ينقسم إلى الطائر وغير ~~الطائر . | ولا تزال تقسمه حتى ينتهي إلى آخر أنواعه . | ولما كان الناطق ~~والطائر يشتركان في الحي الذي هو جنس لهما ثم ينفصل الناطق عن الطائر بفضل ~~النطق - فكذلك النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس ms182 لهما ثم ينفصل ~~النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوما . | ولما كان الوزن ~~حلية زائدة وصورة فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن . ~~| فإن اعتبرت المعاني مشتركة PageV01P347 بين النظم والنثر . | وليس من هذه ~~الجهة تميز أحدهما من الآخر بل يكون كل واحد منهما صدقا مرة وكذبا مرة ~~وصحيحا مرة وسقيما أخرى . | ومثال النظم من الكلام مثال اللحن من النظم ~~فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له كذلك صفة النظم ~~الذي يكتسى منه الكلام صورة زائدة على ما كان له . | هي جوهر نثر فإن ألفته ~~بالنظم صار قلائدا وعقودا . | # | 1 ( مسألة لم صار الحظر يثقل على الإنسان ) 1 # وكذا الأمر إذا ورد أخذ بالمخنق وسد الكظم . PageV01P348 وقد علمت أن ~~نظام العالم يقتضي الأمر والنهي ولا يتمان إلا بآمر وناه ومأمور ومنهي . | ~~وهذه أركان ودعائم . | ولكن ههنا مكتومة بالإشراف عليها يكمل الإنسان فيعرف ~~الملتبس من المتخلص . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~الأمر الذي أومأت إليه والحظر إنما يقعان في جنس الشهوات التي تجمح ~~بالإنسان إلى القبائح وبلزوم الأعمال التي فيها مشقة وتؤدى إلى المصالح . | ~~ولما كان الإنسان ميله بالطبع إلى تعجل الشهوات غير ناظر في أعقاب يومه ~~وإلى الهويني والراحة في عاجل اليوم دون ما يكسب الراحة طول الدهر - ثقل ~~عليه حظر شهواته والأمر الذي يرد عليه بالأعمال التي فيها مشقة . | وهذه ~~حال لازمة للإنسان منذ الطفولة فإن أثقل الأشياء عليه منع والديه مأربه ~~وأخذهما إياه بلف الأعمال النافعة ثم إذا كمل صار أثقل الناس عليه طبيبه ~~ومعالجه ونصيحه في المشوره وسلطانه الذي يأخذه بمنافعه ومصالحه . | وهذه ~~حال الناس المنقادين لشهواتهم المتبعين لأهوائهم . | وقد يقع فيهم الجيد ~~الطبع الصحيح الروية القوى العزيمة فلا يأتي من الأمور إلا أجملها قامعا ~~لهواه متحملا ثقل مئونة ذلك لما ينتظره من حسن العاقبة وإحمادها . | ومثل ~~هذا قليل بل أقل من القليل وليس إلى أمثاله يوجه الخطاب بالأمر والنهى ولا ~~إياه خوف ms183 بالوعد والوعيد وأنذر العذاب الأليم . PageV01P349 | # | 1 ( مسألة ما السبب في أن الخطيب على المنبر وبين السماطير وفي يوم ~~المحفل ) 1 # - يعتريه من الحصر والتتعتع والخجل في شيء قد حفظه وأتقنه ووثق بحسنه ~~ونقائه أتراه ما الذي يستشعر حتى يضل ذهنه ويعصيه لسانه ويتحير باله ويملك ~~عليه الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن انصراف النفس بالفكر ~~إلى جهة من الجهات يعوقه عن التصرف في غيرها من الجهات ولذلك لا يقدر أحد ~~أن يجمع بين الفكر في مسألة هندسية وأخرى نحوية أو شعرية . | بل لا يتمكن ~~أحد من تدبير أمر دنيوي وآخر أخروي في حال واحدة . | ومن تعاطى ذلك فإنما ~~يقطع لكل واحد جزءا من الزمان وإن قل . | فأما أن يكون زمان هذا هو بعينه ~~زمان هذا فلا . | وإنما عرض لنا هذا - معاشر الناس - لأجل التباسنا ~~بالهيولى واستعمال النفس للمادة والآلة . | والأمر في ذلك واضح بين مشاهد ~~بالضرورة . | ولما كان الفكر يوم الحفل منصرفا إلى ما ينصرف إليه من الناس ~~عيب إن وجدوا وتقصير إن حفظوا - اشتغل الإنسان بتخوف هذه الحال وأخذ الحذر ~~منها فكان هذا عائقا عن الأفعال التي تخص هذا المكان . | وهذا الاضطراب من ~~النفس هو الذي يجعل الآلات مضطربة حتى تحدث فيها حركات مختلفة على غير نظام ~~أعني التتعتع وما أشبهه وذلك أن مستعمل الآلة . PageV01P350 إذا اضطرب تبعه ~~اضطراب آلته لا محالة . | # | مسألة ما السبب في خجل الناظر إليه ، وحياء الواقف عليه # ، خاصة إذا كان منه بسبب وضمهما نسب ورجعا إلى حال جامعة ومذهب مشترك وما ~~الفاصل من المنظور إليه إلى الناظر وما الواصل من المتكلم إلى السامع حتى ~~يغضي طرفه حياله ويسد أذنه . | هذا شيء قد شاهدته بل قد دفعت إليه . | ~~وإنما التأمت المسألة بالحادثة لأن التعجب تمكن والاستطراف ثبت إلى أن وقف ~~على السبب الجالب والأمر الغالب . | وعند ظهور العلة يثبت الحكم وبانكشاف ~~الغطاء ينقطع ولوع المستكشف . | فسبحان من له هذه اللطائف المطوية وهذه ~~الخبيئات الملوية عن العقول الزكية والأذهان الذكية . | الجواب : قال أبو ~~علي ms184 مسكويه - رحمه الله : ينبغي أن نعيد ذكر السبب في الحياء والخجل ذكرا ~~مجملا فنقول : إن الحياء هو انحصار يلحق الناس خوفا من قبيح . | فإذا كان ~~هذا هو الحياء فإن الإنسان إذا كان بسبب من المتكلم PageV01P351 لحق نفسه ~~من العارض قريب مما يلحق المتكلم لأنه يخشي من وقوع أمر قبيح منه أو كلام ~~يعاب عليه مثل ما يخشاه المتكلم . | وقد كنا أومأنا فيما سبق إلى أن النفس ~~واحدة وإنما تتكثر بالمواد . | ولولا ذلك لما كان لأحد سبيل إلى أن ينقل ما ~~في نفسه إلى نفس غيره بالإفهام وفيما مر من ذلك فيما مضى كفاية لأن ما ~~يحتاج إليه ههنا هو أن يظهر أن القبيح الذي يختص بزيد يعم عمرا أيضا من جهة ~~وإن كان عمرو غريبا من زيد فكيف إذا ضمه وإياه سبب أو نسب . | وليس يحتاج ~~أن ينفصل من المنظور إلى الناظر شيء لأن أفعال النفس وآثارها لا تكون على ~~هذه الطريقة الحسية والجسمية لا سيما واستشعار كل واحد من المتكلم والسامع ~~استشعار واحد في تخوف القبيح والحذر من الزلل والخطأ فإن هذا الاستشعار ~~يعرض منه الحياء والخجل كما قلنا . | ومتى غلب على ظن السامع أن المتكلم ~~يسيء ويزيغ صار خوفه وحذره يقينا أو شبيها باليقين فعظم العارض له من ~~الحياء حتى يلحقه ما ذكرت من الحركة المضطربة . | وكذلك حال المتكلم إذا لم ~~يثق بنفسه أو لم تكن له عادة بالوقوف في ذلك المقام والكلام فيه فإن حذره ~~يشتد وحياءه يكثر وبزيادة الحياء يزداد الاضطراب ويمتنع القدر من الكلام ~~الذي تسمح به النفس عند توفر قوتها واجتماع بالها وسكون جأشها وهدوء حركتها ~~. PageV01P352 | # | مسألة ما علة كراهية النفس الحديث المعاد # وما سبب ثقل إعادة الحديث على المستعاد وليس فيه في الحال الثانية إلا ما ~~فيه في الحالة الأولى فإن كان فارق بينهما فما هو . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إن النفس تأخذ من الأخبار المستطرفة والأحاديث ~~الغريبة عندها شبيها بما يأخذه من أقواته وما حصلته النفس من المعارف ~~والعلوم ms185 فإعادته عليها بمنزلة الغذاء من الجسم الذي اكتفى منه . | فإذا ~~أعيد عليه غذاء هو الأول ثقل عليه واستعفى منه . | فكذلك حال النفس في ~~المعارف . | وينبغي أن تؤخذ هذه الأمثلة التي أوردتها عن الأجسام على ما ~~ليس بالجسم أخذا لطيفا لا يحصل منه ظل في تلك الأمور الشريفة فيفسد على ~~الإنسان تخيله ويذهب وهمه منه مذهبا غير لائق بالمعنى المقصود . | وأرجو أن ~~يكفي الناظر في المسائل ما حددته فإني إنما أجبت من له قدم في هذه العلوم ~~وتحرم بها . | وينبغي لمن لم تكن له هذه الرتبة ان يرتاض أولا بهذه العلوم ~~ارتياضا جيدا ثم ينظر في هذه الأجوبة إن شاء الله . | # | مسألة # سألني سائل فقال : هل يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى - بما يأباه ~~العقل ويخالفه ويكرهه ولا يجيزه كذبح الحيوانات وكإيجاب الدية على العاقلة ~~؟ PageV01P353 | وقد جهزت المسألة إليك ووجهت أملي في الجواب عنها نحوك . | ~~وأنت المدخر لغريب العلم ومكنون الحكمة . | فإن تفضلت بالجواب وإلا عرضت ~~عليك ما قلت للسائل ورويت ما دار بيني وبين المجادل فإن كان سديدا عرفتنيه ~~وإن كان ضعيفا نصحتني فيه . | فالعلم بعيد الساحل عميق الغور شديد الموج . ~~| ولولا فضل الله العظيم على هذا الخلق الضعيف لما وقف على شيء ولا نظر في ~~شيء لكنه لطيف بعباده رءوف يبتدىء بالنعمة قبل المسألة وبالخير قبل التعرض ~~. | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : ليس يجوز أن ترد الشريعة من ~~قبل الله - تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ولكن الشاك في هذه المواضع لا ~~يعرف شرائط العقل وما يأباه . | فهو - أبدا - يخلطه بالعادات ويظن أن تأبى ~~الطباع من شيء هو مخالفة العقل . | وقد سمعت كثيرا من الناس يتشككون بهذه ~~الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته . | وينبغي أن نوطىء ~~للجواب توطئة من كلام نبين فيه الفرق بين ما يأباه العقل وبين ما يأباه ~~الطبع ويتكرهه الإنسان بالعادة فنقول : إن العقل إذا أبى شيئا فهو أبدى ~~الإباء له لا يجوز أن يتغير في وقت ولا يصير بغير تلك ms186 الحال . | وهكذا جميع ~~ما يستحسنه العقل أو يستقبحه . | وبالجملة فإن جميع قضايا العقل هي أبدية ~~واجبة على حال واحدة أزلية لا يجوز أن يتغير عن حاله . | وهذا أمر مسلم غير ~~مدفوع ولا مشكوك فيه . | فاما أمر الطبع والعادة فقد يتغير بتغير الأحوال ~~والأسباب والزمان والعادات . | وأعني بقولي الطبع طبع الحيوان والإنسان لا ~~الطبيعة المطلقة الأولى . | وذاك أن اسم الطبيعة مشترك . | فقد بينا ما ~~أردنا بالطبع . | وإذا كان ذلك بينا PageV01P354 من الأمثلة والأحوال المقر ~~فإنا نعود فنقول : إذا ذبح الحيوان ليس من الأشياء التي يأباها العقل ~~وينكرها بل هو من القبيل الآخر أعني من الأشياء التي يأباها بعض الطباع ~~بالعادة . | ونحن نشاهد من يأبى قتل الحيوان لأن عادته لم تجر به ومتى جرت ~~به عادته هان عليه وسهل فعله وجرى مجرى سائر الأفعال عند أصحابه . | وأنت ~~ترى القصاب والجزار بل مشاهدي الحروب يهون عليهم ما يصعب على غيرهم . | ~~وأيضا فإن الحيوان الذي يألم بمرض لا يعرف علاجه إذا أشفق عليه العاقل وكره ~~مقاساته لما لا علاج له يأمر بذبحه ليكون خلاصة في الموت الوحي . | أفترى ~~العقل الذي أمر بذبحه يستحسن ما كان مستقبحا له أم تغير فعله الأبدي بطارىء ~~طرأ وحادث حدث مع اعترافنا بأن العقل ليس من شأنه ذلك لأنه جوهر أبدي ~~وجوهره هو حكمه ولذلك هو أبدي الحكم . | فإننا لا نظن بأن حكم العقل على ~~العدد والهندسة وسائر البراهين الطبيعية تغير عما كان عليه منذ عشرة آلاف ~~سنة أو يتغير إلى مثل هذا الزمان أو أكثر أو أقل بل نثق بأنه أبدا كان ~~ويكون على وتيرة واحدة . | فأما الأمور التي تستقبح مرة وتستحسن أخرى ~~وتتأبى تارة وتتقبل ثانية فإنما لها أسباب أخر غير العقل المجرد . | فإن ~~السياسات أبدا يعترض فيها ذلك وأمراض الأبدان والأمور PageV01P355 [ غير ] ~~الأبدية كلها - أبدا - معرضة للتغير ويتغير الحكم بتغيرها بل لا يجوز أن ~~تبقى لازمة بحال واحدة لأنها أبدا في السيلان والدثور للزوم الحركة إياها . ~~| والحركة نفسها هي تغير الأشياء المتحركة إذ كلها متغيرة . | وكذلك ms187 الزمان ~~وما تعلق به هو يتغير بتغيره . | وما يعرض للإنسان من كراهية ذبح الحيوان ~~إنما هو لمشاركته إياه في الحيوانية ويخطر بباله عند مكروه ينال البهيمة أن ~~مثل ذلك المكروه سيناله لمشاركته إياه في الحيوانية فيحدث له من النفور عند ~~هذا الخاطر ما يحدث لكل حيوان إذا تصور مكروها حتى إذا أنس بذلك الفعل زال ~~عنه ذلك النفور وصار الذبح والتقصيب يجري عنه مجرى برى القلم ونحت الخشب ~~وكذلك حال من شاهد الحروب - وأنس بها عند العراء المستوحش منها . | وههنا ~~حال أخرى أبين مما ذكرته وهي أن العقل قد حسن عند الإنسان إذا حصل في مكروه ~~غليظ من الأعداء كمن يرى في أهله وولده ما لا يطيق مشاهدته - أن يبذل نفسه ~~للقتل ويجتاز الموت الجميل على الحياة القبيحة . | وهذه الرخصة من العقل ~~مستمرة في كل حال يقبح بالإنسان ان يعيش فيها . | أعني أن يختار الموت ~~عليها . PageV01P356 | فالجواب إذن عن أمثال هذه المسائل أن يقال : إن ~~العقل لا يستحسن ولا يستقبح شيئا منها إلا بقرائن وشرائط . | فأما هذا ~~الفعل بعينه وحده فلا يتأباه ولا يتقبله أعني لا يحكم فيه بحكم أبدي أولى ~~كأحكامه التي عرفناها وأحطنا بها . | وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف ~~بالخير والشر فإن كثيرا من الجهال يعتقد أن الأشياء كلها منقسمة إلى هذين . ~~| وليس الأمر كذلك . | فإن اليسار والتمكن من الدنيا ليس بخير ولا شر حتى ~~ينظر في ماذا يستعمله صاحبه : فإن استعمل يساره وماله في الأشياء التي هي ~~خير فإن يساره خير وإن استعمله في الشر فهو شر . | وكذلك كل شيء كان صالحا ~~للشيء ولضده فليس يطلق عليه أنه واحد منهما بل الأولى أن يقال : إنه يصلح ~~لهما جميعا كالآلات التي يصلح بها ويفسد فإن الآلات لا توصف بأنها مصلحة ~~ولا مفسدة ولا تسمى أيضا بالصلاح والفساد إلا بعد أن تستعمل . | فهكذا يجب ~~أن يقال في الأمور التي تستحسن أو تستقبح في أحوال وبحسب عادات إنها ليست ~~حسنة عند العقل ولا قبيحة على الإطلاق حتى يتبين واضعها ms188 ومستعملها وزمانها ~~فإن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم حس لما فيه من حياة الناس وإذا وقع عليه ~~اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحا لما فيه من تلف الحيوان . ~~PageV01P357 | وقد خرجت في هذه المسألة عن عادتي في هذا الكتاب من الاختصار ~~والإيماء إلى النكت لكثرة ما أسمعه من جهال المانوية ومن اغتر بأمثلتهم ~~وجنح إلى أقاويلهم مصدقا بالخديعة التي خلصوا بها إلى قلوب الأغمار من ~~الناس حتى عدلوا بهم عن الشرائع الصحيحة . | ولو أن واحدا منهم سئل عن ~~القبيح والحس مطلقا أو مقيدا لما عرفه إلا على سبيل الاختلاط . | على انه ~~لا يمتنع كل عاقل منهم إذا رأى حيوانا يضطرب ويطول ذماؤه في قروح خارجه به ~~أو قولنج قد يئس من برئه أو مهواه تردى فيها فتكسر منها - أن يشير بذبحه ~~وإن لم يتول ذلك بنفسه . | ولعل ضروبا من المكاره تلحق الحيوان إذا طال ~~عمره ليست بدون ما ذكرناه خلاصه منها بالموت الوحي لو فطن له . PageV01P358 ~~| وإنما لا يتولى الذبح بنفسه ويشير على غيره به لأجل العادة والاستشعار ~~الذي لزمه . | ولو أن هذا العاقل منهم بلى بسلطان يعذبه عذابا يريد به ان ~~يأتي على نفسه في زمان طويل ليذيقه العذاب لبادر إلى الحكم بما يأباه قبل ~~وتناول سم ساعة أو سأل أن يراح من الحياة . | فكيف يكون المكروه مختارا ~~محبوبا والمستقبح مستحسنا من جهة العقل لولا ما ذكرناه . | فقد ظهر الجواب ~~عن هذه المسألة وتبين أن كل ما كان قبيحا في وقت دون وقت لا يجوز ان ينسب ~~إلى العقل المجرد وإلى أحكامه الأولية PageV01P359 الأزلية . | بل لا يقال ~~فيه إنه قبيح ولا حسن على الإطلاق . | وإنما ينسب إلى الطباع والعادات ثم ~~يقال قبيح بحسب كيت وكيت وحسن لكذا وكذا مقيدا غير مطلق ولا منسوب إلى ~~العقل المجرد . | فأما الدية التي على العاقلة فقد تكلم الناس في وجه ~~السياسة بها . | ووجه حسنها بين لا سيما والمسألة المتقدمة قد أوضحتها ~~وبينت وجه الصواب في أمثالها من الشبه . | # | 1 ( مسألة ) 1 # قال ms189 أحمد بن عبد الوهابفي جواب أبي عثمان الجاحظ عن التربيع والتدوير : ~~لا يقدر أحد أن يكذب كذبا لا صدق فيه من جهة من الجهات وهو يقدر أن يصدق ~~صدقا لا كذب فيه من جهة من الجهات . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : إن كان الصدق والكذب إنما يقعان في الخبر خاصة والخبر الذي يسميه ~~المنطقيون : القول الجازم وهو الذي تقع فيه الفوائد . | وكانت أقسامه هي ~~التي تكلم عليها أهل هذه الصناعة - فإن الخبر قد يكون كذبا محضا كما يكون ~~صدقا محضا . | وإن كان ذهب أحمد بن عبد الوهاب في الصدق والكذب إلى غير ما ~~عرفه هؤلاء وتكلموا عليه فإني غير محصل له ولا متكلم عليه . PageV01P360 | # | 1 ( مسألة ) 1 # ذكرت في هذه المسألة مسألة ذكرها أبو زيد البلخي حاكيا ومر أيضا بجوابها ~~راويا قال أبو زيد الفلسفي البلخي : قيل لبعض الحكماء ما معنى سكون النفس ~~الفاضلة إلى الصدق ونفورها عن الكذب فقال : العلة في ذلك كيت وكيت . | ~~الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إنما تسكن النفس الفاضلة إلى ما ~~كان من الخبر مقبولا إما بوجوب مما اقتضاه دليل من برهان أو إقناع قوى وما ~~لم يكن كذلك فإن النفس - لا محالة - ترده وتأباه . | وأظن صاحب المسألة ~~إنما أراد من هذه المسألة : كيف صارت النفس تسكن إلى الحق بالقول المرسل ~~فالجواب : أن النفس إنما تتحرك حركتها الخاصة بها - أعني إجالة الروية - ~~طلبا للحق لتصيبه . | ولولا طلبها لما تحركت ولولا حركتها هذه لما كانت حية ~~تفيد الجسم أيضا الحياة . | فالنفس بهذه الحركة الدائمة الذاتية حية . | بل ~~الحياة هي هذه الحركة من النفس وهي ذاتية لها كما قلنا . | وأنت تعرف ذلك ~~قريبا من انك لا تقدر ان تعطلها من الروية والفكر لحظة واحدة لأنها - أبدا ~~- إما مروية جائلة في المحسوس أو مروية جائلة في المعقول بلا فتور أبدا . | ~~وكذلك هي دائمة الحركة . | وهذه الحركة إنما هي تلقاء أمر ما . | أعني به ~~إصابة الحق فإذا أصابته سكنت من ذلك الوجه . | ولا تزال PageV01P361 تتحرك ms190 ~~حتى تصيب الحق من الوجوه التي تمكن إصابته منها . | فإذا أصابته سكنت لأن ~~غاية كل متحرك أن يسكن عند بلوغه الغاية التي تحرك إليها . | ولعلك تقف من ~~هذا الإيماء على غور بعيدا جدا . | أعانك الله - تعالى - عليه بلطفه . | لم ~~صار الحيوان يتولد في النبات ولا يتولد النبات في الحيوان أي قد تتولد ~~الدودة في الشجرة ولا تنبت شجرة في حيوان . | فلم لم يجب . | الجواب : قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن الحيوان يحتاج في وجوده إلى وجود النبات ~~والنبات لا يحتاج في وجود إلى وجود الحيوان . | والسبب في ذلك أن الحيوان ~~أكثر تركيبا من النبات لأنه مركب منه ومن جواهر أخر أعني النفس الحيوانية ~~ولذلك يكون الحيوان في أول تكونه نباتا ثم تحصل من بعد حركة الحيوان . | ~~وحصول أثر النفس في الإنسان إنما يكون بعد أن تستتم في الرحم صورة النبات . ~~| ويكون استمداده الغذاء به هناك بعروق متصلة برحم أمه شبيهة بعروق النبات ~~حتى إذا استكمل أيضا صورة الحيوان وحصلت له النفس الحيوانية تقطعت تلك ~~العروق وهو الطلق الذي يلحق الأم ويحرك الولد للخروج . | فإذا خرج وتنفس في ~~الهواء فتح فمه واغتذى به . | ولا يزال تكمل فيه صورة الحيوان إلى أن يقبل ~~أثر النفس الناطقة ثم يكمل بها ويصير إنسانا بقدرة الله - تعالى ولطف حكمته ~~جل اسمه PageV01P362 فالنبات كما ذكرنا أبسط وأقدم أعني أنه لا يحتاج في ~~وجوده إلى وجود الحيوان . | فهو يكتفي بمادته من الأرض والهواء والماء ~~والحرارة التي تأتيه من الشمس حتى يتم ويحصل وجوده . | فأما الحيوان فلا ~~يكتفي بتلك الأشياء حتى تنضاف إليها مادة أخرى تغذوه إذ كان لا يكتفي ~~بالبسائط من الماء والأرض والهواء ويحتاج إلى النبات حتى يغذوه ويكمل وجوده ~~ويحفظ عليه قوامه . | فإذا كان وجوده وقوامه بالنبات جاز أن يتولد فيه . | ~~ولما كان وجود النبات يتم بغيره ولا يحتاج إليه لم يتولد فيه . | ولو تولد ~~النبات في الحيوان - مع أنه لا يغذوه ولا يحتاج إليه والطبيعة لا تفعل شيئا ~~باطلا ولا لغوا - لأفسد الحيوان ms191 وفسد هو في ذاته : أما إفساده الحيوان ~~فلحاجته إلى ما يصرف فيه عروقه التي يمتص بها مادته التي تحفظ عليه ذاته ~~وتعوضه مما يتحلل منه ومتى ضروب عروقه في بدن الحيوان تفرق اتصاله وفي تفرق ~~اتصال بدن الحي هلاكه . | وأما هلاكه في نفسه وفساده فلأنه لا يجد الماء ~~البسيط والأرض البسيطة والهواء الذي منه قوامه ومادته فإن الحيوان لا توجد ~~فيه هذه البسائط بالفعل . وهذا كاف في هذه المسألة . PageV01P363 | # | 1 ( مسألة ما سبب تساوي الناس في طلب الكيمياء ) 1 # حتى إنك لتجد الغني في غناه والمتوسط في توسطه والفقير في فقره على شيمة ~~واحدة وما هو أولا وهل له حقيقة فقد طال خوض الخائضين فيه وكثر كلام الناس ~~عليه واصطرع الحق والباطل والخطأ والصواب والإحالة فيه . | فكأن الذي يثبته ~~غير متحقق به والذي يدفعه غير ساكن إلى دفعه وإبطاله . | هذا وقد تمت من ~~الناس به حيل على الناس . | ومتى وقفت على هذه المسألة وقفت من الحقائق على ~~غيب شريف ومعنى لطيف . | وهل ما يعزى إلى جابر بن حيان حق ولم يسند لخالد ~~بن PageV01P364 يزيد أصل وهل يسلم مثل هذا النوع في الموضوع المختلق ~~والمفتعل المخترق ؟ PageV01P365 وإذا اشتبه الأمر هذا الاشتباه كيف نخلص ~~إلى ما يرفع الريب ويؤيد اليقين فقد رأيت ورأينا ناسا اختلفت بهم أحوال ~~وتقلبت عليهم أمور بتصديق هذا الباب وتكذيبه . | وأطرف ما رأى فيه حلاوة ~~الحديث وخلا به المتحدث بذكره وميل النفوس إليه حتى إن المكذب ليفرغ له ~~باله ويصغي أذنه ويخلي ذهنه من غير أن يحلى بطائل أو يحظى بنائل . | الجواب ~~: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما سبب طلب الناس الكيمياء فظاهر بين ~~وهو أنهم حريصون على جميع المتع والشهوات المختلفة في المأكل والمشرب ~~والمنكح والنزه التي تقتسم بين الحواس . | ومحبة الاستكثار والاستبداد ~~والنهم على الجمع والادخار شيء في الطبيعة . | وليس يوصل إلى جميع ذلك إلا ~~بالذهب والفضة لأنهما بإزاء جميع المآرب على اختلافها . | وكل إنسان يعلم ~~أنه متى حصلهما أو واحدا منهما فقد حصل جميع ms192 المآرب على كثرتها متى هم بها ~~وأرادها . | ومع ذلك فهو يعدها ذخرا لولده ولأوقات شدته التي تلحقه من ~~فجائع الدنيا ومحنها . | فبهذين الحجرين يتوصل إلى جميع ما ذكرناه ويدفع ~~جميع الشر والمحن أيضا بهما . | فهذا سبب طلب الناس لهما وحرصهم عليهما . | ~~وليس يوصل إليهما إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال وتجشم الأعمال ~~الصعبة وغير ذلك . | ثم هما معرضان للآفات والمتسلطين وأهل العيث وهما من ~~هذه الجهة PageV01P366 إن صحت أسهل شيء وأهونه . | وإذا بحثنا عن هل هو ~~وجدنا الأمر فيه مشكلا يحتاج فيه إلى أخذ مقدمات كثيرة طبيعية وصناعية . | ~~وينبغي أن نورد شكوك الناس في تلك المقدمات واحتياج من يروم حلها من مثبتي ~~الصناعة فقد أكثروا في ذلك . | ثم نروم نحن النظر فيها . | وقد اختلفت ~~المتقدمون من الفلاسفة في ذلك والمتأخرون . | وآخر من تكلم على بطلان ~~الكيمياء وإبطال دعاوي أصحابها يوسف بن إسحاق الكندي وكتابه مشهور في ذلك . ~~| ورد عليه محمد بن زكريا الرزي وكتابه معروف . | ثم قد شاهدنا في أهل ~~عصرنا جماعة يثبتون هذه الصناعة والأكثر يبطلونها . PageV01P367 | ورد عليه ~~محمد بن زكريا الرازي ، وكتابه معروف . فأما المتكلمون وطبقاتهم من أصناف ~~الناس فمجمعون على إبطالها لأنهم يزعمون أن في ذلك إبطال معجزات الأنبياء - ~~صلوات الله عليهم - إذ كان ما يدعونه قلب الأعيان وهو لا يصح عندهم إلا على ~~يد نبي حسب . | وإن الله - عز وجل - هو القادر على قلب الأعيان دون مخلوقية ~~. | ولكل حجج وسننظر فيها نظرا شافيا ونورد أقاويل الجميع ويكون بحثنا عن ~~ذلك بحث من قصده تعرف الحق دون الثمرة المرجوة من الكيمياء فإن هذا هو غاية ~~من يتفلسف في نظره وبحثه ولا نبالي بعد ذلك صح أم بطل لئلا تدعونا محبة ~~صحته ورجاؤنا إلى إثباته بخديعة النفس للهوى أو نفيه على طريق العصبية . | ~~وفي هذا النظر طول لا يحتمله هذا الكتاب مع ما شرطنا فيه من الإيجاز ولكن ~~سنفرد له مقالة كما فعلنا ذلك في مسألة العدل لما طال الكلام فيها أدنى طول ~~. | وإذا فعلنا هذا في المقالة التي ms193 وعدنا بها نظرنا : فإن صحت لنا هليته ~~أتبعناها بالنظر في المائية وإن بطل الأول بطل الثاني لا محالة . ~~PageV01P368 | # | 1 ( مسألة ) 1 # قال أحمد بن عبد الوهاب في جواب التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ ما ~~الفرق بين المستبهم والمستغلق وهذا بين الجواب ولكني سقته ههنا لكيت وكيت . ~~| الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : المستبهم من الأمور مرتبة ~~زائدة على المستغلق يدلك على ذلك الاشتقاق فإن الاشتقاق ملائم للمعاني ~~موافق لها لأن صاحبه إنما يشتق لكل وليس يظن هذا بالميز منا فكيف بواضع ~~اللغة . | ولما كان الغلق إنما يكون للباب وما أغلق منه يرجى فتحه كذلك ~~يكون حال ما شبه له واشتق له اسم منه أو تصريف . | وأما المستبهم فلا يقال ~~في الباب أبهمته إلا إذا تجاوزت حد الغلق إلى السد وما يجري مجراه فالطمع ~~فيه أقل . | فهذه حال المسائل والأمور المستغلقة المستبهمة تشبيها بالأبواب ~~التي ذكرنا أحوالها . | # | 1 ( مسألة ) 1 # حضرت مجلسا لبعض الرؤساءفتدافع الحديث بأهله على جده وهزله فتحدى بعضهم ~~الحاضرين وقال : والله ما أدري ما الذي سوغ للفقهاء أن يقول بعضهم في فرج ~~واحد : هو حرام ويقول الآخر فيه بعينه : هو حلال . PageV01P369 | والفرج ~~فرج وكذلك المال مال . | نعم وكذلك في النفس وما بعدها : كلام : هذا يوجب ~~قتل هذا وصاحبه يمنع من قتله . | ويختلفون هذا الاختلاف الموحش ويتحكمون ~~التحكم القبيح ويتبعون الهوى والشهوة ويتسعون في طريق التأويل . | هذا وهم ~~يزعمون أن الله - تعالى - قد بين الأحكام ونصب الأعلام وأفرد الخاص من ~~العام ولم يترك رطبا ولا يابسا إلا أودع كتابه وضمن خطابه . | وهذه مسألة ~~ليس يجب أن يكون مكانها في هذه الرسالة لأنها ترد على الفقهاء أو على ~~المتكلمين الناصرين للدين . | لكني أحببت أن يكون في هذا الكتاب بعض ما يدل ~~على أصول الشريعة . | وإن كان جل ما فيه منزوعا من الطبيعة ومأخوذا من علية ~~الفلاسفة وأشياخ التجربة وذوى الفضل من كل جنس ونحلة . | وعلى الله - تعالى ~~- بلوغ الإرادة والسلامة من طعن الحسدة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه ms194 الله : أما قول الفقهاء : إن الله - تعالى - بين الأحكام ونصب الأعلام ~~ولم يترك رطبا ولا يابسا إلا في كتاب مبين - فكلام في غاية الصدق ونهاية ~~الصحة . | وكيف لا يكون كذلك وأنت لا تقدر أن تأتي بحكم لا أصل له من ~~القرآن من تأويل يرجع إليه أو نص ظاهر يقطع عليه ثم لا يخلو مع ذلك من ~~إنباء بغيب وإخبار عما سلف من القرون ومثل لما نوعد به وإشارة إلى ما ننقلب ~~إليه وتنبيه على ما نعمل به من سياسة دنيا ومصلحة آخرة . PageV01P370 فأما ~~الذي سوغ للفقهاء أن يقولوا في شيء واحد إنه حلال وحرام فلأن ذلك الشيء ترك ~~واجتهاد الناس فيه لمصلحة أخرى تتعلق على هذا الوجه بالناس وذاك أن ~~الاجتهاد لا يكون في الأحكام متساويا أعني أنه لا يؤدي إلى أمر واحد كما ~~يكون ذلك في غير الأحكام من الأمور الواجبة . | وبيان هذا أن كل من اجتهد ~~في إصابة الحق في أن الله - تعالى - واحد فطريقه واحد وهو - لا محالة - ~~يجده إذا وفي النظر حقه فإن عدل عن النظر الصحيح ضل وتاه ولم يجد مطلوبه ~~واستحق الإرشاد أو العقوبة إن عاند . | وليس كذلك الإجتهاد في الأحكام لأن ~~بعض الأحكام يتغير بحسب الزمان وبحسب العادة وعلى قدر مصالح الناس لأن ~~الأحكام موضوعة على العدل الوضعي . | وربما كانت المصلحة اليوم في شيء وغدا ~~في شيء آخر وكانت لزيد مصلحة ولعمر مفسدة . | وعلى أن الاجتهاد الذي يجري ~~مجرى التعبد واختيار الطاعة أو لعموم المصلحة في النظر والإجتهاد نفسه لا ~~في الأمر المطلوب - ليس يضر فيه الخطأ بعد أن يقع فيه الإجتهاد موقعه مثال ~~ذلك أن المراد من ضرب الكرة بالصولجان إنما هو الرياضة بالحركة فليس يضر أن ~~يخطىء الكرة ولا ينفع أن يصيبها وإن كان الحكم قد أمر بالضرب والإصابة لأن ~~غرضه كان في ذلك وكذلك إن دفن حكيم في برية دفينا وقال الناس : اطلبوه فمن ~~جده فله كذا . | وكان غرضه في ذلك أن يجتهد الناس مقادير اجتهادهم ليكون ~~ذلك الطلب عائدا ms195 لهم بمنفعة أخرى غير وجود الدفين . | فإنه لا يضر أيضا في ~~ذلك أن يخطىء الدفين ولا ينفع أن يصيبه . | وإنما الفائدة في السعي والطلب ~~وقد حصلت للطائفتين جميعا . PageV01P371 | أعني الذين وجدوه والذين لم ~~يجدوه . | وأصناف الاجتهادات والنظر الذي يجري هذا المجرى كثيرة فمن ذلك ~~كثير من مسائل العدد والهندسة وسائر الموضوعات ليس غرض الحكماء فيها وجود ~~الغرض الأقصى من استخراج ثمرتها وإنما مرادهم أن ترتاض النفس بالنظر وتتعود ~~الصبر على الروية والفكر إذا جريا على منهاج صحيح ولتصير النفس ذات ملكة ~~وقنية للفكر الطويل ومفارقة الحواس والأمور الجسمية فإذا حصلت هذه الفائدة ~~فقد وجد الغرض الأقصى من النظر . | فما كان من الشرع متروكا غير مبين فهو ~~ما جرى منه هذا المجرى وكان الغرض فيه والمصلحة منه حصول النظر والاجتهاد ~~حسب . | ثم ما أدى إليه الاختلاف كله صواب وكله حكمة . | وليس ينبغي أن ~~يتعجب الإنسان من الشيء الواحد أن يكون حلالا بحسب النظر الشافعي وحراما ~~بحسب نظر مالك وأبي حنيفة فإن الحلال والحرام في الأحكام والأمور الشرعية ~~ليس يجري مجرى الضدين أو المتناقضين في الأمور الطبيعية وما جرى مجراها لأن ~~تلك لا يستحيل أن يكون الشيء الواحد منها حلالا وحراما بحسب حالين أو شخصين ~~أو على ما ضربنا له المثل من ضرب الكرة بالصولجان ووجود دفين الحكيم على ~~الوجه الذي اقتصصناه . | وإذا كان الأمر كذلك فينبغي للعاقل إذا نظر في شيء ~~من أحكام الشرع وكان صاحب اجتهاد له أن ينظر - أعني أنه يكون عالما بالقرآن ~~وأحكامه وبالأخبار الصحيحة والسنن المروية والاجتماعات الصحيحة - أن يجتهد ~~في النظر ثم يعمل بجسب اجتهاده ذلك . PageV01P372 | ولغيره إذا كان في مثل ~~مرتبته من المعرفة أن يجتهد ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده وإن كان مخالفا ~~للأول واثقا بأن اجتهاده هو المطلوب منه ولا ضرر في الخلاف اللهم إلا أن ~~يكون ذلك الأمر المنظور فيه من غير هذا الضرب الذي حكيناه وضربنا له ~~الأمثال . | مثل الأصول التي غاية النظر فيها هو إصابة الحق لا غير فإن هذا ~~مطلب ms196 آخر وله نظر لا بد أن يؤدي إليه . | وكما أن الرياضة المطلوبة بصرب ~~الصولجان وإصابة الكرة إنما كانت لأجل الصحة ثم لم يضر بعد حصول الرياضة ~~التي حصلت بها الصحة كيف جرى الأمر في الكرة : أصبناها أم أخطأناها فكذلك ~~الحال في الوجه الآخر . | أعني الذي لا بد من إصابة الحق فيه بعينه فإن ~~مثله مثل الفصد الذي لا بد في طلب الصحة من إصابته بعينه وإخراج الدم دون ~~غيره ولا ينفع منه شيء غيره . | وإذا حصلت هذين الطريقين من النظر ~~وأعطيتهما قسطهما من التمييز لم يعرض لك العجب فيما حكيته من مسألتك وخرج ~~لك الجواب عنها صحيحا إن شاء الله . | # | 1 ( مسألة لم إذا عرفت العامة حال الملك في إيثار اللذة وانهماكه على ~~الشهوة ) 1 # واسترساله في هوى النفس استهانت به وإن كان سفاكا للدماء قتالا للنفوس ~~ظلوما للناس مزيلا للنعم وإذا عرفت منه العقل والفضل والجد هابته وجمعت ~~أطرافها منه ما شهادة الحال في هذه المسألة فإن جوابها يشرح علما فوق قدر ~~المسألة . PageV01P373 | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن ~~الملك هو صناعة مقومة للمدنية حاملة للناس على مصالحهم من شرائعهم ~~وسياساتهم بالإيثار وبالإكراه وحافظة لمراتب الناس ومعايشهم لتجري على أفضل ~~ما يمكن أن تجري عليه . | وإذا كانت هذه الصناعة في هذه الرتبة من العلو ~~فينبغي أن يكون صاحبها مقتنيا للفضائل كلها في نفسه فإن من لم يقوم نفسه لم ~~يقوم غيره فإذا تهرب في نفسه بحصول الفضائل له أمكن أن يهذب غيره . | وحصول ~~فضائل النفس يكون أولا بالعفة التي هي تقويم القوة الشهوية حتى لا تنازع ~~إلى ما لا ينبغي وتكون حركتها إلى ما يجب وكما يجب وعلى الحال التي تجب . | ~~وثانيا تقويم القوة الغضبية حتى تعتدل هذه القوة أيضا في حركتها فيستعملها ~~كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الحال التي تنبغي ويعدلها في طلب الكرامة ~~واحتمال الأذى والصبر على الهوان بوجه وجه والنزاع إلى الكرامة على القدر ~~الذي ينبغي وعلى الشرائط التي وصفت في كتب الأخلاق ms197 . | وإذا اعتدلت هاتان ~~القوتان في الإنسان فكانت حركتهما على ما يجب معتدلة من غير إفراط ولا ~~تقصير - حصلت له العدالة التي هي ثمرة الفضائل كلها . | وبحصول هذه الفضائل ~~تقوى النفس الناطقة وتستمر للإنسان الصورة الكمالية التي يستحق بها أن يكون ~~سائس مدينة أو مدير بلد . | ومتى لم تحصل هذه له فينبغي أن يكون مسوسا ~~بغيره مدبرا بمن يقومه ويعدله . | فأي شيء أقبح من عكس هذه الحال وإجرائها ~~على غير وجهها وطباع الإنسانية تأبى الاعوجاج في الأمور فكيف الانتكاس وقلب ~~الأشياء عن جهاتها . PageV01P374 فأما قولك : وإن كان الملك ذا بطش شديد ~~وعسف كثير بسفك الدماء وانتهاك الحرم فهذه حال تنقصه من شروط الملك ولا ~~تزيد فيه وهو بأن يسقط من عين رعيته أقرب إذ كانت شريطة الملك أن يستعمل ~~هذه الأشياء على ما ينبغي وعلى جميع الشرائط التي قدمت . | وهل هذا إلا مثل ~~طبيب يدعى أنه يبرى من جميع العلل ويتضمن بسلامة الأبدان على اختلاف ~~أمزجتها وحفظها على اعتدالاتها ثم إذا نظر يوجد مسقاما مختلف المزاج بسوء ~~التدبير . | ولما سئل وتصفحت حاله جد من سوء البصيرة وفساد التدبير لنفسه ~~بحيث لا ينتظر منه إصلاح مزاج بدنه فكيف لا يعرض من مثل هذا الضحك ~~والاستهزاء وكيف لا يستهين به من ليس بطبيب ولا يدعى هذه الصناعة إلا أنه ~~على سيرة جميلة في بدنه وسياسة صالحة لنفسه فإن اتفق لهذا المدعي أن يتغلب ~~ويتسلط ويستدعي من الناس أن يتدبروا بتدبيره فكيف لا يزداد الناس من النفور ~~عنه والضحك منه فهذا مثل صحيح مطابق للمثل به . | فينبغي أن ينظر فيه فإنه ~~كاف فيما سألت عنه إن شاء الله . | # | مسألة # لم صار من يطرب لغناء ويرتاح لسماع يمد ويحرك رأسه وربما قام وجال ورقص ~~ونعر صرخ وربما عدا وهام . | وليس هكذا من يخاف فإنه يقشعر ويتقبض ويواري ~~شخصه ويغيب أثره ويخفض صوته ويقل حديثه ؟ PageV01P375 | الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها كلامنا في سبب ~~السرور والغم حيث قلنا : إن ms198 النفس عند السرور تبسط الدم في العروق إلى ظاهر ~~البدن وإنها عند الغم تحصره وبانحصار الحرارة إلى عمق البدن وإلى منشئها من ~~القلب ما يكثر هناك البخار الدخاني ويبرزه إلى ظاهر البدن واشتقاق اسم الغم ~~يدل على معناه لأن القلب يلحقه ما يلحق الشيء الحار إذا غم فيمنع ذلك ~~الحرارة من الانتشار والظهور إلى سطح البدن ولذلك يتنفس الإنسان عند الغم ~~تنفسا شديدا كثيرا لحاجة القلب إلى هواء يخرج عنه الفضلة الدخانية التي فيه ~~ويجلب له هواء آخر صافيا ينمي الحرارة ويروحها كالحال في النار التي من ~~خارج . | وهاتان الحالتان متلازمتان أعني مزاج القلب وحركة النفس وذلك أنه ~~عرض للنفس انقباض غارت الحرارة من أقطار البدن إلى عمقه . | وإن اتفق لمزاج ~~البدن غؤور من الحرارة وانحصار إلى ناحية القلب انقبضت النفس لأن أحدهما ~~ملازم للآخر تابع له ولهذا ظن قوم أن النفس مزاج ما وظن آخرون أنها حال ~~تابعة لمزاج البدن . | والخمر وما يجري مجراها من الأشربة والأدوية التي ~~تبسط الحرارة بلطفها وتنميها وتنشرها إلى ظاهر البدن - يعرض منها السرور ~~والطرب والأدوية التي تبرد البدن وتقبض الحرارة يعرض منها ضد ذلك . | ~~PageV01P376 والمزاج السودوي معه - أبدا - الغم والمزاج الدموي معه - أبدا ~~- السرور . | وكما أن الأدوية والأغذية يعرض منها للمزاج هذا العارض وتتبعه ~~حركة النفس فكذلك الحديث والألحان وصوت الآلات من الأوتار والمزامير - تحرك ~~النفس أيضا ويتبع ذلك حركة مزاج البدن لإتصال المزاج بالنفس . | ولأنهما ~~متلازمان يؤثر أحدهما في الآخر ويتبع فعل أحدهما فعل الآخر . | # | 1 ( مسألة لم صار الكذاب يصدق كثيرا والصادق يذب نادرا وهل ينتقل إلف ~~الصدق إلى الكذب ) 1 # وهل يتحول إلف الكذب إلى الصدق أن يستحيل ذلك . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إن الصدق والكذب يجريان من النفس مجرى الصحة والمرض ~~لأن الصدق لها صحة ما والكذب مرض ما . | وأيضا فإن الصدق من الخبر يجري ~~مجرى الصحة والكذب منه يجري مجرى المرض . | فكما أن الصحة من الجسم أكثر من ~~المرض لأن المرض إنما يكون في عضو ms199 أو عضوين أو ثلاثة فكذلك الصحة في النفس ~~أكثر من المرض لأن المرض إنما يكون منها في قوة أو قوتين وفي خلق أو خلقين ~~. | وكما أن الجسم لو كثرت أمراض أعضائه أو لو توالت أمراض كثيرة على عضو ~~منه لأبطلته وأعدمته فكذلك النفس لو كثرت امراض قواها أو توالت أمراض كثيرة ~~على قوة واحدة لأهلكتها . | وإنما الاعتدال الموضوع لكل واحد من الجسم ~~والنفس هو الذي يحفظ PageV01P377 عليه وجوده فإن طرق واحدا منهما مرض في ~~بعض الأحوال حتى يخرجه عن اعتداله فإنما يكون ذلك في جزء من الأجزاء وقوة ~~من القوى ثم يكون ذلك زمانا يسيرا ويرجع بعد ذلك إلى الاعتدال الموضوع له . ~~| فأما إن توهم متوهم أن الأمراض تستولي على جميع أعضاء الجسم حتى لا يبقى ~~منه جزء صحيح أو تتوالى أمراض كثيرة في زمان طويل متصل على عضو واحد فإن ~~ذلك وهم باطل والدليل على ذلك أن القلب لما كان مبدأ الحياة الذي منه تسري ~~الحياة في جميع البدن صار محفوظا غاية الحفظ من الأمراض لأنه لو عرض له مرض ~~لسرى ذلك المرض في جميع أجزاء البدن سريعا وعرض منه التلف السريع والموت ~~الوحي . | وهذه حال النفس في اعتدالها ومرضها . | ولما كان الكذب يعطيها ~~صورة مشوهة أي صورة الشيء على خلاف ما هو به صار المعطي والمعطي مريضين به ~~ولذلك لا يتكلف أحد ذلك ولا يتعمده إلا لضرورة داعية أو لأنه يظن بذلك ~~الكذب أنه نافع له أيضا كما ينفع السم الجسم في بعض الأحوال فيتجشم هذه ~~السماجة على استكراه من نفسه وربما تكرر منه ذلك فصار عادة كما تصير سائر ~~القبائح أخلاقا وعادات وكما تصير المآكل الضارة عادة سيئة لقوم . | وأيضا ~~فإن المعتاد للكذب إنما يتم له الكذب إذا خاطه بالصدق وإذا سمع أيضا منه ~~الصدق وإلا لم يتم له الكذب أيضا لأن الباطل لا قوام له إلا إذا امتزج ~~بالحق . | فأما قولك : هل ينتقل من اعتاد الصدق على الكذب أو من ألف الكذب ~~إلى الصدق فلولا ان ms200 ذلك ممكن ومشاهد في الناس لما وضعت PageV01P378 السنن ~~ولا قوم الأحداث ولا عني الناس بتأديب أولادهم ولا عاتب أحد أحدا ولكن هذه ~~الأشياء شائعة في الناس ظاهرة فيهم . | # | 1 ( مسألة ) 1 # ذكرت - أيدك الله - مسائل لا تستحق الجواب من آراء العامة وجهالات وقعت ~~لهم مثل قولهم : إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم يمرض وقولهم : دية نملة تمرة ~~وإذا طنت أذن أحدهم قالوا كيت وكيت . | وهذه المسائل وأشباهها إنما ينبغي ~~أن يهزأ بها ويتملح بإيرادها على طريق النادرة فأما أن تطلب لها أجوبة فما ~~أظن عاقلا يعترف بها فكيف نجيب عنها والله يغفر لك ويصلحك . | # | 1 ( مسألة ما الفرق بين العرافة والكهانة والتنجيم والطرق والعيافة ~~والزجر وهل تشارك العرب في هذه الأشياء أمة أخرى أم لا ؟ ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما الفرق بين العرافة ~~والكهانة فهو أن العراف يخبر عن الأمور الماضية والكاهن يخبر بالأمور ~~المستقبلة . | وذلك أن العرافة معرفة الآثار والاستدلال منها على مؤثرها . ~~| والكهانة هي قوة في النفس تطالع الأمور الكائنة بتخليها عن PageV01P379 ~~الحواس . | وقد تكلمنا عليها في كتابنا الذي سميناه الفوز عند ذكرنا الفرق ~~بين النبي والمتنبي وفي القوة التي يكون بها الوحي وكيفية ذلك فخذه من هناك ~~. | وأما الفرق بين التنجيم وما يجري مجرى الفأل فظاهر لأن التنجيم صناعة ~~تتعرف بها حركات الأشخاص العالية وتأثيرها في الأشخاص السفلية . | وهي ~~صناعة طبيعية وإن كان قد حمل أكثر من طاقتها أعني أن المنجم ربما تضمن ~~العلم من جزيئات الأمور ودقائقها ما لا يوصل إليه بهذه الصناعة فيخبر ~~بالكائنات على طريقة تأثير الشيء في مثله وذلك ان الشمس إذا تحركت في دورة ~~واحدة من أدوارها أثرت فيها ضروبا من التأثير في هذا العالم وكذلك كل كوكب ~~من الكواكب له أثر بحركته ودورته وشعاعه الذي يصل إلى عالمنا هذا . | ~~فالمنجم إنما يقول مثلا : إن السنة الآتية تجتمع فيها دلائل الشمس وزحل ~~فتؤثر في عالمنا هذا أثرا مركبا من طبيعتي هاتين الحركتين فتكون حال الهواء ~~كيت وكيت . | وكذلك ms201 حال الاستقصات الأربع . | ولما كان الحيوان والنبات ~~مركبين من هذه الطبائع وجب أن يكون كل ما أثر في بسائطها يؤثر أيضا في ~~المركبات منها . | والمنجم يخبر بحسب ما يحسب من حركاتها وشعاعاتها الواصل ~~إلينا آثارها حكما طبيعيا وإن كان يغلط أحيانا بحسب دقة نظره وكثرت الحركات ~~والمناسبات التي تجتمع من جملة الأفلاك والكواكب PageV01P380 وقبول ما يقبل ~~من أجزاء عالم الكون والفساد وتلك الآثار مع اختلافها . | فأما أصحاب الفأل ~~وزجر الطير وطرق الحصى وما أشبه ذلك فإنها ظنون والصدق فيها يكون على طريق ~~الاتفاق والنادر وليس تستند إلى أصل ولا يقوم عليها دليل لأنها ليست طبيعية ~~ولا نفسانية ولا إلهية وإنما هي اختيارات بحسب الأوهام والظنون وهي تكذب ~~كثيرا وتصدق قليلا كما يعرض ذلك لمن أخبر أن غدا يجىء المطر أو يركب الأمير ~~بغير دليل ولا إقناع بل تكلم بذلك وأرسل الحكم به إرسالا فربما صح ووافق أن ~~يطايق الحقيقة وفي الأكثر يبطل ولا يصح . | والأمم تشارك العرب في هذه ~~الأشياء إلا أن العرب تختص من العرافة ومن زجر الطير بأكثر مما في الأمم ~~الأخر . | # | 1 ( مسألة لم صارت أبواب البحث عن كل شيء موجود أربعة ) 1 # وهي : هل والثاني ما والثالث أي والرابع لم الجواب : قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله : لأن هذه الأشياء الأربعة هي مبادىء جميع الموجودات وعللها ~~الأول . | والشكوك إنما تعرض في هذه فإذا أحيط بها لم يبق وجه لدخول شك . | ~~وذلك أن المبدأ الأول في وجود الشيء هو ثبات ذاته أعني هويته التي يبحث ~~عنها بهل فإذا شك إنسان في هوية الشيء أي في وجود ذاته لم يبحث عن شيء ~~PageV01P381 آخر من أمره . | فإذا زال عنه الشك في وجوده وأثبت له ذاتا ~~وهوية جاز بعد ذلك أن يبحث عن المبدأ الثاني من وجوده وهو صورته أعني نوعه ~~الذي قومه وصار به هو ما هو وهذا هو البحث بما لأن ما هي بحث عن النوع ~~والصورة المقومة . | فإذا حصل الإنسان في الشيء المحجوب عنه هذين وهما : ~~الوجود ms202 الأول والهوية التي بحث عنها بهل والوجود الثاني وهو النوعية أعني ~~الصورة المقومة التي بحث عنها بما - جاز أم يبحث عن الشيء الذي يميزه من ~~غيره أعني الفصل وهذا هو المبدأ الثالث لأن الذي يميزه من غيره هو الذي ~~يبحث عنه بأي أعني الفصل الذاتي له . | فإذا حصل من الشيء المبحوث عنه هذه ~~المبادىء الثلاثة لم يبق في أمره ما يعترضه شك وصح العلم به إلا حال كماله ~~والشيء الذي من أجله وجد وهذه العلة الأخيرة التي تسمى وأرسططاليس هو أول ~~من نبه عليها واستخرجها وذاك أن العلل الثلاث هي كلها خوادم وأسباب لهذه ~~العلة الأخيرة وكأنها كلها إنما وجدت لها ولأجلها . | وهذه التي يبحث عنها ~~بلم . | فإذا عرف لم وجد وما غرضه الأخير أعني الذي وجد من اجله - انقطع ~~البحث وحصل العلم التام بالشيء وزالت الشكوك كلها في أمره ولم يبق وجه ~~تتشوقه النفس بالروية فيه والشوق إلى معرفته لأن الإحاطة بجميع علله ~~ومبادئه واقعة حاصلة وليس للشك وجه يتطرق إليه فلذلك صارت البحوث أربعة لا ~~أقل ولا أكثر . PageV01P382 | # | 1 ( مسألة ما المعدوم وكيف البحث عنه ) 1 # وما فائدة الاختلاف فيه وما الذي أطال المتكلمون الكلام في اسمه ومعناه ~~وهل لقولهم محصول فإني ما رأيت مسألة لا تمكن من نفسها غيرها . | الجواب : ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن المعدوم الذي يشير إليه المتكلمون ~~خاصة هو موجود بوجه من الوجوه ولذلك صحت الإشارة إليه والكلام عليه . | ~~وتلك الصورة له في الوهم هي وجود ماله . | وكذلك حال كل ما يتوهمونه معدوما ~~من جسم أو عرض أو حال لا معدومة بل ملحوظة . | والدليل على ذلك أنا لا ~~نتوهم شيئا معدوما إلا نتصور له حالا قد وجد فيها أو يوجد فيها وصورته تلك ~~قائمة في وهمنا وهي وجود ما . | فأما المعدوم المطلق الذي لا يستند إلى شخص ~~ما ولا إلى عرض فيه وحال له فإنه لا يضبط بوهم ولا يتكلم عليه ولا تصح ~~مسألة أحد عنه لأنه لا شيء على الإطلاق . | وإنما ms203 تصح المسألة عن شيء ثم ~~تعرض له أحوال إما حاضرة فيه أو منتظرة له ولذلك زعم أكثر المتكلمين أن ~~المعدوم هو شيء وزعم بعضهم أنه لا شيء أعني أنهم لا يسمونه بشيء . ~~PageV01P383 | وإنما عرض لهم هذا الخلاف لأن منهم من لحظه من حيث الوهم ~~ومنهم من لحظة من حيث الحس . | فمن لحظه في وهمه أثبته شيئا ومن لحظه من ~~حسه لم يثبته شيئا . | والدليل على أن المعدوم الذي يشيرون إليه هو ما ~~ذكرناه وعلى الحال التي وصفناها - أن القوم إذا تعاوروا مسألة المعدوم ~~سألوا عن الجوهر : هل هو في العدم وعن السواد هل هو سواد العدم وكذلك جميع ~~أمثلتهم إنما هي من أمور محسوسة إذا صارت غير محسوسة كيف تكون أحوالها ثم ~~يكون جوابهم عن ذلك بما يتصور منه للنفس ويقوم في الوهم فيقولون في السواد ~~الذي حقيقته أنه أثر في البصر من مؤثر يعرض منه القبض : إنه في العدم أيضا ~~كذلك . | كأنهم يتوهمون أنه يفعل بالبصر وهو معدوم ما يفعله وهو موجود . | ~~وإنما عرض لهم هذا الوهم لأن القوة التي ترتقي إليها الحواس تقبل شبيها ~~بالآثار التي تقبلها . | أي تحصل لها الصورة مجردة من المادة وهذا هو العلم ~~الحسي . | لو أمكنهم إثبات صورة عقلية ونفيها لتكلموا على الموجود العقلي ~~والمعدوم العقلي . | ولو أمكنهم ذلك لجاز أن يسألوا أيضا عن العدم المطلق : ~~هل يشار إليه أم لا يشار إليه ولكن هذه الأمور غابت عنهم . | وإنما سألت عن ~~مذاهبهم وعما يسألون عنه وقد خرج الجواب ولاح لك بمشيئة الله . PageV01P384 ~~| # | 1 ( مسألة ) 1 # سمعت شيخا من الأطباء يقول أنا أفرح ببرء العليل على تدبيري وأسر بذلك ~~جدا . | قلت له : فما تعرف علة ذلك . | قال : لا . | الجواب : قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله : إنما فرح الطبيب بنفسه وصحة علمه وذاك إنه إذا شاهد ~~عليلا احتاج أن يتعرف أولا علته حتى يعملها على الصحة والحقيقة . | فإذا ~~علمها قابلها بضدها من الأدوية والأغذية فيكون ذلك سببا لبرء العليل . | ~~فالطبيب حينئذ يكون قد أصاب في معرفة ms204 العلة ثم في مقابلتها بالدواء الذي هو ~~ضدها . | وهذه الإصابة والمعرفة هي الحال التي يلتمسها بعلمه ويسعى لها طول ~~زمان درسه ورويته . | ومن شان النفس إذا تحركت نحو مطلوب حركة قوية في زمان ~~طويل بشوق شديد ثم ظفرت به فرحت له ولحقها انبساط وسرور عجيب . | # | مسألة # ثم قلت - أيدك الله - سئل ابن العميد لم لم يتفق الناس في التعامل ~~PageV01P385 على المثامنة بالياقوت والجوهر أو بالنحاس والحديد والرصاص دون ~~الفضة والذهب وما الذي قصرهم عليهما مع إمكان غيرهما أن يقوم مقامها ويجري ~~مجراهما . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد تبين أن الإنسان ~~لا تتم له الحياة بالتفرد لحاجته إلى المعاونات الكبيرة ممن يعد له الأغذية ~~الموافقة والأدوية والكسوة والمنزل والكن وغير ذلك من سائر الأسباب التي ~~بعضها ضرورية في المعيشة وبعضها نافعة في تحسين العيش وتفضيله حتى يكون ~~لذيذا أو جميلا أو فاضلا . | وليس يجرى الإنسان مجرى سائر الحيوانات التي ~~أزيحت علتها في ضرورات عيشها وفيما تقوم به حياتها بالطبع . | فالاهتداء ~~إلى الغذاء والرياش وغيرهما من حاجات بدنه ولذلك أمد بالعقل وأعين به ~~ليستخدم به كل شيء ويتوصل بمكانه إلى كل أرب . | ولما كان التعاون واجبا ~~بالضرورة والاجتماع الكثير طبيعيا في بقاء الواحد - وجب لذلك أن يتمدن ~~الناس أي يجتمعوا ويتوزعوا الأعمال والمهن ليتم من الجميع هذا الشيء ~~المطلوب . PageV01P386 أعني البقاء والحياة على أفضل ما يمكن . | ولما ~~فرضنا أن الاجتماع قد وقع والتعاون قد حصل عرض أن النجار الذي يقطع الخشب ~~ويهيئه للحداد والحداد الذي يقطع الحديد ويهيئه للحراث وكذلك كل واحد منهم ~~إذا احتاج إلى صاحبه الذي عاونه قد يقع استغناء صاحبه عنه في ذلك الوقت فإن ~~الحداد إذا احتاج إلى صناعته الحياكة وصاحب الثوب غير محتاج إلى صناعة ~~الحداد وقف التعاون ولم تدر المعاملة وحصل كل واحد على عمله الذي لا يجدي ~~عليه فيما يضطر إليه من حاجات بدنه التي من أجلها وقع التعاون واحتيج لذلك ~~إلى قيم للجماعة ووكيل مشرف على أعمالهم ومهنهم موثوق بأمانته وعدالته ms205 ~~ليقبل الجميع أمره ويصير حكمه جائزا وأمره نافذا مصدقا وأمانته صحيحة ليأخذ ~~من كل أحد ويستوفي عليه قدر ما عاون به ويعطيه من معاونة غيره بقسطه من غير ~~حيف . | وإنما يتم له ذلك بأن يقوم عمل كل واحد منهم ويحصله ثم يعطيه ~~بمقدار تعبه وعمله من عمل الآخر الذي يلتمس معاونته . | وهذا الفعل أيضا لا ~~يتم لهذا القيم المستوفي أعمال الناس إلا بأن يأتيه كل من عمل عملا فيعرضه ~~عليه ويأخذ منه علامة من طابع أو غيره يكون في يده متى عرضه قبل ولم ينس ~~وعرفت صحة دعواه وأعطى به من تعب غيره بمقدار . | ثم لما نظر في هذا الشيء ~~الذي يحتمل أن يكون بهذه الصفة فلم يمكن أن يجعل من الأشياء الموجودة دائما ~~ومما يقدر كل أحد على تناوله ومد اليد إليه لئلا يحصله من لا يعمل عملا ولا ~~يعين أحدا بكده ويتوصل به إلى كد غيره وتعبه فيؤدي إلى خلاف ما دبر لإتمام ~~المدنية والتعاون فوجب أن يكون هذا الطابع من جوهر عزيز الوجود ليمكن حفظه ~~والاحتياط عليه ولا يصل إلا من جهة ذلك القيم إلى مستحقه الذي يعرض عمله ~~وكده ووجب مع ذلك أن يكون مع عزة وجوده غير قابل للفساد PageV01P387 من ~~الماء والنار والهواء بنحو ما يمكن ذلك في عالمنا هذا فإنه كان شيئا مما ~~يبتل بالماء أو يحترق بالنار أو تفسد صورته بعض العناصر الأربع - لم يأمن ~~صاحب التعب الكثير أن يحصله ثم يفسده عنده فيضيع عمله ولا يصدق فيما أعان ~~به وكد فيه فوجب أن يكون هذا الطابع حافظا لصورته خفيف المحمل مع ذلك ~~مأمونا عليه الفساد مدة طويلة من الطبائع الأربع ومن الفساد الذي يكون ~~بالمهنة أيضا كالكسر والرض وغيرهما . | ولما تصفحت الموجودات لم يوجد شيء ~~يجمع هذه الفضائل إلا الأشياء المعدنية ومن بين الأشياء المعدنية الجواهر ~~التي تذوب بالنار وتجمد بالهواء . | ومن بين هذه الذهب وحده فإنه أبقاها ~~وأعزها وأحفظها لصورته وأسلمها على النار والهواء والماء والأرض وهو مع ذلك ~~سليم على ms206 الكسر والقطع والرض يعيد صورة نفسه بالذوب ويحفظها من جميع عوارض ~~الفساد زمانا طويلا جدا . | فجعل صورة مقوما للصنائع وعلامة لهذا القيم ثم ~~احتيط عليه بأن طبع بخاتمه وعلاماته . | كل ذلك خوفا من توصل الأشرار إليه ~~ممن يرتفق من عمل غيره ولا يرفق غيره فإن هذا الفعل هو الظلم الذي يرتفع به ~~التعاون ويزول معه النظام ويبطل بسببه الاجتماع والتعايش . | ثم لما وجد ~~هذا الجوهر جمع هذه الفضائل ويحيط عليه ضروب الاحتياطات من أن يصل إلى غير ~~مستحقه - عرض فيه عارض آخر وهو أن الذي عاون الناس بمعاونة استحق بها شيئا ~~منه ربما احتاج إلى معاونة يسيرة لا تساوي تعبه الأول ولا تقرب منه ولا ~~تقرب منه . | مثال أنه ربما تعب الإنسان أما ليحصل لغيره عمل الرحى بمئونة ~~وكلفة وحكمة بليغة . PageV01P388 | فإذا أعطى من هذا الجوهر قيمة عمله ثم ~~احتاج إلى بقل أو خلال أو عرض يسير لا يستطيع أن يعطيه شيئا من الجوهر الذي ~~عنده ولا أقل القليل منه لأن الجزء اليسير جدا منه أكثر قيمة من العمل الذي ~~يلتمسه من غيره . | فاحتيج لذلك إلى جوهر آخر تكون فضائله أنقص من الذهب ~~ليصير خليفة له يعمل عمله وإن كان دونه فلم يوجد ما يجمع تلك الفضائل التي ~~حكيناها في الذهب شيء غير الفضة فجعلت نائبة عنه ثم جعل كل واحد من الذهب ~~يساوي عشرة أضعافه من الفضة لأن العشرة نهاية الآحاد فوجب لذلك أن تكون ~~قيمة الواحد من ذلك الجوهر عشرة أمثاله من هذا الجوهر . | فاما التفاوت ~~الذي وقع بين صرف الدينار والدرهم أعني أن صار منه الواحد بخمسة عشر درهما ~~ونحوها وهي المسألة التي جعلتها تالية لهذه المسألة - فإنما ذلك لأجل ~~التفاوت في الوزن بين المثقال والدرهم ثم لأجل الغش الذي يكون في أحدهما . ~~| والأمر محفوظ مع ذلك في أن الواحد من الذهب بإزاء عشرة من الفضة إذا كان ~~كل واحد | # | 1 ( مسألة متى تصل النفس بالبدن ومتى توجد فيه أفي حال ما يكون جنينا ~~أم قبلها أم ms207 بعدها ؟ ) 1 # PageV01P389 الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن اتصال النفس ~~بالبدن ووجودها فيه ألفاظ متسع فيها . | والأولى أن يقال : ظهور أثر النفس ~~في البدن على قدر استعداد البدن وقبوله إياه . | وإنما تحرزنا من تلك ~~الألفاظ لأنها توهم أن لها اتصالا عرضيا أو جسميا وكلا هذين غير مطلق على ~~النفس . | والأشبه إذا عبرنا عن هذا المعنى أن تقول : إن النفس جوهر بسيط ~~إذا حضر مزاج مستعد لأن يقبل له أثرا كان ظهورك ذلك الأثر على حسب ذلك ~~الاستعداد لنسلم بهذه العبارة من ظن من زعم أن النفس تتقلب وتفعل أفعالها ~~على سبيل القصد والاختيار أعني أنها تفعل في حال وتمنع في أخرى فإن هذا ~~يجلب كثيرا من الشكوك التي لا تليق بخصائص النفس وأفعالها . | وإذ قد تحققت ~~هذه العبارة فنقول : إن النطفة التي يكون منها الجنين إذا حصلت في الرحم ~~الموافق كان أول ما يظهر فيه من أثر الطبيعة ما يظهر مثله في الأشياء ~~المعدنية . | أعني أن الحرارة اللطيفة تنضجه وتمخضه وتعطيه - إذا امتزج ~~بالماء الذي يوافقه من شهوة الأنثى - صورة مركبة كما يكون ذلك في اللبن إذا ~~مزج بالإنفحة . | أعني أنه يثخن ويخثر ثم تلج عليه الحرارة حتى يصير ملونا ~~بالجمرة فيصير مضغة ثم يستعد بعد لقبول أثر آخر : أعني أن المضغة تستمد ~~الغذاء وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من رحم أمه بتلك العروق ~~ما PageV01P390 تأخذه عروق الشجر من تربته فيظهر فيه أثر النفس النامية ~~أعني النباتية ثم يقوى هذا الأثر فيه ويستحكم على الأيام حتى يكمل وينتهي ~~بعد ذلك إلى أن يستعد لقبول الغذاء بغير العروق أعني أنه ينتقل بحركته ~~لتناول غذائه فيظهر فيه أثر الحيوان أولا أولا . | فإذا كمل استعداده لقبول ~~هذا الأثر فارق موضعه وقبل أثر النفس الحيوانية ثم لا يزال في مرتبة ~~البهائم من الحيوان إلى أن يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق . | أعني ~~التمييز والروية . | فحينئذ يظهر فيه أثر العقل ثم لا يزال يقوى هذا الأثر ~~فيه على قدر استعداده وقبوله ms208 حتى يبلغ نهاية درجته وكماله من الإنسانية ~~ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان فيستعد لقبول أثر الملك . | وهذا ~~الكلام ليس يقتضي أن يقال فيه : متى تتصل وتنفصل بل من شأن القائل له أن ~~يقال فيه : متى يستعد ويقبل . | وأما النفس فهي معطية للذات كل ما قبل ~~أثرها بحسب قبوله واستعداده وتهيئه . | وقد تبين أنها تعطي البدن أحوالا ~~مختلفة وصورا متباينة قبل أن يكون جنينا وبعد أن تتم الصورة الإنسانية ليس ~~ينقطع أثر النفس من البدن ألبتة على ضروب أحواله إلى أن يدور ضرب أدواره ~~وينتهي إلى غاية كماله . | ولا ينبغي أن يقال إنه يخلو منها في حال من ~~أحواله وإنما يقوى الأثر ويضعف بحسب قبوله . | والسلام . PageV01P391 | # | 1 ( مسألة ) 1 # سئل بعضهم إذا فارقت النفس الجسد هل تذكر من علومها شيئا أم لا فأجاب ~~بأنها تذكر المعقول كله ولا تذكر المحسوس فزاد السائل بما يعرض للعليل من ~~النسيان أي كيف تذكر النفس معقولها إذا فارقت البدن وهي لا تذكر شيئا منه ~~إذا اعتل البدن أو بعض أعضاء البدن فأجاب بما سيمر بك . | الجواب : قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله : إنما يظهر أثر النفس في البدن بحسب حاجة البدن ~~والتذكر إنما هو إحضار صور المحسوسات من قوة الذكر إلى قوة الخيال . | ~~وهاتان القوتان جميعا إنما تحصلان صور المحسوسات من الحواس أولا في حواملها ~~من الأجسام الطبيعية ثم تحصلانها بسيطا في غير حامل جسمي بل في قوة النفس ~~المسماة ذكرا . | وإنما احتيج إلى هذه القوة لأغراض البدن وحاجته إلى الشيء ~~بعد الشيء . | فإذا استحال البدن وزالت الحاجة إلى الحواس سقطت الحاجة إلى ~~الذكر أيضا وصارت النفس مستغنية بذاتها وما فيها من صور العقل أعني التي ~~تمسى أوائل لأن تلك هي ذات العقل غير محتاجة إلى مادة ولا إلى جسم توجد ~~بوجوده أعني أن الأمور الموجودة في العقل هي العقل وهي PageV01P392 التي ~~نسميها الآن أوائل وليست في مادة ولا محتاجة إليها . | وجميع قوى النفس ~~التي تتم بالبدن وبآلات جسمية فإنها تبطل ببطلان البدن أي ms209 تستغني عنها ~~النفس بما هي نفس وجوهر بسيط . | وإنما احتاجت إليه لأجل حاجات البدن ~~المشارك للنفس المستمد منها البقاء الملائم لها إذا كان نباتا أو حيوانا أو ~~إنسانا . | فأما النفس بما هي جوهر بسيط فغير محتاجة إلى شيء من هذه الآلات ~~الجسمية . | وإنما عرضت لك هذه الحيرة لأنك سألت عن أمر بسيط مع توهمك إياه ~~مركبا وحال المركب غير حال البسيط أعني أن الآلات البدنية كلها هي أيضا ~~مركبة نحو تمامات لها ليكمل بها أيضا شيء مركب . | والحواس الخمس والقوى ~~التي تناسبها من التخيل والوهم والفكر لا تتم إلا بآلات وأمزجة مناسبة تتم ~~بها أفعال مركبة . | فإذا عادت الجواهر إلى بسائطها بطل الفعل المركب أيضا ~~ببطلان الآلات المركبة واستغني الجوهر البسيط القائم بذاته عن حاجات البدن ~~وضروراته التي تم وجوده بها من حيث هو مركب لأجلها . | # | 1 ( مسألة سأل عن الحكمة في كون الجبال ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إن منافع الجبال ووضعها على ~~بسيط من الأرض . كثير جدا ولولاها ما وجد نبات ولا حيوان على بسيط الأرض ~~وذلك أن سبب وجود النبات والحيوان وبقائهما بعد هو الماء العذب السائح على ~~وجه الأرض . PageV01P393 | وسبب الماء العذب السائح هو انعقاد البخار في ~~الجو . | أعني السحاب وما يعرض له من الانحصار بالبرد حتى يعود منه إما مطر ~~وإما ثلج وإما برد . | ولو أنك توهمت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض وتخيلت ~~الأرض كرة مستديرة لا نتوء ولا غور فيها لكان البخار المرتفع من هذه الكرة ~~لا ينعقد في الجو ولا ينحصر ولا يعود منه ماء عذب . | بل كان غاية ذلك ~~البخار أن يتحلل ويستحيل هواء قبل أن يتم منه ما هو سبب عمارة وجه الأرض ~~وذلك لأجل أن البخار المرتفع من الأرض يحصل بين أعوار الأرض وبين الجبال ~~التي تمنعه السيلان ومطاوعة حركة الفلك وأسباب الرجة التي هي حركة الهواء . ~~| أعني أن قلل الجبال الشاهقة تحفظ الهواء المحتقن يين أغوارها من الحركة ~~التي يوجبها الفلك بأسره والكواكب فيها وشعاعاتها المؤثرة ms210 الملطفة التي ~~توجب لها السيلان . | فإذا حصل الهواء بين الجبال كذلك - كان البخار ~~المرتفع فيه أيضا محفوظا من التبدد والحركة بتحرك الهواء ولحق هذا البخار ~~من برد الجبال التي تحفظه في زمان الشتاء على أنفسها ما يجمده ويعقده ثم ~~يعصره فيعود ماء مستحيلا أو غيره مما يجري مجراه . | ولولا الجبال لكانت ~~هذه المياه المدبرة بهذا التدبير مه ما ذكرناه لا تجري على وجه الأرض إلا ~~ريثما يهدأ المطر ثم تنشفه الأرض فكان يعرض من ذلك أن يكون النبات والحيوان ~~يعدمه في صميم الصيف وعند الحاجة الشديدة إليه في بقائهما حتى كان لا يوصل ~~إليه إلا كما يوصل في البوادي البعيدة من الجبال أعني باحتفار PageV01P394 ~~الآبار التي يبلغ عمقها مائة ومائتين من الذرعان . | فأما الآن - مع وجود ~~الجبال - فإن الأمطار والثلوج تبقى عليها فإذا نشفتها في الوقت أو بعد زمان ~~نشأت من أسافلها العيون وسالتت منها الأنهار والأودية وساحت على وجه الأرض ~~منصبة إلى البحار جارية من الشمال إلى الجنوب فإذا فنى ما استفادته من ~~الأمطار في الصيف لحقتها نوبة الشتاء والأمطار فعادت الحال . | والدليل على ~~أن العيون والأنهار والأودية كلها من الجبال أنك لا ترتقى في نهر ولا واد ~~إلا أفضى بك إلى جبل . | فأما العيون فإنها لا توجد إلا بالقرب من الجبال ~~البتة . | وكذلك ما يستنبط من القنى وما يجري مجراها . | فالجبال تجري من ~~الأرض في إساحة الماء عليها من الأمطار مجرى إسفنجة أو صوفة تبل بالماء ~~فتحمل منه شيئا كثيرا ثم توضع على مكان يسيل منه الماء قليلا قليلا حتى إذا ~~جفت أعيد بلها وسقيها من الماء لتدوم الرطوبة السائلة منها على وجه الأرض ~~ويصير هذا التدبير سببا لعمارة العالم ووجود النبات والحيوان فيه . | ~~وللجبال منافع كثيرة إلا أن ما ذكرناه من أعظم منافعها فليقتصر عليه . | ~~ولثابت مقالة في منافع الجبال من أحب أن يستقصي هذا الباب PageV01P395 قرأه ~~من تلك المقال إن شاء | # | 1 ( مسألة لم صارت الأنفس ثلاثا في العدد وهل يجوز أن تكون اثنتين أو ~~هل ms211 يستحيل أن تكون أربع ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : النفس في الحقيقة واحدة وإنما ~~يظهر أثرها - كما قلنا فيها فيما تقدم - بحسب قبول القابل . | وإنما قيل ~~إنها ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفا ثم يقوى غاية القوة أن ~~ينقسم ثلاثة أقسام أعني الابتداء والتوسط والنهاية . | ولما كان مبدأ أثر ~~النفس في النبات أعني أنه يظهر فيه معنى يقبل الغذاء الموافق وينفض الفضلة ~~وما ليس بموافق ويحفظ صورته بالنوع - سمي هذا الطرف الأول نفسا نباتية . | ~~ثم لما قوى هذا الأمر حتى صار ينتقل لتناول غذائه وصارت له حواس وإرادة ~~سميت هذه المرتبة : المتوسطة والحيوانية . | ولما قوى هذا الأثر حتى صار - ~~مع هذه الأحوال - يرتئي ويفكر ويستعمل التمييز بتقديم PageV01P396 المقدمات ~~واستنتاج النتائج ثم يعمل أعماله بحسبها سمي ناطقا وعاقلا وما أشبه ذلك . | ~~ولكل واحد من هذه المراتب لو قسمت مراتب كثيرة . | إلا أن الأولى في كل ما ~~جرى هذا المجرى أن يقسم إلى : المبدأ والوسط والنهاية كما فعل ذلك بقوى ~~الطبيعة فإن الحرارة والبرودة وما جرى مجراها إنما تقسم إلى ثلاث مراتب ~~أعني الابتداء والوسط والنهاية . | وإن كانت كل واحد من هذه المراتب تنقسم ~~أيضا . | وإذا ما تأملت جميع القوى وجدت الأمر فيها جاريا هذا المجرى . | ~~فأما قولك : هل يجوز أن تكون اثنتين فهي إنما تكون واحدة أولا ثم اثنتين ثم ~~تستكمل فتصير ثلاثا وقد شرح هذا . | # | 1 ( مسألة لم صار البحر في جانب من الأرض ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه : لولا حكمة عظيمة اقتضت أن ينحسر ~~الماء عن وجه الأرض لكان الأمر الطبيعي يوجب أن يكون لابسا وجه الأرض أجمعه ~~حتى تصير الأرض في وسطه شبيهة بمح البيض والماء حولها شبيها بالبياض ~~والهواء محيط بهما على ما هو موجود الآن والنار محيطة بالجميع ليكون الأثقل ~~الأول بالمركز وهو الأرض في موضعه الخاص من المركز ويليه الماء الذي هو أخف ~~من الأرض وأثقل من الهواء ويليه الهواء ثم النار على سوم الطباع . | ولكن ~~لو ms212 تركت هذه الأشياء وسومها الطبيعي لم تكن على وجه الأرض عمارة من نبات ~~وحيوان وبشر وبهيمة وطائر وبطلت هذه PageV01P397 الحكمة العجيبة والنظام ~~الحسن فلأجل ذلك خولف بين مركز الشمس ومركز الفلك الأعلى فتبع هذا أن صارت ~~الشمس تدور على مركزها لعالم خاص بها غير الأرض . | أعني أن مركزها خارج من ~~الأرض . | ولما دارت على مركزها قربت من ناحية من الأرض وبعدت من أخرى ~~وصارت الناحية التي تقرب منها تحمي بها . | ومن شأن الماء إذا حمى أن ينجذب ~~إلى الجهة التي يحمي فيها بالبخار . | وإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه ~~الأرض الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس . | وإذا انحسر عن وجه ~~الأرض حدث من الجميع كرة واحدة . | أعني من الماء والأرض إلا أن شق الكرة ~~الجنوبي الذي تقرب الشمس فيه من الأرض مكان الماء وهو البحر وشق الكرة ~~الشمالي الذي تبعد عنه الشمس من الأرض يابس تظهر فيه الأرض . | ثم وجب بعد ~~ذلك أن تنصب عليها الجبال لتستقيم الحكمة وينتظم أمر العالم على ما هو به ~~عز مبدىء الجميع ومنشئه وناظمه ومقدره وتبارك اسمه وجل جلاله وتقدست اسماؤه ~~وتعالى هما يقول الظالمون علوا كبيرا . | # | 1 ( مسألة لم صارت مياه البحر ملحا ) 1 # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : إنما ذلك لأجل قرب الشمس من ~~سطح الماء وتمكنها من طبخه ، PageV01P398 ومن طبيعة الماء إذا ألحت عليه ~~الحرارة بالطبخ أن يتحلل لطيفه إلى البخار ويقبل الباقي أثرا من الملوحة ~~فإن زادت الحرارة ودامت صار ذلك الماء شديد الملوحة ثم انتهى في آخر الأمر ~~إلى المرارة . | وأصحاب الصنعة يدبرون ماء لهم بالنار ويدبرون حتى يكثر ~~تردده على النار فيصير - بذلك - الماء حارا يضرب إلى المرارة . | # | 1 ( مسألة إذا كان المرئي لا يدرك إلا بآلة وتلك هي الحس ) 1 # فما تقول فيما يراه النائم ألم يدركه من غير حس ولا انبثاث شعاع ولا ~~أعمال آلة . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : قد كنا بينا في ~~مسألة الرويا وما أحببنا به ms213 عنها ما فيه غني عن تكلف الجواب عن هذه المسألة ~~. | ولكنا نذكر جملة وهو أن الحواس كلها ترتقي إلى قوة يقال لها الحس ~~المشترك . | وهذا الحس يقبل الآثار من الحواس ويحفظها عليها في قوة التي ~~تعرف بالوهم . | فإذا غاب المحسوس أحضرت هذه القوة صورة ذلك المحسوس من ~~الوهم : سواء كان مرئيا أو مسموعا أو غيرهما من الصور المحسوسات . | وليس ~~يمكن أن يحصل في هذه القوة شيء من الصور إلا ما قبلته وأخذته من الحواس . | ~~وقد مر هذا الكلام في الموضع الذي أذكرنا به مستقصى مع الكلام في حد المرئي ~~وما يتبعه . | # | مسألة # لا نخلو في طلبنا لعلم شيء من أن نكون قد علمنا ذلك المطلوب أو ~~PageV01P399 لم نعلمه فإن كنا قد علمناه فلا وجه لطلبنا والدأب من ورائه ~~وإن كنا لا نعلمه فمحال أن نطلب ما لا نعمله . | وعاد أمرنا فيه مثل الذي ~~أبق له عبد لا يعرفه وهو يطلبه . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله : لو كان طلبنا للشيء إنما هو من وجه واحد وذلك الوجه المجهول لكان ~~الأمر على ما ذكرت لكنا قد تقدمنا قبل فشرحنا أن كل مطلوب يمكن أن يبحث من ~~أمره عن أربعة مطالب : أحدها إنيته وهذا البحث بهل ثم بما ثم بأي ثم بلم . ~~| وهذه جهات لكل مطلوب . | فإذا عرفت جهة جهلت أخرى . | وليس يغني العلم ~~بأحدها عن الأخرى . | مثال ذلك أنك إن بحثت عن جرم الفلك التاسع : هل له ~~وجود فتبين هذا المطلب بقيت الجهة الأخرى وهي جهة ما هو لأنك قد عرفت جهة ~~هل وجهلت جهة ما . | فإذا عرفت هذه الجهة بقيت الجهة الثالثة وهي جهة أي . ~~| وقد شرحنا هذه الجهات فيما مضى فإذا حصلت هذه بقيت جهة العلة القصوى أعني ~~لم . | وهي البحث عن الشيء الذي من أجله وجد على ما وجد عليه من المائية ~~والكيفية . | فإذا عرفت هذه الجهة لم يبق من أمره شيء مجهول إلا جزئيات ~~الأمور التي لا نهاية لها . | وليس يبحث عن تلك لقلة الفائدة فيها ms214 . | أعني ~~أن تطلب مساحتها ومبلغ عدد الأجزاء التي تمسحها ونسبة كل جزء إلى غيره ~~ووضعه وهذه المطالب هي بحث مطلب كيف وغيره من المقولات في أنواعها وأشخاصها ~~. | وإذا عرفت الجنس العالي لم تطلب أجزاءه لحصول الجهة العليا . | فقد صح ~~أن المطلوب إنما هو الجهة المجهولة لا الجهة المعلومة . وأن PageV01P400 ~~الشيء الواحد قد يعلم من جهة ويجهل من جهة أخرى وزال موضع الشك إن شاء الله ~~. | # | 1 ( مسألة لم لا يجيء الثلج في الصيف ) 1 # كما قد يجيء المطر فيه الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : الفرق ~~بين حالي الثلج والمطر أن البخار إذا ارتفع من الأرض حمل معه جزءا أرضيا . ~~| وقد يكون مقدار هذا الجزء الأرضي ما يخف مع البخار ويتحرك معه ويصعد ~~بصعوده كالهباءة التي تراها أبدا في الهواء . | فإن ذلك القدر من أجزاء ~~الأرض لخفته يتحرك بحركة الهواء ويصعد مع بخار الماء . | فإذا اتفق وقت ~~صعود هذا البخار أن يصيبه في الهواء برد شديد حتى يجمد - جمد معه الجزء ~~الأرضي وثقل بما يكتسبه من انضمام البعض إلى البعض بالبرد فارجحن إلى أسفل ~~وهو الثلج . | وإن اتفق أن يكون البرد الذي يلحقه يسيرا لا يبلغ أن يجمده ~~عصر البخار عصرا فخرج منه الماء الذي يقطر وهو المطر . | والدليل على أن في ~~الثلج جزءا أرضيا القبض الذي فيه الثلج وسلامة المطر منه . | وأيضا فإن ~~الثلج جزم البخار بعينه . | أعني الحالة التي ليست ماء ولا هواء . | فإذا ~~جمدت تلك الحالة ردت طبيعة البخار . | فأما المطر فلا طبيعة للبخار فيه وهو ~~ماء بعينه . | وكذلك يصيب آكل الثلج من النفخ والأسباب العارضة من البخار ~~ما لا يصيب شارب ماء المطر . | وإذ قد وضح الفرق بين المطر والثلج فإنا ~~نقول في جواب مسألتك : إن الشتاء يشتد فيه برد الهواء حتى يجمد البخار ~~الصاعد إليه من PageV01P401 الأرض فيرد ثلجا . | فأما الصيف فليس يشتد فيه ~~برد الهواء ولكن بما عرض فيه من البرد بقدر ما ينعقد البخار ثم ينعصر فيجيء ~~منه مطر . | # | مسألة ما الدليل ms215 على وجود الملائكة ؟ # الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما الكتاب والسنة فمملوءان ~~من ذكر الملائكة وأنها خلق شريف لله - تعالى - ولها مراتب متفاضلة . | وأما ~~العقل فإنه يوجب وجودها من طريق أن العقل إذا قسم شيئا وجد لا محالة إلا أن ~~يمنع منه محال . | وذلك أن قسمة العقل هي الوجود الأول والحق المحض الذي لا ~~يعترضه مانع ولا تعوق عنه مادة . | فإذا قسم فقد وجد الوجود العقلي وإذا ~~حصل هذا الوجود تبعه الوجود النفساني والوجود الطبيعي لأن هذين متشبهان ~~بالفعل مقتديان به تابعان له غير مقصرين ولا وانيين . | ولكن الطبيعة تحتاج ~~في هذا الاقتداء إلى حركة لقصورها عن الإيجاد التام ولذلك قيل في حد ~~الطبيعة إنها مبدأ حركة . | ولأن العقل إذا قسم الجوهر إلى الحي - قسم الحي ~~منه إلى الناطق وغير الناطق وقسم الناطق منه إلى المائت وغير المائت فيحصل ~~من القسمة أربعة هي : حي ناطق مائت . | وحي غير ناطق غير مائت . | وحي ناطق ~~غير مائت . | والقسم الثالث هم المسمون ملائكة . | وهي مشتركة في أنها غير ~~مائتة ، PageV01P402 ومتفاضلة في النطق . | وبهذا التفاضل صار بعضها أقرب ~~إلى الله - تعالى - من بعض وبه أيضا صرنا - نحن معاشر البشر - متفاضلين في ~~التقرب إلى الله - تعالى - والبعد منه ولأجله قيل : فلان شبيه بملك وفلان ~~شبيه بشيطان وبسببه قيل : فلان عدو الله وبسببه قيل : فلان ولي الله وفي ~~السب يقال : أبعد الله فلانا ولعنه . | وقرب الله فلانا وأدناه . | وقد ~~يمكن أن يثبت وجود الملائكة من طريق آثارها وأفعالها الظاهرة في هذا العالم ~~. | ولكني لما احتجت في ذلك إلى مقدمات كثيرة وبسط للكلام أخرج به عن الشرط ~~الذي شرطته في أول هذه المسائل اقتصرت على ما ذكرته . | وهو كاف إن شاء ~~الله . | # | 1 ( مسألة ) 1 # وسألت - أيدك الله - عن آلام الأطفال ومن لا عقل له من الحيوان وعن وجه ~~الحكمة فيه الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : أما هذه المسألة ~~فإنها تتوجه إلى من أثبت جميع الأفعال التي ليست للناس منسوبة إلى الله - ~~تعالى ms216 - ولم يعترف بأفعال الطبيعة ولا أفعال الأشياء التي هي وسائط بيننا ~~وبين الله - تعالى - فإن المتكلمين كالمجمعين على أن الحرارة و الإحراق ~~وسائر أفعال الطبائع وما ننسبه نحن إلى الوسائط التي فوض الله إليها تدبير ~~عالمنا من الأفلاك والكواكب كلها أفعال الله - تعالى - بلا واسطة يتولاها ~~بذاته . | وفي مناقضة هؤلاء القوم طول فإن أحببت أن أفرد له مقالة أو كتابا ~~فعلت . | فأما من زعم أن النار إذا جاوزت النفط ألهبته وإذا جاوزت الماء ~~أسخنته وكذلك كل عنصر وركن وكل شعاع وأثر ممتد من العلو إلى PageV01P403 ~~أسفل ، فإنه يؤثر في جميع ما يقابله آثارا مختلفة : إما لاختلاف الفواعل ~~وإما لاختلاف القوابل - فإن هذه المسألة غير لازمة له . | وإنما ينبغي أن ~~يسأل من وجه آخر لم تسأل عنه فلذلك لم أتكلف جوابه . | وقد ظهر من مقدار ما ~~أومأت إليه جواب مسألتك إن شاء الله . | # | 1 ( مسألة لم كان صوت الرعد إلى آذاننا أبطأ وأبعد من رؤية البرق إلى ~~أبصارنا ) 1 # ولما كان الهواء سريع القبول للضوء بل يستضىء في غير زمان وذاك أن الشمس ~~حين تطلع من المشرق يضيء منها الهواء في المغرب بلا زمان وكذلك الحال في كل ~~مضىء كالنار وما أشبهها إذا قابل الهواء قبل منه الإضاءة بلا زمان - وكان ~~الهواء متصلا بأبصارنا لا واسطة بيننا وبينه - وجب أن يكون إدراكنا أيضا ~~بلا زمان ولذلك صرنا أيضا ساعة نفتح أبصارنا ندرك زحل وسائر الكواكب ~~الثابتة المضيئة إذا لم يعترض في الهواء عارض يستر أو يحجب . | فأما الرعد ~~فلما كان أثره في الهواء بطريق الحركة والتموج لا بطريق الاستحالة - وجب أن ~~يكون وصوله إلى أسماعنا بحسب حركته في السرعة والابطاء وذاك أن الصوت الذي ~~هو اقتراع في الهواء يموج ما يليه من الهواء كما يموج الحجر الجزء الذي ~~يليه من الماء إذا صك به ثم يتبع ذلك أن يموج أيضا بعض الماء بعضا وبعض ~~الهواء بعضا على طريق المدافعة بين الأجزاء إذا كانت متصلة . PageV01P404 | ~~فكما أن جانب الغدير إذا تموج حرك ms217 ما يليه في زمان ثم ما يلي ما يليه إلى ~~أن ينتهي إلى الجانب الأقصى منه حتى تصير بينهما مدة وزمان على قدر اتساع ~~سطح الماء فكذلك حال الهواء إذا اقترع فيه الجسم الصلب حرك ما يليه من ~~الهواء وتموج به ثم حرك هذا الجزء ما يليه في زمان بعد زمان حتى ينتهي إلى ~~الجزء الذي يلي آذاننا فنحس به ولذلك صار صوت وقع وكذلك حالنا إذا رأينا ~~القصار من بعيد على طرف واد فإنا نرى حركة يده وإلاحته بالثوب حين رفعه ~~وضربه الحجر قبل أن نسمع صوت ذلك الوقع بزمان . | فهذه بعينها حال البرق ~~والرعد لأن السحاب يصطك بعضه ببعض فينقدح من ذلك الاصطكاك ما ينقدح من كل ~~جسمين إذا اصطكا بقوة شديدة ويخرج أيضا من بينهما صوت . | وهما جميعا - ~~أعني البرق والرعد - يحدثان معا في حال واحدة إذ كان سببهما جميعا الصك ~~والقرع أعني حركة الجسم الصلب وقرع بعضه ببعض كحال المقدحة والحجر إلا أن ~~البرق يضيء منه الهواء بالاستحالة التي تكون بلا زمان فنحسه في الوقت . | ~~فأما الرعد فيتموج منه الهواء الذي يلي السحاب المصطك ثم يتموج أيضا ما ~~يليه ويسري في الجزء بعد الجزء إلى أن ينتهي إلى الهواء الذي يلي ~~PageV01P405 أسماعنا في زمان فنحس به حينئذ . | # | 1 ( مسألة ) 1 # إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر ~~أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع ~~المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح له حق . | الجواب : قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله : لو كانت الإقناعات ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما ~~أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة : فمنها ~~ما يسمى يقينا ومنها ما يسمى دليلا وقياسا إقناعيا بحسب مقدمات ذلك القياس ~~ومنها ما يسمى ظنا وتخيلا وما أشبه ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في ~~الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها . | فمن ذلك أن القياس إذا كان ~~برهانيا وهو أن تكون ms218 مقدماته مأخوذة من أمور ضرورية وكان تركيبها صحيحا - ~~حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه ~~خطأ . | وكذلك . | التي امتدلى بها - فأثر الحرارة في المبدأ يكون ضعيفا ~~لكثرة المادة ومقاومتها فإذا قويت الحرارة بالتدريج وانتهت إلى غاية أمرها ~~- كان زمان الشباب وكأنه صعود وحال نشأ حتى ينتهي ثم يقف وقفة كما يعرض في ~~جميع الحركات الطبيعية ثم ينحط وهو زمان التكهل فلا يزال إلى نقصان حتى ~~يفنى فناء طبيعيا كما وصفنا وهو زمان الشيخوخة والهرم وقد كان في زمان ~~جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه عنه وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك منه من ~~كان حفظ عليه مذهبه . | وقد سلكت في الجواب عن جميعها المسلك الذي اخترته ~~واقترحته من الاختصار والإيماء إلى النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى شرح - ~~إلى مظانه من الكتب . | نفعك الله بها وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ولطفه ~~. | الحمد لله رب العالمين وصلواته على رسوله محمد وآله أجمعين . | # | 1 ( مسألة إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب ) 1 # ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل ~~انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح ~~له حق . | الجواب : قال أبو علي مسكويه - رحمه الله : لو كانت الإقناعات ~~ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب ~~الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة : فمنها ما يسمى يقينا ومنها ما يسمى دليلا ~~وقياسا إقناعيا بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما يسمى ظنا وتخيلا وما أشبه ~~ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها ~~. | فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانيا وهو أن تكون مقدماته مأخوذة من أمور ~~ضرورية وكان تركيبها صحيحا - حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز ~~أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ . | وكذلك . | التي امتدلى بها - فأثر ~~الحرارة في المبدأ يكون ضعيفا لكثرة المادة ومقاومتها فإذا قويت الحرارة ~~بالتدريج ms219 وانتهت إلى غاية أمرها - كان زمان الشباب وكأنه صعود وحال نشأ حتى ~~ينتهي ثم يقف وقفة كما يعرض في جميع الحركات الطبيعية ثم ينحط وهو زمان ~~التكهل فلا يزال إلى PageV01P406 نقصان حتى يفنى فناء طبيعيا كما وصفنا وهو ~~زمان الشيخوخة والهرم وقد كان في زمان جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه عنه ~~وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك منه من كان حفظ عليه مذهبه . | وقد سلكت في ~~الجواب عن جميعها المسلك الذي اخترته واقترحته من الاختصار والإيماء إلى ~~النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى شرح - إلى مظانه من الكتب . | نفعك الله ~~بها وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ولطفه . | الحمد لله رب العالمين ~~وصلواته على رسوله محمد وآله أجمعين . | PageV01P407 ms220