######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0004135 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (المتوفى: 421هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 421 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الهوامل والشوامل سؤالات أبي حيان التوحيد لأبي علي مسكويه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الجوامع والمجلات ونحوها #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0004135 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-4135 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/4135 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سيد كسروي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1422هـ - 2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | (المسألة الأولى وهي لغوية) # قلت أعزك الله: ما الفرق بين العجلة والسرعة وهل يجب أن يكون بين كل ~~لفظتين - إذا تواقعتا على معنى وتعاورتا غرضا - فرق لأنك تقول: سر فلان ~~وفرج وأشر فلان ومرح، وبعد فلان ونزح وهزل فلان ومزح وحجب فلان وصد ومنع ~~فلان ورد وأعطى فلان وناول ورام فلان وحاول وعالج فلان وزاول وذهب فلان ~~ومضى وحكم فلان وقضى وجاء فلان وأتى واقترب فلان ودنا وتكلم فلان ونطق ~~وأصاب فلان وصدق وجلس فلان وقعد ونأى فلان وبعد وحضر فلان وشهد ورغب عن كذا ~~وزهد. وهل يشتمل السرور والحبور والبهجة والغبطة والفكه والجذل والفرح ~~والإرتياح والبجح على معنى واحد أو على معان مختلفة؟ وخذ على هذا فإن بابه ~~طويل وحبله مثنى وشكله كثير. فإن كان بين كل نظيرين من ذلك يفصل معنى من ~~معنى ويفر مرادا من مراد ويبين غرضا من غرض فلم لا يشترك في معرفته كما ~~اشترك في معرفة أصله. وعلى هذا: فما الفرق بين الغرض والمعنى والمراد وها ~~هو ذا، وقد تقدم آنفا؟ وما الذي أوضح الفرق بين نطق وسكت وألبس الفرق بين ~~نطق وتكلم، وبين سكت وصمت؟ ### || الجواب # قال أبو علي أحمد بن محمد مسكويه رحمه ~~الله: لما كان نحتاج في الجواب عن هذه المسألة إلى ذكر السبب الذي من أجله ~~إلى الكلام المصطلح عليه، والحاجة الباعثه على وضع الأسماء # PageV01P032 # الدالة بالتواطؤ، والعلة الداعية إلى تأليف الحروف التي تصير أسماء ~~وأفعالا وحروفا بالاتفاق والاصطلاح، والأقسام التي تعرض لنا بموجب حكم ~~العقل، قدمنا بيان ذلك. أما الجواب ليكون توطئة له، وليسهل علينا هذا ~~الطلب، ويبين عن نفسه، ويعين على ما اعتاض منه، فأقول: إن السبب الذي احتجت ~~من أجله إلى الكلام هو: أن الإنسان الواحد قد كان غير مكتف بنفسه في حياته، ~~ولا بالغ حاجاته في تتمة بقائه مدته المعلومة وزمانه المقدر المقسوم احتيج ~~إلى استدعاء ضروراته في مادة بقائه من غيره، ووجب بشريطة العدل أن يعطي ~~غيره عوض ما استدعاه منه بالمعاونة التي من أجلها ms001 قالت الحكماء: إن الإنسان ~~مدني بالطبع. وهذه المعاونات والضرورات المقتسمة بين الناس، التي بها يصح ~~بقاؤهم، وتتم حياتهم، وتحسن معايشهم، هي أشخاص وأعيان من أمور مختلفة، ~~وأحوال غير متفقه، وهي كثيرة غير متناهية، وربما كانت حاضرة فصحت الإشارة ~~إليها، وربما كانت غائبة فلم تكف الإشارة فيها فلم يكن بد من أن يفزع إلى ~~حركات بأصوات دالة على هذه المعاني بالاصطلاح ليستدعيها بعض الناس من بعض ~~وليعاون بعضهم بعضا فيتم لهم البقاء الإنساني وتكمل فيهم الحياة البشرية. ~~وكان الباري - جل وعز - بلطيف حكمته وسابق علمه وقدرته قد أعد للإنسان آلة ~~هي أكثر الأعضاء حركة وأوسعها قدرة على التصرف ووضعها في طريق الصوت وضعا ~~موافقا لتقطيع ما لا يخرج منه مع النفس ملائما لسائر الأخر المعينة في تمام ~~الكلام - كانت هذه الآلة أجدر الأعضاء باستعمال أنواع الحركات المظهرة ~~لأجناس الأصوات الدالة على المعاني التي # PageV01P033 # ذكرناها وقد بلغت عدة هذه الأصوات المفردة المقطعة بهذه الحركات المسماة ~~حروفا - ثمانية وعشرين حرفا في اللغة العربية. ثم ركبت كلها ثنائيا وثلاثيا ~~ورباعيا وجميعها متناهية محصاة لأن أصولها وبسائطها محصورة معدودة ~~فالمركبات منها أيضا محصورة معدودة. ولما كانت قسمة العقل توجب في هذه ~~الكلم إذا نظر إليها بحسب دلالتها على المعاني أن تكون على أحوال خمس لا ~~أقل منها ولا أكثر وجدت منقسمة إليها لا غير وهي: أن يتفق اللفظ والمعنى ~~معا أو يختلفا معا أو تتفق الألفاظ وتختلف المعاني أو تختلف الألفاظ وتتفق ~~المعاني أو تتركب اللفظة فيتفق بعض حروفها وبعض المعنى وتختلف في الباقي. ~~وهذه الألفاظ الخمسة هي التي عدها الحكيم في أول كتبه المنطقية وتكلم عليها ~~المفسرين وسموها المتفقة والمتباينة والمتواطئة والمترادفة والمشتقة وهي ~~مشروحة هناك ولكن السبب الذي من أجله احتيج إلى وضع الكلام يقتضى قسما ~~واحدا منها وهو أن تختلف الألفاظ بحسب اختلاف المعاني وهي المسماة ~~المتباينة فأما الأقسام الباقية فإن ضرورات دعت إليها وحاجات بعثت عليها ~~ولم تقع بالقصد الأول وسنشرح ذلك بعون الله وتوفيقه. وقد تقدم البيان أن ~~المعاني والأحوال ms002 التي تتصور للنفس كثيرة جدا وأنها بلا نهاية. فأما الحروف ~~الموضوعة الدالة بالتواطؤ والمركبات منها فمتناهية محصورة محصاة بالعدد. ~~ومن الأحكام البينة والقضايا الواضحة ببدائه العقول أن الكثير إذا قسم على ~~القليل اشتركت عدة منها في واحدة لا محالة فمن ههنا حدث الاتفاق في الإسم ~~وهو أن توجد لفظة واحدة دالة على معان # PageV01P034 # كثيرة كلفظة " العين " الدالة على العين التي يبصر بها وعلى عين الماء ~~وعين الركبة وعين الميزان والمطر الذي لا يقلع أياما وأشباهه من الأسماء ~~كثيرة جدا ولم يقع هذا الفعل المؤدي إلى الإلباس والإشكال وإلى الغلط ~~والخطأ في الأعمال والإعتقادات باختيار بل باضطرار طبيعي كما بينا وأوضحنا. ~~وعرض بعد ذلك أن أصحاب صناعة البلاغة وصناعة الشعر والسجع وأصحاب البلاغة ~~والخطابة هم الذين يحتاجون إلى الإقناعات العامية في مواقف الإصلاح بين ~~العشائر مرة والحض على الحروب مرة والكف عنها مرة وفي المقامات الأخر التي ~~يحتاج فيها إلى الإطالة والإسهاب وترديد المعنى الواحد على مسامع الحاضرين ~~ليتمكن من النفوس وينطبع في الأفهام - لم يستحسنوا إعادة اللفظة الواحدة ~~مرارا كثيرة ولا سيما الشاعر فإنه مع ذلك دائم الحاجة إلى لفظ يضعه مكان ~~لفظ دال على معناه بعينه ليصحح به وزن شعره ويعدل به أقسام كلامه. فاحتيج ~~لأجل ذلك إلى أسماء كثيرة دالة على معنى واحد. وهذا العارض الذي عرض ~~للألفاظ المترادفة كأنه مناصب للقصد الأول في وضع الكلام مخالف له وقد دعت ~~الحاجة إليه كما تراه ولولا حاجة الخطباء والشعراء وأصحاب السجع والموازنة ~~إليه لكان لغوا باطلا. ولما كانت المسألة متعلقة بهذين القسمين من الكلام ~~اقتصرنا على شرحهما وعولنا - بمن نشط للوقوف على الأقسام الأخر - على الكتب ~~المصنفة فيها لأهل المنطق لأنها مستقصاة هناك. وإذ قد فرغنا من التوطئة ~~التي رمناها أمام المسألة فإنا نأخذ في الجواب عنها فنقول: إن من الألفاظ ~~ما توجد متباينة وهي التي تختلف باختلاف المعنى وإليها كان القصد الأول ~~بوضع اللغة. # PageV01P035 # ومنها ما توجد متفقة، وهي التي تتفق فيها ألفاظ واحدة بعينها ومعانيها ~~مختلفة. ومنها ms003 ما توجد مترادفة وهي التي تختلف ألفاظها ومعانيها واحدة. ~~وهذان القسمان حدثا بالضرورة كما بينا. وربما وجدت ألفاظ مختلفة دالة على ~~معان متقاربة وإن كانت أشخاص تلك المعاني مختلفة وربما دلت على أحوال ~~مختلفة ولكنها مع اختلافها هي لشخص واحد فلأجل ذلك يستعملها الخطيب والشاعر ~~مكان المترادفة لموضع المناسبة والشركة القريبة بينها وإن كانت متباينة ~~بالحقيقة ومثال ذلك ما يوجد من أسماء الداهية فإنها على كثرتها نعوت مختلفة ~~ولكنها لما كانت لشيء واحد استعملت كأنها معنى واحد. وكذلك أسماء الخمر ~~والسيف وأشباهها. وأنت إذا أنعمت النظر واستقصيت الروية وجدت هذه الأشياء ~~مختلفة المعاني ولكنها لما كانت أوصافا لموصوف واحد أجريت مجرى الأسماء ~~الدالة على معنى واحد وذلك عند اتساع الناس في الكلام وعند حاجتهم إلى ~~التسمح وترك التكلف والتجوز في كثير من الحقائق. ولولا علمي بثقافة فطنتك ~~وإحاطة معرفتك وسرعة تطلعك بفهمك على ما أومأت إليه لتكلفت لك الفرق بين ~~معاني ألفاظ الخمر والشراب والشمول والراح والقهوة وسائر أسمائها. وبين ~~معاني ألفاظ السيف، والصمصام، والحسام وباقي ألقابه ونعوته. وكذلك في أسماء ~~الدواهي ونعوتها. ولكني رأيت تجشم ذلك فضلا وإطالة وتكثيرا عليك بما لا ~~فائدة لك فيه. # PageV01P036 # فينبغي لنا إذا وجدنا ألفاظا مختلفة ومعانيها متفقة أو متقاربة أن ننظر ~~فيها فإن نبهنا على موضع خلاف في المعاني حملنا تلك الألفاظ على مقتضى ~~اللغة وموجب الحكمة في وضع الكلام فنجعلها من الألفاظ المتباينة التي ~~اختلفت باختلاف المعاني. وهي السبيل الواضحة والطريقة الصحيحة التي يسقط ~~معها سؤال السائل وشك المتشكك. فإن لم يقع لنا موضع الخلاف في المعاني ولم ~~يدلنا عليه النظر حملناه على الأصل الآخر وصرفناه إلى القسم الذي بيناه ~~وشرحناه من الضرورة الداعية في الشعر والخطابة إلى إستعمال الألفاظ الكثيرة ~~الدالة على معنى واحد. فلما وجدت المسائل التي صدرت في هذه الرسالة قد مثل ~~فيها بألفاظ بعينها - تكلفت الكلام فيها ليستعان بها على نظائرها فإنها عند ~~التصفح كثيرة واسعة جدا والله الموفق. ### ||| أما الفرق بين العجلة والسرعة # فإن ~~العجلة على الأكثر ms004 تستعمل في الحركات الجسمانية التي تتوالى وأكثر ما تجيء ~~في موضع الذم فإنك تقول للرجل: عجلت علي وعجل فلان على فلان فيعلم منه أنه ~~ذم وأنت لا تفهم هذا المعنى من أسرع فلان. وأيضا فإنك لا تستعمل الأمر من ~~العجلة إلا لأصحاب المهن الدنية ولا تقوله إلا لمن هو دونك. فأما السرعة ~~فإنها من الألفاظ المحمودة وأكثر ما تجيء في الحركات غير الجسمانية وذاك ~~أنك تقول فلان سريع الهاجس وسريع الأخذ للعلم وقد أسرع في الأمر وأسرع في ~~الجواب [اي] {والله سريع الحساب} [\ اي] وفرس فلان أسرع من الريح وأسرع من ~~البرق. # PageV01P037 # ويقال في الطرف سريع وفي القضاء سريع والفلك سريع الحركة ولا يستعمل بدل ~~هذه الألفاظ عجل ولا تنصرف لفظة العجلة في شيء من هذه المواضع. وهذا فرق ~~واضح ولكن الإتساع في الكلام وتقارب المعنيين يحمل الناس على وضع إحدى ~~الكلمتين مكان الأخرى. ### ||| وأما قولهم سر فلان وفرح وأشر ومرح # فإن الفرق بين ~~السرور والفرح وبين الأشر والمرح ظاهر فإن الأشر والمرح لا يستعملان إلا في ~~الذم والعيب وأما السرور والفرح فليسا من ألفاظ الذم. ووضوح الفرق ههنا ~~أظهر وأبين من أن يحتاج فيه إلى تكلف شرح وبيان. فأما السرور والفرح وإن ~~كانا متقاربين في المعنى فإن أحدهما وهو السرور لا يستعمل إلا إذا كان ~~فاعله بك غيرك. وأما الفرح فهو حال تحدث بك غير فاعل وتصريف الفعل منهما ~~يدل على صحة ما ذكرناه وذلك أنك تقول: سررت وسر فلان ولا يستعمل فيه إلا ~~لفظ فعل الذي هو وإن لم يسم فاعله فهو فعل غيرك. ### ||| وأما بعد فلان ونزح # فبينهما أيضا فرق وذلك أن البعد في المسافات على أنواع وإن كان يجمعها هذا ~~الاسم فإن الأخذ في الطول والعرض والعمق مختلف الجهات وإن كان الجنس واحدا ~~فلما اختلفت الجهات وكانت كل واحدة منها خلاف الأخرى - وجب أن تختلف ~~الألفاظ الدالة عليها. # PageV01P038 # فلفظة البعد: وإن كان كالجنس مستعملة في كل واحدة من الجهات فإنه يختص ~~بالأخذ طولا. وأما لفظة نزح ms005 فإنه يختص بالأخذ عمقا فأصله في البئر وما جرى ~~مجراها من العمق ثم حملهم الإتساع في الكلام - وأن العمق أيضا بعد ما - على ~~أن أجروه مجرى الطول. ### ||| وأما هزل فلان ومزح # فبينهما فرق وذلك أن الهزل هو ضد ~~الجد وهو مذموم. فأما المزح فليس بمذموم: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يمزح ولا يقول إلا حقا ولم يكن يهزل. ويقال: فلان حسن الفكاهة مزاح يوصف به ~~ويمدح فإذا هزل عيب وذم. ### ||| فأما قولهم: حجب فلان وصد # فإن الحجاب معنى سابق ~~وكأنه سبب للصدود ولما كان الصدود هو الإعراض بالوجه - وإنما يقع هذا الفعل ~~بعد الحجاب منه - صار قريبا فاستعمل مكانه وبين المعنيين تفاوت. فأما ~~الألفاظ الأخر التي ذكرت بعد فإن المتأمل لها يعرف الفرق بينهما بأدنى تأمل ~~ولذلك تركت الكلام فيها إذ كان أعطى أصله من عطا يعطو وإنما عدى بالهمزة ~~كما تقول قام فلان وأقامه غيره. وأما ناول فهو فاعل من النول وحاول فعل من ~~الحول. وهذه الأشياء من الظهور بحيث يستغني عن الكلام فيها. ### ||| وأما قولهم جلس فلان وقعد # فإن الهيئة وإن كانت واحدة فإن الجلوس لما كان بعقب اتكاء ~~واستلقاء # PageV01P039 # والقعود لما كان بعقب قيام وانتصاب - أحبوا أن يفرقوا بين الهيئتين ~~الواقعتين بعقب أحوال مختلفة. والدليل على أنهم خالفوا بين هاتين اللفظتين ~~لأجل الأحوال المختلفة قبلهما أنك تقول: كان فلان متكئا فاستوى جالسا ولا ~~تقول استوى قاعدا. ولست أقول: إن هذا الحكم واجب في كل لفظتين مختلفتين إذا ~~دلتا على معنى ولا هو حتم عليك ولا ضربة لا زب لك بل قد قدمنا أما هذه ~~المسألة ما جعلنا لك فيه فسحة تامة ورخصة واسعة: إذا لم تجد الفرق واضحا ~~بينا أن تذهب بهما إلى الاتفاق في الاسم الذي هو أحد أقسام الألفاظ التي ~~عددناها. ثم قلت في آخر المسألة: ### ||| ما الفرق بين المعنى والمراد والغرض # وبينهما فروق بينة وذلك أن المعنى أمر قائم بنفسه مستقل بذاته وإنما يعرض ~~له بعد أن يصير مرادا وقد يكون معنى ولا ms006 يكون مرادا. فأما الغرض فأصله ~~المقصود بالسهم ولكنه لما كان منصوبا لك تقصده بالحركة والإرادة صار كالغرض ~~للسهم فاستعملت هذه اللفظة ههنا على التشبيه. وأما قولك في خاتمة المسألة: ~~ما الذي أوضح الفرق بين نطق وسكت وألبس الفرق بين سكت وصمت فما أعجبه من ~~مطالبة وأغربه من مسألة! كيف لا يكون الفرق بين المتضادين اللذين هما في ~~الطرفين والحاشيتين وأحدهما في غاية البعد من # PageV01P040 # الآخر، أوضح من الشيئين المتقاربين اللذين ليس بينهما إلا بعد وأمد قريب ~~يخفى على الناظر إلا بعد حده النظر واستقصاء التأمل على أن الفرق بين صمت ~~وسكت أيضا غير ملتبس لأن السكوت لا يكون إلا من متكلم ولا يقع إلا من ناطق. ~~وأما الصمت فليس يقع إلا عن نطق لا محالة لأنه يقال: جاء فلان بما صاء وصمت ~~يعني به ضروب المال الحي منه والجماد. ولا يقال في المال: صامت إلا لما كان ~~غير ذي حياة ولا نطق ولا صوت كالذهب والفضة وما جرى مجراها من الجمادات. ~~وأما المال الذي هو ماشية وحيوان فلا يقال له: صامت ولا يقال للصامت من ~~المال ساكت لأن السكوت إنما يكون عن كلام أو صوت. وقد يقال في الثوب إذا ~~أخلق: سكت الثوب وإنما ذلك على التشبيه كأنهم لما وجدوه جديدا يصوت ويقعقع ~~شبهوه بالمتكلم ثم لما أمسك عند الإخلاق شبهوه بالساكت وهذا من ملح الكلام ~~وطرف المجاز. ### | (مسألة خلقية # لم تحاث الناس على كتمان الأسرار) # وتبالغوا في أخذ العهد به وحرجوا من الإفشاء وتناهوا في التواصي بالطي ~~ولم تنكتم مع هذه المقامات وكيف فشت وبرزت من الحجب المضروبة حتى نثرت في ~~المجالس وخلدت في بطون الصحف وأوعيت الآذان ورويت على الزمان؟ # PageV01P041 # ومن أين كان فشوها مع الإحتياط في طيها نعم ومع الخوف العارض في نشرها ~~والندم الواقع من ذكرها والمنافع الفائتة والعواقب المخوفة والأسباب ~~المتلفة ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين في المباحث ~~الفلسفية أن للنفس قوتين فهي بالقوة الآخذة تستثيب المعارف وتشتاق إلى تعرف ~~الأخبار ms007 وبها يوجد الصبيان أول نشوئهم محبين لسماع الخرافات فإذا تكهلوا ~~أحبوا معرفة الحقائق. وهذه القوة هي انفعال وشوق إلى الكمال الذي يخص ~~النفس. وهي بالقوة المعطية تفيض على غيرها ما عندها من المعارف وتفيده ~~العلوم الحاصلة لها وهذه القوة ليست انفعالا بل فاعلة. وهاتان القوتان ~~موجودتان للنفس بالذات لا بالعرض. فكل إنسان يحرص بإحدى قوتيه على الفعل ~~وهو الإعلام وبالأخرى على الانفعال وهو الاستعلام. ولما كان ذلك كذلك لم ~~يمكن أن ينفعل المنفعل ولا يفعل الفاعل ولا أن يفعل الفاعل ولا ينفعل ~~المنفعل لأنهما جميعا للنفس بالذات. فقد ظهر السبب الداعي إلى إخراج السر ~~وهو أن النفس لما كانت واحدة واشتاقت بإحدى قوتيها إلى الاستعلام واشتاقت ~~بالأخرى إلى الأعلام - لم ينكتم سر بتة. وهذا هو تدبير إلهي عجيب ومن أجله ~~نقلت الأخبار القديمة وحفظت قصص الأمم وعني المتقدمون بتدوين ذلك وحرص ~~المتأخرون على نقله وقراءته. ولذلك ضرب الحكماء فيه المثل، وحزموا عليه # PageV01P042 # القول وقطعوا به الحكم وقالوا: لا ينكتم سر وإنما يتقدم ظهوره أو يتأخر. ~~وتقول العامة: أي شيء ينكتم ثم تقول في الجواب: ما لا يكون. فحقيق على صاحب ~~السر أن يستودعه إلا القادر على نفسه والقاهر لنزواتها عند حركاتها ~~وشهواتها بل المجاهد لها المعتاد عند الجهاد غلبها وقهرها. وإنما يتم ~~للإنسان ذلك بخاصة قوة العقل الذي هو أفضل موهبة الله تعالى وأكبر نعمة له ~~على العبد وبه فضل الإنسان على سائر الحيوان. ولولا هذا الجوهر الكريم الذي ~~هو مسيطر على النفس ومشرف عليها لكان الإنسان كسائر الحيوانات غير الناطقة ~~في ظهور قوى النفس منه مرسلة من غير رقبة ومهملة بغير رعية ولكنه بهذا ~~الجوهر النفيس في جهاد للنفس عظيم. ومعنى قولي هذا أن الإنسان دائما في ~~جهاد النفس بقوة عقله لأنه محتاج إلى ردعها به وإلى ضبطها ومنعها من ~~شهواتها الردية حتى لا يصيب منها إلا بمقدار ما يطلقه العقل ويحده لها وما ~~يرسمه ويبيحه إياها. ومن لم يقم بهذا الجهاد مدة عمره فليس ممن له حظ في ms008 ~~الإنسانية بل هو خليع كالبهيمة المهملة وإذا انحط الإنسان عن رتبته العالية ~~إلى رتبة ما هو أدنى منه فقد خسر نفسه ورضى لها بأخسر المنازل هذا مع كفره ~~نعمة الله ورده الموهبة التي لا أجل منها وكراهيته جوار بارئه ونفوره من ~~قربه. وقد شرح الحكماء هذا المعنى واستقصوه وعلموا الناس جهاد النفس في كتب ~~الأخلاق فمن اشتاق إلى معرفة ذلك فليأخذ من هناك. فانفعالات النفس وأفعالها ~~بحسب قوتها كثيرة وهي الشهوات # PageV01P043 # الموجودة في الناس وليس يخلو منها البشر ولكنها فيهم بالأكثر والأقل ~~فمجاهدة العقلاء لها مختلفة والجهال هم المسترسلون فيها غير المجاهدين لها. ~~وإخراج السر من جملة هذه الشهوات وهو متعلق بالإخبار والإعطاء إذا كان لحفظ ~~السر هذا الموقع من المجاهدة للنفس لأنها تحرص في إظهاره على أمر ذاتي لها ~~وإنما يقمعها العقل ويمنعها - فأخلق به أن يكون صعبا شديدا جاريا مجرى غيره ~~من شهوات النفس التي يقع الجهاد فيها. وربما وجدت إحدى هاتين القوتين في ~~بعض الناس أقوى والأخرى أضعف فإن من الناس من يحرص على الحديث ومنهم من ~~يحرص على الاستماع ومنهم الضنين بالعلم ومنهم السمح به ومنهم الحريص على ~~التعلم والاستفادة ومنهم الكسلان عنه وعلى هذا يوجد بعضهم أحرص وكان لنا ~~صديق صاحب السلطان قريب المنزلة منه فكان يقول لصاحبه: إذا كان لك سر تحب ~~كتمانه وتكره إذاعته فلا تطلعني عليه ولا تجعلني موضعه ولا تبلني بحفظه ~~فإنه أجد له في صدري وخزا كوخز الأشافي ونخس الأسنة. وسمعته يقول: اطلعت ~~على سر للوزير فجعل لي على كتمانه وطية مالا وألطافا حملت إلي في الوقت ~~فعزمت على الوفاء له وحدثت نفسي به ووطنتها عليه فبت بليلة السليم وأصبحت ~~وقيذا فلم أجد حيلة لما أجد من الكرب غير أني ذهبت إلى ناحية من الدار ~~خالية فيها دولاب خراب فنحين من كان حولي ثم قلت: أيها الدولاب من الأمر ~~والقصة # PageV01P044 # كذا وكذا. وأنا والله أجد من الراحة ما يجده المثقل بالحمل إذا خفف عنه ~~وكأنني فرغته من وعاء ضيق إلى ms009 أوسع منه ثم لم ألبث أن عادت الصورة في ثقله ~~وجثومه على قلبي إلى أن كفيته بظهوره من جهة غيري. وهذا الذي قد نثره الرجل ~~قد نظمه الآخر فقال: ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أدع الأسرار تغلي على ~~قلبي فإن قليل العقل من بات ليلة تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب. يروي: # وإن غبين الرأى. # وقد سبق المثل المضروب بالملك الذي كأن أذنه أذن حمار فإن صاحب ~~ذلك المثل أراد أن يبالغ في الوصاة بحفظ السر فأخبر أن الشجر والمدر غير ~~مأمون على السر وأنه ينم به فكيف الحيوان وهذا ما تقول العامة: للحيطان ~~آذان. وأما قول الشاعر: وإخوان صدق لست مطلع بعضهم على سر بعض غير أني ~~جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها. وقول ~~الآخر: وأكتم السر فيه ضربة العنق. فكلام لا يصح ودعوى لا تثبت فاسمعه ~~سماعا وإياك والإغترار به. ### | (مسألة مركبة من أسرار طبيعية وحروف لغوية) # وهي: لم ثار اسم من الأسماء أخف عند السماع من اسم حتى إنك لتجد الطرب ~~يعترى سامع ذاك أنا رأيت بعض من كان يهوى البحتري ويخف لحديثه ويتعصب ~~لقريضه يقول: ما أحسن تشبيب البحتري بعلوة وما أحسن اختياره علوة. # PageV01P045 # ولا وهذا عارض موجود في الأسماء والكنى والشمائل والحلى والصور والبني ~~والأخلاق والخلق والبلدان والأزمان والمذاهب والمقالات والطرائق والعادات. ~~وإذا بحثت عن هذا الباب فصله بالبحث عما ثقل على النفس والسمع والطبع من ~~هذه الأشياء فإنه إن كان قبولها لعلة فمجها لعلة وإن كان وصالها لسبب ~~فصدودها لسبب. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الاسم مركب من ~~الحروف والحروف عددها ثمانية وعشرون وتركيبه يكون ثنائيا وثلاثيا ورباعيا ~~وخماسيا. والأولى في جواب هذه المسألة أن نتكلم في الحروف المفردة التي هي ~~بسائط الأسماء ثم بعد ذلك في الأسماء المركبة منها ليبين موضع استحلاء ~~السامع للحروف المفردة ثم لمزج هذه الحروف وتركيبها ثم لوضع اللفظة إلى ~~جانب اللفظة حتى تصير منها خطبة أو بيت شعر أو غير ذلك ms010 من أقسام الكلام فإن ~~مثل ذلك العقود والسموط المؤلفة من خرزات مختلفة في القد واللون والجوهر ~~والخرط. وقد علم أن للعقد المنظوم من النفس ثلاثة مواضع: أحدها مفردات تلك ~~الخرز واختيار أجناسها وجواهرها. والثاني موقع النظم الذي يجعل للحبة إلى ~~جانب الحبة قبولا آخر وموضعا من النفس ثانيا. وإذا كان هذا المثال صحيحا ~~وكانت الحروف الأصلية كالخرز وهي مختلفة اختلافا طبيعيا لا صنع فيها للبشر ~~ولا يظهر فيها أثر # PageV01P046 # للصناعة ولا ريبة للحذق والمهارة - كان القسمان الباقيان من النظم ~~والتركيب هما موضع الصناعة وفيهما يظهر أثر الإنسان بالحذق وجوده البصر ~~والثقافة. وبيان ذلك: أن الحروف الثمانية والعشرين يطلع كل واحد منها من ~~مطلع غير مطلع الآخر وذلك من أقصى الرئة إلى أدنى الفم على ما قسمه أصحاب ~~اللغة وبينه الخليل وغيره وعلى خلاف بينهم في مخارجها ومواضعها وموضعنا هذا ~~لا يليق بشرح هذا الكلام فإنه يعوقنا عن قصدنا وبغيتنا. ونقول: إن الصوت ~~إنما يتم بآلة هي الرئة وقصبتها لأنها مستطرق الهواء والصوت إنما هو اقتراع ~~في الهواء ولما لم يكن للهواء طريق في الإنسان إلا من الرئة وقصبتها ~~والمدخل إليها من الفم ولا مخرج له إلا من هذه الجهة - جعل اىقتراع - الذي ~~هو الصوت - في هذه المسافة حسب فبعض الأصوات أقرب إلى الرئة وأبعد من الشفة ~~وبعضها أقرب إلى الشفة وأبعد من الرئة والوسائط بين هذين الموضعين كثيرة. ~~فالنفس وهو الهواء إذا خرج من الرئة إلى أن يبلغ الشفة له مسافة بين أقصى ~~الحلقوم وبين منتهى الفم والإنسان مقتدر على تقطيع هذا الهواء بالاقتراعات ~~المختلفة غي طول هذه المسافة فيخرق هذا الهواء مرة في أقصى الحلق ومرة في ~~أدناه ومرة في غار الفم إلى أن يصير لها ثمانية وعشرين موضعا. ومثال ذلك ~~مثل مزمار فيه ثقب متى أطلق الإنسان فيه النفس وخرق موضعا بإصبع إصبع ~~اختلفت الأصوات في السمع بحسب قربه وبعده. ولا يكون المسموع من الاقتراع ~~الذي يحدث عند الثقب الأخير المسموع من الاقتراع الذي يحدث عند الثقب ~~الأول. ms011 وكذلك سائر الاقتراعات التي بين هذين الثقبين مختلفة المواقع من # PageV01P047 # السمع لا يشبه واحد الآخر فيقال لبعضها: حاد ولبعضها: حلو ولبعضها: جهير ~~ولبعضها: لين. وكل واحد من هذه الأصوات له أثر في النفس وموقع منها ومشاكلة ~~لها. وليس للسائل أن يكلفنا بحسب هذا البحث الذي نحن فيه أن نتكلم في سبب ~~قبول النفس بعض الأصوات أكثر من بعض لأن هذا النظر والبحث يتعلق بصناعة ~~الموسيقى ومبانيها ومعرفة أقدار النغم المختلفة بالنسب التي هي نسبة ~~المساواة ونسبة الضعف ونسبة الضعف والنصف وأشباهها. وهذه النسب بعضها أقرب ~~إلى قبول النفس من بعض حتى قال بعض الأوائل: إن النفس مركبة من عدد تأليفي. ~~فلما كانت قصبة الرئة كقصبة المزمار وتقطيع الحروف فيها كخرق الصوت ~~بالمزمار في موضع بعد موضع وكانت الأصوات في المزمار مختلفة القبول عند ~~النفس - كانت الحروف كذلك أيضا لا فرق بينها وبينها بوجه ولا سبب. فقد بان ~~أن الحروف أنفسها مفردة لها مواقع من النفس مختلفة فبعضها أوقع عندها من ~~بعض. وإذا كانت بهذه الصفة وهي مفردات وبسائط كان تركيبها أيضا مختلفا في ~~قبول النفس سوى أن للتركيب والتأليف تعلقا بالصناعة كما ضربنا به المثل في ~~نظم الخرز ونظم الأصوات في الموسيقى لأن الموسيقار ليس يعمل أكثر من تأليف ~~هذه الأصوات بعضها إلى بعض على النسب الموافقة للنفس. # PageV01P048 # فمؤلف الحروف يجب أن يؤلفها أيضا ويمزجها مزجا موافقا من الثنائي ~~والثلاثي وغيرهما إذا أحب أن يكون لها قبول من النفس. فقد تبين إلى هذا ~~الموضع سبب خلاف هذه الحروف مفردة ثم مركبة وأنه بحسب هذا البيان يجب أن ~~يكون بعض الأسماء أحسن من بعض وأعذب في السمع وأقرب إلى قبول النفس وبقي ~~الاعتبار الثالث الذي هو نظم الكلم بعضه إلى بعض ووضعه في خواص مواضعه ~~ليصدق المثال الذي ضربناه في الخرز والعقود ثم وضع كل عقد حيث يليق به. ~~وههنا تظهر صناعة الخطابة والبلاغة والشعر وذلك أنه إذا اختار المختار ~~الحروف المؤلفة بالأسماء حتى لا يكون فيها مستكره ولا مستنكر ووضعها ms012 من ~~النظم في مواضعها ثم نظمها نظما آخر - أعني وضع الكلمة إلى جنب الكلمة - ~~موافقا للمعنى غير قلق في المكان ولا نافر عن السمع - فقد استتمت له ~~الصناعة إما شعرا وإما خطبة وإما غيرهما من أقسام الكلام. ومتى دخل عليه ~~الخلل في أحد هذه المواضع الثلاثة اختلت صناعته وأبت النفس قبول ما نظمه من ~~الكلام بحسب ذلك. فقد لخصنا وشرحنا هذه المسألة تلخيصا وشرحا كافيا إن شاء ~~الله. فأما سؤالك في آخر مسألتك أن أصل هذا البحث بالبحث عما ثقل على النفس ~~والسمع والطبع فقد فعلت ذلك فظهر في أثناء كلامي وذلك أنه إذا بان سبب أحد ~~الضدين بان سبب الضد الآخر. والأصوات المستكرهة التي ليس لها قبول في النفس ~~كثيرة ولا عناية للناس بها فتؤلف وإنما تجدها مفردة بالاتفاق كصرير الباب ~~وصوت الصفر إذا جرده الصفار وما أشبههما. # PageV01P049 # فإن النفس تتغير من هذه فتقشعر وربما قام له شعر البدن حدث بالنفس منه ~~دوار حتى ينكر الإنسان حاله. وهو معروف بين. ### | (مسألة اختيارية # لم تواصى الناس في جميع اللغات والنحل وسائر العادات) # والملل بالزهد في الدنيا والتقلل منها والرضا بما زجا به الوقت وتيسر مع ~~الحال هذا مع شدة الحرص والطلب وإفراط الشره والكلب وركوب البر والبحر بسبب ~~ربح قليل ونائل نزر حتى إنك لا تجد على أديمها إلا متلفتا إلى فانيها حزينا ~~أو هائما على حاضرها مفتونا أو متمنيا لها في المستقبل معنى وحتى لو تصفحت ~~الناس لم تجد إلا منحسرا عليها أو متحيرا فيها أو مسكرا # PageV01P050 # منها. وأشرفهم عقلا أعظمهم خبلا وأشدهم فيها إزهادا أشدهم بها انعقادا ~~وأكثرهم في بعضها دعوى أكثرهم في حبها بلوى. وهات السبب في ذلك والعلة وعلى ~~ذكر السبب والعلة فما السبب والعلة وما الواصل بينهما إن كان واصل وهل ينوب ~~أحدهما عن الآخر وإن كانت هناك نيابة أفهي في كل مكان وعلى ذكر المكان ~~والزمان ما الزمان وما المكان وما وجه التباس أحدهما بالآخر وما نسبة ~~أحدهما بالآخر وهل الوقت والزمان واحد والدهر ms013 والحين واحد وإن كان كذا فكيف ~~يكون شيئآن شيئا وإن جاز أن يكون شيئآن شيئا واحدا هل يجوز أن يكون شيء ~~واحد شيئين اثنين هذا - أيدك الله - فن ينشف الريق ويضرع الخد ويجيش النفس ~~ويقيىء المبطان. ويفضح المدعى ويبعث على الإعتراف بالتقصير والعجز ويدل على ~~توحيد من هو محيط بهذه الغوامض والحقائق ويبعث على عبادة من هو عالم بهذه ~~السرائر والدقائق وينهي عن التحكم والتهانف ويأمر # PageV01P051 # بالتناصف والتواصف ويبين أن العلم بحر وفائت الناس منه أكثر من مدركه ~~ومجهوله أضعاف معلومة وظنه أكثر من يقينه والخافي عليه أكثر من البادي وما ~~يتوهمه فوق ما يتحققه والله تعالى يقول: [اي] {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شاء} [\ اي] فلو استمر المعلوم بالنفي لما علم شيء ولولا الإيضاح ~~بالإستثناء لما بقي شيء لكنه جل وهز نفى بلا على ما يقتضيه التوحيد وبقي ~~بإلا ما يكون حلية ومصلحة للعبيد. ثم أتبعت المسألة من تنقص الإنسان وذمه ~~وتوبيخه ما أستغنى عن أثباته. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه ~~المسألة موشحة بعدة مسائل طبعية وقد جعلتها مسألة واحدة ولعل التي صيرتها ~~أذنابا هي أشبه بأن تكون رؤوسا. وقد عرض لك # PageV01P052 # فيها عارض من العجب وسانح من التيه فخطرت خطران الفحل ومشيت العرضنة ~~ومررت في خيلائك ومضيت على غلوائك حتى أشفقت أن تعثر في فضل خطابك فلو تركت ~~هذا الغرض للمتكلم على مسائلك ووفرت هذا المرض على المجيب لك. ارفق بنا يا ~~أبا حيان - رفق الله - وأرخ من خناقنا وأسغنا ريقنا ودعنا وما نعرفه في ~~أنفسنا من النقص فإنه عظيم وما بلينا به من الشكوك فإنه كثير ولا تبكتنا ~~بجهل ما علمناه وفوت ما أدركناه فتبعثنا على تعظيم أنفسنا وتمنعنا من طلب ~~ما فاتنا فإنك - والله - تأثم في أمرنا وتقبح فينا أسأل الله أن لا يؤاخذك ~~ولا يطالبك ولا يعاقبك فإنك بعرض جميع ذلك إلا أن يعفو ويغفر فإنه أهل ~~التقوى وأهل المغفرة. أما أولى المسائل فالجواب عنها: أن الإنسان لما كان ~~مركبا ms014 من نفس وجسد واسم الإنسانية واقع على هذين الشيئين معا. # PageV01P053 # وأشرف جزأي الإنسان النفس التي هي معدن كل فضيلة وبها وبعينها يرى الحق ~~والباطل في الإعتقاد والخير والشر في الأفعال والحسن والقبيح في الأخلاق ~~والصدق والكذب في الأقاويل. وأما جزؤه الآخر الذي هو الجسم وخواصه وتوابعه ~~فهو أرذل جزأيه وأخسهما وذلك أنه مركب من طبائع مختلفة متعادية ووجوده في ~~الكون دائما لا لبث له طرفة عين بل هو متبدل سيال ولهذا سمى عالمه العالم ~~السوفسطائي. وهذه مباحث محققة مشروحة في مواضعها وإنما ذكرنا بها لحاجتنا ~~في جواب المسألة إليها. فإذا كان الإنسان مركبا من هذين الجزأين وممزوجا من ~~هاتين القوتين وكان أشرف جزأيه ما ذكرناه - وهو النفس التي ليس وجودها في ~~كون ولا هي متركبة من أجزاء متعادية متضادة بل هي جوهر بسيط بالإضافة إلى ~~الجسم وهي قوة إلهية غنية بذاتها - وجب أن يكون شغل الإنسان بهذا الجزء ~~أفضل من شغله بالجزء الآخر لأن هذا باق وذاك فان وهذا جوهر واحد وذاك جواهر ~~متضادة وهذا له وجود سرمدي وذاك لا وجود له إلا في الكون الذي لا ثبات له. ~~وفي عدنا فضائل النفس ونقائص الجسم خروج عن غرض هذه المسألة. والذي يكفي في ~~الجواب عن هذه المسألة بعد تقرير هذه الأصول والإقرار بها أن الإنسان إذا ~~أحس بهذه الفضائل التي في نفسه والرذائل التي في جسمه - وجب عليه أن يستكثر ~~من الفضائل ليرتقي بها إلى درجات الإلهيين ويقل العناية بما يعوق عنها. ~~ولما كان الشغل بالحواس وخصائص الجسم عائقا عن هذه الفضائل والعلوم الخاصة ~~بالإنسان استقبح أهل كل ملة الإنهماك فيه وصرف الهمة # PageV01P054 # والبال إليه وأمروا بأخذ قوته الذي لا بد له منه في مادة الحياة وصرف ~~باقي الزمان بالهمة إلى تلك الفضائل التي هي السعادة. وهذا المعنى يلوح ~~للناظر ويبين له بيانا جليا إذا نظر إلى فوق ما بين الإنسان وسائر ~~الحيوانات لأنه إنما فضلها بخاصة النفس لا بخواص الجسد لأن خواص الجسد ~~للحيوانات أتم وأغزر - وقد علم أن ms015 الإنسان أفضل منها - وأعنى بخواص الجسد ~~الأيد والبطش والقدرة على الأكل والشراب والجماع وما أشبه ذلك فإذا تمامية ~~الإنسان وفضيلته إنما هي بهذه المزية التي وجدت له دون غيره فالمستريد منها ~~أحق باسم الإنسانية وأولى بصفة الفضيلة ولهذا يقال: فلان كثير الإنسانية ~~وهو من أبلغ ما يمدح به. ومن أحب الاطلاع على تلك الأصول والاستكثار منها ~~وبلوغ غاية اليقين فيها فليأخذه من مظانه. فأما حرص الناس - مع شعورهم بهذه ~~الفضيلة - وكلبهم على الدنيا بركوب البر والبحر لأجل الملاذ الخسيسة فلأن ~~الجزء الذي فينا معاشر البشر من الجسم الطبيعي أقوى من الجزء الآخر. وعرض ~~لنا من تجاذب هاتين القوتين ما يعرض لكل مركب من قوى مختلفة فيكون الأقوى ~~أبدا ونحن وإن علمنا أن هذا كما حكيناه وتيقنا هذا المذهب تيقنا لا ريب فيه ~~فإنا في جهاد دائم فربما غلب علينا هذا الجزء وربما ملنا إلى الجزء الآخر ~~بحسب العناية وسأضرب في ذلك مثلا من العيان والحس وهو أن المريض والناقة ~~والخارج عن مزاج الاعتدال قد تيقن أنه بالحمية وترك الشهوات يعود إلى الصحة ~~والاعتدال الطبيعي وهو مع ذلك لا يمتنع من كثير من شهواته لشدة # PageV01P055 # جاذبتها له وغلبتها على صحيح عقله وثاقب فكره ونصيحة طبيبه حتى إذا فرغ ~~من مواقعه تلك الشهوة وأحس بالألم ندم ندامة يظن معها ألا يعاود أبدا ثم لا ~~يلبث أن تهيج به شهوة أخرى أو هي بعينها وهو في ذلك يعظ نفسه ويديم تذكيرها ~~الألم ويشوقها إلى الصحة ولا ينفعه وعظ ولا تذكير للعلة التي ذكرناها قبل ~~من شدة مجاذبة الشهوة الحاضرة حتى ينال شهوته ثانيا ثم هذه حال مستمرة به ~~ما دام مريضا. وكذلك هو أيضا في حالة الصحة يتناول من الشهوات ما يعلم أنه ~~يخرج عن مزاج الاعتدال ولا يأمن هجوم الأمراض عليه فيحمله سوء التحفظ وشدة ~~مجاذبة الطبيعة إلى مخالفة التمييز ومشاركة البهائم. فإذا رأيت هذا المثل ~~صحيحا ووجدته من نفسك ضرورة اطلعت على ما قدمناه وفهمته فهما بينا وعذرت من ~~زهدك في ms016 الدنيا وإن خالفك إليها ومن نصحك بتركها وإن أخذ هو بها فأما ما ~~اعترض في المسألة من ذكر السبب والعلة والمسألة عن الفرق بينهما فإن السبب ~~هو الأمر الداعي إلى الفعل ولأجله يفعل الفاعل. فإما العلة فهي الفاعلة ~~بعينها ولذلك صار السبب أشد اختصاصا بالأشياء العرضية وصارت العلة أشد ~~اختصاصا بالأمور الجوهرية. والحكماء قد أطلقوا لفظ العلة على الباري تقدس ~~اسمه وعلى العقل والنفس والطبيعة حتى قالوا: العلة الأولى والعلة الثانية ~~والثالثة والرابعة وقالوا أيضا: العلة القريبة والعلة البعيدة في أشياء ~~تتبينها من كتبهم. # PageV01P056 # وعلى أن هذه المسألة بجهة من الجهات تنحل إلى المسألة الأولى وتعود إليها ~~لأنها يجوز أن توجد في المتباينة اسماؤها بضرب من الاعتبار وفي المترادفة ~~أسماؤها بضرب آخر من الاعتبار وقد مر هذا الكلام مستقصى فلا وجه لإعادته. # وأما الزمان والمكان # فإن الكلام فيهما كثير قد خاض فيه الأوائل وجادل فيه ~~أصحاب الكلام الإسلاميون وهو أظهر من أن ينشف الريق ويضرع فيه الخد ولا ~~سيما وقد أحكم القول فيه الحكيم وناقص أصحاب الآراء فيهما وبين فساد ~~المذاهب القديمة وذكر رأى نفسه ورأى أستاذه في كتاب السماع الطبيعي وكل شيء ~~وجد لهذا الحكيم فيه كلام فقد شفى وكفى، وقد # PageV01P057 # فسر كلامه فضلاء أصحابه المفسرين، ونقل إلى العربية، وهو موجود. وأنا ~~أذكر نص المذاهب لما تقتضيه مسألتك في عرض المسألة الأولى وأترك الاحتجاج ~~لأنه مسطور وإذا دللت على موضعه فقرىء منه كان أولى من نقله إلى هذا المكان ~~نسخا. أما الزمان فهو مدة تعدها حركات الفلك. وأما المكان فهو السطح الذي ~~يجوز المحوي والحاوي. ### ||| # وأما الفرق الذي سألته بين الوقت والزمان والدهر ~~والحين فإن الوقت قدر من الزمان مفروض مميز من جملته مشار إليه بعينه. ~~وكذلك الحين هو مدة أطول من الوقت وأفسح وأبعد وإنما تقترن أبدا هاتان ~~اللفظتان بما يميزهما ويفصلهما من جملة الزمان الذي هو كل لهما فيقال: وقت ~~كذا وحين كذا فينسب إلى حال أو شخص أو ما أشبه ذلك. # PageV01P058 # فإذا أريد بهما الإبهام لا ms017 الإفهام قيل: كان كذا أو يكون كذا في حين أو ~~وقت فيعلم السامع أن المتكلم لم يؤثر تعيين الوقت والحين وهما لا محالة ~~معينان محصلان. فأما الدهر فليس من الزمان ولا الحين ولا الوقت في شيء ~~ولكنه أخص بالأشياء التي ليست في زمان ولا مقدرة بحركات الفلك لأنها أعلى ~~رتبة من الأمور الطبيعية. فأقول: نسبة الزمان إلى الأمور الطبيعية كنسبة ~~الدهر إلى الأمور غير الطبيعية أعنى ما هو وهذا القدر من الكلام كاف في ~~الإيماء إلى ما سألت عنه وإن أحببت التوسع فيه فعليك بالمواضع التي أرشدناك ~~إليها من كلام الحكيم ومفسري كتبه فإنه مستقصى هناك. وهذه المواضع - أبقاك ~~الله - إذا نظر فيها الإنسان وعرفها حق معرفتها تنبه على حكمة بارئها ~~ومبدئها وصارت أسبابا محكمة ودواعي قوية إلى التوحيد. وليس معرفتنا بها ~~وإحاطتنا بعلمها إلا من نعمة الله علينا وإفاضته الخير بها علينا وهي مما ~~شاء أن نحيط به من علمه ولم يكن علمنا بالزمان والمكان والوقت والآن إلا ~~كسائر ما علمناه الله. ووراء هذه المواضع سرائر ودقائق لا يبلغها العقل ~~الإنساني ولم يطمع في إدراكها أحد قط وهناك يحسن الاعتراف بالضعف البشري ~~والعجز الإنساني وسائر ما تكلم فيه أو حيان ورمى الإنسان به من الذلة ~~والقلة فيقعى حينئذ على أسته ويستحي من الفسولة والذل عند الحاجة إلى خالق ~~الخلق وبارئ الكل. # PageV01P059 # فأما هذه المواضع التي تكلمنا فيها فهي مواضع الشكر له والتحدث بنعمته ~~والتعجب من حكمته والاستدلال بها على جوده وقدرته وفيضه بالخير على بريته. ~~ومسألته الزيادة منها والحرص على نيل أمثالها بالنظر والفحص وإدامة الرغبة ~~إلى واهبها ومنيلها بإفاضة أشباهها وأشكالها مما هو موضوع للبشر وميسر لهم ~~وهم مندوبون له مبعوثون عليه بل أقول إنه مأخوذ على الإنسان الكامل بالعقل ~~ألا يقعد عن السعي والطلب لتكميل نفسه بالمعارف ولا يني ولا يفتر مدة عمره ~~عن الازدياد من العلوم التي بها يصير من حزب الله الغالبين وأوليائه ~~الفائزين الآمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فأما القوم الذين ms018 ~~يفنون أعمارهم في قنية الذهب والفضة ويجعلون سعيهم كله مصروفا إلى الأمور ~~الزائلة الفانية من اللذات الجسمانية والشهوات البدنية - فهم الذين قد ~~بعدوا من الله وصاروا من حزب الشيطان فوقعوا في الأحزان الطويلة والخوف ~~الدائم والخسوان المبين {} ! إذ كانوا أبدا من مطلوبهم على إحدى حالتين: ~~إما أسف على فائت ونزاع إليه أو لهف على مفقود وحزن عليه لأن الأمور التي ~~يطلبونها لا ثبات لها ولا نهاية لأشخاصها ولا وجود بالحقيقة لها وإنما هي ~~في الكون والإستحالة والتنقل بالطبع. نسأل الله الواحد الذي نخلص إليه ~~رغباتنا ونرفع أيدي نفوسنا له ونسجد بهممنا وعقولنا - أن يفيض علينا الخير ~~المطلوب منه الذي نشتاق إليه لذاته لا لغيره وأن ينير عقولنا لندرك بها ~~حقيقة وحدانيته وعجائب مبروءآته ويفضى بنا إلى السعادة القصوى التي خلقنا ~~لها من أقصر الطرق وأهدى السبل صراط الله المستقيم فإنه أهل ذلك ووليه ~~والقادر عليه. # PageV01P060 ### | مسألة اختيارية # لم طلبت بالدنيا بالعلم والعلم ينهى عن ذلك؟ # ولم يطلب العلم بالدنيا والعلم يأمر بذلك؟ وقد يقول من ضعفت غريزته وساء ~~أدبه جرؤ مقدمه: قد رأينا من ترك طلب الدنيا بالعلم ورأينا من طلب العلم ~~بالدنيا. فليعلم أن المسألة ما وضعت هناك ولا فرضت كذاك ولو سدد هذا ~~المعترض فكره عرف الفحوى ولحق المرمى ولم يعارض بادرا بشائع ولم يناقض ~~نادرا بذائع. ### || الجواب: # أما طلب الدنيا فضروري للإنسان لما ذكرناه فإن وجوده ~~بأحد جزأيه طبيعي ولا بد من إقامة هذا الجزء بمادته لأنه سيال دائم التحلل ~~ولا بد من تعويض ما يتحلل منه. ولم ينه العلم عن هذا المقدار فقد وإنما نهى ~~عن الزيادة على قدر الحاجة إذ كانت الزيادة مذمومة من جهات: أحدها أنها ~~تؤدي إلى تفاوت الجسم الذي سعينا لحفظ اعتداله. والثاني أنها تعوقنا عما هو ~~أخص بنا من حيث نحن ناس أعنى الجزء الآخر الذي هو فضيلة. فمن طلب بالعلم من ~~الدنيا قدر الحاجة في حفظ الصحة على الجسد فهو مصيب تابع لما يرسمه العقل ~~ويأمر به العلم. ومن طلب ms019 أكثر من ذلك فهو مفرط مسرف. وموضع الاعتدال من ~~الطلب هو الصعب وهو الذي ينبغي أن يلقى فيه أهل الحكمة والعلم وتقرأ له كتب ~~الأخلاق ليعرف الاعتدال فيلزم ويعرف الإفراط فيحذر. ولا بد مه هذه الجملة ~~التي ذكرناها - وإن دللنا فيها على المواضع التي # PageV01P061 # يرجع إليها من أدنى كشف وبيان فنقول: إن الناس لما اختلف نظرهم بحسب ~~جزئهم: فناظر إلى الطبيعة وناظر إلى العقل وناظر فيهما معا - اختلفت ~~مقاصدهم وصارت أفعالهم تلقاء نظرهم. وقد علم أن الناظر في أحد جزأيه دون ~~الآخر مخطىء لأنه مركب منهما معا والناظر فيهما مصيب إذا قسط لكل واحد ~~منهما قسطا من نظره وجعل له نصيبا من سعيه على قدر استحقاق كل واحد منهما ~~ويحسب رتبته من الشرف والضعة. أما الناظرون بحسب الجزء الطبيعي فإنهم ~~انحطوا في جانب الطبيعة وانصرفوا بجميع قوتهم إليها وجعلوا غايتهم القصوى ~~عندها ولذلك جعلوا العقل آلة في تحصيل أسبابها وحاجاتهم فاستعبدوا أشرف ~~جزأيهم لأخسهما كمن يستخدم الملك عبده. وأما الناظرون بحسب الجزء العقلي ~~فإنهم أغفلوا النظر في أحد جزأيهم الذي هو طبيعي لهم ونظروا نظرا إلهيا ~~فطمعوا - وهم ناس مركبون - أن ينفردوا بفضيلة العقل غير مشوب بنقص الطبيعة ~~فاضطروا لأجل ذلك إلى إهمال الجسد وهو مقرون بهم والضرورة تدعو إلى مقيماته ~~من المصالح أو إلى إزاحة علته في حاجاته وهي كثيرة فظلموا أنفسهم وظلموا ~~أبناء جنسهم. أما ظلمهم لأنفسهم فتركوا النظر لأحد قسميهم الذي به قوامهم ~~حتى التمسوا مصالحها بتعب آخرين فظلموهم بترك المعاونة إياهم والعدل بأمر ~~بمعونة من يسترفد معونته والتعب لمن يأخذ ثمرة تعبه. وبهذه المعاونة تتم ~~المدينة ويصلح معاش الإنسان الذي هو مدني # PageV01P062 # بالطبع، وهؤلاء هم الذين تسموا بالزهاد وهم طبقات وفي الفلاسفة منهم قوم ~~وفي أهل الأديان والمذاهب والأهواء منهم طوائف وفي شريعتنا الإسلام منهم ~~قوم وسموا أنفسهم بالصوفية وقال منهم قوم بتحريم المكاسب. وإذ قد بينا غلط ~~الناظر في أحد جزأيه دون الآخر، فلنذكر المذهب الصحيح الذي هو الناظر في ~~الجزأين معا وإعطاء كل واحد ms020 منهما قسطه طبيعية وعقلا فنقول: إن الإنسان كما ~~ذكرناه هو مركب من هاتين القوتين لا قوام له إلا بهما فيجب أن يكون سعيه ~~نحو الطبيعي منهما والعقلي معا. أما السعي الطبيعي فغاية الإنسان فيه حفظ ~~الصحة على بدنه والاعتدال على مزاج طبائعه لتصدر الأفعال عنه تامة غير ~~ناقصة وذلك بالتماس المآكل والمشارب والنوم واليقظة والحركة والسكون ~~والاعتدال في جميع ذلك إلى سائر ما يتضل بها من الملبس والمسكن الدافعين ~~أذى القر والحر والأشياء الضرورية للبدن ولا يلتمس غاية سواها أعني التلذذ ~~والاستكثار من قدر الحاجة لطلب المباهاة واتباع النهمة والحرص وغيرهما من ~~الأمراض التي توهم أن غاية الإنسان هي تلك. وأما سعيه العقلي فغايته فيه ~~أيضا حفظ الصحة على النفس لأنها ذات قوى. ولها أمراض بتزيد هذه القوى بعضها ~~بعض وحفظ الاعتدال هو طبها والاستكثار من معلوماتها هو قوتها وسبب بقائها ~~السرمدي وسعادتها الأزلية. وفي شرح كل واحد من هذه الفضائل طول وهذا القدر ~~من الإيماء كاف. فليكن الإنسان ساعيا نحو هذين الجزأين بما يصلح كل واحد # PageV01P063 # منهما وليحفظ على نفسه الاعتدال فيهما من غير إفراط ولا تفريط فإنه حينئذ ~~كامل فاضل لا يجد عليه أحد مطعنا إلا سفيه لا يكترث له أو جاهل لا يعبأ به ~~وبالله التوفيق. ### | (مسألة طبيعية # ما السبب في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره) # حتى إنه ليحن حنين الإبل ويبكي بكاء المتململ ويطول فكره بتخيله ما سلف ~~وبهذا المعنى هتف الشاعر فقال: وقال الآخر: رب يوم بكيت منه فلما صرت في ~~غيره بكيت عليه. وقال الآخر: وأرجو غدا فإذا ما أتى بكيت على أمسه الذاهب. ~~هذا العارض يعترى إن كان الماضي من الزمان في ضيق وحاجة وكرب وشدة وما ذاك ~~كذاك إلا لسر للنفس الإنسان غير شاعر به ولا واجد له إلا إذا طال فحصه وزال ~~نقصه واشتد في طلب تشميره واتصل في اقتباس الحكمة رواحه وبكوره وكانت ~~الكلمة الحسناء أشرف عنده من الجارية العذراء والمعنى المقوم أحب إليه من ~~المال المكوم وعلى ms021 قدر عنايته يحظى بشرف الدارين ويتحلى بزينة المحلين. ### || الجواب: # قال أبو مسكويه - رحمه الله - ليس يشتاق إلى الشباب والصبا إلا أحد ~~رجلين: إما فاقد شهواته ولذاته التي سورتها وحدتها وقت # PageV01P064 # الشباب. وإما فاقد صحته في السمع والبصر أو بعض أعضائه التي قوتها ~~ووفورها زمن الصبا وحين الحداثة. والمعنى الأول أكثر ما يتشوق فإن المكتهل ~~والمجتمع ومن بلغ الأشد الذي لا ينكر شيئا من حواسه - يتشوق إلى الصبا ~~والشيخ لا يعدم من نفسه ورأيه وعقله شيئا مما كان يجده في شبابه واللهم إلا ~~أن يهرم ويلحقه الخرف فحينئذ لا يذكر بشيء من التشوق ولا يوصف به ولا يحتج ~~برأيه. وههنا سبب ثالث يشوق إلى الصبا وهو أن الأمل حينئذ في البقاء قوي ~~وكأن الإنسان ينتظر أمامه حياة طويلة فكلما مضى منها زمان تيقن أنه من أمده ~~المضروب وعمره المقسوم فاشتاق إلى أن يستأنف به طمعا في البقاء السرمدي ~~الذي لا سبيل للجسد الفاني إليه. إلا المعنى الأول هو الذي ذهب إليه ~~الشعراء فأكثروا فيه وقد صرحوا به وذكروه في أشعارهم. والمتشوق إلى شهواته ~~صورته عند الحكماء صورة من أعتق فاشتاق إلى الرق أو صورة من أفلت من سباع ~~ضارية كانت مقرونة به فاشتاق إلى معاودتها. وذلك أن الشاب تهيم به قوى ~~الطبيعة عنده الشهوة وعند الغضب حتى تغمر عقله فلا يستشير لبه ولا يكاد ~~يظهر أثر العقل عليه إلا ضعيفا. وقد بينا فيما تقدم من المسائل أن فضيلة ~~الإنسان وشرفه في الجزء الألهي منه وإن كان الجزء الآخر ضروريا له. فقد بان ~~أن السن التي تضعف فيها قوى الطبيعة حتى يقتدر عليها العقل فيزمها ويجرها ~~ذليلة طائعة غير متأبية ولا هائجة - أفضل الأسنان # PageV01P065 # والرجل الفاضل الصالح لا يشتاق من أشرف أسنانه إلى أخسها. والدليل البين ~~على أن الأمر على ما حكيناه - أن الشاب العفيف الضابط لنفسه القوى على قمع ~~شهواته مسرور بسيرته وإن كان في جهد عظيم ومحكوم له بالفضل مشهود له به عند ~~جميع أهل العقل وأنه إذا كبر وأسن ms022 لم يشتق إلى الشباب لأن ضبطه لنفسه وقمعه ~~لشهواته أيسر عليه وأهون. ومن كان فلسفي الطريق شريعي المذهب لم تعرض له ~~هذه العوارض - أعنى التلهف على نيل اللذات والأسف على ما يفوته منها والندم ~~على ما ترك وقصر فيها - بل يعلم أن تلك انفعالات خسيسة تقتضي أفعالا دنيئة ~~وأن الحكماء - رضى الله عنهم - قد بينوا رذائلها وسطروا الكتب في ذمها وأن ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - قد نهوا عنها وحذروا منها وكتب الله - تعالى ~~وتقدس - ناطقة بجميع ذلك مصدقة له. فأي شوق يحدث للفاضل إلى النقص وللعالم ~~إلى الجهل وللصحيح إلى المرض وإنما تلك أعراض تعرض للجهال الذين غايتهم ~~الانهماك في الطبيعة والحواس وطلب ملاذها الكاذبة لا التماس الصحة ولا بلوغ ~~السعادة ولا تكميل الفضيلة الإنسانية ولا معتبر بهؤلاء ولا التفات إلى ~~أقوالهم وأفعالهم. ### | (مسألة مسألة خلقية # لم اقترن العجب بالعالم) # والعلم يوجب خلاف ذلك من التواضع والرقة وتحقير النفس والزراية عليها ~~بالعجز ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله - أما العالم المستحق لهذه ~~السمة فليس يلحقه العجب ولا يبلي بهذه الآفة وكيف يبلي بها وهو يعرف سببها؟ # PageV01P066 # وأنها مرض سببه مكاذبة النفس وذلك أن حقيقة العجب هي ظن الإنسان بنفسه من ~~الفضل ما ليس فيه وظنه هذا كذب ثم يستشعره حتى يصدق به فتكون صورته صورة من ~~يرى رجلا في الحرب شجاعا يحمل على الأبطال ويظهر فضيلة شجاعته فيكفي العدو ~~ويفنى القرن وهذا الرأي عنه بمعزل ناكص على عقبيه ناء بجانبه وهو ذاك يدعي ~~تلك الشجاعة لنفسه فهو يكذبها في الدعوى ثم يصير مصدقا بها وهذا من أعجب ~~آفات النفس وأكاذيبها لأجل أن الكذب فيه مركب فقد يكذب الإنسان غيره ليصدقه ~~الغير فيموه نفسه عليه فأما أن يموه نفسه بالكذب ثم يصدق فيه نفسه فهو موضع ~~العجب والعجب. ولأجل هذا التركيب الذي عرض في الكذب صار أشنع وأقبح من ~~الكذب نفسه البسيط المعروف. وإذا كان العالم الفاضل لا تقترن به آفة الكذب ~~البسيط لمعرفته بقبحه لا سيما إذا استغنى عنه ms023 - فهو من الآفة المركبة أبعد. ~~فلذلك قلت: إن العالم لا يعجب فقد صارت هذه المسألة مردودة غير مقبولة. ~~فأما ما يعرض من العجب لمن يظن أنه عالم فليس من المسألة في شيء. ### | (مسألة # ما سبب الحياء من القبيح مرة وما سبب التبجح به مرة) # وما الحياء أولا فإن في تحديده ما يقرب من البغية ويسهل درك الحق وما ~~ضمير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحياء شعبة من الإيمان؟ # PageV01P067 # فقد قال بعض العلماء: كيف يكون الحياء - وهو من آثار الطبيعة - شعبة من ~~الإيمان والإيمان فعل يدلك آمن يؤمن إيمانا وهناك تقول حيى الرجل واستحيي ~~فيصير من باب الانفعال أى المطاوعة. وهل يحمد الحياء في كل موضع أم هو ~~موقوف على شأن دون شأن ومقبول في حال دون حال. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله: أما الحياء الذي أحببت أن نبدأ به فحقيقته انحصار نفس مخافة ~~فعل قبيح يصدر عنها. وهو خلق مرضى في الأحداث فإنه يدل على أن نفسه قد شعرت ~~بالشيء القبيح وأشفقت من مواقعته وكرهت ظهوره منه فعرض لنفسه هذا العارض. ~~وإحساس النفس بالأفعال القبيحة ونفورها عنها دليل على كرم جوهرها ومطمع في ~~استصلاحها جدا. قال صاحب الكتاب في تدبير المنزل: ليس يوجد في الصبي فراسة ~~أصح ولا دليل أصدق لمن آثر أن يعرف نجابته وفلاحه وقبوله الأدب - من ~~الحياء. وذلك لما ذكرناه من علة الحياء وبيناه من أمره. فأما المشايخ فلا ~~يجب أن يعرض لهم هذا العارض لأنه لا ينبغي لهم أن يحذروا وقوع فعل قبيح ~~منهم لما سبق من علمهم ودربتهم ومعرفتهم بمواضع القبيح والحسن ولأن نفوسهم ~~يجب أن تكون قد تهذبت وأمنت وقوع شيء قبيح منهم فلذلك لا ينبغي أن يعرض لهم ~~الحياء. فقد ذكرنا الحياء ما هو وأنه انفعال وأنه يحسن بالأحداث خاصة وذكر ~~سبب حسنه فيهم. # PageV01P068 # فأما المسألة عن سبب التبجح بالقبيح فمسألة غير لازمة لأن هذا العارض ~~سببه الجهل بالقبيح وليس يعرض إلا للجهال من الناس والدليل على ذلك أنهم ~~إذا ms024 عرفوا القبيح أنه قبيح اعتذروا منه وتركوا التبجح به. وإنما يتبجح حين ~~لا يعلم وجه قبحه وهو في تلك الحالإذا تبجح به خرج له وجها مموها في الحسن ~~فيصير تبجحه بالحسن الذي خرجه أوموه به فإذا تيقن أنه قبيح أو ليس يتموه ~~وجه الحسن فيه - عدل عنه واستحيى منه وترك التبجح به. فأما قولة عليه ~~السلام: الحياء شعبة من الإيمان فكلام في غاية الحسن والصحة والصدق وكيف لا ~~يكون شعبة منه وإنما الإيمان التصديق بالله عز وجل والمصدق به مصدق بصفاته ~~وأفعاله التي هي من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها شيء من ~~المستحسنات لأنها هي سبب حسن كل حسن وهي التي تفيض بالحسن على غيرها إذ ~~كانت معدنه ومبدأه وإنما نالت الأشياء كلها الحسن والجمال والبهاء منها ~~وبها. وكذلك جميع أوامر الله - تعالى - وشرائعه وموجبات العقل الذي هو ~~رسوله الأول ووكيله - عند جميع خلقه - الأقدم. ومن عرف الحسن عرف ضده لا ~~محالة ومن عرف ضده حذره وأشفق منه فعرض له الحياء الذي حررناه ولخصناه. ~~وصديقك أبو عثمان يقول: الحياء لباس سابغ، # PageV01P069 # وحجاب واق وستر من المساوىء. أخو العفاف وحليف الدين ومصاحب بالتصنع ~~ورقيب من العصمة وعين كالئة يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس. ~~وإنما حكيت لك ألفاظه لشغفك به وحسن قبولك كل ما يشير إليه ويدل عليه. # PageV01P070 ### | (مسألة طبيعية # ما سبب من يدعى العلم وهو يعلم أنه لا علم عنده؟ وما الذي يحمله على الدعوى ويدينه من المكابرة ويحوجه إلى السفه والمهاترة) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك محبة الإنسان نفسه ~~وشعوره بموضع الفضيلة فهو لأجل المحبة يدعى لها ما ليس لها لأن صورة النفس ~~التي بها تحسن وعليها تحصل ومن أجلها تسعد - هي العلوم والمعارف وإذا عريت ~~منها أو من جلها حصلت له من المقابح ووجوه الشقاء بحسب ما يفوتها من ذلك. ~~ومن شأن المحبة أن تغطي المساوىء وتظهر المحاسن إن كانت موجودة وتدعيها إن ~~كانت معدومة فإن كان هذا ms025 من فعل المحبة معلوما وكانت النفس محبوبة لا محالة ~~عرض لصاحبها عارض المحبة فلم ينكر ادعاء الإنسان لها المعارف التي هي ~~فضائلها ومحاسنها وإن لم يكن عندها شيء من ذلك. ### | (مسألة طبيعية # ما سبب فرح الإنسان بخبر ينسب إليه وهو فيه وما سبب سروره بجميل يذكر به وليس فيه) ### || الجواب # قال أبو علي مسكويه رحمه الله # PageV01P071 # عن هذه المسألة هو الجواب عن المسألة التي قبلها لأن الخير المختص بالنفس ~~هو العلوم الصحيحة والأفعال الصادرة بحسبها عنها. فإذا اعترف الإنسان بأن ~~نفسه فاضلة خيره وجب أن يسر لمحبوبه وقد شهد له بالجمال والحسن فلذلك يسر ~~إن ذكر بجميل ليس فيه للعلة التي ذكرناها في المسألة الأولى. ### | (مسألة اختيارية # لم قبح الثناء في الوجه حتى تواطئوا على تزييفه) # ولم حسن في المغيب حتى تمنى ذلك بكل معنى ألأن الثناء في الوجه أشبه ~~الملق والخديعة وفي ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كان ~~الثناء في الوجه على الأكثر إعارة شهادة بفضائل النفس وخديعة الإنسان بهذه ~~الشهادة حتى صار ذلك - لاغتراره وتركه كثيرا من الاجتهاد في تحصيل الفضائل ~~وغرض فاعل ذلك احتراز مودة صاحبه إلى نفسه بإظهار مودته له ومحبته إياه - ~~صار كالمكر والحيلة فذم وعيب. فأما في المغيب فإنما حسن لأن قصد المثنى في ~~الأكثر الاعتراف بفضائل غيره والصدق عنه فيها. وفي ذلك تنبيه على مكان ~~الفضل وبعث للموصوف والمستمع على الازدياد والإتمام وحض على أسبابه وعلله. ~~وربما كان القصد خلاف ذلك أعني أن يكون غرض المثنى في المغيب مخادعة المثنى ~~عليه والطمع في أن يبلغه # PageV01P072 # ذلك عنه فيتنفق عليه ويستميله ويستجر به منافعه وهو حينئذ شبيه بالحالة ~~الأولى في المكر ومستقبح. وربما قصد الأول في الثناء والمدح في الوجه الصدق ~~لا الملق فيصير مستحسنا إلا بقدر ما يظن أن الممدوح يغتر به فيقصر في ~~الاجتهاد. فقد تبين أن الثناء يحسن بحسب قصد المثنى وأغراضه وبحسب صدقه فيه ~~وكذبه وعلى قدر استصلاحه للمثنى عليه أو استفساده ولكن الأمر محمول على ~~الغائب ms026 في الظن والعادة فيه. ولما كان الأمر على الأكثر كما ذكرناه وعلى ما ~~حكيناه - قبح في البوه وحسن في المغيب وإن جاز أن يقع بالضد فيحسن في الوجه ~~ويقبح في المغيب. ### | (مسألة طبيعية # لم أحب الإنسان أن يعرف ما جرى من ذكره بعد قيامه من مجلسه) # حتى إنه ليحن إلى أن يقف على ما يؤبن به بعد وفاته ويحب أن يطلع على ~~حقيقة ما يكون ويقال وكيف لم يتصنع لفعل ما يحب أن يكون منسوبا إليه مزينا ~~به هذا ومحبته لذلك طبيعة لو رام زواله عنها لما أطاق ذاك وإن كابر طباعه ~~وأراد خداعه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تقدم لنا في بعض ~~هذه الأجوبة التي مضت أن للنفس قوتين: إحداهما هي التي بها يشتاق الإنسان ~~إلى المعارف واستثباتها ولما كانت هذه المعرفة عامة له في سائر الأشياء ~~كانت بما يخصه في نفسه التي هي محبوبته ومعشوقته أولى. # PageV01P073 # فالإنسان يشتاق إلى هذه المعرفة بالطبع الأول والقوة التي هي ذاتية للنفس ~~ثم يتزيد هذا فأما تصنعه لفعل ما يحب أن يكون منسوبا إليه فإنه ليس يتركه ~~إلا أن يعترضه عارض آخر من شهوة عاجلة تقاومه فهي أغلب وأشد مجاذبة له كما ~~ضربنا به المثل فيما تقدم من علم المريض بحفظ الصحة وحاجته إليها ثم إيثاره ~~عليها نيل شهوة دنية عاجلة وإن فاتته الصحة المؤثرة في العاقبه. ولولا هذه ~~الشهوات الدنية المعترضة على السعادات المؤثرة - ما تميز الفاضل من الناقص ~~ولا مدح العفيف وذم النهم - وكنا حينئذ لا ننتفع بالآداب والمواعظ وكان لا ~~يحسن منا التعب والرياضة فيما على الطبيعة فيه كلفه ومشقة. وهذا بين كاف في ~~جواب المسألة. ### | (مسألة اختيارية # قال لم حمق الشاب إذا تشايخ وأخذ نفسه بالزماته والمتانة) # وآثر # PageV01P074 # الجد، واقشعر من الهزل ونبا عن الخنا وسدد طرفه في مشيه وجمع عطفه في ~~قعوده وشقق في لفظه وحدق في لحظه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~السبب في ذلك أن الشاب إذا تشايخ فإنما يظهر ms027 أن لا حركة لطبيعته نحو ~~الشهوات وهذه القوة والطبيعة هي في الشباب على غاية التمام والتزايد لأنها ~~في حال النشوء ولا تزال متزيدة إلى أن تبلغ غايتها وتقف ثم تنتقص على رسم ~~سائر قوى الطبيعة فإذا ادعى الشاب مرتبة الشيخ التي قد انحطت فيها هذه ~~القوة علم أنه كاذب فاستقبح منه الكذب والرياء في غير موضعه ومن غير حاجة ~~إليه. والكذب إذا كان صراحا وغير خفي وكان صاحبه يأتيه من حاجة إليه ازداد ~~مقت الناس له واستبدل به على رداءة جوهر النفس. فإن اتفق لهذا الشاب أن ~~يكون صادقا أعني أن تكون طبيعته ناقصة وشهوته خامدة - استدل على نقصان ~~طبائعه وبرىء من عيب الكذب إلا أن يكون مرحوما لأجل نقص بعض طبائعه عما فطر ~~عليه الناس ويصير بالجملة غير مذموم ولا معيب إذا كان صادقا. وأما إن كان ~~صادقا في ضبط نفسه مع حداثة سنه والتهاب شهواته ومنازعة قواه إلى ارتكاب ~~اللذات فإن مثل هذا الإنسان لا يلبث أن يشتهر أمره ويعظم ذكره ويصير إماما ~~معصوما أو نبيا مبعوثا أو وليا مستخلصا. وليس يخفى على الناس المتصفحين ~~حركات الصادق من # PageV01P075 # حركات الكاذب، وأفعال المتصنع من أفعال المطبوع. على أن هذا الشاب الصادق ~~الذي استثنينا به إنما يوجد في القرانات الكبيرة والأزمنة المتفاوتة فأما ~~المسألة التالية لهذه وهي قولك: وعلى هذا لم سخف شيخ تفتى وحرك منكبيه وحضر ~~مجالس اللهو وطلب سماع الغناء وآثر الخلاعة وأحب المجون وما المجون ~~والخلاعة حسب ما جرى ذكرها. فإن الجواب عنها شبيه الأولى لأنها عكسها وذلك ~~أن الشيخ إذا ادعى تزيد قوى طبيعته في حال الشيخوخة لم يخل من كذب يمقت ~~عليه - لا سيما وكذبه إنما هو في ادعاء شرور ونقصانات كان ينبغي له ولو ~~كانت موجودة له أن بجحدها - أو صدق يوبخ عليه إذا لم يقهر هذه القوة ~~الغالبة عليه في الزمان الطويل الذي مد له فيه ويتنبه في مثله على الفضائل ~~ويتمكن فيه من رياضة النفس واستكمال التأديب فحاله أقبح من حال الشاب ms028 الذي ~~سبق الكلام فيه ولذلك هو أمقت وأقبح صورة عند ذوي العقول. فأما المجون فهو ~~المسارعة إلى فعل ما تستدعيه النفس الشهوانية من # PageV01P076 # غير مشاورة للعقل ولا مراقبة للناس. وأما الخلاعة فاشتقاقه من خلع العذار ~~الذي يضبط به العقل أفعاله. ولفظة العقل شبيهة بذلك لأنه من العقال. وكذلك ~~الحجر. ### | مسألة خلقية # لم خص اللئيم بالحلم؟ وخص الجواد بالحدة # وهل يجتمع الحلم والجود؟ وهل تقترن الحدة واللؤم؟ # PageV01P077 # وما حكمهما في الأغلب فإن الثابت على وجه غير المتقلب إلى وجه. # الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أظنك أردت بالبخيل اللئيم وبينهما فروق. ~~وقد تكلمت على مرادك لأن باقي الكلام يدل عليه. فلعمري إن ذلك في الأكثر ~~كذلك وإن كان قد ينعكس الأمر فيوجد حليم جواد وبخيل حديد إلا أن الأولى أن ~~يكون الجواد حديدا وذلك أن البخيل هو الذي يمنع الحق من مستحقيه على ما ~~ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وكما ينبغي فإذا منه البخيل الحق على الوجوه ~~التي ذكرت صار ظالما وإذا أحس بهذه الرذيلة من نفسه وجب أن يصبر على ~~المتظلمين وهم الذامون لأنه من البين أن البخيل إذا ذمه الذام فإنما يذكره ~~مواقع ظلمه وإخراج الحق الذي عليه على غير الوجوه التي تنبغي. وإذا كان ~~الذام صادقا والبخيل يعرف صدقه بما يجده من نفسه فيجب أن يحلم لا محالة ~~لموافقته الصدق ولأن النفس بالطبع تسكن عند الصدق وتستخذي له فالأشبه ~~بالنظام الطبيعي أن يكون البخيل حلما لما ذكرناه وربما عرض ضد ذلك وهو إذا ~~كان البخيل جاهلا بالحقوق التي تجب عليه على الشرائط التي ذكرناها فإذا جهل ~~ذلك لم يعرف صدق من يصدقه عنه ولا ظلمه وإنصافه وفيعرف قبح أفعاله فتعرض له ~~رذيلتان: إحداهما منع الحق والأخرى الجهل بموضع الحق فربما عرض للجاهل ~~الحدة والنزق والعدول عن الحلم لما ذكرناه، # PageV01P078 # وأخبرنا السبب فيه. فأما قولك: لم خص الجواد بالحدة فمسألة غير مقبولة ~~لأن الجواد ليس يختص بالحدة وذلك أن حقيقة الجود هو بذل ما ينبغي فيالوقت ~~الذي ينبغي ms029 على ما ينبغي ومن كانت له هذه الفضيلة لم ينسب إلى الحدة لأن ~~الحديد لا يميز هذه المواضع فهو يتجاوز حد الجواد وإذا تجاوزه سمى مسرفا ~~ومبذرا ولم يستحق اسم المدح بالجود. ولكن لما كانت لغة العرب وعادتها ~~مشهورة في وضع الجود موضع السرف والتبذير حتى إذا كان الإنسان في غاية ~~منهما كان عندهم أشد استحقاقا لاسم الجود - خفي عليهم موضع الفضيلة ومكان ~~المدح وصارت الحدة المقترنة بالمبذر والمسرف على حسب موضوعهم محمودة لأنها ~~لا تمكن من الروية فيبادر صاحبها إلى وضع الشيء في غير موضعه فيسمى مسرفا ~~عند الحكاء. وقد تبين في كتب الأخلاق أن الجود الذي هو فضيلة وسط بين طرفين ~~مذمومين: أحدهما تقصير والآخر غلو. فأما جانب التقصير من الجود فهو الذي ~~يسمى البخل وهو مذموم وأما الجانب الذي يلي الغلو فهو الذي يسمى السرف. ~~والواجب على من أحب استقصاء ذلك أن يقرأه من كتب الأخلاق فإنها تستغرق ~~شرحه. ### | (مسألة طبيعية واختيارية # لم كان الإنسان محتاجا إلى أن يتعلم العلم) # ولا يحتاج إلى أن يتعلم الجهل ألأنه في الأصل يوجد جاهلا؟ # PageV01P079 # فما علة ذلك؟ فبإثارة علته يتم الدليل على صحته. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: قد تبين في المباحث الفلسفية أن العلم هو إدراك النفس ~~صور الموجودات على حقائقها ولما قال بعض الأوائل: إن النفس مكان للصورة ~~استحسنه أفلاطون وصوب قائله لأن النفس إذا اشتاقت إلى العلم الذي هو غايتها ~~نقلت صورة المعلوم إلى ذاتها حتى تكون الصورة التي تحصلها مطابقة لصورة ~~المنقول منه لا يفضل وإن كانت الصورة المنقولة إلى النفس غير مطابقة ~~للمنقول فليس بعلم. وهذه الصورة كلما كثرت عند النفس قويت على استثبات ~~غيرها والنفس في هذا المعنى كالمناصب للجسد وذلك أن الجسد إذا حصلت فيه ~~صورة ضعف عن قبول صورة غيرها إلا بأن تنمحي الصورة الأولى منه أو تتركب ~~الصورة الأولى والثانية الواردة فتختلط الصورتان ولا تحصلان ولا إحداهما ~~على التمام وليست النفس كذلك. ولما كانت نفس الإنسان هيولانية مشتاقة إلى ms030 ~~الكلام الموضوع لها بأن يتصور بصورة الموجودات كلها أعني الأمور الكلية دون ~~الجزئية وكانت قوية على ذلك وكانت صورة الموجودات فيها غير مضيفة بعضها ~~مكان بعض بل هي بالضد من الأجسام في أنها كلما استثبتت صورة في ذاتها قويت ~~على استثبات أخرى وخلصت الصور كلها بعضها من بعض وذلك بلا نهاية - كان ~~الإنسان محتاجا إلى تعلم العلم أي إلى استثبات صور الموجودات وتحصيلها ~~عنده. # PageV01P080 # فأما الجهل: فاسم لعدم هذه الصور والمعلومات ونحن في اقتناء هذه الصور ~~محتاجون إلى تكلف واحتمال مشقة وتعب إلى أن تحصل لنا. فأما عدمها فليس مما ~~يتكلف ويتجشم بل النفس عادمة لذلك. ومثل ذلك من المحسوس صورة لوح لا كتابة ~~فيه وإثبات الكتابة وصور الحروف يكون بتكلف فأما تركه بحاله فلا كلفه فيه ~~إلا على مذهب من يرى صور الأشياء موجودة للنفس بالذات وإنما عرض لها ~~النسيان وان العلم تذكر وإزالة لآفة النسيان عن النفس. ولو كان الأمر كذلك ~~لكان جواب المسألة بحسب هذا المذهب بينا في أن التعب بإزالة آفة واجب وتركه ~~مأووفا لا تعب فيه. ولكن هذا المذهب غير مرغوب فيه والشغل به في هذا الموضع ~~فضل، # PageV01P081 # لأنه ليس من المسألة في شيء وإن كان الكلام قد جر إليه ولكنا ندل على ~~موضعه فليؤخذ من هناك وهو كتب النفس. فقد تبين أن العلم تصور النفس بصورة ~~المعلوم والتصور تفعل من الصورة. والجهل هو عدم الصورة فكيف يستعمل التفعل ~~من الصورة في عدم الصورة هذا محال. ### | (مسألة طبيعية # لم شارك المعجب من نفسه المتعجب منه) # مثال ذلك: شاعر يفلق في قافية فيتعجب منه السامع حسب ما اقتضى بديعه ~~فالشاعر لم يتعجب أيضا وهو المتعجب منه وهذا نجده في النظم والنثر والجواب ~~والكتاب والحساب والصناعة. وعلى ذكر التعجب ما التعجب وعلى ماذا يدل فقد ~~قال ناس فيه كلاما: قل لبعض الحكماء: ما أعجب الأشياء قال: السماء بكوا ~~كبها. وقال آخر: أعجب الأشياء النار. وقال الآخر: أعجب الأشياء لسان ~~الناطق. وقال الآخر: أعجب الأشياء العقل اللاحق. وقال ms031 الآخر: الشمس. # PageV01P082 # قال أرسطاليس: أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه. وقال الآخر: بل أعجب ~~الأشياء الجهل بعلة الشيء. فعلى قياد ما قال أولئك كل شيء عجب. وعلى ما وضع ~~ما قال هذا الحكيم كل مجهول سببه فهو عجب كان ذلك من الحقير أو من النفيس. ~~وقال آخر: أعجب الأشياء الرزق فإن مناطه بعيد وغوره عميق والعقل مع شرفه ~~فيه جيران والعاقل مع اجتهاده سكران. وقال آخر: لا عجب. فما هذا التفاوت ~~والتباين وليس في الحق اختلاف ولا في الباطل ائتلاف وعلى ذكر الحق والباطل ~~ما الحق والباطل وينتظم في هذا الفصل. قال بعض الأولين: أعجب الأشياء إكداء ~~الوافر ومنال العاجز. وقال آخر من الصوفية: وشاهدته وناظرته واستفدت منه ~~أعجب الأشياء بعيد لا يجحد وقريب لا يشهد وهو الحق الأحد. # PageV01P083 # وعلى ذكر الله تعالى بم يحيط العلم من المشار إليه باختلاف الإشارات ~~والعبارات أهو شيء يلتصق بالاعتقاد أم هو مطلق لفظ بالاصطلاح أم هو إيماء ~~إلى صفة من الصفات مه الجهل بالموصوف أم هو غير منسوب إلى شيء بعرفان فإن ~~كان منعوتا بنعت فقد حصره الناعت بالنعت. وإن كان غير منعوت فقد استباحه ~~الجهل وزاحمه المعدوم. ولا بد من الإثبات إذا إستحال النفي وإذا وقف ~~الإثبات والنفى على المثبت النافي فقد سبق إذن كل إثبات ونفى. فإن كان ~~سابقا كل هذه الألفاظ وجميع هذه الأغراض فما نصيب العارف وما بغية ما ظفر ~~به الموحد هيهات {هيهات} اشتد الغلط ورجع كل إلى الشطط وفات الله الفهم ~~والفاهم والوهم والواهم وبقي مع الخلق علم مختلف فيه وجهل مصطلح عليه وأمر ~~قد تبرم به ونهى قد ضجر منه: وحاجة فاضحة وحجة داحضة وقول مزوق ولفظ منمق ~~وعاجل معشق وآجل معوق وظاهر ملفق وباطن ممزق. إلى الله الشكوى من غلبات ~~الهوى وسطوات البلوى إنه رحيم ودود. ### || الجواب: # قال أبو مسكويه - رحمه الله: ~~هذه المسألة التي ذنب فيها صاحبها بمسائل أعظم منها وأبعد غورا، # PageV01P084 # وأشد اعتياصا وأصابه فيها ما كان أصابه قبل في مسألة تقدمها فظهر ms032 لي في ~~عذره أنه داء يعتريه ومرض يلحقه وليس من طغيان القلم ولا سلاطة الهذر ولا ~~أشر الاقتدار في شيء كما أنه ليس من جنس ما يستخف المتكهن عند الكهانة ولا ~~من نمط ما يعترى المتواجد من الصوفية وما أحسبه إلا من قبيل المس والخبل ~~والطائف من الشيطان الذي يتعوذ بالله منه فلقد أطلق في سجاعته القافية بما ~~تسد له الآذان وتصرف عنه الأبصار والأذهان. ولولا أنه اشتكى إلى الله تعالى ~~في آخرها من سطوات البلوى فاعترف بالآفة واستحق الرأفة لكان لي في مداواته ~~شغل عن تسطير جواباته. # PageV01P085 # افهم - عافاك الله - أن أثار النفس وأفعالها كلها بديعة عند الحس وأصحابه ~~ولذلك تجد أكثر الناس متعجبين من النفس نفسها ومتحيرين فيها ظانين بها ضروب ~~الظنون وليس يخلون مع كثرة تفننهم في هذه الظنون من أن يجعلوها جسما على ~~عاداتهم في الحس وتصورهم في المحسوسات ثم يجدون أفعال هذه النفس وآثارها ~~غير مشبهة شيئا من آثار الجسم وأفعاله فيزداد تعجبهم ولو أنهم حصلوا مائية ~~النفس لكان تعجبهم من آثارها أقل إذ كانت هي غير جسم ولو صح لهم أنها جسم ~~لم يكن بديعا عندهم أن تكون آثارها غير جسمانية. ولما كان الشاعر المفلق ~~والناظر في المسألة العويصة مكن الحساب وغيره من الصناعات - إنما يستدعي ~~نظرا نفسانيا ووجودا عقليا ويحرك نفسه حركة غير مكانية ليظفر بمطلوب غير ~~جسماني ثم وجد هذه الحركة من النفس مفضية بالإدمان والإمعان إلى وجود ~~المطلوب - عجب هو أولا من هذه الحركة التي يجدها من نفسه ضرورة وليست ~~مكانية على عادة الجسم في حركة الجسم ثم من وجوده المطلوب بعقب هذه الحركة. ~~عرض له هذا العارض من التعجب ولم يكن السامع أولى بهذا التعجب منه لأنهما ~~قد اشتركا في الجهل بالنفس وبآثارهما وأفعالهما وكل واحد منهما حقيق ~~بالتعجب. فأما العارف بالنفس وجوهرها العالم أنها ليست بجسم وأن آثارها ~~وأفعالها لا يجب أن تكون جسمانية - فإنه لا يعترض له هذا العارضفي نفسه ~~وكذلك صورة مستمعة إذا كان عالما كعلمه # PageV01P086 # فأما ms033 التعجب نفسه الذي سأل عنه السائل في عرض مسألته الأولى فإنه حيرة ~~تعرض الإنسان عند جهل السبب فكلما كانت المعرفة بأسباب الموجودات أقل كانت ~~المجهولات أكثر والتعجب بحسبها أشد وبالضد إذا كانت المعرفة بأسباب ~~الموجودات أكثر كانت المجهولات أقل والتعجب بحسبها أقل ولذلك قال قوم: كل ~~شيء عجب. وقال قوم: لا عجب من شيء. فإن كانت الطائفة الأولى اعترفوا بالجهل ~~العام وزعموا أنهم يجهلون أسباب الأمور فالطائفة الثانية ادعت لنفسها مزية ~~عظيمة لأنهم زعموا أنهم يعرفون أسباب الأمور. فأما قولك - أعزك الله - ~~عندما عددت أقوال المتكلمين في التعجب - ما هذا التفاوت والتباين وليس في ~~الحق اختلاف ولا في الباطل ائتلاف فالجواب: أن التعجب ليس بشيء له طبيعة ~~ولا وجود له من خارج وإنما هو كما ذكرنا النفس عند جهلها السبب ولما كان ما ~~يجهله زيد قد يعلمه عمرو ولم ينكر تفاوتهما في العجب لأن كل واحد منهما ~~متعجب مما يجهل سببه ومجهول هذا هو بعينه معلوم هذا. وإنما كانت تكون ~~المسألة عويصة وبديعة لو كان لأمر ما وجود من خارج ثم اختلف فيه قوم فضلاء ~~يعتد بآرائهم ويذكر تباينهم وقال قوم منهم: هو حق وقال آخرون: هو باطل. على ~~أن مثل هذا قد وقع في مسألة الخلاف وفي الزمان والمكان، # PageV01P087 # والعدم وأشباهها من المسائل فقال قوم: هي جواهر لا أجسام لها وقال قوم: ~~هي أعراض وقال آخرون: ليست أجساما ولا جواهر ولا أعراضا. واحتج كل قوم بحجج ~~قوية. إلا أن جميع هذه المذاهب تحررت في زمان الحكيم واستقر قرارها ووضح ~~مشكلها وبان صحيحها من سقيمها. وليس من شأننا الإطالة في هذه المسائل ~~فنذكرها ونحكيها. فإن أحببت معرفتها فقف عليها من مظانها وجرد لها مسائل ~~لنفرد لها زمانا ونظرا إن شاء الله. وأما سؤالك في آخر هذه المسألة: بم ~~يحيط على الخلق من المشار إليه بقولنا الله باختلاف الإشارات والعبارات مع ~~سائر ما ذكرت فغير معترف بشيء منه ولا يقول أحد إنه يحيط علمه بشيء من هذا ~~ولا يلصق به كما ms034 ذكرت ولا يعترف أيضا بهذه النعوت فيه. والكلام في هذا ~~الموضوع لا يمكن استقصاؤه إذ كان جميع سعى الحكماء بالفلسفة إنما ينتهى إلى ~~هذا وإياه قصد بالنظر كله وليس يمكن أن يتكلم فيه إلا بعد جميع المقدمات ~~التي قدمت له ومهدت لأجله أعنى الرياضيات والطبيعيات ثم ما بعد الطبيعة من ~~علم النفس والعقل ثم بعد معرفة جميع هذه الجواهر الشريفة يمكن أن يعلم أنها ~~محتاجة ناقصة متكثرة مضطرة إلى سبب أولى وموجد قديم ومبدع ليس كهي في ذات ~~ولا صفة فيكون هذا الجهل أشرف من كل علم سبقه وهو من الصعوبة والغموض بحيث ~~تراه. ولو كان إلى معرفة هذا الموضع طريق غير ما ذكرناه لسلكه القدماء وأهل ~~الحرص على إشاعة الحكمة وإذاعتها، # PageV01P088 # وفإنهم - رضى الله عنهم - ما أسفوا ولا بخلوا ولكن لم يجدوا إلى هذا ~~المطلوب إلا طريقا واحدا فسلكوه وسهلوه بغاية جهدهم ودلوا عليه وأرشدوا ~~عليه وهو غاية سعادة البشر فمن اشتاق إليه فليتكلف الصبر على سلوك الطريق ~~إليه صعبا كان أو سهلا وطويلا كان أم قصيرا على عادة المشتاق فإنه يسلك ~~السبيل إلى الظفر بمحبوبه كيف كانت غير مفكر في الوعورة والبعد. ومن لم يعط ~~الصبر على هذا السلوك فليقنع برخص الألفاظ والصفات المطلقة له في الشرائع ~~الصادقة المعتادة وليصدق الحكماء والأنبياء والمقتدين بهم وليحسن الظن فليس ~~يجد غير هذين الطريقين. والله ولى المعونة والتوفيق. ### | مسألة اختيارية # لم إذا اشتد الأنس واستحكم والتحمت الزلفة وطال العهد - سقط التقرب وسمج الثناء # ومن أجله قيل: إذا قدم الإخاء سقط الثناء. وهذا عيانة مشهود وخبره موجود. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الثناء في الوجه وغير الوجه ~~إنما هو إعطاء المثنى عليه حقوقه من أوصافه الجميلة والاعتراف بها له ~~وإعلامه أن المثنى قد شعر بها وأوجبها له وسلمها إليه ليصير ذلك له قربة ~~ووسيلة ولتحدث بينهما المودة والمشاكلة وليستجلب الود وتستحكم المعرفة. ~~فإذا حصلت هذه الأمور في نفس كل واحد منهما وعلم المثنى عليه أن المثنى قد ~~أنصفه وسلم ms035 إليه حقه واعترف له بفضله ولم يبخسه ماله وحدثت المودة والمحبة ~~التي هي نتيجة الإنصاف وثمرة العدل وقد # PageV01P089 # قدمت هذه الحال وأتى عليها الزمان - سمج تكلف إظهار ذلك ثانيا لذهاب ~~الغرض الأول وحصول الثمرة المطلوبة بالسعى الأول. وتكلف مثل هذا عبث وسفه ~~مع ما فيه من إيهام ضعف اليقين الثناء الأول وأنه احتاج إلى تطرية وتجديد ~~شهادة لأن الشهادة الأولى كانت زورا وظنا مرجما. وهذا توهين لعقد المودة ~~التي شهد لها في المسألة بشدة الأسر واستحكام الأصل ووثاقة. ### | (مسألة طبيعية # لما صار الأعمى يجد فائته من البصر في شيء آخر) # كمن نجده من العميان من يكون ندى الحلق طيب الصوت غزير العلم سريع الحفظ ~~كثير الباه طويل التمتع قليل الهم. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: إن للنفس خمسة مشاعر تستقي منها العلوم إلى ذاتها وكأنها في المثل ~~منافذ وأبواب لها إلى الأمور الخارجة عنها. أو مثل أصحاب أخبار يردون إليها ~~أخبار خمس نواح. وهي متقسمة القوة إلى هذه الأشياء الخمسة. ومثالها أيضا في ~~ذلك مثال عين ماء ينقسم ما ينبع منها إلى خمسة أنهار في خمسة أوجه مختلفة. ~~أو مثال شجرة لها خمس شعب وقوتها منقسمة إليها. وقد علم أن هذه العين متى ~~سد مجرى ماء أحد أنهارها توفر على أحد الأنهار الأربعة الباقية، # PageV01P090 # حتى يبين في ساقها وورقها وأغصانها، وفي زهرها وحبها وثمرها. وقد عرف ~~الفلاحون ذلك، وأصحاب الكروم، فإنهم يقضبون من الشجر الشعب والإغصان التي ~~تستمد الغذاء الكثير من الأصول، ليتوفر على الباقي فيصير ثمرا نتفعون به. ~~وكذلك صنيعهم في الأشجار التي لا تثمر إذا أحبوا أن تغلظ واحدة منها، ~~وتستوي في الانتصاب، ويسرع نموها كأشجار السرو، والعرعر، والدلب وأشبهاهها، ~~مما يحتاج إلى خشبه بالقطع والنحت والنحر. فإنهم يتأملون أي الأغصان أولى ~~بأن ينبت مستويا غير مضطرب وأيها أحق بالأصل الذي يمده بالغذاء، فيبقونه، ~~ويحذفون الباقي فينشأ ذلك الغصن في أسرع زمان وأقصر مدة، لانصراف جميع ~~الغذاء إليه. # PageV01P091 # وإذا كان هذا ظاهرا من فعل الطبيعة، فكذلك ms036 حال الأعمى، في أن إحدى قوى ~~نفسه التي كانت تنصرف إلى مراعاة حس من حواسه، لما قطعت عن مجراها توفرت ~~النفس بها إما على جهة واحدة أو جهات موزعة، فتبينت الزيادة، وظهرت إما في ~~الذهن والذكاء أو الفكر أو الحفظ أو غيرها من قوى النفس. وهذا يبين لك أيضا ~~باعتبار الحيوانات الأخر. فإن منها ما هو في أصل الخلقة، والطبع مضرور في ~~أحد حواسه، أو فاقد له جملة، وهو في الباقيات منها أذكى من غيره جدا كالحال ~~في الخلد فإنه لما فقد آلة البصر، كان أذكى شيء سمعا. وكالحال في النحل ~~فإنه لما ضعف بصره كان أدهى من المبصرات شما. وأنت تعرف ضعف بصر النحل، ~~والنمل والجراد، والزنابير، وما أشبهها من الحيوانات التي لا تطرف، ولم ~~تخلق لها جفون، وعلى أبصارها غشاء صلب حجري يدفع عنها الآفات، بما يعرض لها ~~في البيوت التي لها جامات الزجاج فإن يظن أن الجاه كوة نافذة إلى الهواء ~~فلا # PageV01P092 # يزال يصدمه إرادة للخروج إلى أن يهلك. فأما صدق شمه فهو ظاهر بما قصده من ~~المشمومات عن المسافة البعيدة جدا. فأما تميع الأعمى بالباه، وقلة الهم: ~~فإن سببه أيضا، فقد النفس إحدى آلاتها التي كانت تقتطعه عن هذه الأشياء ~~بمراعاتها، فإذا انصرفت إلى الفكر في شيء آخر قوي فعلها فيه. ولما كانت ~~الاهتمامات بالمبصرات كثيرة، ودواعي النفس إلى اقتنائها شديدة كالملبوسات ~~وأصنافها، والمفروشات وأنواعها، والمنتزهات وألوانها. وبالجملة جميع ~~المدركات بالبصر، ثم فقدته، انقطعت عن أكثر الأشياء التي هي هموم الإنسان، ~~وأسبابه في الفكر، واستخرج الحيل في تحصيلها وقت الطمع فيها، وأسفه على ~~قوتها إذا فاتته، فتقل هموم الأعمى لأجل ذلك. ### | مسألة طبيعية واختيارية # لم قال الناس لا خير في الشركة؟ # وهذا نجده ظاهر في الصحة، لأنا ما رأينا ملكا ثبت، ولا أمر تم، ولا عقدا ~~صح بشركة، وحتى قال الله عز ذكره: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~وصار هذا المعنى أشرف دليل على توحيد الله جل ثناؤه ونفي كل ما عداه. ### || الجواب # قال ms037 أبو علي مسكويه رحمه الله: إنما صارت الشركة بهذه الصفة لأن كل ~~من استغنى بنفسه، وكفته # PageV01P093 # قوته في تناول حاجته لم يستعن فيها بغيره، فإذا عجز واحتاج إلى معاونة ~~غيره اعترف بالنقص، واستمد قوة غيره في تمام مطلوبه. ولما كان العجز ~~مذموما، والنقص معيبا كانت الشركة التي سببها العجز والنقص معيبة مذمومة ~~لأنه يستدل بها على النقص المتشاركين جميعا وعجزهما على أن الشركة للإنسان ~~ليست مذمومة في جميع أحواله، بل إنما تذم الأشياء التي قد يستقل بها غيره، ~~وينفرد باحتماله سواه، كالكتابة وما أشبهها من الصناعات التي لها أجزاء ~~كثيرة، وقد يجمعها إنسان واحد فيستقل بها، وينفرد بها، وينفرد بالصناعة ~~أجمعها. فإذا نقص فيها آخر احتاج إلى الإستعانة بغيره ظهر نقصه، وبان عجزه، ~~ودخل في صناعته خلل. أو كاحتمال مائة رطل من الثقل، فإن الإنسان الواحد ~~يكتمل ويستقل به، فإذا احتاج إلى غيره في احتماله دل على نقصه، وعجزه ~~وخوره. ثم يعرض في الأمر المشترك فيه من النقص والتفاوت لأجل القوة ~~المختلفة، والهمم المتباينة، والأغراض المتضادة التي قد تعاورته، ما لا ~~يعرض في غيره من الأمور التي ينفرد بها ذو القوة الواحدة، وتخلص فيها همة # PageV01P094 # واحدة، ويختصرها غرض واحد فإن مثل هذا ينتظم ويتسق، ويظهره فيه فضل بين ~~على الأول. فأما الأمور التي لا يكمل الإنسان الواحد لها، ولا يستقل بها ~~أحد، فإن الشركة واجبة فيها كاحتمال حجر الرمي، ومد السفن الكبار وغيرها من ~~الصناعات التي تتم بالجماعات الكثيرة، وبالشركة والمعاونة. فإن هذه ~~الأشياء، وإن كانت الشركة فيها واجبة لعجز البشر، وكان الذم ساقطا، ومصروفا ~~عن أصحابها بما وضح من عذرهم فيها. فإن المعلوم من أحوالها أنها لو ارتفعت ~~بقوة واحدة وتمت بمدبر واحد، كانت لا محالة أحسن انتظاما، وأقل اضطرابا ~~وفسادا، وأولى بالصلاح، وحسن المرجوع. فالشركة بالإطلاق دالة على عجز ~~الشريكين وعادة بعد الأمر المشترك فيه، وبالخلل والفساد عما يتم بالتفرد، ~~وإن كان البشر معذورين في بعضها وغير معذورين في بعض. وأما الملك البشري: ~~فإنه لما كان من الأمور ms038 التي ينتظم بتدبير واحد، وأمر واحد، وإن اشتركت فيه ~~الجماعة، فإنهم يصدرون عن رأي واحد، ويصيرون كآلات للملك، فتتآحد الكثرة، ~~ويظهر النظام الحسن، كان الاستبداد والتفرد به أفضل لا محالة كما مثلناه ~~فيما تقدم. فإذا اختلفت الجماعة التي تتعاون فيه، ولم تصدر عن رأي واحد، ~~ظهر فيه من الخلل، والوهن، والتفاوت، ما يظهر في غيره، باختلاف الهمم، ~~وانتشار الكثرة المؤدي إلى فساد النظام المتآحد، ثم يكون فساده أعم، وأظهر ~~ضررا بحسب غنائه وعائدته وعظم محله، وجلالة موضعة. وقد أبان الله تعالى ~~جميع ذلك بأقصر لفظ وأوجز كلام، وأظهر معنى، وأوضح دلالة، في قوله عز من ~~قائل: (لوكان فيهما آلهة # PageV01P095 # إلا لفسدتا} . سبحانه وجل ثناؤه، ولا إله غيره. ### | مسألة اختيارية # لم فزع الناس إلى الوسائط في الأمور مع ماقالوه في المسألة الأولى من فساد الشركة والشركاء # ، حتى أن جماهير الأمور ومعاظم الأحوال في الشريعة السياسية، لا تتم ولا ~~تنظم إلى بوسيط يلحم ويسدي، ويرتق ويغتق، ويحسن ويجمل؟ ### || الجواب # قال أبو علي ~~مسكويه رحمه الله: لما كانت ضرورات الناس داعية إلى شركة الأحوال التي ~~قدمنا ذكرها في المسألة الأولى، وكان كل إنسان يحب نفسه، ويحب لها المنفعة، ~~ويحرص لها على الإستئثار بها دون صاحبه، ظهر الفساد وحدث التظالم الذي ~~ذكرته في المسألة المقدمة، ولم يثق أحد المشاركين في الأمر بصاحبه، لأنه ذو ~~نصيب فيه، ومحبة للمنفعة العائدة منه لنفسه وكان للهوى، تطرق إليه وتسلق ~~عليه، فاحتاج إلى واسطة تكون حاله في ذلك الأمر، برية من حالهما، ليعتدل ~~الحكم، ويصح رأيه، ويعطي كل واحد قسطه ونصيبه من غير خيف ولا هوى. وليس يجب ~~إذا كانت الشركة مذمومة أن يجلو منها الإنسان، لأنه يضطر بالضعف البشري ~~إليها كما ضربنا له المثل من الحمل الثقيل، أو كثرة أجزاء الشيء المنظور ~~فيه. فإن تركت الشركة في مثل هذه الأمور، وأهملت المعاونة، فات ذلك # PageV01P096 # الأمر دفعة، وفي فوته فوت منافع عظام، فكان تحصيله على ما يقع فيه من ~~الخلل أولى من تركه رأسا وأكثر أمور البشر لا ms039 يتم إلا بالمعاونة والتشارك ~~لعجزهم عن التفرد ونقصهم عن الكمال وظهور أثر الخلق والإبداع فيهم فلما كان ~~المتشاركون في الأمر أكثر عددا والآراء أشد اختلافا والأهواء أغمض مدخلا - ~~كانت الحاجات إلى الوسائط أصدق والضرورة إليهم أشد. والسياسة من هذه الأمور ~~أعني التي تكثر فيها الأهواء ويحتاج فيها إلى الإشتراك والتعاون فيحتاج فيه ~~إلى من يصدق رأيه ويسلم من الهوى والعصبية فإن أمكن أن يكون الوسيط خلوا من ~~ذلك الأمر كان أجدر بالحكم العدل والرأى الصائب وإن لم يكن ذلك اجتهد أن ~~يكون حظه في الأمر أقل من حظ المختصمين أو يكون أكثر ضبطا للنفس وأقمع ~~للهوى وأكثر رياضة من غيره وكل ذلك ليسلم من داعي الهوى والميل معه ~~والانصباب إليه لتتفق الكلمة ويحدث العدل الذي هو سبب التآحد وزوال الكثرة. ### | (مسألة طبيعية خلقية # لم طال لسان الإنسان في حاجة غيره إذا عنى به) # وقصر لسانه في حاجته مع عنايته بنفسه وما السر في هذا. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: بنية الإنسان وتركيبه ومبدأ خلقه وقه على أنه ملك ~~فكل إنسان له أن يكون ملكا بما أعد له من القوى المساعدة عليه ولا ينبغي ~~لأحد أن يقصر عن أحد في هذا المعنى إلا لآفة أو نقص في البنية. # PageV01P097 # ولما عرض للواحد بعد الواحد أن يسأل غيره مع أن موضوعه موضوع الآخر ولم ~~يكن بأن يحتاج إلى صاحبه أولى من أن يحتاج صاحبه إليه - وجب أن تحدث له عزة ~~نفس تمنعه من التذلل. ولهذه العلة وجب التمدن وحدث الاجتماع والتعاون وحسن ~~بين الناس التعامل وأن يدفع الإنسان إلى صاحبه حاجته إذا كانت عنده ليستدعي ~~مثلها منه فيجدها أيضا عنده. فالسائل إذا لم يكن معوضا ولا معاملا والتمس ~~الرفد من غيره من غير مقابلة عليه ولا وعد من نفسه بمثله - كان كالظالم ~~وأيسر ما فيه أنه قد حط نفسه عن رتبة خلق عليها وندب إليها فقصر لسانه ~~واحتقر نفسه. فأما إذا تكلم في حاجة غيره لم يعرض له هذا العارض فكأنه ms040 إنما ~~يحيل بهذا النقص على من تكلم عنه فانطلق لسانه ولم تذل نفسه. ### | (مسألة طبيعية خلقية # ما سبب الصيت الذي يتفق لبعضهم بعد موته) # وأنه يعيش خاملا ويشتهر ميتا كمعروف الكرخي # PageV01P098 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: معظم السبب في ذلك الحسد الذي ~~يعتري أكثر الناس لا سيما إذا كان المحسود قريب المنزلة من الحاسد أو كان ~~في درجته من النسب أو الولاية والبلدية أو ما أشبهها فإن هذه النسب إذا ~~تقاربت بين الناس فاشتركوا فيها ثم انفرد واحد منهم بفضيلة نافسه الباقون ~~فيها وحسدوه إياها حتى يحملهم الأمر على أن يجحدوه آخر الأمر ولذلك قيل: ~~أزهد الناس في عالم جيرانه لأن الجوار وكثرة الاختلاط سبب جامع لهم يتساوون ~~فيه # PageV01P099 # فإذا انفرد أحدهم بفضيلة لحق الباقين ما ذكرته. وربما كان سبب زهدهم فيه ~~غير هذا ولكن الأغلب ما ذكرته. فأما البعيد الأجنبي فإنه لما لم يجمعه ~~وإياه سبب خف عليه تسليم الفضل له وقل عارض الحسد فيه لأجل ذلك إذا مات ~~المحسود وانقطع السبب الذي بينه وبين الحساد أنشئوا يفضلونه ويسلمون له ما ~~منعوه إياه في حياته. ### | (مسألة خلقية # ما الحسد الذي يعترى الفاضل العاقل من نظيره) # في الفضل مع علمه بشناعة الحسد وبقبح اسمه واجتماع الأولين والآخرين على ~~ذمه وإن كان هذا العارض لا فكاك لصاحبه منه لأنه داخل عليه فما وجه ذمه ~~والإنحاء عليه وإن كان مما لا يدخل عليه ولكنه ينشئه في نفسه ويضيق صدره ~~باجتلابه فما هذا الإختيار وهل يكون من هذا وصفه في درجة الكلمة أو قريبا ~~من العقلاء وقد قيل لأرسططاليس: ما بال الحسود أطول الناس غما قال: لأنه ~~يغتم كما يغتم الناس ثم ينفرد بالهم على ما ينال الناس من الخير. ### || الجواب: ~~قال أبو على مسكويه - رحمه الله: الحسد أمر مذموم ومرض للنفس قبيح وقد غلط ~~فيه الناس حتى سموا غيره باسمه مما ليس يجرى مجراه. وهذا بعينه هو الذي غلط ~~السائل حتى قال: # PageV01P100 # ما الحسد الذي يعترى الفاضل لأن من يكون ms041 فاضلا لا يكون حسدا. وسنتكلم على ~~الحسد ما هو لتعرف مائيته فيعرف قبحه ويوضع في موضعه ولا يخلط بغيره فنقول: ~~إن الحسد هو غم يلحق الإنسان بسبب خير نال مستحقه ثم يتبع هذا الانفعال ~~الرىء أفعال أخر رديئة فمنها أن يتمنى زوال ذلك الخير عن المستحق ويتبع هذا ~~التمنى أن يسعى فيه بضروب الفساد فيتأدى إلى شرور كثيرة. فمن عرض له عارض ~~الحسد الذي حددناه فهو شرير والشرير لا يكون فاضلا. ولكن لما كان هذا الغم ~~قد يعرض الإنسان على وجوه أخر غير مذمومة غلط فيه الناس فسموه باسم الحسد ~~ومثال ذلك أن الفاضل قد يغتم بالخير إذا ناله غير مستحقه لأنه يؤثر أن تقع ~~الأشياء مواقعها ولأن الخير إذا حصل عند الشرير استعمله في الشر إن كان مما ~~يستعمل أو لم ينتفع به بتة. وربما اغتنم الفاضل لنفسه إذا لم يصب من الخير ~~ما أصابه غيره إذا كان مستحقا مثله. وإنما لما اسم هذا حسدا لأن غمه لم يكن ~~بالخير الذي أصاب غيره بل لأنه حرم مثله. وإذا آثر لنفسه ما يجده لغيره لم ~~يكن قبيحا بل يجب لكل أحد إذا رأى خيرا عند غيره أن يتمناه أيضا لنفسه لأن ~~هذا الغم لا يتبعه أن يتمنى زوال الخير عن مستحقه. وقد فرقت العرب هذين: ~~فسموا أحدهما حاسدا والآخر غابطا. ونحن نؤدب أولادنا بأن ندلهم على الأدباء ~~ونندبهم على فضائلهم فإن ذا الطبع الجيد منهم يتمنى لنفسه مثل حال الفاضل ~~ويسلك سبيله ويجتهد في # PageV01P101 # أن يحصل له ما حصل للفاضل وبهذه الطريقة ينتفع أكثر الأحداث. وأما ذو ~~الطبع الردىء فإنه يغتم بما حصل لغيره من الأدب والفضل ولا يسعى في تحصيل ~~مثله لنفسه ولكنه يجتهد في إزالته عن غيره أو منعه منه أو يججده إياه أو ~~يعيبه به فهو حينئذ حاسد شرير {} ! فأما قولك إن هذا العارض لا فكاك لصاحبه ~~منه لأنه داخل عليه إلى آخر الفصل فإني أقول: إن الانفعالات - أعني ما لا ~~يكن نحو الاستكمال - كلها مذمومة لأنها ms042 من قبيل الهيولى ولذلك لو أمكن ~~الإنسان ألا ينفعل بتة لكان أفضل له ولكن لما لم يكن إلى ذلك سبيل وجب عليه ~~أن يزيل كل ما أمكن إزالته من الانفعالات ليتم ويكمل وذلك بالأخلاق والآداب ~~المرضية ويحصل له ذلك بسياسة الوالدين أولا ثم بسياسة السلطان ثم بسياسة ~~الناموس والآداب الموضوعة لذلك فإن الإنسان يستفيد بهذه الأشياء صورا ~~وأحوالا ثم تصير قنية وملكة وهي المسماة فضائل وآدابا. ### | (مسألة طبيعية خلقية # ما سبب الجزع من الموت وما الاسترسال إلى الموت) # وإن كان المعنى الأول أكثر فإن الثاني أبين وأظهر. وأي المعنيين أجل: ~~الجزع منه أم الاسترسال إليه فإن الكلام في هذه الفصول كثير الريع جم ~~الفوائد. # PageV01P102 ### || الجواب: # قال أبو على مسكويه - رحمه الله: الجزع من الموت على ضروب وكذلك ~~الاسترسال إليه. وبعضه محمود وبعضه مذموم وذلك أن من الحياة ما هو جيد ~~محبوب ومنها ما هو ردىء مكروه فيجب من ذلك أن يكون ضدها الذي هو الموت ~~بحسبه: منه ما هو حيال الحياة الجيدة ولا بد من تبيين هذه الأقسام ليبين ~~سبب الجزع والاسترسال وأيهما أعلى فأقول: إن الحياة المقترنة بالآفات ~~العظيمة والمهن الهائلة والآلام الشديدة: مثل أن يسبي الرجل وأهله وولده ~~ويملكهم قوم أشرار حتى يرى في أهله وولده ما لا طاقة له به ويسام في نفسه ~~وجسمه ما لا صبر عليه ويقع في الأمراض الشديدة التي لا برء منها ويضطر إلى ~~فعل قبيح بأصدقائه وبوالديه فهذا كله ردىء مكروه وليس أحد يختار العيش فيه ~~ولا يؤثر الحياة معه فضده إذا جيد محبوب لأن الموت أمام هذه المحن في ~~مجاهدة عدو يسوم هذا السوم - موت مختار جيد. فيجب بحسب هذا النظر أن نقول: ~~إن تلك الحياة المكروهة يستحب فيها الموت الذي هي ضده فالاسترسال إلى هذا ~~الموت جيد وسببه ظاهر. وكذلك إذا عكست الحال فإن الحياة المحبوبة والعيش ~~المضبوط التي معها صحة البدن واعتدال المزاج ووجود الكفاية من الوجوه ~~الجميلة والتمكن بهذه الأشياء من السعي نحو السعادة القصوى وتحصيل الصورة ~~المكملة ms043 للإنسان مع مساعدة الإخوان الفضلاء وقرة العين بالأولاد النجباء ~~والعز بالعشيرة وأهل بيت الصالحين - كله محبوب مؤثر جيد. ومقابله إذن الذي ~~هو الموت ردىء مكروه لأن الموت ينقطع به # PageV01P103 # استكمال السعادة وإتمام الفضيلة ويفوته أمرا عظيما كان معرضا له. وهذا ~~ضرب من النظر وباب من الاعتبار. وضرب آخر وهو أن البقاء بنفسه أمر مختار ~~لأنه وجود متصل والوجود كريم شريف. وضده العدم رذل خسيس والرغبة في الشيء ~~الكريم واجبة كما أن الزهد في الشيء الخسيس واجب. وإذا كانت حياة ما منقطعة ~~لا محالة ثم كان ذلك يفضي إلى حياة أخرى أبدية ووجود سرمدي - صار هذا الموت ~~غير مكروه إلا بقدر ما يكره من الدواء المر إذا أدى إلى الصحة فإن العلاج ~~المؤلم والدواء الكريه مختاران إذا أديا إلى صحة طويلة وسلامة متصلة. فإن ~~لم يكونا مختارين بالذات فهما مختاران بالعرض. فالإنسان المستبصر الذي يرى ~~أن أخراه أفضل من دنياه وآجله خير له من عاجله - يسترسل إلى الموت استرساله ~~إلى الدواء الكريه والعلاج المؤلم ليفضي به إلى خير دائم وإن كان هذا ~~الأختيار بالعرض لا بالذات وربما ظن ذلك ظنا فحسن أيضا منه الاسترسال إليه ~~بحسب قوة ظنه وما وقع إقناعه به كما يحسن في الدواء إذا قوى ظنه بمعرفة ~~واصفه له. فأما من خلا من هذا الإعتقاد والظن القوي فهو يجزع من الموت لأنه ~~عدم ما والعدم مهروب منه وهذا سبب صحيح وعلة ظاهرة. وهذا ضرب آخر من ~~الاسترسال إلى الموت والجزع منه وهو أن من قوى ظنه واستحكمت بصيرته في ~~عاقبته ومعاده ولكنه لم يقدم ما يعتقد أنه يسعد به ولم يتأهب بأهبته ولا ~~استعد له عدة فهو يكره الموت ويجزع منه ولا يسترسل إليه. وبالضد من راى أنه ~~مستعد لعدته آخذ أهبته فهو حريص عليه مسترسل إليه. وأنت ترى ذلك في أصحاب ~~الأهواء المختلفة والديانات المتضادة كالهند في تسرعهم إلى إحراق نفوسهم ~~وإقدامهم على ضروب المثل والقتل # PageV01P104 # في أبدانهم وكالخوارج في حرصهم على الموت وبذلهم نفوسهم في مواقفهم ms044 ~~المشهورة وحروبهم المأثورة وأن الرجل إذا طعن قنع فرسه ليسبح في الرمح ~~وينتهي إلى طاعنه ثم قرأ: [اي] {وعجلت إليك رب لترضى} [\ اي] ولذلك اتخذ ~~أصحاب السلطان في صدور رماحهم حاجزا لئلا يسبح فيها المطعون فيصل إلى ~~الطاعن. والصابرون على أنواع العذاب وضروب المثل والقتل من أهل الأهواء - ~~أكثر من أن يحصوا. # PageV01P105 # وإنما ذكرنا سبب الجزع من الموت والاسترسال إلى الموت وأيهما يحسن وفي أي ~~موضع وعلى أي حال. ### | # ولم كانت الفسولة في السمان أكثر ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كأنها عن الحال الأغلب والوجود الأكثر. ~~والسبب فيه أنه لما كانت الحرارة الغريزية سبب الحياة وسبب الفضائل التابعة ~~للحياة أعنى الذكاء والحركة والشجاعة وما أشبهها - كانت الأبدان التي حظها ~~منها أكثر - أفضل. والحكم الصحيح في هذا أن الأبدان المعتدلة في النحافة ~~والسمن والطول والقصر وسائر الكيفيات الأخر - أفضل الأبدان. ولما كانت ~~مسألتك مخصوصة بالنحافة والسمن خصصنا الجواب أيضا فنقول: إن الحرارة إذا ~~قاومت أخلاط البدن فأذابت فضول الرطوبات منه ونفت البرد الغالب عليه هو ضده ~~- كان ذلك سببا للحركة واليقظة وسببا للإقدام والنجدة. ويتبع هذه الأشياء ~~سائر الفضائل اللازمة لها وذكو الحرارة التي في القلب وهي أول هذه الفضائل ~~كلها. # PageV01P106 # وإذا غلبت الرطوبات عليها أطفأتها وغمرتها وحالت بينها وبين أفعالها ~~وعاقتها عنها فكان والنحافة والسمن وإن كانا جميعا قد خرجا عن الإعتدال ~~فأحدهما وهو النحافة خروجه عن الاعتدال بإفراط الحرارة التي هي سبب الفضائل ~~وهي أولى بها من اطرف الأخر الذي ضدها اعني السمن الذي هو خروج عن الاعتدال ~~إلى جانب البرد وعدم الحرارة المؤدي إلى بطلانها وزوالها. وقد تبين في كتاب ~~الأخلاق أن أطراف الفضائل كلها مذمومة ولكن بعضها أقرب إلى المدح. وإن كان ~~البعد من الوسط فيهما واحدا كان الاعتدال الممدوح بالجود والسخاء له طرفان ~~أحدهما البخل والآخر التبذير وهما جميعا مذمومان وخارجان من الاعتدال إلا ~~أن أحد الطرفين وهو التبذير أشبه بالجود من الطرف الآخر لأن أحد الطرفين ~~بالإمعان يتأدى إلى بطلان الشيء ms045 الممدوح وعدمه والآخر يتأدى إلى الزيادة ~~فيه بالإفراط. ولعمري إنهما في فقد الاعتدال سواء ولكن أحدهما أشبه به من ~~الآخر. وهذا هو موضع لا يدفع ولا ينكر. ### | (مسألة طبيعية # لم كان القصير أخبث والطويل أهوج.) # PageV01P107 ### || الجواب: # قال أبو على مسكويه - رحمه الله: هذا أيضا طرفان لموضع الفضيلة ~~وذلك أن الاعتدال من الطول والقصر هو المحمود ولكن الطول بالتفاوت في الخلق ~~أقرب إلى الذم وذلك لبعد الأعضاء الرئيسية بعضها من بعض لا سيما العضوان ~~اللذان هما أظهر الأعضاء رياسة أعني القلب والدماغ فإن هذين يجب أن يكون ~~بينهما مسافة معتدلة لتتمكن الحرارة التي في القلب من تعديل برودة الدماغ ~~وحفظ اعتداله وبقاء الروح النفساني الذي يتهذب في بطون الدماغ وتتمكن أيضا ~~برودة الدماغ من تعديل حرارة القلب وحفظ اعتداله عليه. وهذا الاعتدال إذا ~~بعد أحد العضوين من الآخر تفاوت واضطرب نظامه وفسد التركيب وفسدت الأفعال ~~الصادرة عن الإنسان ونقصت فضائله. وليس يعرض في قرب التفاوت ما يعرض في بعد ~~أحدهما من الآخر. ### | (مسألة خلقية # لم صار بعض الناس إذا سئل عن عمره نقص في الخبر وآخر يزيد على عمره في الخبر) # PageV01P108 ### || الجواب: # قال أبو علي بن مسكويه - رحمه الله: غلاض الرجلين أعني الناقص من ~~مدة عمره والزائد فيها - غرض واحد وإن اختلفا في الخبر. وربما فعل الرجل ~~الواحد ذلك بحسب زمانين مختلفين أو بحسب حالين في زمان واحد. وسبب هذا ~~الفعل محبة النفس وذاك أن الإنسان يحب أن يعتقد فيه من الفضل أكثر مما هو ~~ويحب أن يعذر في نقص إن وجد فيه. وهو إذا كان حدثا وظهرت منه فضيلة أو ~~نقيصة نقص من زمان عمره ليعلم غيره أن الفضيلة حصلت له في زمان قصير وأن ~~ذلك لم يكن ليتم له إلا بعناية كثيرة وحرض شديد ونفس كريمة وانصراف عن ~~الشهوات الغالبة على أقرانه وترك اللعب الذي هو يستولى على لداته وكلما كان ~~الزمان أقصر كان إلى الفضيلة أقرب وكان التعجب منه أكثر. وإن كانت منه ~~نقيصه عذر في فعله بقلة ms046 الحنكة والدربة وانتظر فلاحه ورجى تلافيه وإنابته. ~~وإن الإنسان مرشح طول عمره لاقتناء الفضائل والاستكثار من # PageV01P109 # المعارف ويجب أن يكون أبدا بحال من الفضل يستكثر في مثل سنه أن يبلغ ~~إليها أو يعجب من كثرة تدربه بالزمان القصير في الأمور التي يحتاج فيها إلى ~~الزمان الطويل. وأيضا فإن المكتهل وذا السن الكثير التجربة ممن صحب الزمان ~~ولقى الرجال وتصرف في العلوم - مهيب في النفوس جليل في الصدور موقر في ~~المجالس مستشار في النوائب مرجوع إليه في الرأي. وهذه حال مرغوب فيها فإذا ~~بلغ الإنسان من السن ما يحتمل أن يدعي فيه هذه الدعوى أو فكل واحد من ~~الرجلين أو الرجل الواحد في الزمانين أو الحالتين غايته في التكذب بما ينقص ~~من عمره التمويه بالفضل وادعاء رتبة ليست له. وهذا شر ظاهر فمتعاطيه شرير ~~وأفاضل الناس لا يعتريهم هذا الشر لأنهم لا يتدنسون بالكذب ولا يستكثرون. # PageV01P110 ### | (مسألة طبيعية # لم صار الإنسان يحب شهرا بعينه ويوما بعينه ومن أن يتولد للإنسان صورة يوم الجمعة على خلاف صورة يوم الخميس) # وقيل للروذكي - وكان أكمه وهو الذي ولد اعمى - كيف اللون عندك قال: مثل ~~الجمل. ### || الجواب: # قال أبو على مسكويه - رحمه الله: أما محبة الإنسان شهرا ~~بعينه فلأجل ما يتفق له فيه من شعادة ما بحصول مأمول أو ظفر بمطلوب أو ~~انتظار مرجو في وقت بعينه أو سرور بعقب غم أو راحة بعد تعب وربما استمر ذلك ~~به وتكرر عليه مدة من عمره في وقت بعينه فأنس به وألفه وأحبه لما يتفق له ~~فيه. # PageV01P111 # ولذلك أحب صبيان المسلمين يوم الجمعة وألفوه بعد ذلك طول عمرهم وكرهوا ~~يوم السبت لأن يوم الجمعة مفروض لهم فيه الراحة مرخص لهم اللعب ويتلوه يوم ~~السبت الذي هو يوم تعبهم وعودهم إلى ما يكرهون من فقد اللعب. فأما صبيان ~~اليهود فإنما يعرض لهم ذلك في يوم السبت وما يليه وصبيان النصارى في يوم ~~الأحد وما يليه وكذلك أيام الأعياد التي أطلق للناس فيها الراحة والزينة ~~يقول النبي صلى الله ms047 عليه وسلم (أيام أكل وشرب وبعال) وهذه الأيام مختلفة ~~في أصحاب الملل. وكل قوم يحبون الأيام التي هي أعيادهم التي أطلق لهم فيها ~~الزينة والمتعة والراحة. وأما من تساوت به الأحوال من الأمم التي ليست تحت ~~شرع ولا لهم نظام في سيرتهم وأحوالهم كالزنج وأواخر الترك وأشباههم فليس ~~يلحقهم هذا المعنى وليس يحبون يوما بعينه ولا شهرا ولا وقتا مخصوصا. فأما ~~تولد صورة يوم الجمعة على خلاف صورة يوم الخميس فإنه على ما أقول: إن ~~الزمان الأظهر الأعم الأشهر هو ما تحدثه دورة واحدة من الفلك الأقصى أعني ~~الذي يدبر جميع الأفلاك ويحركها بحركة نفسه إلى غير جهة حركاتها وذلك من ~~المشرق إلى المغرب من مفروضه إلى أن يعود إليها وهو في أربع وعشرين ساعة. ~~وإنما صار هذا الزمان أظهر للناس لما يظهر فيه من صباح يعرض ومساء بيوم ~~وليلة وسببهما ظهور الشمس في بعض هذه المدة فوق الأرض وغيبتها في بعض تحت ~~الأرض. وفي كل دور منها للناس أفعال # PageV01P112 # وحركات ومواليد ومعاملات ليست في الدورة الأخرى. ويتعلق بأفعالهم هذه ~~أحكام وأقضية في مدد معلومة وآجال مفروضة في مدة مضروبة يحتاجون فيها إلى ~~نسبتها إلى دورة بعد دورة من الفلك الأقصى التي هي سبب لكون اليوم والليلة ~~لتصح معاملاتهم وتصدق قضاياهم وتتعين آجالهم المضروبة في أعمالهم ~~ومعاملاتهم. وههنا زمان آخر تحدثه دورة أخرى تختص بها الشمس في سيرها. وذلك ~~أن تبتدىء الشمس من نقطة مفروضة وتعود إليها بعينها بحركة نفسها دون تحريك ~~المحرك الأول. وهذه الدورة هي من المغرب إلى المشرق بخلاف تلك. وتتم الدورة ~~الواحدة من هذه الحركة التي تخص الشمس في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع ~~يوم على التقريب. وهذا هو زمان أيضا ولكنه منسوب إلى حركة الشمس نفسها ~~ويسمى: سنة. وههنا زمان آخر قد تعارفه الناس أيضا واشتهر بينهم وظهوره وإن ~~لم يكن كظهور الشمس فهو تال له وهو ما يكون ويحدث بدورة واحدة من حركة ~~القمر التي تخصه دون تحريك المحرك الأول. وتتم الدورة الواحدة بهذه ms048 الحركة ~~التي تخص القمر وهي أيضا من المغرب إلى المشرق في ثمانية وعشرين يوما ويسمى ~~شهرا. فهذه الأزمنة الثلاثة لما كانت ظاهرة مكشوفة تراها العيون لأجل ~~تعلقها بالشمس والقمر اللذين هما أنور الكواكب وأبينها وأكبرها في الظاهر - ~~تعارفها الناس وتعاملوا عليها وحدثت صورة لكل دورة بحسب ما يقسطه الناس في ~~أعمالهم وبحسب ما يفشو فيها ويحدث من الأعمار والمواليد وبحسب نسبة حركاتهم ~~إليها بمبدأ ومنتهى. وإذا نظر الإنسان إلى هذه الأدوار في أنفسها خالية من ~~حركات الناس وأفعالهم ولم ينسب إليها حركة أخرى وفعلا آخر - لم يكن بينها ~~فرق بتة # PageV01P113 # التكرر الذي لا بد فيه من العدد بالأول والثاني والثالث وإلى حيث انتهى ~~الإحصاء. فإن نظر فيها بحسب الأحوال ونسب إليها أفعالا وآثارا ونظمها ~~بالحساب - حدثت صور مختلفة بحسب اختلاف الأمور الواقعة فيها المنسوبة ~~إليها. فأما الأكمه الذي ذكرته في المسألة فإن الفاقد حاسة من حواسه لا ~~يتصور شيئا من محسوساته لأن التصور في النفس من كل محسوس إنما يقع بعد ~~الإحساس به. وذلك أن هذه القوى من قوى النفس التي تأخذ العلوم من الحواس ~~إنما ترقيها إلى قوة التخيل عن فأما إذا فقد الحس فكيف يترقى المحسوس إلى ~~قوة التخيل فبحق صار الأكمه لا يتخيل شيئا من الألوان ولا يتصوره. وكذلك إن ~~فقد فاقد حس الشم والسمع من مبدأ ولادته لم يتخيل شيئا من محسوساتهما لما ~~قدمناه. وحدثني بعض أهل التحصيل من المتفلسفين أنه سأل رجلا أكمه: كيف ~~يتصور البياض فقال: حلو. فكأنه لما لم يجد صورة البياض في تخيله ردها إلى ~~حاسة أخرى هو واجد لمحسوسها فسماها بها وظنها إياها. ### | (مسألة في حد الظلم) # ما معنى قول الشاعر: - والظلم في خلق النفوس فإن تجد ذا عفه فلعلة لا ~~يظلم. وما حد الظلم أولا فإن المتكلمين ينفكون في هذه المواضيع كثيرا ولا ~~ينصفون شيئا وكأنهم في الغضب والخصام. وسمعت فلانا في وزارته يقول: أنا ~~أتلذذ # PageV01P114 # بالظلم. فما هو هذا ومن أين منشؤه أعني الظلم أهو من فعل الإنسان أم ms049 هو ~~من آثار الطبيعة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الظلم انحراف ~~العدل. ولما احتيج في فهمه إلى فهم العدل أفردنا له كلاما ستقف عليه ملخصا ~~مشروحا. وهو في معنى الجور الذي هو مصدر جار يجور إلا أن الجور يستعمل في ~~الطريق وغيره إذا عدل فيه عن السمت والظلم أخص بمقابلة العدل الذي يكون في ~~المعاملات فالعدل من الاعتدال وهو التقسيط بالسوية وهذه السوية من المساواة ~~بين الأشياء الكثيرة والمساواة هي التي توجد الكثرة وتعطيها الوجود وتحفظ ~~عليها النظام. وبالعدل والمساواة تشيع المحبة بين الناس وتأتلف نياتهم ~~وتعمر مدنهم وتتم معاملاتهم وتقاوم سننهم. # PageV01P115 # ولشرح هذا الكلام وتحقيق مائية القول في العدل وذكر أقسامه وخصائصه - بسط ~~كثير لم آمن طوله عليك وخروجي فيه عن الشريطة التي اشترطتها في أول الرسالة ~~من الإيجاز ولذلك أفردت فيه رسالة ستأتيك مقترنة بهذه المسألة على ما يشفيك ~~بمعونة الله. ولو أصبنا فيه كلاما مستوفى لحكيم مشهور أو كتابا مؤلفا ~~مشروحا - لأرشدنا إليه على عادتنا واحلنا عليه كرسمنا ولكنا لم نعرف فيه ~~إلا رسالة لجالينوس مستخرجة من كلام أفلاطون وليست كفاية في هذا المعنى ~~وإنما هي حض على العدل وتبيين لفضله وأنه أمر مؤثر محبوب لنفسه. وإذا عرفت ~~العدل من تلك الرسالة عرفت منه ما عدل عنه ولم يقصد سمته. وكما أن إصابة ~~السهم من الغرض إنما هو نقطة منه فأما الخطأ والعدول عنها فكثير بلا نهاية ~~- فكذلك العدل لما كان كالنقطة بين الأمور تقسمها بالسوية كانت جهات العدول ~~عنها كثيرة بلا نهاية. وعلى حسب القرب والبعد يكون ظهور القبح وشناعة ~~الظلم. فأما قول الشاعر: والظلم في خلق النفوس فمعنى شعري لا يحتمل من ~~النقد إلا قدر ما يليق بصناعة الشعر. ولو حملنا معاني الشعر على تصحيح ~~الفلسفة وتنقيح المنطق لقل # PageV01P116 # سليمه وانتهك حريمه وكنا مع ذلك ظالمين له بأكثر مما ظلم الشاعر النفوس ~~التي زعم أن الظلم في خلقها. على أنا لو ذهبنا نحتج له ونخرج تأويله لوجدنا ~~مذهبا وأصبنا مسلكا ولكن هذه الأجوبة ms050 مبينة على تحقيقات مغالطة الشعراء ~~ومذاهبهم وعاداتهم في صناعتهم. ثم أقول: إن الظلم الذي ذكرنا حقيقته يجري ~~مجرى غيره من سائر الأفعال فإن صدر عن هيئة نفسانية من غير فكر ولا روية ~~سمى خلقا وكان صاحبه ظلوما. وهذه سبيل غيره من الأفعال المنسوبة إلى الخلق ~~لأنها صادرة عن هيئات وملكات من غير روية. فأما إذا ظهر الفعل بعد فكر ~~وروية فليس عن خلق مذموما كان أو معلوما وإذا لم يكن عن خلق فكيف يكون عن ~~خلق. وإنما يستمر الفاعل على فعل ما بروية منه فتحدث من تلك الروية الدائمة ~~هيئة تصدر عنها الأفعال من بعد بلا روية فتسمى تلك الهيئة خلقا. فأما الشيء ~~الصادر عن هذه الهيئة فإنه إن كان عملا باقي الهيئة والأثر سمى صناعة واشتق ~~من ذلك العمل اسم يدل على الملكة التي صدر عنها كالنجار والحداد والصائغ ~~والكاتب فإن هذه الأعمال إذا صدرت من أصحابها بلا روية سموا بهذه الأشياء ~~ووصفوا بهذه الصفات. فأما إن تكلف إنسان استعمال آلة النجارة والحدادة ~~والكتابة والصياغة فأظهر فعلا يسيرا بروية وفكر فعلى سبيل حكاية وتكلف فإن ~~أحدا لا يسمى هذا نجارا ولا كاتبا ولذلك لم والصناعة كلها تجري هذا المجرى ~~فهذه الأعمال كما نراها والأفعال أيضا التي لا تبقي آثارها - جارية هذا ~~المجرى. # PageV01P117 # وعلى هذه السبيل جرت أمور الأخلاق والأفعال الصادرة عنها لأن الأخلاق ~~هيئات للنفوس تصدر عنها أفعالها بلا روية ولا فكر. فأما الوزير الذي سمعته ~~يقول: أنا أتلذذ بالظلم فإن الإختيارات المذمومة كلها إذا صار منها هيئات ~~وملكات صارت شرورا وسمي أصحابها: أشرارا. وليس يختص الظلم في استحقاق اسم ~~الشر وخروجه عن الوسائط التي هي فضائل النفس - بشيء دون أمثاله ونظائره. ~~وفقد هذه الوسائط هو شرور ورذائل تلحق النفوس كالشره والبخل والجبن سوى أن ~~الظلم اختص بالمعاملة وترك به طلب الاعتذار والمساواة. وهذه النسبة العادلة ~~والمساواة في المعاملة - قد بينها أرسططاليس في كتاب الأخلاق وأن المعاملة ~~هي نسبة بين البائع والمشتري والمبيع والمشتري وأن نسبة الأول إلى الثاني ms051 ~~كنسبة الثالث إلى الرابع على التكافؤ وفي النسبة والتبديل فيها وعلى ما هو ~~مشروح مبين في غيره من الكتب. فأما قولهم: لا يزال الناس بخبر ما تفاوتوا ~~فإذا تساووا هلكوا فإنهم لم يذهبوا فيه إلى التفاوت في العدل الذي يساوي ~~بينهم في التعايش وإنما ذهبوا فيه إلى الأمور التي يتم بها التمدن ~~والاجتماع. والتفاوت بالآحاد ههنا هو النظام للكل. وقيل: إن الإنسان مدني ~~بالطبع فإذا تساوى الناس في الاستغناء هلكت المدنية وبطل الاجتماع. وقد ~~تبين أن اختلاف الناس في الأعمال وانفراد كل واحد منهم بعمل هو الذي يحدث ~~نظام الكل ويتم المدنية ومثال ذلك الكتابة التي كليتها تتم باختلاف الحروف ~~في هيئاتها وأشكالها وأوضاع بعضها عند بعض فإن هذا الاختلاف هو الذي يقوم ~~ذات الكتابة التي هي كلية ولو استوت الحروف لبطلت الكتابة. # PageV01P118 ### | (مسألة زجرية ولغوية # لم صار الرجل إذا لبس كل شيء جديد قيل له: خذ معك بعض ما لا يشاكل ما عليك ليكون وقاية لك) # ألم تكن المشاكلة مطلوبة في كل موضع وعلى ذكر المشاكلة وما المشاكلة ~~والموافقة والمضارعة والمماثلة والمعادلة والمناسبة وإذا وضح الكلام في هذه ~~الألفاظ وضح الحق أيضا ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا فعل ~~عامي يذهب إلى صرف العين. وعند القوم أن الشيء إذا كمل من جهاته أسرعت ~~العين إليه بالإصابة فإذا كان منه شيء منتقص أو ظاهر فيه عيب شغلت العين به ~~عن الإصابة. وكان ينبغي ألا تختلط هذه المسائل هذا الاختلاط فإني أرى ~~المسألة الشريفة الصعبة إلى جانب الأخرى التي لا نسبة بينهما قلة وسهولة. ~~وليس للمجيب أن يقترح السؤال وينظم الشكوك ولأجل هذا اضطرت إلى الكلام في ~~جميعها على حسب مراتبها. ولم أقل ذلك إبطالا للعين وأفعالها ولا زراية على ~~الأصول التي بنت العامة عليها ولكن المسألة # PageV01P119 # توجهت عن فعل عامي وإن كان له أصل بعيد ورجع إلى أول وأسند إلى حقيقة. ~~فأما المسألة عن المشاكلة والموافقة فإن الشكل المثل وهي مفاعلة منه ولا ~~فرق بينها وبين المماثلة على ms052 ما ذكره اللغويون. وأنا أظن المثل أعم من ~~الشكل لأن شكل مثل وليس كل مثل شكلا. فأما الموافقة فمن الوفق في المسألة ~~التالية لهذه المسألة ونحن نشرحه هناك مع ذكر البخت والجد. فأما المضارعة: ~~فهي المشابهة، وهي مفاعلة من الضرع، ومنه أصله # PageV01P120 # واشتقاقه. فأما المعادلة والمناسبة فقد مر ذكرها مستقصى في مسألة العدل. ~~والعدل لما كان يماثل عدله بالموازنة صار قريب المعنى منه والمعادلة هي ~~مفاعلة منه. وقلت في آخر المسألة: إنه إذا وضحت لك هذه الألفاظ وضح بها ما ~~بعدها. فلذلك أمسكت عنها. ### | (مسألة خلقية # لم اشتدت عداوة ذوي الأرحام والقربى) # حتى لم يكن لها دواء لشدة الحسد وفرط الضغائن وحتى زالت بها نعم وبادت ~~نفوس وانتهى إلى الجلاء والهلاك وهل كان الجوار وما يتعوذ بالله منه في شكل ~~هذه العداوة أم لا ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تقدم في ~~مسألة حد الحسد وفي المعاني القريبة التي يغلط الناس فيها وفي ذكر أسمائها ~~ما فيه غنى عن إعادته في جواب هذه المسألة لأنا ذكرنا هناك أن الاثنين أو ~~الجماعة من الناس إذا اشتركوا في أمر وجمعهم سبب فتساووا فيه مع تساويهم في ~~الإنسانية ثم تفرد من بينهم واحد بفضيلة - حسده نظيره أو غبطه. # PageV01P121 # وذوو الأرحام هم جماعة يشتركون في نسب واحد ولا يرى أحدهم للآخر فضلا فإن ~~انفرد وأيضا فإن موضوع الشركة في النسب هو المؤازرة والمعاونة والتساوي في ~~الأحوال. وهذه حال منتظرة يتوقعها كل واحد من الآخر فإذا أخلف الظن كان أشد ~~احتمالا وأصعب علاجا وصار بمنزلة الدين المجحود والحق المغموط فإذا اقتضى ~~ثقل وإذا ثقل تنوكر وإذا تنوكر ثارت قوة الغضب بالجميع والغضب يزرع الحقد ~~ويبعث على الشرور. وينضاف إلى هذا شدة العناية والتفقد للأحوال وهذا لا ~~يكون مع البعداء ولا يمكن فيهم فتكثر وجوه المطالبات بالحقوق وادعاؤها وإن ~~لم تكن وتثور أسباب الغضب والغضب يرى أكثر مما تريه الحال نفسها ويطلب كل ~~واحد من صاحبه وينتظر مثل ما يطلبه صاحبه وينتظره وينتهي من ms053 العدد وكثرة ~~الوجوه إلى حيث يتعذر دواؤه ويقع الإياس منه. والجوار أيضا سبب قوى لأنه ~~شركة ما تبعث على تفقد الأحوال وتلقح الحسد وجميع الأحوال التي ذكرناها في ~~ذوي الأرحام إلا أن هناك عطفا مرجوا وإبقاء معلوما لا يوجد مثلهما في ~~الجوار فالشر إذا ثار منه صرف والحسد فيه محض لا مزاج للخير فيه ولا داعي ~~إلى البقيا معه. # PageV01P122 ### | (مسألة طبيعية # لم غضب الإنسان من شر ينسب إليه وهو فيه) # وما سبب غضبه من شر ينسب إليه وليس هو فيه والصدق في الأول من باب ~~المحبوب المحمود والكذب في الثاني من باب المذموم المكروه ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك محبة النفس وقد تقدم شرحه. والإنسان إذا ~~ذكر بشر هو فيه كره أن يفطن له وإن فطن له أن يجبه أو يغتاب به لأنه يعرف ~~قبح الشر ويحب لنفسه التي هي حبيبته أن تكون بريئة من كل عيب بعيدة من كل ~~ذنب وذم فإذا رميت بشر لحقه غم أولا ثم محبة الانتقام ممن غمه. والغضب ~~حقيقته حركة النفس للانتقام وهذه الحركة تثير دم القلب حتى يغلي ولذلك يحد ~~الغضب بأنه غليان دم القلب شهوة الانتقام. فأما غضب الإنسان من شر ينسب ~~إليه وليس هو فيه فبالواجب لأنه قصد بالظلم ليغم. وفائدة الغضب وسبب وجوده ~~في الإنسان هو أن ينتصر به من الظالم أو يمنعه ويضعه عن نفسه فإذا علم ~~الإنسان أن قاصدا يقصده بالظلم أحب الانتقام منه وتحركت نفسه لذلك فحدث ~~الغضب. فقد استبان من الصدق والكذب جميعا في هذه المسألة سبب هيج الغضب ~~ومائيته أيضا. # PageV01P123 ### | مسألة نفسانية # ما علة حضور المذكور عند مقطع ذكره وهو لا يتوقع فيه # هذا كثير معهود وإن لم يكن من باب المعتاد المألوف ولو كان من ذلك لسقط ~~التعجب وزال الإكبار ووقع الإشتراك. ومن هذا الضرب رؤية الإنسان بالالتفات ~~من لم يكن يظن أنه يراه. وكذلك تشبيهك بعض من يلحقه طرفك بمعهود لك حتى إذا ~~حدقت نحوه لم يكن ذاك ثم ms054 إنك لا تلبث حتى تصادف المشبه به. وهل هذا كله ~~بالاتفاق وإن كان بالاتفاق فما الاتفاق وهل الاتفاق هو الوفاق وما الوفاق ~~حتى يكون البيان عنه بيانا عن الأول أو مطلعا عليه أو مقربا إليه. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس علامة بالذات دراكه للأمور بلا ~~زمان وذاك أنها فوق الطبيعة والزمان إنما هو تابع للحركة الطبيعية وكأنه ~~إشارة إلى امتدادها ولذلك اشتق اسم المدة منه لأن المدة فعلة والامتداد ~~افتعال وأصلها # PageV01P124 # واحد من المد. ولما كانت النفس فوق الطبيعة وكانت أفعالها فوق الحركة ~~أعني في غير زمان فإذن ملاحظتها الأمور ليست بسبب الماضي ولا الحاضر ولا ~~المستقبل بل الأمر عندها في السواء فمتى لم تعقها عوائق الهيولى والهيوليات ~~وحجب الحس والمحسوسات - أدركت الأمور وتجلت لها بلا زمان وربما ظهر هذا ~~الأمر منها في بعض المزاجات أكثر حتى يرتفع إلى حد التكهن وهذا الإنذار ~~ربما كان في زمان بعيد فكلما كان أبعد والمدة أطول كان أبدع عند الناس ~~وأغرب ثم لا يزال يقرب الزمان ويقصر فيه حتى يتلو وقت الإنذار بلا كبير ~~فاصلة. وهذه الحال تعرض لمن يذكر الإنسان فيحصر المذكور عند مقطع ذكره ولم ~~يكن سببا لحضوره بل كان الأمر بالضد فإن قرب حضوره أشعر النفس حتى أنذرت ~~به. وكذلك الحال في الرؤية بالالتفات فإن قرب الملتفت إليه هو الذي حرك ~~النفس حتى استعملت آلة الالتفاف. واستقصاء هذا غير لائق بشرطنا في ترك ~~الإطالة ولولا ذلك لذكرنا أمورا بديعة من هذا الجنس وفي هذا القدر كفاية # PageV01P125 # وبلاغ فيما سألت عنه. فأما مسألتك عن الاتفاق وهل هو الوفاق وما الوفاق ~~فقد وعدنا بالكلام فيه في مسألة تجيء بعد هذه. ولعمري إن الاتفاق هو الوفاق ~~لأنه افتعال منه والأصل واحد والاشتقاق دال عليه. وسنحبر عنه إخبارا كافيا ~~عند ذكر البخت والجد إن شاء الله. ### | (مسألة تشتمل على نيف وعشرين مسألة طبيعية ولغوية # ما الخصائص الفارقة بين حقائق المعاني في ألفاظ دائرة بين أهل العقل والدين) # وهي أسماء طابقت ms055 أغراضها لكنها خفية الأصول جلية المعاني وهي: ما القوة ~~والقدرة والاستطاعة والطاقة فهي القوة بالمحمول عليها والشجاعة والنجدة ~~والبطولة والمعونة والتوفيق واللطف والمصلحة والتمكن والخذلان والنصرة ~~والولاية والملك والملك والرزق والدولة والجد والحظ. ولم أذكر البخت فإنه ~~ليس من كلام العرب ومعناه قد التبس ببعض هذه الأشياء وكذلك المبخوت. فأما ~~المجدود والمحدود والمحظوظ والحظى والجدى فكل ذلك مراد به معنى ومرمى به ~~غاية ولكن البيان عنها عزيز والتحقيق فيها شديد. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: وجدت في هذه المسائل مع اختلافها ما يتقارب وما يتباعد ~~في المعاني # PageV01P126 # فألفت الشكل إلى شكله ولم أراع تأليفها ونظمها. أما القوة: فاسم مشترك ~~يقال على القوة التي هي في مقابلة الفعل. وهذا اسم خاص يستعمله الحكماء حسب ~~ولا يعرفه الجمهور ومعناه أنه الشيء الممكن أن يظهر فيصير موجودا بالفعل ~~فيقال: الجرو مبصر بالقوة والإنسان كاتب بالقوة وإن لم يكن في ويقال على ~~القوة التي يشار بها إلى معان موجودة للنفس كقوة الإبصار والإدراك والفكر ~~والتمييز والغضب وما أشبهها. ويقال على المعنى الذي في الحديد وأشباهه من ~~الصلابة والامتناع على التثنى والكسر. ويقال أيضا على البطش والجلد الذي ~~يختص الحيوان وأظنك إياها عنيت بالمسألة لأنها ذكرت مع الطاقة والقدرة. وقد ~~أصبت حدا يعم أكثر هذه الأسماء ويخص مسألتك وهو أن القوة # PageV01P127 # حال لذي القوة تظهر عند ما هي قوة عليه. فأما شرح هذا الحد بحسب ما يختص ~~الحيوان فهو اعتدال في الأعصاب بين الرطوبة واليبوسة وذلك أن العصب إذا ~~أفرط في الرطوبة استرخى عند العمل فسمى مستعمله ضعيفا وإذا أفرط في اليبوسة ~~انبتر وانقطع أو خشى عليه ذلك وألم عند العمل فكان مستعمله أيضا ضعيفا. ~~وليس يطلق اسم القوة إلا بالإضافة وعلى حسب موضوع ذي القوة فقد يقال: رجل ~~قوى وجمل ضعيف كما يقال: نملة قوية وفيل ضعيف. فأما الطاقة فهي وفاء القوة ~~بالمحمول عليها وهي مستعملة في الحيوان وفي قوته خاصة وفي وقد تستعمل أيضا ~~في الأثقال النفسانية تشبيها واستعارة فيقال: فلان ms056 يطيق حمل مائة منا أى ~~قوته وفاء بهذا الثقل إذا حمله # PageV01P128 # ويقال: فلان يطيق الكلام ولا يطيق النظر ولا الغم والسرور. فإن استعمل في ~~غير الحيوان فعلى المجاز البعيد. فأما القدرة فهي تمكن من إظهار هذه القوة ~~عند الإرادة ولذلك تختص بالحيوان ولا تستعمل في غيره ألبته لما حددناه به. ~~وأما الاستطاعة فهي استفعال من الطاعة أي استدعاؤها هذا بحسب الاشتقاق ~~ودليل اللغة. فأما على الحقيقة فهي كلمة مستعارة وذلك أنك لا تستدعي طاعة ~~شيء لك إلا وأنت تستحقها منه بالقدرة عليه. وتلخيص هذا الكلام أنك إذا قلت: ~~استطعت كذا وأنا أستطيع الأمر أي إذا استدعيت طاعته أجابني. وهي توول إلى ~~معنى القدرة وإن كانت أقدم منها بالذات وكان بينهما فرق من هذا الوجه لأن ~~النفس هي التي تستدعي طاعة الشيء بالقدرة عليه وتحكم بإجابته لها. وهذه ~~المعاني مضمنة لفظة الاستطاعة واشتقاق الاسم دال عليه فتأمله تجده واضحا إن ~~شاء الله. # PageV01P129 # فأما الشجاعة فهي استعمال قوة العصب بقدر ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي ~~وفيما ينبغي وعلى الحال التي تنبغي. وهي خلق يصدر عنه هذا الفعل على ما ~~يحده العقل وهي حال واسطة بين طرفين مذمومين: أحدهما زيادة بالإفراطن ~~والأخرى زيادة بالتفريط. فأما من جانب الزيادة فأن تستعمل بأكثر مما ينبغي ~~في سائر شرائطها فتسمى تهورا. وأما من جانب النقصان فأن تستعمل بأقل مما ~~ينبغي في سائر شرائطها فتسمى جنبا. والشجاعة لفظة مدح كالجود والعفة وما ~~جرى مجراهما. وأول ما يظهر منها أثرها في الإنسان نفسه إذا قمعت شهواته ~~فاستعمل منها قدر ما يحده العقل بسائر شرائطها ثم يظهر أثرها في غيره إذا ~~قصده آخر بضيم أو ظلم فإنه يدفعه عن نفسه بالشروط المذكورة من غير إفراط ~~ولا تفريط. وأما النجدة فهي في معنى الشجاعة أعني أنها لفظة مدح وتؤدي عن # PageV01P130 # معناها إلا أنها بحسب اللغة مأخوذة من الارتفاع والرجل النجد كأنه ~~المرتفع عن الضيم الذي علا عن مرتبة من يستذل ويمتهن كالنجد من الأرض الذي ~~هو ضد الغور. وأما ms057 البطولة - وإن كانت في معنى الشجاعة - فإنها مختصة بما ~~يظهر في الغير ولا تستعمل في وأخلق بالبطولة أن تكون عائدة إلى معنى ~~البطلان لأن صاحبها - أبدا - متعرض لذلك من الفرسان لا سيما والعرب لا تميز ~~بين الشجاعة الممدوحة وبين الزيادة فيها المذمومة بل عندها أن الإفراط هو ~~الشجاعة. فأما ما سميناه نحن شجاعة - فهو بالإضافة إلى ما سمته بها - جبن ~~كما فعلوا ذلك في السخاء والجود فإنهم استعملوا هذا المذهب بعينه. # PageV01P131 # وأقول: إن الشجاعة ربما أدت إلى بطلان الحياة وكان الموت حينئذ خيرا جيدا ~~ممدوحا لما وقع بحسب الشجاعة أعني على ما حده العقل وكما ينبغي وعلى سائر ~~الشروط لأنه لو قصر صاحبها أعني الشجاعة لكان مذموما جبانا كما بينا ~~وأوضحنا وكما تقدم من شرحنا معنى الموت الجيد والحياة الرديئة فيما تقدم. ~~فأما المعونة فهي إمداد القوة بقوة أخرى من جنسها خارجة عنها. والخذلان ترك ~~هذا الإمداد مع التمكن منه. فإذا كانت المعونة من البشر كانت نافعة مرة ~~وضارة مرة لجهلهم بعواقب الأمور ولكن اسم المعونة اسم المدح لأن المعمول ~~عليه بين الناس هو النية والقصد في الوقت لا عواقب الأمور. فأما إن كانت من ~~الله - تعالى - فليست إلا نافعة غير ضارة لعلمه بالعواقب ولأن الله - تعالى ~~- لا يفعل إلا الخير والنافع وهو متعال عن الشر منزه عنه جل ذكره وتقدس ~~اسمه وعلا علوا كبيرا عما يقول الظالمون. وإذا تبين ما العونة وكيف تقع من ~~البشر ومن البارى - تعالى - فقد تبين ضدها الذي يسمى الخذلان فلا معنى ~~لإطالة الكلام فيه. # PageV01P132 # فأما اللطف والمصلحة فلفظتان مختصتان بأصحاب الكلام وإن كانتا أيضا ~~معروفتين عند الجمهور ومعناهما عند القوم معروف. وأنت - أبقاك الله - ريان ~~شبعان من كلامهم ومعانيهم وأغراضهم غير محتاج أن نتكلف لك إيضاح شيء منها. ~~زادك الله وامتع بالنعمة فيك. وأما التمكين فهو تفعيل من الإمكان والإمكان ~~في الشيء هو جواز إظهار ما في قوته إلى الفعل وطبيعته بين الواجب والممتنع. ~~وذلك أنك إذا تصورت طبيعة الواجب كان طرفا وبإزائه في ms058 الطرف الآخر - أعني ~~ما هو في غاية # PageV01P133 # البعد منه - طبيعة الممتنع وبينهما طبيعة الممكن. ولأجل هذا صار للممكن ~~غرض كبير ولم يكن للواجب لا للممتنع غرض لأن بين الطرفين مسافة تحتمل ~~الانقسام الكثير فأما الطرف فلا مسافة له والمسافة التي بين هذين الطرفين - ~~أعنى الواجب والممتنع - إذا لحظت وسطها على الصحة فهو أحق شيء وأولاه ~~بطبيعة الممكن. وكلما قربت هذه النقطة التي كانت وسطا إلى أحد الطرفين كان ~~ممكنا بشرط وتقييد فقيل: ممكن قريب من الواجب وممكن بعيد منه. وكذلك يقال ~~في الممكن القريب من الممتنع والبعيد منه. فأما إذا كان في الوسط فهو ممكن ~~على الإطلاق وحينئذ ليس هو بالواجب أولى منه بالممتنع لا هو بأن يظهر من ~~قوته إلى الفعل أولى من أن يبقى بحاله في القوة. فالتمكين هو مصدر مكن ~~تمكينا كما تقول: كرم تكريما وكلم تكليما والإمكان مصدر أمكن إمكانا كما ~~تقول: أكرم إكراما. والممكن مفعل منه كما تقول مكرم. وأما الاسم الذي منه ~~اشتق هذا الفعل فلم يستعمل في اللغة ولا جاء منه ذلك لأن الشيء لا فعل له ~~إلا الفعل المتعدي بالهمزة فإذا قلت في الشيء: هو ممكن فكأنك قلت: إن هذا ~~الشيء الذي في القوة - ولم يستعمل له اسم وهو في التقدير وتقديره الممكن - ~~قد أعطاك ذاته والإمكان مصدر أمكن الشيء من ذاته. فأما التمكين فهو فعل شيء ~~آخر بك إذا جعلك من هذا الشيء بحيث تخرجه إلى الفعل بالإرادة وهو مصدر مكن ~~وهذا التشديد يجىء في مثل هذا الوضع من اللغة إذا أريد به تكرير الفعل ~~وتأكيده كما تقول: ضرب وضرب وشد وشدد. وقد يجيىء التمكين بمعنى آخر وهو أن ~~يكون تفعيلا مشتقا من # PageV01P134 # المكان كما تقول: مكنت الحجر في موضعه إذا وافيته حقه من مد المكان ~~ليلزمه ولا يضطرب. ومنه تمكن الفارس من السرج وتمكن الإنسان من مجلسه. ~~وتمكن الإنسان من الأمير من هذا على التشبيه والاستعارة. وبين هذا المعنى ~~والمعنى الأول بون بعيد كما تراه. وأما الرزق فهو وصول حاجات ms059 الحي إليه بما ~~هو حي. وههنا أشياء توصل إلى هذه الحاجات وهي عوض منها ونائبة عنها أعني ما ~~يتعامل عليه فجعلت كأنها هي وسميت أيضا أرزاقا لما أدت إليها والأصل الأول ~~قال الله تعالى: [اي] {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [\ اي] # PageV01P135 # ولما كانت أسباب الوصول إلى الحاجات كثيرة: فمنها قريب ومنها بعيد ومنها ~~طبيعي ومنها وغير طبيعي منها اتفاق ومنا غير اتفاق وغلط الناس ضروبا من ~~الغلط: منها أنهم راموا أن يجعلوا الأسباب الكثيرة سببا واحدا ومنها أنهم ~~راموا في الأسباب البعيدة القرب فلما خفى عنهم ذلك ولم يجدوه حيث طلبوه - ~~لحقتهم الحيرة وبقدر جهلهم بالسبب عرض لهم التعجب من الأمر. فأما الدولة ~~فمن قولك دال الشيء بين القوم وتداولوه بينهم إذا اعتوروه بالمعاطاة قال ~~الله تعالى: [اي] {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [\ اي] أي ليتعاوره ~~الكل ولا يخص قوما دون قوم. وهي لفظة مختصة بالأمور الدنيوية المحبوبة لا ~~سيما الغلبة. وأسبابها أيضا كثيرة: فمنها بعيد ومنها قريب ومنها طبيعي ~~ومنها غير طبيعي وغير الطبيعي منقسم إلى الإرادي والإتفاقي. وكل واحد من ~~هذه الأقسام أيضا ينقسم وتبعد علله وتقرب وتختلط ويتركب ضروب التراكيب فإذا ~~فقد الجمهور وجود سببه عرض لهم فيه من الحيرة والتعجب ما عرض في الرزق. ~~فأما التوفيق والاتفاق والموافقة والوفاق فقد مر ذكرنا كل واحد منها منفردا ~~وفي مسائل متفرقة، ووعدنا # PageV01P136 # الكلام عليها في هذا الباب مع ذكر البخت والجد لأنها أشكال وقرائب. وهذه ~~الألفاظ الأربعة التي عددناها متقاربة المعاني وهي مشتقة من الوفق وهي من ~~ألفاظ الإضافة لأنها لا تقع إلا بين شيئين أو بين الأشياء. ويقال هذا وفق ~~هذا أى لفقه وطبقة وملائمه ويستعمل في كل متلائمين من جسمين وخلقين ~~وغيرهما. وفي المثل: وافق شن طبقة وافقه فاعتنقه فقولك وافق فاعل من الوفق. ~~وهذا الوزن يجىء في كلام العرب لما كان بين اثنين وكان كل واحد منهما وافق ~~الآخر وهو موافق كما قيل: ضارب صاحبه فهو مضارب. والاتفاق افتعال من الوفق. ~~وهذا الوزن ms060 يجىء فيما لم يكن فاعله خارجا منه. كما يقال: اقترب واعتلق ~~واضطرب والأصل في اتفق اوتفق. وكل هذا مشتق من الوفق. وهذا الوزن لا يجىء ~~فيما لم يكن فاعله إلا الذي ذكرناه. فإذا اجتمع شيئان أو أشياء على ملاءمة ~~بينهما بسبب إرادي مجهول وكان منهما موافقة لإرادة إنسان ما - كان اتفاقا ~~له ولا بد أن يكون فيه قسط من الإرادة ونصيب من القصد والاختيار فإن لم يكن ~~للإرادة # PageV01P137 # فيه نصيب وإنما وقع بسبب طبيعي مجهول وكان فيه أمر نافع لإنسان - كان ~~بختا له. ولما كانت الأمور بعضها يتم بأسباب طبيعية وبعضها بأسباب إرادية ~~وبعضها يتركب فيكون تمامه بأسباب طبيعية وأسباب إرادية وكل واحد منهما يتم ~~منه أمر واحد محبوب أو مكروه وإن اختلفت أسبابه بحسب إنسان إنسان ونحو غرض ~~غرض - خولف بين أمسائها ليدل بها على اختلاف أسبابها. وما كان من الأمور له ~~سبب طبيعي بعيد أو قريب إلا أنه مجهول ثم عرض أن يكون نافعا لإنسان من غير ~~إرادة ولا قصد - سمي بختا. وما كان من الأمور له سبب إرادي بعيد أو قريب ~~إلا أنه مجهول ثم عرض له أن يكون نافعا لإنسان موافقا لغرض له وإرادة - سمي ~~اتفاقا. ولا يشتق للإنسان اسم من هذين إلا بعد أن يتكرر له أمر أعني أنه ~~إنما يسمى مبخوتا إذا عرض له مرات كثيرة أن تحدث أفعال طبيعية لأسباب لها ~~مجهولة فتتم بها أغراض مطلوبة محبوبة. وأيضا فإنما يسمى موفقا إذا عرض له ~~مرات كثيرة أن تقع أفعال إرادية لأسباب لها مجهولة فتتم وأنا أكشف هذين ~~المعنيين بمثالين ليضح أمرهما وينكشف. على أني رأيتك تستعفي أن تفهم معنى ~~البخت لأنك لم تجده في كلام العرب كأنك خطرت على نفسك أن تفهم حقيقة إلا أن ~~تكون في لفظ عربي فإن عدمت لغة العرب رغبت عن العلوم لكنا - أيدك الله - لا ~~نترك البحث عن # PageV01P138 # المعاني في أي لغة كانت وبأي عبارة حصلت فأقول: أما مثال البخت فأن يسقط ~~حجر من مكان عال فيصيب رجلا ms061 في عضو له تنفجر منه عروق ويخرج منه الدم فإن ~~كان الرجل محتاجا قبل ذلك إلى إخراج الدم صار سقوط الحجر الذي فجر العرق ~~وأخرج الدم سببا لصحته ومنع المرض عنه فهذا بخت جيد. فإن كان عرض للرجل ~~أشياء كثيرة تشبه هذا فهو مبخوت. وإن كان خروج الدم غير نافع للرجل ولا كان ~~به حاجة قبل ذلك إلى إخراجه بل تعجل بسقوط الحجر الألم وبخروج الدم سقوط ~~القوة والوقوع في مرض كان غير مستعد له فهو بخت ردىء. وأما المثال في ~~الاتفاق فإن يخرج إنسان من منزله بإرادة وقصد إلا أنهما كانا منه نحو ~~التماس الحاجة فلقي في طريقه ذلك صديقا كان يهوى لقاءه أو غريما كان يطلبه ~~فلا يجده فهذا اتفاق جيد فإن عرض للرجل مثال لهذا كثير فهو موفق. وإن كان ~~لقاؤه أيضا وافق عدوا كان يهرب منه أو غريما كان متواريا عنه فهو اتفاق ~~ردىء والرجل إذا دام عليه مثل هذا غير موفق. ولما كانت أسباب الحركات ~~الإرادية إنما تكون من خواطر وعوارض للنفس ليست بإرادة إذ لو كانت عن إرادة ~~لوجب من ذلك وجود إرادات لا نهاية لها وهذا محال - كانت هذه الخواطر ~~والعوارض التي هي آثار وأفعال منسوبة إلى فاعل وقد قلنا إن فاعلها غير ~~الإنسان فهي # PageV01P139 # إذن فعل غيره لا محالة. فإن كانت مؤدية إلى خيرات ومنافع كانت منسوبة إلى ~~الله - تعالى - وهو التوفيق تفعيل من الوفق وهذا التوفيق ربما فعله الله - ~~تعالى - بالعبد من غير مسألة وربما كان بعد مسألة وتضرع إلا أن الناس كافة ~~يرغبون إلى الله - تعالى - فيها ويسألونه إياها دائما في كل زمان فإذا سنحت ~~هذه العوارض والخواطر للنفس فزعت إلى حركات يتم بها وبغيرها أمر واحد مختار ~~لإنسان ما نحو غرض جيد له - كان توفيقا وكان الرجل موفقا. فأما الجد فكأنه ~~اسم شامل لهذين المعنيين جميعا لأن الإنسان إن وفق وبخت فهو مجدود وإن ~~انفرد أيضا بأحدهما فهو مجدود أيضا. وأما الحظ فهو القسم والنصيب. ولما كان ~~لكل إنسان ms062 نصيب من السعادة وقسط من الخير مقسوم له من الفلك بحسب مولده - ~~فأما المحدود فهو الممنوع واشتقاقه من الحد وهو المنع، ويقال # PageV01P140 # للبواب حداد من هذا وكأن المحدود ممنوع مما يصيب غيره من الخير. والحظى ~~والجدى منسوبان إلى الجد والحظ كما يقال تميمى وبكرى. فأما النصر فهو ~~المعونة إلا أنه فيما أدى إلى الغلبة والقهر وقد قلنا ما المعونة فيما سلف. ~~وأما الولاية فاسم مشترك وتصرفه بحسب تصرف اسم المولي أعني أنه يكون من فوق ~~ويكون من أسفل إلا أن الحقيقة فيهما أنهما حال توجب اختصاصا وتحققا يدعو ~~الأعلى إلى الحنو والشفقة والأسفل إلى النصيحة والطاعة. وإذا أخذ هذا الاسم ~~بحسب الشريعة وأنه لفظ شرعي حد بقدر ذلك المعنى المشار إليه وإن كان الأصل ~~ما ذكرناه. # PageV01P141 # فأما ملك الشيء فهو التفرد بنفاذ الحكم فيه. وهذا قد يكون بالطبيعة ~~والشريعة وبالاصطلاح: أما بالطبيعة فملك الإنسان لأعضائه وآلاته الطبيعية ~~وحركاته التي يصرفها على إرادته. وأما بالشريعة فمثل ملك الرق بالسبي لمن ~~خالف أصول الشرع. وأما بالاصطلاح فمثل المفاوضات التي تقع بين المتعاملين. ~~ونفوذ الأمر فيه على طريق عموم المصلحة بالشفقة فإذا كان بحسب الشرع ~~والقيام بقوانينه وإنفاذ أحكامه وحمل الناس عليه طوعا وكرها ورغبة ورهبة ~~ونظرا لهم كافة بلا هوى ولا عصبية - فهو الملك الحقيقي الذي يستحق هذا ~~الاسم ويستوجبه بحسب معناه. وإن لم يكن بحسب الشرع وشروطه التي ذكرناها فهو ~~غالبة والرجل متغلب ولا يجب أن يسمى ملكا ولا صناعته ملكية ولا نفوذ أمره ~~بحسب الملك. وقد استبان من هذا الكلام حقيقة الملك والفرق بينه وبين ~~المتغلب وإن كان شرح ذلك يضيق عن هذا المكان لكن الإشارة إليه كفاية بالغة. # PageV01P142 ### | (مسألة # ما معنى قول الناس هذا من الله وهذا بالله وهذا إلى الله وهذا على الله) # وهذا من تدبير الله وهذا تدبير الله وهذا بإرادة الله وهذا بعلم الله ~~وحكاية طويلة في إثر هذه المسألة عن شيخ هذه المسألة عن شيخ فاضل مقرظ ~~وجوابات له؟ ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ms063 الله: أما الناس ومقصدهم ~~بهذه الحروف من المعاني فلا يمكن أن يعتذر له لكثرة وجوه مقاصدهم واختلاف ~~آرائهم ومذاهبهم. وليس من العدل تكليفنا ذلك ولو ذهبنا نعدد آراء الناس ~~لطال فكيف الاعتذار لهم وتأويل أقوالهم. وأنا أضمن بالجملة أن أعرفك وجه ~~الصواب عندي في هذه المسائل وما أذهب إليه وأجتهد لك في إيضاحه على غاية ~~الاختصار والإيماء كما شرطته في الرسالة التي صدرت بها فأقول: إن جميع ما ~~يطلق على الله - تعالى ذكره - من هذه المعاني وما ينسب إليه من الأفعال ~~والأسماء والصفات إنما هو على المجاز والتسمح وليس يطابق شيء من حقائق ما ~~تتعارفه بيننا بهذه الألفاظ - شيئا مما هناك. وأول ذلك أن لفظة من في هذه ~~المسائل تستعمل في اللغة وبحسب ما قاله النحويون لابتداء الغاية ولفظة إلى ~~لانتهاء الغاية والباء للاستعانة وكذلك سائر الحروف لها معان مبينة عندهم. ~~ولست أطلق شيئا من هذه الحقائق في الله - عز وجل - إلا مجازا فإني لا أقول ~~إن لفعله ابتداء ولا نهاية ولا له استعانة بشيء فنطلق عليه الباء أعني أن ~~يقال هذا تدبير الله ولا تدبير هناك ولا حاجة به إلى هذا الفعل ولا غيره ~~وكذلك أقول في سائر الأفعال المنسوبة إليه وكذلك أقول # PageV01P143 # في الأسماء والصفات التي أطلقت ورخص فيها صاحب الشريعة وإنما أتبع فيها ~~الأثر وامتثل باستعمالها الأمر وإلا فمن ذا الذي يطلق حقيقة الرحمن الرحيم ~~وغيرهما من الأوصاف على الباري المتعالي عن الانفعالات وإنما الرحمة ~~انفعالا للنفس تصدر بحسبها أفعال محمودة بيننا وليس هناك شيء من هذه ~~المعاني والحقائق ولكن لما كان الإنسان قدير الجهد والوسع وليس عليه ما لا ~~يفي به ولا يطيقه - أطلق أكرم الأسماء التي هي ممدوحة شريفة بيننا على الله ~~- تعالى - كمثل السميع العليم والجبار العزيز وأشباهها. وأنا أعتقد أن ~~الشرع خاصة أطلق لنا هذه الأسماء والصفات ولو خلينا ورأينا لما أقدمنا على ~~شيء منها أصلا برخصة ولا سبب. فإذا سمعنا بشيء من هذه الأسماء والأفعال ~~والحروف منسوبة إلى الله تعالى - نظرنا فيه: ms064 فإن كان مطلقا في الشريعة ~~أطلقناه ثم تأملنا مراد قائله فإن كان خيرا وحكمة وعدلا تركناه ورأيه وإن ~~لم يكن كذلك ولائقا بإضافة إليه أبطلناه وزيفناه وكذبنا قائله ونزهنا ~~بارئنا الواحد المنزه المتعالي عن هذه الأوصاف الباطلة. ثم إني وجدتك - ~~أيدك الله - تحكي في هذه المسألة جوابات عن شيخ # PageV01P144 # فاضل تثني عليه وتسكن إلى قوله وتقنع بأجوبته فرأيت أن أقنع أبا أيضا لك ~~بها وذلك أنك ذكرت في آخر المسألة ما هذه حكايته: طال هذا الفصل عن هذا ~~الشيخ في معان متفرقة تجمع فوائد غريبة بألفاظ مختارة وتأليفات مستحسنة ولو ~~أمكن أن يتلو كل ما تقدم مثل هذا لكان في ذلك للعين قرة للروح راحة ولكن ~~الوقت مانع من المفروض الموظف فضلا عن غيره وأنا إلى إتمام الرسالة أحوج ~~مني إلى غيره. ### | (مسألة # ما الإلف الذي يجده الإنسان لمكان يكثر القعود فيه ولشخص يتقدم الأنس به؟) # وهذا تراه في الرجل يألف حماما بل بيتا من الحمام ومسجدا بل سارية في ~~المسجد ولقد سمعت بعض الصوفية يقول: حالفتني حمى الربع أربعين سنة ثم أنها ~~فارقتني فاستوحشتها. ولم أعرف لاستيحاشي معنى إلا الإلف الذي عجنت الطينة ~~به وطويت الفطرة عليه وضبغت الروح به. ### || الجواب: # الإلف هو تكرر الصورة ~~الواحدة على النفس أو على الطبيعة # PageV01P145 # مرارا كثيرة. فأما النفس فإنما تتكرر عليها صور الإشياء إما من الحس وإما ~~العقل. فأما ما يأتيها من الحس فإنها تخزنه في شيبه بالخزانة لها أعنى موضع ~~الذكر وتكون الصورة كالغريبة حينئذ فإذا تكرر مرات شيء واحد وصورة واحدة ~~زالت الغربة وحدث الأنس وصارت الصورة والقابل لها كالشيء الواحد فإذا أعادت ~~النفس النظر في الخزانة التي ضربناها مثلا - وجدت الصورة الثانية فعرفتها ~~بعد أنس وهو الإلف. وهذا الإلف يحدث عن كل محسوس بالنظر وغيره من الآلات. ~~فأما ما تأخذه من العقل فإنها تركب منه قياسات وتنتج منها صورا تكون أيضا ~~غريبة ثم بعد التكرر تنطبع فيقع لها الأنس إلا أنه في هذا الموضع لا يسمى ~~إلفا ولكن علما ms065 وملكة ولهذا يحتاج في العلوم إلى كثرة الدرس لأنه في أول ~~الأمر يحصل منه الشيء يسمى حالا وهو كالرسم ثم بعد ذلك بالتكرر يصير قنية ~~وملكة ويحدث الاتحاد الذي ذكرناه. فأما الطبيعة فلأنها أبدا مقتفية أثر ~~النفس ومتشبهة بها إذ كانت كالظل للنفس الحادث منها فهي تجرى مجراها في ~~الأشياء الطبيعية ولذلك إذا عود الإنسان طبعه شيئا حدثت منه صورة كالطبيعة ~~ولهذا قيل: العادة طبع ثان. # PageV01P146 # وإذا تصحفت الأمور التي تعتاد فتصير طبيعة وجدتها كثيرة واضحة أبين وأظهر ~~من الإلف الذي في النفس كمن يعود نفسه الفصد والبول والبراز وغيرها في ~~أوقات بعينها وكذلك الهضم في الأكل والشرب وسائر ما تنسب أفعالها إلى ~~الطبيعة. ### | مسألة طبية # لم صار الصرع من بين الأمراض صعب العلاج؟ # وسبب ذلك نرى الطبيب كاليائس من برئه ويقال: إنه فيمن طغن في السن وأخذ ~~بدنه في الخلوقة أصعب وفي الصبي اللين العود الرطب الطين السريع الحيلولة ~~أقرب مرارا وأسهل برءا. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكوبه - رحمه الله: الصرع هو ~~تشنج يحدث في الأعصاب ومبدأ العصب الدماغ لأنه من هناك ينبت في جميع البدن ~~وسبب هذا التشنج بخار غليظ يكون من بلغم لزج وكيموس غليظ يسد منافذ الروح ~~التي في بطون الدماغ ولأن البخار - وإن كان غليظا - فهو سريع التحلل تكون ~~الإفاقة سريعة بحسب تحلله. وهذا الانسداد ربما كان من الدماغ نفسه وربما ~~كان باشتراك المعدة من بخار غليظ يرتفع إليه منها وهو الأكثر وربما كان ~~باشتراك عضو آخر. # PageV01P147 # والعليل يحس قبيل وقت النوبة إذا كان من عضو غير المعدة كأن شيئا ينشأ من ~~هناك وينجذب إلى فوق فيربط الطبيب ذلك الموضع ويلف عليه عصائب قوية ليمنع ~~البخار من الصعود إلى الدماغ. ولما كان الصبي ضعيف الدماغ رطبه كان سريعا ~~إلى قبول البخارات وحرارته في النشوء معمورة بكثرة الرطوبات وليس البخار ~~بشيء أكثر رطوبة كثيرة تضعف الحرارة عن تحليلها وإحالتها فلذلك كثرت ~~البخارات في رأسه فحدثت منه السدد التي ذكرناها. والطبيب الماهر لا يعالج ~~الصبي بشيء من ms066 أدوية الصرع بل يتركه ويداوي الموضع بإصلاح الغذاء فإن ~~الطبيعة إذا قويت وجف فضول الرطوبات عن جميع البدن وذكت الحرارة - زال ~~الصرع لنفسه لزوال السبب أعني البخار الكثير ولصلابة جوهر الدماغ وقلة ~~قبوله الآفات التي كان سببها رطوبته وضعفه وإنما غاية الطبيب إصلاح اللبن ~~للمرضعة بالغذاء الذي يعدله حسب. فأما الطاعن في السن فإن أمره بالضد لأن ~~ضعف آلاته كلها يكون من قبل الانحطاط وضعف القوى والأعضاء وليس ينتظر بها ~~أن تتزيد في القوة بل هي في كل يوم إلى النقصان والضعف فإذا قبل دماغه ~~بخارا غليظا من نفسه أو من عضو آخر صار مغيضا له وازداد في كل نوبة قبولا. ~~والحرارة التي هي سبب تخلخل البخارات أيضا تضعف عن التحليل فلذلك يقع اليأس ~~منه. ومن شأن المادة التي تنصرف إلى موضع البدن إذا عاودته مرارا أن تتسع ~~لها المجارى وتلزمها الطبيعة بالعادة التي ذكرناها في المسألة المتقدمة. ~~فالآلة تزداد ضعفا والمادة تزداد انصبابا والبخار يزداد كثرة للرطوبة ~~الغريبة التي تحدث في أبدان المستعدين لها واستحالتها بلغما في # PageV01P148 # معدتهم والحرارة تزداد ضعفا على التحليل. ### | (مسألة # ما سبب محبة الناس لمن قل رزؤه حتى إنهم ليهيئون الطعام الشهي له بالغرم الثقيل ويحملونه إليه في الجون على الرءوس) # ويضعونه بين يديه وكلما ازداد ذلك الزاهد تمنعا ازداد هؤلاء لجاجة فإن ~~مات اتخذوا قبره مصلى وقالوا: كان كثير الصوم قليل الرزء وإذا عرض لهم من ~~يأكل الكثير ويتذرع في اللقم مقتوه ونبدوه وكرهوا قربه واستسرفوا أدبه ~~ولعلة ما هجر الناس زيارة مقابر الملوك والخلفاء ولهجوا بزيارة قبور أصحاب ~~البت والخلقان وأهل الضعف والمسكنة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: ذلك لأن الإنسان بنفسه النامية يناسب النبات وبنفسه المتحركة ~~بالإرادة يناسب البهائم وبنفسه الناطقة يناسب الملائكة فهو إنما فضل وشرف ~~بهذه الأخيرة. والاغتذاء من خاصة النبات وإن كان يعم الحيوان أيضا لأجل ما ~~فيه من القوة النامية. # PageV01P149 # فأما النفس الناطقة فلا حاجة بها إلى الأكل والشرب. ولما كانت الملائكة ~~أشرف من الأنس لاستعانها ms067 بذاتها عن الغذاء وبقاء خروجها جوهرها - كان ~~الإنسان المناسب لها بنفسه أكثر وأشرف من الإنسان الذي يناسب النبات ~~والبهائم نسبة أكثر. وكما أن الإنسان يستخف بالنبات والبهيمة ويستخدمها ~~ويعظم الملائكة ويسبحها فكذلك من الواجب في كل شيء كان مناسبا لتلك أن يكون ~~مهانا مستخفا به وكلما كان مناسبا لهذا أن يكون معظما مشرفا. وهذا أبين من ~~أن يبسط فيه قول ويتكلف له جواب ولكنا لم نحب الإخلال بالمسألة رأسا فلذلك ~~علقنا فيه هذا القدر. ### | (مسألة # لم صار بعض الناس يولع بالتبذير مع علمه بسوء عاقبته) # وآخر يولع بالتقتير مع علمه بقبح القالة فيه وما الفرق بين الرزق والملك ~~فقد قال لي شيخ من الفلاسفة - وقد سمعنى أشكو الحال - يا هذا أنت قليل ~~الملك كثير الرزق وكم من كثير الملك قليل الرزق أحمد الله عز وجل. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تقدم لنا في هذه المسائل كلام في السبب ~~الذي يختار الناس له فعل ما تقبح عاقبته مع علمهم بذلك وضربنا فيه المثل ~~بالمريض # PageV01P150 # الذي يعلم أن تناول الغذاء الضار يبطل صحته فإن الغذاء إنما احتيج إليه ~~للصحة فيختار للشهوة الحاضرة أخذ الغذاء الضار بسوء ملكته وضبطه لنفسه ~~وانقياده للنفس البهيمية وعصيانه للنفس الناطقة. ولا وجه لإعادته. وكذلك قد ~~بينا مائية الرزق والفرق بين الملك والرزق وإذا قرأته مما تقدم جوابا لهذه ~~المسألة. ### | (مسألة خلقية # لم يكن الناس لهجا بطي ما يأتيه وكتمان ما يفعله ويكره أن يطلع على شيء من أمره) # وآخر يظهر ما يكون منه ويتشنع به ويدل الناس على قليلة وكثيرة. وما معنى ~~قول النبي - عليه السلام - (استعينوا على أموركم بالكتمان فإن كل ذي نعمة ~~محسود) . ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مضى أيضا جواب هذه ~~المسألة فيما تقدم وكما يعرض للنفس في الأموال الشح والسماحة كذلك يعرض لها ~~في المعلومات فمرة تسمح ومرة تضن. # PageV01P151 # وقد تقدم جميع ذلك مستقصى حيث تكلمنا عن السر فيما مضى. ### | (مسألة إرادية # لم سمج مدح الإنسان لنفسه ms068 وحسن مدح غيره له وما الذي يحب الممدوح من المادح وما سبب ذلك؟) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: المدح تزكية للنفس وشهادة لها ~~بالفضائل ولما كان الإنسان يحب نفسه رأى محاسنها وخفى عليه مقابحها بل رأى ~~لها من الحسن ما ليس فيها فقبح منه الشهادة بما لا يقبل منه ولا يرى له. ~~فأما غيره فلأجل غربته منه وخلوه من آفة العشق صارت شهادته مقبولة ومدحه ~~مسموعا. وربما كان هذا الغير يجري في محبة الممدوح مجرى الوالد والأخ ~~والصديق الذي محله منه قريب من محل نفسه فعرضت له تلك الآفة بعينها أو قريب ~~منها فقبح ثناؤه ومدحه ولم يقبل منه وإن كان دون قبح الأول أعني مادح نفسه ~~لأن أحدا لا يبلغ في محبته غيره درجة محبته نفسه. فأما ما يجده الممدوح من ~~المادح فهو حلاوة الإنصاف وتأدية الحق وسماع الكلام الطيب أي المحبوب ~~الموافق للإرادة. # PageV01P152 ### | (مسألة إرادية وخلقية ولغوية # ما سبب ذم الناس البخل مع غلبة البخل عليهم؟) # وما سبب مدحهم الجود مع قلة ذلك فيهم وهل الجود والبخل طبيعيان أو ~~مكسوبان وهل بين البخيل واللئيم والشحيح والمنوع والنذل والوتح والمسيك ~~والجعد والكز - فروق. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما سبب ذم ~~الناس البخل فلأن البخل منه الحق من يستحقه على الشروط التي تقدم ذكرها وهو ~~في نفسه أمر مستقبح عند العقل وليس يمنع من استقباحه غلبته عليهم وهو خلق ~~مذموم ومرض للنفس مكروه وكما لا يمنعهم ذم أمراض البدن # PageV01P153 # وإن كانت موجودة لهم كذلك لا يمنع ذم أمراض النفس وإن كانت غالبة عليهم ~~على أن الإنسان في أكثر الأمر يذم هذا العارض للنفس من البخل ولا يعترف أنه ~~موجود فيه إلا إذا كان منصفا من نفسه عارفا بما لها وما عليها فقد سمعت ~~جماعة من الأصدقاء يذمون أنفسهم بأمور ويشكون أنهم في جهد من مداواتها وحرص ~~على إزالتها وان العادة السيئة قد أفسدت وأما سبب مدحهم الجود فلأن الجود ~~في نفسه أمر حسن محبوب وقد ms069 مر حده فيما مضى وهو في النفس كالصحة في البدن ~~فالناس يؤثرونه ويمدحونه وجد لهم أم لم يوجد. وأما قولك: هل الجود والبخل ~~طبيعيان أم مكسوبان فإن الأخلاق بأجمعها ليست طبيعية ولو كانت كذلك لما ~~عالجناها ولا أمرنا بإصلاحها ولا طمعنا في نقلها وإزالتها إذا كانت قبيحة ~~ولكانت بمنزلة الحرارة والإضاءة في النار وبمنزلة الثقل والارجحنان في ~~الأرض فإن أحدا لا يروم معالجة هذه الطبائع ولا إزالتها ونقلها ولكنا نقول: ~~إنها - وإن لم تكن طبيعية - فإنها بسوء العادة أو بحسنها تصير قريبة من ~~الطبيعة في صعوبة العلاج وإزالة الصورة من النفس. ولسنا نسميها خلقا إلا ~~بعد أن تصير هيئة للنفس يصدر أبدا عنها فعل واحد بلا روية فأما قبل ذلك فلا ~~تسمى خلقا ولا يقال: فلا بخيل ولا جواد إلا إذا كان ذلك دأبه. فأما الطفل ~~والناشىء فقد يكون مستعدا بمزاج خاص له نحو قبول خلق # PageV01P154 # بعينه لكنه بؤدب ويعود الأفعال الجميلة لتصير صورة لنفسه وهيئة لها يصدر ~~عنها - أبدا - ذلك الفعل المحمود كما يكون مستعدا لقبول مرض بعينه فيعالج ~~بالأغذية والأدوية إلى أن ينقل من ذلك الاستعداد إلى ضده بتبديل المزاج إلى ~~أن يصح ولا يقبل ذلك المرض. وأما قولك: هل بين الألفاظ التي عددتها فروق ~~فلعمري أن بينها فروقا: أما البخيل واللئيم فقد فرقنا بينهما فيما تقدم من ~~أن اللؤم أعم من البخل لأن كل لئيم بخيل وليس كل بخيل لئيما واللؤم لا يختص ~~بالمال والأعراض حسب بل يكون في النسب والهمة والبخل خاص بالأخذ والإعطاء. ~~وأما المسيك والمنوع فاشتقاقهما يدل على معناهما. وأما المجعد والكز ~~فلفظتان مستعارتان مأخوذتان من الجمادات. وأما النذل والوتح فاسما مبالغه ~~في الذم وكل واحد أبلغ من الآخر والنذالة أبلغ من القلة والوتاحة وفي مثل ~~للعامة: فلان مقدد العرس وذكره بعينه أرسططاليس. ودلني على ان تلك اللغة ~~وافقت هذه اللغة في هذا المثل أو أخذه قوم عن قوم. وهذا قد تجاوز البخل ~~الذي هو منع الحق أهله على الشروط وانحط إلى غاية في ms070 معاملة نفسه أكثر من ~~غاية البخيل في معاملة غيره. # PageV01P155 ### | (مسألة إرادية وخلقية # وعلى ذم الناس البخل ومدحهم الجود ما سبب اجتماعهم على استشناع الغدر واستحسان الوفاء مع غلبة الغدر وقلة الوفاء؟) # وهل هما عرضان في أهل الجوهر أم مصطلح عليهما في العادة ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: سبب استحسان الناس الوفاء حسنه في العقل وذلك أن ~~الناس لما كانوا مدنيين بالطبع اضطروا إلى أمور يتعاقدون على لزومها لتصير ~~بالمعاونة أسبابا لتمام أغراض أخر. وقد تكون هذه الأمور في الدين السيرة ~~وفي المودة والمعاملة وفي الملك والغلبة وبالجملة في كل ما يحتاج فيه إلى ~~التمدن وما يتم بالمعاونات فتقدم لها أسباب تعقد بينهم حالا يراعونها أبدا ~~في تمام ذلك الأمر فإذا ثبت عليها قوم ولزموها تمت أغراضهم وإذا زالوا عنها ~~وخاس بعضهم ببعض فيها انتقضت عليهم الأغراض وانتقضت عن بلوغ التمامات. ~~وبحسب الأمر المقصود بالتمام يكون حسن الوفاء وقبح الغدر فإن كان الأمر ~~شريفا كريما عام النفع استشنع الغدر فيه واستحسن الوفاء وبالضد. ### | (مسألة في مبادىء العادات # ما مبدأ العادات المختلفة من هذه الأمم المتباعدة) # فإن العادة مشتقة من عاد يعود واعتاد يعتاد فكيف فزع الناس إلى أوائلها ~~وجروا عليها # PageV01P156 # وما هذا الباعث الذي رتب كل قوم في الزي وفي الحيلة وفي العبارة والحركة ~~على حدود لا ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لعمري إن العادة من ~~عاد يعود فأما السؤال عن مبادىء العادات وكيف نزع الناس إلى أوائلها وما ~~كانت تلك الأوائل ومن شبق إليها ورتبها لكل قوم في الزى فأمر لا أضمن لك ~~الوفاء فيه ولو ضمنه ضامن لي لما رغبت فيه ولا عددته علما ولا كان فيه ~~طائل. ### | (مسألة طبيعية # لم لم يرجع الإنسان بعدما شاخ وخرف وكهلا ثم شابا غريرا ثم غلاما صبيا ثم طفلا كما نشأ وعلام يدل هذا النظم وإلى أي شيء يشير هذا الحكم؟) ### || الجواب: # قال أو علي مسكويه - رحمه الله: ليست الشيخوخة والهرم نهاية نشوء ~~الإنسان ولا غاية الحركة الطبيعية ms071 أعنى النامية فتروم - أيدك الله - أن ~~يعود الشيخ في مسالكها إلى المبدأ الذي تحرك منه بل ينبغي أن تعلم أن غاية ~~النشوء والحركة إنما هي عند منتهى الشباب ثم حينئذ يقف وذلك زمان التكهل ثم ~~ينحط وذلك زمان الشيخوخة # PageV01P157 # وذلك أن الحرارة الغريزية التي في الإجسام المركبة من الطبائع الأربع ما ~~دامت في زيادة قوتها فهي تنشىء الجسم الذي هي فيه بأن تجتذب إليه الرطوبات ~~الملائمة بدل ما يتحلل منها فتكون غذاء له ثم تبقى بقية جذبها فضل القوة - ~~فاضلة عن قدر الغذاء الذي عوض من المتحلل فزادتها في مساحة الجسم ومددت بها ~~أقطاره فإذا تناهت القوة وقفت فلم تزد في الأقطار شيئا بل غايتها حينئذ أن ~~تحفظ على ذلك الجسم أقطاره ومقداره بأن تغذية أعني أن تجتذب من الرطوبات ~~مقدار ما يسري في الجسم عوضا عما تحلل بلا زيادة تنصرف إلى التزييد ~~والتمديد. ثم إن الحرارة تضعف قليلا وتأخذ في النقصان بعد أن تقف وقفة في ~~زمان التكهل فيبتدىء البدن في النقص ويصير الإنسان إلى الانحطاط عن تلك ~~الحركة الأولى فلا يزال الغذاء ينقص عن مقدار الحاجة فلا يفي ما يعتاض من ~~الرطوبة بما تحلل منها فهو كذلك إلى أن يهرم ويبلغ إلى الإنحلال الذي هو ~~مقابل التركيب الذي بدأ منه وهو الموت الصحيح الطبيعي. وهذه سبيل كل حركة ~~قهرية في أنها تبتدىء بتزيد ثم تنتهي إلى غاية ثم تقف وقفة ثم تنحط. ولما ~~كان مزاج الإنسان وكل مركب من الطبائع المتضادة إنما كان بجامع جمعها وقاهر ~~قهرها حتى ألفها مع تضادها ونفور بعضها من بعض - صارت حركتها قهرية ومن شأن ~~الحركة القهرية ما ذكرت من أمرها إذا لم يتبعها القاهر أبدا بقهر بعد قهر. ~~فوجب في حركة النشوء ما وجب في كل حركة من جنسها ولم يعد الشيخ كهلا ثم ~~شابا ثم طفلا لأن الحركة لم تقع على هذا النظام ولا الشيخوخة هي غاية ~~الحركة بل هي غاية الضعف ونظير الطفولة. ووسط زمان الإنسان الذي بين ~~الطفولة والشيخوخة ms072 هو غايته ثم العود في الانحطاط والحركة يكون على سبيل ما ~~بدأ. # PageV01P158 ### | (مسألة إرادية # ما الذي يجده الإنسان في تشبيه الشيء بالشيء) # حتى يخطر ذلك المعنى على قلبه ويلهج بذكره في قوافيه ونثره ولم إذا لم ~~يكن التشبيه واقعا والمعنى فيه بارعا - أورث الصدود ومنه الاستحسان. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الذي يجده الإنسان من ذلك هو ~~السرور بصدق التخيل وحسن انتزاع الصور من المواد حتى تأحدت الصورة بعد أن ~~كثرتها المادة. وذلك أن تشبيه الخوخة بالحمصة هو انتزاع الشكل الذي وجدفي ~~مادتيهما وملاحظتهما شيئا واحدا وإن اختلفت به المواد في الكبر والصغر ~~والرطوبة واليبوسة واللون والمذاق وغيرها من الأعراض. والتفطن لذلك وتجريد ~~الصور من المواد ورد بعضها إلى بعض من خاص فعل النفس فالشرور به سرور ~~نفساني فلذلك يلهج به كما يلهج بما يظفر إذا كان طبيعيا بل هذا أشرف وأفضل. ### | (مسألة في الرؤيا # ما السبب في صحة بعض الرؤيا وفساد بعضها) # ولم لم تصح الرؤى كلها أو لم لم تفسد كلها؟ # PageV01P159 # وعلام يدل ترجحها بين هذين الطرفين فلعل في ذلك سرا يظهر بالامتحان. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد صح وثبت من المباحث الفلسفية ~~أن النفس أعلى من الزمان وأن أفعالها غير متعلقة بشيء من الزمان ولا محتاجة ~~إليه إذ الزمان تابع للحركة والحركة خاصة بالطبيعة وإذا كان ذلك كذلك ~~فالأشياء كلها حاضرة في النفس سواء الماضي والمستقبل منها فهي تراها بعين ~~واحدة والنوم إنما هو تعطيل النفس بعض آلاتها إجماما لها - أعني بالآلات ~~الحواس - وهي إذا عطلت هذه الحواس بقيت لها أفعال أخر ذاتية خاصة بها من ~~الحركة التي تسمى رؤية وجولانا نفسانيا. وهذه الحركة التي لها في ذاتها ~~تكون لها بحسب حالين: إما إلهيا وهو نظرها في أفقها الأعلى وكما أنها إذا ~~كانت مستيقظة ترى بحاسة العين الشيء مرة رؤية جلية ومرة رؤية خفية بحسب ~~القوة الباصرة من الحدة والكلال وبحسب الشيء المنظور إليه في اعتدال ~~المسافة وبحسب الأشياء الحائلة بينها وبينه ms073 من الرقة والكثافة. وهذه أحوال ~~لا يستوي فيها النظر بل ربما نظر الناظر بحسب واحدة من هذه العوارض إلى ~~حيوان فظنه جمادا وربما ظنه سبعا وهو إنسان وبما ظنه زيدا وهو عمرو فإذا ~~زالت تلك الموانع وارتفعت العوائق أبصرها بصرا تاما - كذلك حالها إذ كانت ~~نائمة أي غير مستعملة آلة الحس إنما ترى من الشيء ما يحصل من الرسم الأول - ~~أعني الجنس العالي الشامل للأشياء التي # PageV01P160 # هو عام لها - ثم لا يزال يتخلص لها بصورة بعد صورة حتى تراه صريحا بينا ~~فإن اتفق أن ترى من الشيء رسمه احتيج فيما تراه إلى تأويل وعبارة وإن رأته ~~مكشوفا مصرحا كانت الرؤيا غير محتاجة إلى التفسير بل يكون الشيء بعينه الذي ~~رأته في النوم هو الذي ستراه في اليقظة. وهذا هو القسم الذي لها بحسب نظرها ~~السريع الشريف الذي من أفقها الأعلى وبه تكون الإنذارات والرؤيا الصادقة ~~التي هي جزء من النبوة. فأما القسم الآخر الذي لها بحسب نظرها الأدون من ~~أفقها الأسفل فإنها تتصفح الأشياء المخزونة عندها من الصور الحسية التي ~~إنما استقتها من المبصرات والمسموعات بالحواس وهي منثورة لا نظام لها ولا ~~فيها إنذار بشيء وربما ركبت هذه الصور تركيبا عبثيا كما يفعله الساهي أو ~~العابث من أفعال لا يقصد بها غرضا كالولع بالأطراف وبما يليها من الأشياء ~~ولا فائدة له فيها. وهذه الرؤى لا تتأول وإنما هي الأضغاث التي سمعت بها. ### | (مسألة # ما الرؤيا فقد جل الخطب فيها وهي جزء من أجزاء النبوة) # وما الذي يرى وما يرى وما الذي يرى ما يرى النفس أم الطبيعة أم الإنسان ~~وأكره أن أرقى إلى البحث عن النفس وتحقيق شأنها وما قال الأولون والآخرون ~~فيها. وإذا كان هذا معجزا وعن الطاقة بارزا فما ظنك بالبحث عن العقل وأفقه ~~أعلى وعالمه أشرف وآثاره ألأطف وميزانه أشد اتصالا وبرهانه أبعد مجالا ~~وشعاعه أقوى سلطانا وفوائده أكثر عيانا. # PageV01P161 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس ترى عند غيبة المرئيات ~~ما تراه من وهذه ms074 حال يجدها الإنسان من نفسه ضرورة لا يمكنه أن يدفعني عنها ~~وإلا فمن أين لنا صورة بغداد وخراسان والبلاد التي شاهدناها مرة ثم منازلنا ~~بها وصور أصدقائنا فيها وجميع ما نتذكره منذ الصبي لولا حصول هذه الصورة في ~~الحاس المشترك سيما وقد تبين بيانا لا ريب فيه أن البصر وسائر الحواس إنما ~~هي انفعالات من المحسوسات واستحالات إليها وهذه الاستحالة لا تثبت بعد زوال ~~المحسوس المخيل فلولا هذا الحاس المشترك العام الذي تثبت فيه صور المحسوسات ~~ولا تزول لكنا إذا أبصرنا شيئا أو سمعناه ثم زال عن بصرنا وسمعنا زالت عنا ~~صورته ألبتة حتى لا يمكننا أن نعرف صورته إلا إذا وقعت أبصارنا وأسماعنا ~~عليه ثانيا ولكنا أيضا مع أبصارنا له ثانيا وثالثا لا نعلم أنه الأول وكذلك ~~المسموعات. ولولا أننا نستثبت صورة المحسوسات أولا أولا في هذه القوة - ~~أعني الحاس العام المشترك - لكنا لا نستفيد بالقراءة ورؤية الرقص والحركات ~~كلها التي تنتهي مع آنات الزمان شيئا ألبتة لأن البصر مستحيل بقراءة الحرف ~~بعد الحرف وبالحركة بعد الحركة فلا تثبت الحالة الأولى من استحالتها ولو ~~ثبت الأولى لما حصلت الثانية لكن الأمر بالضد في وجودنا هذه الصور بعد ~~مفارقتها كأنها نصب عيوننا تراها النفس. وهذه الرؤية التي تسمى تذكرا في ~~اليقظة هي بعينها تسمى في النوم رؤيا ولكن هناك حال أخرى زائدة على حال ~~اليقظة لأن قوى النفس عند تعطيل الحواس تتوفر على الرؤية فترى أيضا الأشياء ~~الآتية في الزمان # PageV01P162 # المستقبل: إما رؤية جلية وإما رؤية خفيفة كالرسم. واشتقاق هذه الألفاظ ~~يذلك - أيها الشيخ اللغوي أيدك الله - أن المعنى فيها واحد لأن الرؤية ~~والروية والرؤيا - وإن اختلفت بالحركات - فهي متفقة بالحروف وكذلك إذا قلت: ~~رأى فلان وارتأى وروى فهذه صورة الأسماء المشتقة وأنت تعرف أحكامها لدربتك ~~بها. وكذلك الحال في أبصر واستبصر وفي البصر والبصيرة. فأما لفظة النظر ~~فإنها استعملت بعينها في الأمرين جميعا من غير زيادة ولا نقصان فقيل لما ~~كان بالحس: نظر ولما كان بالعقل: نظر من غير ms075 تغيير لحركة ولا تبديل لحرف. ~~فقد تبين ما الرؤيا وما الذي يرى وما الذي يرى: أما الرؤيا ملاحظة النفس ~~صور الأشياء مجردة من موادها عند النوم. وأما الذي يرى فالنفس بالآلة التي ~~وصفناها. وأما الذي يرى فالصورة المجردة. وقد مر في المسألة المتقدمة كيف ~~يكون بعض المنام صادقا وبعضه كاذبا وبعضه إنذارا وبعضه أحلاما وبعضه أضغاثا ~~ولكن بغاية الإيجاز لأنا لو شرحنا هذه المواضع لاحتجنا إلى تصنيف عدة كتب ~~نقرر فيها الأصول ونلخص بعدها الحروف ولكن الشرط سبق بغير هذا وسرعة فهمك ~~أمتع الله بك - وقبولك لما يشار به - يقتضي ما رأيناه ووأيناه. # PageV01P163 ### | (مسألة إرادية وخلقية # ما السبب في تصافي شخصين لا تشابه بينهما في الصورة ولا تشاكل عندهما في الخلقة) # ولا تجاوز بينهما في الدار كواحد من فرغانة وآخر من تاهرت وهذا طويل قويم ~~وهذا قصير دميم وهذا شخت عجف وهذا علج جلف وهذا أزب أشعر وهذا # PageV01P164 # أمعر أزعر وهذا أعيا باقل وهذا أبلغ من سحبان وائل وهذا أجود من السحاب ~~إذا سح بودق بعد برق وهذا أيخل من كلب على # PageV01P165 # عرق، إذا ظفر بعرق وبينهما من الخلاف والاختلاف ما يعجب الناظر إليهما ~~والفاحص عن أمرهما. وعلى ذكر الخلاف والاختلاف ما الخلاف والاختلاف وما ~~الإلف والائتلاف نعم ثم لا تراهما إلا متمازجين في الأخذ والإعطاء والصدق ~~والوفاء والعقد والولاء والنقص والنماء بغير نحلة عامة ولا مقالة ضامة ولا ~~حال جامعة ولا طبيعة مضارعة. ثم هذا التصافي ليس يختص ذكرا وذكرا دون ذكر ~~وأنثى ودون أنثى وأنثى. وإذا تنفس الاعتبار أدى إلى طرق مختلفة: منها أن ~~التصافي قد يمتد وقد ينقطع ففيما يمتد ما يبلغ آخر الدهر وفيما ينقطع ما لا ~~يثبت إلا شهرا أو أقل من شهر. ومن أعجب ما ينبع منه العداوة والشحناء ~~والحسد والبغضاء حتى كأن ذلك التصافي كان عين التنافي وحتى يفضي إلى عظائم ~~الأمور وإلى غرائب الشرور وإلى ما يفتي التالد والطارف ويأتي على البقية # PageV01P166 # المرجوة. وربما سرت العداوة في الأولاد كأنها بعض الإرث وربما ms076 زادت على ~~ما كانت بين الآباء. وهذا باب عسر وللتعجب فيه مجال وموقع والعلل فيه ~~مخبوءة. وقلما تصيب في زمانك هذا ذهنا يولع بالبحث عن غامضه ويلهج بالمسألة ~~عن مشكله. وليتهم إذ زهدوا في هذه الحكم لم يقذفوا الخائضين فيها والمنقبين ~~عنها بالتهم {} ! . ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب الصداقات ~~بين الناس ينقسم أولا إلى قسمين عاليين وهما أسباب الذاتي والعرضي. ثم ~~ينقسم كل واحد منهما إلى أقسام وبحسب أقسام المودات تنقسم أيضا أسباب ~~العداوات. وإذا عرف أحد المتقابلين عرف مقابله الآخر لأن أقسامه كأقسامه. ~~أما السبب الذاتي من أسباب التصافي فهو السبب الذي لا يستحيل ويبقي ببقاء ~~الشخصين فأما المزاج فقد يوجد بين الإنسانين وبين الهيمتين فإن تشاكل ~~الأمزجة يؤلف ويجذب أحد المتشاكلين بها إلى الآخر من غير قصد ولا روية ولا ~~اختيار كما تجد ذلك في كثير من أنواع البهائم والطير والحشرات. وكذلك تجد ~~بين الأمزجة المتباعدة عداوات ومنافرات من غير قصد ولا روية ولا اختيار # PageV01P167 # وإذا تصفحت ذلك وجدته أكثر من أن يحصى. وإن ارتقيت من الأمزجة إلى ~~البسائط من الأمور وجدت هذا مستمرا أيضا فيها - أعني المشاكلة والمحبة ~~والمنافرة والعداوة - فإن بين الماء والنار من المنافرة والمعاداة وهرب كل ~~واحد منهما من صاحبه ليبعد عنه ثم ميل كل واحد منهما إلى جنسه وطلبه لشكله ~~ليتصل به - أمر لا خفاء به على أحد. فإن انضاف إلى ذلك مزاج مناسب بتأليف ~~موافق ظهر السبب وقوى كما يوجد حجر المغناطيس والحديد وبين حجري الخل أعني ~~محب الخل وباغض الخل. وفي الحيوان من هذا المعنى شيء كثير بين لا يحتاج إلى ~~تعديده وإطالة الجواب بذكره. وإذا كان اتفاق الجسمين يوجب المودة بالجوهر ~~وبالمزاج الخاص فكم بالحرى أن يوجبها اتفاق النفسين إذا كان بينهما مناسبة ~~ومشاكلة. وأما الأسباب العرضية فهي كثيرة وبعضها أقوى من بعض: فأحد أسباب ~~المودة العرضية العادة والإلف. والثاني الأمر النافع أو المظنون به النفع. ~~والثالث اللذة والرابع الأمل والخامس الصناعات والأغراض والسادس المذاهب ~~والآراء والسابع ms077 العصبيات. ثم طول مكث أحد هذه الأسباب وقصره علة طول ~~المودات وقصرها. ومثال النافع مودات الأتباع أو الخدم وأربابهم وأصحاب ~~الشركة # PageV01P168 # والتجارات وطلاب الأرباح والمكاسب. ومثال اللذيذ مودة الرجل والمرأة على ~~أن هناك أيضا مودة النافع ومودة الآمل فهو لذلك قوى وثيق ومودة المتعاشقين ~~المتعاشرين على المأكول والمشروب والمركوب وما أشبه ذلك. وأما مثال الرجاء ~~والأمل فكثير ولعل مودة الوالدين للولد فيها شيء من هذا الضرب لأنه متى زال ~~الأمل وقوي اليأس انتفيا من الولد وزالت المودة وحدث البغض. فأما مودة ~~الولد فالنفع لا غير ثم يصير مع ذلك أيضا إلفا. ولست أقول إن الأسباب كلها ~~مودة الوالدين ما ذكرته فإن هناك أسبابا أخر طبيعية ولكن ومثال الصناعات ~~والأغراض كثير ظاهر لا يحتاج إلى ذكره مع ظهور. ومثال النحل والعصبيات كذلك ~~أيضا في البيان والظهور. وهذه الأقسام محصورة تحت قوى النفس البهيمة ~~والغضبية والناطقة. فما كان منها عن نسبة ومشاكله بين النفس النامية ~~والبهيمة كان منه أسباب المودة للذيذ أو النافع. وما كان منها بسبب مشاكلة ~~بين النفس الغضبية كان منه أسباب المودة للغلبة كالاجتماع للصيد والحرب ~~وسائر العصبيات التي تكون فيها قوة الغضب. وما كان منها عن نسبة ومشاكلة في ~~النفس الناظقة كان منه المودة التي للدين والآراء. وهذه تتركب وتنفرد فكلما ~~تركبت وكثرت الأسباب، وقويت # PageV01P169 # المودة وكلما تفردت ضعفت المودة ويكون زمان المكث بحسب ذلك أيضا. وأقوى ~~الأسباب المفردة العرضية ما كان عن النفس الناطقة ويتلوه ما كان عن النفس ~~الغضبية. وأنت تستقرىء ذلك وتتبينه لئلا يطول الجواب فيخرج عن الشرط الأول ~~من تحري الإيجاز. وجميعها يزول بزوال أسبابها وليس منها شيء ثابت لا يزول ~~إلا الجوهري الذاتي إما نفسا وإما طبيعة. ### | مسألة # ما العلم؟ وما حده وطبيعته؟ # فقد رأيت أصحابه يتناهبون الكلام فيه وقال قوم: هو معرفة الشيء على ما هو ~~عليه وقال آخرون: هو اعتقاد الشيء # PageV01P170 # على ما هو به. وقال قائلون: هو إثبات الشيء على ما هو به. فقيل لصاحب ~~القول الأول: لو كان حد ms078 العلم معرفة الشيء على ما هو به لكان حد المعرفة ~~على الشيء على ما هو به والحاجة إلى تحديد المعرفة كالحاجة إلى حد العلم. ~~وهذا جواب فيه سهو وإيهام. وقيل لصاحب القول الثاني: إن كان حد العلم ~~اعتقاد الشيء على ما هو به فبين أن كون الشيء على ما هو به سبق الإعتقاد ثم ~~اعتقد والاعتقاد سبق كون الشيء على ما هو به فإن ما هو به هو المبحوث عنه ~~ومن أجله وضع العيار ولزم الاعتبار. فقال المجيب مواصلا لكلامه الأول: هو ~~اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس وثلج الصدر. فقيل له: إن الإعتقاد ~~افتعال من العقد يقال: عقد واعتقد والكلام عقد والتاء عرض لغرض ليس من سوس ~~الكلمة فإذن هو فعل مضاف إلى العاقد الذي له عقد والمعتقد الذي له اعتقاد ~~والمسألة لم تقع عن فعل وإنما وقعت عن العلم الذي له قوام بنفسه وانفصال من ~~العالم ألا ترى أن له اتصالا به فهب أنك تحده باعتقاد الإنسان الشيء ما دام ~~متصلا به فما حقيقته من قبل ولما يتصل به وهذا جواب المعتزلة ولهم التشقيق ~~والتمطيط والدعوى والإعراب والعصبية والتشيع. وقيل لصاحب هذا الجواب: لو ~~كان العلم اعتقاد الشيء على ما هو به لكان الله معتقدا للشيء على ما هو به ~~لأنه عالم. فقال: إن الله - تعالى ذكره - لا علم له لأنه عالم بذاته كما هو ~~قادر بذاته حي بذاته. فقيل له: إنك لم تمانع في هذه الحاشية فلا تتوار عن ~~السهم إن كان حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به فحد العلم أنه معتقد ~~للشيء على ما # PageV01P171 # هو به. ويستأنف النظر: هل له علم أم ليس له علم فراغ هكذا وهكذا. وقيل ~~لصاحب القول الثالث: إثبات الشيء عبارة مقصورة على إضافة فعل إلى الفاعل ~~والفعل هو الإثبات والفاعل هو المثبت وباب العلم والجهل والفطنة والعقل ~~والنهي والدرك - ليس من الأفعال المحضة وإن كانت مضارعة لها كمضارعة طال ~~ومات ونشأ وشاخ واستعر وباخ. وهذا البحث ms079 متوجه إلى صاحب القول الرابع أعني ~~في قوله: حد العلم إدراك الشيء على ما وينبغي أن تعلم أن الغرض في حد الشيء ~~هو تحصيل ذاته معراة من كل شائبة خالصة من كل مقذية بلفظ مقصور عليها ~~وعبارة مصوغة لها وما دامت عين الشيء ثابتة في النفس ماثلة بين يدي العقل ~~فلا بد للمنطق من أن يلحق منها الحقيقة أو يدرك أخص الخاصة. ### || الجواب: # قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الأجوبة المحكية والاعتراضات عليها فأنا ~~معرض عن جميعها إذ كان هؤلاء القوم الذين حكي عنهم ما حكى لا يعرفون صناعة ~~التحديد وهي صناعة تحتاج إلى علم واسع بالمنطق ودربة - مع ذلك - كثيرة. # PageV01P172 # وغاية ما عند هؤلاء القوم في التحديد إبدال اسم كان اسم بل ربما كان اسم ~~الشيء أوضح من الحد الذي يضعونه له. وهذه سبيلهم في جميع ما يتكلفونه إلا ~~ما كان مأخوذا من المتقدمين ومنقولا عنهم نقلا صحيحا كحد الجسم والعرض وما ~~أشبههما. فأما ما تكلفوه من الحدود فهو بالهذيان أشبه. وأقول إن الحد مأخوذ ~~من جنس الشيء المحدود القريب منه وفصوله الذاتية المقمومة له المميزة إياه ~~عن غيره. فكل ما لم يوجد له جنس ولا فصول مقومه فإنما يرسم. والرسم يكون من ~~الخواص اللازمة التي أشبه بالفصول الذاتية فلذلك ما نحد العلم بأنه إدراك ~~صور الموجودات بما هي موجودات. ولما كانت الصور على ضربين: منها في هيولى ~~ومادة ومنها مجردة خالية من المواد - صار إدراك النفس أيضا على ضربين: ~~أحدهما بالحواس وهو إدراكها لما كان في مادة. والآخر بغير الحواس بل العين ~~الباطنة الروحانية التي تقدم الكلام فيها في بعض المسائل المتقدمة. فاسم ~~العلم خاص بإدراك الصور التي في غير مادة. واسم المعرفة خاص بإدراك الصور ~~ذوات المواد. ثم يستعمل هذا مكان هذا الاتساع في اللغة. ووجدتك دق اعترضت ~~على أجوبة من لم ترتض جوابه باعتراضات يجوز أن تظن أنها لازمة لجوابنا هذا ~~فلذلك احتجت إلى الكلام عليها فأقول: إن من شأن الحد أن ينعكس على المحدود ms080 ~~وذاك أن الاسم والحد جميعا دالان على شيء واحد لا فرق بينهما إلا في أن ~~الاسم يدل دلالة مجملة والحد يدل دلالة مفصلة مثال ذلك أن تقول في حد ~~الجسم. # PageV01P173 # إنه الطويل العريض العميق أو تقول: هو ذو الأبعاد الثلاثة ثم ينعكس ذلك: ~~إن الطويل العريض العميق هو الجسم أو ذو الأبعاد الثلاثة هو الجسم. وكذلك ~~تقول في سائر الحدود الصحيحة ولهذا تقول في العلم: إنه إدراك صور الموجودات ~~وتقول أيضا: إدراك صور الموجودات هو العلم فلا يكون بينهما فرق إلا أن ~~العلم يدل دلالة إجمال وحده يدل دلالة تفصيل على ما قدمناه ذكره وبيانه. ~~وإذا بان أن العلم إدراك وتصور فقد بان أنهما انفعال لأن الصور إنما تكون ~~موجودة: إما مجردة عقلية وإما مادية حسية وإذا أدركتها النفس فإنما تنقلها ~~إلى ذاتها نقلا لتنطبع تلك الصور فيها وإذا انطبعت فيها تصورت بها. وهذا ~~مستمر في المحسوس والمعقول. وإذا بان هذا فقد بان أنه من باب المضاف لأن ~~الإدراك أثر يقع بالمنفعل من الفاعل وكذلك التصور. والأشياء التي من باب ~~المضاف لا سبيل إلى وجودها منفردة ولا إلى تحصيل ذواتها معراة من كل شائبة ~~كما طالبت خصمك به لأنها لا عين لها ثابتة في النفس مائلة بين يدي العقل ~~إلا من حيث هي مضافة فالمعلوم إذن يتقدم العلم تقدما ذاتيا وكذلك المحسوس ~~يتقدم الحاس بالذات. والفرق بين التقدم الذاتي والتقدم العرضي والزماني بين ~~في غير هذا الموضع وإن كانا معا فأما ما ألزمته في خاصتك في الله - تعالى ~~عن صفات المخلوقين - فقد عرفت مما تقدم من المسائل أنا لا نقول فيه - تقدس ~~ذكره - إنه عالم بالحقيقة التي نقولها في العالم منا ولا نطلق شيئا من ~~صفاته بالمعاني التي نطلقها في غيره بوجه من الوجوه وإنما نتبع الشريعة ~~ونتمثل ما تأمر به ونسميه بأحب الأسماء ونصفه بأعظم الصفات التي نتعارفها ~~نحن معاشر البشر لأنه لا سبيل لنا إلى غير ما نعرفه فيما بيننا ولا طريق ~~لنا إلا ما يستحقه - عز # PageV01P174 # وجل ms081 - ذاته لأنا لا نعلم بالحقيقة منه شيئا إلا الإنية المحض حسب. ثم ~~جميع ما يشار إليه بعقل أو حس فهو مخلوق له. وإذا كان الأمر كذلك ووجدنا ~~الشريعة قد رخصت في أسام وصفات ممدوحة عظيمة بين البشر - ائتمرنا للشرع ~~فأطلقناها من غير أن نرجع بها إلى الحقائق المعروفة من اللغة والمعاني ~~المحصلة بها. وهذا موضع قد أومأت إليه فيما سلف وأعلمتك وجه الصعوبة فيه. ~~والله الموفق والمعين ولا قوة إلا به. ### | (مسألة # لم إذا أبصر الإنسان صورة حسنة أو سمع نغمة رخيمة قال: والله ما رأيت هذا قط ولا سمعت مثل هذا قط ولا سمعت مثل هذا قط وقد علم أنه سمع أطيب من ذاك وأبصر أحسن من ذاك.) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه: رحمه الله: أما بحسب الفقه أو مقتضى اللغة ~~فهو غير حانث ولا مخطىء لأن شيئا لا يماثل شيئا بالإطلاق ولا يقال في شيء: ~~هذا مثل هذا إلا بتقييد فيكون مثله في جوهره أو كميته أو كيفيته أو غير ذلك ~~من سائر المقولات وقد # PageV01P175 # يماثله في اثنتين منها وأكثر فأما في جميعها فمحال. فهذا وجه صحة قول ~~الإنسان: والله ما رأيت مثله. فأما من جهة أخرى - وهي جهة طبيعية - فإنك ~~تعلم أن الحس سيال بسيلان محسوسه فإذا استثبت صورة ثم زالت عنه وحضرت أخرى ~~شغلته وثبتت بدل الأخرى فلا يحصر الحس إلا ما قد أثر فيه دون ما قد زال ~~وإنما حصلت الأولى في الذكر وفي قوة أخرى وربما لم يجتمعا أو لم يحضر الذكر ~~فيكون قول الإنسان على حسب الحاضر وحضور الذكر أو غيبته. ### | (مسألة # ما سبب استحسان الصورة الحسنة وما هذا الولوع الظاهر والنظر والعشق الواقع من القلب والصبابة المتيمة للنفس) # والفكر الطارد للنوم والخيال الماثل للإنسان أهذه كلها من آثار الطبيعة ~~أم هي من عوارض النفس أم هي من دواعي العقل أم من سهام الروح أم هي خالية ~~من العلل جارية على الهذر! وهل يجوز أن يوجد مثل هذه الأمور الغالبة ~~والأحوال المؤثرة على ms082 وجه العبث وطريق البطل. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: أما سبب الاستحسان لصورة الإنسان فكمال في الأعضاء وتناسب بين ~~الأجزاء مقبول عند النفس. وهذا الجواب غرضك من المسألة # PageV01P176 # التي هي متوجهة نحو الصورة الإنسانية المعشوقة دون غيرها. وأقول: إن ~~الطبيعة مقتفية أفعال النفس وآثارها فهي تعطي الهيولى والأشياء الهيولانية ~~صورا بحسب قبولها وعلى قدر استعدادها وتحكي في ذلك فعل النفس فيها - أعني ~~في الطبيعة - ولكنها هي بسيطة فتقبل من النفس صورا شريفة تامة فإذا أرادت ~~أن تنقش الهيولى بتلك الصور أعجزت الأمور الهيولانية عن قبولها تامة وافية ~~لقلة استعدادها وعدمها القوة الممسكة الضابطة ما تعطاه من الصور التامة. ~~وهذا العجز في الهيولى ربما كان كثيرا وربما كان يسيرا وبحسب قوتها على ~~قبول الصور يكون حسن موقع ما يحصل فيها من النفس فإذا المادة الموافقة ~~للصورة تقبل النقش تاما صحيحا والمادة التي ليست بموافقة تكون على الضد. ~~والمثال في ذلك أن الطبيعة إنما تعمل من المادة عند تجبيل الناس في الرحم ~~الفطس في الأنف والزرقة في العينين والصهوبة في الشعر وبحسب قبول الهيولى ~~الموضوعة لها لا لأنها تقصد الصور الناقصة بل تقصد - أبدا - الأفضل ولكن ~~المادة الرطبة تأتي إلا قبول ما يلائمها وذلك أن الدعج في العين والشمم في ~~الأنف صور تحتاج إلى اعتدال المادة بين # PageV01P177 # الرطوبة السيالة واليبوسة الصلبة ولا يمكن إظهارها في المادة الرطبة كما ~~لا يمكن صياغة خاتم من شمع ذائب. وربما كانت المادة حاجزة من طريق الكمية ~~دون كيفية فلا تتم الخلقة على أفضل الهيئات. وكذلك الحال في شعر الرأس ~~وأهدب العين والحاجب فإنها لا تنتقش على ما ينبغي إذا كانت ناقصة المادة أو ~~غير معتدلة في الكيفيات فتعمل الطبيعة منها ما يمكن ويتأتى فتجىء الصورة ~~غير مقبولة عند النفس لأنها لا تطابق ما عندها من الكمال. فأما وأنت تتأمل ~~ذلك من طين الختم فإنه إذا كان ناقص الكمية غير مقدار الخاتم أو يابسا أو ~~رطبا أو خشنا - نقصت صورة الخاتم ولم يقبل النقش على ms083 التمام والكمال. فأما ~~المثال في المادة الموافقة فهو بالضد من هذا المثال فلذلك تقبل ما تعطيها ~~الطبيعة على التمام وتنتقش نقشا صحيحا مناسبا مشاكلا لما في النفس فإذا ~~رأتها النفس سرتها لأنها فكما أن الصناعة تقتفي الطبيعة فإذا صنع الصانع ~~تمثالا في مادة موافقة فقبلت منه الصورة الطبيعية تامة صحيحة: فرح الصانع ~~وسر وأعجب وافتخر لصدق أثره وخروج ما في قوته إلى الفعل موافقا لما في نفسه ~~ولما عند الطبيعة - فكذلك حال الطبيعة مع النفس لأن نسبة الصناعة إلى ~~الطبيعة في اقتفائها إياها كنسبة الطبيعة إلى النفس في اقتفائها إياها. ثم ~~إن شاء من شأن النفس إذا رأت صورة حسنة متناسبة الأعضاء في الهيئات ~~والمقادير والألوان وسائر الأحوال مقبولة عندها موافقة لما أعطتها الطبيعة ~~- اشتاقت إلى الاتحاد بها فنزعتها من المادة واستثبتها في ذاتها # PageV01P178 # وصارت إياها كما تفعل في المعقولات. وهذا الفعل لها بالذات له تتحرك ~~وإليه تشتاق وبه تكمل إلا أنها تشرف بالمعقولات ولا تشرف بالمحسوسات. فإذا ~~فعلت النفس ذلك واشتاقت إلى الطبيعيات والأجسام الطبيعة - رامت الطبيعة في ~~الأجساد من الاتحاد ما رامته النفس في الصور المجردة فلا يكون لها سبيل ~~إليه لأن الجسد لا يتصل بالجسد على سبيل الاتحاد بل على طريق المماسة فتحصل ~~حينئذ على الشوق إلى المماسة التي هي اتحاد جسماني بحسب استطاعتها. وهذا من ~~النفس غلط كبير وخطأ عظيم لأنها تنتكس من الحال الأشرف إلى الحال الأدون ~~وتتصور بصورة طبيعية منها أخذت وبها ابتديت وتفوتها الصور الشريفة العقلية ~~التي ترتقي بها إلى الرتبة العليا والسعادة العظمى. # وهذا الذي ذكرته هو ~~الأمر الذاتي الكلي الجاري على وتيرة طبيعية تحصرها الصناعة وتضبطها ~~القوانين. فأما الاستحسان العرضي والجزئي - أعني ما يستحسنه شخص ما بحسب ~~مزاج ما - فهو أيضا لأجل نسبة ما ولكنه يصير شخصيا والأمور الشخصية لا ~~نهاية لها فلذلك لا تنحصر تحت صناعة ولا لها قانون. والذي ينبغي أن يعلم ~~منها أن كل مزاج متباعد من الاعتدال تكون له مناسبات نحو أمور خاصة به ~~ويخالفه المزاج الذي ms084 هو منه في الطرف الآخر من الاعتدال حتى يستقبح هذا ما ~~يستحسن هذا وبالضد وكذلك ما تقيده العادات والاستشعارات وهو موجود في ~~استلذاذ المأكول والمشروب فإن الأمزجة البعيدة من الاعتدال تناسب طعوما ~~غريبة # PageV01P179 # وتستلذ منها طرائف وعجائب. والاستقراء يفيدك كل عجيبة وطريفة من هذا ~~النحو في الروائح والسماع وجميع الحواس. ### | مسألة # لم صار الخصيف المتمكن واللبيب المبرز يشاور فيأتي بالفلق # والداهية حتى يدع الشعر مشقوقا والغيث مرهوقا فإذا انفرد بشأنه وانتصر ~~وتعقب غاية منافعة عاد كسراب بقيعة لا يحلى ولا يمر حتى يفتضح عند من كان ~~يثني الخنصر عليه بنكره ودهائه ويشير إلى صواب رأيه ما الذي أصابه ونزل به ~~وما الذي بدله وتحيف عليه وما هذا الأمر الذي وسمه بما وسمه وأداه إلى ما ~~أداه؟ # PageV01P180 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك شيئان: أحدهما محبة ~~الإنسان ذاته وتخوفه على نفسه من خطإ ينسب إليه أو غلط يقع منه فتعرض له ~~الدهشة والحيرة. والآخر ميله إلى الهوى والهوى عدو العقل والخطأ - أبدا - ~~مع الهوى فإذا حضر الهوى غاب العقل وحيث يغيب العقل يغيب الخير كله ~~فالإنسان - أبدا - أسير في يد الهوى والهوى يريه ما يقبح جميلا والخطأ ~~صوابا. ولإحساس الرجل المميز الفاضل بذلك منه لا يأمن أن يكون رأيه لنفسه ~~من قبل ما يريه الهوى دون العقل فيضطرب فكره ولا يصح رأيه لنفسه. فأما إذا ~~رأى لغيره فهو سليم من الحالين جميعا فلذلك يأتي بالرأى الصحيح السليم ~~كالقدح وربما كان له هوى في غيره أيضا فيعرض له من الخطأ مثل ما عرض له في ~~نفسه. وهذا يدلك على صحة ما ذكرناه من السبب في خطئه على نفسه وسداده في ~~أمر غيره. وإذا احترز العاقل لنفسه أيضا وتجنب الهوى - صح رأيه لنفسه وقل ~~خطؤه إلا بمقدار ما جبل عليه المرء من محبة نفسه واشتباه الهوى في بعض ~~المواضع اللطيفة بالرأى الصحيح فإنه حينئذ يغلط غلطا يعذر فيه ويسلم من ~~تبعته. # PageV01P181 ### | (مسألة # لم يشمئز الإنسان من جرح قد فغز فوه ms085 حتى إنه لينفر من النظر إليه والدنو منه وينفي خيال ذلك عن نفسه) # ويتعلل بغيره وكلما اشتد نفوره منه اشتد ولوعه به ما هذا أيضا فإنه باب ~~آخر في طي التعجب مما تقدم وفي المسألة: أن المعالج يباشر ذاك بعينه نظرا ~~وبيده علاجا وبلسانه حديثا أترى ذاك من المعالج إنما هو لضراوته وعادته ~~وطول مباشرته وملاحظته أم لمكسبه وحاجته وعياله ونفقته فإن كان للضراوة ~~والعادة فما خبره في ابتداء هذه الضروة والعادة وإن كان لحرفته فكيف عاند ~~طباعه معاندة وجاهد نفسه مجاهدة وهل يستوى للإنسان أن يعتاد ما ليس في طبعه ~~ولا في عادته ثم يستمر ذلك عليه ويكون كمن ولد فيه وعمر به. ### || الجواب: # قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين في المباحث الفلسفية أن النفس ~~بالحقيقة واحدة وإنما تكثرت بالأشخاص وإذا كان ذلك كذلك فالإنسان إذا رأى ~~بغيره أمرا خارجا عن الطبيعية من جرح أو تفاوت في الخلق أو من نقص في ~~الصورة - عرض له من ذلك ما يعرض له في ذاته وكأنه ينظر إلى نفسه وجسمه لأن ~~النفس هناك هي بعينها النفس ههنا فبحق ما يعرض هذا العارض. فأما ولوعه به ~~وحضوره في ذكر أبدا فإنما ذلك لأجل أن النفس إذا # PageV01P182 # قبلت صورة نزعتها من مادتها واستثبتتها في ذاتها وقيدت عليها قوة الذكر. ~~وليس تجري النفس مجرى المرآة التي إذا قابلها الشيء قبلت صورته ما دام ذلك ~~الشيء قبالتها فإذا زال زالت صورته عنها ولا كناظر العين في قبول الصور ~~أيضا وذلك أن هذه أجسام طبيعية تقبل صورة الأجرام قبولا عرضيا فأما النفوس ~~فإنها تقبل الصور بنوع أشرف وأعلى ثم تستثبت تلك الصورة وإن زال حاملها عن ~~محاذاة العين. وقد مر في هذه المسائل طرف من هذا المعنى وبين هناك كيف تقبل ~~النفس بقوتها المتخيلة صورة الشيء سريعا وكيف تبقى بعد ذلك هذه الصورة في ~~قوتها الذكرية حتى تراها مناما ويقظة فإنا متى شئنا أحضرنا صور آبائنا ~~وأجدادنا ومدننا حتى كأننا نراهم وإن كانوا غائبين فأما ms086 لم ذلك وكيف ~~استقصاء الكلام فيه فموجود في مظانه. وأما المعالج لما سألت عنه المعتاد به ~~بالضراوة فإنما كان ذلك لأجل تكرر الصورة وأن ذلك الفعل صار كالخلق له. وقد ~~بينا فيما تقدم أن الصور إذا تكررت على النفس حصل منها شيء ثابت كالجوهري ~~لها وقلنا إنه لولا هذه الحال لما أدبنا الأحداث ولا دعونا الصبيان في أول ~~نشوئهم العادات الجميلة فإن الأفعال إذا اتصلت ودامت ألفتها النف سواء كانت ~~حسنة أو قبيحة. فإذا استمر الإنسان عليها صارت ملكة له وقنية فعسر زوالها. # PageV01P183 ### | مسألة # ما العلة في حب العاجلة # ألا ترى الله - تعالى - يقول: [اي] {كلا بل تحبون العاجلة} [\ اي] ~~والشاعر يقول: والنفس مولعة بحب العاجل. ومن أجل هذا المعنى ثارت الفتن ~~واستحالت الأحوال وحارت العقول واحتيج إلى الأنبياء والسياسة والمقامع ~~والمواعظ فإذا كان حب العاجلة طباعا ومبذورا في الطينة ومصوغا في الصيغة ~~فكيف يستطاع نفيه ومزايلته وكيف يرد التكليف بخلاف ما في الطبيعة أليست ~~الشريعة مقوية للطبيعة أليس الدين قوام السياسة أليس التألة قضية العقل ~~أليس المعاد نظير المعاش فكيف الكلام في هذا الشق وكيف يطرد العتب على من ~~أحب ما حببت إليه وقصرت همته عليه كما خلق ذكرا أو أنثى أو طويلا أو قصيرا ~~أو ضريرا أو بصيرا أو جلفا أو شهما فإن سقط اللوم في إحدى الحاشيتين سقط في ~~التي تليها وإن لزم في إحداهما لزم في أخراهما. # PageV01P184 # وهذا نظر ينسل إلى الجبر والاختيار وهما فنان يحتاجان إلى تحديد نظر ~~وتجديد اعتبار. والحال المقسمة للبال من قضاء الوطر وبلوغ الغاية فقي ~~النظر. ### || الجواب: # قال أوب علي مسكويه - رحمه الله: العاجلة إنما يومأ بها إلى ~~الحواس وتوابعها من اللذات في المآكل والمشارب والاستفراغات والاستراحات. ~~والتي تختص بهذه الأشياء من الحواس هي النفس البهيمية. ثم ينبغي أن تعلم أن ~~هذه النفس هي معنا من أول النشوء ومع الولادة فقد ألفناها إلفا قويا مع ~~الزمان المتصل الطويل فلذلك كانت قوتها أظهر وغلبتها أشد وصار الحكم لها. ~~وإنما نظرنا النفس المميزة ms087 بقوة العقل من بعد فيظهر أثرها قليلا قليلا إلى ~~أن يقوى في وقت التكهل والاجتماع وبلوغ الأشد فنحن نحتاج لذلك إلى مقاومة ~~تلك النفس والاستعداد لها وكسر حدتها وإيهان قوتها بكلفة شديدة وصبر طويل ~~بحسب قوتها واستيلائها علينا وإلفنا إياها ونحتاج أيضا إلى تقوية النفس ~~الناطقة بامتثال أمرها وتثميرها وتنفيذ عزائمها فلأجل هذا صعب علينا قبول ~~أمر هذه وسهل قبول أمر تلك. فأما قولك: كيف يرد التكليف بخلاف ما في ~~الطبيعة فإنا نقول: إن طبيعة النفس البهيمية الانقياد للنفس الناطقة ~~والوقوف عند أمرها. ولولا أن ذلك في جلبتها وسوسها وهو قبول التأديب وأن # PageV01P185 # تصدر أفعالها الخاصة بها بحسب ما يأمرها به العقل - لكان - لعمري - ~~تكليفا بخلاف ما في الطبع ولكن أحدا لا يروم إبطال هذه القوة رأسا بل ~~يطالبها بأن تقبل ترتيب الأفعال على ما يرسمه العقل وهي مطبوعة على قبول ~~هذا الأدب كما قلنا. وليس يجري هذا مجرى ما ضرب به المثل من الطول والقصر ~~وغيرهما لأن هذا شيء لا صنع فيه للأدب وإنما هو أثر يقبل الهيولى من المعطي ~~بحسب موضوعه ولا يمكن خلافه بوجه ولا سبب. وتفسير ذلك أن الرطوبة التي في ~~المادة تقبل من الحرارة امتدادا وانجذابا إلى العلو الذي هو حركة ولا يمكن ~~أن يكون إلا على ما يظهر بالفعل. فقد بان الفرق بين هذين النوعين اللذين ~~رمت الجمع بينهما وظهر السبب في حب العاجلة وحسن ما أدب الله - تعالى - به ~~الناس بالدين والآداب وخرج الجواب عن المسألة في إيجاز وإيضاح. ### | (مسألة # ترى ما السبب في قتل الإنسان نفسه عند إخفاق يتوالى عليه وفقر يحوج إليه) # وحال تتمنع على حوله وطوقه وباب ينسد دون مطلبه ومأربه وعشق يضيق ذرعا به ~~ويبعل في معالجته. وما الذي يرجو بما يأتي؟ وإلى # PageV01P186 # أي شيء ينحو فيما يقصد وينوي وما الذي ينتصب أمامه ويستهلك حصافته ويذهله ~~عن روح مألوفة ونفس معشوقة وحياة عزيزة وما الذي يوهمه من العدم حتى يسلبه ~~من قبضة الوجدان ويسلمه إلى صرف الحدثان. ### || الجواب: # قال ms088 أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: الإنسان مركب من ثلاث قوى نفسانية وهو كالواقف بينها تجذبه هذه ~~مرة وهذه مرة. وبحسب قوة إحداها على الأخرى يميل بفعله فربما غلبت عليه ~~القوة الغضبية فإذا انصبغ بها وما بفعله إليها ظهرت قوته كلها كأنها غضب ~~وخفيت القوى الأخرى حتى كأنها لم توجد له وكذلك إذا هاجت به القوة الشهوية ~~خفيت آثار القوى الأخر. وأحصف ما يكون الإنسان وأحسنه حالا إذا غلبت عليه ~~القوة الناطقة فإن هذه القوة هي المميزة العاقلة التي ترتب القوى الأخرى ~~حتى تظهر أفعالها بحسب ما تحده وترسمه. والإنسان حينئذ نازل بالمنزلة ~~الكريمة بحيث هيأه الله تعالى وكما أراده. فإذا كان الأمر كذلك فغير منكر ~~أن يهيج بالإنسان بعض تلك القوى منه عند التواء أمر عليه أو انسداد باب دون ~~مطلب له فيظهر منه فعل لا توجبه روية ولا يقتضيه تمييز لخلفاء أثر القوة ~~الناطقة واستيلاء القوة الأخرى. وأنت تجد ذلك عيانا عند الأحوال المختلفة ~~بك فإنك تجد نفسك في أوقات على أحوال مؤثرة لها قاصدة إليها غير مصغية إلى ~~نصيح ولا قابلة أمر سديد حتى إذا أفقت من تلك السكرة التي غلبت عليك في تلك ~~الحال - عجبت من الأفعال التي ظهرت منك وأنكرت نفسك فيها وكأن غيرك # PageV01P187 # كان الذي آثرها وقصد إليها فلا تزال كذلك حتى تهيج بك تلك القوة الأولى ~~مرة أخرى فلا يمنعك ما جربته من نفسك ووعظتها به - أن تقع في مثله. وسبب ~~ذلك التركيب من القوى المختلفة النفسانية. وليس يمكن الإنسان أن يخلص بقوة ~~واحدة ويصدر أفعال الباقية بحسب التي هي أفضل وأشرف إلا بعد معالجة شديدة ~~وتقويم كثير وإدمان طويل فإن العادة إذا استمرت والعزيمة إذا أنفذت في زمان ~~متصل طويل - حصل منها خلق فكان الحكم له وصار هو الغالب ولذلك نأمر الأحداث ~~بالسيرة الجميلة ونؤاخذهم بالآداب التي تسنها الشرائع وتأمر بها الحكمة. ~~واستقصاء هذا الكلام وذكر علله لا تقتضيه المسألة ولا يفي به المكان. فإن ~~شك فيما قلنا شاك وظن أن الإنسان المركب ms089 من القوى الثلاثة يجب أن يكون لا ~~زما لأمر واحد متركب من تلك القوى كما نجد الحال في سائر المعجونات ~~والمركبات من الطبيعة فليعلم أن مثاله ليس بصحيح لأن قوى الإنسان النفسانية ~~لها من ذاتها حركات تزيد وتنقص وأحوال - أيضا - تهيجا. وليست كذلك قوى ~~الطبيعيات فلتنعم النظر في ذلك تجده كما أومأنا إليه وذكرناه. ### | (مسألة # سألت بعض مشايخنا بمدينة السلام عن رجل اجتاز بطرف الجسر) # وقد اكتنفه الجلاوزة لا يسوقونه إلى السجن فأبصر موسى وميضة في طرف دكان ~~مزين فاختطفها كالبرق وأمرها على حلقومه فإذا هو يخور # PageV01P188 # في دمائه فقلت: من قتل الإنسان فإذا قلنا: قتل نفسه فالقاتل هو المقتول ~~أم القاتل غير المقتول فإن كان أحدهما غير الآخر فكيف تواصلا مع هذا ~~الانفصال وإن كان هذا ذاك فكيف تفاصلا مع هذا الاتصال وإنما شيعت المسألة ~~الأولى بهذا السؤال لأنه ناح نحوها وقاف أثرها. ### || الجواب: # قال أبو على مسكويه ~~- رحمه الله: كأن هذه المسألة مبينة على أن الإنسان شيء واحد لا كثرة فيه ~~والشبهة فيها من هذا الوجه تقوى فإذا بان أن للإنسان قوى كثيرة وهو مركب ~~منها وأنه يميل في وقت ما نحو قوة وفي وقت آخر نحو غيرها وأن أفعاله - أيضا ~~- بحسب ميله إلى إحدى القوى وغلبتها عليه كما بيناه في المسألة التي قبل ~~هذه - زال هذا الشك. فأما قوله: كيف تواصلا مع هذا الانفصال فأقول: إن ~~السبب في ذلك أن الباري تعالى لما علم أن هذا المركب من نفس وجسد يحتاج إلى ~~أشياء تقيمه من غذاء وغيره وأنه لا قوام لحياته إلا بمادة وكان لا يصل إلى ~~تلك المادة إلا بحركة وسعي وكانت العائقات والمانعات عنها كثيرة - أعطاه ~~قوة يصل بها إلى حاجاته ويدفع بها أضدادها عن نفسه ليتم له البقاء. ومن شأن ~~هذه القوة أن تهيج وتثور في أوقات بأكثر مما ينبغي وفي أوقات تقصر عما ~~ينبغي. وهاتان الحالتان لها رذيلتان: أما الأولى فيتبعها التهور وأما ~~الثانية فيتبعها الجبن. وللإنسان - بقوة التمييز والعقل - أن يستعمل هذه ms090 ~~القوة على ما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وعلى الشيء الذي ينبغي. # PageV01P189 # فإذا حصل في هذه الرتبة فهو شجاع وممدوح وكما أراده الله تعالى منه على ~~خلقه له. وقد بقي في المسألة موضع شك وهو أن يقول قائل: إن كان قاتل نفسه ~~إنما ظهر منه هذا الفعل بحسب القوة الغضبية فهو شجاع والشجاع محمود ونحن ~~نعلم أن هذا الفاعل بنفسه هذا الفعل مذموم فكيف حاله وأين موضع الشجاعة ~~الممدوح فنقول: لعمري إن هذا الفعل من أثر القوة الغضبية ولكنه بحسب ~~رذيلتها وتقصيرها عما ينبغي لا بحسب الزيادة ولا بحسب الاعتدال الذي سميناه ~~شجاعة وذلك أن المرء الذي يخاف أمرا فيه من فقر أو شدة ولا يرحب ذرعا به ~~ولا يستقبله بعزيمة قوية ومنه تامة - جبان ضعيف فيحمله هذا الجبن على أن ~~يقول: أستريح من تحمل هذه المشقة التي ترد علي. وهذا هو النكول والضعف ~~المسمى جبنا. وقد ذكرنا أن قوة الغضب ربما كلت ونقصت عما ينبغي فتكون رذيلة ~~ومنقصة ولا تسمى شجاعة ولا يكون صاحبها محمودا ولا ممدوحا. ### | مسألة # كيف صار يخلص في وقت معتاد النفاق؟ # ويتيقن من اشتمل بالريب ويستيقظ من هو راقد ويتنصح من هو غاش وكيف صار - ~~أيضا - ينافق من نشأ على الإخلاص ويريب من ألف النزاهة وعلى هذا كيف يكون ~~يخون من استمر على الأمانة ستين عاما ويتحرج من عتق في الخيانة ستين عاما ~~ما هذه العوارض المختلفة والعادات المستطرفة؟ # PageV01P190 # وكذلك نجد الكذاب يصدق أحيانا لغير أرب مجتلب والصادق يكذب لغير معنى ~~محدد ثم لا يتفق أن يصدق ذلك في نافع أو يكذب هذا في دافع. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة أيضا قريبة من المسألتين المتقدمتين ~~والجواب عنها قريب من الجواب عنهما. وذلك ان النفاق والنصح وسائر ما ذكره ~~في هذه المسألة هو من آثار النفس الناطقة. ومن البين أن هذه النفس لها أيضا ~~مرض وصحة فصحتها اعتدالها في قواها الباقية ومرضها خروجها عن الاعتدال. وهي ~~إن خرجت عن اعتدالها في وقت فغير ms091 منكر لها أن تعود إليه في وقت آخر وكما أن ~~الصدق والنصيحة وصحة الروية وتقسيط الأعمال بحسب الأحوال هو صحتها ~~واعتدالها فأضداد هذه مرضها وخروجها عن الاعتدال. ولكن ليس نسلم أنها تصدق ~~ثم تكذب لغير سبب ولا لدفع مضرة بل يظن - أبدا - أن فعلها صواب لأمر تراه ~~فربما كان ذلك الظن غلطا وخطأ فأما أن تفعل ذلك لغير أرب وفير قصد إلى ما ~~تراه خطأ فمحال. ### | (مسألة # ما معنى قول بعض العلماء إن الله عم الخلق بالصنع ولم يعمهم بالاصطناع) # وما مبسوط هذا المعنى وكيف وجه تحصيله وهل ترك الله - تعالى - فيه صلاح ~~الخلق فلم يجد به ابتداء من غير طلب كيف يكون هذا وقد بدأ بالنعم قبل ~~الاستحقاق وخلق الخلق من غير حاجة إلى الخلق فإن قيل: أبلى بالحاجة ثم منع ~~من غير بخل قيل: فلن ينبغي أن # PageV01P191 # يجحد إحسانه فيما ظهر لحيرة تقع فيما يظن ولعل في غيب ما منع ما قد يقع ~~ولكنه مجهول وهو بتدبيره ملىء وعلى موجب الحكمة ماض بغير مدافعة ولا ~~اعتراض. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قول من قال: إن الله ~~- تعالى - عم بالصنع خلقه ولم يعمهم بالاصطناع فكلام قد ذهب به مذهب ~~البلاغة ومعناه صحيح لولا التكلف الذي تجشمه صاحبه. وهذا المعنى في قول ~~المسيح - عليه السلام - أظهر وذاك أنه روى لنا ونقل من لغته إلى لعتنا أنه ~~قال: (لا تهمتوا ولا تقولوا ما نأكل وما نشرب وما نلبس فإن قدر الحاجة قد ~~عم به جميع الخلق وإنما يلتمسون الفضول فيها واعلموا أن ليس كل من دعا إلى ~~الله يرى وجه الله بل من أكمل رضوانه بالعمل الصالح) . فهذا قول المسيح - ~~عليه السلام - على ما نقل وروى. فأما تفسير هذا الكلام وهو تبيين الكلام ~~الأول الذي سألت عن معناه فإن الصنع البين الظاهر لجميع الخلق هو إعطاؤهم ~~الحياة ثم إزاحة العلة فيما هو ضروري في بقائها وذلك أن بقاءها بالحرارة ~~الغريزية وبقاء الحرارة الغريزية بالترويح يخرج من معدنها الذي ms092 هي متعلقة ~~به - الدخان الذي يحدث عن الحرارة والرطوبة الدهنية وتبديل الهواء اليابس ~~بذلك الدخان بهواء آخر رطب سليم موافق لمادة تلك الحرارة وذلك بمنفاخ دائم ~~العمل في شبيه بكير الحدادين وهو الرئة وآلة النفس في جميع ماله قلب ومعدن ~~لهذه الحرارة وما يجرى مجراها في الحيوانات الأخرى التي لا قلب لها. # PageV01P192 # ولا حاجة بها إلى الترويح عن الحرارة الملتهبة في المادة الرطبة الدهنية ~~ثم إزاحة العلة في نفس الهواء الذي هو مادة تلك الحرارة ثم في الرطوبة التي ~~لولاها لفني مقدار ما في الجسم منها مع اغتذاء الحرارة بها أعني الماء. ~~وهذه هي الأشياء الضرورية في الحياة التي لو فقد منها واحد طرفة عين لبطلت ~~الحياة. وقد أزيحت العلة فيها إزاحة بينة كثيرة ظاهرة وعم بها جميع ~~الحيوان. فأما الأشياء التي تتبع هذه مما هي ضرورية في طول بقاء الحي وفي ~~حسن حاله من العروق الضوارب وغير الضوارب وآلات الغذاء والقوى الجاذبة ~~والمغيرة والمحيلة الممسكة والدافعة وارئيسة من هذه القوى والخادمة لها ~~وقيام الرئيسة - أبدا - بسياسة الخوادم واستخدامها وقيام الخوادم منها ~~بالطاعة والخدمة الدائمة - فأمر قد تبين في صناعة الطب وظهر ظهورا لا يحتاج ~~معه إلى استئناف قول. ويبقى بعد ذلك تخير الحي لقوت دون قوت مما ليس بضروري ~~في بقائه فقد أعطى بحسب حاجته - أيضا - قوة يطيق بها التخير والتوصل إلى ~~قدر حاجته. وهذا كله معموم به جميع الخلق غير ممنوع من شيء منه. فأما ~~الاصطناع فهو القرب من الباري - جل اسمه - وليس يتم هذا إلا بسعي ورغبة ~~وتوجه. وقد دل - أيضا - تقدس اسمه إلى ذلك وبقي أن يتحرك العبد إلى هذه ~~الحال فإنه لا يمنع - أيضا - من الاصطناع بل الباب مفتوح والحجاب مرفوع ~~وإنما المرء يحجب نفسه ويمتنع من التوجه والرغبة وقصد المنهاج والسبيل الذي ~~دل عليه ورغب فيه - بأن يتشاغل بفضول عيشه الذي هو مستغن عنه بما هو حي ~~وبالميل إلى لذات الحس التي تعوقه عن مطلبه وغايته ومنتهى سعادته وهذا بحسب ~~الموضع كاف فيما سألت ms093 عنه، والله الموفق؟ # PageV01P193 ### | (مسألة # ما سر النفس الشريفة في إيثار النظافة ومحبة الطهارة) # وتتبع الوضاءة وعلى هذا فما وجه الخير في قوله صلى الله عليه وسلم ~~(البذاذة من الإيمان) وقال بعض النساء: القشف من الشرف والترف من السرف. ~~وسمعت صوفيا يقول: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا. ومطلق هذا يقتضي قيدا ~~ولكن قال هذا وسكت. وسمعت فيلسوفا يقول: إذا صفا السر انتفى الشر. وهذا وإن ~~كان قولا رشيقا فإن السبب فيه متوار والدليل عنه متراخ. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: ينبغي أن نتكلم أولا في سبب النظافة والدنس حتى ~~تبين معنى كل واحد منهما ثم ننظر في نفور الإنسان عن الدنس وميله إلى ~~الطهارة فأقول: إن العناصر الأربعة إذا لم تمتزج ضروب الامتزاجات المتغايرة ~~لم ينفر الإنسان منها ولم يسمها دنسا وإنما يقع النفور من بعض المزاجات. # PageV01P194 # وإذا نظرنا في المزاجات وجدنا هذه الأربعة إذا اختلطت ضربا من الاختلاط ~~على مناسبة ما كانت معتدلة وحصل المزاج الإنساني وهذا المزاج له غرض ما فكل ~~ما لم يخرج عنه فهو إنسان بالصورة والمزاج وإن انحرف عن هذا المزاج وخرج ~~عنه - لم يكن إنسانا. ولا بد أن يكون انحرافه وخروجه إلى واحد من هذه ~~الأربعة أكثر فإن كان مائلا إلى جهة الحرارة وباقي العناصر مقاربة للمزاج ~~الإنساني أو باقية بحالها - نظر في مقدار خروجه إلى جهة الحرارة فإن كان ~~كثير جدا كان سما للإنسان قاتلا له وإن كان دون هذا كان ضارا له بحسب خروجه ~~عن اعتداله في الحرارة وهذا لا يسمى دنسا وكذلك إن خرج في جهة اليبوسة ~~والبرد فإن هذه إن أفرطت وحصلت مضادة للمزاج المعتدل حتى تبطله - كانت ~~سموما وإن لم تبطل ذلك المزاج فهي تضره وتغيره عن صورته وسواء كان هذا ~~الخارج عن الاعتدال الإنساني نباتا أو حيوانا فإنه يعرض فيه ما ذكرناه. ~~فهذه حال مفردات العناصر إذا أفرطت مع اعتدال الباقيات. فإما إذا خرج اثنان ~~منها عن الاعتدال فإن خروجهما أيضا يكون على ضروب وأنحاء ms094 إلا أن الرطوبة - ~~خاصة - إذا أفرطت في الزيادة والحرارة إذا أفرطت في الزيادة - عرض من هذا ~~المزاج حال تسمى عفونة وهي عجز الحرارة عن تحليل الرطوبة فيحصل مخالفا ~~للمزاج المعتدل من هذا الوجه فيتكرهه الإنسان ويأباه سواء أكان ذلك في ~~حيوان أو جماد. وهذا النفور والتكره على ضروب بحسب خروج المزاج المقابل له ~~عن الاعتدال وسأضرب لذلك مثلا وهو أن مزاج الإنسان لما كان مقاربا لمزاج ~~الفرس وكانت بينهما مناسبة - حصل بينهما قبول من تلك الجهة فإذا # PageV01P195 # تباعد هذا المزاج حتى يكون منه الغبار والدود والجعل والذباب - نفر منه ~~الإنسان وتكرهه وذلك أن هذه الأنواع من الحيوانات مكونة من عفونات - كما ~~وصفناه من زيادة الرطوبة ونقصان الحرارة - فبعدت من مزاج الإنسان وكذلك حال ~~فضول البدن وذلك أن الطبيعة إذا استولت على الغذاء فتناولت منه القدر ~~الملائم وميزته أيضا وحصلته في أوعيته وشبهته أولا أولا بالبدن ونفت ما ليس ~~بملائم وميزته أيضا وحصلته في أوعية أخرى وهي آلات النفض فإن ذلك المميز ~~الذي قد خرج عنه جميع ما فيه من الملاءمة - يحصل على غاية البعد من ~~المشابهة وتعرض له غلبة الرطوبة ونقصان الحرارة فيعفن فينفر عنه الإنسان ~~ويكرهه ويحب الراحة منه. وهذا سبيل ما يرشح من البدن من سائر الفضول فإن ~~جميعه ما نفاه الطبع وميزه فهو لذلك غير ملائم وما لم يكن ملائما كان ~~متكرها ويسمى هذا النوع دنسا إلا أنه ما # PageV01P196 # دام مستبطنا وغير بارز من البدن فهو محتمل بالضرورة فإذا برز عفناه - ~~حينئذ - وتكرهناه وتقررنا منه. وههنا أشياء أخر ينفر منها الإنسان بالعادة ~~ويألفها أيضا بالعادة وليس ما نحن فيه من هذه المسألة في شيء. فأما قول ~~النبي - عليه السلام - (البذاذة من الإيمان) فهو بعيد من هذا النمط الذي ~~كنا في ذكره فإن من كاد باذ الهيئة يكره الدنس ويحب النظافة وليس يخالفك في ~~شيء مما تؤثره من معنى الطهارة فإن خالفك فليس من حيث بذاذة الهيئة لكن كما ~~يخالفك غيره ممن ليس بباذ الهيئة. وكذلك حال التقشف ms095 الذي حكيت فيه كلاما ما ~~عن بعض الصوفية فإن تلك المعاني هي موضوعات أخر ليست مما كنا فيه والكلام ~~فيها يتصل بمعاني العفة والقناعة والاقتصاد وهي فضائل قد استقصى الكلام ~~فيها في مواضع أخر. فأما قول القائل: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا ~~وقول الآخر: إذا صفا السر انتفى الشر فهو إيماء إلى مراتب النفس من المعارف ~~ومنازل اليقين. ولعمري أن # PageV01P197 # من حصل له مرتبة في القرب من بارئه - جل اسمه وتعالى علوا كبيرا - فقد ~~انتفى منه الشيء ولم يحتمل الجفاء. وشرح هذا الكلام وبسطه طويل وقد لاح مما ~~ذكرناه ما فيه كفاية وبلاغ. ### | مسألة # الغناء أفضل أم الضرب؟ # والمغنى أفضل وأشرف أم الضارب. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~أما الموسيقا فإنه علم وقد يقترن به عمل وعامله يسمى موسيقارا. فأما علمه ~~فهو أحد التعاليم الأربعة التي لا بد لمن يتفلسف أن يأخذ بخط منه وأما عمله ~~فليس من التعاليم ولكنه تأدية نغم وإيقاعات متناسبة من شأنها أن تحرك النفس ~~- في آلة موافقة وتلك الآلة إما أن تكون من البدن أو خارجة عن البدن. فإن ~~كانت من البدن فهي أعضاء طبيعية أعدت لتكمل بها أمور أخر فاستعملت في ~~غيرها. وإن كانت خارجة من الطبيعة فهي آلات صناعية أعدت لتكمل بها تأدية ~~النغم والإيقاع. ومن شأن الآلات الطبيعية إذا هي استعملت في غير ما أعدت له ~~- أن تضطرب وتخرج عن أشكالها فتتبذل وتتغير. فإن كان غرض المتكلف ذلك فيها ~~الوصول إلى خسائس الأمور ونقائصها كان قبيحا مستهجنا. وإن كان غرضه منها ~~إظهار أثر العلم للحس ليتبين النسب المؤلفة في النفس وإظهار الحكمة في ذلك ~~- كان جميلا مستحسنا وإن كان لا بد فيه من الخروج عن العادة والإلف عند قوم ~~لكن # PageV01P198 # غرض أهل زماننا من العمل هو إثارة الشهوات القبيحة وإعانة النفس البهيمية ~~على النفس المميزة حتى تتناول لذاتها من غير ترتيب العقل وترخيصه فيها. ~~وإذا كان قصده لذلك بآلات طبيعية فهو - لا محالة - يضم إليه كلاما ملائما ~~له ms096 يؤلف منه تلك النغم في ذلك الإيقاع. فإن كان - أيضا - منظوما نظما شعريا ~~غزليا قد استعمل فيه خدع الشعر وتمويهاته - تركب تحريكه للنفس وكثرت وجوهه ~~واشتدت الدواعي وقويت على ما ينقض العفة ويثير الشبق والشره لأن الشعر وحده ~~يفعل هذه الأفعال. وهذه أسباب شرور العالم وسبب الشر شر فلذلك يعافه العقل ~~وتخطره الشريعة وتمنع منه السياسة. فإذا كانت الآلة خارجة من البدن فأحسنها ~~ما قل استعمال الأعضاء فيه وبقيت هيئة الإنسان ونصبته صحيحة غير مضطربة ~~وكان مع ذلك أكثر طاعة في إبراز على التأليف وأقدر على تمييز النغم وأفصح ~~على حقائق النغم المتشابهة لا إلى المتناسبة التي حصلها على الموسيقا. ~~ولسنا نعرف أكمل في هذه الأسباب من الآلة المسماة عودا لأن أوتارها الأربعة ~~مركبة على الطبائع الأربع ولدساتينها المشدودة نسب موافقة لما يراد من ~~تمييز النغم فيها وليس يمكن أن توجد نغمة في العالم إلا وهي محكية منها ~~ومؤادة بها. فأما ما يحكى عن الأرغن الرومي فلم تسمعه إلا خبرا ولم نره إلا ~~مصورا وقد عمل فيه الكندي وغيره كلاما ما لم يخرج به # PageV01P199 # إلى الفعل من القوة ولو عملت الآلة لا حتاجت من مهارة مستعملها ما يتعذر ~~وجوده ويبعد. وكما أن العود لما خرج إلى الفعل احتيج إلى ماهر يضربه ولم ~~يكن ليغني فيه العلم دون العمل والحذق فيه فكذلك هذه الآلة لو خرجت إلى ~~الفعل فلذلك توقفنا عن الحكم لها بالشرف وقطعناه للعود. ### | (مسألة # ما علة افتتان بعض الناس في العلوم على سهولة من نفسه وانقياد من هواه) # واستجابة من طبعه وآخر لا يستقل بفن مع كد القلب ودوام السهر ومواصلة ~~المجالس وطول المدارسة. ولعل الأول كان من المحاويح والثاني من المياسير. ~~وقال آخرون: هي أقسام. وقال قائلون: هي طبائع مختلفة وعروق نزاعة ونفوس ~~أباءة. وقال آخرون: إنما هي تأثيرات علوية ومقابلات سفلية واقترانات فلكية. ~~وقال آخر: الله أعلم بخلقه وبفعله ليس لنا إلا النظر والاعتبار فإن أفضينا ~~بنا إلى البيان فنعمة لا يقوم بشكرها إنس ولا جان ms097 وإن أديا إلى اللبس ~~فتسليم لا عار فيه على الإنسان. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~إن النفس وإن كانت في ذاتها كريمة شريفة فإن أفعالها إنما تصدر بحسب آلتها ~~فكما أن النجار إذا فقد الفأس واستعمل المثقب أو المنشار # PageV01P200 # مكانه لم يصدر فعله الذي يتم بالفأس كاملا ولم تحصل له صور المنجور تاما ~~ولم يكن ذلك لتقصير منه بل لفقد الآلة - فكذلك حال النفس إذا ثارت إلى ~~معرفة ونهضت نحو علم ثم لم تجد آلته فإنها حينئذ بمنزلة النجار الذي ضربناه ~~مثلا وذلك أن بعض العلوم يحتاج فيه إلى تخيل قوى والتخيل إنما يكون باعتدال ~~ما في مزاج بطن الدماغ المقدم. وبعض العلوم يحتاج فيه إلى فكر صحيح والفكر ~~الصحيح إنما يتم باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ الأوسط. وبعض العلوم يحتاج ~~فيه إلى حفظ صحيح جيد والحفظ الجيد يحصل باعتدال ما في مزاج بطن وبعض هذه ~~المزاجات يحتاج في اعتداله الخاص فيه إلى رطوبة ما وبعضه يحتاج فيه إلى ~~يبوسة ما وكذلك الحال في الكيفيتين الأخريين. ولما كانت هذه البطون متجاورة ~~أدى بعضها إلى بعض كيفيتها فإن رطوبة أحدها ترطب الآخر بالمجاورة وإن كان ~~غير محتاج إلى الرطوبة في اعتداله الخاص به فلذلك قل من يجتمع له الفضائل ~~الثلاث من صدق التخيل وصحة الفكر وجودة الحفظ. وإذا غلب أحد هذه كانت سهولة ~~العلم الموافق لذلك المزاج على الإنسان بحسب ما ركب فيه وأعطى القدرة عليه. ~~ومن فقد الاعتدال فيها كلها فقد الانتفاع بالعلوم أجمعها. وربما حصلت ~~الفضائل في التركيب من صحة المزاج ثم أهمل صاحبها نفسه بمنزلة النجار الذي ~~يجد الآلة ثم لا يستعملها كسلا وميلا إلى الراحة والهوينا وشغلا باللعب ~~والعبث فهذا هو المذموم المضيع حظه الذي خسر نفسه قال الله تعالى فيه [اي] ~~{قل إن الخاسرين # PageV01P201 # الذين خسروا أنفسهم} [\ اي] فأما من استعمل آلته بحسب طاقته وحصل فضيلتها ~~بنحو استطاعته فهو معذور. وليس يكون ذلك بيسار ولا فقر بل بحصول الآلة ~~ومواتاة المزاج وبقدر عناية ms098 الإنسان بعد فمن قال من الناس: إنها مواهب أو ~~أقسام أو طبائع أو تأثيرات علوية أو غير ذلك فهو صادق وليس يكذب أحد في شيء ~~مما حكيته لأن كل واحد منهم يومىء إلى جهة صحيحة وسبب ظاهر وإن كانت جميع ~~الجهات والأسباب مرتقية إلى سبب واحد لا سبب له وإلى علة أولى هي علة ~~الباقيات وإلى مبدع للجميع خالق للكل - تعالى ذكره وتقدس إسمه - ونحن ~~نستمده التوفيق ونسأله العصمة ونستوزعه الشكر ونفوض إليه أمورنا وهو حسبنا ~~ومولانا وعليه توكلنا ونعم المولى ونعم النصير. # PageV01P202 ### | مسألة # ما الفراسة وماذا يراد بها وهل هي صحيحة أم هي تصح في بعض الأوقات دون بعض أو لشخص دون شخص؟ ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفراسة صناعة تتصيد الأخلاق ~~والأفعال التي بحسب الأخلاق من الأمزجة والهيئات الطبيعية والحركات التي ~~تتبعها. وهي صناعة صحيحة قوية الأصول وثيقة المقدمات ويحتاج صاحبها ~~ومتعاطيها أن يتدرب في ثلاثة أصول لها حتى يحكمها ثم يحكم بها فإنه حينئذ ~~لا يخطىء ولا يغلط. والأصول الثلاثة هي هذه: أما أحدها فالطبائع الأربع ~~أنفسها. والثالث الهيئات والأشكال والحركات التابعة للأخلاق. ونحن نشرحها ~~على مذهبنا في الإيجاز والإيماء إلى النكت والدلالة بعد ذلك على مظانها. # PageV01P203 # فأما قولك: فما الذي يراد بها؟ فإن المراد من هذه الصناعة تقدمة المعرفة ~~بأخلاق الناس ليلابسهم على بصيرة. والفراسة قد تكون في الخيل والكلاب وسائر ~~الحيوانات التي ينتفع بها الناس وقد تكون في الجمادات أيضا كفراسة السيوف ~~والسحاب وغيرهما إلا أن العناية التامة إنما وقعت بفراسة الإنسان خاصة ~~لكثرة الانتفاع به مما سنذكره بمشيئة الله. وأما قولك: هل تصح أبدا أم في ~~وقت دون وقت ولشخص دون شخص فإني أقول: إنها تصح أبدا في كل وقت ولكل أحد ~~ولكن على الشريطة التي ذكرناها من إحكام الأصول التي وعدنا بذكرها مجملة ~~والدلالة على مواضعها مفصلة. وإنما قلنا إنها تصح أبدا ودائما لأن مقوماتها ~~ودلائلها ثابتة غير منقلبة وليست كأشكال الفلك التي تتبدل وتتغير بل شكل ~~الإنسان وهيئاته ومزاجه والحركات ms099 اللازمة له عن هذه الأشياء ثابتة باقية ما ~~دام حيا فالمستدل بها أيضا يتصفحها فيجدها بحال واحدة. ونعود إلى ذكر ~~الأصول الثلاثة فنقول: أما الاستدلال بالطبائع أنفسها فهو أن الحرارة التي ~~تكون في قلب الإنسان - وهي سبب الحياة - من شأنها إن زادت على الاعتدال أن ~~تزيد في النفس لحاجة القلب إلى الترويح بالرئة وأن توسع التجويف الذي تكون ~~فيه بالحركة الزائدة وأن يكون لها دخان فاضل على القدر المعتدل بحسب ~~زيادتها وبقدر الرطوبة الدهنية التي تجاورها. فيعرض من هذه الأحوال التي ~~ذكرتها أن يكون الإنسان الذي حرارة قلبه بهذه الصفة عظيم النفس واسع الصدر ~~جهير الصوت كثير الشعر في نواحي الصدر والأكتاف إذا لم يمنع منه مانع # PageV01P204 # كما يعرض لمن يكون جلده مستحصفا ومسام جلده مسدودة أو ضيقة. فمن وجد هذه ~~الصفات فحكم بأن الموجب لها حرارة غالبة فهو صادق إلا أنه لا ينبغي أن ~~يتسرع إلى حكم آخر حتى في الأصلين الباقيين ليثق كل الثقة وذلك أن الحرارة ~~يتبعها الغضب والشجاعة وسرعة الحركة ولكن على شروط وهي أن للدماغ مشاركة في ~~أفعال الإنسان وتعديل حرارة القلب إذا كان باردا رطبا فينبغي أن ينظر فيه ~~فإن كان صاحب هذا المزاج صغير الرأس بالإضافة إلى صدره فاحكم عليه بما ~~قلناه. فإن أضاف المستدل إلى هذه الدلالة الدلالتين الأخريين من الأصلين ~~الباقيين لا أشك في صحة حكمه وصدق قياسه. وأنا الاستدلال بالأصل الثاني وهو ~~المزاج فقد علمنا أن لكل مزاج خلقا ملائما وشكلا موافقا وذلك الخلق يتبعه ~~خلق النفس فإن الطبيعة تعمل - أبدا - من كل مزاج خلقا خاصا فلذلك لا تعمل ~~من نطفة الحمار إلا حمارا ومن النواة إلا النخلة ومن البرة إلا برا. # PageV01P205 # وكذلك أيضا - أبدا - تعمل من المزاج المخصوص بالأسد خلقة الأسد ومن مزاج ~~الأرنب خلقة الأرنب وأن ذلك الخلق يتبعه خلق خاص - أبدا - بموجب الطبيعة ~~وذلك أن الأسد لما كان مزاج قلبه حارا تتبعه الجرأة ولأنه مستعد لأن يلتهب ~~قلبه - صار يسرع إليه الغضب ولأن مزاجه موافق لخلقه أعدت ms100 له الطبيعة آلة ~~الفرس والنهس وأزاحت علته في الأعضاء التي يستعملها بحسب هذا المزاج وأعطته ~~الأيد والبطش. ولما كان مزاج الأرنب مقابلا لهذا المزاج صار خوارا جبانا ~~ضعيفا قليل المنة فأعدت الطبيعة له آلة الهرب فهو لذلك خفيف جيد العدو لا ~~يصدر عنه شيء من أفعال الشجاعة والإقدام فكل أسد شجاع مقدام وكل أرنب جبان ~~فرار حتى لو تحدث إنسان أن أرنبا أقدم على سبع وولى السبع عنه لكان موضع ~~ضحك. فإذا وجد صاحب الفراسة في مخايل الإنسان وخلقه مشابهة لأحد هذين ~~الحيوانين فحكم له بقريب من ذلك المزاج والخلق الصادر عنه فهو غير بعيد من ~~الحق لا سيما إن أضاف إليه الأصلين الباقيين. # PageV01P206 # وهذا المثالان اللذان ذكرناهما يستمر القياس عليهما على مزاج خاص بحيوان ~~أعني أنه يتبع كل مزاج خلق كالروغان للثعلب والخداع والجبن للأرنب والختل ~~وكالملق للسنور والأنس وكالسرق للعقعق والدفن. وإنما صار الإنسان وحده لا ~~يظهر منه الخلق الطبيعي ظهورا تاما كظهوره من هذه الحيوانات لأنه مميز ذو ~~روية فهو يستر على نفسه مذموم الأخلاق بتعاطي ضده وتكلف فعل المحمود وإظهار ~~ما ليس في طبعه ولا في جبلته فيحتاج حينئذ إلى أن يستدل على خلقه الطبيعي ~~بأحد شيئين: إما بطول الصحبة وتفقد الأحوال وإما بالاستدلال الذي نحن في ~~ذكره والاستعانة بصناعة الفراسة على ما يسيره من أخلاقه الطبيعية. فإن كان ~~مزاجه وخلقه مناسبا لخلق الأرنب حكم بخلقه وإن كان مناسبا للأسد حكم عليه ~~بخلقه مع سائر دلائله الأخر. فأما الاستدلال بالأصل الأخر وهو الهيئات ~~والأشكال والحركات فهو أن كل حال من حالات النفس من غضب ورضا وسرور وحزن ~~وغير ذلك هيئات وحركات وأشكالا تتبع تلك الحال أبدا وظهورها يكون في # PageV01P207 # العين والوجه أكثر وأصحاب الفراسة يعتمدون العين خاصة ويزعمون أنها باب ~~القلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لها كثيرة يضيق موضعنا عن ذكرها ~~- أكثر الأخلاق والشيم وتحسن إصابتهم ويصدق حكمهم لا سيما إن أضافوا إليه ~~الأصلين الباقيين وذلك أن عين المسرور مثلاص وعين الحزين ظاهرتا الهيئة ms101 ~~والحركة فإذا وجد الإنسان وهو بالخلقة والطبيعة على أحد هاتين الحالتين من ~~هيئة عينه وحركتها حكم عليه بذلك الطبع وكذلك من ظهر في وجهه في حال سكوته ~~قطوب وغضون في الجبهة وعبوس - حكم عليه بهذا الطبع وأنه سيىء الخلق. فهذه ~~هي الأصول الثلاثة التي اعتمدها أصحاب الفراسة وهي قوية طبيعية كما تراها. ~~وقد عمل فيها أفليمون كتابا. ويقال إنه أول من سبق إلى هذا العلم ممن انتهى ~~إلينا أثره وعرفنا خبره ثم تبعه جماعة صنفوا فيه كتبا وهي مشهورة فمن أحب ~~الاتساع في هذا العلم فليأخذه من مظانه. وههنا نوع آخر من الاستدلال - وإن ~~لم يكن طبيعيا فهو قريب منه - وهو العادات فإن المثل قد سبق بأن العادة ~~طبيعة ثانية وقد علمنا أن من نشأ بمدينة وفي أمة وطالت صحبته لطائفه - ~~تشبهبهم وأخذ طريقتهم كمن يصحب الجند وأصحاب الملاهي أو سائر طبقات الناس ~~حتى يظن بمن صحب البهائم طويلا أنه يحدث فيه شيء من أخلاقها. وأنت تبين ذلك ~~في الجمالين والرعاة الذين يسكنون البر وتقل مخالطتهم للناس وفي القوم ~~الذين فهذه جملة من القول في الفراسة. وينبغي أن تحذر الحكم بدليل واحد ~~وتتوخى جميع الدلائل من الأصول الثلاثة لتكون # PageV01P208 # بمنزلة شهود عدول لا يتداخلك الشك في صدقهم فيكون حكمك صادقا وفراستك ~~صحيحة وذلك بحسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك بالأصول. وما أكثر الانتفاع ~~بهذا العلم وأحضره فإني أرى في الجولان الذي يتفق لي في الأرض وكثرة ~~الأسفار أن أرى ضروبا من الناس وأخالط أخياف الأمم وأشاهد عجائب الأخلاق ~~فأستعمل الفراسة فيعظم نفعها وتتعجل فائدتها. والفراسة ربما تخطىء في ~~الفيلسوف التام الحكمة ووجه ذلك أنه ربما كان ذا مزاج فاسد وخلق - بالطبع - ~~مشاكل له فيصلحه ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد نفسه بدوام السيرة الحميدة ~~ولزوم السجايا الرضية كما يحكي عن أفليمون وهو أول من سبق إلى هذا العلم ~~فإنه حمل إلى أبقراطيس وهو متنكر فدخل إليه وهو لا يعرفه فلما تأمله حكم ~~عليه: زان فهم أصحابه بالوثوب عليه فنهاهم أبقراطيس وقال: قد صدق ms102 الرجل ~~بحسب صناعته ولكني بالقهر أمنع نفسي من إظهار سجيتها. ### | مسألة # ما سر قولهم: الإنسان حريص على ما منع؟ # ولم صار هذا هكذا وكيف يسرع الملل مما بذل ويضاعف الولوع بطلب ما بخل به ~~هل # PageV01P209 # كان الحرص في مقابلة ما وجد والزهد في مقابلة ما منع ولهذا ما صار الرخيص ~~مرغوبا عنه والغالي مرغوبا فيه ولهذا إذا ركب الأمير لا يحرص على رؤيته كما ~~يحرص على رؤية الخليفة إذا برز. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~إن النفس غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى شيء خارج عنها. وإنما ~~عرض لها الحاجة والفقر إلى ما هو خارج منها لمقارنتها الهيولى وذلك أن أمر ~~الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر والحاجة والإنسان لما كان مركبا منها ~~عرض له التشوف إلى تحصيل المعارف والقنيات. أما العارف والعلوم فهو يحصلها ~~في شبيه بالخزانة له يرجع إليه متى شاء ويستخرج منه ما أراد أعني القوة ~~الذاكرة التي تستودع الأمور التي تستفاد من خارج أعني من العلماء والكتب أو ~~التي تستثار بالفكر والروية من داخل. وأما القنيات والمحسوسات فإنه منها ما ~~يروم من تلك التي تقدم ذكرها فلذلك يغلط فيها ويخطىء في الاستكثار منها إلى ~~أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني من العلوم والمحسوسات وإنما حرص ~~على ما منع لأنه إنما يطلب ما ليس عنده ولا هو موجود له في خزانته فيتحرك ~~لاقتنائه وتحصيله بحسب ميله إلى أحد الأمرين أعني المعقول أو المحسوس فإذا ~~حصله سكن من هذه الجهة وعلم أنه قد ادخره ومتى رجع إليه وجده إن كان مما ~~يبقى بالذات وتشوف إلى جهة أخرى # PageV01P210 # ولا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها وما ما لا نهاية له ~~فلا طمع في تحصيله ولا فائدة في النزاع إليه ولا وجه لطلبه سواء كان في ~~المعلوم أو في المحسوس. وإنما ينبغي أن يقصد من المعلومات إلى الأنواع ~~والذوات الدائمة السرمدية الموجودة أبدا بحالة واحدة ويكون ذلك برد الأشخاص ~~التي ms103 بلا نهاية إلى الوحدة التي يمكن أن تتأحد بها النفس ومن المحسوسات ~~المقتناة إلى ضرورات البدن ومقيماته دون الاستكثار منها فإن استيعاب جميعها ~~غير ممكن لأنها أمور لا نهاية لها. فإذن كل ما فضل عن الحاجة وقدر الكفاية ~~فهو مادة الأحزان والهموم والأمراض وضروب المكاره. والغلط في هذا الباب ~~كثير وسبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة ~~والغنى هو الاستقلال اعني ألا يحتاج بتة ولذلك قيل أنه الله - تعالى - غني ~~لأنه غير محتاج بتة. فأما من كثرت قنياته فإنه ستكثر حاجاته بحسب كثرة ~~قنياته وعلى قدر منازعته إلى الاستكثار تكثر وجوه فقره وقد تبين ذلك في ~~شرائع الأنبياء وأخلاق الحكماء. فأما الشيء الرخيص الموجود كثيرا فإنما رغب ~~عنه لأنه معلوم أنه إذ التمس وجد وأما الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان ~~ويصيبه الواحد بعد الواحد فكل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليحصل له ما ~~لم يحصل لغيره وذلك من الإنسان على السبيل الذي شرحناه من أمره. ### | (مسألة # ما سبب نظر الإنسان في العواقب وما مثاره منها وما آثاره فيها؟) # PageV01P211 # وما الذي يحلى به إذا استقصى وما الذي يتخوفه إذا جنح إلى الهويني أو ما ~~مراد الأولين في قولهم: المحتفل ملقي والمسترسل موقى. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: أما نظر الإنسان في العواقب فيكون لأمرين. أحدهما ~~لتطلعه إلى الأمور الكائنة وشوقه إلى الوقوف على الأمر الكائن قبل حدوثه ~~لما تقدم فيه من الكلام في المسألة الأولى. والآخر لأخذ الأهبة له إن كان ~~مما ينفع فيه ذلك ولهذا المعنى اشتاق الإنسان إلى الفأل والزجر إذا عدم ~~جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه ~~الاستدلال من أشكال الفلك وحركات النجوم وربما عدل إلى المتكهن وصدق بكثير ~~من الظنون الباطلة. وأما قول المتقدمين: المحتفل ملقي والمسترسل موقي فهو ~~على ظاهره كالمناقض للحكم الأول ولذلك أن الإشارة في هذا المثل هو إلى أن ~~المحتفل إنما يتوقى ما لا بد أن ms104 يصيبه فهو يجتهد أن يخرج من حكم القضاء ~~أعني موجبات الأقدار بتوسط حركات الفلك فيصير اجتهاده في الخروج منه سببا ~~لحصوله فيه ووقوعه عليه. # PageV01P212 # وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله: وإذا حذرت من الأمور مقدرا وهربت منه ~~فنحوه تتوجه فأما المسترسل إلى ذلك الراضي به فإنه موقى مما هو غير مقضي ~~ولا هو بمصيب له وإن لم يتوقه كما قال الشاعر فيمن كان بغير هذه الصفة: ~~حذرا أمورا لا تكون وخائف ما ليس منجيه من الأقدار. ويتصل بهذا الباب شرح ~~ما يجب أن يتوقى وما يجب ألا يتوقي أعني بذلك ما يغني فيه الفكر والروية ~~وما لا يغني فيه. وإذا مر ما يقتضيه من الكلام استقصيته إن شاء الله. ### | مسألة # ما يصيب الإنسان من قرينه في خيره وشره؟ # وكيف صار يؤثر الشرير في الخير أسرع مما يؤثر الخير في الشرير وما فائدة ~~النفس في المقارنة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينال القرين ~~من قرينه الاقتداء والتشبه وكما أن كل متجاورين من الأشياء الطبيعية لا بد ~~أن يؤثر أحدهما في الآخر فكذلك حال النفس وذاك أن الطبيعة متشبهة بالنفس ~~لأنها شبيهة بظل النفس ومن شأن الشيء الأقوى في الطبيعة أن يحيل الأضعف إلى ~~نفسه ويشبهه بذاته كما تجد ذلك في الحار والبارد والرطب واليابس ولأجل ~~تأثير المجاور في مجاوره حدثت الأمراض في البدن وبسببه عولج بالأدوية. ولما ~~كانت النفس التي فينا هيولانية صار الشر لها طباعا والخير تكلفا وتعلما ~~فاحتجنا - معاشر البشر - أن نتعب بالخير حتى تستفيده ونقتنيه ثم ليس يكفينا ~~تحصيل صورته حتى نألفه ونتعوده ونكرر زمانا طويلا # PageV01P213 # الحالة التي حصلت لنا منه على أنفسنا لتصير ملكة وسحية بعد أن كانت حالا. ~~فأما الشر فلسنا نحتاج إلى تعب به وتحصيله بل يكفي فيه أن نخلى النفس ~~وسومها ونتركها على طبيعتها فإنها تخلو من الخير والخلو من الخير هو الشر ~~لأنه قد تبين في المباحث الفلسفية أنه ليس الشر بشيء له عين قائمة بل هو ~~عدم الخير ولذلك قيل: ms105 الهيولى معدن الشر وينبوعه لأجل خلوها من جميع الصور ~~فالشر الأول البسيط هو عدم ثم يتركب وسبب تركبه الأعدام التي هي مقترنة ~~بالهيولى. وشرح هذا الكلام طويل إلا أن الذي يحصل لك من جواب المسألة فيه ~~أن النفس تتشبه بالنفس المقارنة لها وتقتدي بها والشر أسرع إليها من الخير ~~وهو أن النفس التي فينا هي هيولانية وأعني بهذا القول أنها قابلة للصور من ~~العقل فالمعقولات إنما تصير معقولات لنا إذا ثبتت صورها في النفس ولذلك قال ~~أفلاطون: إن النفس مكان للصور. واستحسن ارسططاليس هذا التشبيه من أفلاطون ~~لأن استعارة حسنة وإيماء فصيح إلى المعنى الذي أراده. فيجب - على هذا الأصل ~~- أن نتوقى مجالسه الأشرار ومخالطتهم ومقارنتهم ونقبل قول الشاعر: عن المرء ~~لا تسأل وأبصر قرينة فإن القرين بالمقارن مقتد وينبغي أن نأخذ الأحداث ~~والصبيان به أشد الأخذ فقد مر في مسألة # PageV01P214 # ما يحقق هذا المعنى ويؤكده وينبه عليه. ### | مسألة # ما وجه تسخيف من أطال ذيله وسحبه وكبر عمامته # وحشا زيقه قطنا وعرض جيبه تعريضا ومشى متبهسنا وتكلم متشادقا ولم شنع هذا ~~ونظيره وما الذي سمج هذا وأمثاله ولم لم يترك كل إنسان على رأيه واختياره ~~وشهوته وإيثاره وهل أطبق العقلاء المميزون والفضلاء المبرزون على كراهة هذه ~~الأمور إلا لسر خاف وخبيئة موجودة فما ذلك السر وما تلك الخبيئة. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينكر مما ذكرته كله التكلف وذاك أن من ~~خالف عادات الناس في زيهم ومذاهبهم وتفرد من بينهم بما يباينهم ثم احتمل ~~مؤونة ما يتجشمه فليس ذلك منه إلا لغرض مخالف لأغراضهم وقصد لغير ما ~~يقصدونه: فإن كان غايته من هذه الأشياء أن يشهر نفسه وينبه على موضعه فليس ~~يعدو أن يوهم بها أمرا لا حقيقة له ويطلب حالا لا يستحقها لأنه لو كان ~~يستحقها لظهرت منه وعرفت له من غير تكلف ولا تجشم لهذه المؤن الغليظة فإذن ~~هو كاذب فعلا ومزور باطلا وما تعاطي ذلك إلا ليغر سليما ويخدع مسترسلا. ~~وهذا مذهب المحتال الذي يتحرز ms106 منه ويتباعد عنه. هذا إلى ما يجمعه من بديهة ~~المخالفة والمخالفة سبب الاستيحاش وعلة النفور وأصل المعاداة. # PageV01P215 # وإنما حرص الناس وأهل الفضل وحرص لهم الأنبياء عليهم السلام بما وضعوه ~~لهم من السنن والشرائع لتحدث بينهم الموافقة والمناسبة التي هي سبب المحبات ~~وأصل المودات ليتشاركوا في الخيرات ولتحصل لهم صورة التأحد الذي هو سبب كل ~~فضيلة ولأجله تم الاجتماع في المدنية الذي هو سبب حسن الحال في العيش ~~والاستمتاع بالحياة والخيرات المطلوبة في الدنيا. ### | (مسألة # ما ملتمس النفس في هذا العالم) # وهل لها ملتمس وبغية وإن وسمت بهذه المعاني خرجت من أن تكون علية الدرجة ~~خطيرة القدر لأن هذا عنوان الحاجة وبدء العجز. ولولا أن يتسع النطاق لسألت: ~~ما نسبتها إلى الإنسان وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا فعلى أي ~~وجه هو وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان فإن الإنسان قد أشكل عليه ~~الإنسان. ثم حكيت حكايات ليس لها غناء في المسألة فلنشتغل بالجواب. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لولا لفظة الالتماس توهم غير المعنى ~~الصحيح في حال النفس وظهور آثارها في هذا العالم لأطلقتها ورخصت فيها لك ~~كما أطلقها قوم ولكني رأيت أبا بكر محمد بن زكريا الطبيب وغيره ممن كان في # PageV01P216 # طبقته قد تورطوا في مذهب بعيد من الحق سببه هذه اللفظة وما أشبهها مما ~~أطلقته الحكماء على سبيل الاتساع في الكلام بل لأجل الضرورة العارضة ~~للألفاظ عند ضيقها عن المعاني الغامضة التي أطلقوا عليها. ولكني سأشير لك ~~إلى ما ينبغي أن تعتقده في هذا الباب وهو أن الطبائع إذا امتزجت ضروب ~~الامتزاجات بضروب حركات الفلك حدثت منها ضروب الصور والأشكال التي تعملها ~~الطبيعة وتقبل من آثار النفس بوساطة الطبيعة ضروب الآثار لأن النفس تظهر ~~آثارهما في كل مزاج بحسب قبوله وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها في كل ~~ما يمكن أن تستعمل فيه وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من الفضيلة. ~~وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ms107 ظهور الحكمة وذاك أن ظهور الحكمة من ~~الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة لأن أجل الأفعال ما لم يرد الشيء آخر ~~بل ذاته وكل فعل أريد لغاية أخرى # PageV01P217 # ولشيء آخر فذلك الشيء أجل من ذلك الفعل. ولا يمكن أن يكون ذلك مارا بلا ~~نهاية فالغاية الأخيرة والفعل الأفضل ما لم يفعل لشيء آخر بل هو بعينه ~~الغاية والغرض الأقصى ولذلك ينبغي ألا يكون قصد المتفلسف بفلسفته شيئا آخر ~~غير الفلسفة ولا يجب أن يكون قصد فاعل الجميل شيئا آخر غير الجميل أعني أنه ~~لا يجب أن يقصد به نيل منفعة ولا طلب ذكر ولا بلوغ رئاسة ولا شيئا من ~~الأشياء غير ذات الجميل لأنه جميل. وقد أشار الحكيم إلى أن النفس تكمل في ~~هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلا بالفعل بعد أن كانت بالقوة ~~فإذا عقلت العقل صارت هي هو إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئا واحدا ~~لا فرق بينهما. فأما حديث الإنسان الذي شكوت طوله وحكيت من الكلام المتردد ~~الذي لم يفدك طائلا فالذي ينبغي أن تعتمد عليه هو أن هذه اللفظة موضوعة على ~~الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج ~~إلى اسم مفرد يعبر عن معنى التركيب ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي ~~تجتمع مع مادة الفضة فسمى خاتما وكما تجتمع صورة السرير مع مادة الخشب ~~فيصير اسمه سريرا وعلى هذا أيضا يفعل إذا اجتمع جسمان طبيعيان أو أجسام ~~طبيعية فتركب منها شيء آخر فإنه يسمى باسم مفرد كما يفعل بالخل إذا تركب مع ~~العسل أو السكر فيسمى سكنجبنا # PageV01P218 # وكما تسمى أنواع الأدوية والمعجونات من الأخلاط الكثيرة وأنواع الأغذية ~~والأشربة المركبة ينفرد كل واحد منها باسم خاص وكذلك يفعل بالمادة التي ~~تستحيل من صورة إلى صورة كعصير العنب الذي يسمى عصيرا مرة وخمرا مرة وخلا ~~مرة فالإنسان هو النفس الناطقة إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدنا ~~لتصدر عنها الأفعال بحسب التمييز. ### | مسألة # حكيت - أيدك ms108 الله - حكايات بين سائل ومتكلم ولم تتوجه إلى مطلوب ينبغي أن ~~نبحث عنه لأن المسألة من باب الأسماء والصفات وقد تكلمنا عليه فيما مضى ~~كلاما مستقصى لا وجه لإعادته فينبغي أن تعود إلى ما مضى وتطلبه لتجده كافيا ~~بمعونة الله. ### | (مسألة # ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف) # والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا ~~مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ~~ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب ~~شمائله؟ # PageV01P219 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك توقع مكروه حادث فإن ~~كان السبب صحيحا قويا والدليل واضحا جليا كان الخوف في موضعه. ثم بحسب ذلك ~~المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه وتظهر من الإنسان أمارات ~~الشجاعة أو الجبن. وأثبت الناس جنانا وجأشا وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن ~~يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء عليه لا سيما إن كان هائلا فإن ~~أرسططاليس يقول: من لم يجزع من هيج البحر وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة ~~التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون. وكثير من المكاره يجري هذا المجرى ~~ويقاربه والجزع لا حق بالمرء على حسبه ومقداره: فإن كان المكروه والمتوقع ~~مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه أمره واستولى عليه الجزع ولم ~~يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة. ودواؤه التدرب باحتمال ~~الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس لها قبل حدوثها لئلا ترد ~~عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها. وإذا كانت الشجاعة فضيلة وكانت ضدها ~~نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر فضيلته مع ما تقدم من قولنا ~~فيما سبق. إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه. ### | مسألة # ما سبب غضب الإنسان وضجره # إذا كان مثلا يفتح قفلا فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا ~~عارض فاش في الناس. # PageV01P220 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ms109 هذا العارض وشبهه من أقبح ما ~~يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب ~~إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي ~~وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو مذموم فكيف به إذا كان على الصورة ~~التي حكيتها. فأما سؤالك عن سبب الغضب فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في ~~غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري ~~فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان ~~الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم ~~به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه أثر التمييز ومكان العقل. وجالينوس قد ~~ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس ~~الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جدا ~~والبهيمية غالبة عليه أعني سوء التمييز وقلة استعمال الفكر. وليس هذا وحده ~~يعرض لحشو الناس وعامتهم بل الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية ~~والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه ~~الله - تعالى - لهم وفضلهم به وجعلهم له أناسي اعني أثر العقل بحسن الروية ~~وصحة التمييز والله المستعان ولا قوة إلا به. ### | (مسألة # لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ؟) # ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ؟ # PageV01P221 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: يحتاج الدماغ إلى اعتدال في ~~الكيفية والكمية فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيدا في ~~الكيفية وكانت كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة ~~فليس هو - لا محالة - رديئا فقد يكون كثيرا وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن ~~يكون مناسبا لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - ~~الاعتدال المحبوب المحمود. ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من ~~الرداءة قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل ms110 بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ~~ولأن يكون جيدا وكثيرا زائدا على قدر الحاجة خير من ان يكون جيدا وناقصا عن ~~قدر الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوها ### | (مسألة # لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية) # وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف ~~الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة؟ # PageV01P222 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة من باب الفراسة. ~~والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجا ما هو الاعتدال. فأما الطرفان ~~اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما مذمومان مكروهان. ~~فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع جهات الوجه دليل ~~السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة والنزرة والقلة ~~دليل الخبث والدهاء. وهما جميعا طرفان خارجان عن الاعتدال المحمود. وأحسب ~~أن للاختيار السيء مدخلا: وذلك أن الرجل إذا كان وافر إضاعة اللحية فهو ~~قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على القدر المعتدل والهيئة ~~المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه بها وإصلاحها دائما أو ~~تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية فليس يقدر صاحبه على حيلة ~~فيها فهو معذور. ### | (مسألة # لم سهل الموت على المعذب مع علمه) # أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون ~~بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضا أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف ~~للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا ~~الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحا فالكلام فيها مضطرب # PageV01P223 # غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأسا بل إنما تبطل ~~عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا يجوز على ~~الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ومن ~~أشياء أخر ms111 ليس هذا موضعها. فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر وأجزاء ~~الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن يستحيل ~~إليها. وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق بالجوهرية من ~~عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضا. ولما لم تكن مسألتك متوجهة إلى ~~هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة وإرسال الكلام فيها ~~على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى جواب الغرض من ~~المسألة فنقول: إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة وأعني بالحياة ~~الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة جيدة ولم يلحق ~~الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم والمصائب في الأهل ~~والولد. وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة الرديئة وبين الموت الجيد ~~أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ويمتنع به عن المذلة والمكاره ~~التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن يختار الموت والقتل في مجاهدة من ~~يسومه ذلك. وهذه مسألة قد سبقت لها نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو ~~قولك: ما سبب الجزع من الموت وما سبب الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه فإنه ~~كاف. # PageV01P224 ### | (مسألة # لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه) # وعلى ذلك عادى الناس ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة: وقد عادى ~~الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول ~~العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا من قبيح ما يعترى الناس من ~~الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه. وصاحب المثل الذي يقول: المرء ~~عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل: الناس شجرة بغي وحسد. ~~والسبب في محبة النفس أولا ثم الغلط في تحصيل ما يزينها. وذلك أنه إذا أحب ~~الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة ms112 صورة نفسه أن ~~يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه. ويذهب ~~عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير - أيضا - ~~صورة أخرى له جميلة. ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن يتعلم منه بعد ~~حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى. فأما قولك فلم لم يحبوه حتى ~~يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب المثل ~~بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة. وسمعت بعض أهل العلم يحكي عن ~~قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن. قال: فقلت ~~له: ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن السفهاء عليك ~~وأنت لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن، # PageV01P225 # وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال ~~العمر فقال: ويحك! أحسست من نفسي بغضا لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن ~~أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علما فأعادي اهله. وهذا هو الانقياد للحق وتجرع ~~مرارته حرصا على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين لها ~~وأعود عليها وحملها على ما يصلحها ويهذبها. ### | (مسألة # لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة) # قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان ~~واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: جواب مسألتك هذه منها. وما أشبهها ~~بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئا قرأ عليه: # PageV01P226 # الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال: يا أبا سعيد: ما ~~الألمعى فقال: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا. فأنا قائل في هذه ~~المسألة أيضا: إنما صار الإنسان قادرا على اتخاذ الأعداء بسرعة وغير قادر ~~على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن هذا ms113 فتق وذاك رتق ~~وهذا هدم وذاك بناء. وسق باقي كلامك فإنه جوابك. ### | (مسألة # ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل) # وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجئ # PageV01P227 # إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثوابا ولا ينتظر مآبا ولا يخاف ~~حسابا. أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة رغبته في ~~الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا يظن به ~~التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله تبارك ~~وتعالى. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: للإنسان - بما هو إنسان - ~~أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه وأوائل في عقله ~~لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده والتنبيه ~~عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - تعالى - وسطره ~~فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من الإنسانية ففيه حركة ~~إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي ~~يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في بعض الأوقات محبة الشكر ~~وطلب السمعة والتماس أمور أخر. ولولا أن محبة الشكر وما يتبعه - أيضا - ~~جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى - واحد لما تساوت هذه ~~الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها إذا لم يجد في نفسه ~~شاهدا لها ومصدقا بها. ولعمري إذا هذا أوضح دليل على توحيد الله تعالى ذكره ~~وتقدس اسمه. ### | (مسألة # ما الذي قام في نفس بعض الناس حتى صار ضحكة) # أعني يضحك # PageV01P228 # ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب وربما خلا من النائل وربما ~~نزر النائل. فكيف هون عليه الأمر القبيح ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف ~~المحل. وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثا مغنيا لعابا إلى آخر ما اقتصه من ~~حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو من بيت كبير. ms114 ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: مر لنا في مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقا يتبعه ~~والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل ~~للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه ~~نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة {} ! . وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه ~~المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج عن الاعتدال التي من ترك الإنسان ~~وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب وأسوأ طريقة. وحق على من بلى بها ~~أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها. فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ~~ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا ~~الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من الآباء والملوك وقوام المدن به. ومتى لم ~~يستجب إنسان لمعالجة هذه الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة ~~فيه. وما أشبه الأمراض النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى ~~لم يعالجه صاحبه بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر. # PageV01P229 # فكذلك مرض النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ~~ينبغي أن يراح من نفسه ويستراح منه وتطهر الأرض منه على حسب ما تحكم فيه ~~الشريعة أو السياسة الفاضلة. ### | (مسألة # ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة) # ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها ~~حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع ~~بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ~~ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في ~~هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي: الناطقة والبهيمية والغضبية. # PageV01P230 # فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول بها اللذات البدنية ~~كلها. وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق إلى أنواع الكرامات ~~وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة ms115 العالية ويظهر أثرها ~~من القلب. وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب مزاج قوة هذه الأعضاء ~~التي تسمى الرئيسية في البدن. فربما خرج عن الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة ~~والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها ~~إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ولا يسترسل لها بترك التقويم ~~والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه. فإن تركت وسومها وترك صاحبها ~~إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى ~~حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها. وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ ~~الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها - أعني المميزة العاقلة التي تسمى ~~القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن تستولي وتكون لها الرئاسة على ~~الباقية. فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون ~~في موضعها وكما ينبغي. فإن زادت أو نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة ~~وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت ~~الذي ينبغي. وقد مضى من ذكر هذه القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن يقتصر ~~بها هنا على هذا المقدار. ونقول: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة ~~بنحره ويركب أهوال البر والبحر لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية ~~فيه وتركه قمعها. # PageV01P231 # فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات ~~والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها. ومدار الأمر على العقل الذي هو ~~الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة ~~وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف ~~عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك ~~الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - ~~كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد ~~والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد. والله المعين وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. ### | مسألة ms116 # ما السبب في تشريف في سلف له أب أو جد منظور إليه # مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك ~~أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في ~~المتقدم. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأب علة الولد وعرفه ~~يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه ~~أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق ~~إليه. فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سببا للعلة حتى يرجع # PageV01P232 # مقلوبا فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في جواب هذه ~~المسألة. ### | (مسألة # ولم إذا كان أبو الإنسان مذكورا بما أسلفنا نعته وبغيره من الدين والورع) # - وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون ~~الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ~~ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر ~~وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا الفن. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب هذه ~~التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف دينا وعلته ~~الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد ~~مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو ~~كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم. وأما قولك: هل كان في سالف الدهر ~~شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان. ولم تزل النجابة ~~على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى في البيت ~~الواحد زمانا طويلا لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم. وذلك في ~~جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس. وكذلك العرق اللئيم ~~والأصل الفاسد ms117 يهجي به الأولاد وينتظر منهم # PageV01P233 # النزوع إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له. ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين ~~وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة ~~نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ~~ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر ~~خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال ~~حاضرا فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد. والسلام. ### | (مسألة # هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف دون تباينهم) # فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا ~~فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به. ولست اعني التساوي في الحال وفي ~~الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع ~~لسوس العالم وجار مع العقل. وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن ~~التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب. والحكمة تأبى وضع ما يكون ~~فسادا أو ذريعة إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون ~~تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) . # PageV01P234 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يشرف الإنسان نفسه وبما ~~يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام: قيمة كل امرىء ما ~~يحسن. وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع يقوى ~~فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضا ولا سيما إن كانت علته قريبة ~~منه. وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان شرف ولا ~~ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس يتساوون في ~~الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام والأوضاع ~~ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض. ### | (مسألة # ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما) # وكيف ms118 نفى عن # PageV01P235 # الشريعة أحدهما ورخص الآخر؟ وهل لهما أصل يرجع إليه ويوقف لديه؟ أو هما ~~جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق والاضطرار والخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس طريقه محدثا للعلم ولا منته ~~مجيلا للرأى إذ يقول: لا عدوى ولا طيرة. وقد قيل في مكان آخر: كان يحب ~~الفأل الحسن. وزعم الرواة أنه حين نزل المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه ~~يقول لغلامين له: يا سالم يا يسار. فقال لأبي بكر: سلمت لنا الدار في يسر. ~~فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ذلك في تطايره أم يقف؟ ثم # PageV01P236 # حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة الزعفراني. وحكيت أيضا عن ابن الرومي ~~قوله: الفأل لسان الزمان وعنوان الحدثان. وقلت: ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع ~~مما لم يتقدم فيه قول ولا إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب ~~والشيء المستطرف. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان متطلع ~~إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله ~~فيما تقدم فهو بالطبع يتشوفها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب طاقته ~~فربما أمكنه التوصل إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن ~~في الأمور لا يكاد يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه ~~فربما تعدد في بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص ~~العلوية وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ~~ولهذه الصناعة أصول كثيرة جدا وفروع بحسب الأصول. # PageV01P237 # وخطأ المخطىء ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه ~~يروم من الصناعة أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما ~~فاتته هذه الأسباب ونظائرها من الدلائل الطبيعية. وليس من شأن النفس أن ~~تعمل عملا بغير داع إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم ~~يرجح أحدهما على الآخر طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح ~~حينئذ ms119 إلى الأسباب الضعيفة ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين ~~المتكافئين في نفسه على الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به. وسبيل الرجل الفاضل ~~أن يكون حسن الظن قويم الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ. والفأل قد يكون ~~بأصوات بسيطة ليس فيها أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم. وقد يكون ~~بصورة مقبولة وأشكال مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه) . ~~فأما أصحاب الطيره فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن ~~فطريقهم مكروهة وتطيرهم من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك ~~أنهم يأخذون بعضها من الخيلان في الناس # PageV01P238 # والدوائر في الخيل وأصناف الخلق الطبيعية وبعضها من الأمزجة المتنافرة ~~والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر وما أشبهها. وبعض من الأصوات ~~المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما أشبهها. وبعضها من الأسماء ~~والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض الحروف أو في كلها كاسم الغراب ~~من الغربة والبان من البين والنوى - نوى التمر - من البعد. وبعضها من ~~العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من الرجل. وبعضها من الحركات والجهات ~~كالسانج والبارح والمعوج والمائل. # PageV01P239 # وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها. وهذه ~~الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها. وكانت العرب خاصة من بين ~~الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد أحسن: تخبر ~~طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته ~~مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء ~~أحايينا وباطله كثير. ### | مسألة # ما السبب في كراهة بعضهم إذا قيل له: يا شيخ على التوقير والإحلال وهو لا يكون شيخا # وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على ~~الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيما ~~فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف. وفقد الشباب موجع ووجه الشيب ms120 مفظع. ### || الجواب: # قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يختلف الناس في ذلك باختلاف نظرهم ~~لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم. # PageV01P240 # وذلك انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره ~~فإذا قيل له: يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة ~~في الزمان الطويل والتجربة الكثيرة. وربما كره ذلك أيضا لأرب له في الشباب ~~وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له: يا شيخ رأى ~~هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ~~ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه. وربما نظر الإنسان إلى مرتبة ~~حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر ~~بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة. ### | (مسألة # ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره) # وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة. وما ~~سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به هذا الخاطر ~~فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ولم ~~يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلا بالفارسية ترجمته: من احترق بيدره أراد ~~ان يحترق بيدر غيره. # PageV01P241 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الجزع والأسف من عوارض النفس ~~وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة ~~وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط ~~التي أحصيناها مرارا كثيرة ويذم بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط. وإنما ~~تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ~~ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة ~~لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو ~~لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون ms121 الأول ~~فالإنسان معذور به. فأما ما كان ضروريا أو واجبا فليس يحزن له عاقل لأن ~~غروب الشمس مثلا لما كان ضروريا لم يحزن له أحد وإن كان عائقا عن منافع ~~كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء ~~والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته. وأما ~~الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد ~~في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد ~~على موت ولده لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله. فأما الولد فيقل جزعه على ~~والده لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلا بزمان يسير أو كما ~~ينبغي. فأما ما يعرض للمسافر ولراكب # PageV01P242 # البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه فإنما حزنه لسوء ~~الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ولذلك يعذر فيه أدنى عذر. ~~وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه لا سيما إذا ~~لم يجد عليه شيئا ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن توبيخه وتأديبه. وقد أحسن ~~الشاعر في قوله: ### | (مسألة # ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم والفرس والهند) # وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك ~~مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم ~~والتعجب واقعا مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت ~~تهذيب ألفاظ المسألة. وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك ~~الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على ~~طرقهم فأقول وبالله التوفيق: قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل ~~الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا ~~على الموضع ms122 الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلا من الحرارة الغريزية وغيرها ~~إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس # PageV01P243 # الناطقة حتى تكون كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن ~~الرياضة وحسن التقدير والترتيب ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة ~~والخلق المحمود. فإذا كان هذا الأصل محفوظا فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه! ~~وذاك أن لكل أمة مزاجا هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ~~ما هو مخالف لذلك المزاج وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع ~~لذلك ولما كرهته أنت أيضا من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر ~~في هذا العالم بالجملة. أما أولا فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على ~~الأقل والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال. وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا ~~لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب. ولولا أن مسألتك وقعت عن غير هذا ~~المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل. وإذا ~~كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة الشريفة أعني في الأعضاء ~~الشريفة وهي: القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من أخلاق ~~فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتكرر ~~الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها. وسواء أكان ذلك ~~في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئا فشيئا بعد ~~أن يكون المزاج مسعدا والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة حاصلة غير ~~زائلة. # PageV01P244 ### | (مسألة # ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل) # وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران ~~فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكرا وأشد اهتماما. هذا ~~ويقال إن الفرح من الدم. والحمران أكثر دما وأعدل مزاجا وأوجد لأسباب الفرح ~~وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه. وأنت ترى - أيضا - هذا العارض في ~~رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع. ### || الجواب: ms123 # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر ~~والأخرى جهة المزاج. فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به ~~مكروها. وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر ~~به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين. وبحسب صفاء ذلك الدم يكون ~~صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف. وإذا كان سبب ~~الغم معلوما فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضا. # PageV01P245 # فالعاقل لأجل جولان فكره يكثر انتظاره مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ~~ينتظر مكروها فلا سبب له يغمه. وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس ~~وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو تأخر عنه. وهذا المزاج ليس يخلوا أن ~~يكون طارئا أو حادثا أو طبيعيا في أصل الخلقة فإن كان حادثا فهو مرض وينبغي ~~أن يعالج بما تعالج به أصناف المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي ~~سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء. وإن كان أصليا وخلقة فلا ~~علاج له لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأمم أمزجتهم كذلك. فأما ما حكيته ~~عن السودان فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم ~~وليس ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب ~~الشمس منهم وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم ~~فيعرض فيها - أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل ~~أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها ~~لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم ~~لأجل ذلك. وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي ~~هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب. ودماء الزنوج رقيقة أبدا صافية ~~ولذلك تقل الشجاعة أيضا فيهم. فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال ~~والبلدان الباردة التي تبعد # PageV01P246 # الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم ~~تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم ms124 سباطا وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هربا من ~~البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب. ~~ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد والخروج عن الاعتدال. وأهل الاعتدال ~~الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من ### | مسألة # حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في ~~الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم ~~والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان ~~الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو ~~سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان # PageV01P247 # في الإسلام وارتاب فلان في الحكمة. وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد ~~خرج من دار الخليفة # PageV01P248 # بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى السماء وقال: ~~أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل شاهد وبينه ثم ~~أمشي هكذا عاريا جائعا نائعا ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز والوشي والخدم ~~والحشم والحاشية والغاشية. ويقال هذا الإنسان هو ابن الراوندي ومن كان فإن ~~الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا السر واجب فإنه باب ~~إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو لم يكن فيه إلا ~~التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافيا. والمنجمون يقولون: إن ~~الثامن من مقابلة الثاني. وحدثنا شيخ عن ابن مجاهد أنه قال: الفضل معدود من ~~الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان. # PageV01P249 # وقال شيخ لي مرة: اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه بإزاء ما أعطاك ~~من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه والكفاية واليسار ~~فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء كيف انقسم عليكما ~~أيضا: أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة. فهل العدل إلا في ~~هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة. ولعمري إن هذا المقدار لا يصير عليه ~~الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن ms125 على كل حال فيه تبصرة من العمى. ولو ~~قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض والمتشكك في ذلك مشبع ~~ومروى. والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه وانعقدت النية به. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كما حكيت ووصفت من ~~صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها على أصناف أهل النظر حتى ~~صار الكلام فيها مشبها بقائم الشطرنج الذي يتنازعه الخصمان إلى أن يقطعهما ~~الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد فيها مقالة تشتمل على ~~جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ذلك فإن أمثال هذه ~~المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ليس ينبغي أن يقنع ~~فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز الشديد وضمنت أنا فيها ~~الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف # PageV01P250 # في معناها كلاما مبسوطا لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت ~~بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب ~~متوسط بين الإسهاب والإيجاز. وأنا مجتهد في بيانها وإزالة ما لحق الناس من ~~الحيرة فيها. ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول: إن من الأصول ~~التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود في ~~العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالا وغرضا خاصا وجد من أجله وبسببه ~~اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر دون ذلك ~~الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي قصد به ~~وأريد له في شيء. ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم له بها مد ~~الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن يشق بها ~~وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضا المقراض إنما أعد للخياط ~~ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان السكين ~~وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية. وهكذا صور الأمور ms126 الطبيعية فإن ~~الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني ~~الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة ~~بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي ~~تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا. وقد تتم بها أفعال أخر. # PageV01P251 # وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما ~~غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب ~~به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله. ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ صدروها ~~عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها يكون على ~~اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها المطلوبة منها ~~الموجودة من أجلها. وإذا كان ذلك مستمرا في جميع الألات الصناعية والأشخاص ~~الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في أجناس هذه الأنواع فإن ~~الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون غرضهما وكمالهما واحد - ~~أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ألا يكون للإنسان الذي ميز بهذه الصورة وأعطي ~~التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له وأفضل مخصوص به - غرض ~~خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه. وإذا كان هذا الأصل موطأ ومقرا به وكان ~~على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم بنا نبحث بحثا آخر عن هذه ~~الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد تشترك في أشياء وتتباين ~~في أشياء. أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وغيرها في الصورة ~~التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها من غيرها والإنسان يشارك ~~النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ بالمأكل والمشرب وسائر ~~راحات الجسد ونفض الفضول عنه. # PageV01P252 # ونريد أن نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله ~~المفروض له هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به ~~التي ميزته عن غيره وصار بها هو ما هو. أعني صورة ms127 الفأس التي بها هو فأس هي ~~التي جعلت له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات. ثم نصير إلى ~~الإنسان الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول: إن الإنسان من حيث ~~هو حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات ~~والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية ~~لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه ~~على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما ~~عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء. ولما كانت ~~صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز والروية - ~~وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه الخصائص أكثر ~~كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها حظه من صورته ~~الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر. ثم نعود إلى شرح مسألتك ونبينها ~~بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول: لعمري إنه لو كان غاية الإنسان وغرضه ~~الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية والتمتع بالمآكل ~~والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته الخاصة به ولوجب ~~أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من الإنسانية حتى يكون ~~الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية والاستمتاع بها ولكن ~~لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا # PageV01P253 # أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف ~~وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة ~~البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب ~~صورته أفضل منها كلها. وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير ~~الإختيار الخاصيين بالعقل. ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه: إن هذه ~~الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا ms128 في هذا ~~الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر وأكثر ~~بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل في أفضل ~~الموجودات. وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل وغير محتاج ~~ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على جميع ~~الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب استحقاقاتها. ~~فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية إذا استعملت في ~~الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق بها ولا إشارة ~~إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض الإنسان من ~~الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة البهائم ومن هو في ~~عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى: [اي] {قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم} [\ اي] فهذا - لعمري - هو الخسران المبين الذي يتعوذ بالله منه ~~دائما. ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه ~~وذهابه في طرق الشعر التي كان متصنعا به وهائما في واديه منغمسا في معانيه: # PageV01P254 # أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما ~~هذا الحتم من الغيب لقد أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام ~~وقريحة عجيبة ألا تراه يقول: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا ~~والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر بهذين. فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن ~~غايته هذه الأشياء التي تسميها العامة أرزاقا ولم يخلق لها ولا هي مقصود ~~بالذات - فليس ينبغي له أن يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ~~ويحبها فليس ذلك من حيث هو إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي. وقد ~~أزيحت علته في الأمور الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى ~~غايته. ولم يظلم أحد في هذا فتأمله تجده بينا إن شاء الله. ### | مسألة # ما الاتفاق؟ وما يتلوه من الكلام؟ # هذه المسألة مكررة وقد مضى ms129 الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز. وبعدها ~~مسألة التوفيق وقد مرت أيضا فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما. # PageV01P255 ### | (مسألة # لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار) # فيقال: ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما ~~وانتمائهما. اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم ~~مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ~~ينفردون بالحس دون العقل. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن ~~الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضا. وذلك أنه يظهر ~~منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد. ويظهر منه فعل آخر من حيث ~~هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات. ويظهر منه فعل آخر ~~من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم. ويظهر منه فعل آخر من ~~حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه الأفعال ~~والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر ~~أيضا فيها من جهات مختلفة وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها ~~طبيعية وبعضها اتفاقية، # PageV01P256 # وبعضها قهرية. ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من ~~بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه ~~النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشبه والشكوك. ونحن نبين هذه ~~الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل ~~جدا ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله تعالى - فأقول: إن الفعل - مع ~~اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ظهروه إلى أربعة أشياء: أحدهما ~~الفاعل الذي يظهر منه. والثاني المادة التي تحصل فيها. والثالث الغرض الذي ~~ينساق إليه. والرابع الصورة التي تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في ~~المادة وربما كانت الصورة هي الفعل بعينه. فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية ~~في وجود الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ~~ليست بضرورية في كل فعل. ثم إن كل واحد من الأشياء التي ms130 هي ضرورية في وجود ~~الفعل ينقسم قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد: أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير ~~الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار. والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس ~~الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها. وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن ~~للحائط والخشب للباب. والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى. # PageV01P257 # وأما الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار. والكمال البعيد بمنزلة حفظ ~~المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك. وأما أنواع الأفعال التي ~~ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن ~~لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا ~~يصدر إلا عنها. وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر ~~والروية وقد تتركب هذه. وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية وبعضها ~~قهرية وبعضها طبيعية. فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عدو ~~لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في بئر. ~~والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن يقيده ~~السلطان ليمنعه من السعي والهرب منه. والطبيعية بمنزلة الفالج والسكتة وأما ~~أشبههما. وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ربما نظرنا في ~~الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك أنا قد ننظر في ~~فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ويكرهه خالد ومن ~~جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله. وهذا النظر ليس يكون في ذات الفعل بل ~~في إضافته إلى غيره. وإذ قد نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ~~ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ناظرون في الاختيار ما هو فنقول: ~~إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير وهو افتعال منه وإذا قيل: اختيار # PageV01P258 # الإنسان شيئا فكأنه افتعل من الخير أي فعل ما هو خير له: إما على الحقيقة ~~وإما بحسب ظنه. وإن لم يكن خيرا له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من ~~هذا الوجه وهو ما ms131 صدر عن فكر منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له. ~~ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء ~~الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو ~~الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض وجوده لم يعرض عنه محال. ولما كانت هذه ~~الجهة من الفعل هي المتعلقة بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت ~~محتاجة في تمام وجود الفعل إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - ~~أعني في هذه الجهة - يعرض للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة ~~بالإنسان ولا مبدؤها إليه. وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في ~~الجهات الأخر فيكون حكمه على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ~~ينظر في الفعل من جهة الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ~~ويتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضا ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه ~~إذا نظر في فعل الكاتب من هذه الجهة. أعني تعذر الكاغد عليه ظن أنه عاجز عن ~~الكتابة من هذه الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث ~~هو كاتب ومختار للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحدا من ~~تلك # PageV01P259 # الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم ~~على الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار. وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من ~~حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي ~~أيضا ضرورية في وجوده فإنه أيضا سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ~~ويمنع من الجبر. وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب ~~إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية - تعرض ~~له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها. والفعل الإنساني ~~وإن كان اسمه واحدا فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لحظ ms132 ~~الناظر فيه شيئا واحدا منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له الشكوك من تلك ~~الأشياء التي أغفلها. والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في واحد واحد منها ~~فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل الفعل الإنساني ~~اختيارا كله ولا تفويضا كله ولهذا قيل: دين الله بين الغلو والتقصير. فإن ~~من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه متمكنا من القوة ~~الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب ~~القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض. وكذلك حال من زعم أن ~~فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولاينة ~~فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا يؤديه إلى الجبر. وإذا ~~كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب الحق وفيه جواب مسألتك عن ~~الجبر والاختيار. ويعلم علما واضحا أن الإنسان إذا # PageV01P260 # امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ظهور فعله أو ~~عرضية فيه أو قهرية أو اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة. مثال ذلك أنه إن ~~كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء الضرورية فهو ~~عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة وبحسبها وعلى ~~مقدارها. فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت تلك الموانع عنه ~~وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على طريق الإضافة أن ~~يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ذلك من وجوه ~~الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ~~ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب والذم. وهذه ~~الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإجالة الرأى ~~المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته. ولولا هذه الجهة لما كان لوجود ~~العقل فائدة بل يصير وجوده عبثا ولغوا ونحن نتيقن أن العقل أجل الموجودات ~~وأشرف ما من الله ms133 تعالى به # PageV01P261 # ووهبه للإنسان ونتيقن أيضا أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في ~~وجوده بمنزلة اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس ~~الموجودات. هذا خلف لا يمكن أن يكون. فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو ~~الصادق. ### | (مسألة # لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته) # ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابرا على وعثاء ~~السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر: إن الغريب بحيث ما ~~حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبدا كليل وآخر ينشأ في حضن أمه ~~وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر ~~جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول: مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك ~~اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في ~~آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - ~~أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس. وكما ان بعض المزاج ~~تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك # PageV01P262 # الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى ~~تكمل الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة. ومعنى هذا الكلام أن ~~الحواس كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس ~~بالفعل. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض ~~الحواس قويا ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى ~~النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات ~~وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها. وربما اجتمع لواحد ~~أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها. ولكل واحد من هذه ~~المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية. وهي على كثرتها ~~وعددها الجم وخروجها إلى ms134 حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان من حيث ~~هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله. أعني ~~العلوم. وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات. وإنما صار البصر والسمع أشرف ~~الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما تدرك أوائل ~~المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق. وإذا كانت الحالة على هذه ~~الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل وكان من الظاهر ~~المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل مشقة وأذى حتى ~~يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعا ولا عجبا أن يشتاق آخر إلى نوع آخر فيحتمل ~~مثل ذلك فيه. إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له اسما وفي بعضها ~~لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول والمشروب إذا ~~أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرته من # PageV01P263 # الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق - اسما وهو ~~الشره والنهم. ولم نجد لمن يعرض له ذلك في المشموع اسما. وأظن ذلك لأجل ~~كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من الآثام والقبائح ~~أكثر. فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة وجولان الأرض. وهو أن ~~قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن ~~أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيرا من المشاق في الوصول إلى أربه من ~~إدراك هذا النوع. وقد نجد من يحتمل أكثر من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية ~~إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها. فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح ~~جزئياتها تجد الأمر فيها واحدا. ### | مسألة # ما سبب رغبة الإنسان في العلم؟ # ثم ما فائدة العلم؟ ثم ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر ~~العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول ~~يثيران علما وحكما جما وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها ~~- مشقة على النفس ms135 وثقل على الكاهل. ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه ~~التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله تعالى ولى # PageV01P264 # المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ينبه على جواب هذه ~~المسألة. ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف الشبهة وإزالة الشك. ~~وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه إنما صار إنسانا بصورته ~~التي ميزته عن غيره. أعني النبات والجماد والبهائم. وهذه الصورة التي ميزته ~~ليست في تخاطيطه وشكله ولونه. والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية ~~من فلان فلا تعني به أنه أتم صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في ~~اللون ولا في شيء آخر غير قوته الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في ~~الأمور وبين الحسن والقبيح في الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ~~ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حي ناطق مائت. فميز بالنطق أعني بالتمييز ~~وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله وسائر أغراضه ولواحقه. وإذا كان هذا ~~المعنى من الإنسان هو ما صار به إنسانا فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في ~~نوعه. كما أن كل موجود في العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي ~~تخصه فإنه إذا كان فعله أجود كان أفضل وأشرف. مثل ذلك الفرس والبازي من ~~الحيوان والقلم والفأس من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله ~~الخاص بصورته كاملا # PageV01P265 # كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد فإن لكل ~~واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس إذا كان ~~تاما أو ناقصا. فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حتى ~~يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ويقربك من الملائكة ~~والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر وأكلم وأطم مما ينكسك ~~في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ms136 ويحطك عن شرف مقامك إلى خساسة مقامات ما هو ~~دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا محالة - جاها أو سلطانا أو ~~مالا تتمكن به من شهوات ولذات. فلعمري إن العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا ~~بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويكمل به الإنسانليس هو غايات ~~الحواس ولا كمال البدن. وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال. ومتى ~~استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في ~~أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في أشرفها. ### | (مسألة # ما سبب تصاغي البهائم والطير إلى اللحن الشجي والجزم الندي) # PageV01P266 # وما الواصل منه إلى الإنسان العاقل المحصل حتى يأتي على نفسه وهذا جار في ~~العادة ومعروف عند المتعرفين للأمور. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: قد مر لنا في المسألة الثالثة من هذه المسائل كلام كثير في سبب قبول ~~الإنسان بعض الأسماء وكراهية بعضها وثقل بعض الحروف وخفة بعضها وما يلحق ~~النفس من الأصوات المختلفة بالحدة والجهارة وغير ذلك ونحن نزيد في هذا ~~الموضع ما يليق بزيادتك في المسألة فنقول: إن النفس وإن كانت صورة فاعلة من ~~حيث هي كمال لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة فإنها هيولانية منفعلة من حيث ~~هي قابلة رسوم الأشياء وصورها. ولذلك صار لها سببان: أحدهما إلى ما تفعل به ~~والآخر إلى ما كان ينفعل به. فالنفس تقبل نسب الاقتراعات بعضها إلى بعض كما ~~تقبل نفس الاقتراعات مفرد مركبة. وذاك أن أفراد الأصوات ومجموعها غير نسب ~~بعضها إلى بعض لأن النسبة هي إضافة ما والنظر الإضافي غير النظر في ذوات ~~الأدوات وكذلك تأثير هذا غير تأثير ذاك. ولما كانت هذه النسب كثيرة مختلفة ~~وجب فيها - ضرورة - ما يجب في الأشياء المتكثرة. أعني أن لها طرفين: أحدهما ~~الزيادة والآخر النقصان. ولها من # PageV01P267 # هذين الطرفين اعتدال. فإن كانت الأطراف كثيرة فالاعتدالات أيضا كثيرة. ~~والنفس تأبى الزيادة والنقصان وتميل إلى الاعتدال ولأن لها قوى تظهر بحسب ~~الأمزجة فلتلك القوى المختلفة ms137 إضافات مختلفة إلى نسب مختلفة واعتدالات ~~مختلفة. وقد اجتهد أصحاب الموسيقا في تمثيل هذه النسب وتحصيل هذه ~~الاعتدالات بأن جعلوا لها أمثلة في مقولة الكم من العدد وإن كان بعضها ~~بمقولة الكيف أحق لأن الصناعة مؤلفة من هاتين أعني الكم والكيف ولكن الكم ~~الذي هو العدد أقرب إلى الأفهام ومثلوا ما كان من الكيفية بالكمية ثم لخصوا ~~كل واحدة منهما تلخيصا تجده مبينا في كتبهم. وإذا قد قلنا ما الذي يصل إلى ~~النفس من آثار الأصوات وما المحبوب منه وما المكروه على طريق الإجمال من ~~القول فقد تبين أن الإفراط منه والخروج إلى إحدى الجهتين يؤثر بحسب ذلك. ~~وقد كان تبين في مواضع كثيرة أن النفس والبدن كل واحد منهما مشتبك ما يظهر ~~أثر أحدهما في الآخر فإن الأحوال النفسية تغير مزاج البدن ومزاج البدن أيضا ~~يغير أحوال النفس فإذا قوى أثر ما في النفس حتى يتفاوت به المزاج ويخرج عن ~~اعتداله لم يقبل أثر النفس وعرض منه الموت لأن الموت ليس بأكثر من ترك ~~النفس استعمال الآلات البدنية. وقد علمنا أن دم القلب الذي له اعتدال ما ~~إذا انتشر في البدن ورق بالسرور أكثر مما ينبغي أو عاد واجتمع إلى القلب ~~بالغم أكثر مما ينبغي - عرض من كل واحدة من الحالتين الموت أو ما يقارب ~~الموت بحسب قوة الأثر. وما أكثر ما تؤثر الأجسام تأثيرا طبيعيا فيتأدى ذلك ~~الأثر إلى النفس فتعرض لها حركة ما وتصير تلك سببا لتأثير آخر في الجسم ~~يكون به انتفاضه وخروجه عن الاعتدال. وإذا تأملت ذلك في الأشياء المغضبة ~~والمحزنة إذا كانت قوية تبين لك ذلك. فهذا كاف في هذا الموضع وإن أحببت ~~الإتساع فيه فعليك بكتب # PageV01P268 # الموسيقى فإنها تشفيك إن شاء الله. ### | (مسألة # لم كلما شاب البدن شب الأمل) # قال أبو عثمان النهدي: قد أتت # PageV01P269 # علي مائة وثمانون سنة وأنكرت كل شيء إلا الأمل فإنه أحد ما كان. ما سبب ~~هذه الحال وعلى ماذا يدل الرمز فيها وما الأمل أولا وما الأمنية ثانيا ms138 وما ~~الرجاء ثالثا وهل تشتمل هذه على مصالح العالم فإن كانت مشتملة فلم تواصى ~~الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وبصرف الرجاء إلا في الله - تبارك وتعالى - ~~وإلى الله فإنه ساتر العورة وراحم العبرة وقابل التوبة وغافر الخطيئة وكل ~~أمل في غيره باطل وكل رجاء في سواه زائل. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: هذه المسألة قد أخذ فيها فعل من أفعال النفس فقرن بفعل من أفعال ~~الطبيعة التي بحسب البدن إلى الطبيعة والمزاج البدني ثم وقعت المقايسة ~~بينهما وهما يتباينان لا يتشابهان فلذلك عرض التعجب منها. فأما الشيب ~~والنقصانات التي تعرض للبدن وعجز القوى التابعة للمزاج فهي أمور طبيعية في ~~آلات تكل بالاستعمال وتضعف على مر الزمان. وأما أفعال النفس فإنها كلما ~~تكررت وأديمت فإنها تقوى ويشتد أثرها فهي بالضد من حال البدن. مثال ذلك ان ~~النظر العقلي كلما استعمل قوى واحتد وأدرك في الزمان القصير ما يدركه في ~~الزمان الطويل ولحق الأمر الذي كان خفيا عنه بسرعة. # PageV01P270 # والنظر الحسي كلما استعمل كل وضعف ونقص أثره إلى أن يضمحل. فأما الفرق ~~بين الأمل والرجاء وبين الأمنية فظاهر وذاك أن الأمل والرجاء يعلقان ~~بالأمور الاختيارية وبالأشياء التي لها هذا المعنى. فأما الأمنية فقد تتعلق ~~بما لا اختيار له ولا روية فإنه ليس يمنع مانع من تمنى المحال والأشياء ~~التي لا تمييز فيها ولا لها. والأمل أخص بالمختار. والرجاء كأنه مشترك وقد ~~يرجو الإنسان المطر والخصب وليس يأمل إلا من له قدرة وروية. وأما المنى فهو ~~- كما علمت - شائع في الكل ذاهب كل مذهب فقد يتمنى الإنسان أن وليس يرجو ~~هذا ولا يأمله. ثم قد يرجو المطر وليس يأمل إلا منزل القطر ومنشىء الغيث. ~~فهذه فروق واضحة. فأما قولك لم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وصرف ~~الرجاء إلا في الله تعالى فأقول: لأن سائر الأشياء المأمولة والمرجوة ~~والمتمناة منقطعة المدد متناهية العدد ثم هي متلاشية في أنفسها مضمحلة ~~بائدة فاسدة لا يثبت شيء منها على حال لحظة واحدة فلو وصل ms139 الواصل إليها ~~وبلغ نهمته منها لأوشك ان يتلاشى ويضمحل ذلك الشيء في نفسه أو يتلاشى ~~ويضمحل الأمل فيه أو رجاؤه وتمنيه. # PageV01P271 # فأما ما اتصل من هذه بالله - تعالى ذكره - فهو أبدى غير منقطع ولا مضمحل ~~بل الله - تعالى - دائم الفيض به أبدى الجود منه. تعالى اسمه وتقدس ولا قوة ~~إلا به وهو حسبنا ومعيننا وناصرنا وهادينا إلى صراط مستقيم. ### | (مسألة # لم صارت غيرة المرأة على الرجل أشد من غيرة الرجل على المرأة) # هذا في الأكثر والأقل وكيفما كان ففيه خبىء وهو المشدد على وقد أدت ~~الغيرة جماعة إلى تلف النفوس وإلى زوال النعم وإلى الجلاء عن الأوطان. ثم ~~فلت في المسألة التالية لهذه: ما الغيرة أولا وما حقيقتها وكيف أصلها ~~وفصلها وعلى ماذا يدل اشتقاقها وهل هي محمودة أو مذمومة وهل صاحبها ممدوح ~~أم ملوم فإن إثارة هذا أبلغ بك إلى الفوائد وأجرى معك إلى الأمد وبوقوفك ~~عليها تعرف غيرها وتتخطى إلى ما عداها. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: أما الغيرة فهي خلق طبيعي عام للإنسان والبهائم. وهو ممدوح إذا # PageV01P272 # كان على شرائط الأخلاق. أعني إذا وضع في خاص موضعه ولم يتجاوز به المقدار ~~الذي يجب ولم ينقص عنه على مثال ما ذكرناه فيما مضى من سائر الأخلاق كالغضب ~~والشهوة. فإن هذه أخلاق طبيعية وإنما يحمد منها ما لم يخرج عن الاعتدال أو ~~أصيب به موضعه الخاص به. وحقيقة الغيرة هي منع الحريم وحماية الحوزة لأجل ~~حفظ النسل والنسب فكل من كانت غيرته لأجل ذلك ثم لم يتجاوز ما ينبغي حتى ~~يحكم بالتهمة الباطلة فيصدق بالظنون الكاذبة ويبادر إلى العقوبة على ذلك ~~ولم ينقص عما ينبغي حتى يتغافل عن الدلائل الواضحة ويترك الامتعاض من ~~الرؤية والسماع إذا كان حقا وكان معتدل الخلق بين هذين الطرفين يغضب كما ~~ينبغي وعلى ما ينبغي - فهو محمود غير ملوم. فأما من فرط أو أفرط في الغيرة ~~فسبيله سبيل من تجاوز الاعتدال في سائر الأخلاق إلى الزيادة أو النقصان. ~~فقد بينا إن الزيادة ms140 والنقصان في كل خلق يهجم بصاحبه على ضروب من الشر ~~وأنواع من البلايا والمكاره ويكون هلاكه على مقدار زيادته أو نقصانه منها ~~ومن شرائطها المذكورة في الأخلاق. فأما زيادة حظ الأنثى على الذكر من ~~الغيرة أو الذكر على الأنثى فليس بلازم طريقة واحدة ولا جار على وتيرة ~~واحدة. بل ربما زاد ذكر على أنثاه في هذا المعنى وربما زادت أنثى على ذكرها ~~فيه كما يعرض لهما ذلك في قوة الغضب وغيره من الأخلاق. على أن الذكر أولى ~~بالمحاماة وأخص بهذا الخلق لأنه تستعمل فيه قوة الغضب والشجاعة وهذا أولى ~~بالذكر منه بالأنثى وإن كانت الأنثى تشارك فيه الذكر. # PageV01P273 # وهنا خلة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها فإن كثيرا من الناس يضل عن وجه ~~الصواب فيها وهي أن الغيرة إذا هاجت قوتها وكان سببها الشهوة وجب الاستئثار ~~وأن يختص الإنسان بحال لا يشاركه فيها غيره وكان هذا العارض له في غير ~~حرمته ولا من أجل حفظ نسبه وزرعه - فهو أمر قبيح. وإن كانت على شرائطها ~~التي ذكرت فهو أمر حسن جميل. وأما سقوط هذه القوة دفعة فهجنة قبيحة فقد نجد ~~في بعض الحيوان من لا تعرض له الغيرة كالكلب والتيس ويسب به الإنسان إذا ~~ذكر به وسمي باسمه. ونجد أيضا بعضها غيورا محاميا كالكبش وغيره من فحول ~~الحيوان فيمدح بذكره الإنسان إذا شبه به وسمي باسمه. فلست اعرف وجه السب ~~بالتيس والمدح بالكبش إلا لما يظهر من هذا الخلق في أحدهما دون الآخر. فهذه ~~حال الغيرة وحقيقتها وما يجب أن يمدح منها أو يذم. ### | (مسألة # ما السبب في أن الذين يموتون وهم شبان أكثر من الذين يموتون وهم شيوخ) # الشاهد على ذلك أنك تجد الشيوخ أقل ولولا ذلك لكانوا يكثرون لأنهم كانوا ~~يتجاوزون الشبيبة إلى الكهولة والكهولة إلى الشيخوخة فلما دب الحمام في ذوي ~~الشباب أفناهم وتخطى القليل منهم فبلغوا التشيخ وهو قليل. # PageV01P274 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الحياة تابعة لمزاج ما خاص ~~بإنسان إنسان. وذلك المزاج له بمنزلة النقطة ms141 من الدائرة. أعني أنه شيء واحد ~~والخروج عنه إلى النقط التي حواليه مما يقرب منه أو يبعد عنه بلا نهاية. ~~وذلك أن لكل إنسان وبالجملة لكل حيوان - اعتدالا خاصا به بين الحرارة ~~والرطوبة والبرودة واليبوسة فإذا انحرف عن ذلك الاعتدال إلى أحد الأطراف ~~كان مرضه أو هلاكه. ثم إن الأمور التي تخرجه إلى الأطراف كثيرة من الأغذية ~~والأشربة والهواء الواصل إليه بالاشتتشاق وغيره وحركاته الطبيعية وغير ~~الطبيعية مما يخرجه عن هذا الاعتدال - كثيرة. والآفات الأخرى التي تطرأ من ~~خارج مما لا تحتسب كثيرة. وإذا كانت الأسباب التي يخرج الإنسان بها عن ~~الاعتدال كثيرة بلا نهاية والأسباب التي يثبت بها على الاعتدال الخاص به ~~قليلة ويسيرة - لم يكن ما ذكرته عجبا بل العجب لو اتفق ضده. ولولا أن ~~العناية الموكلة بحفظ الحيوان كله - والإنسان من بينه - شديدة والوقاية له ~~تامة بالغة فتأمل جميع ما ذكرته من الآفات الداخلة والخارجة عن بدن الإنسان ~~وحركاتها المختلفة أعني منازعة النارية فيه إلى حركة العلو ومنازعة المائية ~~منه إلى حركة السفل ثم حرص كل واحد منهما بطبيعته على إفناء الآخر وإحالته ~~ثم المجاهدة الواقعة في حفظ الاعتدال بينهما حتى لا تزيد قوة أحدهما على ~~الآخر مع كثرة الشهوات والمنازعات إلى ما هو لا محالة زائد في أحدهما # PageV01P275 # ناقص من الآخر - تجد الأمر محفوظا بعناية شديدة إلى أكثر مما يمكن في ~~مثله من الحفظ حتى يأتي شيء طبيعي لا سبيل إلى مقاومته. ومثل ذلك سراج يحفظ ~~بالفتيلة والدهن والمواد تجيئه من خارج أعني الدهن الكثير الذي هو سبب ~~إطفائه والنار العظيمة التي هي كذلك والرياح العاصفة التي لا طاقة له بها ~~ولا سبيل إلى حفظه معها فإذا سلم من جميع ذلك مدة طويلة فلا بد من الفناء ~~الطبيعي. أعني أن الحرارة تستغرق - لا محالة - ما يغتذى به على طول الزمان ~~فيكون الفناء به ومن أجله. فإن هذا مثل صحيح مطابق للممثل به. وإذا تفقدت ~~الحرارة الغريزية وحاجتها إلى ما تحفظ قواها بلا زيادة ولا نقصان وإفنائها ms142 ~~الرطوبة الأصلية مع المواد التي تأتيها من خارج وقوتها على الإحالة وضعفها ~~- طلعت على ما سألت عنه وتبين لك ما ضربت به المثل ### | مسألة # ما السبب في طلب الإنسان فيما يسمعه ويقوله ويفعله ويرتئيه ويروى فيه الأمثال # وما فائدة المثل وما غناؤه من مأتاه، وعلى ماذا # PageV01P276 # قراره فإن المثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلاما رائقا وغاية شريفة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأمثال إنما تضرب فيما لا ~~تدركه الحواس مما تدركه. والسبب في ذلك أنسنا بالحواس وإلفنا لها منذ أول ~~كونها ولأنها مبادىء علومنا ومنها نرتقي إلى غيرها. فإذا أخبر الإنسان بما ~~لم يدركه أو حدث بما لم يشاهده وكان غريبا عنده - طلب له مثالا من الحس ~~فإذا أعطي ذلك أنس به وسكن إليه لإلفه له. وقد يعرض في المحسوسات أيضا هذا ~~العارض. أعني أن إنسانا لو حدث عن النعامة أو الزرافة والفيل والتمساح لطلب ~~أن يصور له ليقع عليه ويحصل تحت حسه البصري ولا يقنع فيما طريقه حس البصر ~~بحس السمع حتى يرده إليه فهذا الأمر في الموهوبات فإن إنسانا لو كلف أن ~~يتوهم حيوانا لم يشاهد مثله لسأل عن مثله وكلف مخبره أن يصور له مثل عنقاء ~~مغرب فإن هذا الحيوان وإن لم يكن له وجود فلا بد لمتوهمه أن يتوهمه بصورة ~~مركبة من حيوانات قد شاهدها. فأما المعقولات فلما كانت صورها ألطف من أن ~~تقع تحت الحس وأبعد من أن تمثل بمثال الحس إلا على جهة التقريب - صارت أخرى ~~أن تكون غريبة غير مألوفة. والنفس تسكن إلى مثل وإن لم يكن مثلا لتأنس به ~~من وحشة الغربة. فإذا ألفتها وقويت على تأملها بعين عقلها من غير مثال سهل ~~حينئذ عليها تأمل أمثالها. والله الموفق لجميع الخيرات. # PageV01P277 ### | (مسألة # كيف قوى الوهم على أن ينقش في نفس الإنسان أوحش صورة وأمقت شكل) # وأقبح تخطيط ولم يقو على أن يصور أحسن صورة وألطف شكل وأملح تخطيط ألا ~~ترى أن الإنسان كلما اعترض في وهمه أوحش شيء عرته شمأزيزة ms143 وعلته قشعريرة ~~ولحقه صدوف ورهقه نفور فلو قوى الوهم على تصوير أحسن الحسن تعلل به الإنسان ~~عند فراغ فما هذا وكيف هذا ولا عجب فلهذا الإنسان من هذه النفس والعقل ~~والطبيعة أمور تستنفد العجب وتحير القلب. جل من أودع هذا الوعاء هذه ~~الطرائف وعرضه لهذه الغايات وزين ظاهره وحسن باطنه وصرفه بين امن وخوف وعدل ~~وحيف وحجبه في أكثر ذلك عن لم وكيف. ### || الجواب: # قال أبوعلي مسكويه - رحمه ~~الله: إن الحسن هو صورة تابعة لاعتدال المزاج وصحة مناسبات من الأعضاء ~~بعضها إلى بعض في الشكل واللون وسائر الهيئات. وهذه حال لا يتفق اجتماع ~~جميع أجزائها على الصحة ولذلك لا تقوى الطبيعة نفسها على اتخاذها في ~~الهيولى على الكمال لأن الأسباب لا تساعد عليها أعني أنه لا يتفق في ~~الهيولى والأشكال والصورة والمزاج أن تقبل الصورة الأخيرة على غاية الصحة. ~~فإذا كانت الطبيعة تعجز عن إيجاد هذا الاعتدال وهذه المناسبة الصحيحة التي ~~يتبعها الحسن التام فكم بالحرى # PageV01P278 # يكون الوهم أعجز عنه وإنما الوهم تابع للحس والحس تابع للمزاج والمزاج ~~تابع أثر من آثار الطبيعة. ومثال ذلك أن الأوتار الكثيرة إنما يطلب بها ~~وبكثرة الدساتين عليها أن تخرج من بينهما نغمة مقبولة وتلك النغمة إنما ~~يتوصل إليها بجميع الآلة وأجزائها من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة ~~وإن كانت واحدة فإنها تتم بمساعدة جميع تلك الإجزاء. فإن خان واحد منها ~~خرجت النغمة كريهة: إما بعيدة من القبول وإما قريبة على قدر عجز الأسباب ~~وقصور بعضها. فكذلك الهيولى في حاجتها إلى مزاج ما بين اسطقصات وصور أخرى ~~كثيرة تصير بجميعها مستعدة لقبول صور الحسن الذي هو اعتدال ما ومناسبة ما ~~صحيحة بين أمزجة وأعضاء في الهيئة الشكل واللون وغيرها من الأحوال التي ~~مجموعها كلها هو الحسن. والحسن وإن كان أمرا واحدا وصورة واحد فهو مثل ~~النغمة الواحدة المقبولة التي تحتاج إلى هيئات كثيرة وصور مختلفة جمة ليحصل ~~من بينها هذا الاعتدال المقبول. والوهم في خروجه عن الاعتدال سهل الحركة. ~~فأما في حفظه إياه وتوصله إليه ms144 فإنه يحتاج إلى تعب شديد وأخذ مقامات كثيرة ~~واستخراج اعتدال بينها. وهكذا الحال في كل اعتدال فإن حفظه والثبات عليه ~~صعب. فأما # PageV01P279 # الخروج عنه فهو بأدنى حركة. فإن اتفق أن يكون لذلك الاعتدال تمامات من ~~خارج ومعاونات من أمور مختلفة كانت الصعوبة ### | (مسألة # لم صار السرور إذا هجم تأثيره أشد وربما قتل) # وقد حكي الثقة من تأثيره أمورا. ولقد خبرت والدة بعض الناس أن ابنها ولى ~~إمرة فبرقت وانحرفت وما زالت تنتقض حتى ماتت. وقال لي ابن الخليل: الحيرة ~~التي تلحق واجد الكنز هي من إفراط فرحه وغلبة سروره ولذلك ما يبين على ~~شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عن كتمانه مابه وسياسته. ولا تكاد تجد هذا ~~العارض في الغم والهم النازل الملم وقل ما وجد من انشقت مرارته وانتقضت ~~بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بخبر ساءه وناءه ومكروه غشيه وناله. فإن كان ~~فهو أيضا قليل وإن ساوى عارض السرور فذاك أعجب والسر فيه أغرب. ### || الجواب: # قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مر جواب هذه المسألة في عرض ما تكلمنا عليه ~~في المسائل المتقدمة. وقلنا: إن النفس تؤثر في المزاج المعتدل عن البدن ~~وكما أن المزاج يؤثر في النفس وبينا جميع ذلك وضربنا له الأمثال. ولسنا نشك ~~أن السرور يحمر منه الوجه. وأن الخوف # PageV01P280 # يصفر منه. وما ذاك إلا لانبساط الدم من ذاك في ظاهر البدن وغوره من الآخر ~~إلى قعر البدن. والحرارة التي في القلب هي التي تفعل هذا أعني أنها تنبسط ~~فترق الدم تارة وتنقبض فتغلظة أخرى. ويتبع ذلك الحال السرور ويتبع هذه ~~الغم. فإذا كان زائد المقدار في أي الطرفين كان - تبعه الخروج عن الاعتدال. ~~وبحسب الخروج عن الاعتدال يكون الموت الوحي أو المرض الشديد. ### | (مسألة # ما السبب في أن إحساس الإنسان بألم يعتريه أشد من إحساسه بعافية تكون ~~فيه) # حتى لو شكا يوما لأن أياما وهو يمر في لباس العافية فلا يجد لها وقعا ~~وإنما يتبينه إذا مسه وجع أو دهمه فزع ولهذا قال الشاعر: والحادثات وإن ms145 ~~أصابك بؤسها فهو الذي انباك كيف نعيمها ومما يحقق هذا أنك تجد شكوى المبتلى ~~أكثر من شكر المعافي وإنما لوجدان أحدهما مالا يجده الآخر. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: السبب في ذلك أن العافية إنما هي حال ملائمة ~~موافقة للحال الطبيعي من المزاج المعتدل الموضوع لذلك البدن. والملائمة ~~والموافقة لا يحس بهما وإنما الحس يكون للشيء الذي لا موافقة فيه. والسبب ~~في ذلك أن الحس إنما أعطي الحيوان ليتحرز به من الآفات الطارئة عليه وليكون ~~ألمه بما يريد عليه مما لا يوافقه سببا لتلافيه وتداركه قبل أن # PageV01P281 # يتفاوت مزاجه ويسرع هلاكه. فأنشئت لذلك أعصاب من الدماغ وفرقت في جميع ~~البدن ونسجت بها الأعضاء التي تحتاج إلى إحساس كما بين ذلك في التشريح وفي ~~منافع الأعضاء. فكل موضع من البدن فيه عصب فهناك حس وكل موضع خلا منه فلا ~~حس فيه. ولم يخل منه إلا ما لا حاجة به إلى حس. وإنما وفرت الأعصاب على ~~الأعضاء الشريفة لتصير أذكى حسا ولتكون بما يرد عليها من الآفات أسرع ~~إحساسا. وكل ذلك ليبادر إلى إزالة ما يجده من الألم بالعلاج ولا يغفل عنه ~~بتوان ولا غيره. ولو خلا الإنسان من الحس ومن الألم ومكانه لكان هلاكه ~~وشيكا من الآفات الكثيرة. وأما الحال الملائمة فلا يحتاج إلى إحساس بها. ~~وهذه حال جميع الحواس الخمس في أحوالها الطبيعية وانها لا تحس بما يلائمها ~~وإنما تحس بما لا يوافقها. أقول: إن حس اللمس الذي هو مشترك بجميع البدن ~~إنما يدرك ما زاد أو نقص عن اعتداله الموضوع له فإن البدن له اعتدال من ~~الحرارة مثلا فإذا لاقاه من حرارة الهواء ما يلائمه ويوافقه لم يحس به ~~أصلا. فإن خرج الهواء عن ذلك الاعتدال الذي للبدن إما إلى برد أو حر أحس به ~~فبادر إلى تلافيه وإصلاحه. وكذلك الحال في البرد والرطوبة واليبوسة. فأما ~~سائر الحواس فلكل واحد منها اعتدال خاص به لا يحس بما يلائمه وإنما يحس بما ~~يضاده ويزيله عن اعتداله كالعين فإنها ms146 لا تحس بالهواء وبكل ما لا لون له ~~ولا كيفية تزيلها عن اعتدالها. وكذلك السمع وباقي الحواس. وهذا باب مستقص ~~في # PageV01P282 # مواضعه من كتب الحكمة فليرجع إليها. ### | (مسألة) # قد نرى من يضحك من عجب يراه، ويسمعه أو يخطر على قلبه، ثم ينظر إليه ناظر ~~من بعد فيضحك لضحكه من غير أن يكون شريكه فيما يضحك من أجله، وربما أربي ~~ضحك الناظر على ضحك الأول، فما الذي سرى من الضاحك المتعجب إلى الضاحك ~~الثاني؟ ### || (الجواب) # قال أبو علي مسكويه رحمه الله: إن النفس الشخصية تتأثر من ~~النفس الشخصية ضروبا من التأثيرات بعضها سريعة، وبعضها بطيئة، وقد مر لنا ~~كلام كثير في هذا المعنى فمن تأثيرها السريعة بعضها في بعض: النوم، ~~والتثاؤب، وكثير ما الراحات فإنه قد اشتهر في الناس أن من نعس أو تناعس عند ~~المستيقظ الذي لا فتور به أنعسه ونومه، وكذلك المتثائب والمتكاسل عن عمل. ~~وقد يعرض قريب من ذلك في النشيط للعمل أن ينشط أولا [فيعدي الآخر] ، ولكن ~~الأول أنشط وأبين. والسبب في ذلك أن النفس وإن كانت كثيرة بالأشخاص فهي ~~واحدة في ذاتها فليس بعجب أن يتأدى من بعض الأشخاص إلى بعض آثار نفسية ~~سريعة بلا زمان بتة. وليس يحتاج هذا المعنى إلى شيء يسري على طريق النقلة ~~والحركة الجسمية التي تقع في كل زمان، بل يكفي في ذلك أن تتلاحظ النفسان، ~~فإن التأثير من أحدهما في الآخر يقع بلا زمان. # PageV01P283 # وينبغي أن يتذكر في هذا المعنى اللطيف الأثر الذي يقبله الناظر من ~~المنظور إليه، فإن هذا وإن كان بوساطة الجسم فإنه يكون بلا زمان بتة. فلست ~~تقدر أن تقول: إن الناظر إلى كوكب من الكواكب الثابتة يكون بين فتحة عينه ~~وبين رؤيته إياه زمان. ### | (مسألة) # لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم حتى لصق به وآثره وكدح فيه مع ما يرى من ~~صروفه وحوادثه ونكباته وغيره وزواله بأهله ومن أين استفاد الإنسان هذا ~~العرض. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: وكيف لا يشتد عشقه إلى ms147 ~~للعالم وهو طبيعي وجزء له إنما مبدؤه منه ومنشؤه فيه وتولده عنه ألا تراه ~~يبتدىء وهو نطفة فينشأ نشوء النبات أعني أنه يستمد غذاءه بعروق موصولة برحم ~~أمه فيستقي المادة التي تقيمه كما تستقي عروق الشجر فإذا تم وصار خلقا آخر ~~وأنشأه الله - تعالى - حيوان أخرجه من هناك فحينئذ يغتذى بفمه ويتنفس فيصير ~~في مرتبة الحيوان غير الناطق ولا يزال كذلك إلى أن يقبل صورة النطق أولا ~~فيصير إنسانا ثم يتدرج في إنسانيته حتى ينتهي إلى غاية ما يؤهل له من ~~المراتب فيها وليس ينتهي إلى الرتبة الأخيرة التي هي غاية الإنسانية إلا ~~الأفراد من الناس والواحد بعد الواحد في الأزمنة الطوال والفترات الكثيرة. ~~وعامة الخلق وجمهور الناس واقفون في منزلة قريبة من البهيمية وغاية نطقهم ~~وتمييزهم أن يرتبوا تلك البهيمية ترتيبا ما فيه نظامك عقلي. وأما أن ~~يفارقوها ويصيروا إلى الحد الذي طالبت به فلا وإنما يصير إلى هناك الحكيم # PageV01P284 # التام الحكمة الذي يستوفي جميع أجزائها علما وعملا أو نبي له تلك المنزلة ~~بالإلهام والتوفيق ثم لابد من المادة البشرية التي يأخذها من هذا العالم ~~وإن كان بلا عشق ولا لصوق شديد ولا إيثار. وهذا المعنى واسع البحر طويل ~~الميدان قد أكثر فيه الناس وفيما أومأت إليه وصرحت به والسلام. ### | (مسألة # لم قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا) # وما في الحياة الحمقى من الفائدة على الدين والدنيا وهل الذي قالوه حق. ### || الجواب: # قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان مدني بالطبع ~~وأنه لا يعيش متوحدا كما تعيش الطير والوحش لأن تلك مكتفية بما خلق لها من ~~الرياش والهداية إلى مصالحها وأقواتها والإنسان عار لا طاقة له ولا هداية ~~إلى قوته ومصلحته إلا بالاحتماع والتعاون هو المدنية. ثم إن المدينة لها ~~حال تسمى بالأولى عمارة وبالإضافة إلى الأولى. فأما حال عمارتها فإنما يتم ~~بكثرة الأعوان وانتشار العدل بينهم بقوة السلطان الذي ينظم أحوالهم ويحفظ ~~مراتبهم ويرفع الغوائل عنهم. وأعني بكثرة الأعوان تعاون الأيدي والنيات ~~بالأعمال الكثيرة التي بعضها ضرورية ms148 في قوام العيش، وبعضها نافعة في حسن ~~الحال في العيش، # PageV01P285 # وبعضها نافعة في تزيين العيش فإن اجتماع هذه هي العمارة. فأما إن فات ~~المدنية واحدة من هذه الثلاث فإنها خراب. وإن فاتها اثنتان - أعني حسن ~~الحال والزينة جميعا - فهي غاية في الخراب وذلك أن الأشياء الضرورية في ~~قوام العيش إنما يتبلغ بها الزهاد الذين لا يعمرون الدنيا وليسوا في عدد ~~العمار. وعمارة الدنيا التامة وقوامها بثلاثة أشياء هي كالأجناس العالية ثم ~~تنقسم إلى أنواع كثيرة. وأحد الأشياء الثلاثة إثارة الأرض وفلاحتها بالزرع ~~والغرس والقيام عليها بما يصلحها ويستعد لما يراد منها اعني الآلات ~~المستخرجة من المعادن كالحجارة والحديد المستعملة في إثارة الحرث والطحن ~~وإساحة الماء على وجه الأرض من العيون والأنهار والقنى والدوالى وغير ذلك. ~~والثاني آلات الجند والأسلحة المستعملة لهم في ذب الأعداء عن أولئك الذي ~~وصفناهم ليتم لجماعتهم العيش ويقام غرضهم فيما اجتمعوا له بالمعاونة. ~~وللجند أيضا صناع وأصحاب حرف فهم يعدون لهم الخيل بالرياضة والجنن للوقاية ~~وسائر الأسلحة للدفع والذب. والثالث الجلب والتجهيز الذي يتم بنقل ما يعز ~~في أرض إلى أرض، # PageV01P286 # وما يكون في بحر إلى بر. ولها أصحاب يختصون بجزء جزء من أقسام الأحوال ~~الثلاثة التي ذكرناها. وينبغي أن تعلم أن العيش غير جودة العيش وحسن الحال ~~في العيش لتعلم أن العمارة متعلقة بجودة العيش وحسن حاله. وقد عرف أن هذه ~~الأمور لا تتم إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال واحتمال المشاق ~~والتعرض للمخاوف. ولو تبلغ الناس بضروراتهم وطرحوا فضول العيش وعملوا بما ~~يقتضيه مجرد العقل لصاروا كلهم زهادا ولو كانوا كذلك لبطل هذا النظام الحسن ~~والزين الذي في العالم وعاشوا عيشة قشفة كعيشة أهل القرى الضعيفة القليلة ~~العدد أو كعيشة سكان الخيم وبيوت الشعر وأظلال القصب. وهذه هي الحال التي ~~تسمى خراب المدن. فأما قولك: هل يسمى القوام بعمارة الدنيا حمقى فأقول: إنه ~~لا يجوز أن يسميهم بذلك كل أحد وذلك ان الذين وصفنا أحوالهم من سكان القرى ~~وأطراف الأرض والذين لا يكملون لتحسين معايشهم ms149 هم اولى بهذا النبز من الذين ~~استخرجوا بعقولهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم - هذه الصناعات الكثيرة الجميلة ~~العائدة بمنافع الناس. وإنما يسوغ ذلك لمن أطلع على جميع العلوم والمعارف ~~وميزها ونزلها منازلها فترك ما ترك منها عن خبر وعلم وآثر ما آثر منها على ~~روية وبعد يقين فإن الحكماء إنما تركوا النظر في عمارة الدنيا لأنها عائدة ~~بعمارة # PageV01P287 # الأبدان ولما اطلعوا على شرف النفس على البدن ورأوا لها عالما آخر وجمالا ~~يليق بذلك العالم وصناعات وعلوما ومسالك ركوبها أشق وأعسر من ركوب مخاطرات ~~الدنيا ولزوم محجتها والدءوب فيها بالنظر والعمل أصعب وأكثر تعبا من الدءوب ~~والعمل في الدنيا - آثروا التبلغ وتبلغوا بالقوت الضروري من الدنيا على ~~أنهم هم الذين عملوا لهؤلاء أصول الصناعات والمهن وتركوهم وإياها لما لم ~~يكملوا لغيرها ثم اشتغلوا وشغلوا من جالسهم بالأمر الأعلى الأفضل. ### | مسألة # ما السبب في قلق من تأبط سوأه واحتضن ريبة واستسر فاحشة # حتى قيل - من أجل ما يبدو على وجهه وشمائله -: كاد المريب يقول خذوني وما ~~هذا العارض ومن أين مثاره وبأي شيء زواله. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: هذه المسألة إنما تعترض الحيرة فيها لمن لا يعترف بالنفس وأن ~~حركات البدن الاختيارية كلها إنما تكون بها ومنها. فأما من علم أن النفس هي ~~المدبرة لبدن الحي ولا سيما الإنسان المختار الذي مدبره النفس المميزة ~~العاقلة فلا أعرف لحيرته وجها. وذاك ان النفس إذا عرفت شيئا واستعملت ضد ما ~~يليق بتلك المعرفة لحقها من الاضطراب ما يلحق الطبيعة إذا كانت حركتها يمنة ~~فحركت يسرة بقوة دون قوتها أو مساوية لها. # PageV01P288 # فإن الاضطراب يظهر هناك مثل ما يظهر ههنا. ### | (مسألة # لم إذا كان الواعظ صادقا نجع كلامه ونفع وعظه وسهل الاقتداء به) # وخفت الطاعة له والأخذ بما قاله ولم إذا كان بخلاف ذلك لم يؤثر كلامه وإن ~~راق ولا ينفع وعظه وإن بلغ وما في انسلاخه من حقيقة ما يقول مع حقيقة القول ~~وصحة الدلالة وسطوع الحجة وكيف صار فعله مشيدا لقوله ms150 وخلافه موهنا لدلالته ~~ألست الحكمة قائمة في نفسها مستقلة بصحتها ولهذا قيل: الموعظة إذا خرجت من ~~القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: لأن المواعظ إنما يأمر بما عنده أنه الأصوب فإذا ~~خالف نفسه أوهم غيره أنه كذب وغش وإنما نهى عن الدنيا لتترك له وتوفر عليه. ~~وظن من عجز عن رتبته وسقط عن بلوغ درجته في النظر أنه إنما يقتدر على الوعظ ~~بحسن اقتداره على التلبيس وإظهار المموه في صورة الحق. ولو اعتقد ما يظهر ~~بلسانه لعمل بحسبه فهذا وأشباهه يعرض في قلب المستمع لوعظ من لا يعمل ~~بوعظه. هذا. وربما كان أكثر من تراه من الواعظين هو بالحقيقة غير معتقد لما ~~يظهره وإنما غايته أن يشغل الناس عما في أيديهم أو لتتم له # PageV01P289 # رئاسة باجتماع الناس إليه أو لأرب له من الدنيا. فأي موقع لكلام مثل هذا ~~إذا عرف الموعوظ غايته وأشرف على نيته ومذهبه. والأمر بالضد فيمن عمل ~~واجتهد وأخلص سره ووافق عمله علمه وقوله نيته فإنه يصير إماما يقتدى به ~~ويوثق بكلامه ويكثر اتباعه والناظرون فيما ينظر فيه والمصدقون بحكمه. ### | (مسألة # لم عظم ندم الإنسان على ما قصر فيه من إكرام الفاضل) # وتعظيمه واقتباس الحكمة منه بعد فقده ولم كان يعرض له الزهد فيه مع ~~التمكن منه والانقطاع إليه وقد كان في الوقت الأول أفرغ قلبا وأوسع مذهبا. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه مسألة قد أجيب عنها فيما تقدم ~~ولا معنى لتكرير الكلام فيها. ### | (مسألة # لم اعتزت العرب والعجم في مواقف الحروب) # وأيام الهياج والاعتزاء هو الانتساب إلى الآباء والآجداد وإلى أيام ~~مشهورة وأفعال مذكورة. وما الذي حرك أحدهم من هذه الأشياء حتى ثار وتقدم ~~وبارز وأقدم وأخطر نفسه واقتحم وربما سمع في ذلك الوقت بيتا أو تذكر مثلا ~~أو رأى من دونه في البيت والمنصب والعرق والمركب دون ما يقدر - يفعل فوق ما ~~يفعل فتأتيه الأنفة فتقوده بأنفه إلى مباشرة حتفه ms151 ما هذه الغرائب المبثوثة ~~والعجائب المدفونة في هذا الخلق عن هذا الخلق جل من هذا بعلمه وبأمره ومن ~~فعله وهو الإله الذي انقادت له # PageV01P290 # الأشياء طوعا وكرها وأشارت إليه تعريضا وتصريحا. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: الغضب في الإنسان يكون بالقوة إلى أن يخرجه إلى كذلك ~~سائر قوى النفس. وما يخرجه إلى الفعل ينقسم قسمين: إما من خارج وإما من ~~داخل. فالذي يكون من خارج فهو مثل انتهاك الحرمة وشتم العرض وما أشبه ذلك. ~~والذي يكون من داخل فهو تذكر الذنوب والأحقاد وجميع الأحوال التي من شأنها ~~قدح هذه القوة. ومن شأن النفس إذا كانت ساكنة والتمر الإنسان فعلا قويا ~~منها لم تستجب له الأعضاء عما يلتمس فحينئذ يضطر إلى تحريك النفس وإثارتها. ~~وبحسب تلك الحركة من النفس تكون قوة ذلك الفعل. وأنت تتبين ذلك من المسرور ~~إذا أراد أن يظهر غضبا أو يفعل فعل الغضوب كيف تتخاذل أعضاؤه ويظهر عليه ~~أثر التكلف فربما أضحك من نفسه وضحك هو أيضا في أحوج ما كان إلى قوة الغضب ~~فيحتاج في تلك الحال إلى إثارة القوة الغضبية بتذكر أمر يهيج تلك القوة حتى ~~يصدر فعله على ما ينبغي. وهذه الحال تعرض في الحرب إذا لم يخص المحارب ~~أمرها. وأعني بذلك أن المحارب ربما حضر الحرب التي لا يخصه أمرها بل ~~لمساعدة غيره أو لأجرة وهو تذكر لأحوال شجاعات ظهرت لأولين ليكون ذلك قدحا ~~له، # PageV01P291 # وإثارة لشجاعته وسببا لحركة قوية من نفسه. فإذا ثارت هذه القوة كان مثلها ~~مثل النار التي تبتدىء ضعيفة وتقوى بمباشرة الأفعال وبالإمعان فيها حتى ~~تصير تلك الأفعال لها بمنزلة المادة للنار تتزيد بها إلى أن تلتهب وتستشيط ~~ويصير بمنزلة السكران في قلة الضبط والتمييز. وهي الحال التي يلتمسها ~~المحارب من نفسه. ### | (مسألة # ما السبب في أن الناس يقولون هذا الهواء أطيب من ذلك الهواء) # وذلك الماء أعذب من ذلك الماء وتربة بلد كذا وكذا أصلب من تربة كذا وطين ~~مكان كذا أنعم من طين مكان كذا ms152 وأعفن وأسبخ ثم لا يقولون في قياس هذا: بلد ~~كذا ناره أجود وأحسن وأصفى أو أشد حرا وإحراقا وأعظم لهيبا بل يصرفون هذه ~~الصفات على اختلاف المواد كأنها في الحطب اليابس أبين سلطانا وفي القطن ~~المنفوش أسرع نفوذا. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأركان ~~الأربعة وإن اشتركت في ان بعضها يأخذ قوة بعض الأقل والأكثر حتى يكون بعضها ~~أخلص في صورته ونوعه من بعض فإن النار من بينها خاصة أقل قبولا لقوة غيرها ~~وأعسر ممازجة وذلك أن صورة النار غالبة على مادتها. وبيان هذا أن الأرض ~~تقبل من ممازجة الماء والهواء ما تستحيل به عن صورتها الخاصة بها حتى تصير ~~منها الحمأة والملح وضروب الأشياء التي تختلف بها الترب. وكذلك الماء يقبل ~~من الأرض التي يجاوره والهواء الذي يليه ضروب # PageV01P292 # الطعوم والأراييح والصفاء والكدر حتى يخرج من صورته الخاصة به خروجا بينا ~~وهذه حال الهواء في قبول الآثار من الأرض والماء حتى يصير بعضه غليظا وبعضه ~~رطبا ويابسا ومعتدلا. فتظهر في هذه الثلاثة آثار بعضها في بعض حتى تتبين ~~للحس بيانا ظاهرا وتنقص آثار بعضها عن بعض حتى يحكم كل إنسان بخروجه عن ~~اعتداله وخروجه عن اعتداله سبب الاستضرار البين في الأبدان. فأما النار فإن ~~صورتها الخاصة بها غالبة على مائيتها حتى لا تقبل من المزاج ما يظهر للحس ~~منه نقصان أثر من الإحراق الذي هو فعلها أو الضوء الذي هو خاصتها. وعلى ان ~~النار أيضا قد تقبل من المزاج ومجاورة ما تليه أثرا ما ولكنه - بالإضافة ~~إلى الآثار مثال ذلك أن النار التي مادتها النفط الأسود والكبريت الصرف ~~لونها بخلاف لون النار التي مادتها الزيت الصافي ودهن البنفسج الخالص لأن ~~تلك حمراء وهذه بيضاء. ولكن الفعل المطلوب من النار للجمهور غير ناقص أعني ~~الإحراق والضوء. وأن نقص بحسب المواد فإن تلك الحال منها مشتركة في البلدان ~~كلها لا تخص بعضها دون بعض. وإذا حصل الناس أغراضهم من أفعال النار تبلغوا ~~به إلى حاجاتهم ولم ينظروا # PageV01P293 # في ms153 المواد التي تخص البلدان لا سيما والمواد متفقة فيها وليست هكذا أخوات ~~النار. ### | (مسألة # لم فرح الإنسان بنيل مال وإصابة خير من غير احتساب له) # وتوقع أكثر من فرحه بدرك ما طلب ولحوق ما زوال الأنه في أحد الطرفين ~~ينبغي طلب شيء متخير أم لغير ذلك. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~إن جميع ما يصيب الإنسان مما يخص نفسه أو جسمه إذا وصل إليه بتدريج قل ~~إحساسه به وضعف ظهور أثره عليه. أما مثال ذلك في الجسم فإن الأمراض التي ~~يخرج بها عن الاعتدال على تدريج فليس يشعر بها إلا شعورا يسيرا وربما لم ~~يشعر بها ألبتة. فإن خرج بها على غير تدريج تألم منها جدا كالحال في الدوي ~~وأشباهه من الأمراض فإن الإنسان يخرج عن الاعتدال بها إلى # PageV01P294 # الطرف الأقصى الذي يليه الموت فلا يحس بألمه لأنه على تدريج. ولو خرج دون ~~ذلك الخروج ضربة للحقه من الألم ما لا قوام له به. وكذلك الحال في اللذات ~~لأن اللذة إنما هي عود الإنسان إلى اعتداله ضربة. فاللذة والألم حالان ~~يستويان في انهما يردان دفعة بلا تدريج فيستويان في باب شدة الإحساس. وهذه ~~المسألة أحد الآثار التي ترد على الإنسان مرة بتدريج ومرة بغير تدريج فتصير ~~حال الإنسان بما لم يحتسبه ولم يتدرج بالمزاولة حال ما يصيبه ضربة واحدة ~~مما ضربنا مثاله فيكثر إحساسه به وظهور أثره عليه. ### | (مسألة # لم صار البنيان الكريم والقصر المشيد إذا لم يسكنه الناس تداعى عن قرب) # وما هكذا هو إذا سكن لعلك تظن أن ذلك لأن السكان يرمون منه ما استرم ~~ويتلافون ما تداعى وتهدم ويتعهدونه بالتطرية والكنس فاعلم ان هذا ليس لذاك ~~لأنك تعلم انهم يؤثرون في المسكن بالمثنى والاستناد وأخذ القلاعة وسائر ~~الحركات المختلفة ما إن # PageV01P295 # لم يضعفه على رمهم ولمهم كان بإزائه ومقابله. فقد بقيت العلة على هذا ~~وستسمعها في عرض الجواب عن جميع مسائل هذا الكتاب. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: إن معظم آفات البنيان يكون ms154 من تشعيث الأمطار وانسداد ~~مجاري المياه بما تحصله الرياح في وجه المآزيب ومسالك المياه التي ترد ~~المياه إلى أصول الحيطان من خارج البناء وداخله وبما يتثلم من وجوه البنيان ~~الكريمة بالآفات التي تعرضها لحركات الهواء والأمطار والبرد والثلوج. وربما ~~كان سبب ذلك قصبة أو هشيم من تبن الطين الذي تطيره الأرواح إلى مسلك الماء ~~فتعطف الماء إلى غير جهته فيكون به خراب البنيان كله. فأما ظهور الهوام في ~~أصول الحيطان والعناكب في سقوفه وأخذها من الجميع ما يتبين أثره على الأيام ~~فشيء ظاهر وذلك أن هذا الضرب من الخراب قبيح الأثر جدا ينبو الطرف عنه ~~ويسمج به البناء الشريف. وربما أغفل السكان بيتا من عرض البناء إما بقصد ~~وإما بغير قصد فإذا فتح عنه يوجد فيه من آثار الدبيب من الفأر والحيات ~~وضروب الحشرات التي تتخذ لنفسها أكنة بالنقب والبناء كالأرصنة والنمل وما ~~تجمعه من أقواتها ومن نسج العنكبوت وتراكم الغبرة على النقوش - ما يمنع من ~~دخوله. هذا إن سلم من الوكف وتطرق المياه وهدمها لما تسيل عليه # PageV01P296 # من حائط وسقف ورضه بما يثقله من طين السطوح وتقصف جميع الخشب والسنادات ~~والعمد. وإذا كان فيها السكان منعوا هذه الأسباب العظيمة في الخراب وكان ما ~~يشعثونه بعد هذه الأشياء يسيرا بالإضافة إليها فكان البناء إلى العمران ~~أقرب ومن الخراب أبعد. ### | (مسألة # لم صار الكريم الماجد النجد يلد اللئيم الساقط الوغد) # وهذا يلد ذاك على تباين ما بينهما في أغراض النفس وأخلاقها مع قرب ما ~~بينهما في أصولها وأعراقها. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن ~~أخلاق النفس وإن كانت تابعة لمزاج البدن فإن التأديب والسياسة تصلح منها ~~إصلاحا كثيرا. وربما كان مزاج الابن بعيدا من مزاج الأب وانضاف إلى ذلك سوء ~~تأديب ورداءة سياسة، ويكفي أحدهما في الفساد فتختلف الشيمتان والمذهبان. # PageV01P297 ### | (مسألة # لم إذا كان الإنسان بعيدا عن وطنه ومسقط رأسه وملهى عنه) # ومضطجع جنبه ومطرب نفسه ومعدن أنسه - يكون أخمد شوقا وأقل قلقا وأطفأ ~~نائرة وأسلى نفسا وألهى فؤادا ms155 حتى إذا دنت الديار من الديار وقوى الطمع في ~~الجوار نفد الصبر وذهب القرار وحتى قال الشاعر # وأعظم ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار. وهل هذا معنى يعم أو ~~يخص وما علته وهل له علة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا ~~المعنى موجود في الأشياء الطبيعية أيضا مستمر فيها وذاك أنك لو أرسلت حجرا ~~من موضع عال مركزه لكان يبتدىء بحركته وكلما قرب من مركزه احتدت الحركة ~~وصارت أسرع إلى أن تصير عند قربه من الأرض على أحد ما تكون وأسرعه. وكلما ~~كان الموضع الذي يرسل منه الحجر أعلى كان هذا المعنى فيه أبين وأظهر. وكذلك ~~حكم النار والعناصر الباقية إذا أرسلت من غير أمكنتها الخاصة بها فإنها ~~كلما قربت من مراكزها اشتدت حركتها ونزاعها. ومثل هذه المواضع لا يسأل عنها ~~بلم لأنها أوائل طبيعية وغايتنا فيها أن نعرفها ونعلم أنها كذلك وكذلك حال ~~النفس في أنها إذا كانت بعيدة من مألفها كان نزاعها أيسر فكلما دنت منه ~~اشتد نزاعها وحركتها التي تسمى شوقا. وإنما # PageV01P298 # قلت: إن هذه المواضع لا يبحث عنها بلم لأن لم إنما يبحث بها عن طلب علة ~~ومبدأ. وهذه مبادىء في أنفسها وليس علة أكثر من أن الأمور أنفسها كذلك أى ~~مبادئها هي أنفسها ولم تكن كذلك لعلة أخرى مثال ذلك: لو ان قائلا قال: لم ~~صارت العين تبصر بهذه الطبقات من العين ولم صارت ترى الشيء بحسب الزاوية ~~التي بينها وبين المبصر: إن كانت كبيرة فكبيرة وإن كانت صغيرة فصغيرة أو ~~سأل: لم صارت الأذن تحس باقتراع الهواء على هذا الشكل - لم يلزم الجواب عنه ~~لأن الأشياء الواضحة التي هي أوائل إنياتها هي لمياتها. ### | (مسألة # لم قيل الرأى نائم والهوى يقظان ولذلك غلب الهوى الرأى) # يروى هذا عن حكيم العرب عامر بن الظرب. أليس الرأى من حزب العقل، # PageV01P299 # وأوليائه فكيف غلب مع علو مكانه وشرف موضعه وما معنى قول الآخر من ~~الأوائل: العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ما سبب ms156 هذه الصداقة مع هذا ~~العقوق وما سبب تلك العداوة مع تلك المتابعة وهل يرى هذا حقائق الأمور ~~معكوسة منكوسة فإن الظاهر خارج عن حكم الواجب جار على غير النظام الراتب. ### || الجواب: # قال أبو على مسكويه - رحمه الله: هذا كلام خرج في معرض فصاحة ~~وخطابة. فأما معناه فهو أن الهوى فينا قوى جدا والرأى ضعيف وسبب ذلك أنا - ~~معشر الناس - طبيعيون وجزء الطبيعة فينا أغلب من جزء العقل لأنا في عالم ~~الطبيعة والعقل غريب عندنا ضعيف الأثر فينا ولذلك نكل عند النظر في ~~المعقولات ولا نكل عند النظر في الطبيعيات ذلك الكلال. والعقل وإن كان في ~~نفسه شريفا عالى الرتبة فإن أثره عندنا يسير. والطبيعة وإن كانت ضعيفة ~~بالإضافة إلى العقل منحطة الرتبة - فإنها قوية فينا لأنا في عالمها ونحن ~~أجزاء منها ومركبون من عناصرها وفينا قواها أجمع. وهذا واضح غير محتاج إلى ~~الإطناب في الشرح. # PageV01P300 ### | مسألة # حضر أبو بشر متى صاحب شرح المنطق مجلسا، فقال له أبو هاشم المتكلم عائبا ~~للمنطق: هل المنطق إلا في وزن مفعل من النطق فحدثني: أأنصف أبو هاشم وحز ~~الحق أم تشيع وقال ما لا يجوز ان يسمع منه هذا مع محله وشدة توقيه في ~~مقالته فإن البيان عن هذا القدر يأتي على كنائن العلم ويوضح طرق الحكمة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما من طريق الوزن فقد صدق فيه ~~أبو هاشم وأما من طريق الازدراء والعيب - إن كان قصد ذلك - فقد ظلم لأنه لا ~~عيب على العلم إلا من جهة خطأ المخطىء فيه لا من جهة اسمه. ولو كايله أبو ~~بشر مكايلة فقال له: وهل المتكلم إلا في وزن متفعل من الكلام وتصفح سائر ~~العلوم فقال فيها مثل هذا وقال هل التفقه إلا نفعل من قولك فقهت الشيء وهل ~~النحو إلا مصدر قولك نحوت الشي أى قصدته - لكان هذا مستمرا وما أكثر ما ~~يسمى من العلم لما لا يستحقه رتبته وما أكثر ما يسمى بما يحط من رتبته فلا ~~ذاك ينفع ms157 في ذلك العلم ولا هذا يضر في هذا العلم. وقد عرفت قوما سموا ~~أنفسهم المدركين وسموا # PageV01P301 # علومهم الإدراك الحقيقي وهو في غاية البعد من حقائق الأمور وقد سمى قوم ~~أنفسهم المستحقين وأهل الحق وما أشبه ذلك فكانوا فيه مدعين باطلا. ### | (مسألة) # رأيت رجلا يسأل شيخا من أهل الحكمة فقال له: العرب تؤنث الشمس وتذكر ~~القمر فما العلة في ذلك وأى معنى عنوا بهذا الإطباق فإنه إن خلا من العلة ~~جرى مجرى الاصطلاح على غير غرض مقصود. فلم يورد ذلك الشيخ شيئا ولهذا لم ~~أسمه فإن في ذكره مع إظهار عجزه تعريضا به وتحقيرا لشأنه وما يستحق بهذا ~~اليسير ان يجحد ما يصيب فيه الصواب الكثير. فقال السائل: فإن المنجمين ~~يذكرون الشمس ويؤنثون القمر. وهذا أيضا من المنجمين اتفاق. فأجاب ههنا وقال ~~ما قالوه ولم يعجز عن المسألة الأخرى لقصر باعه في الأدب ولكن لم يحفظ فيها ~~جوابا عن اهل العربية. والمعنى فيه خاف ليس من شأن المتمسحين في العلم بل ~~من شأن المتبحرين فيه الخائضين في غماره البالغين إلى قراره وهيهات ذلك ~~العلم عميق البحر عالى الفلك وليس كل قلب وعاء لكل سانح ولا كل إنسان ناطقا ~~بكل # PageV01P302 # لفظ ولا كل فاعل آتيا بكل عمل. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~أما النحويون فلا يعللون هذه الأمور ويذكرون أن الشيء المذكر بالحقيقة ربما ~~أنثته العرب والمؤنث بالحقيقة ربما ذكرته العرب فمن ذلك أن الآلة من المرأة ~~بعينها التي هي سبب تأنيث كل ما يؤنث هي مذكر عند العرب واما آلة الرجل ~~فلها أسماء مؤنثة. فأما العقاب والنار وكثير من الأسماء التي هي أولى ~~الأشياء بالتذكير وهي مؤنثة وأمثالها فكثير. ولكن الشمس التي قصد السائل ~~قصدها بعينها فإني أظن السبب في تأنيث العرب إياها أنهم كانوا يعتقدون في ~~الكواكب الشريفة أنها بنات الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وكل ما ~~كان منها أشرف عندهم عبدوه. وقد سموا الشمس خاصة باسم الآلهة فإن اللاة اسم ~~من اسمائها فيجوز أن يكونوا ms158 أنثوها لهذا الاسم ولاعتقادهم أنها بنت من ~~البنات بل هي أعظمهن عندهم. ### | (مسألة # هل يجوز لإنسان أن يعي العلوم كلها على افتنانها وطرقها واختلاف اللغات والعبارات عنها) # فإن كان يجوز فهل يجب وإن وجب فهل يوجد وإن كان وجد فهل عرف وإن كان ~~جائزا فما وجه جوازه وإن كان ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أحد ~~الحدود التي حدت بها الفلسفة أنها علم الموجودات كلها بما هي موجودات. ولكن ~~ليس على الشرائط التي ذكرتها في مسألتك أعني قولك: على افتنانها وطرقها ~~واختلاف اللغات بها والعبارات عنها فإن علما واحدا من بين العلوم لا يجوز ~~أن يحتوي على جميع هذه الشرائط فيه لأن جزئيات العلوم بلا نهاية وما لا ~~نهاية له لا يخرج إلى # PageV01P303 # الوجود. ولكن المطلوب من كل علم هو الوقوف على كلياته التي تشمل على جميع ~~أجزائه بالقوة. مثال ذلك أن الطب إذا تعلمت أصوله وقوانينه التي بها يستخرج ~~نوع المرض ونوع العلاج فقد كفي فيه ذلك. فأما أن يعرف منه جميع أجزاء ~~الأمراض فذلك محال. وكذلك تجد كتب جالينوس وغيره من الأطباء فإنها تعلمك ~~أصول الأمراض والعلاجات فإذا باشرت الصناعة ورد عليك من أجزاء مرض واحد ما ~~لا يمكنك إحصاؤه ويبقى من أجزائه ما لا يمكن أحصاؤه أحدا بعدك. وإذا كان ~~الأمر على ذلك فالجواب عن مسألتك يكون مقيدا على ما ذكرته. فأما اختلاف ~~الطرق والعبارات فلا معنى لتعاطي معرفتها فإن المقصود من العلوم هي ذواتها ~~وأما قولك: هل يجب فأقول: إنه واجب لأن التفلسف واجب من أجل أنه كمال ~~الإنسانية وبلوغ أقصى درجتها. وكل شيء كان كمال فإن غايته البلوغ إلى ذلك ~~الكمال. ومن قصر من الناس عن بلوغ كماله مع حصول الأسباب وارتفاع الموانع ~~عنه فهو غير معذور فيه. وأما قولك: هل يوجد فإنه موجود لأن الفلسفة موجودة ~~وهي صناعة الصناعات وما تب شيء من أجزائها كما رتبت هي نفسها فإنه قد بدىء ~~من أدنى درجة يبتدىء بها المتعلم إلى أقصى مرتبة يجوز أن يبلغها. ms159 وهذا ~~لجميعه أصول وشروح على غاية الأحكام وهي معروفة موجودة غير ممنوع منها ولا ~~مضنون بها على من يطلبها وفيه منة لتعلمها. # PageV01P304 ### | (مسألة # ما غضب الصارف على المصروف) # هكذا تنشأ هذه المسألة وصورتها أنك تولى إمرة بلد أو قضاء مدينة فترد ~~البلد وبه أمير قبلك صرف بك فتعنف به وتغضب عليه وتكلح وجهك في وجهه وهو ما ~~أغضبك ولا ومن جنس هذا الغضب غضب الجلاد والسياف. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: لما كان الصارف يستشعر من المصروف أنه يبغضه ويكرهه لا ~~محالة وفي الطباع أن يكره الإنسان من يكرهه وببغض من يبغضه - عرض هذا ~~العارض لكل صارف على كل مصروف. وربما انضاف إلى ذلك أشياء أخر منها أن ~~المصروف ربما صرف عن خيانة أو جناية كثيرة يعرض في مثلها الغضب بالواجب. ~~وربما انضاف إلى ذلك أن يؤمر الصارف بالقبض على المصروف وموافقته على ~~جناياته واستصفاء ماله. وهذه أشياء تثير الغضب وتزيد في مادته لا سيما ~~والمصروف يحتج لنفسه ويدفع عنها كل ما نسب إليه من القبيح ويدافع عن ماله ~~بما أمكنه. فأين يذهب الغضب عن هذا المكان وهل هو إلا في حقيقة موضعه الخاص ~~به؟ # PageV01P305 # فأما الجلاد والسياف فلهما وجه آخر من العذر وهو أنهما إنما يأخذان أجرة ~~على صناعتهما وإن لم يوفياها حقها خشيا اللائمة والاستخفاف وليس يمكنهما ~~توفية صناعتهما حقوقهما إلا بإثارة الغضب. ### | (مسألة # لم كان اليتم في الناس من قبل الأدب وفي سائر الحيوان من قبل ~~الأم) # فإن قلت: لأن الأم ههنا كافلة فإن الأمر في الناس كذلك وفيه سر غير هذا ~~ونظر فوقه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان من حيث هو ~~حيوان مشارك للبهائم في هذا المعنى محتاج إلى ما يقيمه من الأقوات التي ~~تحفظ عليه حيوانيته. ومن حيث هو إنسان مشارك للفلك في هذا المعنى يحتاج إلى ~~ما يبلغه هذه الدرجة بالتعليم والتأديب لأن الأدب يجري من النفس مجرى القوت ~~من البدن والذي يقوم بالحال الأولى وهي الأم والذي ms160 يقوم له بالحال الثانية ~~هو الأب. ولما كانت الحالة الثانية أشرف أحواله وهي التي بها يصير هو ما هو ~~اعني أن يصير إنسانا - وجب أن يكون يتمه من قبل أبيه. ولما كان سائر ~~الحيوانات كما حيوانيتها في القوت البدني وجب أن يكون يتمها من قبل الأم. ~~ولعل الإنسان قبل أن يبلغ حد التعلم من الأب وفي حال حاجته إلى # PageV01P306 # الرضاع إذا فقد أمه سمي يتيما من قبل الأم ولم يمتنع إطلاق ذلك عليه. ### | مسألة # قال المأمون: إني لأعجب من أمري: أدبر آفاق الأرض وأعجز عن رقعة - يعني ~~الشطرنج وهذا معنى شائع في الناس فما السبب فيه فإنه إنما عجب من خفاء ~~السبب. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصناعات لا يكتفي فيها ~~بالعلم المتقدم والمعرفة السابقة بها حتى يضاف إلى ذلك العمل الدائم ~~والارتياض الكثير وإلا لم يكن الإنسان ماهرا. والصانع هو الماهر بصناعته. ~~ومثال ذلك الكتابة فإن العالم بأصولها وإن كان سابق العلم غزير المعرفة إذا ~~اخذ العلم ولم تكن له دربة انقطع فيها ولم ينفعه جميع ما تقدم من علمه بها. ~~وكذلك حال الخياطة والبناء. وبالجملة كل صناعة مهنية كقيادة الجيش ولقاء ~~الأقران في الحروب ليس تكفي فيها الشجاعة ولا العلم بكيفيتها حتى يحصل فيها ~~الارتياض والتدرب فحينئذ تصير صناعة. ولما كان الشطرنج أحد الأشياء الجارية ~~هذا المجرى من الصناعات لم يكتف فيه بالتدبير ولا حسن التخيل ولا جودة ~~الرأى حتى تنضاف إلى ذلك مباشرة الأمر والدربة فيه فإن لكل ضربة يتغير بها ~~شكل الشطرنج ضربة من الرسيل مقابلة لها إما على غاية الصواب وإما بخلافه. ~~ويحتاج إلى ضبط جميع ذلك وتخيل تلك الأشكال كلها ضربة بعد # PageV01P307 # ضربة على وجوه تصاريفها وليس ذلك إلا مع دربة ورياضة. ### | (مسألة # ما السبب في استيحاش الإنسان من نقل كنيته أو اسمه) # فقد رأيت رجلا غير كنيته لضرورة لحقته وحال دعته فكان يتنكر ويقلق وكان ~~يكنى أبا حفص فاكتنى أبا جعفر وكان سببه في ذلك أنه قصد رجلا يتشيع فكره ms161 أن ~~يعرفه بأبي حفص. وكيف صار بعض الناس يمقت الشيء لاسمه دون عينه أو للقبه ~~دون جوهره. وما النفور الذي يسرع إلى النفس من النبز واللقب. وما الشكون ~~الذي يرد على النفس من النعت وما هما إلا متقاربان في الظاهر متدانيان في ~~الوهم. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعاني تلزمها الأسماء ~~ويعتادها أهل اللغات على مر الأيام حتى تصير كأنها هي وحتى يشك قوم فيزعمون ~~أن الاسم هو المسمى وحتى زعم قوم أفاضل أن الأسامى بالطباع تصير إلى مطابقة ~~المعاني كأنهم يقولون إن الحروف التي تؤلف لمعنى القيام أو الجلوس أو ~~الكوكب أو الأرض لا يصلح لغيرها من الحروف أن تسمى به لأن تلك بالطبع صارت ~~له. واضطر لأجل هذه الدعوى أن يشتغل كبار الفلاسفة في بمناقضتهم ووضع الكتب ~~في ذلك فليس بعجب أن يألف إنسان اسم نفسه حتى إذا غير ظن أنه إنما يغير هو ~~وإذا دعى بغير اسمه فإنما دعى غيره بل يرى كأنما بدل به نفسه. ولقد سمعت ~~بعض المحصلين يستشير طبيبا ويخاف فيما يشكوه أنه قد أصابه الماليخوليا. # PageV01P308 # فقلت له: وما الذي أنكرت من نفسك. قال: يخيل لي أن يميني قد تحول شمالا ~~وشمالي يمينا لست أشك في ذلك. فلما امتد بي النظر في مساءلته وجدته كان قد ~~تختم في يمينه مدة للتقرب إلى بعض الرؤساء من أصدقائه ثم لما فارقه لسفره ~~اتفقت له إعادة إلى التختم اليسار فعرض له من الإلف والعادة هذا العارض. ~~فأعتبر بذلك يسهل جواب مسألتك وتعلم ما في العادة من المشاكلة لما في ~~الطبع. فأما كراهة الناس الشيء لأسمه أو للقبه ونبزه فالجواب عنه قريب من ~~الجواب عن هذه المسألة وذلك أن الأسماء والألقاب أيضا تكره لكراهة ما تدل ~~عليه للعادة الأولى فلو أنك نقلت اسم الفحم إلى الكافور فيما بينك وبين آخر ~~لكان متى ذكر الفحم تصور السواد ولم يمنعه ما انتقل فيما بينه وبينك إلى ~~مسمى آخر أبيض طيب الرائحة وذلك لأجل العادة اللهم إلا أن ms162 يكون تركيب ~~الحروف تركيبا قبيحا والحروف أنفسها مستهجنة فإن الجواب عن ذلك قد مر في ~~صور هذه المسائل مستقصى. ### | (مسألة # قال أبو حيان لم صار صاحب الهم ومن غلبة عليه الفكر في ملم يولع بمس لحيته وربما نكت الأرض بإصبعه وعبث بالحصى) # . وقد يختلف الحال في ذلك حتى إنك لتجد واحدا يحب عند صدمة الهم ولوعه ~~الحزن جمعا وناسا ومجلسا مزدحما يريغ بذلك تفريحا ويجد # PageV01P309 # خفا. وآخر يفزع إلى الخلوة ثم لا يقع إلا بمكان موحش ونشر ضيق وطريق ~~غامض. وآخر يؤثر الخلوة ولكن الخلوة يحن إلى بستان حال وروض مزهر ونهر جار. ~~ثم تختلف الحال بين هؤلاء حتى إنك لتجد واحدا عند غاشية ذلك الفكر أصفى ~~طبعا وأذكى قلبا وأحضر ذهنا وحتى يقول القافية النادرة ويضنف الرسالة ~~الفاخرة وحتى يحفظ علما جما ويستقبل أيامه نصحا وآخر يذهل ويعله ويزول عنه ~~الرأى ويتحير حتى لوهدي ما اهتدى ولو أمر لما فقه ولو نهى لما وبه. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس لا تعطل الجوارح إلا عند النوم ~~الأسباب ليس هذا موضع ذكرها. والعقل يستهجن البطالة ولا بد من تحريك ~~الأعضاء في اليقظة إما بقصد وإدارة وبصناعة ولأغراض مقصودة وإما بعبث ولهو ~~وعند غفلة # PageV01P310 # وسهو، ولأجل ذلك نهت الشريعة عن الغفلة ونهى الأدب عن الكسل وأمر الناس ~~وسواس المدن بترك العطلة واشتغال الناس بضروب الأعمال. ولقباحة العطلة ~~ونفور العقل عنها اشتغل الفراغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما وأخذهما ~~من العمر وذهابهما بالزمان في غير طائل فإن الجلوس بلا شغل ولا حركة بغير ~~ضرورة أمر يأباه الناس كافة لما ذكرناه. فصاحب الفكر والهم لا تتعطل جوارحه ~~وإنما ينبغي أن يتعود الإنسان بالتأديب حركات جميلة مثل القضيب الذي وضع ~~الملوك وقد ذكره ذلك أيضا ونسب إلى النزق وجعل في جنس الولع بالخاتم. فأما ~~مس اللحية وقلع الزئبر من الثوب فمعدود من المرض لأنة حركة غير منتظمة ولا ~~جارية على سنة الأدب بل هو عبث يدل على أن صاحبه قد احتمل ms163 حتى عزب عقله ~~وذهب تمييزه دفعة. ولا ينبغي ذلك لمن له تمييز وبه مسكة أن يفعله بل ينبه ~~عليه من نفسه ويتركه إن كان عادته. فأما اختلاف الحال في الناس فيمن ~~الاجتماع مع الناس أو يحب الخلوة وغير ذلك مما حكيته وذكرت أقسامه فإن ذلك ~~تابع للمزاج وذاك أن صاحب السوداء والفكر السوداوي يحب الخلوة والتفرد ~~ويأنس بذلك. وأما صاحب الفكر الدموي فإنه يحب الاجتماع والناس وربما آثر ~~النزهة والفرجة. وأما ما حكيت عمن يصنع الشعر ويصنف الرسالة ويشغل نفسه ~~بالعلوم فجميع ذلك إنما يكون بحسب عادة من يطرقه الفكر فإن كان قبل ذلك ممن ~~يرتاض ببعض هذه الأشياء أو يكثر الفكر فيها فإنه بعد ورود العارض يلجأ إلى ~~ما كان عليه ويعود إلى عادته بنفس ثائرة مضطرة إلى الفكر فينفذ فيما كان ~~فيه. # PageV01P311 # ولا بد أن يصير ذلك الفكر من جنس ما دهمه أعني أنه يقول القافية ويصنف ~~الرسالة في ذلك المعنى الذي طرأ عليه لكن يستعين عليه بفكر كأن يتصرف في ~~شعر آخر فيرده إلى الأهم الذي وأما الذي يذهل ويعله ويتحير فهو الذي لم يكن ~~قبل ورود ذلك الشغل عليه ممن لا يرتاض بشعر ولا ترسل ولا عادته أن يلجأ إلى ~~فكره ويستعمله في استخراج الخبايا واللطائف فإذا طرقه عارض يحتاج فيه إلى ~~فكر لم يجده وأصابه من الوله والدهش ما ذكرت. ### | (مسألة # ما بال أصحاب التوحيد لا يخبرون عن الباري إلا بنفي الصفات) # فقيل له: بين قولك وابسط فيه إرادتك. قال: إن الناس في ذكر صفات الله - ~~تعالى - على طريقتين: فطائفة تقول: لا صفات له كالسمع والعلم والبصر ~~والحياة والقدرة لكنه مع نفي هذه الصفات موصوف بأنه سميع بصير حي قادر ~~عالم. وطائفة قالت: هذه أسماء لموصوف بصفات هي العلم والقدرة والحياة. ولا ~~بد من إطلاقها وتحقيقها. ثم إن هاتين الطائفتين تطابقته على أنه عالم لا ~~كالعالمين وقادر لا كالقادرين وسميع لا كالسامعين ومتكلم لا كالمتكلمين. ~~وكانت الطائفتان في ظاهر الرأى مثبتة نافية معطية آخذه إلا ms164 أن يبين ما يزيد ~~على هذا. # PageV01P312 # هذا آخر المسألة. والجواب عنها حرفان مع الإيجاز إن ساعد فهم وتبسيط مع ~~البيان إن احتيج إليه في موضعه إن شاء. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: أما قولك: الجواب عنها حرفان مع الإيجاز فهو قريب مما قلت وذاك أن كل ~~صفة وموصوف يقع عليه وهم وينطلق به لسان فهو جود من الله تعالى وإبداع له ~~ومن منه امتن به على خلقه وليس يجوز أن يوصف الله - تعالى - بما هو مبدع ~~ومخلوق له. فهذا مع الإيجاز كاف. ولا بد من أدنى بسط وبيان فنقول: إن ~~البرهان قد قام على أن الباري الأول الواحد هو - عز اسمه - متقدم الوجود ~~على كل معقول ومحسوس وأنه أول بالحقيقة أي ليس له شيء يتقدمه على سبيل علة ~~ولا سبب ولا غيرهما. وما ليس له علة تتقدمه فوجوده أبدا وما وجوده أبدا فهو ~~واجب الوجود وما كان كذلك فهو لم يزل وما لم يزل فليس له علة فليس بمتركب ~~ولا متكثر لأنه لو كان مركبا أو كان متركبا لكان وقد قلنا إنه أول لم ~~يتقدمه شيء فإذن ليس بمركب ولا متكثر. والأوصاف التي يثبتها له من يثبتها ~~ليس تخلو من أن تكون قديمة معه أو محدثة بعده. ولو كانت قديمة معه موجودة ~~بوجوده لكان هناك كثرة ولو كانت كثرة لكانت - لا محالة - متركبة من آحاد. ~~ولو كانت الآحاد متقدمة أو الوحدة - سيما التي تركبت منها الآحاد - والكثرة ~~متقدمة، لم # PageV01P313 # يكن أولا وقد قلنا إنه أول. ولو كانت أوصافه بعده لكان خاليا منها فيما ~~لم يزل وخلصت له الوحدة. وإنما حدث له ما حدث عن سبب وعلة - تعالى الله وجل ~~عما يقولون المبطلون - وقد قلنا إنه لا سبب له ولا علة. وأما أطلاقنا ما ~~نطلقه عليه من الجود والقدرة وسائر الصفات فلأن العقل إذا قسم الشيء إلى ~~الإيجاب والسلب أو إلى الحسن والقبيح أو إلى الوجود والعدم - وجب أن ينظر ~~في كل طرفين فينسب الأفضل منهما إليه إن كنا ms165 لا محالة مشيرين إليه بوصف ~~مثلا كأنا سمعنا بالقدرة والعجز وهما طرفان فوجدنا أحدهما مدحا والآخر ذما ~~فوجب أن ننسب إليه ما هو مدح عندنا. ومع ذلك فينبغي ألا نقيس على هذا القدر ~~أيضا إلا إذا كان معنا رخصة في شريعة أو إطلاق في كتاب منزل لئلانبتدع له ~~من عندنا ما لم تجربه سنة أو فريضة ونحذر كل الحذر من الإقدام على هذه ~~الأمور. ولأنا ضمنا ترك الإطالة في جميع أجوبة هذه المسائل فلنقتصر على هذا ~~النبذ. ومن أراد الإطالة والتوسع فيه فليقرأه من موضعه الخاص به من كتابنا ~~الذي سميناه الفوز أو من كتب غيرنا المصنفة في هذا المعنى إن شاء الله. # PageV01P314 ### | (مسألة # لم صار الإنسان في حفظ الصواب أنفذ منه في حفظ الخطأ) # شاهد هذا أنك لو سمت الغفل أن يتعلم الأدب ويعتاد الصواب في اللفظ كان ~~أخرى بذلك وأجرأ عليه من قاض أو عدل أو أديب عالم تسوم واحدا منهم ان يتخلق ~~بخلق بعض العامة أو يقتدي بلفظه في خطابه وفساده ولهذا تجد مائة ينشدونك ~~لأبي تمام والبحتري ولا تجد ثلاثة ينشدونك للطرمي وأبي العبر. # PageV01P315 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصواب شيء واحد وله سمت ~~يشير إليه فأما الانحراف عن ذلك السمت والخطأ فيه وعنه فأمر لا نهاية له ~~فلذلك لا يمكن ضبطه. وإن انحرف عنه منحرف فإنما يكون ذلك منه كما جاء واتفق ~~لا بإشارة من فهم ولا دليل من عقل. وحفظ مثل هذا عسير جدا إذ كان الحفظ ~~إنما هو تذكر لصورة قيدها العقل وتلك الصورة هي مقتضى العقل أو رسم من رسوم ~~قوى العقل. فالإنسان معان على هذا الرسم بالفطرة ومعان على تذكره - أيضا - ~~بالفطرة. فأما العدول عنه فهو كالعدول عن نقطة الدائرة التي تسمى مركزا فإن ~~النقطة في الدائرة - التي ليست مركزا - هي كثيرة بلا نهاية وإنما المحدودة ~~منها على نقطة واحدة أعني التي بعدها من جميع محيط الدائرة بالسواء. # PageV01P316 ### | (مسألة # لم صار العروض ردىء الشعر قليل الماء) # والمطبوع على ms166 خلافه ألم تبن العروض على الطبع أليست هي ميزان الطبع فما ~~بالها تخون وقد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطي ويخرج من وزن إلى وزن وما ~~رأينا عروضيا له ذلك. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المطبوع ~~من المولدين يلزم الواحد ولا يخرج عنه مادام طبعه يطيع ذلك. ولكن سمعنا ~~للشعراء الجاهليين المتقدمين أوزانا لا تقبلها طباعنا ولا تحسن في ذوقنا ~~وهي عندهم مقبولة موزونة يستمرون عليها كما يستمرون في غيرها كقول المرقش: ~~لابنه عجلان بالطف رسوم لم يتعفين والعهد قديم وهي قصيدة مختارة في ~~المفضليات ولها أخوات لا أحب تطويل # PageV01P317 # الجواب بإيرادها - كانت مقبولة الوزن في طباع أولئك القوم وهي نافرة عن ~~طباعنا نظنها مكسورة. وكذلك قد يستعملون من الزخاف في الأوزان التي ~~تستطيبها ما يكون عند المطبوعين منا مكسورا وهي صحيحة. والسبب في جميع ذلك ~~أن القوم كانوا يجبرون بنغمات يستعملونها مواضع من الشعر يستوى بها الوزن. ~~ولأننا نحن لا نعرف تلك النغمات إذا أنشدنا الشعر على السلامة لم يحسن في ~~طباعنا والدليل على ذلك أنا عرفنا في بعض الشعر تلك النغمة حسن عندنا وطاب ~~في ذوقنا كقول الشاعر: إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل فإن هذا ~~الوزن إذا أنشد مفكك الأجزاء بالنغمة التي تخصه طاب في الذوق وإذا أنشد كما ~~ينشد سائر الشعر لم يطب في كل ذوق. وهذه سبيل الزحاف الذي يقع في في الشعر ~~مما يطيب في ذوق العرب وينكسر في ذوقنا. لولا أن الموسيقا مركوزة في الطباع ~~ووزن النغم ومقابلة بعضه بعضا مجبولة عليه النفس لما تساعدت النفوس كلها ~~على قبول حركات أخر بعينها. وتلك الحركات المقبولة هي النسب التي يطلبها ~~الموسيقي ويبني عليها رأيه وأصله. والعروضي إنما يتبع هذه الحركات والسكنات ~~التي في كل بيت فيحصلها بالعدد وبالأجزاء المتقابلة المتوازنة. فإن نقص جزء ~~من الأجزاء ساكن أو متحرك فإنما يجبره المنشد بالنغمة حتى يتلافاه. # PageV01P318 # فمتى ذهب عنه ذلك لم يستقم في ذوقه ولم يساعد عليه طبعه. فأما ms167 من نقص ~~ذوقه في العروض فإنما ذلك للغلط الذي يقع له في بعض الزحافات التي يجيزها ~~العروض وله مذهب عند العرب فيقع لصاحب الذوق الذي لا يعرف تلك النغمة التي ~~تقوم بذلك الزحاف - أنه جائز في كل موضع فيغلط من ههنا ويتهم أيضا طبعه حتى ~~يظن أن المنكسر من الشعر أيضا هو في معنى المزاحف وأنه كما لم يمتنع ~~المزحوف من الجواز كذلك لا وهذا غلط قد عرف وجهه ومذهب صاحبه فيه. وأما ~~واضع العروض فقد كان ذا علم بالوزن وصاحب ذوق وطبع فاستخرج صناعة من الطباع ~~الجيدة تستمر لمن ليست له طبيعة جيدة في الذوق ليتمم بالصناعة تلك النقيصة. ~~وكذلك الحال في صناعة النحو والخطابة وما يجري مجراها من الصنائع العلمية. ~~وليس يجري صاحب الصناعة وإن كان ماهرا في صناعته - مجرى الطبع الجيد ~~الفائق. ### | (مسألة # ما معنى قول بعض القدماء العالم أطول عمرا من الجاهل بكثير) # وإن كان أقصر عمرا عنه. ما هذه الإشارة والدفنية فإن ظاهرها مناقضة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين من مباحث الفلسفة أن ~~الحياة على نوعين: أحدهما حياة بدنية وهي البهيمية التي تشاركنا فيها ~~الحيوانات كلها. # PageV01P319 # وحياة نفسية وهي الحياة الإنسانية التي تكون بتحصيل العلوم والمعارف. ~~وهذه هي الحياة التي تجتهد الأفاضل من الناس في تحصيلها. فالواجب أن يظن ~~بالجاهل الذي يحيا حياة بدنية أنه ليس بحي بتة أعني أنه ليس بإنسان ولا ~~فأما العالم فالواجب أن يقال فيه: إنه هو الحي بالحقيقة كما أن غيره هو ~~الميت. ### | (مسألة # لم صارت بلاغة اللسان أعسر من بلاغة القلم) # وما القلم واللسان إلا آلتان وما مستقاهما إلا واحد فلم نرى عشرة يكتبون ~~ويجيدون ويبلغون وثلاثة منهم إذا نطقوا لا يجيدون ولا يبلغون والذي يدلك ~~على قلة بلاغة اللسان إكبار الناس البليغ باللسان أكثر من إكبارهم البليغ ~~بالقلم. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ذلك لأن البلاغة التي ~~تكون بالقلم تكون مع روية وزمان متسع للانتقاد والتخير والضرب والإلحاق ~~وإجالة الروية لإبدال الكلمة ms168 بالكلمة. ومن تبادل بالكلام متى لم يكن لفظه ~~ومعناه متوافيين عرض له التتعتع والتلجلج وتمضغ الكلام وهذا هو العي ~~المكروه المستعاذ منه. فأما البليغ فهو حاضر الذهن سريع حركة اللسان ~~بالألفاظ التي لا يقتصر منها أن يبلغ ما في نفسه من المعنى حتى تتفرغ له ~~قطعة من ذلك الزمان السريع إلى توشيح عبارته وترتيبها باختيار الأعذب ~~قالأعذب وطلب المشاكلة والموازنة والسجع وكثير مما يحتاج في مثله إلى ~~الزمان الكثير والفكر الطويل. # PageV01P320 ### | مسألة # على ماذا يدل انتصاب قامة الإنسان من بين هذا الحيوان؟ # فقد قال أبو زيد البلخي الفلسفي كلاما سأحكيه. # PageV01P321 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا الرجل الفاضل الذي ذكرته ~~إذا كان يوجد له كلام في هذا المعنى فالأولى بنا أن نستعفيك الكلام فيه. ~~وإذا كنت غير معفينا فالأولى أن نكتفي بالإيماء إلى المعنى دون الإطالة ~~فنقول: إن الحرارة إذا كانت مادتها لطيفة مواتية في الرطوبة والاستجابة إلى ~~الامتداد فهي تمد الجسم الذي تعلقت به إلى جهتها - أعني العلو - مدا ~~مستقيما. وإنما يعرض الانكباب والميل إلى جهة الأرض لشيئين: إما لضعف ~~الحرارة وإما لقلة استجابة المادة التي تعلقت بها. وأنت تتبين ذلك وتتأمله ~~في الأشجار التي بعضها ينشعب بشعب مر جحنة نحو الأرض. وبعضها ممتدة على جهة ~~الاستقامة إلى فوق. وبعضها مركبة الحركة بحسب مقاومة المادة لأن حركة الشيء ~~المركب وما كان من الشجر والنبات ممتدا على وجه الأرض غير منتصب فهو لكثرة ~~الأجزاء الأرضية فيه ولضعف الحرارة وما كان الشجر منتصبا وقد تشعبت منه نحو ~~الأرض ويمينا وشمالا فلأن حركة النار والأرض قد تركبتا فحدث منهما هذا ~~الشكل المركب بين الانتصاب والارجحنان. وما كان الشجر ممتدا كالقضيب إلى ~~فوق كالسرو وما أشبهه فلأن أجزاءه الأرضية والرطوبة المائية فيه لطيفة ~~والحرارة قوية فلم يمتنع من الحركة المستقيمة التي تحركها النار. وإذا ~~تأملت حق التأمل هذه الأمثلة لم يعسر عليك نقلها إلى الحيوان إن شاء الله. # PageV01P322 ### | (مسألة # لم صار اليقين إذا حدث وطرأ لا يثبت ولا يستقر) # والشك إذا ms169 عرض أرسى وربض يدلك على هذا أن الموقن بالشيء متى شككته نزا ~~فؤاده وقلق به والشاك متى وقفت به وأرشدته وأهديت الحكمة إليه لا يزداد إلا ~~جموحا ولا ترى منه إلا عتوا ونفورا. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: أظن السائل عن اليقين لم يعرف حقيقته وظن ان لفظة اليقين تدل على ~~المعرفة المرسلة أو على الإقناع اليسير. وليس الأمر كذلك فإن مرتبة اليقين ~~أعلى مرتبة تكون في العلم وليس يجوز أن يطرأ عليه شك بعد أن صار يقينا. ~~وكذلك من علم أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين ليس يجوز أن يشك فيه. وهذه ~~سبيل العلوم المتيقنة بالبراهين وبالأوائل التي بها تعلم البراهين. فأما ما ~~دون اليقين فمراتبه كثيرة على ما بين في كتاب المنطق. والشكوك تعترض كل ~~مرتبة بحسب منزلتها من الإقناع. وإذا كان الأمر كذلك فليس يرد قلب المتيقن ~~- أبدا - شك ينزو منه فؤاده بل قار وادع لا تحرك منه الشكوك بتة. فأما ما ~~ذكرته من أن الشاك إذا أرشد وأهديت له الحكمة لا يزداد إلا جموحا فإن ذلك ~~يعترض لأحد شيئين: إما لأن المرشد لم يتأت للشاك ولم يدرجه إلى الحكمة ~~فحمله ما لا # PageV01P323 # يضطلع به وإما لأن الحكيم ربما نهى عن أشياء يميل إليها الطبع بالهوى. ~~وقد علمت بما بيناه فيما تقدم أن تقدم أن قوى الهوى أغلب وأقوى فينا من قوى ~~العقل فيصير حاله حال من يجدنه حبلان أحدهما ضعيف والآخر قوى - لا محالة - ~~يستجيب للأقوى إلى أن تقوى عزيمته على الأيام فيضعف القوى ويقوى الضعيف كما ~~أشار به الحكماء وشرعه الأنبياء. ### | مسألة # لم صار الناس يضحكون من السخرة والمضحك إذا لم يضحك - أكثر من ضحكهم منه ~~إذا ضحك # وهذا عارض موجود في كل من ألهاك ولم يضحك. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: إن من شأن المضحك أن يتطلب أمورا معدولة عن جهاتها ليستدعي بذلك ~~تعجب السامع وضحكه. وإذا لم يضحك هو إنما يدل من نفسه أنه متماسك غير مكترث ~~للسبب الذي من ms170 شأنه أن يعجب منه ويضحك فيتضاد الحال بالتسامع حتى يقترن إلى ~~السبب الأول السبب الثاني. ### | (مسألة # ما معنى قول العلماء على طبقاتهم النادر لا حكم له هكذا تجد الفقيه والمتكلم والنحوي والفلسفي.) # PageV01P324 # فما سر هذا وما علمه وعلته ولم إذا ندر خلا من الحكم وإذا شذ عرى من ~~التعليل. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس الأمر على ما ظننته ~~من أن جميع الطبقات من العلماء يستعملون هذه اللفظة. وإنما يستعملها منهم ~~من كانت طبقته في العلوم المأخوذة من التصفح والآراء المشهورة فإن هذه ~~أوائل عند قوم في علومهم. وأعني بقولي أوائل أي أنهم يجعلونها مبادىء مسلمة ~~بمنزلة الأشياء الضرورية من مبادىء الحس والعقل فإذا فعلوا ذلك لم يخل من ~~أن يرد عليهم ما يخالف أصولهم فيجعلونه نادرا وشاذا مثال ذلك: أنه تصفح رجل ~~منهم يوما في السنة كيوم السبت من كانون أنه يجىء فيه مطر وبقي إلى ذلك ~~سنين - حكم بأن هذا واجب لا بد منه. فإن انتقض عليه ذلك زعم أنه شاذ نادر. ~~وكذلك من يتبرك بيوم في الشهر ويتشاءم بآخر كما تفعله الفرس بأول يوم من ~~شهرهم المسمى هرمز وبآخر يوم المسمى بانيران فإنه لا يزال يحكم بأن هذا على ~~الوتيرة فإن انتقض قالوا هذا شاذ ونادر. وكذلك حال من حكم بحكم مأخوذ من ~~أوائل غير طبيعية وغير ضرورية فإنه غير مستمر له استمرار العلوم المبرهنة ~~المأخوذة الأوائل من الأمور الضرورية. وأنت ترى ذلك عيانا ممن لا يعرف علل ~~الأشياء ولا أسبابها من جمهور الناس فإن أحدهم إذا رأى أمرا حدث عند حضور ~~أمر آخر نسبه إليه من غير أن يبحث هل هو علته أم لا. # PageV01P325 # وذلك أنه إذا رأى حالا تسره عند حضور زيد زعم أن سبب ذلك الحال زيد. فإن ~~اتفق حضور زيد مرة أخرى واتفقت له حال أخرى سارة قوى ظنه وزادت بصيرته ~~وكذلك تكون الحال في أكثر أمور هذا الصنف من الناس. لا جرم أنه متى انتقض ~~الأمر زعموا أنه شاذ. ولهذه ms171 الحال عرض كثير وذلك أنه ربما مازج أسبابا ~~صحيحة كما يحكم في الشتاء أنه يجيء مطر يوم كذا لأنه كذلك اتفق في العام ~~الماضي. فلأن الوقت شتاء ربما اتفق ذلك مرارا كثيرة ولكن ليس سبب المطر ذلك ~~اليوم بل له أسباب أخر وإن اتفق فيه. فأما الرجل الفلسفي فإنه إذا تشبه ~~بغيره أو أخذ مقدماته من مثل تلك المواضع عرض له - لا محالة - ما عرض ~~لغيره. ولذلك وجب أن تنزل الأمور منازلها فما كان منها ذا برهان لم يتغير ~~ولم ينتظر ورود ضد عليه ولا شك فيه. وإذا كان غير ذي برهان إلا أن له دليلا ~~مستمرا صحيحا سكن إليه وثق به. فأما ما ينحط إلى الإقناعات الضعيفة فينبغي ~~ألا يسكن إليه ولا يوثق به وانتظر أن ينقضه شيء طارىء عليه ولم يمتنع من ~~الشكوك والاعتراضات عليه. ### | مسألة # قال بعض المتكلمين: قد علمنا أنه لا يجوز أن يتفق أن يمس أهل محلة لحاهم ~~في ساعة واحدة وفصل واحد وحال واحدة. وإن # PageV01P326 # جاز هذا فهل يجوز في جميع من في العالم وإن كان لا يجوز أن يتفق هذا فما ~~علته فإن المتكلم سكت عند الأولى حين ذكر اليقين والضرورة. ولعمري إن ~~الغشاء حق ولكن العلة باقية. وسيمر بيان ذلك على حقيقته في الشوامل إن شاء ~~الله. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الكلام على الواجب ~~والممتنع والممكن قد استقصاه أصحاب المنطق وبلغ صاحب المنطق فيه الغاية. ~~والذي يليق بهذا الموضع هو أن يقال: إن الواجب من الأمور هو الذي يصدق فيه ~~الإيجاب ويكذب فيه السلب أبدا. والممتنع ما يكذب فيه الإيجاب ويصدق فيه ~~السلب أبدا. والممكن ما يصدق فيه الإيجاب أحيانا ويكذب فيه أحيانا ويكذب ~~فيه السلب أحيانا ويصدق أحيانا. فإذا كانت طبائع هذه الأمور مختلفة فمسألتك ~~هذه من طبيعة الممكن. فإن جوز فيه أن يكون جميع الناس يفعلونه في حال واحدة ~~ضير من طبيعة الواجب. وأيضا فإن أرسططاليس قد تبين أن المقدمات الشخصية في ~~المادة الممكنة والزمان ms172 المستقبل لا تصدق معا ولا تكذب معا ولا تقتسم الصدق ~~والكذب مثال ذلك زيد يستحم غدا ليس يستحم زيد. فإن هاتين المقدمتين ليس ~~يجوز أن تصدقا معا لئلا يكون شيء واحد # PageV01P327 # بعينه موجودا وغير موجود. ولا يجوز أن تكذبا معا لئلا يكون شيء واحد ~~موجودا وغير موجود ولا يمكننا أن نقول إنهما تقتسمان الصدق والكذب لئلا ~~يرفع بذلك الممكن. وهذا قول محير فلذلك ألطف أرسططاليس فيه النظر فقال: إن ~~الشيء الممكن إنما يصدق عليه الإيجاب أو السلب على غير تحصيل. والشيء ~~الواجب والممتنع يصدق عليهما الإيجاب والسلب على تحصيل. أعني أنه إنما ~~يقتسم الصدق والكذب المقدمات الممكنة بأن توجد على طبيعتها الإمكانية. فأما ~~الضرورية فإنها تقتسم الصدق والكذب على أنها ضرورية. وهذا كلام بين واضح ~~لمن ارتاض بالمنطق أدنى رياضة. ومن أحب أن يستقصيه فليعد إليه في مواضعه ~~يجده شافيا. ### | مسألة # سئل بعض العلماء بالنحو واللغة فقيل له: أيستمر القياس في جميع ما يذهب ~~إليه من الألفاظ فقال: لا. فقال السائل: فينكسر القياس في جميع ذلك فقال: ~~لا. فقيل له: فما السبب فقال: لا أدري ولكن القياس يفزع إليه في موضع ويفزع ~~منه في موضع. وعرضت هذه المسألة على فيلسوف فأفاد جوابا سيطلع عليك مع ~~إشكاله إن شاء الله. # PageV01P328 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قياس النحو فليس مبينا على ~~أوائل ضرورية فلذلك لا يستمر وإنما أجاب هذا الرجل العالم بالنحو عن القياس ~~الذي يخص صناعته ولم يلزمه إلا ذلك. فأما الفيلسوف فقياساته كلها مستمرة لا ~~ينكسر منها شيء لا سيما ضرب من القياس وهو المسمى برهانا. وقد تقدم - في ~~المسألة المتقدمة إن النادر لا حكم له كلام يصلح أن يجاب به ههنا فلتعد ~~إليه إن شاء الله. ### | (مسألة # سأل سائل هل خلق الله - تعالى - العالم لعلة أو لغير علة) # فإن كان لعلة فما هي وإن كان لغير علة فما الحجة ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن يقال: إن الله خلق العالم لعلة لما ms173 تقدم ~~من قولنا إن العلة سابقة للمعلول بالطبع. فإن كانت العلة أيضا معلولة لزم ~~أن تكون لها علة تتقدمها. وهذا مار بغير نهاية وما لا نهاية له يصح وجوده. ~~فإذن لا بد من أن يقال أحد شيئين: # PageV01P329 # إما أن العلة لا علة لها وإما أن العالم لا علة له غير ذات الباري - ~~تعالى ذكره - فإن قيل: إن للعالم علة غير ذات الباري - تعالى - فإن تلك ~~العلة لا علة لها. فيجب من ذلك أن تكون العلة أزلية لأنها واجبة الوجود. ~~وإذا كانت كذلك لزم فيها جميع ما سلم في ذات الباري - تعالى - ولو كان كذلك ~~أولا لم يزل. وقد قلنا في الباري - تعالى - ذلك بالبراهين التي تأدت إلى ~~القول به. وليس يجوز ان يكون شيئان لهما هذا الوصف أعني أن كل واحد منهما ~~اول لم يزل. وذلك أنه لا بد أن يتفقا في شيء صار كل واحد منهما أول وأن ~~يختلفا في شيء به صار كل واحد منهما غيرا لصاحبه. وذلك الشيء الذي اشتركا ~~فيه والذي تباينا به لا بد أن يكون فصلا مقوما أو مقسما فيصير فالجنس متقدم ~~على النوع بالطبع. والنوع الذي يلزمه فصل مقوم ليس بأول لأنه مركب من ذات ~~وفصل مقوم. والمركب متأخر عن بسيطه الذي تركب منه. فهذه أحوال يناقض بعضها ~~بعضا ولا يصح معها أن يدعى في شيئين أن كل واحد منها اول لم يزل. وشرح هذا ~~المعنى وإن طال فهو عائد إلى هذا النبذ الذي يكتفي به ذو القريحة الجيدة ~~والذكاء التام. # PageV01P330 ### | (مسألة # لم يضيق الإنسان في الراحة إذا توالت عليه وفي النعمة إذا حالفته) # وبهذا الضيق يخرج إلى المرح والنزوان وإلى البطر والطغيان وإلى التحكك ~~بالشر والتمرس به حتى يقع في كل مهوى بعيد وفي كل امر شديد. ثم يعض على ~~أنامله غيظا على نفسه بسوء اختياره وأسفا على تركه محمود الرأى ومجانبته ~~نصيحة الناصحين مع ما يجد من الألم في صدره من شماتة الشامتين. أي أطفاه ~~الشبع وأبطرته الكفاية وأترفته النعمة حتى ms174 بطر وأشر واضطرب وانتشر. ومن أجل ~~ذلك قال بعض السلف الصالح: العافية ملك خفي لا يصبر عليها إلا ولى ملهم أو ~~نبي مرسل. هذا والناس مع اختلافهم يحبون العافية ويميلون إلى الراحة ~~ويعوذون من الشر ومما يورث منه ويستعقب عنه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: السبب في ذلك ان الراحة إنما تكون عن تعب تقدمها لا محالة. ~~وجميع اللذات يظهر فيها أنها راحات من آلام. وإذا كانت الراحة إنما تكون عن ~~تعب فهي إنما تستلذ وتستطاب ساعة يتخلص من الشيء المتعب. # PageV01P331 # فإذا اتصلت الراحة وذهب ألم التعب لم تكن الراحة موجودة بل بطلت وبطل ~~معناها. ومع بطلانها بطلان اللذة. ومع بطلان اللذة غلط الإنسان في الشوق ~~إلى اللذة التي يجهل حقيقتها. أعني أنه يشتاق إلى معنى اللذة ويجهل أنها ~~راحة من ألم. وهذا المعنى إذا لاح للعالم به وتبينه لم يشتق إلى اللذة بتة ~~وصار قصاراه إذا آلمه الجوع أن يداويه بالدواء الذي يسمى الشبع لا أنه ~~يقصده اللذة نفسها بل يرى اللذة شيئا تابعا لغرضه لا أنها مقصودة الأول ~~ولذلك يزهد العالم في الأشياء البدنية أعني الدنيوية وهي ما يتصل بالحواس ~~وتسمى لذيذة. فأما الجاهل فلأنه يعترض له ما ذكرناه بالضرورة صار يقع فيه ~~دائما فيحصل في هموم وآلام وامراض لا نهاية لها. وعاقبه جميع ذلك الندم ~~والأسف. ### | (مسألة # لم صار بعض الأشياء تمامه أن يكون غضا طريا ولا يستحسن ولا يستطاب إلا كذلك) # وبعض الأشياء لا يختار ولا يستحسن إلا إذا كان عتيقا قديما قد مر عليه ~~الزمان ولم لم تكن الأشياء كلها على وجه واحد عند الناس وما السبب في ~~انقسامها على هذين الوجهين ففيه سر. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: لما كانت كمالات الأشياء المختلفة أعني ان بعضها تتم صورته التي هي # PageV01P332 # كماله في زمان قصير وبعضها تتم صورته في زمان طويل - كان انتظار الإنسان ~~للكمال منها وتفضيله إياها بحسبه. ولما كان الشيء يبتدىء وينتهي إلى الكمال ~~ثم ينحط حتى يتلاشى ويعود ms175 إلى ما منه بدأ - كان أفضل أحواله وقت انتهائه ~~إلى الكمال. فأما حين صعوده إليه أو انحطاطه عنه فحالان ناقصان وإن كانت ~~الأولى أفضل من الثانية. ولما كانت هذه القضية مستمرة فيما كان في عالمنا ~~هذا أعني عالم الكون والفساد - وجب من ذلك أن تكون استطابة الناس ~~واستحسانهم لصورة الكمال في واحد واحد من الأشياء المختلفة أيضا مختلفا ~~لأجل ما ذكرناه. ### | (مسألة # لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائدا عن الفرض المشترك فيه حقر ~~غيره) # واشتط عليه وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه وطارت النعرة في ~~أنفه حتى كأنه صاحب الوحي أو الواثق بالمغفرة، # PageV01P333 # والمنفرد بالجنة. وهو مع ذلك يعلم أن العمل معرض للآفات وبها يحبط ثواب ~~صاحبه ولهذا قال الله - تعالى -[اي] {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا} [\ اي] ولما يعرض له من هذا العارض علة ستنكشف في جواب ~~المسألة وكان بعض أصحابنا يضحك بنادرة في هذا الفصل قال: أسلم يهودى غداة ~~يوم فما أمشى حتى ضرب مؤذنا وشتم آخر وغضب على آخر. فقيل له: ما هذا أيها ~~الرجل فقال: نحن معاشر القراء فينا حده! . ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: كل من استشعر في نفسه فضيلة وكان هناك نقصان من وجه آخر وخشى أن ~~تنكتم تلك الفضيلة أو لا يعرفها غيره منه - عرض له عارض الكبر لأن معنى ~~الكبر هو هذا. # PageV01P334 # أي أن صاحبه يلتمس من غيره أن يذعن له بتلك الفضيلة ويعرفها له. فإذا لم ~~يعرفها تحرك ضروب الحركة المضطربة ولهذا صدق القائل: ما تكبر أحد إلا عن ~~ذلة يجدها في نفسه. وإنما السلامة من هذا العارض هو أن يلتمس الإنسان ~~الفضيلة لنفسه لا لشيء آخر أكثر من أن يصير هو بنفسه فاضلا لأن يعرف ذلك ~~منه أو يكرم لأجله. فإن اتفق له أن يعرف فشيء موضوع في موضعه وإن لم يعرف ~~له ذلك لم يلتسمه من غيره ولم يكترث لجهل غيره به. ولأجل محبة الكرامة تعرض ~~قوم للمتالف وعرض لقوم ms176 الصلف ولآخرين الهرب من الناس إلى غير ذلك من ~~المكار. والذي يجب على العاقل هو أن يلتمس الفضائل في نفسه ليصير بها على ~~هيئة كريمة ممدوحة في ذاته أكرم أم لم يكرم وعرف ذلك له أم لم يعرف. ويجعل ~~مثاله في ذلك الصحة فإن الصحة تطلب لذاتها ويحرص المرء عليها ليصير صحيحا ~~حسب لا ليعتقد فيه ذلك ولا ليكرم عليها. وذلك إذا جعلت له صحة النفس بحصول ~~الفضائل لا ينبغي أن يطلب من الناس أن يكرموه لها ولا أن يعتقدوا فيه ذلك. ~~ومتى خالف هذه الوصية وقع في ضروب من الجهالات التي أحدها الكبر والحالة ~~التي وصفت. # PageV01P335 ### | (مسألة) # حكى بعض أصحابناأن الرشيد قال لإسحاق الموصلي كيف # PageV01P336 # حالك مع الفضل بن يحيى وجعفر بن # PageV01P337 # يحيى فقال: يا أمير المؤمنين أما جعفر فإني لا أصل إليه إلا على عسر # PageV01P338 # فإذا وصلت إليه قبلت يده فلا يلتفت إلى بطرف ولا ينعم لي بحرف. واما ~~الفضل فإني ما أغشى بابه إلا ويتلقاني ويهش لي ويخصني ويسألني عن دقيق أمري ~~وجليله ويصحبني من بشره وطلاقة وجهه وتهلله ورقة نغمته - ما يغمرني ويعجزني ~~عن الشكر وأبقى خجلا في أمره وليس غير ذلك. فقال الرشيد عند هذا الحديث: يا ~~أبا إسحاق فأيهما عندك آثر وفعل أيهما من نفسك أوقع فقال: فعل الفضل. هذا ~~آخر الحكاية. وموضع المسألة منها: ما السبب في تشريف إسحاق فعل الفضل دون ~~فعل جعفر والفضل مبذولة عرض لا بقاء له ولا منفعة به. ومبذول جعفر جوهر له ~~بقاء والحاجة إليه ماسة والرغبات به منوطة والآمال إليه مصروفة. الدليل على ~~ذلك أنك لا تجد طالبا في الدنيا لبشر رجل ولا ضاربا في الأرض لبشاشة إنسان. ~~وأنت ترى البر والبحر مترعين بمنتجعي المال وأبناء السؤال وخدم الآمال عند ~~الرجال. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الحكاية فأظنها ~~مقلوبة. وذلك أن الموصوف بالكبر هو الفضل وهو صاحب الشرف في العطاء. # PageV01P339 # وأما جعفر فهو إلا أن المتفق عليه أن إسحاق فضل صاحب الطلاقة - وإن كان ms177 ~~في الأكثر خاليا من بره على صاحب البر والعطاء الجزيل لما قرنه بالكبر ~~والتيه. والناس على تفاوت عظيم في الموضع الذي سألت عنه وتعجبت منه. وذلك ~~أن منهم المحب للثروة واليسار ومنهم المحب للكرامة والجاه. فأما محب الثروة ~~فقد يحب الجاه والكرامة ولكن ليكتسب بهما مالا. وأما محب الجاه والكرامة ~~فقد يحب المال والثروة ولكن ليكتسب جاها وينال كرامة. وكل طائفة من هاتين ~~الطائفتين تزعم أنها هي الكيسة وأن صاحبتها هي الغافلة البلهاء. والصحيح من ~~ذلك ان كل واحد منهما ينازع إلى أمر طبيعي وإن كان قد مال السرف بهما جميعا ~~إلى الإفراط وذاك أن المال ينبغي أن يعتدل في طلبه ويكتسب من وجهه ثم ينفق ~~في موضعه. فمتى قصر في أحد هذه الوجوه صار شرها وأورث ذلة وكسب بخلا وإثما. ~~وأما الكرامة فينبغي أن تكون في الإنسان فضيلة يستحق بها أن يكرم لا أن ~~تطلب الكرامة بالعسف أو بالكبر الذي ذممناه فيما تقدم من المسائل آنفا. ~~فإذا كان الأمر على ما ذكرناه وكانت الكرامة تابعة للفضيلة فالكرامة أشرف ~~من المال تتبعه وبالجملة فإن المال ليس بمطلوب لذاته بل هو آلة يوصل به إلى ~~المآرب والأشجان الكثيرة. # PageV01P340 # وإنما يحب لأنه بإزاء جميع المطلوبات أي به يتوصل إلى المحبوبات فأما في ~~نفسه فهو حجر لا فرق بينه وبين غيره إذا نزعت عنه هذه الخصلة الواحدة. فأما ~~الكرامة فقد تطلب لذاتها إذا كان الطالب لها من جهة الاستحقاق بالفضيلة ~~وذلك لما تحصل عليه النفس من الالتذاذ الروحاني والسرور النفساني. وإن كانت ~~من جهة النفس الغضبية فإن هذه النفس وإن كانت دون الناطقة فإنها فوق النفس ~~البهيمية التي تلتذ اللذات البدنية التي تشارك فيها النبات والخسيس من ~~الحيوانات. فأما قولك: إنك تجد محبي المال أكثر من محبي الكرامة فكذا يجب ~~أن يكون لأن أكثر الناس هم الذين يشبهون البهائم وإنما يتميز القليل منهم ~~بالفضائل. فكما أن المتميزين بفضائل النفس الناطقة من القليل فكذلك ~~المتميزون بفضائل النفس الغضبية أقل من الجمهور. ### | (مسألة # ما بال ms178 خاصة الملك والدانين منه والمقربين إليه لا يجري من ذكر الملك على ألسنتهم مثل ما يجري على ألسنة الأباعد منه) # مثل البوابين # PageV01P341 # والشاكرية الساسة فإنك تجد هؤلاء على غاية التشيع بذكره ونهاية الدعوى في ~~الإشارة إليه والتكذب عليه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~لسببين: أحدهما أن الأقربين إلى الملوك هم المؤدبون المستصلحون لخدمتهم. ~~وفي جملة الآداب التي أخذوا بها ترك ذكر الملك فإن في ذكرهم إياه ابتذالا ~~له وانتهاكا لهيبته وهتكا لحرمته. فأما أولئك الطبقة فلسوء آدابهم لا ~~يميزون ولا يأبهون لما ذكرته فهم يجرون على طباع العامة اللائقة بهم في ~~الافتخار بما لا أصل له وادعاء ما لا حقيقة له ولظنهم أنهم ينالون بذلك ~~كرامة ومحلا عند أمثالهم. وأما السبب الآخر فخوف حاشية الملك من عقوبته فإن ~~الملك يعاقب على هذا الذنب ويراه سياسة له لئلا يتعدى ذاكروه إلى إفشاء سر ~~وإخراج حديث لا ينبغي إخراجه. ### | (مسألة # ما الشبهة التي عرضت لابن البصري فيما تفرد به من مقالته) # PageV01P342 # حين زعم أن الله - تعالى - لم يزل ناظرا إلى الدنيا رائيا لها مدركا فإن ~~شغبه وشغب ناصريه وأصحابه قد كثر بين العلماء. فما وجه باطله إن كان قد ~~أبطل وما وجه الحق إن كان قد حقق. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~أما شبهة صاحب هذه المقالة فمركبة وذلك أنه لحظ إدارك الحي منا فوجده ~~بنوعين: أحدهما عقلي والآخر حسي. والحسي منه وهمي ومنه بصري. فأما الحسي ~~البصري فإنما يدرك المبصر بآلة ذات طبقات ورطوبات وقصبة مجوفة ذاتية من بطن ~~الدماغ ويحتاج إلى جرم مستشف يكون بينه وبين المبصر وإلى ضوء معتدل ومسافة ~~معتدلة وألا يكون # PageV01P343 # بينهما حاجز ولا مانع. وأما الوهم فقد ذكرنا من أمره أنه يتبع الحس فلا ~~يجوز أن يتوهم ما لا يدرك أو يدرك له نظير. وأما الإدراك العقلي فليس يحتاج ~~إلى شيء من الحواس بل للعقل نفسه قوة ذاتية بها يدرك الأشياء المعقولة. ~~والكلام على هذا الإدراك ألطف وأغمض من الكلام في الإدراك ms179 الحسي. ولما ~~اختلطت على صاحب المسألة هذه الإدراكات وعلم أن الباري - جلت عظمته - عالم ~~بالأمور الكائنة سمي هذا العلم إدراكا وظنه من جنس إدراكنا وعلومنا الوهمية ~~فتركبت الشبهة له من الظنون الكاذبة. وتحقيق هذه الإدراكات وتمييزها حتى ~~يعلم ما يختص به الحي منا ذو العقل والحس وكيف تكون إدراكاته للأمور ~~الموجودة وتنزيه الباري - جل اسمه - عن جميعها إذ كانت هذه كلها منا ~~انفعالات أعني العلوم والمعارف كلها وأنه لا يجوز أن نعلم شيئا محسوسا ولا ~~معقولا بغير انفعال وأن الله تقدس وتعالى ذكره - ليس بمنفعل وإنما يعلم ~~الأشياء بنوع أعلى وأرفع مما نعلمه - أمر صعب يحتاج فيه إلى تقدمة علوم ~~كثيرة. وفيما ذكرناه كفاية في إيضاح وجه شبهة لهذا الرجل فيما ذهب إليه. ### | (مسألة # حدثني عن ولوع الشاعر بالطيف وتشبيبه به واستهتاره بذكره وهكذا تجد أصناف الناس) # PageV01P344 # وهذا معروف عند من عبثت به الصبابة ولحقته الرقة وألفت عينه حلية شخص ~~ومحاسنه وعلق فؤاده هواه وحبه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~الطيف هو اسم لصورة المحبوب إذا حصلته النفس في قوتها المتخيلة حتى تكون ~~تلك الصورة نصب عينه وتجاه وهمه كلما خلا بنفسه. وهذه حال تلحق كل من لهج ~~بشيء فإن صورته ترتسم في قوته هذه التي تسمى المتخيلة وتكون ببطن الدماغ ~~المقدم. فإذا تكررت هذه الصورة على المحبوب على هذه القوة انتقشت فيها ~~ولزمها. فإذا نام الإنسان أو استيقظ لم تخل من قيام تلك الصورة فيها ويجد ~~المشتاق في النوم خاصة إنسانه لأن النوم يتخيل فيه أشياء مما في نفسه فربما ~~رأى في النوم أنه قد وصل إليه الوصول الذي يهواه فيكون من ذلك الاحتلام ~~واستفراغ المادة التي تحركه إلى الشوق والاجتماع مع المحبوب فيزول عنه أكثر ~~ذلك العارض ويصير سببا لبرء تام فيما بعد. ### | (مسألة # ما السبب في ترفع الإنسان عن التنبيه على نفسه بنشر فضله وعرض حاله) # وإثبات اسمه وإشاعة نعته وليس بعذ هذا إلا إثبات الخمول. والخمول عدم ما ~~وهو إلى النقص ما هو لأن ms180 الخامل مجهول والمجهول نقيض المعدوم. # PageV01P345 # ولا تبارى في المعدوم ولا تمارى في الموجود. وكان منشأ هذه المسألة عن ~~حال هذا وصفها: عرض بعض مشايخنا كتابا له صنفه علينا فلم نجده ذكر على ~~ظهره: تأليف فلان ولا تصنيفه ولا ذكر اسمه من وجه الملك. فقلنا له: ما هذا ~~الرأى. فقال: هو شيء يعجبني لسر فيه. ثم أخرج لنا كتبا قد كتبها في الحداثة ~~فيها اسمه وقال: هذا أثر أيام النقص. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: إن الفضل ينبه على نفسه وليست حاجة إلى تنبيه الإنسان عليه من نفسه. ~~وذاك أن الفضائل التي هي بالحقيقة فضائل تشرق إشراق الشمس ولا سبيل إلى ~~إخفائها لو رام صاحبها ذلك. وأما الشيء الذي يظن أنه فضيلة وليس كذلك فهو ~~الذي يخفى. فإذا تعاطى الإنسان مدح نفسه وإظهار فضيلته بالدعوى تصفحت ~~العقول دعواه فبان عواره وظهر الموضع الذي يغلط فيه من نفسه. فإن اتفق أن ~~يكون صادقا وكانت فيه تلك الفضيلة فإنما يدل بتكلف إظهارها على أنه غير ~~واثق بآراء الناس وتصفحهم أو هو واثق ولكنه يتبجح عليهم ويفخر. فأما ~~الإنسان الكبير الهمة فإنه يستقل لنفسه ما يكون فيه من الفضائل لسموه إلى ~~ما هو أكثر منه ولأن المرتبة التي تحصل للإنسان من الفضل وإن كانت عالية ~~فهي نزر يسير بالإضافة إلى ما هو أكثر منه. وهو متعرض لطباع الإنسان مبذول ~~له وإنما يمنعه العجز الموكل # PageV01P346 # بطبيعة البشر عن استيعابه وبلوغ أقصاه أو يشغله عنه بنقائص تعوقه عن ~~التماس الغاية القصوى من الفضائل البشرية. ### | (مسألة # سأل سائل عن النظم والنثر وعن مرتبة كل واحد منهما) # ومزية أحدهما ونسبة هذا إلى هذا وعن طبقات الناس فيهما فقد قدم الأكثرون ~~النظم على النثر ولم يحتجوا فيه بظاهر القول وأفادوا مع ذلك به وجانبوا ~~خفيات الحقيقة فيه وقدم الأقلون النثر وحاولوا الحجاج فيه. ### || الجواب: # قال أبو ~~علي مسكويه - رحمه الله: إن النظم والنثر نوعان قسيمان تحت الكلام والكلام ~~جنس لهما. وإنما تصح القسمة هكذا: الكلام ينقسم إلى ms181 المنظوم وغير المنظوم. ~~وغير المنظوم ينقسم إلى المسجوع. ومثال ذلك مما جرت به عادتك أن تقول: ~~الكلام بما هو جنس يجري مجرى قولك الحي. فكما أن الحي ينقسم إلى الناطق ~~وغير الناطق. ثم إن غير الناطق ينقسم إلى الطائر وغير الطائر. ولا تزال ~~تقسمه حتى ينتهي إلى آخر أنواعه. ولما كان الناطق والطائر يشتركان في الحي ~~الذي هو جنس لهما ثم ينفصل الناطق عن الطائر بفضل النطق - فكذلك النظم ~~والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل ~~الوزن الذي به صار المنظوم منظوما. ولما كان الوزن حلية زائدة وصورة فاضلة ~~على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن. فإن اعتبرت المعاني ~~مشتركة # PageV01P347 # بين النظم والنثر. وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر بل يكون كل ~~واحد منهما صدقا مرة وكذبا مرة وصحيحا مرة وسقيما أخرى. ومثال النظم من ~~الكلام مثال اللحن من النظم فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ~~ما كان له كذلك صفة النظم الذي يكتسى منه الكلام صورة زائدة على ما كان له. ~~هي جوهر نثر فإن ألفته بالنظم صار قلائدا وعقودا. ### | (مسألة # لم صار الحظر يثقل على الإنسان) # وكذا الأمر إذا ورد أخذ بالمخنق وسد الكظم. # PageV01P348 # وقد علمت أن نظام العالم يقتضي الأمر والنهي ولا يتمان إلا بآمر وناه ~~ومأمور ومنهي. وهذه أركان ودعائم. ولكن ههنا مكتومة بالإشراف عليها يكمل ~~الإنسان فيعرف الملتبس من المتخلص. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه ~~الله: إن الأمر الذي أومأت إليه والحظر إنما يقعان في جنس الشهوات التي ~~تجمح بالإنسان إلى القبائح وبلزوم الأعمال التي فيها مشقة وتؤدى إلى ~~المصالح. ولما كان الإنسان ميله بالطبع إلى تعجل الشهوات غير ناظر في أعقاب ~~يومه وإلى الهويني والراحة في عاجل اليوم دون ما يكسب الراحة طول الدهر - ~~ثقل عليه حظر شهواته والأمر الذي يرد عليه بالأعمال التي فيها مشقة. وهذه ~~حال لازمة للإنسان منذ الطفولة فإن أثقل الأشياء عليه منع والديه ms182 مأربه ~~وأخذهما إياه بلف الأعمال النافعة ثم إذا كمل صار أثقل الناس عليه طبيبه ~~ومعالجه ونصيحه في المشوره وسلطانه الذي يأخذه بمنافعه ومصالحه. وهذه حال ~~الناس المنقادين لشهواتهم المتبعين لأهوائهم. وقد يقع فيهم الجيد الطبع ~~الصحيح الروية القوى العزيمة فلا يأتي من الأمور إلا أجملها قامعا لهواه ~~متحملا ثقل مئونة ذلك لما ينتظره من حسن العاقبة وإحمادها. ومثل هذا قليل ~~بل أقل من القليل وليس إلى أمثاله يوجه الخطاب بالأمر والنهى ولا إياه خوف ~~بالوعد والوعيد وأنذر العذاب الأليم. # PageV01P349 ### | (مسألة # ما السبب في أن الخطيب على المنبر وبين السماطير وفي يوم المحفل) # - يعتريه من الحصر والتتعتع والخجل في شيء قد حفظه وأتقنه ووثق بحسنه ~~ونقائه أتراه ما الذي يستشعر حتى يضل ذهنه ويعصيه لسانه ويتحير باله ويملك ~~عليه ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن انصراف النفس بالفكر إلى ~~جهة من الجهات يعوقه عن التصرف في غيرها من الجهات ولذلك لا يقدر أحد أن ~~يجمع بين الفكر في مسألة هندسية وأخرى نحوية أو شعرية. بل لا يتمكن أحد من ~~تدبير أمر دنيوي وآخر أخروي في حال واحدة. ومن تعاطى ذلك فإنما يقطع لكل ~~واحد جزءا من الزمان وإن قل. فأما أن يكون زمان هذا هو بعينه زمان هذا فلا. ~~وإنما عرض لنا هذا - معاشر الناس - لأجل التباسنا بالهيولى واستعمال النفس ~~للمادة والآلة. والأمر في ذلك واضح بين مشاهد بالضرورة. ولما كان الفكر يوم ~~الحفل منصرفا إلى ما ينصرف إليه من الناس عيب إن وجدوا وتقصير إن حفظوا - ~~اشتغل الإنسان بتخوف هذه الحال وأخذ الحذر منها فكان هذا عائقا عن الأفعال ~~التي تخص هذا المكان. وهذا الاضطراب من النفس هو الذي يجعل الآلات مضطربة ~~حتى تحدث فيها حركات مختلفة على غير نظام أعني التتعتع وما أشبهه وذلك أن ~~مستعمل الآلة. # PageV01P350 # إذا اضطرب تبعه اضطراب آلته لا محالة. ### | مسألة # ما السبب في خجل الناظر إليه، وحياء الواقف عليه # ، خاصة إذا كان منه بسبب وضمهما نسب ورجعا إلى حال جامعة ومذهب مشترك ms183 وما ~~الفاصل من المنظور إليه إلى الناظر وما الواصل من المتكلم إلى السامع حتى ~~يغضي طرفه حياله ويسد أذنه. هذا شيء قد شاهدته بل قد دفعت إليه. وإنما ~~التأمت المسألة بالحادثة لأن التعجب تمكن والاستطراف ثبت إلى أن وقف على ~~السبب الجالب والأمر الغالب. وعند ظهور العلة يثبت الحكم وبانكشاف الغطاء ~~ينقطع ولوع المستكشف. فسبحان من له هذه اللطائف المطوية وهذه الخبيئات ~~الملوية عن العقول الزكية والأذهان الذكية. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: ينبغي أن نعيد ذكر السبب في الحياء والخجل ذكرا مجملا فنقول: إن ~~الحياء هو انحصار يلحق الناس خوفا من قبيح. فإذا كان هذا هو الحياء فإن ~~الإنسان إذا كان بسبب من المتكلم # PageV01P351 # لحق نفسه من العارض قريب مما يلحق المتكلم لأنه يخشي من وقوع أمر قبيح ~~منه أو كلام يعاب عليه مثل ما يخشاه المتكلم. وقد كنا أومأنا فيما سبق إلى ~~أن النفس واحدة وإنما تتكثر بالمواد. ولولا ذلك لما كان لأحد سبيل إلى أن ~~ينقل ما في نفسه إلى نفس غيره بالإفهام وفيما مر من ذلك فيما مضى كفاية لأن ~~ما يحتاج إليه ههنا هو أن يظهر أن القبيح الذي يختص بزيد يعم عمرا أيضا من ~~جهة وإن كان عمرو غريبا من زيد فكيف إذا ضمه وإياه سبب أو نسب. وليس يحتاج ~~أن ينفصل من المنظور إلى الناظر شيء لأن أفعال النفس وآثارها لا تكون على ~~هذه الطريقة الحسية والجسمية لا سيما واستشعار كل واحد من المتكلم والسامع ~~استشعار واحد في تخوف القبيح والحذر من الزلل والخطأ فإن هذا الاستشعار ~~يعرض منه الحياء والخجل كما قلنا. ومتى غلب على ظن السامع أن المتكلم يسيء ~~ويزيغ صار خوفه وحذره يقينا أو شبيها باليقين فعظم العارض له من الحياء حتى ~~يلحقه ما ذكرت من الحركة المضطربة. وكذلك حال المتكلم إذا لم يثق بنفسه أو ~~لم تكن له عادة بالوقوف في ذلك المقام والكلام فيه فإن حذره يشتد وحياءه ~~يكثر وبزيادة الحياء يزداد الاضطراب ويمتنع القدر من ms184 الكلام الذي تسمح به ~~النفس عند توفر قوتها واجتماع بالها وسكون جأشها وهدوء حركتها. # PageV01P352 ### | مسألة # ما علة كراهية النفس الحديث المعاد # وما سبب ثقل إعادة الحديث على المستعاد وليس فيه في الحال الثانية إلا ما ~~فيه في الحالة الأولى فإن كان فارق بينهما فما هو. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: إن النفس تأخذ من الأخبار المستطرفة والأحاديث الغريبة ~~عندها شبيها بما يأخذه من أقواته وما حصلته النفس من المعارف والعلوم ~~فإعادته عليها بمنزلة الغذاء من الجسم الذي اكتفى منه. فإذا أعيد عليه غذاء ~~هو الأول ثقل عليه واستعفى منه. فكذلك حال النفس في المعارف. وينبغي أن ~~تؤخذ هذه الأمثلة التي أوردتها عن الأجسام على ما ليس بالجسم أخذا لطيفا لا ~~يحصل منه ظل في تلك الأمور الشريفة فيفسد على الإنسان تخيله ويذهب وهمه منه ~~مذهبا غير لائق بالمعنى المقصود. وأرجو أن يكفي الناظر في المسائل ما حددته ~~فإني إنما أجبت من له قدم في هذه العلوم وتحرم بها. وينبغي لمن لم تكن له ~~هذه الرتبة ان يرتاض أولا بهذه العلوم ارتياضا جيدا ثم ينظر في هذه الأجوبة ~~إن شاء الله. ### | مسألة # سألني سائل فقال: هل يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى - بما يأباه ~~العقل ويخالفه ويكرهه ولا يجيزه كذبح الحيوانات وكإيجاب الدية على العاقلة؟ # PageV01P353 # وقد جهزت المسألة إليك ووجهت أملي في الجواب عنها نحوك. وأنت المدخر ~~لغريب العلم ومكنون الحكمة. فإن تفضلت بالجواب وإلا عرضت عليك ما قلت ~~للسائل ورويت ما دار بيني وبين المجادل فإن كان سديدا عرفتنيه وإن كان ~~ضعيفا نصحتني فيه. فالعلم بعيد الساحل عميق الغور شديد الموج. ولولا فضل ~~الله العظيم على هذا الخلق الضعيف لما وقف على شيء ولا نظر في شيء لكنه ~~لطيف بعباده رءوف يبتدىء بالنعمة قبل المسألة وبالخير قبل التعرض. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله - ~~تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ولكن الشاك في هذه المواضع لا يعرف شرائط ms185 ~~العقل وما يأباه. فهو - أبدا - يخلطه بالعادات ويظن أن تأبى الطباع من شيء ~~هو مخالفة العقل. وقد سمعت كثيرا من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت ~~خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته. وينبغي أن نوطىء للجواب توطئة من ~~كلام نبين فيه الفرق بين ما يأباه العقل وبين ما يأباه الطبع ويتكرهه ~~الإنسان بالعادة فنقول: إن العقل إذا أبى شيئا فهو أبدى الإباء له لا يجوز ~~أن يتغير في وقت ولا يصير بغير تلك الحال. وهكذا جميع ما يستحسنه العقل أو ~~يستقبحه. وبالجملة فإن جميع قضايا العقل هي أبدية واجبة على حال واحدة ~~أزلية لا يجوز أن يتغير عن حاله. وهذا أمر مسلم غير مدفوع ولا مشكوك فيه. ~~فاما أمر الطبع والعادة فقد يتغير بتغير الأحوال والأسباب والزمان ~~والعادات. وأعني بقولي الطبع طبع الحيوان والإنسان لا الطبيعة المطلقة ~~الأولى. وذاك أن اسم الطبيعة مشترك. فقد بينا ما أردنا بالطبع. وإذا كان ~~ذلك بينا # PageV01P354 # من الأمثلة والأحوال المقر فإنا نعود فنقول: إذا ذبح الحيوان ليس من ~~الأشياء التي يأباها العقل وينكرها بل هو من القبيل الآخر أعني من الأشياء ~~التي يأباها بعض الطباع بالعادة. ونحن نشاهد من يأبى قتل الحيوان لأن عادته ~~لم تجر به ومتى جرت به عادته هان عليه وسهل فعله وجرى مجرى سائر الأفعال ~~عند أصحابه. وأنت ترى القصاب والجزار بل مشاهدي الحروب يهون عليهم ما يصعب ~~على غيرهم. وأيضا فإن الحيوان الذي يألم بمرض لا يعرف علاجه إذا أشفق عليه ~~العاقل وكره مقاساته لما لا علاج له يأمر بذبحه ليكون خلاصة في الموت ~~الوحي. أفترى العقل الذي أمر بذبحه يستحسن ما كان مستقبحا له أم تغير فعله ~~الأبدي بطارىء طرأ وحادث حدث مع اعترافنا بأن العقل ليس من شأنه ذلك لأنه ~~جوهر أبدي وجوهره هو حكمه ولذلك هو أبدي الحكم. فإننا لا نظن بأن حكم العقل ~~على العدد والهندسة وسائر البراهين الطبيعية تغير عما كان عليه منذ عشرة ~~آلاف سنة أو يتغير إلى مثل هذا الزمان أو أكثر أو ms186 أقل بل نثق بأنه أبدا كان ~~ويكون على وتيرة واحدة. فأما الأمور التي تستقبح مرة وتستحسن أخرى وتتأبى ~~تارة وتتقبل ثانية فإنما لها أسباب أخر غير العقل المجرد. فإن السياسات ~~أبدا يعترض فيها ذلك وأمراض الأبدان والأمور # PageV01P355 # [غير] الأبدية كلها - أبدا - معرضة للتغير ويتغير الحكم بتغيرها بل لا ~~يجوز أن تبقى لازمة بحال واحدة لأنها أبدا في السيلان والدثور للزوم الحركة ~~إياها. والحركة نفسها هي تغير الأشياء المتحركة إذ كلها متغيرة. وكذلك ~~الزمان وما تعلق به هو يتغير بتغيره. وما يعرض للإنسان من كراهية ذبح ~~الحيوان إنما هو لمشاركته إياه في الحيوانية ويخطر بباله عند مكروه ينال ~~البهيمة أن مثل ذلك المكروه سيناله لمشاركته إياه في الحيوانية فيحدث له من ~~النفور عند هذا الخاطر ما يحدث لكل حيوان إذا تصور مكروها حتى إذا أنس بذلك ~~الفعل زال عنه ذلك النفور وصار الذبح والتقصيب يجري عنه مجرى برى القلم ~~ونحت الخشب وكذلك حال من شاهد الحروب - وأنس بها عند العراء المستوحش منها. ~~وههنا حال أخرى أبين مما ذكرته وهي أن العقل قد حسن عند الإنسان إذا حصل في ~~مكروه غليظ من الأعداء كمن يرى في أهله وولده ما لا يطيق مشاهدته - أن يبذل ~~نفسه للقتل ويجتاز الموت الجميل على الحياة القبيحة. وهذه الرخصة من العقل ~~مستمرة في كل حال يقبح بالإنسان ان يعيش فيها. أعني أن يختار الموت عليها. # PageV01P356 # فالجواب إذن عن أمثال هذه المسائل أن يقال: إن العقل لا يستحسن ولا ~~يستقبح شيئا منها إلا بقرائن وشرائط. فأما هذا الفعل بعينه وحده فلا يتأباه ~~ولا يتقبله أعني لا يحكم فيه بحكم أبدي أولى كأحكامه التي عرفناها وأحطنا ~~بها. وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف بالخير والشر فإن كثيرا من الجهال ~~يعتقد أن الأشياء كلها منقسمة إلى هذين. وليس الأمر كذلك. فإن اليسار ~~والتمكن من الدنيا ليس بخير ولا شر حتى ينظر في ماذا يستعمله صاحبه: فإن ~~استعمل يساره وماله في الأشياء التي هي خير فإن يساره خير وإن استعمله في ms187 ~~الشر فهو شر. وكذلك كل شيء كان صالحا للشيء ولضده فليس يطلق عليه أنه واحد ~~منهما بل الأولى أن يقال: إنه يصلح لهما جميعا كالآلات التي يصلح بها ويفسد ~~فإن الآلات لا توصف بأنها مصلحة ولا مفسدة ولا تسمى أيضا بالصلاح والفساد ~~إلا بعد أن تستعمل. فهكذا يجب أن يقال في الأمور التي تستحسن أو تستقبح في ~~أحوال وبحسب عادات إنها ليست حسنة عند العقل ولا قبيحة على الإطلاق حتى ~~يتبين واضعها ومستعملها وزمانها فإن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم حس لما ~~فيه من حياة الناس وإذا وقع عليه اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحا ~~لما فيه من تلف الحيوان. # PageV01P357 # وقد خرجت في هذه المسألة عن عادتي في هذا الكتاب من الاختصار والإيماء ~~إلى النكت لكثرة ما أسمعه من جهال المانوية ومن اغتر بأمثلتهم وجنح إلى ~~أقاويلهم مصدقا بالخديعة التي خلصوا بها إلى قلوب الأغمار من الناس حتى ~~عدلوا بهم عن الشرائع الصحيحة. ولو أن واحدا منهم سئل عن القبيح والحس ~~مطلقا أو مقيدا لما عرفه إلا على سبيل الاختلاط. على انه لا يمتنع كل عاقل ~~منهم إذا رأى حيوانا يضطرب ويطول ذماؤه في قروح خارجه به أو قولنج قد يئس ~~من برئه أو مهواه تردى فيها فتكسر منها - أن يشير بذبحه وإن لم يتول ذلك ~~بنفسه. ولعل ضروبا من المكاره تلحق الحيوان إذا طال عمره ليست بدون ما ~~ذكرناه خلاصه منها بالموت الوحي لو فطن له. # PageV01P358 # وإنما لا يتولى الذبح بنفسه ويشير على غيره به لأجل العادة والاستشعار ~~الذي لزمه. ولو أن هذا العاقل منهم بلى بسلطان يعذبه عذابا يريد به ان يأتي ~~على نفسه في زمان طويل ليذيقه العذاب لبادر إلى الحكم بما يأباه قبل وتناول ~~سم ساعة أو سأل أن يراح من الحياة. فكيف يكون المكروه مختارا محبوبا ~~والمستقبح مستحسنا من جهة العقل لولا ما ذكرناه. فقد ظهر الجواب عن هذه ~~المسألة وتبين أن كل ما كان قبيحا في وقت دون وقت لا يجوز ان ms188 ينسب إلى ~~العقل المجرد وإلى أحكامه الأولية # PageV01P359 # الأزلية. بل لا يقال فيه إنه قبيح ولا حسن على الإطلاق. وإنما ينسب إلى ~~الطباع والعادات ثم يقال قبيح بحسب كيت وكيت وحسن لكذا وكذا مقيدا غير مطلق ~~ولا منسوب إلى العقل المجرد. فأما الدية التي على العاقلة فقد تكلم الناس ~~في وجه السياسة بها. ووجه حسنها بين لا سيما والمسألة المتقدمة قد أوضحتها ~~وبينت وجه الصواب في أمثالها من الشبه. ### | (مسألة) # قال أحمد بن عبد الوهابفي جواب أبي عثمان الجاحظ عن التربيع والتدوير: لا ~~يقدر أحد أن يكذب كذبا لا صدق فيه من جهة من الجهات وهو يقدر أن يصدق صدقا ~~لا كذب فيه من جهة من الجهات. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن ~~كان الصدق والكذب إنما يقعان في الخبر خاصة والخبر الذي يسميه المنطقيون: ~~القول الجازم وهو الذي تقع فيه الفوائد. وكانت أقسامه هي التي تكلم عليها ~~أهل هذه الصناعة - فإن الخبر قد يكون كذبا محضا كما يكون صدقا محضا. وإن ~~كان ذهب أحمد بن عبد الوهاب في الصدق والكذب إلى غير ما عرفه هؤلاء وتكلموا ~~عليه فإني غير محصل له ولا متكلم عليه. # PageV01P360 ### | (مسألة) # ذكرت في هذه المسألة مسألة ذكرها أبو زيد البلخي حاكيا ومر أيضا بجوابها ~~راويا قال أبو زيد الفلسفي البلخي: قيل لبعض الحكماء ما معنى سكون النفس ~~الفاضلة إلى الصدق ونفورها عن الكذب فقال: العلة في ذلك كيت وكيت. ### || الجواب: ~~قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما تسكن النفس الفاضلة إلى ما كان من ~~الخبر مقبولا إما بوجوب مما اقتضاه دليل من برهان أو إقناع قوى وما لم يكن ~~كذلك فإن النفس - لا محالة - ترده وتأباه. وأظن صاحب المسألة إنما أراد من ~~هذه المسألة: كيف صارت النفس تسكن إلى الحق بالقول المرسل فالجواب: أن ~~النفس إنما تتحرك حركتها الخاصة بها - أعني إجالة الروية - طلبا للحق ~~لتصيبه. ولولا طلبها لما تحركت ولولا حركتها هذه لما كانت حية تفيد الجسم ~~أيضا الحياة. فالنفس بهذه الحركة ms189 الدائمة الذاتية حية. بل الحياة هي هذه ~~الحركة من النفس وهي ذاتية لها كما قلنا. وأنت تعرف ذلك قريبا من انك لا ~~تقدر ان تعطلها من الروية والفكر لحظة واحدة لأنها - أبدا - إما مروية ~~جائلة في المحسوس أو مروية جائلة في المعقول بلا فتور أبدا. وكذلك هي دائمة ~~الحركة. وهذه الحركة إنما هي تلقاء أمر ما. أعني به إصابة الحق فإذا أصابته ~~سكنت من ذلك الوجه. ولا تزال # PageV01P361 # تتحرك حتى تصيب الحق من الوجوه التي تمكن إصابته منها. فإذا أصابته سكنت ~~لأن غاية كل متحرك أن يسكن عند بلوغه الغاية التي تحرك إليها. ولعلك تقف من ~~هذا الإيماء على غور بعيدا جدا. أعانك الله - تعالى - عليه بلطفه. ### | # لم صار ~~الحيوان يتولد في النبات ولا يتولد النبات في الحيوان أي قد تتولد الدودة ~~في الشجرة ولا تنبت شجرة في حيوان. فلم لم يجب. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه ~~- رحمه الله: إن الحيوان يحتاج في وجوده إلى وجود النبات والنبات لا يحتاج ~~في وجود إلى وجود الحيوان. والسبب في ذلك أن الحيوان أكثر تركيبا من النبات ~~لأنه مركب منه ومن جواهر أخر أعني النفس الحيوانية ولذلك يكون الحيوان في ~~أول تكونه نباتا ثم تحصل من بعد حركة الحيوان. وحصول أثر النفس في الإنسان ~~إنما يكون بعد أن تستتم في الرحم صورة النبات. ويكون استمداده الغذاء به ~~هناك بعروق متصلة برحم أمه شبيهة بعروق النبات حتى إذا استكمل أيضا صورة ~~الحيوان وحصلت له النفس الحيوانية تقطعت تلك العروق وهو الطلق الذي يلحق ~~الأم ويحرك الولد للخروج. فإذا خرج وتنفس في الهواء فتح فمه واغتذى به. ولا ~~يزال تكمل فيه صورة الحيوان إلى أن يقبل أثر النفس الناطقة ثم يكمل بها ~~ويصير إنسانا بقدرة الله - تعالى ولطف حكمته جل اسمه # PageV01P362 # فالنبات كما ذكرنا أبسط وأقدم أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى وجود ~~الحيوان. فهو يكتفي بمادته من الأرض والهواء والماء والحرارة التي تأتيه من ~~الشمس حتى يتم ويحصل وجوده. فأما الحيوان فلا يكتفي ms190 بتلك الأشياء حتى تنضاف ~~إليها مادة أخرى تغذوه إذ كان لا يكتفي بالبسائط من الماء والأرض والهواء ~~ويحتاج إلى النبات حتى يغذوه ويكمل وجوده ويحفظ عليه قوامه. فإذا كان وجوده ~~وقوامه بالنبات جاز أن يتولد فيه. ولما كان وجود النبات يتم بغيره ولا ~~يحتاج إليه لم يتولد فيه. ولو تولد النبات في الحيوان - مع أنه لا يغذوه ~~ولا يحتاج إليه والطبيعة لا تفعل شيئا باطلا ولا لغوا - لأفسد الحيوان وفسد ~~هو في ذاته: أما إفساده الحيوان فلحاجته إلى ما يصرف فيه عروقه التي يمتص ~~بها مادته التي تحفظ عليه ذاته وتعوضه مما يتحلل منه ومتى ضروب عروقه في ~~بدن الحيوان تفرق اتصاله وفي تفرق اتصال بدن الحي هلاكه. وأما هلاكه في ~~نفسه وفساده فلأنه لا يجد الماء البسيط والأرض البسيطة والهواء الذي منه ~~قوامه ومادته فإن الحيوان لا توجد فيه هذه البسائط بالفعل. وهذا كاف في هذه ~~المسألة. # PageV01P363 ### | (مسألة # ما سبب تساوي الناس في طلب الكيمياء) # حتى إنك لتجد الغني في غناه والمتوسط في توسطه والفقير في فقره على شيمة ~~واحدة وما هو أولا وهل له حقيقة فقد طال خوض الخائضين فيه وكثر كلام الناس ~~عليه واصطرع الحق والباطل والخطأ والصواب والإحالة فيه. فكأن الذي يثبته ~~غير متحقق به والذي يدفعه غير ساكن إلى دفعه وإبطاله. هذا وقد تمت من الناس ~~به حيل على الناس. ومتى وقفت على هذه المسألة وقفت من الحقائق على غيب شريف ~~ومعنى لطيف. وهل ما يعزى إلى جابر بن حيان حق ولم يسند لخالد بن # PageV01P364 # يزيد أصل وهل يسلم مثل هذا النوع في الموضوع المختلق والمفتعل المخترق؟ # PageV01P365 # وإذا اشتبه الأمر هذا الاشتباه كيف نخلص إلى ما يرفع الريب ويؤيد اليقين ~~فقد رأيت ورأينا ناسا اختلفت بهم أحوال وتقلبت عليهم أمور بتصديق هذا الباب ~~وتكذيبه. وأطرف ما رأى فيه حلاوة الحديث وخلا به المتحدث بذكره وميل النفوس ~~إليه حتى إن المكذب ليفرغ له باله ويصغي أذنه ويخلي ذهنه من غير أن يحلى ~~بطائل أو يحظى بنائل. ms191 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما سبب طلب ~~الناس الكيمياء فظاهر بين وهو أنهم حريصون على جميع المتع والشهوات ~~المختلفة في المأكل والمشرب والمنكح والنزه التي تقتسم بين الحواس. ومحبة ~~الاستكثار والاستبداد والنهم على الجمع والادخار شيء في الطبيعة. وليس يوصل ~~إلى جميع ذلك إلا بالذهب والفضة لأنهما بإزاء جميع المآرب على اختلافها. ~~وكل إنسان يعلم أنه متى حصلهما أو واحدا منهما فقد حصل جميع المآرب على ~~كثرتها متى هم بها وأرادها. ومع ذلك فهو يعدها ذخرا لولده ولأوقات شدته ~~التي تلحقه من فجائع الدنيا ومحنها. فبهذين الحجرين يتوصل إلى جميع ما ~~ذكرناه ويدفع جميع الشر والمحن أيضا بهما. فهذا سبب طلب الناس لهما وحرصهم ~~عليهما. وليس يوصل إليهما إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال وتجشم ~~الأعمال الصعبة وغير ذلك. ثم هما معرضان للآفات والمتسلطين وأهل العيث وهما ~~من هذه الجهة # PageV01P366 # إن صحت أسهل شيء وأهونه. وإذا بحثنا عن هل هو وجدنا الأمر فيه مشكلا ~~يحتاج فيه إلى أخذ مقدمات كثيرة طبيعية وصناعية. وينبغي أن نورد شكوك الناس ~~في تلك المقدمات واحتياج من يروم حلها من مثبتي الصناعة فقد أكثروا في ذلك. ~~ثم نروم نحن النظر فيها. وقد اختلفت المتقدمون من الفلاسفة في ذلك ~~والمتأخرون. وآخر من تكلم على بطلان الكيمياء وإبطال دعاوي أصحابها يوسف بن ~~إسحاق الكندي وكتابه مشهور في ذلك. ورد عليه محمد بن زكريا الرزي وكتابه ~~معروف. ثم قد شاهدنا في أهل عصرنا جماعة يثبتون هذه الصناعة والأكثر ~~يبطلونها. # PageV01P367 # ورد عليه محمد بن زكريا الرازي، وكتابه معروف. فأما المتكلمون وطبقاتهم ~~من أصناف الناس فمجمعون على إبطالها لأنهم يزعمون أن في ذلك إبطال معجزات ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - إذ كان ما يدعونه قلب الأعيان وهو لا يصح ~~عندهم إلا على يد نبي حسب. وإن الله - عز وجل - هو القادر على قلب الأعيان ~~دون مخلوقية. ولكل حجج وسننظر فيها نظرا شافيا ونورد أقاويل الجميع ويكون ~~بحثنا عن ذلك بحث من قصده تعرف الحق دون الثمرة المرجوة من الكيمياء ms192 فإن ~~هذا هو غاية من يتفلسف في نظره وبحثه ولا نبالي بعد ذلك صح أم بطل لئلا ~~تدعونا محبة صحته ورجاؤنا إلى إثباته بخديعة النفس للهوى أو نفيه على طريق ~~العصبية. وفي هذا النظر طول لا يحتمله هذا الكتاب مع ما شرطنا فيه من ~~الإيجاز ولكن سنفرد له مقالة كما فعلنا ذلك في مسألة العدل لما طال الكلام ~~فيها أدنى طول. وإذا فعلنا هذا في المقالة التي وعدنا بها نظرنا: فإن صحت ~~لنا هليته أتبعناها بالنظر في المائية وإن بطل الأول بطل الثاني لا محالة. # PageV01P368 ### | (مسألة) # قال أحمد بن عبد الوهاب في جواب التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ ما ~~الفرق بين المستبهم والمستغلق وهذا بين الجواب ولكني سقته ههنا لكيت وكيت. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: المستبهم من الأمور مرتبة زائدة ~~على المستغلق يدلك على ذلك الاشتقاق فإن الاشتقاق ملائم للمعاني موافق لها ~~لأن صاحبه إنما يشتق لكل وليس يظن هذا بالميز منا فكيف بواضع اللغة. ولما ~~كان الغلق إنما يكون للباب وما أغلق منه يرجى فتحه كذلك يكون حال ما شبه له ~~واشتق له اسم منه أو تصريف. وأما المستبهم فلا يقال في الباب أبهمته إلا ~~إذا تجاوزت حد الغلق إلى السد وما يجري مجراه فالطمع فيه أقل. فهذه حال ~~المسائل والأمور المستغلقة المستبهمة تشبيها بالأبواب التي ذكرنا أحوالها. ### | (مسألة) # حضرت مجلسا لبعض الرؤساءفتدافع الحديث بأهله على جده وهزله فتحدى بعضهم ~~الحاضرين وقال: والله ما أدري ما الذي سوغ للفقهاء أن يقول بعضهم في فرج ~~واحد: هو حرام ويقول الآخر فيه بعينه: هو حلال. # PageV01P369 # والفرج فرج وكذلك المال مال. نعم وكذلك في النفس وما بعدها: كلام: هذا ~~يوجب قتل هذا وصاحبه يمنع من قتله. ويختلفون هذا الاختلاف الموحش ويتحكمون ~~التحكم القبيح ويتبعون الهوى والشهوة ويتسعون في طريق التأويل. هذا وهم ~~يزعمون أن الله - تعالى - قد بين الأحكام ونصب الأعلام وأفرد الخاص من ~~العام ولم يترك رطبا ولا يابسا إلا أودع كتابه وضمن خطابه. وهذه مسألة ليس ~~يجب ms193 أن يكون مكانها في هذه الرسالة لأنها ترد على الفقهاء أو على المتكلمين ~~الناصرين للدين. لكني أحببت أن يكون في هذا الكتاب بعض ما يدل على أصول ~~الشريعة. وإن كان جل ما فيه منزوعا من الطبيعة ومأخوذا من علية الفلاسفة ~~وأشياخ التجربة وذوى الفضل من كل جنس ونحلة. وعلى الله - تعالى - بلوغ ~~الإرادة والسلامة من طعن الحسدة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ~~أما قول الفقهاء: إن الله - تعالى - بين الأحكام ونصب الأعلام ولم يترك ~~رطبا ولا يابسا إلا في كتاب مبين - فكلام في غاية الصدق ونهاية الصحة. وكيف ~~لا يكون كذلك وأنت لا تقدر أن تأتي بحكم لا أصل له من القرآن من تأويل يرجع ~~إليه أو نص ظاهر يقطع عليه ثم لا يخلو مع ذلك من إنباء بغيب وإخبار عما سلف ~~من القرون ومثل لما نوعد به وإشارة إلى ما ننقلب إليه وتنبيه على ما نعمل ~~به من سياسة دنيا ومصلحة آخرة. # PageV01P370 # فأما الذي سوغ للفقهاء أن يقولوا في شيء واحد إنه حلال وحرام فلأن ذلك ~~الشيء ترك واجتهاد الناس فيه لمصلحة أخرى تتعلق على هذا الوجه بالناس وذاك ~~أن الاجتهاد لا يكون في الأحكام متساويا أعني أنه لا يؤدي إلى أمر واحد كما ~~يكون ذلك في غير الأحكام من الأمور الواجبة. وبيان هذا أن كل من اجتهد في ~~إصابة الحق في أن الله - تعالى - واحد فطريقه واحد وهو - لا محالة - يجده ~~إذا وفي النظر حقه فإن عدل عن النظر الصحيح ضل وتاه ولم يجد مطلوبه واستحق ~~الإرشاد أو العقوبة إن عاند. وليس كذلك الإجتهاد في الأحكام لأن بعض ~~الأحكام يتغير بحسب الزمان وبحسب العادة وعلى قدر مصالح الناس لأن الأحكام ~~موضوعة على العدل الوضعي. وربما كانت المصلحة اليوم في شيء وغدا في شيء آخر ~~وكانت لزيد مصلحة ولعمر مفسدة. وعلى أن الاجتهاد الذي يجري مجرى التعبد ~~واختيار الطاعة أو لعموم المصلحة في النظر والإجتهاد نفسه لا في الأمر ~~المطلوب - ليس يضر فيه الخطأ بعد أن يقع ms194 فيه الإجتهاد موقعه مثال ذلك أن ~~المراد من ضرب الكرة بالصولجان إنما هو الرياضة بالحركة فليس يضر أن يخطىء ~~الكرة ولا ينفع أن يصيبها وإن كان الحكم قد أمر بالضرب والإصابة لأن غرضه ~~كان في ذلك وكذلك إن دفن حكيم في برية دفينا وقال الناس: اطلبوه فمن جده ~~فله كذا. وكان غرضه في ذلك أن يجتهد الناس مقادير اجتهادهم ليكون ذلك الطلب ~~عائدا لهم بمنفعة أخرى غير وجود الدفين. فإنه لا يضر أيضا في ذلك أن يخطىء ~~الدفين ولا ينفع أن يصيبه. وإنما الفائدة في السعي والطلب وقد حصلت ~~للطائفتين جميعا. # PageV01P371 # أعني الذين وجدوه والذين لم يجدوه. وأصناف الاجتهادات والنظر الذي يجري ~~هذا المجرى كثيرة فمن ذلك كثير من مسائل العدد والهندسة وسائر الموضوعات ~~ليس غرض الحكماء فيها وجود الغرض الأقصى من استخراج ثمرتها وإنما مرادهم أن ~~ترتاض النفس بالنظر وتتعود الصبر على الروية والفكر إذا جريا على منهاج ~~صحيح ولتصير النفس ذات ملكة وقنية للفكر الطويل ومفارقة الحواس والأمور ~~الجسمية فإذا حصلت هذه الفائدة فقد وجد الغرض الأقصى من النظر. فما كان من ~~الشرع متروكا غير مبين فهو ما جرى منه هذا المجرى وكان الغرض فيه والمصلحة ~~منه حصول النظر والاجتهاد حسب. ثم ما أدى إليه الاختلاف كله صواب وكله ~~حكمة. وليس ينبغي أن يتعجب الإنسان من الشيء الواحد أن يكون حلالا بحسب ~~النظر الشافعي وحراما بحسب نظر مالك وأبي حنيفة فإن الحلال والحرام في ~~الأحكام والأمور الشرعية ليس يجري مجرى الضدين أو المتناقضين في الأمور ~~الطبيعية وما جرى مجراها لأن تلك لا يستحيل أن يكون الشيء الواحد منها ~~حلالا وحراما بحسب حالين أو شخصين أو على ما ضربنا له المثل من ضرب الكرة ~~بالصولجان ووجود دفين الحكيم على الوجه الذي اقتصصناه. وإذا كان الأمر كذلك ~~فينبغي للعاقل إذا نظر في شيء من أحكام الشرع وكان صاحب اجتهاد له أن ينظر ~~- أعني أنه يكون عالما بالقرآن وأحكامه وبالأخبار الصحيحة والسنن المروية ~~والاجتماعات الصحيحة - أن يجتهد في النظر ثم يعمل ms195 بجسب اجتهاده ذلك. # PageV01P372 # ولغيره إذا كان في مثل مرتبته من المعرفة أن يجتهد ويعمل بما يؤديه إليه ~~اجتهاده وإن كان مخالفا للأول واثقا بأن اجتهاده هو المطلوب منه ولا ضرر في ~~الخلاف اللهم إلا أن يكون ذلك الأمر المنظور فيه من غير هذا الضرب الذي ~~حكيناه وضربنا له الأمثال. مثل الأصول التي غاية النظر فيها هو إصابة الحق ~~لا غير فإن هذا مطلب آخر وله نظر لا بد أن يؤدي إليه. وكما أن الرياضة ~~المطلوبة بصرب الصولجان وإصابة الكرة إنما كانت لأجل الصحة ثم لم يضر بعد ~~حصول الرياضة التي حصلت بها الصحة كيف جرى الأمر في الكرة: أصبناها أم ~~أخطأناها فكذلك الحال في الوجه الآخر. أعني الذي لا بد من إصابة الحق فيه ~~بعينه فإن مثله مثل الفصد الذي لا بد في طلب الصحة من إصابته بعينه وإخراج ~~الدم دون غيره ولا ينفع منه شيء غيره. وإذا حصلت هذين الطريقين من النظر ~~وأعطيتهما قسطهما من التمييز لم يعرض لك العجب فيما حكيته من مسألتك وخرج ~~لك الجواب عنها صحيحا إن شاء الله. ### | (مسألة # لم إذا عرفت العامة حال الملك في إيثار اللذة وانهماكه على ~~الشهوة) # واسترساله في هوى النفس استهانت به وإن كان سفاكا للدماء قتالا للنفوس ~~ظلوما للناس مزيلا للنعم وإذا عرفت منه العقل والفضل والجد هابته وجمعت ~~أطرافها منه ما شهادة الحال في هذه المسألة فإن جوابها يشرح علما فوق قدر ~~المسألة. # PageV01P373 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الملك هو صناعة مقومة ~~للمدنية حاملة للناس على مصالحهم من شرائعهم وسياساتهم بالإيثار وبالإكراه ~~وحافظة لمراتب الناس ومعايشهم لتجري على أفضل ما يمكن أن تجري عليه. وإذا ~~كانت هذه الصناعة في هذه الرتبة من العلو فينبغي أن يكون صاحبها مقتنيا ~~للفضائل كلها في نفسه فإن من لم يقوم نفسه لم يقوم غيره فإذا تهرب في نفسه ~~بحصول الفضائل له أمكن أن يهذب غيره. وحصول فضائل النفس يكون أولا بالعفة ~~التي هي تقويم القوة الشهوية حتى لا تنازع ms196 إلى ما لا ينبغي وتكون حركتها ~~إلى ما يجب وكما يجب وعلى الحال التي تجب. وثانيا تقويم القوة الغضبية حتى ~~تعتدل هذه القوة أيضا في حركتها فيستعملها كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي ~~الحال التي تنبغي ويعدلها في طلب الكرامة واحتمال الأذى والصبر على الهوان ~~بوجه وجه والنزاع إلى الكرامة على القدر الذي ينبغي وعلى الشرائط التي وصفت ~~في كتب الأخلاق. وإذا اعتدلت هاتان القوتان في الإنسان فكانت حركتهما على ~~ما يجب معتدلة من غير إفراط ولا تقصير - حصلت له العدالة التي هي ثمرة ~~الفضائل كلها. وبحصول هذه الفضائل تقوى النفس الناطقة وتستمر للإنسان ~~الصورة الكمالية التي يستحق بها أن يكون سائس مدينة أو مدير بلد. ومتى لم ~~تحصل هذه له فينبغي أن يكون مسوسا بغيره مدبرا بمن يقومه ويعدله. فأي شيء ~~أقبح من عكس هذه الحال وإجرائها على غير وجهها وطباع الإنسانية تأبى ~~الاعوجاج في الأمور فكيف الانتكاس وقلب الأشياء عن جهاتها. # PageV01P374 # فأما قولك: وإن كان الملك ذا بطش شديد وعسف كثير بسفك الدماء وانتهاك ~~الحرم فهذه حال تنقصه من شروط الملك ولا تزيد فيه وهو بأن يسقط من عين ~~رعيته أقرب إذ كانت شريطة الملك أن يستعمل هذه الأشياء على ما ينبغي وعلى ~~جميع الشرائط التي قدمت. وهل هذا إلا مثل طبيب يدعى أنه يبرى من جميع العلل ~~ويتضمن بسلامة الأبدان على اختلاف أمزجتها وحفظها على اعتدالاتها ثم إذا ~~نظر يوجد مسقاما مختلف المزاج بسوء التدبير. ولما سئل وتصفحت حاله جد من ~~سوء البصيرة وفساد التدبير لنفسه بحيث لا ينتظر منه إصلاح مزاج بدنه فكيف ~~لا يعرض من مثل هذا الضحك والاستهزاء وكيف لا يستهين به من ليس بطبيب ولا ~~يدعى هذه الصناعة إلا أنه على سيرة جميلة في بدنه وسياسة صالحة لنفسه فإن ~~اتفق لهذا المدعي أن يتغلب ويتسلط ويستدعي من الناس أن يتدبروا بتدبيره ~~فكيف لا يزداد الناس من النفور عنه والضحك منه فهذا مثل صحيح مطابق للمثل ~~به. فينبغي أن ينظر فيه فإنه كاف فيما ms197 سألت عنه إن شاء الله. ### | مسألة # لم صار من يطرب لغناء ويرتاح لسماع يمد ويحرك رأسه وربما قام وجال ورقص ~~ونعر صرخ وربما عدا وهام. وليس هكذا من يخاف فإنه يقشعر ويتقبض ويواري شخصه ~~ويغيب أثره ويخفض صوته ويقل حديثه؟ # PageV01P375 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة قد تقدم الجواب ~~عنها كلامنا في سبب السرور والغم حيث قلنا: إن النفس عند السرور تبسط الدم ~~في العروق إلى ظاهر البدن وإنها عند الغم تحصره وبانحصار الحرارة إلى عمق ~~البدن وإلى منشئها من القلب ما يكثر هناك البخار الدخاني ويبرزه إلى ظاهر ~~البدن واشتقاق اسم الغم يدل على معناه لأن القلب يلحقه ما يلحق الشيء الحار ~~إذا غم فيمنع ذلك الحرارة من الانتشار والظهور إلى سطح البدن ولذلك يتنفس ~~الإنسان عند الغم تنفسا شديدا كثيرا لحاجة القلب إلى هواء يخرج عنه الفضلة ~~الدخانية التي فيه ويجلب له هواء آخر صافيا ينمي الحرارة ويروحها كالحال في ~~النار التي من خارج. وهاتان الحالتان متلازمتان أعني مزاج القلب وحركة ~~النفس وذلك أنه عرض للنفس انقباض غارت الحرارة من أقطار البدن إلى عمقه. ~~وإن اتفق لمزاج البدن غؤور من الحرارة وانحصار إلى ناحية القلب انقبضت ~~النفس لأن أحدهما ملازم للآخر تابع له ولهذا ظن قوم أن النفس مزاج ما وظن ~~آخرون أنها حال تابعة لمزاج البدن. والخمر وما يجري مجراها من الأشربة ~~والأدوية التي تبسط الحرارة بلطفها وتنميها وتنشرها إلى ظاهر البدن - يعرض ~~منها السرور والطرب والأدوية التي تبرد البدن وتقبض الحرارة يعرض منها ضد ~~ذلك. # PageV01P376 # والمزاج السودوي معه - أبدا - الغم والمزاج الدموي معه - أبدا - السرور. ~~وكما أن الأدوية والأغذية يعرض منها للمزاج هذا العارض وتتبعه حركة النفس ~~فكذلك الحديث والألحان وصوت الآلات من الأوتار والمزامير - تحرك النفس أيضا ~~ويتبع ذلك حركة مزاج البدن لإتصال المزاج بالنفس. ولأنهما متلازمان يؤثر ~~أحدهما في الآخر ويتبع فعل أحدهما فعل الآخر. ### | (مسألة # لم صار الكذاب يصدق كثيرا والصادق يذب نادرا وهل ينتقل إلف الصدق إلى ~~الكذب) # وهل ms198 يتحول إلف الكذب إلى الصدق أن يستحيل ذلك. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: إن الصدق والكذب يجريان من النفس مجرى الصحة والمرض ~~لأن الصدق لها صحة ما والكذب مرض ما. وأيضا فإن الصدق من الخبر يجري مجرى ~~الصحة والكذب منه يجري مجرى المرض. فكما أن الصحة من الجسم أكثر من المرض ~~لأن المرض إنما يكون في عضو أو عضوين أو ثلاثة فكذلك الصحة في النفس أكثر ~~من المرض لأن المرض إنما يكون منها في قوة أو قوتين وفي خلق أو خلقين. وكما ~~أن الجسم لو كثرت أمراض أعضائه أو لو توالت أمراض كثيرة على عضو منه ~~لأبطلته وأعدمته فكذلك النفس لو كثرت امراض قواها أو توالت أمراض كثيرة على ~~قوة واحدة لأهلكتها. وإنما الاعتدال الموضوع لكل واحد من الجسم والنفس هو ~~الذي يحفظ # PageV01P377 # عليه وجوده فإن طرق واحدا منهما مرض في بعض الأحوال حتى يخرجه عن اعتداله ~~فإنما يكون ذلك في جزء من الأجزاء وقوة من القوى ثم يكون ذلك زمانا يسيرا ~~ويرجع بعد ذلك إلى الاعتدال الموضوع له. فأما إن توهم متوهم أن الأمراض ~~تستولي على جميع أعضاء الجسم حتى لا يبقى منه جزء صحيح أو تتوالى أمراض ~~كثيرة في زمان طويل متصل على عضو واحد فإن ذلك وهم باطل والدليل على ذلك أن ~~القلب لما كان مبدأ الحياة الذي منه تسري الحياة في جميع البدن صار محفوظا ~~غاية الحفظ من الأمراض لأنه لو عرض له مرض لسرى ذلك المرض في جميع أجزاء ~~البدن سريعا وعرض منه التلف السريع والموت الوحي. وهذه حال النفس في ~~اعتدالها ومرضها. ولما كان الكذب يعطيها صورة مشوهة أي صورة الشيء على خلاف ~~ما هو به صار المعطي والمعطي مريضين به ولذلك لا يتكلف أحد ذلك ولا يتعمده ~~إلا لضرورة داعية أو لأنه يظن بذلك الكذب أنه نافع له أيضا كما ينفع السم ~~الجسم في بعض الأحوال فيتجشم هذه السماجة على استكراه من نفسه وربما تكرر ~~منه ذلك فصار عادة كما تصير ms199 سائر القبائح أخلاقا وعادات وكما تصير المآكل ~~الضارة عادة سيئة لقوم. وأيضا فإن المعتاد للكذب إنما يتم له الكذب إذا ~~خاطه بالصدق وإذا سمع أيضا منه الصدق وإلا لم يتم له الكذب أيضا لأن الباطل ~~لا قوام له إلا إذا امتزج بالحق. فأما قولك: هل ينتقل من اعتاد الصدق على ~~الكذب أو من ألف الكذب إلى الصدق فلولا ان ذلك ممكن ومشاهد في الناس لما ~~وضعت # PageV01P378 # السنن ولا قوم الأحداث ولا عني الناس بتأديب أولادهم ولا عاتب أحد أحدا ~~ولكن هذه الأشياء شائعة في الناس ظاهرة فيهم. ### | (مسألة) # ذكرت - أيدك الله - مسائل لا تستحق الجواب من آراء العامة وجهالات وقعت ~~لهم مثل قولهم: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم يمرض وقولهم: دية نملة تمرة ~~وإذا طنت أذن أحدهم قالوا كيت وكيت. وهذه المسائل وأشباهها إنما ينبغي أن ~~يهزأ بها ويتملح بإيرادها على طريق النادرة فأما أن تطلب لها أجوبة فما أظن ~~عاقلا يعترف بها فكيف نجيب عنها والله يغفر لك ويصلحك. ### | (مسألة # ما الفرق بين العرافة والكهانة والتنجيم والطرق والعيافة والزجر وهل تشارك العرب في هذه الأشياء أمة أخرى أم لا؟) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الفرق بين العرافة والكهانة ~~فهو أن العراف يخبر عن الأمور الماضية والكاهن يخبر بالأمور المستقبلة. ~~وذلك أن العرافة معرفة الآثار والاستدلال منها على مؤثرها. والكهانة هي قوة ~~في النفس تطالع الأمور الكائنة بتخليها عن # PageV01P379 # الحواس. وقد تكلمنا عليها في كتابنا الذي سميناه الفوز عند ذكرنا الفرق ~~بين النبي والمتنبي وفي القوة التي يكون بها الوحي وكيفية ذلك فخذه من ~~هناك. وأما الفرق بين التنجيم وما يجري مجرى الفأل فظاهر لأن التنجيم صناعة ~~تتعرف بها حركات الأشخاص العالية وتأثيرها في الأشخاص السفلية. وهي صناعة ~~طبيعية وإن كان قد حمل أكثر من طاقتها أعني أن المنجم ربما تضمن العلم من ~~جزيئات الأمور ودقائقها ما لا يوصل إليه بهذه الصناعة فيخبر بالكائنات على ~~طريقة تأثير الشيء في مثله وذلك ان الشمس إذا تحركت في ms200 دورة واحدة من ~~أدوارها أثرت فيها ضروبا من التأثير في هذا العالم وكذلك كل كوكب من ~~الكواكب له أثر بحركته ودورته وشعاعه الذي يصل إلى عالمنا هذا. فالمنجم ~~إنما يقول مثلا: إن السنة الآتية تجتمع فيها دلائل الشمس وزحل فتؤثر في ~~عالمنا هذا أثرا مركبا من طبيعتي هاتين الحركتين فتكون حال الهواء كيت ~~وكيت. وكذلك حال الاستقصات الأربع. ولما كان الحيوان والنبات مركبين من هذه ~~الطبائع وجب أن يكون كل ما أثر في بسائطها يؤثر أيضا في المركبات منها. ~~والمنجم يخبر بحسب ما يحسب من حركاتها وشعاعاتها الواصل إلينا آثارها حكما ~~طبيعيا وإن كان يغلط أحيانا بحسب دقة نظره وكثرت الحركات والمناسبات التي ~~تجتمع من جملة الأفلاك والكواكب # PageV01P380 # وقبول ما يقبل من أجزاء عالم الكون والفساد وتلك الآثار مع اختلافها. ~~فأما أصحاب الفأل وزجر الطير وطرق الحصى وما أشبه ذلك فإنها ظنون والصدق ~~فيها يكون على طريق الاتفاق والنادر وليس تستند إلى أصل ولا يقوم عليها ~~دليل لأنها ليست طبيعية ولا نفسانية ولا إلهية وإنما هي اختيارات بحسب ~~الأوهام والظنون وهي تكذب كثيرا وتصدق قليلا كما يعرض ذلك لمن أخبر أن غدا ~~يجىء المطر أو يركب الأمير بغير دليل ولا إقناع بل تكلم بذلك وأرسل الحكم ~~به إرسالا فربما صح ووافق أن يطايق الحقيقة وفي الأكثر يبطل ولا يصح. ~~والأمم تشارك العرب في هذه الأشياء إلا أن العرب تختص من العرافة ومن زجر ~~الطير بأكثر مما في الأمم الأخر. ### | (مسألة # لم صارت أبواب البحث عن كل شيء موجود أربعة) # وهي: هل والثاني ما والثالث أي والرابع لم ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: لأن هذه الأشياء الأربعة هي مبادىء جميع الموجودات وعللها ~~الأول. والشكوك إنما تعرض في هذه فإذا أحيط بها لم يبق وجه لدخول شك. وذلك ~~أن المبدأ الأول في وجود الشيء هو ثبات ذاته أعني هويته التي يبحث عنها بهل ~~فإذا شك إنسان في هوية الشيء أي في وجود ذاته لم يبحث عن شيء # PageV01P381 # آخر من أمره. ms201 فإذا زال عنه الشك في وجوده وأثبت له ذاتا وهوية جاز بعد ~~ذلك أن يبحث عن المبدأ الثاني من وجوده وهو صورته أعني نوعه الذي قومه وصار ~~به هو ما هو وهذا هو البحث بما لأن ما هي بحث عن النوع والصورة المقومة. ~~فإذا حصل الإنسان في الشيء المحجوب عنه هذين وهما: الوجود الأول والهوية ~~التي بحث عنها بهل والوجود الثاني وهو النوعية أعني الصورة المقومة التي ~~بحث عنها بما - جاز أم يبحث عن الشيء الذي يميزه من غيره أعني الفصل وهذا ~~هو المبدأ الثالث لأن الذي يميزه من غيره هو الذي يبحث عنه بأي أعني الفصل ~~الذاتي له. فإذا حصل من الشيء المبحوث عنه هذه المبادىء الثلاثة لم يبق في ~~أمره ما يعترضه شك وصح العلم به إلا حال كماله والشيء الذي من أجله وجد ~~وهذه العلة الأخيرة التي تسمى وأرسططاليس هو أول من نبه عليها واستخرجها ~~وذاك أن العلل الثلاث هي كلها خوادم وأسباب لهذه العلة الأخيرة وكأنها كلها ~~إنما وجدت لها ولأجلها. وهذه التي يبحث عنها بلم. فإذا عرف لم وجد وما غرضه ~~الأخير أعني الذي وجد من اجله - انقطع البحث وحصل العلم التام بالشيء وزالت ~~الشكوك كلها في أمره ولم يبق وجه تتشوقه النفس بالروية فيه والشوق إلى ~~معرفته لأن الإحاطة بجميع علله ومبادئه واقعة حاصلة وليس للشك وجه يتطرق ~~إليه فلذلك صارت البحوث أربعة لا أقل ولا أكثر. # PageV01P382 ### | (مسألة # ما المعدوم وكيف البحث عنه) # وما فائدة الاختلاف فيه وما الذي أطال المتكلمون الكلام في اسمه ومعناه ~~وهل لقولهم محصول فإني ما رأيت مسألة لا تمكن من نفسها غيرها. ### || الجواب: # قال ~~أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعدوم الذي يشير إليه المتكلمون خاصة هو ~~موجود بوجه من الوجوه ولذلك صحت الإشارة إليه والكلام عليه. وتلك الصورة له ~~في الوهم هي وجود ماله. وكذلك حال كل ما يتوهمونه معدوما من جسم أو عرض أو ~~حال لا معدومة بل ملحوظة. والدليل على ذلك أنا لا نتوهم شيئا معدوما ms202 إلا ~~نتصور له حالا قد وجد فيها أو يوجد فيها وصورته تلك قائمة في وهمنا وهي ~~وجود ما. فأما المعدوم المطلق الذي لا يستند إلى شخص ما ولا إلى عرض فيه ~~وحال له فإنه لا يضبط بوهم ولا يتكلم عليه ولا تصح مسألة أحد عنه لأنه لا ~~شيء على الإطلاق. وإنما تصح المسألة عن شيء ثم تعرض له أحوال إما حاضرة فيه ~~أو منتظرة له ولذلك زعم أكثر المتكلمين أن المعدوم هو شيء وزعم بعضهم أنه ~~لا شيء أعني أنهم لا يسمونه بشيء. # PageV01P383 # وإنما عرض لهم هذا الخلاف لأن منهم من لحظه من حيث الوهم ومنهم من لحظة ~~من حيث الحس. فمن لحظه في وهمه أثبته شيئا ومن لحظه من حسه لم يثبته شيئا. ~~والدليل على أن المعدوم الذي يشيرون إليه هو ما ذكرناه وعلى الحال التي ~~وصفناها - أن القوم إذا تعاوروا مسألة المعدوم سألوا عن الجوهر: هل هو في ~~العدم وعن السواد هل هو سواد العدم وكذلك جميع أمثلتهم إنما هي من أمور ~~محسوسة إذا صارت غير محسوسة كيف تكون أحوالها ثم يكون جوابهم عن ذلك بما ~~يتصور منه للنفس ويقوم في الوهم فيقولون في السواد الذي حقيقته أنه أثر في ~~البصر من مؤثر يعرض منه القبض: إنه في العدم أيضا كذلك. كأنهم يتوهمون أنه ~~يفعل بالبصر وهو معدوم ما يفعله وهو موجود. وإنما عرض لهم هذا الوهم لأن ~~القوة التي ترتقي إليها الحواس تقبل شبيها بالآثار التي تقبلها. أي تحصل ~~لها الصورة مجردة من المادة وهذا هو العلم الحسي. لو أمكنهم إثبات صورة ~~عقلية ونفيها لتكلموا على الموجود العقلي والمعدوم العقلي. ولو أمكنهم ذلك ~~لجاز أن يسألوا أيضا عن العدم المطلق: هل يشار إليه أم لا يشار إليه ولكن ~~هذه الأمور غابت عنهم. وإنما سألت عن مذاهبهم وعما يسألون عنه وقد خرج ~~الجواب ولاح لك بمشيئة الله. # PageV01P384 ### | (مسألة) # سمعت شيخا من الأطباء يقول أنا أفرح ببرء العليل على تدبيري وأسر بذلك ~~جدا. قلت له: فما تعرف علة ذلك. ms203 قال: لا. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: إنما فرح الطبيب بنفسه وصحة علمه وذاك إنه إذا شاهد عليلا احتاج ~~أن يتعرف أولا علته حتى يعملها على الصحة والحقيقة. فإذا علمها قابلها ~~بضدها من الأدوية والأغذية فيكون ذلك سببا لبرء العليل. فالطبيب حينئذ يكون ~~قد أصاب في معرفة العلة ثم في مقابلتها بالدواء الذي هو ضدها. وهذه الإصابة ~~والمعرفة هي الحال التي يلتمسها بعلمه ويسعى لها طول زمان درسه ورويته. ومن ~~شان النفس إذا تحركت نحو مطلوب حركة قوية في زمان طويل بشوق شديد ثم ظفرت ~~به فرحت له ولحقها انبساط وسرور عجيب. ### | مسألة # ثم قلت - أيدك الله - سئل ابن العميد لم لم يتفق الناس في التعامل # PageV01P385 # على المثامنة بالياقوت والجوهر أو بالنحاس والحديد والرصاص دون الفضة ~~والذهب وما الذي قصرهم عليهما مع إمكان غيرهما أن يقوم مقامها ويجري ~~مجراهما. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان لا ~~تتم له الحياة بالتفرد لحاجته إلى المعاونات الكبيرة ممن يعد له الأغذية ~~الموافقة والأدوية والكسوة والمنزل والكن وغير ذلك من سائر الأسباب التي ~~بعضها ضرورية في المعيشة وبعضها نافعة في تحسين العيش وتفضيله حتى يكون ~~لذيذا أو جميلا أو فاضلا. وليس يجرى الإنسان مجرى سائر الحيوانات التي ~~أزيحت علتها في ضرورات عيشها وفيما تقوم به حياتها بالطبع. فالاهتداء إلى ~~الغذاء والرياش وغيرهما من حاجات بدنه ولذلك أمد بالعقل وأعين به ليستخدم ~~به كل شيء ويتوصل بمكانه إلى كل أرب. ولما كان التعاون واجبا بالضرورة ~~والاجتماع الكثير طبيعيا في بقاء الواحد - وجب لذلك أن يتمدن الناس أي ~~يجتمعوا ويتوزعوا الأعمال والمهن ليتم من الجميع هذا الشيء المطلوب. # PageV01P386 # أعني البقاء والحياة على أفضل ما يمكن. ولما فرضنا أن الاجتماع قد وقع ~~والتعاون قد حصل عرض أن النجار الذي يقطع الخشب ويهيئه للحداد والحداد الذي ~~يقطع الحديد ويهيئه للحراث وكذلك كل واحد منهم إذا احتاج إلى صاحبه الذي ~~عاونه قد يقع استغناء صاحبه عنه في ذلك الوقت فإن الحداد إذا ms204 احتاج إلى ~~صناعته الحياكة وصاحب الثوب غير محتاج إلى صناعة الحداد وقف التعاون ولم ~~تدر المعاملة وحصل كل واحد على عمله الذي لا يجدي عليه فيما يضطر إليه من ~~حاجات بدنه التي من أجلها وقع التعاون واحتيج لذلك إلى قيم للجماعة ووكيل ~~مشرف على أعمالهم ومهنهم موثوق بأمانته وعدالته ليقبل الجميع أمره ويصير ~~حكمه جائزا وأمره نافذا مصدقا وأمانته صحيحة ليأخذ من كل أحد ويستوفي عليه ~~قدر ما عاون به ويعطيه من معاونة غيره بقسطه من غير حيف. وإنما يتم له ذلك ~~بأن يقوم عمل كل واحد منهم ويحصله ثم يعطيه بمقدار تعبه وعمله من عمل الآخر ~~الذي يلتمس معاونته. وهذا الفعل أيضا لا يتم لهذا القيم المستوفي أعمال ~~الناس إلا بأن يأتيه كل من عمل عملا فيعرضه عليه ويأخذ منه علامة من طابع ~~أو غيره يكون في يده متى عرضه قبل ولم ينس وعرفت صحة دعواه وأعطى به من تعب ~~غيره بمقدار. ثم لما نظر في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون بهذه الصفة فلم ~~يمكن أن يجعل من الأشياء الموجودة دائما ومما يقدر كل أحد على تناوله ومد ~~اليد إليه لئلا يحصله من لا يعمل عملا ولا يعين أحدا بكده ويتوصل به إلى كد ~~غيره وتعبه فيؤدي إلى خلاف ما دبر لإتمام المدنية والتعاون فوجب أن يكون ~~هذا الطابع من جوهر عزيز الوجود ليمكن حفظه والاحتياط عليه ولا يصل إلا من ~~جهة ذلك القيم إلى مستحقه الذي يعرض عمله وكده ووجب مع ذلك أن يكون مع عزة ~~وجوده غير قابل للفساد # PageV01P387 # من الماء والنار والهواء بنحو ما يمكن ذلك في عالمنا هذا فإنه كان شيئا ~~مما يبتل بالماء أو يحترق بالنار أو تفسد صورته بعض العناصر الأربع - لم ~~يأمن صاحب التعب الكثير أن يحصله ثم يفسده عنده فيضيع عمله ولا يصدق فيما ~~أعان به وكد فيه فوجب أن يكون هذا الطابع حافظا لصورته خفيف المحمل مع ذلك ~~مأمونا عليه الفساد مدة طويلة من الطبائع الأربع ومن الفساد الذي ms205 يكون ~~بالمهنة أيضا كالكسر والرض وغيرهما. ولما تصفحت الموجودات لم يوجد شيء يجمع ~~هذه الفضائل إلا الأشياء المعدنية ومن بين الأشياء المعدنية الجواهر التي ~~تذوب بالنار وتجمد بالهواء. ومن بين هذه الذهب وحده فإنه أبقاها وأعزها ~~وأحفظها لصورته وأسلمها على النار والهواء والماء والأرض وهو مع ذلك سليم ~~على الكسر والقطع والرض يعيد صورة نفسه بالذوب ويحفظها من جميع عوارض ~~الفساد زمانا طويلا جدا. فجعل صورة مقوما للصنائع وعلامة لهذا القيم ثم ~~احتيط عليه بأن طبع بخاتمه وعلاماته. كل ذلك خوفا من توصل الأشرار إليه ممن ~~يرتفق من عمل غيره ولا يرفق غيره فإن هذا الفعل هو الظلم الذي يرتفع به ~~التعاون ويزول معه النظام ويبطل بسببه الاجتماع والتعايش. ثم لما وجد هذا ~~الجوهر جمع هذه الفضائل ويحيط عليه ضروب الاحتياطات من أن يصل إلى غير ~~مستحقه - عرض فيه عارض آخر وهو أن الذي عاون الناس بمعاونة استحق بها شيئا ~~منه ربما احتاج إلى معاونة يسيرة لا تساوي تعبه الأول ولا تقرب منه ولا ~~تقرب منه. مثال أنه ربما تعب الإنسان أما ليحصل لغيره عمل الرحى بمئونة ~~وكلفة وحكمة بليغة. # PageV01P388 # فإذا أعطى من هذا الجوهر قيمة عمله ثم احتاج إلى بقل أو خلال أو عرض يسير ~~لا يستطيع أن يعطيه شيئا من الجوهر الذي عنده ولا أقل القليل منه لأن الجزء ~~اليسير جدا منه أكثر قيمة من العمل الذي يلتمسه من غيره. فاحتيج لذلك إلى ~~جوهر آخر تكون فضائله أنقص من الذهب ليصير خليفة له يعمل عمله وإن كان دونه ~~فلم يوجد ما يجمع تلك الفضائل التي حكيناها في الذهب شيء غير الفضة فجعلت ~~نائبة عنه ثم جعل كل واحد من الذهب يساوي عشرة أضعافه من الفضة لأن العشرة ~~نهاية الآحاد فوجب لذلك أن تكون قيمة الواحد من ذلك الجوهر عشرة أمثاله من ~~هذا الجوهر. فاما التفاوت الذي وقع بين صرف الدينار والدرهم أعني أن صار ~~منه الواحد بخمسة عشر درهما ونحوها وهي المسألة التي جعلتها تالية لهذه ~~المسألة - فإنما ms206 ذلك لأجل التفاوت في الوزن بين المثقال والدرهم ثم لأجل ~~الغش الذي يكون في أحدهما. والأمر محفوظ مع ذلك في أن الواحد من الذهب ~~بإزاء عشرة من الفضة إذا كان كل واحد ### | (مسألة # متى تصل النفس بالبدن ومتى توجد فيه أفي حال ما يكون جنينا أم قبلها أم ~~بعدها؟) # PageV01P389 ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن اتصال النفس بالبدن ووجودها ~~فيه ألفاظ متسع فيها. والأولى أن يقال: ظهور أثر النفس في البدن على قدر ~~استعداد البدن وقبوله إياه. وإنما تحرزنا من تلك الألفاظ لأنها توهم أن لها ~~اتصالا عرضيا أو جسميا وكلا هذين غير مطلق على النفس. والأشبه إذا عبرنا عن ~~هذا المعنى أن تقول: إن النفس جوهر بسيط إذا حضر مزاج مستعد لأن يقبل له ~~أثرا كان ظهورك ذلك الأثر على حسب ذلك الاستعداد لنسلم بهذه العبارة من ظن ~~من زعم أن النفس تتقلب وتفعل أفعالها على سبيل القصد والاختيار أعني أنها ~~تفعل في حال وتمنع في أخرى فإن هذا يجلب كثيرا من الشكوك التي لا تليق ~~بخصائص النفس وأفعالها. وإذ قد تحققت هذه العبارة فنقول: إن النطفة التي ~~يكون منها الجنين إذا حصلت في الرحم الموافق كان أول ما يظهر فيه من أثر ~~الطبيعة ما يظهر مثله في الأشياء المعدنية. أعني أن الحرارة اللطيفة تنضجه ~~وتمخضه وتعطيه - إذا امتزج بالماء الذي يوافقه من شهوة الأنثى - صورة مركبة ~~كما يكون ذلك في اللبن إذا مزج بالإنفحة. أعني أنه يثخن ويخثر ثم تلج عليه ~~الحرارة حتى يصير ملونا بالجمرة فيصير مضغة ثم يستعد بعد لقبول أثر آخر: ~~أعني أن المضغة تستمد الغذاء وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من ~~رحم أمه بتلك العروق ما # PageV01P390 # تأخذه عروق الشجر من تربته فيظهر فيه أثر النفس النامية أعني النباتية ثم ~~يقوى هذا الأثر فيه ويستحكم على الأيام حتى يكمل وينتهي بعد ذلك إلى أن ~~يستعد لقبول الغذاء بغير العروق أعني أنه ينتقل بحركته لتناول غذائه فيظهر ~~فيه أثر الحيوان أولا أولا. ms207 فإذا كمل استعداده لقبول هذا الأثر فارق موضعه ~~وقبل أثر النفس الحيوانية ثم لا يزال في مرتبة البهائم من الحيوان إلى أن ~~يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق. أعني التمييز والروية. فحينئذ يظهر فيه ~~أثر العقل ثم لا يزال يقوى هذا الأثر فيه على قدر استعداده وقبوله حتى يبلغ ~~نهاية درجته وكماله من الإنسانية ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان ~~فيستعد لقبول أثر الملك. وهذا الكلام ليس يقتضي أن يقال فيه: متى تتصل ~~وتنفصل بل من شأن القائل له أن يقال فيه: متى يستعد ويقبل. وأما النفس فهي ~~معطية للذات كل ما قبل أثرها بحسب قبوله واستعداده وتهيئه. وقد تبين أنها ~~تعطي البدن أحوالا مختلفة وصورا متباينة قبل أن يكون جنينا وبعد أن تتم ~~الصورة الإنسانية ليس ينقطع أثر النفس من البدن ألبتة على ضروب أحواله إلى ~~أن يدور ضرب أدواره وينتهي إلى غاية كماله. ولا ينبغي أن يقال إنه يخلو ~~منها في حال من أحواله وإنما يقوى الأثر ويضعف بحسب قبوله. والسلام. # PageV01P391 ### | (مسألة) # سئل بعضهم إذا فارقت النفس الجسد هل تذكر من علومها شيئا أم لا فأجاب ~~بأنها تذكر المعقول كله ولا تذكر المحسوس فزاد السائل بما يعرض للعليل من ~~النسيان أي كيف تذكر النفس معقولها إذا فارقت البدن وهي لا تذكر شيئا منه ~~إذا اعتل البدن أو بعض أعضاء البدن فأجاب بما سيمر بك. ### || الجواب: # قال أبو علي ~~مسكويه - رحمه الله: إنما يظهر أثر النفس في البدن بحسب حاجة البدن والتذكر ~~إنما هو إحضار صور المحسوسات من قوة الذكر إلى قوة الخيال. وهاتان القوتان ~~جميعا إنما تحصلان صور المحسوسات من الحواس أولا في حواملها من الأجسام ~~الطبيعية ثم تحصلانها بسيطا في غير حامل جسمي بل في قوة النفس المسماة ~~ذكرا. وإنما احتيج إلى هذه القوة لأغراض البدن وحاجته إلى الشيء بعد الشيء. ~~فإذا استحال البدن وزالت الحاجة إلى الحواس سقطت الحاجة إلى الذكر أيضا ~~وصارت النفس مستغنية بذاتها وما فيها من صور العقل أعني التي تمسى أوائل ~~لأن ms208 تلك هي ذات العقل غير محتاجة إلى مادة ولا إلى جسم توجد بوجوده أعني أن ~~الأمور الموجودة في العقل هي العقل وهي # PageV01P392 # التي نسميها الآن أوائل وليست في مادة ولا محتاجة إليها. وجميع قوى النفس ~~التي تتم بالبدن وبآلات جسمية فإنها تبطل ببطلان البدن أي تستغني عنها ~~النفس بما هي نفس وجوهر بسيط. وإنما احتاجت إليه لأجل حاجات البدن المشارك ~~للنفس المستمد منها البقاء الملائم لها إذا كان نباتا أو حيوانا أو إنسانا. ~~فأما النفس بما هي جوهر بسيط فغير محتاجة إلى شيء من هذه الآلات الجسمية. ~~وإنما عرضت لك هذه الحيرة لأنك سألت عن أمر بسيط مع توهمك إياه مركبا وحال ~~المركب غير حال البسيط أعني أن الآلات البدنية كلها هي أيضا مركبة نحو ~~تمامات لها ليكمل بها أيضا شيء مركب. والحواس الخمس والقوى التي تناسبها من ~~التخيل والوهم والفكر لا تتم إلا بآلات وأمزجة مناسبة تتم بها أفعال مركبة. ~~فإذا عادت الجواهر إلى بسائطها بطل الفعل المركب أيضا ببطلان الآلات ~~المركبة واستغني الجوهر البسيط القائم بذاته عن حاجات البدن وضروراته التي ~~تم وجوده بها من حيث هو مركب لأجلها. ### | (مسألة # سأل عن الحكمة في كون الجبال) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن منافع الجبال ووضعها على ~~بسيط من الأرض. كثير جدا ولولاها ما وجد نبات ولا حيوان على بسيط الأرض ~~وذلك أن سبب وجود النبات والحيوان وبقائهما بعد هو الماء العذب السائح على ~~وجه الأرض. # PageV01P393 # وسبب الماء العذب السائح هو انعقاد البخار في الجو. أعني السحاب وما يعرض ~~له من الانحصار بالبرد حتى يعود منه إما مطر وإما ثلج وإما برد. ولو أنك ~~توهمت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض وتخيلت الأرض كرة مستديرة لا نتوء ولا ~~غور فيها لكان البخار المرتفع من هذه الكرة لا ينعقد في الجو ولا ينحصر ولا ~~يعود منه ماء عذب. بل كان غاية ذلك البخار أن يتحلل ويستحيل هواء قبل أن ~~يتم منه ما هو سبب عمارة وجه الأرض وذلك لأجل ms209 أن البخار المرتفع من الأرض ~~يحصل بين أعوار الأرض وبين الجبال التي تمنعه السيلان ومطاوعة حركة الفلك ~~وأسباب الرجة التي هي حركة الهواء. أعني أن قلل الجبال الشاهقة تحفظ الهواء ~~المحتقن يين أغوارها من الحركة التي يوجبها الفلك بأسره والكواكب فيها ~~وشعاعاتها المؤثرة الملطفة التي توجب لها السيلان. فإذا حصل الهواء بين ~~الجبال كذلك - كان البخار المرتفع فيه أيضا محفوظا من التبدد والحركة بتحرك ~~الهواء ولحق هذا البخار من برد الجبال التي تحفظه في زمان الشتاء على ~~أنفسها ما يجمده ويعقده ثم يعصره فيعود ماء مستحيلا أو غيره مما يجري ~~مجراه. ولولا الجبال لكانت هذه المياه المدبرة بهذا التدبير مه ما ذكرناه ~~لا تجري على وجه الأرض إلا ريثما يهدأ المطر ثم تنشفه الأرض فكان يعرض من ~~ذلك أن يكون النبات والحيوان يعدمه في صميم الصيف وعند الحاجة الشديدة إليه ~~في بقائهما حتى كان لا يوصل إليه إلا كما يوصل في البوادي البعيدة من ~~الجبال أعني باحتفار # PageV01P394 # الآبار التي يبلغ عمقها مائة ومائتين من الذرعان. فأما الآن - مع وجود ~~الجبال - فإن الأمطار والثلوج تبقى عليها فإذا نشفتها في الوقت أو بعد زمان ~~نشأت من أسافلها العيون وسالتت منها الأنهار والأودية وساحت على وجه الأرض ~~منصبة إلى البحار جارية من الشمال إلى الجنوب فإذا فنى ما استفادته من ~~الأمطار في الصيف لحقتها نوبة الشتاء والأمطار فعادت الحال. والدليل على أن ~~العيون والأنهار والأودية كلها من الجبال أنك لا ترتقى في نهر ولا واد إلا ~~أفضى بك إلى جبل. فأما العيون فإنها لا توجد إلا بالقرب من الجبال البتة. ~~وكذلك ما يستنبط من القنى وما يجري مجراها. فالجبال تجري من الأرض في إساحة ~~الماء عليها من الأمطار مجرى إسفنجة أو صوفة تبل بالماء فتحمل منه شيئا ~~كثيرا ثم توضع على مكان يسيل منه الماء قليلا قليلا حتى إذا جفت أعيد بلها ~~وسقيها من الماء لتدوم الرطوبة السائلة منها على وجه الأرض ويصير هذا ~~التدبير سببا لعمارة العالم ووجود النبات والحيوان فيه. وللجبال ms210 منافع ~~كثيرة إلا أن ما ذكرناه من أعظم منافعها فليقتصر عليه. ولثابت مقالة في ~~منافع الجبال من أحب أن يستقصي هذا الباب # PageV01P395 # قرأه من تلك المقال إن شاء ### | (مسألة # لم صارت الأنفس ثلاثا في العدد وهل يجوز أن تكون اثنتين أو هل يستحيل أن تكون أربع) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: النفس في الحقيقة واحدة وإنما ~~يظهر أثرها - كما قلنا فيها فيما تقدم - بحسب قبول القابل. وإنما قيل إنها ~~ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفا ثم يقوى غاية القوة أن ينقسم ~~ثلاثة أقسام أعني الابتداء والتوسط والنهاية. ولما كان مبدأ أثر النفس في ~~النبات أعني أنه يظهر فيه معنى يقبل الغذاء الموافق وينفض الفضلة وما ليس ~~بموافق ويحفظ صورته بالنوع - سمي هذا الطرف الأول نفسا نباتية. ثم لما قوى ~~هذا الأمر حتى صار ينتقل لتناول غذائه وصارت له حواس وإرادة سميت هذه ~~المرتبة: المتوسطة والحيوانية. ولما قوى هذا الأثر حتى صار - مع هذه ~~الأحوال - يرتئي ويفكر ويستعمل التمييز بتقديم # PageV01P396 # المقدمات واستنتاج النتائج ثم يعمل أعماله بحسبها سمي ناطقا وعاقلا وما ~~أشبه ذلك. ولكل واحد من هذه المراتب لو قسمت مراتب كثيرة. إلا أن الأولى في ~~كل ما جرى هذا المجرى أن يقسم إلى: المبدأ والوسط والنهاية كما فعل ذلك ~~بقوى الطبيعة فإن الحرارة والبرودة وما جرى مجراها إنما تقسم إلى ثلاث ~~مراتب أعني الابتداء والوسط والنهاية. وإن كانت كل واحد من هذه المراتب ~~تنقسم أيضا. وإذا ما تأملت جميع القوى وجدت الأمر فيها جاريا هذا المجرى. ~~فأما قولك: هل يجوز أن تكون اثنتين فهي إنما تكون واحدة أولا ثم اثنتين ثم ~~تستكمل فتصير ثلاثا وقد شرح هذا. ### | (مسألة # لم صار البحر في جانب من الأرض) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه: لولا حكمة عظيمة اقتضت أن ينحسر ~~الماء عن وجه الأرض لكان الأمر الطبيعي يوجب أن يكون لابسا وجه الأرض أجمعه ~~حتى تصير الأرض في وسطه شبيهة بمح البيض والماء حولها شبيها بالبياض ~~والهواء محيط ms211 بهما على ما هو موجود الآن والنار محيطة بالجميع ليكون الأثقل ~~الأول بالمركز وهو الأرض في موضعه الخاص من المركز ويليه الماء الذي هو أخف ~~من الأرض وأثقل من الهواء ويليه الهواء ثم النار على سوم الطباع. ولكن لو ~~تركت هذه الأشياء وسومها الطبيعي لم تكن على وجه الأرض عمارة من نبات ~~وحيوان وبشر وبهيمة وطائر وبطلت هذه # PageV01P397 # الحكمة العجيبة والنظام الحسن فلأجل ذلك خولف بين مركز الشمس ومركز الفلك ~~الأعلى فتبع هذا أن صارت الشمس تدور على مركزها لعالم خاص بها غير الأرض. ~~أعني أن مركزها خارج من الأرض. ولما دارت على مركزها قربت من ناحية من ~~الأرض وبعدت من أخرى وصارت الناحية التي تقرب منها تحمي بها. ومن شأن الماء ~~إذا حمى أن ينجذب إلى الجهة التي يحمي فيها بالبخار. وإذا انجذب إلى هناك ~~انحسر عن وجه الأرض الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس. وإذا انحسر ~~عن وجه الأرض حدث من الجميع كرة واحدة. أعني من الماء والأرض إلا أن شق ~~الكرة الجنوبي الذي تقرب الشمس فيه من الأرض مكان الماء وهو البحر وشق ~~الكرة الشمالي الذي تبعد عنه الشمس من الأرض يابس تظهر فيه الأرض. ثم وجب ~~بعد ذلك أن تنصب عليها الجبال لتستقيم الحكمة وينتظم أمر العالم على ما هو ~~به عز مبدىء الجميع ومنشئه وناظمه ومقدره وتبارك اسمه وجل جلاله وتقدست ~~اسماؤه وتعالى هما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### | (مسألة # لم صارت مياه البحر ملحا) ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما ذلك لأجل قرب الشمس من سطح ~~الماء وتمكنها من طبخه، # PageV01P398 # ومن طبيعة الماء إذا ألحت عليه الحرارة بالطبخ أن يتحلل لطيفه إلى البخار ~~ويقبل الباقي أثرا من الملوحة فإن زادت الحرارة ودامت صار ذلك الماء شديد ~~الملوحة ثم انتهى في آخر الأمر إلى المرارة. وأصحاب الصنعة يدبرون ماء لهم ~~بالنار ويدبرون حتى يكثر تردده على النار فيصير - بذلك - الماء حارا يضرب ~~إلى المرارة. ### | (مسألة # إذا كان المرئي لا يدرك إلا بآلة ms212 وتلك هي الحس) # فما تقول فيما يراه النائم ألم يدركه من غير حس ولا انبثاث شعاع ولا ~~أعمال آلة. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد كنا بينا في مسألة ~~الرويا وما أحببنا به عنها ما فيه غني عن تكلف الجواب عن هذه المسألة. ~~ولكنا نذكر جملة وهو أن الحواس كلها ترتقي إلى قوة يقال لها الحس المشترك. ~~وهذا الحس يقبل الآثار من الحواس ويحفظها عليها في قوة التي تعرف بالوهم. ~~فإذا غاب المحسوس أحضرت هذه القوة صورة ذلك المحسوس من الوهم: سواء كان ~~مرئيا أو مسموعا أو غيرهما من الصور المحسوسات. وليس يمكن أن يحصل في هذه ~~القوة شيء من الصور إلا ما قبلته وأخذته من الحواس. وقد مر هذا الكلام في ~~الموضع الذي أذكرنا به مستقصى مع الكلام في حد المرئي وما يتبعه. ### | مسألة # لا نخلو في طلبنا لعلم شيء من أن نكون قد علمنا ذلك المطلوب أو # PageV01P399 # لم نعلمه فإن كنا قد علمناه فلا وجه لطلبنا والدأب من ورائه وإن كنا لا ~~نعلمه فمحال أن نطلب ما لا نعمله. وعاد أمرنا فيه مثل الذي أبق له عبد لا ~~يعرفه وهو يطلبه. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كان طلبنا ~~للشيء إنما هو من وجه واحد وذلك الوجه المجهول لكان الأمر على ما ذكرت لكنا ~~قد تقدمنا قبل فشرحنا أن كل مطلوب يمكن أن يبحث من أمره عن أربعة مطالب: ~~أحدها إنيته وهذا البحث بهل ثم بما ثم بأي ثم بلم. وهذه جهات لكل مطلوب. ~~فإذا عرفت جهة جهلت أخرى. وليس يغني العلم بأحدها عن الأخرى. مثال ذلك أنك ~~إن بحثت عن جرم الفلك التاسع: هل له وجود فتبين هذا المطلب بقيت الجهة ~~الأخرى وهي جهة ما هو لأنك قد عرفت جهة هل وجهلت جهة ما. فإذا عرفت هذه ~~الجهة بقيت الجهة الثالثة وهي جهة أي. وقد شرحنا هذه الجهات فيما مضى فإذا ~~حصلت هذه بقيت جهة العلة القصوى أعني لم. وهي البحث عن الشيء ms213 الذي من أجله ~~وجد على ما وجد عليه من المائية والكيفية. فإذا عرفت هذه الجهة لم يبق من ~~أمره شيء مجهول إلا جزئيات الأمور التي لا نهاية لها. وليس يبحث عن تلك ~~لقلة الفائدة فيها. أعني أن تطلب مساحتها ومبلغ عدد الأجزاء التي تمسحها ~~ونسبة كل جزء إلى غيره ووضعه وهذه المطالب هي بحث مطلب كيف وغيره من ~~المقولات في أنواعها وأشخاصها. وإذا عرفت الجنس العالي لم تطلب أجزاءه ~~لحصول الجهة العليا. فقد صح أن المطلوب إنما هو الجهة المجهولة لا الجهة ~~المعلومة. وأن # PageV01P400 # الشيء الواحد قد يعلم من جهة ويجهل من جهة أخرى وزال موضع الشك إن شاء ~~الله. ### | (مسألة # لم لا يجيء الثلج في الصيف) # كما قد يجيء المطر فيه ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفرق ~~بين حالي الثلج والمطر أن البخار إذا ارتفع من الأرض حمل معه جزءا أرضيا. ~~وقد يكون مقدار هذا الجزء الأرضي ما يخف مع البخار ويتحرك معه ويصعد بصعوده ~~كالهباءة التي تراها أبدا في الهواء. فإن ذلك القدر من أجزاء الأرض لخفته ~~يتحرك بحركة الهواء ويصعد مع بخار الماء. فإذا اتفق وقت صعود هذا البخار أن ~~يصيبه في الهواء برد شديد حتى يجمد - جمد معه الجزء الأرضي وثقل بما يكتسبه ~~من انضمام البعض إلى البعض بالبرد فارجحن إلى أسفل وهو الثلج. وإن اتفق أن ~~يكون البرد الذي يلحقه يسيرا لا يبلغ أن يجمده عصر البخار عصرا فخرج منه ~~الماء الذي يقطر وهو المطر. والدليل على أن في الثلج جزءا أرضيا القبض الذي ~~فيه الثلج وسلامة المطر منه. وأيضا فإن الثلج جزم البخار بعينه. أعني ~~الحالة التي ليست ماء ولا هواء. فإذا جمدت تلك الحالة ردت طبيعة البخار. ~~فأما المطر فلا طبيعة للبخار فيه وهو ماء بعينه. وكذلك يصيب آكل الثلج من ~~النفخ والأسباب العارضة من البخار ما لا يصيب شارب ماء المطر. وإذ قد وضح ~~الفرق بين المطر والثلج فإنا نقول في جواب مسألتك: إن الشتاء يشتد فيه برد ~~الهواء حتى ms214 يجمد البخار الصاعد إليه من # PageV01P401 # الأرض فيرد ثلجا. فأما الصيف فليس يشتد فيه برد الهواء ولكن بما عرض فيه ~~من البرد بقدر ما ينعقد البخار ثم ينعصر فيجيء منه مطر. ### | مسألة # ما الدليل على وجود الملائكة؟ ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الكتاب والسنة فمملوءان من ~~ذكر الملائكة وأنها خلق شريف لله - تعالى - ولها مراتب متفاضلة. وأما العقل ~~فإنه يوجب وجودها من طريق أن العقل إذا قسم شيئا وجد لا محالة إلا أن يمنع ~~منه محال. وذلك أن قسمة العقل هي الوجود الأول والحق المحض الذي لا يعترضه ~~مانع ولا تعوق عنه مادة. فإذا قسم فقد وجد الوجود العقلي وإذا حصل هذا ~~الوجود تبعه الوجود النفساني والوجود الطبيعي لأن هذين متشبهان بالفعل ~~مقتديان به تابعان له غير مقصرين ولا وانيين. ولكن الطبيعة تحتاج في هذا ~~الاقتداء إلى حركة لقصورها عن الإيجاد التام ولذلك قيل في حد الطبيعة إنها ~~مبدأ حركة. ولأن العقل إذا قسم الجوهر إلى الحي - قسم الحي منه إلى الناطق ~~وغير الناطق وقسم الناطق منه إلى المائت وغير المائت فيحصل من القسمة أربعة ~~هي: حي ناطق مائت. وحي غير ناطق غير مائت. وحي ناطق غير مائت. والقسم ~~الثالث هم المسمون ملائكة. وهي مشتركة في أنها غير مائتة، # PageV01P402 # ومتفاضلة في النطق. وبهذا التفاضل صار بعضها أقرب إلى الله - تعالى - من ~~بعض وبه أيضا صرنا - نحن معاشر البشر - متفاضلين في التقرب إلى الله - ~~تعالى - والبعد منه ولأجله قيل: فلان شبيه بملك وفلان شبيه بشيطان وبسببه ~~قيل: فلان عدو الله وبسببه قيل: فلان ولي الله وفي السب يقال: أبعد الله ~~فلانا ولعنه. وقرب الله فلانا وأدناه. وقد يمكن أن يثبت وجود الملائكة من ~~طريق آثارها وأفعالها الظاهرة في هذا العالم. ولكني لما احتجت في ذلك إلى ~~مقدمات كثيرة وبسط للكلام أخرج به عن الشرط الذي شرطته في أول هذه المسائل ~~اقتصرت على ما ذكرته. وهو كاف إن شاء الله. ### | (مسألة) # وسألت - أيدك الله - عن آلام الأطفال ومن لا عقل ms215 له من الحيوان وعن وجه ~~الحكمة فيه ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما هذه المسألة فإنها ~~تتوجه إلى من أثبت جميع الأفعال التي ليست للناس منسوبة إلى الله - تعالى - ~~ولم يعترف بأفعال الطبيعة ولا أفعال الأشياء التي هي وسائط بيننا وبين الله ~~- تعالى - فإن المتكلمين كالمجمعين على أن الحرارة والإحراق وسائر أفعال ~~الطبائع وما ننسبه نحن إلى الوسائط التي فوض الله إليها تدبير عالمنا من ~~الأفلاك والكواكب كلها أفعال الله - تعالى - بلا واسطة يتولاها بذاته. وفي ~~مناقضة هؤلاء القوم طول فإن أحببت أن أفرد له مقالة أو كتابا فعلت. فأما من ~~زعم أن النار إذا جاوزت النفط ألهبته وإذا جاوزت الماء أسخنته وكذلك كل ~~عنصر وركن وكل شعاع وأثر ممتد من العلو إلى # PageV01P403 # أسفل، فإنه يؤثر في جميع ما يقابله آثارا مختلفة: إما لاختلاف الفواعل ~~وإما لاختلاف القوابل - فإن هذه المسألة غير لازمة له. وإنما ينبغي أن يسأل ~~من وجه آخر لم تسأل عنه فلذلك لم أتكلف جوابه. وقد ظهر من مقدار ما أومأت ~~إليه جواب مسألتك إن شاء الله. ### | (مسألة # لم كان صوت الرعد إلى آذاننا أبطأ وأبعد من رؤية البرق إلى ~~أبصارنا) ### || # ولما كان الهواء سريع القبول للضوء بل يستضىء في غير زمان وذاك أن الشمس ~~حين تطلع من المشرق يضيء منها الهواء في المغرب بلا زمان وكذلك الحال في كل ~~مضىء كالنار وما أشبهها إذا قابل الهواء قبل منه الإضاءة بلا زمان - وكان ~~الهواء متصلا بأبصارنا لا واسطة بيننا وبينه - وجب أن يكون إدراكنا أيضا ~~بلا زمان ولذلك صرنا أيضا ساعة نفتح أبصارنا ندرك زحل وسائر الكواكب ~~الثابتة المضيئة إذا لم يعترض في الهواء عارض يستر أو يحجب. فأما الرعد ~~فلما كان أثره في الهواء بطريق الحركة والتموج لا بطريق الاستحالة - وجب أن ~~يكون وصوله إلى أسماعنا بحسب حركته في السرعة والابطاء وذاك أن الصوت الذي ~~هو اقتراع في الهواء يموج ما يليه من الهواء كما يموج الحجر الجزء الذي ~~يليه من الماء إذا صك ms216 به ثم يتبع ذلك أن يموج أيضا بعض الماء بعضا وبعض ~~الهواء بعضا على طريق المدافعة بين الأجزاء إذا كانت متصلة. # PageV01P404 # فكما أن جانب الغدير إذا تموج حرك ما يليه في زمان ثم ما يلي ما يليه إلى ~~أن ينتهي إلى الجانب الأقصى منه حتى تصير بينهما مدة وزمان على قدر اتساع ~~سطح الماء فكذلك حال الهواء إذا اقترع فيه الجسم الصلب حرك ما يليه من ~~الهواء وتموج به ثم حرك هذا الجزء ما يليه في زمان بعد زمان حتى ينتهي إلى ~~الجزء الذي يلي آذاننا فنحس به ولذلك صار صوت وقع وكذلك حالنا إذا رأينا ~~القصار من بعيد على طرف واد فإنا نرى حركة يده وإلاحته بالثوب حين رفعه ~~وضربه الحجر قبل أن نسمع صوت ذلك الوقع بزمان. فهذه بعينها حال البرق ~~والرعد لأن السحاب يصطك بعضه ببعض فينقدح من ذلك الاصطكاك ما ينقدح من كل ~~جسمين إذا اصطكا بقوة شديدة ويخرج أيضا من بينهما صوت. وهما جميعا - أعني ~~البرق والرعد - يحدثان معا في حال واحدة إذ كان سببهما جميعا الصك والقرع ~~أعني حركة الجسم الصلب وقرع بعضه ببعض كحال المقدحة والحجر إلا أن البرق ~~يضيء منه الهواء بالاستحالة التي تكون بلا زمان فنحسه في الوقت. فأما الرعد ~~فيتموج منه الهواء الذي يلي السحاب المصطك ثم يتموج أيضا ما يليه ويسري في ~~الجزء بعد الجزء إلى أن ينتهي إلى الهواء الذي يلي # PageV01P405 # أسماعنا في زمان فنحس به حينئذ. ### | (مسألة) # إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر ~~أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع ~~المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح له حق. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - ~~رحمه الله: لو كانت الإقناعات ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ~~ما ذكرته ولكني وجدت مراتب الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة: فمنها ما يسمى ~~يقينا ومنها ما يسمى دليلا وقياسا إقناعيا بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما ~~يسمى ms217 ظنا وتخيلا وما أشبه ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع ~~تفاوت القياسات الموضوعة فيها. فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانيا وهو أن ~~تكون مقدماته مأخوذة من أمور ضرورية وكان تركيبها صحيحا - حدثت منه نتيجة ~~بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ. وكذلك. التي ~~امتدلى بها - فأثر الحرارة في المبدأ يكون ضعيفا لكثرة المادة ومقاومتها ~~فإذا قويت الحرارة بالتدريج وانتهت إلى غاية أمرها - كان زمان الشباب وكأنه ~~صعود وحال نشأ حتى ينتهي ثم يقف وقفة كما يعرض في جميع الحركات الطبيعية ثم ~~ينحط وهو زمان التكهل فلا يزال إلى نقصان حتى يفنى فناء طبيعيا كما وصفنا ~~وهو زمان الشيخوخة والهرم وقد كان في زمان جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه ~~عنه وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك منه من كان حفظ عليه مذهبه. وقد سلكت في ~~الجواب عن جميعها المسلك الذي اخترته واقترحته من الاختصار والإيماء إلى ~~النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى شرح - إلى مظانه من الكتب. نفعك الله بها ~~وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ولطفه. الحمد لله رب العالمين وصلواته على ~~رسوله محمد وآله أجمعين. ### | (مسألة # إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب) # ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل ~~انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح ~~له حق. ### || الجواب: # قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كانت الإقناعات ~~ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب ~~الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة: فمنها ما يسمى يقينا ومنها ما يسمى دليلا ~~وقياسا إقناعيا بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما يسمى ظنا وتخيلا وما أشبه ~~ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها. ~~فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانيا وهو أن تكون مقدماته مأخوذة من أمور ~~ضرورية وكان تركيبها صحيحا - حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز ms218 ~~أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ. وكذلك. التي امتدلى بها - فأثر الحرارة في ~~المبدأ يكون ضعيفا لكثرة المادة ومقاومتها فإذا قويت الحرارة بالتدريج ~~وانتهت إلى غاية أمرها - كان زمان الشباب وكأنه صعود وحال نشأ حتى ينتهي ثم ~~يقف وقفة كما يعرض في جميع الحركات الطبيعية ثم ينحط وهو زمان التكهل فلا ~~يزال إلى # PageV01P406 # نقصان حتى يفنى فناء طبيعيا كما وصفنا وهو زمان الشيخوخة والهرم وقد كان ~~في زمان جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه عنه وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك ~~منه من كان حفظ عليه مذهبه. وقد سلكت في الجواب عن جميعها المسلك الذي ~~اخترته واقترحته من الاختصار والإيماء إلى النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى ~~شرح - إلى مظانه من الكتب. نفعك الله بها وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ~~ولطفه. الحمد لله رب العالمين وصلواته على رسوله محمد وآله أجمعين. ~~PageV01P407 ms219