######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010252 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن مسكويه #META# 010.AuthorNAME :: أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه (المتوفى : 421هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 421 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تهذيب الأخلاق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تهذيب الأخلاق #META# 030.LibURI :: JK_010252 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرشد إلى الصراط المستقيم ومدح الخلق العظيم وأرسل نبيه ~~محمد متمما لمكارم الأخلاق وأدبه فأحسن تأديبه على الإطلاق. # اللهم إنا نتوجه إليك ونسعى نحوك ونجاهد نفوسنا في طاعتك ونركب الصراط ~~المستقيم الذي نهجته لنا إلى مرضاتك فاعن بقوتك واهدنا بعزتك واعصمنا ~~بقدرتك وبلغنا الدرجة العلي برحمتك والسعادة القصوى بجودك ورأفتك إنك على ~~ما تشاء قدير. # قال أحمد بن محمد بن مسكويه غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا ~~تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا ~~مشقة ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي والطريق في ذلك أن نعرف أولا ~~نفوسنا ماهي وأي شيء ولأي شيء أوجدت فينا، أعني كمالها وغايتها وما قواها ~~وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية ~~وما الأشياء العائقة لناعنها وما الذي يزكيها فتفلح وما الذي يدسيها فتخيب ~~فإن الله عز من قائل يقول: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح ~~من زكاها وقد خاسب من دساها. ولما كان لكل صناعة مباد عليها تبتني وبها ~~تحصل وكانت تلك المبادى مأخوذة من صناعة أخرى وليس في شيء من هذه الصناعات ~~أن تبين مبادى أنفسنا كان لنا عذر واضح في ذكر مبادىء هذه الصناعة على طريق ~~الإجمال والإشارة بالقول الوجيز وأن لم يكن مما قصدنا له واتباعها بعد ذلك ~~بما توخيناه من إصابة الخلق الشريف الذي يشرف شرفا ذاتيا حقيقيا لا على ~~طريق العرض الذي لا ثبات له ولا حقيقة أعني المكتب بالمال والمكاثرة أو ~~السلطان والمغالبة أو الإصطلاح والمواضعة فنقول وبالله التوفيق لوا نبين به ~~إن فينا شيئا ليس بجسم ولا بجزء من جسمب ولا عرض ولا محتاج في وجوده إلى ~~قوة جسيمة بل هو جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس ثم نبين ما مقصودنا ~~منه الذي خلقنا له وندبنا إليه فنقول: # تعريف النفس PageV01P001 إنا لما وجدنا في الإنسان شياما يضاد أفعال ~~الأجسام وأجزاء الأجسام بحده ms001 وخواصه وله أيضا أفعال تضاد أفعال الجسمب ~~وخواصه حتى لا يشاركه في حال من الأحوال وكذلك نجده يباين الأعراض ويضادها ~~كلها غاية المباينة ثم وجدنا هذه المباينة المضادة منه للأجسام والأعراض ~~إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا حكمنا بأن هذا الشيء ~~ليس بجسم ولا جزء من جسم ولا عرضا وذلك إنه لا يستحيل ولا يتغير وأيضا فإنه ~~يدرك جميع الأشياء بالسوية ولا يلحقه فتور ولا كلال ولانقص {وبيان ذلك} إن ~~كل جسم له صورة ما فإنه ليس يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى إلا بعد ~~مفارقته الصورة الأولى مفارقة تامة {مثال ذلك} إن الجسم إذا قبل صورة وشكلا ~~من الأشكال كالتثليث مثلا فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير وغيرهما ~~إلا بعد أن يفارقه الشكل الأول وكذلك إذا قبل صورة نقش أو كتابة أو أي شيء ~~كان من الصور فليس يقبل صورة أخرى من ذلك الجنس إلا بعد زوال الأولى ~~وبطلانها ألبته فإن بقي فيه شيء من رسم الصورة الأولى لم يقبل الصورة ~~الثانية على التمام بل تختلط به الصورتان فلا يخلص له إحداهما على التمام ~~{مثال ذلك} إذا قبل الشمع صورة نقش في الخاتم لم يقبل غيره من النقوش إلا ~~بعد أن يزول عنه رسم النقش الأول وكذلك الفضة إذا قبلت صورة الخاتم وهذا ~~حكم مستقيم مستمر في الأجسام. ونحن نجد أنفسنا تقبل صور الأشياء كلها على ~~اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال من غير مفارقة للأولى ~~ولا معاقبة ولا زوال رسم بل يبقى الرسم الأول تاما كاملا وتقبل الرسم ~~الثاني أيضا تاما كاملا ثم لا تزال تقبل صورة بعد صورة أبدا دائما من غير ~~أن تضعف أو تقصر في وقت من الأوقات عن قبول ما يرد ويطرأ عليها من الصور بل ~~تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى وهذه الخاصة ~~مضادة لخواص الأجسام ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في ~~العلوم والآداب فليست النفس إذا جسما فأما ms002 إنها ليست بعرض فقد تبين من قبل ~~أنالعرض لا يحمل عرضا لأن العرض في نفسهمحمول أبا موجود في غيره لا قوام له ~~بذاته وهذا الجوهر الذي وصفنا حاله هو قابل أبدا حامل أتم وأكمل من حمل ~~الأجسام للأعراض. فإذا النفس ليست جسما ولا جزأ من جسم ولا عرضا وأيضا فإن ~~الطول والعرض والعمق الذي به صار الجسم جسما يحصل في النفس في قوتها ~~الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ثم تزداد فيها هذه المعاني ~~أبدا بلا نهاية فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق بل لا تصير بها جسما ~~ألبتة ولا إذا تصورة أيضا كيفيات الجسم تكيفت بها. أعني إذا تصورت الألوان ~~والطعوم والروائح لم تتصور بها كما تتصور الأجسام ولا يمنع بعضها قبول بعض ~~من أضدادها كما يمنع في الجسم بل تقبلها كلها في حالة واحدة بالسواء. وكذلك ~~حالها في المعقولات فإنها تزداد بكل معقول تحصله قوة على قبول غيره دائما ~~أبدا بلا نهاية وهذه حالة مقابلة لا حوال الأجسام وخاصة في غاية البعد من ~~خواصها، وأيضا فإن الجسم قواه لا تعرف العلوم إلا من الحواس ولا يميل غلا ~~إليها فهي تتشوقها بالملابسة والمشابكة كالشهوات البدنية ومحبة الإنتقام ~~والغلبة وبالجملة كل ما يحس ويوصل إليه بالحس والجسم يزداد بهذه الأشياء ~~قوة ويستفيد منها تماما وكمالا لأنها مادته وأسباب وجوده فهو يفرح بها ~~ويشتاق إليها من أجل إنها تتمم وجوده وتزيد فيه وتمده. فأما هذا المعنى ~~الآخر الذي سميناه نفسا فإنه كلما تباعد من هذه المعاني البدنية التي ~~أحصيناها وتداخل إلى ذاته وتحلى من الحواس بأكثر ما يمكن ازداد قوة وتماما ~~وكمالا وتظهر له الآراء الصحيحة والمعقولات البسيطة. # وهذا إذن أدل دليل على أن طباعه وجوهره من غير طباع الجسم والبدن وأنه ~~أكرم جوهر أو أفضل طباعا من كل ما في هذا العالم من الأمور الجسمانية وايضا ~~فإن تشوقها إلى ما ليس من طباع البدن وحرصها على معرفة حقائق الأمور ~~الآلهية وميلها إلى الأمور التي هي ms003 أفضل من الأمور الجسمية وإيثارها لها ~~وإنصرافها عن الأمور واللذات الجسمانية يدلنا دلالة واضحة إنها من جوهر ~~أعلى وأكرم جدا من الأمور الجسمانية. PageV01P002 لأنه لا يمكن في شيء من ~~الأشياء أن يتشوق ما ليس من طباعه وطبيعته ولا أن ينصرف عما يكمل ذاته ~~ويقوم جوهره فإذا كانت أفعال النفس إذا إنصرفت إلى ذاتها فتركت الحواس ~~مخالفة لأفعال البدن ومضادة لها في محاولاتها وإراداتها فلا محالة إن ~~جوهرها مفارق لجوهر البدن ومخالف له في طبعه. # وأيضا فإن النفس وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادىء العلوم عن الحواس فلها من ~~نفسها مباد أخر وأفعال لا تأخذها عن الحوس ألبتة وهي المبادىء الشريفة ~~العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة. وذلك إنها إذا حكمت إنه ليس ~~بين طرفي النقيض واسطة فإنها لم تأخذ هذا الحكم من شيء آخر لم يكن أوليا. ~~وأيضا فإن الحواس تدرك المحسوسات فقط وأما النفس فإنها تدرك أسباب ~~الإتفاقات وأسباب الإختلافات التي من المحسوسات وهي معقولاتها التي لا ~~تستعين عليها بشيء من الجسم ولا آثار الجسم. وكذلك إذا حكمت على الحس إنه ~~صدق أو كذب فليست تأخذ هذا الحكم من الحس لأنه لا يضاد نفسه فيما يحكم فيه ~~ونحن نجد النفس العاقلة فينا تستدرك شيئا كثيرا من خطأ الحواس في مبادىء ~~أفعالها وترد عليها أحكامها. من ذلك أن البصر يخطىء فيما يراه من قرب ومن ~~بعد أما خطأه في البعيد فبادراكه الشمس صغيرة مقدارها عرض قدم وهي مثل ~~الأرض مائة ونيفا وستين مرة يشهد بذلك البرهان العقلي فتقبل منه وترد على ~~الحس ما شهد به فلا يقبله. وأما خطأه في القريب فبمنزلة ضوء الشمس إذا وقع ~~علينا من ثقب مربعات صغار كحلل الأهواز وأشباهها التي يستظل بها فإنه يدرك ~~بها الضوء الواصل إلينا منها مستدير افترد النفس العاقلة عليه هذا الحكم ~~وتغلطه في إدراكه وتعلم إنه ليس كما يراه وتخطأ البصر أيضا في حركة القمر ~~والسحاب والسفينة والشاطىء ويخطأ في الأساطين المسطرة والنخيل وأشباهها حتى ~~يراها مختلفة في أوضاعها. ويخطىء ms004 أيضا في الأشياء التي تتحرك على الإستدارة ~~حتى يراها كالحلقة والطوق ويخطىء أيضا في الأشياء الغائصة في الماء حتى يرى ~~أن بعضه أكبر من مقداره ويرى بعضها مكسورا وهو صحيح وبعضها معوجا وهو ~~مستقيم وبعضها منكسرا وهومنتصب. فيستخرج العقل أسباب هذه كلها من مباد ~~عقلية ويحكم عليها احكاما صحيحة وكذلك الحال في حاسة السمع وحاسة الذوق ~~وحاسة الشم وحاسة اللمس. أعني حاسة الذوق تغلط في الحلو تجده مرا عند الصد ~~أو أشبهه وحاسة الشم تغلط كثيرا في الأشياء المنتنة لا سيما في المنتفل من ~~رائحة إلى رائحة فالعقل يرد هذه القضايا ويقف فيها ثم يستخرج أسبابها ويحكم ~~فيها أحكاما صحيحة والحاكم في الشيء المزيف له أو المصحح أفضل وأعلى رتبة ~~من المحكوم عليه وبالجملة فإن النفس إذ علمت أن الحس صدق أو كذب فليست تأخذ ~~هذا العلم من الحس ثم إذا علمت أنها قد أدركت معقولاتها فليست تعلم هذا ~~العلم من علم آخر لأنها لو علمت هذا العلم من علم آخر لاحتاجت في ذلك العلم ~~أيضا إلى علم آخر وهذا يمر بلا نهاية فإذا علمها بأنها علمت ليست بمأخوذ من ~~علم آخر البتة بل هو من ذاتها وجوهرها أعني العقل وليست تحتاج في إدراكها ~~ذاتها إلى شيء آخر غير ذاتها ولهذا ما قيل في أواخر هذا العلم. إن العقل ~~والعاقل والمعقول شيء واحد لاغيرية شيء يتبين في موضعه. فأما الحواس فلا ~~تحس ذواتها ولا ما هو موافق لها كل الموافقة كما سيتبين أيضا وإذ قد تبين ~~من هذه الأشياء بيانا واضحا إن النفس ليست بجسم ولا بجزء من جسم ولا حال من ~~أحوال الجسم وإنها شيء آخر مفارق للجسم بجوهره وأحكامه وخواصه وأفعاله ~~فتقول: # شوق النفس إلى أفعالها الخاصة بها PageV01P003 أما شوقها إلى أفعالها ~~الخاصة بها أعني العلوم والمعارف مع هربها من أفعال الجسم الخاصة به فهو ~~فضيلتها وبحسب طلب الإنسان لهذه الفضيلة وحرصه عليها يكون فضله وهذا الفضل ~~يتزايد بحسب عناية الإنسان بنفسه وانصرافه عن الأمور العائقة له عن ms005 هذا ~~المعنى بجهده وطاقته وقد وضح مما تقدم ما الأشياء العائقة لنا عن الفضائل ~~أعني الأشياء البدنية والحواس وما يتصل بها. فأما الفضائل أنفسها فليست ~~تحصل لنا إلا بعد أن تطهر نفوسنا من الرذائل التي هي أضدادها أعني شهواتها ~~الرديئة الجسمانية ونزواتها الفاحشة البهيمية. فإن الإنسان إذا علم أن هذه ~~الأشياء ليست فضائل بل هي رذائل تجنبها وكره أن يوصف بها وإذا ظن أنها ~~فضائل لزمها وصارت له عادة وبحسب التباسه وتدنسه بها يكون بعده من قبول ~~الفضائل. وقد يظهر للإنسان أن هذه الأشياء التي يشتاقها البدن بالحواس ~~ويميل إليها الجمهور أعني المآكل والمشارب والمناكح هي رذائل وليست فضائل ~~وأنه إذا عقلها في الحيوانات الآخر وجد كثيرا منها أقدر على الإستكثار منها ~~وأحرص عليها كالخنزير والكلب وأصناف كثيرة من حيوان الماء وسباع الوحش ~~والطير فإنها أقوى وأحرص من الإنسان علىهذه الأشياء وأكثر احتمالا لها ~~وليست تكون بها أفضل من الإنسان. وأيضا فإن الإنسان إذا اكتفى من طعامه ~~وشرابه وسائر لذاته البدنية إذا عرض عليه الإستزادة منها كما يستزاد من ~~الفضائل أبى ذلك وعافه وتبين له قبح صورة من يتعاطاها لا سيما مع الإستغناء ~~عنها والإكتفاء منها بل يتجاوز ذلك إلى مقته وذمه بل إلى تقويمه وتأديبه. ~~فينبغي الآن أن نقدم أمام ما نطلبه من سعادة النفس وفضائلها كلاما يسهل به ~~فهم ما نريده فنقول: كل موجود من حيوان ونبات وجماد وكذلك بسائطها أعني ~~النار والهواء والأرض والماء وكذلك الأجرام العلوية له قوى وملكات وأفعال ~~بها يصير ذلك الموجود هو ما هو وبها يميز عن كل ما سواه وله أيضا قوى ~~وملكات وأفعال بها يشارك ما سواه. # ولما كان الإنسان من بين الموجودات كلها هو الذي يلتمس له الخلق المحمود ~~والأفعال المرضية وجب أن لا ننظر في هذا الوقت في قواه وملكاته التي بها ~~يشارك سائر الموجودات إذ كان ذلك من حق صناعة أخرى وعلم آخر يسمى العلم ~~الطبيعي. وأما أفعاله وقواه وملكاته التي يختص بها من حيث هو إنسان وبها ms006 ~~تتم إنسانيته وفضائله فهي الأمور الإرادية التي بها تتعلق قوة الفكر ~~والتمييز. والنظر فيها يسمى الفلسفة العلمية. والأشياء الإرادية التي تنسب ~~إلى الإنسان تنقسم إلى الخيرات والشرور. # وذلك أن الغرض المقصود من وجود الإنسان إذا توجه الواحد منا إليه حتى ~~يحصل هو الذي يجب أن يسمى به خيرا أو سعيدا. فأما من عاقه عنها عوائق أخر ~~فهو الشرير الشقي فإذا الخيرات هي الأمور التي تحصل للإنسان بإرادته وسعيه ~~في الأمور التي لها أوجد الإنسان ومن أجلها خلق. والشرور هي الأمور التي ~~تعوقه عن هذه الخيرات بإرادته وسعيه أو كسله وانصرافه والخيرات قد قسمها ~~الأولون إلى أقسام كثيرة. وذلك إن منها ما هي شريفة ومنها ما هي ممدوحة ~~ومنها ما هي بالقوة كذلك ونعني بالقوة التهيؤ والإستعداد ونحن نعددها فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا القول أن كل واحد من الموجودات له كمال ~~خاص وفعل لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء أعني أنه لا يجوز أن يكون ~~موجودا آخر سواه يصلح لذلك الفعل منه وهذا حكم مستمر في الأمور العلوية ~~والسفلية كالشمس وسائر الكواكب وكأنواع الحيوان كلها كالفرس والبازي ~~وكأنواع النبات والمعادن وكالعناصر البسائط التي متى تصفحت أحوالها تبين لك ~~من جميعها صحة ما قلناه وحكمنا به. فإذا الإنسان من بين سائر الموجودات له ~~فعل خاص به لا يشاركه فيه غيره وهو ما صدر عن قوته المميزة المروية فكل من ~~كان تمييزه أصح ورويته أصدق واختياره أفضل كان أكمل في إنسانيته. وكما أن ~~السيف والمنشار وأن صدر عن كل واحد منهما فعله الخاص بصورته الذي من أجله ~~عمل. فأفضل السيوف ما كان أمضى وأنضر وما كفاه يسير من الإيماء في بلوغ ~~كماله الذي أعد له. PageV01P004 وكذلك الحال في الفرس والبازي وسائر ~~الحيوانات فإن أفضل الأفراس ما كان أسرع حركة وأشد تيقظا لما يريده الفارس ~~منه في طاعة اللجام وحسن القبول في الحركات وخفة العدو والنشاط. فكذلك ~~الناس أفضلهم من كان أقدر على أفعاله الخاصة به وأشد ms007 تمسكا بشرائط جوهره ~~الذي تميز به عن الموجودات، فإذا الواجب الذي لا مرية فيه أن نحرص على ~~الخيرات التي هي كمالنا والتي من أجلها خلقنا ونجتهد في الوصول إلى ~~الإنتهاء إليها ونتجنب الشرور التي تعوقنا عنها وتنقص حظنا منها فإن الفرص ~~إذا قصر عن كماله ولم تظهر أفعاله الخاصة به على أفضل أحوالها حط عن مرتبة ~~الفرسية واستعمل بالأكاف كما تستعمل الحمير وكذلك حال السيف وسائر الآلآات ~~متى قصرت ونقصت أفعالها الخاصة بها حطت عن مراتبها واستعملت استعمال ما ~~دونها والإنسان إذا نقصت أفعاله وقصرت عما خلق له أعني أن تكون أفعاله التي ~~تصدر عنه وعن رويته غير كاملة أحرى بأن يحط عن مرتبة الإنسانية إلى مرتبة ~~البهيمية. # هذا إن صدرت أفعاله الإنسانية عنه ناقصة غير تامة فإذا صدرت عنه الأفعال ~~بضد ما أعد له أعني الشرور التي تكون بالروية الناقصة والعدول بها عن جهتها ~~لأجل الشهوة التي يشارك فيها البهيمة أولا أو الإغترار بالأمور الحسية التي ~~تشغله عما عرض له من تزكية نفسه التي ينتهب بها إلى الملك الرفيع والسرور ~~الحقيقي وتوصله إلى قرة العين التي قال الله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين) وتبلغه إلى رب العالمين في النعيم المقيم واللذات التي لم ترها ~~عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر وانخدع عن هذه الموهبة السرمدية ~~الشريفة بتلك الخساسات التي لا ثبات لها. فهو حقيق بالمقت من خالقه عز وجل ~~خليق بتعجيل العقوبة له وإراحة العباد والبلاد منه. وإذ تبين ان سعادة كل ~~موجود إنما هي صدور أفعاله التي تخص صورته عنه تامة كاملة وإن سعادة ~~الإنسان تكون في صدور أفعاله الإنسانية عنه بحسب تمييزه ورويته وأن لهذه ~~السعادة مراتب كثيرة بحسب الروية والمروي فيه ولذلك قيل أفضل الروية ما كان ~~في أفضل مروي ثم ينزل رتبة فرتبة إلى أن ينتهي إلى النظر في الأمور الممكنة ~~من العالم الحسي فيكون الناظر في هذه الأشياء قد استعمل رويته والصورة ~~الخاصة به التي صار من ms008 أجلها سعيدا معرضا للملك الأبدي والنعيم السرمدي في ~~أشياء دنيئة لا وجود لها بالحقيقة فقد تبين أيضا أجناس من السعادات بالجملة ~~وأضدادها من الشقاوات وأجناسها وأن الخيرات والشرور في الأفعال الإرادية هي ~~إما باختيار الأفضل والعمل به وإما باختيار الأدون والميل إليه. # ولما كانت هذه الخيرات الإنسانية وملكاتها التي في النفس كثيرة ولم يكن ~~في طاقة الإنسان الواحد القيام بجميعها وجب أن يقوم بجميعها جماعة كثيرة ~~منهم ولذلك وجب أن تكون أشخاص الناس كثيرة وأن يجتمعوا في زمان واحد على ~~تحصيل هذه السعادات المشتركة لتكميل كل واحد منهم بمعاونة الباقين له فتكون ~~الخيرات مشتركة والسعادة مفروضة بينهم فيتوزعونها حتى يقوم كل واحد منهم ~~بجزء منها ويتم للجميع بمعاونة الجميع الكمال الإنسي وتحصل لهم السعادات ~~الثلاث التي شرحناها في كتاب الترتيب. ولأجل ذلك وجب على الناس أن يحب ~~بعضهم بعضا لأن كل واحد يرى كماله عند الآخر ولولا ذلك لما تمت للفرد ~~سعادته فيكون إذا كل واحد بمنزلة عضو من أعضاء البدن وقوام الإنسان بتمام ~~أعضاء بدنه. # وقد تبين للناظر في أمر هذه النفس وقواها أنها تنقسم إلى ثلاثة أعني ~~القوة التي بها يكون الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور والقوة التي ~~بها يكون الغضب والنجدة والإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع ~~وضروب الكرامات والقوة التي بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى الملاذ ~~التي في المآكل والمشارب والمناكح وضروب اللذات الخسية وهذه الثلاث متباينة ~~ويعلم من ذلك ان بعضها إذا قوي أضر بالآخر وربما أبطل أحدهما فعل الآخر ~~وربما جعلت نفوسنا وربما جعلت قوى لنفس واحدة والنظر في ذلك ليس يليق بهذا ~~الموضع وأنت تكتفي في تعلم الأخلاق بأنها قوى ثلاث متباينة تقوي إحداهما ~~وتضعف بحسب المزاج أو العادة أوالتأدب. PageV01P005 فالقوة الناطقة هي التي ~~تسمى الملكية وآلتها التي تستعملها من البدن، الدماغ، والقوة الشهويد التي ~~تسمى بالبهيمية وآلتها التي تستعملها من البدن، الكبد. # والقوة الغضبية هي التي تسمى السبعية وآلتها التي تستعملها من البدن ~~القلب فلذلك وجب أن يكون ms009 عدد الفضائل بحسب إعداد هذه القوى وكذلك أضدادها ~~التي هي رذائل فمتى كانت حركة النفس الناطقة معتدلة وغير خارجة عن ذاتها ~~وكان شوقها إلى المعارف الصحيحة {لا المظنونة معارف وهي بالحقيقة جهالات} ~~حدثت عنها فضيلة العلم وتتبعها الحكمة ومتى كانت حركة النفس البهيمية ~~معتدلة منقادة للنفس العاقلة غير متأبية عليها فيما نقسطه لها ولا منهمكة ~~في اتباع هواها حدثت عنها فضيلة العفة وتتبعها فضيلة السخاء. # ومتى كانت حركة النفس الغضبية معتدلة تطيع النفس العاقلة فيما تقسطه لها ~~فلا تهيج في غير حينها ولا تحمي أكثر مما ينبغي لها حدثت منها فضيلة الحلم ~~وتتبعها فضيلة الشجاعة ثم يحدث عن هذه الفضائل الثلاث باعتدالها ونسبة ~~بعضها إلى بعض فضيلة هي كمالها وتمامها وهي فضيلة العدالة. فلذلك أجمع ~~الحكماء علىأن أجناس الفضائل أربع وهي الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة ~~ولهذا لا يفتخر أحد ولا يتباهى إلا بهذه الفضائل فقط. فأما من افتخر بآبائه ~~وأسلافه فلأنهم كانوا على بعض هذه الفضائل أو عليها كلها وكل واحدة من هذه ~~الفضائل إذا تعدت صاحبها إلى غيره تسمى صاحبها بها ومدح عليها وإذا اقتصرت ~~على نفسه لم يسم بها بل غيرت هذه الأسماء. أما الجود فإنه إذا لم يتعد ~~صاحبه سمى صاحبه منفاقا. وأما الشجاعة فإن صاحبها يسمى آنفا. وأما العلم ~~فإن صاحبه يسمى مستبصرا ثم إن صاحب الجود والشجاعة إذا عم غيره بفضيلتيه ~~وتعدتاه رجى بإحداهماواحتشم وهيب بالأخرى. وذلك في الدنيا فقط لأنهما ~~فضيلتان حيوانيتان. أما العلم إذا تعدى صاحبه فإنه يرجى ويحتشم في الدنيا ~~والآخرة لأنه فضيلة إنسانية ملكية. وأضداد هذه الفضائل الأربع أربع أيضا ~~وهي الجهل والشره والجبن والجور وتحت كل واحد منهذه الأجناس أنواع كثيرة ~~سنذكر منها ما يمكن ذكره. فأما أشخاص الأنواع فهي بلا نهاية وهي أمراض ~~نفسانية تحدث منها أمراض كيرة كالخوف والحزن والغضب وأنواع العشق الشهواني ~~وضروب من سوء الخلق وسنذكرها ونذكر علاجاتها فيما بعد إنشاء الله تعالى. ~~والذي يجب علينا الآن هو تحديد هذه الأشياء أعني الأجناس الأربعة التي ~~تحتوي ms010 على جمل الفضائل فنقول: أما الحكمة فهي فضيلة النفس الناطقة المميزة ~~وهي أن تعلم الموجودات كلها من حيث هي موجودة وإن شئت فقل إن تعلم الأمور ~~الإلهية والأمور الإنسانية ويثمر علمها بذلك أن تعرف المعقولات أيها يجب ان ~~يفعل وأيها يجب أن يغفل. واما العفة فهي فضيلة الحس الشهواني وظهور هذه ~~الفضيلة في الإنسان يكون بأن يصرف شهواته بحسب الرأى أعني أن يوافق التمييز ~~الصحيح حتى لا ينقاد لها ويصير بذلك حرا غير متعبد لشيء من شهواته، وأما ~~الشجاعة فهي فضيلة النفس الغضبية وتظهر في الإنسان بحسب إنقيادها للنفس ~~الناطقة المميزة واستعمال ما يوجبه الرأى في الأمور الهائلة أعني أن لا ~~يخاف من الأمور المفزعة إذا كان فعلها جميلا والصبر عليها محمودا. # فأما العدالة فهي فضيلة للنفس تحدث لها من إجتماع هذه الفضائل الثلاث ~~التي عددناها وذلك عند مسالمة هذه القوى بعضها للبعض وإستسلامها للقوة ~~المميزة حتى لا تتغالب ولا تتحرك لنحو مطلوباتها على سوم طبائعها ويحدث ~~للإنسان بها سمة يختار بها ابدا الإنصاف من نفسه أولا ثم الإنصاف والإنتصاف ~~من غيره وله. وسنتكلم على كل واحدة من هذه الفضائل بكلام أوسع من هذا إذا ~~ذكرنا الفضائل التي تحت كل جنس من هذه الأربع إذ كان غرضنا في هذا الموضع ~~الإشارة إليها بالرسوم الوجيزة ليتصورها المتعلم. والذي ينبغي الآن أن نتبع ~~ما قدمنا بذكر أنواع هذه الأجناس وماتحت كل واحد منها فنقول {الأقسام التي ~~تحت الحكمة الذكاء. الذكر. التعقل. سرعة الفهم وقوته صفاء الذهن سهولة ~~التعلم وبهذه الأشياء يكون حسن الإستعداد للحكمة فأما الوقوف على جواهر هذه ~~الأقسام فيكون من حدودها. وذلك أن العلم بالحدود يفهم جواهر الأشياء ~~المطلوبة الموجودة دائما على حال واحد وهو العلم البرهاني الذي لا يتغير ~~ولا يدخله الشك بوجه من الوجوه. PageV01P006 والفضائل التي هي بذاتها فضائل ~~لا تكون في حال من الأحوال غير فضائل، فكذلك العلوم بها. أما الذكاء فهو ~~سرعة انقداح النتائج وسهولتها على النفس. اما الذكر فهو ثبات صورة ما يخلصه ~~العقل أو ms011 الوهم من الأمور. وأما التعقل فهو موافقة بحث النفس عن الأشياء ~~الموضوعة بقدر ما هي عليه. وأما صفاء الذهن فهو استعداد لما قد لزم من ~~المقدم. وأما سهولة التعلم فهي قوة للنفس وحدة في الفهم بها تدرك الأمور ~~النظرية. # الفضائل التي تحت العفة # الحياء. الدعة. الصبر. السخاء. الحرية. القاعة. الدماثة. الإنتظام. حسن ~~الهدى. المسالمة. الوقار. الورع، أما الحياء فهو إنحصار النفس خوف إتيان ~~القبائح والحذر من الذم والسب الصادق. وأما الدعة فهي سكون النفس عند حركة ~~الشهوات. وأما الصبر فهو مقاومة النفس الهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات وأما ~~السخاء فهو التوسط في الإعطاء وهو أن ينفق الأمور فيما ينبغي بعلىمقدار ما ~~ينبغي وعلى ما ينبغي وتحت السخاء خاصة أنواع كثيرة نحصيها فيما بعد لكثرة ~~الحاجة إليها. # وأما الحرية فهي فضيلة للنفس بها يكتسب المال من وجهه ويعطي في وجهه ~~وتمنع من اكتسابه منغير وجهه. وأما القناعة فهي التساهل في المآكل والمشارب ~~والزينة. وأما الدماثة فهي حسن إنقياد النفس لما يجمل وتسرعها إلى الجميل. ~~وأما الإنتظام فهو حال للنفس تقودها إلى حسن تقدير الأمور وترتيبها كما ~~ينبغي. وأما حسن الهدى فهو محبة تكميل النفس بالزينة الحسنة. وأما المسألة ~~فهي موادعة تحصل للنفس عن ملكة لا اضطرار فيها. واما الوقار فهو سكون النفس ~~وثابتها عند الحركات التي تكون في المطالب وأما الورع فهو لزوم الأعمال ~~الجميلة التي فيها كمال النفس. # الفضائل التي تحت الشجاعة # كبر النفس. النجدة. عظم الهمة، الثبات. الصبر، الحلم. عدم الطيش، ~~الشهامة، احتمال الكد والفرق بين الصبر والصبر الذي في العفة أنهذا يكون في ~~الأمور الهائلة وذلك يكون في الشهوات الهائجة. اما كبر النفس فهو الإستهانة ~~باليسير والإقتدار على حمل الكرائه فصاحبه أبدا يؤهل نفسه للأمور العظام مع ~~استخفافه لها. وأما النجدة فهي ثقة النفس عند المخاوف حتى لا يخامرها جزع. ~~وأما عظم الهمة فهي فضيلة للنفس تحتمل بها سعادة الجد وضدها حتى الشدائد ~~التي تكون عند الموت. وأما الثبات فهو فضيلة للنفس تقوى بها على إحتمال ~~الآلام ومقاومتها ms012 في الأهوال خاصة. وأما الحلم فهو فضيلة للنفس تكسبها ~~الطمأنينة فلا تكون شغبة ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة. # وأما السكون الذي نعني به عدم الطيش فهو إما عند الخصومات وإما في الحروب ~~التي يذب بها عن الحريم أو عن الشريعة. وهو قوة للنفس تقسر حركتها في هذه ~~الأحوال لشدتها. وأما الشهامة فهي الحرص على الأعمال العظام توقعا للأحدوثة ~~الجميلة. وأما احتمال الكد فهو قوة للنفس بها تستعمل آلات البدن في الأمور ~~الحسية بالتمرين وحسن العادةز # ؟؟الفضائل التي تحت السخاء # الكرم. الإيثار، النيل، المواساة. السماحة المسامحة. أما الكرم فهو إنفاق ~~المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر الكثيرة النفع كما ~~ينبغي وباقي شرائط السخاء التي ذكرناها. وأما الإيثار فهو فضيلة للنفس بها ~~يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه. وأما النيل فهو ~~سرور النفس بالأفعال العظام وإبتهاجها بلزوم هذه السيرة. وأما المواساة فهي ~~معاونة الأصدقاء والمستحقين ومشاركتهم في الأموال والأقوات. وأما السماحة ~~فهي بذل بعض ما لا يجبز وأما المسامحة فهي ترك بعض ما يجب والجميع يكون ~~بالإرادة والإختيار. # ؟الفضائل التي تحت العدالة PageV01P007 الصدقة، الألفة. صلة الرحم. ~~المكافأة. حسن الشركة. حسن القضاء، التودد. العبادة. ترك الحقد. مكافأة ~~الشر بالخير. استعمال اللطف. ركوب المروءة في جميع الأحوال. ترك المعادات. ~~ترك الحكاية عمن ليس بعدل مرضي. البحث عن سيرة من يحكي عنه العدل. ترك لفظة ~~واحدة لا خير فيها مسلم فضلا عن حكاية توجب حدا او قذفا أو قتلا أو ~~قطعا.ترك السكون إلى قول سفلة الناس وسقطهم. ترك قول من يكدي بين الناس ~~ظاهرا باطنا أو يلحف في مسألة أو يلح بالسؤال فإن هؤلاء يرضيهم الشيء ~~اليسير فيقولون لأجله حسنا ويسخطهم إذا منعوا اليسير فيقولون لأجله قبيحا. ~~ترك الشره في كسب الحلال وترك ركوب الدناءة في الكسب لأجل العيال. الرجوع ~~إلى الله وإلى عهده وميثاقه عند كل قول يتلفظ به أو لحظ يلحظه أو خطرة في ~~أعدائه وأصدقائه. ترك اليمين بالله وبشيء من أسماءه وصفاته رأسا. وليس ms013 بعدل ~~من لم يكرم زوجته وأهلها المتصلين بها وأهل المعرفة الباطنة به وأهل ~~المعرفة الباطنة به. وخير الناس خيرهم لأهله وعشيرته والمتصلين به من أخ أو ~~ولد أو متصل بأخ أو والد أو قريب أو نسيب أو شريك أو جار أو صديق أو حبيب. ~~ومن احب المال حبا مفرطا لم يؤهل لهذه المرتبة. فإن حرصه على جمع المال ~~يصده عن استعمال الرأفة وامتطاء الحق وبذل ما يجب ويضطره إلى الخيانة ~~والكذب والإختلاق والزور ومنع الواجب والإستقصاء وإستجلاب الدانق والحبة ~~والذرة لبيع الدين والمروءة. وربما أنفق أموالا جمة محبة منه للمحمدة وحسن ~~الثناء ولا يريد بذلك وجه الله وما عنده. بل يتخذها مصيدة ويجعل ذلك مكسبة ~~ولا يعلم أن ذلك عليه سيئة ومسبة. أماالصداقة فهي محبة صادقة يهتم معها ~~بجميع أسباب الصديق وغيثار فعل الخيرات التي يمكن فعلها به. وأما الألفة ~~فهي إتفاق الآراء والإعتقادات. وتحدث عن التواصل فيعتقد معها التضافر على ~~تدبير العيش. # وأما صلة الرحم فهي مشاركة ذوي اللحمة في الخيرات التي تكون في الدنيا. # وأما المكافأة فهي مقابلة الإحسان بمثله أو بزيادة عليه. وأما حسن الشركة ~~فهو الأخذ والإعطاء في المعاملات على الإعتدال الموافق للجميع. وأما حسن ~~القضاء فهو مجازاة بعدل بغير ندم ولا من. وأما التودد فهو طلب مودات ~~الأكفاء وأهل الفضل بحسن اللقاء وبالأعمال التي تستدعي المحبة منهم. وأما ~~العبادة فهي تعظيم الله تعالى وتمجيده وطاعته وإكرام أوليائه من الملائكة ~~والأنبياء والأئمة والعمل بما توجبه الشريعة وتقوى الله تعالى تتم هذه ~~الأشياء وتكملها، وإذ قد تقصينا الفضائل الأولى وأقسامها وذكرنا أنواعها ~~وأجزاءها فقد عرفنا الرذائل التي تضاد الفضائل لأنه يفهم من كل واحدة من ~~تلك الفضائل كلها ما يقابلها لأن العلم بالأضداد واحد. # ولما كانت هذه الفضائل أوساطا بين أطراف وتلك الأطراف هي الرذائل وجب أن ~~تفهم منها وأن اتسع لنا الزمان ذكرناها لأن وجود أسمائها في هذا الوقت ~~متعذر وينبغي ان تفهم من قولنا أن كل فضيلة فهي وسد بين رذائل ما أنا ~~واصفه. PageV01P008 إن ms014 الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها ~~وسط وبالجملة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط وإذا كان ~~الشيء على غاية البعد من شيء آخر فهو من هذه الجهة على القطر. فعلى هذا ~~الوجه يبنغي أن يفهم معنى الوسط من الفضيلة إذا كانت بين رذائل بعدها منها ~~أقصى البعد ولهذا إذا انحرنفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف ~~قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل ~~إليها ولهذا صعب جدا وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب لذلك قالت ~~الحكماء إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها ولزوم الصواب بعد ذلك حتى لا ~~يخطأها أعسر وأصعب. وذلك أن الأطراف التي تسمى رذائل من الأفعال والأحوال ~~والزمان وسائر الجهات كثيرة جدا. ولذلك كانت دواعي الشر أكثر من دواعي ~~الخير ويجب أن تطلب أوساط تلك الأطراف بحسب كل فرد فرد. فأما ما يجب على ~~المؤلف فهو أن يذكر جمل هذه الأوساط وقوانينها بحسب ما يليق بالصناعة لا ~~على ما يجب على كل شخص فإن هذا غير ممكن فإن النجار والصائغ وجميع أرباب ~~الصناعات إنما يحصل في نفوسهم قوانين وأصول فيعرف النجار صورة الباب ~~والسرير والصائغ صورةالخاتم والتاج على الإطلاق. فأما أشخاص ماقام في نفسه ~~فإنما يستخرجها بتلك القوانين ولا يمكنه تعرف الأشخاص لأنها بلا نهاية. ~~وذلك أن كل باب وخاتم إنما يعمل بمقدار ما ينبغي وعلى قدر الحاجة وبحسب ~~المادة. # والصناعة لا تضمن إلا معرفة الأصول فقط. وإذ قد ذكرنا معنى الوسط في ~~الأخلاق وماينبغي أن يفهم منه فلنذكر هذه الأوساط لتفهم منها الأطراف التي ~~هي رذائل وشرور فنقول وبالله التوفيق. # أما الحكمة فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه ههنا إستعمال القوة ~~الفكرية فيما لا ينبغي وكمالا ينبغي. وسماه القوم الجزيرة وأعني بالبله ~~تعطيل هذهالقوة وإطراحها وليس بنبغي أن يفهم أن البله ههنا نقصان الخلقة بل ~~ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة. وأما الذكاء فهو ms015 وسط بين الخبث ~~والبلادة فإن أحد طرفي كل وسط إفراط والآخر تفريط أعني الزيادة عليه ~~والنقصان منه فالخبث والدهاء والحيل الرديئة هي كلها إلى جانب الزيادة فيما ~~ينبغي أن يكون الذكاء فيه. وأما البلادة والبله والعجز عنغدراك المعارف فهي ~~كلها إلى جانب النقصان من الذكاء. وأما الذكر فهو وسط بين النسيان الذي ~~يكون بإهمال ما ينبغي أن يحفظ وبين العناية بما لا ينبغي أن يحفظ. وأما ~~التعقل - وهو حسن التصور - فهووسط بين الذهاب بالنظر في الشيء الموضوع إلى ~~أكثر مما هو عليه وبين القصور وبالنظر فيه عما هو عليه. وأما سرعة الفهم ~~فهي وسط بين إختطاف خيال الشيء من غير إحكام لفهمه. وبين الإبطاء عن فهم ~~حقيقته. وأما صفاء الذهن فهو وسط بين ظلمة النفس عن إستخراج المطلوب بوبين ~~التهاب يعرض فيها فيمنعها من استخراج المطلوب وأما جودة الذهن وقوته فهو ~~وسط بين الإفراط في التأمل لما لزم من المقدم حتى يخرج منه إلى غيره وبين ~~التفريط فيه حتى يقصر عنه. # وأما سهولة التعلم فهي وسط بين المبادرة إليه بسلاسة تثبت معها صورة ~~العلم وبين التعصب عليه وتعذره. # وأما العفة فهي وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة. وأعني بالشره ~~الإنهماك في اللذات والخروج فيها عما ينبغي وأعني بخمود الشهوة السكون عن ~~الحركة التي تسلك نحو اللذة الجميلة التي يحتاج إليها البدن في ضروراته وهي ~~ما رخص فيه صاحب الشريعة والعقل. # وأما الفضائل التي تحت العفة فإن الحياء وسط بين رذيلتين. إحداهما لوقاحة ~~والأخرى الخرق. وأنت تقدر على أن تلحظ أطراف الفضائل الأخرى التي هي رذائل ~~وربما وجدت لها أسماء بحسب اللغة وربما وجدت لها إسما وليس يعسر عليك فهم ~~معانيها والسلوك فيها على السبيل التي سلكناها {وأما الشجاعة} فهي وسط بين ~~رذيلتين إحداهما الجبن والأخرى التهور. أما الجبن فهو الخوف مما لا ينبغي ~~ان يخاف منه. وأما التهور فهو الإقدام على ما لا ينبغي أن يقدم عليه وأما ~~السخاء فهو وسط بين رذيلتين إحداهما السرف والتبذير والأخرى البخل ~~والتقتير. ms016 أما التبذير فهو بذل ما لا ينبغي لمن لا يستحق. PageV01P009 وأما ~~التقتير فهومنع ما ينبغي عمن يستحق {وأما العدالة} فهي وسط بين الظلم ~~والإنظلام، أما الظلم فهو التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي كما ~~لا ينبغي. وأما الإنظلام فهو الإستحذاء والإستماتة في المقتنيات لمن لا ~~ينبغي وكما لا ينبغي. ولذلك يكون للجائر أموال كثيرة لأنه يتوصل إليها من ~~حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة. وأما المنظلم فمقتنياته وأمواله ~~يسيرة جدا لأنه يتركها من حيث لا يجب. وأما العادل فهو في الوسط لأنه يقتني ~~الأموال من حيث يجب. ويتركها من حث لا يجب. فالعدالة فضيلة ينصف بها ~~الإنسان من نفسه ومن غيره من غير أن يعطي نفسه من النافع أكثر وغيره أقل. ~~وأما في الضار فبالعكس وهو أن لا يعطي نفسه أقل وغيره أكثر لكن يستعمل ~~المساواة التي هي تناسب ما بين الأشياء ومن هذا المعنى اشتق اسمه أعني ~~العدل. # وأما الجائر فأنه يطلب لنفسه الزيادة من المنافع ولغيره النقصان منها ~~وأما في الأشياء الضارة فإنه يطلب لنفسه النقصان ولغيره الزيادة منها. فقد ~~ذكرنا الأخلاق التي هي خيرات وفضائل وأطرافها التي هي شرور ورذائل على طريق ~~الإيجاز وحددنا ما يحد منها ورسمنا ما يرسم وسنشرح كل واحد منها على سبيل ~~الإستقصاء فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وينبغي أن نلخص في هذا الموضع شكا ربما لحق طالب هذه الفضائل فنقول: أنا ~~قد بينا فيما تقدم أن الإنسان من بين جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ~~ذاته. ولا بد له من معاونة قوم كثيرى العدد حتى يتمم به حياته طيبة ويجري ~~أمره على السداد. ولهذا قال الحكماء أن الإنسان مدني بالطبع أي هو محتاج ~~إلى مدينة فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية فكل بالطبع وبالضرورة ~~يحتاج إلى غيره فهو لذلك مضطر إلى مصافاة الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة ~~ومحبتهم المحبة الصادقة لأنهم يكملون ذاته ويتممون إنسانيته وهو أيا يفعل ~~بهم مثل ذلك. فإذا كان كذلك بالطبع وبالضرورة فكيف ms017 يؤثر الإنسان العاقل ~~العارف بنفسه التفرد والتخلي ولا يتعاطى ما يرى الفضيلة في غيره. فإذا ~~القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم إما ~~بملازمة المغارات في الجبال وأما ببناء الصوامع في المفاوز. وأما بالسياحة ~~في البلدان لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية التي عددنها. ذلك أن من ~~لم يخالط الناس ولم يساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة ولا النجدة ولا ~~السخاء ولا العدالة بل تصير قواه وملكاته التي ركبت فيه باطلة لأنها لا ~~تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر فإذا بطلت ولم نظهر أفعالها الخاصة بها صاروا ~~بمنزلة الجمادات والموتى من الناس ولذلك يظنون ويظن بهم أنهم أعفاء وليسوا ~~بإعفاء وأنهم عدول وليسوا بعدول وكذلك في سائر الفضائل اعني أنه إذا لم ~~يظهر منهم أضداد هذه التي هي شرور. ظن بهم الناس أنهم أفاضل وليست الفضائل ~~إعداما بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات ~~وضروب الإجتماعات. ونحن إنما نعلم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نساكن بها ~~الناس ونخالطهم ونصبر على أذاهم لنصل منها وبها إلى سعادات أخر إذا صرنا ~~إلى حال أخرى. وتلك الحال غير موجودة لنا الآن. # المقالة الثانية # " الخلق " # الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية ولا روية. ~~وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج كالإنسان ~~الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب وكالإنسان الذي يجبن من أيسر ~~شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه وكالذي يضحك ~~ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ~~ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر ~~عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا. PageV01P010 ولهذا اختلف القدماء في ~~الخلق فقال بعضهم الخلق خاص بالنفس غير الناطقة وقال بعضهم قد يكون للنفس ~~الناطقة فيه حظ. ثم اختلف الناس أيضا اختلافا ثانيا فقال بعضهم من ms018 كان له ~~خلق طبيعي لم ينتقل عنه وقال آخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعيا للإنسان ولا ~~نقول أنه غير طبيعي. وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب ~~والمواعظ إما سريعا أو بطيئا. وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لأنا ~~نشاهده عيانا ولأن الرأى الأول يؤدي إلى أبطال قوة التمييز والعقل وإلى رفض ~~السياسات كلها وترك الناس همجا مهملين وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما ~~يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر الشناعة جدا. # وأما الرواقيون فظنوا أ، الناس كلهم يخلقون أخيارا بالطبع ثم بعد ذلك ~~يصيرون أشرارا بمجالسة أهل الشر والميل إلى الشهوات الرديئة التي لا تقمع ~~بالتأديب فينهمك فيها ثم يتوصل إليها من كل وجه ولا يفكر في الحسن منها ~~والقبيح. وقوم آخرون كانوا قبل هؤلاء ظنوا أن الناس خلقوا من الطينة السفلى ~~وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع. # وإنما يصيرون أخيارا بالتأديب والتعليم إلا أن فيهم منهو في غاية الشر لا ~~يصلحه التأديب وفيهم من ليس في غاية الشر فيمكن أن ينتقل من الشر إلى الخير ~~بالتأديب من الصبا ثم بمجالسة الأخيار وأهل الفضل، فأما جالينوس فإنه رأى ~~أن الناس فيهم من هو خير بالطبع وفيهم من هو شرير بالطبع وفيهم من هو متوسط ~~بين هذين. ثم أفسد المذهبين الأولين اللذي ذكرناهما أما الأول فبأن قال أن ~~كان كل الناس أخيارا بالطبع وإنما ينتقلون إلى الشر بالتعليم فالبضرورة إما ~~أن يكون تعلمهم الشرور من أنفسهم وإما من غيرهم. فإن تعلموا من غيرهم فإن ~~المعلمين الذين علموهم الشر أشرار بالطبع. فليس الناس إذا كلهم أخيارا ~~بالطبع. وإن كانوا تعلموه من أنفسهم فإما أن يكون فيهم قوة يشتاقون بها إلى ~~الشر فقط فهم إذا أشرار بالطبع. # وأما الرأى الثاني فإنه أفسده بمثل هذه الحجة. وذلك أنه قال إن كان كل ~~الناس أشرارا بالطبع فإما أن يكونوا تعلموا الخير من غيرهم أو من أنفسهم ~~ونعيد الكلام الأول بعينه، ولما أفسد هذين المذهبين صحح رأى ms019 نفسه من الأمور ~~البينة الظاهرة. وذلك أنه ظاهر جدا أن من الناس من هو خير بالطبع وهم ~~قليلون وليس ينتقل هؤلاء إلى الشر ومنهم من هو شرير بالطبع وهم كثيرون وليس ~~ينتقل هؤلاء إلى الخير. ومنهم من هو متوسط بين هذين وهؤلاء قد ينتقلون ~~بمصاحبة الأخيار ومواعظهم إلى الخير وقد ينتقلون بمقاربة أهل الشر وإغوائهم ~~إلى الشر. PageV01P011 وأما أرسطو طاليس فقد بين في كتاب الأخلاق وفي كتاب ~~المقولات أيضا أن الشرير قد ينتقل بالتأديب إلى الخير. ولكن ليس على ~~الإطلاق لأنه يرى أن تكرير المواعظ والتأديب وأخذ الناس بالساياسات الجيدة ~~الفاضلة لا بد أن يؤثر ضروب التأثير في ضروب الناس فمنهم من يقبل التأديب ~~ويتحرك إلى الفضيلة بسرعة ومنهم من يقبله ويتحرك إلى الفضيلة بابطاء. ونحن ~~نؤلف من ذلك قياسا وهو هذا: كل خلق يمكن تغيره. ولا شيء مما يمكن تغيره هو ~~بالطبع. فإذا لا خلق ولا واحد منه بالطبع. والمقدمتان صحيحتان والقياس منتج ~~في الضرب الثاني من الشكل الأول. أما تصحيح المقدمة الأولى. وهي أن كل خلق ~~يمكن تغيره فقد تكلمنا عليه وأوضحناه وهو بين من العيان ومما استدللنا به ~~من وجوب التأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصبيان ومن الشرائع الصادقة ~~التي هي سياسة الله لخلقه وإما تصحيح المقدمة الثانية وهي أنه لا شيء مما ~~يمكن تغيره هو بالطبع فهو ظاهر أيضا. وذلك أنا لا نروم تغيير شيء مما هو ~~بالطبع أبدا. فإن أي أحد لا يروم أن يغير حركة النار التي إلى فوق بأن ~~يعودها الحركة إلى أسفل ولا أن يعود الحجر حركة العلوم يروم بذلك أن يغير ~~حركة الطبيعة التي إلى أسفل. ولو رامه ما صح له تغيير شيء من هذا ولا ما ~~يجري مجراه أعني الأمور التي هي بالطبع فقد صحت المقدمتان وصح التأليف في ~~الشكل الأول وهو الضرب الثاني منه وصار برهانا. فأما مراتب الناس في قبول ~~هذه الآداب التي سميناها خلقا والمسارعة إلى تعلمها والحرص عليها فإنها ~~كثيرة وهي تشاهد وتعاين فيهم وخاصة في ms020 الأطفال فإن أخلاقهم تظهر فيهم منذ ~~بدء نشأتهم ولا يسترونها بروية ولا فكر كما يفعله الرجل التام الذي انتهى ~~في نشؤه وكماله إلى حيث يعرف من نفسه ما يستقبح منه فيخفيه بضروب من الحيل ~~والأفعال المضادة لما في طبعه: وأنت تتأمل من أخلاق الصبيان واستعدادهم ~~لقبول الأدب أو نفورهم عنه أو ما يظهر في بعضهم من القحة وفي بعضهم من ~~الحياء وكذلك ما ترى فيهم من الجود والبخل والرخمة والقسوة والحسد وضده ومن ~~الأحوال المتفاوتة ما تعرف به مراتب الإنسان في قبول الأخلاق الفاضلة وتعلم ~~معه أنهم ليسوا على رتبة واحدة وأن فيهم المتواني والممتنع والسهل السلس ~~والفظ العسر والخير والشرير. والمتوسطون بين هذه الأطراف في مراتب لا تحصى ~~كثرة وإذا أهملت الطباع ولم ترض بالتأديب والتقويم نشأ كل إنسان على رسوم ~~طباعه وبقي عمره كله على الحال التي كان عليها في الطفولية وتبع ما وافقه ~~في الطبع أما الغضب وأما اللذة وأما الزعارة وأما الشره وأما غير ذلك من ~~الطباع المذمومة. # الشريعة # والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم ~~لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح ~~والقياس المستقيم وعلى الوالدين أخذهم بها وسائر الآداب الجميلة بضروب ~~السياسات من الضروب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أن صدتهم أو الأطماع ~~في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات. ~~حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن ~~يعلموا برهين ما أخذوه تقليدا وينبهوا على طرق الفضائل وإكتسابها والبلوغ ~~إلى غاياتها بهذه الصناعة التي نحن بصددها. # والله الموفق وللإنسان في ترتيب هذه الآداب وسياقها أولا فأولا إلى ~~الكمال الأخير طريق طبيعي يتشبه فيها بفعل الطبيعة. وهو أن ينظر إلى هذه ~~القوى التي تحدث فينا أيها أسبق إلينا وجودا فيبدأ بتقويمها ثم بما يليها ~~على النظام الطبيعي وهو بين ظاهر. وذللك أن أول ما يحدث فينا هو الشيء ~~العام للحيوان والنبات كله ثم لا يزال يختص ms021 بشيء شيء يتميز به عن نوع نوع ~~إلى أن يصير إلى الإنسانية. فلذلك يجب أن نبدأ بالشوق الذي يحصل فينا إلى ~~الغضب ومحبة الكرامة فنقومه ثم بآخره وهو الشوق الذي يحصل فينا إلى المعارف ~~والعلوم فنقومه. وهذا الترتيب الذي قلنا أنه طبيعي إنما حكمنا فيه لما يظهر ~~فينا منذ أول نشونا أعني أن نكون أولا أجنة ثم أطفالا ثم أناسا كاملين ~~وتحدث فينا هذه القوى مرتبة. فأما أن هذه الصناعة هي أفضل الصناعات كلها ~~أعني صناعة الأخلاق التي تعني بتجويد أفعال الإنسان بحسب ما هو إنسان ~~فيتبين مما أقول. # الإنسان PageV01P012 لما كان للجوهر الإنساني فعل خاص لا يشاركه فيه شيء ~~من موجودات العالم كما بيناه فيما تقدم، وكان الإنسان أشرف موجودات عالمنا ~~ثم لم تصدر عنه أفعاله بحسب جوهره وشبهناه بالفرس الذي إذا لم تصدر عنه ~~أفعال الفرس على التمام استعمل مكان الحمار بالاكاف وكان وجوده أروح له من ~~عدمه وجب أن تكون الصناعة التي تعني بتجويد أفعال الإنسان حتى تصدر عنه ~~أفعاله كلها تامة كاملة بحسب جوهره ورفعه عن رتبة الأخس التي يستحقق بها ~~المقت من الله والقرار في العذاب الأليم أشرف الصناعات كلها وأكرمها. وأما ~~سائر الصناعات الأخر فمراتبها من الشرف بحسب مراتب جوهر الشيء الذي تستصلحه ~~وهذا ظاهر جدا من تصفح الصناعات لأن فيها الدباغة التي تعني باستصلاح جلود ~~البهائم الميتة وفيها صناعة الطب والعلاج التي تهتم باستصلاح الجواهر ~~الشريفة الكريمة وهكذا الهمم المتفاوتة التي ينصرف بعضها إلى العلوم ~~الدنيئة وبعضها إلى العلوم الشريفة. وإذا كانت جواهر الموجودات متفاوتة في ~~الشرف في الجماد والنبات والحيوان. أما في الحيوان فكجوهر الديدان والحشرات ~~إذا قيس إلى جوهر الإنسان. وإما في جوهر الموجودات الآخر فظاهر لمن أراد أن ~~يحصيها. فالصناعة والهمة التي تصرف إلى أشرفها أشرف من الصناعة والهمة التي ~~تصرف إلى الأدون منها. ويجب أن يعلم ان اسم الإنسان وإن كان يقع على أفضلهم ~~وعلى أدونهم فإن بين هذين الطرفين أكثر مما بين كل متضادين من البعد. وإن ~~رسول ms022 الله صلى الله عليه وسلم قال: {ليس شيء خيرا من ألف مثله الإنسان " ~~وقال: عليه الصلاة والسلام " الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة واحدة " ~~وقال: " الناس كأسنان المشط وفي بعضها كأسنان الحمار وإنما يتفاضلون ~~بالعقل. ولا خير في صحبة من لا يعرف لك من الفضل ما تعرف له " وفي نظائر ~~هذه أشياء كثيرة تدل على هذا المعنى وأن الشاعر الذي قال: (ولم أر أمثال ~~الرجال تفاوتا إلى المجد حتى عد ألف بواحد) وإن كان عنده أنه قد بالغ فإنه ~~قد قصر. والخبر الخمروي عن النبي عليه الصلاة والسلام " إني وزنت بأمتي ~~فرجحت بهم " أصدق وأوضح. وليس هذا في الإنسان وحده بل في كثير من الجواهر ~~الأخر. وإن كان في الإنسان أكثر وأشد تفاوتا فإن بين السيف المعروف ~~بالصمصام وبين السيف المعروف بالكهام تفاوتا عظيما. وكذلك الحال في التفاوت ~~الذي بين الفرس الكريم وبين البرذون المقرف فمن أمكنه أني رقى بالصناعة ~~منأدون هذه الجواهر مرتبة إلى أعلاها فاشرف به وبصناعته ما أكرمه وأكرمها. ~~فأما الإنسان من بين هذه الجواهر فهو مستعد بضروب من الإستعدادات لضروب من ~~المقامات. وليس ينبغي أن يكون الطمع في إستصلاحه على مرتبة واحدة وهذا شيء ~~يتبين فيما بعد بمشيئة الله وعونه. إلا أن الذي ينبغي أن يعلم الآن أن وجود ~~الجوهر الإنساني متعلق بقدرة فاعله وخالقه تبارك وتقدس إسمه وتعالى. فأما ~~تجويد جوهره فمفوض إلى الإنسان وهو معلق بإرادته. فاعرف هذه الجملة إلى أن ~~تلخص في موضعها إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب إن قلنا ~~ينبغي أن نعرف نفوسنا ما هي ولأي شيء هي. ثم قنا إن لكل جوهر موجود كمالا ~~خاصا به وفعلا لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء وقد بينا ذلك في ~~غاية البيان في الرسالة المسعدة. وإذا كان ذلك محفوظا فنحن مضطرون إلى أن ~~نعرف الكمال الخاص بالإنسان والفعل الذي لا يشاركه فيه غير منحيث هو إنسان ~~لنحرص على طلبه وتحصيله ونجتهد في البلوغ إلى غايته ms023 ونهايته. ولما كان ~~الإنسان مركبا لم يجز أن يكون كماله وفعله الخاص به كمال بسائطه وأفعالها ~~الخاصة بها وإلا كان وجود المركب باطلا كالحال في الخاتم والسرير. فإذا له ~~فعل خاص به من حيث هو مركب وإنسان لا يشاركه فيه شيء من الموجودات الأخر. ~~فأفضل الناس أقدرهم على إظهار فعله الخاص والزمهم له من غير تلون فيه ولا ~~إخلال به في وقت دون وقت. وإذا عرف الأفضل فقد عرف الأنقص على إعتبار الضد، ~~فالكمال الخاص بالإنسان كمالان وذلك أن له قوتين إحداهما العالمة والأخرى ~~العاملة فلذلك يشتاق بإحدى القوتين إلىالمعارف والعلوم وبالأخرى إلى نظم ~~الأمور وترتيبها وهذان الكمالان هما اللذان نص عليهما الفلاسفة فقالوا. # الفلسفة PageV01P013 تنقسم إلى قسمين إلى الجزء النظري والجزء العملي ~~فإذا كمل الإنسان بالجزء العملي والجزء النظري فقد سعد السعادة التامة، أما ~~كماله الأول بإحدى قوتيه أعني العالمة وهي التي يشتاق بها إلى العلوم فهو ~~أن يصير في العلم بحيث يصدق نظره وتصح بصيرته وتستقيم رويته فلا يغلط في ~~إعتقاد ولا يشك في حقيقة وينتهي في العلم بأمور الموجودات على الترتيب ~~إلىالعلم الإلهي الذي هو آخر مرتبة العلوم ويثق به ويسكن إليه ويطئن قلبه ~~وتذهب حيرته وينجلي له المطلوب الأخير حتى يتحد به وهذا الكمال قد بينا ~~بالقوة الأخرى أعني القوة العاملة فهو الذي نقصده في كتابنا هذا وهو الكمال ~~الخلقي ومبدؤه من ترتيب قواه وأفعاله الخاصة بها حتى لا تتغالب وحتى تتسالم ~~هذه القوى فيه وتصدر أفعاله كلها بحسب قوته المميزة منتظمة مرتبة كما ينبغي ~~وينتهي إلي التدبير المدني الذي يرتب الأفعال والقوى بين الناس حتى تنتظم ~~ذلك الإنتظام ويسعدوا سعادة مشتركة كما كان ذلك في الشخص الواحد. فإذا ~~الكمال الأول النظري منزلته منزلة الصورة والكمال الثاني العملي منزلته ~~منزلة المادة وليس يتم أحدهما إلا بالآخر لأن العلم مبدأ والعمل تمام ~~والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والنمام بلا مبدأ يكون مستحيلا وهذا الكمال هو ~~الذي سميناه غرضا. # وذلك أن الغرض والكمال بالذات هما شيء واحد وإنما ms024 يختلفان بالإضافة فإذا ~~نظر إليه وهوبعد في النفس ولم يخرج إلي الفعل فهو غرض فإذا خرج إلي الفعل ~~وتم فهو كمال. وكذلك الحال في كل شيء لأن البيت إذا كان متصورا للباني وكان ~~عالما بأجزائه وتركيبه وسائر أحواله كان غرضا. فإذا أخرجه إلي كماله ويصدر ~~عنه فعله الخاص به إذا علم الموجودات كلها أي يعلم كلياتها وحدودها التي هي ~~ذواتها لا أعراضها وخواصها التي تصيرها بلا نهاية. # فإنك إذا علمت كليات الموجودات فقد علمت جزئياتها بنحو مالان الجزئيات ~~لاتخرج عن كلياتها فإذا كملت هذا الكمال فتممه بالفعل المنظوم ورتب القوى ~~والملكات التي فيك ترتيبا علميا كما سبق علمك به. فإذا انتهيت إلى هذه ~~الرتب فقد صرت عالما وحك واستحقيت أن تسمى عالما صغيرا لأن صور الموجودات ~~كلها قد حصلت في ذاتك فصرت أنت هي بنحو ما. ثم نظمتها بأفعالك على نحو ~~استطاعتك فصرت فيها خليفة لمولاك خالق الكل جلت عظمته فلم تخط فيها ولم ~~تخرج عن نظامه الأول الحكمى فتصير حينئذ عالما تاما. والتام من الموجودات ~~هو الدائم الوجد والدائم الوجود هو الباقي بقاء سرمديا فلا يفوتك حينئذ شيء ~~من النعيم المقيم لأنك بهذا الكمال مستعد لقبول الفيض من المولى دائما أبدا ~~وقد قربت منه القرب الذي لا يجوز أن يحول بينك وبينه حجاب. وهذه هي الرتبة ~~العليا والسعادة القصوى. ولولا أن الشخص الواحد من أشخاص الناس يمكنه تحصيل ~~هذه المنزلة في ذاته وتكميل صورته بها وإتمام نقصانه بالترقي إليها لكان ~~سبيله سبيل أشخاص الحيوانات الأخر أو كسبيل أشخاص النبات في مصيرها إلى ~~الفناء والإستحالة التي تلحقها والنقصانات التي لا سبيل إلى تمامها. ~~ولإستحال فيه البقاء الأبدي والنعيم السرمدي والمصير إلى ربه ودخول جنته. ~~ومن لا يتصور هذه الحالة ولا ينتهي إلى علمها من المتوسطين في العلم يقع له ~~شكوك. فيظن أن الإنسان إذا انتقض تركيبه الجسماني بطل وتلاشى كالحال في ~~الحيوانات الأخر وفي النبات فحينئذ يستحق إسم الإلحاد ويخرج عن سمة الحكمة ~~وسنة الشريعة. # كمال الإنسان في الذات المعنوية ms025 PageV01P014 وقد ظن قوم أن كمال الإنسان ~~وغايته هما في اللذات وإنها هي الخير المطلوب والسعادة القصوى. وظنوا أن ~~جميع قواه اخر " إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات والتوصل إليها. وأن النفس ~~الشريفة التي سميناها ناطقة إنما وهبت له ليرتب بها الأفعال ويميزها ثم ~~يوجهها نحو هذه اللذات لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية ~~والغاية الجسمانية. وظنوا أيضا أن قوى النفس الناطقة أعني الذكر والحفظ ~~والروية كلها تراد لتلك الغاية. قالوا وذلك أن الإنسان إذا تذكر اللذات ~~التي كانت حصلت له بالمطاعم والمشارب والمناكح اشتاق إليها وأحب معاودتها ~~فقد صارت منفعة الذكر والحفظ إنما هي اللذات وتحصيلها. ولأجل هذه الظنون ~~التي وقعت لهم جعلوا النفس المميزة الشريفة كالعبد المهين وكالأجير ~~المستعمل في خدمة النفس الشهوية لتخدمها في المآكل والمشارب والمناكح ~~وترتبها لها وتعدها إعدادا كاملا موافقا. وهذا هو رأي الجمهور من العامة ~~الرعاع وجهال الناس السقاط. # وإلى هذه الخيرات التي جعلوها غاياتهم تشوقوا عند ذكر الجنة والقرب من ~~بارئهم عزوجل. وهي التي يسألونها ربهم تبارك وتعالى في دعواتهم وصلواتهم. ~~وإذا خلوا بالعبادات وتركوا الدنيا وزهدوا فيها فإنما ذاك منهم على سبيل ~~المتجر والمرابحة في هذه بعينها. كأنهم تركوا قليلها ليصلوا إلى كثيرها ~~وأعرضوا عن الفانيات منها ليبلغوا إلى الباقيات. إلا انك تجدهم مع هذا ~~الإعتقاد وهذه الأفعال إذا ذكر عندهم الملائكة والخلق الأعلى الأشرف وما ~~نزههم الله عنه من هذه القاذورات علموا بالجملة أنهم أقرب إلى الله تعالى ~~وأعلى رتبة من الناس وأنهم غير محتاجين إلى شيء من حاجات البشرز بل يعلمون ~~أن خالقهم وخالق كل شيء الذي تولى إبداع الكل هو منزه عن هذه الأشياء متعال ~~عنها غير موصوف باللذة والتمتع مع التمكن من إيجادها. وإن الناس يشاركون في ~~هذه اللذات الخنافس والديدان وصغار الحشرات والهمج من الحيوان. وإنما ~~يناسبون الملائكة بالعقل والتمييز ثم يجمعون بين هذا الإعتقاد والإعتقاد ~~الأول. وهذا هوالعجب العجيب. وذلك أنهم يرون عيانا ضروراتهم بالأذى الذي ~~يلحقهم بالجوع والعرى وضروب النقص وحاجاتهم إلى ms026 مداواتها بما يدفعها عنهم. ~~فإذا زالت آثارها وعادوا إلى حال السلامة منها التذوا بذلك ووجدوا للراحة ~~لذة. ولا يشعرون أنهم إذا اشتاقوا إلى لذة المآكل فقد اشتاقوا أولا إلى ألم ~~الجوع. وذلك أنهم إن لم يؤلموا بالجوع لم يلتذوا بالأكل. وهكذا الحال في ~~سائر اللذات الأخر. إلا أن هذا الحال في بعضها أظهر منها في بعض. وسنتكلم ~~على أن صورة الجميع واحدة وأن اللذات كلها إنما تحصل للملتذ بعد آلام ~~تلحقه. لأن اللذة هي راحة من ألم وأن كل لذة حسية إنما هي خلاص من ألم أو ~~أذى في غير هذا الموضع. # وسيظهر عند ذلك أن من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية وجعلها غايته ~~وأقصى سعادته فقد رضى بأخس العبودية لأخص الموالي. لأنه يصير نفسه الكريمة ~~التي يناسب بها الملائكة عبدا للنفس الدنيئة التي يناسب بها الخنازير ~~والخنافس والديدان وخسائس الحيوانات التي تشاركه في هذا الحال. PageV01P015 ~~وقد تعجب جالينوس في كتابه الذي سماه بأخلاق النفس من هذا الرأي وكثر ~~استجهاله للقوم الذين هذه مرتبتهم من العقل. إلا أنه قال أن هؤلاء الخبثاء ~~الذين سيرتهم أسوأ السير وإرداؤها إذا وجدوا إنسانا هذا رأيه ومذهبه نصروه ~~ونوهوا به ودعوا إليه ليوهموا بذلك أنهم غير منفردين بهذه الطريقة لأنهم ~~يظنون أنهم متى وصف أهل الفضل والنبل من الناس بمثل ما هم عليه كان ذلك ~~عذرا لهم وتمويها على قوم آخرين في مثل طريقتهم. وهؤلاء هم الذين يفسدون ~~الأحداث بإيهامهم أن الفضيلة هي ما تدعوهم إليه طبيعة البدن من الملاذ. وأن ~~تلك الفضائل الأخر الملكية إما أن تكون باطلة ليست بشيء ألبتة وإما أن تكون ~~غير ممكنة لأحد من الناس: والناس مائلون بالطبع الجسداني إلى الشهوات فيكثر ~~اتباعهم وتقل الفضلاء فيهم. وإذا تنبه الواحد بعد الواحد منهم إلى أن هذه ~~اللذات إنما هي لضرورة الجسد وإن بدنه مركب من الطبائع المتضادة أعني ~~الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وأنه إنما يعالج بالمأكل والمشرب ~~أمراضا تحدث به عند الإنحلال لحفظ تركيبه على حالة واحدة أبدا ما أمكن ms027 ذلك ~~فيه. وأن علاج المرض ليس بسعادة تامة والراحة من الألم ليست بغاية مطلوبة ~~ولا خير محض. وأن السعيد التام هومن لا يعرض له مرض البتة. وعرف مع ذلك ~~أيضا أن الملائكة الأبرار الذين اصطفاهم الله بقربه لا تلحقهم هذه الآلام ~~فلا يحتاجون إلى مداواتها بالأكل والشرب. # وأن الله تعالى منزه متعال عن هذه الأوصاف - عارضوه بأن بعض البشر أشرف ~~من الملائكة وأن الله تعالى أجل من أن يذكر مع الخلق. وشاغبوه وسفهوا رأيه ~~وأوقعوا له شبها باطلة حتى يشك في صحة ما تنبه إليه وأرشده عقله إليه. # والعجب الذي لا ينقضي هو أنهم مع رأيهم هذا إذا وجدوا واحدا من الناس قد ~~ترك طريقتهم التي يميلون إليها واستهان باللذة والتمتع وصام وطوى واقتصر ~~على ما أنبتت الأرض عظموه وكثر تعجبهم منه وأهلوه للمراتب العظيمة. وزعموا ~~انه ولي الله وصفيه وأنه شبيه بالملك وأنه أرفع طبقة من البشر. ويخضعون له ~~ويذلون غاية الذل ويعدون أنفسهم أشقياء بالإضافة إليه. # والسبب في ذلك هو انهم وإن كانوا من أفن الرأي وسفاهته على ما ترى فإن ~~فيهممن تلك القوة الأخرى الكريمة المميزة وإن كانت ضعيفة ما يريهم فضيلة ~~ذوي الفضائل فيضطرون إلى إكرامهم وتعظيمهم. # قوى النفس الثلاثاء # وإذا كانت القوى ثلاثا كما قلنا مرارا فأدونها النفس البهيمية. وأوسطها ~~النفس السبعية. وأشرفها النفس الناطقة. والإنسان إنما صار إنسانا بأفضل هذه ~~النفوس أعني الناطقة وبها شارك الملائكة وبها باين البهائم. # فأشرف الناس من كان حظه من هذه النفس أكثر وانصرافه إليها أتم وأوفر. ومن ~~غلبت عليه إحدى النفسين الأخريين انحط عن مرتبة الإنسانية بحسب غلبة تلك ~~النفس عليه. فانظر رحمك الله أين تضع نفسك وأين تحب أن تنزل من المنازل ~~التي رتبها الله تعالى للموجودات. فإن هذا أمر موكول إليك ومردود إلى ~~اختيارك. فإن شئت فانزل في منازل البهائم فإنك تكون منهم. وإن شئت فانزل في ~~منازل السباع. وإن شئت فانزل في منازل الملائكة وكن منهم. وفي كل واحدة من ~~هذه المراتب مقامات كثيرة فإن ms028 بعض البهائم أشرف من بعض وذلك لقبول التأديب ~~لأن الفرس إنما شرف على الحمار لقبوله الأدب وكذلك في البازي فضيلة على ~~الغراب. وإذا تأملت الحيوان كله وجدت القابل للتأديب الذي هو أثر النطق ~~أعني النفس الناطقة أفضل من سائره وهو يتدرج في ذلك إلى ان يصير إلى ~~الحيوان الذي هو في أفق الإنسان أعني الذي هو أكمل البهائم وهو في أخس ~~مرتبة الإنسانية. PageV01P016 وذلك أن أخس الناس هو من كان قليل العقل ~~قريبا من البهيمية. وهم القوم الذين في أقاصي الأرض المعمورة وسكان آخر ~~ناحية الجنوب والشمال لا ينفصلون عن القرود إلا بشيء قليل من التمييز. ~~وبذلك القدر يستحقون إسم الإنسانية. ثم يتميزون ويتزايدون في هذا المعنى ~~حتى يبلغوا إلى وسط الأقاليم، ويعتدل فيهم المزاج القابل لصورة العقل فيصير ~~فيهم العاقل التام والمميز العالم. ثم يتفاضلون في هذا المعنى أيضا إلى أن ~~يصيروا إلى غاية ما يمكن للإنسان أن يبلغ إليه من قبول قوة العقل والنطق. ~~فيصير حينئذ في الأفق الذي بين الإنسان والملك ويصير فيهم القابل للوحي ~~والمطليق لحمل الحكمة فتيض عليه قوة العقل ويسيح إليه نور الحق ولا حالة ~~للإنسان أعلى من هذه ما دام إنسانا. # ثم ارجع القهقري إلى النظر في الرتبة الناقصة التي هي أدون مراتب الإنسان ~~فإنك تجد القوم الذين تضعف فيهم القوة الناطقة وهم القوم الذي ذكرنا أنهم ~~في أفق البهائم تقوى فيهم النقص البهيمية فيميلون إلى شواتها المأخوذة ~~بالحواس كالمأكول والمشروب والملبوس وسائر النزوات الشبيهة بها. وهؤلاء هم ~~الذين تجذبهم الشهوات القوية بقوة نفوسهم البهيمية حتى يرتكبونها ولا ~~يرتدعوا عنها. وبقدر ما يكون فيهم من القو العاقلة يستحيون منها تى يستتروا ~~بالبيوت ويتواروا بالظلمات إذا هموا بلذة تخصهم. # وهذا الحياء منهم هو الدليل على قبحها فإن الجميل بالإطلاق هو الذي ~~يتظاهربه ويستحب إخراجه وإذاعته. وهذا القبح ليس بشيء أكثر من النقصانات ~~اللازمة للبشر. وهي التي يشتاقون إلى إزالتها. وافحشها هو انقصها. و انقصها ~~أحوجها إلى الستر والدفن. ولو سألت القوم الذين يعظمون أمر ms029 اللذة ويجعلونها ~~الخير المطلوب والغاية الإنسانية لم تكتمون الوصول إلى أعظم الخيرات عندكم. ~~وما بالكم تعدون موافقتها خيرا ثم تسترونها؟ أترون سترها وكتمانها فضيلة ~~ومروءة وإنسانية والماهجرة بها وإظهارها بين أهل الفضل وفي مجمع الناس ~~خساساة وقحة؟ - لظهر من انقطاعهم وتبلدهم في الجواب ما تعلم به سوء مذهبهم ~~وخبث سيرتهم. وأقلهم حظا من الإنسانية إذا رأى إنسانا فاضلا احتشمه ووقره ~~وأحب أن يكون مثله إلا الشاذ منهم الذي يبلغ من خساسة الطبع ونزارة ~~الإنسانية ووقاحة الوجه إلى أن يقيم على نصرة ما هو عليه من غير محبة لرتبة ~~من أفضل منه. # الواجب على العاقل PageV01P017 فإذا يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلى به ~~الإنسان من هذه النقائص التي في جسمه وحاجاته الضرورية إلى إزالتها ~~وتكميلها، أما بالغذاء الذي يحفظ به إعتدال مزاجه وقوام حياته فينال منه ~~قدر الضرورة في كماله. ولا يطلب اللذة لعينها بل قوام الحياة التي تتبعه ~~اللذة. فإن تجاوز ذلك قليلا فبقدر ما يحفظ رتبته في مروءته. ولا ينسب إلى ~~الدناءة والبخل بحسب حاله ومرتبته بين الناس، وأما باللباس فالذي يدفع به ~~أذى الحر والبرد ويستر العورة. فإن تجاوز ذلك فبقدر ما لا يستحقر ولا ينسب ~~إلى الشح على نفسه وإلى أن يسقط بين أقرانه وأهل طبقته، وأما بالجماع فالذي ~~يحفظ نوعه وتبقى به صورته، أعني طلب النسل فإن تجاوز ذلك فبقدر مالا يخرج ~~به عن السنة ولا يتعدى ما يملكه إلى ما يملك غيره ثم يلتمس الفضيلة في نفسه ~~العاقلة التي بها صار إنسانا وينظر إلى النقائص التي في هذه النفس خاصة ~~فيروم تكميلها بطاقته وجهده. فإن هذه الخيرات هي التي لا تستر وإذا وصل ~~إليها لا يمنع عنها الحياء ولا يتوارى عنها بالحيطان والظلمات ويتظاهر بها ~~أبدا بين الناس وفي المحافل. وهي التي يكون بها بعض الناس أفضل من بعض ~~وبعضهم أكثر إنسانية من بعض ويغذوا هذه النفس بغذائها الموافق لها المتم ~~لنقصانها كما يغذو تلك بأغذيتها الملائمة لها. فإن غذاء هذه هو العلم ~~والزيادة ms030 في المعقولات والإرتياض بالصدق في الآراء وقبول الحق حيث كان ومع ~~من كان والنفور من الكذب والباطل كيف كان ومن أين جاء. فمن اتفق له في ~~الصبا أن يربي على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ثم ~~ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه ~~بالبراهين. ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان ~~فلا يسكن إلا إليها ثم يتدرج (كما رسمناه في كتابنا الموسوم بترتيب ~~السعادات ومنازل العلوم) حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان فهو السعيد ~~الكامل فليكثر حمد الله تعالى على الموهبة العظيمة والمنة الجسيمة. ومن لم ~~يتفق له ذلك في مبدأ نشوه ثم ابتلى بأن يربيه والده على رواية الشعر الفاحش ~~وقبول أكاذيبه واستحسانا ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات كما يوجد ~~في شعر امرىء القيس والنابغة وأشباههما ثم صار بعد ذلك إلى رؤساء يقرونه ~~على روايتها وقول مثلها ويجزلون له العطية. # وامتحن بأقران يساعدونه على تناول اللذات الجسمانية. ومال طبعه إلى ~~الإستكثار من المطاعم والملابس والمراكب والزينة وإرتباط الخيل الفره ~~والعبيد الروقة (كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات) ثم انهمك فيها واشتغل ~~بها عن السعادة التي أهل لها - فليعد جميع ذلك شقاء لا نعيما وخسرانا لا ~~ربحا وليجتهد على التدريج إلى فطام نفسه منها. وما أصعب إلا أنه على كل حال ~~غير من التمادي في الباطل. وليعلم الناظر في هذا الكتاب إن خاصة تدرجت إلى ~~فطام نفسي بعد الكبر واستحكام العادة وجاهدتها جهادا عظيما. # ورضيت لك أيها الفاحص عن الفضائل والطالب للأدب الحقيقي بما رضيت لنفسي ~~بل تجاوزت لك في النصيحة إلى أن أشرت عليك بما فاتني في ابتداء أمري لتدركه ~~أنت. ودللتك على طريق النجاة قبل أن تتيه في مفاوز الضلالة وقدمت لك ~~السفينة قبل أن تغرق في بحر المهالك. فالله الله في نفوسكم معاشر الإخوان ~~والأولاد. إستسلموا للحق وتأدبوا بالأدب الحقيقي لا المزور وخذوا الحكمة ~~البالغة وانتهجوا الصراط المستقيم وتصوروا حالات ms031 أنفسكم وتذكروا قواها. ~~وأعلموا أن أصح مثل ضرب لكم من نفوسكم الثلاث التي مر ذكرها في المقالة ~~الأولى: مثل ثلاثة حيوانات مختلفة جمعت في مكان واحد ملك وسبع وخنزير. ~~فأيها غلب بقوته قوة البالقين كان الحكم له. وليعلم من تصور هذا المثال أن ~~النفس لما كانت جوهرا غير جسم ولا شيء فيها من قوى الجسم وأعراضه كما بينا ~~ذلك في صدر هذا الكتاب كان اتحادها واتصالها بخلاف اتحاد الأجسام وإتصال ~~بعضها ببعض. PageV01P018 النفوس الثلاثاء وذلك أن هذه الأنفس الثلاث إذا ~~اتصلت صارت شيئا واحدا ومع أنها تكون شيئا واحدا فهي باقية التغاير وباقية ~~القوى تثور الواحدة بعد الواحدة حتى كأنها لم تصل بالأخرى ولم تتحد بها ~~وتستجدي أيضا الواحدة للأخرى حتى كأنها غير موجودة ولا قوة لها تنفرد بها. ~~وذلك أن إتحادها ليس بأن تتصل نهايتها ولا بأن تتلقى سطوحها كما يكون ذلك ~~في الأجسام. بل تصير في بعض الأحوال شيئا واحدا وفي بعض الأحوال أشياء ~~مختلفة بحسب ما تهيج قوة بعضها أو تسكن. ولذلك قال قوم أن النفس واحدة ولها ~~قوى كثيرة. وقال آخرون بل هي واحدة بالذات كثيرة بالعرض وبالموضوع. # وهذا شيء يخرج الكلام فيه عن غرض الكتاب وسيمر بك في موضعه. # وليس يضرك في هذا الوقت أن تعتقد أي هذه الآراء شئت بعد أن تعلم أن بعض ~~هذه كريمة أدبية بالطبع وبعضها مهينة عادمة للأدب بالطبع. وليس فيها ~~استعداد لقبول الأدب وبعضها عادمة للأدب. إلا انها تقبل التأدب وتنقاد للتي ~~هي أدبية. أما الكريمة الأدبية بالطبع فالنفس الناطقة. وأما العادمة للأدب ~~وهي مع ذلك غير قابلة له فيه النفس البهيمية وأما التي عدمت الأدب ولكنها ~~تقبله وتنقاد له فهي النفس الغضبية وإنما وهب الله تعالى لنا هذه النفس ~~خاصة لنستعين بها على تقويم البهيمية التي لا تقبل الأدب. وقد شبه القدماء ~~الإنسان وحاله في هذه الأنفس الثلاث بإنسان راكب دابة قويى يقود كلبا أو ~~فهدا للقنص. # فإن كان الإنسان من بينهم هوالذي يروض دابته وكلبه يصرفهما ويطيعانه ms032 في ~~سيره وتصيده وسائر تصرفاته فلا شك في رغد العيش المشترك بين الثلاث وحسن ~~أحواله. لأن الإنسان يكون مرفها في مطالبه يجري فرسه حيث يحب وكما يحب ~~ويطلق كلبه أيضا كذلك. فإذا نزل واستراح أراحهما معه وأحسن القيام عليهما ~~في المطعم والمشرب وكفاية الأعداء وغير ذلك من مصالحهما. وإذا كانت ~~البهيمية هي الغالبة ساءت حال الثلاثة وكان الإنسان مضعوفا عندهما فلم تطع ~~فارسها وغلبت. فإن رأت عشبا من بعيد عدت نحوه وتعسفت في عدوها وعدلت عن ~~الطريق النهج فاعترضتها الأودية والوهاد والشوك والشجر فتقحمتها وتورطت ~~فيها ولحق فارسها ما يلحق مثله في هذه الأحوال فيصيبهم جميعا من أنواع ~~المكاره والإشراف على الهلكة ما خفاء فيه. # وكذلك أن قوى الكلب لم يطع صاحبه فإن رأى من بعيد صيدا أو ما يظنه صيدا ~~أخذ نحوه فجذب الفارس وفرسه ولحق الجميع من الضرر والضر أضعاف ما ذكرناه. ~~وفي تصور هذا المثل الذي ضربه القدماء تنبيه على حال هذه النفوس ودلالة على ~~ما وهبه الله عز وجل للإنسان ومكنه منه وعرضه له وما يضيعه بعصيان خالقه ~~تعالى فيه عند إهمال السياسة واتباعه أمر هاتين القوتين وتعيده لهما وهما ~~اللذان ينبغي أن يتبعاه بتأمره عليهما. فمن اسوأ حالا ممن اهمل سياسة الله ~~عز وجل وضيع نعمته عليه ترك هذه القوى فيه هائجة مضطربة تتغلب. وصار الرئيس ~~منها مرؤوسا والملك منها مستعبدا يتقلب معها في المهالك حتى تتمزق ويتمزق ~~معها هو أيضا. نعوذ بالله من الإنتكاس في الخلق الذي سببه طاعة الشيطان ~~واتباع الأبالسة فليست الإشارة بها إلى غير هذه القوى التي وصفناها ووصفنا ~~أحوالها. نسأل الله عصمته ومعونته على تهذيب هذه النفوس حتى ننتهي فيها إلى ~~طاعة الله التي هي نهاية مصالحنا وبها نجاتنا وخلاصنا إلى الفوزالأكبر ~~والنعيم السرمدي. # سياسة النفس العاقلة # وقد شبه الحكماء من أهمل سياسة نفسه العاقلة وترك سلطان الشهوة يستولي ~~عليها برجل معه ياقوتة حمراء شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ~~ونفاسة. وكان بين يديه نار تضطرم فرماها في ms033 حباحبها حتى صارت كاسا لا منفعة ~~فيها فخسرت فخسرت منافعها. فقد علمنا الآن أن النفس العاقلة إذا عرفت شرف ~~نفسها وأحست بمرتبتها من الله عزوجل أحسنت خلافته في تربية هذه القوى ~~وسياستها ونهضت بالقوة التي أعطاها الله تعالى إلى محلها من كرامة الله ~~تعالى ومنزلتها من العلو والشرف ولم تخضع للسبعية ولا للبهيمية. ~~PageV01P019 بل تقوم النفس الغضبية التي سميناها سبعية ونقودها إلى الأدب ~~بحملها على حسن طاعتها. ثم تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية ~~وحركتها إلى الشهوات حتى يقمع بهذه سلطان تلك وتستخدمها في تأديبها وتستعين ~~بقوة هذه على تأبى تلك. وذلك أن هذه النفس الغضبية قابلة للأدب قوية على ~~قمع الأخرىكما ن. وتلك النفس البهيمية عادمة للأدب غير قابلة له. وأما ~~النفس الناطقة أعني العاقلة فهي كمال قال أفلاطون بهذه الألفاظ: أما هذه ~~فبمنزلة الذهب في اللين والإنعطاف. وأما تلك فبمنزلة الحديد في الصلابة ~~والإمتناع فإن أنت آثرت الفعل الجميل في وقت وجاذبيتك القوة الأخرى إلى ~~اللذة وإلى خلاف ما ىثرت الفعل الجميل في وقت وجاذبيتك القوى الأخرى إلى ~~اللذة وإلى خلاف ما آثرت فاستعن بقوة الغضب التي تثير وتهيج بالأنفة ~~والحمية وأقهر بها النفس البهيمية. فإن غلبتك مع ذلك ثم ندمت وأنفت فأنت في ~~طريق الصلاح فتمم عزيمتك واحذر أنت أن تعاودك بالطمع فيك والغلبة لك؟ فإن ~~لم تفعل ذلك ولم تكن العقبة في الغلبة لك كنت كما قال الحكيم الأول: إني ~~أرى أكثر الناس يدعون محبة الفعال الجميلة ثم لا يحتملون المؤنة فيها على ~~علمهم بفضلها فيغلبهم الترفه ومحبة البطالة. فلا يكون بينهم وبين من لا يحب ~~الأفعال الجميلة فرق إذا لم يحتملوا مؤنة الصبر ويصبروا إلى تعلم تمام ما ~~آثروه وعرفوا فضله. واذكر مثل البئر التي تردى فيها الأعمى والبصير فيكونان ~~في الهلكة سواء إلا أن الأعمى أعذر. ومن وصل من هذه الآداب إلى مرتبة يعتد ~~بها واكتسب بها الفضائل التي عددنها فقد وجب عليه تأديب غيره وإفاضة ما ~~أعطاه الله على أبناء جنسه. # فصل ms034 في تأديب الأحداث والصبيان خاصة نقلت أكثره من كتاب بروسنس ~~PageV01P020 قد قلنا فيما تقدم أن أول قوة تظهر في الإنسان وأول ما يتكون ~~هي القوة التي يشتاق بها إلى الغذاء الذي هو سبب كونه حيا فيتحرك بالطبع ~~إلى اللبن يلتمسه من الثدي الذي هو معدنه من غير تعليم ولا توقيف أو يحدث ~~له مع ذلك قوة على التماسه بالصوت الذي هو مادته ودليله الذي يدل به على ~~اللذة والأذى. ثم تتزايد فيه هذه القوة ويتشوق بها أبدا إلى الإزدياد ~~والتصرف بها في أنواع الشهوات. ثم تحدث فيه قوة على التحرك نحوها بالآلات ~~التي تخلق له الشوق إلى الأفعال التي تحصل له هذه. ثم يحدث له من الحواس ~~قوة على تخيل الأمور ويرتسم في قوته الخيالية مثالات فيتشوق إليها ثم تظهر ~~فيه قوة الغضب التي يشتاق بها إلى دفع ما يؤذيه ومقاومة ما يمنعه من ~~منافعه. فإن أطاق بنفسه أن ينتقم من مؤذياته انتقم منها وإلا التمس معونة ~~غيره وانتصر بوالديه بالتصويت والبككاء. ثم يحدث له الشوق إلى تمييز ~~الأفعال الإنسانية خاصة أولا أولا حتى يصير إلى كماله في هذا التمييز فيسمى ~~حينئذ عاقلا. وهذه القوى كثيرة وبعضها ضروري في وجود الأخرى إلى أن ينتهي ~~إلى الغاية الأخيرة. وهي التي لا تراد لغاية أخرى وهو الخير المطلق الذي ~~يتشوقه الإنسان من حيث هو إنسان. فأول ما يحدث فيه من هذه القوة الحياء وهو ~~الخوف من ظهور شيء قبيح منه. ولذلك قلنا أول ما ينبغي أن يتفرس فيالصبي ~~ويستدل به على عقله. الحياء فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح ومع إحساسه به ~~يحذره ويتجنبه ويخاف أن يظهر منه أو فيه. فإذا نظرت إلى الصبي فوجدته ~~مستحيينا مطرقا بطرفه إلى الأرض غير وقاح الوجه ولا محدق اليك فهو أول دليل ~~نجابته والشاهد لك على أن نفسه قد أحست بالجميل والقبيح. وأن حياءه هو ~~انحصار نفسه خوفا من قبيح يظهر منه وهذا ليس بشيء أكثر من إيثار الجميل ~~والهرب من القبيح بالتمييز والعقل. ms035 وهذه النفس مستعدة للتأديب صالحة ~~للعناية لا يجب أن تهمل ولا تترك ومخالطة الأضداد الذين يفسدون بالمقارنة ~~والمداخلة. وإن كانت بهذه الحال من الإستعداد لقبول الفضيلة فإن نفس الصبي ~~ساذجة لم تنتقش بعد بصرة وليس لها رأي ولا عزيمة تميلها من شيء إلى شيء ~~فإذا نقشت بصورة وقبلتها نشأ عليها وأعتادها. فالأولى بمثل هذه النفس أن ~~تنبه أبدا على حب الكرامة ولا سيما ما يحصل له منها بالدين دون المال ~~وبلزوم سننه ووظائفه. ثم يمدح الأخيار عنده ويمدح هو في نفسه إذا ظهر شيء ~~جميل منه ويخوف من المذمة على أدنى قبيح يظهر منه ويؤاخذ باشتهائه للمآكل ~~والمشارب والملابس الفاخرة ويزين عنده خلق النفس والترفع عن الحرص في ~~المآكل خاصة وفي اللذات عامة. ويجب إليه إيثار غيره على نفسه بالغذاء ~~والإقتصار على لاشيء المعتدل والإقتصاد في التماسه. # الملابس # ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة النساء اللاتي يتزين ~~للرجال ثم العبيد والخول. وأن الأحسن بأهل النبل والشرف من اللباس البياض ~~وما أشبهه حتى يتربى على ذلك ويسمعه كل من يقرب منه ويتكرر عليه ولم يترك ~~مخالطة من يسمع منه ضد ما ذكرته لا سيما من أترابه ومن كان في مثل سنه ممن ~~يعاشره ويلاعبه. PageV01P021 وذلك أن الصبي في ابتداء نشوه يكون على الأكثر ~~قبيح الأفعال إما كلها وإما اكثرها فإنه يكون كذوبا ويخبر ويحكي ما لم ~~يسمعه ولم يره ويكون حسودا سروقا نماما لجوجا ذا فضول أضر شيء بنفسه وبكل ~~أمر يلابسه. ثم لا يزال به التأديب والسنن والتجار حتى ينتقل في أحوال بعد ~~أحوال. فلذلك ينبغي أن يؤخذ ما دام طفلا بما ذكرناه وبذكره. ثم يطالب بحفظ ~~محاسن الأخبار والأشعار التي تجري مجرى ما تعوده بالأدب حتى يتأكد عنده ~~بروايتها وحفظها والمذاكرة بها جميع ما قدمناه ويحذر النظر في الأشعار ~~السخيفة وما فيها من ذكر العشق وأهله وما يوهمه أصحابها، إنه ضرب من الظرف ~~ورقة الطبع. فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جدا. ثم يمدح بكل ما يظهر منه من ms036 ~~خلق جميل وفعل حسن ويكرم عليه. فإن خالف في بعض الأوقات ما ذكرته فالأولى ~~أن لا يوبخ عليه ولا يكاشف بأنه أقدم عليه بل يتغافل عنه تغافل من لا يخطر ~~بباله أنه قد تجاسر على مثله ولا هم به لا سيما أن ستره الصبي واجتهد في أن ~~يخفى ما فعله عن الناس فإن عاد فليوبخ عليه سرا وليعظم عنده ما أتاه. ويحذر ~~من معاودته فإنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة وحرضته على ~~معاودة ما كان استقبحه وهان عليه سماع الملامة في ركوب قبائح اللذات التي ~~تدعو إليها نفسه وهذه اللذات كثيرة جدا. # آداب المطاعم # والذي ينبغي أن يبدأ به في تقويمها آداب المطاعم فيفهم أولا انها إنما ~~تراد للصحة لا للذةز وأن الأغذية كلها إنما خلقت وأعدت لنا لتصح بها ~~أبداننا وتصير مادة حياتنا. فهي تجري مجرى الأدوية ليتداوي بها الجوع ~~والألم الحادث منه. فكما أن الدواء لا يرام للذة ولا يستكثر منه للشهوة ~~فكذلك الأطعمة لا ينبغي أن يتناول منها إلا ما يحفظ صحة البدن ويدفع ألم ~~الجوع ويمنع من المرض. فيحفر عنده قدر الطعام الذي يستعظمه أهل الشره ويقبح ~~عنده صورة من شره غليه وينال منه فوق حاجة بدنه أو مالا يوافقه حتى يقتصر ~~على لون واحد. ولا يرغب في الألوان الكثيرة. وإذا جلس مع غيره لا يبادر إلى ~~الطعام ولا يديم النظر إلى ألوانه ولا يحدق إليه شديدا. ويقتصر على ما يليه ~~ولا يسرع في الأكل ولا يوالي بين اللقم بسرعة. ولا يعظم اللقمة ولا يبتلعها ~~حتى يجيد مضغها. ولا يلطخ يده ولا ثوبه ولا يلحظ من يؤاكله ولا يتبع بنظره ~~مواقع يده من الطعام. ويعود أن يؤثر غيره بما يليه إن كان أفضل ما عنده ثم ~~يضبط شهوته حتى يقتصر على أدنى الطعام وأدونه. ويأكل الخبز القفار الذي لا ~~أدم معه في بعض الأوقات وهذه الآداب وإن كانت جميلة بالفقراء فهي بالأغنياء ~~أفضل وأجمل. وينبغي أن يستوفي غذاه بالعشي فإن استوفاه بالنهار كسل واحتاج ms037 ~~إلى النوم وتبلد فهمه مع ذلك. وإن منع اللحم في أوقاته كان أنفع له وقعا في ~~الحركة والتيقظ وقلة البلادة وبعثه على النشاط والخفة. وأما الحلواء ~~والفاكهة فينبغي أن يمتنع منها ألبتة إن أمكن. وإلا فليتناول أقل ما يمكن ~~فإنها تستحيل في بدنه فتكثر إنحلاله وتعوده مع ذلك على الشره ومحبة ~~الإستكثار من المآكل. ويعود أن لا يشرب في خلال طعامه الماء. فإما النبيذ ~~وأصناف الأشربة المسكرة فإياها وإياها فإنها تضره في بدنه ونفسه وتحمله على ~~سرعة الغضب والتهور والإقدام على القبائح والقحة وسائر اخلال المذمومة. # آداب متنوعة # ولا ينبغي أن يحضر مجالس أهل الشرب إلا أن يكون أهل المجلس أدباء فضلاء. ~~وأما غيرهم فلا لئلا يسمع الكلام القبيح والسخافات التي تجري فيه. # وينبغي أن لا يأكل حتى يفرغ من وظئاف الأدب التي يتعملها ويتعب تعبا ~~كافيا. وينبغي أن يمنع من كل فعل يستره. ويخنفيه فإنه ليس يخفى شيئا إلا ~~وهو يظن أو يعلم أنه قبيح. يومنع من النوم الكثير فإنه يقبحه ويغلظ ذهنه ~~ويميت خاطره. هذا بالليل فأما بالنهار فلا ينبغي أن يتعوده ألبتة. ويمنع ~~أيضا من الفراش الوطيء وميع أنواع الترفه حتى يصلب بدنه ويتعود الخشونة ولا ~~يتعود الخيش والأسراب في الصيف ولا الأوبار والنيران في الشتاء للأسباب ~~التي ذكرناها. ويعود المشي والحركة والركوب والرياضة حتى لا يتعود أضدادها. ~~PageV01P022 ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع في المشي ولا يرخي يديه بل ~~يضمهما إلى صدره ولا يربي شعره. ولا يزين بملابس النساء ولا يلبس خاتما إلا ~~وقت حاجته إليه. ولا يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه من مآكله ~~وملابسه وما يجري مجراه ولا يشين بل يتواضع لكل أحد ويكرم كل من عاشره. # ولا يتوصل بشرف إن كان له أو سلطان من أهله إن اتفق إلى غضب من هو دونه ~~أو استهداء من لا يمكنه أن يرده عن هواه أو تطاوله عليه. كمن اتفق له إن ~~كان خاله وزيرا أو عمه سلطانا فتطرق به إلى هضيمة أقرانه وثلم ms038 أخوانه ولا ~~يتمخط ولا يتثاءب بحضرة غيره. ولا يضع رجلا على رجل ولا يضرب تحت ذقنه ~~بساعده ولا يعمد رأسه بيده. فإن هذا دليل الكسل وأنه قد بلغ به القبيح إلى ~~أن لا يحمل رأسه حتى يستعين بيده. ويعود أن لا يكذب ولا يحلف البتة لا ~~صادقا ولا كاذبا. فإن هذا قبيح بالرجال مع الحاجة إليه في بعض الأوقات فأما ~~الصبي فلا حاجة به إلى اليمين. ويعود أيضا قلة الكلام فلا يتكلم إلا جوابا. ~~وإذا حضر من هو أكبر منه اشتغل بالاستماع منه والصمت له. ويمنع من خبيث ~~الكلام وهجينه ومن السب واللعن ولغو القول. ويعود حسن الكلام وظريفه وجميل ~~اللقاء وكريمه ولا يرخص له أن يستمع لاضدادها من غيره. ويعود خدمة نفسه ~~ومعلمه وكل من كان أكبر منه. # وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمترفين. وينبغي إذا ضربه ~~المعلم أن لا يصرخ ولا يستشفع بأحد فإن هذا فعل المماليك ومن هو خوار ضعيف. ~~ولا يعير أحدا إلا بالقبيح والسيء من الأدب. ويعود أن لا يوحش الصبيان. بل ~~يبرهم ويكافئهم على الجميل بأكثر منه لئلا يتعود الريح على الصبيان وعلى ~~الصديق. ويبغض إليه الفضة والذهب ويحذر منهما أكثر من تحذير السباع والحيات ~~والعقارب والأفاعي. فإن حب الفضة والذهب آفته أكثر من آفات السموم. وينبغي ~~أن يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب ~~ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد. PageV01P023 ويعود طاعة والديه ومعلميه ~~ومؤديه وإن ينظر اليهم بعين الجلالة والتعظيم ويهلبهم. وهذه الآداب النافعة ~~للصبيان هي للكبار من الناس أيضا نافعة ولكنها للأحداث أنفع لأنها تعودهم ~~محبة الفضائل وينشأون عليها فلا يثقل عليهم تجنب الرذائل ويسهل عليهم بعد ~~ذلك جمثيع ما ترسمه الحكمة وتحده الشريعة والسنة. ويعتادون ضبط النفس عما ~~تدعوهم إليه من الذات القبيحة وتكفهم عن الإنهماك في شيء منها والفكر ~~الكثير فيها. وتسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية وترقيهم إلى معالي الأمور ~~التي وصفناها في أول الكتاب من التقرب إلى ms039 الله عز وجل ومجاورة الملائكة مع ~~حسن الحال في الدنيا وطيب العيش وجميل الأحدوثة وقلة الأعداء وكثرة المداح ~~والراغبين في مودته من الفضلاء خاصة. فإذا تجاوز هذه الرتبة وبلغ أيامه إلى ~~أن يفهم أغراض الناس وعواقب الأمور فهم أن الغرض الأخير من هذه الأشياء ~~التي يقصدها الناس ويحرصون عليها من الثروة وإقتناء الضياع والعبيد والخيل ~~والفرش وأشباه ذلك إنما هو لنر فيه البدن وحفظ صحته. وأن يبقى على إعتداله ~~مدة ما. وأن لا يقع في الأعراض ولا تفجأه المنية. وأن يهنأ بنعمة الله عليه ~~ويستعد لدار البقاء والحياة السرمدية. وأن اللذات كلها في الحقيقة هي خلاص ~~من آلام وراحات من تعب. فإذا عرف ذلك وتحققه ثم تعوده بالسيرة الدائمة وعود ~~الرياضات التي تحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل وتطرد ~~البلادة وتبعث النشاط وتذكي النفس. فمن كان ممولا مترفا كانت هذه الأشياء ~~التي رسمتها أصعب عليه لكثرة من يحتف به ويغويه ولموافقة طبيعة الإنسان في ~~أول ما تنشأ هذه اللذات وإجماع جمهور الناس على نيل ما أمكنهم منها وطلب ما ~~تعذر عليهم بغاية جهدهم. فأما الفقراء فالأمر عليهم أسهل بل هم قريبون إلى ~~الفضائل قادرون عليها متمكنون من نيلها والإصابة منها. وحال المتوسطين من ~~الناس متوسطة بين هاتين الحالتين. وقد كان ملوك الفرس الفضلاء لا يربون ~~أولادهم بين حشمهم وخواصهم خوفا عليهم من الأحوال التي ذكرناها ومن سماع ما ~~حذرت منه. وكانوا ينفذونهم مع ثقاتهم إلى النواحي البيعدة منهم. وكان يتولى ~~تربيتهم أهل الجفاء وخشونة العيش ومن لا يعرف التنعم ولا الترفه وأخبارهم ~~في ذلك مشهورة. وكثير من رؤسائهم في زماننا هذا ينقولن أولادهم عندما ~~ينشأون إلى بلادهم ليتعودوا بها هذه الطرق المحمودة في تأديب الأحداث فقد ~~عرفت أضدادها. أعني أن يشتغل بصلاحه وتقويمه فإنه قد صار بمنزلة الخنزير ~~الوحشي الذي لا يطمع في رياضته فإن نفسه العاقلة تصير خادمة لنفسه البهيمية ~~ولنفسه الغضبية فهي منهمكة في مطالبها من النزوات. وكما أنه لا سبيل إلى ~~رياضة سباع البهائم الوحشية التي ms040 لا تقبل التأديب كذلك لا سبيل إلى رياضة ~~من نشأ على هذه الطريقة واعتادها وأمعن قليلا في السن. اللهم إلا أن يكون ~~في جميع أحواله عالما بقبح سيرته ذا مالها عائبا على نفسه عازما على ~~الإقلاع والإنابة. فإن مثل هذا الإنسان من يرجى له النزوع عن أخلاقه ~~بالتدريج والرجوع إلى الطريقة المثلى بالتوبة وبمصاحبةب الأخيار وأهل ~~الحكمة وبالأكباب على التفلسف. وإذ قد ذكرنا الخلق المحمود وما ينبغي أن ~~يؤخذ به الأحداث والصبيان فنحن واصفون جميع القوى التي تحدث لليحوان أولا ~~أولا إلى أن ينتهي إلى أقصى الكمال في الإنسانية فإنك شديد الحاجة إلى ~~معرفة ذلك لتبتديء على الترتيب الطبيعي في تقويم واحد منها فنقول: # الأجسام الطبيعية # إن الأجسام الطبيعية كلها تشترك في الحد الذي يعمها ثم تتفاضل بقبول ~~الآثار الشريفة والصور التي تحدث فيها. فإن الجماد منها إذا قبل صورة ~~مقبولة عند الناس صار بها أفضل من الطينة الأولى التي لا تقبل تلك الصورة. ~~فإذا بلغ إلى أن يقبل صورة النبات صار بزيادة هذه الصورة أفضل من الجماد. ~~PageV01P024 وتلك الزيادة هي الإغتذاء والنمو والإمتداد في الإقطار وإجتذاب ~~ما يوافقه من الأرض والماء وترك ما لا يوافقه ونفض الفضلات التي تتولد فيه ~~من غذائه عن جسمه بالصموغ. وهذه الأشياء التي ينفصل بها النبات من الجماد. ~~وهذه الحالة الزائدة في النبات التي شرف بها على الجماد تتفاضل: وذلك أن ~~بعضه يفارق الجماد مفارقة يسيرة كالمرجان وأشباهه. ثم يتدرج فيها فيحصل له ~~من هذه الزيادة شيء بعد شيء فبعضه ينبت من غير زرع ولا بذر ولا يحفظ نوعه ~~بالثمر والبزر. ويكفيه في حدوثه امتزاج العناصر وهبوب الرياح وطلوع الشمس ~~فلذلك هو في أفق الجمادات وقريب الحال منها. ثم تزداد هذه الفضيلة في ~~النبات فيفضل بعضه على بعض بنظام وترتيب حتى تظهر فيه قوة الأثمار وحفظ ~~النوع بالبزر الذي يخلف به مثله فتصير هذه الحالة زائدة فيه ومميزة له عن ~~حال ما قبله. ثم تقوى هذه الفضيلة فيه حتى يصير بعضه على بعض حتى ms041 يبلغ إلى ~~أفقه ويصير في أفق الحيوان. وهي كرام الشجر كالزيتون والرمان والكرم وأصناف ~~الفواكه إلا أنها بعد مختلطة القوى أعني أن قوى ذكورها وإناثها غير متميزة ~~فهي تحمل وتلد المثل ولم تبلغ غاية أفقها الذي يتصل بأفق الحيوان. ثم تزداد ~~وتمعن في هذا الأفق إلى ان تصير في أفق الحيوان فلا تحتمل زيادة. وذلك أنها ~~أن قبلت زيادة يسيرة صارت حيوانا وخرجت عن أفق النبات. فحينئذ تتميز قواها ~~ويحصل فيها ذكورة وأنوثة وتقبل من فضائل الحيوان أمورا تتيمز بها عن سائر ~~النبات والشجر كالنخل الذي طالع أفق الحيوان بالخواص العشر المذكورة في ~~مواضعها ولم يبق بينه وبين الحيوان إلا مرتبة واحدة وهي الإنقلاع من الأرض ~~والسعي إلى الغذاء. وقد روى في الخبر ما هو كالإشارة أو كالرمز إلى هذا ~~المعنى وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {أكرموا عماتكم النخل فإنها خلقت من ~~بقية طينة آدم} فإذا تحرك النبات وانقلع من أفقه وسعى إلى غذائه ولم يتقيد ~~في موضعه إلى أن يصير إليه غذاؤه وكونت له آلات أخر يتناول بها حاجاته التي ~~تكمله فقد صار حيوانا. # وهذه الآلات تتزايد في الحيوان من أول أفقه وتتفاضل فيه فيشرف فيه بعضها ~~على بعض كما كان ذلك في النبات فلا يزال يقبل فضيلة بعد فضيلة حتى تظهر فيه ~~قوة الشعور باللذة والأذى فيلتذ بوصوله إلى منافعه ويتألم بوصول مضاره ~~إليه. ثم يقبل الهام الله عز وجل إياه فيهتدي إلى مصالحه فيطلبها وإلى ~~أضداده فيهرب منها. وما كان من الحيوان في أول أفق النبات فإنه لا يتزاوج ~~ولا يخلف المثل بل يتوالد كالديدان والذباب وأصناف الحشرات الخسيسة. # ثم يتزايد فيه قبول الفضيلة كما كان في النبات سواء. ثم تحدث فيه قوة ~~الغضب التي ينهض بها إلى دفع ما يؤذيه فيعطي من السلاح بحسب قوته وما يطيق ~~استعماله. فإن كانت قوته الغضبية شديدة كان سلاحه تاما قويا. وإن كانت ~~ناقصة كان ناقصا وإن كانت ضعيفة جدا لم يعط سلاح ألبتة بل أعطى آلة الهرب ~~كشدة ms042 العدو والقدوة على الحيل التي تنجيه من مخاوفه. وأنت ترى ذلك عيانا من ~~الحيوان الذي أعطى القرون التي تجري له مجرى الرماح. # والذي أعطى الأنياب والمخالب التي تجري له مجرى السكاكين والخناجر. والذي ~~أعطى آلة الرمى التي تجري له مجرى النبل والنشاب. والذي اعطى الحوافر التي ~~تجري له مجرى الدبوس والطبرزين. فأما ما لم يعط سلاحا لضعفه عن استعماله ~~ولقلة شجاعته ونقصان قوته الغضبية ولأنه لو أعطيه لصار كلا عليه فقد أعطى ~~آلة الهرب والحيل بجودة العدو والخفة والختل والمراوغة كالأرانب وأشباهها. ~~وإذا تصفحت أحوال الموجودات من السباع والوحش والطير رأيت هذه الحكمة ~~مستمرة فيها فتبارك الله أحسن الخالقين لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين، فأما الإنسان فقد عوض من هذه الآلات كلها بان ~~هدى إلى استعمالها كلها وسخرت هذه كلها له وسنتكلم على ذلك في موضعه. فأما ~~أسباب هذه الأشياء كلها والشكوك التي تعترض في قصد بعضها بعضا بالتلف ~~والأنواع من الأذى فليس يليق بهذا الموضع وسأذكرها أن أخر الله في الأجل ~~عند بلوغنا إلى الموضع الخاص بها. # مراتب الحيوان PageV01P025 ونعود إلى ذكر مراتب الحيوان فنقول: أن ما ~~أهدى منها إلى الإزدواج وطلب النسل وحفظ الولد وتربيته والإشفاق عليه بالكن ~~والعش واللباس كما نشاهد فيما يلد ويبيض وتغذيته إما باللبن وإما بنقل ~~الغذاء إليه فإنه أفضل مما لا يهتدي إلى شيء منها. ثم لا تزال هذه الأحوال ~~تتزايد في الحيوان حتى يقرب من أفق الإنسان فحينئذ يقبل التأديب ويصير ~~بقبوله للأدب ذا فضيلة يتميز بها من سائر الحيوانات. ثم تتزايد هذه الفضيلة ~~في الحيوانات حتى يشرف بها ضروب الشرف كالفرس والبازي المعلم. ثم يصير من ~~هذه المرتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه ويتشبه به ~~من غير تعليم كالقردة وما أشبهها ويبلغ من ذكائها ن تستكفي في التأدب بأن ~~ترى الإنسان يعمل عملا فتعمل مثله من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب بها ~~ورياضة لها وهذه غاية أفق الحيوان التي ms043 أن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج ~~بها عن أفقه وصار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات ~~التي يستعملها والصور التي تلائمها. فإذا بلغ هذه الرتبة تحرك إلى المعارف ~~واشتاق إلى العلوم وحدثت له قوى وملكات ومواهب من الله عز وجل يقتدر بها ~~على الترقي والإمعان في هذه الرتبة كما كان ذلك في المراتب الأخرى التي ~~ذكرناها، وأول هذه المراتب من الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق ~~الحيواني مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الشمال والجنوب ~~كأواخر الترك من بلاد يأجوج ومأجوج وأواخر الزنج وأشباههم من الأمم التي لا ~~تميز عن القرود إلا بمرتبة يسيره. ثم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى ~~أن يصيروا إلى وسط الأقاليم فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل ~~وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله عز وجل بالمحسوسات. # ثم يستعد بهذا القبول لإكتساب الفضائل واقتنائها بالإرادة والسعي ~~والإجتهاد الذي ذكرناه فيما تقدم حتى يصل إلى آخر أفقه فإذا صار إلى آخر ~~افقه اتصل بأول أفق الملائكة وهذا أعلى مرتبة الإنسان وعندها تتأحد ~~الموجودات ويتصل أولها بآخرها. وهو الذي يسمى دائرة الوجود لأن الدائرة هي ~~التي قيل في حدها إنها خط واحد يبتدىء بالحركة من نقطة وينتهي إليها بعينها ~~ودائرة الوجود هي المتأحدة التي جعلت الكثرة وحدة. وهي التي تدل دلالة ~~صادقة برهانية على موجدها وحكمته وقدرته ووجوده تبارك اسمه وتعالى جده ~~وتقدس ذكره. ولولا أن شرح هذا الموضوع لا يليق بصناعة تهذيب الأخلاق لشرحته ~~وأنت تقف عليه إن بلغت هذه الرتبة بمشيئة الله. # وإذا تصورت قدر ما أومأنا إليه وفهمته اطلعت على الآلة التي خلقت وندبت ~~إليها وعرفت الأفق الذي يتصل بأفقك وتنقلك في مرتبة بعد مرتبة وركوبك طبقا ~~عن طبق وحدث لك الإيمان الصحيح وشهدت ما غاب عن غيرك من الدهماء وبلغت أن ~~تتدرج إلى العلوم الشريفة المكونة التي مبدؤها تعلم المنطق فإنه الآلة في ~~تقويم الفهم والعقل الغريزي. ثم الوصول به إلىمعرفة الخلائق وطباعها ثم ~~التعلق ms044 بها والتوسع فيها والتوصل منها إلى العلوم الإلهية وحينئذ تستعد ~~لقبول مواهب الله عزوجل وعطاياه فيأتيك الفيض الإلهي فتسكن عن قلق الطبيعة ~~وحركاتها نحو الشهوات الحيوانية وتلحظ المرتبة التي ترقيت فيها أولا فأولا ~~من مراتب الموجودات. وعلمت ان كل مرتبة منها محتاجة إلى قبلها في وجودها ~~وعلمت أن الإنسان لا يتم له كماله إلا بعد أن يحصل له ما قبله وإذا صار ~~إنسانا كاملا وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه وصار إما حكيما ~~تاما تأتيه الإلهامات فيما يتصرف فيه من المحاولات الحكمية والتأييدات ~~العلوية في التصويرات العقلية وإما نبيا مؤيدا يأتيه الوحي على ضروب ~~المنازل التي تكون له عند الله تعالى ذكره. فيكون حينئذ واسطة بين الملأ ~~الأعلى والملأ الأسفل. وذلك بتصوره حال الموجودات كلها والحال التي ينتقل ~~إليها من حال الإنسية ومطالعة الآفاق التي ذكرناها. وحينئذ يفهم عن الله ~~عزوجل قوله (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين) وتصور معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم (هناك مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وإذا ~~بلغ الكلام إلى ذكر هذه المنزلة العالية الشريفة التي أهل الإنسان لها ~~ونسقنا أحواله التي يترقى فيها وأنه يكون أولا بالشوق إلى المعارف والعلوم ~~فينبغي أن نزيد في بيانه وشرحه فنقول: PageV01P026 الشوق إلى المعارف ~~والعلوم # إن هذا الشوق ربما ساق الإنسان علىمنهج قويم وقصد صحيح حتى ينتهي إلى ~~غاية كماله وهي سعادته التامة. وقلما يتفق ذلك وربما اعوج به عن السمت ~~والسنن وذلك لأسباب كثيرة يطول ذكرها ولا حاجة بك إلى علمها الآن وأنت في ~~تهذيب خلقك. فكما أن الطبيعة المدبرة للأجسام ربما شوقت إلى ما ليس بتمام ~~للجسم الطبيعي لعلل تحدث به وآفات تطرأ عليه بمنزلة من يشتاق إلى أكل الطين ~~وما جرى مجراه مما لا يكمل طبيعة الجسد بل يهدمه ويفسده. كذلك أيضا النفس ~~الناطقة ربما اشتاقت إلى النظر والتمييز الذي لا يكملها ولا يشوقها نحو ~~سعادتها بل يحركها إلى الأشياء التي تعوقها وتقصر بها ms045 عن كمالها فيحينئذ ~~يحتاج إلى علاج نفساني روحاني كما احتاج في الحالة الأولى إلى طب طبيعي ~~جسماني. ولذلك تكثر حاجات الناس إلى المقومين والمنفعين وإلى المؤدبين ~~والمسددين. فإن وجود تلك الطبائع الفائقة التي تنساق بذاتها منغير توفق إلى ~~السعادة عسرة الوجود ولا توجد إلا في الأزمنة الطوال والمدد البعيدة. وهذا ~~الأدب الحق الذي يؤدينا إلى غايتنا يجب أن تلحظ فيه المبأ الذي يجري مجرى ~~الغاية حتى إذا لحظت الغاية تدرج منها إلى الأمور الطبيعية على طريق ~~التحليل ثم يبتدىء من أسفل على طريق التركيب فيسلك فيها إلى أن ينتهي إلى ~~الغاية التي لحظت أولا. وهذا المعنى هو الذي أحوجنا في مبدأ هذا الكتاب وفي ~~فصول أخر منه أن نذكر أشياء عالية لا تليق بهذه الصناعة ليتشوق إليها من ~~يستحقها. وليس يمكن الإنسان أن يشتاق إلى ما لا يعرفه ألبتة. فإذا لحظها من ~~فيه قبول لها وعناية بها عرفها بعض المعرفة فتشوقها وسعى نحوها واحتمل ~~التعب والنصب فيها. وينبغي أن يعلم أن كل إنسان معد نحو فضيلة ما فهو إليها ~~أقرب وبالوصول إليها أحرى. ولذلك لا تصير سعادة الواحد من الناس غير سعادة ~~الآخر غلا من اتفق له نفس صافية وطيعية فائقة فينتهي إلى غايات الأمور وعلى ~~غاياتها أعني السعادة القصوى التي لا سعادة بعدها. # الواجب على الحاكم # ولأجل ذلك يجب على مدير المدن أن يسوق كل إنسان نحو سعادته التي تخصه ثم ~~يقسم عنايته بالناس ونظره لهم بقسمين: أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم ~~بالعلوم الفكرية. والأخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية. وإذا ~~سددهم نحو السعادة الفكرية بدأبهم من الغاية الأخيرة على طريق التحليل ووقف ~~يهم عند القوي التي ذكرناها. وإذا سددهم نحو السعادة العملية بدأبهم من عند ~~هذه القوي وانتهى بهم إلى تلك الغاية. ولما كان غرضنا في هذا الكتاب ~~السعادة الخلقي وأن تصدر عنا الأفعال كلها جميلة كما رسمنا في صدر الكتاب ~~وعملناه لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام وكان النظر يتقدم العمل. # وجب أن نذكر الخير المطلق والسعادة ms046 الإنسانية لتلحظ الغاية الأخيرة ثم ~~تطلب بالأفعال الإرادية التي ذكرنا جملها في المقالة الأولى. وأرسطوطاليس ~~إنما بدأ كتابه بهذا الموضع وافتتحه بذكر الخير المطلق ليعرف ويتشوق. # ونحن نذكر ما قاله ونتبعه بما أخذناه أيضا عنه في مواضع أخر ليجتمع ما ~~فرقه ونضيف إلى ذلك ما أخذناه عن مفسري المنقلبين لحكمته نحو استطاعتنا، ~~والله الموفق المؤيد فإن الخير بيده وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P027 ~~نبدأ بمعونة الله تعالى في هذه المقالة بذكر الفرق بين الخير والسعادة بعد ~~أن نذكر ألفاظ أرسطوطا ليس إقتداء به وتوفية لحقه فنقول: إن الخير على ما ~~حده واستحسنه من آراء المتقدمين هو المقصود من الكل وهو الغاية الأخيرة. ~~وقد يسمى الشيء النافع في هذه الغاية خيرا. فأما السعادة فهي الخير ~~بالإضافة إلى صاحبها وهي كمال له. فالسعادة إذا خير ما وقد تكون سعادة ~~الإنسان غير سعادة الفرس وسعادة كل شيء في تمامه وكماله الذي يخصه. فأما ~~الخير الذي يقصده الكل بالشوق فهو طبيعة تقصد ولها ذات وهو الخير العام ~~للناس من حيث هم ناس فهم بأجمعهم مشتركون فيها. فأما السعادة فهي خير ~~مالواحد واحد من الناس فهي إذا بالإضافة ليست لها ذات معينة وهي تختلف ~~بالإضافة إلى قاصديها. فلذلك يكون الخير المطلق غير مختلف فيه. وقد يظن ~~بالسعادة أنها تكون لغير الناطقين. فإن كان ذلك فإنما هي استعدادات فيها ~~لقبول تماماتها وكمالاتها من غير قصد ولا رويى ولا إرادة وتلك الإستعدادات ~~هي الشوق أو ما يجري مجرى الشوق من الناطقين بالإرادة. فأما ما يتأتى ~~للحيوانات في مآكلها ومشاربها وراحاتها فينبغي أن نسمى بختا أواتفاقا ولا ~~يؤهل لإسم السعادة كما يسمى في الإنسان أيضا. وإنما استحسن الحد الذي ذكرنا ~~للخير المطلق لأن العقل لا يطلق السعي والحركة إلا إلى نهاية وهذا أول في ~~العقل. ومثال ذلك أن الصناعات والهمم والتدابير الإختيارية كلها يقصد بها ~~خير ما وما لم يقصد به خير ما فهو عبث والعقل يحظره ويمنع منه وبالواجب صار ~~الخير المطلق هو المقصود إليه من كل الناس. ms047 ولكن بقى أن يعلم ما هو وما ~~الغاية الأخيرة منه التي هي غاية الخيرات التي ترتقي الخيرات كلها إليها ~~حتى نجعله غرضنا وتوجه إليه ولا نلتفت إلى غيره ولا تنتشر أفكارنا في ~~الخيرات الكثيرة التي تؤدي إليه إما تأدية بعيدة وإما تأدية قريبة ولا نغلط ~~أيضا فيما ليس بخير فنظنه خيرا ثم نفي أعمارنا في طلبه والتعب به وكلا ~~سنبينه بمشيئة الله وعونه. # أقسام الخير # الخير على قسمه أرسطوطا ليس وحكاه عنه قرقوريوس غيره قال الخيرات منها ما ~~هي شريفة ومنها ماهي ممدوحة ومنها ما هي بالقوى كذلك وما هي نافعة فيها. ~~فالشريفة منها هي التي شرفها من ذاتها وتجعل من اقتناها شريفا وهي الحكمة ~~والعقل والممدوحة منها مثل الفضائل والأفعال الجميلة الإرداية والتي هي ~~بالقوى مثل التهيء والإستعداد لنيل الأشياء التي تقدمت والنافعة هي جميع ~~الأشياء التي تطلب لا لذاتها بل ليتوصل بها إلى الخيرات (وعلى جهة أخرى) ~~الخيرات منها ما هي غايات ومنها ما ليست بغايات والغايات منها ما هي تامة ~~ومنها ما هي غير تامة. فالتي هي تامة كالسعادة. وذلك أنا إذا وصلنا إليها ~~لم نحتج أن نستزيد فنقتني أشياء أخر. وأما التي ليست بغاية ألبتة فكالعلاج ~~والتعلم والرياضة (وعلى جهة أخرى) الخيرات منهاما هو مؤثر لأجل ذاته ومنها ~~ما هو مؤثر لأجل غيره ومنها ما هو مؤثر للأمرين جميعا ومنها ما هو خارجعنها ~~(وعلى جهة أخرى) الخيرات منها ما هوخير على الإطلاق ومنها ما هو خير عند ~~الضرورة والإتفاقات التي تتفق لبعض النسا وفي وقت دون وقت. وأيضا منها ما ~~هو خير لجميع الناس ومن جميع الوجوه وفي جميع الأوقات ومنها ما ليس بخير ~~لجميع الناس ولا ما هو في المية ومنها ما هو في الكيفية وفي سائر المقولات ~~كالقوى والملكات. # ومنها كالأحوال ومنها كالأفعال ومنها كالغايات ومنها كالمواد ومنها ~~كالآلات ووجود الخيرات في المقولات كلها يكون على هذا المثال. # أما في الجوهر أعني ماليس بعرض فالله تبارك وتعالى هو الخير الأول فإن ~~جميع الأشياء تتحرك ms048 نحوه بالشوق إليه ولأن مآل الخيرات الإلهية من البقاء ~~والسرمدية والتمام منه. # وأما في الكمية فالعدد فالمعتدل والمقدار المعتدل وأما في الكيفية ~~فكاللذات، وأما في الإضافة فالكالصدقات والرياسات وأما في الأين والمتة ~~فكالمكان المعتدل والزمان الأنيق البهج. وأما في الموضع فكالقعود والإضطجاع ~~والإتكاء الموافق. وأما في الملك فكالأموال والمنافع وأما في الإنفعال ~~فكالسماع الطيب وسائر المحسوسات المؤثرة وأما في الفعل فكنفاذ الأمر ورواج ~~الفعل (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها معقولات ومنها محسوسات. PageV01P028 ~~وأما السعادة فقد قلنا أنها خير ما وهي تمام الخيرات وغاياتها والتمام هو ~~الذي إذا بلغنا إليه لم نحتج معه إلى شيء آخر فلذلك نقول: أن السعادة هي ~~أفضل الخيرات ولكنا نحتاج في هذا التمام الذي هو الغاية القصوى إلى سعادات ~~أخرىوهي التي في البدن والتي خارج البدن (وارسطو طاليس) يقول أنه يعسر على ~~الإنسان أن يفعل الأفعال الشريفة بلا مادة مثل اتساع اليد وكثرة الأصدقاء ~~وجودة البخت. قال ولهذا ما احتاجت الحكمة إلى صناعة الملك في إظهار شرفها. ~~قال ولهذا قلنا إن كان شيء عطية من الله تعالى وموهبة للناس فهو السعادة ~~لأنها عطية منه عز إسمه وموهبة في أشرف منازل الخيرات وفي أعلى مراتبها ~~وهوخاصة بالإنسان التام ولذلك لا يشاركه فيها من ليس بتام كالصبيان ومن ~~يجري مجراهم. وأما أقسام السعادى على مذهب هذا الحكيم فهي خمسة أقسام. ~~أحدها في صحة البدن ولطف الحواس ويكون ذلك من اعتدال المزاج أعني أن يكون ~~جيد السمع والبصر والشم والذوق واللمسز والثاني في الثروة والأعوان ~~وأشباهما حتى يتسع لأن يضع المال في موضعه ويعمل به سائر الخيرات ويواسي ~~منه أهلالخيرات خاصة والمستحقين عامة ويعمل به كل ما يزيد في فضائله ويستحق ~~الثناء والمدح عليه. والثالث أن تحسن أحدوثته في الناس وينشر ذكره بين أهل ~~الفضل فيكون ممدوحا بينهم ويكثرون الثناء عليه لما يتصرف فيه من الإحسان ~~والمعرفة. والرابع أن يكون منجحا في الأمور وذلك إذا استتم كل ما روى فيه ~~وعزم عليه حتى يصير إلى ما يأمله منه. والخامس ms049 أن يكون جيد الرأى صحيح ~~الفكر سليم الإعتقادات في دينه وغير دينه بريئا من الخطأ والزلل جيد ~~المشورة في الآراء. # فمن اجتمعت له هذه الأقسام كلها فهو السعيد الكامل على مذهب هذا الرجل ~~الفاضل ومن حصل له بعضها كان حظه من السعادة بحسب ذلك. وأما الحكماء قبل ~~هذا الرجل مثل فيثاغورس وبقراط وأفلاطون وأشباههم فإنهم أجمعوا على أن ~~الفضائل والسعادة كلها في النفس وحدها. ولذلك لما قسموا السعادة جعلوها ~~كلها في قوى النفس التي ذكرناها في أول الكتاب (وهي الحكمة والشجاعة والعفة ~~والعدالة) وأجمعوا على أن هذه الفضائل هي كافية في السعادة ولا يحتاج معها ~~إلى غيرها من فضائل البدن ولا ما هو خارج البدن، فإن الإنسان إذا حصل تلك ~~الفضائل لم يضره في سعادته أن يكون سقيما ناقص الأعضاء مبتلي بجميع أمراض ~~البدن. اللهم إلا أن يلحق النفس منها مضرة في خاص أفعالها مثل فساد العقل ~~ورداءة الذهن وما أشبهها. وأما الفقر والخمول وسقوط الحال وسائر الأشياء ~~الخارجة عنها فليست عندهم بقادحة في السعادة ألبتة، وأما الرواقيون وجماعة ~~من الطبيعيين فإنهم جعلوا البدن جزءا من الإنسان ولم يجعلوه آلة كما شرحناه ~~فيما نقدم. فلذلك اضطروا إلى أن يجعلوا السعادة التي في النفس غير كاملة ~~إذا لم يقترن بها سعادة البدن وما هو خارج البدن أيضا أعني الأشياء التي ~~تكون بالبخت والجد، والمحققون من الفلاسفة يحقرون أمر البخت وكل ما يكون به ~~ومعه ولا يؤهلون تلك الأشياء لإسم السعادة لأن السعادة شيء ثابت زائل ولا ~~متغير وهي أشرف الأمور وأكرمها وأرفعها فلا يجعلون لأحسن الأشياء وهو الذي ~~يتغير ولا يثبت ولا يتحصل بروية ولا فكر ولا يتأتى بعقل وفضيلة فيها نصيبا. ~~PageV01P029 ولهذا النظر اختلف القدماء في السعادة العظمى فظن قوم أنها لا ~~تحصل للإنسان إلا بعد مفارقة البدن والطبيعات كلها وهؤلاء هم القوم الذين ~~حكينا عنهم أن السعادة العظمى هي في النفس وحدها وسموا الإنسان ذلك الجوهر ~~وحده دون البدن ولذلك حكموا أنها ما دامت في البدن ومتصلة بالطبيعة وكدرها ms050 ~~ونجاسات البدن وضروراته وحاجت الإنسان به وافتقاراته إلى الأشياء الكثيرة ~~فليست سعيدة على الإطلاق. وأيضا لما روأها لا تكمل لوجود الأشياء العقلية ~~لأنها لا تستتر عنها بظلمة الهيولي أعني قصورها ونقصانها ظنوا أنها إذا ~~فارقت هذه الكدورة فارقت الجهالات وصفت وخلصت وقبلت الإضاءة والنور الإلهي ~~أعني العقل التام. ويجب على رأى هؤلاء أن الإنسان لا يسعد السعادة التامة ~~إلا في الآخرة بعد موته، وأما الفرقة الأخرى فإنها قالت انه من القبيح ~~الشنيع أن يظن أن الإنسان ما دام حيا يعمل الأعمال الصالحة ويعتقد الآراء ~~الصحيحة ويسعى في تحصيل الفضائل كلها لنفسه أولا ثم لأبناء جنسه ثانيا ~~ويخلف رب العزة تقدس ذكره في خلقه بهذه الأفعال المرضية فهو شقي ناقص حتى ~~إذا مات ودم ذكر الأشياء صار سعيدا تام السعادة. # وارسطوطاليس يتحقق بهذا الرأى وذلك أنه تكلم في السعادة الإنسانية ~~والإنسان هو المركب عنده من بدن ونفس ولذلك حد الإنسان بالناطق المائت ~~وبالناطق الماشي برجلين وما أشبه ذلك وهذه الفرقة التي رئيسها أرسطوطاليس ~~رأت ان السعادة الإنسانية تحصل لللإنسان في الدنيا إذا سعى لها وتعب بها ~~حتى يصير إلى أقصاها ولما رأى الحكيم ذلك وأن الناس مختلفون في هذه السعادة ~~الإنسانيةن وأنها قد أشكلت عليهم أشكالا شديدا احتاج أن يتعب في الإبانة ~~عنها وإطالة الكلام فيها. وذلك أن الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة ~~واليسار. والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة. والذليل يرى أنها فيالجاه ~~والسلطان. والخليع يرى أنها في التمكن من الشهوات كلها على اختلافها ~~والعاشق يرى أنها في الظفر بالمعشوق. والفاضل يرى أنها في إفاضة المعروف ~~على المستحقين. والفيلسوف يرى أن هذه كلها إذا كانت مرتبة بحسب تقسيط العدل ~~أعني عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب وعند من يجب. فهي سعادات كلها ~~وما كان منها يراد لشيء آخر فذلك الشيء أحق باسم السعادة ولما كانت كل ~~واحدة من هاتين الفرقتين نظرت نظرا ما وجب أن نقول في ذلك ما نراه صوابا ~~وجامعا للرأيين فنقول: # رأى المؤلف ms051 في السعادة PageV01P030 إن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب ~~بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام ~~لأنه مركب منهما فهو بالخير الجسماني الذي يناسب به الأنعام مقيم في هذا ~~العالم السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظمه ويرتبه. حتى إذا ظفر بهذه المرتبة ~~على الكمال انتقل إلى العالم العلوي وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة ~~الملائكة والأرواح الطيبة وينبغي أن يفهم من قولنا العالم السفلي والعالم ~~االعلوي ما ذكرناه فيما تقدم. فإنا قد قلنا هناك أنا لسنا نعني بالعلوي ~~المكان العلى في الحس ولا بالعالم السفلي المكان الأسفل في الحس بل كل ~~محسوس فهو أسفل وإنكان محسوسا في المكان الأعلى. وكل معقول فيهو أعلى وإن ~~كان معقولا في المكان الأسفل وينبغي أن يعلم أنه لا يحتاج في صحة الأرواح ~~الطيبة المستغنية عن الأبدان إلى شيء من السعادات البدنية التي ذكرناها سوى ~~سعادة النفس فقط أعني المعقولات الأبدية التي هي الحكمة فقط. فإذا ما دام ~~الإنسان إنسانا فلا تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا وليس يحصلان ~~على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية. فالسعيد ~~إذا من الناس يكون في إحدى مرتبتين. إما في مرتبة الأشياء الجسمانية متعلقا ~~بأحوالها السفلى سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة باحثا عنها ~~مشتقا إليها متحركا نحوها مغتبطا بها. وإما أن يكون في رتبة الأشياء ~~الروحانية متعلقا بأحوالها العليا سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور ~~البدنية معتبرا بها ناظرا في علامات القدرة الإلهية ودلالل الحكمة البالغة ~~مقتديا بها ناظما لها مفيضا للخيرات عليها سابقا لها نحو الأفضل، فالأفضل ~~بحسب قبولها وعلى نحو استطاعتها. وأي امرىء لم يحصل في إحدى هاتين ~~المنزلتين فهو في رتبة الأنعام بل هو أضل. وإنما صار أضل لأن تلك غير معرضة ~~لهذه الخيرات ولا أعطيت استطاعة تتحرك بها نحو هذه المراتب العالية. وإنما ~~تتحرك بقواها نحو كمالاتها الخاصة بها والإنسان معرض لها مندوب إليها مزاح ~~العلة فيها وهو مع ذلك غير محصل لها ولا ms052 سع نحوها. PageV01P031 وهو مع ذلك ~~مؤثر لضدها يستعمل قواه الشريفة في الأمور الدنيئة وتلك محصلة لكمالاتها ~~التي تخصها فإذا الأنعام إذا منعت الخيرات الإنسية حرمت جوار الأرواح ~~الطيبة ودخول الجنة التي وعد المتقون فهي معذورة. والإنسان غير معذور. مثل ~~الأول مثل الأعمى إذا جار عنالطريق فتردى في بئر فهو مرحوم غير ملوم. ومثل ~~الثاني مثل بصير يجور على بصيرة حتى يتردى في البئر فهو ممقوت ملوم. وإذ قد ~~تبين أن السعيد لا محالة في إحدى المرتبتين اللتين ذكرناها فقد تبين أيضا ~~أن أحدهما ناقص مقصر عن الآخر وأن الأنقص منهما ليس يخلو ولا يتعرى من ~~الآلام والحسرات لأجل خدائع الطبيعة والزخارف الحسية التي تعترضه فيما ~~يلابسه وتعوقه عما يلاحظه وتمنعه من الترقي فيها على ما ينبغي وتشغله بما ~~يتعلق به من الأمور الجسمانية. فصاحب هذه المرتبة غير كامل على الإطلاق ولا ~~سعيد تام، وأن صاحب المرتبة الأخرى هو السعيد التام وهو الذي توفر حظه من ~~الحكمة فهو مقيم بروحانيته بين الملاء الأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة ~~ويستنير بالنور الإلهي ويستزيد من فضائله بحسب عنايته بها وقلة عوائقه ~~عنها. ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو صاحب المرتبة ~~الأولى منها ويكون مسرورا أبدا بذاته مغتبطا بحاله وبما يحصل له دائما من ~~فيض نور الأمل فليس يسر إلا بتلك الأحوال ولا يغتبط إلا بتلك المحاسن ولا ~~يهش إلا لإظهار تلك الحكمة بين أهلها ولا يرتاح إلا لمن ناسبه أو قاربه ~~وأحب الإقتباس منه. وهذه المرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر ~~السعادات وأقصاها وهو الذي لا يبالي بفراق الأحباب من أهل الدنيا ولا يتحسر ~~على ما يفوته من التنعم فيها. وهو الذي يرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا ~~التي عددناها في السعادات التي في بدنه الخارجة عنه كلها كلا عليه إلا في ~~ضرورات يحتاج إليها لبدنه الذي هو مربوط به لا يستطيع الإنحلال عنه إلا عند ~~مشيئة خالقه وهو الذي يتشاق إلى صحبة أشكاله وملاقاة من يناسبه ms053 من الأرواح ~~الطيبة والملائكة المقربين. وهو الذي لا يفعل إلا ما أراده الله منه ولا ~~يختار إلا ما قرب إليه لا يخالفه إلى شيء من شهواته الرديئة ولا ينخدع ~~بخدائع الطبيعة ولا يلتفت إلى شيء يعوقه عن سعادته. # وهو الذي لا يحزن على فقد محبوب ولا يتحسر على فوت مطلوب. إلا أن هذه ~~المرتبة الأخيرة تتفاوت تفاوتا عظيما أعني أن من يسل إليها من الناس يكون ~~على طبقات كثيرة غير متقاربة. # وهاتان المرتبتان هما اللتان ساق الحكيم الكلام إليهما واختار المرتبة ~~الأخيرة منهما وذلك في كتابه المسمى " فضائل النفس " وأنا أورد ألفاظه التي ~~نقلت إلى العربية بعينها قال: ؟؟أول رتب الفضائل اول رتب الفضائل تسمى ~~سعادة وهي أن يصرف الإنسان إرادته ومحاولاته إلى مصالحه في العالم المحسوس ~~والأمور المحسوسة من أمور النفس والبدن وما كان من الأحوال متصلا بهما ~~ومشاركا لهما من الأمور النفسانية ويكون تصرفه في الأحوال المحسوسة تصرفا ~~لا يخرج به عن الإعتدال الملائم لأحواله الحسية. وهذه حال قد يتلبس فيها ~~الإنسان بالأهواء والشهوات إلا ان ذلك بقدر معتدل غير مفرط وهو إلى ما ~~ينبغي أقرب منه إلى ما لا يسيغه وذلك انه يجري أمره نحو صواب التدبير ~~المتوسط في كل فضيلة ولا يخرج به عن تقدير الفكر وأن لابس الأمور المحسوسة ~~وتصرف فيها. # ثم الرتبة الثانية وهي التي يصرف الإنسان فيها إرادته ومحاولاته إلى ~~الأمر الأفضل من صلاح النفس والبدن من غير أن يتلبس مع ذلك بشيء من الأهواء ~~والشهوات ولا يكترث بشيء من النفسيات المحسوسة إلا بما تدعوه إليه الضرورة. ~~ثم تتزايد رتبة الإنسان في هذا الضرب من الفضيلة. وذلك أن الأماكن والرتب ~~في هذا الضرب من الفضائل كثيرة بعضها فوق بعض وسبب ذلك. اما أولا فاختلاف ~~طبائع الناس. وثانيا على حسب العادات. # وثالثا بحسب منازلهم ومواضعهم من الفضل والعلم والمعرفة والفهم. ورابعا ~~بحسب همهم. وخامسا بحسب شوقهم ومعاناتهم ويقال ايضا بحسب جدهم. PageV01P032 ~~ثم تكون النقلة في آخر هذه المرتبة أعني هذا الصنف من الفضيلة إلى ms054 الفضيلة ~~الإلهية المحضة. وهي التي لا يكون فيها تشوف إلى آت ولا تلفت إلى ماض ولا ~~تشييع لحال ولا تطلع إلى ناء ولا ضن بقريب ولا خوف ولا فزع من أمر ولا شغف ~~بحال ولا طلب لحظ من حظوظ الإنسانية ولا من الحظوظ النفسانية أيضا ولا ما ~~تدعو الضرورة إليه من حاجة البدن والقوى الطبيعية ولا القوى النفسانية. لكن ~~يتصرف بتصرف الخير العقلي في أعالي رتب الفضائل وهو صرف الوكد إلى الأمور ~~الإلهية ومعاناتها ومحاولاتها بلا طلب عوض أعني أن يكون تصرفه فيها ~~ومعاناته ومحاولته لها لنفس ذاتها فقط وهذه الرتبة أيضا تتزايد بالناس بحسب ~~الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة القة وحسب الهمم ~~والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة الثقة وبحسب منزلة من ~~بلغ إلى هذا المبلغ من الفضيلة في هذه الأحوال التي عددناها إلى أن يكون ~~تشبهه بالعلة الأولى واقتداؤه بها وبأفعالها. # آخر مراتب الفضائل # وآخر المراتب في الفضيلة أن تكون أفعال الإنسان كلها أفعال الهية وهذه ~~الأفعال هي خير محض والفعل إذا كان خيرا محضا فليس يفعله فاعله من أجل شيء ~~آخر غير الفعل نفسه. وذلك أن الخير المحض هو غاية متوخاة لذاتها أي هو ~~الأمر المطلوب المقصود لذاته. والأمر الذي هو غاية متوخاة لذاتها أي هو ~~الأمر المطلوب المقصود لذاته. والأمر الذي هو غاية في نهاية النفاسة ليس ~~يكون من أجل شيء آخر. فأفعال الإنسان إذا صارت كلها إلاهية فهي كلها إنما ~~تصدر عن لبه وذاته الحقيقية التي هي عقله الإلهي الذي هو ذاته بالحقيقة ~~وتزول وتتهدر سائر دواعي طباعه البدني بسائر عوارض النفسين البهيميتين ~~وعوارض التخيل المتولد عنهما وعن دواعي نفسه الحسية فلا يبقى له حينئذ ~~ارادة ولا همة خارجتان عن فعله من أجلهما يفعل مايفعل. لكنه يفعل ما يفعله ~~بلا إرادة ولا همة في سوي الفعل أي لا يكون غرضه في فعله غير ذات الفعل ~~وهذا هو سبيل العقل الإلهي. فهذه الحال هي آخر رتب الفضائل التي يتقبل فيها ~~الإنسان أفعال ms055 المبدأ الأول خالق الكل عز وجل. # أعني أن يكون فيما يفعله لا يطلب به حظا ولا مجازاة ولا عوضا ولا زيادة ~~لكن يكون فعله بعينه هو غرضه أي ليس يفعل من أجل شيء آخر سوى ذات الفعل. ~~ومعنى ذاته هو أن لا يفعل ما يفعله من أجل شيء غير فعله نفسه وذاته نفسها ~~هي الفعل الإلهي نفسه وهكذا يفعل الباري تعالى لذاته لا من أجل شيء آخر ~~خارج عنه. وذلك أن فعل الإنسان في هذه الحال يكون كما قلنا خيرا محضا وحكمة ~~محضة فيبدأ بالفعل لنفس إظهار الفعل فقط لا لغاية أخرى يتوخاها بالفعل ~~وهكذا فعل الله عز وجل الخاص به ليس هو على القصد الأول من أجل شيء خارج عن ~~ذاته. أعني ليس ذلك من أجل سياسة الأشياء التي نحن بعضها لأنه لو كان كذلك ~~لكانت أفعاله حينئذ من أجل سياسة الشياء التي نحن بعضها لأنه لو كان كذلك ~~لكانت أفعاله حينئذ إنما كانت وتكون وتتم بمشارفة الأمور التي من خارج ~~ولتدبيرها وتدبير أحوالها وإهتمامه بها. # وعلى هذا تكون الأشياء التي من خارج أسبابا وعللا لأفعاله. وهذا شنيع ~~قبيح تعالى الله عنه علوا كبيرا. لكن عنايته عزوجل بالأشياء التي من خارج ~~وفعله الذي يدبرها به ويرفدها إنما هو على القصد الثاني وليس يفعل ما يفعله ~~من أجل الأشياء أنفسها لكن من أجل ذاته أيضا. وذلك لأجل أن ذاته تفضل ~~لذاتها لا من أجل المفضل عليه ولا من أجل شيء آخر. وهكذا سبيل الإنسان إذا ~~بلغ إلى الغاية القصوى في الإمكان من الإقتداء بالباري عز وجل وتكون أفعاله ~~التي يفعلها على القصد الأول من أجل ذلك الغير لكن يفعل بذلك الغير ما ~~يفعله به بقصد ثان وفعله ذلك من أجل ذاته بالقصد الأول ومن اجل الفعل نفسه ~~أي لنفس الفضيلة ولنفس الخير لأن فعله ذلك فضيلة وخير ففعله لنفس الفعل لا ~~لإجتلاب منفعة ولا لدفع مضرة ولا للتباهي وطلب الرياسة ومحبة الكرامة فهذا ~~هو غرض الفلسفة ومنهى السعادة. إلا أن ms056 الإنسان لا يصل إلى هذه الحال حتى ~~تفني إرادته كلها التي بحسب الأمور الخارجة وتفني العوارض النفسانية وتموت ~~خواطره التي تكون عن العوارض ويمتلىء شعارا إلهيا وهمة إلهية. PageV01P033 ~~وإنما يمتلأ من ذلك إذا صفا من الأمر الطبيعي ألبتة ونفى منه نفيا كاملا. ~~ثم حينئذ يمتلىء معرفة إلهية وشوقا إلهيا ويوقن بالأمور الإلهية بما يتقرر ~~في نفسه وفي ذاته التي هي العقل كما تقررت فيه القضايا الأول التي تسمى ~~العلوم الأوائل. إلا أن تصور العقل ورويته في هذه الحال بالأمور الإلهية ~~وتيقنه لها يكون بمعنى أشرف وألطف وأظهر وأشهد انكشافا له وبيانا من ~~القضايا الأول التي تسمىالعلوم الأوائل العقلية. فهذه ألفاظ هذا الحكيم قد ~~نقلتها نقلا. (وهي نقل أبي عثمان الدمشقي. وهذا الرجل فصيح باللغتين جميعا ~~أعني اليونانية والعربية مرضى النقل عند جميع من طالع هاتين اللغتين وهو مع ~~ذلك شديد التحري لا يراد الألفاظ اليونانية ومعانيها من ألفاظ العرب ~~ومعانيها لا تختلف في لفظ ولامعنى، ومن رجع إلى هذا الكتاب أعني المسمى ~~بفضائل النفس قرأ هذه الألفاظ كما نقلتها) وليست تحصل هذه المراتب التي ~~يترقى فيها صاحب السعادة التامة إلا بعد أن يعلم أجزاء الحكمة كلها علما ~~صحيحا ويستوفيها أولا أولا كما رتبناها في كتابنا المسمى بترتيب السعادات. ~~ومن ظن من الناس أنه يصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذلك المنهج فقد ~~ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا. وليتذكر في هذا الموضع الخطأ العظيم ~~الذي وقع فيه قوم ظنوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وإهمالها ~~وبترك النظر الخاص بالعقل واكتفائهم بأعمال ليست مدنية ولا بحسب ما يقسطه ~~التمييز والعقل. # وقد سماهم قوم العاملة والناجية. ولذلك رتبنا هذا الكتاب عقب ذلك الكتاب ~~ليلحظ منهما السعادة الأخيرة المطلوبة بالحكمة البالغة وتتهذب لها النفس ~~وتتهيأ لقبولها غسلا وتنقية من الأمور الطبيعية وشهوات الأبدان. ولذلك ~~سميته أيضا بكتاب طهارة الأعراق (وقد قال أرسطوطاليس في كتابه المسمى ~~بالأخلاق) إن هذا الكتاب لا ينتفع به الأحداث كثير منفعة ولا من هو في ~~طبيعة ms057 الأحداث قال ولست أعني بالحدث ههنا حدث السن لأن الزمان لا تأثير له ~~في هذا المعنى. وإنما أعني السيرة التي يقصدها أهل الشهوات واللذات الحسية. ~~وأما أنا فأقول أني ما ذكرت هذه المرتبة الأخيرة من السعادة طمعا في وصول ~~الأحداث إليها. بل ليمر على سمعهم فقط وليعلم أن ههنا مرتبة حكمية لا يصل ~~إليها إلا أهلها الأعلون مرتبة. فليلتمس كل من نظر في هذا الكتاب المرتبة ~~الأولى منها بالأخلاق التي وصفتها فإن وفق بعد ذلك وأعانه الشوق الشديد ~~والحرص التام وسائر ما ذكرناه ووصفناه عن الحكيم فليترق في درجة الحكمة ~~وليتصاعد فيها بجهده فإن الله عز وجل يعينه ويفقه. فإذا بلغ الإنسان إلى ~~غاية هذه السعادة ثم فارق بجسمه الكثيف دنياه الدنيئة وتجرد بنفسه اللطيفة ~~التي عنى بتطهيرها وغسلها من الأدناس الطبيعية لأخراه العلية فقد فاز وأعد ~~ذاته للقيا خالقه عزوجل أعدادا روحانيا لبس فيه نزاع إلى تلك القوى التي ~~كانت تعوقه عن سعادته ولاتشوق إليها لأنه قد تطهر منها وتنزه عنها ولم تبق ~~فيه إرادة لها ولا حرص عليها وقد استخلصها للقاء رب العالمين ولقبول ~~كراماته وفيض نوره الذي كان غير مستعد له ولا فيه قبول من عطائه ويأتيه ~~حينئذ الذي وعد به المتقون والأبرار كما سبق الإيماء إليه مرارا في قوله ~~عزوجل (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين): وفي قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: {هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر}. # الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة PageV01P034 وإذ قد لخصنا أمر هاتين ~~المنزلتين من السعادة القصوى فقد تبين بيانا كافيا أن إحداهما بالإضافة ~~إلينا أولى والأخرى ثانية ومن المحال أن أنسلك إلى الثانية من غير أن نمر ~~بالأولى فقد وجب أن نعود إلى ما بدأنا به من ذكر الرتبة الأولى من السعادة ~~الأخيرة ونستوفي الكلام فيها وفي الأخلاق التي بنينا الكتاب عليها ونخلي عن ~~بيان الرتبة الثانية إلى وقت آخر فنقول: أن من عنى ببعض القوى التي ذكرناها ~~دون ms058 بعض أو تعمد لإصلاحها في وقت دون وقت لم تحصل له السعادة. وكذلك يكون ~~حال الرجل في تدبير منزله إذا عنى ببعض أجزائه دون بعض أو في وقت دون وقت ~~فإنه لا يكون مدبر منزل. وكذلك حال مدبر المدينة إذا خص بنظره طائفة دون ~~طائفة أووقتا دون وقت لا يستحق إسم الرياسة على الإطلاق. (وارسطوطاليس: ~~تمثل بأن قال أن الخطاف الواحد إذا ظهر لا يدل على طبيعة الربيع. ولا يوم ~~واحد معتدل الهواء يبشر بالربيع. فعلى طالب السعادة أن يطلب السيرة اللذيذة ~~عنده فيسر بها دائما فإن تلك السيرة هي واحدة ولذيذة في نفسها. فلذلك قلنا ~~أنه ينبغي أن يتشوقها دائما ويثبت عليها أبدا، ولما كانت السيرة ثلاثة ~~لأنها تنقسم بإنقسام الغايات الثلاثة التي يقصدها الناس. أعني سيرة اللذة ~~وسيرة الكرامة. وسيرة الحكمة وكنت سيرة الحكمة أشرفها وأتمها وكانت فضائل ~~النفس كثيرة. وجب أن يفضل الإنسان بأفضلها ويشرف بأشرفها. فسيرة الأفاضل ~~السعداء سيرة لذيذة بنفسها لأن أفعالهم أبدا مختارة وممدوحة وكل إنسان يلتذ ~~بما هو محبوب عنده. يلتذ بعدل العادل أو يلتذ بحكمة الحكيم والأفعال ~~الفاضلة والغايات التي ينتهي إليها بالفضائل لذيذة محبوبة فالسعادة ألذ من ~~كل شيء " وأرسطوطاليس يقول أن السعادة الإلهية وإن كانت كما ذكرناها من ~~الشرف وسيرتها ألذ وأشرف من كل سيرة فإنها محتاجة إلى السعادات الأخر ~~الخارجة لأن تظهر بها وإلا كانت كامنة غير ظاهرة. وإن كانت كذلك كان صاحبها ~~كالفاضل النائم الذي لا يظهر فعله وحينئذ لا يكون بينه وبين غيره فرق ما ~~وصفنا حالهما فيما تقدم فالمطلع إذا على حقيقة هذه السعادة المتمكن من ~~إظهار فعله بها هو الذي يلتذ بها وهو الذي يسر سرورا حقيقيا غير مموه ولا ~~مزخرف بالباطل. وهو الذي يخرج من حد المحبة إلى العشق والهيمان وحينئذ يأنف ~~أن يصير سلطانه العالي يحب سلطان بطنه وفرجه فلا يخدم بأشرف جزء فيه أخس ~~جزء فيه. وأعني بالسرور والمزخرف بالأباطيل اللذات التي تشاركنا فيها ~~الحيوانات التي ليست بناطقة فإن تلك اللذات حسية ms059 تنصرم وشيكا وتملها الحواس ~~سريعا. فإذا دامت عليها صارت كريهة وربما عادت مؤلمة وكما أن للحس لذة ~~عرضية على حدة فكذلك للعقل لذة ذاتية على حدة لأن لذة العقل لذة ذاتية ولذة ~~الحس عرضية. فمن لا يعرف اللذة بالحقيقة كيف يلتذ بها؟ ومن لا يعرف الرياسة ~~الذاتية كيف يصير إليها؟ فأنا قد قدمنا وصفها وشوقنا إليها بإعادة الكلام ~~فيها مرارا وقلنا. من لا يعرف الخير المطلق والفضيلة التامة ولا يعرف ~~الحكمة العملية يعني إيثار الأفضل والعمل به والثبات عليه لا ينشط له ولا ~~يرتاح إليه. ومن كان كذلك فكيف يلتذ ويتنعم بما شرحناه ودللنا عليه؟ وقد ~~كان للحكماء المتقدمين مثل يضربونه ويكتبونه في الهياكل " وهي مساجدهم ~~ومصلاهم: وهو هذا الملك الموكل بالدنيا يقول إن ههنا خيرا وهناك شرا وههنا ~~ما ليس بخير ولا شر. فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ونجا سالما. ~~ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة وذلك أني لا أقتله قتلا وحيا ولكني أقتله أولا ~~أولا في زمان طويل " . PageV01P035 فهذا المثل من نظر فيه وتأمله عرف منه ~~جميع ما قدمنا ذكره، وينبغي أن يعلم ان السعيد الذي ذكرنا حاله ما دام حيا ~~تحت هذا الفلك الدائر بكواكبه ودرجاته ومطالع سعوده ونحوسه يرد عليه من ~~النكبات والنوائب وأنواع المحن والمصائب ما يرد على غيره. إلا أنه يذعر ~~منها ولا يلحقه ما يلحق غيره من المشقة في احتمالها لأنه غير مستعد لسرعة ~~الإنفصال منها بعادة الهلع والجزع والأحزان ولا قابل أثر الهموم والأحزان ~~بالأحوال العارضة. وإن أصابه من هذه الآلام شيء فهو يقدر على ضبط نفسه كيلا ~~تنقله عن السعادة إلى ضدها بل لا تخرجه عن حد السعادة ألبتة. ولو ابتلى ~~ببلايا أيوب عليه السلام وأضعافها ما اخرجه عن حد السعادة. وذلك لما يجد في ~~نفسه من المحافظة على شروط الشجاعة والصبر على ما يجزع منه أصحاب خور ~~الطباع فيكون سروره أولا بذاته وبالأحاديث الجميلة التي تنشر عنه ويرى أن ~~القاتل الذي يدعي الشطارة والمصارع الذي يهوي الغلبة ms060 كل واحد منهما يصبر ~~على شدائد عظيمة من تقطيع أعضاء نفسه وترك الشهوات التي يتمكن منها طلبا ~~لما يحصل له من الغلبة وانتشار الصيت فيرى نفسه أحرى وأولى منهما بالصبر ~~إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه بالصبر إذا كان ~~غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه " يسعد في نفسه ثم يصير ~~قدوة لغيره. وأرسطو طاليس يقول: إن بعض الأشياء تعرض من سوء البخت بما يكون ~~يسيرا سهل المحتمل. فإذا عرض للإنسان وأحتمله لم يكن فيه دلالة على كبر ~~نفسه وعظم همته. ومن لم يكن سعيدا ولا سبقت له رياسة بهذه الصناعة الشريفة ~~من تهذيب الأخلاق فإنه سينفعل إنفعالا قويا فيعرض له عند حلول المصائب إحدى ~~الحالتين: أما الإضطراب الفاحش والألم الشديد والخروج بها إلى الحد الذي ~~يرثى له ويرحم وأما أن يتشبه بالسعداء ويسمع مواعظهم فيظهر الصبر والسكون ~~إلا أنه جزع الباطن متألم الضميرز وكما أن الأعضاء المفلوجة إذا حركت إلى ~~اليمين تحركت إلى الشمال كذلك تكون حركات نفوس الأشرار تتحرك إلى خلاف ما ~~يحملونها عليه من الجميل أعني إذا تشبهوا بالأجواد وأهل العدالة كانت هذه ~~حالهم " . # رأى أرسطوطاليس في بقاء النفس # ومما يستدل به من كلام أرسطوطاليس على أنه كان يقول ببقاء النفس والمعاد: ~~كلامه المتداول في كتاب الأخلاق وهو هذا قال " قد حكمنا أن السعادة شيء ~~ثابت غير متغير وقد علمنا أيضا أن الإنسان قد تلحقه تغيرات كثيرة واتفاقات ~~شتى. فإنه قد يمكن لمن لمن هو أرغد الناس عيشا أن يصاب بمصائب عظيمة كمارمز ~~في برنامس. ومن يتفق له هذه المصائب ومات عليها فليس يسميه أحد من الناس ~~سعيدا. وليس ينبغي على هذا القياس أن يسمي إنسان من الناس سعيدا ما دام حيا ~~بل ينتظر به آخر عمره ثم يحكم عليه. # فالإنسان إذا أنما يصير سعيدا إذا مات. إلا أن هذا قول في غاية الشناعة ~~إذا كنا نقول أن السعادة هي خير ما. ثم قال في هذا الموضع أيضا موضع شك. ms061 ثم ~~قال في هذا الموضع أيضا موضع شك فإنه قد يظن بالميت أن يلحقه خير وشر إذ ~~يلحق الحي أيضا وهو لا يحس به مثل الكرامة أو الهوان واستقامة أمر الأولاد ~~وأولاد الأولاد. ففي هذه الأشياء خير لأنه قد يمكن فيمن عاش عمره كله إلى ~~أن يبلغ الشيخوخة سعيدا وتوفى على هذا السبيل أن يلحقه مثل هذه التغيرات في ~~أولاده حتى يكون بعضهم خيارا حسن السيرة وبعضهم يضد ذلك. ومن البين أنه قد ~~يمكن أن يوجد بين الآباء والأولاد تباين وإختلاف بكل جهة. ولكن من المنكر ~~أن يكون الميت بتغير غيره يصير مرة سعيدا ومرةأخرى شقيا. ومن المنكر أن لا ~~تكون أمور الأولاد متصلة بالوالدين في وقت من الأوقات. ولكن ينبغي أن نعود ~~إلى ما كان الشك واقعا فيه. فهذا الشك الذي أورده أرسطوطاليس على نفسه في ~~هذا الموضع هو شك من يعتقد أن للإنسان بعد موته أحوالا وأنه يتصل به لا ~~محالة من أمور أولاده وأولاد اولاده أحوال مختلفة بحسب أخلاق سير الأولاد. ~~فكيف تقول ليت شعري في الإنسان إذا مات سعيدا ثم لحقه من شقا بعض أولاده أو ~~سوء سيرة من يحيا من نسله ما يكون ضد سيرته وهو حي فإنه أن غير سعادته كان ~~هذا شنيعا وإن لم يلحقه أيضا شيء. PageV01P036 من ذلك كان أيضا شنيعا. ثم ~~أرسطوطاليس يحل هذا الشك بأن يقول ما هذا معناه: أن سيرة الإنسان ينبغي أن ~~تكون سيرة محمودة لأنه يختار في كل ما يعرض له أفضل الأعمال من الصبر مرة ~~ومن إختيار الفضل فالأفضل مرة. ومن التصرف في الأموال إذا اتسع فيها وحسن ~~التجمل إذا عدمها ليكون سعيدا في جميع أحواله غير منتقل عن السعادة بوجه من ~~الوجوه. # فالسعيد إذا ورد عليه نحس عظيم جعل سيرته أكثر سعادة لأنه يداريه مدارة ~~جميلة ويصبر على الشدائد صبرا حسنا. ومتى لم يفعل ذلك كدر سعادته ونغضها ~~وجلب له أحزانا وغموما تعوقه عن أفعال كثيرة. والجميل إذا ظهر من السعداء ~~في هذه الأحوال والأفعال ms062 كان أشد إشراقا وحسنا وذلك إذا احتمل ما كبر وعظم ~~من المصائب احتمالا سهلا بعد أن لا يكون ذلك لا لعدم حسه ولا لنقصان فهمه ~~بالأمور بل لشهامته وكبر نفسه قال: إذا كانت الأفعال هي ملاك السيرة كما ~~قلنا فليس يكون أحد من السعداء شقيا لأنه ليس يفعل في وقت من الأوقات ~~أفعالا مرذولة. فإذا كان هكذا فالسعيد أبدا يكون مغبوطا وإن حلت به المصائب ~~التي حلت ببرنامس ولا يكون أيضا شقيا ولا سريع التنقل من ذلك لأنه ليس ~~ينتقل عن السعادة بسهولة ولا تنقله عنها الأوقات اليسيرة بل لا تنقله عنها ~~الآفات العظيمة الكثيرة وليس يكون سعيدا إذا نالته هذه الأمور زمانا يسيرا ~~بل إذا ظفر بأمور جميلة في زمان طويل. ثم قال بعد قليل: وأما حال الإنسان ~~بعد موته فالقول بأن الآفات التي تعرض لأولاد الميت وأصدقائه بأجمعهم ليست ~~تتعلق به أصلا مضاد لما يعتقده جميع الناس. وإذا كانت الأمور العارضة ~~لهؤلاء كثيرة متيقنة وكان بعضها يتعدى إلى الميت أكثر وبعضها أقل صارت ~~قسمتنا إياها إلى الأشياء الجزئية بلا نهاية. # وأما إذا قيل قولا كليا وعلى طريق الرسم فخليق أن نكتفي بما نقوله فيها ~~وهو أنه كما أن الآفات التي تعرض للميت في حياته بعضها يثقل عليه إحتماله ~~ويثلم في سيرته وبعضها يخف عليه احتماله كذلك يكون حاله فيما يعرض لأولاده ~~وأصدقائه وكل واحد من العوارض التي تعرض للأحياء مخالف لما يعرض لهم إذا ~~ماتوا أكثر من مخالفة كل ما يضرب به المثل ويشبه إن كان يصل إليهم من هذه ~~الأشياء شيء خيرا كان أو شرا أن يكون يسيرا نزرا بمقدار ما لا يجعل غير ~~السعيد سعيدا ولا ينتزع السعادة من السعداء. هذا حل أرسطوطاليس للشك الذي ~~أورده. # لذة السعادة # ولما قلنا أن السعادة ألذ الأشياء وأفضلها وأجودها وأوضحها وجب أن يبين ~~وجه اللذة فيها بأتم بيان كما قلناه فيما مضى. أن اللذة تنقسم إلى قسمين ~~أحدهما لذة انفعالية والأخرى لذة فعلية أي فاعلة. فأما اللذة الإنفعالية ~~فهي ms063 شبيهة بلذة الإناث واللذة الفاعلة تشبه لذة الذكور. ولذلك صارت اللذة ~~الأنفعالية هي التي تشاركنا في الحيوانات التي ليست بناطقة وذلك أنها ~~مقترنة بالشهوات ومحبة الإنتقام وهي انفعالات النفسين البهيميتين. وأما ~~اللذة الأخرى فهي الفاعلة وهي التي يختص بها الحيوان الناطق ولأنها غير ~~هيولانية ولا منفعلة انفعالا لأنها صارت لذة تامة وتلك ناقصة وهذه ذاتية ~~وتلك عرضية. وأعني بالذاتية والعرضية أن اللذات الحسية المقترنة بالشهوات ~~تزول سريعا وتنقضي وشيكا بل تنقلب لذاتها فتصير غير لذات بل تصير آلاما ~~كثيرة أو مكروهة بشعة مستقبحة وهذه أضداد اللذة ومقابلاتها. وأما اللذة ~~الذاتية فإنها لا تصير في وقت آخر غير لذة ولا تنتقل عن حالتها بل هي ثابتة ~~أبدا. وإذا كانت كذلك فقد صح حكمنا ووضح أن السعيد تكون لذته ذاتية لا ~~عرضية وعقلية لا حسبة وفعلية لا انفعالية والهية لا بهيمية. ولذلك قالت ~~الحكماء أن اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام ومن السقم ~~إلى الصحة. # وكذلك تسوق النفس من الجهل إلى العلم ومن الرذيلة إلى الفضيلة. إلا أن ~~ههنا سرا ينبغي أن يقف عليه المتعلم وهو أن ميله إلى اللذة الحسية ميل قوي ~~جدا وشوقه إليها شوق مزعج ولا تزيد العادة في قوة الطبع الذي لنا كبير ~~زيادة لفرط ما جبلنا عليه في البدء من القوة والشوق. ولذلك متى كانت هذه ~~اللذة حسية قبيحة جدا ثم مال الطبع إليها بافراط وانفعل عنها بقوة استحسن ~~الإنسان فيها كل قبيح وهون على نفسه منها كل صعب ولا يرى موضع الغلط ولا ~~مكان القبيح حتى تبصره الحكمة. وأما اللذة العقلية الجميلة فأمرها بالضد. ~~PageV01P037 وذلك ان الطبع يكرهها فإن انصرف الإنسن إليها بمعرفته وتمييزه ~~احتاج فيها إلى صبر ورياضة حتى إذا تبصر فيها وتدرب لها إنكشف له حسها ~~وبهاؤها، وصارت عنده بمكان في الحسن. ومن هنا تبين أن الإنسان في إبتداء ~~تكوينه محتاج إلى سياسة الوالدين ثم إلى الشريعة الإلهية والدين القيم حتى ~~تهديه وتقومه إلى الحكم البالغة ليتولى تدبير نفسه إلى ms064 آخر عمره. وقد تبين ~~مع ذلك تعلق السعادة بالجود. وذلك أنا قد بينا لذة فاعلة ولذة الفاعل أبدا ~~تكون في الإعطاء ولذة المنفعل أبدا تكون في الأخذ. ولا تظهر لذة السعيد إلا ~~بإبراز فضائله وإظهار حكمته ووضعها كفائته في مواضعها وكذلك البناء الحاذق ~~والصانع اللطيف والموسيقاني المحسن. وبالجملة كل صانع حاذق فاضل في صناعته ~~ينسر بإظهار فضائله وإذاعتها بين أهلها ومستحقيها. وهذا هو معنى الجود إلا ~~أن الجود بأعلى الأشياء وأكرمها أفضل وأشرف من الجود بأدونها وأخسها وقد ~~عرض لهذا الجود مع شرفه وعلو مرتبته ضد ما عرض لذلك الجود الآخر مع نزارته ~~وقلته. وذلك أن صاحب الأموال والمقتنيات الخارجة كلها ينتقص ماله بالإنفاق ~~وينثلم بالبذل وتفني ذخائره. وأما صاحب السعادة العامة فإن أمواله لا تنقص ~~بالإنفاق بل تزيد ولا تفنى ذخائره بالتبذير بل تنمو. وتلك معرضة للآفات ~~الكثيرة من الأعداء واللصوص وسائر المتسلطين وهذه محروسة من كل آفة لا سبيل ~~للأشرار والأعداء إليها بوجه ولا سبب. فقد ظهرت لذة السعيد كيف تكون ومن ~~أين تبتدىء وإلى أين تنتهي وكيف يكون السرور الحقيقي واللذة الذاتية. وتبين ~~أيضا أنها أبدية وتامة وإلهية وأن ضدها هو الشقاء لذاته بالضد وعلى العكس ~~أعني أن لذاته كلها عرضية ومنتقلة عن طبائعها إلى أضدادها حتى مؤلمة أو ~~مكروهة وأنها غير إلهية بل شيطانية وغير ممدوحة بل هي مذمومة. وذلك بأن ~~ينظر في السعادة هل هي ممدوحة. فإن ارسطوطاليس يقول أن الأشياء التي هي في ~~غاية الفضل لا يوجد لها مدح لأنها أفضل وأمدح وأجل من أن تمدح قال: وذلك ~~أنا قد ننسب المتأهلين والخيار من الناس إلى السعادة وليس يوجد أحد من ~~الناس يمدح السعادة نفسها كما يمدح العدل. لكنه يجلها ويكرمها إلى أنها أمر ~~إلهي بالأشياء التي هي أفضل من المدح وهو الله تعالى وإلى الخير فإن المدح ~~هو الفضيلة والعمل بها. ثم انتهى كلامه هذا إلى أن قال: فالله تعالى أكرم ~~وأشرف من أن يمدح بل إنما يمجدونه ونحن نمجد الله تعالى ونقدسه ms065 تمجيدا ~~كثيرا. # وأما السعادة فلأنها أمر إلهي وإنما تفعل الأشياء كلها لأجلها فهي كذلك ~~أيضا ممجدة. فعلى هذا الأمر ينبغي أن لا تمدح السعادة لأنها أجل من كل مدح ~~بل نمجدها في نفسها وتمدح الأمور كلها بها وبقدر قسطها منها. # المقالة الرابعة # (ظهور الفضائل ممن ليس بسعيد ولا فاضل) قد قلنا فيما سلف أن السعادة تظهر ~~في الأفعال من العدالة والشجاعة والعفة وسائر ما تحت هذه الأنواع التي ~~أحصيناها وحددناها. PageV01P038 وهذه الأفعال قد تظهر ممن ليس بسعيد ولا ~~فاضل. وذلك أنه قد يعمل بعض الناس عمل العدول وليس بعادل ويعمل عمل الشجعان ~~وليس بشجاع ويعمل عمل الإعفاء وليس بعفيف. مثال ذلك أن من ترك الشهوات من ~~المآكل والمشارب وسائر اللذات التي ينهمك فيها غيره إما أنه ينتظر منها ~~أكثر مما يحضره وإما لأنه لا يعرفها ولم يباشرها كالأعراب الذين يبعدون عن ~~البلاد وكالرعاة في البوادي وقلل الجبال. وإما لأنه ممتلىء مما يجده ويحضره ~~وإما لجمود شهوته ونقصان تركيبه. وإما لأنه استشعر خوفا من تناولها مكروها ~~يلحقه بسببها. وإما لأنه ممنوع منها. فإن هؤلاء كلهم يعملون عمل الإعفاء ~~وليسوا بإعفاء على الحقيقة وإنما يسمى عفيفا على الحقيقة من وفي العفة حدها ~~المذكور فيما تقدم واختارها لنفسها لا لغرض آخر غيرها وآثرها لأنها فضيلة ~~ثم تناول كل واحدة من شهواته بمقدار الحاجة ومن الوجه الذي يعمل أعمال ~~الشجعان وليس بشجاع. وذلك أن من باشر الحروب وأقدم على ركوب الأهوال لبعض ~~مايوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة فإن الأهوال لبعض ما ~~يوصل إليه المال أو لبعض ما يوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد ~~كثرة فإن مثل هذا يعمل عمل الشجعان ولكن يعمله بطبيعة الشره لا بطبيعة ~~الفضيلة التي تدعي شجاعة. وكل من كان أكثر إقداما واصبر على الأهوال لهذه ~~الأحوال يجب أن يكون أكثر شرها ونهما لا أكثر شجاعة. وذلك أنه يخاطر بنفسه ~~الشريفة ويصبر على المكاره العظيمة طمعا في المال وما يصل إليه بالمال. وقد ms066 ~~رأينا أهل الشقاوة يعملون عمل الإعفاء وعمل الشجعان وهم أبعد الناس عن كل ~~فضيلة. وذلك أنهم يصبرون عن الشهوات كلها ويصبرون على عقوبات السلطان وضرب ~~السياط وتقطيع الأعضاء والجراحات التي لا يؤمن منها وينتهون فيها لأقصى ~~الصبر على الصلب وثمل العيون وقطع الأيدي والأرجل وضروب التمثيل طلبا لإسم ~~وذكر بين قوم في مثل حالهم من سوء الإختيار ونقصان الفضائل. وقد يعمل أيضا ~~عمل الشجعان من يخاف لأئمة عشيرته أوعقوبة سلطان أو خوف سقوط جاهه أو ما ~~أشبه ذلك. PageV01P039 وقد يعمل عمل الشجعان من اتفق له مرارا كثيرة أن ~~يغلب أقرانه فهو يقدم ثقة منه بالعادة الجارية وجهلا بمواقع الإتفاقات. وقد ~~يعمل عمل الشجعان العشاق وذلك أنهم يركبون الأهوال في طلب المعشوق لرغبتهم ~~في الفجور أو لحرصهم على متعة العين منه لا لطلب الفضيلة ولا لإختيار الموت ~~الجميل على الحياة الرديئة كما يفعل الشجاع بالحقيقة. وأما شجاعة الأسد. ~~وذلك أنها قد وثقت بقوتها وأنها تفوق غيرها فهي تقدم لا بطبيعة الشجاعة بل ~~لتمام القدرة وثقة النفس والغلبة. وهو كصاحب السلاح منا إذا قدم على ~~الأعزل. وليست هذه شجاعة مع عدم الإختيار الذي يستعمله الشجاع وذلك أن ~~الشجاع خوفه من الأمر أشد من خوفه من الموت ولذلك يختار الموت الجميل على ~~الحياة القبيحة. على أن لذة الشجاع ليست تكون في مبادىء أموره فإن مباديء ~~الأمور تكون مؤذية له لكنها تكون في عواقب الأمور وتكون أيضا باقية مدة ~~عمره وبعد عمره لا سيما إذا حامى عن دينه وعن اعتقاداته الصحيحة في وحدانية ~~الله عز وجل والشريعة التي هي سياسة الله وسنته العادلة التي بها مصالح ~~العباد في الدنيا والآخرة. فإن مثل هذا فكر في قصر مدة عمره وعلم أنه لا ~~محالة يحامي عن دينه ويمنع العدو من استباحة حريمه والتغلب على مدينته ~~ويأنف من الفرار ويعلم أن الجبان إذا اختار الفرار فإنما يستبقي شيئا هو لا ~~محالة فإن زائل وأن تأخر أياما معدودة. ثم هو في هذه الحياة اليسيرة ممفوت ~~مكدر الحياة بالذل ms067 وضروب الصغار. وهذه حال الشجاع مع قوى نفسه أعني بمقاومة ~~شهواته واستسلامه لذات الشجاعة بعينها. ومن سمع كلام الإمام صلوات الله ~~عليه الذي صدوره عن حقيقة الشجاع إذ قال لأصحابه: {أيها الناس إن لم تقتلوا ~~تموتوا والذي نفس ابن أب يطالب بيده لألف ضربة بالسيف على الرأس أهون من ~~ميتة على الفراش}. تبين له أن جميع ما أحصيناه للإنسان ليس بمعدود فيها وإن ~~كان يشبهها بالصورة. ذلك أنه ليس كل من يقدم على الأهوال فهو شجاع ولا كل ~~من لا يخاف من الفضائح فهو شجاع. وذلك أن من لا يفزع من ذهاب شرفه أوف ضيحة ~~حرمه أو عند حدوث الرجفات والزلازل والصواعق أو الزمانة في الأمراض أو عدم ~~الإخوان والأصدقاء أو عند إضطراب البحر وخول الأمواج والهواء الهائج فهو ~~بأن يوصف بالجنون مرة وبالقحة مرة أولى بأن يوصف بالشجاعة. PageV01P040 ~~وكذلك من خاطر بنفسه في وقت الأمن والطمأنينة بأن يثب من سطح عال أو يصعد ~~مرتقى صعبا أو يحمل نفسه على خوض ماء غزير وهو لا يحسن السباحة أو يساور ~~جملا هائجا أو ثورا صعبا او فرسا لم يرض من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك بل ~~مرآة بالشجاعة وإظهار مرتبة الشجعان فهو بأن يسمى مطرمذا مائقا أولى منه ~~بأن يسمى شجاعا. وأما من خنق نفسه خوفا من الفقر أو الذل أو أهلكها بالسم ~~وما أشبهه من باب الضيم فهو بأن يوصف بالجبن أولى منه بأن يوصف بالشجاعة. ~~وذلك أن الإقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة فإن الشجاع يصير ~~على مايرد عليه من الشدائد صبرا جميلا ويعمل أعمالا تليق بتلك الحال كما ~~شرحناه فيما تقدم. ولذلك يجب أن يعظم الشجاع ويشح بنفسه وحقيق على السلطان ~~خاصة والقيم بأمر الدين والملك أن ينافس فيه ويجل قدره ويعلي خطره ويميزه ~~عن سائر من يتشبه به ممن ذكرناه. فقد تبين من جميع ما قلناه أن الشجاع هو ~~الذي يستهين بالشدائد في الأمور الجميلة ويصبر على الأمور الهائلة ويستخف ~~بما يستعظمه عوام الناس حتى ms068 بالموت لإختيار الأمر الأفضل ولا يحزن على مالا ~~درك فيه ولا يضطرب عندما يفدحه من المصائب ويكون غضبه إذا غضب بمقدار ما ~~يجب وعلى من يجب وفي الوقت الذي يجب. وكذلك يكون انتقامه على هذه الشرائط ~~فإن الحكماء قالوا أن من لاينتقم يلحق قلبه ذبول فإذا انتقم عاد إلى حالته ~~من النشاط وهذا الإنتقام إذا كان بحسب الشجاعة كان محمودا وإذا لم يكن كذلك ~~كان مذموما. فقد نقل إلينا في الأخبار المأثورة عمن أقدم على سلطان قوي ~~ورام أن ينتقم منه فأهلك نفسه من غير أن يضر سلطانه روايات كثيرة وكذلك حال ~~من أقدم على قرن قوي أو خصم ألد لا يستطيع مقاومته فإن الإنتقام منه يعود ~~وبالا عليه وزيادة في الذل والعجز. فإذا ليست تنم شرائط الشجاعة والعفة إلا ~~للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه الخاص به ويقدر أقساط العقل له. فكل ~~شجاع عفيف حكيم وكل حكيم شجاع عفيف وهذه الحال بعينها تظهر فيمن عمل عمل ~~الإسخياء وليس بسخي. وذلك أن من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء ~~أو تقربا إلى السلطان أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده أو بذلها لمن لا ~~يستحق من أهل الشر أوالملهين أو المساخرين أو بذلها لطمع في أكثر منها على ~~سبيل التجارة والمرابحة فكل هؤلاء يعمل عمل الإسخياء وليس بسخي. أما بعضهم ~~فيبذل ماله بطبيعة الشره وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة والرياء وبعضهم على ~~طريق الإزدياد من المال والربح فيه وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة ~~المعرفة بقدر المال. وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب ~~المال فلا يعرف صعوبة الأمر فيه. وذلك أن المال صعب الإكتساب سهل الإنفاق ~~والتفرقة قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قلة جبل ثم يرسله فإن ~~الأمر في ترقيته واصعاده صعب ولكن إرساله من هناك أمر سهل. # الحاجة إلى المال واكتسابه بالطرق الشريفة العادلة # الحاجة إلى المال ضرورية في العيش وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة ومن ~~اكتسبه من وجهه صعب ms069 عليه. وذلك أن المكاسب الجميلة قليلة ووجوهها يسيرة عند ~~الرجل العادل الحر وأما غير العادل الحر فليس يبالي كيف اكتسبه ومن أين وصل ~~إليه ولأجل ذلك يوجد كثير من الأحرار والفضلاء ناقصي الحظ منه. ويوجدون ~~أيضا ذامين للبخت شاكين منه، وأما أضدادهم فلأجل أنهم يكتسبون المال من ~~وجوه الخيانات ولا يبالون كيف وصل إليهم فإنهم يوجدون أبدا وافري الحظ منه ~~وأسمى النفقات شاكرين لبخوتهم والعامة يغبطونهم ويحسدونهم. إلا أن لعاقل ~~إذا رأى نفسه وهو برىء من المذمات نقي العرض من السوآت لم يتدنس بالقبيح ~~منالمكاسب ولم يتطرق إليه بخيانة ولا سرقة ولا ظلم لمن هو دونه أو مثله ~~وتجنب فيه وجوه العار والفضائح كالقيادة والخداع وترويج السلع القبيحة ~~علىالملوك واستنزالهم عن أموالهم بالخدع والمكر ومساعتهم على الفواحش ~~وتحسين القبائح فيما يوافق هواهم، وما يجري مجرى ذلك من السعاية والنميمة ~~والغيبة وضروب الفساد التي يرتكبها طلاب المال من غير وجهه بضروب المغابنات ~~ووجوه الظلم يسر بنفسه ويعتاض من المال الراحة والمحمدة فلا يلوم البخت ولا ~~يبغض الدول ولا يحسد أصحاب الأموال المكتسبة من غير وجوهها الجميلة. ~~PageV01P041 فهذه أحوال المكتسبين للأموال ومنفقيها وكذلك حال من عمل عمل ~~العدول وليس بعدل. وذلك أنه إذا عدل في بعض الأمور مراآة ليصل به إلى كرامة ~~أو مال أو غير ذلك من الشهوات أو لغرض آخر مما عددناه فيما تقدم فليس يسمي ~~عادلا وإنما يعمل عمل العدول للغرض الذي يقصده. وينبغي أن ينسب فعله إلى ~~غرضه فإنه بحسب هذا يفعل ذلك كما قلنا وشرحنا. # العادل # فأما العادل بالحقيقة فهو الذي قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد ~~بعضها على بعض ثم يروم ذلك فيما هوخارج عنه من المعاملاب والكرامات ويقصد ~~في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها وإنما يتم له ذلك إذا ~~كانت له هيئة نفسانية أدبية تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها. ولما كانت ~~العدالة وسطا بين أطراف وهيئة يقتدر بها على رد الزائد والناقص إليها صارت ~~أتم الفضائل وأشبهها بالوحدة. وأعني بذلك ms070 أن لوحدة هي التي لها الشرف ~~الأعلى والرتبة القصوى. وكل كثرة لا يضبطها معنى يوحدها فلا قوام لها ولا ~~نبات. والزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء إذا لم يكن ~~بينها مناسبة تحفظ عليها الإعتدال بوجه ما. فالإعتدال هو الذي يرد إليها ظل ~~الوحدة ومعناها. وهو الذي يلبسها شرف الوحدة ويزيل عنها رذيلة الكثرة ~~والتفاوت والإضطراب الذي لا يحد ولا يضبط بالمساواة التي هي خليفة الوحدة ~~في جميع الكثرات واشتقاق هذا الإسم يدلك على معناه. وذلك أن العدل في ~~الأحمال والإعتدال في الأثقال والعدالة في الأفعال مشتقة من معنى المساواة ~~والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي ولذلك لا تنقسم ولا ~~يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة. فإذا لم نجد ~~المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي ~~تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها. وذلك أنا حينئذ نضطر إلى ان نقول نسبة هذا ~~إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا. ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة ~~يتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية ~~تسمى متصلة. ومثال الأولى ا ب ج د فنقول نسبة (1) إلى (ب) إلى (د). ومثال ~~الثانية أن نأخذ الباء مشتركا فنقول نسبة (1) إلى (ب) كنسبة (ب) إلى (ج) ~~وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء. # وهي النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية وجميع ذلك مبين ~~مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد. وأما سائر النسب فراجعة ~~إليها ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الجمة الشريفة ولما كانت ~~نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخر في ~~الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها فنقول: # مواضع العدالة # إن العدالة موجودة في ثلاثة مواضع: أحدها قسمة الأموال والكرامات والثاني ~~قسمة المعاملات الإرادية كالبيع والشراء والمعاوضات. والثالث قسمة الأشياء ~~التي وقع فيها ظلم وتعد. فأما العدالة في الأمور التي تكون في القسم الأول ~~فتكون بالنسبة المنفصلة التي ms071 بين الأربعة أعني أن تكون نسبة الأول إلى ~~الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع. مثال ذلك أن يقال نسبة هذا الإنسان إلى ~~هذه الكرامة أو إلى هذا المال كنسبة كل من كان في مثل مرتبته إلى مثل قسطه ~~فإذا يجب أن يوفر علهي ويسلم، وأما في الأمور التي تكون في القسم الثاني ~~أعني المعاملات والمعاوضات فيكون بالنسبة المنفصلة مرة وبالنسبة المتصلة له ~~أخرى. مثاله أن تقول نسبة هذا البزاز إلىهذا الإسكاف كنسبة هذا الثوب إلى ~~هذا لخف ثم ليس يمنع مانع أن تقول نسبة البزار إلى الإسكاف كنسبة الإسكاف ~~إلى النجار أو تقول: نسبة الثوب إلى الخف كنسبة الخف إلى الكرسي. ويتبين لك ~~من هذين المثالين أن النسبة الأولى تكون بالعمق فقط والنسبة الثانية تكون ~~بالعرض والعمق جميعا أعني أن الأولى تقع بين الكليين والجزئيين وهو بالعمق ~~أشبه. والثانية تقع بالعرض في الجزئيين وقد تقع بين الكلين والجزئيين أيضا. ~~PageV01P042 وأما العدالة التي تقع في المظالم والأمور القسمية فهي بالنسبة ~~المساحية أشبه وذلك أن الإنسان متى كان على نسبة من إنسان آخر فأبطل هذه ~~النسبة بحيف أو ضرر يلحقه به، فإن العدالة توجب أن يلحق به ضرر مثله ليعود ~~التناسب إلى ما كان عليه. فالعادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء الغير ~~المتساوية. # مثال ذلك أن الخط إذا قسم بقسمين غير متساويين نقص من الزائد وزاد على ~~الناقص حتى يحصل له التساوي ويذهب عنه معنى القلة والكثرة ومعنى الزيادة ~~والنقصان وكذلك الخفة والثقل وجميع ما أشبه ذلك. ولكن ينبغي أن يكون عالما ~~بطبيعة الوسط حتى يمكنه أن يرد الطرفين إليه مثال ذلك الربح والخسران ~~فإنهما في باب المعاملات طرفان أحدهما زيادة والآخر نقصان فإذا أخذ أقل مما ~~يجب صار إلى جانب النقصان وإن أخذ أكثر مما يجب كان خارجا إلى جانب ~~الزيادة. # لزوم الشريعة في المعاملات # والشريعة هي التي ترسم في كل واحد من هذه الأشياء التوسط والإعتدال لأن ~~الناس هم مدنيون بالطيع ولا يتم لهم عيش إلا بالتعاون فيجب أن بعضهم ms072 يخدم ~~بعضا ويأخذ بعضهم من بعض ويعطي بعضهم بعضا فهم يطلبون المكافأة المناسبة. ~~فإذا أخذ الإسكاف من النجار عمله وأعطاه عمله فهي المعاوضة إذا كان العملان ~~متساويين ولكن ليس يمنع مانع أن يكون عمل الواحد خيرا من عمل الآخر فيكون ~~الدينار هو المقوم والمسوي بينهما. # فالدينار هو عدل ومتوسط إلا انه ساكت والإنسان الناطق هو الذي يستعمله ~~ويقوم به جمي الأمور التي تكون بالمعاملات حتى تجري على إستقامة ونظام ~~ومناسبة صحيحة عادلة. ولذلك يستعان بالحاكم الذي هو عدل ناطق إذا لم يستقم ~~الأمر بين الخصمين بالدينار الذي هو عدل ساكت وأرسطوطاليس يقول: {إن ~~الدينار ناموس عادل " ومعنى الناموس في لغته السياسية والتدبير وما أشبه ~~ذلك. فهو يقول في كتابه المعروف بنيقوماخيا " إن الناموس الأكبر هو من عند ~~الله تبارك وتعالى والحاكم ناموس ثاني من قبله والدينار ناموس ثالث. فناموس ~~الله تعالى قدوة النواميس كلها " يعني الشريعة والحاكم الثاني مقتد به ~~والدينار مقتد ثالث وإنما قومت الأشياء المختلفة بالأثمان المختلفة لتصح ~~المشاركات والمعاملات ويتبين وجه الأخذ والإعطاء. فالدينار هو الذي يسوي ~~بين المختلفات ويزيد في شيء وينقص في آخر حتى يحصل بينهما الإعتدال فتستوي ~~المعاملة بين الفلاح والنجار مثلا. وهذا هو العدل المدني وبالعدل المدني ~~عمرت المدن وبالجور المدني خربت المدن. وليس يمنع مانع من أن يكون عمل يسير ~~يساوي عملا كثيرا مثلا ذلك ان المهندس ينظر نظرا قليلا ويعمل عملا يسيرا ~~ويساوي نظره هذا عملا كثيرا من أقوام يكدون بين يديه ويعلمون بما يرسمه. ~~وكذلك صاحب الجيش يكون تدبيره ونظره يسيرا ولكنه يساوي أعمالا كثيرة مما ~~يحارب بين يديه ويعمل الأعمال الثقيلة العظيمة. فالجائر يبطل التساوي وهو ~~عند أرسطوطاليس على ثلاث منازل. فالجائر الأعظم هو الذي لا يقبل الشريعة ~~ولا يدخل تحتها. والجائر الثاني هو الذي لا يقبل قول الحاكم العادل في ~~معاملاته وأموره كلها. والجائر الثالث هو الذي لا يكتسب ويغتصب الأموال ~~فيعطي نفسه أكثر مما يجب لها وغيره أقل مما يجب له قال: " فالمستمسك ~~بالشريعة يعمل بطبيعة المساواة ms073 فيكتسب الخير والسعادة من وجوه العدالة لأن ~~الشريعة تأمر بالأشياء المحمودة لأنها من عند الله عزوجل فلا تأمر إلا ~~بالخير وإلا بالأشياء التي تفعل السعادة. وهي أيضا تنهى عن الرداآت البدنية ~~وتأمر بالشجاعة وحفظ الترتيب والثبات في مصاف الجهاد. وتأمر بالعفة وتنهى ~~عن الفسوق وعن الإفتراء والشتم والهجر وبالجملة تأمر بجميع الفضائل وتنهى ~~عن جميع الرذائل. فالعادل يستعمل العدالة في ذاته وفي شركائه المدنيين " ~~والجائر يستعمل الجور في ذاته وفي أصدقائه ثم في جميع شركائه المدنيين قال: ~~{وليست العدالة جزءا من الفضيلة بل هي الفضيلة كلها ولا الجور ظاهر ينفعل ~~بالإرداة مثل ما يكون في البيع والشراء والكفالات والقروض والعواري. وبعضها ~~خفي ينفعل أيضا بالإرادة مثل السرقة والفجور والقيادة وخداع المماليك ~~وشهادة الزور وبعضها غشمى على سبيل التغلب مثل التعذيب بالدهق والقيود ~~والأغلال. # الإمام العادل PageV01P043 فالإمام العادل الحاكم بالسوية يبطل هذه ~~الأنواع ويخلف صاحب الشريعة في حفظ المساواة فهو لا يعطي ذاته من الخيرات ~~أكثر مما يعطي غيره. ولذلك قيل في الخبر أن الخلافة تطهر الإنسان. قال فأما ~~العامة فإنها تؤهل لمرتبة الإمامة التي هي الخلافة العامة بما ذكرناه. من ~~كان شريفا في حسبه ونسبه وبعضهم يؤهل لذلك من كان كثير المال. وأما العقلاء ~~فإنهم يؤهلون لذلك من كان حكيما فاضلا فإن الحكمة والفضيلة هي التي تعطي ~~الرياسات والسيادات الحقيقية وهي التي رتبت الثاني والأول في مرتبتيهما ~~وفضلتهما. # أسباب المضرات # وأسباب المضرات كلها تتفنن إلى أربعة أنواع. أحدها الشهوة والرداءة ~~التابعة لها. والثاني الشرارة والجور التابع لها. والثالث الخطاء ويتبعه ~~الحزن والرابع الشقاء، أما الشهوة فإنها تحمل الإنسان على الأضرار بغيره ~~إلا أنه لا يكون مؤثرا له ولا ملتذا به. ولكنه يفعله ليصل به إلى شهوته ~~وربما كان متألما به كارها له إلا أن قوة الشهوة تحمله على إرتكاب ما ~~يرتكبه. وأما اشرير فإنه يتعمد الأضرار بغيره على سبيل الإيثار له ~~والإلتذاذ به. كمن يسعى إلى السلطان ويحمله على إزالة نعمة لا يصل إليه ~~منها شيء. ولكن يلتذ بالمكروه الذي ms074 يصل إلى غيره. وأما الخطأ فإن صاحبه لا ~~يقصد الأضرار بغيره ولا يؤثره ولا يلتذ به بل بقصد فعلا ما فيعرض منه فعل ~~آخر. وصاحب الفعل يحزن ويكتئب لما أتفق إليه من الخطاء. وأما الشقاء فصاحبه ~~لا يكون هذا مبدأ فعله ولا له فيه صنع بالقصد. بل يوقعه فيه سبب آخر من ~~خارج. # وذلك كمن تصدم به دابته صديقا له فتقتله. فهذا يسمى شقيا وهو مرحوم معذور ~~لا يجب عليه عتب ولا عقوبة. وأما السكران والغضبان والغيران إذا فعلوا فعلا ~~قبيحا فإنهم يستحقون العتب والتفويه لأن مبتدأ أفعالهم منهم. وذلك أن ~~السكران باختياره أزال عقله والغضبان والغيران اختارا الإنقياد بهاتين ~~القوتين إذا هاجتا بهما، ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر العدالة فنقول: # تقسيم العدالة PageV01P044 إن ارسطوطاليس قسم العدالة إلى أقسام ثلاثة: ~~أحدها ما يقوم به الناس لرب العالمين. وهو أن يجري الإنسان فيما بينه وبين ~~الخالق عزوجل على ما ينبغي وبحسب ما يجب عليه من حقه وبقدر طاقته. وذلك أن ~~العدل إذا كان هو اعطاء ما يجب من يجب كما يجب. فمن المحال ان لا يكون لله ~~تعالى الذي وهب لنا هذه الخيرات العظيمة واجب ينبغي أن يقوم به الناس. ~~والثاني ما يقوم به بعض الناس لبعض من أداء الحقوق وتعظيم الرؤساء وتأدية ~~الآمانات والنصفة في المعاملات. والثالث ما يقومون به من حقوق أسلافهم مثل ~~أداء الديون عنهم وإنفاذ وصاياهم وما أشبه ذلك فهذا ما قاله ارسطوطاليس ~~وأما تحقيق ما قاله، مما يجب لله عز وجل وإن كان ظاهرا فأنا نقول فيه ما ~~يليق بهذا الموضع. وهو أن العدالة لما كانت تظهر في الأخذ والإعطاء وفي ~~الكرامة التي ذكرناها. وجب أن يكون لما يصل إلينا من عطيات الخالق عز وجل ~~ونعمه التي لا تحصى حق يقابل عليه. وذلك أن من أعطى خيرا ما وإن كان قليلا ~~ثم لم ير أن يقابله بضرب من المقابلة فهو جائر. فكيف به إذا أعطى جما كثيرا ~~وأخد أخذا دائما ثم لم يعط في ms075 مقابلته شيء البتة. ثم على قدر النعمة التي ~~تصل إلى الإنسان يجب أن يكون إجتهاده في المقابلة عليها. مثال ذلك أن الملك ~~الفاضل إذا أمن السرب وبسط العدل وأوسع العمارة وحمى الحريم وذب عن الحوزة ~~ومنع من التظالم ووفر الناس على ما يختارونه من مصالحهم ومعايشهم. فقد أحسن ~~إلى كل واحد من رعيته إحسانا يخصه في نفسه وإن كان قد عمهم بالخير واستحق ~~من كل واحد منهم أن يقابله بضرب من المقابلة متى قعد عنه كان جائرا إذ كان ~~يأخذ نعمته ولا يعطيه شيئا. لكن مقابلة الملك الفاضل من رعيته إنما تكون ~~بإخلاص الدعاء ونشر المحاسن وجميل الشكر وبذل الطاعة وترك المخالفة في السر ~~والعلانية والمحبة الصادقة والإئتمام بسيرته نحو الإستطاعة والإقتداء به في ~~تدبير منزله وأهله وولده وعشيرته فإن: نسبة الملك إلى مدينته ورعيته كنسبة ~~صاحب المنزل إلى منزله وأهله. فمن لم يقابل ذلك الإحسان بهذه الطاعة ~~والمحبة فقد جار وظلم وهذا الظلم وإن كان في نفسه قبيحا فإن مراتبه كثيرة. ~~لأن مقابلة كل نعمة إنما تكون بحسب منزلتها وموقعها وبقدر فائدتها وعائدتها ~~وعلى مقدار عددها. فإن كانت النعم كثيرة العدد وعظيمة الوقع فكيف يكون حال ~~من لا يلزم لها حقا ولا يرى عليها مقابلة بطاعة ولا شكر ولا محبة صادقة ولا ~~مسعاة صالحة. فإذا كان هذا معروفا غير منكور واجبا غير مجحود في ملوكنا ~~ورؤسائنا. # فبالأحرى أن يكون لملك الملوك الذي يصل إلينا في كل طرفة عين ضروب إحسانه ~~الفائض على أجسامنا ونفوسنا التي لا يقع عليها إحصاء ولا عدد من الحقوق ~~الواجب علينا القيام بها والنهوض بتأديتها، أترانا نجهل النعمة الأولى ~~علينا بالوجود ثم تتابعها متواترة بعد ذلك بالخلق الجسداني الذي أفنى فيه ~~صاحب كتابي التشريح ومنافع الأعضاء ألف ورقة ثم لم يبلغ بعض ما عليه كنه ~~الأمرز أم ترانا نجهل م اوهب لنا من نفوسنا وما ركب فيها من القوى والملكات ~~التي لا نهاية لها وما أمدها به من فيض العقل ونوره وبهائه وبركاتهز وما ~~عرضنا ms076 به للملك الأبدي والنعيم السرمدي (لا) لعمري ما يجهل هذه النعمة إلا ~~النعم. فإما الإنسان فيعرف من ذلك ما يضطره إليه مشاهدة أحواله في جميع ~~أوقاته، وإذا كان الخلاق تعالى غنيا عن معونتنا ومساعينا فمن المحال القبيح ~~والجور الفاحش أن نلتزم له نحن حقا ولا نقابله على هذه الآلاء والنعم بما ~~يزيل عنا سمة الجور والخروج عن شريطة العدل. # ما يجب على الإنسان لخالقه PageV01P045 إن أرسطوطاليس لم ينص في هذ1ا ~~الموضع علىالعبادة التي يجب أن نلتزمها لخالقنا عز وجل غير أ،ه قال ما ~~معناه وقد اختلفت لناس فيما ينبغي أن يقوم بهالمخلوقون لخالقهم فبعضهم رأى ~~أنه صلوات وصيام وخدمة هياكل ومصليات وقرابين. وبعضهم رأى أن يقتصر على ~~الإقرار بربوبيته والإعتراف بإحسانه وتمجيده بحسب استطاعته وبعضهم رأى أن ~~يتقرب إليه بأن يحسن إلى نفسه بتزكيتها وحسن سياستها. والإحسان إلى ~~المستحقين من أهل نوعه بالمواساة ثم بالحكمة وبعضهم رأى اللهج بالفكر في ~~الإلهيات والتصرف نحو المحاولات التي يتزايد بها الإنسان من معرفة ربه عز ~~وجل حتى تتكامل معرفته به وبحقيقة وحدانيته وصرف الوكد إليه. وبعضهم رأى أن ~~الواجب للرب جل ذكره على الناس ليس سبيله واحدا ولا هو شيء بعينه يلتزمه ~~الجميع التزاما واحدا وعلى مثال واحد لكنه يختلف بحسب اختلاف طبقات الناس ~~ومراتبهم من العلم فهذا ما قاله أرسطوطاليس بألفاظه المنقولة إلى العربية. ~~وأما الحدث من الفلاسفة فإنهم قالوا إن عبادة الله عزوجل على ثلاثة أنواع. ~~أحدها فيما يجب له على الأبدان كالصلاة والصيام والسعي إلى المواقف الشريفة ~~لمناجاة الله عزوجل. والثاني فيما يجب له على النفوس كالإعتقادات الصحيحة ~~وكالعلم بتوحيد الله عز إسمه وما يستحقه من الثناء والتمجيد وكالفر فيما ~~أفاضه على العالم من وجوده وحكمته ثم الإتساع في هذه المعارف. والثالث فيما ~~يجب له عند مشاركات الناس في المدن وهي في المعاملات والمزارعات والمناكح ~~وفي تأدية الأمانات مع نصيحة البعض للبعض بضروب المعاونات وعند جهاج ~~الأعداء والذب عن الحريم وحماية الحوزة قالوا فهذه هي العبادات وهي الطرق ~~المؤدية إلى ms077 الله عز وجل. # وهذه الأنواع وإن كانت معدودة ومحصورة فإنها منقسمة إلى أنواع كثيرة ~~وأقسام غير محصاة، وللإنسان مقامات ومنازل عند الله عز وجل. فالمقام الأول ~~للموقنين وهو رتبة الحكماء وأجلة العلماء. والمقام الثاني مقام المحسنين. ~~وهو رتبة الذين يعملون بما يعملون. وهو ما ذكرناه في كتابنا هذا من الفضائل ~~والعمل بها والمقام الثالث مقام الأبرار وهو رتبة المصلحين وهؤلاء هم خلفاء ~~الله بالحقيقة في إصلاح العباد والبلاد. والمقام الرابع مقام الفائزين وهو ~~رتبة المخلصين في المحبة وإليها ننتهي رتبة الإتحاد وليس بعدها منزلة ولا ~~مقام لمخلوق ويسعد الإنسان بهذه المنازل إذا حصلت له أربع خلال. أولها ~~الحرص والنشاط والثاني العلوم الحقيقة والمعارف اليقينية. والثالث الحياء ~~من الجهل ونقصان القريحة اللذين يحدثان بالإهمال. والرابع لزوم هذه الفضائل ~~والترقي فيها دائما بحسب الإستطاعة فهذه أسباب الإتصال. # أسباب الإنقطاع عن الله # وأما أسباب الإنقاطات عن الله عز وجل والمساقط وهي التي تعرف باللعاين. ~~فأولها السقوط الذي يستحق به الأعراض وتتبعه الإستهانة. # والثاني السقوط الذي يستحق به الحجاب ويتبعه الإستخفاف، والثالث السقوط ~~الذي يستحق بالطرد ويتبعه المقت. والرابع السقوط الذي يستحق به الخسأة ~~ويتبعه البغض. وإنما يشقى لاعبد إذا حصل على أربع خلال. # أولها الكسل والبطالة ويتبعهما ضياع الزمان وفناء العمر بغير فائدة ~~إنسانية. والثاني الغباوة والجهل المتولدان عن ترك النظر ورياضة النفس ~~بالتعاليم التي أحصيناها في كتاب مراتب السعادات. # والثالث الوقاحة التي ينتجها إهمال النفس إذا تتبعت الشهوات وترك زمامها ~~لركوب الخطايا والسيئات، والرابع الإنهماك الذي يحدث من الإستمرار في ~~القبائح وترك الإنابة وهذه الأنواع الأربعة مسماة في الشريعة بأربعة أسماء، ~~فالأول هو الزيغ والثاني هو الرين والثالث هو الغشاوة، والرابع هو الختم. # ولكل واحدة من هذه الشقاوات علاج خاص سنذكره عند مدواة أسقام النفس حتى ~~تعود إلى الصحة بإذن الله عز وجل. وهذه الأشياء التي عددناها الآن لاخلاف ~~بين الحكماء فيها وبين أصحاب الشرائع وإنما تختلف بالعبارات والإشارات ~~إليها بحسب اللغات. وأفلاطون يقول إنالعدالة إذا حصلت للإنسان أشرق بهاكل ~~واحد واحد ms078 من أجزاء النفس وذلك لحصول فضائلها أجمع فيها فيحنئذ تنهض النفس ~~فتؤدي فعلها الخاص بها على أفضل ما يكون وهو غاية قرب الإنسان السعيد من ~~الإله تقدس إسمه. PageV01P046 قال والعدالة توسط ليس على جهة التوسط الذي ~~في الفضائل التي تقدم ذكرها. لكن لأنها في الوسط والجور في الطرفين. وإنما ~~صار الجور في الطرفين لأنه زيادة ونقصان. وذلك أن من شأن الجور طلب الزيادة ~~والنقصان معا. # أما الزيادة فمن النافع على الإطلاق. وأما النقصان فمن لاضار فلذلك يكون ~~الجائر مستعملا للزيادة والنقصان إما لنفسه فيستعمل الزيادة في النافع. ~~وأما لغيره فيستعمل النقصان منه، وأما في الضار فبالضد وعلى العكس. وذلك ~~أنه إما لنفسه فيستعمل النقصان وإما لغيره فيستعمل الزيادة والفضائل التي ~~قلنا أنها أوساط بين الرذائل وهي غايات ونهايات. وذلك أن الوسط ههنا نهاية ~~لها من كل جهة فهو في غاية البعد منها ولذلك متى بعد عن الوسط زيادة بعد ~~قرب من رذيلة كما قلناه فيما تقدم. فقد تبين من جميع ما قدمنا أن الفضائل ~~كلها إعتدالات وأن العدالة إسم يشملها ويعمها كلها وأن الشريعة لما كانت ~~تقدر الأفعال الإرادية التي تقع بالروية الإلهي صار المتمسك بها في ~~معاملاته عدلا والمخالف جائرا. فلهذا قلنا ان العدالة لقب للمتمسك ~~بالشريعة، إلا أنا قد قلنا مع ذلك انها هيئة نفسانية تصدر عنها هذه ~~الفضيلة. # فتصور الهيئة النفسانية فإنك سترى رؤية واضحة أن صاحبها ينقاد ولا محالة ~~للشريعة طوعا ولا يضادها بنوع من أنواع التضاد وذلك أنه إذا حافظ على ~~المناسبات التي ذكرناها لأنها مساواة وآثرها بعد إجالة الرأي فيها على سبيل ~~الإختيار لها والرغبة فيها وجب عليه موافقة الشريعة وترك مخالفتها. # وأقل ماتكون المساواة بين اثنين ولكنها تكون في معاملة مشتركة بينهما وهو ~~الشيء الثالث وربما كانا شيئين كما قلنا فتصير المناسبات كما بينا بين ~~أربعة أشياء. وينبغي أن يعلم ان هذه الهيئة النفسانية هي غير الفعل وغير ~~المعرفة وغيرة القوة. # أما الفعل فلأنا قد بينا انه قد يقع على غير هيئة نفسانية. ms079 كمن يعمل ~~أعمال العدالة وليس بعادل وكمن يعمل أعمال الشجاعة وليس بشجاع وأما القوة ~~والمعرفة فلان كل واحدة منهما هي بعينها للضدين معا. فإن العلم بالضدين ~~واحد وكذلك القوة على الضدين قوة واحدة. وأما لاهيئة القابلة لأحد الضدين ~~فهي غير الهيئة القابلة للضد الآخر. ومثال ذلك هيئة الشجاعة فإنها غير هيئة ~~الجبن وكذلك هيئة العفة غير هيئة الشره وهيئة العدالة غير هيئة الجور. ثم ~~إن العدالة والخيرية يشتركان في باب المعاملات والأخذ والإعطاء. إلا أن ~~العدالة تقع في اكتساب المال على الشرائط التي قدمنا القول فيها. والخيرية ~~تقع في إنفاق المال على الشرائط التي ذكرناها أيضا ومن شأن من يكتسب أن ~~يأخذ فهو بالمنفعل أشبه ومن شأن المنفق أن يعطي فهو بالفاعل أشبه. فلهذه ~~العلة تكون محبة الناس للخير أشد من محبتهم للعادل. إلا أن نظام العالم ~~بسبب العدالة أكثر منه بالخيرية. وخاصة الفضيلة هي في فعل الخير لا في ترك ~~الشر وخاصة محبة الناس وحمدهم في بذل المعروف لا في جمع المال. فالخير لا ~~يكرم المال ولا يجمعه لذاته بل ليصرفه في وجوهه التي يكتسب بها المحبات ~~والمحامد. ومن خاصة الخير أن لا يكون كثير المال لأنه منفاق ولا يكون أيضا ~~فقيرا لأنه كسوب من حيث ينبغي وهو غير متكاسل عن الكسب ألبتة لأنه بالمال ~~يصل إلى فضيلة الخيرية. ولذلك لا يضيع المال ولا يستعمل فيه التبذير ولا ~~يشح أيضا فلا يستعمل التقتير: خير عادل وليس كل عادل خيرا. # مسألة عويصة أولى PageV01P047 وفي هذا الموضع مسألة عويصة سأل عنها ~~الحكماء أنفسهم وأجابوا عنها بجواب مقنع ويمكن أن يجاب فيها بجواب آخر أشد ~~إقناعا ويجب أن نذكر لاجميع وهو: أن لشاك أن يشك فيقول إذا كانت العدالة ~~فعلا اختياريا يتعاطاه العادل ويقصد به تحصيل الفضيلة لنفسه والمحمدة من ~~الناس فيجب أن يكون الجور فعلا اختياريا يتعاطاه الجائر ويقصد به تحصيل ~~الرذيلة لنفسه ومذمة الناس. ومن القبيح الشنيع أن يظن بالإنسان العاقل أنه ~~يقصد الأضرار بنفسه بعدالروية وعلى سبيل الإختيار. ثم ms080 أجابوا عن ذلك وحلوا ~~هذا الشك بأن قالوا أن من ارتكب فعلا يؤديه إلى ضرر أو عذاب فإنه يكون ~~ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر أنه ينفعها وذلك لسوء اختياره وترك ~~مشاورة العقل فيه. مثال ذلك الحاسد فإنه ربما جنة على نفسه لأعلى سبيل ~~إيثار الأضرار بها بل لأنه يظن أنه ينفعها في العاجل بالخلاص من الأذى الذي ~~يلحقه من الحسد. هذا جواب القوم وأما الجواب الآخر فهو أن الإنسان لما كان ~~ذا قوى كثيرة يسمى بمجموعها إنسانا واحدا لم ينكر أن تصدر عنه أفعال مختلفة ~~بحسب تلك القوى. وإنما المنكر أن يكون الشيء الواحد البسيط ذو القوة ~~الواحدة تقع منه بتلك القوة أفعال مختلفة لا بحسب الآلات المختلفة ولا بقدر ~~القابلات منه بل بتلك القوة الواحدة فقط. فهذ1 لعمري منكر شنيع ولكن ~~الإنسان قد تبين من حاله أن له قوى كثيرة فيعمل بكل قوة عملا مخالفا للعمل ~~بالأخرى أعني أن صاحب الغضب إذا استشاط يختار أفعالا مخالفة لأفعاله إذا ~~كان ساكنا وديعا. # وكذلك صاحب الشهوة الهائجة وصاحب النشوة الطروب فإن من شأن هؤلاء أن ~~يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه ولذلك تجد العاقل إذا ~~تغيرت أحواله تلك فصار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة تعجب من ~~نفسه وقال ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة ويلحقه الندم. وإنما ذلك ~~لأن القوة التي تهيج به تدعوه إلى ارتكاب فعل يظنه في تلك الحال صالحا له ~~جميلا به لتتم له حركة القوة الهائجة به. فإذا سكن عنها وراجع عقله رأى قبح ~~ذلك الفعل وفساده. وقوى الإنسان التي تدعوه إلى ضروب الشهوات ومحبة ~~الكرامات كثيرة جدا فهو بحسب قواه الكثيرة تكون أفعاله كثيرة. # فإذا تعود الإنسان أن تكون سيرته فاضلة ولم يقدم على شيء من أفعاله إلا ~~بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله كلها ~~منتظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل أعني المساواة التي قدمنا القول ~~فيها. # ولهذا السبب قلنا أن السعيد ms081 هو من اتفق له في صباه أن يأنس بالشريعة ~~ويستسلم لها ويتعود جميع ما تأمره به حتى إذا بلغ المبلغ الذي يمكنه به أن ~~يعرف الأسباب والعلل طال الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم ~~رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته. # مسألة عويصة ثانية PageV01P048 وههنا مسألة عويصة أشد من الأولى وهو أن ~~التفضل شيء محمود جدا وليس يقع تحت العدالة لأن العدالة كما ذكرنا مساواة ة ~~والتفضل زيادة وقد حكمنا أن العدالة تجمع الفضائل كلها ولا مزيد عليها بل ~~يجب أن تكون الزيادة عليها مذمومة كما أن النقصان عنها مذوم ليكون شرف ~~الوسط الذي تقدم وصفه في سائر الأخلاق حاصلا للعدالة. فالجواب عنها ان ~~التفضل احتياط يقع من صاحبه في العدالة ليأمن به وقوع النقص في شيء من ~~شرائطها وليس الوسط في كلا الطرفين من الأخلاق على شريطة واحدة وذلك أن ~~الزيادة في باب السخاء إذا لم تخرج إلى باب التبذير أحسن من النقصان فيه ~~وأشبه بالمحافظة على شرائطه فتصير كالاحتياط فيه والأخذ بالحزم فيه. وأما ~~العفة فإن النقصان من الوسط فيها أحسن من الزيادة عليه وأشبه بالمحافظة على ~~شرائطه وأبلغ في الاحتياط عليه وأخذ الحزم فيه ومع ذلك فليس يستعمل التفضل ~~إلا حيث تستعلم العدالة. وأعني بذلك أن من أعطى ماله من لا يستحق شيئا منه ~~وترك مواساة من يستحقه لا يسمى متفضلا بل مضيعا. وإنما يكون متفضلا إذا ~~أعطى من يستحق كل ما يستحق ثم زاده تفضلا وهذه الزيادة ليست من الزيادة ~~التي ذكرناها في باب السخاء لأن تلك الزيادة ذهاب إلى الطرف الذي يسمى ~~تبذيرا وهو مذموم ويعرف ذلك من حده وهو بذل مالا ينبغي كمالا ينبغي في ~~الوقت الذي لا ينبغي. فإذا التفضل غير خارج عن شرط العدالة بل هو احتياط ~~فيها، ولذلك قيل أن المتفضل أشرف من العادل. فقد بان أن التفضل ليس غير ~~العدالة بل هو العدالة مع الاحتياط فيها وكأنه مبالغة لا يخرجها عن معناها ~~لأن هذه الهيئة النفسانية ليست غير تلك الهيئة ms082 بل هي. فأما الأطراف التي هي ~~رذائل أعني الزيادة والنقصان التي سبق القول فيهما فهي كلها هيئات مذمومة ~~غير الهيئات المحمودة. وحدود هذه الأشياء هي التي تحصل لك معانيها ومشاركة ~~بعضها البعض. ومباينة بعضها البعض. وأيضا فإن الشريعة تأمر بالعدالة أمرا ~~كليا وليست تنحط إلى الجزئيات وأعني بذلك أن العدالة التي هي المساواة تكون ~~مرة في باب الكم ومرة في باب الكيف وفي سائر المقولات وبيان ذلك أن نسبة ~~الماء إلى الهواء مثلا ليست تكون بالكمية بل بالكيفية ولو كانت بالكمية ~~لوجب أن يكونا متساويين في المساحة ولو كانا كذلك لتغالبا وأحال أحدهما ~~الآخر إلى ذاته. # وكذلك النار والهواء ولو أحالت هذه العناصر بعضها بعضا لفنى العالم في ~~أقرب مدة. ولكن الباري تقدس اسمه عدل بين هذه بالقوة فتقاومت فليس يغلب أحد ~~الآخر بالكلية وإنما يحيل الجزء منهاالجزء في الأطراف أعني حيث تلتقي ~~نهاياتها. وأما كلياتها فلا تقدر على كلياتها لأن قواها متساوية متعادلة ~~على غاية التسوية والتعادل. # وبهذا النوع من العدل قيل بالعدل قامت السموات والأرض ولو رجح أحدهما على ~~الآخر بزيادة يسير قوة لأحال الزائد الناقص وقوى عليه فبطل العالم فسبحان ~~القائم بالقسط لا إله إلا هو. # ؟؟الشريعة تأمر بالعدالة ولما كانت الشريعة تأمر بالعدالة الكاملة لم ~~تأمر بالتفضل الكلي بل ندبت إليه ندبا يستعمل في الجزئيات التي لا يمكن أن ~~تعين عليها لأنها بلا نهاية وجزمت القول في العدالة الكلية لأنها محصورة ~~يمكن أن تعين عليها وقد تبين أيضا مما قدمنا أن التفضل إنما يكون في ~~العدالة التي تخص الإنسان في نفسه. أعني تسوية المعاملة أولا فيما بينه ~~وبين غيره ثم الإستظهار فيه والإحتياط عليه بما يكون تفضلا ولو كان حاكما ~~بين قوم ولا نصيب له في تلك الحكومة لم يجز له التفضل ولم يسعه إلا العدل ~~المحض والتسوية الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان. وتبين أيضا أن الهيئة التي ~~تصدر عنها الأفعال العادلة متى نسبت إلى صاحبها سميت فضيلة وإذا نسبت إلى ~~من يعامله بها سميت عدالة ms083 وإذا اعتبرت بذاتها سميت ملكة نفسانية. ~~PageV01P049 فاستعمال المر العاقل العدل على نفسه أو ما يلزمه ويجب عليه. ~~وقد ذكرنا فيما تقدم كيف يفعل ذلك وبينا كيف يعدل قواه الكثيرة إذا هاج به ~~بعضها وأشرنا إلى أجناس هذه القوى الكثيرة وأن بعضها يكون بالشهوات ~~المختلفة وبعضها بطلب الكرامات الكثيرة وأنها إذا تغالبت وتهايجت حدث في ~~الإنسان باضطرابها أنواع الشر وجذبته كل واحدة منها إلى ما يوافقها وهكذا ~~سبيل كل مركب من كثرة إذا لم يكن لها رئيس واحد ينظمها ويوحدها. ~~وارسطوطاليس يشبه من كان كذلك بمن يجذب من جهات كثيرة فيقطع بينها وينشق ~~بحسب تلك الجهات وقواها. # وليس ينظم هذه الكثرة التي ركب الإنسان منها إلا الرئيس الواحد الموهوب ~~له من الفطرة. أعني العقل الذي به تميز من البهائم وهو خليفة الله عز وجل ~~عنده فإن هذه القوى كلها إذا ساسها العقل انتظمت وزال عنها سوء النظام الذي ~~يحدث من الكثرة وجميع ما ذكرنا من إصلاح الأخلاق مبني عليه. فإذا تم ~~للإنسان ذلك أعني أن يعدل على نفسه وأحرز هذه الفضيلة فقد لزمه أن يعدل على ~~أصدقائه وأهله وعشيرته ثم يستعمله في الأباعد وسائر الحيوان وإذ قد صح ذلك ~~وظهر ظهورا حسيا فقد ظهر بظهوره إن شر الناس من جار على نفسه ثم على ~~أصدقائه وعشيرته ثم على كافة الناس والحيوان لأن العلم بأحد الضدين هو ~~العلم بالضد الآخر. فخير الناس العادل وشرهم الجائر كما تبين ذلك. وقد ادعى ~~قوم أن نظام أمر الموجودات كلها وصلاح أحوالها معلق بالمحبة وقالوا أن ~~الإنسان إنما اضطر إلى اقتناء هذه الفضيلة أعني الهيئة التي تصدر عنها ~~العدالة عند تعاطي المعاملات لما فاته شرف المحبة. ولو كان المتعاملون ~~أحباء لتناصفوا ولم يقع بينهم خلاف. وذلك أن الصديق يحب صديقه ويريد له ما ~~يريد لنفسه ولا تتم الثقة والتعاضد والتوازر الأبين المتحابين. # وإذا تعاضدوا وجمعتهم المحبة وصلوا إلى جميع المحبوبات ولم تتعذر عليهم ~~المطالب وإن كانت صعبة شديدة. وحيئنذ ينشئون الآراء الصائبة وتتعاون العقول ~~على استخراج ms084 الغوامض من التدابير القويمة ويتقوون على نيل الخيرات كلها ~~بالتعاضد. # وهؤلاء القوم إنما نظروا إلى فضيلة التأحد التي تحصل بين الكثرة ولمعرى ~~انها اشرف غايات أهل المدينة. وذلك أنهم إذا تحابوا تواصلوا وأراد كل واحد ~~منهم لصاحبه مثل ما يريده لنفسه فتصير القوى الكثيرة واحدة ولم يتعذر على ~~أحد منهم رأى صحيح ولا عمل صواب ويكون مثلهم في جميع ما يحاولونه مثل من ~~يريد تحريك ثقل عظيم بنفسه فلا يطيق ذلك. # فإن استعان بقوة غيره حركه. ومدبر المدينة إنما يقصد بجميع تدابيره إيقاع ~~المودات بين أهلها وإذا تم له هذا خاصة فقد تمت له جميع الخيرات التي تتعذر ~~عليه وحده على أفراد أهل مدينته وحينئذ يغلب أقرانه ويعمر بلدانه ويعيش وهو ~~ورعيته مغبوطين. ولكن هذا التأحد المطلوب بهذهالمحبة المرغوب فيهما لا يتم ~~إلا بالآراء الصحيحة التي يرجى الإتفاق من العقول السليمة عليها ~~والإعتقادات القوية التي لا تحصل إلا بالديانات التي يقصد بها وجه الله عز ~~وجل وأصناف المحبات كثيرة وإن كانت ترتقي كلها إلى وجه واحد وسنقول فيها ~~بمعونة الله فيما يتلو هذه المقالة إن شاء الله. # ؟المقالة الخامسة (التعاون والإتحاد) قد سبق القول في حاجة بعض الناس إلى ~~بعض وتبين أن كل واحد منهم يجد تمامه عند صاحبه وأن الضرورة داعية إلى ~~استعانة بعضهم ببعض لأن الناس مطبوعون على النقصانات ومضطرون إلى تماماتها ~~ولا سبيل فالحاجة صادقة والضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلف بين أشتات ~~الأشخاص ليصيروا بالاتفاق والإئتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها ~~على الفعل الواحد النافع له. # ؟المحبة وللمحبة أنواع وأسبابها تكون بعدد أنواعها. فأحد أنواعها ما ~~ينعقد سريعا وينحل سريعا. والثاني ما ينعقد سريعا وينحل بطيئا. والثالث ما ~~ينعقد بطيئا وينحل سريعا. والرابع ما ينعقد بطيئا وينحل بطيئا. وإنما ~~انقسمت إلى هذه الأنواع فقد لأن مقاصد الناس في مطالبهم وسيرهم ثلاثة ~~ويتركب بينها رابع وهي اللذة والخير والمنافع والمتركب منها. PageV01P050 ~~وإذا كانت هذه غايات الناس في مقاصدهم فلا محالة أنها أسباب المحبة من عاون ~~عليها ms085 وصار سببا للوصول إليها فقد أفلح: فأما المحبة التي يكون سببها اللذة ~~فهي التي تنعقد سريعا وتنحل سريعا. وذلك أن اللذة سريعة التغير كما شرحنا ~~أمرها فيما نقدم وأما المحبة التي سببها الخير فهي التي تنعقد سريعا وتنحل ~~بطيئا. وأما المحبة التي سببها المنافع فهي التي تنعقد بطيئا وتنحل سريعا. ~~وأما التي تتركب من هذه إذا كان فيها لأنها تكون بإرادة وروية وتكون فبها ~~مجازاة ومكافأة. # فأما التي تكون بين الحيوانات غير الناطقة فالأحرى بها أن تسمى ألفا وتقع ~~بين الأشكال منها خاصة. وأما التي لا نفوس لها من الأحجار وأمثالها فليس ~~يوجد فيها إلا الميل الطبيعي إلى مراكزها التي تخصها. وقد يوجد أيضا بينها ~~منافرة ومشاكلة بحسب أمزجتها الحادثة فيها من عناصرها الأولى وهذه الأمزجة ~~كثيرة وإذا وقع منها شيء يتناسب نسبة تأليفية او عددية أو مساحية حدثت ~~بينها ضروب من المشاكلة. وإذا كان أضداد هذه النسب حدثت بينها منافرة وتحدث ~~لها أشياء تسمى خواص وهي أفعال بديعة وهي التي تسمى أسرار الطبائع ولا سيما ~~في النسب التأليفية فإنها أشرف النسب بعد نسبة المساواة ولها أضداد أعني ~~هذه النسب. وهي مبينة مشروحة في صناعة الإرتماطيقي ثم في صناعة التأليف. ~~وأما الأمزجة التي بحسب هذه النسب فهي خفية عنا وعسرة المرام وقد ادعة قوم ~~الوصول إليها. وليست تكون هذه الأفعال والخواص التي تحدث بين الأمزجة من ~~النسب المذكورة موجودة في العناصر أنفسها والكلام فيها خارج عن غرضنا. ~~وإنما ذكرناها هنا لأنها تشبه المشاكلات والمنافرات التي بين الحيوان في ~~الظاهر والنسبة التي تحدث بين الناس بالإراة وهي التي تتكلم فيها ويقع فيها ~~مكافأة ومجازاة. # ؟الصداقة # الصداقة نوع من المحبة إلا أنها أخص منها وهي المودة بعينها وليس يمكن أن ~~تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة. وأما العشق فهو إفراط في المحبة وهو ~~أخص من المودة وذلك أنه لا يمكن أن يقع إلا بين اثنين فقط ولا يقع في ~~النافع ولا في المركب من النافع وغيره وإنما يع لمحب اللذة بإفراد ms086 ولمحب ~~الخير بافراط وأحدهما مذموم والآخر محمود، فالصداقة بين الأحداث ومن كان في ~~مثل طباعهم إنما تحدث لأجل اللذة فهم يتصادقون سريعا ويتقاطعون سريعا وربما ~~اتفق ذلك بينهم في الزمان القليل مرارا كثيرة، وربما بقيت بقدر ثقتهم ببقاء ~~اللذة ومعاودتها حالا بعد حال. فإذا انقطعت هذه الثقة بمعلودتها انقطعت ~~الصداقة بالوقت وفي الحال. والصداقة من المشائخ ومن كان في مثل طباعهم إنما ~~نقع لمكان المنفعة فهم يتصادقون بسببها فإذا كانت المنافع مشتركة بينهم وهي ~~في الأكثر طويلة المدة كانت الصداقة باقية. فحين تنقطع علاقة المنفعة بينهم ~~وينقطع رجاؤهم من المنفعة المشتركة تنقطع موداتهم. والصداقة بين الأخيار ~~تكون لأجل الخير وسببها هو الخير. # ولما كان الخير شيئا غير متغير الذات صارت مودات أصحابه باقية غير ~~متغيرة. وأيضا لما كان الإنسان مركبا من طبائع متضادة صار ميل كل واحد منها ~~يخالف ميل الآخر. فاللذة التي توافق إحداها تخالف لذة الأخرى التي تضادها ~~فلا تخلص له لذة غير مشوبة بأذى. ولما كان فيه أيضا جوهر آخر بسيط إلهي غير ~~مخالط لشيء من الطبائع الأخرى صارت له لذة غير مشابهة لشيء من تلك اللذات ~~وذلك أنها بسيطة أيضا. والمحبة التي سببها هذه اللذة هي التي تفرط حتى تصير ~~عشقا تاما خالصا شبيها بالوله. وهي المحبة الإلهية الموصوفة التي يدعيها ~~بعض المتألهين وهي التي يقول فيها أرسطوطاليس حكاية عن ابرفليطس: " إن ~~الأشياء المختلفة لا تتشاكل ولا يكون منها تأليف جيد. # وأما الأشياء المتشاكلة وهي التي يسر بعضها ببعض ويشتاق بعضها إلى بعض ~~فأقول عنها. إن الجواهر البسيطة إذا تشاكلت واشتاق بعضها إلى بعض تألفت ~~وإذا تألفت صارت شيئا واحدا لا غيرية بينها إذ الغيرية إنما تحدث من جهة ~~الهيولي. وأما الأشياء ذوات الهيولي وهي الإجرام فإنها وإن اشتاقت بنوع من ~~الشوق إلى التألف فإنها لا تتحد ولا يمكن ذلك فيها. وذلك أنها تلتقي ~~بنهاياتها وسطوحها دون ذواتها وهذا الإلتقاء سريع الإنفصال إذ كان التأحد ~~فيه ممتنعا. وإنما تتأحد بنحو استطاعتها أعني ملاقاة سطوحها. PageV01P051 ~~فإذا الجوهر ms087 الإلهي الذي في الإنسان إذا صفا من كدورته التي حصلت فيه من ~~ملابسة الطبيعة ولم تجذبه أنواع الشهورات وأصناف محبات الكرامات اشتاف إلى ~~شبيهه ورأى بعين عقله الخير الأول المحض الذي لا تشوبه مادة فأسرع إليه ~~وحينئذ يفيض نور ذلك الخير الأول عليه فيلتذ به لذة لا تشبهها لذة ويصير ~~إلى معنى الإتحاد الذي وصفناه استعمل الطبيعة البدنية أم لم يستعملها. إلا ~~أنه بعد مفارقته الطبيعة بالكلية أحق بهذه المرتبة العالية لأنه ليس يصفو ~~الصفاء التام إلا بعد مفارقته الحياة الدنيوية. # ومن فضائل هذه المحبة الإلهية أنها لا تقبل النقصان ولا تقدع فيها ~~السعاية ولا يعترض عليها الملك ولا تكون إلا بين الأخيار فقط. وأما المحبات ~~التي تكون بسبب المنفعة واللذة فقد تكون بين الأشرار وبين الأخيار ~~والأشرار. إلا أنها تنقضي وتنحل مع تقضي المنافع واللذائذ لأنها عرضية ~~وكثيرا ما تحدث بالإجتماعات في المواضع الغريبة. إلا انها تزول بزوال ~~المواضع كالسفينة وما جرى مجراها. # والسبب في هذه المحبة الأنس وذلك أن الإنسان آنس بالطبع وليس بوحشي ولا ~~نفور ومنه اشتق إسم الإنسان في اللغة العربية وقد تبين ذلك في صناعة النحو ~~وليس كما قال الشاعر: # سميت إنسانا لأنك ناس # فإن هذا الشاعر ظن أن الإنسان مشتق من النسيان وهو غلط منه. وينبغي ان ~~يعلم أن هذا الأنس الطبيعي في الإنسان هو الذي ينبغي أن نحرص عليه ونكتسبه ~~مع أبناء جنسنا حتى لا يفوتنا بجهدنا واستطاعتنا فإنه مبدأ المحبات كلها. # الشريعة تدعو إلى الأنس والمحبة # وإنما وضع للناس بالشريعة وبالعادة الجميلة إتخاذ الدعوات والإجتماع في ~~المآدب ليحصل لهم هذا الأنس. والشريعة إنما أوجبت على الناس أن يجتمعوا في ~~مساجدهم كل يوم خمس مرات وفضلت صلاة الجماعة على صلاة الآحاد ليحصل لهم هذا ~~الأنس الطبيعي الذي هو فيهم بالقوة حتى يخرج إلى الفعل ثم يتأكد ~~بالإعتقادات الصحيحة التي تجمعهم. # وهذا الإجتماع في كل يوم ليس يتعذر على أهل كل محلة وسكة. والدليل على أن ~~غرض صاحب الشريعة ما ذكرناه أنه أوجب على ms088 أهل المدينة بأسرهم أن يجتمعوا في ~~كل أسبوع يوما بعينه في مسجد يسعهم ليجتمع أيضا شمل أهل المحال والسكك في ~~كل أسبوع كما اجتمع شمل أهل الدور والمنازل في كل يوم. ثم أوجب أيضا أن ~~يجتمع أهل المدينة مع أهل القرى والرساتيق المتقاربين في كل سنة مرتين في ~~مصلى بارزين مصحرين ليسعهم المكان ويتجدد الأنس بين كافتهم وتشملهم المحبة ~~الناظمة لهم. # ثم اوجب بعد ذلك أن يجتمعوا في العمر كله مرة واحدة في الموضع المقدس ~~بمكة ولم يعين من العمر وقت مخصوص ليتسع لهم الزمان وليجتمع أهل المدن ~~المتباعدة كما اجتمع أهل المدينة الواحدة ويصير حالهم في الأنس والمحبة ~~وشمول الخير والسعادة كحال المجتمعين في كل سنة وفي كل اسبوع وفي كل يوم ~~فيجتمعوا بذلك إلى الأنس الطبيعي وإلى الخيرات المشتركة وتتجدد بينهم محبة ~~الشريعة وليكبروا الله على ما هداهم ويغتبطوا بالدين القويم القيم الذي ~~ألفهم على تقوى الله وطاعته. # الخليفة يحرس الدين # والقائم بحفظ هذه السنة وغيرها من وظائف الشرع حتى لا تزول عن أوضاعها ~~هوالإمام وصناعته هي صناعة الملك. والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس ~~الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره. وأما من أعرض عن ذلك فيسمونه ~~متغلبا ولا يؤهلونه لإسم الملك وذلك أن الدين هو وضع إليه يسوق الناس ~~باختيارهم إلى السعادة القصوى. # والملك هو حارس هذا الوضع الإلهي حافظ على الناس ما ا×ذوا به. وقد قال ~~حكيم الفرس وملكهم ازدشير: " إن الدين والملك إخوان توأمان لايتم أحدهما ~~إلا بالآخر " فالدين أس والملك حارس. وكل مالا أس له فمهدوم. وكل مالا حارس ~~له فضائع. ولذلك حكمنا على الحارس الذي نصب للدين أن يتيقظ في موضعه ويحكم ~~صناعته ولا يباشر أمره يالهوينا ولا يشتغل بلذة تخصه ولا يطلب الكرامة ~~والغلبة إلا من وجهها. فإنه متى أغفل شيئا من حدوده دخل عليه من هنالك ~~الخلل والوهن. PageV01P052 وحيئنذ تتبدل أوضاع الدين ويجد الناس رخصة في ~~شهواتهم ويكثر من يساعدهم على ذلك فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدها ويحدث ~~بينهم الإختلاف ms089 والتباغض فأداهم ذلك إلى الشتات والفرقة وبطل الفرض الشريف ~~وانتقض النظام الذي طلبه صاحب الشرع بالأوضاع الإلهية فاحتيج حينئذ إلى ~~تجديد الأمر واستئناف التدبير وطلب الإمام الحق والملك العدل ونعود إلى ذكر ~~أجناس المحبات وأسبابها فنقول: # أجناس المحبات وأسبابها # إن هذه الأسباب كلها ماخلا المحبة الإلهية إذا كانت مشتركة بين المتحابين ~~وكانت واحدة بعينها جاز في الشيئين أن ينعقدا معا وينحلا معا وجاز أيضا أن ~~يبقى أحدهما وينحل الآخر. # مثال ذلك أن اللذات المشتركة بين الرجل والمرأة هي سبب للمحبة بينهما فقد ~~يجوز أن تجتمع المحبات لأن السبب واحد وهي اللذة. وقد يجوز أن تنقطع ~~إحداهما وتبقى الأخرى وذلك أن اللذة تتغير ولا تكاد تثبت كما تقم وصفها. ~~فقد يجوز أن يتغير سبب إحدى المحبتين ويثبت الآخر. وايضا فإن بين الرجل ~~وبين زوجته خيرات مشتركة ومنافع مختلفة وهما يتعاونان عليها أعني الخيرات ~~الخارجة عنها وهي الأسباب التي تعمر بها المنازل. # فالمرأة تنتظر من زوجها تلك الخيرات لأنه هو الذي يكتسبها ويحضرها. وأما ~~الرجل فإنه ينتظر من زوجته ضبط تلك الخيرات لأنها هي التي تحفظها وتدبرها ~~لتثمر ولا تضيع فمتى قصر أحدهما اختلفت المحبة وحدثت الشكايات ولا تزال ~~كذلك إلى أن تتقطع أو تبقى مع الشكايات والملامة. وكذلك حال المنفعة ~~المشتركة بين الناس إذا كانت واحدة بعينها. # وأما المحبات المختلفة التي أسبابها مختلفة فهي أولى بسرعة التحلل. ومثال ~~ذلك أن تكون محبة أحد المتحابين لأجل المنفعة ومحبة الآخر لأجل اللذة كما ~~يعرض ذلك للمعاشرين على أن أحدهما مغن والآخر مستمع فإن المغنى منهما يحب ~~المستمع لأجل المنفعة والمستمع منهما يحب المغنى لأجل اللذة. وكما يعرض ~~أيضا بين العاشق والمعشوق اللذين أحدهما يلتذ بالنظر والآخر ينتظر المنفعة ~~وهذا الصنف من المحبة يعرض فيه أبدا التشكي والتظلم. وذلك أن طالب اللذة ~~يتعجل مطلوبه وطالب المنفعة يتأخر عنه ولا يكاد يعتدل الأمر بينهما. لذلك ~~ترى العاشق يشكو معشوقه ويتظلم منه وهو بالحقيقة ظالم ينبغي أن يشتكي لأنه ~~يتعجل لذته بالنظر ولا يرى المكافأة بما ms090 يستحق صاحب. # والمحبة اللوامة كثيرة الأنواع غلا أن الأصل فيها ما ذكرت. ويوشك أن تكو ~~المحبة بين الرئيس والمرؤوس والغنى والفقير تعرض لها الملامة والتوبيخ لأجل ~~اختلاف الأسباب ولأن كل واحد ينتظر من المكافأة عند الآخر ما لا يجده عنده ~~فيقع فساد في النيات بينهما ثم استبطاء ثم ملامات. ويزيل ذلك طلب العدالة ~~ورضاء كل واحد بما يستحقه من الآخر وبذل كل واحد للآخر العدل المبسوط ~~بينهما. # والمماليك خاصة لا يرضيهم من مواليهم إلا الزيادة الكثيرة في الإستحقاق ~~وكذلك الموالي يستبطئون العبيد في الخمدمة والشفقة والنصيحة وفي جميع ذلك ~~يقع اللوم وفساد الضمير. # فهذه المحبة اللوامة لا يكاد يخلوا الإنسان منها إلا على شريطة العدل ~~وطلب الوسط من الإستحقاق والرضا به وهو صعب. # محبة الأخيار # وأما محبة الأخيار بعضهم بعضا فإنها تكون لا للذة خارجة ولا لمنفعة بل ~~للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم ~~للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم ~~الآخر لهذه المناسبة لم تكن بينهم مخالفة ولا منازعة ونصح بعضهم بعضا ~~وتلاقوا بالعدالة والتساوي في إرادة الخير وهذا التساوي في النصيحة وإرادة ~~الخير هو الذي يوحد كثرتهم. ولهذا حد الصديق بأنه آخر هو أنت إلا أنه غيرك ~~بالشخص ولهذا صار عزيز الوجود ولم يوثق بصداقة الأحداث والعوام ومن ليس ~~بحكيم لأن هؤلاء يحبون ويصادقون لأحل اللذة والمنفعة ولا يعرفون الخير ~~بالحقيقة وأغراضهم غير صحيحة، وأما للسلاطين فإنهم يظهرون الصداقة على أنهم ~~متفضلون ومحسنون إلى من يصادقهم فلا يدخلون تحت الحد الذي ذكرناه وفي ~~صداقتهم زيادة ونقصان المساواة عزيزة الوجود عندهم. PageV01P053 وكذلك محبة ~~الوالد للولد والولد للوالد فإن أنواع هذه المحبة مختلفة وأسبابها أيضا ~~مختلفة كما قلنا إلا أن محبة الوالد للولد والولد للوالد وإن كان بينهما ~~اختلاف ما من وجه فإن بينهما إتفاقا ذاتيا. # وأعني بالذاتي ههنا إن الوالد يرى في ولده أنه هو هو وأنه نسخ صورته التي ~~تخصه من الإنسانية في شخص ولده نسخا طبيعيا ونقل ذاته ms091 إلى ذاته نقلا ~~حقيقيا. وحق له أن يرى ذلك لأن التدبير الإلهي بالسياسة الطبيعية التي هي ~~سياسته عز وجل هو الذي عاون الإنسان على إنشاء الولد وجعله السبب الثاني في ~~إيجاده ونقل صورته الإنسانية إليه. # ولذلك يحب الوالد لولده جميع ما يحبه لنفسه ويسعى في تأديبه وتكميله بكل ~~ما فاته في نفسه طول عمره. ولا يشق عليه أن يقال له ولدك أفضل منك لأنه يرى ~~أنه هو هو. وكما أن الإنسان إذا تزايد في نفسه حالا فحالا وترقى في الفضيلة ~~درجة فدرجة لا يشق عليه أن يقال له إنك الآن أفضل مما كنت بل يسره ذلك كذلك ~~تكون حاله إذا قيل له في ولده مثل ذلك. ثم تفضل أيضا محبة الوالد على محبة ~~الولد بأنه الفاعل له وبأنه يعرفه منذ أول تكوينه ويستبشر به وهو جنين ثم ~~تزداد محبته له مع التربية والنشأة ويتأكد سروره به وتأميله له. ويحدث له ~~اليقين بأنه باق به صورة وأن فنى بجسمه مادة وهذه المعاني الجليلة عند أهل ~~العلم تتراءى للعوام كأنها من وراء ستر. # وأما محبة الولد للوالد فإنها تنقص عن هذه الرتبة بأن الولد مفعول وبأنه ~~لا يعرف ذاته ولا فاعل ذاته إلا بعد زمان طويل وبعد أن يستثبت أباه حسا ~~وينتفع به دهرا ثم يعقل بعد ذلك أمره بالصحة وعلى مقدار عقله واستبصاره في ~~الأمور يكون تعظيمه لوالديه ومحبه لهما ولهذه العلة وصى الله عز وجل الولد ~~بوالده ولم يوص الوالد بولده. وأما محبة الأخوة بعضهم لبعض فلأن سبب ~~تكوينهم ونشؤهم واحد بعينه. # نسبة الملك إلى رعيته # ويجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيته نسبة أبوية ونسبة رعيته إليه نسبة ~~بنوية ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية حتى تكون السياسات محفوظة على ~~شرائطها الصحيحة. وذلك أن مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده ~~ومعاملته إياهم تلكالمعاملة. وقد كنا أشرنا إلى ذلك وسنزيده بيانا إذا صرنا ~~إلى ذكر سياسة الملك في موضع آخر. وعنايته برعيته يجب أن تكون مثل عناية ~~الأب ms092 بأولاده شفقة وتحننا وتعهدا وتعطفا خلافة لصاحب الشريعة صلى الله عليه ~~وسلم بل لمشرع الشريعة تعالى ذكره في الرأفة والرحمة وطلب المصالح لهم ودفع ~~المكاره عنهم وحفظ النظام فيهم وبالجملة في كل ما يجلب الخير ويمنع الشر. ~~فإنه عند ذلك تحبه رعيته محبة الأولاد للأب الشفيق وتحدث بينهما تلك النسبة ~~وإنما تختلف هذه المحبات بالتفاضل الذي يكون بعظم المنافع. # فيجب أن يكرم الأب كرامة أبوية. ويكرم السلطان كرامة سلطانية،ويكرم الناس ~~بعضهم بعضا كرامة أخوية ولكل مرتبة من هذه استئهال خاص بها واستحقاب واجب ~~لها. فإذا لم يحفظ بالعدالة زاد ونقص وعرض لها الفساد وانتقلت الرياسات ~~وانعكست الأمور فيعترض لرياسة الملك أن تنتقل إلى رياسة التغلب ويتبع ذلك ~~أن تنتقل محبة الرعية إلى البغض له ويعرض لرياسات من دونه مثل ذلك. فتصير ~~محبة الأخيار إلى تباغض الأشرار وتعود الألفة نفارا والتواد نفاقا ويطلب كل ~~واحد لنفسه ما يظنه خيرا له وأن أضر بغيره وتبطل الصداقات والخير المشترك ~~بين الناس ويؤول الأمر إلى الهرج الذي هو ضد النظام الذي رتبه الله لخلقه ~~ورسمه بالشريعة وأوجبه بالحكمة البالغة. # المحبة التي لا تطرأ عليها الآفات PageV01P054 وأماالمحبة التي لا تشوبها ~~الإنفعالات ولا تطرأ عليها الآفات وهي محبة العبد لخالقه عز وجل فإنها إنما ~~تخلص للعالم العرباني وحده خاصة ولا سبيل لغيره إليها إلا بالدعوى الكاذبة. ~~وكيف يجد الإنسان السبيل غلىمحبة من لا يعرفه ولا يعرف ضروب إنعامه الدارة ~~عليه ووجوه إحسانه المتصلة به في بدنه وفنسه اللهم إلا أن يتصور في نفسه ~~صنما ويظنه الخالق عزوجل فيحبه ويعبده فإن اكثر الناس كما قال تعالى: (وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ولعمري أن العامة تدعى المعرفة والمحبة ~~وهم يتصورون شخصا وشبحا فتكون عبادتهم له دون الله وهذا هو الضلال البعيد. ~~ومدعو هذه المحبة كثيرون جدا والمحقون منهم قليلون حداا بل هم أقل من ~~القليل. وهذه المحبة لا محالة تتصل بها الطاعة والتعظيم ويتلوها ويقرب منها ~~محبة الوالدين وإكرامهما وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من ms093 المحبات ~~الأخر إلا محبة الحكماء وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات ~~الأخر إلا محبة المحكماء عند تلامذتهم فإنها متوسطة بين المحبة الأولى ~~والمحبة الثانية. # وذلك أن المحبة الأولى لا يبلغها شيء من المحبات كما أن أسبابها لا ~~يبلغها شيء من الأسباب والنعم التي تأتي من قبلها لا يشبهها شيء من النعم. ~~وأماالمحبة الثانية فهي تتلوها لأن سببها هو السبب الثاني في وجودنا الحسي ~~أعني أبداننا وتكويننا. # وأما محبة الحكماء فهي أشرف وأكرم من محبة الوالدين لأجل أن تربيتهم هي ~~لنفوسنا وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي وبهم وصولنا إلى السعادة التامة ~~التي نلنا بها اللقاء الأبدي والنعيم السرمدي في جوار رب العالمين. فبحسب ~~فضل إنعامهم علينا وبقدر فضل النفوس على الأبدان تجب حقوقهم وتلزم طاعتهم ~~ومحبتهم وليس يبلغ أحد جزاء ولا مكافأة الأول ولا ما يستأهله الثاني أعني ~~الوالدين وإن هو اجتهد وبالغ ولا يؤدي حقوقهما أبدا وإن خدم بأقصى طاقته ~~وغاية وسعه، وأما محبة طلب الحكمة للحكيم والتلميذ الصالح للمعلم الخير ~~فإنها من جنس المحبة الأولى وفي طريقها. وذلك لأجل الخير العظيم الذي يشرف ~~عليه ويصل إليه وللرجاء الكريم الذي لا يتحقق إلا بعنايته ولا يتم إلا ~~بمطالعته. ولأنه والدروحاني ورب بشرى وإحسانه إحسان إليه ذلك أنه يربيه ~~بالفضيلة التامة ويغذوه بالحكمة البالغة ويسوقه إلى الحياة الأبدية والنعيم ~~السرمدي. وإذا كان هو السبب في كل وجودنا العقلي وهو المربي لنفوسنا ~~الروحانية فبحسب فضل النفس على البدن يجب أن يفضل المنعم بذاك وبقدر فضلها ~~على البدن يكون فضل التربية على التربية فيحق أن يحب التلميذ معلم الحكمة ~~محبة خالصة شبيهة بالمحبة الأولى. ولذلك قلنا أن هذه المحبة من جنس المحبة ~~الأولى والطاعة له من جنس تلك الطاعة وكذلك تعظيمه له وإجلاله إياه. ثم لما ~~كان سبب هاتين النعمتين ومعرضنا لهما وسائقنا إليهما وإلىجميع النعم هو ~~السبب الأول الذي هو سبب الخيرات كلها قربت منا أوبعدت عنا عرفناها أو لم ~~نعرفها وجب أن تكون محبتنا لهفي أعلى مراتب المحبات وكذلك ms094 طاعتنا له ~~وتمجيدنا إياه. ويجب على من بلغ هذه المنزلة من الأخلاق أنيعرف مراتب ~~المحبات وما يستحقه كل واحد من صاحبه حتى لا يبذل كرامة الوالد للرئيس ~~الأجنبي ولا كرامة الصديق للسلطان ولا كرامة الولد للعثير ولا كرامة الأب ~~للإبن. # فإن لكل واحد من هؤلاء وأشباههم صنفا من الكرامة وحقا من الجزاء ليس ~~للآخر ومتى خلط فيه اضطرب وفسد وحدثت الملامات وإذا وفى كل واحد منهم حقه ~~وقسطه من المحبة والخدمة والنصيحة كان عادلا وأوجبت له محبته وعدالته فيها ~~محبته لصاحبه ومعامله. وكذلك يجب أن يجري الأمر في مؤانسة الأصحاب والخلطاء ~~والمعاشرين من توفية حقوقهم وإعطائهم ماهو خاص بهم. ومن غش المحبة والصداقة ~~كان أسوأ حالا ممن غش الدرهم والدينار. PageV01P055 فإن الحيكم ذكر أن ~~المحبة المغشوشة تنحل سريعا وتفسد وشيكا كما أن الدرهم والدينار إذا كانا ~~مغشوشين فسدا سريعا وهذا واجب في جميع أنواع المحبات. ولذلك يتعاطى العاقل ~~أبدا أنمطاء واحدا ويلزم مذهبا واحدا في إرادة الخير ويفعل جميع ما يفعله ~~من أجل ذاته ويرى خيره عند غيره كما يراه عند نفسه. وأما صديقه فقد قلنا ~~أنه هو هو إلا أنه غير بالشخص إما سائر مخالطيه ومعارفه فإنه يسلك بهم مسلك ~~أصدقائه كأنه مجتهد في أن يبلغ بهم وفيهم منازل الأصدقاء بالحقيقة وأن كان ~~لا يمكن ذلك في جميعهم. فهذه سيرة الخير في نفسه وفي رؤسائه وأهله وعشيرته ~~وأصدقائه وسلطانه. # الشرير # وأما الشرير فإنه يهرب من هذه السيرة وينقر منها لرداءة الهيئة التي حصلت ~~له ولمحبة البطالة والتكاسل عن معرفة الخير والتمييز بينه وبين الشر وبين ~~ماهو مظنون عنده خيرا وليس بخير. # ومن كان على هذه الحالة من الشر ورداءة الهيئة كانت أفعاله كلها رديئة. # ومن كانت ذاته رديئة هرب من ذاته لأجل أن الرداءة مهووب منها واضطر إلى ~~صحبة قوم يناسبونه ليفنى عمره معهم ويشتغل بهم عن ذاته وما يجده فيها من ~~الإضطراب والقلق. ذلك أن هؤلاء الأشرار إذا خلوا بأنفسهم تذكروا أفعالهم ~~الرديئة وهاجت بهم القوى المتضادة التي ms095 تدعوهم إلى إرتكاب الشرور المتضادة ~~فيألمون من ذواتهم وتتشاغب نفوسهم كل الشغب وتجذبهم القوى التي فيهم وهي ~~التي لم يروضوها بالأدب الحقيقي إلى جهات مختلفة من اللذات الرديئة وطلب ~~الكرامات التي لا يستحقونها والشهوات الرديئة التي تهلكهم سريعا. # فإذا جذبتهم هذه القوى إلى جهات مختلفة أحدثت فيهم آلاما كثيرة لأنه لا ~~يمكن أن يفرح ويحزن معاولا يرضى ويسخط في حال واحدة ولا يستطيع أن يؤلف بين ~~الأضداد حتى تجتمع له فهومن شقائه يهرب من ذاته لأنها رديئة فاسدة متألمة ~~كثيرة الشغب عليه ويلتمس لعشرته ومخالطة من هومثله وأسوأ حالا منه فيجد ~~للوقت راحة به وسكونا إليه لأجل المشاكلة ثم يعود بعد قليل وبالا عليه ~~وزيادة في خباله وفساده فيألم به ويهرب منه ليس له محب ولا ذاته ولا له ~~نصيح ولا نفسه وليس يتحصل الأعلى الندامة ولا يرجع إلا إلى الشقوة. # الخير الفاضل # وأما الرجل الخير الفاضل فإن سيرته جيدة محبوبة فهو يحب ذاته وأفعاله ~~ويسر بنفسه ويسر به أيضا غيره ويختار كل إنسان مواصلته ومصادقته فهو صديق ~~نفسه والناس أصدقاؤه وليس يضاده إلا الشرير فقط ويعرض لمن هذه سيرته أن ~~يحسن إلىغيره بقصد وبغير قصد. وذلك أن أفعاله لذيذة محبوبوة واللذيذ ~~المحبوب مختار فيكثر المقبلون عليه والمحتفون به والآخذون عنه. # وهذا هو الإحسان الذاتي الذي يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيام ولا ~~ينتقص. # وأما الإحسان العرضي الذي ليس بخلقي ولا هو سيرة لصاحبه فإنه ينقطع ويلحق ~~فيه اللوم. والمحبة التي تعرض منه تلحق بالمحبات اللوامة. # ولذلك يوصي صاحبه بتربيته فيقال له تربية الصنعة أصعب من إبتدائها. ~~والمحبة التي تحدث بين المحسن والمحسن إليه يكون فيها زيادة ونقصان أعني أن ~~محبة المحسن للمحسن إليه أشد من محبة المحسن إليه للمحسن. واستدل ~~أرسطوطاليس على ذلك بأن المقرض وصانع المعروف يهتم كل واحد منهما بمن أقرضه ~~واصطنع المعروف عنده ويتعاهد أنهما ويحبان سلامتهما. أما المقرض فربما أحب ~~سلامة المقترض لمكان الأخذ لا لمكان المحبة أعني أنه يدعو له بالسلامة ~~والبقاء وسبوغ النعمة ms096 ليصل إلى حقهز وأما المقترض فليس يعني كبير عناية ~~بالمقرضولا يدعو له بهذه الدعوات وأما مصطنع المعروف فإنه بالحق الواجب يود ~~الذي اصطنع إليه معروفه وإن لم ينتظر منه منفعة. ذلك أن كل صانع فعل جيد ~~محمود يحب مصنوعه فإذا كان مصنوعه مستقيما جيدا وجب أن يكون محبوبا في ~~الغاية. فقد تبين أن محبة المحسن أشد من محبة المحسن إليه. # وأما المحسن إليه فشهوته للإحسان أشد وأزيد من شهوة المحسن. وايضا فإن ~~المحبة المكتسبة بالإحسان المرباة على طول الزمان تجري مجرى القنيات التي ~~يتعب بتحصيلها فإن ما يكتسب منها على سبيل التعب والنصب تكون المحبة له أشد ~~والضن به أكثر. ومن وصل إلى المال بغير تعب لم يكترث به ولم يشح عليه وبذله ~~في غير موضعه كما يفعل الوراث ومن يجري مجراهم. PageV01P056 وأما من وصل ~~إليه بتعب وسافر في طلبه وشقى بجمعه فإنه لا محالة يكون شديد الضن به ~~والمحبة له. ولهذه العلة صارت الأم أكثر محبة للولد من الأب ويعرض لها من ~~الحنين والوله أضعاف ما يعرض للأب. # وبهذا النوع من المحبة يحب الشاعر شعره ويعجب به أكثر من أعجاب غيره ولك ~~فاعل فعل يتعب به فهو يحب فعله. وأيضا فإن المنفعل لا يتعب كتعب الفاعل ~~والآخذ منفعل والمعطي فاعل فمن هذه الوجوه يتبين أن مصطنع المعروف يحب من ~~أحسن إليه حيا شديدا. ومن الناس من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه. ومنهم ~~من يصطنعه لأجل الذكر الجميل. ومنهم من يصطنعه رياء فقط. ومن البين أن ~~أعلاهم مرتبة من صنعه لذاته أعني لذات الخير. وصاحب هذه الرتبة لا يعرف ~~الذكر الجميل والثناء الباقي ومحبة من لم يصطنع المعروف عنده وإن لم يقصد ~~ذلك الفعل ولا بالنية. # ولما حكمنا فيما تقدم حكما مقبولا لا يرده أحد وهو أن كل إنسان يجب نفسه ~~وكانت هذه المحبة لا محالة تنقسم بالأقسام الثلاثة التي ذكرناها أعني اللذة ~~والمنافع والخير وجب من ذلك أن لا يوجد من لا يميز بين هذه الأقسام حتى ~~يعرف الأفضل ms097 ، فالأفضل منها فلا يدري كيف يحسن إلى نفسه التي هي محبوبته ~~فيقع في ضروب من الخطأ لجهله بالخير الحقيقي. # ولذلك صار بعض الناس يختار لنفسه سيرة اللذة وبعضهم سيرة الكرامة ~~والمنافع لأنهم لا يعرفون ما هو أفضل منها. وأما من عرف سيرة الخير وعلو ~~مرتبته فهو لا محالة يختار لنفسه أفضل السير وأكرم الخيرات فلا يؤثر اللذات ~~البهيمية ولا اللذات الخارجة عن نفسه فإنها عرضية كلها ومستحيلة ومنحلة ~~لكنه يختار لها أتم الخيرات وأعلاها واعظمها وهو الخير الذي لها بالذات ~~أعني الذي ليس بخارج عنها وهو الذي ينسب إلى جزئه الإلهي ومن سار بهذه ~~السيرة وأختارها لنفسه فقد أحسن إليها وأنزلها في الشرف الأعلى وأهلها ~~لقبول الفيض الإلهي واللذة الحقيقية التي لا تفارقه أبدا. وإذا كان بهذه ~~الحال فهو لا محالة يفعل سائر الخيرات الأخر وينفع غيره ببذل الأموال ~~والسماحة بجمع ما يتشاح الناس عليه ويخص أصدقاءه من ذلك بكل ما يضيق عنه ~~ذرع أصحاب السير الباقية فيصير معظما عند كل واحد ولا سيما عند صديقه. وقد ~~بينا فيما تقدم ان الإنسان مدني بالطبع وشرحنا ومن كان تمامه عند غيره فمن ~~المحال أن يصل مع الوحدة والتفرد إلى سعادته التامة. # ؟الأصدقاء: فالسعيد إذا من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم ~~ليكتسب بهم مالا يقدر أن يكتسبه لذاته فيلتذ بهم أيام حياته ويلتذون أيضا ~~به. # وقد شرحنا حال هذه اللذة وأنها باقية إلهية غير منحلة ولا متغيرة وهؤلاء ~~في جملة الناس قليلون جدا. وأما أصحاب اللذات البهيمية والنافع فيها ~~فكثيرون جدا وقد يكتفي من هؤلاء بالقليل كالأبازير في الطعام وكالملح خاصة. ~~وأما الصديق الأول الذي ذكرنا وصفه فلا يمكن أن يكون كثيرا لعزته ولأنه ~~محبوب بإفراط وإفراط المحبة لا يصح ولا يتم إلا لواحد. وأما حسن العشرة ~~وكرم اللقاء والسعي لكل أحد بسيرة الصديق الحقيقي فمبذول لأجل طلب الفضيلة ~~ولأنا قد قلنا فيما تقدم أن الرجل الخير الفاضل يسلك في عشرة معارفه مسلك ~~الصديق وإن لم تتم الصداقة الحقيقية فيهم. ms098 وارسطوطاليس يقول: (إن الإنسان ~~محتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوؤ الحال. فعند سوء الحال يحتاج إلى ~~معونة الأصقاء وعند حسن الحال يحتاج إلى المؤانسة وإلى من يحسن إليه). ~~PageV01P057 ولعمري ان الملك العظيم يحتاج إلى من يصطنعه ويضع إحسانه عنده ~~كما أن الفقير من الناس يحتاج إلى صديق يصطنعه ويضع عنده المعروف. قال (ومن ~~أجل فضيلة الصداقة يشارك الناس بعضهم بعضا ويتعاشرون عشرة جميلة ويجتمعون ~~في الرياضات والصيد والدعوات،وأما سقراطيس فإنه قال بهذه الألفاظ: (إني ~~لأكثر التعجب ممن يعلم أولاده أخبار الملوك ووقع بعضهم ببعض وذكر الحروب ~~والضغائن ومن انتقم أو وثبت على صاحبه ولا يخطر ببالهم امر المودة وأحاديث ~~الألفة وما يحصل من لخيرات العامة لجميع الناس بالمحبة والأنس. وأنه لا ~~يستطيع أحد من الناس أن يعيش بغير المودة وإن مالت إليه الدنيا بجميع ~~رغائبها. فإن ظن أحد أن أمر المودة صغير فالصغير من ظن ذلك. وإن قدر أنه ~~موجود ويسير الخطب يدرك بالهوينا فما أصعبه وما أعسر وجود صداقة يوثق بها ~~عند البلوى) ثم قال: (لكني أعتقد وأقول أن قدر المودة وخطرها عندي أعظم من ~~جميع ذهب كنوز قارون ومن ذخائر الملوك ومن جميع ما يتنافس فيه أهل الأرض من ~~الجواهر وماتحويه الدنيا برا وبحرا ما يتقلبون فيه من سائر الأمتعة ~~والأثاث. # ولا يعدل جميع ذلك ما اخترته لنفسي من فضيلة المودة. وذلك أن جميع ما ~~أحصيته لا ينفع صاحبه إذا حلت به لوعة مصيبة في صديقه. # وافهم من الصديق ههنا أنه آخر هو أنت سواء كان أخا من نسب أو غريبا أو ~~ولدا أو والدا ولا يقوم له جميع ما في الأرض مقام صديق يثق به في مهم ~~يساعده عليه سعادة عاجلة أو آجلة تتم له. # فطوبى لمن أوتي هذه النعمة العظيمة وهو خلو من السلطان. وأعظم طوبى لمن ~~أتيه في سلطان. ذلك أن من باشر أمور الرعية وأراد أن يعرف أحوالهم وينظر في ~~أمورهم حق النظر لن يكفيه أذنان ولا عينان ولا قلبد واحد فإن ms099 وجد إخوانا ~~ذوي ثقة وجد بهم عيونا وآذانا وقلوبا كأنها بأجمعها له فقربت عليه أطرافه ~~واطلع من أدنى أمره على أقصاه ورأى الغائب بصورة الشاهد. فأنى توجد هذه ~~الفضيلة إلا عند الصديق وكيف يطمع فيها عند غير الرفيق الشفيق؟) ؟كيف يختار ~~الصديق وإذ قد عرفنا هذه النعمة الجليلة فيجب علينا أن ننظر كيف نقتنيها ~~ومن أين نطلبها وإذا حصلت لنا كيف نحتفظ بها لئلا يصيبنا فيها ما أصاب ~~الرجل الذي ضرب به المثل حين طلب شاة سمينة فوجدها وارمة فاغتر بها وظن ~~الورم سمنا فأخذه الشاعر فقال: # أعيذها نظرات صادقة ... ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # لا سيما وقد علمنا أن الإنسان من بين الحيوان يتصنع حتى يظهر للناس منه ~~مالا حقيقة له فيبذل ماله وهو بخيل ليقال هو جواد ويقدم في بعض المواطن على ~~بعض المخاوف ليقال هو شجاع. # وكذلك يكون حال من لا يعرف الحشائش والنبات فإنها تشتبه في عينه حتى ربما ~~تناول منها شيئا وهو يظنه حلو فإذا طعمه وجده مرا وربما ظنه غذاء فيكون ~~سما. فينبغي لنا أننحذر ركوب لخطر في تحصيل هذه النعمة الجليلة حتى لا نقع ~~في مودة المموهين الخداعين الذين يتصورون لنا بصورة الفضلاء الأخيار. فإذا ~~حصلونا في شباكهم افترسونا كما تفترس السباع أكيلتها. والطرق إلى السلامة ~~من هذا الخطر بحسب ما أخذناه عن سقراطيس إذا أردنا أن نستفيد صديقا أن نسأل ~~عنه كيف كان في صباه مع والديه ومع إخواته وعشيرته فإن كان صالحا معهم فارج ~~الصلاح منه وإلا فابعد منه وإياك وإياه. قال: (ثم إعرف بعد ذلك سيرته مع ~~أصدقائه قبلك فأضفها إلى سيرته مع إخوته وآبائه. ثم تتبع أمره في شكر من ~~يجب عليه شكره أو كفره النعمة. ولست أعني بالشكر المكافأة التي ربما عجز ~~عنها بالفعل ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافىء بما يستطيع وبما يقدر ~~عليه ويغتنم الجميل الذي يسدى إليه ويراه حقا له أو يتكاسل عن شكره ~~باللسان. وليس أحد يتعذر عليه نشر النعمة التي ms100 تتولاه والثناء على صاحبها ~~والإعتداد له بها. وليس شيء أشد إحتياجا للنقم من الكفر وحسبك ما أعده الله ~~لكافر نعمته من النقم مع تعاليه عن الإستضرار بالكفر. ولا شيء أجلب للنعمة ~~ولا أشد تثبيتا لها من الشكر وحسبك ما وعد الله به الشاكرين مع إستغنائه عن ~~الشكر. فتعرف هذا الخلق ممن تريد مؤاخاته واحذر أن تبتلي بالكفر للنعم ولا ~~تكن بالمستحقر لأيادي الإخوان وإحسان السلطان. PageV01P058 ثم انظر إلى ~~ميله إلى الراحات وتباطئه عن الحركة التي فيها أدنى نصب. فإن هذا خلق ردىء ~~ويتبعه الميل إلى اللذات فيكون سببا للتقاعد عما يجب عليه من الحقوق. # ثم انظر نظرا شافيا في محبته للذهب والفضة وإستهانته بجمعهما وحرصه ~~عليهما فإن كثيرا من المتعاشرين يتظاهرون بالمحبة ويتهادون ويتناصحون فإذا ~~وقعت بينهم معاملة في هذين الحجرين هر بعضهم على بعض هرير الكلاب وخرجوا ~~إلى ضروب العداوة. ثم انظر في محبته للرئاسة والتفريط فإن من أحب الغلبة ~~والترؤس وأن يفرط لا ينصفك في المودة ولا يرضى منك بمثل ما يعطيك ويحمله ~~الخيلاء والتيه على الإستهانة بأصدقائه وطلب الترفع عليهم ولا تتم مع ذلك ~~مودة ولا غبطة ولا بد من أن تؤول الحال بينهم إلى العداوة والأحقاد ~~والأضغان الكثيرة. ثم انظر هل هو ممن يستهزىء بالغناء واللحون وضروب اللهو ~~واللعب وسماع المجون والمضاحيك فإن كان كذلك فما أشغله عن مساعدات إخوانه ~~ومواساتهم وما أشد هربه عن مكافأة بإحسان وإحتمال النصب ودخول تحت جميل. ~~فإن وجدته بريئا من هذه الخلال فلتحتفظ عليه ولترغب فيه ولتكتف بواحد إن ~~وجد فإن الكمال عزيز. # وأيضا فإن من كثرت أصدقاؤه لم يف بحقوقهم واضطر إلى الأغضاء عن بعض ما ~~يجب عليه والتقصير في بعضه وربما ترادفت عليه أحوال متضادة أعني أن تدعوه ~~مساعدة صديق إلى أن يسر بسروره ومساعدة آخر أن يغتم بغمه وأن يسعى بسعي ~~واحد ويقعد بقعود آخر مع أحوال تشبه هذه كثيرة مختلفة. ولا ينبغي أن يحملك ~~ما حضضتك عليه من طلب الفضائل ممن تصادقه على تتبع صغار عيوبه ms101 فتصير بذلك ~~إلى أن لا يسلم لك أحد فتبقى خلوا من الصديق. بل يجب أن تغض عن المعايب ~~اليسيرة التي لا يسلم من مثلها البشر وتنظر ما تجده في نفسك من عيب فتحتمل ~~مثله من غيرك. واحذر عداوة من صادقته أو خالته أو خالطته مخالطة الصديق ~~واسمع قول الشاعر: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # ؟؟آداب الصداقة لذلك يجب عليك متى حصل لك صديق أن تكثر مراعاته وتبالغ في ~~تفقده ولا تستهين باليسير من حقه عند مهم يعرض له أو حادث يحدث به. # فأما في أوقات الرخاء فينبغي أن تلقاه بالوجه الطلق والخلق الرحب وأن ~~تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك عند مشاهدته إياك ما يزداد به ~~في كل يوم وكل حال ثقة بمودتك وسكونا إليك ويرى السرور في جميع أعضائك التي ~~يظهر السرور فيها إذا لقيك. فإن التحفي الشديد عن طلعة الصديق لا يخفى ~~وسرور الشكل بالشك أمر غير مشكل. ثم ينبغي أن تفعل مثل ذلك بمن تعلم أنه ~~يؤثره ويحبه من صديق أو ولد أو تابع أو حاشية وتثنى عليهم من غير إسراف ~~يخرج بك إلى الملق الذي يمقتك عليه ويظهر لك منك تكلف فيه. وإنما يتم لك ~~ذلك إذا توخيت الصدق في كل ما تثنى به عليه. والزم هذه الطريقة حتى لا يقع ~~منك توان فيها بوجه من الوجوه وفي حال من الأحوال. فإن ذلك يجلب المحبة ~~الخالصة ويكسب الثقة التامة ويهديك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به. ~~PageV01P059 وكما أن الحمام إذا ألف بيوتنا وآنس لمجالسنا وطاف بها يجلب ~~لنا أشكاله وأمثاله فكذلك حال الإنسان إذا عرفنا واختلط بنا إختلاط الراغب ~~فينا الآنس بنا. بل يزيد على الحيوان الغير الناطق بحسن الوصف وجميل الثناء ~~ونشر المحاسن. وأعلم أن مشاركة الصديق في السراء إذا كنت فيها وإن كانت ~~واجبة عليك حتى لا تستأثرها ولا تختص بشيء منها فإن مشاركته في الضراء أوجب ~~وموقعها ms102 عنده أعظم. وانظر عند ذلك أن إصابته نكبة أو لحقته مصيبة أوعثر به ~~الدهر كيف تكون مواساتك له بنفسك وما لك وكيف يظهر له تفقدك ومراعاتك. ولا ~~تنتظرن به أن يسألك تصريحا أو تعريضا بل اطلع على قلبه وأسبق إلى ما في ~~نفسه وشاركه في مضض ما لحقه ليخف عنه. وإن بلغت مرتبة من السلطان والغنى ~~فاغمس إخوانك فيها من غير امتنان ولا تطاول. وإن رأيت من بعضهم نبوا عنك أو ~~نقصانا مما عهدته فداخله زيادة مداخلة واختلط به واجتذبه إليك. فإنك إن ~~أنفت من ذلك أو تداخلك شيء من الكبر والصلف عليهم انتقض حبل المودة وانتكثت ~~قوته. ومع ذلك فلست تأمن أن يزولوا عنك فتستحي منهم وتضطر إلى قطيعتهم حتى ~~لا تنظر إليهم. ثم حافظ على هذه الشروط بالمداومة عليها لتبقى المودة على ~~حال واحدة. وليس هذا الشرط خاصا بالمودة بل هو مطرد في كل ما يخصك أعني أن ~~مركوبك وملبوسك ومنزلك متى لم تراعها مراعاة متصلة فسدت وانتقضت. فإذا كانت ~~صورة حائطك وسطوحك كذلك ومتى غفلت أو توانيت لم تأمن تقوضه وتهدمه فكيف ترى ~~أن تجفو من ترجوه لكل خير وتنتظر مشاركته في السراء والضراء؟ ومع ذلك فإن ~~ضرر تلك يختص بك بمنفعة واحدة. وأما صديقك فوجوه الضرر التي تدخل عليك ~~بجفائه وانتقاض مودته كثيرة عظيمة. ذلك أنه ينقلب عدوا وتتحول منافعه مضارا ~~فلا تأمن غوائله وعدواته مع عدمك الرغائب والمنافع به وينقطع رجاؤك فيما لا ~~تجد له خلفا ولا تستفيد عنه عوضا ولا يسد مسده شيء. PageV01P060 وإذا راعيت ~~شرطوه وحافظت عليها بالمداومة أمنت جميع ذلك. ثم احذر المراء معه خاصة وإن ~~كان واجبا أن تحذره مع كل أحد فإن مماراة الصديق تقتلع المودة من أصلها ~~لأنها سبب الإختلاف والإختلاف سبب التباين الذي هربنا منه إلى ضده وقبحنا ~~أثره واخترنا عليه الألفة التي طلبناها وأثنينا عليها وقلنا أن الله عز وجل ~~دعا إليها بالشريعة القويمة. وإني لأعرف من يؤثر المراء ويزعم أنه يقدح ~~خاطره ويشحذ ذهنه ويثير شكوكه ms103 فهو يتعمد في المحافل التي تجمع رؤوساء أهل ~~النظر ومتعاطي العلوم مماراة صديقه ويخرج في كلامه معه إلى ألفاظ الجهال من ~~العامة وسقاطهم ليزيد في خجل صديقه وليظهر انقطاعه وتبلجه. وليس يفعل ذلك ~~عند خلوته به ومذاكرته له وإنما يفعله حين يظن به أنه أدق نظرا أو أحضر حجة ~~وأغزر علما واحد قريحة. فما كنت أشبهه إلا بأهل البغي وجبابرة أصحاب ~~الأموال والمشبهين بهم من أهل البدع فإن هؤلاء يستحقر بعضهم بعضا ولا يزال ~~يصغر بصاحبه ويزدري على مروءته ويتطلب عيوبه ويتتبع عثراته ويبالغ كل واحد ~~فيما يقدر عليه من إساءة صاحبه حتى يؤدي بهم الحال إلى العداوة التامة التي ~~يكون معها السعاية وإزالة النعم وتجاوز ذلك إلى سفك الدم وأنواع الشرور. ~~فكيف يثبت مع المراء محبة ويرجى به ألفة؟ ثم احذر في صديقك إن كنت متحققا ~~بعلم أو متحليا بأدب أن تبخل عليه بذلك الفن أو يرى فيك أنك تحب الإستبداد ~~دونه والإستئثار عليه فإن أهل العلم لا يرى بعضهم في بعض ما يراه أهل ~~الدنيا بينهم. ذلك أن متاع الدنيا قليل فإذا تزاحم عليه قوم ثلم بعضهم حال ~~بعض ونقص حظ كل واحد من حظ الآخر. وأما العلم فإنه بالضد وليس أحد ينقص منه ~~ما يأخذه غيره بل يزكو على النفقة ويربو مع الصداقة ويزيد على الإنفاق ~~وكثرة الخرج فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ذلك لأحوال فيه كلها قبيحة. وهي ~~أنه أما أن يكون قليل البضاعة منه فهو يخاف أن يفنى ما عنده أو يرد عليه ~~مالا يعرفه فيزول تشرفه عند الجهال. وأما أن يكون مكتسبا به فهو يخشى أن ~~يضيق مكسبه به وينقص حظه منه. وأما أن يكون حسودا والحسود بعيد من كل فضيلة ~~لا يوده أحد. وإني لأعرف من لا يرضى بأن يبخل بعلم نفسه حتى يبخل بعلم غيره ~~ويكثر عتبه وسخطه على من لا يفيد غيره من التلامذة المستحقين لفائدة العلم. ~~وكثيرا ما يتوصل إلى أخذ الكتب من أصحابها ثم منعهم منها. وهذا خلق ms104 لا تبقى ~~معه مودة بل يجلب إلى صاحبه عداوة لا يحسبها ويقطع أطماع أصدقائه من ~~صداقته. ثم احذر أن تنبسط بأصحابك ومن يخلو بك من اتباعك وتحمل أحدا منهم ~~على ذكر شيء في نفسه. ولا ترخص في عيب شيء يتصل به فضلا عن عيبه ولا يطمعن ~~أحد في ذلك من أولى السبائك والمتصلين بك لا جدا ولا هزلا وكيف تحتمل ذلك ~~فيه وأنت عينه وقلبه وخليفته على الناس كلهم بل أنت هوفإنه إن بلغه شيء مما ~~حذرتك منه لم يشك أن ذلك كان عن رأيك وهواك فينقلب عدوا وينفرك عنك نفور ~~الضد. # فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة. فإن ~~الطبيب الرقيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما يبلغه غيره بالشق والقطع والكي ~~بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء. ولست أحب ~~أن تغضى عما تعرفه في صديقك وأن تترك موافقته عليه بهذا الضرب من الموافقة. # فإن ذلك خيانة منك ومسامحة فيما يعود ضرره عليه وليس من حق الصديق أن ~~يعرف ويبذل بعيوب الأضداد حتى يعيبوه ويثلبوه. ثم احذر النميمة وسماعها. # وذلك أن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء فيوهمونهم النصيحة ~~وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار أصدقائهم محرفة مموهة حتى إذا ~~تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون لهم بما يفسد موداتهم ويشوه وجوه ~~أصدقائهم إلى أن يبغض بعضهم بعضا. PageV01P061 وللقدماء في هذه المعنى كتب ~~مؤلفة يحذرون فيها من النميمة ويشبهون صورة النمام بمن يحك بأظافيره أصول ~~البنيان القوية حتى يؤثر فيها ثم لا يزال يزيد ويمعن حتى يدخل فيها المعقول ~~فيقلعه من أصله ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور مع الأسد ~~في كتاب كليلة ودمنه. ونحن تكتفي بهذا القدر من الإيماء لئلا نخرج عن رسم ~~كتابنا وعما بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز في الشرح. ولست أترك مع الإيجاز ~~والإختصار تعظيم هذا الباب وتكريره عليك لتعلم أن القدماء إنما ألفوا فيه ~~الكتب وضربوا له الأمثال وأكثروا فيه من الوصايا لما ms105 رواءه من النفع العظيم ~~عند السامعين من الأخيار ولما خافوه من الضرر الكثير على من يستهين به من ~~الأغمار. وليعلم المثل المضروب في السباع القوية إذا دخل عليها الثعلب ~~الرواغ على ضعفه أهلكها ودمرها. # وفي الملوك الحصفاء يدخل بينهم أهل النميمة في صورة الناصحين حتى يفسدوا ~~نيتهم على وزرائهم المبالغين في نصيحتهم المجتهدين في تثبيت ملكهم إلى أن ~~يغضبوا عليهم ويصرفوا به عيونهم منهم وإلى أن يبطشوا بهم قتلا وتعذيبا وهم ~~غير مذنبين ولا مجترمين ولا مستحقين إلا الكرامة والإحسان فإذا بلغ بهم من ~~الإفساد والإضرار ما بلغوه من هؤلاء فباللأحرى أن يبلغوه منا إذا لم يجدوه ~~في أصدقائنا الذين اخترناهم على الأيام وادخرناهم للشدائد وأحللناهم محل ~~أرواحنا وزدناهم تفضلا وإكراما. # ويتبين لك من جميع ما قدمناه أن الصداقة وأصناف المحبات التي تتم بها ~~سعادة الإنسان من حيث هو مدني بالطبع إنما اختلفت ودخل فيها ضروب الفساد ~~وزال عنها معنى التأحد وعرض لها الإنتشار حتى احتجنا إلى حفظها والتعب ~~الكثير بنظامها من أجل النقائص الكثيرة التي فينا وحاجتنا إلى إتمامها مع ~~الحوادث التي تعرض لنا من الكون والفساد. فإن الفضائل الخلقية إنما وضعت ~~لأجل المعاملات والمعاشرات التي لا يتم الوجود الإنساني إلا بها. ذلك أن ~~العدل إنما احتيج إليه لتصحيح المعاملات وليزول به معنى الجور الذي هو ~~رذيلة عند المتعاملين. وإنما وضعت العفة فضيلة لأجل اللذات الرديئة التي ~~تحي الخيانات العظيمة على النفس والبدن. وكذلك الشجاعة وضعت فضيلة من أجل ~~الأمور الهائلة التي يجب أن يقدم الإنسان عليها في بعض الأوقات ولا يهرب ~~منها وعلى هذا جميع الأخلاق المرضية التي وصفناها وحضضنا على إقتنائها. ~~وأيضا فإن جميع هذه الفضائل تحتاج إلى أسباب خارجة من الأموال واكتسابها من ~~وجوهها ليمكنه أن يفعل بها فعل الأحرار والعادل يحتاج إلى مثل ذلك ليجازي ~~من عاشره بجميل ويكافىء من عامله بإحسان وجميعها لا تقوم إلا بالأبدان ~~والأنفس وما هو خارجعنها على حسب تقسيمنا السعادات فيما مضى. PageV01P062 ~~وكلما كانت الحاجات كثيرة احتيج إلى المواد الخارجة ms106 عنا أكثر فهذه حالة ~~السعادات الإنسانية التي لا تتم لنا إلا بالأفعال والأحوال المدنية ~~وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين وهي كما تراها كثيرة والتعب بها ~~عزيم ومن قصر فيها قصرت به السعادة الخاصة به. ولذلك صار الكسل ومحبة ~~الراحة من أعظم الرذائل لأنهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات ~~والفضائل ويسلخان الإنسان من الإنسانية. ولذلك ذممنا المتوسمين بالزهد إذا ~~تفردوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفازات واختاروا التوحش الذي هو ضد ~~التمدن لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية التي عددناها كلها. وكيف يعف ~~ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرد عنهم وعدم الفضائل الخلقية. وهل هو ~~إلا بمنزلة الجماد والميت وأما محبة الحكمة والإنصراف إلى التصور العقلي ~~وإستعمال الآراء الإلهية فإنها خاصة بالجزء الإلهي من الناس وليس يعرض لها ~~شيء من الآفات التي تعرض للمحبات الأخرى الخلقية وضروب الفساد ولذلك قلنا ~~أنها لا تقبل النميمة ولا نوعا من أنواع الشرور لأنها الخير المحض وسببها ~~الخير الأول الذي لا تشوبه مادة ولا تلحقه الشرور التي في المادة وما دام ~~الإنسان يستعمل الأخلاق والفضائل الإنسانية فإنها تعوقه عن هذا الخير الأول ~~وهذه السعادة الإلهية ولكن ليس يتم له إلا بتلك ومن أصل تلك الفضائل بنفسه ~~ثم اشتغل عنها بالفضيلة الإلهية فقد اشتغل بذاته حقا ونجا من مجاهدات ~~الطبيعة والآمها ومن مجاهدات النفس وقواها وصار مع الأرواح الطيبة واختلط ~~بالملائكة المقربين فإذا انتقل من وجوده الأول إلى وجوده الثاني حصل في ~~النعيم الأبدي والسرور السرمدي. # ؟رأى أرسطوطاليس في السعادة التامة وقد أطلق أرسطوطاليس جميع هذه الألفاظ ~~وقال أن السعادة التامة الخالصة هي لله عز وجل ثم للملائكة والمتأهلين. ثم ~~قال ولا ينبغي أن يضاف إلى الملائكة تلك الفضائل التي عددناها في سعاد ~~الإنسان فإنهم لا يتعاملون ولا يكون عند أحد منهم وديعة فيحتاج إلى ردها ~~ولا لأحد منهم تجارة فيحتاج إلى العدالة ولا يفزعه شيء فيحتاج إلى النجدة ~~ولا له نفقات فيحتاج إلى الذهب والفضة ولا له شهوات فيحتاج إلى ضبط النفس ~~وإلى فضيلة العفة ms107 ولا هو مركب من الإستقصات الأربعة التي تحل في أضدادها ~~فيحتاج إلى الغذاء. # فإذا هؤلاء الأبرار المطهرون من بين خلق الله عز وجل غير محتاجين إلى ~~الفضائل الإنسية والله تعالى وتقدس وجل أعلى من ملائكته فيجب أن ننزه عن ~~جميع ماذكرناه من فضائل الإنسان وإنما نذكره بالخير البسيط الذي يشبهه ~~وننسب إليه الأمور العقلية التي تليق به. فبالحق الواجب الذي لا مرية فيه ~~لا يحبه إلا السعيد الخير من الناس الذي يعرف السعادة والخير بالحقيقة ~~فلذلك يتقرب إليه بهما جهده ويطلب مرضاته بقدر قاته ويتقبل أوامر بنحو ~~استطاعته. ومن أحب الله تعالى هذه المحبة وتقرب إليه هذا التقرب وأطاعه هذه ~~الطاعة أحبه الله وقربه وأرضاه وأستحق خلته التي أطلقتها الشريعة على بعض ~~البشر حيث قيل إبراهيم خليل الله، وأما أرسطوطاليس فإنه أطلق بعد ذلك ~~بالعلة شيئا غير مطلق في لغتنا. وذلك أنه قال (من أحب الله وتعاهده كما ~~يتعاهد الأصدقاء بعضهم بعضا أحسن إليه) ولذلك يظن بالحكيم اللذات العجيبة ~~وضروب الفرح الغريبة ويرى من تحقق بالحكمة أنها ملذة غاية الإلتذاذ فلا ~~يلتفت إلى غيرها ولا يعرج على سواها. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالحكيم ~~السعيد التام الحكمة هو الله تعالى فليس يحبه إلا السعيد الحكيم بالحقيقة ~~لأن الشبيه إنما يسر بشبيهه فقط. ولذلك صارت هذه السعادة ارفع وأعلى من تلك ~~السعادة التي ذكرناها وهي غير منسوبة إلى الإنسان لأنها مهذبة من الحياة ~~الطبيعية مبرأة من التقوى النفسانية مباينة لجميعها غاية المباينة وإنما هي ~~موهبة إلهية يهبها الباريب جلت عظمته لمن إصطفاه من عباده ثم التمسها منه ~~وسعى لها سعيها ورغب فيها ولزمها مدة حياته واحتمل المشقة والتعب فإن من لم ~~يصبر على إدامة التعب إشتاق اللعب؟. # الراحة البدنية ليست من أسباب السعادة PageV01P063 ذلك أن اللعب يشبه ~~الراحة والراحة ليست من تمام السعادة ولا من أسبابها وإنما يميل إلى ~~الراحات البدنية من كان طبيعي الشكل بهيمي النجار كالعبيد والصبيان ~~والبهائم فليس ينسب الحيوان غير الناطق ولا الصبيان والعبيد إلى السعادة ms108 ~~ولا من كان مناسبا لهم. وأما العاقل الفاضل فإنه يطلب بهمته أعلى المراتب ~~وأرسطوطاليس يقول لا ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسية وإن كان إنسانا ولا ~~يرضى بهم الحيوان الميت وإن كان هو أيضا ميتا بل يقصد بجميع قواه أن يحيا ~~حياة إلهية فإن الإنسان وإن كان صغير الجثة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل. ~~والعقل يفوق جميع الخلائق لأنه الجوهر الرئيس المستولي على الكل بأمر مبدعه ~~تعالى جده) وقد قلنا فيما تقدم إن الإنسان ما دام في هذا العالم فهو محتاج ~~إلى حسن الحال الخارجة عنه ولكن ينبغي أن ينصرف إلى طلب ذلك بقوته كلها ولا ~~يطلب الإستكثار منه. فقد يصل إلى الفضيلة من ليس بكثير المال ولا ظاهر ~~اليسار فإن الفقير من المال والأملاك قد يفعل الأفعال الكريمة ولذلك قالت ~~الحكماء. إن السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم وفعلوا ~~الأفعال التي تقتضيها الفضيلة وإن كانت فيهم قليلة: هذا كلام الحكيم في هذه ~~المرتبة التي وعدناك الكلام فيها وهو يقول بعد ذلك ليس في معرفة الفضائل ~~كفاية بل الكفاية في العمل بها. ومن الناس من ينصاع إلى الفضائل وينقاد إلى ~~الموعظة ويرغب في الخيرات وهؤلاء قليلون وهم الذين يمتنعون من جميع الردآت ~~والشرور. وذلك للغريزة الجيدة والطبع الجيد الفائق. ومنهم من ينقاد إلى ~~الخيرات حتى يمتنع من الردآت والشرور بالوعيد والفزع والإنذارات من العذاب ~~فيهرب من الجحيم والهاوية وما أعد فيها من الآلام. ولذلك حكمنا أن بعض ~~الناس أخيار بالطبع وبعضهم أخيار بالشرع وبالتعلم. # فالشريعة تجري لهؤلاء جرى الماء للإنسان الذي به يسيغ غصه. ومن لا ينقاد ~~لها فهو كالشرق بالماء فلا يشرب الماء ولا يجده يسيغ غصته وهو الهالك الذي ~~لا حيلة فيهولا طمع في إصلاحه وبرئه. ولهذه العلة قلنا: إن من كان بالطبع ~~خيرا فاضلا فذلك لمحبة الله إياه وليس أمره إلينا ولا نحن كنا سببه بل الله ~~عز وجل. ومثل هذا هو الذي يقول فيه ارسطوطاليس أن عناية الله به أكبر. ~~فتحصل مما قدمناه ms109 أن أنصاف السعداء من الناس أربعة وهم موجودون بالتصفح ~~والحس. وذلك أنا نجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ تكوينه نرى فيه ~~النجابة طفلا ونتفرس فيه الفلاحة ناشئا بأن يكون حيا كريم الخيم يؤثر ~~مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلا وينفر من اضدادهم وليس يكون بذلك غلا بعناية ~~تلحقه من أول مولده كما قلناه. ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبداء ~~تكوينه بل يكون كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى ~~اختلاف الناس فيه ولا يزال كذلكحتى يبلغ مرتبة الحكماء أعني أن يصير علمه ~~صحيحا وعمله صوابا. وليس يبلغ هذه الدرجة إلا بالتفلسف وإطراح العصببات ~~وسائر ما حذرنا منه، ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه. إما ~~بالتأديب الشرعي. وإما بالتعليم الحكمي. ومعلوم أن المطلوب هو القسم الثاني ~~إذا كانت الأقسام الباقية هي من خارج ولا يمكن أن تطلب أعني أن من يتفق له ~~في أصل مولده السعادة ومن يكره عليها ليس من أقسام الطالب المجتهد وتبين ~~أيضا مقام الطالب المجتهد ومنزلته من السعادة التامة الحقيقية وأنه وحده من ~~بين سائر الطبقات هو السعيد الكامل المقرب إلى الله عزوجل المحب المطيع ~~المستحق خلته ومحبته كما تقدم وصفه. # ؟المقالة السادسة دواء النفوس نبتدىء بعون الله وتوفيقه وتأييده في هذه ~~المقالة بذكر شفار الأمراض التي تلحق نفس الإنسان وعلاجها ونذكر الأسباب ~~والعلل التي تولدها وتحدث منها فإن حذاق الأطباء لا يقدمون على علاج مرض ~~جسماني إلا بعد أن يعرفوه ويعرفوا السبب والعلة فيه ثم يرومون مقابلته ~~بأضداده من العلاجات ويبتدؤن من الحمية والأدوية اللطيفة إلى أن ينتهوا في ~~بعضها إلى إستعمال الأغذية الكريهة والأدوية البشعة وفي بعضها إلى القطع ~~بالحديد والكي بالنار. PageV01P064 ولما كانت النفس قوة إلهية غير جسمانية ~~وكانت مع ذلك مستعملة لمزاج خاص ومربوطة به رباطا طبيعيا إلهيا لا يفارق ~~أحدهما صاحبه إلا بمشيئة الخالق عز وجل وجب أن نعلم أن أحدهما متعلق بصاحبه ~~متغير بتغيره فيصبح بصحته ويمرض بمرضه ونحن نرى ذلك ms110 مشاهدة وعيانا بما يظهر ~~لنا من أفعالها. # وذلك أنا كمانرى المريض من جهة بدنه لا سيما إن كان سبب مرضه أحد الجزئين ~~الشريفين أعني الدماغ والقلب يتغير عقله ويمرض حتى ينكر ذهنه وفكره وتخيله ~~وسائر قوى نفسه الشريفة ويحس هو من نفسه بذلك. كذلك أيضا، نرى المريض من ~~جهة نفسه إما بالغضب وإما بالحزن وإما بالعشق وإما بالشهوات الهائجة به ~~تتغير صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ويلحقه ضروب ~~التغير المشاهدة بالحس. فيجب لذلك أن نتفقد مبدأ الأمراض إذا كان من نفوسنا ~~فإن كان مبدؤها من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة وإجالة الرأى فيها ~~وكاستشعار الخوف والخوف من الأمور العارضة والمترقبة والشهوات الهائجة ~~قصدنا علاجها بما يخصها. وإن كان مبدؤها من المزاج ومن الحواس كالخور الذي ~~مبدأه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهي وكالعشق الذي مبدأه النظر مع ~~الفراغ والبطالة قصدنا أيضا علاجه بما يخص هذه. # وأيضا لما كان طب الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين أحدهما حفظ ~~صحتها إذا كانت حاضرة والآخر ردها إليها. إذا كانت غائبة وجب أن نقسم طب ~~النفسو هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ونتقدم في حفظ صحتها إذا ~~كانت حاضرة فنقول إذا كانت خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على إصابتها ~~وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة فيجب على صاحبها أن يعاشر من ~~يجانسه ويطلب من يشاكله. ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم. ويحذر كل الحذر ~~من معاشرة أهل الشر والمجون والمجاهرين بإصابة اللذات القبيحة وركوب ~~الفواحش المتفتخرين بها المنهمكين فيها ولا يصغى إلى أخبارهم مسطيبا ولا ~~يروى أشعاهم مستحسنا ولا يحضر مجالسهم مبتهجا. وذلك أن حضور مجلس واحد من ~~مجالسهم وسماع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس ما لا يغسل ~~عنها إلا بالزمان الطويل والعلاج الصعب وربما كان سببا لفساد الفاضل المحنك ~~وغواية العالم المستبصر حتى يصير فتنة لهما فضلا عن الحدث الناشىء ~~المسترشد. # والعلة في ذلك أن محبة اللذات البدنية والراحات الجسمية طبيعة للإنسان ~~لأجل ms111 النقائص التي فيه فنحن بالجبلة الأولى والفطرة السابقة إلينا نميل ~~إليها ونحرص عليها وإنما نزم أنفسنا عنها بزمام العقل حتى نقف عند ما يرسم ~~لنا ونقتصر على المقدار الضروري منها. وإنما استتنيت في أول هذا الكلام ~~وشرطت بما شرطت لأن معاشرة الأصدقاء الذين ذكرت أحوالهم في المقالة ~~المتقدمة وحكمت بتمام السعادة معهم ولهم. لا تتم إلا بالمؤانسة والمداخلة. # ؟اللذة التي تطيقها الشريعة # ولا بد في ذلك من المزاح المستعذب والأحاديث المستطابة والفكاهة المحبوبة ~~وإصابة اللذة التي تطيقها الشريعة ويقدرها العقل حتى لا يتجلوزها إلى ~~الإسراف فيها ولا يقصرعنها تهاونا بها. PageV01P065 ذلك أن الخروج إلى أحد ~~الطرفين إن كان إلى جانب الزيادة سمى مجونا وفسقا وخلاعة وما أشبهها من ~~أسماء الذم. وإن كان إلى جانب النقصان سمى فدامة وعبوسا وشكاسة وما أشبهها ~~من أسماء الذم أيضا. والمتوسط بينهما هوالظريف الذي يوسف بالهشاشة والطلاقة ~~وحسن العشرة ويعرض من الصعوبة في وجود هذا الوسط ما يعرض في سائر الفضائل ~~الخلقية. ومما يؤخذ به من يحفظ صحة نفسه أن يلتزم وظيفة من الجزء النظري ~~والعملي لا يسوغ له الإخلال بها البتة لتجري النفس مجرى الرياضة التي تلزم ~~في حفظ صحة البدن وأطباء النفوس أشد تعظيما لها في حفظ صحة النفس. وذلك أن ~~النفس متى تعطلت من النظر وعدمت الفكر والغوص على المعاني تبلدت وتبلهت ~~وانقطت عنها مادة كل خير. وإذا ألفت الكسل وتبرمت بالروية واختارت العطلة ~~قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه إنسلاخا من صورتها الخاصة بها ورجعوعا منها ~~إلى رتبة البهائم. وهذا هو الإنتكاس في الخلق نعوذ بالله منه. وإذا تعود ~~الحديث الناشء من مبدء تكوينه الإرتياض بالأمور الفكرية ولازم التعاليم ~~الأربعة ألف الصدق واحتمل ثقل الروية والنظر وأنس بالحق ونبا طبعه عن ~~الباطل وسمعه عن الكذب فإذا بلغ أشده وانتقل إلى مطالعة الحكمة استمر طبعه ~~فيها وتشرب ما يستودع منها ولا يرد عليه أمر غريب ولا يحتاج إلى كثير تعب ~~في فهم غوامضها وإستخراج دفائنها فيصل إلى سعادتها التي ذكرناها سريعا. وإن ms112 ~~كان حافظ هذه الصحة قد توحد في العلم لا نهاية له وفوق كل ذي علم عليم. ولا ~~يتكاسلن عن معاودة ما علمه والدرس له فإن النسيان آفة العلم وليتذكر قول ~~الحسن البصري رحمة الله عليه (اقدعوا هذه النفوس فإنها طائعة وحادثوها ~~فإنها سريعة الدثور) واعلم أن هذه الكلمات مع قلة حروفها كثيرة المعاني وهي ~~مع ذلك فصيحة واستوفت شروط البلاغة. وليعلم أيضا حافظ هذه الصحة على نفسه ~~أنه إنما يحفظ عليها نعما شريفة جليلة موهوبة لها وكنوزا عظيمة مدخرة فيها ~~وملابس فاخرة مفرغة عليها. وإن من كانت هذه المواهب الجليلة موجودة له في ~~ذاته لا يحتاج إلى تطليها من خارج ولا إلى بذل الأموال فيها لغيره ولا يكلف ~~العناء والمؤمن الثقال في تحصيلها ثم أعرض عنها وأهمل أمرها حتى انسلخ عنها ~~وعرى منها لملوم في فعله مغبون في رأيه غير رشيد ولا موفق. # لا سيما وهو يرى طالبي النعم الخارجة كيف يتجشمون الأسفار البعيدة الخطرة ~~ويقطعون السبل المخوفة الوعرة ويتعرضون لضروب المكاره وأنواع التلف من ~~السباع العادية وطبقات الشرار الباغية وهم يخيبون في أكثر الأحوال مع ~~مقاسات هذه الأهوال. وربما عرضت لهم الندامات المفرطة والحسرات المعطبة ~~التي تقطع أنفساهم وتفصل أعضاءهم فإن ظفروا بشيء من مطالبهم كان لا محالة ~~زائلا عن قرب أو معرضا للزوال وغير مطموع في بقائه لأنه منخارج وما كان ~~خارجا عنها فهو غير ممتنع عما يطرقه من الحوادث التي لا تحصى كثرة. وصاحبه ~~مع هذه الحال شديد الوجل دائم الإشفاق متعب الجسم والنفس يحفظ ما لا يجد ~~إلى حفظه سبيلا والحذر على مالا يغني فيه الحذر فتيلا. # وإن كان طالب هذه الأشياء الخارجة عنا سلطانا أو صاحب سلطان تضاعفت عليه ~~هذه المكاره أضعافا كثيرة بقدر ما يلابسه وبحسب ما يقاسيه من الأضداد ~~والحساد على البعد ومن القرب وبكثرة ما يحتاج إليه من المؤن في إستصلاح من ~~يليه ويلي من يليه من مدارة من يواليه ويعاديه. وهو في كل ذلك ملوم مستبطأ ~~ومعتب مستقصر ويستزيده جميع أهله ms113 والمتصلين به ولا سبيل له إلى إرضاء واحد ~~منهم فضلا عن جميعهم. ولا يزال يبلغه عن أخص الناس به من أولاده وحرمه ومن ~~يجري مجراهم من حاشيته وخوله ما يملأه غيظا وحنقا وهو غير آمن على نفسه من ~~جهتهم مع التحاسد الذي بينهم من مكاتبة الأعداء إياهم ومواطأة الحساد لهم. ~~وكلما ازداد من الأعوان والأعضاد والأنصار زادوه في شغل القلب وجلبوا إليه ~~من المكاره ما لم يكن عنده فهو غنى عند الناس وهو أشدهم فقرا ومحسود وهو ~~أكثرهم حسدا. وكيف لا يكون فقيرا وحدا الفقر هو هو كثرة الحاجة فأكثر الناس ~~حاجة أشدهم فقرا كما أن أغنى الناس أقلهم حاجة. ولذلك حكمنا حكما صادقا بأن ~~الله تعالى أغنى الأغنياء لأنه لا حاجة له إلى شيء من الأشياء. # الملوك PageV01P066 وقد حكمنا أيضا أن الملوك مناهم أشد الناس فقرا لكثرة ~~حاجتهم إلى الشياء ولقد صدق أبو بكر الصديق في خطبته حيث قال (اشقىالناس في ~~الدنيا والآخرة الملوك) ثم وصفهم فقال (إنالملك إذا ملك زهده الله فيما في ~~يده ورغبه فيما في يد غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد ~~على القليل ويتخسط بالكثير ويسأم الرخاء وإن انقطعت عنه اللذة لا يستعمل ~~الغيرة ولا يسكن إلى الثقة فهو كالدرهم الغش والسراب الخادع جلد الظاهر ~~حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره ومحي ظله حاسبه فأشد حسابه وأقل عفوه ~~ألا أن الملوك هم المرحومون) فهذه صفة الملك إذا تمكن من ملكه لا يغادر منه ~~شيئا ولقد سمعت أعظم من شاهدت من الملوك يستعيد هذا الكلام ثم يستعبر ~~لموافقته ما في قلبه وصدقه عن حاله وصورته. ولعل من يرى ظاهر الملوك من ~~الأسرة والفرش والزينة والأثاث ويشاهدهم في مواكبهم محفوفين محشودين بين ~~أيديهم الجنائب والمراكب والعبيد والخدم والحجاب والحشم يروعه ذلك فيظن ~~أنهم مسرورون بما يراه لهم. لا والذي خلقهم وكفانا شغلهم أنهم لفي هذه ~~الأحوال ذاهلون عما يراه البعيد لهم مشغولون بالأفكار التي تعتورهم ~~وتعتريهم فيما قلناه من ضروراتهم وقد جربنا ذلك ms114 في اليسير مما ملكناه فدلنا ~~على الكثير مما وصفناه. ولعل بعض من يصل إلى الملك أو السلطان فيلتذ في ~~المبدء مدة يسيرة جدا بمقدار ما يتمكن منه وتنفتح عينه فيه. لكنه بعد ذلك ~~يصير جميع ما ملكه كالشيء الطبيعي له لا يلتذ به ولا يفكر فيه ويمد عينه ~~إلى مالا يملكه. فلو ملك الدنيا بحذافيرها لتمنى دنيا أخرى أو نزقت همته ~~إلى البقاء الأبدي والملك الحقيقي حتى تتبرم بجميع ما وصل إليه وبلغته ~~قدرته. ذلك أن حفظ الدنيا صعب جدا لما في طبيعتها من الإخلال والتلاشي ولما ~~يضطر الملك إليه من الأمور التي وصفناها والأموال الجمة المصروفة إلى الجند ~~المرتبطين والخدم المتسومين والذخائر والكنوز المعدة للآفات والحوادث التي ~~لا يؤمن طروقها. # فهذه حال طلاب النعم الخارجة عنا وأما تلك النعم التي في ذواتنا فإنها ~~موجودة عندنا وفينا وهي غير مفارقة لنا لأنها موهبة الخالق جل وعلا وقد ~~أمرنا باستثمارها والترقي فيها فإذا قبلنا أمره أثمرت لنا نعما بعد نعم ~~ورقينا درجة بعد درجة حتى تؤدينا إلى النعم الأبدية التي وصفناها فيما تقدم ~~وهو الملك الحقيقي الذي لا يزول والغبطة الأبدية الصافية التي لا تحول. فمن ~~أخسر صفقة وأظهر سقطة ممن أضاع جواهر نفيسة باقية عنده وموجودة له وطلب ~~أعراضا خسيسة فانية ليست عنده ولا موجودة له. فإن اتفق أن يجدها لم تبق له ~~ولم تترك عليه وذلك أنها تنقل عنه أو ينقل عنها لا محالة. # القناعة # لذلك قال الحيكم لمن زرق الكفاية ووجد القصد من السعادة الخارجة أن لا ~~يشتغل بفضول العيش فإنها بلا نهاية. ومن طلبها أوقعته في مهالك لا نهاية ~~لها. وقد أعلمناك فيما تقدم ما الكفاية وما القصد وإن الغرض الصحيح بينهما ~~هو مداواة الآلآم والتحرز من الوقوع فيها لا التمتع وطلب اللذة. # وإن من عالج الجوع والعطش اللذين هما مرضان مؤلمان حادان لا ينبغي له أن ~~يقصد لذة البدن بل صحته وسيلتذ لا محالة. فإن من طلب بالعلاج اللذة لا ~~الصحة لم تحصل له الصحة ولم ms115 تبق له اللذة. # وأما من لم يرزق الكفاية واحتاج إلى السعي والإضطراب في تحصيلها فيجب أن ~~لا يتجاوز القصد وقدر حاجته منها إلى ما يصطر معه إلى السعي الحثيث والحرص ~~الشديد والتعرض لقبيح المكاسب أو ضروب المهالك والمعاطب. بل يجمل في طلبها ~~إجمال العارف بخساستها وأنه يضطر إليها لنقصانه فيطلب منها كسائر الحيوانات ~~في ضروراتها. # فإن العاقل إذا تصفح أحوالها وجد منها ما يأكل الميتة ومنها ما يأكل ~~الروث وما في الحش وهي مسرورة بما تجده من أقواتها قريرة العين بها. وليست ~~تحس من نفوسها نفورا ولا تنصرف نفوسها عنها كما تنصرف نفوس الحيوانات ~~المضادة لها بل إنما تنصرف من أقوات تلك الأخر التي تضادها في النظافة. ~~مثال ذلك الجعل والخنافس إذا قيست إلى النحل فإذا تلك تهرب من الروائح ~~الطيبة والأقوات النظيفة وهذا يطلبها ويسر بها. فإن نسبة كل حيوان إلى قوته ~~الخاص به ككل مقتنع بما يحفظ بقاءه وحياته فهو طالب مسرور به. PageV01P067 ~~فينبغي أن ننظر إلى أقواتنا بهذه العين وننزلها منزلة الحش الذي نضطر إلى ~~ملابسته لإخراج ما كنا نحرص على الوصول إليه فلا نبعدها من هذا الآخر ~~لأنهما ضرورتان لنا فنحن نلابسهما لأجل الضرورة ولا نشغل عقلنا باختيارهما ~~والتمتع بهما وإفناء أعمارنا في التأنق لهما والتوصل إليهما ولا نتكاسل ~~أيضا عن إعداد ضروراتنا منهما. وإنما يفضل أحدهما علىالآخر ويستحسن السعي ~~في طلب الدخل ولا يستحسن السعي في طلب الخرج لأن الأول منهما هو غذاء موافق ~~لنا يخلف علينا ماتحلل من أبداننا ولا نستقذره كذلك لا ننفر مما نضعه مكان ~~ما ينقص منه وينوب عنه. وأما الثاني منهما فهو عصارة ذلك الغذاء وما نفقته ~~الطبيعة وأخذت حاجتها منه أعني الذي أحالته دما صافيا وفرقته في العروق على ~~الأعضاء وأطرحت التفل الذي لا حاجة بها إليه وهو في غاية المخالفة والبعد ~~من أمزجتنا فنحن نستوحش منه وننفر عنه لأجل الضدية والمخالفة إلا أننا ~~مضطرون إلى إخراجه وتنحيته ونفضه عنا بالآلات الموهوبة المستعملة في ذلك ~~ليفرغ مكانه لما يأتي ms116 بعده ويجري مجراه. وينبغي لحافظ الصحة علىنفسه أن لا ~~يحرك قوته الشهوانية وقوته الغضبية بتذكر ما أصاب منهما موجدا لذته بل ~~يتركهما حتى يتحركا بأنفسهما وذلك أن الإنسان ربما تذكر لذاته في غصابة ~~الشهوات وطيبها ومراتب كرامته من السلطان وغيرها فاشتاق إليها وإذا اشتلق ~~إليها تحرك نحوها فقد جعلها غرضا له فيضطر إلى استعمال الروية واستخدام ~~النفس الناطقة فيها لتدبر له الوصول إليها. وهذه صورة من يثير بهائم عادية ~~ويهيج سباعا ضاربة ثم يلتمس معالجتها والخلاص منها. # وليس يختار العاقل فنسه هذه الحال بل هي من أفعال المجانين الذين لا ~~يميزون بين الخير والشر ولا بين الصواب والخطأ. ولذلك يحب أن لا يتذكر ~~أعمال هاتين القوتين لئلا يشتاق إليهما ويتحرك نحوهما بل يتركهما فإنهما ~~سيثوران لأنفسهما ويهيجان عند حاجتهما ويلتمسان ما يحتاج البدن إليه ~~ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغنيك عن بعثهما بالفكر والروية والتمييز فيكون ~~حينئذ فكرك وتمييزك في إزاحة علتهما وتقدير ما تطلقه لهما في الأمر الضروري ~~الواجب لأبداننا الحافظ لصحتها. # وهذا هو إمضاء مشيئة الله تعالى وإتمام سياسته لأنه تعالى إنماوهب هاتين ~~القوتين لنا لنستخدمهما عند حاجتنا إليهما لا لنخدمهما ونتعبد لهما. # فكل من استعمل النفس الناطقة في خدمة عبدها فقد تجاوز أمر الله وتعدة ~~حدوده وعكس سياسته وتقديره. وذلك أن خالقنا عز وجل رتب لنا هذه القوى ~~بتدبيره وتقديره ولا عدل اشرف وأفضل من ترتيبه وتقديره وكل من خالفه وعدل ~~عنه فهو أعظم على ذاته وأكبر ظالم لنفسه. # حافظ الصحة على نفسه PageV01P068 ينبغي لحافظ الصحة علىنفسه أن يلطف نظره ~~في كل ما يعمل ويدربر ويستعمل فيه آلات بدنه ونفسه لئلا يجري فيها على عادة ~~تقدمت له مخالفة لما يوجب تمييزه ورويته فما أكثر ما يعرض للإنسان من بدو ~~أفعال تخالف ما قدم فيه عزيمته وعقد عليه رأيه. فمن عرض له مثل هذا فيجب ~~عليه أن يضع لنفسه عقوبات يقابل بها أمثال هذه الذنوب فإذا أنكر من نفسه ~~مبادرة إلى طعام ضار وترك حمية قد كان استشعرها ms117 أو تناول فاكهة غير موافقة ~~أو حلواء كذلك عاقب نفسه بصوم لا يفطر فيه إلا على ألطف مما يقدر عليه ~~وأقله وإن أمكنه الطى فليطو ويزيد في الحمية من غير حاجة إليها ويمكن في ~~توبيخه لنفسه أن يقول لها إنك قصدت تناول النافع فتناولت الضار وهذا فعل من ~~لا عقل له ولعل كثيرا من البهائم أحسن حالا منك لأنه ليس فيها ما تقصد لذة ~~لها ثم تتناول ما يؤلمها فاستمسكي الآن للعقوبة. وإن أنكر من نفسه مبادرة ~~إلى غضب في غير موضعه أو على من لا يستحقه أو زيادة على ما يجب منه فليقابل ~~ذلك بالتعرض لسفيه يعرفه بالبذاء ثم ليحتمله وليتذلل لمن يعرفه بالخيرية ~~ممن كان لا يتواضع له قبل ذلك أو ليفرض على نفسه مالا يخرجه صدقة وليجعل ~~ذلك نذرا عليه لا يخل به. وإن أنكر من نفسه كسلا وتوانيا في مصلحة له ~~فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقة أو صلاة فيها طول أو بعض الأعمال الصالحة التي ~~فيها كد وتعب وبالجملة فليرسم علىنفسه رسوما تصير عليها فرائض وحدودا لا ~~يخل بها ولا يترخص فيها إذا أنكر من نفسه مخالفة لعقله وتجاوزا لمرسومه. ~~وليحذر في جميع أوقاته ملابسة رذيلة أو مساعدة رفيق عليها أو مخالفة صواب ~~ولا يستحقرن شيئا مما يأتيه من صغار السيئات ولا يطلبن رخصة فيها فإن ذلك ~~يدعوه إلى أعظم منها. # ومن تعود في أول نشوه وحدثان شبابه ضبط النفس عن شهواتها عند ثورة غضبه ~~وحفظ لسانه وإحتمال أقرانه خف عليهما يثقل على غيره ممن لم يتأدب بهذه ~~الآداب. وبيان ذلك أنا نجد العبيد وأشباههم إذا بلوا بموالي سوء يسفهون ~~عليهم ويسبون أعراضهم هان عليهم الخطب فيما يسمعونه حتى لا يؤثر فيهم وربما ~~تضاحكوا عند سماع مكروه شديد ضحكا غير متكلف ويعملون عند ذلك أعمالهم ودعين ~~طلقين غير قلقين وقد كانوا قبل ذلك شرسين غضوبين غير محتملين ولا ممسكين عن ~~الأجوبة والإنتقام بالكلام وطلب التشقي بالخصام. وهذه سبيلنا إذا ألفنا ~~الفضائل وتجنبنا الرذائل وأمسكنا عن مقابلة ms118 السفهاء ومجاراتهم والإنتقام ~~منهم. ويجب على حافظ الصحة على نفسه أن يتشبه بالملوك الموصوفين بالحزم ~~فإنهم يستعدون للأعداء بالعدة والعتاد والتحصن قبل هجوم العدو وهم في مهلة ~~من زمانهم وفي إتساع من نظرهم ولو أغفلوا ذلك إلى أن تحل بهم المكاره ~~وتطرقهم الشدائد لأذهلهم الأمر عن الحيلةوعن الرأي السديد. فعلى هذا الأصل ~~يجب أن تبنى أمورنا في الإستعداد لأعدائنا من الشره والغضب وسائر ما يزيلنا ~~عن أغراضنا من الفضائل بأن نتعود الصبر على ما يجب الصبر عليه والحلم عمن ~~ينبغي أن يحلم عنه ونضبط النفس عن الشهوات الرديئة ولا ننظر دفع هذه ~~الرذائل وقت هيجانها فإن الأمر عند ذلك صعب جدا ولعله غير ممكن ألبتة. # معرفة المرء عيوب نفسه # ويجب علىحافظ الصحة علىنفسه ان يطلب عيوب نفسه باستقصاء شديد ولا يقنع ~~بما قاله جالينوس في ذلك فإنه ذكر في كتابه المعروف بتعرف المرء عيوب نفسه ~~" أنه لما كل إنسان يجب نفسه خفيت عليه معايبهولم يرها وإن كانت ظاهرة " ~~وأشار في كتابه هذا بان يختار من يحب أن يبرأ من العيوب صديقا كاملا فاضلا ~~فيخبره بعد طول المؤانسة إنه إنما يعرف صدق مودته إذا أصدقه عن عيوبه حتى ~~يتجنبها ويأخذ عهده على ذلك ولا يرضى منه إذا قال له لا أعرف لك عيبا بل ~~ينكر عليه ويعلمه أنه قد أتهمه بالخيانة ويعاود مسئلته والإلحاح عليه. # فإذا لم يخبره من عيوبه زاد في العتب الصريح وافلحاح قليلا فإذا أخبره ~~ببعض ما يعثر عليه منه فلا يظهر له في وجهه أو كلامه نكرة ولا انقباضا بل ~~يبسط له وجهه ويظهر السرور بما أخرجه إليه ونبهه عليه ويشكره على الأيام ~~وفي أوقات المؤانسة ليتطرق له إلى إهداء مثله إليه ثم يعالج ذلك العيب بما ~~يزيل أثره ويمحو ظله ليعلم ذلك المهدي إليك عيبك أنك من وراء نفسك وفي طريق ~~علاج مرضك فلا ينقض عن معادوتك ونصيحتك. PageV01P069 وهذا الذي أشار به ~~جالينوس معوز غير موجود ولا مطموع فيه. وفلعل العدو في هذا الموضع أنفع من ms119 ~~الصديق فإن العدو لا يحتشمنا في إظهار عيوبنا بل يتجاوز ما يعرف منا إلى ~~التحرض والكذب فيها. # فلنتنبه على كثير من عيوبنا من جهتها بل نتجاوز إلى ذلك أن نتهم نفوسنا ~~بما ليس فيها. ولجالينوس أيضا مقالة يقول فيها أن خيار الناس ينتفعون ~~بأعدائهم وهذا صحيح لا يخالفه فيه أحد وذلك لما ذكرناهز فأما ما اختاره أبو ~~يوسف بن إسحاق الكندي في ذلك فهو ماحكاه بألفاظه وهو هذا قال: (ينبغي لطالب ~~الفضيلة لنفسه أن يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له تريه صور كل واحد ~~منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات حتىلا يغيب عنه شيء من ~~السيئات التي له. وذلك أنه يكون متفقدا سيئات الناس فمتى رأى سيئة بادية من ~~أحد ذم فنسه عليها كأنه هو فعلها وأكثر عتبه على نفسه من أجلها ويعرض عليها ~~كل يوم وليلة جميع أفعاله حتى لا يشذ عنه شيء منها فإنه قبيح بنا أن نجتهد ~~في حفظ ما نقضناه من الحجارة الدنيئة والأرمد الهامدة الغريبة منا التي لا ~~ينقصنا عدمها ألبتة في كل يوم ولا نحفظ ما ينفق من ذواتنا التي بتوفيرها ~~بقاؤنا وبنقصانها فناؤنا. فإذا وقفنا على سيئة من أفعالنا اشتد عذلنا ~~لأنفسنا عليها ثم لنقيم عليها حدا نفرضه ولا نضيعه. وإذا تصفحنا أفعال ~~غيرنا ووجدنا فيها سيئة عاتبنا أيضا نفوسنا عليها فإن نفوسنا ترتدع حينئذ ~~عن المساوي وتألف الحسنات وتكون المساوي أبدا ببالنا لا ننساها ولا يأتي ~~عليها زمان طويل فيعفى ذكرها. # ولذلك ينبغي أن نعمل في الحسنات لنفرغ إليها ولا يفوتنا منها شيء. قال: ~~وينبغي أن لا نقطع بأن نصير أشباه الدفاتر والكتب التي تفيد غيرها معاني ~~الحكمة وهي عادمة اقتنائها أو كالمسن يشحذ ولا يقطع بل نكون كالشمس التي ~~تفيد القمر كلنا أشرقت عليه إنارة من ذلتها فتفعل له تماما حتى يكون له ~~شبهها وإن قصر عن نورها. فهكذا ينبغي أن يكون حالنا إذا أفدنا غيرنا ~~الفضائل) وهذا الذي ذكره الكندي في ذلك أبلغ مما قاله ms120 من تقدمه. # المقالة السابعة # رد الصحة على النفس # رد الصحة على النفس إذا لم تكن حاضرة وهو القول في علاج أمراضها ونبتدىء ~~بمعونة الله تعالى بذكر أجناس هذه الأمراض الغالبة ثم بمداواة الأعظم ~~فالأعظم منها نكاية والأكثر فالأكثر جناية فنقول: أما أجناسها الغالبة فهي ~~مقابلات الفضائل الأربع التي أحصيناها في مبدأ الكتاب. # ولما كانت الفضائل أوساطا محمودة وأعيانا موجودة أمكن أن تطلب وتقصدن ~~وتنتهي إليها الحركة والسعي والإجتهاد. # وأما سائر النقد التي ليست بأوساط فإنها غير محودة ولا أعيانها موجودة ~~ووجودها بالعرض لا بالذات. ومثال ذلك أن الدائرة لها مركز واحد ولها نقطة ~~واحدة ولها وجود في ذاتها يقصد ويشار إليها فإن لم نجدها حسا أو لم يمكننا ~~الإشارة إليها أمكننا أن نستخرجها ونقيم البرهان على أنها هي المركز دون ~~غيرها من النقط. وأما النقط التي ليست بمركز فإنها لا نهاية لها ولا وجود ~~لها بالذات وإنما توجد إذا فرضت فرضا وليست لها عين قائمة فلذلك لا تقصد ~~ولا يمكن استخراجها لأنها مجهولة ولأنها شائعا في جميع الدائرة. # وأما الطرفان اللذان يسميان متضادين فهما موجودان معينان لأنهما طرفا خط ~~مستقيم معين والبعد بينهما غاية البعد. مثال ذلك أنا إذا أخرجنا من مركز ~~الدائرة خطا مستقيما إلى المحيط صار طرفاه محدودين أحدهما المركز والآخر ~~نهايته عند المحيط والبعد بينهما غاية البعد. ومثاله من المحسوس البياض ~~والسوادفان أحدهما يضاد الآخر وهما محدودان موجودان والبعد بين الضدين غاية ~~البعد فأما التي بينهما فهي بلا نهاية وكذلك الألوان هي بلا نهاية. وأما ~~أطراف الفضيلة فلما كانت أكثر من واحد لمتسم ضدا لأن لكل ضد ضدا واحدا ولا ~~يمكن أن توجد أضداد كثيرة لضد واحد. # والسبب في ذلك أن البعد بينهما غاية البعد وقد نجد للفضيلة الواحدة أكثر ~~من واحد. PageV01P070 وذلك إذا تصورنا الفضيلة مركزا وأخرجنا منه خطا ~~مستقيما فحصلت له نهاية أمكننا أن نخرج من الجانب الآخر المقابل له خطا آخر ~~على استقامته فتصير له نهاية أخرى ويصيران جميعا مقابلين للمركز الذي ~~فرضناه فضيلة ms121 إلا ان أحدهما يجري مجرى الأفراط والغلو والآخر يجري مجرى ~~التفريط والتقتير. وإذا قد فهم ذلك فليعلم أن لكل فضيلة طرفين محدودين يمكن ~~الإشارة إليهما وأوساط بينهما كثيرة لا نهاية لها ولا يمكن الإشارة إليها. ~~إلا أن الوسط الحقيقي هو واحد الذي سميناه فضيلة. # ثم ليعلم أننا بحسب هذا البيان نجعل أجناس الشرور والرذائل ثمانية لأنها ~~ضعف الفضائل الأربع التي تقدم شرحها وهي هذه: التهور والجبن طرفان للوسط ~~الذي هو الشجاعة. والشره والخمود طرفان للوسط الذي هو العفة. والسفه والبله ~~طرفان للوسط الذي هو الحكمة. والجور والمهانة (أعني الظلم والإنظلام) طرفان ~~للوسط الذي هو العدالة. # فهذه أجناس الأمراض التي تقابل الفضائل التي هي صحة النفس وتحت هذه ~~الأجناس أنواع لا نهاية لها ونبدأ بذكر التهور والجبن اللذين هما طرفا ~~الشجاعة وهي فضيلة النفس وصحتها فنقول: # التهور والجبن # إن سببهما ومبدأهما النفس الغضبية ولذلك صارت الثلاثة بأسرها من علائق ~~الغضب. والغضب في الحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة ~~للإنتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب وأضرمتها فاحتد غليان ~~دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ~~ويضعف فعله ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف ملىء ~~حريقا وأضرم نارا فاختنق فيه اللهيب والدخان وعلا التأجج والصوت المسمى وحي ~~النار فيصعب علاجه ويتعذر إطفاؤه ويصير كل ما يدنيه للإطفاء سببا لزيادته ~~ومادة لقوته. # فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصمعن الموعظة بل تصير المواعظ في تلك ~~الحال سببا للزيادة في الغضب ومادة اللهب والتأجج وليس له في تلك الحال ~~حيلة. وإنما يتفاوت الناس في ذلك بحسب المزاج حارا يابسا كان قريب الحال من ~~حال الكبريت الذي إذا أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب، وإن كان بالضد ~~فحاله بالضد وهذا في مبدأ أمره وعنفوان حركة الغضب به. فأما إذا احتدم ~~فيكاد الحال يتقارب فيه وتصور ذلك من الحطب اليابس والرطب ومبدأ إشتعال ~~النار بسرعة وشدة من الكبريت والنقط. ثم انحدر منهما ms122 إلى الإدهان المتوسطة ~~إلى أن تنتهي إلى الإحتكاك فإن الإحتكاك وإن كان ضعيفا في توليد النار ~~فربما قوى حتى تلتهب منه الإجمة العظيمة. وكفاك مثل السحاب الذي هو من ~~البخارين كيف يحتك حتى تنقدح بينهما النيران وينزل منهما الصواعق التي لا ~~يثبت أثرها شيء من المواد ولا يفارق ما يتعلق به حتى يصير رميما وإن كان ~~جبلا أطلسا وحجرا أصم. # وأما بقراطس فإنه قال إني للسفينة إذا عصفت الرياح وتلاطمت عليها الأمواج ~~وقذفت بها إلى اللجج التي كالجبال أرجى مني للغضبان الملتهب. # وذلك أن السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ويخلصونها بضروب الحيل ~~وأما النفس إذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة ألبتة. # وذلك أن كل ما رجة به الضغب من التضرع والمواعظ والخضوع يصير له بمنزلة ~~الجزل من الحطب يوهجه ويزيده إشتعالا. أما أسبابه المولدة له فيه العجب. ~~والإفتخار. والمراء. واللجاج. والمزاح. والتيه. والإستهزاء. والغدر. ~~والضيم. وطلب الأمور التي فيها لذة ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها. ~~وشهوة الإنتقام غاية لجميعها لأنها بأجمعها تنتهي إليه ومن لواحقه الندامة ~~وتوقع المجازاة بالعقاب عاجلا وآجلا وتغير المزاج وتعجل الألم. وذلك أن ~~الغضب جنون ساعة وربما أدى إلى التلف بإختناق لحرارة القلب وربما كان سببا ~~لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف. ثم من لواحقه مقت الأصدقاء وشماتة الأعداء ~~وإستهزاء الحساد والأردال من الناس. ولكل واحد من هذه الأسباب وإماطتها فقد ~~أوهنا قوة الغضب وقطعنا مادتها وأمنا غائلتها. فإن عرض لنا منها عارض كان ~~بحيث نطيع العقل ونلتزم شرائطه وحدثت فضيلته أعني الشجاعة فيكون حينئذ ~~أقدامنا على ما نقدم عليه كما يجب وبحيث يجب وبالمقدار الذي يجب وعلى من ~~يحب. # العجب والإفتخار PageV01P071 أما العجب فحقيقته إذا حددناه أنه ظن كاذب ~~بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقة لها. وحقيق على من عرف نفسه أن يعرف ~~كثرة العيوب والنقائص التي تعتورها فإن الفضل مقسوم بين البشر وليس يكمل ~~الواحد منهم إلا بفضائل غيره. وكل من كانت فضيلته عند غيره فواجب عليه أن ~~لا يعجب بنفسه. ms123 وكذلك الإفتخار فإن الفخر هو المباهات بالأشياء الخارجة عنا ~~ومن باهي بما هوخارج عنه فقد باهى بمالا يملكه. وكيف يملك ما هو معرض ~~للآفات والزوال في كل ساعة وفي كل لحظة ولسنا على ثقة منه في شيء من ~~الأوقات وأصح الأمثال وأصدقها فيه ما قاله الله عز وجل: (واضرب لهم مثلا ~~رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب) إلى قوله: (فأصبح يقلب كفيه على ما ~~أنفق فيها وهي خاوية على عروشها) وقال تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~وكان الله على كل شيء مقتدرا) وفي القرآن من هذه الأمثال شيء كثير وكذلك في ~~الأخبار المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما المفتخر بنسبة فأكثر ~~ما يدعيه إذا كان صادقا أن أباه كان فاضلا فلو حضر ذلك الفاضل وقال أن ~~الفضل الذي تدعيه لي أنا مستبد به دونك فما الذي عندك منه مما ليس عند غيرك ~~لأفحمه وأسكته. # وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى أخبار كثيرة ~~صحيحة منها أنه قال: (لا تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم) أو ما هذا ~~معناه. ويحكى عن مملوك كان لبعض الفلاسفة أنه افتخر عليه بعض رؤساء زمانه ~~فقال له إن افتخرت على بفرسك فالحسن والفراهة للفرس لا لك. وإن افتخرت ~~بثيابك وآلاتك فالحسن لها دونك. وإن افتخرت بآبائك فالفضل كان فيهم دونك. ~~فإذا كانت الفضائل والمحاسن خارجة عنك وأنت منسلخ عنها وقد رددناها على ~~أصحابها بل لم تخرج عنهم فترد عليهم وأنت ممن يحقق ذلك إن شاء الله تعالى. ~~وحكي عن بعض الفلاسفة أنه دخل على بعض أهل اليسار والثروة وكان يحتشد في ~~الزينة ويفتخر بكثرة آلاته وقد حضرت الفيلسوف بصقة فتنخع لها والتفت في ~~البيت يمينا وشمالا ثم بصق في وجه صاحب البيت فلما عوتب على ذلك قال: (إني ~~نظرت إلى البيت وجميع ما فيه فلم أجد هناك أقبح منه فبصقت عليه) وهكذا ~~يستحق من كان خاليا من فصائل ms124 نفسه وافتخر بالخارجات عنه. # فأما المراء واللجاج. فقد ذكرنا قبح صورتهما في المقالة التي قبل هذه وما ~~يولدانه من الشتات والفرقة والتباغض بين الإخوان. # المزاح والتيه والإستهزاء # وأما المزاح فإن المعتدل منه محمود وكان رسول الله صلى الله عليه يمزح ~~ولا يقول غلا حقا. وكان أمير المؤمنين كثير المزاح حتى عابه بعض الناس فقال ~~لولا دعاية فيه. ولكن الوقوف على المقدار المعتدل منه صعب وأكثر الناس ~~يبتدىء ولا يدري أين يقف منه فيخرج عن حده ويروم الزيادة فيه على صاحبه حتى ~~يصير سببا للوحشة فيثير غضبا كامنا ويزرع حقدا باقيا فلذلك عددناه في ~~الأسباب فينبغي أن يحذره من لا يعرف حده ويذكر قول القائل: # رب جد جره اللعب ... وبعض الحرب أوله مزاح # ثم يهيج فتنة لا يهتدي لعلاجها. وأما التيه فهو قريب من العجب والفرق ~~بينهما أن المعجب يكذب نفسه فيما يظن لها والتياه يتيه على غيره ولا يكذب ~~نفسه غلا أن علاجه علاج المعجب بنفسه. وذلك بأن يعرف أن ما يتيه به لا ~~مقدار له عند العقلاء وأنهم لا يعتدون به لخساسة قدره ونزارة حظه من ~~السعادة ولأنه متغير زائل غير موثوق ببقاءه ولأن المال والأثاث وسائر ~~الأعراض قد توجد عند كل صنف من الناس الأراذل والأشراف والجهال. # فأما الحكمة فليست توجد إلا عند الحكماء خاصة. وأما الإستهزاء فإنه ~~يستعمله المجان من الناس والمساخر ومن لا يبالي بما يقابل به لأنه قد وضع ~~في نفسه إحتمال مثل ذلك وإضعافه فهو ضاحك قرير العين بضروب الإستخفافات ~~التي تلحقه وإنما يتعيش بالدخول تحت المذلة والصغار بل إنما يتعرض بقليل ما ~~يبتدىء به لكثير ما يعامل به ليضحك غيره وينال اليسير من بره. والحر الفاضل ~~بعيد من هذا المقام جدا لأنه يكرم نفسه وعرضه عن تعريضهما للسفها وبيعهما ~~بجميع خزائن الملوك فضلا عن الحقير التافه. # الغدر والضيم PageV01P072 وأما الغدر فوجوهه كثيرة اعني أنه يستعمل في ~~المال وفي الجاه وفي الحرم وفي المودة وهو على كثرة وجوهه مذموم بكل لسان ~~ومعيب عند كل ms125 أحد ينفر السماع من ذكره ولا يعترف به إنسان وإن قل حظه من ~~الإنسانية وليس يوجد غلا في جنس من أجناس العبيد فيتوقاهم الناس ويأنف منهم ~~سائر أجناس العبيد. # ذلك أن الوفاء الذي هو ضده موجود في جنس الحبشة والروم والنوبة وقد ~~شاهدنا من حسن وفاء كثير من العبيد ما لم نشاهده في كثير من المتسمين ~~بالأحرار. ومن عرف قبح الغدر باسمه ونفور العقلاء منه ثم عرف معناه فليس ~~يستعمله وبالأخص من له طبيعة جيدة أو قرأ ما تقم في هذا الكتاب وتخلق به ~~وانتهى في قراءته إلى هذا الموضع. وأما الضيم فهو تكليف إحتمال الظلم ~~والغضب وربما يعرض منه شهوة الإنتقام وقد ذكرنا فيما تقدم الظلم والإنظلام ~~وشرحنا الحال فيهما. # فيبنبغي أن لا نسرع إلى الإنتقام عند ضيم يلحقنا حتى ننظر فيه ونحذر أن ~~لا يعود علينا الإنتقام بضرر أعظم من إحتمال ذلك الضيم. وهذا النظر والحذر ~~هو استشارة العقل وهو الحلم بعينه. # المقتنيات والجواهر النفيسة # وأما طلب الأمور التي فيها عزة وتتنافس فيها الناس فهو خطأ من الملوك ~~والعظماء فضلا عن أوساط الناس. وذلك أن الملك إذا حصل في خزانته علق كريم ~~أو جوهر نفيس فهو متعرض به للجزع عند فقده ولا بد من حلول الآفات به لما ~~عليه طبيعة عالم الكون والفساد من تغيير الأمور وإحالتها وإدخال الفساد على ~~كل ما يدخر ويقتني. فإذا فقد الملك ذخيرة عزيزة الوجود ظهر عليه ما يظهر ~~على المفجوع المصاب بما يعز عليه وتبين فقره إلى نظيره الذي لا يجده فيطلع ~~الصديق والعدو على حزنه وكآبته. # وحكى عن بعض الملوك أنه أهدى إليه قبة بلور صافية عجيبة النقاء والصفاء ~~محكمة الخرط قد استخرج منها أساطين وصور خاطر بها صانعها مرة بعد مرة في ~~تلخيص النقوش والخروق والتجاويف التي بين الصور والأوراق فلما حصلت بين ~~يديه كثر عجبه منها وإعجابه بها وأمر فرفعت في خاص خزائنه فلم يأت عليها ~~كثير زمان حتى أصابها ما يصيب أمثالها من المتالف وبلغ الملك ذلك فظهر ms126 عليه ~~من الأسف والجزع ما منعه من التصرف في أموره والنظر في مهماته والجلوس ~~لجنده وحاشيته واجتهد الناس في وجود شيء شبيه بها فتعذر عليهم فظهر أيضا من ~~عجزه وامتناع مطلوبه عليه ما تضاف به جزعه وحزنه. # وأما أوساط الناس فإنهم متى أدخروا آلة كريمة أو جوهرا نفيسا أو اتخذوا ~~مركوبا فارها أو ما أشبه هذه الشياء التمسها منه من لا يمكنه رده عنها فإن ~~حجزه عنها وبخل عليه بها فقد عرض نفسه ونعمته للبوار. # وإن سمح بها لحقه من الغم والجزع ما كان مستغنيا عنه. # وأما الأحجار المتنافس فيها من اليواقيت وأشباهها مما تبعد عنها الآفات ~~في أنفسها فليس تبعد عنها الآفات الخارجة عنها من السرقة ووجوه الحيل فيها ~~وإذا أدخرها الملك قل انتفاعه بها عند حاجته إليها وربما عدم الإنتفاع بها ~~دفعة. # ذلك أنه إذا اضطر إليها لم تنفعه في عاجل أمره وحاضر ضرورة الملك. وقد ~~شاهدنا أعظم الملوك خطرا في عصرنا لما احتاج إليها بعد فناء أموال ونفاد ما ~~في خزائنه وقلاعه لم يجد ثمنها ولا قريبا من ثمنها عند أحد ولم يتحصل منها ~~غلا على الفضيحة في حاجته إلى رعيته في بعض قيمتها وهو لا يقدر على قليل ~~ولا كثير من أثمانها وهي مبذولة مبتذلة في أيدي الدلاين والتجار والسوقة ~~يتعجبون منها ولا يقدرون عليها. ومن قدر منهم على ثمن شيء منها لم يتجاسر ~~عليها خوفا من تتبعه بعد ذلك وظهور أمرة وإنتزاعها منه. # فهذه حال هذه الذخائر عند الملوك. أما التجار الموسومون بهذه الصناعة ~~فربما اتفق لهم زمان صلاح وسكون من الرؤساء وأمن في السرب وحينئذ تكون ~~بضاعتهم شبيهة بالكاسدة لأنها لا تنفق إلا على الملوك الودعين الذين لا ~~يحزمنهم شيء من نوائب الدهر وقد استمر بهم الخفض وفضلت أموالهم عن الخزائن ~~والقلاع فحينئذ يغترون بالزمان فيقعون في مثل هذه الخدائع ثم تؤول عاقبتهم ~~إلى ما حذرنا منه. # أسباب الغضب PageV01P073 فهذه أسباب الغضب والأمراض الحادثة منها ومن عرف ~~العدالة وتخلق بها كما قدمناه فيما تقدم ms127 سهل عليه علاج هذا المرض لأنه جورو ~~خروج عن الإعتدال. ولذلك لا ينبغي أن نسميه بأسماء المديح. وأعني بذلك أن ~~قوما يسمون هذا النوع من الجور أعني الغضب في غير موضعه رجزلية وشدة شكيمة ~~ويذهبون به مذهب الشجاعة التي هي بالحقيقة اسم للمدح وشتان ما بين ~~المذهبين. فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال رديئة كثيرة يجور ~~فيها على نفسه ثم على إخوانه ثمعلى الأقرب فالأقرب من معامليه حتى ينتهي ~~إلى عبيده وإلى حرمه فيكون عليهم سوط عذاب ولا يقيلهم عثرة ولا يرحم لهم ~~عبرة وإن كانوا برآء من الذنوب غير مجترمين ولا مكتسبين سواء بل يتجرم ~~عليهم ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم حتى يبسط لسانه ويده وهم لا ~~يمتنعون منه ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم ~~يقترفوها إستكفافا لشره وتسكينا لغضبه وهو مع ذلك مستمر على طريقته لا يكف ~~يدا ولا لسانا وربما تجاوز في هذه المعاملة الناس إلى البهائم التي لا تعقل ~~وإلى الأواني التي لا تحس. فإن صاحب هذاالخلق الردىء ربما قام إلى الحمار ~~والبرذون أو إلى الحمار والعصفور فيتناولها بالضرر والمكروه وربما عض القفل ~~إذا تعسر عليه وكسر الآنية التي لا يجد فيها طاعة لأمره. # وهذا النوع من رداءة الخلق مشهور في كثير من الجهال يستعملونه في الثوب ~~والزجاج والحديد وسائر الآلات، أماالملوك من هذه الطائفة فإنهم يغضبون على ~~الهواء إذا هب مخالفا لهواهم وعلى القلم إذا لم يجر على رضاهم فيسبون ذاك ~~ويكسرون هذا. وكان بعض من تقدم عهده من الملوك يغضب على البحر إذا تأخرت ~~سفينة فيه لاضطرابه وحركة الأمواج حتى يهدهه بطرح الجبال فيه وطمه بها. ~~وكان بعض السفهاء في عصرنا بغضب على القمر ويسبه ويهجوه بشعر له مشهور. ~~وذلك أنه كان يتأذى به إذا نام فيه. # وهذه الأفعال كلها قبيحة وبعضها مع قبحه مضحك يهزأ بصاحبه. فكيف يمدح ~~بالرجولية والشدة وشرف النفس وعزتها وهي بالمذمة والفضيحة أولى منها ~~بالمديح؟ وأي حظ ms128 لها في العزة والشدة ونحن نجدها في النساء أكثر منها في ~~الرجال وفي المرضى أقوى منها في الأصحاء ونجد الصبيان أسرع غضبا وضجرا من ~~الرجال. # والشيوخ أكثر من الشبان ونجد رذيلة الشره. فإن الشره إذا تعذر عليه ما ~~يشتهيه غضب وشجر على من يهىء طعامه وشرابه من نسائه وأولاده وخدمه وسائر من ~~يلابس أمره. والبخيل إذا فقد شيئا من ماله تسرع بالغضب على أصدقائه ~~ومخالطيه وتوجهت تهمته إلى أهل الثقة من خدمه ومواليه. وهؤلاء الطبقة لا ~~يحصلون من أخلاقهم إلا على فقد الصديق وعدم النصيح وعلى الذم السريع واللوم ~~الوجيع. # وهذه حال لا تتم معها غبطة ولا سرور وصاحبها أبدا محزون كئيب متنغص بعيشه ~~متبرم بأموره وهي حال الشقي المحروم. # أما الشجاع العزيز النفس فهوالذي يقهر بحلمه غضبه ويتمكن من التمييز ~~والنظر فيما يدهم ولا يستفزه ما يرد عليه من المحركات لغضبه حتى يتورى ~~وينظر كيف ينتقم ممن وعلى أي قدر. وكيف يصفح ويغضي عمن وفي أي ذنب. حكي عن ~~الإسكندر أنه نمى إليه عن بعض أصحابه أنه يعيبه وينتقصه فقال له بعض أصحابه ~~لو أدبته أيهاالملك بعقوبة تنهكه بها. # فقال له وكيف يكون انهاكه بعد عقوبتي إياه في ثلبي وطلب معايب لأنه حيئنذ ~~أبسط لسانا وأعذر عند الناس. # وأتى يوما ببعض أعدائه من المتغلبين الخارجين عليه وكان قد عاث في أطرافه ~~بلاده عيثا كثيرا فصفح عنه، فقال له بعض جلسائه: لو كنت أنا أنت لقتلته. ~~فقال له الإسكندر ولكن لم أكن أنا أنت فلست بقاتله. PageV01P074 فقد ذكر ~~معظم أسباب الغضب ودللنا على معالجتها وحسمها وهو النوع الأعظم من أمراض ~~النفس وإذا تقدم الإنسان في حسم سببه لم يخش تمكنه منه، وكان ما يعرض له ~~سهل العلاج قريب الزوال لا مادة له تلهبه وتمده ولأسباب يسعره ويوقده. وتجد ~~الروية موضعا لإجالة النظر والفكر في فضيلة الحلم وإستعمال المكافأة إن كان ~~صوابا أوالتغافل إن كان حزما. والذي يتلو معالجة هذا من أمراض النفس معالجة ~~الجبن الذي هو الطرف الآخر من صحتها. ms129 ولما كانت الأضداد يعرف بعضها من بعض ~~وقد عرفنا الطرف الذي حددناه بحركة للنفس عنيفة قوية يحدث منها غليان دم ~~القلب شهوة للإنتقام فقد عرفنا إذا مقابله أعني الطرف الآخر الذي هو سكون ~~للنفس عندما يجب أن تتحرك فيه وبطلان شهوة الإنتقام وهذا هو سبب الجبن ~~والخور. # الجبن والخور # وتتبعهما إهانة النفس وسوء العيش وطمع طبقات الأنذال وغيرهم من الأهل ~~والأولاد والمعاملين وقلة الثبات والصبر في المواطن التي يجب فيها الثبات ~~وهما أيضا سبب الكسل ومحبة الراحة اللذين هما سببا كل رذيلة ومن لواحقهما ~~الإستحذاء لكل أحد والرضى بكل رذيلة وضيم. والدخول تحت كل فضيحة في النفس ~~والأهل والمال وسماع كل قبيحة فاحشة من الشتم والقذف وإحتمال كل ظلم من كل ~~معامل وقلة الأنفة مما يأنف منه الناس. وعلاج هذه الأسباب واللواحق يكون ~~بأضدادها.وذلك بأن توقظ النفس التي تمرض هذا المرض بالهز والتحريك. فإن ~~الإنسان لا يخلو من القوة الغضبية رأسا حتى تجلب إليه من مكان آخر ولكنها ~~تكون ناقصة عن الواجب فهي بمنزلة النار الخامدة التي فيها بقية لقبول ~~الترويح والنفخ فهي تتحرك لا محالة إذا حركت بما يلائمها وتبعث ما في ~~طبيعتها من التوقد والتلهب. وقد حكي عن بعض المتفلسفين أنه كان يتعمد مواطن ~~الخوف فيقف فيها ويحمل نفسه على المخاطرات العظيمة بالتعرض لها ويركب البحر ~~عند اضطرابه وهيجانه ليعود نفسه الثبات في المخاوف ويحرك منها القوة التي ~~تسكن عند الحاجة إلى حركتها ويخرجها عن رذيلة الكسل ولواحقه ولا يكره لمثل ~~صاحب هذا المرض بعض المراء والتعرض للملاحاة وخصومة من يأمن غائلته حتى ~~يقرب من الفضيلة التي هي وسط بين الرذيلتين أعني الشجاعة التي هي صحة النفس ~~المطلوبة فإذا وجدها وأحس بها من نفسه كف ووقف ولم يتجاوزها حذرا من الوقوع ~~في الجانب الآخر الذي علمناك علاجه. # الخوف وأسبابه وعلاجه # ولما كان الخوف الشديد غير موضعه من أمراض النفس وكان متصلا بهذه القوة ~~وجب أن نذكره ونذكر أسبابه وعلاجه فنقول: إن الخوف يعرض من توقع مكروه ~~وانتظار محذور ms130 والتوقع والإنتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل. # وهذه الحوادث ربما كانت عظيمة وربما كانت يسيرة وربما كانت ضرورية ~~وربماكانت ممكنة، والأمور الممكنة ربما كنا نحن أسبابها وربما كان غيرنا ~~سببها وجميع هذه الأقسام لا ينبغي للعاقل أن يخاف منها. # أما الأمور الممكنة فهي بالجملة مترددة بين أن تكون وبين أن لا تكون ولا ~~يجب أن يصمم على أنها تكون فيستشعر الخوف منها ويتعجل مكروه التألم بها وهي ~~لم تقع بعد ولعلها لا تقع وقد أحسن الشاعر في قوله: # وقل للفؤاد أن ترى بك نزوة ... من الروع أفرج أكثر الروع باطله # فهذه حال ما كان منها عن سبب خارج وقد أعلمناك أنها ليست من الواجبات ~~التي لا بد من وقوعها. وما كان كذلك فالخوف من مكروهه يجب أن يكون على قدر ~~حدوثة. وإنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي وترك ~~الفكر في كل ما يمكن أن لا يقع من المكاره وأما ما كان سببه سوء اختيارنا ~~وجنايتنا على أنفسنا فينبغي أن نحترز منه بترك الذنوب والجنايات التي نخاف ~~عواقبها ولا نقدم على أمر لا تؤمن غائلته فإن هذا فعل من نسى أن الممكن هو ~~الذي يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون. PageV01P075 وذلك أنه إذا أتى ذنبا أو ~~جنى جناية قدر في نفسه أنه يخفى ولا يظهر أو لا يخفى فيظهر إلا أنه يتجاوز ~~عنه أولا تكون له غائلة. وكأنه يجعل طبيعة الممكن واجبا كما أن صاحب القسم ~~الأول يجعل أيضا الممكن واجبا إلا أن هذا يأمن الجانب المحذور خاصة وأعني ~~بهذا أن الممكن لما كان متوسطا بين الجانب الواجب والجانب الممتنع صار ~~كالشيء الذي له جهتان إحداهما تلي الواجب والأخرى تلي الممتنع. ومثال ذلك ~~خط ا ج ب فنقطة ا هي الجانب الواجب. ونقطة ب هي الجانب الممتنع. وموضع ج ~~هوالممكن وبعده من الجانبين بعد واحد. فله إلى نقطة (1) جهة. وله إلى نقطة ~~(ب) جهة. فإذا صار مستقبله ماضيا بطل إسم الممكن عنه وحصل إما في جانب ms131 ~~الواجب وأما في جانب الممتنع وليس يصح ما دام ممكنا أن يحسب لا من من هذا ~~الجانب ولا من ذاك الجانب بل يعتقد فيه طبيعته الخاصة به وهو أنه يمكن أن ~~يصير إلى ههنا أو إلى هناك. ولهذا قال الحكيم وجوه الأمور الممكنة في ~~أعقابها. وأما الأمور الضرورية كالهرم وتوابعه فعلاج الخوف منه أن نعلم أن ~~الإنسان إذا حب طول الحياة فقد أحب لا محالة الهرم واستشعره إستشعار ما لا ~~بد منه. ومع الهرم يحدث نقصان الحرارة الغريزية والرطوبة الأصلية التابعة ~~لها وغلبة ضديهما من البرد واليبس وضعف الأعضاء الأصلية كلها. ويتبع ذلك ~~قلة الحركة وبطلان النشاط وضعف آلات الهضم وسقوط آلات الطحن ونقصان القوى ~~المدبرة للحيا، أعني القوة الجاذبة والقوة الممسكة والهاضمة والدافعة وسائر ~~ما يتبعها من مواد الحيابة. وليست الأمراض والآلام شيأ غير هذه الأشيأ ثم ~~يتبع ذلك موت الأحياء وفقد الأعزاء والمستشعر لهذه الأشياء الملتزم ~~لشرائطها في مبدأ كونه لا يخاف منها بل ينتظرها ويرجوها ويدعي له بها ويرغب ~~إلى الله فيها. # فهذه جملة الكلام على الخوف المطلق ولما كان أعظم ما يلحق الإنسان منه هو ~~خوف الموت وكان هذا الخوف عاما وهو مع عمومه أشد وأبلغ من جميع المخاوف وجب ~~أن نبدأ بالكلام فيه فنقول: # علاج الخوف من الموت # إن الخوف من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة أولا ~~يعلم إلى أين تصير نفسه أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه فقد ~~انحلت ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور وأن العالم سيبقى موجود أو ليس هو ~~بموجود فيه كما يظنه من يجهل بقاء النفس وكيفية المعاد. أو لأنه يظن أن ~~للموت ألما عظيما غير ألم لأمراض التي ربما تقدمته وأدت إليه وكانت سبب ~~حلوله أو لأنه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت. أو لأنه متحير لا يدري على أي ~~شيء يقدم بعد الموت. أو لأنه يأسف على ما يخلفه من المال والمقتنيات وهذه ~~كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها. ms132 أما من جهل الموت ولا يدري ماهو على الحقيقة ~~فإنا نبين له أن الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها وهي ~~الأعضاء التي يسمى مجموعها بدنا كما يترك الصانع إستعمال آلاته. وأن النفس ~~جوهر غير جسامني وليست عرضا وإنها غير قابلة للفساد وهذا البيان يحتاج فيه ~~إلى علوم تتقدمه وهو مبرهن مشروح على الإستقصاء في موضعه الخاص به. من تطلع ~~إليه ونشط للوقوف عليه لم يبعد مرامه ومن قع بما ذكرته في صدر هذا الكتاب ~~وسكنت نفسه إليه علم أن ذلك الجوهر مفارق لجوهر البدن مباين له كل المبانية ~~بذاته وخواصه وأفعاله وآثاره فإذا فارق البدن كما قلنا وعلى الشريطة التي ~~شرطنا بها البقاء الذي يخصه ونقى من كدر الطبيعة وسعد السعادة التامة ولا ~~سبيل إلى فنائه وعدمه. # فإن الجوهر لا يفنى من حيث هو جوهر ولا تبطل ذاته وإنما تبطل الأعراض ~~والنسب والإضافات التي بينه وبين الأجسام بأضدادها. فأما الجوهر فلا شد له ~~ولك شيء يفسد فإنما فساده من ضده وقد يمكنك أن تقف على ذلك بسهولة من أوائل ~~المنطق قبل أن تصل إلى براهينه. PageV01P076 وإن أنت تأملت الجوهر الجسماني ~~الذي أخس من ذلك الجوهر الكريم واستقرت حاله وجدته غير فإن ولامتلاش من حيث ~~هو جوهر إنما يستحيل بعضه إلى بعض فتبطل خواصه شيئا فشيئا منه وأعراضه. ~~فأما الجوهر نفسه فهو باق لا سبيل إلى عدمه وبطلانه. مثال ذلك الماء فإنه ~~يستحيل بخارا وهواء وكذلك الهواء يستحيل ماء ونارا فتبطل عن لجوهر أعراضه ~~وخواصه وأما الجوهر من حيث هو جوهر فإنه لا سبيل إلى عدمه هذا في الجوهر ~~الجسماني القابل للإستحالة والتغير. فأما الجوهر الروحاني الذي لا يقبل ~~الإستحالة ولا التغير في ذاته وإنما يقبل كمالاته وتمامات صورة فكيف يتوهم ~~فيه العدم والتلاشي. وأما من يخاف الموت لأنه لا يعلم إلى أين تصير نفسه أو ~~لأنه يظن أن بدنه إذا انحل وبطل تركيبه فقد انحلت ذاته وبطلت نفسه وجهل ~~بقاء النفس وكيفية المعاد فليس يخاف الموت على ms133 الحقيقة وإنما يجهل ما ينبغي ~~أن يعلمه. فالجهل إذا هو المخوف إذ هو سبب الخوف. وهذا الجهل هو الذي حمل ~~الحكماء على طلب العلم والتعب به وتركوا لأجله اللذات الجسمانية وراحات ~~البدن وأختاروا عليه النصب والسهر ورأوا أن الراحة التي تكون من الجهل هي ~~الراحة الحقيقية. وأن التعب الحقيقي هو تعب الجهل لأنه مرض مزمن للنفس ~~والبرء منه خلاص لها وراحة سرمدية ولذة أبدية. ولما تيقن الحكماء ذلك ~~وأستبصروا فيه وهجموا على حقيقته ووصلوا إلى الروح والراحة منه هانت عليهم ~~أمور الدنيا كلها واستحقروا جميع ما يستعظمه الجمهور من المال والثروة ~~واللذات الحسية والمطالب التي تؤدي غليها إذ كانت قليلة الثبات والبقاء ~~سريعة الزوال والفناء كثيرة الهموم إذا وجدت. عظيمة الغموم إذ فقدت. ~~واقتصروا منها على المقدار الضروري في الحياة وتسلوا عن فضول العيش الذي ~~فيه ما ذكرت من العيوب وما لم أذكره ولأنها مع ذلك بلا نهاية ذلك أن ~~الإنسان إذا بلغ منها إلى غاية تاقت نفسه إلى غاية أخرى منغير وقوف على حد ~~ولا إنتهاء إلى الأمد. وهذا هو الموت لا ما يخاف منه والحرص عليه هو الحرص ~~على الزائل والشغل به هو الشغل بالباطل. ولذلك جزم الحكماء بأن الموت موتان ~~موت إرادي وموت طبيعي. # وكذلك الحياة حياتان حياة إرادية وحياة طبيعية وعنوا بالموت الإرادي ~~إماتة الشهوات وترك التعرض لها وبالموت الطبيعي مفارقة النفس البدن. # وعنوا بالحياة الإرادية ما يسعى له الإنسان لحياته الدنيا من المآكل ~~والمشارب والشهوات. وبالحياة الطبيعية بقاء النفس السرمدي بما تستفيده من ~~العلوم الحقيقية وتبرأ به من الجهل. ولذلك وصى أفلاطون طالب الحكمة بأن قال ~~له مت بالإرادة تحي بالطبيعة. على أن من خاف الموت الطبيعي للإنسان فقد خاف ~~ما ينبغي أن يرجوه. ذلك أن هذا الموت هو تمام حد الإنسان لأنه حي ناطق ميت. ~~فالموت تمامه وكما له وبه يصير إلى أفقه الأعلى. ومن علم أن كل شيء هو مركب ~~من حد وحده مركب من جنسه وفصوله. وأن جنس الإنسان هو الحي وفصلاه ms134 الناطق ~~والمايت علم أنه سينحل إلى جنسه وفصوله لأن مركب لا محالة منحل إلى ما تركب ~~منه. فمن أجهل ممن يخاف تمام ذاته ومن أسوء حالا ممن يظن أن فناءه بحياته ~~ونقصانه بتمامه. # ذلك أن لاناقص إذا خاف أن يتم فقد دل من نفسه على غاية الجهل. فإذا ~~الواجب على العاقل أن يستوحش من النقصان ويأنس بالتمام ويطلب كل ما يتممه ~~ويكمله ويشرفه ويعلى منزلته ويخلي رباطه من الوجه الذي يأمن به الوقوع في ~~الأسر لا من الوجه الذي يشدو وثاقه ويزيده تركيبا وتعقيدا ويثق بأن الجوهر ~~الشريف الإلهي إذا تخلص من الجوهر الكثيف الجسماني خلاص بقاء وصفو لاخلاص ~~مزاج وكدر فقد سعد وعاد إلى ملكوته وقرب من بارئه وفاز بجوار رب العالمين ~~وخالط الأرواح الطيبة من أشكاله وأشباهه ونجا من أضداده وأغياره، ومن ههنا ~~يعلم أن من فارقت نفسه بدنه وهي مشتاقة إليه مشفقة عليه خائفة من فراقه فهي ~~في غاية الشقاء والبعد من ذاتها وجوهرها سالكة إلى أبعد جهاتها من مستقرها ~~طالبة قرار ما لا قرار له. أما من ظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض ~~التي ربما اتفق أن تتقدم الموت وتؤدي إليه فعلاجه أن يبين له أن هذا ظن ~~كاذب لأن الألم إنما يكون للحي والحي هو القابل أثر النفس. PageV01P077 ~~وأما الجسم الذي ليس فيهأثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس فإذا الموت الذي هو ~~مفارقة النفس البدن لا ألم له لأن البدن إنما كان يألم ويحس بأثر النفس فيه ~~فإذا صار جسما لا أثر فيه للنفس فلا حس له ولا ألم. # فقد تبين أن الموت حال للبدن غير محسوس عنده ولا مؤلم لأنه فراق ما به ~~كان يحس ويتألم فأما من خاف الموت لأجل العقاب الذي يوعد به بعد. فينبغي أن ~~نبين له أنه ليس يخاف الموت بل يخاف العقاب والعقاب إنما يكون على شيء باق ~~بعد البدن الدائر. ومن اعترف بشيء باق منه بعد البدن وهو لا محالة معترف ~~بذنوب له وأفعال سيئة ms135 يستحق عليها العقاب ومع ذلك هو معترف بحاكم عدل يعاقب ~~على السيئات لا على الحسنات فهو إذا خائف من ذنوبه لا من الموت. # ومن خاف عقوبة على ذنب فالواجب عليه أن يحذر ذلك الذنب ويجتنبه. # وقد بينا فيما تقدم أن الأفعال الرديئة التي تسمى ذنوبا إنما تصدر عن ~~هيئات رديئة والهئيات هي للنفس وهي الرذائل التي أحصيناها وعرفناك أضدادها ~~من الفضائل. فإذا الخائف من الموت على هذه الطريقة ومن هذه الجهة جاهل بما ~~ينبغي أن يخاف منه وخائف بما لا أثر له ولا خوف منه وعلاج الجهل هو العلم ~~فإذا الحكمة هي التي تخلصنا من هذه الآلام والظنون الكاذبة التي هي نتائج ~~الجهالات والله الموفق لما فيه الخير، وكذلك نقول لمن خاف الموت لأنه لا ~~يدري على ما يقدم بعد الموت لأن هذه حال الجاهل الذي يخاف بجهله فعلاجه أن ~~يتعلم ليعلم ويشتاق. # وذلك ان من أثبت لنفسه حالا بعد الموت ثم لم يعلم ما هي تلك الحال فقد ~~أقر بالجهل وعلاج الجهل العلم. ومن علم فقد وثق ومن وثق فقد عرف سبيل ~~السعادة فهو يسلكها لا محالة ومن سلك طريقا مستقيما إلى غرض صحيح أفضى إليه ~~بلا شك ولا مرية. وهذه الثقة التي تكون بالعلم هي اليقين وهي حال المستبصر ~~في دينه المستمسك بحكمته وقد عرفناك مرتبته ومقامه فيما سلف من القول، اما ~~من زعم أنه ليس يخاف الموت وإنما يحزن على ما يخلف من أهله وولده وماله ~~ونشبه ويأسف على ما يفوته من ملاذ الدنيا وشهواتها. PageV01P078 فينبغي أن ~~نبين له أن الحزن تعجل ألم ومكروه على ما لا يجدي الحزن إليه بطائل وسنذكر ~~علاج الحزن في باب مفرد له خاص لأنا في هذا الباب إنما نذكر علاج الخوف وقد ~~أتينا منه على ما فيه مقتنع وكفاية إلا أنا نزيده بيانا ووضوحا فنقول: أن ~~الإنسان من جملة الأمور الكائنة وقد تبين في الآراء الفلسفية أن كل كائن ~~فاسد لا محالة فمن أحب أن لا يفسد فقد أحب أن لا ms136 يكون. ومن أحب أن لا يكون ~~فقد أحب فساد ذاته فكأنه يحب أن يفسد ويحب أن لا يفسد ويحب أن يكون ويحب أن ~~لا يكون وهذا محال لا يخطر ببال عاقل. وأيضا فإنه لو لم يمت أسلافنا ~~وآباؤنا لم ينته الوجود إلينا ولو جاز أن يبقى الإنسان لبقي من تقدمنا ولو ~~بقي من تقدمنا من الناس على ما هم عليه من التناسل ولم يموتوا لما وسعتهم ~~الأرض. وأنت تتبين ذلك مما أقول. هب أن رجلا واحدا ممن كان منذ أربعمائة ~~سنة هو موجود الآن وليكن من مشاهير الناس حتى يمكن أن يحصل أولاده موجودين ~~معروفين كعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه مثلا. تم ولد له اولاد ولأولاده ~~أولاد وبقوا كذلك يتناسلون ولا يموت منهم أحد. كم يكون مقدار من يجتمع منهم ~~في وقتنا فإنك تجدهم أكثر من عشرة آلاف ألف رجل وذلك أن بقيتهم الآن مع ما ~~قدر فيهم من الموت والقتل الذريع أكثر من مائة ألف نسمة في جميع الأرض ~~وأحسب لمن كان في ذلك العصر من الناس على بسيد الأرض مثل هذا الحساب فإنهم ~~إذا تضاعفوا هذا التضاعف لم تضبطهم كثرة ولم تحصهم عددا. ثم امسح بسيط ~~الأرض فإنه محدود معروف لتعلم أن الأرض حينئذ لا تسعهم قياما فكيف قعودا ~~أومنصرفين ولا يبقى موضع عمارة يفضل عنهم ولا مكان رزاعة ولا مسير لأحد ولا ~~حركة فضلا عن غيرها وهذه مدة يسيرة من الزمان فكيف إذا امتد الزمان وتضاعف ~~الناس على هذه النسبة. فهذه حال من يتمنى الحياة الأبدية للبدن ويكره الموت ~~ويظن أن ذلك ممكن أو مطموع فيه من الجهل والغباوة فإذا الحكمة البالغة ~~والعدل المبسوط بالتدبير الإلهي هو الصواب الذي لا معدل عنه ولا محيص منه ~~وهو غاية الجود الذي ليس وراءه غاية أخرى لطالب مستزيدا وراغب مستفيد. ~~والخائف منه هو الخائف من عدل الباري وحكمته بل هو الخائف من وجوده وعطائه. ~~فقد ظهر ظهورا حسيا أن الموت ليس بردىء كما يظنه جمهو الناس وإنما الردىء ms137 ~~هو الخوف منه وأن الذي يخاف هو الجاهل به وبذاته. وقد ظهر أيضا فيما تقدم ~~من قولنا أن حقيقة الموت هي مفارقة النفس البدن وهذه المفارقة ليست فسادا ~~للنفس وإنما هي فساد المتركب. وأما جوهر النفس الذي هو ذات الإنسان ولبه ~~وخلاصته فهو باق وليس بجسم فيلزم فيه ما لزم في الأجسام مما أوردناه قبيل. ~~بل لا يلزمه شيء من أعراض الأجسام أي لا يتزاحف في المكان لإستغنائه عن ~~المكان ولا يحرص على البقاء الزماني لاستغنائه عن الزمان وإنما استفاد ~~بالحواس والأجسام كمالا فإذا كمل بها ثم خلص منها صار إلى عالمه الشريف ~~القريب إلى بارئه ومنشئه تعالى وتقدس. # وهذا الكمال الذي يستفيده في هذا العالم الحسي قد بيناه وعرفناك الطريق ~~إليه بما سلف من القول في هذا الباب وأنه السعادة القصوى للإنسان وأعلمناك ~~ضده الذي هو الشقاسء الأقصى له وبينا مع ذلك مراتب السعادة ومنازل الأبرار ~~ودرجاتهم من رضوان الله وجنته التي هي دار القرار كما بينا لك أضدادها من ~~سخطه ودركاتهم من النار التي هي الهاوية بلا قرار نسأل الله حسن المعونة ~~على ما يقربنا منه ويبعدنا من سخطه إنه جواد كريم رؤوف رحيم. # علاج الحزن PageV01P079 الحزن ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب. ~~وسببه الحرص على القنيات الجسمانية والشره إلى الشهوات البدنية والحسرة على ~~ما يفقده أو يفوته منها. وإنما يحزن ويجزع على فقد محبوباته وفوت مطلوباته ~~من يظن أن ما يحصل له من محبوبات الدنيا يجوز أن يبقى ويثبت عنده أو أن ~~جميع ما يطلبه من مفقوداتها لا بد أن يحصل له ويصير في ملكه فإذا انصف نفسه ~~وعلم أن جميع ما في عالم الكون والفساد غير ثابت ولا باق وإنما الثابت ~~الباقي هو ما يكون في عالم العقل لم يطمع في المحال ولم يطلبه وإذا لم يطمع ~~فيه لم يحزن لفقده ما يهواه ولا لفوت ما يتمناه في هذا العالم وصرف سعيه ~~إلى المطلوبات الضافية واقتصر بهمته على طلب المحبوبات الباقية وأعرض عما ~~ليس ms138 في طبعه أن يثبت ويبقى وإذا حصل له منه شيء بادر إلى وضعه في موضعه ~~وأخذ منه مقدار الحاجة إلى دفع الآلام التي أحصيناها من الجوع والعرى ~~والضرورات التي تشبهها وترك الإدخار والإستكثار والتماس المباهات والإفتخار ~~ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها والتمني لها. وإذا فارقته لم يأسف عليها ولم ~~يبال بها. فإن من فعل ذلك أمن فلم يجزع وفرح فلم يحزن وسعد فلم يشق. ومن لم ~~يقبل هذه الوصية ولما يعالج نفسه بهذا العلاج لم يزل في جزع دائم وحزن غير ~~منتقص. # وذلك أنه لا يعدم في كل حال فوت مطلوب أو فقد محبوب وهذا لازم لعالمنا ~~هذا لأنه عالم الكون والفساد. ومن طمع من الكائن الفاسد أن لا يكون ولا ~~يفسد فقد طمع في المحال لم يزل خائبا والخائب أبدا محزون والمحزون شقي. ومن ~~استشعر بالعادة الجميلة ورضى بكل ما يجده ولا يحزن لشيء يفقده لم يزل ~~مسرورا سعيدا. فإن ظن ظان أن هذا الإستشعار لا يتم له أو لا ينتفع به ~~فلينظر إلى استشعارات الناس في مطالبهم ومعايشهم وإختلافهم فيها بحسب قوة ~~الإسشعار. فإنه سيرى رؤية بينة ظاهرة فرح المتعيشين بمعايشهم على تفاوتها. ~~وسرور أصحاب الحرف المختلفة بمذاهبهم على تباينها. وليتصفح ذلك في طبقة ~~طبقة من طبقات الدهماء فإنه لا يخفى عليه فرح التاجر بتجارته والجندي ~~بشجاعته والمقامر بقماره والشاطر بشطارته والمخنث بتخنثه حتى يظن كل واحد ~~منهم أن المغبون من عدم تلك الحالة حتى فقد بهجتها والمجنون من غبي عنها ~~فحرم لذتها. وليس ذلك إلا لقوة إستشعار كل طائفة بحسن مذهبها ولزومها إياه ~~بالعادة الطويلة. وإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوى إستشعاره وحسن رأيه ~~وطالت عادته كان أولى بالسرور ومن هذه الطبقات الذين يخبطون في جهالاتهم ~~وكان أحظاهم بالنعيم المقيم لأنه محق وهم مبطلون. وهو متيقن وهم ظانون. ثم ~~هو صحيح وهم مرضى. وهو سعيد وهم أشقياء. وهو ولي الله عزوجل وهم أعداؤه وقد ~~قال الله عز منقائل (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ms139 يحزنون) وقال ~~الكندي في كتاب دفع الأحزان. مما يدلك دلالة واضحة أن الحزن شيء يجلبه ~~الإنسان ويضعه وضعا وليس هو من الأشياء الطبيعية أن من فقد ملكا أو طلب ~~أمرا فلم يجده فلحقه حزن ثم نظر في حزنه ذلك نظرا حكيما وعرف أن أسباب حزنه ~~هي أسباب غير ضرورية وان كثيرا من الناس ليس لهم ذلكالملك وهم غير محزونين ~~بل فرحون مغبوطون علم علما لا ريب فيه أن الحزن ليس بضروري ولا طبيعي. # وأن من حزن من الناس وجلب لنفسه هذا العارض فهو لامحالة سيسلو ويعود إلى ~~حاله الطبيعي. فقد شاهدنا قوما فقدوت من الأولاد والأعزة والأصدقاء ما إشتد ~~حزنهم عليه ثم لم يلبثوا أن يعودا إلى حالة المسرة والضحك والغبطة ويصيرون ~~إلى حال من لم يحزن قط. # ولذلك نشاهد من يفقد المال والضياع وجميع ما يقتنيه الإنسان مما يعز عليه ~~ويحزنه فإنه لا محالة يتسلى ويزول حزنه ويعاود أنسه وإغتباطه. فالعاقل إذا ~~نظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه. علم أن ليس يختص من بينهم بمصيبة ~~غريبة ولا يتميز عنهم بمحنة بديعة وأن غايته من مصيبته السلوة. وأن الحزن ~~هو مرض عارض يجري مجرى سائر الرداآت فلم يضع لنفسه عارضا رديئا ولم يكتسب ~~مرضا وضيعا أعني مجتلبا غير طبيعي. وينبغي أن نتذكر ما قدمنا ذكره من حال ~~من يحيا بتحية على أن يشمها ويتمتع بهائم ثم يردها ليشمها غيره ويتمتع بها ~~سواه فأطمعته نفسه فيها وظن أنها موهوبة له هبة أبدية فلما أخذت منه حزن ~~وأسف وغضب فإن هذه حال من عدم عقله وطمع فيما لا مطمع فيه. PageV01P080 ~~وهذه حالة الحسود لأنه يحب أن يسيد بالخيرات من غير مشاركة الناس. # والحسد أقبح الأمراض وأشنع الشرور. لذلك قالت الحكماء من أحب أن ينال ~~الشر أعدائه فهو محب للشر ومحب الشر شرير. وشر من هذا من أحب الشر لمن ليس ~~له بعدو. وأسوأ من هذا حالا من أحب أن لا ينال أصدقاءه خير. # ومن أحب أن يحرم صديقه الخير فقد أحب ms140 له الشر ويجب له من هذه الرداآت ~~الحزن على ما يتناوله الناس من الخيرات من قنياتنا وما ملكناه أو مما لم ~~نقتنه ولم نملكه لأن الجميع مشترك للناس وهي ودائع الله عند خلقه. وله أن ~~يرتجع العارية متى شاء على يد من شاء. ولا سيئة علينا ولا عار إذا رددنا ~~الودائع وإنما العار والسيئة أن نحزن إذا ارتجعت منا. وهو مع ذلك كفر ~~للنعمة لأن أقل ما يجب من الشكر للمنعم أن نرد عليه عاريته عن طيب نفس ~~وتسرع إلى إجابته إذا إستردها ولا سيما إذا ترك المعير علينا أفضل ما ~~أعارنا وأرتجع أخسه. # قال وأعني بالأفضل ما لا تصل إليه يد ولا يشركنا فيه أحد أعني النفس ~~والعقل والفضائل الموهوبة لنا هبه لا تسترد ولا ترتجع ويقول إن كان ارتجع ~~الأقل الأخس كما اقتضاه العدل فقد أبقى الأكثر الأفضل وأنه لو كان واجبا إن ~~نحزن في الأشياء الضارة المؤلمة وأن يقل القنية ما استطاع إذ كان فقدها ~~سببا للأحزان. # وقد حكى عن سقراط أنه سئل عن سبب نشاطه وقلة حزنه فقال: لأنني لا أقتني ~~ما إذا فقدته حزنت عليه. وإذ قد ذكرنا أجناس الأمراض الغالبة التي تخص ~~لنفسه الساعي لها فيما يخلصها من الآمها وينجيها من مهالكها أن يتصفح ~~الأمراض التي تحت هذه الأجناس من أنواعها وأشخاصها فيداوي بنفسه منها ~~ويعالجها بمقابلاتها من العلاجات الراغبة إلى الله عز وجل بعد ذلك في ~~التوفيق فإن التوفيق مقرون بالإجتهاد وليس يتم أحدهما إلا بالآخر. # هذا آخر المقالة السادسة وهي تمام الكتاب والحمد لله رب العالمين والصلاة ~~على النبي محمد وآله وأصحابه أجمعين. وحسبنا الله ونعم المعين. PageV01P081 ms141