######OpenITI# #META# book_id: 4657 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/4849.epub&bid=4657 #META# title: تاريخ أفريقية والمغرب‏ #META# المؤلف: إبراهيم بن قاسم ابن رقيق #META# المواضيع: التاريخ #META# الناشر: دار الفرجاني للنشر والتوزيع‏ #META# تاریخ الطبعة: 1414 ? #META# عدد الصفحات: 162 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ولاية عقبة بن نافع (1)- (رحمه الله) # رحل عقبة من الشام، ولما مر على مسلمة (2) بمصر اعتذر إليه من فعل أبى ~~المهاجر (3)، وأقسم بالله: لقد خالف رأيه فيما صنع، وأنه وصاه به، وأمره ~~بتقوى الله وحسن السيرة، وأن يعزل عقبة أحسن عزل، فإن أهل بلده يحسنون ~~القول فيه، فخالفنى وأساء عزلك، فقبل منه عقبة، ومضى سريعا لحنقه على أبى ~~المهاجر، حتى قدم إفريقية، فأوثق أبا المهاجر فى الحديد، وأمر بخراب ~~مدينته، ورد الناس إلى القيروان (4)، وركب فى وجوه العساكر من التابعين ~~والعباد، فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول: «يا رب املأها ~~فقها وعلما، واعمزها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا لمن كفر ~~بك، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض». # (ثم عزم) عقبة على الغزو فى سبيل الله، وترك بها جندا من المسلمين، ~~واستخلف عليهم زهير بن قيس (5)، ودعا أولاده فقال لهم: «إنى بعت نفسى من ~~الله عز وجل أن PageV01P041 # أجاهد من كفره حتى ألحق بالله، ولست (ج) أدرى أتروننى بعد (يومى) هذا أو ~~أراكم لأن أملى الموت فى سبيل الله أو ردى إليكم كما أحب»، ثم قال: «اللهم ~~تقبل منى نفسى فى رضاك»، ومضى فى عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، ~~فكانت النصارى تهرب من طريقه يمينا وشمالا واحتصر صاحب قلعة مجانة (1) فلجأ ~~النصارى إلى مدينة باغاية، واجتمعوا بها، فنزل عليها وخرجوا إليه، فقاتلهم ~~قتلا شديدا، فقتلهم قتلا ذريعا، وأخذ لهم خيلا كثيرة، ولم ير المسلمون فى ~~مغازيهم أصلب منها، وكانت من نتاج خيل أوراس (2) المطل عليها، ودخل بقية ~~الروم حصنهم، وكره عقبة أن يقيم عليها فمضى إلى المسن (3) وكانت [فى] ذلك ~~الوقت من أعظم مدائن الروم، فلجأ إليها من كان حولها منهم وخرجوا إليهم فى ~~عدة وقوة، فقاتلوهم قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء، فانهزموا فقاتلهم ~~إلى باب حصنهم فأصاب غنائم كثيرة [وكره] المقام عليها، فرحل إلى بلاد ~~الزاب (4)، فسأل عن أعظم مدينة لهم قدرا، فقالوا: مدينة يقال لها «أذنة ms01 ~~(5)»، ومنها الملك وهى ... الزاب وكان حولها ثلاثمائة قرية وكلها عامرة ~~فلما بلغهم أمره لجأوا إلى حصنهم، وهرب أغلبهم إلى الجبال والوعر، ونزل ~~واديا بينه وبينها ثلاثة أميال، فلقوه عند الوادى وقت المساء، فكره قتالهم ~~فى الليل، فوقف القوم ليلهم كله ساهرين، فسماه الناس إلى اليوم «وادى سهر» ~~فلما أصبح وصلى، أمر بالقتال، وكانت بينهم حرب ما رأوا قط ممن حاربوه مثلها ~~حتى يئس المسلمون من أنفسهم، فأعطاه الله عز وجل الظفر، PageV01P042 # فانهزم القوم، وقتل فيها أكبر فرسان البربر، فذهب عزهم من الزاب، وذلوا ~~آخر الدهر، فكره أن يقيم عليها، فرحل حتى نزل على المغرب بتيهرت، فلما بلغ ~~الروم خبره، استعانوا بالبربر، فأعانوهم ونصروهم، فقام عقبة خطيبا على ~~سيفه، فقال: «يا معشر المسلمين، إن خياركم وأشرافكم السابقون منكم [الذين] ~~رضى الله عنهم، بايعهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيعة الرضوان على ~~قتال من كفر بالله يوم القيامة فبيعوا أنفسكم من رب العالمين، فإنكم داخلون ~~فى تلك البيعة لكم وعليكم ما عليهم، وأنتم ما وطئتم هذه البلاد إلا طلبا ~~لرضاه وغضبا أن يعبد شىء سواه، فأبشروا فكلما كثر [بشركم] كان أخزى لهم ~~وأعز لدينكم وربكم ليس يسلمكم، فألقوه بقلوب صادقة، جعلكم الله أولى بأسه ~~الذى لا يرد عن القوم المجرمين. # فالتحم القتال، وصبر المسلمون، ولم يكن للروم والبربر بقتالهم من طاقة، ~~فولوا هاربين، فقتلهم قتلا ذريعا، وفر جميع الروم عن المدينة، وقتلوا حيث ~~أدركوا، وغنم المسلمون. # ثم رحل حتى دخل طنجة (1)، فلقيه رجل من الروم يقال له «البيان» وكان ~~شريفا فى قومه، فأهدى إليه هدية حسنة، فلاطفه فنزل على حكمه، فسأله عن بحر ~~الأندلس، فقال له: «إنه محفوظ لا يرام» «دلنى على حال البربر والروم» فقال ~~له: «قد تركت الروم خلفك، وما قدامك إلا البربر وفرسانهم» قال له: «وأين ~~موضعهم؟» قال: «فى السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين ولم يدخلوا ~~النصرانية، يأكلون الميتة، ويشربون الدم من أنعامهم وهم أمثال البهائم، ~~يكفرون بالله عز وجل ولا يعرفونه» (2) فقال عقبة ابن نافع ms02 لجنوده: «ارحلوا ~~على بركة الله». # فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى وهو فى مغرب مدينة طنجة التى تسمى PageV01P043 # «تارودانت» فانتهى إلى أوائلهم، فتلقوه فى عدة عظيمة، وقتلهم قتلا ذريعا، ~~وهرب بقيتهم، وافترقت خيله فى طلبهم إلى كل موضع هربوا إليه من الأرض لا ~~يزمهم أحد ومضى كذلك حتى دخل السوس الأقصى، فاجتمع به البربر فى عدد لا ~~يحصى فلقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا ما سمع أهل المغرب بمثله، وقتل منهم خلقا ~~عظيما، وأصاب منهم نساء لم ير الناس فى الدنيا مثلهن، فقيل: إن الجارية ~~منهن كانت تبلغ بالمشرق ألف [دينار وهربوا بين يديه ..] فخرجت العرب منها، ~~ولم يكن لهم بقتاله طاقة، لعظيم ما اجتمع معه من البربر والروم، وأسلموا ~~القيروان وبقى بها أصحاب الذرارى والأثقال فأرسلوا إلى كسيلة: يسألونه ~~الأمان وأجابهم، وأقام كسيلة حتى نزل القيروان وأقام أميرا على إفريقية، ~~وقد بقى من بقى من المسلمين تحت يده، فما زال على ذلك إلى أن ولى عبد الملك ~~بن مروان فاشتد سلطان بنى أمية وعظم أمرهم، واجتمع إليه أكابر المسلمين ~~فسألوه فى قيروان إفريقية أن يخلصها ومن فيها من المسلمين من يد كسيلة بن ~~ليوم، وأن يرد بها الإسلام عزيزا كما كان، فقال لهم: «لا يصلح للطلب بدم ~~عقبة من المشركين وكفرة البربر إلا من هو مثله فى دين الله» فأتفق رأيه على ~~زهير بن قيس البلوى، وقالوا: «هو صاحب عقبة واعرف الناس بسيرته وتدبيره، ~~وأولاهم بطلب ثأره وكان زهير مقيما ببرقة مرابطا مع أهل من إفريقية، فوجه ~~إليه عبد الملك يأمره بالخروج على أعنة الخيل إلى إفريقية ليستنقذ القيروان ~~ومن فيها من المسلمين، وكتب له قيس بن زهير: يعرفه بكثرة من اجتمع إلى ~~كسيلة من البربر والروم، ويستمده الرجال والأموال، فوجه إليه وجوه أصل الشام. ### | ولاية زهير بن قيس البلوى # فلما حشد له وجوه الرجال من العرب، وبعث إليه الأموال وتسرع الناس معه، ~~ووفدت عليه الجنود، أقبل فى عسكر عظيم، يريد إفريقية، فلما دنا من مدينة ~~القيروان، وذلك فى سنة سبع ms03 وستين وبلغ كسيلة بن ليوم الأوربى قدوم زهير ~~عليه .. لا نهاية له، وكان كسيلة فى خلق عظيم من البربر والروم، دعا ~~أشرافهم وأكابرهم فشاورهم PageV01P044 # وقال لهم: «إنى أردت أن أرحل إلى ممس (1) فأنزلها، فإن هذه المدينة فيها ~~خلق عظيم من المسلمين ولهم علينا عهد، فلا نغدر بهم ونحن نخاف إذا التحم ~~القتال أن يثبوا علينا، ولكن ننزل ممس على ماء كثير يحمل عسكرنا، فإن معنا ~~خلقا عظيما فإن هزمناهم دخلنا معهم إلى طرابلس وقطعنا دابرهم من الدنيا؛ ~~تكون لنا إفريقية دارا إلى آخر الدهر، وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا ~~الشعراء [ه] فنرجو ألا نهلك ولا يفقد منا إلا قليل فوافقوه فرحل إلى ممس ~~فنزلها. # وبلغ ذلك زهير فلم يدخل القيروان ونزل على باب سالم وأقام ثلاثة أيام حتى ~~استراح وأراح من معه وزحف فى اليوم الرابع، ووقف على كسيلة وعسكره آخر ~~النهار فأمر الناس بالنزول، فنزلوا وبات الناس على مصافهم، ووقفت خيول ~~القوم بعضهم إلى بعض طول الليل فلما اصبح صلى مغلسا ثم زحف إليه. وأقبل ~~كسيلة ومن معه والتحموا فى القتال ونزل الصبر وكثر القتل فى الفريقين، حتى ~~يئس الناس من الحياة فلم يزالوا كذلك حتى انهزم كسيلة، وقتل بممس ولم ~~يجاوزها. # ومضى الناس فى طلب الروم والبربر، فلحقوا كثيرا منهم بمزرعة «ملمجنة» ~~وألحوا فيهم وجدوا فى طلبهم، حتى سقوا خيلهم من الوادى المعروف بملوية من ~~المغرب، ففى تلك الواقعة هلك رجال الروم والمشركين من البربر وفرسانهم ~~وأشرافهم، ففزع منه أهل إفريقية، واشتد خوفهم، فلجأوا إلى الحصون والقلاع، ~~ثم إن زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فخاف أن يقيم، وقال: «إنى قدمت إلى ~~الجهاد، وأخاف أن تميل بى الدنيا فأهلك، ولست أرضى بملكها ورغد عيشها». ~~وكان من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين- رضى الله عنهم- فنزل القيروان ~~وأقام بها كثير من اصحابه. # ورحل زهير قافلا إلى المشرق فى خلق عظيم، وقد كان بلغ الروم خروج زهير من ~~برقة إلى إفريقية لقتال الروم، فأمكنهم ما يريدون فخرجوا إليها فى مراكب ~~كثيرة، فأغاروا على ms04 PageV01P045 # برقة وأصابوا منها سبيا، ومن الأموال شيئا عظيما، وقتلوا وسبوا، ووافق ~~ذلك قدوم زهير من إفريقية إلى برقة فأخبروه الخبر، فأمر العسكر أن يمضوا ~~على الطريق، وأخذ على ساحل البحر فى عدة من أشراف الناس مجدين مبادرين، ~~رجاء أن يدرك سبى المسلمين، فأشرف على الروم فرآهم فى خلق عظيم فلم يقدر ~~على الرجوع، واستغاث به المسلمون وصاحوا، والروم يدخلونهم المراكب، فنادى ~~بأصحابه: «النزول رحمكم الله!» فنزلوا، وكانوا رؤساء العابدين وأشراف ~~العرب، فنزل إليهم الروم فتلقوهم بعدد عظيم، والتحم القتال وأعانوا بعضهم ~~بعضا، وتكاثر عليهم الروم، فقتلوا زهيرا- (رحمه الله)- ومن معه من المسلمين ~~جميعا، فما أفلت منهم رجل، وأدخلت الروم الخيل والسلاح والسبى وما أصابوه ~~من برقة، وانقلبوا وافرين يريدون ملك القسطنطينية. # ومضى المسلمون إلى دمشق، فدخلوا على عبد الملك، فأخبروه أن أميرهم وأشراف ~~رجالهم قد استشهدوا، فعظم ذلك عليه، وبلغ منه لفضله ودينه، وكانت مصيبته ~~مثل مصيبة عقبة- رحمهم الله- على الناس، واجتمع أشراف المسلمين، وسألوا عبد ~~الملك بن مروان أن ينظر إلى إفريقية من يسد ثغرها، ويصلح أمرها. فقال لهم ~~عبد الملك: «ما اعرف أحد كفؤا لإفريقية كحسان بن النعمان الغسانى. ### | ولاية حسان بن النعمان الغسانى # [وجميع] من بإفريقية منها [- أى الكاهنة-] خائفون والبربر لها مطيعون، ~~وإن قتلتها يئس البربر والروم بعدها أن يكون لهم ملجأ حتى يلقوا بأيديهم فى ~~يدك، فيدين لك الغرب كله، فلما سمع ذلك من أهل إفريقية توجه إليها يريدها، ~~فلما كان موضعا قريبا من مجانة، عرف أن الروم قد تحصنوا بقلعتها فمضى ولم ~~يعرض لها، وبلغ الكاهنة أمره، فرحلت من جبل أوراس بعدد لا يحصى فسبقته إلى ~~مدينة باغاية، وأخرجت منها الروم، وهدمت حصنها، وظنت أن حسان إنما يريد ~~حصنها يتحصن فيه، وأقبل حسان حين بلغه الخبر فنزل بوادى مسكيانة، ورجعت ~~الكاهنة إليه تريده وخرج حسان حتى خرج بين PageV01P046 # الفج والشعراء ونزل على النهر الذى يسمى بلسان البربر «بلى» ورحلت ~~الكاهنة حتى نزلت على هذا النهر، وكان هو يشرب من أعلي النهر وهى من أسفله، ~~فلما دنا ms05 بعضهم من بعض وتوافت الخيل، وذلك آخر النهار، فأبى حسان أن ~~يقاتلها إلا أول النهار، فباتوا ليلتهم وقوفا على سروجهم فلما أصبحوا زحف ~~بعضهم إلى بعض فالتقوا، فتقاتلوا قتالا شديدا وما سمع قط، فعظم البلاء وظن ~~الناس أنه الفناء، فانهزم حسان بن النعمان وقتلت العرب قتلا ذريعا وأسرت من ~~أصحابه ثمانين رجلا منهم خالد بن يزيد القيسى وكان رجلا شريفا مذكورا. فسمى ~~ذلك الوادى «وادى العذارى» وسمى أيضا «نهر البلاء»، وبينه وبين باغاية ~~ثمانية عشر ميلا، وأتبعته الكاهنة ومن معها حتى خرج من عمل قابس، وأسلم ~~إفريقية. # فكتب إلى عبد الملك: بما لقى المسلمون وحاوره، وأقام طمعا أن يلحق به من ~~أفلت من أصحابه، فعاد إليه الجواب: أن يقيم حيث وصل إليه الجواب، ولا يبرح ~~حتى يأتيه أمره، فلقيه الكتاب ... فبنى وأقام بالموضع الذى لقيه فيه الكتاب ~~خمس سنين، فسمى ذلك المكان «قصور حسان» إلى اليوم، ثم أن عبد الملك أعمل ~~رأيه واستشار فيمن يخرجه إلى إفريقية ... فوجه إليه عسكرا عظيما ومالا ~~وسلاحا وقوة، وكانت الكاهنة حينئذ أاسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان، ~~فأرسلتهم، وأحسنت إليهم وحبست عندها يزيد بن خالد القيسى. # فلما انتهى إلى حسان سألهم عن يزيد بن خالد، فأخبروه بسلامته، فسره ذلك، ~~وأن الكاهنة قالت لخالد: «ما رأيت فى الرجال أجمل منك ولا أشجع! وأنا أريد ~~أن أرضعك فتكون أخا لولدى، وكانت لها ولدان أحدهما «قويدر» والآخر «يامين» ~~فقال لها: وكيف يكون ذلك وقد ذهب الرضاع منك، فقالت: إنا جماعة البربر لنا ~~رضاع إذا فعلناه نتوارث به، فعمدت إلى دقيق الشعير، فلثته بزيت، وجعلته على ~~ثدييها ودعت!!» ولديها وقالت لهما: «كولا معه على ثديى» وقالت لهم: إنكم قد ~~صرتم أخوة ثم إن حسان توافت إليه فرسان العرب ورجالها، فدعا عند ذلك برجل ~~يثق به ومناه وكتب معه إلى [ابن يزيد PageV01P047 # وهو ... طوعا فى الإسلام، فلما أتى رسول حسان وقف بين يدى خالد فى زى ~~سائل فلما رآه [ابن] يزيد علم أنه ... فكتب الله تعود إلى، فلما أن ms06 خلا ~~أخذ منه الكتاب وقرأه وكتب فى ظهره: إن البربر متفرقون ولا يتحدون (1) ~~وإنما ابتلينا بأمر أراده الله عسى أن يكرم به من مضى منا بدرجة الشهادة ~~(2) ... # حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تضرب صدرها، وتقول: «ويلكم مضى ملككم فيما ~~يأكله الناس!» فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل، فستره الله تعالى حتى ~~وصل إلى حسان فكسر الخبزة فأصاب الكتاب الذى كتبه [ابن] يزيد قد أفسدته ~~النار ... فقال له حسان: «راجع إليه» قال: «إنى أخاف الموت فإن الكاهنة لا ~~يخفى عليها شىء من هذا قال [حسان]: أنا اخفيه لك فى مكان لا يجده أحد ثم ~~عمد إلى قربوس سرجه، فنقر فيه، وأدخل الكتاب وسد عليه بشمع، ومضى الرجل حتى ~~أتى [ابن] يزيد، فدخل إليه وعرفه أن الأول أحرقته النار فرد جوابه ووضعه ~~فى قربوس سرجه ومضى، فخرجت الكاهنة ناشرة شعرها وهى تنادى: «ذهب ملككم فى ~~شىء من نبات الأرض وهو بين فرجين» وكانت الكاهنة قد ملكت إفريقية خمس سنين ~~منذ هزمت حسان، فلما أبطأ العرب عنها قالت للبربر: «إن العرب إنما يطلبون ~~من إفريقية المدائن والذهب والفضة، ونحن إنما نطلب منها المزارع والمراعى، ~~فما نرى لكم إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها، ويقل طمعهم فيها» فوجهت ~~قوما إلى ناحية يقطعون الشجر، ويهدمون الحصون. # قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: (3) فكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ~~ظلا وقرى متصلة فأخربت جميع ذلك، ورحل حسان إليها فلقيه من النصارى فى طريقه PageV01P048 # ثلاثمائة رجل يستغيثون إليه من الكاهنة فيما نزل بهم من خراب ومضى حتى ~~وصل إلى قابس، فخرج إليه أهلها وكانوا قبل ذلك يتحصنون من كل أمير مر بهم، ~~فاستأمنوا إليه وأدخلوا عامله فأمنهم على مال معلوم. فاستطال طريق القيروان ~~فمال إلى طريق قفصة وقصطيلية ونفزاوة، وبعثوا إليه أيضا يستغيثون به من أمر ~~الكاهنة فسره ذلك وبلغ الكاهنة قدومه فرحلت من جبل أوراس تريده فى خلق عظيم ~~[فرحل إليها فلما كانت] بالليل قالت لابنيها: «إنى مقتولة، وأرى رأسى ... ~~أذنابها إلى المشرق من حيث تأتينا ms07 الشمس [تركض به الدواب مقطوعا] بين يدى ~~ملك العرب الأعظم الذى بعث هذا الرجل»، وقال لها [ابن] يزيد: «فإذا كان ~~هذا فارحلى بنا وخلى عن البلاد» وقال لها أولادها مثل ذلك، قالت: «كيف أرحل ~~وأفر، وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت، فأقلد قومى عارا آخر الدهر» ~~فقالوا لها: «فما الذى تخافين على قومك؟» قالت: «إذا أنا مت فلا أبقى الله ~~منهم أحدا على الدنيا» فقال لها [ابن] يزيد وأولادها: «ما نحن صانعون؟!» ~~فقالت: «أما أنت يا ابن يزيد فسوف تدرك ملكا عظيما عند ملك العرب الأعظم، ~~وأما أولادى فسوف يدركون سلطانا مع هذا الرجل الذى يقتلنى ويعقدون للبربر ~~عزا»، ثم قالت: «اركبوا واستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وأولادها فى ~~الليل وتوجهوا إلى حسان، فأخبره [ابن] يزيد بقولها «أنا مقتولة» وقال له: ~~قد وجهت إليك بابنيها، فأمر بهما فأدخلا العسكر، وأمر بحفظهما، وقدم [ابن] ~~يزيد على أعنة الخيل، وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت: «انظروا ماذا دهمكم ~~واعملوا لأنفسكم، فإنى مقتولة!» والتحم القتال، واشتد الحرب، واستحر القتل ~~فى الفريقين حتى ظن الناس أنه الفناء، فانهزمت الكاهنة واتبعها حسان حتى ~~قتلها، ونزل فى الموضع [الذى قتلت فيه وهو] بئرها وعليه بقى رأسها، فسمى ~~الناس هذا [البئر بئر الكاهنة] إلى اليوم. # وكانت مع حسان جماعة من البربر ... فى ولدى الكاهنة وقربه وأكرمه، ثم إن ~~البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم ألا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثنى ~~عشر ألفا، يكونون مع العرب مجاهدين فأجابوه وأسلموا على يديه، فعقد لوائين ~~لولدى الكاهنة، لكل واحد PageV01P049 # منهما على ستة آلاف فارس، وأخرجهم مع العرب يجولون فى إفريقية يقاتلون ~~الروم ومن كفر من البربر، وحسن إسلام البربر وطاعتهم، وانصرف حسان إلى ~~مدينة القيروان، وذلك فى رمضان سنة أربع وسبعين، ودانت له إفريقية، فدون ~~الدواوين وصالح من ألقى بيده على الخراج، وكتب الخراج على عجم إفريقية، ~~وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر والروم، وأقام حسان بعد قتل ~~الكاهنة، وقد استقامت له إفريقية فلا يغزوا أحدا ms08 ولا ينازعه أحد. ### | موت عبد الملك بن مروان (1) # ومات عبد الملك بن مروان سنة ست وثمانين، وولى بعده ابنه الوليد بن عبد ~~الملك، [وكان الروم] أغاروا على مرسى رادس، فقتلوا من بها وسبوا وغنيموا، .. # الوليد بن عبد الملك يعرفه بذلك، وبعث إليه منها أربعين رجلا من أشراف ~~العرب، وأقام حسان بن نعمان فى رادس مرابطا حتى يأتيه أمر الوليد، وكتب ~~علماء المشرق إلى أهل إفريقية: «من رابط عنا يوما برادس حججنا عنه حجة، ~~وعظم قدر رادس عند العلماء وفضلها». فلما ورد الخبر إلى الوليد بن عبد ~~الملك بعث إلى عمه عبد العزيز بن مروان وهو على مصر وإفريقية، وأمره أن ~~يتوجه ألف قبطى، وألف قبطية، ويحملهم إلى إفريقية، وأمره أن يخرق البحر إلى ~~تونس، وأن يجعل بها دار صناعة، وأن يعمل المركب ويستكثر منها، ويجاهد الروم ~~فى البر والبحر، وأن يغير على سواحل الروم ويشغلهم عن بلاد الإسلام، ثم عزل ~~عبد العزيز بن مروان حسان بن النعمان، وأمره بالقدوم عليه وبعث إليه أربعين ~~رجلا من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحفظوا جميع ما معه. فعلم حسان ما يراد به ~~فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله فى قرب الماء، وطرحه فى العسكر وأظهر ~~ما وراء ذلك، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز بن مروان أهدى إليه ~~مائتى جارية من PageV01P050 # خيار ما معه، وكان معه من السبى خمسة وثلاثين ألف رأس مما لم يدخل فيهم ~~وصفاء ووصائف ما رأى الراؤون مثلهم قط، فتخير ما أحب وأخذ منه خيلا كثيرة، ~~ورحل حسان بمن معه من السبى والجمال والأنعام، حتى قدم على الوليد بن عبد ~~الملك، فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز، فغضب الوليد لذلك وأنكره فقال حسان ~~لمن معه: «ائتونى بالقرب فأتى بها، ففرغت بين يدى الوليد مما فيها من ~~الجواهر، والذهب والفضة» فاستعظمه وأبهته فقال له: «يا أمير المؤمنين، إنما ~~خرجت مجاهدا فى سبيل الله، وليس مثلى خان الله ولا الخليفة» فقال له ~~الوليد: «أردك إلى عملك وأحسن إليك» فحلف ms09 حسان: أنه لاولى لبنى أمية ولاية ~~أبدا. فلما رأى ذلك الوليد غضب على عبد العزيز. وكان يسمى حسان الشيخ ~~الأمين ### | ولاية موسى بن نصير (1) # وكتب الوليد بن عبد الملك- (رحمه الله)- إلى عبد العزيز بن مروان يأمره ~~أن يوجه إلى إفريقية موسى بن نصير من قبل الوليد وقطع إفريقية عن عبد ~~العزيز. فقدمها موسى فوجد أكثر مدنها خالية باختلاف أيدى البربر عليها، ~~فكان ينقل العجم من الأقاصى إلى ... قال إن كنيسة كانت بشقبنارية كان فيها ~~عجب ... منها مرآة فى سلطان الروم، فإذا اتهم الرجل امرأته ... المرأة فرأى ~~المبتلى بالمرأة، وكانت البربر قد تنصرت، فكان رجل بربرى قد أظهر اجتهادا ~~فى النصرانية حتى صار شماسا، واتهم رجل امرأته فنظر فى المرآة، فإذا هو ~~بوجه البربرى الشماس، فدعا به الملك فقطع أنفه وطرده من الكنيسة، فلما رأى ~~ذلك قومه طرقوا المرآة فكسروها، وأرسل الملك إلى حيهم فاستباحه وخرج موسى من PageV01P051 # إفريقية غازيا إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا من المغرب خوفا من العرب، ~~فتبعهم وقتلهم قتلا فاحشا، وسبى منهم سبيا كثيرا، حتى بلغ السوس الأدنى لا ~~يدافعه أحد، فلما رأى البربر ما حل بهم استأمنوا وأدوا الطاعة، فقبل منهم ~~وولى عليهم واليا، ثم استعمل موسى بن نصير على طنجة طارق بن زياد مولاه، ~~وتركه بها فى سبعة وعشرين رجلا من العرب، واثنى عشر ألف فارس وهى العدة ~~التى جعلها عليهم حسان بن النعمان وكانوا قد دخلوا الإسلام، وحسن إسلامهم، ~~فتركهم موسى وانصرف بعسكره من العرب خاصة وكان فى خلق عظيم، وأمر العرب ~~السبعة والعشرين الذين ترك عند طارق بن زياد أن يعلموا البربر القرآن وأن ~~يفقهوهم فى الدين. # ثم مضى إلى إفريقية فمر بقلعة مجانة وانحصر صاحبها منه، فرأى موسى بن ~~نصير فلم يعرض له، فلما نزل القيروان دعا بسر بن أرطاة (1) فعقد على أعنة ~~الخيل، وأمره أن يمضى إلى صاحب قلعة مجانة. فلما أناخ عليهم عظم عليهم أمر ~~القتال، ونظر الروم من العرب صبرا لم ير مثله قط، فملأهم ذلك رعبا، فألقوا ~~بأيديهم ms10 فدخلها، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم منها أموالا كثيرة، فكانت ~~تسمى باسمه «قلعة بشر» لا تعرف إلا به، لأنه هو الذى افتتحها، فأصاب عددا ~~من ولائد ووصفاء وذهبا وفضة، فخمس ذلك وبعث بالخمس إلى موسى بن نصير، وبعث ~~موسى الخمس إلى الوليد فكانت قيمة ذلك الخمس عشرين ألف دينار. # قال: وتحامل أصحاب طارق بن زياد، عامل موسى بن نصير بطنجة على أهل البلد، ~~وأساءوا إليهم وجاروا عليهم فكتبوا إلى أهل الأندلس يعرفونهم بما يلقونه من ~~جهة البربر وسوء سيرتهم، فكان طارق يوما بطنجة إذ طلعت مراكب، فأكمن لها ~~المسلمون، فلما أرست خرجوا إليها، وأنزلوا أهلها، فقال أهلها: «إنا إليكم ~~جئنا عامدين فإذا هم PageV01P052 # يعظمون غلاما حدثا منهم، يقال له «أليان»، فقال له طارق: «ما جاء بك؟» ~~فقال «أنا ابن ملك الأندلس وليس بينك وبينها إلا هذا ... إلى جبالها يريه ~~إياها. قال له طارق: «ما جاء بك؟»، قال له: «إن أبى مات ووثب على مملكتنا ~~بطريق يقال له «لذريق»، وبلغنى أمركم وجئت إليكم أدعوكم إليها، وأكون ~~دليلكم عليها» # ومع طارق اثنى عشر ألفا من البربر، فعزم طارق على غزو الأندلس واستنفر ~~البربر فجعل أليان يحمل البربر فى مراكب التجار التى تختلف إلى الأندلس، ~~ولا يشعر بهم أهل الأندلس، ولا يظنون إلا أنها تختلف بمثل ما كانت تختلف به ~~من منافعهم ومعايشهم ومتاجرهم، فجعل ينقلهم فوجا فوجا إلى ساحل الأندلس، ~~وقد تقدم أليان إلى أصحاب المراكب أن لا يعلموا بهم، وقال لقومه: «إنى ~~توثقت لكم، فاعلموا أنها دولة العرب، وهم يملكون الأندلس»، ودعاهم إلى أن ~~يأخذوا نصيبهم منها، فأعجبهم ذلك ورغبوا فيه، وكتب لهم طارق بالأمان على ~~أنفسهم، وذراريهم وأموالهم فلما لم يبق لهم إلا لوح واحد ركب طارق، ومن بقى ~~معه، فجاز إلى أصحابه، فنزل بهم جبلا من جبال الأندلس حريزا منيعا، فسمى ~~ذلك الجبل من يومئذ «جبل طارق» فلا يعلم إلا به. # وموسى بن نصير بإفريقية لا يعلم شيئا من هذا، فلما بلغ ملوك الأندلس خبره ~~نفروا إلى الملك الأعظم، ms11 وهو لذريق وكان طاغيا فى جموع عظيمة على دين ~~النصرانية، وزحف إلى طارق فى عدة عظيمة وعاد بسرير من ذهب مكلل بالدر ~~والياقوت فشد السرير على ...، وحفت به الرجال، وقعد لذريق على سريره، وعلى ~~رأسه تاج وعليه قفازان مكللان بالدر والياقوت وجميع الحلية التى يلبسها ~~الملوك قبله، فلما انتهى إلى الجبل الذى فيه طارق، خرج إليه طارق وجميع ~~أصحابه رجالة ليس فيهم راكب، فشمروا للموت فقال لرجاله: «ليس هم أحق بالموت ~~منكم، قد دخلوا عليكم بلادكم!» ونادى بالنزول فنزل العسكر ... فمشى بعضهم ~~إلى بعض بالسلاح، فاقتتلوا قتالا شديدا، فوقع الصبر حتى ظن الناس أنه ~~الفناء، وتواخذوا بالأيدى وضرب الله عز وجل PageV01P053 # وجوه أعدائه، فانهزموا وأدرك لذريق فقتل بوادى الطين، وركب آثارهم وكان ~~الجبل وعرا فكان البربر أسرع منهم على أقدامهم، فسبقوهم إلى خيلهم فركبوا ~~خيولهم البربر، ووضعوا فيهم السيف وأبادوهم ولم يرفعوا عنهم السيف ثلاثة ~~أيام ولياليها، فمكث جيفهم دهرا وبقيت عظامهم إلى حديث من الزمان. وأمر ~~طارق فرسان المسلمين أن يسبقوهم إلى قرطبة، فأتوها وقد وقف المسلمون حولها ~~فقتلوهم، فكانت قرطبة مدينة لذريق ... ثغر الأندلس. # ودخل طارق قرطبة فأصاب فيها من الدر والياقوت والذهب والفضة ما لم يجتمع ~~مثله قط وأصاب من الحرير ... والنساء والذرارى ما لا يحصى ولا يعد، فكانت ~~جملة السبى عشرة آلاف رأس وذلك سنة اثنين وتسعين. # وبلغ موسى بن نصير أن طارق بن زياد فتح الأندلس ودخلها فخاف أن يحظى بذلك ~~عند الخليفة، فغضب غضبا شديدا، وكتب إليه يعنفه: إذ دخلها بغير أمره، وأمره ~~أن لا يجاوز قرطبة، وأمر موسى الناس بالرحيل ورحل معه وجوه العرب، وكان ~~مخرجه فى رجب سنة ثلاث وتسعين، واستخلف على القيروان ابنه عبد الله بن ~~موسى، وكان أسن ولده، وسار حتى إذا كان بطنجة عبر البحر منها إلى الخضراء، ~~وهى على مجاز الأندلس، فكره طارق أن يخرج إليه من المدينة لكثرة العدو فوجه ~~إليه بالخف، والحافر والهدايا والجوارى وغير ذلك. # ولما كان موسى بن نصير بطنجة قبل جوازه مال عياض ms12 بن عقبة إلى قلعة يقال ~~لها «سقيوما» وكان فيها بقية قتلة عقبة، ومال معه سليمان بن أبى المهاجر، ~~وسألا موسى أن يميل معهما فكره ذلك وقال: «هؤلاء قوم فى الطاعة» فأغلظا لهم ~~الكلام حتى يرجع فقاتل أهل سقيوما قتالا شديدا حتى أخذوا لواء من ألوية ~~العرب، فكانوا يقاتلونهم به حتى تسور عليهم عياض بن عقبة من خلفهم فى ~~قلعتهم، فانهزم البربر واشتد القتل عليهم ... التى دخل عليهم منها عياض، ~~فمات القوم وبادرهم ... إلى اليوم. وذكر PageV01P054 # ابن أبى حسان أن موسى لما فتح [سقيوما] كتب إلى الوليد بن عبد الملك: إنه ~~صار لك من سبى سقيوما مائة ألف رأس. فكتب إليه الوليد: «ويحك! إنى أظنها من ~~بعض كذباتك، فإن كنت صادقا فهذا محشر الأمة». # فلما وصل موسى إلى قرطبة، استجار طارق بابنه عبد العزيز فشفع له عند ~~أبيه، ودخل موسى قرطبة فأتاه طارق بن زياد فترضاه، وقال: «إنما هذا الفتح ~~لك، وإنما أنا مولاك» فقبل منه وعفى عنه، فتكاملت بقرطبة الجيوش من العرب ~~والبربر فصاروا فى خلق عظيم، فلما رأى موسى بن نصير ذلك دعا بطارق بن زياد، ~~فوجهه على أعنة الخيل إلى مدينة طليطلة. ### || فتح مدينة طليطلة # وهى مما يلى الأفرنج، فانتخب له الرجال، وسار طارق حتى وقف عليها وأناخ ~~بها وبها اشراف أهل الأندلس وأموالهم وذخائرهم فقاتلهم قتالا شديدا حتى ~~افتتحها، فأصاب فيها جميع كنوزهم وأموالهم، وغنم منها من الجوهر ما لا يجد ~~له قيمة، وأصاب فيها مائدة سليمان بن داود- (عليهما السلام)- وكانت من ذهب ~~مكللة بالدر والياقوت وضروب الجوهر، وكان سبب وصولها إلى طليطلة: أن الروم ~~أخذوا ما كان فى بيت المقدس من مكارم الأنبياء- (عليهم السلام)- حملوها إلى ~~مدينة رومية وحمل أسقافة النصارى مائدة سليمان إلى مدينة الأسكندرية، فلما ~~غزا عمرو بن العاص مصر هربوا إلى مدينة طرابلس، فلما نزل عمرو بن العاص ~~«لبدة» هرب بها الروم إلى قرطا جنة، فلما دخل المسلمون إفريقية هربوا بها ~~إلى مدينة طليطلة، ولم يكن لهم أمنع منها، فلما ظفر بها طارق نظر إلى ms13 عجب ~~لم ير مثله قط! فأمر بزبر جدها (أ) فقلع، وهى مكللة بالدر والياقوت، وعمل ~~لها رجلا غيرها، ونهض بجميع ما معه من الجواهر والأموال إلى موسى، ونظر من ~~المائدة إلى عجب لم ير مثله، وذلك سنة أربع وتسعين، فأتى موسى بن نصير شيخ ~~كبير قد عصب على حاجبيه من الكبر، فقال له موسى: «من أنت؟!» فقال: «رجل من PageV01P055 # أهل هذه البلاد» قال له: «ما لنا من العلم عندك؟» قال: «افتتحتم قمونية» قال: # «نعم!» قال: «فإنكم لابد أن تنتهوا من هذه البلاد إلى منتهاكم» فنهض موسى ~~بفتح مدائن الأندلس مدينة بعد مدينة حتى انتهى إلى مدينة «أربونة» فأراد ~~لقاء ملك أفرنجة، فأخذ حنش الصنعانى بلجامه وقال: «سمعتك أيها الأمير تقول ~~حين فتحت طنجة لم يكن لعقبة ولا لأبى المهاجر من ينصحهما حتى أتيت أنصحك ~~اليوم، فارجع، فقد توغلت بالمسلمين. # وعن يوسف بن هشام: قال: كان جدى من خاصة موسى، فأخبرنى، قال: # انتهينا إلى صنم، فوجدنا فى صدر ذلك الصنم: «ارجعوا يا بنى إسماعيل، فإلى ~~هذا منتهاكم، وإن سألتم إلى ماذا ترجعون أخبرتكم أنكم ترجعون إلى الاختلاف ~~فى ذات بينكم حتى يضرب بعضكم بعضا، وقد فعلتم». # وذكر عمر بن سهل، مولى موسى بن نصير، قال: لما أراد موسى الانصراف من ثغر ~~الأندلس وضعت أكوام الذهب والجواهر والفضة بين يديه، فأمر بالنيران فأوقدت ~~ورمى فيها الجواهر والزمرد والياقوت وغير ذلك، فما صلب على النار ولم ينفرق ~~عزله، وما تفرق منه تركه، وأتى بالمائدة فوضعت، وذكر لموسى شيخ كبير فدعا ~~به، فإذا شيخ قد وقعت حاجباه على عينيه قال له موسى: «اخبرنى كم أتى عليك ~~من السنين؟» قال: # «خمسمائة سنة» قال له موسى: «ما هذه المائدة؟!» قال: «هذه مائدة سليمان ~~بن داود- (عليهما السلام)-» قال: وكيف وقعت إلى ... النصرانية عن اليهود ~~قتل عيسى- (عليه السلام)- ... بها إلى بيت المقدس وحلف بطروش الملك ليرد من ~~البيت ... فحمل عدو الله الزبل من الأندلس فى مراكب حتى رماه فى بيت المقدس ~~وغزت النصرانية من كل مكان واقتسموا ما فى ms14 بيت المقدس فصار لأهل الأندلس ~~الذرارى والمائدة، وصار لأهل رومية تابوت داود وعصا موسى- (عليهما ~~السلام)-، والتوراة وحلة آدم- (عليه السلام)- وصار لأهل قسطنطنية ~~الياقوتية»، فقال موسى: «وما تلك الياقوتة؟» قال: «ياقوتة ذى القرنين التى ~~كان يهتدى بها فى الظلمات، وهذه أول ما رجع إلى بيت المقدس، وسيرجع كله». PageV01P056 # فاجتاز موسى بالأموال والذهب والفضة والجواهر والمراكب إلى طنجة ثم حملها ~~على العجل، فكانت وسق مائة عجلة وأربع عشر عجلة، تبدل عليها الأزواج فى كل ~~مرحلة، وقيل لرجل من أصحاب موسى يقال له أبو حميد: «كيف كانت المائدة؟» ~~قال: «كانت من ذهب مشوب بشىء من فضة ملون بحمرة وصفرة، وكانت مطوقة بثلاث أطواق: # طوق من ياقوت، وطوق من زمرجد، وطوق من لؤلؤ» قلت: «فلما كان يحملها؟» قال: # لما كنا بباغاية أفلت بغل لرجل من أهل العسكر قطع ... الأخبية، وإذا من ~~فى العسكر موسى بن نصير أحمل (كذا) عليه حمائلا، فما بلغ المرحلة حتى تفسخت ~~قوائمه قال: «إن موسى دعا ذلك الشيخ فقال له: «أين بلدك؟» فقال: «قرطاجنة» قال: # موسى «كم أقمت بها؟ قال: «عمرت به ثلاثمائة سنة وبالأندلس مائتى سنة». ### || خبر قرطاجنة ومن بناها # فقال: «كيف كان خبر قرطاجنة، ومن بناها؟» قال: «قوم من بقية آل عاد الذين ~~هلك قومهم بالريح، وبقيت بعدهم خرابا ألف عام، حتى أتى الزبير بن لاود بن ~~ثمود الجبار، فبناها على البناء الأول ثم احتاج إلى الماء العذب، فبعث إلى ~~أبيه، وكان أميرا على الشام، وعمه على السند والهند، وكان ملكه من قرطاجنة ~~إلى الأندلس، فأرسل إليه أبوه المهندسين، فهندسوا له الماء حتى وصلوا إلى ~~قرطاجنة» قال: «وكم كان عمره؟» قال: «سبعمائة سنة» فارتادوا له مجرى القناة ~~أربعين سنة، وكان لما حفر أساسه، وجد حجرا مكتوبا فيه: «هذه المدينة علامة ~~خرابها إذا ظهر فيها الملح». فبينما نحن ذات يوم فى غدير قرطاجنة إذ بان ~~الملح على الحجر، فعندها رحلت إلى هاهنا، ثم إن موسى بن نصير ولى على ~~الأندلس ابنه عبد العزيز وخلف معه حبيب بن أبى عبدة بن ms15 عقبة بن نافع وشخص ~~موسى قافلا إلى الشام فوصل إلى مدينة القيروان، فى آخر سنة خمس وتسعين فلم ~~ينزلها ونزل منها على ميل من القيروان. # فحكى شيخ من أهل إفريقية .. الهمذانى: أن موسى بن نصير قعد فى مجلسه PageV01P057 # وجاءه العرب ممن سافر معه وممن خلفه مع ابنه عبد الله بإفريقية، فلما ~~احتفل المجلس، قال: «قد أصبحت اليوم فى ثلاث نعم، اقرأ يا غلام كتاب أمير ~~المؤمنين»، فقرأ كتاب الوليد بشكره والثناء عليه، ووصف ما أجرى الله تبارك ~~وتعالى من الفتوحات على يديه، فحمد الله فقاموا إليه فهنأوه بذلك. ثم قال: ~~اقرأ كتاب ابنى عبد العزيز، يصف ما فتح الله بعده فى الأندلس، فقاموا إليه، ~~فهنأوه. ثم قال: «وأما الثالثة، فأنا أريكموها» وأمر برفع ستر خلفه، فإذا ~~ببهو فيه جوار مختلفات الألوان من ملساء إلى ناهد إلى منكسرة، عليهن الحلى ~~والحلل، فهنىء بذلك، وعلى بن رباح اللخمى ساكت. فقال له موسى: «يا على ما ~~لك لا تتكلم؟!» فقال: «أصلح الله الأمير، قد قال القوم» قال: «وقل أنت» ~~قال: «أنا أقول، وأنا انصح الناس لك: إنه ما من دار ملئت حبرة إلا امتلأت ~~عبرة، ولا انتهى شىء إلا رجع، فارجع قبل أن يرجع بك! قال: «فانكسر موسى. ~~ثم التفت فقال: يا فلان جئنى بهؤلاء الجوارى، هذه قم يا فلان فخذ هذه حتى ~~أزفهن كلهن، فأقام بعد عيد الأضحى بقصر الماء ثلاثة أيام بعسكره. # ثم رحل إلى المشرق، ومعه طارق، وقد قفل به وبكل ما أصاب من (أ) الأموال ~~والجوهر والمائدة، وخلف على إفريقية عبد الله ابنه وكان أكبر بنيه، وعلى ~~طنجة ابنه عبد الملك وسار فلما ... ومر بخربة عادية ومدينة من مدائن ~~الأولين نزل، فركع ركعتين، ومشى فيها، وفكر فى معالمها وآثارها وبكى بكاء ~~كثيرا. ثم إنه ركب يريد الشام، فلما كان بالعريش جاءه كتاب الوليد يستعجله، ~~وجاءه كتاب سليمان يأمره بالتربص، وكان سليمان ولى عهده، وكان الوليد مريضا ~~بدير من غوطة دمشق، فأسرع موسى ولم ينظر فى كتاب سليمان، ودفع الأموال ms16 إلى ~~الوليد، وأهدى إليه المائدة والدر والياقوت، وذكر موسى للوليد أنه الذى ~~أصاب المائدة وفتح طليطلة. فلما رأى ذلك طارق دخل على الوليد وهو مريض، ~~أعلمه بالقصة وأخبره أن موسى تعدى فى أموال المسلمين وأنفقها فبعث إلى ~~موسى، وجمع بينهما بين يديه، وكذبه موسى، فقال له طارق: «يا أمير المؤمنين، ~~ادع بالمائدة، وانظر هل ذهب منها شىء» فدعا بها الوليد، ونظرها فإذا رجل ~~من أرجلها لا يشبه بقية الأرجل، فقال له طارق: «سله عنها يا أمير المؤمنين، ~~فإن أخبرك بأمر الرجل PageV01P058 # وإلا استدللت صدقى على كذبه» فقال موسى: «هكذا وجدتها؟!» فقال طارق: ~~«الرجل عندى» فلما دعا بها ونظرها وضعها فى المائدة، علم أنها منها فصدقه ~~الوليد وقبل قوله واختاره، ونزل منه أقرب مما كان وكذب موسى وأمر بحبسه، ~~وأحضر من يعرف قيمة الجوهر، فقومت تلك المائدة بمائتى ألف دينار، ولم يلبث ~~الوليد إلا ثلاثة أيام حتى مات. ### | موت الوليد بن عبد الملك ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ست وتسعين # توفى سلخ جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكانت خلافته تسع سنين وثمانية ~~أشهر، وبويع لسليمان بن عبد الملك بالخلافة حين توفى الوليد، فسخط على ~~موسى، وقال له: يا يهودى، كتبت إليك فلم تنظر فى كتابى، هلم مائة ألف! قال: ~~«يا أمير المؤمنين، قد أخذتم جميع ما فى يدى، فمن أين لى بمائة ألف؟» فقال: ~~«لابد من مائتى ألف دينار» فاعتذر إليه، فقال: «لا بد من ثلاثمائة ألف»، ~~وأمر بتعذيبه وعزم على قتله. فلجأ موسى بن نصير إلى يزيد بن المهلب فاستجار ~~به، وكانت ليزيد ناحية من سليمان فاستوهبه دمه، فقال: «يؤدى ما عنده». ### | ولاية محمد بن يزيد (1) مولى قريش # قال الواقدى: «ثم إن سليمان بن عبد الملك، قال لرجاء بن حيوة: يا رجاء ابغنى PageV01P059 # رجلا له فضل فى نفسه ونهوض بما ولى أوليه إفريقية». قال رجاء: «سأنظر فى ~~ذلك يا أمير المؤمنين» وسكت أياما، ثم جاءه، فقال: «قد وجدت رجلا له فضل فى ~~نفسه ونهوض بما ولى» قال: «من هو؟» ms17 قال: «محمد بن يزيد مولى قريش» قال: «ما ~~اعرفنى به، أدخله فأدخله رجاء» على سليمان، فقال له سليمان: «يا محمد بن ~~يزيد، اتق الله وحده لا شريك له، وقم فيمن وليتك بالحق والعدل، اللهم اشهد ~~عليه» فخرج وهو يقول «ما لى عذر إن لم أعدل». # فولى محمد إفريقية سنة تسع وتسعين، وكانت ولايته سنتين وأشهرا، فى أحسن ~~سيرة وأعدلها ببركة سليمان، وكتب سليمان إلى محمد بن يزيد: أن يأخذ آل موسى ~~بن نصير وكل من التبس بهم حتى يوفوا ثلاثمائة ألف دينار، ولا يرفع العذاب ~~عنهم، فقبض على عبد الله بن موسى، فحبسه فى السجن، ثم جاء بريد آخر: بضرب ~~عنقه، فولى ضرب عنقه خالد بن أبى حبيب، وأما عبد العزيز بن موسى، فإنه كان ~~عاملا لأبيه على الأندلس، فتزوج بعد خروج أبيه إلى إفريقية امرأة لذريق ملك ~~روم الأندلس، الذى قتله طارق بن زياد. فجاءته من الدنيا بشىء عظيم لا ~~يوصف، فلما دخلت عليه، قالت: # «مالى أرى أهل مملكتك لا يعظمونك ولا يسجدون لك، كما كان أهل مملكة زوجى ~~يعظمونه ويسجدون له؟» وقالت: «إن هم سجدوا لك وعظموك أخرجت لك كنز ملوك ~~الأندلس». فلما سمع ذلك منها، أمر بباب فنقب فى ناحية من قصره قبالة الموضع ~~الذى يجلس فيه، وكان يأذن للناس منه، فكان يدخل الرجل حين يدخل منكسا رأسه، ~~مكبا على يديه، لقصر الباب، وهى على سريرها تنظر إلى الناس من حيث لا ~~يرونها، فلما رأت ذلك ظنت أنه سجود، فقالت لعبد العزيز: «الآن أقررت عينى، ~~وأخرجت له أموالا عظيمة. وبلغ الناس أنه إنما أمر بهذا الباب، ليخبرها أنه ~~إنما أمر الناس يسجدون له، فثار عليه حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع ~~الفهرى، وزياد بن عابدة البلوى، وزياد بن نابغة فيمن معهم من الناس فقتلوه، ~~وذلك فى آخر سنة ثمان وتسعين، فى آخر PageV01P060 # خلافة سليمان بن عبد الملك، ثم مكثوا بعده لا يجمعهم إمام. # وقال غير الواقدى: (1) بلغ عبد العزيز ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته، ms18 ~~فخلع، طاعة بنى مروان، وخالفهم، فأرسل إليه يتهدده، فلم يرجع إلى الطاعة، ~~وجاء بالكتاب إلى حبيب ابن أبى عبيدة إلى وجوه العرب، فقالت لهم الرسل: «ما ~~يمنعكم من هذا اليهودى»؟ # قالوا: لا طاقة لنا به. فقالوا: والله لئن لم تقتلوه لنخبرنه، فسقط فى ~~أيديهم. وأقبل حبيب بن أبى عبيدة مشتمار على سيفه، فلما خرج عبد العزيز إلى ~~صلاة الصبح، فقرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ «الحاقة» فقال له حبيب: «حقت والله ~~عليك يا بن الفاعلة» وعلاه بالسيف، فقتله، وحمل رأسه ورأس عبد الله إلى ~~موسى فوضعا بين يدى أبيهما، ولم يزل موسى يعذب حتى مات، واستعمل محمد بن ~~يزيد على الأندلس الحسن بن عبد الرحمن القيسى، وكانت الأندلس إذ ذاك إلى ~~والى إفريقية، وكان محمد بن يزيد يبعث السرية إلى ثغور إفريقية فما أصابه ~~خمسه ثم قسمه عليهم، ثم قسم الخمس أيضا. ### | وفاة سليمان بن عبد الملك وولاية عمر بن عبد العزيز فى سنة تسع وتسعين # توفى سليمان بن عبد الملك، فى ربيع الأول سنة تسع وتسعين، وكانت خلافته ~~سنتين وثمانية أشهر، ثم بويع لعمر بن عبد العزيز بالخلافة، حين توفى سليمان ~~فاستعمل على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم ~~فأقام بها واليا سنة مائة وسنة إحدى ومائة فى خلافة عمر بن عبد العزيز- ~~(رحمه الله)- وكان خير وآل، وخير أمير، وما زال حريصا على دعاء البربر إلى ~~الإسلام فأسلم بقية البربر على يديه. PageV01P061 ### | وفاة عمر بن عبد العزيز ولاية يزيد بن عبد الملك فى سنة إحدى ومائة # توفى عمر بن عبد العزيز- (رحمه الله)- بدير سليمان، لست خلون من شعبان ~~سنة إحدى ومائة. فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، ثم ولى يزيد بن عبد الملك، ~~واستعمل على إفريقية يزيد بن أبى مسلم، مولى الحجاج وصاحب شرطته. ### | ولاية يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج (1) # فقدمها سنة ثنتين ومائة، فمكث أشهرا وحرسه البربر خاصة، ليس فيهم أحد من ~~البرانس، فقام يزيد بن أبى مسلم خطيبا على المنبر، فقال: «أيها الناس، إنى ~~قد ms19 رأيت أن أسم حرسى فى أيديهم، كما تفعل ملوك الروم بحرسها، فأسم فى يمين ~~الرجل اسمه، وفى يساره «حرسى» ليعرفوا فى الناس بذلك من غيرهم، فإذا دفعوا ~~إلى أحد أسرع فيما أمرته به، فلما سمع ذلك حرسه اتفقوا عليه، وغضبوا، ~~وقالوا: «جعلنا بمنزلة النصارى!». # ودب بعضهم إلى بعض وتعاقدوا على قتله، فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة ~~المغرب، قتلوه فى مصلاه. فتكلم الناس على رجل يقوم فيهم حتى يأتيهم أمر ~~الخليفة، فتراضوا بالمغيرة بن أبى بردة القرشى، وكان شيخا كبيرا. فقال له ~~ابنه، عبد الله، وهو الذى ولى بعد ذلك قضاء إفريقية: «أيها الشيخ، إن هذا ~~الرجل، يعنى: يزيد بن أبى مسلم، قتل بحضرتك، فإن قمت بهذا الأمر بعده لم ~~آمن عليك أن يظن بك الخليفة قتله، ويتهمك أن تكون عملت فيه لنفسك ولكن ~~الرأى أن تتراضى بمحمد بن أوس PageV01P062 # الأنصارى- وكان غائبا- بصقلية، فإذا قدم كتب إلى الأمير بالأمر، فإنه لا ~~يتهمه وهو عامل علينا له، وسيقبل قوله ويصدقه. فقبل الشيخ رأى ابنه، فلم ~~يلبث محمد إلا يسيرا حتى قدم بغنائم أصابها، فقلدوه أمر إفريقية فكتب إلى ~~يزيد بن عبد الملك يخبره بما كان فى وجهه، وبما حدث من الأمر بإفريقية ~~ورضاء الناس به، وبعث فى ذلك خالد بن أبى عبيدة التجيبى، وهو من أهل تونس، ~~فقبل منه وعفا عما كان من حديثهم. قال خالد: «فدعانى، خاليا، فسألنى أى رجل ~~محمد بن أوس الأنصارى»، فقلت: # «رجل من أهل الدين، والفضل، معروف بالفقه» قال: «فما بها قرشى إلا ~~المغيرة بن أبى بردة» قال: «قد عرفته، فما باله لم يقدم» قلت: «إنى ذلك». ~~فاستعمل يزيد على إفريقية بشرا. ### | ولاية بشر بن صفوان الكلبى (1) # فقدمها سنة ثلاث ومائة، ثم إن بشرا وفد بعد ذلك إلى يزيد فألقاه قد هلك ~~فى ربيع الأول سنة خمس ومائة، فكانت خلافته أربع سنين وشهرا وأربعة أيام، ~~ثم ولى هشام بن عبد الملك، فرد بشر بن صفوان إلى إفريقية. فلما قدمها ولى ~~على الأندلس عبد الله بن سحيم ms20 الكلبى، وعزل عنها الحسن بن عبد الرحمن ~~القيسى، ثم إن بشر بن صفوان غزا صقلية بنفسه، فأصاب سبيا كثيرا ثم رجع من ~~غزوته، فتوفى بالقيروان سنة تسع ومائة، فلما احتضر صاحت جارية عند رأسه: ~~«وا شماتة الأعداء يا سيداه!» قال: «قولى للأعداء لا يموتوا»، واستخلف فى ~~موضعه العباس بن ناصعة الكلبى، فكانت ولاية بشر بن صفوان فى المرة الأولى ~~(أ)، والثانية سبع سنين.، فلما انتهى موت بشر بن صفوان إلى هشام استعمل على ~~إفريقية عبيدة. PageV01P063 ### | ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمى (1) # وهو أخو الأعور السلمى صاحب خيل معاوية- (رحمه الله)- بصفين، فقدمها فى ~~سنة عشر ومائة. فحكى موسى بن أشعث قال: «خرجت من منزلى إلى الرملة، وكانت ~~سكة للبريد، فبينا أنا متوجه نحو القيروان إذا أنا بركب ثمانية على دواب ~~البريد، فتصديت للقائهم، فإذا قوم سراة، أجد عرف المسك كلما ضربت الريح إلى ~~منهم، فسلم أحدهم وهو من أحسنهم هيئة وملبسا ومركبا، فرددت (عليه السلام)، ~~وقال: «سر هاهنا»، فملت إليه آخذ معهم نحو القيروان، فسألنى عن بعض حديث ~~الناس والبلد، سؤال من لا يعرف البلد. فقلت: «إذا توالت الغيوث فالواحد ~~مائة» قال: «ينبغى أن يكون فحصا مسناتا، يعطى عاما فى أعوام» قلت: «أجل! ~~وقد سألتنى فأخبرتك، وأنا أحب- أصلحك الله- أن أعرف من أنت، فإنى أرى شارة» ~~قال: «أنا أميرك عبيدة بن عبد الرحمن»، فما زلت أساقطه الحديث، مرة أنشىء ~~ومرة أجيب، حتى جئنا مدينة القيروان، فمال إلى دار الإمارة وذلك يوم الجمعة ~~فألفى العباس بن ناصعة الكلبى قد تهيأ لشهود الجمعة، ولبس ثيابه، فقيل له: ~~«هذا عبيدة قد قدم أميرا» فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، هكذا تقوم ~~الساعة بغتة!» فألقى بنفسه، فما حملته رجلاه ودخل عبيدة بن عبد الرحمن يجمع ~~الناس، وأخذ عمال بشر فحبسهم وأرغمهم وتحامل عليهم، وعذب بعضهم وكان فيهم ~~أبو الخطار بن ضرار الكلبى وكان قائدا جليلا ورئيسا شريفا فى قومه، مع ~~فصاحة وبيان، وقول حسن الشعر، وولى فى إفريقية ولايات كثيرة فى إمارة بشر ~~ابن صفوان، وولى ms21 بعد ذلك إمارة الأندلس، فقال: # أفادت بنو مروان قيسا دماءنا %~% وفى الله إن لم يعدلوا حكم عدل # وقيناكم حر القنا بصدورنا %~% وليس لكم خيل سوانا ولا رجل PageV01P064 ### | وولى هشام إفريقية كلثوم بن عياض القشيرى (1) # فقدم فى شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد عقد له على اثنى عشر ألفا ~~من أهل الشام، وكتب إلى والى كل بلد أن يخرج معه، فسار معه عمال مصر وبرقة ~~وطرابلس حتى قدم إلى إفريقية، فنكب عن القيروان ونزل بسبيبة، وكان على ~~طلائعه بلج بن بشر القيسى، فلما وصل بلج إلى القيروان قال: «يا أهل ~~إفريقية، لا تغلقوا أبوابكم، حتى يعرف أهل الشام منازلهم» مع كلام يغيظهم ~~به، فكتب عرب إفريقية إلى حبيب بن أبى عبيدة، وهو مواقف للبربر: إنك تواقف ~~عدوا، وهذا عدو قد نزل بنا، يريد نزول ديارنا علينا، وعرفوه بما قال، فكتب ~~حبيب بن أبى عبيدة إلى كلثوم: أن ابن عمك السفيه قال لأهل بلدنا كذا وكذا، ~~فارحل بعسكرك عنهم، وإلا حولنا أعنة الخيل إليك «فكتب كلثوم إلى حبيب يعتذر ~~إليه، ويأمره أن يقيم بشلف ولا يجاوزه حتى يقدم عليه، واستخلف كلثوم على ~~القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفارى، وهو إذ ذاك قاضى إفريقية، ثم سار ~~كلثوم ووجه على مقدمته بلج بن بشر فوصل بها إلى عسكر حبيب، فرفضه بلج ~~واستهان به، وخطب الناس فسب حبيب بن أبى عبيدة وانتقصه، وقال: «هذا الذى ~~يحول أعنة الخيل إلينا!» «فقام إليه عبد الرحمن بن حبيب، وهو إذ ذاك حدث ~~السن، وقال يا بن أم بلج، هذا حبيب فاعرض له إذا شئت،» وصاح بالناس: ~~«السلاح السلاح!!. فمال أهل إفريقية إلى ناحية ومعهم أهل مصر، ومال أهل ~~الشام إلى الناحية، ثم سعى بينهم بالصلح. # وكان هذا الاختلاف سبب هلاكه مع سوء رأى ... # فلما بلغتم نيل ما قد أردتم %~% وطابت لكم فيها المشارب والأكل # تغافلتم عنا كأن لم نكن لكم %~% صديقا وأنتم ما علمت لنا وصل PageV01P065 # وبعث بها إلى الأبرش الكلبى، فدخل بها على هشام، وقرأها. فغضب ms22 هشام، وأمر ~~بعزل عبيدة بن عبد الرحمن عن إفريقية. فقفل منها، واستخلف على إفريقية عقبة ~~بن قدامة التجيبى، وذلك فى شوال سنة أربع عشرة ومائة، وولى هشام بن عبد ~~الملك على إفريقية عبيد الله. ### | ولاية عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول (1) # وكان رئيسا نبيلا، وأميرا جليلا، وكاتبا بليغا، وحافظا لأيام العرب ~~وأشعارها ووقائعها وأخبارها، وكان يقول الشعر، وهو الذى بنى الجامع، ودار ~~الصناعة بمدينة تونس فى سنة ست عشرة ومائة. # قال عبد الله بن أبى حسان اليحصبى عن أبيه، قال: «رأيت عبيد الله بن ~~الحبحاب يوما ينظر فى دفتر العطاء، ويملى لرسالة ويأمر بحاجات فى ناحية ~~أخرى، ويأمر فى خلال ذلك بالحكم بين رجلين متنازعين، وكان أوله كاتبا، ثم ~~تناهت به الحال إلى أن ولى إفريقية، وذلك فى ربيع الأول سنة ست عشرة ومائة، ~~واستخلف ولده القاسم على مصر، واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج، وعزل ~~عنها عنبسة بن سحيم الكلبى، واستعمل على طنجة ابنه إسماعيل، وبعث حبيب بن ~~أبى عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض ~~السودان، ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من الذهب والسبى أمرا عظيما، ~~ولم يدع فى المغرب قبيلة إلا أداخها فملئوا منه رعبا وخوفا، وكان فيما أصاب ~~من سبى البربر جاريتان ليس لكل واحدة منهن إلا ثدى واحد وسبى من قبيل من ~~قبائل البربر يقال لهم «مسوقة» فى طريق السودان نساء لهن جمال، وكان لهن ~~أثمان جليلة ما مثلها، ورجع سالما حتى قدم على ابن الحبحاب، وأقام ابن ~~الحبحاب مدة، والأمر يجرى على ما يجب من الظفر والغلبة. PageV01P066 # ثم غزا حبيب بن أبى عبيدة فى البحر إلى صقلية، وذلك فى سنة اثنين وعشرين ~~ومائة، معه ابنه عبد الرحمن بن حبيب، فلما نزل بأرضها وجه ابنه عبد الرحمن ~~على الخيل، فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن، وأظفر ظفرا لم ير مثله، ومضى ~~حتى نزل «سرقوسة» وهى أعظم مدينة بصقلية، فقاتلوه فهزمهم حتى ضرب بابها ~~بالسيف، فأثر فيه، ms23 فهابه النصارى، ورضوا بالجزية، ثم توجه إلى أبيه خوفا أن ~~يخالفه العدو إليه، وكان ابن الحبحاب قد ولى طنجة وما والاها عمر بن عبيد ~~الله المرادى، فأساء السيرة، وتعدى فى الصدقات، والقسم أراد أن يخمس ~~البربر، وزعم أنهم فى المسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله، وإنما كانت ~~الولاة يخمسون من لم يؤمن منهم، ولم يجب إلى الإسلام. فلما بلغ البربر خروج ~~حبيب بن أبى عبيدة إلى بلد الروم انتقضوا على عبيد الله بن الحبحاب بطنجة، ~~وتداعت عليه بأسرها، وعظم البلاء وذلك فى سنة اثنين وعشرين ومائة، وهى أول ~~فتن كانت بإفريقية فى الإسلام، فعند ذلك خرج ميسرة المدغرى فقام على عمر بن ~~عبيد المرادى، فقتله. # وفى المغرب يومئذ قوم فيهم دعوة الخوارج وفيهم عدد كثير وشوكة، وكتب عبيد ~~الله بن الحبحاب إلى أبى خالد حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع بالرجوع ~~من صقلية، وولى خالد بن أبى حبيب الفهرى على أشراف إفريقية ووجوههم، وشخص ~~إلى ميسرة ووصل حبيب بن أبى عبيدة من صقلية، فعقد له ابن الحبحاب، وأمره أن ~~يلحق بخالد، فوجه حبيب فى أثره، وسار خالد حتى عبر «وادى شلف»، وهو نهر فى ~~أرض البربر، على ساحل من» تيهرت». ثم قدم حبيب بن أبى عبيدة حتى نزل على ~~وادى شلف فأقام ولم يبرح، ومضى خالد بن أبى حبيب من فوره حتى لقى ميسرة دون ~~طنجة، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله، ثم انصرف ميسرة إلى طنجة، ~~وأنكرت عليه البربر سوء سيرته، وتغيروا عما كانوا بايعوه عليه، وقد بويع ~~بالخلافة، فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتى: فالتقى خالد بن أبى ~~حبيب والبربر، فكان بينهم قتال شديد، فبينما هم كذلك إذ غشيهم ابن حميد ~~الزناتى بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر وانهزموا، فكره خالد أن ينهزم، ~~فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت، فقتل خالد بن أبى حبيب وجميع من معه PageV01P067 # حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد، وقتل فيها جماعة العرب وفرسانهم، فسميت ~~تلك الوقعة «غزوة الأشراف» وانتقضت ms24 البلاد و... الناس، وبلغ أهل الأندلس ~~ثورة البربر، فوثبوا على أميرهم عقبة بن الحجاج الساولى، فقتلوه وولوا عبد ~~الملك بن قطن الفهرى، واختلفت الأمور على عبيد الله بن الحبحاب، واجتمع ~~الناس وعزلوه عن أنفسهم، وبلغ ذلك هشام بن عبد الملك، وقال: اقتل أولئك ~~الرجال الذين كانوا يفدون علينا من المغرب أصحاب الغنائم؟ قيل: «نعم يا ~~أمير المؤمنين» قال: «والله لا غضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشا ~~أوله عندهم وآخره عندى: ثم لا تركت حصن بربرى إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسى ~~أو تميمى.» ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه، فخرج فى جمادى الأولى سنة ~~ثلاث وعشرين ومائة. # وكان صفريا يعبد الله، وهو الذى قدم على طليعة أهل الشام مع عبيد الله بن ~~الحبحاب، فتلقى مسلمة عكاشة بقابس فاقتتلا قتالا شديدا، وقتل فيما بينهما ~~عدد كثير وانهزم مسلمة، ورحل عكاشة حتى وصل إلى المكنسة، وهى من حدود تهودة ~~مما يلى سبيبة. فسار إليه عبد الرحمن بن عقبة فى جيش عظيم. فانهزم عكاشة ~~وقتل كثير من أصحابه، وتفرق كثير منهم، وهرب عكاشة وانصرف عبد الرحمن بن ~~عقبة إلى القيروان. # ولما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بن عياض وأصحابه؛ وبعث إلى أفريقية ~~حنظلة بن صفوان. ### | إمرة حنظلة بن صفوان الكلبى (1) # وكان عامله على مصر، وولاه عليه سنة تسع عشرة ومائة، فأقام عليها حتى ~~وجهه إلى PageV01P068 # إفريقية سنة أربع وعشرين ومائة، فقدمها فى شهر ربيع الآخر منها. فكتب ~~إليه أهل الأندلس، ومن بها من أهل الشام وغيرهم، يسألونه أن يبعث إليهم ~~واليا، فبعث إليهم أبا الخطار بن ضرار الكلبى فسار فى البحر من تونس إلى ~~الأندلس واليا عليها فأدوا إليه الطاعة، ودامت له البلاد، فلم يمكث حنظلة ~~بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الصفرى الخارجى بجمع عظيم من ~~البربر، وقد كان حين انهزم من المكنسة فى قبائل البربر، فزحف إلى حنظلة فى ~~عسكر لم ير أهل إفريقية مثله قط من البربر ولا أكثر منه، وزحف أيضا حنظلة ~~عبد الواحد ms25 بن يزيد الهوارى فى عدد عظيم، وكانا افترقا من الزاب، فأخذ ~~عكاشة على طريق مجانة، فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد بن يزيد على طريق ~~الجبال فنزل «طساس» وعلى مقدمته أبو عمره المغيلى، فرأى حنظلة أن يجعل قتال ~~عكاشة قبل أن يجتمع عليه البربر، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان، والتقوا ~~بالقرن، فكان بينهم قتال شديد فنى فيه خلق كثير من الناس، وهزم الله عكاشة ~~وأصحابه، فقتل من البربر ما لا يحصى كثرة، وقيل إن حنظلة لما رأى كثرة ما ~~دهمه من البربر قال لأصحابه: «نخندق على أنفسنا ونستمد أمير المؤمنين»، ~~فقال عمرو بن عثمان القرشى، وهو إذ ذاك شاب حدث السن: «الله الله يا حنظلة، ~~اتستمد أمير المؤمنين والكرائم محصورات يمتن هزلا، بل نخرج إلى عدونا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين». # فعزم حنظلة، وعزم الناس، ونزل العدو وخرج رجل من البربر من أصحاب عكاشة ~~يدعو إلى البراز، فلم يجبه أحد فقال حنظلة: «ألا أحد يبرز إلى هذا!؟»، فبرز ~~إليه حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع فصاح به أخوه: ارجع عن هذا الكلب! ~~قال حنظلة: «ترد أخاك، فيرد كل واحد وليه عن هذا الكلب، خلوا لهذا الكلب ~~الذمار، امض يا بن أخى. فمضى القرشى، فلما دنا من البربرى بدره البربرى ~~بالضربة، فأعطاه القرشى الدرقة، ثم ضرب ساقيه فبراهما، وسقط البربرى، فجلده ~~القرشى بالسيف، فقتله، وقال حنظلة: «الحملة!» فحمل الناس، فهزم الله عكاشة ~~ومن معه، وكانت النساء قد ركبن ظهور البيوت بالقيروان، فإذا رأين الغبار ~~سائرا إلى الجبل كبرن وسجدن، وإذا رأينه مقبلا صرخن واستغثن، فبعث حنظلة ~~البشير بهزيمة البربر، وانصرف راجعا PageV01P069 # إلى القيروان خوفا أن يخالفه عبد الواحد إليها، وقيل: إن عبد الواحد لما ~~وصل إلى باجة أخرج إليه حنظلة بن صفوان رجلا من لخم فى أربعين ألف فارس، ~~فقاتلوه بباجة شهرا فى الخنادق والوعر. # قال عمر بن غانم: أخبرنى أبى، قال: لما كان اليوم الذى انهزمنا فيه لم ~~نصب شعيرا لخيلنا فعلفناها القمح، ولم نظن أنه يكون ms26 ما كان من أمر الهزيمة، ~~فلما كان من غد انهزم اللخمى فلم تقم له قائمة حتى انتهى إلى القيروان، ~~فلما هزمنا وأخذنا الطرد أصاب خيلنا انتشار، فلا تزال ترى صرعى، فلما ~~توافينا إلى القيروان تحاسبنا، ففقدنا عشرين ألف فارس ووصلنا فى عشرين ~~ألفا. قال: وتوافى عبد الواحد، فنزل بالأصنام من جراوة، ثلاثة أميال عن ~~القيروان، وكان فى ثلاث مائة ألف. # قال عبد الواحد بن أبى حسان: فأخرج حنظلة كلما كان فى الخزائن من السلاح، ~~وأحضر الأموال، ونادى فى الناس، فأول من دخل عليه رجل من تجيب، من أهل قلعة ~~مجانة، قال له: «ما اسمك؟» قال «نصر بن ينعم» قال: فتبسم حنظلة كالمكذب له، ~~ثم قال له: «بالله أصدق» قال: «والله مالى اسم غير ما ذكرت لك» فدعا عريفه فقال: # «ما اسم هذا؟» قال: «نصر بن ينعم» فكبر حنظلة عند ذلك، وتفاءل به- ويقال ~~«نصر بن فتح»- وأمر بدرع فصبت عليه، وأمر بواحد بعد واحد يصب عليه الدرع ~~ويعطيه خمسين دينارا، فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر الناس عليه، فرد العطاء إلى ~~أربعين، ثم إلى ثلاثين، ولم يكن يقدم إلا شابا قويا فعبأنا حنظلة الليل ~~أجمع، والشمع حوله وبين يديه، فلم يصبح حتى عبأ خمسة آلاف دارع وخمسة آلاف ~~نابل، وجعل على الطلائع شعيب بن عثمان، وعلى الساقة عمرو بن حاتم، وعلى ~~الميمنة عبد الرحمن بن مالك الشيبانى. فلما دنوا من البربر وهم متوارون ~~بالقرب، وإذا بمنصور الأعور، وكان من أكبر فرسانه على الكدية الحمراء، وهو ~~على فرس أشهب معرفة، فأشار إلى أصحابه ثم انحدر إلينا غير مكترث بنا ولا ~~مبال بشىء حتى إذا كان غير بعيد منا أتبعه أصحابه وزحفنا إليه حتى أحسسنا ~~بأنفاسهم فى وجوهنا، وإذا بفارس يركض من عند حنظلة: أن قفوا!. قال: فوقفنا، ~~وإذا بقصاص وقراء من أهل العلم والدين والفقه قد PageV01P070 # أرسلهم إلينا، فتفرقوا فينا، وحرضوا على الجهاد، وذكروا فضله، وذكروا ~~مذهب عدونا الخوارج وعظم ما يريدونه بنا من السبى وهتك الحريم، وسفك الدم، ~~وأنه ليس ملجأ بعد ms27 هذا المقام. ومشى حنظلة على الصفوف، وأقبلوا يحرضون ~~الناس ويرغبونهم فى الجهاد، وخرج نساء القيروان، فعقدن الألوية، وأخذن معهن ~~السلاح، وعزمنا على القتال، واستبسلن للموت مع الرجال، وحلفنا لأزواجهن: ~~لئن انهزم أحد منكم إلينا موليا عن العدو لنقتتلنه، وعلمن ما يردن بهن ~~الصفرية من السبى والعبودية ووطن الناس على الموت، فهش الناس للقتال، ~~واشتدت نصرتهم حتى استبطأوا فراغ القوم من كلامهم ما سمعوا، ثم إن رسول ~~حنظلة أتى إلى القراء فقال: «تنحوا عن القوم، وخلوا بينهم وبين عدوهم على ~~اسم الله وعونه». قال: فنهضنا نهضة رجل واحد وتقدم شعيب بن عثمان فسل سيفه ~~وكسر جفنه، وفعلنا مثلما فعل. قال: فلقد رأيت الجفون قد تطايرت على رءوسنا ~~حتى صارت كالطير لكثرتها. # فذكر بن أبى حسان عن أبيه عن رجل من الصفرية، قال: شهدت ذلك اليوم، فلما ~~رأينا الجفون على رءوسهم أنكرنا ذلك: فقال بعض أصحابنا، هؤلاء بنو إسماعيل ~~قد كسروا أغماد سيوفهم، فانظروا إلى الرجال كيف يكونون، فجعل عبد الواحد ~~يحرض أصحابه وينادى: «يا أهل البصائر، قال: أول من خرج إلى رجل كالبعير ~~عظما، يدعو إلى البراز، فخرج إليه شعيب بن عثمان، فبدره البربرى بالضربة، ~~فقعد شعيب على مقعدته ثم وثب إليه، فقتله واحترز رأسه والتحم القتال وتنازل ~~الأقران، وتداعى الأبطال ولزم الرجالة الأرض، وجثوا على الركب فلا تسمع إلا ~~وقع الحديد وتواخذوا بالأيدى، فكانت كسرة على مسيرة العرب حتى جاوزوا قصر ~~الماء، وانكسرت مسيرة البربر قبلهم ثم كرت مسيرة العرب على ميمنة البربر ~~فكانت الهزيمة وفتح الله عز وجل لنا، فقتلناهم إلى جلولاء وخرجت إلينا ~~الصبيان والنساء بالماء والسويق، وكان ذلك يوم الثلاثاء، فأقمنا إلى يوم ~~الخميس ونحن لا نعلم بموت عبد الواحد عدو الله، حتى أتى إلى حنظلة برأسه، ~~فخر لله ساجدا وقيل: ما علم فى الأرض مقتله كانت أعظم منها وأخذ عكاشة ~~أسيرا بجبل آخر بمضيق، وأتى به حنظلة فقتلة، وأراد حنظلة أن يحصى من قتل ~~بينهم، وأمر PageV01P071 # بعددهم فما قدر على ذلك فأمر بقطع القصب وأمر أن ms28 تطرح قصبة على كل قتيل ~~ثم جمعت القصب وعدت، فكانت القتلى مائة ألف وثمانين ألفا، وكانوا صفرية ~~يستحلون الدماء وسبى النساء، وكتب بذلك حنظلة إلى هشام بن عبد الملك، فكان ~~الليث بن سعد يقول: ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة أحب إلى من غزوة ~~القرن والأصنام. ### | ولاية عبد الرحمن بن حبيب # كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهرى قد هرب إلى ~~الأندلس عند هزيمة كلثوم بن عياض فى الوقعة التى قتل فيها أبوه كلثوم: فلم ~~يزل وهو بالأندلس يحاول أن يغلب عليها فلم يمكنه ما يريد إلى أن وجه حنظلة ~~بن صفوان أبا الخطار إلى الأندلس فخاف عبد الرحمن على نفسه، ولم يتهيأ له ~~فخرج متسترا، فركب البحر إلى تونس فنزل بها، وذلك فى شهر جمادى الأولى سنة ~~سبع وعشرين ومائة، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه فسار حتى نزل بسمنجة، ~~فأراد أصحاب حنظلة الخروج إليه والزحف لقتله، فكره حنظلة ذلك كراهية شديدة ~~لهراقتة دماء المسلمين، وكان رجلا ورعا عن الدنيا ولا يرى السيف إلا فى ~~الكفرة وفى مثل الصفرية، الذين يستحلون دماء المسلمين وسبى ذراريهم وأخذ ~~أموالهم، وكان ذا دين وتقوى، فوجه إليه حنظلة جماعة من وجوه إفريقية يدعونه ~~إلى مراجعة الطاعة والنزوع عما هو عليه. # فلما قدموا على عبد الرحمن أوثقهم فى الحديد وأقبل بهم راجعا إلى ~~القيروان، وقال: «إن رمانى أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم» فبلغ ذلك من الناس ~~كل مبلغ، وكان القوم الذين ظفر بهم وجوههم وأشرافهم، فلما رأى ذلك حنظلة ~~دعا القاضى وجماعة من أهل الفضل والدين ففتح بيت المال بحضرتهم، وأخذ منه ~~ألف دينار وترك الباقى. وقال: # «ما أنا بماش منه إلا بقدر ما يكفينى ويبلغنى». ثم شخص عن إفريقية فى ~~جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة وأقبل عبد الرحمن بن حبيب حتى دخل ~~القيروان، ونادى مناديه «لا يخرجن أحد إلى حنظلة ولا يشيعه» فرجع الناس ~~خوفا من عبد الرحمن. PageV01P072 # فلما كان بالليل ركب عد العزيز بن ms29 قيس فرسه ولبس سلاحه- وهو عم أبى محرز ~~القاضى- يريد توديع حنظلة، فلما صار بقصر الماء سمع من خلفه وقع حوافر ~~دابة، فراعه ذلك ووقف للدفاع عن نفسه مستعدا، فإذا هو عمر بن غانم، فسأل ~~بعضهما عن بعض وتساءلا وتوجها حتى لحقا حنظلة، فراعه وقع حوافر دوابهما وظن ~~أن عبد الرحمن وجه فى طلبه خيلا، فلما وصلا إليه سر بهما، وجزاهما خيرا، ~~وسألاه أن يصحباه، فأبى من ذلك كراهة أن يحالفهما إلى أهلهما مكروه من عبد ~~الرحمن، فودعاه وانصرفا إلى القيروان، فبلغ ذلك عبد الرحمن فبعث إليهما ~~وقال: «خالفتما أمرى وارتكبتما نهيى» فذكرا أنه أحسن صحبتهما وأولاهما ~~جميلا، فبعث إليهما وعفا عنهما، وقبل عذرهما وسالهما أن يتوليا من أمره ما ~~كان يتوليان من حنظلة، ورغب فى وفائهما، فكان عمر بن غانم على حجابته، وعبد ~~العزيز بن قيس على شرطته، فلما قفل حنظلة، إلى المشرق دعا، وكان مستجابا، ~~فقال: «اللهم لا تهن عبد الرحمن هذا الملك ولا أهله وأسفك دماء هم بأيديهم، ~~وابعث عليهم شرار خلقك» ودعا على أهل إفريقية فوقع الوباء والطاعون، فأقام ~~بإفريقية سبع سنين، لا يكاد يرتفع إلا وقتا فى الصيف ووقتا فى الشتاء. # ولما ولى عبد الرحمن ثار عليه جماعة من العرب والبربر، ثم ثار عليه عروة ~~بن الزبير الصدفى، واستولى على تونس، ثم ثار عليه عرب الساحل وقام ابن عطاف ~~الأسدى حتى نزل بطساس، وهرب البربر من الجبال، وثار ثابت الصنهاجى بباجة، ~~فأخذها. فدعا عبد الرحمن أخاه إلياس، فقال له: «امض فى ستمائة فارس حتى تمر ~~بعسكر ابن عطاف الأزدى، فإذا تراءت له خيلك فأظهر أنك تزهق عنه إلى تونس ~~حتى إذا انتهيت إلى موضع كذا وكذا، فقف حتى يأتيك جاسوس أدسه فى عسكر ابن ~~عطاف، فخرج إلياس ودعا عبد الرحمن برجل، فأعطاه أطمارا وأعطاه كتابا، وقال ~~له: امض حتى تدخل عسكر ابن عطاف، فإذا أشرف عليهم إلياس ورأيتهم تداعوا ~~بالسلاح فأقم فيهم، فإذا زهق إلياس عنهم ووضعوا السلاح وتمحقوا، تسلل حتى ~~تأتى إلياس فى مكان كذا وكذا، ms30 فقد أمرته أن يقف لك هنالك، فمضى الرجل حتى ~~دخل عسكر ابن عطاف، فلما طلع إلياس عليهم PageV01P073 # صاحوا بالسلاح، ثم زهق إلياس عنهم، فقالوا: «قد دخل بين لحى الأسد، ونحن ~~من هنا وأهل تونس من هناك، نستريح ونعلف، ثم نزحف إليه على أثره» ونزل ~~القوم عن الخيل وحطوا السلاح وتضجعوا وانسل الرجل إلى إلياس حتى جاءه فى ~~المكان الذى أمره عبد الرحمن أن يقف فيه، فدفع إليه الكتاب، فإذا فيه: أن ~~القوم قد أمنوا فانسل إليهم حتى تخرج عليهم من كثب وهى فى غفلتهم. فتخلل ~~إلياس الأشراف حتى خرج عليهم، فلم يدرك القوم لبس الدروع، وكان همهم أخذ ~~السيوف، فقتلوا وقتل ابن عطاف، وأصبح عبد الرحمن على كدية الجلود ينتظر، ~~حتى طلعت عليه الشمس، إذ قيل له: هذا فارس قد أقبل وتجاب، قال: هل ترى ~~غيره؟ قال: «لا» قال: «فهذا بريد، وهو الفتح» وجاء البريد، فلما رآه أقبل ~~إليه ورمى برأس ابن عطاف بين يديه فدعا بدواة وقرطاس وكتب إلى إلياس: «إن ~~عروة بن الزبير وأهل تونس سيظنون أنا نغتنم هذا الفتح، فإذا جاءك كتابى، ~~فانزل واسترح واعلف، ثم سر إلى تونس، فإن قدرت أن تصبح عليهم فافعل، فإنى ~~لا أشك أنهم فى غفلة» فمضى إلياس، فسار ليلته حتى أصبح دون تونس، وعروة فى ~~الحمام. # وكان إلياس قد فرق خيله مائتين على طريق الجزيرة ومائتين على طريق باجة ~~وهو فى مائتين على طريق القيروان، فقيل لعروة: «أصلح الله الأمير، خيل على ~~طريق الجزيرة!» فقال: «هؤلاء أهل الجزيرة جاءوا مددا لنا» فقالوا: «وخيل ~~على طريق باجة!» قال: # «ابن قويدر جاء مددا لنا» قالوا: «وخيل على طريق القيروان!»، فعندها أيقن ~~وبادر وخرج، فما أدرك إلا ملحفة يتنشف بها حتى دخل إلياس فبادر عروة إلى ~~فرسه عريانا، ولم يمهل حتى يسرج له، وولى، فلما خشى إلياس أن ينجو، صاح به: ~~«يا عروة، يا فارس العرب!» فكر عليه جاهزا فى سراويل وملحفة بغير سلاح، ~~فضربه إلياس فتلقاها بالملحفة وعانقه، فوقعا إلى الأرض ووقع عروة ms31 على ~~إلياس، فجعل ينازعه على قائم السيف، حتى غشيه أفرنجى من موالى عبد الرحمن ~~فطعنه برمح بين كتفيه فأخرجه من صدره واحتز رأسه، وحمله إلى عبد الرحمن ~~فأقام إلياس بتونس حتى كتب إليه PageV01P074 # عبد الرحمن أن يخرج إلى قويدر، وخرج بناحية طرابلس رجلان يقال لأحدهما ~~عبد الجبار والآخر الحارث، وهما من البربر يدينان بدين الخوارج، وكان ~~بطرابلس عامل لعبد الرحمن يقال له بشر بن حنش مولى لقيس، فخرج فى جماعة من ~~مشائخهم إلى البربر ليصالحوهم، فقتلوهم عن آخرهم. فبلغ ذلك عبد الرحمن، وهو ~~بالقيروان فى وقت القائلة فخرج فى ذلك الوقت ثم لحقته المضارب وأتاه الناس ~~فسار حتى انتهى إلى مدينة قابس، فهم الناس وأرادوا عزله ونفيه وتولية شعيب ~~بن عثمان بن أبى عبيدة، فأبى ذلك شعيب فانتهى ذلك إلى ابن حبيب فانصرف من ~~قابس، فلما عاد إلى القيروان أصلح ما كان يخشى فساده، فلما اعتدلت له ~~الأمور عاود غزوة طرابلس، سنة إحدى وثلاثين ومائة، وخلف على القيروان عمر ~~بن نافع، فانتهى عبد الرحمن إلى طرابلس فقاتل عبد الجبار والحارث، فقتلهما ~~وكان الذى ولى قتالهما شعيب بن عثمان وكان يدينان بدين الإباضية، ويدعوان ~~إليها وأوعب عبد الرحمن فى قتل البربر، وامتحى الناس بهم وابتلاهم بقتل ~~الرجال صبرا: يؤتى بالأسير من البربر، فيأمر من يتهمه بتحريم دمه بقتله، ~~فابتلى جماعة من الناس فما سلم منهم غير عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أبى ~~ذلك وعصمه الله منه. # وكان فى موضع طرابلس وحاضرتها وموضع جماعتها يومئذ نهر جار، فأمر بالرحيل ~~إلى مدينة طرابلس، وبنى عليها السور وانتقلوا إليها، وذلك سنة اثنين ~~وثلاثين ومائة، وكان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى مروان بن محمد وأهدى ~~إليه هدايا وتقول على حنظلة ونسب إليه أهوالا كذب فيها، فكتب إليه مروان ~~بولايته على إفريقية والمغرب كله والأندلس، وفى حين كونه بطرابلس كتب إليه ~~مروان بن محمد كتابا يستدعيه إلى القدوم عليه، وخلف عبد الرحمن على طرابلس ~~بكر بن حسين القيسى، وأقام ابن حبيب على القيروان ms32 حتى كان سنة خمسين ~~وثلاثين ومائة، فغزا تلمسان حتى انتهى إليها، وخلف على القيروان حبيبا ~~ابنه، فظفر بما لم يظفر به أحد قبله. ثم بعث إلى إفريقية فأتى إليه من ~~سبيها بما لم يؤت بمثله من بلد، ودوخ المغرب كله وأذل من به من القبائل، ~~ولم يهزم له عسكر ولا ردت له راية، وتداخل جميع أهل المغرب خوفه والحذر من سطوته. PageV01P075 # وقتل مروان بن محمد، وزالت دولة بنى أمية، وعبد الرحمن أمير على إفريقية، ~~وهرب جماعة من بنى أمية عند قتل مروان خوفا من بنى العباس ومعهم حرمهم، ~~فتزوج عبد الرحمن وأخوته فيهم، وكان فيمن قدم ابنان للوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك، يقال لأحدهما القاضى والآخر المؤمن وكانت ابنة عمهما تحب إلياس بن ~~حبيب فأنزلهما عبد الرحمن بدار شبيبة بن حسان، وكانت معهما عجوز فى الدار، ~~فدس إليها عبد الرحمن بن حبيب أن توصله إلى موضع تسمعه منه كلامهما، فقالت ~~له: «إن البيت الذى هما فيه سقفه غرة، فإن شئت فأنا اوصلك ليلا إلى ظهر ~~البيت حتى تطلع عليهما ولا يعلمان»، فقال: # «افعلى». فلما كان فى الليل اطلع عليهما، وهما على نبيذ لهما، ومولاهما ~~يسقيهما، إذ قال القاضى: «ما أغفل عبد الرحمن أيظن أنه يتمنى معنا ولاية ~~ونحن أولاد الخليفة»، فلما سمع هذا منهما نزل وانصرف ثم دعا القاضى ~~والمؤمن، فسلما مع الناس فأظهر لهما عبد الرحمن بشرا ولم يبد عليه شىء من ~~التجهم، حتى أتاهما من أخبرهما أن عبد الرحمن سمع كلامهما الذى تكلما به، ~~فحذرا منه وعزما على الهرب وخافا، فلما كان أول الليل ركبا جملين خصيين، ~~وركب مولاهما جملا ثالثا، وخرجوا هاربين على طريق مجانة، فاستبطاهما عبد ~~الرحمن من الغد، فأرسل إلى منزلهما، فوجده خاليا ففرق الخيل والنجب على كل ~~طريق فجاءه البشير بأنهما أدركا بطريق مجانة، فخرج إلى تونس واستخلف على ~~القيروان ابن عم له يقال له عمر بن نافع، وخرج إلى تونس وأمره أن يضرب ~~أعناقهما ويعتق مولاهما، فلما قدم بهما أمر عمر بن ms33 نافع بقتلهما، وقتل ~~مولاهما فقتلوا. وكانت ابنة عمهما عند إلياس، فقالت له: «إنه قد قتل أخيك ~~تهاونا بك، وجعل العهد من بعده لحبيب ابنه، وأنت صاحب حربه، وسيفه الذى ~~يصول به»، ولم تزل تغريه عليه. # وذكر أشياخ من أهل القيروان: أن مروان بن محمد الجعدى حين بلغه أن عبد ~~الرحمن يقتل كل من ورد عليه خوفا من الرواية التى أخبره بها الحنفى، أنه ~~يقتلك أخوان فجاءه كتاب مروان: لا تقتل الناس فإنما أصحابك أخواك إلياس ~~وعبد الوارث. فهم أن يبعث إليهما ثم بدا له فبعث إلى مولى لهم يقال له ~~«برد»، فأتاه فرمى إليه كتاب مروان فقرأه، PageV01P076 # وضحك برد، وقال: «أصلح الله الأمير هذا أمكر بنى أمية أراد أن يشتت عليك ~~أمرك، لما نزل بهم من الأمر ما نزل فكأنه كسره عما أراد»، فقالت له امرأته ~~اللخمية: وهى أخت موسى بن على بن رباح: «لا تقتل أحدا فإنك لن تقدر أن تقتل ~~من يقتلك»، ووجه عبد الرحمن كتابا إلى أبى العباس السفاح: بسمعه وطاعته ~~وقدم عليه فى ذلك اليوم رسول موسى بن كعب بفتح السند. فدخل عليه عمر بن ~~عيسى بن على، فأخبره فوجم وتغير لونه وقال: إنا كنا نذكر ونتحدث أن وفاة ~~القائم منا بالأمر يأتيه فتح المشرق والمغرب فى يوم واحد، فمات لثمانى عشرة ~~ليلة خلت من ذى الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. فلما صار الأمر إلى أخيه أبى ~~جعفر عبد الله بن محمد، كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة، فأجابه ودعا ~~له، وكتب إليه بطاعته، ووجه إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب وكتب ~~إليه: أن إفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد انقطع السبى منها فلا تسألنى ما ~~ليس قبلى. # فغضب أبو جعفر، وكتب إليه يتوعده، فلما وصل إليه الكتاب غضب غضبا شديدا، ~~ثم نادى: الصلاة جامعة فلم يبق أحد من أشراف الناس ولا أعيانهم إلا اجتمع ~~فى المسجد الجامع ثم خرج عبد الرحمن فى مطرف خز وفى رجليه نعلان، فصعد ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ms34 أخذ فى سب أبى جعفر، ثم قال «إنى ظننت أن ~~هذا الجائر يدعوا إلى الحق ويقوم به حتى تبين لى خلاف ما بايعته عليه من ~~إقامة الحق والعدل، وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلى هذين» وقذفهما وهو ~~على المنبر، ثم دعا بخلعه أبى جعفر الذى أرسل إليه فيها بسواره، وقد كان ~~لبسهما قبل ذلك، ودعا فيها لأبى جعفر، وهو أول سوار لبس بإفريقية، وأمر ~~بتخريق الخلعة فخرقت خرقا ثم حرقت، وأمر كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتابا ~~يخلعه، وقرأه على جميع الناس. # وكان عبد الرحمن يخرج أخاه إلياس فى كل من خرج عليه يقاتله، فإذا ظفر به ~~نسب ذلك الظفر إلى ابنه حبيب، وحول العهد لابنه حبيب، وكان إلياس يظن أن ~~العهد له من بعده، ففسدت نيته عليه ولم تزل امرأته الأموية تغريه به وتحرضه ~~عليه، وتقول له: «إنه يستخف بك، وقتل أصهارك وولى حبيبا عهده» فاجتمع رأى ~~إلياس بن حبيب PageV01P077 # وعبد الوارث على قتل عبد الرحمن، ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان ~~من العرب وغيرهم، على أن يؤم إلياس بن حبيب ويدعوا إلى أبى جعفر فروى أن ~~عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم ليلة قتل عبد الرحمن تعشى على مائدة ومعه صهر ~~له يقال له شراحيل، ممن كان وقف على سر القوم فى عبد الرحمن، فقال لابن ~~أنعم: «ابنتك طالق إن رفعت هذه المائدة الليلة من بين أيدينا حتى يقتل عبد ~~الرحمن بن حبيب» فقال: «ويحك! حرمت عليك ...» فهم كذلك حتى سمع الصيحة، ~~فسألا فقيل: قتل عبد الرحمن بن حبيب. # وكانت ليلة الأسداس. فأتاه إلياس فاستأذن عليه بعد العشاء الآخرة، فقال: ~~«ما جاء به وقد ودعنى، وقد كان إلياس على أن يخرج إلى تونس، هل بقيت له ~~حاجة ائذنوا له» فدخل فوجده فى غلالة وردية، وابن له صغير له فى حجرة، فقعد ~~طويلا وعبد الوارث يغمزه، فلما قام يودعه أكب عليه يعانقه، فوضع السكين بين ~~كتفيه حتى صارت إلى صدره، فصاح عبد الرحمن وقال: «فعلتها يابن ms35 اللخناء! ثم ~~رد إلياس بيده إلى السيف فضربه فاتقاه بمرفقه فأزال يده ثم ضربه حتى أثخنه، ~~وكانت جارية لعبد الرحمن، فأخذت شعر إلياس من ...، فالتفت إليها فهربت منه، ~~وخرج إلياس هاربا دهشا، وجعل عبد الرحمن كلما أراد أن ينهض سقط، فلما خرج ~~إلياس قال له أصحابه: «ما فعلت؟» قال: «قتلته» قالوا: «ارجع فحز رأسه وإلا ~~قتلنا بآخرنا» فرجع ففعل وثارت الصيحة، فأخذ إلياس أبواب دار الإمارة، وسمع ~~حبيب بن عبد الرحمن الصيحة، فسأل عنها فأخبر بقتل أبيه، وكان مع أبيه فى ~~قصر الإمارة فلم يقدر على الخروج، وخاف أن يقتله إلياس فسرح نفسه إلى ناحية ~~السماط، ثم تحامل على وجهه إلى باب تونس حتى خرج من القيروان، فلقيه عمرو ~~بن عثمان القرشى راجعا من بعض منازله، فلما رأه راجلا قال: «ما وراءك؟» ~~قال: «قتل أبى» قال: «ومن به؟» قال: «عمى إلياس» فنزل عمرو بن عثمان، ثم ~~قال له: «دونك الفرس فاطلب بدم أبيك» ودخل عمرو بن عثمان القيروان مستترا ~~ليلا، يعرف فينكر مشيه راجلا، وظن إلياس أن حبيبا فى دار الإمارة حين أخذ ~~عليه الأبواب فأصبح حبيب بقرب تونس فاجتمع مع عمه عمران بن حبيب، فأخبره ~~بخبر أبيه ولحق بهما موالى عبد الرحمن من كل ناحية، PageV01P078 # فخرج إلياس إلى «سمنجة» فوافاه حبيب وعمران ومن معهما فهموا بالقتال، ثم ~~اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب ~~على قفصة وقصطيلية ونفزاوة، وإلياس بسائر إفريقية والمغرب. # ومضى إلياس مع عمران إلى تونس، وانصرف حبيب إلى القيروان، فوثب إلياس على ~~أخيه عمران، وعلى عمرو بن نافع بن أبى عبيدة الفهرى والأسود بن موسى بن عبد ~~الرحمن بن عقبة فشدهم وثاقا، ووجه بهم إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة فى ~~سفينة، وهو إذ ذاك والى الأندلس، فوصلوا إليه وولى على تونس محمد بن ~~المغيرة القرشى، وانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار كرهها، فأغرى ~~الناس للقيام عليه فى ما يتزيد به من ضياع أبيه، وأرسل إليه من زين له ms36 ~~الخروج إلى الأندلس إرادة الراحة منه، ففعل وجهزه إلياس، فوجه معه شقيقه ~~عبد الوارث، ومن أحب من مواليه، فركبوا فى البحر، فوقعوا فى طرقة، فتعذرت ~~عليهم الريح، فكتب إلى إلياس: بأن الريح قد ردته، وأن السير لم يمكنه. ~~فاتهمه إلياس، وخاف إلياس من ناحيته وكتب إلى عامله سليمان بن زياد الرعينى ~~يحذره أمره. وسمع موالى عبد الرحمن وصنائعه بخبر حبيب فأتوا إليه من كل ~~ناحية وطرقوا سليمان بن زياد ليلا، وهو معسكر يحارس حبيبا، فأسروه وشدو ~~وثاقه، ومضوا إلى حبيب فأخرجوه إلى البر، وأظهروا أمره فتوجه إلى الأربس ~~فأخذها وبلغ خبره إلياس خرج يريده، واستخلف على القيروان محمد بن خالد ~~القرشى، فلما قرب إلياس منهما تحاربا حربا خفيفا لم يتناجز فيه، فلما أمسى ~~حبيب أوقد النيران ليظن إلياس أنه مقيم ثم يفد إلى القيروان، فأوقع بمحمد ~~بن خالد خليفة إلياس، وكسر باب السجن وأخرج منه سلام بن عبد الرحمن بن حبيب ~~أخاه، وجماعة من صنائع أبيه ومواليه ورجع إلياس فى طلبه ونزل على القيروان، ~~وفسد عليه أكثر من معه وخرج فى جمع عظيم، فكان على ميمنة إلياس عمرو بن ~~عثمان الفهرى، وعلى مسيرته أبو شريك الجزرى، فخذلا إلياس ومضيا عنه فلما ~~التقى إلياس وحبيب، قال له حبيب: «لم تقتل موالينا وصنائعنا بيننا، وهم لنا ~~حصن، ولكن أبرز أنت وأنا فأينا قتل صاحبه استراح منه، إن قتلتنى ألحقتنى ~~بأبى، وإن قتلتك PageV01P079 # أدركت ثأرى منك» فارتاب إلياس ساعة، فنادى الناس: «قد أنصفك فلا تجبن، ~~فإن ذلك سبة عليك وعلى ولدك من بعدك» فخرج كل واحد منهما إلى صاحبه، ووقف ~~أهل العسكر ينظرون إليهما وإلى جلدهما وصبرهما، فتطاعنا ساعة ثم تضاربا ~~بسيفهما، ولا ينال أحدهما من صاحبه إلا ما ينال الآخر، وعجب الناس من ذلك، ~~ثم ضرب إلياس حبيبا ضربة فأعمل السيف فى ثيابه ودرعه حتى وصل إلى جسمه، ثم ~~عطف عليه حبيب فضربه بالسيف ضربة سقط من فرسه إلى الأرض، وألقى حبيب بنفسه ~~عليه، فحز رأسه وأمر به فرفع على رمح، ومر ms37 به إلى القيروان، وهرب عبد ~~الوارث بن حبيب ومن كان معه ممن فل من عسكر إلياس إلى بطن من البربر يقال ~~لهم «ورفجومة»، ودخل حبيب القيروان وبين يديه رأس إلياس عمه، ورأس محمد بن ~~أبى عبيدة بن نافع، عم أبيه، ورأس محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن، وجاءه ~~محمد بن عمرو بن مصعب القرشى، وهو زوج عمة أبيه مهنئا له فأمر بضرب عنقه، ~~فضربت وذلك كله فى شهر رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة. # وكان إلياس لما قتل أخاه وجه بطاعته وفدا من وجوه الناس إلى أبى جعفر ~~المنصور. # ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ورفجومة من نفزة، نزلوا على ~~عاصم بن جميل الورفجومى، فكتب إليه حبيب: يأمره بأن يوجه بهم إليه، فلم ~~يفعل فزحف إليه حبيب فلقيه، ولقيه عاصم ومن معه وكل من هرب من حبيب فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزم حبيب، وكان إذ خرج إليهم استخلف على القيروان أبا كريب ~~جميل بن كريب القاضى، فقوى أمر ورفجومة، ثم زينوا له أمر المسير إلى ~~القيروان وواعدهم أن يخذلوا الناس عن حربهم، وكاتبهم بعض وجوه أهل القيروان ~~خوفا على أنفسهم منه، فيهم: عمر بن غانم وأظهروا أنهم يريدون أن يدعوا لأبى ~~جعفر وظن العرب أن البربر تفى لهم بما وعدتهم وأعطتهم، فزحف عاصم بن جميل ~~وأخوه مكرم بالبربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا، وصار ~~بناحية قابس، فلما قربوا من القيروان خرج إليهم أبو كريب القاضى مع أهل ~~القيروان، فعسكروا بالوادى المعروف بأبى كريب، حتى إذا دنا بعضهم من بعض ~~خرج من عسكر جميل جماعة من أهل القيروان، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم، PageV01P080 # وقتلوا منهم وافترق أكثر الناس عن أبى كريب، ورجعوا إلى القيروان ولم ~~يعلموا ما حل بهم من البربر، وثبت أبو كريب فى نحو من ألف رجل من وجوه ~~الناس، من أهل البصائر والخشية والدين مستبسلين إلى الموت، فقاتلوا باجتهاد ~~فقتل أبو كريب- (رحمه الله)- ومر به بعض أصحابه فغطاه برداء كان عليه لئلا ~~يراه الناس فيفشوا. ms38 # فقاتلوا حتى قتلوا، ودخلت ورفجومة القيروان، فاستحلوا المحارم وارتكبوا ~~العظائم، ونزل عاصم بعسكره فى الموضع الذى يسمى «مصلى روح» واستخلف على ~~القيروان عبد الملك بن أبى الجعد النفزى، وسار إلى حبيب، وهو بقابس فقاتله ~~فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس، وهم أخوال أبيه، فسار عاصم إلى أوراس فى طلب ~~حبيب، فالتقوا فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه، وأقبل حبيب إلى القيروان ~~فخرج إليه عبد الملك بن الجعد، فانهزم حبيب وتكالبت عليه نفزة من كل مكان، ~~فقتلوه فى شهر المحرم سنة أربعين ومائة، وكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب ~~عشر سنين وأشهر، وولاية إلياس أخيه ستة أشهر، وولاية حبيب ابنه سنة وستة أشهر. # ولما حكمت ورفجومة على القيروان قتلوا من كان بها من قريش وساموهم سوء ~~العذاب وربطوا دوابهم فى المسجد الجامع، وندم الذين أعانوهم ودعوهم أشد ندامة. # فحكى أبو حسان: أن رجلا من الإباضية دخل القيروان، فرأى ناسا من ~~الورفجوميين قد أخذوا امرأة وكابروها على نفسها، وهو ينظر والناس ينظرون، ~~فترك حاجته التى أتى فيها، وخرج حتى أتى أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح ~~المعافرى فأعلمه الذى رأى، فخرج وهو يقول: «لبيك اللهم لبيك»، واجتمع إليه ~~أصحابه من كل مكان وتوجهوا نحو طرابلس، فأخرجوا عمرو بن عثمان القرشى منها ~~واستولى أبو الخطاب على طرابلس، وبلغه أن المسودة قد أقبلوا إليه من ناحية ~~برقة، وعليهم العوام بن عبد العزيز البلخى، فخرج ابن الخطاب لجمعه حتى إذا ~~كان بودراسة وجه رجلا من أصحابه يقال له مالك بن سميران ... وفى ولاية عمر ~~بن حفص اشتدت فتنة الخوارج الصفرية والإباضية عليه، وأحاطت به عساكرهم ~~بمدينة طنبة بالزاب، فأخذ PageV01P081 # يستميل بعض أمرائهم لينصرف بعضهم عن بعض ومن ذلك أنه دفع إلى ابن أبى قرة ~~أربعة آلاف درهم وأثوابا على أن يعمل فى صرف أبيه، فرد الصفرية إلى بلدهم، ~~فعمل ذلك فى ليلته، فلم يعلم بذلك أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى ~~بلادهم تجريدا، فلم يجد بدا من إتباعهم، فلما انصرفت الصفرية وجه عمرو بن ~~حفص ms39 معمر بن عيسى العبدى فى ألف وخمسمائة إلى ابن رستم، وهو فى تهودة فى ~~خمسة عشر ألف، فالتقوا فانهزم ابن رستم، وقتل من أصحابه نحو من ثلاثمائة ~~ووصل ابن رستم منهزما إلى تيهرت، ثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان، ~~واستخلف على طبنة المهنأ بن المخارق بن عفان الطائى فلما بلغ أبو قرة مسير ~~عمر بن حفص أقبل فى جمع كثير حتى حصر المهنأ، فأرسل إلى أبى قرة يسأله ~~الانصراف عنه، فأرسل أبو قرة إليه: «نصيبى منك ومن قبلك أحرار، ولكن لا ~~سبيل إلى ترك غنيمة المسلمين»، فلما قال له ذلك تحملوا عليهم، فانهزم أبو ~~قرة واستباحوا عسكره، وكان أبو حاتم لما حصر القيروان أقام عليها ثمانية ~~أشهر، وليس فى بيت مالها درهم ولا فى أهرائها شىء من الطعام، وكان الجند ~~تلك المدة يقاتلون البربر كل يوم فى طرفى النهار حتى أجهدهم الجوع، وأكلوا ~~دوابهم وكلابهم، وجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر من الجهد. # وبلغ ذلك عمر فأقبل يريد القيروان فى نحو سبعمائة فارس من الجند، حتى نزل ~~مدينة الأربس، فبلغ البربر إقباله فزحفوا إليه بأجمعهم وخلوا عن القيروان، ~~فلما بلغه إقبالهم توجه إلى ناحية تونس، وأغذ السير ومضى البربر حتى صاروا ~~إلى سمنجة، وسار عمر من تونس، وخرج جميل بن حجر من القيروان، فبث خيله حول ~~القيروان وجعل يدخل ما يصلحه من الطعام والحطب والمرافق واستعد للحصار، ~~وخندق خندقا على باب أبى الربيع فسكن فيه الجند، ثم أقبل أبو حاتم فى جنوده ~~حتى وصل إلى بحيرة المسروقين، فنهض إلى عمر بمن معه، فقاتله أشد قتال ثم ~~تكاثرت البربر، فانكشف حتى سار إلى القنطاط ثم تقاتلوا بالقنطاط، وأشتد ~~قتلهم وكاثروه حتى انحاز إلى خندقه بباب أبى الربيع، ثم زحف أبو حاتم ~~بعساكره حتى نزل بالقرب من باب أبى الربيع، وأنزل عسكرا PageV01P082 # من باب سالم وباب أصرم وعسكرا بين باب نافع وباب عبد الله، وفى هذا ~~المعسكر عمرو بن عثمان الفهرى، وكان قد سار معهم. # ويقال: إن عدتهم كانت فى ذلك اليوم ms40 مائة ألف وثلاثين ألفا، وكان عمر يخرج ~~إليهم فى كل يوم فيحاربهم، فلم يزالوا كذلك حتى ضاق أمرهم وأكلوا دوابهم ~~وسنانيرهم وكلابهم، وأخذ الناس فى أكل لحوم الخيل، فغلا الملح حتى انتهى: ~~أوقية بدرهم، واضطرب على عمر أمره، وضج أصحابه وساءت آراؤهم، فقال لمن معه ~~من الجند: «قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم، ففرج الله ~~عنكم بعض ما كنتم فيه، وقد ترون ما أنتم الآن فيه، فإن شئتم خرجتم على ~~ذراريهم وبلادهم وجعلت عليكم أى الرجلين شئتم: جميلا أو المخارق، وأخرج فى ~~ناس من الجند فأغيره على نواحيهم ونحتكر الميرة؟ قالوا «قد رضينا» قال: ~~«وكان أبو حاتم الإباضى فى ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا؛ الخيل منها خمسة ~~وثمانون ألفا، فلما هم بالخروج قالوا: «تريد أن تخرج أنت ونبقى نحن فى ~~الحصار!»، فقال: «أقيم معكم اسرح جميلا أو المخارق ومن أحببتم وأخرج أنا فى ~~أناس من الجند وأغير على نواحيهم؟»، قالوا «نعم» فلما جاء إلى باب المدينة قالوا: # «تخرج أنت ونقيم نحن، لا تفعل» فغضب عمر وقال: «والله لأوردنكم ونفسى ~~حياض الموت». # وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك، امرأته تخبره أن أمير المؤمنين ~~استبطأه، فبعث يزيد بن حاتم، وهو قادم على إفريقية فى ستين ألفا فقال: «لا ~~خير فى الحياة بعد هذا!». قال خداش بن عجلان: «فأرسل إلى فجئته، وقد قام ~~عرق بين عينه وهو علامة غضبه، فأقرأنى الكتاب فدمعت عيناى، قال: «مالك؟!» ~~قلت: «وما عليك أن يقدم عليك رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار فترجع إلى ~~أمير المؤمنين فيوليك خراسان- وكانت مناه، فقال: «تتحدث نسوة العتيك أن ~~يزيدا أخرجنى من الحصار، إنما هى رقدة حتى أبعث للحساب، ارجع إلى أهلك ~~واحفظ وصيتى»، وكان قد كتب وصيتة. قال خداش: فوصى بما أحب، وخرج من الغد ~~فلم يزل يطعن ويضرب PageV01P083 # حتى قتل، وذلك يوم السبت للنصف من ذى القعدة سنة أربع وخمسين ومائة، ~~وبايع الناس جميل بن حجر، وكان أخا عمر لأمه، فلما طال عليه الحصار دعاه ~~ذلك ms41 إلى موادعة أبى الحاتم، فصالحهم على أن جميلا وأصحابه لا يخالفون طاعة ~~سلطانهم ولا ينزعون سوادهم، على أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، ~~وعلى ألا يكرهوا أحدا من الخيل على بيع سلاحهم ودوابهم، فأجابهم إلى ذلك ~~أبو الحاتم، ودخل معهم فى الشرط عمرو بن عثمان الفهرى على الوفاء بذلك، ~~ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة، وأحرق أبو حاتم أبواب ~~المدينة وأفسد فى سورها وبلغه قدوم يزيد بن حاتم، فتوجه إلى طرابلس واستخلف ~~على القيروان عبد العزيز بن السمح المعافرى، وبعث إليه أبو حاتم يأمره بأخذ ~~سلاح الجند، وأن لا يجتمع منهم اثنان فى مكان وأن يوجه إليه بهم واحدا بعد ~~واحد. فاجتمعوا واستوثق بعضهم مع بعض بالأيمان ألا يرضوا بهذا وقويت قلوبهم ~~بيزيد بن حاتم، فلقوا عمرو بن عثمان الفهرى، فقالوا له: قد كنتم حلفتم لنا ~~الوفاء بما اشترطنا عليكم وإن هؤلاء القوم قد غدروا بنا وأرادوا أخذ سلاحنا ~~ليفرقوا بيننا وبينهم، فقال لهم عمرو بن عثمان: «ليس يجمعنى من البربر خلق ~~ولا دين» قالوا: # «إما أنت فقد جامعتهم على قتل والى أمير المؤمنين عمر بن حفص وشيعته ~~وأنصاره، فهل لك بجنود أمير المؤمنين من طاقة أم تستطيع أن تحرز منهم دمك ~~ونفسك ومالك وأهلك، ولكن هل لك فى أمر تمحو به ذنوبك القديمة والحديثة؟» ~~قال: «ما هو؟» قال: «تقوم بطاعة أمير المؤمنين معنا، وتنتقم على أبى حاتم ~~غدره بنا». قال: ففعل ذلك عمرو بن عثمان، وتولى الأمر وقام به وقتل أصحاب ~~أبا حاتم واتصل ذلك به، فزحف إليه من طرابلس فلقيه عمرو بن عثمان ومن معه ~~من الجند وغيرهم فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من البربر خلق كثير ومضى عمرو ~~بن عثمان وأصحابه متوجهين نحو تونس، ومضى جميل ابن حجر والجنيد بن سياق ~~هاربين نحو المشرق وخرج أبو حاتم فى طلب عمرو بن عثمان، ووجه قائدا من ~~قواده يقال له حريز بن مسعود المديونى على مقدمته، فأدركه بجيجل من ناحية ~~كتامة، فقاتلوه فقتل حريز ms42 بن مسعود وأصحابه وانصرف عمرو والمخارق PageV01P084 # فدخلاها، ومضى أبو حاتم إلى طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم ولحق جميل ~~بن حجر وأصحابه يزيد وهو بسرت وأقاموا إلى أن لقيه أبو حاتم فقتله، فيقال ~~إنه كان بين الجند والبربر من لدن قاتلهم عمرو بن حفص إلى انقضاء أمرهم ~~ثلاثمائة وخمسا وسبعين وقعة. ### | ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن الملهب # حاله فى جوده وكرمه وشجاعته وبعد صيته ونفاذ رأيه وتقدمه، وعلم الخاصة ~~والعامة به يغنى عن كثير من شرح أمره. وقدم إفريقية فأزال الفساد منها ~~وأصلحها ورتب القيروان فى أسواقها وجعل كل صناعة فى مكانها وجدد بناء ~~المسجد الجامع، حتى لو قيل إنه الذى مصرها لم يبعد من الحق لو قدمها، ولكنه ~~حسنها وزاد فى قدرها وكان غاية فى الجود، وهو القائل: # ما يألف الدرهم المضروب خرقتنا %~% إلا لماما قليلا ثم ينطلق # يمر مرا عليها ثم يلفظها %~% إنى امرؤ لم تحالف خرقتى الورق # وكان يزيد كثير الشبه بجده الملهب فى حروبه ودهائه وكرمه وسخائه، وكان له ~~أولاد مذكورون مشهورون بالشجاعة والإقدام والكرم والأنعام فى أيام أبيهم ~~وبعد وفاته بالمشرق، لما صاروا إليه، يقال: إن الذى أوقع من الملهب إلى ~~الأرض ثلاثمائة من الذكور والإناث بين من مات منهم ومن عاش، وورثه ثمانية ~~عشر ذكرا سوى الإناث، رئيسهم بعد أبيهم يزيد بن الملهب. # وذكر المدائنى: أن سليمان بن عبد الملك الكلبى قدم عليه المهلب، وقد ركب ~~فى بنيه، وقال: سر الله الإسلام بتلاحقكم ووالله لئن لم تكونوا أسباط نبوءة ~~إنكم لأسباط ملحمة، فقال الملهب: «لئن قلت ذلك، فو الله ما ألقوا قط فى ~~سواد إلا بيضوه PageV01P085 # ولا بياض إلا سودوه» ويقال إن معاوية قال يوما لأصحابه: «إنى رأيت فى ~~منامى البارحة كأن رجلا قدم على وافدا من العراق، فلما مثل بين يدى طال حتى ~~بلغ السماء»، قال: # فلما كان بعد ثلاثة أيام قدم عليه المهلب، فقال معاوية: «هذا الرجل الذى ~~رأيت فى منامى». # قال ابن سلام: وقدم الملهب على ابن الزبير ms43 بمكة، فخلا به يشاوره، فقال له ~~عبد الله بن صفوان: «يا أمير المؤمنين من الذى يشغلك يومك هذا؟» قال: «أما ~~تعرفه؟» قال «لا» قال: «هذا سيد أهل العراق» قال: «أهو المهلب»!؟ قال: ~~«نعم»، فقال المهلب: «من الذى يكلمك يا أمير المؤمنين؟» قال: «سيد قريش» ~~قال: «أهو عبد الله بن صفوان» قال: «نعم»، قال: وكان يزيد بن حاتم خاصا ~~بأبى جعفر المنصور، فكان لا يحجب عنه، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه ~~المغرب، منها أرمينية والسند ومصر وأذربيجان، وهو أحد من دبر معه قتل يزيد ~~بن عمر بن هبيرة الفزارى، وقال: «أيها الأمير إن ابن هبيرة يأتى فيتضعضع له ~~العسكر وما نقص من سلطانه شىء!» فدبر معه أمره حتى قتله أبو جعفر، مع الذى ~~كتب بينه وبينه وبعث برأسه إلى أخيه أبى العباس، فوضع بين يديه ثم التفت ~~إلى إسحاق بن مشكم العقيلى، فقال: «يا إسحاق ما أعظم رأس ابن عمك!» قال: ~~«طينة عهدكم التى نزل بها من قصره وفرق بها جمعه كانت أعظم!» فاحتملها أبو ~~العباس، وولى أبو الجعفر يزيد بن الحاتم مصر فى ذى الحجة سنة أربع وأربعين ومائة. # وكان أبو جعفر عالما بالمغرب خائفا عليه، وكان لا يبعث إليه إلا أهل ثقته ~~من ذوى الرأى الأصيل والخطر الجليل، قال يزيد بن حاتم: «لما ولانى المنصور ~~مصر دخلت عليه، وكنت لا أحجب عنه» فقال لى: «يا أبا خالد، بادر هذا النيل ~~قبل خروج الرايات الصفر وأصحاب الدواب البتر» قال يزيد: ولما ولانى المغرب ~~انتهى فى تشييعى إلى فلسطين، فحسدنى أقوام منهم شبيب بن شيبة بن عقال، ورفع ~~إليه ابن شيبة بن عقال كتابا لم يأل فيه من الحمل على والذكر لمساوى ~~وتخويفه الغوائل، قال: فأرسل إلى PageV01P086 # فحضرت، فرمى إلى بالكتاب فقرأته وذهبت لأتكلم، فقال: «كفيت مؤونة ~~الاحتجاج، وقال لهما: «لو لا أنى لم اتقدم إليكما لقتلتكما» قال يزيد: ~~«فأخذت الكتاب وخرجت، فجعلت الكتاب فى كتب كانت معى وقدمت إلى إفريقية فما ~~لبث أن وجه إلى شيبة بن عقال فى بعض ms44 ما توجه الخلفاء فيه، فبلغت فى بره ~~وإكرامه فوق ما أمله، فلما أراد الانصراف لم يكن قط إلا على المودة ~~والمحبة، فضربت بيدى إلى ذلك الكتاب فأخرجته ورميته إليه وقلت له: «ولا غرو ~~كتبت هذا الكتاب؟!» فسألنى الإقالة والتغمد، فقلت له: «لو لا أنك تستغفلنى ~~ما عرفتك هذا»، فسأل دفع الكتاب إليه، فلم آمن أن يدفعه إلى أبى جعفر، ~~فأمرت به فخرق. # وكان يزيد بن حاتم حسن السيرة بإفريقية، مذ جاء تفد الشعراء عليه لطلب ~~صلته وإحسانه، فأخد من وفد عليه بإفريقية ربيعة بن ثابت الرقى، من أسد، ~~فمدحه بأشعار كثيرة، منها قصيدته التى يمدحه فيها ويهجو يزيد بن أسيد ~~السلمى، التى أولها: # ألا طرقتنا باللوى أم عاصم %~% وقد زارنا منها خيال مجاشم # ألمت بركب عرسوا بتنوفة %~% هجوع لدى أعصار خوص سواهم # وبتنا كأن المسك ببين رحالنا %~% يفوح علينا من عباب اللطائم # وأنى اهتدت تسرى إلينا غزيزة %~% مخصبة الأطراف ريا المعاصم # فقلت لها إنى شعرت بفتية %~% نشاوى من الإدلاج مثل النعائم # حلفت يمينا غير ذى مثنوية %~% يمين امرء آلى وليس بآثم # لشتان ما بين اليزيدين فى الندى %~% يزيد سليم والأغر ابن حاتم # فهم الفتى الأزدى اتلاف ماله %~% وهم الفتى القيسى جمع الدراهم # فلا يحسب التمتام أنى هجوته %~% ولكننى فضلت أهل المكارم # أبا خالد أنت المنوه باسمه %~% إذا نزلت بالناس إحدى العظائم # كفيت امير الناس كل عظيمة %~% وكنت من الإسلام خير مزاحم PageV01P087 # فصار قوله: «لشتان ما بين اليزيدين فى الندى» مثلا يتمثل به فى كل بلدة ~~وناحية، وكان وجب على ربيعة وقومه ديات، فقصد يزيد بن أسد، فلم يحل منه ~~بطائل، ثم رحل إلى يزيد بن حاتم، وهو بالقيروان، فأعطاه عشرة ديات، ووصله ~~وأحسن إليه إحسانا عظيما. # وفيما يؤثر من الأخبار: أن نخاسا عرض على أحمد بن يزيد السلمى، ابن هذا ~~المهجو، جاريتين، فقال: «أيهما أحسن، هذه أو هذه،» فقال: بينهما- أعز الله ~~الأمير- ما قاله الشاعر: # %~% لشتان ما بين اليزيدين فى الندى %~% # فقال أحمد: «خذوا بيد ابن الفاعلة»، فاغتم بما سمع، وأن ms45 الشعر قد سار فى ~~الناس، وأن الرجل تمثل به ولم يدر فيمن قيل، وبلغ هذا الشعر أبا الشمقمق، ~~فقال يمدح يزيد بن مزيد الشيبانى: # لشتان ما بين اليزيدين فى الندى %~% إذا عد فى الناس المكارم والمجد # يزيد بنى شيبان أكرم منهما %~% وإن غضبت قيس بن عيلان والأزد # كان أحمد بن يزيد وأبوه شريفين مذكورين. قال أشجع السلمى فى علة اعتلها ~~ثم أفاق: # لئن جرحت شكانك كل قلب %~% لقد قرت بصحتك العيون # تبيت من الحذار بنو سليم %~% عليك وكلهم وجل حزين # وحق لها بأن تخسى المنايا %~% عليك وأنت منكبها اليمين # ولو فقدتك قيس يا فتاها %~% إذا لتضعضعت منها المتون # ولو أن المنون بدت لقيس %~% لما نالتك أو يفنى المنون PageV01P088 # فلما مات أحمد بن يزيد رثاه أشجع السلمى بشعر قال فيه: # رحم الله أحمد بن يزيد %~% رحمة تغتدى وأخرى تروح # جبلا أطبقوا عليه بجرجا %~% ن ضريحا ما ذا أجن الضريح # ولربيعة الرقى فى يزيد بن حاتم أشعار كثيرة، ويقال إنه لما مدحه بالقصيدة ~~التى فضله فيها على يزيد السلمى استبطأ بره وصلته، فقال: # أرانى- ولا كفران لله- راجعا %~% بخفى حنين من يزيد بن حاتم # فنمى ذلك حتى بلغ إلى يزيد، فدعا به فلما دخل عليه قال: # «انتزعوا خفيه، فملأهما دراهم ودنانير، وكانا كبيرين كأخفاف الجند، ثم ~~وصله بعد ذلك بصلات كثيرة». # واكثرت الشعراء من مدح يزيد وهو بالمشرق، من ذلك قول ابن المولى، وهو ~~محمد بن عبد الله بن مسلم: # يا واحد العرب الذى دانت له %~% قحطان قاطبة وساد نزارا # إنى لأرجو إن لقيتك سالما %~% ألا أعالج بعدك الأسفارا # رشت الندى ولقد تكسر ريشه %~% فعلى الندى فوق البلاد فطارا # وفيه يقول أيضا: # وإذا تباع كريمة أو تشترى %~% فسواك بائعها وأنت المشترى # وإذا توعرت المسالك لم يكن %~% منها السبيل إلى نداك بأوعر # وإذا صنعت صنيعة تممتها %~% بيدين ليس نداهما بمكدر # وإذا القبائل عددت كرماؤها %~% كنت المقدم فيهم بالخنصر # يا واحد العرب الذى ما إن لهم %~% من مذهب عنه ولا من معشر PageV01P089 # وفيه يقول أيضا: # يا ms46 واحد العرب الذى %~% أضحى وليس له نظير # لو كان مثلك ثانيا %~% ما كان فى الدنيا فقير # حكى الزبير بن بكار عمن حدثه عن ابن المولى قال: كنت أمدح يزيد بن حاتم ~~من غير أن أعرفه ولا ألقاه، فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة، ~~فأنشدته منذ خرج من مسجد رسول الله- (صلى الله عليه وسلم)- إلى أن صار إلى ~~مسجد الصخرة، فأعطانى رزمتين ثيابا وعشرة آلاف درهم، فاشتريت بها ضياعا تغل ~~ألف دينار، أقوم فى أدناها فأصيح أغنى أغنى، فلا يسمعنى من هو فى أقصاها. # ومن أخبار يزيد بالقيروان، ما حكاه ابن النخلى الفقيه، قال: كان لإسحاق ~~(أ) بن مكرم الأشعرى، وهو ابن أبى المنهال، من يزيد بن حاتم خاصة لم تكن ~~لغيره، ولم يكن قدم معه، ولكن أتى بعد مستقره، فخدم يزيد لثقته به وعلمه ~~بديانته، وكان عالما أديبا راوية لاشعار العرب وأخبارها، وكان قريبا من ~~يزيد، فقال له يزيد ليلة: «يا أبا العياقيب، فيمن قيل هذا الشعر»: # إن العرانين تلقاها محسدة %~% ولن ترى للئام الناس حسادا # قال: «يقوله بعض ما دحيكم فيكم» وأنشده القصيدة كلها. فقال يزيد: «يا ~~غلام على بخمسمائة دينار لأبى العياقيب» قال: «كأنى قائلها» قال: «سبحان ~~الله، تحفظ مكارمنا وننام عنها ولا نكافيك على ذلك!». # وكان سحنون بن سعيد- (رحمه الله)- يقول: كان يزيد بن حاتم يقول: «والله ~~الذى لا إله إلا هو ما هبت شيئا قط هيبتى رجلا واحدا يزعم أنى ظلمته، وأنا ~~أعلم أن لا ناصر إلا الله». PageV01P090 # قال: ومن أخباره المشهورة بإفريقية أن بعض وكلائه أتاه يوما فقال: «أعز ~~الله الأمير، أعطيت فى الفول الذى زرعناه فى فحص القيروان كذا وكذا، وذكر ~~مالا جليلا، فسكت عنه وأمر قهرمانة وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع وأمر ~~فراشيه أن يضربوا فيه، مضارب كثيرة، وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم، فلما ~~أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه، وقال: «يا بن اللخناء، أردت أن أعير ~~بالبصرة، فيقال: يزيد بن حاتم باقلانى أمثلى يبيع الفول- لا أم لك-؟» ثم ~~أمر بإباحته، ms47 فنادى فى أهل القيروان بالخروج إليه، فخرج إليه الناس، فمن ~~بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على آخره. # ومن مشهور أخباره: أنه خرج من القيروان يوما متنزها إلى منية الخيل، وهو ~~الذى حفر البئر العذبة وبناها، وجعل خيله هناك فى اصطبلات، أمر ببنائها فى ~~هذه المنية، فبذلك سميت «منية الخيل». # ونظر يوما فى طريقه إلى غنم كثيرة، فقال: «لمن هذا الغنم؟»، فقالوا: ~~«لإسحاق ابنك»، فدعا به، فقال: «الك هذه الغنم؟» قال: «نعم»، قال: «لم ~~أردتها؟» قال: «آكل من خرافها، وأشرب من ألبانها، وانتفع بأصوافها» قال: ~~«فإذا كنت أنت تفعل هذا، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق»، وأمر ~~بالغنم أن تذبح وتباح للناس، فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحمها، وجعلوا ~~جلودها على كدية، فهى تعرف من ذلك الوقت إلى اليوم «بكدية الجلود». # وحضر عبد الله بن الفروخ الفقيه جنازة فى باب نافع، فرأى إسحاق بن يزيد ~~قد أغرى كلابه على ظبى ليضربها الصيد فنهشته ومزقت جلده، فلما انصرف ~~استوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق، فما كناه ابن فروخ ولا زاد أن قال له: ~~«يا فتى، أنى رأيتك تغرى كلابك آنفا ببهيمة، وما أحب ذلك»، قال له إسحاق: ~~«صدقت أبا محمد، جزاك الله خيرا» ولم يزل لديه مكينا معظما عنده، ثم قال ~~له: «والله لا فعلت ذلك بعد يومى هذا أبدا». # وكان سبب قدومه إفريقية أنه اتصل بأبى جعفر المنصور: أن عمر بن حفص قتل PageV01P091 # عمه ذلك وشغله، وأخبر بفساد البلد وكثرة اجتماع البربر وصنيعهم بجنده، ~~رأى أن يوجه يزيد لعلمه بقيامه وحزمه ونكايته، ولأن عمر بن حفص عمه، فهو لا ~~يألو فى طلب ثأره فوجه إليهم فى ثلاثين الفا من خراسان وستين ألفا من أهل ~~البصرة والكوفة والشام، وأقبل حتى صار فى ناحية سرت، فاجتمع بجميل بن صخر ~~وبمن معه من الجند القادمين عليه من القيروان، وسار نحو طرابلس، فسار أبو ~~حاتم إلى جبال نفوسة، وجعل يزيد على مقدمته سالم بن سوادة التميمى، وأمر ~~شبيبة بن حسان أن يسير نحو قابس، وتقدم سالم ms48 فالتقى هو وأبو حاتم، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم سالم وأصحابه، فرجعوا إلى عسكر يزيد، وهال أبو حاتم ~~أمر يزيد، فطلب له عز المنازل وأوسعها، فعسكر فيها وخندق على عسكره، فأتاه ~~يزيد من ناحية الخندق، وأصبح يزيد فعبأ عساكره وأصحابه، وترجل أبو حاتم فى ~~أهل البصائر من أصحابه، ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فأراد يزيد ~~الحملة، فنزل إليه المهلب بن المغيرة، فأخذ بلجام فرسه، فرفع السوط ليضربه، ~~فشد يزيد على يد المهلب، فقال: «والله لو قطعتها ما تركتك، أنا أعلم بقتال ~~القوم منك، فمر بعض ولدك أن يحمل، فإن للبربر حملة لا تطاق، ثم احمل أنت ~~بعده، إذا شئت» فأمر ابنه عبد الله فحمل، فرد البربر، ثم قال: «احمل أنت ~~الآن» فحمل، فقتل أبو حاتم فى أهل البصائر من أصحابه، وانهزم الباقون ~~وطلبهم يزيد، فقتلهم، قتلا زريعا، وبعث خيله فى طلبهم إلى كل ناحية، فكانت ~~عدة من قتل منهم ثلاثين ألفا، ويقال: إنه لم يقتل من الجند إلا ثلاثة رهط. # وكان ذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائة. # وجعل آل المهلب يقتلون البربر، ويقومون بالثارات فى عمر بن حفص، ثم أقام ~~يزيد بمكانه ذلك نحوا من شهر وبث خيوله فى طلب الخوارج، فقتلهم فى كل سهل وجبل. # ثم رحل حتى نزل قابس، وكان قد كتب إلى المخارق بن غفار بالقيام بأمر ~~القيروان فدخلها لعشر بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. ومات أبو جعفر ~~المنصور بعد دخول يزيد بن حاتم القيروان بثلاث سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. PageV01P092 # وبعث يزيد بن حاتم المخارق إلى آخر الزاب، فنزل طبنة، وكان عبد الرحمن بن ~~حبيب بن عبد الرحمن الفهرى مع أبى حاتم، فهرب حتى أتى كتامة، فنزل بجيجل، ~~فكتب يزيد إلى المخارق بالمسير إليه، فسار حتى نزل بكتامة، وضم إليه يزيد ~~قوادا من أهل خراسان وأهل الشام، فأقام المخارق محاصرا له ثمانية أشهر، ~~فبعث يزيد العلاء بن يزيد المهلبى، فصار حتى دخل القلعة التى بها عبد ~~الرحمن ms49 من موضع غير الموضع الذى نزل به المخارق، ودخل المخارق من ناحيته ~~التى كان بها، فهرب عبد الرحمن وقتل جميع من كان معه، وانصرف العلاء إلى ~~القيروان والمخارق إلى طبنة، وهرب البربر فى كل ناحية، وخافوا خوفا شديدا. ~~فلم يزل البلد هادئا فى أيامه إلى أن بلغه انتفاض أمر ورفجومة، فأرسل إليهم ~~ابن مجزأة المهلبى، فالتقوا، وعلى البربر رجل يقال له أبو زرجونة ~~الورفجومى. ولما التقوا انكشف الجند ولم يناصحوا، فقتل منهم. وقد كان يزيد ~~عزل المخارق عن الزاب، وولى مكانه المهلب بن يزيد، فكتب المهلب إلى أبيه ~~يستأذنه فى الخروج إلى ورفجومة، فأمره أن يثبت حتى يأتيه أمره، فوجه إليه ~~يزيد العلاء بن سعيد بن مروان المهلبى، وكتب إلى المهلب ابنه، وهو على طبنة ~~وكتامة وما يليها، أن يستخلف على عمله من يثق به وينضم إلى العلاء، وكانت ~~ورفجومة تقول: إنما كان أمر يزيد بن مجزاة أملا كاذبا، ثم التقوا وانهزم ~~البربر وقتلوا قتلا زريعا، وطلبوا بكل سهل وجبل، حتى أتى على آخرهم ولم يصب ~~من الجند أحد، وأقبلوا إلى يزيد بالقيروان فولى العلاء على طرابلس وعزل ~~ابنه المهلب عن الزاب وكتامة، واستعمل على الزاب وكتامة ابنه محمد بن يزيد. # وبنى يزيد المسجد الأعظم بالقيروان وجدده، سنة سبع وخمسين ومائة، وأقام ~~والأمور مستقيمة والبلاد هادئة، ثم توفى يزيد فى شهر رمضان سنة سبعين ~~ومائة، فى سلطان هارون الرشيد، وكانت وفاته بدار الإمارة التى كانت بالموضع ~~المعروف برحبة التمر، وقيل توفى بمنية الخيل، مما يلى باب سالم، وكان سمى ~~له البصرة، فولى عليها غيره. PageV01P093 ### || أخبار القضاة فى أيامه # كان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم من جلة المحدثين والعلماء المتقدمين، ~~منسوبا إلى الزهد والورع، متفننا فى علم العربية والشعر، وكان يروى عن أبيه ~~أبى أيوب الأنصارى وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، ويروى هو عن سفيان ~~الثورى وأبى يوسف القاضى وكثير غيرهم. وولى القضاء بإفريقية، الأولى فى ~~أيام بنى أمية، وولاه مروان بن محمد، ولما قدم على أبى ms50 جعفر مستنصرا على ~~البربر ولاه القضاء، فبقى إلى أن توفى فى أيام يزيد بن حاتم. # وكان عبد الرحمن قد أسره الروم، ومضوا به إلى القسطنطينية، ثم أفتك فيمن ~~أفتك من الأسارى فى ناحية المشرق، فكان يقول: # أسرت أنا وجماعة معى، فرفعنا إلى الطاغية، فبينما نحن فى حبسه إذ غشيه ~~عيد، فبعث إلينا بأصناف من الطعام، واتصل ذلك بامرأة الملك، وكانت تقية ~~عنده فمزقت ثيابها، ونشرت شعرها وخمشت وجهها. وأقبلت إليه تقطرسما، وقالت: ~~«العرب قتلت أبى وأخى وزوجى، وأنت تفعل بهم الذى رأيت!» فغضب وقال: «على ~~بهم» فصرنا بين يديه سماطين، فأمر سيافه، فضرب عنق رجل رجل منا، حتى قرب ~~الأمر منى، فحركت شفتى وقلت: «الله ربى لا أشرك به شيئا، فأبصر فعلى» فقال: ~~«قدموا شماس العرب- يريد عالمها-، فقال لى: «نبينا- (عليه السلام)- أمرنا ~~بها» قال: «وعيسى فى الإنجيل» وأطلقنى ومن معى. # ودخل يوما على أبى جعفر، فقال له: «يا بن أنعم، ألا تحمد الله الذى أراحك ~~مما كنت فيه بباب مروان بن محمد» قال: «إما ما كنت أرى بباب مروان لا أرى ~~اليوم شطره» قال: «فبكى لها أبو جعفر»، قال: «فما منعك أن ترفع ذلك إلينا ~~وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول»، قال: «إنى رأيت للسلطان سوقا وإنما يرفع ~~إلى كل سوق ما ينفق فيها» قال: «فبكى لها أبو جعفر» ثم رفع رأسه وقال: ~~«كأنك كرهت صحبتنا!»، PageV01P094 # قال: «ما يدرك المال والشرف إلا فى صحبتك، ولكنى تركت عجوزا وأريد ~~مطالعتها»، وكتب عهده على قضاء القيروان، وقال: «اذهب فقد أذنا لك». # وقال عيسى، ولى عهد المنصور، لعبد الرحمن بن زياد يوما: «ما يمنعك من ~~إتياننا؟» قال: «وما أصنع عندك إن أتيتك، إن أدنيتنى قتلتنى وإن أقصيتنى ~~أخزيتنى، وليس عندك ما أرجوه ولا عندى ما أخافك عليه». # قال أبو عثمان المعافرى: كنت يوما عند عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضى ~~إفريقية، وهو يتنفس الصعداء، والكآبة ظاهرة عليه، حتى أتاه شاب معه مخلاة ~~فأسر إليه كلاما فأسفر وجهه وتبسم، وقال لغلامه: «جئنا بالفول الذى ms51 طبخوه ~~البارحة لنا»، فجاءه به، فقال: «تقرب»، قال أبو عثمان: فقلت: «لا أفعل» ~~قال: «ولم يا أبا عثمان، أظننت ظنا؟»، قلت له: «نعم»، قال: «أحسب يا أبا ~~عثمان أنك قلت إذا رأيت هذه الهدية دخلت دار القاضى: فاعلم أن الأمانة قد ~~خرجت من كوة داره، وليس هو هدية» قال: فقلت له: «إنى كنت رأيتك مغموما فلما ~~أتاك هذا الطعام انطلقت وأسفر وجهك»، فقال لى: «إنى أصبحت وقد بعد عهدى ~~بالمصائب، فخفت أن أكون قد سقطت من عين الله، فلما أتانى هذا الغلام ذكر لى ~~أن أكفأ عبيدى وأقومهم بضيعتى توفى، فزال عنى الهم والغم واسترحت. # وكان ابن أنعم يقول «لكل شىء آفة تستعبده، وآفة العبادة الرياء، وآفة ~~الحلم الذل، وآفة الحياء الغضب وآفة اللب الإعجاب، وآفة الظرف الصلف، وآفة ~~العلم النيسيان، وآفة الجود السرف». # وأقام عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضيا على إفريقية المرة الثانية إمارة ~~ابن الأشعث والأغلب بن سالم وعمر بن حفص حتى قدم يزيد بن حاتم فأقام مدة ثم ~~انعزل، وكان فيما روى عن سليمان بن عمران قال: كانت امرأة تدخل إلى نساء ~~يزيد بن حاتم، وكان لها خصومة عند عبد الرحمن، فكتب لها كتاب حكم، وختمه، ~~وأعطاها إياه فأخذته ودخلت به إلى دار يزيد بن حاتم، فقال لها: «ما هذا؟» ~~فأعلمته، فأخذه وفض خاتمه PageV01P095 # وقرأه، وصاحت فقال لها: «لا عليك، أنا أبعث به إليه يختمه» ثم بعثه إليه ~~فقال: «ما أختمه حتى تعيد البينة مرة أخرى (فرده عليه ثانية ليختمه فأبى»، ~~فقال: «ما أفعل» فلما ولى رسول يزيد أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره وأخذ جلده، ~~وقال: «والله لا أحكم بين اثنين أبدا»، قال: «فولى يزيد بعده ابن الطفيل ~~التجيبى، وكان يسكن فى سوق اليهود فى الدرب المعروف إلى اليوم بابن الطفيل، ~~وكان يركب إلى دار عبد الرحمن بن زياد يشاوره فى أمره، وكان يقرع الباب»، ~~فيقول الخادم: «من أنت؟» فيقول له: «قل لمولاك هذا الذى عزلك» وكان ربما ~~حضره الطعام فيأكل معه ابن الطفيل، ويركب ms52 حمارا له حتى يأتى المسجد الجامع، ~~فينزل ويجلس، ويخلى الحمار فينطلق الحمار يريد دار يزيد بن الطفيل بغير ~~قائد ولا سائق، فيأكل ما يلقى فى الأزقة من حشيش وبقل، وهو فى ذلك يمشى حتى ~~يأتى دار ابن الطفيل، فيؤخذ فيدخل، فإذا كان الوقت الذى يعلمون أنه ينصرف، ~~اسرجوا الحمار فيذهب حتى يأتى الجامع فيخرج فيركبه وينصرف. # قال سليمان: ثم عزل يزيد بن حاتم بن الطفيل، وذلك أنه رفع إليه أنه رفع ~~كتبه عند رجل من البرازين، فقال له: «لم فعلت هذا؟»، فقال له: «إنها مختومة ~~وأنا أحفظ ما فيها»، فقال له: «وإن كان، فليس هذا من سير القضاة» وعزله. ~~قال سليمان: وكان سبب وفاة عبد الرحمن بن زياد أنه أكل عند يزيد بن حاتم ~~سمكا وشرب لبنا، وذلك فى الليل ثم انصرف، وكان يحيى الطبيب حاضرا، وكان عبد ~~الرحمن قد جاوز السبعين، فقال يحيى: «إن كان الطب حقا، فإن الشيخ يهلك»، ~~وكان يزيد فى علية له فى دار الإمارة، إذ سمع بكاء فى الليل، فقال: «ينبغى ~~أن يكون هذا البكاء على عبد الرحمن» فكان كذلك، فلج فمات، ووقف يزيد بن ~~حاتم خارجا من باب نافع ينتظر الجنازة فلما أقبلت، ونظر إلى جماعة الناس ~~وكثرتهم وازدحامهم تمثل بهذا البيت: # يا كعب ماراح من قوم ولا ابتكروا %~% إلا وللموت فى آثارهم حادى PageV01P096 ### | ولاية داود بن يزيد بن حاتم # واستخلف يزيد فى مرضه داود ابنه، فانتفض عليه أمر البربر ... صالح بن ~~نصير فى الإباضية فلقيه ... بباجة فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة فوجه ~~إليهم داود سليمان بن الصمة بن يزيد بن حبيب بن المهلب فى عشرة آلاف، فهرب ~~البربر فتبعهم فقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وسلم الجند، وهرب صالح بن نصير ~~فانضم إليه جماعة من مشيخة أهل البصائر من البربر، ممن لم يكن شهد الوقعة ~~الأولى بشقبنارية من كورة الأربس، فزحف إليهم سليمان بن الصمة فلقيهم ~~فقتلهم وقتل أهل البصائر منهم، ولم يصب من الجند أحد، وانصرف إلى القيروان، ~~وكان داود جعل على ms53 شرطته خالد بن بشير، وولى على الزاب المهلب بن يزيد. # وأقام داود واليا على إفريقية إلى أن قدم عمه روح أميرا على المغرب، ~~فكانت ولاية داود سبعة أشهر ونصف شهر. وسار داود إلى المشرق فكان أجل قائد ~~عند الرشيد، وولاه ولايات كثيرة، وولى مصر سنة أربع وسبعين ومائة، ثم ولاه ~~السند، فمات بها وهو أمير عليها، ومدحه الشعراء وذكرت مناقبه وأفعاله، فمن ~~ذلك قول مسلم بن الوليد الأنصارى: # لا تدع بى الشوق إنى غير معمود %~% نهى النهى عن هوى الهيف الرعاديد # وهى من القصائد المختارة لحسن ألفاظها وبديع معانيها، يقول فيها: # الله أطفأ نار الحرب إذ سعرت %~% شرقا بموقدها فى الغرب داود # داويت من دائها كرمان وانتصفت %~% بك المنون لأقوام مجاهيد # خلى بها فزعا أخلى معاقلها %~% من كل أبلخ سامى الطرف صنديد PageV01P097 ### | ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب # ثم وجه هارون الرشيد روح بن حاتم إلى المغرب، وكان أكبر سنا من يزيد ~~وأكثر ولايات بالمشرق، وحجب أبا جعفر المنصور فى أول أيامه، ثم ولاه ~~البصرة، وولى الكوفة فى أيام محمد المهدى، وولى السند وطبرستان وفلسطين ~~وولايات كثيرة. # روى عن عبد الله بن عمر بن غانم القاضى أنه قال: حدثنى الأمير روح بن ~~حاتم، قال: «كنت عاملا لهارون الرشيد على فلسطين ثم صرفنى عنها، فخرجت منها ~~أريد بغداد، فوافق موت أخى يزيد، فأرسل إلى هارون فلما دخلت عليه قال لى: ~~«يا روح، أحسن الله عزاءك فى أخيك يزيد فقد توفى، ولا أشك أن له صنائع ~~بإفريقية، فإن ولى مكانه غيرك لم آمن عليهم من عدو يتشفى منهم، ولكن اخرج ~~من فورك إلى إفريقية»، ويقال إن روح بن حاتم بعث إلى كاتب له بثلاثين ألف ~~درهم ووقع إليه: قد بعثت إليك بثلاثين ألف درهم، لا استقلها لك تكبيرا ولا ~~استكثرها لك تمننا، ولا استثنيك عليها ثناء، ولا أقطع عنك بها رجاء، ~~والسلام. # وكانت فى روح عصبية، قال خداش بن عجلان: قال لى روح بن حاتم: «رأيت ~~إنسانا يطوف بالبيت وهو ms54 يقول: اللهم اغفر لى ولا تغفر لأمى، قلت: «ولم ~~ويحك؟!» قال: هى من الأزد والرجل روح». # ومما يؤثر من: ### || أخبار روح بإفريقية # إنه أتى برجل من موالى نهشل، فكان يتلصص ما بين برقة ومصر، فأمر بضرب ~~عنقه، فقال له: «أيها الأمير، إن لى عليك يدا» قال: «وما هى؟» قال: «إنك ~~جئت إلى مجلس قومى وهو محتفل، فلم يتحفز لك أحد منهم، فقمت لك من مكانى حتى ~~جلست فيه، ولو لا كريم محتدك وشرف مجدك ونباهة ذكرك ما ذكرتك هذا عند مثل هذه PageV01P098 # الحال» فقال روح: «يد والله»، وأمر بتخليته، وولاه على تلك الناحية ووصله ~~وأخرجه إليها. # وجلس يوما فى قصره ينظر من علية مع جاريته طلة الفندهارية، وكانت حظية ~~عنده لجمالها وحسنها وأدبها وعلمها، فطلع خادم له وبيده قادوس فيه ورد أحمر ~~وأبيض فى غير زمان الورد، فاستظرفه وسأله عن أمره، فأعلمه أن رجلا أتى به ~~هدية إليه، فأمره أن يجعل فى طبق بين يديه، وأمر أن يملأ له القادوس دراهم. ~~فقالت له طلة: «ما أنصفته» قال: «ولم؟» قالت: «لأنه أتى به ملونا أحمر ~~وأبيض، فلونه له»، فأمر أن يخلط له دنانير ودراهم ويدفع إليه. # قال: وكان وصوله إلى القيروان فى رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وكان شيخا ~~حازما قد حلب الدهر أشطره، وذهب أكثر عمره فى إمارة يديرها أو حرب يسرها، ~~فلما وصل أقر العلاء بن سعيد على طرابلس، وعزل المهلب بن يزيد على طنبة، ~~واستعمل عليها ابنه الفضل بن روح، واستعمل على تونس الجنيد بن سيار، ثم ~~عزله واستعمل عليها إسحاق بن يزيد بن حاتم، وكان وصوله فى خمسمائة فارس من ~~الجند ثم لحقه ابنه قبيصة فى ألف وخمسمائة فارس، فولاه أبوه برقة، فمن يوم ~~مات روح عزلت برقة عن عمل إفريقية، ولم تزل البلاد معه هادئة والسبل آمنة، ~~ورغب فى موادعة عبد الوهاب بن رستم الإباضى صاحب تيهرت وهو الذى تنسب إليه ~~الوهبية، فلبث روح والأحوال حسنة مستقيمة إلى أن توفى لإحدى عشرة ليلة بقيت ~~من شهر ms55 رمضان سنة أربع وسبعين ومائة، فكانت ولايته ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ~~وكان له أولاد مذكورون منهم الفضل وقبيصة، وكان أبوه ولاه برقة، وفيه يقول ~~أبو عيينة المهلبى ابن عمه: # أقبيص لست ولو عرضت ببالغ %~% سعى ابن عمك ذى الندى داود # داود محمود وأنت مذمم %~% عجبا لذلك وأنتما من عود # ومنهم بشر بن روح، وكان قد رجع ... وصار على شرطة على بن المهدى، وأم على ~~ريطة بنت أبى العباس السفاح، وكان المهدى ولى موسى العهد بعده ثم هارون من PageV01P099 # بعد موسى ثم عليا من بعد هارون. فلما صار الأمر إلى الرشيد خلع على بن ~~المهدى وعوضه من ذلك عشرين ألف ألف درهم، وكان متولى القضاء لروح رجل من ~~أهل تونس، يقال له العلاء بن عقبة، وكان صالحا ورعا، فحكم لرجل من أهل باجة ~~بحكم ففضه روح ووقف عليه، وبلغ ذلك العلاء، فقام من المسجد فبعث روح ورائه، ~~فالتمسوه فلم يوجد فى داره ولا موضع قضائه، فلقيه يوم ومعه جلده ودرنه وهو ~~سائر إلى تونس، فبعث روح إلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء، فأبى وامتنع، ~~فأجبره وأمر من يقعده فى الجامع، فأقعدوه ودعوا بالخصوم، فتقدم إليه خصمان ~~فقال لهما: «أنا شد كما الله أن تكونا أشأم رجلين على»، فقاما، فلم ييأس ~~منه وعرض عليه، فأبى ثم قال له: «أشر على» فأبى، فأمر روح أن يصعد به إلى ~~بعض السطوح، وقال: «إن أشار وإلا ألقوه إلى الأرض» فقال: «هذا الفتى عبد ~~الله بن عمر بن غانم كانت لنا معه صحبة». فكأنه أومأ نحوه. # قال: فولى روح القضاء عبد الله بن عمر بن غانم، وكان لا يجيب مشيره فى ~~الخصومات، فيأبى ويقول: لم أتقلد هذا قاضيا أتقلده مستشارا!»، وكان هذا سبب ~~خروجه إلى مصر، وبها توفى. # وكان عبد الله بن عمر بن غانم فقيها ورعا عالما مقدما مع فصاحة لسان وحسن ~~بيان، وبصر بالعربية ورواية للشعر وكان قائلا له حسن العلم به، وهو أحد ~~القضاة الذين يفخر بهم أهل إفريقية، وأقام على القضاء ms56 نحوا من عشرين سنة، ~~وكان قد رحل إلى مالك بن أنس- (رحمه الله)- وسفيان الثورى وأبى يوسف القاضى ~~وغيرهم. وكان يقول: «دخلنا على سفيان الثورى، فقال: ليقرأ على أفصحكم ~~لسانا، فإنى لا سمع اللحنة فيتغير لها قلبى» فقرأت عليه إلى أن فارقته، فما ~~رد على حرفا واحدا ... فنظرت فى حاجات وخرجت إلى ... فخرج هارون يشيعنى ثم ~~ودعنى ثم لحقنى وصاح: # يا روح، لا تنزل ولا ترجع ... وأنا مقيم ثم سايرنى، فقال: عليك بالزاب ~~املأه خيلا ورجلا، وكان ذا رأى وحزم وعلم مع شجاعة وجود وصرامة، وهو أنبه ~~ذكرا بالمشرق من يزيد، ويزيد أكثر أخبارا منهم بإفريقية لطول مقامه بها، ~~ويقال إن المنصور وجه يزيد إلى إفريقية لما انتقضت عليه بقتل عمر بن حفص، ~~وبعث روحا إلى السند، PageV01P100 # فقيل له: «يأمير المؤمنين، لقد باعدت بين قربهما» فتوفى يزيد بالقيروان ~~ودفن فى مقبرة باب سالم، ثم وجه هارون إلى إفريقية روح، فمات ودفن إلى ~~جانبه، فقبرهما فى موضع واحد عليهما سارية مكتوبة فيها أسماؤهما، وقد ذهب ~~ما كان على قبرهما من بناء، لأن بنى الأغلب هدموا ما كان على قبريهما، ~~ومنها الأعمدة التى تحت مصلى العيد، وأكثر الناس يعرفون قبريهما ويقفون ~~عليهما للعظة بما كانا فيه من السلطان والقدرة. ولما أن هزم عبد الله ابن ~~على، عم أبى جعفر، صار إلى البصرة إلى أخيه سليمان بن على، فأخفاه عنده، ~~فعزل أبو جعفر عمه سليمان عن البصرة وولى عليها سليمان بن يزيد بن المهلب ~~وصيره مع روح بن حاتم فى سبعة آلاف ... البصرة حتى يظفر بعمه عبد الله بن ~~على، وأمرهما أن يخ ... سفيان يلاطف آل سليمان ويدخل عليهم ويؤنسهم إلى أن ~~دخل يوم، فقالوا له: «سلم على شيخ بنى هاشم» قال: «ومن هو؟» قالوا: # «عبد الله بن على» فسلم عليه وصافحه وأمسك بيده، فقال له: «خل عن يدى» فقال: # «ولا والله لا خليت عن يدك حتى ترى وجه أبى جعفر» فقالوا إليه ليخلصوه ~~منه، واتصل الخبر بروح فجاء بأصحابه وأحاط بالقصر وهو يقول: «لئن ms57 نال سفيان ~~منكم مكروه لا يستقر بكم القصر». فوصل إلى أبى جعفر على يدى روح، وتوفى ~~عيسى ابن موسى ولى عهد المنصور بالكوفة سنة سبع وستين ومائة، وعلى الكوفة ~~روح بن حاتم، فأشهد على وفاته القاضى والوجوه لمكانه من دولة المنصور، ونظر ~~رجل إلى روح بن حاتم واقفا فى الشمس عند باب المنصور، فقال له: «لقد طال ~~وقوفك فى الشمس!» فقال لى روح: «ليطول مقامى فى الظل». # ومات ابن الروح فدخل عليه أصحابه، وهو ذكى البال ضاحك السن، فتوقفوا عن ~~تعزيته، فعرف ذلك منهم، فأنشأ يقول: # وإنا أناس لا تفيض دموعنا %~% على هالك منا ولو قصم الظهرا # يروى عن عبد الرحمن القصير قال: رأيت أربعة ما رأيت فى الدنيا مثلهم، ~~رأيت ابن عثمان بالبصرة فما رأيت فى الدنيا مثله، ورأيت الأوزاعى بالشام ~~فما رأيت فى الدنيا PageV01P101 # مثله، ورأيت سفيان الثورى بالكوفة فما رأيت فى الدنيا مثله، ورأيت رباح ~~بن يزيد بإفريقية فما رأيت فى الدنيا مثله. # وكان رباح يقول: رضت نفسى عن المآثم حولا فبعد حول ضبطتها، ورضت لسانى عن ~~ترك ما لا يعنينى خمس عشرة سنة، فبعد خمس عشرة سنة ضبطته. وهذه الرياضة ~~كانت فيه لأنه مات وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكان قد حمل على نفسه ~~الاجتهاد حتى قال: «كنت أحب الصحة فلما ضعفت عن العمل أحببت المرض. قال ~~سليمان بن عمران: ولما توفى رباح بن يزيد حضر جنازته كافة الناس، وغلقت ~~الحوانيت، وحضرها الأمير يزيد بن حاتم، فلما رأى من كثرة الناس ما رأى ~~التفت إلى من يليه، فقال: هذا والله عز الآخرة لا ما نحن فيه» وقال بعض ~~شيوخ إفريقية: لما ولى روح بن حاتم أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم ~~القضاء بأفريقية ظهر من عدله فى قضائه، وفهمه ما فضح به من كان قبله، وولى ~~فى رجب سنة إحدى وسبعين ومائة وهو يومئذ ابن أربعين سنة، فأقام على قضاء ~~إفريقية عشرين سنة أيام روح بن حاتم، ونصر بن حبيب، والفضل بن روح، ms58 وهرثمة ~~بن أعين، ومحمد بن مقاتل العكى، وبعض أيام إبراهيم بن الأغلب، وسنذكر بعض ~~أخباره معه. وكان ابن غانم إذا أشكلت عليه قصة أرجأ أمر الخصمين حتى يعود ~~عليه جواب مالك بن أنس وأبى يوسف القاضى، ونذكر بقية أخبار عبد الله بن ~~فروخ، وكان عظيم القدر عند العلماء قال ابن فروخ: كنت يوما عند ابن أبى ~~جمعة فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسى فأدمتنى فقال لى: «اخطر إن شئت أرش ~~الجرح وإن شئت ثلاثمائة حديث» قلت: «الحديث»، فحدثنى ثلاثمائة حديث. # قال: وقلت يوما لأبى حنيفة: «ما منعك أن تلى القضاء؟» فقال لى: «يا بن ~~فروخ القضاء ثلاثة، رجل يحسن العوم أخذ البحر طولا فما عسى أن يعوم يوشك أن ~~يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيرا فغرق، ورجل لا يحسن العوم فألقى ~~بنفسه على الماء فغرق من ساعته، فهذا منعنى من الدخول فى القضاء». # وقال ابن فروخ: أتيت الكوفة وأكثر أملى السماع من سليمان بن مهران ~~الأعمش، فسألت عنه فقيل لى: «إنه غضب على أهل الحديث وحلف ألا يسمعهم إلا ~~وقت ذكر PageV01P102 # فكنت اختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه، فجلست يوما أتفكر فى تغربى وما ~~حرمته من السماع منه، وقد أدركته إلى أن فتح الباب، وإذا بجارية فقالت: ~~«مالك»؟ فقلت: # «أنا رجل غريب»، واعلمتها بخبرى، قالت: «وأين بلدك؟» قلت: «إفريقية» ~~فاسترجعت وقالت: «أتعرف دار بنى فروخ؟» قلت: «أنا ابن فروخ» فقالت: # «عبد الله!» قلت: «نعم»، فإذا هى جارية كانت من بلادنا، وكنت رضيعا لها ~~فبعناها صغيرة، فصارت إلى الأعمش وكانت لها دالة عليه، فدخلت عليه فقالت ~~له: «إن ابن مولاى الذى كنت أخبرك به بالباب، فأمرها بإدخالى، وأسكننى فى ~~بيت قبالته، فكنت أسمع منه وحدى، وقد حرم سائر الناس إلى أن قضيت أربا من ~~سماعى منه. وكان مالك بن أنس- (رحمه الله)- يكرمه ويعظمه، وكانت لمالك- ~~(رحمه الله)- فراسة لا تكاد تخطىء، نظر يوما إلى ابن فروخ فقال: «هذا فقيه ~~بلده» ونظر إلى ابن غانم فقال: «وهذا قاضى بلده»، ونظر إلى ms59 البهلول بن راشد ~~فقال: «وهذا عابد بلده». # وقدم عبد الله بن فروخ المدينة حاجا، فلما نزل لبس ثيابه ثم توجه إلى قبر ~~النبى (صلى الله عليه وسلم) فسلم عليه ثم أتى مالك بن أنس مسلما، فلما رآه ~~قام إليه وكان لا يكاد يفعل ذلك لكثير من الناس، وأجلسه إلى جانبه وسأله عن ~~أحواله وقدومه فأعلمه أن قدومه كان فى الوقت، فقال: «صدقت لو كان قدومك ~~تقدم لعلمت، ولو علمت لأتيتك» وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر ~~إلا قال له: «أجب يا أبا محمد،» فيجيب، فيقول مالك للسائل: «هو كما ذكر لك» ~~قال: ثم التفت مالك إلى أصحابه فقال: «هذا فقيه المغرب»، وكان على هديه ~~وورعه يقول لتحليل النبيذ ويشربه، ويروى أحاديث فى تحليله، وكان يرى الخروج ~~على أهل الجور والظلم، وواعد أصحابه على الخروج، وكان يتعاهد معهم أن ~~يتوافوا بباب أصرم، فما وافاه إلا أبو محرز وجم أصحابه، واتصل ذلك بروح بن ~~حاتم، فقال له: «بلغنى أنك ترى الخروج علينا؟» قال: «نعم» فتعاظم ذلك روح ~~من قوله وقال له: «فى كم؟» قال: «فى ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا عدة أهل ~~بدر كلهم أفضل منى»، فقال له روح: «قد أمنا أن يخرج علينا أبدا لأنه لا يجد أحدا PageV01P103 # مثله، فكيف هذه العدة؟»، وبعث إليه روح يسأله عن دم البراغيث يصيب الثوب ~~هل ينجسه؟ فقال: «يا عجبا، يسألون عن دم البراغيث ولا يسألون عن دماء ~~المسلمين»، والرسول يسمعه. # قال عبد الله بن وهب المصرى: قدم علينا ابن فروخ فى سنة ست وسبعين ومائة ~~بعد أن مات الليث بن سعد، فرجونا أن يكون لنا عبد الله بن فروخ خلفا منه، ~~فما لبث إلا يسيرا حتى مات، فدفناه فى مقبرتنا هذه، وجعلت على نفسى ألا ~~أحضر جنازة إلا وقفت على قبره ودعوت له ورحمت عليه. ### | ولاية نصر بن حبيب المهلبى # يقال إن روح بن حاتم كان قى أسن وكبر، وإذا جلس للناس كثيرا ما يغلبه ~~النوم من الضعف، فكتب أبو العنبر ms60 القائد وصاحب البريد إلى هارون الرشيد ~~بضعف روح وكبره، وإنهما لا يأمنان عليه أن يموت (وإفريقية) ثغر ولا يصلح ~~بغير سلطان، وقبلنا نصر ابن حبيب وكان على شرطة يزيد بن حاتم ولايته كلها ~~مصر وإفريقية، وهو محمود السيرة محبب إلى الناس، وله سن ومعرفة، فإن رأى ~~أمير المؤمنين ولايته فى السر إن حدث بروح حدث حتى يرى أمير المؤمنين رأيه. ~~فكتب هارون له عهده سرا، فلما مات روح فرش لابنه قبيصة الجامع، فجلس واجتمع ~~الناس للبيعة له، وكان الفضل بن روح عاملا على الزاب، فركب أبو العنبر ~~وصاحب البريد بعهد هارون إلى نصر بن حبيب، فأوصلاه إليه وسلما عليه، وركبا ~~إلى المسجد فيمن معهما حتى أتيا قبيصة، وهو جالس على الفرش، فأقاماه واقعدا ~~نصرا وأعلما الناس بأمر نصر، وقرىء كتاب هارون عليهم فسمعوا وأطاعوا. # فولى نصر سنتين وثلاثة أشهر فعدل وحسنت سيرته، وكان لم يعد أحد قبله بمثل PageV01P104 # عدله، وكانت ولايته لعشر باقين من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ومائة، وولى ~~أعماله أهل البلد، وعزل العلاء بن سعيد عن طرابلس بعد أن أقام عليها عشر ~~سنين وتسعة أشهر، واستعمله على الزاب، واستعمل على طرابلس النصر بن سدوس ~~المرادى، وكان الفضل بن روح لما مات أبوه وصار الأمر إلى نصر خرج إلى هارون ~~فولاه إفريقية، فرجع إليها. ### | ولاية الفضل بن روح بن حاتم # لنا ولاه الرشيد كتب بعزل نصر إلى إفريقية وأن يقوم بأمر إفريقية المهلب ~~بن يزيد إلى أن يقدم، وكان قدوم الفضل فى المحرم سنة سبع وسبعين ومائة، ~~ويقال إنه لم يل إفريقية أجمل منه ومن أبى العباس عبد الله بن إبراهيم بن ~~الأغلب. وروى عمرو بن قدومة قال: # ما رأيت مثل ما صنع الناس فى تلقى الفضل بن روح واستبشارهم به، وسرورهم ~~بقدومه، نصبت له القباب من مسجد أم الأمير إلى دار الإمارة فى رحبة التمر، ~~فزعموا أن قسطاس النصرانى نصب له قربة ريحان فى طريقه، وعليها طومار قد كتب ~~فيه بخط غليظ: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا ms61 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر» فنظر إليه الفضل فقال: «من فعل هذا؟!» قالوا: قسطاس، قال: «أحسن ~~والله النصرانى» فلما انتهى إلى مسجد أبى فهر نظر إلى زير زجاج معلق، وفيه ~~ماء وفى الماء حيتان تعوم، فقال: «من فعل هذا؟!» قالوا: قسطاس، فقال: «أحسن ~~والله». # وكان قد أمر بعض كتابه أن يكتب كلما هيأ له ويلقاه به، فلما نزل عرضت ~~عليه الكتب، وأتى قسطاس فقال له: «تمن» فقال: «يأذن لى فى بناء كنيسة» فأذن ~~له، فبنى الكنيسة التى يقال لها كنيسة قسطاس. فإن يكن ذلك كما قيل فقد أتى عظيما. # ولما ولى الفضل عزل عمال نصر بن حبيب إلا أنه أقر العلاء بن سعيد على ~~الزاب، وولى على طرابلس أبا عيينة الشاعر بن محمد بن أبى عيينة بن المهلب ~~إلى المشرق، وكان قدم زائر الابن عمه يزيد بن حاتم، فولاه قفصة وقصطيلية، ~~فيقال إنه جلس يوما مع PageV01P105 # أصحابه إذ سقطت من يده جوهرة، فأخذ بعض جلسائه وأبو عيينة يراه فقال: # «يا غلمان، لا تطلبوها ولا يبيعنها آخذها بخسا، فإن شراءها عشرون ألف ~~درهم»، وكان نازلا بالحارثيين، فلما أراد الخروج إلى طرابلس جاءته جيرته ~~مودعين، فقال لهم: «ما معنا دينار ولا درهم، ولكن ما فى الدار من طعام ~~وشراب وأثاث ومتاع فهو لكم»، قال بعضهم: فقمنا فوجدنا خزائن مملوءة من كل ~~شىء فاقتسمناها، وجاءه وهو على تلك الحال المعروف بأبى حسان الإسكاف فأهدى ~~إليه خفين، فقال له: «ما حملك على أن تهدى إلينا ونحن على ما ترى من ~~الحال؟!» فقال: «المودة لك والأمل فيك بعد اليوم» قال: «ليس يغنى عنك هذا، ~~ولكن هل لك فى شىء؟»، ونزع عن نفسه ثوب وشى فدفعه إليه، فباعه أبو حسان ~~بمائة دينار. قال أبو مالك بن الطرماح بن حكيم، وكان مقيما بالقيروان: «بعث ~~إلى أبو عيينة المهلبى أن جئنى بديوان الطرماح لأقرأه عليك، ففعلت فأمر ~~بانتساخه وقرأه على، وكنت أحضر طعامه وكسانى كسوة نفيسة وأعطانى ثلاثين ~~دينار، فكان أبو مالك يقول: «والله ms62 ما رأيت المال أرق ولا أذل مما هو ~~بأيديهم»، وكانت تونس تعدل بالقيروان فى كثرة العرب والجند الذين كانوا فيها. # وكان أبو جعفر إذا قدم عليه رسول صاحب المغرب يقول: «ما فعلت إحدى ~~القيروانين- يريد تونس- فلما قدم الفضل ولى عليها ابن أخيه المغيرة بن بشر ~~بن روح، وكان غرا لا تجربة له بالأمور، فاستخف بالجند وسار فيهم بغير سيرة ~~من تقدمهم ووثق أن عمه لا يعزله، هذا مع ما فى قلوبهم على الفضل من أشياء ~~قد أنكروها، أقلها استبداده برأيه دونهم، فاجتمعوا وكتبوا كتابا إلى الفضل ~~يخبرونه بسوء صنيع المغيرة لهم وقبح سيرته فيهم، فتثاقل الفضل عن جوابهم، ~~فاجتمعوا وتكلم ابن الفارسى وقال: «إن كل جماعة ليس لها رئيس يدبر أمرها، ~~فهى على شفا جرف مما تطلب، فانظروا رجلا يدبر أمركم» قالوا: «صدقت، فأشر ~~علينا» قال: «فإنى أشير عليكم بالبصير بن الحرب المعروف بالنجدة، ولعله مع ~~هذا .. ماله، فإنه ذو مال»، قالوا: «من هو (» قال: «عبد الله ابن الجارود، ~~وهو المعروف بعبدويه، فأتوا ابن الجارود فقالوا: «قد علمت ما صنع بنا ~~المغيرة وقد كتبنا إلى صاحبه فلم يزل خاذلنا وقد رأينا إخراجه، وأنت شيخنا ~~وفارسنا PageV01P106 # والمنظور إليه، ونحن نصير هذا الأمر إليك قال لهم: «ليس يمنعنى من ~~إجابتكم إلى ما سألتم تقصير فى النصيحة لكم، ولكنى أكره أن أعقد فى أعناقكم ~~عقدة ترجعون عنها، فأكون أنا الداعى إلى هلاك نفسه، ولكنى أقنع بالعافية ما ~~وسعتنى، فإن وقع أمر كنت فيه كأحدكم، فقال له محمد بن الفارسى «ما لنا من ~~هذا الأمر بد»، فلما رأى القوم فى جدها قال لهم: «أعطونى من بيعتكم ما أثق ~~به» فقالوا له: «أنفسنا دون نفسك» فأخذ بيعتهم على ما أراد، ثم انصرفوا إلى ~~المغيرة وهو بدار الإمارة فحصروه بها فبعث إليهم فسألهم: ما الذى يريدون؟ ~~قالوا: «ترحل عنا وتلحق بصاحبك أنت ومن معك. # وكتب عبدويه: إلى الأمير الفضل من عبد الله بن الجارود، أما بعد: فإنا لم ~~نخرج المغيرة إخراج خلاف عن الطاعة، ولكن لأحداث فيها ms63 فساد الدولة، فول ~~علينا من ترضاه ولا طاعة لك علينا، والسلام. «فكتب إليه الفضل بن روح»، من ~~الفضل بن روح إلى عبدويه بن الجارود، أما بعد: فإن الله عز وجل يجرى قضاياه ~~فيما أحب الناس أو كرهوا وليس اختيار واليا لو اخترته لكم أو اخترتموه ~~بحائل دون شىء أراد الله عز وجل بلوغه فيكم، وقد وليت عليكم عاملا فإن ~~دفعتموه فهو آية النكث منكم، والسلام» وبعث عبد الله بن يزيد المهلبى عاملا ~~على تونس، وضم إليه النضر بن حفص وأبا ... # والجنيد بن سيار. # فروى مسعدة بن أبى قديك قال: خرجت مع عبد الله بن محمد بشيعة حتى انتهينا ~~إلى باب المدينة نصب روح اللواء فاندقت القناة، فتطير الناس، ومضى حتى إذا ~~كان مرحلة من تونس تخير ابن الجارود عدة من أصحابه منهم وصاف ومنصور بن ~~هميان فى جماعة وقال لهم: «اذهبوا حتى تعلموا ما قدم به هذا الرجل وتبعثوا ~~إلى بخبره، ولا تتعرضوا للحرب ما وجدتم سبيلا إلى العافية»، فلقوه بالزيتون ~~الذى بالقرب من سبخة تونس فلقوه فقال ابن هميان لأصحابه: «قد علمتم أن ~~الفضل كان يأخذ الرجل منكم فى الأمر الذى ليس عليه فيه مؤنة، فيقطع يديه ~~ورجليه، فكيف وقد أخرجتم ابن أخيه وكاشفتموه، والله ما بعث عاملة ومن بعث ~~معه من القواد إلا ليتلطف بكم لترجعوا عن رأيكم، فإذا اطمأنت به الدار مر ~~عليكم فلا يبقى منكم أحدا»، قال وصاف: «فما رأيك»، فكأنى انظر إلى ما PageV01P107 # تريد، وإن شئت أعلمتك به» قال: «فخبرنى» قال: «نكون على عدة ثم نلقى ~~القوم كأنا نسألهم عما جاءوا إليه حتى إذا غشيناهم صببنا عيلهم، فإن أرادوا ~~قتالنا كنا قد شغلناهم عن كثير من ذلك، وإن لم يقاتلوا أخذنا عبد الله ~~والقواد الذين معه فصاروا رهائن بأيدينا، فكنا المخيرين على الفضل، فإما ~~أجاب إلى ما نحب وإما أخرجناه ومن معه وقاتلناهم إن أبوا الخروج فقال له ~~منصور: «والله ما أخطأت ما أردت» فأجمع رأيهم على ذلك، فأقبل عبد الله بن ~~محمد حتى التقوا ms64 بالزيتون، فلما قربوا منه حملوا عليه وعلى أصحابه، فقتلوه ~~عبد الله وأخذوا القواد أسارى، فلما رجعوا إلى ابن الجارود، فأخبروه بما ~~صنعوا فقال لهم: «ما لهذا بعثتكم، فأما إذ وقع فما رأيكم؟» فأشار بعض ~~أصحابه بما عنده من الرأى، وقال: «إنه لم تسأل الفضل واليا، وأنت تريد قتله ~~قبل أن تعرف رأيه وأنت غائب عن قتل عبد الله، فأقم وكاتبه، فإنه يحثه على ~~موادعتك طلب العافية ... # الولاية»، فضحك محمد بن الفارسى فقال له عبدويه: «لم ضحكت، كأنك لم ترض ~~رأيه؟»، قال: «أما هو فقد أجهد لك نفسه فى الرأى» قال: «فما ترى أنت؟» قال: # «إذا والله أعطيتك الوجه الذى إن ارتكبته ظفرت وإن تركته نكبت» قال: «وما ~~هو؟» قال: # «اعلم أن الفضل لن يسلم لك صدره أبدا بعد إخراج ابن أخيه وقتل ابن عمه، ~~وليس اعتذارك للفضل أنك غبت عن قتل ابن عمه بالذى يقيم لك العذر عنده، ولا ~~راحة لك فى سلمه، وقد قيل فى أمثال كليلة ودمنة: إن الضرس المأكول الفاسد ~~لا راحة لصاحبه دون قلعه، وكذلك نحن وآل المهلب، لا راحة لنا فيهم إلا ~~بقتلهم أو إخراجهم بالمكائد والحيل»، فقال له عبدويه: «فتول أنت تدبير ~~الرأى ومكالمة الناس، واكفنى ذلك وأنا أكفيك تدبير الحرب- إن شاء الله-» ~~فجعل محمد بن الفارسى يكتب إلى كل رجل من وجوه القواد يوهمه أنهم يؤمرونه ~~عليهم وكان فى كتبه: «أما بعد» فإنا نظرنا إلى ما صنع الفضل فى ثغر أمير ~~المؤمنين فى تهاونه بجنده، واستئثاره عليهم بما لم تكن الولاة تصنعه قبله ~~مع وعورة لفظه لهم وتركه لكتاب أمير المؤمنين فى أرزاقهم وسوء سيرته فيهم، ~~فيما عهد إليه، ولم ينفعنا إلا الخروج عليه لنخرجه عنا، ونظرنا فلم نجد ~~أحدا هو أولى بنصيحة أمير PageV01P108 # هذه الخريطة تبين مواقع بعض المدن والقرى المذكورة فى هذا الكتاب. PageV01P109 # توزيع قبائل البرير فى بلاد المغرب العربى (نقلا عن ابن خلدون) PageV01P113 # المملكة الفاطمية في اوج مجدها حوالي 940 م. PageV01P115 # المؤمنين لبعد صيته وعطفه على جنده منك، فرأينا أن ms65 نجعل أنفسنا دونك فإن ~~ظفرنا جعلناك لنا واليا، وكتبنا إلى أمير المؤمنين نسأله ولايتك، وإن تكن ~~الأخرى لم يعلم الفضل أنا أردناك، والسلام. # فكان الكتاب إذا جاء أحدهم قال: «وما على أن اكتفى هذا الأمر» ويطمع فيما ~~كتب إليه به، فأفسد الكتاب جماعة، ولم يعالجهم الفضل وأمهلهم إلى أن دبروا ~~لأنفسهم، وكتب ابن الجارود وأصحابه إلى باجة، وبها جند من أهل خراسان ~~يخبرونهم بالأمر الذى دخلوا فيه، ويزينون لهم الخروج معهم، فتسرع الناس ~~إليه من كل ناحية، وبلغ ذلك الفضل فكتب إلى عماله بالقدوم عليه، ما خلا ~~صاحب الزاب وهو العلاء بن سعيد، وصاحب طرابلس، وهو أبو عيينة، ونادى فى ~~الجند قال من شهد الأمر: # فجعلت- يعلم الله- أنظر إلى العدة منهم يأتون فيأخذون أعطيتهم ثم ينشرون ~~السلاح، ويخرجون إلى ابن الجارود. # وقدم على الفضل سمدون، وأبو المغيرة، وأبو عميلة، فلما دخلوا عليه أمر ~~لكل واحد منهم بخمسمائة درهم، فبلغ ذلك من بالقيروان من أبناء خراسان فقال ~~بعضهم لبعض: «ويحكم، كيف ترضون بهذا أن يقوى الفضل أهل الشام على أبنائنا ~~.. يفعل ذلك بمن هو عبدة منا»، وكان عماله أهل خراسان يقولون: «لا نقاتل ~~معه»، وولى الفضل محاربة ابن الجارود عبد الله بن يزيد بن حاتم. # وأقبل ابن الجارود على طلائعه فتح، ووصاف، وابن الدويدى، وأقبل عبد الله ~~بن يزيد وعلى مقدمته شبيبة بن حسان وعلى طلائعه فلاح، فنزلوا قرب طساس، ~~وجعل عبد الله يتنقل حتى صار إليهم. ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فولت ~~طلائع عبد الله بن الجارود وركبهم الآخرون فقتلوا منهم عدة، وكان على ميمنة ~~عبد الله بن يزيد على بن هارون الأنصارى وسهل بن حاجب وعامر بن نافع، وعلى ~~المسيرة الميسرة عمر بن ...، وشراحيل الأزدى، فلما رأى سهل بن حاجب غريمه ~~عبد الله بن يزيد فى قتالهم دنا منه، ثم قال له: «والله إن زلنا نظن أنك ~~سندا لهم وإنك تصانع عبدوية حتى PageV01P117 # رأينا منك ما دفع الشك عنا فيك، وليس كلامى لك كلام حقد ولكن نصرة للطاعة ~~وكراهية للخلاف، ms66 وهو الذى دعانى إلى قتال من ترى من أهل خراسان، فلما انهزم ~~أصحاب عبدوية ولحقوا به قال لابن الفارسى: «ما هكذا كتب إلينا من كتب من ~~إخواننا!» قال ابن الفارسى: «إنما قاتلك أصحابنا أهل الشام وإنما لقوا ~~طلائعنا بعساكرهم لا تعلم إذا التقينا كيف يصنع الناس». # كان هذا يوم الجمعة، فلما كان يوم الأحد عبأ عبدوية جنده، وزحف وعبد الله ~~بن يزيد بطساس، فلما تواقفوا، قال عبدوية لأصحابه: «تهيأوا لحملة واحدة ~~تصدقوا فيها، فإن فى عسكر عبد الله بن يزيد من لو قد نظر إلينا لانهزم ~~باليأس» وهو على ثقة بما قال لهم فانهزم أصحاب عبد الله بن يزيد، وصبر ناس ~~فأخذ الطاعة من أهل خراسان وأهل الشام، فلما رأوا أنه لا يثوب إليهم أحد ~~انصرفوا إلى الخندق، وجعل عبد الله بن يزيد ينادى: «إلى إلى!» فما أحد رجع ~~إليه، قال له بعض أصحابه: «إنك والله لو قتلت ها هنا وثب الناس على الفضل ~~فيقتل» ولكن سر على طاوية بمن معك حتى تسير إلى القيروان، فتستأنف القتال، ~~فإن الحرب سجال وقد كانت أول وقعة فانصرف. وقتل هارون الأنصارى فى المعركة ~~وأدركوا أبا الأسود الحمصى فى بعض الطريق، وقد نزل عن فرسه، فقتلوه. وسار ~~الناس إلى القيروان وأتبعهم أصحاب عبدوية، فأقاموا على القيروان إلى ~~المغرب، ثم انصرفوا إلى منية اخيل. # واجتمع إلى الفضل بنوا عمه وأصحابه فقالوا له: «ما رأيك؟» فقال لهم: ~~«أشيروا على فاختلفوا فى رأيهم، فمنهم من أشار بالخروج إلى طرابلس والرحيل ~~عن القيروان، ومنهم من أشار بالقعود واضطرب على الفضل أمره ولم يصح له رأى، ~~فلما أصبح بعث المهلب بن يزيد إلى باب سالم، وفرق الناس على ما بقى من ~~الأبواب، وأقبل عبدوية والفضل فى دار الإمارة مع خالد بن يزيد، من ولد أبى ~~صفرة، وعبد الله بن يزيد وجنى بن خداش وجماعة من أهل بيته، فلما قرب عبدوية ~~من الأبواب سد من كان فى المدينة من PageV01P118 # الأبناء على من بباب سالم من داخل، فدفعوهم عنهم، وفتحوا الباب، ms67 وفتح ~~أيضا باب أبى الربيع، ودخل أصحاب عبدوية ما يدافعهم أحد، ونزل عبدوية خارجا ~~من المدينة وبدأ أصحابه بدار عبد الله بن يزيد. # ابن عبدوية قريش القشيرى، وابن الربوذى والهيثم بن الربيع وغيرهم، ثم رحل ~~ابن عبدوية من تونس ودخل مالك بن المنذر، فأقام بها عشرين يوما، وكان كثير ~~من أصحاب عبدوية المهزومين قد نصبوا بها، فقال له أصحابه: «دعنا نتبعهم» ~~فقال لهم: «إنهم وإن خالفوا فإنهم جند أمير المؤمنين» وأبى أن يأذن لهم، ~~فلما عرفوا ذلك من رأيه انصرفوا عنه وأغاروا على القرى، فبقى فى أقل من ~~العدة التى جاء بها من ميلة وقيل لابن الجارود: إن شئت أن تأخذ ملكا أسيرا ~~فأخرج إليه وقد تفرق الناس عنه، فخرج إليه وعسكر بطساس، فلما بلغ الناس أن ~~ابن الجارود عسكر ثابوا ورجعوا إلى مالك حتى صاروا فى ألفى فارس، وسار ابن ~~الجارود حتى نزل بقربة، وأقبل مالك بن المنذر فالتقوا واقتتلوا، فانهزم ~~أصحاب مالك، فلما رأى ذلك حمل فى نفر من أصحابه، وهو يقول: # يا موت إنى مالك بن المنذر %~% أمسك حسن البيض والسنور # أقتل من صابر ومن لم يصبر # فقام إليه عبد الله بن الجارود، وهو يقول: # .. مالك بن المنذر %~% إنى أنا قتلت رب المنبر # جرعته كأس حمام أحمر %~% فاصبر ستلقاه وإن لم تصبر # فلما هم كل واحد منهما أن يلقى صاحبه اعترض رجل من أصحاب الجارود مالك ~~ابن المنذر فصرعه وركبه الناس فقتل، وقتل معه عدة من أهل بيته، وانهزم ~~أصحابه حتى صاروا إلى الأربس، ووجه ابن الجارود حماد بن حماد واليا على ~~الأربس فبيته سمدون PageV01P119 # وأصحابه فهرب، ثم كتبوا إلى العلاء بن سعيد، وهو بالزاب أن يقدم عليهم، ~~وتهيأوا إلى قتال ابن الجارود، فأقبل العلاء حتى وصل إلى الأربس واجتمع مع ~~المغيرة وأبى عميلة وسمدون وفلاح فى أهل الشام، فلما بلغ ابن الجارود قدوم ~~علاء قال عند ذلك: # أفى كل يوم ثائر قد قتلته %~% بفضل ما ينفك بالفضل طائر # قضيت لنفسى النذر فى قتل مالك %~% وإنى لها ms68 قتل العلاء بناذر # قال: وجرت بينهما مكاتبات فقال العلاء فى آخر جوابه: # نذرت دمى فانظر إذا ما لقيتنى %~% على من بكاسيها تدور الدوائر # ستعلم إن أنشبت فيك مخالبى %~% إلى أى قرن أسلمتك المقادر # قال: وأقبل العلاء إلى القيروان، فصادف ابن الجارود وقد خرج منها يريد ~~يحيى بن عيسى خليفة هرثمة بن أعين، وذلك أن الرشيد لما اتصل به وثوب ابن ~~الجارود على الفضل ... إفريقية، وجه يقطين بن موسى لمحلة من دعوتهم ومكانه ~~فى دولته، وكبر سنه وحاله عند أهل خراسان، وأمره بالتلطف بابن الجارود ~~وإخراجه من البلاد، ووجه معه المهلب بن رافع ثم وجه منصور بن زياد ومعه ~~هرثمة بن أعين أميرا، فأقام ببرقة وقدم يقطين القيروان، فجرى بينه وبين ابن ~~الجارود كلام كثير، ودفع إليه كتاب هارون الرشيد فقال ليقطين: قد قرأت كتاب ~~أمير المؤمنين، وأنا له على السمع والطاعة، وليس لأمره دفع ولا بعد أمانه ~~خوف، وقد أظلنى العلاء بن سعيد وفى كتاب أمير المؤمنين أنه ولى هرثمة بن ~~أعين وهو ببرقة بعدكم يصل ومع العلاء ... الثغر، وثب البربر فأخذوه، ثم ~~أخرجوا العلاء منه أو قتلوه، ولا يدخله وال لأمير المؤمنين أبدا، فأكون ~~إمام الخلق على هذا الثغر، ولكن أخرج إلى العلاء فإن ظفر بى فشأنكم بالثغر، ~~وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة بن أعين، ثم أخرج إلى أمير المؤمنين فاجتمع ~~يقطين مع محمد بن يزيد PageV01P120 # الفارسى، وكان صاحب ابن الجارود، فابتدأه يقطين بالإيمان التى وثق بها ~~ليقين له بما يضمن فإن هو لم يقبل ما عرض عليه لا يخبرن به أحدا أبدا، فلما ~~سمع ذلك ابن الفارس قال: «أعرض مل شئت» قال: «على قيادة ألف فارس وصلة ~~وقطيعة فى أى المواضع شئت، وأما الذى لنا عليك فتعلم رأى ابن الجارود إن ~~كان يسلم إلى أمير المؤمنين، فإن فعل وإلا زينت له الخروج إلى العلاء، ثم ~~دعوت الناس إلى الخروج عليه وخرجت معك، فهو آية الظفر، وتنال ما ذكرت لك مع ~~رضا أمير المؤمنين، وشكره»، فسعى ابن الفارسى ms69 فى ... ابن الجارود ودعا أهل ~~خراسان إلى ذلك ورغبهم فى الطاعة واستمال قلوبهم حتى ساعدوه وسمع ما كان ~~يحب الطاعة والخلاف على ابن الجارود، فأسرعوا إليه وبعث إلى من كان محبوسا ~~فى السجن من القواد ومن كان مختفيا من ابن الجارود، فأخرجهم وواعدهم أن ~~يجتمعوا له بباب أبى الربيع، ثم خرج فيمن معه وقام خطيبا، فذكر الطاعة ... ~~وحذر المعصية وعاقبتها، وذكر نعمه على ابن الجارود. # وبلغ ابن الجارود خروج ابن الفارسى فوجه إلى أبى النهار وأبى العنبر ~~والعباس اللطيفى فقال لهم: إن ابن الفارسى قد خرج فى القواد وأهل القيروان ~~معه، وقد سار إليه شيبة بن حسان، والجنيد بن سيار، والنضير بت حفص وغيرهم، ~~فما ذا ترون؟ فقال أبو العنبر له: «لو كان ابن الفارسى حين خرج عليك مضى ~~إلى العلاء ومن معه كان فى ذلك نصرة للقوم بنا، فأما إذا أراد الانفراد ~~بالأمر دون العلاء فعاجله» وقال أيضا عباس ابن اللطيفى: «إن ابن الفارسى لم ~~يخرج حتى صانعه يقطين وليس له علم بالعرب فأسبقه إلى نفسه قبل أن يسير إلى ~~العلاء»، فقال ابن الجارود: «أصبتما ولاحتالن عليه بحيلة تحمد أن رأيى فيها ~~إن شاء الله» ثم قال لرجل من أصحابه، يقال له طالب: «اعمل بما أقول لك: أنا ~~أدعوه إذا تواقفنا كأنى أريد أن أعاتبه وأطلب رجعته فانتبذ أنت كأنك تريد ~~أن تقف من العسكر موضعا غير الذى كنت فيه، ثم أدن فعارضنا حتى إذا علمت أنك ~~قد صببت فرسك ولم يفتك، فشد عليه، فإنك إن قتلته لم يقف لنا منهم رجل»، ثم ~~إن عبد الله تهيأ فى أصحابه وخرج، فلما تواقفا ناداه ابن الجارود فقال: ~~«اخرج إلى حتى لا PageV01P121 # يسمع كلامى وكلامك غيرنا، فلما رأيت أعجب من أمرى وأمرك!»، فلما سمع ذلك ~~منه ابن الفارسى سر به، فقال: «ما على أن أخرج فأكون قريبا منه فما فى يده ~~قناة يعاجلنى بها ولا قوس يرمينى عنها»، فخرج إليه فقال له: «ما حملك على ~~ما صنعت، ألم تكن المطاع المنظور ms70 إلى رأيه المقبول مشورته، وجعل يشاغله ~~بتدارك الكلام والنظر إلى موضع آخر، وجعل ابن الفارسى لا ينظر إلى غيره ~~مخافة حيله، وقام طالب كما وصف له ابن الجارود حتى إذا أمكنه غدرته دفع ~~عليه فرسه، فما قدر أن يثنى عنانه حتى زهقه فدق قلبه وانهزم أصحابه، وأصرع ~~شيبة بن حسان، ففى ذلك يقول عبد الله بن الجارود: # لقد راعنى ابن الفارسى بكيده %~% فوافق أمضى منه عزما وأكيدا # عشية أدعوه ليسمع منطقى %~% فأعجزه إصدار ما كان أوردا # أشرت إلى ذى نجدة فانكفى له %~% بأسمر خطى إذا نال أقصدا # فما زال قاب القوس إلا عامل %~% من الرمح دام بين حضنيه مزبدا # فقل للعلاء قد أظلت محمدا %~% منية يوم فارتقب مثلها غدا # وقدم يحيى بن موسى خليفة هرثمة بن أعين طرابلس، فصلى بالناس يوم عيد ~~الأضحى وخطبهم، وكتب يحيى إلى هرثمة يعلمه من قدم عليه من القواد، منهم أبو ~~العنبر التميمى، والجنيد بن سيار الأزدى، وجعفر بن محمد الربعى، وشهاب بن ~~حاجب التميمى، وعبد الصمد العبدى وغيرهم، وأقبل بعد ذلك خالد بن بشير ~~الأزدى، واستعجل أمر يحيى، وأقبل العلاء بن سعيد فيمن معه يريد القيروان، ~~فلما بلغ ذلك ابن الجارود اجتمع ... الناس، وأنه لا طاقة له به ولا قوة ~~بلقائه، كتب إلى يحيى بن موسى أن اقدم إلى القيروان، فإنى مسلم سلطانها، ~~وأجاب إلى طاعته فخرج يحيى بن موسى بمن معه من طرابلس سنة تسع وسبعين ومائة ~~فى محرم، فلما بلغ قابس تلقى بها PageV01P122 # عامة الجند من القيروان ومعهم النضر بن حفص بن عمر بن معاوية، فخرج ابن ~~الجارود من القيروان مستهل صفر، واستخلف عليها بن عباس اللطيفى. فكانت أيام ~~عبد الله ابن الجارود سبعة أشهر. # وأقبل العلاء بن سعيد بن يحيى بن موسى متسابقين إلى القيروان، فسبقه ~~العلاء إليها، فقتل جماعة من أصحاب الجارود، فبعث إليه يحيى: أن يفرق جموعه ~~إن كان فى الطاعة، فأمر كل من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم، ورحل العلاء ~~فى نحو من ثلاثمائة من أصحابه وخاصته ms71 إلى طرابلس، وكان ابن الجارود وصل ~~إليها قبل وصول العلاء فلقى بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا يريد ~~المشرق، فلقوا هرثمة بن أعين بأجدابية فصيره إلى منصور بن زياد ببرقة، فخرج ~~به هو ويقطين حتى وصل إلى هارون الرشيد، وكان العلاء قد كتب إلى منصور ~~وهرثمة يعلمهما أنه هو الذى أخرج ابن الجارود من إفريقية وكتب إليه ~~بالقدوم، وأجازه بجائزة سنية، ووصل إلى مصر، وبلغ وصوله أمير المؤمنين ~~هارون، فكتب له بمائة ألف درهم، سوى الكساء فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفى بمصر. ### | ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكى # لما كتب هرثمة إلى هارون، يسأله المعافاة وجه ابن مقاتل أميرا للمغرب، ~~وكان رضيع هارون، وكان أبوه مقاتل من كبار أهل دعوتهم وجلة من قام فيها، ~~وكان من قحطبة ابن شبيب فى حروبه حتى ظهر أمر المسودة، وكان مقاتل بن حكيم ~~مع أبى جعفر لا يفارقه، وولاه على حران، فلما خلع عبد الله بن على وحاصر ~~مقاتل بن حكيم بحران، ثم آمنه واحتال عليه حتى قتله، وكان جعفر بن يحيى ~~شديد العناية بمحمد بن مقاتل. فقدم القيروان فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ~~ومائة، ولم يكن بالمحمود السيرة، فاضطربت أموره واختلف جنده، ولم يكن من ~~قبح سوء رأيه وسيرته وقبيح ما يؤثر من أخباره إلا إقدامه على عابد زمانه ~~وورع عصره البهلوان بن راشد فإنه ضربه بالسياط ظلما وحبسه، وكان ... PageV01P123 ### | ولاية هرثمة بن الأعين # وقدم هرثمة بن أعين القيروان مستهل ربيع الآخر سنة سبع وسبعين ومائة، ~~فأمن الناس وسكنهم وأحسن إليهم، وهو الذى بنى القصر الكبير بالمنستير، وذلك ~~سنة ثمانين ومائة على يدى زكرياء بن قادم وبنى أيضا سور مدينة طرابلس مما ~~يلى البحر، وواتر الكتب إلى هارون الرشيد فى الاستعفاء من إفريقية، لما رأى ~~من الاختلاف بها وسوء طاعة أهلها، فكتب إليه هارون بالقدوم إليه فرجع فى ~~أول شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة. # ذلك سبب موته وروى أنه لما حبس قال: «أما إنى كنت أمر بالسجن فما ms72 سألت ~~ربى العافية منه». # وكان سبب عزل ابن العكى عن المغرب: أنه اقتطع من أرزاق الجند وأساء ~~السيرة فيهم وفى الرعية، وأن فلاحا القائد مشى فى أهل الشام وأهل خراسان، ~~فلم يزل بهم حتى اجتمع رأيهم على تقديم مرة بن مخلد الأزدى وخرج عليه تمام ~~بن تميم التميمى وكان عامله عليها، وقد بايعه جماعة من القواد، وأهل الشام ~~وأهل خراسان، فزحف فى النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة متوجها ~~إلى القيروان، وخرج إليه ابن العكى فيمن معه، فاقتتلوا قتالا شديدا فى منية ~~الخيل، فانهزم ابن العكى، فدخل القيروان، ومضى إلى دار كان قبل بناها، ~~فتحصن فيها وخلى عن دار الإمارة. فأقبل تمام فعسكر خلف الوادى، بباب أبى ~~الربيع عند مصلى روح بن حاتم، فلما أصبح تمام فتحت له أبواب القيروان، ~~فدخلها يوم الأربعاء لخمس باقين من شهر رمضان، فأمنه تمام على دمه وماله، ~~على أن يخرج عنه فخرج عنها تلك الليلة، فسار حتى وصل إلى طرابلس ثم مضى ~~منها إلى سرت، ولحق بطرابلس قوم من أهل خراسان، منهم عباس بن طرحون صاحب ~~شرطته، وأبو العنبر كاتبه، فأجمع رأيهم على أن يكتبوا إليه بالرجوع إلى ~~طرابلس، فأرسلوا إليه وهو مقيم بسرت، فرجع إلى طرابلس، وأقام تمام ~~بالقيروان فنهض إليه إبراهيم بن الأغلب من الزاب فى نصرة ابن العكى. فلما ~~بلغ تماما إقباله إليه جلا من القيروان ومضى إلى تونس، PageV01P124 # ودخل إبراهيم بن الأغلب القيروان بعد أن قدم عمران بن مخالد ونادى ... ~~ممن انتهب دارا أو كافأ أحدا على أمر ركبه فى دولة تمام. # وجاء إبراهيم بعد ذلك فدخل القيروان، فبدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم طلع ~~المنبر فخطب الناس وأخبرهم أن أميرهم محمد بن مقاتل. وكتب إليه يخبره بما ~~فعل، ويسأله الرجوع إلى القيروان. فأقبل راجعا حتى دخل ومن معه من أهل ~~القيروان، فلما صار بسوق اليهود، وقد أشرف الناس عليه من دورهم نادته امرأة ~~من جملة الناس: «اشكر إبراهيم، فإنه الذى رد عليك ملكك بإفريقية!». # وأن تمام قال لخاصة ms73 من أصحابه، منهم عيسى بن الجلودى وعباس الصليفى: «إن ~~إبراهيم قد رد الثغر على العكى والذين مع العكى قد ملئوا رعبا من وقعاتنا ~~بهم وقد بلغهم خروجى، لقد أسلم العكى وساروا إلى ومع ذلك أنه حسود، ومع ذلك ~~أنه يخالف أمرهم فيما يشيرون به عليه، فكاتب الناس فتسرع إليه منهم كثير، ~~فكان الرجل لا يزال يقوم فى الجماعة، فيقول: قد كنا استرحنا من ابن العكى، ~~فجاء إبراهيم فغلب على الثغر ورده، فالموت خير من الحياة فى سلطان بن ~~العكى، فنزع إلى تمام الناس، فلما رأوا كثرة من معه ... نفسا بقتال ابن ~~العكى، وقال للناس: «إن إبراهيم لو أحيا لابن العكى أباه ما كان إلا متهما له». # وكتب تمام إلى محمد بن مقاتل العكى: «أما بعد، فإن إبراهيم بن الأغلب لم ~~يبعث إليك فيردك من كرامتك عليه، ولا للطاعة التى يظهرها، ولكنه كره أن ~~يبلغك أحد البلاد فترجع إليه فإن منعك كان مخالفا، وإن دفعها إليك كان ~~كارها فى جعلها لغيره، فبعث إليك لترجع ثم يسلمك إلى القتل، وغدا تعرف ما ~~جربت من وقعتنا أمس. # «وفى آخره:» # وما كان إبراهيم من فضل طاعة %~% يرد عليك الثغر إلا لتقتلا # فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده %~% لما كنت منه يا بن عك لتقبلا PageV01P125 # فلما وصل كتابه إلى ابن العكى قرأه ودفعه إلى إبراهيم فلما قرأه ضحك، ~~وقال: «قاتله الله، ضعف عقله زين له ما كتب به». فكتب إليه ابن العكى: «من ~~محمد بن مقاتل إلى الناكث تمام، أما بعد: بلغنى كتابك ودلنى ما فيه على قلة ~~رأيك، وفهمت قولك فى إبراهيم، فإن كنت كتبته نصيحة، فليس من خان الله ~~ورسوله وكان من المفسدين بمقبول منه ما يتنصح به، وإن كانت خديعة فأقبح ~~الخدائع ما فطن له، وأما ما ذكرت من إسلام إبراهيم إذا التقينا فلعمر أبيك ~~ما يلقاك غيره، وأما قولك: إنا جربنا من وقعتك أمس ما سنعرفه غدا، فإن ~~الحرب سجال، فلنا، يا تمام عليك العقبى إن شاء الله. # «فى أسفله:» # وإنى ms74 لأرجو إن لقيت ابن الأغلب %~% غداة المنايا أن تفل وتقتلا # تلاقى فتى يستصحب الموت فى الوغى %~% ويحمى بصدر الرمح مجدا مؤثلا # فأقبل تمام من تونس فى عسكر عظيم، وأمر ابن العكى من كان معه من أهل ~~الطاعة بالخروج إلى تمام، فعسكروا إلى تونس ثم أقبل على إبراهيم فقال: «ما ~~ترى؟» فقال: «إن تماما طمع فيك، وتصديق ذلك أنه هرب منى فيمن معه وأنا فى ~~قلة، ثم دعاه طمعه أن اجترأ على الإقدام عليك وأنا معك وعندى عصابة قد ~~جربتهم، فأقم حتى أكون أنا الذى أنتدب إلى قتالهم، وأن أبيت إلا الخروج ~~تقدمتك» فقال: «افعل ما رأيت». فبعث إبراهيم إلى أهل بيته، وأصحابه ومعه ~~عمران بن مخالد، وعمرو بن معاوية وابن العكى ورائهم فى معظم العسكر، ثم ~~ساروا حتى نزلوا منية لخيل، وأقبل تمام حتى صار بطساس وعبأ إبراهيم الخيل، ~~وزحفوا إليه فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم تمام وقتل جماعة من أصحابه ومضى ~~إلى تونس، وانصرف ابن العكى إلى القيروان. ثم أمر إبراهيم بالمسير إلى تمام ~~بتونس وذلك مستهل المحرم سنة أربع وثمانين ومائة. # فلما بلغ تمام إقباله كتب إليه فى الأمان، فأمنه وأقبل به إلى القيروان ~~يوم الجمعة لثمان PageV01P126 # خلون من المحرم، فلما صار الأمر إلى إبراهيم بعث تمام بن تميم، والجلودى ~~والطيفى وغيرهم من وجوه الجند الذين من شأنهم الوثوب على الأمراء والخروج ~~عليهم إلى بغداد، فحبسوا فى الطبق، فخرج سلمة بن تميم إلى بغداد، وتلطف حتى ~~دخل إلى أخيه فى السجن، فنزل إليه وعانقه وسلم عليه، وخرج من عنده، فلزم ~~باب رجل من جلة أصحاب السلطان فاستأذن عليه وسأله أن يرفع خبره إلى الرشيد ~~أمير المؤمنين، فاستأذن له عليه فدخل، فأعلمه بنفسه وقال: «يا أمير ~~المؤمنين كان أبى من وجوه القواد، قواد جدك المنصور أمير المؤمنين، فأمر له ~~بصلة وكسوة وأن ينزل فى دار الضيافة، ووعده بإطلاق أخيه تمام وأن يرجع إلى ~~إفريقية، فبلغ ذلك إبراهيم، فبعث إلى امرأة كانت تعالج لتمام ما يشتهى أن ~~تسمه فيه، قال: فاشتهى ms75 حوتا فسمته له، فأكل فمات، فلما كان بعد ذلك دعا ~~هارون الرشيد بالسجان فأمره بإحضار تمام فأعلمه بوفاته، فأخرج صاحبيه ~~الجلودى والطيفى فولى الجلودى الحرمين والطيفى بعض عمله، ودخل سلمة إلى ~~أمير المؤمنين فترحم على تمام، وأمر لسلمة بسجل إلى إبراهيم بن الأغلب ~~ليعلم قدره وقدر أهل بيته ويجعلهم فى أوفر الصلاة، ورفع عنهم الخراج فيما ~~صار إليهم من الضياع، وأن يستعين بهم فى الأعمال، وأمر له بجائزة وصرفه إلى ~~إفريقية. فلما وصل إلى إبراهيم أنزله معه فى القصر وأكرمه وولاه ولايات ~~كثيرة. وسنذكر ولاية إبراهيم من الرشيد أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى. ### | ابتداء دولة بنى الأغلب ### || ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمى # كان إبراهيم بن الأغلب فقيها دينا، عالما شاعرا خطيبا، ذا رأى وبأس وحزم ~~وعلم بالحروب ومكائدها، جرىء الجنان طويل اللسان، حسن السيرة. ولم يل ~~إفريقية قبله أحد من الأمراء أعدل منه سيرة ولا أحسن سياسة ولا أرفق برعية، ~~ولا أضبط بأمر، وكان كثير [الطلب] للعلم والاختلاف إلى الليث بن سعد ~~الفقيه، والليث وهب له جلاجل، PageV01P127 # أم زيادة الله ابنه ... إبراهيم خرج يوما من عند الليث، فلقى غلمان الليث ~~... المائدة، فرجع إبراهيم ودخل المجلس فأكل معه فأعجب ذلك الليث وسره، ~~وقال: «لتكونن لهذا نبأ وشأن» فلما أراد إبراهيم الخروج إلى المغرب أتى ~~الليث ليودعه فقال له: «يا أبا إسحاق، قد كنت رأيتك تطرب إلى هذه الجارية- ~~يعنى جلاجل- وهى أديبة ذكية، وأنت خارج وقد وهبتها لك، فاقبلها»، وكانت ~~الجارية بكرا فافتضها من ليلتها وخرج بها حتى وصل إلى الزاب وعلى إفريقية ~~الفضل بن روح، فلقى من تعصبه وسوء مجاورته عظيما، وأقام أخوه عبد الله بن ~~الأغلب بمصر، وكان ذا نعمة عظيمة، وتوفى عبد الله بمصر فترحل بنوه إلى ~~إفريقية. # حكى أحمد بن ميسر، قال: قرأت بمصر على قبر عبد الله بن الأغلب وعلى قبر ~~من قد مات: «قف ثم ناده، أيا من خلت فى الأرض منه المنازل، بنيت فلم تسكن ~~ولم تأكل الذى جمعت ولا أدركت ما كنت ms76 تأمل»، وكانت ولايته الزاب من قبل ~~هارون، وابن العكى على إفريقية، وذكرنا نصرته له ومعاونته إياه ومحاربته تمام. # قال محمد بن الوكيل، قال: إنى سمعت إبراهيم بن الأغلب ونحن نريد إفريقية ~~وقد خلف أهله بمصر ينشد: # ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة %~% إلا وذكرك يلوى دائما عنقى # ولا ذكرتك إلا كنت مرتقبا %~% أرعى النجوم كأن الليث معتنقى # وهو القائل: # ألم ترنى بالكيد أرديت راشدا %~% بأخرى وإنى لابن إدريس راصد # تناوله عزمى على نأى داره %~% بمختومة فى طيهن المكائد # فمات أخو عك بمهلك راشد %~% وقد كنت فيها شاهدا وهو شاهد PageV01P128 # وكان راشد هذا قد علا أمره بالمغرب واستفحل. وهو مولى أدريس بن عبد الله ~~بن حسن، وكانت همته غزو إفريقية لما هو فيه من القوة والكثرة، ولم يزل ~~يكيده ويدس فى أصحابه ويبذل لهم الأموال إلى أن اغتالوه، فقتلوه وبعثوا ~~برأسه إليه، فبعثه إلى محمد ابن مقاتل، فبعثه محمد بن مقاتل إلى الرشيد ~~ونسب الأمر كله إلى نفسه، فبعث صاحب بريد المغرب إلى هارون بصنيع إبراهيم ~~فى راشد. فلما قرأ هارون كتاب ابن العكى قال: «كذب صاحب البريد أصدق» وحسن ~~ذلك لإبراهيم عند الرشيد. # وأما حديث إدريس مولاه، فإن الحسن بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب- ~~(رضوان الله عليه)- كان قدم قام بالمدينة سبعة أيام ... موسى الهادى، ثم ~~خرج إلى مكة فى ذى القعدة سنة سبع وستين ومائة، وخرج معه جماعة من أخوته ~~... منهم يحيى وإدريس بنى عبد الله بن الحسين بن على، وبلغ ذلك الهادى فولى ~~حربه محمد بن سليمان ابن على، وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسن بن على وأكثر ~~أصحابه، وأفلت أدريس بن عبد الله بن حسن بن على بن أبى طالب- رضى الله ~~عنهم- فوقع إلى مصر وكان على بريدها واضح مولى صالح بن منصور، وكان رافضيا ~~فحمله على البريد إلى أن صار إلى المغرب، فوقع بمدينة مليلة من طنجة، ~~فاستخلف له من بها وبأعراضها من البربر، وولى الرشيد فبلغه أمره، فبعث إلى ~~واضح فضرب عنقه ودس إلى إدريس ms77 الشماخ التميمى مولى ... وكتب له كتابا إلى ~~إبراهيم بن الأغلب، فخرج حتى وصل إلى مليلة، فذكر أنه متطبب وأنه من شيعته، ~~ووصل إلى إدريس فوصله واطمأن إليه، ثم إنه شكا إليه علة فى أسنانه، فأعطاه ~~سنونا مسموما قاتلا، وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر، فأخذه منه وهرب ~~الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن منه إدريس، فسقطت أسنانه ومات من ~~وقته، وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه. # قال وجاءته قبل مقدمه الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد ~~بذلك، فولى الشماخ بريد مصر، وأحسن إليه. # وولد لإدريس ولد فسمى باسم أبيه، ونشأ فيهم فعظموه، فعامة من بالمغرب من PageV01P129 # الإدريسية من ولده، وهم إلى اليوم فى تلك الناحية مالكين أمرها ما ... ~~وكانت جارية إدريس التى ولدت ابنه تسمى كثيرة البربرية. # وكان إبراهيم لما عزم على النهوض من الزاب لنصرة ابن العكى على تمام لم ~~يجد مالا يقوى به، فسأل التجار أن يقرضوه مالا، فتكلم رجلا منهم فقال: ~~«أصلح الله الأمير، والله لو قمت وسألتنا أن نخرج من أموالنا لفعلنا ذلك ~~لك، ولكنك تريد أن تخرج بعدة قليلة إلى أكثر من خمسين ألفا، فإن أغناك عن ~~الخروج فنحن أعدى الناس لك، والذى منع الناس عن إجابتك إلى هذا، أنهم ~~يقولون إنك مقتول». واستقر عند إبراهيم أن أمهات أولاده وخاصته أرسلوا إلى ~~التجار يسألونهم ألا يعينوه على الخروج خوفا عليه، فلما علم ذلك احتال على ~~أهله وولده، بأن جمعهم وقال: «لقد كنا بهذا الرجل فى واد وهو لنا فى آخر، ~~أنا بالأمس أطلب العرض لأستعين به فى قتاله، وقد جاءنى اليوم كتابه: يسألنى ~~أن أقدم عليه حتى أمد له الأمان وأصلح أمر الناس فقد اجتمعوا على الرضا بما ~~حكمت بينهم وبين ابن العكى، فسروا بذلك، فقال: «كيف أرحل بغير مال وقد حلفت ~~ألا اقترض من التجار فى سفرى هذا شيئا، فأتاه أهله وولده بما كان عندهم من ~~مال وحلى وطمأنوه، وجمع إبراهيم ms78 أهل بيته وبنى عمه وخاصته وكانوا سبعين ~~فارسا، ففى ذلك يقول بعض الشعراء: # هاتوا لنا رجلا أردى بنجدته %~% سبعين ألفا بسبعين من الناس # ما مر يوم لإبراهيم يعلمه %~% إلا وشيمته للجود والبأس # قال: فأقبل إبراهيم، فوافاه عدة من أهل خراسان وعدة من عامة الجنود إليه ~~من كل بلد، ومعه عمرو بن معاوية، وعمران بن مخالد، وحماد بن أبى حماد، فقام ~~إبراهيم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وتكلم بكلام كثير حرضهم به على قتال ~~تمام، وكان فيما قال لهم: «والله ما لكم من شام تلجأون إليه ولا عراق ~~تستمدون منه، ما لنا ملجأ إلا السيوف، ولا تذرع إلا الصبر، فمن عزم على غير ~~هذا فقد أذنا له فى الانصراف» فقام PageV01P130 # عمرو بن معاوية فقال: «أصلح الله الأمير، ما نشك فى طاعتك وخلافه، ولا فى ~~حقك وباطله، وإنك إذا نهضت فى قلة من المال والفرسان بنفسك وأهل بيتك، ~~لواثق بأن ينصرك الله نصرا يكون مثلا فى الناس، لأنك أهل لذلك بحسن نيتك ~~وخلوص سريرتك، وإنك بقية أبرار وخلف أخيار، ونحن نبلغ مبلغ الجهد فى ~~مناصحتك وإيثار هواك فى الحق على هوانا، ولك الإجابة منا إلى الدعوة إليه ~~إن شاء الله. فقام عمران بن مخالد، فقال: «أصلح الله الأمير، فو الله ما ~~أحصى ما شهدت من العساكر ما منها عسكر، إلا وطلائعه أكثر من عسكره والله لا ~~يأتيك أمر من الموت بين تلك الجماعة، ولكأنى بك غدا على منبر القيروان، وإن ~~نفسى لتحدثنى من نصر الله عز وجل ما لو أرسلت رجلا واحدا لأخذها لك إن شاء الله». # وأقبل إبراهيم يريد القيروان وعلى مقدمته عمران بن مخالد، فلما علم بذلك ~~تمام خرج هاربا إلى تونس، ولما وصل إبراهيم دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع ~~إليه الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، اذكروا ما كنتم فيه ~~من الضر، وتتابع عفوان البلايا إذا الدولة عليكم لا لكم، واستقر قلوبكم ~~خشية الاتباع لا تطمعون فى إنصاف ولا يتجاوز همتكم الكفاف لا تنتصرون من ~~عدوكم ms79 إلا بالدعاء، فى كل يوم دولة وسراد وعصبية وتحرق ولا يغير صاحب ذى ~~خلاف ولا يرعوى ذو خلاف إلى طاعة، فقد عادت عليكم ... يأمن بها خوفكم ويعز ~~بها ذلكم، ولست أميركم ولكنى أخذت ثغر أمير المؤمنين ممن أخذه بالخلاف، ~~وأميرهم محمد بن مقاتل، وأنا مكاتبه ثم مسلمه إليه إن شاء الله. ثم أنشد يقول: # لو كنت لاقى تمام لسار به %~% ضرب يفرق بين الروح والجسد # ولكنه حين سام الموت يقدمنى %~% ولى فرارا وخلى لى عن البلد # إن يستقم نعف عما كان قدمه %~% وإن يعد بعدها فى غيه نعد PageV01P131 # ثم نزل وكتب إلى محمد بن مقاتل فى ذلك بقدومه عليه، وقال: # ألم ترنى رددت طريد عنكم %~% وقد نزحت به أيدى الركاب # أخذت الثغر فى سبعين مما %~% وقد وافى على شرف الذهاب # هزمت بهم بعدتهم ألوفا %~% كأن عليهم قطع السحاب # وأقبل العكى حتى وصل القيروان، ولما بلغ تمام رجوعه جمع له وأتاه، فخرج ~~إليه العكى وإبراهيم على مقدمته، على فرس أشقر مخذرف، ثم دعا بحمزة الحرون ~~فقال له: # «قف فى موضعى وإياك أن تتحرك إلا أن تعلم أنى قد أصبت» ثم رجع إلى ميمنة ~~تمام وهو يقول: # متى أرى كما أريد عفوا %~% أو أحسون كأس المنايا حسوا # قال: فكسر الميمنة ثم رجع إلى الميسرة فشد عليها وهو يقول: # قد علم ابن سعد وأفتى مضر %~% أن مغيب عزها أن ننتصر # ففضها ثم رجع إلى القلب من عسكره وحمزة فى الموضع الذى أمره أن يقف فيه، ~~ثم أرسل إلى صاحب ميمنته وميسرته: «إذا رأيتما القلب من عسكرهم قد تضعضع، ~~فليركب كل واحد منكما ما قبله». ثم شد على القلب وجعل أصحابه يفعلون ما ~~أمرهم فكانت الهزيمة. فكتب يحيى بن الفضل صاحب البريد إلى هارون بخبر ابن ~~العكى وتمام، وما كان من أمورهم وشرح الأمر على حسبه. فلما قرأ الكتاب على ~~أصحابه وعرفهم ما فعل إبراهيم شاورهم وقال: «ما ترون فى أمر إبراهيم؟» وقال ~~لهرثمة بن أعين: «أنت قريب العهد» فقال أمير المؤمنين: «أنت سألتنى ms80 فى ~~مقدمى منها عن طاعة أهلها وأخبرتك أنه PageV01P132 # ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم، ثم ~~صدق فولى قيامه بطاعتك» قال: «أصبت وأرجوا أن أكون قد رميتها بحجرها، ~~اكتبوا له عهده على إفريقية. فلما وصل الكتاب إلى يحيى بن زياد صاحب ~~البريد، انطلق إلى إبراهيم بن الأغلب، فقال إنى أريد أن أدخل عليك ولا يكون ~~عندك أحد. فأخرج من كان عنده، فدخل عليه فسلم بالأمرة ودفع إليه عهده. ~~فأرسل إبراهيم إلى ابن العكى: «اقم ما شئت حتى تتجهز»، فأقام أياما ثم رحل ~~إلى طرابلس. فوافاه حماد السعودى بكتابين قدم بهما إلى ثغر إفريقية حسبما ~~كانت تجرى به إلى أصحاب الثغور، فافترى ابن العكى كتابا ثالثا بعزل إبراهيم ~~وبعث به مع الكتابين إلى القيروان فلما قرأ الكتاب على الناس مع الكتابين ~~اجتمع الناس إلى إبراهيم، فقالوا: «أقم- أصلح الله الأمير- بمكانك، واكتب ~~إلى أمير المؤمنين فإن ابن العكى اختلق هذا الكتاب زورا ولم يكافئك على ~~نصرتك له وحقنك دمه» فقال إبراهيم: «والله لقد ظننت ظنكم وهممت أن أسير ~~إليه حتى أطعمه هذه الكتب، وإنما اجترأ ابن العكى على ثغرنا لموضعه من جعفر ~~بن يحيى». # ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج إلى الزاب، فأتى كتاب ابن العكى إلى سهل ابن ~~حجاب يستحلفه إلى قدومه، فكتب صاحب البريد بالخبر كله إلى هارون الرشيد، ~~فغضب وكتب إلى ابن العكى: «أما بعد فلم يكن آخر أمرك يشبهه إلا أوله فلأى ~~مناقبك أو برك على إبراهيم بولاية الثغر، أم لفرارك وإقدامه، أو لجزعك ~~وصبره، أم لخلافك وطاعته. فإذا نظرت فى كتابى فأقدم غير محمود الفعال». ~~وكتب إلى إبراهيم بتجديد ولايته، فوصل الرسول بالكتاب إلى القيروان، ~~وإبراهيم بالزاب، فمضى بالكتاب إليه فكانت ولايته الأخرى التى استقر بها ~~ملكه وملك ولده لاثنتى عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين ~~ومائة. وقفل ابن العكى إلى المشرق. # فلما ولى إبراهيم انقمع الشر بإفريقية، وضبط أمرها وأحسن إلى من بها من ~~أهل الخير، ثم ولى ms81 تمام طرابلس، فلما استقر البلد وجه إليه جعفر بن سعيد ~~وجوين بن السماك. فأخذ تماما وشده وثاقا وبعث به إلى هارون، وبعث بعباس ~~الطيفى وأبى الميل PageV01P133 # وعيسى الجلى، وغيرهم ممن كان يتوثب على الأمراء؛ لأن كل عامل من عمال ~~إفريقية كان من وجوه الجند على خوف من قيامهم؛ لأن أكثرهم يرى أنه أحق ~~بالأمر منه، فلما ولى إبراهيم علم أنه لا سلطان له عليهم مادام بين أظهرهم، ~~فصرف من صرف إلى المشرق منهم، واشترى موضع القصر القديم من ابن طالوت او ~~شى، وابتنى به قصرا فجعله متنزها، ثم جعل ينقل إليه السلاح والأموال سرا ~~وهو فى خلال ذلك يراعى أمور أجناده ويصلح طاعتهم، ويتفقد أمورهم، ويصبر على ~~جفائهم، وأخذ فى شراء العبيد، وأظهر أنه يريد أن يتخذ من كل صناعة صنعة ~~تغنيه عن استعمال الرعية فى كل شىء من أمورهم، ثم اشترى عبيدا لحمل سلاحه، ~~وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم عن حمل سلاحه. ولما تهيأ له من ذلك ما ~~أراد انتقل من دار الإمارة، وصار إلى قصره بعبيدة وأهله وحشمه وأهل بيته، ~~وكان انتقاله ليلا، وأسكن معه من يثق به من الجند، وكان يتولى الصلاة بنفسه ~~فى المسجد الجامع الذى فى القيروان والمسجد الذى بناه وشاده بالقصر القديم. # فذكر أنه صلى يوما، فلما قضى الصلاة عثر ببعض الحصر، فأمر أن يؤتى بمن ~~حضر الصلاة من وجوه الناس، فلما أتوا قال لهم: «استكهنونى» فأبوا فقال: «لا ~~بد» فقال: # «إنى خفت أن يقول إنى خرجت أصلى وأنا سكران، فأحببت أن تعلموا مرادى» ~~وكان حافظا للقرآن عالما به. # وكان أبو عبد الرحمن النفزى الكوفى يقول: قال لى الأمير إبراهيم: «أحب أن ~~أقرأ عليك القرأن ولك بكل حرف اخطئه مائة درهم» فقلت: «إذا تقل درهمى- أصلح ~~الله الأمير-» فقرأ على فما أخطأ غير حرف واحد نقله من موضع إلى موضع، وذلك ~~قوله تعالى:(** ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات **) فى سورة ~~المؤمنين، قرأ هو: # بأنه كانت تأتيهم. وهو «بأنهم- ها هنا- كانت تأتيهم». فى التغابن «ذلك ms82 بأنه». # ووفد عليه رجل من المشرق، وكان أديبا، وقد سخط إبراهيم على رجال من الجند ~~خالفوا عليه فاستشفعوا بهذا الرجل، فقال: مثلى ومثلهم كما قال الشاعر: # كأنى سلبت القوم نور عيونهم وقد %~% فلا العذر مقبول ولا الذنب يغفر # كان وقد كان إحسانى لهم غير مرة %~% ولكن إحسان البغيض يكفر PageV01P134 # فقال: بل مثلك ومثلهم أيها الأمير، كما قال مروان بن أبى حفصة: # فما أحجم الأعداء عنك تقية %~% عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا # فضحك وسر بقوله وعفا له عن القوم. # وثار رجل من أبناء العرب، يقال له حمد يس بن عبد الرحمن الكندى، فخلع ~~السواد وجمع جموعا كثيرة، وأتى بعرب أهل البلاد وبربرها، فلما كثرت جموعه ~~بمدينة تونس بعث إبراهيم عمران بن مخالد إلى تونس، وبعث معه عسكرا فيه وجوه ~~القواد، وأمره أن يحث السير إليه، وكان فيما أوصاه به أن قال: «يا عمران، ~~إن أعظم الناس خطرا وأفلحهم حجة الحازم المعد لأمره، وأعلم أن العرب لم ~~يخرج بها مخالف قط منذ جاءت دولة بنى العباس وهو أعظم كفرا من هذا الفاسق ~~ولا أبين بالخلافة، ولا أشك أن الله سيقطع دابره، فإن ظفر الله تعالى به ~~فاقطع أثره وأثر من يتابعه، وأعلم أنك إن أبقيت منهم رجلا ممن يرى رأيه لم ~~تعدم أن ترى كل يوم قرن فتنة نجم، وعقال خلاف انطلق، فانهد لما أمرتك به، ~~ولست أدع أن أمدك بالخيل إن شاء الله»، فسار عمران بن مخالد حتى لقيهم ~~بسبخة تونس فاقتتلوا قتالا شديدا، وكثر بينهم القتل حتى جعل ناس من أصحاب ~~حمد يس يقولون «بغداد بغداد، فلا والله لا اتخذت لكم طاعة بعد اليوم أبدا». # وأبلى حمزة بن الشباك ذلك اليوم بلاء عظيما، ونادى عمران فى أصحابه «يا ~~أبناء الدعوة وأهل الطاعة لابد من الموت، فهبوا إلى الله ساعة من الصبر ~~والحفيظة» وما زال يحرضهم، فما زال حمد يس وأصحابه إلى أن انكشفوا وقتلوا ~~مقتلة عظيمة، وقتل حمد يس فدخل عمران تونس فجعل يتبعهم ويقتلهم حتى أفناهم. ~~وكان خروجه ms83 فى سنة ست وثمانين ومائة. # وكتب إبراهيم بأمر حمد يس إلى الرشيد برسالة كبيرة، وصف فيها ابتداء ~~خروجه وحروبه إلى مقتله، وأعلمه أنه قتل من أصحابه عشرة آلاف، فلما استقامت الأمور PageV01P135 # لإبراهيم بن الأغلب، واشتدت لظاته بلغه ما اجتمع لإدريس بن إدريس بن عبد ~~الله بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب- رضى الله عنه- من الجموع وأطاعه ~~من حوله من القبائل، فدعا يحيى بن الفضل صاحب البريد وابن غانم القاضى وابن ~~عوانة الكلبى، فشاورهم فى أمر إدريس، وتكلم بكلام كثير، فقالوا: «أصلح الله ~~الأمير، قد علم من حضر وغاب من أمر المغرب إنه لم يظفر بمثل ظفرك، ولا كان ~~له ما كان لك، فدع ابن إدريس ما وادعك، وأرض لك وله بالسلامة ... # قال بعضهم: إن ابن إدريس لم يجتمع إليه إلا ... [فقال ابن] غانم: «وما ~~هو هذا؟» قال: «السم القاتل من ساعته!» قال: «أرنيه» فدفعها إليه، فضرب بها ~~ابن غانم عمودا كان فى المجلس، فكسرها وأراق ما فيها، فقال له: «ما صنعت ~~ويحك؟!» قال: «أو أترك معك ما يقتل الناس اغتيالا» # وشق إبراهيم بن الأغلب يوما سماط القيروان ومعه ابن غانم من باب أبى ~~الربيع، فلما صار إلى موضع البزازين، وزادت دابته فى المشى، فجازت دابة ابن ~~غانم، فجازه فى المشى، فلما رأى ذلك وجه دابته إلى داره، فأرسل إليه ~~إبراهيم وقال له: «ما حملك على أن عطفت حتى فارقتنى؟» فقال: «أصلح الله ~~الأمير، إنما القاضى بحرمته وإنما تنفذ أحكامه بقدر نفوذ جأشه وتحركت دابتك ~~فلو ساعدتك وحركت دابتى سقطت قلنسوتى، وإذا سقطت قلنسوة القاضى لعب بها ~~الصبيان!». # قال: وكان إبراهيم بن الأغلب جالسا يوما وعنده ابن غانم فدخل عليه صاحب ~~بريد إفريقية، وقد وردت عليه كتب من هارون الرشيد فدفع الرسول إلى إبراهيم ~~كتابه وإلى ابن غانم كتابه، فقرأ إبراهيم كتابه ودفعه إلى ابن غانم، فقرأه ~~ورده على إبراهيم، فقال له إبراهيم: «هات كتابك اقرأه ... من ذلك» فقال له: ~~«فلم قرأت كتابى؟!» قال: «أنت دفعته إلى ومددت به ms84 يدك، وكرهت أن أردها، ~~وأما أنا فلست أطلعك عليه فإن أمير المؤمنين أسر إلى فيه شيئا لا أطلع عليه ~~أحدا» فقال له إبراهيم: «أما علمت أنه يقال إن أمير إفريقية يقتل قاضيها؟!» ~~قال: «أعلم أن قد ذكر ذلك، ولكن لست ذلك PageV01P136 # الأمير ولا أنا ذلك القاضى»، وإنما تهيأ لابن غانم هذا لكتابة هارون إليه ~~وكان من قبله، ولا أطلق لإبراهيم عزله. فلما مات ابن غانم صلى عليه إبراهيم ~~بن الأغلب، ثم جلس على كرسى ينتظر دفنه، فوقف على قبره معد بن عقال خال ~~إبراهيم وكان عامله على القيروان، فجعل يجزع ويبكى على ابن غانم فلما فرغوا ~~من دفنه دعا إبراهيم بمعد فقال له: «لم بكيت على ابن غانم؟» قال: «كان لى ~~صديقا أبر كابن غانم» فقال له إبراهيم: # «والله ما ملكنا إفريقية ولا أمنا إذا مات ابن غانم». وتوفى ابن غانم من ~~فالج أصابه فى شهر ربيع الآخر سنة تسعين ومائة أيام إبراهيم بن الأغلب. ~~وولى إبراهيم القضاء أبا محرز، واسمه محمد بن عبد الله، وذلك فى سنة إحدى ~~وتسعين ومائة بعد موت ابن غانم. # قال سليمان بن عمران: لما ما ابن غانم أراد إبراهيم أن يولى القضاء رجلا ~~فقال له رجل من أكابر أصحابه أن قال سليمان بن عمران: وكان مالك بن أنس يجل ~~عبد الله بن غانم، فإذا جاءه أقعده إلى جانبه، وأقبل إليه يسأله عن المغرب ~~وأخباره، فكان إذا رآه ابن القاسم وطلبة العلم معه قالوا: «شغله المغربى ~~عنا». فلما بلغ مالكا ولاية ابن غانم القضاء قال لأصحابه: «علمتم أن الفتى ~~الحميرى الذى كان يجالسنا قد استقضى على إفريقية. # وكان مالك قد عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم عنده، فامتنع وقال. إن ~~أخرجتها إلى إفريقية تزوجتها. # وعن عبد الله بن أبى حسان قال: مضيت على عبد الله بن عمر بن غانم بعد ~~ولايته القضاء إلى ضيعة بالديدان فقال لى فى الطريق: «ما يقول الناس يا بن ~~حسان فى ولايتى» قلت: «ولاك ابن فروخ» قال: «على ذلك، لقد ms85 قال لى الأمير ~~روح بن حاتم، والله ما خرجت إلى إفريقية إلا وأنت قاضى» قال: «قلت كيف ~~ذلك؟» قال: «لما أردت الخروج إلى إفريقية دخلت على أبى يوسف القاضى، وهو إذ ~~ذاك قاضى القضاة، فقلت يا أبا يوسف، قد ولانى أمير المؤمنين إفريقية، وأنا ~~خارج فما كانت لك من حاجة PageV01P137 # فأذكرها» قال «أوصيك بتقوى الله، وبمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله ~~بن غانم قد فقه، فوله قضاء إفريقية» فقلت له: «نعم» ثم ودعته، فذلك الوقت وليت. # وكان هارون الرشيد يكاتب ابن غانم وكان بعد ذلك قضاؤه من قبله لا من قبل ~~ولاته على إفريقية. وكان يكتب فى عنوانه: من هارون أمير المؤمنين إلى قاضى ~~إفريقية عبد الله ابن عمر بن غانم. # وحكى سحنون قال: شهد قوم من أهل البادية عند عبد الله بن غانم، فلم ~~يحسنوا الشهادة، فقال: «كل من بالبادية طريف إلا الرجال». وكان ابن غانم ~~يكتب إلى مالك بن أنس- (رحمه الله)- وإلى أبى يوسف القاضى فيما ينزل من ~~نوازل الخصوم. فحكى عن هشام بن معدان كاتب أبى يوسف القاضى: قال: كنت إلى ~~جانب أبى يوسف فى مجلس قضائه إذ ورد عليه رجل معتم فى زى أهل إفريقية فصاح: ~~كتاب أبى عبد الرحمن عبد الله بن غانم قاضى إفريقية، فدعا به فلما صار بين ~~يديه دفع الكتاب إليه، فسأله من أنت قال: «أنا أبو التمام عبد الوهاب بن ~~محمد خرجت حاجا، فكتب معى ابن غانم هذا الكتاب إليك وأمرنى بإيصاله بنفسى ~~وأخذ الجواب»، فقال هاشم: فدفعه إلى، وقال «فضه واقرأه وارفع صوتك يا هشام ~~وأعلن بقراءته» ففعلت وقرأته عليه وأصاخ نحوه فإذا فيه مسائل مما نزل به ~~يشاوره فيها ويستقضيه فى جوابها، فلما فرغت من قراءته أمر بدرجة، ثم التفت ~~إلى أبى التمام وقال: «احضر سفرك؟» قال: «نعم» قال: «قد ترى ما نحن فيه ~~ولعله لا يتهيأ لك الوصول إلينا، فخذ جوابك فى مقامك، يا هشام، اكتب له فى ~~ظهره: «من يعقوب بن إبراهيم إلى عبد الله بن غانم ms86 قاضى إفريقية» ثم دعا له ~~وشكره على تثبته فيما ينزل به وأعلمه أن ذلك كان صدر السلف الماضين، ثم ~~تابع إملاء المسائل على نحوها فى كتابه، كل مسألة وجوابها، وما أعاد نظرا ~~فى الكتاب، وأمرنى فختمته وعنونته، وألقاه إلى أبى التمام وقال له: «هذا ~~جواب صاحبك، فإن أمكنك الوصول إلينا جددت معك كتابا» قال هشام: هذا بعض ما ~~يذكر من حفظ أبى يوسف (رحمه الله). # قال ابن عبدون القاضى: كان ابن غانم أحكم الناس، خاصم عنده ابن زرعة أختا PageV01P138 # له، فحكم لها عليه، فبلغ ذلك من ابن زرعة كل مبلغ، فوافاه فى طريق ~~الديدان، فقال له: «يا بن الفاعلة!» وأغرق فى سبه، فلم يرد عليه جوابا، ~~فلما كان بعد ذلك خرج أيضا إلى الديدان فلقيه ابن زرعة فسلم عليه ابن غانم ~~وبره، وقال له: «امض بنا» فمضى معه إلى متنزهه، فأحضر طعاما فأكل معه ثم ~~انصرف، فلما أراد مفارقته قال له: # «يا أبا عبد الرحمن، اغفر لى، فقد كان من يخطأ إليك» فقال: «أما هذا فلست ~~أفعله حتى أخاصمك بين يدى الله تعالى، وأما أن ينالك منى فى الدنيا مكروه ~~أو عقوبة فأنت آمن من هذا». # يروى أن عبد الله بن غانم: جاءه ابنه من عند المعلم فسأله عن سورته وحفظه ~~فقرأ عليه أم القرآن، فأحسن فى قراءته، فدفع له عشرين دينارا، فلما جاء بها ~~الصبى إلى المؤدب أنكر ذلك وظن بالصبى ظنا فأخذها وجاء بها إلى ابن غانم، ~~فقال له: «لم رددتها، هل استقللتها؟» فقال المعلم: «ما أتيت لهذا، إنما ~~ظننت بالصبى ظنا» فقال له: «لحرف واحد مما علمته يعدل الدنيا وما فيها.» # وكان ابن غانم حسن اللباس، يلبس من الثياب رقيقها، وقد جعل للنساء يوما ~~يجلس فيه للنظر فيهن، فكان يلبس القرق الدنى والثياب الخلقة، ثم يضرب ببصره ~~إلى الأرض، فمن كان لم يره قل ذلك لم يشك أنه مكفوف. وكان له حظ من الصلاة ~~فى ليله، فإذا انقضت صلاته وقعد فى آخرها للتشهد ... # [ولما توفى ابن غانم ms87 قال ابن الأغلب: «يا أبا محرز، إنى عزمت على توليتك ~~القضاء» فقال له أبو محرز: «لست [أصلحه لهذا الأمر، ولست أطيقه»، فقال له ~~إبراهيم بن الأغلب]: لو كان لأغلب بن سالم ويزيد بن حاتم باقيين [لم أكن ~~أنا أميرا] ولو كان عبد الرحمن بن أنعم وعبد الله بن فروخ باقيين [لم تكن ~~أنت قاضيا، ولكل زمان رجال وعلى الأمير الاختيار:، فقال أبو محرز [متمثلا]: # [خلت الديار فسدت] غير مسود %~% ومن الشقاء تفردى بالسؤدد PageV01P139 # (فقال له «قد وليتك القضاء» فامتنع فأمر) به فأبى، فأمر إبراهيم عامر بن ~~المعتمر القائد وكان (صاحب الشرطة ليأخذ بضبه ويخرجه من باب مقصورة الجامع ~~فيقعد (للنظر بين الخصوم. فلما قدموا إليه نظر أبو محرز فيما بينهم فكبروا ~~فسمع إبراهيم بن الأغلب التكبير فقال لأصحابه: (قد قبل أبو محرز القضاء.) ~~... وأربعة أشهر وعشرة أيام. ### || ولاية أبى العباس عبد الله ابن إبراهيم بن الأغلب التميمى # لما مات إبراهيم بن الأغلب [انتقلت الولاية من] بعده لابنه أبى العباس ~~عبد الله، وكان غائبا [بمدينة طرابلس فقام] أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ ~~له البيعة [على نفسه وعلى أهل بيته] وجميع رجاله، وقدم أبو العباس [عبد ~~الله بن إبراهيم بن الأغلب من طرابلس، فتلقاه أخوه زيادة الله وسلم الأمر إليه. # تم بحمد الله PageV01P140 ms88