######OpenITI# #META# الناشر: دار الطليعة - بيروت #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: اليميني ¶ المؤلف: أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي (المتوفى:427 ه) ¶ تحقيق: د. إحسان ذنون عبد اللطيف الثامري ¶ عدد الأجزاء:1 ¶ الناشر: دار الطليعة - بيروت ¶ الطبعة: الأولى، 1424 ه / 2004 م ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# comp: 1 #META# auth: أبو نصر العتبي #META# bkid: 33832 #META# authno: 3886 #META# bk: اليميني = تاريخ العتبي #META# ndata: الكتاب: 8A024377عامة 487 #META# bkord: 8049 #META# idx: 1 #META# higrid: 427 #META# iso: اليميني تاريخ العتبي #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# Lng: أبو نصر العتبي #META# الطبعة: الأولى، 1424 ه / 2004 م #META# max: 554 #META# archive: 24 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authinf: العتبي ¶ ( ... - 427 ه = ... - 1036 م) ¶ محمد بن عبد الجبار العتبي، من عتبة بن غزوان، أبو نصر: مؤرخ من الكتاب الشعراء. ¶ أصله من الري. نشأ في خراسان، وولي نيابتها. ثم استوطن نيسابور. وانتهت إليه رياسة الإنشاء في خراسان والعراق. وناب عن شمس المعالي قابوس بن وشمكير في خراسان إلى أن توفي. ¶ من كتبه (لطائف الكتاب) في الأدب، و (اليميني - ط) نسبة إلى السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين، شرحه المنيني في مجلدين، ويعرف بتاريخ العتبي. ¶ عن الأعلام للزركلي (6/ 164 - 165). ¶ :: أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي (المتوفى:427 ه) #META# ad: 427 #META# المؤلف: أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي (المتوفى:427 ه) #META# cat: التاريخ #META# الكتاب: اليميني #META# تحقيق: د. إحسان ذنون عبد اللطيف الثامري #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف:] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الظاهر بآياته، الباطن بذاته، القريب برحمته، البعيد بعزته، ~~الكريم بآلائه، العظيم بكبريائه. القادر فلا يمانع، والقاهر فلا ينازع، ~~والعزيز فلا يضام، والمنيع فلا يرام، والمليك الذي له الأقضية والأحكام. ~~الذي تفرد بالبقاء، وتوحد بالعز والسناء، واستأثر بأحاسن الأسماء، ودل على ~~قدرته بخلق الأرض والسماء. كان ولا مكان ولا زمان، ولا بنيان ولا ملك ولا ~~إنسان، فأوجد المعدوم إبداعا، وأنشأ «1» ما لم يكن إنشاء واختراعا، جل و«2» ~~تعالى فيما خلق عن احتذاء صورة، واستدعاء مشورة «3»، واقتفاء رسم ومثال، ~~وافتقار إلى نظر «4» قياس واستدلال، ففي كل ما أبدع وصنع، وفطر وقدر، دليل ~~على أنه [2 أ] الواحد بلا شريك ووزير، والقادر بلا ظهير ونصير، والعالم بلا ~~تبصير وتذكير، والحكيم بلا رؤية وتفكير، والحي الذي لا يموت، بيده الخير ~~وهو على كل شى ء قدير. # رفع السماء عبرة للنظار، وعلة للظلم والأنوار، وسببا للغيوث والأمطار، ~~وحياة للمحول «5» والقفار، ومعاشا للوحوش والأطيار. ووضع الأرض مهادا ~~للأبدان، وقرارا للحيوان، وفراشا للجنوب والمضاجع، وبساطا للمكاسب ~~والمنافع، وذلولا لطلاب الرزق وأرباب البضائع. وأشخص الجبال أوتادا راسية، ~~وأعلاما بادية، وعيونا جارية، وأرحاما لأجنة الأعلاق حاوية. وجعل البحار ~~مغائض لفضول الأنهار، ومغائر «6» لسيول الأمطار، ومراكب لرفاق التجار، ~~ومضارب لمصالح الأمصار، ومناجح الأوطار. تحوي من الدر والمرجان نباتا، ~~وتنبع من الملح الأجاج عذبا فراتا، وتقذف للآكلين لحما طريا، وتحمل PageV01P003 ~~للابسين جواهر «1» وحليا. # واستخلف على عمارة عالمه «2» من انتخبهم من خلقه، وآثرهم بإلهامه، ودبرهم ~~بأوامره وأحكامه. وكان أعلم بهم من ملائكته حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء [2 ب] ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون «3». # وأقام عليهم مهيمنا من لدنه يهديهم الرشاد، ويحذرهم الفساد، ويرجيهم ~~الثواب، وينذرهم العقاب. ولم يقتصر على ما أقامه به من الحجة، وأوضحه من ~~المحجة، حتى انبعث الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بالمعجزات الباهرة، ~~والدلالات الزاهرة، والبينات المتظاهرة، داعين إلى توحيده، ونادبين «4» ~~لتسبيحه وتمجيده، فأزاح بهم العلة، وأزال الشبهة، وأفاد سكون ms001 النفس، ونفى ~~خلاج «5» الشكوك واللبس. ولم يزل يستخلف «6» من يشاء من خليقته موسومين ~~بسنن الأنبياء، ومثل من قام بعدهم على مناهجهم من الولاة والأمراء، حتى ~~انتهت نوبة الخلق إلى زمن النبي المصطفى، الأمين المجتبى، الأبطحي المرتضى، ~~محمد صلى الله عليه وعلى آله، فأرسله بالحق بشيرا ونذيرا «7»، وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا «8»، وجعل أمته به أفضل الأمم، وكلمتهم أعدل ~~الكلم، وملتهم أوسط الملل، وقبلتهم أسد القبل، وسنتهم أقوم السنن، وكتابهم ~~أشرف الكتب. # ووعدهم أن يكونوا يوم العدل، والقضاء الفصل، شهداء على من يظهر الجحود، ~~وينكر الواحد [3 أ] المعبود. قال تعالى وهو أصدق القائلين، وأحكم الحاكمين: وكذلك PageV01P004 ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا «1»، ~~فنسخت بشريعته الشرائع، وبصنيعته الصنائع، وبدليله الأدلة، وببدره الأقمار ~~والأهلة، وانتشرت نبوءته مسداة بالخلاص، ملحمة بالإخلاص، معلمة بالتمام، ~~مطرزة بالدوام، على تعاقب الليالي والأيام، لم يفرط فيها من شى ء يقتضي ~~تاما، ويستدعي رؤبة ولحاما «2»، قال الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا «3» فأطلق على الدين لفظ ~~الكمال، لاستقامته على غاية الاعتدال، وانتفائه عن عوارض النقص والاختلال، ~~إلى أن قبضه الله جل ذكره إليه مشكور السعي والأثر، ممدوح النصر والظفر، ~~مرضي السمع والبصر، محمود العيان والخبر، فاستخلف في أمته الثقلين: كتاب ~~الله وعترته «4» اللذين يحميان الأقدام أن تزل، والأحلام أن تضل، والقلوب ~~أن تمرض، والشكوك أن تعترض، فمن تمسك بهما، فقد أمن من العثار، وربح ~~اليسار، ومن صدف «5» عنهما فقد أساء الاختيار، وركب الخسار، وارتدف الإدبار ~~[3 ب] أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين «6»، فصلى الله عليه وعلى آله ما انبلج عن الليل الصباح «7»، واقترن ~~العز بأطراف الرماح، ونادى المنادي بحي على الفلاح، صلاة تكافى ء حسن ~~بلائه، وتضاهي سابق غنائه، وتقضي فرض طاعته، وتقتضي فرض شفاعته، وسلم ~~تسليما. وبعد: PageV01P005 # فإن الملك والدين توأمان. فالدين أس، والملك حارس، وما لا حارس له فضائع، ~~وما لا أس له فمهدوم. والسلطان ظل الله ms002 تعالى في أرضه «1»، وخليفته على ~~خلقه، وأمينه على رعاية حقه. به تتم السياسة، وعليه تستقيم الخاصة والعامة، ~~وبهيبته ترتفع الحوادث والفتن، وبإيالته «2» تنحسم المخاوف والمحن. ولولاه ~~لا نحل النظام، وتساوى الخاص والعام، وشمل الهرج والمرج، وعم الاضطراب ~~والهيج، واشرأبت النفوس إلى ما في طبائعها «3» من التباغي والتنابز «4»، ~~والتفاضل والتمايز «5»، حتى يشغلهم ذلك عما يصلحهم معاشا ومعادا، ويقيم ~~أودهم يوما وغدا، وإلى هذا المعنى يلتفت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~«ما يزع «6» السلطان، أكثر مما يزع القرآن»، إذ كان أكثر الناس [4 أ] يرون ~~ظاهر السياسات فيردعهم خوف المعاقبة، وحذر «7» المؤاخذة عن تنكب الجدد «8»، ~~والعدول عن السمت «9» والمقتصد. ومن لنا بمن يستقرى ء آي كتاب الله تعالى ~~بفكره، ويتدبرها بعقله، ويجعل لنفسه منها زماما «10» يهديه إلى الأصلح، ~~ويثنيه عن الأقبح، فيكون مؤدب نفسه ومقوم ذاته، ورائض أخلاقه وعاداته. ~~ومعنى حديث عمر رضي الله عنه منتزع من قوله تعالى: لأنتم أشد رهبة في ~~صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا PageV01P006 ~~يفقهون «1»، فموضوع السيف للعامة، ومجموع القرآن للخاصة، وإن كان الجميع في ~~معانيه مشتركا، وبأوامره ونواهيه مرتبطا ومشتبكا، غير أن العامي يرى السيف ~~فيرتدع، والخاصي يرى الحق فيتبع، وشتان ما بين مدبر ومسخر بغيره، ومؤدب ~~ومهذب بنور ربه. # وقد كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ~~«2»، لجمعه بين الكتاب والميزان والحديد على تنافر ظاهرها من المناسبة، ~~وبعدها قبل الرؤية [4 ب] والاستنباط عن جواز المشاكلة والمجانسة، وسألت عنه ~~عدة من أعيان العلماء المعروفين «3» بالتفسير، والمشهورين من بينهم ~~بالتذكير، فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر وينقع الغلة ~~«4»، حتى أعملت التفكر، وأنعمت «5» التدبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ~~«6»، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويرتهن ~~مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، وقد حظر فيه التعادي ~~والتظالم، ورفض التباغي «7» والتخاصم، ms003 وأمر بالتناصف والتعادل، في اقتسام ~~«8» الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما يصل منها إلى ~~أهل الخطاب، بحسب الاستحقاق بالتكسب، دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في ~~استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة للعدل ~~يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمهم الله اتخاذ الآلة ~~التي هي الميزان، فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا PageV01P007 ~~بمخالفته «1» فيتهالكوا به، إذ لم يكن ينتظم لهم عيش مع سوغ «2» ظلم البعض ~~منهم للبعض «3». # ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: والسماء رفعها ووضع الميزان [5 أ]. ~~ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان «4»، وذلك ~~أنه تعالى جعل «5» السماء علة للأرزاق والأقوات، من أنواع الحبوب والنبات، ~~فكان ما يخرج منها من أغذية العباد ومرافق حياتهم، مضطرا إلى أن يكون ~~اقتسامه بينهم على الإنصاف، دون الجزاف «6»، ولم يكن يتم ذلك إلا بهذه ~~الآية المذكورة، فنبه «7» الله على موضع «8» الفائدة فيه، والعائدة به، ~~بتكرير ذكره ومعانيه «9»، فكان ما تقدم ذكره معنى الكتاب والميزان. # ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة ~~للتعامل بالسوية، إنما يحفظ العام على اتباعهما، ويضطر العالم إلى التزام ~~أحكامهما بالسيف الذي هو حجة الله تعالى على من جحد وعند، ونزع عن صفقة ~~الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه ~~«10»، فهذا السيف هو الحديد، الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول ~~الوجيز معاني كثيرة الشعوب «11»، متدانية PageV01P008 ~~الجنوب، محكمة المطالع، مقومة المبادى ء «1» والمقاطع «2»، فظهر «3» بهذا ~~التأويل معنى الآية، وبان أن السلطان خليفة الله في أرضه على خلقه، [5 ب] ~~وأمينه على رعاية حقه، بما قلده من سيفه، ومكن له في أرضه، وأحق الولاة بأن ~~يكون شريفا نبيها، وعند الله تعالى كريما وجيها، من كانت عنايته بنصرة ~~الدين، وحماية بيضة الإسلام والمسلمين، أوفر وأوفى، ومجاهدته لأعداء الله ~~المارقين عن شرائعه، الماردين دون حدوده وفرائضه، بنفسه وماله، ورهطه ~~ورجاله أشرح للصدور وأشفى. # وقد علم أبناء البدو والحضر، وأنشاء المدر والوبر، من حيث ms004 مد الصبح ~~جناحيه إلى أن ضمهما «4» للوقوع في أفق الغرب، أن راية الإسلام لم تظل على ~~سلطان أحسن دينا، وأصدق يقينا، وأوسع علما، وأوقع حلما، وأسد سيرة، وأخلص ~~سريرة، وأتم وفاء، وأعم سخاء، وأوفر حياء، وأغنى غناء، وأعظم قدرا، وأفخم ~~ذكرا، وأمد باعا، وأشد امتناعا، وأجل جلالة، وأكمل عدة وآلة، وأرفع ملكا ~~وسلطانا، وأطوع أنصارا وأعوانا، وأروع سيفا وسنانا، وأحمى للإسلام وذويه، ~~وأنفى للشرك ومنتحليه، وأعدى للباطل ومن يليه، اكتسابا ووراثة وطباعا ~~واستفادة، من الأمير السيد الملك المؤيد يمين الدولة وأمين الملة، أبي ~~القاسم محمود «5» بن ناصر الدين «6» [6 أ] أبي منصور سبكتكين «7» ملك الشرق ~~بجنبيه، PageV01P009 ~~والصدر من العالم ويديه، لانتظام الإقليم الرابع «1» وما «2» يليه من ثالث ~~الأقاليم «3» وخامسها «4» في حوزة ملكه، وحصول ممالكها الفسيحة، وولاياتها ~~العريضة، في قبضة ملكه، ومصير أمرائها، وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها، ~~تحت حمايته وجبايته، واستدرائهم «5» من آفات الزمان بظل ولايته ورعايته، ~~وإذعان ملوك الأرض على «6» بعدهم لعزته، وارتياعهم من فائض هيبته، ~~واحتراسهم على تقاذف الديار، وتحاجز الأنجاد والأغوار «7»، من فاجى ء ~~ركضته، واستخفاء «8» الهند والروم تحت جيوبها عند ذكره، واقشعرارهم لهب ~~الرياح من أرضه. # وقد كان- أدام الله دولته- منذ لفظه المهد، وجفاه الرضاع، وانحلت من «9» ~~لسانه عقدة الكلام، واستغنى عن الإشارة بالإفهام، مشغول اللسان بالذكر ~~والقرآن، مشغوف النفس بالسيف والسنان، ممدود الهمة إلى معالي الأمور، معقود ~~الأمنية بسياسة الجمهور. # لعبه مع الأتراب جد، وجده مستكد «10»، يألم لما لا يعلم حتى يقتله خبرا، ~~ويحزن لما يحزن حتى يدمثه قسرا وقهرا. PageV01P010 # وكان الأمير الماضي «1» - أنار الله برهانه- يرى الدنيا بعينه «2» [6 ب] ~~ويسمع بأذنه، وينطق بلسانه، ويستحلي مذاق العيش به، ويستطيب روح الهواء ~~بقربه، ويستفتح مغالق الأمور بيمنه، ويستحمد عواقب الخطوب باسمه. ولم يزل ~~بين سحره ونحره، إلى أن استنزلته رؤية البلوغ، وبصيرة الإدراك عن حجره «3». # ولم ينفك يتدرج بين ألطافه وكراماته، وولاياته وإقطاعاته، من رتبة إلى ~~أخرى أعلى منها مكانا وأرفع شأنا، إلى أن ولي قيادة الجيوش والعساكر ~~بخراسان، وهي الرتبة التي طالما تناحر [عليها كباش] «4» الرجال، ms005 وقروم ~~الأبطال، فلم يحظ بها إلا العدد اليسير الذين «5» سار ذكرهم في الآفاق، ~~وتسامع بهم رجالات خراسان والعراق، سناء وقدرا، ودهاء ونكرا، ومهابة وحشمة، ~~ونباهة ونعمة. هذا على طراءة «6» سنه، ونضارة غصنه، وعنفوان أمره، وريعان ~~شبابه وعمره «7»، [كما قال الكميت] «8»: # قاد الجيوش لخمس عشرة حجة ... ولداته إذ «9» ذاك في أشغال PageV01P011 ~~قعدت بهم هماتهم وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال «1» # وهلم جرا إلى أن ملك خراسان بأسرها وزاولستان «2» عن آخرها، [7 أ] وبلاد ~~نيم روز «3» بحذافيرها، وجبال الغور «4» على حصانتها، ودوخ السند ~~فاستباحها، وغزا الملتان «5» فاجتاحها، وتوغل الهند عودا على بدء «6»، فنكأ ~~جراحها، وأذل لقاحها، وجاس مغانيها PageV01P012 ~~ورباعها، وافتتح صياصيها «1» وقلاعها. وأقام عن «2» بيوت الأصنام، مساجد ~~الإسلام، وعن مشاهد البهتان، معاهد التوحيد والإيمان، فصارت الأبطال تهدد ~~في بطالاتها «3» بإقدامه، وتفزع بإقبال ألويته وأعلامه، فظل «4» أندپالهم ~~«5» وچيبالهم «6»، وكماتهم وأبطالهم، كما قال أشجع «7» السلمي «8»: # وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان «9» ضوء الصبح والإظلام PageV01P013 ~~فاذا تنبه رعته وإذا هدا «1» ... سلت عليه سيوفك الأحلام «2» # وحاز الله له من البسطة في الحلم والعلم، والهيبة بالاسم والجسم، والظفر ~~بأحابيش «3» الأعداء في وقائع يعز صبر النفوس على أمثالها، وتكاد الأرض ~~تمور من أهوالها، ما لم يسمع بمثله حيز لأحد من الملوك إلا عن أساطير ~~الأولين، أريد بها [7 ب] التطويل والتهويل، والتعجيب والتغريب «4»، دون ~~الحقيقة التي يشهد بها العيان، ويقوم عليها البيان والبرهان، فلو نشرت ~~صحائف الدول الإسلامية، وأيام الملة الحنيفية، لكانت دولته غرة تلك الدول، ~~ومساعيه فيها طراز تلك الحلل، إذ لم يقتن أحد من سلف الملوك من غرر «5» ~~المآثر، وزهر المناقب والمفاخر، ما اقتناه هو بنفسه، وأبيه، وآثاره ~~ومساعيه. # ولما حاز الله له كرائم الخصال، ووفاه طبع المكيال، في معاني الكمال: ~~سياسة أزرت بأردشير «6» في «7» زمانه، والمنصور «8» في سلطانه، وهيبة خفتت ~~لها جنادب «9» الليالي النائمة، وخمدت عليها عيون الأراقم «10» العارمة، ~~وعدلا «11» ضم بين الضدين حتى النار إلى PageV01P014 ~~الماء، وألف بين الذئاب الطلس والشاء «1»، فكفيت الأنياب «2» شبا الأطراف ~~«3»، والقرون صلابة الأجواف. وكانت أيامه مشغولة بمر «4» السياسة، ms006 عن ثمر ~~الدراسة، وبفرض السيادة، عن نفل الاستفادة «5». # لطف الله له بأولاد كالنجوم الزواهر، بل الليوث الخوادر، [8 أ] بل السيوف ~~البواتر، بل العقبان الكواسر، من لم ترمق الألحاظ أشخاصا توازيهم فخامة ~~وجلالا، ووسامة وجمالا، وسعادة وإقبالا، وسماحة وإفضالا، وعلوما وآدابا، ~~ولفظا وكتابا، وحفظا وحسابا، وأخلاقا مرة وعذابا «6». [نعم «7»، وصرامة ~~ومضاء، وشجاعة وإباء، وسيادة وعلاء، ونجابة ورئاسة، وجلالة ونفاسة، وإيالة ~~وسياسة، وأسامة وحراسة، وفروسية وفراسة] «8»، فجمع الله له تمام السعادة، ~~وقصر عليه أدوات السيادة. # وقيض الشيخ الجليل شمس الكفاة أبا القاسم أحمد بن الحسن «9» لوزارته، ~~وتدبير أمور مملكته، من ذخره الله لزمان صادف فترة من أحرار الرجال، وأبناء ~~الفعال، فلم يطبع مثله على غراره، ولم يضبع «10» شرواه «11» في مضماره، ~~سجاحة «12» شيم، ورجاحة PageV01P015 ~~كرم، وسماحة كف، وفصاحة قلم، وهمة «1» ترى الدنيا هباءة «2» بين أخواتها ~~الثائرة، بل نقطة موهومة من نقط الدائرة. وغدت «3» سدته ميقاتا للفضل ~~وأهليه، وسوقا للأدب ومنتحليه، تجلب إليها بضاعات الفضائل بين منظوم ~~ومنثور، ومختوم ومنشور. # وقد صنف طبقات الأدباء والكتاب تصانيف في ذكر أيامهم، وتصاريف أحوال ~~الزمان بهم، بحسب قوتهم في البيان، [8 ب] وسهمتهم من بلاغة الخاطر والبنان، ~~حتى أن أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي «4» عمل كتابه المعروف ب (التاجي ~~في أخبار الديلم) «5»، موشى بحبر ألفاظه الساحرة، ومغشى بحلل معانيه ~~الزاهرة، فحل عقد البيان بما قيده، وبيض وجه البلاغة بما سوده، فإن «6» تكن ~~دولة «7» تقتضي إثبات محاسنها بالتخليد، وتقييد مآثرها بالتأييد، فهذه هي ~~التي تقتضي الأدباء أن يخلدوا بتقرير معاليها «8» كلامهم، ويحلوا بتحرير ~~مساعيها أقلامهم، ولو أدركها الماضون من أرباب التصانيف لودوا لو كانت ~~ألفاظهم عن غيرها معزولة، وإلى ذكر محاسنها منقولة، ولحدثتهم أنفسهم بأن ~~يعتذروا اعتذار أبي نواس «9» بقوله: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني PageV01P016 ~~وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني «1» # وقد كنت أقدر أن بعض صنائع هذه الدولة ممن له حظ في الصناعة، وتوجه في ~~طرق البراعة «2»، يرتاح لتقييد أخبارها، وجمع كتاب في تصاريف أحوالها ms007 ~~وأطوارها، من لدن قام الأمير الماضي- أنار الله برهانه- أميرا، إلى أن أجلى ~~أبا علي محمد بن محمد ابن إبراهيم [9 أ] بن سيمجور «3» عن خراسان كسيرا، ~~وحصله من بعد في يده أسيرا، وولي أمورها سياسة وتدبيرا، وما قدر «4» له في ~~أثناء ذلك كله من إغاثة الأمير الرضا أبي القاسم نوح بن منصور «5» ونصرته، ~~واستجابة ما لطف إليه من دعوته، والمدافعة عن بيته «6» وخطته، واستبقاء ما ~~فضل عن ذئاب «7» الترك من ولايته، وكفهم بترغيبه وترهيبه عن إزالة حشمته، ~~واستباحة ما سلم عليه «8» من نعمته، محافظة على حقوق سلفه الأولى طالما ~~صنعوا الصنائع، وأودعوا الودائع، وبثوا العوارف والرغائب، وأنفقوا الأموال ~~حتى كنزوا المحامد، وعرفوا للحرمات [أقدارها، وحفظوا] «9» على البيوتات ~~أستارها، وقضوا لنفوس المنقطعين [إليهم أو طارها] «10»، إلى أن ورث السلطان ~~المؤيد يمين الدولة وأمين الملة مكانه. PageV01P017 # فخلفه في ترتيب الأمور «1»، وتدبير الجمهور، وتألف الإخوة والأقارب، ~~واستمالة القلوب ببذل الرغائب، إلى أن استقل به سرير الملك مطاعا، وتناهضت ~~ولاة الأطراف إلى بيعته سراعا، فوجدتهم قد عولوا في معانيها على ما سار في ~~أكناف الحضرة من أشعار الفارسية [9 ب] لازدحام شعرائها على بابه الرفيع، ~~بقصائدهم التي قد غبروا «2» بها في ديباجة الروذكي «3»، وصنعة الخسروي «4» ~~والدقيقي «5». ولعمري أنها كافية شافية، ومن وراء «6» الإشباع والإقناع ~~آتية، ولكنها دواجن «7» خراسان، لا «8» تعرف عن ديارها ارتحالا، ولا تألف ~~غير أقطارها مجالا، فاقتضاني حكم ما أسلفته في هذا البيت الرفيع من خدمة، ~~وتعرفته أيام الأمير الماضي قدس الله روحه من بركة اصطناع ونعمة، [ثم ما ~~رسمه إلي الأمير أبو أحمد محمد بن يمين الدولة وأمين الملة] «9» أن أمتع ~~أهل العراق بكتاب في هذا الباب، عربي اللسان، كتابي «10» البيان، يتخذونه ~~سميرا على السهر، وأنيسا في المقام PageV01P018 ~~والسفر «1»، ويعرفون به «2» عجائب آيات الله تعالى في تبديل الأبدال، ~~وتقليب الأمور من حال إلى حال، مبتدئا بذكر الأمير الماضي، أكرم الله مآبه، ~~من حيث نشأت نبعته، وتفرعت دوحته، إلى أن استعان به الأمير أبو القاسم نوح ~~بن منصور- برد الله مضجعه- في «3» تلافي «4» دولته، والانتقام ms008 له من أبي ~~علي بن سيمجور، حين نزع يده من طاعته، واستجره بحفي مسألته، عن دار إقامته، ~~لكفاية مادهاه من أمره وأمر من طابقهم من الترك على جفوته، وأطمعهم برسائله ~~ووسائله في تورد «5» مملكته، وما جرى على يده [10 أ] من الفتوح المأثورة، ~~والمقامات المشهورة، ومتبعا ذلك بلواحق من وقائع السلطان الأجل «6»، يمين ~~الدولة وأمين الملة في الهند والترك والخلج «7»، وما أتيح له فيها من النصر ~~والفلج، وما يتصل بها من أخباره، وأخبار ولاة الأطراف في جواره، والله ولي ~~المعونة على درك المنشود، وإصابة الغرض المقصود. ### | ذكر أيام الأمير الماضي أبي منصور سبكتكين وأحواله # قد كان ذلك الأمير قدس الله روحه في جبلته أبي النفس، حمي الأنف، جرى ء ~~القلب، قوي البطش، كريم الخيم «8»، رضي التدبير، كبير الهمة، كثير الحكمة. ~~يتبين ذلك كله في خصاله وخلاله، ومتصرفات عزائمه «9» وأحواله. PageV01P019 # وحكى لي أبو الحسين جعفر بن محمد الخازن أنه كان ورد بخارى «1» أيام الأمير ~~السديد منصور بن نوح «2» في جملة أبي إسحاق بن ألبتكين «3»، صاحب جيوش ~~خراسان، وهو إذ ذاك حاجبه الكبير، ووجهه الغرير، وعليه مدار أموره، وبيده ~~«4» مناظم شؤونه. # وعرفه أركان تلك الدولة «5» بشهامته وغنائه، وصرامته ومضائه. وتوسموا فيه ~~الارتفاع إلى اليفاع، بهمته [10 ب] وذكائه. فحين صرف أبو إسحاق إلى غزنة ~~«6» واليا عليها، وسادا مسد أبيه بها، انصرف هو بانصرافه، على جملته في ~~زعامة رجاله، ومراعاة ما وراء بابه. فلم يلبث أبو إسحاق بعد معاودته إياها ~~أن قضى نحبه، وودع عمره. ولم يبق من قرابته وبطانته، من يصلح لمحله ~~ومكانته، واضطر العدد الدهم «7» من مواليه وموالي أبيه إلى من يتولى ~~زعامتهم، ويتكفل بحسن الإيالة خاصتهم وعامتهم، فلم ينفكوا PageV01P020 ~~مختلفين في الاختيار، وساخطين غب «1» الاختبار، إلى أن جمعت «2» كلمتهم على ~~تأميره، واتفقت آراؤهم على الرضا بتدبيره، والإذعان لحكم «3» تقديمه ~~وتقديره «4». فماسحوه «5» بأيمانهم «6» طائعين، وحالفوه بأيمانهم «7» ~~مبايعين، فولي أمورهم برأي صليب، وحزم عجيب، واهتمام سديد، وقيام بمصالحهم حميد. # ولم يزل يركض بهم على أطراف الهند غازيا، مجاهدا أعداء الله الكفرة بها ms009 ~~ومفتتحا قلاعها، ومستخلصا ديارها ورباعها، ومحكما سيوفه في أهلها، مؤمنا من ~~أسلم وشهد، وقاتلا من أشرك وجحد. وجرت بينه وبين عساكر الهند حين عيوا ~~بأمره، وتضافروا على [11 أ] مدافعته، واستكفاف عاديته، حروب لبس فيها جلد ~~النمر «8»، وأرث نارها تأريث المتذمر، وعض في معاناتها على جذم التصبر، ~~وجافى «9» الجنب عن الضجعة، وأقنع النفس بالطوى والمخمصة، وأفضى تحته مركب ~~الحمية، وحث أصحابه ورفقاءه على لذة الأمنية أو راحة المنية، كأنما عناه ~~«10» عمرو بن الإطنابة الأنصاري «11» بقوله: # أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح PageV01P021 ~~وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح «1» # وقولي كلما جشأت «2» وجاشت «3» ... مكانك تحمدي أو تستريحي «4» # وحكى لي رحمه الله «5» في غمار ما كان يذكره من مواقفه ومقاماته، وآثاره ~~في العدو ونكاياته: إني واقعتهم في بعض وقائعهم بهؤلاء الرفقاء، ونحن في ~~العدد اليسير، وهم في الجم الغفير، وطالت بنا وبهم ممارسة الحروب حتى أقوى ~~«6» الناس من الزاد، وعجزوا «7» عن الامتيار «8» والاستمداد. ولم يكن ~~أمامنا إلا السيوف القواضب، ووراءنا إلا المهامه «9» والسباسب «10»، فصرخوا ~~إلي بما دهاهم، وسألوني حيلة الثبات على ما عراهم، فعرفتهم أني كنت استصحبت ~~لخاصتي [11 ب] على سبيل الاستظهار «11» صدرا من السويق «12»، وهو الآن قسمة ~~بيني وبينكم عدلا سواء، بالغا ما بلغ بقدر «13» الكفاية، إلى أن يمن الله ~~بالفرج، وكشف هذا الضيق والحرج. فكنت «14» أجدح لهم أياما عدة، لكل منهم PageV01P022 ~~أولا، ولنفسي من بعدهم آخرا قعبا «1» صغيرا، فنجتزى ء «2» به طول النهار ~~والليل، ونحن على ذلك بين معالجة المكروه، ومكابدة المحذور، وملاقاة السيوف ~~والسهام، بحر الوجوه والصدور، إلى أن وهب الله النصر وأهب الظفر، وأحاق «3» ~~سوء العذاب بمن كفر، فولوا الأدبار بين قتيل مزمل، وجريح مرمل «4»، وعقير ~~مرهق، وأسير بالقد «5» موثق. # وسمعته يذكر ما كان من حسن تدبيره وتقديره عند إفضاء الأمر إليه، واقتصار ~~الإمارة عليه، ورزاحة «6» حاله عن التوسع في الإنفاق، والتخوف «7» في البذل ~~والإطلاق، وأنه كان كأحد رفقائه في الحال والمال. واحتاج مع ذلك إلى أن ~~يأخذ لمؤونة الزعامة عليهم من نفقاته ms010 الراتبة «8»، فكان «9» يدخر منها ما ~~يفي بضيافتهم في الأسبوع دفعة أو دفعتين. # ولم يزل على هذه الجملة إلى أن اتسعت حاله، فزادهم بحسب الزيادة، [12 أ] ~~إلى أن استكمل أسباب السيادة، فكان كما قيل: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما «10» # ولم يلبث أن اتسعت رقعة ولايته، وعظم حجم جريدته «11»، وعمرت أرض خزانته، ~~وأشفقت النفوس من هيبته، وتعلقت الأطماع بمعونته «12». PageV01P023 # وكان من أجدى «1» فتوحه ناحية بست «2»، وسبب ذلك أن پايتوز «3» كان قد ~~ملكها على طغان- أحد الأمراء كان بها- غصبا، وأجلاه عنها حربا «4» ونهبا، ~~فلجأ هو إلى الأمير الماضي مستظهرا به، ومستنفرا إياه عليه، بمال يضمنه، ~~وولد يرهنه، وطاعة يبذلها، وخدمة بالنفس والمال عند الحاجة يلتزمها. فلبى ~~نداءه، وحقق بفضله رجاءه، وناهض خصمه بمعظم جيوشه، حتى أناخ بباب بست. وبرز ~~پايتوز «5» إلى معسكره، فتناوشا القتال كأشد ما يكون، نفحا «6» بالصفاح، ~~ومشقا «7» بالرماح، وإثخانا بالجراح. # فلما اضطرب الفريقان، والتقت حلقتا البطان «8»، حمل الأمير الماضى من قلب ~~عسكره حملة كشفتهم عن مقامهم، وأغصت شوارع البلد بزحامهم «9». ودارك عليهم ~~الحملات من كل أوب «10»، حتى جلوا عنها مفلولين، وتفرقوا في متون «11» ~~الهضاب «12»، وبطون [12 ب] الأودية «13» والشعاب مخذولين، واستقر طغان بها ~~شاكرا إحسانه، وموجبا PageV01P024 ~~تحقيق ما أوجب عليه ضمانه، وبذل به رهنه ولسانه، وهو يتميل «1» في ذلك سرا ~~بين وعد وإخلاف، ويترجح بين وفاق وخلاف، حتى إذا حان حين الأداء، طالبه ~~الأمير «2» بالوفاء، وأغلظ عليه في الاقتضاء، لما رآه من فرط الإباء ~~والالتواء، وهما «3» على صحراء غاصة بغلمانهما وأتباعهما «4»، فحدثته ~~عجرفية الطبع بالمنع، ولم يرض بالقول، حتى انتضى سيفه وضرب يد الأمير ضربة ~~أوسعت جرحها، فلما تبين غدره، ضرب بيده إلى سيفه، وهي تشخب «5» دما، فضرب ~~منكبه «6» ضربة انتصفت له منه «7»، وطلبه بأخرى، فحجزه عنها اختلاط ~~الفريقين، وأهاب الأمير إلى رفقائه، وغلمان داره بطرد الغواة وحطمهم، ~~وتبييض تلك النواحي من سوادهم، [وتحمير تلك التربة من دماء أجسادهم] «8»، ~~فلم يبلغ النهار إلا وبست له صافية، وأطرافها عن ذوي الخلاف خالية، وبشعار ~~دولته حالية، وامتد پايتوز وطغان، إلى ms011 نواحي كرمان «9» وسجستان، ولم يحلم ~~أحد منهما بأن يلتفت وراءه، فضلا عن أن يتمنى لقاءه. # وكان من جملة ما [13 أ] استفاده ذلك الأمير، من صفايا ذلك الفتح أبو ~~الفتح علي بن محمد البستي «10» الكاتب صاحب التجنيس رحمه الله، فإنه كان ~~كاتبا لپايتوز، PageV01P025 ~~فلما استمرت به الكشفة، أعيته صحبته، فتخلف عنه، ودل الأمير عليه، فاستحضره ~~ومناه، واعتمده لما كان قبل معتمدا له، إذ كان محتاجا إلى مثله في آلته ~~وكفايته، ومعرفته وهدايته وحنكته ودرايته. # وحدثني أبو الفتح رحمه الله، قال: لما استخدمني الأمير الماضي، وأحلني ~~محل الثقة الأمين عنده في مهمات شأنه، وأسرار ديوانه، وكان پايتوز بعد حيا، ~~وحسادي يلوون ألسنتهم بالقدح في، والجرح لموضع الثقة بي ليا «1»، أشفقت ~~لقرب العهد بالاختيار، من أن يعلق «2» بقلبه شى ء من تلك الأقوال، ويقرطس ~~«3» غرض القبول بعض تلك النبال، فحضرته ذات يوم، وقلت له: إن همة مثلي من ~~أرباب هذه الصناعة لا ترتقي إلى أكثر مما رآني الأمير أهلا له من اختصاصه ~~واستخلاصه، وتقريبه واختياره وترتيبه لمهمات أسراره، غير أن حداثة عهدي ~~بخدمة من كنت به موسوما، واهتمام الأمير ببعض ما بقي من شغله يقتضيانني أن ~~استأذنه في الاعتزال [13 ب] إلى بعض أطراف مملكته ريثما يستقر «4» له هذا ~~الأمر في نصابه، فيكون ما آتيه «5» من هذه الخدمة أسلم من التهمة، وأقرب ~~إلى السداد، وأبعد من كيد الحساد، فارتاح لما سمعه، وأوقعه من الأحماد «6» ~~موقعه، فأشار علي بناحية الرخج «7»، وحكمني في أرضها [أتبوأ منها] «8» حيث ~~أشاء، إلى أن يأتيني الاستدعاء. PageV01P026 # فتوجهت نحوها فارغ البال، رافغ «1» العيش والحال، سليم اللسان والقلم، بعيد ~~القدم عن مخاضات التهم «2». # قال: وكنت أدلجت «3» ذات ليلة، وذلك في فصل الربيع أؤم «4» منزلا «5» ~~أمامي، فلما أصبحت، نزلت فصليت وسبحت ودعوت وقمت للركوب، ففتح ضياء الشروق ~~طرفي على قرية ذات يمنة «6» محفوفة بالخضر، مغمومة بالنور والزهر، وأمامها ~~أرض كأنها مفروشة ببساط من الزبرجد منجد بالدر والمرجان، مرصع بالعقيق ~~والعقيان «7»، يتسبسب بينها «8» أنهار كبطون الحيات، في صفاء ماء الحياة ~~«9». وقد فغمني ms012 «10» من نسيم هوائها عرف المسك السحيق، والعنبر الفتيق، ~~فاستطبت المكان، وتصورت منه الجنان، وفزعت إلى كتاب أدب كنت استصحبته ~~وحملته مع نفسي لأخذ الفأل، على المقام والارتحال، ففتحت أول [14 أ] سطر من ~~الصفحة عن بيت شعر وهو: # وإذا انتهيت إلى السلا ... مة في مداك فلا تجاوز # فقلت: هذا والله الوحي الناطق، والفأل الصادق. وتقدمت بعطف ضبنتي «11» إليها، PageV01P027 ~~وغنيت «1» ستة أشهر بها في أنعم عيش وأرخاه، وأهنأ شرب وأمراه «2». إلى أن ~~أتاني كتاب الأمير في استدعائي إلى حضرته بتبجيل وتأميل، وترتيب وترحيب ~~«3»، فنهضت إليها «4»، وحظيت بما حظيت به منها إلى يومي هذا «5». # وكان اختياره ذلك أحد ما استدل به ذلك الأمير على رأيه ورزانته، ودرجه به ~~إلى محلته ومكانته، وصار من بعد ينظم بأقلامه منثور الآثار عن حسامه، وينسج ~~بعباراته وشائع «6» فتوحه ومقاماته، وهلم جرا إلى زمان السلطان «7» يمين ~~الدولة وأمين الملة. فقد كتب له عدة فتوح إلى أن زحزحه القضاء عن خدمته، ~~ونبذه إلى ديار الترك من غير قصده وإرادته، فمات بها غريبا، ولم يجد من ~~مساعدة الزمان نصيبا. # ولما استتب للأمير تلك النواحي، واستقرت على شعار دعوته الأقاصي ~~والأداني، وصفت له أشرابها، ودرت عليه أحلابها، استخلف عليها من اختاره [14 ~~ب] من ثقاته وخواصه. # وكانت بلاد قصدار «8» قد وقعت من وراء بيضته «9». ومرد عليه واليها، ~~لحصانة أطرافها ونواحيها، وخشونة مصاعدها ومهاويها، وظن «10» أن بعد الشقة، PageV01P028 ~~وحزونة «1» المضرب، وضيق المدخل، ووعورة التغلغل، مانعته من الدمور «2» ~~عليه، وقاطعته دون الوصول إليه، فلم يرعه إلا صيحة الغارة، وإحداق الخيول ~~به كالخط في الاستدارة، وقد طوى الأمير إليه تلك الطرق القاصية، والقلل «3» ~~العاصية «4» المتناصية «5»، في ركضة لم ينل فيها جنبه قرارا، ولا عينه ~~غرارا، ولا خيله جماما إلا لماما «6» فهجم عليه في ربعه بنفسه وصحبه، فأخذه ~~كما قيل: # فأخذته أخذ المقصب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزل # وكان صباحه كما قيل: # إذا خرس الفحل وسط الحجور ... وصاح الكلاب وعق الولد # ثم رأى أن يمن عليه، ويرجع إليه ما كان بيديه، فأطلقه تطولا وإنعاما، ms013 ~~وأعاده إلى مكانه إحسانا وامتنانا، وواقفه على مال يعجله، وآخر في كل سنة ~~يحمله. فعمرت باسمه تلك المنابر «7»، واشترك في العلم بحاله الوارد ~~والصادر، والغائب والحاضر. # ولم يزل [15 أ] بعد ذلك، يدارك الركض على أطراف الهند غازيا ومجاهدا، حتى PageV01P029 ~~افتتح قلاعا كانت مرتفعة في جبالها، مطمعة بأموالها، ممتنعة برجالها. ~~وحصلها كلها في يده، ونظم خزائنها في سلك ملكه. # ولم يزل يتوغل تلك الحدود، حتى افتتح قلاعا «1» لم يسكنها قبل إلا كافر، ~~ولم يطأها [في الإسلام] «2» خف ولا حافر «3». # ولما علم چيبال الهند ما دهاه ممن يطوي مسافة ملكه، ويقبض من أطراف ~~ولايته، ويلصق الهون والخسار بمن يحامي عن حوزته، أخذه المقيم المقعد، ~~وملكه المزعج المكمد، ورأى الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، فثار بنفسه ~~وعشيرته، وأعيان جيوشه وتكاكرته «4»، وما خف من ثقال فيلته، يريد الانتقام ~~منه بوطء عرصة الإسلام، واستباحة حلته الحرام، يريدون ليطفؤا نور الله ~~بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون «5». # وسار كما هو حتى جاوز لمغان «6»، دانيا من ولاية الأمير دنو الواثق ~~بطوله، الساكن إلى قوته وحوله، وقد باض الشيطان «7» في رأسه وفرخ، وشوى ~~السوداء «8» في دماغه وطبخ «9»، PageV01P030 ~~فهو يظن الظنون، ويعد في حساب الحسبان «1» ما لا يكون. # ولما سمع الأمير [15 ب] بتورده وتغلبه، استعد لمناهضته، وجمع أولياءه على ~~محاجزته، واستجاش «2» من مطوعة الإسلام من وجب استجاشتهم لمناصبته، وكف ~~بأسه ومعرته «3». وبرز من غزنة متوجها نحوه، وقاصدا قصده بنية في الجهاد ~~قوية، وحمية للإسلام أبية. وواقفه بين الناحيتين في رجال كقطع الليل، أو ~~دفع السيل، ومعه السلطان يمين الدولة وأمين الملة كالليث الخادر، والعقاب ~~الكاسر، والموت الكاشر، [لا يؤم صعبا إلا ذلله] «4»، ولا يروم عقدا إلا ~~حلله، ولا يزحم منكبا إلا حطمه، ولا يصاول قرنا «5» إلا أباح دمه. ونشبت ~~الحرب بينهم أياما ولاء «6»، وأديرت عليهم كؤوس «7» الطعن والضرب ملاء «8»، ~~حتى سكر الفريقان، من سورة الطعان. # وبقرب تلك المعارك، مما يلي الكفار عقبة «9» تعرف بعقبة غوزك «10»، ينخفض ~~عنها طرف العقاب، ويعسكر دونها جيش السحاب، ذات مهاو ms014 ومشارف، ومثان ومعاطف، ~~وفي بعض أوهادها شريعة ماء كالشريعة الحنيفية في الطهارة، لا تقبل قذرا، ~~ولا تحمل غثاء ولا غثرا، فإن ألقي شى ء من القاذورات [16 أ] فيها، اكفهرت ~~له السماء، واختلفت PageV01P031 ~~النكباء «1»، وأظلمت الشواهق والأعماق، وغصت بالزمهرير الآفاق، حتى يرى ~~الموت الأحمر عيانا، والعذاب الأكبر حقيقة وبيانا. فعندها أمر الأمير ~~بإلقامها ضربا من النجاسات تعمدا، فقامت القيامة على الكفرة الفجرة، وتوالت ~~عليهم الصواعق والقوارع، وأحاطت بهم الرياح الزعازع، ومدت السماء عليهم ~~سرادق البرد والخصر «2»، وأثارت عليهم زعازع الإعصار والقتر، حتى عميت ~~عليهم المذاهب والمهارب، وانسدت دونهم المساري والمسارب، فاستسلموا لفرط ~~الهول والوهل، وشهدوا بأن قد شاهدوا الموت قبل حلول الأجل. # وأرسل چيبال يطلب الصلح، ويستكف الحرب على مال يؤديه، وحكم للأمير في ~~فيلته ومملكته يمضيه، فهم الأمير بإجابته إلى ملتمسه إشفاقا على أوليائه، ~~أو لصواب عن له في رأيه، فنهر السلطان يمين الدولة وأمين الملة أولئك الرسل ~~نهرا، وأبى أن يكون فيصل الحرب إلا عنوة وقهرا، حمية للإسلام والمسلمين، ~~وثقة بالله رب العالمين، فانصرفوا بما عرفوا من صورة الحال، وضيق المجال. ~~[16 ب] فاضطر «3» چيبال ما أعياه من الحيلة في أمره إلى إعادتهم في طلب ~~المكافأة خاشعا، والتماس الموادعة طائعا ضارعا. # وكانت زبدة كلامه أنكم قد عرفتم حمية الهند، واستهانتهم بالموت إذا طرقهم ~~طارق محذور، وحزبهم حازب مكروه، فإن يكن امتناعكم عن الصلح طمعا في الغنيمة ~~والفى ء والفيلة والسبي، فما هو إلا صري «4» عزم نمتطيه في استهلاك ~~الأموال، وسمل الأفيال، وعرض الغلمان على النيران، ومشي الرجال بعضهم إلى ~~بعض بأطراف الحراب، وظبات السيوف. ثم شأنكم وما يبقى من جماد ورماد، وموات ورفات. PageV01P032 # فلما سمع الأمير ذلك من كلامه، وأحس مصدوقة ما هم به عند يأسه من مرامه، ~~رأى حظ الدين وأوليائه في موادعته، واستنزاله عن ماله وعدته، أرجح من ~~تخليته، وما اختاره من التقاطع بالسيوف، والتهافت في الوقود، فواقفه «1» ~~الأمير السيد يمين الدولة وأمين الملة على كف يد الإرهاق عنه على ألف ألف ~~درهم شاهية، وخمسين رأسا ms015 من الفيلة ضمنها نقدا، وعلى عدة «2» قلاع، وبلاد ~~في سرة مملكته، كان اشترطها [17 أ] عليه أن «3» يسلمها إلى من يتسلمها من ~~جهته، بعد أن يبعث إليه برهائن «4» من عشيرته وأعزته، على الوفاء بما ~~يضمنه، والإنجاز لما «5» يعده. وقبض المال والفيلة نقدا، وواقفه على البلاد ~~المذكورة وعدا. # وأرسل معه بمسألته وحاجته دليلين يعدلان به عن التعسف «6»، ويقفان به على ~~القصد في المنصرف. وبعث معه بعدة من ثقاته لتسلم الأماكن المشروطة منه، ~~فلما أوغل به المسير، ورأى أنه قد خف عنه الطلب، واسترخى به اللبب «7»، ~~حدثه خبث الضمير بالإخلاف، وأركسه عجز الرأي في استئناف الخلاف، واعتقل من ~~كان في صحبته بدلا عمن رهنهم من عشيرته. وقدر الأمير أن الذي بلغه من أمره ~~إرجاف «8» يردفه خلاف وباطل، ليس له حاصل، إلى أن تناصرت به الأنباء، فبرح ~~الخفاء، وانكشف الغطاء، وعلم PageV01P033 ~~أن الله تعالى قد طبع على قلبه، وحال بينه وبين رشده، ليحيق به وبال أمره، ~~ويحق عليه مآل كفره، وشحذ عزيمته لغزو بلاده، وتخليصها عن خبث خبثه وفساده ~~«1»، ونهض في الكماة من غلمانه، والحماة من رفقائه وأعوانه، متوكلا على ~~الله وحده، ومتنجزا «2» في النصر وعده. [17 ب] وسار حتى اقتحم بهم ديار ~~الهند، فلم يبرز له بارز من أعوان چيبال وجيوشه إلا أوسعهم طحنا «3»، ~~واستلحمهم ضربا وطعنا. # وقصد لمغان «4» وهي كورة بحصانة الأطراف، وغزارة الإخلاف «5» مشهورة، ~~فافتتحها عنوة واقتدارا، وأضرم بعضها على الكفار نارا، وهدم بيوت الأصنام، ~~وأقام فيها شعار الإسلام، ومضى عنها قدما يفتتح البلاد، ويقتل الأنجاس ~~والأوغاد، حتى أذل المشركين، وشفى صدور قوم مؤمنين. # ولما أرمى على الغاية في النكاية، وأربى على قدر الإمكان في الإثخان، ~~وبردت يده وأيدي أوليائه بما يغمر العد والحد من كرائم الأموال وغنائم تلك ~~البلاد، عطف الأعنة وراءه، كريم الظفر، [حميد الأثر] «6»، ميمون الورد ~~والصدر. # وتطايرت كتبه إلى الآفاق بذكر ما فتح الله للإسلام على يده، فاشترك الناس ~~خاصة وعامة في الارتياح له، والانشراح لموقعه، والشكر لله على ما أتاحه فيه ~~من صنعه. # ولما رأى ms016 چيبال ما قد دهاه، جزاء عما نقضه من عهده، ونكثه من مرائر «7» عقده، PageV01P034 ~~ورأى جنوده «1» ووجوه رجاله جزر السيوف [18 أ] القواطع، وطعم النسور ~~والخوامع «2»، سقط في يده، وفت في عضده، ونالت منه الندامة، وقامت عليه ~~القيامة. وبقي زمانا مبهوتا على حاله «3»، لا يعرف الرأي في ظهر إدباره، أو ~~في وجه إقباله. ثم حركته الأنفة لاستئناف المناجزة طلبا للثأر وطمعا في ~~الانتصار، ففكر ودبر، ثم أقبل وأدبر «4»، ثم عزم وقرر، ونادى فحشر، وثار في ~~مائة ألف أو يزيدون، وبلغ الأمير خبره، فقابل إقباله بالاستقبال، وحرض ~~المؤمنين على القتال، وسار بقلب منشرح، وأمل منفسح، حتى إذا دنت «5» الخطى ~~بين الفريقين، فرع «6» الأمير ثنية مشرفة على سواد الكفرة، فإذا النمل ~~محشورا «7»، والجراد مبثوثا منشورا «8»، فراعه «9» منهم ما يروع الذئاب من ~~سوائم الغنم، والليوث الجياع من هوامي «10» النعم. وحث أولياء الله على ~~الكفرة القلف «11»، فأجابوه سراعا بقلوب محشوة بالدين، مملوءة من صدق ~~اليقين، وتقدم إليهم بأن يتناوبوا الحملات بينهم في كل حملة خمسمائة غلام ~~بالدبابيس الحاطمة، والقراتكينيات «12» الهاشمة، حتى PageV01P035 ~~إذا أبلوا عذرهم «1» في الجهاد، خلفهم من أضرابهم من ينوب منابهم رضا «2» ~~[18 ب] وهضا «3»، وطعنا وطحنا، ففعلوا ما أمرهم، واحتذوا ما رسمهم. فلم تزل ~~هذه حالهم حتى استغاث الملاعين من حر الوطيس، ووقع الدبابيس، وهموا بأن ~~يجعلوها حملة واحدة «4» تزحزح الأقدام، وتقتلع الجيش اللهام «5»، فعندها ~~[حمي الوطيس، واختلط المرؤس بالرئيس] «6»، وتداعت الصفوف، وعزلت العوامل ~~إلا السيوف، واختلفت الضربات، فمن واحدة تقط الهام، وأخرى تقد الأجسام. # وثارت عجاجة غبراء سترت العيون عن الأشباح، فلم تعرف الصفاح من الرماح، ~~ولا الرجال من الأفيال، ولا الأبرار من الفجار، ثم انجلت عن هزيمة الأنجاس ~~الأرجاس، وإسلامهم «7» عدتهم وعتادهم، وأسلحتهم وأزوادهم، وفيلتهم وكراعهم، ~~وقد غصت البيداء بجيف قتلاهم بين جريح بحد الحسام، وطريح من هول ذلك ~~المقام، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا «8». # ولوت الهنود «9» بعد ذلك أذنابها على رؤوسها، ورضوا بأن «10» يسلموا من ~~حر الطلب في أقاصي ديارهم، ويتركوا في شعارهم، ms017 بمنابت «11» أشعارهم. وصفت تلك PageV01P036 ~~النواحي لذلك الأمير، ودرت عليه إخلاف الأموال، وانحلت له عقد الجبايات، ~~وحصل له من وجوه الغنائم وغيرها [19 أ] مائتا رأس من الفيلة الحربية. وكثف ~~سواد جيوشه، ودانت له الأفغانية «1»، والخلج، فمتى شاء، استثار منهم الآلاف ~~في خدمته، وامتهن «2» الأرواح والنفوس في نصرته، والقيام بفرض طاعته. # وعند ذلك أوجب إغاثة الأمير أبي القاسم نوح بن منصور والي خراسان، ~~وإعانته على جيوش الترك الذين أجلوه عن دار ملكه ببخارى، وزحزحوه عن وطنه ~~بها، حتى فرق دهماءهم، واضطرهم إلى الانهزام وراءهم، كرما لم ينشط له غيره ~~من أولياء تلك الدولة، وأنشاء «3» تلك النعمة، لا جرم أن الله عز وجل حاز ~~له جماله وذكره، وقصر عليه سناءه وقدره، وجعل كدحه سببا لا نسياق الملك إلى ~~ولده، وتوطئة لبقاء العز في عقبه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم «4». ### | ذكر الأسباب التي أطمعت الترك في ولاية الأمير أبي القاسم نوح بن منصور وتوسط مملكته، وإجلائه عن بيته وخطته # قد كان انتقل الملك إليه سنة خمس وستين وثلثمائة، واجتمع أولياؤه وحشمه ~~على بيعته، بعد أموال عظيمة أطلقت، وعشرينيات «5» فرقت، حتى تبدد شمل ~~الأموال التي كان PageV01P037 ~~وزراء السامانية من قبل [19 ب] يكدحون لها، ويدأبون لجمعها، كأبي الفضل ~~البلعمي «1»، وأبي جعفر العتبي «2»، ومن كان ينتصب منصبهما في الوزارة، ~~وتدبير أمور المملكة. # وكان أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور «3» إذ ذاك صاحب الجيش ~~بنيسابور، فتلطف له في الرضا به، وعقد البيعة له على صغر سنه وحداثته. ~~وضوعفت له الصلات المطلقة لأمثاله من أركان الدولة حتى لانت عريكته، وتمت ~~بيعته، وفوضت الوزارة إلى أبي الحسين «4» العتبي [رحمه الله] «5»، فقام «6» ~~على ميعة شبابه بالأمر قيام الحدب «7» الشفيق، وكفله بمناصحته كفالة المؤيد ~~بالنصر والتوفيق، حتى استقامت بحسن تدبيره الأمور، وانشرحت الصدور، وانسدت ~~الثغور، واستطارت هيبة تلك الدولة شرقا وغربا، وبعدا وقربا. # وكان الأمير عضد الدولة وتاج الملة «8» على جلالة قدره، ونباهة ذكره، ~~ومناعة جانبه، وخشونة حده، يتوخى رضاه فيما يحتكم عليه من ms018 المطالب التي ~~تختص بولايته. PageV01P038 # وربما أخذته العزة باللجاج «1»، فيذكر «2» ما وراءه من الأدواء المعضلة، ~~والأمور المستفحلة، فتسمح قرونه، ويذل صعبه وحرونه «3». # وحدثني أحمد الخوارزمي، وكان من جملة خاصته، مندوبا لحمل رسوم كل عام [20 ~~أ] إلى بيت الله الحرام ومجاوريه، وسكان مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وتفريقها فيهم ووضعها مواضعها منهم، قال: دخلت عليه «4» ذات يوم منحدري من ~~خراسان، فسألني على رسمه عن حال ذلك الشيخ «5» في سلامته واستقامة الأمور ~~في ضمن كفايته «6»، ثم قال: هات ما استدعاه، واعرض علي ما بدا له وتوخاه، ~~فعرضت تذكرة كان سلمها إلي بتفصيل ما رسم لي حمله من ديار العراق، ومن «7» ~~جملتها ألف ثوب مستعملة «8» مطرزة «9» الأطراف «10»، باسم الأمير السيد ~~الملك المؤيد، المنصور ولي النعم أبي القاسم نوح بن منصور، مولى أمير ~~المؤمنين، وخمسمائة مطرزة باسم الشيخ السيد أبي الحسين عبد الله «11» بن ~~أحمد، ومثلها معلمة باسم الحاجب الجليل أبي العباس تاش «12». فلما تأمل «13» PageV01P039 ~~النسخة، دخلته نخوة الملك، وملكته حمية العز، وطار به الغضب كل مطار، فألقى ~~إلي في الجواب، أن ابن العتبي لو اغتنم سلامة ما يليه، وتفرد بالتدبير فيه، ~~لكان أولى به، وأعود عليه وعلى صاحبه، مما يسومني بهذا الاحتكام وأمثاله، ~~غير أني أجعل سواحل جيحون «1» قبل عودك من وجهك [20 ب] مرابط للجحافل، ~~ومراكز للقنا «2» والقنابل «3»، فقمت من مكاني متخاذل القوى تخوفا من سطوته ~~وبأسه «4»، وأخذت أجر رجلي على الأرض تهيبا وارتياعا إلى أن أركبت على ~~الرسم وانصرفت إلى المناخ. # فلما أزف ارتحال الحجيج، أتاني رسوله، فبادرت إليه، وأحسنت خدمة المجلس ~~بين يديه، فزادني على المعهود بشرا خصيبا، وبرا وترحيبا، وقال: قد أمرنا في ~~معنى تلك التذكرة بما استدعاه ذلك الشيخ كراهة لاستيحاشه، وخلافا على خلاف ~~وفاقه، فتنجز العمل به ليوافق عودك فراغ الصناع منه، وحصول المراد به. # قال «5»: فاستعملت ذلك كله من الطرز المذكورة، وحملتها في صحبتي إلى ~~بخارى مشفوعة «6» بسائر ما رسم لي تحصيله وتنجزه. PageV01P040 # وقد أكثر الشعراء من أهل العصر في وصف محاسن الشيخ أبي الحسين ms019 العتبي رحمه ~~الله، ولا سيما أبو طالب المأموني «1» فإنه سير في مدحه قصائد غير معدودة، ~~منها قوله من قصيدة يمدحه بها، وهي: # هذي عزائم عتبي تفرق ما ... بين الجماجم والأعناق إن عتبا # ذو همة مل ء عين الدهر إن برزت ... من صدره لم تسعها «2» الأرض مضطربا [21 أ] # إذا انتضى للندى أو للردى «3» قلما ... أجرى به سحبا أو جحفلا لجبا # يشجي الصعيد صعادا والندي ندى ... إذا تهلل للمعروف أو قطبا # وقوله فيه من أخرى: # كتائب منصورية «4» ملكية ... أبى السيف فيها أن يرى الغمد مضجعا # يؤيدها عتبي عزم مؤيد ... بحزم «5» يخلي خلفه البيض ظلعا «6» # إذا أمر الشيخ الجليل سيوفها «7» ... هوت سجدا للدارعين وركعا # يعود بها وجه الخلافة أبيضا «8» ... بأبيض من أبناء عتبة أروعا PageV01P041 ~~ومن ذلك قول اللحام «1» فيه: # وأعتب الدهر إذ «2» عاتبته بفتى ... من آل عتبة نفاع وضرار # كأنما جاره في كل نائبة ... جار الأراقم في أيام ذي قار # يجري المكارم في لاء وفي نعم ... فالناس في جنة منه وفي نار «3» # ومن ذلك قول أبي الحسين العلوي الرضي «4»: # كأنما الدهر تاج وهو درته ... والملك والملك كف وهو خاتمه # والبر والبحر والأعلام أجمعها ... والخلق والفلك الدوار خادمه # وقلد أبو العباس تاش الحجبة الكبيرة، فولي أمور الباب «5» [21 ب] وزعامة ~~الحجاب، والسفارة بين أولياء السلطان وحشمه في تنجز حاجاتهم، واستطلاق ~~أطماعهم وعشرينياتهم، واستزادة مراتبهم وولاياتهم، حتى تحققت النفوس ~~بمحبته، وتعلقت الأهواء بزعامته. # وفتح أبو الحسين «6» عليه أبواب الفوائد والإصابات «7» حتى كثر وفره، ~~وظهر أمره، واشتد بالاستظهار ظهره. # وكان أبو العباس من جملة فتيان أبي جعفر العتبي .. ملك يمينه، أهداه إلى الأمير PageV01P042 ~~السديد «1» أبي صالح «2» إيثارا له بخدمته على نفسه، لكيسه وذكائه، ورضي ~~شمائله وأنحائه «3». فاستتم أبو الحسين العتبي الصنيعة عنده بالرفع منه، ~~والتنويه به، والإشالة «4» بضبعه «5» وباعه «6»، وتدريجه إلى المحل الذي ~~توسمه فيه لقوته «7» واضطلاعه. وجرت أمور ذلك الباب، بتعاضدهما على ~~النصائح، وترافدهما على ارتهان المصالح، على أحسن الوجوه هيئة وجمالا، ~~وهيبة وجلالا، ونفاذا للأوامر يمينا وشمالا. # واستخص أبا الحسين فائق الخاصة «8» لطول ms020 خدمته «9» للأمير السديد، وحظوته ~~عنده، واختصاصه برعايته، واشتراكه في وصايته، فكان شريكهما في التدبير، ~~وصيانة هيبة السرير. وأقر أمر الجيش بخراسان «10» على أبي الحسن «11» محمد ~~بن [22 أ] إبراهيم بن سيمجور، فتفرد كل منهم بحماية الملك سدا للثغور، ~~وسياسة للجمهور، وحصدا لنواجم الشرور «12»، إلى أن بدت أكمامها تنفتق، ~~وجيوبها تتخرق. وكان من ذلك أمر سجستان، PageV01P043 ~~وسببه أن خلف بن أحمد «1»، كان [قد] استنصر «2» الأمير السديد، على طاهر بن ~~الحسين، قريبه وخليفته على أعمالها، بعد انكفائه من حج بيت الله الحرام، ~~وذلك في شهور سنة أربع وخمسين وثلثمائة لتمكنه كان من الولاية، واستظهاره ~~بالمال والعدة، واستمالته قلوب الأجناد، والرعايا من أهل تلك الخطة. فأحسن ~~نصرته ومعونته «3»، وكفاه كلفته ومؤونته، وأمده بمن استمده «4» من كماة ~~الجيوش، لرده إلى بيته، وتقرير مملكته في يده، فانحاز طاهر حين أحس بالمدد ~~وكثرة العدد، إلى أسفزار «5» حتى قر خلف قراره، ووضع عنه آصاره، وصرف عن ~~ظهر الاستغناء أعوانه وأنصاره، ثم كر عليه كرة أجلته عن داره، وطرحته إلى ~~باذغيس «6» فيمن نادى بشعاره. # فعاود «7» حضرة الأمير السديد مستصرخا إياه، وضارعا إلى غوثه فيما دهاه، ~~فأحسن لقياه، وأكرم مثواه، وأعاد تقويته وإنجاده، وكثف بالخيول سواده، ورده ~~بهم إلى [22 ب] سجستان، فوافق «8» وصوله إليها مضي طاهر لسبيله، وانتصاب ~~ابنه الحسين منصبه، ووراثته في الخلاف مذهبه، فحاصره خلف مناصبا له الحرب ~~غاديا ورائحا، PageV01P044 ~~[ومماصعا ومكاوحا] «1» حتى كثر القتلى بين الفريقين، وطالت يد الانتصاف على ~~أصحاب الحسين، فعندها كتب إلى بخارى متنصلا عن سمة الخلاف، ومتلطفا ~~للاستفادة «2» والاستعطاف، ومظهرا الطاعة في وفادة الحضرة، ومباشرة تراب ~~الخدمة، حتى صادف إرخاء من ضيق الخناق، وفكاكا من شدة الإرهاق، فأحسن ذلك ~~الأمير إجابته، وقابل بالقبول «3» إنابته، وسهل إلى ورود الحضرة سبيله، ~~وحقق بالإحسان والإفضال تأميله. # واستقرت أمور سجستان على خلف بن أحمد، فطالت عليها «4» أيامه، وطارت فيها ~~أوامره وأحكامه، وانبسطت بالعز يده وباعه، وتموجت بذخائر الأموال رباعه ~~وقلاعه. # وانقطعت عن بخارى مواد خدمته وطاعته، وإعفائه «5» بمال مواقفته، ومقابلة ~~حق الاصطناع بواجبه. وانضاف إلى ms021 ذلك استهانته بالأوامر الصادرة إليه في حثه ~~على رشده، ودعائه إلى ما يجمع صلاح يومه وغده، فجرد عند ذلك الحسين بن طاهر ~~[23 أ] لمناهضته في جمرات «6» خراسان ومشاهير رجالها، ومساعير أبطالها. ~~فحصره في قلعة أرك «7»، ودارك عليه الحرب زمانا طويلا، فلم يغن فتيلا «8»، ~~ولم يجد إلى الافتتاح سبيلا. # وجعل أبو الحسين العتبي يزيده عددا على عدد، وصفدا على صفد. PageV01P045 # وكان من جملة القواد بها «1» كيتاش، وبكتاش، وإخوة الحسن بن مالك وأضرابهم ~~من أنياب تلك الدولة ووجوه أنشائها، ورجوم سمائها. فطال هناك ثواؤهم، وقصر ~~عن المراد غناؤهم «2»، لمناعة الحصار «3»، وحصانة سوره، وشدة أغلاقه ~~وسدوده. وأعيا الخندق المحيط به على الفارس أن يعبره ركضا، وعلى الراجل أن ~~يقطعه خوضا، ولإرصاد خلف إياهم بفنون الحيل التي يقل استثباتها بالظن ~~والحسبان، إيهاما للبيات، واطلاعا على مأمون الجهات، وقذفا بجرب الأفاعي عن ~~أفواه المجانيق والعرادات «4»، حتى يضطروا بذلك إلى الارتحال، والتنقل في ~~المضارب والمحال. # وبقوا هناك قرابة سبع سنين على هذه الجملة، حتى فنيت الرجال، ونزفت «5» ~~الأموال، وذهبت الحرائب «6»، وعطبت المطايا والركائب. وكانت هذه من أوائل ~~الوهن على تلك الدولة «7». ومن هناك وهي «8» العقد، وانبثق السكر «9»، ~~وتزايد الفتق، [23 ب] واتسع الخرق. ولكل أمر أمد، ولكل أمة أجل، ولكل ولاية ~~نهاية، يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب «10». # وتذاكر أركان تلك الدولة «11» فيما بين هذه الحال، لزوم صاحب الجيش PageV01P046 ~~أبي الحسن «1» مكانه من نيسابور، كلا على صاحبه، لا يناهض خصما، [ولا يجبر ~~وصما] «2» ولا يفتح سدا، ولا يحسن «3» ردا، ولا يغمس في مصالح الدولة يدا. ~~وتناضلوا بينهم ما كان الأمير السديد يصطنعه «4» عليه «5» لالتزازه ~~بالمكان، وجموده «6» عن نصرة السلطان، وزينوا «7» آراءهم على صرفه، ~~والاستبدال به. # وكتب إليه في الصرف، وقلد أبو العباس تاش ما كان يليه من الأمر، فلما ورد ~~الرسول عليه، وأدى ما تحمله على رؤوس الأشهاد إليه، أبت عليه الحمية خطة ~~الهوان، ولقنته الأنفة كلمة العصيان، وطارت نعرة «8» الخلاف في رأسه، فادعى ~~الأمر لنفسه، اتكالا على فرط قوته وبأسه، واعتزازا بأولاده ms022 وأعضاده، ~~واستظهارا بجيوشه وأجناده. ثم بيت التدبير، وخمر الرأي والتفكير، فلم يرض ~~بأن تتناقل الألسنة ذكر استعصائه، على شيخوخته في الدولة «9»، وتناهي مدته ~~في الخدمة، وتصور ما يتبع الخلاف من ركوب المصاعب التي [24 أ] تسلب النفوس ~~جمامها «10»، والعيون منامها، والأموال المذخورة نظامها، إلى ما فيه من ~~التعرض لمكروه النوائب، والتحكك بمحذور العواقب. فرأى أن قبول الضيم على ~~السلامة من لواحق الآفات، أقرب إلى الصواب، وأبعد من المعاب. # ودعا الرسول فاستقاله عثرة ما قاله، وعرض صدق الطاعة، مشفوعا بفرط الخشوع ~~والضراعة. وقال: إنما أنا نبعة غرسها السلطان بيده، وسقاها بماء كرمه، فله ~~المشيئة في PageV01P047 ~~استبقائها للإثمار، أو اقتلاعها وإلقائها على النار. # وصرفه على جملة الطاعة، ولين المقادة، والبدار، إلى حيث يجلي إليه من ~~ديار المملكة. وتلطف لتسكين من كان يفتل في ذروته «1» من أهل بيته ~~وأوليائه، بتسويله وإغوائه، فعل من استشف ببصيرته أستار المعائب «2»، وأنفق ~~عمره في تجارات التجارب. # ونهض إلى قهستان «3» منتظرا ما يستأنف به «4» أمره، ويقرر عليه تدبيره، ~~إلى أن رمى به في نحر خلف بن أحمد لإعضال دائه، وتجمير العساكر طول أيامها ~~لفنائه «5»، فبادر إلى سجستان، وبينه وبين خلف مودة «6»، وأسباب [على ~~الأيام] «7» مؤكدة، فافتتح الرأي عليه بالنزول [24 ب] للحسين بن طاهر عن ~~متحصنه، والانتقال إلى غيره من معاقله، [ليصل بحبله، وينخرط هو ومن تحت ~~رايته، في سلك خيله ورجله] «8»، ليتسبب هو ومن كان من قبل محدقا به من ~~أولياء تلك الدولة إلى الانصراف عن جنابه بعلة الافتتاح، وظاهر النجاح، ~~فاذا خلا وجهه له، ثنى العنان إليه منتصفا منه، وممضيا حكمه فيه. فقبل ~~مشورته، وفارق أرك إلى حصار الطاق «9»، حتى دخلها أبو الحسن بن سيمجور، ~~وصلى الجمعة PageV01P048 ~~بها مقيما رسم الخطبة للأمير الرضا، وطالعه بذكر ما فتح الله على يده، ~~وسناه «1» من رتاج ذلك الأمر بجده وجهده، ورتب الحسين بها أميرا، وقرر ~~أعمالها عليه تقريرا، وانصرف هو وراءه. وسنورد ما جرى من أمره من بعد في ~~موضع مثله. ### | ذكر حسام الدولة أبي العباس تاش الحاجب وانتقال ms023 السالارية «2» إليه # ثم سير أبو العباس تاش من بخارى إلى نيسابور، على قيادة الجيوش وزعامة ~~العساكر، وتدبير القاصي والداني من أمور الممالك، ووصل جناحه بفائق الخاصة، ~~ونصر بن طز الشرابي «3»، وبني مالك على فخامة أخطارهم، وجلالة أقدارهم. ~~وسير تحت رايته أعيان الأولياء والحشم بعد أن أزيحت علته فيما سأل «4» ~~واقترح من الأموال والأسلحة والعتاد «5» والعدة، [25 أ] فوردها سنة إحدى ~~وسبعين وثلثمائة في آلة راعت الأبصار، وهيئة أعجبت النظار، وهيبة «6» شحنت ~~الجوانب والأقطار، [وحكت الرمل والنمل والأمطار. واستقر على سرير سالاريته] ~~«7»، ودبر الأمور بصرامته، ونظم المنثور بفرط حزامته، وتألف الجمهور برفق ~~سياسته وزعامته «8». # ووافق تلك الأيام انقطاع شمس المعالي قابوس بن وشمكير «9»، وفخر الدولة PageV01P049 ~~أبي الحسين علي بن بويه «1» إلى نيسابور عن حرب جرت «2» بين مؤيد الدولة ~~بويه «3»، وبينهما. وسببها «4» أن عضد الدولة أبا شجاع «5» كان قصد فخر ~~الدولة وهو أخوه لإجلائه عن ولايته التي كان أبوه ركن الدولة «6» أوصى بها ~~له، وعقد الوثيقة على كل منهما به على الجملة التي أشار إليها أبو إسحاق ~~الصابي في كتابه المعروف ب (التاجي). ودبر ودس إلى أهل عسكره من استمالهم ~~عنه، وأغراهم به، فلما ناهضه وهو إذ ذاك بهمذان «7»، وتدانت الخطى بينهما، ~~خف معظم جيوشه إلى عضد الدولة مستأمنين، وولوه أعقاب الغدر هاربين. فلما ~~آنس خذلانهم إياه، وكفرانهم نعماه، وبالأمس ما قد رأى ابن عمه PageV01P050 ~~بختيار «1» كيف قطع رحمه، وأريق دمه، خالفهم إلى طريق الديلم «2» هائما على ~~وجهه، [25 ب] وناجيا بحشاشة «3» نفسه، ومتقيا بركوب شعابها «4» المضطربة، ~~وآجامها الأشبة «5»، محاذرة من مس الطلب، وركض الأكراد والعرب. وتوغل تلك ~~البلاد طاويا مسافتها إلى جرجان «6»، حتى ألم بشمس المعالي قابوس بن وشمكير ~~لاجئا إليه، ومستأمنا إياه، فأمنه وآواه، ومهد له ذراه، وأعطاه فوق ما ~~تمناه، وأشركه فيما ملكت يداه، حتى جعل الملك- وهو العلق «7» الذي طالما ~~ضنت النفوس بابتذاله- وقاية له دون من هم باغتياله، وسعى في استفساد حاله. # وبيان ذلك أن عضد الدولة ومؤيدها أرسلا إليه رسولا «8» يستردانه على شرط ~~أموال تحمل إليه، وولايات عريضة ms024 تضاف إلى ما في يديه، وعلى مواثيق تستأنف ~~في التعاقد على الصفاء والتعاون في حالتي السراء والضراء. PageV01P051 # فرجع إليهما أن الرجاء رحم، والوفاء كرم، وأن للأمان عنده حرمة لا يرى ~~إخفارها «1» في دين المروة، وشرط الحفاظ والفتوة، وعساه لو هم به أو كاد أن ~~تأتي عليه بيض المواضي، وزرق الأسنة والعوالي، فأحفظهما «2» هذا الجواب ~~وحرضهما على مكاوحته، وانتزاع مملكته من يده. # وكتب أبو شجاع إلى أخيه مؤيد الدولة بمناهضته بعد أن أمده بما فوق الحاجة ~~من بهم «3» الرجال، ونفائس [26 أ] الأموال، فبرز من الري «4» متوجها نحو ~~جرجان، في جيوش الديلم والترك والعرب، وسار إلى استراباذ «5» متغلبا على كل ~~ما يرده من بلاد طبرستان «6»، إلى أن أناخ بها. # وكان شمس المعالي قابوس بادره إليها، وجمع عسكره بها، فلما تلاقيا تناوشا ~~الحرب من لدن طلوع الشمس إلى الزوال، حتى احمر بساط الأرض من دماء الأبطال، ~~ثم اتجهت على عسكر الجيل «7» كشفة أعياهم ضبطها لزوال الأقدام عن المقام، فتفرقت PageV01P052 ~~جموعهم في خمر «1» الغياض والآجام. وعطف شمس المعالي إلى بعض قلاعه ~~المشحونة بذخائر أمواله، واستظهر عنها «2» بالأهبة للغربة، وسار نحو ~~نيسابور. فلما وردها لحق به فخر الدولة من طريق أستوا «3» فالتقيا «4» ~~هنالك، واجتمع إليهما من فرقته الكشفة في الطرق المختلفة من طبقات الرجال. ~~وكتب إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور والي خراسان بحالهما في قصد ~~دولته، وتأميل الانتعاش بعونه ونصرته، وافتكاك ما غصبا عليه من الولايات ~~بعز دعوته. فورد عليهما من الجواب الضامن للإيجاب، ما شرح صدورهما «5»، وشد ~~بالنجح «6» القريب ظهورهما. وكتب إلى أبي العباس تاش بإجلال محلهما، وإكبار ~~قدرهما، وإكرام جوارهما، وتقديم الاحتشاد لردهما [26 ب] إلى ديارهما. ففعل ~~ما رسم، وتلقى بالامتثال ما حتم. وعطفت إليه أعنة الخيول من كل وجه، حتى ~~استظهر بنخب الرجال، وعزم على الارتحال، ونهض من نيسابور قاصدا قصد جرجان ~~إذ «7» كان مؤيد الدولة بويه «8» بها لينتزع ولاية الأمير شمس المعالي أولا ~~من يده، ثم يتفرغ من التدبير فيه إلى غيره. # وعن له أن يسرح فائقا ms025 على سمت قومس «9» والري ليقطع الإمداد والمواد عنه، PageV01P053 ~~ويلبس أخبار تلك الديار عليه، فيزيده شغل النفس «1» بتوجه الجيوش إليه من ~~وجهين، وإحداقهم به من جانبين، فنهض على السمت المذكور، ثم بدا له فيما دبر ~~ورأى أن التحزب للاستظهار على الوجه الواحد أصوب، ومن الحزم والاحتياط ~~أقرب، فاسترده من وجهه إلى آزاذوار «2» فاجتمعا على التضافر، واتفقت آراؤهم ~~«3» على التساير. # وسار حسام الدولة تاش في تلك العساكر إلى باب جرجان وفيهم شمس المعالي، ~~وفخر الدولة حتى أناخوا بظاهرها. وتحصن مؤيد الدولة بويه بها، واحتجز بخندق ~~قعره، ومخترق غوره، وفروج للبلد حصنها، ودروب بحفظة الرجال شحنها. # ومادهم «4» الحرب حتى غبر شهران كيوم واحد [27 أ] في مداومة الكفاح، ~~وملازمة السلاح. وضاق الطعام في ربض جرجان، حتى أعيا الديلم قوتهم الذي ~~يحفظ على الثبات قوتهم، فكانوا يرزأون من نخالة الشعير المعجونة بالطين، ~~وعهدي بهم يدرجون كتبهم إلى أهاليهم بالري أشباه الفراخ «5»، يظهرون «6» ~~فيها شكوى الحال والهزال، فكانت كأقراص المداد في السواد. # وزحف الفريقان بعضهم إلى بعض، وكان فخر الدولة على الميسرة مقابلا لعلي ~~بن كامه «7» صاحب جيش مؤيد الدولة، فأظهر الغناء «8» وأحسن البلاء، وحمل عليه PageV01P054 ~~حملة زحزحته عن مقامه كليما، وطرحته إلى استراباذ هزيما. ولو أعين بمدد في ~~الحال، لفسح له ضيق المجال، وجعلها آخرة القتال. لكن القوم نافسوه فخذلوه، ~~لا جرم أن كوكبة من كتائب الديلم، عطفت على من تشاغل بالنهب والإغارة من ~~أوباش الخراسانية «1»، فطبقوا عليهم حبالة «2» الأسر والحيف «3»، ثم عرضوا ~~عن آخرهم على السيف. # وورد بعد ذلك على أبي العباس تاش أبو سعيد الشبيبي «4» في رجال من أجلاد ~~«5» جنود خوارزم «6»، وقاد الضرام، وأبناء الشهامة والسهام «7». واقترح «8» ~~الحرب بهم، فلم يضعوا نبالهم إلا في منافس الأشداق، ومواضع الثغر والأحداق، ~~وأفشوا العور «9» والقتل في الديلم ثم تحاجزوا «10» يومهم ذلك. ولم يزل ~~يقوم «11» الحرب [27 ب] بينهم على ساقها «12» PageV01P055 ~~ظاهرة وغبا «1»، فينتصف البعض فيها من البعض. # وكان أبو الفضل الهروي المنجم أشار على مؤيد الدولة بمصابرتهم إلى أن ~~يبلغ المريخ درجة الهبوط، فيجعلها واحدة ms026 عليهم منجحا أو مخفقا، فأسر ذلك في ~~نفسه، واستعد لوقته. فلما كان يوم الأربعاء من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين ~~وثلثمائة ثار بنفسه وعسكره وعساكر أخيه على اختلاف أجناسهم. وكان أهل ~~خراسان يظنون «2» أن حربهم تلك عارض ينقشع، [و] عن قريب على الرسم في مثله ~~يندفع، فلما رأوها غماما ركاما «3»، وشاهدوها غراما ولزاما، أقبلوا عليها ~~مضطرين، فإذا الأمر إد «4»، والخطب جد، والحد حديد، والبأس شديد. # وبرز «5» الديلم من وراء الخنادق إلى العراء محرجين من جهد البلاء، وضنك ~~البؤس واللأواء «6»، فاستعرت وقدة الحرب، ودارت رحى الطعن والضرب، وتحدث ~~الناس بأن مؤيد الدولة قد خبب «7» فائقا وأضرابه بمال حمله إليهم سرا، ~~وأطمعهم في أمثاله حيلة ومكرا، وواطأهم على التساهل في الحرب لليوم ~~المرقوب، والأجل المضروب. # فلما حمل عسكر الديلم «8» من تعبئتهم «9»، ولوا أولئك أدبارهم نفورا. ~~وثبت [28 أ] حسام الدولة «10» تاش، وفخر الدولة في القلب يتضاربان بالسيوف ~~والقراتكينيات، ويردان PageV01P056 ~~الحملات المتداركة «1» بصدق النية «2» في «3» الثبات، إلى أن ألقت ذكاء «4» ~~يمينها في كافر، وقد انهزمت الجيوش وتفرقت تلك الجموع، فحذره فخر الدولة ~~فضل المقام لتكاثر الأقبال «5» من كل وجه عليه، وتوجه الأطماع من كل أوب ~~إليه. فانقلب إذ ذاك يريد المعسكر، فساخت «6» قوائم الفيل الذي كان حصن ~~القلب في بعض تلك المخاضات، وأعجله حر الأمر عن التوقف لإزعاجه «7» ~~وإخراجه، فتركه على حاله، ونجا برأسه وترك المعسكر شاغرا بما فيه من ~~الأموال المعددة، والأسلحة المنضدة، والغلمان الحصارية، والغلات المجموعة. ~~ومضى على حاله إلى أن عاود نيسابور، فدخلها ليلا، وكتب إلى بخارى بخبر ~~الوقعة «8»، وما حدث من الرجعة. فعاد الجواب بتقوية الآمال، وتمنية الرجال، ~~وتهيئة الأمداد والأموال. وطير الصاحب «9» كتبه في الأطراف بذكر الفتح على ~~ما تنطق «10» به رسائله. # وأنشدني البجلي «11» الشاعر لنفسه في مؤيد الدولة من قصيدة قوله: # ما هال غيرك في هيجاء ملحمة ... مذكورة آل سامان وسامانا PageV01P057 ~~فاكتب لمن ببخارى أمنة فلقد ... غادرته عند نوم الناس يقظانا [28 ب] # والبجلي هذا، مطبوع الشعر، مسبوك النقد، سديد «1» البديهة، شديد العارضة، ~~انقطع «2» إلى الأمير شمس ms027 المعالي بجرجان في آخر أيامه، ففرض له في جملة ~~حاشيته إلى أن قضى نحبه. فمن شعره فيه من قصيدة «3»: # لله شمسان تذكير لخيرهما ... وللمؤنثة النقصان ملتزم # أزرى بتلك سنا من غير معرفة ... فيها وزين هذا العلم «4» والكرم # يا أيها الملك الميمون طائره ... وخير من في الورى «5» يمشي به قدم # لو كنت من قبل ترعانا وتكنفنا «6» ... لما تهدى إلينا الشيب والهرم # ووصف أبو الحسن «7» الجوهري «8» رحمه الله الفيل المقبوض عليه في الحمأ ~~اللازب «9»، بقصيدة «10»، وهي: # قل للوزير وقد تبدى ... يستعرض الكرم المعدا PageV01P058 ~~أفنيت أسباب العلى ... حتى أبت أن تستجدا # لو مس راحتك السحا ... ب لأمطرت كرما ومجدا # لم ترض بالخيل التي ... شدت إلى العلياء شدا # وصرائم الرأي التي ... كانت على الأعداء جندا # حتى دعوت إلى الهدى «1» ... من لا يلام إذا تعدى # متقمصا «2» تيه العلو ... ج وفطنة أعيت معدا # متعسفا طرق العوالي ... حيث لا يستاف «3» قصدا «4» [29 أ] # فيلا «5» كرضوى حين يلبس ... من رقاق الغيم بردا # مثل الغمامة ملئت ... أكنافها برقا ورعدا # رأس كقلة شاهق ... كسيت من الخيلاء جلدا # فتراه من فرط الدلا ... ل مصعرا للناس خدا # يزهى بخرطوم كمثل ... الصولجان يرد ردا # متمدد «6» كالأفعوان ... تمده الرمضاء مدا # أو كم راقصة تشير ... به إلى الندمان وجدا # أو كالمصلب شد ... جنباه إلى جذعين شدا «7» # وكأنه بوق يحركه ... لينفخ فيه جدا # يسطو بساريتي لجين ... يحطمان الصخر هدا PageV01P059 ~~أذناه مروحتان أسندتا ... إلى الفودين عقدا # عيناه غائرتان ضيقتا ... لجمع الضوء عمدا «1» # فك كفوهة «2» الخليج ... يلوك طول الدهر حقدا # تلقاه من بعد فتحسبه ... غماما قد تبدى # متنا كبنيان الخورنق ... ما يلاقي الدهر كدا # ردفا كدكة عنبر ... متمايل الأوراك نهدا [29 ب] # ذنبا كمثل السوط يضر ... ب حوله ساقا وزندا # يحظو على أمثال أعمد ... ة الخباء إذا تصدى # أو مثل أميال «3» نضدن ... من الصخور الصم نضدا # متوردا «4» حوض المنية ... حيث لا يشتاق وردا # متملكا فكأنه ... متطلب ما لا يؤدى «5» # متلفعا بالكبريا ... ء كأنه ملك مفدى # أدنى إلى الشى ء البعيد ... يراد من وهم وأهدى # أذكى من الإنسان حتى ms028 ... لو رأى خللا لسدا # لو أنه ذو لهجة ... وفى كتاب الله سردا # عقته أرض الهند حتى ... حل من زهو هرندا «6» PageV01P060 ~~قل للوزير عبدت حتى ... قد أتاك الفيل عبدا # سبحان من جمع المحا ... سن عنده قربا وبعدا # لو مس أعطاف النجوم ... جرين في التربيع سعدا # أو سار في أفق السماء ... لأنبتت زهرا ووردا # يا أيها الملك الذي ... أجدى وعلم كيف يجدى «1» # ما بال عبدك لا يرى ... لتأخر التشريف حدا [30 أ] # برد الزمان وليته ... مما يلاقي مات بردا # قد صد عني تلكم الآ ... لاء حاشى أن تصدا # وهرند نهر جرجان الذي جرت تلك الحروب على سواحله، وهو يتلوى في أرض جرجان ~~تلوي الحيات، كثير الأوبات «2» والعطفات «3»، ومنابع عيونه جبال دينار ~~زارية «4»، تنصب «5» العين منها إلى العين حتى تملأ النهر وتدهده الصخر. # نعم، وواصل أبو الحسين العتبي كتبه إلى ولاة الأطراف بخراسان «6» في ~~استنهاضهم واستنفارهم لينحدر بهم إلى مرو «7»، ويجتمع معهم بها، ثم يقبل ~~بهم وبمن يستجيشه من رجالات خراسان على رفو ذلك الخرق، ورتق ذلك الفتق، ~~ومحو سمة PageV01P061 ~~العجز، واستعادة رونق الملك. وأقبل يستعد للأمر بجده وجهده، ويواصل الكتب ~~بجميل «1» وعده. # وخلع الرضا «2» عليه خلعة جمع له بها بين تدبير الأقلام والقواضب، وأضاف ~~له إلى بزة الكتاب زي أرباب الكتائب، فكانت خلعة خالعة لروحه، قاطعة لعمره، ~~خاتمة لأمره «3». وذلك لأن أبا الحسن بن سيمجور كان يشكو «4» إلى فائق ما ~~دهاه، من قصده إياه، حين عزله عما كان يليه، وكاده في نفسه وذويه. ولم ينفك ~~يرصده بالغوائل، ويطلبه بوجوه الأوتار «5» والطوائل «6»، إلى أن أشار فائق ~~عليه بطائفة من [30 ب] الغلمان السديدية «7» الذين كانوا رؤوس «8» أضرابهم ~~في السفه والشغب، والتحكم في المطالب بفرط القوة والغلب، ودس إليهم من ~~أغراهم به «9» بسفاتج «10» ينجزها إليهم، حتى تآمروا «11» بينهم على قتله، ~~وتجمعوا على الفتك به مغتنمين خلو بخارى عمن يحتمي له أو يحامي عليه. # وأحس أبو الحسين بما دبر من الأمر، وأشفق على نفسه مما استطار من شر ~~الشر، فشكا إلى الأمير الرضا صورة الحال، ms029 وما أرصد به من الاغتيال، فبعث ~~إليه بعدة من القواد لمرافقته إلى الدار، إجارة له مما كان يخشاه، وصيانة ~~لروحه عما تحاماه، فتسامع طائفة PageV01P062 ~~من المشتركين في التدبير عليه بخبره، فطاروا بأجنحة الركض على أثره، ووضعوا ~~فيه السيوف والدبابيس حتى أثخنوه ضربا وحطما، ورضا وقصما «1»، وأشفق من كان ~~في مسايرته على أنفسهم، فخذلوه وأهملوه، فكان مثله كما قيل: # كليه وجريه ضباع «2» وأبشري ... بلحم امرى ء لم يشهد اليوم ناصره # وترك في الشارع صريعا، يمج دما نجيعا، وعندهم أنه [31 أ] قتيل، وأن ليس ~~للحياة إليه سبيل، ونقل كما هو إلى باغ «3» قريب من مصرعه ليراعى ما يحدث ~~من الرأي في غده. # فلما غشيه موج الظلام، وهب عليه رخاء السحر أن أنة سمعها الباغبان «4» ~~فبادر إليه، فإذا به رمق قلق، ونفس مختنق، فسعى إلى دار السلطان مخبرا ~~بثبات حسه، واضطرابه على نفسه، حتى أمر به فنقل إلى القهندز «5». وألزم ~~الأطباء المثابرة عليه طمعا في انتعاشه، فاستصعب داؤه على الدواء، وقضى ~~الله على عمره بالانقضاء، فمضى لسبيله عظيم القدر والخطر، كريم الورد ~~والصدر، عديم المثل، في سعة الرحب، فقيد النظير في الفضل الغزير، لم يرو ~~«6» في كتب الأولين أن أحدا من الوزراء اتسعت همته لمشاطرته على مروءته، ~~ومنازعته فضل أفضاله وفتوته، سماحة كالغيث يقذف بالوبل، أو الريح تعصف ~~بالرمل، وسياسة خفتت لها جنادب الليل، وغصت بها مشاعب السيل. PageV01P063 # وأنشدني أبو جعفر البحاثي «1» لنفسه فيه مرثية: # لهفي عليك أبا الحسين [31 ب] ... عينا رمتك بكل عين # جرعتني غصص الجوى ... وأريتني يوم الحسين «2» # ولبعضهم فيه وقد زار قبره في جماعة من أصدقائه: # مر على قبرك إخوانكا ... وكلهم قد هاله شانكا # فلم يزيدوك على قولهم ... عز على العلياء فقدانكا # وقد كان حسام الدولة وشمس المعالي وفخر الدولة بنيسابور على انتظار ~~معونته، واستفاضة ما أسفر لهم من عدته، فحدثني أبو نصر العتبى خالي رحمة ~~الله عليه، وكان على البريد بنيسابور، قال: دعاني أبو العباس تاش آخر نهار ~~يوم، فلما وصلت إليه وجدت الثلاثة «3» يتناضلون بينهم الآراء ms030 في معاودة ~~الحرب، واستئناف معالجة الخطب، فخلطوني بأنفسهم فيما تداولوه، وسألوني أن ~~أنهي إلى ذلك الشيخ «4» صدق انتظارهم لمعونته، واستعدادهم للبدار إلى أمره. ~~وأقبل علي شمس المعالي من بينهم، فقال: # اكتب إلى ذلك الصدر بأن الحروب [32 أ] لم تزل بين الرجال سجالا، وأنها ~~«5» تستصعب مرة وتصحب أخرى، والحازم من يستفتح بالجد باب الظفر، فالنجح ~~يتلف بين العجز والضجر، واضرب له أبيات المتنبي «6» مثلا: # إذا ما كنت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم «7» PageV01P064 ~~يرى الجبناء أن العجز حزم ... وتلك طبيعة الوغد اللئيم # فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم # قال: فاستدللت يومئذ بقوله على فضله. # وورد عليهم بعقب ذلك نعي أبي الحسين، فأوسعهم «1» وجوما، ونثر عليهم من ~~التدبير ما كان منظوما. وورد على أبي العباس تاش كتاب السلطان في استعادته ~~إلى الباب لتدارك ما اختل، وتلافي ما انحل واعتل، فاغتنم البدار، وسار حتى ~~ورد بخارى، فرتب الأمور، ونظم المنثور، وتتبع الجناة على أبي الحسين العتبي ~~«2»، فطبقهم بالقتل والتدمير، وعمهم بالنفي والتسيير. # واستوزر أبو الحسن «3» المزني «4» فبعل «5» بالتدبير، ووجل «6» في ~~التقديم والتأخير، لتهافت الأعمال، واستبداد آخرين عليه بالإيراد والإصدار. [32 ب] # وقد كان أبو الحسن بن سيمجور انكفأ عن سجستان إلى خراسان من غير أمر صدر ~~إليه استشرافا لنجوم الفتن وانتقاض الأعمال بها، بتراجع العسكر عن باب ~~جرجان، وتشوفا «7» لنفاق سوقه فيما بينها. فكتب أبو الحسن «8» إليه مقبحا ~~عليه فعله، وناعيا إليه عقله، وسامه «9» أن يعدل إلى قهستان متدرعا «10»، ~~وعن ملابسة الأعمال متورعا، وأن يسلم PageV01P065 ~~أبناء الدولة «1» [الذين هم] «2» في جملته وتحت رايته، إلى ابنه أبي علي، ~~على أن يعاود سجستان فيكفي أمرها، ويلم شعثها، ويرأب صدعها. وجعل باذغيس ~~وكنج رستاق «3» برسمه، على أن يزاد في توليته وحبائه «4»، متى عرف في ~~الطاعة صدق نيته وغنائه. # ولما استقر أبو العباس تاش ببخارى، اغتنم أبو علي خلو خراسان عنه وعن ~~المناضلين دونه، فراسل فائقا يريده على مخالفته، والجهار بمنابذته، وترك ~~الرضا بزعامته، فوجده سمح القياد إلى المراد، طوع ms031 الزمام إلى العناد. ~~واجتمعا بنيسابور على توكيد العقود، وإمرار المواثيق والعهود. # وبدأ أبو علي بمصادرة عمال أبي العباس تاش [33 أ] بنيسابور، ومطالبتهم ~~بما كان تحت أيديهم من أمواله، وارتفاعات أعماله، ثم نهض إلى مرو سدا دون ~~الولايات، وحجابا دون الأموال والارتفاعات، حتى اضطر حسام الدولة «5» إلى ~~مناهضتهما، وكفاية ما أهم من أمرهما، [ومداواة ما استفحل من شرهما] «6»، ~~واستفتح الخزائن عن ذخائر الأموال، ونفائس الأسلحة والأثقال. وبرز من بخارى ~~إلى آمل الشط «7»، فخيم على طرف الرمل، وتردد السفراء فيما بين الفريقين ~~على حفظ نظام الألفة، واستبقاء جمال الدولة، PageV01P066 ~~وإخماد جمرات الفتنة. فوقع الاتفاق على أن تكون نيسابور «1» لتاش، وبلخ «2» ~~لفائق، وهراة «3» لأبي علي، وتفرق كل منهم على رئاس «4» عمله. # وللخوارزمي «5» في أبي علي عند حصوله «6» بهراة: # تهنأ بالأمير هراة إذ قد علا ... عن أن يهنأ عن هراها # وكيف تهنأ الدنيا جميعا ... بناحية من الدنيا احتواها # وانحدر أبو العباس تاش إلى مرو، وقد كان قبل فصوله «7» من بخارى توصل إلى ~~عزل المزني عن الوزارة بأبي محمد عبد الرحمن الفارسي «8» المتولي كان لأمور ~~كذخذائيته «9» لما تبينه من ميله إلى [33 ب] أبي علي وفائق، وادهانه في ~~أمرهما. فلما PageV01P067 ~~استقر هو بمرو، صرف عبد الرحمن بعبد الله بن عزير «1» وهو المعروف بتعنت آل ~~عتبة ومشاحنتهم، [و] نصب العداوة لهم ولصنائعهم، وحرق الأرم «2» كيادا ~~عليهم. فبدأ بصرف أبي العباس تاش عن قيادة الجيوش، ونقلها إلى أبي الحسن بن ~~سيمجور مضادة لأبي الحسين العتبي في تدبيره، وتداركا بزعمه لما وهى من أصل ~~تقديره «3» وتقريره، وأمر بالكتاب عن السلطان إليه في نقل العمل عنه، ~~وتعويضه كورتي: نسا وأبيورد «4» منه، والإيعاز إليه بالامتداد إليهما. ~~والاقتناع بهما، وحذف عنه خطاب الزعامة، واقتصر على ما كان موسوما به من ~~الحجابة. # فلما وصل الكتاب إليه، أحس بأمارة الشر، ودلالة الختل والختر «5»، وعلم ~~أن ذلك فاتحة الخطب عليه، والتشفي منه، والوضع من قدره، والثلم في جاهه ~~ومحله، فاستحضر PageV01P068 ~~وجوه القواد، وأعيان الحشم والأجناد، وعرض عليهم الكتاب، وعرفهم دأبه ~~وديدنه في طاعة ms032 سلطانه ومناصحته، و[34 أ] الإخلاص لدولته، والذب عن حوزته، ~~والشكر لما وسعه قديما وحديثا من نعمته، وإقباله مدة مصاحبتهم إياه عليهم ~~بحسن رعايته، ورفق زعامته، وإيالته نيابة عنهم في تنجز أوطارهم «1»، وتزيين ~~مساعيهم وآثارهم، ومواساة لهم بما اتسعت له يده من خاص ماله، وحاضر ملكه، ~~وأنه يومه ذلك في نفسه ومهجته مقصود، وعن باب مالكه وولي نعمته مردود. وأنه ~~«2» لا منع من جهته لأحد منهم عن رأيه واختياره في معاودة بخارى أو اللحاق ~~بأي جانب شاء، فليختر كل منهم ما أحب غير منازع في قصده، ولا مدافع عن ~~وجهه. فاستمهلوه ريثما يعلمون من ورائهم من أهل العسكر صورة الحال، ويعرفون ~~ما عندهم من الرأي في المقام أو «3» الارتحال. # وتجمعوا بعد ذلك دفعات متباعدين «4» في الاختيار مرة، ومتقاربين أخرى، ~~إلى أن اتفقت كلمتهم على موافقته، وترك مفارقته، والإذعان لرئاسته، ~~ومرافقته على ما يلقاهم الزمان به [34 ب] من سلم وحرب، وذلول وصعب، وسهل ~~وحزن «5»، وسرور وحزن، [وخوف وأمن] «6». وكاتبوا إلى بخارى سائلين رد ~~الزعامة عليه رعاية لحق خدمتهم، وتحكيما للكرم في تحقيق مسألتهم، واستبقاء ~~لوجوههم بماء طاعتهم، فأبى ابن عزير أن يقع لهم نجاح، أو يستمر بين أولياء ~~الدولة صلاح، وكتب إليهم يمنيهم الزور، ويريهم الغرور، سرابا بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا «7». وسامهم «8» PageV01P069 ~~معاودة الحضرة تطميعا لهم، وتنفيقا للنفاق عليهم، فلما عرفوا صورة الجواب، ~~ازدادوا بصيرة في طاعة أبي العباس تاش، ونفاذا في خدمته، وتصرفا بتصاريفه، ~~وبخوعا «1» له في وجوه تكاليفه. ### | ذكر انقلاب فخر الدولة إلى ولايته وما جرى بعد ذلك بينه وبين حسام الدولة أبي العباس تاش من المكاتبة والتعاون إلى آخر عمره «2» # اتفق بعد معاودة أبي العباس تاش إلى بخارى أن قضى مؤيد الدولة نحبه، ولقي ~~ربه. وقبل انقضاء الحرب التي كانت بينهما، ما «3» دهاه الخبر بموت عضد ~~الدولة أخيه، [35 أ] فتماسك عن إظهار المصاب أناة بالخطب الذي كان أمامه ~~حتى يكفيه بحفيظته المرة، ويقضيه بعزيمته المستمرة «4». وتشاور أولياء تلك ~~الدولة فيمن ينتصب ms033 منصبه، ويسد في الرئاسة مسده، فأشار الصاحب إسماعيل بن ~~عباد إلى فخر الدولة إذ لم يكن في ذلك البيت أحق منه بالإمارة، وأتم ~~استقلالا بأعباء الرئاسة والسياسة سنا وكفاية منه، فطيروا البريد إليه في ~~البدار إلى ما أورثه الله تعالى من عقيلة الملك، وذخيرة الملك، عفوا «5» لا ~~منة لأحد عليه، ولا حق لإنسان يختم لسانه بشكره «6». واستخلفوا أخاه أبا ~~العباس خسرو فيروز «7» بن ركن الدولة على ضم المنتشر، وتقويم المتأود «8» ~~إلى أن يلحق بهم، PageV01P070 ~~فيتولى تدبير ما يليه، ويتولى عنه تحرير ما ينشئه برأيه ويمليه. # وبادر فخر الدولة من نيسابور إلى جرجان تطاير البرق بين جناحي الأفق، ~~فاستقبله العسكر خاضعين طائعين، وعلى صدق الممالأة والموالاة مبايعين. ~~وتبوأ مقعده من سرير الملك وارثا ما أوصى له به أبوه «1»، وسائر ما كان ~~يدبره أخوه «2»، كذلك يؤتي الله الملك من يشاء وينزع الملك «3» ممن يشاء ~~«4» وهو الفعال لما يريد. ولقد أحسن أبو بكر الخوارزمي حيث [35 ب] يقول في ~~قصيدة يرثي فيها مؤيد الدولة ويعزي ويهنى ء فخر الدولة «5»: # رزئت أخا لو خير المجد في أخ ... من الناس طرا «6» ما عداه ولا استثنى # وقد جاءت الدنيا إليك كما ترى ... طفيلية قد جاوبت قبل أن تدعى # طبت «7» بك عشقا وهي معشوقة الورى ... فقد أصبحت قيسا وعهدي بها ليلى # ولما رأت خطابها فركتهم «8» ... ولم ترض إلا زوجها الأول الأولى # ولم تتساهل في الكفى ء ولم تقل ... رضيت إذا ما لم تكن إبل معزى # على أنها كانت جفتك تدللا «9» ... فخليتها حتى أتت تطلب الرجعى PageV01P071 ~~وأنشدت لأبي الفرج بن ميسرة أبياتا من قصيدة [يرثي بها عضد الدولة:] «1» # ولو قبل الفداء لكان يفدى ... وإن جل المصاب عن «2» التفادي # ولكن المنون لها عيون ... تكد لحاظها في الانتقاد # فقل للدهر أنت أصبت فالبس ... برغمك دوننا ثوبي حداد # إذا قدمت خاتمة الرزايا ... فقد عرضت سوقك للكساد # وكتب فخر الدولة إلى أبي العباس تاش بذكر ما أصاره الله إليه، وأعلقه ~~بيديه، وأن ذلك كله موقوف على أحكام مشاركته، و[36 أ] مصروف إلى ms034 أقسام ~~إرادته، وأنه لم يرتح لاستجابة أيامه النافرة، وأعتاب دولته العاتبة ~~المغايرة، ارتياحه لما تمكن به «3» من معاضدته على مصالح أحواله، ومرافدته ~~على مناجح آماله، شكرا لما كان مهده من مقامه قبله، وقدمه من جهده في إيثار ~~الخير به، وارتياد النجح له. فأجابه عنه مهنئا بما أتاحه الله له من كريم ~~صنعه، وزفه إليه من هدي ملكه، وشاكرا له ما أوجبه ورآه، وشاكيا إليه ما ~~رهقه ودهاه. فكتب إليه بأنه سهيمه «4» فيما يليه، وقسيمه على ما يحويه، وأن ~~أمره ممتثل في كل ما يرومه وينتحيه «5»، فليبن أمره على ما يلتفت «6» عليه ~~اقتراحه منتظرا لما تقتضيه «7»، شركة المفاوضة من التسمح بالملك والمال، ~~وتسريب الرجال في أعقاب الرجال. # وكان قد أنهض أبا سعيد الشبيبي وهو الملقب بشيخ الدولتين إلى ما قبل فخر ~~الدولة رسولا، فصرفه «8» في العاجل بقدر من المال، وزهاء ألف فارس من سرعان «9» PageV01P072 ~~العرب والأتراك، فورد نيسابور، وانضم إليه أبو محمد عبد الله بن [36 ب] عبد ~~الرزاق مواليا لأبي العباس تاش على أبي الحسن بن سيمجور، فاجتمعا على ~~التعاضد، واتفقا على التكاتف والترافد. # وانحدر تاش إلى نيسابور فسبقه إليها أبو الحسن، وانحاز المقيمون بها ~~انتظارا «1» لوصوله، في سواد خيوله. ولحق بهم فصارت الأيدي واحدة، والقلوب ~~على الإخلاص متعاقدة. وقصد باب نيسابور من جانبها الغربي، فخيم بظاهرها ~~«2»، وناوش أبا الحسن الحرب أياما عدة، وهو متحصن بالبلد ودروبه، ومحتجر ~~«3» بضيق مداخله وسدوده. # ولحق بأبي العباس تاش زهاء ألفي رجل من خلص الديلم ونخب الأتراك، يقودهم ~~أبو العباس فيروزان بن الحسن في كبار القواد ممن يعذمون «4» على الزبر، ~~ويدخلون ولو خرت «5» الإبر. فلما أحس أبو الحسن بن سيمجور بإناختهم، وعلم ~~قوتهم على حرب المضيق، وإعجازهم بأطراف الزانات «6» والمزاريق «7»، اتخذ ~~الليل جملا، وترك البلد هملا «8»، وسار يريد قهستان، ساترا عورة الانهزام ~~بلباس الظلام. # وسمع عسكر أبي العباس بإجفالهم «9»، فشدوا على آثارهم وأثقالهم، وأصابوا ~~[37 أ] منهم غنائم موفورة، وأنفالا غير محصورة. ودخل أبو العباس تاش ~~نيسابور، PageV01P073 ~~وجاوزها إلى المعسكر بظاهرها مما يلي الجانب ms035 الشرقي حميد الظفر، رضي «1» ~~السعي «2» والأثر. وأنشدني أبو منصور الثعالبي لنفسه في تلك الوقعة: # قل للذي أنا في هواه خاشي ... صاد الفؤاد بصدغه الجماش # صدغ يرى عند الرياح كأنه ... قلب ابن سيمجور أحس بتاش # وله فيه: # إن الشتاء مضى بقبح فاشي ... وأتى الربيع لنا بحسن رياش # ومضى ابن سيمجور بقبح فعاله ... وانتاش أبناء الكرام بتاش # ولزم تاش مناخه ذلك يواصل الكتب إلى بخارى في الاستمالة والاستقالة، ~~والضمان لآنف الطاعة، وعرض النفس والملك بلسان الضراعة، فلجت بابن عزير ~~صلابته في عداوة آل عتبة دون مغايظته ومعاداته ومعاندته، وطفق ينفق على ~~الأمير الرضا ووالدته التي كانت كافلة بالملك، أن تاش معتصم بالديلم، وقاصد ~~قصد الإجحاف بالدولة، وأنه متى [37 ب] أرخي من عنانه فيما يستدعيه، وجب ~~التعزي عنها والتكبير عليها، حتى ظنا أن الأمر كما زعم، فوكلا التدبير ~~إليه، وجعلا زمام «3» الخير والشر بيديه. وقد كنت أروي لصديق لي في تلك ~~الأيام بيتين لابن المعتز «4» سمعتهما في الشباب، وهما: # شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب # لم تبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب «5» # فقال: إن الأليق بحكم الوقت والحال بيتان في وزنهما وصياغتهما للحسين بن علي PageV01P074 ~~المروروذي «1» وهما: # شيئان «2» يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء وإمرة الصبيان # أما النساء فميلهن إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغير عنان «3» # قلت: فأنصف لعمري فيما وصف وحكم حكما يشهد به العيان، ويسجل بصحته ~~الامتحان، وأبى الله أن تكون «4» ظئر «5» في شفقة الأم، وخال بمنزلة العم، ~~وعسيف «6» بمثابة الصاحب، ووزير بمحل الملك الغالب، المستبد برأيه الصائب، ~~وفكره الثاقب. # وأهمل أبو العباس تاش ما أهمه من أمر أبي الحسن بن سيمجور، وقصده مداراة ~~[38 أ] لولاة التدبير ببخارى واستمالة لهم، واستيناء واستذراء «7» بهم، ~~وإمساكا للوحشة من الازدياد، وصيانة للقرح من الإمداد، وهم فيما بينهم «8» ~~يهتبلون فرصة الرخاء، ويغتنمون فسحة الإمهال والإمهاء «9»، ويقبلون على ~~مواصلة الاحتشاد والاستعداد، ومداومة الاستمداد والاستنجاد. # وكتب أبو الحسن بن سيمجور إلى أبي الفوارس بن عضد الدولة بفارس «10»، ~~فأمده بألفي فارس ms036 من نخب الأعراب، وانضم إليه فائق في خواص غلمانه وسائر من PageV01P075 ~~استجاشهم من أطراف خراسان، وكروا بأجمعهم على أبي العباس تاش في خيول غص ~~بها عرض الجبوب «1»، وضاق عن ضمها أضلاع الشمال والجنوب، [وفيالق تحاكي ~~رمال الفيافي، وتضاهي نجوم السماء أهبة وعددا، وتشابه قطرات البحار الزواخر ~~مددا. ترجف الجبال الشوامخ تحت أقدامهم، وتكسع الأساود السود عند جراءتهم ~~على الموت الذريع وإقدامهم] «2». فلما قاربوا نيسابور، خالفوا معسكره إلى ~~البلد لا متلاكه عليه، ومساورته الحرب عن ظهر منعة واقتدار، وحال نجدة ~~واستظهار، فعارضهم أبو العباس تاش في مسيرهم بعبد الله بن عبد الرزاق وأبي ~~سعيد الشبيبي وخواص غلمانه، وناوشهم الحرب من حيث متع «3» النهار إلى أن ~~صارت كعين الأحول. وظلت حملاته تحطمهم حطما، وتوسع أركانهم هدا وهدما. ~~وكانت المجاعة ما بين سرخس «4» إلى [38 ب] مقامهم ذاك قد بلغت مبلغا أحرج ~~صدورهم، وأقنع بالإجفال جمهورهم، إيثارا لفسحة المضطرب، والخلاص من ضيق ~~المعترك. # وحمل أبو العباس تاش آخر النهار حملة قدرها خاتمة القتال، وآخرة النزال، ~~فتلقاها أبو الحسن وأبو علي ابنه بشكائم قوية، وعزائم في الثبات صرية. ~~وردوا مطلقات الأعنة، بمشرعات الأسنة، ووردوا مشرعات الزحوف بمرهفات ~~السيوف. فلما انقلب «5» إلى مقامه وقد تفرق في تلك الحملة عنه سواد حماته، ~~وحفظة راياته، شدوا الحملة عليه دفعة واحدة، فاضطروه إلى الانهزام، وإسلام ~~المقام. # وتداركت الحملات على عسكر الديلم من جانب فائق حتى تزعزعت صفوفهم، PageV01P076 ~~واضطربت جموعهم، فتداعوا الأمان من قرع السيوف «1» خلا من أنجته «2» صهوات ~~الخيول، فجمعوا في بيت الأسار، على حال الذل والصغار، ثم حملوا إلى بخارى ~~على الأجمال في الجواليق «3» آية ونكالا، وتشفيا ممن ساقهم إلى خراسان ~~أرسالا. فاستقبلهم المخانيث بالدفوف والمغازل، بدلا عن السيوف والعوامل ~~«4»، وأمر بهم إلى محابس [39 أ] القهندز إلى أن اقتسمتهم الأيام بين ممات ونجاة. ### | ذكر انتقال أبي العباس تاش إلى جرجان ومقام أبي الحسن بن سيمجور بنيسابور على قيادة الجيوش # وانحدر أبو العباس تاش إلى جرجان «5»، ففصل عنها فخر الدولة متوجها نحو ~~الري، وأخلاها له ولأهل عسكره، ms037 وترك دار الإمارة محفوفة بالفرش الفاخرة، ~~والخزائن العامرة، والأهب «6» الوافرة، حتى المطابخ بما فيها من الآلات ~~الصفرية، والأواني الذهبية والفضية. وتقدم «7» بأن تسلم إليه خزانة كان قد ~~أعدها للحمل إليه قبل الكشفة مشتملة على خمسين ألف دينار، وألفي ألف درهم، ~~وخمسمائة تخت «8» من ألوان الثياب، إلى غيرها من عتاق الأفراس، وجياد ~~المراكب والدواب، وأعداد الأسلحة والوقايات، من تجافيف «9» PageV01P077 ~~ومغافر «1» ودروع وجواشن «2» وترسة «3» وزانات، أكثرها مغشي الظهور والنصب ~~«4» بحلي الفضة والذهب. وسوغ له دخل جرجان ودهستان «5»، وآبسكون «6» [39 ب] ~~واستراباذ إلا قدرا كان مصروفا إلى عمارة القلاع، وأرزاق مستحفظيها من ~~الخواص، فأمر أبو العباس تاش بتفرقة تلك المبار والأموال فيمن صحبه من ~~القواد، وطبقات الأجناد، حتى جبر كسرهم، وقوى أسرهم «7»، وواصل لهم ~~الإقامات والأطماع حتى ارتاشت أحوالهم، وخصبت رحالهم، فصاروا بجرجان أحسن ~~منهم بخراسان حالا، وأرغد عيشة وأنعم بالا. # وجعل فخر الدولة يتابع الحمول إليه من طبرستان زيادة في تأثيل «8» حاله، ~~واستبقاء لنظم جنوده ورجاله، فعل من لا ينفس على أخيه، بنفائس ما يحويه، ~~ولا يضن «9» على صديقه، بجليل ملكه ودقيقه. وقد كان الصاحب «10» يستسرف ~~«11» ما يوجبه له من PageV01P078 ~~الإحسان والمواساة، ومواصلة الصلات والكرامات، ومن قبل ما نصح «1» له في ~~استعراض خراسان برجاله، مخالفة لسلفه فيما اختاروه من مسالمتها، واغتنام ~~السلامة منها، فقال له ذات يوم: إن حقوق أبي العباس علي حقوق لو نزلت معها ~~عن جميع ما أفاء الله علي من ثمرات هذا [40 أ] الملك حتى أحل له عروة هذا ~~القميص، لوجدتني في أدنى درجات المكافأة، وأيسر مراتب المبرات «2». وأشار ~~إلى واحدة تكفيه أمارة على ما أوجبه له أيام مقامه قبله اشفاقا على مهجته، ~~وحرصا على محبته، وذبا عنه في حال غربته، وهي إن أخويه عضد الدولة ومؤيدها ~~أرسلا إليه يستردانه «3» على أموال عظيمة تحمل إلى خراسان في كل سنة ~~للسلطان أولا، وله ثانيا، مشفوعة بمجلوبات العراق، من وشي الثياب، وفره ~~العتاق. وأغليا في الاستيام والتطميع، حتى لم يبق للرد مجال، ولا للسان ~~العذر مقال. وأتاني خبر الرسالة فاستظلمت ms038 ضوء النهار، واستخشنت جانب ~~القرار، وقمت من الحياة على شفا جرف هار، إذ لم يكن في الهرب مطمع، ولا في ~~قوس الرجاء منزع. # وبت بليلة أنقد «4»، أرى الشر كأن قد «5»، إلى أن أصبحت وقواي متخاذلة، ~~وأركاني متهافتة، خوف الإذن بالداء العياء، والداهية الدهياء، فأتاني حاجبه ~~بعد فراغه من الإذن، داعيا وآدبا «6». فلم أدر أداع هو أم ناع؟ وآدب هو أم ~~نادب؟ وطالع ضيافة أم طارق آفة؟ وخمنت في القري كناية عن المحذور، وتورية ~~دون القدر المقدور. فركبت إليه، PageV01P079 ~~وسير عناني أحصف [40 ب] مرة «1» من بناني عليه «2»، إلى أن حصلت في مجلسه، ~~فصادفت من حسن القيام وقوة الالتزام، وفرط الإكرام والإعظام، وفضل البر ~~والإيناس، ونصرة الرجاء على اليأس، ما لم أكن عهدته فيما مضى من مجالسه ~~ومآنسه. ومازال يرقيني ببشره «3»، ويسحرني بلطفه وبره، إلى أن «4» ثابت ~~نفسي إلي، وانحلت عقدة الخوف علي، وتطاير الهم عني شعاعا، وذهب سوء الظن ~~جفاء. ثم ناولني الرقاع الواردة عليه، فنشرتها عن أنياب الأراقم، وأقداح ~~العلاقم «5»، وحمات «6» العقارب، على الرسم المعتاد من كيد الأقارب. ثم ~~أقبل علي، فقال: كنت على أن أكتم «7» الأمير صورة ما ورد، صيانة لقلبه عن ~~نوازع الظنون والأوهام، لكني فكرت في حكم الحال «8» التي تجمعني وإياه، ~~فرأيت اطلاعه طلع ما كتب، والإفضاء إليه بحقيقة ما طلب، أملك لكونه، وأوقع ~~لطائره، وأنفى لخلاج الشك عن خاطره. وأقسم بجميع ما يغلظ به أيمان البيعة، ~~أنه لا يعدل خراج العراق بأسره، على نفاسة قدره، بشعرة من بدنه «9»، ولا ~~بزئبر «10» من بزته، وأن [41 أ] جميع ما أملكه من صامت وناطق، وقاعد وقائم، ~~حتى فص هذا الخاتم، وزر هذا القرطق «11»، وقاية لمهجته، ووقف على مصلحته، ~~ومعد لدرء الحوادث عن ساحته، PageV01P080 ~~ومبتذل في الانتقام له، ممن نافسه في ملكه، ونازعه حق إرثه، حتى يأذن الله ~~تعالى «1» في رده إلي بيته قرير العين، منشرح الصدر، صاعد النجم، ماضي ~~الحكم على الخصم. # أيستحق من يسمح بمثل هذه الأكرومة «2» طوعا وطبعا لا عن رغبة في رغيبة، ~~ولا ميل إلى ms039 نيل، ولا تطلع إلى وجه مطمع، أن يتغافل عن معونته وإرفاده، ~~ويتجاهل دون ما ينجذب إليه زمام مراده؟! لا ورب الكعبة، وحق ركن الدولة. لا ~~يعرف «3» الناس نسيان هذا الحق العظيم «4»، وقد استسهلت طريق المكافآت، ~~وأصبت عون الله على حسن المجازاة، على أن الفضل له بسبقي «5» إلى البر وإن ~~جهدت في المقابلة، وشددت إلى الغاية في المساجلة. # فتعجب الحاضرون من هذا الكلام، والكرم الذي عز سماع مثله في سالف الأيام. # واحتشد الصاحب من بعد لمصالح «6» أبي العباس تاش مناصحة لصاحبه، وكفالة ~~عنه [41 ب] بما يقضي الحق عليه، ويقيد شرف الوفاء له. وبقي أبو العباس تاش ~~بجرجان ثلاث «7» سنين نابي الجنب عن القرار، جافي الجفن دون الغرار، شوقا ~~إلى خدمة سلطانه، وحرصا على عرفان حق اصطناعه وإحسانه، وإشفاقا من تأويل ~~حساده في انتباذه عن خراسان إنكاره حق الولاء، ونزعه عن رقبته طوق الطاعة ~~والوفاء. وجل همه معاودة بخارى لا ستئناف الخدمة، والسلامة من المذمة. # وأرسل أبا سعيد الشبيبي إلى فخر الدولة في الاستعانة على معاودة خراسان، ~~فجهز له أسفار بن كردويه، وعدة من أعيان القواد في زهاء ألفي رجل من خلص ~~الديلم، وكتب إلى نصر بن الحسن بن فيروزان وهو بقومس بصلة جناحهم، والزعامة ~~عليهم في PageV01P081 ~~إيرادهم وإصدارهم، والصدر في ذلك كله عن رأي حسام الدولة ومثاله، والتصرف ~~بتصاريفه في حالتي حله وترحاله، وتارتي سلمه وقتاله. وحمل في صحبته من ~~المال لإقامات عسكره ضعف ما كان خلفه عليه عند فصوله من جرجان. فسار أبو ~~سعيد إلى قومس، فانتدب نصر لقراه وقري القواد في صحبته، [42 أ] كما قرى ~~تميم ضيفها وجارها ابن الحضرمي «1» حذو النعل بالنعل «2». وذلك أنه أمر به ~~في صحن داره فأخذته «3» السيوف يمنة ويسرة، حتى برد «4». وعمد إلى آخرين ~~فحبسهم في سرب «5» وأوقد الفحم عليهم وسد منافذ السرب دونهم، حتى اختنقوا ~~بين حر المحبس وعدم المتنفس. وافتات «6» بتلك الأموال المحمولة والدواب ~~المقودة راضيا بسمة الغدر، وقاضيا على نفسه بالخزي مدى الدهر. وانفل ~~الباقون نحو الري لا يلوي ms040 واحد منهم على آخر إلى أن وردوها، فقرروا الصورة، ~~وقرأوا الصحيفة المنشورة، فورد من ذلك على فخر الدولة ما أطار واقعه، وهاج ~~وادعه. وعلى حسام الدولة أبي العباس تاش ما أقلقه فأكمده، وأضعف عن كل شى ء ~~قلبه ويده. # وكتب إليه فخر الدولة بذكر ما رآه من تجهيز الجيوش إليه، ويستحدره «7» ~~إلى استراباذ، ليصير المقصود «8» محصورا بين العسكرين، ومضغوطا من كلا ~~الجانبين، إلى أن PageV01P082 ~~يأذن الله فيه بالبوار، أو الانتباذ إلى غيرها من الديار. فانحدر أبو ~~العباس تاش إلى استراباذ، وخيم بهزارجان «1»، فأخذ نصرا ما قدم وحدث، [42 ~~ب] وما مر وخبث. # ورأى الحين «2» قد فغر فاه، والسيوف تطلب وجهه وقفاه، فلاذ بالاستسلام، ~~وفزع إلى الضراعة والاسترحام. وطفق يكتب في الاعتذار إلى الجانبين بأنه ~~كالعارك «3» حياء مما ارتكبه، وخجلا من عوار «4» ما اكتسبه. وتحمل بشفاعة ~~حسام الدولة في الاستصفاح عنه، واستقالة ما تخبط فيه بسوء الاختيار، حتى ~~كتب في بابه بما نفس من خناقه. وتكرم فخر الدولة بقبول إنابته، رعاية لحق ~~شيبته وقرابته. وعاد أبو العباس تاش إلى جرجان على أن يستأنف تدبير خراسان. # وكان فخر الدولة قد استوحش من ابن أخيه بهاء الدولة «5» لأحوال أخل فيها ~~بحقه، وترخص معها في المفروض من إجلال قدره ومحله، فناهضه في معظم جيوشه، ~~مزاحما له في أعمال خوزستان «6» ومعه «7» بدر بن حسنويه «8» في جنود ~~الأكراد، أولي البسالة والجلاد. وسار حتى غلب على كورها مدلا «9» بالقوة ~~السابغة، والنجدة الوافرة. PageV01P083 # وأنهض «1» أبا العباس فيروزان بن الحسن نحو البصرة لا ستصفائها «2» ~~واستضافتها إلى أخواتها. فلما عبر [43 أ] نهر موسى «3»، استجاش المقيمون ~~بها من عسكر بهاء الدولة أهل البصرة عليهم، فعمد منهم خلق عظيم إلى المسالك ~~بينه وبينهم، فبثقوا سكور الأهواز «4» عليها حتى عميت الطرق، وأعوز المجال ~~والمخترق. وبقي هو «5» ومن معه في مخاضات ووحول سدت عليهم وجوه الاختيار، ~~وطمست دونهم معالم الإقبال والإدبار. # ووافقهم إقبال خيول «6» من الموصل على عوادل «7» الطرق، لمظاهرة «8» ~~المقيمين بالبصرة «9»، فلما أخذتهم أبصار أصحاب أبي العباس فيروزان، ورأوا ~~فيهم شوكة ووفورا، ms041 ولوا على أدبارهم نفورا. # وكان بدر «10» قريبا منهم، فلما رأى الكشفة جاء ممانعا، وثبت بنفسه ~~مدافعا. فأعياه سد ما اختل، وعقد ما انحل، ورد من أخل «11»؛ فاستمرت ~~الهزيمة بهم إلى فخر الدولة وهو بسوق الأهواز، وشكوا إليه ضيق الحال، ~~وتجمعوا على رسمهم للمطالبة بالمال، فغاظه ما ظهر في الأول من عجزهم ~~وخورهم، وما انتشر في الثاني من سوء فعلهم PageV01P084 ~~وأثرهم، فانكفأ بهم راجعا إلى همذان على ظاهر هدنة، وقع التغاضي عليه ومنها ~~إلى الري، وذلك في شهور سنة سبع وسبعين وثلثمائة. # وحدث وباء بأرض [43 ب] جرجان خارج عن الحد في هذه السنة، فهلك من أصحاب ~~أبي العباس تاش و«1» وجوه قواده، وأعيان رجاله، والمذكورين من عماله ~~وكتابه، وسائر حاشيته وغلمانه خلق عظيم. وعرضت له بأخرة «2» علة صعبة ~~ختمتهم به، فمضى لسبيله رحمه الله. # وقد كان أصحابه أوغروا قلوب أهل جرجان برسوم ذميمة أبدعوها، ومعاملات ~~قبيحة اخترعوها، وأجعال «3» عنيفة أوقعوها. فلما فشا خبر وفاته، صاروا يدا ~~واحدة على أصحابه، فكبسوهم في الدور والحجر، وطلبوهم تحت كل حجر ومدر، ~~وجعلوا القتل جفلى «4»، فانتظم الكبير والصغير، والشريف والمشروف في سلك ~~القتل والتنكيل، والإبادة والتمثيل. وشغل وجوه أهل عسكره دهاء المصيبة عن ~~الفراغ لقمعهم ووقمهم «5»، وإخماد جمرتهم، واستكفاف معرتهم. واقتضتهم صورة ~~الحال البروز إلى ضاحي «6» البلد، لضبط الأمر، وضم النشر، وإتقان التدبير، ~~في اختيار من يصلح للتأمير؛ فبرزوا إليه. واتفقت كلمتهم على أبي أحمد ابن ~~أخت له، فقدموه وطالبوه بمال البيعة، فأطلق لهم ما وجد في خزانة الماضي، ~~[44 أ] مضافا إلى ما أمكن تمحله «7» واحتياله عشرينية واحدة، حتى هدأت ~~فورتهم، وسكنت سورتهم. # وتوالى النفير من البلد بمد أهله أيديهم إلى عورات النساء الخراسانية ~~بغيا وكيادا، PageV01P085 ~~فحركتهم الحمية للانتقام من أولئك الرعاع والأغتام «1»، وركبوا على سمت ~~بكراباذ «2» لمجاهدتهم. وثار أولئك الأشقياء «3» إليهم متهافتين في الدمار، ~~تهافت الفراش في النار، فلم ينشبوا أن حمل أهل العسكر عليهم حملة واحدة ~~كشفتهم عن رؤوس بلا غلاصم «4»، وأيد بلا معاصم، ونفوس بلا عواصم. وفرشوا ~~أرض ذلك الفضاء، ms042 بجثث القتلى متشحطين في الدماء. وضربت الدور والحوانيت ~~بالنفاطات «5»، وبسطت عليهم الأيدي بالغارات. فجرى عليهم ما لم يجر بعد ~~يزيد بن المهلب «6» مثله نكاية رادعة، وعقوبة وازعة قامعة «7». # وعندها أرسل مشايخ جرجان وصلحاؤها يطلبون الأمان، ويناشدون الله ~~والإيمان. # فكفوا عن القتال، وانكفئوا إلى الرحال؛ فسكن نابض تلك الفتنة، ووقع طائر ~~الهيج واللوثة. واختلف العسكر في الاختيار، فمال القواد وكبار [44 ب] ~~الغلمان الخاصة إلى خراسان، واستحب الدارية «8» الانقطاع إلى فخر الدولة ~~والاختصاص بخدمته. فكتب الصاحب إليهم أجمعين بالتوقف ريثما يلحق بهم ~~الأستاذ أبو علي فيطلق لهم أموالهم، ويحقق في الولايات وزيادة الإقامات ~~آمالهم. فحفزهم حب خراسان عن التوقف، PageV01P086 ~~وأعجلهم طول العهد بالأوطان دون التثبت. فساروا على سمت الروغد «1» معاودين ~~إلى نيسابور للاتصال بأبي علي بن سيمجور وهو إذ ذاك صاحب الجيش مكان أبيه، ~~وأقام الباقون من الدارية إلى أن وردها الأستاذ «2» أبو علي، فاستعرضهم ~~وأثبت أساميهم، وأطلق أموالهم، وسيرهم إلى الري، فأمر فخر الدولة بنقلهم ~~إلى الدار، وتوجيههم على الرسم في أمثالهم بمزيد الإكرام والإيثار، رعاية ~~منه لحق أبي العباس من جانب، واستظهارا بهم من آخر. # وكانت جرجان تموج بالغاغة، وذوي العيث والخرابة ممن قتلوا أهل خراسان، ~~ومثلوا بهم. فوضع الأستاذ أبو علي الأرصاد لهم، وبث العيون عليهم، فقتل ممن ~~حمل [45 أ] منهم يوما واحدا جريدة واحدة زيادة على ثلاثة آلاف رجل صلبا ~~وصبرا، وغيلة ومكرا؛ فتمت بذلك سياسته، واستفاضت هيبته، واستقامت أموره. ~~وصفت جرجان في أيامه ممن ينعق في فساد، أو يحلم بغير استقامة وسداد. ### | ذكر أبي الحسن بن سيمجور في قيادة الجيوش إلى أن قضى نحبه، وانتقال الأمر إلى ابنه أبي علي، واستقامة ولايته وقراره بنيسابور، وانحدار أبي العباس تاش إلى جرجان مخليا أمور خراسان # وانصرف عسكر أبي الفوارس بن عضد الدولة إلى كرمان، وعاد فائق إلى بلخ، ~~واستقر أبو علي بهراة. وكان ابن عزير يستحث أبا الحسن «3» على قصد جرجان، ~~ويؤنبه على التقاعد عنها، وهو يستمر على المعلوم من عادته في استشعار ~~الحلم، واستحباب السلامة والسلم، ms043 إشفاقا من عثرة قدم تفضي «4» إلى ندم، ~~كالتي عرضت لأبي العباس تاش بجرجان من الكشفة التي جلبت على الدولة من ~~الوصمة ما سار في البلاد خبره إلى أن PageV01P087 ~~أقيم أبو علي محمد بن عيسى الدامغاني «1» للوزارة، وذلك في جمادى الآخرة ~~[45 ب] من سنة سبع وسبعين وثلثمائة. ونفي ابن عزير إلى خوارزم، فجهد أبو ~~علي في تسديد الأعمال، وحفظها على الاعتدال، فأعياه ما أراد لانسداد ~~الولايات، وتراجع الارتفاعات، واستشراء الحشم، وضراوة الأتراك، وتسحبهم «2» ~~على الوزراء، واحتكامهم في المطالب خلعا للجام المراقبة، وأمنا من مر ~~السياسة وصدق المؤاخذة. فصرف بأبي نصر بن أبي زيد «3»، وهو الشهم الذي يصيب ~~المحز في أقواله، ويطبق المفصل في أفعاله، ويبذ الكفاة بغنائه ومضائه، ~~وصواب تدبيره وآرائه. # ثم بدا لهم في أمر أبي علي، فرد ثانيا إلى مكانه، من صدر ديوانه. واتفقت ~~لأبي الحسن بن سيمجور بين هذه الأحوال نهضة إلى خرمك «4»، بعض منتزهاته ~~بواحدة من حظاياه، فخانته نفسه خلال الرفث إليها، وخر إلى الأرض عن صدرها ~~ميتا. وأخفي خبر وفاته، إلى أن رد إلى داره، واستعد لإظهاره. # وورث أبو علي رئاسة بيته وإخوته وجيشه، فسد الثلمة «5» الحادثة بأبيه ~~برفق سياسته، وحسن رعايته، وحفي إيالته وولايته. وحسنت طاعة أبي القاسم ~~أخيه، وسائر إخوته له، وعم رضاهم [46 أ] به. # وبلغ أبا علي أن هراة سميت لفائق، فقصدها أبو علي وكتب إليه يعاتبه على ~~ما استجازه من الخطبة على خطبته. ثم اتفقا على أن تكون هراة لفائق، ~~ونيسابور مع قيادة الجيوش لأبي علي. ورتب كل واحد منهما أصحابه بناحية ~~عمله، وحملت الخلع من PageV01P088 ~~بخارى على الرسم لولاية «1» الجيوش، وأبو علي يظن أنه هو المقصود بها، ~~والمحبو بالكرامة فيها، حتى إذا بلغ الرسول منتصف الطريق، عدل إلى فائق بما ~~صحبه، فعلم أنه مكر مكروه، وغدر أسروه، وأنه هو المقصود بالسوء والمراد ~~بالمحذور. فلما علم أن فائقا شخص عن هراة، نهض أبو علي من نيسابور كالسهم ~~المرسل والشهاب المرصد، حتى انقض عليه فيما بين هراة وبوشنج «2» فعل من ~~اتخذ ms044 الجد خدنا «3» وصاحبا، ونكب عن ذكر العواقب جانبا. وعلم أنه متى ~~استمرت به تلك الحيلة، ونفذت فيه تلك المكيدة، وعرف جبنه وخوره، لم ترتفع ~~«4» له ولا لأهل بيته راية، ولم تعرف لانتقاض الأمور عليهم، وانسياب ~~المحذور إليهم من كل وجه [46 ب] غاية. # فصدق قتاله آخذا بفرط الجد والتشمير، ودق عسكره دق المضبب أستاه «5» ~~المسامير، فولوا به منهزمين إلى مرو الروذ، [وأردفهم أبو علي بعدة من قواده ~~للتشريد به «6» في مهربه، فوافقوه بقنطرة مرو الروذ] «7»، مستعدا للمدافعة، ~~ومحتشدا للمنازعة «8». فقارعهم حتى أسر عدة منهم، وحملهم إلى بخارى. # وسار أبو علي إلى مرو خاطبا عمل أبيه، ومدلا بسابق حرماته ومساعيه «9»، ~~ومتكثرا بإخوته وذويه، فحقق الرضا سؤله، وجرد إليه فيما استدعاه رسوله. ~~وقرر قيادة الجيوش PageV01P089 ~~عليه، وناط مصالحهم بيديه، وجمع له بين ولاية نيسابور وهراة وقهستان، ولقبه ~~بعماد الدولة. فانكفأ إلى نيسابور وقد نال ما أراد، فهذب الأعمال، ورتب ~~الأحوال والرجال. # وأخذ أمره يزداد نورا وبهاء، ويتضاعف قوة واستعلاء، إلى أن تلقب بأمير ~~الأمراء المؤيد من السماء. وامتدحه أبو بكر الخوارزمي بقصيدة أولها: # إن الألى خلف الخدور ... هم في الضمائر والصدور [47 أ] # وقع الغبار عليهم ... فغدا يتيه على العبير # لما مشين على الثرى ... تاه المعار على المعير # وأعرتهم نظري فما ... رد المعار على المعير «1» # فغدوت في حال الأسي ... ر ورحت في حال الحسير # وكذاك من عشق النجو ... م ورام صيدا للبدور # يا سائلي ما في البرا ... قع والهوادج والستور # فيها الرضاع من المن ... ية والفطام من السرور # وسألت من زوج المنا ... بر حين يخطب والسرير # فهو الأمير ابن الأمير ... ابن الأمير ابن الأمير # المشتري المدح القلي ... ل بماله الجم الغفير # من سيفه كسر الجبير ... وسيبه جبر الكسير # والناظم المعنى الطوي ... ل بلفظه النزر القصير # يرمي أعاديه بسه ... م من سعادته طرير # حتى لو افترشوا الحري ... ر لشاكهم مس الحرير # ويؤنث البهم الذكور ... بتلكم البيض الذكور PageV01P090 ~~وسهامه نوب الخطو ... ب وقوسه عقب الدهور [47 ب] # ورماحه حشو العدى ... وعداته حشو القبور # استغفر ms045 الرحمن بل ... حشو الخوامع والنسور # ويصوم صارمه فيف ... طر بالجماجم والنحور # وإذا أتاه سائلا ... رب الشويهة والبعير # أبصرته بفنائه ... رب الخورنق والسدير # أمحمد بن محمد ... هذي الثماد من البحور # لو كانت الدنيا تدو ... ر على الحقائق في الأمور # ما صيغ تاج محمد ... إلا من القمر المنير # وأتاه البديع أبو الفضل الهمذاني وهو بمرو فمدحه بالقصيدة التي أولها «1»: # علي أن لا أريح العيس والقتبا ... وألبس البيد والظلماء واليلبا # وأترك الخود معسولا مقبلها ... وأهجر الكأس تغذو شربها طربا # حسبي الفلا مجلسا والبوم مطربة ... والسير يسكرني من مسه تعبا «2» # وطفلة كقضيب البان منعطفا ... إذا مشت وهلال الشهر منتقبا # تظل تنثر من أجفانها حببا «3» ... دوني وتنظم من أسنانها حببا [48 أ] # قالت وقد علقت ذيلي تودعني ... والوجد يخنقها بالدمع منسكبا # لا در در المعالي لا يزال لها ... برق يشوقك لا هونا ولا كثبا PageV01P091 ~~يا مشرعا للمنى «1» عذبا موارده ... بيناه مبتسم الأرجاء إذ نضبا # أطلعت «2» لي قمرا سعدا منازله ... حتى إذا قلت يجلو ظلمتي غربا # كنت الشبيبة أبهى ما دجت درجت ... وكنت كالورد أذكى ما أتى ذهبا # أستودع الله عينا تنتحي دفعا ... حتى تؤوب وقلبا يرتمي لهبا # وظاعنا أخذت منه النوى وطرا ... من قبل يقضي الهوى من حكمه أربا «3» # غضي عليك «4» قناع الصبر إن لنا ... إليك أوبة مشتاق ومنقلبا # أبي المقام بدار الذل لي «5» كرم ... وهمة تصل التوخيد والخببا «6» # وعزمة لا تزال الدهر ضاربة «7» ... دون الأمير وفوق المشتري طنبا «8» # يا سيد الأمراء افخر فما ملك ... إلا تمناك مولى واشتهاك أبا # إذا دعتك المعالي عرف هامتها ... لم ترض كسرى ولا من قبله ذنبا # أين الذين أعدوا المال من ملك ... يرى الذخيرة ما أعطى وما وهبا # ما الليث «9» محتطما والسيل مرتطما ... والبحر ملتطما والليل مقتربا PageV01P092 ~~أمضى شبا «1» منك أدهى منك صاعقة ... أجدى يمينا وأدنى منك مطلبا [48 ب] # وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا # والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا # يا من يراه ملوك ms046 الأرض فوقهم ... كما يرون على أبراجها الشهبا # لا تكذبن فخير القول أصدقه ... ولا تهابن في أمثالها العربا # فما السموأل «2» عهدا والخليل «3» قرى ... ولا ابن سعدى «4» ندى والشنفرى ~~«5» غلبا # من الأمير بمعشار إذا اقتسموا ... مآثر المجد فيما أسلفوا نهبا # ولا ابن حجر «6» ولا ذبيان «7» يعشرني ... والمازني «8» ولا القيسي «9» منتدبا # هذا لركبته هذا لرهبته ... هذا لرغبته هذا إذا طربا «10» PageV01P093 ~~نعم، واستولى «1» على بلاد خراسان وارتفاعاتها «2»، فجبيت له عن آخرها. ~~وكتب الرضا إليه يستنزله عن بعضها لأطماع حشمه، وعوارض نوبه، فاعتل عليه ~~باستغراق أعطيات جيوشه ارتفاعات خراسان، وحاجته إلى زيادة يتحملها لتتمة ~~أطماعهم في السنة، وهو في ذلك يخلط طاعة بجفاء، ويسر حسوا في ارتغاء «3». # ونصب «4» أبا علي النسفي لصحابة الديوان، وبسط يده في المصادرة ~~والاستخراج حتى كنس خراسان فلم يبق [49 أ] بها ذو در إلا أدمى خلفه «5»، ~~وألصق بظهره بطنه. ثم طالبه بأداء ما رفع عليه، وأمر بدق يديه على رجليه، ~~إلى أن أعفي ببعض المال، ومات بأخرة على شر حال. # وصار يكاتب الملك الملقب بشهاب الدولة وظهير الدعوة هارون بن أيلك ~~بغراخان «6»، وهو ببلاد الترك سرا على أن يتشاطر خراسان وما وراء النهر متى ~~ملك على الرضا بخارى، فكان مثله كما قيل: # بمحمد سلوا سيوف محمد ... رضخوا بها هامات آل محمد # وهو في ذلك كله يقيم رسم الخطبة وشعار الدعوة استعمالا بزعمه للتقية أو ~~تحمدا إلى الرعية. # وقد كان طائفة من دهاقين ما وراء النهر قد أملتهم أيام تلك الدولة «7»، ~~فقرمت «8» PageV01P094 ~~نفوسهم إلى الاستجداد «1»، والإحماض «2» به عن خلة الألفة والاعتياد، ~~فواصلوا بغراخان بكتبهم في تورد ذلك الحريم شاحذين «3» عزمه في المضاء ~~والتصميم، فصار يتطرف تلك الحدود شيئا فشيئا كالبازي يحل نصاح أجفانه على ~~التدريج تأنيسا له من الوحشة، وتسكينا من الروعة، وتضرية على القنص، إلى أن ~~ورد إسبيجاب «4»، فأنهض من بخارى [49 ب] إينج «5» الحاجب في طلبه، ورده على ~~عقبه، فالتقيا على حرب أشابت الذوائب، وأنارت الكواكب، ثم انجلت عن أسر ~~إينج الحاجب في الكبار من القواد والكثير من الأفراد. ms047 واستحكم لذلك طمعه في ~~تورد سائر البلاد، [والإغارة على الطريق والتلاد] «6». ### | ذكر فائق وما انتهى إليه أمره بعد الواقعة المذكورة # وأقام فائق بناحية مرو الروذ على رم الرث، وجبر الكسر، وأسو ما فشا في ~~عسكره من كلوم الحرب. فلما التحم أمره، وانضم نشره، سار يريد بخارى من غير ~~استئمار «7» واستطلاع رأي، فارتاب الرضا به. فلما قاربها، برز إلى فضاء ~~السهلة ببابه، ورماه بإينج وبكتوزون الحاجبين، وسائر مواليه وموالي أبيه ~~[وذلك في يوم الأحد لإحدى «8» عشرة PageV01P095 ~~ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثمانين وثلثمائة] «1». فلما رهقه الكفاح، ~~وعضه السلاح، أجفل إجفال الظليم «2». واقتسمت الهزيمة أصحابه بين القتل ~~والتنكيل، والأسر والتذليل، ووافى الشط منهزمه فوجد السفن مغيبة، فركب ~~الخطر، واحتال حتى عبر، وسار إلى بلخ على أن ينتاش منها [50 أ] ويرتاش «3»، ~~وأقام بها أياما ثم عبر إلى ترمذ «4»، وواصل بغراخان بكتبه يبعثه على ~~الانحدار «5»، ويحثه على البدار «6». # وخوطب من بخارى والي الجوزجان «7» أبو الحارث محمد «8» الفريغوني بقصده ~~وحصده، فجمع بوشا «9» عظيما، وساق من أرض الجوزجان بريما «10»، [طارئا ~~ومقيما] «11». # فانتدب لهم أحد غلمانه وكان يعرف بأرسلان آخر سالار في زهاء خمسمائة من ~~الترك والعرب، فانقضوا عليهم انقضاص الصقور على بغاث الطيور، فمزقوهم بددا، ~~وجعلوهم طرائق قددا، وفرشوا الفضاء بجثث القتلى، وغنموا مالا لا يعد ولا ~~يحصى، وعادوا إلى بلخ ظاهرين «12». PageV01P096 # وقد كان طاهر بن الفضل ملك الصغانيان «1» على أبي المظفر محمد بن أحمد، وهو ~~واحد خراسان جلالة قدر، ونباهة ذكر، ومتانة رأي وحجر، ورصانة نظم ونثر، ~~فانقطع أبو المظفر إلى جانب فائق صارخا فزعا، فأحسن إصراخه، وأمده بمن يرده ~~وراءه، فاغتنم طاهر بن الفضل خفة أصحاب فائق ببلخ، فلفت لفتة إليها طامعا ~~«2» في الاستيلاء عليها. فزحف المقيمون بها لمدافعته، ونهدوا «3» لمناجزته، ~~وتناوشوا القتال، وصدقوا المصاع «4» والصيال. وثقف بعض العرب مكان طاهر بن ~~الفضل فقصد قصده [50 ب] بطعنة في منكبه، أذرته «5» عن مركبه، وبادره «6» ~~فاحتز رأسه عن مركبه «7». وثار الصياح بقتله؛ فولى أصحابه على الإدبار ~~هاربين بين سمع الأرض وبصرها، وهائمين ms048 أثناء حجرها ومدرها. # ولما جرى في أمر إينج الحاجب ما جرى، ونقل إلى بلاد الترك في جملة «8» ~~الأسرى، انتفضت مرائر الأعمال بما وراء النهر، ووهت قواها، وتداعت قواعدها ~~وبناها. # فأشفق الأمير الرضا وأركان دولته من أن يتفاقم الأمر، ويتراكم الشر، ~~ويعضل حادث الداء، وينضب باقي الماء. فخوطب فائق في الاستمالة، وقوبلت ~~عثرته بالإقالة، واستنهض إلى بخارى للاستظهار به على سد الخلل، وتعديل ~~الميل. وسرب عنها بعد حسن القبول PageV01P097 ~~والإقبال، وإزاحة العلة بالأموال إلى سمرقند «1»، فلم يرعه إلا خبر بغراخان ~~وهو الملقب بشهاب الدولة وظهير الدعوة، وقد استعار إليه قوادم الطير ركضا، ~~لم ينل فيه جماما ولا غمضا، فولى فائق من سمرقند من «2» بين يديه هزيما ~~«3»، ولم يلو على تعرف الحال مقيما، وجعل من كان معه من أصحاب السلطان عرضة ~~للسيوف، وفريسة لأنياب الحتوف. # وتوافقت الشهادات على أن انهزامه كان عن مواطأة منه لبغراخان، على آل ~~سامان، فعل من لا وفاء [51 أ] يزعه، ولا حياء يردعه، ولا نعمة تحفه، ولا ~~حرمة تكفه. # وسار كما هو حتى أقعى «4» بعقوة «5» بخارى، فراع السلطان بالداهية ~~الدهياء، والخطة النكراء، والقضاء المبرم من السماء، حتى اضطر إلى مفارقة ~~الدار، واللياذ بذمة الاستتار. ### | ذكر ورود بغراخان بخارى، وهجرة الرضا عنها، وانصرافه ثانيا إليها بعد فصول بغراخان عنها # ودخل بغراخان بخارى، فاستقبله فائق مختصا به، ومنخرطا في سلكه، ومكثرا ~~لسواده، وملقيا إليه لين قياده، كأنهما كانا على ميعاد، وتلاقيا على سابق ~~صحبة واتحاد. # ولما استقرت الدارية «6» قرارها، استأذنه فائق في النهوض إلى بلخ لا ~~ستضافتها إلى ولايته، وإثارة أموالها لخزانته، فأذن له فيه وسار إلى ترمذ، ~~وبعث بعثا إلى بلخ، فاحتاط عليها، ونصب بها من يجبي الأموال ويدبر الأعمال. # واهتبل الرضا فرصة البروز من مستتره في بزة النكرة حتى عبر النهر إلى آمل PageV01P098 ~~الشط «1»، وقد كان هاجر إليها أمامه عدة من خواصه وحجابه وغلمان داره ~~عائرين «2» حائرين «3»، فاعتدوا بمقدمه عيدا، وظنوا أنهم أنشئوا «4» خلقا ~~جديدا. وتلاحق بهم [من ند من] «5» أبناء الهجرة من بخارى، فتموا عدة ~~وعديدا. ms049 # واعتمد الأمير الرضا أبا علي [51 ب] البلعمي «6» للوزارة، وضبط أطراف ذلك ~~القدر من الإمارة، فعجز عن التدبير لضيق الحال والمجال، وانسداد وجوه ~~الأموال، وتزايد عدد المهاجرين من الرجال. وقد كان نفي عبد الله بن عزير ~~إلى خوارزم بعد صرفه عن الوزارة، فأمر الرضا بالكتاب إليه في استحضاره ~~لاستئناف الاعتماد عليه فيما كان يليه، واستكفائه المهم منه وفيه، فبادر ~~إليه مغتنما خدمته في تلك الحال، متوصلا إلى ترضيه بوجوه الاحتيال. # وقد كان الرضا من لدن نجوم الشر واستطارة شرره بأعالي ما وراء النهر من ~~جهة الترك يكاتب أبا علي محمد بن محمد بن سيمجور، وهو الملقب بعماد الدولة، ~~والمعتمد لحياطة «7» الحوزة، وحراسة البيضة، في الاستنفار والاستمداد، ~~ويتلطف له في التجشم للجهاد، وتطهير تلك البلاد من ذوي البغي والعناد، بعد ~~أن سامحه بأموال خراسان، وأغضى له عن ارتفاعاتها ترضيا له، واحتمالا منه، ~~واستبقاء للصنيعة عنده، وطمعا في الانتفاع بشأنه، والاستظهار بمكانه، فيعده ~~الاستعداد للنهوض، والاحتشاد للبروز، حتى استغرقت مواعيده شهورا عدة، ثم ~~نهض من نيسابور إلى سرخس ومنها إلى PageV01P099 ~~مرو في مثلها من المدة و«1» يتربص في [52 أ] أثناء ذلك زحفة القوم وتغلبهم، ~~فيشاطرهم الملك على حاجز النهر، فيكون له ما دونه، ولهم ما وراءه «2». # وكان [قد] اتصل به «3» وبخدمته طائفة يزينون له هذا الرأي، ويحلونه في ~~عينه، ويجلونه في معرض التصويب عليه تقربا إليه، ويوحون إليه أنها دولة قد ~~تمت أيامها، وحان أن ينوح عليها أصداؤها وهامها، لا ستمرار العثرات عن ~~الأطراف بها، وانثيال «4» الفتوق من كل الوجوه عليها، وأن المعني بنصرتها ~~مخذول بخذلانها، ومحكوم عليه بالإدبار لإدبار زمانها، ووهي قواعدها ~~وأركانها. # فلما استقر ذلك السلطان «5» بآمل الشط، كتب إليه بأن الخفاء قد برح «6»، ~~والبلاء قد برح «7»، وأنه آن له أن يستأثر بعز الأحدوثة في مظاهرته ~~وموالاته «8»، والاقتداء بسلفه الذين هم صنائع دولته، ودولة آبائه في طاعته ~~ونصرة دعوته، وكف الأذى عن وجهه، ورده إلى دار قراره، ومعشش أوليائه ~~وأنصاره، فقد قطع طمعه إلا منه، واستشعر اليأس إلا من ms050 لدنه. # وقبل هجوم بغراخان على بخارى واصله «9» بكتبه في الاستصراخ والاستغاثة، ~~ومجاوزة التلطف إلى التضرع في الاستنفار والاستجاشة، فمن تلك الكتب فصل ~~حفظته من إنشاء أبي علي الدامغاني [52 ب] وهو: # «إنما تحتاج الدولة إلى عمادها إذا قصدها من يزعزع راسيات أوتادها، فالله ~~الله «10» في هذه الدولة، فقد جاءتك مستغيثة إياك، لائذة بك». PageV01P100 # فكان تأثيره فيه «1» تأثير الرخاء «2» في الصخرة الصماء، لا خدش ولا حك، ~~ولا شق ولا شك، وفرش خلال ذلك فراش «3» الدالة «4»، والاقتراح يستزيد الرضا ~~بإكرامه «5» في المخاطبة على ما كان يخاطب به أبوه وغيره من أصحاب الجيوش ~~به. ثم لم يرض بذلك حتى اقترح الجمع له بين التلقيب والتكنية على العنوان، ~~منسوب الولاء إلى أمير المؤمنين وإنما ولاؤه لآل سامان. وقابل الرضا جميع ~~ذلك بالإيجاب، ووفاه بما اشتهاه من شريف الخطاب. # وقد كان يقترح ذات يوم على لسان خادم للرضا ورد عليه رسولا يعرف ~~بأرسطاطاليس أيام مقامه بآمل الشط، زيادة على المبذول له تجرى مجرى الشطط ~~والمحال. فقال «6» أيها الأمير: إن ذلك السلطان اليوم، بحيث لو اقترحت عليه ~~مخاطبتك بالتأمير لفعل، ولكن وراء اليوم غد، فاختر لنفسك ما هو أجمل بك، ~~وأزكى في الأحدوثة عنك «7». فكادت «8» عند ذلك العيون أن تصوب «9»، والقلوب ~~أن تذوب. واستمرت القسوة به فلم يزد على وعد [53 أ] مطال «10»، وتسويف ~~ومطال «11»، لا جرم أن الله تعالى كفى الرضا شغل مادهاه، ونصره وآواه، ~~وأعاده إلى خطته ومثواه، وختم بالخير عقباه، وأسلم الغادر لما اكتسبت يداه، ~~وما الله بظلام للعبيد. PageV01P101 ### | ذكر انصراف الرضا إلى بخارى بعد جلاء بغراخان عنها # واتفق أن مست بغراخان علة استوبل «1» لها المقام ببخارى، فانزعج عنها ~~عائدا وراءه، معاودا هواءه. وعمد أهل بخارى إلى نفاضات «2» عسكره فطحروهم ~~«3» طحرا، ودحروهم دون حواليها دحرا. وبادر الأتراك الغزية على أثره شلا ~~«4» وطردا، وعركا وطحنا، ولم ينفك يمضي على الإحجام والانهزام، على ما به ~~من ألم السقام، حتى ذاق كأس الحمام. وحين أحس الرضا بإجفاله على حاله، ~~ابتدر العبور إلى بخارى فيمن تتام «5» إليه ms051 من حاشيته ورجاله، فتباشر الناس ~~بما أتاح الله من عوده إلى دار ملكه، وقرارة «6» عزه تباشر الصيام بهلال ~~الفطر، وذوي المحول والإعدام باستهلال القطر، وصفت له بخارى وسمرقند وما ~~صاقبهما من ولايته وسائر مملكته. # ولما رأى أبو علي ما استقام له من الأمر، [وانضم إليه من النشر] «7»، ~~وسقط من ناجم الشر، وخمد من نائرة «8» الفتنة التي قدرها صماء لا تسمع، ~~ودهياء لا تنقطع، [53 ب] وانضاف إلى ذلك أن بغراخان لما ألقى عصا القرار ~~ببخارى، كاتبه على الرسم الذي كان ولاة خراسان يكاتبون أصحاب جيوشهم بها ~~غير واف له بالشريطة التي كانا تعاقدا عليها، وتراضيا بها من النزول على ~~رتبة التماثل، واقتسام جانبي الملك على حكم PageV01P102 ~~التناصف والتعادل، سقط في يده، وفت في عضده، وذهب عليه أمره، وأظلم عليه ~~رأيه، لإسفار «1» الاختبار عن خلاف تقديره، وانكشاف العواقب عن ضد ما أجاله ~~من قداح تدبيره، فاستشار نصحاءه فيما دهاه، واستقدح آراءهم فيما عراه، ~~فأشاروا عليه بمعاودة التقرب، واستئناف التلطف، واحتيال ما يزيل عارض ~~الوحشة، ويمحو سمة المعصية، ويسد خلل التقصير في الطاعة. فأعد من صنوف ~~الأموال والهدايا مارام ترضيه به «2» قلبه عليه. # وسنح لفائق بعد إحساسه بعود الرضا إلى قرارة ملكه أن ينهد إلى بابه ~~متغلبا عليه، ومتحكما على رسمه فيه. وقد كان دهن الرضا من جهته ما «3» دهاه ~~من جانب أبي علي تصامما عن «4» ندائه، وتقاعدا عن فنائه، وتعامسا «5» عن ~~«6» فرض طاعته وولائه، فضرب الرضا وجهه بوجوه حجابه، ورجال [54 أ] بابه، ~~وناوشهم الحرب بغلمانه، وكافة أعوانه، حتى استلحمت العدد الجم من الفريقين، ~~وفرشت الفضاء بالقتلى من الجانبين، ثم انفل عنهم هزيما، وحث مركب النجاء ~~«7» حرصا على النجاة إلى الشط طريدا «8» هشيما. فعبر إلى بعض الأطراف، ~~وتلاحق به من أخطأتهم ظبات «9» السيوف، وحلق الإسار «10» من PageV01P103 ~~أصحابه، فانحدر بهم إلى أبي «1» علي منفتلا «2» في حبله، ومنخرطا في سلكه، ~~ولائذا بذمته، ومستذريا «3» بظل طاعته. فوافق أبو علي منه منيته التي كان ~~يخطبها على الدهر باقتراحه، ويعدها على الحادثات أحد سلاحه، واستقبله بأهل ms052 ~~عسكره على أتم إجلال وإعظام، وأعم إكبار وإكرام، وأحسن ترتيب وترحيب، وبشر ~~ريق «4»، وبر خصيب. وتنسم بمكانه روح الغنى عن الرضا، فصرف إليه ما كان ~~أعده له من الهدايا مفصحا بالجفاء والخلاف، ومصرحا بالتمرد والانحراف. ~~وتحالفا على الصفاء والوفاء، والتظاهر على الأعداء، ونهضا إلى نيسابور ~~للاستعداد وتخمير الرأي في حسم الفساد. # ولما يئس الرضا من صلاحهما له، دبر في الاستعداء «5» عليهما، والانتصاف ~~منهما، بمن يشتد بأسه، ويجد في اللقاء مراسه، فوقف به التدبير على الأمير ~~أبي منصور سبكتكين لما توسمه فيه من أمارة الخير [54 ب] باعتكافه على غزو ~~الهند احتسابا لثواب الله، وادخارا لكريم القربة إلى الله، فأرسل إليه أبا ~~نصر الفارسي النائب عنه ببابه، وكتب على يده يذكر ما أعياه من الداء بمكان ~~مولييه أبي علي وفائق، وخطبهما على دولته، وقصدهما إياه في نفسه ومملكته، ~~واستئثارهما عليه بارتفاعات «6» حوزته، غير راجعين إلى حشمة، ولا راعيين ~~لحق نعمة، ولا متمسكين من الحياء بعصمة. وإن الذي دهمه من أمورهما «7» قد ~~سد عليه وجه الخلاص، وطريق الانتصاف إلا من جهته، وما يرجوه من معونته. ~~وألطف القول في استدعائه وتطميعه في جمال ما يتكلفه من نصرة أوليائه، بفرط PageV01P104 ~~قوته وغنائه «1»، فصادف وصول الكتاب والرسول نفسا منه مرتاحة لإجابته، ~~منشرحة لطاعته، تواقة إلى مقام الجمال بارتهان رضاه وموافقته. # وبادر بالعبور إلى ما وراء النهر للقاء الرضا ومشاهدته، واستماع المقصود ~~من رأيه وإشارته. ونهض الرضا إلى ناحية كش «2» فخيم «3» بها على موعده، ~~ووصل إليه الأمير سبكتكين فالتقيا هناك على أحسن ما سمع به في مثله من ~~تسوية المواكب، وتعبئة الخيول والكتائب. # وقد كان الأمير سبكتكين يستعفي «4» لشيبته عن متنزل الخدمة، وملتزم الأرض ~~[55 أ] على رسم الطاعة، فأعفي عنه اكتفاء بصدق العناية والرعاية منه حتى ~~إذا اختلطت الخيول وامتدت الصفوف وأصابت عيناه صحيفة «5» وجه الرضا، أزعجته ~~روعة الملك، وأبهة العز للنزول، والتبرع بما كان يستعفي منه قبل الوصول، ~~فتلقاه الرضا بأتم الإكرام والإعظام، ورعاية الحق والذمام، وجرى مشهد لم ~~يسمع بمثله في الفخامة، وتباشر ms053 الخاصة والعامة. وأمر الرضا بإقامة ما وجب ~~إقامته من صنوف الأنزال «6»، واتباع ذلك بما يصلح اتباعه من طبقات الرجال، ~~وسأله بعد ذلك أن يفرغ له نفسه، ويصرف إلى قصد أبي علي وفائق «7» وكفاية ~~شرهما غروه «8»، فضمن له حسن الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة. PageV01P105 # واستأذنه في الانكفاء إلى وطنه ريثما يجمع متفرق الأهبة، وينظم «1» منتثر ~~العدة، ثم يواجه الخطب بجد جديد، [وحد حديد] «2»، وبأس شديد، ورجال يموجون ~~في بحار من حديد. فأذن له وصرفه، وأمر له من الخلع الفاخرة، والأحبية «3» ~~الباهرة، بما ضاهى «4» جلالة قدره، وأكد «5» الثقة بصادق وعده. # ورجع كل منهما إلى مكانه، وأقبل على استصلاح شأنه، ومحادثة [55 ب] سيفه ~~وسنانه. وورد على أبي علي من ذلك ما أبهم [عليه وجه التدبير، وسد] «6» عليه ~~باب التقديم والتأخير. وجعل الرأي شورى بين أصحابه، فيما كشر له الأمر عن ~~نابه. فكانت زبدة مخضهم مكاتبة فخر الدولة، ومعاقدته وموادته ومعاهدته، ~~وتأثيل حال في جانبه، ترجي ليوم العثار، ونائبات الليل والنهار. فأرسل إليه ~~أبا جعفر بن ذي القرنين بما أعرض من تحف خراسان، وأفرد الصاحب «7» بمثل ~~ذلك، طمعا في حصول الغرض المقصود، من الإنجاد «8» على يده، وبحسن سفارته ~~ووساطته. # وحدثني أبو جعفر أنه دخل على الصاحب فعرض عليه ما كان صحبه، ثم قال له ~~مخاطبا عن صاحبه: مثلنا في حمل هذا التافه الطفيف «9» إلى الصاحب الجليل ~~مثل من يستبضع التمر إلى هجر. فقال الصاحب: قد ينقل التمر من مدينة الرسول ~~إلى هجر لا للحاجة إليه، ولكن للتبرك به. PageV01P106 # وسعى «1» الصاحب في تمهيد الحال، وتوكيد أسباب الوصال، حتى تمت الألفة، ~~واشتبكت العصمة، ودرت المكاتبة، واستحكمت الصداقة. # وقد كان مأمون بن محمد «2» صاحب الجرجانية «3»، وأبو عبد الله خوارزمشاه ~~«4»، قد أحسنا التقرب إلى الرضا أيام انحيازه إلى آمل بما ساعدهما الوقت ~~عليه من مال ورجال. فعرف ذلك لهما، وأحب أن يجزيهما عما خدماه به، [56 أ] ~~وقدماه من قدم الطاعة له، فجعل نسا «5» برسم مأمون بن محمد، وأبيورد برسم ~~خوارزمشاه، وعقد لكل «6» منهما على عمله [عقدا. فأنهض ms054 كل واحد منهما من ~~يقوم بضبط عمله] «7»، وتدبير ما أصفي له. فأفرج أبو علي لمأمون «8» بن محمد ~~عن نسا بحكم حال في المودة بينهما قديمة، وأسباب في الاتحاد أكيدة «9». ~~ودفع أبا عبد الله خوارزمشاه عن أبيورد اعتلالا بأنها ولاية أخيه أبي ~~إبراهيم، وأنه لا يسعه النزول عنها إلا بعوض له منها. وأمر بطرد أصحابه ~~عنها، وشلهم دونها. فأسر ذلك خوارزمشاه في نفسه، إلى أن تمكن من الفرصة في ~~أمره، فاستشفى منه على ما سنشرحه عند الانتهاء إلى ذكره. # وطلعت خلال ذلك رايات الأمير سبكتكين من غزنة على ما كان سبق من PageV01P107 ~~وعده، وقد جمع واحتشد، واستمد واستنجد، وقام في الاحتياط والاستظهار، وقعد ~~وساق أمامه الفيول التي ملكها على ملوك الهند في غزواته ومقاماته. وعبر ~~الرضا إلى الجوزجان، والتقى مع الأمير أبي الحارث الفريغوني واليها، وأقام ~~إلى أن وصل إليه الأمير سبكتكين، ولحق به الشار «1» ومن جرى مجراه من زعماء ~~البلاد، في طبقات الأجناد، فاجتمع «2» أجناد شرقت بهم الممالك والمذاهب، ~~وأجدبت عليهم المراتع والمشارب. فنهض أبو علي [56 ب] وفائق من نيسابور إلى ~~هراة وبها إيلمنكو غلامه وصاحب جيشه، فخيم بها مدافعا عنها، ومراميا دونها. ~~وضوى «3» إليه من كان مقيما من جهته بمرو الروذ وباذغيس وغيرهما أخذا ~~بالحيطة واحتراسا من الغرة. # وسار الرضا مع الأمير سبكتكين حتى أناخ بناحية بغ «5»، وأرسل عند ذلك أبو ~~علي إلى الأمير سبكتكين يذكره الحال التي كانت بينه وبين أبيه من الموات ~~«6» المهيدة «7»، والحرمات الوكيدة «8»، وما استمرا عليه بعده من سيرته في ~~الاتحاد والوداد، والاشتراك والاشتباك. ويسأله أن يتوسط بينه وبين الرضا ~~على ما يجلو حزازة «9» قلبه، ويطفى ء حرارة غيظه، ويسترد شارد أناته، ويمسح ~~جانب مرضاته، محتكما عليه بما يستصوبه في حسم الداء، وحقن الدماء، وتسكين ~~الدهماء، وتأليف الأهواء. فأحسن الأمير سبكتكين الإصغاء إلى ما سأل، وشد ~~النطاق لما التمس، ومال جهده إلى الاستصلاح، ووضع PageV01P108 ~~السلاح، على عادته من «1» كراهة الفتن، وإماتة الأحقاد والإحن، وسأل الرضا ~~في مجالس عدة «2» شفاها ورسالة أن يأخذ بأدب الله ms055 تعالى في العفو والغفران، ~~وإقالة العثرة «3» بفضل البر والإحسان، إيثارا للذي هو أقرب للتقوى «4»، ~~وأحمد في البدء والعقبى. ولم يزل به على اتصال نفرته، واشتعال [57 أ] ~~جمرته، حتى سمح بالإجابة، وأسجح بالعفو والإقالة، على أن يفتدي من أرش «5» ~~عصيانه بخمسة عشر ألف ألف درهم يؤديها في ثلاثة أنجم «6» على رسم ~~المواقفات. # وكتب الأمير سبكتكين يذكر ما استتم من الصلح على يده، وانتظم من عقد ~~الصلاح بسعيه وكده. وتشاور أصحاب أبي علي ووجوه قواده، في اقتسام هذا المال ~~بينهم معونة له على ما لزمه من الغرامة، واغتناما لما يربحون عليه من ~~السلامة، فصادف ذلك صدة «7» من شبانهم، ونزقا من أحداثهم، وذهابا منهم ~~بأنفسهم عن الإذعان للمكافة، والرضا بالصلح الجامع لمصلحة «8» الكافة. # وسار «9» من ذؤبان الأكراد وسرعان الصعاليك طائفة إلى معسكر الأمير ~~سبكتكين، فاختلسوا منه غلاما له كان يلي أمر فيلته، فقتلوه في عدة ممن ~~أصابوا غرتهم. وانضاف إلى ذلك أن رسول الأمير سبكتكين لما كر وراءه بجواب ~~ما تحمله، وافق أبا الفضل الزيادي أحد أنياب «10» أبي علي موكلا ببعض تلك ~~الثنايا والمخارم «11» فقال له: هيهات إن PageV01P109 ~~سعيك لفي ضلال، وإن صاحبك لا «1» ينطق إلا في محال، ما نحن بأحلاس «2» ~~الصلح وأبنائه ما دامت هذه العيون حافظة سوادها، والعواتق حاملة «3» ~~نجادها، يعني به قول القائل: # [57 ب] # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة مادام للسيف قائم # فلما نمت هذه الأخبار إلى الأمير سبكتكين استشاط غضبا، وقضى من إدبار ~~القوم عجبا. وعزم على المناجزة، واستخار الله تعالى في صدق المجاهدة ~~والمجالدة «4»، وأرسل إلى أبي علي أن خذ في إرهاف سيفك وسنانك، فقد جئتك ~~بما لا يغنيك منه غير حد «5» الحسام، وثبات المقام. # وزحف إلى الفضاء الرحب بفرونة «6» يوم الأربعاء للنصف «7» من شهر «8» ~~رمضان سنة أربع «9» وثمانين وثلثمائة فرتب الخيول مقانب «10» ومناسر «11»، ~~وعبى الجيوش ميامن PageV01P110 ~~ومياسر، وشحن الصفوف بفيلته المجففة «1» كأنها شواهق أعلام، أو طوارق غمام. # ووقف الرضا به وبالأمير محمود ولده في القلب مشحونا بكماة الرجال، ~~ومحفوظا بكفاة الأبطال: # من كل أروع ms056 ترتاع المنون له ... إذا تجرد لا نكس ولا جحد # يكاد حين يلاقي القرن من حنق ... قبل السنان على حوبائه يرد «2» # وسار فخيلت الأرض سائرة، والجبال هائرة «3»، والنجوم منكدرة، والسماء ~~منفطرة. # وثار من وقع السنابك نقع أوهم كسوف النهار الشامس، أو عود ظلام الليل ~~الدامس. # وقد كان أبو علي رتب جيوشه أسوة الأمير سبكتكين، فجعل فائقا في الميمنة، ~~وأخاه أبا القاسم بن سيمجور وإيلمنكو في الميسرة، وثبت في القلب مع حماته ~~وذوي الوفاء [58 أ] والحفيظة من ثقاته، فكانوا على الحقيقة جيش الطواويس من ~~وميض الحديد، ولمعان «4» الحمر والبيض «5». وأشرقت عليهم الشمس فبرقت «6» ~~لها الأحداق «7»، وتلألأت الآفاق، حتى إذا تدانت الخطى بين الفريقين بدأت ~~الفائقية «8» بالحملة على [ميسرة الرضا، فبددوا نظامهم، وزعزعوا عن المقام ~~أقدامهم، وثنى أبو القاسم بن سيمجور بمثلها على] «9» من قابله فصنع «10» ~~صنع الآخرين. وحمل دارا بن شمس المعالي قابوس بن PageV01P111 ~~وشمكير من قلب أبي علي، فظنوه يسعى لشرف المقام، ورعاية حق الذمام «1» ~~والإنعام، حتى إذا بلغ بين الصفين وقى ظهره بترسه، وأقبل على موقف الأمير ~~الرضا بوجهه، فاستأمن إليه، ووقف للقتال بين يديه. فانخذل أصحاب أبي علي ~~لما أخفره من الذمة، وقطعه من العصمة إشفاقا من مواطأة أضرابه إياه على مثل ~~صنيعه. وعندها حمل الأمير محمود «2» على قلب أبي علي في سواد فدح بثقله «3» ~~كاهل الأرض، وسد بقسطله «4» مناكب الأفق. فلم يلبث أحد من أصحاب أبي علي ~~لكفاح، أو مدافعة بسلاح، بل انفضوا عن موقفهم «5» انفضاض العقد خانه ~~النظام، وانسل منه الفرد والتؤام، وجعلوها هزيمة انتكست بها الأعلام، وغصت ~~بجموعهم الأباطح والآجام «6». وركب الأمير محمود أكتافهم بضربات تفلق ~~هاماتهم «7» أنصافا، وتسقي النفوس سما زعافا، فلم يفته إلا سرعان تلك ~~الجموع، [58 ب] ومن خفف عن ظهره ثقل الجواشن والدروع. وغنم أهل العسكر ~~أموالا لو افتدي ببعضها على الصلح المعقود لبقيت الوجوه بمائها، ووضعت ~~الحرب تلك الأوزار عن أبنائها. # وسار أبو علي بالفل من أشياعه إلى نيسابور، فأقبل بها على جبر «8» الكسير ~~«9»، وريش «10» الحسير، استعدادا للانحياز عنها قبل ms057 رهق اللحاق، ومؤتنف ~~«11» التلاق. # وخيم الرضا والأميران سبكتكين ومحمود بظاهر هراة ريثما استجمت ركائبهم، PageV01P112 ~~وتوفرت على الأولياء رغائبهم. ولقب الأمير الرضا الأمير سبكتكين بناصر ~~الدولة، ووارث ملكه السلطان محمود بسيف الدولة، وقلده قيادة الجيوش سادا ~~مكان أبي علي به. وسار إلى نيسابور في هيئة أشعرت النفوس مهابة، وملأت قلوب ~~الأعادي كآبة، ورجال «1» كالقروم المصاعب، وأفيال كالآساد «2» الغوالب «3»، ~~مخطومة بالأساود «4». وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي: # بسيف الدولة اتسقت أمور ... رأيناها مبددة النظام # سما وحمى بني سام وحام ... فليس كمثله سام وحام «5» # وسنجري ذكره آنفا بسيف الدولة إلى أن أفاء الله الملك منه إلى مظنة ~~الاستحقاق، وشهره بلقب اليمين في كور الآفاق. # ثم ارتحلوا [59 أ] على وجه نيسابور. ولما تسامع أبو علي بنبئهم «6»، ~~فارقها منحدرا إلى جرجان على الوثيقة التي كان أخذها على فخر الدولة، في ~~بذل المشاركة، وصدق المساهمة حتى ألم بها «7»، وكتب إليه بالحالة التي ~~ألجأته «8» إلى قصد ولايته، والانقطاع إلى جانب مملكته. وأرسل أبا نصر ~~الحاجب إليه في تقرير حاله، واستدعاء معونته بذاته وماله. واستناب «9» ~~الصاحب في تنجز ما كان يعده لنفسه على الأيام من بركة وصاله، ويعده لها من ~~ثمرة وداده، فأمر بمال يقام مياومة لوكيله، وبألفي ألف درهم من ارتفاعات PageV01P113 ~~جرجان لأهل عسكره. وأقام هو وفائق حتى انحسر عن غرة الربيع قناع الشتاء، ~~[وانكشف عن الزمهرير آفاق السماء] «1». # وقد كان الرضا انحرف عند انحدار الأميرين سبكتكين وسيف الدولة إلى ~~نيسابور بعبد الله بن عزير إلى طوس التحافا عليه «2» مما صوره له من ~~إرصادهما إياه بالمكروه، على ما دعته النصيحة إليه من مناقشتهما في بعض ~~الأموال والأعمال، فنهض الأمير سيف الدولة محمود على أثره إظهارا للبراءة، ~~واستشعارا للطاعة، واستتماما للخدمة، وإزاحة لعارض الظنة. وطار عبد الله ~~بقوادم العقاب تحت خوافي [59 ب] الليل إلى مرو على عوادل الطرق إشفاقا على ~~نفسه من عادية التضريب، فعل المتهم المريب. # وتلقى الرضا مورد سيف الدولة بأتم إقبال وإشبال «3»، وصرفه وراءه على ~~أحسن حال «4»، وأنعم بال. ثم ارتحل بعقبه إلى ms058 مرو لا حقا بوزيره، ثم «5» ~~منها إلى بخارى حتى استقر بها على سريره. # وقد كان الأمير سبكتكين وسيف الدولة حين وصلا إلى نيسابور فرشا مهاد ~~العدل، ورفعا عماد الأمن، وتتبعا رسوما كانت جانفة «6» من قبل. فنسخاها ببث ~~الرأفة، وحسم المخالفة «7»، وارتياد مصلحة الكافة. فانشرحت الصدور، ~~واستقامت الأمور، وأمنت الطرق، واتصلت القوافل والرفق «8». # ثم سنح للأمير ناصر الدولة سبكتكين أن ينقلب إلى هراة لمطالعة ما كان PageV01P114 ~~برسمه، فسار وأقام سيف الدولة بنيسابور على «1» قيادة الجيوش وزعامة ~~الجمهور. # وقد كان أبو علي طمح إلى زيادة من المال تحمل إليه [معونة له] «2» على ~~إقامات [الحشم من] «3» أهل عسكره من الري، فكتب إليه أبو نصر الحاجب بأني ~~قد عرضت الكتاب وقررت المراد. فكان من جواب فخر الدولة: إن مثل الملوك مثل ~~الأنهار العظام تصطفق «4» مياهها، وتزخر شعابها، فيرى الناس ملتقى عبابها، ~~ومصطفق أمواجها، ويغفلون عن عدد الجداول التي تغترف منها، والسواقي التي ~~تتشعب «5» عنها. ولو أنا [60 أ] قدرنا على مؤن خراسان لا ستضفناها إلى ما ~~نليه من سرة الأرض وواسطة الأقاليم، لكنا قد سمحنا بما تيسر، والعذر ظاهر ~~فيما تعذر. # فاستوحش أبو علي من جوابه، واستشار فائقا ووجوه قواده في تدبير الأمر ~~بصوابه، وإتيانه من بابه. فاختلفت آراؤهم بحسب اجتهادهم في المشورة، ~~ورؤيتهم في استشفاف العواقب المستورة، فأشار بعضهم بلزوم جرجان واستخلاصها، ~~وإقامة الخطبة للرضا بها، والكتاب إليه بالطاعة، وضمان الإتاوة، إذ كانت ~~تلك ولاية قد أعيت صيد الملوك وصناديد القروم على خطبتهم لها ببهم العساكر، ~~وطلابهم إياها بسمر الرماح وبيض البواتر، وأذالتهم «6» عليها مصونات «7» ~~الرغائب، وتغريرهم فيها بكريمات النفوس والحرائب. # وقد حصلت له عفوا صفوا، وانفتحت عليه سهوا رهوا «8»، وبيع العين بالضمار ~~«9» محال، PageV01P115 ~~وإفاتة النقد بالشى ء النسي ء «1» ضلال «2». # وأشار فائق بمناهدة الأمير سيف الدولة، ومناهضته لاعتراض الفرصة عليه ~~بتفرق الجموع عنه، وإخلال «3» أبيه به، ولمخالفة هواء جرجان طباع عسكرهم، ~~ونكايته فيهم «4»، قدر ما يتنكر لهم الفصل «5»، ويحتدم عليهم «6» الحر. ~~فوافق هذا الرأي جمهور العسكر لحرصهم «7» على الوطن، ونزاعهم إلى الأهل ms059 ~~والسكن، فاتفقوا على هذا الرأي، وتطابقوا على الانكفاء. # واضطروا [60 ب] أبا علي إلى مساعدتهم، واتباع إرادتهم. وعند ذلك ورد ~~الخبر بمضي الصاحب إسماعيل بن عباد لسبيله، وكان معنيا بمصالح أبي علي ~~وتحسين آثاره، والإشارة على فخر الدولة باغتنام جواره، ومعاونته على ثأره. ~~فكره إلى أبي علي نعيه فضل المقام، وأغراه بتعجيل الانتقال. # ولما استأثر الله بالصاحب أكثر شعراء العصر في مرثيته «8» فمنها قول أبي ~~محمد الخازن الأصفهاني «9»: # يا كافي الملك ما وفيت حقك من ... مدح وإن طال تمجيد وتأبين # فت الصفات فما يرثيك من أحد ... إلا وتزيينه إياك تهجين PageV01P116 ~~هذي نواعي العلى مذمت نادبة ... من بعد ما ندبتك الخرد العين «1» # تبكي عليك العطايا والصلات كما ... تبكي عليك الرعايا والسلاطين # قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين # لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان فانحل الشياطين «2» # ومنها قول أبي سعيد «3» الرستمي الأصفهاني: # أبعد ابن عباد يهش إلى العلى ... أخو أمل أو يستماح جواد # أبى الله إلا أن يموتا بموته ... فمالهما حتى المعاد معاد [61 أ] # ومنها قول أبي عيسى المنجم «4»: # والله والله ما أفلحتم أبدا ... بعد الوزير ابن عباد بن عباس # إن كان منكم وزير فاقطعوا وزري ... أو كان منكم رئيس فاقطعوا رأسي # ومنها قول أبي العباس الضبي وقد اجتاز ببابه [بعد موته] «5»: # أيها الباب لم علاك اكتئاب ... أين ذاك الحجاب والحجاب # قل بلا رهبة وغير احتشام ... مات مولاي فاعتراني اكتئاب # مات من كان يفزع الدهر منه ... فهو الآن في التراب تراب # ومنها قول أبي الفتح البستي الكاتب: # مضى صاحب الدنيا فلم يبق بعده ... كريم يروي الأرض فيض غمامه # فقدناه لما تم واعتم بالعلى ... كذاك خسوف البدر عند تمامه PageV01P117 ~~ومنها قول أبي منصور الثعالبي: # ألا يا صاحب الدنيا ... وعين السؤدد اليمنى # أما استحيا أبو يحيى ... لقبض العالم الكبرى # لئن ختمت بك الدنيا ... فقد فتحت بك الأخرى # ورحل أبو علي من جرجان على سمت جوين «1» غرة شهر ربيع الأول سنة خمس ~~وثمانين وثلثمائة. وتقدمه فائق على ms060 طريق إسفرايين «2» حتى إذا قارب حدود ~~نيسابور، عدل [61 ب] إليه، واختلط به وسار مسير المستعدين للحرب، المجدين ~~في الطعن والضرب. # وبلغ سيف الدولة خبرهما، فكتب إلى الأمير سبكتكين بإقبالهما. وبرز إلى ~~ظاهر البلد، في خف من العدد، وخيم به على انتظار المدد، فأعجلاه عن المراد، ~~وناوشاه الحرب قبل وصول الأمداد. فأضرم عليهما نارها، وباشر بنفسه وخاصته ~~أوارها، من حيث ترجل راد الضحى إلى أن ألقت ذكاء يمينها في كافر، فتعصفرت ~~أرض الوغى بدماء القتلى، وأضجعت مناسم الفيول رجالا كانوا أركانا للصفوف، ~~عند اشتجار الزحوف، واختلاط الأسنة والسيوف، وهم أصحاب أبي علي، بالانخذال ~~جبنا عن النزال، ثم تداعوا مناص، طلبا للخلاص، فكانت «3» حملة وافقها القدر. # وانحاز سيف الدولة بمعظم جيشه «4» إلى مناخ أبيه الأمير سبكتكين في أمان ~~من لباس الظلام، إرصادا للخصوم بيوم الكرور على الثأر، وإسلامهم لقدار «5» ~~الأقدار. # وتخلف عنه ما أعياه استصحابه من أثقال، وفيلة ثقال. وعجز عن خدمة ركابه ~~«6» طائفة من PageV01P118 ~~رجال الهنود، وسائر أفناء الجنود، فذكت عند ذلك شعلة لأبي علي أطمعت في ~~استقلاله، وعوده إلى المعهود من حاله، لكن الله تعالى قضاها سببا لا حتناكه ~~«1» واستئصاله. # وأشير عليه عند إلمامه [62 أ] بنيسابور أن يتبع أثر الأميرين [ناصر الدين ~~«2»، وسيف الدولة] «3»، معجلا لهما عن عدة الارتياش والانتعاش، وقوة ~~الاستنجاد والاستمداد، فاتزر بها فعل من كلت بصيرته، وانحلت مريرته، وعمي ~~عليه قصده، ونعي إليه جده. وأخذ يعتل بصفورة يده «4»، وخلو خزانته، وإشفاقه ~~من خذلان عسكره إياه إن دعاهم إلى البراح «5»، وسامهم خطة الكفاح. وأخذ ~~يكتب إلى بخارى معتذرا عن جنايته، ومتنصلا من بادرته، ومستقيلا عارض عثرته، ~~ومستميحا قبول عذرته. وأرسل إلى الأمير سبكتكين رسالة الواهي جلده، ~~المتناهي كمده، المتخاذل لسانه ويده، يحيل بالكشفة التي استمرت بالأمير سيف ~~الدولة على فائق وسائر أهل عسكره، لإكراههم إياه على مفارقة جرجان، ومعاودة ~~خراسان، وأنه لو «6» وجد إلى مراده سبيلا، أو في ذرى اختياره وهواه مقيلا، ~~لما التفت «7» إلى «8» خراسان ما عاش، تفاديا عن وحشته، وتحرزا عن كراهته، ~~ويسأله أن ms061 يهب له ثأره، ويستوهب الرضا خطأه وعثاره، فلم تزده رسالته على ~~التطميع في اغتياله، والتنبيه على انخذاله، والتضرية على اقتناصه، والإيمان ~~من فوته وخلاصه. PageV01P119 # وبث الأمير سبكتكين كتبه إلى من تفرق «1» عنه في ديار مملكته، وأطراف [62 ~~ب] ولايته من قواده وأجناده في استنهاضهم إلى مخيمه، واستعجالهم إلى مضربه. # وأنهض الوزير أبا نصر بن أبي زيد إلى الأمير خلف بن أحمد والي سجستان ~~يجشمه «2» اللحاق به. وكتب إلى والي الجوزجان أبي الحارث الفريغوني بمثله، ~~فطالع حضرة الرضا باستعداده وانتظار «3» ما يرد عليه من مثاله. وكتب إلى ~~القواد بنواحي خراسان بالبدار إليه. وتتابعت الأمداد إليه «4» من كل جانب ~~عليه، فصار الأمير سبكتكين في جيوش لو راموا الجو لا ستنزلوا طيارته، أو ~~وردوا البحر لأبدوا قرارته. وسار للانتقام مسير الليل غابت كواكبه، والسيل ~~ضاقت به مذاهبه. # وقد كان فائق عدل إلى طوس يكاتب الأمير سبكتكين مداهنا، ويطمعه في ~~الانحياز إليه مهادنا، فتلقى «5» وجهه بمثاله «6»، وكال عليه مثل مكياله. ~~وتكفأ «7» أميرك الطوسي- أحد الأمراء التاروذية «8» - لأبي علي بين الطاعة ~~والمناعة «9»، والموافقة والمنافقة «10»، يقدم رجلا للورود، ويؤخر أخرى ~~للقعود، فأرسل أبو علي أبا القاسم الفقيه PageV01P120 ~~إليهما للاستماله، وتحذيرهما قدم الضلالة، فنهض إليهما وأخذ له الميثاق ~~عليهما، وكتب إليه يستعجله اللحاق بهما، فسار أبو علي «1»، وتلقاه فائق ~~وأميرك بناحية الطابران «2»، فاتفقت كلمتهم على التظاهر [63 أ] والتضافر. ~~وخلصت نياتهم في التساعد والترافد، واختاروا معسكرا بقرب أندرخ «3» فخيموا به. # وقد كان أبو القاسم- أخو أبي علي- قد عتب عليه لعدوله بولاية هراة، ~~وثمرات أعمالها عنه إلى إيلمنكو غلامه، وتقصيره به فيما كان يخطبه ويقترحه ~~عليه من أمثالها، على وفائه له، وولائه إياه، [والتزامه حكم] «4» المشاركة ~~«5» له في كل ما نابه وعراه، فتقاعس عنه عند نهضته من نيسابور اعتلالا عليه ~~ببقية من أشغاله، حتى إذا تنفست مدة ارتحاله آيسه من وصوله ووصاله، أحوج ما ~~كان يدعوه «6» إلى عونه ونضاله، فزاد ذلك في انخذاله، وكسوف باله. # وحث الأمير سبكتكين تلك الخيول في قصد أبي علي حتى أناخ بطوس مقابلا ~~لعسكره، [وذلك ms062 لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وثلثمائة] «7»، ~~فثار فتيان الخيول، وشبان الجنود، إلى التطارد والتجالد، فبقوا على ذلك ~~سحابة يومهم. فلما قبض الليل مسافة أبصارهم، عادوا إلى مضاربهم. # وشاور أبو علي وجوه قواده في معاودة «8» الحرب، فأشار عليه أميرك الطوسي، PageV01P121 ~~وذوو «1» الحصافة منهم بتلجي «2» شعب الجبل، والاستظهار على الأمير سبكتكين ~~بمناعة أرجائه، وغزارة مائه، وسعة العلوفة من ورائه، [63 ب] وممادته الحرب ~~على إغراء الرجالة الطوسية بأطراف عسكره مبيتين وخاربين «3»، ومغيرين ~~وعائثين، إلى أن يدركه الملل، ويلحقه الفشل، ويتفرق عنه الحشر، فعندها ~~يناجزونه على بصيرة، و«4» قوة مريرة، واستماحة خيرة. فشغب من سمع بهذا ~~الرأي من أحداث العسكر، وقالوا: مالنا نطاول القوم، وندافع الوقت؟ لا يعرف ~~الناس أنا نميل عن المصاولة إلى المطاولة، وعن المساورة إلى المصابرة؟! فها ~~نحن نساقيهم «5» المنية، ونصبحهم منها كأسا روية «6»، فانتفض عليهم ~~التدبير، وصار المأمور هو الأمير، ووثب كلا العسكرين عند انفلاق الصبح إلى ~~الاستعداد للقاء، والاحتشاد لحدة «7» الهيجاء، وأقبلوا على تسوية الصفوف، ~~مشحونة بالألوف، كآجام الليوث من ذبل القنا والسيوف. وحصن الأمير سبكتكين ~~مواقف عسكره بنخب فيلته، فحكت تحت التجافيف أطوادا فارعة، وأمواجا متدافعة. # ودنا الفريقان بعضهم من بعض، فلم يرع ميسرة أبي علي إلا رهج «8» ثار ~~عليهم من وراء قرية قرضتهم ذات اليمين، فإذا هم بالأمير سيف الدولة في الطم ~~«9» والرم «10»، والليل المدلهم، فتزلزلت أقدامهم، وضلت «11» أحلامهم ~~وأفهامهم، ورأوا أن قلب أبي علي قد PageV01P122 ~~[64 أ] حمل على قلب الأمير سبكتكين، فساعدوهم على حملتهم تفاديا عن إيقاع ~~الأمير سيف الدولة بهم «1» فمزقوا مصفه «2»، ونفضوا عن الزحام موقفه، فوقف ~~لهم الأمير سبكتكين فيمن احتف به، والتف عليه من خواص غلمانه، ورد حملتهم ~~في وجوههم، فارتدوا على أدبارهم. وقد أطل «3» سيف الدولة عليهم من ورائهم، ~~فبقوا محصورين بين العسكرين، وأخذتهم السيوف من كلا الجانبين. وثار قتام ~~«4» خلط البعض بالبعض، فلم يسمع غير وقع البيض على بيض المفارق، وحطم ~~الدبابيس ما بين الطلى «5» والعواتق. # وظلت خراطيم الفيول تسلب الفرسان عن صهوات الخيول، وتلحق القاتل ms063 ~~بالمقتول. # وبلغ سيف الدولة من الإيقاع بهم، والإيجاع فيهم، والانتقام منهم، وصب ~~السيوف عليهم مبلغا «6» لو سمع به رستم «7» في زمانه، لزهته خدمة عنانه، ~~وهذبته آداب سيفه وسنانه. # وفات بعض المحصورين «8» ببقايا المهج تحت غواشي الرهج، وبرذايا «9» ~~الأرواح من بين مشتجر الرماح، فانجلت المعركة عن قتلى مضرجين «10» في ~~الدماء، وجرحى مطرحين على العراء، وأسرى آيسين من الفداء. وركب سيف الدولة ~~أكتاف الفل، فأسر منهم من قصر عن اقتحام شعاب الجبل، وعمي عليه وجوه تلك ~~المغارات والمدخل. # وكان من [64 ب] جملة المأسورين أبو علي بن بغرا الحاجب، وبكتكين PageV01P123 ~~الفرغاني، وأرسلان بك «1» وأبو علي «2» بن نوشتكين، وأماسار بن سجان روز ~~الجيلي، ولشكرستان بن أبي جعفر الديلمي «3»، وهؤلاء أعيان عسكر أبي علي، ~~ورتوت «4» قواده، ووجوه أركانه وأعضاده. وسار أبو علي وفائق بين مهاوي تلك ~~الجبال، ومصاعد «5» تلك القلال إلى أن أناخا بقلعة كلات «6» وهي التي تحفي ~~الرياح بين نعافها «7»، وتزل الأبصار دون روابيها وشعافها «8»، فأضافهما ~~بها أميرك الطوسي إلى أن ظهر لهما عدد من سبق ومن لحق، وجملة من اجتمع ممن ~~تفرق. وكان أبو علي قد سرب الفيلة التي قبض عليها بباب نيسابور إلى كلات في ~~جملة ضبنته «9». # وكتب أبو علي بن بغرا الحاجب وسائر الأسرى يذكرون له أن الأمير سبكتكين ~~استدعاهم ومناهم، ووصلهم وحباهم، ووعدهم الإفراج عنهم متى ردت تلك الفيلة ~~إلى مرابط أمثالها من مناخه، وسألوه أن يفعل ذلك تنفيسا عنهم، وتخليصا لهم. ~~فتقدم أبو علي إلى أميرك بردها، والإفراج عنها. ونهض هو وفائق على سمت ~~أبيورد مصحرين عن تلك المضائق. فبعث أميرك تلك الفيول إلى الأمير سبكتكين، ~~[65 أ] وكتب إليه يريه أنه المتقرب بردها، المتفرد بالخدمة فيها، فاستعمر ~~«10» بذلك رتبته، وأحبط على أبي علي PageV01P124 ~~قربته. وفي ذكر هذه الوقعة يقول أبو الفتح البستي الكاتب: # ألم تر ما أتاه أبو علي ... وكنت أراه ذا لب وكيس # عصى السلطان فابتدرت إليه ... رجال يقلعون أبا قبيس # وصير طوس معقله فأضحى ... عليه طوس أشأم من طويس «1» # وسار أبو علي وفائق إلى سواد ms064 «2» أبيورد على أن يقصدا كورة نسا، فسنح ~~لفائق أن يعدل إلى سرخس لرأي رآه، فخذل أبا علي على «3» على المكان، وسار ~~بمن معه من الغلمان. فلما سمع «4» أبو علي بنبئه «5»، أرسل إليه بأني غير ~~مفارقك على أية حال تصرفت بنا من إجداب وإخصاب، وإحزان وإسهال، وأن ركوب ~~هذا الطريق كان على ما سنح لنا بادي الرأي من الصواب. وإذ قد بدا لك في ~~التدبير فإني تابع رأيك، وها أنا من ورائك، فوقف له إلى أن لحق به، وسار ~~إلى سرخس، ومنها إلى مرو. # وحين تسامع الأمير سبكتكين بخبر عدولهما عن سمت أبيورد، نهض على أثرهما، ~~واستخلف الأمير سيف الدولة على ما فوض إليه من أعمال نيسابور، ضامنا عنه ~~كفاية أمرهما، فقضيا أو طارهما بمرو، ثم اخترقا مفازة آمل الشط محتجزين ~~بجدوبة المفازة، وصعوبة المسافة، وانسداد المسالك، وانسدام المناهل «6». ~~وألقيا بها عصا القرار. # وأرسل أبو علي أبا الحسين [65 ب] محمد بن كثير «7»، وفائق عبد الرحمن بن ~~أحمد الفقيه «8» وزيريهما إلى بخارى في استعتاب الرضا واسترضائه، واستفائته ~~«9» إلى PageV01P125 ~~رعاية حقوق مواليه وأوليائه. فأما أبو الحسين بن كثير فإنه صرف وراءه على ~~وجه جميل، فكتب إلى أبي علي في تمنية وتأميل، ورسم له أن ينحرف إلى ~~الجرجانية فيقيم بها إلى أن يستأنف تدبير أمره بواجبه. وأما عبد الرحمن بن ~~أحمد فإنه أمر باعتقاله، ووضع في الحبس على رسم أمثاله، وندب من بخارى بعض ~~المسودة «1» بكتاب إلى مأمون بن محمد والي الجرجانية ليتقدمه بتقرير حاله، ~~وذكر ما أنشى ء من الرأي في بابه. فامتعض فائق بما قوبل به رسوله، وعمد أن ~~يعبر «2» النهر إلى ما وراءه ملتجئا إلى أيلك خان، ومستصرخا إياه، ومستعينا ~~به على ما دهاه. وأشار على أبي علي بأن يساعده، ويجمع إليه يده وساعده، فإن ~~الغرض المقصود في طرحه إلى الجرجانية تفريق ذات بينهما في المساعدة ~~والمرافدة، والاجتماع على الحادثات باليد الواحدة، وأن الذي غمسا فيه ~~أيديهما من الخلاف على تلك الدولة- اضطرارا كان أو اختيارا- لا يوجب ~~الإغضاء عن تبعاته، والذهول ms065 عن نفثات أنيابه وحماته. فاختار أبو علي ~~مباعدته على مساعدته، ومجانبته [66 أ] على مقاربته، سرا لله تعالى فيما حكم ~~به من صدع شمله، وقطع حبله، ووضع رحله: # وليس لرحل حطه الله رافع ... وليس لأمر شاءه الله دافع «3» # وافترقا عن مناخهما. فأما فائق، فعبر النهر إلى ما وراءه عادلا إلى أيلك ~~مستجيرا إياه، وواصلا عروته بعراه، فأنهض من بخارى على أثره بكتوزون ~~الحاجب، فتصادما «4» بحدود نسف، وولى كل منهما صاحبه ظهره، بعد أن أبلى في ~~اللقاء عذره. فقبله أيلك أحسن قبول، وقراه أحسن «5» مقول ومفعول، وضمن له ~~الوفاء بأمله، ورده إلى ما استنزل عنه من عمله. PageV01P126 # وأما أبو علي، فأخطأ الطريق، وحرم التوفيق، فصار مثقلا بما اجترحه من ~~العصيان، خجلا لما فاته من فرصة البر والإحسان، قد كحلته يد القدر، بمرود ~~الحيرة والسدر «1»، وعمت عليه غياهب القضاء مذاهب الفضاء، فهو يخبط خبط ~~عشواء، مستبسلا للمقدور، مستسلما لطوارق المحذور. أنشدني أبو حاتم الحنفي ~~المذكر في مثل حاله لبعضهم: # إذا أراد الله أمرا بامرى ء ... وكان ذا رأي وعقل وبصر # وحيلة يعملها في كل ما ... يأتي به مكروه أسباب القدر # أغراه بالجهل وأعمى عينه ... وسله من «2» عقله سل الشعر # حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد عليه «3» عقله [66 ب] ليعتبر # نعم، ومر أبو علي قدما على سمت الجرجانية إلى أن بلغ المسير به هزار اسف ~~«4»، وهي بلد «5» يقابل بلد خوارزم من الجانب الغربي، فأرسل إليه خوارزمشاه ~~من أقام له نزلا، وقدم إليه عذرا، ووعده العبور إليه غدا لمشاهدته، وقضاء ~~حق وفادته. وقد كمن له زهاء ألفي رجل من أفناء «6» عسكره في خمر الغياض ~~والآجام لاغتياله جنح الظلام. # وقد حكى لي أبو علي الخشنامي أحد ثقات أبي علي، وقد كان قد نهض رسولا من ~~جهته إلى أبي عبد الله خوارزمشاه أنه أنشده أبياتا لابن المعتز، ورسم له ~~تبليغها PageV01P127 ~~أبا علي «1» على معنى النصيحة: # إذا فرصة أمكنت في العد ... وفلا تبد شغلك إلا بها # فإن لم تلج بابها مسرعا ... أتاك عدوك من بابها «2» # وإياك ms066 من ندم بعدها ... وتأميل أخرى وأنى بها # قال: فرويتها له، وذلك قبل استيحاش أبي عبد الله منه، فقبلها منه بمنة. ~~ثم ذهل عنها كأن لم يقرعها «3» قط سمعه، ولم يستودعها يوما من الدهر ذرعه ~~«4». ولم يعلم أنها كانت رمزا «5» من الأيام له بارتقاب النوائب، واتقاء ~~العواقب. ولم يدر أن للأفعال والأعمال جزاء [67 أ] يحيق بأربابها وحيا «6» ~~أو بطيئا، محسنا أو سيئا. # وغفل «7» ليلته تلك من الاحتراس، واقتدى بغفلته سائر الناس، حتى إذا أثقل ~~العيون كراها، ونفه «8» النجوم سراها، ضجت الآفاق بخفق الطبول، وغطغطة ~~الخيول. وأحيط بالقصر الذي نزله أبو علي على قتاله، أو نيل المراد من ~~استنزاله، فثار من حف حوله من غلمانه للدفاع، وتأريث جمرات المصاع، وخف ~~بنفسه إلى زعيم القوم يسأله «9» ما خطبك؟ ولماذا حربك؟ فقال له: إن «10» ~~خوارزمشاه أمر بك فتقرب إليه برفق الإذعان، PageV01P128 ~~دون عنف الضراب والطعان، فهو للفتنة أطفى، وللإحنة أنفى «1»، ولباع ~~الانتقام أقصر، ثم أنت بالرأي أبصر. فبادر أبو علي إلى النزول، فاستردفه ~~الزعيم حتى عبر به النهر نحو صاحبه، وذلك قبل الفجر من ليلة السبت غرة شهر ~~رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة، فأمر به إلى بعض القصور معتقلا فيه، وشد ~~الطلب على أصحابه وقواده فأسر منهم الأعيان والأركان، وأفلت إيلمنكو صاحب ~~جيشه بمن اتبعه نحو الجرجانية. ونودي في الأفراد وخدم القواد: من أقام يومه ~~بهزاراسف أبيح دمه، فتفرقوا أيدي سبأ في الأقطار «2»، كشوارد الأمثال ~~والأشعار، [67 ب] واعتقل الباقون على صغار وخسار إلى أن أذن الله في خلاصهم ~~بوالي الجرجانية مأمون بن محمد وذلك إنه «3» لما سمع بنبأ أبي علي وما ~~ارتكب منه خوارزمشاه اضطرب «4» قلقا، واضطرم حنقا، وبات يرعى النجوم أرقا، ~~إلى أن استتب له «5» التدبير عليه «6»، فرماه بعسكر جرار «7»، يستخفون ~~مثاقل الأعمال، ويخوضون مشارع الأهوال، وينفذون رواسي الجبال، ويستنزلون ~~العصم «8» من شعف القلال. وسار فيهم إيلمنكو في خواص أبي علي، رجال قد ~~أوغرتهم الحفائظ والإحن، وأحرجتهم النوائب والمحن، فهم يسعون إلى النار، ~~لنفي العار ودرك الأوتار، فعبروا إلى كاث «9» مدينة ms067 خوارزمشاه، وأحاطوا بها ~~إحاطة الأطواق بالأعناق، وناوشوه الحرب، من كل أوب ودرب، فظلت تلفح وجوه ~~رجاله بجمراتها حتى أجلتهم عنها مدحورين، وحصلتهم في PageV01P129 ~~ربقة «1» الإسار مقهورين، ودمروا على خوارزمشاه في قرارة بيته، فأعطاهم ~~بيديه «2». ووصل إلى أبي علي فحمل ثقل قيده على كعبيه، وتبادلت حالاهما في ~~رقعة من أديم النهار، فصار الأسير منهما أميرا، والأمير أسيرا، وكان ذلك ~~[68 أ] على الله يسيرا «3». # وتحمل أبو علي نحو الجرجانية في أحسن شعار، وحمل أبو عبد الله على قتب ~~«4» عار، بين خزي وعار، فاستقبلهما مأمون بن محمد، فقابل أبا علي بالإعظام ~~والإجلال، وعومل أبو عبد الله من ضروب الإذلال، بما يجل عن المقال. وانسلخ ~~مأمون بن محمد عن مجهوده في إكبار أبي علي وإجلاله، ومشاطرته صنوف أمواله، ~~وأقام العطايا لعامة رجاله، حتى انتظمت أحوالهم «5»، وأخل بهم اختلالهم. # وقراه ذات يوم وكان قد اتخذ مجلسا كأنما عمل عليه صناع صنعاء تزيينا ~~وتحسينا، وتنضيدا وتنجيدا، فأحفى «6» عليه «7» في الشرب «8» إحفاء لطف ~~ومسألة، إذ كان قد هجر الشراب وودعه منذ زمان، فلما أخذت الكؤوس مأخذها ~~منهما اقترح إحضار خوارزمشاه، فأحضر وهو «9» يحجل في قيده، ولم يزد في جواب ~~ما سئل عنه وعير به على الإطراق «10»، وسمر الأرض بالحداق «11». # وجملة أمره أنه أمر به فأذريت «12» هامته عن منكبيه، فتدحرجت إلى الأرض PageV01P130 ~~[ب] شيبته البيضاء، كذلك يفعل الله ما يشاء. # وصفت خوارزم لمأمون بن محمد، فرتب بها من أقام الخطبة برسمه، وجبى ~~أموالها على حكمه. وتابع «1» كتبه إلى الرضا مستشفعا «2» في أمر أبي علي، ~~وسائلا تدبير أمره بما يؤنس وحشته، ويجبر خلته. فخوطب [68 ب] هو وأبو علي ~~بالملتمس «3»، بمثل صحيفة «4» المتلمس «5»، رضا بما ينطوي على حقد دفين، ~~وداء في الصدر دوي «6». # وأمر أبو علي بالمسير إلى خدمة السرير، فلاحت له أماني قعد بها جده، ~~وأصلد عليها زنده «7»، فشخص نحو بخارى سائرا إلى دمه بقدمه، وقد أغفلت «8» ~~الأيام قلبه عن ذكر فعلاته وزلاته، ليلقى قدرا مقدورا، وليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا «9». # ولما شارف بخارى، استقبله الوزير عبد ms068 الله بن عزير والقواد على طبقاتهم ~~مهنئين بها «10» ومبركين. ومضى فيهم إلى السهلة، ونزل بها وأخذ يلثم الأرض ~~إلى أن بلغ السدة، ورفع له «11» الحجاب، وسار أمامه الحجاب، إلى أن وصل إلى ~~الرضا، فاستوفى PageV01P131 ~~أدب الخدمة، ولبس ذل كفران النعمة، واستنزل «1» بعقبه إيلمنكو في كبار ~~إخوته وقواده حتى إذا نودي بدابته للخروج من الدار، عدل بهم إلى بعض الحجر. ~~وسلك هو والآخرون في القيود والأصفاد، وأطلق على الوقوف «2» بالباب أيدي ~~الأولياء والحشم فطبقوهم بالسلب والنهب، وسلخوهم بين كل مضيق ودرب. وختمت ~~حال أبي علي بيومه، و«3» ذلك يوم تطامن «4» فيه صوره «5»، واستقام صعره، ~~وأنضج له ثمره، وأعيا [69 أ] على ورده صدره. كذلك كفران النعمة لا يرضى إلا ~~بسخط صاحبه، وإيساد «6» الزمان عليه بأنيابه ونوائبه، و«7» رحم الله من قال ~~فلقد أحسن المقال: # إذا المرء لم يرض ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أزينه # وأعجبه العجب فاعتاده «8» ... وتاه به التيه فاستحسنه # فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوما ويبكي سنة # وقد كان الأمير سبكتكين منيخا بمرو، فلما بلغه إيقاع خوارزمشاه بأبي علي، ~~عدل إلى بلخ فغني بها على جملته في الطاعة، وارتياد مصلحة الكافة، إلى أن ~~ورد أبو علي بخارى، وأوعز في بابه بما تقدم ذكره. وطلع أثناء ذلك كتاب ~~الرضا عليه بما يهم به أيلك من الانحدار عن «9» الأعالي، وحيازة ما في أيدي ~~عماله من أعمال تلك PageV01P132 ~~النواحي، و«1» يسأله تجشم الخفوف «2» في وجهه، والعبور لكفاية شغل أمره ~~«3»، متمما للصنيعة عنده في استحياء دولته «4»، واستبقاء ملكه وحوزته. ~~فاستشار في ذلك وجوه نصحائه ووزرائه، فترجحت الأجوبة بين تبعيد وتقريب، ~~وتخطئة وتصويب. فأخذته العزة بالوفاء، وهزته [69 ب] الحفيظة للنداء، فعدل ~~عن مشورة النصحاء إلى صريمة «5» العزم والرأي، وأقبل على الاستعداد ~~والاحتشاد، وبث كتبه إلى ولاة الأطراف وزعماء البلاد بتعجيل الورود، وتقديم ~~الوفود. وعجل هو إلى العبور قبل تلاحق الجمهور، ومضى إلى ما بين كش ونسف، ~~فخيم بقرية تدعى نيازي «6» إلى أن وصل إليه ولاة الجوزجان والختل ~~والصغانيان وسائر أطراف خراسان. وورد ms069 عليه الأمير سيف الدولة من نيسابور في ~~هيئة راقت «7» العيون، وهيبة راعت القلوب، ورجال قد ربتهم الحروب في ~~حجورها، وأرضعتهم التجارب من شطورها «8»، فلم يسمع بمعسكر بما وراء النهر ~~جمع من كبار الملوك وأعيان القروم وطبقات الجنود ما جمعه ذلك المناخ. # وبلغ أيلك عبورهم للقائه، فأرسل إلى الأمير سبكتكين عدة من شيوخ بابه، ~~يذكر أنهما أخوان في ذات «9» الله تعالى لا تفاقهما على نصرة الإسلام، ~~واقتسامهما ديار الترك والهند بالغزو والانتقام، وأنهما بحكم مساعيهما في ~~إظهار دين الله وإفلاج حجة الله أحق PageV01P133 ~~بارتفاعات خراسان وما وراء النهر من مستحلس «1» بيته «2» على مآرب نفسه، ~~وشهوات بدنه، لا يشهد «3» مقاما [70 أ] محمودا، ولا يشهر حساما مغمودا، وأن ~~اجتماعهما على حظيهما أعود عليهما من ركوب الخطر، واجتلاب الضرر، لحظ يخلص ~~إلى غيرهما، وأنه لا يستحل في دينه أن يعدل بالسيف عن أعداء الله إلى وجهه، ~~إلا إذا اضطره إليه ابتداء، وسامه الدفاع عن نفسه اعتداء، فليختر أيما «4» ~~الأمرين «5» رآه لنفسه «6» من وفاق «7» وافتراق، وائتلاف واختلاف، فهو يسم ~~«8» بناره، ويحذو على غراره. # فرجع إليه أن اعتماد الرضا إياه [بمنعه عن الجري على ما يهواه] «9» ~~بتأميله حين خذله أبناء دولته، وكفره أنشاء نعمته، يذمم إليه الإغماض دون ~~حيف يجري عليه، وملك يراد انتزاعه من يديه، وأن تغريره بجميع ما يحويه على ~~استغراقه أيام العمر فيه، أحب إليه من سمة الخذلان «10»، واختيار الإساءة ~~على الإحسان. فليقطع طمعه عن الرتاع «11»، حول تلك الرباع، أو فليأذن بحرب ~~تتحطم فيها متون الصفاح، وتتقصد «12» معها عوالي الرماح، وترخص عندها غوالي ~~المهجات والأرواح. فلما علم أيلك جده، وذاق بلسان الاختبار ما PageV01P134 ~~عنده، قرع للأمر ظنبوبه «1»، وشد للحرب حيزومه «2»، ورمى أحياء الترك بقداح ~~هي فيما بينهم علامات [70 ب] الاستنفار، فثار إليه الطم والرم: # جيوش تضل البلق «3» في حجراتها ... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر «4» # وكتب الأمير سبكتكين إلى الأمير «5» الرضا يستعجله اللحاق به، لتقدمهم ~~هيبته في مناهضته الخصم وفل حده، وزحزحته عن صدر الملك إلى ما وراء حده. ~~وأشفق ابن عزير ms070 على نفسه من حركته للهنات التي كانت ألجأته إلى الهرب، ~~واللياذ به من حر الطلب، تنصح للرضا بأن الأمير سبكتكين وعامة ولاة الأطراف ~~عبروا «6» النهر في أحسن عدة وعتاد، وأبلغ استظهار واحتشاد، وأن المحن التي ~~استمرت بك قد نفضتك «7» عن تحمل مثلك، ورحلت بزينة الملك عن رحلك، فقبيح بك ~~أن تجاور من حاله أعلى من حالك، ورجالته أتم استظهارا من فرسان رجالك، ~~والرأي لك أن تستعفيه عن شهادتك بنفسك على أن تحشر إليه وجوه القواد، في ~~جماهير الأجناد، من أطراف البلاد، وتحكمه فيما يراه من مسالمة أو محاكمة، ~~ومكافحة أو مصالحة، ليكون فيصل الأمر بيديه على الوجه الذي هو أخف عليه. # فكتب الرضا بذلك إليه، فعلم أن ذلك من تسويل [71 أ] ابن عزير وافتعاله، PageV01P135 ~~وتمويهه واحتياله، وقصده أن يحبط «1» عليه سعيه الذي سعاه في العبور، ~~واستجاشة الجمهور، وتحمل الأثقال، واستنفاق الأموال. # فسرب الأمير سيف الدولة وأخاه بغراجق في قرابة عشرين ألف رجل إلى بخارى ~~لإزعاجه «2» عن مكانه. وسير معهما أبا نصر أحمد بن محمد بن أبي زيد لتدارك ~~أمر الديوان الذي كان برسمه. فلما أحس ابن عزير بإقبالهم، رأى ليث الموت ~~كاشرا عن نابيه، وعقاب العقاب ناشرا جناحيه للانقضاض عليه، فابتغى نفقا في ~~الأرض أو سلما في السماء، حتى إذا أعياه ما توخاه، فزع إلى الانجحار «3»، ~~ولاذ بالاستتار. فولى الرضا أبا نصر بن أبي زيد ما كان يليه «4»، وهو ~~الشهاب الثاقب، والنقاب الذي هذبته المناقب. # فأقام بكفايته عماده، وقوم منآده «5»، وصدف «6» عنه ما كان قد آده «7»، ~~ووصفه أبو الفتح البستي بأبيات وفى الصدق بها حقه، وهي «8»: # فديت أبا نصر المرتجى ... لتفريج كل ظلام يظل # له قلم حده لا يكل ... إذا كان في الحرب سيف يكل «9» [71 ب] # فيوجز لكنه لا يخل ... ويطنب لكنه لا يمل # وكيف يمل وتوفيق من ... أفاد العقول عليه يمل # تجود قريحته بالبديع ... عفوا كجود القراح المغل PageV01P136 ~~مدق مجل وأولى الكفاة ... بأعلى الصفات مدق مجل # وكتب إليه عند استقرار الوزارة عليه بهذه الأبيات: # أبلغ مقالي كل ms071 عاف مجتدي ... و«1» مؤمل في قصده أن يهتدي # عرج على الشيخ الجليل المرتجى ... وزر الوزارة أحمد بن محمد # فرواؤه مل ء العيون وحبه ... مل ء القلوب وسيبه مل ء اليد # يفري أمور الملك رأيا فيصلا ... وعزيمة تزري بكل مهند # ويفيض نائله بسيل زاعب «2» ... فيقول سائله غرقت قدي قدي «3» # فاثن الرجاء إلى علاه فإنه ... غوث الردي غيث الصدي بدر الندي # لا زال في يوم أغر مبشر ... بسعادة غراء تطلع في غد # ليقيم كل مؤود وينيم كل ... مسهد ويضم كل مبدد # وقد كان الأمير سبكتكين أحس بإبقاء ابن عزير على أبي علي، وجده في النضال ~~عنه «4» لما يقدره في الأيام من التسلح به عليه، فلوح [72 أ] الرضا بميله ~~إلى ما يقع من نقله إلى جنابه، فأوجب قبل وصول سيف الدولة إليه إسعافه به، ~~وحمل هو «5» وإيلمنكو في عمارية «6» كانت خاتمة لعمره، قاصمة لظهره. # وأمر الأمير سبكتكين فنقل إلى جرديز «7» في محمل لو رأى من قبل مثله في منامه PageV01P137 ~~لعاف برد الماء على زرقة جمامه «1»، واستعفى عن طيب الحياة باقي أيامه. # نعم، وانحدر فيما بين نهوض سيف الدولة إلى بخارى، أيلك «2» في قبائل ~~الترك، واستأنف مسألة الصلح، فأوجب الأمير سبكتكين إجابته إلى ملتمسه، ~~لقعود الرضا عن مشاهدته، وفتوره في أمر نهضته. واشترط عليه أن يتزحزح عما ~~دون قطوان «3»، فلا يطلق عليه عنانه، ولا يسرح إليه عماله وأعوانه، على أن ~~يقر «4» سمرقند على فائق إيجابا لشفاعته، ورعاية لما سلف في بيت الرضا من ~~حق طاعته. وعقدت وثيقة الصلح على «5» هذه الجملة بمشهد الفقهاء والأعيان من ~~الجانبين. وانصرف كل واحد «6» منهما عن وجه صاحبه. # وعاد الأمير سبكتكين إلى بلخ، وسار سيف الدولة نحو نيسابور، وهدأ «7» على ~~الرضا ما كان متموجا من أمور الأعالي «8». وأقبل أبو نصر على مهمات ~~الوزارة، وأكبرها [72 ب] شغل الإثارة «9» لتقلص الولايات، وقصور الارتفاعات ~~عن الوفاء بما كان مثبتا في القديم من وجوه الأطماع والإقامات، وجعل يزجي ~~فيها يوما بيوم، ويغسل دما بدم إلى أن ثار به بعض غلمانه فقتلوه، ms072 وذلك على ~~رأس خمسة أشهر من وزارته، فضاق الرضا ذرعا بما دهاه لإشفاقه من ظن الأمير ~~سبكتكين أن هناك قصدا في أمره، أو رضا للحادثة به. PageV01P138 # وأظهر الاكتئاب، واستعظم المصاب. وبرز من الدار فصلى «1» على جنازته، وأمر ~~بإقامة التنكيل والتمثيل «2» على الفتكة به. # وأنشدني المضراب البوشنجي «3» فيه يرثيه: # قلوب الناس آلمة سقاما ... ونفس المجد والهة سقيمة # وما فجعت بك الدنيا ولكن ... تركت بفقدك الدنيا يتيمة # وفيه «4» لبعض أهل العصر «5»: # لما ثوى صدر الوزارة «6» أحمد ... وهوت نجوم المجد في ملحوده # أذريت من فرط المصاب مدامعا ... كالغيث بعد بروقه ورعوده # قال العذول وقد رأى فرط الجوى ... والطرف «7» يمزج دمعه بصديد [73 أ] # خفض عليك فقلت قولا زاجرا ... دعني أبكيه بنسخة جود ### | ذكر أبي القاسم بن سيمجور أخي أبي علي وما أفضى إليه أمره بعد تقاعده عنه # ولما انحاز أبو القاسم عن أخيه، أقام حجرة «8» إلى أن ورد الأمير سبكتكين PageV01P139 ~~خاستر «1» من نيسابور، فنهض إليه متعرضا للقائه، وتمهيد حال في ممالأته ~~وولائه، فرعى حقه، ورفع قدره، وقوى أسره، وضمن له ما سره، وخطب له إلى ~~الرضا ولاية قهستان. # فأجابه «2» إليها، وأمر له بالمنشور عليها، وحبي إلى ذلك بخلع عرفته يمنة ~~«3» الطاعة، وكسته يمنة «4» العز في الاختلاط بالجماعة. فأوى إلى قهستان ~~ساكن الجأش، ظاهر الرياش، أثيث «5» الجناح، مريع المسرح والمراح، إلى أن ~~سنح للأمير سبكتكين عبور النهر لتدبير أمر الترك، فكتب إليه يستنهضه إلى ~~مجمع أركان الدولة وأعيانهم «6»، ليضرب معهم بسهم الغناء في كفاية الأمر ~~الحازب، وممانعة الخصم المغالب، فحملته تقوى العواقب، وإساءة الظن ~~بالنوائب، وطراءة عهده بخبر أخيه فيما درع من لباس الهوان، وجرع من كأس ~~الذل والامتهان [73 ب] على ترك المسير، والإدلاء ببعض المعاذير. # وعلم أن تقاعده عن إجابته سيورثه عند فراغه له داء عضالا، ويكسبه خطبا لا ~~يطيق به استقلالا، فبادر إلى نيسابور مغتنما خلو خراسان عن حماتها، وطابقه ~~أبو نصر بن محمود الحاجب على فعله ورأيه، فتظاهرا على الاستظهار بجمع ~~المال، وإثبات أصناف الرجال. وحين سمع الأمير سبكتكين بخبرهما، ms073 بادرهما ~~بالكتاب إلى سيف الدولة في الانحدار إلى نيسابور، وأمده بأخيه بغراجق والي ~~هراة لنقض ما أمر «7» من أمرهما، وحصد ما نجم من شرهما. فسار إليهما ولم ~~يرض بهما حتى انحط على أثرهما من بلخ كالشهاب في أثر العفاريت، فلم يرع أبا ~~القاسم وابن محمود غير إطلال الجيوش عليهما. فارتحلا PageV01P140 ~~وامتطيا «1» مطايا الهرب، وسارا إلى أستوا متقيين حر القضب. # وركب الأميران أكتافهما «2» يشلانهما مثل النعم، حتى لفظتهما حدود خراسان ~~إلى تخوم جرجان. وامتد الأمير سبكتكين إلى طوس فأناخ بها إلى أن تطاير خبر ~~إقباله، فزاد في حفزهما «3» للانهزام، وإعجالهما دون المقام. وعطف إليه سيف ~~الدولة وبغراجق [74 أ] بعد فراغهما من تفريغ خراسان عنهما، مجددين العهد به «4». # وقد كان فخر الدولة علي بن بويه قد تقرب إلى الأمير سبكتكين عند مقامه ~~ببلخ على سبيل الملاطفة بجملة من المبار، ومال من العين واللجين «5» على ~~سبيل النثار، اقتناصا لمحبته، واستخلاصا لرضاه وموافقته. فقابله الأمير ~~سبكتكين بأضعافه من الألطاف، وزاده عليها ثلاثة من الفيلة الخفاف. وأرسل ~~بها المعروف بعبد الله الكاتب أحد ثقاته، فنمي إلى فخر الدولة تجسسه «6» ~~عليه عدد أجناده، وغوامض الطرق المفضية «7» إلى بلاده. # فكتب إلى الأمير سبكتكين يشير إلى أن «8» رسول المرء لسانه، وعنوان ضميره ~~وترجمانه، وأن فلانا ورد فخالف باطن أفعاله ظاهر مقاله. وكان من بعض فصوله: ~~«أنه لو أراد لعلم أن سرير الملك لم يستقر في سرة الأرض إلا بغلب غلب وأسود ~~سود». فحز هذا الكلام في صدره، وخدش وجه الحال التي كان خطبها فخر الدولة ~~إلى وده. # ثم أردف كتابه ذلك بأبي القاسم الرسول أحد وجوه بابه، وأصحبه مشافهة ~~مشتملة على ذكر الحال التي يروم [74 ب] عمارتها في مودته، وأن الرضا تبرع له PageV01P141 ~~بالرعاية الوافرة، وبل الحال ببلال المصاهرة، ولكنه «1» يرى نظام ذلك ~~وقوامه بما يوجبه من مواصلته وعمارة «2» حاله من ذات صدره. وسأله أن يثق ~~بالإخلاص له من قلبه، والإسعاف بما تحت يدي ملكه وملكه «3»، وأن ينطوي له ~~على مثل ما بذله من نفسه، لتستحصد ms074 المرائر، وتتأكد الأواصر، ويستمر التحالف ~~والتآلف، ويرتفع التخالف والتجانف «4»، فأحسن الأمير سبكتكين إجابته إلى ما ~~طلبه، وأنكحه من سره ما خطبه، وصفت الحال بينهما عن الشوائب، وانتفت عن ~~وجوه المقادح والمعائب. # واستأمن أبو القاسم بن سيمجور إلى فخر الدولة عند اليأس من خراسان، ~~فاستدناه إلى الدامغان وقومس وجرجان، وفرض له ولمن اشتملت جريدته عليهم من ~~حاشيته ورجاله مالا يدر عليهم. وسنأتي على بقية ذكره في موضعه إن شاء الله «5». # وورد على الأمير سبكتكين مؤنس الخادم رسولا عن الرضا يستشيره فيمن يرشح ~~للوزارة لخلو مكانها «6» بعد أبي نصر بن أبي زيد عمن يراعيها، ويستقل ~~بأعباء الكفاية فيها، فوكل الاختيار إلى رأيه، وأظهر مظاهرة من كان من ~~وزرائه، [75 أ] فاختير أبو المظفر محمد بن إبراهيم البرغشي «7» لها، وحبي ~~بالخلعة والكرامة فيها، فكفل بالأمر كفالة الندب الحدب، وقام بالتدبير قيام ~~المنقح المشذب، إلى أن اختطف الرضا أجله، وعثر «8» بحياته أمله. PageV01P142 # وعطف الأمير سبكتكين بعد ذلك إلى بلخ، وعاد سيف الدولة إلى نيسابور. وقد ~~كان أبو الحسن بن أبي علي بن سيمجور مقيما بقاين «1» عند الوقعة بناحية ~~طوس، فلما سمع بانكشاف عسكر أبيه، ركب المسافة نحو الري، فآواه فخر الدولة ~~وأكرمه، وخلع عليه فضله وكرمه، وأمر له بخمسين ألف درهم مشاهرة تدر عليه ~~عند ولاد كل شهر، وأضاف إليه من المبار والصلات ووجوه الأحبية والكرامات، ~~ما تميز به عن أشكاله رعاية لحق أبيه، وتبجحا بحصول مثله في جملة أوليائه ~~وحملة أياديه. فأغراه سوء القضاء ودرك الشقاء بالهرب من مفترش الراحة، ~~ومتوسد الدعة «2»، ومضطجع الرفاهية، ومرتفق السلامة والعافية، حتى زخ «3» ~~بنفسه في قحمة «4» الثبور من كورة نيسابور مطاوعة لهوى له كان زعم بها، وظن ~~أن استتاره يطوي خبره، ويخفي عينيه وأثره، إلى أن يقضي من «5» هواه وطره. # فلم يرعه إلا إحاطة «6» الطلب به من حوالي [75 ب] مستتره، فاحترشوه «7» ~~كما يحترش الضب من جحره، وعجلوا به إلى الحبس من فوره، وحمل بعد ذلك إلى ~~معتقل أبيه، إلى أن نفذ محتوم «8» القضاء فيه، فيا له ms075 من أسر هد أسره، وختم ~~بطابع الشقاء عمره، ورحم الله أم المؤمنين أم سلمة حيث تقول: # لو كان معتصما من زلة أحد ... كانت لعائشة الرتبى على الناس # قد ينزع الله من قوم عقولهم ... حتى يتم الذي يقضي على الراس # وكان أميرك الطوسي قد اختلط بعسكر الأمير سيف الدولة، فلما عن له عبور PageV01P143 ~~النهر لتدبير أمر الترك، رأى الاحتياط في الاستيثاق منه «1»، فألحق بأبي ~~علي وذويه إلى أن حاق بهم القضاء، وحق عليهم الانقضاء، كذلك يفعل الله ما يشاء. # ولما استقر الأمير سبكتكين ببلخ بعد منصرفه من طوس، ورد الخبر بنفوذ قضاء ~~الله تعالى «2» في أبي علي ومن كان معه في حلق الوثاق، واستتبع خبره موت ~~الملوك والعظماء بأطراف خراسان والعراق، في مدة اتصلت كعوب «3» أيامها، ~~وتناسقت «4» فرائد نظامها، فكأنهم كانوا على ميعاد، وذلك أنه تلا خبره خبر ~~مأمون بن محمد والي الجرجانية في فتك طائفة من أصحابه به في مأدبة صنعها ~~صاحب جيشه [76 أ] له، فاستحالت «5» المأدبة مندبة، والدعوة مناحة، والغناء ~~عويلا، والسرور حزنا طويلا. وردفه خبر الرضا في مرضه، لم تمتد فيها أيامه ~~حتى ألم به حمامه، وانتقل إلى ترابه بماء شبابه. # وكانت وفاته يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة سبع وثمانين ~~وثلثمائة، ولقبه «6» كتاب بابه بالرضا، فرحمة الله عليه رحمة تبرد ضريحه، ~~وتروح روحه، فقد كان طود الملك زال بزواله، وزل عن مراسيه بزلزاله. # وتتابعت المصائب على الأمير سبكتكين بعده في تلك المدة بشقيقة له «7» ~~كانت أعز أهله عليه، وأولاد صغار، وغلمان دار، وهلم جرا إلى أن سقط على ~~الفراش، وآيس من الانتعاش، فتاق إلى غزنة استرواحا إلى طيب هوائها، ~~واستشفاء بنسيم أرضها، ونمير «8» مائها، فأخذه المقدور عليه بالمرصد، ~~واخترمته يد المنون دون المقصد، فنقل في تابوته إلى غزنة. PageV01P144 # ومن العجب العاجب «1» في أمره أني حضرته ذات يوم وقد جرى حديث العلل في ~~إقبالها وزوالها، فقال وهو يشير إلى كاتبه أبي الفتح البستي «2»: مثلنا ~~أيها الشيخ في اختطاف المنايا أرواحنا مثل القطيع يعمد الجزاز ms076 «3» إلى ~~الضائنة «4» منها فيطرحها إلى الأرض، [76 ب] ويوثق قوائمها للجز، فلا تزال ~~تقلق لخلاف العادة، وتضطرب خوف الإبادة، إلى أن يقضي الجزاز منها وطره، ~~فيحل وثاقها، ويحسن إطلاقها، فترتاح لما يتاح لها من النجاة، ويعاد إليها ~~من روح الحياة، حتى إذا كان من قابل «5»، عاد الجزاز لعادته فيها، فطفقت ~~لها بين أمل ويأس، ونفرة واستئناس، تظن أن الأمر كما عهدت تارة، وتخشى خلاف ~~العادة أخرى، إلى أن يقع الإفراج عنها فتطفر فرحى بالنجاة، وتعود مرحى في ~~النبات، فما هي إلا الثالثة حتى يسلمها إلى القصاب «6»، فيمر الشفرة على ~~ودجيها أوثق ما كانت بالعادة، وأبعدها من المخافة، وآمنها من الآفة. كذلك ~~«7» نحن فيما يتعاقب علينا من الأمراض، ويستمر بنا من الأوصاب «8»، بينا ~~نحن نحسن الظن بما يطرق منها إذ قامت الواعية، وسارت بها «9» الناعية. فكان ~~بين هذا التمثيل وبين أن قضى نحبه قدر عفار «10» النخل، فقضينا العجب بعده ~~لما أملاه المقدور في شأنه على لسانه. # وقد كان قبل وفاته استجد عمارة الدار المعروفة بسهلاباذ، وأنفق عليها ~~مالا عظيما، فلم يتمتع بسكناها حتى خذله الرجاء، وحق عليه القضاء، واعتافها ~~ولده من بعده، PageV01P145 ~~فأهملوا أمرها حتى [77 أ] تداعت بالخراب. وسمعت بعض الأفاضل ينشد وقد اجتاز ~~عليها بعده في مدة يسيرة: # عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري # عهدتك مذ شهر جديدا فلم أخل ... صروف النوى تبلي مغانيك في شهر # فلحا الله دنيانا من ضبة تأكل أولادها عقوقا، وجافية لا ترعى لأضيافها ~~أذمة وحقوقا، وإلى الله المشتكى من صروف الزمان، وريب الحدثان. # ورثاه أبو الفتح البستي كاتبه بقوله: # قلت إذ مات ناصر الدين والدو ... لة حياه ربه بالكرامة # وتداعت جموعه بافتراق ... هكذا هكذا تقوم القيامة # وقوله أيضا: # توكل على الله في كل ما ... تحاوله واتخذه وكيلا # ولا يخدعنك شرب صفا ... فأنمى قليلا وأروى غليلا # فإن الزمان يذل العزيز ... ويجعل كل جليل ضئيلا # ألم تر ناصر دين الإله ... وكان المهيب العظيم الجليلا # أعد الفيول وقاد الخيول ... وصير ms077 كل عزيز ذليلا [77 ب] # وحف الملوك به خاضعين ... وزفوا إليه رعيلا رعيلا # فلما تمكن من أمره ... وصار له الشرق إلا قليلا # وأوهمه العز أن الزمان ... إذا رامه ارتد عنه كليلا # أتته المنية مغتاظة ... وسلت عليه حساما صقيلا # فلم يغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد فيل عليه فتيلا # كذلك يفعل بالشامتين ... ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا PageV01P146 ~~ولبعض كتاب أهل العصر: # مضى الأمير نصير الدين متشحا ... في قبره بمساع أشبهت علما # قد كان مدة ما قد «1» عاش منتصبا ... لله والدين والإسلام منتقما # كالليث والغيث طبعا أن حمى وهمى ... والنجم والرجم شكلا أن سما ورمى # يا من أسال رقاب الكاشحين دما ... من بعد فقدك أبكيت العيون دما # لئن أناخ صروف الدهر ساحته ... فانظر إلى الملك والإسلام لا جرما # فالدين منثلم والملك منهدم ... وظل حبل العلى والمجد منصرما # وردف الحادثة به النعي بفخر الدولة علي بن بويه. وكانت وفاتهما في شعبان ~~سنة سبع وثمانين وثلثمائة. وكان «2» سبب انقراضه أنه فرع القلعة [78 أ] ~~التي استحدثها على جبل طبرك «3» مرتاحا للأنس، فاشتهى طرائح من لحم البقر، ~~فنحرت بين يديه واحدة، وطفق أصحابه يضهبون «4» له من أطايبها، وهو ينال ~~منها. وأتبعها بعناقيد «5» كرم، ودارت عليه الكؤوس بينها ملاء ولاء «6»، ~~فلم ينشب أن لوى عليه جوفه، واتصل على الألم صوته، إلى أن جثم عليه موته. ~~ورثاه أبو الفرج الساوي بقوله «7»: # هي الدنيا تقول بمل ء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي # فلا يغرركم حسن ابتسامي ... فقولي مضحك والفعل مبكي # بفخر الدولة اعتبروا فإني ... أخذت الملك منه بسيف هلك PageV01P147 ~~وقد كان استطال على البرايا ... ونظم جمعهم في سلك ملك # فلو شمس الضحى جاءته يوما ... لقال لها عتوا أف منك # ولو زهر النجوم أبت رضاه ... تأبى أن يقول رضيت عنك # فأمسى بعدما قرع البرايا ... أسير القبر في ضيق وضنك # أقدر أنه لو عاد يوما ... إلى الدنيا تسربل ثوب نسك # دعي يا نفس فكرك «1» في ملوك ... مضوا بل «2» لا نقراضك ويك فأبكي [78 ب] # فلا يغني هلاك الليث شيئا ... عن ms078 الظبي السليب قميص مسك # هي الدنيا أشبهها بشهد ... يسم، وجيفة طليت بمسك # هي الدنيا كمثل الطفل بينا ... يقهقه إذ بكى من بعد ضحك # ألا يا قومنا انتبهوا فإنا ... نحاسب في القيامة غير شك # فأما مأمون بن محمد فإن ابنه عليا ولي الأمور «3» من بعده، وسارع «4» ~~الناس إلى بيعته، وعاد الملك به إلى بهائه وروعته. # وأما الرضا فقد كان عهد بملكه إلى ابنه أبي الحارث منصور بن نوح «5»، ~~فلما استعز به ومضى لسبيله، تناصر على بيعته الأولياء والحشم، وفرق بقايا ~~الأموال وخبايا الذخائر والأعلاق في أعطياتهم، وتحقيق أطماعهم، حتى استوسقت ~~«6» أمور الجماعة، واتسقت الكلمة في الطاعة. وبقي أبو المظفر محمد بن ~~إبراهيم على الوزارة. PageV01P148 # وأما الأمير سبكتكين فقد كان عهد إلى ولده إسماعيل، واستخلفه على أعماله، ~~وأوصى إليه بأمور أولاده وعياله، وجمع وجوه قواده وحجابه على طاعته ~~ومتابعته، والرضا بإيالته وولايته، فلما طرق الناعي به، تبادروا إلى عقد ~~البيعة له، وإمضاء الوصية فيه. واستقر إسماعيل بعد [79 أ] قضاء المأتم على ~~سرير الإمارة، وأمر بفض الختوم عن بيت الخزانة، وصب الأموال حتى أرضى ~~الرجال. # وأما فخر الدولة فإن عسكر الديلم اجتمعوا على ولده الأمير «1» أبي طالب ~~رستم ابن فخر الدولة، ففوضوا الأمر إليه، وحفظوا نظام الملك عليه، ولقبه ~~الخليفة «2» بمجد الدولة وكهف الملة. وسيأتي بيان حال كل واحد منهم في ~~موضعه على الأثر. # وأنشدني أبو منصور الثعالبي لنفسه في عجائب هذه السنة، وتبدل أحوالها، ~~وتفاني أمرائها قصيدة «3» منها هذه الأبيات: # ألم تر مذ عامين «4» أملاك عصرنا ... يصيح بهم للموت والقتل صائح # فنوح بن منصور حوته يد الردى ... على حسرات ضمنتها الجوانح # ويا بؤس منصور وفي يوم سرخس ... تمزق عنه ملكه وهو طائح # وفرق عنه الشمل بالسمل فاغتدى ... أسيرا ضريرا تنتحيه الجوائح # وصاحب مصر قد مضى لسبيله ... ووالي الجبال قد علته الصفائح # وصاحب جرجانية في ندامة ... ترصده طرف من الحين طامح # تساقوا كؤوس الراح ثم تشاربوا ... كؤوس المنايا والدماء سوافح PageV01P149 ~~وخوارزم شاه شاه وجه نعيمه ... وعن له يوم من النحس كالح [79 ms079 ب] # وكان علا في الأرض يخبطها أبو ... علي إلى أن طوحته المطاوح # فعارضه ناب من الشر أعصل ... وعن له طير من الشؤم بارح # وصاحب بست ذلك الضيغم الذي ... براثنه للمشرقين مفاتح # أناخ به من صدمة الدهر كلكل ... فلم يغن عنه والمقدر سانح # خيول كأمثال السيول سوابح ... فيول كأمثال الجبال سوارح # جيوش إذا أربت على عدد الحصى ... تغص بها قيعانها والصحاصح # ودارت على صمصام دولة بويه ... دوائر سوء نبلهن فوادح # وقد جاز والي الجوزجان قناطر ال ... حياة فوافته المنايا الطوائح # وفائق المجبوب قد جب عمره ... ففاظ ولم يندبه في الأرض نائح # مضوا في مدى عامين فاختطفتهم ... عقاب إذا طارت تخر الجوارح # وكان بنو سامان أطواد عزة ... فأضحت لصرف الدهر وهي أباطح # أما لك فيهم عبرة مستفادة ... بلى إن نهج الاعتبار لواضح # تسل عن الدنيا ولا تخطبنها ... ولا تخطبن قتالة من تناكح # فليس يفي مرجوها بمجوفها ... ومكروهها أما تدبرت راجح # لقد قال فيها الواصفون فأكثروا ... وعندي لها وصف لعمرك صالح [80 أ] # سلاف قصاراها ذعاف ومركب ... شهي إذا استلذذته فهو جامح # وشخص جميل يؤنس «1» الناس حسنه ... ولكن له أسرار سوء قبائح PageV01P150 ~~ولما أفضى أمر الإمارة إلى أبي الحارث منصور بن نوح، وهو في حدقة البلوغ، ~~وينع الشباب، وعند مشتعل الحركة، ومستصبح النجابة، ومستوضح الأصالة ~~والإصابة، أقام أبا المظفر محمد بن إبراهيم وزيرا، وفوض الملك إلى فائق ~~كفالة وتدبيرا. وكان عبد الله بن عزير اتقى شوكة الأمير سيف الدولة عند ~~قصده بخارى بالإصعاد إلى الأعالي، فلما انقرضت «1» حياة الرضا، أطمع أبا ~~منصور محمد بن الحسين الاسبيجابي في صحابة الجيش بخراسان، وحمله على ~~الانحدار به إلى بخارى مستعينا بأيلك الخان «2»، على نيل الأرب المنشود، ~~وإصابة «3» الغرض المقصود. فنهض أيلك لمصاحبتهما، وسار إلى باب سمرقند ~~بهما، حتى إذا أناخ بمرج على ظاهرها، أتاه أبو منصور في خف من غلمانه ~~زائرا، فاحتبسه بعلة الطعام، وأصحابه بين التخييم والاستجمام، فأمر به ~~وبابن عزير، فشدا في حلق الوثاق، وقرنا في «4» قرن الاعتقال، وأرسل إلى [80 ~~ب] فائق، فلما ms080 أتاه أجله ورفع محله، وخف عن مكانه إكبارا له، وضم إليه ~~ثلاثة آلاف رجل، وأمره بالمسير إلى بخارى على مقدمته، فسار على ما رسم «5» له. # فلما بلغ أبا الحارث خبر إقدامه، ارتج عليه وجه الصواب، وصر عليه رجل ~~الغراب. وأعجلته فظاعة الخبر عن التدبير، [فبادر إلى العبور بمن معه من ~~صغير وكبير. # ودخل فائق بخارى، فبادر إلى الباب] «6»، ولثم خد التراب. وجلس مجلس «7» ~~الحجاب. وأظهر القلق والالتياع، لإخلال أبي الحارث بدار عزه وشرفه، ومقر ~~الماضين من سلفه، وجشم مشايخ بخارى إليه في مسألته تقديم الإياب، وتعجيل ~~الانقلاب، فوثق إذ PageV01P151 ~~ذاك به، وأمر بالكتاب إليه في إحماده على طاعته وتقربه، فكان مفتتح ما خوطب ~~به من جعل المخالصة «وليك الله» زماما يمده، والمناصحة إماما يهديه ويرشده، ~~فمسعود وقوفه حيث وقفته هذه، ومحمود تصرفه حيث صرفته تلك. # وارتاح أبو الحارث للانصراف حين أمن جانب الخلاف، وسير قبل صريمة الرأي ~~«1» بكتوزون وهو الموسوم «2» بالحجبة الكبيرة على بابه إلى نيسابور على ~~قيادة الجيوش [81 أ] ولقبه بسنان الدولة. ثم عبر النهر عائدا وراءه «3»، ~~فتلقاه فائق «4» مقيما رسم العبودة، ومؤديا فرض الطاعة المحمودة. وانكفأ ~~«5» به «6» إلى بخارى واستقام «7» له الأمر، وخمد ذلك الجمر. # وقد كان بين فائق وبكتوزون سخيمة، وإحنة في الصدور «8» قديمة، فاستحلفه ~~أبو الحارث «9» على الإغماض له فيها، والإغضاء عنها، والعفو عما حز في صدره ~~منها، استثباتا لإقدامهما في الطاعة، واستجماعا لأهوائهما في المتابعة ~~«10». فأظهر «11» الانقياد، وحلف بما أراد، واستقرت أمور السالارية بخراسان ~~«12» على بكتوزون؛ فجبى أموال خراسان لأبي الحارث من غير منازع ولا مدافع، ~~إلى أن طارت النعرة في رأسه، فارتقى PageV01P152 ~~من قصد سلطانه وولي نعمته، إلى ما عرض به الملك للهلك، والدولة للعولة «1»، ~~وأرخ الدهر بعار لا يرحض «2» عنه وضره «3»، ولا يدفع عن وجهه قتره. ### | ذكر ما جرى بين الأمير سيف الدولة وبين الأمير إسماعيل أخيه بعد انتصابه في الإمارة منصب أبيه # ولما اخترم الأمير سبكتكين واستقر الأمر على إسماعيل، طمح أهل العسكر إلى ~~مال البيعة، فأمر به، فأطلق لهم استحقاقهم ms081 المعين استصلاحا لذات البين. [81 ~~ب] ثم أحس القوم خورا في عوده، ورخاوة في عنان تدبيره، لحداثة سنه وطراءة ~~شبابه، وإشفاقه على نفسه من جانب أخيه وقصده، وانتزاعه الأمر من يده، ~~فاستوطأوا مركب الطمع، واستسهلوا جانب التحكم، وتحزبوا للمطالبة بزيادات ~~على الراتبة «4» لهم، حتى استغرق ذلك ما خلفه الأمير سبكتكين، وخلت الخزانة ~~عما يسع الاستظهار به. فاضطر إسماعيل إلى أن يفزع «5» فيما ينوبه آنفا من ~~مؤمن أطماعهم إلى العدة التي كانت مذخورة له بغزنة، فلو بقوا على جملتهم في ~~التسحب عليه، لأسرع تمزق شمل تلك الأموال، وتفرق جمع الأولياء والرجال. # ولما ورد على الأمير سيف الدولة نعي أبيه، وقضى أيام المصيبة فيه، بادر ~~بالكتاب إلى أخيه إسماعيل بغزنة «6» في التعزية عن عارض الرزية، وأتبعه ~~بأبي الحسين الحمولي «7» في إذكاره بحق الكبر «8»، وما يجب له بحكم الزعامة ~~على أهل البيت، PageV01P153 ~~وتعريفه أنه منه بمنزلة العين الباصرة أو أعز، واليد الباطشة أو أمز «1»، ~~وأنه سيبلغ في أمره كل ما يهواه ويرضاه، ويتعلق به مناه. وأن الأمير ~~سبكتكين إنما أفرده بالوصية لإعجال المنية إياه [82 أ] عن وضعها منه موضع ~~الاستحقاق للضرورة العارضة من بعد المسافة وتقاذف الشقة، وأن الرأي فيما ~~يهتز له من توفيته حكم الرئاسة، ومشاطرته الإرث من ذخائر الإمارة «2»، ~~وإفراده بغزنة التي هي وكر عشيرته وحامته، ومعشش خاصته وعامته، على أن يحفظ ~~عليه مكانه من بلخ وما يليها، أو ينقله إلى نيسابور، على ما كان يدبره من ~~أعمالها ونواحيها. # فاستشعر إسماعيل ما كتب الله عليه من النكبة في أيامه حتى كأنه يراه رأي ~~العيان، ويدرس عليه كتاب البرهان. فلم يزده إلا على الإباء والالتواء، ~~وتعريض تلك الأموال للإتواء «3». # وتوسط والي الجوزجان أبو الحارث «4» بينهما على أن يسكن نابض الخلاف، ~~ويقف بهما على نقطة العدل والإنصاف. وأراد كلا منهما على التلاقي قبله، ~~ليشافه كل منهما أخاه بما يقترحه من مراد، ويقتدحه من زناد، إذ كانت لوجوه ~~المشافهة حرمة يعز مثلها على ظهر البعاد، فيحال التحيز والانفراد. فأما ~~الأمير سيف الدولة فإنه ms082 رأى ذلك صوابا، وأوجب من نفسه إسعافا «5». وأما ~~إسماعيل [82 ب] فإنه ند «6» عن الإجابة، ولحظ الأمر بعين الاسترابة، ورأى ~~التسمح بما يقترح عليه من مال الإرث- وإن كان فادحا كله- أهون عليه من ذلك ~~مراما، وأيسر حملا «7» والتزاما، ذعرا تمكن من نفسه، ورعبا PageV01P154 ~~سرى إلى صميم قلبه، وخيفة سالت به في أودية الظنون، ونفرته عن ضم القوادم ~~للسكون. # وأنشدته «1» ذات يوم أبياتا لسيف الدولة في أخيه ناصر الدولة الحمدانيين ~~معرضا بالألفة التي هي أوطأ مهادا، وأخصب مرتعا ومرادا. وهي «2»: # رضيت لك العليا وإن «3» كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق # ولم يك بي عنها نكول وإنما ... تغافلت «4» عن حقي فتم لك الحق # ولا بد لي من أن أكون مصليا «5» ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق # فرجعت «6» عن مقاصدها من ذرعه، وطاشت سهامها دون الغرض المقصود بها من سمعه. # وبعل «7» الأمير سيف الدولة بتدبير ما عراه، لاستحبابه الرفق على الخرق، ~~وميله إلى المداراة على الملاحاة «8»، والمواناة على المناوأة، واختياره ~~البر على الجفاء، وادخاره الكي لآخر الدواء، حتى إذا غار نجم الهوادة، ورق ~~جلباب الحشمة، استعد لإتيان الأمر من بابه، ورد المنتزع منه إلى نصابه، ~~وخاطب الأمير أبا الحارث «9» بما عن له من المهم الذي لا يسعه غير تلافيه، ~~ونثل كنانة «10» الوسع والطاقة فيه. وسار في خواص غلمانه PageV01P155 ~~ورجاله، وقواده المندوبين لاتباع أمثاله «1» إلى هراة، واستأنف بها مكاتبة ~~إسماعيل بين وعد ووعيد، وتمنية وتهديد، وترجيح بين اليأس والأمل، وتنبيه ~~على موقف الندامة والخجل، فلم يغن ذلك منه فتيلا، ولم ينقض من قوى عقده ~~سحيلا «2»، وتراجعت المكاتبات بينهما حتى جد مزاح الكلام، واشتد لفح ~~الخصام، وأعيا فيصل الأمر إلا بحد الحسام. # ودعا الأمير سيف الدولة عمه بغراجق إلى مساعدته ومرافقته «3»، واتباع ~~مصلحة البيت بمتابعته، فتسارع إلى طاعته، وأقر بالحق عليه في مشايعته، ~~واتباع رايته. وخف معه إلى بست وبها الأمير أبو المظفر نصر بن ناصر الدين ~~سبكتكين، فصادف سيف الدولة منه وليا مطيعا، وصفيا إلى الانقياد سريعا، هوى ~~منه لم يرض بزمام ms083 وخطام، ومحبة لم تذلل بإسراج وإلجام، فتبرع [83 ب] ~~بالانقياد، وتسرع إلى المراد، وجرى في حلبة الطاعة «4» طلق الجواد. ولما ~~سمع إسماعيل برحيل الأمير «5» سيف الدولة إلى جانب «6» غزنة، سبقه إليها من ~~جانب بلخ متجردا للممانعة، محتشدا للمقارعة والمدافعة. وسار الأمير «7» سيف ~~الدولة إلى جانب غزنة في عمه وأخيه، وسائر أوليائه ومواليه، حتى أناخ بظاهر ~~غزنة، وقد تطاير إليه من قبل كتب الأعيان من قواد إسماعيل في ممالأته عليه، ~~لما عرفوه من وهي أمره في الرئاسة، وضعف يده عن حق السياسة، وتردد السفراء ~~بينهما في الاستصلاح، وكف عادية الكفاح، فأبى الله إلا ما كان مقدورا، وجعل ~~الحق مشهورا، والمحق منصورا. PageV01P156 # وانتدب الأمير سيف الدولة للحرب فعبى المواكب، ورتب الجيوش كواكب. # ودلف إلى القتال في رجال كالرماح، أو كالنهال القماح «1»، يهشون للقراع، ~~هشاشة الأطفال للرضاع، ويرتاحون للكفاح، ارتياح الهيم للماء القراح، كما ~~قال أبو تمام «2»: # سفع الدؤوب وجوههم فكأنهم ... وأبوهم سام أبوهم حام # تخذوا الحديد من الحديد معاقلا ... سكانها الأرواح والأجسام [84 أ] # مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام # آساد موت مخدرات ما لها ... إلا الصوارم والقنا آجام «3» # وبرز إسماعيل بمن «4» شايعه من مواليه، وتابعه من رجال أبيه، وقد حصن ~~الصفوف بفيلته العظام، كأنها أركان يذبل «5» أو هضاب شمام «6». ودنا ~~الفريقان بعضهم من بعض ضربا بالسيوف البواتك، وطعنا بالرماح الفواتك، ورضا ~~للهام من تحت الترائك «7». # فظلت رحى الحرب تعركهم بثفالها «8»، وتدور عليهم بأثقالها، إلى أن رمت ~~الشمس بجمرات الظهيرة، وقد لاذ بالأمان من سبق وعده، وطلع بالإقبال سعده. ~~وعندها حمل الأمير سيف الدولة بنفسه، فتداعت الزحوف، وتخالطت «9» الصفوف، ~~وخطبت على منابر الرقاب السيوف. وثارت عجاجة أخذت العيون عن الأشباح، ~~وأذهلت النفوس عن PageV01P157 ~~الأرواح، ونثرت الأعناق بأيدي الصفاح، وأقعصت «1» الحماة من وقع السلاح، ~~وظلت سنابك الخيول تردي على جثث النفوس، وتلعب بأكر «2» الرؤوس. # تجري الجياد من القتلى على جبل ... ومن دمائهم يرحضن في وحل [84 ب] # ومن جماجمهم يصعدن في نشز «3» ... ومن ذوائبهم يقمصن في شكل «4» # فلم ينشب أن أسفر ms084 قتامها عن مساقط أبدان تحت أبدان، وأجسام فوق هام. وهام ~~الآخرون على وجوههم يمسحون طول الأرض خوفا من حر العقاب ومر الحساب. # وانحاز إسماعيل إلى قلعة غزنة متحصنا بها في العاجل من مس الطلب، إلى أن ~~تلطف له الأمير سيف الدولة فاستنزله على أمان وحسن ضمان، وجاوره بمعروف ~~وإحسان. ### | ذكر ما جرى بين أبي القاسم السيمجوري وبكتوزون بعد ذلك # وقد كان أبو القاسم بن سيمجور انتقل إلى جرجان بعد انقراض فخر الدولة على ~~طاعة ولده مجد الدولة، فضوى إليه من شذ عنه من عسكر أخيه وموالي أبيه، ~~واتصل به طوائف من أبطال الأكراد والعرب، فاشتدت بهم مناكبه، واحتدت أنيابه ~~ومخالبه، وكانت الحسيكة «5» التي ينطوي عليها فائق لبكتوزون ترصده ~~بالحبائل، وترميه بأغوال الغوائل، فأرسل إلى أبي القاسم يحرشه عليه، ويغريه ~~به ويعده ما يليه، من قيادة الجيوش متى أجلاه عن مكانه، وجلاه «6» في معرض ~~العجز على سلطانه، حتى [85 أ] أجهضته عن جرجان تاركا العين «7» بالضمار، ~~وعارضا الملك «8» على خطر القمار، فكان PageV01P158 ~~مثله كما قال ابن هرمة «1»: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # ففصل عنها قاصدا قصد نيسابور، في جماهير أصحابه ممن ضرستهم وقائع الحروب، ~~ونجذتهم «2» قوارع الخطوب، وكوتهم صروف الأيام بمياسمها، وداستهم أحداث ~~الليالي بمناسمها «3». وأفرط «4» أبا علي بن أبي القاسم المعروف بالفقيه ~~على مقدمته إلى إسفرايين وبها بعض قواد بكتوزون، فالتقيا هناك على حومة ~~الحرب، وتساقيا كؤوس الطعن والضرب. وتداركت الأمداد على أبي علي، لقرب ~~الخطى بينه وبين صاحبه فجفل عنه أصحاب بكتوزون منهزمين إلى نيسابور، وقد ~~اقتسموا بين جرح وكسر، وقتل وأسر. # وسار أبو القاسم سير السحاب تحثه ريح الجنوب، حتى أناخ بظاهر نيسابور ~~مستطيلا بشوكة رجاله، وشكة أبطاله، فأرسل إليه بكتوزون يعلمه أن الحروب ~~سجال، وحسن الظن بعواقبها محال، وأن في قرع [85 ب] باب البغي تعرضا للبلاء، ~~واستئذانا على سوء القضاء، وإنما يصبر على الكفاح من لم يجد وجها للصلح ~~والصلاح. فأما من كان في فسحة من ms085 الرأي وندحة «5» من الاختيار، فإنه ينفس ~~بنفسه «6» عن التغرير بها في مباشرة القتال، ومساورة الأبطال، ومغامسة ~~الأهوال. وإن الرأي له أن يعدل إلى قهستان PageV01P159 ~~ليتنجز «1» له من الأمير أبي الحارث ولاية هراة معها رعاية لحق خدمته ~~وقدمته، وسابق مواته وأذمته. فضربه أبو القاسم بأذن مستكة عن الانتصاح، ~~منسدة عن الصلاح. وحمله الإدلال بحاله ورجاله على التحكم والتسحب، والتمتع ~~والتعصب، وأهاب بعسكره إلى الحرب. فاصطبحوا على مساقاة الطعان والضراب، ~~ومعاناة الحراب ببيض الصفاح وزرق الحراب، ذاهلين عن مصرع الغرر، واثقين ~~بمطلع النجح والظفر. # وعبى بكتوزون رجاله الفتاك، وأشباله الأتراك، في سائر من أظلتهم رايته من ~~قواد الأمير أبي الحارث وأنصاره، والمعتصمين بذمة شعاره، فالتفوا قبالة ~~قرية تدعى بشنجة «2» بظاهر نيسابور، واجتلى أبو القاسم منهم نجوما [86 أ] ~~ورجوما «3»، ولاقت بكارته «4» الحقاق «5» قروما «6». # واشتبكت الحرب بينهم نفحا بالمناصل، وضربا بالمعاول «7» ووخزا بأطراف ~~العوامل، واشتعل أصحاب أبي القاسم فيهم كالنار في دقاق العوسج، أو يبيس ~~العرفج، ضربا هبرا، وطعنا نترا، ورميا سعرا، وطرحوا ميمنتهم على ميسرتهم ~~طردا ودحرا، وقهرا وقسرا، حتى إذا ظنوا أن قوادم الهزيمة، قد أفرجت لهم عن ~~خوافي الغنيمة، صك بكتوزون قلب أبي القاسم بحملة أزلقتهم عن المقام، ~~وأعجلتهم «8» للانهزام، فانصاعوا مخذولين مفلولين يقودهم الخجل، ويسوقهم ~~الخوف والوجل، وقبض في منهزمهم على أبي القاسم الفقيه أحد أركان أبي علي ~~«9» في أيامه بمشهور رأيه ودهائه، ومذكور غنائه ومضائه، وعلى عدة من قواده، ~~ووجوه سواده. PageV01P160 # وفر أبو القاسم في شذاذ عسكره هائما «1» على وجهه حتى امتد به الوجيف «2» ~~إلى قهستان وذلك يوم الجمعة لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين ~~وثلثمائة. # وكتب بكتوزون إلى بخارى بذكر الفتح، وما يسره الله عليه من عسير النجح، ~~فسر الجمهور، وأثلج الصدور، ما [86 ب] خلا فائقا، فإنه اغتم واهتم، وكاد أن ~~يعقد المأتم. وسار أبو القاسم بعد ارتياشه وانتعاشه إلى بوشنج متحكما «3» ~~في أموالها وأعمالها. # وناهضه بكتوزون لانتزاعها من يده. وتوسط السفراء بينهما على وصلة «4» ~~انقعدت بينهما، ورهنه أبو القاسم ابنه المعروف بأبي ms086 سهل، فارتقع من بينهما ~~الخلاف، وحصل الاتفاق والائتلاف، وعاد أبو القاسم إلى قهستان، وكر بكتوزون ~~إلى نيسابور في رجب من هذه السنة. # وجرت بين فائق وأبي المظفر محمد بن إبراهيم البرغشي «5» ملاحاة «6» في ~~تدبير الأعمال والأموال، فأرصده لها بالسوء، وقصده بالمكروه من أكثر ~~الوجوه، فلاذ بأبي الحارث من قصده، واستأمنه على نفسه، فآواه داره، وأدر ~~عليه مباره. # وأتاه فائق يسأله «7» تمكينه منه، وإيثاره به، فجبهه «8» بالرد، وأغلظ له ~~في القول فخرج من مجلسه على حد منكب يتحدث بالانقطاع إلى الترك، والإخلاف ~~بكفالة الملك، حتى سفر بينهما مشايخ بخارى ففثأوا «9» فائقا عن رأيه، ~~واستماحوا الأمير أبا الحارث حسن عفوه وإغضائه. PageV01P161 # وسير أبو المظفر [87 أ] إلى ناحية الجوزجان، وسد مكانه بأبي القاسم ~~البرمكي، فصدقت فيه فراسة المعروف بالمضراب الشاعر البوشنجي حيث يقول «1»: # وكنا زمانا نذم الزمان ... ونرثي الوزارة بالبلعمي # فأخرنا العمر حتى انتهت ... من البلعمي إلى البرغشي # وسوف تؤول على ما أراه ... منه قريبا إلى البرمكي # وكان أبو القاسم هذا موصوفا بالفضل، إلا أن أغلب الصفات عليه صفة البخل، ~~وحين ولي الوزارة، ناقش أولياء ذلك الباب في أعطياتهم الواجبة، وجراياتهم ~~الراتبة، وعارض أطماعهم في خاصته بزند شحاح «2»، ووجه على الرد وقاح، فلم ~~يرعه إلا دبابيس الأتراك تهشم «3» قذاله «4»، وترض عظامه وأوصاله، ولقد ~~أحسن من قال: # يقول لي دعبل في ثوبه خبل ... ولو تمس ثيابي دعبلا خبلا «5» # ودعبل رجل ما شئت من رجل ... لو كان أسفله من عرضه نحلا «6» # لا والذي سبك الصهباء من ذهب ... والكأس ياقوتة ما ساد من بخلا ### | ذكر إنزال إسماعيل من قلعة غزنة «7» # واستنزل الأمير سيف الدولة أخاه إسماعيل من قلعة غزنة على أمان بذله، [87 ~~ب] وضمان أجمله. وتسلم منه مفاتيح الخزائن، وأحاط بزوايا الأعلاق والدفائن. PageV01P162 # وجبر له كسر حاله، وأعاد إليه رونق مائه وجماله. وشحن غزنة بثقاته، والكفاة ~~من حماته. وانحدر إلى بلخ في عامة أوليائه وأنصاره، وقد انتظم له ما انتثر ~~بعد أبيه، واستقر عليه ما سعى في تلافيه، فغصت شعاب بلخ وضواحيها بطبقات ~~رجاله، ms087 وعلامات الأعلام من أفياله، فكتب إلى الأمير أبي الحارث بذكر ~~إقباله، وحذفه فضل الشغل الذي «1» كان بأخيه عن باله، وأنه «2» قائم مقام ~~أبيه في المحاماة عن الدولة، والنضال عن الجملة، والإقبال على قضاء حقوق ما ~~تعرفه من بركة اصطناع الرضا واصطفائه، وتقديمه على زعماء حشمه وأوليائه. ~~فأرسل إليه أبو «3» الحسن العلوي الوصي الهمذاني في تهنئته بمقدمه، وإظهار ~~اليمن بموطى ء قدمه. وعقد له على بلخ وترمذ «4»، وما والاهما، وديار بست ~~وهراة وما تاخمهما وداناهما، وتلطف في الاعتذار إليه من أمر نيسابور حرصا ~~على ترضيه، وكراهة لصرف بكتوزون عنها إلا بعلة تقتضيه. # فعلم الأمير سيف الدولة [88 أ] أن تلك المناقشة صادرة عن تمويه الحساد، ~~وتلبيس المناوئين والأضداد، وأن داء الحقد ليس له علاج، وأن صلاة النجح ~~بغير فاتحة البر خداج. فأرسل «5» إلى الأمير أبي الحارث ثقته أبا الحسين ~~«6» الحمولي بهدايا يضن «7» بمثلها سمح النفوس، ويضيق عن قدرها رحب الصدور. ~~ورسم له أن يحجب سمعه عن تضريب المضربين، وتثريب المثربين، ويتلطف لاستخلاص ~~سره «8» له، واستصفاء محله PageV01P163 ~~قبله، لترتفع الحشمة، وتتأكد العصمة، وتستحكم الثقه، ويعرفه «1» بأن تخييمه ~~«2» بعرصات خراسان إنما هو من أجل موالاته، وتدبير أمور ولاياته. # فلما ورد «3» بخارى، أعرض عما وجه له «4»، وعرضت الوزارة عليه لموافقة ~~مورده، وخلو صدرها عمن يستقل بأمرها، فكان مثله كما قيل: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد # واشتغل بالوزارة عن حق السفارة، وأقبل على الأمر بوجه المجد المستبد، ~~يريد سكر ما انبثق عليه النهر، وكتمان ما نم عليه الجهر، ولن يصلح العطار ~~ما أفسد الدهر. # وأنشدني المضراب «5» لنفسه فيه: # وكنا نذم الدهر من غير حنكة ... بيوسفه «6» والبلعمي «7» وغيره [88 ب] # إلى أن رمانا بالغفاري «8» بعدهم ... وعاندنا في عبده وعزيره «9» # وما قد دهانا بابن عيسى «10» وجوره ... وفي ابن أبي زيد «11» النخيب «12» وسيره # ولم نرض بالمقدور فيهم فأمنا ... بكل كسير في الورى وعويره PageV01P164 ~~ولما أحس الأمير سيف الدولة بصورة الحال في تناقض الآراء، وتخاذل التدابير ~~«1» والأهواء، وإشراف الملك على الضياع، بمداهنة النصحاء، واعتيامهم «2» ~~صلاح ms088 أنفسهم في وجوه المقاصد والأنحاء، عدل إلى نيسابور على ما كان يليه من ~~جماهير أوليائه ومواليه. وحين سمع بكتوزون بإقباله، تزحزح عن نيسابور قصيا، ~~إبقاء على عدته وعتاده، وإشفاقا على عدد رجاله وأجناده. وكتب إلى الأمير ~~أبي الحارث بفصوله عن مكانه أخذا بالوثيقة، ومحاماة على الحقيقة، واحتراسا ~~من غرة اللقاء قبل اختمار العزيمة والرأي، فحملته سكرة الحداثة، ونزقة ~~الصبا والغرارة، وقلة النظر في العواقب، وعدم الحظ من التجارب، على الإغذاذ ~~«3» إلى خراسان فيمن أنهضه الإمكان بالمساعدة من وجوه خاصته وسائر «4» ~~حاشيته. وسار إلى سرخس كالسهم صادرا عن وتره، والسيل سائرا [89 ب] إلى ~~منحدره. فعلم الأمير سيف الدولة أن قصده إياه من نتائج التغرير، وفائل «5» ~~الرأي والتدبير، ومهانة الناصح والمشير، إذ لم يكن في منة «6» القوم ~~مقاواته على شده بأسه، وملاقاته على قوة مراسه، إذ لو قذفهم ببعض رجومه ~~لغادرهم رمادا تذروه العواصف، وتقتسمه الشمائل والجنائب، لكنه «7» رأى أن ~~يغضي جفن الاحترام، ويحمي ستر الاحتشام، ويرعى سابق الحق والذمام؛ فخالف ~~طريقه إلى مرو الروذ مفرجا له عن نيسابور، إلى أن يتمكن من ارتجاعها ببينة ~~تشترك في معرفتها القاصية «8» والدانية، وحجة على مناوئيه ومخالفيه تتصورها ~~الحاضرة والبادية. وعطف إلى قنطرة زاغول «9» فخيم بها مراعيا لما يسفر عنه ~~التدبير، وينكشف عن حقيقته الضمير. PageV01P165 # وبادر بكتوزون إلى مناخ الأمير أبي الحارث، وهناك فائق في قضه وقضيضه، ولفه ~~ولفيفه. فلما وصل إليه أنكر محله لديه، لتقصير «1» في حق مقدمه تجناه عليه، ~~وشكا إلى فائق ما أنكره، فشكا إليه فوق ما ذكره، وتداولا فيما «2» بينهما ~~ذكر معايبه «3»، وتقاولا خشونة جانبه، وحزونة أخلاقه وضرائبه «4»، وأغريا ~~أهل العسكر بخلعه، [89 ب] والتماس الراحة بالاستبدال «5» به، فانجروا معهما ~~في جرير المساعدة، حرصا على لذة الاستطراف، واغتناما لنهزة الاستضعاف. ~~فاستحضره «6» بكتوزون بعلة اجتماع العسكر لمهم احتيج إلى نظره فيه، وإشارته ~~بوجه الصواب في تلافيه، حتى إذا حضره «7» حصره، ووكل به من سمل بصره، غير ~~آو «8» لفجيعته بطليعتي حياته «9»، أحسن ما كان رداء جمال، وعمود اعتدال، ~~وطلعة هلال، وروعة عزة ms089 وجلال. ولقد أجهش إليه عند الاستسلام في حاج «10» له ~~ثلاث خفاف المئونة عليه، منها: صيانة من قامت عنه «11» عن ذل المناظرة على ~~مال المصادرة. فكايده بخلاف حاجته، ونقيض مسألته «12» إلهابا لنار الحسرة ~~في صدره، ومضاعفة لنقل المحنة على ظهره، فعل الموتور بما لا شوى له «13»، ~~ولا بقيا معه. PageV01P166 # وعمد هو وفائق إلى أخيه عبد الملك بن نوح «1» وهو أصغر منه سنا، وأضعف ~~ركنا، فأقاماه مقامه، وسدا به مكانه. وماج الناس بعضهم في بعض للفتنة ~~الشاغرة، والأحوال المتنافرة. # ونذر الناس بالأمير سيف الدولة أنه قد خيم بقنطرة زاغول، فكروا [90 أ] ~~على أدراجهم كاليعافير «2» الراعية راعتها «3» الفوارس، وأحاطت بها الكلاب ~~النواهس «4»، حتى أخذوا قرارهم بمرو. وأرسل الأمير «5» سيف الدولة إلى ~~الكافلين بالتدبير، يهجن إليهما ما ارتكباه في ولي النعمة من إزالة الحشمة، ~~وإضاعة الحق والحرمة، غير ناظرين «6» للدين، ولا متحرجين للإسلام ~~والمسلمين، ولا متهيبين «7» للأحدوثة الشنعاء على ألسنة الذاكرين، مدى دهر ~~الداهرين. # وامتدت المراجعة بينهم في الحادث الكارث، وهما يختلانه «8» عن انتهاز ~~الفرصة فيهما «9»، واهتبال الغرة منهما، تطميعا له عن صاحبهما «10» في جديد ~~الرعاية، ومزيد الولاية. # وكلما هم بالإحجام على وجه الاحترام، طالبته سعادة الجد بالإقدام، وحرضته ~~على الانتقام للدين والإسلام. ثم رأى أن يزحف عن مناخه إلى ظاهر مرو لتكون ~~«11» لطافة «12» الصلح وجاها، أو سفاهة السيف شفاها. PageV01P167 # ولما تسامع القوم بإقباله، دب الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوهل «1» في ~~تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم. ولما سقط في أيديهم، ورأوا ~~أنهم قد ضلوا، قالوا: لئن لم يرحمنا [90 ب] ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين «2». فأبى الله إلا أن ينتقم منهم بسيف سيف الدولة، جزاء عن «3» ~~فعلهم الفظيع، وخطبهم الشنيع، وسعيهم المذموم عند الجميع، فصبه عليهم صب ~~عزالي «4» الغيث بنوء المرزمين «5»، غير أنه غيث قطره عيث «6»، وغيم حشوه ~~ضيم، وسحاب حمله عذاب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ~~شديد «7». # وبرز فائق وبكتوزون وأبو القاسم بن سيمجور بملواحهم «8» عبد الملك بن نوح ~~وسائر أهل العسكر ms090 إلى ظاهر مرو، مقابلين لعسكر الأمير سيف الدولة يعلنان ~~جلادة، ويسران بلادة، ويقدمان ظاهر العيون، ويحجمان خيفة الحرب الزبون «9»، ~~وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان ~~عليهم مجرورة، وبوارح الإدبار وجوائح الدمار، من كل أوب إليهم محشورة. وظل ~~القوم على علم بأنهم يدمرون على الدمار، ويتهافتون تهافت الفراش في النار، ~~ويقتلون الأنصار PageV01P168 ~~بسيوف الأنصار، كما قال الله تعالى: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار «1». # وتردد السفراء بينهم وبين الأمير سيف الدولة [91 أ] في مواضعته «2» على ~~سلم يسلمون معها «3» في العاجل من شدة بأسه، ويفتدون «4» بها من مرارة ~~كأسه. فأحسن الأمير سيف الدولة إجابتهم إلى مواضعتهم على علمه باستبطانهما ~~للختل والحيلة، واستشعارهما للغدر والخديعة، إلزاما للحجة، وطمسا على ~~الشبهة، وإعذارا إلى الكافة، وبراءة من خطة البغي في دفع المكافة. فما كان ~~«5» إلا أن قوضت للرحيل خيامه، ونشرت للقفول أعلامه، حتى ثار أوباش القوم ~~«6» على أثره لانتهاب عسكره يظنون بأنفسهم الظنون، وإنما يتعجلون المنون، ~~ويدوسون أذناب الأراقم لو كانوا يشعرون. # فلما رأى الأمير سيف الدولة ركوبهم مقطعة الضلال، واقتحامهم مسبعة «7» ~~الآجال، معلقين خيوط الرقاب «8» بالحرص الغالب، والطمع الكاذب، لا يثنيهم ~~حلماؤهم «9» عن التسفه والتخبط، ولا يحميهم كبراؤهم عن التهور «10» ~~والتورط، علم أن ذلك أمر يراد، وداء خلطه البغي والعناد، وأيقن أن سرهم ~~بالفساد مغمور، وأن السفيه إذا لم ينه مأمور. # وأمر بالثائرين «11» فجاش إليهم من حواشي الجيوش من طبقوهم بالهض والرض، PageV01P169 ~~وأضجعوهم- إلا من [91 ب] شاء الله- على صعيد من الأرض. واستخار الله في ~~الكر على بغاة السوء محاكما إياهم إلى البيض القواطع، ومدليا ببينات الرماح ~~الشوارع، ومسجلا على الانتصاف منهم بشهادات النسور والخوامع. وأقبل فرتب ~~الجيوش قلبا كثهلان «1»، وميمنة كرضوى «2»، وميسرة كأبان «3»، وحصن المصاف ~~بزهاء مائتين من فيلة «4» كرعن «5» الجبال، أو دكن السحاب الثقال، مغشاة ~~بتجافيف لم يعور منها غير حدق النواظر، وحدائد «6» الأنياب الفواقر «7»، ~~تهول ساستها عليها بمرهفات كالبروق الخواطف، وصفارات كالرعود القواصف، وقد ~~نشرت «8» عليها التماثيل السود كأنها الأساود «9» والأسود، يخيل ms091 اضطراب ~~الرياح فيها أنها تزحف للالتهام «10»، أو تنقض لاختطاف الهام. # وتعالت عليها أطراف العوامل، فكأنها آجام السواحل، تأويها شياطين الأنس ~~فرسانا، وعفاريت الترك والهند مردا وشبانا، تبص «11» عليهم سابغات داود ~~«12» كصفائح الماء تجلوها الشمس سافرة، وتزهاها الشمال سائرة، قد جعلوا ~~الدروع وقاية للأجسام، وظاهروا عليها [92 أ] بالقلوب حرصا على الانتقام، ~~فهم يأنسون بمباشرة القتال، ومساورة الأفيال، واستثارة المنايا عن مرابض ~~الآجال، أنس العيون بأناسيها الباصرة، والقلوب بأمانيها الحاضرة. PageV01P170 # ووقف الأمير سيف الدولة في القلب بنفسه، وأخويه نصر وإسماعيل ابني ناصر ~~الدولة «1» سبكتكين، وعمه بغراجق، فكأنما عناه أبو فراس «2» بقوله: # علونا جوشنا «3» بأشد منه ... وأثبت عند مشتجر الرماح # بجيش جاش بالفرسان حتى ... ظننت البر بحرا من سلاح # وألسنة من العذبات حمر ... تخاطبنا بأفواه الرياح # وأروع جيشه ليل بهيم ... وغرته عمود للصباح # صفوح عند قدرته كريم ... قليل الصفح ما بين الصفاح # فكان ثباته للقلب قلبا ... وهيبته جناحا للجناح # وزحف بهم نحو الخصوم على هيئة «4» وافرة، وهيبة حاضرة، فكادت الأرض تمور، ~~والجبال تثور، والنهار الناهر «5» يحول، والفلك الدائر يزل أو يزول. ونذر ~~القوم بإقدامه، وإقبال ألويته وأعلامه، فقامت عليهم القيامة، واستفاضت فيهم ~~[92 ب] الحسرة والندامة، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون علما بما ارتكبوه من ~~الأمر الإمر «6» واجتلبوه من الصيلم الإد «7». وحفزهم حافز الضرورة عن ~~المشورة، ففزعوا إلى الاحتشاد، وبعثوا بالركوب إلى القواد والأفراد، وبرزوا ~~من جدران المدينة، في أفواف وأصباغ يوم الزينة، PageV01P171 ~~وهم أكثر ما كانوا قط في معركة لحشرهم من أطراف خراسان وما وراء النهر كل ~~فارس وراجل، وحامل عضب «1» أو عاسل «2»، سوى من استبقتهم تلك الدولة من كل ~~فحل بازل، وبطل باسل، وشجاع مقاتل. وأقاموا الصفوف على الموازاة قلبا ~~كمجتمع الليل، وميمنة كمندفع السيل، وميسرة مشحونة بأشاهب الخيل. وماج ~~الفريقان بعضهم في بعض كالجراد «3» المنتشر ضربا يزيل الرؤوس عن العواتق، ~~ويبين الزنود عن المرافق «4»، وطعنا يهتك ودائع الصدور، ويرد مشارع الغموم ~~والسرور، ورشقا «5» يصيب «6» شواكل الأبصار، ويطلب وراء الفقار مضجع ~~القرار. # واشتدت الحرب حتى تقلصت الشفاه، وتغضنت «7» الجباه، وتقطعت ms092 الأنفاس، ~~وتحسرت الفرسان والأفراس، واغبرت الآفاق، واحمرت [93 أ] الحماليق «8» ~~والأحداق. # وخاض الأمير سيف الدولة غمرة «9» الحرب يجتذب بالأوهاق «10» مطالع ~~الأعناق، ويختطف بالأرماح ودائع الأرواح، ويغض «11» بالأسياف مجامع ~~الأكتاف، حتى رويت الأرض من بزال «12» الحلوق، وغرقت الحوامي «13» في نواعر ~~العروق. PageV01P172 # ودامت «1» على حالها في الاحتدام والاضطرام، والافتراس بأنياب الحمام، من ~~حين استقلت الشمس إكليلا على الجبل، إلى أن نفضت ورسا على الأصل، فاضطرب ~~القوم ضجة من حز «2» المناصل، وضيقا بوخز العوالي والعوامل، وتداعوا «3» ~~بحملة تكشف عنهم غمة القتال، بفيصل الإدبار أو الإقبال، فطرحوا الميمنة على ~~الميسرة وهم يظنون وراء ذلك ظنونا، ويخطبون من بنات الأماني أبكارا وعونا، ~~وأبى الله إلا أن يعكس عليهم ما ظنوه، ويحيق بهم وبال ما سنوه، حين ركبوا ~~من ولي النعمة ما ركبوه، إخفارا لذمته، وإنكارا لحرمته، وإذالة لحشمته، ~~وإضاعة لحق نعمته. وألهم الأمير سيف الدولة أن يزحف إليهم بسواد موقفه، فلم ~~يكن إلا صدمة واحدة حتى زلت الأقدام عن مقارها، وتهاوت الرقاب عن مزارها، ~~[93 ب] وجعلت تساقط أشخاص الألوية والمطارد، وتبرد النفوس عن ضرب السيوف ~~البوارد، واستمرت الهزيمة بالظلمة عند اعتكار الظلام، فطاروا بين الأقطار ~~كل مطار، وسفت بهم سافية الدمار والإدبار، فلم يلتق منهم بعدها اثنان عند ~~تنازل الأقران، وتناوب الضراب والطعان، ذلك ذكرى للذاكرين، وكذلك يفعل الله ~~بالظالمين. # وجفل عبد الملك بن نوح إلى بخارى، ومعه فائق في أتباعه. وانتبذ بكتوزون ~~إلى نيسابور في أشياعه، وأبو القاسم بن سيمجور إلى قهستان وقد صاروا «4» ~~حزق مزق، وعادوا شذر مذر «5». وأصبح سيف الدولة وقد أنجز الله له وعده، ~~ونصر جنده وحده «6»، PageV01P173 ~~وأسعد الله على رغم الراغمين جده «1»، وأعلى يده، وأورى زنده، وساق إليه ~~هدي «2» الملك على غير مهر سوى الشكر، ولا صداق سوى الاستحقاق، وورث دولة ~~آل سامان، وملك ديار خراسان سنة تسع وثمانين وثلثمائة. # ورأى أن يعجل بكتوزون وأبا القاسم السيمجوري عن التجمع ثانيا، والتحدث ~~بالالتقاء آنفا، فانحدر إلى طوس «3» في البحر الأخضر «4» [94 أ] من رجاله ~~وأفياله. وطار بكتوزون بجناح الهرب إلى ms093 حدود جرجان، وقفى السلطان على أثره ~~بأرسلان الجاذب «5»، فجعل يطرده طرد الشهب أشخاص العفاريت حتى نفاه من تخوم ~~خراسان. # وولاه السلطان ناحية طوس «6»، ورتبه بها فيمن ضم إليه من قواده، وسار إلى ~~هراة مطالعا لأعمالها، ومجددا للعهد بأحوالها. فلم ينشب بكتوزون حين سمع ~~بانثناء عنانه إليها أن كر إلى نيسابور فملكها ثانيا يري أنه يناضل عن دولة ~~قد حم حمامها، وانقضت أيامها، وناحت عليها أصداؤها وهامها «7»، فلم يزد على ~~أن جشم السلطان كلفة الكر عليه قبل أن اطمأنت به قعدته «8»، أو جفت على ~~طرفه لبدته، فجفل عن نيسابور على سمت أبيورد. PageV01P174 # وشد السلطان عليه الطلب، فركب المفازة «1» إلى مرو «2» مبقيا بالوحاء «3» ~~على الحياة، ومستظهرا بالنجاء «4» على النجاة. فخلص «5» إلى مرو فيمن ~~أعانتهم فراهة المراكب، وقوة الصبر على وعثاء تلك المهارب، ورام أن يتملكها ~~ويحتجز بها «6»، فمانعه أهلها موالاة للسلطان، وشكرا لما وسعهم من العدل ~~والإحسان، فشن عليهم [94 ب] غارة شعواء، وخبطهم بالسيوف خبط عشواء، وركب ~~مفازة آمل حتى عبر النهر إلى بخارى. # ولما خلت «7» خراسان من بكتوزون وأصحابه، سرب السلطان أرسلان الجاذب والي ~~طوس إلى قهستان لنقضها عن أبي القاسم بن سيمجور إذ كان يظن الظنون في ~~تدبيره، ويطمع في الارتياش عن تحسيره، فواقعه بها، وطرده إلى نواحي طبس «8» عنها. # وولى السلطان أخاه الأمير نصر بن ناصر الدين سبكتكين قيادة الجيوش ~~بخراسان، ورتبه بنيسابور على ما كان يليه آل سيمجور على قديم الزمان، وامتد ~~إلى بلخ مستقر أبيه ناصر الدين، فاتخذها حضرة الملك ودار السلام. # ولما انتهى السلطان إلى بعض حدود مرو الروذ منصرفه إليها ركب على رسم PageV01P175 ~~التصيد في خف من العدد، ومعه أخوه إسماعيل بن ناصر الدين «1»، و«2» قائد ~~«3» من قواد أبيه يعرف بنوشتكين كاج «4» قد وتره «5» إحساسه [ب] ما آل أمره ~~على يده لا غير، إذ كان كأحد رفقائه في الإثبات والإطلاق، والإحسان ~~والإرفاق. فبينا السلطان في هزة «6» الاقتناص، إذ حانت منه التفاتة، فإذا ~~به قابضا على قبيعة «7» سيفه [95 أ] يروم انتضاءه، وقد رمى «8» بطرفه ms094 وجه ~~إسماعيل يطلب إيماءه «9». ولاح للسلطان إنكار إسماعيل عليه بدلائل رمزه ~~وإيماضه، وشواهد ارتياعه وامتعاضه، غير أن استشارته إياه فيما جناه قد فرشت ~~له بساط التهمة، وجرحت منه جارحة الثقة. # وبادر السلطان إلى مضربه، وقد أمر بالاحتياط عليه في وقته، وحكم فيه خواص ~~غلمانه، فأخذته السيوف حتى تطايرت أعضاؤه، وتناثرت عليه أوصاله وأجزاؤه. # ثم دعا [السلطان بأخيه] «10» إسماعيل فأدلى بعذره، وجحد العلم بما أبداه ~~الخائن «11» من خائنة سره وغدره. وجرت مخاوضات «12» ومراسلات اقتضاه «13» ~~آخرها أن يستوثق منه PageV01P176 ~~لنفسه وملكه، إذ كان لا يلتقي سيفان في غمد، ولا يجتمع فحلان في شول «1». # وبلغني أن السلطان بعد استنزاله إياه عن القلعة بغزنة «2» بسط منه في بعض ~~مجالس أنسه، وباحثه بلسان الاستدراج «3» عند حث السقاة عما كان ينويه في ~~معاملته أن لو ملك من أمره ما ملكه هو منه، فحملته سلامة صدره، ونشوة خمره، ~~على أن قال: [95 ب] كان رأيي فيك أن أوعز بك إلى بعض القلاع موسعا عليك ~~فيما تقترحه من دار، وغلمة وجوار، ورزق على قدر الكفاية دار. فلما ارتاب ~~السلطان عند الحادثة به، عامله بعين ما نواه، وقابله بجنس ما أبداه، ~~واستودعه والي الجوزجان أبا الحارث «4» ممكنا مما يشتهيه، ممتعا بمثل ما ~~كان ينويه، فلله هذا الفعال «5» الذي طرز ديباجة الكرم، وغبر في مساعي ملوك ~~الأمم. وقد يستغرب هذا الإسجاح «6» من وجه وإن كان لا يستبدع من آخر، لأن ~~هناك عاطفة القربى والرحم، ولكن الشأن في الأجانب الذين تغلق رقابهم «7» ~~الأجرام الفادحة، والجنايات الفاضحة «8»، كيف يسلط فيهم رأيه على هواه، ~~ويستبقي الجاني بما جناه، فلم يسمع بأعف منه في الجنايات سيفا، ولا أحسن ~~على فورة الزلات صبرا. واحتج لهذه الخصلة الفاضلة بأن الملك الحازم «9» من ~~يسلب الجاني في حال سخطه ما يمكنه الوفاء بعينه أو بمثله عند رضاه، وجرح ~~المال يؤسى بالتعويض والإخلاف، فأما النفوس فليس لإتلافها من تلاف. PageV01P177 ### | ذكر الخلع التي أفاضها القادر بالله «1» أمير المؤمنين على السلطان يمين الدولة وأمين الملة # [96 أ] أوجب القادر بالله أمير ms095 المؤمنين له «2» خلعا لم يسمع بمثلها ~~محمولة من دار الخلافة، ولقبه في كتابه بيمين الدولة وأمين الملة لقبا كان ~~مصونا في صدف الشرف، لم تنله قط أيدي الغاصة «3» على كثرة الطلاب وتنافس ~~الملوك في الألقاب، فتبوأ سرير الملك «4»، واجتاب خلعة المجد، وأذاع شعار ~~الطاعة لأمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين. وقام بين يديه أمراء ~~خراسان سماطين مقيمين رسم الخدمة، وملتزمين حكم «5» الهيبة. وحبسهم بعد ~~الإذن العام على مجلس الأنس، وأمر لكل منهم، ولسائر غلمانه وخاصته ووجوه ~~أوليائه وحاشيته سحابة يومه من روائع الخلع والصلات، ونفائس الأحبية ~~والكرامات، بما لم يتسع لمثله ملك ملك، ولم يف «6» ببعضه ضمير أمير. # واستجابت خراسان لأمره، وفرعت «7» منابرها بذكره، واستقت الأمور عن آخرها ~~في كنف إيالته، واستوسقت الأعمال في ضمن كفالته. وفرض على نفسه في كل عام ~~غزوا «8» في الهند ينصر به الدين، ويقمع أعداء الله الملحدين، فكتب الله له ~~أجره، وأحسن نصره، كذلك قال الله تعالى [في محكم كتابه] «9»: يا أيها الذين ~~آمنوا [96 ب] إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم «10». PageV01P178 ### | ذكر انصراف عبد الملك بن نوح إلى بخارى # ولما وصل عبد الملك بن نوح إلى بخارى في الفل ومعه فائق، وتلاحق به ~~بكتوزون في أصحابه، وأولياء عبد الملك في مضامته، طمعوا آنفا في الاستقلال، ~~وتكهنوا لأنفسهم بطالع الإقبال، وتحدثوا بالاحتشاد لأنف «1» القتال. واخترم ~~من بينهم فائق في شعبان سنة تسع وثمانين وثلثمائة، وهو وجه الرزمة «2»، ~~وطراز الحلة، وعمدة الجملة، والملقب بعميد الدولة، فتمكن الانخزال «3» من ~~صدورهم، وسرى الانحلال في أمورهم. # وانحدر أيلك خان «4» إلى باب بخارى يظهر لعبد الملك «5» وسائر أجناده ~~وأنجاده موالاة خداع واحتيال، وممالأة استدراج واغتيال، وهم يظنون استظهارا ~~على ما عراهم، واحتياطا لما شد عراهم، مغرورين عن واجب الاستبصار، ~~والاحتراس عن حبائل الأوتار، حتى أنسهم بلطائف بره وإقباله، وأطمعهم بزخارف ~~أقواله وأفعاله. # وركب إليه بكتوزون وينالتكين الفائقي وسائر قواد عبد الملك [97 أ] صباح ~~يوم، فلما اطمأن بهم المجلس، أمر باعتقالهم، والقبض على أصحابهم ودوابهم، ~~واستلاب أسلحتهم وأسلابهم «6»، فلم ينج ms096 منهم إلا الفارد الشارد، والنادر ~~المبادر. # وبلغ الخبر عبد الملك، فوجد عدته قليلة، وقوته مستحيلة، فلم يجد غير ~~الاستخفاء حيلة، ودخل أيلك بخارى يوم الثلاثاء العاشر من ذي القعدة سنة تسع ~~وثمانين وثلثمائة، ونزل دار الإمارة، وبث على عبد الملك عيون الطلب، وطلائع ~~الرغب والرهب، حتى ظفر به، فحمله إلى أوزكند «7» فمات بها. وطفئت بقية ~~الشعلة من دولة آل سامان بما PageV01P179 ~~وراء النهر وأطراف خراسان، فصارت كأن لم تغن بالأمس، كدأب الدول الماضية في ~~القرون الخالية، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون «1». ### | ذكر خروج أبي إبراهيم إسماعيل «2» بن نوح المنتصر وما جرى بينه وبين أيلك الخان بما وراء النهر وبين «3» صاحب الجيش أبي المظفر نصر بن ناصر الدين بخراسان # كان سبب خروجه أنه لما تمكن أيلك خان من بخارى، قبض على: أبي الحارث ~~المكحول، وعبد الملك، وأبي إبراهيم «4»، وأبي يعقوب بني نوح بن منصور ~~الرضا، [97 أ] وعلى أعمالهم: أبي زكريا، وأبي سليمان، وأبي صالح الغازي، ~~وغيرهم من الأرومة السامانية، وأمر باعتقالهم. ورسم إفراد الإخوة منهم في ~~حجرة على حدة احتياطا لنفسه بتفريق ذات بينهم عن تمكينهم من اقتضاب الحيل، ~~واختلاق الأراجيف، وارتقاب الفرص. واحتال أبو إبراهيم المنتصر للتخلص من ~~معتقله «5» في زي جارية كانت تنتابهم لمطالعة أحوالهم، ومراعاة أوقات ~~أقواتهم «6»، فكانت حاله في الخلاص موافقة لحال الكميت حين استشعر «7» ثياب ~~طلته «8»، وانسل «9» من «10» غمد الاعتقال PageV01P180 ~~بمهجته، ثم أنشأ يقول: # خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوابح والمشلي «1» # علي ثياب الغانيات وتحتها ... صريمة رأي أشبهت سلة النصل «2» # واستخفى المنتصر [بعد خلاصه] «3» عند عجوز من أهل بخارى إلى أن أيس منه ~~الطلب، ثم سار إلى خوارزم كالحسام الغاضب، بل الشهاب الثاقب، متجردا ~~للانتصار، مستعينا بالله على درك الثأر. وتلاحق به من ند وعار «4»، وأنجد ~~وغار من بقايا القواد والأجناد السامانية [98 أ] في أطراف خراسان، حتى ~~اجتمع شمله، وكثف خيله ورجله. # وركض أرسلان بالو الحاجب إلى بخارى، فبيت «5» الخانية «6» بها تحت ~~الملاحف والنمارق «7»، وشغلهم بحقائق السيوف البوارق، ms097 عن مجاز الأحلام ~~الطوارق، وقبض على جعفرتكين وعلى سبعة عشر نفسا من أعيان القواد الخانية، ~~وحملهم في وثاق الأسر إلى الجرجانية، وأفلت الباقون بجريعة الأذقان «8» نحو ~~أيلك الخان، فركب أرسلان أكتافهم يحثهم حث الشمال قزع «9» الخريف، وطرحهم ~~إلى حدود سمرقند وما يليها مقتفيا آثارهم. # وكاسعا أدبارهم. ووافق بقنطرة كوهك تكين خان في عسكر جرار نائبا عن أيلك في PageV01P181 ~~حراسة سمرقند وما يليها، فانتدب لمناجزته، واستعان بالفل وسائر أصحابه على ~~مبارزته، فنصب أرسلان له وجها وقاحا، وأضرم عليه الأرض كفاحا، فولاه ظهر ~~الإدبار، واتقاه بعوذة الفرار. وغنم أرسلان ومن معه أموالهم، ورموا بتلك ~~الأنفال أحوالهم. # وعاد أبو إبراهيم المنتصر [عند ذلك] «1» إلى بخارى فاستبشر أهلها بمعاده ~~على مراده. وبلغ [98 ب] أيلك الخان خبره فجمع أحابيش الترك، وصمد صمده في ~~العدد الدثر. وكر أرسلان بالو راجعا إلى المنتصر، واقتضاه الاحتياط عند ذلك ~~العبور إلى آمل الشط، فوافاها وجباها، وضاقت به وبأهل «2» عسكره، فركب ~~المفازة على سمت أبيورد، فملكها، وسار عنها قاصدا قصد نيسابور [وبها صاحب ~~الجيش أبو المظفر «3» نصر بن ناصر الدين سبكتكين، فالتقيا] «4» على فضاء ~~بين بغوخك «5» وبشنجة [قريتين على أربع فراسخ من نيسابور] «6»، وذلك يوم ~~الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلثمائة. ودارت ~~عليهما رحى الحرب، يفصلون بالبيض البوارق، ما بين الطلى والعواتق، ويضربون ~~مفارق الهام، ضرب القدار نقيعة القدام «7». # ولما اشتدت وطأة [الحرب على صحبها، ومرت كأسها على شربها، وتكاثفت جموع ~~أبي إبراهيم المنتصر على] «8» أصحاب صاحب الجيش أبي المظفر، اقتضاهم PageV01P182 ~~الاحتياط أن يتحيزوا إلى جانب «1» هراة انتظارا للمدد، واستشرافا لمأمول ~~صنع الله في الغد، فحثوا ظهور الخيل بين ذيول الليل، حتى شابت عليهم لمته ~~«2» بين حدود بوزجان «3». # وتمكن المنتصر من نيسابور، وانضم إليه من شذاذ العسكر الجمع الكثير، ~~والجم الغفير. # وبلغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة خبره، فاستركب خيله من غير أن ~~يتربص بنهاره ليله [99 أ] وسار سير الخبب، يطوي الأرض كطي السجل للكتب، حتى ~~انقض على نيسابور انقضاض بني الهواء على ms098 بنات الماء «4». ولما تسامع ~~المنتصر بإقباله انحدر إلى إسفرايين في عامة رجاله، وبث أصحابه في الرساتيق ~~«5» لجباية أموالها، وإزاحة أطماع حشمه بها، فأزعجه الطلب للحاق بشمس ~~المعالي قابوس بن وشمكير مستصرخا إياه، ومؤملا غوثه وجدواه. فتلقاه بكل ما ~~تمناه، ومهد له ذراه، وأعطاه حتى أرضاه. وكان مما أمر بحمله إليه صفقة ~~واحدة: عشر دواب بمراكب الذهب، وثلاثون «6» بمراكب الفضة، وثلاثون من ~~العتاق الجياد بالبراقع والجلال، وعشرون بغلة بمراكب الذهب والفضة، وثلاثون ~~أخرى مقرونة بخمسين جملا موقرة «7» أحمالا وأثقالا من البسط النادرة، ~~والفرش الفاخرة، ومن حصر طبرستان، وسائر الطرائف «8» المجموعة في الخزائن ~~بجرجان. # وأضيف إلى ذلك ألف ألف درهم، وثلاثون ألف دينار، ومائة وخمسون تختا من ~~الدبابيج PageV01P183 ~~التسترية، والسقلاطونيات العضدية، والحلل الفخرية، والخزوز «1» الطاقية ~~«2»، وسائر الثياب المصرية. وأمر لأهل عسكره بعشرينياتهم [99 ب] معونة لهم ~~على عوارض حاجاتهم. # وأشار على المنتصر بقصد الري، إذ كانت معرضة لقصادها بتخاذل أهوائها، ~~وتواكل أوليائه، واشتجار الفتن والإحن بين الذائدين عن فنائها، على أن يمده ~~بولديه: دارا ومنوچهر في جيوش الجيل والديلم ووجوه الأكراد والعرب، ليستظهر ~~باستخلاص تلك الولاية، وليكون ما ينويه من معاودة خراسان عن ظهر الكفاية، ~~فقبل الإشارة، وقدم الاستخارة «3»، وسار حتى خيم بظاهر الري، فأحس أهلها ~~منه بأم الربيق على أريق «4». # وقاءت الري أفلاذ أكبادها «5»، فأناخوا قبالة المنتصر، ودس الكفلاء بتلك ~~الحضرة «6» إلى أرسلان بالو، وأبي القاسم بن سيمجور «7»، وغيرهما من أولياء ~~المنتصر من أطمعهم في مال يحمل إليهم سرا على أن يثنوا عنهم عنان المنتصر ~~بوجه من وجوه اللطائف والحيل، فانخدعوا لتسويلهم، وطمعوا في تأميلهم، ~~وتنصحوا للمنتصر بأن قدر مثلك ممن يجله ملوك الشرق من آل سامان على جلالة ~~أقدارهم، ونفاسة أخطارهم، ليجل عن مناوأة قوم يدعون فيك قرابة، ويفترضون لك ~~طاعة ومهابة، موالاة [100 أ] لمن يجر النار إلى PageV01P184 ~~قرصه بالتعويل عليك، ومغزاه أن يحترش الأفعى بيديك فله الغنم أن قدرت، ~~وعليك الغرم إن عجزت، فلفتوا المنتصر عن رأيه، وزينوا له ملك خراسان «1» من ~~ورائه، فارتحل من باب الري يريد ms099 دامغان، وانفرد ولدا شمس المعالي عنه، فحبس ~~نجم ذلك التدبير، وانحل عقد ذلك التقدير، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له وما لهم من دونه من وال «2». # وامتد المنتصر طلقا إلى نيسابور، وبها صاحب الجيش أبو المظفر، فأشفق من ~~زلة القدم كالتي حدثت قبل، فاحتاط بالانحياز إلى بوزجان. ودخل المنتصر ~~نيسابور في شوال سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، وبث عماله في جباية الأموال، ~~ومطالبة من ظفر بهم من العمال، واستمد صاحب الجيش السلطان يمين الدولة ~~وأمين الملة، فرسم للحاجب الكبير التونتاش والي هراة البدار إليه في معظم ~~جنوده «3» من شجعان الترك وسرعان الهنود «4»، حتى إذا استظهر بذوي الغناء، ~~في حرة الهيجاء، كر عائدا إلى نيسابور. وتلقاهم المنتصر بأرسلان بالو، وأبي ~~نصر بن محمود، وأبي القاسم بن سيمجور، فالتقوا على حرب [100 ب] تحطمت فيها ~~الصفاح المشهورة، وتقصدت الرماح المطرورة، وعريت عندها الكواكب المستورة، ~~ثم شاعت الهزيمة في السامانية، فولوا على أدبارهم نفورا، وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا. ودخل صاحب الجيش أبو المظفر [نصر بن ناصر الدين سبكتكين] «5» ~~نيسابور، وقد زينت له كالهدي على زوجها الكفي، وأقيمت له النثارات كما ~~تتهاوى النجوم السائرة، وتتهادى الثلوج المتطايرة. # وركب المنتصر سمت أبيورد والطلب على أثره حتى وصل إلى جرجان، ولما تسامع ~~شمس المعالي بنبئه، رماه بزهاء ألفين من أنجاد الأكراد، فألجئوه إلى ~~الارتحال، PageV01P185 ~~وآيسوه من طلب المحال، فكر على أدراجه تائها في الغي، وإنما ترك الرأي ~~بظاهر الري. # وقد كان المنتصر يحقد على أرسلان بالو تسحبه عليه، واشتطاطه في المطالب ~~بين يديه، ومنازعته الرأي فيما ينحوه، ومراجعته القول في كل ما يفوه به ~~فوه. وانضاف إلى ذلك اتهامه إياه بالتخاذل في الحرب التي جرت، وأنه انهزم ~~فيها عن وجه صاحب الجيش أبي المظفر لنفاسته «1» على أبي القاسم بن سيمجور ~~مكانته من اختصاصه وإيثاره وغيرته على الشركة [101 أ] الواقعة له في «2» ~~محله ومقداره، فحمله ما احتساه من ماء الكرب على التشفي بإراقة دمه، ~~والاسترواح إلى انتهاك روحه، ففتك به فتكة أنست فتكات الإسلام، ms100 وشفت نفسه ~~من الداء العقام. وتجمع أهل عسكره لإنكار ما فعل، وأنى «3» لهم ذلك وقد سبق ~~السيف العذل «4». # وقام أبو القاسم علي «5» بن سيمجور «6» مصانعا لهم عن المنتصر بلسان ~~المعتذر، حتى خمد التهاجم، وسكن هيجهم واضطرابهم، وتآمروا بينهم على قصد ~~سرخس للاستظهار بزعيم أهلها المعروف كان «7» أبوه بالفقيه إذ كان قد رغب ~~المنتصر في إرفاده وإنجاده وإيثاره بعدته وعتاده، فركبوا المسافة إليها على ~~طريق أبيورد حتى وردوها وجبوا أموالها، وارتاشوا بما سمح لهم الزعيم بها. # وحين علم صاحب الجيش باجتماعهم على مضغ «8» الأباطيل بينهم، دلف إليهم من PageV01P186 ~~نيسابور «1» في سراة الكماة لطردهم عن شريعة الطمع، وإزعاجهم عن حضانة الأمل. # ووصل السير بالسرى «2» حتى أشرف على سرخس في الهيئة المنشورة، والهيبة ~~الموفورة. # وبرز المنتصر إلى ظاهرها، فخيم بإزائه، واستعد [101 ب] للقائه. وتجايشا ~~للقتال، فاستك سمع الهواء من قرع الحديد بالحديد، ورويت صدور المواضي من ~~موارد الوريد، وبلغ كل من الفريقين غاية الإمكان في منازلة الأقران «3»، ~~ومناوشة الضراب والطعان، مجاحشة «4» عن خيوط الرقاب، وتفاديا عن سوء الذكر ~~على تناسخ الأحقاب، غير أن قضاء الله أغلب، وأمره أنفذ، وله الحكم في تبديل ~~الأبدال، وتصريف الأحوال، ونقل الأملاك «5» من وال إلى وال. # وهبت لصاحب الجيش أبي المظفر قبول الإقبال، فتمزق مصف المنتصر عن هزمى ~~«6» عوابس الوجوه، وجرحى بأنياب المكروه. ولم ينشب صاحب الجيش أن أتاه بعض ~~العرب بأبي القاسم علي بن محمد بن سيمجور «7» في قلادة من الوهق، على بقية ~~من الرمق. وأردف بالتونتاش «8» الحاجب، وكان المنتصر يراه «9» جلدة ما بين ~~العين والحاجب. وانضمت حبالة الأسر على معظم ذلك العسكر، فحملوا إلى غزنة ~~في الأصفاد مقرنين. # وسار المنتصر سير المضطر لا يدري وزرا غير اعتساف المسالك، وارتكاب ~~المهالك، على جملة لا يتميز فيها المملوك من المالك. PageV01P187 # وقفل صاحب الجيش أبو المظفر [102 أ] وقد أعلى الله كعبه، ورفع قدره، وأطعمه ~~نصره، وأطار بين الخافقين ذكره. وأنشدني أبو منصور عبد الملك بن محمد ~~الثعالبي لنفسه فيه يذكر ما أتيح له من هذا الفتح الرائع ms101 منظره، الشائع في ~~الآفاق خبره: # تبلجت الأيام عن غرة الدهر ... وحلت بأهل البغي قاصمة الظهر # وولى بنو الإدبار أدبارهم وقد «1» ... تحكم فيهم صاحب الدهر بالقهر # وقد جاء نصر الله والفتح مقبلا ... إلى الملك المنصور سيدنا نصر # غياث الورى شمس الزمان وبدره «2» ... ومن هو بالعلياء أولى أولي الأمر # فيالك من فتح غدا زينة العلى ... وواسطة الدنيا وفائدة العصر # أبى الله إلا نصر نصر ورفعه ... على قمة العيوق «3» أو هامة البدر # وملكه صدر السرير كأنه ... لنا فلك بالخير أو ضده يجري # وخوله دون الملوك محاسنا ... تبر على الشمس المنيرة والقطر # إذا ذكرت فاح الندي بذكرها ... كما فاح أذكى الند في وهج الجمر # فتى السن كهل الحلم والرأي والحجا ... يعم بني الآمال بالنائل الغمر # له همة لما حسبت علوها ... حسبت الثريا في الثرى أبدا تسري # غدا راعيا للمسلمين وناصرا ... له الله راع قد تكفل بالنصر [102 ب] # ألا أيها الملك الذي ترك العدى ... عباديد «4» بين القتل والكسر والأسر # قدمت قدوم الغيث أيمن مقدم ... فحليت وجه الدهر بالحسن والبشر # ألست ترى كتب الربيع ورسله ... يقولون ها ذاك الربيع على الإثر PageV01P188 ~~نسيم نسيب للحياة بلطفه ... يجر فويق الأرض أردية العطر # وترب بأنفاس الربيع معنبر ... فيالك من طيب ويالك من نشر # وغيم يحاكي راحتيك كأنه ... على المسك والكافور يهطل بالخمر # فروح بشرب الراح روحك إنها ... لفي تعب من وقعة البيض والسمر # ودم لا قتناء الملك في أكمل المنى ... وفي أرفع العليا وفي أطول العمر # وأنشدني أبو سعد بن دوست «1» لنفسه فيه: # للأمير المظفر العالم العا ... دل فينا أبي المظفر نصر # كرم في شجاعة وسخاء ... في وفاء ودولة مع نصر # ومعال لو رامها بختنصر ... يوم فخر أعيت على بختنصر # فبه نقطع الخطوب ونفري ... وبه ندفع الكروب ونصري # وانتبذ الركض بالمنتصر إلى محال الأتراك الغزية، ولهم «2» صغو «3» إلى ~~الدولة السامانية، فأخذتهم المذمة من خذلانه، وحركتهم الحمية [103 أ] لعونه ~~على شأنه. # وتذاكروا بينهم شرف آل سامان وما تعرفوه قديما من بركات ذلك البيت «4» ~~القديم، والشرف «5» العميم. وسار «6» بهم ms102 «7» مصعدا حتى لحق بأيلك الخان ~~وذلك في شوال سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة. وعندها دلف أيلك للانتصار من ~~المنتصر في جيوش الترك، يستعر في طلب الثأر استعار النار، حتى أناخ بحدود ~~سمرقند. PageV01P189 # وتناذر الغزية بإقدامه، وتآمروا بينهم على بياته، فتجمعوا للركض عليه، ~~فحثوا الخيل تحت [ظلام] الليل حثا كاد لا تتنفس «1» الأرض بوطء أقدامها ~~«2»، ولا تشعر النجوم بأشخاص ألويتها وأعلامها، حتى أوقعوا به وانتهبوا جل ~~سواده، وقبضوا على جلة قواده، وانقلبوا بما غنموه إلى أوطانهم عند حصول ~~البغية، فاستأثروا على المنتصر بالأسرى طمعا في الفدية. ثم بلغ المنتصر ~~تنازعهم الأمر بينهم في موالاتهم أيلك عليه، وإفراجهم عن الأسرى تقربا ~~إليه. فرابه ذلك من أمرهم ريبة لم تأخذه الأرض معها بقرار، ولم تكتحل عينه ~~عندها بغرار؛ فاختار من جريدته قرابة سبعمائة رجل ركبانا ورجالا، خفافا ~~وثقالا، وطاف على المعابر فإذا النهر [103 ب] جامد «3»، وآمل الشط في البعد ~~آمد، ففرشوا النهر بأتبان الأرز حتى أمكنهم من العبور «4». # وتبعه الطلب فمنعهم خطر المعبر من قصد المنتصر، وأرسل هو عند قراره بآمل ~~رسولا إلى السلطان يمين الدولة وأمين الملة يذكره بحقوق سلفه عليه، واشتداد ~~الأمر في انثيال «5» العداة عليه، وأنه له «6» بحيث يرتبه فيه طاعة له، ~~وإخلاصا في هواه. وأظهر الانقطاع إلى كنف قبوله وإشباله «7»، والافتقار إلى ~~معونته بماله ورجاله. وامتد من آمل الشط إلى سواد مرو احتراسا من معرة ~~الترك في العبور على الأطواف والفلك. # وأرسل «8» إلى أبي جعفر المعروف بخواهرزاده وكان رجلا من جملة الرعاع PageV01P190 ~~رفعه الزمان في دولة آل سامان، يستميحه المعونة بما يفضل عن سعة يده من مال ~~وسلاح. فرد الرسول على غير وجه الحرية والارتياح لحكم الإنسانية، ولم يرض ~~بالرد حتى خرج إليه مقاتلا، وبالجفاء مقابلا. فحمل أصحاب المنتصر عليه حملة ~~فرقت جمعه جملة «1». # وتسدى «2» مسافة أبيورد حتى وافاها في شهور سنة أربع وتسعين وثلثمائة. ~~[104 أ] وأوجب السلطان إكرام رسوله، وتحقيق مأموله، وصلته بصدر من المال ~~يجبر خلته. # وخاطب ابن خواهرزاده بخدمته، وتقمن «3» مرضاته، وترك الانحراف عن مراده، ms103 ~~فاضطره الأمر إلى طاعته، وتقديم الاعتذار من مخالفته، حين شاعت سبة «4» ~~البخل عليه، واستطارت شادخة اللؤم بخديه. وقد كان أبو نصر «5» نصر بن محمود ~~الحاجب لما تسامع بقدوم راية المنتصر مالأه على صاحبه، وأظهر الانقطاع إلى ~~جانبه، وأقام له الخطبة بنسا مظهرا طاعته، ومستنفذا في نصرتة جهده ~~واستطاعته. # ولما أحس أهل نسا برأي أبي نصر في اتباع راية الخلاف، أشفقوا على أنفسهم ~~«6» من عاقبة الاتهام بموالاته، والاشتراك في جناياته. فكاتبوا خوارزمشاه ~~مستمدين عليه، فأنهض أبو الفضل الحاجب أحد أعيان ذلك الباب الرفيع، لإزالة ~~شره، وكفاية أمره. # ومال ابن محمود «7» إلى المنتصر، فتضافرت العدة، وتوافرت العدة. وصدر إلى PageV01P191 ~~خبوشان «1» من رستاق أستوا «2». وناهضهم أبو الفضل في رجال خوارزم «3»، ~~فاتفق التقاؤهم على [104 ب] الحرب ليلا بمرأى من النجوم الشوابك، حيث لا ~~يدري الضارب مضروبه، ولا يبصر الراكب مركوبه. واختلط الفارس بالراجل، ~~والتارس «4» بالنابل «5». # وتضاربوا ما بين الشوى والمقاتل، وتطاعنوا سلكى مخلوجة كرك لأمين على ~~نابل «6». # وتصدع شمل الفريقين «7» قبل أن صافح الليل صباحه، ونفض النجم على الغرب ~~وشاحه، فلم يشعر أحد بما جنته يد الظلام على كماة ذلك الجيش اللهام، حتى ~~استفاض ضوء النهار، فإذا ابن محمود قتيل، وابن حسام الدولة أبي العباس تاش ~~إلى جنبه صريع. # وتفرق الباقون عباديد بين أقطار المهامه والبيد. # ووقع المنتصر إلى إسفرايين، [فمانعه أهلها حذر المحنة، وخيفة الهرج ~~والفتنة، فانثنى على أدراجه في شرذمة] «8» من أصحابه يقطع الأرض طولا ~~وعرضا، حتى انتهى إلى بعض حدود سرخس، فأقام هنالك ريثما تلاحق به الفل. ~~وسار حتى عبر النهر من ساحل قطنان. وبرز شحنة بخارى في طلبه، وسدوا عليه ~~وجوه مهربه، فركب عزيمة الرجال في ثبات القدم، وثبت بعضهم للبعض جلادا ~~بالدبابيس والحراب، وإغمادا [105 أ] للسيوف في قراب الرقاب. فجد المنتصر في ~~الأمر واشتد، ونجا برأسه ولم يكد. وصار القوم PageV01P192 ~~إلى دبوسية «1» من الصغد «2» مستنجدين من بها من العمال، وتفاريق الرجال. ~~ووقع المنتصر إلى ثغر النور «3» من بخارى وركض منها عليهم ركضة اقتسمتهم ~~بين اجتياح واحتناك واصطلام ms104 واجتثاث، ومالأه «4» المعروف بابن علم دار رئيس ~~الفتيان بسمرقند، فأتاه في ثلاثة آلاف رجل، وتقرب «5» إليه مشايخ أهلها ~~بثلثمائة غلمة، على سبيل بر وخدمة. # ووصلوا بها كرامات تضاهيها، ونثارات تدل على إخلاصهم فيها، وتوافى إليه ~~الغزية فاشتعلت جذوته، وتراجعت قوته. # ولما سمع أيلك الخان باحتداد شوكته، واشتداد وطأته، زحف إليه في أحلاس ~~الذكور من ديارات الترك. واشتبكت الحرب بينهم بقرية بورنمذ «6» من حدود ~~سمرقند، حتى نفدت النبال، وتحطمت النصال، وتكسرت السمر «7» الطوال. وخان ~~الخان «8» مقامه «9»، وانفض عنه أقوامه، فاستقفاه الغزية في طلاب الأسلاب، ~~حتى بردت أيديهم بالسبايا والنهاب، [105 ب] والغنائم الرغاب، وذلك في شعبان ~~سنة أربع وتسعين وثلثمائة. PageV01P193 # وعاود الخان أرض الترك، فضم النشر، ونادى فحشر، ثم كر على ثأره، وبث على ~~المنتصر شرر ناره. ووافق إقباله تراجع الغزية إلى أوطانهم بما نهبوه، على ~~عادتهم في كل ما غنموه. واستأنف الحرب على فضاء بين قريتي ديزك «1» وخاوس ~~«2» من أشرو سنة «3». واستأمن المعروف كان بالحسن «4» بن طاق إلى الخان في ~~زهاء خمسة آلاف رجل من رفقائه عند اتقاد جمرات المصاع، واشتداد زفرات ~~القراع. واضطر المنتصر إلى الانهزام. وحكم الخان في أهل عسكره سيوف ~~الانتقام، حتى رويت الأرض من دمائهم، وشبعت النسور من أشلائهم. # وسار المنتصر إلى شط جيحون فعبر على الرمث «5» لعدم السفائن «6»، وخلو ~~المعابر. ومضى إلى أندخوذ «7» من أرض الجوزجان، محترسا من ركضة الخان، وأمر ~~باستياق الدواب الراعية بها واقتسامها بين أهل جملته، وركب المفازة إلى ~~قنطرة زاغول. # ولما بلغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة خبره، أسرع الانحدار إلى بلخ ~~لإعجاله عن تفاقم أمره واستفحاله. واتبعه [106 أ] بفريغون بن محمد في ~~أربعين قائدا من PageV01P194 ~~قواده، لطرد سواده، وحصد فساده، فأعجزهم «1» المنتصر وسار إلى جنابذ «2» من ~~قهستان ضرورة، إذا كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة، فحيث أم شهرت عليه ~~السيوف، وأنى ألم أحدقت به الحتوف. ودلف إليه صاحب الجيش أبو المظفر نصر بن ~~ناصر الدين في طغانجق والي سرخس، وأرسلان الجاذب والي طوس، يحثون الظهور في ~~الطلب، وينتزفون علالتها «3» بين ms105 الركض والخبب، ففاتهم إلى جومند «4»، ~~ومنها إلى بسطام، فرماه شمس المعالي قابوس بن وشمكير بزهاء ألفين من ~~الأكراد الشاهجانية، فأزعجوه عنها إلى بيار «5» راجعا باللوم على من لقنه ~~الانحدار. # ولما ضاقت عليه المذاهب، وأحاطت به المعاطب، بادر بالسير إلى كورة نسا ~~بدار من لا يمكث بدار، ولا يوطى ء الأرض جنب قرار. وتلقاه ابن سرخك ~~الساماني بكتاب يزين له الانفتال إليه لمضامته «6» على أيلك الخان مواربة ~~ومواراة، ومطابقة للخان عليه ومواطأة، فنازعته نفسه تقديم إجابته طمعا في ~~وفائه، وتأميلا لعونه على [106 ب] ذمائه «7»، فركب الخطار وسار حتى إذا بلغ ~~بئر حماد من مفازة آمل، سبقه خيله إلى PageV01P195 ~~الشط، فوافق ذلك جمود جيحون، فاغتنموا مفارقته «1» خلاصا مما منوا به من ~~مكابدة الأسفار، وعدم الاستقرار، ووصل «2» سهر الليل بدأب النهار. وتشاوروا ~~في العبور إلى سليمان الحاجب، وصافي حاجبي «3» أيلك الخان، فعبروا إليهما، ~~وعرفوهما أن الساماني بالقرب، وأن المحن قد «4» طحطحته، والحوادث قد طحنته. ~~فهو خلسة الطامع، ونهزة الطالب، وطعمة الأنياب والمخالب، فلم يشعر أبو ~~إبراهيم المنتصر إلا بالخيل مطلة عليه، فطاردهم ساعة ثم ولاهم ظهر الفرار، ~~وقبض على أخويه وخاصتهما برباط بشرى، وحملوا إلى أوزكند أسرى، فأحل المنتصر ~~هربه حلة «5» ابن بهيج «6» الأعرابي من جملة العرب السيارة في تلك المفازة ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا «7». # وكان المعروف بماه روي «8» بندارا «9» من جهة السلطان يمين الدولة وأمين ~~الملة فيهم، وقد أوصاهم بالقعود «10» له «11» بكل مرصد، وإذكاء العيون عليه ~~عند كل مصدر «12» ومورد، فلما [107 أ] لبس الليل جلدة الغبش، وعرض على ~~النجوم جيش الحبش «13»، وثب أهل تلك الحلة على المنتصر جهلا وغباوة، وقساوة ~~وشقاوة، وأخفروا حق مقدمه، PageV01P196 ~~وأحلوا للأرض حرام دمه، فكأنما عناه أبو تمام حيث يقول «1»: # فتى مات بين الطعان والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر # وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر # فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر # غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر ms106 # مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر # عليك سلام الله وقفا فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر # ثم نقل قالبه «2» إلى قرية ما يمرغ «3» من قرى روذبار زم «4»، ودفن بها ~~في شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وثلثمائة. # وبلغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة خبره، فأمر بالقبض على ماه روي «5» ~~بندار، [107 ب] وإذاقته حر الإنكار. وشن الغارة على حلة ابن بهيج «6» ~~الأعرابي خاصة، وعلى سائر العرب السيارة عامة. وصارت جمرة آل سامان رمادا ~~تذروه «7» الرياح، وكان الله على كل شي ء مقتدرا «8». PageV01P197 ### | ذكر الأمراء السامانية ومقادير أيامهم من حيث نجمت دولتهم إلى أن ورثها السلطان يمين الدولة وأمين الملة # كان ملك آل سامان بما وراء النهر وسائر بلاد خراسان بما ينضاف إليها في ~~الوقت بعد الوقت من كور: سجستان وكرمان وجرجان وطبرستان والري إلى حدود ~~أصفهان مائة سنة وسنتين اثنتين «1»، وستة أشهر، وعشرة أيام «2». فأولهم أبو ~~إبراهيم إسماعيل بن أحمد وهو الذي قبض على عمرو بن الليث بناحية بلخ يوم ~~الثلاثاء النصف من شهر ربيع الأول «3» سنة سبع وثمانين ومائتين، وولي ~~خراسان ثماني سنين، ومضى لسبيله ببخارى ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت ~~من صفر سنة خمس وتسعين ومائتين منعوتا بالعدل والرأفة، موسوما بطاعة ~~الخلافة. # وقام بعده «4» أبو نصر أحمد بن إسماعيل، فملك [108 أ] ست سنين وثلاثة ~~أشهر. وفتك به نفر من غلمانه بفربر ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة. ~~وكان مقتديا بأبيه في إيثار النصفة، واختيار الأحدوثة الحسنة اقتداء ~~الأبناء بالآباء في اختيار أفضل السنن، واتباع أحمد السنن «5» إلى أن طوت ~~الدنيا صحائف أيامهم كعادتها في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا «6». # وسد مسد الشهيد «7» أبو الحسن نصر بن أحمد، فملك ثلاثين سنة. [رفيع ~~النجاد، PageV01P198 ~~قوي العماد، وري الزناد، زكي المراد] «1». [وتوفي ببخارى ليلة الخميس لثلاث ~~بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة] «2». # [وتلاه وارث الملك نوح بن نصر وهو الحميد، فملك اثنتي عشرة سنة] «3» ~~وثلاثة أشهر ms107 وسبعة أيام. وتوفي ببخارى يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت ~~من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة. # وانتصب منصبه عبد الملك بن نوح، فملك سبع سنين وستة أشهر وأحد عشر يوما. ~~وعثرت به دابته فسقط إلى الأرض سقطة حمل منها ميتا، وذلك عشي يوم الخميس ~~لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلثمائة. # وخلفه في الولاية أخوه منصور بن نوح «4» السديد «5» خمس عشرة سنة وتسعة ~~أشهر، وتوفي ببخارى يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة «6» خلت من شوال [108 ب] ~~سنة خمس وستين وثلثمائة. # وولي أمره نوح بن منصور إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي يوم الجمعة ~~لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة سبع وثمانين وثلثمائة. # [وملك بعده ولده أبو الحارث منصور بن نوح سنة وسبعة أشهر، فاعتقله ~~بكتوزون بسرخس يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، سنة تسع وثمانين ~~وثلثمائة] «7». PageV01P199 # وبويع أخوه عبد الملك بن نوح فما استقرت «1» قدمه في الولاية حتى خرت على ~~يد السلطان يمين الدولة وأمين الملة دعامته، وشالت نعامته «2»، فطار إلى ~~بخارى. وقبض أيلك الخان عليه، وانتزع ولايتها من يديه، فكانت مدة أمره ~~ثمانية أشهر وسبعة عشر يوما. # ثم أخوه المنتصر أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح. وذلك حدثان ما ولي السلطان ~~كور خراسان. وأقبل بعد ذلك يزداد في أسباب العلى جده وجده «3»، ويتضاعف في ~~رقاب الأعداء حده، فما يفتر له شهر إلا عن ثغر مفتوح، وصنع ممنوح، وذكر على ~~هامات الأعواد مرفوع، وباب إلى قضاء المنى والآمال مشروع. ### | ذكر الأحوال التي جمعت للأمير ناصر الدين سبكتكين وخلف بن أحمد والي سجستان من خلاف مرة ووفاق أخرى، وما جرى بعد ذلك من الطوائل والترات «4» [109 أ] التي ثنت عنان السلطان يمين الدولة وأمين الملة إليه، وعطفت به إلى انتزاع الملك من يديه، وما جرى خلال ذلك من وقائعه في الهند إلى أن استتب له ما أراد في أمره بعون الله ونصره # قد سبق في أول هذا «5» الكتاب ذكر الأمير خلف بن أحمد فيما رآه ms108 السديد ~~منصور بن نوح من رده إلى بيته، وإظهاره على خصمه إلى أن تهاوت رجوم الفتن ~~بخراسان، ففرغه اشتغال ولاتها بما دهاهم منها للاستجمام والاتداع «6»، ~~والاستظهار بما تخرجه له «7» أرض سجستان من صنوف الارتفاع، حتى اتسع نطاق ~~همته لطلب الفضول، ومنازعة القروم والفحول. PageV01P200 # ولما تصدى الأمير ناصر الدين سبكتكين لمواقعة ملك الهند حين تورد حدود ~~الإسلام على ما نطق بشرحه صدر هذا «1» الكتاب، اغتنم خلف بن أحمد انتقاض ~~بست عن الحفظة، وخلوها عن الشحنة، فأسرى إليها من اقتاض بيضتها «2»، واقتض ~~«3» عذرتها، وحرف كلمة الدعوة «4» عنها، وغمس يده في أموالها فجباها، ~~وجمعها فأوعاها. فلما أفلج «5» الله ناصر الدين على الكافر اللعين، عطف ~~العنان إلى بست ممتعضا من غدره، محتفظا من سوء [109 ب] حفاظه، فاتقاه أصحاب ~~خلف بن أحمد بظهور العار، وأعقاب الإدبار والصغار. وهم ناصر الدين سبكتكين ~~بمناهضته، واستخار الله تعالى في مناجزته، فأرسل إليه خلف من يتأول عليه في ~~ذلك البعث محافظته «6» على حكم الموالاة في حفظ ولايته، ويتضمن تصحيح ما ~~صار في جبايته، ويتبرع بزيادة تقوم مقام الأرش «7» عن جنايته، تفاديا عن ~~ثقل وطأته على أعماله، وتصونا عن عورة الافتضاح في قتاله. فتغابى ناصر ~~الدين عن شر غدره، كفا ليد الاقتدار، واكتفاء منه بذل الاعتذار، [فكان مثله ~~في ذلك كما قال أبو تمام: # ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي «8»] «9» # ثم طالبه بتصحيح المال حتى أداه، وارتهن به بعض رضاه، فكانت الحال بينهما ~~[من بعد] «10» قائمة على جملة المسالمة، إلى أن حدث من أمر أبي علي بن ~~سيمجور في PageV01P201 ~~الجولة التي اتفقت له بباب نيسابور، وما تقدم «1» شرحه، فأظهر تقربا إلى ~~ناصر الدين بمساعدته على خصمه، ومرافدته بنفسه، وسائر أهل جملته، امتنانا ~~عليه بظاهر المظاهرة «2»، وإضمارا للتشفي من أبي علي بمعونته الحاضرة، ~~وقوته الباهرة، إذ كان قد وتره بقصد حصاره، وغزوه [110 أ] في عقر داره، ~~واقتساره بسيوف أنصاره. # وصحبه «3» إلى بوشنج في جميع أشياعه وأتباعه، ثم خلفه بها ناصر الدين ~~سبكتكين صيانة له عن كلفة ms109 السفر، وإبقاء عليه من خطة الخطر. وسار إلى طوس، ~~لمواقعة «4» أبي علي، وطلب الثأر المنيم «5» عنده، حتى إذا طرده، ونفض عن ~~شغل تلك الحرب يده، رد إلى خلف بن أحمد أصحابه مثقلين بالنعم الباهرة، ~~وموشحين بالخلع الفاخرة، تقدمهم المراكب والجنائب، وتردفهم النجائب ~~والرغائب. # فعادوا فأثنوا بالذي كان أهله ... ولو سكتوا أثنت عليه الحقائب # فصفت لذلك شريعة الحال بينهما عن قذى المواراة، وتجلت عن عرمض «6» ~~المدامجة والمداجاة «7»، إلى أن عبر الأمير ناصر الدين سبكتكين «8» النهر ~~إلى ما ورائه، لمدافعة أيلك الخان عن ولاية الرضا برفق المناصحة، أو خرق ~~المكافحة. ثم اقتضته صورة الحال مسامحته ببعض تلك البلاد، على أن يسلم له ~~سائرها، ويأمن عنت العيث باديها وحاضرها. PageV01P202 # وترامت إليه أثناء ذلك مكاتبة خلف بن أحمد أيلك الخان، مرهفا من غربه «1»، ~~ومغريا إياه بحربه، طمعا في بست ونواحيها، وغزنة وما يليها. [110 ب] ~~وانضافت إليه بلاغات وقوارص «2» برقت له من جانبه في أمر أبي علي، وإظهار ~~الندامة على ما سبق من عونه عليه، والإفصاح على رؤوس الأشهاد، معرضا بأن ~~اجتياح الملوك شؤم، واستباحة البيوتات لؤم، وضعف في الرأي معلوم. # فطار الغضب بناصر الدين كل مطار، وحدثته نخوة الاقتدار بالبدار إلى أرض ~~سجستان، لإطفاء الغليل، وشفاء الداء الدخيل. فثناه كاتبه أبو الفتح [علي بن ~~محمد] «3» البستي عما نواه بالقول الرفيق، والرأي المؤيد بالتوفيق، ورش ماء ~~التلطف على ذلك الحريق. وأراه أن بعض البلاغات زور، وأن القابل كالقائل ~~مأخوذ بها موزور. وأن قلوب الرجال وحوش نافرة، وطيور في بحور الجو سابحة، ~~فما يستمكن منها إلا بإعمال الحيل في نصب الحبائل، وتمكين الجوارح، ورمي ~~البنادق، وبث الحبوب والمطاعم، ثم لا شى ء أيسر من إفلاتها عن حبالة ~~القانص، وإرسالها من شرك الصائد، كذلك لا تصاد القلوب إلا بأشراك الصنائع ~~والعواطف، ولا تقاد إلا بأزمة الأيادي والعوارق، ولا تستفاد إلا بابتذال ~~التوالد والطوارف. ثم [111 أ] الكلمة الجافية تهيج وادعها، وتطير واقعها، ~~وتكدر عليها مشارعها. وتلا عليه قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق ms110 بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين «4». ~~ثم فسرها حتى نزل عن ظهر التعجل «5» إلى أرض التمهل. PageV01P203 # وأنشدني أبو الفتح البستي في شرح ما دار بينه وبين ناصر الدين «1» لنفسه: # إذا شئت أن تصطاد حب أخي لب ... وتملك منه حوزة القلب والخلب # فأشركه في الخير الذي قد رزقته ... وأدخله بالإحسان في شرك الحب # ألم تر طير الجو تهوي مسفة ... لحب كقطر من ذرى الجو منصب # كذلك لا يصطاد ذو الرأي والحجى ... محبات حبات القلوب بلا حب # وكتب خلف بن أحمد بعد ذلك متنصلا عما عزي إليه، ومتبرئا مما نقم منه، ~~فعفى ناصر الدين عما حك في صدره من أمره، وأغمض له عما امتاحه من قليب «2» ~~قلبه، وغدير غدره، وثبت باقي عمره على مداراته وملاطفته إلى أن أتاه اليقين ~~من ربه، فانتقل إلى جوار رحمته وعفوه. # وبلغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة [111 ب] حله حبوة الزماتة «3»، ~~بإظهار الشماتة، فاستنشد قول القائل: # قل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تجهز لأخرى مثلها فكان قد # ثم أسرها في نفسه مرتقبا لميقات الفرصة في الإيقاع به، والاستشفاء منه، ~~إلى أن ورث ملك خراسان نقي الأطراف عن غبرات الخلاف، سليم الآفاق عن غبرات ~~الشقاق. # وقد كان خلف بن أحمد عند قيام السلطان باستصفاء المملكة قد بعث ابنه طاهر ~~إلى قهستان فملكها، ثم عدل عنها إلى بوشنج فاستولى عليها. وكانت هراة ~~وبوشنج برسم بغراجق أخي ناصر الدين، فلما وضع الله عن السلطان أوزار تلك ~~الملاحم، أتاه عمه يستأذنه في «4» طرد المتغلب عن ولايته، وفل ما جد من حد ~~نكايته. فأذن له فيه، وسار حتى إذا شارف بوشنج، تلقاه طاهر بن خلف بمن ~~والاه من العديد تحت الحديد، فتناوشا PageV01P204 ~~الحرب قدا للهام من خطوط المفارق، وقطا للأجسام من خصور المناطق، واستقاء ~~للأرواح بأرشية «1» الرماح، واختلاء [112 أ] للرؤوس بسيوف كسيوف الروس «2»، ~~ثم حمل بعضهم على بعض، فذهبت الميامن بالمياسر، والمياسر بالميامن. وانفل ~~طاهر من بين يديه هزيما، واتبعه بغراجق يحث منه ظليما «3». # وقد ms111 كان بغراجق «4» قبل أن شمر للحرب أصاب كؤوسا «5» [نام عن سورتها طرف ~~الحجى، وكدرت عليه سريعة الرجاء، ل] «6» يستيقظ بها أعين الطعن والضرب. ~~فتضافر «7» عليه ناران من كأس وبأس، حتى غفل بهما عن وثيقة التحزم، وذهل ~~معهما عن بصيرة التحفظ والتحرز، فغرر بنفسه في اتباع خصمه اغترارا بخيال ~~سكره، فلم يشعر إلا بطاهر ابن خلف قد كر عليه بضربة أقعصته «8» في مكانه ~~قتيلا. ونزل للوقت إليه من قطف علاوة أخدعيه «9»، واقتسمت الهزيمة كلا ~~الفريقين، فلم يعرف [القاتل من المقتول، ولا] «10» الغالب من المغلوب، ولا ~~السالب من المسلوب، خلا ابن خلف، فإنه قفى آثار فله، بمن ردهم إلى محله. # وورد الناعي «11» على السلطان، فناله من الغم بفقد العم، ما ينال الوالد ~~لفقد «12» PageV01P205 ~~واحده، والولد لافتقاد صنو والده، واستدل «1» بما اتفق لابن خلف على أحداق ~~«2» [112 ب] الشقاء به وبأبيه، وإطباق البلاء عليه وعلى من يليه، وحدس أن ~~البقرة تبحث عن المدية بروقيها «3»، والنملة يقضي عليها نبات جناحيها، ولو ~~عقل الفراش [لما عشا ما عاش] «4» إلى ضوء نار ولا تهافت في مصرع بوار: # أسارت الفرس في أخبارها مثلا ... وللأعاجم في أيامها مثل # قالوا إذا جمل حانت منيته ... أطاف بالبئر حتى يهلك الجمل # وزحف السلطان في شهور سنة تسعين وثلثمائة إلى خلف بن أحمد وهو محتجز ~~بحصار اصبهبذ- قلعة بينها وبين مجرى النجوم قاب قوسين، بل قيد سهمين، تحور ~~عن مراماتها الأبصار، وتحار دون مساماتها الأطيار- فحاصره بها ممنوعا عن ~~فسحة الاختيار، ممنوا «5» بشدة الاضطرار، مفجوعا براحة القرار، ولذة الغرار ~~«6»، حتى نخب الروع روعه، وودع الروح روحه، فاستشعر البخوع «7» والطاعة، ~~وأظهر الخشوع والضراعة، وسأل سؤال مسكين «8» مستكين أن ينفس عن «9» خناقه، ~~ويرخي «10» من حبل إرهاقه «11»، على أن يفتدي بمائة ألف [113 أ] دينار ~~«12»، وبما يليق بها من خدمة ونثار، وتحف ومبار. فأجابه PageV01P206 ~~السلطان إلى ما استدعاه، ووكل به من اقتضى «1» المال حتى استوفاه، وغادره ~~كما هو في إسار الحصار، وخناق الوثاق، وفي نفسه قصد سجستان، لكنه أحب أن ~~يجعل غزوة في «2» الهند مقدمة لما توخاه، ms112 وصدقة بين يدي نجواه، تبركا بما ~~يجري [على يديه من] «3» ارتفاع راية الدين، واتساع ساحة اليقين، وإنارة ~~كلمة الصدق، وإغارة قوة الحق. # فتوغل بلاد الهند متوكلا على الله الذي هداه بنوره، وقضى له بالعز في ~~مقدوره، وبالنجح في تصاريف أموره، حتى انتهى إلى مدينة پرشور «4»، فخيم ~~بظاهرها. وبلغه اجتراء عدو الله چيبال «5» ملك الهند على لقائه، واستعجاله ~~القضاء بمجاورة فنائه، فاستعرض الخيول من أبناء جريدته، وسائر الغزاة ~~المطوعة «6» في جملته. واختار للجهاد خمسة عشر ألف عنان من أعيان «7» ~~الرجال، وقروم الأبطال. وحظر أن يختلط بهم من رده الاختيار، وبهرجة ~~الانتقاد، حتى إذا خلص عددهم على الانتخاب، و[113 ب] اجتلاهم كجنان «8» ~~الصرائم «9» أو أسود الغاب. دلف بهم إلى قتال الهجين اللعين بقلوب كالهضاب ~~ثابتة، وفروع صبر «10» على دوح الإخلاص نابتة. وأقبل الكافر الفاجر في اثني ~~«11» عشر ألف PageV01P207 ~~فارس، وثلاثين ألف راجل، وثلثمائة فيل تئن الأرض من وطء أطرافها، وتخف «1» ~~من ثقل أخفافها، حتى أناخ قبالة السلطان متطاولا «2» بعدده، ومطاولا بقوة ~~باعه ويده، يظن أن كثرة الجموع تطوي كتاب الله طيا، وتغني من أمر الله ~~شيئا، ولو درس الجاهل كتاب الله، لقرأ: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله [والله مع الصابرين] «3» «4». # وارتز الكافر بمكانه جانحا إلى المطاولة، متحرزا بالمدافعة والمراوغة، ~~انتظارا لمن وراءه من أوشاب «5» الجيوش، وأوباش القبائل والشعوب، فأعجله ~~السلطان عما حكم به من تقديم المطاولة، وتأخير المقابلة «6»، وبسط عليه ~~أيدي أولياء الله، فأوسعوهم حربا ونهبا، ومشقا ورشقا، وحزا ووخزا، وحتا ~~وسحتا، فاضطر «7» إلى الدفاع، وصلي نار القراع، فاصطفت عند ذلك الخيول، ~~وخفقت الطبول، وزحفت الفيول، وأقبل بعضهم [114 أ] على بعض يصول. وترامت ~~النبال على الخصل «8» ترامي ولدان الأصائل بالخشل «9»، وتلألأت متون ~~القواضب، تلألؤ برق الغيم جنح الغياهب، وفارت ينابيع الدماء كما فاضت ~~مجاديح الأنواء. وتكاثر أولياء الله على جماهير المدابير، يؤزونهم أزا، ~~ويحثونهم رقصا وجمزا، فلم ينتصف النهار إلا بانتصاف المسلمين من أعداء الله ~~المشركين، وحكموا السيوف في زهاء خمسة آلاف رجل «10»، فبسطوهم على العراء، PageV01P208 ~~وأطعموهم ms113 سباع الأرض وطيور «1» الهواء، وجدل «2» على صعيد المعترك خمسة عشر ~~فيلا مغروزات العراقيب بأطراف النشاشيب، محزوزات الخراطيم بأسياف النهاميم ~~«3». وأحيط بعدو الله چيبال «4»، وبنيه، وحفدته، وبني أخيه، وذوي الصيت من ~~رهطه، وذويه، فسيقوا بخزائم القسر والأسر إلى موقف السلطان، كما يساق ~~المجرمون إلى النيران، وجوه عليها غبرة الكفران، ترهقها قترة الخذلان «5»، ~~فمن مكتوف إلى الظهر قهرا، أو مسحوب على الخد جرا، أو مضروب على الوريد ~~صبرا. وحل مقلد «6» چيبال «7» عن نظيم مرصع بفرائد الدر، والجواهر الزهر، ~~واليواقيت الحمر، قوم بمائتي ألف دينار. وأصيب أضعافه في أعناق المقتسمين ~~[114 ب] من قرابته بين قتل وأسر، والمطعمين شدقي ضبع ونسر، ونفل الله ~~أولياءه ما فات حد الإحصاء، وجاز جهد الحصر والاستقصاء، وأغنمهم خمسمائة ~~ألف رأس من روقة «8» العبيد والإماء. وآب السلطان بمن معه من الأولياء إلى ~~المعسكر غانمين وافرين ظاهرين «9» ظافرين شاكرين الله رب العالمين. # وفتح الله على السلطان من ديار الهند أرضا، تتضاءل بلاد خراسان في جنبها ~~طولا وعرضا. ووافقت هذه الوقعة الباهر «10» أثرها، السائر في الآفاق خبرها ~~«11»، يوم الخميس PageV01P209 ~~الثامن من المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة. ولما وضعت هذه الحرب ~~أحمالها، وحطت عن الظهور أثقالها، أحب السلطان أن يصرف چيبال «1» وراءه، ~~ليراه بنوه وذووه في شعار العار، وإسار الخسار، وتستطير هيبة الإسلام في ~~ديار الكفار، فواقفه على خمسين رأسا من خفاف الأفيال، وارتهن ابنا وحافدا ~~له على الوفاء بها على الكمال. # وعاد الكافر وراءه، حتى إذا استقر مكانه، كاتب ابنه أندپال، [وشاهيته «2» ~~وراء سيحون «3»] «4» يشكو إليه ما عراه من الفاقرة الكبرى، والداهية ~~العظمى، وسأله [سؤال ملحف «5»] «6» أن يؤدي عنه الضمان، بما عز وهان. فساق ~~إليه الفيول، وصرف الرسول. # وسيقت جملتها إلى [115 أ] السلطان، فأمر بالإفراج عن أولئك الرهائن، وكسع ~~«7» أدبارهم نحو تلك المدائن. # وحدث نفسه أندپال بأن أباه قد لبس بردة الخرف، وعض على جرة الهرم، وقد PageV01P210 ~~طلع عليه نسر «1» الأسر، ودبران «2» الإدبار، وعوته عوى «3» الامتحان، ~~وشالت به شولة «4» الخذلان، فقد حان أن يلقى حينه، ويتقاضى عليه الزمان ~~دينه. ms114 ومن سنتهم «5» المطاعة فيهم، أن من حصل منهم في أيدي التائية «6» - ~~وهم المسلمون- أسيرا، لم تنعقد له من بعد رئاسة، ولم تستتم له زعامة ~~وسياسة. ولما رأى چيبال حصوله بين قيد الهرم وقد المذلة، آثر النار على ~~العار، والمنية على الدنية، فبدأ بشعره «7» فحلق، ثم تحامل على النار حتى احترق. # ولما استتب للسلطان ما أراد، وانقاد له ما اقتاد «8»، ارتاح لغزوة أخرى ~~يطرز «9» بها ديباجة مقامه، ويعلم بجمالها عذبات أعلامه، فمال نحو ويهند ~~«10»، فضرب عليها بكلكل الاقتدار، حتى افتتحها صغرا، واعتاض منها بعد العسر يسرا. PageV01P211 # وبلغه لياذ طوائف من «1» الهنود بشعاب تلك الأعلام، واستتارهم بخمر الغياض ~~والآجام، متحدثين بالتحزب للفساد، والتألب على العناد، فأغزاهم جيشا يدوخ ~~[115 ب] مجالهم، ويفرق قبل الوصول أوصالهم، فولغت فيهم السيوف حتى رويت من ~~رشاش دمائهم، وصدئت من مخالطة أحشائهم وذمائهم «2». وتهارب من سلم من ~~ظباتها كالأوعال في ريود «3» تلك الجبال، يرون الكواكب ظهرا، والمنايا سودا ~~وحمرا، وذاقوا وبال أمرها، وكانت «4» عاقبة أمرها خسرا، وانقلبت رايات ~~السلطان إلى غزنة خافقة بالنجح الشائع، والفتح الرائع، والحول المتين، ~~والنصر المستبين، وقد أشرق وجه الإسلام، وابتسم ثغر الإيمان، وانشرح صدر ~~الملة، وانقصم ظهر الشرك والبدعة. # وقد كان خلف بن أحمد عند انصراف راية «5» السلطان عن وجهه، عهد إلى ولده ~~طاهر في أعمال سجستان، وأسند أمورها إليه إيثارا له على نفسه، وهداء «6» ~~لكريمة الملك إليه قبل وقته، تثبيتا «7» لها في ملكه، قبل استحقاقه إياها ~~بإرثه، تعريضا للسلطان باستعفائه عن الملك، وإقباله على النسك، واعتياضه ~~تواضع العبادة، عن ترفع السيادة، ليقطع بخروج الأمر عن يده طمعه عن قصده ~~وحصده «8». فلما تنفست «9» المدة على ما ولاه، نطقت شواهد الجحود في ~~اختياره، وبدت نواجذ العقوق عن ثني آثاره. فلم يزل يلاطفه ويداريه، PageV01P212 ~~حتى أعماه عما [116 أ] نواه «1» فيه. ثم تمارض «2» في الحصار المذكور، ~~واستدعى ابنه لقبول الوصية، وتسليم الودائع الخفية، فغفل «3» عن سر ~~التدبير، وتدبر العقاب والنكير، وأقبل «4» إقبال طرفة بن العبد، على خصلتي ~~الضبع، من ضرب الجيد أو حز الوريد «5». # وقد ms115 كان خلف بن أحمد كمن له مقانب «6» من جيشه، فأحاطوا به إحاطة خيل ~~الزباء بجذيمة الوضاح «7»، إلى أن حصل في معتقله «8»، وحبس في مكمن أجله، ~~وبقي في السجن على حاله، إلى أن أخرجت جنازته محالا «9» عليه في قتل نفسه، ~~والجناية على روحه ودمه. # ولما سمع طاهر بن زيد صاحب جيش خلف بن أحمد، وسائر القواد بسجستان، ما ~~جرى في أمر طاهر، دخلت في طاعته ضمائرهم، ونغلت «10» في موالاته سرائرهم، ~~وانتقضت خوف الأسوة فيه مرائرهم «11». وضبطوا تلك المدينة على طاعة PageV01P213 ~~السلطان ومشايعته، وأرسلوا إليه بما أوجبوه من التمسك «1» بحبل الطاعة، ~~والتنسك بدين الجماعة، وسألوا إنهاض من يتولى تسليم «2» الناحية منهم، ~~ليبتدروا «3» إلى بابه، ويتعطروا بلثم ترابه. ففعل السلطان ما سألوه، ~~وجزاهم الخير على ما فعلوه. وأقيمت الدعوة للسلطان بها في «4» سنة ثلاث ~~وتسعين وثلثمائة. # ولما فتح الله رتاجها، ويسر له انفراجها، عزم على قصد خلف، وحسم [116 ب] ~~دائه، وكفاية الخاصة والعامة عوادي مكره ودهائه، وهو يومئذ في حصار الطاق، ~~ومن صفته أنه ذو سبعة أسوار رفيعة الجدران، منيعة البنيان، وثيقة الأركان، ~~يحيط «5» بها خندق بعيد القعر، فسيح العرض «6»، منيع المخاض، لا يعبر إلا ~~من طريق [واحد في] «7» مضيق على جسر يطرح عند الحاجة، ويرفع عند «8» ~~الاستغناء عنه. فعسكر السلطان حواليه، محيطا به من جوانبه إحاطة المحيط ~~بنقطة المركز. وجعل يستقرى ء بالرأي وجه الحيلة، في طم ذلك الخندق وكبسه، ~~ليستدف «9» على الفارس والراجل خوضه وعبوره. وكانت حوالي معسكره «10» منابت ~~أثل وطرفاء «11» ذوات احتفاف والتفاف، ففرض على أهل عسكره خاصتهم وعامتهم، ~~راجلهم وفارسهم، عضد ما PageV01P214 ~~يمكنهم «1» عضده منها، أضغاثا «2» وحزما تلقم عرض الخندق، ليستتب ظهر ~~المجال والمخترق. # وبادر الناس إليه، فلم تشرف شمس النهار على التكبيد، حتى أعرض عرض ~~المخاضة من جانب باب الحصار للركوب، وثار «3» إليه عند ذلك الخيول، وتبعتها ~~الفيول. # ومانع أصحاب خلف بن أحمد من شرفات الحصار، بقذافات «4» الأحجار. واشتعلت ~~الحرب بينهم ترمي بشرر كالقصر «5». وتنحي على القصرات «6» بالفرس «7» [117 ~~أ] والقسر. وزحف «8» الفيل العظيم إلى باب الحصار، ms116 فاقتلعه بنابيه، وزخ به ~~في الهواء، فانحط إلى الأرض من حالق، وقتل من أصحاب خلف الجم الغفير، ولجأ ~~الباقون على أطراف الحاجز، إلى السور الداخل. وذمر عسكر السلطان على ~~الحصار. وتماسك أصحاب خلف فوق شرفات السور «9» الآخر مناضلين عنها بأحجار ~~المجانيق، وأطراف الحراب والمزاريق. واطلع خلف بن أحمد عند اشتداد الخطب ~~على ملتقى الفريقين، فرأى هول المطلع، ورأى تموج الفضاء بعفاريت الأنجاد، ~~على شياطين الجياد. وتطاير النبال كرجل الجراد «10»، وترامي الحراب كعزالي ~~السحاب، وفيح «11» الدماء كسيح PageV01P215 ~~السماء. وعاين «1» الفيل قد أهوى إلى بعض أصحابه بخرطومه، فرمى به في ~~الهواء قاب رمحين، ثم تلقاه بنابيه، وأقبل على «2» الآخرين «3» يدوسهم ~~بمنسميه، ثم أنحى على الباب بمنكبيه، فزعزعه بعضادتيه، واقتلعه بضباب «4» ~~الحديد عليه «5»، فاستطار عند ذلك قلبه، وجاش وارتاع روعه، واضطره هول ~~المقام، وفزع الاصطلام إلى طلب الأمان، واستغاثة السلطان، فكف عنه يد ~~الإحراج، ووضع عنه سوط الانتقام، كرما غذاه [117 ب] الله بدره، وأطربه ~~بنشوة خمره. # وأقبل خلف بن أحمد على بذله الجائزة «6»، حتى استؤذن له على السلطان، ~~فدخل وأهوى إلى الأرض بشيبته البيضاء، متعززا بذل الخدمة. وغشى البساط من ~~سبح الجواهر والفرائد، بما كسف النهار وخطف الأبصار، نثارا ينوب عنه في شكر ~~ما أذاقه من برد العفو والرحمة، وحماه من حريم الروح والمهجة. فتكرم ~~السلطان بالرفع من قدره، وضم يده عند التقريب إلى صدره، تناسيا لما سبق من ~~هناته، وتغابيا عما أقدم من ذحوله وتراته، وحكمه في احتمال ما أحب من زبد ~~«7» يساره «8»، وذخائر حصاره، وخيره في المقام حيث شاء من ديار ممالكه ~~وأمصاره. فاختار أرض الجوزجان، استرواحا إلى نسيم هوائها، واستعذابا لنمير ~~مائها، واتساعا في مراتع الصيود حول أرجائها. وأمر السلطان بتسييره إليها ~~في هيئة ذوي الهيبة، معافى بلباس «9» الصيانة عن عورة المهانة. فأقام بها ~~قرابة أربع سنين في ظل الترفيه، وساعدته القناعة بما هو فيه. PageV01P216 # ثم أنهي إلى السلطان مراطنة بينه وبين أيلك الخان، بملطفات «1» سيرها إليه، ~~ورسالات [118 أ] أغراه بها عليه، فاقتضاه الاحتياط نقله إلى جرديز «2»، ~~إبقاء ms117 عليه من صدق ما أضيف إليه، واستتماما للصنيعة لديه، واحتراسا مما ~~يلجأ إليه من أباطل ذلك الإفضال، وتكدير «3» ذلك الغدير. فبقي هناك على ~~جملته إلى أن حقت عليه القضية، واخترمته المنية، وذلك في رجب سنة تسع ~~وتسعين وثلثمائة. وأمر السلطان بحفظ جميع ما تخلف عنه على ولده أبي حفص، ~~وتقريره في يده، وتمكينه من خدمته. # وأنشدني أبو منصور الثعالبي لنفسه فيه حين وهى أمره، وصفرت عن الملك يده: # من ذا الذي لا يذل الدهر صعبته ... ولا تلين يد الأيام صعدته «4» # أما ترى خلفا شيخ الملوك غدا ... مملوك من فتح العذراء بلدته # وكان بالأمس ملكا لا نظير له ... فاليوم في الأسر لا ينتاش «5» أسرته # وكان خلف بن أحمد مغشي «6» الجناب من أطراف البلاد، لسماحة كفه، وغزارة ~~سيبه، وإفضاله على أهل العلم وحزبه. وقد مدح على ألسنة الشعراء والعلماء ~~بما هو سائر، وذكره في الآفاق «7» طائر. وكان قد جمع العلماء على تصنيف ~~كتاب في تفسير كتاب الله تعالى، [118 ب] لم يغادر فيه حرفا من أقاويل ~~المفسرين، وتأويل المتأولين، ونكت PageV01P217 ~~المذكرين. وأتبع ذلك بوجوه القراءات، وعلل النحو والتصريف، وعلامات التذكير ~~والتأنيث، ووشحه «1» بما رواه عن الثقات الأثبات [من الحديث] «2». وبلغني ~~أنه أنفق عليهم مدة اشتغالهم بمعونته على جمعه وتصنيفه عشرين ألف دينار، ~~ونسخته «3» بنيسابور موجودة في مدرسة الصابوني «4»، لكنها تستغرق عمر ~~الكاتب «5»، وتستنفد حبر «6» الناسخ، إلا أن يتقاسمها النساخ «7» بالخطوط ~~المختلفة. وأخبرني أبو الفتح [علي بن محمد] «8» البستي [رحمه الله] «9»، ~~قال: كنت عملت فيه ثلاثة أبيات من غير قصد لتبليغها إياه، لكنها سارت على ~~ألسنة الرواة «10» إليه، فلم أشعر إلا بصرة فيها ثلثمائة دينار أتحفني بها ~~على يد بعض ثقاته صلة لي على ما قلته وعملته. والأبيات هذه: # خلف بن أحمد أحمد الأخلاف ... أربى بسؤدده على الأسلاف # خلف بن أحمد في الحقيقة واحد ... لكنه مرب على الآلاف # أضحى لآل الليث «11» أعلام الورى ... مثل النبي لآل عبد مناف «12» # فقلت له: قريب من هذه الصورة حديث إبراهيم بن هلال الصابي [119 أ] وذلك أن ms118 PageV01P218 ~~رسولا لسيف الدولة كان قدم «1» مدينة «2» السلام، فطلب شيئا من شعره على ~~لسان صاحبه، فدافعه إلى أن أزف ارتحاله، وأتاه عند الوداع ملحا عليه في ~~تنجزه، فأعطاه عجالة الوقت قوله: # إن كنت خنتك في المودة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا # وزعمت أن له شريكا في العلى ... وجحدته في فضله التوحيدا # قسما لو اني حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا «3» # فلما عاد الرسول إلى الحضرة، حمل إليه صرة فيها ثلثمائة دينار موسومة باسمه. # وللشيخ أبي الفتح البستي فيه يمدحه أيضا «4»: # من كان يبغي علو الذكر والشرفا ... ويبتغي عطف دهر قد نبا وجفا # أو كان يأمل عند الله منزلة ... تنيله قرب الأبرار والزلفا # أو كان يطلب دينا يستقيم به ... ولا يرى عوجا فيه ولا جنفا # أو كان ينشد مما فاته خلفا ... فليخدم الملك العدل الرضا خلفا # الوارث العدل والعلياء من سلف ... حثوا بعليائهم في وجه من سلفا # المؤثر القصد في أنحاء سؤدده ... فإن أراد عطاء آثر السرفا [119 ب] # اذا التوى عنق ولى حكومته ... سيفا إذا ما اقتضى حقا له انتصفا # والسيف أبلغ للأعناق موعظة ... كم من صليف حماه حده الصلفا # وإن بدا كلف في وجه مكرمة ... جلا بلا كلف في وجهه الكلفا # رضاه يصرف عمن يستجير به ... صرف الزمان إذا ما نابه صرفا # إذا اقشعر زمان من جدوبته ... أغنى الورى وكفى جود له وكفا PageV01P219 ~~بسخطه يدع الأفلاك خائفة ... والشمس حائرة والبدر منكسفا # يرى التوقف في يومي وغى وندى ... وصما فإن عن رأي مشكل وقفا # لله نصل ضئيل في أنامله ... أعاد حظي سمينا بعدما نحفا # يهين أمواله كي يستفيد بها ... عزا يؤثل في أعقابه الشرفا # والمرء للوم في أحواله هدف ... إن لم يكن ماله من دونه هدفا # لا يلحق الواصف المطري معانيه ... وإن يكن سابقا في كل ما وصفا # وأنشدني أبو الفضل الهمذاني قصيدته التي «1» مدح «2» بها خلف بن أحمد، ~~وأولها: # سماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل # لك الله من عزم أجوب جيوبه ... كأني في ms119 أجفان عين الردى كحل # كأن السرى ساق، كأن الكرى طلا ... كأنا لها شرب، كأن المنى نقل «3» [120 أ] # وفيها يذكر أباه بهمذان، واستقباله الحجيج للسؤال من خبره، والبحث عن ~~وطنه ووطره: # يذكرني قرب العراق وديعة ... لدى الله لا يسليه مال ولا أهل # إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهم ... بفوارتي دمع هما السجل والنجل # يسائلهم كيف ابنه أين داره ... إلام انتهى لم لم يعد هل له شغل # أضاقت به حال؟ أطالت له يد؟ ... أأخره نقص؟ أقدمه فضل؟ # يقولون وافى حضرة الملك الذي ... له الكنف المأمول والنائل الجزل # فقيد له طرف وحلت له حبى ... وخير له قصر ودر له نزل # وفاضت عليه مطرة خلفية ... بها للغوادي عن ولايتها عزل # يذكرهم بالله إلا صدقتم ... لدي أجد ما تقولون أم هزل PageV01P220 ~~طوينا للقياك الملوك وإنما ... بمثلك عن أمثالهم أبدا نسلوا # ولما بلوناكم تلونا مديحكم ... فيا طيب ما نبلوا ويا صدق ما نتلوا # ويا ملكا أدنى مناقبه العلى ... وأيسر ما فيه السماحة والبذل # هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام أسكنه الوبل # محاسن يبديها العيان كما ترى ... وإن نحن حدثنا بها دفع العقل # فقولا لوسام المكارم باسمه ... ليهنك إن لم تبق مكرمة غفل # وجاراك أفراد الملوك إلى الندى ... وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل # سما بك من عمرو بن يعقوب محتد ... كذا الأصل مفخورا به وكذا النسل «1» # وأنشدني السيد أبو جعفر محمد بن موسى الموسوي «2» بيتين ذكر أنهما ~~مكتوبان [120 ب] على باب داره وهما: # من سره أن يرى الفردوس عالية ... فلينظر إلى إيوان كيوان # أو سره أن يرى الرضوان عن كثب ... بمل ء عينيه فلينظر إلى الباني # نعم، وصفت سجستان للسلطان، فهدأت «3» عيون الفتن، وسقطت نجوم الإحن، ~~وانقطعت أطماع الخلفية «4» بها عن التعصب والتحزب، وانخفضت أبصارهم دون ~~التوثب والتغلب. ورجع السلطان إلى غزنة باهر الأمر، عالي القدر «5»، قد صنع ~~الله له فيما رامه، وسدد نحو المراد سهامه، وشهره بافتراع «6» المدينة ~~العذراء، واستصفاء المملكة الغراء، واطلاع ذروة الرجاء، وادراع «7» الأمة ~~العز والعلاء. وأنشدني أبو منصور ms120 الثعالبي في فتح PageV01P221 ~~سجستان من قصيدة لنفسه: # سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت ببقائك الأعوام # وتصرفت بك في المعالي همة ... تعيا بها الأفهام والأوهام # ولقد فرشت مهاد عدلك فاغتدت ... تتوارد الآساد والآرام # وافتض سيف علاك كل مدينة ... بكر عليها للإياس ختام # هذي زرنج «1» استغلقت وتمنعت ... فكأنها إلا عليك حرام [121 أ] # ففتحتها وأبحتها ومنحتها ... نفرا هم لفنائك الخدام # وقدمت والأيام تنشد في الورى ... بيتا تجيد نشيده الأيام # قد جاء نصر الله والفتح الذي ... تزهي بكتبة وصفه الأقلام # بأجل أحوال وأيمن مقدم ... وأتم إقبال يليه دوام # ورحم الله البديع أبا الفضل الهمذاني حيث يقول في السلطان يمين الدولة ~~وأمين الملة «2»: # تعالى الله ما شاء ... وزاد الله إيماني # أأفريدون في التاج ... أم الإسكندر الثاني # أم الرجعة قد عادت ... إلينا بسليمان # أظلت شمس محمود ... على أنجم سامان # وأمسى آل بهرام ... عبيدا لابن خاقان # إذا ما ركب الفيل ... لحرب أو لميدان # رأت عيناك سلطانا ... على منكب شيطان # فمن واسطة الهند ... إلى ساحة جرجان PageV01P222 ~~ومن قاصية السند ... إلى أقصى خراسان # وفي مقتبل العمر ... وفي مفتتح الشأن # فيوما رسل الشاه ... ويوما رسل الخان «1» # فما يغرب بالمغر ... ب عن طاعتك اثنان # لك السرج إذا شئت ... على كاهل كيوان # أيا والي بغداد ... ويا صاحب غمدان «2» # تأمل مائتي فيل ... على سبعة أركان # يقلبن أساطين ... ويلعبن بثعبان # عليهن تجافيف ... يشهرن بألوان # ويأجوج ومأجوج ... من الجند تموجان # واستخلف السلطان على سجستان المعروف بتنجي «3» الحاجب، أحد المحتشمين من ~~قواد ناصر الدين سبكتكين، فحسنت في السياسة سيرته، واشتدت في الرفق «4» ~~بالبرى ء والعنف على [121 ب] المريب بصيرته «5». # ثم إن طوائف من نجوم الفتنة، ورجوم الشر والعصبية، أبطرتهم رفاهة العيش، ~~ورفاعة الأمن، وفسحة الحال، وسعة المجال، فتحدثوا بينهم بتقديم من يضمهم ~~على العصيان، ويؤمهم في الخروج على السلطان، تعرضا للبلاء، وتحككا «6» ~~بالشقاء، واجتراء PageV01P223 ~~على سوء القضاء. فأبرزوا صفحة الخلاف، واخترطوا نصل الشر من الغلاف. فلما ~~رأى السلطان انتقاض سجستان على «1» خلفائه وأمنائه، بادر إليها في عشرة ~~آلاف رجل من نخب العسكر، ومعه صاحب الجيش ms121 أبو المظفر نصر بن ناصر الدين، ~~والتونتاش الحاجب، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي زعيم العرب، وحصر ~~المردة العتاة في حصار أرك، ووكل خيول عسكره بجوانب الأسوار، وقسم «2» ~~بينهم محال ذلك الحصار. # ونشبت الحرب بعد العصر من يوم الجمعة للنصف «3» من ذي الحجة سنة ثلاث ~~وتسعين وثلثمائة. # وخاض السجزية «4» غمرتها ساعة متوازرين على المدافعة، ومتضافرين على ~~الممانعة والمقارعة، حتى إذا أوهنهم السلاح، وأثخنتهم الجراح، لاذوا ~~بالانجحار «5»، [112 أ] والاعتصار بسور الحصار. وظهر أولياء السلطان على ~~بعض جوانب السور، في ظلمة الديجور، فتنادوا بشعار الملك المنصور. فانهزم ~~الفجار، وملك عليهم الحصار، وبسطت أيدي القتل والضرب على من نفضتهم الدور، ~~ولفظتم المساكن والقصور «6»، فمن رؤوس منبوذة «7»، وأعناق مجذوذة «8»، ~~ووجوه مكبوبة «9»، ودماء على الأرض مصبوبة. # وهام الآخرون على وجوههم يتساقطون من كسع الأدبار في الآبار، ويلوذون من ~~ضرب الأخادع بالمخادع، ويفزعون من شن الغارات إلى المغارات، والطلب يقطع ~~دابرهم، PageV01P224 ~~ويقرع «1» بالأول آخرهم، حتى خلت «2» سجستان من عيث شرارهم، وسلمت «3» من ~~بث شرارهم. # وفتح الله تلك المملكة على السلطان فتحا ثانيا، وملكا تاليا «4»، فلم ~~يسمع على الأيام، بمثله فتحا في غلق الظلام. واستقامت هيبة السلطان في أهل ~~سجستان، حتى نامت لياليهم عن دبيب العقارب، وصرير الجنادب «5». وأنشدني «6» ~~بعض أهل العصر على تفيئة النصر: # يا أيها الملك الذي زند المعالي يقتدح ... لا زال ثغرك باسما من أجل ثغر تفتتح # وأنشدني أبو منصور الثعالبي في هذا الفتح الشهير والنجح الكبير يمدح [122 ~~ب] السلطان يمين الدولة وأمين الملة: # يا خاتم الملك ويا قاهر ال ... أملاك بين الأخذ والصفح # عليك عين الله من فاتح ... للأرض مستول «7» عن النجح # راياته تنطق بالنصر بل ... تكاد تملي كتب الفتح # كم أثر في الدين أثرته ... يقصر عنه أثر الصبح # وكم بنى للملك «8» شيدتها ... تثني عليها ألسن المدح # فاسعد بأيامك واستغرق ال ... أعداء بالكبح وبالذبح # ودم رفيعا عالي القدح ... ممتنع الملك على القدح PageV01P225 ~~ثم جعل السلطان سجستان طعمة لأخيه صاحب الجيش أبي المظفر نصر «1» بن ناصر ~~الدين سبكتكين مضافة إلى نيسابور، ms122 وناهيك بهما «2» ولاية في بلاد المشرق. # فنصب «3» لخلافته عليها أبا منصور نصر بن إسحاق وزيره، ووكل بها تدبيره، ~~ورضي لها تقديمه وتأخيره. فقام بضبط الولاية، واستدرار الجباية، وإتقان ~~السياسة، وإنعام الحراسة، قيام من عدله الزمان بثقافه «4»، وزينه الكمال ~~بأوصافه. # وعاد السلطان إلى بلخ على استئناف الجد في غزو الهند، على ما سنذكره في ~~موضعه إن شاء الله وحده «5» [123 أ]. ### | ذكر شمس المعالي قابوس بن وشمكير وانتقاله إلى مملكته بعون الله ونصرته بعد طول التقلب في التغرب # قد كان شمس المعالي أقام بخراسان ثماني عشرة «6» سنة مداريا ومصابرا ~~للدهر على وقعاته، وتصرف حالاته، لم تغمز يد الحادثات قناته، ولم يقرع صرف ~~النائبات صفاته، ولم تنقص دوائر الأيام مروءته، ولم تنقض على اختلاف ~~أحوالها حبوته، ولم يبق من أصحاب الجيوش وزعماء الجمهور من لم يضرب بسهم من ~~نوافله، ولم يرجع إلى حظ من عطاياه وفواضله، ولم يخدمه أحد من ذوي الحشمة ~~بسلام، إلا حظي منه بإنعام وإحسان، وأحبية ألوان «7»، وأفراس مطهمة حسان. ~~فعلى الأكتاف خلعه ولباسه، وتحت الأفخاذ مراكبه وأفراسه، وحشو البيوت بدره ~~وأكياسه. PageV01P226 # وقد كان آل سامان يهمون «1» برده إلى مملكته حيازة لقصب السبق في إدالته ~~على خصمه، وإفاءة مملكته إلى يده، فيقطعهم توالي الفتوق من كل وجه عليهم عن ~~إصابة أغراضهم في أمره. وألهمته بصيرة التجارب مداراة المحنة «2»، حتى ~~ينتهي زمانها، وينقضي على الإقبال بحرانها «3»، إذ كان الاضطراب في المحن ~~كالاضطراب في حبل الخناق ما يزداد صاحبه [123 ب] على نفسه حركة، إلا ازداد ~~اختناقا وهلكة، ومما يضاف إلى شعره قوله: # قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر # أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر # فإن تكن نشبت أيدي الزمان بنا ... ومسنا من عوادي بؤسه الضرر # ففي السماء نجوم مالها عدد «4» ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر «5» # ولما وطى ء ناصر الدين سبكتكين عراص «6» خراسان، وأقدره الظفر بأبي علي ~~«7» على كورها، ارتاح للقائه، وما ينتحيه «8» من نصرته وإعلائه. ثم اتفق له ~~من ms123 الانقلاب إلى بلخ ما حال بينه وبين المراد، فغبر مدة على جملته إلى أن ~~انقرض أمر أبي علي، وخوي نجم الشغل به «9». وانحدر إلى طوس لطلب أخيه أبي ~~القاسم السيمجوري، فجدد عند PageV01P227 ~~ذلك شمس المعالي عهده به، ولا طف كل منهما صاحبه بما لا يفي به بيان، ولا ~~يتسع له حساب ولا حسبان. # وجرى ذكر فخر الدولة صاحب الري واستظهاره ببدر بن حسنويه صاحب الأكراد، ~~والفوارس الأنجاد. وأراد ناصر الدين سبكتكين أن يستظهر عليهم بكماة الشرق، ~~[124 أ] ورماة الحدق، من كتائب الأتراك الخانية، فأرسل حاجبه الكبير ~~التونتاش إلى أيلك الخان يتنجزه حكم الحال التي تفارقا عليها بما وراء ~~النهر من الاتحاد في الوداد، والاشتراك «1» في الأملاك، بإمداده بعشرة آلاف ~~رجل من نخب رجاله، وشهب أبطاله. وصرف شمس المعالي وراءه على ميعاد معاده «2». # ورجع ناصر الدين سبكتكين «3» إلى بلخ مستعدا للأمر، ومنتظرا لوصول العدد ~~الدثر «4»، فاستأثر الله به قبل أن عاد الرسول، وتحقق «5» المسؤول «6»، ~~فحبط عليه ما صنع، وصوح «7» دونه نبت ما زرع. وتوسط وجوه الناس بين السلطان ~~يمين الدولة وأمين الملة، وبين شمس المعالي في إسعاده ورده إلى معاده، على ~~مال يقضي به حق غنائه، ويضاهي حسن بلائه في تحقيق رجائه، وتمحيق مكائد ~~أعدائه. فأظهر الوفاء به لغاية شهرين من قراره بجرجان، إذ كان يحيل كل «8» ~~ما التزمه «9» على ما يدر له من أحلابها، ويحفل من أخلافها. وإنه يتحاشى ~~بدء انتقال الملك إليه خبط رعيته بالحيف والعسف، والإنحاء PageV01P228 ~~عليهم بمبردي «1» الحرق «2» والنسف. فأعجل السلطان يمين الدولة وأمين الملة ~~ما أهمه من إرث أبيه، وشغل [124 ب] الخاطر بأخيه، عن تقديم إظهاره وتعجيل ~~رده إلى داره، فاستمهله ريثما يكفي ما أمامه، وينفض «3» الشغل بما «4» ~~رامه. وسار إلى غزنة حتى يسر الله له افتتاحها، وداوى على يده جراحها. # وكان أبو القاسم بن سيمجور مقيما بقومس، فلما مضى فخر الدولة لسبيله، ~~انحاز إلى جرجان متغلبا عليها، وكاتب شمس المعالي قابوس بن وشمكير في ~~الامتداد إليها، ليقوم بتسليمها إليه، وتقريرها في يديه؛ فسار ms124 على سمت ~~الروغد «5» حتى وافى جرجان، وأبو القاسم بن سيمجور «6» باستراباذ، وقد جهز ~~من الري أبو العباس فيروزان ابن الحسن في جماهير المشاهير من قواد الديلم ~~والأكراد [لدفعه عنها] «7»، وكان قد أطمع أبو القاسم من بخارى في ولاية ~~قهستان وهراة، وأمر بمعاودة خراسان للاعتضاد به، والاستظهار بعدته وعديده، ~~فجرد عزمه للانصراف، وضرب تلك المواعيد بالإخلاف، غير حافل بما يلحقه من ~~المذمة بخذلان من جشمه لنصرته، واستقدمه على ما تحت يده «8» وقدرته، وسار ~~نحو إسفرايين. فانقلب شمس المعالي [قابوس ابن وشمكير] «9» إلى نيسابور على ~~حرة النهل «10»، استيناء بالوقت إلى مقتطف الرجاء PageV01P229 ~~ومخترف «1» الأمل، وتربصا بما حوته رحم الليالي من جنين [125 أ] المقدور في ~~إدالة الميسور على المعسور. ولما رأى أمور آل سامان مختلة النظام، منحلة ~~العراقي والأوذام «2»، لا تزداد على الرقع إلا خرقا، وعلى الرتق إلا فتقا، ~~مخض «3» الرأي فيما يقيم له مائد أمره، ويحوش عليه آبد ملكه، فكانت زبدة ~~مخضه أن سرب الاصبهبذ شهريار بن شروين إلى جبل شهريار «4» لا ستصفائه، فسار ~~نحوه [بمن] تحت لوائه، وعلى الجبل يومئذ رستم بن المرزبان، خال الأمير أبي ~~طالب رستم بن فخر الدولة صاحب الري، فتناهدا للقتال على رسمهم في الاحتراس ~~بالتراس، وادراع لباس البأس. فشد عليهم الاصبهبذ شدة شردتهم بين المهامه ~~والدكادك «5»، وأقحمتهم «6» لهوات «7» المعاطب والمهالك. وأصاب منهم غنيمة ~~جسيمة، بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة. وأقام الخطبة بالجبل «8» على شمس ~~المعالي قابوس بن وشمكير. # وكان بايي «9» بن سعيد- أحد أعيان الجيل وشجعانهم «10» - مقيما PageV01P230 ~~عند الأستندارية «1» في طوائف من أضرابه، مشايعا لهم في ظاهر الأمر، وناظرا ~~«2» إلى موالاة شمس المعالي «3» من نقاب السر. واتفق أن نصر بن الحسن «4» ~~بن فيروزان «5» لفظته الإضافة بناحية الديلم إلى حدود الأستندارية، فطمع في ~~مغالبتهم عليها، [125 ب] ومزاحمتهم فيها، فقذف من جمرات أنيابها بمن طرده ~~عنها، وقبض على خاله أبي الفضل اصبهبذ كلار «6»، فسجن إلى أن دفن. # ومايل بعد ذلك بايي بن سعيد نصرا، فتساعدا على قصد آمل، وبها أبو العباس ~~الحاجب في زهاء ألفين من ms125 عسكر الري، فأجلياه عنها هزيما تقفوه الصفاح، ~~وهشيما تذروه الرياح. وطير بايي بن سعيد عند ذلك كتبه إلى شمس المعالي بذكر ~~«7» الفتح الذي أتيح له على شعار موالاته، واستشعار طاعته وممالأته، وإظهار ~~التنصح باستطلاع راياته. # ففصل عن نيسابور سائرا نحو جرجان «8». وتحيز بايي بن سعيد عن مضامة نصر ~~إلى استراباذ مجاهرا بشعار صاحبه. وتجمع إليه من أبناء الجيل من كان يسلك ~~شعب هواه، ويستلم ركن طاعته ورضاه. وكتب شمس المعالي إلى الاصبهبذ ~~بالانضمام إلى بايي، وجمع اليد إلى يده فيما قدم وأخر، والشد على عضده فيما ~~أورد وأصدر، ففعل ما أمر. PageV01P231 # وتسامع أبو العباس فيروزان بن الحسن بنبئهما «1» وهو مقيم بجرجان، فنهد ~~لكفاية أمرهما، وإخماد ما التهب من جمرهما، فواقعاه بباب استراباذ وقعة أنت ~~فيها حدود القواطع من حديد [126 أ] المدارع، ومزارق الزانات من مفارق ~~الهامات. وكادت الهزيمة تستمر بأصحاب بايي لو لا انقلاب الأكراد والعرب في ~~عسكر الديلم عليهم ببيض الظبى وزرق العوالي، منادين بشعار شمس المعالي. ~~فانهزم أبو العباس فيروزان بن الحسن فيمن معه، وركب الطلب أكتافهم فأسر هو، ~~وزهاء ألف وعشرين «2» نفرا من وجوه القواد في جملته، وأسري بقية الفل نحو ~~جرجان، وقد قدم إليها قابوس بن وشمكير سالار خركاش «3» - أحد أقاربه- فوافق ~~انهزامهم إليها إطلاله عليها. وتسامع الفل به، فضجوا رنة وعويلا، وضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا، واضطروا إلى استئناف الهزيمة قرحا على قرح، وملحا فوق جرح. ~~وخوطب شمس المعالي قابوس بن وشمكير «4» بخبر الفتح، وما هيأه «5» الله له ~~من عظيم النجح، فسار إلى جرجان وقد شرح الله صدره، وجلى عن الكسوف بدره، ~~ونسخ «6» باليسر عسره، وزاد على القدر قدره، ودخلها في شعبان سنة ثمان ~~وثمانين وثلثمائة. ولبعض كتاب أهل العصر فيه عند زفاف الملك إليه [126 ب] ~~قصيدة أولها: # الجد ما لم يعنه الجد غدار ... والحر ما لم يزنه الصبر خوار # وللكريم إذا الأيام زلن به ... عن المنى بثبات النفس أعذار PageV01P232 ~~كم فاضل وجنون المنجنون له ... حيفا على حسك اللأواء جرار # وكم جريح قريح القلب ذي ms126 عبر ... وكم قتيل وما للسيف آثار # وكم فقير بلا جرم وخائنة ... وكم غني وللأيام أدوار # سير سريع ودور غير منصرم ... نصب العيون ودون الغيب أستار # من كان يخبر حال الدهر دائرة ... لم يثنه عن عيان الحال أخبار # وإنما حاصل الأيام مختبرا ... جذر أصم عن التحقيق فرار # ينحى الزمان على من لا اصطبار له ... ورقه للذي في العسر صبار # فاصبر هديت فإن الصبر منجحة ... ومن وراء ظلام الليل إسفار # والدهر ذو غير أحواله ثوب ... عسر ويسر وأحلاء وأمرار # والبدر يدر كه التمحيق منتقصا ... وبعده لضياء التم أنوار # والنار في خلل العيدان كامنة ... وسقطها باقتداح الزند سعار # والجد يطبع كالصمصام ثم له ... من صيقل الدهر جلاء وشهار [127 أ] # هذاك شمس المعالي في سيادته ... له مع الفلك الدوار أخبار # أعطاه من غرر الآمال «1» ما قصرت ... عن نيل أمثالها في الدهر أعمار # ملكا وعزا وعيشا رافغا «2» وعلى ... ودولة ضمنها نصر وإظهار # لما كساه دروع العز ضافية ... ولم تجد منه غير الشكر يختار # أبدى نشوزا عليه كي يجربه ... بالصبر والصبر للأحرار مسبار # حتى إذا ما قضى من سبره وطرا ... وللأمور نهايات وأطوار # أمسى يعاود ما أرضاه في خفر ... وخده بدم التشوير فوار # فالمجد خادمه والعز صارمه ... والرأي رايته والخلق أنصار # قرم تضى ء حياة العالمين به ... كأنه الشمس والأعمار أقمار PageV01P233 ~~راح الكرام إلى أو كار نائله ... كأنه الليل والأحرار أطيار # له المعالي سماء والندى شهب ... والمجد سارية والجود أمطار # علاه كالليل والمصباح همته ... ونقله الجود والآمال سمار # تراه تنهزم الأموال عن يده ... مثل انهزام العدى عنه إذا ثاروا «1» # ومجده الدهر قناص لهمته ... والجود باز له والصيد أحرار # حياؤه بوقاح السيف ممتزج ... وعدله في حزون البأس سيار [127 ب] # ندى يديه إلى الفردوس منتسب ... ووقع سطوته في حره النار # يوم الهياج صفاح البيض ظلته ... والجو من لهب الطعنات صهار # يغامس الحرب والأرواح راقية ... إلى التراقي وطرف الموت نظار # يرش من دفع الأعناق قسطلها ... إذ نقعها بحوامي الخيل ثوار # تناذرت أنجم الأفلاك سطوته ... إذ الرماح من ms127 الأرواح تمتار # فهن في ذمة الأضواء آنسة ... وهن من طخية الظلماء نفار # للمشتري بينها في الخصر منطقة ... يبغي رضاه وللمريخ زنار # كفته روعته أمرا بمصلحة ... فما يدور على المحظور ديار # وقد أفاض على الظلماء هيبته ... فما يصر حذار البأس صرار # إن السلامة أن لو ألهمت نطقت ... يا رب إنك لي من سيفه جار # يا أيها الملك الميمون طائره ... ومن نداه كفيض اليم زخار # إن الزمان عروس مالها أبدا ... سوى خصالك مشاط وعطار # البخل عندك في وجه الندى كلف ... نعم وفي غرة الإقبال إدبار # ترمي العدى من بنات الكيد صائبة ... وإن رموا خانت المرمي أوتار # كأن ما قد رموا من لعن ظالمة ... وما رميت به وحي وأقدار [128 أ] # تحمى وتلتهب الأوتار رامية ... كأنما أحمت الأوتار أوتار PageV01P234 ~~لا زال في نعم تفضي إلى نعم ... ما طاف حول فناء البيت عمار # ممتعا بسرور غير منقرض ... حتى تفوق نجود الأرض أغوار # ولأبي بكر محمد بن العباس الطبري المعروف بالخوارزمي فيه «1» من قصيدة ~~يمدحه بها عند «2» مقامه بنيسابور: # قامت تودعني بالأدمع السجم ... والصمت بين يد منها وبين فم # البين أنطقها والبين أخرسها «3» ... وهذه حالة في الناس كلهم # قد طالما انهزمت عنا السيوف فلا ... تحاربينا بجيش الورد والعنم # وقد خلعت لجام الاتباع فلا ... تلقى سوالفنا في ذمة اللجم # لم يبق في الأرض لي شى ء «4» أهاب له ... فهل أهاب انكسار الجفن ذي السقم # أستغفر الله من قولي غلطت بلى ... أهاب شمس المعالي أمة الأمم # غضي «5» جفونك عني رحمة لدمي ... فإن سفرت فقد حاولت سفك دمي # وإن دعاك أبو يحيى لنصرته ... يوما علي «6» فأبدي الثغر وابتسمي # كأن لحظك من سيف الأمير ومن ... حتم القضاء ومن عزمي ومن كلمي «7» # قال الأمير لأخلاق الكرام قفي ... بحيث أنت فما زادت على نعم «8» [128 ب] # وقال للعلم والآداب لا تردا ... إلا علي فما فاها بلا ولم # القائل القول لو فاه الزمان به ... صارت لياليه أياما بلا ظلم PageV01P235 ~~والفاعل الفعلة الغراء لو مزجت ... بالنار لم تسكن «1» النيران من حمم # لا تحفلن ms128 بنضوب الماء «2» في يده ... فقد تجف ضروع العارض السجم # قد يجزر البحر بعد المد تعرفه ... وينزل الجدب وكر الأجدل القطم # ولا يغرنك أن الدهر حاربه ... قد يغدر السيف يوم الروع بالبهم # الآن إذ غدت الدنيا تجمشه ... وقابلته صباحا أوجه النعم # ترنو «3» إليه فتخفي شخص منقبض ... لما جنته «4» وتغضي طرف محتشم # إذا دعت نحوه ساقا نهت قدما ... والعمر يذهب بين الساق والقدم # حيرى تقر بها حال وتبعدها ... كذا يكون رجوع الآبق السدم «5» # وله فيه من قصيدة أخرى يقول في نسيبها «6»: # شموس لهن الخدر «7» والبيت مغرب ... فطالعها للبين والهجر غارب # ولكنما شمس المعالي خلافها ... مشارقه ليست لهن مغارب # وما لقبوه الشمس إلا وقد رأوا ... بأنك شمس والملوك كواكب [129 أ] # أقول لزوار الأمير ترجلوا ... فمن زاره من راجل فهو راكب # وإن زاره الفرسان كنت كفيلهم ... بأن يرجعوا والخيل فيهم جنائب # ألا بلغا عني الأمير رسالة ... تدل على أني على الدهر عاتب # إلى كم يحل المرء مثلك بلدة ... بها «8» منبر فيه لغيرك خاطب # عليك بهذا السيف فاقض ديونه ... فللسيف دين عند كفك واجب PageV01P236 ~~ولا تقعدن تغضي الجفون على القذى ... وفي الأرض مركوب ورمح وصاحب # غريمك هذا الدهر فالزمه يغترم ... فلن يوقظ الغرام إلا المطالب # وأنت ابن عم السيف بل أنت عمه ... وكيف تخاف الأقربين الأقارب # أليس أبو كم وشمكير و«1» جدكم ... زيار «2» ومرداويج عم مناسب # تحرك بنا إما لواء ومنبر ... وإما حسام كالعقيقة قاضب «3» # وللقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فيه من قصيدة أولها: # أمسرى خيال الهاجر المتجنب «4» ... ومجرى دموع الزائر المتطرب # سألتك بالدهر الذي صرت بعده ... قذى ناظري من بعد أن كنت ملعبي # أعني على عين إذا ما وعدتها ... بقربك قالت للدموع تأهبي # ولما تداعت للغروب شموسهم ... وقمنا لتوديع الفريق المغرب [129 ب] # تلقين أطراف السجوف «5» بمشرق ... لهن وأعطاف الخدور بمغرب # فما سرن إلا بين دمع مضيع ... ولا قمن إلا فوق قلب معذب # كأن فؤادي قرن قابوس راعه ... تلاعبه بالفيلق المتأشب «6» # همام يراه المال أسرع حادث ... إلى حتفه والقرن أخوف ms129 معطب # يفض العدى أطرافه قبل عزمه ... ويطرقهم رعبا ولم يتأهب # وفيها «7» يصف الزانات: # وزرق على سمر تظل إذا هوت ... تلاحظ أعقاب الشهاب المذنب PageV01P237 ~~ترفعن عن طيش الرماح وزلة ... السهام وتقصير الحسام المجرب # فحزن ظبات البيض ثم وصلنها ... إليهن من سمر الرماح بأكعب # فنلن منال السهم من متبعد ... وقمن مقام السيف من متقرب # وفيها «1»: # فتى ما تلاقت همتان بصدره ... ولا يشهد الجلى برأي مشعب # له الهمة العلياء والمنصب الذي ... تتبعه الجوزاء ألحاظ متعب # إذا بعض أطراف الزمان تقاصرت ... عن المجد ألفوه كريم التغلب «2» # يزاحمهم من وشمكير بمنكب ... ومن سلف الاصبهبذين بموكب [130 أ] # ويذهب من مجد وعز ومفخر ... بآثار مرداويج في كل مذهب # وما خلصت للمرء مسعاة والد ... إذا لم يقابله بخال مهذب # كلا طرفيه يرجع الطرف خاسئا ... إذا رامه عن كل خرق محجب # يحوز معالي أردشير بخاله ... ويعلو الربى عن شأو ساسان بالأب # ولما انتهت الهزيمة بالقوم إلى الري، على جملة الانكسار، وذلة الاقتسار، ~~وسبة القتل والإسار، قطع عليهم سياط العذل والتعنيف، وملئت عيونهم من نفثات ~~التعبير والتشوير «3». وكان أبو علي الحسن بن أحمد بن حمويه «4» على ~~الوزارة، فاختار عشرة آلاف رجل من بهم الديلم «5» وفتاك الأتراك، ونخب ~~العرب، وأفراد الأكراد، وسار بهم في منوچهر بن قابوس، وبيستون بن تيجاسب ~~«6»، وكنار بن فيروزان، ورشاموج ابن أخت PageV01P238 ~~عظيم الديلم، وموسى الحاجب، وأسفار «1» بن كردويه، وأبي العباس بن جايي، ~~وعبد الملك بن ماكان، وهؤلاء رتوت الجيل والديلم «2»، حتى أظل شهريار «3». ~~وبلغ شمس المعالي قابوس إقباله، فاستضم أطرافه، واستظهر «4» بشهريار «5» ~~استعدادا لمواقعته، وتنجزا لوعد الله في نصرته، وتثبيت وطأته، واستتمام ما ~~أعاده «6» إليه من نعمته. [130 ب] # وحاذر أبو علي بن حمويه «7» ممالأة نصر بن الحسن بن فيروزان شمس المعالي ~~قابوس بن وشمكير، وانقطاعه إلى جانبه، فواصله بكتبه، نافثا في عقدته «8»، ~~فاتلا في ذروته «9»، نافخا بسحره في سحره «10»، وملقيا إليه أن القرابة ~~الواشجة «11» بين أبي طالب بن فخر الدولة وبينه، لو صادفت منه حكمها في ~~الإشفاق على دولته، والانتداب لنصرته، لكان أحق الناس ms130 بسياسة أجناده، ~~وزعامة ممالكه وبلاده، وأنه الآن متى سلك طريق الخدمة، وجانب جانب التهمة، ~~وحافظ على حرمة اللحمة، لم يعدم ما يهواه من ترتيب وترحيب، وتنويل «12» ~~وتخويل، وتفخيم وتقديم. وأذن له في الانتقال إلى قومس إلى أن PageV01P239 ~~يدبر «1» أمره بمقتضاه، فارتاح نصر «2» لما شامه من تلك العقيقة «3»، ووثق ~~به على الحقيقة، وسار نحو سارية «4»، ثم قرض «5» الجادة ذات اليسار، وركب ~~ذات اليمين مما يلي طراشك وأباذان «6» حتى إذا حاذى رقعة قومس، أذاع في ~~أصحابه رأيه في طاعة أبي طالب، وأنه «7» - ما عاش- رقيق خدمته، ونصير ~~دعوته. فاختلفت عليه «8» كلمتهم حين أفصح [131 أ] بتدبيره، وباح بسر ضميره، ~~فمن فريق «9» رجع إلى الأستندارية، وفريق إلى جرجان في طلب الأمان. # ورحل نصر في الباقين حتى أناخ بقومس، وسأل أبا علي بن حمويه «10» تمكينه ~~من بعض القلاع ليحصن فيه عياله وأثقاله، فمكنه من حصار جومند، فاستوطنه، ~~وأودعه ماله ومن معه. # ولما أمن أبو علي شره وعاديته، توجه نحو سارية على قصد جرجان، فلما اطمأن ~~بها أسرى منوچهر بن شمس المعالي [قابوس بن وشمكير] «11» إلى أبيه عائذا ~~بالله من PageV01P240 ~~عقوقه، وكفران ما فرض الله عليه من حقوقه. فارتاب «1» أبو علي من بيستون بن ~~تيجاسب لاشتراكهما في نسبة الجيل، وأرومة ذلك القبيل «2». وأشفق من صغوه ~~«3» القديم في خدمة شمس المعالي، وحثه إياه على معاودة سدته، واهتبال الغرة ~~في مراجعة جملته. فأخذ بالحيطة في اعتقاله، ورده إلى «4» الري في وثاقه. ~~وامتد إلى ظاهر جرجان مما يلي قبر الداعي «5» فعسكر به، وتواصى أهل الحفاظ ~~والحمية، والأنفة الأبية، من أصحاب شمس المعالي بالترافد في التجالد، ~~والتساتل «6» على التقاتل، [131 ب] والتماسك عند التعارك، وشدوا حيازيمهم ~~للقراع، وقرعوا ظنابيبهم للمصاع، وناصبوهم الحرب طرفي الصباح والرواح، لا ~~يسأمون وقع الصفاح، ولا يألمون لذع الجراح، حتى غبر شهران كيوم واحد في ~~مغامسة الكريهة «7»، بين تكلف وبديهه. # ومس عسكر جرجان ضيقة لا نقطاع المير والمواد عنهم، فاستعصموا بالنفوس ~~الشريفة، وتبلغوا «8» طول تلك الأيام بالبلغ الخفيفة، مؤثرين شرف المقام ~~على شبع الطعام، ورد الشجاعة ms131 على سد المجاعة، وأصاب الآخرين تلك الضيقة، ~~فانقلبوا من الفضاء بقبر PageV01P241 ~~الداعي إلى جانب محمدآباد «1»، اتساعا في العلوفات من جهة چناشك «2»، ~~فتداركت عليهم الأمطار «3»، حتى أعوزهم الامتيار «4»، وماجت عليهم الأقطار ~~«5» بالطوفان، فتساقطت الخيام، وساخت القوائم والأقدام. وعند ذلك «6» برز ~~أنصار شمس المعالي أهل الحقائق من وراء الخنادق، وأججوا نار الوغى كضارية ~~القشاعم، وداهية الأراقم. وثبت بعضهم للبعض «7» من مطلع الفلق إلى مسقط ~~الشفق، محكمين متون الصوارم في شؤون «8» الجماجم [132 أ]، وذوابل الصعاد ~~«9» في مناهل الأكباد، وزرق الزانات «10» في سواد «11» المهجات، حتى إذا ~~زلت قدم العصر، أتى أمر الله بالنصر، فحمل الجيل على الديلم حملة لم تستبق ~~منهم طالب ثأر، ولا نافخ نار، وأسر من عظمائهم أسفهسلار بن كورنكيج «12»، ~~وزرهوا «13»، وجستان «14» بن أشكلي، وأخوه حيدر بن سالار، ومحمد بن وهسودان ~~«15». واشتملت PageV01P242 ~~المعركة على ألف وثلثمائة رجل ممن أضجعتهم الحتوف، وسطحتهم على الأرض ~~السيوف. وأفاء الله على الجيل غنائم لا يستوعبها بيان، ولا يستثبتها بنان. # ثم رأى شمس المعالي أن يوعز بمداواة الجرحى، والفك عن الأسرى، وصرفهم ~~وراءهم بالخلع والكرامات، والأحبية والصلات، شكرا لنعمة الله فيما أولاه، ~~وإكبارا لقدر منته في تحقيق ما رجاه. # وأنشدني أبو منصور الثعالبي أبياتا له «1» في ذكر هذا الفتح الذي نظمه ~~الله في سلك أيامه، والحق الذي أقره منه في نصابه: # الفتح منتظم والدهر مبتسم ... وملك شمس المعالي كله نعم # والعدل منبسط والحق مرتجع ... والشعب ملتئم والجور مصطلم [132 ب] # ألقت مقاليدها الدنيا إلى ملك ... مازال وقفا عليه المجد والكرم # شمس المعالي وغيث المشرقين ومن ... به يليق العلى والملك والحشم # هو الإمام هو القرم الهمام هو ال ... بدر التمام هو الصمصام والقلم # هو الغمام الذي تخشى صواعقه ... قهرا وترجوا نداه العرب والعجم # هو المقيم وقد سارت مآثره ... كأن علياه من دنياه تنتظم # والماء من جوده المبذول «2» منسكب ... والنار من بأسه المرهوب تضطرم # والأرض من صدره والريح من يده ... والروض من خلقه للخلق يبتسم # الله جارك يا من جار حضرته ... يلقى السعود عليه الدهر تزدحم # أبشر فقد ms132 جاء نصر الله مؤتنفا ... وعاشر الفتح منشورا له علم # يا من إذا اعتصمت صيد الملوك به ... أمسى وأصبح بالرحمن يعتصم # أبل الجديدين بالعمر الجديد ودم ... للملك يخدمك التوفيق والقسم PageV01P243 ~~وأنشدني الأمير «1» أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي لنفسه «2» في ذلك: # لا تعصين شمس العلى قابوسا ... فمن عصى قابوس لاقى بؤسا «3» # نعم، ولما بلغ أبو علي بن حمويه «4» قومس «5» منهزمه من تلك المعركة، ~~أرسل إلى نصر بن الحسن بن فيروزان يسأله تعجيل اللحاق به ليتعاضدا على [133 ~~أ] لم شعث الهزيمة، وسد ما جاش من منخر تلك الكشفة العظيمة «6». ثم أعجله ~~الطلب عن التوقف والتلوم «7»؛ فأوجف «8» نحو الري. وأتاه نصر فلم «9» ~~يلحقه، فاستوطن سمنان «10». وتابع كتبه إلى أبي طالب مجد الدولة رستم بن ~~علي «11» فخر الدولة مستمدا، وشمر لتلافي الخلل الواقع مجدا، فتراخت المدة ~~على استئناف إمداده، واقتبال معونته وإنجاده، ثم أمد بابن بكتكين الحاجب في ~~زهاء ستمائة من شجعان الغلمان، فقوي بهم، وتكثر بمكانهم. # ورماه شمس المعالي ببايي «12» بن سعيد في رجال من الجيل. وكتب إلى ~~الاصبهبذ «13» PageV01P244 ~~شهريار بن رستم بمعونته، وإزاحة علته، فصمد صمد «1» نصر، مرخيا عنان ~~التحفظ، ومغمضا جفون التيقظ. وقد كان نصر سد الطرق على أبنائها سترا لخبره، ~~وسحبا لذيل الكتمان على أثره، فاتفقت إنافة «2» بايي عليه على حين تقطع من ~~رجاله، وتفرق من أكثر أصحابه، فتناوشا «3» الحرب ساعة ونصر مستعد، وأمره في ~~القراع جد. ثم اضطر بايي إلى الانقلاب على بارح الخيبة، وفشت الهزيمة بمن ~~«4» تلاحق به، وتراخى عنه من ذنابى «5» عسكره، وجرى عليهم من القتل والأسر ~~[133 ب] ما اعتد به نصر في مساعيه عند أبي طالب، فغسل به وجه حاله، وجلا ~~عليه صفحة إقباله. # وأنهض عند ذلك رستم بن المرزبان خال مجد الدولة أبي طالب في ثلاثة آلاف ~~رجل مددا لنصر، وعقدت له الاصبهبذية «6» على جبل «7» شهريار، فتلقاه نصر ~~إلى دنباوند «8» وساعده «9» على صعوده، وامتلاك حدوده. ولجأ الاصبهبذ ~~شهريار «10» إلى سارية، PageV01P245 ~~وبها منوچهر بن شمس المعالي معتصرا بعقوته «1»، ومعتصما بعروته، فأصاب أهل ~~فريم ms133 «2» غلاء عم بلاؤه، وشمل الكافة داؤه، وسببه بسط الأيدي بالغارات، ~~وانتهاب ما أوعته الرعايا للأرماق من الأقوات، فاضطر نصر إلى الانصراف عن ~~رستم بن المرزبان للقحط الشامل، والبلاء النازل، فلم ينهنه «3» الاصبهبذ ~~عند انقلابه أن ركض على رستم فأجلاه عنها إلى حد الري، منخوبا «4» منكوبا، ~~ومخذولا مفلولا، فصفت له ناحيته، وانحسمت عنه شذاة «5» نصر وعاديته. # وكان أبو نصر بن محمود الحاجب «6» قد ألجأه بعض المحن التي دهته إلى خدمة ~~شمس المعالي، فمهد له كنفه، وحكم في اصطناعه شرفه، ووالى الصنائع والرغائب ~~إليه، وملأ من الأموال يديه، وسهل ركوب [134 أ] المطالب عليه، ثم رماه في ~~وجه نصر بن الحسن بن فيروزان «7» مزاح العلة بقدر الكفاية، من ذوي البسالة ~~والنكاية، فخف إليه بجأش ثبت، ووجه على الحادثات صلت «8»، وأحرق عليه الأرض ~~حربا بكرا على يده، وعوانا «9» على أيدي أعوانه «10» ومدده. ثم حمل على ~~جموعه حملة شردتهم كل مشرد، وطردتهم بين أعين البيد كل مطرد. وعلق في حبالة ~~الأسر جستان «11» بن الداعي، PageV01P246 ~~وابن هندو وغيرهما من أعيان القواد. واصطف على جدالة الحرب من القتلى ما ~~شبعت به الضباع، بل سمنت عليه الوحوش الجياع. وانهزم نصر من بين يديه إلى ~~سمنان [في جمادى الآخرة سنة تسعين وثلثمائة] «1». # وكان نصر على جلالة بيته، وفخامة عشيرته «2» ورهطه، مغرما بالظلم، مغرى ~~«3» بالحيف والغشم. ووافقت ولايته «4» مدرج «5» الحجيج، زوار «6» البيت ~~العظيم «7»، وزمزم والحطيم، فشملهم عيثه «8» في كل سنة بوجوه من المطالبات ~~المختلفة، والمعاملات «9» المجحفة، حتى انتشر عنه سوء الأحدوثة، وحبط عليه ~~جمال تلك الجملة الموروثه. # ولعل عثار الزمان به عدوى «10» ضجيج الحجيج عنه [134 ب] بالاستغاثة في ~~حالتي الوقوف والإفاضة. # وواصل نصر الري بكتبه في الاستنفار، والاستنهاض من صرعة العثار، فمد له ~~في طول التطويل، بأنواع التعليل «11» والتأميل: # مواعيد كما اختب «12» سراب المهمه القفر ... فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر PageV01P247 ~~وبلغه بعد ذلك أن مجد الدولة أبا طالب وشمس المعالي قد تصالحا على احتيال ~~«1» تحصيله، والظفر به، فساء ظنا، وضاق بالأمر ذرعا، ونمي إليه أيضا ms134 «2» أن ~~بعض قواد السلطان يمين الدولة وأمين الملة- وكان يعرف بأرسلان هندوبچه «3» ~~والي قهستان- قد أوقع بأبي القاسم السيمجوري وأجلاه عنها إلى جنابذ، فأغذ ~~السير إليه على مظاهرته «4»، والتحصن بمرافقته ومضافرته، وجعل يحطب في ~~حبله، ويفتل في ذروته بحيله وختله، ويزين له قصد الري معه لا متلاكها على ~~أبي طالب إيهاما لنغل النيات في طاعته، ودخن الأهواء في مشايعته، فاغتر أبو ~~القاسم بتغريره «5»، وانجر في جريره. وسار إلى خوار الري «6»، فتلقاه من ~~سرعان «7» الكتائب، من غص بهم لهوات تلك المخارم والمسارب. # ولما رأى أبو القاسم [135 أ] أن الأمر جد، والطريق منسد، خنس وراءه عاضا ~~على البنان، منخزلا لعارض الحرمان. وبلغ شمس المعالي قابوس بن وشمكير ~~انصرافه مع نصر على وجه الري، فقذفهما بعفاريت الأكراد من كل جانب، ودحرهم ~~عن حدود مملكته بعذاب واصب. ولما رأيا أن الأرض تلفظهم يمينا وشمالا، ~~وتنفيهم «8» جنوبا PageV01P248 ~~وشمالا، تآمرا «1» على قصد السلطان يمين الدولة وأمين الملة مستأمنين إليه، ~~ومستعديين على الزمان بالمثول بين يديه، فيمما عالي «2» حضرته، وتوشحا ~~بجمال خدمته، فأما أبو القاسم فهرب على ما سبق ذكره، إلى أن أودعه الحبس ~~أسره، وأما نصر فأقام على الخدمة مدة إلى أن أمر السلطان بإقطاعه بيار «3» ~~وجومند طعمة له، فنهض إليهما. # وأبت عليه همته القناعة بهما، فلم يزل يضطرب في حبالته إلى أن خدع من ~~الري، وحمل منها إلى قلعة أستوناوند «4»، فجعلت عليه حصيرا، وساء ذلك ~~مصيرا. ووكل شمس المعالي بعد ذلك بحوالي القلاع فيما بين جرجان واستراباد ~~وما وراءها من أحاط بهم إحاطة الخلخال [135 ب] بأرساغ البعير، حتى افتتحها ~~غيلة ومكيدة، ومراعاة لحقوق الاستسلام والتسليم وكيدة، فصفت له تلك الولاية ~~بحدودها وحواشيها، وقلاعها وصياصيها، بما أعد من زبد الأحقاب فيها. # واتفق بعد ذلك إخلاء الاصبهبذ بجبل شهريار إلى جانب المجانبة في طاعة شمس ~~المعالي قابوس «5»، وادعاؤه الأمر لنفسه اغترارا بما اجتمع له من الوفر ~~«6»، والتف عليه من العدد الدثر «7»، والعسكر المجر، فرمي من جانب الري ~~بأبي علي رستم «8» بن المرزبان خال أبي طالب، في صناديد ms135 الديلم، وفيهم ~~بيستون بن تيجاسب المقبوض عليه من قبل في التظني «9» بموالاة صاحبه قابوس ~~بن وشمكير «10»، فنصب له الحرب قراعا PageV01P249 ~~ومصاعا، وثقافا ونقافا. وكانت عاقبة أمره أن كسر فأسر، ونادى أبو علي رستم ~~«1» مكانه «2» بشعار شمس المعالي لوحشة كان استشعرها من أهل الري، وأقام ~~الخطبة فيها باسمه، وكاتبه بذكر طاعته، وشرح ما فتح الله له «3» على يده. ~~وهاجر أبو حرب بيستون ابن تيجاسب إلى أرضه المقدسة من فناء صاحبه وولي ~~نعمته، فانشرح [136 أ] صدره، وقرت بالإياب عينه، وطاب بالإحسان والإيناس ~~«4» عيشه، لو لم يعجله عن الحياة حينه. # وانضافت مملكة الجيل بأسرها إلى ممالك جرجان وطبرستان، فولاها شمس ~~المعالي منوچهر ابنه، سمي من لو «5» عاش إلى زمانه، لرد عليه عواري مفاخره، ~~ورجع إليه حلي آثاره ومآثره «6». وانفتحت بعدها عليه رويان وشالوس وما ~~وراءها من حدود الأستندارية، فصارت ولايته تشرق بنور العدل والإحسان، وتبسم ~~عن ثغور الأمن والأمان. # وواصل «7» شمس المعالي السلطان يمين الدولة وأمين الملة بكتبه ورسله «8» ~~في عقد وثيقة يتحصن بها من صروف النوائب، ويستظهر بها على وجوه المطالب. ~~وقدم بين يدي نجواه من أنواع القرب والمبار، [ما خرج عن الحد والمقدار، حتى ~~تأكدت «9» العصمة، وتأربت العقدة «10»، واشتبكت] «11» الألفة، واستحكمت ~~الثقة، وصارت جرجان وطبرستان إلى سواحل البحر وديار الديلم بحكم الحال ~~المتشجة، كإحدى ممالكه التي PageV01P250 ~~يحكم «1» عليها آمرا وناهيا، ويتبسط فيها حاضرا وباديا، فلله شمس المعالي ~~في «2» همة له بين المجرة مجراها وفي بحار الكرم مجراها ومرساها «3»، فلم ~~يسمع [136 ب] في شيوخ «4» الملوك بأشرف منه قيمة، وأوطف ديمة «5»، وأكرم ~~شيمة، وأصدق بارقة مشيمة، وأوفر «6» عقلا وتحصيلا، وأظهر جملة وتفصيلا، ~~وأغذى للنفس بعفاف الحكمة، وأجزى للبدن بكفاف الطعمة، قد فطم «7» النفس عن ~~رضاع الملاهي، فلم يعرف اللهو «8» ما هو، ولا البطالة ما هي، علما منه بأن ~~الملك واللهو ضدان، وأن ليس لا لتقائهما «9» يدان. ولقد أحسن أبو الفتح علي ~~بن محمد البستي الكاتب في نصرة هذا الرأي بقوله: # إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب # أما ms136 ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطرب «10» # نعم، ولا أحرص على إنصاف الرعية، وآخذ بأطراف العدل في القضية، وأبرع في ~~الآداب والحكم، وأجمع بين ذرابة «11» السيف وذلاقة «12» القلم، ورسائله ~~موجودة في البلاد PageV01P251 ~~عند الأفراد، لكني أكتفي منها بلمعة «1» من بوارق بيانه «2»، وزهرة من ~~حدائق إحسانه، إذ كان في تصفحها ما يغني عن التكثر في هذا المكان بها، ~~فمنها رسالة أنشأها في الترجيح بين أصحاب «3» النبي صلى الله عليه وسلم «4» ~~بعقب رسائله [137 أ] القديمة، [وقرائنه اليتيمة] «5»، وهي: # بسم الله الرحمن الرحيم «6» # اعلم أن أصعب الأمور، وأشرفها بين الجمهور، هو الخروج بالنبوة، ~~والاستعلاء على الخلق بهذه القوة، لأنه تقليب الوجوه عن القبل المعبودة، ~~وإدخال الأعناق في قلادة غير معهودة، ومخاطبة الخلق عن الخالق، خالق «7» لا ~~تدركه أبصار الخلائق. وقد اعتلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذروة هذا ~~الشرف، وصار لمن سلف من الأنبياء [صلوات الله عليهم] «8» خير الخلف. وفاز ~~بمزية هذا الذكر العظيم، وأذاق العرب لذة النعيم، ونقلهم إلى الثروة والغنى ~~«9» من الفقر والفاقة، وأراحهم من رعاية الجمل والناقة، وليس وراءه لا ~~بتغاء العلى أمد، فما فوق السماء للسمو مصعد. # ثم ضبط الأمر بعده زعيمه على نظامه، وإقامته «10» في قوامه، وهذا ما ~~تولاه أبو بكر رضي الله عنه حين ودع عمره، من غير أن سلم إلى أحد أمره، ~~فإنه قام به قيام ثابت القلب، مستقل بمقاومة الخطب، غير مفكر في رد راد، ~~ولا مبال بمعاداة معاند «11»، حتى PageV01P252 ~~حمى حريم الدين، وجمع شمل المسلمين، ولم يرض بأن يلم ببيضة الشريعة ملم، ~~ولا [137 ب] أن يتغير من أحكامها حكم، فلقب خليفة رسول الله لا نتدابه ~~لحياطة دين الله، ثم تحصين حوزة الإسلام من عوارض الفساد، وعادية الأعداء ~~والأضداد، والمجاهدة في استضافة ديار المخالفين، إلى جانب الإسلام ومجامع ~~المسلمين. # وهو ما أتاه عمر رضي الله عنه لما آل إليه الأمر، فإنه صرف جده «1» وجهده ~~إلى الجهاد، وقصر وكده «2» وكده على افتتاح البلاد، حتى اتسع نطاق هذه ~~الملة، وخضعت ms137 الرقاب لأهل هذه القبلة، فلقب أمير المؤمنين، إذ كان نعم ~~العون لرسول رب العالمين «3». # قد فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر الأعظم، والشأن الأفخم، وأطفأ ~~لهيب كل ملتهب، على رغم «4» من أبي لهب، والتأم بسعي الشيخين رضي الله ~~عنهما شعب الأمرين الآخرين «5». وبلغ الإسلام «6» من الإحكام مبلغا ليس فيه ~~مستزاد، ولا يشين بياض غرته سواد، ولم يبق للتابعين سوى التمسك بدين ممهد، ~~ومراعاة بناء مشيد، فلم يقدروا على القيام «7» به، واحتجبوا وراء حجابه. # ولما أتت الخلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان منه ما كان من [138 أ] ~~تبديل زي «8» النسك بزينة الملك، وتغيير سيرة الأئمة حين توسع في النعمة، ~~حتى اجتنى ثمرة ما جنى، وتيه به سوء ما أتى. PageV01P253 # ولما عادت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه [وعن الصحابة أجمعين] «1»، ~~هاجت الرياح «2» من كل جانب، وبدت الأوابد، وتبدلت العقائد، وتحول أمر ~~الدين ملك المغالبة، ودول القتال والمجاذبة، ووقعت الخلافة في الخلاف، وبرز ~~الشر من الغلاف، وبقي علي رضي الله عنه «3» على اضطراب لا يهدأ، وفي «4» ~~مداواة داء لا يبرأ، مع شجاعته المشهورة، ومآثره المأثورة، فانتهى أمره إلى ~~ما انتهى، حتى جرى عليه وعلى عقبه ما جرى. فلينظر إذا كان الأمر كذلك، ~~أهؤلاء أحق بالقدح أم أولئك، قد مضى القوم وآثارهم في الإسلام كالشمس في ~~الاشتهار، والهباء في الانتشار، وصنيعهم صائح بحي علي الفلاح، وليس بأيدي ~~الخصماء سوى السفاهة والصياح. # وقرأت توقيعا له إلى بعض الأفاضل يستقدمه حضرته، ليتوخى مسرته: «محال لمن ~~سمت به همته إلى قصد من تغلو عنده قيمته، أن يكون على غيره عرجته، ولبيت من ~~سواه زيارته وحجته». # وأما خطه [138 ب] فخطة المحاسن، فسمه إن شئت وشيا محوكا، أو تبرا مسبوكا، ~~أو درا مفصلا، أو سحرا محصلا. وكان إسماعيل بن عباد إذا قرأ خطه يقول: # هذا خط قابوس أم جناح طاووس؟ فهو كما قال المتنبي: # في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء # ولكل عين قرة في قربه ... حتى ms138 كأن مغيبه الأقذاء «5» PageV01P254 ### | ذكر الحال التي انعقدت بين السلطان يمين الدولة وأمين الملة وبين أيلك الخان في التواصل والتضافر، والتعاقد على التعاون والتظاهر «1»، إلى أن خلعت بهجة البشر وكشرت عن أعصل «2» الشر # قد كان أيلك الخان لما ملك السلطان خراسان على الغدرة «3» بآل سامان، ~~اغتنم تطهير ما وراء النهر عن كل منتسب إلى تلك الأرومة، ومتشبث بشعب تلك ~~الجرثومة «4»، فلم يدع هناك ذا «5» ظفر إلا قلمه، ولا ذا حد إلا اجتاحه ~~واصطلمه. ثم كاتب السلطان مهنئا له بما ذخر الله له من خالصة الملك، وصافية ~~الملك، وظاهر إليه من ظاهرة العز وباطنة الصنع، ومعتدا لنفسه بما قطفه من ~~عنقود رجائه ملاوة «6» على [139 أ] صفقة إقباله، وعلاوة على جماله وجلاله. ~~وتردد السفراء بينهما في وصلة تبل رحم «7» الحال، وتؤكد أسباب المودة ~~والوصال «8»، وتحمي حرائم «9» الثقة في الجانبين، وترفع ستر الحشمة في ذات ~~البين، وتؤدي رتبة الاختلاط إلى الامتزاج، وقربة الاشتباك إلى الاتشاج، ~~فتصير النفوس واحدة، والسواعد على وجوه مصالحها متساعدة. وأنهض السلطان عند ~~إلمامه «10» بنيسابور في طلب المنتصر أبي إبراهيم أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان PageV01P255 ~~الصعلوكي «1» إمام أهل الحديث بها، رسولا إلى أيلك الخان، وضم إليه طغانجق ~~والي سرخس في خطبة كريمته عليه، ونقلها في صحبته إليه. وأصحبه ما عدا العد ~~والحد من سبائك العقيان، ويواقيت البهرمان، وعقائل الدر والمرجان، وتخوت ~~الوشي والحبر، ونوادر البدو والحضر، وصواني الذهب مملوءة من بيضات العنبر، ~~وأواني الفضة منضودة بشمامات الكافور، وغير ذلك من شارات الهنود، وقطاع ~~العود، وذكور النصول، [139 ب] وإناث «2» الفيول، تحت حدوج مغشاة بذوات ~~التعاريج من ألوان الدبابيج «3»، منطقة بعصائب يخطف العيون بريقها، وتصطخب ~~على الأقتاب معاليقها «4»، وعتاق ضوامر كالقداح «5»، بخدود كمتون الصفاح ~~«6»، وغرر كنجوم الصباح، وقوائم كمنخرق الرياح «7»، وسنابك كفلق الصفاح ~~«8»، في مراكب كأنما حلي بعضها بقطع «9» عقيق، أو شعل حريق، وحلي سائرها ~~بنجوم الثريا والنثرة «10»، وبنات نعش من وراء المجرة. وقرن ذلك كله بأموال ~~على سبيل الألطاف، تغمر ذوائب الأوصاف. PageV01P256 # فسار الإمام أبو الطيب سهل بن ms139 محمد إلى «1» أيلك الخان، كريما ينقل كريمة، ~~ويحمل من بحر الترك إلى أرض إيران درة يتيمة. فطلع على أيلك الخان «2»، ~~وأهل بيته طلوع الحميم طاب إيابه، بعد أن طال اغترابه، والحبيب لطف إعتابه ~~بعد أن قدم هجره واجتنابه، إعظاما منهم «3» لقدر وفادته عن باب السلطان، في ~~ذلك المهم من الشأن، ثم لفضله في نفسه، فهو الإمام المقدم، والصدر المحتشم، ~~ومن لا يقرب «4» إلى ربابته ضريب له في أبواب الفضائل، وخصوصا في خلافيات ~~المسائل. [140 أ] # وأقام بأوزكند «5» إلى أن فرغ من أمر الزفاف، وأزيحت علته في الانصراف، ~~فعاد على «6» جناح النجاح مصحوبا بمجلوبات الترك من نقر «7» المعادن، ~~ونوافج المسك، وقود المراكب، وعيس الركائب، ورؤد «8» الوصفاء والوصائف، ~~وبيض البزاة، وسود الأوبار، ونصب الختو «9»، وأحجار اليشب «10»، وطرائف الصين. # واتحدت الحال بين السلطان [يمين الدولة وأمين الملة] «11» وبين أيلك الخان PageV01P257 ~~اتحادا اشترك فيه المراتع والنعم، واستهم «1» فيه الصنائع والخدم، وبقيت ~~«2» على جملتها في التأحد والتأكد إلى أن نزغ الشيطان بينهما، فنغلت ~~الضمائر، وانحلت القوى والمرائر، وتولى السيف تدبير ذلك الوصال، فحل معقوده ~~وفصل مسروده. وسيأتي الشرح على الوقائع التي جرت بينهما في موضعها «3» على ~~الأثر [إن شاء الله تعالى] «4». # فأما الآن فإني أشير إلى نبذ من محاسن هذا الشيخ السفير، والكافل في ~~الأمر بالتدبير، وأتبعه بذكر رجالات خراسان، من أعيان رعايا السلطان يمين ~~الدولة وأمين الملة، ووجوه الفضل من أوليائه «5». فمن منثور كلامه، قوله: ~~«من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه»، يشير إلى قول منصور الفقيه: [140 ب] # الكلب أعلى همة «6» ... وهو النهاية في الخساسة # ممن ينافس في الرئاسة ... قبل أوقات الرئاسة # وقوله: «العقل أطيب عيش، والعدل أغلب جيش»، وقوله: «إذا كان رضا الخلق ~~معسورا لا يدرك، فإن ميسوره لا يترك» «7»، [وقوله: «إنما يحتاج إلى إخوان ~~العشرة لزمان العسرة»] «8»، وقوله: «من تغافل عنك مع علمه بحاجتك إلى عونه ~~وتوقيره، طلب عليك علة إذا عاتبته على تقصيره»، كأنه ألم بقول القائل: # توق الناس يا ابن أبي وأمي ... فهم تبع المخافة والرجاء # ألم تر مظهرين ms140 علي عتبا ... وكانوا أمس إخوان الصفاء PageV01P258 ~~بليت «1» بنكبة فغدوا وراحوا ... علي أشد أسباب البلاء # أبت أقدارهم أن ينصروني ... بمال أو بجاه أو براء «2» # وخافوا أن يقال لهم خذلتم ... صديقا فادعوا قدم الجفاء # ولبعض أهل العصر فيه: # كلام الإمام إمام الكلام ... وفوه يفوه بحر النظام # مزاج معانيه في نظمها ... مزاج المدام بماء الغمام # وله فيه: # ألا أيها الشيخ الجليل ومن به ... تبلج أفق الدهر عن «3» فلق البشر # لئن «4» كنت في الدنيا وأنت وشاحها ... عيانا فإن الدر في صدف البحر [141 أ] # ولم تحوك الدنيا لأنك دونها ... ولكن لب الشى ء يحصن بالقشر # وقد صين نصل السيف تحت قرابه ... كما صين نور العين بالجفن والشفر # ومن أعيان رعايا السلطان بنيسابور: أبو نصر أحمد بن علي بن إسماعيل «5» ~~الميكالي «6»، وهو صنيعة السلطان، وشيخ مملكته وجمال جملته فضلا موفورا، ~~وأدبا مشهورا، وعزا معقودا، ومالا ممدودا، ورأيا كالأري «7» مشارا «8»، ~~وحزما كالمرائر مغارا، ودهاء يسلخ الليل البهيم نهارا، ونظرا يستشف أستار ~~المصائر فيستكشف أسرار الضمائر، PageV01P259 ~~وشعرا نقي السنخ «1» والجوهر، ذكي المسك والعنبر، رضي المورد والمصدر، فمنه قوله: # باني العلى والمجد والإحسان ... والفضل والمعروف أكرم بان # ليس البناء مشيدا لك شيده ... مثل البناء يشاد بالإحسان # البر أكرم ما حوته حقيبة ... والشكر أفضل «2» ما حوته يدان # وإذا الكريم مضى وولى عمره ... كفل الثناء له بعمر ثاني «3» # فأما كتابته فالسحر الحلال، والعذب الزلال، فهي تحكي بما تحويه من لطف ~~العبارة، وحسن الاستعارة، ومعسول الإشارة والشارة، رياض ميثاء إلى القرارة ~~«4». ومن منثور كلامه ورسائله، [141 ب] ما كتب «5» به إلى شمس المعالي ~~قابوس بن وشمكير، أقرأنيه كاتبه: # بسم الله الرحمن الرحيم # كتب العبد، وحاله فيما يديمه له «6» مولاه من شرف إقباله ورضاه، ويفيضه ~~عليه من ملابس فضله ونعماه، حال من تقبل عليه دنياه، ويسعد في ظل دولته ~~بأولاه وأخراه، والحمد لله رب العالمين. # وصل كتاب الأمير موشحا بدرر خطابه، وغرر إيجابه، وبدائع بره وأفضاله، ~~وروائع أنعامه «7» وإشباله «8»، فيما أكرمني به من عز العيادة، وألبسنيه من ~~حلل الفوز PageV01P260 ~~والسعادة، وشرفني به ms141 من التهنئة على العافية المستفادة، فأوصل عزا يبقى على ~~الأيام أثره، ولا يخلق على مر الزمان ذكره ومفخره. وفهمه العبد فهم من آنس ~~منه رشدا، واقتبس من أثنائه قوة وأيدا، وسجد لله شكرا على ما أفاضه عليه من ~~سجال «1» السلامة، ومد عليه من ظلال الفضل والكرامة، ورغب إليه في إسباغ ~~العوارف عليه، [وإسداء العوائد لديه] «2»، وصرف المحاذر عن حضرته «3»، [وكر ~~المكاره عن فنائه وساحته] «4»، فأما ما أهل الأمير [142 أ] العبد له من ~~شريف كتابه، ولطيف خطابه، ورقاه إليه من درجة العيادة أولا، ومنزلة التهنئة ~~ثانيا، وإنفاذ القاصد به ثالثا، فإن ذلك من نتائج همته العالية، ودواعي ~~شيمته الزاكية، التي تحنوه «5» على أوليائه وخدمه، وتعطفه «6» على أغذياء ~~نعمه، فليس له في مقابلة ما أولاه، ومعارضة ما كساه، إلا الشكر يديمه، ~~والنشر يقيمه، والرغبة إلى الله تعالى يخلصها في إطالة بقائه، وإدامة عزه ~~وعلائه، وإنهاضه بمواجب خدمته، ومعرفة قدر نعمته بمنه ورحمته. هذا ولو كان ~~«7» ملك العبد في مقابلة هذه النعمة- على جلالة قدرها، ونباهة خطرها ~~وذكرها- غير بذل المهجة والقرينة «8» في الطاعة، واستنفاذ الوسع والطاقة ~~غاية لبلغها تقربا إلى حقوقه بما يقتضيها، ويؤدي شرط العبودية فيها، وحكم ~~على نفسه بالعجز والتقصير معها، وإذ قد حرم المراد فما يتمسك إلا بالرغبة ~~إلى الله تعالى في أن يتولى من مكافأته بما لا يسمح به إلا يده، ولا يفي به ~~إلا مجده، فهذا هو الكلام الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل ~~تحبيره، [142 ب] وملك العقل رسمه وتصويره، والقليل PageV01P261 ~~منه على الكثير دليل، وكلام الجليل كقدره جليل: # قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل # وقد أكثر الشعراء في مدحه، لكني أثبت أبياتا للخوارزمي فيه من قصيدة أولها: # زف المنام إلي طيف خياله ... لو أن طيفا كان من أبداله # ولو أن هذا الدهر يشكر لم يدع ... شكر الأمير وقد غدا من آله # لا ينشف الإلحاح نائله ولا ... سؤل امرى ء ينهاه عن إسآله # الوفر عند نواله والنيل عند ... سؤاله والموت ms142 عند صياله # والخلق من سؤاله والجود من ... عذاله والدهر من عماله # وفعاله كمقاله وشماله ... كيمينه ويمينه كشماله # تتجمع الآمال في أمواله ... فيفرق الأموال في آماله # لا علم إلا عزه في عزه ... لا حلم إلا حاله من حاله # وله علوم لو قسمن على الورى ... ما زاد عاقله على جهاله «1» # وخلائق لو أنهن كواكب ... أضحى السها في الضوء مثل هلاله # وفصول قول هن أعذب مسمعا ... من راحة المشغول من أشغاله [143 أ] # يخطرن بين سخائه وسنائه ... وبيهن .... «2» وكماله # سمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله # وكأنما عزماته وسيوفه ... من حدهن خلقن من إقباله # متبسم في الخطب تحسب أنه ... من حسنه متلثم بفعاله # هبني وفيت بحمده عن فضله ... من ذا يفي بالشكر عن أفضاله # وله أيضا من قصيدة أولها: # تلك الديار فريسة الأحقاب ... صنعت بعيني صنع ساكنها بي PageV01P262 ~~وإلى الأمير ابن الأمير تهافتت «1» ... رزحى الركاب برازحي الركاب # لبسوا الدجى لبس الغراب لريشه ... وغدوا لحاجتهم غدو غراب # والفجر يطرف والظلام كأنه ... فضلات عتب في خلال عتاب # طلبوا امرأ أفعاله محسوبة ... ونواله فوضى بغير حساب # غدت المدائح «2» وهي أسماء له ... ولغيره أصبحن كالألقاب # والمكرمات كثيرة الخطاب إلا ... أنها «3» تأبى على الخطاب # متبسم الحجاب مكتئب العدى ... مثري النديم مجازف الحساب # شيم أرق من الهوى وألذ من ... خطأ العدو رددته بصواب [143 ب] # وعزائم لو كن يوما أسهما «4» ... لنفذن في الأيام غير نوابي # مائية الحركات إلا أنها ... نارية الإقدام والإلهاب # يخطرن بين سياسة ورئاسة ... ويتهن بين مثوبة وعقاب # قد أصبحت ألفاظه صور النهى ... وقوالب الأسماع والألباب # وإذا حللت له جنابا واحدا ... حل المؤمل منك ألف جناب # وما آل ميكال إلا كما قاله أبو الطمحان القينى «5»: # وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منا سيد قام صاحبه # نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # ومازال منا حيث كان مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه «6» PageV01P263 ~~ومما يعد من مفاخره نجيبان له: أبو الفضل ms143 وأبو إبراهيم، عبيد الله وإسماعيل ~~ابنا أحمد. كل منهما بدر في ضيائه وعلائه، وبحر في تياره ونمائه، غير أن ~~أبا الفضل أبرع في لطائف الأدب، وأنظم لقلائد العرب. وقد سار له من النظم ~~والنثر ما يزري حبره بوشي صنعاء، وزهره بروض شهباء «1». فمن فصول كلامه: ~~[144 أ] # «وصل «2» كتاب الشيخ فأذعنت القلوب لفضله بالاعتراف، واختلفت الألسنة في ~~وصفه «3» ببدائع الأوصاف، فمن مدع أنه رقية الوصل، وريقة النحل، ومنتحل أنه ~~عقد النحر، وعقد السحر، وسمط الدر، وقائل هو سلاف العنقود، ونظم العقود، ~~فأما أنا فتركت التمثيل، وسلكت التحصيل، وقلت: هو سماء فضل جادت بصوب ~~الحكم، ووشي طبع حاكه سن القلم، ونسيم خلق تنفس عنه روض الكرم» «4». # وأيضا له: # «وصل كتابك فكان أحسن من روض الربيع، وريط «5» الوشي الصنيع، فلقيته «6» ~~بحلبة الإحسان والإبداع، وحيلة النواظر والأسماع، ومسن الخواطر والطباع، ~~وصيقل الأفكار والألباب، وعيار المعارف والآداب، واجتليت منه تميمة فضل، ~~ويتيمة مجد، وثمينة عقد، ولطيمة خلق، وغنيمة بر، يجلو صفحة العهد، ويجيل ~~قدح الأنس، ويجل عن قدر الشكر، كلام أعذب من فرات المطر، وأعبق من فتات ~~المسك والعنبر، يزري بنور الخمائل، وقد عطرتها أنفاس الشمائل» «7». PageV01P264 # ومن منثور ألفاظه: # أخلاقك قد أخذت من الورد عرفه، ومن الند عبقه، أخلاق هي [144 ب] المسك لو ~~لا فارته، والورد لو لا مرارته، والماء لو لا إسراعه إلى الكدر، والروض لو ~~لا حاجته إلى المطر، ووجه «1» البدر لو لا محاقه، والمشتري لو لا احتراقه. # هو عار من العوراء، كأس من العلاء، وله الشرف اليفاع، والأمر المطاع، ~~والعرض المصون والمال المضاع «2»، وله النوال السكب، والرأي العضب، ومنه ~~الإباء المر والكرم العذب. هو واحد البشر، وثاني المطر، وثالث الشمس والقمر ~~«3»، [ورابع المسك والعود والعنبر] «4». # لهفي على دهر الحداثة إذ غصن شبابي غض «5» وريق، ونقل شرابي عض، وريق «6». # النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صوانه النشر، النعمة عنده تكتسي من لؤمه ~~أطمارا «7»، وتشتكي غربة وأسارا «8». # ولى المغرور يرسف من الرعب في حلق، ويجري مع الريح في طلق، دارت رحى ~~الحرب بين ms144 أعمار تباح، ودماء تستباح، وأجسام تطاح، وأرواح تسفي بها الرياح «9». # فالسيوف للهامات دامغة، والرماح في الأكباد والغة. # ومن نظمه، قوله: # لقد راعني بدر الدجى بصدوده ... ووكل أجفاني برعي كواكبه PageV01P265 ~~فيا جزعي مهلا «1» عساه يعود لي ... ويا كبدي صبرا على ما كواك به «2» [145 أ] # وقوله: # ضاق صدري «3» في هوى قمر ... قمر القلب وما شعرا # ليت أجفاني به سعدت ... فترى الجفن الذي فترا # وقوله: # تفرق قلبي في هواه فعنده ... فريق وعندي شعبة وفريق # إذا ظمئت نفسي أقول له «4» اسقني ... فإن لم يكن راح لديك فريق # وقوله: # أنكرت من أدمعي ... تترى سواكبها # سلي جفوني هل ... أبكي سواك بها «5» # وقوله: # إن لي في الهوى لسانا كتوما ... وفؤادا يخفي حريق جواه # غير أني أخاف دمعي عليه ... ستراه يفشي الذي ستراه «6» # وقوله: # لنا صديق إن رأى ... مهفهفا لا طفه # فإن يكن في دهرنا ... ذو أبنة لاط فهو # وقوله: # لا تصبحن «7» بالحياة ذا ثقة ... فكل نفس للمنون ذائقة PageV01P266 ~~وقوله: # وكل غني يتيه به غني ... فمرتجع بموت أو زوال # وهب جدي زوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي # ومن أعيان رعايا السلطان بناحية طوس، وإن كانت نيسابور دار قراره، ومعتقد ~~ضياعه وعقاره، # أبو جعفر محمد بن موسى بن أحمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين «1» بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين # نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا «2» # وقد [145 ب] خدم ملوك آل سامان، وعاشر وزراءهم وكتابهم، والتقط محاسنهم ~~وآدابهم، فألفاظه ينابيع العلوم، وأقواله مرابيع العقول، ومجالسه حدائق ~~الجد والهزل، وجوامع الكلم الفصل، فلم تبق يتيمة خطاب، ولا كريمة صواب، ولا ~~غرة حكمة، ولا درة نكتة، ولا طرفة حكاية، ولا فقرة رواية، إلا وهي عرضة ~~خاطره، وثمرة هاجسه، ونصب تذكره، ومثال تصوره، ولا تصدأ صفيحة حفظه، ولا ~~تدرس صحيفة ذكره، ولا يكسف بدر معارفه، ولا ينزف بحر لطائفه. ثم هو واحد ~~خراسان من بين الأشراف العلوية في ms145 قوة الحال، وسعة المجال، واتساع رقعة ~~الضياع، وارتفاع قدر الارتفاع، واشتداد باع العز، وامتداد شعاع الجاه ~~والقدر. وقد كتبت عنه من نوادر الأخبار والأشعار، ما حكيت بعضه في كتابي ~~الموسوم ب (لطائف الكتاب) «3». وسأورد الآن نكتا مما قاله، وقيل فيه إبانة ~~عن غرر معاليه. فمن شعره، قوله: # وشادن وجهه بالحسن مخطوط ... وخده بمداد الخال منقوط PageV01P267 ~~تراه قد جمع الضدين في قرن «1» ... فالخصر مختصر والردف مبسوط [146 أ] # لو كان أدركه لوط النبي لما ... نهى لنا أبدا عن مثله لوط # وقوله: # فديت غزالي فهو ملكي «2» حقيقة ... بلد به عيشي إذا نابني هم # جميل محياه وكالدعص ردفه ... لطيف سجاياه فليس له خصم # [وسمعته يقول: حال الجاهل في التدبير، كحال الحمير، ما لها همة غير ~~اعتلاف التبن، وإتيان الأتن. # وجرى حديث الوقود والشمس في الشتاء، فقال: مرعى ولا كسعدان، هيهات أين ~~تقع الأم الرابة «3» من الأم البارة. يعني أن الوقود يلفح ما قابل البدن ~~بشرره، ويدع سائره على خصره. فأما الشمس فإنها تقسم الدف ء على البدن ~~بالسواء، ليشترك فيه ظاهر الأعضاء وباطن الأحشاء] «4» # وقد أكثر الشعراء والأدباء فيه، فمن ذلك قول البستي [علي بن محمد الكاتب] ~~«5» رحمه الله: # أنا للسيد الشريف غلام «6» ... حيث ما كان فليبلغ سلامي # وإذا كنت للشريف غلاما ... فأنا الحر والزمان غلامي «7» # [ولأبي الفضل الهمذاني المعروف بالبديع رحمه الله] «8»: PageV01P268 # أنا في اعتقادي للتسن ... ن رافضي في ولائك # وإن اشتغلت بهؤلا ... ء فلست أغفل «1» عن أولئك # يا عقد منتظم النبوة ... بيت مختلف الملائك # يا ابن الفواطم والعواتك ... والترائك والأرائك # أنا حائك إن لم أكن ... عبدا لعبدك وابن حائك «2» # ولبعض أهل العصر فيه: # عيد البرية عيد المهرجان أتى ... أهلا بعيد أتى عيدا يحييه # العيد لألاؤه يبقى إلى أمد ... وعيدنا دائم اللألاء باقيه # لا زال سيدنا في ظل دولته ... وظله دانيا ممن يواليه [146 ب] # محكما في رقاب الأرض قدرته ... يجني له ثمر الإقبال جانيه # أعشاره المجد والعليا «3» جلائبه ... خراجه الدهر والدنيا جواليه # وبنى بنيسابور دارا، فتنافس أهل العصر في ذكر بنائها، ms146 ووصف شرفها ~~وسنائها. # فمن ذلك قول البديع الهمذاني: # دار قسمت عراصها ... تحكي الأباطح والرصافة # بين المروءة والنبوة ... والخلافة والضيافة # فيها المصاحف والمعازف ... والسوالف والسلافة # لازلت يا دار الكرا ... م مصونة عن كل آفة «4» # وفيها لأبي عبد الله الغواص: # يا دار سعد قد علت شرفاتها ... بنيت شبيهة قبلة للناس PageV01P269 ~~لورود وفد أو لكشف ملمة ... أو بذل مال أو إدارة كأس «1» # ومن أفاضل أعيان «2» العلوية، # أبو البركات علي بن الحسين «3» بن علي بن جعفر ابن محمد «4»، وهو الملقب ~~بجور بن الحسين بن علي، وهو الملقب بالديباج، المدفون بجرجان، ابن جعفر بن ~~محمد، الصادق بن «5» محمد الباقر بن علي زين العابدين «6» بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب [أمير المؤمنين] «7» رضوان الله عليهم أجمعين. # نسب توارث كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنبوب # واري النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب # قد جمع الله [147 أ] له بين ديباجتي النظم والنثر، فنثره منثور الرياض ~~جادتها السحائب، ونظمه منظوم العقود زانتها النحور والترائب، فمن نثره فصل له: # «أحب أن تكون مكاتبتي للأمير أنفا لم ترتع، وبكرا لم تفترع، وسائبة لا ~~تركب ولا تحلب، فلا أشوبها بأرب، ولا أتسبب إليها بسبب، فعل من لا يشين ~~ولاءه طمع، ولا يشوب دعواه عنت ولا طبع، على أن الاضطرار يغبر في وجه ~~الاختيار، والعذر فيه مقبول عند ذوي الأخطار والأحرار، وفلان يمسني بحق ~~الجوار، ولقد نشر جرائد شكره، وأظهر بحسن النشر خبايا بره، فملأ الأرض ~~ثناء، والسماء دعاء. وعادة الأمير أن يحيي الآمال، ويسترق الأحرار، فليجعل ~~متكرما هذا الآمل «8» محظوظا، ولا يجعله محطوطا» «9». PageV01P270 # وله أيضا: # «رقعتي هذه وأنا عائد معود، وقاصد بالزيارة مقصود، أخاطب أصدقائي بما ~~أخاطب، وأكاتب إخواني بما أكاتب، سمائي وقدة «1»، وأرضي رعدة «2»، تنتابني ~~الحمى، ولا تفارقني الشكوى، نفسي نفسان، ونفسي نفسان، كأن الحول شاطرني ~~فصوله، فنلت غرته وحجوله، فالربيع بين عيني وخيشومي، والصيف كامن بين صدري ~~[147 ب] وحلقومي، وما عرفت لعلتي هذه سببا إلا إني رأيت نفس الحرية متشكية، ~~فشاركتها في شكواها، ms147 ووجدت عين الكرم والكمال متأذية، فاحتملت عنها أذاها، ~~وقلت ممتثلا لا متمثلا: # ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد # ثم ذكرت ما أعد الله تعالى للعباد، من ثواب العلة في المعاد، فاستصغرت ~~عند ذلك ما استعظمته، وسهل مسلكي وإن استوعرته، وقلت: مسح الله تلك النسمة ~~من العلة، وأعطي الشيخ بها أمانا من القلة، وأعمي عنه ناظر الزمان، ولا طرق ~~إلى فنائه طوارق الحدثان، وتمنيت أني واصلت غدوي برواحي في زيارة الشيخ، ~~مشاهدا للحال، وإقباله نحو البرء والإبلال «3»، وقد حيل بين العير والنزوان ~~«4»، وعلى حالتي هذه فإني أستريح إلى خبر سلامته، وأحصل لنفسي منة «5»، ~~وله- أيده الله- بإهدائه إلي يد «6» ومنة، ورأيه في إتحافي به موفق [إن شاء ~~الله تعالى «7»]». PageV01P271 # ومن نظمه قوله: # وأغيد سحار بألحاظ عينه ... حكى لي تثنيه من البان أملودا # سلخت بذكراه عن الصبح ليلة ... أسامره والكأس والناي والعودا [148 أ] # ترى «1» أنجم الجوزاء والنجم فوقها ... كباسط كفيه ليقطف عنقودا «2» # وكتب إلى أبي بكر الخوارزمي: # لئن كان ذنبي أني اعتللت ... فذلك ذنب صغير صغير # وإن كان هجري من أجله ... فذلك ظلم كبير كبير # صدودك عني صدود الحياة ... وصد سواك يسير يسير # فزرني قليلا تجد شاكرا ... لديه القليل كثير كثير # وله في وصف اللقانق «3»: # فإن كنت تهوى اليوم أكل اللقانق ... فبادر إلى أمثال جيد الغرانق # إلى جامع اللذات طيبا وجودة ... قضى حقه طاه بصنعه حاذق # تراه على السفود عند صلائه ... كزنجية زينت بحلي المخانق # فبعض تدلى «4» كالوشاح وبعضه ... منوط عليه في محل المناطق # فانجح لقيت الخير في حاجة امرئ ... وفي بشرط الود غير مماذق «5» # ومن أفاضل أضرابهم # القاضي أبو القاسم علي بن الحسن «6» الداودي «7» بهراة. PageV01P272 # وهو عندي ممن يستحق أن يقال فيه، ما قاله الصاحب «1» لبعض من كان يواليه: ~~لو لا أن قدرة الله عندي جنس واحد، [148 ب] لقلت ليس في القدرة وجود مثله، ~~في كماله وفضله. جاوز السبعين، وناهز الثمانين، واحد الأنام منثورا ~~ومنظوما، وثاني الغمام معقولا ومعلوما، شب للعلم خادما، وشاب على العلى ~~مخدوما. فمن منثور كلامه، ms148 فصل له من كتاب: # «وصلت ملطفة الشيخ فلطفت لغليل «2» بردته، ووجه بصبغ الارتياح وردته، ~~بخبر سلامته التي نسميها عندي نسيم الجنان، والوسيلة إلى السلوان». # وله فصل: # «كيف لا أعتد بصنع الله لي في نخيلة «3» وده، وعقيلة عهده «4»، وقد قبلني ~~في الله أخا حين عز الإخاء، وعدم من بين «5» الأوداء الوفاء، وكاد لا يصدق ~~في وجودهما رائد «6»، ولا يظفر بهما مضل ولا ناشد، وأصبحت المصافاة مخاتلة ~~ومخاترة، والمخالصة مكاشرة ومناحرة. وقد كان المتحابون في الله أقل من ~~القليل، والإسلام عليه رونق الشبيبة، وهو في بردته القشيبة». # وله فصل من كتاب: # «كلامي في مخاطبة الشيخ مماثل لا نعكاس شعاع الناظر، ورد الفوارة ماء ~~الغمام الماطر، على المذهب الذي ذكره علي بن الجهم في صفة الفوارة: PageV01P273 # ترد على المزن ما أسبلت ... على الأرض من [149 أ] صوب أمطارها «1»» # وله من «2» فصل: # «كان كل مجلس من مجالسه للأنس مزوقا، وللازديار مشوقا، فكان مرويا مظمئا، ~~وموقدا مطفئا». # ومما أنشدت له من قلائد شعره وإن كان كالحصى تمثيلا، قوله: # ربما قصر الصديق المقل ... عن حقوق بهن لا يستقل # ولئن قل نائل فصفاء ... في وداد وخلة لا تقل # أرخ سترا على حقارة بري ... هتك ستر الصديق ليس يحل «3» # وقوله: # قالوا ترفق في الأمور فإنه ... نجح ومري الدر بالإبساس «4» # ولقد رفقت فما حلبت بطائل ... ما ينفع الإبساس بالأتياس؟! «5» # وقوله: # وأخلاق كأطراف الزجاج ... رفقت بهن رفقك بالزجاج # إلى أن عدن لي زبدا بشهد ... كذاك تكون عاقبة العلاج # وقوله من «6» مرثية أبي سليمان الخطابي رحمه الله «7»: PageV01P274 # انظروا كيف تخمد الأنوار ... انظروا كيف تسقط الأقمار # هكذا هكذا تزول الرواسي ... هكذا في الثرى تغيض البحار # أوحد «1» الدين والمروءة والفضل ... رمته بسهمها الأقدار # مات من لم يكن «2» لدنياه فتك ... بحجاه ولا عليه اقتدار [149 ب] # هي مفترة عليه خداعا ... وهو دون افترارها فرار # وقد وصف أبو الفتح البستي فضله بأبيات «3» له: # أبا القاسم استعبدت ودي بتالد ... تلاه بلا من لبرك طارف # وأضعفت شكري حين ضاعفت أنعما ... وقد يضعف النبت الندى المتضاعف # أتاني كتاب ms149 منك فيه طرائف ... تقبل «4» من أطرافهن الطرائف # صحيفة إحسان تخر لحسنها ... سجودا إذا ما لا حظتها الصحائف # وفيه من النظم البديع وصائف ... تقصر أوصافهن الوظائف «5» # فواصلني منها شباب مساعد ... وطالعني منها «6» زمان مساعف # وأصبح دهري «7» عادلا وهو عاسف ... وعادت رخاء ريحه وهو عاصف # ومن أعيان نجوم الدولة # أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد الشيرازي # الكاتب ابن الكاتب، والنقاب ابن النقاب «8»، والبحر ابن «9» السحاب، ~~والبدر ابن «10» PageV01P275 ~~الشهاب، والنار التي لا يخمدها الماء ذكاء، والسيف الذي لا يألف القراب ~~مضاء، والسعد الذي يلي وتد السماء زكاء «1»، فعطارد تلميذ إفادته، والمشتري ~~مشتري سعادته، وثاقب النجم عبد دهائه، وشارق الشمس خادم رأيه وروائه. [150 أ] # خدم أبوه- أبو طاهر- حسام الدولة أبا العباس تاش على ديوان أسراره. بارعا ~~في الصناعة، صنعا «2» في البراعة، مخلوقا لفصل القول، مرموقا بعين الطول، ~~يناضل الصاحب إسماعيل بن عباد، فيخرق عليه قرطاس الأدب، ويساجله فيملأ ~~الدلو إلى عقد الكرب، مصعب «3» لا المصعبي «4» يضاهيه، ولا المؤملي «5» ~~يباهيه، ولا الفارسي «6» يدانيه، ولا اليسعي «7» يسع بعض مساعيه. يجانس ~~أنجم النثرة نثره، ويثاقب شعرى المجرة شعره، فمما بلغني عنه أنه قال: # بحسام دولته وصاحب جيشه ... وحجاب سدته أبي العباس # وقد جمع في هذا البيت خصائص أوصافه، وضم إلى واسطة المدح أقاصي أطرافه، ~~دالا على نبوة الإعجاز، ببرهان الاختصار والإيجاز. # وأراد الله سعادة هذا الفاضل، فهداه نهج أبيه، وعداه موقف التشبيه، فنما نمو PageV01P276 ~~الأشاء «1»، على طيب التربة والماء، ليس نمو القامة والضخامة، لكن نمو هلال ~~الظلم، وشبوب النار فوق العلم، وصفاء الخمر مرشوما على القدم «2». # واختص بخدمة الأمير الجليل [150 ب] أبي سعيد التونتاش خوارزمشاه «3»، إذ ~~هو تاج الحجاب، وناظر عين الباب، فأعداه يمنه «4» حتى لبس الملك فضفاضا، ~~وغنى عن السواد وإن كان عليه بياضا. وانتقل بانتقاله عن سمة الكتابة، إلى ~~رتبة الوزارة، وعن حضيض الخدمة، إلى يفاع الشركة في الإمارة، فلم يشركه من ~~أبناء جنسه في البلاغة اثنان، وساد حتى أعيا من عبد المدان مدان. ومما وقع ~~إلي من نسج قلمه، وحر كلمه، ms150 من كتاب خاطب به بعض إخوانه: # «لعل الدهقان يظنني أؤثر مع مساعدة الزمان مباعدة الإخوان، وأرضى من صدر ~~الوزارة بقلب كالحجارة، فلم يزل نيل المراتب حلالا للعقود، قطاعا للأواصر ~~والعهود، كلا «5» إني ما أزداد ارتفاعا، إلا ازددت للصديق اتضاعا، ولا أنال ~~على الأيام رتبة، إلا ازددت إلى الإخوان قربة. غيري من يصلفه السلطان ~~ويبدله الزمان «6»، ويذم عهده الإخوان، على أنني مهما نسيت عهدا أو تناسيت، ~~وقلعت أخية «7» الوفاء دون من آخيت، فلست أنسى عهده، ولا أرضى قطيعته وهجره ~~«8». إني وقد قيدني بأياديه الزهر، واسترقني PageV01P277 ~~بمعاليه الغر، [151 أ] فما أرى له بديلا، ولا أملك عنه تحويلا، أعاذني ~~الله- ما بقيت- من صدوده، ولا سلبني طيب الأنس به بمنه وجوده». # وهذا القدر على مبلغ القدرة دال، وللمميز البارع متى قصد الإنصاف في ~~المدح والتقريظ مجال. # فهؤلاء أعيان رعايا السلطان في الفضل الواسع، والأدب الجامع، ووراءهم من ~~أعلام البراعة وأحداث الصناعة من يزحف ذكرهم عن الغرض المقصود بهذا الكتاب، ~~[ولم استقر أسامي المذكورين إلا أنهم بالإضافة إلى سائر أعيان البلاد، ~~أفراد في ارتفاع المراتب، واتساع الحظوظ والرغائب، واضطراب الصيت في ~~الآفاق، وصوغ الأيادي قلائد الأعناق] «1». # وسنعود إلى ذكر السلطان يمين الدولة وأمين الملة، ووقائعه التي رضيتها ~~حدود الظبات، وإن سخطتها نفوس العداة، فننمي «2» كل وقعة إلى وقتها ويومها، ~~ونلحق شرح حالها بقومها، إلى أن نوفي الكلام حقه من الإشباع في ذكر الحروب ~~التي جرت بين السلطان وبين أيلك الخان. ### | ذكر وقعة «3» بهاطية «4» # لما فرغ السلطان [151 ب] يمين الدولة وأمين الملة من أمر سجستان، وسكن له ~~نابضها، وانجاب عنه عارضها، ارتاح لغزوة بهاطية، فجر الجحافل مسومين بشعار الهداة PageV01P278 ~~الثقات، ورايات الحماة الكماة، حتى عبر سيحون «1» من وراء الملتان إلى ~~مدينة بهاطية، فألفاها ذات سور تزل عن موازاتها أجنحة النسور، وقد أحاط بها ~~خندق كالبحر المحيط، في الغور البعيد والعرض البسيط، وهي مشحونة بمل ء ~~الوهم «2» من عدة وعديد «3»، ومعمول عن حديد، وكل فيل كشيطان مريد. وعظيمهم ~~يومئذ المعروف بجهرا «4»، فاستخفته العزة بما حوته يده ms151 للبروز من وراء ~~السور مهولا بأعداد رجاله، وأشخاص أفياله، ومتطاولا بباع الاقتدار في قتاله. # وحضأ «5» السلطان عليه نار الحرب ثلاثة أيام بلياليها، يرميه بالصواعق من ~~ظبى «6» السيوف البوارق، ويقذفه بالشهب اللوامع، ومن شبا الرماح الشوارع. ~~وواصلها عليهم صبيحة الرابع، بضرب يطير الحواجب عن العيون، ويزيل القبائل ~~عن الشؤون «7»، ورشق يدع الأجساد مناخل بل مناخر [152 أ] قد انفجرت عروقها، ~~وأعيت على السكر بثوقها، حتى «8» إذا توجت الشمس قمة النهار، أهاب بالشد ~~على الكفار الفجار «9» فتجاوبت نغم التكبير استنزالا لنصر الله [عز وجل] ~~«10»، وتنجزا لصادق وعد الله. وحمل أولياء الله على PageV01P279 ~~ذوي الإفك والشرك حملة كشفت صفوفهم «1»، وأرغمت بالذل «2» أنوفهم. وأقبل ~~السلطان كالفحل العتيق يضرب باليدين، ويقد الدارع «3» بنصفين، ويسقي ظماء ~~الكفر من كؤوس الحين. وملك عليهم في تلك الشدة الواحدة عدة «4» من الفيلة ~~التي كان يعدها الكافر حصونا لقلبه «5»، ويعدها سكونا لقلبه «6». # وتماوج الفريقان في غمار «7» تلك الحملة، بين نقف «8» يثير أدمغة الهام، ~~وطعن ينزف «9» حشاشة الأجسام. وأعلى الله راية السلطان، بل راية الدين ~~والإيمان، وأهب ريح «10» النصر رخاء، وأعاد شدة العيش رخاء، فولى المشركون ~~نحو المدينة اعتصارا بسورها، وانحصارا في دورها، فأعجلهم الطلب عن ~~الاحتياط، وملك عليهم مداخل الحصار، وتعاون أفناء «11» العسكر على سدم ~~خنادقه، وهدم وثائقه، وتضافروا على تفسيح مضائقه، وتفتيح مغالقه. # وقد كان بجهرا حين غلت مراجل [152 ب] الحرب، واختلت «12» مناجل الطعن ~~والضرب، أحسن بالهون والعطب، وشام برق الويل والحرب، فاندس في عصابة من رجالة PageV01P280 ~~رجاله، للاحتجاز ببعض الغياض، أو «1» الاستناد إلى شعف بعض تلك الجبال، ~~فسرب السلطان كوكبة من خواصه في طلبهم، فأحاطوا بهم إحاطة الأزرار ~~بالأعناق، وحكموا فيهم حدود البواتر الرقاق. فلما رأى بجهرا ما دهاه «2»، ~~عمد إلى خنجر في خصره، فهتك به حجاب صدره، وانتقل إلى نار الله الموقدة* ~~التي تطلع على الأفئدة «3»، جزاء لمن كان كفر وتولى، وجحد الأولى، ولا صام ~~ولا صلى، ولا سبح ربه الأعلى. # نعم، وأقبل عسكر السلطان، فقتلوا المقاتلة، وغنموا الأموال الحاصلة، وخص ~~السلطان مائة وعشرون رأسا من ms152 الفيلة، بما يضاهيها من ذخائر الأموال ~~والأسلحة، ملكا عز على غيره مناله، وملكا تطفل على حلته حلاله. وأقام ~~ببهاطية إلى أن طهرها من أنجاس أولئك الأرجاس، وأدناس أولئك الأنكاس «4»، ~~ونصب بها من يعلم حملة الدين سنن الإسلام، ويبين لهم طرق الحلال والحرام. ~~ثم كر إلى غزنة موفور العلاء، [153 أ] منصور اللواء، عالي الرأي، سائر الجد ~~على خط الاستواء، إلا أنه وافق منصرفه هوامي أمطار، وطوامي أنهار، وفوارع ~~جبال، وقوارع أضداد وأقتال «5»، فاستغرق الغرق جل أثقاله، وشمل التفرق جملة ~~من رجاله، ووقاه الله آفة تلك المسافة، ومهالك تلك المسالك، وهو يتولى ~~الصالحين. # وقد كان أبو الفتح علي بن محمد البستي ينكر حركات السلطان بنفسه في تلك ~~المقاصد، برأي يستمليه من عطارد، وحقا لقد كان يقول ما تشهد به العقول، ~~ولكن إذا جاء بهرام «6»، والسيف الحسام، والبطش والإقدام، فقد سقط الكلام، ~~وبطلت الصحائف PageV01P281 ~~والأقلام. وأنشد أبو الفتح البستي في هذا الباب لنفسه قوله: # ألا أبلغ «1» السلطان عني نصيحة ... يشيعها ود ورأي محنك # تجاوزت أوج الشمس عزا ورفعة ... وذللت قسرا كل من قد تملكوا # فما حركات متعبات تديمها ... تأن فأوج الشمس لا يتحرك # وهذه مسألة تتنازعها الأوائل، فمنهم من يجعل لأوج «2» الشمس حركة كسائر ~~حركات الأوجات، فأما المحققون فقد أنكروا ببراهين هندسية، وأشكال برهانية ~~[153 ب]. ### | ذكر غزوة الملتان # قد كان بلغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة حال والي الملتان أبي الفتوح ~~«3» في خبث نحلته، ودخل دخلته «4»، ورجس اعتقاده، وقبح إلحاده، ودعائه إلى ~~مثل رأيه أهل بلاده. فأنف للدين من مقارته «5» على فظاعة شره، وشناعة أمره. ~~واستخار الله الخائر في قصده، لا ستتابته، وتقديم حكم الله في الإيقاع به. ~~وأمر بضم الأطراف، وكفت «6» الذيول، وجمع الخيول إلى الخيول. وضوى إليه من ~~مطوعة المسلمين من ختم الله لهم بصالح العمل، وأكرمهم بإحدى الحسنيين في ~~الأزل. وثار بهم نحو الملتان عند موج الربيع بسيول الأنواء، وسيح الأنهار ~~بفضول الأنداء، وامتناع سيحون «7» وأخواتها على PageV01P282 ~~ركابها، واستصعاب متونها على أصحابها، فطلب السلطان إلى أندپال- عظيم ~~الهند- أن يطرق ms153 «1» له في مملكته إلى مقصده، فتمنع وتمرد، وأخذته العزة ~~باللؤم، فأبى وتشدد «2». # ورأى السلطان غرة الرأي في دهمة ذلك الخطب أن يبدأ به على عزة جانبه، ~~[154 أ] فيذل صليفه «3»، ويبيح غريفه «4»، ويمزق لفه ولفيفه، جامعا بين ~~غزوتين «5»، وقاطفا جني الجنتين؛ فبسط عليه أيدي القتل والإيثاق، والنهب ~~والإرهاق، والهدم والإحراق، يلجئه من مضيق إلى مضيق، وينفيه من طريق إلى ~~طريق، طاويا عليه بلاده طي التجار بحضرموت برودا «6»، إلى أن ضجرت القنا ~~«7» من هتك حلق الدروع «8»، وسكرت الظبى من رشف علق الأحشاء والضلوع، وركب ~~أثره في أغوار دياره، وأعماق رباعه، يتجسس دماث «9» السهول، وقضض الأماعز ~~«10»، ويقري عليه وحوش الجو بين ضيق المداخل ورحب المفاوز، حتى أضمرته ~~قشمير «11». ولما سمع أبو الفتوح «12» والي الملتان بما PageV01P283 ~~جرى من أمر عظيم الهند، وهو الوجيه الرفيع، والسد المنيع، والسيف الصنيع، ~~قاس باعه بشبره، وذراعه بفتره، وأيقن أن رعن الجبال لا تطال بهضبات القور ~~«1»، وزرق البزاة لا تنال ببغاث الطيور، فعجل نقل أمواله على ظهور فيلته ~~إلى سرنديب «2»، وأخلى الملتان للسلطان يفعل فيها ما يشاء، فثنى العنان ~~إليها مستعينا بالله تعالى على من أحدث في دينه، [154 ب] أو حدث بتوهينه، ~~فإذا أهلها في ضلالتهم يخبطون، وفي طغيانهم يعمهون، يريدون أن يطفؤا نور ~~الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون «3»، فضرب ~~عليهم بجران «4» المحاصرة «5»، وكلكل المناجزة والمناحرة «6»، جزا للغلاصم، ~~وبتكا للأيدي من المعاصم، وإرصادا لهم بالفاقرات القواصم، حتى افتتحها ~~عنوة، وشحنها عقابا وسطوة، وألزمهم عشرين ألف ألف درهم يرحضون «7» بها دنس ~~استصعابهم «8»، ويدرأون عن أنفسهم هجنة استشرائهم وإبائهم «9». PageV01P284 # وعبر ذكره- بما آتاه الله من نصرة الدين، وإنارة معالم اليقين- عرض البحر ~~«1» إلى ديارات مصر، حتى درست بها مقاماته التي لم يرو مثلها عن ذي ~~القرنين، إلى حيث انتهى من أمر «2» السدين «3»، فارتعدت فرائص السند ~~وأخواتها، حذار بطشه وانتقامه، وخفتت بها نجوى الإلحاد، وطمست صوى «4» الغي ~~والعناد، فلله أبو تمام حيث يقول: # كرمت غزوتاك بالأمس والخي ... ل دقاق والخطب غير دقيق # حين لا جلدة السماء ms154 بخضرا ... ء ولا وجه شتوة بطليق [155 أ] # إن أيامك الحسان من الرو ... م لحمر الصبوح حمر الغبوق # معلمات كأنها بالدم المه ... راق أيام النحر والتشريق «5» ### | ذكر عبور عسكر أيلك الخان [نحو خراسان] «6» # قد كانت الحال في الألفة قائمة بين السلطان وبين أيلك الخان، إلى أن دبت ~~عقارب الفساد في ذات البين، واضطرب الحبل الساكن، واشتعل الجمر الهامد، ~~وراعى أيلك فرصة المجاهرة «7» بسر المكاشرة، حتى إذا صمد السلطان صمد ~~الملتان، وغارت نحو تلك البلاد راياته، وخفت «8» عن أعيان رجاله ولاياته، ~~سرب سباشي تكين- صاحب جيشه وأحد أقربائه- «9» إلى كور خراسان في معظم ~~أجناده، وشحن بلخ بجعفر تكين وعدة PageV01P285 ~~من أوليائه «1» وقواده. وكان والي طوس أرسلان الجاذب مقيما بهراة مأمورا ~~بالانحياز إلى غزنة متى نجم ناجم «2» عناد، أو نعق ناعق بفساد، فأسرع ~~الانقلاب إليها، آخذا بوثيقة الحزم في ترك القتال، وتربصا بالحمل غاية ~~الفصال. وورد سباشي تكين هراة فاستوطنها، وندب «3» الحسين «4» بن نصر ~~للديوان [155 ب] بنيسابور، فرتب الأعمال، وواصل الاستخراج «5»، ومايلهم ~~كثير من أعيان خراسان، لاستخفاء خبر السلطان من جانب الملتان، وتناقل ~~الألسنة أهواء القلوب ونوازع النفوس أخابير زور، وأراجيف غرور. # وأمر الوزير أبو العباس الفضل بن أحمد بالاحتياط على الطرق بين غزنة ~~وحدود الباميان «6» وبنچهير «7»، وسدها بحماة الرجال على حصانة مداخلها، ~~وصعوبة مراكبها، وطير البريد «8» إلى السلطان بما انبث في أطراف البلاد، من ~~حيات العداة، وعقارب الغواة، فأعجلته بديهة البلاغ عن استتمامه، وأزعجته ~~غلبة الحمية عن مقامه، فركب ركوب العاصف أكتاف الجهام البارق، يطوي الأرض ~~طي المهارق، بين إيضاع وإيجاف «9»، PageV01P286 ~~واهتداء واعتساف، وبين سهول وظراب «1»، وسهوب و«2» شعاب، حتى ألقى عصا ~~القرار بغزنة، وأقام العطاء لأبناء دولته، وأنشاء جملته. وملأ أيديهم ~~بالعطايا والرغائب، وأزاح عللهم في المطايا والركائب، واستنفر الأتراك ~~الخلجية أحلاس الظهور، وأبناء الصوارم الذكور، فنفر منهم: # جن على جن وإن كانوا [156 أ] بشر «3» ... كأنما خيطوا عليها بالإبر # وجاش نحو بلخ، وبها جعفرتكين، فأسرع الكر إلى ترمذ «4» إشفاقا من ضغمة ~~الضيغم الخادر، واحتراسا من وثبة الأرقم الثائر. واستقر السلطان ms155 ببلخ، ~~موفور الأنس والجذل، كما تجتلى صفحة الشمس من برج الحمل، وأمر بإتباع سباشي ~~تكين [بأرسلان الجاذب، في زهاء عشرة آلاف من أبناء الكفاح، ومتحة «5» ~~الأرواح بأشطان «6» الرماح. # وسارع [سباشي تكين] «7» نحو الوادي للعبور، فلم ترعه إلا العاديات ضوابح، ~~والموريات قوادح «8»، فكر على أدراجه حائرا عائرا «9»، وعطف إلى مرو على أن ينسرح PageV01P287 ~~منها إلى الشط «1» على سمت المفازة، فإذا الآبار مردومة، والمناهل مطمومة ~~«2»، ووديقة «3» الصيف مسعورة، وأذيال السوافي على المعالم مجرورة، فانثنى ~~إلى سرخس وبها الحسن «4» بن طاق رئيس الأتراك الغزية، فأحدق به إحداقا سد ~~عليه باب الهرب، وضيق دونه وجه المجال والمضطرب، فمانعه ما قدر. ثم ظفر به ~~سباشي تكين فقده بنصفين، بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة من الجانبين، وأعجله ~~ارتداف «5» أرسلان الجاذب إياه عن فضل المقام، وروح الاستجمام، فارتحل إلى ~~أبيورد، ومنها إلى نسا، وبينهما مرحلة واحدة، كلما صدر هذا، ورد ذاك، ومتى ~~[156 ب] ظعن ذاك «6»، أناخ هذا، يتقاسمان أمداد الطلب والهرب جماما، ولا ~~يردان المياه إلا لماما. وقد كان سباشي تكين قد حصل صدرا من المال والأسلحة ~~من نواحي هراة وغيرها، فصارت عقلة له دون الخفوف «7» في وجه النجاة، فهو ~~يتيامن مرة ويتياسر أخرى، منكوسا على رأسه خوف العار من إسلام ما بردت به ~~يداه «8»، وأعياه الخلاص بحشاشة النفس آخريا إلا بإفرازه، وتفريغ الخاطر عن ~~الشغل به. # ولما قرب أرسلان الجاذب من نسا، رحل «9» متوجها نحو سيمبار «10»، وأزعجه ~~الطلب نحو جرجان، فركب قلل تلك الجبال بين الآجام الملتفة، والغياض ~~المحتفة، PageV01P288 ~~والمخارق الضيقة، والمخارم المضطربة. وتسلط الكراكلة «1» على أثقاله، ~~وأفناء رجاله، حتى فشت نكايتهم فيه. واستأمن إلى شمس المعالي قابوس بن ~~وشمكير طائفة «2» من أهل جملته، لعدم المراكب، وذهاب الحرائب. وانفل هو على ~~سمت دهستان حتى عاد إلى نسا، وجمع ما بقي عليه من تلك الأثقال، فأصدرها إلى ~~خوارزمشاه أبي الحسن علي ابن مأمون يستودعه إياها «3» أمانة لأيلك الخان، ~~وحذره [157 أ] أن يمد إليها بغير الصيانة يده، وأصحبها رجالة عسكره والعجزة ~~منهم عن صحبته، واقتحم ms156 المفازة متوجها نحو مرو. وكان السلطان قد انحدر إلى ~~طوس مراعيا ما يسفر عنه ركض أرسلان الجاذب على أثره، وإلصاقه الطلب الحثيث ~~به، فلما بلغه ركوب سباشي تكين عرض المسافة، أسرى على طريق مرو معارضا له ~~في مسيره، وناقضا عليه قوى تدبيره، فوصل إليه «4» مخلصه «5» عن وعثاء تلك ~~البيداء، ورماه بأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي زعيم العرب، وبسائر ~~قواده، رجال «6» يرون الملاحم ولائم، والوقائع نقائع «7»، وسيوف الضراب ~~عرائس، وصفوف الكماة فرائس، فكان كما قال سعيد بن حسان: # فررت من معن وإفلاسه ... إلى اليزيدي أبي واقد # فكنت كالساعي إلى مثعب ... موائلا من سبل الراعد # وأحاطت به السيوف حيث لا ماء إلا منابع الأفواه وهي عاصبة، ولا مرعى إلا ~~شكائم اللجم وهي عاضبة. وأسر أخو سباشي تكين في زهاء سبعمائة من وجوه ~~الأفراد، PageV01P289 ~~ورتوت القواد. [157 ب] وأمر السلطان بقراچولياتهم «1» فأفرغت قيودا ~~لكعابهم، وجوامع لرقابهم، وحملهم إلى غزنة ليري أهلها حسن صنع الله فيمن ~~شاقه، ونقض عهده وميثاقه. # ونجا سباشي تكين في خف من العدد بجريعة الذقن «2»، فعبر جيحون إلى أيلك ~~الخان «3». # وقد كان أيلك «4» عبر جعفرتكين في زهاء ستة آلاف «5» رجل إلى بلخ ثانيا ~~لا ستفساد عزيمة السلطان في قصد سباشي تكين وإخراجه، فتهاون بهم حتى فرغ ~~الخاطر من أمره، ووضع ما أنقضه من الشغل به عن ظهره، ثم ثنى العنان إليهم ~~شدا أغص الهواء بغباره، واستغرق أوقات ليله ونهاره، فلم يرعهم إلا راياته ~~بأجنحة النجاح طائرة، وخيوله في صهيل المراح سائرة. وكمن لهم السلطان، فلما ~~رأوا الكمين، انفلوا منهزمين، يختمون دعوة الخلاص بآمين آمين. وتبعهم صاحب ~~الجيش أبو المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين على ساحل جيحون، كاسعا ~~لأدبارهم، ومثخنا في غمارهم، إلى أن عبروه، فسلمت خراسان من عيث سوادهم، ~~وخلت عن مبثوث جرادهم. # واضطرب أيلك حنقا لما جرى على عسكره من الضغطة الكبيرة، [158 أ] والصدمة ~~المبيرة، فاستعان بقدر خان [بن بغراخان] «6» لقرابة بينهما وكيدة، ولحمة ~~وشيجة، واستجره بحفي مسألته إلى أخذ «7» ثأره، مستظهرا «8» بنصرته وإظهاره، ~~فاستجاش ms157 أحياء الترك من مضانها، وحشر بني خاقان من أقصى بلادها، واستنفر ~~دهاقين ما وراء النهر في جيوش تجل عن الحد والحصر، وسار في خمسين ألفا أو ~~يزيدون، حتى عبر PageV01P290 ~~جيحون مدلا بعسكره المائج، وبطشه الهائج، ومعتضدا بقدر خان ملك الختن «1» ~~ذي العدة والعديد، والبأس الشديد، والأيد «2» المتين، والبسطة والتمكين، في ~~رجال كالبخاتي الفوالج «3»، فوق البحور الموائج، عراض الوجوه، خزر العيون، ~~فطس الأنوف، خفاف الشعور، حداد السيوف، سود الثياب من حلق الدروع، يحملون ~~جعابا «4» كخراطيم الفيول، محشوة بنبال كأنياب الغول. ولما سمع السلطان ~~بعبوره في جمهوره، وهو إذ ذاك بطخيرستان «5»، سبقه إلى بلخ، فاستوطنها ~~قاطعا عنها طمعه، ومالكا عليه ممتاره «6» ومنتجعه «7». # واستعد للحرب، فخرج السلطان في عساكر الترك والهند والخلج والأفغانية ~~والغزنوية، أنشاء «8» الجد والصدق، [158 ب] وأبناء المشق والرشق، إلى معسكر ~~له على أربعة «9» فراسخ من البلد «10» يعرف بقنطرة چرخيان، وسيع المجال على ~~الرجال، رحب الفضاء على الدهماء. وزحف أيلك إلى محاذاته في عدده الدهم، ~~وعسكره المجر، PageV01P291 ~~فتطارد الفرسان، وتجالد الشجعان سحابة يومهم على رسم الطلائع، أمام ~~الوقائع، إلى أن كفهم حاجز الليل، وأصبح الناس على ميعاد الحرب، فعبأ ~~السلطان رجاله صفوفا كالجبال الراسيات، والبحار الزاخرات، ورتب في القلب ~~أخاه صاحب الجيش نصرا، ووالي الجوزجان أبا نصر أحمد بن محمد الفريغوني، ~~وأبا عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي، في كماة الأكراد والعرب، وسائر ~~جماهير الهنود، ومساعير الجنود. ورتب في الميمنة حاجبه الكبير أبا سعيد ~~التونتاش فيمن برسمه من أعيان الرجال، وفرسان الزحف والصيال. وندب للميسرة ~~«1» أرسلان الجاذب فيمن تحت قيادته «2» من نجوم الأبطال، ورجوم القتال. ~~وحصن الصفوف بزهاء خمسمائة من فيلته التي تميد الجبال من أثقالها، وترتج ~~لها الأرض بزلزالها. # وأقبل أيلك فشحن قلبه بخواص غلمانه، وأعلام فرسانه. وولى [159 أ] قدر خان ~~ميمنته في أتراك الختن، بين آجام العوامل والجنن «3»، وشحن بجعفرتكين «4» ~~أخيه «5» ميسرته بكل أليس «6» كالشجاع المحرج «7»، والحسام المرهف، بين ~~وقايات الزغف «8» والجحف «9». وتحامل بعضهم على بعض، فخيلت المعركة سماء ~~غمامها مثار القسطل، وبروقها بريق البيض والأسل «10»، ورعودها ms158 صليل السلاح، ~~ورشاشها صبيب الجراح. PageV01P292 # واستنزل أيلك عن صهوات الخيول [إلى صعيد الأرض] «1» زهاء ألف غلام يفلقون ~~الشعور أنصافا، وينصبون وسائط الأهداب أهدافا، فشكوا بالنبال تجافيف ~~الفيول، وشقوا بالنصال سرابيل الخيول. # ولما جد الأمر، واحتد الجمر، وأعضل الداء، واستفحل الأعداء، وزخر وادي ~~الخطب بمده، وكاد يخرج بادي الشر عن حده، نزل السلطان إلى صعيد ربوة كان ~~تشرفها «2» لتدبر عطفات «3» الحرب، وتلافي نزقات ذلك المركب الصعب، فوضع ~~لله خده، وعفر شعره، وأرسل دمعه، وقدم نذره، ودعا الله أن يحرس ملكه، ويحسن ~~فلجه ونصره، ثم وثب إلى قعدته من فيلته المغتلمة، فحمل بها وبسائر خاصته ~~[159 ب] على قلب أيلك، فأهوى الفيل إلى صاحب رايته، فاختطفه بها من سرجه، ~~ورمى به في الهواء من فوقه، وتخلل الآخرين حطما بخرطومه، وشكا بأنيابه، ~~ودوسا بأظلافه. وانثال أولياء السلطان على الآخرين بسيوف تلغ في الدماء، ~~وترشف أحساء الأحشاء، فطارت قلوبهم هواء، واستحالت قواهم هباء، وولوا على ~~أعقابهم نافرين، وتبعهم الطلب بظبات القسر والقهر، إلى أن لفظتهم خراسان ~~إلى ما وراء النهر. ولقد أحسن [أبو الحسن] «4» السلامي في قوله، فكأنما وصف ~~حاله، ومدح آثاره وأفعاله: # يا سيف دين الله ما أرضى العدى ... لو أن سيفك مثل عدلك يعدل # ما أن سننت لهم سنانا في الوغى ... إلا أطل عليه منهم أيطل «5» # فالروض من زهر النجوم مضرج ... والماء من ماء «6» الترائب أشكل PageV01P293 ~~والنقع ثوب بالنسور مطرز ... والأرض فرش بالجياد مخمل # يهفو العقاب على العقاب ويلتقي ... بين الفوارس أجدل ومجدل # وسطور خيلك إنما ألفاتها ... سمر تنقط بالدماء وتشكل «1» # وامتدح عند ذلك السلطان يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم الحسن بن عبد ~~الله المستوفي بقصيدة أولها: [160 أ] # ظهر الحق ثابت الأركان ... صاعد النجم عالي البنيان # وهوى للردى ذوو النكث والبغي ... وأهل الضلال والطغيان # ما الذي غركم بمحمود المحمود ... أنحاؤه بكل لسان # بأبي القاسم المعظم ظل الله ... في الأرض صفوة المنان # من مناويه نهزة للمنايا ... غرض للحتوف والأحزان # بأنه ملك الأملاك ... طرا وتاج هذا الزمان «2» # ملك صار من مضى من ms159 ملوك ... الأرض لفظا وجاء عين المعاني # فخر المشرقان بالحظ منه ... فاستطالا فاشتاقه المغربان # جمع الله فيه وهو قدير ... عالما للكمال في جثمان # ملك وهي في الحقيقة «3» عندي ... ملك صيغ صيغة الإنسان # ملك عادل فأدنى ضعيف ... وأخوه في حكمه سيان # أخذ الهند باليماني ويحوي ... يمنا إن أراد بالهندواني # سيفه والمنون طرفا رهان ... نحو حلق العدو يبتدران # خذ يميني بأن سيخضع حقا ... لليميني كل سيف يماني PageV01P294 ~~لو عصا خروع تسمى اليمينية ... ظلت تحيك «1» في سندان [160 ب] # إنما سيفه الحسام «2» عصا موسى ... بن عمران صاحب الثعبان # وقرا جولياتكم كيد سحر ... فإذا جاءت العصا فهو فان # غاب عن غابة «3» الهزبر لغزو ال ... هند مستنزلا رضا الرحمن # فسبى واستباح واجتاح منهم ... وأحل النكال بالأوثان # وانثنى قافلا وقد ملأ الأيدي ... فيئا وفاز بالرضوان # فسطا بأسه بطاغية الترك ... وأهل الشقاق والعصيان # طلعت راية له فتولوا ... كعباديد ثلة من ضأن # كم قتيل وكم جريح وغرقى ... وأسير في القد ذي رسفان # خطبوا الملك فاعترتهم خطوب ... جرعتهم مرارة الخطبان # طار «4» أيدي سبأ «5» عساكر ظنوا ... أنهم ملكوا على البلدان # فبخوارزم في السجون ألوف ... وألوف تهيم في جرجان # وبمرو وفي القفار إلى ... جيحون قتلى مآكل الحيتان # جزر للسباع في كل فج ... طعم للنسور والعقبان # بارك الله ربنا في خميس ... رد عنا خمسين ألف «6» عنان # وكتب أبو الفضل الهمذاني البديع إلى الشيخ الوزير أبي العباس «7»: [161 أ] PageV01P295 ~~«هذا ورب الكعبة آخر ما في الجعبة، لقد أنصف من رامى القارة «1»، ومحا ~~السيف ما قال ابن دارة «2»، ثم لا نزوة بعدها للترك، ولا تحلم بعدها ~~بالملك. لقد كاس «3» السلطان إذ عفر لله «4» شعره، وعرض على الله فقره، ~~وفوض إلى الله أمره، وأخلص لله نذره، وناهض بالله خصمه، وسأل الله حوله، ~~ولم يعجبه كثرة الملأ حوله، شد الله بذلك أزره، وقوى أمره، وأعز نصره، ~~وأقطعه عصره، وأطعمه ملكه، وأورثه أرضه، إن الظفر بأسبابه، والموفق يأتي ~~الأمر من بابه. # وله فصل، منه: # إنه الجلاد، ثم البلاد، مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان «5»، كتب الله ليغلبن ~~السلطان. وراءك، إن ms160 السيف أمامك وخلفك، إن الموت قدامك: # وأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم # إن المغازي قد عادت مخازي. ألا رب راكض «6» نادم، ورب صوت «7» ظالم، ورب ~~عثور يؤدي «8» إلى ثبور، ورب طمع يهدي إلى طبع، ألا «9» إن هذا الفتح فتح ~~حفظ على الشريعة ماءها، وعلى السنة ذماءها، وعلى النفوس دماءها، وعلى ~~الأموال نماءها، وعلى الحرم غطاءها. أعاد الله به البلاد [161 ب] خلقا ~~جديدا، وأنشأ للناس نشأ حديثا، وعقد PageV01P296 ~~الملك عقدا طريفا، فما أولى يومه أن يتخذ عيدا، ويجعل في المتصرفات تاريخا ~~جديدا، وليس العقد مع الله بأنشوطة، فأوفوا الله عهده، كما صدقكم وعده، ~~وإنما عهده عند السلطان أن يحسن النظر، وعهده عند الشيخ الجليل أن يحسن ~~المحضر. وهراة من البلاد شيعة هذه الدولة وعيبتها «1»، فإن حط عن حملها ~~العلاوة، وأزيل عن عبرتها الإتاوة، فلله هذا النظر ما أحلى ثماره، وأكرم ~~آثاره» «2». # فلما وضعت هذه الحرب أوزارها، وأفاضت غرة النصر أنوارها، سنح للسلطان أن ~~يكبح أعنته إلى جانب الهند للإيقاع بالمعروف بنواسه شاه «3» أحد أولاد ملوك ~~الهند. كان نصبه ببعض ما افتتحه من ممالكهم لخلافته على سد ثغورها، وتحصين ~~أطرافها وحدودها، إذ كان قد استحوذ عليه السلطان «4» فارتد في حافرة الشرك، ~~وانسلخ عن جلدة الإسلام، وراطن زعماء الكفار على خلع ربقة الدين، والانفصام ~~عن عروة الحبل المتين، فصرف «5» عنانه فوره [162 أ] إليه، وصب سيوفا تقطر ~~من دماء مخالفيه عليه، ركضا بادر أفواج الرياح، واختصر أوقات الإظلام ~~والإصباح، حتى نفاه عن مثواه، وملك عليه جملة ما حواه، وأعاد إلى تلك ~~البقاع بهجة ملكه وسلطانه، وحصد نجوم الشرك عنها بحدي سيفه وسنانه، فذاك ~~برهانان من الله في إعلاء دولته، وإشاعة دعوته، وإعزاز نصرته، وإفلاج حجته، ~~ويسر الله له الانقلاب إلى غزنة مظاهرا له بين نصرين يتجاذبان «6» فخامة ~~وجلالة، ويتباريان نباهة وجزالة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو ~~الفضل العظيم «7». PageV01P297 ### | ذكر غزوة «1» قلعة بهيم نغر # قد كان السلطان يمين الدولة وأمين الملة بعد أن فتح الفتحين، واقتدح ~~النجحين، ms161 عرج على «2» غزنة للاستراحة، والتفرغ لشكر الله على النعم المتاحة ~~«3»، وأقام بها شاحذا عزيمته لغزوة أخرى ترتفع «4» بها حدود الإسلام، ~~وتتعفر لها «5» خدود الأصنام، وتنتكس عندها رايات «6» الشيطان، في رحل ~~للغواية شده، وحبل للضلالة مده، إذ كان بعد همته يسومه خلاف [162 ب] ~~الطبائع البشرية في استخشان المضجع الوثير، واستحباب الشوك على الوتير «7»، ~~واختيار قرع الأسنة والعوالي على نقر المثالث والمثاني «8»، وترجيح حدود ~~البيض القواضب على خدود البيض الكواعب. كل ذلك لمجد يبتنيه «9»، وصيت ~~يقتنيه، وعز يحويه، وسعي يتقرب إلى الله به وفيه، حتى إذا انسلخ شهر ربيع ~~الآخر من السنة المذكورة «10»، استخار الله في إتمام ما رامه، وإسراج ما ~~تولى إلجامه، وسار متوكلا على الله الذي طالما أطعمه نصره، [وعرفه صنعه] ~~«11»، حتى إذا انتهى السير به إلى شط «12» ويهند، لاقاه ابرهمن بال بن ~~أندپال في جيوش تجيش بسود الرجال، في بيض الصفاح PageV01P298 ~~وزرق الرماح، وزهر الدروع، ودكن الفيول. وافترت الحرب عن أنيابها العصل، ~~وتوالت الحملات كما تتهاوى لوامع الشهب، وتترامى نوازع «1» السحب. # ودارت رحى الطعان والضراب، طاحنة كل ندب شجاع، وقرم مطاع. وامتدت الوقعة ~~من طفولة النهار إلى كهولة الطفل «2»، حتى اكتست الأرض لون «3» الشقائق من ~~دماء الطلى والعواتق. وكادت تدور للكفار دائرة لو لا أن الله أعان السلطان ~~على حملة في خواص غلمانه، كسعت [163 أ] أدبارهم، ومحت عن مقاماتهم «4» ~~آثارهم، وأغنمه «5» ثلاثين فيلا كأشخاص القصور، بل كأمواج البحور. وأقبل ~~أولياؤه يحسونهم «6» أنى يثقفونهم من بطون الأودية والشعاب، وظهور الفيافي ~~والهضاب، واقتفى السلطان بنفسه أثره بين تلك المهارب متنجزا «7» وعد الله ~~في نصرة دينه، وتل «8» كل ذي نفاق وشقاق لجبينه، فأفضى به الطلب إلى بهيم ~~نغر «9» أحصن قلعة بنيت على حرف طود رفيع، خلال ماء منيع. # وقد كان ملوك الهند وأعيان أهلها [وجماعات النساك من ذوي الأملاك بها] ~~«10» يدخرونها مخزنة للصنم الأعظم، فينقلون إليها قرنا بعد قرن من أنواع ~~الذخائر وأعلاق الجواهر، ما تخف أوزانه وتثقل عند السوم قيمه وأثمانه، ~~عبادة- بزعمهم- لما يفيدهم PageV01P299 ~~الحسنى، ويقربهم إلى الله زلفى. فصادف ms162 السلطان منها تمرة «1» الغراب، وزبدة ~~الأحقاب، ما لا تقله ظهور الأجمال «2»، ولا تسعه أوعية الأحمال، ولا تنسخه ~~أيدي الكتاب، ولا يدركه فكر الحساب. فحشر عليها جنوده، وضرب حواليها بنوده، ~~وانبرى لقتال مستحفظيها بقلب جرئ، وأنف حمي، وعزم ذكي، وبطش [163 ب] قوي، ~~ورأي بالصواب وري. # ولما رأى القوم غصص تلك الجبال بمغاوير الجنود، وتطاير النبال صعدا كشرر ~~الوقود، استفزهم الرعب والوجل، وألوى بأحلامهم الخوف والوهل، فتخيلت ~~أبصارهم تلك الرتوق فتوقا، وهاتيك السدود فروجا، والسكور بثوقا. وسحرتهم ~~دولة السلطان، فهرتهم «3» كلاب الإدبار والخذلان، وأعيتهم وجوه الأمن ~~والأمان «4» إلا من جانب الاستئمان، فتنادوا جميعا بشعار السلطان، وفتحوا ~~باب القلعة، وجعلوا يتساقطون على «5» الأرض للأمان «6» كالعصافير أخرجتها ~~البواشق، والغيوث جاد بها الغيوم البوارق. وفتح الله تلك القلعة على ~~السلطان فتحا يسيرا، وأتاه من لدنه صنعا كبيرا، وأغنمه مل ء منفرج «7» ~~النفوس من بنات المعادن والبحور، وزاينات القمم والنحور. # ودخلها مع «8» والي الجوزجان أبي نصر أحمد بن محمد الفريغوني وسائر ~~خاصته، ووكل حاجبيه الكبيرين: التونتاش وآسغ تكين «9» بخزائن العين والورق، وسائر PageV01P300 ~~ذوات الأخطار والقيم، وتوكل بنفسه بخزانة «1» الجوهر، فنقل منها ما أقلته ~~ظهور جماله «2»، واستحمل سائرها أعيان [164 أ] رجاله. وكان مبلغ المنقول من ~~الورق سبعين ألف ألف درهم شاهية، ومن الذهبيات والفضيات سبعمائة ألف ~~وأربعمائة من «3» وزنا، ومن أصناف الثياب التسترية، والدبابيج السوسية ما ~~أنطق مشايخ الزمان، والطاعنين في الأسنان أنه لا عهد لهم بأمثالها صنعة ~~«4»، وتفويفا «5»، وتوريقا «6» وتلطيفا. وفي جملة «7» الموجود بيت من الفضة ~~البيضاء كفاء بيوت الأغنياء طوله ثلاثون ذراعا في عرض «8» خمسة عشر «9» ~~ذراعا صفائح مضروبة مهيأة للطي والنشر، والنصب «10» والحط. وشراع من ديباج ~~الروم أربعون ذراعا في عرض عشرين ذراعا، بقائمتين من ذهب، وأخريين «11» من ~~سبيكة فضة. # ووكل السلطان بتلك القلعة من ثقاته من يراعيها، ويؤدي أمانة الاستحفاظ فيها. # وكر عائدا إلى غزنة في ضمان النصر والإظهار، وقران اليسر واليسار. ولما ~~مست عصاه جانب القرار بها، أمر بساحة داره ففرشت بتلك الجواهر، فمن درر ~~كالنجوم الثواقب، قد سلمت عن ms163 «12» أيدي الثواقب، ومن يواقيت كالجمر قبل ~~الخمود، أو «13» الخمر بعد PageV01P301 ~~الجمود، ومن زبرجد كأطراف الآس نضارة، أو «1» ورق الأقحوان غضارة، ومن قطاع ~~«2» الماس كمثاقيل الرمان في المقادير [164 ب] والأوزان. واجتمعت وفود ~~الأطراف على إدراك ما لم يرو في كتب الأولين اجتماع مثله لأحد من صناديد ~~القروم، وملوك العجم والروم. وحضر ذلك المشهد رسل طغان خان ملك الترك أخي ~~أيلك، فرأوا ما لم تره العيون، ولم تبلغه الظنون، ولم يملكه قارون، صنع ~~الله الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «3». ### | ذكر آل فريغون # قد كانت ولاية الجوزجان لآل فريغون أيام آل سامان يتوارثها كابر عن كابر، ~~ويوصي بها أول إلى آخر. أشراف النفوس والهمم، كرام الأخلاق والشيم، وطاء ~~الأكتاف لنزاع الأطراف، خصاب الرحال لوفود الأمال، دأبهم إجلال قدر الآداب، ~~ورفع درجات الكتاب، وافتراض حقوق الأحرار، وإغلاء أسعار الأشعار، فكم من ~~غريب آواه إحسانهم، ومن أديب أغناه سلطانهم، ومن كسير جبره إنصافهم، ومن ~~حسير أنهضه عطفهم وإلطافهم. وكان أبو الحارث محمد «4» غرة «5» تلك الدولة، ~~وإنسان تلك المقلة، وجمال تلك الحلة، وطراز تلك الحلة، بما يؤتي من كرم ~~خصيب، وكنف رحيب، وشرف رغيب، ومرتقى همة بعيدة، ومستقى نائل قريب. # وكان الأمير ناصر الدين «6» سبكتكين خطب إليه كريمته على السلطان يمين PageV01P302 ~~الدولة [165 أ] وأمين الملة، ثم أوجب لولده أبي نصر أحمد بن محمد كريمة له، ~~فاتشجت اللحمة، واشتبكت العصمة، والتحمت الوثائق، واستحكمت الأواصر ~~والعلائق. ولما مضى أبو الحارث لسبيله، ورثه أبو نصر ابنه، فأوجب السلطان ~~إقراره على «1» ولايته، إيثارا له بفضل رعايته وعنايته إلى أن قضى نحبه في ~~شهور سنة إحدى وأربعمائة. # وأقرأني أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف «2» بالبديع كتابا له ~~إليه، جعله مقدمة الوفود عليه، فنال به من رغائب الأيادي ما ملأ يديه. وهو «3»: # «كتابي والبحر وإن لم أره «4» فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد ~~تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته فقد لقيني صيته. ومن رأى من ~~السيف أثره فقد رأى أكثره. ms164 وما زلت- أيد الله الأمير- أسمع بهذا البيت ~~القديم بناؤه، الفسيح فناؤه، الرحيب إناؤه، الكريم أبناؤه «5». وأنشد من ~~هذه الحضرة ضالتي، والعوائق يمنة ويسرة، تريني حسرة، والزمن العثور يقعد بي ~~«6» ويثور. فكم من عام عزمت وأبت المقادير، ونويت وعرضت معاذير، والآن لما ~~وفقت لهذه الزورة، اختلفت علي أخبار الملك العادل «7» في مستقره، واختلفت ~~باختلافها مرة في قوس الطريق، ومرة في وتره على اقتفاء أثره، حتى بلغت ~~مبلغي هذا. ثم وسوس إلي الشيطان [165 ب] تقدير مقدر أني أقصد هذه الحضرة ~~طامعا في مال، أو طامحا إلى نوال. وعظم سلطان هذه الوسوسة حتى كاد يثنيني عن درك PageV01P303 ~~الحظ من طلعته، ولم أبعد ما ألقاه في خلدي أن يكون، ولأناشدن «1» الله ~~الظنون أن تنصرف في قصدي إلا إلى معرفة أوقعها، أو خدمة أودعها، أو مدحة ~~أسمعها، أو رجعة أسرعها، ثم أدخر هذه الدولة لمملكة «2» أغصبها، أو راية ~~أنصبها، أو كتيبة أغلبها، أو دولة أقلبها. فأما الدرهم والدينار «3» ~~فدفعهما إلي ونزعهما من يدي سواء لدي، لا أشكر واهبهما، ولا أشكو سالبهما، ~~إن لي في القناعة وقتا، وفي الصناعة بختا، لا «4» يبعد منال المال إذا ~~أردته، ولا يحوجني إلى ركوب العقاب «5» وسلوك الشعاب مهما قصدته، بل يجيئني ~~فيضا. ويتطفل علي أيضا، وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن ~~عنها قارون، فإن الأحب إلي أن أقصدها قصد موال، لا قصد سؤال، والرجوع عنها ~~بحال [أحب إلي من الرجوع عنها بمال] «6». قدمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب ~~الشريف، فإن نشط الأمير لضيف ظله خفيف، وضالته رغيف، فليزجر له بالاستقبال ~~طائر الإقبال، والسلام» «7». # وله فيه لما صدر عن فنائه مثقلا بنعمائه: # ألم تراني في سفرتي ... لقيت الغنى والمنى والأميرا [166 أ] # ولما تراءى شممت التراب ... وكنت امرأ لا أشم العبيرا # لقيت امرأ مل ء عين الزما ... ن يعلو سحابا ويرسو ثبيرا # لآل فريغون في المكرمات ... يد أولا واعتذار أخيرا PageV01P304 ~~إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيما وملكا كبيرا # فلا يعدم الملك ذا روعة ... يمني المنى ويسر السريرا «1» # ولأبي الفتح البستي ms165 فيهم: # بنو «2» فريغون قوم في وجوههم ... سيما الهدى وسناء السؤدد العالي # كأنما خلقوا من سؤدد وعلا ... وسائر الناس من طين وصلصال # من تلق منهم تقل هذا أجلهم ... قدرا وأسخاهم بالنفس والمال # يا سائلي ما الذي حصلت عندهم ... دع السؤال وقم فانظر إلى حالي # أما «3» ترى أن حالي كيف [قد] حليت ... بهم ألم تر «4» حالي عند ترحالي # فإن أكن ساكتا عن شكر أنعمهم ... فإن ذاك لعجزي لا لإغفالي «5» ### | ذكر أمير «6» المؤمنين القادر بالله وانتصابه منصب آبائه الراشدين بمدينة «7» السلام، واستقرار الإمامة «8» عليه، وانعقاد البيعة له بعد الطائع لله، وما اشتبك من الحال بين السلطان يمين الدولة وأمين الملة وبين بهاء الدولة وضياء الملة أبي نصر بن عضد الدولة في زمانه # قد كان بهاء الدولة وضياء الملة ينقم من الطائع لله أمورا لصدره فيها من ~~غير وفاقه، [166 ب] وعدوله بها عن حكم استحقاقه، فدعاه ما توالى «9» عليه ~~من خلاف رضاه PageV01P305 ~~إلى مراعاة مصلحة الدين والملك، باختيار من يرعى حق الإمامة، ويتولى حياطة ~~الخاصة والعامة، ويعزل هوى النفس في اتباع الحق واستشعاره، ونصرة الدين ~~وإظهاره «1»، وحماية الملك من أقطاره، وجعل يتلطف في التدبير عليه إلى أن ~~تمكن منه، فخلعه واحتوى عليه وعلى ما كان جمعه، وذلك في شعبان سنة إحدى ~~وثمانين وثلثمائة. وأرسل إلى البطائح وبها القادر بالله أبو العباس أحمد بن ~~إسحاق بن المقتدر بالله فاستقدمه دار السلام لعقد البيعة له سدا للثلمة، ~~ونظرا للأمة، وارتهانا للألفة، واجتلابا «2» لمصلحة الجملة؛ فقدمها في شهر ~~رمضان من «3» هذه السنة. وتسارع الناس إلى مبايعته، وأصفقوا «4» على طاعته، ~~وتراضوا عن طيب النفوس بإمامته، وتناهبوا شكر الله على ما أتاحه لهم من ~~بركات خلافته، ثقة بما اشتهر في الآفاق من مناقبه الغر وضرائبه الزهر، ~~وفضائله المسطورة على صفحات الدهر، فقام بما قلده الله من طوق الإمامة، ~~مفوضا إليه أمره، ومتوكلا عليه وحده، فلم ير في مقره من سرير الخلافة أوفر ~~منه حصاة، وأوقر أناة، وأصلب قناة، [167 أ] وأصدق تقاة، وأرضى سيرة، وأذكى ~~بصرا وبصيرة، وأزكى ms166 علنا وسريرة، وأتم جزالة وجلالة، وأعم سياسة وحراسة. ~~نعم، ولا أقوى منه جنابا، وأندى بنانا، وأجرى لسانا، وأعدل عقابا وإحسانا. # وعطفته عاطفة القربى على الطائع لله، فاستخصه لمنادمته، واجتباه ~~لمصاحبته، وألحفه جناح رعايته وحمايته، تفاديا من غضاضة تلحقه في زمانه، أو ~~نكبة ترهقه في ظل سلطانه، وجانب أمانه، إلى أن فرق بينهما الدهر المولع ~~بالتفريق، وأخذ الرفيق عن الرفيق. # ورثاه أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى العلوي الرضي «5» الموسوي بقصيدة PageV01P306 ~~أولها «1»: # إن كان ذاك الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلا # موف على القلل الذوا ... هب في العلا عرضا وطولا # قرم يسدد لحظه ... فيرى القروم له مثولا # ويرى عزيزا حيث ح ... ل ولا يرى إلا ذليلا # كالليث إلا أنه ات ... خذ العلا والعز غيلا # وعلا على الأقران لا ... مثلا يعد ولا عديلا # من معشر ركبوا العلا ... وأبوا عن الكرم النزولا # غر إذا نسبوا لنا ال ... غرر اللوامع والحجولا # كرموا فروعا بعدما ... طابوا وقد عجموا أصولا # نسب غدا رواده ... يستنجبون له الفحولا [167 ب] # يا ناصر الدين الذي ... رجع الزمان به كليلا # يا صارم المجد الذي ... ملئت مضاربه فلولا # يا كوكب الإحسان أع ... جلك الدجى عنا أفولا # يا غارب النعم العظا ... م غدوت معمورا جزيلا # لهفي على ماض مضى ... أن لا نرى منه بديلا # وزوال ملك لم يكن «2» ... يوما يقدر أن يزولا # ومنازل سطر الزما ... ن على معالمها الحؤولا # من بعد ما كانت على ال ... أيام مربأة نكولا # والأسد ترتكز القنا ... فيها وترتبط الخيولا PageV01P307 ~~من يسبغ المنن «1» الجسا ... م ويصطفي الحمد الجزيلا # من ينتج الآمال يو ... م تعود بالليان حولا # من يورد السمر الطوا ... ل ويكشف الخطب الجليلا «2» # وتراه يمنع دوننا ... وادي النوائب أن يسيلا # عقاد ألوية الملو ... ك على العلا جيلا فجيلا «3» # وانثال خطباء العراق وشعراؤها على مجلس الخلافة كأعراف الجياد «4» في ~~امتداح القادر بالله أمير المؤمنين وذكره مآثر آبائه «5»، ومفاخر أسلافه ~~مرابيع الكرم، ينابيع الحكم، مصابيح الظلم، مجاديح الأمم، ليوث البهم، غيوث ~~القحم «6». وبلغني أن مقاماتهم مدونة بالعراق من ms167 بين منظوم ومنثور، وفقر ~~وشذور، فلا حاجة بنا إلى تتبع ذكرها [168 أ] مع اشتهارها في ديارها. # وحكى لي أبو محمد عبد السلام بن محمد بن الهيصم أحد أعيان الكرامية ~~بنيسابور، قال: قمت في مجلس القادر بالله أمير المؤمنين خطيبا بحضرة بني ~~هاشم ومشايخ بغداد وأعيان الحجيج، فقلت: الحمد لله ذي العزة القاهرة، ~~والحجة الباهرة، والنعم المتظاهرة، الذي عم إحسانه، ودام سلطانه، ولطف ~~شأنه، فلا راد لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولا معقب لحكمه، ابتعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم «7» من خير أرومة العرب PageV01P308 ~~مولدا، وأفضل جراثيمها محتدا، وأطولها «1» نجادا، وأرسخها في المكرمات ~~أوتادا، فأيده أحسن تأييد، وأكد أمره أفضل تأكيد، حتى استقل الدين ناهضا، ~~واضمحل الشرك داحضا، وظهر أمر الله والمشركون كارهون، فعليه صلوات الله عدد ~~الرمل والحصى، ما «2» طلعت عليه شمس الضحى، وعلى آله الطيبين. ثم قيض الله ~~«3» من بعده الخلفاء الراشدين، لتمهيد الدين، [وتوكيد اليقين] «4»، وتوهين ~~كيد الملحدين، فبسطوا للإسلام بساطه، ونهجوا لأهل الآفاق صراطه، إلى أن ~~تأدى الأمر إلى ذويه من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم «5»، وبني صنو ~~أبيه، فأقاموا الإسلام عن أوده، وأسندوا الأمر إلى مسنده، معتصمين بنصر ~~الله، صادعين بأمر الله، معظمين لحرمات «6» الله، و«7» هلم جرا [168 ب] إلى ~~أن تأكدت بيعة الخلافة بأمير المؤمنين القادر بالله، فبهر نوره العالمين، ~~وشفى ذكره على المنابر صدور قوم مؤمنين «8»، من بعد التواء من أظهر العناد، ~~وانزواء من قصد الفساد. وأبى الله إلا «9» نصرة الحق وإدالته، وقمع الباطل ~~وإذالته «10». # ولقد حدثني محمد بن الفضل الحلواني، قال: حدثني الصولي عن المبرد أن PageV01P309 ~~العباس بن حمدون حدثه أن سعيد الخطيب [قال:] لما بايع الفضل «1» بن مروان ~~المعتصم بالله أمير المؤمنين، قام في الناس فقال: # بايعت منبسطا ولو «2» لم تنبسط ... كفي لبيعته قطعت بنانها # من ذا إليه لا يمد يمينه ... قطع الإله يمينه فأبانها # ولوالدي «3» في خدمة «4» أمير المؤمنين «5» ما يقارب هذا أو يشاكله، وذلك ~~أنه أظهر بيعته لوارد كتابه على حين التواء من التوى بناحية بلخ، وقال ms168 فيها «6»: # سبقت يميني نحو بيعة قادر ... بالله لما حالفته يد «7» القدر # ما ضر بيعته التواء من التوى ... والله مبرمها بمكنون الزبر # ولقد أراه أحق من وطى ء الحصا ... بوراثة الشم البهاليل الغرر # فلأخلعن القلب مني إن أبى ... ولأقلعن العين إن زاغ البصر # وها أنا قد ساعدني توفيق الله حتى وطئت بساط أمير المؤمنين شاكرا [169 أ] ~~ما أنعم الله علينا بولي أمير المؤمنين محمود بن سبكتكين فإنه في رسمه ~~كاسمه، والله نسأل أن يديم سلامة أمير المؤمنين، وأن يبلغه أمله في الأمير ~~أبي الفضل ولي عهد المسلمين الغالب بالله ابن أمير المؤمنين، ويلحقه بسعادة ~~آبائه الراشدين، وأسلافه الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين، [وصلى ~~الله على نبيه محمد وآله أجمعين] «8». PageV01P310 # قال «1»: فأمر القادر بالله أمير المؤمنين أن تنسخ الخطبة في جملة أخواتها ~~المسطورة المخزونة. # ولما أرجت «2» منابر خراسان بذكر القادر بالله أمير المؤمنين على ما ~~أوجبته طاعة السلطان يمين الدولة وأمين الملة لأمر الله «3» تعالى «4» في ~~اقتفار «5» محجته، واقتفاء خليفته وحجته، كاتبه بما رآه من الإفضاء إلى ~~ابنه أبي الفضل بعهده في ولاية المسلمين من بعده، وتلقيبه بالغالب بالله، ~~ورسم توفيته واجب حقه، وإلحاق ذكره على المنابر باسمه، وطبع النقود على ذكر ~~تلقيبه، فأوجب السلطان يمين الدولة وأمين الملة مطاوعته فيما أمر، ومتابعته ~~في جميع ما رسم. فتقارن «6» ذكراهما في الخطب، وترافق اسماهما على صفحات ~~الفضة والذهب. # وسنعود إلى ذكر بهاء الدولة وضياء الملة من لدن استأثر الله «7» بعضد ~~الدولة [169 ب] وتاج الملة أبي شجاع فناخسرو إلى أن أفضى «8» الأمر إليه، ~~واستقر الملك عليه، وفيما نطق به كتاب الصابي المعروف ب (التاجي) من وقائع ~~عضد الدولة مع بختيار إلى أن أظفره الله به، فقضى عليه بحد حسامه، وجرعه ~~كأس حمامه، واحتياله على أبي تغلب «9» ناصره بعد انهزامه، إلى أن أمكنه ~~التدبير عليه بابن الجراح «10» - أحد المتغلبين من PageV01P311 ~~الأعراب على حدود الشام- فقيضه لا قتناصه بمبار أهداها إليه، وأطماع أكدها ~~له، حتى اعتقله وقتله «1»، وحمل «2» إليه علاوته «3» ما يغني عن تجديده ms169 ~~ذكره. ولما مضى عضد الدولة لسبيله، وذلك في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ~~وثلثمائة عند اشتغال أخيه مؤيد الدولة بويه بمحاربة حسام الدولة أبي العباس ~~«4» تاش، وعميدها «5» فائق في عساكر خراسان، اجتمع أبناء دولته على ابنه ~~صمصام الدولة وشمس الملة، فبايعوه متآزرين «6»، وتوافقوا على طاعته ~~متظاهرين. وأتاه الطائع لله أمير المؤمنين في حراقة «7» على ظهر دجلة يعزيه ~~عن أبيه، وقد ثار «8» عوام الناس نظارة له، حتى إذا قرب منه برز إليه صمصام ~~الدولة فجشم «9» وجهه رسم الطاعة وحق الخلافة، وقال له الطائع [170 أ] لله: ~~نضر الله وجه الماضي «10»، وجعلك الخلف الباقي، وصير التعزية بعده لك لا ~~بك، والخلف عليك لا منك، [وقضي الحقوق لك لا منك] «11»، فأذرى على خديه ~~دموع عينيه، وبادر إلى صعيد الأرض «12» شكرا لما من به عليه، ثم انتصب به ~~«13» منصب أبيه، فأجرى الأمور على استقامة، وتدبرها بسياسة عامة. PageV01P312 # وكان أخوه الأكبر أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة غائبا إلى مدينة كواشير ~~«1» من أرض كرمان، فلما بلغه نعي أبيه، كر راجعا إلى فارس، وقبض بها على ~~نصر بن هارون النصراني وزير أبيه، واستوفى عليه حواصل أموالها، وبقايا ~~أعمالها. وامتد إلى الأهواز فملكها على أخيه أبي الحسن «2» أحمد بن عضد ~~الدولة، وغلب «3» على البصرة معها، وذلك في رجب سنة خمس وسبعين وثلثمائة، ~~ثم استعد لقصد بغداد طلبا لمكان أبيه، واستضافة لما في يد أخيه إلى سائر ما ~~يليه. وسار حتى إذا وافاها، تلقاه «4» صمصام الدولة بما أوجبه حق سنه عليه ~~إجلالا ومهابة، ومداراة ومقاربة، تفاديا من ضرر استيحاشه، وعدوى مساءته ~~«5»، غير عالم «6» بأن غمدا فردا لا يسع سيفين، ووترا واحدا لا يضم سهمين ~~«7». فقربه أبو الفوارس ورفع محله، ثم خلعه وكحله، وأمر به إلى قلعة ~~كيوستان «8» من [170 ب] أرض عمان «9». واستولى على المملكة، ولقبه الطائع لله PageV01P313 ~~بشرف الدولة وزين الملة، فبقي على جملته سنين «1»، وفجئه «2» حكم الله ~~تعالى «3» في جمادى الآخرة سنة تسع «4» وسبعين وثلثمائة. # وقام شاهنشاه بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة ms170 مقامه، ~~وتجرد لضبط الأمور المائرة، وتلافي الأحوال الحائلة، وكفل بالملك كفالة ~~خبير بالتجارب، بصير بأعقاب العواقب. وتمالأ «5» الأتراك بفارس على صمصام ~~الدولة، فأبرزوه من معتقله، وحمله غلامه المعروف بسعادة على عاتقه منحدرا ~~به، فملك فارس وما والاها، وتتبع أموالها فجباها. ثم تنكروا له من بعد، ~~وقدموا أبا علي بن أبي الفوارس، وعقدوا له الرئاسة عليهم، ولقبوه بشمس ~~الدولة وقمر الملة، وتجردوا للدفاع عنه والدعاء إليه. # فانتدب «6» لمواقعتهم، إلى أن هزمهم أقبح هزيمة، وغنمهم أبرد غنيمة، ~~فخنسوا إلى بغداد صاغرين خاسرين. # وتحرك «7» بهاء الدولة وضياء الملة لقتال صمصام الدولة، فتناوشا الحرب ~~وصالا ككعوب الرماح، ما «8» بين المساء والصباح، حتى خربت البصرة، وتلاها ~~في الخراب أكثر كور الأهواز. # وقد كان أولاد بختيار محتبسين في حصار بناحية فارس، فاستنزلهم طائفة من ~~الأكراد الخسروية «9» عن [171 أ] معتقلهم، مؤججين نار الفتنة باستنزالهم ~~وفك عقالهم. PageV01P314 # فناصبهم صمصام الدولة «1» الحرب مستكفا شرهم، ومستدفعا بأسهم وضرهم، ~~فاختلفت بهم الوقائع بين تلك الفتن الثائرة، والإحن الفائرة، وكانت «2» ~~عقباها أن أجلت عنه قتيلا. # وتذمر بهاء الدولة للحادثة عليه «3»، فأرصد الجناة بطائلته حتى شردهم كل ~~مشرد، وطردهم كل مطرد، وألجأ أولاد بختيار إلى الجلاء عن تلك الناحية، ~~وزعيمهم يومئذ سالار بن بختيار الملقب بنور الدولة. وكان من أمره أنه انتبذ ~~عنها مدحورا مثبورا، فاضطرته الحال إلى خفارة التجار في تجاراتهم، وإجازتهم ~~«4» على مراصد القطع ببضاعاتهم، على خرج «5» يستعين «6» به من جهتهم على ~~مؤن معاشه ورياشه. واتبعه بهاء الدولة بجيش واقعوه بكواشير «7» فغلبوه، ~~ووصلوا إليه فقتلوه. وحمل غلام منهم «8» رأسه إلى بهاء الدولة، فامتعض ~~للرحم الدانية «9»، واللحمة الحانية، من تشجعه على ملاقاته به «10»، فأمر ~~بالغلام فسلخ جلده من قرنه إلى قدمه عبرة لمن أقدم على ملك بسفك دمه. # وبعث بعميد الجيوش الملقب بالصاحب إلى بغداد لمراعاة تلك الأعمال، ~~واستيفاء حقوق [171 ب] بيت المال، فاستدت سيرته، واحتدت «11» في العدل ~~بصيرته، وعم رفقه حجيج بيت الله الحرام [بالمنائح العظام] «12»، فانطلقت ~~بشكره ألسنة الخاص والعام، إلى أن قبضه PageV01P315 ~~الله إليه، فسد مكانه بوزير ms171 الوزراء «1» زيادة في النظر للرعية، فأربى «2» ~~على عميد الجيوش في الإحسان إلى الكافة، إصلاحا لهم، ورفقا بهم، وطرحا ~~عنهم. وصفت نواحي فارس وكرمان لبهاء الدولة مضافة «3» إلى سائر أعماله. ~~وقعدت الفتن القائمة عن سوقها في زمانه، فعم الأمن والسكون، وشمل الرفق ~~والهدون «4»، واستراح عباد الله مما كان يفدحهم «5» من وطأة الجيوش، ~~ويلحقهم من معرة اختلاف السيوف. # وقد كان أبو علي بن إلياس قد ملك كرمان أيام عضد الدولة لآل سامان، وأقام ~~بها مدة من الزمان، لا ينازعه فيها منازع، ولا يدافعه عنها مدافع. وكان حبس ~~ابنه اليسع في بعض قلاع كرمان إشفاقا من معرته للوثة «6» رآها في رأيه، ~~واضطراب تبينه في وجوه شمائله وأنحائه، ولها «7» عنه مدة من الزمان وهو ~~يكابد بينها ضرا وبؤسا، وشدة وعبوسا «8»، فاتفق أن أشرف سرب من نساء أبيه ~~وجواريه عليه، فرثين [172 أ] لضيق مكانه، ودبرن في وجه خلاصه، وعمدن إلى ~~خمرهن فوصلن بعضها ببعض، وخلصنه بها عن معتقله «9». # وتسامع أهل العسكر بخلاصه، وانحلال عقاله، فتجمعوا عليه، وانقطعوا ~~بجملتهم إليه، ممالأة له على أبيه لجفوات «10» نقموها منه. PageV01P316 # وبلغ أبا علي خبر الحادثة، فأرسل إلى ذوي التحزب والتألب باحثا عما دعاهم ~~إليه، فأظهروا «1» الضجر بمكانه، والتبرم بطول زمانه، وساموه مفارقة كرمان ~~ليستقر الأمر على ابنه اليسع بطاعتهم له «2»، وتوخيهم موافقته. فعرك أبو ~~علي قولهم بجنب المداراة والاحتمال في عاجل الحال، ثم جمع ما قدر عليه من ~~صنوف الأموال، وكر عائدا إلى بخارى مخليا بين اليسع وبين تلك الولاية. ~~وأقام ثقتيه بسويه «3» بن مهدي وترمش «4» الحاجب على خدمة اليسع وكفالة ~~أمره، إذ كانت حداثته تقتضي استخلاف مثلهما في دهائهما وقوة رأيهما على ~~حضانة أموره، وتبصيره الرشد في وجوه تدبيره. # ولما وصل أبو علي إلى بخارى، بولغ في تعهده، وإكرام مورده «5»، وإحلاله ~~«6» من الإيثار والإكبار محل مثله «7»، إلى أن توفي بها في شوال سنة ست ~~وخمسين وثلثمائة. # [172 ب] فأما اليسع فإنه ولي كرمان، فحمى أطرافها، وجبى أموالها. وكان ~~أخوه سليمان مقيما بسيرجان «8» واليا عليها، فأغراه بسويه «9» بن ms172 مهدي به، ~~وأشار عليه بمعاجلته قبل انتظام شمله، واستمرار حبله. فكتب إليه يستدعيه ~~لمهم لا يستغني عن مفاوضته فيه، PageV01P317 ~~فامتنع عن الإجابة بعلل اخترعها، ومعاذير تمحلها «1». وضاق «2» اليسع به ~~ذرعا، ولم يجد من مناجزته بدا، فنهض إليه محاربا حتى هزمه، وغنم ماله. فوقع ~~سليمان إلى بخارى، وأطمع اليسع نزق شبابه في مغالبة عضد الدولة أبي شجاع ~~على بعض حدود عمله، فكان مثله مثل العير «3» طلب قرنين فضيع الأذنين، وذاك ~~أنه لما بلغ الحدين بين كرمان وفارس أتاه صاحب طليعته بطائفة من المستأمنة ~~عن عسكر عضد الدولة أبي شجاع، فأحسن إليهم، وصب الخلع عليهم، ثم هرب نفر ~~منهم راجعين وراءهم، فارتاب اليسع برفقائهم، وظن أن وراء استئمانهم حيلة أو ~~غيلة، فأوسعهم تنكيلا، وعمهم بالعقاب قطعا وتمثيلا. # واستأمن عنه إلى عضد الدولة جملة من رجاله، فحملهم وحباهم، ووصلهم [173 ~~أ] ومناهم، فلما رأى أصحابه تباعد ما بين الأمرين، تألبوا عليه، وتنمروا ~~له، وتحزبوا عنه، ونسل «4» من جملتهم صفقة واحدة ألف رجل من وجوه الديلم ~~إلى معسكر عضد الدولة وهو بناحية اصطخر. وفسا الظربان «5» بين الآخرين ~~فجعلوا يتسللون لواذا، ويتفرقون جميعا وأشتاتا، حتى انفض عنه «6» عامة أهل ~~عسكره، وبقي في خاصة غلمانه وحاشيته، فاضطر إلى معاودة كواشير «7»، وأسرع ~~منها بعياله، وبما خف عليه حمله من أثقاله وأمواله «8»، نحو بخارى لا يلوي ~~على أحد دون الإغذاذ «9» في السير، وطي بساط PageV01P318 ~~الأرض بحوافر الخيل. فلما اتصل خبره بعضد الدولة، بادر على إثره إلى كواشير ~~«1» فملكها «2»، واستصفى أموال آل إلياس بها، ثم استخلف عليها كورتكين «3» ~~بن جستان ورجع عنها إلى فارس. ولما ورد اليسع ناحية خوست «4» من حدود ~~قهستان، خلف أثقاله وغلمانه بها، وركب الجمازات «5» نحو بخارى للاستنجاد ~~وطلب الإمداد، فلما وافاها قرب محله، ورعي له حقه، واستحضر مجلس الأنس ~~تخصيصا بمزية الإكرام والأثرة، فلما قدر عليه سلطان الراح [173 ب] لم ~~يتمالك أن قال مستبطئا: لو عرفت قعود الهمم بآل سامان عن إغاثة الراجين ~~لها، واللاجئين إليها لطلبت غير هذه الحضرة ملاذا ومعتصرا. # فخشن مس ms173 هذا المقال منه، وأمر به فنفي إلى خوارزم. وبلغ أبا علي بن ~~سيمجور حاله ومقاله، فبعث إلى خوست «6» بمن قبض على غلمانه وأمواله، فنقلهم ~~وإياها إليه غنيمة خالصة عن أيدي الاعتراض والاشتراك. # وأصاب اليسع بخوارزم رمد أقلقه وأكمده، واستنفد وسعه وجلده، وحمله «7» ~~الضجر بالألم على أن فقأ عينه الرمدة بيده، فسالت على خده، وكان ذلك سبب ~~هلاكه وحينه. ولم يطر «8» من أعقاب الإلياسية «9» بحدود كرمان بعده أحد. ~~وازداد باع PageV01P319 ~~عضد الدولة طولا، وعزة وارتفاعا وشمولا، إلى أن ورثه بهاء الدولة وضياء ~~الملة، فأجرى أمورها بمجاريها الموروثة في حفظ الأطراف، وبسط العدل ~~والإنصاف. # ولما ملك السلطان يمين الدولة وأمين الملة خراسان، افتتح سجستان، و«1» ~~حصل بين ولايته وبين تلك الديار ذمار الجوار، فاتحه بهاء الدولة [وضياء ~~الملة] «2» بكتبه خاطبا [174 أ] لكريمة وده، على صداق قلبه المغمور «3» ~~بموالاته، المقصور على طلب مرضاته. # ووصل ذلك «4» بهدايا ومبار لاقت برحب صدره، وعلو همته وقدره، فأجابه ~~السلطان يمين الدولة وأمين الملة إلى ما خطبه، وأوجب له مثل ما أوجبه، ~~وأتحفه بما رهن الوداد، وأكد الاتحاد، وقضى حق المكافأة وزاد. وتشوفت الحال ~~بينهما إلى زيادة عصمة «5» تتحد بها البيوت والمرابع، وتشترك فيها الأرقاب ~~والأباعد، فسفر «6» مشايخ الدولتين «7» في تشبيك اللحمة، وتوشيج أسباب ~~القربة، إلى أن أتاح الله من ذلك ما عم القاصي «8» والداني فائدته، وشمل ~~الحاضر والبادي والطارئ والتانى ء «9» نفعه وعائدته. ### | ذكر وقعة «10» ناراين «11» # ونشط السلطان يمين الدولة وأمين الملة في سنة أربعمائة لغزوة في ديار الهند PageV01P320 ~~ينكأ بها قرح نكاياته «1» فيها، تقربا إلى الله تعالى، واحتسابا للمثوبة من ~~عنده عز وجل «2»، فنهض نحوها يحث الخيول، ويخترق الحزون والسهول «3»، إلى ~~أن توسط ديار الهند، فاستباحها وأذل لقاحها «4»، ونكس أصنامها، وعرض على ~~السيوف أغتامها. وسار على هينته «5» نحو مقصده، وأوقع بعظيم العلوج وقعة ~~أفاء الله [174 ب] بها عليه أمواله، وأغنمه خيوله وأفياله، وحكم فيهم سيوف ~~أوليائه، يحسونهم بها بين كل سهب «6» وفدفد «7»، ويجزرونهم عند كل مهبط ~~ومصعد، ورده بهم إلى غزنة فيما حواه من ms174 تلك الغنائم الموفورة، سالما غانما، ~~وافرا ظاهرا. # ولما رأى ملك الهند ما صب «8» الله عليه وعلى أهل مملكته من سوط العذاب ~~«9»، بوقائع السلطان [يمين الدولة وأمين الملة] «10» فيهم، ونكاياته في ~~أقاصيهم وأدانيهم «11»، وأيقن أنه لا قبل لهم «12» بثقل وطأته، وخشونة ~~جانبه، أرسل إليه أعيان أقاربه وقرابينه «13»، ضارعا إليه في هدنة يقف فيها ~~عند أمره، ويتسمح بماله ووفره، ويتجرد أوقات «14» دعائه إياه PageV01P321 ~~لنصره، على أن يقود «1» إليه بادئ الأمر خمسين فيلا يعد آحادها بأضعافها ~~ثقل أجسام وخفة أقدام، ويحمل معها مالا عظيم الخطر، كثير «2» القدر، بما ~~يضاهيه من مبار تلك الديار، ومتاع تلك البقاع. وعلى أن يناوب كل عام بين ~~أفناء عسكره في خدمة بابه بألفي رجل بادئين وعائدين، إلى إتاوة معلومة ~~يلتزمها كل سنة سنة يتمسك بها من «3» يرث مكانه، ويقوم في كفالة الملك ~~مقامه، فأوجب السلطان إجابته إلى ملتمسه، لعز الإسلام بذل طاعته، وإعطائه ~~الجزية عن يده «4». وبعث إليه من «5» [175 أ] طالبه بتصحيح المال، وقود ~~الأفيال. فنقد ما وعد، وقدم الوفاء بما شرط، وبعث بمن ضمن تجهيزهم إلى بابه ~~من خواص رجاله، على جملة الخدمة، وإقامة «6» رسم الطاعة. فانعقدت تلك ~~الهدنة، ودرت تلك الإتاوة «7»، وتتابعت القوافل بين ديار خراسان وبلاد ~~الهند، في ضمان الأمان، وجوار الحيطة والإحسان. ### | ذكر غزوة غور # قد «8» اتفق للسلطان يمين الدولة وأمين الملة فكر في جبال الغور، وتمرد ~~أهلها، وتمنعهم على عطلهم «9» عن حلية الدين، وسمة الإسلام، وحصولهم في ~~المقلة من عين حوزته «10»، والمركز من دائرة مملكته، وتأذي المارة والسابلة ~~بعيث أرصادهم، وعنت PageV01P322 ~~قطعهم وإفسادهم، لا ستطالتهم بمناعة جبالهم الشواهق، ومجال مسالكهم «1» ~~المتضايق، فأنف للدولة القاهرة من أن يخليها على غلق أقفالها، وشدة رتاجها، ~~فصمم العزم على تدويخ ديارهم، وتذليل رقابهم، وانتزاع نعرة الاستطالة من ~~رؤوسهم، واستلال وحرة «2» العصيان من صدورهم. وأجلب عليهم «3» بخيله ورجله، ~~معولا على صنع الله وفضله. # وقدم أمامه والي هراة التونتاش الحاجب [175 ب] ووالي طوس أرسلان الجاذب، ~~وسارا مقتحمين مضائق تلك المسالك، إلى أن أفضى بهما الدؤوب «4» إلى مضيق ms175 قد ~~غص بكماة الغورية ممن لفظتهم القرى القاصية، والمحال المتنائية «5»، ~~فتناوشوا الحرب تناوشا بطلت فيه «6» العوامل، إلا الصوارم في الجماجم، ~~والخناجر في الحناجر. وتصابر الفريقان على حر الكريهة حتى سالت نفوس، وطارت ~~عن الهام رؤوس. # وبلغ السلطان خبر الفريقين، فلحقهم في خواص رجاله «7»، وجعل يلجئهم إلى ~~ما وراءهم شيئا فشيئا، ويملك عليهم ملاجئهم شعبا فشعبا، إلى أن فرقهم في ~~عطفات الجبال الشوامخ، وألحقهم بقلل الراسيات البواذخ، واستفسح «8» المجال ~~إلى عظيم الكفرة المعروف بابن سوري، فغزاه «9» في عقر داره، وأحاط به من ~~جوانب حصاره، وهي في قصبة تدعى آهنكران «10»، وشد عليه الحرب، وبرز الرجل ~~في قرابة عشرة آلاف رجل PageV01P323 ~~رجال، كأنما خلقت قلوبهم من حديد، وأكبادهم من جلاميد، يستأنسون بأهوال ~~الوقائع استئناس الظماء بماء الشرائع، فصافوا عسكر السلطان مرعدين بالبطش ~~والبأس، مبرقين بصوارم الأسياف. وجعلوا يهرون في [176 أ] وجوههم هرير ~~الكلاب أعياها الفرار، وأحرجتها الأحجار، فأمر السلطان بمداركة الشد عليهم ~~«1» على ما أوجبه حكم الاحتياط، إذ كانوا مستندين إلى معاقل «2» وثيقة، ~~ومعتصرين بخنادق عميقة، حتى إذا انتصف النهار على وقاحتهم في مغامسة الحرب، ~~ومعامسة «3» الطعن والضرب، أشار بتوليتهم الظهور على وجه الاستدراج ~~والاغتيال، فاغتروا بخدعة «4» الانقلاب، وانفضوا عن مواقفهم إلى فسحة ~~الفضاء، لاغتنام فرصة الانهزام، فكرت عليهم الخيول بضربات غنيت بذواتها عن ~~أخواتها، فلم ترتفع واحدة منها إلا عن دماغ منثور، ونياط مبتور. وصرع في ~~تلك المعركة الواحدة رجال كهشيم المحتظر، أو أعجاز نخل منقعر. وملك الأسر ~~عظيمهم المعروف بابن سوري بأقربيه وذويه، وسائر خدمه «5» وحواشيه. وأفاء ~~الله على السلطان ما اشتمل عليه حصاره من ذخائر الأموال والأسلحة التي ~~اقتناها كابر عن كابر، وتوارثها كافر عن كافر. # وأمر السلطان بإقامة شعار الإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع والرباع، ~~فأفصحت بذكره منابرها، واشترك في عز دعوته «6» باديها وحاضرها. ورجع [176 ~~ب] بعد ذلك عن وجهه على جناح اليسر والنجاح، والظفر المتاح. وحين رأى ابن ~~سوري «7» حصوله في ذل إساره، واستباحة السلطان ودائع حصاره، تبرم بحياته، ~~واستراح إلى برد وفاته، فامتص PageV01P324 ~~سما ms176 كان أودعه فص خاتمه، فجاد للوقت «1» بنفسه، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو ~~الخسران المبين «2». ### | ذكر القحط الواقع بنيسابور «3» في سنة إحدى وأربعمائة # وقع القحط بنيسابور خصوصا، وفي سائر بلاد خراسان عموما، فهلك بنيسابور ~~وأطرافها دون غيرها [من الناس] «4» مائة ألف أو يزيدون. وكم دفن منهم ~~بأطمارهم لضيق الأكفان بهم، وعجز غسلة الأموات عنهم. كان الناس بين «5» ~~غلام وشاب، وكهل وشيخ، وفتاة وعجوز، يتداعون الخبز الخبز، ويذوبون على ~~أنفسهم حتى تغور عيونهم، وتجب للموت جنوبهم، ورعوا نبات الأرض حتى استحكم ~~اليأس «6» الناس عن الزروع، وانقطعت الأطماع عن الريوع «7». وضاق بهم ~~الأمر، فجعلوا يتتبعون رمام العظام على رؤوس الكناسات تعللا بها. ومهما ذبح ~~قصاب ذبيحة اجتمع عليه «8» الفوج بعد الفوج يتقاسمون نجيعها بالكيزان ~~والخزف تسكينا [177 أ] لحرة الجوع، واجتزاء به عن القوت، ولم ينل منه أحد ~~إلا سقط لحينه، وجاد عن كثب بنفسه. وعهدي بهم يتتبعون سقاطات حب الشعير عن ~~الأرواث، وهيهات. إن الشعير لأعيا الأنام فكيف البهائم والأنعام؟! ثم تراقى ~~«9» الأمر إلى أن أكلت الأم ولدها، والأخ أخاه، والزوج زوجته. وظل PageV01P325 ~~بعضهم يختلس بعضا من شوارع الطرق إلى الخرابات، فيطبخ منه ما شاء من ~~الپاچات «1». # وحرمت الأسمان على الناس لكثرة ما صهر عليها من لحوم البشر، فبيع في ~~الأسواق. # وقبض على أقوام بلا عدد كانوا يغتالون السابلة، فيصهرونهم على هذه ~~الجملة، ووجد في دورهم ما يغمر العد من رؤوس الناس قد أكلت لحومهم، وصهرت ~~شحومهم. فأما الكلاب والسنانير فلم يبق منها إلا العدد اليسير. وهاب أوساط ~~الناس وأرباب الحرف أن يخترقوا وقت العشاء محلة نائية «2» عن واسطة البلد، ~~إلا في عديد، وسلاح حديد. # وذكر أن فقيها وجيها من أصحاب الحديث دخل على الإمام أبي الطيب سهل بن ~~محمد بن سليمان الصعلوكي فسأله عن تطاول عهده به، فقال: ليأخذ الإمام عني ~~أحدوثة عجيبة رد الله تعالى «3» [177 ب] بها «4» علي روحي، فضلا منه جسيما، ~~وصنعا كريما، وذلك «5» إني جعلت أمر ببعض العشيات وحيدا في شارع- أشار ~~إليه- فلم يرعني إلا وتر صار في ms177 عنقي، وجذبت به جذبة ضيقت علي مختنقي، ~~فبينا أهم بمواتاة الجاذب، ومداناته للسلامة على ضيق «6» التخنيق، إذ وثبت ~~إلي من بعض تلك الأوبات امرأة، فضربت أنثيي بركبتها «7» ضربة سقطت منها ~~مغشيا علي، فلم أشعر بعدها بشى ء من مصارف أموري، إلى أن أفقت عن الحس ببرد ~~ماء رش على «8» وجهي وترائبي، فنظرت إلى قوم أجانب PageV01P326 ~~يخادعونني عما دهاني، ويكاتمونني صورة ما عراني، فإذا هم ساعة وجبتي «1» ~~لجنبي، أدركوني عائدين إلى منازلهم، فهرب منهم من أشفى على قتلي، واستباحة ~~دمي، وتركني برمقي «2»، وخلى الوتر في عنقي، فصرت ساعة إلى أن استوفيت ~~الإقامة، واستعدت القوة والطاقة، وعدت إلى المنزل، وسقطت من هول ذلك المصرع ~~على الفراش عشرين يوما مدهوشا مبهوتا، وحرضا مسبوتا «3» إلى أن من الله علي ~~بأوائل الإقبال، وزوال أكثر ما مسني من ألم الاعتلال، فبكرت يوم أحسست ~~بالخفة إلى المسجد [178 أ] لإقامة الفرض، وصعدت المئذنة على الرسم، فلم ~~أستتم التكبير حتى اختطف عمامتي من رأسي وهق «4» أراد صاحبه به رقبتي ~~فأخطأها لما أراد الله من إنساء أجلي، واستبقاء مهلي، فعدلت عن الأذان إلى ~~الصياح بطلب الأمان، وجعلت لله علي بعد ذلك أن لا أخرج مدة هذه الفتنة من ~~داري إلا والشمس بيضاء نقية، وألا «5» أرجع إليها إلا وفي النهار بقية. ~~فهذه هي التي ثبطتني عن الخدمة، وأقعدتني عن الرسم في مشاهدة الجملة. فقضى ~~الحاضرون عجبا من تلك الداهية «6»، وسألوا الله تعالى حسن السلامة والعافية «7». # وحكي عن الأستاذ أبي سعيد عبد الملك بن عثمان الواعظ «8»، أحد الصالحين ~~من عباد الله الموقنين «9»، والساعين في مصالح المسلمين أنه نقل إلى دار ~~كان يسكنها PageV01P327 ~~المرضى والزمنى من الفقراء وأبناء السبيل، في يوم واحد من أيام هذه السنة ~~أربعمائة ميت عن برح الجوع والمخمصة، على أن يوعز بتكفينهم ودفنهم، فأتاه ~~خبازه الذي كان يقيم جرايات المذكورين من جهته، وهو في حيرته «1» يذكر أنه ~~قد بقي في هذا اليوم بعينه مما كسد على البيع أربعمائة من خبزا «2»، فسبحان ~~من يقضي على من [178 ب] يشاء ms178 بالفناء مع إمكان الأقوات، ووجود «3» ~~الكفايات. # وقد أكثر الناس في ذكر ذلك «4» الغلاء والبلاء «5»، فمنه قول أبي منصور ~~الزاوهي «6» الكاتب: # قد أصبح الناس في غلاء ... وفي بلاء تداولوه # من يلزم البيت يؤد جوعا ... أو يشهد الناس يأكلوه # ولأبي محمد العبدلكاني الزوزني «7»: # لا تخرجن من البيوت ... لحاجة أو غير حاجة # والباب أغلقه عليك ... موثقا منه رتاجه # لا يقتنصك الجائعون ... فيطبخونك شورباجه «8» PageV01P328 ~~وأمر السلطان يمين الدولة وأمين الملة بالكتب إلى عماله بصب الأموال «1» ~~على الفقراء والمساكين، فاستبقى الله بها مهجات قوم قد أشرفت على الهلاك، ~~وافتكهم من حنك «2» الاحتناك، وبقيت «3» تلك السنة على حالها إلى أن أدركت ~~غلات سنة اثنتين وأربعمائة، فمن الله بإزالة تلك الشدة، وإطفاء تلك النار ~~المتقدة «4»، وتدارك عباده بعد استحكام اليأس منهم بالغيوث الهامية، ~~والريوع الزاكية النامية، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم «5». ### | ذكر ما أفضت إليه أحوال الخانية بعد معاودة ما وراء النهر # قد كان السلطان يمين الدولة وأمين الملة بعد انكشاف عسكر «6» [179 أ] ~~الترك عنه يراعي ما يسفر عنه تدبير أيلك الخان، وأخيه الكبير طغان خان، إذ ~~كان أخوه يمالى ء السلطان عليه لأيمان يزعم أخيه لزومها إياه، ومواثيق يدعي ~~انعقادها عليه، ويظهر البراءة على ألسنة رسله من فعلات أخيه «7» أيلك في ~~منابذته ومكاشفته، والتخطي إلى حدود مملكته. ويورك «8» أيلك «9» الذنب عليه ~~في إغرائه بما أتاه، ومكاتبته في البعث على ما جناه. ولما ظهر لأيلك أن ~~أخاه طغان خان قد جعله عرضة للجناية، وقلده طوق تلك المكاشفة براءة منه ~~«10»، وخذلانا إياه، وشقا لعصاه، وإسلاما له بما كسبت يداه، رأى أن PageV01P329 ~~يبتدى ء به، فيحسم داء قرابته، ويغسل بسيفه وضر جنايته. فجمع جيوش ما وراء ~~النهر لقصده، واستدفاع مكره «1» وغدره. وسار حتى إذا جاوز أوز كند نحوه، ~~سقطت ثلوج سدت عليه مسالك العقاب المفضية إليه، فارتد عن وجهه إلى قابل ~~«2»، حتى طاب الهواء، وانحسر الشتاء، وخفت «3» الأنداء، فكر عائدا على ~~ثأره، لفت المشير ms179 موهنا بناره «4». وكان ورد رسلهما في التنازع الذي تقدم ~~ذكره، فتراجعا القول في البراءة عن جناية العبور، وإحالة بعضهم على بعض في ~~نقض [179 ب] المواثيق والعهود، فخلاهم السلطان في لغط «5» القول، حتى وصلوا ~~بحر النفار «6» إلى برد الاشتفاء. وأراد السلطان يمين الدولة وأمين الملة ~~بعد ذلك قراهم، فأمر بتعبئة جيوشه، وتغشية فيوله، فرتب العسكر سماطين عن ~~جنبتيه في هيئة لو رآها قارون، لقال: يا ليت لي مثل ما أوتي محمود، إنه لذو ~~حظ عظيم. # وصفة مقامه أنه اصطف من غلمانه على التقابل قرابة ألفي غلام من عقائل ~~الترك في ألوان الدبابيج من بين سود وبيض وحمر وخضر «7» وكهب «8» وصفر. ~~وفيما [يقرب من موقفه] «9» خمسمائة غلام من خاصته على ترتيبهم في مثقلات ~~الروم، بمناطق من ذهب PageV01P330 ~~مرصعة بالجواهر، وأعمدة [من جنسه فوق الأكتاف و] «1» العواتق، وقد أطاف بهم ~~من عظام الفيلة «2» أربعون فيلا على المحاذاة، غواشيها دبابيج الروم بعصا ~~[ئب ومعاليق من] «3» الذهب الأحمر، المرصعة بكل جوهر ثمين، وياقوت وزين. ~~ووراء السماطين سبعمائة فيل في تجافيف مشهرة «4» بألوان، متسورة بالحراب ~~والمران. وعامة العسكر في سرابيل قد كدت القيون «5»، وردت عن اجتلائها ~~العيون. ورتب «6» الرجالة أمام الخيول في الترسة الواقية، والجنن الحامية، ~~والسيوف المرهفة، والعوامل المختلفة. وقام بين يديه [180 أ] حجابه كالبدور ~~في ظلم الديجور، قابضين على قبائع سيوفهم، هائبين قدره، وناظرين أمره. # وأذن لهؤلاء الرسل على هذه الهيئة حتى لقوه، وأقاموا «7» من رسم الخدمة ~~ما افترضوه. ثم عدل بهم إلى الموائد في دار قد فرشت بما لم يحك غير الجنة، ~~مزينة للمتقين، معرفة للعارفين. وفي كل مجلس دسوت «8» من الذهب الأحمر بين ~~جفان كأحواض، وأطباق كبار قد نضد بها من صدره إلى قدمه بما يشاكله من ~~الأواني الفائقة، والآلات الفاخرة الرائقة. وهيى ء لخاص مجلسه طارم «9» قد ~~جمعت ألواحه وعضاداته بضباب «10» الذهب، وصفائحه وثقت «11» بمسامير من ~~جنسه، وفرش من الدبابيج المثقلة بما PageV01P331 ~~لا تدرك الأبصار منه غير حمرة الذهب، وفي الصدر منقلة مقسومة ببيوت مضلعة ~~ومستديرة، يشتمل كل منها ms180 على نوع من الجواهر التي أعيت أمثالها أكاسرة ~~العجم، وقياصرة الروم، وملوك الهند، وأقيال العرب. وحوالي المجلس أطباق ~~ثخان من الذهب مملوءة بالمسك الأذفر، والعنبر الأشهب، والكافور العطر، ~~والعود العبق، وهلم جرا إلى ما يملأ الأبواع «1» والأيدي من أترجات [مصوغة، ~~ونارنجات] «2» مصنوعة، وما يشبه الفواكه من عقيان وبذخش «3» وبهرمان «4»، ~~إلى أوان [180 ب] لم يسمع بمثلها رقة أجسام، ودقة صنعة وإحكام. # وطاف على الرسل ولدان كالدر المنثور «5»، واللؤلؤ المكنون، براح كالماء ~~المعين، ورضاب الخرد العين، إلى أن أشفقوا من عثرات العقول «6»، فاستأذنوا ~~للقفول، وصرفهم السلطان يمين الدولة وأمين الملة بعد هذه المأدبة، ورآهم ~~بما أوجبته همته من تحقيق أمانيهم، ورعاية حق الصلح «7» فيهم. وبقي الأخوان ~~على جملتهما في المنافرة والمناورة «8»، والمكاوحة والمكافحة، إلى أن توسط ~~السفراء بينهما، ففصلوا الأمر على ما كف كلا منهما عن صاحبه، على ما سنورد ~~ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. PageV01P332 ### | ذكر فتح قصدار # قد كان السلطان يمين الدولة «1» وأمين الملة يراعي ما يتجدد من أخبار ~~الأخوين أيلك وطغان خان فيما تنازعاه من الأمر، فلما بلغه اشتجار ذات ~~بينهما، استخار الله في قصد قصدار إذ كان صاحبها قد ألم بجانب المجانبة، ~~وأخل بحمل مال المقاطعة، اعتزازا بمناعة مملكته، واغترارا بحصانة «2» الطرق ~~المفضية إلى حلته. # وفصل السلطان عن غزنة إلى بست [في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة] ~~«3» موريا «4» بقصد هراة، حتى انتشرت الأخبار بعزمه، واستفاضت الأحاديث ~~بظاهر أمره. ثم [181 أ] ركض إلى ناحية قصدار في المغلب الغلب «5» من رجاله، ~~ركضة طوت تلك الجبال الوعرة، والمسالك الصعبة، فلم يشعر صاحب قصدار إلا ~~بغلمان السلطان حول داره، قبل أن يكتحل بضوء نهاره، أو يحفل «6» بشد «7» ~~إزاره. فنادى الأمان الأمان، وبرز فخدم السلطان. وألزمه السلطان [ب] خمسة ~~عشر ألف ألف درهم من جملة ما كان ألظ «8» به من أموال عمله، فالتزمها، ونقد ~~أكثرها. # وقبض السلطان على عشرين فيلا ضخاما «9» هائلة كان اعتقدها «10» ليومي بؤسه PageV01P333 ~~وبأسه. ووكل به من استوفى المال عليه، ورجع عنه بعد أن رعى حق «1» طاعته ms181 ~~وضراعته باستخلافه على ما كان يليه، وبسط يده في أطراف عمله ونواحيه. [ورجع ~~عنه] «2» إلى غزنة ظاهرا نجحه، فائزا قدحه، واريا زنده، عاليا يده «3»، ~~صنعا من الله تعالى لمن يجتبيهم من خيار خلقه لعمارة أرضه، وإنارة حقه، ~~والله يعطي ملكه من يشاء والله عزيز حكيم. ### | ذكر الشارين «4» الوالد أبي نصر [محمد بن أسد] «5»، والشاه ابنه محمد «6» وما أفضى إليه أمرهما # قد كان يلقب كل من يلي أمر غرشستان بالشار سمة مصطلحا عليها [181 ب] تنبى ~~ء عن معنى التمليك، ورتبة الإجلال والتعظيم. وكان الشار أبو نصر واليها إلى ~~أن أدرك ولده الشاه وفيه لوثة مشهورة، فغلبه على الأمر بقوة شبابه، ~~واستظهاره بمن شايعه من أصحابه، فاعتزل أبوه مخليا بينه وبين ما كان يليه، ~~ويتفرد بالنظر والتدبير فيه، ومقتصرا على دراسة الكتب ومطالعة الأدب، إذ ~~كان بها مولعا، وبلذتها دون سائر اللذات مقتنعا «7». # وكان منتجع الأفاضل من أعماق البلاد، ينتابه منهم كل مبدع خطا وبيانا، أو ~~مبدع به بلوى وامتحانا، فلم ينشب بعد أن ينتابه ويشهد بابه حتى يستخصب ~~جنابه، ويستجزل بره وثوابه. # وكان صاحب الجيش أبو علي محمد بن محمد بن سيمجور لما افتتح باب الاستعصاء ~~على الرضا نوح بن منصور رام أن يستضيف ولاية الغرش إلى ما يليه، وأن PageV01P334 ~~يجد من جانب الشارين طاعة له في أوامره ونواهيه. فأظهرا «1» التمرد «2» ~~عليه كراهة لاختياره على أرباب الملك الذين أعطوهم المقادة قديما، وسلموا ~~لطاعتهم «3» تسليما، وإدلالا «4» بحصانة صياصيهما [182 أ] وقلاعهما، ومناعة ~~حواشيهما وأشياعهما، ومحاماة للرضا «5» على حقوق طاعتهما وسوابق حرماتهما، ~~إذا «6» هم أبو علي [بمنازعتهما ملكا ورثاه، أو طمع في فضل مال اقتنياه، ~~فلم ينهنه «7» أبو علي] «8» أن جرد إليهما أبا القاسم الفقيه- أحد أنياب ~~دولته وأركان دعوته- في جيوش كثيفة، وخيول على الآلاف منيفة، فناهضهما في ~~عقر دارهما، متوقلا «9» إليهما فوارع تصافح السماء، وشوامخ تناطح الجوزاء، ~~ومتوغلا مخارم تمرد على السلوك مرود السموم على غلاظ السلوك «10». يناجزهما ~~في تلك المقامات التي يدار «11» عندها بالرؤوس، ويغشى على النفوس، ويلجئهما ~~من مضيق إلى ms182 مضيق، ويفجعهما «12» بفريق بعد فريق، حتى أجلاهما عن قرارة ~~بيتهما «13» إلى قلعة «14» PageV01P335 ~~ورثاها «1» أباهما «2» في أخريات هاتيك الجبال، تزل عن أعاليها أقدام ~~الغيوم، وتحلق دون مبانيها «3» كرام الطيور. # وملك عليهما حصون «4» جبالهما، وسهول ديارهما ومحالهما، يجبيها ويتتبع ~~«5» ما ينسب إلى كل واحد منهما فيها، إلى أن صمد الأمير ناصر الدين سبكتكين ~~صمد أبي علي فاسترد أبا القاسم الفقيه شغلا بالبازل «6» القرم عن الثني ~~«7»، وبالعقاب المنقض عن «8» الكركي، و[علم] أن قد أتى «9» الوادي فطم على ~~[182 ب] القرى. # وانضم «10» الشاران إلى الأمير سبكتكين في نصرة الأمير الرضا «11» نوح بن ~~منصور «12»، فانتقما من أبي علي حين «13» ولى هزيما، وتعرى عما تولاه ~~واقتناه حديثا وقديما، وأجفل «14» نحو جرجان لا يملك رأيا ولا عزيما. ولم ~~تزل بعد ذلك حالهما على جملتهما في الأمنة والسكون، والجاه المصون، إلى أن ~~ورث السلطان يمين الدولة وأمين PageV01P336 ~~الملة خراسان حكما لله في أرضه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين «1». # ولما أذعن ولاة الأطراف للطاعة، والتزام حكم التباعة، وإعطاء صفقة البيعة ~~وفرع المنابر بإقامة الخطبة، وكلهم سمع وأطاع، وبذل في الخدمة والقربة ~~المستطاع، أنهضت إلى الشارين في أخذهما بإقامة الخطبة له أسوة أمثالهما من ~~ولاة الأطراف وضمناء الأعمال، فتلقياني بمفروض «2» الطاعة، والحرص على ~~الاقتداء بالجماعة، وأمرا بالخطبة، فأقيمت باسم السلطان بكورة «3» الغرش في ~~شهور سنة تسع وثمانين وثلثمائة. # وورد على الشارين كتب المنحازين إلى بخارى عن هزيمة [183 أ] مرو يذكرون ~~أنهم على الاستعداد والتجرد للمعاد «4» فلينظراهم عن قريب، وليأخذا من ~~الانتصار ودرك الثأر بنصيب، فبعث الشار أبو نصر بها إلي درج رقعة أفردني ~~بها يسألني تأملها وإنفاذها بأعيانها «5» إلى السلطان ليقرر حاله في ~~الموالاة، ومخالفة ذوي المناوأة «6» والمعاداة، فكتبت إليه في جواب رقعته: # «تأملتها- أطال الله بقاء الشار- فوجدتها تدل على خدود قد عمل فيها صيقل ~~الوقاحة، كمجدل «7» يتوعد صاحبه بأن يضرب فكيه إن لم يكف عنه كفيه، وما نحن ~~في هذا المعنى وفيما أولى الله مولانا السلطان من الحسنى إلا كما قال ~~المتنبي: # ولله سر في علاك وإنما ms183 ... كلام العدى ضرب من الهذيان «8» PageV01P337 ~~وأما قولهم: إنا على الانتصار وطلب الثأر، ف تلك أمانيهم قل هاتوا «1» ~~برهانكم إن كنتم صادقين «2». على أنا نقول: # لئن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في القابل # فإن الحسام الخضيب الذي ... قتلتم به في يد القاتل «3» # فإن قالوا: كان «4» العود أحمد، فذاك «5». ولكن «6» لمن حمد البدء «7» لا ~~لمن [183 ب] ذم، وصادف فيه ما سر لا ما ساء وغم، وقد رأوا في بدء «8» ~~لقائهم كيف شرقت السيوف بدمائهم، وتحكمت النسور في أشلائهم، فإن نشطوا ~~ثانية فهاتيك الصوارم ماضية، والقشاعم ضارية، وما أشبه حال القوم بما قام ~~به «9» ابن الأشعث «10» خطيبا في قومه، فقال: # يا قوم، إنه ما بقي من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الوزغة «11»، تضرب به ~~«12» يمينا وشمالا فما تلبث أن تموت، وكذا المصباح إذا قارب انطفاؤه «13» ~~توهج قليلا، ثم لم يغن ذلك من حينه فتيلا. # فالحمد لله الذي جعل سيوف مولانا تخطب على منابر الرقاب، إذ جعل ألسنة PageV01P338 ~~أعدائه تخطب فوق أسرة الأذقان، وإليه الرغبة في أن يطيل بقاء مولانا ما «1» ~~طلع يوم من حجاب أمس «2»، وطلع نفس من قرار نفس، منصورا على من نابذه ~~وناوأه، ليودعه من بطن الأرض ملحده ومثواه، وعن كثب سيرى الشار كيف يفعل ~~الله بالغاوين، ويلبسهم خزي الباغين، ويردهم أسفل سافلين «3»، وقبل وبعد ~~الحمد لله رب العالمين «4»» «5». # فكان الأمر على ما حدست وتفرست، فإن أيلك انحدر إليهم، فملك عليهم دار ~~الملك ببخارى [184 أ] وأخذ معظم القوم أسارى، وشرد الباقين في الأرض حيارى. # نعم، وطالعت الحضرة بصورة أمر الشارين في الطاعة، حتى حظيا من الإكرام ~~بما توقعاه، وحليا من الإعزاز والإكبار «6» بأكثر «7» مما تطلعاه. وحضر ~~الخدمة بعد ذلك الولد المعروف بشاه شار، فصادف ما استحقه من ترحيب وترتيب، ~~وحظ من الإيجاب والإيثار رغيب. # وغبر مدة على هذه الجملة، وهو بين نخوة الاغترار بسمة الملك ولوثة في ~~الطبع قلما «8» يسلم «9» أمثالها عند الملوك من «10» الهلك، وهو على كل ذلك ~~محتمل، وبلطف القبول والإقبال مقتبل. واستأذن من بعد ms184 للانصراف وراءه «11»، ~~فصادف إذنا بالمبار الكريمة PageV01P339 ~~مشفوعا، وإلى الخلع الشريفة فوق الهمة المنيفة مجموعا، وعاد إلى أفشين «1» ~~قرارة بيته ومثابة عزه، إلى أن عنت للسلطان غزوة أحب أن يحتشد لها فضل ~~احتشاد، ويستظهر فيها بما حواه «2» من قوة وعتاد، وأمراء جيوش وقواد. وأمر ~~بالكتاب إليه في استنهاضه أسوة أمثاله، ثقة بخصوص حاله وثمرة ما أفاض عليه ~~من سجال أفضاله، فلز به الخذلان [184 ب] عن المكان، ولقنه معاذير واهية ~~الأركان، وظل يتردد بين الحران «3» والإذعان، إلى أن حقت عليه كلمة ~~العصيان، فأعرض السلطان عند ذلك عن تدبيره، وأقبل على ما أهمه من أمر ~~مسيره، حتى إذا دان له ما قصد، وظفر بمن كند «4» و«5» تمرد، و«6» عاد ~~بالفتح خافقا لواؤه، والنجح شارقا ضياؤه، جدد مكاتبته إيمانا له من خيفة إن ~~أوجسها، وإيناسا «7» من وحشة إن لابسها، واستبقاء للصنعية عنده من أن يختضد ~~أشاءها، أو يقتطع دون الماء رشاءها، فلم يزدد إلا نفورا وكفورا «8»، وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا. وعند ذلك جرد السلطان حاجبه الكبير أبا سعيد ~~التونتاش، وفتاه والي طوس أرسلان الجاذب فيمن ضمهم «9» إلى جملتهما، ورسم ~~لهم «10» المسير تحت رايتهما لمناهضة الشارين، وامتلاك الغرش «11» عليهما، ~~وإحاقة وبال العصيان وكفران الإحسان بهما. فنهضا في العدة والعديد، PageV01P340 ~~والبطش الشديد، واستلحقا «1» أبا الحسن المنيعي «2» الزعيم بمرو الروذ ~~لمكانه من العلم بمعاطف تلك السبل، ومخارم تلك الشعاب والقلل، فسارا إليهما ~~في رجال قد [185 أ] كدمتهم «3» التجارب، ونيبتهم النوائب، يعجمون بأطراف ~~الثنايا على الزبر، ويدخلون ولو خرت الإبر. ودمرا على الشارين تلك الناحية، ~~فأما الشار الكبير الوالد أبو نصر فاستشف أستار العاقبة، واغتنم شعار ~~العافية، ولاذ بالأمان إلى الحاجب الكبير «4» التونتاش مظهرا البراءة من ~~فعل ولده، وصادعا بما اشتهر في الخاص والعام من عقوقه وتمرده، وتحمل ~~بشفاعته إلى السلطان في ملاحظته بعين من لم يرتكب جريرة، ولم ينغل سريرة، ~~ولم يبدل في الطاعة والإخلاص سيرة. فحدره إلى هراة بين ترفيه اقتضته طاعته، ~~واحتياط أوجبه خلاف الابن وممانعته. وكتب بحاله إلى السلطان، فورد في ms185 ~~الجواب ما آمنه رهق المؤاخذة وعنت المعاقبة. # وأما ابنه الشاه فتحصن بالقلعة التي أواها أيام السيمجورية، وهي التي سبق ~~وصفها في عزة الجوانب، ومناعة المناكب، وصعوبة المصاعد، والسمو على متون ~~الغيوم الرواكد. واستصحب إليها خواص غلمانه وحزانته «5»، وسائر حاشيته ~~وبطانته، فقصده الحاجب [185 ب] أبو سعيد التونتاش «6» وأبو الحارث أرسلان ~~الجاذب في الجم الغفير من أعيان القواد وأبطال «7» الأفراد، وتقاسما أركان ~~الحصار قذفا بالمجانيق المنصوبة، والعرادات الموضوعة، ومناوشة للحرب من ~~جهات كادت حشاشات النفوس PageV01P341 ~~من هول المقام أن تذوق كؤوس الحمام قبل ذوقها بوقع السيوف والسهام. # وواصلا صبوح تلك الحروب بالغبوق، حتى هدما أحد أسوار الحصار، فوضعاه ~~بالحضيض من وقع الجلاميد وصدم المجانيق. وتسلقها أهل العسكر منحين على سائر ~~الأسوار كالعصم «1» واقلة في شم الهضاب، أو الأرانب هاربة من غضف «2» ~~الكلاب. # واشتبكت الحرب على تلك الحال ضربا بالسيوف القواضب، وأخذا باللحى ~~والذوائب، حتى سالت المذانب من دفع النحور، واحمرت المتالع من علق الصدور. ~~ورأى «3» الشاه عند ذلك من هول المطلع ما لم يكن ثم كان، فدعا الأمان ~~الأمان. هيهات، إن غضاب النفوس إذا صادفت نجح المرام ووجه التشفي بالانتقام ~~لموقورة «4» الآذان، أو تفعل أفعالها، وتنال من درك الثأر منالها. وما زالت ~~تلك دعواه وهذه حالهم [186 أ] حتى أخذوه أسرا، واستنزلوه عنوة وقسرا، ~~واستبيح ذلك الحريم بما حواه من درهم ودينار، ومال واستظهار. # وأخذ حاجبه ووزيره، بل نديمه وسميره، بل قليله وكثيره، فوضع عليه الدهق ~~«5» حتى أعفى بما عرفه من ذخائره، وخبره من ودائعه، وحلب عامة أوليائه ~~وعماله والمتصرفين «6» في أمور أمواله، حتى عروا عن لباس اليسار، وعزت ~~أخلافهم دون الاستدرار. وقوطع أبو الحسن المنيعي «7» عن ارتفاعات الغرش «8» ~~على ما علم ارتفاعاته منه قبل للشار، PageV01P342 ~~فتمكن منها، واستخلف هناك من تقوى يده في عمله، وشحن الحصار بكوتوال «1» ~~يوثق بأمانته وجلده، وبعث السلطان بعض خواص غلمانه «2» لنقل الشار المأسور ~~إلى حضرته، على سبيل إرفاق له من جهته، فلما سلم إليه، حمله في وثاقه نحو غزنة. # وسمعت بعض الثقات أنه اتفق للغلام ms186 أن يكتب إلى أهله بخبره، وما لقيه في ~~حالتي ورده وصدره، ويبشرهم بمنصرفه، فاستدعى الشار في عقاله، وأمره بتولي ~~«3» ذلك بخط يده، فأنعم تفكرا، ثم أظهر تشكرا، وكتب ما هذا معناه: # «أيتها القحبة الرحبة «4»، أترينني أغفل عما أحدثته [186 ب] بعدي من ~~خيانتي في الفراش؟! وتمزيق ما خلفته عليك من مالي وتمحيقه في كل [أنواع ~~الفساد. لقد أنهي إلي جميع ما ركبتيه من فجور، وشربتيه من خمور، وضيعتيه من ~~مالي] «5» في كل منكور ومحظور. وها أنا عائد إليك، وأيم الله لأضعن عليك ~~الدهق وعلى والديك، ولأدقن يديك على رجليك، ولأجعلنك عظة لربات الخدور في ~~الدور، يا كذا وكذا ... ». # واستأنف الشتم حتى علم أنه قد اكتفى واشتفى. ثم طوى الكتاب ودفعه إلى ~~الغلام فطير به بعض ثقاته، فقامت القيامة على أهله، وخفن عدوا سعى بهن، ~~وحرف من صورتهن، وفكرن في أمورهن «6»، فوجدن أصوب الآراء تفريغ الدار، ~~وتقديم الاستتار. # وفعلن ذلك دائبات «7» على القلق، ثابتات «8» على الجوى والأرق. فلما وصل ~~الغلام إلى PageV01P343 ~~الدار، فإذا «1» هي كالقاع القرق «2» لا يلم بها نافخ ضرمة «3»، ولا معلق ~~وذمة، فبقي حيران وسأل الجيران، فأخبروه بصورة الكتاب، وما خيف من الفضيحة ~~بالعقاب، فدعا وا ويلاه، ولعن [الكاتب ومن والاه، و] «4» الكتاب ومن أملاه. ~~واحتال في رد العيال بضمان أكده، وإحسان جدده. # وبلغ الخبر السلطان، فضحك لا حتيال الشار عليه، وقال: كذا حق مثله ممن ~~يستخدم الشار «5» كاتبا، ووضع حرمته بالأمس جانبا. ولما حمل هو إلى «6» ~~الباب، تقدم السلطان بتجريده للسياط تأديبا له على ما [187 أ] أغفله من حق ~~النعمة، وهتكه من ستر الحشمة، فجرد لها، وأخذته عذبات العذاب، فأكثر ~~الضراعة والاستكانة، وشكا الذل والمهانة. فلما استوفى التأديب حقه، دون أن ~~يبلغ النكير منتهاه، والعقاب أمده ومداه، أمر بإنزاله، واعتقاله في موضع ~~يصلح لأمثاله، وأمر بمواساته والتوسيع عليه في أقواته، [ومداواة جراحاته] ~~«7» من حيث لا يشعر بإذنه فيه «8»، وفيما أباحه له من الترفيه، كرما سرى في ~~تضاعيف مزاجه ولا سراية «9» الخمر في عروق البشر، والماء في أصول ms187 الشجر. # والتمس إسعافه بغلام «10» كان حظيا عنده، فرد عليه، وأعيد بعض ما يصلحه إليه. PageV01P344 # فأما أبوه المقيم بهراة فأذن له في ورود الباب، ولوحظ بعين الإيجاب. وابتاع ~~السلطان منهما خاص ضياعهما بالغرش «1» حلا لها عن عقدة السرية «2»، ~~واستضافة إياها إلى جملة ضياعه الملكية، وأمر لهما بأثمان ما باعاه «3» ~~نقدا، صيانة لهما من مس الفاقة وذل الحاجة. # ورفرف الشيخ الجليل «4» على الشار أبي نصر بجناح الإكرام والرعاية، حتى ~~أتاه الداعي «5»، وقام «6» به الناعي، وذلك في سنة ست وأربعمائة. ### | ذكر وقعة ناردين «7» # قد كان السلطان يمين الدولة وأمين الملة لما استصفى نواحي الهند إلى حيث ~~لم تبلغه في الإسلام راية، ولم تتل بها قط سورة أو آية، فرحض عنها أدناس ~~الشرك، وقشع دونها أغباش الكفر، وبنى بها مساجد يقوم فيها دعاة الله ~~بالأذان الذي هو شعار الإيمان، رأى أن يطوي تلك الديار إلى واسطة الهند ~~منتقما لله ممن يجحد توحيده، ويضع لعبادة الأنداد من دونه تعالى خده و«8» ~~وريده، ومحكما فيه سيوفا طبعت على غرار «9» الإسلام، وسقيت بماء الإيمان، ~~وصينت في قراب دين الله، وانتضيت «10» بأيدي الأخيار والأبرار من أولياء ~~الله. فندب الرجال، وفرق الأموال، وأخلص اليقين، واستنصر الواحد المعين. PageV01P345 # ونهض في الطم والرم، والليل المدلهم، [وذلك في سنة أربع وأربعمائة] «1». # وسار في أخريات الخريف ثقة بطيب الهواء من جانب الجنوب، فاتفق عند ~~اقتحامه تلك الديار أن سقطت ثلوج لم يعهد قبلها مثلها، فسدت مخارق تلك ~~الجبال، وسوت بين الأباطح والتلال، وكلح وجه الهواء كلوحا أثر في الحوافر ~~والأخفاف، فضلا عن المحاسر «2» و[188 أ] الأطراف، وضلت مهايع «3» الطرق فلم ~~تعرف الميامن من المياسر، ولا المقادم من المآخر. واضطرت الحال إلى ~~الانعطاف إلى أن يأذن الله ثانيا في الانصراف، ولكل شي ء حد محدود، وأمد ممدود. # وأقبل السلطان على استئناف «4» العدة والعتاد، واستكمال الميرة والأزواد، ~~واستدعاء «5» أعيان الغزاة من أطراف البلاد، حتى إذا تمت العدة والعديد، ~~وباهى العقد بأخواته الفريد، وتضام الناس كقزع «6» الخريف من كل وجه ~~منشورا، وعن كل أوب محثوثا ومحشورا، ms188 وأقبل الربيع بطيب المقيل، واعتدال برد ~~الغداة والأصيل، استخار الله في الرحيل، وسار كالبحر الأخضر تضربه ~~الأعاصير، والأمر الحتم تجنبه المقادير. فغدت وحوش الأرض مأسورة، وطيور ~~الجو مقهورة، ولو أحست الأرض لرنت من ثقل الحديد، والمشي الوئيد. وحث ~~الأبطال فوق القب القياديد «7»، وساق أمامه أدلة «8» يهتدون «9» PageV01P346 ~~أعماق تلك البلاد، ولا الشمس عليها طالعة، ولا النجوم بينها «1» مستقيمة ~~وراجعة. وحث الركائب شهرين بين أنهار عميقة الأغوار، بعيدة ما بين الأقطار، ~~وبواد تضل في أرجائها أسراب اليعافير، وتحار في دهنائها «2» أفواج ~~العصافير، حتى إذا قارب المقصد [188 ب] عبأ الخيول كتائب، وميزها عصائب، ~~ورتبها كواكب، وقسمها مناسر ومقانب. ونصب أخاه الأمير نصر بن ناصر الدين في ~~الميمنة في كماة القواد، وحماة الأفراد. وأرسلان الجاذب في الميسرة في ~~البهم الذكور، والبزل الفحول. وجعل أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي ~~على المقدمة في مساعير العرب، أحلاس الظهور، وأبناء الصوارم الذكور. ورتب ~~في القلب الحاجب التونتاش وسائر خواصه وغلمان داره، رجال إذا اصطفوا ~~فالجبال الشواهق، أو زحفوا فالسيول الدوافق. ونذر بهم عدو الله ملك الهند، ~~ففزع من فاجى ء الفزع إلى من حوله من تكاكرته «3»، وأعيان جيوشه وناصرته، ~~ولجأ إلى شعب جبل لحج «4» المدخل، خشن المتوغل، صعب المرتقى والمتوقل، ~~مستعصما بالاحتجاز عن البراز، وبالاحتراس من وقع البأس. وسد مفغر الجبلين ~~بفيلة له يراها الراؤون هضابا نابتة، وجبالا ثابتة. وبث النفير في أطراف ~~«5» مملكته يستنهض من يحمل حجرا، فضلا عمن يلقم القوس وترا، أو يحسن بالسيف ~~أثرا. ومد في طول المطاولة كي يلقى [عسكر السلطان] «6» بقوة وافية، وعدة ~~متوافية، أو يلجى ء أولياء الله إلى الإخلال من فرط الملال، أو النفور من ~~ضيق الصدور، ولم يعلم أن الله [189 أ] من وراء المؤمنين، وأن الله موهن كيد ~~الكافرين «7». PageV01P347 # ولما علم السلطان من نيته في إرجاء القتال وتأخير النزال، دلف إلى عدو الله ~~عز وجل «1» بقلوب قد صقلها التوحيد، وبشرها الوعد وأنذرها الوعيد، ورماهم ~~بالصيلم «2» من رجالة الديلم، وبالشياطين من الأفغانية المطاعين، رجال ~~كالآجال مطوحة بالنفوس، ms189 مذللة للأعين الشوس، أو كالليوث «3» أخرجها الجوع، ~~وأعياها «4» إلى أشبالها الرجوع، ينفذون في الأسداد «5» نفوذ المثاقب في ~~العيدان، أو البيارم «6» في الحيطان، ويفرعون البواذخ كالوعول، وينزلون ~~عنها كمنحدر السيول. وواصلها عليهم أياما تباعا، يجذبهم بصدق البراز إلى ~~البراز «7»، جذب النار للسليط «8»، والمغناطيس للحديد، فكلما فارقوا تلك ~~المضائق، التقطهم الفرسان كما تلتقط الأفراس بيادق، ولم تزل هذه حالهم حتى ~~انضم إلى اللعين أكثر من والاه، ولباه معظم من دعاه، وعند ذلك «9» احتشد ~~للبروز مستندا إلى الجبل، من حوله الأفيال كالقلل، فجد المصاع، واحتد ~~القراع، وحمي الوطيس، واستوى المرؤوس والرئيس، وصار اللقاء كفاحا، فمن آخذ ~~بالتلابيب «10»، ومناقر كاليعاقيب «11»، ومضارب ما بين الرؤوس إلى ~~العراقيب، [189 ب] وكلما أشليت «12» الفيلة للتهويل والتفخيم، والحطم PageV01P348 ~~بالأظلاف والخراطيم، مطرتها سحائب الزانات «1» متلوية كالأراقم، منسابة إلى ~~حدق العيون أو ثغر الحلاقم. ورأى الكافر موقع أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ~~الطائي من الغناء، وضراوته بإسالة الدماء، فانتحاه بأخشن من في جملته شوكة، ~~وأعظمهم شكة، حتى أثخنوه ضربا على الهام، وحطما من خلف وقدام، وهو كالحرون ~~ثابت لا يمل شرف مقامه، ولا يكل دون الضرب بحسامه، متسمحا بالروح في نصرة ~~الدين وطاعة رب العالمين. # ورأى السلطان إنحاء الكفرة عليه، فأمده بكوكبة من خواصه لا ستخلاصه، ~~فاستنقذوه إلى السلطان ممشوقا بالسيوف، منقوطا بالأسنة كالحروف، فأمر له ~~بفيل يستريح إلى سعيه عن ألم الجراح بجوارحه، فصار ملكا له يتميز به عن ~~أعيان أهل عسكره. # ولم تزل الحرب على حالها حتى أهب الله ريح النصر لأوليائه، وأدار دائرة ~~السوء على أعدائه، فأخذتهم سيوف الحق تحسمهم «2» بين كل مصاد ومنعطف واد ~~«3»، ومدخل ومغار، ومعتسف ومنار. وملكت عليهم الفيلة التي كانوا «4» أعدوها ~~حصونا واقية، فصارت عليهم عباقية «5» باقية. [190 أ] وأفاء الله على ~~السلطان وأوليائه غنائم رحضت الصدور عن رين «6» الحسد، لا شتراك الكافة في ~~الغنى المقصود، واستوائهم في كفاية الموجود. وفتح الله ناردين «7» فتحا طرز ~~به شعائر «8» الإسلام إذ لم تبلغه راية الحق من لدن عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى ms190 زمان السلطان يمين الدولة وأمين الملة، عزا كتب الله له على يده، PageV01P349 ~~وصنعا أتاح الله «1» التوفيق والتيسير له من عنده. # ووجد في بيت صنم «2» عظيم حجر منقور دلت كتابته على أنه مبني منذ أربعين ~~ألف سنة، فقضى السلطان من جهل القوم عجبا، إذ كان أهل الشريعة الغراء، ~~والحق المنزل من السماء، على أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنا منها في ~~الألف الأخير، وكل ما تساندت به الأخبار من أمارات الساعة موجود، وبأبصار ~~العيون وبصائر القلوب مشهود. واستفتى فيه أعيان الفقهاء و«3» العلماء، فكل ~~أجمع على إنكار [ما فهم من] «4» ذلك المنقور، وعلى تزييف مثلها من شهادات ~~الصخور. # وعاد السلطان وراءه بتلك الغنائم العظيمة، فكاد عدد الأرقاء من العبيد ~~والإماء يزيد على عدد الدهماء، ورخصت قيم المماليك فصار أصحاب المهن ~~الخاملة فضلا عمن [190 ب] فوقهم من السوقة يعتقدون عدة من تلك المماليك «5» ~~الروقة، وذلك فضل الله الذي أعز به الدين، وأذل الإلحاد والملحدين، والحمد ~~لله رب العالمين «6». ### | ذكر وقعة تانيشر «7» # كان قد «8» أنهي إلى السلطان يمين الدولة وأمين الملة أن بناحية تانيشر ~~«9» فيلة من PageV01P350 ~~جنس فيلة الصيلمان الموصوفة في الحروب، وأن صاحبها غال بها في الكفر ~~والجحود، وغير آل جهدا «1» في الطغوى والعنود، وأنه محتاج إلى ذوقة من ~~كأسه، وحرقة من جمرات بأسه، ليعلم أن عز الإسلام عام «2»، وأن له من سطوة ~~الله سهما كما لسائر أفيال الهند سهام. فعزم السلطان على غزوة إليه يرفع ~~بها راية الإسلام، وينسخ معها ولاية الأصنام، ويدع الكفر عليها مجبوب ~~الغارب والسنام. وسار في أولياء الله الذين قد نشأوا «3» على القراع، نشأ ~~الأطفال على الرضاع، وضروا بدماء الكفار ضراوة الصقور ببغاث الأطيار. وقطع ~~إلى المذكور أودية لم يقطعها غير طائر، أو حيوان عائر. وخرق سباسب لم يطأها ~~نعل ماش، ولا خف «4» حافر. # وجهدهم في تلك القفار علالات [191 أ] الشفاه، وبلالات الأفواه، فضلا عن ~~سائر الأقوات حتى صنع الله لهم بأن بدوا منها إلى فضاء يفضي إلى ناحية ~~المقصود، ودونه نهر صخاب، أرضه ms191 ظراب، وصفاح كظبي السيوف حداد، يلقي بشاطئه ~~شعب جبل قد استند إليه الكافر مستظهرا بفيوله، ومتكثرا بأفناء رجاله ~~وخيوله. واحتال السلطان لفتاك «5» عسكره، في مجاوزة النهر إلى أعداء الله ~~الكفرة الفجرة، حتى عبروه من طريقين، وشغلوهم باليأس «6» من كلا «7» ~~الجانبين. ومهما جد الكفاح بين الفريقين، أمر السلطان بحملة على الكفار في ~~مخاضات النهر الهائل، والماء الصخب الشائل «8»، PageV01P351 ~~تزعجهم عن طرف الساحل، وتقحمهم «1» أشداق تلك الشعاب والمداخل «2». # واشتدت الحرب ضربا بالخناجر في الحناجر، وبالقواضب في المناكب، وأولياء ~~الله في كل حال ظاهرون، والكافرون هم الصاغرون، حتى إذا كاد يهرم شباب ~~النهار، حمل المسلمون من جميع الجهات حملة أو جرت بهم لهوات تلك المخارم ~~مضطرين، فخلفوا الفيلة التي كانوا بها مغترين. وتبعها «3» أولياء الله ~~يردون الأعظم [191 ب] فالأعظم منها إلى موقف السلطان، فلم يفتهم إلا ما جد ~~به في الهرب، أو ضاق دون اقتناصه مجال الطلب، وصب من ماء أولئك الأرجاس ما ~~نجس به النهر الحاجز على طهارته، وامتنع من الشرب على غزارته. ولو لا أن ~~الليل ستر أثرهم، لا ستلحم القتل أكثرهم، صنعا من الله لدين بعث به رسوله ~~«4» المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الذين ارتضى، مظهرا له على الدين ~~كله ولو كره المشركون «5»، فهو على الازدياد إلى يوم التناد «6». # وانصرف السلطان بأولياء الله غانما موفورا، وظاهرا منصورا، ومحمودا كاسمه ~~مأجورا، وقد غنم ما يكل عن ذكره أنامل التحرير، ويضيق عن إثباته أدراج ~~الأضابير. # وتطايرت البشائر به «7» في الآفاق، وخفقت عليها أجنحة الغروب والإشراق، ~~والحمد لله رب العالمين، على عز الإسلام والمسلمين. PageV01P352 ### | ذكر الوزير أبي العباس الفضل بن أحمد وما انتهت إليه حاله إلى أن مضى لسبيله # قد كان الوزير أبو العباس الفضل بن أحمد من خاصة فائق الملقب بعميد ~~الدولة ومن كفاة بابه، وثقات أصحابه. وكان على البريد [192 أ] بمرو أيام ~~سالارية السلطان بنيسابور، فنمي إلى «1» ناصر الدين سبكتكين خبر قوته ~~وأمانته، فكتب إلى الرضا يستوهبه لوزارة السلطان، وكفاية أعماله، وتدبير ~~«2» أمور أمواله ورجاله «3»، فأوجب إجابته ms192 إلى ملتمسه، وخوطب بالبدار إلى ~~نيسابور على مقتضى مثاله، فاعتمده السلطان للوزارة، واستكفاه مهمات ~~الإمارة، بعد أن كان يرى مقام الشيخ الجليل شمس الكفاة «4» أبي القاسم أحمد ~~بن الحسن في الكفاية كتابة وحسابة، وأصالة وإصابة، وهداية ودراية، وحماية ~~وجباية، إذ لم يكن على طراءة «5» شبابه بين لداته «6» أغنى منه غناء، وأمضى ~~مضاء، وأذكى ذكاء «7»، وأدهى دهاء، غير أن الأمير سبكتكين جنى عليه في أبيه ~~عند اعتماده لوزارة بست وتدبير أعمالها وأموالها جناية سبق السيف فيها ~~العذل، إصغاء منه إلى عداته فيما شققوه فيه من رفيعة، ولفقوه عليه من سعاية ~~ووقيعة، فاستوحش منه استيحاشا من بادرة فعله. والمسى ء نفور، والقلوب عن ~~ذوي الإساءة صور «8». وكره السلطان الاستبداد على أبيه في انتصابه حسب ~~ارتضائه و[192 ب] استكفائه وفق المخبور من وفائه، طاعة له في اختياره، ~~واتباعا لفلك رأيه تحت مداره. PageV01P353 # وقضى الله بأن يكون ما يليه حتى يعترف خراسان «1» بأنه عذيقه المرجب «2» ~~وجذيله المحكك «3»، يتتبع ما يفسده الغير بالاستصلاح، ويستدرك ما أحرضته ~~أيدي الاجتياح، ويداوي كل حال بدوائه، ويرد غائر الماء إلى لحائه، فأجرى ~~الوزير أبو العباس الأمور مجاريها «4» على جملة لم يعرف فيها غير الجباية ~~والاستدرار، وقصد التوفير دون الاستعمار «5»، حتى جبى مالا عظيما، سنين ~~عدة. إذ كانت خراسان بعد مكسوعة بأغبارها «6»، لم تنتزف منها دواعي اللبن، ~~ولم ينتزع عنها كواسي السمن. فلما احتلبها انتزافا، واستنفد ما في ضرعها ~~إسرافا، ومن قبل ما قد حال بينها وبين خصب المراتع، وبرد الموارد والمشارع، ~~وضعت «7» له ما على ظهورها من فضول دسم، وسمحت بما وراء عظامها من نقي ~~مقتسم، حتى صارت من فرط الهزال والعجف، كالأهلة المحنية، بل الأخلة «8» ~~المبرية. # وتداعى بالخراب معظم الضياع، ووقعت القني بين القصور والانقطاع، وشرد في ~~البلاد أكثر الأكرة والزراع. فعندها أخذ الجار بذنب [193 أ] الجار، وألزم ~~القار مؤونة الفار، حتى تمت البلوى، وعمت الشكوى، وشملت خراسان نوائب ~~البؤس، وذهبت حرائب PageV01P354 ~~النفوس. وصدمتهم سنة القحط بعقبها «1»، فصار الغني محسورا، والمتوسط ~~مفقورا، والفقير مقبورا، وكان أمر الله ms193 قدرا مقدورا «2». # وبقيت في رقاب خراسان بقايا كل متعذر ومتكسر، وتاو «3» ومتحير، لو أذيبت ~~عن آخر فقرة منها لم يف ببعضها، فضلا عما جمعته أقلام الاستيفاء منها، ~~فأظهر السلطان ضجرا من نحير الأموال وتراجع الارتفاعات، فطالب الوزير منها ~~بما اقتطعه، وأتواه «4» وضيعه، وهو يرجع القول على سبيل الدالة بين البراءة ~~والإحالة «5»، فمهما عضه العتب بثقافه أظهر الاستعفاء، وجلب إلى نفسه ~~البلاء. وأسلم النفس اختيارا، وآثر الحبس قرارا. # وتوسط الملأ بين السلطان وبينه على أن يجبر بعض المنكسر من خاص ماله مما ~~استفضله طول وزارته من مرافق أعماله، فأبى أن ينزل عن درهم إلا بعزله وحبسه ~~أنى شاء من قلاعه، صنيع المتبرم بالعمل، المتنغص بالأمل، المستسلم للبلية، ~~المتحكك بالمنية. # واختار عند ذلك السلطان الدهقان أبا إسحاق محمد بن الحسين وهو إذ ذاك ~~رئيس بلخ لصحابة الديوان، [193 ب] واستنظاف «6» البقايا على العمال ~~والسكان. # وأنهضه إليها سنة إحدى وأربعمائة. فانحدر إلى هراة، وجبى من الأموال ما ~~درت أخلافه، ولانت على المس أعطافه. ولم يلبث إلا يسيرا حتى حمل حملا ~~كثيرا، والوزير أبو العباس بعد في صدر الوزارة، والشيخ الجليل أبو القاسم ~~يسعى بينه وبين السلطان على سبيل السفارة، يروم انتصاحه إياه «7» كي ينسد ~~به مكانه، ويستند إلى عرض الاستقامة PageV01P355 ~~شأنه، وهو يأبى سوى اللجاج في إلقاء القول عن حدة المزاج، حكما من الله ~~تعالى لم يسع رده، وقضاء سابقا أعيا العالمين صده. وما زالت هذه حاله لزوما ~~للصدر، على ما به من ضعة القدر، إلى أن ركب بنفسه إلى قلعة غزنة مستروحا ~~بزعمه إلى الاعتقال عما تولاه، ومتسمحا بجملة ما حواه واقتناه، فلم يسمع ~~بمثله رجلا يشتري الحبس اختيارا، ويستقبل صرف الزمان بدارا. وغاظ السلطان ~~ما أتاه، فاستبذله الخط بغرامة ما جناه على أمواله ورعاياه «1»، فبذل خطه ~~بمائة ألف دينار. ثم لم يزل يستدر «2» إلى أن عرض حال الفاقة «3»، وعدم ~~الطاقة. ثم استحلفه السلطان بحياة رأسه على ظاهر إفلاسه، [194 أ] وعلى ~~إغلاق «4» دمه إن وجد له على الطلب مال مفرقا ومجمعا، ms194 ومدفونا ومستودعا. ~~وبقي على جملته «5» ينتابه أولاده معفى عن الإرهاق والتعنيف، مصونا عن ~~التحامل والتكليف، إلى أن ظهر على ما ذكر له مال عند بعض التجار ببلخ وديعة ~~فأخذوه، وأمر بوضع الدهق عليه لا ستصفائه، واستخراج ما وقاه بنفسه وذمائه، ~~وما بقي من رمق جاهه ومائه. # واتفقت للسلطان غزوة حالت بينه وبين مشاهدة حاله، واستبراء ما يصدق أو ~~يكذب من مقاله، والدهق يستمر به على الدوام، وينال منه يوما بيوم، حتى أتاه ~~أجله، وحاق به ما كان يستعجله، وذلك في سنة أربع وأربعمائة. # ولما عاد السلطان وراءه، ساءه ما سمع فيه، وهيهات أين من المساءة روح ~~مطموسة، ونفس بين أطباق الثرى مرموسة؟! كذلك من آثر «6» المخلوق «7» على ~~الخالق، ولم يعتبر بالماضين في الزمن السابق. PageV01P356 # وقد كان أدرك له ولد في صدر وزارته يعرف بأبي القاسم محمد بن الفضل، فبرع ~~على ميعة الشباب، في وجوه الفضائل والآداب، حتى استطار ذكره، واستطال قدره، ~~واستفاض نظمه ونثره. فمن شعره قوله في أبيه من قصيدة: [194 ب] # لقد أربى أبو العباس جودا ... على جود الربيع لمعتفيه # ففي إحدى يديه ممات قوم ... وفي أخرى الحياة لمرتجيه # لقد خضعت لك الدنيا ودانت ... فهل مرقى سواه فترتقيه # وأقبل نحوك الإقبال حتى ... غدا بصرا وأنت النور فيه # فنورز ألف نيروز سعيدا ... رفيع الجد في عيش رفيه # وله أحجية «1»: # وزنجية قادت إلى القوم بضة ... لينكحها من كان يعشقها قدما # فقام إليها واحد بعد واحد ... ولم نر ذما فعلهم لا ولا إثما # وأدركته حرفة الأدب «2». # واختطفته يد المنية أنضر ما كان عودا، وأثبته عمودا، وأبهره سعودا، ~~وأحمده قياما وقعودا. # وحكى لي بعض أصحابه أنه أصبح ذات يوم يروي بيتين «3» تلقنهما «4» في ~~المنام وهما «5»: # أرى الدنيا وزخرفها ككأس ... تدور على أناس من أناس # فلا تبقي على أحد كمالا ... يدوم بقاؤها «6» في كف حاس PageV01P357 ~~[فتطير منه. ولما قضى نحبه، زاد أبو الحسن المؤملي «1» الكاتب فيه أبياتا وهي: # أبعد محمد بن الفضل أرجو ... أمانا لي من الدهر العماس # أساس الفضل كان به فأودى ms195 ... وأبقى الفضل منهدم الأساس # فتى في نثره والنظم أربى ... على ابن ثوابة «2» وأبي نواس # رأى في النوم معجزة جرير ... يقصر دونها وأبو فراس] «3» # سأحفظ عهده مادمت حيا ... وحفظ العهد من كرم النحاس # ورثاه بعض أهل العصر بقوله «4»: # يا عين جودي بدم ساجم ... على الفتى الحر أبي القاسم # قد كاد أن يهدمني فقده ... لو لا التسلي بأبي القاسم # وسد الله مكان [195 أ] الماضيين «5» بأبي الحسن علي بن الفضل «6» المعروف ~~بالحجاج بفضل ساطع نوره، وعلم جامع سوره «7»، وحلم ثابت طوره، وجود موكل ~~بإنشار آمال الأحرار صوره «8»، فتي السن في حصافة الكهول، جبان الرأي في ~~شجاعة السيول، أدهم البأس في غرة السجاحة «9»، فدم الحياء في ذلق الفصاحة. ~~ندب لأعمال الجوزجان فدرت على إبساس ولايته، ونقل إلى أعمال نسا فضاقت عن ~~فضفاض كفايته، يصون الأعمال صيانة عرضه عما يصديه، ويحيي الآمال إحياءه ~~«10» شرف أبيه، ويميت بدع الرسوم إماتته ذكر أياديه: PageV01P358 # تسمو الرجال بآباء وآونة ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان # كم من أب قد علا بابن له «1» شرف ... كما علا برسول الله عدنان «2» ### | ذكر وزارة الشيخ الجليل أبي القاسم أحمد بن الحسن # قد كان الشيخ الجليل أبو القاسم يلي ديوان الرسائل للسلطان أيام سالاريته ~~بخراسان. وهو الكريم نسبا، العظيم حسبا، العريق مجدا وحرية، الوثيق رأيا ~~وروية. تنادي عليه أقطار الأرض بفصاحة القلم، وسجاحة الشيم، ونفاسة الهمم، ~~واحتقار الدنيا والدرهم. ودرجه وفاؤه للسلطان على [195 ب] تصاريف الأحوال ~~به إلى أن ولاه عرض عساكره «3» في أقطار مملكته «4»، وزاده أعمال بست ~~والرخج وما والاهما بأموالها وارتفاعاتها علاوة على ما ولاه، فقام بجميع ما ~~تولاه، قيام من وفقه الله. وحدا عليه جوده بني الآمال من أطراف البلاد، ~~فوسعهم جداه «5»، وغمرهم نداه، وكتبت لهم أمانا من الفقر يداه. فأما مروءته ~~فما يؤمن بالمعجزة الصادقة الصادعة منها إلا من شاهدها عيانا واستفتى عدول ~~إحساسه عليها سيرا وامتحانا. # وكان الوزير أبو العباس لا يصدر إلا عن رأيه، ولا يحتشم غيره في تصاريف ~~عزماته وأنحائه، لفخامة شأنه، ومكانته المعمورة من سلطانه. ووساطته ms196 بينهما ~~«6» في معظم ما يزجيه ويرجيه، ويحييه ويفنيه، ويبقيه ويرديه «7»، ويذره ~~ويأتيه، ويقدره «8» ويفريه. PageV01P359 # ولما وهت عليه قوة أمره، وانكسرت سورة خمره، واتفق للسلطان أن يرحل نحو ~~ناردين «1» في الغزوة التي تقدم ذكرها، استخلف الشيخ الوزير أبا القاسم «2» ~~على مهمات بابه، وإمداد صاحب الديوان فيما يليه ويجبيه بصواب رأيه، وبعثه ~~«3» على مواصلة الحمول «4» عن «5» فرط جده وغنائه. فهو متسم بالوزارة غير ~~متسم بها، إلى أن اتفق للسلطان [196 أ] استدعاء صاحب الديوان في عمال ~~خراسان لرفع «6» الحسبانات، وتقرير المعاملات. فنهض إليه كل رئيس ومرؤوس، ~~وشريف ومشروف، ومستعمل ومعزول، وسمين ومهزول، قد اتخذوا الطعم والغمض حراما ~~«7»، ووضعوا الأرواح على الراح توكلا واستسلاما «8». # ووافق وصولهم ركضة عزمها السلطان إلى الهند، فسبب عليهم لأذناب «9» أهل ~~عسكره بما «10» رآه ووكلهم باستخراجه في مدة يومين لإهمام الركض، وضيق رقعة ~~الوقت، فعصبوا عصب السلم، وسلخوا سلخ الغنم، وأقيموا على جمرة الضرم، ~~ونكسوا على الهام والقمم، حتى اعتصر «11» ذلك منهم عن تضاعيف اللحم والدم. ~~وعندها صب السلطان على الشيخ الجليل خلعة الوزارة، وفوض إليه مهمات ~~الإمارة، وأمره «12» بمحاسبات العمال، ومطالبتهم بما صار في ذممهم من ~~الأموال، محكما في الحل والعقد، مخيرا بين الأخذ والرد. PageV01P360 # وسار السلطان نحو مقصده، وأقبل الشيخ الجليل على ما جعل بصدده، فهذب ~~الأمور، ونظم المنثور، ووظف الأموال، وصرف العمال، ورد صاحب الديوان أبا ~~[196 ب] إسحاق على جملته إلى خراسان مستوفيا عليهم ما يلزمهم من حاصل وباق، ~~وعتيق وناض «1». وقعد في الدست «2» كالبدر المنير، والسيف الشهير، منفردا ~~بالتدبير، محتشدا لروعة الملك وهيبة السرير. فلما اتفق عود السلطان إلى ~~قرار غزنة «3»، وشاهد الأمور في كنف وزارته منظومة العقود، مضبوطة الحدود، ~~والأموال وافرة الريوع، حافلة الضروع، رسم له بأن ينحدر إلى خراسان، ~~مستنظفا ما وهى أو وهن صاحب الديوان في جبايته واستيفائه، وقصر أو قصر عن ~~تبرضه «4» وامترائه «5». فانحدر إلى هراة، وهيبته تأخذ النفوس بمخنقها، ~~وتختلج القلوب عن معلقها. ويكاد ينطق له كل مال مخزون، ويلفظ إليه كل درهم ~~مدفون، فجمع «6» عن تسمح «7» النفوس بما ms197 جمعته، واستكراهها عما منعته، مالا ~~لم «8» يسمع بمثله محمولا من خراسان أذهابا وأوراقا، وقصبا «9» رقاقا، ~~وغلمانا «10» رشاقا، وأفراسا عتاقا. وتلاقت الرفائع «11» على صاحب الديوان ~~بما ناله من صنوف المنافع، ووجوه PageV01P361 ~~المطامع. فسامه «1» السلطان تصحيحها تسبيبا، وحملا إلى بيت المال قريبا. ~~فاعتزل العمل، ونزل [197 أ] عن كل ما حصل، وفزع من بعد إلى خاص أملاكه ~~وضياعه، ومواشيه وكراعه، وتجمله وأثاثه، حتى حلي إناثه، فحل ما اعتقده منها ~~على مال مصادرته، وما جمع عليه من بقايا عمله. # وكان الوزير أبو العباس قليل البضاعة في الصناعة، لم يغن «2» بها في سالف ~~الأيام، ولم يرض بنانه بخدمة الأقلام، فانتقلت المخاطبات «3» مدة أيامه [من ~~العربية] «4» إلى الفارسية، حتى كسدت سوق البيان، وبارت بضاعة الإجادة ~~والإحسان، واستوت درجات العجزة والكفاة، والتقى الفاضل والمفضول على خطي ~~الموازاة. فلما سعدت الوزارة بالشيخ الجليل [أبي القاسم] «5» أسعد الله به ~~«8» جدود الأفاضل، وورد بمكانه خدود الفضائل، ورفع ألوية الكتاب، وعمر ~~أفنية الآداب، فجزم على أوشحة «9» ديوانه أن يتنكبوا «10» الفارسية إلا عن ~~ضرورة من جهل من يكتب إليه، وعجزه عن فهم ما يتعرب به عليه، وطارت توقيعاته ~~في البلاد [بالعربية] «11» ولا شوارد الأمثال، وأبيات المعاني من القصائد ~~الطوال، ففي كل ناد نداء بألحانها، وفي كل مشهد شهادة باستحسانها «12». ~~فأما الشعر فقد PageV01P362 ~~نشر عليه [197 ب] ملحوده «1»، وسعد به جدوده، وفتق بالعذب الرواء صيخوده ~~«2»، فأربابه كالعنادل «3» تغريدا بمناقبه، والقماري تسجيعا على الضرب «4» ~~الماذي «5» من ضرائبه، وهو بعد له في الناس غياث ورحمة، وبفضله لأهل الفضل ~~ثمال «6» وعصمة. وانفرد بتدبير البلاد والعباد بناء على الأساس، وحلبا على ~~الإبساس، وإخافة على «7» الإيمان، ومكافأة بالإساءة والإحسان. وأسوا لجراح ~~القلوب بمراهم الترغيب، وإنكارا بمعروف العمارة سابق التخريب، واشارة على ~~السلطان في أمور مملكته بما يفيده عاجل التوفير، وآجل الثواب الغزير، لا ~~جرم أنه استتبت الأمور بغنائه «8»، وانسدت الثغور على آرائه، وكذلك من كان ~~على العلم إيراده وإصداره، وعلى البصيرة إرجاؤه وبداره. ### | ذكر قابوس بن وشمكير الأمير شمس المعالي «9» [وما ختم به أجله] «10» وتنصيب «11» ولده الأمير ms198 فلك المعالي أبي منصور منوچهر منصبه ووراثته مملكته [واتشاج الوصلة بينه وبين السلطان يمين الدولة وأمين الملة] «12» # قد كان ذلك الأمير على ما خص به من المناقب، والرأي البصير بالعواقب، PageV01P363 ~~والمجد المنيف على النجم الثاقب، مر السياسة، [198 أ] لا يستاغ كأسه، ولا ~~يؤمن بحال سطوته وبأسه. يقابل زلة القدم بإراقة الدم، ولا يعرف في أدنى ~~درجات العثار، وإن لم يقصد إليه مراد، ولم يشترك في كسبه اعتقاد، غير حر ~~الانتقام «1» بحد الحسام، والتفليق «2» عن مركب الهام، لا يذكر العفو عند ~~الغضب، ولا يعرف معنى السوط والخشب، ولا يرى الحبس إلا ما بين الصفائح ~~والترب. وهلك على خشونة هذا المش «3»، وصعوبة هذا البطش، فئام من حاشيته لو ~~كان «4» استبقاهم على خفة أجرامهم، لكان أشبه بالجلالة، وأليق بالأصالة ~~والعدالة. # فما زالت هذه حاله «5» حتى استوحشت النفوس منه، وانقلبت القلوب عنه، ~~وشحنت الصدور عليه، ومالت عنه «6» الأهواء المائلة إليه، إذ كان أحد لا ~~يأمن العثرة، ولا يملك العصمة. ومتى كان العقاب ملحقا بالخطأ اليسير صارت ~~النفوس مجتاحة، والأرواح مستباحة، والمرء من البشر لا من ورق الشجر، فهو ~~إذا مات فقد فات، وليس مما يعود بعد ما عري «7» العود. # واتفق أن حاجبا له كان «8» يعرف بحاجب نعيم- وهو [198 ب] أحد الكراكلة «9» PageV01P364 ~~في حدود جرجان- عديم الغائلة والعادية «1»، سليم الناحية من بين أفناء «2» ~~الحاشية، وكان اعتمده لضبط استراباذ وسياستها، رفع «3» إليه «4» أنه طمع في ~~بعض رعاياها في منال، أو مال إلى الانتفاع منه «5» بمال، فأمر بقتله ~~وتعليقه عن خيط رقبته وهو يستغيث مفصحا ببراءة «6» ساحته، ونقاء جيبه ~~وراحته، وقصور ما سعي به عليه لو صح إسناده عن إفاتة نفسه وإراقة دمه. فزاد ~~قتله في إيغار الصدور، وإضغان القلوب. وتآمر «7» عند ذلك أعيان العسكر على ~~خلعه، ونزع الأيدي عن طاعته، وكفاية النفوس شغلها بثقل وطأته وخشونة ~~سياسته. # ووافق هذا التدبير منهم «8» غيبته عن جرجان إلى المعسكر بچناشك، استبدالا ~~بهوائها عن لفح الحرور عند طلوع الشعرى العبور «9»، فعمي عليه وجه الصورة، ~~وشذ عنه علم تلك المشورة، فلم ms199 يرعه ذات ليلة غير زحام العسكر بباب القلعة ~~التي اعتصر بها، وانتهابهم أمواله وأفراسه وبغاله، ومرامهم قسره واستنزاله، ~~فهر «10» في وجوههم من كانوا نزولا بفنائه، محامين من ورائه، حتى انكشفوا ~~عنه [199 أ] صاغرين، وولوا على أعقابهم داخرين. ومالوا إلى جرجان فتملكوها ~~عليه معلنين شعار العصيان، لا بسين غيار الكفران. # وبعثوا إلى الأمير أبي منصور منوچهر بن قابوس وهو بطبرستان، يستحثونه على الورود PageV01P365 ~~لعقد البيعة له، وزفاف الملك إليه؛ فطار إليهم بقوادم العقاب، استعظاما ~~للحادث بأبيه، وإكبارا لما نفذ من المكيدة فيه، وطمعا في تدارك الخطب ~~وتلافيه. فلما دنا منهم مضربه توافقوا على طاعته إن خلع أباه، وابتزازه ~~رداء الملك إن أباه. فلم يجد في عاجل الحال غير المداراة، ضبطا لما انتشر، ~~ورشا على ما استعر، وصونا لستر الحشمة من الانخراق، وإبقاء على سكر الفساد ~~من الانبثاق، وإشفاقا على البيت من الضياع، وعلى الملك من التخطف ~~والانتزاع. # وقد كان شمس المعالي لما سمع بنبأ القوم واجتماع كلمتهم على الخلع، عطف ~~بمن وما «1» كان معه من رجال ومال إلى ناحية بسطام، ناظرا ما يسفر عنه ~~عاقبة التحزب، وينتهي إليه نائرة التغلب والتوثب. فلما تسامعوا «2» بنبئه ~~«3» حملوا الأمير منوچهر على قصده، وإزعاجه عن مكانه أو رده؛ فسار معهم ~~إليه مضطرا، ودافعا [199 ب] بالشر شرا، كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن ~~أنيخ على صخرة استناخ. فلما وصل إلى أبيه، أذن له دون من يليه من أتباعه ~~وحواشيه، إذ قام دونه من خاصته، رجال يرون الموت شهدا دون خذلانه، والروح ~~وقفا على شكر إحسانه. فلما وصل إليه كفر طاعة وخضوعا، وأسال أردية الشؤون ~~دموعا. وتشاكيا صورة الحادث، وتذاكرا حقي المورث والوارث، وغرض الأمير ~~منوچهر أن يكون حجابا بينه وبين أعاديه، وإن ذهبت نفسه فيه. # ورأى شمس المعالي قابوس أن العارض قصارى أمره، وختام عمره، وأنه أحق ~~بوراثة ملكه، وولاية الأمر من بعده، وسلم خاتم الملك إليه من يده، واستوصاه ~~الخير به مادام في فسحة من «4» أمده. وتواضعا «5» على أن ينتقل هو إلى قلعة ms200 ~~چناشك متفرغا للعبادة PageV01P366 ~~إلى أن يأتيه يقينه، فيسلم له نفسه ودينه، وأن يتفرد الأمير منوچهر بن ~~قابوس «1» بتقرير الملك فريا «2» وتقديرا، وتقديما وتأخيرا. وقدمت إليه ~~عمارية على هذه الجملة، فانتقل إلى القلعة المذكورة مع من رضيه لخدمته، ~~ومعونته على ضروب مصلحته. # وعطف الأمير منوچهر [200 أ] إلى جرجان فولي الصدر، وضبط الأمر، وأخذ ~~يداري القوم ترغيبا وتطميعا، ويمنيهم الإحسان جميعا، وهم على جملة النفور، ~~خيفة الثبور، ما دام شمس المعالي في فسحة البقاء، وزمرة الأحياء. وما زالوا ~~في الاحتيال عليه «3»، حتى فرغوا من «4» أمره، وسلموا كما زعموا من عادية ~~شره. ولم يرضوا به وهو في صوان الأموات، حتى كشفوا عن محياه رداء رداه؛ ~~فطابوا نفوسا حين عدموا شمس المعالي قابوسا، وواروه في مقبرة كان ابتناها ~~لنفسه بظاهر «5» جرجان، على سمت خراسان. وغدا الناس في معناه كما قال مهلهل «6»: # نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وتفاوضوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا «7» # وعقد الأمير منوچهر «8» المأتم ثلاثة «9» أيام على رسم الجيل في حسر ~~الرؤوس، وضرب النفوس، ورفض المنام، وهجر الطعام. ولما قضى أيام المعزى، نسي ~~المقبور، PageV01P367 ~~واستؤنف السرور «1»: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «2» # ولما سمع القادر بالله أمير المؤمنين بخبر شمس المعالي، واستئثار قضاء ~~الله به، خاطب الأمير منوچهر [200 ب] معزيا ومسليا، ولقبه ب (فلك المعالي) ~~مشرفا «3» ومحليا. # وعزم الله له على الصواب في اختياره، والرشد في إيثاره، ففزع إلى السلطان ~~يمين الدولة وأمين الملة معتصما بحبله، معتصرا بظله، مستظهرا بطاعته، ~~مستبصرا «4» في مشايعته، مستغشيا رداء عنايته، متلافيا وهن المصاب بقوة ~~إشباله ورعايته. وأنهض عدة من ثقات بابه بمبار موفورة، ونفائس مذخورة، ~~ورسائل على صدق الإخلاص وصفو الإمحاص «5» مقصورة؛ فصادف ما رجاه رغبة في ~~موالاته، وحرصا على تقمن «6» مرضاته. # وتردد السفراء بينهما على ربابة هذه الحال، وتوكيد عقدة الوصال. # واحتكم السلطان عليه في إقامة الخطبة له على منابر ولاياته «7»، امتحانا ~~لمصدوقة عقده في موالاته. وأنهض ms201 إليه أبا محمد الحسن «8» بن مهران أحد ~~ثقاته بما رأى أصحابه من نفائس خلعه وكراماته، فصادف منه قريبا مجيبا، ~~وسميعا مطيعا، وأمر بإقامة الدعوة باسمه على منابر جرجان وطبرستان وقومس ~~ودامغان، والتزم في السنة خمسين ألف دينار PageV01P368 ~~إتاوة، وعلى عكمي «1» الطاعة والإخلاص [201 أ] علاوة «2». # واستدعى السلطان على تفيئة «3» ذلك، وقد عزم على غزوة ناردين «4» إنجاد ~~حشمه بطائفة من الجيل والديلم «5» يحسنون حروب المضائق، ويغنون غناء الكماة ~~البطارق، فسرب إليه ألفي رجل من خلص الجيليين إن راموا الوعور فوعول، أو ~~قصدوا السهول فسيول. وقد أمر بإزاحة عللهم في أعطياتهم، ونصب لهم من يقيم ~~أود حاجاتهم، ويطلق لهم مدة الحاجة إلى غنائهم واجب أرزاقهم واستحقاقاتهم. ~~ولما استحق على السلطان بآثاره في القربة مزيد الرتبة، وبمساعيه في الطاعة ~~قضاء الحاجة، أنهض رئيس جرجان أبا سعد الجولكي «6» المقدم فضلا وأدبا، ~~المحتشم حسبا ونسبا لا قتضاء مزيد الحال بوصلة تقوم الكفاة بخطبتها عنه، ~~والطاعة باستيجابها له، فنهض و«7» خفارة الأدب تهديه، وكفالة الرفق فيما ~~يذره ويأتيه. ولم يزل يأتي الأمر من بابه، ويستطلع المراد من حجابه، حتى ~~أسمحت قرونة السلطان لما استدعاه، وأوجب الإسعاف بما توخاه. # ولما انكفأ الفاضل أبو سعد وراءه بصورة [الحال في] «8» الإيجاب، وما ~~صادفه من هزة «9» المجد للإطلاب، جشمه الأمير فلك المعالي معاودة [201 ب] ~~الحضرة مع PageV01P369 ~~القاضي بجرجان وهو شيخ العلم وراوية «1» الحديث، ورضيع أخلاف «2» التدرب ~~والتجرب «3» لتنجز النجاح، وتأريب عقدة النكاح، فنهضا إلى حضرة السلطان ~~مقيمين رسم الخدمة، وخاطبين ضم السدى إلى اللحمة، فرأى السلطان تحقيق مبذول ~~العدة، وعصيان سلطان النفس «4» طاعة لرب العزة. وفلذ «5» للأمير فلك ~~المعالي خلبا «6» من كبده، وسمح له بزهرة الأرض من نجوم ولده، وأي نجم كان ~~في فلك المعالي مداره لم تبعد داره، أنى ومدار النجوم الأفلاك؟! وأزواج ~~الملكات «7» الأملاك؟! # وجرى من الاستبشار باتحاد النفوس والديار، وصب النثار، وصوب المبار ~~كالغيوث الغزار، ما أرخ به كتاب الدهر، ووسم بذكره سالفة العصر. # وعاد الرسولان بدرك النجح الموقوت، ولا السعدان يقترنان في الحوت، وعندها ~~تكلف ms202 الأمير فلك المعالي- حرمة للقربى، ونحلة بين يدي النجوى- مالا تبين ~~«8» من رآه على اختلاف أصنافه، وأغراب نقوشه وأفوافه أن له همة إلى قمة ~~الجوزاء مرفوعة، ونية على صدق الولاء مطبوعة. ولم يبق أحد من أركان الدولة ~~وحواشيها، والراتعين حول مراعيها، لم «9» يضرب بسهم من سهام اللطف، ولم ~~يشترك في البر المعقود بالشرف، لا جرم [202 أ] إن السلطان رعى حرمة قرباه، ~~وجزاه عما سمحت به يمناه، وأفرد كلا PageV01P370 ~~من «1» قواد جيوشه وأفراد رجاله بخلع علمت أجانب الملوك كيف شريطة الجود، ~~والسماحة بالموجود، وتقصي «2» المجد بعفو الرأي دون المجهود، فأما ما صحب ~~درة الصدف، وياقوتة الشرف، فمال طال عهد الدهر بمثله مجموعا في مكان، ~~محمولا من خراسان. ولا غرو فالشمس تغني «3» البدر نورا، والبحر يدع الخليج ~~مسجورا. # وقد كان الأمير فلك المعالي بعد أن استتب له أمره، واشتد بمظاهرة السلطان ~~ظهره، دمر «4» على أعيان عسكره المشتركين في دم أبيه، فصدع ذات بينهم بوجوه ~~الحيل وأنواع العلل، حتى أباد خضراءهم، وسقى ظماء الأرض دماءهم. # وأحس خركاش «5» - وهو القريب العاق، والنسيب المشاق- بالداهية الدهياء، ~~فانسل تائها بين سمع الأرض وبصرها، تأباه الرعان والأباطح، وتلفظه القيعان ~~والصحاصح، فمهما مس جانب القرار، طلبته هامة الماضي بالثأر؛ فهام على وجهه ~~ولا فقيد ثقيف «6»، بين تشريق وتغريب، وتصعيد وتصويب. # وكان أحد من أثار ذلك الشر «7» على شمس المعالي على ما تشاهدت به الأخبار ~~«8» أبو القاسم الجعدي وكان صاحب جيشه، فانحدر إلى رأس الحد [202 ب] كباز ~~على قفاز يرى كل صيحة عليه، وكل حشيش سهم أقواس بين جنبيه «9». فأمهله فلك ~~المعالي زمانا، حتى ظن أن له دون شؤون الآخرين شأنا، ثم اطباه «10» بتطميعه ~~وترغيبه، حتى PageV01P371 ~~أعلقه «1» حبالة «2» الاقتناص، وآيسه من الطمع في الخلاص، وأن لله حكما في ~~أمور عباده معلقا «3» بآماد معلومة، وغايات محدودة، فليس قبلها مستقدم لما ~~تأجل، ولا بعدها مستأجل لما تعجل. فاحتال أبو القاسم حتى انسل هاربا، ~~واعتسف البيد جانبا ثم جانبا. ومازال على حاله واحتياله، حتى ورد نيسابور ~~يظن- وبعض الظن إثم «4» - أن انقطاعه إلى السلطان ms203 يمين الدولة وأمين الملة- ~~على نغل دواخله، وارتهانه بسالف فعله وقابله، مع ما تمهد في ذات البين من ~~عقود، وتأكد من عهود، واشترك «5» فيه من طارف ومتلود- يحل عنه «6» عقال ~~آثامه، ويكف عنه ما حق عليه من بأس الله وانتقامه، كلا إن سوء الفعل خذول ~~«7»، والقاتل لا محالة مقتول. وشر المحن ما أومض بالخلاص قبل إبانه، ~~واستيفاء مدة النضج على بحرانه، أنه ليوهم الفكاك ثم يعقب الهلاك، كالهرة ~~تطمع الفأرة في الخلاص، حتى إذا كانت منها على غلوة «8»، لحقتها [203 أ] ~~بعدوة. لا جرم إن السلطان لما أنهي إليه صورة حاله، ومن قبل ما سمع بسوء ~~فعاله، أمر برده وراءه في عقاله. ولقد أحسن ابن الرومي في مقاله: # الخير مصنوع بصاحبه ... فمتى فعلت الخير أعقبكا # والشر مفعول بفاعله «9» ... فمتى فعلت الشر أعطبكا «10» PageV01P372 ### | ذكر دارا «1» بن شمس المعالي قابوس بن وشمكير # قد «2» كان دارا «3» بن قابوس «4» بعد استئمانه من جانب أبي علي محمد بن ~~محمد «5» بن سيمجور إلى الأمير نوح بن منصور الرضا، مقيما على خدمته، سهيما ~~لعيبته «6» في نعمته وفي جملته، إلى أن فتح الله على أبيه جرجان وطبرستان، ~~فانحاز إليه مستغنيا بخدمته عن خدمة غيره «7»، وصادف من الإشبال والإقبال ~~ما اقتضاه حكم الأبوة والبنوة، ثم حدره «8» شمس المعالي إلى طبرستان فأقام ~~بها سدا دون مخالفيه، وذماما على أوليائه ومعامليه. # واستنهضه منها على قريفة «9» ألقيت إليه، فأتاه وهو «10» باستراباذ يريه ~~صحة أديمه، واستواء حديثه بقديمه «11». فأحسن استقباله وإنزاله، ثم دعاه في ~~وقت ارتاب به، فركب على قصد مجلسه، ثم عطف عطفه الليث الخادر نحو خراسان، ~~[203 ب] بين غياض تشكوا الأراقم بينها ضيق المجال والمضطرب، وصعوبة المنساب ~~والمنسرب. # واستصحب من رافقه ووافقه من غلمانه وأهل الثقة به، إلى أن عرف شمس ~~المعالي خبره، واستركب لاقتناصه عسكره، بعد «12» ما قد طار به الركض. وحالت ~~دون مناله PageV01P373 ~~الأرض. ولما شافه حد خراسان، رفرفت الأمنة عليه بجناحها، إلى أن ورد حضرة ~~السلطان يمين الدولة [وأمين الملة] «1»، فقبله أحسن قبول، ولقاه حسن مقول ~~ومفعول. ومازال يرفع ms204 منه تمويلا وتخويلا، وتفخيما وتبجيلا، حتى اغتره فضل ~~الانبساط وعز الانتساب بما هد قربته، وهدم رتبته، واستوحش من عارض الإعراض، ~~وأشفق من رهق التغير والانقباض، فلاذ بظل الليل هربا، وبات يطوي الأرض ~~تقريبا وخببا. وأمر السلطان بطلبه «2»، واتباعه في وجوه «3» مهربه، فألحق ~~حيث قامت الخيول تعبا، ولم تجد السيوف عليه مضربا. ففر «4» على وجهه ملتجئا ~~إلى الشار المعروف بالشاه، لحال بينهما في الصفاء معمورة، وأصول ود بالوفاء ~~مأبورة «5». فلما استقر به المكان، وخبر حاله السلطان، [204 أ] كتب إليه ~~السلطان فاسترده وخوفه أن يأتي عليه ما بعده، فاضطر إلى رده وإسلامه عن يده. # وبقي في الحبس «6» مدة، يكابد بؤسا وشدة، إلى أن وجد فرصة الانفصال، عن ~~رق العقال، ففارق معتقله من حيث لم يطمع فيه أحد، ولم يكن ليغني عنه لو لا ~~المقدور رأي ولا جلد. وأبت عليه لجاجة «7» المحنة أن يتم خلاصه، ويستتب ~~مناصه، فأعثرت عليه حتى أعيد في وثاقه، وزيد في إرهاقه، إلى أن شرح الله ~~«8» صدر السلطان لإطلاقه، فأنشأه «9» نشأة ثانية، وأنبت ريشه قادمة وخافية، ~~وأعاد حاله بالإحسان حالية، ويده على أيدي الأضراب عالية. ووجهه لولاية ~~جرجان وطبرستان معضودا بأبي الحارث أرسلان PageV01P374 ~~الجاذب، وذوي النجدة من كماة الرجال، وكفاة الأبطال. لو لا أن الأمير فلك ~~المعالي منوچهر سبق تمام الرأي بإظهار الطاعة، وعرض ما وراء الوسع والطاقة، ~~ولما حالت حرمة التقرب دون الاختيار عليه، واسترده السلطان إلى حضرته فجرى ~~مجرى أركان دولته، وأخدان «1» العشرة لا يفارقه في حفلة، ولا يزايله [204 ~~ب] في خلوة، ولا يقعد عنه في وقت ركوب، ولا ينفرد دونه «2» بدور كوز ولا ~~«3» كوب، إلى أن ورد الأمير أبو الفوارس بن بهاء الدولة حضرة السلطان ~~منزعجه عن كرمان، لقصد عسكر أخيه إياه مستظهرا به على معاودة مملكته، ~~وارتجاع «4» بيته ونعمته، فجمعهم ليلة مجلس دارت فيه الكؤوس، وطابت النفوس، ~~وجرى حديث السلف والخلف، وإعراق من أعرق منهم في الشرف. فنطق دارا «5» بما ~~لو سكت عنه لكان أشبه بحق الخدمة، وحكم الحشمة، ووقت الاجتماع على رضاع ms205 ~~العشرة. وحمله رمز الإنكار عليه على قصد المرادة، وركوب المحاقة «6»، حتى ~~تأدى به الأمر إلى إزعاجه عن مكانه، وإشجائه بغصة المدل «7» على سلطانه. ~~وأمر به في غد، فرد في العقال، وحمل إلى بعض القلاع. وقبض على ضياعه؛ ~~فأجريت مجرى الحوزيات «9»، تستغل أسوة سائرها، إلى أن سأل الشيخ الوزير في ~~بابه، فأمر بردها عليه، معونة له على مصلحة حاله، ومؤونة اعتقاله، وذلك في ~~المحرم سنة تسع وأربعمائة. PageV01P375 ### | ذكر مجد «1» الدولة [أبي طالب بن فخر الدولة] «2» # قد كان فخر الدولة كتب إلى حسام الدولة أبي العباس تاش وهو «3» بجرجان ~~منحدره إليها عن [205 أ] خراسان على لسان الصاحب «4» يبشره بولادته، وإجراء ~~الله إياه في الصنع به «5» على كريم عادته. وكان مما كتب إليه «6»: # «وقد رزقني الله ولدا كنيته أبا طالب طلبا للسلامة في مدته، وسميته رستم ~~لأنه من أسماء نصابه وأرومته». # فلما اخترمته المنية، بايع الناس مجد الدولة، إلا أن التي قامت عنه «7» ~~كانت أختا للاصبهبذ بفريم وسائر مملكة الجيل «8». وهي في منعة من أهلها، ~~وعزة من جانب أرضها، فتملكت عليه «9» الديلم، واستأثرت بالأمر والنهي، ~~والحل والعقد، وجرت بينه وبينها مكاوحات «10» تأدت بها إلى استنهاض بدر بن ~~حسنويه إليه، وامتلاك الري عليه. وجرت بينهم مناوشات أفضت بالديلم أولا، ~~وبأهل الري ثانيا إلى بؤس وفاقة، ودماء مهراقة، وفتن ليس فيها قدر فواق ~~«11» من إفاقة. وعن قريب يعود سقب «12» PageV01P376 ~~الخلاف جذعا «1»، وحبل الصلاح منقطعا؛ فتنتج عنه إبادة الرجال، واستباحة ~~الأموال، وشرود الصلحاء في البلاد، وضراوة السفهاء بالإفساد. # ولما غرض «2» مجد الدولة بالأمر، وبما ينقدح على الدوم من شرر الشر، آثر ~~البر في الاعتزال عن «3» سمة الإمارة «4». و«5» [205 ب] حمله الاعتراف لها ~~بالطاعة على العقوق المفضي بمن تحت ولايته ورعايته إلى خطة الاحتناك، ~~المشفي بهم على خطة الاجتياح والاستهلاك، فلزم البيت منفردا بالكتب ~~والدفاتر، ومبيضا وجه الفضل بسواد المحابر. # وانفرد أخوه شمس الدولة «6» بولاية همذان وقرميسين «7» وما والاهما إلى ~~حدود بغداد. وورث «8» بدر بن حسنويه أموالا عظيمة طالما حفظتها صدور القلاع ~~مكتومة، وخنقتها خيوط ms206 الأكياس مختومة، ولم يلبث إلا قليلا حتى استغرقتها ~~صلات الرجال، واستنفدتها حقوق الآمال، شيمة له في التحقق بالفضل، والتخرق ~~في البذل. # وقد كان ابن فولاذ فخم «9» في دولة آل بويه أمره، وارتفع قدره، وانتشر ~~صيته وذكره. والتفت عليه صناديد الديلم، ومشاهير الأكراد والعرب، فسأل مجد ~~الدولة والكافلة بالتدبير أن ينزلا له عن قزوين طعمة له ولمن معه، ليتفرد ~~بولايتها وجبايتها، ركنا من أركان دولتهما. وظهرا من ظهور حوزتهما، يذب ~~عنهما بسيفه وسنانه متى دهاهما PageV01P377 ~~خطب، أو دخن على نارهما حطب رطب. فضنا [206 أ] عليه بها لضيق رقعة الملك، ~~وبكوء درة الدخل «1». وأدليا إليه بظاهر العذر؛ فقصد «2» أطراف الري على ~~جملة العصيان، يفسد ويغير، ويقطع دون أهلها سبيل من يمير. وملك عليهما ما ~~يلي جانبه من قرى وضياع، وريع وارتفاع، إلى أن استعانا بالاصبهبذ المقيم ~~بفريم؛ فأتاهما في رجراجة «3» فخمة من الجيلية، أولي البأس والحمية، ~~فناوشوه القراع، وصدقوه المصاع. وجرت بينهما في دفعات ملاحم استلحمت كثيرا ~~من الفريقين. وأصاب ابن «4» فولاذ في ساقه نشابة أثخنته، فولى فيمن معه «5» ~~إلى سمت الدامغان، حتى ألم بها؛ [فضم النشر] «6»، ورم الرث، وعالج المرتث، ~~وكتب إلى فلك المعالي منوچهر يستمده على عسكر الري، على أن يقيم له الخطبة، ~~ويظهر الطاعة، ويلتزم الإتاوة، فأمده بألفي رجل يوزن آحادهم بآلاف، ~~وأفرادهم بأضعاف، يرون الشرف فرضا لمن مات تحت المشرفيات «7»، والتثريب حقا ~~على من حاد عن اليثربيات «8». ووصل جناحهم «9» بمال قضى به حق انقطاعه ~~إليه، واعتماده عن «10» ظهر الثقة «11» عليه. ونهض نحو الري حتى أناخ ~~بظاهرها، فأعاد الإغارة، PageV01P378 ~~ومنع المائرة والمارة. [206 ب] وغادر «1» الديلم في ضنكة البلاء، وضيقة ~~اللأواء «2»، حتى اضطر مجد الدولة، ومن وليت التدبير إلى إيثاره بأصبهان ~~«3»؛ فعقد له عليها، وخلي بينه وبينها، استمالة لقلبه، واستعاذة من شره. ~~فطارت عند ذلك نعرة الخلاف عن رأسه، ورحلت وحرة العناد من صدره. وأقبل يروض ~~عسكره على رشاد وسداد، ويغل أيديهم دون امتداد إلى فساد. وصرف عسكر الأمير ~~منوچهر وراءهم يذكر «4» صلاح حاله، واستغناءه عن رجاله. وعطف ms207 إلى أصبهان ~~خاطبا لمجد الدولة على منابرها وذلك في سنة سبع وأربعمائة. # وكان نصر بن الحسن بن فيروزان قد انقطع إلى السلطان يمين الدولة وأمين ~~الملة، وأقام على خدمته، إلى أن جعل ناحية بيار وجومند باسمه «5» ورسمه؛ ~~فنهض إليها، وأقام بها يستغلها، ويتوفر عليه دخلها، إلى أن دعاه مجد الدولة ~~من الري، فاعتسف البيد إليها إشفاقا من عسكر شمس المعالي قابوس ومكائده، ~~وعيون رباياه «6» ومراصده. فلما وصل إليها، عرف له حق قرابته، وقوبل بما ~~اقتضاه حكم طاعته واستجابته، فبقي هناك سنين مرجوعا إليه في الرأي ~~والتدبير، [207 أ] وموثوقا «7» به في التقديم والتأخير، إلى أن عثر منه على ~~ممالأة لبعض المخالفين، فقبض عليه وحبسه في قلعة أستوناوند. وما زال بها ~~محصورا، وفي مخلب الامتحان مأسورا، حتى عفي عما جناه، ورد ثانيا إلى ما تولاه. # ووافق مآبه خلع الديلم لجام الهيبة لعدم السياسة، وانفراد «8» مجد الدولة ~~في بيته PageV01P379 ~~بالدراسة. وتبسط الديلم فيما شاءوا «1» من غصب وقطع ونهب وكبس ونقب، لا ~~يرتدع منهم إلا من أشعره الله المخافة، وأودع صدره الرحمة والرأفة، فانبرى ~~نصر بن الحسن لقمع أولئك الضلال، فاجتاح منهم فريقا، وأوسع آخرين تفريقا ~~وتمزيقا. فلما رأى القوم ما دهاهم في أضرابهم من حصده واستئصاله، تجمعوا ~~على قصده وقتاله وأحاطوا بداره، فواقعهم «2» بخاصته مليا، ثم انثنى «3» ~~منهزما، وغادر ملكه في الدار منهوبا ومغتنما. وما زال يضطرب في محنته إلى ~~آخر مدته. ### | ذكر بهاء الدولة وما أفضى إليه أمره # [207 ب] قد كان بهاء الدولة وضياء الملة بعد أن فتح الله على السلطان ~~سجستان راغبا في موالاته «4»، خاطبا لمصافاته، مؤثرا لمكاتبته، حريصا على ~~مقاربته بحكم الجوار الواقع بين الدولتين، والصقب الحادث بين المملكتين. ~~ووافق ذلك من السلطان رغبة في مثله من جهته، لشرفه بنفسه وسلفه، ولما حيز ~~«5» لهما من الكفاءة في الملك، والملاءة في سعة الملك. فسفر بينهما السفراء ~~على إلحام سدى القربة، وإحصاد «6» قوى المودة، حتى خلصت القلوب، ونقيت ~~الجيوب، وتأكدت العهود، وتأحدت الحدود. # وعندها أحب السلطان أن يجعل المصافاة مجاهرة، ms208 والموالاة مصاهرة، فأنهض ~~القاضي أبا عمرو «7» البسطامي شيخ الحديث بنيسابور إلى فارس، وهو النبيه ~~فضلا، والوجيه محلا، والإمام علما وتحقيقا، والحسام لسانا فصيحا ورأيا ~~وثيقا. وصادف من إجلال بهاء الدولة PageV01P380 ~~وإكرامه، وإظهار التلطف «1» عليه في مرامه، ما اقتضته جلالة من أصدره، ~~ومساعدة القدر له في كل ما قدره. وأقام عليه منقولا من مجلس الإيجاب إلى ~~متوسد الإكرام، ومن راحة الإشبال إلى عاتق الإكبار. غير أن بعيد طلوعه عليه ~~وافق [208 أ] منه علة أحدثها سوء المزاح بين ألف الراحة والراح، فأعياه ~~تنجز المراد على العارض العائق. # وقد كان فخر الملك «2» مقيما ببغداد، وهو الوزير والنصير ومن إليه الرأي ~~والتدبير، فجشم القاضي إلى ما قبله ليتفاوضا فيما يوجب صرف الرأي إليه، ~~وتأريب العقد عليه، فاتفق مع وصوله استئثار قضاء الله تعالى ببهاء الدولة، ~~وانتقال روحه إلى جوار ربه. وبايع الناس ولده الأمير أبا شجاع، ولقبه ~~القادر بالله أمير المؤمنين، بسلطان الدولة. واستتب له طرق الأمر، واعتدل ~~عليه عمود الملك، وجرى له الطير بالإقبال وحسن الفأل. ولما عاد القاضي إلى ~~ما قبله، لم يملك له من ذاته جوابا يغنيه، ولا حوارا يشفيه، إذ كان دونه ~~رسولا إلى أبيه، فصرفه محملا من رسالته في وراثة الود، والوفاء بسالف ~~العهد، واشتراء الخلوص بقاصية الجهد، ما اقتضاه حكم الابتداء بغرس الوداد، ~~واستثمار الوفاء على ظهر البعاد. # وقد كان الأمير أبو الفوارس أخو الأمير سلطان الدولة مقيما بكرمان، فشجر ~~بينهما خلاف اقتضى سلطان الدولة تجريد الجيوش لقصده، واستصفاء تلك النواحي ~~واستخلاصها من يده؛ فنهض هو لمقاومتهم، وكف [208] عاديتهم. وأوقدوا بينهم ~~حربا، أفنت الرجال أكلا وشربا، واجتاحت الأرواح طعنا وضربا. واستمرت الكشفة ~~بأتباع الأمير أبي الفوارس فانقلبوا منهزمين، وأقبل هو نحو سجستان يؤم حضرة ~~السلطان يمين الدولة وأمين الملة ممتطيا رجاءه، ومستنهضا كرمه لرده وراءه. ~~وقد كان أنهي إلى السلطان خبر إقباله؛ فأمر أبا منصور نصر بن إسحاق النائب ~~عن الأمير أبي المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين بخدمة استقباله، وتكلف ~~الواجب من أنزاله، وأنزال من PageV01P381 ~~معه ms209 من طبقات رجاله، ونثر «1» عشرة آلاف دينار من خاص ماله، فبلغ من ذلك ~~مبلغا شهد من كان شاهدا بسجستان من قرائها «2» وطرائها «3» إلى أحدا من ~~ملوك هذه الأقاليم لم يتكلف مثله لأحد من أولاد الملوك، ولم يخل «4» أن ~~مثله «5» يسمح به تيار البحور، فكيف أقطار الصدور؟! # واكتسب أبو منصور بذلك لنفسه ذكرا عقد بالنجوم «6» ضفائره، وأفاض على ~~الشرق بعضه وعلى الغرب سائره. ولما وصل إلى حضرة السلطان، أوجب قضاء حق ~~مقدمه بالاستقبال، وتلقي عظيم قدره «7» بالإجلال، وحمل إليه من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام، والإنعام «8» بكل ما ينتمي إلى قبيل [209 ~~أ] الإكرام، ما وقع عند الخاص والعام موقع الاستعظام، ما خلا الهمة «9» ~~التي ترى الدنيا خارجة عن ملكها شعرة من أبشارها، وصوفة من أوبارها، وغرفة ~~من بحارها، بل قطرة من أمطارها. # وأقام عنده «10» قرابة ثلاثة أشهر ضيفا لا يتميز عن الأدنين «11» أرحاما ~~وشيجة، وأنسابا قريبة، حتى إذا نشط للانصراف، والتمس معونته على عارض ~~الخلاف، ارتاح السلطان لما استدعاه، فأعطاه فوق رضاه، أموالا أحفت أقلام ~~الكتاب، وأوهت أنامل الحساب. PageV01P382 # وأنهض في صحبته ونصرته وإقامة خدمته أبا سعيد عبد الرحمن بن محمد «1» ~~الطائي أحد مشايخ بابه، وأفاضل كتابه، في رجال قد تعودوا «2» النصر منذ ~~خدموا رايته، فلم يعرفوا وجه الانقلاب [إلا بالأنفال] «3» على الأكفال: # تحملت صهوة أخرى شواكلها ... من طول ما احتملت «4» سبيا على الكفل # وتوجه الأمير أبو الفوارس فيهم وفي سائر خاصته نحو كرمان، فجلا عنها من ~~كان ولي عليها علما بعجزه عن المقاومة، وافتضاحه إن تعرض للمحاكمة «5»، ~~فملك تلك «6» النواحي ملكه إياها من قبل. وأقام بها أبو سعيد إلى أن قرت ~~تلك الأمور، ودرت للجبايات الشطور. [209 ب] ثم كر «7» وراءه فيمن كانوا ~~برسمه وتحت قيادته، وأتت «8» على ذلك مدة من الزمان تمنع حشمة السلطان يمين ~~الدولة وأمين الملة، وحرمة الناهضين من أتباع رايته في أمر وسمه بعز عنايته ~~أن يقصد بما يوهم خلافا عليه، حتى إذا عاودت تلك الجيوش، وانفرد الأمير أبو ~~الفوارس بالتدبير، وارتاش بعد التحسير، سرب ms210 سلطان «9» الدولة عسكرا ثانيا ~~لمواقعته، واستخلاص تلك الناحية عن يده، فتلاقيا على حرب أشابت القرون ~~تحكيما لظبى الصفاح في مخارج الطلى، وتحويما لشبا الرماح على موارد الكلى، ~~حتى تشقرت الأرض من صبيب الأوراد، وتمغرت «10» من رشاش الأكباد. وعندها زلت ~~قدم الأمير أبي «11» الفوارس فولى كسيرا، لا يعرف قبيلا ولا دبيرا. وانتهى به PageV01P383 ~~الركض إلى همذان حضرة شمس الدولة بن فخر الدولة، فقضى فيه حق القرابة ~~إعظاما لقدره، واهتماما بأمره، واغتناما لشكره، واستعدادا لنصره. وأقام مدة ~~مديدة على هذه الجملة، حتى استشعر أو أشعر أنه مغرور ومقصود، وإلى الأمير ~~سلطان الدولة مردود، فنفر نفار الأيم «1» من ضربة القاتل، والوحش من كفة ~~الحابل. وفارق مظنته «2» قاصدا [210 أ] قصد بغداد. وسنشرح إن شاء الله ~~تعالى من بعد حاله، وما انتهى إليه أمره، مما كان عليه أوله «3». ### | ذكر أيلك الخان وما انتهت إليه حاله # قد كان أيلك الخان بعد الكشفة التي اتجهت عليه بباب بلخ، فركب ظهر جيحون ~~وعاد وراءه يضطرب على نفسه غيظا مما دهاه، وأسفا على ما أعياه، وما زال ~~يعاتب طغان خان أخاه، ويستنصر قدر خان على ما أوهى من قواه، وفوته من «4» ~~مراده ومغزاه، والقدر له معاند، والزمان مناكر ومناكد، حتى طرحه الكمد على ~~فراشه، وفجعه عن قليل بطيب حياته، فأشبعه التراب، بعد أن جوعه الحرص ~~والاضطراب، همة كانت معلقة بالأثير، محلقة على فلك التدوير، غير «5» أن يد ~~القدر فوق يد التدبير «6»، وما يصنع المرء بالجد إذا وافق الجد سافلة ~~البئر؟! # فهبه رحى يجري لها اليم ماءها «7» ... وليس لها قطب بماذا أديرها؟ # وقد ينهض العصفور كثرة ريشه ... وتسقط إذ لا ريش فيها نسورها PageV01P384 ~~وكانت وفاته «1» في سنة ثلاث وأربعمائة. وولي مكانه أخوه طغان خان، فمالأ ~~السلطان يمين الدولة وأمين الملة ووالاه «2»، وهاداه «3» متلافيا بزعمه لما ~~أخل به [210 ب] أخوه، ومتوددا من حيث ركب الخلاف ذووه. # وجاشت من جانب الصين جيوش لقصد طغان خان، وبلاد الإسلام من ديار الترك ~~وسائر ما وراء النهر، يزيد عددهم «4» على ثلاثمائة ألف «5» خرگاه ms211 «6» لم ~~يعهد الإسلام «7» مثلها على صعيد واحد، يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ~~«8» بغيا طالما صرع أهله وأوردهم كما يورد الهدي محله، فاستنفر من خطط ~~الإسلام حتى اجتمع إليه من رجال الترك وأحرار الغزاة والمطوعة قرابة مائة ~~ألف رجل. واستكت «9» أسماع المسلمين من فظاعة ذلك النبأ الهائل، والبناء ~~المائل، فارتاعت له القلوب، والتاعت النفوس، وتناصرت الأدعية والذكور. # وسار طغان خان مستقبلا من أقبل عليه من جموع الكفرة «10» بنيات مقصورة ~~على الاستقتال، والاستقبال للآجال «11»، أو ينزل الله نصره، ويظهر حزبه، ~~تحقيقا لما وعدهم PageV01P385 ~~على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم «1» حيث يقول، وقوله الحق: إنا ~~لننصر رسلنا [والذين آمنوا] «2» «3». # والتقوا أياما تباعا على ملاحم لم يدر من فتق العروق، وضرب الحلوق، وشد ~~الخيول على الخيول [211 أ] أصوب أنواء أم صب دماء؟! ولمع بروق أو وقع ~~السيوف؟! وظلمة ليال أو رهج نزال؟! وفي كل ذلك يتولى الله عبادة بالأيد ~~المتين، والنصر والتمكين، حتى وثقوا بالصنع المستبين، وطلوع النجح مشرق ~~الجبين. # وتلاقوا ليوم منصوص عليه على فيصل الحرب، فشد بهرام لها «4» نطاقه، وأدار ~~على الفريقين دهاقه «5». فأما أعداء الله فسكروا سكرا استوجبوا به الحدود ~~بالحدود «6» البواتك، فصبت عليهم من لدن لاح جبين «7» الشمس إلى أن ذكت ~~سراجا وهاجا، وكادت تصير على قمم الرؤوس تاجا. وأما أولياء الله فانتشوا ~~نشوة طربوا معها للضرب فوق الهام، والعبث بطلائع الحمام، لا جرم إن الله ~~حماهم ونصرهم، وآواهم وأظفرهم، فغادروا من جماهير الكفار قرابة مائة ألف ~~عنان صرعى على وجه البسيطة عن نفوس موقوذة، ورؤوس منبوذة، وأيد عن السواعد ~~مجذوذة، نقرى «8» للضباع، بل جفلى «9» للسباع والوحوش الجياع. وأفاء الله ~~على المسلمين مائة ألف رأس غلمانا كالبدور، واللؤلؤ PageV01P386 ~~المنثور، وجوار «1» كالحور العين «2»، والبيض المكنون، وسوائم غصت بها ~~أقطار البيداء، وضاقت عنها أطرار الدهناء «3». وشرد الباقون وراءهم تشلهم ~~السيوف شل [211 ب] الأنعام «4»، وتختطف أرواحهم بأيدي الحمام. وتطايرت به ~~البشارات في ديارات الإسلام، فنضرت لها «5» الوجوه، وضحكت القلوب، وعم ~~السرور، ووفر الشكور «6»، وتباشرت الدور حتى القصور والخدور، ms212 لطفا من الله ~~تعالى لدين ارتضاه، ووعد أن يصل بيد التأييد قواه. # ولم ينشب طغان خان «7» بعد أن فرغ من هذه الحرب العظيم بأسها، الشديد ~~مراسها، أن استأثر الله به، فنقله إلى جواره، وبوأه مبوأ الصديقين من دار ~~قراره، ختما له بالشهادة، وحتما عليه بالسعادة. # وورث مكانه أخوه أرسلان خان [أبو منصور الأصم] «8» صنوه في التقية، وتلوه ~~في الأمور الإلهية، ثبت المقام في دين الإسلام، لا تعرف له جاهلية، ولا ~~تنقم منه عنجهية ولا عجرفية، يقيم الصلوات جماعة، ويفترض العدل سمعا لله ~~وطاعة. وعمر الحال التي كانت بين طغان خان أخيه وبين السلطان يمين الدولة ~~وأمين الملة إظهارا للمصافاة، واستشعارا للمؤاخاة، وإيثارا للاشتراك «9» ~~على تصاريف الحالات. # وخطب السلطان إليه «10» كريمة له على ولده الأمير الجليل أبي سعيد مسعود بن PageV01P387 ~~يمين الدولة وأمين الملة، فأحسن «1» الإجابة، واغتنم «2» القرابة. وتردد ~~بينهما السفراء [212 أ] في ذلك مدة على جملة التهادي، ورص الحال باقتسام ~~الأيادي، إلى أن حقت الحقيقة، وتمت العقدة الوثيقة. وأنهض السلطان من ~~اختارهم من ثقات بابه لنقل اليتيمة «3» الكريمة، فجهزت وديعة تشاح عليها ~~ملكان: هذا صدر الملك، وذاك «4» ملك الترك، يختص بها الشبل ابن الليث، ~~والوبل ابن الغيث، والتيار ابن البحر، والصباح ابن الفجر، الأمير الجليل ~~أبو سعيد مسعود «5» بن محمود «6». ونقلت إلى الحضرة ببلخ، وقد صحبها من ~~فقهاء تلك الدولة وأعيان رجالها من عدوا أئمة المشرق، وأرباب المنطق، فأدوا ~~أمانتي اليد واللسان، على ما ألحمت الحال بين الجنبتين، ورفضت الحشمة في ~~ذات البين. # وأمر السلطان أهل بلخ قبيل «7» الوصول بعقد الآذين «8»، وتكلف التنجيد ~~والتزيين؛ فبلغوا من ذلك مبلغا لم يستبق فيه من الوسع مذخور، ولا من الرسم ~~«9» مذكور ومسطور. # ورأى السلطان بعد ذلك أن يرفع من قدره؛ فعقد له على هراة سرة ملكه ~~ونواحيها، وسيره إليها بعد أن وصله بمال عظيم، يعده ذخيرة، ويوسعه تجملا ~~وزينة. فنهض إليها رشيد السيرة، حميد السريرة، عادل الطريقة، فاضل الخليقة، ~~[212 ب] خليقا بالملك على الحقيقة، وذلك في سنة ثمان وأربعمائة. PageV01P388 ### | ذكر الأمير ms213 أبي أحمد محمد بن يمين الدولة وأمين الملة «1» # جملة ما يمكن الإفصاح به، والإيضاح عنه من حاله، وذكر خصاله، قول القائل: # إن السري إذا سرى فبنفسه «2» ... وابن السري إذا سرى أسراهما # قد جمع الله له من الميل إلى خصائص الأدب، والسعي لمعالي الرتب، [والبعد ~~عن مكان الريب] «3»، مادل على أنه ابن أبيه، شرفا سمقت على النجوم شرفاته، ~~وكرما تعرفت لأهل الفضائل عرفاته، فإنه خرج من حضن الكفالة خروج الإبريز من ~~جمرات السابك، والهلال من تحت الشعاع المتشابك. لم يعرف له طول أيام ~~الإيفاع غير الارتفاع إلى اليفاع، تصرفا على كرم الطباع، وتقييدا للمأثور ~~بالسماع، وبذلا لما لفظته «4» يد الطباع، وارتياضا بآداب الثقافة والمصاع، ~~[وتمرينا للبنان بين القلم والعنان، وتعويدا للسان ذكر الإصابة والإحسان] ~~«5»، حتى إذا نزع يداه برد الحداثة، ولبس خداه طوق الشهامة، رأى السلطان أن ~~يوفيه حق البنوة، ويؤتيه شرط المروءة، ويجذب بضبعه «6» إلى حيث اقتضته ~~الفراسة فيه، واستدعته العناية به «7»، والرعاية له، فزوجه كريمة الأمير ~~[213 أ] أبي نصر «8» الفريغوني والي «9» الجوزجان، وهي التي تجمع إلى ~~الأصالة جلالة، وإلى الكفاية كفاءة، وإلى النعمة همة. # وعقد له على أعمال الجوزجان. كما عقد للأمير الجليل أبي سعيد مسعود على PageV01P389 ~~هراة. وهي التي وليها آل فريغون، وهم الذين حكوا في العز أفريدون «1» وفي ~~الهمة المنجنون «2»، وفي الغزارة والسماحة جيحون. # وولى أبا محمد الحسن بن مهران كفاية أموره، وولاية تدبيره؛ فبرز إليها ~~بروز السيف من يد الصاقل «3»، وهمى على أهلها همي السحاب الهاطل، وأحياهم ~~بندى العدل الشامل، وعدل في العطف عليهم بين الأيامى والأرامل؛ فعلقته قلوب ~~الخاص والعام، وكفته النفوس مؤونة الاستخدام. # ولما رأى السلطان حميد أثره، ورشيد مختبره «4»، ازداد شغفا بآثاره، وحرصا ~~على اصطناعه وإيثاره، فلم يخل من جديد إنعام، ومزيد حفاوة وإكرام. وسيأتي ~~بيان خبر الأمير الجليل «5» في موضعه من بعد بإذن الله. ### | ذكر التاهرتي الرسول الوارد من مصر # قد كان السلطان يمين الدولة وأمين الملة منذ شحذ الله عزيمته لغزوات [213 ~~ب] الهند محييا لسنة أبيه، مقتفيا نهج آثاره ms214 ومساعيه، باحثا على طريق النظر ~~وسبيل الجدل عن سنن الإسلام، والبدع المعترضة عليها في سالف الأيام، ~~استبصارا منه في الدين، واستظهارا على قمع الملحدين، فقرأ الكثير «6»، وسمع ~~التأويل، وتتبع القياس والدليل، وعرف الناسخ والمنسوخ، والخبر «7» الصحيح ~~والموضوع، وتلقى «8» من أصول PageV01P390 ~~الدين ما لم يستجز معه في الدين بدعة، ورأى ما يخالف ظاهره نكرا وشنعة. # وألقي إليه أن في غمار الرعايا بخراسان أقواما ينتحلون مذهب الباطن ~~المنسوب إلى صاحب مصر «1»، ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، بتأويلات ~~موضوعة تؤدي إلى رفع قواعد الدين، ودفع معاقد الحق واليقين، وإبطال معالم ~~الشرع، وتتبع «2» أحكام الله بالرفض والنقض؛ فأمر بوضع العيون عليهم، ~~وإلصاق الطلب بهم. # وعثر على رجل كان سفيرا بين المذكور «3» وبين أوليائه، والملبين لدعائه ~~«4» وندائه، يعرف القوم بسيماهم وأسمائهم، فنص «5» على عصابة منهم مختلفي ~~البلدان والأوطان؛ فأشخصوا إلى الباب، ورجموا تحت الصلب بالأحجار. ولم يزل ~~يفعل [214 أ] مثل ذلك بأضرابهم «6»، ومن كان يخرج له ذكر بألقابهم «7»، حتى ~~التقطتهم حجارة الرجم والرض، عن بساط الأرض. # وقد كان الأستاذ أبو بكر محمد بن إسحاق بن محمشاذ زعيم أصحاب أبي عبد ~~الله بن كرام، غزير الفضل، كبير المحل، مذكورا بالديانة الوافية، والأمانة ~~البادية والخافية، ومشهورا «8» باليقظة «9» على الفرق الغالية والبدع ~~الجافية. فوافق رأي السلطان على اجتياح من ركب بنيات «10» الطريق، وعدم في ~~العدول عن مثل مخارف «11» النعم PageV01P391 ~~مساعدة التوفيق، ونبهه «1» على عدة زعم «2» أنهم ضلال، ولهم في فضول القول ~~«3»، وهذر المحال مجال؛ فسلكوا في أصفاد الآخرين، ونصبوا عبرة للناظرين. # وازداد أبو بكر فيما تقرب به «4» من ظاهر المحاماة على دين الله، ~~والمراماة دون حق الله، وتطهير بيضة الإسلام عن كل ذي ريبة بعيدة أو قريبة، ~~حشمة أطمعت فيه الرجال، وأمالت إليه الآمال. وأية حشمة وضع الله عليها طابع ~~الدين، فهي في جوار النجم علو مكان، وسمو شأن. وكفاك بها فخامة ما ورد في ~~الخبر المروي أن الله تعالى «5» قال للدنيا: «من خدمني فاخدميه، ومن خدمك ~~فاتعبيه أو فاستخدميه» «6». # واتفق [214 ب] بعقب ذلك أن طلع ms215 رجل من ديار العراق ينتسب «7» إلى الشجرة ~~«8» العلوية يذكر أنه رسول صاحب مصر إلى السلطان يمين الدولة وأمين الملة ~~بكتاب تحمله، وبر تزوده. فورد نيسابور مدلا بسبب النسب، ومدليا بشرف السلف ~~«9»، فاستوقف إلى أن أنهي إلى السلطان خبره، ووكل إلى ما يرد من مثاله ~~صدره. ونهض من بعد ذلك إلى هراة ممتدا إلى الحضرة، فأمر برده إلى نيسابور، ~~لتقرير ما تحمله على رؤوس الأشهاد، وبمرأى ومسمع من كل حاضر وباد، صيانة ~~لخاص مجلسه عما عسى أن يضاف إليه من إحالة، وسر تحت رسالة. فلما رد «10» ~~القهقرى وفتش عما صحبه، عثر على PageV01P392 ~~تصانيف الباطنية، وأغاليط في الشريعة الحنيفية، أصح منها في الأسماع خباط ~~المجانين، ووسواس المبرسمين «1». لا تؤخذ في محصول، ولا توجد في معقول ~~ومنقول. # وناظره «2» الأستاذ أبو بكر على أمور من جهة مرسله، تفاوتت فيها ألفاظه، ~~فلم يوجد له على نار الامتحان ثبات، ولا إلى وجه التحقيق وجانب التمييز ~~التفات. ومازال يضرب أخماسا لأسداس «3» إلى أن تبين له أنه أخطأ في تحمل ~~تلك الرسالة، وحرم التوفيق في تقلد تلك [215 أ] السفارة. # وقضى الله أن أشخص إلى حضرة السلطان، فلما استحضر مجلس حفله وقد غص ~~بأعيان الإسلام، ساداتها «4» وكبرائها، وقضاتها وفقهائها، وغزاتها ~~وزعمائها. وهناك الحسن بن [طاهر بن مسلم العلوي، ومن قصته أن جده مسلما لم ~~يكن في الطالبية من أولاد الحسين] «5» الأصغر رضي الله عنهم «6» بناحية مصر ~~أوجه وأنبه منه، ولا أغنى ولا أفتى منه «7». فلما استقر معد أبو تميم المعز ~~بمصر، خطب إليه بعض بناته على ولده أبي «8» منصور الملقب بالعزيز. وسبب ~~ذلك- على ما قيل- أنه وجد في داره رقعة فيها: # إن كنت من آل أبي طالب ... فاخطب إلى بعض بني طاهر # فإن رآك القوم كفئا «9» لهم ... في باطن الأمر وفي الظاهر # فأم من سفه خوزية ... يعض منها البظر بالآخر PageV01P393 ~~فنسبهم الشاعر إلى أمهم الخوزية بالعسكر «1» لأن كورتها خوزستان، وهي أم ~~محمد بن عبد الله بن ميمون. فاعتل مسلم عليه بأن لا واحدة من بناته إلا وهي ~~في حبالة ms216 وتحت عقدة «2»، تفاديا من إجابته، وتحرجا من مصاهرته، فلما عرف ~~امتناعه ذهابا بنفسه عنه، وترفعا بنسبه دونه، وضع عليه يد الاستقصاء بعد أن ~~أودعه الحبس سنين «3»، وخبطه خبط العصا ورق السلم «4»، وألبسه [215 ب] عن ~~«5» فضفاض الغنى غلالة العدم، وهلك من بعد على يده. فقال قوم: غيب عن محبسه ~~«6»، فما يدرى كيف صار أمره؟ وأين جعل قبره؟ # وزعم آخرون أنه هرب من الحبس على طريق الحجاز، فاحتضر في الطريق. وعند ~~ذلك لجأ طاهر والد الحسن المذكور إلى مدينة الرسول «7» صلى الله عليه وسلم، ~~[فاستولى عليها] «8» متأمرا على أهلها، ومعه ابن عم له يعرف بأبي علي بن ~~طاهر وهو ختنه على أخته. فلما مضى لسبيله، ورث أبو علي مكانه من الإمارة ~~إلى أن لحق به وورثه ولداه هانى ء ومهنى دون الحسن لا ستضعافهما إياه، ~~وتقويهما بالحال والمال عليه، فرحل هو نحو خراسان ملتجئا إلى السلطان يمين ~~الدولة وأمين الملة سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة. # فلما ورد التاهرتي بزعمه رسولا، صغر الشريف الحسن شأنه، ووضع فيه لسانه، ~~وأبى أن يكون له نبات على دوحة الرسالة، وانتساب إلى نبعة النبوة، وادعى ~~عليه فساد الدين، PageV01P394 ~~واستحقاقه ضرب الوتين «1»، فخلى السلطان بينه وبين ما يستجيزه لنفسه ودينه ~~فيه، فقام إلى جيده بضربة غرقته في دم وريده. # وقد كان الإمام «2» القادر بالله أمير المؤمنين [216 أ] كتب إلى السلطان ~~يمين الدولة وأمين الملة بما ترامى إليه من خبر الرسول، وما يقتضيه الدين ~~من التصلب عليه «3»، وتقديم الجد في الانتصاف للإسلام والمسلمين منه. فلما ~~ختم أمره بما تقدم ذكره، أنهي إلى مجلس الخلافة صورة الحال، وكعم «4» السيف ~~أفواه العذال، فقوبل من القبول بمقتضاه، وجزي الخير على ما أتاه وتوخاه ~~«5»، فكان مثل التاهرتي [كما قيل] «6»: # ومن يشرب السم الزعاف فإنه ... حقيق بأنياب المنايا النواهس ### | ذكر الأمير أبي العباس مأمون بن مأمون خوارزمشاه وما ختم به أجله «7» إلى أن ورث السلطان ملكه «8» # قد كان أبو الحسن علي بن مأمون لما ورث أباه مأمونا مملكته، وقد كان ~~استضاف «9» خوارزم «10» إلى ms217 الجرجانية خطب إلى السلطان يمين الدولة وأمين ~~الملة إحدى أخواته تقوية لعمدة الحال، وتسدية للحمة الوصال، فأوجب إسعافه ~~بما استدعاه، PageV01P395 ~~استكفاء إياه، وتوخيا لرضاه، وزف «1» إليه من خطبه، ووصل بأسبابه سببه، ودر ~~التهادي بينهما حتى صارت الديار واحدة، والأسرار لغير الإخلاص جاحدة. وغبرت ~~الحال على جملتها في الاتشاج والامتزاج، إلى أن قضى [216 ب] خوارزمشاه ~~نحبه، ولقي بانقراض الأجل ربه، وورث أبو العباس مأمون بن مأمون مكان أخيه، ~~وولي ما كان يليه، فكتب إلى السلطان يسأله أن يعقد له على شقيقته عقده ~~عليها لأخيه «2» من قبل، فهو تاليه في الطاعة بل أتم إخلاصا، وثانيه في ~~القربة بل أشد اختصاصا. فشفع السلطان فيه «3» داعي الكفاءة، واستجد للحال ~~رونق الطراءة، وعقد له عليها عقدا خلطه فيه بنفسه، وفرغ له فريقا من قلبه ~~وخلبه «4». ومازال الأمر على جملة الاشتراك والاشتباك إلى أن دعا السلطان ~~داعي الاختبار إلى سومه «5» إقامة الخطبة باسمه، وأنهض رسولا يتنجزه العمل ~~بما يقتضيه ظاهر حكمه، فصادف منه حرصا على الإجابة، وافتراضا لحق الطاعة، ~~غير أنه عرض الحال فيه على من حوله من أعيان أشياعه وأتباعه، فأظهروا ~~نفارا، وأصروا واستكبروا استكبارا، وقالوا: نحن أتباعك وأطواعك ما سلم لك ~~الملك عن الاشتراك، فأما إذا وضعت خدك للطاعة، وضعنا السيوف على العواتق ~~خلعا لك، وتمليكا عليك، وجهادا فيك، فعاد الرسول [إلى السلطان] «6» بما رآه ~~عيانا، وسمع بغيا وعدوانا. # وأحس القوم [217 أ] بحمرة الدم من «7» وراء جرأتهم على ولي نعمتهم بالقول ~~الفظيع، والرد الشنيع، وزعيمهم في الأمر يومئذ ينالتكين البخاري صاحب الجيش، PageV01P396 ~~فأوجسوا خيفة، وتآمروا على الفتك به غيلة. ومازالوا في التدبير عليه إلى أن ~~دخلوا عليه ذات يوم على رسم السلام، فإذا هو صريع كأس الحمام، لا يدرى كيف ~~قتل، ومن أي وجه إليه قد «1» وصل. فبادروا بالعقد لأحد ولده، وبسطوا أيدي ~~الإصفاق على بيعته. # وعلموا أن السلطان يمتعض للحادثة، ويقصد قصد الانتصاف للوارثة «2»؛ ~~فتحالفوا على مقارعته إن غزاهم في عقر دارهم، وجزاهم على «3» مسخوط آثارهم. # ولما انتهى إلى السلطان خبر ms218 صنيعهم بولي نعمتهم، وهو قيم شقيقته وحامي ~~حقيقته، أزعجته قوة الحفاظ للانتقام من أولئك الغدرة الفجرة، والمرقة ~~الفسقة. فجاش لمناهضتهم على حمية مسجورة، وحفيظة على ابتغاء مرضاة «4» الله ~~مقصورة. وكانت سعادة أيامه قد لقنت أولئك العتاة البغاة ما أتوه استحقاقا ~~للنقمة، وبراءة من العصمة، وتمهيدا لعذره قربا وبعدا في استخلاص مملكة كانت ~~[217 ب] إلى عز إيالته نازعة، ولباب الإقبال برفق سياسته قارعة. وجر ~~الجحافل كالجبال سائرة، والبحار زاخرة، حتى أناخ بعقوتهم مستعينا بالله على ~~قتالهم، واستنزالهم إلى مناهل آجالهم. # وشاور صاحب الجيش الخوارزمي عامة قواده في ركضة على طلائع السلطان بياتا ~~تعضهم بأنياب الحديد، إن لم تسلمهم للتشريد والتبديد، فطار تحت خوافي الليل ~~حتى انقض على أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي- وهو طليعة السلطان في ~~كماة العرب- حين أنقض الكرى رؤوسهم، وشغل برد الصباح نفوسهم. واختلط البعض ~~بالبعض ضربا بالسيوف القواصل، وطعنا بالرماح الذوابل. وطار الخبر إلى ~~السلطان بركض القوم، فزحف بجيوشه إلى معترك «5» الحرب. وثبتت الخوارزمية من ~~لدن طلوع PageV01P397 ~~الشمس إلى أن حمي وطيس النهار جاهدين في القراع، مجاهدين دون المساكن ~~والرباع، يظنون أن يظفروا وقد غدروا بمن رباهم في حجور الإنعام، وأرواهم من ~~ثدي الإكرام، هيهات إن الغدر قلادة منظومة، أحد طرفيها عاجل العار، وثانيها ~~«1» آجل النار. ولم تشرف الشمس على التكبيد حتى أضجعت الخيول [218 أ] ثم ~~الفيول رجالا حكوا جمالا، قد قصفت أصلابهم، وانتهبت أسلابهم، وفلقت بالسيوف ~~هامهم، وبضعت بها «2» أجسامهم، وانهزم الباقون في خمر الغياض على شاطى ء ~~جيحون، والصوارم من ورائهم تخطب أرواحهم، حتى إذا واقعتها نحلتها «3» ~~الطلاق صداقا. واستأسر زهاء خمسة آلاف حقن الله دماءهم عبرة للنظار، وعظة ~~لأمثالهم من الغدرة الفجار. وركب البخاري ظهر الماء موائلا «4» في الهرب، ~~ومقدرا خلاصه من العطب، ولم يدر أن فعلة السوء تجزيه، وإقدامه على ولي ~~نعمته يرديه «5»، وأن حافر البئر لأخيه ساقط لا محالة فيه. # وجرت [في الزورق] «6» بينه وبين بعض أضرابه منافرة حملته على الاستيثاق ~~«7» منه، وبعث الملاح على استقبال المعسكر «8» بوجه الزورق، فلم ms219 ينشب إلا ~~يسيرا، حتى حصل في يد السلطان أسيرا. وأحضره السلطان مجلسه في سائر القواد ~~المأسورين، يسأله وإياهم عن استحلالهم دم صاحبهم من غير داعية، واجترائهم ~~عليه من غير وطأة عاتية. فرد جواب المستبسل المستقتل، وأما الباقون فسقط في ~~أيديهم لا يدرون ماذا يردون. # وأمر السلطان بضرب الأعواد والجذوع تجاه مقبرة [218 ب] صاحبهم أبي العباس ~~مأمون بن مأمون خوارزمشاه، وصلبهم أجمعين عليها، مع عدة PageV01P398 ~~ممن «1» اتهمهم بالدين، وعدهم معد الناكبين عن قصد السبيل. وأمر بالكتابة ~~على جدران تلك المقبرة بأن هذا قبر فلان بن فلان، بغي «2» عليه حشمه، ~~واجترأ «3» على دمه خدمه، فقيض الله «4» يمين الدولة وأمين الملة أبا ~~القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين حتى انتصر «5» له منهم، وصلبهم على ~~الجذوع عبرة للناظرين، وآية للعالمين. # وأمر من بعد بالأسرى فوضعت الأغلال في أعناقهم يقادون إلى غزنة دار الملك ~~فوجا بعد فوج، حتى إذا حصلوا بها وقد امتلأت منهم العيون، وغصت بهم المحابس ~~والسجون، من عليهم بالإفراج، وفرض لهم في جملة «6» سائر الحشم والأجناد، ~~ووضعهم مواضع أمثالهم من ديار الهند ربايا يحمون أقطارها، وينفضون عن عيون ~~العيث «7» مناكبها وأطرارها. # وولى خوارزم حاجبه الكبير أبا سعيد التونتاش، فأقام بها قامعا نجوم ~~الفساد، وفاقئا عيون الغي والعناد. إلى أن نضب ماؤهم، وأذعن للطاعة ~~أفناؤهم، واستقرت تلك الأسباب، ودرت الأحلاب، وذلك تقدير العزيز العليم ~~«8»، [والحمد لله رب العالمين «9»] «10». [219 أ] PageV01P399 ### | ذكر فتح مهرة «1» وقنوج «2» # ولما فرغ السلطان يمين الدولة وأمين الملة من مهم «3» خوارزم وقد انضافت ~~كإحدى أخواتها إلى سائر ممالكه الموشحة بآثار ولايته، الموشعة بأصباغ عدله ~~ورعايته، رأى أن يختم صحيفة العام بطابع الاستتمام، إجماما للركائب والركب، ~~وتقليبا للرأي في الغزو «4» بين جوانح القلب، فعدل إلى بست كالشمس قد جنحت ~~للشمال، وجاوزت نقطة الاعتدال، فالدنيا بها حواشي المطارف، أو عواشر ~~المصاحف، أو عقود المخانق أو نهود المعصرات العواتق، يدبر أعمالها، ويروي ~~فيما صار أحمى لها «5»، إلى أن أذن الله له في معاودة غزنة منشئا «6» سحاب ~~الفكر في غزوة تحقق إعجاز القرآن، ms220 بما تضمنه من وعد الله المنان، في إظهار ~~دينه المرموم «7» بسيد البشر، ومولى البدو والحضر، محمد تاج الأنام، وسراج ~~الظلام، صلى الله عليه وسلم وعلى آله خيرة البررة الكرام، على الدين كله ~~وإن سخطت نفوس، وضرعت خدود، ورغمت معاطس «8» وأنوف. # وبعد أن كانت الشقة قد بعدت عليه وعلى أعوان دين الله السائرين تحت رايته ~~بنور هدايته، إذ كانت الهند قد تحيفت «9» من [219 ب] شواها «10» وأطرافها ~~سبيا وانتهابا، PageV01P400 ~~وملكت على أربابها سهوبا وشعابا، فلم يبق إلا ما أجنه «1» ضمير قشمير، ومن ~~دونها فياف تصم عن كل عزيف «2» وصفير، وتضل بينها وفود الرياح إلا بخفير. # واتفق أن حشر إليه من أدنى ديار ما وراء النهر إلى أقصى حدوده زهاء عشرين ~~ألفا من مطوعة الغزاة، وقد وضعوا سيوفهم على عواتقهم محتسبين للجهاد، ~~منتدبين في ذات الله للاستشهاد. يخطبون الجنان بصداق الأرواح، ويستامون ~~الغفران بحدود الصفاح. فحرك «3» السلطان نفيرهم، وذمر «4» نفوس المسلمين ~~تكبيرهم. واقتضى رأيه أن يزحف بهم «5» إلى قنوج وهي التي أعيت الملوك ~~الماضين غير كشتاسب «6» على ما يزعمه المجوس، وهو كبش أقرانه، وملك الأملاك ~~بزعمهم في زمانه، فثار وبين «7» غزنة دار الملك وخطة قنوج مسيرة ثلاثة أشهر ~~سير الركائب القود، والخوانف «8» السود. # واستخار ربه وسار، وهجر النوم والقرار، واستصحب من شهد من أنصار دين ~~الله، وأعوان حق الله، رجالا يقتحمون أشداق المنايا، شوقا إلى السعادة ~~بالشهادة، وحرصا على الموعود من الحسنى والزيادة «9». وعبر مياه سيحون «10» ~~وچيلم وچندراهة «11» PageV01P401 ~~[220 أ] وإيرايه «1» وبيت هرز «2» وشتلدر «3» سالما في سالمين. وهذه أودية ~~تجل أعماقها عن الأوصاف، وتمتنع أطرافها على الأطواف، منها ما يغمر غوارب ~~الفيول، فكيف كواهل الخيول! ويدهده ثقال الصخور، فكيف خفاف المطايا ~~والظهور! صنعا من الله بمن «4» والاه، وغرر بروحه في استدامة رضاه. # ولم يطأ مملكة من تلك الممالك إلا أتاه الرسول واضعا له خد الطاعة، عارضا ~~في الخدمة كنه «5» الاستطاعة، إلى أن جاءه چنكي بن سمهي «6» صاحب درب قشمير ~~عالما بأنه بعث الله «7» الذي لا يرضيه إلا الإسلام مقبولا، أو الحسام ~~مفلولا. ms221 فأظهر العبودية عن حاضر التوفيق، وضمن الإرشاد «8» باقي الطريق. ~~وجعل يسير أمامه هاديا، ويجزع واديا فواديا، وكلما انتصف الليل آذن بالمسير ~~خفق الطبول، واستوى أولياء الله على ظهور الخيول، يجشمون تعب الركض ~~والسلوك، إلى أن تجنح الشمس من غد للدلوك، حتى استظهر ماء «9» جون لعشر ~~بقين من رجب سنة تسع وأربعمائة. # وما زال يفتتح الصياصي والقلاع مبنية على ريود الجبال، وحروف القلال، ~~بحيث تألم متالع «10» الأعناق متى شخصت إليه نواظر الأحداق، إلى [220 ب] أن شافه PageV01P402 ~~قلعة برنة «1» من ولاية هردب «2»، وهو أحد الرايان «3» أعني الملوك بلغة ~~الهند، فاطلع على الأرض اطلاعة وهي تموج بأنصار حق الله مسومة من فوقها ~~الترائك، ومن حولها الملائك، فتزلزلت قدمه، وأشفق من أن يستباح دمه، فرأى ~~أن يتقي بالإسلام «4» بأس الله وقد شهرت حدوده، ونشرت بعذبات العذاب بنوده. ~~ونزل في نحو عشرة آلاف منادين بدعوة الإسلام، متفادين عن ولاية الأصنام، ~~فحقق الله ميعاده، وأحسن بفضله إسعادهم وإسعاده «5». # نعم، وامتد الوجيف به بعد إلى قلعة كلچند «6»، وهو من أعلام الشياطين، ~~وأعيان أولئك الملاعين، يدل على الملوك بعز أقعس، ويرنو إلى القروم بطرف ~~أشوس، قد قضى في الكفر معظم عمره، وغني بهيبة الملك وبسطة الأمر عن تجشيم ~~بيضه وسمره. ولم يقصده أحد إلا ارتد عنه مغلولا، وعاد عقده عنه محلولا. عزة ~~«7» حال، وكثرة مال، وقوة رجال، وعدة أفيال. ووثاقة معاقل وحصون، وملك عن ~~مطامع الأنام «8» ومطامح الوهن والانثلام [221 أ] مصون. فلما رأى السلطان ~~قد قصد قصده، وجرد لمجاهدته جهده، رتب فيوله وخيوله وراء غياض لو رميت ~~بأفراد الإبر، لاتقتها الأرض بأوراق الشوك والشجر، وأغرى السلطان به بعض ~~طلائع جيوشه، فثاروا «9» إليهم يخرقون تلك الآجام PageV01P403 ~~خرق الأمشاط منابت الشعور، بل الأشافي «1» مخارز «2» السيور. # وأعرضت للسلطان طريق من فوق القلعة المذكورة، فلم يرع أهلها إلا البحر ~~الأخضر، والله أكبر، والسيوف لا تبقي ولا تذر. فثبتوا للجلاد مستقتلين، ~~وتواصوا بالمنايا مستبسلين، والسيوف تأخذهم من فوق وقدام، وتبضعهم ما بين ~~لحوم وعظام «3» وحملاتهم بينها تتصل اتصال الكعوب، وضرباتهم تتوالى ms222 توالي ~~الغيث المصبوب، غير أن الله منزل الحديد ذي البأس الشديد «4» هو الذي إذا ~~شاء قطع، وإذا شاء نبا وامتنع. # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد «5» # فإن نالت من أولياء الله، فلأجر الاستشهاد، وثواب المعاد، وإن نبت ~~فلإعجاز «6» القدرة، وإظهار العبرة؛ ليعلم أن الحكم لله في كل مخذول [221 ~~ب] ومعصوم، ومحروس «7» ومقصوم. # وظل المخاذيل يتنامسون بينهم وقد عاينوا سيوفهم نابية، وسيوف أهل الحق ~~عليهم ماضية، وحملاتهم واهية، وحملات أهل الدين أولى وثانية. ما هؤلاء من ~~جنس الأنس ولا من زمر البشر، هيهات إن وقع الحديد ليجز في الجبال، ولا حز ~~له في هؤلاء الأبطال، حتى إذا مثل لهم شخص الطغيان في صورة الخذلان، تواصوا ~~باقتحام ما وراءهم من زاخرة المياه يظنون أنها تقيهم بأس الانتقام، وتحميهم ~~كأس الحمام، أو لا يرون أن الكفر لا يهدي سبيله، وأن الله يردي بكثير ما ~~يحيي قليله! لا جرم إن صفائح الماء وافقت PageV01P404 ~~صفاح الدهماء، فأوسعوا قتلا وأسارا، وأغرقوا فأدخلوا نارا. ولعل عدد «1» ~~القتلى وعدد «2» الغرقى يزيد على خمسين ألفا أصبحوا طعما للنسور والضبعان، ~~وأقواتا للتماسيح والحيتان. # وعمد كلچند إلى قتالته «3»، فأهلك بها عرسه «4»، ثم كر فألحق بها نفسه. ~~وأغنم الله السلطان مائة وخمسة وثمانين رأسا من الفيلة الضخام، مضافة إلى ~~سائر ما اطرد عليه حكم الاغتنام «5»، من نعم الله العظام «6»، وقسمه «7» ~~[222 أ] الراجحة الأقسام. # ولما وضعت تلك الحروب أوزارها، وحلت له الغنائم أزرارها، عطف عنانه إلى ~~شط البلد الواقع عليه اسم المتعبد وهو مهرة الهند، يطالع أبنيتها التي يزعم ~~أهلها أنها من صنيع الجنان دون الإنسان، إبداع أساس وسقوف، وإعجاز أوساط ~~وحروف، فرأى ما يخالف العادات، ويفتقر رواتها «8» إلى الشهادات بل ~~المشاهدات. بلدا مبني السور من صم الصخور، قد شرع بابان منها إلى الماء ~~المحيط به، موضوعة أبنيتها فوق شواخص التلال، صيانة لها من مضار سيول الماء ~~«9»، ومغار «10» غيوث السماء. وعن جنبتيها ألف قصر شبيهة بسائر «11» ~~الأبنية في الوثاقة، مشتملة على بيوت أصنام قد هندمت مفاصل أعراقها بمسامير ms223 ~~تساوي سطوح البناء، وتواري ما وراءها من الحزوز تحت الخفاء. وفي صدر البلد بيت PageV01P405 ~~أصنام يحكي أخواته أو أحسن، ويجري مجرى أضرابه بل أتقن، لا يهتدي الكتاب ~~بأقلام الدواة، ولا النقاشون بأطراف الخامات، إلى «1» أمثالها تحسينا ~~وتزويقا، ونقوشا تخطف الأبصار بريقا. [222 ب] # وكان فيما كتب السلطان به أنه «2» لو أراد مريد أن يبني ما يعادل أشباه ~~هذه الأبنية، لعجز عنها بإنفاق مائة ألف ألف درهم، في مدة مائتي سنة، على ~~أيدي عملة كملة، ومهرة سحرة. # وفي جملة الأصنام خمسة من الذهب الأحمر مضروبة، على قدر خمسة «3» أذرع في ~~الهواء منصوبة، قد ألقمت عينا «4» واحد منها ياقوتتين «5» لو سيم مثلهما ~~«6» على السلطان لا بتاعهما «7» بخمسين ألف دينار استرخاصا، ولم يستثن فيه ~~«8» دركا ولا خلاصا «9». وعلى آخر قطعة ياقوت أزرق أروى «10» من ريق الماء، ~~وبريق البهاء «11»، تتزن «12» أربعمائة وخمسين مثقالا. وخرج «13» من وزن ~~قدمي أحد الأصنام المذكورة أربعة آلاف وأربعمائة مثقال. PageV01P406 # وكانت جملة الذهبيات الموجودة عن أجرام الأشخاص المنصوبة ثمانية «1» وتسعين ~~ألفا وثلاثمائة مثقال. وزادت الفضيات منها على «2» مائتي «3» قطعة، لم يمكن ~~«4» وزنها إلا بعد التفصيل، والعرض على كفف «5» المعابير. وأمر السلطان من ~~«6» بعد بسائر بيوت الأصنام «7»، فضربت بالنفط والضرام، وجعلت سقوفها مواطى ~~ء الأقدام «8». # وسار من بعد قدما يروم قنوج، وقد اشتق الفأل [223 أ] له من تصحيفه ~~(فتوحا) «9»، وعده صنعا من الله ممنوحا. وخلف وراءه معظم العسكر تطميعا ~~لراجيبال «10» ملكها في الثبات لخفة الزحام، وتقبيحا له قبل اللقاء صورة ~~الانهزام، إذ كان أمراء الهند على غلب رقابها، وقوة أسبابها وأصحابها، ~~أطواعا لراي قنوج، اعتزازا بمكانه، واغترارا بفخامة شأنه. ولم يعبر على ~~قلعة من قلاع تلك الرباع إلا وضعها بالأرض، وعرض أهلها على الإسلام أو ~~السيف «11»، وحاز من السبايا والنهاب، والنعم الرغاب «12»، ما يعجز أنامل ~~الحساب. # ووصل ثامن شعبان إلى قنوج، وقد فارقها راجيبال «13» حين سمع بإقدامه، ~~فراق من لا يرى الهزيمة عنه عارا، ولا يعتد الفضيحة بها شنارا. وعبر ~~السلطان الماء المسمى PageV01P407 ~~گنگ «1»، وهو الذي يتواصف الهنود قدره وشرفه، ms224 ويرون من عين الخلد في «2» ~~السماء مفترقه. إن أحرق منهم ميت ذروه فيه بعظامه، وظنوه طهرة لآثامه. ~~وربما أتاه الناسك من بعيد فغرق نفسه فيه، يرى أن ذلك ينجيه، وهو في العاجل ~~يرديه، وفي الآجل يصليه ويخزيه، ثم لا يميته ولا يحييه. # وتتبع السلطان [223 ب] قلاع قنوج «3» فإذا هي سبع موضوعة على الماء ~~المذكور، كالبحر «4» المسجور. وفيها قريب من عشرة آلاف بيت للأصنام «5»، ~~يزعم المشركون أنها متوارثة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة، كذبا ~~وزورا، وقولا موزورا، وعدولا عن سنن الهدى وكفورا. وبحسب قدمتها كانت ~~عبادتهم لها، وإجهاشهم بالدعوات إليها. وقد شرد عنها أكثر أهلها خيفة الأيم ~~واليتم، وحلول النكير بآلهتهم الصم البكم، فمن بين ناج أغاثه نجاؤه، وثاو ~~أباده ثواؤه «6»، ولم ينجه من سيوف الحق أرضه ولا سماؤه، ففتحها كلها في ~~يوم واحد، ثم أباحها لأهل عسكره يتناهبونها طلقا «7» حلالا، ويتناوبونها ~~وقما «8» وإذلالا. # وركض منها إلى قلعة منج المعروفة بقلعة البراهمة «9»، وهم «10» حي «11» ~~لقاح، وعتاة ما لهم عن الفساد في تلك البلاد براح. فثبتوا للقراع أشباه ~~العفاريت عارجة، والشياطين PageV01P408 ~~ماردة ومارجة، حتى إذا أعوزهم الثبات، وأعجزهم النجاة. وعلموا أن ليست لهم ~~بالمسلمين طاقة، وأن دماءهم «1» لا شك مهراقة، تهاووا من غرفات الجدران، ~~وشرفات البنيان، على شبا الرماح، وظبى الصفاح، استخفافا [224 أ] بالنفوس ~~والأرواح، واستسلاما لأمر الله المتاح. لا جرم أن السيوف أشربت الأرض ~~دماءهم، وأطعمت «2» النسور أشلاءهم. كذلك المنايا أصهار، من خطب إليها لم ~~تر له ردا، ولم تجد من إنكاحه «3» بدا. # وأخذ «4» على تفيئة ذلك نحو قلعة آسي وصاحبها المعروف بچندبال بهور «5» ~~أحد أنياب الهنود، وأرباب الجنود. ولم يزل ذا منعة بالملك، وسعة في الملك، ~~فعرض له راي قنوج منازعا، وماده الحرب مكاوحا ومقارعا، فلم يزد على أن أتعب ~~أولياءه، ونكل على الخيبة وراءه. وقد أحاط بهذه القلعة غياض متكاثفة كأعراف ~~الجياد، ومتداخلة كأشعار الحداد. لا تستجيب الأفاعي بينها للرقاة، ولا ~~يستنير البدر عندها للسراة. قد أحاطت بها خنادق قعيرات الحفائر، فسيحات ~~الدوائر، إحاطة ms225 الثور بالثريا فماله عنها انفراج، ولا لها دونه انعراج. # فلما شعر المذكور بزحف السلطان إليه في كواكب دولته، ومراكب جملته، فقد ~~قلبه فرط «6» الحذار، وجس نبضه فكان ذنب الفار. ورأى الموت فاغرا فاه، فلم ~~يملك إلا أن يوليه قفاه. فأمر بقلع قلعته من أصولها، وتعويرها على [224 ب] ~~من يهم آنفا بحلولها. # وقفى آثاره بعفاريت أنصاره ينهبون ويغنمون، ويقتلون ويأسرون، حتى علم ~~الكافرون أنهم هم «7» الخاسرون. PageV01P409 # وكان المخذول يرى «1» أن أعوانه من كماة المقانب، وحماة الأشاهب، ورماة ~~الكتائب «2»، حتى رأى عسكر السلطان بين تلك المشاعب، وآثارهم بالقنا ~~والقواضب، والقسي المواطر كالسحائب، فعلم أن ضرب اللاعب خلاف ضرب الثائر ~~الغالب، وقوس المحلج غير قوس الناشب. ولما فصل السلطان أمر جندبال «3»، ~~وأذاقه في مهربه الداء العضال، عطف على چند راي- أحد أكابر الهند في قلعة ~~شروة «4» - وهو يظن «5» أن القائل يعنيه بقوله: # عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم «6» # قد ذهب بها على «7» أن يعطي غيره مقاده، أو يألف غير التعزز عادة. # وكانت في غابر الأيام بينه وبين بروچيبال «8» مناوشات تجاحش عن خيوط ~~الرقاب، فدامت حتى استلحمت رجالا، واصطلمت أبطالا فأبطالا. ثم قام دست ~~الحرب بينهما، فاضطرا إلى التوادع والتكاف، حقنا للدماء وصونا للأطراف. # وخطب بروچيبال إليه ابنته على [225 أ] ابنه بهيمال «9» استدامة للألفة، ~~وإماطة للفرقة، واستدفاعا للفساد، واستبقاء للسيوف في الأغماد. وسرح ابنه ~~إليه على تنجزه عقد PageV01P410 ~~الوصلة، وشرط الاتشاج في اللحمة، والاشتراك في البيت والنعمة. فلما حصل ~~الختن «1» في يده، جعله تحت قده وقيده، وطالبه بعوض ما ذهب له على يد ~~والده. فعجز بروچيبال عن قصد قلعته، واقتياض بيضته، واستخلاص ابنه من أسار ~~محنته. غير أن المنازعة لم تنفك بينهما قائمة إلى أن طلعت رايات السلطان ~~على تلك الحدود، وأسفر «2» صنع الله له في المقصود [بعد المقصود] «3» فأما ~~بروچيبال فلحق ببهوجذيو «4» - أحد المتعززين بحصانة المعاقل، وحزونة ~~المداخل، وخشونة المواقل «5» - خلاصا لمهجته «6»، واعتياصا بزعمه على من ~~«7» هم باقتصاص أثره. وأما چند راي فإنه استعد للمدافعة، واحتشد للممانعة، ~~اعتزازا بوثاقة ms226 قلعته، ولو ثبت لا قتلعته، وإدلالا بمنعته، ولو وقف لا ~~ختلعته. # فراسله «8» بهيمال بأن محمودا ليس من جنس أكابر الهنود «9»، وأمراء ~~رجالهم السود. إن السلامة من مثله تغتنم، والجيش باسم أبيه يستهزم «10». ~~وقد رأينا من كان أقوى منك حكمة، [225 ب] وأعلى أكمة، لم يقم لضربة من ~~ضربات حدوده، ولم يف بهضبة من هضبات جنوده. فإن أردت الافتضاح فشأنك، أو ~~الخلاص فغمض ما استطعت مكانك. # فعلم أن الرجل قد نصحه، وأنه إن خالف الحق فضحه، فسرب أثقاله وأفياله، ~~وخزائنه وأمواله، نحو جبال تناغي كواكب الجوزاء، وآجام تواري خد الأرض عن ~~«11» عين PageV01P411 ~~السماء. وورى بوجه مقصده فلم يدر أين سار، وإلى «1» أي الأقطار طار. أمتطى ~~الليل أم اقتعد النهار؟! # وكان غرض النصيح «2» المظلوم «3» في تهريبه وتغريبه إشفاقه من حبالة ~~الاقتناص، فيسام من كلمة الإسلام «4» ما سيم أعمامه وأقاربه من «5» قبل حين ~~اضطروا إلى الاستئمان والاستسلام. فلما أحاط السلطان بتلك القلعة وافتتحها، ~~على حصانة قواعدها، ومناعة مراقيها ومصاعدها، وتوسع منها في ثراء «6» كثير، ~~ومال على اختلاف أصنافه خطير، لم يهنه الموجود، وقد فاته الكافر المقصود، ~~وضاقت به الأرض دون طلبه، وانتزاعه من يد مهربه، فاقتص أثره ركضا نحو خمسة ~~عشر فرسخا بين منابت أشجار تصك «7» الوجوه فتدميها، ومساقط [226 أ] أحجار ~~تصدم الحوافر فتحفيها. ولحق القوم ليلة الأحد لخمس بقين من شعبان وقت ~~العتمة، وهم يطوون «8» مجاهل الأرض هبوطا وصعودا ولا طي التجار بحضرموت برودا. # وأهاب «9» إلى أولياء الإسلام، وأبناء الصلاة والصيام، باقتصاصهم، وادراع ~~لباس الظلام في اقتناصهم، ثقة بالله الناصر لدينه، القاضي على الكفر ~~بتوهينه، فكم من قتيل هنالك قبل أن يمسه حر الحديد. وأسير تقيد قبل يد ~~التقييد! فأما الأموال فباتت حجبا دون PageV01P412 ~~الأرواح، وسترا دون حد السلاح، وحر الجراح، فلا يعبأ بها. أو تشفى النفوس ~~من عندة «1» الكفار، وعبدة الشمس والنار. # وظل الأولياء يتتبعون «2» طرائح المخاذيل ثلاثة أيام تباعا، تنفلا «3» ~~واغتناما حلالا بعد أن جمعها الكفار حراما. وأما الفيلة فمن بين مقهور ~~ومردود، ومتطوع بالعود إلى السلطان محمود، لطفا ms227 من الله تعالى يتيح «4» له ~~غنائم الأموال، حتى يسوق إليه بهائم الأفيال. لا جرم أنها سميت (خداي آورد) ~~شكرا لله على إلهام ما لا يمسك إلا بالمقامع «5»، ولا يملك في المراتع إلا ~~بالحيل [226 ب] الخوادع، أن يأتي طوعا «6» فيهجر الأصنام، ويخدم الدين ~~والإسلام. ولقد أحسن من قال: # قل للأمير عبدت حتى ... قد أتاك الفيل «7» عبدا # سبحان من جمع «8» المحا ... سن عنده قربا وبعدا # لو مس أعطاف النجو ... م جرين في التربيع سعدا # أو سار في أفق السما ... ء لأنبتت زهرا ووردا «9» PageV01P413 ~~وبلغ ما رد من خزائن السارب «1» الهارب ذهبا وفضة، ويواقيت محمرة، وفرائد ~~مبيضة قرابة ثلاثة آلاف ألف درهم. فأما السبي فالشاهد على كثرة عدده، ووفور ~~مدده وقوع «2» الاستيام على الواحد منهم ما بين درهمين إلى عشرة دراهم. ذلك ~~فضل الله ذخره لأيام السلطان يمين الدولة وأمين الملة، وهو الملي ء له ~~بتمام الثواب، يوم قيام الحساب، فالحمد لله خير معبود ومحمود، وله الشكر ~~على ما أقر به عين محمد صلى الله عليه وسلم بمحمود. ### | ذكر المسجد الجامع بغزنة # ولما عاد السلطان يمين الدولة وأمين الملة على هيئة النصر «3» الموكل ~~بقمع الكافر المفتري، المكلل بسعدي السماء الزهرة والمشتري، إلى دار الملك ~~بغزنة وقد كاد أن يغيض سيحها على عدد الأرقاء من العبيد [227 أ] والإماء، ~~حتى استفرغت عليها أكياس التجار، الضاربين إليها «4» عن نوازح الديار، ~~ونوازع الأمصار، فحص «5» ما وراء النهر إلى مرابع العراق، ومبادئ الإشراق. ~~منها ما خلط بيضهم بالسود، وعدل في التمليك بين المسود والمسود، أحب «6» أن ~~ينفق ما أفاء الله عليه من «7» أنفال أولئك الغلف الأغفال، في عمل بر يشيع ~~جدواه «8»، ويريع إلى أمر «9» الاحتساب معناه. # وكان قد أوعز باختطاط صعيد من ساحة غزنة للمسجد الجامع، إذ كان ما اختط PageV01P414 ~~قديما على قدر أهلها، حيث عدت من زمعات «1» البلاد شحوط دار «2»، وشطون ~~مزار «3». # فوافق عوده من مضربه حصول المراد من تقطيعه وتوسيعه، وإقامة الجدران على ~~ترابيعه، فصب بدر المال على الصناع، كما صب دماء «4» الأبطال يوم ms228 القراع. ~~ونصب لمشارفتهم أحد الزعماء بحضرته، فهو يطوف عليهم مطالبا بصدق العمل، ~~ومعاتبا على رمز الخلل. # حتى إذا توسدت الشمس قلة الجبل، أقام ألسن الموازين ناطقة بالإنصاف، ~~وازنة بالجزاف، فيمسون «5» بين أجرين «6»: عاجل على السلطان منقود، وآجل ~~على الرحمن موعود. # ونقل إليه من أقطار الهند والسند [227 ب] جذوع توافقت قدودا ورصانة، ~~وتناسبت تدويرا «7» وثخانة. كأنها استودعت أرحام الأرض لأمر معلوم، وفجعت ~~بأعمارها ليوم محتوم «8»، فجاءت ولا الحق كمالا، والعدل استقامة واعتدالا. ~~تثني عليها الملاسة والسداد، وكأن بها صمما فهي لا تصغي ولا «9» تكاد. # وقد فرشت ساحته «10» بالمرمر منقولا من كل فج عميق، ومضرب سحيق، على ~~تقطيع التربيع أشد ملاسة من راحة الفتاة، وصفحة المرآة. وعقدت عند منتهى ~~الأبصار، PageV01P415 ~~طاقات كما تقطع الدوائر على نقط المراكز، فلو عاش سنمار «1» لعد في جنبها ~~«2» معد الواهن العاجز. فأما الأصباغ، فطالع روضة الربيع ضاحكة الثغور، ~~باكية الجفون، تستوقف الأبصار، وتقيد النظار. وأما التذهيب، فحسبك منه «3» ~~أن صناع الرصافة قد عزت عليهم الحقاق «4»، وصح لهم تكليف ما لا يطاق، وليس ~~بصفائح الزرياب «5» فقط، لكنه ضبات «6» الذهب الأحمر، أفرغت عن صور الأصنام ~~المجذوذة، والبددة «7» المأخوذة، فطفقت تعرض على النار، بعد أن كانت آلهة ~~للكفار «8». وتضرب بالمطارق «9»، بعد أن عبدت بالخدود والعنافق «10». أو ~~ليس الذي [228 أ] ينفق على جدران مساجد الله عبرة «11» للموحدين، وغيظا على ~~الملحدين، أتم سماحة وأكرم راحة ممن يفرغه معبودا وينصبه للنفع والضر ~~مقصودا؟! نعوذ بالله من رب شواره «12» عار؛ وهو محتاج إلى شعار «13». # وجزى الله عن الإسلام ملكا هذه أفعاله وأعماله، وامتحان الروح في امتهان ~~الممنوح «14» PageV01P416 ~~في سبيل الله دأبه وآدابه. # نعم، وقد أفرد السلطان لخاصته بيتا [في المسجد مشرفا عليه، مكعب البناء، ~~موسع الفناء، متناسب الزوايا والأرجاء. فرشه] «1» وإزاره من الرخام، كدت ~~عليه الظهور، حتى نقل من أرض نيسابور. وقد أحيط بكل رخامة مربعة محراب من ~~الذهب الأحمر مكحلا باللازورد، في تعاريج من ألوان المنثور والورد، من يرها ~~«2» بعينه يقل بلسانه لاستحسانه: لا زال هذا الأستاذ ممتعا ببنانه «3». # ألا من ms229 رأى مسجد دمشق، فراعه مرآه، وشاقه النظر حتى ثناه، وقضى بأن ليس ~~يوجد شرواه، دونك هذا البيت يلزمك المثنوية «4»، وتنعكس عليك القضية، ~~وينبئك أن الحسن بعض صفاته، والإبداع أحد سماته، وأنفال الهند من خدم ~~نقوشه، والهمة العلياء قد طمحت «5» بعروشه «6». # نعم، وأمام هذا البيت مقصورة بتعاريج عليها منصوبة تسع ثلاثة آلاف غلام، ~~متى شهدوا للفرض أخذوا أماكنهم [228 ب] منها صفوفا، وأقبلوا على انتظار ~~الأذان عكوفا. # وأضيف إلى المسجد مدرسة فيحاء تشتمل بيوتها «7» من بساط الأرض إلى مناط ~~السقوف على تصانيف الأئمة الماضين، من علوم الأولين والآخرين، منقولة من ~~خزائن الملوك الصيد، نقروا «8» عن ديار العراق، ورباع الآفاق، حتى اقتنوها ~~بخطوط كفرائد سموط، مصححة بشهادات التقييد، وعلامات التخفيف والتشديد. ~~ينتابها فقهاء دار الملك PageV01P417 ~~وعلماؤها للتدريس والنظر في علوم الدين، على كفاية ذوي الحاجة منهم. ما ~~يهمهم جراية وافرة، ومعيشة حاضرة. وقد اقتطع من دار الإمارة إلى البيت ~~الموصوف طريق يفضي إليه في أمن «1» من ابتذال العيون اللوامح، واعتراض ~~الرجال من بين صالح وطالح، فيركب إليه «2» على وفور سكينة، وشمول طمأنينة، ~~حتى يقضي المكتوبة، ويقتضي الأجر والمثوبة. # وأما سائر دور الحجاب وقصور القواد، فما يثق «3» بحقائق الإنفاق عليها ~~إلا من أتاها اعتبارا، وشاهدها اختبارا، فيرى مل ء الأباطح أبنية تشرف [229 ~~أ] على الهضاب «4» شرفاتها، وتكاد تغترف من نهر المجرة غرفاتها. وناهيك من ~~بلد يحتوي على مرابط ألف فيل يشغل كل منها- بساسته ومائرته «5» - دارا ~~كبيرة، وخطة وسيعة. إن الله تعالى إذا أراد، عمر البلاد، وكثر العباد، وهو ~~على ما يشاء قدير. ### | ذكر الأفغانية # ولما قضى السلطان وغرة القيظ «6» بغزنة، وأقبل الخريف بسفيفه «7»، وسمح ~~الوقت بحاضر ريفه، وقد كان طوائف من الأفغانية المستوطنين قلل تلك الجبال ~~الشوامخ، والرعان البواذخ، تعرضوا فعل القطاع لذنابى عسكره منصرفه من غزوة ~~قنوج، اغترارا بمناعة أماكنهم، وحصانة مساكنهم، أو تظنيا بخفاء «8» ~~أفعالهم، والتباسها بمناكير أمثالهم، PageV01P418 ~~رأى «1» أن ينتقم منهم بركضة تبيح عليهم أوكارهم وملاجئهم، وتخضب بدماء ~~النحور جآجئهم «2». فعزم على ما دبر، وصمم على ما قدر، وورى ms230 بنهضته إلى «3» ~~إحدى أقطار بيضته. ثم ركض عليهم في خاصته ركضا صبحهم في مراقدهم، فلم ~~يشعروا إلا بحر الصفاح على برد الصباح، ضربا «4» يقطف الرؤوس عن [229 ب] ~~النحور، ويفرغ البحور على الحجور «5»، كما قال أبو تمام الطائي «6»: # صرعى إلى صرعى كأن جلودهم ... طليت بها الشيان والعلام «7» # فيا لها نبهة أتمت عليهم الرقود، وآلت حلفة أن لا تعود، أو «8» تشهد ~~اليوم الموعود. فكم من جثث «9» فوق الأعلام، ورؤوس تحت الأقدام، حتى إذا ~~استلحمت السيوف أجسامهم، ولم تستبق إلا أياماهم وأيتامهم، كف كف الاقتدار، ~~وعلا ذروة العز بالانحدار. وعادت تلك الوعور سهولا، وكان أمر الله مفعولا «10». # وعطف إلى غزنة مميلا الرأي بين أن يشتو ببلخ مستجما، ولغابر السنة ~~بالقرار «11» مستتما، وبين أن يركب نية يمينية «12» في غزوة تقشع باقي ~~ضبابات الكنود، عن ديار PageV01P419 ~~الهنود، مجهزا على من «1» كان يضرب بذنبه في مهربه كالوزغة المثخنة «2» لا ~~تلبث أن تموت، فأبت عليه حمية الإسلام أن يسيغ على القعود جريضه «3»، أو ~~يستبقي في محابس الأغماد بيضه. وثنى عنانه نحو الهند في رجال يرون منتهى ~~الشهوات صهوات الخيول، وقصوى اللذات ملاقاة الفحول، ويجتزئون «4» بالظهور ~~أسرة مرفوعة، [230 أ] وبالأكوار وسائد موضوعة، وبالسموم رياحين مقطوفة، ~~وبالآجن الطرق «5» صهباء موصوفة «6»، وبالعرق السائل ماء ورد، وبالقسطل ~~الثائر مثار عنبر وفتات ند، وبالليل سكنا وقرارا، وبالنجوم ندامى وسمارا. ~~فمن ينمه نسب فإن آباءهم المشرفيات بواتك، وأمهاتهم «7» الزاعبيات «8» ~~فواتك، وأعمامهم القسي جوازع، وأخوالهم النبال قوازع. ومازال يخوض أنهارا ~~«9» هائجة، [وبحورا مائجة] «10»، وأودية هادية «11»، لم تضمن قط عن غرقاها ~~دية. وعين الله ترعاه، في كل سعي يسعاه، حتى اقتحم مغارات أولئك المغاوير، ~~بل ديارات أولئك المدابير؛ فظلت رذايا «12» الفل يضجون بالويل والثبور، ~~ضجيج النوق رواجع «13» بيت الله PageV01P420 ~~ومازال السلطان يصفح عمن «1» آمن وأطاع، ويفضح من أظهر الامتناع، بعد أن ~~أصاب غنائم لا يضبطها حساب، ولا يطعمها ماء ولا تراب، حتى انتهى به المسير ~~إلى ماء يعرف ب (راهب) غائر المخاض، حمى ء «2» القرارة كالخضخاض «3»، يبلتع ~~الخف والحافر، ويقتلع الدارع «4» كما يقتلع ms231 الحاسر «5»، فإذا ببروچيبال من ~~تلك الجيزة في رجال [230 ب] كالصريم «6»، وأفيال تحت الأديم «7»، و«8» قد ~~أخذ من فاجى ء الركضة حذره، وأسند إلى زاخر النهر ظهره. ورام أن يمنع ~~السلطان عبوره، ويشغل عن اقتحام الغمر جمهوره، حتى إذا اكتحل الليل بقاره ~~«9»، مر في ذمة أستاره «10»، مرور مروان على حماره «11». فلما علم السلطان ~~ذلك من قصده، ورأى استعداده واحتشاده لصده، أمر بالأطواف فهيئت «12» ~~للعبور، وأهاب بعدة «13» من غلمانه للركوب، فامتثل الأمر ثمانية منهم ~~يبتدرون العدوة القصوى، ويلتزمون كلمة التقوى، فلما رأى بروچيبال استقلال ~~الماء بهم، رماهم بخمسة PageV01P421 ~~من فيلته المجففة «1»، وفوج من رجاله المصففة، فأراد الله تعالى «2» أن ~~يحقق قول نبيه الأمي الأمين، ورسوله المؤيد بالتمكين حيث قال صلى الله عليه ~~وسلم: «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي ~~منها» «3». فألهم تلك العدة أن استوقفوها على أماكنها خرزا لأطراف هاتيك ~~الأخفاف بالنبال «4»، وغرزا لها بعد في وجنات أولئك الضلال، معجزة لم يسمع ~~بمثلها قبلها «5». ثمانية تجزع سيلا، وتدفع فيلة وخيلا. # وبدر من [231 أ] لفظ السلطان، عند عيان ذلك البرهان، أن قال: من قدر على ~~السباحة فليتعب «6» اليوم للراحة، فإذا «7» بخاصته ومعظم عامته خائضين، ~~ولصعب الماء رائضين، فتارة يسبحون بالأطواف، وأخرى يستريحون إلى الأعراف ~~«8»، حتى لفظهم النهر سالمين، لم تشجب لهم جنيبة، ولم تعطب لهم «9» حريبة، ~~ولم تذهب- بحمد الله- سبيبة. # وحمل السلطان بهم وقد نزوا إلى الظهور، حملة توزعتهم بين عقير سكران من ~~عقار الحدود، وأسير حيران من أسر القدود، وطريد يخاف وقع القواضب، وقتيل ~~بمرأى النجوم الثواقب، وصار ما حصل في الوقعة من عدد الفيلة مائتين وسبعين ~~«10»، ثقال الأجسام كثقال الغمام. وطار الكافر هزيما، لا يملك عزيما، ولا ~~يقدر تأخيرا وتقديما. PageV01P422 # وقد كان السلطان قبل أن لقي الكافر، ولبس جيوشه الدروع والمغافر، أخذ فألا ~~من كتاب الله تعالى يهديه عاقبة ما ينويه، فخرج له قوله تعالى: عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم ويستخلفكم [231 ب] في الأرض فينظر كيف تعملون «1». فلما «2» حقق ~~الله وعده، ونصره «3» بفضله ms232 وحده، ضمن على نفسه أن يفي بواجب عمله عدلا ~~يرفه الأنام، وغزوا يؤيد «4» الإسلام، وشكرا يقيد الأنعام. لا جرم أن الله ~~حافظه وحاميه، ومصيب به أغراض آماله وأمانيه، والذي يدخره له من ثواب ~~المعاد أربح مقادير، وأرجح مكاييل ومعايير. ### | ذكر الأستاذ «5» أبي بكر محمد بن إسحاق بن محمشاذ، والقاضي أبي العلاء صاعد بن محمد وما انتهى إليه أمرهما «6» بنيسابور # قد كان أبو بكر مرموقا بعين النباهة في صدر هذه الدولة، لمكانة أبيه من ~~الزهادة «7»، وضمه الأطراف على العبادة، واقتفائه نهج أبيه فيما كان ينتحله ~~وينتحيه. وكان الأمير ناصر الدين سبكتكين يرى من عصابته «8» في التزهد ~~والتعفف، والترهب والتقشف ما قل وجود مثله في كثير من فقهاء الدين، وأعيان ~~المتعبدين، فحلى «9» ذلك في قلبه كما حلى بعينه، والمجاهد في الله محبوب، ~~وقد يكرم أهل الشفاعات من له ذنوب. واستمر السلطان بعده على وتيرته في ~~ملاحظتهم [232 أ] بعين الاحترام، وإيثار طوائف الكرامية PageV01P423 ~~بالإكرام، حتى قال أبو الفتح البستي «1» فيما شاهده من نفاق أسواقهم: # الفقه فقه أبي حنيفة وحده ... والدين دين محمد بن كرام # إن الذين أراهم لم يؤمنوا ... بمحمد بن كرام غير كرام # وانضاف إلى هذه الوسيلة القوية، والذريعة الإلهية، أنه لما تورد جيوش ~~الخانية خراسان، عند غزو «2» السلطان ناحية الملتان، قبضوا بنيسابور على ~~أبي بكر احتياطا لأنفسهم من شيعته، واحتراسا من غامض مكيدته، ونقلوه في ~~جملتهم حين طلعت رايات السلطان من مغاربها، وأومضت «3» سيوف الحق عن ~~مضاربها، إلى أن وجد فيهم فرصة الإفلات، والسلامة على مس تلك الآفات، فاعتد ~~السلطان ذلك له في سائر مواته، وأوجب له حقا «4» يلحظه بعين مراعاته. # ونبغت «5» من أرباب البدع الباطنية- على ما تنامست «6» به البلاغات، ~~والله أعلم بما تجنه الضمائر والنيات- فئام «7» وافقت تصلبا من السلطان في ~~استئصالهم، وتعصبا لدين الله تعالى في احتناك أمثالهم، فحشروا [232 ب] من ~~أطراف البلاد، وصلبوا عبرة للعباد. # وكان أبو بكر أحد أعوان السلطان على رأيه حشرا إليه، وتصويبا للرأي عليه، ~~فصار البرى ء كالسقيم مذعورا، وعاد الملأ في عارض ms233 الخطب شورى. ورأى الناس ~~أن ريقته السم القاتل، ومدته «8» السيف القاصل، فبخعوا له بالطاعة، وفرشوا ~~له خدود الضراعة. PageV01P424 # وانعقدت له الرئاسة في لبسة الصوف «1». ولحظته الخاصة والعامة بعين المرجو ~~والمخوف، ووجدت خاصته سوقا للأطماع بعلة الابتداع، فاستزبنوا «2» الناس، ~~واستفتحوا الأكياس، فمن ألط «3» منهم بمكاس رمي بفساد معتقده، أو يعطي ~~الجزية عن يده. # وغبرت على هذه الجملة سنون، لا مطمع لأحد في تبديل شكلها، وتحويل فادح ~~الحال عن أهلها، ولا علم بأن الزمان بتغيير الأحوال ضمين، وبالخلاف على ~~صورة المعتاد رهين، ومن صبر على الأيام رأى الرفيع وضيعا، والضليع ضريعا، ~~وشاهد عن سموم القيظ صرا كالحا وصقيعا. # واتفق للقاضي أبي العلاء صاعد بن محمد أن حج بيت الله الحرام سنة اثنتين ~~وأربعمائة، [233 أ] وهو الإمام المرموق، والزاهد الموموق «4»، والفاضل ~~الجزل، والبازل «5» الفحل. قضى أكثر العمر «6» على الحظ النفيس، من ثمر «7» ~~الدرس والتدريس، تتطفل عليه الأعمال فيأباها، وتصب «8» إليه الأعراض «9» ~~فيرى الخيار فيما عداها. ومن حاز شرف العلم لم يشتر به ثمنا قليلا، ولم ~~يعدل به حظا وإن كان جليلا. فلما حصل بدار السلام، وأنهي إلى القادر بالله ~~أمير المؤمنين خبره في حجيج «10» بيت الله الحرام، قوبل بمقتضى حقه في PageV01P425 ~~الإسلام، من واجب الإثرة والإكرام، وظاهر التوقير والإعظام. وعضد بالكتاب ~~«1» إلى السلطان فيما تقرر من حاله، وفي مهمات أوجب الاحتياط شرحها على ~~لسان مقاله. فلما عاد من وجهه، شخص إلى حضرة السلطان بغزنة، فعرض ما صحبه، ~~وقرر ما تحمله، وأدى من حق الأمانة ما لزمه، وبها الأستاذ «2» أبو بكر محمد ~~بن إسحاق، فجرى في مجلسه ذكر الكرامية، وإطلاقهم القول بالتجسيم، وتعريض ~~[الله تعالى] «3» لما «4» لا يليق بذاته الكريم، فأنف السلطان لهذه الشنعاء ~~من مقالهم، والعوراء من فحوى جدالهم. ودعا أبا بكر سائلا عنه، وباحثا «5» ~~صورة الحال منه، فأنكر اعتقاد ما نسب إليه، [233 ب] وأظهر البراءة مما «6» ~~أحيل به عليه، فسلم مع الإنكار عن مس العتب والإنكار، فأما الباقون «7» فإن ~~الكتب نفذت إلى العمال في تقديم الاستقصاء عليهم، فمن أظهر البراءة ms234 من «8» ~~قوله الشنيع، واعتقاده الموجب للتبديع، ترك وشأنه من عقد المجالس للتدريس، ~~وتشرف المنابر للتذكير. ومن أصر على دعواه، ولم يختر لنفسه سواه، جعل مغناه ~~عليه حصيرا «9»، ورد لسانه دون الفضول قصيرا. # وخلع السلطان على القاضي خلعة لاقت بجلالة قدره، وزخارة بحره، ورعاية ~~أمير المؤمنين لحقه، وإيعازه بتمهيد أمره. وصرف كلا منهما «10» على جملة ~~الاستئناس «11»، PageV01P426 ~~والتفخيم على أعين الناس. # ولم تزل غصة القول بالتجسيم ناشبة في صدر أبي بكر، يصارع الأيام على نهزة ~~المكافأة بها، إلى أن استتب له الأمر في عقد محضر «1» على انتحاله «2» مذهب ~~الاعتزال، وتنجز خطوط قوم من الأعيان سلكوا فيه طريق المساعدة، وتنفسوا به ~~عن وغرة المنافسة، فغيظ ما لا يطاق داء دخيل، وهم على سر النفوس نزيل. # واحتيل في عرض المحضر على السلطان استفسادا لصورته «3» لديه، فوقع [234 ~~أ] التدبير موقعه من الإحفاظ «4» عليه، ورأى السلطان أن يبحث عن صورة ~~المرفوع في إحقاق من صور، وإبطال من زور؛ فأنهض قاضي قضاته و«5» واحد ثقاته ~~أبا محمد الناصحي «6»، من لم يشركه أحد في اصطناعه، والجذب إلى العلياء ~~بباعه، فإنه استخصه على طراءة شبابه لخلتين «7» قلما توجدان في قرح ~~الأسنان، فضلا عن أحداث الفتيان والشبان، وهما العلم والورع أخوان، دونهما ~~الدر بالياقوت «8»، والصحة بكفاف القوت «9». # وأقعده بغزنة- دار الملك- للتدريس والفتوى، وإصباح الناس من ساطع نوره في ~~التقوى، حتى إذا بهر كماله، وطفح بالفضل مكياله، ولاه القضاء على القضاة ~~[في عامة ديار ممالكه، ثقة بقوته وأمانته، وورعه ونزاهته] «10»؛ فتولاه ~~بنفس كصفحة الشمس PageV01P427 ~~نقاء «1» وروضة الحزن ديمتها السماء عشاء. وأمره «2» بأن يستحضر القاضي أبا ~~العلاء صاعدا، وأبا بكر الأستاذ في وجوه الرتوت، وأعيان الشهود، ويطالب ~~بإقامة الشهادة على الدعوى المذكورة على رؤوس الملأ من غير محاشاة، أو جنوح ~~إلى مداهنة ومحاباة؛ فقابل الأمر بالامتثال، وتجافى عن حرمة العلم لحشمة ~~الملك وهيبة الجلال، وسأل أرباب الخطوط [234 ب] عما عندهم من قضية الحال، ~~وجلية المقال، فأما أبو بكر فإنه أراد أن يتلافى باقي «3» الخطب، فزعم أن ~~الاشتراك في رتبة العلم أحدث ms235 بينهما منافسة تنازعا «4» معها مذهبي التجسيم ~~والاعتزال، فلا صح ما نسبني إليه، ولا تقرر ما ادعيته عليه. وأما الآخرون ~~فمن جار على حكم المساعدة، في المحاباة والمهاودة، ومن حادر لثام «5» ~~الاحتشام في التصريح، وإطلاق الدعوى باللفظ الفصيح، مكاشفة عدت الشهادة إلى ~~التعصب، وجاوزت حد المعلوم إلى التغضب. وسي ء- لذلك- وجوه أهل الرأي حتى ~~كادت تثور فتنة لو لا أن هيبة السلطان أجرت الألسن الطوال، وضربت على ~~النفوس التطامن «6» والانخزال «7». وتلطف قاضي القضاة لعرض الحال، وتقرير ~~صورة المحال. # واتفق أن تحين الأمير أبو المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين «8» في مجلس ~~السلطان فرصة القول في باب القاضي أبي العلاء، فنبه على سمته وسيماه، وأنبه ~~عن ورعه وتقواه، والتمس على سبيل التلطف أن يقع تلاف «9» للغضاضة به، ~~وتدارك المهانة PageV01P428 ~~الطارئة عليه، بعرك من تصدى لمكاشفته، [235 أ] وتعرض لاستفساد مكانته. فوثق ~~به السلطان فيما قال، وحدس أن صاعدا أجل من أن يعتقد الاعتزال، وأمر بإشخاص ~~من انتدب لمراغمته، ومقابلته بما اقتضاه حكم وقاحته. واستحلس القاضي قرارة ~~«1» بيته، فلم يكن يبرز إلا لفرض يقضيه، أو علم يمليه، مجتزئا بالله تعالى ~~جده عن غيره، ومقتنعا بما أدره عليه من خيره. ورأى أن بقية العمر أعز «2» ~~من أن تضاع على القيل والقال، وخدمة فضول الآمال، ومزاولة ما يصم «3» قدر ~~العلم بالابتذال، واستناب ولدين له «4» كالفرقدين، أو الشعريين «5»، أبا ~~الحسن وأبا سعيد شريكي عنان في المروءة والفتوة، ورضيعي لبان في أوامر «6» ~~النبوة، وأحكام آيات الله المتلوة، في قضاء المواجب، واحتمال النوائب، فعفي ~~له عن حقوق الناس، وفرغ لعلم النظر والقياس، وحظي بمثل ما أنبأ عنه أبو ~~الفتح [علي بن محمد] «7» البستي من حاله بقوله: # قد جمع الله أربعا لي ... فيهن عزي وحسن حالي # بلاغ علم، مساغ شرب، ... رفاغ عيش، فراغ بال # نعم، وأطلق تمادي الأيام على نباهة أبي بكر وارتفاع مكانته، و[235 ب] ~~اتساع حشمته ومهابته، وانبساط أيدي حاشيته في أموال وأعراض أهل ناحيته، ~~واستمرار العناد بينه وبين أعيان الأشراف في جيرته، ألسن الجمهور بحضرة ~~السلطان بما ms236 طغى من حاله، وبغى من جرح خباله، إدلالا بأفاعيله، واعتمادا ~~بزعمه على ما سبق العلم به من خلوص ضميره، ورشاد سبيله؛ فتداركه الاحتمال ~~مدة من الزمان مديدة، محافظة على الصنيعة من PageV01P429 ~~الانتزاع، والعارفة «1» من الارتجاع، وإبقاء على المحل المرموق في الله من ~~أن يلم به انحطاط، أو ينحل له رباط، حتى إذا جاوز الاحتمال حده، وامتنع ~~المستزاد بعده، عقد السلطان رئاسة نيسابور لأبي علي الحسن بن محمد بن ~~العباس، وقد كان جده في دولة آل سامان مجدودا «2»، وفي جملة الأعيان ~~والتناء معدودا، وأثره فيما بين آثار الرجال محمودا. ووافق أبوه أيام ~~السلطان أول مقدمه خراسان، وانتصابه منصب أصحاب الجيوش بها لآل سامان، ~~فانجبل خلقاهما على مناسبة الشباب، وعرف السلطان له حق الخدمة والاصطحاب، ~~غير أنه اعتبط في شبابه فعاد كما بدأ «3»، [236 أ] وكل امرى ء يوما مداه ~~إلى الردى. # وكان يضرب أبا نصر أحمد بن ميكال بقرابة، وأواصر مستجابة، فنشأ في جملته ~~نشأة المقبل، وخرج خروج القدح قدح ابن مقبل «4»، وأحدث له شكر النعمة حشمة، ~~وصفو الخدمة أدبا وهمة. فلما مضى أبو نصر لسبيله، أنهي إلى السلطان حاله في ~~كيسه وذلاقته «5»، وظرفه ولباقته، فاستحضره ليخبره؛ فوافق أولى النظرة ~~قبولا، وطرفا بمرود الإعجاب مكحولا. وازداد على طول الخبرة وفاقا، وعلى سوق ~~الخدمة نفاقا؛ فنما نمو الأشاء «6» أصلحها التدبير، ولقحها التأبير والماء ~~النمير، حتى سمت به المراتب «7»، وتوجهت إليه الرغبات والرغائب، وقابلت ~~حشمته حشمة أرباب الجنود، وسادات الأقلام والحدود. PageV01P430 # وكان غرض السلطان في عقد الرئاسة له أن يقمع «1» به من انعقدت «2» له بدالة ~~«3» التأله «4» والتعبد، وسابقة الترهب والتزهد، فقدر أن الذي حظي به معقود ~~بالدين، فلا سبيل إلى حله، ولا محاق أبدا لمستهله. ويرجع به إلى ما يوجبه ~~حكم التقية، من رفض المراتب العلية، والمطامع الدنيوية «5». فلما وردها ساس ~~أهلها سياسة [236 ب] لو عاش إليها زياد «6» لعاد إلى سياسته بعين استزادته، ~~فخفت عليه حتى صرير الجنادب، وسكن حتى دبيب العقارب، وهدأ حتى «7» شغب ~~المراتب «8»، وسكت حتى دوي المذاهب «9»، وكأنما «10» أقبل ms237 به شفيف «11» ~~الشتاء، فلكل سامة أو هامة في الوجار انجحار، وبالمغار استتار، [وكأن ~~القائل عناه بقوله] «12»: # وقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه «13» # ها إن هيبة السلطان هي التي خطمت «14» اللهاميم «15»، وحطمت «16» ~~الأقاليم. فلو PageV01P431 ~~وكل بعض همه برواسي الجبال لأصبحت منسوفة، أو بطوامي البحار لعادت منزوفة، ~~فما خطر خطة يتيه بها عن الرشد تائه، ويعمى عندها «1» عن قصد الصواب نبه ~~«2» أو نابه، ومن أحسن في جنب مثاله فعن عون القدر، وحكم الفلك الدوار على ~~البشر، أبى الله أن يحمد على دحر المريد شهاب، أو يمدح على سقي المحول ذهاب. # وتطرف الرئيس «3» حواشي المقصود ينتزع منهم بعض ما أخذوه رشى، واحتسوه ~~ثروبا وكشى «4». ثم نقلهم إلى بعض القلاع عبرة لمن أكل بالله، وأظهر الزهد ~~في الدنيا ثم لم يتوكل [237 أ] على الله. وهم بصاحبهم «5» فأخذ حذره، وأرخى ~~من دونه ستره، ولم يقصد السلطان قصد استئصاله، ونفضه «6» عن فضول ماله؛ ~~فترك من وراء الحجاب على قدم الزهادة «7»، وغصص الفطام «8» عن شرف «9» ~~العادة. # وعطف من بعد إلى جماعة الأشراف العلوية، ذوي الأقدار العلية، فأشعرهم أن ~~حشمتهم بالطاعة موصولة، وحرمتهم بلزوم القصد وترك تعدي الحد مكفولة؛ فتلقوه ~~بالإجلال، وقابلوا أمره بالامتثال، علما بأنه «10» ظل الله في أرضه، فما ~~يغني عنه «11» غير PageV01P432 ~~الانقياد، والميل على الغلو للاقتصاد. # واستخلف على الرئاسة عند الشخوص إلى الحضرة أبا نصر منصور بن رامش «1» ~~وهو يضربه بقرابة أبى السلطان إلا قطعها عليه صيانة له من تعبير الكرام، ~~وتثريب الرجال عند ذكر الأرحام. وطوع له قياد «2» الأحرار، والأشراف ~~الكبار، وألزمهم أن يخدموه بكرة وأصيلا، ويختصوا بطاعته جملة وتفصيلا. فمن ~~ورم أنفه دون «3» طاعته- شريفا كان أو مشروفا- نفي عن بلده، وعري عما تحت ~~يده. فشخصت إليه الأعناق، وأحدقت بفنائه الأحداق. [237 ب] واستتب له رئاسة ~~لا عهد لأحد بمثلها من رؤساء خراسان إلا أبا عبد الله العصمي «4»، فإنه بلغ ~~مثلها، ولكن على عمر مديد، وعز عتيد، وبأس شديد، وخدم وعبيد، ومال ينادي ~~على العفاة هل من مزيد. ms238 # وفرش «5» في زمانه بساط العدل، [ونشر في أيامه رايات الفضل] «6»، فقواعد ~~«7» الأحفاش «8» كرجالات الثروة والرياش، اشتراكا في الإنصاف. ونفقت سوق ~~الاحتساب «9» بالدرر «10» فوق الأكتاف، فمن بدعة مرفوضة «11»، ورتبة «12»، ~~مخفوضة، وحدود على الحق PageV01P433 ~~مقامة، وعيون على الفضول منامة. وبطلت معها الحانات «1» والمواخير، وخرست ~~«2» العيدان والمزامير، وركدت ألحان النائحات والسكارى، واستوت في الانجحار ~~واللياذ بما وراء الأستار عون «3» النساء والعذارى. فأما شوارع أسواق البلد ~~فقد كانت منذ بنيت نيسابور فضاء لا يكنها غطاء، ولا يظلها دون السماء سماء، ~~تخرقها الأعاصير مرة «4»، وتردغها «5» الأهاضيب «6» أخرى. فأما التراب ~~مثارا «7»، وأما الأنداء ثلوجا وأمطارا. لم يفطن أحد من ملوك خراسان وأصحاب ~~الجيوش بها لإلحاقها «8» بأخواتها من ديار خراسان [238 أ] تسقيفا لها ~~وتستيرا، وتنظيفا عن الأقذاء وتطهيرا، حتى ورد الرئيس أبو علي فطالب أهلها ~~به «9»، فلم يمض شهران حتى سمقت نحو السماك «10» سقوفها، وقامت على ركائز ~~«11» الأعواد حروفها، فمن بين منقش ومزخرف، ومدبج بالأصباغ ومفوف، تنفتح ~~منها فرج بقدر ما يملي ضياء النهار على الأبصار، دونما يوسع لذرور الغبار، ~~ويمكن لدرور القطار. وخمن البصراء استغراق «12» قدر العمارة مائة ألف ~~دينار، عن طيب النفوس، PageV01P434 ~~وفضل الكيوس «1» لم يكلف أحد عليها، ولم يستكره دون المثال فيها، بل عمتهم ~~المباهاة، وشملتهم المباراة، فأنفقوا موفرين ومستبصرين، ولأنفسهم على العجز ~~دون المراد مستقصرين، فمن تسوق تاسعا أو «2» عاشرا ليس بادئا أو ثانيا، رد ~~إلى الكاهل قذاله، وترك على شغل النظر أشغاله «4»، فيالها من سمك «5» شاخص ~~نحو السماك «6»، وزائد فلكا ثامنا على الأفلاك. # ولما عاد الرئيس إلى الحضرة، وقرر حال ما تولاه، ومن عزله وولاه، وافق ~~هوى السلطان ورضاه، فصادف تقريرا وتمكينا، وإحمادا «7» واسعا مستبينا. ~~وسنورد شرح ما يتجدد من هذه الأحوال إن شاء «8» الله تعالى ويسره «9». [238 ب] ### | ذكر الأمير صاحب الجيش أبي المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين «10» # قد كان السلطان يمين الدولة وأمين الملة لما ملك خراسان، وأخلاها من «11» ~~شرذمة «12» آل سامان، عرف له «13» موالاته إياه، وهجرته فيها إسماعيل بن ~~ناصر الدين PageV01P435 ~~أخاه، إعظاما لحق الكبر، واعترافا بواجب ms239 الفرض، فولاه نيسابور مظنة أصحاب ~~الجيوش الأكابر، على وجه الزمان الغابر، سادا به مكانه من قبل إذ هو سائس ~~الجمهور، ومدبر هاتيك الأمور. ومن وضع أخاه موضعا قد سده قبل بنفسه، ورآه ~~أهلا لبعض قدره، فقد «1» بالغ في البر والتوقير، وخرج من عهدة التقصير؛ ~~فوليها سنين عدة حميد السيرة في الخيرة، كريم الفعال في سياسة الرجال. # وجرى على يده من حميد الآثار «2» في مطاردة أبي إبراهيم المنتصر عند ~~ركضاته، وكفاية ما كان يطرأ من معرته وشذاته «3» ما تقدم شرحه، ثم رأى ~~السلطان بعد ذلك أن «4» يجمع به شمله، ويصل «5» بمشاهدته حبله؛ فاستدعاه ~~وأهل به مستجمه ومغزاه. # فلم يزايله بعد بحال، ولم يفاصله في حالتي حل وترحال. وكان يراه في ~~مقاماته «6» أول من يسمح «7» [239 أ] بروحه في المحاماة على دين الله، ~~والمراماة من دون حق الله، وواقيا أثناءها بمهجته نفسه إن كثف زحام، أو عظم ~~على جيوش حق الله استلحام، شفقة تجيش بها لحمة القربى، وشجنة «8» من الرحم ~~الدنيا. وكان ينصر «9» مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله «10» اعتقادا، ويرى ~~الاستمساك به رشادا، فأمر بمدرسة «11» بنيسابور في جوار القاضي PageV01P436 ~~صاعد بن محمد، وأنفق مالا حتى ابتناها، وحبس حبائس على من أواها، ودارس «1» ~~بأمالي العلم في ذراها؛ فبقيت تذكرة عنه تغدى «2» بالعلم وتراح، ويثنى عليه ~~«3» الإمساء والإصباح. # ولم ينقم السلطان منه طول أيامه «4» قولا محالا، ولفظا دون الصواب ~~مستحالا، ولا شكا أحد من الكبار له جانبا، وفعالا «5» لإشفاق الرؤوس على ~~الأتباع مجانبا. # وقضى الله أن خانه الشباب، ولما استوفى أمده، ونفض بباقي الأمل فيه يده، ~~فلحق بالواحد الغفار، إن الكرام قليلة الأعمار [198 أ] «6». وكتبت في ~~مرثيته رسالة سئلت إثباتها في ذكره ففعلت، إذ كان في ضمنها ما يفي بشرح ~~حاله، وتقرير بعض خصاله. وهي: # آه من سفرة بغير إياب ... آه من حسرة على الأحباب «7» # آه من مضجع الأمير المفدى ... فوق فرش من الحصى والتراب «8» # نصر بن الأمير ناصر دين ... الله صدر الحروب والمحراب # صاحب الجيش درة الشرق «9» تاج ... الفخر غوث الكرام ms240 والكتاب # نعاء يا ساسة الرجال، يا سادة الفعال، يا أعيان العلوم، يا إخوان النجوم، ~~يا شيوخ الإسلام، يا عيون الكرام، يا أحرار الزمان، يا أنصار السلطان. # نعاء إلى كل حي نعاء ... فتى الكرم احتل ربع الفناء «10» PageV01P437 ~~أتدرون أي ركن انهدم، وأي حد انثلم، وأي عقد انفصم، وأي سوار انقصم، وأي ~~روض ذبل، وأي نجم أفل، وأي بحر نضب، وأي طود تحصب «1»، وأي خطب نزل، وأي ~~نصر رحل؟ رحل «2» والله نصر ابن الأمير الجليل ناصر الدين، الأمير ابن ~~الأمير، والشهاب ابن الأثير، والبحر ابن الصبير «3»، والحبر ابن النحرير، ~~والعنبر ابن العبير. مرخ الملك و«4» عفاره «5»، وسور الدين وسواره، وركن ~~العز وغراره «6»، ونور المجد وعراره «7». # وغارت به بحيرة الأدب التي استعذبتها الشفاه، وضلت قبلة العلم التي وليت ~~شطرها الجباه، وعريت دوحة الكرم التي خبطتها العفاة، وجفت طينة الفضل التي ~~خدمتها الكفاة، وطلقت كريمة البر التي درس عليها التوحيد، [198 ب] وغذي بها ~~اليافع والوليد، وأحييت عليها فواصل «8» النهار، وحليت بها «9» عواطل ~~الأسحار، وأقشعت سماء شام أبناء الدين «10» بوارقها، وخاف أحزاب الكفر ~~والجحود صواعقها، فلا نار ولا ماء، ولا خوف ولا رجاء؛ فأضحى به جيب الزمان ~~مشقوقا، وسكر الحدثان مبثوقا، وبناء العز منقوضا «11» ولواء المجد مخفوضا، ~~ودمع الدين «12» مسفوحا، وطرف الإسلام مجروحا. PageV01P438 # وأقبل العلم في صورة المفجوع، وبزة الخشوع، يقرمط خطوه، وينفث إلى أهله ~~شكوه، مغرقا في صعداء تذوب لها جوامد الدموع، وتنفك عليها لواحك «1» ~~الضلوع: # فلو غير المنون أتاه أهوى ... إليه أخوه بالبيض البواتر # يمين الدولة الملك المرجى ... صباح الدين مصباح المفاخر # ولكن القضاء له مضاء ... تذل لعز مضربه المناخر # ألا يا صاحبي سمعكما إلي إن كنتما مسعدين، وجامعين إلي كلتا «2» اليدين: # ألما على نصر وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا «3» # فيا قبر نصر أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا # ويا قبر نصر كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # فتى عيش في معروفه بعد ms241 موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # بكى الجود لما مات نصر فلم يدع ... لعينيه لما أن بكى الجود مدمعا «4» # ولما مضى نصر مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين «5» السماحة «6» أجدعا # لئن جاز للموت أن يغصب الأمير نصرا، لقد ساغ لي أن أغصبها «7» [199 أ] ~~معنا، وأين معن من شقيق ملك الشرق؟! وسائس جمهور الخلق؟! والقاعد من قمة ~~الفرقدين على الفرق؟! سلطان الزمان يمين الدولة وأمين الملة، من دانت لعزه ~~القروم، PageV01P439 ~~واستكانت لهيبته الترك والروم، ففي بعض خصاله ألف معنى لم يرق إليه معن ~~بهمته، ولم يلق له ذكر «1» في ديوان نعمته. # نال حظوة من سلطان زمانه باتفاق، إذا الحرب قامت على ساق، ودارت كؤوسها ~~بين حاس وساق. وقد فضح ابن بنان «2» في جوده، وفضله بالسخاء عن موجوده، ثم ~~لم يعترض له قط صيانة لفعاله، ولم يقترف «3» عليه من بعد ذهابا بعز حاله ~~«4» وجماله. ها «5» إن الأمير نصرا ورث العز أباه، ولم يخدم مدى العمر إلا ~~أخاه، ولم يثنه غير فراغ الأكياس عن شغل المواهب، وفلول الأسياف عن قراع ~~الكتائب، وقطيعة الدنيا في صلة الرحم، وعصيان الهوى في طاعة السلطان ولي النعم. # نشأ بين القرآن والتفسير، والإيمان والتذكير، والعلم بالصلاة والصيام، ~~والفرق بين الحلال والحرام. وسخر الورى بطرف العنان، وسن العلى بحد السنان. ~~قد اقتسمت أيامه شرائط السلم باسمة الثغور، أو الحرب ظاهرة البسور «6»، ~~فأما المغافر والبواتر، وأما المحابر والدفاتر، وأما المحاضر والمنابر، ~~وأما القماطر والمساطر، فيوما في جحيم الغضب، ويوما في نعيم الأدب، ويوما ~~بين [199 ب] ظلال السيوف، ويوما بين معاني الحروف. # رفيقه إذا احتمى زج أو قبيعة «7»، ونديمه إذا احتبى حكمة أو شريعة، فكم ~~في ديار الهند له من وقائع أنطقت الحديد، وأخرست الوليد، وسكرت البثوق، ~~وفجرت العروق. # وغادرت بيض الرباع في فحمة الليل، وخضبت «8» الجربى عن ثميلة الكحيل. وكم في PageV01P440 ~~نوادي الفضل له من محاسن تلثم أطرافها الكلم، وتعشق أوصافها الأمم، وتسجد ~~لأعقابها الحكم، ويأوي إلى برد ظلالها «1» الكرم. وقد غنيت بذوب العقول عن ~~صفو الشمول، وبحلو ms242 المقال عن كعب الغزال «2»، وبغرر البراهين عن نزه ~~الرياحين، فالخليل على ذكره محشور، وكأن سيبويه من «3» طيب نشره منشور، ~~وأئمة الهدى عليه عكوف، وملائك العرش حوله صفوف، فمن صحيفة للذكر منشورة، ~~ومن أخرى بأقلام العدل مسطورة، لا لغو فيها ولا تأثيم إلا قيلا صوابا، ~~وحديثا كخالص التبر مذابا. نفس عليه الدهر مكانه إن الدهر غيور، وعلى عقائل ~~الزمان جسور، فصرعه كيادا للنظار، وأضجعه عنادا للأحرار، شاغلا عن الجود ~~يمينه، وعن السجود جبينه، وعن الذكر لسانه، وعن الغزو سيفه وسنانه. # حتى إذا كاد «4» يطمع في انتعاشه واستمكانه، وقد وزن على معيار الفداء ~~بأضعاف جثمانه، فجعه بروحه الطاهرة، ونفسه التي لم تغذ إلا لنعيم الآخرة، ~~[200 أ] فسخا عن العمر أنضر ما كان غصن شباب، وأنطقه فصل خطاب، وأكرمه عود ~~نضار، وأحفظه حق ذمار، وأوثقه بالدنيا دار قرار، فكم هنالك من ستور «5» ~~مهتوكة، ودموع مسفوكة، وجيوب مشقوقة، ورؤوس محلوقة، وصدور مكلومة، وخدود ~~بنعال السبت «6» ملطومة: # رمى الحدثان نسوة آل نصر «7» ... بمقدار سمدن له سمودا «8» # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا PageV01P441 ~~حتى إذا نشر رداء الردى عليه، وقربت حمولة البلى إليه، تنازعته أكتاف ~~الرجال، كما تنازعته من قبل ظماء الآمال، فكأن الشمس غبرى من حثو التراب، ~~والأرض غرقى من دموع المصاب، والآذان موقورة من رفع العقائر «1»، والأبصار ~~مخطوفة من نقض الغدائر. # وقد غدت الوجوه مسفورة للنظار، والجموع محشورة للاعتبار، والعيون بين ~~جموم «2» تجري سواقيه، وجمود لا تندى مآقيه. وودت زهر النجوم لو صادفن ليلا ~~فدعون ويلا، وتناوحن على المصاب خيلا فخيلا، وأما الليل فقد أحسن فيه من ~~قال، وإن ركب الارتجال: # لقد بكت الليالي في دجاها ... لموت القرم مصباح الأنام # فأشخاص النجوم الزهر مما ... تجسم من مدامعها السجام # ويظل هجيري «3» كل ثاكل سائر وصائر «4» إلى موقف الوداع حائر: # من كان مسرورا بموت أميرنا ... فليأت نسوته بوجه نهار [200 ب] # يجد النساء حواسرا يندبنه ... بالصبح قبل تبلج الأسحار # يخمشن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار # قد كن يخبأن الوجوه تسترا ms243 ... فاليوم جئن برزن «5» للنظار # ها إنا لله وإنا إليه راجعون من شعوب «6»، تركت القلوب شعوبا، وأوسعت ~~الأكباد ثقوبا «7»، وكظمت النفوس كروبا، وسفحت العيون غروبا «8»، ونضحت ~~الوجوه قطوبا، PageV01P442 ~~ونثرت قناء «1» الأصلاب أنبوبا فأنبوبا. وسار شخص «2» العلى إلى فرضة البلى ~~فريدا وحيدا، لم يغن عنه جوده، ولم تجد عليه جنوده، ولم تقاتل عنه فيوله، ~~ولم يناضل دونه مرده وكهوله، خلا أنه فاح ذكاء مآثره، كما فاح كباء «3» ~~مجامره، ووهت على عرشه الرقاب، كما وهت حين أثلها النعم الرغاب: # فليس نسيم المسك ريا «4» حنوطه ... ولكنه «5» ذاك الثناء المخلف # وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه «6» أصلاب قوم تقصف # أيا ويل العفاة من بعده ما حالهم، وما فعلت بهم آمالهم! لقد «7» انقصم ~~محالهم، وانقطع دون هاتيك الموات «8» حقهم ومحالهم، كأني بهم غادين على سدة ~~كانت بالأبواع تلتزم «9»، وبالأفواه تستلم، وبعثير «10» ركبانها يتمسك ~~«11»، وبخدمة أركانها يتنسك. قد أقفرت فلا باب ولا بواب، ولا حجاب ولا ~~حجاب، يسألون أين الأمير؟! وما فعل السرير؟! وأين [201 أ] الحاجب والوزير؟! ~~وأين المنادم والسمير؟! وما هذه الوحشة المستطارة، والغبرة المثارة؟! ~~والظلمة الساجية، والغمة الشاجية؟! يقولون: ركب الأمير يزور أباه، ويحيي ~~بالسلام محياه، ويقضي نذر الاعتكاف على ثراه، ويعتذر من هجرة PageV01P443 ~~طال عليها مداه، أفمن «1» يركب للسلام تخذل أبوابه، ويعدم بوابه «2»، ويعزل ~~حجابه، ويوحش منتابه؟! ها إنه الركوب. فمتى المعاد؟! يقولون: ميعاده والله ~~المعاد. ألم تروا عروشه بالأمس مهدودة، وغروسه مخضودة، وجياده مهلوبة، ~~وسروجه مقلوبة، وأياماه مفجوعة، وأيدي يتاماه فوق الهام موضوعة؟! هنالك ~~نادوا ثبورا «3»، وعلموا أنه الحق «4» مقدورا. # وعقدوا دون حامة «5» البيت «6» مناحة، وندبوا عين الورى أدبا وفصاحة، ~~وكرما وسماحة، وأفعالا كما أسفر الصريم «7»، وأبرز كفه الكليم «8»، مغداه ~~ومراحه. يعتبون على الحجاب، وقد غدوا في بيض الثياب، أينزع «9» السواد، وقد ~~كذب «10» الحداد؟! الآن أحوج ما كنتم إليه «11» نزعتموه. هلا خالفتم الرسم ~~للوجوب، ولبستم لبسة المنكوب، ووقفتم وقفة الحجاب للسيد المحجوب؟! # يا قوم ليس بياض الثوب زينتكم ... وقد فجعتم بمولى كله كرم # ردوا عليكم جميعا فضل لبستكم ... إن الحداد على المفقود ms244 ملتزم PageV01P444 ~~فطفقوا يتناشدون بينهم عتبا على الزمان، وندبة للفضل والإحسان: [201 ب] # يا دهر دونك ما فعلت فقد غدا ... بك كل ما يخشى الرجال سليما # من ذا «1» الذي يرجو وفاءك بعدما ... غادرت نصرا في التراب رميما # من كان أعذب شيمة وسجية ... وألذ مكرمة وأطيب خيما # ومن العجائب والعجائب جمة ... أن لا تلام وقد غدوت مليما # يا دهر مالك طول وقتك ترتعي ... روض المعالي بارضا وجميما «2» # يا دهر مالك والكرام أولي النهى ... ماذا يضرك لو تركت كريما # لئن سر الأمير أباه بلقياه «3»، وشفى لوعة غلته «4» وصداه، لقد ساء أخاه، ~~بأن عدم مثواه، وافتقد مصبحه وممساه، ووكل من بعده إلى نواهس الأرض، ولواحس ~~التراب قراه. لكنه ما يصنع وسيف القضاء أحد؟! وحكم السماء حتم لا يرد. # ومن قبله ما قد أصيب نبينا «5» ... أبو القاسم النور المبين بقاسم # وخبر قيس «6» بالجلية في ابنه ... فلم يتغير وجه قيس بن عاصم # وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم # أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم «7» PageV01P445 ~~لا در در الموت من وقاح، وقرن كفاح، ما أنشب نابه إلا افترس، ولا ألحج ~~مخلبه إلا انتهس. سواء عليه الملك المحجب، والسلطان المغلب، والفقير ~~المستضعف، والسوقة المتنصف «1». # ألا تعس هذا الموت كيف ارتقى إلى ... حمى قصره العالي المنيع الجوانب # فمر على تلك القنابل والقنا ... وجاز على تلك القواضي القواضب [202 أ] # عجبت له والموت ليس بمعجب ... وفيه إذا فكرت كل العجائب # لعمري لقد جراه حين غزا على ... نهاب النفوس واغتيال الكتائب # وفهمه فتح الحصون وإنها ... سوامي المراقي ساميات المراتب # وبصره بالفتك في غزواته ... ورمي الرزايا وافتراض المضارب # فكر عليه شدة الليث وانتحى ... كطوف فحول السوء حول القرائب # ومن عجيب الأمور في حكم المقدور أن اخترم الماضي «2» - برد الله حفرته، ~~ونور غرته- حتف أنفه، على خطاره بنفسه في قحم الحتوف، واعتراضه للشهادة بين ~~الأسنة والسيوف، كخالد بن الوليد حين وفي أجله، إذ قال: ثاورت الحروب منذ ~~عقلت، فما في بدني مغرز إبرة إلا وفيه حز ضربة، ms245 أو وخز طعنة. وها أنا أموت ~~ميتة الحمار، إن الحكم إلا لله الواحد القهار. أو كلاما شبيها به. أما إن ~~خالدا لم يدر أن سيف الله لا يقتل بالسيف، وكذلك القتل يرنو إلى موت الشباب ~~من خصاص الحيف «3» وأن الله تعالى لما جعله أكرم النفوس مناقب، قيض له أحمد ~~الأمور عواقب، وقد فرغ ابن الرومي من هذا المعنى فجود، وبيض وجه البرهان ~~بما سود: PageV01P446 # إن لم يكن ظفر الهيجاء منيته ... فأكرم النبت يذوي غير مختضد «1» # أما ترى الغرس لا تذوي كرائمه ... إلا على سوقها في سالف «2» الأبد # لميتة السيف قوم يشرفون بها ... ليسوا من المجد في غاياتها البعد # عز الحياة وعز الموت «3» ما اجتمعا ... أسنى وأبنى لبيت العز ذي العمد # موت السلامة للإنسان نعلمه ... وإنما القتلة الشنعاء للأسد # لم يعمل السيف ظلما في ضرائبه ... فلم يسلط عليه سيف «4» ذي قود «5» # ولعمري إن الرزية به- قدس الله روحه- لقاطرة الغموم، مشاطرة «6» بين ~~الرجال على العموم، غير أن القاضي أبا العلاء وسائر شيعته، والشاربين من ~~زلال شريعته، أوفر من الأحزان «7» أقساطا، وأشد على مرود الأشجان ارتباطا، ~~فقد كان- عرف الله تعالى تربته- لهم «8» ظلا ممدودا، وشربا مورودا، وكهفا ~~مقصودا، ولواء على نصرة الدين معقودا. ولو لا أن الله تعالى سد ثلمة ~~المصاب، وخلة الاكتئاب بملك الشرق، وسيد الغرب، وحجة الله في الأرض، سلطان ~~الزمان، يمين الدولة وأمين الملة- أطال الله بقاءه، وحفظ على الدين والدنيا ~~بهاءه «9» وسناءه، ففي بقائه عوض من كل شاجب «10»، وخلف من كل غائب «11» أو ~~عازب- لاتسع القول في عظم [239 ب] هذا النعي، وفقد PageV01P447 ~~ذلك الشهاب المضي، والنقاب الألمعي، غير أن النعمة- بحمد الله- فيما بقي ~~ضافية اللباس، نامية الغراس، ناضرة الأكناف، حافلة الأخلاف، فلا زال فضل ~~الله عليه عظيما، وصنعه لديه جسيما، ولطفه كريما، ولا خلف عنه الزمان ~~يتيما، وألهمه الله فيما عراه راجحة الصبر، وعرفه فيما غزاه فاتحة النصر، ~~ولقاه مل ء الوهم مواهب تخرط الدنيا في سلك ملكه، وتقررها بحق الوجوب في ~~قبضة ملكه، ورحم الله ذلك الأمير العديم النظير، والجليل الفقيد المثل ms246 ~~والبديل، رحمة تبرد ضريحه، وتقدس روحه وريحه، وعرف له مساعيه في الذب عن ~~دين الله، والسعي في سبيل الله، والفرض من ماله لأولياء الله. وعوض الله ~~المشايخ السادة عما دهاهم فأوهاهم ثوابا يحفظ عليهم دينهم، ويثقل في موقف ~~العدل موازينهم، وجعلنا من المستعدين ليوم الدين، إن حكم الله يقري الجفلى، ~~والخلق فيها شرع، والآخر للأول تبع، والحمد لله على كل حال، والصلاة على ~~نبيه محمد وآله خير آل. [240 أ] ### | ذكر ما انتهى إليه أمري بعد بلوغ هذا المكان من شرح أحوال «1» السلطان [يمين الدولة وأمين الملة] «2» من قصد الوزير شمس الكفاة واقتضائه حقي الخدمة والموالاة # قد سبق في أول الكتاب ما سلف «3» لي إلى «4» الأمير ناصر الدين سبكتكين- ~~أنار الله برهانه- من خدمة، وتمهد «5» عنده من إل وذمة، وغرست أثناء ذلك في ~~التقرب إلى الوزير شمس الكفاة، والتكفل بما رآه، والتجرد لما أرضاه، ما «6» ~~رجوت على الأيام إيراق شجره، وإيناق نوره وثمره، بعد أن صادفت من آثار ~~رعايته ما لم يكن يليق إلا بهمته، وما PageV01P448 ~~نشأ من كريمة المجد في ضمان ذمته، فرأى عند وصولي إليه، وعرضي موضوع الكتاب ~~ومجموعه عليه، أن يسمني «1» بالتقليد، ويسيرني إلى كنج رستاق على البريد، ~~وعليها فرعون بون «2» أبو الحسن البغوي «3» الغوي. شيخ ظاهره نور، وباطنه ~~ديجور، ومنظره متن السيف، ومخبره رد الزيف، وأوله مشور العاسل، وآخره قرون ~~السنابل، فافتتح موفدي عليه باستهانة لم تناسب حشمة الآمر، ولا حرمة ~~الأقلام والمحابر، يوهم من جانب أنه مبعوث، [240 ب] ومن آخر أن الحقد ~~موروث. وقد كذب إن الزعاق «4» من منبع الشريب «5» محال، ووراثة محبات ~~الأولاد حلال، وما علمنا أن موالاة الأبناء معاداة الآباء، وأن والدا يكاشح ~~ولده، ويطوي على الداء الدفين معتقده، حتى يباغض من وافقه أو عاهده، وضرب ~~على وجوب عقد الموالاة يده. # وسامني خيانة الدين بمواطأته على كبائر تغلق الرقاب، وتوجب في عواقبها ~~العقاب، حتى إذا علم أن مثلي لا يقر على الباطل، ولا يرضى باستيكال مال «6» ~~اليتامى والأرامل، رام «7» أن يغرقني في دردور «8»، ويتيهني ms247 «9» في تيهور ~~«10»، فاحتال واكتال، وحرش PageV01P449 ~~علي الأمراء الأشبال. وأبى الله- لعلمه بعباده- إلا أن يحيق به مكيدته، ~~ويكشف «1» عن إقواء الزور وإيطاء الغرور قصيدته «2». # ولما آيس مما «3» رامه، وأبلس «4» دون ما جرد له اهتمامه واعتزامه «5»، ~~عرج على استنزال «6» شمس الكفاة بسحر التمويه، وعرض صورتي عليه في معرض ~~التشويه، موهما إياه أن لي صغوا «7» في بعض من ناظره يوما على رتبة ~~المقابلة، أو وازنه بمعيار الموازاة والمماثلة، علما منه بأن حلمه «8» لا ~~يستخف إلا بهذا التأويل «9»، [241 أ] وأن رأيه لا يستنزل إلا على مثل هذا ~~التخييل، حتى نفذت فيه رقيته، وعملت «10» في استنزاله «11» دخنته؛ فتشرب ~~حقدا ولا الأرض من صوب العهاد «12»، والكف من وشم السواد، والثوب من لون ~~الجساد «13»، أو صبغ الفرصاد «14». PageV01P450 # وعلم الله أني لم أكن لأضمر كدرا على صفاء، أو أسر حسوا في ارتغاء، أو ~~أستجيز غمصا لصنيعة، أو طما على عين شريعة. غيري من نكب «1» عن نهج الوفاء، ~~وغبب «2» دون فرض النعماء، وودع حق المنعم المثيب، ورد الحجر على قرارة ~~القليب. # ونزعني عما قلدنيه بفدم من أهل جرجان لا يعرف الرشد من الغي، ولا الظل من ~~الفى ء، ولا النشر من الطي، ولا النقد من اللي «3»، ولا الإثبات من النفي، ~~ولا جرجان من الري. # شوهة بوهة قد صيغ من طول القناة «4»، وزرقة البزاة، وليقة «5» الدواة، ~~وصفاقة الصفاة، وتجدير الصحف بالعشرات. طالما خر على العثنون «6» تشمما ~~للتراب، وتكففا «7» للعصا في الجراب، وتصرفا على المكس بالصروف، وتهجيا ~~للألف بنقطتين من بين الحروف. # وطفق من «8» بعد يرتضخ لكنة عجمية في شعر كشعره الموصوف بوثارة الصوف، ~~مستميحا كل صراف وإسكاف وعطار وبيطار على سعر «9» صفقته الأولى إذ «10» ~~السلعة قائمة، والجلة رائمة «11»، والسبخة ممطورة، والنخلة [204 ب] مأبورة. ~~وغبر زمانا على هذه الجملة في الوتاحة «12» والوقاحة. ثم انتجع خراسان ~~ببضاعته المزجاة، فوافقت على PageV01P451 ~~النظرة الخرقاء قبولا، ولبست من عز العطاء غرة وحجولا. فلما تعقبها التأمل، ~~علم أن خرق الانتقاد ضيع المال، وأورث الوبال؛ فأهمل مخذولا، وغودر في قذر ~~شعره مرذولا، إلى أن غر شمس ms248 الكفاة عن نفسه فاختاره علي، ونفذ معه مكيدة ~~البغوي الغوي في «1»، فقصدت من المكروه في الروح، دون سائر الممنوح، بما لو ~~لا مكان الأمير الأجل أبي سعيد «2» مسعود بن يمين الدولة وأمين الملة وفضل ~~إحسانه، واستنقاذه إياي من فجوات أشداقهما «3» بأحد غلمانه، لتراقى الخطب ~~إلى ما يعز تلافيه، ولغلق رهن الحياة بما فيه. ولو كنت علمت من سيرة البغوي ~~قبل ما عرفته بعد لا ستعفيت من جواره، واحترست من مساقط أحجاره، لكن ~~السرائر بيد «4» الله لا يكشفها إلا الاختبار: # والظلم من شيم «5» النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم «6» # وقد كتبت إلى جماعة الأفاضل في ذكر المذكور وشكواه، وتقرير سجاياه، ما ~~هذه نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم # لجماعة أرباب الصناعة، وعصابة أعلام الإصابة، من مبادى ء الإشراق إلى ~~أقاصي العراق، من محمد بن عبد الجبار المعروف بأبي نصر «7» العتبي، رسالة ~~تخص كل باد وحاضر موجود، [205 أ] وتعم كل لاحق مولود، ما سمع للحق أذان، ~~وأطلق على الكفر عنان، وشيم في سبيل الله حسام، وأقيم على كتاب الله «8» ~~نقط وإعجام. سلام عليكم ما PageV01P452 ~~راق شارق «1» مهضوب، وأراق بارق سكوب، ودر على الإبساس حلوب، وكر في حومة ~~البأس قارح «2» يعبوب. سلاما تميد على نفحات السحر قضبانه، وتنم على فتات ~~المسك والعنبر أردانه «3». أما بعد: # فإن لله- تعالى جده- بإزاء نعمه «4» التي يتبلج للسارين صباحها، ويتبرج ~~للناظرين وشاحها، معدلة القدود، موردة الخدود، مضفرة القرون، منؤورة «5» ~~الشؤون، مغلفة العوارض، مدبجة المعارض، مخضبة الأطراف، معطرة الأردان ~~والأعطاف، منا منه على عباده ابتداء يقتضيه حكم كرمه، أو ابتلاء لآثارهم في ~~جنب نعمه، نقما «6» قائدها شؤم الخذلان، وسائقها لؤم الكنود والكفران. ~~تخالط أبناءها مشوهة المطالع، منفشة القنازع، مروقة المكاشر، مقلصة ~~المشافر، مغولة المعاري والمحاسر. تصرفهم بين أخلاق مذمومة، وأخطار مثلومة، ~~وأعراض مكلومة، وأفعال بعاجل العار وآجل النار مختومة، وقد تستحيل النعم ~~بأعيانها نقما منكورة، كما تستحيل المحن على أربابها منحا مشكورة. # تطبعا على خلق المكان، وترعرعا على عادة المقصود بالإحسان، كالجيب يعطر ~~من نوافج الندود المعطرة، والجو ms249 يذفر من روائح الحشوش [205 ب] المقيرة. ~~والمزن يسقط على عرصة الروض فيوليه طهارة ونضارة، ويهبط على فروة الكلب ~~فيعديه نجاسة وقذارة، والماء القراح يسقي عروق الشجر؛ فيقضي عليها باختلاف ~~الثمر؛ يقبله كل منها على ما كتب له من مرارة وحلاوة، ومزازة وحرافة «7»، ~~وكثافة ولطافة. يسقى بماء واحد، PageV01P453 ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل «1» قدرة من البدي ء الأول، والأبدي الموجود ~~في الأزل. # وإن شر خلق الله نفسا وشيمة، وأخبثهم قدرا وقيمة، من يضيفه صنع الله ريان ~~من ماء الطلاقة، نشوان من صهباء اللباقة، فينان «2» من غلل «3» السجاحة، ~~ميسان في حلل الراحة «4»، حتى إذا حط رحله، وخالط بالبشر الخصيب أهله، قراه ~~من بؤس الخصال، وعبوس الملال، وضرة الاستبدال، ومضرة الابتذال، ما يطير ~~واقعه، ويهيج وادعه، وينشز «5» به «6» ودوده، ويعقر عليه ولوده؛ فيرحل في ~~سواد الحداد، شاكيا سوء الجوار، وخفرة الذمار «7»، وذلة المقدار، وغلظة ~~الأحماء والأصهار، ثانيا على ثنية الوداع صليفه «8»، متمثلا بقول الشاعر «9»: # نعم «10» الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام # لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى ... ولا نور بهجة الإسلام # وسخ الثوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام # ولو لا أن العقاب تبع للخطاب، وأن التأمر على الأعراض مجهول [206 أ] في ~~حكم الاعتبار ونص الكتاب، وأن مجاز الشعراء غير حقائق الكتاب، لادعيت غضب الله PageV01P454 ~~على نعمه حين ابتلاها بمجاورة الأنذال، وزواها عن مظان الاستحقاق من كرام ~~الرجال، غير أن المقصود فيها بالكرامة وقد قابلها بالاستخفاف «1»، وكابر ~~عقله في جوارها بغير الإنصاف، أولى بأن يقهره عاجل الغضب، ويصهره آجل ~~اللهب، فكم من وارد ماء أشرقه نميره. وقادح زند أحرقه سعيره، وشاحذ حد قطع ~~به وريده، وراكب جواد قصم عليه جيده. وقد تختلف مواقع النعم من أربابها على ~~شينها من «2» صارت إليه، ونيلها ممن مالت «3» بسوء اختياره وقبح آثاره ~~عليه، فالأحداث فيها أحسن حالا، وأزين خصالا، من الكهول الطاعنين في ~~الأسنان، والشيوخ الحالبين أشطر الزمان، فليس من قرح وحنك، وسبر «4» وسبك، ~~وأخذ على وجه الاستبصار أو ترك، كالغر «5» لم ms250 تلفحه هواجر الأمور، والغمر ~~«6» لم تردعه زواجر الدهور، والغفل لم تدربه الحادثات بأحوالها، والمهر لم ~~ترضه الرجال بأكفالها. وقد يتعذر النازي «7» في طول «8» الجهالة بالشباب ~~الذي هو طليعة الحياة، وشريعة الشهوات واللذات. وأن سائس العقل لم يضرب ~~عليه عقاله، وصيقل التجريب لم يحكم عن متنيه صقاله. وأن الرأي برعومة لا ~~يفتقها إلا كر الجديدين ببدر يدور، وشمس تطلع ثم تغور، وموسم زمان يتفتق ~~«9» فيه [206 ب] النور والنور. وأن الشباب شعبة من الجنون. وأن قلم التكليف ~~مرفوع عن المجون، والحدث الغر كالعجماء جرحها جبار، وعجمتها دون جنايتها ~~اعتذار، فما بال من خلع لباس الحداثة، ووضع جلباب الطراءة، PageV01P455 ~~واجتلى نهار المشيب عيانا، وأفنى ثلاث عمائم ألوانا: # سوداء داجية وسحق مفوف ... وأجد لونا بعد ذاك هجانا # وحان له أن يصحو عن قهوة البطالة، وينزل عن صهوة الاستطالة، ويبكي لضحك ~~المشيب برأسه، ونصول الأنقاس «1» عن قرطاسه، وتمشي الوهي في عظامه، وقعود ~~القوى به عند قيامه، وإصباحه على خمار ندمه، وافتضاحه بعثار قدمه، ونداء ~~برهان الله عليه باتساع محجته، وانقطاع حجته، وإتلاع النار أعناقها لا ~~لتقاطه، واختطافه هاويا عن سراطه. يستجيز العمى عن سبيل الله، والصمم دون ~~أمر الله، خبطا في ليل الخبال، وحطبا في حبل الضلال، ورجوعا في حافرة ~~الخسار، وولوعا بفاجرة الآثار، وخلاء «2» في شطن «3» العتو والغلو، وإباء ~~إلا على النفس الأمارة بالسوء، فلا در در الشيب مشوبا «4» بدنس الجيب، ولا ~~نورت أقاحي القذال إلا على مكارم الأفعال: # فأقبح ما اجتلاه الطرف يوما ... ضياء الشيب في حلك الخصال «5» # نعوذ بالله من غضب الرحمن، وختمة العمر بطابع الخذلان، وتعريضه المشيب ~~لما يهتك من أستاره، ويكشف من أسراره «6»، ويمحق «7» [207 أ] من نواره، ~~ويحرق من نوره بناره، وعصم أقمار الكرام وأحرار الأنام عن مصرع الغوي أبي ~~الحسن البغوي دلة الاحتيال، وسلة الافتعال، وجراب المخاريق، وجرداب «8» ~~التخاليط، وعقرب التضريب، PageV01P456 ~~ويلمع «1» الأكاذيب، وشبه التدليس، وزئبق «2» التمويه، ومرآة القريب، ~~ومقراض المغيب، وآفة الجود، وخرافة الموعود، وحرباء الإلحاد، وكيمياء ~~العناد، ويربوع النفاق، ويعسوب الشقاق، وضبة العقوق، وفأرة الفسوق، ms251 وثعلب ~~الخداع، وخنزير القصاع، وكلب الهنات «3»، وأسود «4» [الخبث، وأسد] «5» ~~الترات، وحرضة الأنذال، وفرضة الخبال، وسكين الأرحام، ويبرين «6» الدم ~~الحرام. ولعل بعض من يتصفح هذه الألفاظ منسوقة، والأسجاع مجموعة ومفروقة، ~~يظن «7» بها ركوب البهت «8» في حلبة الاقتدار، وعصيان القصد في طاعة ~~الإهجار، إدلالا بنضناض «9» البلاغة، وإعمالا لمقراض السفاهة بالفصاحة، ~~وحذوا على غرار الشعراء في استعمال المجاز، وإغفال التحفظ والاحتراز، ~~وإنكارا «10» لاتقاء هذه المساوى ء السود في شخص قد شري «11» على تصاريف ~~الزمان وجرب «12»، وأكل على طعمي أحواله وشرب، ولم يعلم أن الله جل جلاله ~~إذا خذل عبدا «13» ممن شاء من عباده PageV01P457 ~~لم يبق منه إلا حمأ مسنونا، وجلدا على أخلاط الفساد معطونا «1». وعلى شك ~~خاصرة الشك «2» عن واضحة اليقين بالإفصاح عما أبهم، والإصباح [207 ب] على ~~ما أظلم، تحذيرا لغفلة الأنام، وتيسيرا لشاكلة الاستعصام، وتنبيها على مزلة ~~الاغترار بظواهر النعم، والانخداع لزواهر الأحاظي والقسم. فكم من صفيح «3» ~~يروق العيون «4» نوره، ويروع النفوس «5» مشهوره، قد قطف عناقيد رؤوس، وأراق ~~أباريق عروق، وفر المنايا عن عصل من الأنياب روق. ومن شهاب كما خط بالإبريز ~~كاتب، أو حل عن معقود اللواء راكب، يستوقف الأبصار ضياء ممدودا، وبهاء بأفق ~~السماء معقودا. قد رمد «6» من طار بطواره «7»، وهمد من رام التحيز «8» في ~~جواره، وكذلك الدفلى يغر الناظر مجرده، ويفتر عن عقيق الورد زبرجده، ثم هو ~~الداء المجلوب لمن خبر، والسم المقشوب لمن فكر واعتبر. ولو لا أن قصد ~~الشريعة أن تسمح بخيرها على العموم، وتكافى ء بين الكافة في فضلها المعلوم، ~~إباحة للكتابة التي هي قيد العلوم، وصيد الحكم المبثوثة في الرقوم، لقلت: ~~لله در ساسة «9» العجم، ورفعة أقدار الدواة والقلم، حين عنسوها «10» دون ~~ذوي الاستحقاق، وخدروها «11» PageV01P458 ~~إلا عن «1» الكرام العتاق. # لله در أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالدون والسفل # نهاهم أن يمسوا بعده قلما ... وأن يذل بنو الأحرار بالعمل # فما كان نحيزة «2» لها كفاءة في مناكحة الآداب، وملاءة في متاجرة الكتاب. ~~ولا كل مسك «3» يصلح للمسك وعاء، ولا كل ذرور يصلح [208 أ] ms252 للعين جلاء. ~~وأضيع شى ء عقد في نحر خنزير، وحد بكف ضرير، وخطر بجنب قتير «4»، ونقس على ~~بنان فاجر شرير. ها، إن المذكور معيدي «5» الأحرار بخراسان دناءة همة، ~~وقماءة قيمة، وخساسة مفعول، وخصاصة معقول. نشأ في بيت الفضل والنعمة، ونما ~~على فرش «6» اللين والنعمة؛ فرف عليه نعيم النشب «7»، وعبق به نسيم الأدب؛ ~~فأصبح مخيلا لصوب الصواب في أفعاله، جديرا بحكم الانتجاب «8» في أمثاله، ~~يظن به وبعض الظن إثم. # إن الفرع إلى الأصل نازع، والغيث للغيم مضارع، ولا علم يقضي بأن النار ~~تهفو عن رماد ماثل، والخمر تطفو على عكر سافل. حتى إذا أيفع وأينع، حملته ~~نذالة الطباع، وخبأته السنخ تحت يد الطباع «9»، على عقوق أبيه، سعاية به ~~إلى السلطان فيما يحويه، PageV01P459 ~~وابتياعا له بأملاكه وأملاك ذويه؛ فامتلك عليه قبل الاستحقاق ماله، وقصم ~~محاله، وأحال حاله، وفجع به أمه وكانت عياله، وأحجره دون ما اقتناه على كبر ~~سنه وضعف أساسه، واشتعال المشيب برأسه، ورسوب قذى العمر آخر كأسه، فطفق ~~يمري الشؤون دموعا، ويقتضي أجل الكتاب مخمصة وجوعا. ويزجي مطايا الأسحار ~~بين برد اليأس، وحر الأنفاس، بدعوات لم ترجع مجانيقها إلا بقاصمة الظهور، ~~وحالقة الدين لا حالقة الشعور. # وعطف بعد على من طلعت عليه شمس [208 ب] والده، ورفت عليه أغصان فوائده، ~~فنجبهم نجب السلم «1»، وقرضهم قرض الجلم، وعركهم عرك الأدم، وقشرهم قشر ~~القلم؛ فعادوا أعرى من الصخر معصورا، والسيف مشهورا، والغصن مخبوطا، ~~والدجاج على السفود مربوطا. كل ذلك بين يديه، ونصب عينيه، حتى أضمرته الأرض ~~نديما للزفرات، كظيما بالحسرات، غريقا في العبرات، شرقا بماء الحياة. # وعقد على مال خطته بكنج رستاق عقدا اشترى به أهلها، وأخذ يطيبهم بما ~~يريهم من سداد السيرة، ورعاية حق الجيرة، ذريعة إلى استئكالهم واستئصالهم، ~~دون حرائبهم وأموالهم. وسامح عدة من شيوخ تنائهم ببعض ما لزمهم، استمالة ~~لهم على بؤساء معرورين «2»، وضعفاء مضرورين. وسامهم بعد الاحتكام عليهم في ~~التراضي بزعامته. والتواصي بطاعته، عقد الوثائق عليهم بتصحيح مال من ضمانه ~~ينكسر، وجبران حق من عقده ينجبر، حتى إذا ms253 استتب له ما أراد، واستوفى عليهم ~~الحق وزاد، وضع عليهم يد الاستصفاء «3» بعلة حاصل وباق، وحائر وناق «7». ~~فأخذ ما وجد من صامت وناطق، وصاهل وناهق، حتى إذا PageV01P460 ~~أرب «1» كل من ذي يديه، وباد «2» غير أطلال الضياع والرباع عليه، رام ~~استنزالهم عنها طواعية وكراهية، فمن اهتبل منهم فرصة الخلاص على التظلم مما ~~دهاه فأوهاه، وعراه فعراه، سبقه محضر [209 أ] العصبة القائمة بالإفك في ~~خفارة التوفير، وكفارة التزوير؛ فارتد على عقبيه خزيان قد سال به السيل، ~~وأسوان «3» طال «4» به الويل، وناح عليه النهار والليل. فإما أن يزول على ~~كرب وقلق، وإما أن يؤول على غيظ وحنق، حتى استخلص الضاحية «5» والضامنة ~~«6»، واعتصر البادية والكامنة. وغادر الضياع حشين «7»، وشرد عنها الزراع ~~عزين «8». وأخرس الثغاء والرغاء، وأنطق الهام والأصداء. وطم المنابع ~~والمشارع، وحمى المراعي والمراتع. فلو ملك عصافير الهواء، ويعافير البيداء، ~~لاستكرهها على طعوم القوانص، وحقوق الملاجى ء والمفاحص «9». قد شحا فاه ~~«10» للأطماع ولا مداخل الكهوف، ومفاتح الولائح «11» الجوف: # كالحوت لا يرويه شى ء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه «12» PageV01P461 ~~وما به «1» التخريب لو لا اجتياح «2» المالك «3» بجوعه، واستحلال حرام ~~الملك بريوعه «4»، كأنما عقد على الدهر حلفا لا يخونه، واتخذ عنده عهدا ~~يصونه، ويتحاماه من دونه منونه. وهيهات إنها مظالم حديدات الشفائر، ومغارم ~~ثقيلات الغرائر، ومصائد طالما خنقت فخاخها، وضربت عليها «5» (الشاه مات) ~~«6» رخاخها، ومطاعم ظاهرها الأري، وباطنها السم، وإن من الربيع ما يقتل ~~حبطا أو يلم. # نعم، وأقام سوق الفسوق خاصة وعامة، وأباح حمى الفجور بطانة وحامة، ملتزما ~~سمة الشطارة، ومستمطرا بقية [209 ب] الحجارة، ومضاهيا تيوس المجوس في خبث ~~الإلحاد، وصلة الأخوات والأولاد، بلاغا نمته ثقات خدمه، وأدته على وجه ~~الإكبار جيران حرمه. وربما أرادوا له «7» في السر ملاما، وراموا «8» من ~~تحذيره حدود الله، وتخويفه عقاب الله مراما، فما يزيدهم على ظاهرتين ~~عاهرتين «9» كحدق الجراد مالها أجفان تواريها، ولا أهداب تقيها، تصلفا ~~بركوب الآثام، وتكلفا لمحظور الحرام. وإنما أثبت لفظ التكلف قطعا على ما ~~سمعته «10» من بعض مشايخ الأدب، يحكي عمن سأل ms254 أبا حاتم السجستاني «11» عن ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «12»: «أبغض الأشياء إلى الله شيخ PageV01P462 ~~زان، وعائل متكبر، وفقير فخور» «1». وزعم «2» أن القياس يقتضي كون الشاب ~~الشديد الفحلة، القوي المنة أبغض إليه من الشيخ المضعوف «3»، والمعتصر ~~المنزوف. فقال «4»: # هو- بناء على قوله صلى الله عليه وسلم «5» - أبغض الأشياء إلى الله ~~التكلف. فأبغض الشيخ الزاني «6» لأن فعله تكلف، وتقدمه استكراه للطبع وهو ~~تخلف. كذلك هذا الخرف المتكلف، والشره المتوره «7». قد قضى شبيبته على ~~اقتراف المحارم، واختراف المآثم، حتى إذا وضح القتير، ورزح المسير، وانحل ~~المرير، وأفرغ ماءه «8» الصبير، أبت عادة السوء أن ترخيه من عقالها، وتعريه ~~عن سربالها، وتضحيه عن خصالها، وتريه إلا على شعب الأران يوم فصالها: # لا تتعود يا أخي عادة ... تحوي بها ضربا من الشين [210 أ] # فعادة السوء إذا استحكمت ... شر على المرء من الدين # هذا، ولم يرض بالعقوق الذي وسمه ووشمه، وسخم وجهه وحممه، ورداه بالخزي ~~وعممه، حتى قطع على رؤوس الأشهاد رحمه، وقتل في الشائع المستفيض ولده وكان ~~لحمه ودمه. فلو كان كأحد أولاد السوقة، في أخلاق لهم بين الجدة والخلوقه ~~«9»، لكنه الخمر بماء العهاد، والزبد بذوب الشهاد، واللثم برشف الرضاب، ~~والملك بشرخ الشباب، والأمن بطعم الوصال، والخلو «10» بطيب الحلال، والعفو ~~ببشرى النوال، والعيش PageV01P463 ~~بموت العذال، وشمس الجنوب بروح الشمال. عشق الأدب قبل أن عقدت عليه تمائمه، ~~وزبنته دون الاحتضان روائمه؛ فجاء كالقدح هدى أوله النصل المطار، وحدا ~~أسفله الريش الظهار. وناهز عشرين من سنيه «1» يرى الخليل في جنب «2» فضله ~~خليلا، وسيبويه كليلا، وعبد الحميد رديدا، وابن العميد عميدا. إن خط فنقش ~~العيد على أيدي الكواعب الغيد، وإن لفظ فعقود الرود منظومة، وأقاحي البطاح ~~مرهومة «3». ولو لا أن أباه اعتبطه دون مداه، لخلف من آثار بنانه، وخلد من ~~أنوار إبداعه وإحسانه، ما يفضح ماء الورد في تصعيده، وعصير الخمر من «4» ~~عناقيده. لكنه لم يغن إلا قدر ما لمحته العيون، حتى اختطفته المنون، فقامت ~~نواعي المجد يندبنه جميعا، ويبكينه نجيعا: # فظللت من بينهم صريعا ... أنشدهم [210 ب] ms255 واله القلب وجيعا # قد كان لي في رأيه وذكائه ... أشراط صدق أن يموت سريعا # ولقد ضمني وإياه مجلس لبعض أركان الدولة اليمينية، فاتفقنا ثاني اثنين من ~~بين الحضور «5» في تنافث الهموم، وتذاكر العلوم، وتناشد أبيات الكرم ~~واللؤم، فما كان إلا أن حمي المجلس بناره، وعقر الشرب بعقاره، حتى انحل عنه ~~عقال اختياره، وانفتحت له أقفال أسراره، فغرق في بحر الدموع عينه، وألقى ~~إلي ما دار بين أبيه وبينه، يقرر ما نشأ عليه من خدمة الأدب، والاستغناء ~~بعصام النفس عن عظام النسب، على طاعة من ولد في حجره، والبروز على حكمي ~~أمره وزجره. وإنه حين ملك أمره، وعرف من خله خمره «6»، وانفرد بتدبير ~~معاشه، وتوفير نعمته ورياشه، ناهض «7» بأمله معونة أبيه ببعض ما يستحقه بررة PageV01P464 ~~الأبناء على الآباء، فلم يزده على أن زاحمه في إرثه عن أمه، وحال بينه وبين ~~ما كتب الله له «1» من حقه، مطاوعة لرقيق اعتقده «2»، فذاق عسيلته «3»، ~~وأذاقه ذبيلته «4»؛ فحلاه عنهما «5» تدبير «6» دانيته وقاصيته، وولاه ترتيب ~~حاشيته وغاشيته، وحكمه في عرض «7» ولده، وسائر ما تحت يده؛ فأحجر ذلك ~~الفاضل دون نعمته، وأقعده دون الاستمتاع بلحمته، وجعل كل من يعتزي «8» إليه ~~منقوما ومقدوعا «9»، ومن يعتريه [211 أ] ملطوما ومصفوعا، حتى اضطره صراح ~~اليأس، وإلحاح الإفلاس إلى قصد الوزير «10» شمس الكفاة لاستماحته، وانتجاع ~~ندى راحته. # فحين علم أبوه المعتوه تخييمه على شاطى ء الإقبال، واستقلاله على مواطى ء ~~الآمال، ندب الفكر لاغتياله، وأسهر الليل لاقتناصه بإحدى حبائله وحباله، ~~فدس إليه- على ما شاع وذاع، وشحن المسامع والبقاع- من ذعف «11» له نقيعا، ~~غادره على فراش المنون صريعا. وانتقل غير بعيد إلى جوار الله ودار كرامته، ~~مشبكا يديه فوق هامته، ومستصرخا ولي العدل ومالك الخلق على ظلامته، ومختصما ~~حول العرش إلى يوم قيامته. PageV01P465 # وحدث عن قهرمان بيته وقد عاد إلى أبيه السفيه بما كان استفضله عن رواتب «1» ~~نفقاته، واقتطعه دون عوارض حاجاته، استظهارا به على حوادث النوب، واستنفاقا ~~على معالي الرتب، أنه وآخر من رفقائه أنفقا من جملة المال قدر ما قطعا به ms256 ~~المسافة إليه، ووضعاه في أكياسه بختومها بين يديه، فكان جزاؤهما منه أن وضع ~~الدهق عليهما، حتى استغرق ملكيهما، وانتزف صليب العظام من «2» جنبيهما. ثم ~~قصدهما في روحيهما، إشفاقا على صورة الحال، ومستورة المآل من هتكة الإذاعة، ~~وفضحة «3» الكشف والإشاعة، لو لا أنه اعتصم بالاستتار دون صاحبه، مرعدا بما ~~تحاماه، [211 ب] ومبرقا «4» باستبراز ما واراه، ولم يرض بالإرث وقد حازه ~~دون مستحقيه من قرابته وذويه، حتى قطع سياط المطالبة على وكلائه ومواليه، ~~وهلم جرا إلى شقيقة له معجزة في الحجاب، معنسة دون الخطاب، خلافا على الله ~~في حكمه، واجتراء عليه في فرض الإسلام وحتمه، واستحقاقا لولغ الألسن في ~~دينه المجروح، وعرضه المفضوح، وعقده المحلول، وسره المعجون بالغلول؛ فعراهم ~~ذكرانا وإناثا عما لبسوه من بال وجديد، وطارف وتليد. اعتلالا عليهم ببقايا ~~أخرجة «5» للمتوفى «6» على ضياعه، وهي تحت استغلاله وفي ضمان مزارعيه ~~وعماله. # ولم يستبق «7» من جملة الداخلين كانوا عليه رحمه الله لتسليمة، غير موسوم ~~بجريمة، ومكلوم «8» بهضيمة، ومنفوض «9» عن ذخيرة وكريمة، ومغلوب على ما ~~حواه من PageV01P466 ~~تيعة «1» أو تيمة «2»، فزارته المقصورة المهجورة «3» تشكو «4» إليه بلابلها ~~«5» خضوعا، وتمري عليه مكاحلها دموعا، ضيقا بما دهاها «6» من إضاقة، ~~وأفدحها «7» على مس «8» التسبيب من فاقة، وتسأله سؤال المضطر أن يملك عليها ~~ما ملكته إرثا، ويحوي ما حوته عتقا وحدثا. # مصانعة له «9» دون ما أطلقه عليها من أيدي الجنود، وأخياف «10» الترك ~~والهنود. فهر في وجهها ضجرا بما تشوفته من نظره، وقلقا لما خصفته عليها من ~~ورق الصيانة عن شجره. # وجعل [212 أ] يرميها في جواب التلطف والتألف بأحد من مؤللة «11» القراع، ~~وأشد من ململمة القلاع «12»، فعل من لا تكفه حرمة، ولا تكنفه رحمة، ولا ترف ~~عليه رأفة، ولا تخف إليه في ذات الله مخافة، ولا يثنيه عن وجوه الناس حياء ~~في درة تذال «13»، وعورة تنالها الأيدي الطوال. # فلما آيسها «14» الإعراض، أدركها «15» الامتعاض. وآلت حلفة مصبورة «16» ~~لئن لم ينته PageV01P467 ~~عما لم يقصد بمثله والد ذات خدر، وكريمة وراء ستر، لتهتكن الحجاب، ولتطرحن ~~الجلباب، ولتحثين على قرونها التراب، ms257 منطلقة إلى حضرة السلطان في إيضاح ما ~~وارته «1» الجدر منه، وطرحته المجاملة عنه، وكتمته ضمائر الإشفاق فيه، ~~وطمسته ذيول الهوادة دونه «2». فقال المجنون «3» لأخيه، وهو معه في ناديه: ~~اغلق على هذه القحبة الورهاء «4»، فقد أبطرتها الفضول، وأنطقتها «5» دالة ~~«6» الاحتمال فما تدري ما «7» تقول. هذه والله حمية الأبطال في حماية ~~الذمار «8»، ورعاية حقوق الحرم الأبكار. ورحم الله أبا الفتح البستي حيث يقول: # لي جار فيه حيرة ... عرسه تلعن أيره # خلق الله إله النا ... س للغيرة غيره «9» # ولما فرغ هذا الفاضل «10» من هلاك ولده، ووراثة ما كان تحت يده. واعتصار ~~المظلومة عن بلالة حالها، وعلالة [212 ب] مالها، ندب أخاها لصلبه، وهو عجزة ~~«11» أولاده، ومن يرجوه مثله لمعاشه ومعاده، للتقبل بمعاملات ناحيته ~~احتيالا عليه في إلحاقه بأخيه، واقتطاعه دون كفاف يتصرف فيه. فتلطف واعتذر، ~~واعترف بالعجز ما «12» قدر، PageV01P468 ~~حتى إذا أعياه التلطف، ولم يقنعه إلا التصرف، مد رقبته لربقة التقليد، وكبر ~~سبعا «1» على طارف الملك والتليد. وما زال يجبي كل ولود ونزور «2»، ويمري ~~كل بكي ء «3» وثرور «4»، حتى نضب المال «5» إلا قليلا، وعصب ريقه إلا ~~بليلا. وطفق يعيره بعجزه وتضجيعه «6»، ويبكته على خرقه وتضييعه. وأمر فجمع ~~عليه ما لم يثبته سمع ولا بصر، ولم ينبته نجم ولا شجر، ولم تطلع عليه شمس ~~ولا قمر. وسبب عليه لأعلاج الهنود، وغلاط كفارهم السود مالا أو هى متن «7» ~~طاقته، وأتى من وراء فاقته. وحرشهم عليه بتطميع في عاجل موزون، وترغيب في ~~آجل مضمون، حتى أوهنوه شدا وإيثاقا، وأثخنوه ضربا وإرهاقا، ووضعوا عليه في ~~بعض لياليه دهقا استمر به إلى الصباح النائر «8». حتى إذا لم يبق منه غير ~~ناقر «9» الطائر، علموا أنه مظلوم، وأن الأنحاء عليه في دينهم المدخول، ~~وشركهم المخذول قزم «10» ولؤم؛ فنفضوا أيديهم عنه «11»، لا عنين أباه ومن ~~أرضعه ورباه، وأطعمه بعد الله وسقاه. وما ظن الأفاضل الكرام بمن يوفي رحمة ~~الكافر الفاجر على قساوته، [213 أ] وطبع قلبه «12» وغشاوته؟! وبمن يزعم أنه ~~والد يحنو «13» على ولده، ويعتده فلذة من كبده، وبضعة من PageV01P469 ~~روحه ms258 وجسده؟! كل ذلك طمعا في استزادة مال، واستضافة حال، قصاراها إلى تمحق ~~وزوال. فلا رحم الله كل جافي العقيدة، خافي المكيدة، قاسي الفؤاد، حاسي ~~دماء الأولاد. إن للآباء فروضا على الأبناء. وللأبناء حقوقا على الآباء، ~~فإن يكن من فرض الوالد أن لا يقتص منه على «1» قتل ولده، وقطع بيده «2» ~~يده، فمن حق الولد أن يطاع الله في صلة رحمه، وتقوى «3» الإقدام على روحه ودمه. # نعم، ولما أن خف عن البائس كربه، وانجلى عنه وصبه، أسرى إلى جانب الأمير ~~أرسلان الجاذب [فتى السلطان يمين الدولة وأمين الملة] «4» في زحفة السهم ~~المارق، والرجم المقذوف على المارد السارق، متقيا به عارض البأس، ومستبقيا ~~روحا معلقة بخيط اليأس؛ فآواه وقبله، ونشر عليه جناحه رحمة له. وكتب إلى ~~أركان الدولة في بابه بما أطل «5» عليه سعاية أبيه، وغل دونه نكاية قصده ~~وتجنيه. وحاذر الفاسق المارق افتضاحه بآخر ولده كما افتضح بمن قبله، أروى ~~الله صداه، وقبح أباه. فلم يزل يلقاه بشعوذة المخاريق، وبرقشة التزاويق، ~~حتى أقرضه مالا سد به منخر بأسه، ورد معه عدوى امتعاضه وشماسه «6»، كابن ~~المقفع حين أقرض السجان، واستوجب الأمن والأمان. فلو [213 ب] نقب عن منافس ~~فتوقه، ومنافخ جلده وعروقه، لا نتضحت حيلا تعجز كل صباغ وصواغ، وثعلب بين ~~الوحوش رواغ. # ومازال هذا المذكور «7»، يختلف به السرج والكور «8»، إلى أن قدم شمس الكفاة PageV01P470 ~~وزير السلطان يمين الدولة وأمين الملة مرو الروذ مستوفيا على العمال بقايا ~~الارتفاعات والأموال سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فجنح إليه لائذا بكنفه، ~~وعائذا بواقية الكرام وراقية الأنام من شرفه، ومقررا حاله في الظلم الذي ~~ضرسه بجريره، ومعسه «1» معس «2» الملحاح «3» غارب بعيره، وموطئا لسانه فراش ~~التقية طاعة لله تعالى في لزوم الاحترام، وصيانة للعرض من وشوم المذام. إلى ~~أن حشرت مطالبة العمال أباه على مثواه، من باب ولي نعمته ومولاه، فكم ضرع ~~إليه فما نفع، وخشع فما نجع، وتلطف فما أقصر، واستعطف فما سمع ولا أبصر. ~~حتى إذا عارضه الرد بحجابه، وكلمه اليأس من وراء نقابه، باح على شمس ms259 الكفاة ~~ببعض تلك المخاريق، وصب له جرعا من أكواب تلك الأباريق، وأشعره أن صنيعته ~~لم تنجم منه إلا جاحدا لأياديه، مخافتا بمساوئه، مواليا لأعاديه، مخالفا ~~لكريمة الحفاظ في مواليه، ببراهين كما سطع «4» الصباح السافر، أو متع ~~النهار الجاشر «5»، مقرطة بصحائح «6» الأقوال، مشنفة بفضائح «7» الأفعال. ~~فلو لا كرم غذي بلبانه، وعجن على مسكه [214 أ] وبانه، لرجمه رجم العفريت، ~~وضربه بالنفط والكبريت، لكنه رأى أن يضم عليه طرفي بساطه، ويستبقي مختوم ~~سره بين خرزه ورباطه. تقديما لشفاعة المشيب، وتفويضا إلى ما ورائه من الأجل ~~القريب، وإقناعا لمن سمع أو نظر، وروى وأخبر، بما تتناهبه الآفاق من ذكر ~~شيخ معائبه أحداث، ولؤمه مكتسب، وفضله ميراث. # ولما تسامع أهل عمله «8» بما ركد من ريحه، وظهر من رغوة صريحه، تبادروا إلى PageV01P471 ~~مفصل الظلامات صارخين، كما نقنق «1» في الجو بنات الأعداد «2»، وجهور «3» ~~في الشعب حجيج البلاد. واختلفوا في المظالم، فمن قائل هتكت حرمته، وآخر «4» ~~انتهكت نعمته، وثالث انتهبت ثلته «5»، ورابع طلقت عليه طلته «6»، وخامس قتل ~~على التعصب أخوه وأبوه، وسادس جدرت «7» على المعروف بشرته وفض فوه. فمنهم ~~من وصل فسعد بالإنصاف، ومنهم من حذر فشقي على يأس الانصراف. # ورأى شمس الكفاة أن يسلك به شعب المجاملة، فطم «8» بصرفه على نبائث «9» ~~مساوئه، وصد «10» عن مسامع السلطان خبائث أفعاله ودواهيه، وأصم صدى التظلم ~~عن شريف ناديه. فعاد المذكور وراءه مخذولا مفلولا، وأراد الله أن يقضي فيه ~~أمرا كان مفعولا. # ولما رأى أن قد ضجت عليه أفعاله، وضحكت منه حيله وأدغاله، وأن الألسن قد ~~مضغته حين أطاع عبدا مملوكا في معصية خالقه، ووصل شهوة الفجور [214 ب] في ~~قطيعة ولده، وعمر أطلال ضياعه بخراب آخرته، وثب به وثوب الثائر الموتور، ~~والجائش المسعور، يرتجع ما حلاه «11» على الفسوق، ووفاه من ثمن الاستلذاذ ~~بسلعة تلك «12» PageV01P472 ~~السوق. ويرى أن صنيعه «1» ذلك يحميه سمة الألامة «2»، ويقيه نبال الألسنة ~~الذامة. فاسترد ما نحله من صداق، ورجع عليه بقيمة ما أشربه من مجاجة «3» ~~أشداق، وعراه عما أعطاه بعد أن عراه فامتطاه، وبطحه للسياط بعد ms260 أن أضجعه ~~لوطء اللواط، مبتذلا منه جردة «4» طالما امتصها بثغريه «5»، وكنسها ~~بعارضيه، وفداها بنفسه وأبويه، ودفن عليها أحد ولديه. هذا «6» والله الجود ~~لا ما نبى ء عن حاتم العرب، وروي عن سادات بني عبد المطلب. فلحا «7» الله ~~من رضي بها لنفسه سيرة، وخبأها على تناسخ الأحقاب كنزا وذخيرة. إنه- وذات ~~الأستار ببطن مكة «8» - لأرذل من والغ في جيفة مقلوب، وأنذل من طامع في ~~شريطة مصلوب. إن كان ما أتاه انتقاما فهلا ذاك والولد حي؟! وفي اليد من ملك ~~الخيار شى ء؟! آلآن وقد سبق السيف العذل؟! وقد فعل القضاء ما فعل؟! أوردا ~~وقد نضب الماء؟! وشيما وقد أصحت «9» السماء؟! وغبرة وقد سقط الجدار؟! وسترة ~~وقد ظهر الشوار؟! هيهات هيهات لظن حائل، ورأي فائل، وظل زائل، ورد ماء سائل: # أيتها النفس اجملي جزعا [215 أ] ... إن الذي تحذرين قد وقعا «10» # واحتال مفترش لذته ومعتصر شهوته «11» للانقطاع إلى بعض كبراء الأمراء، فقبله PageV01P473 ~~وآواه، وانتزعه من قبضة مولاه، مراغمة كوته «1» بنار أضغانه، وشوته على ~~حرارة غمومه وأشجانه. فلا حميم ولا قريب، ولا ولي ولا حبيب، ولا والد ولا ~~مولود، ولا عابد ولا معبود. فأما الشرع وطريقه، والدين وتحقيقه، فحيهلا «2» ~~به. إن في وضوح هذه الخلال- على شوه أحكامها، وسفه أحلامها- لغنية دون شرح ~~الحال وتشريحها، وتبليغ لسان المقال وتفصيحها، غير أن التقرب «3» إلى ~~الرسول المصطفى الأبطحي المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله «4»: ~~«اذكروا الفاسق بما فيه يقتضي التنبيه على مخازيه» «5» تلخيصا لخفايا نكره ~~وخباياه، وتشكيلا لأضلاع خبثه وزواياه. # ليعلم الأفاضل أني جاورته «6» على البريد قريبا من سنتين، فلا والله إن ~~«7» تصبغت «8» الأحداق به في المسجد الجامع للفرض «9» إلا يوما واحدا، ~~كبيضة العقر، أو كقضة البكر، فما أدري أخطأت به خطاه، أم ألجأه عذر تخوف ~~عقباه! وتجاذبنا «10» حديث الصلاة، فقال ممازحا- وما صدقك إلا ممازح أو ~~سكران-: قام بعضهم وهو يسعى يوم الجمعة للفرض، وقد نودي للصلاة، فقال له ~~صاحبه: مكانك إن أربعة من خير البيوت لخير من اثنين من عمل السوق «11». وقد ~~كان من طريق ms261 التجوز مساغ للتأويل على وجه التملح. PageV01P474 # ولكن [215 ب] من هذا قيله «1»، وترك العبادات سبيله: فلا عيد يعتاد، ولا ~~فرض كما يقضيه العباد، محال به غير اليقين بالإلحاد، وتلقي أوامر الشرع ~~بالعناد، وأظن قول الغلام الواصف مولاه أنه ليعرب في الشتم ويلحن في ~~الإعراب «2»، ويصلي من قعود وينيك من قيام، ينحى إلى صورة حاله، ويأوي إلى ~~مقصورة خبثه وضلاله، فجل أحواله عيوب، ومعظم أفعاله ذنوب: # يصلي فيخفض أركانه ... ويشهي فينصب سيقانه # يخاطب بالكاف إخوانه ... ويشتم بالزاي غلمانه # ويكفت للشر أكمامه ... ويسحب للإثم أردانه # ومن نادرة البلد اعتقاده الاعتزال على وعيد الأبد، ثم لا يبقي «3» محظورا ~~أو محجورا «4»، ولا يستبقي عملا موزورا، ومنكرا من القول وزورا. ها هو طمع ~~بمشهدي في مال رجل كان انقطع إليه منذ زمان بأمان، فأغرى به ربيبا له كقضيب ~~من الآس مياس، بعلة فتكه «5» كانت بأمه إذ هو رضيع، وعلى جدالة العجز صريع. ~~ولقنه استعداء «6» الأمير الأجل أبي سعيد مسعود بن محمود «7» عليه، وتنجز ~~الأمر في معنى الانتصاف إليه. فتنبه ذلك الأمير الألمعي، والسيد اللوذعي ~~على غامض كيده، وباطن ختله في صيده. فأمر بالكتاب إلي في تعرف الحال، وتجنب ~~جانب الاحتيال، والانتداب لإعداء الشاكي على PageV01P475 ~~خصمه، وإيفائه [216 أ] حكم الله في أمه. فلما أحس أخو دلة «1» المحتالة أن ~~حدسه قد فال، وظنه استحال، وسعيه إلى الثبور قد مال، منع شهود الزور أن ~~يصدعوا بالحق فيما بذلوا من خطوطهم ترغيبا وترهيبا، فمرضوا القول، وادعوا ~~على مسألتهم العول، ومال المزور والمزور «2» إلى التوسط عن أرش المستباح ~~دمها على مائتي درهم قيمتها خمسة دنانير. فلم أدر أية نحلة وقفت «3» بأن ~~ديات الأمهات على هذين العقدين، فما في الإسلام له ذكر معلوم، ولا في الفقه ~~باب مرقوم، ولا عند أهل الكتاب أمر محتوم، ولا في ديار أهل الشرك رسم ~~مرسوم، ولا في فطر النفوس أن تنزل عن أمهاتها مقتولة بهذا الوكس «4»، ~~والثمن البخس، ولا الخنانيص «5» أو القرود لو نطقت ترضى عن واضعاتها بمثله. ~~وكم قد قلت وأقول: إنها ليست ms262 دية تودية «6» أو ودية «7»، بل هي دية نسمة ~~مسلمة قد حقن الله دمها إلا بإحدى ثلاث «8»، نصا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله الطاهرين. # فهل يستجيز الترخص في هذه الأحكام إلا مستخف «9» بدين الإسلام؟! أما إن ~~المحكوم عليه لم يلتزمها إلا بقرة «10» قومت مائة وعشرة. فقال له المفجوع ~~المخدوع: تا الله «11» لا رضيت بهذا الغبن، ولا شربت الدم الحرام باللبن. ~~وهم بالرحيل في أمر القتيل، فاغتيل. PageV01P476 # فلم يدر أأكلته النار، أم شربه الماء؟! والتقطته الأرض أم اختطفته السماء؟! ~~لله هما من دمين ذهبا هدرا، وشخصين [216 ب] فقدا غيلة وسخرا. هذا والله ~~الدين السليم، والعقد «1» الحكيم، والأمر القويم، والسمت المستقيم، ~~والمبالاة بما وراءه الجحيم «2». # ومما يزيده- أدام الله عز المشايخ- فضوحا، ويفيد [من] هذه المقدمات ~~وضوحا، ما كانت الأخبار تتشاهد به من استحلاله عند «3» الإشفاق من لواحق ~~جناياته على سلطان زمانه، ورعايا عمله وسكانه، حبس ما نسب «4» إليه من ضياع ~~وعقار، وباغ ودار، ليتناهب ذكره الأسماع، ويتقاصر دونه الأطماع، حتى إذا ما ~~خلا جوه، واستقام على إيقاع المراد شدوه، ندم على ما فعل، ورجع فيما بذل، ~~وفصل بالفسخ كل ما أجمل. فكان هذا البلاغ يقرب تارة من الإمكان ويبعد أخرى، ~~حتى أغنى شخص العيان عن الخبر، ونابت شمس البيان عن القمر. وذلك حين بعث ~~السلطان يمين الدولة وأمين الملة قاضي قضاته أبا محمد [عبد الله بن محمد] ~~«5» الناصحي إلى ديار خراسان، لتدارك أمور الأوقاف، وانتزاع ما اقتسمته ~~أيدي التسلط والاختطاف، فرفع «6» إليه خليفته وأنا حاضر، وإلى حقائق ما يرد ~~أو يصدر ناظر، ما تقرر عنده من احتجانه ما يقارب مائة ألف دينار عن أوقاف ~~وضع عليها سمة التملك، وسومة التغلب والتحجن، كاعما «7» فيها أفواه أربابها ~~دون التظلم بوعد دونه رقراق السراب، ووعيد عنده فراق الرقاب، حتى درج عليها ~~قرن بعد قرن [217 أ] آيسين عن الانتصاف، وخلف من بعدهم خلف قانعين من دونه ~~بالكفاف. PageV01P477 # فأوحى إليه بإنعام الاستقصاء «1» على حكم أمانة القضاء، فقام فيه وقعد، ~~وأبرق وأرعد، وانتزع مالا ms263 عظيما من تحت أضراسه، وحذره الافتضاح إن تعرض ~~لمراسه. # وكان قصاراه أن سكن وسكت «2»، وخشي أسوة أمثاله العنت. وأحضر الرجل ~~طواغيت الشهود، وعفاريت الفسوق والمرود. وعقد بمشهدهم وعلى شهاداتهم وثائق ~~بوقفه كل ما ملك، وإطلاقه على وجه الله جميع ما أمسك. يري بما فعل أن ~~التسمح بما تحت يده من قليل أو كثير، وزهيد وغفير، براء عن الطمع في مال ~~لغيره موقوف، وعرض إلى وجوه القربات مصروف. فلم يتراخ الأمد على هذا العقد ~~الوثيق، والخذلان المشبه بالتوفيق، حتى قال لي وهو يشكو الوزير شمس الكفاة، ~~وسماعه أباطيل السعاة: ما هو إلا أن أحل عقود أملاكي هذه على طفرة إلى ~~العراق، ساليا عن «3» خراسان وأهلها، وقاليا «4» قرارة الميلاد، ومباءة «5» ~~الطارف والتلاد منها. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون من شيخ هذه تقيته، ~~وما لفظ به على وجه الاستحلال، وغيظ العجز عن أملاك الرجال بقيته «6». # هذا، ومن فضل سماحته «7»، وإساحة فيض راحته، أن كل من ساكنه في حلته على ~~عمل يليه، أو مال يجبيه «8»، كاله ما شاء جزافا، ووزنه تبذيرا وإسرافا، ~~استحقاقا لشهاداتهم «9» [217 ب] له بجوده، وتخرقه «10» حذو الكرام بموجوده، ~~حتى إذا قضى الوطر منهم، PageV01P478 ~~وملك بسطة الاستغناء عنهم، تتبع عليهم صبابات القدور «1»، وخلالات الثغور ~~«2»، وقمامات الأطراف، وصواحات الأصواف «3». وجعل المطعوم في زنة الذهب ~~المصون، والمشروب في قيمة الجوهر المخزون، والدرهم الواحد قنطارا، وحديثا ~~في دواوين الشرق مطارا «4»، سعاية من خست أرومته، ورست على دمنة اللؤم ~~جرثومته؛ فيصدر «5» عنه العامل والمجاور والآمل مغبونا مدة مقامه، موضوعا ~~«6» في شرابه وطعامه، مفجوعا بما اقتناه غابر أيامه، مخدوعا عن شهادة ختمت ~~صحيفة آثامه، قد خصف فرجيه بكلتا يديه، يباري في عدوه السليك «7»، وينادي ~~لبيك اللهم لبيك. # وليست هذه من آثاره بأعجب من كمون أخباره، وسدول الأستار دون أسراره، ~~وقصور يد الانتقام عن معقد أزراره، غير أن لكل شى ء أمدا «8»، ويأبى الله ~~أن يفلح الظالم أبدا، إلا أن المال يغزر الماء، ويحقن الدماء، ويجمع ~~الأهواء، ويدفع القضاء، ويستر العوار والعوراء. ولقد بالغ أبو الفتح ms264 البستي ~~في النصح حيث يقول: # اشفق على الدرهم والعين ... تسلم من العينة «9» والدين # فقوة العين بإنسانها ... وقوة الإنسان بالعين # غير أن المال متى سلب الجمال، وأورث القيل والقال، [فهو] وبال. ولا الدين PageV01P479 ~~مطلوبا، والذنب مكتوبا، والأنف مجدوعا، [218 أ] والبنان مقطوعا. فقبح الله ~~الأعراض متى دنست الأعراض «1»، والأموال متى لطخت السربال، والأملاك متى ~~أعرت الأوراك، والحرائب متى أبدت المعائب. # فأما موائده ومطاعمه فخذوها [مني] إليكم بإسناد، كما انفتحت الأصابع، ~~واتسقت الكعوب الفوارع «2». إنه يغدو مع صفير العصافير على أطعمة يرتو «3» ~~عليها حشاه كما حشا الدقيق جرابا، وأثقل الرصاص كعابا، فما هو إلا أن يذر ~~ورس «4» الشمس على صلايات «5» الجدران، حتى كأن أولاد البقر تلحس فؤاده، ~~وكأن الظليم يدعي فيه ميلاده، فيتغدى بالفول «6» سنة وعادة، وبما يجانسه من ~~عمل السوق شهوة وإرادة، حتى إذا طفح كالدلو لمن متح «7»، كف وقبض الكف على ~~قرم «8» لا يطير داجنه، ولا تنثني دون الجذب محاجنه «9». فإذا انتصف النهار ~~أو كاد، والتحف الحرباء الإلحاد، دعا بطعام اليوم وهو المتكلف، وما يقيم ~~رسمه التصلف، فاحتشى «10» من كل حلو وحامض، وامتلأ من كل بكر وفارض، حتى ~~يخشى عليه في الصفاق «11» من الانشقاق، وفي العروق من البثوق، PageV01P480 ~~فيظل باقي النهار يشكو أمعاء معاوية «1»، وخلاء خابية خاوية. حتى إذا جنحت ~~الشمس للأصيل، وهم الليل على الطفل بالتطفيل «2» أعيد عليه الطبائخ ~~والغروف، وحشر إليه القراطف والقروف «3». ثم يؤتى لمبيته بلفائف كالأضابير ~~مطوية، والطوامير مختومة محشية «4»، وربما تعار «5» بعض ساعات [218 ب] ~~الليل فينادي بالجوع، ويلاقي الطهاة بالقنوع «6»، فيحاش عليه عجالة الوقت ~~من مستودعات البساتيق، ومطجنات الطيور والغرانيق، فيتهجد عليها من غير ~~قيام، ويتسحر منها لغير صيام، طعاما لا يشركه فيه غير الملائك حاضرة، ~~والكواكب من محاجر الظلماء ناظرة «7». فما الأرض وهي الغاية في الالتقام ~~والالتهام، ولا الدعص وهو النهاية في الاشتفاف والارتشاف بأبلع «8» منه لو ~~لا فناء زاده، ولا بأجرع لو لا قضاء نفاده. # ومن نادر أمره في المعاقرة أنه يكتتب ضمنا «9» في التنقل من الصبوح إلى ~~الغبوق، PageV01P481 ~~والتردد بين الفجور ms265 والفسوق. فإن نشط للتنزه تبوء مقاعد الأكتاف، كما تعود ~~مقاعد الأحقاف، فيهادي بين اثنين، حرضا «1» في جلدة شيطان، وجيفة في صورة ~~أفعوان، قد نجم بينها تنوخ «2» الفحل للرماك «3»، بل صنيع الداهيتين ~~بالضحاك «4». وربما بقي في التمارض سنة أو أكثر شفقا من تكلف الخدمة لولي ~~النعمة، وتجشم المسير إلى باب الوزير. فيرشو على التعالل مالا «5»، ويحلو ~~وجوه الأطباء وأصحاب الإنهاء فرها خفافا، وبدرا «6» ثقالا. # وليس هذا الاحتيال بأغرب من اكتتابه الزمانة على امتناع الطباع، وشموس ~~النفوس «7» دون الإصغاء إليها، فضلا عن القرار عليها. فسبحان من خلق النفوس ~~أطوارا، وجعل من الهمم أنجادا وأغوارا. # هذه من أعيان مساوى ء هذا الفاضل [219 أ] العاطل، ولو سردت أمثالها لطال ~~الكلام، وعال الإبرام «8»، ووراءها من دقائق الظلم المذموم، والدغل ~~المكتوم، وثقل الحيزوم، والذل المبلول بلعاب اللؤم ما يربي على دقائق ~~الأبراج وأجزاء جواهر الأمشاج، PageV01P482 ~~والصغائر «1» على الإصرار كبائر، كما أن «2» زغب الشعور على الأيام غدائر. ~~ولقد أحسن ابن المعتز حيث يقول: # خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى # لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى «3» # ومما اقتضى التنبيه على معاير المذكور «4» ومعايبه، والفلي عن شمط عقائصه ~~وذوائبه، مقابلته صنائع لي عنده أيام آل سامان وبعدها، في حق قضيته، وعهد ~~رعيته، وعيب طويته، وسر أخفيته، وشغل كفيته، وبر أوليته، بأن كاشفني لمودة ~~جمعتني وولده المعتبط «5» أبا المظفر- رحمة الله عليه- بعداوة لم يرج لعظيم ~~سيلها صفاء، ولا لبهيم ليلها انقضاء «6». وذلك أن شمس الكفاة ندبني ~~لمحاورته، وتقمن «7» لي خيرا بمعاشرته، مكافأة على خدمتي دولة السلطان يمين ~~الدولة وأمين الملة ب (اليميني) في شرح أخباره، ومدح مقاماته في عدته «8» ~~وأنصاره، فما زال يسري إليه عني بنميمة كقطار ديمة، ووقيعة كسراب بقيعة، ~~على غفلتي دون ما ينصبه لي من شرك، ويهيجه من معترك، تمويها له أني لحقه ~~كافر، وعن فرض محبته نافر، وإلى مرموق بعين الكفاءة في استحقاق [241 ب] صدر ~~الوزارة مائل، وفي شعب الاختصاص به والانقطاع اليه سائل، أكذوبة لم يخلق ~~الله لها PageV01P483 ~~رأسا ولا ذنبا، ولم يضرب ms266 لها ودا ولا طنبا «1». ودمنة «2» لم يهتد دمنة «3» ~~لنسور «4» حوافرها، ومصفوف كلاها وأباهرها، حتى هاجه علي كالليث موتورا، ~~والنمر محرجا ومضرورا، فكم كدحت حتى استنزلته عن حران وشماس، وجهدت حتى ~~نجوت منه رأسا برأس، وطفقت أنشد وقد فارقته سالما: # إذا نحن أبنا «5» سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها # فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها «6» # وأغرى بي بدر الملك «7» ابن «8» شمسه يمين الدولة وأمين الملة في عظيمة، ~~لولا أن ألهمه الله الأناة، وأشعره الحصاة؛ فنقر ونقب، واستشف أعطاف البلاغ ~~فعل من جرب ودرب، لثارت علي منه داهية لا تبقي ولا تذر، ولا ستطارت «9» ~~عباقية يفنى عليها الشعر والبشر، فمن الله تعالى بأن فضح الفاضح فيما زوره، ~~وكسف «10» وجهه وكوره، وأهواه فيما حفره، وخنقه بقوى ما ضفره، وسخم وجهه ~~بنؤور الافتعال، وكشف عورته لفحول [242 أ] الرجال، وجعله عبرة للغابرين ~~بشرح هذه الأحوال، فمن قرأ هذه PageV01P484 ~~الفصول، فليحمد الله علي السلامة من مثلها، والبراءة من فوادح الأوزار، ~~وقوادح النار بها، وليعلم أن الإساءة تعقب على مرور الأيام عبأ ثقيلا، وغبا ~~«1» وبيلا، وخطبا جليلا، ولسانا كالحسام صقيلا. وقبح الله من نقص عمره على ~~زيادة الآثام، ومساءة الأنام، وحيازة الملام، ويرحم الله عبدا قال: آمينا «2». PageV01P485 ms267