######OpenITI# #META# URI: 0428IbnSina.MaHiyaCishq.Hindawi53714184 #META# Tags: philosophy #META# ID: 53714184 #META# Title: رسالة في ماهية العشق #META# AuthorID: 40974719 #META# Author: ابن سينا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # | رسالة في ماهية العشق # | رسالة في ماهية العشق # تأليف # ابن سينا # بسم الله الرحمن الرحيم # سألت - أسعدك الله - يا أبا عبد الله الفقيه المعصومي أن أجمع لك رسالة تتضمن إيضاح القول ~~في العشق على سبيل الإيجاز، فأطلبتك - لا زلت طالبا للخيرات - توخيا لمرضاتك وقضاء ~~للوازمك، وجعلت رسالتي إليك مضمنة فصولا سبعة: # أحدها: # في ذكر سريان قوة العشق في كل واحد من الهويات. # والثاني: # في ذكر وجود العشق في الجواهر البسيطة الغير الحية. # الثالث: # في ذكر وجود العشق في الموجودات ذوات قوى مغذية من جهة قواها المغذية. # والرابع: # في ذكر وجود العشق في الجواهر الحيوانية من حيث لها القوة الحيوانية. # والخامس: # في ذكر عشق الظرفاء والفتيان للأوجه الحسان. # والسادس: # في ذكر عشق النفوس الإلهية. # السابع: # في خاتمة الفصول. # الفصل الأول # | في ذكر سريان العشق في كل واحد من الهويات # كل واحد من الهويات المدبرة لما كان بطبيعته نازعا إلى كماله الذي هو خيرية ~~هويته المنالة عن هوية الخير المحض، نافرا عن النقص الخاص به، الذي هو الشرية ~~الهيولانية والعدمية، إذ كل شر فمن علائق الهيولي والعدم، فبين أن لكل واحد من الموجودات ~~المدبرة توقانا طبيعيا وعشقا غريزيا، ويلزم ضرورة أن يكون العشق في هذه الأشياء ~~سببا للوجود لها؛ لأن كل واحد مما يعبر عنه مترتب تحت أمور ثلاثة، إما أن يكون فائزا ~~بخاص الكمال، أو ممترا بغاية النقص أو مترددا بين الحالتين حاصل الذات على مرتبة التوسط ~~بين الأمرين، ثم إن البالغ في النقص غايته هو المنتهي إلى مطلق العدم، والمستوفي لجميع ~~علائقه، فبالحري أن يطلق عليه معنى العدم المطلق، ثم الحقيق بإطلاق العدمية عليه، وإن استحق ~~أن يعد في عداد الموجودات عند تقسيم أو توهم، فلن يعد وجوده وجودا ذاتيا، بل لن ~~يستجاز عليه إطلاق الوجود إلا بالمجاز، ولن يتعرض لاعتداده من جملة الموجودات إلا بالعرض، ~~فإذن الموجودات الحقيقية إما أن تكون موجودات مستسعدة بنهاية الكمال، أو موصوفة بالتردد بين ~~نقص عارض من جهة ما وكمال موجود في الطبع. # فإذن ms01 جملة الموجودات لا تعرى عن ملابسة كمال ما، ~~وملابستها له بعشق ونزاع في طبيعتها به ما يوجد متأحدة بكمالها ملازمة له، مما يوضح ذلك ~~من جهة العلة واللمئية هو أن كل واحد من الهويات المدبرة لما كان لا يخلو عن كمال خاص ~~به، ولم يكن مكتفيا بذاته لوجود كماله، إذ كمال الهويات المدبرة مستفاد من فيض الكامل ~~بالذات، ولم يجز أن يتوهم أن هذا المبدأ المفيد للكمال يقصد بالإفادة واحدا واحدا من ~~جزئيات الهويات على ما أوضحته الفلاسفة، فمن الواجب من حكمته وحسن تدبيره أن يغرز فيه ~~عشقا كليا حتى يصير بذلك مستحفظا لما نال من فيض الكمالات الكلية، ونازعا إلى الاتحاد ~~بها عند فقدانها؛ ليجري به أمر السياسة على النظام الكلي، فواجب إذن وجود هذا العشق في جميع ~~الموجودات المدبرة وجودا غير مفارق البتة، وإلا لاحتاجت إلى عشق آخر يستحفظ به هذا العشق ~~الكلي عند وجوده إشفاقا عن عدمه ويسترده عند فوته قلقا لبعده، وصار أحد العشقين معطلا لا ~~طائل له، ووجود المعطل في الطبيعة أعني الوضع الإلهي باطل على أنه لا عشق خارجا عن العشق ~~المطلق الكلي، وإذن وجود كل واحد من المدبرات بعشق غريزي فيه. # ولنجعل لهممنا في هذا المرام مرقى أعلى مما قدمناه، ولنفحص عن الموجود العالي عن التصرف ~~تحت تدبير مدبر لعظم شأنه، فنقول: إن الخير بذاته معشوق، ولولا ذلك لما نصب كل واحد مما ~~يشتهي أو يتوق أو يعمل عملا غرضا أمامه يتصوره خيرية، فلولا أن الخيرية بذاتها معشوقة ~~وإلا لما اقتصرت الهمم على إيثار الخير في جميع المتصرفات، وكذلك الخير عاشق للخير؛ لأن ~~العشق ليس في حقيقته إلا استحسان الحسن والملائم جدا، وهو مبدأ النزاع إليه عند بينونته ~~إن كان مما يباين والاتحاد به عند وجوده، ثم كل واحد من الموجودات يستحسن ما لاءمه وينزع ~~إليه مفقودا، والخير الخاص النيل للشيء في الحقيقة أو الحسبان فيما أظن هو الملائم ~~بالحقيقة أو الحسبان، ثم الاستحسان والنزاع، فالاستقباح والنفرة في الموجود من علائق ~~خيريته؛ لأنها ms02 لا تطلق على الموجود على وجه الاستصواب بالذات إلا من جهة خيريته؛ لأن الصواب ~~إذا وجد عن الشيء بالذات فهو لسداده وخيريته، فبين أن الخير يعشق ما هو خير، إما الخاص ~~به وإما المشترك، وعلة العشق هو ما نيل أو سينال منه أي من المعشوق، وكلما زادت الخيرية زاد ~~استحقاق المعشوقية وزادت العاشقية للخير. # فإذا قد تقرر هذا فنقول إن الموجود المقدس عن الوقوع تحت التدبير، إذ هو الغاية في ~~الخيرية، فهو الغاية في المعشوقية والغاية في العاشقية، الغاية في المعشوقية أعني بذلك ذاته ~~تعالى، إذ الخير يعشق الخير بما يتوصل به إليه من نيله لإدراكه، والخير الأول مدرك لذاته ~~بالفعل أبد الدهر في الدهر، فإذن عشقه له أكمل عشق وأوفاه، وإذن الصفات الإلهيات لا تمايز ~~بينها بالذات في الذات، فإذن العشق هو صريح الذات والوجود أعني في الخير المحض، فإذن ~~الموجودات إما أن يكون وجودها بسبب عشق فيها، وإما أن يكون وجودها والعشق هو هو نفسه، ~~فتبين أن الهويات لا تخلوا عن العشق وذلك ما أردنا أن نبين. # الفصل الثاني # | في ذكر وجود العشق في البسائط الغير الحية # البسائط الغير الحية على أقسام ثلاثة؛ أحدها: الهيولي الحقيقية، والثاني: الصورة التي لا ~~يمكن لها القوام بانفراد ذاتها، والثالث: الأعراض. والفرق بين الأعراض وبين هذه الصورة أن ~~هذه الصورة مقومة للجواهر؛ ولذلك استحقها الأوائل من الإلاهيين لأن يجعلوها من أقسام ~~الجواهر؛ لكونها جزءا للجواهر القائمة بذواتها، ولم يحرموها سمة الجوهرية لأجل امتناع ~~وجودها بمفرد الذات، إذ الجوهر الهيولاني هذا حاله، ومع هذا لا يستنكر اعتداده من جملة ~~الجواهر لكونه في ذاته جزءا للجواهر القائمة بذواتها، بل ولأن يخصوها - أعني الصورة - ~~بمزية في الجوهرية على الهيولي، إذ هذه الصورة الجوهرية بها يقوم الجوهر بالفعل جوهرا ~~ومهما وجد أوجب وجود جوهر بالفعل، ولأجل ذلك قيل: إن الصورة جوهر بنوع فعل، وأما الهيولي ~~فهي معدودة فيما يقبل الجوهرية بالقوة، إذ لا يلزم بوجود كل هيولي جوهر ما وجوده بالفعل، ~~ولأجل ذلك قيل: إنه جوهر ms03 بنوع قوة، فقد تقرر من هذا القول حقيقة الصورة، ولا يحمل إطلاق هذه ~~الحقيقة على العرض، إذ ليس هو بمقوم للجوهر ولا معدود بوجه من الوجوه جوهرا. # فإذا تقرر هذا فنقول: إن كل واحد من هذه الهويات البسيطة الغير الحية قرين عشق غريزي ~~لا يتخلى عنه البتة، وهو سبب له في وجوده، فأما الهيولي فلديمومة نزاعها إلى الصورة مفقودة ~~وولوعها بها موجودة؛ ولذلك تلقاها متى عريت عن صورة، بادرت إلى الاستبدال عنها بصورة أخرى ~~إشفاقا عن ملابسة العدم المطلق، إذ من الحق أن كل واحد من الهويات نافر بطبعه عن العدم ~~المطلق، فالهيولي مقر للعدم، فمهما كانت ذات صورة لم يقم فيها سوى العدم الإضافي، ولولا هذا ~~للابسها العدم المطلق، ولا حاجة بنا ها هنا إلى الخوض في إيضاح لمئية ذلك، فإذن الهيولي ~~كالمرأة الدميمة المشفقة عن استعلان دمامتها، فمهما انكشف قناعها غطت دمامتها بالكم، فقد ~~تقرر أن في الهيولي عشقا غريزيا. # وأما هذه الصورة فالعشق الغريزي فيها ظاهر لوجهين؛ أحدهما: بالجد في ملازمتها موضوعها ~~ومنافاتها انسلاخها عنه، والثاني: بالجد في ملازمتها كمالاتها ومواضعها الطبيعية متى حصلت ~~فيها، وحركتها الشوقية إليها متى باينتها كصور الأجسام البسيطة الخمسة والمركبات عن ~~الأربعة، ولا صورة ملازمة غير هذه الأقسام الستة. # وأما الأعراض فعشقها ظاهر بالجد في ملازمة الموضوع أيضا، وذلك بين عند ملابستها ~~الأضداد في الاستبدال بالموضوع. # فإذن ليس يعرى شيء من هذه البسائط عن عشق غريزي في طباعه. # الفصل الثالث # | في وجود العشق في الصورة النباتية (أعني النفوس النباتية) # فلنختصر القول ها هنا، فنقول كما أن النفوس النباتية تنقسم إلى أقسام ثلاثة؛ أحدها: قوة ~~التغذية، والثاني: قوة التنمية، والثالث: قوة التوليد، كذلك العشق الخاص بالقوة النباتية ~~على أقسام ثلاثة؛ أحدها: يختص بالقوة المغذية، وهو مبدأ قوة شوقها إلى حضور الغذاء عند حاجة ~~المادة إليها، وبقائها في المغتذى بعد استحالته إلى طبيعته، والثاني: يختص بالقوة ~~المنمية، وهو مبدأ شوقها إلى تحصيل الزيادة الطبيعية المناسبة في أقطار المغتذى، والثالث: ~~يختص بالقوة المولدة، وهو مبدأ ms04 شوقها إلى تهيئة مبدأ الكائن مثل الذي هو فيه، ومن البين ~~أن هذه القوى مهما وجدت لزمتها هذه الطبائع العشقية، وإذن هي في طبائعها عاشقة ~~أيضا. # الفصل الرابع # | في ذكر عشق النفس الحيوانية # لا شك أن كل واحد من قوى النفس الحيوانية يختص بتصرف يحثها عليه عشق غريزي، وإلا لما كان ~~وجودها في البدن الحيواني إلا معدودا في جملة المعطلات، إن لم يكن لها نفور طبيعي مبدؤه ~~بغضة غريزية، وتوقان غريزي مبدؤه عشق غريزي، وذلك ظاهر في كل واحد من أقسامها، أما في الجزء ~~الحاس منها خارجا فلإلفها بعض المحسوسات دون بعض، واستكراهه بعضها دون بعض، ولولا ذلك ~~لتساوت العوارض الحسية على الحيوانات، ولما تصونت عن مباشرة المضرات لها، ولتعطلت القوة ~~الحسية في حقيقتها، وأما الجزء الحاس باطنا فلاطمئنانه إلى الراحة إلى التخيلات المروحة ~~وما ضاهاها إذا وجدت، وتشوقه إليها إذا فقدت، وأما في الجزء الغضبي فلنزاعه إلى الانتقام ~~والتغلب والفرار من الذل والاستكانة وما ضارع ذلك. # وأما في الجزء الشهواني فلتقدم أمامه مقدمة ينتفع بها بذاتها، وفيما يبنى عليه القول في ~~الفصول، وهو أن العشق ينشعب قسمين؛ أحدهما: طبيعي وحامله لا ينتهي بذاته دون غرضه بحال من ~~الأحوال، ما لم يصادمه دونه قاسر خارجي كالحجر، فإنه لا يمكن أبدا أن يقصر عن تحصيل غايته ~~وهو الاتصال بموضعه الطبيعي والسكون فيه من ذاته، اللهم إلا من جهة عارض قهري، وكالقوة ~~المغذية وسائر القوى النباتية، فإنها لا تزال مزاولة لجلب الغذاء ولتلحيمه بالبدن ما لم ~~يصدها عنه مانع غريب، والثاني: عشق اختياري وحامله قد يعرض بذاته عن معشوق لتخيل استضرار ~~بعارض أمامه يربي قدر ضرره على نفع المعشوق، مثل الحمار، فإنه إذا لاح له شخص ذئب ~~متوجها نحوه أقصر عن قضم الشعير وأمعن في الهرب لتخيله أن ما يتصل به من ضرر العارض ~~أرجح من منفعة المعرض عنه، ثم قد يكون المعشوق الواحد لعاشقين أحدهما طبيعي العشق ~~والثاني اختياري، مثل الغرض بالتوليد إذا تدبر إضافة إلى القوة المولدة النباتية وإلى ~~القوة ms05 الشهوانية الحيوانية. # فإذا تحقق هذا فنقول: إن القوة الشهوانية من الحيوان أظهر الموجودات عند الجمهور لاستطباع ~~العشق، فلا حاجة بنا إلى إظهار ذلك، وليس معشوقه في عامة الحيوان غير الناطق إلا معشوق ~~القوى النباتية بعينها، إلا إن العشق للقوة النباتية لا تصدر عنه الأفاعيل، إلا بنوع طبيعي ~~وبنوع أدنى وأدون، وعشق القوة الحيوانية إنما يصدر عنه بالاختيار وبنوع أعلى وأفضل وبأخذ ~~ألطف وأحسن، حتى إن بعض الحيوان قد يستعين في ذلك بالقوة الحسية ما يوهم العامة أن ذلك ~~العشق خاص بها، وهو عند التحقيق خاص بالشهوانية، فإن وجد للحسية فيها شركة تتوسط، وقد ~~توافق القوة البهيمية الشهوانية النباتية في الغرض بأن يكون حصوله لا بقصد اختياري يأتيه، ~~وإن وجد في صدور الفعل بينهما اختلاف في الاختيار، وسبيله مثل توليد المثل، فإن الحيوان ~~الغير الناطق وإن تحرك بطبعه العشقي المتغرز فيه من العناية الإلهية تحركا اختياريا ~~يتأدى به إلى توليد المثل، فلن يكون الغاية منها مقصودة لذاتها؛ لأن هذا الضرب من العشق ~~غايته نفع نوعي، أعني بهذا أن العناية الإلهية لما اقتضت استبقاء الحرث والنسل وامتنع ~~المراد من مدة البقاء في الشخص الكائن؛ لضرورة تعقب الفساد في موضع الكائن وحيا، أوجبت ~~الحكمة صرف الغاية إلى استبقائها إلى الأنواع والأجناس، وطبع في كل واحد من أشخاص المعني به ~~شوقا إلى تأثير ملازمة توليد المثل، وهيأ لذلك فيه آلات موافقة، ثم الحيوان الغير الناطق ~~لانحطاطه عن مرتبة الفوز بالقوة النطقية التي بها يوقف على حقيقة الكليات، يسعد بإدراك ~~الغرض الخاص بالأمور الكلية، فلذلك صارت فيها قوتها الشهوانية تشاكل القوة النباتية في ~~التزامه إلى هذا الغرض. # وتقرير هذا الفصل والفصل الذي تقدم نافع في كثير مما سنأتي على إثباته في هذه ~~الرسالة. # الفصل الخامس # | في ذكر عشق الظرفاء والفتيان للأوجه الحسان # يجب أن نقدم أمام غرضنا في هذا الفصل مقدمات أربعا: # إحداها: # أن كل واحدة من القوى ~~النفسانية مهما انضم إليها قوة أعلى منها في الشرف احتازت بانضمامها إليها وسريان بهائها ~~فيها زيادة صقولة ms06 وزينة حتى تصير بذلك أفاعيلها البارزة عنها زائدة على ما يكون لها ~~بانفرادها، إما بالعدد وإما بحسن الإتقان ولطف المأخذ والوخي في الانتهاء إلى الغرض، إذ كل ~~واحدة من عالاها لها قوة على تأييد الآخر وتقويته وذب الضرر عنه تأييدا وذبا يؤتيها من ~~جهة قبولها له زيادة بهاء وكمالا، وكذلك تصريفاتها إياها في وجوه الاستعانات فيما يفيدها ~~الحسن والسناء والتلذذ، كتقوية الشهوانية من الحيوان النباتية، وذب الغضبية عنها من أن ينقص ~~مادته دون منتهاها الغريزي في الذبول أو الإضرار بها، وكتوفيق النطقية للحيوانية في ~~مقاصدها، وكإفادتها لها اللطافة والبهاء في الاستعانة بها في أغراضها؛ ولهذا ما توجد القوة ~~الحسية والشوقية في الإنسان قد يتعدى طورها في أفعالها، حتى إنها قد يتعاطى في أفاعيلها ~~مقاصد لن يقوم بالوفاء بها إلا صريح القوة النطقية، ومثال ذلك في القوة الوهمية أن القوة ~~النطقية قد يستعين بها في بعض وجوه درك مطلوبها بوجه استعانة يستفيد من انعطاف النطقية ~~عليها قوة وجسور، حتى إنها تفرج بنيل المطلوب دونها، بل تستعصي عليها، وتتحلى بسمتها ~~وتدعي دعواها، وتوهم من فوزها بتصور المعقولات ما تسكن إليه النفس ويطمئن إليه الذهن، ~~كعبد السوء يوعز إليه مولاه بإعانته في سانحة له مهمة عظيمة الفائدة عند النيل، فيرى أنه ~~ظفر بالمطلوب دون مولاه، وأن مولاه قاصر عن ذلك، بل هو المولى في الحقيقة من غير أن يكون ~~ظفر البتة بالمرام الذي يكلفه مولاه تحصيله ولا شعر به، وكذلك الحال في القوة الشوقية من ~~الإنس، وهذا أحد علل الفساد، إلا إنه ضروري الوجود في الوضع المطلوب في الخير، وليس من ~~الحكمة ترك خير كثير لأجل عادية شر يسير بالإضافة إليه. # والثانية: # أن الإنسان قد يصدر من مفرد نفسه الحيوانية أمور، وينفعل بمفردها انفعالات ~~كالإحساس والتخيل والجماع والمواثبة والمحاربة، إلا إن نفسه الحيوانية لما اكتسبت من البهاء ~~بمجاورة الناطقة تفعل هذه الأفاعيل بنوع أشرف وألطف فيستأثر من المحسوسات ما كان على أحسن ~~مزاج وأقوم تركيب، ويتنبه لما لا تتنبه له الحيوانات الأخر، فضلا ms07 عن أشياء يستأثرها، وكذلك ~~يتصرف بقوته المتخيلة في أمور لطيفة بديعة، حتى يكاد يضاهي بذلك صريح الصفاء للعقل، ويتخيل ~~لموافقة أهل الكمال في الاعتدال، ويحتال في الأفاعيل الغضبية حيلا متنوعة؛ ليسهل له بها ~~إحراز التغلب والظفر، وقد يظهر عن ذاته آثارا وأفاعيل بحسب اشتراك بين النطقية والحيوانية، ~~كتصريف قوته النطقية قوته الحسية لينزع من الجزئيات بطريقة الاستقراء أمورا كلية، ~~وكاستعانته بالقوة المتخيلة في تفكره، حتى يتوصل بذلك إلى إدراك غرضه في الأمور العقلية، ~~وكتكليفه القوة الشهوانية المباضعة من غير قصد ذاتي إلى مفرد اللذة؛ للتشبه بالعلة الأولى ~~في استبقاء الأنواع، وخصوصا أفضلها أعني النوع الإنساني، وكتكليفه إياها الطعم والشرب لا ~~كيف اتفق بل على الوجه الأصوب، من غير قصد إلى مجرد اللذة، لكن لإعانة الطبيعة المسخرة على ~~استبقاء شخص أفضل الأنواع أعني الشخص الإنساني، وكتكليفه القوة الغضبية مبارزة الأبطال ~~واعتناق القتال لأجل الذب عن مدينة فاضلة وأمة صالحة، وقد تظهر منه أفاعيل عن صميم قوته ~~النطقية مثل حب المعقولات والنزاع إلى الممات، وحب الدار الآخرة، وجوار الرحمن. # والثالثة: # أن في كل واحد من الأوضاع الإلهية خيرية، وكل واحدة من الخيرات مأثورة، لكن من ~~الأمور الخيرية ما ربما يضر إيثاره لما يعلوه من الشرية، مثال في الأمور المتعارفة أن ~~الاستلذاذ بالتوسعة في الإنفاق وإن كان مأثورا فإنه يجتنب لإضراره بمأثور فوقه، وهو خصب ~~ذات اليد ووفور المال، ومثال آخر من مصالح الأبدان شرب أوقية من الأفيون، وإن كان مأثورا ~~وخيرا لتسكين الرعاف، فإنه مطرح لأجل إضراره بمأثور فوقه وهو الصحة المطلقة والحياة، وكذلك ~~الأمور الخاصة بالنفس الحيوانية إذا اعتبرت في الحيوان الغير الناطق بنوع الإفراط، وإن لم ~~يعد من جملة الشر، بل عد ذلك فضلة في قواها، فلإضراره بالقوة النطقية كما أشرنا إليه في ~~رسالتنا الموسمة «التحفة» معدودة من جملة المثالب في الإنسان ويستحق الاجتناب ~~والهجران. # والرابعة: # أن النفس النطقية والحيوانية أيضا لجوار النطقية أبدا تعشقان كل شيء حسن ~~النظم والتأليف والاعتدال، مثل المسموعات الموزونة وزنا متناسبا والمذوقات المركبة من ~~أطعمة ms08 مختلفة بحسب التناسب وما شابه ذلك، أما النفس الحيوانية فبنوع تقليدي طبيعي، وأما ~~النفس الناطقة فإنها إذا سعدت بتصور المعاني العالية على الطبيعة، وعرفت أن كل ما قرب من ~~المعشوق الأول فهو أقوم قواما ونظاما وأحسن اعتدالا وبالعكس، إذ ما يليه أفوز بالوحدة ~~وتوابعها كالاعتدال والاتفاق وما بعد عنه أقرب إلى الكثرة وتوابعها، كالتفاوت والاختلاف على ~~ما أوضحه الإلهيون، فمهما ظفرت بشيء حسن التركيب لاحظته بعين المقة. # فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: إن من شأن العاقل الولوع بالمنظر الحسن من الناس، وقد ~~يعد ذلك منه في بعض الأحايين تظرفا وفتوة، وهذا الشأن إما أن يختص بالقوة ~~الحيوانية، وإما أن يختص بالقوة النطقية، وإما أن يكون بحسب التركيب، لكنه لو كان مختصا ~~بالقوة الحيوانية لما عده العقلاء تظرفا وفتوة، إذ من الحق أن الشهوات الحيوانية إذا ~~تناولها الإنسان تناولا حيوانيا فهو متعرض للنقيصة ومضر بالنفس الناطقة، ولا هو مما يختص ~~بالقوة النطقية، إذ موضوعات شغلها هي الكليات العقلية الأبدية لا الجزئيات الحسية الفاسدة، ~~وإذن ذلك بحسب الشركة. # وبيان ذلك بوجه آخر أن الإنسان إذا أحب الصور المستحسنة لأجل لذة حيوانية، فهو مستحق ~~اللوم والإيلام، مثل الفرقة الزانية والمتلوطة، وبالجملة الأمة الفاسقة، ومهما أحب ~~الصورة المليحة باعتبار عقلي على ما أوضحناه عد ذلك وسيلة إلى الرفعة والتناهي في ~~الخيرية لولوعه بما هو أقرب في التأثير من المؤثر الأول والمعشوق المحض، وأشبه بالأمور ~~العالية الشريفة، وذلك مما يؤهله لأن يكون ظريفا وفتى لطيفا؛ ولذلك لا يكاد أهل الفطنة ~~من الظرفاء والحكماء ممن لا يسلك طريقة المتعشقين والأنحاح يوجد خاليا عن شغل قلب بصورة ~~حسنة إنسانية، وذلك أن الإنسان مع ما فيه من زيادة فضيلة الإنسانية إذا وجد فائزا بفضيلة ~~اعتدال الصورة التي هي مستفادة من تقويم الطبيعة واعتدالها، وظهور أثر إلهي فيها جدا ~~استحق لأن ينتحل من ثمرة الفؤاد مخزونها، ومن صفي صفاء الوداد أطيبه؛ ولذلك قال عليه ~~السلام: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه»، تيقنا منه أن حسن الصورة لن يوجد إلا عند ms09 جودة ~~التركيب الطبيعي، وأن جودة الاعتدال والتركيب مما يفيد طيبا في الشمائل وعذوبة في ~~السجايا. # وقد يوجد أيضا واحد من الناس قبيح الصورة حسن الشمائل، وذلك لا يخلو من عذرين، إما أن ~~يكون قبح الصورة لم يحصل بحصول قبح الاعتدال في أول الأمر داخلا، بل لفساد عارض خارجا، ~~وإما أن يكون حسن الشمائل لا بحسب الطباع، بل بحسب الاعتياد، كذلك قد يوجد حسن الصورة قبيح ~~الشمائل، وذلك أيضا لا يخلو من عذرين، إما أن يكون قبح الشمائل عارضا لعوارض في الطباع ~~بعد استحكام التركيب، أو يكون ذلك لاعتياد قوي. # وعشق الصورة الحسنة من الإنسان قد تتبعه أمور ثلاثة؛ أحدها: حب معانقته، والثاني: حب ~~تقبيله، والثالث: حب مباضعته، فأما حب المباضعة فمما يتيقن عنده أن هذا العشق ليس خاصا ~~إلا بالنفس الحيوانية، وأن حصتها فيه زائدة، وأنها فيه على مقام الشريك، بل المستخدم لأعلى ~~مقام الآلة، وذلك قبيح جدا، بل لن يخلص العشق النطقي ما لم تنقمع القوة الحيوانية غاية ~~الانقماع؛ ولذلك بالحري أن يتهم العاشق إذا راود معشوقه بهذه الحاجة، اللهم إلا أن تكون هذه ~~الحاجة منه بضرب نطقي به يعلم إن قصد به توليد المثل، وذلك في الذكر من الناس محال، وفي ~~الأنثى المحرمة في الشرع قبيح، بل لا ينساغ هذا القصد ولا يستحسن إلا للرجل في امرأته أو ~~مملوكته. # وأما المعانقة والتقبيل فإذا كان الغرض فيهما هو التقارب أو الاتحاد؛ وذلك لأن النفس تود ~~أن تنال معشوقها بحسها اللمسي نيلها بحسها البصري، فتشتاق إلى معانقته وتنزع إلى أن ~~يختلط نسيم مبدأ أفاعيله النفسانية وهو القلب بنسيم مثله من المعشوق، فتشتاق إلى تقبيله، ~~فليسا بمنكرين في ذاتيهما، لكن استتباعهما بالعرض أعني أمورا شهوانية فاحشة توجب التوقي ~~عنهما، إلا إذا تيقن من متوليهما خمود الشهوة والبراءة من التهمة؛ ولذلك لم يستنكر تقبيل ~~الأولاد، وإن كان مبدؤه مزعجا لتلك، إذ كان الغرض فيه التداني والاتحاد لا الهمة بالفحش ~~والفساد. # فمن عشق هذا الضرب من العشق فهو فتى ظريف، وهذا العشق هو ms10 المنسوب إلى الفتيان ~~والظرفاء. # الفصل السادس # | في ذكر عشق النفوس الإلهية # كل واحد من الأشياء الحقيقية الوجود إذا أدرك أو نال خيرا من الخيرات؛ فإنه يعشقه بطباعه ~~عشق النفوس الحيوانية الصور الجميلة، وأيضا كل واحد من الأشياء الحقيقية الوجود إذا أدرك ~~إدراكا حسيا أو عقليا أو اهتدى اهتداء طبيعيا إلى شيء مما يفيده منفعة في وجوده؛ ~~فإنه يعشقه في طباعه، لا سيما إذا كان ذلك الشيء مفيدا له خاصي الوجود، مثل عشق الحيوان ~~الغذاء والوالدين، وأيضا كل شيء تحقق أن شيئا من الموجودات يفيده التشبه به والتقرب ~~إليه والاختصاص به زيادة فضيلة ومزية؛ فإنه يعشقه بطباعه عشق العبد لمولاه، ثم النفوس ~~الإلهية من البشر والملائكة لا يستحق إطلاق التأله عليها ما لم تكن فائزة بمعرفة الخير ~~المطلق، إذ من البين أن هذه النفوس لن توصف بالكمال إلا بعد الإحاطة بالمعقولات ولا طريق ~~إلى تصور المعقولات المعلولة ما لم تقدم عليها معرفة العلل بالحقيقة، وخاصة العلة الأولى ~~على ما أوضحناه في تفسيرنا المقالة الأولى من «كتاب السماع الطبيعي»، كما لا سبيل إلى وجود ~~المعلولات ما لم يقدم عليها وجود ذوات العلل وخاصة العلة الأولى. # والعلة الأولى هي الخير المحض المطلق بذاته؛ وذلك لأنه لما كان يطلق عليه الوجود الحقيقي، ~~وكل واحد مما له وجود فإن حقيقته لا تعرى عن خيرية، ثم الخيرية إما أن تكون مطلقة ذاتية أو ~~مستفادة، فالعلة الأولى خير وخيريته إما أن تكون ذاتية مطلقة أو مستفادة، لكنها إن كانت ~~مستفادة لم تخل من قسمين، إما أن يكون وجودها ضروريا في قوامه، فيكون مفيدها علة لقوام ~~العلة الأولى والعلة الأولى علة لها هذا خلف، وإما أن يكون غير ضروري في قوامه، وهذا محال ~~أيضا على ما نوضحه آنفا، لكنا وإن أعرضنا عن إبطال هذا القسم فإن المطلوب قائم، وذلك ~~أنا إذا رفعنا هذه الخيرية عن ذاته؛ فمن الواضح أن ذاته تبقى موجودة وموصوفة بالخيرية، ~~وتلك الخيرية إما أن تكون ذاتية أو مستفادة، فإن كانت مستفادة فقد تمادى الأمر ms11 إلى ما لا ~~يتناهى وذلك محال، وإن كانت ذاتية فهو المطلوب. # وأقول أيضا: إن من المحال أن تستفيد العلة الأولى خيرية غير ذاتية فيه، ولا ضرورية في ~~قوامه؛ وذلك لأن العلة الأولى يجب أن يكون فائزا في ذاته بكمال الخيرية، من أجل أن العلة ~~الأولى إن لم يكن ذاته مستوفيا لجميع الخيرات التي هي بالإضافة إليه حقيقة بإطلاق سمة ~~الخيرية عليها، ولها إمكان وجود فهو مستفيدها من غيرها ولا غير له إلا معلولاته، فإذن مفيده ~~معلوله، ومعلوله لا خير له وفيه ومنه، إلا مستفادا منه، فإذن معلوله إن أفاده خيرية فإنما ~~يفيده خيرية مستفادة منه، لكن الخيرية المستفادة من العلة الأولى، إنما هي من المستفيد، ~~فإذن هذه الخيرية ليست في العلة الأولى، بل في المستفيد، وقيل إنها في الأولى، وذلك ~~خلف. # والعلة الأولى لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن الكمال الذي بإزاء ذلك النقص إما أن ~~يكون وجوده غير ممكن، فلا يكون إذن بإزائه نقص، إذ النقص هو عدم الكمال الممكن الوجود، وإما ~~أن يكون وجوده ممكنا، ثم الشيء الذي ليس في شيء ما إذا تصور إمكانه تصور معه علة ~~تحصيله في الشيء الذي هو ممكن فيه، وقد قلنا: إنه لا علة للعلة الأولى في كمالها ولا بوجه ~~من الوجوه، فإذن هذا الكمال ليس بممكن فيه، فإذن ليس بإزائه نقص، فإذن العلة الأولى مستوفية ~~لجميع ما هي خيرات بالإضافة إليها، وإن الخيرات العالية التي هي خيرات من جميع الوجوه لا ~~بالإضافة، وهي الخيرات التي هي بالإضافة إليه خيرات مستوفاة له، وقد اتضح أن العلة الأولى ~~مستوفية لجميع الخيرية التي هي بالإضافة إليها خيرية، ولها إمكان وجود، فقد اتضح أن العلة ~~الأولى خير في ذاتها، وبالإضافة إلى سائر الموجودات أيضا، إذ هو السبب الأول لقوامها ~~وبقائها على أخص وجوداتها وانسياقها إلى كمالاتها، فإذن العلة الأولى خير مطلق من جميع ~~الوجوه، وقد كان اتضح أن من أدرك خيرا فإنه بطباعه يعشقه، فقد اتضح أن العلة الأولى معشوقة ~~للنفوس المتألهة، وأيضا ms12 فإن النفوس البشرية والملكية لما كانت كمالاتها بأن تتصور ~~المعقولات على ما هي عليها بحسب طاقتها تشبها بذات الخير المطلق، وأن تصدر عنها أفاعيل هي ~~عندها، وبالإضافة إليها عادلة كالفضائل البشرية، وكتحريك النفوس الملكية للجواهر العلوية، ~~موجبة لاستبقاء الكون والفساد تشبها بذات الخير المطلق، وإنما تتولى هذه التحريكات لتجوز ~~بها القربى من الخير المطلق، وتستفيد بالتقرب الفضيلة والكمال، وإن ذلك بتوفيقها وهي ~~متصورة لذلك منه، وقد قلنا: إن مثل هذا عاشق للمتقرب منه، فواجب على ما أوضحناه سالفا أن ~~يكون الخير المطلق معشوقا لها، أعني لجملة النفوس المتألهة، وأيضا فإن الخير المطلق لا شك ~~أنه سبب لوجود ذوات هذه الجواهر الشريفة، ولكمالها فيها، إذ كمالها إنما هو بأن يكون صورا ~~عقلية قائمة بذواتها، وإنها لن تكون كذلك إلا بمعرفة، وهي مصورة لهذه المعاني منه، وقد قلنا ~~إن مثل هذا عاشق لمثل هذا السبب، فيتبين على ما أوضحناه سالفا أن الخير المطلق معشوق لها، ~~أعني لجملة النفوس المتألهة، وهذا العشق فيها غير مزائل البتة؛ وذلك لأنها لا تخلو عن ~~حالتي الكمال والاستعداد ضرورة، وقد أوضحنا ضرورة وجود هذا العشق فيها حالة كمالها، وأما ~~حالة استعدادها فلن توجد إلا في النفوس البشرية دون الملكية؛ لفوز الملكية بكمال ما وجدت ~~وقد وجدت، وهي - أعني النفوس البشرية - بحالة الاستعداد لها شوق غريزي إلى معرفة المعقولات ~~التي هي كمالها وخاصة ما هو أقود للكمال عند تصوره، وأهدى إلى تصور ما سواه، وهذه صفة ~~المعقول الأول الذي هو علة لكون كل شيء معقول سواه معقولا في النفوس وموجودا في الأعيان، ~~فلا محالة أن لها عشقا غريزيا في ذاتها للحق المطلق أولا، ولسائر المعقولات ثانيا، ~~وإلا فوجودها على استعدادها لخاص كمالها معطل، فإذن المعشوق الحق للنفوس البشرية والملكية ~~هو الخير المحض. # الفصل السابع # | في خاتمة الفصول # نريد أن نورد في هذا الفصل أن كل واحد من الموجودات يعشق الخير المطلق عشقا غريزيا، ~~وأن الخير المطلق متجل لها لذاته، إلا إن قبولها لتجليه واتصالها به على التفاوت، وأن ms13 ~~غاية القربى منه هو قبول تجليه على الحقيقة، أعني على آكد ما في الإمكان، وهو المعنى الذي ~~تسميه الصوفية «الاتحاد»، وأنه لجوده عاشق أن ينال تجليه، وأن وجود الأشياء تجليه. # فنقول لما كان في كل واحد من الموجودات عشق غريزي لكماله؛ وإنما ذلك لأن كماله معنى به ~~تحصل له خيريته، فبين أن المعنى الذي به تحصل للشيء خيريته حيث ما توجد وكيف ما توجد أوجب ~~أن يكون ذلك الشيء معشوقا لمستفيد الخيرية، ثم لا يوجد شيء أولى بذلك من العلة الأولى في ~~جميع الأشياء، فهو إذن معشوق لجميع الأشياء، وكون أكثر الأشياء غير عارف به لا ينفي وجود ~~عشقه الغريزي فيها - كما لا يوجب ذلك بقاء العشق الغريزي - في هذه الأشياء لكمالاتها، ~~والخير الأول بذاته ظاهر متجل لجميع الموجودات، ولو كان ذاته محتجبا عن جميع الموجودات ~~بذاته غير متجل لها لما عرف، ولا نيل منه، ولو كان ذلك في ذاته بتأثير الغير؛ لوجب ~~أن يكون في ذاته المتعالية عن قبول تأثير الغير وذلك خلف، بل ذاته بذاته متجل، ولأجل قصور ~~بعض الذوات عن قبول تجليها يحتجب، فبالحقيقة لا حجاب إلا في المحجوبين، والحجاب هو القصور ~~والضعف والنقص. # وليس تجليه إلا حقيقة ذاته، إذ لا متجلي بذاته في ذاته إلا هو، وإنه كما أوضحه الإلهيون ~~فذاته كريم متجل؛ ولذلك ربما سماه الفلاسفة صورة للعقل، فأول قابل لتجليه هو الملك ~~الإلهي الموسوم بالعقل الكلي فإنه بجوهره ينال تجليه كجوهر الصورة الواقعة في المرآة ~~لمتجلى الشخص الذي هي مثاله، وقريب من هذا المعنى ما قيل إن العقل فعال مثاله، فاحترز ~~أن تقول مثله، وذلك هو الواجب الحق، فإن كل منفعل عن سبب غريب فإنما ينفعل بتوسط مثال واقع ~~من العلل فيه وبالعكس، وكل منفعل إنما ينفعل في قابل الانفعال عنه بتوسط مثال يقع منه فيه، ~~وذلك بين بالاستقراء، فإن الحرارة النارية إنما تفعل في جرم من الأجرام بأن تضع فيه مثاله ~~وهو السخونة، وكذلك سائر القوى من الكيفيات، والنفس الناطقة إنما تفعل في ms14 نفس ناطقة مثلها ~~بأن تضع فيها مثالها، وهو الصورة المعقولة، والسيف إنما يقطع بأن يضع في المنفعل عنه مثاله ~~وهو شكله، والمسن إنما يحدد السكين بأن يضع في جوانب حده مثال ما ماسه وهو استواء ~~الأجزاء وملاستها. # ولقائل أن يقول: إن الشمس تسخن وتسود من غير أن تكون السخونة والسواد مثالها، لكنا ~~نجيب عن ذلك بأن نقول: إنا لم نقل إن كل أثر حصل في متأثر من مؤثر، أن ذلك الأثر موجود في ~~المؤثر، فإنه مثال من المؤثر في المتأثر، لكنا نقول: إن تأثير المؤثر القريب إلى المتأثر ~~في المتأثر يكون بتوسط مثال ما يقع منه فيه، وكذلك الحال في الشمس، فإنها تفعل في منفعلها ~~القريب بوضع مثالها فيه وهو الضوء، ويحدث من حصول الضوء فيها السخونة، فيسخن المنفعل عنها ~~منفعلا آخر عنه، بأن يضع فيه مثاله أيضا وهو السخونة أيضا، فيسخن بحصول السخونة ويسود، ~~هذا من جهة الاستقراء، فأما من جهة البرهان الكلي فليس هذا موضعه. # ونرجع فنقول: إن العقل الفعال يقبل التجلي بغير وسط، وهو بإدراكه لذاته ولسائر ~~المعقولات فيه عن ذاته بالفعل والثبات، وذلك أن الأشياء التي تتصور المعقولات بلا روية ~~واستعانة بحس أو تخيل إنما تعقل الأمور المتأخرة بالمتقدمة والمعلولات بالعلل والردية ~~بالشريفة، ثم تناله النفوس الإلهية بلا توسط أيضا عند النيل، وإن كان بتوسط إعانة العقل ~~الفعال عند الإخراج من القوة إلى الفعل وإعطائه القوة على التصور، وإمساك المتصور ~~والطمأنينة إليه، ثم تنالها القوة الحيوانية ثم النباتية ثم الطبيعية، وكل واحد مما يناله ~~يسوقه ما ناله منه إلى التشبه به بطاقته، فإن الأجرام الطبيعية إنما تتحرك حركاتها الطبيعية ~~تشبها به في أفعاله على بعض الأحوال - أعني عند حصولها في المواضع غير الطبيعية - وإن لم ~~يكن يتشبه به في مبادئ هذه الغاية وهي الحركة، وكذلك الجواهر الحيوانية والنباتية إنما تفعل ~~أفاعيلها الخاصة بها تشبها به في غاياتها، فهو إبقاء نوع أو شخص وإظهار قوة ومقدرة وفائدة، ~~وما ضاهاها، وإن لم تتشبه به في مبدأ هذه الغايات ms15 كالجماع وكالتغذي، وكذلك النفوس البشرية ~~إنما تفعل أفاعيلها العقلية وأعمالها الخيرية تشبها به في غاياتها هي كونها عاقلة عادلة، ~~وإن لم يكن يتشبه به في مبادئ هذه الغايات كالعلم وما شاكله، والنفوس الإلهية الملكية إنما ~~تتحرك تحريكاتها وتفعل أفاعيلها تشبها به أيضا في استبقاء الكون والفساد والحرث ~~والنسل. # والعلة في كون القوى الحيوانية والنباتية والطبيعية والبشرية متشبهة بها في غايات ~~أفاعيلها دون مباديها؛ لأن مباديها إنما هي أحوال استعدادية قوية، والخير المطلق متنزه عن ~~مخالطة الأحوال الاستعدادية القوية، وغاياتها كمالات فعلية، والعلة الأولى هي الموصوف ~~بالكمال الفعلي المطلق، فجاز أن تتشبه به في الكمالات الغائية، وامتنع أن تتشبه بها في ~~الاستعدادات، وأما النفوس الملكية فإنها فائزة في الصور ذاتها بالتشبه به فوزا أبديا ~~عريا عن القوة، إذ هي عاقلة له بها، وعاشقة له بما تعقله منه أبدا، ومتشبهة بما تعشقه ~~منه أبدا، وولوعها بإدراكه وتصوره الذين هما أفضل إدراك وتصور يكاد يشغلها عن إدراك ~~ذواتها، وتصور ما سواه من المعقولات، إلا إن معرفته بالحقيقة تعود بمعرفة سائر الموجودات، ~~فكأنها تتصوره بالقصد الأول، وتتصور سواه تبعا، وإذ كان لولا تجلي الخير المطلق لما نيل ~~منه، ولو لم ينل منه لم يكن وجود، فلولا تجليه لم يكن وجود، فتجليه علة كل وجود، وإذن هو ~~بوجوده عاشق لوجود معلولاته، فهو عاشق لنيل تجليه، وإذ معشوق الأفضل لفضله هو الأفضل فإذن ~~معشوقه الحقيقي في أن ينال تجليه هو حقيقة نيل نيله النفوس المتألهة له؛ ولذلك قد يجوز أن ~~يقال إنها معشوقاته، وإليه يرجع ما روي في الأخبار أن الله تعالى يقول: «إن العبد إذا كان ~~كذا كذا عشقني وعشقته»، وإذ الحكمة لا تجوز إهمال ما هو فاضل في وجوده بوجه ما، وإن لم ~~يكن في غاية العقلية، فإذن الخير المطلق قد يعشق بحكمته أن ينال منه نيلا، وإن لم يبلغ ~~كمال الدرجة منه، فإذن الملك الأعظم رضاه لمن يتشبه به، والملوك الفانية سخطها على من ~~يتشبه بها؛ لأن ما يرام التشبه من الملك الأعظم ms16 لا يؤتى على غايته، وما يرام من التشبه من ~~الملوك الفانية قد يؤتى على مبلغه. # وإذا بلغنا هذا المبلغ فلنختم الرسالة، والحمد لله واهب القوة على حمده حمدا كما هو ~~أهله، وصلواته على نبينا وعلى سائر أنبيائه أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ~~(تمت) ms17