######OpenITI# #META# المؤلف: أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا [ شيخ الرئيس ابن سينا ] #META# المحقق: الأب قنواتي ـ سعيد زايد #META# الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي #META# الطبعة: ٠ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٠٤ هـ.ق #META# الصفحات: ٤٧٨ #META#Header#End# ### ||| * المقالة الأولى ### ||| * وفيها ثمانية فصول PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد (2) لله رب العالمين وصلاته على النبي (3) المصطفى محمد وآله ~~الأكرمين أجمعين. ### | الفن (4) الثالث عشر من كتاب الشفاء في الإلهيات. ### || * (5) (6) المقالة الأولى وهي ثمانية فصول (7) ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل (8) # في ابتداء طلب موضوع (9) الفلسفة الأولى لتتبين إنيته في العلوم # وإذ (10) وفقنا الله ولي الرحمة والتوفيق ، فأوردنا ما وجب إيراده من ~~معاني العلوم المنطقية والطبيعية والرياضية ، فبالحري أن نشرع في تعريف ~~المعاني الحكمية ، ونبتدئ (11) مستعينين بالله فنقول : # إن العلوم الفلسفية ، كما قد أشير إليه في مواضع أخرى من الكتب ، تنقسم ~~إلى النظرية وإلى العملية. وقد أشير إلى الفرق بينهما وذكر أن النظرية هي ~~التي نطلب فيها استكمال القوة النظرية (12) من النفس بحصول العقل بالفعل ، وذلك PageV01P003 # بحصول (1) العلم التصوري والتصديقي بأمور ليست هي هي بأنها أعمالنا ~~وأحوالنا ، فتكون الغاية (2) فيها حصول رأي واعتقاد ليس رأيا واعتقادا في ~~كيفية عمل أو كيفية مبدإ عمل من حيث هو مبدأ عمل. # وأن العملية هي التي يطلب فيها أولا استكمال القوة النظرية بحصول العلم ~~التصوري والتصديقي بأمور هي هي بأنها أعمالنا ، ليحصل (3) منها ثانيا ~~استكمال القوة العملية بالأخلاق. # وذكر أن النظرية تنحصر (4) في أقسام ثلاثة هي (5): الطبيعي ، والتعليمية ~~، والإلهية. # وأن الطبيعية موضوعها الأجسام من جهة ما هي متحركة وساكنة ، وبحثها عن ~~العوارض التي تعرض لها بالذات من هذه الجهة. # وأن التعليمية موضوعها إما ما هو كم مجرد عن المادة بالذات ، وإما ما هو ~~ذو كم. والمبحوث عنه فيها أحوال تعرض للكم بما هو كم. ولا يؤخذ (6) في ~~حدودها نوع مادة ، ولا قوة حركة. # وأن الإلهية تبحث عن الأمور المفارقة للمادة بالقوام والحد. وقد سمعت ~~أيضا أن الإلهي هو الذي يبحث فيه (7) عن الأسباب الأولى (8) للوجود (9) ~~الطبيعي والتعليمي وما يتعلق بهما ، وعن مسبب (10) الأسباب ومبدإ المبادئ ~~وهو الإله تعالى جده (11). PageV01P004 # فهذا هو قدر ما يكون (1) قد وقفت عليه فيما (2) سلف لك من الكتب. ولم ~~يتبين لك من ذلك أن الموضوع للعلم الإلهي ما هو بالحقيقة الإلهي ما هو ms001 ~~بالحقيقة إلا إشارة جرت في كتاب البرهان من المنطق إن تذكرتها. وذلك أن في ~~سائر العلوم قد كان يكون لك شيء هو موضوع ، وأشياء هي المطلوبة ، ومبادئ ~~مسلمة منها تؤلف البراهين. والآن ، فلست تحقق حق التحقيق (3) ما الموضوع ~~لهذا العلم ، وهل هو ذات العلة الأولى حتى يكون المراد معرفة صفاته وأفعاله ~~أو معنى آخر. # وأيضا قد كنت تسمع أن هاهنا فلسفة بالحقيقة ، وفلسفة أولى ، وأنها تفيد ~~تصحيح مبادئ سائر العلوم ، وأنها هي الحكمة بالحقيقة. وقد كنت تسمع تارة أن ~~الحكمة هي أفضل علم بأفضل معلوم ، وأخرى أن الحكمة هي المعرفة التي هي أصح ~~معرفة وأتقنها ، وأخرى أنها العلم بالأسباب الأولى للكل. وكنت (4) لا تعرف ~~ما هذه الفلسفة الأولى ، وما هذه الحكمة ، وهل الحدود والصفات (5) الثلاث ~~لصناعة واحدة ، أو لصناعات مختلفة كل واحدة منها تسمى حكمة. # ونحن (6) نبين لك الآن أن هذا العلم الذي نحن بسبيله هو الفلسفة الأولى ، ~~وأنه (7) الحكمة المطلقة ، وأن الصفات الثلاث التي رسم (8) بها الحكمة هي ~~صفات صناعة واحدة ، وهي هذه الصناعة. وقد علم أن لكل علم موضوعا يخصه ، ~~فلنبحث الآن عن الموضع لهذا العلم ، ما هو؟ ولننظر هل الموضوع لهذا العلم ~~هو إنية الله تعالى جده (9)، أو ليس ذلك (10)، بل هو شيء من مطالب هذا العلم؟ # فنقول : إنه لا يجوز أن يكون ذلك هو الموضوع ، وذلك لأن موضوع كل علم هو ~~أمر مسلم الوجود في ذلك العلم ، وإنما يبحث عن أحواله. وقد PageV01P005 # علم هذا في مواضع أخرى. ووجود الإله تعالى جده (1) لا يجوز أن يكون مسلما ~~في هذا العلم كالموضوع ، بل هو مطلوب فيه. وذلك لأنه (2) إن لم يكن كذلك لم ~~يخل إما أن يكون مسلما في هذا العلم ومطلوبا في علم آخر ، وإما أن يكون ~~مسلما في هذا العلم وغير مطلوب في علم آخر. وكلا الوجهين باطلان (3). # وذلك لأنه (4) لا يجوز أن يكون مطلوبا في علم آخر ، لأن العلوم الأخرى ~~إما خلقية أو سياسية (5)، وإما طبيعية ، وإما رياضية ، وإما منطقية. وليس ~~في العلوم الحكمية علم ms002 خارج عن (6) هذه القسمة ، وليس ولا في شيء منها يبحث ~~(7) عن إثبات الإله تعالى جده (8)، ولا يجوز أن يكون ذلك. وأنت تعرف هذا ~~بأدنى تأمل لأصول كررت (9) عليك. ولا يجوز أيضا أن يكون غير مطلوب في علم ~~آخر لأنه يكون حينئذ غير مطلوب (10) في علم البتة. فيكون إما بينا بنفسه ، ~~وإما مأيوسا عن بيانه بالنظر ، وليس (11) بينا بنفسه ولا مأيوسا (12) عن ~~بيانه ، فإن عليه دليلا (13). ثم المأيوس عن بيانه كيف يصح تسليم وجوده؟ ~~فبقي (14) أن البحث عنه إنما هو في هذا العلم. # ويكون البحث عنه على وجهين : أحدهما البحث عنه من جهة وجوده ، والآخر من ~~جهة صفاته. وإذا كان البحث عن وجوده في هذا العلم ، لم يجز أن يكون موضوع ~~هذا العلم ، فإنه ليس على علم من العلوم إثبات موضوعه ، وسنبين لك عن قريب ~~أيضا ، أن البحث عن وجوده لا يجوز أن يكون إلا في هذا العلم ، إذ قد (15) ~~تبين (16) لك من حال هذا العلم أنه يبحث (17) عن المفارقات للمادة (18) ~~أصلا. وقد لاح لك في الطبيعيات أن الإله غير جسم ، ولا قوة جسم ، PageV01P006 # بل هو واحد بريء عن المادة ، وعن مخالطة الحركة من كل جهة. فيجب أن يكون ~~البحث عنه لهذا العلم. # والذي لاح لك من ذلك في الطبيعيات كان غريبا عن الطبيعيات ، ومستعملا ~~فيها ، منه ما ليس منها ، إلا أنه أريد بذلك أن يعجل للإنسان (1) وقوف (2) ~~على إنية المبدإ الأول فتتمكن منه الرغبة في اقتباس العلوم ، والانسياق إلى ~~المقام الذي هناك ليتوصل (3) إلى معرفته بالحقيقة. ولما لم يكن بد من أن ~~يكون لهذا العلم موضوع وتبين لك أن الذي يظن أنه هو (4) موضوعه ليس بموضوعه ~~، فلننظر : هل موضوعه الأسباب القصوى للموجودات كلها أربعتها إلا (5) واحدا ~~منها الذي لم يكن القول به. فإن هذا أيضا قد يظنه قوم. # لكن النظر في الأسباب كلها أيضا لا يخلو إما أن ينظر فيها (6) بما هي ~~موجودات أو بما هي أسباب مطلقة ، أو بما هي كل واحد من الأربعة على النحو ~~الذي نحصه. أعني ms003 أن يكون النظر فيها من جهة أن هذا فاعل ، وذلك قابل ، وذلك ~~شيء آخر ، أو من جهة ما هي الجملة التي تجتمع منها. # فنقول : لا يجوز أن يكون النظر فيها بما هي أسباب مطلقة ، حتى يكون الغرض ~~من (7) هذا العلم هو النظر في الأمور التي تعرض للأسباب (8) بما هي أسباب ~~(9) مطلقة. ويظهر هذا من وجوه : # أحدها ، من جهة أن هذا العلم يبحث عن معان ليست هي من الأعراض الخاصة ~~(10) بالأسباب بما هي أسباب ، مثل الكلي والجزئي ، والقوة والفعل ، ~~والإمكان والوجوب وغير ذلك. PageV01P007 # ثم من التبين الواضح أن هذه الأمور في أنفسها بحيث يجب أن يبحث عنها ، ثم ~~ليست من الأعراض الخاصة (1) بالأمور الطبيعية والأمور التعليمية (2). ولا ~~هي أيضا (3) واقعة في الأعراض الخاصة (4) بالعلوم العملية (5). فيبقى (6) ~~أن يكون البحث عنها للعلم الباقي من الأقسام وهو هذا العلم. # وأيضا فإن العلم بالأسباب المطلقة حاصل بعد العلم بإثبات الأسباب للأمور ~~ذوات الأسباب. فإنا ما لم نثبت وجود الأسباب للمسببات من الأمور بإثبات أن ~~لوجودها تعلقا بما يتقدمها في الوجود ، لم يلزم عند العقل وجود السبب ~~المطلق ، وأن هاهنا سببا ما. وأما الحس فلا يؤدي إلا إلى (7) الموافاة. ~~وليس إذا توافى شيئان ، وجب أن يكون أحدهما سببا للآخر (8). والإقناع الذي ~~يقع للنفس لكثرة ما يورده الحس والتجربة فغير متأكد ، على ما علمت ، إلا ~~بمعرفة أن الأمور التي هي موجودة في الأكثر هي طبيعية واختيارية (9). # وهذا في الحقيقة مستند إلى إثبات العلل ، والإقرار بوجود العلل والأسباب. ~~وهذا ليس بينا أوليا بل هو مشهود (10)، وقد علمت الفرق بينهما. وليس إذا ~~كان قريبا عند العقل ، من البين بنفسه أن للحادثات مبدأ ما يجب أن يكون ~~بينا بنفسه مثل كثير من الأمور الهندسية المبرهن عليها في كتاب أوقليدس. ثم ~~البيان البرهاني (11) لذلك (12) ليس في العلوم الأخرى ، فإذن يجب أن يكون ~~في هذا العلم. # فكيف يمكن أن يكون الموضوع للعلم المبحوث عن أحواله في المطالب مطلوب ~~الوجود فيه؟ وإذا (13) كان كذلك فبين أيضا أنه ليس البحث عنها (14) من جهة ms004 PageV01P008 # الوجود الذي يخص كل واحد منها ، لأن ذلك مطلوب في هذا العلم. ولا أيضا من ~~جهة ما هي جملة ما (1) وكل ، لست أقول جملي (2) وكلي. فإن النظر في أجزاء ~~الجملة أقدم من النظر في الجملة ، وإن لم يكن كذلك في جزئيات الكلي باعتبار ~~قد علمته ، فيجب أن يكون النظر في الأجزاء إما في هذا العلم فتكون هي أولى ~~بأن تكون موضوعة ، أو يكون في علم آخر. وليس علم آخر يتضمن الكلام في ~~الأسباب القصوى غير (3) هذا العلم. وأما إن كان النظر في الأسباب من جهة ما ~~هي موجودة وما يلحقها (4) من تلك الجهة فيجب إذن أن يكون الموضوع الأول هو ~~الموجود بما هو موجود. # فقد (5) بان أيضا بطلان هذا النظر (6)، وهو أن هذا العلم موضوعه الأسباب ~~القصوى ، بل يجب أن يعلم أن هذا كماله ومطلوبه. PageV01P009 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل (1) * في تحصيل موضوع هذا العلم # فيجب أن ندل على الموضوع الذي لهذا العلم لا محالة حتى يتبين (2) لنا ~~الغرض الذي هو في هذا العلم ، فنقول : # إن العلم الطبيعي قد كان موضوعه الجسم ، ولم يكن من جهة ما هو موجود ، ~~ولا من جهة ما هو جوهر ، ولا من جهة ما هو مؤلف من مبدأيه ، أعني الهيولى ~~والصورة ، ولكن من جهة ما هو موضوع للحركة والسكون. والعلوم التي تحت العلم ~~الطبيعي أبعد من ذلك. وكذلك الخلقيات (3). # وأما العلم الرياضي فقد كان موضوعه إما مقدارا مجردا في الذهن عن المادة ~~، وإما مقدارا مأخوذا في الذهن مع مادة ، وإما عددا مجردا عن المادة ، وإما ~~عددا في مادة. ولم يكن أيضا ذلك البحث متجها إلى إثبات أنه مقدار مجرد أو ~~في مادة أو عدد مجرد أو في مادة ، بل كان في جهة الأحوال التي تعرض له (4) ~~بعد وضعه. # كذلك والعلوم التي تحت الرياضيات أولى بأن لا يكون نظرها إلا في (5) ~~العوارض التي يلحق أوضاعا أخص من هذه الأوضاع. # والعلم المنطقي ، كما علمت (6)، فقد كان موضوعه المعاني المعقولة ~~الثانية التي تستند إلى المعاني المعقولة الأولى من جهة ms005 كيفية ما يتوصل بها ~~من معلوم. PageV01P010 # إلى مجهول ، لا من جهة ما هي معقولة ولها الوجود العقلي الذي لا يتعلق ~~بمادة أصلا أو يتعلق بمادة غير جسمانية. ولم يكن غير هذه العلوم علوم أخرى. # ثم البحث عن حال الجوهر بما هو موجود وجوهر (1)، وعن الجسم بما هو جوهر ~~، وعن المقدار (2) والعدد بما هما موجودان ، وكيف وجودهما ، وعن الأمور ~~الصورية التي ليست في مادة أو هي في مادة غير مادة الأجسام ، وأنها كيف ~~تكون وأي نحو من الوجود يخصها ، فمما يجب أن يجرد له بحث. # وليس يجوز أن يكون من جملة العلم بالمحسوسات ، ولا من جملة العلم بما (3) ~~وجوده في المحسوسات ، لكن التوهم والتحديد يجرده عن المحسوسات. # فهو إذن من جملة العلم بما (4) وجوده (5) مباين. # أما الجوهر فبين أن وجوده بما هو جوهر فقط غير متعلق بالمادة وإلا لما ~~كان جوهر إلا محسوسا. # وأما العدد فقد يقع على المحسوسات وغير المحسوسات ، فهو بما هو عدد غير ~~متعلق بالمحسوسات. # وأما المقدار فلفظه اسم مشترك ، فيه ما قد يقال له مقدار ، ويعني (6) به ~~البعد (7) المقوم للجسم الطبيعي ، ومنه ما يقال مقدار ، ويعني به كمية ~~متصلة تقال على الخط والسطح والجسم المحدود. وقد عرفت الفرق بينهما. وليس ~~ولا واحد (8) منهما مفارقا للمادة ، ولكن المقدار بالمعنى الأول وإن كان لا ~~يفارق المادة فإنه أيضا مبدأ لوجود الأجسام الطبيعية. فإذا كان مبدأ ~~لوجودها لم يجز أن يكون PageV01P011 # متعلق القوام بها ، بمعنى أنه يستفيد (1) القوام من المحسوسات ، بل ~~المحسوسات تستفيد منه القوام. فهو إذن (2) أيضا (3) متقدم بالذات على ~~المحسوسات. وليس الشكل كذلك ، فإن الشكل عارض لازم للمادة بعد تجوهرها جسما ~~متناهيا موجودا (4) وحملها سطحا متناهيا. فإن الحدود (5) تجب للمقدار من ~~جهة استكمال المادة به وتلزمه من بعد. فإذا كان كذلك لم يكن الشكل موجودا ~~إلا في المادة ولا علة أولية لخروج المادة إلى الفعل. # وأما المقدار بالمعنى الآخر فإن فيه نظرا من جهة وجوده ، ونظرا من جهة ~~عوارضه. فأما النظر في أن وجوده أي أنحاء الوجود هو ms006 (6)، ومن (7) أي أقسام ~~الموجود (8)، فليس هو بحثا أيضا عن معنى متعلق (9) بالمادة. # فأما (10) موضوع المنطق من جهة ذاته فظاهر أنه خارج عن المحسوسات (11). # فبين (12) أن هذه كلها تقع في العلم الذي يتعاطى ما لا يتعلق قوامه ~~بالمحسوسات ، ولا يجوز أن يوضع لها موضوع مشترك تكون هي كلها حالاته ~~وعوارضه إلا الموجود. فإن بعضها جواهر ، وبعضا كميات ، وبعضها مقولات أخرى ~~، وليس يمكن أن يعمهما معنى محقق إلا حقيقة معنى الوجود (13). # وكذلك قد يوجد أيضا أمور يجب أن تتحدد وتتحقق في النفس ، وهي مشتركة في ~~العلوم. وليس ولا واحد من العلوم يتولى الكلام فيها مثل الواحد PageV01P012 # بما هو واحد ، والكثير بما هو كثير ، والموافق والمخالف ، والضد وغير ذلك ~~، فبعضها يستعملها استعمالا فقط ، وبعضها إنما (1) يأخذ حدودها ، ولا يتكلم ~~في نحو وجودها. وليست عوارض خاصة لشيء من موضوعات هذه العلوم الجزئية ، ~~وليست من الأمور التي يكون وجودها إلا وجود الصفات للذوات ولا أيضا هي من ~~الصفات التي تكون لكل شيء. فيكون كل واحد منها مشتركا لكل شيء ولا يجوز أن ~~يختص (2) أيضا مقولة ولا يمكن أن يكون من عوارض (3) شيء (4) إلا الموجود ~~بما هو موجود (5). # فظاهر (6) لك من هذه الجملة أن الموجود بما هو موجود أمر مشترك لجميع هذه ~~، وأنه (7) يجب أن يجعل الموضوع لهذه الصناعة لما (8) قلنا. ولأنه غني عن ~~تعلم ماهيته وعن إثباته ، حتى يحتاج إلى أن يتكفل علم غير هذا العلم بإيضاح ~~(9) الحال فيه لاستحالة أن يكون إثبات الموضوع وتحقيق ماهيته في العلم (10) ~~الذي هو موضوعه بل تسليم إنيته وماهيته فقط. فالموضوع الأول لهذا العلم هو ~~الموجود بما هو موجود ، ومطالبة الأمور التي تلحقه بما هو موجود من غير شرط. # وبعض هذه أمور (11) هي له كالأنواع : كالجوهر والكم والكيف ، فإنه ليس ~~يحتاج الموجود في أن ينقسم إليها ، إلى انقسام قبلها ، حاجة الجوهر إلى ~~انقسامات ، حتى يلزمه الانقسام إلى الإنسان وغير الإنسان. وبعض هذه ~~كالعوارض الخاصة ، مثل الواحد والكثير ، والقوة والفعل ، والكلي والجزئي ، ~~والممكن والواجب ، فإنه ليس يحتاج الموجود في قبول ms007 هذه الأعراض والاستعداد ~~لها إلى أن يتخصص طبيعيا أو تعليميا أو خلقيا أو غير ذلك. PageV01P013 # ولقائل أن يقول ، إنه إذا جعل الموجود هو الموضوع لهذا العلم لم يجز أن ~~يكون إثبات مبادئ الموجودات فيه ، لأن البحث في كل علم هو عن لواحق (1) ~~موضوعه لا عن مبادئه. فالجواب عن هذا أن النظر في المبادئ أيضا (2) هو بحث ~~عن عوارض (3) هذا الموضوع ، لأن الموجود كونه مبدأ غير مقوم له ولا ممتنع ~~فيه ، بل هو بالقياس إلى طبيعة الموجود أمر عارض له ، ومن العوارض (4) ~~الخاصة (5) به. لأنه ليس شيء (6) أعم من الموجود ، فيلحق غيره لحوقا أوليا. ~~ولا أيضا يحتاج الموجود إلى أن يصير طبيعيا أو تعليميا أو شيئا آخر (7) حتى ~~يعرض له أن يكون مبدأ. ثم المبدأ ليس مبدأ للموجود (8) كله ، ولو كان مبدأ ~~للموجود كله لكان مبدأ لنفسه ، بل الموجود كله لا مبدأ له ، إنما المبدأ ~~مبدأ للموجود المعلول. # فالمبدأ هو مبدأ لبعض الموجود. فلا يكون هذا العلم يبحث عن مبادئ الموجود ~~مطلقا ، بل إنما يبحث عن مبادئ بعض ما فيه كسائر العلوم الجزئية ، فإنها ~~وإن كانت لا تبرهن على (9) وجود مبادئها المشتركة ، إذ لها مبادئ يشترك ~~فيها جميع ما ينحوه كل واحد منها ، فإنها تبرهن على وجود ما هو مبدأ لما ~~بعدها من الأمور التي فيها (10). # ويلزم هذا العلم أن ينقسم ضرورة إلى أجزاء منها : ما (11) يبحث عن ~~الأسباب القصوى ، فإنها الأسباب لكل موجود معلول من جهة وجوده ، ويبحث عن ~~السبب الأول الذي يفيض عنه كل موجود معلول بما هو موجود معلول (12) لا بما ~~هو موجود متحرك فقط (13) أو متكمم فقط. ومنها ما يبحث عن العوارض للموجود. ~~ومنها ما يبحث عن مبادئ العلوم الجزئية. ولأن مبادئ كل علم PageV01P014 # أخص هي مسائل في العلم الأعلى ، مثل مبادئ الطب في الطبيعي ، والمساحي في ~~الهندسة ، فيعرض إذن (1) في هذا العلم أن يتضح فيه مبادئ العلوم الجزئية ~~التي تبحث عن أحوال الجزئيات (2) الموجودة (3). فهذا العلم يبحث عن أحوال ~~الموجود ، والأمور التي هي له كالأقسام والأنواع ms008 ، حتى يبلغ إلى تخصيص يحدث ~~معه موضوع العلم الطبيعي فيسلمه إليه ، وتخصيص يحدث معه موضوع الرياضي ~~فيسلمه إليه ، وكذلك في غير ذلك. وما قبل ذلك التخصيص كالمبدإ (4)، فنبحث ~~عنه ونقرر حاله. فتكون إذن مسائل هذا العلم في أسباب الموجود المعلول بما ~~هو موجود معلول ، وبعضها في عوارض الموجود ، وبعضها في مبادئ العلوم ~~الجزئية. # فهذا هو العلم المطلوب في هذه الصناعة وهو الفلسفة الأولى ، لأنه العلم ~~بأول الأمور في الوجود ، وهو (5) العلة الأولى وأول الأمور في العموم ، وهو ~~الوجود والوحدة. وهو أيضا الحكمة التي هي أفضل علم بأفضل معلوم ، فإنها ~~أفضل (6) علم أي اليقين ، بأفضل المعلوم أي بالله تعالى وبالأسباب (7) من ~~بعده. وهو أيضا معرفة الأسباب القصوى للكل. وهو أيضا المعرفة بالله (8)، ~~وله حد العلم الإلهي الذي هو أنه علم بالأمور المفارقة (9) للمادة في الحد ~~والوجود. إذ الموجود بما هو موجود ومبادئه وعوارضه ليس شيء منها ، كما اتضح ~~، إلا متقدم الوجود (10) على المادة وغير متعلق الوجود بوجودها. وإن بحث في ~~هذا العلم عما لا يتقدم المادة ، فإنما يبحث فيه عن معنى. ذلك المعنى غير ~~محتاج الوجود إلى المادة ، بل الأمور المبحوث عنها فيه هي على (11) أقسام ~~أربعة : فبعضها بريئة عن المادة وعلائق PageV01P015 # المادة (1) أصلا. وبعضها يخالط المادة ، ولكن مخالطة السبب المقوم ~~المتقدم وليست المادة بمقومة له. وبعضها قد يوجد في المادة وقد يوجد لا في ~~مادة مثل العلية والوحدة ، فيكون الذي لها بالشركة بما هي هي أن لا تكون ~~مفتقرة التحقق إلى وجود المادة ، وتشترك هذه الجملة أيضا في أنها غير مادية ~~الوجود أي غير مستفادة الوجود من المادة. وبعضها أمور مادية ، كالحركة ~~والسكون ، ولكن ليس المبحوث عنه في هذا العلم حالها في المادة ، بل نحو ~~الموجود الذي لها. فإذا أخذ هذا القسم مع الأقسام الأخرى اشتركت في أن نحو ~~البحث عنها هو من جهة معنى غير (2) قائم الوجود بالمادة. # وكما أن العلوم الرياضية قد كان يوضع فيها ما هو متحدد بالمادة ، لكن نحو ~~النظر والبحث عنه كان من جهة معنى ms009 غير متحدد بالمادة ، وكان لا يخرجه تعلق ~~ما يبحث عنه بالمادة عن أن يكون البحث رياضيا ، كذلك الحال هاهنا. فقد ظهر ~~ولاح أن الغرض في هذا العلم (3) أي شيء هو. # وهذا العلم يشارك الجدل والسفسطة (4) من وجه ، ويخالفهما من وجه ، ويخالف ~~كل واحد منهما من وجه (5). أما مشاركتهما فلأن ما يبحث عنه في هذا العلم ~~لا يتكلم فيه صاحب علم جزئي ، ويتكلم فيه الجدلي والسوفسطائي. وأما ~~المخالفة فلأن الفيلسوف الأول من حيث هو فيلسوف أول لا يتكلم في مسائل ~~العلوم الجزئية وذانك (6) يتكلمان. وأما مخالفته للجدل خاصة بالقوة ، لأن ~~الكلام الجدلي يفيد الظن لا اليقين كما علمت في صناعة المنطق. وأما مخالفة ~~(7) السوفسطائية (8) فبالإرادة ، وذلك لأن هذا يريد الحق نفسه ، وذلك يريد ~~أن يظن به أنه حكيم يقول الحق وإن لم يكن حكيما. PageV01P016 ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * في منفعة هذا العلم ومرتبته واسمه # وأما منفعة هذا العلم ، فيجب أن تكون قد وقفت في العلوم التي قبل هذا على ~~أن الفرق بين النافع وبين الخير ما هو ، وأن الفرق بين الضار وبين الشر ما ~~هو ، وأن النافع هو السبب الموصل بذاته إلى الخير ، والمنفعة هي المعنى ~~الذي يوصل به من الشر (1) إلى الخير. # وإذ قد (2) تقرر هذا فقد علمت أن العلوم كلها تشترك في منفعة واحدة وهي : ~~تحصيل كمال النفس الإنسانية بالفعل مهيئة إياها للسعادة الأخروية. ولكنه ~~(3) إذا (4) فتش في رءوس الكتب عن منفعة العلوم لم يكن القصد متجها إلى هذا ~~المعنى ، بل إلى معونة بعضها في بعض ، حتى تكون منفعة علم ما هي (5) معنى ~~يتوصل (6) منه إلى تحقق علم (7) آخر غيره. # وإذا كانت المنفعة بهذا المعنى فقد (8) يقال قولا مطلقا (9)، وقد يقال ~~قولا مخصصا. فأما المطلق فهو أن يكون النافع موصلا إلى تحقيق (10) علم آخر ~~كيف كان ، وأما المخصص فأن يكون النافع موصلا إلى ما هو أجل منه ، وهو ~~كالغاية له إذ هو لأجله بغير انعكاس. فإذا أخذنا المنفعة بالمعنى المطلق ~~كان (11) لهذا العلم منفعة (12). PageV01P017 # وإذا (1) أخذنا المنفعة بالمعنى (2) المخصص ms010 كان هذا العلم أجل من أن ينفع ~~في علم غيره ، بل سائر العلوم تنفع فيه. # لكنا إذا قسمنا المنفعة المطلقة إلى أقسامها كانت ثلاثة أقسام : قسم يكون ~~الموصل منه موصلا إلى معنى أجل منه ، وقسم يكون الموصل منه موصلا إلى معنى ~~مساو له ، وقسم يكون الموصل منه موصلا إلى معنى دونه (3)، وهو أن يفيد في ~~كمال دون ذاته. وهذا إذا طلب له اسم خاص كان الأولى به الإفاضة ، والإفادة ~~، والعناية ، والرئاسة ، أو شيء مما يشبه هذا إذا استقريت الألفاظ الصالحة ~~في هذا الباب عثرت (4) عليه. # والمنفعة المخصصة (5) قريبة من الخدمة. وأما الإفادة التي تحصل من الأشرف ~~في الأخس فليس تشبه الخدمة. وأنت تعلم أن الخادم ينفع المخدوم ، والمخدوم ~~أيضا ينفع الخادم (6)، أعني المنفعة إذا أخذت مطلقة ويكون نوع كل منفعة ~~ووجهه (7) الخاص نوعا آخر ، فمنفعة هذا العلم الذي (8) بينا وجهها هي إفادة ~~اليقين بمبادئ العلوم الجزئية ، والتحقق (9) لماهية الأمور المشترك (10) ~~فيها ، وإن لم تكن مبادئ. # فهذا إذن منفعة الرئيس للمرءوس ، والمخدوم للخادم ، إذ نسبة هذا العلم ~~إلى العلوم الجزئية نسبة الشيء الذي هو المقصود معرفته في هذا العلم إلى ~~الأشياء المقصود (11) معرفتها في تلك العلوم. فكما أن ذلك مبدأ لوجود تلك ، ~~فكذلك العلم به مبدأ لتحقق العلم بتلك. PageV01P018 # وأما مرتبة هذا العلم فهي (1) أن يتعلم بعد العلوم الطبيعية والرياضية. # أما الطبيعية ، فلأن كثيرا من الأمور المسلمة في هذا مما تبين (2) في علم ~~(3) الطبيعي مثل : الكون ، والفساد ، والتغير ، والمكان ، والزمان وتعلق كل ~~متحرك بمحرك ، وانتهاء المتحركات إلى محرك أول ، وغير ذلك. # وأما الرياضية ، فلأن الغرض الأقصى في هذا العلم وهو (4) معرفة تدبير ~~الباري تعالى ، ومعرفة الملائكة الروحانية وطبقاتها ، ومعرفة النظام في ~~ترتيب الأفلاك ، ليس (5) يمكن أن يتوصل إلا بعلم الهيئة ، وعلم الهيئة لا ~~يتوصل إليه إلا بعلم الحساب والهندسة. وأما الموسيقى وجزئيات الرياضيات ~~والخلقيات والسياسة (6) فهي نوافع غير ضرورية في هذا العلم. # إلا أن لسائل أن يسأل فيقول : إنه إذا كانت المبادئ في علم (7) الطبيعة ~~والتعاليم إنما تبرهن في هذا العلم ms011 وكانت (8) مسائل العلمين تبرهن بالمبادئ ~~، وكانت مسائل ذينك العلمين تصير مبادئ لهذا العلم ، كان ذلك بيانا دوريا ~~ويصير آخر الأمر بيانا للشيء من نفسه ، والذي يجب أن يقال في حل هذه الشبهة ~~هو ما قد قيل وشرح في كتاب البرهان. وإنما نورد منه مقدار الكفاية في هذا ~~الموضع فنقول : # إن المبدأ للعلم ليس إنما يكون مبدأ لأن جميع المسائل تستند في براهينها ~~إليه بفعل أو بقوة ، بل ربما كان المبدأ مأخوذا في (9) براهين بعض هذه (10) ~~المسائل ، ثم قد يجوز أن تكون في العلوم مسائل براهينها لا تستعمل وصفا ~~البتة ، بل إنما PageV01P019 # تستعمل المقدمات التي لا برهان (1) عليها. على أنه إنما يكون مبدأ العلم ~~مبدأ بالحقيقة إذا كان يفيد أخذه اليقين (2) المكتسب من العلة ، وأما إذا ~~كان ليس يفيد العلة ، فإنما يقال له مبدأ العلم على نحو آخر. وبالحري أن ~~يقال له مبدأ على حسب ما يقال للحس مبدأ ، من جهة أن الحس بما هو حس يفيد ~~الوجود فقط. # فقد ارتفع إذن الشك ، فإن المبدأ الطبيعي (3) يجوز أن يكون بينا بنفسه ، ~~ويجوز أن يكون بيانه في الفلسفة الأولى بما ليس يتبين به فيها (4) بعد ، ~~ولكن (5) إنما تتبين به فيها مسائل أخرى حتى يكون ما هو مقدمة في العلم ~~الأعلى لإنتاج ذلك المبدأ لا يتعرض له في إنتاجه من ذلك المبدأ ، بل له ~~مقدمة (6) أخرى. # وقد يجوز أن يكون العلم الطبيعي أو الرياضي أفادنا برهان « إن » وإن (7) ~~لم يفدنا فيه برهان « اللم » ثم (8) يفيدنا هذا العلم فيه برهان « لم » ~~خصوصا (9) في العلل الغائية البعيدة. # فقد (10) اتضح أنه إما أن يكون ما هو مبدأ بوجه ما لهذا العلم من المسائل ~~التي في العلوم الطبيعية ليس بيانه من (11) مبادئ تتبين في هذا العلم ، بل ~~من مبادئ بينة بنفسها ، وإما أن يكون بيانه من مبادئ هي مسائل في هذا العلم ~~، لكن (12) ليس تعود فتصير مبادئ لتلك المسائل لعينها بل لمسائل أخرى ، ~~وإما أن تكون تلك المبادئ لأمور من هذا العلم لتدل على وجود ما يراد ms012 أن ~~نبين في هذا العلم لميته. ومعلوم أن هذا الأمر إذا كان على هذا الوجه لم ~~يكن بيان دور البتة ، حتى يكون بيانا يرجع إلى أخذ الشيء في بيان نفسه. PageV01P020 # ويجب أن تعلم أن في نفس الأمر (1) طريقا إلى (2) أن يكون الغرض من هذا ~~العلم تحصيل (3) مبدإ (4) إلا (5) بعد علم آخر. فإنه سيتضح لك فيما (6) بعد ~~إشارة إلى أن لنا سبيلا إلى إثبات المبدإ الأول لا من طريق الاستدلال من ~~الأمور (7) المحسوسة ، بل من طريق مقدمات كلية عقلية توجب للوجود (8) مبدأ ~~واجب الوجود وتمنع (9) أن يكون متغيرا أو متكثرا في جهة ، وتوجب أن يكون هو ~~مبدأ للكل ، وأن يكون الكل يجب عنه على ترتيب الكل. لكنا لعجز أنفسنا لا ~~نقوي على سلوك ذلك الطريق البرهاني الذي هو سلوك عن المبادئ إلى الثواني ~~(10)، وعن العلة إلى المعلول ، إلا في بعض جمل مراتب الموجودات منها دون ~~التفصيل. # فإذن من حق هذا العلم في نفسه أن يكون مقدما على العلوم كلها ، إلا أنه ~~من جهتنا يتأخر عن العلوم كلها ، فقد تكلمنا على مرتبة هذا العلم من جملة ~~العلوم. # وأما اسم هذا العلم فهو أنه : « ما بعد (11) الطبيعة ». ويعني بالطبيعة ~~لا القوة (12) التي هي مبدأ حركة وسكون ، بل جملة الشيء الحادث عن المادة ~~الجسمانية وتلك القوة والأعراض. # فقد قيل إنه قد يقال : الطبيعة (13)، للجرم الطبيعي الذي له الطبيعة. ~~والجرم الطبيعي هو الجرم المحسوس بما له من الخواص والأعراض. ومعنى « ما ~~بعد الطبيعة » بعدية بالقياس إلينا. فإن (14) أول ما نشاهد الوجود ، ونتعرف ~~عن أحواله PageV01P021 # نشاهد هذا الوجود الطبيعي. وأما الذي يستحق أن يسمى به هذا العلم إذا ~~اعتبر بذاته ، فهو أن يقال له علم « ما قبل الطبيعة » ، لأن الأمور المبحوث ~~عنها في هذا العلم ، هي بالذات وبالعموم (1)، قبل الطبيعة. # ولكنه (2) لقائل أن يقول : إن الأمور الرياضية المحضة التي ينظر فيها في ~~الحساب (3) والهندسة ، هي أيضا « قبل الطبيعة » ، وخصوصا العدد فإنه لا ~~تعلق لوجوده بالطبيعة البتة ، لأنه قد يوجد (4) لا في الطبيعة ، فيجب أن ~~يكون علم ms013 الحساب والهندسة علم « ما قبل الطبيعة » (5). # فالذي (6) يجب أن يقال (7) في هذا التشكيك هو أنه : أما الهندسة فما كان ~~(8) النظر فيه منها (9) إنما هو في الخطوط والسطوح والمجسمات. فمعلوم أن ~~موضوعه غير مفارق للطبيعة في القوام ، فالأعراض (10) اللازمة له أولى بذلك. ~~وما كان موضوعه المقدار المطلق فيؤخذ فيه المقدار المطلق على أنه مستعد ~~لأية نسبة اتفقت ، وذلك ليس للمقدار بما هو مبدأ للطبيعيات وصورة ، بل (11) ~~بما هو مقدار وعرض. وقد عرف (12) في شرحنا للمنطقيات والطبيعيات الفرق بين ~~المقدار الذي هو يعد الهيولى مطلقا ، وبين المقدار الذي هو كم ، وأن اسم ~~المقدار يقع عليهما بالاشتراك (13). وإذا كان (14) كذلك فليس موضوع ~~الهندسة بالحقيقة هو (15) المقدار المعلوم (16) المقوم للجسم الطبيعي ، بل ~~المقدار المقول على الخط والسطح والجسم (17). وهذا هو المستعد للنسب ~~المختلفة. PageV01P022 # وأما العدد فالشبهة فيه آكد ، ويشبه في ظاهر النظر أن يكون علم العدد هو ~~علم « ما (1) بعد الطبيعة ». إلا أن يكون علم « ما بعد الطبيعة » إنما يعني ~~به شيء آخر ، وهو علم « ما هو مباين » من كل الوجوه للطبيعة ، فيكون قد سمي ~~هذا العلم بأشرف ما فيه. كما يسمى هذا العلم بالعلم الإلهي أيضا ، لأن ~~المعرفة بالله تعالى هي (2) غاية هذا العلم. وكثيرا ما تسمى الأشياء من جهة ~~المعنى الأشرف ، والجزء الأشرف ، والجزء الذي هو كالغاية. فيكون كأن هذا ~~العلم هو العلم الذي كماله ، وأشرف أجزائه ، ومقصوده الأول ، هو معرفة ما ~~يفارق الطبيعة من كل وجه. وحينئذ (3) إذا كانت التسمية موضوعة بإزاء هذا ~~المعنى لا يكون لعلم العدد مشاركة له (4) في معنى هذا الاسم ، فهذا هذا (5). # ولكن البيان المحقق لكون علم الحساب خارجا عن علم « ما بعد الطبيعة » هو ~~أنه سيظهر لك أن موضوعه ليس هو العدد من كل وجه ، فإن العدد قد يوجد في ~~الأمور المفارقة ، وقد يوجد في الأمور الطبيعية ، وقد يعرض له وضع في الوهم ~~مجردا عن كل شيء هو عارض له. وإن كان لا يمكن أن يكون العدد موجودا ، إلا ~~عارضا لشيء في الوجود. فما كان من ms014 العدد وجوده في الأمور المفارقة ، امتنع ~~أن يكون موضوعا لأية نسبة اتفقت من الزيادة والنقصان ، بل إنما يثبت على ما ~~هو عليه فقط ، بل إنما يجب (6) أن يوضع بحيث يكون قابلا لأي زيادة اتفقت ، ~~ولأي نسبة اتفقت إذا كان في هيولى الأجسام التي هي (7) بالقوة كل (8) نحو ~~من المعدودات ، أو كان في الوهم ، وفي الحالين جميعا هو غير مفارق PageV01P023 # للطبيعة ، فإذن علم الحساب من حيث ينظر في العدد إنما ينظر فيه وقد حصل ~~له الاعتبار الذي إنما يكون له عند كونه في الطبيعة ، ويشبه أن يكون أول ~~نظره فيه وهو في الوهم ، ويكون إنما هو في الوهم بهذه الصفة ، لأنه وهم له ~~مأخوذ من (1) أحوال طبيعية (2) لها أن تجتمع وتفترق (3) وتتحد (4) وتنقسم. # فالحساب ليس نظرا في ذات العدد ، ولا نظرا في عوارض العدد من حيث هو (5) ~~عدد مطلقا ، بل في عوارضه من حيث هو يصير بحال تقبل ما أشير إليه ، وهو ~~حينئذ مادي أو وهمي إنساني يستند إلى المادة. # وأما النظر في ذات العدد ، وفيما يعرض له من حيث لا يتعلق بالمادة ولا ~~يستند إليها ، فهو لهذا العلم. PageV01P024 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل * في جملة ما يتكلم فيه في هذا العلم (1) # فينبغي لنا في هذه الصناعة أن نعرف حال نسبة الشيء والموجود إلى المقولات ~~(2)، وحال العدم ، وحال الوجوب ، أي (3) الوجود (4) الضروري وشرائطه ، ~~وحال الإمكان وحقيقته ، وهو بعينه النظر في القوة والفعل ، وأن ننظر (5) في ~~حال الذي بالذات والذي بالعرض ، وفي الحق والباطل ، وفي حال الجوهر ، وكم ~~أقسام (6) هو ، لأنه ليس يحتاج الموجود في أن يكون جوهرا موجودا (7) إلى أن ~~يصير طبيعيا أو تعليميا ، فإن هاهنا جواهر خارجة عنهما ، فيجب أن نعرف حال ~~الجوهر الذي هو كالهيولى ، وأنه كيف هو ، وهل هو مفارق أو غير مفارق ، ~~ومتفق النوع أو مختلف ، وما نسبته إلى الصورة (8)، وأن الجوهر الصوري كيف ~~هو ، وهل هو أيضا مفارق أو ليس بمفارق (9)، وما حال المركب ، وكيف حال كل ~~واحد منهما عند الحدود ، وكيف مناسبة ما بين الحدود والمحدودات. ms015 # ولأن مقابل الجوهر بنوع (10) ما هو العرض ، فينبغي أن نتعرف في هذا العلم ~~طبيعة العرض ، وأصنافه ، وكيفية الحدود التي تحد بها الأعراض ، ونتعرف حال ~~مقولة مقولة من الأعراض ، وما أمكن فيه أن يظن أنه جوهر وليس PageV01P025 # بجوهر ، فنبين (1) عرضيته ، ونعرف مراتب الجواهر كلها بعضها عند بعض في ~~الوجود بحسب التقدم والتأخر ، ونعرف كذلك (2) حال الأعراض. # ويليق بهذا الموضع أن نتعرف حال الكلي والجزئي ، والكل والجزء ، وكيف ~~وجود الطبائع الكلية ، وهل لها وجود في الأعيان الجزئية ، وكيف وجودها في ~~النفس ، وهل لها وجود مفارق للأعيان والنفس (3). # وهنالك نتعرف حال الجنس والنوع ، وما يجري مجراهما ، ولأن الموجود لا ~~يحتاج في كونه علة أو معلولا إلى (4) أن يكون طبيعيا أو تعليميا أو غير ~~ذلك. فبالحري أن نتبع ذلك الكلام في العلل ، وأجناسها ، وأحوالها ، وأنها ~~كيف ينبغي أن تكون الحال بينها وبين المعلولات ، وفي تعريف الفرقان بين ~~المبدإ الفاعلي ، وبين غيره. وأن نتكلم في الفعل والانفعال. وفي تعريف ~~الفرقان بين الصورة (5) والغاية ، وإثبات كل واحد منهما ، وأنهما (6) في كل ~~طبقة يذهب إلى علة أولى. # ونبين الكلام في المبدإ والابتداء ، ثم الكلام في التقدم والتأخر والحدوث ~~، وأصناف ذلك ، وأنواعه ، وخصوصية كل نوع منه ، وما يكون متقدما في الطبيعة ~~ومتقدما عند العقل ، وتحقيق (7) الأشياء المتقدمة عند العقل ، ووجه مخاطبة ~~من أنكرها ، فما كان فيه من هذه الأشياء رأي مشهور مخالف للحق نقضناه. # فهذه وما يجري مجراها لواحق الوجود بما هو وجود ، ولأن الواحد (8) مساوق ~~(9) للوجود فيلزمنا (10) أن ننظر أيضا في الواحد ، وإذا نظرنا في الواحد ~~وجب أن ننظر في الكثير ، ونعرف التقابل بينهما. PageV01P026 # وهناك يجب أن ننظر في العدد ، وما نسبته إلى الموجودات ، وما نسبة الكم ~~المتصل ، الذي يقابله بوجه ما ، إلى الموجودات (1)، ونعد الآراء الباطلة ~~كلها فيه ، ونعرف أنه ليس شيء من ذلك مفارقا ولا مبدأ للموجودات (2)، ~~ونثبت العوارض التي تعرض للأعداد ، والكميات المتصلة ، مثل الأشكال وغيرها. ~~ومن توابع الواحد : الشبيه ، والمساوي ، والموافق ، والمجانس ، والمشاكل ، ~~والمماثل ، والهو هو. فيجب أن نتكلم في كل واحد من ms016 هذه ومقابلاتها ، وأنها ~~(3) مناسبة للكثرة مثل الغير الشبيه ، وغير المساوي (4)، وغير المجانس ، ~~وغير المشاكل ، والغير بالجملة ، والخلاف ، والتقابل ، وأصنافها ، والتضاد ~~بالحقيقة ، وماهيته. # ثم بعد ذلك ننتقل إلى مبادئ الموجودات فنثبت المبدأ الأول وأنه واحد حق ~~في غاية الجلالة ، ونعرف أنه من كم وجه « واحد » ، ومن كم وجه « حق » (5)، ~~وأنه كيف يعلم كل شيء ، وكيف هو قادر على كل شيء ، وما معنى أنه يعلم وأنه ~~يقدر ، وأنه جواد ، وأنه سلام أي خير محض ، معشوق لذاته ، وهو اللذيذ الحق ~~، وعنده الجمال الحق ، ونفسخ ما قيل وظن فيه من الآراء المضادة للحق ، ثم ~~نبين كيف نسبته إلى الموجودات عنه (6)، وما أول الأشياء التي توجد عنه. # ثم كيف تترتب عنه الموجودات (7) مبتدئة من الجواهر الملكية العقلية ، ثم ~~الجواهر الملكية النفسانية ، ثم الجواهر الفلكية (8) السماوية ، ثم هذه ~~العناصر ، ثم المكونات عنها. ثم الإنسان وكيف تعود إليه هذه الأشياء ، وكيف ~~هو مبدأ PageV01P027 # لها فاعلي ، وكيف هو (1) مبدأ لها كمالي ، وما ذا تكون حال النفس ~~الإنسانية إذا انقطعت العلاقة بينها (2) وبين الطبيعة ، وأي مرتبة تكون ~~مرتبة وجودها. # وندل فيما بين ذلك على جلالة قدر النبوة ، ووجوب طاعتها ، وأنها واجبة من ~~عند الله (3)، وعلى الأخلاق والأعمال التي تحتاج إليها النفوس الإنسانية ~~مع الحكمة في أن يكون لها السعادة الأخروية. ونعرف أصناف السعادات. # فإذا بلغنا هذا المبلغ (4) ختمنا كتابنا هذا ، والله المستعان به (5) على ~~ذلك (6). PageV01P028 ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل * في الدلالة على الموجود والشيء وأقسامهما الأول ، بما يكون فيه تنبيه على الغرض # فنقول : إن الموجود ، والشيء ، والضروري ، معانيها ترتسم في النفس ~~ارتساما أوليا ، ليس ذلك (1) الارتسام مما يحتاج إلى (2) أن يجلب بأشياء ~~أعرف منها. فإنه كما أن في باب التصديق (3) مبادئ أولية ، ويقع التصديق بها ~~لذاتها ، ويكون التصديق بغيرها ، بسببها ، وإذا لم يخطر بالبال أو لم يفهم ~~اللفظ الدال عليها ، لم يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها ، وإن لم يكن ~~التعريف الذي يحاول إخطارها بالبال أو تفهيم ما يدل به عليها من الألفاظ ~~محاولا لإفادة علم ليس في ms017 الغريزة ، بل منبها (4) على تفهيم (5) ما يريده ~~القائل ويذهب إليه. وربما كان ذلك بأشياء هي في نفسها أخفى من المراد ~~تعريفه ، لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت أعرف. كذلك في التصورات أشياء هي ~~مبادئ للتصور ، وهي متصورة لذواتها (6)، وإذا أريد أن يدل عليها لم يكن ~~ذلك بالحقيقة تعريفا لمجهول (7)، بل تنبيها وإخطارا بالبال ، باسم أو ~~بعلامة ، ربما (8) كانت في نفسها أخفى منه (9)، لكنها لعلة ما وحال ما ~~تكون أظهر دلالة. # فإذا استعملت تلك العلامة تنبهت النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال ، من ~~حيث أنه هو المراد لا غيره ، من غير أن تكون العلامة بالحقيقة معلمة PageV01P029 # إياه. ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر في ذلك ~~(1) إلى غير النهاية ، أو لدار. # وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها ، ~~كالموجود ، والشيء الواحد وغيره. ولهذا ليس يمكن أن يبين (2) شيء منها ~~ببيان لا دور فيه البتة ، أو ببيان شيء أعرف منها (3). ولذلك من حاول أن ~~يقوم فيها شيئا وقع في اضطراب ، كمن يقول : إن من حقيقة الموجود (4) أن ~~يكون فاعلا أو منفعلا ، وهذا إن كان ولا بد فمن أقسام الموجود ، والموجود ~~أعرف من الفاعل والمنفعل. وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا يعرفون ~~البتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا ، وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ~~ذلك إلا بقياس لا غير ، فكيف يكون حال (5) من يروم أن يعرف حال الشيء ~~الظاهر بصفة له ، تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له؟ وكذلك قول من قال : ~~إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر ، فإن « يصح » أخفى من « الشيء » و « الخبر ~~» (6) أخفى من « الشيء » ، فكيف يكون هذا تعريفا للشيء؟ وإنما تعرف الصحة ~~ويعرف الخبر (7) بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه « شيء » أو أنه « ~~أمر » أو أنه « ما » أو أنه « الذي » ، وجميع ذلك (8) كالمرادفات لاسم ~~الشيء ، فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفا حقيقيا بما لم يعرف إلا به؟ نعم ~~ربما كان في ذلك وأمثاله تنبيه ms018 ما. وأما بالحقيقة فإنك إذا قلت إن الشيء هو ~~ما يصح الخبر عنه ، تكون كأنك قلت : إن الشيء هو الشيء الذي يصح الخبر عنه ~~، لأن معنى « ما » و « الذي » و « الشيء » معنى واحد ، فتكون قد أخذت الشيء ~~في حد الشيء. PageV01P030 # على أنا لا ننكر أن يقع بهذا أو ما يشبهه (1)، مع (2) فساد مأخذه ، ~~تنبيه بوجه ما على الشيء ، ونقول : إن معنى الوجود ومعنى الشيء متصوران في ~~الأنفس ، وهما معنيان. فالموجود (3) والمثبت والمحصل أسماء مترادفة على ~~معنى واحد ، ولا نشك في أن معناها قد حصل في نفس من يقرأ هذا الكتاب. # والشيء وما يقوم مقامه قد يدل به على معنى آخر في اللغات كلها ، فإن لكل ~~أمر حقيقة هو بها ما هو ، فالمثلث حقيقة أنه مثلث ، وللبياض حقيقة أنه بياض ~~، وذلك هو الذي ربما سميناه الوجود الخاص ، ولم نرد به معنى الوجود ~~الإثباتي. فإن لفظ الوجود يدل به أيضا على معاني كثيرة ، منها الحقيقة التي ~~عليها الشيء ، فكأنه ما عليه يكون الوجود الخاص للشيء. # ونرجع فنقول : إنه من البين أن لكل شيء حقيقة خاصة هي ماهيته ، ومعلوم أن ~~حقيقة كل شيء الخاصة به غير الوجود الذي يرادف الإثبات ، وذلك لأنك إذا قلت ~~: حقيقة كذا موجودة إما في الأعيان ، أو في الأنفس (4)، أو مطلقا يعمها ~~(5) جميعا ، كان لهذا معنى محصل مفهوم. ولو قلت : إن حقيقة كذا ، حقيقة كذا ~~، أو أن حقيقة كذا حقيقة ، لكان حشوا من الكلام غير مفيد. ولو قلت : إن ~~حقيقة كذا شيء ، لكان أيضا قولا غير مفيد ما يجهل ، وأقل إفادة منه أن تقول ~~: إن الحقيقة شيء ، إلا أن يعنى بالشيء ، الموجود ، كأنك قلت : إن حقيقة ~~كذا حقيقة موجودة. وأما إذا قلت : حقيقة آشيء ما (6)، وحقيقة ب شيء آخر ، ~~فإنما صح (7) هذا وأفاد (8). لأنك تضمر في نفسك أنه شيء آخر مخصوص مخالف PageV01P031 # لذلك الشيء الآخر ، كما لو قلت : إن حقيقة آوحقيقة ب حقيقة أخرى. ولو لا ~~هذا الإضمار وهذا الاقتران جميعا لم يفد ، فالشيء يراد به هذا المعنى. # ولا ms019 يفارق لزوم معنى الوجود إياه البتة ، بل معنى الموجود يلزمه دائما ، ~~لأنه يكون إما موجودا في الأعيان ، أو موجودا في الوهم والعقل ، فإن لم يكن ~~كذا لم يكن شيئا. # وأن ما يقال : إن الشيء هو الذي يخبر عنه ، حق ، ثم الذي يقال ، مع هذا ، ~~إن الشيء قد يكون معدوما على الإطلاق ، أمر يجب أن ينظر فيه. فإن عني ~~بالمعدوم المعدوم في الأعيان ، جاز أن يكون كذلك ، فيجوز أن يكون الشيء ~~ثابتا في الذهن معدوما في الأشياء (1) الخارجة. وإن عني غير ذلك كان باطلا ~~، ولم يكن عنه خبر البتة ، ولا كان معلوما إلا على أنه متصور في النفس فقط. ~~فأما أن يكون متصورا في النفس صورة تشير إلى شيء خارج فكلا. # أما (2) الخبر ، فلأن الخبر يكون دائما عن شيء متحقق في الذهن. والمعدوم ~~المطلق لا يخبر عنه بالإيجاب ، وإذا أخبر عنه بالسلب أيضا فقد جعل له وجود ~~بوجه ما في الذهن. لأن قولنا : « هو » (3)، يتضمن إشارة ، والإشارة إلى ~~المعدوم الذي لا صورة له بوجه من الوجوه في الذهن محال. فكيف (4) يوجب على ~~المعدوم شيء؟ # ومعنى قولنا : إن المعدوم « كذا » ، معناه أن وصف « كذا » حاصل للمعدوم ، ~~ولا فرق بين الحاصل والموجود. فنكون كأنا قلنا : إن هذا الوصف PageV01P032 # موجود للمعدوم. بل نقول : إنه لا يخلو أن (1) ما يوصف به المعدوم ويحمل ~~عليه إما أن يكون موجودا وحاصلا للمعدوم أو لا يكون موجودا حاصلا له ، فإن ~~كان موجودا وحاصلا للمعدوم ، فلا يخلو إما أن يكون في نفسه موجودا أو ~~معدوما ، فإن كان موجودا فيكون للمعدوم صفة موجودة ، وإذا كانت الصفة ~~موجودة ، فالموصوف بها موجود لا محالة ، فالمعدوم موجود ، وهذا محال ، وإن ~~كانت الصفة معدومة ، فكيف يكون المعدوم (2) في نفسه موجودا لشيء؟ فإن ما لا ~~يكون موجودا في نفسه ، يستحيل (3) أن يكون موجودا للشيء. # نعم قد يكون الشيء موجودا في نفسه ولا يكون موجودا لشيء آخر ، فأما إن لم ~~تكن (4) الصفة موجودة للمعدوم فهي (5) نفي الصفة عن المعدوم ، فإنه إن لم ~~يكن هذا هو النفي ms020 للصفة عن (6) المعدوم ، فإذا نفينا الصفة عن المعدوم ، ~~كان (7) مقابل هذا ، فكان وجود الصفة له ، وهذا كله باطل. # وإنما نقول : إن لنا علما بالمعدوم ، فلأن المعنى إذا تحصل في النفس فقط ~~ولم يشر (8) فيه إلى خارج (9)، كان المعلوم نفس ما في النفس فقط ، ~~والتصديق الواقع بين المتصور من جزأيه هو أنه جائز في طباع (10) هذا ~~المعلوم وقوع نسبة له معقولة إلى خارج ، وأما في هذا (11) الوقت فلا نسبة ~~له ، فلا معلوم غيره. # وعند القوم الذين يرون هذا الرأي ، أن في جملة ما يخبر عنه ويعلم أمورا ~~لا شيئية لها في العدم ، ومن شاء أن يقف على ذلك فليرجع إلى ما هذوا به من ~~أقاويلهم التي لا تستحق فضل الاشتغال بها. PageV01P033 # وإنما وقع أولئك فيما وقعوا فيه بسبب جهلهم بأن الإخبار إنما يكون عن ~~معان لها وجود في النفس ، وإن كانت معدومة في الأعيان ، ويكون معنى (1) ~~الإخبار عنها أن لها نسبة ما إلى الأعيان. مثلا إن قلت : إن القيامة « تكون ~~» ، فهمت القيامة وفهمت « تكون » ، وحملت « تكون » التي في (2) النفس ، على ~~القيامة التي في (3) النفس (4)، بأن هذا المعنى إنما (5) يصح في معنى آخر ~~معقول أيضا ، وهو معقول في (6) وقت مستقبل ، أن يوصف بمعنى ثالث معقول ، ~~وهو معقول الوجود. وعلى هذا القياس الأمر في الماضي. فبين أن المخبر عنه لا ~~بد من أن يكون موجودا وجودا ما في النفس. والإخبار في الحقيقة هو (7) عن ~~الموجود في النفس ، وبالعرض عن الموجود في الخارج (8). وقد فهمت الآن أن ~~الشيء بما ذا (9) يخالف المفهوم للموجود والحاصل ، وأنهما مع ذلك متلازمان. # وعلى أنه قد بلغني أن قوما يقولون : إن الحاصل يكون حاصلا ، وليس بموجود ~~، وقد تكون صفة الشيء ليس شيئا لا موجودا ولا معدوما ، وأن « الذي » و « ما ~~» يدلان (10) على غير ما يدل عليه الشيء. فهؤلاء ليسوا من جملة المميزين. ~~وإذا (11) أخذوا بالتمييز بين هذه الألفاظ من حيث مفهوماتها انكشفوا. # فنقول الآن : إنه وإن لم يكن الموجود (12)، كما علمت ، جنسا (13)، ولا ~~مقولا بالتساوي على ما تحته ، فإنه ms021 معنى متفق فيه على التقديم والتأخير. ~~وأول (14) ما يكون ، يكون للماهية التي هي الجوهر (15) ثم يكون لما بعده. ~~وإذ هو معنى واحد PageV01P034 # على النحو الذي أومأنا إليه فتلحقه عوارض تخصه ، كما قد بينا قبل. فلذلك ~~(1) يكون له علم واحد يتكفل به. كما أن لجميع ما هو صحي علما واحدا. # وقد يعسر علينا أن نعرف حال الواجب والممكن والممتنع بالتعريف المحقق ~~أيضا ، بل بوجه العلامة. وجميع ما قيل في تعريف (2) هذه مما بلغك عن (3) ~~الأولين قد يكاد يقتضي دورا. وذلك لأنهم ، على ما مر لك في فنون المنطق ، ~~إذا أرادوا أن يحدوا الممكن ، أخذوا في حده إما الضروري وإما المحال ولا ~~وجه (4) لهم غير ذلك. وإذا (5) أرادوا أن يحدوا الضروري ، أخذوا في حده إما ~~الممكن وإما المحال. # وإذا (6) أرادوا أن يحدوا (7) المحال أخذوا في حده إما الضروري وإما ~~الممكن. مثلا إذا حدوا (8) الممكن قالوا مرة ، إنه غير الضروري أو أنه ~~المعدوم ، في الحال الذي ليس وجوده ، في أي وقت فرض (9) من المستقبل ، ~~بمحال. ثم إذا (10) احتاجوا إلى أن يحدوا الضروري قالوا : إما أنه الذي لا ~~يمكن أن يفرض معدوما ، أو أنه الذي إذا فرض بخلاف ما هو عليه (11) كان ~~محالا. فقد أخذوا الممكن تارة في حده ، والمحال أخرى. وأما (12) الممكن فقد ~~كانوا أخذوا ، قبل ، في حده إما الضروري وإما المحال. ثم المحال ، إذا ~~أرادوا أن يحدوه ، أخذوا في حده إما الضروري بأن يقولوا : إن المحال هو ~~ضروري العدم ، وإما الممكن بأن يقولوا : إنه الذي لا يمكن أن يوجد ، أو ~~لفظا آخر يذهب مذهب هذين. # وكذلك ما يقال من أن الممتنع هو الذي لا يمكن أن يكون ، أو هو (13) الذي ~~يجب أن لا يكون. والواجب هو الذي هو ممتنع ومحال أن لا يكون ، أو ليس (14) PageV01P035 # بممكن (1) أن لا يكون. والممكن هو الذي ليس (2) يمتنع (3) أن يكون أو لا ~~يكون ، أو الذي ليس بواجب أن يكون وأن لا يكون. وهذا (4) كله كما تراه دور ~~ظاهر. وأما كشف الحال في ذلك فقد مر (5) لك ms022 في أنولوطيقا. # على أن أولى هذه الثلاثة في أن يتصور أولا ، هو الواجب. وذلك لأن الواجب ~~يدل على تأكد الوجود ، والوجود أعرف من العدم ، لأن الوجود يعرف بذاته ، ~~والعدم يعرف ، بوجه ما من الوجوه (6)، بالوجود. ومن تفهمنا (7) هذه ~~الأشياء يتضح لك بطلان قول من يقول : إن المعدوم يعاد لأنه أول شيء مخبر ~~عنه بالوجود. وذلك أن المعدوم إذا أعيد يجب أن يكون بينه وبين ما هو مثله ، ~~لو وجد بدله ، فرق. فإن كان مثله إنما ليس هو لأنه ليس الذي كان عدم (8)، ~~وفي حال العدم كان هذا غير ذلك ، فقد صار المعدوم موجودا على النحو الذي ~~أومأنا إليه فيما سلف آنفا. # وعلى أن المعدوم إذا أعيد احتيج (9) أن تعاد جميع (10) الخواص التي كان ~~بها هو ما هو. ومن خواصه وقته ، وإذا (11) أعيد وقته كان المعدوم غير معاد ~~، لأن المعاد هو الذي يوجد في وقت ثان. فإن كان المعدوم تجوز إعادته وإعادة ~~جملة المعدومات التي كانت معه ، والوقت إما شيء له حقيقة وجود قد (12) عدم ~~، أو موافقة موجود لعرض من الأعراض ، على ما عرف (13) من مذاهبهم ، جاز أن ~~يعود الوقت والأحوال ، فلا يكون وقت ووقت ، فلا يكون عود. # على أن العقل يدفع هذا دفعا لا يحتاج فيه إلى بيان ، وكل ما يقال فيه فهو ~~خروج عن طريق التعليم. PageV01P036 ### ||| * [ الفصل السادس ] ( و) فصل * في ابتداء القول في الواجب (1) الوجود ، والممكن الوجود ، # وأن الواجب الوجود لا علة له ، وأن الممكن الوجود معلول ، وأن # الواجب الوجود غير مكافئ (2) لغيره في الوجود ، ولا متعلق بغيره (3) فيه # ونعود إلى ما كنا فيه فنقول : إن لكل واحد من الواجب الوجود ، والممكن ~~الوجود ، خواص. فنقول : إن الأمور التي تدخل في الوجود تحتمل في العقل ~~الانقسام إلى قسمين ، فيكون منها ما إذا اعتبر بذاته لم يجب وجوده ، وظاهر ~~(4) أنه لا يمتنع أيضا وجوده ، وإلا لم يدخل في الوجود ، وهذا الشيء هو في ~~حيز الإمكان ، ويكون منها ما إذا اعتبر بذاته وجب وجوده. # فنقول : إن الواجب الوجود (5) بذاته لا علة ms023 له ، وإن الممكن الوجود بذاته ~~له علة ، وإن الواجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته ، وإن الواجب ~~الوجود لا يمكن أن يكون وجوده مكافئا لوجود آخر ، فيكون كل واحد منهما ~~مساويا للآخر في وجوب الوجود ويتلازمان. وإن الواجب الوجود لا يجوز أن ~~يجتمع وجوده عن كثرة البتة. وإن الواجب الوجود لا يجوز أن تكون الحقيقة ~~التي له مشتركا فيها بوجه من الوجوه (6)، حتى يلزم من تصحيحنا ذلك أن يكون ~~واجب الوجود غير مضاف ، ولا متغير 468 ، 1 ولا متكثر ، ولا مشارك في وجوده ~~الذي يخصه. PageV01P037 # أما أن الواجب الوجود لا علة له ، فظاهر. لأنه (1) إن كان (2) لواجب ~~الوجود علة في وجوده ، كان وجوده بها. وكل ما وجوده بشيء ، فإذا اعتبر ~~بذاته دون غيره (3) لم يجب له وجود ، وكل ما إذا اعتبر بذاته دون غيره ، ~~ولم يجب له وجود ، فليس واجب الوجود بذاته. فبين (4) أنه إن (5) كان لواجب ~~الوجود بذاته (6) علة لم يكن واجب الوجود بذاته. فقد ظهر أن الواجب (7) ~~الوجود لا علة له. # وظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يكون شيء واجب الوجود بذاته ، وواجب الوجود ~~بغيره ، لأنه إن كان يجب وجوده بغيره ، فلا يجوز أن يوجد دون غيره ، وكلما ~~لا يجوز أن يوجد دون غيره (8)، فيستحيل وجوده واجبا بذاته. ولو وجب بذاته ~~، لحصل. ولا تأثير لإيجاب الغير في وجوده الذي يؤثر غيره في وجوده فلا يكون ~~واجبا وجوده في ذاته. # وأيضا أن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته ، فوجوده (9) وعدمه كلاهما ~~بعلة ، لأنه إذا وجد فقد حصل له الوجود متميزا من العدم ، وإذا (10) عدم ~~حصل له العدم متميزا من الوجود. فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من الأمرين ~~يحصل له عن غيره أو لا عن غيره ، فإن كان عن غيره فالغير (11) هو العلة ، ~~وإن كان لا يحصل عن غيره ، ومن البين أن كل ما لم يوجد ثم وجد فقد تخصص ~~بأمر جائز غيره. # وكذلك في العدم ، وذلك لأن هذا التخصيص (12) إما أن تكفي فيه ماهية ms024 الأمر ~~أو لا تكفي فيه ماهية (13)، فإن كانت (14) ماهيته تكفي (15) لأي الأمرين ~~كان ، حتى يكون PageV01P038 # حاصلا ، فيكون ذلك الأمر واجب الماهية لذاته ، وقد فرض غير واجب ، هذا ~~خلف. وإن كان لا يكفي فيه وجود ماهيته ، بل أمر يضاف إليه وجود ذاته ، ~~فيكون وجوده لوجود شيء آخر غير ذاته لا بد منه فهو علته ، فله علة. ~~وبالجملة فإنما يصير أحد الأمرين واجبا له ، لا لذاته ، بل لعلة. # أما المعنى الوجودي فبعلة ، هي علة (1) وجودية. وأما المعنى العدمي فبعلة ~~، هي عدم العلة للمعنى الوجودي ، وعلى ما علمت. فنقول : إنه يجب أن يصير ~~واجبا بالعلة ، وبالقياس إليها. فإنه إن لم يكن واجبا ، كان عند وجود العلة ~~وبالقياس إليها ممكنا أيضا ، فكان يجوز أن يوجد وأن لا يوجد غير متخصص بأحد ~~الأمرين ، وهذا محتاج من رأس إلى وجود شيء ثالث يتعين له (2) به الوجود عن ~~العدم ، أو العدم عن الوجود عند وجود العلة ، فيكون ذلك علة أخرى ، ويتمادى ~~الكلام إلى غير النهاية. وإذا تمادى إلى غير النهاية لم يكن (3)، مع ذلك ، ~~قد تخصص (4) له وجوده (5)، فلا يكون قد (6) حصل له وجود ، وهذا محال. لا ~~لأنه ذاهب إلى غير النهاية في العلل فقط (7)، فإن هذا في هذا الموضع بعد ~~مشكوك (8) في إحالته ، بل لأنه لم يوجد بعد ما به يتخصص وقد فرض موجودا. ~~فقد صح أن كل ما هو ممكن الوجود لا (9) يوجد ما لم يجب بالقياس إلى علته. # ونقول (10): ولا يجوز أن يكون واجب الوجود مكافئا لواجب وجود آخر ، حتى ~~يكون هذا موجودا مع ذلك ، وذلك موجودا مع هذا ، وليس أحدهما PageV01P039 # علة (1) للآخر ، بل هما متكافئان في أمر لزوم الوجود. لأنه لا يخلو إذا ~~اعتبر ذات أحدهما بذاته دون الآخر ، إما أن يكون واجبا بذاته (2) أو لا ~~يكون (3) واجبا بذاته ، فإن كان واجبا بذاته فلا يخلو إما أن يكون له وجوب ~~أيضا باعتباره مع الثاني ، فيكون الشيء واجب الوجوب بذاته ، وواجب الوجود ~~لأجل غيره ، وهذا محال ، كما قد مضى. وإما أن لا يكون له ms025 وجوب بالآخر ، فلا ~~يجب أن يتبع وجوده وجود الآخر ، ويلزمه أن لا يكون لوجوده علاقة بالآخر ، ~~حتى يكون إنما يوجد إذا وجد الآخر هذا. وأما إن لم يكن (4) واجبا بذاته ، ~~فيجب أن يكون باعتبار ذاته ممكن الوجود ، وباعتبار الآخر (5) واجب الوجود. ~~فلا يخلو حينئذ (6) إما أن يكون الآخر (7) كذلك أو لا يكون ، فإن كان الآخر ~~كذلك فلا يخلو حينئذ إما أن يكون وجوب الوجود لهذا (8) من ذلك ، وذلك (9) ~~في حد إمكان الوجود ، أو في حد وجوب الوجود. فإن كان وجوب الوجود لهذا من ~~ذلك ، وذلك هو (10) في حد وجوب الوجود ، وليس من نفسه ، أو من ثالث سابق ، ~~كما قلناه (11) في وجه سلف ، بل من الذي يكون منه ، كان وجوب وجود (12) هذا ~~شرطا فيه وجوب وجود ما يحصل بعد وجوب وجوده ، بعدية بالذات فلا يحصل له ~~وجوب وجود البتة. وإن كان وجوب الوجود لهذا من ذلك ، وذلك في حد الإمكان ، ~~فيكون وجوب وجود هذا من ذات ذلك وهو (13) في حد الإمكان ، ويكون (14) ذات ~~ذلك في حد الإمكان (15) مفيدا لهذا وجوب الوجود ، وليس له حد الإمكان ~~مستفادا من هذا ، بل الوجوب. PageV01P040 # فتكون العلة لهذا إمكان وجود ذلك ، وإمكان وجود ذلك ليس علته (1) هذا ، ~~فيكونان غير متكافئين ، أعني ما هو علته بالذات ومعلول بالذات. # ثم يعرض شيء آخر وهو ، أنه إذا كان إمكان وجود ذلك هو علة إيجاب وجود هذا ~~، لم يتعلق وجود هذا بوجوبه ، بل بإمكانه (2). فوجب أن يجوز وجوده مع عدمه ~~وقد فرضا (3) متكافئين ، هذا خلف فإذن ليس يمكن أن يكونا متكافئي الوجود ~~(4)، في حال ما ، لا يتعلقان بعلة (5) خارجة ، بل يجب أن يكون أحدهما هو ~~الأول بالذات ، أو يكون هناك سبب خارج آخر (6) يوجبهما جميعا بإيجاب ~~العلاقة التي بينهما أو يوجب العلاقة بإيجابهما. والمضافان ليس أحدهما ~~واجبا بالآخر ، بل مع الآخر ، والموجب لهما العلة التي جمعتهما (7)، وأيضا ~~المادتان أو (8) الموضوعان أو الموصوفان بهما. وليس يكفي وجود المادتين أو ~~الموضوعين لهما وحدهما (9)، بل وجود ثالث يجمع بينهما. وذلك لأنه لا يخلو ms026 ~~إما أن يكون وجود كل واحد من الأمرين وحقيقته هو أن يكون مع الآخر ، فوجوده ~~بذاته يكون غير واجب ، فيصير ممكنا (10)، فيصير معلولا ، ويكون كما قلنا ~~ليس علته مكافئة في الوجود ، فتكون إذن علته أمرا آخر ، فلا يكون هو والآخر ~~علة للعلاقة التي بينهما ، بل ذلك الآخر. وأما أن لا يكون ، فتكون المعية ~~طارئة على وجوده (11) الخاص لاحقة له. وأيضا فإن الوجود الذي يخصه لا يكون ~~عن مكافيه من حيث هو مكافيه ، بل عن علة متقدمة إن كان معلولا. فحينئذ إما ~~أن يكون وجوده ذلك عن صاحبه ، لا من حيث يكافيه (12)، PageV01P041 # بل من حيث وجود صاحبه الذي يخصه ، فلا يكونان متكافئين ، بل علة ومعلولا. ~~ويكون صاحبه أيضا علة للعلاقة (1) الوهمية بينهما كالأب والابن. وإما أن ~~يكونا متكافئين من جملة ما يكون الأمر أن ليس أحدهما علة للآخر ، وتكون ~~العلاقة لازمة لوجودهما ، فتكون العلة الأولى للعلاقة هي أمر خارج موجد (2) ~~لذاتيهما على ما علمت ، والعلاقة عرضية ، فيكون لا تكافؤ هناك إلا بالعرض ~~المباين أو اللازم (3). وهذا غير ما نحن فيه ، ويكون للذي (4) بالعرض علة ~~لا محالة ، فيكونان من حيث التكافؤ معلولين. PageV01P042 ### ||| * [ الفصل السابع ] ( ز ) فصل * في أن واجب (1) الوجود واحد # ونقول أيضا : إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتا واحدة. وإلا فليكن كثرة ~~(2) ويكون (3) كل واحد منها واجب الوجود ، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد ~~منها في المعنى الذي هو حقيقته ، لا يخالف الآخر البتة أو يخالفه. فإن كان ~~لا يخالف الآخر في المعنى الذي لذاته بالذات ، ويخالفه بأنه ليس هو ، وهذا ~~خلاف لا محالة ، فيخالفه في غير المعنى. وذلك لأن المعنى الذي هو فيهما غير ~~مختلف ، وقد قارنه شيء به (4) صار هذا أو في هذا ، أو قارنه نفس أنه هذا أو ~~في (5) هذا ، ولم (6) يقارنه هذا المقارن في الآخر ، بل ما به صار ذاك ذاك ~~(7)، أو نفس أن ذاك ذاك (8)، وهذا تخصيص ما قارن ذلك المعنى ، وبينهما به ~~(9) مباينة. # فإذن كل واحد منهما يباين الآخر به ، وليس يخالفه في ms027 نفس (10) المعنى ، ~~فيخالفه في غير المعنى (11). # والأشياء (12) التي هي غير المعنى وتقارن المعنى هي الأعراض واللواحق ~~الغير الذاتية. وهذه اللواحق فإما أن تعرض لوجود (13) الشيء بما هو (14) ~~ذلك الوجود PageV01P043 # فيجب أن يتفق الكل فيه (1) وقد فرض أنها (2) مختلفة فيه ، وهذا (3) خلف. ~~وإما أن تعرض له عن أسباب خارجة لا عن نفس ماهيته ، فيكون لو لا تلك العلة ~~لم تعرض ، فيكون لو لا تلك العلة لم يختلف ، فيكون لو لا تلك العلة لكانت ~~(4) الذوات واحدة أو لم تكن ، فيكون لو لا تلك العلة ليس هذا بانفراده واجب ~~الوجود ، وذلك بانفراد ، واجب الوجود لا من حيث الوجود (5)، بل من حيث ~~الأعراض (6)، فيكون وجوب وجود كل واحد منهما (7) الخاص به ، المنفرد له ، ~~مستفادا من غيره. وقد قيل إن كل ما هو واجب الوجود بغيره فليس واجب الوجود ~~بذاته ، بل هو في حد ذاته ممكن الوجود ، فتكون كل واحدة (8) من هذه ، مع ~~أنها واجبة الوجود بذاتها (9)، ممكنة الوجود في حد ذاتها (10) وهذا (11) ~~محال (12). # ولنفرض الآن أنه يخالفه في معنى أصلي ، بعد ما يوافقه في المعنى ، فلا ~~يخلو ذلك (13) المعنى إما أن يكون شرطا في وجوب الوجود ، أو لا يكون. فإن ~~كان شرطا في وجوب الوجود ، فظاهر أنه يجب أن يتفق فيه كل ما هو واجب الوجود ~~، وإن لم يكن شرطا في وجوب الوجود ، فوجوب الوجود متقرر دونه وجوب وجود ، ~~وهو داخل عليه ، عارض ، مضاف إليه ، بعد ما تم ذلك وجوب وجود ، وقد منعنا ~~هذا وبينا فساده. فإذن لا يجوز أن يخالفه في المعنى. PageV01P044 # بل يجب أن نزيد لهذا بيانا من وجه آخر وهو : أن انقسام معنى وجوب الوجود ~~في الكثرة لا يخلو من وجهين : إما أن يكون على سبيل انقسامه بالفصول وإما ~~(1) على سبيل انقسامه بالعوارض. ثم من المعلوم أن الفصول لا تدخل في حد ما ~~يقام مقام الجنس. فهي لا تفيد الجنس حقيقته (2)، وإنما تفيده القوام ~~بالفعل (3)، وذلك كالناطق ، فإن الناطق لا يفيد الحيوان معنى الحيوانية ، ~~بل يفيده القوام بالفعل ذاتا موجودة خاصة. ms028 # فيجب أيضا أن تكون فصول وجوب الوجود ، إن صحت ، بحيث لا تفيد وجوب الوجود ~~حقيقة وجوب الوجود ، بل يفيده الوجود بالفعل. وهذا محال من وجهين : أحدهما ~~، أنه ليس حقيقة وجوب الوجود إلا نفس تأكد الوجود ، لا كحقيقة الحيوانية ~~التي هي معنى غير تأكد الوجود ، والوجود لازم لها ، أو داخل عليها ، كما ~~علمت. فإذن إفادة الوجود لوجوب الوجود ، هي إفادة شرط من حقيقته ضرورة ، ~~وقد منع جواز هذا ما بين الجنس والفصل. # والوجه الثاني ، أنه (4) يلزم أن تكون حقيقة وجوب الوجود متعلقة في أن ~~تحصل بالفعل بموجب له (5)، فيكون المعنى الذي به يكون الشيء واجب الوجود ~~يجب وجوده بغيره (6)، وإنما كلامنا في وجوب الوجود بالذات ، فيكون الشيء ~~الواجب الوجود بذاته واجب الوجود بغيره ، وقد أبطلنا هذا. # فقد ظهر أن انقسام وجوب الوجود إلى تلك الأمور ، لا يكون انقسام المعنى ~~الجنسي إلى الفصول (7). فتبين (8) أن المعنى الذي يقتضي وجوب الوجود لا يجوز PageV01P045 # أن يكون معنى جنسيا ينقسم بفصول أو أعراض ، فبقي أن يكون معنى نوعيا. ~~فنقول (1): ولا يجوز أن تكون نوعيته (2) محمولة على كثيرين ، لأن أشخاص ~~النوع الواحد ، كما بينا ، إذا لم تختلف في المعنى الذاتي ، وجب أن تكون ~~إنما (3) تختلف بالعوارض ، وقد منعنا إمكان هذا في وجوب الوجود ، وقد يمكن ~~أن نبين (4) هذا بنوع (5) من الاختصار ، ويكون الغرض راجعا إلى ما أردناه. # فنقول : إن وجوب الوجود إذا كان صفة للشيء وموجودا له ، فإما أن يكون ~~واجبا في هذه الصفة ، أي في وجوب الوجود (6)، أن تكون عين تلك (7) الصفة ~~موجودة (8) لهذا الموصوف ، فيمتنع الواحد منها أن يوجد وجودا لا يكون صفة ~~له ، فيمتنع أن يوجد لغيره ، فيجب أن يوجد له وحده ، وإما أن يكون وجودها ~~له ممكنا غير واجب. فيجوز أن يكون هذا الشيء غير واجب الوجود بذاته وهو ~~واجب الوجود بذاته ، هذا خلف. فوجوب الوجود لا يكون إلا لواحد فقط. # فإن قال قائل : إن وجوده لهذا ، لا يمنع وجوده صفة للآخر فكونه (9) صفة ~~للآخر لا يبطل (10) وجوب كونه صفة له. فنقول ms029 : كلامنا في تعيين وجوب الوجود ~~صفة له ، من حيث هو له ، من حيث لا يلتفت فيه إلى الآخر ، فذلك ليس صفة ~~للآخر بعينه ، بل مثلها الواجب فيها ما يجب في تلك بعينها. وبعبارة أخرى ~~نقول : إن كون (11) الواحد منها واجب الوجود ، وكونه هو بعينه ، إما أن ~~يكون واحدا ، فيكون كل ما هو واجب الوجود فهو هو (12) بعينه وليس غيره. وإن كان PageV01P046 # كونه واجب الوجود ، غير كونه هو بعينه ، فمقارنة واجب الوجود لأنه هو ~~بعينه ، إما أن يكون أمرا لذاته ، أو لعلة وسبب (1) موجب غيره. فإن كان ~~لذاته ، ولأنه واجب الوجود ، فيكون كل ما هو واجب الوجود هذا بعينه ، وإن ~~كان لعلة وسبب موجب غيره ، فلكونه هذا بعينه سبب ، فلخصوصية وجوده المنفرد ~~سبب ، فهو معلول. # فإذن واجب الوجود واحد بالكلية ليس كأنواع تحت جنس ، وواحد بالعدد ليس ~~كأشخاص تحت نوع ، بل معنى شرح اسمه له فقط ، ووجوده غير مشترك فيه. وسنزيد ~~هذا إيضاحا في موضع (2) آخر. فهذه الخواص التي يختص بها واجب الوجود. # وأما الممكن الوجود ، فقد تبين من ذلك خاصيته (3) وهو أنه يحتاج ضرورة ~~إلى شيء آخر يجعله بالفعل موجودا. وكل ما هو ممكن الوجود فهو دائما ، ~~باعتبار ذاته ، ممكن الوجود ، لكنه ربما عرض أن يجب وجوده بغيره ، وذلك إما ~~أن يعرض له دائما ، وإما أن يكون وجوب وجوده عن غيره ليس دائما ، بل في وقت ~~دون وقت. فهذا يجب أن يكون له مادة تتقدم وجوده بالزمان ، كما سنوضحه. # والذي يجب وجوده بغيره (4) دائما ، فهو أيضا غير بسيط الحقيقة. لأن الذي ~~له باعتبار ذاته ، غير الذي له من غيره ، وهو حاصل الهوية منهما جميعا في ~~الوجود ، فلذلك لا شيء غير واجب الوجود تعرى عن ملابسة ما بالقوة والإمكان ~~باعتبار نفسه ، وهو الفرد ، وغيره زوج تركيبي. PageV01P047 ### ||| * [ الفصل الثامن ] ( ح ) فصل * في بيان الحق ، والصدق ، والذب عن أول الأقاويل (1)، في المقدمات الحقة # أما الحق فيفهم منه الوجود في الأعيان مطلقا ، ويفهم منه الوجود الدائم ، ~~ويفهم منه حال القول أو العقد الذي يدل ms030 على حال الشيء في الخارج إذا كان ~~مطابقا له ، فنقول : هذا قول حق ، وهذا اعتقاد حق. فيكون الواجب (2) الوجود ~~هو الحق بذاته دائما ، والممكن الوجود حق بغيره ، باطل في نفسه. فكل ما سوى ~~الواجب الوجود الواحد باطل في نفسه. # وأما الحق من قبل المطابقة فهو كالصادق ، إلا أنه صادق فيما أحسب باعتبار ~~نسبته إلى الأمر ، وحق باعتبار نسبة الأمر إليه. # وأحق الأقاويل أن يكون حقا ما كان صدقه دائما ، وأحق ذلك ما كان صدقه ~~أوليا ليس لعلة. # وأول كل الأقاويل الصادقة الذي ينتهي إليه كل شيء في التحليل ، حتى أنه ~~يكون مقولا بالقوة أو بالفعل في كل شيء يبين (3) أو يتبين به ، كما بيناه ~~(4) في كتاب البرهان ، هو أنه : لا واسطة بين الإيجاب والسلب. وهذه الخاصة ~~ليست من عوارض شيء إلا من عوارض الموجود بما هو موجود ، لعمومه في كل موجود. PageV01P048 # والسوفسطائي إذا أنكر هذا ، فليس ينكره إلا بلسانه معاندا. أو يكون قد ~~عرض له (1) شبهة في أشياء (2) فسد عليه عنده فيها طرفا النقيض لغلط جرى ~~عليه مثلا ، لأنه لا يكون حصل له (3) حال التناقض وشرائطه. ثم إن تبكيت ~~السوفسطائي ، وتنبيه المتحير أبدا ، إنما هو في كل حال على الفيلسوف ، ~~ويكون لا محالة بضرب من المحاورة (4). ولا شك أن تلك المحاورة تكون ضربا ~~من القياس الذي يلزم مقتضاه ، إلا أنه لا يكون (5) في نفسه قياسا يلزم ~~مقتضاه ، ولكن يكون قياسا بالقياس. # وذلك لأن القياس الذي يلزم مقتضاه على وجهين : قياس في نفسه ، وهو الذي ~~تكون مقدماته صادقة في أنفسها ، وأعرف عند العقلاء من النتيجة ، ويكون ~~تأليفه تأليفا منتجا ، وقياس كذلك بالقياس ، وهو أن تكون حال المقدمات (6) ~~كذلك عند المحاور حتى يسلم الشيء وإن لم يكن صدقا ، وإن كان (7) صدقا لم ~~يكن أعرف من النتيجة التي يسلمها (8)، فيؤلف عليه بتأليف صحيح مطلق أو ~~عنده. وبالجملة فقد كان القياس ما إذا سلمت مقدماته لزم منه شيء ، فيكون ~~ذلك قياسا من حيث هو كذا. ولكنه ليس يلزم أن يكون كل قياس قياسا يلزم ms031 ~~مقتضاه ، لأن مقتضاه يلزم إذا سلم ، فإذا لم يسلم كان قياسا. لأنه (9) قد ~~أورد فيه ما إذا وضع وسلم (10) لزم ، ولكن لما لم (11) يسلم بعد لم يلزم ~~مقتضاه ، فيكون القياس قياسا ، أعم من كونه قياسا يلزم مقتضاه. PageV01P049 # وكونه قياسا يلزم مقتضاه (1)، هو أيضا على قسمين ، على ما علمت ، ~~فالقياس الذي يلزم مقتضاه (2) بحسب الأمر (3) في نفسه ، هو الذي مقدماته ~~مسلمة في أنفسها (4)، وأقدم من النتيجة. وأما (5) الذي هو بالقياس ، فالذي ~~قد سلم المخاطب مقدماته ، فتلزمه النتيجة. # ومن العجائب (6) أن السوفسطائي الذي غرضه المماراة يضطر إلى أحد الأمرين ~~(7): إما إلى السكوت والأعراض ، وإما إلى الاعتراف (8) لا محالة بأشياء ، ~~والاعتراف (9) بأنها تنتج عليه. # وأما المتحير فعلاجه (10) حل شبهة ، وذلك لأن المتحير لا محالة إنما وقع ~~فيما وقع فيه إما لما يراه من تخالف الأفاضل الأكثرين ، ويشاهده من كون رأي ~~كل واحد منهم (11) مقابلا لرأي الآخر الذي يجده قرنا له ، لا يقصر عنه ، ~~فلا يجب عنده أن يكون أحد القولين أولى بالتصديق (12) من الآخر ، وإما لأنه ~~سمع من المذكورين المشهورين المشهود لهم بالفضيلة أقاويل لم يقبلها عقله ~~(13) بالبديهة ، كقول من قال : إن الشيء لا يمكنك أن تراه مرتين ، بل ولا ~~مرة واحدة ، وإن لا وجود لشيء في نفسه ، بل بالإضافة. فإذا كان قائل مثل ~~هذا القول مشهورا بالحكمة لم يكن بعيدا أن يتحير الشادي لقوله. وإما لأنه ~~قد اجتمع عنده قياسات متقابلة النتائج ليس يقدر على أن (14) يختار واحدا ~~منها ويزيف الآخر. PageV01P050 # فالفيلسوف (1) يتدارك (2) ما عرض لأمثال هؤلاء من وجهين : أحدهما حل ما ~~وقع فيه من الشك ، والثاني التنبيه (3) التام على أنه لا يمكن أن يكون بين ~~النقيضين واسطة. # أما حل ما وقع فيه فمن ذلك أن يعرفه (4) أن الناس (5) ناس لا ملائكة. ومع ~~ذلك فليس يجب أن يكونوا متكافئين في الإصابة ، ولا يجب إذا كان واحد (6) ~~أكثر صوابا في شيء من آخر ، أن لا يكون الآخر أكثر صوابا منه في شيء آخر. ~~وأن يعرف أن أكثر المتفلسفين يتعلم المنطق وليس (7) يستعمله ، بل ms032 يعود آخر ~~الأمر فيه (8) إلى القريحة فيركبها ركوب الراكض (9) من غير كف عنان أو جذب ~~خطام. وأن من الفضلاء من يرمز أيضا برموز ، ويقول ألفاظا ظاهرة (10) ~~مستشنعة (11) أو خطأ وله فيها (12) غرض خفي ، بل أكثر الحكماء ، بل ~~الأنبياء الذين لا يؤتون من جهة غلطا أو سهوا هذه وتيرتهم. فهذا يزيل شغل ~~قلبه من جهة (13) ما استنكر من العلماء. ثم يعرفه فيقول : إنك إذا تكلمت ~~فلا يخلو إما أن تقصد بلفظك نحو شيء من الأشياء بعينه ، أو لا تقصد ، فإن ~~قال إذا تكلمت لم (14) أفهم شيئا ، فقد خرج هذا من جملة المسترشدين ~~المتحيرين ، وناقض الحال في نفسه ، وليس الكلام معه هذا الضرب من الكلام. # وإن قال : إذا تكلمت فهمت باللفظ كل شيء فقد خرج عن الاسترشاد. PageV01P051 # فإن (1) قال : إذا تكلمت فهمت به شيئا بعينه ، أو أشياء كثيرة (2) ~~محدودة. فعلى كل حال فقد (3) جعل للفظ دلالة على أشياء بأعينها (4) لا يدخل ~~في تلك الدلالة غيرها. # فإن كانت تلك الكثرة تتفق في معنى واحد فقد دل أيضا على معنى واحد ، وإن ~~لم يكن كذلك فالاسم مشترك ، ويمكن (5) لا محالة أن يفرد لكل واحد من تلك ~~الجملة اسما ، فهذا يسلمه من قام مقام المسترشدين المتحيرين. وإذا كان ~~الاسم دليلا على شيء واحد كالإنسان (6) مثلا فاللاإنسان (7)، أعني ما هو ~~مباين للإنسان (8) لا يدل عليه ذلك الاسم بوجه من الوجوه. فالذي (9) يدل ~~عليه اسم الإنسان لا يكون الذي يدل عليه اسم اللاإنسان (10)، فإن كان ~~الإنسان يدل على اللاإنسان ، فيكون لا محالة الإنسان ، والحجر ، والزورق ، ~~والفيل شيئا واحدا ، بل يدل على الأبيض ، والأسود ، والثقيل ، والخفيف ، ~~وجميع ما هو خارج مما (11) دل عليه اسم الإنسان. وكذلك حال المفهوم من ~~الألفاظ (12) هذه ، فيلزم من هذا أن يكون كل شيء (13) وأن يكون ولا شيء ~~(14) من الأشياء نفسه ، وأن لا يكون للكلام مفهوم. # ثم لا يخلو إما أن يكون هذا حكم كل لفظ ، وحكم كل مدلول عليه باللفظ ، أو ~~يكون بعض هذه الأشياء بهذه الصفة ، وبعضها بخلافها. فإن كان هذا في ms033 كل شيء ~~فقد عرض أن لا خطاب ولا كلام ، بل لا شبهة ولا حجة أيضا. وإن كان في بعض ~~الأشياء قد تتميز الموجبة عن (15) السالبة ، وفي بعضها لا تتميز ، فحيث ~~تتميز يكون (16) لا محالة ما يدل عليه الإنسان غير ما يدل عليه باللاإنسان ~~(17)، وحيث PageV01P052 # لا يتميز مثلا كالأبيض واللاأبيض يكون (1) مدلولهما واحدا ، فيكون كل شيء ~~هو لا أبيض فهو أبيض ، وكل شيء هو أبيض (2) فهو (3) لا أبيض ، فالإنسان (4) ~~إذا كان له (5) مفهوم متميز فإن كان أبيض فهو أيضا لا أبيض (6) الذي هو ~~والأبيض واحد ، واللاإنسان كذلك ، فيعرض مرة أخرى أن يكون الإنسان ~~واللاإنسان غير متميزين. # فهذا وأمثاله قد يزيح علة المتحير المسترشد في أن يعرف أن الإيجاب والسلب ~~لا يجتمعان ، ولا يصدقان معا. وكذلك أيضا قد تبين (7) له أنهما لا يرتفعان ~~ولا يكذبان معا ، فإنه إذا كذبا معا في شيء ، كان ذلك الشيء ليس بإنسان ~~مثلا ، وليس أيضا بلا إنسان. فيكون قد اجتمع الشيء الذي هو اللاإنسان ~~وسالبه (8) الذي هو لا لا إنسان ، وقد نبه على بطلانه. فهذه الأشياء وما ~~يشبهها مما لا يحتاج أن نطول فيه ، وبحل الشبه (9) المتقابلة من قياسات ~~المتحير يمكننا أن نهديه. # وأما المتعنت فينبغي أن يكلف شروع النار ، إذ النار واللانار واحد ، وأن ~~يؤلم ضربا ، إذ الوجع واللاوجع واحد ، وأن يمنع الطعام والشراب ، إذ الأكل ~~والشرب وتركهما واحد. # فهذا المبدأ الذي ذببنا عنه من يكذبه ، هو أول مبادئ البراهين ، وعلى ~~الفيلسوف الأول أن يذب عنه. ومبادئ البراهين تنفع في البراهين. والبراهين ~~تنفع في معرفة الأغراض الذاتية لموضوعاتها. لكن معرفة جوهر الموضوعات PageV01P053 # الذي كان (1) فيما سلف يعرف بالحد فقط ، فمما (2) يلزم الفيلسوف هاهنا أن ~~يحصله ، فيكون لهذا العلم الواحد أن يتكلم في الأمرين جميعا. # لكن قد يتشكك (3) على هذا أنه إن تكلم فيها (4)، على سبيل التحديد ~~والتصور (5)، فهو ذلك الذي يتكلم فيه صاحب العلم الجزئي ، وإن تكلم فيها ~~في التصديق صار الكلام فيها برهانيا. # فنقول : إن هذه التي (6) كانت موضوعات في علوم أخرى (7) تصير عوارض في ms034 ~~هذا العلم ، لأنها أحوال تعرض للموجود ، وأقسام له ، فيكون ما لا يبرهن ~~عليه في علم آخر ، يبرهن (8) عليه هاهنا. # وأيضا إذا لم يلتفت إلى علم آخر وقسم موضوع (9) هذا العلم نفسه إلى جوهر ~~وعوارض تكون خاصة له ، فيكون ذلك الجوهر الذي هو موضوع لعلم ما أو الجوهر ~~مطلقا ، ليس موضوع هذا العلم ، بل قسما من موضوعه ، فيكون ذلك (10) بنحو ما ~~عارضا لطبيعة موضوعه ، الذي هو الموجود ، إن صار ذلك الجوهر دون شيء آخر ~~لطبيعة الموجود أن تقارنه أو يكون هو. فإن الموجود طبيعة (11) يصح حملها ~~على كل شيء ، كان ذلك الجوهر (12) أو غيره. فإنه ليس لأنه موجود هو جوهر ، ~~أو جوهر ما ، وموضوع (13) ما ، على ما فهمت ، قبل هذا ، فيما سلف. # ومع هذا كله فليس البحث عن مبادئ التصور والحد حدا ولا تصورا ، ولا البحث ~~عن مبادئ البرهان برهانا ، حتى يصير البحثان المتخالفان بحثا واحدا. PageV01P054 ### || * المقالة الثانية (1) # وفيها أربعة فصول (2) PageV01P055 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل * في تعريف الجوهر وأقسامه بقول كلي # فنقول : إن الوجود للشيء قد يكون بالذات مثل وجود الإنسان إنسانا (1)، ~~وقد يكون بالعرض مثل وجود زيد (2) أبيض (3). والأمور التي بالعرض لا تحد (4). # فلنترك الآن ذلك ولنشتغل بالموجود ، والوجود الذي بالذات. # فأقدم أقسام الموجودات بالذات هو الجوهر ، وذلك لأن الموجود على قسمين : ~~أحدهما ، الموجود (5) في شيء آخر ، ذلك (6) الشيء (7) الآخر متحصل القوام ~~والنوع في نفسه ، وجودا لا كوجود جزء منه ، من غير أن تصح مفارقته (8) لذلك ~~الشيء ، وهو الموجود في موضوع ، والثاني ، الموجود من غير أن يكون في شيء ~~من الأشياء بهذه الصفة ، فلا يكون (9) في موضوع البتة ، وهو الجوهر. # وإن (10) كان ما أشير إليه في القسم الأول (11) موجودا في موضوع ، فذلك ~~الموضوع لا يخلو أيضا من أحد هذين الوصفين ، فإن كان الموضوع جوهرا فقوام ~~العرض في الجوهر (12)، وإن لم يكن جوهرا كان أيضا في موضوع ورجع البحث PageV01P057 # إلى الابتداء ، واستحال ذهاب ذلك إلى غير نهاية (1)، كما سنبين في مثل ~~هذا المعنى خاصة. فيكون لا محالة آخره (2) فيما ليس في ms035 موضوع ، فيكون في ~~جوهر ، فيكون الجوهر مقوم العرض موجودا ، وغير متقوم بالعرض ، فيكون الجوهر ~~هو المقدم في الوجود. # وأما أنه هل يكون عرض في (3) عرض ، فليس بمستنكر (4)، فإن السرعة في ~~الحركة ، والاستقامة في الخط ، والشكل المسطح في البسيط ، وأيضا فإن ~~الأعراض تنسب إلى الوحدة والكثرة ، وهذه ، كما سنبين لك ، كلها أعراض. ~~والعرض وإن كان في عرض فهما جميعا معا (5) في موضوع ، والموضوع بالحقيقة هو ~~الذي يقيمهما (6) جميعا ، وهو قائم بنفسه. # ثم قد جوز كثير ممن يدعي المعرفة أن يكون شيء (7) من الأشياء جوهرا وعرضا ~~معا بالقياس إلى شيئين ، فيقول (8): إن الحرارة عرض في غير جسم النار ، ~~لكنها في جملة النار ليست بعرض لأنها موجودة فيه (9) كجزء ، وأيضا ليس يجوز ~~رفعها عن النار ، والنار تبقى ، فإذن وجودها في النار ليس وجود العرض فيها ~~، فإذا لم يكن وجودها فيها وجود العرض (10)، فوجودها فيها وجود الجوهر. ~~وهذا غلط كبير ، وقد (11) أشبعنا القول فيه في أوائل المنطق ، وإن لم يكن ~~ذلك موضعه ، فإنهم إنما غلطوا فيه (12) هناك. PageV01P058 # فنقول : قد علم ، فيما سلف ، أن بين المحل والموضوع فرقا (1)، وأن ~~الموضوع يعني (2) به ما صار بنفسه ونوعيته قائما ، ثم صار سببا لأن يقوم به ~~شيء فيه ليس كجزء منه. وأن المحل كل شيء يحله شيء فيصير بذلك الشيء بحال ~~(3) ما ، فلا يبعد أن يكون شيء موجودا في محل (4) ويكون ذلك المحل لم يصر ~~بنفسه نوعا قائما كاملا بالفعل ، بل إنما تحصل قوامه من ذلك الذي حله وحده ~~، أو مع شيء آخر ، أو أشياء أخرى اجتمعت ، فصيرت ذلك الشيء موجودا بالفعل ، ~~أو صيرته نوعا بعينه (5). وهذا الذي يحل هذا المحل يكون لا محالة موجودا ~~لا في موضوع. # وذلك لأنه ليس يصلح أن (6) يقال : إنه في شيء ، إلا في الجملة ، أو في ~~المحل ، وهو في الجملة كجزء ، وكان الموضوع ما يكون فيه الشيء ، وليس كجزء ~~منه ، وهو في المحل ليس كشيء حصل في شيء ، ذلك الشيء قائم بالفعل نوعا ، ثم ~~يقيم الحال فيه ، بل هذا المحل جعلناه إنما ms036 يتقوم بالفعل بتقويم ما حله ، ~~وجعلناه (7) إنما (8) يتم له به نوعيته إذا كانت نوعيته إنما (9) تحصل أو ~~تصير له نوعية (10) باجتماع أشياء جملتها يكون ذلك النوع. فبين أن بعض ما ~~في المحل ليس في موضوع. وأما إثبات هذا الشيء الذي هو في محل دون موضوع ، ~~فذلك علينا إلى قريب. # وإذا (11) أثبتناه ، فهو الشيء الذي يخصه في مثل هذا الموضع (12) باسم ~~الصورة ، وإن كنا قد نقول لغيره أيضا صورة باشتراك الاسم. وإذا كان الموجود PageV01P059 # لا في موضوع (1) هو المسمى جوهرا ، فالصورة أيضا جوهر. فأما المحل الذي ~~لا يكون في محل آخر فلا يكون في موضوع لا محالة ، لأن كل موجود في موضوع ~~فهو موجود في محل ولا ينعكس (2). فالمحل الحقيقي أيضا جوهر ، وهذا المجتمع ~~أيضا جوهر. # وقد عرفت من الخواص التي لواجب الوجود أن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا ~~، وأن ذا الأجزاء أو المكافي لوجوده (3) لا يكون واجب الوجود ، فمن هذا ~~يعرف أن هذا المركب ، وهذه الأجزاء كلها في أنفسها ، ممكنة الوجود ، وأن ~~لها لا محالة سببا يوجب وجودها. # فنقول أولا : إن كل جوهر فإما أن يكون جسما ، وإما أن يكون غير جسم ، فإن ~~كان غير جسم (4) فإما أن يكون جزء جسم ، وإما أن لا يكون جزء جسم ، بل يكون ~~مفارقا للأجسام بالجملة (5). فإن كان جزء جسم فإما أن يكون صورته ، وإما ~~أن يكون مادته. وإن كان مفارقا ليس جزء جسم فإما أن تكون له (6) علاقة تصرف ~~ما في الأجسام بالتحريك ويسمى نفسا ، أو يكون متبرئا عن المواد من كل جهة ~~ويسمى عقلا. ونحن نتكلم (7) في إثبات كل واحد من هذه الأقسام. PageV01P060 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل * في تحقيق (1) الجوهر الجسماني وما يتركب (2) منه (3) # وأول ذلك معرفة الجسم وتحقيق ماهيته. # أما بيان أن الجسم جوهر واحد متصل وليس مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، فقد ~~فرغنا عنه. وأما تحقيقه وتعريفه فقد جرت العادة بأن يقال : إن الجسم (4) ~~جوهر طويل عريض عميق ، فيجب أن ينظر في كيفية ذلك. لكن كل واحد من ألفاظ ms037 ~~الطول والعرض والعمق يفهم منه أشياء مختلفة. فتارة يقال : طول للخط كيف كان ~~، وتارة يقال طول لأعظم الخطين المحيطين بالسطح مقدارا ، وتارة يقال طول ~~لأعظم الأبعاد المختلفة (5) الممتدة المتقاطعة كيف كانت (6) خطا أو غير خط ~~، وتارة يقال طول للبعد المفروض بين الرأس ومقابله من القدم أو الذنب من ~~الحيوان. وأما العرض فيقال للسطح نفسه ، ويقال لأنقص البعدين مقدارا ، ~~ويقال للبعد الواصل بين (7) اليمين واليسار. والعمق أيضا قد يقال لمثل ~~البعد الواصل بين السطحين ، وقد يقال له مأخوذا ابتداء (8) من فوق ، حتى إن ~~ابتدأ من أسفل سمي سمكا. فهذه (9) هي الوجوه المشهورة في هذا. # وليس يجب أن يكون في كل جسم خط بالفعل ، فإن الكرة ليس فيها خط بالفعل ~~البتة ولا يتعين فيها المحور ما لم تتحرك ، وليس من شرط الكرة في أن PageV01P061 # تصير جسما أن تكون متحركة (1) حتى يظهر فيها (2) محور أو خط آخر. فإنها ~~(3) تتحقق (4) جسما بما يحقق (5) الجسمية (6)، ثم يعرض لها (7) أو يلزمها ~~الحركة. وأيضا الجسم ليس يجب أن يكون فيه من حيث هو جسم سطح ، فإنه إنما ~~يجب فيه من حيث يكون متناهيا ، وليس يحتاج في تحققه (8) جسما وفي معرفتنا ~~إياه جسما إلى أن يكون متناهيا ، بل التناهي عارض لازم (9) له ، ولذلك لا ~~يحتاج إلى تصوره للجسم حين (10) يتصور الجسم. ومن تصور جسما غير متناه فلم ~~يتصور جسما لا جسما (11)، ولا يتصور (12) عدم التناهي إلا للمتصور (13) ~~جسما. لكنه أخطأ كمن قال : إن الجسم آلة ، فقد أخطأ في التصديق ولم يخطئ في ~~تصور بسيطيه وهما الموضوع والمحمول. # ثم إن كان لا بد للجسم (14) في تحققه جسما أن تكون له سطوح (15)، فقد ~~يكون جسم محيط به سطح واحد وهو الكرة (16). وليس أيضا من شرط الجسم في أن ~~يكون جسما أن تكون له أبعاد متفاضلة ، فإن المكعب أيضا جسم مع أنه محاط ~~بحدود ستة ، ومع ذلك ليس فيه أبعاد متفاضلة حتى يكون له (17) طول وعرض وعمق ~~بأحد المعاني. # ولا أيضا يتعلق كونه جسما بأن يكون موضوعا تحت السماء ، حتى تعرض ms038 له ~~الجهات لأجل جهات العالم ، ويكون له طول وعرض وعمق بمعنى آخر ، وإن كان لا ~~بد من أن يكون إما سماء وإما في سماء. PageV01P062 # فبين (1) من هذا أنه ليس يجب أن يكون في الجسم ثلاثة أبعاد بالفعل على ~~الوجوه المفهومة من الأبعاد الثلاثة حتى يكون جسما (2) بالفعل. # فإذا كان الأمر على هذا ، فكيف يمكننا أن نضطر أنفسنا إلى فرض أبعاد ~~ثلاثة بالفعل ، موجودة في الجسم ، حتى يكون جسما ، بل معنى هذا الرسم للجسم ~~أن الجسم هو الجوهر الذي يمكنك أن تفرض فيه بعدا كيف شئت ابتداء ، فيكون ~~ذلك المبتدأ هو الطول ، ثم يمكنك (3) أن تفرض أيضا بعدا آخر مقاطعا (4) ~~لذلك البعد على قوائم ، فيكون ذلك البعد الثاني (5) هو العرض ، ويمكنك أن ~~تفرض فيه بعدا ثالثا مقاطعا لهذين البعدين (6) على قوائم تتلاقى الثلاثة ~~على موضع واحد ، ولا يمكنك أن تفرض بعدا عموديا بهذه الصفة غير هذه ~~الثلاثة. # وكون الجسم بهذه الصفة (7) هو الذي يشار لأجله إلى الجسم بأنه طويل عريض ~~عميق ، كما يقال : إن الجسم هو المنقسم في جميع الأبعاد. وليس يعني (8) أنه ~~منقسم (9) بالفعل مفروغ عنه ، بل على أنه من شأنه أن يفرض فيه هذا القسم. # فهكذا يجب أن يعرف الجسم ، وهو أنه الجوهر الذي كذا صورته ، وهو بها هو ~~ما (10) هو ، ثم سائر الأبعاد المفروضة فيه بين نهاياته ونهاياته أيضا ~~وأشكاله وأوضاعه أمور (11) ليست (12) مقومة (13) له ، بل هي تابعة لجوهره. ~~وربما لزم بعض الأجسام شيء منها أو كلها ، وربما لم يلزم بعض الأجسام شيء ~~منها أو بعضها. PageV01P063 # ولو أنك أخذت شمعة فشكلتها (1) بشكل افترض لها أبعاد بالفعل بين تلك ~~النهايات معدودة مقدرة محدودة ، ثم إذا غيرت ذلك الشكل لم يبق شيء (2) منها ~~بالفعل واحدا بالشخص بذلك الحد وبذلك القدر ، بل حدثت أبعاد أخرى مخالفة ~~لتلك بالعدد ، فهذه الأبعاد هي التي من باب الكم. # فإن اتفق أن كان جسما ، كالفلك مثلا ، تلزمه أبعاد واحدة ، فليس ذلك له ~~بما هو جسم ، بل لطبيعة أخرى حافظة لكمالاته الثانية. فالجسمية بالحقيقة ~~صورة الاتصال ms039 القابل لما قلناه (3) من فرض الأبعاد الثلاثة. وهذا (4) ~~المعنى غير المقدار وغير الجسمية التعليمية. فإن هذا الجسم من حيث له هذه ~~الصورة لا يخالف جسما آخر بأنه أكبر أو أصغر ، ولا يناسبه بأنه مساو أو ~~معدود به وعاد له أو مشارك أو مباين ، وإنما (5) ذلك له من حيث هو مقدر ومن ~~حيث جزء منه يعده. وهذا (6) الاعتبار له غير اعتبار الجسمية التي ذكرناه ~~(7). وهذه أشياء قد شرحناها (8) لك بوجه أبسط في موضع آخر (9) يحتاج أن ~~تستعين به. # ولهذا ما يكون الجسم الواحد يتخلخل (10) ويتكاثف بالتسخين والتبريد ، ~~فيختلف مقدار جسميته. وجسميته التي ذكرناها لا تختلف ولا تتغير ، فالجسم ~~الطبيعي جوهر بهذه الصفة. # وأما قولنا : الجسم التعليمي. فإما أن يقصد به صورة هذا من حيث هو محدد ~~(11)، مقدر ، مأخوذ (12) في النفس ، ليس في الوجود ، أو يقصد به مقدار ما ~~ذو اتصال أيضا (13) بهذه الصفة من حيث له اتصال محدود مقدر (14) كان في نقش (15) PageV01P064 # أو في مادة. فالجسم التعليمي كأنه عارض في ذاته لهذا الجسم الذي بيناه ، ~~والسطح نهايته ، والخط نهاية نهايته. وسنوضح القول فيما (1) بعد فيها (2)، ~~وننظر في أن الاتصال كيف يكون لها وكيف يكون للجسم الطبيعي. # فنقول أولا : إن من طباع الأجسام أن تنقسم ولا يكفي في إثبات ذلك ~~المشاهدات ، فإن لقائل أن يقول : إن الأجسام المشاهدة ليس شيء منها هو جسم ~~واحد صرفا ، بل هي مؤلفة من أجسام ، وإن (3) الأجسام الوحدانية غير محسوسة ~~، وأنها لا يمكن أن تنقسم (4) بوجه من الوجوه. # وقد تكلمنا على إبطال هذا بالبيانات (5) الطبيعية ، وخصوصا على أسهل ~~المذاهب نقضا ، وهو مذهب من خالف بينها بالأشكال. فإن قال قائل : إن ~~طبائعها وإن أشكالها متشاكلة. فحينئذ يجب أن يبطل مذهبه ورأيه بما أقول. # فنقول : إن جعل أصغر الأجسام لا قسمة (6) فيه لا بالقوة ولا بالفعل حتى ~~كان (7) كالنقطة جملة ، فإن ذلك الجسم يكون لا محالة حكمه حكم النقطة في ~~امتناع تأليف الجسم (8) المحسوس عنه (9)، وإن لم يكن كذلك (10)، بل كان ~~في ذاته بحيث يمكن أن يفرد منه قسم ms040 عن قسم. لكنه ليس يطيع الفصل المفرق بين ~~القسمين اللذين يمكن فرضهما فيه توهما. # فنقول : لا يخلو إما أن يكون (11) حال ما بين القسم والقسم (12) مخالفة ~~لحال ما بين الجزء والجزء في أن الجزءين لا يلتحمان (13) وأن القسمين لا ~~يفترقان ، أمرا لطبيعة PageV01P065 # الشيء وجوهره ، أو بسبب (1) من خارج عن الطبيعة والجوهر. فإن كان سببا من ~~خارج عن الطبيعة والجوهر فإما أن يكون سببا يتقوم به الطبيعة والجوهر ~~بالفعل كالصورة للمادة والمحل للعرض ، أو سببا لا يتقوم به. فإن كان سببا ~~لا يتقوم به فجائز من حيث الطبيعة والجوهر أن يكون بينهما التئام عن افتراق ~~وافتراق عن التئام ، فتكون هذه الطبيعة الجسمية باعتبار نفسها قابلة ~~للانقسام وإنما لا تنقسم (2) بسبب من خارج. وهذا القدر يكفينا فيما نحن ~~بسبيله. وأما إن كان ذلك السبب يتقوم به كل واحد من الأجزاء إما تقوما (3) ~~داخلا في طبيعته وماهيته ، أو تقوما في وجوده بالفعل غير داخل في ماهيته ~~مختلفا (4) فيه فيعرض أول ذلك أن هذه الأجسام مختلفة الجواهر. وهؤلاء لا ~~يقولون به. وثانيا أن طبعة الجسمية التي لها لا يكون مستحيلا عليها ذلك (5) ~~وإنما يستحيل ذلك عليها من حيث صورة تنوعها ، ونحن لا نمنع ذلك ، ويجوز أن ~~يقارن الجسمية شيء يجعل ذلك الجسم قائما نوعا لا يقبل القسمة ولا الاتصال ~~بغيره ، وهذا قولنا في الفلك. والذي يحتاج إليه هاهنا هو أن تكون طبيعة ~~الجسمية لا تمنع ذلك بما هي طبيعة الجسمية. # فنقول أولا : قد تحققنا أن الجسمية من حيث هي جسمية ليست غير قابلة ~~للانقسام ، ففي كل (6) طباع الجسمية أن تقبل الانقسام. فيظهر من هذا أن ~~صورة الجسم والأبعاد قائمة في شيء. وذلك أن هذه الأبعاد هي الاتصالات ~~أنفسها أو شيء يعرض للاتصال ، على ما سنحققها ، وليست (7) أشياء يعرض لها PageV01P066 # الاتصال. فإن لفظ الأبعاد اسم لنفس الكميات المتصلة لا للأشياء التي عرض ~~لها الاتصال. والشيء الذي هو الاتصال نفسه أو المتصل بذاته فمستحيل (1) أن ~~يبقى هو بعينه ، وقد يظل الاتصال. فكل (2) اتصال بعد إذا انفصل ms041 بطل ذلك ~~البعد وحصل بعدان آخران. وكذلك إذا حصل اتصال ، أعني الاتصال بالمعنى الذي ~~هو فصل لا عرض ، وقد بينا هذا في موضع آخر. فقد حدث بعد آخر وبطل كل واحد ~~مما (3) كان بخاصيته. ففي الأجسام إذن شيء موضوع للاتصال والانفصال ، ولما ~~(4) يعرض للاتصال من المقادير (5) المحدودة. # وأيضا فإن الجسم من حيث هو جسم له صورة الجسمية ، فهو (6) شيء بالفعل ، ~~ومن حيث هو مستعد أي استعداد شئت فهو بالقوة ، ولا يكون الشيء من حيث هو ~~بالقوة شيئا هو من حيث هو بالفعل شيئا آخر ، فتكون القوة للجسم لا من حيث ~~له الفعل. فصورة الجسم تقارن شيئا آخر غيرا له (7) في أنه صورة ، فيكون ~~الجسم جوهرا مركبا من شيء عنه له القوة ، ومن شيء عنه له الفعل. فالذي له ~~به الفعل (8) هو صورته ، والذي عنه (9) بالقوة (10) هو مادته (11)، وهو ~~الهيولى. # ولسائل أن يسأل ويقول (12): فالهيولى أيضا مركبة ، وذلك لأنها في نفسها ~~هيولى وجوهر بالفعل ، وهي مستعدة أيضا. # فنقول : إن جوهر الهيولى وكونها بالفعل هيولى ليس شيئا آخر إلا أنه جوهر ~~مستعد لكذا ، والجوهرية التي لها ليس تجعلها بالفعل شيئا من (13) الأشياء (14)، PageV01P067 # بل تعدها لأن تكون بالفعل شيئا بالصورة. وليس معنى جوهريتها إلا أنها أمر ~~ليس في موضوع (1). فالإثبات هاهنا هو أنه أمر ، وأما أنه ليس في موضوع فهو ~~(2) سلب ، « وأنه أمر » ليس يلزم منه أن يكون (3) شيئا معينا (4) بالفعل ~~لأن هذا عام ، ولا يصير الشيء بالفعل شيئا بالأمر العام ما (5) لم يكن له ~~فصل يخصه ، وفصله أنه مستعد لكل شيء ، فصورته التي تظن له هي أنه مستعد قابل. # فإذن ليس هاهنا حقيقة للهيولى تكون بها بالفعل ، وحقيقة أخرى بالقوة (6) ~~، إلا أن يطرأ عليه حقيقة من خارج ، فيصير بذلك بالفعل وتكون ، في نفسها ~~واعتبار وجود ذاتها ، بالقوة. وهذه الحقيقة هي الصورة. ونسبة الهيولى إلى ~~هذين المعنيين أشبه بنسبة البسيط إلى ما هو جنس وفصل من نسبة المركب إلى ما ~~هو هيولى وصورة. # فقد بان من هذا أن صورة الجسمية (7) من حيث هي ms042 (8) صورة الجسمية محتاجة ~~إلى مادة ، ولأن طبيعة الصورة (9) الجسمية في نفسها من حيث هي (10) صورة ~~جسمية لا تختلف. فإنها طبيعية واحدة بسيطة ، ليس يجوز أن تتنوع بفصول تدخل ~~عليها بما هي جسمية ، فإن دخلتها فصول تكون أمورا (11) تنضاف (12) إليها من ~~خارج ، وتكون أيضا إحدى (13) الصور المقارنة للمادة ، ولا يكون (14) حكمها ~~معها حكم الفصول الحقيقية. # وبيان هذا هو أن الجسمية إذا خالفت جسمية الأخرى فيكون لأجل أن هذه حارة ~~وتلك باردة ، أو هذه لها طبيعة فلكية وتلك لها (15) طبيعة أرضية. وليس PageV01P068 # هذا كالمقدار الذي ليس هو في نفسه شيئا محصلا ما لم يتنوع بأن يكون خطا ~~أو سطحا أو جسما (1)، وكالعدد الذي ليس هو شيئا محصلا ما لم يتنوع اثنين ~~أو ثلاثة أو أربعة. ثم إذا تحصل لا يكون (2) تحصله (3) بأن ينضاف إليه شيء ~~من خارج ، وتكون الطبيعة (4) الجنسية كالمقدارية أو العددية دونها (5) ~~طبيعة قائمة مشار إليها تنضاف إليها طبيعة أخرى فتتنوع بها ، بل تكون طبيعة ~~الاثنينية (6) نفسها هي العددية التي تحمل على الاثنينية وتختص بها ، ~~والطولية نفسها هي المقدارية التي تحمل عليها وتختص بها. # وأما (7) هاهنا فلا يكون كذلك ، بل الجسمية إذا أضيف إليها صورة أخرى لا ~~تكون تلك الصورة التي تظن فصلا والجسمية باجتماعها جسمية ، بل تكون الجسمية ~~أحدهما متحصلة في نفسها متحققة. فإنا نعني هاهنا بالجسمية التي (8) كالصورة ~~(9) لا التي (10) كالجنس ، وقد عرفت الفرق بينهما في كتاب البرهان ، ~~وسيأتيك هاهنا إيضاح وبيان لذلك (11). # على أنك قد تحققت فيما (12) تبين لك الفرق بينهما ، فما كان كالمقدار ~~يجوز أن تكون أنواعه تختلف بأمور لها في ذاتها ، والمقدار المطلق لا يكون ~~له في ذاته شيء منها ، وذلك لأن المقدار المطلق لا تتحصل له ذات متقررة إلا ~~أن تكون خطا أو سطحا ، فإذا تحصل خطا أو سطحا جاز أن يكون للخط (13) لذاته ~~، مخالفة للسطح بفصل (14) هو محصل لطبيعة المقدارية ، خطا أو سطحا. PageV01P069 # وأما الجسمية التي نتكلم فيها فهي في نفسها طبيعة محصلة ، ليس تحصل (1) ~~نوعيتها بشيء ينضم إليها ، حتى (2) لو توهمنا أنه ms043 لم ينضم إلى الجسمية معنى ~~، بل كانت جسمية لم يمكن أن يكون متحصلا (3) في أنفسنا (4) إلا مادة واتصال ~~(5) فقط. وكذا (6) إذا أثبتنا مع الاتصال شيئا آخر فليس لأن الاتصال نفسه ~~لا يتحصل لنا إلا بإضافته (7) إليه وقرنه به ، بل بحجج أخرى تبين أن ~~الاتصال لا يوجد بالفعل وحده. فليس (8) أن لا يوجد الشيء بالفعل موجودا هو ~~أن لا تتحصل طبيعيته ، فإن البياض والسواد كل شيء منهما متحصل الطبيعة (9) ~~معنى متخصصا ، أتم تخصيصه (10) الذي هو في ذاته ، ثم لا يجوز أن يوجد ~~بالفعل إلا في مادة. # وأما المقدار مطلقا فيستحيل أن يتحصل طبيعة مشارا إليها إلا أن يجعل ~~بالضرورة خطا أو سطحا ، حتى يصير جائزا أن يوجد ، لا أن المقدار يجوز أن ~~يوجد مقدارا ، ثم يتبعه أن يكون خطا أو سطحا على سبيل أن ذلك شيء لا يوجد ~~الأمر (11) دونه بالفعل (12). وإن كان متحصل الذات ، فإن هذا ليس كذلك ~~(13)، بل الجسمية تتصور أنها وجدت بالأسباب التي لها أن توجد بها وفيها ~~وهي جسمية فقط بلا زيادة ، والمقدار لا يتصور أنه وجد (14) بالأسباب التي ~~له (15) أن يوجد بها وفيها وهو مقدار (16) فقط بلا زيادة. فذلك المقدار ~~(17) لذاته يحتاج (18) إلى فصول حتى يوجد شيئا متحصلا ، وتلك الفصول ذاتيات ~~له لا تحوجه (19) إلى أن PageV01P070 # يصير لحصولها (1) غير المقدار. فيجوز أن يكون مقدارا يخالف مقدارا (2) في ~~أمر له بالذات. # وأما صورة الجسمية من حيث هي جسمية فهي طبيعة واحدة بسيطة محصلة لا ~~اختلاف فيها ، ولا تخالف مجرد صورة جسمية لمجرد صورة جسمية بفصل داخل في ~~الجسمية ، وما يلحقها إنما يلحقها على أنها شيء خارج عن طبيعتها. فلا يجوز ~~إذن أن تكون جسمية محتاجة إلى مادة ، وجسمية غير محتاجة إلى مادة. واللواحق ~~الخارجية (3) لا تغنيها عن الحاجة إلى المادة بوجه من الوجوه ، لأن الحاجة ~~إلى المادة إنما تكون للجسمية ولكل ذي مادة لأجل ذاته ، وللجسمية من حيث هي ~~جسمية لا من حيث هي جسمية مع لاحق. # فقد بان أن الأجسام مؤلفة من مادة وصورة. PageV01P071 ### ||| * [ الفصل الثالث ms044 ] ( ج ) فصل * في أن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة # ونقول الآن إن هذه المادة الجسمانية يستحيل أن توجد بالفعل متعرية عن ~~الصورة. ومما يوضح ذلك بسرعة أنا بينا أن كل (1) وجود (2) يوجد فيه شيء ~~بالفعل محصل قائم ، وأيضا استعداد لقبول شيء آخر ، فذلك الوجود مركب من ~~مادة وصورة ، والمادة الأخيرة (3) غير مركبة من مادة وصورة. # وأيضا إنها إن فارقت الصورة الجسمية فلا يخلو إما (4) أن يكون لها وضع ~~وحيز في الوجود الذي لها حينئذ ، أو لا يكون ، فإن كان لها وضع وحيز وكان ~~(5) يمكن أن تنقسم فهي لا محالة ذات مقدار وقد فرض لا مقدار لها ، وإن لم ~~يمكن (6) أن تنقسم ولها وضع فهي لا محالة نقطة ويمكن أن ينتهي إليها خط ، ~~ولا يجوز أن تكون مفردة الذات منحازة ، على ما علمت في مواضع. # وأما إن كان هذا الجوهر لا وضع له ولا إليه إشارة ، بل هو كالجواهر ~~المعقولة ، لم يخل إما أن يحل فيه البعد المحصل بأسره دفعة ، أو يتحرك هو ~~إلى كمال مقداره (7) تحركا (8) على الاتصال. فإن حل فيه المقدار دفعة وحصل ~~لا محالة مع تقدره (9) في حيز مخصوص فيكون قد صادفه المقدار مختصا بحيز ، ~~وإلا لم يكن PageV01P072 # حيز أولى (1) به من حيز ، فقد صادفه المقدار (2) حيث انضاف إليه ، فيكون ~~لا محالة قد صادفه وهو في الحيز الذي هو فيه ، فيكون ذلك الجوهر متحيزا ، ~~إلا أنه عساه (3) أن لا يكون محسوسا ، وقد فرض غير متحيز البتة ، هذا خلف. # ولا يجوز أن يكون التحيز (4) قد حصل له دفعة من قبول المقدار ، لأن ~~المقدار إن وافاه وليس هو في حيز كان المقدار يقترن به لا في حيز ، ولم يكن ~~يوافيه في حيز مخصوص من الأحياز المختلفة المحتملة له ، فيكون حينئذ لا حيز ~~له ، وهذا محال ، أو يكون في كل حيز يمكن أن يكون له لا يخصص (5) ببعضه ، ~~وهذا أيضا (6) محال. # وهذا (7) يظهر ظهورا (8) أكثر في توهمنا هيولى مدرة ما قد تجردت ثم حصل ~~فيها صورة تلك المدرة ، فلا يجوز ms045 (9) أن تحصل فيها وليست في حيز ، ولا يجوز ~~أن تكون تلك (10) المدرة تحصل في كل حيز هو بالقوة حيز طبيعي للمدرة ، فإن ~~(11) المدرية (12) لا تجعلها (13) شاغلة (14) لكل حيز لنوعها (15)، ولا ~~تجعلها (16) أولى بجهة من حيزها (17) دون جهة ، ولا يجوز أن توجد إلا في ~~جهة مخصوصة من جملة كلية الحيز ، ولا يجوز أن تتحصل (18) في جهة مخصوصة ، ~~ولا مخصص له بها من الأحوال. إذ ليس إلا اقتران صورة بمادة ، وذلك مشترك ~~(19) الاحتمال للحصول في أي جهة كانت (20) من الجهات الطبيعية لأجزاء ~~الأرض. وقد علمت أن مثل هذا الحصول في جهة من الحيز إنما يكون فيما يكون ~~بسبب وقوعه بالقرب (21) منه بقسر قاسر خصص ذلك القرب باتجاهه (22) (23) PageV01P073 # إلى ذلك المكان بعينه بالحركة المستقيمة أو حدوثه في الابتداء هناك. ~~وبذلك (1) القرب أو وقوعه فيه بنقل ناقل لذلك تخصص ، وقد أشبع لك الكلام في هذا. # فالهيولى التي للمدرة (2) لا تختص (3) بعد التجريد (4)، ثم ليس صورة ~~المدرية بجهة إلا أن يكون لها مناسبة مع تلك الجهة لتلك المناسبة لا لنفس ~~كونها هيولى أولا ، ولا لنفس (5) اكتسابها بالصورة ثانيا (6) تخصصت بها ، ~~وتلك المناسبة وضع ما. # وكذلك إن كان قبوله المقدار بكماله لا دفعة ، بل على انبساط (7)، وعلى ~~(8) أن كل ما من شأنه أن ينبسط ، فله جهات ، وكل ما له جهات فهو ذو وضع ~~فيكون (9) ذلك الجوهر ذا وضع وحيز ، وقيل لا وضع له ولا حيز ، وهذا خلف. # والذي أوجب هذا كله فرضنا أنه يفارق الصورة الجسمية ، فيمتنع (10) أن ~~يوجد بالفعل إلا متقوما بالصورة الجسمية ، وكيف (11) تكون ذات لا حيز (12) ~~لها في القوة (13) ولا في الفعل (14) تقبل الكم؟ # فتبين أن المادة لا تبقى مفارقة. # وأيضا فإنها لا تخلو إما أن يكون وجودها وجود (15) قابل ، فيكون دائما ~~قابلا (16) لشيء لا يعرى عن قبوله لها (17)، وإما أن يكون لها وجود خاص ~~متقوم ، ثم يلحق به أنه يقبل فيكون بوجودها الخاص (18) المتقوم غير ذي (19) ~~كم (20) وغير ذي حيز (21)، PageV01P074 # فيكون المقدار الجسماني هو الذي عرض له (1) وصير ذاته بحيث له بالقوة ms046 ~~أجزاء بعد ما آن (2) لذاته (3) أن تقوم جوهرا في نفسه غير ذي حيز ولا كمية ~~ولا قبول قسمة. # فإن (4) كان وجوده (5) الخاص الذي يتقوم به (6) لا يبقى عند التكثر أصلا ~~، فيكون ما هو متقوم بأنه لا حيز (7) له ، ولا ينقسم بالوهم ، والعرض (8) ~~يعرض له أن يبطل عنه ما يتقوم به بالفعل لورود عارض عليه ، وإن كانت تلك ~~الوحدانية لا لما تقوم به الهيولى ، بل لأمر آخر. ويكون ما فرضناه وجودا ~~خاصا له ليس وجودا خاصا به يتقوم (9)، فيكون حينئذ للمادة صورة عارضة بها ~~تكون واحدة بالقوة والفعل ، وصورة أخرى عارضة بها تكون غير واحدة بالقوة ~~والفعل. فيكون (10) بين الأمرين شيء مشترك ، هو القابل للأمرين ، من شأنه ~~أن يصير مرة وليس في قوته أن ينقسم ومرة أخرى وفي قوته أن ينقسم أعني القوة ~~القريبة التي لا واسطة لها. # فلنفرض الآن هذا الجوهر وقد (11) صار بالفعل اثنين ، وكل واحد منهما ~~بالعدد غير الآخر ، وحكمه أنه يفارق الصورة الجسمانية ، فليفارق (12) كل ~~واحد منهما الصورة الجسمانية ، فيبقى كل واحد منهما جوهرا واحدا بالقوة ~~والفعل. ولنفرضه بعينه لم ينقسم (13) إلا أنه أزيل عنه الصورة الجسمانية ~~حتى يبقى (14) جوهرا واحدا بالقوة والفعل ، فلا يخلو إما أن يكون بعينه ~~(15) هذا الذي بقي جوهرا وهو غير جسم ، هو بعينه مثل الذي هو كجزئه (16) ~~الذي بقي كذلك مجردا أو يخالفه ، PageV01P075 # فإن خالفه فلا يخلو إما أن يكون لأن هذا بقي وذلك (1) عدم ، أو بالعكس ، ~~أو يكون كلاهما قد بقيا ولكن تختص بهذا كيفية أو صورة لا توجد إلا (2) لذلك ~~أو يختلفان بالتفاوت بعد الاتفاق في المقدار أو الكيفية أو غير ذلك. # فإن بقي أحدهما وعدم الآخر ، والطبيعة واحدة ، متشابهة ، وإنما أعدم ~~أحدهما رفع الصورة الجسمانية فيجب أن يعدم الآخر ذلك بعينه. # وإن اختص بهذا كيفية ، والطبيعة واحدة ولم تحدث (3) حالة إلا مفارقة ~~الصورة الجسمانية ، ولم يحدث مع هذه الحالة إلا ما يلزم هذه الحالة ، فيجب ~~أن يكون حال الآخر كذلك. # فإن قيل : إن الأولين وهما اثنان متحدان (4) فيصيران واحدا ms047 ، فنقول : ~~ومحال (5) أن يتحد جوهران ، لأنهما إن اتحدا (6) وكل واحد منهما موجود فهما ~~اثنان لا واحد ، وإن اتحدا وأحدهما معدوم والآخر موجود فالمعدوم (7) كيف ~~يتحد بالموجود؟ وإن عدما جميعا بالاتحاد وحدث شيء ثالث منهما فهما غير ~~متحدين بل فاسدين ، وبينهما (8) وبين الثالث مادة مشتركة (9)، وكلامنا في ~~نفس المادة لا في شيء ذي مادة. # وأما إن اختلفا (10) بالتفاوت في المقدار (11) أو غير ذلك (12)، فيجب أن ~~يكونا وليس لهما صورة جسمانية ولهما (13) (14) صورة مقدارية ، وهذا خلف. # وأما أن لا (15) يختلفا بوجه من الوجوه ، فيكون حينئذ حكم الشيء لو لم ~~ينفصل عنه ما هو غيره (16)، هو حكمه (17) بعينه (18) وقد انفصل عنه غيره ~~(19)، وحكمه مع غيره وحكمه PageV01P076 # وحده ومن كل جهة حكما واحدا ، هذا خلف. أعني أن يكون حكم بعض الموضوع (1) ~~وحكم كله واحدا من كل جهة ، أعني أن (2) يكون لو كان الشيء لن ينقص بأن ~~يؤخذ منه شيء كما (3) إذا أخذ منه شيء ، وحكمه ولم يضف إليه شيء حكمه وقد ~~أضيف إليه شيء. # وبالجملة كل شيء يجوز في وقت من الأوقات أن يصير اثنين (4)، ففي طباع ~~ذاته استعداد للانقسام لا يجوز أن يفارقه ، وربما (5) يمنع (6) عنه بعارض ~~(7) غير (8) استعداد الذات (9)، وذلك الاستعداد محال إلا بمقارنة المقدار ~~للذات (10). # فبقي أن المادة لا تتعرى عن الصورة الجسمية (11). ولأن هذا الجوهر إنما ~~صار كما بمقدار حله ، فليس بكم بذاته (12)، فليس يجب أن تختص ذاته بقبول ~~قطر بعينه دون قطر وقدر دون قدر ، وإن كانت الصورة الجسمية (13) واحدة ~~ونسبة ما هو غير (14) متجزئ (15) ولا متكمم في ذاته ، بل إنما يتجزأ ويتكمم ~~بغيره إلى أي مقدار يجوز وجوده نسبة (16) واحدة ، وإلا فله مقدار في ذاته ~~يطابق ما يساويه دون ما يفضل عليه (17). # فبين من هذا أنه يمكن أن تصغر المادة بالتكاثف وتكبر بالتخلخل ، وهذا ~~محسوس بل يجب أن يكون تعين (18) المقدار عليها (19) بسبب يقتضي في الوجود ذلك PageV01P077 # المقدار. وذلك لسبب لا يخلو إما أن يكون أحد (1) الصور والأعراض التي ~~تكون في المادة ، أو سببا من خارج. فإن كان ms048 سببا من خارج فإما أن يفيد ذلك ~~المقدار المقدر بتوسط أمر (2) آخر أو بسبب استعداد (3) خاص. فيكون حكم هذا ~~وحكم القسم الأول واحدا يرجع إلى أن الأجسام لاختلاف أحوالها تختلف ~~مقاديرها. وإما أن لا تكون الإفادة بسبب ذلك وبتوسطه ، فتكون الأجسام ~~متساوية الاستحقاق للكم ومتساوية (4) الأحجام ، وهذا كاذب. # ومع ذلك أيضا فليس يجب أن يصدر عن ذلك السبب حجم بعينه دون حجم إلا لأمر ~~، وأعني بذلك (5) الأمر شرطا ينضاف إلى المادة به تستحق المقدار المعين لا ~~لنفس كونها مادة ولا أيضا لكونها مادة لها مصور (6) بالكمية ، بل يكون ~~للمادة شيء لأجله تستحق أن يصورها المصور بذلك الحجم والكمية. ويجوز أن ~~تختلف بالنوع (7) مطلقا ، ويجوز أن تختلف بالأشد والأضعف ليس بالنوع مطلقا ~~، وإن كان الأشد والأضعف قد يقارب الاختلاف في النوع ، لكن بين الاختلاف ~~بالنوع مطلقا وبين الاختلاف بالأشد والأضعف مخالفة معلومة عند المعتبرين ~~فقد علم أن الهيولى قد تتهيأ بعينها لمقادير مختلفة وهذا أيضا مبدأ ~~للطبيعيات (8). # وأيضا فإن كل جسم (9) يختص لا محالة (10) بحيز من الأحياز ، وليس له ~~الحيز (11) الخاص به بما هو جسم ، وإلا لكان كل جسم كذلك ، فهو إذن لا ~~محالة مختص (12) به لصورة ما في ذاته ، وهذا بين (13). فإنه إما أن يكون ~~غير قابل للتشكيلات PageV01P078 # والتفصيلات فيكون بصورة ما صار كذلك لأنه (1) بما هو جسم قابل له ، وإما ~~أن يكون قابلا لها بسهولة أو بعسر. وكيف (2) ما كان ، فهو على إحدى الصور ~~المذكورة في الطبيعيات. فإذن المادة الجسمية (3) لا توجد مفارقة للصورة. # فالمادة إذن إنما تتقوم بالفعل بالصورة ، فإذن المادة إذا جردت في التوهم ~~(4)، فقد (5) فعل بها ما لا يثبت معه في الوجود. PageV01P079 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل * في تقديم الصورة على المادة في مرتبة الوجود # فقد صح أن المادة الجسمانية إنما تقوم بالفعل عند وجود الصورة ، وأيضا ~~فإن الصورة المادية ليست توجد مفارقة للمادة. فلا يخلو إما أن تكون بينهما ~~علاقة المضاف فلا تعقل ماهية كل واحد منهما إلا مقولة (1) بالقياس إلى الآخر. # وليس كذلك ، فإنا نعقل ms049 كثيرا من الصور الجسمانية ، ونحتاج إلى تكلف شديد ~~حتى نثبت أن لها (2) مادة ، وكذلك هذه المادة نعقلها الجوهر المستعد ، ولا ~~نعلم من ذلك أن ما تستعد له يجب أن يكون فيه (3) منه شيء بالفعل إلا ببحث ونظر. # نعم هي من (4) حيث (5) هي مستعدة مضافة إلى مستعد (6) له وبينهما علاقة ~~الإضافة ، لكن كلامنا في مقايسة ما بين ذاتيهما (7) دون ما يعرض لهما من ~~إضافة أو يلزمهما (8)، وقد عرفت كيف هذا. # وأيضا فإن كلامنا في الحال بين المادة وبين الصورة (9) من حيث هي موجودة. # والاستعداد لا يوجب علاقة مع شيء هو موجود لا محالة ، وإن كان يجوز PageV01P080 # ذلك فلا يخلو إما أن تكون العلاقة بينهما علاقة ما بين العلة والمعلول ، ~~وإما أن تكون العلاقة بينهما علاقة أمرين متكافئي (1) الوجود ليس أحدهما ~~علة (2) ولا معلولا للآخر ، ولكن لا يوجد أحدهما إلا والآخر يوجد. وكل (3) ~~شيئين (4) ليس أحدهما علة للآخر ولا معلولا له (5) ثم بينهما هذه العلاقة ~~فلا يجوز أن يكون رفع أحدهما علة لرفع الآخر من حيث هو ذات ، بل يكون أمرا ~~معه ، أعني (6) يكون رفعا لا يخلو عن أن يكون مع رفع ، لا رفعا موجب رفع ، ~~إن كان (7) ولا بد. وقد عرفت الفرق بين الوجهين ، فقد عرفت أن الشيء الذي ~~رفعه علة لرفع شيء آخر فهو علته ، فقد (8) بان هذا لك قبل في مواضع على ~~التفصيل وسيزداد إيضاحا في خلل ما نفهمه. # وأما الآن فقد علمت ، هاهنا ، أنه فرق بين أن يقال في الشيء : إن رفعه ~~علة لرفع شيء ، وبين أن يقال : لا بد من أن يكون مع رفعه رفع (9) شيء. فإن ~~كان ليس رفع أحد هذين الشيئين المذكورين (10) علة لرفع (11) الآخر ، بل لا ~~بد من أن يكون مع رفعه (12) ارتفاع الآخر ، فلا يخلو إما أن يكون رفع ~~المرفوع منهما يوجب رفع شيء ثالث غيرهما ، أو يجب عن رفع شيء ثالث ، حتى ~~أنه لو لا رفع عرض لذلك الثالث لم يمكن (13) رفع هذا ، أو لا يكون شيء من ~~ذلك. فإن لم يمكن ms050 (14)، بل كان ليس يرتفع هذا إلا مع ذلك ، وذلك (15) إلا ~~مع هذا من غير سبب ثالث غير طبيعتهما (16)، فطبيعة كل واحد منهما متعلقة ~~في الوجود (17)، بالفعل ، بالآخر. PageV01P081 # فإما أن يكون ذلك لماهيتهما (1) فتكون مضافة ، وقد بان أنها ليست مضافة ، ~~وإما أن يكون في وجودهما (2). وبين أن مثل هذا لا يكون واجب الوجود فيكون ~~في ماهيته ممكن الوجود ، لكنه يصير بغيره (3) واجب الوجود فلا يجوز البتة ~~أن يصير واجب الوجود بذلك الآخر (4)، فقد (5) بينا هذا. فيجب أن يصير واجب ~~الوجود هو وصاحبه معه في آخر (6) الأمر ، إذا ارتقينا إلى (7) العلل بشيء ~~ثالث ، ويكون (8) ذلك الشيء الثالث ، من حيث هو علة بالفعل لوجوب وجودهما ، ~~لا يصح رفع أحدهما إلا برفع كونه علة بالفعل. فيكون هذان إنما يرتفعان برفع ~~سبب ثالث ، وقد قلنا ليس كذلك ، هذا خلف. فقد بطل هذا ، وبقي الحق أحد ~~القسمين الآخرين. # فإن كان رفعهما بسبب رفع شيء ثالث حتى يكونا هما معلولاه ، فلننظر كيف ~~يمكن أن تكون ذات كل واحد منهما تتعلق بمقارنة (9) ذات الآخر. # فإنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما يجب وجوده من العلة بوساطة صاحبه ~~، فيكون كل واحد منهما هو العلة القريبة لوجوب وجود صاحبه ، وهذا محال (10) ~~، فقد (11) بان أن هذا مستحيل فيما سلف من أقاويلنا ، وإما أن يكون أحدهما ~~بعينه أقرب إلى هذا الثالث ، فيصير هو العلة الواسطة ، والثاني هو المعلول ~~، ويكون الحق هو القسم (12) الذي قلنا : إن العلاقة بينهما علاقة يكون بها ~~(13) أحدهما علة والآخر معلولا. PageV01P082 # فأما (1) إن كان رفع أحدهما يوجب (2) رفع ثالث يجب عن رفعه رفع الثاني ~~(3) منهما ، فقد صار أحدهما علة العلة ، وعلة (4) العلة علة. والأمر يتقرر ~~في آخره على أن يكون أحدهما معلولا والآخر علة. # فلننظر الآن أيهما ينبغي أن تكون العلة منهما. فأما المادة فلا يجوز أن ~~تكون هي العلة (5) لوجود الصورة ، أما أولا : فلأن (6) المادة إنما (7) هي ~~مادة ، لأن لها قوة القبول والاستعداد ، والمستعد بما هو مستعد لا يكون ~~سببا لوجود ما هو (8) مستعد له ، ولو ms051 كان سببا لوجب أن يوجد ذلك دائما له ~~من غير استعداد. # وأما ثانيا : فإنه (9) من المستحيل أن تكون ذات الشيء سببا لشيء بالفعل ~~وهو بعد بالقوة ، بل يجب أن تكون ذاته قد صارت بالفعل (10)، ثم صار سببا ~~لشيء آخر ، سواء كان هذا التقدم بالزمان أو بالذات ، أعني ولو لم يكن البتة ~~موجودا إلا وهو سبب للثاني ، وإلا أن يقوم به الثاني بالذات ، ولذلك (11) ~~يكون متقدما بالذات. وسواء كان ما هو سبب له يقارن ذاته أو يكون مفارقا ~~ذاته ، فإنه يجوز أن يكون بعض أسباب وجود الشيء إنما يكون عنه وجود شيء ~~يكون مقارنا (12) لذاته ، وبعض (13) أسباب وجود الشيء إنما يكون عنه وجود ~~شيء مباين لذاته ، فإن العقل ليس ينقبض عن تجويز هذا. ثم البحث يوجب (14) ~~وجود القسمين جميعا ، فإن كانت المادة سببا للصورة فيجب أن تكون لها ذات ~~بالفعل أقدم من الصورة ، وقد منعنا (15) هذا منعا ليس بناؤه على أن ذاته لا ~~يمكن أن يوجد PageV01P083 # إلا ملتزما لمقارنة الصورة ، بل على أن ذاته يستحيل وجودها أن يكون ~~بالفعل إلا بالصورة ، وبين الأمرين فرق. # وأما ثالثا فإنه (1) إذا كانت المادة هي العلة القريبة للصورة ، والمادة ~~لا اختلاف لها في ذاتها ، وما يلزم (2) عن الشيء الذي (3) لا اختلاف فيه لا ~~اختلاف فيه البتة ، فكان (4) يجب أن تكون الصور (5) المادية لا اختلاف ~~فيها. فإن كان اختلافها لأمور تختلف من أحوال للمادة (6)، فتكون تلك ~~الأمور هي الصور (7) الأولى في المادة ، ويعود الكلام بأصله (8) جذعا. فإن ~~كان علة وجود هذه الصور المختلفة المادة وشيء (9) آخر مع المادة ليس في ~~المادة ، حتى لا تكون المادة وحدها هي (10) العلة القريبة ، بل المادة وشيء ~~آخر فيكون ذلك الشيء الآخر والمادة إذا اجتمعا جميعا حصل صورة ما معينة ~~(11) في المادة. وإن كان شيء غير ذلك الآخر واجتمع (12) مع المادة حصلت ~~صورة غير تلك الصور المعينة ، فتكون المادة في الحقيقة لها قبول الصورة (13). # وأما خاصية كل صورة فإنما تكون عن تلك العلل. وإنما تكون كل صورة هي هي ~~(14) بخاصيتها فتكون ms052 علة وجود كل صورة بخاصيتها هي الشيء الخارج ، ولا يكون ~~للمادة في تلك الخاصية صنع ، وإنما (15) كانت (16) تلك الصورة موجودة ~~وجودها بتلك الخاصية ، فيكون لا صنع للمادة في خصوصية وجود كل صورة ، PageV01P084 # إلا أنها لا بد منها في أن توجد الصورة فيها ، وهذه خاصية العلة القابلية ~~، فيبقى لها القبول فقط. فقد بطل أن تكون المادة علة للصورة (1) بوجه من ~~الوجوه. # وقد (2) بقي أن تكون الصورة وحدها (3) هي التي بها يجب وجود المادة. # فلننظر هل يمكن أن تكون (4) الصورة وحدها هي التي (5) بها يجب وجود ~~المادة. فنقول : أما الصورة التي لا تفارقها مادتها فذلك جائز فيها ، وأما ~~الصورة التي تفارق المادة ، وتبقى المادة موجودة بصورة أخرى ، فلا يجوز ذلك فيها. # وذلك لأن هذه الصورة ، لو كانت وحدها لذاتها علة ، لكانت المادة تعدم بعد ~~عدمها (6)، وتكون للصورة المستأنفة مادة أخرى توجد عنها ، ولكانت (7) تلك ~~المادة حادثة ، ولكان يحتاج لها (8) إلى مادة أخرى. فيجب إذن أن تكون علة ~~وجود المادة شيئا مع الصورة ، حتى تكون المادة إنما يفيض وجودها عن ذلك ~~الشيء. لكن يستحيل أن يكمل فيضانه عنه بلا صورة البتة ، بل إنما يتم الأمر ~~بهما (9) جميعا. # فيكون تعلق المادة في وجودها بذلك الشيء وبصورة كيف كانت تصدر عنه (10) ~~فيها (11)، فلا تعدم (12) بعدم الصورة ، إذ الصورة لا تفارقها إلا لصورة ~~أخرى تفعل مع العلة التي عنها مبدأ وجود المادة ما كانت (13) تفعله الصورة ~~الأولى. # فبما أن هذا الثاني يشارك الأول (14) في أنه صورة ، يشاركه في أنه يعاونه ~~(15) على إقامة PageV01P085 # هذه (1) المادة ، وبما يخالفه يجعل المادة بالفعل جوهرا غير الجوهر الذي ~~كان يفعله الأول. # فكثير (2) من الأمور الموجودة إنما تتم بوجود شيئين ، فإن الإضاءة ~~والإنارة إنما تحصل من سبب مضيء ، ومن كيفية لا بعينها تجعل الجسم المستنير ~~قابلا لأن ينفذ (3) فيه (4) الشعاع ولا ينعكس (5) ثم تكون تلك الكيفية تقيم ~~الشعاع على خاصية غير الخاصية التي تقيمه (6) كيفية أخرى من الألوان. # ويجب أن لا تناقش فيما لفظنا به من نفوذ الشعاع وانعكاسه (7)، بعد أنك ~~بالغرض ms053 بصير. ولا يبعد إذا تأملت أن تجد لهذا (8) أمثلة أشد موافقة ولا ~~يضرك أن لا تجد أيضا مثالا ، فإنه ليس يجب أن يكون لكل شيء مثال. # ولقائل أن (9) يقول : إنه إن كان تعلق المادة بذلك الشيء وبصورة فيكون ~~مجموعهما كالعلة له ، وإذا بطلت الصورة بطل هذا المجموع الذي هو العلة ، ~~فوجب (10) أن يبطل المعلول. # فنقول : إنه ليس تعلق المادة بذلك الشيء (11) وبالصورة ، من حيث الصورة ~~صورة معينة بالنوع (12)، بل من حيث هي صورة. وهذا المجموع ليس يبطل البتة ~~، فإنه يكون دائما موجودا ذلك (13) الشيء ، والصورة من حيث هي صورة (14)، PageV01P086 # فيكون لو لم يكن ذلك (1) الشيء (2) لم تكن المادة ، ولو (3) لم (4) تكن ~~الصورة من حيث هي صورة لم تكن المادة. ولو بطلت (5) الصورة الأولى لا بسبب ~~تعقب الثاني لكان يكون ذلك الشيء المفارق وحده ، ولا يكون (6) الشيء الذي ~~هو الصورة من حيث هو صورة (7). فكان يستحيل أن يفيض من (8) ذلك الشيء وجود ~~المادة ، إذ هو وحده بلا شريك أو شريطة (9). # ولكن لقائل أن يقول : إن مجموع ذلك : العلة والصورة (10) ليس واحدا ~~بالعدد ، بل (11) واحد بمعنى عام ، والواحد بالمعنى العام لا يكون علة ~~للواحد بالعدد ، ولمثل طبيعة (12) المادة فإنها واحدة بالعدد. فنقول : إنا ~~لا نمنع أن يكون الواحد بالمعنى العام المستحفظ وحدة عمومه بواحد بالعدد ~~علة الواحد بالعدد (13)، وهاهنا كذلك (14)، فإن الواحد بالنوع مستحفظ ~~بواحد بالعدد هو المفارق. فيكون ذلك الشيء يوجب المادة ، ولا يتم إيجابها ~~إلا بأحد أمور تقارنه ، أيها كانت. وأما ما هذا الشيء فستعلمه بعد. # فالصور (15) إما صور (16) لا تفارقها المادة ، وإما صور (17) تفارقها ~~المادة ولا تخلو المادة عن مثلها. # فالصور (18) التي تفارق (19) المادة إلى عاقب ، فإن معقبها فيها يستبقيها ~~بتعقيب تلك الصورة ، فتكون الصورة من وجه (20) واسطة بين المادة المستبقاة ~~وبين (21) مستبقيها (22)، PageV01P087 # والواسطة في التقويم (1)، فإنه أولا يتقوم ذاته ، ثم يقوم به غيره أولية ~~بالذات ، وهي العلة القريبة من المستبقي في البقاء. فإن كانت تقوم (2) ~~بالعلة المبقية للمادة بواسطتها ، فالقوام لها من الأوائل أولا ، ثم للمادة ~~، وإن كانت ms054 قائمة لا بتلك العلة ، بل بنفسها ، ثم تقام المادة بها (3) فذلك ~~أظهر فيها. # وأما (4) الصور (5) التي لا تفارقها المادة فلا يجوز أن تجعل معلولة ~~للمادة حتى تكون المادة تقتضيها وتوجبها بنفسها ، فتكون موجبة لوجود ما ~~تستكمل به ، فتكون من حيث تستكمل به قابلة ، ومن حيث توجبه موجدة ، فتكون ~~(6) توجب وجود شيء في نفسها تتصور به. لكن الشيء من حيث هو قابل (7)، غيره ~~من حيث هو موجب. فتكون المادة ذات أمرين : بأحدهما تستعد ، وبالآخر (8) ~~يوجد عنها (9) شيء. فيكون المستعد منهما هو (10) جوهر المادة ، وذلك الآخر ~~أمرا زائدا على كونه (11) مادة تقارنه وتوجب فيه أثرا كالطبيعة للحركة في ~~المادة ، فيكون ذلك الشيء هو الصورة الأولى ، ويعود (12) الكلام جذعا. # فإذن الصورة أقدم من الهيولى ، ولا يجوز أن يقال إن الصورة بنفسها موجودة ~~بالقوة دائما (13)، وإنما تصير (14) بالفعل بالمادة ، لأن جوهر الصورة هو الفعل. # وأما طبيعة ما بالقوة فإن محلها المادة ، فتكون المادة هي التي يصلح فيها ~~أن يقال لها إنها في نفسها بالقوة تكون موجودة ، وإنها بالفعل بالصورة (15)، PageV01P088 # والصورة وإن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى ، بل بالعلة ~~المفيدة إياها الهيولى (1) وكيف (2) تتقوم الصورة بالهيولى وقد بينا أنها ~~علتها؟ والعلة (3) لا تتقوم بالمعلول ، ولا شيئان اثنان (4) يتقوم أحدهما ~~بالآخر بأن كل واحد منهما يفيد الآخر وجوده. فقد (5) بان استحالة هذا ، ~~وتبين (6) لك الفرق بين الذي يتقوم به الشيء وبين الذي لا يفارقه. # فالصورة لا توجد إلا في الهيولى (7)، لا أن علة وجودها الهيولى ، أو ~~كونها في الهيولى. كما أن العلة لا توجد إلا مع المعلول ، لا أن وجود العلة ~~هو (8) المعلول أو كونه مع المعلول (9)، كما أن العلة إذا كانت علة بالفعل ~~لزم عنها المعلول وأن تكون معها ، كذلك الصورة إذا كانت صورة موجودة (10) ~~يلزم عنها أن تقوم شيئا ، ذلك الشيء مقارن لذاتها. فكان ما يقوم شيئا ~~بالفعل ، ويفيده الوجود ، منه ما يفيده وهو مباين ، ومنه ما يفيده وهو ملاق ~~وإن لم يكن جزء منه مثل الجوهر للأعراض التي يلحقها أو يلزمها ms055 (11)، ~~والمزاجات. # وبين بهذا أن كل صورة توجد في مادة مجسمة ، فبعلة (12) ما (13) توجد ، ~~أما الحادثة فذلك ظاهر فيها ، وأما الملازمة (14) للمادة فلأن الهيولى ~~الجسمانية إنما خصصت (15) بها لعلة (16). وسنبين هذا أظهر في (17) مواضع ~~أخرى (18). PageV01P089 ### || * المقالة الثالثة (1) # وفيها عشر فصول (2) PageV01P091 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل (1) * في الإشارة إلى ما ينبغي أن يبحث عنه من حال المقولات التسع وفي (2) عرضيتها # فنقول : قد بينا ماهية الجوهر ، وبينا أنها مقولة على المفارق ، وعلى ~~الجسم ، وعلى المادة ، والصورة. فأما (3) الجسم فإثباته مستغني (4) عنه ، ~~وأما المادة والصورة فقد أثبتناهما ، وأما المفارق فقد أثبتناه بالقوة ~~القريبة من الفعل ، ونحن مثبتوه (5) من بعد. # وعلى أنك إن تذكرت (6) ما قلناه (7) في النفس ، صح لك وجود جوهر مفارق ~~غير جسم ، فبالحري أن تنتقل (8) الآن إلى تحقيق الأعراض وإثباتها. # فنقول : أما (9) المقولات العشرة (10) فقد تفهمت (11) ماهياتها في افتتاح ~~المنطق. ثم لا يشك (12) في (13) أن المضاف من جملتها من حيث هو مضاف (14) ~~أمر عارض لشيء ضرورة. وكذلك النسب التي هي (15) في « أين » و « متى » وفي « ~~الوضع » وفي « الفعل » و « الانفعال » (16) فإنها أحوال عارضة لأشياء هي ~~فيها ، كالموجود في الموضوع. اللهم إلا أن يقول قائل : إن الفعل ليس كذلك ، ~~فإن (17) وجود الفعل ليس PageV01P093 # في الفاعل ، بل في المفعول. فإن قال ذلك ، وسلم له ، فليس يضر فيما ترومه ~~من أن الفعل موجود في شيء وجوده في الموضوع ، وإن كان ليس في الفاعل. # فبقي من المقولات ما يقع فيه إشكال ، وأنه (1) هل هو عرض أو ليس بعرض ، ~~مقولتان : مقولة الكم ، ومقولة الكيف. # أما مقولة الكم ، فكثير من الناس رأى أن (2) يجعل الخط والسطح والمقدار ~~الجسماني من الجوهر ، وأن لا يقتصر على ذلك ، بل يجعل هذه الأشياء مبادئ ~~الجواهر. وبعضهم رأى ذلك في الكميات المنفصلة ، أي الأعداد ، وجعلها مبادئ ~~الجواهر. # وأما الكيف فقد رأى آخرون من الطبيعيين أنها (3) ليست محمولة (4) البتة ، ~~بل اللون جوهر بنفسه ، والطعم جوهر آخر ، والرائحة جوهر آخر ، وأن من هذه ~~قوام الجواهر المحسوسة (5)، وأكثر أصحاب الكمون ذاهبون إلى هذا. # فأما شكوك أصحاب القول ms056 بجوهرية الكيف ، فالأحرى بها أن تورد في العلم ~~الطبيعي ، وكأنا (6) قد فعلنا ذلك. # وأما أصحاب القول بجوهرية الكم ، فمن ذهب إلى أن المتصلات هي جواهر ~~ومبادئ للجواهر فقد قال : إن هذه هي الأبعاد المقومة للجوهر الجسماني ، وما ~~هو مقوم للشيء فهو أقدم ، وما أقدم من الجواهر فهو أولى بالجوهرية ، وجعل ~~النقطة أولى الثلاثة بالجوهرية. PageV01P094 # وأما أصحاب العدد ، فإنهم جعلوا هذه مبادئ الجواهر ، إلا أنهم جعلوها ~~مؤلفة من الوحدات حتى صارت الوحدات مبادئ للمبادئ ، ثم قالوا : إن الوحدة ~~طبيعة غير متعلقة في ذاتها بشيء من الأشياء ، وذلك لأن الوحدة تكون في كل ~~شيء ، وتكون الوحدة في ذلك الشيء غير ماهية ذلك الشيء ، فإن الوحدة في ~~الماء غير الماء ، وفي (1) الناس غير الناس ، ثم هي بما هي وحدة مستغنية عن ~~أن تكون شيئا من الأشياء ، وكل شيء فإنما يصير هو ما هو بأن يكون واحدا ~~متعينا ، فتكون الوحدة مبدأ للخط وللسطح (2) ولكل شيء ، فإن السطح لا يكون ~~سطحا إلا بوحدة اتصالها الخاص ، وكذلك (3) الخط (4) والنقطة أيضا (5) وحدة ~~صار لها وضع. فالوحدة علة كل شيء. وأول ما يكون (6) ويحدث عن الوحدة العدد. ~~فالعدد علة متوسطة بين الوحدة وبين كل شيء ، فالنقطة (7) وحدة وضعية ، ~~والخط اثنوية (8) وضعية ، والسطح ثلاثية وضعية ، والجسم رباعية وضعية ، ثم ~~تدرجوا إلى أن جعلوا كل شيء حادثا عن العدد. # فيجب علينا أولا أن نبين (9): أن المقادير والأعداد أعراض ، ثم نشتغل ~~بعد ذلك (10) بحل الشكوك التي لهؤلاء. وقبل ذلك يجب (11) أن نعرف حقيقة ~~أنواع الكمية ، والأولى بنا أن نعرف طبيعة الوحدة (12)، فإنه يحق علينا أن ~~نعرف طبيعة الواحد في هذه المواضع (13) بشيئين : أحدهما ، أن الواحد شديد ~~المناسبة للموجود الذي هو موضوع هذا العلم ، والثاني (14)، أن (15) الواحد ~~مبدأ ما بوجه ما للكمية. PageV01P095 # أما كونه مبدأ للعدد ، فأمر قريب من المتأمل. وأما للمتصل (1) فلأن ~~الاتصال وحدة ما ، وكأنه (2) علة صورية للمتصل ، ولأن المقدار كونه مقدارا ~~هو أنه بحيث يقدر ، وكونه بحيث يقدر هو كونه بحيث يعد ، وكونه بحيث يعد ~~كونه بحيث أن له ms057 واحدا (3). PageV01P096 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل * في الكلام في الواحد (1) (2) # فنقول : إن الواحد يقال بالتشكيك (3) على معان تتفق (4) في أنها لا قسمة ~~فيها بالفعل (5) من حيث كل واحد هو هو ، لكن هذا المعنى يوجد فيها بتقدم ~~وتأخر (6)، وذلك بعد الواحد بالعرض. # والواحد بالعرض هو أن يقال في شيء يقارن شيئا آخر ، أنه هو الآخر ، ~~وأنهما (7) واحد. وذلك إما موضوع ومحمول عرضي ، كقولنا : إن زيدا وابن عبد ~~الله واحد ، وإن زيدا والطبيب واحد ، وإما محمولان موضوع (8)، كقولنا (9) ~~: الطبيب هو وابن عبد الله واحد ، إذ (10) عرض أن كان شيء واحد طبيبا وابن ~~عبد الله ، أو موضوعان (11) في محمول واحد عرضي ، كقولنا : الثلج والجص ~~واحد ، أي في البياض ، إذ قد عرض أن حمل (12) عليهما عرض واحد. # لكن الواحد الذي بالذات ، منه واحد بالجنس ، ومنه واحد بالنوع وهو الواحد ~~بالفصل ، ومنه واحد بالمناسبة ، ومنه واحد بالموضوع ، ومنه واحد بالعدد. PageV01P097 # والواحد بالعدد قد يكون بالاتصال ، وقد يكون بالتماس ، وقد يكون لأجل ~~نوعه ، وقد يكون لأجل ذاته. والواحد (1) بالجنس قد يكون بالجنس القريب ، ~~وقد يكون بالجنس البعيد. والواحد بالنوع كذلك قد يكون بنوع قريب لا يتجزأ ~~(2) إلى أنواع ، وقد يكون بنوع بعيد فيوافق (3) أحد قسمي الباب الأول ، وإن ~~كان هناك اختلاف (4) في الاعتبار. # وإذا كان واحدا بالنوع فهو لا محالة واحد بالفصل ، ومعلوم أن الواحد ~~بالجنس كثير بالنوع ، وأن الواحد بالنوع (5) قد يجوز أن يكون كثيرا (6) ~~بالعدد ، وقد يجوز أن لا يكون إذا كانت (7) طبيعة النوع كلها (8) في شخص ~~واحد ، فيكون من جهة نوعا ومن جهة لا يكون (9) نوعا ، إذ هو من جهة كلي ومن ~~جهة ليس بكلي. وتأمل هذا في الوضع الذي نتكلم فيه على الكلي ، أو تذكر ~~مواضع سلفت لك. # وأما الواحد بالاتصال فهو الذي يكون واحدا بالفعل من جهة ، وفيه كثرة ~~أيضا من جهة. # أما الحقيقي فهو الذي تكون فيه الكثرة بالقوة فقط ، وهو إما في الخطوط : ~~فالذي لا زاوية له ، وفي السطوح أيضا (10): البسيط المسطح ، وفي المجسمات ~~: الجسم (11) الذي يحيط به سطح ليس ms058 فيه انفراج على زاوية ، ويليه ما يكون ~~فيه كثرة بالفعل إلا أن أطرافها تلتقي عند حد مشترك مثل جملة الخطين ~~المحيطين PageV01P098 # بالزاوية ، ويليه أن تكون الأطراف متماسة تماسا يشبه المتصل في تلازم ~~حركة بعضها لبعض فتكون وحدتها كأنها تابعة لوحدة الحركة لأن هناك التحاما ، ~~وذلك كالأعضاء المؤلفة من أعضاء (1)، وأولى ذلك ما كان التحامه طبيعيا لا ~~صناعيا. # والوحدة بالجملة في هذه أضعف ، وتخرج عن الوحدة الاتصالية إلى الوحدة ~~الاجتماعية. فالوحدة (2) الاتصالية أولى من الاجتماعية بمعنى الوحدة ، وذلك ~~أن الوحدة الاتصالية لا كثرة فيها بالفعل (3)، والوحدة الاجتماعية فيها ~~كثرة بالفعل. فهناك كثرة (4) غشيتها (5) وحدة لا تزيل (6) عنها الكثرية (7). # والوحدة بالاتصال إما معتبرة مع المقدار فقط وإما أن تكون (8) مع طبيعة ~~أخرى مثل أن تكون ماء أو هواء. ويعرض للواحد بالاتصال أن يكون واحدا في ~~الموضوع ، فإن الموضوع المتصل (9) بالحقيقة (10) جسم بسيط متفق الطبع ، وقد ~~علمت (11) هذا في الطبيعيات. فيكون موضوع واحدة الاتصال واحدا أيضا في ~~الطبيعة من حيث أن طبيعته لا تنقسم إلى صور مختلفة ، بل نقول : إن الواحد ~~بالعدد لا شك أنه غير منقسم بالعدد من حيث هو واحد ، بل ولا غيره مما هو ~~واحد منقسم من حيث هو واحد (12)، لكنه (13) يجب أن ينظر فيه من حيث ~~الطبيعة التي عرض لها الوحدة ، فيكون الواحد بالعدد منه ما ليس من طبيعته ~~التي عرض لها الوحدة أن يتكثر مثل : الإنسان الواحد ، ومنه ما من طبيعته ~~ذلك كالماء الواحد والخط الواحد (14) فإنه قد يصير الماء مياها والخط خطوطا. PageV01P099 # والذي ليس من طبيعته ذلك فإما أن يكون قد يتكثر من وجه آخر ، وإما أن لا ~~يكون. مثل الأول : الواحد بالعدد من الناس ، فإنه لا يتكثر من حيث طبيعته ، ~~أي من حيث هو إنسان إذا قسم ، لكنه قد (1) يتكثر من جهة أخرى إذا قسم إلى ~~نفس وبدن ، فيكون له نفس وبدن وليس واحد منهما بإنسان. # وأما الذي لا يكون فهو على قسمين : إما أن يكون موجودا له مع أنه شيء ليس ~~بمنقسم طبيعة أخرى ، وإما ms059 أن لا يكون. فإن كان موجودا له (2) مع ذلك طبيعة ~~أخرى فإما أن تكون تلك الطبيعة هي الوضع وما يناسب الوضع ، فتكون نقطة ~~والنقطة لا منقسمة من حيث هي نقطة ولا من جهة أخرى ، وهناك طبيعة غير ~~الوحدة المذكورة ، وإما أن لا يكون الوضع وما يناسبه ، فيكون مثل العقل ~~والنفس ، فإن العقل له وجود غير الذي يفهم من أنه (3) لا ينقسم ، وليس ذلك ~~الوجود (4) بوضع ، وليس ينقسم في طبيعته (5) ولا في جهة أخرى. وأما الذي لا ~~يكون هناك طبيعة أخرى فكنفس (6) الوحدة التي (7) هي مبدأ العدد ، أعني التي ~~إذا أضيف إليها غيرها صار مجموعهما عددا. # فمن هذه الأصناف (8) من الوحدة ما لا ينقسم (9) مفهومه في الذهن ، فضلا ~~عن قسمة مادية أو مكانية (10) أو زمانية. # ولنعد القسم الذي يتكثر أيضا من حيث (11) الطبيعة الواحدة بالوحدة ومن ~~حيث الاتصال ، فمن ذلك أن يكون تكثره في الطبيعة التي هي لذاتها معدة لكثرة ~~عن الوحدة ، وهذا هو المقدار ، ومن ذلك أن يكون تكثره في طبيعة PageV01P100 # إنما لها الوحدة المعدة للتكثر بسبب غير نفسها ، وذلك هو الجسم البسيط ~~مثل الماء. فإن هذا الماء واحد بالعدد وهو ماء وفي (1) قوته أن يصير مياها ~~كثيرة بالعدد لا لأجل المائية ، بل لمقارنة السبب الذي هو المقدار. فتكون ~~تلك المياه الكثيرة بالعدد واحدة بالنوع وواحدة (2) أيضا بالموضوع ، لأن من ~~طبع موضوعها أن تتحد بالفعل واحدا بالعدد. # ولا كذلك أشخاص الناس ، فإنها ليس من شأن عدة موضوعات منها أن يتحد موضوع ~~إنسان واحد نعم كل واحد منها واحد بموضوعه الواحد ، ولكن ليس المجتمع من ~~الكثرة واحدا بالموضوع ، وليس حاله حال كل قطعة من الماء ، فإنها واحدة في ~~نفسها بموضوعها (3). # والجملة يقال إنها واحدة في الموضوع ، إذ من شأن موضوعاتها أن تتحد ~~موضوعا واحدا بالاتصال (4)، فيكون جملتها حينئذ ماء واحدا. # لكن (5) كل واحد من هذين القسمين إما أن يكون حاصلا فيه (6) جميع ما يمكن ~~أن يكون له أو لا يكون ، فإن كان فهو تام (7) وواحد بالتمام ، وإن لم يكن ~~فهو كثير ms060 ، ومن عادة الناس أن يجعلوا الكثير غير الواحد (8). وهذه الوحدة ~~(9) التمامية (10) إما أن تكون بالفرض والوهم (11) والوضع كدرهم تام ودينار ~~تام ، وإما أن تكون بالحقيقة. وذلك إما بالصناعة كالبيت التام ، فإن البيت ~~الناقص لا يقال له بيت واحد. وإما بالطبيعة كشخص إنسان واحد تام الأعضاء. PageV01P101 # ولأن الخط المستقيم قد يقبل زيادة في استقامة ليست موجودة له ، فليس ~~بواحد من جهة التمام. # وأما المستدير فإذ ليس يقبلها ، بل حصلت (1) له بالطبع الإحاطة (2) ~~بالمركز من كل جهة ، فهو تام وواحد (3) بالتمام (4)، ويشبه أن يكون أيضا ~~(5) كل شخص من الناس واحدا من هذه الجهة ، فيكون بعض الأشياء يلزمه التمام ~~كالأشخاص والخط المستدير (6)، وبعضها لا يلزمه التمام كالماء والخط ~~المستقيم (7). # وأما الواحد بالمساواة (8) فهو (9) بمناسبة (10) ما ، مثل أن حال السفن ~~عند الربان وحال المدينة عند (11) الملك (12) واحدة ، فإن هاتين حالتان ~~متفقتان ، وليس وحدتهما بالعرض ، بل وحدة ما يتحد بهما بالعرض ، أعني وحدة ~~السفينة والمدينة بهما هي وحدة بالعرض. وأما (13) وحدة الحالتين (14) فليست ~~(15) الوحدة التي جعلناها وحدة بالعرض. # فنقول (16) من رأس : إنه إذا كانت الوحدة إما أن تقال على أشياء كثيرة ~~(17) بالعدد ، أو تقال على شيء واحد بالعدد ، وقد بينا أنا (18) حصرنا (19) ~~أقسام الواحد بالعدد. # فلنمل إلى الحيثية الأخرى ، فنقول : وأما الأشياء الكثيرة بالعدد فإنما ~~يقال لها من جهة أخرى واحدة لاتفاق (20) بينها (21) في معنى. فإما أن يكون ~~اتفاقها في نسبة (22) أو في محمول غير النسبة ، وإما في موضوع (23). ~~والمحمول إما جنس ، وإما نوع ، PageV01P102 # وإما فصل (1)، وإما عرض ، فيكون سهلا عليك من هذا الموضع أن تعرف أنا قد ~~حققنا أقسام الواحد ، وأنت (2) تعرف مما قد عرفت أيها أولى بالوحدة وأسبق ~~استحقاقا لها ، فتعرف أن الواحد بالجنس أولى بالوحدة من الواحد بالمناسبة ، ~~وأن الواحد بالنوع أولى من الواحد بالجنس ، والواحد بالعدد أولى من الواحد ~~بالنوع ، والبسيط الذي لا ينقسم بوجه أولى من المركب ، والتام من الذي ~~ينقسم أولى من الناقص. # والواحد قد يطابق الموجود في أن الواحد يقال على كل واحد من المقولات ~~كالموجود ، لكن مفهومهما ms061 (3) على ما علمت (4) مختلف ، ويتفقان في أنه لا ~~يدل واحد منهما على جوهر بشيء (5) من الأشياء ، وقد علمت ذلك. PageV01P103 ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * في تحقيق الواحد والكثير (1) وإبانة أن العدد عرض # والذي (2) يصعب علينا تحقيقه الآن (3) ماهية الواحد. وذلك (4) أنا إذا ~~قلنا : إن الواحد هو الذي لا يتكثر ضرورة ، فأخذنا (5) في بيان الواحد ~~الكثرة. # وأما الكثرة فمن الضرورة أن تحد بالواحد ، لأن الواحد مبدأ الكثرة ، ومنه ~~وجودها وماهيتها ، ثم أي حد حددنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضرورة. ~~فمن ذلك ما تقول : إن الكثرة هي (6) المجتمع من وحدات ، فقد أخذنا الوحدة ~~في حد الكثرة ، ثم عملنا (7) شيئا آخر وهو أنا أخذنا المجتمع في حدها ، ~~والمجتمع يشبه أن يكون هو الكثرة نفسها. وإذا قلنا من الوحدات أو الواحدات ~~أو الآحاد فقد أوردنا (8) بدل (9) لفظ الجمع (10) هذا (11) اللفظ ، ولا ~~يفهم (12) معناه ولا يعرف إلا بالكثرة. # وإذا (13) قلنا : إن الكثرة هي التي تعد بالواحد ، فنكون (14) قد أخذنا ~~في حد الكثرة الوحدة (15)، ونكون أيضا قد أخذنا في حدها العد والتقدير ، ~~وذلك (16) إنما يفهم بالكثرة أيضا. PageV01P104 # فما أعسر علينا أن نقول في هذا الباب شيئا يعتد به ، لكنه يشبه (1) أن ~~تكون الكثرة أيضا أعرف عند تخيلنا (2)، والوحدة أعرف عند عقولنا (3)، ~~ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي نتصورها بديا ، لكن الكثرة ~~نتخيلها أولا ، والحدة نعقلها (4) من غير مبدأ لتصورها عقلي ، بل (5) إن ~~كان ولا بد فخيالي (6). ثم يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفا عقليا ، ~~وهنالك (7) تؤخذ الوحدة متصورة بذاتها (8) ومن أوائل التصور ، ويكون ~~تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيها يستعمل فيه المذهب الخيالي لنومئ إلى معقول ~~عندنا لا نتصوره حاضرا في الذهن. # فإذا قالوا : إن الوحدة هي الشيء الذي ليس فيه كثرة دلوا على أن المراد ~~بهذه اللفظة الشيء المعقول عندنا بديا الذي يقابل هذا الآخر أو ليس (9) هو ~~فينبه عليه بسلب هذا عنه. # والعجب ممن يحد العدد فيقول : إن العدد كثرة مؤلفة من وحدات أو من آحاد ، ~~والكثرة نفس العدد ، ليس كالجنس للعدد ، وحقيقة الكثرة أنها ms062 مؤلفة من ~~وحدات. فقولهم : إن الكثرة مؤلفة من وحدات ، كقولهم : إن الكثرة كثرة. فإن ~~الكثرة ليست إلا اسما للمؤلف من الوحدات. # فإن قال قائل : إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس ، ~~والدواب. فنقول (10): إنه كما أن هذه الأشياء ليست وحدات ، بل أشياء ~~موضوعة للوحدات ، كذلك أيضا ليست هي بكثرة ، بل أشياء موضوعة للكثرة ، وكما ~~أن تلك الأشياء هي واحدات (11) لا وحدات ، فكذلك (12) هي كثيرة لا كثرة (13). PageV01P105 # والذين يحسبون أنهم إذا قالوا : إن العدد كمية منفصلة ذات ترتيب ، فقد ~~تخلصوا من هذا ، فما تخلصوا. فإن الكمية يحوج تصورها للنفس إلى أن تعرف ~~بالجزء والقسمة أو المساواة. أما الجزء والقسمة فإنما يمكن تصورها بالكمية ~~(1)، وأما المساواة فإن الكمية أعرف منها عند العقل الصريح لأن (2) ~~المساواة من الأعراض الخاصة (3) بالكمية التي يجب أن توجد (4) في حدها ~~الكمية. # فيقال : إن المساواة هي اتحاد في الكمية والترتيب الذي أخذ في حد العدد ~~أيضا ، هو مما لا يفهم إلا بعد فهم العدد. فيجب أن يعلم أن هذه كلها ~~تنبيهات مثل التنبيهات بالأمثلة والأسماء المترادفة ، وأن هذه المعاني ~~متصورة كلها أو بعضها لذواتها ، وإنما يدل عليها بهذه الأشياء لينبه عليها ~~(5) وتميز فقط. # فنقول الآن : إن الوحدة إما أن تقال على الأعراض ، وإما أن تقال على ~~الجواهر. فإذا قيلت على الأعراض فلا تكون جوهرا ، ولا شك في ذلك ، وإذا ~~قيلت على الجواهر فليست تقال عليها كفصل ولا جنس البتة ، إذ لا دخول لها في ~~تحقيق ماهية جوهر من الجواهر ، بل هو أمر لازم للجوهر ، كما قد علمت. فلا ~~يكون إذن قولها (6) عليها قول الجنس والفصل ، بل قول « عرضي ». فيكون ~~الواحد جوهرا ، والوحدة (7) هي المعنى الذي هو العرض ، فإن العرض الذي هو ~~أحد الخمسة وإن كان كونه عرضا بذلك المعنى قد يجوز عليه أن يكون جوهرا ، ~~وإنما (8) يجوز ذلك (9) إذا أخذ مركبا ، كالأبيض. وأما طبيعة المعنى (10) ~~البسيط منه PageV01P106 # فهي لا محالة عرض بالمعنى الآخر ، إذ هو موجود في الجوهر وليس كجزء منه ~~ولا يصح (1) قوامه مفارقا ms063 له. # فلننظر الآن في الوحدة الموجودة في كل جوهر التي ليست بجزء منه مقومة (2) ~~له ، هل يصح قوامها مفارقة (3) للجوهر؟ # فنقول : إن هذا مستحيل ، وذلك لأنها إن قامت وحدة مجردة لم يخل إما أن ~~تكون مجرد أن لا تنقسم وليس هناك طبيعة هي المحمول عليها أنها لا تنقسم ، ~~أو تكون هناك طبيعة أخرى. والقسم الأول محال ، فإنه لا أقل من أن يكون هناك ~~وجود ، ذلك الوجود لا ينقسم ، فإن كان ذلك الوجود لا محالة معنى غير الوحدة ~~وأنه لا ينقسم ، فإما أن يكون ذلك الوجود (4) جوهرا أو يكون عرضا ، فإن كان ~~عرضا فالوحدة في عرض (5) لا محالة ثم في جوهر ، وإن كان جوهرا والوحدة (6) ~~لا تفارقه فهي موجودة فيه وجود ما في الموضوع ، وإن كانت مفارقة (7)، تكون ~~الوحدة إذا فارقت ذلك الجوهر يكون لها جوهر آخر تصير إليه وتقارنه (8) إذا ~~(9) فرض وجودها مقارنة لجوهرية ، ويكون ذلك الجوهر لو لم تصر إليه هذه (10) ~~الوحدة لم تكن له وحدة (11)، وهذا محال. أو تكون له وحدة كانت ووحدة لحقت ~~، فتكون له وحدتان لا وحدة (12)، فيكون جوهران لا جوهر واحد ، لأن ذلك ~~الجوهر واحدان ، وهذا محال. وأيضا فإن كانت كل وحدة في جوهر آخر ، فأحد ~~(13) الجوهرين لم تنتقل إليه الوحدة PageV01P107 # وعاد الكلام جذعا فيما انتقل إليه الوحدة وصار أيضا جوهرين ، وإن كانت كل ~~وحدة (1) في الجوهرين جميعا فتكون الوحدة اثنوية (2)، هذا خلف. فقد بان ~~(3) أن الوحدة ليس من شأنها أن تفارق الجوهر الذي هي فيه. # ونبتدئ (4) فنقول : إنه إن كانت الوحدة ليست مجرد أنها لا تنقسم ، بل ~~كانت وجودا لا ينقسم حتى يكون الوجود داخلا في الوحدة لا موضوعا لها (5)، ~~فإذا فرضنا أنه قد فارقت هذه الوحدة الجوهر إن كانت يمكن أن توجد بذاتها ~~كانت وجودا لا ينقسم مجردا ولم تكن (6) وجودا لا ينقسم فقط ، بل تكون ~~الوحدة وجودا جوهريا لا ينقسم إذا (7) قام ذلك الوجود لا في موضوع. فلا ~~تكون للأعراض وحدة بوجه من الوجوه. وإن كان (8) للأعراض وحدة تكون وحدتها ~~غير وحدة ms064 الجوهر ، وتكون الوحدة تقال عليها باشتراك الاسم. # فيكون أيضا من الأعداد ما تأليفه من وحدة الأعراض ، ومن الأعداد ما ~~تأليفه (9) من وحدة (10) الجواهر فلننظر هل يشتركان في معنى الوجود الذي لا ~~ينقسم أو لا يشتركان؟ فإن لم يشتركا فتكون الوحدة في إحداهما وجودا منقسما ~~وفي الآخر (11) ليس كذلك. ولسنا نعني بوحدة الأعراض أو الجواهر ذلك ، حتى ~~نعني في إحداهما بالوحدة شيئا غير أنه وجود غير منقسم. وإن اشتركا في ذلك ~~المعنى ، فذلك (12) المعنى هو الوجود الغير المنقسم الذي إياه نعني بالوحدة ~~، وذلك المعنى أعم من المعنى الذي ذكرناه قبيل الآن ، فإن ذلك كان يلزمه PageV01P108 # مع كونه وجودا (1) لا ينقسم ، أن يكون وجودا جوهريا ، إذ قد كان يمكن ~~فرضه مجردا ، وذلك المعنى لا محالة إن (2) كان جوهرا لم يعرض للعرض ، وليس ~~يلزم أن نقول إنه إن (3) كان عرضا لم يعرض للجوهر ، فإن الجوهر يعرض له ~~العرض ويقوم به العرض ، والعرض لا يعرض له الجوهر حتى يكون قائما فيه. # فإذن الوحدة الجامعة أعم من ذلك المعنى وكلامنا فيها ، ومن حيث هي وجود ~~لا ينقسم فقط بلا زيادة أخرى وذلك لا يفارق موضوعاته (4) وإلا صار ذلك ~~المعنى الأخص. فإنه (5) من المحال (6) أن تكون الوحدة وجودا غير منقسم في ~~الأعراض والجواهر (7) ويجوز مع ذلك أن تفارق ، فيكون جوهرا عرض لعرض ، أو ~~أن تكون الوحدة مختلفة في الجواهر والأعراض. # فبين أن الوحدة حقيقتها معنى عرضي ومن جملة اللوازم للأشياء. # وليس لقائل أن يقول : إن هذه الوحدة إنما (8) لا تفارق على سبيل ما لا ~~تفارق المعاني العامة قائمة دون فصولها ، كما لا تفارق الإنسانية الحيوانية (9). # وامتناع هذه المفارقة لا يوجب العرضية ، بل إنما يوجب العرضية امتناع ~~مفارقة يكون للمعنى المحصل الموجود المشخص (10). # فنقول : ليس الأمر كذلك ، فإن نسبة ما فرضناه أعم إلى ما فرضناه (11) أخص ~~ليس نسبة المنقسم إليه بفصل مقوم. فقد بينا أن الوحدة غير داخلة في حد جوهر ~~أو عرض ، بل نسبة لازم عام. وإذا أشرنا إلى بسيط واحد منه كان PageV01P109 # متميز الذات عن ms065 التخصيص (1) الذي يقارنه ، لا كاللونية التي في البياض ، ~~فإذا صح أنه غير مفارق صح أن المحمول الذي هو معنى لازم عام مشتق الاسم من ~~اسم معنى بسيط هو معنى الوحدة ، وذلك البسيط عرض. وإذا (2) كانت الوحدة ~~عرضا ، فالعدد المؤلف من الوحدة عرض. PageV01P110 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) * فصل في أن المقادير (1) أعراض (2) # وأما الكميات المتصلة (3) فهي مقادير المتصلات ، أما الجسم الذي هو الكم ~~فهو (4) مقدار المتصل الذي هو الجسم بمعنى الصورة ، على ما عرفته في عدة ~~مواضع ، وأما الجسم بالمعنى الآخر الداخل في مقولة الجوهر فقد فرغنا منه (5). # وهذا المقدار قد بان أنه في مادة ، وأنه يزيد وينقص والجوهر باق ، فهو ~~عرض لا محالة ، ولكنه من الأعراض التي تتعلق بالمادة وبشيء (6) في المادة ، ~~لأن هذا المقدار لا يفارق المادة إلا بالتوهم ، ولا يفارق الصورة التي ~~للمادة ، لأنه مقدار (7) الشيء المتصل (8) الذي يقبل أبعاد (9) كذا ، وهذا ~~لا يمكن (10) أن يكون بلا هذا الشيء المتصل (11) كما أن الزمان لا يكون إلا ~~بالمتصل الذي هو المسافة وهذا المقدار هو كون المتصل بحيث يمسح بكذا كذا ~~مرة (12)، أو لا ينتهي (13) المسح إن توهم غير متناه توهما. وهذا مخالف ~~(14) لكون الشيء بحيث يقبل فرض الأبعاد المذكورة ، فإن ذلك لا يختلف فيه ~~جسم وجسم. وأما أنه (15) يمسح بكذا كذا (16) مرة ، أو أنه (17) لا يغني ~~مسحه (18) بكذا البتة ، فقد يختلف فيه جسم وجسم. PageV01P111 # فهذا المعنى هو كمية الجسم ، وذلك صورته. وهذه الكمية لا تفارق تلك ~~الصورة في الوهم البتة ، لكن (1) هي والصورة تفارقان المادة في الوهم. # وأما (2) السطح والخط فبالحري أن يكون له (3) اعتبار أنه نهاية ، واعتبار ~~أنه مقدار ، وأيضا للسطح اعتبار أنه يقبل فرض بعدين فيه على صفة الأبعاد ~~المذكورة ، أعني بعدين فقط يتقاطعان على زاوية قائمة ، وأيضا أنه يقدر ~~ويمسح ، ويكون أعظم وأصغر ، وأنه يفرض فيه أيضا أبعاد بحسب اختلاف الأشكال. # فلنتأمل هذه الأحوال فيه (4) فنقول : أما قبوله لفرض بعدين (5) فإنما ذلك ~~له لأنه نهاية الجسم الذي هو قابل لفرض الأبعاد (6) الثلاثة ، فإن كون ~~الشيء نهاية لقابل ms066 الثلاثة من حيث هو نهاية لمثل ذلك لا أنه (7) نهاية ~~مطلقا ، ومقتضاه أن يكون قابلا لفرض بعدين ، وليس هو بهذه الجهة مقدار ، بل ~~هو بهذه الجهة مضاف. وإن كان مضافا لا يكون إلا مقدارا ، وقد عرفت الفرق ~~بين المضاف مطلقا وبين المضاف الذي هو المقولة التي (8) لا تجوز ، على ما ~~بينا أن يكون مقدارا أو كيفا. وأما أنه مقدار فهو بالجهة الأخرى التي (9) ~~بها (10) يمكن أن يخالف غيره من السطوح في القدر والمساحة ولا يمكن أن ~~يخالفها بالمعنى الأول بوجه ، لكنه (11) من الجهتين جميعا عرض ، فإنه من ~~حيث هو نهاية عارض للمتناهي ، لأنه موجود فيه كجزء منه ولا يقوم دونه ، وقد ~~قلنا إنه ليس من شرط الموجود في شيء أن يطابق ذاته ، وأما أين قلنا هذا ففي ~~الطبيعيات ، فليتأمل هناك إن عرضت من هذه الجهة شبهة. PageV01P112 # وأيضا (1) من حيث هو مقدار هو عرض ، ولو كان كون السطح بحيث يفرض فيه ~~بعدان أمرا له (2) في نفسه لم تكن نسبة (3) المقدارية في السطح إلى ذلك ~~الأمر نسبة المقدارية إلى الصورة الجسمية ، بل تكون نسبة ذلك المعنى إلى ~~المقدارية في السطح (4) نسبة فصل إلى جنس ، والنسبة الأخرى نسبة عارض إلى ~~صورة. وأنت تعلم هذا بتأمل الأصول. # واعلم أن السطح لعرضيته ما يحدث (5) ويبطل في الجسم بالاتصال والانفصال ~~واختلاف الأشكال والتقاطيع (6)، وقد يكون سطح الجسم مسطحا ، فيبطل من حيث ~~هو مسطح ، فيحدث (7) مستدير. وقد علمت فيما سلف من الأقاويل أن السطح ~~الواحد بالحقيقة لا يكون موضوعا للكرية والتسطيح (8) في الوجود ، ولذلك (9) ~~ليس كما أن الجسم الواحد يكون موضوعا لاختلاف أبعاد بالفعل تترادف عليه ~~فكذلك السطح (10) إذا أزيل عن شكله (11) حتى تبطل أبعاده فلا يمكن ذلك إلا ~~بقطعه. وفي القطع إبطال (12) صورة السطح الواحدة (13) التي بالفعل ، وقد ~~علمت هذا من أقوال أخرى ، وعلمت (14) أن هذا لا يلزم في الهيولى حتى تكون ~~الهيولى للاتصال غيرها للانفصال ، وقد علمت أنه إذا ألفت (15) سطوح ووصل ~~بعضها ببعض تأليفا يبطل الحدود المشتركة كان الكائن سطحا آخر بالعدد ، لو ~~أعيد ms067 إلى تأليفه الأول لم يكن ذلك السطح الأول بالعدد بل آخر (16) مثله ~~بالعدد ، وذلك لأن المعدوم لا يعاد. PageV01P113 # وإذ قد عرفت صورة الحال في السطح فقد عرفت في الخط فاجعله قياسا عليه. ~~فقد تبين لك أن هذه أعراض (1) لا تفارق المادة وجودا ، وعرفت (2) أيضا أنها ~~لا تفارق الصورة التي هي في طباعها (3) مادية توهما أيضا. فقد بقي أن تعلم ~~(4) كيف ينبغي أن يفهم قولنا : إن السطح يفارق الجسم توهما ، وإن الخط (5) ~~يفارق السطح توهما (6). # فنقول : إن هذه المفارقة تفهم في هذا الموضع (7) على وجهين : أحدهما أن ~~نفرض (8) في الوهم سطح ولا جسم ، وخط ولا سطح ، والآخر أن يلتفت إلى السطح ~~ولا يلتفت إلى الجسم أصلا أنه معه أو ليس معه. وأنت تعرف (9) أن الفرق بين ~~الأمرين ظاهر ، فإنه فرق بين أن ينظر إلى الشيء وحده وإن كان معتقدا أنه مع ~~غيره لا يفارقه ، وبين أن ينظر إليه وحده مع شرط مفارقته (10) ما هو (11) ~~معه ، محكوما عليه بأنه كما التفت إليه وحده حتى يكون (12) هو في وهمك قائم ~~وحده. فهو مع ذلك يفرق (13) بينه وبين الشيء الآخر محكوما (14) بأن ذلك ~~الشيء ليس معه. # فمن ظن أن السطح والخط والنقطة قد يمكن أن يتوهم سطحا وخطا ونقطة مع فرض ~~أن لا جسم مع السطح ولا مع الخط ولا مع النقطة فقد ظن باطلا ، وذلك لأنه لا ~~يمكن أن يفرض السطح في الوهم مفردا (15) ليس نهاية لشيء إلا أن يتوهم مع ~~وضع خاص ويتوهم له جهتان توصلان الصائر إليه إيصالا يلقي جانبين غيرين ، ~~كما علمت. فيكون حينئذ ما توهم سطحا (16) غير سطح. PageV01P114 # فإن السطح هو نفس (1) الحد لا ذو الحدين ، وإن توهم السطح نفس النهاية ~~التي تلي جهة واحدة فقط من حيث هو كذلك أو نفس الجهة ، والحد (2) على أن لا ~~انفصال له من جهة أخرى كان ما هو نهايته متوهما معه بوجه ما ، وكذلك الحال ~~في الخط والنقطة. # والذي يقال إن النقطة ترسم بحركتها الخط فإنه أمر (3) يقال للتخيل (4)، ~~ولا إمكان وجود ms068 له (5)، لا لأن النقطة لا يمكن أن تفرض (6) لها مماسة ~~منتقلة ، فإنا قد بينا أن ذلك ممكن (7) فيها بوجه ، لكن المماسة لما (8) ~~كانت لا تثبت وكان (9) لا يبقى الشيء بعد المماسة إلا كما كان قبل المماسة ~~، فلا تكون هناك نقطة بقيت مبدأ خط بعد المماسة ولا يبقى (10) امتداد بينها ~~وبين أجزاء (11) المماسة ، لأن تلك النقطة إنما صارت نقطة واحدة (12) كما ~~علمت في الطبيعيات بالمماسة لا غير ، فإذا بطلت المماسة بالحركة فكيف تبقى ~~هي نقطة؟ وكذلك كيف يبقى ما هي مبدأ له رسما ثابتا؟ بل (13) إنما ذلك في ~~الوهم والتخيل (14) فقط. وأيضا فإن حركتها تكون لا محالة ، وهناك شيء موجود ~~تكون الحركة عليه أو فيه (15)، وذلك الشيء قابل لأن يتحرك فيه فهو جسم ~~(16) أو سطح أو بعد في سطح أو بعد (17) هو خط (18)، فتكون هذه الأشياء ~~موجودة قبل حركة النقطة ، فلا تكون حركة النقطة علة لأن توجد هي. PageV01P115 # فأما وجود المقدار الجسماني فظاهر ، وأما وجود السطح فلوجوب تناهي ~~المقدار الجسماني ، وأما وجود الخط فبسبب (1) جواز قطع السطوح وافتراض ~~الحدود لها. وأما الزاوية فقد ظن بها أنها كمية متصلة غير السطح والجسم ، ~~فينبغي أن ينظر في أمرها ، فنقول : إن المقدار جسما كان أو سطحا فقد يعرض ~~له أن يكون محاطا بين نهايات تلتقي عند نقطة واحدة ، فيكون من حيث هو بين ~~هذه النهايات شيئا ذا زاوية من غير أن ينظر إلى حال نهاياته من جهة فكأنه ~~مقدار أكثر من بعد ينتهي عند نقطة ، فإن شئت سميت نفس هذا المقدار من حيث ~~هو كذلك زاوية ، وإن شئت سميت الكيفية التي له (2) من حيث هو هكذا (3) ~~زاوية ، فيكون الأول كالمربع والثاني كالتربيع. فإن أوقعت الاسم على المعنى ~~الأول قلت : زاوية مساوية وناقصة وزائدة لنفسها ، لأن جوهرها مقدار ، وإن ~~أوقعت على المعنى الثاني قلت ذلك لها بسبب المقدار الذي هي (4) فيه كما ~~للتربيع ، ولأن (5) هذا الذي هو الزاوية بالمعنى الأول يمكن أن يفرض فيه ~~إما أبعاد ثلاثة أو بعدان ، فهو مقدار جسم أو سطح. # والذي ms069 يظنه من يقول : إنه إنما يكون سطحا إذا (6) تحرك الخط الفاعل إياه ~~في الوهم بكلتي نقطتيه حتى أحدثه ، حتى كان قد يحرك الطول عرضا بالحقيقة ~~فحدث عرض بعد الطول فكان طول وعرض ، بل لم يتحرك الخط (7) المحدث للزاوية ~~لا في الطول وحده كما هو ولا في العرض حتى يحدث سطح ، وإنما تحرك بأحد ~~رأسيه فحدثت الزاوية. فجعل الزاوية جنسا رابعا من المقادير. PageV01P116 # والسبب في هذا جهله بمعنى قولنا : إن للشيء (1) ثلاثة أبعاد أو بعدين حتى ~~يكون مجسما أو مسطحا. فإذ قد عرفت ذلك عرفت (2) أن هذا الذي قاله لا يلزم ، ~~ولا ينبغي أن يكون للعاقل إليه إصغاء ، وإنما هو شروع من ذلك الإنسان قيما ~~لا يعنيه. وهذا الغافل الحيران قد يذهب إلى أن السطح بالحقيقة هو المربع أو ~~المستطيل لا غير. وليس كلامه مما (3) يهم فضل شغل به. فقد عرفت وجود ~~الأقدار وأنها أعراض وأنها ليست مبادئ للأجسام ، إذ الغلط في ذلك إنما عرض ~~لما عرفت. # وأما الزمان فقد كان تحقق لك عرضيته وتعلقه بالحركة فيما سلف ، فبقي (4) ~~أن تعلم (5) أنه لا مقدار خارجا عن هذه المقادير ، فنقول : إن (6) الكم ~~المتصل لا يخلو إما أن يكون قارا حاصل الوجود بجميع أجزائه ، أو لا يكون ، ~~فإن لم يكن ، بل كان متجدد الوجود شيئا بعد شيء فهو (7) الزمان. # وإن كان قارا وهو المقدار (8)، فإما أن يكون أتم المقادير وهو الذي يمكن ~~فيه (9) فرض أبعاد ثلاثة ، إذ ليس يمكن أن يفرض فيه فوق ذلك ، وهذا هو ~~المقدار المجسم ، وإما أن يفرض فيه (10) بعدان فقط ، وإما أن يكون ذا بعد ~~واحد (11) فقط إذ كل متصل فله بعد ما بالفعل أو بالقوة (12)، ولما كان لا ~~أكثر من ثلاثة ولا أقل من واحد فالمقادير ثلاثة والكميات (13) المتصلة ~~لذاتها أربعة. وقد يقال لأشياء أخر أنها كميات متصلة وليست (14) كذلك. PageV01P117 # أما المكان فهو السطح ، وأما الثقل والخفة فإنها توجب بحركاتها (1) ~~مقادير في الأزمنة والأمكنة ، وليس لها (2) في نفسها (3) أن تجزأ بجزء ~~يعدها (4)، وأن تقابل بالمساواة والمفاوتة (5) بأن يفرض ms070 لها (6) حد ينطبق ~~على حد ما يجانسه ، حتى ينطبق (7) ما يليه منه على (8) ما يليه مما يجانسه ~~، فينطبق عليه الحد الآخر فيساوي أو يختلف فلا يساوي ، بل يفاوت ، فإنا ~~نعني بالمساواة والمفاوتة المعرفتين للمقدار هذا المعنى. وأما التجزئة التي ~~تعرض للخفة والثقل بأن يكون ثقل نصف ثقل فإن ذلك لأنه يتحرك (9) في الزمان ~~نصف المسافة ، أو في المسافة ضعف الزمان ، أو تحرك الأعظم إلى أسفل في آلة ~~(10) حركة يلزم معها أن يتحرك الأصغر إلى العلو أو أمرا مما يجري هذا ~~المجرى. # فهو كالحرارة التي تكون (11) ضعف الحرارة لأجل أنها تفعل في الضعف (12) ~~أو لأنها (13) في ضعف الجسم الحار (14) المتشابه (15) في الحرارة (16). ~~وكذلك حال الصغير والكبير والكثير والقليل فإن هذه (17) أعراض أيضا تلحق ~~الكميات من باب المضاف ، وأنت قد حصلت الكلام في جميع هذه في موضع آخر (18). # فالكمية بالجملة حدها (19) هي أنها (20) التي يمكن أن يوجد فيها شيء منها ~~يصح أن يكون واحدا عادا ، وبكون ذلك لذاته سواء كانت الصحة وجودية أو فرضية. PageV01P118 ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل * في تحقيق ماهية العدد ، وتحديد أنواعه ، وبيان أوائله # وبالحري أن نحقق (1) هاهنا طبيعة الأعداد ، وخاصياتها ، وكيف يجب أن ~~يتصور حالها ووجودها ، فقد انتقلنا عنها (2) إلى الكميات المتصلة مستعجلين ~~، لأن غرضنا كان يوجب ذلك. فنقول : إن العدد له وجود في الأشياء ، ووجود في ~~النفس. وليس قول من قال : إن العدد لا وجود له إلا في النفس بشيء يعتد به ، ~~أما إن قال : إن العدد لا وجود له مجردا عن المعدودات التي في الأعيان إلا ~~في النفس ، فهو حق. فإنا (3) قد بينا أن الواحد لا يتجرد عن الأعيان قائما ~~بنفسه إلا في الذهن ، فكذلك ما يترتب وجوده على وجود الواحد. وأما أن يكون ~~(4) في الموجودات أعداد فذلك أمر لا شك فيه إذا (5) كان في الموجودات وحدات ~~فوق واحدة ، وكل واحد من الأعداد (6) فإنه نوع بنفسه ، وهو واحد في نفسه من ~~حيث هو ذلك النوع ، وله من حيث هو ذلك النوع خواص. والشيء الذي لا حقيقة له ms071 ~~محال أن تكون له خاصية (7) الأولية أو التركيبية (8) أو التمامية أو ~~الزائدية (9) أو الناقصية أو المربعية أو المكعبية أو الصمم وسائر الأشكال ~~التي لها. PageV01P119 # فإذن (1) لكل واحد (2) من الأعداد حقيقة تخصه (3) وصورة يتصور منها في ~~النفس ، وتلك الحقيقة وحدته التي بها هو ما هو. وليس العدد كثرة لا تجتمع ~~في وحدة حتى يقال : إنه مجموع آحاد. فإنه من حيث هو مجموع هو واحد يحتمل ~~خواص ليست لغيره. وليس (4) (5) بعجيب (6) أن يكون الشيء واحدا من حيث له ~~صورة ما كالعشرية مثلا أو الثلاثية وله كثرة ، فمن حيث العشرية ما هو ~~بالخواص التي للعشرة (7)، وأما لكثرته فليس له فيها إلا الخواص التي ~~للكثرة المقابلة للوحدة ، ولذلك فإن (8) العشرة لا تنقسم في العشرية إلى ~~عشرتين لكل واحدة (9) منهما خواص العشرية. # وليس يجب أن يقال : إن العشرة ليس هي إلا (10) تسعة وواحد (11)، أو خمسة ~~وخمسة ، أو واحد وواحد وواحد (12) كذلك (13) حتى ننتهي إلى العشرة (14). ~~فإن قولك : العشرة تسعة وواحد (15)، قول حملت فيه التسعة على العشرة وعطفت ~~عليه الواحد ، فتكون كأنك (16) قلت : إن العشرة (17) أسود وحلو ، فيجب أن ~~تصدق عليه الصفتان المعطوفة إحداهما (18) على الأخرى ، فتكون (19) العشرة ~~تسعة وأيضا واحدا. فإن لم ترد بالعطف تعريفا ، بل عنيت ما يقال : إن ~~الإنسان حيوان وناطق ، أي حيوان ذلك الحيوان الذي هو ناطق (20). تكون كأنك ~~قلت : إن العشرة تسعة ، تلك التسعة التي هي واحد ، وهذا أيضا مستحيل. وإن عنيت PageV01P120 # أن العشرة تسعة مع واحد ، وكان مرادك أن العشرة هي التسعة التي تكون مع ~~واحد ، حتى إن كانت (1) التسعة وحدها لم تكن عشرة ، فإذا كانت مع الواحد ~~كانت تلك التسعة عشرة ، فقد أخطأت (2) أيضا. فإن التسعة إذا كانت وحدها أو ~~مع أي شيء كان معها فإنها تكون تسعة ولا تكون عشرة البتة. فإن لم تجعل « مع ~~» صفة للتسعة (3)، بل للموصوف بها ، فتكون كأنك قلت : إن العشرة تسعة ، ~~ومع كونها تسعة هي أيضا واحد ، فذلك أيضا خطأ (4)، بل هذا كله مجاز من ~~اللفظ مغلط ، بل العشرة مجموع التسعة والواحد إذا ms072 أخذا جميعا فصار منهما ~~شيء غيرهما. # وحد كل واحد من الأعداد إن أردت التحقيق هو أن يقال : إنه عدد من اجتماع ~~واحد وواحد وواحد (5)، وتذكر الآحاد كلها. وذلك لأنه (6) لا يخلو إما أن ~~يحد بالعدد من غير أن يشار إلى تركيبه مما ركب منه ، بل بخاصية (7) من ~~خواصه ، فذلك يكون رسم ذلك العدد لا حده من جوهره ، وإما أن يشار إلى ~~تركيبه مما ركب منه (8). فإن أشير إلى تركيبه من عددين دون الآخر مثلا أن ~~تجعل العشرة من تركيب خمسة (9) وخمسة لم يكن ذلك أولى من تركيب ستة مع ~~أربعة ، وليس تعلق هويته (10) بأحدهما أولى من الآخر. وهو (11) بما هو عشرة ~~ماهية (12) واحدة (13)، ومحال أن تكون ماهية واحدة ، وما يدل على ماهية ~~(14) من حيث هي واحدة حدود مختلفة. PageV01P121 # فإذا كان كذلك (1) فحده (2) ليس بهذا ولا بذاك (3)، بل بما قلنا. ويكون ~~(4) إذا كان ذلك (5) كذلك (6) وقد (7) كان له التركيب (8) من خمسة وخمسة ، ~~ومن ستة وأربعة ، ومن ثلاثة وسبعة ، لازما لذلك وتابعا ، فتكون هذه رسوما ~~له (9). على أن تحديدك بالخمسة يحوج (10) إلى تحديد الخمسة فينحل (11) ذلك ~~كله إلى الآحاد وحينئذ يكون مفهوم قولك : إن العشرة من (12) خمسة وخمسة ، ~~هو مفهوم قولك (13). من ثلاثة وسبعة ، وثمانية واثنين ، أعني إذا كنت تلحظ ~~تلك الآحاد. فأما إذا (14) لحظت (15) صورة الخمسة والخمسة (16)، والثلاثة ~~والسبعة ، كان كل (17) اعتبار غير الآخر. وليس للذات الواحدة حقائق مختلفة ~~المفهومات ، بل إنما تتكثر لوازمها وعوارضها (18)، ولهذا ما قال الفيلسوف ~~المقدم : لا تحسبن أن ستة ثلاثة وثلاثة ، بل هو ستة مرة واحدة. # ولكن (19) اعتبار العدد من حيث آحاده مما يصعب على التخيل وعلى العبارة ~~فيصار إلى الرسوم (20). # ومن (21) الواجب ، ومما يجب أن يبحث عنه من حال العدد (22) حال الاثنوة (23). # فقد قال بعضهم : إن الاثنوة (24) ليست من العدد ، وذلك لأن الاثنوة (25) ~~هي الزوج الأول ، والوحدة هي الفرد الأول ، وكما أن الوحدة التي هي الفرد ~~الأول ليس PageV01P122 # بعدد ، فكذلك الاثنوة (1) التي هي الزوج الأول ليس بعدد. وقال (2): ولأن ~~(3) العدد كثرة مركبة من الآحاد (4)، والآحاد ms073 (5) أقلها ثلاثة ، ولأن ~~الاثنوة (6) لا تخلو إن كانت (7) عددا إما أن تكون مركبة (8) أو لا تكون ~~(9)، فإن كانت مركبة فنعدها غير الواحد ، وإن كانت عددا أولا فلا يكون لها ~~نصف. وأما أصحاب الحقيقة فلا يشتغلون (10) بأمثال هذه الأشياء بوجه من ~~الوجوه ، فإنه (11) لم تكن الوحدة غير عدد لأجل أنها فرد أو زوج ، بل لأنها ~~(12) لا انفصال فيها إلى وحدات. # ولا إذا قالوا : مركبة من وحدات ، يعنون بها (13) ما يعنيه (14) النحويون ~~من لفظ الجمع وأن أقله ثلاثة بعد الاختلاف (15) فيه ، بل يعنون بذلك أكثر ~~وأزيد (16) من واحد (17). وقد جرت عادتهم بذلك ، ولا يبالون أن لا يوجد ~~زوج ليس بعدد ، وإن وجد فرد ليس (18) بعدد (19)، فما فرض عليهم أن يدأبوا ~~في طلب زوج ليس بعدد. وليسوا يشترطون في العدد الأول أن يكون لا نصف (20) ~~له مطلقا ، بل لا نصف له عددا من حيث هو أول ، وإنما يعنون بالأول أنه غير ~~مركب من عدد. # وإنما يعني بالعدد ما فيه (21) انفصال ويوجد فيه واحد ، فالاثنوة (22) ~~أول العدد ، وهو الغاية في القلة في العدد (23). وأما الكثرة في العدد فلا ~~تنتهي إلى حد ، وقلة الاثنوة (24) ليست (25) مما تقال بذاتها ، بل بالقياس ~~إلى العدد. PageV01P123 # وليس إذا لم تكن الاثنوة (1) أكثر (2) من شيء يجب من ذلك أن لا تكون ~~قلتها بالقياس إلى غيرها ، فليس يجب أن يكون ما يعرض له إضافة إلى شيء يلزم ~~أن تكون له إضافة أخرى إلى شيء آخر يقارن تلك الإضافة ، فإنه ليس يجب إذا ~~كان شيء من الأشياء تعرض له إضافتان إضافة قلة وإضافة كثرة معا حتى يكون ~~كما أنه قليل بالقياس إلى شيء فهو كثير بالقياس إلى شيء آخر فيلزم (3) من ~~ذلك أن تكون كل قلة تعرض لشيء (4) يعرض له معها الكثرة ، كما أنه ليس إذا ~~كان شيء هو مالكا ومملوكا (5) يجب أن لا يكون شيء مالكا وحده ، أو شيء هو ~~جنس ونوع يلزم أن لا يكون شيء هو جنس وحده ، فإنه ليس إنما صار القليل ~~قليلا لأجل أن له شيئا هو ms074 أيضا عنده كثير ، بل لأجل الشيء الذي ذلك الشيء ~~بالقياس إليه كثير (6). # فالاثنوة (7) هي (8) القلة الأقلة (9)، أما (10) قلة (11) فبالقياس إلى ~~كل عدد لأنها تنقص عن كل عدد ، وأما الأقلة (12) فلأنها (13) ليست بكثير ~~عند عدد ، وإذا (14) لم تقس الاثنوة (15) إلى شيء آخر لا تكون (16) قليلة. # والكثرة يفهم منها معنيان : أحدهما أن يكون الشيء فيه من الآحاد فوق واحد ~~، وهذا ليس بالقياس إلى شيء آخر (17) البتة ، والآخر أن يكون الشيء فيه ما ~~في شيء آخر وزيادة ، وهذا هو الذي بالقياس. PageV01P124 # وكذلك العظم والطول والعرض ، فالكثرة مطلقة تقابل الوحدة مقابلة الشيء مع ~~مبدئه (1) الذي يكيله ، والكثرة الأخرى تقابل القلة مقابلة المضاف ، ولا ~~تضاد بين الوحدة والكثرة بوجه من الوجوه ، وكيف والوحدة تقوم الكثرة ، ويجب ~~أن نحقق القول في هذا. PageV01P125 ### ||| * [ الفصل السادس ] ( و) فصل * في تقابل الواحد والكثير (1) # وبالحري أن نتأمل كيف تجري المقابلة بين الكثير والواحد ، فقد كان ~~التقابل عندنا على أصناف أربعة ، وقد تحقق ذلك. وسنحقق بعد أيضا أن صورة ~~التقابل توجب أن تكون أصنافه على هذه الجملة ، وكان من ذلك (2) تقابل ~~التضاد. وليس يمكن أن يكون التقابل بين الوحدة والكثرة (3) على هذه الجملة ~~(4)، وذلك أن الوحدة مقومة للكثرة ولا شيء من الأضداد يقوم ضده ، بل يبطله ~~وينفيه. # لكن (5) لقائل أن يقول : إن الوحدة والكثرة هذا شأنهما ، فإنه ليس يجب أن ~~يقال : إن الضد يبطل الضد كيف كان ، بل إن قال : إن الضد يبطل الضد بأن يحل ~~في (6) موضوعه ، فالوحدة أيضا من شأنها أن تبطل الكثرة بأن تحل (7) الموضوع ~~الذي للكثرة ، على ما جوزت أن يكون الموضوع تعرض له الوحدة والكثرة. # فنقول في جواب هذا الإنسان : إن الكثرة كما أنها إنما تحصل بالوحدة فكذلك ~~الكثرة إنما تبطل ببطلان وحداتها ، ولا تبطل الكثرة البتة لذاتها بطلانا ~~أوليا ، بل يعرض لوحداتها أولا أن (8) تبطل ، ثم يعرض لها أن تبطل معها (9) ~~لبطلان (10) وحداتها (11). فتكون الوحدة إذا أبطلت الكثرة فليس (12) ~~بالقصد الأول (13) تبطلها ، بل إنما تبطل أولا الوحدات التي للكثرة (14) عن ~~حالها بالفعل إلى أن PageV01P126 # تصير ms075 بالقوة ، فيلزم أن لا تكون الكثرة. فإذن الوحدة إنما تبطل أولا ~~الوحدة على أنها ليست تبطل الوحدة كما (1) تبطل الحرارة البرودة. فإن ~~الوحدة لا تضاد الوحدة ، بل على أن تلك الوحدات يعرض لها سبب مبطل (2) بأن ~~(3) تحدث عنه هذه الوحدة وذلك ببطلان (4) سطوح. # فإن كان لأجل هذه (5) المعاقبة التي على الموضوع يجب أن تكون الوحدة ضد ~~الكثرة ، فالأولى أن تكون الوحدة ضد الوحدة وعلى أن تكون الوحدة (6) ليست ~~تبطل الوحدة إبطال الحرارة للبرودة (7)، لأن الوحدة الطارئة إذا أبطلت ~~الوحدة الأولى أبطلتها عما ليس هو بعينه موضوع الوحدة الأخرى (8)، بل ~~الأحرى (9) أن يظن أنه جزء موضوعه. # وأما الكثرة فليست تبطل عن هذه الوحدة بطلانا أوليا ، بل ليس يكفي في شرط ~~المتضادين أن يكون الموضوع واحدا يتعاقبان فيه بل يجب أن تكون مع هذا ~~التعاقب الطبائع متنافية متباعدة (10)، ليس من شأن أحدهما أن يتقوم بالآخر ~~للخلاف الذاتي فيهما (11) وأن يكون تنافيهما (12) أوليا. # وأيضا (13) فلقائل أن يقول : إنه ليس موضوع الواحد والكثير (14) واحدا ، ~~فإن شرط المتضادين أن يكون للاثنين منهما (15) بالعدد موضوع واحد ، وليس ~~لوحدة بعينها وكثرة بعينها موضوع واحد بالعدد ، بل في موضوع واحد بالنوع. ~~وكيف يكون موضوع الوحدة والكثرة (16) واحدا بالعدد؟ PageV01P127 # ثم لا يخفى (1) عليك أن تعلم مما سلف لك حقيقة هذا وما فيه وعليه وله ، ~~فقد ظهر وبان أن التقابل الذي بين الواحد والكثير (2) ليس بتقابل التضاد. ~~فلننظر (3) هل التقابل بينهما تقابل الصورة والعدم؟ # فنقول : إنه يلزم أول ذلك أن يكون العدم منهما (4) عدم شيء من شأنه أن ~~يكون للموضوع أو لنوعه أو لجنسه ، على ما قد مضى لك من أمر العدم. ولك أن ~~تتمحل وجها (5) تجعل به الوحدة عدم الكثرة فيما من شأنه بنوعه أن يتكثر ، ~~وأن تتمحل وجها آخر تجعل به الكثرة عدم للوحدة في أشياء في طبيعتها أن ~~تتوحد. لكن الحق لا يجوز أن يكون شيئان كل واحد منهما عدم وملكة (6) ~~بالقياس إلى الآخر ، بل الملكة منهما هو المعقول بنفسه الثابت بذاته ، وأما ~~العدم فهو أن لا ms076 يكون ذلك الشيء الذي هو المعقول بنفسه الثابت بذاته (7) ~~فيما من شأنه أن يكون ، فيكون إنما يعقل ويحد بالملكة. # وأما القدماء فقوم جعلوا هذا التقابل من العدم والملكة ، وجعلوها هي ~~المضادة الأولى (8)، ورتبوا تحت الملكة والصورة : الخير (9) (10) والفرد ~~والواحد والنهاية واليمين والنور والساكن والمستقيم والمربع والعلم والذكر ~~، وفي (11) حيز العدم مقابلات هذه كالشر والزوج والكثرة واللانهاية واليسار ~~والظلمة والمتحرك والمنحني والمستطيل والظن والأنثى. # وأما نحن فقد يصعب علينا أن نجعل الملكة هي الوحدة ونجعل الكثرة هي ~~العدم. أما أولا ، فإنا هو ذا نحد الوحدة بعدم الانقسام أو عدم الجزء ~~بالفعل ، PageV01P128 # ونأخذ الانقسام والتجزؤ في حد الكثرة ، وقد ذكرنا ما في (1) هذا. وأما ~~ثانيا ، فإن (2) الوحدة موجودة في الكثرة مقومة لها ، وكيف تكون ماهية ~~الملكة موجودة في العدم حتى يكون العدم يتألف من ملكات تجتمع (3)؟ وكذلك ~~إن كانت الملكة هي الكثرة فكيف يكون تركيب الملكة من أعدامها؟ فليس يجوز أن ~~تجعل (4) المقابلة بينهما مقابلة العدم والملكة. # وإذ (5) لا يجوز هذا فليس (6) يجوز أن يقال : إن المقابلة ، بينهما هي ~~مقابلة التناقض ، لأن ما كان من (7) ذلك في الألفاظ فهو خارج عن موافقة هذا ~~الاعتبار ، وما كان منه في الأمور العامة فهو من جنس تقابل العدم والملكة ، ~~بل هو جنس هذا التقابل. فإن بإزاء الموجبة الثبوت ، وبإزاء السالبة العدم ، ~~ويعرض في ذلك من المحال ما يعرض فيما قلنا. فلننظر أنه : هل التقابل بينهما ~~تقابل المضاف؟ # فنقول : ليس يمكن أن يقال : إن بين الوحدة والكثرة في ذاتيهما تقابل ~~المضاف ، وذلك لأن الكثرة ليس إنما تعقل ماهيتها بالقياس إلى الوحدة حتى ~~تكون إنما (8) هي كثرة لأجل أن (9) هناك وحدة ، وإن كان إنما هي كثرة (10) ~~بسبب الوحدة. وقد علمت في كتب المنطق الفرق بين ما لا يكون إلا بشيء وبين ~~ما لا تقال ماهيته إلا بالقياس إلى شيء. بل إنما تحتاج الكثرة إلى أن يفهم ~~(11) لها أنها من الوحدة ، لأنها معلولة للوحدة في ذاتها ، ومعنى أنها ~~معلولة غير معنى أنها كثيرة (12)، والإضافة لها إنما هي من ms077 حيث هي معلولة ~~، والمعلولية لازمة (13) للكثرة PageV01P129 # لا نفس الكثرة (1) ثم لو كانت من المضاف لكان كما تقال ماهيتها بالقياس ~~إلى الوحدة لكان يقال (2) ماهية الوحدة من حيث هي وحدة بالقياس إلى الكثرة ~~على شرط انعكاس المضافين ، ولكانا متكافئين (3) في الوجود من حيث هذه وحدة ~~وتلك كثرة ، وليس الأمر كذلك. # فإذ (4) قد بان لك جميع هذا ، فبالحري أن تجزم أن لا تقابل بينهما في ~~ذاتيهما ولكن يلحقهما تقابل (5) وهو : أن الوحدة من حيث هي مكيال تقابل ~~الكثرة من حيث هي مكيل. وليس كون الشيء وحدة ، وكونه مكيالا ، شيئا واحدا ~~بل (6) بينهما فرق. والوحدة يعرض لها أن تكون مكيالا (7)، كما أنها يعرض ~~لها (8) أن تكون علة. ثم الأشياء يعرض لها بسبب الوحدة التي توجد لها أن ~~تكون مكاييل ، لكن واحد كل شيء (9) ومكياله هو من جنسه. فالواحد في الأطوال ~~(10) طول ، وفي العروض عرض ، وفي المجسمات مجسم ، وفي الأزمنة زمان ، وفي ~~الحركات حركة ، وفي الأوزان وزن ، وفي الألفاظ لفظ ، وفي الحروف حرف (11). # وقد يجتهد أن يجعل الواحد في كل شيء أصغر مما يمكن ليكون التفاوت فيه ~~(12) أقل ما يكون ، فبعض الأشياء يكون واحده (13) مفترضا بالطبع مثل : جوزة ~~وبطيخة ، وبعضهما (14) يفرض فيه واحد بالوضع (15). فما زاد على ذلك الواحد ~~أخذ أكثر من الواحد ، وما نقص منه لم يؤخذ واحدا (16)، بل يكون (17) ~~الواحد هذا المفروض بتمامه ، ويجعل هذا الواحد أيضا من أظهر الأشياء في ذلك الجنس PageV01P130 # فالواحد مثلا في الأطوال : شبر ، وفي العروض مثلا : شبر في شبر ، وفي ~~المجسمات (1): شبر في شبر في شبر (2)، وفي الحركات : حركة مقدرة (3) ~~معلومة ، ولا توجد حركة بهذه الصفة عامة للجميع إلا الحركات المتقدرة ~~بالطبيعة ، وخصوصا التي لا تختلف ، بل تمتد متفقة حتى تبقى (4) واحدة في كل ~~تقدير ، وخصوصا التي هي أقل مقدار حركة. # فالأقل (5) مقدار حركة هو الأقل زمانا ، وهذا هو الحركة الفلكية السريعة ~~جدا المضبوط قدرها ، لأن الدور لا يزاد عليه (6)، ولا ينقص المعلوم صغر ~~مقدارها بسرعة العود ليس مما ينتظر تجدده (7) إلى حين ، بل في كل يوم ms078 وليلة ~~تتم دورة قريبة إلى الموجود (8) والتجديد وإلى التجزئة أيضا بحركات ~~الساعات. فتكون حركة ساعة واحدة مثلا هي مكيال الحركات (9)، وكذلك زمانها ~~(10) مكيال الأزمنة ، وقد يفرض في الحركات حركة واحدة بحسب المسافات (11)، ~~إلا أن ذلك غير مستعمل وغير واقع موقع الفرض الأول. # وأما في الأثقال فنفرض (12) أيضا ثقل درهم ودينار واحد أيضا. وفي أبعاد ~~(13) الموسيقى إرخاء النغمة (14) التي هي ربع طنيني (15) أو ما يجري مجراها ~~من الأبعاد الصغار ومن الأصوات الحرف المصوت (16) (17) المقصور ، أو الحرف ~~الساكن ، أو مقطع مقصور (18). PageV01P131 # وليس يجب أن يكون كل واحد من هذه الأوضاع واقعا بالضرورة ، بل (1) يقع ~~بالفرض. ويمكن أن يفرض الواحد من كل باب ما هو أنقص وأزيد مما فرض ، ومع ~~هذا فليس يجب إذا كان في هذه الأشياء واحد منه (2) مفروض أن يكال به جميع ~~ما هو من ذلك الجنس ، فإنه يجوز أن يكون الآخر مباينا لكل (3) ما كيل به أولا. # فهاهنا خط مباين (4) لخط ، وسطح مباين لسطح ، وجسم مباين لجسم. وإذا كان ~~الخط والسطح والجسم تباين (5) جسما وسطحا وخطا ، فكذلك الحركة قد تباين ~~الحركة. وإذا كان كذلك فالزمان والثقل أيضا يباين الزمان والثقل أيضا ، ~~ويجوز أن يكون لهذا الذي يباين (6) ذلك مباين (7) غير ذلك ، وقد علمت جميع ~~هذا (8) في صناعة التعاليم. # وإذا كان كذلك فستكون (9) إذن الوحدات (10) التي تفرض لكل جنس من هذه ~~كثيرة وتكاد (11) أن لا تتناهى. وإذا كان هناك واحد يصلح لكيل (12) شيء ~~فستكون (13) أشياء تكاد أن لا تتناهى لأن تكال (14) به ، ولما كان المكيال ~~يعرف به المكيل ، عد (15) العلم والحس كالمكاييل للأشياء ، فإنها تعلم ~~بهما. فقال (16) بعضهم : إن الإنسان يكيل كل شيء ، لأن له (17) العلم والحس ~~، وبهما يدرك كل شيء. وبالحري أن كون العلم والحس مكيلين بالمعلوم والمحسوس ~~، وأن يكون ذلك أصلا له ، لكنه قد يقع أن يكال المكيال أيضا بالمكيل ، ~~فهكذا يجب أن يتصور الحال في مقابلة الوحدة والكثرة. PageV01P132 # وقد يشكل من حال الأعظم والأصغر أنهما كيف يتقابلان وكيف يقابلان ~~المساواة. فإن المساوي يقابل كل واحد منهما ، فإنه ms079 لا يجوز أن يكون المساوي ~~والأعظم إلا متخالفين ، وكذلك المساوي والأصغر ، أما الأعظم والأصغر فإنهما ~~إن تقابلا فمن (1) المضاف ، فكان هذا أعظم بالقياس إلى (2) ما هو أصغر ، ~~فليس المساوي مضايفا لأحدهما ، بل لما هو مساو له. ويظن أنه ليس يجب حيث ~~كان أعظم وأصغر أن يكون بينهما (3) مساو موجود. فإن هذا قد علمته في موضع آخر. # فإذا كان الأمر على هذا ، فبالحري أن يكون المساوي ليست مقابلته (4) ~~الأولى (5) للأعظم والأصغر (6)، بل لغير المساوي ، وهو عدمه ، مما (7) ~~شأنه أن تكون فيه المساواة. وليس (8) عدمه في النقطة والوحدة واللون والعقل ~~بأشياء (9) لا تقدير لها ، بل في أشياء لها تقدير وكمية. # فالمساوي إنما يقابل عدمه وهو اللامساواة ، لكن اللامساواة تلزم هذين ~~أعني الأعظم (10) والأصغر. كالجنس لست أعني أنه جنس ، بل أعني (11) أنه ~~يلزم كل واحد منهما ، فإن واحدا منهما هو عظيم (12) (13)، والعظيمية (14) ~~معنى وجودي يلزمه هذا العدم ، والآخر صغير ، والصغيرية (15) من تلك الحيثية كذلك. PageV01P133 ### ||| * [ الفصل السابع ] ( ز ) فصل * في أن الكيفيات أعراض # فنتكلم الآن في الكيفيات. أما الكيفيات المحسوسة والجسمانية (1) فلا يقع ~~شك في وجودها ، وقد تكلمنا أيضا في وجودها في مواضع أخر ، ونقضنا مشاغبات ~~من تمارى في ذلك. # لكنه إنما يقع الشك في أمرها ، أنها هل (2) هي أعراض أو ليست بأعراض. فإن ~~من الناس من يرى أن تلك جواهر تخالط الأجسام وتسري فيها ، فاللون بذاته ~~جوهر ، والحرارة كذلك ، وكل واحد من هذه الأخر ، فهي عنده بهذه المنزلة. ~~وليس يقنعه أن هذه الأشياء توجد تارة وتعدم تارة ، والشيء المشار إليه قائم ~~موجود. فإنهم يقولون : إنه (3) ليس يعدم ذلك ، بل يأخذ يفارق قليلا قليلا ، ~~مثل الماء الذي يبتل (4) به ثوب (5)، فإنه بعد ساعة لا يوجد هناك ماء ، ~~ويكون (6) الثوب موجودا بحاله ، ولا يصير الماء بذلك عرضا ، بل الماء جوهر ~~له أن يفارق (7) جوهرا آخر لاقاه فربما (8) فارق (9) مفارقة لا يحس فيها ~~بالأجزاء المفارقة منه ، لأنها فارقت وهي أصغر مما (10) يدركه الحس مفارقة ~~مفترقة ، ويقول بعضهم : إنها قد تكمن. فبالحري أن نبين أن ما يقولونه ms080 باطل ~~، فنقول : لا يخلو إن كانت هذه جواهر إما أن تكون جواهر هي أجسام ، أو تكون PageV01P134 # جواهر ليست بأجسام. فإن كانت هذه جواهر غير جسمانية فإما أن تكون بحيث ~~يمكن أن تؤلف منها أجسام (1)، وهذا محال ، إذ ما يتجزأ في أبعاد جسمانية ~~فليس بالممكن أن يؤلف منه (2) جسم ، وإما أن لا يمكن ، إنما يكون وجوده ~~بالمقارنة للأجسام والسريان فيها. فأول ذلك لأنه يكون لهذه الجواهر وضع ، ~~وكل جوهر ذي وضع فإنه منقسم ، وقد (3) بين ذلك (4). وثانيا ، أنه لا يخلو ~~إما أن يكون كل واحد من هذه الجواهر من شأنه أن يوجد مفارقا للجسم الذي ~~يكون فيه ، أو لا يكون ، فإن لم يكن (5) يوجد مفارقا ، وكان وجوده في ~~الأجسام على أنها موضوعات له (6)، إذ ليست (7) فيه كالأجزاء (8)، ولا هي ~~مفارقته (9)، والجسم الموصوف بها مستكمل الجوهرية بنفسه ، فليست إلا ~~أعراضا (10)، وإنما (11) لها اسم الجوهرية فقط. وإن كانت تفارق أجسامها ~~فإما أن تكون مفارقة تنتقل (12) بها من جسم إلى جسم من غير أن يصح لها قوام ~~مجرد ، أو تكون لها مفارقة قوام مجرد. فإن كانت إذا لم توجد في جسم وكانت ~~فيه (13)، فإنما يكون ذلك بأن ينتقل إلى الآخر ، فيجب من ذلك أن يكون كل ~~جسم فسد بياضه فقد انتقل بياضه إلى جسم يماسه ، أو بقي مجردا إلى أن يحصل ~~في جسم بعيد ، وهو غير مقارن (14) جسما في مدة قطع المسافة ، وليس الأمر ~~كذلك. وأما الكمون (15) فقد فرغنا منه وبينا استحالته ، فإنه يجب (16) من ~~ذلك أن يكون كل جسم يسخن جسما فإنه ينقل (17) إليه من حرارة نفسه ، فيبرد ~~(18) هذا الذي يسخن. PageV01P135 # ثم هذا النوع من الانتقال لا تبطل عرضيته ، إذ كثير من الناس جوز في ~~الأعراض أنفسها (1) هذا الانتقال ، أعني : الانتقال في إجراء الموضوع ، ~~والانتقال من موضوع إلى موضوع ، وإنما كان لا يكون عرضا لو صح قوامه لا في ~~موضوع. أما (2) القائم في الموضوع إذا نظر فيه أنه هل يصح له أن ينتقل إلى ~~موضوع آخر من غير أن يجرد عنهما ، فهذا الاعتبار ms081 ليس يصح (3) إلا بعد ~~القوام في الموضوع. ثم هذا لا يصح البتة ، لأنه لا يخلو إما أن يكون الذي ~~وجد في موضوع ما تتعلق ذاته الشخصية بذلك الموضوع الشخصي ، أو لا تتعلق ، ~~فإن كان تتعلق ذاته الشخصية (4) بذلك الموضوع الشخصي فمعلوم أنه لا يجوز أن ~~يبقى شخصه إلا في ذلك الموضوع الشخصي ، وإن كان إنما أوجده في ذلك الموضوع ~~سبب (5) من الأسباب وليس ذلك السبب مقوما له من حيث هو ذلك الشخص (6) (7)، ~~فقد يمكن أن يزال عنه ذلك السبب وسائر الأسباب حتى لا يحتاج في قوامه إلى ~~ذلك الموضوع. وزوال (8) ذلك السبب ليس يكون سبب احتياجه إلى موضوع آخر ، ~~لأن السبب في أن لا يحتاج شيء إلى موضوع آخر ، هو عدم السبب في أن كان ~~يحتاج ، وهو في ذاته ليس يحتاج. فزوال ذلك السبب ليس هو نفس وجود السبب ~~الآخر إلا أن يكون مستحيلا زوال ذلك السبب إلا لوجود (9) هذا السبب الآخر ~~لا غير (10). # فإذا عرض هذا السبب زال ذلك السبب ، فيكون (11) الشيء قد فارقته الحاجة ~~إلى الموضوع الأول واحتاج إلى الموضوع الآخر لأمرين : أما الأول ، فزوال (12) PageV01P136 # السبب الأول ، وأما الثاني ، فوجود (1) السبب الثاني. لكن (2) جملة هذه ~~الأسباب (3) تكون أمورا خارجة عن طباعه ليس يحتاج إليها في تحقيق (4) ذاته ~~موجودا ذلك اللون مثلا ، بل إنما يحتاج إليها في أن تتخصص بموضوع. فكونه ~~(5) لونا ، وكونه هذا اللون بعينه إن كان يغنيه عن الموضوع ، فليس يحوجه ~~إلى (6) أن يجعله محتاجا إلى الموضوع ، فإن الغنى بوجوده (7) عن الموضوع لا ~~يعرض (8) له ما يحوجه إلى الموضوع إلا بانقلاب عينه. وإن كان لا يغنيه ، بل ~~يعلقه بموضوع فيكون ذلك الموضوع متعينا له ، لأنه يقتضي (9) أمرا متعينا ~~(10) بعينه. فإن المتعين لا يقتضي أي شيء اتفق مما (11) لا نهاية له بالقوة ~~مما ليس بعضه يخالف الآخر في حكمه. فإن قيل : فكيف يقتضي الواحد المعين ~~(12)؟ فيقال : يقتضي الذي تعلق به صحة وجوده أولا فيتعين (13) له بذلك. ~~فهذا اللون من حيث هو هذا اللون إما (14) غني عن الموضوع ، وإما ms082 مقتصر (15) ~~على موضوع واحد. # وأما انقلاب العين فقد تلزمنا من (16) ذكره (17) عهدة (18) يجب أن نخرج ~~منها. فإن انقلاب العين (19) ليس يعني به أن يعدم هذا ويوجد ذلك (20) من ~~غير أن يدخل من الأول شيء في الثاني ، فإنه إن كان هكذا فيكون الأول قد عدم ~~والآخر قد حصل ، ولا يكون الأول هو الذي انتقل إلى الثاني. بل إنما نعني ~~بالانقلاب (21) أن الموصوف بالأول صار موصوفا بالثاني ، وذلك أنه يبقى من ~~الأول شيء في الثاني (22)، فيكون PageV01P137 # مركبا من مادة وشيء فيها. فإن كان هذا صفة اللونية مثلا في مسألتنا فيكون ~~(1) في اللونية شيء يبطل وشيء يبقى ، فيكون هذا (2) الذي بطل (3) هو الذي ~~صار به الشيء لونا ، بل هو اللونية وهو الصورة المادية أو العرض وكلامنا فيها. # ونرجع فنقول (4): وأما إن كان يجوز له أن يفارق هذه الجواهر ويقوم مثلا ~~بياضا أو شيئا آخر بذاته ، فلا يخلو إما أن يكون حينئذ إليه إشارة ويكون ~~البياض الذي من شأنه أن يدرك إلا أن يعجز عن إدراكه للقلة الفاحشة ، ويكون ~~على الجملة التي تعرف البياض عليها (5). فإن كان كذلك فيلزم أن يكون خلاء ~~موجودا حتى يكون فيه مشار إليه وليس في الأجسام ، ويلزم أن يكون له وضع ما ~~(6) وتقدير (7) ما ، فيكون له في ذاته مقدار يكون إلا القليل منه محسوسا ، ~~فإنا لا نتخيل (8) بياضا لا وضع له ولا مقدار ، فضلا عن أن نراه. وإذا (9) ~~كان له مقدار ووضع وزيادة هي (10) هيئة البياضية كان جسما أبيض لا مجرد ~~البياض ، فإنا نعني بالبياض هذه الهيئة الزائدة على المقدار والحجم ، وإن ~~كان لا يبقى على الجملة التي كان يعرف البياض عليها ، بل قد انتقل عن هذه ~~الصورة وصار شيئا آخر (11) روحانيا. فيكون البياض مثلا له موضوع يعرض له أن ~~تكون فيه البياضية التي على النحو المعروف ، ويعرض له أن يصير مرة أخرى ~~بصورة (12) أخرى روحانية فيكون أولا ما تعرفه بياضا قد فسد وزالت صورته. # وأما المفارق (13) العقلي فقد أشرنا فيما سلف إلى أنه لا يجوز أن ينتقل ~~مثل ms083 هذا الشيء مرة أخرى ذا (14) وضع ومخالطا للأجسام. PageV01P138 # وأما إن جعل جاعل البياض شيئا في نفسه ذا مقدار ، فيكون له وجودان : وجود ~~أنه بياض ، ووجود أنه مقدار (1). فإن كان مقداره بالعدد غير مقدار (2) ~~الجسم الذي هو فيه بالعدد (3)، فإذا كان (4) في الأجسام وساريا فيها فيكون ~~قد دخل بعد في بعد (5)، وإن كان هو نفس الجسم منحازا فيكون الأمر قد عاد ~~إلى أن الشيء الذي هو البياض جسم وله بياضيته. فتكون البياضية موجودة في ~~ذلك (6) الجسم إلا أنها لا تفارق ، ولا يكون البياض مجموع ذلك الجسم ~~والكيفية ، بل شيء في ذلك الجسم. إذ حد البياض وماهيته ليس (7) ماهية ~~الطويل العريض العميق ، بل تكون ماهية الطويل العريض العميق للحرارة (8) ~~أيضا على هذا الرأي ، فيكون البياض مقارنا لهذا الشيء ناعتا له. وهذا معنى ~~قولنا : الصفة في الموصوف ، وتكون مع ذلك لا تفارقه وليست (9) جزءا من ذلك ~~الشيء الذي هو الطويل العريض ، فيكون البياض والحرارة عرضا إلا أنه لازم. # فيبقى الكلام في أن من طبيعته أن يفارق أيضا ، فقد (10) تبين أن الكيفيات ~~التي هي المحسوسة أعراض ، وهذا مبدأ للطبيعيات. # وأما الاستعدادات (11) فأمرها أوضح (12)، وأما التي تتعلق بالنفس وذوات ~~الأنفس فقد تبين في الطبيعيات أنها أعراض تقوم في أجسام ، وذلك حين تكلمنا ~~في أحوال النفس. PageV01P139 ### ||| * [ الفصل الثامن ] ( ح ) فصل * في العلم وأنه عرض # وأما العلم فإن فيه شبهة ، وذلك لأن لقائل (1) أن يقول : إن العلم هو ~~المكتسب من صور الموجودات مجردة عن موادها ، وهي صور جواهر وأعراض. فإن ~~كانت صور الأعراض أعراضا ، فصور الجواهر كيف تكون أعراضا؟ فإن الجوهر لذاته ~~جوهر فماهيته (2) جوهر (3) لا تكون في موضوع البتة وماهيته (4) محفوظة سواء ~~نسبت إلى إدراك العقل لها (5) أو نسبت (6) إلى الوجود الخارجي. # فنقول : إن ماهية الجوهر جوهر (7) بمعنى أنه الموجود في الأعيان لا في ~~موضوع ، وهذه الصفة موجودة لماهية (8) الجواهر (9) المعقولة ، فإنها ماهية ~~شأنها أن تكون موجودة في الأعيان لا في موضوع ، أي أن هذه الماهية هي ~~معقولة عن أمر وجوده في الأعيان أن (10) يكون لا ms084 في موضوع. وأما وجوده في ~~العقل بهذه الصفة فليس ذلك في حده من حيث هو جوهر ، أي ليس حد الجوهر أنه ~~في العقل لا في موضوع ، بل حده أنه سواء كان في العقل أو لم يكن فإن (11) ~~وجوده في الأعيان ليس في موضوع. # فإن قيل : فالعقل أيضا من الأعيان ، قيل : يراد بالعين (12) التي إذا حصل ~~فيها الجوهر صدرت (13) عنه أفاعيله وأحكامه. والحركة كذلك ماهيتها أنها كمال PageV01P140 # ما بالقوة ، وليست في العقل حركة بهذه الصفة حتى يكون في العقل كمال ما ~~بالقوة من جهة كذا حتى تصير ماهيتها محركة (1) للعقل ، لأن معنى كون ~~ماهيتها على هذه الصورة هو أنها ماهية تكون في الأعيان كمالا لما (2) ~~بالقوة وإذا عقلت فإن هذه الماهية تكون أيضا بهذه الصفة ، فإنها في العقل ~~ماهية تكون في الأعيان كمال ما بالقوة (3)، ليس يختلف كونها في الأعيان ~~وكونها في العقل ، فإنه (4) في كليهما (5) على حكم واحد فإنه في كليهما ~~ماهية توجد في الأعيان كمالا لما بالقوة. # فلو كنا قلنا : إن الحركة (6) ماهية تكون كمالا لما (7) بالقوة في الأين ~~مثلا لكل شيء توجد فيه ، ثم وجدت في النفس لا كذلك ، لكانت الحقيقة تختلف. ~~وهذا كقول القائل : إن حجر المغناطيس حقيقته (8) أنه حجر يجذب الحديد ، ~~فإذا (9) وجد مقارنا لجسمية كف الإنسان ولم يجذبه ، ووجد (10) مقارنا ~~لجسمية (11) حديد ما فجذبه ، فلم يجب أن يقال : إنه مختلف بالحقيقة في الكف ~~وفي الحديد (12)، بل هو في كل واحد منهما بصفة واحدة وهو : أنه (13) حجر ~~من شأنه أن يجذب الحديد ، فإنه إذا كان في الكف أيضا كان بهذه الصورة (14) ~~، وإذا كان عند (15) الحديد أيضا كان بتلك (16) الصفة. فكذلك (17) حال ~~ماهيات الأشياء في العقل ، والحركة في العقل أيضا بهذه الصفة ، وليس إذا ~~كانت في العقل في موضوع (18) بطل أن تكون في العقل ليست (19) ماهية ما في ~~الأعيان ليست في موضوع. PageV01P141 # فإن قيل ، قد قلتم : إن الجوهر هو ما ماهيته (1) لا تكون في موضوع أصلا ، ~~وقد (2) صيرتم ماهية المعلومات في موضوع. فنقول ، قد قلنا : إنه لا ms085 يكون في ~~موضوع في الأعيان أصلا. فإن قيل : قد (3) جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة ~~تكون عرضا وتارة (4) جوهرا ، وقد منعتم هذا. فنقول : إنا منعنا أيضا أن ~~تكون ماهية شيء توجد في الأعيان مرة عرضا ومرة جوهرا حتى تكون في الأعيان ~~تحتاج إلى موضوع ما وفيها لا تحتاج إلى موضوع (5) البتة ، ولم نمنع أن يكون ~~معقول تلك الماهيات يصير عرضا ، أي تكون موجودة في النفس لا كجزء. # ولقائل أن يقول : فماهية العقل الفعال والجواهر المفارقة أيضا كذا يكون ~~حالها ، حتى يكون المعقول منها عرضا ، لكن المعقول منها لا يخالفها لأنها ~~لذاتها معقولة. فنقول : ليس الأمر كذلك ، فإن معنى قولنا : إنها لذاتها ~~معقولة هو أنها تعقل ذاتها ، وإن لم يعقلها غيرها ، وأنها أيضا (6) مجردة ~~عن المادة وعلائقها لذاتها لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. وأما إن قلنا ~~: إن هذا المعقول منها يكون من كل وجه (7) هي أو مثلها ، أو قلنا : إنه ليس ~~يحتاج في (8) وجود المعقول منها إلا (9) أن توجد ذاتها في النفس ، فقد ~~أحلنا. فإن ذاتها مفارقة ، ولا تصير نفسها صورة لنفس إنسان ، ولو صارت ~~لكانت تلك النفس قد حصلت فيها (10) صورة الكل وعلمت (11) كل شيء بالفعل ، ~~ولكانت (12) تصير كذلك لنفس واحدة ، وتبقى النفوس الأخرى ليس لها الشيء ~~الذي تعقله (13)، إذ (14) قد استبد بها (15) نفس ما. PageV01P142 # والذي يقال : إن شيئا واحدا بالعدد يكون صورة لمواد كثيرة لا بأن يؤثر ~~فيها ، بل بأن يكون هو بعينه منطبعا (1) في تلك المادة وفي أخرى وأخرى ، ~~فهو محال يعلم (2) بأدنى تأمل. وقد أشرنا إلى الحال في ذلك عند كلامنا في ~~النفس ، وسنخرج من بعد إلى خوض في إبانة ذلك. # فإذن (3) تلك الأشياء إنما تحصل في العقول البشرية معاني ماهياتها (4) لا ~~ذواتها ، ويكون حكمها حكم (5) سائر المعقولات من الجواهر إلا في شيء واحد ~~وهو أن تلك تحتاج إلى تفسيرات حتى يتجرد منها معنى يعقل (6)، وهذا لا ~~يحتاج إلى شيء غير أن يوجد المعنى كما هو فتنطبع به (7) النفس. # فهذا (8) الذي قلناه إنما هو نقض حجة المحتج ms086 ، وليس فيه إثبات ما تذهب ~~إليه ، فنقول : إن هذه المعقولات سنبين من أمرها بعد ، أن ما كان (9) من ~~الصور الطبيعية والتعليميات (10) فليس يجوز أن يقوم (11) مفارقا بذاته ، بل ~~يجب أن يكون في عقل أو نفس (12). وما كان من أشياء مفارقة ، فنفس وجود تلك ~~المفارقات مباينة لنا ، ليس هو علمنا لها (13)، بل يجب أن نتأثر (14) عنها ~~فيكون ما يتأثر عنها (15) هو علمنا بها ، وكذلك إن (16) كانت صورا مفارقة ~~وتعليميات (17) مفارقة فإنما يكون (18) علمنا بها ما يحصل لنا منها ، ولا ~~تكون (19) أنفسها (20) توجد لنا منتقلة (21) إلينا ، فقد بينا PageV01P143 # بطلان هذا في مواضع. بل الموجود منها لنا هي الآثار المحاكية (1) لها لا ~~محالة وهي علمنا. وذلك يكون إما (2) أن يحصل لنا (3) في أبداننا أو في (4) ~~نفوسنا. وقد بينا استحالة حصول ذلك في أبداننا (5)، فيبقى أنها تحصل في ~~نفوسنا (6). ولأنها آثار في النفس ، لا ذوات تلك الأشياء ، ولا أمثال لتلك ~~الأشياء قائمة لا في مواد بدنية أو نفسانية ، فيكون ما لا موضوع له يتكثر ~~نوعه بلا سبب يتعلق به بوجه ، فهي أعراض في النفس. PageV01P144 ### ||| * [ الفصل التاسع ] ( ط ) فصل * في الكيفيات (1) التي في الكميات (2) وإثباتها # هذا (3) الفصل يليق (4) بالطبيعيات ، وقد بقي جنس واحد من الكيفيات يحتاج ~~(5) إلى إثبات وجوده وإلى التنبيه (6) على كونه كيفية ، وهذه هي (7) ~~الكيفيات التي في الكميات. # أما (8) التي في العدد كالزوجية والفردية وغير ذلك ، فقد علم وجود بعضها ~~وأثبت وجود الباقي في صناعة الحساب. وأما أنها أعراض ، فلأنها متعلقة ~~بالعدد ، وخواص له ، والعدد من الكم ، والكم عرض (9). # وأما التي تعرض (10) للمقادير (11) فليس وجودها ببين (12)، فإن الدائرة ~~والخط المنحني والكرة والأسطوانة والمخروط ليس شيء منها ببين الوجود ، ولا ~~يمكن للمهندس (13) أن يبرهن على وجودها. لأن سائر الأشياء إنما تبين له ~~بوضع وجود الدائرة ، ولأن ذلك (14) المثلث يصح وجوده إن صحت الدائرة ، ~~وكذلك المربع ، وكذلك سائر الأشكال (15). PageV01P145 # وأما الكرة ، فإنما يصح وجودها على طريقة (1) المهندس (2) (3) إذا أدار ~~(4) دائرة في دائرة على نحو ما علمت والأسطوانة (5) إذا حركت دائرة حركة ~~يلزم فيها مركزها خطا ms087 مستقيما طرفه مركزها في أول الوضع لزوما على ~~الاستقامة. والمخروط إذا حركت (6) مثلثا قائم الزاوية على أحد ضلعي القائمة ~~حافظا بطرف ذلك الضلع مركز الدائرة ودائرا بالضلع الثاني على محيط الدائرة. ~~ثم الدائرة مما ينكر وجودها (7) من يرى تأليف الأجسام من أجزاء لا تتجزأ ، ~~فيجب أن يبين وجود الدائرة. وأما عرضيتها فتظهر (8) لنا لتعلقها بالمقادير ~~التي هي أعراض. # فنقول : أما على مذهب من يركب المقادير من أجزاء لا تتجزأ فقد يمكن (9) ~~أن يثبت عليه أيضا وجود الدائرة من أصوله ، ثم ينقض بوجود (10) الدائرة ~~جزءه الذي لا يتجزأ. وذلك لأنه إذا فرضت دائرة على النحو المحسوس ، وكانت ~~على ما يقولون غير دائرة في الحقيقة ، بل كان المحيط مضرسا. وكذلك إذا فرض ~~فيها جزء على على أنه المركز ، وإن لم يكن ذلك الجزء مركزا بالحقيقة ، فقد ~~يكون عندهم مركزا في الحس ، ويجعل المفروض مركزا في الحس طرف خط ، مؤلف من ~~أجزاء لا تتجزأ ، مستقيم ، فإن ذلك صحيح الوجود مع فرض ما لا يتجزأ. فإن ~~طوبق بطرفه الآخر جزء من الذي عند المحيط ، ثم أزيل وضعه ، وأخذ الجزء الذي ~~يلي الجزء الذي (11) من المحيط الذي اعتبرناه وطابقنا به الخط (12) أولا ~~فطوبق به رأس الخط المستقيم مطابقة مماسة أو موازاة (13) إلى جهة المركز. ~~فإن طابق المركز (14) PageV01P146 # فذلك (1) الغرض ، وإن زاد أو نقص فيمكن أن يتم ذلك بالأجزاء حتى لا يكون ~~هناك جزء يزيد ، لأنه إن زاد أزيل ، وإن نقص تمم وإن نقص بإزالته وزاد ~~بإلحاقه فهو منقسم لا محالة وقد فرض (2) غير منقسم. فإذا جعل كذلك بجزء جزء ~~(3) تمت الدائرة. # ثم إن (4) كان في سطحها تضريس أيضا من أجزاء ، فإن كانت موضوعة في فرج ~~أدخلت تلك الأجزاء الفرج ليسد بها الخلل (5) من السطح كلها ، وإن (6) كانت ~~لا تدخل الفرج فالفرج (7) أقل منها في القدر فهي إذن (8) منقسمة إذ الذي ~~يملأ الفرج أقل حجما منها ، وما هو كذلك ، فهو في نفسه منقسم وإن لم يمكن ~~فصله. وإن (9) لم تكن موضوعة في فرج أزيلت من (10) وجه ms088 السطح من غير حاجة إليها. # فإن قال قائل : إنه إذا طوبق بين الجزء المركزي وبين المحيطي مرة ، فليس ~~يمكن التطبيق لا بمماسة ولا بموازاة مع المركزي ، والذي يلي ذلك الجزء من ~~المحيط (11). فإنا نقول له : أرأيت لو أعدمت هذه الأجزاء كلها وبقي الذي ~~في المركز والمحيط؟ أهل (12) كان بينهما استقامة يمكن أن يطبق عليه هذا ~~الخط؟ فإن لم يجوزوا ذلك فقد (13) خرجوا عن البين بنفسه ، وأوقعوا أنفسهم ~~في شغل آخر وهو أنه يمكن أن تفرض مواضع مخصوصة فيها تتم هذه الاستقامة في ~~الخلاء الذي لهم ، حتى يكون بين جزءين في الخلاء استقامة ، وبين جزءين ~~آخرين لا يكون. وهذا شطط ممن (14) يتكلفه (15) ويجوز القول به ، فلا ضير ، ~~فإنما يبيع عقله بثمن بخس. فإن البديهة أيضا (16) تشهد أن بين كل جزءين ~~تتفق محاذاة لا محالة يملأها من الملإ أقصر الملإ (17)، أو أقصر بعد PageV01P147 # في الملإ. وإن قالوا : إن ذلك يكون ، ولكن (1) ما دامت هذه الأجزاء ~~موجودة فلا يكون بينهما (2) هذه المحاذاة ، ولا يجوز أن يوازي طرفيها (3) ~~طرفا (4) مستقيم (5)، فهذا أيضا (6) من ذلك. # فتكون كأن تلك الأجزاء إن وجدت تغير حكم المحاذاة عن حكمه لو كانت معدومة ~~، وجميع هذا (7) مما لا (8) يشكل على البديهة بطلانه ولا الوهم الذي هو ~~القانون في الأمور المحسوسة وما يتعلق بها ، كما علمت يتصوره (9). على أن ~~الأجزاء التي (10) لا تتجزأ لا تتألف (11) منها بالحقيقة لا دائرة ولا غير ~~دائرة ، وإنما هذا على قانون القائلين به (12). # وإذا (13) صحت دائرة (14) صحت الأشكال الهندسية فيبطل (15) الجزء ويعلم ~~(16) ذلك من أن كل خط (17) ينقسم بقسمين متساويين وأن (18) قطرا لا يشارك ~~ضلعا (19) وما أشبه ذلك ، فإن الخط (20) الفرد الأجزاء لا ينقسم بقسمين ~~متساويين (21) (22)، وكل خط مؤلف من أجزاء لا تتجزأ يشارك كل خط ، وهذا ~~خلاف ما يبرهن (23) عليه بعد وضع الدائرة ، وكذلك (24) أشياء أخرى غير هذا. # وأما إثبات الدائرة على أصل المذهب الحق فيجب أن نتكلم فيه ، وأما ~~الاستقامة ووجوب (25) محاذاة بين طرفي خط إذا لزمه المتحرك لم يكن حائدا ، ~~وإن (26) فارقة كان ms089 حائدا عادلا ، فذلك أمر لا يمكن دفعه. PageV01P148 # فنقول : قد تبين (1) في الطبيعيات من وجه وجود الدائرة ، وذلك لأنه تبين ~~(2) لنا أن جسما بسيطا (3)، وتبين (4) أن كل جسم بسيط فله شكل طبيعي ، ~~وتبين (5) أن شكله الطبيعي هو الذي لا يختلف البتة (6) في أجزائه ، ولا شيء ~~(7) من الأشكال الغير المستديرة كذلك (8). فقد صح وجود الكرة (9) وقطعها ~~بالمستقيم هو الدائرة فقد صح وجود الدائرة. # وأيضا يمكننا أن نصحح ذلك فنقول : من البين أنه إذا كان خط أو سطح على ~~وضع ما فليس من المستحيل أن يفرض لسطح (10) آخر أو خط آخر أن يكون وضعه ~~بحيث يلاقيه من أحد طرفيه على زاوية. ومن (11) البين أنه يمكننا أن ننقل ~~هذا الجسم أو هذا الخط نقلا كيف شئنا إلى أن يصير ملاقيا لذلك (12) الآخر ~~أو موضوعا في (13) موضعه (14)، كأنه يحاذيه بجميع امتداده ملاقيا له أو ~~موضوعا في موضعه أو موازيا. # ويمكن لجسم (15) واحد بعينه (16) أن يوضع على وضع ثم يوضع (17) على وضع ~~آخر يقاطعه والكلام في الجسمين والجسم (18) الواحد واحد. فإن كانت استقامة ~~ولم تكن استدارة لم (19) يمكن هذا البتة ، لأنه إذا كانت الحركة إلى ~~الانطباق على الاستقامة ذاهبة في الطول ثم راجعة أي الرجوعات كانت ، أو ~~ذاهبة في السمك راجعة كيف كانت ، أو ذاهبة عرضا من الجهتين أو كيف فرضت ، ~~فإنه إذا كان يحفظ النقطة التي تفرض على واسطة السطح أو الخط (20) في ~~تحركها (21) خطا مستقيما ، فإنه لا يلقى البتة ذلك الجسم ، بل يقاطعه كيف ~~كان. وأنت يمكنك أن تفرض PageV01P149 # كل واحد من هذه (1) الأقسام بالفعل وتعتبره (2)، بل يجب آخر الأمر أن ~~تتفق حركته على صفة أذكرها. إما أن يكون أحد الطرفين فيها من الخط أو السطح ~~أو الجسم لازما موضعه ، والآخر ينتقل ، وذلك على الدور ، أو كلاهما ينتقلان ~~، ولكن على صفة (3) أن يكون أحدهما أبطأ والآخر أسرع ، فيكون الطرفان أو ~~المتحرك وحده على كل حال يفعل قوس دائرة. وإذا صح وجود قوس دائرة صح أن ~~يضعف إلى (4) التمام ، وهذا على الأصول الصحيحة. وأما إن ms090 قال أحد بالتفكيك ~~(5)، فالطريقة الأولى تناقضه. # وأيضا لنفرض (6) جسما ثقيلا ونجعل أحد طرفيه أثقل من الآخر ، ونجعله ~~قائما على سطح مسطح مماسا له بطرفه الأخف حتى يقوم قائما عليه بحيلة (7)، ~~وأنت تعلم أن قيامه إذا عدل ميله إلى الجهات مما يستمر ، وأنه (8) إذا أميل ~~إلى جهة وزال (9) الداعم حتى سقط فتحدث دائرة لا محالة أو منحن. # أما كيف تكون ، فلنفرض نقطة في الرأس المماس للسطح ، وهي أيضا تلقى نقطة ~~من السطح ، فحينئذ لا يخلو إما أن تثبت النقطة في موضعها (10)، فتكون كل ~~نقطة نفرضها في رأس ذلك الجسم (11) قد (12) فعلت (13) دائرة ، وإما أن يكون ~~مع حركة هذا الطرف إلى أسفل يتحرك الطرف الآخر إلى فوق ، فيكون قد فعل كل ~~واحد من الطرفين دائرة ، ومركزها (14) النقطة المتحددة بين الجزء الصاعد ~~والجزء الهابط ، وإما أن تتحرك النقطة منجرة على طول السطح ، فيفعل الطرف الآخر PageV01P150 # قطعا أو خطا (1) منحنيا ، ولأن الميل إلى (2) المركز إنما هو على (3) ~~المحاذاة ، فمحال أن تنجر النقطة على السطح. لأن تلك الحركة إما أن تكون ~~بالقسر (4) أو بالطبع ، وليست بالطبع وليست بالقسر ، لأن ذلك القسر لا ~~يتصور إلا عن (5) الأجزاء التي هي أثقل ، وتلك ليست تدفعها إلى تلك الجهة ، ~~بل إن دفعتها على حفظ الاتصال دفعتها على خلاف حركتها ونقلتها (6) ليمكن ~~(7) أن تنزل هي ، كأن العالية (8) منها إذ (9) هي أثقل تطلب حركة أسرع ، ~~والمتوسطة أبطأ (10). وهناك اتصال يمنع ميلا من (11) أن ينعطف فيضطر ~~العالي إلى أن يشيل (12) السافل حتى ينحدر (13)، فيكون حينئذ الجسم منقسما ~~إلى جزءين (14): جزء يميل إلى العلو قسرا ، وجزء (15) يميل إلى السفل (16) ~~طبعا ، وبينهما حد هو (17) مركز للحركتين ، وقد خرج منه خط مستقيم ما فيفعل ~~الدائرة. # فبين أنه إن لزم عن انحدار الجسم زوال فهو إلى فوق ، وإن (18) لم يزل عنه ~~فوجود الدائرة أصح. فإذا (19) ثبتت (20) الدائرة ثبت المنحني ، لأنه إذا ~~ثبتت الدائرة (21) ثبتت المثلثات (22) والقائم الزاوية أيضا ، وثبت جواز ~~دور أحد ضلعي القائمة على الزاوية فصح مخروط (23)، فإن فصل مخروط بسطح ~~محارف (24) صح (25) قطع ، فصح ms091 (26) منحن. PageV01P151 ### ||| * [ الفصل العاشر ] ( ى ) فصل * في المضاف # وأما القول في المضاف ، وبيان أنه كيف يجب أن تتحقق ماهية المضاف ~~والإضافة وحدهما ، فالذي قدمناه (1) في المنطق كاف لمن فهمه. وأما أنه (2) ~~إذا فرض للإضافة وجود كان عرضا ، فذلك أمر لا شك فيه ، إذ (3) كان أمرا لا ~~يعقل بذاته (4)، إنما يعقل دائما لشيء إلى شيء ، فإنه لا إضافة إلا وهي ~~عارضة (5). # أول (6) عروضها للجوهر (7) مثل : الأب والابن ، أو للكم فمنه ما هو مختلف ~~في الطرفين ، ومنه ما هو متفق بالمختلف مثل : الضعف والنصف ، والمتفق مثل : ~~المساوي والمساوي والموازي والموازي والموازي والمطابق والمطابق والمماس ~~والمماس (8). # ومن المختلف ما اختلافه محدود ومحقق كالنصف والضعف ، ومنه ما هو غير محقق ~~إلا أنه مبني على محقق كالكثير الأضعاف (9) والكل والجزء ، ومنه ما ليس ~~بمحقق (10) بوجه مثل الزائد والناقص والبعض والجملة. وكذلك إذا وقع مضاف في ~~مضاف كالأزيد والأنقص فإن الأزيد إنما هو زائد (11) بالقياس إلى زائد (12) ~~أيضا مقيس إلى ناقص. PageV01P152 # ومن المضاف ما هو (1) في الكيف فمنه متفق كالمشابهة (2)، ومنه مختلف ~~كالسريع والبطيء في الحركة (3)، والثقيل والخفيف في الأوزان ، وإلحاد ~~والثقيل في الأصوات وكذلك قد تقع فيها (4) كلها إضافة في إضافة ، وفي الأين ~~كالأعلى والأسفل ، وفي المتى (5) كالمتقدم (6) والمتأخر ، وعلى هذه الصفات ~~(7)، وتكاد (8) تكون المضافات منحصرة (9) في أقسام المعادلة ، والتي ~~بالزيادة والنقصان (10)، والتي بالفعل والانفعال ومصدرها من القوة ، والتي ~~بالمحاكاة. # فأما التي بالزيادة فأما من الكم كما تعلم ، وإما في القوة مثل الغالب ~~والقاهر والمانع وغير ذلك. والتي بالفعل والانفعال كالأب والابن والقاطع ~~والمنقطع وما أشبه ذلك ، والتي بالمحاكاة فكالعلم (11) والمعلوم والحس ~~والمحسوس ، فإن بينهما محاكاة ، فإن العلم يحاكي هيئة المعلوم ، والحس ~~يحاكي هيئة المحسوس ، على أن هذا لا يضبط تقديره وتحديده. # لكن المضافات قد تنحصر من جهة ، فقد يكون المضافان شيئين لا يحتاجان إلى ~~شيء آخر من الأشياء التي لها استقرار في المضاف حتى تعرض لأجله لهما إضافة ~~، مثل المتيامن والمتياسر ، فليس في المتيامن كيفية أو أمر من الأمور مستقر ~~صار به مضافا بالتيامن إلا ms092 نفس التيامن (12). وربما (13) احتيج إلى أن ~~يكون في كل واحد من الأمرين شيء حتى يصير به منقاسا إلى الآخر ، مثل العاشق PageV01P153 # والمعشوق. فإن في العاشق هيئة إدراكية هي مبدأ الإضافة ، وفي المعشوق (1) ~~هيئة مدركة هي التي جعلته معشوقا لعاشقه (2). # وربما كان هذا الشيء في إحدى الجهتين دون الأخرى (3) مثل العالم ~~والمعلوم. فإن العالم قد حصل في ذاته كيفية هي العلم ، صار بها (4) مضافا ~~إلى الآخر (5). والمعلوم لم يحصل في ذاته شيء (6) آخر ، إنما صار مضافا ~~لأنه قد حصل في ذلك الآخر شيء هو العلم. # والذي بقي لنا هاهنا من أمر المضاف أن نعرف هل الإضافة معنى واحد بالعدد ~~وبالموضوع ، موجود بين شيئين وله (7) اعتباران كما ظنه بعض الناس ، بل ~~أكثرهم؟ أو لكل واحد من المضافين خاصية في إضافته (8)؟ فنقول : إن كل واحد ~~من المضافين فإن له معنى في نفسه بالقياس إلى الآخر ، ليس هو المعنى الذي ~~للآخر في نفسه بالقياس إليه. وهذا بين في الأمور المختلفة الإضافة كالأب ~~فإن إضافته للأبوة وهي وصف وجوده في الأب وحده ، ولكن إنما هو للأب بالقياس ~~إلى شيء آخر (9) في الأب ، وليس كونه بالقياس إلى الآخر (10) هو كونه في ~~الآخر (11)، فإن الأبوة ليست في الابن وإلا لكانت وصفا له يشتق له منه ~~الاسم ، بل الأبوة في الأب. وكذلك أيضا حال الابن بالقياس إلى الأب فليس ~~(12) هاهنا شيء واحد البتة هو (13) في كليهما ، فليس هاهنا إلا أبوة أو ~~بنوة. وأما حالة موضوعة للأبوة والبنوة فلسنا (14) نعرفها ولا لها اسم. PageV01P154 # فإن كان ذلك كون كل واحد (1) منهما بحال بالقياس إلى الآخر ، فهذا ككون ~~كل واحد من الققنس والثلج أبيض ، فإنه ليس يجب أن يكون شيئا واحدا ، وليس ~~كونه بالقياس إلى الآخر يجعله واحدا ، لأن ما لكل واحد بالقياس إلى الآخر ~~فهو لذلك الواحد لا للآخر ، لكنه بالقياس إلى الآخر. # فإذا (2) فهمت هذا فيما مثلناه لك (3)، فاعرف الحال في سائر المضافات ~~التي لا اختلاف فيها. وإنما يقع أكثر الإشكال في هذا الموضع ، فإنه لما كان ~~لأحد الأخوين ms093 (4) حالة بالقياس إلى الآخر ، وكان للآخر أيضا حالة بالقياس ~~إلى الأول ، وكانت الحالتان من نوع واحد حسبتا شخصا واحدا وليس كذلك. فإن ~~للأول أخوة الثاني أي له وصف أنه أخو الثاني ، ذلك (5) الوصف له ولكن ~~بالقياس إلى الثاني. وليس ذلك وصف (6) الثاني بالعدد ، بل بالنوع ، كما لو ~~كان الثاني أبيض والأول أبيض ، بل الثاني أيضا أنه أخو هذا الأول لأن له ~~حاله في ذاته مقولة (7) بالقياس إلى الأول. # وكذلك (8) المماسة في المتماسين ، فإن كل واحد منهما مماس لصاحبه بأن له ~~مماسته (9) التي لا تكون إلا بالقياس إلى الآخر إن (10) كان الآخر (11) ~~مثله. فلا تظنن البتة أن عرضا واحدا بالعدد (12) يكون في محلين حتى يحتاج ~~أن تعتذر من ذلك في جعلك (13) العرض اسما مشككا (14) كما فعله ضعفاء (15) ~~التمييز (16). PageV01P155 # لكن الأشد اهتماما من هذا ، معرفتنا هل الإضافة في نفسها موجودة في ~~الأعيان أو أمر إنما يتصور (1) في العقل (2)، ويكون ككثير (3) من الأحوال ~~التي تلزم الأشياء إذا عقلت بعد أن تحصل في العقل ، فإن الأشياء إذا عقلت ~~تحدث لها في العقل أمور لم يكن لها من خارج ، فتصير كلية وجزئية (4) وذاتية ~~وعرضية وتكون جنس وفصل وتكون محمول وموضوع وأشياء من هذا القبيل. # فقوم ذهبوا إلى أن حقيقة الإضافات أنما تحدث أيضا في النفس إذا عقلت ~~الأشياء. وقوم قالوا : بل الإضافة شيء موجود في الأعيان ، واحتجوا وقالوا ~~(5) نحن نعلم أن هذا في الوجود (6) أب (7) ذلك ، وأن ذلك في الوجود ابن هذا ~~(8)، عقل أو لم يعقل ، ونحن نعلم أن النبات يطلب الغذاء ، وأن الطلب مع ~~إضافة ما ، وليس للنبات عقل بوجه من الوجوه ولا إدراك ، ونحن نعلم أن ~~السماء في نفسها (9) فوق الأرض ، والأرض تحتها ، أدركت أو لم تدرك ، وليست ~~(10) الإضافة إلا أمثال (11) هذه الأشياء التي (12) أومأنا إليها وهي وتكون ~~للأشياء وإن لم تدرك. # وقالت الفرقة الثانية : إنه لو كانت الإضافة موجودة في الأشياء (13) لوجب ~~من ذلك أن لا تنتهي الإضافات ، فإنه كان يكون بين الأب والابن إضافة ، ~~وكانت تلك الإضافة موجودة لهما أو لأحدهما ms094 أو لكل واحد منهما. فمن حيث ~~الأبوة للأب وهي عارضة له ، والأب معروض لها (14)، فهي مضافة ، وكذلك ~~البنوة. فهاهنا إذن علاقة للأبوة (15) مع الأب والبنوة (16) مع الابن (17) ~~خارجة عن العلاقة التي بين الأب والابن فيجب أن تكون للإضافة إضافة أخرى ~~وأن تذهب إلى غير النهاية ، وأن تكون PageV01P156 # أيضا من الإضافات ما هي علاقة بين موجود ومعدوم ، كما نحن متقدمون ~~بالقياس إلى القرون التي تخلفنا وعالمون بالقيامة (1). # والذي تنحل به الشبهة من الطريقين (2) جميعا أن نرجع إلى حد المضاف ~~المطلق فنقول : إن المضاف هو الذي ماهيته أنما تقال (3) بالقياس إلى غيره ، ~~فكل شيء (4) في الأعيان يكون بحيث ماهيته أنما تقال (5) بالقياس إلى غيره ~~فذلك (6) الشيء (7) من المضاف. لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصفة ، ~~فالمضاف في الأعيان موجود ، فإن كان للمضاف ماهية أخرى فينبغي أن يجرد ما ~~له من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره (8) وغيره (9)، إنما هو معقول ~~بالقياس إلى غيره بسبب هذا المعنى ، وهذا المعنى ليس معقولا بالقياس إلى ~~غيره بسبب شيء غير نفسه ، بل هو مضاف لذاته على ما علمت. # فليس هناك ذات وشيء (10) هو الإضافة ، بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة أخرى ~~فتنتهي (11) من هذا الطريق الإضافات. # وأما كون هذا المعنى المضاف بذاته في هذا الموضوع ، فهو من حيث إنه في ~~هذا الموضوع ماهيته معقولة (12) بالقياس إلى هذا الموضوع ، وله وجود آخر ~~مثلا وهو (13): وجود الأبوة ، وذلك الوجود أيضا مضاف. ولكن (14) ليس ذلك ~~هذا ، فليكن هذا عارضا من المضاف (15) لزم المضاف ، وكل واحد منهما مضاف PageV01P157 # لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة أخرى. فالكون محمولا مضاف لذاته (1) ~~، والكون أبوة صارت (2) مضافة لذاته. فإن (3) نفس هذا الكون مضاف (4) بذاته ~~ليس يحتاج إلى إضافة أخرى يصير بها مضافا ، بل هو لذاته ماهية معقولة ~~بالقياس إلى الموضوع ، أي هو بحيث إذا عقلت ماهيته (5) كانت محتاجة إلى أن ~~يحضر في الذهن شيء (6) آخر يعقل هذا بالقياس (7) إليه. # بل إذا أخذ هذا مضافا في الأعيان فهو موجود مع شيء آخر لذاته لا ms095 لمعية ~~أخرى (8) تتبعه ، بل نفسه نفس المع أو المعية المخصصة بنوع تلك الإضافة. ~~فإذا (9) عقل احتيج إلى (10) أن يعقل مع إحضار شيء آخر ، كما كانت ماهية ~~الأبوة من حيث هي أبوة (11)، فذاتها مضافة بذاتها (12) لا بإضافة أخرى ~~رابطة ، وللعقل أن يخترع أمرا بينها كأنه معية خارجة منهما لا يضطر (13) ~~إليه نفس التصور (14)، بل اعتبار آخر من الاعتبارات (15) اللاحقة التي ~~يفعلها العقل. فإن العقل قد يقرن أشياء بأشياء لأنواع من الاعتبارات لا ~~للضرورة (16)، فأما في نفسها فهي إضافة ، لا بإضافة لأنها ماهية لذاتها ~~تعقل بالقياس إلى الغير (17). # وهاهنا (18) إضافات كثيرة تلحق بعض (19) الذوات لذاتها لا لإضافة أخرى ~~عارضة ، بل مثل ما يجري عليه الأمر من لحوق هذه الإضافة للإضافة (20) ~~الأبوية (21). وذلك (22) PageV01P158 # مثل لحوق الإضافة لهيئة العلم فإنها لا تكون لاحقة بإضافة أخرى في نفس ~~الأمور ، بل تلحقها لذاتها ، وإن كان العقل ربما اخترع هناك إضافة أخرى (1). # وإذ (2) قد (3) عرفت (4) هذا فقد عرفت أن المضاف في الوجود موجود بمعنى ~~أن له هذا الحد ، وهذا الحد (5) لا يوجب أن يكون المضاف في الوجود إلا عرضا ~~إذا عقل كان بالصفة المذكورة ، ولا يوجب أن يكون أمرا قائم الذات واحدا ~~واصلا بين الشيئين (6). # وأما القول بالقياس فإنما يحدث في العقل ، فيكون ذلك هو بالإضافة العقلية ~~والإضافة الوجودية ما بيناه ، وهو كونه بحيث إذا عقل كان معقول الماهية ~~بالقياس ، وأما كونه في العقل فأن (7) يكون عقل بالقياس إلى غيره ، فله في ~~الوجود حكم ، وله في العقل حكم ، من حيث هو في العقل لا من حيث الإضافة. ~~ويجوز في العقل إضافات مخترعة إنما يفعلها العقل بسبب الخاصية التي للعقل ~~(8) منها. # فالمضاف إذن موجود في الأعيان وبان أن وجوده لا يوجب أن يكون هناك إضافة ~~إلى إضافة (9) بغير نهاية (10). وليس يلزم من هذا أن يكون كل ما يعقل (11) ~~مضافا يكون له في الوجود إضافة. # وأما المتقدم والمتأخر في الزمان ، وأحدهما معدوم وما أشبه ذلك ، فإن ~~التقدم والتأخر متضايفان بين الوجود إذا (12) عقل ، وبين المعقول الذي ليس ~~مأخوذا عن ms096 الوجود الخاص (13)، فاعلمه (14). PageV01P159 # فإن (1) الشيء في نفسه ليس بمتقدم إلا بشيء (2) موجود معه ، وهذا النوع ~~من المتقدم والمتأخر موجود للطرفين (3) معا في الذهن ، فإنه إذا أحضرت (4) ~~في الذهن صورة المتقدم وصورة المتأخر عقلت النفس هذه المقايسة واقعة بين ~~موجودين (5) فيه ، إذ كانت هذه المقايسة بين موجودين في العقل. وأما قبل ~~ذلك فلا يكون الشيء في نفسه متقدما ، فكيف يتقدم على لا شيء موجود؟ فما كان ~~من المضافات على هذه السبيل فإنما تضايفها في العقل وحده ، وليس في الوجود ~~لها معنى قائم من حيث هذا التقدم والتأخر (6)، بل هذا التقدم والتأخر ~~بالحقيقة معنى (7) من المعاني العقلية ومن المناسبات (8) التي يفرضها العقل ~~(9) والاعتبارات التي تحصل للأشياء إذا قايس بينها العقل وأشار إليها (10). PageV01P160 ### || * المقالة الرابعة (1) # وفيها ثلاثة فصول (2) PageV01P161 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل * في المتقدم والمتأخر (1)، وفي الحدوث (2) # لما تكلمنا على الأمور التي تقع من الوجود والوحدة موقع الأنواع ، ~~فبالحري أن نتكلم في الأشياء التي تقع منهما (3) موقع الخواص والعوارض ~~اللازمة ، ونبدأ أولا بالتي تكون للوجود ومنها بالتقدم والتأخر. # فنقول : إن التقدم والتأخر وإن (4) كان مقولا على وجوه كثيرة فإنها تكاد ~~أن تجتمع على سبيل التشكيك في شيء (5)، وهو (6) أن يكون للمتقدم ، من حيث ~~هو متقدم ، شيء ليس للمتأخر ، ويكون لا شيء للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم. ~~والمشهور عند الجمهور هو المتقدم في المكان والزمان (7). وكان (8) التقدم ~~(9) والقبل في أشياء لها ترتيب ، فما (10) هو في المكان (11) فهو (12) الذي ~~(13) أقرب من ابتداء محدود ، فيكون له أن يلي ذلك المبدأ حيث ليس يلي ما هو ~~بعده ، والذي بعده يلي ذلك المبدأ وقد وليه هو. وفي الزمان كذلك أيضا ~~بالنسبة إلى الآن الحاضر أو آن يفرض مبدأ (14) وإن كان مبدأ مختلفا في ~~الماضي والمستقبل كما تعلم. # ثم نقل اسم القبل والبعد من ذلك إلى كل ما هو أقرب من مبدإ محدود. وقد ~~يكون هذا التقدم المرتبي (15) في أمور بالطبع ، كما أن الجسم قبل الحيوان PageV01P163 # بالقياس إلى الجوهر ووضع الجوهر مبدأ. ثم إن جعل المبدأ الشخص (1) اختلف ~~، وكذلك ms097 الأقرب من المحرك (2) الأول ، كالصبي يكون قبل الرجل. وقد يكون في ~~أمور لا من الطبع ، بل إما بصناعة كنغم الموسيقى ، فإنك إن أخذت من الحدة ~~كان المتقدم غير الذي يكون إذا أخذت من الثقل ، وإما يبحث واتفاق كيف كان. # ثم نقل إلى أشياء أخرى فجعل الفائق والفاضل والسابق أيضا ولو في غير ~~الفضل متقدما ، فجعل نفس المعنى كالمبدإ المحدود. فما كان له منه ما ليس ~~للآخر ، وأما الآخر فليس له إلا ما لذلك الأول (3) فإنه (4) جعل متقدما. ~~فإن السابق في (5) باب ما له ما ليس للثاني ، وما للثاني (6) منه فهو ~~للسابق وزيادة. ومن (7) هذا القبيل ما جعلوا المخدوم والرئيس قبل ، فإن ~~الاختيار يقع للرئيس وليس للمرءوس ، وإنما يقع للمرءوس حين وقع للرئيس ~~فيتحرك باختيار الرئيس. # ثم نقلوا ذلك إلى ما يكون هذا الاعتبار له بالقياس إلى الوجود ، فجعلوا ~~الشيء الذي يكون له الوجود أولا وإن لم يكن للثاني والثاني لا يكون له إلا ~~وقد كان للأول وجودا متقدما (8) على الآخر مثل : الواحد ، فإنه (9) ليس من ~~شرط الوجود للواحد أن تكون الكثرة موجودة ، ومن شرط الوجود للكثرة أن يكون ~~الواحد موجودا. وليس في هذا أن الواحد يفيد الوجود للكثرة أو لا يفيد ، بل ~~إنه (10) يحتاج إليه (11) حتى يفاد للكثرة وجود بالتركيب منه. # ثم نقل بعد ذلك إلى حصول الوجود من جهة أخرى ، فإنه إذا كان شيئان وليس ~~وجود أحدهما من الآخر ، بل وجوده له من نفسه أو من شيء ثالث ، PageV01P164 # لكن وجود (1) الثاني من هذا الأول ، فله من الأول وجوب الوجود الذي ليس ~~له لذاته من ذاته ، بل له من ذاته الإمكان على تجويز من أن يكون ذلك الأول ~~مهما وجد لزم وجوده أن يكون علة لوجوب وجود هذا الثاني ، فإن الأول يكون ~~متقدما بالوجود لهذا الثاني. ولذلك (2) لا يستنكر العقل البتة أن نقول : ~~لما حرك زيد يده تحرك المفتاح ، أو نقول : حرك زيد يده (3) ثم تحرك ~~المفتاح. ويستنكر أن نقول : لما تحرك المفتاح حرك زيد يده ، وإن كان يقول : ~~لما ms098 تحرك المفتاح علمنا أنه قد حرك زيد يده. فالعقل مع وجود الحركتين معا ~~في الزمان (4) يفرض لأحدهما تقدما وللآخر تأخرا إذ (5) كانت الحركة (6) ~~الأولى ليس (7) سبب وجودها الحركة الثانية ، والحركة الثانية سبب وجودها ~~الحركة الأولى. ولا يبعد أن يكون الشيء مهما وجد وجب ضرورة أن يكون علة ~~لشيء (8). وبالحقيقة (9) فإن الشيء لا يجوز أن يكون بحيث يصح أن يكون علة ~~للشيء (10) إلا ويكون معه الشيء. فإن كان من (11) شرط كونه علة نفس ذاته ، ~~فما دام ذاته موجودا يكون علة وسببا لوجود الثاني ، وإن لم يكن شرط كونه ~~علة نفس ذاته ، فذاته بذاته (12) ممكن (13) أن يكون عنه الشيء وممكن أن لا ~~يكون وليس أحد الطرفين (14) أولى من الآخر. # وكذلك (15) المتكون (16) هو كذلك ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون. فلا من ~~حيث هو ممكن أن يكون هو بموجود (17)، ولا من حيث ذلك ممكن أن يكونه (18)، ~~فذلك معط للوجود. وذلك لأن كون (19) الشيء عن الممكن أن يكونه ليس لذات أنه ~~ممكن أن يكونه ، PageV01P165 # فنفس كونه ممكنا ليس كافيا في أن يكون الشيء عنه. فإن كان نفس كونه ممكنا ~~أن يكونه (1)، وإن لم يكن كافيا ، فقد يكون معه (2) الشيء موجودا مرة ، ~~ومرة لا يكون ، ونسبته إلى الذي يكون والذي لا يكون (3)، في الحالتين ، ~~نسبة واحدة. وليس في الحالة التي تتميز فيها (4) أن يكون من أن لا يكون ~~تميز (5) أمر بسببه يوجد المعلول مع إمكان كونه (6) عن العلة تمييزا (7) ~~يخالف به حال لا وجود المعلول عن العلة مع إمكان كونه عن العلة (8). فتكون ~~نسبة كونه عن العلة إلى وجود الشيء عنه ولا وجوده عنه واحدة ، وما نسبته ~~إلى وجود الشيء عنه ونسبته إلى (9) لا وجوده عنه واحدة. فليس كونه علة أولى ~~من لا كونه علة ، بل العقل الصحيح يوجب أن يكون هناك حال يتميز (10) بها ~~وجوده (11) عنه عن لا وجوده. فإن كانت تلك الحال أيضا توجب هذا التمييز ، ~~فهذه الحال إذا حصلت للعلة ووجدت (12) تكون جملة الذات وما اقترن إليها هو ~~العلة ، وقبل ذلك ms099 فإن الذات كانت موضوع العلية. وكان (13) الشيء الذي يصح ~~أن يصير علة ولم يكن ذلك الوجود وجود العلة ، بل وجودا (14) إذا انضاف إليه ~~وجود آخر كان مجموعهما العلة ، وكان حينئذ يجب عنه المعلول سواء كان ذلك ~~الشيء إرادة أو شهوة أو غضبا أو طبعا حادثا أو غير ذلك ، أو أمرا خارجا ~~منتظرا (15) لوجود العلة. فإنه إذا صار بحيث يصلح أن يصدر عنه المعلول من ~~غير نقصان (16) شرط باق وجب وجود المعلول. PageV01P166 # فإذن وجود كل معلول واجب مع وجود علته ، ووجود علته واجب عنه (1) وجود ~~(2) المعلول. وهما معا في الزمان أو الدهر أو غير ذلك ، ولكن ليسا معا في ~~القياس إلى حصول الوجود (3). وذلك (4) لأن وجود ذلك لم يحصل من وجود هذا ~~(5)، فذلك له حصول وجود ليس من حصول وجود هذا ، ولهذا حصول وجود هو من ~~حصول وجود ذلك ، فذلك (6) أقدم بالقياس إلى حصول الوجود. # ولقائل أن يقول : إنه إذا كان كل واحد منهما إذا وجد وجد الآخر ، وإذا ~~(7) ارتفع ارتفع (8) الآخر ، فليس أحدهما علة والآخر معلولا ، إذ ليس ~~أحدهما أولى أن يكون علة في الوجود دون الآخر. # ونحن نجيب عن ذلك (9) دون أن ننظر فيما يتضمنه مفهوم هذه القضية ، وذلك ~~لأنه ليس إذا وجد كل واحد منهما فقد وجد الآخر بلا تفصيل واختلاف. وذلك لأن ~~معنى (10) « إذا » لا يخلو إما أن يعنى به أن وجود كل واحد منهما إذا حصل ~~(11) يجب عنه في الوجود نفسه أن يحصل الآخر ، أو أن وجود كل واحد منهما إذا ~~حصل يجب عنه في الوجود (12) (13) أن يكون قد حصل وجود الآخر ، أو أن وجود ~~كل (14) منهما إذا حصل في العقل يجب عنه (15) أن يحصل الآخر في العقل ، أو ~~أن (16) وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في العقل (17) أن يكون قد حصل ~~الآخر في الوجود أو حصل في العقل ، فإن لفظة « إذا » في مثل هذه المواضع ~~مشتركة مغلطة. PageV01P167 # فنقول : إن الأول كاذب غير مسلم ، فإن أحدهما هو الذي إذا حصل يجب عنه ~~حصول الآخر ms100 بعد إمكانه وهو العلة. وأما المعلول فليس حصوله يجب عنه حصول ~~العلة ، بل العلة تكون قد حصلت حتى حصل المعلول. # وأما القسم الثاني فلا يصدق في جانب العلة ، فإنه ليس إذا وجدت العلة وجب ~~في الوجود إن كان المعلول قد (1) حصل من تلقاء نفسه أو بغير (2) العلة ، ~~وذلك لأنه إن كان قد حصل فلم يجب في الوجود من حصول العلة إذا (3) وجدت ~~العلة وكانت تلك قد حصلت مستغنية الوجود ، إلا أن لا يعنى « بحصلت » ما ~~مضى. ولكن تغني (4) المقارنة (5) ولا تصدق (6) من (7) جانب المعلول من ~~وجهين : وذلك لأن العلة وإن كانت حاصلة الذات فليس ذلك واجب من حصول ~~المعلول. والوجه الثاني أن الشيء الذي قد حصل يستحيل أن يجب وجوده بحصول ~~شيء يفرض حاصلا إلا أن لا يعنى بلفظ « حصل » مفهومه. # وأما القسمان الآخران فالأول منهما صحيح ، فإنه يجوز أن يقال (8): إذا ~~(9) وجدت العلة في العقل وجب عند العقل أن يحصل المعلول (10) الذي (11) تلك ~~العلة (12) علته بالذات في العقل ، وأيضا إذا وجد (13) المعلول في (14) ~~العقل وجب أن يحصل أيضا وجود العلة في العقل. # وأما الثاني منهما وهو القسم الرابع فيصدق منه قولك : إنه إذا وجد ~~المعلول شهد العقل بأن العلة قد حصل لها وجود لا محالة مفروغ (15) عنه حتى ~~يحصل (16) PageV01P168 # المعلول ، وربما كانت في العقل بعد المعلول لا في الزمان فقط ، ولا يلزم ~~أن يصدق القسم الآخر من هذين القسمين الداخلين في الرابع لما قد عرفت. # وكذلك في جانب الرفع (1)، فإنه (2) إذا رفعنا العلة رفعنا (3) المعلول ~~بالحقيقة ، وإذا رفعنا المعلول لم نرفع العلة (4)، بل عرفنا أن العلة تكون ~~قد ارتفعت (5) في ذاتها أولا حتى أمكن رفع المعلول. فإنا (6) لما فرضنا ~~المعلول مرفوعا فقد فرضنا ما لا بد من فرضه معه بالقوة ، وهو أنه كان ممكنا ~~رفعه. وإذا (7) كان ممكنا رفعه فإنما أمكن بأن (8) رفع العلة أولا ، فرفع ~~العلة وإثباته سبب رفع المعلول وإثباته ، ورفع المعلول دليل رفع ذلك ، ~~وإثباته دليل إثباته. # فنرجع (9) إلى حيث فارقناه (10)، فنقول في حل الشبهة : إنه ms101 ليست المعية ~~هي التي (11) أوجبت لأحدهما العلية ، حتى يكون ليس أحدهما أولى بالعلية من ~~الآخر لأنهما في المعية (12) سواء ، بل إنما اختلفا لأن أحدهما فرضناه أنه ~~لم يجب وجوده بالآخر ، بل مع الآخر ، والثاني فرضناه أنه (13) كما أن (14) ~~وجوده مع وجود (15) الآخر فكذلك هو بالآخر. # فهكذا (16) يجب أن تتحقق هذه المسألة. ومما يشكل هاهنا أمر القوة والفعل ~~، وأنه أيهما (17) أقدم وأيهما أشد تأخرا ، فإن معرفة ذلك من المهمات في ~~أمر معرفة التقدم والتأخر ، وعلى أن القوة والفعل نفسه من عوارض الوجود ~~ولواحقه ، والأشياء التي يجب أن تعلم حيث تعلم أحوال الموجود (18) المطلق PageV01P169 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل * في (1) القوة والفعل والقدرة والعجز وإثبات المادة لكل متكون # إن (2) لفظة القوة (3) وما يرادفها قد (4) وضعت أول (5) شيء للمعنى ~~الموجود في الحيوان ، الذي يمكنه بها (6) أن تصدر عنه أفعال شاقة من باب ~~الحركات ليست بأكثرية الوجود عن الناس (7) في كميتها وكيفيتها ، ويسمى ضدها ~~(8) الضعف ، وكأنها (9) زيادة وشدة من المعنى الذي هو القدرة ، وهو أن يكون ~~الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل إذا شاء ، ولا يصدر عنه (10) إذا لم يشأ ، ~~التي (11) ضدها العجز (12). # ثم نقلت عنه فجعلت للمعنى الذي لا ينفعل له وبسببه (13) الشيء بسهولة ، ~~وذلك لأنه كان يعرض لمن يزاول الأفعال والتحريكات الشاقة أن ينفعل أيضا ~~منها ، وكان انفعاله والألم الذي يعرض له منه يصده عن إتمام فعله. فكان ~~(14) إن (15) انفعل (16) انفعالا محسوسا قيل له (17): ضعف وليست (18) له ~~قوة ، وإن لم ينفعل قيل : إن له قوة. فكان أن « لا ينفعل » (19) دليلا (20) ~~على المعنى الذي سميناه أولا قوة. # ثم جعلوه (21) اسم هذا المعنى حتى صار كونه بحيث لا ينفعل إلا يسيرا يسمى ~~قوة (22)، وإن لم يفعل شيئا (23). ثم جعلوا الشيء الذي لا ينفعل البتة ~~أولى بهذا PageV01P170 # الاسم ، فسموا حالته من حيث هو كذلك قوة. ثم صيروا القدرة نفسها (1) وهي ~~الحال (2) التي للحيوان ، وبها يكون أن يفعل ، وأن لا يفعل ، بحسب المشيئة ~~، وعدم المشيئة ، وزوال العوائق قوة ، إذ هو مبدأ الفعل. # ثم إن الفلاسفة نقلوا اسم القوة ms102 ، فأطلقوا لفظ (3) القوة على كل حال تكون ~~في شيء هو مبدأ تغير يكون منه في آخر من حيث ذلك آخر (4)، وإن لم يكن هناك ~~إرادة ، حتى سموا الحرارة قوة لأنها مبدأ التغير من آخر في آخر بأنه آخر. ~~حتى إن الطبيب (5) إذا حرك نفسه أو عالج نفسه وكان مبدأ التغير منه فيه ، ~~فليس ذلك فيه من حيث هو قابل للعلاج أو الحركة ، بل من حيث هو آخر ، بل ~~كأنه شيئان : شيء له قوة أن يفعل ، وشيء له قوة أن ينفعل ، ويشبه أن يكون ~~الأمران منه مفترقين في جزءين. فيكون (6) مثلا المحرك في نفسه ، والمتحرك ~~في بدنه ، وهو المحرك بصورته والمتحرك في مادته (7). فهو من حيث يقبل ~~العلاج غير لذاته من حيث يعالج. # ثم بعد ذلك لما وجدوا الشيء الذي له قوة بالمعنى المشهور قدرة كانت أو ~~شدة قوة ليس من شرط تلك القوة (8) أن يكون بها فاعلا بالفعل ، بل له من حيث ~~القوة إمكان « أن يفعل » وإمكان أن « لا يفعل » نقلوا اسم القوة إلى ~~الإمكان. فسموا الشيء الذي وجوده في حد الإمكان موجودا بالقوة ، وسموا ~~إمكان قبول الشيء وانفعاله قوة انفعالية (9)، ثم سموا تمام (10) هذه القوة ~~فعلا وإن لم يكن فعلا ، بل انفعالا ، مثل تحرك أو تشكل أو غير ذلك. فإنه لما PageV01P171 # كان هناك (1) المبدأ الذي يسمى قوة ، وكان الأصل الأول (2) في المسمى ~~بهذا الاسم أنما هو على ما هو بالحقيقة فعل ، سموا هذا الذي قياسه إلى ما ~~سموه الآن قوة ، كقياس الفعل إلى المسمى قديما قوة باسم الفعل ، ويعنون ~~بالفعل حصول الوجود. وإن كان ذلك الأمر انفعالا ، أو شيئا ليس هو فعلا ولا ~~انفعالا ، فهذه هي القوة الانفعالية ، وربما قالوا قوة لجودة هذه وشدتها. # والمهندسون لما وجدوا بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلع مربع (3)، وبعضها ~~ليس ممكنا له أن يكون ضلع ذلك (4) المربع ، جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط ~~كأنه أمر ممكن فيه (5). وخصوصا إذ (6) تخيل بعضهم (7) أن حدوث هذا المربع ~~هو بحركة ذلك الضلع على مثل (8) نفسه. ms103 # وإذ قد عرفت القوة ، فقد عرفت القوى ، وعرفت أن غير (9) القوى إما الضعيف ~~وإما العاجز وإما السهل الانفعال وإما الضروري ، وإما أن لا يكون المقدار ~~الخطي ضلعا لمقدار سطحي مفروض. # وقد يشكل من هذه الجملة أمر القوة التي بمعنى القدرة ، فإنها يظن أنها لا ~~تكون موجودة إلا لما (10) من شأنه أن يفعل ، ومن شأنه أن لا يفعل. فإن كان ~~لما من شأنه أن يفعل (11) فقط فلا يرون أن له قدرة (12)، وهذا ليس بصادق. ~~فإنه إن كان هذا الشيء الذي يفعل فقط يفعل من غير أن يشأ ويريد ، فذلك ليس ~~له (13) قدرة ولا قوة بهذا المعنى ، وإن كان يفعل بإرادة واختيار (14) إلا ~~أنه دائم الإرادة PageV01P172 # ولا يتغير (1)، وإرادته (2) وجودا اتفاقيا أو يستحيل تغيرها استحالة ~~ذاتية ، فإنه يفعل بقدرة. وذلك لأن حد القدرة التي يؤثرون هؤلاء أن يحدوها ~~به (3) موجود هاهنا ، وذلك لأن هذا يصح عنه أنه يفعل إذا شاء وأن لا يفعل ~~إذا لم يشأ ، وكلا هذين شرطيان (4)، أي إنه إذا شاء فعل ، وإذا لم يشأ لم ~~يفعل. وإنما هما (5) داخلان في تحديد القدرة على ما هما شرطيان ، وليس من ~~صدق الشرطي أن يكون هناك استثناء بوجه من الوجوه ، أو صدق حملي ، فإنه ليس ~~(6) إذا صدق قولنا : إذا لم يشأ لم يفعل ، يلزم أن يصدق : لكنه لم يشأ وقتا ~~ما ، وإذا (7) كذب : أنه لم يشأ (8) البتة ، يوجب ذلك كذب قولنا : وإذا (9) ~~لم يشأ لم يفعل. فإن هذا يقتضي أنه لو كان لا يشاء لما كان يفعل ، كما أنه ~~إذا يشاء (10) فيفعل. وإذا (11) صح أنه إذا شاء فعل ، صح أنه إذا فعل فقد ~~شاء أي إذا فعل فعل من حيث هو قادر. فيصح أنه إذا لم يشأ لم يفعل ، وإذا لم ~~يفعل لم يشأ ، وليس (12) في هذا أنه يلزم (13) أن لا يشأ وقتا ما. وهذا بين ~~لمن عرف المنطق (14). # وهذه القوى التي هي مبادئ (15) للحركات (16) والأفعال ، بعضها قوى تقارن ~~المنطق والتخيل (17)، وبعضها قوى لا تقارن ذلك. والتي (18) تقارن (19) ~~النطق (20) والتخيل تجانس النطق ms104 (21) والتخيل (22)، فإنه يكاد أن يعلم ~~بقوة واحدة الإنسان واللاإنسان ، ويكون لقوة واحدة أن تتوهم أمر (23) اللذة ~~والألم ، وأن تتوهم بالجملة الشيء (24) وضده. PageV01P173 # وكذلك هذه (1) القوى أنفسها أو حادها (2) تكون قوة على الشيء وعلى ضده ، ~~لكنها بالحقيقة لا تكون قوة تامة أي مبدأ تغير من أمر (3) آخر في آخر بأنه ~~آخر بالتمام وبالفعل إلا إذا (4) اقترن بها الإرادة (5) منبعثة عن اعتقاد ~~وهمي تابع لتخيل شهواني أو غضبي ، أو عن رأي عقلي تابع لفكرة عقلية أو تصور ~~صورة عقلية. فتكون إذا اقترن بها تلك الإرادة ولم تكن إرادة مميلة (6) بعد ~~، بل إرادة جازمة (7)، وهي التي هي الإجماع (8) الموجب لتحريك الأعضاء ، ~~صارت لا محالة مبدأ للفعل (9) بالوجوب ، إذ قد بينا أن العلة ما لم تصر علة ~~بالوجوب حتى يجب عنها الشيء لم يوجد عنها المعلول ، وقبل هذه الحال فإنما ~~تكون الإرادة ضعيفة لم يقع إجماع. فهذه القوى المقارنة للنطق بانفرادها لا ~~يجب من حضور منفعلها ووقوعه منها بالنسبة التي إذا فعلت (10) فيه فعلا (11) ~~، فعلت بها أن يكون يفعل بها وهي بعد قوة (12). # وبالجملة لا يلزم من ملاقاتها للقوة المنفعلة أن تفعل ذلك ، وذلك لأنه لو ~~كان يجب عنها وحدها أن تفعل لكان يجب من ذلك أن يصدر عنها الفعلان ~~المتضادان والمتوسطات بينهما ، وهذا محال ، بل إذا صارت كما قلنا فإنها ~~تفعل بالضرورة. # وأما القوى التي في غير ذوات النطق والتخيل فإنها إذا لاقت القوة ~~المنفعلة وجب هناك الفعل ، إذ ليس هناك إرادة واختيار تنتظر ، فإن انتظر ~~هناك فيكون طبع ينتظر. فإذا (13) كان يحتاج إلى طبع فذلك الطبع هو إما ~~المبدأ (14) للأمر (15)، PageV01P174 # وإما جزء من المبدإ. والمبدأ مجموع ما كان قبل وما حصل ويكون (1) حينئذ ~~نظيرا للإرادة (2) المنتظرة (3). لكن (4) الإرادة تفارق هذا من حيث تعلم ، ~~والقوة الانفعالية أيضا التي يجب إذا لاقت الفاعل أن يحدث الانفعال في هذه ~~الأشياء هي القوة الانفعالية التامة ، فإن القوة الانفعالية قد تكون تامة ~~وقد تكون ناقصة ، لأنها قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة. فإن في المني قوة أن ms105 ~~يصير (5) رجلا ، وفي الصبي أيضا قوة أن يصير رجلا ، لكن القوة التي في ~~المني تحتاج (6) إلى (7) أن تلقاها أيضا قوة محركة قبل المحرك (8) إلى ~~الرجلية ، لأنها تحتاج أن تخرج إلى الفعل شيئا ما غير الرجل ، ثم بعد ذلك ~~يتهيأ أن تخرج إلى الفعل رجلا ، وبالحقيقة فإن القوة الانفعالية الحقيقية ~~هي هذا. وأما المني فبالحقيقة ليست (9) فيه بعد قوة انفعالية (10)، فإنه ~~يستحيل أن يكون المني وهو مني ينفعل رجلا ، لكنه لما كان في قوته أن يصير ~~شيئا من قبل غير المني ثم ينتقل بعد ذلك إلى شيء آخر ، كان هو بالقوة أيضا ~~ذلك الشيء ، بل المادة الأولى هي بالقوة كل شيء. فبعض ما يحصل فيما يعوقها ~~عن بعض ، فيحتاج المعوق عنه إلى زواله ، وبعض ما فيه لا يعوق عن بعض آخر ~~ولكنه (11) يحتاج إلى قرينة (12) أخرى حتى (13) يتم الاستعداد ، وهذه القوة ~~(14) هي قوة بعيدة. # وأما القوة (15) القريبة فهي التي لا تحتاج إلى أن تقارنها قوة فاعلية ~~قبل القوة الفاعلية التي تنفعل عنها ، فإن الشجرة ليست بالقوة مفتاحا لأنها ~~تحتاج إلى أن PageV01P175 # تلقاها أولا قوة فاعلية قبل (1) القوة الفاعلية (2) للمفتاحية وهي (3) ~~القوة القالعة (4) والناشرة والناحتة ، ثم بعد ذلك تتهيأ (5) لأن تنفعل (6) ~~من ملاقاة القوة الفاعلية للمفتاحية (7). # والقوى بعضها يحصل بالطباع وبعضها يحصل بالعادة وبعضها يحصل بالصناعة ~~وبعضها يحصل بالاتفاق. والفرق بين الذي يحصل بالصناعة والذي يحصل بالعادة ~~أن الذي يحصل بالصناعة هو الذي (8) يقصد فيه استعمال مواد وآلات وحركات (9) ~~فتكتسب النفس بذلك ملكة كأنها صورة تلك الصناعة ، وأما الذي (10) بالعادة ~~فهو (11) ما يحصل من أفاعيل ليست مقصورة فيها ذلك فقط (12)، بل إنما تصدر ~~عن شهوة أو غضب أو رأي أو يتوجه فيها (13) القصد إلى غير هذه (14) الغاية. ~~ثم قد تتبعها غاية هي العادة ، ولم (15) تقصد ، ولا تكون العادة نفس ثبوت ~~تلك الأفاعيل في النفس ، وربما لم يكن للعادة (16) آلات ومواد معينة ، فإنه ~~لا سواء (17) أن يعتاد إنسان (18) المشي وأن يعتاد التجارة من الجهة التي ~~قلنا وبينهما تفاوت شديد. ومع ذلك فإنك (19) إذا ms106 دققت (20) النظر عاد حصول ~~العادة والصناعة إلى جهة واحدة. # والقوى التي تكون بالطبع منها ما يكون في الأجسام الغير الحيوانية ومنها ~~ما يكون في الأجسام الحيوانية وقد قال بعض الأوائل (21)، وغاريقو (22) ~~منهم : إن القوة تكون مع الفعل ولا تتقدمه ، وقال بهذا (23) أيضا (24) قوم ~~من الواردين بعده PageV01P176 # بحين كثير. فالقائل بهذا القول كأنه يقول : إن القاعد ليس يقوي على ~~القيام أي لا يمكن في جبلته أن يقوم ما لم يقم ، فكيف (1) يقوم؟ وأن الخشب ~~ليس في جبلته أن ينحت منه باب ، فكيف ينحت؟. # وهذا القائل لا محالة غير قوي على أن يرى وعلى أن يبصر في اليوم الواحد ~~مرارا ، فيكون بالحقيقة أعمى ، بل كل ما ليس موجودا ولا قوة على أن يوجد ~~فإنه مستحيل الوجود. والشيء (2) الذي هو ممكن أن يكون فهو ممكن أن لا يكون. ~~وإلا كان واجبا أن يكون ، والممكن أن يكون لا يخلو إما أن يكون ممكنا أن ~~يكون شيئا آخر ، وأن لا يكون ، وهذا هو الموضوع للشيء الذي من شأنه أن تحله ~~صورته. وإما أن يكون كذلك باعتبار نفسه ، كالبياض إذا (3) كان يمكن (4) أن ~~يكون ويمكن أن لا يكون في نفسه ، فهذا لا يخلو إما أن يكون شيئا إذا وجد ~~كان قائما بنفسه ، حتى يكون إمكان وجوده هو أنه يمكن أن يكون قائما مجردا ~~أو يكون إذا كان موجودا وجد في غيره. # فإن كان الممكن ، بمعنى أنه يمكن أن يكون شيئا في غيره ، فإن إمكان وجوده ~~أيضا في ذلك الغير. فيجب أن يكون ذلك الغير موجودا مع إمكان وجوده وهو ~~موضوعه. وإن كان إذا كان قائما بنفسه لا في غيره ولا من غيره بوجه من ~~الوجوه ، ولا علاقة له مع مادة من المواد علاقة ما يقوم فيها أو يحتاج في ~~أمر ما (5) إليها ، فيكون إمكان وجوده (6) سابقا عليه غير متعلق بمادة دون ~~مادة ولا جوهر دون جوهر. إذ ذلك الشيء لا علاقة له مع شيء ، فيكون إمكان ~~وجوده جوهرا لأنه شيء موجود بذاته. وبالجملة إن لم يكن ms107 إمكان وجوده حاصلا ~~كان غير ممكن الوجود ممتنعا ، وإذ هو حاصل موجود قائم بذاته كما فرض PageV01P177 # فهو موجود جوهرا ، وإذ هو جوهر فله ماهية ليس لها (1) من المضاف إذ (2) ~~كان الجوهر ليس بمضاف الذات ، بل يعرض له المضاف فيكون لهذا القائم بذاته ~~وجود أكثر من إمكان وجوده الذي هو به مضاف. وكلامنا في نفس إمكان وجوده ، ~~وعليه حكمنا أنه ليس في موضوع ، والآن فقد صار أيضا في موضوع ، هذا خلف. # فإذن لا يجوز أن يكون لما يبقى قائما بنفسه لا في موضوع ولا من موضوع ~~بوجه من الوجوه وجود بعد ما لم يكن ، بل يجب أن يكون له علاقة ما مع ~~الموضوع حتى يكون. وأما إذا كان الشيء الذي يوجد قائما بنفسه لكنه يوجد من ~~شيء غيره أو مع وجود شيء غيره ، أما الأول فكالجسم من هيولى (3) وصورة ، ~~وأما الثاني فكالأنفس الناطقة مع تكون الأبدان ، فإن إمكان وجوده يكون ~~متعلقا (4) بذلك الشيء لا على أن ذلك الشيء بالقوة هو كون الجسم أبيض ~~بالقوة ولا أن فيه قوة أن يوجد هو (5) منطبعا فيه كون إمكان البياض في ~~الموضوع الذي ينطبع فيه البياض ، بل على أن يوجد معه أو عند حال له. # فالجسم الذي يحدث (6) كنار حادثة إنما إمكان وجوده هو أن يحدث من المادة ~~والصورة ، فيكون لإمكان وجوده محل بوجه ما وهو مادته (7)، فيكون الشيء ~~الذي يحدث منه أولا وهو الصورة يحدث في المادة ويحدث (8) الجسم لاجتماعهما ~~من المادة بوجه ومن الصورة بوجه. وأما النفس فإنها لا تحدث أيضا إلا بوجود ~~(9) موضوع بدني. وحينئذ يكون إمكان وجوده في ذلك قائما به لاختصاص تلك ~~المادة به ، فإن النفس إنما يمكن وجودها بعد ما لم تكن ، PageV01P178 # وهو إمكان حدوثها عند وجود أجسام على نحو من الامتزاج تصلح أن تكون آلة ~~لها ويتميز بها استحقاق حدوثها من الأوائل من لا استحقاقه عنها. فإذا كان ~~فيها إمكان هذا الامتزاج فهو إمكان لوجود النفس. # وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر من ms108 جسم آخر فإنه ~~يفعل بقوة ما فيه ، أما الذي بالإرادة والاختيار فلأن ذلك (1) ظاهر. وأما ~~الذي ليس بالإرادة واختيار فلأن (2) ذلك الفعل إما أن يصدر عن ذاته أو يصدر ~~عن شيء مباين له جسماني أو عن شيء مباين له غير جسماني. فإن صدر عن ذاته ~~وذاته تشارك الأجسام (3) الأخرى في الجسمية وتخالفها في صدور هذا الفعل عنه ~~، وهذا هو الذي يسمى قوة ، وإن كان ذلك عن (4) جسم آخر فيكون هذا الفعل عن ~~هذا الجسم يقسر أو عرض ، وقد فرض لا بقسر من (5) جسم آخر ولا عرض. وإن كان ~~عن شيء (6) مفارق فلا يخلو إما أن يكون اختصاص هذا الجسم بهذا التوسط (7) ~~عن ذلك المفارق هو بما (8) هو جسم ، أو لقوة فيه ، أو لقوة (9) (10) في ذلك ~~المفارق. فإن كان بما هو جسم ، فكل جسم يشاركه فيه ، لكن ليس يشاركه فيه. ~~وإن كان لقوة فيه فتلك القوة (11) مبدأ صدور ذلك الفعل عنه ، وأيضا (12) إن ~~(13) كان (14) قد يفيض من المفارق وبمعاونته (15)، أو لكونه المبدأ الأول فيه. PageV01P179 # وأما إن كان لقوة (1) في ذلك المفارق فإما أن تكون نفس تلك القوة توجب ~~ذلك (2)، أو اختصاص إرادة. فإن كان نفس القوة توجب ذلك فلا يخلو (3) أن ~~يكون إيجاب ذلك عن (4) هذا الجسم بعينه لأحد الأمور المذكورة ، ويرجع (5) ~~الكلام من رأس (6). وإما أن يكون على سبيل الإرادة (7)، فلا يخلو إما أن ~~تكون تلك الإرادة ميزت هذا الجسم بخاصية يختص بها من سائر الأجسام ، أو ~~جزافا وكيف (8) اتفق. فإن كان جزافا كيف اتفق لم يستمر على هذا النظام ~~الأبدي والأكثري ، فإن الأمور الاتفاقية هي التي ليست دائمة ولا أكثرية (9) ~~، لكن الأمور الطبيعية دائمة وأكثرية فليست باتفاقية. # فبقي أن يكون بخاصية يختص بها من سائر الأجسام ، وتكون تلك الخاصية مرادا ~~منها صدور ذلك الفعل ، ثم لا يخلو إما أن يراد ذلك لأن تلك الخاصية توجب ~~ذلك الفعل ، أو تكون منه (10) في الأكثر ، أو لا توجب ولا تكون منه في ~~الأكثر. فإن كان يوجب (11) فهو مبدأ ذلك. وإن كان في ms109 الأكثر ، والذي في ~~الأكثر كما علمت في الطبيعيات هو بعينه الذي يوجب لكن له عائق لأن اختصاصه ~~بأن يكون (12) الأمر أكثر يكون بميل من طبيعته إلى جهة ما يكون منه ، فإن ~~لم يكن فيكون لعائق ، فيكون الأكثري أيضا في نفسه موجبا إن لم يكن عائق ، ~~ويكون (13) الموجب هو الذي يسلم (14) له الأمر بلا (15) عائق وإن كانت تلك ~~الخاصية لا توجبه ولا تكون منه في الأكثر ، فكونه عنه وعن غيره واحد ، ~~فاختصاصه به جزاف ، وقيل إنه (16) ليس بجزاف. PageV01P180 # وكذلك (1) إن قيل : إن كونه (2) صاحب تلك الخاصية (3) أولى ، فمعناه أن ~~صدوره (4) عنها (5) أوفق. فهو إذن موجب (6) له (7) أو ميسر (8) لوجوبه ، ~~والميسر إما علة (9) بالذات وإما بالعرض ، فإذا (10) لم تكن علة أخرى ~~بالذات غيره فليس هو بالعرض ، لأن الذي (11) بالعرض هو على أحد النحوين ~~المذكورين ، فبقي (12) أن تلك الخاصية بنفسها موجبة. فالخاصية (13) الموجبة ~~تسمى قوة ، وهذه القوة عنها (14) تصدر الأفاعيل الجسمانية وإن كان (15) ~~بمعونة من مبدإ أبعد. # ولنؤكد (16) بيان أن لكل حادث مبدأ ماديا ، فنقول (17) بالجملة : إن كل ~~حادث بعد ما لم يكن فله لا محالة مادة ، لأن كل كائن يحتاج (18) إلى أن ~~يكون قبل كونه ممكن الوجود في نفسه ، فإنه إن (19) كان ممتنع الوجود في ~~نفسه لم يكن البتة. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه ، بل الفاعل ~~لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكنا. ألا ترى أنا نقول : إن المحال ~~لا قدرة عليه ، ولكن القدرة هي على ما يمكن أن يكون فلو كان إمكان كون ~~الشيء هو نفس القدرة عليه ، كان هذا القول كأنا نقول (20): إن القدرة أنما ~~(21) تكون على ما عليه (22) القدرة ، وكأنا نقول : إن المحال ليس عليه قدرة ~~لأنه ليس عليه قدرة ، وما كنا نعرف أن هذا الشيء مقدور عليه أو غير مقدور ~~عليه بنظرنا في نفس الشيء ، بل بنظرنا في حال قدرة القادر هل (23) عليه ~~قدرة أم لا. فإن أشكل علينا أنه مقدور عليه أو غير (24) مقدور PageV01P181 # عليه لم يمكننا أن نعرف ذلك البتة ms110 ، لأنا إن عرفنا ذلك من جهة أن الشيء ~~محال أو ممكن وكان معنى المحال هو أنه غير مقدور عليه ومعنى الممكن أنه ~~مقدور عليه ، كنا عرفنا المجهول بالمجهول. فبين واضح أن معنى كون الشيء ~~ممكنا في نفسه هو غير معنى كونه مقدورا عليه وإن كانا بالموضوع واحدا ، ~~وكونه مقدورا عليه لازم لكونه (1) ممكنا في نفسه ، وكونه ممكنا في نفسه هو ~~(2) باعتبار ذاته وكونه مقدورا عليه هو (3) باعتبار إضافته إلى موجده. # وإذ (4) قد (5) تقرر هذا ، فإنا نقول : إن كل حادث فإنه قبل حدوثه إما أن ~~يكون في نفسه (6) ممكنا أن يوجد أو محالا (7) أن يوجد. والمحال (8) أن يوجد ~~لا يوجد (9). والممكن أن يوجد قد سبقه إمكان وجوده ، وأنه (10) ممكن ~~الوجود ، فلا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى معدوما أو معنى موجودا ، ~~ومحال أن يكون معنى معدوما وإلا فلم يسبقه إمكان وجوده ، فهو إذن معنى ~~موجود. وكل معنى موجود فإما قائم في موضوع أو قائم لا في موضوع ، وكل ما هو ~~قائم لا في موضوع فله (11) وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا. وإمكان ~~الوجود أنما هو بالإضافة إلى ما هو إمكان وجود له ، فليس إمكان الوجود ~~جوهرا لا في موضوع ، فهو إذن معنى في (12) موضوع وعارض لموضوع. # ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ، ونسمي حامل قوة الوجود الذي فيه قوة ~~وجود الشيء موضوعا وهيولى ومادة وغير ذلك بحسب اعتبارات مختلفة ، فإذن كل ~~حادث فقد تقدمته المادة. فنقول : إن هذه الفصول التي أوردناها PageV01P182 # توهم أن القوة على الإطلاق قبل الفعل ومتقدمة عليه لا في الزمان وحده ، ~~وهذا شيء قد مال إليه عامة من القدماء ، فبعضهم جعل للهيولى (1) وجودا قبل ~~الصورة ، وأن الفاعل ألبسها الصورة بعد ذلك إما ابتداء من نفسه وإما لداع ~~دعاه إليه ، كما ظنه بعض الشارعين فيما لا يعنيه ولا له درجة الخوض في مثله. # فقال : إن شيئا كالنفس وقع له فلتة (2) أن اشتغل بتدبير الهيولى وتصويرها ~~فلم يحسن التدبير ولا كمل (3) لحسن (4) التصوير ، فتداركها الباري تعالى ~~وأحسن ms111 تقويمها. ومنهم من قال : إن هذه الأشياء (5) كانت في الأزل تتحرك ~~بطباعها (6) حركات غير منتظمة ، فأعان الباري تعالى (7) طبيعتها ونظمها. ~~ومنهم من قال : إن القديم (8) هو الظلمة أو الهاوية أو شيء لا يتناهى لم ~~يزل ساكنا ، ثم حرك ، أو الخليط الذي يقول به أنكساغورس. وذلك لأنهم قالوا ~~: إن القوة تكون قبل الفعل ، كما في البذور والمني وفي جميع ما يصنع ، ~~فبالحري أن نتأمل (9) هذا ونتكلم فيه. # فنقول (10): أما (11) الأمر في الأشياء (12) الجزئية الكائنة الفاسدة ~~فهو على ما قالوا ، فإن القوة فيها قبل الفعل قبلية في الزمان ، وأما ~~الأمور الكلية أو المؤبدة (13) التي لا تفسد وإن كانت جزئية فإنها لا ~~تتقدمها التي (14) بالقوة البتة. ثم القوة متأخرة بعد هذه الشرائط من كل ~~وجه ، وذلك لأن القوة إذ ليست تقوم بذاتها فلا بد لها من أن تقوم بجوهر ~~يحتاج أن يكون بالفعل ، فإنه إن لم يكن صار (15) بالفعل فلا يكون مستعدا ~~لقبول شيء (16)، فإن ما هو ليس مطلقا فليس ممكنا أن يقبل شيئا. PageV01P183 # ثم قد يكون الشيء بالفعل ولا يحتاج (1) إلى أن يكون بالقوة شيئا ~~كالأبديات فإنها دائما بالفعل. فمن هذه الجهة حقيقة ما بالفعل قبل حقيقة ~~القوة بالذات ، ومن وجه آخر أيضا فإن (2) القوة تحتاج أن تخرج إلى الفعل ~~بشيء (3) موجود (4) بالفعل (5) وقت كون الشيء (6) بالقوة ، ليس إنما يحدث ~~ذلك الشيء حدوثا مع الفعل فإن ذلك أيضا يحتاج إلى مخرج آخر وينتهي إلى شيء ~~موجود بالفعل لم يحدث. # وفي أكثر الأمر فإنما يخرج القوة إلى الفعل شيء مجانس لذلك الفعل موجود ~~قبل الفعل بالفعل كالحار (7) يسخن والبارد (8) يبرد. وأيضا فكثيرا ما (9) ~~يوجد (10) ما هو (11) بالقوة من حيث هو حامل القوة عن الشيء الذي هو بالفعل ~~، حتى يكون الفعل بالزمان قبل القوة لا مع القوة ، فإن المني كان عن ~~الإنسان والبذر عن الشجرة حتى كان عن (12) ذلك إنسان (13) وعن هذا شجرة ~~(14). فليس (15) أن يفرض الفعل (16) في هذه الأشياء قبل القوة أولى من أن ~~تفرض القوة قبل الفعل. # وأيضا فإن الفعل في التصور ms112 والتحديد قبل القوة ، لأنك (17) لا يمكنك (18) ~~أن تحد القوة إلا أنها للفعل وأما الفعل فإنك لا تحتاج في تحديده وتصويره ~~أنه للقوة. فإنك تحد المربع وتعقله من غير أن يخطر ببالك قوة (19) قبوله ، ~~ولا يمكنك أن تحد القوة على التربيع إلا أن تذكر المربع لفظا أو عقلا ~~وتجعله (20) جزء حده. # وأيضا فإن الفعل قبل القوة بالكمال والغاية ، فإن القوة نقصان والفعل ~~كمال ، والخير في كل شيء أنما هو مع الكون بالفعل ، وحيث الشر فهناك ما بالقوة PageV01P184 # بوجه ما ، فإن الشيء إذا كان شرا فإما أن يكون لذاته شرا ومن كل وجه ، ~~وهذا محال. فإنه إن كان موجودا فمن (1) حيث هو موجود ليس بشر ، وإنما يكون ~~شرا من حيث هو (2) فيه عدم كمال مثل الجهل للجاهل (3)، أو لأنه يوجب في ~~غيره ذلك (4) مثل الظلم للظالم (5). فالظلم (6) أنما هو شر لأنه ينقص من ~~الذي فيه الظلم طبيعة الخير ، ومن الذي عليه الظلم السلامة أو الغنى ، أو ~~غير ذلك. فيكون من حيث هو شر مشوبا بعدم وبشيء بالقوة ، ولو أنه لم يكن معه ~~ولا منه ما بالقوة لكانت الكمالات التي (7) تجب للأشياء حاضرة فما كان شرا ~~بوجه من الوجوه. # فبين أن الذي بالفعل هو الخير من حيث هو كذلك ، والذي بالقوة هو الشر أو ~~منه الشر. واعلم أن القوة على الشر خير من الفعل ، والكون بالفعل خيرا خير ~~(8) من القوة على الخير ، ولا يكون الشرير شريرا بقوة الشر ، بل بملكة الشر. # ونرجع إلى (9) ما كنا فيه ، فنقول : قد علمت حال تقدم القوة مطلقا ، وأما ~~القوة الجزئية فيتقدم (10) الفعل الذي هو (11) قوة عليه ، وقد يتقدمها (12) ~~(13) فعل مثل فعلها حتى تكون القوة منه ، وقد لا يجب لكن يكون معها شيء آخر ~~به تخرج القوة إلى الفعل وإلا لم يكن فعل البتة بموجود (14). إذ القوة ~~وحدها لا تكفي في أن تكون فعل ، بل تحتاج إلى مخرج للقوة (15) إلى الفعل. # فقد علمت أن الفعل بالحقيقة أقدم من القوة ، وأنه هو المتقدم بالشرف ~~والتمام. PageV01P185 ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل ms113 * في التام ، والناقص ، وما فوق التمام ، وفي الكل ، وفي الجميع. # التام أول ما عرف عرف في الأشياء ذوات العدد ، إذا كان جميع ما ينبغي أن ~~يكون حاصلا للشيء (1) قد حصل بالعدد ، فلم يبق شيء من ذلك غير موجود. ثم ~~نقل ذلك إلى الأشياء ذوات الكم المتصل ، فقيل : تام (2) في القامة إذا كانت ~~تلك أيضا عند الجمهور معدودة لأنها إنما تعرف عند الجمهور من حيث تقدر ، ~~وإذا (3) قدرت لم يكن بد من أن تعد. ثم نقلوا ذلك إلى الكيفيات والقوى (4) ~~، فقالوا : كذا تام القوة وتام البياض وتام الحسن وتام الخير ، كان جميع ما ~~يجب أن يكون له من الخير قد حصل له ولم يبق شيء من خارج. ثم إذا كان من جنس ~~الشيء شيء ، وكان لا يحتاج إليه في (5) ضرورة أو منفعة (6) أو نحو ذلك ، ~~رأوه زائدا (7) ورأوا الشيء تاما دونه ، ثم إن كان ذلك الذي (8) يحتاج إليه ~~الشيء في نفسه قد حصل وحصل معه شيء آخر من جنسه ليس يحتاج إليه في أصل ذات ~~الشيء إلا أنه وإن كان ليس يحتاج إليه في ذلك الشيء فهو نافع في بابه ، قيل ~~لجملة (9) ذلك : إنه فوق التمام ووراء الغاية. فهو هو التام (10) والتمام. ~~فكأنه اسم للنهاية ، وهو أولا للعدد ، ثم لغيره على الترتيب. PageV01P186 # وكان الجمهور لا يقولون لذي العدد إنه تام أيضا إذا كان أقل من ثلاثة ، ~~وكذلك (1) كأنهم لا يقولون له كل وجميع. وكأن الثلاثة أنما صارت تامة لأن ~~(2) لها مبدأ وواسطة ونهاية ، وإنما كان كون الشيء له مبدأ وواسطة ونهاية ~~تجعله (3) تاما لأن أصل التمام (4) كان في العدد. # ثم لم يكن هذا في طبيعة عدد من الأعداد من حيث هو عدد أن يكون تاما على ~~الإطلاق ، فإن كل عدد فمن (5) جنس وحدانياته (6) ما ليس موجودا (7) فيه (8) ~~، بل إنما (9) يكون تاما في العشرية والتسعية ، وأما (10) من حيث هو عدد ~~فليس يجوز أن يكون (11) تاما من حيث هو عدد ، وأما (12) من حيث له مبدأ ~~ومنتهى وواسطة فهو تام ، لأنه (13) من حيث يكون ms114 له مبدأ ومنتهى يكون ناقصا ~~من جهة ما ليس فيما (14) بينهما شيء (15) من شأنه أن يكون (16) بينهما وهو ~~الواسطة. وقس عليه سائر الأقسام أي أن يكون (17) واسطة وليس منتهى ، أو ~~واسطة ومنتهى وقد فقد ما يجب أن يكون مبدأ (18). ثم من المحال أن يكون ~~مبدءان في الأعداد (19) ليس أحدهما واسطة بوجه إلا لعددين (20) ولا منتهيان ~~ليس أحدهما واسطة (21) بوجه إلا لعددين (22) (23). # وأما الوسائط فقد يجوز أن تكثر إلا أنها تكون (24) جملتها في أنها (25) ~~واسطة كشيء واحد ، ثم لا يكون للتكثر (26) حد يوقف عليه. فإذن (27) حصول ~~المبدئية والنهاية PageV01P187 # والتوسط هو أتم ما يمكن أن يقع في ترتيب مثله ، ولا يكون ذلك إلا للعدد ~~ولا يكون منحصرا إلا في الثلاثية (1). # وإذا أشرنا إلى هذا المبلغ فلنعرض عنه ، فليس من (2) عادتنا أن نتكلم (3) ~~في مثل هذه الأشياء التي تبنى (4) على تخمينات (5) إقناعية وليست من طرق ~~(6) القياسات العلمية. بل نقول : إن الحكماء أيضا قد (7) نقلوا التام (8) ~~إلى حقيقة الوجود ، فقالوا من وجه : إن التام هو الذي ليس شيء (9) من شأنه ~~أن يكمل به وجوده (10) بما (11) ليس له بل كل ما هو كذلك فهو حاصل له ~~وقالوا من وجه آخر : إن التام (12) هو الذي بهذه الصفة مع شرط أن وجوده ~~بنفسه على أكمل ما يكون له هو وحده (13) حاصل له وليس منه إلا ما له ، وليس ~~ينسب إليه من جنس الوجود شيء فضل على ذلك الشيء (14) نسبة (15) أولية (16) ~~لا بسبب غيره. # وفوق التمام (17) ما له الوجود الذي ينبغي له ، ويفضل عنه الوجود لسائر ~~الأشياء كان له وجوده الذي ينبغي (18) له ، وله الوجود الزائد الذي ليس ~~ينبغي له ، ولكن يفضل عنه للأشياء وذلك من ذاته. # ثم جعلوا هذا (19) مرتبة المبدأ الأول الذي هو فوق التمام ، ومن وجوده في ~~ذاته لا بسبب غيره يفيض الوجود (20) فاضلا عن وجوده على (21) الأشياء كلها. PageV01P188 # وجعلوا مرتبة التمام (1) لعقل (2) من العقول المفارقة الذي (3) هو في أول ~~وجوده بالفعل لا يخالطه (4) ما بالقوة ، ولا ينتظر (5) وجودا آخر يوجد عنه ~~، فإن كل (6) شيء ms115 آخر ، فذلك أيضا من الوجود الفائض من الأول. # وجعلوا دون التمام شيئين : المكتفي والناقص. والمكتفي هو الذي أعطي ما به ~~يحصل كمال نفسه في ذاته ، والناقص المطلق هو الذي يحتاج إلى آخر يمده ~~الكمال بعد الكمال. مثال المكتفي : النفس النطقية التي للكل ، أعني ~~السماوات ، فإنها بذاتها تفعل الأفعال التي لها (7) وتوجد الكمالات التي ~~يجب أن يكون لها شيء بعد شيء لا تجتمع كلها دفعة واحدة (8)، ولا تبقى أيضا ~~دائما إلا ما كان من كمالاتها التي في جوهرها وصورتها ، فهو لا (9) يفارق ~~ما بالقوة وإن كان فيه مبدأ يخرج (10) قوته إلى الفعل ، كما تعلم هذا بعد. ~~وأما الناقص فهو مثل هذه الأشياء التي في الكون والفساد. # ولفظ (11) التمام ولفظ الكل ولفظ الجميع تكاد أن تكون متقاربة الدلالة. ~~لكن التمام (12) ليس من شرطه أن يحيط بكثرة بالقوة أو بالفعل. وأما الكل ~~فيجب أن يكون لكثرة (13) بالقوة أو بالفعل ، بل الوحدة في كثير من الأشياء ~~هو الوجود الذي ينبغي له (14). وأما التمام في الأشياء ذوات المقادير ~~والأعداد فيشبه أن يكون هو بعينه الكل في الموضوع. فالشيء « تام » من حيث ~~إنه لم يبق شيء خارجا عنه وهو « كل » لأن ما يحتاج إليه حاصل فيه فهو ~~بالقياس إلى الكثرة الموجودة المحصورة فيه « كل » وبالقياس إلى ما لم يبق ~~(15) خارجا وعنه « تام ». PageV01P189 # ثم قد اختلف في لفظي الكل والجميع (1) على اعتباريهما ، فتارة يقولون : ~~إن الكل يقال للمتصل والمنفصل ، والجميع لا يقال إلا للمنفصل ، وتارة ~~يقولون (2): إن الجميع يقال خاصة لما ليس لوضعه اختلاف والكل لما (3) ~~لوضعه (4) اختلاف (5)، ويقال : « كل » « وجميع » معا لما يكون له الحالان جميعا. # وأنت تعلم أن هذه الألفاظ يجب أن تستعمل على ما يقع عليه الاصطلاح ~~والأحرى من وجه أن يقال : « كل » لما كان فيه انفصال حتى يكون له جزء فإن ~~الكل يقال بالقياس إلى الجزء ، والجميع أيضا يجب أن يكون كذلك (6). فإن ~~الجميع من الجمع ، والجمع (7) إنما يكون لآحاد (8) بالفعل أو وحدات بالفعل ~~، لكن الاستعمال قد أطلقه على ما كان أيضا جزؤه ms116 (9) وواحده (10) بالقوة. ~~فكان (11) الكل يعتبر فيه أن يكون (12) في الأصل بإزاء الجزء ، والجميع ~~بإزاء الواحد ، كان الكل يعتبر فيه أن يكون له ما بعده ، وإن لم يلتفت إلى ~~وحدته ، وكان (13) الجميع يعتبر فيه أن يكون فيه آحاد وإن لم (14) يلتفت ~~إلى عده. # وكان (15) هذا القول كله (16) من الفضل ، فإن الاصطلاح أجراهما (17) بعد ~~ذلك مجرى واحدا حتى (18) صار أيضا يقال الكل والجميع في غير (19) ذوات ~~الكمية ، إذ (20) كان لها (21) أن تتكمم بالعرض كالبياض كله والسواد كله ~~(22)، أو كان لها (23) أن تشتد وتضعف كالحرارة كلها والقوة كلها. ويقال ~~للمركب من أشياء تختلف كالحيوان « كل » إذ هو من (24) نفس وبدن. PageV01P190 # وأما الجزء فإنه تارة يقال (1) لما يعد وتارة لما يكون شيئا من الشيء وله ~~غيره معه وإن كان لا يعده (2)، وربما خص (3) هذا باسم البعض. # ومن الجزء ما (4) ينقسم إليه الشيء لا في الكم ، بل في الوجود ، مثل ~~النفس والبدن للحيوان ، والهيولى والصورة للمركب ، وبالجملة ما يتركب منه ~~المركب لمختلف المبادي (5). PageV01P191 ### || * المقالة الخامسة (1) # وفيها تسعة فصول (2) PageV01P193 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل * في الأمور العامة وكيفية (1) وجودها # وبالحري أن نتكلم الآن في الكلي والجزئي ، فإنه مناسب أيضا لما فرغنا منه ~~، وهو من الأعراض الخاصة بالوجود ، فنقول : إن الكلي قد يقال على وجوه ~~ثلاثة : فيقال كلي للمعنى من جهة أنه مقول بالفعل على كثيرين (2)، مثل ~~الإنسان. ويقال كلي للمعنى إذا كان جائزا أن يحمل على كثيرين (3) وإن لم ~~يشترط أنهم موجودون بالفعل ، مثل معنى البيت المسبع (4)، فإنه (5) كلي من ~~حيث إن (6) من (7) طبيعته (8) أن يقال على كثيرين (9)، ولكن ليس يجب أن ~~يكون أولئك الكثيرين لا محالة موجودين بل ولا الواحد منهم. # ويقال كلي للمعنى الذي لا مانع من تصوره أن يقال على كثيرين (10)، إنما ~~يمنع منه إن منع سبب ويدل عليه دليل ، مثل الشمس والأرض ، فإنها (11) من ~~حيث تعقل شمسا وأرضا لا يمنع الذهن عن أن يجوز أن (12) معناه يوجد في كثير ~~، إلا أن يأتيه (13) دليل أو حجة يعرف به (14) أن هذا ممتنع (15). ويكون ~~ذلك ممتنعا ms117 بسبب من خارج لا لنفس تصوره. PageV01P195 # وقد يمكن أن يجمع (1) هذا كله في أن هذا الكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره ~~عن أن يقال على كثيرين. ويجب أن يكون الكلي المستعمل في المنطق وما أشبهه ~~(2) هو هذا. # وأما الجزئي المفرد فهو الذي نفس تصوره يمنع أن يقال معناه على كثيرين ~~(3) كذات زيد (4) هذا المشار إليه ، فإنه مستحيل (5) أن تتوهم إلا له وحده. # فالكلي من حيث هو كلي (6) شيء ، و « من حيث هو شيء تلحقه الكلية » شيء. ~~فالكلي من حيث هو كلي هو ما يدل عليه أحد هذه الحدود ، فإذا كان ذلك إنسانا ~~أو فرسا فهناك معنى آخر (7) غير معنى الكلية وهو الفرسية. فإن حد الفرسية ~~ليس حد الكلية ، ولا الكلية داخلة في حد الفرسية ، فإن الفرسية لها حد لا ~~يفتقر (8) إلى حد (9) الكلية لكن تعرض له (10) الكلية. فإنه في نفسه ليس ~~شيء من الأشياء البتة إلا الفرسية ، فإنه في نفسه لا واحد ولا كثير ولا ~~موجود (11) في الأعيان ولا في النفس ولا في شيء (12) من (13) ذلك بالقوة ~~(14) ولا بالفعل على أن يكون (15) داخلا في الفرسية ، بل من حيث هو فرسية ~~(16) فقط. بل الواحدية صفة تقترن (17) إلى الفرسية ، فتكون الفرسية مع (18) ~~تلك الصفة واحدة. # كذلك للفرسية (19) مع تلك الصفة صفات أخرى كثيرة داخلة عليها ، فالفرسية ~~بشرط أنها تطابق بحدها (20) أشياء كثيرة تكون عامة ، ولأنها مأخوذة بخواص ~~وأعراض مشار إليها تكون خاصة. فالفرسية في نفسها فرسية فقط. PageV01P196 # فإن سئلنا (1) عن الفرسية لطرفي (2) النقيض ، مثلا (3): هل الفرسية ألف ~~(4) أم (5) ليس بألف (6)؟ لم يكن (7) الجواب إلا السلب لأي (8) شيء كان. ~~ليس على أن السلب بعد « من حيث » ، بل (9) على أنه قبل « من حيث ». أي ليس ~~يجب أن يقال : إن الفرسية من حيث هي فرسية (10) ليست بألف ، بل ليست من حيث ~~هي فرسية بألف ولا شيء من الأشياء. # فإن كان طرفا المسألة عن موجبتين (11) لا يخلو منهما شيء ، لم يلزم أن ~~نجيب عنهما البتة. وبهذا يفترق (12) حكم الموجبة والسالبة (13) والموجبتين ~~اللتين في قوة النقيضين ms118 (14). وذلك لأن (15) الموجب منهما الذي هو لازم ~~للسالب معناه أنه (16) إذا لم يكن الشيء موصوفا بذلك الموجب الآخر (17) كان ~~موصوفا بهذا الموجب (18)، وليس إذا كان موصوفا به كان (19) ماهيته (20) هو ~~، فإنه ليس إذا كان الإنسان واحدا أو أبيض كانت (21) هوية الإنسانية (22) ~~هي (23) هوية الوحدة أو البياض ، أو كانت (24) هوية (25) الإنسانية (26) هي ~~هوية الواحد (27) أو الأبيض. # فإذا جعلنا الموضوع في المسألة هوية الإنسانية (28) من حيث هي إنسانية ~~كشيء واحد ، وسئل عن طرفي النقيض ، فقيل : أواحد هو أم كثير؟ لم يلزم أن يجاب PageV01P197 # لأنها من حيث هي (1) هوية الإنسانية (2) شيء (3) غير كل واحد منهما ، ولا ~~يوجد في حد (4) ذلك الشيء إلا الإنسانية فقط. # وأما أنه هل يوصف بأنه واحد أو كثير على أنه وصف يلحقه من خارج (5)، فلا ~~محالة أنه يوصف بذلك ، ولكن لا يكون هو ذلك الموصوف من حيث هو (6) إنسانية ~~فقط (7)، فلا يكون من حيث هو إنسانية (8) هو كثيرا بل إنما يكون كأن ذلك ~~شيء (9) يلحقه من خارج. # فإذا كان (10) نظرنا إليه من حيث هو إنسانية فقط ، فلا يجب أن نشوبه بنظر ~~إلى شيء من خارج يجعل النظر نظرين : نظر إليه بما هو هو (11)، ونظر (12) ~~إلى لواحقه. ومن حيث النظر الواحد الأول لا يكون إلا الإنسانية (13) فقط ، ~~فلهذا إن قال قائل : إن الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية هل هي غير ~~التي في عمرو؟ فيلزم أن يقول : لا. وليس يلزم من (14) تسليمه هذا أن يقول : ~~فإذن تلك وهي (15) (16) واحدة بالعدد ، لأن هذا كان سلبا مطلقا ، وعنينا ~~بهذا السلب أن تلك الإنسانية من حيث هي (17) إنسانية هي إنسانية فقط ، ~~وكونها غير التي في عمرو شيء من خارج. فإنه إن (18) لم يكن ذلك خارجا عن ~~الإنسانية لزم أن تكون الإنسانية (19) من حيث هي إنسانية (20) ألفا مثلا أو ~~ليست (21) بألف ، وقد أبطلنا ذلك (22)، وإنما أخذنا (23) الإنسانية (24) ~~من حيث هي إنسانية فقط (25). PageV01P198 # على أنه إذا قيل : الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية (1) يكون قد ~~جعلها (2) اعتبارا (3) من حيث هي إنسانية ms119 ، ساقطا عنها أنها في زيد (4) ~~وأنها التي في زيد ، وإلا فتكون (5) قد أخذنا (6) الإنسانية على أنها في ~~زيد ، فإنا قد (7) جردناها (8) وتكلمنا على أنا (9) نلتفت (10) إليها وهي ~~إنسانية (11). ثم لا يخلو إما أن نرجع الكناية التي في أنها إلى الإنسانية ~~التي في زيد ، فيكون هذا محالا من القول ، فإنه لا تجتمع (12) أن تكون (13) ~~إنسانية في زيد وهي (14) باعتبار أنها إنسانية فقط (15). وإن (16) رجعت ~~إلى الإنسانية فقط (17) فذكر زيد لغوا إلا أن تعنى أن (18) الإنسانية التي ~~عرض لها من خارج أن كانت (19) في زيد وقد أسقطنا عنها أنها في زيد ، فهل هي ~~هكذا؟ وهذا أيضا فيه اعتبار غير الإنسانية. # فإن سألنا سائل وقال : ألستم (20) تجيبون وتقولون (21): إنها ليست كذا ~~وكذا ، وكونها ليست كذا وكذا غير كونها إنسانية بما هي إنسانية. فنقول : ~~إنا (22) لا نجيب بأنها (23) من ، حيث هي إنسانية ، ليست (24) كذا ، بل ~~نجيب أنها ليست من حيث إنسانية كذا (25)، وقد علم (26) الفرق بينهما في ~~المنطق. # وهاهنا شيء آخر وهو أن الموضوع في مثل هذه المسائل يكاد يرجع إلى الإهمال ~~إذا لم تعلق بحصر ولا يكون عنها جواب ، اللهم إلا أن تجعل (27) تلك PageV01P199 # الإنسانية كأنها (1) مشار (2) إليها أو (3) لا كثرة فيها. فحينئذ لا يكون ~~قولنا : « من حيث هي إنسانية » جزءا من الموضوع ، لأنه لا يصلح أن يقال : ~~إن الإنسانية التي هي من حيث هي إنسانية إلا وقد عادت مهملة. فإن (4) قيل ~~(5): تلك الإنسانية التي هي من حيث هي إنسانية ، يكون قد وقع إليها (6) ~~الإشارة فزادت على الإنسانية. # ثم إن (7) ساهلنا (8) في ذلك فيكون الطرفان من المسألة مسلوبين عنها ، ~~ولم يجب أن يكون واحدا أو كثيرا هو هو أو غير (9) إلا على معنى أنه (10) لا ~~بد له أن يكون هو هو أو غير. فحينئذ نقول : لا بد لها من أن تصير غيرا ~~بالأعراض التي معها ، إذ لا توجد البتة إلا مع الأعراض (11). وحينئذ لا ~~تكون مأخوذة من حيث هي إنسانية فقط ، فإذ ليست إنسانية (12) عمرو فهي غير ~~إنسانية بالأعراض ، فيكون لهذه الأعراض تأثير ms120 في شخص زيد بأنه مجموع ~~الإنسان (13) أو الإنسانية وأعراض (14) لازمة كأنها أجزاء منه ، وتأثير ~~(15) في الإنسان أو الإنسانية (16) (17) بأنها منسوبة إليه (18). # ونعود من رأس ونجمع هذا ونخبر عنه بعبارة أخرى كالمذكر لما سلف من قولنا ~~، فنقول : إن هاهنا (19) شيئا محسوسا هو الحيوان أو الإنسان مع مادة وعوارض ~~، وهذا هو الإنسان الطبيعي. وهاهنا (20) شيء هو الحيوان أو الإنسان (21) ~~منظورا إلى ذاته بما هو هو ، غير مأخوذ معه ما خالطه ، وغير مشترط (22) فيه ~~شرط (23) أنه عام أو خاص PageV01P200 # أو واحد أو كثير (1) بالفعل ولا باعتبار (2) القوة أيضا من حيث هو ~~بالقوة. إذ الحيوان بما هو حيوان ، والإنسان بما هو إنسان أي باعتبار حده ~~ومعناه ، غير ملتفت (3) إلى أمور أخرى تقارنه ، ليس إلا حيوانا أو إنسانا. # وأما الحيوان العام ، والحيوان الشخصي ، والحيوان من جهة اعتبار أنه ~~بالقوة ، عام أو خاص ، والحيوان باعتبار أنه موجود في الأعيان ، أو معقول ~~في النفس ، هو حيوان وشيء وليس (4) (5) هو حيوانا (6) منظور (7) إليه وحده. ~~ومعلوم أنه إذا كان حيوان وشيء كان فيهما الحيوان كالجزء منهما. وكذلك في ~~جانب الإنسان. # ويكون اعتبار الحيوان بذاته جائزا وإن كان مع غيره ، لأن ذاته مع غيره ~~(8) ذاته. # فذاته له بذاته (9)، وكونه مع غيره أمر عارض له أو لازم ما لطبيعته (10) ~~كالحيوانية (11) والإنسانية (12). فهذا (13) الاعتبار متقدم (14) في ~~الوجود على الحيوان الذي هو شخصي (15) بعوارضه أو كلي وجودي ، أو عقلي ، ~~تقدم البسيط على المركب ، والجزء على الكل. وبهذا الوجود لا هو جنس ولا نوع ~~(16) ولا شخص ولا واحد ولا كثير ، بل هو بهذا الوجود (17) حيوان فقط وإنسان فقط. # لكنه يلزمه لا محالة أن يكون واحدا أو كثيرا ، إذ لا يخلو عنهما شيء ~~موجود ، على أن ذلك لازم له من خارج. وهذا الحيوان بهذا الشرط (18) وإن كان موجودا PageV01P201 # في كل شخص فليس هو بهذا الشرط حيوانا ما ، وإن كان يلزمه أن يصير حيوانا ~~ما (1) لأنه في حقيقته وماهيته بهذا (2) (3) الاعتبار حيوان ما (4). # وليس يمنع كون الحيوان الموجود في الشخص حيوانا ما أن يكون الحيوان بما ms121 ~~هو حيوان لا باعتبار أنه حيوان بحال ما موجودا فيه ، لأنه إذا كان هذا ~~الشخص حيوانا ما ، فحيوان ما موجود ، فالحيوان الذي هو جزء من حيوان ما ~~موجود ، كالبياض فإنه وإن كان غير مفارق للمادة فهو ببياضيته (5) موجود (6) ~~في المادة على أنه (7) شيء آخر معتبر بذاته وذو حقيقة بذاته (8)، وإن كان ~~عرض لتلك الحقيقة أن تقارن في الوجود أمرا آخر. # ولقائل أن يقول : إن الحيوان بما هو حيوان غير موجود في الأشخاص ، لأن ~~الموجود في الأشخاص هو حيوان ما لا الحيوان بما هو حيوان. ثم الحيوان بما ~~هو حيوان موجود ، فهو إذن مفارق للأشخاص. ولو كان الحيوان بما هو حيوان ~~موجودا لهذا الشخص ، لم يخل إما أن يكون خاصا له أو غير خاص (9)، فإذا ~~(10) كان خاصا له لم يكن الحيوان بما هو حيوان هو الموجود فيه أو هو (11)، ~~بل (12) حيوان ما ، وإن كان غير خاص كان شيء واحد (13) بعينه بالعدد (14) ~~موجودا في الكثرة (15)، وهذا محال. # وهذا الشك وإن كان ركيكا سخيفا فقد أوردناه بسبب أنه قد (16) وقعت (17) ~~منه الشبهة في زماننا (18) هذا (19) لطائفة (20) ممن تتشحط في التفلسف. ~~فنقول : إن هذا الشك قد (21) وقع PageV01P202 # فيه الغلط من وجوه عدة. أحدها الظن بأن الموجود من الحيوان إذا كان ~~حيوانا ما فإن طبيعة الحيوانية معتبرة بذاتها لا بشرط آخر لا تكون موجودة ~~فيه. وبيان غلط هذا الظن قد (1) تقدم. والثاني (2)، الظن بأن (3) الحيوان ~~بما هو حيوان يجب أن يكون خاصا أو غير خاص بمعنى العدول ، وليس كذلك ، بل ~~الحيوان إذا نظر إليه بما هو حيوان ومن جهة حيوانيته لم يكن خاصا ولا غير ~~خاص الذي هو العام (4)، بل كلاهما يسلبان عنه. لأنه من جهة حيوانيته حيوان ~~فقط ، ومعنى الحيوان في أنه حيوان غير معنى الخاص والعام ، وليسا داخلين ~~أيضا في ماهيته. وإذا كان كذلك لم يكن الحيوان بما هو حيوان خاصا ولا عاما ~~في حيوانيته ، بل هو حيوان لا غيره من الأمور والأحوال ، لكنه يلزمه أن ~~يكون خاصا أو عاما (5). # فقوله لم يخل ms122 إما أن يكون خاصا أو يكون عاما (6): إن عني بقوله إنه (7) ~~لا يخلو عنهما في حيوانيته فهو خال عنهما في حيوانيته ، وإن (8) عني أنه لا ~~يخلو عنهما في الوجود أي لا يخلو عن لزوم أحدهما فهو صادق. فإن الحيوان ~~يلزمه ضرورة أن يكون خاصا أو عاما وأيهما عرض له لم يبطل عنه الحيوانية ~~التي هي (9) باعتبار ما (10) ليس بخاص ولا عام ، بل يصير خاصا أو عاما ~~بعدها بما يعرض لها من الأحوال. # وهاهنا (11) شيء يجب أن تفهمه وهو أنه حق أن يقال : إن الحيوان بما هو ~~حيوان لا يجب أن يقال عليه خصوص أو عموم ، وليس بحق أن يقال : الحيوان بما ~~هو حيوان يوجب أن يقال عليه خصوص أو عموم ، وذلك أنه لو كانت الحيوانية توجب PageV01P203 # أن لا يقال عليها خصوص أو عموم لم يكن حيوان خاص أو حيوان (1) عام. ولهذا ~~المعنى يجب أن يكون فرق قائم بين أن نقول : إن الحيوان بما هو حيوان مجرد ~~بلا شرط شيء (2) آخر ، وبين أن نقول : إن الحيوان بما هو حيوان مجرد بشرط ~~لا شيء آخر. # ولو كان يجوز أن يكون الحيوان بما هو حيوان مجردا بشرط أن لا يكون شيء ~~آخر وجود في الأعيان ، لكان يجوز أن يكون للمثل الأفلاطونية وجود في ~~الأعيان ، بل الحيوان بشرط لا شيء آخر وجوده في الذهن فقط. وأما الحيوان ~~(3) مجردا لا بشرط شيء آخر فله وجود (4) في الأعيان ، فإنه في نفسه وفي (5) ~~حقيقته (6) بلا شرط شيء آخر ، وإن كان مع ألف شرط (7) يقارنه من خارج. ~~فالحيوان بمجرد الحيوانية موجود في الأعيان ، وليس يوجب ذلك عليه أن يكون ~~مفارقا بل هو الذي هو (8) في نفسه خال عن الشرائط اللاحقة موجود (9) في ~~الأعيان. وقد اكتنفه من خارج شرائط وأحوال ، فهو في حد وحدته التي بها هو ~~واحد من تلك الجملة حيوان مجرد بلا شرط شيء آخر ، وإن كانت تلك الوحدة ~~زائدة على حيوانيته ولكنها غير اللواحق الأخرى. ولو كان هاهنا حيوان (10) ~~مفارق كما يظنون ، لم يكن هو (11) الحيوان ms123 الذي نتطلبه (12) ونتكلم عليه ، ~~لأنا نطلب حيوانا مقولا على كثيرين بأن يكون كل واحد من الكثيرين هو هو. ~~وأما المباين الذي ليس محمولا على هؤلاء إذ ليس شيء منها هو هو ، فلا حاجة ~~بنا إليه فيما نحن بسبيله (13). فالحيوان مأخوذا بعوارضه هو (14) الشيء ~~الطبيعي ، والمأخوذ بذاته هو الطبيعة التي يقال إن PageV01P204 # وجودها أقدم من الوجود (1) الطبيعي بقدم البسيط على المركب ، وهو الذي ~~يخص وجوده بأنه الوجود الإلهي لأن سبب وجوده بما هو حيوان عناية الله تعالى. # وأما كونه مع مادة وعوارض وهذا الشخص وإن كان بعناية (2) الله تعالى (3) ~~فهو بسبب (4) الطبيعة الجزئية ، فكما أن للحيوان في الوجود أنحاء فوق واحد ~~(5)، كذلك له في (6) العقل. فإن في العقل (7) صورة الحيوان المجرد على ~~النحو الذي ذكرناه من التجريد ، وهو بهذا الوجه يسمى صورة عقلية ، وفي ~~العقل أيضا صورة الحيوان من جهة ما يطابق في العقل بحد واحد بعينه أعيانا ~~كثيرة ، فتكون (8) الصورة (9) الواحدة مضافة عند العقل إلى كثرة ، وهو بهذا ~~الاعتبار كلي ، وهو معنى واحد في العقل لا تختلف نسبته إلى أي واحد أخذته ~~من الحيوانات ، أي أي (10) واحد منها (11) أحضرت (12) صورته في الخيال بحال ~~، ثم انتزع العقل مجرد معناه عن العوارض حصل (13) في العقل هذه الصورة ~~بعينها ، وكانت هذه الصورة هي ما يحصل عن تجريد الحيوانية عن أي خيال شخصي ~~مأخوذ عن موجود من خارج أو جار مجرى الموجود من خارج وإن لم يوجد (14) هو ~~بعينه من خارج ، بل اخترعه (15) الخيال. # وهذه الصورة وإن كانت (16) بالقياس إلى الأشخاص كلية ، فهي (17) بالقياس ~~إلى النفس الجزئية التي انطبعت فيها شخصية ، وهي واحدة من الصور التي في ~~العقل. ولأن الأنفس الشخصية كثيرة بالعدد ، فيجوز إذن أن تكون هذه الصورة ~~الكلية كثيرة بالعدد (18) من الجهة التي هي (19) بها شخصية ، ويكون لها معقول PageV01P205 # كلي آخر هو بالقياس إليها مثلها بالقياس إلى خارج ، ويتميز في النفس عن ~~هذه الصورة (1) التي هي كلية بالقياس إلى خارج بأن تكون مقولة عليها وعلى ~~غيرها. وسنعيد الكلام في هذا عن قريب ms124 بعبارة أخرى. # فالأمور العامة من جهة موجودة من (2) خارج ، ومن جهة ليست. وأما (3) شيء ~~واحد بعينه بالعدد محمول على كثير ، يكون هو محمولا على هذا الشخص بأن ذلك ~~الشخص هو ، وعلى شخص آخر كذلك ، فامتناعه بين ، وسيزداد (4) بيانا. بل ~~الأمور العامة ، من جهة ما هي عامة بالفعل ، موجودة (5) في العقل فقط. PageV01P206 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل * في كيفية كون (1) الكلية للطبائع الكلية وإتمام (2) القول في ذلك ، وفي الفرق بين الكل والجزء ، والكلي والجزئي # فقد (3) تحققت إذن (4) أن الكلي من (5) الموجودات ما هو ، وهو هذه ~~الطبيعة عارضا لها أحد المعاني التي سميناها كلية (6). وذلك المعنى ليس له ~~وجود مفرد في الأعيان البتة ، فإنه ليس الكلي (7) بما هو كلي موجودا مفردا ~~بنفسه ، إنما يتشكك من أمره أنه هل له وجود على أنه (8) عارض لشيء (9) من ~~الأشياء ، حتى يكون في الأعيان مثلا شيء هو إنسان وهو ذاته بعينه (10) ~~موجودا (11) لزيد وعمرو وخالد. # فنقول : أما طبيعة (12) الإنسان من حيث هو إنسان فيلحقها أن تكون موجودة ~~وإن لم يكن أنها موجودة هو أنها إنسان ولا داخلا فيه ، وقد تلحقها مع ~~الوجود هذه الكلية ولا وجود لهذه الكلية إلا في النفس. وأما الكلية من خارج ~~فعلى اعتبار آخر شرحناه في الفنون (13) السابقة (14). بل هذه الطبائع ما ~~كان منها غير محتاج إلى مادة في أن يبقى ، ولا في أن يبتدئ لها وجود فيكون ~~من المستحيل أن يتكثر ، بل إنما (15) يكون النوع منه قائما واحدا بالعدد. ~~لأن مثل هذه الطبيعة ليست تتكثر بالفصول ولا بالمواد ولا بالأعراض. أما ~~بالفصول فلنوعيته ، وأما PageV01P207 # بالمواد فلتجرده ، وأما بالأعراض فلأن الأعراض إما أن تكون لازمة للطبيعة ~~فلا تختلف فيها الكثرة بحسب (1) النوع وإما أن تكون عارضة غير لازمة ~~للطبيعة فيكون عروضها بسبب يتعلق بالمادة ، فيكون حق مثل هذا إذا كان نوعا ~~موجودا (2)، أن يكون واحدا بالعدد. وما كان منها محتاجا إلى المادة فإنما ~~يوجد مع أن توجد المادة مهياة فيكون وجوده مستلحقا به (3) أعراضا وأحوالا ~~خارجة يتشخص بها (4)، وليس يجوز أن تكون طبيعة ms125 واحدة مادية وغير مادية ، ~~وقد عرفت هذا في خلال ما علمت. وأما إن كانت هذه الطبيعة جنسية فسنبين أن ~~طبيعة الجنس محال أن تقوم إلا في الأنواع ثم يقوم قوام الأنواع. فهذه حال ~~وجود الكليات. # وليس يمكن أن يكون معنى (5) هو بعينه موجودا في كثيرين ، فإن الإنسانية ~~التي في عمرو إن كانت بذاتها لا بمعنى الحد موجودة في زيد ، كان ما يعرض ~~لهذه الإنسانية في زيد لا محالة يعرض لها وهي في عمرو ، إلا ما كان من ~~العوارض ماهيته معقولة بالقياس إلى زيد. وأما ما (6) كان يستقر في ذات ~~الإنسان ليس استقراره فيه محوجا إلى أن يصير مضافا مثل أن يبيض أو يسود (7) ~~أو يعلم ، فإنه إذا علم لم يكن به مضافا إلا إلى المعلوم. ويلزم من هذا أن ~~تكون ذات واحدة قد اجتمع فيها الأضداد وخصوصا إن كان حال الجنس عند الأنواع ~~حال النوع عند الأشخاص ، فتكون ذات واحدة هي موصوفة بأنها ناطقة وغير ناطقة ~~، وليس يمكن أن يعقل من له جبلة سليمة أن إنسانية (8) واحدة (9) اكتنفتها ~~(10) أعراض عمرو وإياها (11) بعينها اكتنفت (12) PageV01P208 # أعراض زيد. فإن نظرت إلى الإنسانية بلا شرط آخر فلا تنظرن إلى هذه ~~الإضافات ، فهي (1) (2) على ما علمناك. # فقد بان أنه ليس يمكن أن تكون (3) الطبيعة توجد في الأعيان وتكون بالفعل ~~كلية ، أي هي وحدها مشتركة للجميع. وإنما تعرض الكلية لطبيعة (4) ما إذا ~~وقعت في التصور الذهني ، وأما (5) كيفية وقوع ذلك فيجب أن تتأمل ما قلناه ~~في كتاب النفس. فالمعقول في النفس من (6) الإنسان (7) هو الذي هو كلي ، ~~وكليته لا لأجل أنه في النفس ، بل لأجل أنه مقيس إلى أعيان كثيرة موجودة أو ~~متوهمة حكمها (8) عنده (9) حكم واحد. وأما من حيث أن (10) هذه الصورة هيئة ~~(11) في نفس جزئية فهي أحد أشخاص العلوم أو التصورات ، وكما أن الشيء ~~باعتبارات (12) مختلفة يكون جنسا ونوعا ، فكذلك بحسب اعتبارات (13) مختلفة ~~يكون كليا (14) وجزئيا. فمن حيث إن هذه الصورة صورة ما في نفس ما من صور ~~(15) النفس فهي جزئية ، ومن حيث إنها ms126 يشترك (16) فيها كثيرون (17) على أحد ~~الوجوه الثلاثة التي بينا (18) فيما مضى (19) فهي كلية ، ولا تناقض بين ~~هذين الأمرين. لأنه ليس بممتنع (20) اجتماع أن تكون الذات الواحدة تعرض لها ~~شركة بالإضافة إلى كثيرين. فإن الشركة في الكثرة لا تمكن إلا (21) بالإضافة ~~(22) فقط ، وإذا (23) كانت الإضافة لذوات كثيرة لم تكن شركة ، فيجب أن تكون ~~إضافات كثيرة لذات واحدة بالعدد. والذات الواحدة بالعدد PageV01P209 # من حيث هي كذلك فهي شخصية لا محالة ، والنفس نفسها تتصور أيضا كليا آخر ~~يجمع (1) هذه الصورة ، وأخرى في تلك النفس أو في نفس غيرها ، فإنها كلها من ~~حيث هي في النفس تحد بحد واحد. # وكذلك قد توجد اشتراكات أخرى ، فيكون الكلي الآخر يمايز هذه الصورة بحكم ~~له خاص وهو نسبته إلى أمور في النفس ، وهذه إنما كانت نسبتها الجاعلة إياها ~~كلية هي إلى أمور من خارج على وجه أن أي تلك الخارجات سبقت إلى الذهن فجائز ~~أن يقع عنها (2) هذه الصورة بعينها. وإذا (3) سبق واحد فتأثرت النفس منه ~~بهذه الصفة لم يكن لما خلاه تأثير جديد إلا بحكم هذا الجواز المعتبر ، فإن ~~هذا الأثر هو مثل صورة السابق قد جرد عن العوارض وهذا هو المطابقة. ولو كان ~~بدل أحد هذه المؤثرات أو المؤثر (4) بها شيء غير تلك (5) الأمور المعروفة ~~(6) وغير مجانس لها لكان الأثر غير هذا الأثر ، فلا يكون مطابقة. # وأما الكلي الذي في النفس بالقياس إلى هذه الصور التي (7) في النفس ، ~~فهذا الاعتبار (8) له بحسب القياس إلى أي صورة سبقت من هذه الصور (9) التي ~~في النفس إلى النفس. ثم هذه أيضا تكون صورة شخصية من حيث هي على ما قلناه ، ~~ولأن في قوة النفس أن تعقل ، وتعقل أنها عقلت ، وتعقل أنها عقلت أنها عقلت ~~(10)، وأن تركب إضافات في إضافات ، وتجعل للشيء الواحد أحوالا مختلفة من ~~المناسبات إلى غير النهاية بالقوة. فيجب أن لا تكون لهذه الصور العقلية ~~المترتب (11) بعضها على بعض وقوف ، ويلزم أن تذهب إلى غير النهاية ، لكن ~~تكون بالقوة لا بالفعل. PageV01P210 # لأنه ليس يلزم النفس إذا ms127 عقلت شيئا أن تكون بالفعل تعقل معه (1) الأمور ~~التي تلزمه (2) لزوما قريبا ، وأن تخطرها بالبال فضلا عما (3) يمعن في ~~البعد. فإن هاهنا (4) مناسبات في الجذور الصم وفي إضافات الأعداد كلها ~~قريبة المنال (5) من النفس ، وليس يلزم أن تكون النفس في حال (6) واحدة ~~تعقل تلك كلها أو أن تكون (7) مشتغلة على الدوام بذلك ، بل في قوتها ~~القريبة أن تعقل ذلك مثل إخطار المضلعات (8) التي لا نهاية لها بالبال ، ~~ومزاوجة عدد بأعداد لا نهاية لها بالبال ، بل بوقوع مناسبة عدد مع مثله ~~مرارا لا نهاية لها بالتضعيف. فإن هذا أشبه شيء بما نحن في ذكره. فأما (9) ~~أنه هل يجوز أن تقوم المعاني العامة للكثرة مجردة عن الكثرة وعن التصورات ~~العقلية ، فأمر سنتكلم فيه من بعد. فإذا قلنا : إن الطبيعة الكلية موجودة ~~في الأعيان فلسنا نعني ، من حيث هي كلية بهذه ، الجهة (10) من الكلية ، بل ~~نعني أن الطبيعة التي تعرض لها الكلية موجودة في الأعيان. فهي من حيث هي ~~طبيعة شيء ، ومن حيث هي محتملة لأن تعقل عنها صورة كلية شيء ، وأيضا من حيث ~~عقلت بالفعل كذلك شيء ، ومن حيث هي صادق عليها أنها لو قارنت (11) بعينها ~~لا هذه (12) المادة والأعراض ، بل تلك المادة والأعراض ، لكان ذلك الشخص ~~الآخر شيء. وهذه الطبيعة موجودة في الأعيان بالاعتبار (13) الأول ، وليست ~~(14) فيه (15) كلية موجودة (16) بالاعتبار (17) الثاني والثالث (18) ~~والرابع أيضا في الأعيان. PageV01P211 # فإن جعل هذا الاعتبار بمعنى الكلية كانت هذه الطبيعة (1) مع الكلية في ~~الأعيان ، وأما الكلية التي نحن في ذكرها فليست (2) إلا في النفس. # وإذ (3) قد عرفنا هذه الأشياء فقد ، سهل لنا الفرق بين الكل والجزء وبين ~~الكلي والجزئي ، وذلك أن الكل من حيث هو كل يكون موجودا في الأشياء ، وأما ~~الكلي من حيث هو كلي فليس موجودا إلا في التصور. وأيضا الكل يعد بأجزائه ~~(4) ويكون كل جزء داخلا في قوامه ، وأما الكلي فإنه لا يعد بأجزائه ، ولا ~~أيضا الجزئيات داخلة في قوامه. وأيضا فإن طبيعة الكل لا تقوم الأجزاء التي ~~فيه ، بل يتقوم منها ، وأما ms128 طبيعة الكلي (5) فإنها تقوم الأجزاء (6) التي ~~(7) فيه. وكذلك (8) فإن طبيعة الكل لا تصير جزءا من أجزائه البتة (9)، ~~وأما طبيعة الكلي فإنها جزء من طبيعة الجزئيات لأنها إما الأنواع فتقوم من ~~طبائع الكليين أعني الجنس والفصل ، وإما الأشخاص فتتقوم (10) من طبيعة ~~الكليات كلها ومن طبيعة الأعراض التي تكتنفها مع المادة. وأيضا فإن الكل لا ~~يكون كلا لكل جزء وحده ولو (11) انفرد ، والكلي يكون كليا (12) محمولا على ~~(13) كل جزئي (14). وأيضا فإن أجزاء كل كل متناهية ، وليس أجزاء كل كلي ~~متناهية. وأيضا الكل يحتاج ، إلى أن تحضره أجزاؤه معا ، والكلي (15) لا ~~يحتاج إلى أن تحضره أجزاؤه معا (16). وقد (17) يمكنك أن تجد فروقا أيضا ~~غير هذه فتعلم أن الكل غير الكلي (18). PageV01P212 ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * في الفصل بين الجنس والمادة # والذي يلزمنا الآن هو أن نعرف طبيعة الجنس والنوع. فأما أن الجنس على كم ~~شيء يدل فقد كان يدل (1) في زمان اليونانيين على معان كثيرة (2)، وقد ذهب ~~استعمالها في زماننا. فالجنس (3) في صناعتنا لا يدل إلا على المعنى المنطقي ~~المعلوم ، وعلى الموضوع ، وربما استعملنا لفظ الجنس مكان النوع (4) فقلنا ~~(5): ليس كذا من جنس كذا أي من نوعه أو من جملة ما يشاركه في حده. والنوع ~~أيضا ليس (6) يدل عندنا الآن في زماننا وعادتنا في الكتب العلمية إلا على ~~النوع المنطقي ، وعلى صور الأشياء. # وغرضنا الآن فيما يستعمله المنطقيون من ذلك فنقول : إن المعنى الذي يدل ~~عليه بلفظة (7) الجنس ليس يكون جنسا إلا على نحو من التصور ، إذا تغير عنه ~~ولو بأدنى اعتبار لم يكن جنسا ، وكذلك كل واحد من الكليات المشهورة (8). ~~ولنجعل بياننا في الجنس (9) وفي (10) مثال يكثر إشكاله على المتوسطين في ~~النظر فنقول : إن الجسم قد يقال له (11) إنه جنس الإنسان وقد يقال له (12) ~~إنه مادة الإنسان ، فإن كان مادة الإنسان كان لا محالة جزءا من وجوده ~~واستحال أن يحمل ذلك الجزء PageV01P213 # على الكل. فلننظر كيف يكون الفرق بين الجسم وقد اعتبر مادة ، وبينه (1) ~~وقد اعتبر جنسا ، فهنالك (2) يصير لنا سبيل إلى معرفة ms129 ما نريد بيانه. فإذا ~~أخذنا (3) الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق من جهة ما له هذا ، وبشرط (4) أنه ~~ليس داخلا فيه معنى غير هذا ، وبحيث لو انضم إليه معنى غير هذا ، مثل حس أو ~~تغذ أو غير ذلك ، كان معنى خارجا عن الجسمية ، محمولا (5) في الجسمية (6)، ~~مضافا إليها. فالجسم مادة وإن (7) أخذنا الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق بشرط ~~ألا يتعرض بشرط آخر البتة ولا يوجب أن تكون جسميته لجوهرية (8) متصورة بهذه ~~الأقطار فقط ، بل جوهرية كيف كانت ولو مع ألف معنى مقوم لخاصية (9) تلك ~~الجوهرية وصوره ، ولكن معها أو فيها الأقطار. فللجملة (10) أقطار ثلاثة على ~~ما هي (11) للجسم ، وبالجملة أي مجتمعات تكون بعد أن تكون جملتها جوهرا ذا ~~أقطار ثلاثة ، وتكون تلك المجتمعات إن (12) كانت هناك مجتمعات داخلة في ~~هوية ذلك الجوهر ، لا أن تكون تلك الجوهرية تمت بالأقطار ثم لحقت تلك ~~المعاني خارجة عن الشيء الذي قد تم ، كان هذا المأخوذ هو الجسم الذي هو الجنس. # فالجسم بالمعنى الأول إذ هو جزء من الجوهر المركب من الجسم والصورة التي ~~بعد (13) الجسمية التي بمعنى المادة فليس بمحمول ، لأن تلك الجملة ليست ~~بمجرد جوهر ذي طول وعرض وعمق فقط. وأما هذا (14) الثاني فإنه محمول (15) ~~على كل مجتمع من مادة ، وصورة واحدة كانت أو ألفا ، وفيها الأقطار الثلاثة ~~، فهو إذن محمول (16) PageV01P214 # على المجتمع من الجسمية التي كالمادة ومن النفس ، لأن جملة ذلك جوهر وإن ~~اجتمع من (1) معان كثيرة. فإن تلك الجملة موجودة لا في موضوع ، وتلك الجملة ~~جسم (2) لأنها جوهر ، وهو جوهر له طول وعرض وعمق. # وكذلك فإن (3) الحيوان إذا أخذ حيوانا بشرط أن لا يكون في حيوانيته إلا ~~جسمية وتغذ وحس ، وأن يكون ما بعد ذلك خارجا عنه ، فربما كان لا يبعد أن ~~يكون مادة للإنسان أو موضوعا (4) وصورته النفس الناطقة. وإن أخذ بشرط أن ~~يكون جسما بالمعنى الذي يكون به الجسم جنسا ، وفي معاني ذلك الجسم على سبيل ~~تجويز الحس لا غير (5) ذلك من الصور ، ولو كان (6) النطق أو ms130 فصل يقابل ~~النطق غير متعرض لرفع (7) شيء منها أو وضعه ، بل مجوزا وجود أي ذلك كان في ~~هويته ، ولكن هناك معها بالضرورة (8) قوة تغذية وحس وحركة ضرورة ولا ضرورة ~~في أن لا يكون غيرها أو يكون ، كان حيوانا بمعنى الجنس. وكذلك فافهم الحال ~~في الحساس والناطق ، فإن أخذ الحساس جسما أو شيئا له حس (9) بشرط أن لا ~~يكون زيادة أخرى لم يكن فصلا وإن كان جزءا من الإنسان. وكذلك فإن الحيوان ~~غير محمول عليه وإن أخذ جسما أو شيئا مجوزا له وفيه ومعه (10)، أي الصور ~~(11) والشرائط كانت بعد أن يكون فيها حس ، كان فصلا وكان (12) الحيوان ~~محمولا عليه. # فإذن أي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته من هذه فوجدته قد ~~يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أنها فيه ومنه ، كان جنسا. وإن PageV01P215 # أخذته (1) من جهة بعض الفصول وتممت به المعنى وختمته حتى لو دخل شيء آخر ~~لم يكن من تلك الجملة (2)، بل مضافا من خارج ، لم يكن جنسا ، بل مادة. وإن ~~أوجبت لها تمام المعنى حتى دخل فيه ما يمكن أن يدخل ، صار نوعا. وإن كنت في ~~الإشارة إلى ذلك المعنى لا تتعرض لذلك ، كان جنسا. فإذن باشتراط أن لا تكون ~~زيادة تكون مادة ، وباشتراط أن تكون زيادة يكون نوعا. وبأن لا تتعرض (3) ~~لذلك (4)، بل يجوز أن يكون كل واحد من الزيادات على أنها داخلة في جملة ~~معناه ، يكون جنسا. وهذا إنما يشكل فيما ذاته مركبة (5)، وأما فيما (6) ~~ذاته بسيطة (7) فعسى أن العقل يفرض فيه هذه الاعتبارات في نفسه على النحو ~~الذي ذكرنا قبل هذا الفصل. # وأما في الوجود فلا يكون منه شيء (8) متميز (9) هو جنس وشيء هو مادة (10) ~~، فنقول : إنما يوجد للإنسان الجسمية قبل الحيوانية في بعض وجوه التصور إذا ~~أخذت (11) الجسمية بمعنى المادة لا بمعنى الجنس ، وكذلك إنما يوجد له الجسم ~~قبل الحيوانية إذا كان الجسم بمعنى لا يحمل عليه لا بمعنى يحمل عليه (12). ~~وأما الجسمية التي تفرض مع جواز أن توضع متضمنة لكل ms131 معنى مقرونا بها (13) ~~وجوب أن يتضمن الأقطار الثلاثة ، فإنها (14) لم توجد للشيء الذي هو نوع من ~~الحيوان إلا وقد تضمن الحيوانية. فيكون معنى الحيوانية جزءا ما من وجود ذلك ~~الجسم بالفعل بعد أن كان مجوزا في نفسها تضمنها إياه ، فيكون معنى ~~الحيوانية (15) جزءا ما من وجود ذلك PageV01P216 # الجسم بعكس حال الجسم إذا حصل. كما أن الجسم الذي هو بمعنى المادة (1) ~~جزء من وجود الحيوان ثم الجسم المطلق الذي ليس بمعنى المادة إنما وجوده ~~واجتماعه من وجود أنواعه ، وما توضع تحته فهي (2) أسباب (3) لوجوده ، وليس ~~هو سببا لوجودها. ولو كان للجسمية التي (4) بمعنى الجنس وجود محصل قبل وجود ~~النوعية ، وإن (5) كانت قبليته قبلية (6) لا بالزمان بل بالذات (7)، لكان ~~سببا لوجود النوعية ، مثل الجسم الذي بمعنى المادة (8)، وإن كانت قبليته ~~(9) لا بالزمان (10) بل وجود تلك الجسمية (11) في هذا النوع هو وجود ذلك ~~النوع لا غير. # وفي العقل أيضا فإن الحكم فيه كذلك. فإن العقل لا يمكنه أن يضع في شيء من ~~الأشياء للجسمية التي لطبيعة الجنس وجودا يحصل (12) هو أولا (13) وينضم ~~(14) إليه شيء آخر حتى يحدث الحيوان النوعي (15) في العقل. فإنه لو فعل ذلك ~~لكان ذلك المعنى الذي للجنس في العقل غير محمول على طبيعة النوع ، بل كان ~~جزءا منه في العقل أيضا. بل إنما (16) يحدث للشيء الذي هو النوع طبيعة ~~الجنسية في الوجود وفي العقل معا إذا حدث (17) النوع بتمامه. ولا يكون ~~الفصل خارجا عن معنى ذلك الجنس ومضافا إليه ، بل متضمنا (18) فيه وجزء منه ~~من الجهة التي (19) أومأنا إليها. وليس (20) هذا حكم الجنس وحده (21) من ~~حيث هو كلي (22)، بل حكم كل كلي من حيث هو كلي (23). PageV01P217 # فبين (1) من هذا أن الجسم إذا أخذ على الجهة التي يكون جنسا يكون ~~كالمجهول بعد ، لا يدرى أنه على أي صورة ، وكم صورة يشتمل (2)، وتطلب ~~النفس تحصيل (3) ذلك ، لأنه لم يتقرر بعد بالفعل شيء هو جسم محصل. وكذلك ~~(4) إذا أخذنا اللون (5) وأخطرناه ببال النفس ، فإن النفس (6) لا تقنع ~~بتحصيل شيء متقرر لا بالفعل (7)، بل ms132 تطلب في معنى اللون زيادة حتى يتقرر ~~بالفعل لون. # وأما طبيعة النوع فليس يطلب فيها تحصيل معناها ، بل تحصيل الإشارة. وأما ~~طبيعة (8) الجنس فإنها وإن كانت النفس إذا طلبت فيها تحصيل الإشارة كانت قد ~~فعلت الواجب وما يجب (9) أن يقنع معه. فإن النفس قد تطلب أيضا مع ذلك تحصيل ~~معناه قبل هذا الطلب ، حتى إنما يبقى له أن يستعد لهذا الطلب أكثر ويكون ~~(10) إلى النفس أن يفرضه أي مشار إليه شاء. فلا يمكن النفس أن تجعله بحيث ~~يجوز أن يكون أي مشار إليه شاء إلا بعد أن تضيف (11) إليه معاني أخرى (12) ~~بعد اللونية قبل الإشارة (13). فإنه ليس يمكنه أن يجعل اللون وهو لون بعد ~~بلا زيادة شيء مشار إليه أنه لون في هذه المادة ، ذلك (14) الشيء ليس إلا ~~لونا فقط. وقد يخصص بأمور عرضية عرضت (15) من خارج يجوز أن يتوهم هو بعينه ~~باقيا مع زوال واحد واحد منها ، كما يكون في مخصصات طبيعة (16) النوعية. ~~وكذلك في المقدار أو الكيفية أو غيرها ، وكذلك في الجسم الذي نحن بسبيله ~~ليس (17) يمكن أن يجعله PageV01P218 # الذهن مشارا إليه مقتصرا (1) على أنه جوهر يتضمن أي شيء اتفق بعد أن تكون ~~الجملة طويلة عريضة عميقة على جملته لم يتحدد الأشياء التي يتضمنها أو لا ~~يتضمنها فيصير نوعا. # فإن قال قائل : فيمكننا أن نجمع مثل (2) هذا الجمع أي الأشياء شيئا ، ~~فنقول : إن كلامنا في نحو من الاجتماع مخصوص (3)، يكون اجتماع الأشياء (4) ~~فيه على نحو الاجتماع في طبيعة الجنس من حيث هو جنس ، وذلك النحو هو أن ~~تكون المجتمعات فصولا تنضم إليه ، إلا أنه ليس كلامنا هاهنا في الدلالة على ~~طبيعة الجنس أنه كيف تحوي الفصول وغير الفصول ، وأي الأشياء يجتمع فيه على ~~نحو الفصول ، بل كلامنا فيها على النحو المؤدي إلى الفرق بين الجنس ~~والمادة. وليس إذا أردنا أن نفرق بين شيئين يلزمنا أن نتعدى التفريق إلى ~~بيانات أحوال أخرى ، وإنما غرضنا أن نعرف أن طبيعة الجنس الذي هو الجسم هو ~~أنه جوهر يجوز فيه اجتماع أشياء ms133 من شأنها أن تجتمع فيه. فتكون الجملة طويلة ~~عريضة عميقة ، وتكون وإن كانت لا تكون إلا أشياء (5) معلومة الشروط مجهولة ~~بعد. وإلى هذا (6) الحد ما نتكلم في هذا الفصل. PageV01P219 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل * في كيفية دخول المعاني الخارجة عن الجنس على (1) طبيعة الجنس # فلنتكلم الآن في الأشياء التي يجوز اجتماعها في الجنس ، ويكون التوقف في ~~إثبات طبيعته وماهيته (2) محصلة بالفعل أنما يقع لأجلها. فنقول : إن هذا ~~المطلب ينقسم إلى قسمين : أحدهما ، أنه أي الأشياء هي الأشياء التي يجب أن ~~يحصرها الجنس في نفسه وتجتمع ، فتكون تلك الأشياء جاعلة إياه نوعا. والثاني ~~(3)، أنه أي الأشياء يكون واقعا في حصره مما ليس كذلك. # وذلك أن الجسم إذا انحصر فيه (4) البياض على النحو (5) المذكور لم يجعله ~~نوعا ، والحيوان إذا قسم إلى ذكر وأنثى لم يتنوع بذلك ، وهو مع ذلك يتنوع ~~بأشياء أخرى. ثم الحيوان يجوز أن يقع على شخص فيه أعراض كثيرة تكون تلك ~~الجملة حيوانا مشارا إليه. # فنقول أولا : ليس يلزمنا أن نتكلف إثبات خاصية فصل كل جنس (6) عند كل نوع ~~ولا أيضا فصول أنواع جنس واحد ، فإن ذلك ليس في مقدورنا ، بل الذي في ~~مقدورنا هو معرفة القانون في ذلك ، وأنه كيف ينبغي أن يكون الأمر في نفسه. ~~وأما إذا نظرنا في معنى (7) من المعاني المعقولة الواقعة في تخصيص الجنس ~~أنه هل هذا المعنى للجنس على شرط ذلك القانون أو ليس ، فربما جهلناه في ~~كثير من الأشياء ، وربما علمناه في بعضها ، فنقول : إن المعنى (8) العام إذا PageV01P220 # انضافت إليه طبيعة (1) فيجب أول شيء أن يكون انضيافها إليه على سبيل ~~القسمة حتى ترده إلى النوعية ، وأن تكون القسمة مستحيلة (2) أن تتقلب وذلك ~~المشار إليه باقي الجوهر ، حتى يصير مثلا المتحرك منهما غير متحرك (3) وهو ~~واحد بالشخص ، وغير المتحرك متحركا (4) وهو واحد بالشخص ، وغير المتحرك ~~والمتحرك قسما التقسيم الذاتي ، بل يجب أن تكون القسمة لازمة فيكون (5) ~~المعنى الخاص لا يفارق قسطه الخاص من الجنس وبعد ذلك فيجب أن يكون الموجب ~~من القسمين أو كلاهما ms134 ليسا عارضين له بسبب (6) شيء قبلهما (7) وتتضمن (8) ~~طبيعة الجنس أن يكون له ذلك (9) المعنى أولا. فإنه إن كان ثانيا جاز أن لا ~~يكون ذلك المعنى فصلا البتة ، بل كان أمرا لازما للأمر الذي هو الفصل مثل ~~(10) أن يكون قاسم قد غير (11) حكمه (12) فلم يقسم (13) الجوهر إلى جسم ~~وإلى غير جسم ، بل يقسم إلى قابل الحركة (14) وإلى غير قابل للحركة (15). ~~فإن القابل للحركة لا يلحق الجوهر أول اللحوق ، بل بعد أن يصير مكانيا ~~جسمانيا (16). فقابل الحركة يلزم الجسم ، ويلزم الجسم أشياء كثيرة كل واحد ~~منها يذكر الجسم ، لكنها ليست فصولا بل أمورا لزمت (17) الفصول. لأن الجوهر ~~يتوسط الجسمية ما تعرض (18) له تلك المعاني ، وانقسامه إلى أن يكون ذا ~~جسمية أو غير ذي جسمية فهو لما هو (19) جوهر لا لتوسط شيء آخر. # وقد يجوز أن يكون بعض ما لا يعرض أولا فصلا ، ولكن لا يكون فصلا قريبا ~~لذلك الجنس ، بل فصلا بعد فصل ، مثل أن يقال : إن الجسم منه ناطق PageV01P221 # ومنه غير ناطق ، لأن الجسم بما هو جسم فقط ليس مستعدا (1) لأن يكون ناطقا ~~وغير (2) ناطق ، بل يحتاج (3) إلى أن يكون أولا ذا نفس حتى يكون ناطقا. ~~وإذا وجد الجنس (4) فصلا فيجب أن تكون تلك (5) الفصول التي بعده فصولا تعرف ~~(6) تخصيص (7) ذلك (8) الفصل (9)، فإن ذا النطق وعديم النطق تعرف حال فصل ~~كونه ذا نفس ، فإنه ذو نطق وعديم النطق (10) (11) من جهة ما هو ذو نفس ، لا ~~من جهة أنه أبيض أو أسود أو شيء آخر البتة بالفعل (12). وكذلك كون الجسم ~~ذا نفس أو غير ذي نفس ليس له هذا بسبب شيء البتة من الأجناس المتوسطة ، ~~فإذا عرض لطبيعة الجنس أيضا عوارض ينفصل بها (13) لم يخل إما أن يكون ~~الاستعداد للانفصال بها أنما هو لطبيعة الجنس ، أو لطبيعة أعم منها ، كما ~~كان قبل لطبيعة أخص منها. فإن كان لطبيعة أعم منها ، مثل أن الحيوان منه ~~أبيض وأسود (14)، والإنسان منه ذكر وأنثى ، فليس ذلك من فصوله بل الحيوان ~~إنما صار أبيض وأسود (15) لأجل أنه ms135 جسم طبيعي ، وقد صار ذلك الجسم الطبيعي ~~قائما بالفعل ثم وضع بهذه العوارض ، وهو يقبلها ، وإن لم يكن حيوانا ، ~~والإنسان إنما صار مستعدا للذكر والأنثى لأجل أنه حيوان ، فهذا لا يكون ~~فصلا للجنس. # وأيضا قد (16) تكون أشياء خاصة بالجنس (17) تقسمه كالذكر والأنثى ~~بالحيوان ، ولا تكون فصولا (18) بوجه من الوجوه ، وذلك لأنها إنما كانت ~~تكون فصولا لو كانت عارضة للحيوان من جهة صورته حتى انقسمت بها صورته ~~انقساما أوليا ، ولم تكن PageV01P222 # لازمة (1) لشيء يقومه فصل أولا ، فأما إذا لم تكن كذلك بل إنما عرضت ~~للحيوان لأن مادته التي يكون منها عرض لها عارض فصارت بحال من الأحوال لا ~~تمنع حصول صورة الجنس وماهيته (2) ولا طرفا القسمة (3) (4) في المادة (5)، ~~ولا أيضا تمنع أن يقع للجنس افتراق (6) آخر من حيث صورته بالفصول ، فليس ~~طرفا القسمة من الفصول ، بل من العوارض (7) اللازمة فيه أعني مثل الذكورة ~~(8) والأنوثة. فإن المني الذي كان صالحا لصورة الحيوان (9) وكان متعينا ~~لفصل (10) خاص من الحيوان الكلي عرض له انفعال حار فصار ذكرا ، وكان (11) ~~يجوز أن يعرض له بعينه انفعال مبرد (12) في المزاج فيكون أنثى ، وذلك ~~الانفعال وحده لا يمنعه من حيث نفسه أن يقبل أي فصل يعرض للحيوان من جهة ~~صورته ، أي من جهة كونه ذا نفس دراكا متحركا بالإرادة ، فكان يجوز أن يقبل ~~النطق وغير النطق فلم يكن ذلك (13) مؤثرا في تنويعه. وحتى لو توهمناه (14) ~~لا أنثى ولا ذكرا ولم نلتفت إلى ذلك البتة لقام نوعا بما ينوعه ، فلا ذلك ~~يمنع عن (15) التنوع (16) دون الالتفات إليه ولا يفيد التنوع بالالتفات ~~(17) إليه. وليس كذلك إذا توهمناه لا ناطقا ولا أعجم أو توهمنا اللون لا ~~أبيض ولا أسود بوجه. # وليس يكفي إذا أردنا أن نفرق بين الفصول والخواص القاسمة أن نقول : إن ~~الذي عرض من جهة المادة فليس (18) بفصل. فإن كونه غاذيا أو غير غاذ (19) ~~إنما يعرض من جهة المادة لكن يجب أن تراعى الشرائط الأخرى (20) التي ~~وصفناها. PageV01P223 # ولهذا لا نجد شيئا من جملة ما هو مغتذ من أنواع الجسم ms136 (1) يدخل في جملة ~~ما هو غير (2) مغتذ ، ونجد الإنسان وهو نوع لا محالة من الحيوان يدخل في ~~جملة الذكر والأنثى جميعا ، وكذلك الفرس وغيره ، والذكر والأنثى (3) قد (4) ~~تدخل أيضا في الإنسان وفي الفرس. على أن هذا المعنى وهو ملازم (5) ما به ~~(6) تقع القسمة للمقسوم (7) وإن كان من شرائط الفصل فقد يكون في غير الفصل. ~~فربما لزم ما ليس بفصل نوعا واحدا لا يتعداه ، وذلك إذا كان من لوازم الفصل. # ونرجع فنقول (8): وأنت (9) تعلم أن المادة إذا كانت تتحرك إلى قبول ~~حقيقة صورة ليحدث نوع ، فقد يعرض لها عوارض من الأمزجة وغيرها تختلف بها ~~حالها في أفعال تصدر عنها لا من حيث تقبل صورة الجنس أو صورة الفصل ، إذ ~~ليس كل ما تقبله من الأحوال وما يعرض لها إنما يكون من جملة ما هو داخل في ~~الغاية التي إليها تتحرك في التكون (10). فقد (11) علمت مصادمات الأمور ~~الطبيعية ، ومعارضة بعضها لبعض ، والانفعالات (12) التي تقع بينها (13)، ~~فربما كانت الانفعالات المعترضة صارفة (14) عن الغاية المقصودة ، وربما ~~كانت موقعة لاختلافات لا في نفس الغاية المقصودة (15)، بل في أمور تناسب ~~الغاية مناسبة (16) ما ، وربما كانت في أمور خارجة عنها جدا. فما يعرض ~~للمادة من هذه الجهة وتبقى معه المادة مستمرة إلى الصورة فذلك خارج عن معنى ~~الغاية ، والذكورة (17) والأنوثة (18) إنما تؤثر في كيفية (19) حال الآلات ~~التي بها يكون التناسل ، والتناسل PageV01P224 # لا محالة أمر عارض (1) بعد الحياة وبعد تنوع الحياة شيئا محصلا بعينه. ~~فيكون ذانك وأمثالهما من جملة (2) الأحوال اللاحقة بعد تنوع النوع نوعا ، ~~وإن كانت مناسبة للغاية. فما كان من الانفعالات واللوازم بهذه الصفة فليعلم ~~(3) أنها ليست من الفصول للأجناس (4). # قد (5) عرفنا طبيعة الكلي وأنه كيف يوجد وأن الجنس منها كيف يفارق المادة ~~تعريفا من وجه يمكن أن يتفرع منه وجوه سنوردها بعد ، وعرفنا أي الأشياء ~~يتضمنها الجنس مما يتنوع بها. وبقي (6) بحثان متصلان بما نحن بسبيله (7). ~~أحدهما ، أي الأشياء يتضمنها الجنس مما ليس بمنوع إياه. والثاني ، أن هذا ~~التأحيد كيف يكون وكيف يكون عن الجنس ms137 وعن الفصل ، وهما شيئان ، شيء واحد ~~متحصل (8) بالفعل. # فأما البحث الأول فنقول فيه : إن تلك الأشياء إذ لا تكون فصولا (9) فهي ~~لا محالة عوارض. والعوارض إما لازمة وإما غير لازمة. واللازمة (10) إما ~~لازمة لأجناس (11) الجنس إن كانت له أجناس وإما لفصول (12) أجناسه وإما ~~للجنس نفسه من فصله ، وإما لفصول تحته ، وإما لمادة شيء منها. وأما ما كان ~~منها (13) من فوق فإن اللازمات للأجناس الفوقانية والفصول التي لها الفصل ~~المقوم الذي للجنس نفسه واللازمات لمواد هذه ولأعراضها إذ قد يلزم الأعراض ~~أعراض فجميع ذلك يكون لازما للجنس ولما تحته. PageV01P225 # وأما التي (1) تلزم الفصول (2) التي تحت الجنس فلا يلزم الجنس شيء منها ، ~~إذ يلزم من (3) ذلك أن يلزمه (4) النقيضان (5)، بل قد يجوز أن يقع فيه ~~كلاهما. # وأما البحث الثاني (6) فلنفرض مشارا إليه وهو مجموع محصل من فصول الأجسام ~~(7) وأعراض كثيرة. فإذا قلنا له جسم ، فلسنا نعني بذلك مجرد مجموع (8) ~~الصورة الجسمية مع المادة التي هذه الأشياء كلها عارضة لها خارجة ، بل نعني ~~شيئا لا في موضوع له طول وعرض وعمق سواء كان هذا (9) الحمل عليه أوليا أو ~~غير أولى. فتكون هذه الجملة من حيث هي جملة معينة (10) يقع عليها حمل الجسم ~~بهذا المعنى ، ولا يحمل عليها الجسم بالمعنى الآخر الذي هو مادته (11). ~~فإذا قيل له جسم ، لم يكن ذلك الجسم إلا هو نفسه ، لا الجزء منه ولا شيء ~~خارج عنه. # ولكن لقائل أن يقول : قد جعلتم طبيعة الجنس ليست غير طبيعة الشخص ، وقد ~~أجمع الحكماء على (12) أن للشخص أعراضا وخواص خارجة عن طبيعة الجنس. فنقول ~~: معنى قولهم (13) أن للشخص أعراضا وخواص خارجة عن طبيعة الجنس (14) هو : ~~أن طبيعة الجنس المقولة على الشخص لا تحتاج في أن تكون لها طبيعة الجنس من ~~حيث تعم إلى تلك الأعراض بالفعل ، لا أن طبيعة الجنس لا تقال على الجملة. ~~فإنه لو كان لا يقال على الجملة لم يكن محمولا على الشخص ، بل كان يكون ~~جزءا من الشخص (15). لكنه لو لم تكن هذه الأعراض والخواص لكان يكون ms138 أيضا ~~هذه الطبيعة التي قلناها موجودة بهذا المعنى المذكور ، PageV01P226 # وهو أنها (1) طبيعة جوهر كيف كانت جوهريته (2) يتقوم (3) بكذا وكذا مما ~~يجب له في أنه جسم. # فهذه الأعراض والخواص خارجة عن أن (4) يحتاج إليها الجسم من الأجناس مثلا ~~في أن يكون جسما على ما قيل ، إلا أن يكون مخصصا. وليس (5) في ذلك إذا كانت ~~هذه ، فليس يقال عليها الجسم ، ففرق بين أن يقال : إن طبيعة لا يحتاج في ~~معناها إلى شيء ، وبين أن يقال : لا يحمل عليه. فقد (6) يحمل (7) على ما لا ~~يحتاج إلى معناه. وأما إذا حمل فقد تخصص به بالفعل (8)، بعد أن كان يجوز ~~أن يتخصص بغيره. وكذلك حاله مع الفصول. ولو لا هذا الوجه من الاعتبار في ~~حمل الجنس لكان طبيعة الجنس جزءا لا محمولا. PageV01P227 ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل * في النوع # وأما النوع فإنه الطبيعة المتحصلة في الوجود وفي العقل جميعا ، وذلك لأن ~~الجنس إذا تحصل ماهيته (1) بأمور تحصله (2) يكون العقل إنما ينبغي له (3) ~~بعد ذلك أن يحصلها بالإشارة فقط ، ولا يطلب شيئا في تحصيلها إلا الإشارة ~~فقط بعد أن تحصلت الطبيعة نوع (4) الأنواع. ويكون حينئذ تعرض له (5) لوازم ~~من الخواص والأعراض تتعين بها الطبيعة المشار (6) إليها ، وتكون (7) تلك ~~الخواص والأعراض إما إضافات فقط من غير أن تكون معنى في الذات البتة ، وهي ~~ما يعرض لشخصيات الأمور البسيطة والأعراض (8)، لأن تشخصها بكونها (9) ~~محمولة على موصوفاتها (10)، وتشخصها بالموضوع (11) يكون بالعرض كالصور ~~الطبيعية مثل صورة النار ، وإما أن تكون (12) أحوالا (13) زائدة على ~~المضافات ، لكن بعضها بحيث لو توهم مرفوعا عن هذا المشار إليه لوجب أن لا ~~يكون هذا المشار إليه الذي هو مغاير لآخرين موجودا ، بل يكون قد (14) فسد ~~نحو مغايرته (15) اللازمة ، PageV01P228 # وبعضها بحيث لو توهم مرفوعا لم يجب به لا بطلان ماهيته بعد وجودها ولا ~~فساد ذاته بعد تخصصها ، ولكن بطلت مغايرته ومخالفته لآخرين إلى مغايرة أخرى ~~من غير فساد. # لكنا (1) ربما أشكل علينا ذلك (2) فلم يتحصل ، وليس كلامنا فيما نعلمه ~~نحن (3)، بل فيما الأمر في نفسه عليه. PageV01P229 ### ||| * [ الفصل ms139 السادس ] ( و) فصل * في تعريف (1) الفصل وتحقيقه # والفصل أيضا يجب (2) أن نتكلم فيه ونعرف حاله. فنقول : إن الفصل بالحقيقة ~~ليس هو مثل النطق والحس (3)، فإن ذلك غير محمول على شيء إلا على ما ليس ~~فصلا له ، بل نوعا مثل اللمس للحس على (4) ما علمت في موضع آخر (5)، أو ~~شخصا مثل حمل النطق على نطق زيد وعمرو. فإن أشخاص الناس لا يحمل عليها ~~النطق ولا الحس فلا يقال لشيء (6) منها أنه نطق أو حس ، لكن (7) يشتق له من ~~أسمائها (8) اسم. فإن كانت هذه فصولا فهي فصول من جهة أخرى ، وليست من ~~الجهة (9) التي هي أقسام المقول على كثيرين بالتواطؤ. فالأولى (10) أن تكون ~~هذه مبادئ الفصول لا الفصول ، فإنها إنما تحمل بالتواطؤ (11) على غير أشخاص ~~النوع التي يقال إنها فصولها. وذلك لأن النطق يحمل (12) على نطق زيد ونطق ~~عمرو بالتواطؤ ، والحس يحمل على البصر والسمع بالتواطؤ. # فالفصل الذي هو كالنطق والحس ليس هو بحيث يقال على شيء من الجنس ، فليس ~~الحس ولا النطق حيوانا البتة. وأما الفصل الذي هو الناطق (13) والحساس ~~فالجنس بالقوة هو ، وإذا صار هو بالفعل صار نوعا. وأما كيف ذلك فقد PageV01P230 # تكلمنا فيه وبينا أنه كيف يكون الجنس هو الفصل وهو النوع في الوجود ~~بالفعل وكيف تفترق (1) هذه بعضها من بعض ، وأن النوع بالحقيقة شيء هو الجنس ~~إذا صار موصوفا بالفعل (2)، وأن ذلك التميز والتفريق هو (3) عند العقل ، ~~فإذا (4) احتيل (5) وفصل وتميز في الوجود في المركبات (6) صار الجنس مادة ~~والفصل صورة ، ولم يكن الجنس ولا الفصل مقولا على النوع. # ثم من الشكوك التي تعرض على هذا الكلام ، بل على وجود طبيعة الفصل ما ~~أقوله : إنه من البين أن كل نوع منفصل عن شركائه في الجنس بفصل. ثم ذلك ~~الفصل معنى أيضا من المعاني ، فإما أن يكون أعم المحمولات ، وإما أن يكون ~~معنى واقعا تحت أعم المحمولات. ومحال أن يقال : إن كل فصل هو أعم المحمولات ~~(7). فإن الناطق وأشياء كثيرة مما يجري مجراه ليس (8) مقولة ولا في حكم ~~مقولة ، فيبقى ms140 (9) أن يكون واقعا تحت (10) أعم المحمولات وكل ما هو واقع ~~تحت معنى أعم منه فهو منفصل (11) عما يشاركه فيه (12) بفصل يختص به ، فيكون ~~إذن لكل فصل فصل ، ويذهب هذا إلى غير النهاية. # والذي يجب أن يعلم حتى ينحل به هذا الشك أن من الحمل ما يكون المحمول فيه ~~مقوما لماهية (13) (14) الموضوع ، ومنه ما يكون أمرا لازما له غير مقوم ~~لماهيته (15) كالوجود. وأنه (16) ليس يجب أن يكون كل معنى يكون أخص ويقع ~~تحت معنى أعم ، إنما ينفصل عن شركائه فيه بفصل في العقل ، هو معنى يغاير ~~(17) ذاته وماهيته PageV01P231 # وإنما يجب ذلك إذا كان ما يحمل عليه مقوما لماهيته فيكون كالجزء في العقل ~~والذهن لماهيته ، فما يشاركه عند العقل والذهن والتحديد في ذلك المعنى ~~شاركه (1) في شيء هو جزء ماهيته ، فإذا (2) خالفه يجب (3) أن يخالفه (4) في ~~شيء لا يتشاركان فيه ، ويكون ذلك جزءا آخر عند العقل والذهن والتحديد من ~~ماهيته. فتكون مخالفته الأولية له بشيء من جملة ماهيته ، ليس بجميع ما يدخل ~~(5) في ماهيته ، أعني عند الذهن والتحديد. # والجزء غير الكل فتكون مخالفته له بشيء غيره وهو الفصل. وأما إذا كانت ~~المشاركة في أمر لازم وكان لا يشاركه في أجزاء حد الماهية أصلا وكانت (6) ~~الماهية بنفسها منفصلة لا بجزء منها ، مثل انفصال اللون عن العدد ، فإنهما ~~وإن اشتركا في الوجود ، فالوجود كما اتضح في سائر ما تعلمت من الفلسفة لازم ~~غير داخل في الماهية. فلا يحتاج اللون في انفصاله من العدد عند التحديد ~~والذهن إلى شيء (7) آخر غير ماهيته وطبيعته. ولو شاركه العدد في معنى داخل ~~في ماهيته لكان يحتاج إلى (8) أن ينفصل عنه بمعنى آخر غير (9) جملة ماهيته ~~(10). لكن جملة ماهية اللون (11) غير مشاركة البتة لماهية العدد ، وإنما ~~تشاركها بشيء (12) خارج عن الماهية. فلا يحتاج إذن اللون إلى فصل يخالف به العدد. # ونقول أيضا إن الجنس يحمل على النوع على أنه جزء من ماهيته ، ويحمل على ~~الفصل على أنه لازم له لا على أنه جزء من ماهيته ، مثاله الحيوان يحمل على ms141 PageV01P232 # الإنسان على أنه جزء من ماهيته ، ويحمل على الناطق على أنه لازم له لا ~~على أنه جزء من ماهيته (1). فإنما (2) يعني بالناطق شيء له نطق وشيء له ~~نفس ناطقة من غير أن يتضمن نفس قولنا الناطق بيانا لذلك الشيء أنه جوهر أو ~~غير جوهر. إلا أنه يلزم أن لا يكون هذا الشيء إلا جوهرا وإلا جسما وإلا ~~حساسا ، فتكون هذه الأمور مقولة عليه قول اللازم على الملزوم لأنها غير ~~داخلة في مفهوم الناطق أي الشيء ذي النطق. # فنقول الآن : أما الفصل فإنه لا يشارك الجنس الذي يحمل عليه في الماهية ~~فيكون إذن انفصاله عنه بذاته. ويشارك النوع على أنه جزء منه فيكون انفصاله ~~عنه (3) لطبيعة (4) الجنس التي هي في ماهية (5) النوع وليست في ماهية ~~الفصل. وأما حاله مع سائر الأشياء ، فإن الفصل إن شاركها في الماهية وجب أن ~~ينفصل عنها بفصل ، وإن لم يشاركها في الماهية (6) لم يجب أن ينفصل عنها (7) ~~بفصل (8). وليس يجب أن يكون كل فصل يشارك شيئا في ماهية ، فليس يجب لا ~~محالة إذا وقع الفصل تحت ما هو أعم منه أن يكون وقوعه تحته هو وقوعه تحت ~~الجنس ، بل قد يمكن أن يقع تحت ما هو أعم منه ويكون الأعم داخلا في ماهيته. ~~ويمكن أن لا يقع تحت ما هو أعم منه إلا وقوع المعنى تحت اللازم له دون ~~الداخل في ماهيته ، مثل الناطق مثلا ، فإنه يقع تحت المدرك على أن المدرك ~~جنس له ، والمدرك يقع تحت الجوهر على أنه أعني الجوهر لازم له لا جنس على ~~الوجه الذي أومأنا إليه ، ويقع أيضا تحت المضاف لا على أن الإضافة جوهره أو ~~داخلة (9) في ماهيته بل على أنها لازمة له. PageV01P233 # فالفصل ليس يحتاج في انفصاله عن النوع إلى فصل آخر ، وليس يحتاج (1) في ~~انفصاله عن الأشياء المشاركة له في الوجود وسائر اللوازم (2) إلى معنى غير ~~نفس ماهيته ، وليس يجب أن يقع لا محالة تحت ما هو أعم منه وقوع النوع تحت ~~الجنس ، بل قد يقع وقوع الملزوم ms142 الأخص تحت اللازم الذي (3) لا يدخل (4) في ~~الماهية. # وأما إذا أخذت الفصل كالنطق مثلا ، فإنما يجب أمثاله في فصول الأشياء ~~المركبة. فإن عنيت بالنطق كونه ذا نفس ناطقة كان من المعاني المؤلفة من ~~نسبة وجوهر ، على ما علمت من حكمه في مواضع أخرى. وإن عنيت نفس النفس ~~الناطقة (5) كانت (6) جوهرا وكانت جزء جوهر مركب تخالفه بالفصل الواقع بين ~~البسيط والمركب في الجواهر ، على نحو ما تحققت كثيرا (7). # ولنرجع (8) الآن إلى المقدمات (9) التي في الشك (10)، فنقول : أما ~~المقدمة القائلة إن الفصل لأنه معنى من المعاني فإما أن يكون أعم المحمولات ~~، وإما أن يكون معنى واقعا تحت أعم المحمولات ، فمسلمة. وأما الأخرى وهي ~~القائلة إن كل ما هو أعم المحمولات فهو مقولة كذب ، وإنما المقولة أعم ~~المحمولات الجنسية المقومة للماهية لا التي هي أعم المحمولات ، وليس تقوم ~~(11) ماهية (12) كل ما (13) تحتها ، بل تلزم الأشياء. والقائلة الأخرى إن ~~كل ما هو واقع تحت معنى أعم منه (14) فهو منفصل عما يشاركه فيه بفصل يختص ~~به ، كاذبة. لأن المشاركات إذا كانت مشاركة في اللازم دون المعنى (15) ~~الداخل في الماهية ، لم يكن الانفصال عنها بفصل بل بمجرد الماهية. PageV01P234 # فتعين (1) بعد هذا أنه لا يجب أن يكون لكل فصل فصل. ويجب أن يعلم أن الذي ~~يقال من أن فصول الجوهر جوهر ، وفصول الكيف (2) كيف ، معنى ذلك ، أن فصول ~~الجوهر يلزم أن تكون جوهرا ، وفصول الكيف يلزم أن تكون كيفا ، لا أن (3) ~~فصول الجوهر يوجد في مفهوم ماهياتها حد الجوهر على أنها جواهر (4) في ~~أنفسها (5)، وفصول الكيف يوجد في ماهيتها حد الكيفية على أنها كيفية. إلا ~~أن نعني بفصول (6) الجوهر مثلا لا الفصل المقول على الجوهر بالتواطؤ ، بل ~~الفصل المقول عليه بالاشتقاق ، أعني لا الناطق بل النطق ، فيكون حينئذ ما ~~علمت ويكون فصلا بالاشتقاق (7) لا بالتواطؤ ، والفصل الحقيقي (8) الذي يقال ~~بالتواطؤ. وليس يجب إذا كان الفصل الذي بالتواطؤ موجودا ، أن يكون أيضا (9) ~~الفصل الذي بالاشتقاق موجودا ، إنما يكون هكذا لا في كل ما هو نوع ، بل ~~(10) فيما هو ms143 نوع جوهري دون الأنواع العرضية ، وليس أيضا في كل نوع جوهري ، ~~بل فيما كان مركبا ولم يكن جوهرا بسيطا. # فالفصل (11) الذي يقال بالتواطؤ معناه شيء بصفة كذا مطلقا ، ثم بعد ذلك ~~على سبيل النظر والتأمل (12) يعلم أنه يجب أن يكون هذا الشيء الذي بصفة كذا ~~جوهرا أو كيفا. مثاله (13)، أن الناطق هو شيء له نطق (14). فليس في كونه ~~(15) شيئا له نطق هو أنه جوهر أو عرض ، إلا أنه يعرف من خارج أنه لا يمكن ~~أن يكون هذا الشيء إلا جوهرا أو جسما. PageV01P235 ### ||| * الفصل السابع ( ز ) فصل * في تعريف مناسبة الحد والمحدود # ولقائل (1) أن يقول : إن الحد كما وقع عليه الاتفاق من أهل الصناعة مؤلف ~~من جنس وفصل (2)، وكل واحد منهما مفارق للآخر ، ومجموعهما هو جزء الحد ، ~~وليس الحد إلا ماهية المحدود ، فتكون نسبة المعاني المدلول عليها بالجنس ~~والفصل إلى طبيعة النوع كنسبتها (3) في الحد إلى المحدود. وكما أن الجنس ~~والفصل جزءا الحد (4)، فكذلك معنياهما (5) جزءا المحدود (6). وإذا كان ~~كذلك لم يصح حمل طبيعة الجنس على طبيعة النوع لأنه جزء منه. فنقول : إنا ~~إذا حددنا فقلنا : الإنسان مثلا حيوان ناطق ، فليس مرادنا بذلك أن الإنسان ~~هو مجموع الحيوان والناطق ، بل مرادنا بذلك أنه الحيوان الذي ذلك الحيوان ~~ناطق ، بل الذي هو بعينه الناطق (7). كان الحيوان في نفسه أمر لا يتحصل ~~وجوده على النحو الذي قلنا (8) قبل. فإذا (9) كان ذلك الحيوان ناطقا حتى ~~يكون هذا الذي نقول له : إنه ذو نفس دراكة مجملا الذي هو غير محصل ، أي إنه ~~(10) ذو نفس هو قد صار محصلا من حاله أن نفسه حساسة ناطقة ، فيكون هذا ~~تحصيلا لكونه ذا نفس دراكة. فليس يكون الجسم ذو النفس الدراكة شيئا ، وكونه ~~ذا نفس ناطقة (11) شيئا ينضم إليه خارجا عنه ، بل PageV01P236 # يكون هذا الذي هو حيوان هو الجسم ذو النفس الدراكة. ثم كون نفسه دراكة ~~أمر مبهم ، ولا يكون بالفعل في الوجود مبهما البتة كما علمت ، بل يكون فيه ~~محصلا ، وإنما (1) يكون هذا الإبهام في الذهن ، إذ يكون ms144 مشكلا عليه حقيقة ~~النفس الدراكة حتى يفصل ، فيقال دراكة بالحس والتخيل والنطق. # وإذا (2) أخذ الحس في حد الحيوان فليس هو بالحقيقة الفصل ، بل هو دليل ~~على الفصل. فإن فصل الحيوان أنه ذو نفس دراكة متحركة بالإرادة وليس هوية ~~نفس الحيوان أن يحس ، ولا هويته أن يتخيل ، ولا هويته (3) أن يتحرك ~~بالإرادة ، بل هو مبدأ لجميع ذلك ، وهذه كلها قواه ، ليس أن ينسب إلى بعضها ~~أولى من أن ينسب إلى الآخر ، لكنه (4) ليس له في نفسه اسم ، وهذه توابعه ، ~~فنضطر إلى أن نخترع له اسما بالنسبة إليها. ولهذا نجمع الحس والتحرك معا في ~~حده ، ونجعل الحس كأنه معنى يجمع (5) الحس الظاهر (6) والباطن (7)، أو ~~يقتصر (8) على الحس فيكون دالا على جميع ذلك لا بالتضمن بل بالالتزام. # وقد سلف لك بيان هذا وما أشبهه ، فليس الحس بالحقيقة فصل الحيوان ، بل ~~أحد (9) شعب فصله وأحد (10) لوازمه. وإنما فصله وجود النفس التي هي مبدأ ~~هذا كله له ، وكذلك الناطق للإنسان. لكن عدم الأسماء وقلة شعورنا (11) ~~بالفصول يضطرنا إما هذا وإما ذاك إلى الانحراف عن حقيقة الفصل إلى لازمه. ~~فربما اشتققنا اسمه من لازمه ، فعنينا بالحساس (12) الذي له المبدأ الذي ~~ينبعث منه (13) PageV01P237 # الحس وغيره ، وربما كان الفصل (1) نفسه مجهولا عندنا ، ولم نشعر إلا ~~بلازمه. وليس كلامنا في هذه الأمور على حسب ما نعقل نحن ونصنع نحن ونتصرف ~~فيها نحن ، بل من جهة كيفية وجودها في أنفسها. ثم لو كان ليس للحيوان نفس ~~إلا (2) الحساسة (3) كان كونه جسما ذا حس ليس جنسا بمعنى مجرد الطبيعة ~~الجسمية والحسية (4) بشرط أن يكون هو فقط ، بل على النحو الذي قلنا. فاتحاد ~~(5) الفصل بالجنس ليس إلا على أنه شيء كان يتضمن (6) الجنس بالقوة لا يلزم ~~(7) الجنس بالقوة ، واتحاد المادة بالصورة أو الجزء بالجزء (8) الآخر في ~~المركب فإنما هو اتحاد شيء بشيء خارج عنه لازم أو عارض. # فتكون الأشياء التي يكون (9) فيها اتحاد على أصناف. أحدها ، أن يكون ~~كاتحاد المادة والصورة فتكون المادة شيئا لا وجود (10) له بانفراد ذاته ~~بوجه ، وإنما يصير ms145 بالفعل بالصورة على أن يكون الصورة أمرا خارجا عنه ، ليس ~~أحدهما الآخر ، ويكون المجموع ليس ولا واحد منهما. والثاني ، اتحاد أشياء ~~(11) يكون كل واحد منها (12) في نفسه مستغنيا عن الآخر في القوام ، إلا ~~أنها تتحد فيحصل منها شيء واحد (13) إما بالتركيب وإما بالاستحالة ~~والامتزاج. ومنها ، اتحاد أشياء بعضها لا يقوم بالفعل إلا بما انضم إليه ، ~~وبعضها يقوم بالفعل ، فيقوم الذي لا يقوم بالفعل بالذي يقوم بالفعل ويجتمع ~~من ذلك جملة متحدة ، مثل اتحاد الجسم والبياض. وهذه الأقسام كلها لا تكون ~~المتحدات منها بعضها PageV01P238 # بعضا ، ولا جملتها أجزاءها ، ولا يحمل البتة شيء منها على الآخر حمل ~~التواطؤ. ومنها (1) اتحاد شيء بشيء ، قوة هذا الشيء منهما أن يكون ذلك ~~الشيء ، لا أن ينضم إليه. فإن الذهن قد يعقل معنى يجوز أن يكون ذلك المعنى ~~نفسه أشياء كثيرة كل واحد منها (2) ذلك المعنى في الوجود ، فيضم (3) إليه ~~معنى آخر تعين (4) وجوده بأن يكون ذلك المعنى متضمنا (5) فيه ، وإنما يكون ~~آخر من حيث التعيين (6) والإبهام لا في الوجود. مثل المقدار فإنه معنى يجوز ~~أن يكون هو الخط (7) والسطح والعمق ، لا على أن يقارنه شيء فيكون مجموعهما ~~الخط والسطح والعمق ، بل على أن يكون نفس الخط ذلك أو نفس السطح ذلك. وذلك ~~لأن معنى المقدار هو (8) شيء يحتمل مثلا المساواة ، غير (9) مشروط (10) فيه ~~أن يكون هذا المعنى فقط. فإن مثل هذا لا يكون جنسا كما علمت ، بل بلا شرط ~~غير ذلك ، حتى يجوز أن يكون هذا الشيء القابل للمساواة هو في نفسه أي شيء ~~(11) كان ، بعد أن يكون وجوده لذاته هو (12) الوجود ، أي يكون محمولا عليه ~~لذاته أنه كذا ، سواء كان في بعد أو (13) بعدين أو ثلاثة. # فهذا المعنى في الوجود لا يكون إلا أحد هذه ، لكن الذهن يخلق له من حيث ~~يعقل وجودا مفردا. ثم إن الذهن إذا أضاف إليه الزيادة لم يضف الزيادة على ~~أنها معنى من خارج لاحق بالشيء القابل للمساواة حتى يكون ذلك قابلا ~~للمساواة في حد نفسه وهذا شيء آخر ms146 مضاف إليه خارجا عن ذلك ، بل يكون ذلك ~~(14) تحصيلا لقبوله للمساواة (15) أنه في بعد واحد فقط أو في أكثر منه. PageV01P239 # فيكون القابل للمساواة في بعد واحد في هذا الشيء هو نفس القابل للمساواة ~~، حتى يجوز لك (1) أن تقول : إن هذا (2) القابل للمساواة هو هذا الذي هو ذو ~~بعد واحد وبالعكس ، ولا يكون هذا في الأشياء التي مضت. وهاهنا وإن كانت ~~كثرة ما لا شك فيها فهي كثرة ليست من الجهة التي تكون من (3) الأجزاء بل ~~كثرة تكون من جهة أمر غير محصل وأمر محصل (4). فإن الأمر المحصل في (5) ~~نفسه يجوز أن يعتبر من حيث هو غير محصل عند الذهن فتكون هناك غيرية ، لكن ~~إذا صار محصلا لم يكن ذلك شيئا آخر إلا بالاعتبار المذكور الذي ذلك للعقل ~~وحده. فإن التحصيل ليس يغيره بل يحققه. # فهكذا يجب أن يعقل التوحيد الذي من (6) الجنس والفصل. وإنه (7) وإن كان ~~مختلفا وكان بعض الأنواع فيها تركيب في طبائعها (8) وتنبعث فصولها من صورها ~~وأجناسها من المواد التي لصورها ، وإن لم يكن لا أجناسها (9) ولا فصولها ~~موادها وصورها من حيث هي مواد وصور ، وبعضها ليس فيها تركيب في طبائعها ~~(10) بل إن كان فيها تركيب (11) فهو على النحو الذي قلنا ، فإنما (12) يكون ~~أحد الشيئين منهما في كل نوع غير الآخر ، لأنه قد أخذ مرة (13) لا بحاله من ~~التحصيل ، بل على أنه (14) بالقوة محصل ، وأخذ مرة وهو محصل بالفعل. وهذه ~~القوة له (15) ليس بحسب الوجود (16)، بل بحسب الذهن. فإنه ليس له في ~~الوجود حصول طبيعة جنسية هي (17) بعد بالقوة محصلة نوعا ، وسواء كان النوع ~~له تركيب (18) في الطبائع (19) أو لم يكن. PageV01P240 # والجنس (1) والفصل في الحد أيضا من حيث كل واحد منهما هو جزء للحد من حيث ~~هو حد ، فإنه لا يحمل على الحد ولا الحد يحمل عليه. فإنه لا يقال للحد إنه ~~جنس (2) ولا فصل ولا بالعكس ، فلا يقال لحد (3) الحيوان إنه جسم ولا أنه ذو ~~حس ولا بالعكس. وأما من حيث الأجناس والفصول طبائع تبعت (4) طبيعة (5) على ms147 ~~ما علمت فإنها تحمل على المحدود ، بل نقول : إن الحد يفيد بالحقيقة معنى ~~طبيعة واحدة. مثلا (6) أنك إذا قلت : الحيوان الناطق ، يحصل من ذلك معنى ~~شيء واحد هو بعينه الحيوان الذي ذلك الحيوان هو بعينه الناطق. فإذا نظرت ~~إلى ذلك الشيء الواحد لم يكن كثرة في الذهن ، لكنك إذا نظرت إلى الحد ~~فوجدته (7) مؤلفا من عدة هذه المعاني واعتبرتها من جهة ما كل واحد منها على ~~الاعتبار المذكور معنى في نفسه غير الآخر ، وجدت هناك كثرة في الذهن. فإن ~~عنيت بالحد المعنى القائم في النفس بالاعتبار الأول ، وهو الشيء الواحد ~~الذي هو الحيوان الذي ذلك الحيوان هو الناطق ، كان الحد بعينه هو المحدود ~~(8) المعقول. وإن عنيت بالحد المعنى القائم في النفس بالاعتبار الثاني ~~المفصل ، لم يكن الحد يعينه معناه معنى المحدود ، بل كان (9) شيئا مؤديا ~~إليه كاسبا له. ثم الاعتبار (10) الذي يوجب كون الحد بعينه هو المحدود لا ~~يجعل الناطق والحيوان جزءين من الحد ، بل محمولين عليه بأنه هو لا أنهما ~~شيئان من حقيقة متغايران ومغايران (11) للمجتمع (12). لكن نعني به في ~~مثالنا الشيء الذي هو بعينه الحيوان الذي ذلك الحيوان حيوانيته (13) ~~مستكملة متحصلة بالنطق. والاعتبار الذي يوجب كون الحد غير المحدود يمنع ~~(14) أن يكون (15) الجنس PageV01P241 # والفصل محمولين على الحد ، بل جزءين منه. فلذلك ليس (1) الحد بجنس ولا ~~الجنس بحد ولا الفصل واحدا منهما ولا جملة معنى الحيوان (2) مؤلفا مع ~~الناطق (3) هو معنى الحيوان غير مؤلف (4) ولا معنى الناطق غير (5) مؤلف (6) ~~. ولا يفهم من معنى مجموع حيوان وناطق ما يفهم (7) من أحدهما ، ولا يحمل ~~أحدهما عليه ، فليس مجموع حيوان وناطق هو حيوان وناطق لأن المجموع من شيئين ~~(8) غيرهما (9)، بل ثالث. لأن كل واحد منهما جزء منه ، والجزء لا يكون هو ~~الكل ، ولا الكل يكون هو الجزء. PageV01P242 ### ||| * [ الفصل الثامن ] ( ح ) فصل * في الحد (1) # والذي ينبغي لنا (2) أن نعرفه الآن أن الأشياء كيف تتحدد ، وكيف نسبة (3) ~~الحد إليها ، وما الفرق بين الماهية للشيء وبين الصورة. فنقول : كما أن ~~الموجود والواحد من الأشياء العامة ms148 للمقولات ولكن على سبيل تقديم وتأخير ، ~~فكذلك (4) أيضا كون الأشياء ذوات ماهية وحد ، فليس ذلك في الأشياء كلها على ~~مرتبة واحدة. # فأما (5) الجوهر فإنه مما يتناوله حده تناولا أوليا وبالحقيقة ، وأما ~~الأشياء الأخرى فلما كانت ماهيتها متعلقة بالجوهر أو بالصورة الجوهرية على ~~نحو (6) ما حددناه (7)، أما الصورة الطبيعية فقد عرفت حالها ، والمقادير ~~والأشكال قد (8) عرفتها أيضا ، فيكون تلك الأشياء الأخرى أيضا من وجه لا ~~تتحدد إلا بالجوهر (9) فيعرض من ذلك أن تكون (10). أما الأعراض فإن في ~~حدودها زيادة على ذواتها ، لأن (11) ذواتها (12) وإن كانت أشياء لا يدخل ~~الجوهر فيها على أنه جزء لها بوجه من الوجوه ، وذلك لأن ما جزؤه جوهر فهو ~~جوهر ، فإن (13) حدودها يدخل الجوهر فيها على أنه (14) جزء إذ كانت تتحدد ~~بالجوهر لا محالة. وأما (15) المركبات فإنها يعرض فيها (16) تكرار شيء واحد ~~بعينه مرتين ، فإنه إذ فيها جوهر فلا بد من إدخاله PageV01P243 # في الحد (1)، وإذ فيها عرض يتحدد بالجوهر فلا بد من دخوله في حد العرض ~~مرة أخرى لتكون (2) جملة الحد مؤلفة (3) من حد الجوهر وحد العرض لا محالة ~~وعائد إلى اثنينية وكثرة. ويتبين (4) إذا حلل حد ذلك العرض ورد إلى مضمناته ~~، فيكون حد هذا المركب قد وجد فيه الجوهر مرتين ، وهو في ذات المركب مرة ~~واحدة ، فيكون في هذا الحد زيادة على معنى المحدود في نفسه. والحدود ~~والحقيقية لا يجب أن تكون فيها زيادات. ومثال هذا أنك إذا حددت الأنف ~~الأفطس فيجب أن تأخذ فيه الأنف لا محالة ، وتأخذ فيه الأفطس فتكون (5) أخذت ~~فيه حد الأفطس ، لكن الأفطس (6) هو أنف عميق ، ولا يجوز أن تأخذ عميقا وحده ~~، فإنه لو كان العميق وحده هو الأفطس لكانت الساق المعمقة (7) أيضا فطساء ~~(8)، بل يجب لا محالة أن تأخذ الأنف في حد الأفطس. فإذا حددت الأنف الأفطس ~~تكون قد أخذت فيه الأنف مرتين ، فلا يخلو إما (9) أن لا تكون (10) أمثال ~~هذه حدودا وإنما تكون الحدود للبسائط (11) فقط ، أو تكون هذه حدودا على جهة ~~أخرى. وليس ينبغي أن نقتصر من الحد ms149 على أن يكون شرح الاسم ، فنجعل أمثال ~~هذه لذاك (12) حدودا حقيقية (13)، لأن الحد هو ما يدل على الماهية ، وقد ~~عرفته. ولو كان كل قول يمكن أن يفرض بإزائه اسم حدا لكان جميع كتب الجاحظ حدودا. # فإذا كان الأمر على هذا ، فبين أن هذه (14) المركبات حدودها حدود على جهة ~~أخرى. وكل بسيط فإن ماهيته ذاته لأنه ليس هناك شيء (15) قابل لماهيته ، PageV01P244 # ولو كان هناك شيء قابلا لماهيته ، لم يكن ذلك الشيء ماهيته ماهية المقبول ~~(1) الذي حصل له (2)، لأن ذلك المقبول كان يكون صورته ، وصورته ليس هو ~~الذي يقابله حده ، ولا المركبات بالصورة وحدها هي ما هي ، فإن الحد ~~للمركبات ليس هو من الصورة وحدها ، بل حد الشيء يدل على جميع ما يتقوم به ~~ذاته ، فيكون هو أيضا (3) يتضمن المادة بوجه. وبهذا (4) يعرف الفرق بين ~~الماهية في المركبات والصورة والصورة دائما جزء من الماهية في المركبات ، ~~وكل بسيط فإن صورته أيضا ذاته لأنه (5) لا تركيب فيه ، وأما المركبات فلا ~~صورتها ذاتها ولا ماهيتها ذاتها ، أما الصورة فظاهر أنها (6) جزء منها ، ~~وأما الماهية فهي ما بها (7) هي ما هي ، وإنما هي ما هي بكون الصورة مقارنة ~~للمادة ، وهو أزيد من معنى الصورة. والمركب ليس هذا المعنى أيضا ، بل هو ~~مجموع الصورة والمادة ، فإن هذا هو ما هو المركب ، والماهية هذا التركيب. ~~فالصورة أحد ما يضاف (8) إليه (9) التركيب ، والماهية هي نفس هذا التركيب ~~الجامع للصورة والمادة ، والوحدة الحادثة منهما لهذا الواحد. # فالجنس بما هو جنس ماهية. وللنوع بما هو نوع ماهية ، وللمفرد الجزئي أيضا ~~بما هو مفرد جزئي ماهية مما يتقوم به من الأعراض اللازمة. فكان (10) ~~الماهية إذا قيلت على (11) التي في الجنس والنوع وعلى التي للمفرد الشخصي ~~(12) كان باشتراك الاسم. وليست (13) هذه الماهية مفارقة لما (14) هو بها ~~(15) ما هو ، وإلا لم تكن ماهية. لكنه لا حد للمفرد بوجه (16) من الوجوه ، ~~وإن كان للمركب حد ما (17). وذلك PageV01P245 # لأن الحد مؤلف من أسماء ناعتة (1) لا محالة ليس فيها إشارة إلى شيء معين ~~، ولو كانت إشارة ms150 لكانت تسمية (2) فقط ، أو دلالة أخرى بحركة وإشارة (3) ~~وما أشبه ذلك ، وليس (4) فيها تعريف المجهول بالنعت (5). # وإذ كان كل اسم يحصر في حد المفرد يدل على نعت ، والنعت يحتمل الوقوع على ~~عدة ، والتأليف لا يخرجها من هذا الاحتمال ، فإنه إذا كان آمعنى كليا وأضيف ~~إليه ب وهو معنى كلي جاز أن يكون فيه تخصيص ما. ولكن إذا (6) كان (7) تخصيص ~~كلي بكلي يبقى بعده الشيء الذي هو آوب كليا يجوز أن يقع فيه شركة. ومثال ~~ذلك : « هذا سقراط » ، إن حددته فقلت : إنه الفيلسوف ، ففيه شركة ، وإن قلت ~~: الفيلسوف الدين (8)، ففيه أيضا شركة ، فإن قلت (9): الفيلسوف الدين ~~المقتول ظلما ، ففيه أيضا شركة ، فإن قلت : ابن فلان ، كان فيه (10) احتمال ~~شركة أيضا ، وكان فلان شخصا (11) تعريفه كتعريفه ، فإن عرف (12) ذلك الشخص ~~بالإشارة أو باللقب عاد الأمر إلى الإشارة واللقب (13)، وبطل (14) أن يكون ~~بالتحديد. وإن زيد فقيل : هو الذي قتل في مدينة كذا يوم كذا ، فهذا الوصف ~~أيضا مع تشخصه (15) بالحيلة (16) كلي يجوز أن يقال على كثيرين إلا أن يسند ~~(17) إلى شخص. فإن كان المسند (18) إليه شخصا من جملة أشخاص نوع من الأنواع ~~لم يكن السبيل إليه إلا بالمشاهدة ولم يجد العقل عليه وقوفا إلا بالحس ، ~~فإن كان المسند (19) إليه من الأشخاص التي PageV01P246 # كل شخص منها مستوف لحقيقة النوع فلا شخص نظيرا له ، وكان قد عقل العقل ~~ذلك النوع بشخصه. فإذا جعل الرسم مسندا إليه كان للعقل وقوف (1) عليه ولم ~~يخف (2) العقل تغير الحال (3) لجواز (4) فساد ذلك الشيء ، إذ مثل هذا الشيء ~~(5) لا يفسد. ولكن (6) المرسوم لا يوثق بوجوده ودوام قول الرسم عليه ، ~~وربما عرف العقل مدة بقائه ، فلم يكن هذا أيضا حدا حقيقيا. فبين أنه لا حد ~~حقيقي (7) للمفرد ، إنما يعرف بلقب أو إشارة أو نسبة (8) إلى معروف (9) ~~بلقب أو إشارة (10). # وكل حد (11) فإنه تصور عقلي صادق أن يحمل على المحدود ، والجزئي فاسد ~~(12) إذا فسد لم يكن محدودا بحده. فيكون حمل الحد عليه مدة ما صادقا وفي ~~غيرها (13) كاذبا ، فيكون حمل الحد عليه ms151 بالظن دائما ، أو يكون هناك غير ~~التحديد بالعقل زيادة إشارة ومشاهدة ، فيصير (14) بتلك الإشارة محدودا بحده ~~(15)، وإذا لم يكن ذلك يكون (16) مظنونا به أن له حده. وأما المحدود ~~بالحقيقة فيكون حده له يقينا. فمن شاء أن يحد الفاسدات فقد تعرض لإبقائها ، ~~ويركب شططا (17). PageV01P247 ### ||| * [ الفصل التاسع ] ( ط ) فصل * في مناسبة الحد وأجزائه # ونقول (1): إنه كثيرا ما يكون في الحدود أجزاء هي أجزاء (2) المحدود. ~~وليس إذا قلنا : إن الجنس والفصل لا يتقومان جزءين للنوع في الوجود ، نكون ~~كأنا قلنا : إنه لا يكون للنوع أجزاء. فإن النوع قد يكون له أجزاء ، وذلك ~~(3) إذا كان من أحد صنفي الأشياء ، أما في الأعراض فمن الكميات ، وأما في ~~الجواهر فمن المركبات. وظاهر الحال يومئ إلى أن أجزاء الحد (4) أقدم من ~~المحدود ، لكنه قد يتفق أن يكون في بعض المواضع بالخلاف. فإنا إذا أردنا أن ~~نحد قطعة (5) الدائرة حددناها بالدائرة ، وإذا أردنا أن نحد إصبع الإنسان ~~حددناها بالإنسان ، وإذا أردنا أن نحد (6) الحادة وهي جزء من القائمة ~~حددناها بالقائمة ، ولا نحد البتة القائمة بالحادة ولا الدائرة بقطعتها ولا ~~الإنسان بالإصبع. # فيجب أن نعرف العلة في هذا. فنقول : إن هذه ليس شيء منها أجزاء النوع (7) ~~من جهة ماهيته وصورته ، ثم إنه ليس من شرط الدائرة أن تكون فيها قطعة ~~بالفعل (8) تتألف عنها صورة الدائرة ، كما من شرطها أن يكون لها محيط ، ولا ~~من شرط (9) الإنسان من حيث هو إنسان أن يكون له إصبع بالفعل ، ولا من شرط ~~القائمة أن تكون هناك حادة هي جزء منها. فهذه كلها ليست أجزاء للشيء من حيث ~~ماهيته بل من حيث مادته وموضوعه. فإنما (10) يعرض PageV01P248 # للقائمة أن تكون فيها حادة ، وللدائرة أن تكون فيها قطعة لانفعال يعرض ~~لمادتها ، ليس ذلك مما يتعلق به استكمال مادتها بصورتها (1) ولا استكمال ~~صورتها (2) في نفسها. واعلم أن السطح مادة عقلية لصورة الدائرة وبسببه يقع ~~لها الانقسام ، ولو كان يتعلق بها استكمال مادتها لكان من اللازمات التي لا ~~يخلو الشيء عنها ، لا من (3) المقومات (4) كما مضى لك شرحه. ms152 وليس ما نحن ~~فيه كذلك ، بل يخلو الشيء منها. # وما يجري مجرى الإصبع أيضا فإنه ليس يحتاج الإنسان في أن يكون حيوانا ~~ناطقا إلى إصبع ، بل هذا من الأجزاء التي لمادته (5) ليحسن بها حال مادته. ~~فما كان من الأجزاء إنما هو بسبب المادة ، وليس تحتاج إليه (6) الصورة ، ~~فليست هي (7) من أجزاء الحد البتة. لكنها إذا كانت أجزاء المادة (8) ولم ~~تكن أجزاء للمادة (9) مطلقا ، بل إنما تكون أجزاء لتلك (10) المادة لأجل ~~تلك الصورة ، وجب أن تؤخذ في حدها تلك الصورة. وذلك النوع فيكون أيضا مع ~~المادة مثل ما أن الإصبع ليس جزءا (11) مناسبا للجسم مطلقا ، بل للجسم الذي ~~صار حيوانا أو إنسانا (12). وكذلك الحادة والقطعة (13) ليس جزءا للسطح ~~مطلقا ، بل للسطح (14) (15) الذي (16) صار (17) قائمة أو دائرة. فلذلك تؤخذ ~~صورة هذه الكلات (18) في حدود هذه الأجزاء. ثم تفترق (19) هذه الأمثلة (20) ~~الثلاثة. فإن الإصبع في الإنسان جزء بالفعل ، فإذا حد أو رسم الإنسان PageV01P249 # من حيث هو شخص كامل إنساني وجب أن يوجد الإصبع حينئذ في رسمه لأنه يكون ~~له (1) ذلك جزءا ذاتيا في أن يكون شخصا كامل الأعراض ولا يكون مقوما لطبيعة ~~نوعه. إذ قلنا مرارا : إن ما يتقوم (2) ويتم به الشخص في شخصه (3) هو غير ~~ما تتقوم به طبيعة النوع. فهذا القسم من الجملة التي الجزء فيها جزء بالفعل ~~، وأما ذانك الآخران فليس الجزء فيهما جزءا بالفعل. # ويشبه أن تكون الدائرة إذا قسمت بالفعل إلى قطع بطلت الوحدة لسطحها وبطل ~~(4) عنها (5) أنها دائرة ، إذ لا يكون المحيط خطا واحدا بالفعل بل كثيرا ، ~~اللهم (6) إلا أن تكون الأقسام (7) بالوهم وبالفرض (8) لا بالفعل وبالقطع ~~(9). وكذلك حكم القائمة. ثم الدائرة والقائمة يختلفان (10) في شيء وهو ~~(11) أن قطعة الدائرة لا تكون إلا من دائرة بالفعل. والحادة ليس (12) من ~~شرطها في الوجود أن تكون جزء زاوية (13) أخرى ، ولا أنها هي حادة بالقياس ~~إلى المنفرجة والقائمة ، بل هي في نفسها حادة بسبب وضع أحد (14) ضلعيها عند ~~الآخر. لكنها من جهة أن ذلك الوضع من حيث هو وضع وقعت ms153 فيه الإضافة ، لأن ~~الميل والقرب بين الخطوط بعضها إلى بعض أو البعد فيما بينها (15) مما تتعلق ~~به إضافة ما عرض أن يتعلق (16) البيان للمادة بالإضافة ، وإن لم (17) يدل ~~على هذه الإضافة بالفعل لصعوبتها فقد دل عليها بالقوة في إدخال إضافة ~~بالفعل. ثم لما كانت الزاوية السطحية إنما تحدث عن قيام خط على خط ، وكان ~~(18) الميل الذي يحدث هو ميل عن PageV01P250 # اعتدال ما وعن جهة ما ، لأنا لو أخذنا قرب أحد الخطين من الآخر مطلقا ~~وأخذنا ميله إليه مطلقا من غير تعيين الميل (1) عنه لم يكن (2) إلا ميل ~~مطلق يوجد ذلك للحادة وللقائمة وللمنفرجة. فإن خطوطها (3) أيضا فيها ميل ~~لبعضها إلى بعض ، فإنك إذا اعتبرت اتصال خطين على الاستقامة لوجدت (4) ~~المنفرجة وفيها ميل لأحد خطيها إلى الآخر. لكن هذا الميل هو ميل مطلق ~~يقتضيه انفراج خطي كل زاوية ، فيجب ضرورة أن يكون هذا الميل محدودا عن شيء. ~~ولما كان ذلك الشيء يجب أن يكون بعدا خطيا ، ولم (5) يمكن أن تتوهم خطوط ~~(6) يميل عنها هذا إلا الخط المتصل على الاستقامة بالخط الثاني ، والذي (7) ~~يفعل زاوية منفرجة أو الذي يفعل زاوية قائمة أو الذي يفعل زاوية حادة (8). ~~فأما (9) الخط الغير المتصل بهذا الخط فإنه لا يحدد به شيء ، وكان (10) ~~اعتبار الميل من الخط المستقيم مطلقا غير صحيح في هذا الباب ، وإلا ~~فالمنفرجة والقائمة أيضا حادة. وكذلك (11) اعتبار الميل عن الخط الفاعل ~~للمنفرجة ، لأن الميل عن الانفراج قد يحفظ الانفراج (12)، إذ تكون منفرجة ~~أصغر من منفرجة. وكذلك حكم الحادة هذه مع أن الحادة لا يمكن أن تعرف ~~بالحادة فيكون تعريف مجهول بمجهول. فبقي ضرورة أن يكون تعريفها بالقائمة ، ~~التي ليس يبقى قوامها مع الميل عنها محفوظا. فكأنه يقول : إن الحادة هي ~~التي (13) عن خطين قام أحدهما على الآخر ، ومال (14) أقرب من خط قائمة لو ~~قامت حتى هي أصغر من القائمة لو كانت. وليس نعني بها (15) أنها بالفعل ~~موجودة مقيسة بقائمة (16) تزيد عليها فحينئذ يكون الحد كاذبا ، ولكن بقائمة PageV01P251 # بهذه الصفة. والقائمة بهذه الصفة (1) من ms154 حيث هي بالقوة الموجودة بالفعل ~~قوة هي قائمة بالقوة ، فإن القوة من حيث هي قوة وجود بالفعل. وربما كانت ~~القوة أيضا موجودة بالقوة وهي القوة البعيدة (2) من الفعل ، ثم تصير بالفعل ~~قوة قريبة. فإن القوة القريبة على تكون الإنسان في الغذاء تكون بالقوة ، ثم ~~إذا صار ميتا صارت (3) تلك القوة القريبة موجودة بالفعل ، وإنما يكون فعلها ~~غير موجود (4). # فإذن الحادة تحد (5) بقائمة لا بالفعل (6) مطلقا ، بل بالقوة. فلا تحد ~~(7) بنظير لها (8) ولا أيضا بما ليس له حصول. فإن المحدود به قائم بالقوة ، ~~وذلك له من حيث هو كذلك حصول (9) بالفعل ، وبالحري إن عرفت الحادة ~~والمنفرجة بالقائمة فإن القائمة تتحقق من المساواة والمماثلة والوحدانية ، ~~وتانك تتحققان من الخروج عن المساواة. وأما القائمة فتتحقق بذاتها. ولقد ~~كان يمكن أن يقال : إن الحادة أصغر زاويتين مختلفتين تحدثان من قيام خط على ~~خط ، والمنفرجة أعظمهما (10)، وكان (11) حينئذ إذا حقق فقد أشير إلى ~~القائمة ، لأن الأكبر هو الذي يكون مثلا وزيادة ، والأصغر هو الذي ينقص عن ~~المثل. فبالمثل (12) تتحقق معرفة الصغر (13) والكبر ، وبالواحد (14) ~~المتشابه (15) تتحقق المتكثر الغير المتشابه المختلف. # فهكذا يجب أن يتصور الحال في أجزاء المحدودات ، ثم يجب أن يتذكر (16) ما ~~قلناه (17) قبل أيضا في حال أجزاء المادة وعلائقها. PageV01P252 # تم طبع هذا الكتاب في يوم الاثنين 26 ذي الحجة سنة 1379 ه # ( الموافق 20 يونية سنة 1960 م ) # محمد الفاتح عمر # عضو مجلس الإدارة المنتدب PageV01P253 ![](https://books.rafed.net/Books/1128_alshafa-alelahiiat/images/image001.gif) PageV01P254 ![](https://books.rafed.net/Books/1128_alshafa-alelahiiat/images/image002.gif) PageV01P255 ### || * المقالة السادسة # (1) وفيها (2) خمسة (3) فصول (4) PageV01P256 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل (1) * في أقسام العلل وأحوالها # قد تكلمنا في أمر الجواهر (2) والأعراض ، وفي اعتبار (3) التقدم والتأخر ~~فيها (4)، وفي معرفة مطابقة الحدود للمحدودات الكلية والجزئية. فبالحري أن ~~نتكلم الآن في العلة (5) والمعلول ، فإنهما أيضا من اللواحق التي تلحق ~~الموجود بما هو موجود. # والعلل كما سمعت (6)، صورة وعنصر وفاعل وغاية. فنقول (7): إنا (8) نعني ~~بالعلة الصورية ، العلة التي هي جزء من قوام الشيء ، يكون الشيء بها (9) هو ~~ما هو بالفعل ، وبالعنصرية (10) العلة التي هي جزء من قوام الشيء (11)، ~~يكون بها (12) الشيء هو ما هو بالقوة ms155 ، وتستقر فيها قوة وجوده ، وبالفاعل ، ~~العلة التي تفيد وجودا مباينا لذاتها (13)، أي لا تكون ذاتها (14) بالقصد ~~الأول محلا لما يستفيد منها وجود شيء يتصور بها (15)، حتى (16) يكون في ~~ذاتها (17) قوة وجوده إلا بالعرض ، ومع ذلك فيجب ألا يكون ذلك الوجود من ~~أجله من جهة (18) ما هو فاعل ، بل إن كان ولا بد فباعتبار آخر ، وذلك لأن ~~الفلاسفة الإلهيين ليسوا يعنون بالفاعل مبدأ التحريك فقط ، كما يعنيه ~~الطبيعيون ، بل مبدأ الوجود ومفيده ، مثل الباري للعالم ، وأما العلة ~~الفاعلية الطبيعية فلا تفيد وجودا غير التحريك بأحد أنحاء التحريكات ، ~~فيكون مفيد الوجود في الطبيعيات مبدأ حركة ، ونعني بالغاية ، العلة (19) ~~التي لأجلها يحصل وجود شيء مباين لها. PageV01P257 # وقد يظهر أنه لا علة خارجة عن هذه (1)، فنقول. إن السبب (2) للشيء لا ~~يخلو إما أن يكون داخلا في قوامه وجزءا من وجوده ، أو لا يكون. فإن كان ~~داخلا في قوامه وجزءا من وجوده (3) فإما أن يكون الجزء الذي ليس يجب من ~~وجوده وحده له أن يكون بالفعل ، بل أن يكون بالقوة فقط ، ويسمى هيولى ، أو ~~يكون الجزء الذي وجوده هو صيرورته بالفعل ، وهو الصورة. وأما إن لم يكن ~~جزءا من وجوده فإما أن يكون ما هو لأجله ، أو لا يكون. فإن كان ما هو لأجله ~~، فهو الغاية ، وإن لم يكن ما هو لأجله ، فلا يخلو (4) إما أن يكون وجوده ~~منه بألا يكون هو فيه إلا بالعرض ، وهو فاعله ، أو يكون وجوده منه بأن يكون ~~هو فيه ، وهو أيضا (5) عنصره أو موضوعه. # فتكون المبادي إذن كلها من جهة خمسة ، ومن جهة أربعة. لأنك إن (6) أخذت ~~العنصر الذي هو قابل ، وليس جزءا من الشيء ، غير العنصر الذي هو جزء ، كانت ~~خمسة. وإن أخذت كليهما شيئا واحدا ، لاشتراكهما في معنى القوة والاستعداد ، ~~كانت أربعة. ويجب ألا تأخذ العنصر بمعنى القابل الذي هو جزء ، مبدإ للصورة ~~بل للمركب. إنما القابل يكون مبدأ بالعرض (7)، لأنه إنما يتقوم أولا ~~بالصورة بالفعل ، وذاته باعتبار ذاته فقط تكون بالقوة ، والشيء الذي هو ~~بالقوة (8) من ms156 جهة ما هو (9) بالقوة ، لا يكون مبدأ البتة. ولكنه إنما يكون ~~مبدأ بالعرض (10)، فإن العرض يحتاج إلى أن يكون قد حصل الموضوع له بالفعل ~~، ثم صار سببا لقوامه ، سواء كان العرض لازما فتكون الأولية بالذات ، أو ~~زائلا فتكون الأولية بالذات (11) وبالزمان. فهذه هي أنواع العلل. وإذا كان ~~الموضوع (12) علة لعرض يقيمه (13)، فليس ذلك على النوع الذي يكون فيه ~~الموضوع علة للمركب ، بل هو نوع آخر. PageV01P258 # وإذا كانت (1) الصورة علة للمادة تقيمها ، فليست على الجهة التي تكون ~~الصورة علة للمركب (2)، وإن كانا يتفقان من جهة أن كل واحد منهما علة لشيء ~~لا تباينه ذاته (3). فإنهما وإن اتفقا في ذلك ، فإن (4) أحد الوجهين ليس ~~تفيد العلة للآخر (5) وجوده ، بل إنما يفيد (6) الوجود شيء آخر ولكن فيه ، ~~والثاني يكون العلة فيه هو (7) المبدأ القريب لإفادة المعلول وجوده بالفعل ~~(8)، ولكن ليس وحده ، وإنما يكون مع شريك (9) وسبب (10) يوجد هذه العلة ، ~~أعني الصورة ، فتقيم الآخر به ، فتكون واسطة مع شريك في إفادة ذلك وجوده ~~بالفعل وتكون (11) الصورة للمادة كأنها مبدأ فاعلي لو كان وجودها بالفعل ~~يكون عنه وحده ، ويشبه (12) أن تكون الصورة جزءا للعلة (13) الفاعلية ، مثل ~~أحد محركي السفينة على (14) ما سيتضح بعد. وإنما الصورة ، علة صورية للمركب ~~منها ومن المادة ، فالصورة أنما هي صورة للمادة ولكن ليست علة صورية ~~للمادة. # والفاعل (15) يفيد شيئا آخر وجودا ليس للآخر عن ذاته ، ويكون صدور ذلك ~~الوجود عن هذا الذي هو فاعل ، من حيث لا تكون ذات هذا الفاعل قابلة (16) ~~لصورة ذلك الوجود ، ولا مقارنة (17) له مقارنة داخلة فيه ، بل يكون كل واحد ~~من الذاتين خارجا عن الآخر ، ولا يكون في أحدهما قوة أن يقبل الآخر. وليس ~~يبعد أن يكون الفاعل يوجد المفعول حيث هو ، وملاقيا لذاته ، فإن الطبيعة ~~التي في الخشب هي مبدأ فاعل للحركة ، وإنما تحدث الحركة في المادة التي ~~الطبيعة فيها وحيث ذاته ، ولكن ليس مقارنتهما (18) على سبيل أن أحدهما (19) ~~جزء من وجود الآخر أو مادة له ، بل الذاتان متباينتان (20) في الحقائق ، ~~ولهما محل مشترك ms157 ، فمن الفاعل ما يتفق وقتا أن لا يكون فاعلا ، ولا مفعوله ~~مفعولا ، بل يكون مفعوله معدوما ، ثم يعرض للفاعل الأسباب التي يصير بها ~~فاعلا بالفعل. PageV01P259 # وقد تكلمنا في هذا (1) فيما سلف ، فحينئذ يصير فاعلا ، فيكون عنه وجود ~~الشيء بعد ما لم يكن ، فيكون لذلك الشيء وجود ، ولذلك الشيء أنه لم يكن ، ~~وليس له من الفاعل أنه لم يكن ، ولا أنه كان بعد ما لم يكن ، إنما له من ~~الفاعل وجوده. وإذن فإن (2) كان له من ذاته اللاوجود (3)، لزم أن صار ~~وجوده بعد ما لم يكن ، فصار كائنا بعد ما لم يكن. # فالذي له بالذات من الفاعل الوجود ، وأن الوجود الذي له ، إنما هو لأن ~~الشيء الآخر على جملة يجب عنها أن يكون (4) لغيره وجود عن وجوده الذي له ~~بالذات. وأما أنه لم يكن موجودا فليس عن علة فعلته ، فإن كونه غير موجود قد ~~ينسب إلى علة ما ، وهو عدم علته ، فأما (5) كون وجوده بعد العدم فأمر لم ~~يصر (6) لعلة ، فإنه لا يمكن البتة أن يكون وجوده إلا بعد عدم. وما لا (7) ~~يمكن فلا علة (8) له ، نعم وجوده يمكن أن يكون ، وأن لا يكون ، فلوجوده علة ~~، وعدمه قد يكون وقد لا يكون ، فيجوز أن يكون لعدمه علة ، وأما كون وجوده ~~بعد ما لم يكن فلا (9) علة له (10). # فإن قال قائل : كذلك (11) وجوده بعد عدمه ، يجوز أن يكون ، ويجوز أن لا ~~يكون ، فنقول : إن عنيت وجوده من حيث هو (12) وجوده (13)، فلا مدخل للعدم ~~فيه ، فإن نفس وجوده يكون غير ضروري ، أي ممكن (14)، وليس هو (15) غير ~~ضروري (16) من حيث هو بعد عدم ، ولكن (17) الغير الضروري (18)، وجوده هذا ~~الذي اتفق الآن ، وقد (19) كان معدوما. وأما من حيث أخذ (20) وجوده وجودا ~~بعد عدم ، فليلحظ (21) كونه بعد عدم (22)، لا كونه موجودا فقط ، الذي كان ~~بعد عدم ، واتفق بعد عدم ، وذلك (23) لا سبب له ، فلا سبب (24) لكون (25) ~~وجوده بعد العدم ، PageV01P260 # وإن كان سببا لوجود ، الذي كان بعد عدم من حيث وجوده. فحق أن وجوده جائز ~~أن يكون ms158 وأن لا يكون (1) بعد العدم الحاصل ، وليس بحق أن يكون وجوده بعد ~~العدم من حيث هو وجود (2) بعد العدم جائز أن يكون وجودا بعد العدم (3) وأن ~~لا يكون بعد العدم ، اللهم إلا أن لا يكون وجودا أصلا فيكون الاعتبار ~~للوجود. # وربما ظن ظان أن الفاعل والعلة إنما يحتاج إليه ليكون للشيء وجود بعد ما ~~لم يكن ، وإذا (4) وجد الشيء ، فلو فقدت العلة ، لوجد الشيء مستغنيا بنفسه ~~، فظن من ظن (5) (6) أن الشيء إنما يحتاج إلى العلة في حدوثه ، فإذا حدث ~~ووجد فقد استغنى عن العلة ، فتكون عنده العلل علل الحدوث فقط وهي متقدمة لا ~~معا ، وهو (7) ظن باطل (8) لأن (9) الوجود بعد الحدوث لا يخلو إما أن يكون ~~وجودا واجبا أو وجودا غير واجب ، فإن كان وجودا واجبا ، فإما أن يكون وجوبه ~~(10) لتلك الماهية (11) لذات تلك الماهية حتى تقتضي تلك الماهية وجوب ~~الوجود فيستحيل حينئذ أن تكون حادثة ، وإما أن يجب لها بشرط ، وذلك الشرط ~~إما الحدوث ، وإما صفة من صفات تلك الماهية ، وإما شيء مباين ، ولا يجوز أن ~~يكون وجوب وجوده بالحدوث ، فإن (12) الحدوث نفسه ليس وجوده واجبا بذاته ، ~~فكيف يجب به وجود غيره. والحدوث قد بطل فكيف يكون عند عدمه علة (13) لوجوب ~~غيره ، إلا أن يقال إن العلة (14) ليست (15) هي الحدوث ، بل كون (16) الشيء ~~قد حصل له الحدوث ، فيكون هذا من الصفات التي للشيء الحادث فيدخل في الجملة ~~الثانية من القسمين. # فنقول : إن هذه الصفات لا تخلو إما أن تكون للماهية بما هي (17) ماهية ، ~~لا بما هي قد (18) وجدت ، فيجب أن يكون ما قد يلزمها يلزم الماهية ، فتكون ~~الماهية يلزمها وجوب الوجود ، أو تكون هذه الصفات حادثة مع الوجود ، فيكون ~~الكلام في وجوب وجودها PageV01P261 # كالكلام في الأول ، فإما أن يكون هناك صفات بلا نهاية كلها بهذه الصفة ، ~~فتكون كلها ممكنة الوجود ، غير واجبة بذاتها ، وإما أن تنتهي إلى صفة تجب ~~بشيء (1) خارج. والقسم الأول يجعل الصفات كلها ممكنة الوجود في أنفسها ، ~~وقد بان أن الممكن الوجود في نفسه ، موجود (2) بغيره ms159 (3)، فتكون جميع ~~الصفات تجب بغير خارج عنها. والقسم الثاني يوجب أن الوجود (4) الحادث إنما ~~يبقى وجودا بسبب من (5) خارج وهو العلة. # على أنك قد علمت أن الحدوث ليس معناه إلا وجودا بعد ما لم يكن ، فهناك ~~وجود (6)، وهناك كون (7) بعد ما لم يكن ، وليس للعلة المحدثة تأثير وغناء ~~(8) في أنه لم يكن ، بل إنما تأثيرها (9) وغناؤها (10) في أن منه الوجود. ~~ثم عرض أن كان (11) ذلك ، في ذلك الوقت ، بعد ما لم يكن ، والعارض الذي عرض ~~بالاتفاق لا دخول له في تقوم الشيء ، فلا دخول للعدم المتقدم في أن يكون ~~للوجود الحادث علة ، بل ذلك النوع من الوجود بما هو لذلك (12) النوع من ~~الماهيات مستحق لأن يكون له علة وإن استمر وبقي. ولهذا لا يمكنك أن (13) ~~تقول : إن شيئا جعل وجود الشيء بحيث يكون بعد أن لم يكن ، فهذا غير مقدور ~~عليه ، بل بعض ما هو موجود واجب ضرورة أن لا يكون بعد عدم ، وبعضه (14) ~~واجب ضرورة أن (15) يكون (16) بعد عدم. # فأما الوجود ، من حيث هو (17) وجود هذه الماهية ، فيجوز أن يكون (18) عن ~~علة ، وأما صفة هذا الوجود ، وهي أنه بعد ما لم يكن ، فلا يجوز أن تكون عن ~~علة ، فالشيء من حيث (19) وجوده حادث ، أي من حيث إن الوجود الذي له موصوف ~~بأنه بعد العدم PageV01P262 # لا علة له بالحقيقة ، بل العلة له من حيث (1) للماهية (2) وجود ، فالأمر ~~بعكس ما (3) يظنون بل العلة للوجود فقط ، فإن اتفق أن سبقه عدم كان حادثا ، ~~وإن لم يتفق كان غير حادث. # والفاعل (4)، الذي تسميه العامة فاعلا ، فليس هو بالحقيقة علة من حيث ~~يجعلونه فاعلا ، فإنهم (5) يجعلونه (6) فاعلا من حيث يجب أن يعتبر فيه أنه ~~لم يكن فاعلا ، فلا يكون فاعلا (7) من حيث هو علة ، بل من حيث هو علة وأمر ~~(8) لازم معه ، فإنه يكون فاعلا من حيث اعتبار ما له (9) فيه أثر مقرونا ~~باعتبار ما ليس له فيه أثر ، كأنه إذا اعتبرت (10) العلة من حيث ما يستفاد ~~(11) منها مقارنا لما لا يستفاد منها سمي ms160 فاعلا. فلذلك (12) كل شيء يسمونه ~~فاعلا يكون من شرطه أن يكون بالضرورة قد كان مرة غير فاعل ، ثم أراد أو قسر ~~، أو عرض حال (13) من الأحوال لم يكن ، فلما قارنه ذلك المقارن كان ذاته مع ~~ذلك المقارن علة بالفعل ، وقد كان خلا عن ذلك ، فيكون فاعلا عندهم من حيث ~~هو علة بالفعل بعد كونه علة بالقوة ، لا من حيث هو علة بالفعل فقط. # فيكون كل ما يسمونه فاعلا يلزم أن يكون أيضا ما يسمونه منفعلا ، فإنهم لا ~~يخلونه عن مقارنة ما يقارنه من حال حادثة لأجلها ما صدر عنه وجوده (14) بعد ~~ما لم يكن. فإذا (15) ظهر أن وجود الماهية يتعلق بالغير من حيث هو وجود ~~لتلك الماهية لا من حيث هو بعد ما لم يكن ، فذلك الوجود من هذه الجهة معلول ~~ما دام (16) موجودا. كذلك كان معلولا متعلقا بالغير ، فقد بان أن المعلول ~~يحتاج إلى مفيده الوجود لنفس الوجود بالذات ، لكن الحدوث وما سوى ذلك أمور ~~تعرض له ، وأن المعلول يحتاج إلى مفيده الوجود دائما سرمدا ما دام موجودا. PageV01P263 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل (1) في حل ما يتشكك به (2) على ما يذهب إليه (3) أهل الحق من (4) أن كل علة هي (5) مع معلولها ، وتحقيق الكلام في العلة الفاعلية # والذي يظن من أن الابن يبقى بعد الأب ، والبناء (6) يبقى بعد البناء ، ~~والسخونة تبقى بعد النار ، فالسبب فيه تخليط واقع من جهة (7) جهل العلة ~~بالحقيقة ، فإن البناء والأب والنار ليست عللا بالحقيقة لقوام هذه ~~المعلولات ، فإن (8) الباني العامل له المذكور ، ليس علة لقوام البناء ~~المذكور (9)، ولا أيضا لوجوده. # أما (10) البناء فحركته علة لحركة ما ، ثم سكونه وتركه الحركة أو عدم ~~حركته ونقله (11) بعد ذلك (12) النقل (13) علة لانتهاء (14) تلك (15) ~~الحركة ، وذلك النقل بعينه وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع ما ، وذلك ~~الاجتماع علة لتشكل ما ، وكل واحد مما هو علة فهو ومعلوله معا. # وأما الأب فهو علة لحركة المني ، وحركة المني (16) إذا انتهت على الجهة ~~المذكورة علة لحصول المني في القرار ، ثم حصوله في القرار علة ms161 لأمر (17)، ~~وأما تصويره حيوانا وبقاؤه حيوانا (18) فله علة أخرى ، فإذا كان كذلك كان ~~كل علة مع معلولها. # وكذلك النار علة لتسخين عنصر الماء (19)، والتسخين علة لإبطال استعداد ~~الماء بالفعل لقبول صورة المائية أو حفظها (20)، وذلك أن شيئا (21) آخر ~~علة لإحداث الاستعداد التام في مثل هذه الحال لقبول ضدها وهي الصورة ~~النارية (22)، وعلة الصورة (23) النارية هي العلل التي تكسو العناصر صورها ~~وهي مفارقة. PageV01P264 # فتكون العلل الحقيقية موجودة مع المعلول ، وأما المتقدمات فهي علل ، إما ~~بالعرض وإما معينات. فلهذا يجب أن يعتقد أن علة شكل البناء هو الاجتماع ، ~~وعلة ذلك طبائع المجتمعات وثباتها على ما ألفت ، وعلة ذلك السبب المفارق ~~الفاعل للطبائع. وعلة الولد اجتماع صورته مع مادته بالسبب المفيد للصور. ~~وعلة النار السبب المفيد للصور (1) وزوال الاستعداد التام لضد تلك الصور ~~(2) معا. فنجد إذن (3) أن (4) العلل مع المعلولات. # وإذا (5) قضينا (6) فيما يتصل به كلامنا بأن (7) العلل متناهية ، فإنما ~~نشير إلى هذه العلل ولا نمنع أن تكون عللا معينة ومعدة بلا نهاية ، بعضها ~~قبل بعض ، بل ذلك واجب ضرورة ، لأن كل حادث فقد وجب بعد ما لم يجب لوجوب ~~علته حينئذ كما بينا ، وعلته ما كان أيضا وجب. فوجب (8) في الأمور الجزئية ~~، أن تكون الأمور المتقدمة التي بها تجب في العلل الموجودة بالفعل ، أن ~~تصير عللا لها بالفعل أمورا بلا نهاية ، ولذلك (9) لا يقف فيها سؤال (10) ~~لم البتة. # ولكن الإشكال هاهنا في شيء ، وهو أن هذه التي بلا نهاية لا يخلو إما أن ~~يوجد كل واحد منها (11) آنا فتتوالى آنات متشافعة ليس بينها زمان وهذا محال ~~، وإما أن يبقى زمانا فيجب أن يكون إيجابها في كل ذلك الزمان لا في طرف منه ~~، ويكون المعنى (12) الموجب لإيجابها (13) أيضا معها في ذلك الزمان (14)، ~~ويكون الكلام في إيجاب إيجابها كالكلام فيه ، وتحصل علل بلا نهاية معا. # وهذا هو الذي نحن (15) في منعه فنقول : إنه لو لا الحركة لوجب هذا ~~الإشكال ، إلا أن الحركة تبقي الشيء الواحد لا على حالة (16) واحدة فلا ~~(17) يكون ما يتجدد من ms162 حالة بعد حالة في آن بعد آن يشافعه ويماسه ، بل كذلك ~~على الاتصال ، فتكون (18) ذات العلة غير موجبة PageV01P265 # لوجود (1) المعلول بل لكونها (2) على نسبة ما ، وتلك النسبة تكون علتها ~~الحركة أو شريكة علتها أو التي (3) (4) بها العلة علة بالفعل الحركة ، ~~فتكون حينئذ العلة (5) لا ثابتة (6) الوجود على حالة (7) واحدة ولا باطلة ~~الوجود حادثة في آن واحد ، فباضطرار إذن (8) تكون العلة الحافظة أو ~~المشاركة لنظام هذه العلل التي بسببها تنحل الإشكالات هو الحركة ، وسنوضح ~~ذلك (9) في موضعه إيضاحا أشفى من هذا. فقد بان ووضح (10) أن العلل الذاتية ~~للشيء التي بها وجود ذات الشيء بالفعل يجب أن تكون معه لا متقدمة (11) في ~~الوجود تقدما (12) يكون زواله مع حدوث المعلول ، وأن هذا إنما يجوز في علل ~~غير ذاتية (13) أو غير قريبة (14)، والعلل غير الذاتية (15) أو الغير ~~القريبة لا يمنع ذهابها إلى غير النهاية بل يوجبه. # وإذ قد (16) تقرر هذا ، فإذا كان شيء من الأشياء لذاته سببا لوجود شيء ~~آخر دائما كان سببا له دائما ما دامت ذاته موجودة. فإن كان دائم الوجود كان ~~معلوله دائم الوجود ، فيكون مثل هذا من العلل أولى بالعلية لأنه يمنع مطلق ~~العدم للشيء فهو الذي يعطي الوجود التام للشيء. فهذا هو المعنى الذي يسمى ~~إبداعا عند الحكماء وهو تأييس (17) الشيء بعد ليس مطلق ، فإن للمعلول (18) ~~في نفسه أن يكون « ليس » ويكون له عن علته أن يكون « أيس ». والذي يكون ~~للشيء في نفسه أقدم عند الذهن بالذات لا في الزمان ، من (19) الذي يكون عن ~~غيره ، فيكون كل معلول « أيسا » بعد « ليس » (20) بعدية بالذات. # فإن أطلق اسم المحدث (21) على كل ما له « أيس » بعد « ليس » وإن لم تكن ~~بعدية بالزمان (22) كان كل معلول محدثا ، وإن لم يطلق ، بل كان شرط المحدث ~~أن يوجد زمان ووقت كان قبله PageV01P266 # فبطل لمجيئه (1) بعده ، فتكون (2) بعديته بعدية (3) لا تكون مع القبلية ~~موجودة ، بل تكون ممايزة لها (4) في الوجود ، لأنها زمانية. فلا يكون كل ~~معلول محدثا ، بل المعلول الذي سبق (5) وجوده زمان سبق (6) وجوده لا ms163 محالة ~~حركة وتغير كما علمت ، ونحن لا نناقش في الأسماء. # ثم المحدث بالمعنى الذي لا يستوجب الزمان لا يخلو إما أن يكون وجوده بعد ~~« ليس » مطلق ، أو يكون وجوده بعد « ليس » غير مطلق بل بعد عدم مقابل خاص ~~في مادة موجودة على ما عرفته. فإن كان وجوده بعد « ليس » مطلق كان صدوره عن ~~العلة ، ذلك الصدور إبداعا ، ويكون أفضل أنحاء إعطاء الوجود ، لأن العدم ~~يكون قد منع البتة ، وسلط عليه الوجود ، ولو مكن العدم تمكينا فسبق (7) ~~الوجود كان تكوينه ممتنعا إلا عن مادة ، وكان سلطان الإيجاد ، أعني وجود ~~الشيء من الشيء ضعيفا قصيرا مستأنفا. # ومن الناس من لا يجعل كل ما هذا (8) صفته مبدعا ، بل يقول ، إذا توهمنا ~~شيئا وجد عن علة أولى بتوسط (9) علة وسطى فاعلية ، وإن لم يكن عن مادة ، ~~ولا كان لعدمه سلطان ، ولكن كان وجوده عن العلة الأولى الحقيقية (10) بعد ~~وجود آخر انساق إليه ، فليس تأييسه عن « ليس » مطلقا ، بل عن « أيس » وإن ~~لم يكن ماديا (11). ومن الناس من يجعل الإبداع لكل وجود صوري كيف كان ، ~~وأما المادي (12)، وإن (13) لم تكن المادة سبقت فيخص نسبته إلى العلة باسم ~~التكوين. # ونحن لا نناقش في هذه الأسماء البتة بعد أن تحصل المعاني متميزة (14)، ~~فنجد بعضها له وجود (15) عن علة دوما (16) بلا مادة ، وبعضها بمادة (17)، ~~وبعضها بواسطة ، وبعضها بغير واسطة ، ويحسن أن يسمى كل ما لم يوجد عن مادة ~~سابقة غير متكون بل مبدعا ، وأن نجعل (18) أفضل ما يسمى مبدعا ما لم (19) ~~يكن بواسطة (20) عن علته الأولى مادية كانت أو فاعلية أو غير ذلك. PageV01P267 # ونرجع إلى ما كنا فيه فنقول : أما (1) الفاعل الذي يعرض له أن يكون فاعلا ~~فلا بد له (2) من مادة يفعل فيها ، لأن كل حادث ، كما علمت ، يحتاج إلى ~~مادة فربما فعل دفعة ، وربما فعل (3) بالتحريك فيكون مبدأ الحركة ، وإذا ~~قال الطبيعيون للفاعل ، مبدأ الحركة ، عنوا به الحركات الأربع ، وتساهلوا ~~في هذا الموضع فجعلوا الكون والفساد حركة. وقد يكون الفاعل بذاته فاعلا ، ~~وقد يكون بقوة ، فالذي ms164 (4) بذاته ، فمثل الحرارة لو كانت موجودة مجردة تفعل ~~، فكان (5) يصدر عنها ما يصدر لأنها حرارة فقط ، وأما الفاعل بقوة ، فمثل ~~النار بحرارتها وقد عددنا في موضع آخر (6) أصناف القوى. ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * (7) في مناسبة (8) ما بين العلل الفاعلية ومعلولاتها # نقول إنه (9) ليس الفاعل كل ما أفاد وجودا أفاده مثل نفسه ، فربما أفاد ~~وجودا مثل نفسه وربما أفاد وجودا ، لا مثل (10) نفسه ، كالنار تسود ، أو ~~كالحرارة (11) تسخن ، والفاعل الذي يفعل وجودا مثل نفسه ، فإن المشهور أنه ~~أولى وأقوى في الطبيعة التي يفيدها من غيره ، وليس هذا المشهور ببين ولا ~~بحق (12) من كل وجه ، إلا أن يكون ما يفيده هو نفس الوجود والحقيقة ، ~~فحينئذ يكون المفيد أولى بما يفيده من المستفيد. # ولنعد من رأس فنقول : إن العلل لا تخلو إما أن تكون عللا للمعلولات في ~~نحو وجود أنفسها ، وإما أن تكون عللا للمعلولات في وجود آخر ، مثال الأول : ~~تسخين النار (13)، ومثال الثاني : تسخين الحركة ، وحدوث التخلخل من ~~الحرارة ، وأشياء كثيرة مشابهة لذلك. PageV01P268 # ولنتكلم على العلل والمعلولات التي تناسب الوجه الأول. ولنورد الأقسام ~~التي قد يظن في الظاهر أنها أقسامه ، فنقول : قد (1) يظن في الوجه (2) ~~الأول أنه قد يكون المعلول في كثير منه أنقص وجودا من العلة في ذلك المعنى ~~، إن كان ذلك المعنى (3) يقبل الأشد والأنقص مثل (4) الماء إذا تسخن عن ~~النار ، وقد يكون (5) في ظاهر النظر مثله أيضا ، قبل ذلك أو لم يقبل ، مثل ~~النار فإنها يعتقد فيها ، في (6) الظاهر ، أنها (7) تحيل غيرها مثل نفسها ~~نارا في الظاهر فيكون مساويا (8) لها في صورة (9) النارية ، لأن تلك الصورة ~~لا تقبل الأزيد والأقل (10)، ومساويا له في العرض اللازم من السخونة ~~المحسوسة إذ (11) كان صدور ذلك الفعل عن الصورة المساوية لصورته (12) وعنه ~~أيضا ، والمادة مساوية في التهيؤ. # وأما كون المعلول أزيد في المعنى الذي هو (13) من العلة ، فهو الذي يرى ~~أنه لا يمكن البتة ولا يوجد في الأشياء المظنونة عللا ومعلولات ، لأن تلك ~~الزيادة لا يجوز أن يكون حدوثها بذاتها ، ولا يجوز أن ms165 يكون حدوثها لزيادة ~~(14) استعداد (15) المادة ، حتى يكون قد أوجب (16) ذلك خروج الشيء (17) إلى ~~الفعل بذاته ، فإن الاستعداد ليس سببا للإيجاد ، فإن جعل سببها العلة ~~والأثر الذي وجد عن العلة معا ، فتلك الزيادة تكون معلولة (18) أمرين لا ~~معلولة أمر واحد ، وهما مجموعين يكونان أكثر وأزيد من المعلول الذي هو (19) ~~الزيادة. # فإن (20) سلمنا (21) هذه (22) الظنون إلى أن نستبين (23) حالها (24)، ~~ساغ لنا أن نقول : إنه إذا كان المعنى في المعلول والعلة متساويا في الشدة ~~والضعف (25) فإنه يكون للعلة ، بما هي علة ، التقدم الذاتي لا محالة في ذلك ~~المعنى. والتقدم الذاتي ، الذي له في ذلك المعنى معنى من حال ذلك PageV01P269 # المعنى (1)، غير موجود للثاني ، فيكون ذلك المعنى مساويا للأول (2) إذا ~~أخذ (3) بحسب وجوده وأحواله التي له من جهة (4) وجوده أقدم منه للآخر (5). ~~فيزول إذن مطلق المساواة (6)، لأن المساواة تبقى في الحد ، وهما من جهة ما ~~لهما ذلك الحد متساويان ، وليس أحدهما علة ولا معلولا. فأما من جهة ما ~~أحدهما علة والآخر معلول فواضح أن اعتبار وجود (7) ذلك الحد لأحدهما أولى ، ~~إذ (8) كان له أولا لا من الثاني ولم يكن الثاني (9) إلا منه. فظاهر من هذا ~~(10) أن هذا المعنى إذا كان نفس الوجود لم يمكن (11) أن يتساويا فيه البتة ~~إذ (12) كان (13) إنما يمكن أن يساويه باعتبار الحد ويفضل عليه باعتبار ~~استحقاق الوجود (14). والآن فإن استحقاق (15) الوجود هو من جنس استحقاق ~~الحد بعينه ، إذ قد أخذ هذا المعنى نفس الوجود ، فبين (16) أنه لا يمكن أن ~~يساويه إذا كان المعنى نفس الوجود (17) فمفيد (18) وجود الشيء من حيث هو ~~وجود أولى بالوجود (19) من الشيء. # ولكن (20) هاهنا تفصيل آخر بنوع (21) من (22) التحقيق يجب (23) أن لا ~~نغفله ، وهو أن العلل والمعلومات تنقسم في أول النظر عند التفكر (24) (25) ~~إلى قسمين : # قسم تكون طباع المعلول فيه ونوعيته وماهيته الذاتية توجب أن يكون معلولا ~~في وجوده لطبيعة أو لطبائع ، فتكون العلل مخالفة لنوعيته ، لا محالة ، إذ ~~كانت عللا له في نوعه لا في شخصه. وإذا كان كذلك لم يكن النوعان واحدا ، إذ ~~(26) المطلوب ms166 علة ذلك النوع ، بل تكون المعلولات تجب عن نوع غير نوعها ، ~~والعلل يجب عنها نوع غير نوعها ، تكون (27) عللا للشيء المعلول ذاتية ~~بالقياس إلى نوع المعلول مطلقا. PageV01P270 # وقسم منه (1) يكون المعلول ليس معلول العلة ، والعلة علة المعلول في نوعه ~~بل في شخصه. ولنأخذ هذا على ظاهر ما يقتضيه الفكر من التقسيم ، وظاهر ما ~~يوجد له من الأمثلة وعلى سبيل التوسع ، إلى أن نبين (2) حقيقة الحال ~~الواجبة فيه من نظرنا في السبب المعطي لصورة (3) كل ذي صورة من الأجسام. ~~فمثال (4) الأول كون النفس علة للحركة الاختيارية ، ومثال الثاني كون هذه ~~النار علة لتلك النار. والفرق بين الأمرين معلوم ، فإن هذه النار ليست علة ~~لتلك النار على أنها علة نوعية النار بل على أنها علة نار ما ، فإذا اعتبر ~~من جهة النوعية كانت هذه العلة للنوعية (5) بالعرض ، وكذلك الأب للابن لا ~~من جهة ما هو أب وذلك ابن ، ما من جهة وجود الإنسانية. وهذا القسم يتوهم ~~(6) على وجهين : # أحدهما أن تكون العلة والمعلول مشتركين في استعداد المادة كالنار (7) ~~والنار. # والآخر أن لا يكونا فيه مشتركين كضوء الشمس الذي في جوهره (8) الفاعل ~~للضوء هاهنا أو في (9) القمر ، وإذ (10) ليس استعداد المادتين فيهما ~~متساويا ولا المادتان من نوع واحد ، فبالحري (11) أن لا يتساوى الشخصان في ~~ذلك ، أعني هذا الضوء الذي في الشمس وهذا الضوء الحادث عنه ، فيكاد لذلك أن ~~لا يكون الضوءان (12) من نوع واحد عند من يشترط في تساوي نوعية الكيفيات أن ~~لا يكون أحدهما أنقص والآخر أزيد ، على ما علمت في موضعه من صفته ، ويكونان ~~(13) نوعا واحدا عند من يرى المخالفة بالنقص (14) والاشتداد مخالفة ~~بالعوارض والتشخصات. # وأما القسم الأول وهو أن يكون الأمران مشتركين في استعداد المادة ، فهو ~~أيضا على قسمين ، لأن ذلك الاستعداد إما أن يكون استعدادا في المنفعل تاما ~~، أو يكون (15) استعدادا ناقصا. والاستعداد التام أن لا يكون في طباع الشيء ~~معاوق ومضاد لما هو PageV01P271 # بالقوة فيه ، كاستعداد الماء المسخن للتبرد لأن فيه نفسه قوة طبيعية كما ~~علمناه (1) في الطبيعيات ms167 تعاوق (2) القوة الخارجة في التبريد أو لا تعاوقه ~~(3)، وأما الاستعداد الناقص فهو كاستعداد الماء للتسخن ، لأن فيه قوة (4) ~~تعاوق التسخن (5) الذي يحدث فيه (6) من خارج ، وتوجد مع التسخن باقية فيه ~~ولا تبطل. والقسم الأول على أقسام ثلاثة : # فإنه إما أن يكون في المستعد قوة معاونة ، تبقى وتعين كما في الماء إذا ~~برد عن سخونة. # وإما أن يكون في المستعد قوة مضادة للأمر ، إلا أنها تبطل مع وجود الأمر ~~كما في الشعر إذا شاب (7) عن سواد. # وإما أن لا يكون في المستعد ولا واحد من الأمرين لا ضد (8) ولا معين ، ~~ولكن عدم الأمر والاستعداد (9) له فقط ، مثل حال التفه (10) في قبول الطعم ~~، وعديم (11) الرائحة في قبول الرائحة. فإن سئلنا عن استعداد الماء لأن ~~يصير نارا أنه من أي الأقسام (12) الخمسة هو ، لم يشكل علينا أنه من قسم ~~المشاركة في استعداد (13) تام للمادة ولكن به (14) في المادة ضده. # ولقائل أن يقول : إنكم قد تركتم اعتبار قسم واحد ، وهو أن لا يكون هناك ~~مشاركة في المادة أصلا إذ لا يكون لها مادة ، فالجواب عن هذا أن هناك لا ~~يمكن أن يكون اتفاق في النوع البتة ، فإنه قد استبان أن الأشياء المتفقة ~~(15) في النوع البريئة عن المادة أصلا يكون وجودها عينا واحدا ، ولا يجوز ~~أن يقال معنى الواحد منها على كثيرين. # فإذ قد دللنا على هذه الأقسام التي حاصلها خمسة ، فإنا نورد الحكم في قسم ~~قسم منها فنقول : # أما القسم من هذا الباب الذي لا مشاركة فيه في استعداد (16) المادة لا ~~القريبة ولا البعيدة ، فليس يجب فيه أن يكون ما يحدثه الفاعل من الآثار ~~القابلة للزيادة والنقصان PageV01P272 # مساويا لنفسه ، لأنه يمكن أن يكون بما (1) افترقا فيه من جوهر المادة ~~افترقا في الاستعداد لقبول الأمر فلم يقبلاه بالسوية ، وليس أيضا يجب أن لا ~~يتساويا (2) فيه (3)، بل قد (4) يجوز أن يكون الحال في ذلك مثل الحال في ~~اتباع سطح فلك الأثير (5) لسطح فلك القمر في الحركة التي (6) بالعرض ، وذلك ~~حيث يمكن أن لا يكون في هذا ms168 مانع من قبول التأثير مساويا لما يؤثره الفاعل ~~وهو (7) في (8) مثل (9) هذا الموضع إحداث مثل نفسه. # وأما القسم من هذا الباب الذي هناك استعداد تام كيف كان ، فالأمر ظاهر في ~~أن المنفعل قد يجوز أن يتشبه بالفاعل تشبها (10) تاما ، وذلك مثل النار ~~تحيل الماء نارا والملح يحيل العسل ملحا ، وما أشبه ذلك. وقد يجوز أن يزيد ~~فيه المنفعل على الفاعل في الظاهر غير المتحقق (11)، مثل الماء الذي يجمده ~~الهواء ولا يكون برد ذلك الهواء (12) برد ذلك الجمد ، إلا أنك إذا تحققت لم ~~يكن الفاعل وجده هو البرد الذي في الهواء ، بل والقوة (13) المبردة الصورية ~~التي في جوهر الماء الذي دللنا عليه في الطبيعيات إذا عاونها ولم يعاوقها ~~برد الهواء. # وأما القسم من هذا الباب الذي يكون استعداد المنفعل فيه ناقصا ، فليس ~~يمكن (14) البتة (15) أن يتشبه فيه المنفعل بالفاعل التام القوة ويساويه ، ~~فإنه (16) لا يمكن أن يكون الشيء الحاصل من (17) قوة في (18) الشيء (19) لا ~~مضاد لها والحاصل (20) من (21) قوة أخرى ، وهناك مضاد ممانع ، متساويين ~~البتة ، أو يبطل (22) الممانع. ولهذا لا يمكن أن يكون شيء غير النار (23) ~~يتسخن من النار وتكون سخونته مثل سخونة تلك النار ، أو شيء غير الماء يبرد ~~(24) عن الماء وتكون برودته أكثر من برودة (25) ذلك PageV01P273 # الماء ، لأن استعداد النار للتسخن (1) والماء للتبرد (2) حال غير مضاد في ~~جوهره ، والقوة الفاعلة داخلة في جوهره (3) غير غريبة منه ، فأما ما ينفعل ~~منهما ففيه مانع عنه مضاد. والفاعل الأول للانفعال خارج عن جوهره ويفعل فيه ~~بمماسته (4) وبتوسط أمر ، كالسخونة المحسوسة في النار المسخنة ، والبرودة ~~المحسوسة في الماء المبرد (5)، فليس يمكن أن يساويه. # فإن قال قائل : إن النار قد تذيب الجواهر (6) فتجعلها أسخن منها ، لأنا ~~ندخل أيدينا في النار ونمرها فيها بعجلة فلا تحترق (7) احتراقها في ~~المسبوكات (8) لو فعل (9) بها ذلك بعينه ، فيعلم (10) من ذلك يقينا أن ~~المسبوكات أسخن من النار ومع ذلك فإنما (11) سخنت من النار. فإنا نجيب ~~ونقول (12): إن ذلك ليس بسبب أن المسبوكات (13) أسخن ، ولكن لمعان ثلاثة ، ~~منها ما هو ms169 (14) أقرب إلى الظهور : أحدها (15) في المسبوك. والآخر في النار ~~، والثالث في اللامس ، وكلها متعاونة متقاربة (16). أما الذي في المسبوك ، ~~فلأنه غليظ فيه تشبث ما ولزوجة وبطء انفصال ، فإذا لمس ذهب (17) مع اللامس ~~ولم يمكن (18) أن يفارق إلا في زمان ذي قدر في نفسه بالقياس إلى زمان ~~مفارقة اللامس النار (19)، وإن كان الحس لا يضبط ذلك الاختلاف ، لكن العقل ~~والذهن يوجبه. ومن شأن الفاعل الطبيعي أن يفعل في المنفعل في مدة (20) أطول ~~فعلا آكد (21) وأحكم ، وأن يفعل الضعيف في مدة (22) أطول ما لا يفعله القوى ~~في مدة قصيرة. وأما الذي في النار ، فلأن النار المحسوسة إنما هي أجزاء من ~~النار الحقيقية مع أجزاء من الأرض متصعدة متحركة ، واجتماعها (23) على سبيل ~~التجاور لا على سبيل الاتصال ، بل هي في أنفسها متفرقة ، ويتخللها الهواء ~~تخللا على سبيل التجدد ، فيكسر ما بداخله فيها (24) من صرافة حره ، لأنه ~~أبرد منها (25)، ولأنه ليس ينفعل (26) في (27) تلك العجلة انفعالا يصير به ~~نارا محضا ، PageV01P274 # ومع ذلك فإنها (1) سريعة الحركة في نفسها لا يكاد يبقى جزء منها مماسا ~~لجزء (2) من اليد زمانا يؤثر فيه تأثيرا محسوسا بل يتجدد ، فما (3) لم (4) ~~تجتمع تأثيرات غير محسوسة كثيرة لا يؤدي إلى قدر محسوس وذلك في مدة لها ~~قدر. وأما المسبوك ، فإن جوهره مجتمع متحد ثابت قائم بالاتصال ، وإذا (5) ~~كان كذلك كان ما يلاقي (6) سطح اليد من المسبوك سطحا واحدا مطابقا بالكلية ~~(7)، وما يلاقيه من النار المحسوسة سطوح صغار مخالطة لما هو بالقياس إليها ~~برد (8)، فيختلف بذلك التأثير ، إلا أن يبقى مدة تتوالى فيها المماسات ~~فيكثر ويفعل (9) كل سطح فيما يماسه (10) فعلا ، ثم يتسلط الفعل على ما هو ~~(11) عليه الأمر في الاستحالات الطبيعية (12). وأما النار المحقونة في مثل ~~الكيران للحدادين فإنها أعظم تأثيرا فيما يماسه من المسبوكات وغيرها ، ~~وأسرع مدة لاجتماعها وصرافتها. وأما الحال التي في اليد ، فلأن اليد قادرة ~~على (13) قطع الهواء والنار والأجسام (14) اللطيفة بأسرع (15) حركة ، وليست ~~قادرة على قطع المسبوك الكثيف بأسرع حركة (16)، لأن المقاومة للدفع والخرق ~~في اللطيف قليل ms170 ، وفي الكثيف كثير ، ويكاد أن يكون (17) هذا (18) يسمى ~~كثيفا وذلك لطيفا بسبب اختلافهما (19) في هذا المعنى ، فلو كان المسبوك ليس ~~ألزج وأكثر تشبثا لما يلامسه ، وليس أيضا أشد اجتماعا واتحادا ، ثم كان ~~قطعة في مدة أطول لمقاومته ، وكان ثابتا لازما غير هارب عن المماسة ، لكفاه ~~ذلك في جواز أن يؤثر تأثيرا أشد من تأثير اللطيف بحسب نسب (20) الأزمنة إذ ~~كان (21) ذا أثر (22) في مثل زمان ملاقاة اللطيف أثرا ما ، فإذا ضوعف ~~الزمان أمكن أن يساويه في بعض الأضعاف (23)، وإذا زيد في الأضعاف أمكن أن ~~يزيد عليه ، وربما لم يكن (24) زمانه المضاعف (25) مع عظم (26) نسبته محسوس ~~القدر لما تعرفه. ومن حق هذا الموضع أن يبسط بسطا أكثر مما بسطناه ، لكنه (27) PageV01P275 # أولى بالصناعة الطبيعية وإنما (1) يجب أن نذكر هاهنا قدر ما تنحل (2) به ~~الشبهة (3) ويظهر وجهها ، ثم إن شاء مستقص أن يستقصي ذلك استقصاه من ~~الأقوال المستقصاة في علم (4) الطبيعة وخصوصا ما عسى يجده من جهتنا (5). ~~فقد ظهر من جملة هذه التفصيلات الموضع الذي نظن فيه أنه (6) يجوز أن يتساوى ~~الفاعل والمنفعل فيه ، والموضع الذي يظن فيه أنه (7) يجوز (8) أن يزيد عليه ~~، والموضع الذي لا يجوز إلا أن يقصر عنه (9). وظهر (10) في خلال ذلك أنه ~~وإن كان كذلك فوجود المعنى (11) من جهة نفس الوجود لا يتساوى فيه الفاعل ~~والمنفعل إذا لم يكن فاعلا للمعنى بما هو وجود المعنى بالعرض كما بيناه. # ثم الفاعل والمبدأ الذي ليس منفعله مشاركا له في النوع ولا في المادة ~~(12)، وإنما يشاركه بوجه ما في معنى الوجود ، وليس (13) يمكن أن يعتبر فيه ~~حال المعنى الذي له الوجود لأنهما ليسا يشتركان فيه ، فبقي (14) فيه حال ~~اعتبار الوجود نفسه ، وقد كان في سائر ذلك (15) ما كان من المتساوية (16) ~~والزائدة على المبدإ الفاعل (17) إذا رجع إلى حال اعتبار الوجود كان المبدأ ~~الفاعلي غير مساو له لأن وجوده بنفسه ، ووجود المنفعل من حيث ذلك الانفعال ~~مستفاد منه. # ثم الوجود بما هو وجود لا يختلف في الشدة والضعف ، ولا يقبل الأقل ~~والأنقص وإنما ms171 يختلف في عدة (18) أحكام وهي : التقدم ، والتأخر ، ~~والاستغناء والحاجة ، والوجوب والإمكان. أما في التقدم (19) والتأخر ، فإن ~~(20) الوجود ، كما علمت ، للعلة أولا ، وللمعلول ثانيا. وأما الاستغناء ~~(21) والحاجة (22)، فقد علمت أن العلة لا تفتقر في الوجود إلى المعلول ، ~~بل يكون موجودا بذاته أو بعلة أخرى ، وهذا المعنى قريب من الأول وإن خالفه ~~في الاعتبار. PageV01P276 # وأما الوجوب والإمكان ، فإنا نعلم (1) أنه إن كانت (2) علة هي علة (3) ~~لكل ما هو معلول فهي واجبة (4) الوجود بالقياس إلى الكل من كل (5) ~~المعلولات وعلى الإطلاق ، وإن كان (6) علة لمعلول ما فهي واجبة (7) الوجود ~~بالقياس إلى ذلك المعلول ، وذلك المعلول كيف كان فهو ممكن الوجود في نفسه. # وتلخيص هذا : هو أن المعلول هو في ذاته (8) بحيث لا يجب له وجود ، وإلا ~~لوجب من دون (9) علته إذا (10) فرض واجبا لذاته وبحيث لا يمتنع له وجود ، ~~وإلا لما وجد بالعلة فذاته بذاته بلا شرط كون علة له أو لا كون علة له ~~ممكنة (11) الوجود ، وإنما يجب لا محالة بالعلة. # ثم العلة كما قد تبين لا يجوز أن يجب بها (12)، بل يكون إما (13) واجبا ~~بذاته وإما واجبا من شيء غيره ، فإذا (14) حصل له الوجوب به فحينئذ يصح ~~(15) أن يكون عنه وجوب غيره ، فيكون المعلول باعتبار ذاته ممكنا وأما العلة ~~فباعتبار ذاتها (16) إما واجبا وإما ممكنا ، فإن كان واجبا فوجوده أحق من ~~وجود الممكن وإن كان ممكنا وليس يجب بالمعلول ، والمعلول يجب به وبعد وجوبه ~~، فتكون (17) العلة إذا صار ذاتها واجبة لم يكن بالقياس إلى المعلول ، ~~والمعلول لا يصير ذاته واجبة (18) إلا بالقياس إليها (19)، فيكون إلى ذات ~~العلة نظر (20) قد وجب (21) به لا يتناول ذات المعلول بل يكون به (22) هو ~~واجبا ، والمعلول غير ملحوظ بعد ، وذات المعلول لا تكون إلا ممكنة (23)، ~~ولا يجب إلا أن تلحظ مقيسة بالعلة ، فيكون للعلة اختصاص بوجوب ، ولا يكون ~~(24) للمعلول إلا الإمكان فقط عند ذلك الاختصاص ، ويكون إذا كان للمعلول ~~(25) وجوب كان للعلة أولا وإلا لكانت (26) العلة بعد ممكنة لم يجب وجودها ~~ووجب وجود المعلول ، فيكون وجب ms172 لا عن ذات العلة وهذا محال ، فيكون للعلة ~~وجوب باعتبار ذاته ومن حيث PageV01P277 # لم تضف إلى المعلول ، والمعلول بعد ثابت على مقتضى إمكانه إذ (1) كانت ~~العلة لا تجب عنه (2) بل بذاته أو بإضافة إلى غيره لا إليه ، ومن حيث العلة ~~غير مضافة إلى المعلول (3) بعد. فالمعلول (4) ليس يجب وجوده ، بل إنما يجب ~~وجوده من حيث العلة مضافة إليه ، فتصير العلة ، لهذه المعاني الثلاثة ، ~~أولى بالوجود من المعلول ، فالعلة أحق من المعلول ، ولأن الوجود المطلق إذا ~~جعل وجود شيء صار حقيقيا (5). فبين أن المبدأ المعطي (6) للحقيقة (7) ~~المشارك فيها أولى بالحقية (8)، فإذا صح أن هاهنا مبدأ أولا هو المعطي ~~لغيره الحقيقة (9) (10)، صح أنه الحق بذاته ، وصح أن العلم به هو العلم ~~بالحق (11) مطلقا ، وإذا (12) حصل العلم به كان العلم الحق (13) مطلقا ~~بالنحو الذي يقال للعلم حق ، وهو الذي بالقياس إلى المعلوم (14). ### ||| * الفصل الرابع * ( د ) فصل * (15) في العلل الأخرى (16) العنصرية والصورية والغائية # فهذا ما نقوله في المبدإ (17) الفاعلي ، ولنشرح (18) الآن القول في ~~المبادي (19) الأخر. فأما العنصر فهو الذي فيه قوة وجود الشيء (20)، فنقول ~~: إن الشيء تكون له هذه الحالة مع شيء آخر (21) على وجوه : # فتارة يكون كما للوح (22) إلى الكتابة ، وهو أنه مستعد لقبول شيء يعرض له ~~من غير تغير (23) فيه ولا زوال أمر كان له عنه. PageV01P278 # وتارة يكون كما للشمعة إلى الصنم ، وللصبي (1) إلى الرجل ، وهو أنه مستعد ~~لقبول شيء يعرض له من غير أن يتغير (2) من (3) أحواله شيء ، إلا حركة في « ~~أين » أو « كم » أو غير ذلك. # وتارة يكون كما (4) للخشبة إلى السرير ، فإنه ينقصه بالنحت شيئا من جوهره. # وتارة يكون مثل ما للأسود إلى الأبيض ، فإنه يستحيل ويفقد (5) كيفيته (6) ~~من غير فساد جوهره. # وتارة يكون كما (7) للماء (8) إلى (9) الهواء ، فإنه إنما يكون الهواء ~~عنه بأن يفسد. # وتارة يكون كما للمني إلى الحيوان ، فإنه يحتاج أن ينسلخ عن صور (10) له ~~(11) انسلاخات حتى يستعد لقبول صورة (12) الحيوان. وكذلك (13) الحصرم للخمر (14). # وتارة يكون كما للمادة الأولى إلى الصورة ، فإنها مستعدة لقبولها متقومة ~~بها ms173 بالفعل. # وتارة يكون مثل الهليلجة (15) إلى المعجون ، فإنه ليس عنه (16) وحده يكون ~~المعجون (17)، بل عنه وعن غيره فيكون قبل ذلك جزءا من أجزائه بالقوة. # وتارة يكون كما للخشب والحجارة إلى البيت ، فإنه كالأول ، إلا أن الأول ~~إنما يكون عنه المعجون بضرب من الاستحالة ، وهذا ليس فيه إلا التركيب. ومن ~~هذا الجنس أيضا الآحاد للعدد ، وقد يجعل قوم المقدمات (18) كذلك للنتيجة ، ~~وذلك غلط. بل المقدمات كذلك لشكل القياس ، وأما (19) النتيجة فليست (20) ~~صورة في المقدمات ، بل شيئا يلزم عنها ، كأن المقدمات تفعلها في النفس. PageV01P279 # فعلى هذه الأنحاء نجد الأشياء الحاملة للقوة ، فإنها إما أن تكون حاملة ~~للقوة بوحدانيتها أو بشركة غيرها. # فإن كانت بوحدانيتها فإما أن لا يحتاج (1) فيما يكون منها إلا إلى الخروج ~~بالفعل لذلك فقط ، وهذا هو الذي بالحري أن يسمى موضوعا بالقياس إلى ما هو ~~فيه ، ويجب أن يكون لمثل (2) هذا بنفسه بالفعل قوام ، فإنه إن لم يكن له ~~قوام لم يجز أن يكون متهيئا (3) لقبول (4) الحاصل فيه ، بل يجب أن يكون ~~قائما بالفعل ، فإن كان إنما يصير قائما بما يحله فقد كان فيه شيء (5) يحله ~~قبل ما حله ثانيا به يقوم (6)، وإما (7) أن يكون الثاني ليس مما يقومه بل ~~مضافا إليه أو يكون (8) وروده يبطل ما كان يقيمه قبله فيكون قد استحال ، ~~وقد فرضناه (9) لم يستحل. فهذا قسم. وأما إن كان (10) يحتاج إلى زيادة شيء ~~، فإما أن يكون إلى حركة فقط ، إما (11) مكانية وإما حركة كيفية أو حركة ~~كمية أو وضعية أو جوهرية ، وإما إلى فوات أمر (12) آخر من (13) جوهره (14) ~~من كم أو كيف (15) أو غير ذلك (16). # وأما الذي يكون بمشاركة غيره فيكون لا محالة فيه اجتماع وتركيب ، فإما أن ~~يكون تركيب من اجتماع فقط ، وإما أن يكون مع ذلك استحالة في الكيف. وكل ما ~~فيه تغير (17) فإما أن ينتهي إلى الغاية بتغير واحد ، أو بتغيرات كثيرة. ~~وقد جرت العادة بأن يسمى الذي يكون الكون منه (18) بالتركيب وهو في الشيء ~~أسطقسا ، وهو الذي ينحل إليه أخيرا (19)، فإن كان ms174 جسمانيا فهو أصغر (20) ~~ما ينتهي إليه القاسم في القسمة إلى المختلفات الصور (21) الموجودة فيه وقد ~~حد بأنه الذي منه ومن غيره تركب (22) الشيء وهو فيه بالذات ولا ينقسم ~~بالصورة. PageV01P280 # ومن رأى أن الأشياء إنما تتكون (1) من الأجناس والفصول جعلها الأسطقسات ~~الأولى ، وخصوصا الواحد والهوية فقد جعلوها أولى المبادي بالمبدئية ، لأنها ~~أشدها (2) كلية وجنسية. ولو (3) أنصفوا لعلموا أن القوام بالذات أنما هو ~~للأشخاص ، فما يليها أولى بأن يكون جواهر وقائمات بأنفسها ، وأنها أولى ~~بالوجود (4) أيضا. # ولنعد إلى أمر العنصر (5) فنقول : قد جرت العادة في مواضع (6) بأن (7) ~~يقال : إن الشيء كان عن العنصر في مواضع (8)، ولم يجر في مواضع (9)، فإنه ~~يقال : إنه كان من الخشب باب ، ولا يقال : كان (10) من الإنسان كاتب. وأن ~~ينسب الكائن إلى الموضوع في مواضع (11)، وأن لا ينسب في مواضع ، فيقال ، ~~تارة (12)، إن هذا باب خشبي ، ولا يقال : إن هذا كاتب إنساني. فأما الأول ~~، فإذا وجدوا الموضوع (13) لم يتحرك إليه (14) البتة ولم يتغير في قبول ~~الشيء ، فإنهم حينئذ (15) لا يقولون إنه كان عنه ، بل إنما يقولون دائما ~~إنه كان عن العدم ، كما يقولون عن غير الكاتب. وإذا تغير وخصوصا فيما لا ~~يجدون للعدم (16) منه (17) اسما ، فيقولون : كان عن غير (18) الموضوع. وأما ~~بالنسبة (19) إلى الموضوع فإنما يستعمل في الأكثر إذا كان الموضوع قد يصلح ~~غيره للصورة (20). وأما الصورة فلا ينسب إليها ، ولا يقال كان منها ، إنما ~~يشتق منها الاسم ، والموضوع قد (21) يكون مشتركا للكل وقد يكون مشتركا لعدة ~~أمور ، مثل العصير (22) للخل والخمر والطلاء والرب (23) وغير ذلك. # وكل عنصر فإنه من حيث هو عنصر ، إنما له القبول فقط ، وأما حصول الصورة ~~فله من غيره ، وما كان من العناصر أو (24) القوابل مبدأ الحركة إلى الأثر ~~موجود في نفسه PageV01P281 # ظن أنه متحرك إليه بنفسه ، وليس كذلك (1). فقد (2) تبين (3) لنا (4) في ~~مواضع أخرى أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد فاعلا وقابلا لشيء واحد من غير أن ~~يتجزأ ذاته ، لكن العنصر إذا كان مبدأ حركته فيه بذاته كان متحركا عن ~~الطبيعة ، وكان ms175 ما يكون منه طبيعيا ، وإذا كان مبدأ الحركة (5) فيه (6) من ~~خارج ولم يكن (7) له أن يتحرك إلى ذلك الكمال من نفسه (8) كان ما يكون منه ~~صناعيا أو جاريا مجراه ، فهذا جمل ما نقوله في العنصر. # وأما الصورة فنقول : قد يقال صورة لكل معنى بالفعل يصلح أن يفعل حتى تكون ~~الجواهر المفارقة صورا بهذا المعنى. # ويقال (9) صورة لكل هيئة وفعل يكون في قابل وحداني أو بالتركيب (10) حتى ~~تكون الحركات والأعراض صورا. ويقال صورة لما تتقوم (11) به المادة بالفعل ~~فلا تكون حينئذ الجواهر العقلية والأعراض صورا. ويقال صورة لما تكمل به ~~المادة وإن لم تكن متقومة بها بالفعل ، مثل الصورة (12) وما يتحرك بها (13) ~~إليها بالطبع ، ويقال صورة خاصة لما يحدث في المواد بالصناعة من الأشكال ~~وغيرها. ويقال (14) صورة لنوع الشيء (15) ولجنسه ولفصله ولجميع ذلك. وتكون ~~كلية الكلي صورة للأجزاء (16) أيضا ، والصورة قد تكون ناقصة كالحركة (17) ~~وقد تكون تامة كالتربيع والتدوير. # وقد علمت أن الشيء الواحد يكون صورة وغاية ومبدأ فاعليا من وجوه مختلفة. ~~وفي الصناعة أيضا ، فإن الصناعة (18) هي صورة المصنوع في النفس ، فإن ~~البناء في نفسه صورة الحركة إلى صورة البيت ، وذلك هو المبدأ الذي يصدر عنه ~~حصول الصورة في مادة البيت ، وكذلك الصحة هي (19) صورة البرء ، ومعرفة ~~العلاج هي صورة الإبراء. والفاعل (20) الناقص يحتاج إلى حركة وآلات (21) ~~حتى يصدرما في نفسه محصلا في المادة ، PageV01P282 # والكامل فإن الصورة التي في ذاته يتبعها وجود (1) الصورة في مادتها ويشبه ~~أن تكون الأمور الطبيعية صورها عند العلل المتقدمة للطبيعة بنوع ، وعند ~~الطبيعة على طريق التسخير بنوع ، وأنت تعلم هذا بعد. # وأما الغاية فهي ما لأجله يكون الشيء ، وقد علمته فيما سلف ، وقد تكون ~~الغاية في بعض الأشياء (2) في نفس الفاعل فقط كالفرح بالغلبة ، وقد تكون ~~الغاية في بعض الأشياء (3) في شيء غير الفاعل ، وذلك تارة في الموضوع مثل ~~غايات الحركات التي تصدر عن روية أو طبيعة (4)، وتارة في شيء ثالث كمن ~~يفعل شيئا ليرضى به فلان ، فيكون (5) رضاء فلان غاية خارجة عن الفاعل ~~والقابل ms176 ، وإن كان الفرح بذلك الرضى أيضا غاية أخرى. ومن الغايات التشبه ~~بشيء آخر ، والمتشبه (6) به من حيث هو (7) متشوق إليه (8) غاية (9)، ~~والتشبه نفسه أيضا غاية. ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل * (10) في إثبات الغاية وحل شكوك قيلت في إبطالها ، والفرق بين الغاية وبين الضروري وتعريف الوجه الذي تتقدم به الغاية على سائر العلل والوجه الذي تتأخر به # فنقول : إنه قد بان ، مما (11) سلف لنا من القول ، أن كل معلول فله مبدأ ~~، وكل حادث فله مادة وله صورة ، ولم يتبين بعد أن كل تحريك فله غاية ما ، ~~فإن (12) هاهنا ما هو عبث ، وهاهنا ما هو اتفاق ، وأيضا هاهنا مثل حركة ~~الفلك ، فإن لا غاية لها (13) في ظاهر الأمر ، PageV01P283 # والكون والفساد لا غاية لهما في ظاهر الظن. ثم لقائل أن يقول : قد يجوز ~~أن (1) يكون لكل غاية غاية ، كما يكون لكل (2) ابتداء ابتداء ، فلا يكون ~~بالحقيقة غاية وتمام ، لأن الغاية بالحقيقة ما يسكن لديه ، وقد نجد أشياء ~~هي غايات ولها غايات أخرى إلى غير النهاية ، فإن هاهنا أشياء يظن أنها ~~غايات ولا تتناهى ، كنتائج تترادف عن القياسات ولا تتناهى. ثم لقائل أن ~~يقول : لنترك أن الغاية موجودة لكل فعل ، فلم جعلت علة (3) متقدمة وهي ~~بالحقيقة معلولة (4) العلل كلها؟ ومما (5) يليق أن نتكلم فيه بعد حل هذه ~~الشبهة (6) أنه هل الغاية والخير شيء واحد أم يختلف (7)؟ وأيضا ما الفرق ~~بين الجود والخيرية؟ فتقول (8): # أما الشك الأول المنسوب إلى الاتفاق والعبث فنحله ونقول (9): أما حال ~~الاتفاق وأنه غاية ما فقد فرغ منه في الطبيعيات. وأما بيان أمر العبث فيجب ~~أن نعرف أن كل حركة إرادية فلها مبدأ قريب ، ومبدأ بعيد (10)، ومبدأ أبعد. ~~فالمبدأ القريب هو القوة المحركة التي في عضلة العضو ، والمبدأ الذي يليه ~~هو الإجماع من القوة الشوقية ، والأبعد من ذلك هو التخيل أو التفكر (11). ~~فإذا ارتسم في التخيل أو في الفكر (12) النطقي (13) صورة ما ، فتحركت (14) ~~القوة الشوقية إلى الإجماع ، خدمتها القوة المحركة التي في الأعضاء ، فربما ~~كانت الصورة المرسمة في التخيل أو (15) الفكر (16) هي ms177 نفس الغاية التي ~~تنتهي إليها الحركة ، وربما كانت شيئا غير ذلك ، إلا أنه لا يتوصل إليه إلا ~~بالحركة إلى ما تنتهي إليه الحركة ، أو تدوم عليه الحركة. # مثال الأول : أن الإنسان ربما ضجر عن المقام في موضع ما ، وتخيل (17) في ~~نفسه صورة موضع آخر ، فاشتاق (18) إلى المقام فيه ، فتحرك نحوه ، فانتهت ~~(19) حركته إليه ، فكان متشوقه نفس ما انتهى إليه تحريك القوى المحركة ~~للعضلة. PageV01P284 # ومثال الثاني : أن الإنسان قد يتخيل في نفسه صورة لقائه لصديق له ، ~~فيشتاقه ، فيتحرك إلى المكان الذي يقدر مصادفته فيه ، فتنتهي حركته إلى ذلك ~~المكان ، ولا تكون نفس ما انتهت إليه حركته نفس المتشوق (1) الأول الذي نزع ~~(2) إليه بل معنى آخر ، لكن المتشوق يتبعه ، ويحصل (3) بعده ، وهو (4) لقاء ~~الصديق. # فقد عرفت هذين القسمين ، وتبين لك من ذلك بأدنى تأمل أن الغاية التي ~~تنتهي إليها الحركة في كل حال من حيث هي غاية حركة (5)، هي غاية أولى ~~حقيقية للقوة الفاعلة (6) المحركة (7) التي في الأعضاء ، وليس للقوة ~~المحركة التي في الأعضاء غاية غيرها ، لكنه ربما كان (8) للقوة التي قبلها ~~غاية غيرها ، فليس يجب دائما أن يكون ذلك الأمر غاية أولى للقوة الشوقية : ~~تخييلية كانت أو فكرية ، ولا أيضا دائما يجب أن لا يكون ، بل ربما كان ، ~~وربما لم يكن ، كما قد تبين لك في المثالين. # أما الأول منهما فكانت الغاية فيهما (9) واحدة ، وأما الثاني فكانت ~~مختلفة. # والقوة المحركة التي في الأعضاء مبدأ حركة لا محالة ، والقوة الشوقية ~~أيضا مبدأ أول لتلك الحركة ، فإنه لا يمكن أن تكون حركة نفسانية لا عن شوق ~~البتة ، لأن الشيء الذي لا تنبعث إليه القوة ثم تنبعث إليه انبعاثا نفسانيا ~~يكون بتشوق (10) نفساني لا محالة قد حدث بعد ما لم يكن. فإذن (11) كل حركة ~~نفسانية (12) مبدؤها الأقرب قوة محركة في عضل الأعضاء ، ومبدؤها الذي يليه ~~شوق ، والشوق كما علم (13) في علم كتاب (14) النفس تابع لتخيل أو فكر لا ~~محالة ، فيكون المبدأ الأبعد تخيلا أو فكرا. # فإذن هاهنا مبادئ للحركات (15) النفسانية. # منها واجبة بأعيانها ضرورة. ms178 PageV01P285 # ومنها غير واجبة بأعيانها ضرورة ، # والواجبة ضرورة : هي (1) القوى المحركة في الأعضاء ، والقوة الشوقية. # وغير الواجبة : هي التخيل والفكر (2)، فإنه ليس يجب لا محالة أن يكون ~~تخيل ولا فكر أو فكر ولا تخيل ولكل (3) مبدإ حركة غاية لا محالة والمبدأ ~~الذي لا بد منه في الحركة الإرادية له غاية لا بد منها ، والمبدأ (4) الذي ~~منه بد قد توجد الحركة خالية عن غايته ، فإن اتفق أن يتطابق (5) المبدأ ~~الأقرب وهو القوة المحركة والمبدءان اللذان بعده أعني الشوقية مع التخيل أو ~~الشوقية مع الفكرية (6) كانت نهاية الحركة هي الغاية للمبادئ كلها ، وكان ~~ذلك غير عبث لا محالة. # وإن اتفق أن يختلف ، أعني أن لا يكون (7) ما هو الغاية الذاتية للقوة ~~المحركة غاية ، ذاتية للقوة الشوقية ، وجب ضرورة أن يكون للقوة الشوقية ~~غاية أخرى بعد الغاية التي في القوة المحركة التي للعضو ، وذلك لأنا قد ~~أوضحنا أن الحركة الإرادية لا تكون بلا شوق وكل ما هو شوق فهو شوق (8) لشيء ~~(9)، وإذا (10) لم يكن لمنتهى الحركة كان لشيء آخر غيره لا محالة ، وإذا ~~كان ذلك الشيء يراد لأجله الحركة فيجب أن يكون بعد انتهاء الحركة (11). # وكل (12) نهاية تنتهي إليها (13) الحركة (14) أو تحصل بعد نهاية الحركة ، ~~ويكون الشوق التخيلي والفكري قد تطابقا (15) عليها (16)، فبين أنها غاية ~~إرادية ، وليست (17) بعبث البتة ، وكل نهاية تنتهي إليها (18) الحركة وتكون ~~هي بعينها الغاية المتشوقة المتخيلة (19) ولا تكون المتشوقة (20) بحسب ~~الفكرة ، فهي التي تسمى العبث. # وكل غاية ليست هي نهاية الحركة ومبدؤها تشوق تخيلي غير فكري ، فلا يخلو ~~(21): إما أن يكون التخيل وحده هو المبدأ (22) لحركة الشوق (23). PageV01P286 # أو التخيل مع طبيعة أو مزاج مثل التنفس أو حركة المريض. # أو التخيل مع خلق وملكة (1) نفسانية داعية إلى ذلك الفعل بلا روية. # فإن كان التخيل وحده هو المبدأ للشوق سمي ذلك الفعل جزافا ، ولم يسم عبثا. # وإن (2) كان تخيل (3) مع طبيعة مثل التنفس ، سمي ذلك الفعل قصدا ضروريا ~~أو طبيعيا. # وإن كان تخيل مع خلق وملكة نفسانية سمي ذلك الفعل (4) عادة ، لأن ms179 الخلق ~~أنما يتقرر باستعمال الأفعال ، فما (5) يكون بعد الخلق يكون عادة لا محالة. # وإذا كانت الغاية التي (6) للقوة المحركة وهي نهاية الحركة موجودة ولم ~~توجد الغاية الأخرى التي بعدها وينحو (7) التشوق (8) وهي غاية الشوق (9) ~~فيسمى (10) ذلك الفعل باطلا ، كمن حصل في المكان الذي قدر فيه مصادفة ~~الصديق ولم يصادفه هناك ، فسمي فعله باطلا بالقياس إلى القوة المتشوقة دون ~~القوة المحركة وبالقياس إلى الغاية الأولى دون الغاية الثانية. # وإذا (11) تقررت هذه المقدمات فنقول : قول من يقول (12) إن العبث فعل من ~~غير غاية البتة هو (13) قول كاذب. # وقول القائل أيضا (14) إن العبث فعل من غير غاية البتة هي (15) (16) خير ~~أو مظنون خيرا ، هو (17) قول كاذب. # أما الأول فإن الفعل أنما يكون بلا غاية إذا لم يكن له غاية بالقياس إلى ~~ما هو مبدأ حركته ، لا بالقياس إلى ما ليس مبدأ حركته ، وإلى أي شيء اتفق. ~~وما مثل به في الشك من (18) اللعب باللحية ، فمبدأ حركته (19) القريبة (20) ~~هو القوة التي في العضلة ، والذي قبله PageV01P287 # تشوق تخيلي بلا فكر ، وليس مبدؤه فكرا البتة ، فليس (1) فيه غاية فكرية ، ~~وقد حصلت فيه الغاية التي للتشوق (2) التخيلي وللقوة المحركة ، فبين أن هذا ~~الفعل بحسب مبدئه المحرك ، منته إلى غاية ، وأنه أنما لا يتحرك إلى غاية ~~بحسب ما ليس مبدؤه المحرك. # ولا يجب أن يظن أن هذا يصدر لا عن شوق تخيلي (3)، فإن كل فعل نفساني كان ~~بعد ما لم يكن ، فهناك شوق ما لا محالة ، وطلب نفساني ، وذلك مع تخيل ما ، ~~إلا أن ذلك التخيل ربما كان غير ثابت بل سريع البطلان ، أو كان ثابتا ولكن ~~لم يشعر به ، فليس كل من تخيل شيئا يشعر مع ذلك ويحكم أنه قد تخيل (4)، ~~وذلك لأن التخيل غير الشعور بأنه قد تخيل. وهذا ظاهر ، ولو كان كل تخيل ~~يتبعه شعور بالتخيل لذهب الأمر إلى غير النهاية. # وأما الثاني فلأن لانبعاث هذا الشوق علة ما لا محالة : إما عادة ، وإما ~~ضجر عن هيئة وإرادة انتقال إلى هيئة أخرى ، وإما حرص من ms180 القوى (5) المحركة ~~والمحسة على أن يتجدد لها (6) فعل تحريك وإحساس (7). # والعادة لذيذة ، والانتقال عن المملول لذيذ ، والحرص على الفعل الجديد ~~لذيذ ، أعني بحسب القوة الحيوانية والتخييلية. واللذة هي الخير (8) الحسي ، ~~والتخييلي ، والحيواني ، بالحقيقة وهي المظنونة خيرا ، بحسب الخير الإنساني ~~فإذا كان المبدأ تخيلا (9) حيوانيا فيكون خيره (10) لا محالة خيرا تخيليا ~~(11) حيوانيا فليس إذن هذا الفعل خاليا عن خير بحسبه ، وإن لم يكن خيرا ~~حقيقيا أي بحسب العقل ثم وراء هذا علل لتخصيص هيئة دون هيئة (12) من ~~الحركات جزئية لا تضبط. # وأما الشك الذي يليه فينكشف (13) بأن نعرف الفرق بين (14) الغاية بالذات ~~وبين الضروري الذي هو أحد الغايات التي بالعرض. والفرق بينهما أن الغاية ~~بالذات هي الغاية التي تطلب لذاتها ، والضروري أحد ثلاثة أمور. PageV01P288 # إما أمر لا بد من وجوده حتى توجد الغاية على أنه علة للغاية بوجه ، مثل ~~صلابة الحديد حتى يتم القطع به. # وإما أمر لا بد من وجوده حتى توجد الغاية لا على أنه علة للغاية (1)، بل ~~على أنه أمر (2) لازم للعلة ، مثل أنه لا بد من أن يكون جسم أدكن حتى يتم ~~القطع به ، وإنما لم يكن بد من جسم أدكن لا لدكنته (3)، لكن لأنه كان ~~لازما للحديد الذي لا بد منه. # وإما أمر لا بد من وجوده لازما للعلة (4) الغائية نفسها (5)، مثل أن ~~العلة الغائية في (6) التزويج مثلا (7) التوليد (8)، ثم التوليد (9) يتبعه ~~حب الولد ويلزمه ، لأن (10) التزويج كان لأجله. فهذه (11) كلها غايات ~~بالعرض الضروري ، لا العرض الاتفاقي. وقد (12) علمت الغايات العرضية ~~الاتفاقية (13) في موضع (14) آخر. # واعلم أن وجود مبادئ الشر في الطبيعة ، هو من القسم الثاني من هذه ~~الأقسام ، فإنه مثلا لما كان يجب في الغاية (15) الإلهية التي هي (16) ~~الجود أن يؤتى (17) كل ممكن الوجود (18) وجوده الخيري (19)، وكان (20) ~~الوجود الذي للمركبات من العناصر ، وكان لا يمكن أن تكون المركبات إلا من ~~العناصر وكان لا يمكن أن تكون (21) العناصر لها إلا الأرض والماء والنار ~~والهواء ، وكان لا يمكن أن تكون النار على الجهة (22) المؤدية إلى الغاية ~~الخيرية ms181 المقصودة بها إلا أن تكون محرقة مفرقة ، لزم ذلك ضرورة أن يكون ~~بحيث تضر الصالحين وتفسد كثيرا من المركبات. # وكأنا (23) قد خرجنا عن غرضنا ، فلنعد إليه ، ولنجب (24) عن الشك المورد ~~فنقول : أما أشخاص الكائنات الغير المتناهية فليست هي بغايات ذاتية في ~~الطبيعة ، ولكن الغايات (25) PageV01P289 # الذاتية هي (1) مثلا أن يوجد الجوهر الذي هو الإنسان أو الفرس (2) أو ~~النخلة ، وأن يكون هذا الوجود وجودا دائما ثابتا ، وكان (3) هذا ممتنعا في ~~الشخص الواحد المشار إليه ، لأن كل كائن يلزمه ضرورة الفساد ، وأعني (4) ~~الكائنات من الهيولى الجسمانية (5)، ولما امتنع في الشخص استبقى بالنوع ، ~~فالغرض الأول إذن هو بقاء الطبيعة الإنسانية مثلا ، أو غيرها ، أو شخص ~~منتشر غير معين (6)، وهو العلة التمامية لفعل الطبيعة الكلية ، وهو واحد ، ~~لكن هذا الواحد لا بد له في حصوله باقيا من أن يكون (7) أشخاص بعد أشخاص ~~بلا نهاية ، فيكون لا تناهي الأشخاص بالعدد غرضا على المعنى (8) الضروري من ~~القسم الأول ، لا على أنه عرض بنفسه ، لأنه لو أمكن أن يبقى الإنسان دائما ~~كما تبقى الشمس والقمر (9) لما احتيج (10) إلى التوالد والتكاثر بالنسل. # على أنه وإن سلمنا أن الغرض لا تناهي الأشخاص (11) كان لا تناهي الأشخاص ~~(12) (13) غير معنى كل شخص ، وإنما يذهب بلا نهاية شخص بعد شخص (14)، لا ~~لا تناه بعد لا تناه ، فإذن الغاية بالحقيقة (15) هاهنا موجودة (16)، وهي ~~وجود شخص منتشر (17)، أو لا تناهي الأشخاص ثم الشخص الذي يؤدي إلى شخص آخر ~~إلى ثالث إلى رابع ليس هو بعينه غاية للطبيعة (18) الكلية ، بل للطبيعة ~~الجزئية إذ هي غاية للطبيعة (19) (20) الجزئية (21) فليس غيرها بعدها غرضا ~~وغاية (22) لتلك الطبيعة الجزئية التي هي غايتها. PageV01P290 # وأعني بالطبيعة الجزئية القوة الخاصة التدبير (1) بشخص واحد (2). # وأعني (3) بالطبيعة (4) الكلية القوة القابضة من (5) جواهر السماويات ~~كشيء واحد وهي المدبرة (6) لكلية ما (7) في الكون. وأنت (8) تعلم هذه كلها ~~(9) بعد هذا # وأما الحركة الذاهبة إلى غير النهاية فإنها (10) واحدة بالاتصال كما علمت ~~في الطبيعيات. وأيضا فإن الغرض في تلك الحركة ليس هو نفس الحركة بما هي هذه ~~الحركة ، بل ms182 الغرض هناك الدوام الذي نصفه بعد ، وهذا الدوام معنى واحد إلا ~~أنه متعلق الوجود بأشياء لنسلم أن عددها بغير نهاية. # وأما حديث المقدمات والنتيجة ، فيجب أن يعلم أن المراد بقولنا (11): إن ~~العلة الغائية تتناهى وتقف ، أن العلة الغائية التي بحسب (12) فاعل واحد ~~وفعل واحد تتناهى ، ولا يجوز أن يكون فاعل طبيعي أو اختياري يفعل فعلا يروم ~~به بعينه غاية بعد غاية من غير أن يقف عند نهاية. # وأما المبدأ الواحد إذا كان قد يصدر عنه فعل بعد فعل ، ويصير بحسب كل فعل ~~فاعلا غير الفاعل الذي كان بحسب الفعل الآخر ، وإن لم يكن بالذات والموضوع ~~غيره ، فيجوز أن تتكثر (13) غاياته ويكون له بحسب كل كون منه فاعلا (14) ~~غاية أخرى ، وإن جاز أن يعتبر له كونه فاعلا بعد كونه فاعلا إلى غير ~~النهاية ، كانت غاياته (15) بغير نهاية. # ثم النتيجة هي علة غاية (16) تمامية للقياس (17) الذي يكون على مطلوب ~~محدود ، وكل تركيب قياس فعل (18) مبتدإ ، وللنفس بحسب كل قياس فعل مستأنف ~~يصدر عنه استحقاق أن يقال له (19) فاعل مستأنف ، وفي كل واحد من مرات كونه ~~فاعلا غاية محدودة بعينها لا يجوز أن تكون ذاهبة إلى غير النهاية إذ (20) ~~لكل قياس واحد نتيجة واحدة (21) لا محالة. PageV01P291 # وأما الشك الذي يليه فينحل بأن يعلم أن الغاية تفرض (1) شيئا. وتفرض ~~موجودا ، وفرق بين الشيء والموجود ، وإن كان الشيء لا يكون إلا (2) موجودا ~~، كالفرق بين الأمر ولازمه ، وقد علمت هذا وتحققته (3) فاستأنف تأمله (4) ~~من الإنسان. فإن للإنسان حقيقة هي حده وماهيته من غير شرط وجود (5) خاص أو ~~عام في الأعيان أو في النفس بالقوة شيء من ذلك أو بالفعل (6). # وكل علة فإنها من حيث هي تلك العلة لها حقيقة وشيئية ، فالعلة الغائية هي ~~في شيئيتها سبب لأن تكون (7) سائر العلل موجودة بالفعل عللا ، والعلة ~~الغائية في وجودها مسببة لوجود (8) سائر العلل عللا بالفعل ، فكان (9) ~~الشيئية (10) من العلة الغائية علة علة وجودها (11)، وكان (12) وجودها ~~معلول معلول شيئيتها ، لكن شيئيتها (13) لا تكون علة ما لم تحصل متصورة في ms183 ~~النفس (14) أو ما يجري (15) مجراها (16)، ولا علة للعلة الغائية في ~~شيئيتها (17) إلا علة أخرى غير العلة التي تحرك إليها أو يتحرك إليها. # واعلم أن الشيء : # يكون معلولا في شيئيته. # ويكون معلولا في وجوده. # فالمعلول (18) في شيئيته مثل الاثنينية (19)، فإنها (20) في حد كونها ~~(21) اثنينية معلولة للوحدة. # والمعلول في وجوده (22) ظاهر لا يخفى. # وكذلك قد يكون للشيء (23) أمر حاصل موجود (24) في شيئيته مثل العددية ~~للاثنينية. PageV01P292 # وقد يكون الأمر زائدا لأمر زائد (1) على شيئيته مثل كون التربيع في الخشب ~~أو الحجر (2). # والأجسام الطبيعية علة لشيئية (3) كثير من الصور والأعراض ، أعني (4) ~~التي لا يتجدد إلا بها ، وعلة لوجود بعضها دون شيئيته (5) كما يظن أن الحكم ~~في التعليميات كذلك. # فقد سهل (6) لك أن تفهم (7) أن العلة الغائية في الشيئية قبل العلل (8) ~~الفاعلة (9) والقابلة (10)، وكذلك قبل الصورة من جهة ما الصورة علة صورية ~~مؤدية إليها ، وكذلك أيضا العلة الغائية في وجودها في النفس قبل العلل ~~الأخرى. أما في نفس الفاعل فلأنها توجد أولا ثم يتصور عنده الفاعلية (11)، ~~وطلب القابل ، وكيفية (12) الصورة. وأما في نفس غير الفاعل فليس لبعضها ~~ترتيب على الآخر (13) ضروري (14)، فإذن في اعتبار الشيئية واعتبار الوجود ~~في العقل ليست علة أقدم من الغائية بل هي علة لصيرورة سائر العلل عللا ، ~~ولكن (15) وجود العلل الأخرى بالفعل عللا ، علة لوجودها ، وليست العلة ~~الغائية علة على أنها موجودة (16)، بل على أنها شيء فبالجهة التي هي علة ، ~~هي (17) علة العلل (18)، وبالجهة الأخرى هي (19) معلولة العلل (20). # هذا إذا كانت العلة الغائية في الكون ، وأما إذا كانت العلة الغائية ليست ~~في الكون ولكن وجودها أعلى من الكون على ما سيتضح في موضعه فلا يكون شيء من ~~العلل الأخرى علة لها ولا في الواحد الذي هو الحصول والوجود ، فتكون إذن ~~العلة الغائية ليست معلولة (21) لسائر العلل لا لأنها (22) علة غائية ولكن ~~لأنها ذات كون ، ولو كانت ليست ذات كون ، لما كانت معلولة البتة ، وأما إذا ~~اعتبرت كونها علة غائية فتجدها علة لسائر العلل في أن تكون عللا مثل أن ~~تكون علة ms184 فاعلية وعلة قابلية وعلة صورية ، لا في أن تكون كائنة PageV01P293 # وموجودة في أنفسها (1)، فإذن الذي بالذات للعلة الغائية بما هي علة ~~غائية ، أن تكون علة لسائر العلل ويعرض لها من جهة أن معناها قد يكون واقعا ~~في الكون أن يكون معلولا من جهة (2) الكون. # فقد (3) تبين لك أنه كيف يكون الشيء علة ومعلولا ، على أنه فاعل وغاية ، ~~وهذا من المبادي للطبيعيين (4). # وأما البحث الذي بعد هذا فينكشف (5) بما نقوله : إن (6) الغاية التي تحصل ~~في فعل الفاعل تنقسم (7) إلى قسمين : # غاية تكون صورة أو عرضا في منفعل قابل للفعل. # وغاية لا تكون صورة (8) ولا عرضا في منفعل قابل البتة فتكون في الفاعل لا ~~محالة ، لأنها إن لم تكن في الفاعل ولا في المنفعل ، وليس يجوز أن يكون ما ~~يقوم (9) بنفسه جوهرا حدث لا من مادة ولا في مادة ، فلا يكون لها وجود البتة. # فمثال الأول صورة الإنسانية في المادة (10) الإنسانية ، فإنها غاية للقوة ~~الفاعلة (11) للتصوير في مادة (12) الإنسان ، وإليها يتوجه فعلها وتحريكها. # ومثال الثاني الاستكنان ، فإنه (13) غاية لمستبني البيت الذي هو مبدأ ~~(14) لحركة كونه ، وليس هو البتة صورة في البيت. ويشبه أن تكون غاية الفاعل ~~القريب الملاصق لتحريك المادة صورة في المادة ، وأن يكون ما ليس غايته صورة ~~في المادة ليس مبدأ قريبا للحركة بما هو كذلك ، فإن عرض أن يكون ما غايته ~~صورة في المادة المتعاطاة (15) وما غايته معنى ليس صورة (16) في تلك المادة ~~شيئا واحدا ، فإن وحدته تكون بالعرض ، مثل أن يكون PageV01P294 # الإنسان يبني بيتا ليستكن (1) فيه (2)، فإنه من جهة ما هو طالب الكن داع ~~إلى البناء وعلة أولى للبناء ، ومن جهة ما هو بناء معلول لما هو مستكن ، ~~فيكون الغاية لما هو مستكن ، غير الغاية لما هو بان (3). وإذا كان كذلك ~~فيكون أيضا في الإنسان الواحد المستكن الباني غايته بما هو مستكن غير غايته ~~بما هو بان. # وإذ قد (4) تقرر هذا فنقول : أما في القسم الأول فإن للغاية نسبة إلى ~~أمور كثيرة هي قبلها في الحصول بالفعل والوجود ms185 ، لأن لها نسبة إلى الفاعل ، ~~ونسبة إلى القابل (5)، وهي (6) بالقوة ، ونسبة إلى القابل ، وهي (7) ~~بالفعل قابل (8)، ونسبة إلى الحركة ، فهي بقياسها (9) إلى الفاعل غاية ~~وبقياسها (10) إلى الحركة (11) نهاية وليست بغاية (12)، لأن الغاية التي ~~لأجلها الشيء ويؤمها الشيء لا يبطل مع وجودها الشيء ، بل يستكمل بها (13) ~~الشيء والحركة تبطل مع انتهائها ، وهي (14) بقياسها (15) إلى القابل ~~المستكمل به وهو بالقوة خير يصلحه ، لأن الشر هو العدم لكماله ، والخير ~~الذي يقابله هو الوجود والحصول بالفعل ، وبالقياس (16) إلى القابل وهو ~~بالفعل صورة. # وأما الغاية التي بحسب القسم الثاني فبين أنها ليست صورة للمادة المنفعلة ~~، ولا هي نفس نهاية الحركة. وقد بان أنها تكون صورة أو عرضا في الفاعل ، ~~ويكون لا محالة قد خرج بها الفاعل من الذي بالقوة إلى الذي بالفعل ، والذي ~~بالقوة هو (17) لأجل العدم الذي يقارنه شر ، والذي بالفعل هو الخير (18) ~~الذي يقابله. فتكون إذن هذه (19) الغاية خيرا بالقياس إلى ذات الفاعل (20) ~~، لا (21) إلى ذات القابل ، فإذا (22) نسبت (23) إلى الفاعل من جهة ما هو ~~مبدأ حركة وفاعل ، كانت غاية ، وإذا (24) نسبت (25) إليه من جهة ما هو خارج ~~بها من القوة إلى PageV01P295 # الفعل ومستكمل ، كانت خيرا إذا (1) كان (2) ذلك الخروج من القوة إلى ~~الفعل في معنى نافع في الوجود أو بقاء الوجود ، وكانت الحركة طبيعية أو ~~اختيارية عقلية ، وأما إن كانت تخيلية (3) فليس (4) يجب أن يكون خيرا ~~حقيقيا ، بل قد يكون خيرا مظنونا ، فيكون إذن كل غاية فهي باعتبار غاية ، ~~وباعتبار آخر خير إما مظنون وإما حقيقي ، فهذا هو حال الخير والعلة ~~التمامية. # وأما حال الجود والخير فيجب أن يعلم أن شيئا واحدا له قياس إلى القابل ~~المستكمل به ، وقياس إلى الفاعل الذي يصدر عنه ، وإذا كان قياسه إلى الفاعل ~~الذي يصدر عنه ، بحيث لا يوجب أن يكون الفاعل منفعلا به أو بشيء يتبعه كان ~~قياسه إلى الفاعل جودا وإلى المنفعل خيرا ، ولفظة الجود وما يقوم مقامها ~~موضوعها الأول في اللغات إفادة المفيد لغيره (5) فائدة لا يستعيض منها بدلا ~~، وأنه إذا استعاض منها ms186 بدلا قيل له مبايع أو معاوض ، وبالجملة معامل ، ~~ولأن الشكر والثناء والصيت وسائر الأحوال (6) المستحسنة (7) لا تعد عند ~~الجمهور من الأعواض (8)، بل إما جواهر وإما أعراض يقررونها (9) في موضوعات ~~يظن أن (10) المفيد غيره فائدة يربح (11) منها شكرا هو أيضا جواد وليس ~~مبايعا ولا معاوضا (12)، وهو في الحقيقة معاوض (13)، لأنه أفاد واستفاد ~~(14) سواء استفاد عوضا (15) ماليا (16)، إما (17) من جنسه ، وإما (18) من ~~غير جنسه ، أو شكرا ، أو ثناء يفرح (19) به ، أو استفاد أن صار فاضلا ~~محمودا ، بأن فعل ما هو أولى وأحرى الذي لو لم (20) يفعله لم يكن جميل ~~الحال في فضيلته. # لكن الجمهور لا يعدون هذه المعاني في الأعواض ، فلا يمتنعون عن تسمية ~~(21) من يحسن إلى غيره بشيء (22) من هذه (23) الخيرات (24) المظنونة أو ~~الحقيقية التي يحصل له بذلك ثناء (25)، جوادا ، PageV01P296 # ولو فطنوا لهذا المعنى لم يسموه جوادا ، إذ (1) الواحد منهم إذا أحسن ~~إليه لعوض (2) وإن كان شيئا غير المال ، ففطن له ، استخف المنة أو أنكرها ~~(3) وأبى (4) أن يكون المحسن إليه (5) جوادا إذ (6) كان فعله لعلة ، فإذا ~~حقق وحصل (7) معنى الجود كان إفادة الغير كمالا في جوهره أو في أحواله من ~~غير أن يكون بإزائه ، عوض (8) بوجه من الوجوه ، فكل فاعل يفعل فعلا لغرض ~~يؤدي (9) إلى شبه عوض فليس بجواد ، وكل (10) مفيد للقابل صورة أو عرضا وله ~~(11) غاية أخرى يحصل بالخير الذي أفاده إياه فليس بجواد. # بل نقول : إن الغرض والمراد في المقصود لا يقع إلا للشيء الناقص الذات ، ~~وذلك لأن الغرض إما أن يكون بحسب نفسه في ذاته (12)، أو بحسب مصالح ذاته ، ~~أو بحسب شيء آخر في ذاته ، أو في مصالحه. ومعلوم أنه إن كان (13) بحسب ذاته ~~أو بحسب مصالح ذاته (14) أو بحسب شيء آخر في مصالحه (15)، وبالجملة بحسب ~~أمر يعود إلى (16) ذاته بعائدة (17) ما ، فذاته ناقصة في وجودها ، أو في ~~كمالاتها. وإن كان بحسب شيء آخر فلا يخلو إما أن يكون صدور ذلك المعنى عنه ~~إلى غيره بحيث (18) كونه عنه (19) له ولا كونه عنه بمنزلة ، حتى (20) إنه ~~لو لم يصدر ms187 عنه ذلك (21) الخير الذي هو خير بحسب غيره كانت حاله من كل جهة ~~كحاله لو صدر عنه ذلك ، فلم يكن ذلك أجمل به وأحسن به وأجلب إليه (22) ~~لمحمدة أو غيرها من الأغراض الخاصة (23) في ذاته ولا ضده غير الأجمل به ~~وغير الجالب إليه محمدة (24) أو غيرها من الأغراض المأثورة والنافعة ، وحتى ~~لو لم يفعل ذلك لما ترك ما هو الأولى (25) والأحسن به (26) (27)، فيكون لا ~~داعي له إلى ذلك ولا مرجح (28) لأن يصدر عنه ذلك الخير إلى غيره على مقابلة (29). PageV01P297 # ومثل هذا إن لم يكن شيئا يصدر عن طبع وعن (1) إرادة ليست (2) على سبيل ~~إجابة داع بل على وجه آخر سيوقف عليه فلا يكون مصدرا لأمر (3) من الأمور عن ~~علة من العلل ، بل يجب أن يكون الأولى بالفاعل (4) القاصد بالقصد (5) ~~المذكور أن يكون إنما يفيض خيرا على غيره (6)، لأنه أولى به ، وضده غير ~~الأولى به ، ويرجع آخر الأمر (7) إلى غرض يتصل (8) بذاته ويعود على ذاته ~~ويرجع إلى (9) ذاته ، وحينئذ لا يكون وجود ذلك الغرض ولا وجوده بمنزلة ~~واحدة بالقياس (10) إلى ذاته وكمالات ذاته ومصالحها ، بل يكون كونه عن ذاته ~~كون الأغراض التي تختص بذاته فيعود إلى أن ذاته تنال (11) بذلك كمالا وحظا ~~خاصا (12). # وكذلك (13) فإن سؤال اللم لا يزال يتكرر إلى أن يبلغ المبلغ الراجع إلى ~~الذات. مثاله إذا قيل للفاعل : لم فعلت كذا؟ فقال (14). لينال فلان غرضا ، ~~فيقال له : ولم طلبت أن ينال فلان غرضا؟ فقال (15): لأن الإحسان حسن ، لم ~~يقف السؤال ، بل قيل : ولم تطلب ما هو حسن؟ فإذا أجيب حينئذ بخير يعود إليه ~~أو شر ينتفي عنه (16)، وقف السؤال ، فإن حصول الخير لكل شيء وزوال الشر ~~(17) عنه هو المطلوب لذاته (18) مطلقا. # وأما (19) الشفقة والرحمة (20) والعطف على الغير والفرح بما يحسن إلى ~~الغير ، والغم بما يقع من التقصير (21) وغير ذلك ، فهي أغراض خاصة للفاعل ، ~~ودواع (22) يذم عاملها (23) أو تنحط به منزلة كماله (24). فالجود (25) ~~إفادة الغنى في جميع الجهات عن الإفادة كمالا فيكون ذلك المعنى (26) ~~بالقياس إلى القابل خيرا ، وبالقياس ms188 إلى الفاعل جودا ، وكل إفادة كمال فإنه ~~يكون بالقياس إلى القابل خيرا ، سواء كان بعوض أو لا بعوض ولا يكون بالقياس ~~إلى الفاعل جودا (27) إلا أن يكون لا بعوض (28). فهذا هو (29) البيان ~~لحقيقة الخير والجود. # وقد (30) تكلمنا على العلل وأحوالها ، وبقي أن نكمل (31) فيها (32) القول ~~فنقول : إن (33) هذه (34) العلل الأربع وإن كان يظن بها أنها تجتمع (35) في ~~كثير من الأمور الموجودة في العلوم ، فإن الأمور PageV01P298 # التي لا تتحرك والتعليميات (1) لا يظن أن فيها فاعلا أي (2) مبدأ حركة ، ~~ولا أيضا يظن أن فيها غاية لأن الغاية يظن أنها للحركة ، ولا أيضا لها مادة ~~بل إنما يبحث عن صورها ، فلذلك (3) استخف بها من استخف ، قائلا : إنها لا ~~تدل على علة (4) تمامية ، فالنظر فيها لهذا العلم لا (5) أن علما واحدا ~~يتناولها ، كما للمتقابلات فليست متقابلة ، ولكن لأن علما واحدا بالوجه ~~الذي به هذا (6) العلم واحد يشرح أمرها. # وذلك لأنا وإن سلمنا (7) أن هذه العلل لا تجتمع في العلوم كلها حتى تكون ~~من الأمور العامة الواقعة في موضوعات للعلوم (8) مختلفة ، فإنها أيضا قد ~~توجد (9) في علوم (10) متفرقة مختلفة ، ولو (11) كانت أيضا (12) في علم ~~واحد لم يكن في منة (13) صاحب ذلك العلم الواحد (14) كالطبيعي مثلا الذي في ~~صناعته هذه المبادي كلها ، أن يبينها ، لأنها مبادئ (15) للعلم الطبيعي ~~(16) ويتكلم فيما يعرض لها على أنه ليس الأمر كذلك. فليس كل فاعل مبدأ حركة ~~على ما قيل ، فالأمور التعليمية في طبائعها (17) أنما يجب وجودها بغيرها ~~(18)، وطبائعها لا تفارق المادة وإن جردت عن المادة (19) في (20) الوهم ~~فقد يلزمها في الوهم من (21) القسمة ومن التشكل (22) ما يكون بسبب المادة ، ~~ويكاد أن (23) تكون المقادير هيولات (24) قريبة للأشكال المقدارية والوحدات ~~أيضا للعدد ، والعدد لخواص العدد ، فهذه يوجد لها مبدأ (25) فاعلي ومبدأ ~~قابلي وحيث (26) كانا ، كان تمام ، والتمام هو الاعتدال ، والتحديد ~~والترتيب التي بها يكون لها (27) ما يكون من الخواص ، وإنما هي لأجل أن ~~يكون على ما هي عليه من الترتيب والاعتدال والتحديد ، فإن منع أن يكون هذا ~~تماما أي غاية حركة فلا ms189 يمنع أن يكون خيرا ويكون (28) علة (29) لأنه خير ، ~~وهناك (30) أيضا إنما كان علة لأنه خير ثم (31) كان اتفق لذلك الخير إن كان ~~(32) تماما لحركة ، إذ (33) كان السبيل إليه بحركة. PageV01P299 # ولو لا أن الخواص واللواحق التي لهذه هي غايات تتأدى إليها هيئاتها (1) ~~لما كان الطالب يطلبها في المواد لتلك الغايات ، فإن الصانع يحرك المادة ~~إلى أن تكون مستديرة (2)، ولا تكون الغاية هي الاستدارة نفسها بل شيء من ~~خواصها ولواحقها ، فتطلب الدائرة لها ، فقد صارت هذه العلل أيضا (3) مشتركة ~~فيجب أن ينظر فيها صاحب هذا العلم (4)، وليس (5) ينظر في المشترك فقط بل ~~ينظر فيما يخص علما علما (6)، لكنه مبدأ لذلك العلم وعارض (7) للمشترك ، ~~فإن هذا العلم قد ينظر في العوارض المخصصة للجزئيات (8) إذا كانت (9) ~~لذاتها أولا (10) وكانت (11) لم تتأدى بعد إلى أن تكون أعراضا ذاتية ~~لموضوعات العلوم الجزئية ، ولو كانت هذه علوما مفردة لكان أفضلها علم ~~الغاية وكان يكون ذلك هو الحكمة. والآن فذلك أيضا أفضل أجزاء هذا العلم ، ~~أعني العلم الناظر في العلل الغائية للأشياء (12) (13). PageV01P300 ### || * المقالة السابعة (1) # وفيها ثلاثة فصول (2) PageV01P301 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل (1) * في لواحق الواحدة (2) من الهوية (3) وأقسامها (4) ولواحق الكثرة من الغيرية (5) والخلاف وأصناف التقابل المعروفة # يشبه أن يكون قد استوفينا الكلام بحسب غرضنا هذا في الأمور التي تختص ~~بالهوية من حيث هي (6) هوية أو تلحقها (7)، ثم الواحد والموجود قد ~~يتساويان في الحمل على الأشياء حتى إن كل ما يقال إنه موجود باعتبار يصح أن ~~يقال (8) له إنه واحد باعتبار ، وكل شيء فله وجود واحد ولذلك (9) ربما ظن ~~أن المفهوم منهما واحد وليس كذلك ، بل هما واحد بالموضوع ، أي كل ما يوصف ~~بهذا يوصف بذاك (10)، ولو كان المفهوم من (11) الواحد من كل جهة مفهوم ~~الموجود (12) لما كان الكثير من حيث هو كثير موجودا ، كما ليس واحدا ، وإن ~~كان يعرض له الواحد أيضا ، فيقال للكثرة (13) إنها كثرة واحدة ولكن لا من ~~حيث هي كثرة (14). # فحري بنا (15) أن نتكلم أيضا (16) في الأمور التي تختص بالوحدة (17) ~~ومقابلاتها (18) أي الكثرة مثل الهوية (19) والمجانسة ms190 والموافقة والمساواة ~~والمشابهة ومقابلاتها ، بل الكلام في الجانب المقابل لها أكثر (20)، فإن ~~الوحدة متشابهة وما يضادها متفنن متغير (21) متشعب ، فالهوهوية (22) هو أن ~~يحصل (23) للكثرة (24) وجه وحدة من وجه آخر ، فمن ذلك ما بالعرض (25) وهو ~~على قياس الواحد PageV01P303 # بالعرض فكما (1) يقال هناك واحد يقال هاهنا هو هو ، وما كان هو هو في ~~الكيف فهو شبيه ، وما كان هو هو في الكم فهو مساو ، وما كان هو هو في ~~الإضافة يقال له مناسب ، وأما الذي بالذات فيكون في الأمور التي (2) تقوم ~~الذات (3)، فما كان هو هو (4) في الجنس قيل مجانس ، وما كان (5) هو هو في ~~النوع قيل مماثل. وأيضا ما كان هو هو في الخواص يقال له مشاكل. ومقابلات ~~هذه معروفة من المعرفة (6) بهذه. # ومقابل الهو هو (7) على (8) الإطلاق الغير. والغير منه غير في الجنس ومنه ~~غير في النوع ، وهو (9) بعينه الغير بالفصل ومنه غير بالعرض ، ويجوز أن ~~يكون الغير بالعرض شيئا واحدا وهو غير لنفسه من وجهين. وأما (10) الآخر ~~فاسم خاص في الاصطلاح (11) للمخالف بالعدد ، والغير يفارق المخالف بأن (12) ~~المخالف مخالف بشيء (13)، والغير قد يغاير بالذات ، والمخالف أخص من الغير ~~وكذلك الآخر. والأشياء المتغايرة بالجنس الأعلى إذا كانت مما يحل المواد ~~فنفس تغايرها بالجنس الأعلى لا يوجب أن لا يجتمع في مادة واحدة. # وأما المتغايرات (14) التي تختلف بالأنواع تحت (15) الأجناس القريبة التي ~~(16) دون الأعلى (17)، فيستحيل البتة أن تجتمع في موضوع واحد ، وكل ~~الأشياء التي لا تجتمع في موضوع واحد من جهة واحدة في زمان واحد فإنها تسمى ~~متقابلات (18) وقد علمت في المنطق عددها وخاصياتها (19) والقنية (20)، ~~والعدم منها ، تدخل بوجه (21) تحت التناقض (22)، والأضداد تدخل بوجه تحت ~~العدم والقنية (23). ووجه دخول العدم تحت السالبة ، غير وجه دخول الضد تحت العدم. # ولكن يجب أن تعلم أن العدم يقال على وجوه : فيقال لما من (24) شأنه أن ~~يكون لموجود ما وليس له ، لأنه ليس من شأنه أن يكون له ، وإن كان من شأنه ~~أن يوجد لأمر ما (25) PageV01P304 # كالبصر (1) فإنه (2) من شأنه أن يكون لشيء ما (3)، لكن ms191 (4) الحائط ليس ~~من شأنه أن يكون البصر له (5). ويقال لما من شأنه أن يكون لجنس (6) الشيء ~~وليس للشيء ولا من شأنه أن يكون (7) له (8) جنسا قريبا أو (9) بعيدا (10). # ويقال لما من شأنه أن يكون لنوع الشيء وليس (11) من شأنه أن يكون لشخصه ~~كالأنوثة. ويقال لما من شأنه أن يكون للشيء وليس له مطلقا أو في وقته أو ~~لأن وقته لم يجيء كالمرد أو لأن (12) وقته قد فات كالدرد (13)، والضرب ~~الأول يطابق السالبة (14) مطابقة شديدة وأما الوجوه الأخرى فيخالفها (15)، ~~ويقال عدم لكل فقد بالقسر ، ويقال عدم لما يكون قد فقد (16) الشيء لا ~~بتمامه (17)، فإن الأعور لا يقال له أعمى ولا هو (18) أيضا بصير مطلق (19) ~~لكن هذا إنما يكون بالقياس إلى الموضوع البعيد أعني الإنسان لا العين. # ثم إن العدم يحمل عليه السلب ، ولا ينعكس. وأما العدم فلا يحمل على الضد ~~(20) لأنه : ليس المرارة (21) عدم الحلاوة ، بل هي (22) شيء آخر مع عدم ~~الحلاوة ، فإن العدم (23) وحده قد يكون في المادة وقد يكون مصاحبا لذات ~~توجب في المادة عدم ذات أخرى أو لا (24) يكون إلا مع العدم. وهذه هي ~~الأضداد ، وليس السبب في تقابلها تغاير الأجناس وقد (25) بينا ذلك ، بل ~~السبب في ذلك أن ذواتها في حد أنفسها وحد فصولها تتمانع عن الاجتماع (26) ~~وتتفاسد (27)، PageV01P305 # وإذ ليس شيء من الأجناس العالية بمتضادة (1) فيجب أن تكون الأضداد ~~الحقيقية واقعة تحت جنس (2)، وأن يكون جنسا (3) واحدا ، فيجب أن يكون ~~الأضداد تتخالف بالفصول ، وتكون (4) الأضداد من جملة الغير (5) في الصورة ~~(6) مثل السواد والبياض تحت اللون ، والحلاوة والمرارة تحت الذوق. # وأما الخير والشر فليسا بالحقيقة أجناسا عالية ولا الخير يدل على معنى ~~متواطئ (7) ولا الشر ، ومع ذلك فالشر يدل في كل شيء بوجه ما على عدم الكمال ~~الذي له ، والخير على وجوده ، فبينهما مخالفة العدم والوجود ، وأما الراحة ~~والألم وأمثال ذلك فإنها تشترك في غير (8) جنس الخير والشر ، وإنها (9) ~~تشترك في (10) المحسوس أو في المتخيل وغير ذلك ، فليست أنواعا للخير والشر ~~ويشبه أن يكون أهل الظاهر من النظر ms192 (11) عمدوا إلى الأشياء التي هي متضادة ~~ولها أجناس قريبة تدخل فيها (12)، وطبقة منها موافقة للحاسة (13) أو العقل ~~وطبقة مخالفة وطبقة منها موافقة للإيجاب (14)، والأخرى (15) للفصل (16)، ~~وطبقة مخالفة لأيهما (17) (18) كان ، فالتقطوا منها المعنى الموافق والمعنى ~~المخالف فجعلوا (19) أحدهما (20) جنسا لطبقة ، والآخر (21) لطبقة أخرى (22) ~~، وليس الواجب (23) كذلك ، بل دلالة الموافقة والمخالفة دلالة اللوازم ~~لأنها ليست (24) للأشياء في أنفسها بل بالإضافة (25). # ثم إن الأمور الموافقة والمخالفة إذا جعلا (26) كطبيعتين (27) وجد لهما ~~أشياء (28) يصلح أن تجعل بحسب (29) الاعتبارات المختلفة كالأجناس لها (30) ~~فإنها (31) تدخل في جملة الأفعال والانفعالات من جهة ، وفي الكيفيات من جهة ~~أخرى ، وفي المضافات باعتبارات (32) أخرى (33)، فإنها من حيث PageV01P306 # هي صادرة من أشياء هي أفعال ، ومن حيث هي حاصلة عن أشياء في أشياء هي ~~انفعالات (1)، ومن حيث يتقرر عنها (2) هيئات قارة (3) في حواملها فهي من ~~الكيفيات ، ومن حيث إن الموافق موافق (4) لموافقة فهي من المضاف ، فإذا (5) ~~كان اسم (6) الموافقة والمخالفة مصروفا إلى أحد هذه المعاني بعينه دخل في ~~الجنس الخاص له ، ليست (7) أقول إن شيئا واحدا يدخل في أجناس مختلفة فهذا ~~(8) مما نحرمه ، بل كل اعتبار هو شيء (9) آخر ، وهو الداخل في جنس آخر (10) ~~ولا هذه بالحقيقة (11) أجناس بل كأجناس ، لأنها أمور مركبة من معنى ومن فعل ~~أو انفعال أو إضافة (12) أو غير ذلك ، ويشبه أن تكون في ذواتها كيفيات ~~وتكون سائر الاعتبارات تلزمها ، ثم مع (13) الاجتهاد كله في أن تجعل ~~الموافقة والمخالفة مما (14) يسندها (15) إلى الأجناس العالية فإن لتلك ~~الطبائع (16) الأضداد (17) التي جعلت طبيعتين (18) أجناسا حقيقية غير ~~الموافقة والمخالفة هي تدخل فيها (19) وقد علمت هذا في موضعه (20). # وأما القول بوجود الضدين في جنسين متضادين مثل الشجاعة والتهور فهو (21) ~~أيضا قول متوسع فيه ، فإن الشجاعة في نفسها كيفية ، وباعتبار (22) ما تكون ~~فضيلة ، وكذلك التهور في نفسه (23) كيفية ، وباعتبار ما يكون رذيلة ، ~~فالفضيلة والرذيلة ليستا (24) من الأجناس لهذه الكيفيات ، كما أن الطيب ~~وغير الطيب (25) ليسا (26) جنسين للروائح والمذوقات (27) بل لوازم لها بحسب ~~اعتبارات تلحقها. # فالشجاعة في ذاتها لا تضاد التهور ولا الجبن وإنما ms193 المتضادان هما (28) ~~التهور والجبن الداخلان في باب الملكة من الكيف ، وأما الشجاعة فتقابل ~~اللاشجاعة كما قلنا في المساوي (29) PageV01P307 # وما يقابله ، ثم اللاشجاعة كالجنس للتهور والجبن ، فإذا (1) ضادت (2) ~~الشجاعة التهور فتضاده لا لطبيعة ذاتها (3) بل إنما تضاده لعارض فيها (4) ~~هو (5) أن هذه محمودة وفضيلة ونافعة (6). وذلك مذموم ورذيلة وضار ، ~~فالأضداد بالحقيقة هي التي تتفق في الجنس وتتفق في الموضوع الواحد ، فمنها ~~(7) ما يكون الموضوع الواحد يقبل الضدين جميعا من غير استحالة في غيرهما ، ~~ومنها ما يكون الموضوع يستحيل أولا في غيرهما حتى يعرض له أحدهما فإن مزاجا ~~ما يحلو به الشيء ، وإذا (8) أمر احتاج إلى مزاج آخر وليس (9) كذلك الحال ~~في استحالة الحار (10) إلى البارد (11). # ولما كان الضدان (12) يكونان (13) في الجنس فلا يخلو إما (14) أن يكون ~~عدم كل واحد منهما في طبيعة الجنس يلزمه الآخر فقط فيكون لا واسطة بينهما ، ~~وإما أن يكون ليس كذلك. فلا يخلو : إما (15) أن يكون مخالفة تلك الكثرة ~~للواحد منهما (16) مخالفة (17) واحدة ليس مخالفة بعضها (18) أقل أو أكثر ~~(19) أو يكون ذلك مختلفا ، فإن كان مختلفا في ذلك فيكون بعضها أقرب إلى ~~مشابهته (20) والأقرب إلى مشابهته فيه شيء من صورته وبعضها في غاية الخلاف ~~له فيكون الضد ذلك ، ويكون التضاد غاية الخلاف للمتقابلات المتفقة في الجنس ~~(21) والمادة ، وذلك لأنه يصدق أن يقول غاية الخلاف من (22) حيث كان متوسطا ~~وحيث لم يكن ، لأنه (23) إن كان (24) اثنان كل (25) واحد منهما (26) في ~~غاية البعد عن الآخر فالتضاد خلاف تام ، ولذلك (27) فإن ضد الشيء واحد. # وأما إن جعل جاعل غاية الخلاف والبعد قد يقع بين الواحد وبين آخرين (28) ~~اثنين متخالفين (29) فذلك محال ، لأن التخالف (30) بين الواحد وبينهما إما ~~أن يكون في معنى واحد من PageV01P308 # جهة واحدة فتكون المخالفات للواحد من جهة واحدة متفقة في صورة الخلاف ، ~~ويكون نوعا واحدا لا أنواعا كثيرة ، وإما أن يكون من جهات (1) فيكون ذلك ~~وجوها من التضاد لا وجها واحدا ، فلا يكون ذلك بسبب الفصل الذي إذا لحق (2) ~~الجنس فعل ذلك النوع من غير انتظار شيء ms194 ، وخصوصا في البسائط ، وقد علمت هذا ~~، بل يكون من جهة لواحق وأحوال تلزم النوع. وكلامنا في نمط واحد من التضاد ~~وفي التضاد (3) الذي بالذات ليس نعني بقوله بالذات الجوهر والموضوع (4)، ~~بل نعني به ما يقع به التضاد (5) ولو كان كيفية (6) أيضا (7) (8)، فقد بان ~~أن ضد الواحد واحد. # والمتوسط (9) في الحقيقة (10) هو الذي مع أنه يخالف (11) يشابه (12)، ~~فحينئذ يجب أن يكون الانتقال إليه أولا في التغير إلى الضد ، فإن الأسود ~~لذلك يغبر أو يخضر أو يحمر (13) أولا ثم (14) يبيض ، وقد يعرض للأضداد (15) ~~متوسطات بسلب الطرفين ، فربما كان ذلك لعدم الاسم ، والمتوسط (16) متوسط ، ~~ونعني به متوسطا (17) حقيقيا مثل اللاحار واللابارد ، وإذا (18) لم يكن ~~للفاتر اسم فمثل هذا أيضا يكون في الجنس ، وإذا (19) أخرج (20) عن الجنس ~~كقوله لا خفيف ولا ثقيل فذلك (21) ليس بالمتوسط الحقيقي إنما ذلك متوسط ~~باللفظ ، وأما الملكة والعدم فلا يكون لهما في الموضوع متوسط لأنهما هما ~~(22) الموجبة والسالبة (23) بعينهما (24) مخصصة بجنس أو موضوع ، وأيضا في ~~وقت وحال ، فتكون نسبة الملكة (25) والعدم إلى ذلك الشيء والحال نسبة ~~النقيضين إلى الوجود كله ، وإذ (26) لا واسطة بين النقيضين فكذلك لا واسطة ~~بين العدم والملكة. PageV01P309 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل * (1) في اقتصاص مذاهب الحكماء (2) الأقدمين في المثل ومبادئ (3) التعليميات (4) والسبب الداعي إلى ذلك وبيان أصل الجهل (5) الذي وقع لهم حتى (6) زاغوا لأجله # قد حان (7) لنا أن نتجرد لمناقضة آراء قيلت في الصور (8) والتعليميات (9) ~~والمبادي المفارقة والكليات مخالفة لأصولنا (10) التي قد (11) قررناها ، ~~وإن كان (12) في صحة ما قلناه وإعطائنا القوانين التي (13) أعطيناها تنبيه ~~للمستبصر على حل جميع شبههم وإفسادها ومناقضات مذاهبهم ، لكنا مستظهرون ~~بتكلف ذلك بأنفسنا (14) لما نرجو أن يجري في ذلك من فوائد نذكرها (15) في ~~خلال (16) مقاوماتنا إياهم يكون قد ذهب (17) علينا فيما قدمناه وشرحناه. # ونقول : إن كل صناعة فإن لها (18) نشأة تكون فيها نيئة فجة غير أنها تنضج ~~بعد حين ثم إنها (19) تزداد وتكمل بعد حين (20) آخر ، ولذلك (21) كانت ~~الفلسفة في قديم (22) ما اشتغل (23) بها (24) اليونانيون خطبية ، ثم خالطها ~~غلط وجدل ، وكان السابق ms195 إلى الجمهور من أقسامها هو القسم الطبيعي ، ثم ~~أخذوا ينتبهون للتعليمي ، ثم للإلهي (25)، وكانت لهم انتقالات من بعضها ~~(26) إلى بعض غير سديدة ، وأول ما انتقلوا عن المحسوس إلى المعقول تشوشوا ~~(27) فظن قوم أن القسمة توجب وجود (28) شيئين في كل PageV01P310 # شيء ، كإنسانين في معنى الإنسانية : إنسان فاسد محسوس ، وإنسان معقول ~~مفارق أبدي لا يتغير ، وجعلوا لكل واحد منهما وجودا ، فسموا الوجود (1) ~~المفارق وجودا (2) مثاليا ، وجعلوا لكل واحد (3) من الأمور الطبيعية صورة ~~مفارقة هي المعقولة ، وإياها يتلقى العقل (4)، إذ (5) كان المعقول أمرا لا ~~يفسد ، وكل محسوس من هذه فهو فاسد ، وجعلوا العلوم والبراهين تنحو نحو هذه ~~وإياها تتناول. # وكان المعروف بأفلاطون (6) ومعلمه سقراط يفرطان في هذا الرأي ويقولان (7) ~~إن للإنسانية (8) معنى واحدا موجودا يشترك فيه (9) الأشخاص ويبقى مع ~~بطلانها ، وليس هو المعنى المحسوس المتكثر الفاسد فهو إذن المعنى (10) ~~المعقول المفارق. وقوم آخرون لم يروا لهذه الصورة مفارقة (11) بل لمبادئها ~~، وجعلوا الأمور التعليمية التي تفارق بالحدود مستحقة للمفارقة بالوجود ، ~~وجعلوا ما لا يفارق بالحد من الصور الطبيعية لا يفارق بالذات ، وجعلوا ~~الصور الطبيعية إنما تتولد بمقارنة تلك الصور (12) التعليمية للمادة ، ~~كالتقعير فإنه معنى تعليمي ، فإذا قارن المادة صار فطوسة (13)، وصار معنى ~~طبيعيا ، وكان (14) للتقعير من حيث (15) هو تعليمي أن يفارق (16) وإن لم ~~(17) يكن (18) له (19) من حيث هو (20) طبيعي أن يفارق (21). # وأما أفلاطون (22) فأكثر ميله إلى أن الصور هي المفارقة (23)، فأما (24) ~~التعليميات فإنها عنده معان بين الصور (25) والماديات (26)، فإنها وإن ~~فارقت في الحد فليس يجوز عنده أن يكون بعد قائم لا في مادة ، لأنه إما أن ~~يكون متناهيا ، أو غير متناه (27)، فإن كان غير متناه (28)، وذلك (29) PageV01P311 # يلحقه لأنه مجرد طبيعة ، كان حينئذ كل بعد غير متناه ، وإن (1) لحقه لأنه ~~مجرد (2) عن المادة كانت المادة مفيدة للحصر (3) والصورة (4)، وكلا ~~الوجهين محال ، بل وجود بعد غير متناه محال ، وإن كان متناهيا فانحصاره في ~~حد محدود وشكل مقدر ليس إلا لانفعال عرض له من خارج ، لا لنفس طبيعته (5)، ~~ولن تنفعل الصورة إلا لمادتها ، فتكون مفارقة وغير مفارقة ms196 ، وهذا محال فيجب ~~أن تكون متوسطة. # وأما الآخرون فإنهم جعلوا مبادئ الأمور الطبيعية أمورا تعليمية ، وجعلوها ~~(6) المعقولات بالحقيقة ، وجعلوها المفارقات بالحقيقة (7)، وذكروا أنهم ~~إذا جردوا الأحوال الجسمانية عن المادة لم يبق إلا أقطار وأشكال وأعداد (8) ~~، وذلك لأن المقولات التسع (9) فإن الكيفيات (10) الانفعالية والانفعالات ~~منها (11) والملكات والقوة واللاقوة أمور تكون لذوات الانفعالات والملكات ~~والقوى ، وأما الإضافة فمما (12) يتعلق بأمثال هذه فهي أيضا مادية ، فيبقى ~~الأين وهو كمي ، ومتى وهو كمي ، والوضع وهو كمي ، وأما الفعل والانفعال فهو ~~مادي ، فيحصل من هذا أن جميع ما ليس بكمي فهو متعلق بالمادة ، والمتعلق ~~بالمادة مبدؤه (13) ما ليس متعلقا (14) بالمادة ، فتكون التعليميات (15) هي ~~(16) المبادي ، وتكون هي المعقولات بالحقيقة (17)، وسائر ذلك غير معقول ~~(18)، ولذلك (19) فليس (20) واحد يحد اللون والطعم وغير ذلك حدا يعبأ به ~~(21)، إنما (22) هو نسبة (23) إلى قوة مدركة فلا (24) يعقلها عندهم العقل ~~إنما يتخيلها (25) الخيال تبعا للحس. # قالوا وأما الأعداد والمقادير وأحوالها فهي معقولة لذاتها ، فهي إذن ~~المفارقة. وقوم جعلوها مبادئ ولم يجعلوها مفارقة (26)، وهم أصحاب فيثاغورث ~~، وركبوا كل شيء من الوحدة والثنائية ، وجعلوا (27) الوحدة (28) في حيز ~~الخير (29) والحصر (30)، وجعلوا الثنائية في حيز الشر وغير الحصر. PageV01P312 # وقوم جعلوا المبادي الزائد والناقص والمساوي ، وجعلوا المساوي مكان ~~الهيولى ، إذ عنه الاستحالة إلى الطرفين. # وقوم جعلوه مكان الصورة ، لأنها المحصورة المحدودة ولا حد (1) للزائد ~~والناقص. # ثم تشعبوا في أمر تركيب الكل من التعليميات (2)، فجعل بعضهم (3) العدد ~~مبدأ للمقدار ، فركب (4) الخط من وحدتين ، والسطح من أربع وحدات. وبعضهم ~~جعل لكل (5) واحد منهما (6) حيزا (7) على حدة ، وأكثرهم على أن العدد هو ~~المبدأ (8)، والوحدة هي المبدأ الأول ، وأن (9) الوحدة والهوية متلازمتان ~~(10) أو مترادفتان (11)، وقد رتبوا العدد وإنشاءه من الوحدة على وجوه ~~ثلاثة : # أحدها على وجه العدد (12) العددي. # والثاني على وجه العدد التعليمي. # والثالث على (13) وجه التكرار. # أما (14) وجه العدد العددي فجعلوا الوحدة في أول الترتيب ، ثم الثنائية ، ~~ثم الثلاثية. # وأما العدد التعليمي : فجعلوا الوحدة مبدأ ، ثم الثاني ، ثم الثالث ، ~~فرتبوا العدد على توالي وحدة وحدة. # وأما الثالث فجعلوا إنشاء العدد ms197 بتكرار وحدة بعينها لا بإضافة أخرى إليها. # والعجب من طائفة فيثاغورثية (15) ترى أن العدد يتألف من وحدة وجوهر ، إذ ~~الوحدة لا تقوم وحدها ، فإنها وحدة شيء ، والمحل جوهر ، وحينئذ يكون ~~التركيب ، فتكون الكثرة. ومن هؤلاء من يجعل لكل (16) رتبة تعليمية من العدد ~~صورة (17) مطابقة لصورة PageV01P313 # موجودة ، فيكون عند التجريد رتبة عدد وعند الخلط بالمادة صورة (1) إنسان ~~أو فرس ، وذلك للمعنى (2) الذي أشرنا إليه فيما سلف ، وقوم يرون أن بين (3) ~~هذه الصور (4) العددية وبين المثل فرقا ، ومن هؤلاء من جعلها متوسطات (5) ~~على ما سلف قبل. # وأكثر (6) الفيثاغوريين يرون أن العدد التعليمي هو المبدأ ولكنه (7) غير ~~مفارق ، ومنهم من يجوز تركيب الصور الهندسية من الآحاد فيمتنع (8) تنصيف ~~المقادير ، ومنهم من لا (9) يرى بأسا بأن تكون التعليميات (10) مركبة من ~~أعداد يعرض لها بعد التركيب أن تنقسم إلى غير نهاية (11)، ومنهم من يجعل ~~الصور (12) العددية مباينة للصور الهندسية. # وأنت إذا فكرت وجدت أصول أسباب الغلط في جميع ما ضل فيه هؤلاء القوم خمسة : # أحدها ، ظنهم أن الشيء إذا جرد من حيث لم يقترن به اعتبار غيره كان مجردا ~~في الوجود عنه ، كأنه إذا التفت إلى الشيء (13) وحده ومعه قرين التفاتا خلا ~~عن الالتفات إلى قرينة فقد (14) جعل غير مجاور لقرينه ، وبالجملة إذا نظر ~~إليه لا بشرط المقارنة فقد ظن أنه نظر إليه بشرط غير المقارنة ، حتى إنما ~~صلح أن ينظر فيه ، لأنه (15) غير مقارن بل مفارق ، فظن (16) لهذا أن ~~المعقولات الموجودة في العالم لما كان العقل ينالها من غير أن يتعرض لما ~~يقارنها أن العقل ليس ينال إلا المفارقات منها وليس كذلك ، بل لكل شيء من ~~حيث ذاته اعتبار ، ومن حيث إضافته إلى مقارن اعتبار آخر (17). # وإنا إذا (18) عقلنا صورة الإنسان مثلا من حيث هي صورة الإنسان وحده (19) ~~فقد عقلنا موجودا وحده من حيث (20) ذاته ، ولكن (21) حيث عقلناه (22) فليس ~~(23) يجب أن يكون وحده مفارقا (24)، PageV01P314 # فإن المخالط من حيث هو هو غير مفارق (1) على جهة السلب لا على جهة العدول ~~الذي يفهم منه المفارقة بالقوام ms198 وليس يعسر علينا أن نقصد بالإدراك أو بغير ~~ذلك من الأحوال واحدا من (2) الاثنين ليس من شأنه أن يفارق صاحبه قواما وإن ~~فارقه حدا ومعنى وحقيقة ، إذ (3) كانت حقيقته (4) ليست (5) مدخولة في (6) ~~حقيقة الآخر ، إذ المعية توجب المقارنة لا المداخلة في المعاني. # والسبب الثاني ، غلطهم في أمر الواحد ، فإنا إذا قلنا إن الإنسانية معنى ~~واحد لم تذهب فيه إلى أنه معنى (7) واحد وهو بعينه يوجد في كثيرين فيتكثر ~~بالإضافة كأب واحد يكون (8) لكثيرين (9)، بل هو كالآباء لأبناء (10) ~~متفرقين ، وقد استقصينا القول (11) في هذا في مواضع (12) أخر. فهؤلاء لم ~~يعلموا أنا نقول لأشياء كثيرة إن معناها واحد ، ونعني بذلك أن أي واحد منها ~~لو توهمناه سابقا إلى مادة هي بالحالة التي للآخر (13)، كان يحصل منه (14) ~~هذا الشخص الواحد ، وكذلك أي واحد منها سبق إلى الذهن منطبعا فيه كان يحصل ~~منه هذا المعنى الواحد ، وإن كان إذا سبق واحد تعطل الآخر فلم (15) يعمل ~~شيئا كالحرارة (16) التي لو طرأت على مادة فيها رطوبة أثرت معنى آخر أو ~~تعرضت لذهن سبق إليه (17) معنى رطوبة ومعقولها لفعلت (18) معنى آخر ، ولو ~~(19) أنهم فهموا معنى الواحد في هذا لكفاهم. ذلك ما أضلهم. # والثالث جهلهم بأن (20) قولنا : إن كذا من حيث هو كذا شيء آخر مباين في ~~الحد له ، قول متناقض ، كقول المسئول الغالط (21) إذا سئل هل الإنسان من ~~حيث هو إنسان ، إنسان (22) واحد أو كثير (23)؟ PageV01P315 # فقال (1): واحد أو كثير (2)، فإن الإنسان من حيث هو إنسان ، إنسان فقط ~~(3)، وليس هو (4) من حيث هو إنسان ، شيئا غير الإنسان. والوحدة والكثرة ~~غير الإنسان ، وقد فرغنا أيضا من تفهيم (5) هذا. # والرابع ، ظنهم أنا إذا قلنا : إن الإنسانية توجد دائما باقية ، أن هذا ~~القول هو قولنا إنسانية واحدة أو كثيرة ، وإنما (6) يكون هذا لو كان قولنا ~~الإنسانية وإنسانية (7) واحدة أو كثيرة معنى واحدا ، وكذلك (8) لا يجب أن ~~يحسبوا أنهم إذا سلموا لأنفسهم أن الإنسانية باقية فقد (9) لزمهم أن ~~الإنسانية الواحدة بعينها (10) باقية حتى يضعوا إنسانية أزلية. # والخامس ظنهم أن الأمور المادية (11) إذا ms199 كانت معلولة يجب أن تكون عللها ~~أي أمور يمكن أن تفارق ، فإنه ليس إذا كانت الأمور المادية معلولة وكانت ~~التعليميات مفارقة يجب أن تكون عللها (12) التعليميات (13) لا محالة ، بل ~~ربما كانت جواهر أخرى ليست من المقولات التسع ، ولم يتحققوا كنه التحقيق ~~(14) أن الهندسيات من التعليميات (15) لا تستغني حدودها عن المواد مطلقا ، ~~وإن استغنت عن نوع ما (16) من المواد ، وهذه أشياء يشبه أن يكفي في تحقيقها ~~أصول سلفت لنا ، فلنتجرد للقائلين بالتعليميات (17). PageV01P316 ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * (1) في إبطال القول بالتعليميات (2) والمثل # فنقول : إنه إن كان في التعليميات تعليمي مفارق للتعليمي المحسوس ، فإما ~~أن لا يكون في المحسوس (3) تعليمي (4) البتة أو يكون (5)، فإن لم يكن في ~~المحسوس تعليمي وجب أن لا يكون مربع ولا مدور ولا معدود محسوس ، وإذا لم ~~يكن شيء من هذا محسوسا فكيف السبيل (6) إلى إثبات وجودها بل إلى تخيلها (7) ~~، فإن مبدأ تخيلها كذلك (8) من الوجود (9) المحسوس حتى لو توهمنا واحدا لم ~~يحس (10) شيئا منها لحكمنا أنه لا يتخيل بل لا يعقل شيئا منها ، على أنا ~~أثبتنا وجود كثير منها في المحسوس. # وإن كانت طبيعة التعليميات (11) قد توجد أيضا في المحسوسات فيكون لتلك ~~الطبيعة بذاتها (12) اعتبار ، فتكون ذاتها إما مطابقة بالحد والمعنى (13) ~~للمفارق أو مباينة (14) له ، فإن كانت مفارقة له فتكون التعليميات (15) ~~المعقولة أمورا غير التي نتخيلها ونعقلها ونحتاج في إثباتها إلى دليل ~~مستأنف ، ثم نشتغل بالنظر في حال مفارقتها فلا (16) يكون ما عملوا عليه من ~~الإخلاد إلى الاستغناء عن إثباتها والاشتغال بتقديم الشغل في بيان مفارقتها ~~عملا يستنام إليه. # وإن كانت مطابقة مشاركة له في (17) الحد فلا يخلو : إما أن تكون هذه التي ~~في المحسوسات أنما صارت (18) فيها لطبيعتها وحدها ، وكيف (19) يفارق ما له ~~حدها؟ وإما أن يكون ذلك أمرا يعرض لها بسبب من الأسباب ، وتكون هي معرضة ~~(20) لذلك ، وحدودها غير مانعة عن لحوق ذلك إياها ، فيكون من شأن تلك ~~المفارقات أن تصير مادية ومن شأن هذه المادية أن تفارق ، وهذا هو خلاف ما ~~عقدوه (21) وبنوا عليه أصل ms200 رأيهم. PageV01P317 # وأيضا فإن هذه المادة التي مع العوارض إما أن تحتاج إلى المفارقات أو لا ~~تحتاج إليها ، فإن كانت تحتاج إلى مفارقات (1)، فإنما (2) تحتاج إلى ~~مفارقات غيرها لطبائعها ، فتحتاج المفارقات أيضا إلى أخرى (3)، وإن كانت ~~هذه إنما تحتاج إلى المفارقات (4) لما عرض لها حتى لو لا ذلك العارض (5) ~~لكانت لا تحتاج إلى المفارقات (6) البتة ، ولا كان (7) يجب أن يكون ~~للمفارقات وجود البتة ، فيكون العارض للشيء يوجب وجود أمر أقدم منه وغني ~~عنه ، ويجعل المفارقات محتاجة إليها حتى يجب لها وجود. # فإن لم يكن الأمر كذلك ، بل كان وجود المفارقات يوجب وجودها مع هذا ~~العارض فلم يوجب العارض في غيرها (8) ولا يوجب في أنفسها (9) والطبيعة ~~متفقة ، وإن كانت غير محتاجة إلى المفارقات فلا تكون المفارقات عللا لها ~~بوجه من الوجوه ولا مبادئ أولى ويلزم أن تكون هذه المفارقات ناقصة ، فإن ~~هذا المفارق (10) للمادة تلحقه من القوى والأفاعيل ما لا يوجد للمفارق ، ~~وكم الفرق بين شكل إنساني ساذج وبين شكل إنساني حي (11) كامل (12). # والعجب منهم إذ يجعلون الخط متجردا في قوامه عن السطح ، والنقطة عن الخط ~~، فما (13) الذي يجمعها في الجسم الطبيعي؟ أطبيعة (14) واحدة (15) منهما ~~(16) توجب ذلك؟ فكذلك يجب (17) أن يجمعهما (18) لو كانت (19) مفارقة أو قوة ~~أخرى نفس أو عقل أو بارئ ، ثم الخط كيف يتقدم الجسم التام تقدم العلل وليس ~~هو صورته ، فليس الخط صورة الجسمية ولا هو فاعله ولا هو غايته ، بل إن كان ~~ولا بد فالجسم التام الكامل في الأبعاد هو غاية (20) الخط (21) وغيره ولا ~~هو (22) هيولاه ، بل هو شيء يلحقه من جهة ما يتناهى وينقطع ، وأيضا يلزم القائل PageV01P318 # بالأعداد أن يجعل التفاوت بين الأمور بزيادة كثرة (1) ونقصانها ، فيكون ~~الخلاف بين الإنسان والفرس أن أحدهما أكثر والآخر أقل (2)، والأقل دائما ~~موجود في الأكثر فيكون في أحدهما الآخر ، فيلزم من ذلك دخول بعض المتباينات ~~تحت بعض وهو خلف فاسد (3). # ومن هؤلاء من يجعل الوحدات متساوية فيكون ما خالف به الأكثر الأقل (4) ~~جزءا من الأقل ، لكن منهم من يجعل الوحدات أيضا ms201 غير متساوية ، فإن كانت ~~تختلف بالحد فليست وحدات إلا باشتراك الاسم (5) وإن كانت لا تختلف بالحد ~~لكنها بعد اتفاق في الحد (6) تزيد وتنقص ، فإما أن يكون زيادة الزائد (7) ~~منها بشيء (8) فيها بالقوة كالمقادير ، فتكون الوحدة مقدرا لا مبدأ مقدار ~~(9)، وإن كانت زيادة الزائد بشيء فيها بالفعل كالأعداد فتكون الوحدة كثرة. # ويلزم القائلين بالعدد العددي المركبين (10) منها (11) صور الطبيعيات أن ~~يعملوا أحد شيئين : إما أن يجعلوا للعدد المفارق الموجود نهاية ، فيكون ~~تناهيه عند حد من الحدود دون غيره من الاختراع (12) الذي لا محصول له. # أو يجعلوه غير متناه فيجعلوا صور الطبيعيات غير متناهية ، وهؤلاء يجعلون ~~الوحدة الأولى غير كل وحدة من الوحدتين اللتين في الثنائية ، ثم يجعلون ~~الثنائية الأولى غير الثنائية التي في الثلاثية (13) وأقدم منها ، وكذلك ~~فيما بعد الثلاثية ، وهذا محال ، فإنه ليس بين الثنائية الأولى ، والثنائية ~~التي في الثلاثية فرق في الذات بل في عارض ، وهو مقارنة شيء له. ومقارنة ~~الشيء للشيء لا يجوز أن تبطل ذاته ، ولو أبطل ذاته لم يكن (14) مقارنا ، ~~لأن المقارن مقارن للموجود ، وأما المفسد فغير مقارن ، وكيف تكون الوحدة ~~مفسدة للوحدتين PageV01P319 # إلا بإفسادها واحدا واحدا منهما (1)، وكيف تكون الوحدة مفسدة للوحدة (2) ~~؟ ولو أفسدتها لم تكن ثنائية ، بل الثنائية بمقارنة الوحدة (3) إياها لا ~~تصير مباينة في الذات (4) للثنائية (5) بوجودها غير مقارنة للوحدة ، فإن ~~الوحدة لا تتغير (6) بالمقارنة حالا ، بل تجعل الكل أكثر وتذر (7) الجزء ~~على حاله. # وبالجملة إذا كانت الوحدات (8) متشاكلة والتركيب (9) واحدا كانت ~~الطبيعتان (10) متفقتين ، إلا أن يعرض شيء يغير ويفسد ، ولا يجوز أن لا ~~تكون الوحدات متشاكلة ، فإن العدد يحدث من وحدات متشاكلة لا غير. # على أن قوما منهم يقولون إن الثنائية يلحقها من حيث هي ثنائية وحدة غير ~~وحدة الثلاثية ، فكذلك (11) تكون وحدة الثنائية غير وحدة الثلاثية (12)، ~~فيلزم أن تكون العشارية مركبة لا من خماسيتين (13) على ما تكون به ~~الخماسيتان ، لأن آحاد العشرة غير آحاد الخماسية ، فلا تتركب العشارية من ~~خماسيتين (14)، ويلزم أن تكون آحاد الخماسية إذا كانت جزء عشرة (15) ~~مخالفة لآحادها ms202 إذا كانت (16) (17) جزء خمسة عشر ، لكنهم عساهم (18) يقولون ~~: إن الخماسية (19) التي في خمسة عشر غير الخماسية التي في العشارية ~~البسيطة ، لأنها خماسية عشارية هي جزء من خمسة عشر ، فيلزم أن تكون ~~العشارية إذا أضيف إليها الخماسية لا تصير خمسة عشر أو تستحيل آحادها ، ~~وذلك كله محال. # ثم إن لم تكن خماسية العشرة (20) مساوية للخماسية المطلقة فلا تكون ~~خماسية إلا باشتراك الاسم ، فبالحري (21) أن يتفهم معنى الخماسية فيها (22) ~~بعد المشاركة في اللفظ ، وإن كانت مساوية PageV01P320 # فتكون إذن الآحاد في جميعها متساوية والثنائيات والثلاثيات ، فتكون أيضا ~~(1) صورة الثلاثية موجودة في الرباعية ، لكن الثلاثية صورة لنوع طبيعي ، ~~والرباعية كذلك ، فتكون الأنواع الطبيعية موجودة فيها أنواع أمور أخرى ~~مخالفة. مثلا إذا كان عدد ما هو صورة للإنسان ثم عدد آخر (2) صورة للفرس ~~إما أكثر منه وإما أقل ، فإن (3) كان أكثر منه كان نوع الإنسان موجودا في ~~الفرس وإن كان أقل منه كان نوع الفرس موجودا في الإنسان ، فيلزم أن تكون ~~صورة أنواع قبل أنواع وصورة أنواع بعد أنواع إذا كانت أشد تركيبا منها وإن ~~لم يأخذ تركيب الأنواع من الأنواع مأخذا غير متناه. ثم (4) كيف يكون عدد ~~موجود له ترتيب ذاتي من الوحدانية والثنائية يذهب إلى غير النهاية (5) ~~بالفعل وقد تبين (6) استحالة (7) هذا. # وأما الذين يولدون العدد بالتكرير (8) مع ثبات الوحدة (9) للواحد (10) ~~فليس يفهم للتكرير فيه معنى إلا إيجاد شيء آخر غير الأول بالعدد ، فإن كان ~~العدد يفعله التكرير وليس كل واحد من الأول والثاني فيه (11) وحدة فليس ~~الوحدة مبدأ تأليف عدد ، فإن كان الأول من حيث هو أول وحدة ، والثاني من ~~حيث هو ثان وحدة ، فهناك وحدتان ، فإن الوحدة (12) لا تتكرر إلا بأن تكون ~~هناك مرة بعد مرة ، وهذه المرة إما أن تكون زمانية أو ذاتية ، فإن كانت ~~زمانية ولم تعدم في الوسط فهي كما كانت إلا أنها (13) كررت ، وإن عدمت (14) ~~ثم أوجدت (15) فالموجدة (16) شخصية أخرى ، وإن (17) كانت ذاتية فذلك أبين. ~~وقوم جعلوا الوحدة كالهيولى للعدد وقوم جعلوها كالصورة (18) لأنها تقال على ~~الكل. ms203 والعجب من الفيثاغوريين (19) إذ جعلوا (20) الوحدات الغير المتجزئة ~~مبادئ للمقادير (21)، وعلموا أن المقادير تذهب إلى مذهب (22) في التجزؤ ~~إلى غير النهاية. PageV01P321 # وقال قوم : إن الوحدة إذا قارنت المادة صارت نقطة ، والثنائية (1) على ~~ذلك القياس (2) إذا قارنتها فعلت خطأ والثلاثية سطحا والرباعية جسما ، ولا ~~(3) يخلو إما أن تكون المادة لها مشتركة ، أو تكون لكل واحد منها مادة أخرى ~~، فإن كانت لها مادة (4) واحدة فتصير (5) المادة (6) تارة نقطة ، ثم تنقلب ~~جسما (7)، ثم تنقلب نقطة ، وهذا مع استحالته (8) يوجب أن لا يكون كون ~~النقطة مبدأ للجسم أولى من أن يكون (9) الجسم مبدأ للنقطة (10)، بل ربما ~~(11) يكونان من الأمور المتعاقبة على موضوع واحد وإن كانت (12) موادها ~~مختلفة فلا توجد في مادة الثنائية (13) وحدة ، فلا تكون في مادة الثنائية ~~ثنائية (14)، ويلزم أن لا تكون هذه الأشياء البتة معا. # وأما على مذهب التحقيق فليست النقطة موجودة إلا في الخط ، الذي هو في ~~السطح ، الذي هو في الجسم (15)، الذي هو في المادة ، وليست النقطة مبدأ ~~إلا بمعنى الطرف ، وأما بالحقيقة فالجسم هو المبدأ (16)، بمعنى أنه معروض ~~له التناهي به. والعجب ممن جعل المبدأ الزيادة والنقصان ، فجعل المضاف مبدأ ~~، والمضاف هو أمر عارض لغيره من الموجودات ومتأخر عن كل شيء. # ثم كيف يمكنهم أن يجعلوا في الوجود كثرة؟ فإن الوحدة الثانية (17) التي ~~توجد في الكثرة مضافة إلى الأولى (18) إن كانت موجودة لذاتها ، فبما ذا ~~تباين وحدة وحدة؟ وواجب الوجود بذاته لا يتكثر ولا يباين شيئا إلا بالجوهر ~~لا بالعدد ، وإن جاءت (19) بانقسام وحدة فليست (20) الوحدة إلا مقدارا ، ~~وإن جاءت (21) بسبب آخر فالوحدة لها علة موجودة (22) في طبيعتها وليست من ~~الأمور التي بذاتها ومن المبادي التي توجد ولا سبب لها. PageV01P322 # ثم كيف جعلوا الوحدة والكثرة من الأضداد وقسموها إلى الخير والشر ، فمنهم ~~من مال إلى أن يجعل (1) العدد من الخير لما فيه من الترتيب والتركيب ~~والنظام ، ومنهم من مال إلى أن يجعل الوحدة من الخير ، فإذا (2) كانت ~~الوحدة من الخير (3)، فكيف تولد من خير شر (4)؟ وكيف صار (5) ازدياد ~~الخير ms204 شرا؟ وإن كانت الكثرة خيرا والوحدة (6) شرا ، فكيف (7) حصل من ازدياد ~~الشر خير؟ وكيف كان الأول والمبدأ شرا حتى صار الأفضل معلوما والأنقص علة؟ # ومنهم من جعل (8) العدد والوحدة من باب الخير ، وجعل الشر الهيولى ، ~~والهيولى إن كانت معلولة فيكون لها علة تستند إلى هيولى أو إلى (9) صورة ، ~~فإن (10) كانت تستند إلى هيولى (11) فستقف على ما يقصد بالكلام ، وإن كانت ~~تستند إلى صورة فكيف يولد (12) الخير الشر (13)؟ وإن لم تكن معلولة فهي ~~واجبة بذاتها ، فإما أن تكون قابلة للانقسام أو مجردة ، فإن كانت قابلة ~~للانقسام في نفسها فهي مقدار مؤلف من آحاد على رأيهم (14)، فهي أيضا من ~~الخير ، وإن كانت غير منقسمة في ذاتها فذاتها وحدانية ، والوحدانية بما هي ~~وحدانية خير ، إذ ليس عندهم للخير معنى إلا كونه (15) وحدة ونظاما (16) من ~~العدد ، والوحدة أولى عندهم بذلك. # فإن جعلوا كون الوحدة وحدة غير كونها خيرا انتقضت أصولهم كلها ، وإن ~~جعلوا الوحدانية خيرية لزم (17) من ذلك أن تكون الهيولى لأنها وحدانية ~~خيرية ، ثم إن كانت الوحدانية فيها خيرية ، ولكنها لاحق لها (18) غريب ، ~~فلتجرد الملحوق (19) به (20)، يلزمه هذا البحث بعينه ، ثم كيف يتولد (21) ~~من الأعداد حرارة وبرودة وثقل وخفة حتى يكون عدد يوجب أن يتحرك الشيء إلى ~~فوق وعدد يوجب أن يتحرك الشيء إلى أسفل؟ فإن (22) بطلان هذه مما يغني عن ~~تكلف إبانة (23). PageV01P323 # على أن قوما منهم جعلوا الأشياء تتولد من عدد يطابق كيفية ويوجد معها ، ~~فتكون (1) المبادي ليست (2) أعدادا ، بل أعدادا ، وكيفيات (3) وأمورا (4) ~~أخرى ، وهذا محال عندهم. # واعلم بعد هذا كله أن التعليميات (5) لا تفارق الخيرية ، وذلك لأنها في ~~أنفسها (6) ذوات حظ وافر من الترتيب والنظام (7) والاعتدال ، فكل (8) شيء ~~منها (9) على ما ينبغي أن يكون له ، وهذا خير كل شيء (10). PageV01P324 ### || * المقالة الثامنة (1) * في معرفة (2) المبدإ الأول للوجود (3) كله ومعرفة صفاته # سبعة فصول (4) PageV01P325 ### ||| * الفصل الأول ( ا ) فصل (1) * في تناهي العلل الفاعلية والقابلية # وإذ قد (2) بلغنا هذا المبلغ من كتابنا فبالحري أن نختمه بمعرفة المبدإ ~~الأول للوجود (3) كله وأنه هل هو موجود ، وهل هو ms205 واحد لا شريك له (4) في ~~مرتبته ولا ندله؟ وندل (5) على مرتبته في الوجود ، وعلى ترتيب الموجودات ~~دونه ومراتبها (6)، وعلى حال العود إليه ، مستعينين به. # فأول ما يجب علينا من ذلك أن ندل على أن العلل من الوجوه (7) كلها ~~متناهية ، وأن في كل طبقة منها مبدأ أول ، وأن مبدأ جميعها واحد ، وأنه ~~مباين لجميع الموجودات (8)، واجب الوجود وحده ، وأن كل موجود فمنه ابتداء وجوده. # فنقول : أما أن علة الوجود للشيء تكون موجودة معه فقد سلف لك وتحقق. # ثم نقول (9): إنا إذا فرضنا معلولا ، وفرضنا له علة ، ولعلته علة ، فليس ~~يمكن أن يكون لكل علة علة بغير نهاية ، لأن المعلول وعلته وعلة علته إذا ~~اعتبرت جملتها في القياس الذي لبعضها إلى بعض كانت (10) علة العلة علة أولى ~~مطلقة للأمرين ، وكان للأمرين نسبة المعلولية إليها ، وإن اختلفا في أن ~~أحدهما معلول بمتوسط والآخر معلول بغير متوسط (11)، ولم يكن كذلك الأخير ~~(12) ولا المتوسط لأن المتوسط الذي هو العلة المماسة للمعلول علة PageV01P327 # لشيء واحد فقط ، والمعلول ليس علة (1) لشيء ، ولكل (2) واحد من الثلاثة ~~خاصية ، فكانت خاصية الطرف المعلول أنه ليس علة لشيء ، وخاصية الطرف الآخر ~~أنه علة للكل غيره ، وكانت خاصية (3) المتوسط (4) أنه علة لطرف ومعلول لطرف. # وسواء كان الوسط واحدا أو فوق واحد ، فإن (5) كان فوق واحد فسواء ترتب ~~ترتيبا (6) متناهيا أو ترتب ترتيبا (7) غير متناه ، فإنه إن ترتب (8) في ~~كثرة متناهية كانت جملة عدد ما بين الطرفين كواسطة واحدة تشترك في خاصية ~~الواسطة بالقياس إلى الطرفين ، ويكون (9) لكل واحد من الطرفين خاصية ، ~~وكذلك إن ترتب (10) في كثرة غير متناهية ولم (11) يحصل الطرف كان جميع ~~الطرف (12) غير المتناهي مشتركا (13) في خاصية الواسطة ، لأنك أي جملة أخذت ~~كانت (14) علة لوجود المعلول الأخير ، وكانت معلولة ، إذ كل واحد منها ~~معلول ، والجملة متعلقة الوجود بها ، ومتعلق الوجود بالمعلول معلول ، إلا ~~أن تلك الجملة شرط في وجود المعلول الأخير ، وعلة له ، وكلما زدت (15) في ~~الحصر (16) كان الحكم إلى غير النهاية باقيا ، فليس يجوز إذن أن تكون جملة ~~علل ms206 موجودة وليس فيها علة غير (17) معلولة ، وعلة أولى ، فإن جميع غير ~~المتناهي يكون واسطة بلا طرف وهذا محال ، وقول القائل إنها أعني (18) العلل ~~قبل العلل تكون بلا نهاية (19) مع تسليمه لوجود الطرفين ، حتى يكون طرفان ~~وبينهما وسائط بلا نهاية (20)، ليس يمنع (21) غرضنا الذي نحن فيه ، وهو ~~إثبات العلة الأولى. # على أن قول القائل : إن هاهنا (22) طرفين ووسائط بغير نهاية قول يقوله ~~باللسان ، دون الاعتقاد ، وذلك لأنه إذا كان له طرف (23) فهو متناه في نفسه ~~، فإن كان (24) المحصى PageV01P328 # لا ينتهي إلى طرفه ، فإن ذلك معنى في المحصى لا معنى في الشيء نفسه (1)، ~~وكون الأمر في نفسه متناهيا ، هو أن يكون له طرف ، وكل ما بين الطرفين فهو ~~ممدود ضرورة بهما (2). # فقد تبين من جميع هذه الأقاويل أن هاهنا علة أولى ، فإنه وإن كان ما بين ~~الطرفين غير متناه ، ووجد الطرف ، فذلك الطرف أول (3) لما لا يتناهى ، وهو ~~علة غير معلول. # وهذا البيان يصلح أن يجعل بيانا لتناهي جميع طبقات أصناف العلل ، وإن كان ~~استعمالنا له (4) في العلل الفاعلية ، بل قد علمت أن كل ذي ترتيب في الطبع ~~، فإنه متناه وذلك في الطبيعيات ، وإن (5) كان كالدخيل فيها (6) فلنقبل (7) ~~على بيان تناهي العلل التي تكون أجزاء من وجود (8) الشيء ومتقدمة (9) في ~~الزمان (10)، وهي العلل التي تختص (11) باسم العنصرية ، وهي ما يكون عنه ~~الشيء ، بأن يكون هو جزءا ذاتيا للشيء. # وبالجملة اعتبر بقولنا (12) شيء من شيء أن يكون قد دخل في وجود الثاني ~~أمر كان للشيء الأول ، إما الجوهر (13) والذات الذي للشيء الأول ، مثل ~~الإنسان في الصبي ، إذا قيل : إنه كان منه رجل ، أو جزء من الجوهر والذات ~~الذي للشيء الأول ، مثل الهيولى في الماء (14)، إذا قيل : إنه كان منه ~~(15) هواء ، ولا تعتبر المفهوم من قول القائل : كان كذا من كذا ، إذا كان ~~بعده ، ولم تدل لفظ (16) « من » على شيء من ذات (17) الأول ، بل على ~~البعدية فقط. # فنقول : إن كون الشيء من (18) الشيء ، لا بمعنى (19) بعد الشيء (20)، بل ~~بمعنى أن في الثاني أمرا من ms207 الأول داخلا في جوهره ، يقول على وجهين : # أحدهما بمعنى (21) أن يكون الأول أنما هو ما هو بأنه بالطبع يتحرك إلى ~~الاستكمال بالثاني ، كالصبي إنما هو صبي لأنه في طريق (22) السلوك (23) إلى ~~الرجلية مثلا ، فإذا صار رجلا لم PageV01P329 # يفسد ، ولكنه استكمل ، لأنه لم يزل عنه أمر جوهري ، ولا أيضا أمر عرضي ، ~~إلا ما يتعلق بالنقص ، وبكونه بالقوة بعد ، إذا قيس إلى الكمال الأخير. # والثاني أن (1) يكون الأول ليس في (2) طباعه أن يتحرك (3) إلى الثاني ، ~~وإن كان يلزمه الاستعداد لقبول صورته (4)، لا من جهة ماهيته ، ولكن من جهة ~~حامل ماهيته. وإذا كان منه الثاني ، لم يكن من جوهره الذي بالفعل إلا بمعنى ~~(5) بعد ، ولكن كان من جزء جوهره ، وهو الجزء الثاني (6) الذي يقارن القوة ~~، مثل الماء إنما يصير هواء بأن تنخلع عن هيولاه صورة المائية ، ويحصل لها ~~(7) صورة الهوائية ، والقسم الأول كما لا يخفى عليك ، يحصل فيه الجوهر الذي ~~للأول بعينه في الثاني (8)، والقسم الثاني لا يحصل الجوهر الذي في الأول ~~بعينه في الثاني ، بل جزء منه ويفسد ذلك الجوهر. # ولما كان في أول (9) القسمين جوهر ما هو (10) أقدم موجودا فيما هو أشد ~~تأخرا كان (11) هو بعينه ، أو هو بعض منه ، وكان (12) الثاني هو مجموع (13) ~~جوهر الأول وكمال مضاف (14) إليه ، ولما كان قد علم فيما سلف أن الشيء ~~المتناهي الموجود بالفعل لا يكون له أبعاض بالفعل كانت أبعاضا مقدارية أو ~~معنوية لها تراتيب (15) غير متناهية ، فقد استغنينا (16) بذلك عن (17) أن ~~نشتغل (18) ببيان أنه (19) هل يمكن أن يكون موضوع من هذا القبيل قبل موضوع ~~بلا نهاية ، أو لا يمكن. # وأما الثاني من القسمين فإنه من الظاهر أيضا وجوب التناهي فيه ، لأن ~~الأول أنما هو بالقوة الثاني لأجل المقابلة التي بين صورته وبين (20) صورة ~~الثاني ، وتلك المقابلة تقتصر في الاستحالة على الطرفين بأن يكون (21) كل ~~واحد من الأمرين موضوعا للآخر ، فيفسد PageV01P330 # هذا إلى ذاك (1)، وذاك (2) إلى هذا ، فحينئذ (3) بالحقيقة لا يكون ~~أحدهما بالذات متقدما على الآخر ، بل يكون تقدمه عليه بالعرض ، أي باعتبار ~~الشخصية ms208 دون النوعية ، ولهذا ليس طبيعة الماء (4) أولى بأن تكون مبدأ ~~للهواء من الهواء للماء (5)، بل هما كالمتكافئين في الوجود. وأما هذا ~~الشخص من الماء فيجوز أن يكون لهذا الشخص من الهواء ، ولا يمنع (6) أن يتفق ~~أن لا يكون لتلك الأشخاص نهاية أو بداية. # وليس كلامنا هاهنا فيما هو بشخصيته (7) مبدأ لا بنوعيته (8)، وفيما هو ~~بالعرض مبدأ لا بالذات ، فإنا نجوز (9) أن تكون (10) هناك علل قبل علل بلا ~~نهاية في الماضي والمستقبل (11)، وإنما علينا أن نبين التناهي في الأشياء ~~التي هي بذواتها علل ، فهذا هو الحال في ثاني القسمين ، بعد أن نستعين أيضا ~~بما قيل في الطبيعيات. والقسم الأول هو الذي هو بذاته علة موضوعية (12)، ~~ولا ينعكس فيصير الثاني علة للأول ، فإن الثاني لما كان (13) عند الاستكمال ~~، والأول عند الحركة إلى الاستكمال ، لم يجز أن تكون حركة (14) إلى ~~الاستكمال بعد حصول لاستكمال ، كما يجوز (15) أن يكون الاستكمال بعد الحركة ~~إلى الاستكمال ، فجاز رجل من صبي ولم يجز صبي من رجل. PageV01P331 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل (1) * في شكوك تلزم ما قيل وحلها (2) (3) # ونحن فقد آثرنا في هذا البيان أن نحاذي المذكور منه في التعليم (4) الأول ~~في المقالة الموسومة بألف الصغرى ، ثم على هذا الموضوع شكوك يجب أن نوردها ~~ثم نتجرد لحلها. # فمن ذلك ، أن لقائل (5) أن يقول : إن المعلم الأول لم يستوف القسمة في ~~كون الشيء من شيء آخر ، لأنه ذكر ذلك على وجهين : # أحدهما ، كون الشيء عن (6) آخر يضاده ، وبالجملة الكون الذي على سبيل ~~الاستحالة. # والثاني ، كون الشيء (7) المستكمل عن المتحرك إليه والذي في طريق الكون. # وهذا غير مستوف للقسمة (8)، لأن كل ما يكون عن الشيء يكون أولا (9) على ~~وجهين ، وهو أنه لا يخلو : # إما أن يكون الأول المكون منه هو على وجود ذاته لم يبطل منه شيء (10)، ~~ولم يفسد إلا معنى الاستعداد أو ما يتعلق (11) به. # وإما أن يكون الأول إنما أمكن (12) أن يكون منه الثاني (13) بزوال شيء من ~~(14) الأول. # والقسم الأول لا يخلو (15): # أن يكون عنه الشيء ، وقد كان مستعدا ms209 فقط ، فخرج إلى الفعل دفعة من غير ~~سلوك (16). # أو يكون قد (17) كان مستعدا فقط فخرج (18) إلى الفعل بحركة متصلة كان ~~فيها بين الاستعداد الصرف وبين الاستكمال الصرف. PageV01P332 # فيكون الكائن في القسم الأول ينسب (1) أنه كان عن حالة واحدة ، كقولنا : ~~كان عن الجاهل بأمر كذا (2) عالم. # والكائن في القسم الثاني ينسب أنه كان تارة عن حالة سالكا ، كقولنا كان ~~من الصبي رجل ، وتارة عن حالة مستعدا فقط كقولنا : كان (3) عن المني رجل ، ~~فإن اسم الصبي هو للمستعد (4) أن يستكمل رجلا ، وهو في السلوك ، واسم المني ~~للمستعد (5) أن يكون إنسانا لا بشرط أن يكون في السلوك (6). # فقد ترك المعلم الأول من الأقسام ما كان استكمالا ، وكان الكون منه غير ~~منسوب إلى الحركة نحو الاستكمال. # وأيضا فإنه ليس كل خروج عن استعداد صرف إلى فعل استكمالا (7)، فإن النفس ~~تعتقد الرأي الخطأ فيخرج إلى الفعل فيه من القوة ، ويكون ليس على سبيل ~~الاستكمال ، ولا أيضا على سبيل الاستحالة. # وأيضا فإن العناصر تتكون منها الكائنات فتكون مستحيلة عند الامتزاج غير ~~فاسدة في صورها الذاتية على ما علمت ، فيكون المزاج (8) غير كائن فيها ~~لزوال ضد المزاج بل عدمه فقط ، فيكون هذا القسم ليس هو من القسم الذي مثل ~~له بكون الهواء من الماء ، وذلك لأن العناصر لا تفسد في أنواعها عند المزاج ~~بل تستحيل ، ولا من القسم الذي مثل له بكون الرجل من الصبي ، لأنه كان لا ~~ينعكس (9)، فلا يكون (10) الصبي بفساد الرجل ، وهاهنا ينعكس فيكون من ~~الممتزج شيء عنه (11) امتزج (12) بعد فساد المزاج. # وأيضا فإنه إنما تكلم (13) لا على الموضوع ، بما هو الموضوع ، بل بما يدل ~~عليه لفظ (14) الكون (15) من الشيء ، ومعلوم أن هذا (16) لا يقال لكل نسبة ~~للمتكون إلى موضوعه (17)، فإن ما كان من PageV01P333 # المستعدات التي يكون منها الشيء بالاستكمال لا اسم له من جهة ما هو مستعد ~~، ولا يلحقه (1) تغير عن حالته التي له قبل الخروج إلى الفعل ، فلا يقال إن ~~الشيء كان منه ، فلا يقال كان من الإنسان رجل ، ولكن من الصبي ms210 ، لأن الصبي ~~اسم له (2) من جهة ما هو ناقص ، ولأنه لا يتم إلا باستحالات (3) أيضا في ~~طريق السلوك ، فكأنه لما سمي كان له معنى يدل عليه لاسم يزول عنه (4) عند ~~الخروج إلى الفعل ، كأنه ما (5) لم يتوهم فيه زوال أمر ما ، كان له بسببه ~~استحقاق الاسم ، لم يقل إنه يكون منه شيء ، فيعرض من هذا أن تكون ما لا ~~يسمى فيه نسبة الكائن إلى الموضوع غير داخل في هذه القسمة ويعرض منه أن ~~تكون النسبة إلى الموضوع بالعرض لا الذي بالذات ، لأن الصبي بما هو صبي لا ~~يجوز أن يصير رجلا ، حتى يكون هو صبيا ورجلا ، بل يفسد المعنى المفهوم من ~~اسم الصبي حتى يصير رجلا فيكون الكون من الصبي آخر الأمر بمعنى بعد ويكون ~~أيضا إنما يتكلم على الموضوعات التي بالعرض. # وأيضا فإنه لا يخلو : # إما أن يكون الماء إذا كان منه الهواء عنصرا له بوجه ما. # أو لا يكون. # فإن لم يكن فالاشتغال (6) بذكره باطل. # وإن (7) كان فليس يجب إذا كان الهواء يستحيل في كيفيته (8) الفاعلة إلى ~~المائية ، فيصير عنصرا له أن (9) لا يستحيل في كيفية أخرى ، فيصير عنصرا ~~لشيء آخر ، مثلا في رطوبته فيصير عنصرا للنار من غير أن يرجع ماء ، ثم كذلك ~~النار في كيفية أخرى غير مقابلة للتي فيها استحال إليها الهواء فتكون العلل ~~المادية تذهب إلى (10) غير نهاية (11)، من غير أن ترجع ، فإذن PageV01P334 # لم يتبين من وضعه أنه يجب أن يرجع لا محالة ، بل بان إمكان (1) الرجوع ، ~~ويتعلق بذلك إمكان التناهي ، فليس (2) ذلك مطلوبه ، بل مطلوبه وجوب ~~التناهي. # ولنشرع الآن في حل هذه الشكوك فنقول : الأولى أن يكون كلام المعلم الأول ~~، أنما هو في مبادئ الجوهر بما هو جوهر لا بما هو جوهر (3) معروض له ما لا ~~يقوم جوهريته ، ولا أيضا يكمله ، فيكون كلامه في كون الجوهر من عنصره ، أو ~~من موضوع له ، إما على سبيل كون (4) نوع الجوهر (5) مطلقا ، وإما (6) على ~~سبيل كون (7) كمال نوع (8) الجوهر. # والأولى (9) أيضا أن يكون كلامه في الكون ms211 الطبيعي دون الصناعي ، وإذا كان ~~كذلك كان العنصر جزءا ذاتيا في وجود الكائن وأيضا في وجود المتكون (10) منه ~~، لست أعني بالذاتي أنه (11) يكون ضروريا لوجود (12) المركب منه ومن غيره ، ~~فإن هذا أيضا موجود للعنصر في الأكوان غير الذاتية ، مثل العنصر في الجسم ~~الأبيض. # ولكن أعني بالذاتية أن يكون كون العنصر جزءا أمرا ذاتيا له ، فلا يقوم ~~(13) ذلك العنصر بالفعل إلا أن يكون جزءا لذلك الشيء أو لما الشيء كماله ~~الطبيعي ، إذ يكون (14) جزءا (15) لجوهر أو (16) لآخر (17)، حكمه حكمه ~~(18)، لا أن يكون العنصر يقوم دون ذلك ، ثم عرض له أن صار جزءا من مركب ~~منه ومن عرض فيه ليس هو مقوما له ولا مكملا لما يقومه (19)، فيكون كونه ~~جزءا هو ذاتي بالقياس إلى المركب ، وليس ذاتيا بالقياس إلى ذاته ، بل يجب ~~أن لا يعرى عن (20) كونه جزءا. # وإذا كان كذلك ، لم يخل الموضوع من أحد أمرين : # إما أن يكون متقوما بهذا الشيء أو بآخر يقوم مقامه ، فيكون قد كان فيه ~~(21) قبل حصول الصورة (22) الحادثة فيه شيء آخر يقوم مقامها في تقويمه إلا ~~أنها لا تجتمع مع هذا ، فيكون PageV01P335 # قد كان (1) حصل من العنصر ومن ذلك الشيء جوهر ، فلما كان الثاني فسد ذلك ~~الجوهر المركب ، وهذا أحد القسمين. # وإما أن يكون العنصر قد يقوم لا بهذا الشيء الذي حدث ، ولكن (2) بصورة ~~غير (3) مستكملة فيما لها بالطبع ، ولكنها قد حصلت بحيث يقوم المادة فقط ، ~~ولم يحصل الأمر الذي هو علة غائية لهذه الصورة بالطبع ، فيكون الجوهر قد ~~حصل ولم يحصل كاملا بالطبع ، وإذا كان ذلك الكمال كمالا له (4) بالطبع ، ~~والقوة الطبيعية مبدأ الحركة إلى الكمال الذي بالطبع فيلزم ضرورة أن لا ~~يكون هذا الشيء موجودا على سلامته الطبيعية زمانا لا عائق له فيه وهو غير ~~متحرك (5) بالطبع إلى ذلك الكمال ، فإذن يلزم ضرورة (6) في هذا القسم أن ~~يكون المستعد متحركا إلى الكمال. # فقد ظهر إذن أن جميع أصناف كون الجوهر الذي بحسب هذا النظر هو داخل تحت ~~أحد هذين القسمين ضرورة ، وكذلك جميع ms212 أصناف ما هو (7) كون الشيء عن شيء ~~يكون ذلك القابل في كليهما جزءا ذاتيا باعتباره في نفسه ، وباعتباره ~~بالقياس إلى المركب. # وليس لقائل ، أن يقول : إنه يجوز أن تكون (8) القوة الطبيعية (9) لا ~~تتحرك (10) إلى كما هي لإعواز معين (11) من (12) خارج أو عائق مانع. # مثال الأول فقدان ضوء الشمس في الحبوب والبذور ، ومثال الثاني الأمراض ~~المذبلة. # فالجواب عن ذلك أن كلام المعلم الأول ليس في الذي يكون لا محالة يتحرك ~~بالفعل ، بل في الذي لو لم يكن (13) عائق لطبيعته ، وكانت الأسباب الطبيعية ~~المعاضدة بالطبع لطبيعته موجودة ، كان (14) متحركا إلى الكمال وكان في طريق ~~السلوك. PageV01P336 # فقد ظهر إذن أن سائر الأقسام غير مقصودة في هذا البحث إلا القسم المذكور ~~، بل هذا الحكم غير صحيح في سائر الأقسام ، فإنه يجوز في غير كون الجوهر ~~(1) إذا فرضنا موضوعا مبتدأ أن لا يزال يكتسب استعدادا بعد استعداد لأمور ~~عرضية من غير أن يتناهى ، كالخشب فإنك كلما شكلته بشكل استعد بذلك لأمر ، ~~وإذا خرج استعداده إلى الفعل ، استعد لأمر آخر ، وكذلك النفس في إدراك ~~المعقولات (2)، ويشبه أن تكون الاستحالات الطبيعية لا يمنع فيها هذا ~~المعنى. # وأما الشبهة المذكورة في كون الأشياء من العناصر ، وأنه ليس على (3) أحد ~~القسمين ، فحلها يظهر (4) أيضا مما قد قيل ، وهو أن العنصر مفردا ليس ~~مستعدا لقبول الصور (5) الحيوانية والنباتية ، بل يحصل له ذلك الاستعداد ~~بالكيفية التي يحدث فيه بالمزاج ، والمزاج يحدث فيه لا محالة استحالة ما في ~~أمر طبيعي له ، وإن لم يكن مقوما ، فتكون نسبته إلى صورة المزاج من القسم ~~الذي يكون بالاستحالة ، وإذا حصل فيه المزاج كان قبول صورة الحيوانية (6) ~~له استكمالا لذلك المزاج ، ويتحرك الطبع به إليه ، فتكون نسبته (7) إلى ~~صورة (8) الحيوانية نسبة الصبي إلى الرجل ، فلذلك ليست (9) تفسد الصورة ~~(10) الحيوانية إلى أن تصير مجرد مزاج ، كما لا يكون الصبي من الرجل ، ~~ويفسد المزاج إلى موجب الصورة البسيطة ، كما يستحيل (11) الماء إلى الهواء ~~، وليس (12) الحيوان عنصرا لجوهر العناصر ، بل يستحيل إليها من حيث هي بسيطة. # فيكون إذن الامتزاج ms213 والبساطة يتعاقبان على الموضوع. والبساطة ليست تقوم ~~جوهر العناصر ولكن تكمل طبيعة كل واحد منها ، من حيث هو بسيط (13)، فتكون ~~النار نارا صرفة في الكيفية التي فيها ، اللازمة لصورتها وكذلك الماء. ~~وكذلك كل واحد من العناصر ، فإذن كون الحيوان يتعلق بكونين ، ولكل واحد ~~منهما حكم يخصه من وجوب التناهي ، فهو داخل أيضا في القسمين المذكورين. PageV01P337 # وأما الشبهة التي تعرض من جهة أنه إذا أخذ من العناصر ما جرت به العادة ~~بأن (1) يقال : إن الشيء منه دون ما لم تجر به العادة (2)، فالجواب عن تلك ~~الشبهة هو أنه ليس تتغير أحكام الأشياء من جهة الأسماء ، ولكن (3) يجب أن ~~يقصد المعنى ، فلنقصد ولنعرف (4) الحال فيه فنقول : # إن العنصر أو الموضوع (5) الذي يكون منه الشيء إذا كان يتقدمه في الزمان ~~، فإن له من جهة تقدمه له (6) خاصية لا تكون مع حصوله له ، وهي الاستعداد ~~القوى ، وإنما يتكون (7) الجوهر منه لأجل استعداده لقبول صورته. وأما إذا ~~زال الاستعداد بالخروج إلى الفعل وجد الجوهر وكان محالا أن يقال إنه متكون منه. # فإذا لم يكن له من جهة الاستعداد اسم ، بل أخذ له اسمه الذي لذاته الذي ~~يكون له أيضا عند ما لا يجوز أن يكون منه الشيء (8)، لم يكن هو الاسم الذي ~~يتعلق بمعناه التكون ، فإن لم يكن له (9) من جهة الاستعداد اسم (10)، لم ~~يمكن أن يقال باللفظ وإن كان المعنى حاصلا في الوجود ، وإذا كان المعنى ~~الذي يكون للمسمى حاصلا في غير المسمى كان حكمه في المعنى حكم ذلك ، وإن ~~(11) كان (12) عدم الاسم يمنع أن يكون (13) حكمه في اللفظ حكم ذلك. # فإذا أخذنا القول الذي يكون لذلك الاسم لو كان موضوعا أمكننا حينئذ أن ~~نقول في كل شيء : إنه يكون من العنصر له ، مثلا أمكننا أن نقول : إن النفس ~~العاقلة (14) تكون من نفس جاهلة مستعدة للعلم ، إلا أن نمنع (15) استعمال ~~لفظ يكون فيما خلا التكون الذي في الجوهر. فلا يجوز أن نقول في النفس ~~العاقلة (16): إنها كانت من نفس (17) مستعدة للعلم ، ولكن يجوز لا ms214 محالة ~~في الجواهر ، وكلامنا فيها. على أنه فيما أحسب لا يختلف هذا الحكم في ~~الجواهر مع ذواتها (18)، وفي الجواهر مع أحوالها. PageV01P338 # وأما قول هذا القائل (1): إن هذا (2) يكون كونا من الشيء بمعنى بعد ، ~~فليس إذا كان بمعنى بعد كيف كان ، لم يكن الكون الذي (3) نقصده ، فإنه لا ~~بد في (4) كل كون عن شيء أن يكون الكائن بعد ما عنه كان ، إنما الذي يزيفه ~~المعلم الأول ولا يتعرض له هو أن لا يكون (5) هناك معنى (6) غير البعدية ، ~~مثل المثل الذي يضر به ويشرحه ، وأما إذا كان من الشيء بمعنى أن كان بعده ، ~~بأن بقي له من جوهره (7) الذي كان أولا ما هو أيضا من جوهر الثاني لم يكن ~~بمعنى بعد فقط ، وكان (8) الذي كلامنا فيه. # وأما قول هذا القائل : إنه تكلم في العنصر الذي بالعرض دون العنصر الذي ~~بالذات ، فقد وقعت فيه مغالطة (9)، بسبب أن العنصر للكون (10) ليس هو ~~بعينه العنصر للقوام في الاعتبار ، وإن كان هو هو بالذات ، فإن العنصر ~~بالذات للكون هو ذات مقارنة للقوة ، والعنصر بالذات للقوام هو ذات مقارنة ~~(11) (12) للفعل (13)، وكل واحد منهما هو عنصر بالعرض لما ليس هو عنصرا له ~~بالذات ، وكلامه (14) في العنصر الذي للكون ، لا في الذي للقوام ، فيكون ~~إنما أخذ العنصر بالعرض لو أخذ العنصر (15) الذي للكون مبدأ للقوام ، فإن ~~الصبي ليس عنصرا لقوام الرجل ولا يكون منه قوام الرجل (16)، ولكنه عنصر ~~لكون الرجل ويكون منه كون الرجل. # فإن قال قائل : إن المعلم الأول إنما يتكلم في مبادئ الجوهر مطلقا ، فلم ~~أعرض عن العنصر الذي للجوهر في قوامه ، مثل موضوع السماء ، واقتصر على ~~العنصر الذي للجوهر في كونه. # فالجواب عن ذلك أن (17) عنصر (18) قوامه جزء منه ، وهو (19) معه بالفعل ، ~~ولا يشكل تناهي الأمور الموجودة بالفعل في شيء متناه موجود بالفعل. على أن ~~من (20) بلغ أن يتعلم هذا العلم ، PageV01P339 # ووقف على سائر ما سلف فإنما (1) يشكل عليه من أمر (2) تناهي العلل ولا ~~تناهيها (3) أنه هل يمكن أن يكون كذلك (4) في العناصر التي بالقوة واحدا ms215 ~~(5) بعد (6) آخر مختلفة بالقرب والبعد. # وأما الشك (7) الآخر (8) في حديث (9) الماء والهواء فحله (10) سهل على من ~~وقف على كلامنا في العناصر ، حيث تكلمنا في الكون والفساد ، على أن الكلام ~~(11) هاهنا في كون الشيء من الشيء بالذات ، وكل تغير (12) من الذي بالذات ~~فهو في مضادة واحدة مقتصر (13) عليها ، فيكون الذي كان عنها بالذات يفسد ~~إليها ضرورة ، وفي الأخرى كذلك (14)، فتكون جملة التغيرات (15) محصورة ، ~~وكل طبقة منها مقتصرة على طرفين نرجع بأحدهما على الآخر (16)، فقد انحلت ~~(17) جميع الشبه (18) المذكورة. ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل * (19) في إبانة تناهي العلل الغائية (20) والصورية وإثبات المبدإ الأول مطلقا ، وفصل القول في العلة الأولى مطلقا ، وفي العلة الأولى مقيدا ، وبيان أن (21) ما هو علة أولى (22) مطلقة (23) علة (24) لسائر العلل. # وأما تناهي العلل الغائية فيظهر لك من الموضع الذي حاولنا فيه إثباتها ~~وحللنا الشكوك في (25) أمرها ، فإن العلة الغائية إذا ثبت وجودها ثبت ~~تناهيها ، وذلك لأن العلة التمامية هي التي تكون سائر (26) الأشياء لأجلها ~~، ولا تكون هي من (27) أجل شيء آخر ، فإن كان وراء العلة التمامية علة ~~تمامية كانت الأولى لأجل الثانية ، فلم (28) تكن الأولى علة تمامية ، PageV01P340 # وقد فرضت (1) علة (2) تمامية (3) فإذا كان كذلك فمن جوز (4) أن تكون ~~العلل التمامية تستمر واحدة بعد أخرى (5)، فقد رفع العلل التمامية في (6) ~~أنفسها (7)، وأبطل طبيعة الخير التي هي العلة (8) التمامية ، إذ الخير هو ~~الذي يطلب لذاته ، وسائر الأشياء تطلب لأجله ، فإذا كان شيء يطلب لشيء آخر ~~كان نافعا لا خيرا حقيقيا (9)، فقد اتضح أن في إيجاب لا تناهي العلل ~~التمامية رفع العلل التمامية ، فإن من جوز أن (10) وراء كل تمام تماما فقد ~~أبطل فعل العقل ، فإنه من البين بنفسه أن العاقل إنما يفعل (11) ما يفعل ~~(12) بالعقل ، لأنه يؤم مقصودا وغاية (13)، حتى إنه (14) إذا كان (15) ~~فاعل ما منا يفعل (16) فعلا وليس له غاية عقلية ، قيل إنه يعبث ويجازف (17) ~~ويفعل لا بما هو ذو عقل ، ولكن بما هو حيوان ، وإذا كان هذا هكذا فيجب أن ~~تكون الأمور التي يفعلها العاقل بما هو عاقل (18) محدودة ms216 ، تفيد غايات ~~مقصودة لأنفسها ، وإذا كان الفعل العقلي لا يكون إلا محدود الغاية ، وليس ~~ذلك للفعل العقلي من جهة ما هو فعل عقلي ، بل من جهة ما هو فعل (19) يؤم به ~~الفاعل الغاية ، فهو إذن كذلك من جهة ما هو ذو غاية ، فإذن كونه ذا غاية ~~يمنع أن يكون لكل غاية غاية (20)، فظاهر أنه لا يصح قول القائل : إن كل ~~غاية وراءها غاية ، وأما (21) الأفعال الطبيعية والحيوانية ، فقد علم أيضا ~~(22) في (23) مواضع أخرى أنها لغايات (24). # وأما العلة الصورية للشيء فيفهم عن قريب تناهيها بما قيل في المنطق ، ~~وبما علم من تناهي الأجزاء الموجودة للشيء بالفعل على ترتيب طبيعي ، وأن ~~الصورة التامة للشيء واحدة ، وأن الكثير يقع منها (25) على نحو العموم ~~والخصوص ، وأن العموم والخصوص يقتضي الترتيب الطبيعي ، وما له ترتيب طبيعي ~~فقد علم (26) تناهيه ، وفي تأمل (27) هذا القدر كفاية وغنية عن التطويل. PageV01P341 # ونبتدئ فنقول : إذا (1) قلنا مبدأ أول فاعلي ، بل مبدأ أول مطلق (2) فيجب ~~أن يكون واحدا. وأما إذا قلنا علة أولى عنصرية ، وعلة (3) أولى صورية ، ~~وغير ذلك ، لم يجب (4) أن تكون واحدة وجوب ذلك في واجب (5) الوجود ، لأنه ~~(6) لا تكون ولا واحد (7) منها علة أولى مطلقا ، لأن واجب (8) الوجود واحد ~~، وهو في طبقة المبدإ الفاعلي ، فيكون الواحد الواجب الوجود هو أيضا مبدأ ~~وعلة (9) لتلك الأوائل. # فقد بان من هذا ومما سلف لنا شرحه ، أن (10) واجب الوجود واحد بالعدد ، ~~وبان أن ما سواه إذا اعتبر ذاته (11) كان ممكنا في وجوده ، فكان معلولا ، ~~ولاح أنه ينتهي في المعلولية لا محالة إليه ، فإذن كل شيء إلا الواحد الذي ~~هو (12) لذاته واحد ، والموجود الذي هو لذاته موجود ، فإنه مستفيد الوجود ~~(13) عن غيره ، وأيس به ، وليس (14) في ذاته ، وهذا المعنى كون الشيء مبدعا ~~أي نائل الوجود عن غيره ، وله عدم يستحقه في ذاته مطلق ، ليس إنما يستحق ~~العدم بصورته (15) دون مادته ، أو بمادته (16) دون صورته ، بل بكليته (17) ~~، فكليته (18) إذا لم تقترن (19) بإيجاب الموجد له ، واحتسب أنه منقطع عنه ~~وجب عدمه بكليته ، فإذن إيجاده عن ms217 الموجد له بكليته ، فليس جزء منه يسبق ~~وجوده بالقياس إلى هذا المعنى ، لا مادته ولا صورته (20)، إن كان ذا مادة وصورة. # فالكل إذن بالقياس إلى العلة الأولى مبدع ، وليس إيجاده لما يوجد عنه ~~إيجادا يمكن العدم البتة من جواهر الأشياء بل إيجادا (21) يمنع العدم مطلقا ~~فيما يحتمل السرمد ، فذلك (22) هو الإبداع المطلق ، والتأييس المطلق ليس ~~(23) تأييسا ما ، وكل شيء حادث عن ذلك الواحد ، وذلك الواحد محدث له إذ ~~المحدث هو الذي كان بعد ما لم يكن ، وهذا البعد إن كان زمانيا سبقه القبل ~~وعدم مع حدوثه ، فكان شيء (24) هو الموصوف بأنه قبله (25)، وليس الآن ، PageV01P342 # فلم يكن يتهيأ أن يحدث شيء إلا وقبله شيء آخر يعدم بوجوده ، فيكون ~~الإحداث عن الليس المطلق وهو الإبداع باطلا لا معنى له بل البعد الذي هاهنا ~~هو البعد الذي بالذات (1)، فإن الأمر الذي للشيء من تلقاء نفسه قبل (2) ~~الذي (3) له من غيره (4)، وإذا كان له من غيره الوجود والوجوب فله من نفسه ~~العدم والإمكان ، وكان عدمه قبل وجوده ، ووجوه بعد عدمه قبلية وبعدية ~~بالذات ، فكل (5) شيء غير الأول الواحد فوجوده (6) بعد ما لم يكن (7) ~~باستحقاق نفسه. ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل * (8) في الصفات الأولى (9) للمبدإ الواجب (10) الوجود # فقد ثبت لك الآن (11) شيء واجب الوجود ، وكان ثبت لك أن واجب الوجود واحد ~~، فواجب الوجود واحد (12) لا يشاركه في رتبته شيء ، فلا شيء سواه واجب ~~الوجود ، وإذ لا شيء سواه واجب الوجود ، فهو مبدأ وجوب (13) الوجود لكل ~~(14) شيء ، ويوجبه إيجابا أوليا أو بواسطة ، وإذا كان كل شيء غيره فوجوده ~~من وجوده فهو أول. ولا نعني بالأول معنى ينضاف (15) إلى وجوب وجوده حتى ~~يتكثر به وجوب وجوده ، بل نعني به اعتبار إضافته إلى غيره. # واعلم أنا إذا قلنا بل بينا أن واجب الوجود لا يتكثر بوجه من الوجوه ، ~~وأن ذاته وحداني صرف محض حق ، فلا نعني بذلك أنه أيضا لا يسلب عنه وجودات ، ~~ولا تقع PageV01P343 # له إضافة إلى وجودات ، فإن هذا لا يمكن. وذلك لأن كل موجود فيسلب عنه ms218 ~~أنحاء (1) من الوجود مختلفة كثيرة ، ولكل موجود إلى (2) الموجودات نوع من ~~الإضافة والنسبة ، وخصوصا الذي يفيض عنه كل وجود ، لكنا نعني بقولنا إنه ~~وحداني (3) الذات لا يتكثر أنه كذلك في ذاته ، ثم إن تبعته إضافات إيجابية ~~وسلبية (4) كثيرة فتلك (5) لوازم للذات معلولة للذات ، توجد بعد وجود الذات ~~، وليست (6) مقومة للذات ولا أجزاء لها (7). # فإن قال قائل : فإن كانت تلك معلولة (8) فلها أيضا إضافة أخرى ، ويذهب ~~إلى غير النهاية. # فإنا نكلفه أن يتأمل ما حققناه في باب المضاف من هذا الفن ، حيث أردنا أن ~~نبين أن الإضافة تتناهى وفي (9) ذلك انحلال شكه. # ونعود فنقول : إن الأول لا ماهية له غير الإنية ، وقد عرفت معنى الماهية ~~، وبما ذا (10) تفارق الإنية فيما تفارقه في افتتاح (11) (12) تبياننا (13) ~~هذا فنقول : إن واجب الوجود لا يصح أن يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود ، ~~بل نقول من رأس : إن واجب الوجود قد (14) يعقل نفس واجب الوجود ، كالواحد ~~قد يعقل نفس الواحد ، وقد يعقل من ذلك أن ماهيته هي مثلا إنسان أو جوهر آخر ~~من الجواهر ، وذلك (15) الإنسان هو الذي هو واجب الوجود ، كما أنه قد يعقل ~~من الواحد أنه ماء أو هواء أو إنسان وهو واحد. # وقد تتأمل فتعلم (16) ذلك مما وقع فيه الاختلاف في (17) أن المبدأ في ~~الطبيعيات واحد أو كثير. # فبعضهم جعل المبدأ واحدا ، وبعضهم جعله (18) كثيرا. PageV01P344 # والذي جعله منهم واحدا فمنهم من جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد ، بل ~~شيئا هو الواحد ، مثل ماء أو هواء أو نار (1) أو غير ذلك. # ومنهم من جعل المبدأ (2) ذات الواحد من حيث هو واحد ، لا شيء عرض له ~~الواحد ، ففرق إذن بين ماهية (3) يعرض لها (4) الواحد والموجود ، وبين (5) ~~الواحد والموجود من حيث هو واحد (6) وموجود (7). # فنقول : إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون على الصفة التي فيها تركيب حتى ~~يكون هناك ماهية (8) ما ، وتكون تلك الماهية واجبة (9) الوجود ، فيكون لتلك ~~الماهية معنى غير حقيقتها وذلك المعنى وجوب الوجود مثلا إن كانت تلك ~~الماهية أنه إنسان ، فيكون أنه ms219 إنسان غير أنه (10) واجب الوجود ، فحينئذ ~~(11) لا يخلو (12) إما أن يكون لقولنا وجوب الوجود هناك حقيقة ، أو لا يكون ~~، ومحال أن لا يكون لهذا المعنى حقيقة ، وهي مبدأ كل حقيقة ، بل هي تؤكد ~~الحقيقة وتصححها (13). # فإن كان له (14) حقيقة وهي غير تلك (15) الماهية ، فإن كان ذلك الوجوب من ~~الوجود يلزمه أن يتعلق بتلك الماهية ولا يجب دونها ، فيكون معنى واجب ~~الوجود من حيث هو واجب الوجود يوجد بشيء ليس هو ، فلا يكون (16) واجب ~~الوجود ، من حيث هو واجب الوجود ، وبالنظر إلى (17) ذاته من حيث هو واجب ~~الوجود ليس (18) بواجب الوجود ، لأن له شيئا به يجب ، وهذا محال إذا أخذ ~~(19) مطلقا غير مقيد بالوجود الصرف الذي يلحق الماهية ، وإذا أخذ لاحقا ~~للماهية (20) فإنه وإن كان قد يقارن (21) ذلك (22) الشيء فليست (23) تلك ~~الماهية البتة PageV01P345 # واجبة (1) الوجود مطلقا ، ولا عارضا لها وجوب الوجود مطلقا ، لأنها لا ~~تجب في كل (2) وقت ، وواجب (3) الوجود مطلقا (4) يجب في كل وقت ، وليس هكذا ~~حال الوجود (5) إذا أخذ مطلقا غير مقيد بالوجوب الصرف الذي يلحق الماهية ~~(6) (7)، فلا ضير (8) لو قال قائل (9): إن ذلك الوجود (10) معلول للماهية ~~(11) من هذه الجهة أو لشيء (12) آخر. # وذلك لأن الوجود يجوز أن يكون معلولا ، والوجوب المطلق الذي بالذات (13) ~~لا يكون معلولا ، فبقي أن يكون واجب الوجود بالذات مطلقا متحققا من حيث هو ~~واجب الوجود بنفسه ، واجب الوجود من (14) دون تلك الماهية ، فتكون تلك ~~الماهية عارضة لواجب (15) الوجود المتحقق القوام بنفسه إن كان يمكن ، فواجب ~~الوجود مشار (16) إليه بالعقل (17) في ذاته ، ويتحقق (18) واجب الوجود وإن ~~لم (19) تكن تلك (20) الماهية العارضة (21)، فإذن ليست تلك الماهية ماهية ~~للشيء (22) المشار إليه بالعقل أنه واجب الوجود ، بل ماهية لشيء (23) آخر ~~لا حق له ، وقد كانت فرضت ماهية (24) لذلك الشيء لا شيء آخر (25)، هذا خلف ~~، فلا ماهية لواجب الوجود غير أنه واجب الوجود ، وهذه هي الإنية. # ونقول (26): إن الإنية والوجود لو صارا (27) عارضين للماهية فلا يخلو ~~(28) إما (29) أن يلزمها (30) لذاتها ، أو لشيء من خارج ، ومحال أن يكون ~~لذات (31) الماهية ms220 ، فإن التابع (32) لا يتبع إلا موجودا فيلزم أن يكون ~~للماهية وجود قبل وجودها ، وهذا محال (33) (34). ونقول (35) إن كل ما له ~~ماهية غير PageV01P346 # الإنية فهو معلول ، وذلك لأنك علمت أن الإنية والوجود لا يقوم من الماهية ~~التي هي خارجة عن الإنية مقام الأمر المقوم ، فيكون من اللوازم ، فلا يخلو : # إما أن يلزم الماهية لأنها تلك الماهية # وإما أن يكون لزومها إياها بسبب شيء. ومعنى قولنا اللزوم اتباع الوجود ، ~~ولن (1) يتبع موجود إلا موجودا ، فإن كانت الإنية تتبع الماهية وتلزمها ~~لنفسها ، فتكون الإنية قد تبعت في جودها وجودا ، وكل ما يتبع في وجوده ~~وجودا فإن متبوعه موجود بالذات قبله ، فتكون الماهية موجودة بذاتها قبل ~~وجودها (2)، وهذا خلف. فبقي (3) أن يكون الوجود لها عن علة ، فكل (4) ذي ~~ماهية (5) معلول ، وسائر الأشياء غير الواجب الوجود فلها ماهيات ، وتلك (6) ~~الماهيات (7) هي التي (8) بأنفسها ممكنة الوجود ، وإنما يعرض لها وجود من خارج. # فالأول لا ماهية له ، وذوات الماهيات (9) يفيض عليها (10) الوجود منه ، ~~فهو مجرد الوجود بشرط سلب العدم وسائر الأوصاف عنه ، ثم سائر الأشياء التي ~~لها ماهيات فإنها (11) ممكنة توجد به ، وليس معنى قولي : إنه مجرد الوجود ~~(12) بشرط (13) سلب سائر الزوائد عنه أنه الوجود (14) المطلق المشترك فيه ~~إن (15) كان موجود هذه صفته ، فإن ذلك ليس الموجود المجرد بشرط السلب بل ~~الموجود لا بشرط الإيجاب ، أعني في الأول أنه الموجود مع شرط لا زيادة (16) ~~تركيب ، وهذا (17) الآخر هو الموجد لا بشرط الزيادة ، فلهذا ما كان الكلي ~~يحمل على كل شيء ، وذلك (18) لا يحمل على كل (19) ما هناك زيادة ، وكل شيء ~~غيره فهناك زيادة. # والأول أيضا لا جنس له (20)، وذلك لأن الأول لا ماهية له ، وما لا ماهية ~~له فلا جنس له ، إذ الجنس مقول في جواب ما هو والجنس من وجه هو بعض الشيء ، ~~والأول قد تحقق أنه غير مركب. PageV01P347 # وأيضا أن معنى الجنس لا يخلو : # إما أن يكون واجب الوجود فلا يتوقف إلى أن يكون هناك فصل (1). # وإن لم يكن واجب الوجود وكان مقوما لواجب (2) الوجود ms221 كان واجب الوجود ~~متقوما بما ليس بواجب الوجود ، وهذا خلف ، فالأول لا جنس له. # ولذلك (3) فإن الأول لا فصل له ، وإذ لا جنس له ولا فصل له فلا حد له ، ~~ولا برهان عليه ، لأنه لا علة له ، ولذلك (4) لا لم له ، وستعلم (5) أنه لا ~~لمية لفعله. ولقائل أن يقول : إنكم إن تحاشيتم (6) أن تطلقوا على الأول اسم ~~الجوهر فلستم (7) تتحاشون أن تطلقوا عليه معناه ، وذلك لأنه موجود لا في ~~موضوع ، وهذا (8) المعنى هو (9) الجوهر الذي جنستموه (10) له. فنقول : ليس ~~هذا معنى الجوهر الذي جنساه (11)، بل معنى ذلك أنه الشيء ذو الماهية ~~المتقررة (12) الذي (13) وجوده (14) ليس في موضوع كجسم (15) أو نفس ، ~~والدليل على أنه إذا لم يعن بالجوهر هذا لم يكن جنسا البتة ، هو أن (16) ~~المدلول عليه بلفظ (17) الموجود ليس يقتضي جنسيته (18)، والسلب (19) الذي ~~يلحق به لا يزيد ، على الوجود إلا نسبة مباينة : وهذا المعنى ليس فيه إثبات ~~(20) شيء محصل (21) بعد الوجود ، ولا هو معنى لشيء بذاته ، بل هو بالنسبة ~~فقط ، فالموجود لا في موضوع إنما المعنى الإثباتي فيه الذي يجوز أن يكون ~~لذات ما ، هو الموجود ، وبعده شيء سلبي ومضاف خارج عن الهوية التي (22) ~~تكون للشيء. فهذا المعنى إن أخذ على هذا الوجه لم يكن جنسا ، وأنت قد علمت ~~هذا في المنطق علما متقنا (23). # وقد علمت (24) في المنطق أيضا أنا إذا قلنا : كل « ا » مثلا ، عنينا كل ~~شيء موصوف بأنه « ا » ولو كانت (25) له حقيقة غير الألفية ، فقولنا في حد ~~الجوهر : إنه الموجود لا في موضوع ، PageV01P348 # معناه أنه الشيء الذي يقال عليه موجود لا في موضوع ، على أن الموجود لا ~~في موضوع محمول عليه ، وله (1) في نفسه ماهية مثل الإنسان والحجر (2)، ~~والشجر ، فهكذا يجب أن يتصور الجوهر حتى يكون جنسا. والدليل على أن بين ~~الأمرين فرقا و (3) أن الجنس أحدهما دون الآخر ، أنك تقول لشخص إنسان ما ~~مجهول الوجود : إنه لا محالة هو ما وجوده أن لا يكون في موضوع ، ولا تقول : ~~إنه لا محالة موجود الآن (4) لا في موضوع ms222 ، وكأنا قد بالغنا في تعريف هذا ~~حيث تكلمنا في المنطق. ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل * (5) كأنه توكيد وتكرار (6) لما سلف من توحيد واجب الوجود وجميع صفاته السلبية على سبيل الإنتاج # وبالحري أن نعيد القول في أن حقيقة الأول موجودة للأول دون غيره ، وذلك ~~لأن الواحد بما (7) هو واجب الوجود يكون (8) ما هو به هو (9)، وهو ذاته ، ~~ومعناه إما مقصورا عليه لذات ذلك (10) (11) المعنى ، أو لعلة ، مثلا : لو ~~كان (12) الشيء الواجب الوجود (13) هو هذا (14) الإنسان ، فلا يخلو إما أن ~~يكون هو هذا للإنسانية ولأنه إنسان ، أو لا يكون. # فإن كان لأنه إنسان هو هذا ، فالإنسانية تقتضي أن يكون هذا فقط ، فإن ~~وجدت لغيره فما اقتضت الإنسانية أن يكون هذا (15)، بل إنما صار هذا لأمر ~~(16) غير الإنسانية. # وكذلك الحال (17) في حقيقة واجب الوجود ، فإنها إن كانت لأجل نفسها هي ~~(18) هذا المعين (19) استحال أن تكون تلك الحقيقة لغيره ، فتكون تلك ~~الحقيقة ليست إلا (20) هذا. وإن كان PageV01P349 # تحقق هذا المعنى لهذا المعين (1) لا عن ذاته ، بل عن غيره ، وإنما هو هو ~~لأنه هذا المعين (2)، فيكون وجوده الخاص له مستفادا من غيره ، فلا يكون ~~واجب (3) الوجود ، وهذا (4) خلف ، فإذن حقيقة الواجب الوجود الواحد فقط. ~~وكيف تكون الماهية المجردة عن المادة لذاتين ، والشيئان إنما يكونان اثنين ~~إما بسبب المعنى ، وإما بسبب الحامل للمعنى ، وإما بسبب الوضع أو المكان ~~(5)، أو بسبب الوقت والزمان ، وبالجملة لعلة من العلل؟ لأن كل اثنين لا ~~يختلفان بالمعنى ، فإنما (6) يختلفان بشيء (7) عارض للمعنى مقارن له ، فكل ~~(8) ما ليس له وجود إلا وجود معنى (9)، ولا يتعلق بسبب خارج أو حالة (10) ~~خارجة ، فبما ذا يخالف مثله؟ فإذن لا يكون له مشارك في معناه ، فالأول لا ند له. # وأيضا ، فإنا نقول : إن وجوب الوجود لا يجوز أن يكون معنى مشتركا فيه ~~لعدة بوجه من الوجوه ، لا متفقي الحقائق والأنواع ولا مختلفي الحقائق ~~والأنواع. # أما أول ذلك فإن وجوب الوجود لا ماهية له تقارنه (11) غير (12) وجوب ~~الوجود ، فلا يمكن أن يكون لحقيقة وجوب الوجود اختلاف بعد وجوب ms223 الوجود. # وأيضا ، لا يخلو إما أن يكون ما يختلف به (13) آحاد واجب الوجود بعد ~~الاتفاق في وجوب الوجود أشياء موجودة لكل واحد من المتفقين فيه بها يخالفه ~~(14) صاحبه ، أو غير موجودة (15) لشيء منها ، أو موجودة لبعضها وليس في ~~البعض الآخر إلا عدمها. فإن كانت غير موجودة (16) وليس هناك شيء يقع به ~~الاختلاف بعد الاتفاق ، فلا اختلاف بينهما (17) في الحقائق ، فهي متفقة ~~الحقائق ، وقد قلنا إنها تختلف حقائقها بعد ما اشتركت فيه ، وإن (18) كانت ~~(19) غير موجودة في بعضها وموجودة (20) في بعضها ، مثلا أن يكون أحدهما PageV01P350 # انفصل (1) عن الآخر بأن له (2) حقيقة وجوب الوجود ، وشيئا (3) هو الشرط ~~في الانفصال ، وللآخر حقيقة وجوب الوجود (4) مع عدم الشرط الذي لذلك ، ~~وإنما فارقه لأجل هذا العدم فقط ، وليس هناك شيء إلا العدم ينفصل به عن (5) ~~الآخر ، فيكون من شأن وجوب الوجود بالحقيقة (6) التي له أن تثبت قائمة مع ~~عدم شرط يلحق به ، والعدم (7) لا معنى له محصلا في الأشياء ، وإلا لكان في ~~شيء واحد معان بلا نهاية فإن فيه اختلاف (8) أشياء بلا نهاية. # فلا يخلو إما أن يكون وجوب الوجود متحققا في الثاني من دون الزيادة التي ~~له ، أو لا يكون. فإن لم يكن ، فيكون ليس له دونه وجوب الوجود ، ويكون شرطا ~~في وجوب الوجود (9) في الآخر أيضا. وإن كان ، فتكون الزيادة فصلا أيضا ، ~~وليس من (10) شرط (11) وجوب الوجود ، وهو مع ذلك مركب ، وواجب الوجود غير ~~مركب. وإن كان لكل واحد منهما (12) ما ينفصل به (13) عن الآخر ، فهو يقتضي ~~التركيب في كل واحد منهما (14). # ثم لا يخلو أيضا ، إما أن يكون وجوب الوجود يتم وجوب وجود (15) دون كل ~~واحد من الزيادتين ، أو يكون ذلك شرطا له في أن يتم. فإن تم ، فوجوب الوجود ~~لا اختلاف فيه بالذات (16)، إنما الاختلاف في (17) العوارض التي تلحقه ~~(18)، وقد قام الوجود واجبا مستغنيا في قوامه عن تلك اللواحق. # وإن لم يتم فلا يخلو : إما أن (19) لا يتم دون ذلك في أن يكون له حقيقة ~~وجوب الوجود ، وإما (20) أن يكون وجوب ms224 الوجود معنى متحققا في نفسه ، وليس ~~ذانك ولا أحدهما داخلا في هويته من حيث هو واجب الوجود ، ولكنه لا بد من أن ~~يصير حاصل الوجود PageV01P351 # بأحدهما ، مثل أن الهيولى وإن كانت (1) لها جوهريتها في حد هيوليتها (2) ~~فإن وجودها بالفعل إما بهذه الصورة أو بالأخرى (3)، وأيضا (4) اللون ، ~~فإنه وإن (5) كان فصل السواد لا يقومه من حيث هو لون ولا فصل البياض فإن كل ~~واحد منهما كالعلة له في أن يوجد بالفعل ويحصل ، وليس أحدهما علة له بعينه ~~(6)، بل أيهما اتفق ، ولكن ذلك في حال ، وذلك في حال. # فإن كان الأمر على مقتضى الوجه الأول ، فكل (7) واحد منهما داخل في تقويم ~~وجوب الوجود وشرط فيه ، فحيث كان وجوب الوجود ، وجب أن يكون معه ، وإن كان ~~على مقتضى المعنى الثاني فواجب (8) الوجود يحتاج إلى شيء يوجد به ، فيكون ~~واجب الوجود (9) من بعد ما يتقرر له معنى أنه واجب الوجود يحتاج إلى شيء ~~آخر يوجد به ، وهذا محال. # وأما في اللون ، وفي الهيولى ، فليس الأمر هناك على هذه الصورة ، فإن ~~الهيولى في أنها هيولى شيء (10)، واللون في أنه لون شيء ، وفي أنه موجود ~~شيء. ونظير (11) اللون هناك هو (12) واجب (13) الوجود هاهنا ، ونظير فصلي ~~(14) السواد والبياض (15) هناك هو (16) ما يختص به كل واحد من (17) ~~المفروضين (18) هاهنا ، فكما (19) أن (20) كل واحد من فصلي السواد والبياض ~~لا مدخل لهما (21) في تقرير (22) اللونية (23)، كذلك يجب أن يكون خاصة كل ~~واحد من هذين المفروضين لا مدخل لهما (24) في تقرير (25) وجوب الوجود. PageV01P352 # وأما هناك ، فكان المدخل للفصلين في أن صار (1) اللون موجودا ، أي صار ~~اللون شيئا هو (2) غير اللون ، وزائدا على أنه لون ، وهاهنا (3) ليس يمكن ~~ذلك ، لأن وجوب الوجود يكون متقرر الوجود ، بل هو تقرر الوجود ، بل الوجود ~~شرط في تقرير (4) ماهية (5) واجب (6) الوجود ، أو هو (7) نفسه مع عدم عدم ، ~~أو امتناع بطلان. # وأما في اللون ، فالوجود لاحق يلحق ماهية هي اللون ، فتوجد الماهية التي ~~هي بنفسها (8) لون عينا (9) موجودة بالوجود (10). فلو كانت الخاصة (11) ~~ليست (12) علة في تقرير (13) ماهية ms225 وجوب الوجود (14)، بل في (15) أن يحصل ~~له الوجود ، وكان الوجود أمرا خارجا عن تلك الماهية خروجها عن ماهية (16) ~~اللون ، كان الأمر مستمرا على قياس سائر الأشياء (17) العامة المنفصلة ~~بفصول ، وبالجملة المنقسمة في معان مختلفة ، لكن الوجود يجب أن يكون حاصلا ~~حتى يكون وجوبه (18)، فتكون الخاصة (19) كأنها (20) تحتاج إليها كشيء (21) ~~في أمر (22) هو الذي استغنى فيه عنه ، وهذا فخلف ، محال (23)، بل الوجوب ~~(24) ليس له الوجود كشيء ثان يحتاج إليه ، كما للونية (25) وجود ثان (26) ~~(27). وبالجملة كيف يكون شيء خارج عن وجوب الوجود شرطا في وجوب الوجود؟ ~~ومع (28) ذلك فإن (29) حقيقة وجوب الوجود كيف يتعلق بموجب له (30)، فيكون ~~وجوب الوجود في نفسه إمكان الوجود؟ PageV01P353 # ونقرر من رأس فنقول : بالجملة إن (1) الفصول وما يجري مجراها لا يتحقق ~~بها حقيقة المعنى الجنسي من حيث (2) معناه ، بل (3) إنما كانت علة لتقويم ~~(4) الحقيقة موجودة ، فإن الناطق ليس (5) شرطا يتعلق به الحيوان في أن له ~~معنى الحيوان وحقيقته ، بل في أن يكون موجودا معينا. وإذا كان المعنى (6) ~~العام هو نفس واجب الوجود ، وكان الفصل يحتاج إليه في أن يكون واجب الوجود ~~موجودا ، فقد (7) دخل ما هو كالفصل في ماهية ما هو كالجنس ، والحال فيما ~~يقع به اختلاف غير فصلي في جميع هذا ظاهر (8)، فبين أن وجوب الوجود ليس ~~مشتركا فيه ، فالأول لا شريك له ، وإذ هو بريء عن كل مادة وعلائقها وعن ~~الفساد ، وكلاهما شرط مع (9) ما يقع (10) تحت التضاد ، فالأول لا ضد له. # فقد وضح أن الأول لا جنس له ، ولا ماهية له ، ولا كيفية له ، ولا كمية له ~~(11)، ولا أين له ، ولا متى له ، ولا ند له ، ولا شريك له ، ولا ضد له ، ~~تعالى وجل ، وأنه لا حد له ، ولا برهان عليه ، بل هو البرهان على كل شيء ، ~~بل هو (12) إنما عليه الدلائل الواضحة ، وأنه إذا حققته (13) فإنما (14) ~~يوصف بعد الإنية بسلب المشابهات عنه ، وبإيجاب الإضافات كلها إليه (15)، ~~فإن كل شيء منه وليس هو مشاركا لما منه (16)، وهو مبدأ (17) كل شيء وليس ~~هو شيئا من الأشياء ms226 بعده. PageV01P354 ### ||| * [ الفصل السادس ] ( و) فصل * (1) في أنه تام بل فوق التام (2)، وخير ، ومفيد (3) كل شيء بعده ، وأنه حق ، وأنه عقل محض ، ويعقل (4) كل شيء (5)، وكيف ذلك ، وكيف يعلم ذاته ، وكيف يعلم الكليات (6)، وكيف يعلم الجزئيات ، وعلى أي وجه لا يجوز أن يقال (7) يدركها # فواجب الوجود تام الوجود ، لأنه ليس شيء من وجوده وكمالات وجوده (8) ~~قاصرا عنه ، ولا شيء من جنس وجوده خارجا (9) عن وجوده يوجد (10) لغيره ، ~~كما يخرج في غيره ، مثل الإنسان ، فإن أشياء (11) كثيرة من كمالات وجوده ~~قاصرة عنه ، وأيضا فإن إنسانيته توجد لغيره. بل واجب الوجود فوق التمام ، ~~لأنه (12) ليس إنما له الوجود الذي له فقط ، بل كل وجود أيضا فهو فاضل عن ~~وجوده ، وله ، وفائض عنه. # وواجب الوجود بذاته (13) خير محض ، والخير (14) بالجملة (15) هو (16) ما ~~يتشوقه كل شيء وما يتشوقه كل شيء هو الوجود ، أو كمال الوجود من باب ~~الوجود. والعدم من حيث هو عدم لا يتشوق إليه (17)، بل من حيث يتبعه وجود ~~أو كمال للوجود ، فيكون المتشوق بالحقيقة الوجود (18)، فالوجود خير محض ~~وكمال محض. # فالخير (19) بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء في حده ويتم به وجوده ، والشر ~~لا ذات له ، بل هو إما عدم جوهر ، أو عدم صلاح لحال الجوهر. فالوجود خيرية ~~، وكمال الوجود PageV01P355 # خيرية الوجود. والوجود الذي لا يقارنه عدم لا عدم جوهر ، ولا عدم شيء ~~للجوهر ، بل هو دائما بالفعل فهو خير محض ، والممكن الوجود بذاته ليس خيرا ~~محضا ، لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود بذاته ، فذاته (1) تحتمل العدم ، ~~وما احتمل (2) العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئا من الشر والنقص ، ~~فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود بذاته. # وقد يقال أيضا : خير ، لما كان مفيدا لكمالات الأشياء وخيراتها ، وقد بان ~~أن (3) واجب (4) الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود (5)، ولكل كمال ~~وجود ، فهو من هذه الجهة خير أيضا (6) لا يدخله نقص ولا شر ، وكل واجب ~~الوجود فهو حق ، لأن حقية (7) كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له ، فلا أحق ~~إذن ms227 من واجب الوجود. # وقد (8) يقال : حق ، أيضا ، لما يكون الاعتقاد بوجوده (9) صادقا ، فلا ~~أحق بهذه الحقيقة مما يكون الاعتقاد بوجوده (10) صادقا ، ومع صدقه دائما ، ~~ومع دوامه لذاته لا لغيره ، وسائر الأشياء فإن ماهياتها كما علمت (11) لا ~~تستحق الوجود ، بل هي في أنفسها وقطع إضافتها إلى واجب الوجود تستحق العدم ~~، فلذلك كلها في أنفسها باطلة ، وبه حقة ، وبالقياس إلى الوجه الذي يليه ~~حاصلة ، فلذلك كل شيء هالك إلا وجهه ، فهو أحق بأن يكون حقا. # وواجب الوجود عقل محض ، لأنه ذات مفارقة للمادة من كل وجه ، وقد عرفت أن ~~السبب في أن لا يعقل الشيء هو المادة وعلائقها لا وجوده. وأما الوجود ~~الصوري فهو الوجود العقلي وهو الوجود الذي إذا تقرر (12) في شيء صار للشيء ~~به عقل ، والذي يحتمل نيله هو (13) عقل بالقوة ، والذي ناله (14) بعد (15) ~~القوة هو عقل بالفعل على سبيل الاستكمال ، والذي PageV01P356 # هو له ذاته هو عقل (1) بذاته. وكذلك هو معقول محض ، لأن المانع للشيء. أن ~~يكون معقولا هو أن يكون في المادة (2) وعلائقها ، وهو المانع عن (3) أن ~~يكون عقلا. # وقد (4) تبين (5) لك هذا فالبريء عن المادة والعلائق ، المتحقق بالوجود ~~المفارق ، هو معقول لذاته ، ولأنه عقل بذاته وهو أيضا معقول بذاته فهو ~~معقول ذاته ، فذاته عقل وعاقل (6) ومعقول ، لا أن هناك أشياء متكثرة. وذلك ~~لأنه بما هو هوية مجردة عقل ، وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو ~~معقول لذاته ، وبما يعتبر له أن ذاته له هوية (7) مجردة فهو (8) عاقل ذاته ~~، فإن المعقول هو الذي ماهيته المجردة لشيء ، والعاقل هو الذي له ماهية ~~مجردة لشيء ، وليس من (9) شرط هذا الشيء أن يكون هو أو آخر ، بل شيء مطلقا ~~، والشيء مطلقا (10) أعم من هو أو غيره. # فالأول (11) باعتبار (12) أن له ماهية مجردة لشيء ، هو عاقل ، وباعتبار ~~أن ماهيته المجردة لشيء (13)، هو معقول ، وهذا الشيء هو ذاته ، فهو عاقل ~~بأن له الماهية المجردة التي لشيء هو ذاته ، ومعقول بأن ماهيته (14) ~~المجردة هي لشيء هو ذاته. # وكل من تفكر قليلا علم أن العاقل ms228 يقتضي شيئا معقولا ، وهذا الاقتضاء لا ~~يتضمن أن ذلك الشيء آخر أو هو ، بل المتحرك إذا اقتضى شيئا محركا لم يكن ~~نفس هذا الاقتضاء يوجب أن يكون شيئا آخر أو هو ، بل نوع آخر من البحث يوجب ~~ذلك ، وتبين أنه من المحال أن يكون ما يتحرك هو ما يحرك ، ولذلك لم يمتنع ~~أن يتصور فريق لهم عدد أن في الأشياء شيئا متحركا عن ذاته (15)، إلى وقت ~~أن قام البرهان على امتناعه ، ولم يكن نفس تصور المحرك والمتحرك يوجب ذلك ، ~~إذ (16) كان المتحرك يوجب أن يكون له شيء محرك مطلقا (17) بلا شرط أنه آخر ~~أو هو ، والمحرك يوجب أن يكون له شيء متحرك عنه بلا شرط أنه آخر أو هو. PageV01P357 # وكذلك المضافات تعرف (1) اثنينيتها (2) لأمر ، لا لنفس النسبة والإضافة ~~(3) المعروفة في الذهن ، فإنا نعلم علما (4) يقينا (5) أن لنا قوة نعقل بها ~~الأشياء. فإما أن تكون القوة التي نعقل بها هذه القوة هي هذه القوة (6) ~~نفسها ، فتكون هي (7) نفسها تعقل ذاتها ، أو تعقل ذلك قوة أخرى (8)، فتكون ~~لنا قوتان : قوة نعقل الأشياء بها ، وقوة نعقل بها هذه القوة ، ثم يتسلسل ~~الكلام إلى غير النهاية ، فيكون فينا قوى تعقل الأشياء بلا نهاية بالفعل ، ~~فقد بان أن نفس كون الشيء معقولا لا يوجب أن يكون معقولا لشيء (9)، ذلك ~~الشيء آخر. # وبهذا تبين (10) أنه ليس يقتضي العاقل أن يكون عاقل شيء آخر بل كل (11) ~~ما توجد له الماهية المجردة فهو عاقل ، وكل ماهية مجردة توجد له أو لغيره ~~فهو معقول ، إذ كانت هذه الماهية لذاتها عاقلة ، ولذاتها أيضا معقولة لكل ~~(12) ماهية مجردة تفارقها أو (13) لا تفارقها. فقد فهمت أن نفس كونه معقولا ~~وعاقلا (14)، لا يوجب أن يكون اثنين في الذات ، ولا اثنين في الاعتبار ~~أيضا ، فإنه ليس تحصيل (15) الأمرين إلا اعتبار (16) أن ماهية مجردة لذاته ~~(17)، وأنه (18) ماهية (19) مجردة ذاته (20) لها ، وهاهنا تقديم وتأخير في ~~ترتيب المعاني ، والغرض المحصل شيء واحد بلا قسمة ، فقد بان أن كونه عاقلا ~~ومعقولا لا يوجب فيه كثرة البتة. # وليس يجوز ms229 أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء ، وإلا فذاته إما ~~(21) متقومة بما يعقل ، فيكون تقومها بالأشياء (22)، وإما عارضة لها أن ~~تعقل ، فلا تكون واجبة (23) الوجود من كل جهة ، وهذا (24) محال. ويكون لو ~~لا أمور من خارج لم يكن هو بحال ، ويكون له حال لا يلزم عن ذاته (25) بل عن ~~غيره (26) فيكون لغيره فيه تأثير ، والأصول السالفة تبطل هذا PageV01P358 # وما أشبهه ، ولأنه مبدأ كل (1) وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو (2) ~~مبدأ للموجودات التامة (3) بأعيانها ، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها ~~أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها. # ومن وجه آخر لا يجوز (4) أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث ~~هي (5) متغيرة عقلا زمانيا مشخصا (6) بل على نحو (7) آخر نبينه ، فإنه لا ~~يجوز أن يكون تارة يعقل عقلا زمانيا منها أنها موجودة غير معدومة ، وتارة ~~يعقل عقلا زمانيا منها أنها معدومة غير موجودة ، فيكون لكل واحد من الأمرين ~~صورة عقلية (8) على حدة (9)، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية ، ~~فيكون واجب الوجود متغير الذات (10)، ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية ~~المجردة وبما يتبعها مما لا (11) يتشخص لم تعقل بما هي فاسدة ، وإن أدركت ~~بما هي مقارنة لمادة (12) وعوارض مادة ووقت (13) وتشخص (14) لم تكن معقولة ~~بل (15) محسوسة أو متخيلة ، ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة ~~(16) وكل صورة خيالية فإنما (17) تدرك من حيث هي محسوسة أو متخيلة (18) ~~بآلة متجزئة ، وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له ، كذلك ~~(19) إثبات كثير من التعقلات ، بل واجب (20) الوجود إنما يعقل كل (21) شيء ~~على نحو كلي ، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي (22)، ولا يعزب (23) عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض (24)، وهذا من العجائب التي (25) يحوج ~~(26) تصورها إلى لطف قريحة. # وأما (27) كيفية ذلك ، فلأنه إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ كل موجود (28)، ~~عقل أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها ، ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد ~~صار من جهة ما واجبا (29) بسببه ، وقد (30) بينا هذا ، فتكون هذه الأسباب ~~يتأدى بمصادماتها ms230 إلى أن توجد PageV01P359 # عنها الأمور الجزئية. والأول (1) يعلم الأسباب ومطابقاتها ، فيعلم ضرورة ~~(2) ما يتأدى إليها (3)، وما بينها من الأزمنة وما لها من العودات ، لأنه ~~ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلم هذا ، فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي ~~كلية ، أعني من حيث لها صفات. وإن تخصصت بها (4) شخصا فبالإضافة إلى زمان ~~متشخص أو حال متشخصة لو أخذت تلك الحال بصفاتها كانت أيضا بمنزلتها لكنها ~~(5) تستند (6) إلى مبادئ كل واحد منها نوعه في شخصه ، فتستند (7) إلى أمور ~~شخصية. وقد قلنا : إن مثل هذا الاستناد (8) قد يجعل للشخصيات رسما ووصفا ~~مقصورا عليها (9). فإن كان (10) ذلك الشخص مما هو عند العقل شخصي (11) ~~أيضا ، كان للعقل إلى ذلك المرسوم سبيل ، وذلك هو الشخص (12) الذي هو واحد ~~في نوعه لا نظير له (13)، ككرة الشمس مثلا ، أو كالمشتري (14)، وأما إذا ~~كان النوع منتشرا في الأشخاص لم يكن للعقل إلى رسم ذلك الشيء (15) سبيل إلا ~~أن يشار إليه ابتداء على ما عرفته. # ونعود (16) فنقول (17): كما أنك (18) تعلم (19) حركات السماويات كلها ، ~~فأنت تعلم كل كسوف وكل اتصال (20) وكل انفصال (21) جزئي (22) يكون (23) ~~بعينه ولكن على نحو كلي ، لأنك تقول في كسوف ما إنه كسوف يكون بعد (24) ~~زمان حركة يكون لكذا من كذا شماليا نصفيا ينفصل القمر منه (25) إلى مقابلة ~~كذا ، ويكون بينه وبين كسوف مثله سابق له أو متأخر عنه مدة كذا ، وكذلك بين ~~حال الكسوفين الآخرين حتى لا تقدر (26) عارضا من عوارض تلك الكسوفات إلا ~~علمته (27)، ولكنك علمته كليا ، لأن هذا المعنى قد يجوز أن يحمل على ~~كسوفات كثيرة كل واحد منها (28) يكون حاله تلك الحال (29)، لكنك تعلم لحجة ~~ما أن ذلك الكسوف لا يكون إلا واحدا PageV01P360 # بعينه ، وهذا لا يدفع (1) الكلية إن تذكرت ما قلناه من (2) قبل. ولكنك مع ~~هذا كله ، ربما لم يجز (3) أن تحكم في هذا (4) الآن بوجود هذا الكسوف (5) ~~أو لا وجوده (6)، إلا أن (7) تعرف جزئيات الحركات بالمشاهدة الحسية ، ~~وتعلم ما بين هذا (8) المشاهد (9) وبين ذلك الكسوف من المدة ، وليس هذا نفس ~~معرفتك ms231 بأن في الحركات حركة جزئية صفتها صفة ما شاهدت ، وبينها وبين الكسوف ~~الثاني (10) الجزئي كذا ، فإن ذلك قد يجوز أن تعلمه على هذا النوع من (11) ~~العلم ولا تعلمه وقت ما يشك فيه أنها هل هي موجودة ، بل يجب أن يكون قد حصل ~~لك بالمشاهدة شيء مشار إليه حتى تعلم حال ذلك الكسوف. # فإن منع مانع أن يسمى هذا معرفة للجزء من جهة كلية ، فلا (12) مناقشة معه ~~، فإن غرضنا الآن في غير ذلك ، وهو في تعريفنا أن الأمور الجزئية كيف تعلم ~~وتدرك علما وإدراكا يتغير (13) معهما (14) العالم ، وكيف يعلم (15) ويدرك ~~علما (16) وإدراكا لا يتغير معهما (17) العالم ، فإنك إذا علمت أمر ~~الكسوفات كما توجد أنت ، أو لو (18) كنت موجودا دائما كان لك (19) علم لا ~~بالكسوف المطلق ، بل بكل كسوف كائن ، ثم كان وجود ذلك الكسوف وعدمه لا يغير ~~منك أمرا ، فإن علمك في الحالين يكون واحدا ، وهو أن (20) كسوفا له وجود ~~(21) بصفات كذا ، بعد (22) كسوف كذا ، أو بعد (23) وجود الشمس (24) في ~~الحمل كذا ، في مدة كذا ، ويكون بعد كذا ، وبعده كذا ، ويكون هذا العقد ~~(25) منك صادقا قبل ذلك الكسوف ومعه وبعده. فأما إن (26) أدخلت الزمان في ~~ذلك ، فعلمت (27) في آن مفروض أن هذا الكسوف ليس بموجود ، ثم علمت في آن ~~آخر أنه موجود ، لم يبق علمك ذلك عند وجوده ، بل (28) يحدث علم آخر ، ويكون ~~فيك (29) التغير الذي أشرنا إليه ، ولم يصح أن تكون في وقت الانجلاء على ما كنت PageV01P361 # قبل الانجلاء ، هذا وأنت زماني وآني (1)، ولكن (2) الأول الذي لا يدخل ~~في زمان وحكمه ، فهو بعيد أن يحكم حكما (3) في هذا الزمان ، وذلك الزمان من ~~حيث هو فيه ومن حيث هو حكم منه جديدا ومعرفة جديدة. # واعلم أنك إنما (4) كنت تتوصل إلى إدراك (5) الكسوفات الجزئية ، لإحاطتك ~~بجميع أسبابها ، وإحاطتك بكل ما في السماء ، فإذا (6) وقعت الإحاطة بجميع ~~أسبابها (7) (8) ووجودها ، انتقل منها إلى جميع المسببات ، ونحن سنبين هذا ~~من ذي قبل بزيادة (9) كشف ، فتعلم (10) كيف يعلم الغيب (11) و (12) تعلم ~~(13) من هناك أن الأول من ms232 ذاته (14) كيف يعلم (15) كل شيء ، وأن ذلك لأنه ~~مبدأ كل شيء ، ويعلم الأشياء من حالها ، إذ (16) هو مبدأ شيء أو أشياء ~~حالها وحركاتها كذا ، وما ينتج عنها (17) كذا ، إلى التفصيل (18) بعده ، ثم ~~على الترتيب الذي يلزم ذلك التفصيل لزوم التعدية والتأدية ، فتكون هذه ~~الأشياء مفاتيح الغيب التي لا يعلمها أحد إلا هو ، فالله أعلم بالغيب وهو ~~عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم (19). ### ||| * [ الفصل السابع ] ( ز ) فصل * (20) في نسبة المعقولات إليه ، وفي إيضاح أن صفاته الإيجابية والسلبية لا توجب في ذاته كثرة ، وأن له البهاء الأعظم والجلال الأرفع (21) والمجد الغير المتناهي ، وفي تفصيل (22) حال اللذة العقلية # ثم يجب أن يعلم أنه إذا قيل عقل للأول (23) قيل على المعنى البسيط الذي ~~عرفته في كتاب النفس ، وأنه ليس فيه اختلاف صور مترتبة (24) متخالفة (25) ~~كما يكون في النفس على المعنى PageV01P362 # الذي مضى في كتاب النفس ، فهو لذلك يعقل الأشياء دفعة واحدة من غير أن ~~يتكثر بها في جوهره (1)، أو تتصور في حقيقة ذاته بصورها (2)، بل تفيض عنه ~~صورها معقولة ، وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور (3) الفائضة عن عقليته ~~، ولأنه يعقل ذاته (4)، وأنه (5) مبدأ كل (6) شيء ، فيعقل من ذاته كل شيء. # واعلم أن المعنى المعقول قد يؤخذ من الشيء الموجود ، كما عرض أن أخذنا ~~نحن عن الفلك بالرصد والحس صورته (7) المعقولة ، وقد (8) تكون الصورة ~~المعقولة (9) غير مأخوذة عن (10) الموجود (11)، بل بالعكس ، كما أنا نعقل ~~صورة بنائية (12) نخترعها ، ثم (13) تكون (14) تلك الصورة المعقولة محركة ~~لأعضائنا إلى أن نوجدها ، فلا تكون وجدت فعقلناها ، ولكن عقلناها فوجدت. ~~ونسبة الكل إلى العقل الأول الواجب الوجود هو هذا ، فإنه يعقل ذاته وما ~~توجبه ذاته ، ويعلم من ذاته (15) كيفية كون الخير في الكل ، فتتبع صورته ~~(16) المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول عنده ، لا على أنها تابعة ~~اتباع الضوء للمضيء (17) والإسخان للحار ، بل هو عالم بكيفية نظام الخير في ~~الوجود (18)، وأنه عنه وعالم بأن هذه العالمية يفيض عنها الوجود على ~~الترتيب الذي يعقله خيرا ونظاما. # وعاشق ذاته التي هي مبدأ ms233 كل نظام ، وخير (19) من حيث هي كذلك ، فيصير ~~نظام الخير معشوقا له بالعرض ، لكنه لا يتحرك إلى ذلك عن شوق فإنه لا ينفعل ~~منه (20) البتة ، ولا يشتاق شيئا ولا يطلبه. فهذه إرادته الخالية عن نقص ~~يجلبه شوق وانزعاج (21) قصد إلى غرض. PageV01P363 # ولا يظن أنه (1) لو كانت للمعقولات عنده صور وكثرة ، كانت كثرة الصور (2) ~~التي يعقلها أجزاء لذاته ، وكيف وهي (3) تكون بعد ذاته؟ لأن عقله لذاته ~~ذاته ، ومنها (4) يعقل كل ما بعده ، فعقله لذاته (5) علة عقله ما بعد ذاته ~~، فعقله (6) ما بعد ذاته معلول عقله لذاته. على أن المعقولات والصور التي ~~(7) له بعد ذاته إنما هي معقولة (8) على نحو المعقولات العقلية لا ~~النفسانية (9)، وإنما له إليها إضافة المبدإ الذي (10) يكون عنه لا فيه ، ~~بل إضافات على الترتيب (11) بعضها قبل بعض ، وإن كانت معا لا تتقدم (12) ~~ولا تتأخر في الزمان ، فلا يكون هناك انتقال (13) في المعقولات. # ولا يظن أن الإضافة العقلية إليها إضافة (14) إليها كيف وجدت ، وإلا لكان ~~كل مبدإ صورة في مادة من شأن تلك الصورة أن تعقل بتدبير ما ، من تجريد ~~وغيره ، يكون هو عقلا بالفعل ، بل هذه الإضافة (15) إليها وهي بحال معقولة. ~~ولو كانت (16) من حيث وجودها في الأعيان (17)، لكان أنما يعقل ما يوجد في ~~كل وقت ولا يعقل المعدوم منها في الأعيان إلى أن يوجد ، فيكون لا يعقل من ~~نفسه أنه مبدأ (18) ذلك الشيء على الترتيب (19) إلا عند ما يصير مبدأ فلا ~~يعقل ذاته ، لأن ذاته من شأنها (20) أن يفيض عنها كل وجود ، وإدراكها من ~~حيث شأنها (21) أنها كذا يوجب إدراك الآخر وإن لم يوجد ، فيكون العالم ~~الربوبي محيطا بالوجود الحاصل والممكن (22)، ويكون لذاته إضافة إليها من ~~حيث هي معقولة لا من حيث لها وجود في لأعيان. # فبقي لك (23) النظر في حال وجودها معقولة أنها تكون موجودة في ذات الأول ~~كاللوازم التي (24) تلحقه ، أو يكون لها وجود مفارق لذاته وذات (25) غيره ~~كصور (26) مفارقة على ترتيب موضوعة PageV01P364 # في صقع (1) الربوبية ، أو من حيث هي موجودة في عقل أو نفس ms234 إذا عقل الأول ~~هذه الصور (2)، ارتسمت في أيها (3) كان ، فيكون ذلك العقل أو النفس ~~كالموضوعة لتلك (4) الصور المعقولة ، وتكون معقولة له (5) على أنها فيه ، ~~ومعقولة من الأول على أنها عنه ، ويعقل الأول من ذاته أنه مبدأ لها ، فيكون ~~من جملة تلك المعقولات (6) ما المعقول منه أن الأول (7) مبدأ له (8) بلا ~~واسطة ، بل يفيض وجوده عنه (9) أولا ، وما المعقول منه أنه (10) مبدأ له ~~بتوسط فهو يفيض عنه ثانيا ، وكذلك يكون الحال في وجود تلك المعقولات ، وإن ~~(11) كان ارتسامها في شيء واحد ، لكن بعضها قبل وبعضها بعد ، على الترتيب ~~السببي والمسببي. # وإذا (12) كانت تلك الأشياء المرتسمة في ذلك الشيء من معلولات (13) الأول ~~، فتدخل في جملة ما الأول يعقل ذاته مبدأ لها (14)، فيكون صدورها عنه ليس ~~على ما قلنا من أنه إذا عقل (15) خيرا وجد ، لأنها نفس عقله للخير ، أو ~~يتسلسل (16) الأمر لأنه يحتاج أن يعقل أنها عقلت ، وكذلك إلى ما لا نهاية ~~(17)، وذلك محال فهي (18) نفس عقله (19) للخير. فإذا قلنا لما عقلها (20) ~~وجدت ، ولم يكن معها عقل آخر ، ولم يكن وجودها إلا أنها تعقلات ، فإنما ~~(21) يكون كأنا قلنا لأنه (22) عقلها عقلها ، أو لأنها وجدت عنه وجدت عنه (23). # وإن جعلت (24) هذه المعقولات أجزاء ذاته عرض تكثر ، وإن جعلتها لواحق ~~ذاته عرض لذاته أن لا يكون من جهتها واجب الوجود لملاصقته ممكن الوجود ، ~~وإن جعلتها أمورا مفارقة لكل ذات عرضت الصور (25) الأفلاطونية ، وإن جعلتها ~~موجودة في عقل ما عرض أيضا ما ذكرنا (26) قبل (27) هذا من المحال. PageV01P365 # فينبغي أن تجتهد جهدك في التخلص من (1) هذه الشبهة (2)، وتتحفظ (3) أن ~~لا تكثر ذاته ، ولا تبالي بأن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود ، ~~فإنها من حيث هي علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاتها. وتعلم ~~أن العالم الربوبي عظيم جدا ، وتعلم أنه فرق بين أن يفيض عن الشيء صورة من ~~شأنها أن تعقل ، وأن يفيض عن الشيء صورة معقولة من حيث هي معقولة بلا زيادة ~~، وهو يعقل ذاته (4) مبدأ لفيضان (5) كل معقول من ms235 حيث هو (6) معقول معلول ، ~~كما هو مبدأ لفيضان كل موجود من حيث هو موجود معلول. ثم تجتهد في تأمل ~~الأصول المعطاة والمستقبلة ليتضح (7) لك ما ينبغي (8) أن يتضح (9). # فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل أنه كيف يكون بذلك النظام ~~، لأنه يعقله وهو (10) مستفيض كائن موجود. وكل معلوم الكون ، وجهة (11) ~~الكون عن مبدئه (12) عند مبدئه ، وهو خير (13) غير مناف ، وهو تابع لخيرية ~~ذات المبدإ وكمالها المعشوقين (14) لذاتيهما ، فذلك الشيء (15) مراد ، لكن ~~ليس مراد الأول (16) هو على نحو مرادنا حتى يكون له فيما يكون عنه غرض ، ~~فكأنك قد علمت استحالة هذا وستعلم ، بل هو لذاته مريد هذا النحو (17) من ~~الإرادة العقلية المحضة ، وحياته هذا أيضا بعينه ، فإن الحياة التي عندنا ~~تكمل بإدراك وفعل هو التحريك ينبعثان عن (18) قوتين مختلفتين ، وقد صح أن ~~نفس مدركة وهو ما يعقله عن الكل (19) هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله ، ~~وذلك إيجاد الكل (20)، فمعنى واحد منه هو إدراك وسبيل إلى الإيجاد ، ~~فالحياة منه ليس مما تفتقر إلى قوتين حتى تتم بقوتين ، ولا الحياة منه غير ~~العلم وكل ذلك له بذاته. # وأيضا فإن الصور (21) المعقولة (22) التي تحدث فينا فتصير (23) سببا ~~للصورة الموجودة الصناعية لو كانت (24) بنفس (25) وجودها كافية لأن تكون ~~(26) منها الصور الصناعية بأن (27) تكون صورها (28) بالفعل PageV01P366 # مبادئ (1) لما هي له (2) صور (3) لكان المعقول عندنا هو بعينه القدرة. ~~ولكن ليس كذلك بل وجودها لا يكفي في ذلك ، لكن يحتاج إلى إرادة متجددة ~~منبعثة من قوة شوقية تتحرك منهما معا القوة المحركة فتحرك العصب والأعضاء ~~الأدوية ، ثم تحرك الآلات (4) الخارجة (5)، ثم تحرك المادة ، فلذلك لم يكن ~~نفس وجود هذه الصور (6) المعقولة قدرة ولا إرادة ، بل عسى القدرة فينا عند ~~المبدإ المحرك ، وهذه الصورة محركة (7) لمبدإ القدرة ، فتكون محركة (8) ~~المحرك. # فواجب الوجود ليست إرادته مغايرة الذات لعلمه ، ولا مغايرة المفهوم لعلمه ~~، فقد بينا أن العلم الذي له بعينه هو (9) الإرادة (10) التي له. وكذلك قد ~~تبين أن القدرة التي له هي (11) كون ذاته عاقلة للكل عقلا ، هو مبدأ ms236 للكل ~~لا مأخوذا عن الكل ، ومبدأ بذاته ، لا يتوقف (12) على وجود شيء. وهذه ~~الإرادة على الصورة التي حققناها (13) التي لا تتعلق بغرض في فيض الوجود ، ~~لا تكون (14) غير نفس الفيض وهو الجود. فقد كنا حققنا لك من أمر الجود ما ~~إذا تذكرته (15) علمت أن هذه الإرادة نفسها تكون جودا ، وإذا (16) حققت ~~(17) تكون الصفة الأولى لواجب الوجود أنه إن وموجود (18) ثم الصفات الأخرى ~~بعضها يكون المعنى فيها هذا الوجود مع إضافة ، وبعضها هذا الوجود مع سلب ، ~~وليس ولا واحد منها موجبا في ذاته كثرة البتة ولا مغايرة (19). # فاللواتي (20) تخالط السلب أنه لو قال (21) قائل للأول ، ولم يتحاش ، إنه ~~جوهر ، لم يعن إلا هذا الوجود ، وهو مسلوب عنه الكون في الموضوع. وإذا قال ~~له : واحد (22)، لم يعن إلا هذا (23) الوجود نفسه مسلوبا (24) (25) عنه ~~القسمة بالكم أو القول ، أو مسلوبا (26) عنه الشريك PageV01P367 # وإذا (1) قال : عقل وعاقل ومعقول (2)، لم يعن بالحقيقة إلا أن هذا ~~المجرد (3) مسلوب عنه جواز (4) مخالطة (5) المادة وعلائقها مع اعتبار إضافة ~~ما. وإذا قال له : أول ، لم يعن إلا (6) إضافة هذا الوجود (7) إلى الكل. ~~وإذا (8) قال له : قادر ، لم يعن به (9) إلا أنه واجب الوجود مضافا (10) ~~إلى أن وجود (11) غيره أنما يصح عنه (12) على النحو الذي ذكر. وإذا (13) ~~قال له : حي ، لم يعن إلا هذا الوجود (14) العقلي مأخوذا مع (15) الإضافة ~~إلى الكل المعقول (16) أيضا بالقصد (17) الثاني ، إذ الحي هو المدرك (18) ~~الفعال. وإذا قال له : مريد ، لم يعن إلا كون (19) واجب الوجود مع عقليته ~~(20) أي سلب المادة عنه مبدأ لنظام (21) الخير كله وهو يعقل (22) ذلك ، ~~فيكون هذا (23) مؤلفا من إضافة وسلب. وإذا قال له (24): جواد ، عناه من ~~حيث هذه الإضافة مع السلب ، بزيادة سلب آخر ، وهو أنه (25) لا ينحو غرضا ~~لذاته. وإذا قال له : خير ، لم يعن إلا كون هذا الوجود مبرأ عن (26) مخالطة ~~ما بالقوة والنقص وهذا سلب ، أو كونه مبدأ لكل كمال ونظام وهذا إضافة. # فإذا عقلت صفات (27) الأول الحق على هذه الجهة ، لم يوجد فيها شيء يوجب ~~لذاته أجزاء ms237 أو كثرة بوجه من الوجوه (28). # ولا يمكن أن يكون جمال أو بهاء (29) فوق أن تكون الماهية عقلية محضة ، ~~خيرية (30) محضة ، بريئة عن كل واحد من أنحاء النقص ، واحدة من جهة ، ~~فالواجب الوجود له الجمال والبهاء المحض ، وهو مبدأ جمال كل شيء وبهاء (31) ~~كل شيء. وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له (32)، فكيف جمال ما يكون على ما ~~يجب في الوجود الواجب (33)؟ وكل جمال وملاءمة (34) PageV01P368 # وخير مدرك (1) فهو محبوب معشوق (2)، ومبدأ ذلك كله (3) إدراكه. إما ~~الحسي ، وإما الخيالي (4) وإما الوهمي وإما الظني (5)، وإما العقلي ، ~~وكلما كان الإدراك أشد اكتناها (6) وأشد تحقيقا والمدرك (7) أكمل (8) وأشرف ~~(9) ذاتا ، فإحباب (10) القوة المدركة إياه والتذاذها به أكثر (11). # فالواجب (12) الوجود الذي هو في غاية الكمال والجمال والبهاء الذي يعقل ~~ذاته بتلك الغاية والبهاء والجمال ، وبتمام التعقل ، وبتعقل (13) العاقل ~~والمعقول على أنهما واحد بالحقيقة ، تكون ذاته لذاته أعظم عاشق ومعشوق ~~وأعظم لاذ وملتذ ، فإن اللذة ليست إلا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم ، ~~فالحسية إحساس الملائم (14)، والعقلية تعقل (15) الملائم (16)، وكذلك ~~فالأول أفضل (17) مدرك بأفضل إدراك (18) لأفضل مدرك ، فهو أفضل لاذ وملتذ ، ~~ويكون ذلك أمرا (19) لا يقاس إليه شيء. وليس عندنا لهذه المعاني أسام غير ~~هذه (20) الأسامي ، فمن استبشعها استعمل غيرها. # ويجب أن يعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس (21)، ~~لأنه أعني العقل يعقل ويدرك الأمر الباقي الكلي ، ويتحد به ويصير هو هو على ~~وجه ما ، ويدركه بكنهه لا بظاهره ، وليس كذلك الحس للمحسوس ، فاللذة التي ~~(22) تجب لنا : بأن نعقل (23) ملائما ، هي فوق اللذة (24) التي تكون لنا : ~~بأن نحس ملائما ولا نسبة بينهما (25). لكنه (26) قد يعرض أن تكون القوة ~~المدركة (27) لا تستلذ بما يجب أن تستلذ به لعوارض ، كما أن المريض لا ~~يستلذ الحلو (28)، ويكرهه (29) لعارض ، فكذلك (30) يجب أن يعلم من حالنا ~~ما دمنا في البدن. فإذا (31) حصل لقوتنا العقلية كمالها بالفعل (32) لا تجد ~~من اللذة ما يجب للشيء في نفسه ، وذلك (33) PageV01P369 # لعائق البدن. ولو انفردنا عن البدن ، كنا (1) بمطالعتنا (2) ذاتنا ، وقد ~~صارت (3) عالما ms238 عقليا مطابقا (4) للموجودات الحقيقية ، والجمالات الحقيقية ~~، واللذات (5) الحقيقية ، متصلة بها اتصال معقول بمعقول ، نجد من اللذة ~~والبهاء ما لا نهاية له. وسنوضح هذه المعاني كلها بعد. # واعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها لها ، فللحس المحسوسات الملائمة ، ~~وللغضب الانتقام ، وللرجاء الظفر ، ولكل شيء ما يخصه ، وللنفس الناطقة ~~مصيرها عالما عقليا بالفعل. فالواجب الوجود معقول ، عقل (6) أو لم يعقل ، ~~ومعشوق (7)، عشق أو لم يعشق. PageV01P370 ### || * المقالة التاسعة (1) * في صدور (2) الأشياء عن (3) التدبير (4) الأول والمعاد إليه # سبعة فصول (5) PageV01P371 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل * (1) في صفة فاعلية (2) المبدإ الأول # فقد ظهر لنا أن للكل مبدأ واجب الوجود ، غير داخل في جنس أو واقع تحت حد ~~أو برهان ، بريء عن الكم والكيف والماهية والأين والمتى والحركة ، لا ند له ~~ولا شريك له (3) ولا ضد له ، وأنه واحد من جميع الوجوه (4)، لأنه غير ~~منقسم : لا في (5) الأجزاء بالفعل ولا في الأجزاء (6) بالفرض والوهم ~~كالمتصل ، ولا في العقل بأن تكون ذاته مركبة من معان عقلية متغايرة تتحد ~~منها (7) جملة ، وأنه واحد من حيث هو غير (8) مشارك البتة في وجوده الذي له ~~، فهو بهذه الوحدة (9) فرد ، وهو واحد لأنه تام الوجود ما بقي له شيء ينتظر ~~حتى يتم ، وقد كان هذا أحد وجوه الواحد. وليس الواحد فيه إلا (10) على ~~الوجه السلبي (11)، ليس كالواحد الذي للأجسام ، لاتصال أو اجتماع (12)، ~~أو غير ذلك مما يكون الواحد فيه بوحدة هي معنى وجودي يلحق ذاتا أو ذواتا (13). # وقد اتضح لك (14) فيما سلف (15) من العلوم الطبيعية وجود قوة غير متناهية ~~غير مجسمة ، وأنها مبدأ الحركة (16) الأولية ، وبان لك (17) أن الحركة ~~المستديرة ليست متكونة تكونا زمانيا ، وقد (18) بان لك (19) من هناك من وجه ~~ما أنه مبدأ دائم الوجود. وقد بان لك بعد ذلك أن واجب (20) الوجود بذاته ~~واجب الوجود من جميع جهاته ، وأنه (21) لا يجوز أن تستأنف له حالة لم تكن ، ~~مع أنه قد بان لك أن العلة لذاتها تكون موجبة المعلول ، فإن دامت أوجبت ~~المعلول دائما. ولو (22) اكتفيت بتلك الأشياء لكفاك ما نحن في ms239 شرحه ، إلا ~~أنا نزيدك بصيرة. PageV01P373 # فنقول : إنك قد علمت أن كل حادث فله مادة ، فإذا كان لم يحدث ثم حدث لم ~~يخل ، إما أن تكون علتا (1) الفاعلية والقابلية لم تكونا فحدثتا ، أو كانتا ~~، ولكن كان الفاعل لا يحرك (2) والقابل لا يتحرك ، أو كان الفاعل ولم يكن ~~القابل ، أو كان القابل ولم يكن الفاعل. ونقول قولا مجملا قبل العود إلى ~~التفصيل ، إنه إذا كانت الأحوال من جهة العلل كما كانت ولم يحدث البتة أمر ~~لم يكن ، كان وجوب كون الكائن عنها ، أو لا وجوبه (3)، على ما كان ، فلم ~~يجز أن يحدث كائن البتة. # فإن حدث أمر لم يكن ، فلا يخلو : # إما أن يكون (4) حدوثه على سبيل ما يحدث ، لحدوث علته دفعة ، لا على سبيل ~~ما يحدث لقرب علته أو بعدها (5). # أو يكون حدوثه على سبيل ما يحدث لقرب علته أو بعدها (6). # فأما القسم الأول فيجب أن يكون حدوثه لحدوث (7) العلة ومعها غير متأخر ~~عنها البتة ، فإنه إن كانت (8) العلة غير موجودة ثم وجدت ، أو موجودة وتأخر ~~عنها المعلول ، لزم ما قلناه في الأول من وجوب حادث آخر غير العلة ، فكان ~~(9) ذلك الحادث هو العلة القريبة. فإن تمادى الأمر على هذه الجهة ، وجبت ~~(10) علل وحوادث دفعة غير متناهية ، ووجبت (11) معا ، وهذا (12) مما عرفنا ~~الأصل القاضي بإبطاله ، فبقي (13) أن لا تكون العلل الحادثة كلها دفعة لا ~~لقرب من علة أولى أو بعد (14). # فبقي أن مبادئ الكون تنتهي (15) إلى قرب علل أو بعدها ، وذلك بالحركة. ~~فإذن قد كان قبل الحركة حركة ، وتلك الحركة أوصلت العلل إلى هذه الحركة ، ~~فهما كالمتماسين (16)، وإلا رجع الكلام إلى الرأس في الزمان الذي بينهما. ~~وذلك أنه إن لم تماسه حركة كانت (17) PageV01P374 # الحوادث الغير المتناهية (1) منها (2) في آن واحد ، إذ لا يجوز أن تكون ~~في آنات متلاقية متماسة ، فاستحال (3) ذلك ، بل (4) يجب أن يكون واحد قد ~~قرب في ذلك الآن بعد بعد ، أو بعد قرب (5)، فيكون ذلك (6) الآن نهاية حركة ~~أولى (7)، تؤدي إلى حركة أخرى ، أو أمر آخر ، فإن أدت ms240 (8) إلى حركة أخرى ~~وأوجبت (9)، كانت (10) الحركة التي هي كعلة (11) قريبة لهذه الحركة مماسة لها. # والمعنى في هذه المماسة مفهوم ، على أنه لا يمكن أن يكون زمان بين حركتين ~~ولا حركة فيه ، فإنه قد بان لنا في الطبيعيات أن الزمان تابع للحركة (12)، ~~ولكن الاشتغال بهذا النحو من البيان يعرفنا إن كانت حركة قبل حركة ، ولا ~~يعرفنا أن (13) تلك الحركة كانت علة لحدوث (14) هذه الحركة اللاحقة (15). # فقد ظهر ظهورا واضحا أن الحركة لا تحدث بعد ما لم تكن إلا لحادث (16)، ~~وذلك الحادث لا يحدث إلا بحركة مماسة لهذه الحركة ، ولا تبالي أي (17) حادث ~~كان ذلك الحادث : كان قصدا من الفاعل ، أو إرادة ، أو علما ، أو آلة ، أو ~~طبعا (18)، أو حصول وقت أوفق للعمل دون وقت ، أو حصول تهيؤ أو استعداد من ~~القابل لم يكن ، أو وصول من المؤثر لم يكن ، فإنه كيف كان ، فحدوثه متعلق ~~بالحركة لا يمكن غير هذا. # ولنرجع (19) إلى التفصيل فنقول (20): إن كانت العلة الفاعلية والقابلية ~~(21) موجودتي (22) الذات ، ولا فعل ولا انفعال بينهما ، فيحتاج إلى وقوع ~~نسبة بينهما توجب الفعل والانفعال. # أما من جهة الفاعل ، فمثل إرادة موجبة للفعل ، أو طبيعة موجبة للفعل (23) ~~، أو آلة أو زمان. PageV01P375 # وأما من جهة القابل ، فمثل استعداد لم يكن : # أو من جهتيهما (1) جميعا مثل وصول أحدهما إلى الآخر. # وقد وضح (2) أن جميع هذا (3) بحركة (4) ما # (5) وأما إن كان الفاعل موجودا ولم يكن قابل البتة ، فهذا محال : # أما أولا ، فلأن القابل كما بينا لا يحدث إلا بحركة (6) أو اتصال (7) ~~فيكون قبل الحركة حركة. # وأما ثانيا ، فإنه لا يمكن أن يحدث ما لم (8) يتقدمه وجود القابل ، وهو ~~المادة ، فيكون قد كان القابل حتى حدث القابل (9). وأما إن وضع أن القابل ~~(10) موجود والفاعل ليس بموجود ، فالفاعل يحدث (11) ويلزم أن يكون حدوثه ~~بعلة (12) ذات حركة على ما وصفناه (13). # وأيضا مبدأ الكل ذات واجبة (14) الوجود ، وواجب الوجود واجب ما يوجد عنه ~~، وإلا فله حال (15) لم يكن فليس واجب الوجود من جميع جهاته. فإن وضعت ~~الحال الحادثة (16) لا في ms241 ذاته ، بل خارجة عن ذاته كما يضع بعضهم الإرادة ، ~~فالكلام على حدوث الإرادة عنها ثابت ، هل هو (17) بإرادة أو طبع (18)، أو ~~لأمر آخر أي أمر كان؟ ومهما وضع أمر حدث لم يكن ، فإما أن يوضع حادثا في ~~ذاته ، وإما غير حادث في ذاته ، بل على أنه شيء مباين لذاته ، فيكون الكلام ثابتا. # وإن (19) حدث (20) في ذاته ، كان ذاته متغيرا ، وقد بين أن واجب الوجود ~~بذاته واجب الوجود من جميع جهاته. PageV01P376 # وأيضا إذا كان هو عند حدوث المباينات عنه كما كان قبل حدوثها ، ولم يعرض ~~البتة شيء لم يكن ، وكان الأمر (1) على ما كان ولا يوجد عنه شيء ، فليس يجب ~~أن يوجد عنه شيء بل يكون (2) الحال والأمر على ما كان. # فلا بد من مميز (3) لوجوب (4) الوجود عنه (5)، وترجيح (6) للوجود (7) ~~عنه بحادث متوسط لم يكن حين كان (8) الترجيح للعدم عنه ، وكان التعطل عن ~~الفعل حاله ، وليس هذا أمرا خارجا عنه ، فإنا (9) نتكلم في حدوث الحادث عنه ~~نفسه بلا واسطة أمر يحدث فيحدث به الثاني ، كما يقولون في الإرادة والمراد. # والعقل الصريح الذي لم يكدر (10) يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع ~~جهاتها كما كانت ، وكان (11) لا (12) يوجد عنها فيما (13) قبل شيء (14)، ~~وهي الآن كذلك ، فالآن أيضا لا يوجد (15) عنها شيء. فإذا صار الآن يوجد ~~عنها شيء ، فقد حدث (16) في الذات قصد وإرادة (17)، أو طبع ، أو قدرة ~~وتمكن ، أو شيء مما يشبه هذا لم يكن. ومن أنكر هذا ، فقد فارق مقتضى عقله ~~لسانا ويعود إليه ضميرا ، فإن الممكن أن يوجد وأن لا يوجد ، لا يخرج إلى ~~الفعل ولا يترجح له أن يوجد إلا (18) بسبب ، وإذا كانت هذه الذات التي ~~للعلة كما (19) كانت ولا تترجح (20)، ولا يجب عنها (21) هذا الترجيح (22) ~~، ولا داعي ولا مصلحة ولا غير ذلك ، فلا بد من حادث موجب للترجيح في هذه ~~الذات إن (23) كانت هي (24) العلة (25) الفاعلية (26)، وإلا كانت نسبتها ~~إلى ذلك الممكن على ما كان قبل ، ولا (27) تحدث لها نسبة أخرى ، فيكون ~~الأمر بحاله ، ويكون الإمكان إمكانا ms242 صرفا بحاله. # وإذا حدث (28) لها نسبة فقد حدث أمر ، ولا بد من أن يحدث لذاته وفي ذاته ~~، فإنها إن كانت (29) خارجة عن ذاته كان الكلام ثابتا ، ولم تكن هي النسبة ~~المطلوبة ، فإنا نطلب PageV01P377 # النسبة الموافقة (1) لوجود كل ما هو خارج عن ذاته بعد ما لم يكن أجمع ، ~~كأنها جملة واحدة وفي حال ما لم يوجد شيء ، وإلا فقد (2) أخرج (3) من ~~الجملة شيء (4) ونظر في حال ما بعده. فإن كان مبدأ النسبة (5) مباينا له ~~(6)، فليست هي النسبة المطلوبة ، فإذن (7) الحادث الأول يكون على هذا ~~القول في ذاته (8)، لكنه محال فكيف (9) يمكن أن يحدث في ذاته شيء وعمن يحدث؟ # وقد بان أن واجب (10) الوجود بذاته واحد (11)، فيرى أن ذلك غير (12) ~~الحادث منه فيكون ليست النسبة المطلوبة ، لأنا نطلب النسبة الموجبة لخروج ~~الممكن الأول إلى الفعل ، أهي (13) عن واجب وجود آخر؟ وقد قيل إن واجب ~~الوجود واحد. وعلى (14) أنه إن كان عن آخر ، فهو العلة الأولى والكلام فيه ~~(15) ثابت (16)، ثم كيف يجوز أن يتميز في العدم وقت ترك ووقت شروع؟ وبما ~~ذا يخالف الوقت الوقت؟ # وأيضا ، إذ بان أن الحادث لا يحدث إلا لحدوث (17) حال في المبدإ ، فلا ~~يخلو إما أن يكون حدوث ما يحدث عن الأول بالطبع (18)، أو بعرض (19) فيه عن ~~(20) غير الإرادة ، أو بالإرادة ، إذ ليس بقسري ولا اتفاقي. فإن كان (21) ~~بالطبع ، فقد تغير الطبع ، أو كان بالعرض فقد تغير العرض. # وإن كان بالإرادة ، فلنترك أنها حدثت فيه أو مباينة له ، بل نقول : إما ~~أن يكون المراد نفس الإيجاد ، أو غرضا ، ومنفعة (22) بعده ، فإن كان المراد ~~نفس الإيجاد لذاته فلم لم يوجد قبل؟ أتراه (23) استصلحه الآن (24)؟ أو حدث ~~وقته؟ أو قدر عليه الآن؟ ولا معنى (25) PageV01P378 # فيما يقوله (1) القائل : إن هذا السؤال باطل ، لأن السؤال في كل وقت عائد ~~، بل هذا سؤال حق لأنه في كل وقت عائد ولازم وإن كان لغرض ومنفعة ، فمعلوم ~~أن الذي هو للشيء (2) بحيث كونه (3) ولا كونه بمنزلة فليس لغرض (4)، والذي ~~هو للشيء (5) بحيث كونه منه (6) أولى ms243 فهو نافع ، والحق (7) الأول كامل ~~الذات لا ينتفع بشيء (8). وأيضا فإن الأول بما ذا (9) سبق (10) أفعاله ~~الحادثة (11)؟ أبذاته (12)؟ أم بالزمان؟ فإن كان بذاته فقط مثل الواحد ~~للاثنين وإن كانا معا وحركة المتحرك بأن يتحرك بحركة ما يتحرك عنه وإن كانا ~~معا فيجب أن يكونا (13) كلاهما محدثين : الأول القديم ، والأفعال الكائنة ~~عنه وإن كان قد سبق لا بذاته فقط بل بذاته والزمان بأن كان وحده ولا عالم ~~ولا حركة. # ولا شك أن لفظة « كان » تدل على أمر مضى وليس الآن ، وخصوصا ويعقبه قولك ~~ثم ، فقد كان كون قد مضى قبل أن خلق الخلق ، وذلك الكون هو (14) متناه ، ~~فقد كان (15) إذن (16) زمان قبل الحركة والزمان ، لأن الماضي إما بذاته وهو ~~الزمان ، وإما بالزمان وهو الحركة وما فيها وما معها (17)، فقد (18) بان ~~لك هذا. # فإن لم يسبق بأمر هو ماض للوقت الأول من حدوث الخلق فهو حادث مع حدوثه ، ~~وكيف لا يكون سبق على أوضاعهم بأمر ما للوقت الأول من الخلقة ، وقد كان ولا ~~خلق ، وكان وخلق؟ وليس « كان ولا خلق » ثابتا (19) عند كونه « كان وخلق » ~~ولا « كونه قبل الخلق » ثابت « مع كونه مع الخلق » وليس (20) « كان ولا خلق ~~» نفس (21) وجوده (22) وحده ، فإن ذاته حاصلة بعد الخلق ، ولا « كان ولا ~~خلق » هو وجوده مع عدم الخلق بلا شيء ثالث ، فإن وجود ذاته حاصل بعد الخلق ~~(23)، وعدم الخلق موصوف بأنه قد كان وليس الآن. PageV01P379 # وتحت قولنا : « كان » معنى معقول دون معقول الأمرين ، لأنك إذا قلت : « ~~وجود ذات وعدم ذات » لم يكن مفهوما منه السبق ، بل قد يصح أن يفهم معه ~~التأخر (1)، فإنه لو عدمت (2) الأشياء صح وجوده وعدم الأشياء ، ولم يصح أن ~~يقال لذلك « كان » بل إنما يفهم السبق بشرط ثالث ، فوجود الذات شيء ، وعدم ~~الذات شيء (3)، ومفهوم كان شيء موجود غير المعنيين ، وقد وضع هذا المعنى ~~للخالق ممتدا لا عن بداية (4)، وجوز (5) فيه أن يخلق قبل أي خلق توهم فيه ~~خلقا. فإذا (6) كان (7) هكذا ، كانت هذه القبلية مقدرة مكممة (8)، وهذا هو ~~الذي نسميه ms244 الزمان ، إذ تقديره ليس تقدير ذي وضع ولا ثبات ، بل (9) على ~~سبيل التجدد (10). # ثم إن شئت فتأمل أقاويلنا الطبيعية ، إذ بينا أن ما يدل عليه معنى « كان ~~ويكون » عارض لهيئة غير قارة ، والهيئة غير القارة هي الحركة ، فإذا تحققت ~~علمت أن الأول إنما سبق (11) الخلق عندهم ليس سبقا مطلقا ، بل سبقا (12) ~~بزمان (13) معه حركة وأجسام أو جسم. # وهؤلاء المعطلة الذين عطلوا الله عن جوده لا يخلو (14): إما أن يسلموا ~~أن الله كان قادرا قبل أن يخلق (15) الخلق ، أن يخلق جسما ذا حركات بقدر ~~أوقات (16) وأزمنة تنتهي (17) إلى وقت خلق العالم ، أو يبقى مع خلق العالم ~~ويكون له (18) إلى وقت خلق العالم (19) أوقات وأزمنة محدودة ، أو لم يكن ~~(20) للخالق (21) أن يبتدئ الخلق إلا حين (22) ابتدأ (23). # وهذا القسم الثاني (24) يوجب انتقال الخالق من (25) العجز إلى القدرة ، ~~أو انتقال (26) المخلوقات من (27) الامتناع إلى الإمكان بلا علة. PageV01P380 # والقسم الأول يقسم عليهم (1) قسمين ، فيقال : لا يخلو إما أن يكون كان ~~يمكن أن يخلق الخالق جسما غير ذلك الجسم إنما ينتهي إلى خلق العالم بمدة ~~وحركات أكثر ، أو لا يمكن. # ومحال أن لا يمكن ، لما بيناه (2). فإن أمكن فإما (3) أن يمكن خلقه مع ~~خلق ذلك الجسم الأول الذي ذكرنا (4) قبل هذا الجسم ، أو إنما (5) يمكن ~~قبله. فإن أمكن معه فهو محال ، لأنه لا يمكن أن يكون ابتداء خلقين متساويي ~~(6) الحركة في السرعة والبطء (7)، ويقع بحيث ينتهيان إلى خلق العالم ، ~~ومدة أحدهما أطول من الآخر (8). وإن لم يمكن (9) معه ، بل كان إمكانه ~~مباينا له ، متقدما عليه ، أو متأخرا عنه ، يقدر في حال العدم إمكان خلق ~~شيء (10) ولا إمكانه ، وذلك في حال دون حال ، وقع (11) ذلك متقدما ومتأخرا ~~، ثم ذلك إلى غير نهاية (12)، فقد (13) وضح صدق ما قدمناه من وجود حركة لا ~~بدء (14) لها في الزمان ، وإنما البدء لها من جهة الخالق ، وإنها (15) هي ~~الحركات (16) السماوية ، فيجب أن يعلم أن العلة القريبة للحركة الأولى نفس ~~لا عقل ، وأن السماء حيوان مطيع لله تبارك وتعالى (17). ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل ms245 * في أن المحرك (18) القريب للسماويات لا طبيعة ولا عقل (19)، بل نفس ، والمبدأ الأبعد (20) عقل # فنقول : إنا قد (21) بينا في الطبيعيات (22) أن الحركة لا تكون طبيعية ~~للجسم على الإطلاق ، والجسم على حالته (23) الطبيعية ، إذا كان كل حركة ~~بالطبع مفارقة ما بالطبع لحالة (24)، والحالة التي تفارق PageV01P381 # بالطبع (1) هي حالة غير طبيعية لا محالة ، فظاهر (2) أن كل حركة تصدر (3) ~~عن طبع فعن (4) حالة غير طبيعية ، ولو كان شيء من الحركات مقتضى (5) طبيعة ~~(6) الشيء لما كان شيء من نسب (7) الحركات باطل الذات مع بقاء الطبيعة ، بل ~~الحركة أنما تقتضيها الطبيعة لوجود حال (8) غير طبيعية : إما في الكيف ، ~~كما (9) إذا سخن الماء بالقسر ، وإما بالكم كما يذبل البدن الصحيح ذبولا ~~مرضيا ، وإما في (10) المكان كما إذا نقلت المدرة إلى حيز الهواء ، وكذلك ~~إذا (11) كانت الحركة (12) قد تكون في مقولة (13) أخرى ، والعلة (14) في ~~تجدد حركة بعد حركة (15) تجدد الحال الغير الطبيعية ، وتقدير البعد (16) عن ~~الغاية. # فإذا كان الأمر (17) على هذه الصفة لم تكن حركة مستديرة عن (18) طبيعة ، ~~وإلا كانت عن حالة غير طبيعية إلى حالة طبيعية ، وإذا وصلت (19) إليها سكنت ~~، ولم يجز أن يكون فيها بعينها قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية ، لأن ~~الطبيعة ليست تفعل باختيار ، بل على سبيل التسخير (20)، وسبيل ما يلزمها ~~بالذات (21)، فإن كانت الطبيعة تحرك (22) على سبيل (23) الاستدارة فهي ~~تحرك لا محالة : إما من أين غير طبيعي ، أو وضع غير طبيعي ، هربا طبيعيا ~~عنه ، وكل هرب طبيعي عن (24) شيء فمحال أن يكون (25) هو بعينه قصدا طبيعيا ~~إليه ، والحركة المستديرة تفارق كل نقطة ، وتتركها ، وتقصد في تركها (26) ~~تلك (27) النقطة (28)، وليست تهرب (29) عن شيء (30) إلا وتقصده ، فليست ~~إذن الحركة المستديرة طبيعية. PageV01P382 # إلا أنها قد تكون بالطبع أي ليس وجودها في جسمها مخالفا (1) لمقتضى طبيعة ~~(2) أخرى لجسمها فإن الشيء المحرك لها وإن لم يكن قوة طبيعية كان شيئا (3) ~~طبيعيا لذلك الجسم غير غريب عنه ، فكأنه (4) طبيعته. # وأيضا فإن كل قوة فإنما تحرك بتوسط الميل ، والميل هو المعنى الذي يحس في ~~الجسم المتحرك ، وإن سكن قسرا ms246 أحس ذلك الميل فيه (5) يقاوم (6) المسكن مع ~~سكونه طلبا للحركة ، فهو غير الحركة لا محالة ، وغير القوة المحركة ، لأن ~~القوة المحركة (7) تكون (8) موجودة عند إتمامها الحركة ولا يكون الميل ~~موجودا ، فهكذا أيضا الحركة الأولى ، فإن محركها لا يزال يحدث في جسمها ~~ميلا بعد ميل ، وذلك الميل لا يمتنع (9) أن يسمى طبيعة ، لأنه ليس بنفس ، ~~ولا من خارج ، ولا له إرادة أو اختيار ، ولا يمكنه (10) أن لا يحرك ، أو ~~يحرك إلى غير جهة محدودة ، ولا هو مع ذلك مضاد (11) لمقتضى طبيعة ذلك الجسم ~~الغريب (12)، فإن سميت (13) هذا المعنى طبيعة كان لك أن تقول : إن الفلك ~~يتحرك بالطبيعة ، إلا أن طبيعته (14) فيض (15) عن نفس (16) يتجدد بحسب تصور ~~النفس ، فقد بان أن الفلك ليس مبدأ حركة (17) طبيعية (18)، وكان قد (19) ~~بان أنه ليس قسرا ، فهي عن إرادة (20) لا محالة (21). # ونقول : إنه لا يجوز أن يكون مبدأ حركته القريب قوة عقلية صرفة لا يتغير ~~ولا يتخيل الجزئيات البتة (22). وكأنا قد أشرنا إلى جمل مما تعين في معرفة ~~هذا المعنى في الفصول المتقدمة ، وأوضحنا (23) أن الحركة معنى متجدد النسب ~~(24)، وكل شطر (25) منه مخصص (26) بنسب (27) فإنه (28) لا ثبات له ، ولا ~~يجوز أن يكون عن معنى ثابت البتة وحده ، فإن كان عن معنى ثابت فيجب أن يلحقه PageV01P383 # ضرب من (1) تبدل الأحوال ، أما إن (2) كانت (3) الحركة عن طبيعة فيجب أن ~~تكون كل حركة تتجدد فيه فلتجدد (4) قرب وبعد من النهاية المطلوبة ، وكل ~~حركة تعدم (5) منه فلعدم (6) قرب وبعد من النهاية ، ولو لا ذلك التجدد لم ~~يكن تجدد حركة ، فإن الثابت من جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت. # وأما إن كانت عن إرادة (7) فيجب أن تكون عن إرادة متجددة جزئية ، فإن ~~الإرادة الكلية نسبتها إلى كل شطر من الحركة نسبة واحدة ، فلا يجب أن تتعين ~~منها هذه الحركة دون هذه ، فإنها إن كانت لذاتها (8) علة لهذه الحركة لم ~~يجز أن تبطل هذه الحركة ، وإن (9) كانت علة لهذه الحركة (10) بسبب حركة ~~قبلها أو بعدها معدومة كان المعدوم موجبا ms247 لموجود ، والمعدوم لا يكون موجبا ~~لموجود ، وإن كان قد تكون الأعدام علة للأعدام. # وأما أن يوجب المعدوم شيئا فهذا لا يمكن. # وإن كانت علة لأمور (11) تتجدد ، فالسؤال في تجددها ثابت. فإن كان (12) ~~تجددا طبيعيا لزم المحال الذي قدمناه ، وإن كان إراديا يتبدل بحسب تصورات ~~(13) متجددة فهو يثبت الذي نريده. # فقد بان أن الإرادة العقلية الواحدة لا توجب البتة حركة ، ولكن (14) قد ~~يمكن أن يتوهم (15) أن ذلك لإرادة (16) عقلية منتقلة ، فإنه قد يمكن أن ~~ينتقل العقل (17) من معقول إلى معقول آخر (18)، إذا لم يكن عقلا من كل جهة ~~بالفعل ، ويمكن أن يعقل الجزئي تحت النوع منتشرا مخصوصا بعوارض ، عقلا بنوع ~~كلي على ما أشرنا إليه ، فيجب (19) إذن أن يتوهم وجود عقل يعقل الحركة ~~الكلية ويريدها ، ثم يعقل انتقاله (20) من حد إلى حد ، ويأخذ تلك الحركات ~~وحدودها (21) بنوع معقول على ما أوضحناه ، وعلى ما من شأننا (22) أن نبرهن عليه PageV01P384 # من أن حركة من كذا إلى كذا فهو من (1) كذا إلى كذا (2)، فتعين مبدأ ما ~~كليا إلى طرف آخر كلي بمقدار ما ، موهوم (3) كلي ، وكذلك حتى تفنى الدائرة ~~، فلا يبعد أن يتوهم أن تجدد الحركة يتبع (4) تجدد هذا المعقول. # فنقول : ولا على هذه (5) السبيل يمكن أن يتم (6) أمر الحركة المستديرة ، ~~فإن هذا التأثير على هذا الوجه يكون صادرا عن الإرادة الكلية ، وإن كانت ~~على سبيل تجدد وانتقال (7)، والإرادة الكلية كيف كانت فإنما هي بالقياس ~~إلى طبيعة مشترك (8) فيها ، وإن كانت إرادة لحركة تتبعها (9) إرادة لحركة ، ~~وأما (10) هذه الحركة التي من هاهنا بعينه إلى هناك بعينه فليست أولى بأن ~~(11) تصدر عن تلك الإرادة من هذه الحركة التي من هناك إلى (12) حد ثالث ، ~~فنسبة جميع أجزاء الحركة المتساوية في الجزئية إلى واحد واحد من تلك ~~الإرادات (13) الجزئية (14) العقلية المنتقلة واحدة ، وليس (15) جزء من ذلك ~~(16) أولى بأن ينسب إلى واحد من تلك التصورات من أن لا ينسب ، فنسبته إلى ~~مبدئه ولا نسبته واحدة ، فإنه بعد عن مبدئه (17) ولم يتميز ، ولم يترجح ~~(18) وجوده عن لا وجوده ، وكل ms248 ما لم يجب عن علته فإنه لا يكون ، كما قد ~~(19) علمت. # وكيف (20) يصح أن يقال : إن الحركة من « ا » إلى « ب » لزمت عن إرادة ~~عقلية ، والحركة من « ب » إلى « ج » من إرادة أخرى عقلية ، دون أن يلزم عن ~~كل واحدة من تلك الإرادات (21) غير ما لزم من الأخرى (22)، ويكون بالعكس ~~فإن « ا » و « ب » و « ج » متشابهة بالنوع (23)، وليس شيء من الإرادات ~~الكلية بحيث يعين (24) « ا » دون PageV01P385 # « ب » و « ب » (1) دون « ج » (2) (3) وليس « الألف » (4) أولى بأن يتعين ~~(5) من « الباء » و « الجيم » (6) عن تلك الإرادة ما كانت عقلية ، ولا « ~~الباء » من « الجيم » (7) (8) إلا أن تصير نفسانية جزئية ، وإذا لم تتعين ~~تلك الحدود في العقل بل كانت حدودا كلية فقط ، لم يمكن أن توجد الحركة من « ~~» (9) إلى « ب » أولى من التي من « ب » إلى « ج » ولا « الألف » أولى بأن ~~يتعين من « ب » و « ج » (10) عن تلك الإرادة (11) ما كانت عقلية ، ولا « ~~الباء » (12) من (13) « الجيم » (14). # ثم كيف (15) يمكن أن نفرض فيها إرادة وتصورا ، ثم إرادة وتصورا يختلفان ~~(16) في أمر متفق (17)، ولا استناد (18) فيه إلى مخصص (19) شخصي يقاس (20) ~~به؟ ومع هذا كله (21) فإن العقل لا يمكنه أن يفرض هذا الانتقال إلا مشاركا ~~للتخيل والحس ولا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح أن نعقل جملة الحركة ~~وأجزاء الانتقال العقلي (22) فيما نعقله دائرة معا ، فإذن على (23) الأحوال ~~كلها لا غنى عن قوة نفسانية تكون هي المبدأ (24) القريب للحركة (25)، وإن ~~كنا لا نمنع أن يكون هناك أيضا قوة عقلية تنتقل هذا الانتقال العقلي بعد ~~استناده (26) إلى شبه تخيل ، وأما القوة العقلية مجردة عن جميع أصناف ~~التغير فتكون حاضرة (27) المعقول دائما ، إن كان معقوله كليا (28) عن كلي ، ~~أو كليا عن جزئي ، على (29) ما أوضحناه (30). # فإذا كان الأمر على هذا ، فالفلك يتحرك (31) بالنفس ، والنفس مبدأ حركته ~~القريبة ، وتلك (32) النفس متجددة التصور (33) والإرادة ، وهي متوهمة : أي ~~لها إدراك للمتغيرات (34) كالجزئيات (35) وإرادة لأمور (36) جزئية بأعيانها ~~، وهي كمال جسم الفلك وصورته. ولو كانت لا هكذا ، بل قائمة بنفسها من كل ~~وجه ، لكانت ms249 عقلا محضا لا يتغير ولا ينتقل ولا يخالطه PageV01P386 # ما بالقوة. والمحرك القريب للفلك وإن لم يكن عقلا ، فيجب أن يكون قبله ~~عقل (1)، هو (2) السبب المتقدم لحركة الفلك ، فقد علمت أن هذه الحركة ~~محتاجة إلى قوة غير متناهية ، مجردة عن المادة لا تتحرك بالذات (3) ولا ~~بالعرض. # وأما النفس المحركة فإنها كما تبين (4) لك جسمانية مستحيلة (5) ومغيرة ~~(6) وليست مجردة عن المادة ، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس (7) الحيوانية ~~التي لنا إلينا ، إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة ، ~~وبالجملة تكون (8) أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة وتخيلاتها أو ما يشبه ~~(9) التخيلات حقيقته ، كالعقل العملي (10) فينا. وبالجملة إدراكاتها بالجسم ~~ولكن المحرك الأول لها قوة غير مادية أصلا بوجه من الوجوه. وإذ ليس يجوز أن ~~يتحرك بوجه من الوجوه في أن يحرك ، وإلا لاستحالت (11) ولكانت مادية كما قد ~~تبين (12) هذا فيجب أن يحرك كما يحرك محرك بتوسط المحرك الآخر (13)، وذلك ~~(14) الآخر محاول (15) للحركة مريد لها متغير بسببها ، وهذا هو النحو الذي ~~يحرك عليه محرك (16) المحرك (17). # والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد (18) وما اشتياق (19) فهو الغاية ~~، والغرض الذي إليه ينحو المحرك ، وهو المعشوق ، والمعشوق بما هو معشوق هو ~~الخير عند العاشق ، بل نقول : إن كل متحرك (20) حركة غير قسرية فهي هي إلى ~~أمر (21) ما ، ولتشوق (22) أمر ما ، حتى (23) الطبيعة أيضا ، فإن شوق ~~الطبيعة (24) أمر طبيعي ، وهو الكمال الذاتي للجسم : إما في صورته ، وإما ~~في أينه ووضعه ، وشوق الإرادة أمر إرادي ، إما إرادة لمطلوب حسي كاللذة ، ~~أو وهمي خيالي كالغلبة ، أو ظني وهو الخير المظنون. فطالب اللذة هو الشهوة ~~، وطالب الغلبة PageV01P387 # هو الغضب ، وطالب الخير المظنون هو الظن ، وطالب الخير الحقيقي المحض (1) ~~هو العقل ، ويسمى هذا الطلب اختيارا. والشهوة والغضب غير ملائم لجوهر الجسم ~~الذي لا يتغير ولا ينفعل ، فإنه لا يستحيل إلى حال غير ملاءمة ، فيرجع إلى ~~حال ملاءمة ، فيلتذ أو ينتقم من مخيل (2) له فيغضب. وعلى أن كل حركة إلى ~~لذيذ (3) أو غلبة فهي متناهية. وأيضا فإن أكثر المظنون ms250 لا يبقى مظنونا ~~سرمديا. # فوجب (4) أن يكون مبدأ هذه (5) الحركة اختيارا وإرادة (6) لخير حقيقي (7) ~~، فلا يخلو (8) ذلك الخير (9): إما أن يكون مما ينال (10) بالحركة فيتوصل ~~(11) إليه ، أو يكون خيرا ليس جوهره مما (12) ينال (13) بوجه ، بل هو مباين ~~، ولا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرك فينال (14) بالحركة ~~، وإلا لانقطعت الحركة ، ولا يجوز أن يكون (15) يتحرك ليفعل فعلا يكتسب ~~(16) بذلك الفعل كمالا ، كما من شأننا (17) أن نجود لنمدح ، ونحسن (18) ~~الأفعال ليحدث (19) لنا ملكة فاضلة ، أو نصير خيرين ، وذلك أن المفعول (20) ~~يكتسب لإكماله من فاعله ، ومحال (21) أن يعود فيكمل جوهر فاعله ، فإن كمال ~~المعلول أخس من كمال العلة الفاعلة (22)، والأخس لا يكسب (23) الأشرف ~~والأكمل كمالا ، بل (24) عسى أن يهيئ الأخس للأفضل آلته ومادته حتى يوجد هو ~~في بعض الأشياء (25) عن (26) سبب آخر (27). # وأما نحن فإن المدح الذي (28) نطلبه ونرغب فيه هو كمال غير حقيقي بل ~~مظنون ، والملكة الفاضلة التي نحصلها بالفعل ليس سببها الفعل ، بل الفعل ~~يمنع ضدها ويهيئ لها. وتحدث هذه الملكة (29) من الجوهر المكمل لأنفس الناس ~~وهو العقل الفعال أو جوهر آخر PageV01P388 # يشبهه ، وعلى هذا فإن الحرارة المعتدلة سبب لوجود القوى النفسانية ، ولكن ~~على أنها مهيئة للمادة لا موجدة (1)، وكلامنا في الموجد ، ثم بالجملة إذا ~~كان الفعل مهيئا (2) ليوجد كمالا (3) انتهت الحركة عند حصوله (4). # فبقي أن يكون الخير المطلوب (5) بالحركة (6) خيرا قائما بذاته ليس من ~~شأنه أن ينال ، وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار ~~الإمكان ، والتشبه به هو (7) تعقل ذاته في كمالها (8)، فيصير مثله (9)، ~~في أن يحصل له الكمال الممكن له في ذاته كما حصل لمعشوقه (10)، فيوجب (11) ~~البقاء الأبدي (12) على أكمل ما يكون لجوهر الشيء في (13) أحواله ولوازمه ~~كمالا (14) لذلك ، فما كان يمكن أن يحصل كماله الأقصى له في أول الأمر تم ~~تشبهه (15) به بالثبات ، وما كان لا يمكن أن يحصل كماله الأقصى له في أول ~~الأمر تم تشبهه (16) به (17) بالحركة. # وتحقيق هذا هو (18) أن الجوهر (19) السماوي قد بان أن محركه يحرك عن قوة ms251 ~~غير متناهية. والقوة التي لنفسه الجسمانية متناهية ، لكنها بما (20) يعقل ~~الأول فيسنح عليها (21) من نوره وقوته دائما تصير كأن له قوة غير متناهية ، ~~فلا يكون له قوة غير متناهية ، بل للمعقول الذي يسنح عليه من (22) نوره ~~وقوته ، وهو أعني الجرم السماوي في جوهره على كماله الأقصى إذ (23) لم يبق ~~له في جوهره أمر بالقوة ، وكذلك في كمه وكيفه (24)، إلا في وضعه أو أينه ~~أولا ، وفيما يتبع وجودهما من الأمور ثانيا ، وإنه (25) ليس أن يكون على ~~وضع أو أين أولى بجوهره (26) من أن يكون على وضع أو أين (27) آخر له في ~~حيزه ، فإنه ليس شيء من (28) أجزاء مدار فلك أو كوكب أولى بأن يكون ملاقيا ~~له أو لجزئه من جزء آخر. فمتى كان في جزء بالفعل PageV01P389 # فهو في جزء آخر بالقوة ، فقد عرض لجوهر الفلك ما بالقوة من جهة وضعه أو ~~أينه ، والتشبه (1) بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال يكون للشيء ~~دائما ، ولم يكن هذا ممكنا للجوهر (2) السماوي بالعدد ، فحفظ (3) بالنوع ~~والتعاقب ، فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ، ومبدؤها الشوق إلى ~~التشبه (4) بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن ، ومبدأ ~~هذا الشوق هو ما يعقل منه ، وأنت إذا تأملت حال الأجسام الطبيعية في شوقها ~~الطبيعي إلى أن يكون (5) بالفعل أينا لم تتعجب أن يكون جسم يشتاق شوقا إلى ~~أن يكون على وضع من أوضاعه التي يمكن أن تكون له ، أو إلى أن يكون (6) على ~~أكمل ما يكون (7) له من كونه متحركا ، وخصوصا ويتبع ذلك من الأحوال ~~والمقادير الفائضة (8) ما يتشبه فيه (9) بالأول تعالى (10) من حيث هو مفيد ~~للخيرات (11)، لا أن (12) يكون المقصود تلك الأشياء فتكون الحركة لأجل تلك ~~الأشياء ، بل أن (13) يكون المقصود هو (14) التشبه بالأول تعالى (15) بقدر ~~(16) الإمكان في أن يكون على أكمل ما يكون في نفسه ، وفيما يتبعه من حيث هو ~~تشبه بالأول ، لا من حيث هو يصدر عنه أمور بعده حتى تكون (17) الحركة لأجل ~~ذلك بالمقصود الأول ، كلا (18). # وأقول : إن نفس الشوق إلى ms252 التشبه بالأول من حيث هو بالفعل تصدر عنه ~~الحركة الفلكية صدور الشيء عن التصور الموجب له ، وإن كان غير مقصود في ~~ذاته بالقصد الأول ، لأن ذلك تصور (19) لما بالفعل فيحدث (20) عنه طلب لما ~~بالفعل الأكمل ، ولا يمكن (21) بالشخص فيكون بالتعاقب وهو الحركة ، لأن ~~الشخص الواحد إذا دام لم يحصل لأمثاله وجود ، وبقيت دائما بالقوة. PageV01P390 # والحركة (1) تتبع أيضا (2) ذلك التصور المقصود (3) على هذا النحو ، لا ~~على أن تكون مقصودة أولية وإن كان ذلك التصور الواحد يتبعه تصورات جزئية ~~ذكرناها وفصلناها على سبيل الانبعاث لا على سبيل المقصود الأول ، وتتبع تلك ~~التصورات الجزئية (4) الحركات المنتقل بها في الأوضاع ، والجزء (5) الواحد ~~بكماله لا يمكن (6) في هذا الباب فيكون الشوق الأول على ما ذكرنا (7)، ~~ويكون سائر ما يتلوه انبعاثات ، وهذه الأشياء قد (8) يوجد لها (9) نظائر ~~بعيدة في أبداننا (10) ليست تناسبها (11)، وإن كانت قد تخيلها وتحكيها ، ~~مثل (12) أن الشوق إذا اشتد إلى خليل ، أو إلى شيء آخر ، تبع (13) ذلك فينا ~~تخيلات على سبيل الانبعاث ، يتبعها حركات ليست الحركات التي نحو المشتاق ~~(14) نفسه ، بل حركات نحو شيء في طريقه وفي سبيله (15) وأقرب ما (16) يكون منه. # فالحركة الفلكية كائنة (17) بالإرادة والشوق على هذا النحو ، وهذه الحركة ~~مبدؤها شوق واختيار ولكن على النحو الذي ذكرناه ، ليس أن تكون الحركة (18) ~~مقصودة بالقصد الأول ، وهذه الحركة كأنها (19) عبادة ما ملكية أو فلكية ~~(20)، وليس من شرط الحركة الإرادية أن تكون مقصودة في نفسها ، بل إذا كانت ~~القوة الشوقية تشتاق نحو أمر يسنح (21) منها تأثير يحرك (22) الأعضاء ، ~~فتارة يتحرك على النحو الذي يوصل به إلى الغرض ، وتارة على نحو آخر مشابه ~~أو مقارب له إذا كان عن تخيل ، سواء كان الغرض أمرا ينال ، أو أمرا يقتدى ~~(23) به ويحتذى (24) حذوه ويتشبه بوجوده. # فإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدإ الأول ، وبما يعقل منه أو يدرك منه على ~~نحو عقلي أو نفساني ، شغل ذلك عن (25) كل شيء وكل جهة ، لكنه ينبعث عن ذلك ~~ما هو أدون مرتبة منه (26)، PageV01P391 # وهو الشوق إلى التشبه به بمقدار الإمكان ، فيلزم ms253 طلب الحركة لا من حيث هي ~~حركة ، ولكن من حيث قلنا ، ويكون هذا الشوق يتبع (1) ذلك العشق والالتذاذ ~~منبعثا عنه ، وهذا الاستكمال منبعثا عن الشوق ، فعلى هذا النحو يحرك المبدأ ~~الأول (2) جرم السماء (3). # وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا ، أن المعلم الأول إذا قال : إن الفلك ~~متحرك بطبعه فما ذا يعني ، أو قال : إنه متحرك بالنفس فما ذا يعني (4)، أو ~~قال (5): متحرك بقوة غير متناهية تحرك (6) كما يحرك المعشوق ، فما ذا يعني ~~، وأنه (7) ليس في أقواله تناقض ولا اختلاف (8). # ثم أنت (9) تعلم أن جوهر هذا الخير المعشوق الأول واحد ، ولا يمكن أن ~~يكون هذا المحرك الأول الذي لجملة السماء فوق واحد ، وإن كان لكل كرة من ~~كرات السماء محرك قريب يخصها (10)، ومتشوق (11) ومعشوق يخصها (12) على ما ~~يراه المعلم الأول ومن بعده من محصلي علماء المشائين ، فإنهم إنما ينفون ~~الكثرة عن محرك الكل (13)، ويثبتون (14) الكثرة للمحركات المفارقة وغير ~~المفارقة (15) التي يختص (16) واحدا واحدا منها ، فيجعلون أول المفارقات ~~الخاصة (17) محرك الكرة الأولى ، وهي عند من تقدم بطلميوس كرة الثوابت ، ~~وعند من تعلم العلوم (18) التي ظهرت لبطلميوس كرة خارجة عنها محيطة (19) ~~بها (20) غير مكوكبة ، وبعد ذلك محرك (21) الكرة التي تلي الأولى بحسب ~~اختلاف الرأيين ، وكذلك هلم (22) جرا. # فهؤلاء يرون أن محرك الكل شيء واحد (23)، ولكل كرة بعد ذلك محرك خاص. ~~والمعلم الأول يضع عدد الكرات المتحركة على ما كان ظهر في زمانه ، ويتبع ~~عددها عدد المبادي المفارقة. وبعض من هو أسد (24) قولا من أصحابه يصرح ~~ويقول في رسالته التي (25) في مبادئ PageV01P392 # الكل إن محرك جملة السماء واحد لا يجوز أن يكون عددا كثيرا ، وإن كان (1) ~~لكل كرة محرك ومتشوق يخصانها (2). والذي يحسن عبارته عن كتب المعلم الأول ~~على سبيل تلخيص ، وإن لم يكن يغوص (3) في المعاني ، يصرح ويقول ما هذا ~~معناه : إن الأشبه والأحق وجود مبدإ حركة خاصة (4) لكل فلك على أنه (5) فيه ~~، ووجود (6) مبدإ حركة خاصة (7) له على أنه معشوق مفارق. وهذان أقرب قدماء ~~(8) تلامذة المعلم (9) الأول من سواء السبيل. # ثم ms254 القياس يوجب هذا ، فإنه قد صح لنا بصناعة المجسطي أن حركات وكرات (10) ~~سماوية كثيرة ومختلفة في الجهة وفي السرعة والبطء ، فيجب لكل (11) حركة ~~محرك غير الذي للآخر (12) ومشوق (13) غير الذي للآخر (14)، وإلا لما ~~اختلفت (15) الجهات ، ولما اختلفت (16) السرعة والبطء. وقد بينا أن هذه ~~المتشوقات خيرات محضة مفارقة للمادة ، وإن كانت الكرات والحركات كلها تشترك ~~في الشوق إلى المبدإ الأول ، فتشترك لذلك في دوام الحركة واستدارتها ونحن ~~نزيد هذا (17) بيانا. ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ح ) فصل (18) * في كيفية صدور (19) الأفعال من المبادي العالية ، ليعلم من ذلك ما يجب أن يعلم من المحركات (20) المفارقة المعقولة (21) بذاتها المعشوقة (22) # ولنحقق (23) هذا البيان ، ولنفتتح من مبدإ آخر فنقول (24): إن قوما لما ~~سمعوا ظاهر قول فاضل (25) المتقدمين (26) إذ يقول : إن الاختلاف في هذه ~~الحركات وجهاتها يشبه أن يكون للعناية PageV01P393 # بالأمور الكائنة الفاسدة (1) التي تحت كرة القمر ، وكانوا سمعوا (2) أيضا ~~وعلموا بالقياس أن حركات السماويات لا يجوز أن تكون لأجل شيء غير ذواتها ، ~~ولا يجوز أن تكون لأجل معلولاتها ، أرادوا أن يجمعوا (3) بين هذين المذهبين ~~فقالوا : إن نفس الحركة ليست (4) لأجل ما تحت كرة (5) القمر ولكن للتشبه ~~(6) بالخير المحض والشوق (7) إليه. # وأما (8) اختلاف الحركات ، فلاختلاف (9) ما يكون من كل (10) واحد منها في ~~عالم الكون والفساد اختلافا ينتظم به بقاء الأنواع ، كما أن رجلا خيرا لو ~~أراد أن يمضي في حاجته (11) سمت موضع ، واعترض (12) إليه طريقان (13): ~~أحدهما يختص بإيصاله إلى الموضع الذي فيه قضاء وطره ، والآخر يضيف إلى ذلك ~~إيصال نفع إلى مستحق ، وجب في حكم خيريته (14) أن يقصد الطريق الثاني ، وإن ~~لم تكن حركته لأجل نفع غيره بل لأجل ذاته. قالوا : فكذلك حركة كل فلك ، ~~إنما هي ليبقى على كماله الأخير دائما ، لكن الحركة إلى هذه الجهة وبهذه ~~السرعة لينتفع (15) غيره. # فأول ما نقول لهؤلاء : إنه (16) إن أمكن أن يحدث للأجرام السماوية في ~~حركاتها (17) قصد ما (18) لأجل شيء معلول ، ويكون ذلك القصد في اختيار ~~الجهة ، فيمكن أن يحدث ذلك ويعرض (19) في نفس الحركة حتى يقول قائل : إن ~~السكون كان ms255 يتم لها به خيرية (20) تخصها والحركة (21) كانت لا تضرها في ~~الوجود وتنفع غيرها (22)، ولم (23) يكن أحدهما أسهل عليها (24) من الآخر ~~أو أعسر (25) فاختارت الأنفع. فإن كانت (26) العلة المانعة عن القول بأن ~~(27) مصير (28) حركتها لنفع (29) الغير ، استحالة قصدها فعلا لأجل الغير من ~~المعلولات ، فهذه العلة موجودة (30) في نفس PageV01P394 # قصد اختيار الجهة. وإن (1) لم يمنع هذه العلة قصد اختيار الجهة ، لم يمنع ~~قصد الحركة وكذلك الحال (2) في قصد السرعة والبطء هذه الحال ، وليس ذلك على ~~ترتيب القوة والضعف في الأفلاك بسبب ترتيب بعضها على بعض في العلو والسفل ~~حتى ينسب إليه ، بل ذلك مختلف. # ونقول بالجملة : لا يجوز أن يكون منها شيء (3) لأجل الكائنات ، لا قصد ~~حركة ، ولا قصد جهة من (4) حركة ، ولا تقدير (5) سرعة وبطء ، بل ولا قصد ~~فعل البتة لأجلها ، وذلك لأن كل قصد فيكون (6) من أجل المقصود ، فيكون أنقص ~~وجودا من المقصود ، لأن كل ما (7) لأجله شيء آخر فهو أتم وجودا من الآخر من ~~حيث هو والآخر على ما هما عليه ، بل به (8) يتم (9) للآخر النحو (10) من ~~الوجود الداعي (11) إلى القصد. ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشيء ~~الأخس ، فلا يكون البتة إلى معلول قصد صادق غير مظنون ، وإلا كان (12) ~~القصد معطيا ومفيدا (13) لوجود ما هو أكمل وجودا منه. # وإنما يقصد بالواجب شيء يكون القصد مهيئا له ومفيد وجوده شيء آخر : مثل ~~الطبيب للصحة ، فالطبيب (14) لا يعطي الصحة بل يهيئ (15) لها المادة والآلة ~~، وإنما يفيد الصحة مبدأ أجل من الطبيب ، وهو الذي يعطي المادة جميع صورها ~~، وذاته أشرف من المادة. وربما (16) كان القاصد مخطئا في قصده إذا قصد ما ~~ليس أشرف من القصد ، فلا يكون القصد لأجله في الطبع بل بالخطإ ، ولأن هذا ~~البيان يحتاج إلى تطويل وتحقيق (17)، وفيه شكوك لا تنحل إلا بالكلام ~~المشبع ، فلنعدل (18) إلى الطريق الأوضح فنقول : إن كل قصد فله مقصود ، ~~والعقلي منه هو الذي يكون وجود المقصود عن القاصد أولى بالقاصد من لا وجوده ~~(19) عنه ، وإلا فهو هدر (20). والشيء الذي هو أولى بالشيء ms256 فإنه يفيد (21) ~~كمالا ما ، PageV01P395 # إن كان بالحقيقة فحقيقيا ، وإن كان بالظن فظنيا : مثل استحقاق المدح ~~وظهور القدرة وبقاء الذكر ، فهذه وما أشبهها كمالات ظنية. أو الربح (1)، ~~أو السلامة (2)، أو رضي (3) الله تعالى وتقدس (4) وحسن معاد الآخرة (5)، ~~وهذه وما أشبهها (6) كمالات حقيقية لا تتم بالقاصد (7) وحده. # فإذن ، كل قصد ليس عبثا فإنه يفيد كمالا ما لقاصده لو لم يقصده (8) لم ~~يكن ذلك الكمال ، والعبث أيضا يشبه أن يكون كذلك ، فإن فيه لذة أو راحة أو ~~غير ذلك أو شيئا (9) مما علمت أو سائر (10) (11) ما تبين (12) لك (13). # ومحال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلة يفيد العلة كمالا لم يكن ، ~~فإن (14) المواضع التي يظن فيها أن المعلول أفاد علته كمالا مواضع كاذبة أو ~~محرفة ، ومثلك ممن أحاط بما سلف له من الفنون لا يقصر عن تأملها وحلها. # فإن قال قائل : إن الخيرية توجب هذا ، فإن الخير يفيد الخير ، قيل إن ~~الخير يفيد الخير ولكن (15) لا على سبيل قصد وطلب ليكون ذلك (16)، فإن هذا ~~يوجب (17) النقص ، فإن كل طلب وقصد لشيء فهو طلب لمعدوم وجوده من (18) ~~الفاعل (19) أولى من لا وجوده ، وما دام معدوما وغير مقصود لم يكن ما هو ~~الأولى (20) بالفاعل (21) وذلك نقص ، فإن الخيرية لا تخلو : # إما أن تكون صحيحة موجودة دون هذا القصد (22) ولا مدخل لوجود هذا القصد ~~في وجودها ، فيكون كون هذا القصد ولا كونه عن الخيرية واحدا (23)، فلا ~~تكون الخيرية توجبه ، ولا يكون حال سائر لوازم الخيرية التي تلزمها بذاتها ~~لا عن قصد هو قصد (24) هذه الحال. PageV01P396 # وإما أن يكون بهذا (1) القصد تتم الخيرية وتقوم ، فيكون هذا القصد علة ~~لاستكمال الخيرية وقوامها لا معلولا (2) لها (3). # وإن قال قائل : إن ذلك (4) للتشبه (5) بالعلة الأولى في أن (6) خيريته ~~متعدية (7)، وحتى يكون بحيث يتبعها خير ، فنقول : إن هذا في ظاهر الأمر ~~مقبول وفي الحقيقة مردود ، فإن التشبه به (8) في أن لا يقصد شيئا (9) بل ~~بأن (10) ينفرد بالذات ، فإنه على هذه الصفة اتفاقا من جماعة من أهل (11) ~~العلم. وأما استفادة كمال بالقصد فمباين ms257 للتشبه به ، اللهم إلا أن يقال إن ~~المقصود الأول شيء ، وهذا بالقصد الثاني وعلى جهة الاستتباع ، فيجب في ~~اختيار الجهة أيضا أن يكون المقصود بالقصد الأول شيئا (12)، وتكون المنفعة ~~المذكورة مستتبعة لذلك المقصود ، فتكون الجهة الخيرية (13) غير مقصودة قصدا ~~أوليا لنفس ما يتبع ، بل يجب أن يكون هناك استكمال في ذات الشيء مستتبع ~~(14) تلك المنفعة حتى يكون تشبها (15) بالأول. # ونحن لا نمنع أن تكون الحركة مقصودة بالقصد الأول على أنها (16) تشبه ~~(17) بذات الأول من الجهة التي قلنا ، وتشبه بالقصد الثاني بذات الأول من ~~حيث يفيض عنه الوجود بعد أن يكون القصد الأول أمرا آخر ينظر به (18) إلى ~~فوق (19). وأما (20) النظر إلى أسفل (21) واعتباره ، فلو جاز أن يقع ~~بالقصد (22) الأول إلى الجهة (23)، حتى يكون تشبها بالأول (24) في ~~الاستتباع (25)، لجاز في نفس اختيار الحركة. فكانت الحركة لأجل ما تحت ، ~~ويفيض (26) عنها (27) وجود ليس تشبها به من حيث هو كامل الوجود ومعشوقه ~~(28)، إنما ذلك لذاته من حيث ذاته. ولا مدخل (29) البتة لوجود الأشياء عنه ~~في تشريف ذاته وتكميلها ، بل المدخل أنه على كماله الأفضل ، وبحيث ينبعث ~~عنه وجود الكل لا طلبا وقصدا. فيجب أن يكون الشوق إليه من طريق التشبه على ~~هذه الصورة ، لا على ما لا يتعلق للأول (30) به كمال. PageV01P397 # فإن (1) قال قائل : إنه كما قد (2) يجوز أن يستفيد الجرم السماوي بالحركة ~~خيرا وكمالا ، والحركة فعل له (3) مقصود ، فكذلك (4) لسائر (5) أفاعيلها ، ~~فالجواب أن الحركة ليست تستفيد كمالا وخيرا (6)، وإلا لانقطعت (7) عنده ، ~~بل هي نفس الكمال الذي أشرنا إليه. وهي (8) بالحقيقة استثبات نوع ما يمكن ~~(9) أن يكون للجرم السماوي بالفعل ، إذ لا يمكن استثبات الشخص له. فهذه ~~الحركة لا تشبه سائر الحركات التي تطلب كمالا خارجا عنها ، بل يكمل بهذه ~~(10) الحركة نفس المتحرك عنها بذاتها ، لأنها نفس استبقاء الأوضاع والأيون ~~على التعاقب. وبالجملة يجب أن ترجع إلى ما (11) فصلناه فيما سلف حين بينا ~~أن هذه الحركة كيف تتبع تصور (12) المتشوق ، وهذه الحركة شبيهة بالثبات. # فإن قال قائل : إن هذا القول يمنع وجود العناية ms258 بالكائنات والتدبير ~~المحكم الذي فيها ، فإنا سنذكر (13) بعد ما نزيل هذا الإشكال ، ونعرف أن ~~عناية البارئ بالكل على أي سبيل هي ، وأن عناية كل علة بما بعدها (14) على ~~أي سبيل هي ، وأن الكائنات التي عندنا كيف العناية بها من المبادي الأولى ~~ومن الأسباب (15) التي وسطها (16). وقد اتضح بما (17) أوضحناه أنه لا يجوز ~~أن يكون شيء من العلل يستكمل (18) بالمعلول بالذات لا بالعرض (19)، وأنها ~~لا تقصد فعلا لأجل المعلول وإن كان ترضى به وتعلمه (20). بل كما أن الماء ~~يبرد (21) (22) بذاته بالفعل ليحفظ نوعه لا ليبرد غيره ، ولكن يلزمه أن ~~يبرد غيره ، والنار تسخن بذاتها بالفعل لتحفظ نوعها لا لتسخن غيرها ، ولكن ~~يلزمها أن تسخن غيرها ، والقوة الشهوانية تشتهي (23) لذة الجماع ليندفع ~~(24) الفضل ويتم لها (25) اللذة ، لا ليكون عنها ولد ، ولكن يلزمها (26) ~~ولد (27)، والصحة PageV01P398 # هي صحة (1) بجوهرها (2) وذاتها ، لا لأن (3) تنفع المريض ، لكن يلزمها ~~نفع المريض ، كذلك في العلل المتقدمة ، إلا أن (4) هناك إحاطة بما يكون ، ~~وعلما بأن وجه النظام والخير فيها كيف يكون ، وأنه على ما يكون وليس في تلك. # فإذا كان الأمر على هذا (5)، فالأجسام (6) السماوية إنما اشتركت (7) في ~~الحركة المستديرة شوقا إلى معشوق مشترك. وإنما اختلفت (8)، لأن مبادئها ~~المعشوقة المتشوق إليها قد تختلف (9) بعد ذلك الأول. وليس إذا أشكل علينا ~~أنه كيف وجب عن كل تشوق (10) حركة بهذه الحال (11)، فيجب أن يؤثر ذلك فيما ~~علمنا من (12) أن الحركات مختلفة لاختلاف (13) المتشوقات. # ولكن بقي (14) علينا شيء ، وهو أنه يمكن أن تتوهم المتشوقات المختلفة ~~أجساما لا عقولا مفارقة ، حتى يكون مثلا الجسم الذي هو أخس متشبها (15) ~~بالجسم الذي هو أقدم وأشرف كما ظنه القوم (16) من أحداث المتفلسفة (17) ~~الإسلامية في تشويش الفلسفة إذ لم يفهم غرض الأقدمين ، فنقول : إن (18) هذا ~~محال ، وذلك لأن التشبه به يوجب مثل حركته (19) وجهتها (20) والغاية التي ~~تؤمها ، فإن (21) أوجب القصور عن مرتبته شيئا فإنما يوجب الضعف في الفعل ، ~~لا المخالفة (22) في الفعل مخالفة توجب (23) أن يكون هذا إلى جهة وذاك (24) ~~إلى أخرى. ولا يمكن أن يقال : إن ms259 السبب في هذه المخالفة (25) طبيعة ذلك ~~الجسم ، كان طبيعة ذلك الجسم تعاند أن يتحرك من « ا » إلى « ب » ولا تعاند ~~أن يتحرك من « ب » إلى « ا » ، فإن هذا محال ، لأن (26) الجسم بما هو جسم ~~لا يوجب هذا ، والطبيعة بما هي (27) طبيعة للجسم (28) تطلب (29) الأين ~~الطبيعي من غير (30) وضع مخصوص ، ولو (31) كانت تطلب وضعا مخصوصا لكان ~~النقل عنه قسرا ، فدخل في حركة الفلك معنى قسري. PageV01P399 # ثم وجود كل جزء من أجزاء الفلك على كل نسبة (1) محتمل في طبيعة الفلك ، ~~فليس يجب إذن أن يكون إذا أزيل جزء (2) من جهة جاز ، وإن (3) أزيل من جهة ~~لم يجز بحسب (4) بساطته (5) إلا أن يكون هناك طبيعة تقبل (6) حركة إلى جهة ~~فتجيب (7) إلى تلك الجهة ولا تجيب (8) إلى جهة أخرى إن كانت (9) عيقت عن ~~جهتها. وقد قلنا : إن مبدأ هذه الحركة ليست طبيعته (10)، ولا أيضا هناك ~~طبيعة توجب وضعا بعينه ولا جهات مختلف ، فليس (11) إذن في جوهر الفلك طبيعة ~~تمنع (12) تحريك النفس له (13) إلى أي جهة كانت. وأيضا ، لا يجوز أن يقع ~~ذلك من جهة النفس حتى يكون طبعها أن يريد تلك الجهة لا محالة ، إلا أن يكون ~~الغرض في الحركة مختصا بتلك الجهة لأن الإرادة تبع للغرض ليس الغرض (14) ~~تبعا للإرادة. وإذا (15) كان هكذا ، كان السبب (16) مخالفة الغرض. فإذن ، ~~لا مانع من جهة الجسمية ، ولا من جهة الطبيعة ، ولا من جهة النفس ، إلا ~~اختلاف الغرض والقسر أبعد الجميع عن الإمكان. فإذن لو كان الغرض تشبها بعد ~~الأول بجسم (17) من السماوية ، لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم ، ولم ~~يكن مخالفا له أو أسرع منه في كثير من المواضع ، وكذلك إن كان (18) الغرض ~~لمحرك هذا الفلك التشبه بمحرك ذلك الفلك. # وقد كان بان أنه ليس الغرض في تلك الحركات شيئا يوصل إليه بالحركة ، وإلا ~~لزم الانقطاع (19)، بل شيئا مباينا لا يوصل إليه (20). وبأن الآن أنه لبس ~~جسما ، فبقي أن الغرض لكل فلك تشبه بشيء غير جواهر الأفلاك من موادها ~~وأنفسها ، ومحال أن يكون بالعنصريات وما ms260 يتولد عنها ولا أجسام ولا أنفس غير ~~هذه ، فبقي أن يكون لكل واحد منها (21) تشبه بجوهر عقلي مفارق يخصه وتختلف ~~الحركات وأحوالها اختلافها (22) الذي لها لأجل ذلك ، وإن كنا لا نعرف كيفية ~~(23) وجوب (24) ذلك ولميته (25)، وتكون العلة الأولى متشوق (26) الجميع PageV01P400 # بالاشتراك. فهذا معنى قول القدماء إن للكل (1) محركا واحدا معشوقا وإن ~~(2) لكل كرة محركا يخصها (3) ومعشوقا يخصها (4). فيكون إذن لكل فلك نفس ~~محركة تعقل الخير ، ولها بسبب الجسم تخيل (5)، أي (6) تصور للجزئيات ~~وإرادة للجزئيات ، ويكون ما تعقله من الأول وما يعقله (7) من المبدإ (8) ~~الذي يخصه القريب (9) منه مبدأ تشوقه إلى التحرك (10). ويكون (11) لكل ~~(12) فلك عقل مفارق نسبته إلى نفسه نسبة (13) العقل الفعال إلى أنفسنا (14) ~~، وإنه مثال كلي عقلي لنوع فعله فهو يتشبه به. # وبالجملة ، لا بد في (15) كل متحرك منها لغرض (16) عقلي من مبدإ عقلي ~~(17) يعقل الخير (18) الأول ، وتكون ذاته مفارقة ، فقد علمت أن كل ما يعقل ~~مفارق الذات ، ومن مبدإ للحركة جسماني (19) أي (20) مواصل للجسم (21)، فقد ~~علمت أن الحركة السماوية نفسانية تصدر عن نفس مختارة (22) متجددة ~~الاختيارات (23) على الاتصال جزئيتها ، فيكون عدد العقول المفارقة بعد ~~المبدإ الأول بعدد الحركات. فإن كانت الأفلاك (24) المتحيرة إنما المبدأ في ~~حركة كرات كل كوكب فيها (25) قوة تفيض من (26) الكواكب (27)، لم يبعد أن ~~تكون المفارقات بعدد الكواكب (28) لا (29) بعدد الكرات وكان (30) عددها ~~عشرة بعد (31) الأول : أولها العقل المحرك الذي لا يتحرك وتحريكه لكرة ~~الجرم (32) الأقصى ، ثم الذي هو مثله لكرة الثوابت (33)، ثم الذي هو مثله ~~لكرة زحل ، وكذلك (34) حتى ينتهي إلى العقل الفائض في أنفسنا ، وهو عقل ~~العالم الأرضي ، ونحن نسميه (35) العقل الفعال. وإن لم يكن كذلك ، بل كان ~~كل كرة متحركة (36) لها حكم في حركة نفسها ولكل كوكب ، كانت هذه المفارقات ~~أكثر عددا ، وكان يلزم (37) على مذهب المعلم الأول قريبا من خمسين فما ~~فوقها (38)، وآخرها العقل الفعال ، وقد علمت من كلامنا في الرياضات مبلغ ~~ما ظفرنا به من عددها. PageV01P401 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل (1) في ترتيب وجود (2) العقل والنفوس السماوية والأجرام العلوية عن المبدإ ms261 الأول (3) # قد صح لنا فيما قدمناه من القول أن الواجب الوجود بذاته واحد ، وأنه ليس ~~بجسم ولا في جسم ولا منقسم (4) بوجه من الوجوه ، فإذن الموجودات كلها ~~وجودها عنه (5)، ولا يجوز أن يكون له مبدأ بوجه من الوجوه ولا سبب (6) لا ~~الذي عنه (7)، ولا الذي فيه أو به يكون ، ولا الذي (8) له ، حتى يكون لأجل ~~شيء ، فلهذا لا يجوز أن يكون كون الكل عنه (9) على سبيل قصد منه كقصدنا ~~لتكوين الكل ولوجود الكل فيكون قاصدا لأجل شيء غيره وهذا الفصل قد فرغنا ~~(10) من تقريره في غيره ، وذلك فيه أظهر (11)، ونخصه (12) من بيان امتناع ~~أن يقصد وجود الكل عنه أن ذلك يؤدي إلى تكثره في ذاته (13)، فإنه حينئذ ~~يكون فيه (14) شيء بسببه (15) يقصد ، وهو معرفته وعلمه لوجوب (16) القصد أو ~~استحبابه أو خيرية (17) فيه توجب ذلك ، ثم قصد ، ثم فائدة (18) يفيدها إياه ~~القصد على ما أوضحنا قبل ، وهذا محال ، وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع ~~بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة (19)، ولا لرضى (20) منه ، وكيف يصح هذا ~~وهو عقل محض يعقل (21) ذاته؟ فيجب أن يعقل أنه يلزمه وجود الكل عنه ، لأنه ~~لا يعقل ذاته إلا عقلا محضا ومبدأ أولا ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه ~~مبدؤه وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه ، وذاته عالمة بأن كماله ~~وعلوه بحيث يفيض PageV01P402 # عنه الخير ، وأن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاتها ، وكل ذات يعلم ~~ما يصدر (1) عنه ، ولا تخالطه معاوقة ما بل يكون على ما أوضحنا (2) بيانه ~~(3)، فإنه راض بما يكون عنه (4)، فالأول راض بفيضان الكل عنه (5)، ولكن ~~الحق الأول إنما فعله الأول وبالذات أنه يعقل ذاته التي هي لذاتها (6) مبدأ ~~لنظام (7) الخير في الوجود ، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود ، وأنه (8) ~~(9) كيف (10) ينبغي أن يكون ، لا عقلا خارجا عن القوة إلى الفعل ، ولا عقلا ~~منتقلا من (11) معقول إلى معقول ، فإن (12) ذاته بريئة عما بالقوة من كل ~~وجه على ما أوضحناه (13) قبل ، بل عقلا واحدا (14)، ويلزم ما يعقله ms262 من ~~نظام الخير في الوجود أن (15) يعقل أنه كيف يمكن ، وكيف (16) يكون أفضل ما ~~يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله ، فإن الحقيقة المعقولة عنده هي ~~بعينها على (17) ما علمت ، علم وقدرة وإرادة. وأما نحن فنحتاج في تنفيذ ما ~~نتصوره إلى قصد وحركة وإرادة (18) حتى توجد ، وهو لا يحسن فيه ذلك ولا يصح ~~له (19) لبراءته عن الاثنينية (20)، وعلى ما أطنبنا في بيانه فتعقله علة ~~للوجود على ما يعقله ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده وتبع (21) ~~لوجوده ، لا أن (22) وجوده لأجل وجود شيء آخر غيره ، وهو فاعل الكل بمعنى ~~(23) أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضانا مباينا لذاته ، ولأن كون ما ~~يكون عن الأول أنما هو على سبيل اللزوم إذ صح أن واجب الوجود (24) بذاته ~~واجب الوجود من جميع جهاته ، وفرغنا من بيان هذا الغرض قبل. فلا يجوز أن ~~يكون أول الموجودات عنه وهي المبدعات كثيرة لا بالعدد ولا بالانقسام إلى ~~مادة وصورة ، لأنه يكون لزوم ما يلزم عنه هو لذاته (25)، لا لشيء آخر. ~~والجهة والحكم الذي في ذاته الذي يلزم عنه (26) هذا الشيء ليست الجهة ~~والحكم الذي في ذاته الذي (27) يلزم عنه ، لا هذا الشيء بل غيره ، PageV01P403 # فإن لزم منه شيئان متباينان بالقوام ، أو شيئان (1) متباينان يكون منهما ~~شيء واحد : مثل (2) مادة وصورة ، لزوما معا ، فإنما يلزمان عن جهتين ~~مختلفتين (3) في ذاته ، وتانك الجهتان إن كانتا لا في ذاته بل لازمتين ~~لذاته (4)، فالسؤال في لزومها له (5) ثابت حتى تكونا من ذاته ، فتكون ذاته ~~منقسمة (6) بالمعنى ، وقد منعنا هذا قبل وبينا فساده ، فتبين (7) أن أول ~~الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد ، وذاته وماهيته واحدة (8) لا في ~~مادة ، فليس شيء من الأجسام ولا من الصور (9) التي هي كمالات للأجسام (10) ~~معلولا قريبا له (11)، بل المعلول الأول عقل (12) محض ، لأنه صورة لا في ~~مادة ، وهو أول العقول المفارقة التي عددناها ويشبه أن يكون هو (13) المبدأ ~~المحرك (14) للجرم الأقصى على سبيل التشويق (15). ولكن لقائل أن يقول : ~~إنه لا يمتنع (16) أن يكون ms263 الحادث عن المبدإ الأول صورة مادية ، لكنها يلزم ~~عنها وجود مادتها فنقول : إن هذا يوجب أن تكون الأشياء التي بعد هذه الصورة ~~وهذه (17) المادة (18) تالية في درجة المعلولات (19)، وأن يكون وجودها ~~بتوسط المادة ، فتكون المادة سببا لوجود صور الأجسام الكثيرة في العالم ~~وقواها (20)، وهذا محال ، إذ المادة وجودها أنها قابلة فقط وليست سببا ~~لوجود شيء من الأشياء على غير سبيل القبول. فإن كان شيء من المواد ليس هكذا ~~فليس هو مادة إلا باشتراك الاسم فيكون إن كان الشيء المفروض ثابتا (21) ليس ~~على صفة المادة إلا باشتراك الاسم ، فالمعلول الأول لا تكون نسبته (22) ~~إليه إلى أنه صورة في مادة (23) إلا باشتراك الاسم (24)، فإن كان هذا ~~الثاني (25) من جهة توجد عنه هذه المادة ، ومن جهة أخرى توجد صورة شيء آخر ~~، حتى لا تكون الصورة الأخرى موجودة بتوسط المادة ، كانت الصورة المادية ~~تفعل فعلا لا يحتاج فيه إلى المادة ، وكل (26) شيء يفعل فعله من غير أن ~~يحتاج إلى المادة فذاته أولا غنية عن المادة ، فتكون الصورة المادية غنية ~~عن المادة. PageV01P404 # وبالجملة فإن الصورة المادية (1) وإن كانت علة للمادة في أن تخرجها إلى ~~الفعل وتكملها فإن للمادة أيضا تأثيرا في وجودها وهو تخصيصها وتعيينها (2) ~~، وإن كان (3) مبدأ الوجود (4) من غير المادة كما قد علمت ، فيكون لا محالة ~~كل واحد منهما علة للأخرى في شيء (5)، وليسا (6) من جهة واحدة ، ولو لا ~~ذلك لاستحال أن يكون للصورة المادية (7) تعلق بالمادة بوجه من الوجوه ، ~~ولذلك قد سلف منا القول (8): أن المادة لا يكفي في وجودها الصورة فقط ، بل ~~الصورة كجزء العلة ، وإذا كان كذلك فليس يمكن أن تجعل الصورة من كل وجه علة ~~للمادة مستغنية بنفسها (9)، فبين أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول صورة ~~(10) مادية أصلا (11) ولا أن (12) يكون مادة أظهر ، فوجب (13) أن يكون ~~المعلول الأول (14) صورة غير مادية أصلا بل عقلا (15)، وأنت تعلم أن هاهنا ~~عقولا ونفوسا مفارقة كثيرة ، فمحال أن يكون وجودها مستفادا بتوسط ما ليس له ~~وجود (16) مفارق ، لكنك (17) تعلم أن في جملة ms264 الموجودات عن الأول أجساما ، ~~إذ (18) علمت (19) أن كل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه وأنه يجب بغيره ، ~~وعلمت أنه (20) لا سبيل إلى أن يكون عن الأول تعالى (21) بغير واسطة ، فهي ~~كائنة (22) عنه بواسطة وقد (23) علمت أنه لا يجوز أن تكون (24) الواسطة ~~وحدة محضة لا اثنينية فيها (25)، فقد علمت أن الواحد من حيث هو واحد أنما ~~يوجد عنه واحد ، فبالحري أن (26) يكون عن المبدعات الأول (27) بسبب ~~اثنينيته يجب أن يكون فيها ضرورة أو كثرة كيف كانت ، ولا يمكن في العقول ~~المفارقة شيء من الكثرة إلا على ما أقول : إن المعلول بذاته ممكن الوجود ، ~~وبالأول (28) واجب الوجود ، ووجوب وجوده بأنه عقل ، وهو يعقل ذاته (29)، ~~ويعقل الأول ضرورة ، فيجب أن يكون PageV01P405 # فيه من الكثرة معنى عقله لذاته ممكنة (1) الوجود في حيزها ، وعقله وجوب ~~وجوده من الأول المعقول بذاته ، وعقله (2) للأول ، وليست الكثرة له عن ~~الأول ، فإن إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب الأول ، بل له من الأول وجوب ~~وجوده ، ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته (3) كثرة (4) لازمة لوجوب وجوده ~~(5) عن الأول ، ونحن لا نمنع أن يكون عن (6) شيء واحد ذات واحدة ، ثم ~~يتبعها كثرة إضافية ليست في أول وجوده ولا داخلة (7) في مبدإ قوامه ، بل ~~يجوز أن يكون الواحد يلزم عنه واحد ، ثم ذلك الواحد يلزمه حكم وحال ، أو ~~صفة ، أو معلول ، ويكون ذلك أيضا واحدا ، ثم يلزم عنه (8) بمشاركة (9) ذلك ~~اللازم شيء ، فيتبع من (10) هناك كثرة كلها يلزم (11) ذاته ، فيجب إذن أن ~~تكون مثل هذه الكثرة هي العلة لإمكان وجود الكثرة فيها (12) عن المعلولات ~~الأول (13)، ولو لا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا واحدة (14) ~~، ولم يمكن أن يوجد عنها جسم ، ثم (15) لا إمكان للكثرة (16) هناك إلا على ~~هذا (17) الوجه فقط ، وقد بان لنا (18) فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة ~~العدد ، فليست إذن موجودة معا عن الأول بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود ~~الأول عنه ثم يتلوه عقل وعقل (19)، ولأن (20) تحت كل عقل فلكا بمادته ~~وصورته التي ms265 هي النفس وعقلا دونه ، فتحت كل عقل ثلاثة أشياء في الوجود ، ~~فيجب أن يكون إمكان وجود هذه الثلاثة عن (21) العقل الأول في الإبداع لأجل ~~التثليث (22) المذكور (23)، والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة ، فيكون ~~إذن العقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل (24) تحته ، وبما يعقل ~~ذاته وجود صورة الفلك الأقصى ، وكمالها وفي النفس ، وبطبيعة (25) إمكان ~~الوجود الحاصلة (26) له (27) المندرجة في (28) تعقله لذاته وجود جرمية ~~الفلك الأقصى المندرجة (29) في جملة ذات الفلك الأقصى بنوعه ، وهو الأمر ~~المشارك للقوة (30) فيما يعقل الأول ، PageV01P406 # يلزم عنه عقل (1) وبما يختص بذاته على جهة تلزم عنه (2) الكثرة الأولى ~~بجزءيها ، أعني المادة والصورة ، والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها (3)، ~~كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذي يحاذي صورة الفلك ، وكذلك ~~الحال في عقل عقل ، وفلك فلك ، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر ~~أنفسنا ، وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل ~~مفارق مفارق ، فإنا نقول : إنه إن لزم (4) وجود كثرة عن العقول (5) فبسبب ~~المعاني التي فيها من الكثرة. وقولنا هذا (6) ليس ينعكس حتى يكون كل عقل ~~فيه هذه الكثرة يلزم (7) كثرته (8) هذه المعلولات ، ولا هذه العقول (9) ~~متفقة الأنواع ، حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. # ولنبتدئ لبيان هذا المعنى ابتداء آخر فنقول : إن الأفلاك كثيرة فوق العدد ~~الذي في المعلول الأول من جهة كثرته المذكورة ، وخصوصا إذا فصل كل فلك إلى ~~صورته ومادته ، فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول ، ولا ~~أيضا يجوز أن يكون كل جرم (10) متقدم منها علة للمتأخر ، وذلك لأن الجرم ~~بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم ، وبما له قوة نفسانية لا يجوز أن ~~يكون مبدأ جرم ذي نفس أخرى ، وذلك لأنا (11) بينا أن كل نفس لكل فلك (12) ~~فهي (13) كماله وصورته وليس (14) جوهرا مفارقا وإلا لكان عقلا لا نفسا (15) ~~، وكان لا يتحرك (16) البتة (17) على سبيل التشوق (18) وكان لا يحدث فيه من ~~حركة الجرم تغير ، ومن مشاركة الجرم تخيل (19) وتوهم ، وقد ساقنا النظر إلى ms266 ~~إثبات هذه الأحوال لأنفس الأفلاك كما علمت ، وإذا كان الأمر على هذا ، فلا ~~يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال في أجسام أخرى غير (20) أجسامها ~~إلا بوساطة (21) أجسامها ، فإن (22) صور الأجسام وكمالاتها على صنفين : # إما صور قوامها بمواد الأجسام ، فكما أن (23) قوامها بمواد تلك الأجسام ، ~~فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بواسطة مواد تلك (24) الأجسام ، ولهذا السبب ~~فإن النار لا تسخن PageV01P407 # حرارتها أي شيء اتفق بل ما كان ملاقيا لجرمها ، أو من (1) جسمها بحال. ~~والشمس لا تضيء كل شيء ، بل ما كان مقابلا (2) لجرمها. # وإما صور قوامها بذاتها لا بمواد الأجسام ، كالأنفس ، ثم كل نفس فإنما ~~جعلت خاصة لجسم بسبب أن فعلها بذلك الجسم (3) وفيه. ولو كانت مفارقة الذات ~~والفعل جميعا لذلك الجسم ، لكانت (4) نفس كل شيء لا نفس ذلك الجسم فقط. فقد ~~بان على الوجود كلها أن القوى السماوية المنطبعة بأجسامها ، لا تفعل إلا ~~بواسطة جسمها. ومحال أن تفعل بواسطة (5) الجسم نفسا ، لأن الجسم لا يكون ~~متوسطا بين نفس ونفس ، فإن كانت تفعل نفسا (6) بغير توسط (7) الجسم فلها ~~(8) انفراد قوام من دون الجسم واختصاص بفعل مفارق لذاتها وذات (9) الجسم. ~~وهذا غير الأمر الذي نحن في ذكره ، وإن لم تفعل نفسا ، لم تفعل جرما (10) ~~سماويا ، لأن النفس (11) متقدمة (12) على الجسم (13) في المرتبة (14) ~~والكمال ، فإن وضع لكل فلك شيء يصدر عنه في فلكه شيء وأثر من غير أن يستغرق ~~ذاته (15) في شغل ذلك الجرم وبه ، ولكن ذاته مباينة في القوام وفي الفعل ~~لذلك الجسم ، فنحن لا نمنع هذا ، وهذا هو الذي نسميه العقل المجرد ، ونجعل ~~صدور ما بعده عنه ، ولكن هذا غير المنفعل عن الجسم وغير المشارك إياه ، ~~والصائر صورة (16) خاصة (17) به ، والكائن عن (18) الجهة التي حدثنا عنها ~~حين (19) أثبتنا هذه النفس. # فقد بان ووضح أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية ، وغير صور (20) الأجرام (21) ~~. وأن كل فلك (22) يختص بمبدإ منها ، والجميع يشترك في مبدإ واحد. ومما لا ~~شك (23) فيه أن هاهنا عقولا بسيطة مفارقة ، تحدث مع حدوث أبدان الناس ، ولا ~~تفسد ms267 بل تبقى. وقد تبين (24) ذلك في العلوم الطبيعية ، وليست صادرة عن ~~العلة (25) الأولى ، لأنها كثيرة مع وحدة النوع ، ولأنها حادثة PageV01P408 # فهي إذن معلولات (1) الأول (2) بتوسط. ولا يجوز أن تكون العلل الفاعلية ~~المتوسطة بين الأولى وبينها ، دونها في المرتبة (3)، فلا تكون عقولا بسيطة ~~ومفارقة ، فإن العلل المعطية للوجود أكمل وجودا ، أما القابلة للوجود فقد ~~تكون أخس وجودا ، فيجب إذن أن يكون المعلول الأول عقلا واحدا (4) بالذات ، ~~ولا يجوز أيضا أن تكون عنه كثرة متفقة النوع ، وذلك لأن المعاني المتكثرة ~~التي فيه ، وبها يمكن وجود الكثرة فيه إن كانت مختلفة الحقائق ، كان ما ~~يقتضيه كل واحد منها شيئا غير ما يقتضي الآخر (5) في النوع. فلم (6) يلزم ~~كل واحد منها ما يلزم الآخر ، بل طبيعة أخرى وإن كانت متفقة الحقائق فبما ~~ذا تخالفت وتكثرت ، ولا انقسام (7) مادة هناك؟ فإذن المعلول الأول لا يجوز ~~عنه وجود كثرة إلا مختلفة الأنواع (8)، فليست هذه الأنفس الأرضية أيضا ~~كائنة عن المعلول الأول بلا توسط (9) علة أخرى موجودة ، وكذلك عن كل معلول ~~أول (10) عال حتى ينتهي إلى معلول أول كونه مع (11) كون الأسطقسات القابلة ~~للكون والفساد ، المتكثرة بالنوع والعدد (12) معا. فيكون تكثر القابل سببا ~~لتكثر فعل مبدإ واحد بالذات (13). وهذا بعد استتمام وجود السماويات كلها ، ~~فيلزم دائما عقل بعد عقل حتى تتكون كرة القمر ثم تتكون الأسطقسات ، وتتهيأ ~~لقبول تأثير واحد بالنوع كثير بالعدد عن (14) العقل الأخير. فإنه إذا لم ~~يكن السبب في الفاعل ، وجب في القابل ضرورة. فإذن يجب أن يحدث عن كل عقل ~~عقل تحته ، ويقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة (15) متكثرة ~~بالعدد ، لتكثر (16) الأسباب ، فهناك ينتهي. # وقد اتضح وبان (17) أن كل عقل هو أعلى في المرتبة ، فإنه لمعنى (18) فيه ~~، وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه ، وبما (19) يعقل ذاته ~~يجب عنه (20) فلك (21) بنفسه (22) وجرمه (23) وجرم الفلك كائن عنه ، ~~ومستبقى بتوسط النفس الفلكية ، فإن كل صورة فهي علة لأن يكون مادتها بالفعل ~~، لأن المادة نفسها لا قوام لها. PageV01P409 ### ||| * [ الفصل الخامس ms268 ] ( ه ) فصل (1) * في حال تكون الأسطقسات عن العلل الأوائل # فإذا (2) استوفت (3) الكرات السماوية عددها ، لزم بعدها وجود (4) أسطقسات ~~(5)، وذلك لأن الأجسام الأسطقسية (6) كائنة (7) فاسدة (8)، فيجب (9) أن ~~تكون مبادؤها القريبة أشياء تقبل نوعا من التغير والحركة ، وأن لا يكون ما ~~هو عقل محض وحده سببا لوجودها ، وهذا (10) يجب أن يتحقق من (11) أصول ، ~~أكثرنا التكرار فيها ، وفرغنا من تقريرها. # ولهذه الأسطقسات مادة يشترك فيها ، وصور يختلف بها ، فيجب أن يكون اختلاف ~~صورها مما يعين فيه اختلاف في أحوال الأفلاك ، وأن يكون اتفاق مادتها مما ~~يعين فيه اتفاق في أحوال الأفلاك (12). والأفلاك تتفق في طبيعة اقتضاء ~~الحركة المستديرة ، فيجب أن يكون مقتضى تلك الطبيعة يعين في وجود (13) ~~المادة ، ويكون ما (14) يختلف فيه مبدأ تهيؤ المادة للصور المختلفة ، لكن ~~الأمور الكثيرة المشتركة في النوع والجنس لا تكون وحدها بلا مشاركة من واحد ~~معين (15) علة لذات هي في نفسها متفقة واحدة ، وإنما يقيمها غيرها ، فلا ~~يوجد إذن هذا الواحد عنها إلا بارتباط بواحد (16) يردها إلى أمر واحد ، ~~فيجب أن تكون العقول (17) المفارقة بل آخرها الذي يلينا هو الذي يفيض عنه ~~بمشاركة (18) الحركات السماوية شيء فيه رسم (19) صور العالم الأسفل على ~~(20) جهة الانفعال ، كما أن في ذلك العقل أو العقول (21) رسم الصور على جهة ~~التفعيل ، ثم تفيض منه (22) الصور فيها (23) بالتخصيص لا بانفراد PageV01P410 # ذاته ، فإن الواحد يفعل في الواحد كما علمت واحدا ، بل بمشاركة الأجسام ~~السماوية ، فيكون إذا خصص هذا الشيء تأثير من التأثيرات السماوية بلا واسطة ~~جسم عنصري ، أو بواسطة (1) تجعله (2) على استعداد خاص بعد العام الذي كان ~~ذلك (3) في جوهره فاض عن هذا المفارق صورة خاصة ، وارتسمت في تلك المادة. # وأنت (4) تعلم أن الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد (5)، ~~بأمر (6) دون أمر يكون له ، بل يحتاج إلى أن تكون هناك مخصصات مختلفة ، ~~ومخصصات (7) المادة معداتها (8)، والمعد (9) هو الذي يحدث عنه (10) في ~~المستعد أمر ما ، تصير مناسبته (11) لذلك الأمر لشيء (12) بعينه أولى من ~~مناسبته لشيء آخر ، ويكون هذا (13) الأعداد مرجحا لوجود ms269 (14) ما هو أولى ~~(15) فيه من الأوائل الواهبة للصور ، ولو كانت المادة على التهيؤ الأول ~~لتشابهت نسبتها إلى الضدين فما (16) يرجح أحدهما ، اللهم إلا بحال تختلف به ~~المؤثرات فيه ، وذلك الاختلاف أيضا منسوب إلى جميع المواد نسبة واحدة ، فلا ~~يجب أن تختص بموجبه مادة دون مادة إلا لأمر أيضا يكون في تلك (17) المادة ، ~~وليس إلا الاستعداد الكامل (18)، وليس الاستعداد الكامل إلا مناسبة كاملة ~~لشيء (19) بعينه هو المستعد له (20)، وهذا مثل (21) الماء (22) إذا أفرط ~~تسخينه فاجتمعت السخونة الغريبة ، والصورة المائية (23)، وهي بعيدة ~~المناسبة للصورة المائية وشديدة (24) المناسبة للصورة النارية. فإذا أفرط ~~ذلك واشتدت المناسبة ، اشتد الاستعداد ، فصار من حق الصورة (25) النارية أن ~~تفيض ، ومن حق هذه أن تبطل ، ولأن المادة ليست تبقى بلا صورة (26)، فليس ~~(27) قوامها عما ينسب إليه من المبادي الأولى (28) وحدها (29)، بل عنها ~~(30) وعن PageV01P411 # الصورة. ولأن الصورة التي تقيم هذه المادة الآن قد كانت المادة قائمة ~~دونها ، فليس قوامها عن (1) الصورة وحدها بل بها ، وبالمبادئ (2) الباقية ~~بوساطتها (3) أو واسطة أخرى مثلها. لو كانت (4) من (5) المبادي الأولى (6) ~~وحدها لاستغنت (7) عن الصورة ، ولو كانت عن الصورة وحدها لما سبقت بالصورة ~~(8)، بل كما أن المتفق فيه من الحركة المستديرة هناك يلزم طبيعة تقيمها ~~الطبائع (9) الخاصة (10) بفلك (11) فلك (12). فكذلك (13) المادة هاهنا ~~يقيمها مع الطبيعة المشتركة ما يكون عن (14) الطبائع الخاصة (15) وهي الصور (16). # وكما أن الحركة أخس الأحوال هناك (17)، فكذلك المادة أخس الذوات هاهنا. ~~وكما أن الحركة هناك تابعة لطبيعة ما بالقوة ، كذلك المادة هاهنا مرافقة ~~(18) لما بالقوة. وكما أن الطبائع الخاصة والمشتركة هناك مبادئ أو معينات ~~لطبيعة الخاصة ولمشتركة هاهنا (19)، فكذلك ما يلزم الطبائع الخاصة ~~والمشتركة (20) هناك (21) (22) من النسب المختلفة المتبدلة الواقعة (23) ~~فيها بسبب (24) الحركة مبدأ لتغير الأحوال وتبدلها هاهنا ، وكذلك امتزاج ~~نسبتها هناك سبب لامتزاج نسب هذه العناصر أو معين. ولأجسام (25) السماويات ~~تأثير في أجسام هذا العالم بالكيفيات التي تخصها ، ويسري منها إلى هذا ~~العالم ، ولأنفسها تأثير أيضا (26) في أنفس هذا العالم. وبهذه المعاني يعلم ~~أن الطبيعة التي هي مدبرة لهذه الأجسام بالكمال ms270 (27) والصورة (28)، حادثة ~~عن النفس الفاشية (29) في الفلك ، أو بمعونتها (30). PageV01P412 # وقال قوم من المنتسبين إلى هذا (1) العلم (2): إن الفلك لأنه مستدير ~~فيجب أن يستدير على شيء ثابت في حشوه (3)، فيلزم محاكته (4) له التسخن حتى ~~يستحيل (5) نارا ، وما يبعد عنه (6) يبقى (7) ساكنا ، فيصير إلى التبرد (8) ~~والتكثف حتى يصير أرضا ، وما يلي النار منه يكون حارا ، ولكنه أقل حرارة ~~(9) من النار ، وما يلي الأرض منه يكون كثيفا ، ولكنه (10) أقل تكثفا (11) ~~من الأرض. وقلة الحر (12) وقلة التكثف (13) يوجبان الترطيب ، فإن اليبوسة ~~إما من الحر (14)، وإما من البرد ، لكن (15) الرطب الذي يلي الأرض هو أبرد ~~، والذي يلي النار هو أشد حرارة (16)، فهذا سبب كون العناصر ، فهذا هو ما ~~(17) قد قالوا (18) وليس مما (19) يمكن أن يصحح بالكلام القياسي ، ولا هو ~~بسديد عند التفتيش ، ويشبه أن يكون الأمر على قانون آخر ، وأن تكون هذه ~~المادة التي تحدث بالشركة يفيض إليها من الأجرام السماوية ، إما عن أربعة ~~أجرام ، وإما عن عدة منحصرة في أربع (20) جمل ، عن كل واحد منها (21) ما ~~يتهيأ (22) لصورة جسم بسيط. فإذا استعد نال (23) الصورة (24) من واهب الصور ~~، أو يكون ذلك كله يفيض عن جرم واحد ، وأن يكون هناك سبب يوجب انقساما من ~~الأسباب الخفية علينا ، فإنك إن أردت أن تعرف ضعف ما قالوه ، فتأمل أنهم ~~يوجبون أن يكون الوجود أولا للجسم ، وليس له في نفسه إحدى الصور المقومة ~~(25) غير الصورة (26) الجسمية ، وإنما (27) يكتسب سائر الصور بالحركة ~~والسكون ثانيا ، وبينا نحن قبل هذا (28) استحالة هذا ، وبينا أن الجسم لا ~~يستكمل له وجود بمجرد الصورة (29) الجسمية ، ما لم تقترن بها (30) صورة ~~(31) أخرى ، وليست صورته (32) المقيمة للهيولى الأبعاد فقط ، فإن الأبعاد ~~تتبع في وجودها صورا أخرى تسبق الأبعاد. وإن شئت فتأمل حال التخلخل من ~~الحرارة ، والتكاثف من البرودة ، بل الجسم لا يصير جسما (33) حتى يصير بحيث ~~يتبع غيره في الحركة ، PageV01P413 # حتى تسخنه متابعته تلك الحركات المتتابعة (1) التي بينا أنها ليست قسرية ~~بل طبيعية ، إلا وقد تمت طبيعته. لكن يجوز أن يكون إذا تمت طبيعته يستحفظ ~~بأصلح المواضع ms271 لاستحفاظها ، لأن (2) الحار يستحفظ حيث الحركة ، والبارد ~~يستحفظ حيث السكون ، ثم لا يفكرون (3) أنه لم وجب لبعض تلك (4) المادة أن ~~يهبط (5) إلى المركز ، فعرض (6) له البرودة (7)، ولبعضه (8) أن جاوز الفوق. # أما (9) الآن (10) فإن (11) السبب في ذلك معلوم. أما في الكليات فالخفة ~~والثقل ، وأما في جزئي عنصر واحد ، فلأنه قد صح أن أجزاء العناصر كائنة ، ~~وأنه إذا تكون جزء منه (12) في موضع ضرورة ، لزم (13) أن يكون سطح منه يلي ~~الفوق إذا تحرك فوق ، كان ذلك السطح أولى بالفوقية من السطح الآخر. وأما في ~~أول تكونه (14)، فإنما يصير سطح منه إلى فوق ، وسطح (15) إلى أسفل ، لأنه ~~لا محالة قد استحال (16) بحركة ما ، وأن الحركة أوجبت له (17) ضرورة وضعا ~~ما. فالأشبه عندي ما قد ذهبنا إليه ، وأظن أن الذي قال ذلك في تكون ~~الأسطقسات ، رام تقريبا للأمر عند بعض من كاتبه من العاميين ، فجزم عليه ~~القول من (18) تأخر عنه على أن كاتب (19) ذلك الكلام شديد التذبذب ~~والاضطراب. ### ||| * [ الفصل السادس ] ( و) فصل (20) * في العناية وبيان (21) كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي (22) # وخليق (23) بنا إذا (24) بلغنا هذا المبلغ ، أن نحقق القول في العناية ، ~~ولا شك (25) أنه قد اتضح لك مما (26) سلف منا بيانه أن العلل العالية لا ~~يجوز أن تكون تعمل ما تعمل لأجلنا (27)، أو تكون PageV01P414 # بالجملة يهمها (1) شيء (2)، ويدعوها (3) داع ويعرض لها (4) إيثار. ولا ~~لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكون العالم ، وأجزاء السماوات (5) ~~، وأجزاء الحيوان والنبات (6)، مما لا يصدر ذلك اتفاقا ، بل يقتضي تدبيرا ~~ما ، فيجب أن يعلم أن العناية هي كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود في ~~نظام الخير ، وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان ، وراضيا به على النحو ~~المذكور ، فيعقل نظام الخير على الوجه (7) الأبلغ في الإمكان ، فيفيض عنه ~~ما يعقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية ~~إلى النظام ، بحسب الإمكان ، فهذا هو معنى العناية. # واعلم أن الشر يقال على وجوه (8): فيقال (9) شر ، لمثل النقص الذي هو ~~الجهل والضعف والتشويه في الخلقة (10)، ويقال ms272 : شر (11)، لما هو مثل ~~الألم والغم الذي يكون (12) إدراك ما بسبب (13) لا فقد سبب فقط. فإن السبب ~~المنافي للخير المانع للخير ، والموجب لعدمه ، ربما كان مباينا لا يدركه ~~المضرور ، كالسحاب إذا ظلل فمنع شروق الشمس عن المحتاج إلى (14) أن يستكمل ~~بالشمس (15). فإن كان هذا المحتاج دراكا ، أدرك أنه (16) غير منتفع (17) ~~ولم يدرك من حيث يدرك (18) ذلك أن السحاب قد حال ، بل من حيث هو مبصر وليس ~~هو من حيث هو مبصر متأذيا بذلك ، متضررا أو منتقصا (19) بل من حيث هو شيء ~~آخر ، وربما كان مواصلا يدركه مدرك عدم السلامة كمن (20) يتألم (21) بفقدان ~~(22) اتصال عضو بحرارة ممزقة (23)، فإنه من حيث يدرك (24) فقدان الاتصال ~~بقوة في نفس ذلك العضو ، يدرك المؤذي الحار أيضا ، فيكون قد اجتمع هناك ~~إدراكان : إدراك على نحو ما سلف من إدراكنا الأشياء العدمية ، وإدراك على ~~ما نحو (25) سلف من إدراكنا الأمور الوجودية وهذا المدرك الوجودي ليس شرا PageV01P415 # في نفسه بل (1) بالقياس إلى هذا الشيء. وأما عدم كماله وسلامته فليس شرا ~~بالقياس إليه فقط ، حتى يكون له (2) وجود ليس هو به (3) شرا ، بل وليس (4) ~~نفس وجوده إلا شرا فيه ، وعلى نحو كونه شرا ، فإن العمى لا يجوز إلا (5) أن ~~يكون (6) في العين ، ومن حيث هو في العين لا يجوز أن يكون إلا (7) شرا ، ~~وليس له جهة أخرى حتى (8) يكون بها غير شر. وأما الحرارة مثلا إذا صارت شرا ~~(9) بالقياس إلى المتألم بها ، فلها جهة أخرى تكون بها غير شر (10)، فالشر ~~بالذات هو العدم ولا كل عدم ، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة ~~(11) لنوعه (12) وطبيعته ، والشر بالعرض هو المعدوم (13)، أو الحابس (14) ~~للكمال عن مستحقه ، ولا خير عن عدم مطلق إلا عن لفظه ، فليس هو بشر حاصل ، ~~ولو كان له حصول ما (15) لكان (16) الشر العام. فكل شيء وجوده على كماله ~~(17) الأقصى ، وليس فيه ما بالقوة ، فلا يلحقه شر (18)، وإنما الشر (19) ~~يلحق (20) ما (21) في طباعه ما بالقوة (22)، وذلك لأجل المادة. والشر يلحق ~~المادة لأمر أول يعرض لها في نفسها (23)، ولأمر ms273 (24) طارئ من بعد. فأما ~~الأمر الذي في نفسها (25)، فأن (26) يكون قد عرض (27) لمادة ما في أول ~~وجودها بعض أسباب الشر الخارجة ، فتمكن منها هيئة من الهيئات ، تلك الهيئة ~~يمانع (28) استعدادها الخاص الكمال الذي منيت (29) بشر يوازيه (30)، مثل ~~المادة التي يتكون منها إنسان أو فرس ، إذا عرض لها من الأسباب الطارئة ما ~~جعلها أردأ مزاجا وأعصى (31) جوهرا ، فلم تقبل التخطيط والتشكيل والتقويم ، ~~فتشوهت (32) الخلقة ولم يوجد المحتاج إليه من كمال المزاج والبنية ، لا لأن ~~الفاعل (33) حرم ، بل لأن المنفعل لم يقبل. وأما الأمر الطارئ من خارج فأحد ~~شيئين : إما مانع وحائل ومبعد للمكمل (34)، وإما مضاد وأصل ممحق (35) ~~للكمال. PageV01P416 # مثال الأول وقوع سحب كثيرة وتراكمها ، وأظلال جبال شاهقة تمنع تأثير ~~الشمس في الثمار على الكمال. # ومثال الثاني حبس (1) البرد للنبات المصيب لكماله في وقته ، حتى يفسد ~~الاستعداد الخاص وما يتبعه (2). وجميع سبب الشر أنما يوجد فيما تحت فلك ~~(3) القمر وجملة ما تحت فلك القمر طفيف (4) بالقياس إلى سائر الوجود كما علمت. # ثم الشر أنما يصيب أشخاصا ، وفي أوقات. والأنواع محفوظة ، وليس الشر ~~الحقيقي يعم أكثر الأشخاص ، إلا نوعا من الشر. واعلم أن الشر الذي هو (5) ~~بمعنى العدم ، إما أن يكون شرا بحسب أمر واجب أو نافع قريب من الواجب ، ~~وإما أن لا يكون شرا بحسب ذلك ، بل شرا بحسب الأمر الذي هو ممكن في الأقل ~~(6). ولو وجد كان (7) على سبيل ما هو فضل من الكمالات التي بعد الكمالات ~~الثانية ، ولا مقتضى (8) له من طباع الممكن هو فيه. وهذا القسم غير الذي ~~(9) نحن فيه ، وهو الذي استثنيناه ، هذا وليس هو شرا بحسب النوع ، بل بحسب ~~اعتبار زائد على واجب النوع كالجهل بالفلسفة ، أو بالهندسة (10) أو غير ذلك ~~، فإن ذلك ليس (11) شرا من جهة ما نحن ناس ، بل هو شر بحسب كمال الإصلاح ~~(12) في أن يعم ، وستعرف (13) أنه (14) أنما (15) يكون بالحقيقة شرا إذا ~~اقتضاه شخص إنسان ، أو شخص نفسه ، وإنما يقتضيه الشخص لا لأنه إنسان أو نفس ~~، بل لأنه قد ثبت عنده حسن (16) ذلك ms274 واشتاق إليه (17)، واستعد (18) لذلك ~~الاستعداد كما سنشرح لك (19) بعد. وأما قبل ذلك فليس مما ينبعث الشيء إليه ~~(20) في بقاء طبيعة النوع انبعاثه إلى الكمالات الثانية التي تتلو الكمال ~~(21) الأول ، فإذا لم يكن ، كان عدما في أمر ما (22) يقتضي (23) في الطباع. ~~فالشر في أشخاص الموجودات قليل ، PageV01P417 # ومع ذلك فإن وجود (1) (2) الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير ~~، فإن هذه العناصر لو لم تكن (3) بحيث تتضاد وتنفعل عن الغالب (4)، لم ~~يمكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة ، ولو لم تكن النار منها بحيث إذا ~~تأدت بها المصادمات الواقعة في مجرى الكل على الضرورة إلى ملاقاة رداء رجل ~~شريف ، وجب احتراقه (5)، لم تكن النار منتفعا بها النفع العام ، فوجب ~~ضرورة عن يكون الخير الممكن في هذه الأشياء إنما يكون خيرا بعد أن يمكن ~~وقوع مثل هذا الشر عنه ومعه ، فإفاضة (6) الخير لا توجب أن يترك الخير ~~الغالب لشر يندر ، فيكون تركه شرا من ذلك الشر ، لأن عدم ما يمكن في طباع ~~المادة وجوده إذا كان عدمان (7) شرا من عدم واحد ، ولهذا ما يؤثر العاقل ~~الاحتراق (8) بالنار بشرط أن يسلم منها حيا على الموت بلا ألم. فلو ترك هذا ~~القبيل من الخير لكان يكون ذلك شرا فوق هذا الشر الكائن بإيجاده ، وكان (9) ~~في مقتضى العقل المحيط بكيفية وجوب (10) الترتيب في نظام الخير أن يعقل ~~استحقاق مثل هذا النمط من الأشياء وجودا مجوزا ما يقع معه من الشر ضرورة ، ~~فوجب أن يفيض وجوده ، فإن قال قائل : فقد كان جائزا أن يوجد المدبر الأول ~~خيرا محضا مبرأ عن الشر ، فنقول (11): هذا لم يكن جائزا في مثل هذا النمط ~~من الوجود ، وإن (12) كان جائزا في الوجود المطلق على أنه ضرب من الوجود ~~المطلق مبرأ ، ليس (13) هذا الضرب ، وذلك مما قد فاض عن المدبر الأول ، ~~ووجد في الأمور العقلية والنفسية والسماوية ، وبقي هذا النمط في الإمكان ~~ولم يكن (14) ترك إيجاده لأجل ما قد (15) يخالطه (16) من الشر الذي إذا لم ~~يكن مبدؤه موجودا أصلا ، وترك (17) لئلا (18) يكون هذا ms275 الشر كان ذلك شرا من ~~أن يكون هو فكونه خير الشرين ، ولكان أيضا يجب أن لا توجد الأسباب الخيرية ~~التي هي قبل هذه الأسباب التي تؤدي إلى الشر بالعرض ، فإن وجود تلك مستتبع ~~لوجود هذه ، فكان فيه أعظم خلل في نظام الخير (19) الكلي (20)، بل وإن لم ~~نلتفت إلى ذلك ، وقصرنا (21) التفاتنا PageV01P418 # إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود من (1) أصناف الموجودات (2) ~~المختلفة في أحوالها ، فكان (3) الوجود (4) المبرأ من الشر قد حصل (5)، ~~وبقي نمط من الوجود إنما يكون على هذه (6) السبيل ، ولا كونه أعظم شرا من ~~كونه ، فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض عنه الوجود الذي هو أصوب ، وعلى ~~النمط الذي قيل ، بل نقول من رأس (7): إن الشر يقال على وجوه ، فيقال (8) ~~شر للأفعال المذمومة ، ويقال (9) شر لمبادئها من (10) الأخلاق (11)، ويقال ~~شر للآلام والغموم وما يشبهها (12)، ويقال شر النقصان كل شيء عن كماله ~~وفقدانه ما من شأنه أن يكون له. فكان الآلام والغموم ، وإن كانت معانيا ~~وجودية ليست أعداما (13)، فإنها تتبع الأعدام والنقصان ، والشر الذي هو ~~(14) في الأفعال هو أيضا أنما هو بالقياس إلى من (15) يفقد (16) كماله (17) ~~بوصول ذلك إليه ، مثل الظلم أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال (18) يجب في ~~السياسة الدينية (19) كالزنا ، وكذلك الأخلاق إنما هي شرور بسبب (20) صدور ~~(21) هذه عنها وهي مقارنة لإعدام النفس كمالات يجب أن تكون لها ، ولا تجد ~~شيئا مما يقال له شر من الأفعال إلا وهو كمال بالقياس إلى سببه (22) الفاعل ~~له ، وعسى أنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له ، أو بالقياس إلى فاعل ~~آخر يمنع عن فعله في تلك المادة التي (23) هو أولى بها من هذا الفعل ، ~~فالظلم يصدر مثلا (24) عن (25) قوة طلابة (26) للغلبة وهي الغضبية مثلا ~~(27)، والغلبة (28) هي كمالها ، ولذلك خلقت من حيث هي غضبية ، يعني (29) ~~أنها (30) خلقت لتكون متوجهة إلى الغلبة ، تطلبها (31) وتفرح بها ، فهذا ~~الفعل بالقياس إليها خير لها ، إن ضعفت عنه (32)، فهو بالقياس إليها شر ~~لها ، وإنما (33) هي شر للمظلوم ، أو للنفس (34) النطقية التي كمالها كسر ~~هذه ms276 القوة والاستيلاء عليها ، فإن عجزت عنه كان شرا لها ، وكذلك السبب PageV01P419 # في (1) الفاعل (2) للآلام والإحراق كالنار إذا أحرقت (3) مثلا فإن ~~الإحراق كمال للنار (4)، لكنه شر بالقياس إلى من سلب سلامته بذلك ، ~~لفقدانه (5) ما فقد. وأما الشر الذي سببه النقصان وقصور يقع في الجبلة ، ~~وليس (6) فاعلا فعله ، بل لأن الفاعل لم يفعله ، فليس ذلك بالحقيقة خيرا ~~بالقياس إلى شيء ، وأما (7) الشرور التي تتصل بأشياء هي خيرات ، فإنما هي ~~من سببين : سبب من جهة (8) المادة أنها قابلة للصورة والعدم ، وسبب من جهة ~~الفاعل ، فإنه لما وجب أن يكون عنه الماديات ، وكان مستحيلا أن يكون للمادة ~~(9) وجود الوجود الذي يغني (10) غناء المادة ويفعل فعل المادة إلا أن يكون ~~قابلا للصورة والعدم ، وكان مستحيلا أن لا يكون قابلا للمتقابلات ، وكان ~~مستحيلا أن يكون للقوى الفعالة أفعال مضادة (11) لأفعال أخرى ، قد حصل ~~وجودها (12) وهي لا تفعل فعلها ، فإنه من المستحيل (13) أن يخلق ما يراد ~~منه الغرض المقصود بالنار ، وهي لا تحرق ، ثم كان (14) الكل أنما (15) يتم ~~بأن يكون فيه محترق (16) ومسخن (17)، وأن يكون فيه محرق مسخن لم يكن بد من ~~أن يكون الغرض النافع في وجود هذين يستتبع (18) آفات تعرض من الإحراق ~~والاحتراق (19)، كمثل إحراق (20) النار عضو إنسان ناسك ، لكن الأمر ~~الأكثري هو حصول الخير المقصود في الطبيعة ، والأمر الدائم أيضا. أما ~~الأكثري فإن أكثر أشخاص (21) الأنواع في كنف السلامة من الاحتراق (22)، ~~وأما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام (23) إلا بوجود (24) ~~مثل النار على أن تكون محرقة ، وفي الأقل ما يصدر عن النيران الآفات التي ~~تصدر عنها ، وكذلك في سائر تلك الأسباب المشابهة لذلك ، فما كان يحسن أن ~~تترك (25) المنافع الأكثرية والدائمة لأغراض شرية أقلية ، فأريدت الخيرات ~~الكائنة عن هذه الأشياء إرادة أولية (26) على (27) الوجه الذي يصلح (28) أن ~~يقال : إن الله تعالى (29) يريد الأشياء ، وأريد (30) الشر أيضا (31) PageV01P420 # على الوجه الذي بالعرض ، إذ (1) علم أنه يكون ضرورة فلم يعبأ به (2)، ~~فالخير مقتضى (3) بالذات والشر مقتضى (4) بالعرض وكل بقدر. وكذلك فإن ~~المادة قد علم من ms277 أمرها أنها تعجز عن أمور ، وتقصر (5) عنها الكمالات في ~~أمور ، لكنها يتم لها ما لا نسبة له كثيرا (6) إلى ما يقصر عنها ، فإذا كان ~~كذلك فليس من الحكمة الإلهية أن تترك الخيرات الفائقة (7) الدائمة ، ~~والأكثرية لأجل شرور في أمور شخصية غير دائمة ، بل نقول : إن الأمور في ~~الوهم إما أمور إذا توهمت موجودة ، يمتنع (8) أن تكون إلا شرا على الإطلاق ~~، وإما أمور وجودها أن يكون خيرا ، ويمتنع أن تكون شرورا وناقصة ، وإما ~~أمور تغلب فيها (9) الخيرية إذا وجدت وجودها ، ولا يمكن غير ذلك لطباعها ، ~~وإما أمور تغلب فيها الشرية (10)، وإما أمور متساوية الحالين. فأما (11) ~~ما لا شرية (12) فيه ، فقد وجد في الطباع ، وأما ما كله شر أو الغالب أو ~~المساوي (13) أيضا ، فلم يوجد. وأما الذي (14) الغالب في وجوده الخير ~~فالأحرى به أن يوجد ، إذا (15) كان الأغلب (16) فيه أنه خير. # فإن قيل : فلم لم تمنع الشرية عنه أصلا. حتى كان يكون كله خيرا ، فيقال ~~حينئذ لم يكن هي هي إذ قلنا إن وجودها الوجود الذي يستحيل أن يكون ، بحيث ~~لا يعرض عنها شر فإذا صيرت بحيث لا يعرض عنها شر فلا يكون وجودها الوجود ~~الذي لها بل يكون وجود أشياء أخرى وجدت وهي غيرها وهي حاصلة. أعني ما خلق ~~بحيث لا يلزمه شر لزوما أوليا (17). ومثال هذا ، أن النار إذا كان وجودها ~~(18) أن تكون محرقة ، وكان (19) وجود المحرق هو أنه إذا مس ثوب الفقير ~~أحرقه ، وكان (20) وجود ثوب الفقير أنه قابل للاحتراق (21) وكان (22) وجود ~~كل واحد منهما (23) أن يعرض له حركات شيء ، وكان وجود الحركات الشتى (24) PageV01P421 # في الأشياء على هذه الصفة وجود ما يعرض (1) له الالتقاء ، وكان وجود ~~الالتقاء بين الفاعل والمنفعل بالطبع وجودا يلزمه الفعل والانفعال ، فإن لم ~~تكن الثواني (2) لم تكن الأوائل ، فالكل أنما رتبت (3) فيه (4) القوى ~~الفعالة (5) والمنفعلة السماوية والأرضية الطبيعية (6) والنفسانية ، بحيث ~~تؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون (7) هي على ما هي عليه ولا تؤدي ~~إلى شرور. فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض ms278 أن يحدث في نفس ما ~~(8) صورة اعتقاد ردىء أو كفر أو شر (9) آخر (10) في نفس أو بدن ، بحيث لو ~~لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت (11)، فلم يعبأ ولم يلتفت إلى ~~اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. وقيل : خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ، ~~وخلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وقيل : كل ميسر لما خلق له. # فإن قال قائل : ليس الشر شيئا نادرا أو أقليا ، بل هو أكثري. فليس هو ~~(12) كذلك بل الشر كثير ، وليس بأكثري ، وفرق بين الكثير والأكثري ، فإن ~~هاهنا أمورا كثيرة (13) هي كثيرة وليست بأكثرية (14) كالأمراض ، فإنها ~~كثيرة وليست أكثرية (15). فإذا (16) تأملت هذا الصنف الذي نحن في ذكره من ~~الشر (17) وجدته أقل من الخير الذي يقابله ، ويوجد في مادته فضلا عنه ~~بالقياس إلى الخيرات الأخرى الأبدية. نعم الشرور التي هي نقصانات للكمالات ~~الثانية هي (18) أكثرية ، لكنها ليست من الشرور التي كلامنا فيها ، وهذه ~~الشرور مثل الجهل بالهندسة (19)، ومثل فوت (20) الجمال الرائع وغير ذلك ~~مما (21) لا يضر في الكمالات (22) الأولى ، ولا في الكمالات التي تليها مما ~~يظهر منفعتها ، وهذه الشرور ليست بفعل فاعل ، بل لأن (23) (24) لا يفعل ~~(25) الفاعل لأجل أن القابل ليس مستعدا أو ليس (26) يتحرك (27) إلى القبول. ~~وهذه الشرور هي أعدام خيرات من باب الفضل والزيادة. PageV01P422 ### ||| * [ الفصل السابع ] ( ز ) فصل (1) في المعاد # وبالحري (2) أن نحقق هاهنا أحوال الأنفس (3) الإنسانية إذا فارقت أبدانها ~~، وأنها (4) إلى أية (5) حال (6) ستصير ، فنقول : يجب أن يعلم أن المعاد ~~منه ما هو منقول (7) من (8) الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق (9) ~~الشريعة وتصديق خبر النبوة (10) وهو الذي للبدن عند البعث ، وخيرات البدن ~~وشروره معلومة (11) لا يحتاج إلى أن (12) تعلم ، وقد بسطت الشريعة الحقة ~~التي أتانا بها نبينا (13) وسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى (14) ~~آله (15) حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن. # ومنه ما هو مدرك (16) بالعقل والقياس البرهاني وقد صدقته النبوة وهو ~~السعادة والشقاوة (17) الثابتتان بالقياس (18) اللتان للأنفس وإن كانت ~~الأوهام هاهنا (19) تقصر عن تصورهما (20) الآن لما نوضح من العلل ، ~~والحكماء الإلهيون رغبتهم في ms279 إصابة (21) هذه السعادة (22) أعظم من رغبتهم ~~في إصابة السعادة البدنية ، بل كأنهم لا يلتفتون (23) إلى تلك ، وإن أعطوها ~~، ولا يستعظمونها في جنبة هذه السعادة التي هي (24) مقاربة الحق الأول ، ~~وهي على ما سنصفها (25) عن قريب ، فلنعرف حال هذه السعادة ، والشقاوة ~~المضادة لها فإن البدنية مفروغ منها (26) في الشرع ، فنقول : يجب أن تعلم ~~أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها وأذى وشرا يخصها ، مثاله أن لذة الشهوة ~~وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملاءمة من الخمسة ، ولذة الغضب الظفر ، ~~ولذة الوهم الرجاء ، ولذة الحفظ تذكر (27) الأمور الموافقة الماضية. PageV01P423 # وأذى كل واحد منها ما يضاده ويشترك (1) كلها نوعا من الشركة في أن الشعور ~~بموافقتها (2) وملائمتها (3) هو الخير واللذة الخاصة بها ، وموافق كل واحد ~~منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال (4) بالفعل ~~، فهذا (5) أصل. # وأيضا فإن هذه القوى وإن اشتركت (6) في هذه المعاني فإن مراتبها في ~~الحقيقة مختلفة ، فالذي كماله أفضل وأتم ، والذي كماله أكثر ، والذي كماله ~~أدوم ، والذي كماله أوصل إليه وأحصل له ، والذي هو في نفسه أكمل فعلا وأفضل ~~(7)، والذي هو في نفسه أشد إدراكا ، فاللذة التي له هي (8) أبلغ وأوفر (9) ~~لا محالة ، وهذا أصل. # وأيضا فإنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم (10) أنه كائن ~~ولذيذ ولا يتصور كيفيته ولا يشعر بالتذاذه ما لم يحصل ، وما لم يشعر به لم ~~يشتق إليه ولم ينزع نحوه ، مثل العنين (11) فإنه متحقق (12) أن للجماع لذة ~~لكنه (13) لا يشتهيه ولا يحن نحوه (14) الاشتهاء والحنين اللذين يكونان ~~مخصوصين به ، بل شهوة (15) أخرى كما يشتهي من يجرب من حيث يحصل به (16) ~~إدراك وإن (17) كان مؤذيا ، وبالجملة (18)، فإنه (19) لا يتخيله. وكذلك ~~حال الأكمه عند الصور الجميلة ، والأصم عند الألحان المنتظمة ، ولهذا يجب ~~أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهي (20) كما (21) للحمار (22) في بطنه وفرجه ~~، وأن المبادي الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة اللذة (23) والغبطة ، ~~وأن (24) رب العالمين ليس له في سلطانه وخاصيته البهاء الذي له وقوته الغير ~~المتناهية أمر ms280 في غاية الفضيلة والشرف والطيب (25) نجله عن (26) أن نسميه ~~(27) لذة ، وللحمار (28) والبهائم حالة طيبة ولذيذة ، كلا (29) بل أي نسبة ~~تكون لما للعالية إلى هذه الخسيسة ، ولكنا (30) نتخيل هذا ونشاهده ولم نعرف PageV01P424 # ذلك بالاستشعار بل بالقياس ، فحالنا عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط (1) ~~، في عدم (2) تخيل اللذة اللحنية وهو متيقن (3) لطيبها (4)، وهذا أصل. # وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر (5) للقوة الدراكة وهناك مانع ~~أو شاغل (6) للنفس فتكرهه وتؤثر ضده عليه مثل كراهية (7) بعض المرضى للطعم ~~(8) الحلو وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات (9)، وربما لم يكن كراهية ~~، ولكن كان عدم الاستلذاذ به كالخائف يجد (10) الغلبة أو اللذة فلا يشعر ~~بها (11) ولا يستلذها (12)، وهذا أصل. # وأيضا فإنه (13) قد تكون القوة الدراكة ممنوة بضد ما (14) هو كمالها ولا ~~تحس به ولا تنفر عنه حتى إذا زال (15) العائق ورجعت إلى غريزتها تأذت به ~~(16) مثل (17) الممرور فربما لا (18) يحس بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه ~~ويستنقي أعضاءه ، فحينئذ ينفر (19) عن الحال (20) العارضة له (21)، وكذلك ~~(22) قد يكون الحيوان غير مشته للغذاء البتة ، بل (23) كارها له ، وهو أوفق ~~شيء له ويبقى عليه مدة طويلة ، فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه ، ~~فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه (24) ويهلك عند فقدانه ، وقد ~~يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق (25) النار وتبريد الزمهرير إلا أن الحس ~~مئوف فلا يتأذى البدن (26) به حتى تزول الآفة فيحس حينئذ بالألم العظيم. # فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض (27) الذي نؤمه فنقول : ~~إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة ~~(28) الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئة (29) من ~~مبدإ الكل سالكة (30) إلى الجواهر (31) PageV01P425 # الشريفة (1) الروحانية المطلقة ثم الروحانية (2) المتعلقة نوعا ما (3) ~~بالأبدان ، ثم الأجسام (4) العلوية بهيئاتها وقواها (5)، ثم كذلك حتى ~~تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله ، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم ~~الموجود كله مشاهدة (6) لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق ~~المطلق (7) ومتحدة (8) به ومنتقشة (9) بمثاله وهيئته ومنخرطة (10) في سلكه ms281 ~~وصائرة (11) من جوهره ، فإذا (12) قيس هذا (13) بالكمالات المعشوقة التي ~~للقوى الأخرى وجد (14) في المرتبة التي (15) بحيث يقبح (16) معها أن يقال : ~~إنه أفضل وأتم منها بل لا نسبة لها (17) إليه بوجه من الوجوه فضيلة وتماما ~~وكثرة سائر ما يتم به التذاذ (18) المدركات مما ذكرناه (19). وأما (20) ~~الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي (21) بدوام المتغير الفاسد. وأما شدة ~~الوصول فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في ~~جوهر (22) قابله حتى يكون كأنه هو هو (23) بلا انفصال ، إذ (24) العقل ~~والعاقل والمعقول واحد أو قريب (25) من الواحد ، وأما أن المدرك في نفسه ~~أكمل فأمر لا يخفى ، وأما أنه أشد إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل (26) ~~وتذكر (27) لما سلف بيانه ، فإن النفس النطقية أكثر (28) عدد مدركات ، وأشد ~~(29) تقصيا للمدرك وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا ~~بالعرض ولها (30) الخوض في باطن المدرك وظاهره (31)، بل كيف يقاس هذا (32) ~~الإدراك بذلك الإدراك (33) أو كيف (34) تقاس هذه (35) اللذة باللذة الحسية ~~والبهيمية والغضبية ، ولكنا (36) في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في ~~الرذائل لا نحس بتلك اللذة إذا حصل عندنا شيء من أسبابها كما أومأنا إليه ~~في بعض ما قدمناه من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن (37) إليها اللهم إلا ~~أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما (38) عن أعناقنا (39)، ~~وطالعنا شيئا من تلك PageV01P426 # اللذة ، فحينئذ ربما تخيلنا منها (1) خيالا طفيفا ضعيفا (2)، وخصوصا (3) ~~عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفسية ونسبة التذاذنا هذا إلى ~~التذاذنا ذلك ، ونسبة الالتذاذ الحسي بنشق روائح المذاقات اللذيذة إلى ~~الالتذاذ بتطعمها ، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود. # وأنت (4) تعلم (5) إذا تأملت عويصا يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين ~~الظفرين ، استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس ، والأنفس العامية أيضا فإنها ~~تترك الشهوات المعترضة (6) وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح (7) ~~أو خجل أو تغيير (8) أو سوء قالة. وهذه كلها أحوال عقلية تؤثر هي وأضداد ( ~~ها ) (9) على المؤثرات الطبيعية ويصبر لها (10) على المكروهات الطبيعية ~~فيعلم (11) من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على النفس ms282 (12) من محقرات ~~الأشياء فكيف في الأمور البهية العالية؟ إلا أن النفس (13) الخسيسة تحس بما ~~يلحق المحقرات (14) من الخير والشر ، ولا تحس بما (15) يلحق الأمور (16) ~~البهية لما قيل من المعاذير. # وأما إذا انفصلنا عن البدن ، وكانت النفس منا تنبهت في البدن لكمالها ~~الذي هو معشوقها ولم تحصله ، وهي بالطبع نازعة إليه إذ (17) عقلت بالفعل ~~أنه موجود. إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها كما ~~ينسي المرض (18) الحاجة إلى بدل ما يتحلل وكما ينسي المرض (19) الاستلذاذ ~~بالحلو (20) واشتهاءه ، ويميل بالشهوة (21) من المريض إلى المكروهات في ~~الحقيقة عرض لها حينئذ (22) من الألم لفقدانه (23) كفاء ما يعرض (24) من ~~اللذة التي أوجبنا وجودها (25) ودللنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك هو ~~الشقاوة والعقوبة التي لا يعد لهما (26) تفريق النار PageV01P427 # للاتصال (1) وتبديل الزمهرير للمزاج (2)، فيكون مثلنا (3) حينئذ مثل ~~الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف ، أي (4) الذي قد (5) عملت (6) فيه نار أو ~~زمهرير (7)، فمنعت المادة الملابسة (8) وجه الحس عن الشعور به فلم يتأذ ، ~~ثم عرض أن زال العائق (9) فشعر بالبلاء العظيم. وأما إذا كانت القوة ~~العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل ~~(10) الاستكمال التام (11) الذي لها أن تبلغه ، كان مثلها مثل الخدر الذي ~~أذيق المطعم (12) الألذ وعرض للحالة (13) الأشهى وكان لا يشعر به ، فزال ~~عنه الخدر وطالع (14) اللذة العظيمة دفعة ، وتكون تلك اللذة لا من جنس ~~اللذة الحسية والحيوانية بوجه (15)، بل لذة تشاكل الحال (16) الطيبة التي ~~هي للجواهر الحية المحضة ، وهي أجل من كل لذة وأشرف. # فهذه (17) هي (18) السعادة وتلك هي الشقاوة ، وتلك الشقاوة ليست تكون لكل ~~واحد من الناقصين ، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق (19) إلى كمالها ~~وذلك عند ما يبرهن لهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من ~~المعلوم والاستكمال بالفعل ، فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول ، ولا أيضا في ~~(20) سائر القوى ، بل شعور أكثر القوى بكمالاتها أنما يحدث بعد أسباب. وأما ~~النفوس والقوى الساذجة الصرفة ، فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة هذا ms283 ~~الشوق (21)، لأن هذا الشوق أنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس إذا برهن ~~(22) للقوة النفسانية أن هاهنا أمورا يكتسب العلم بها بالحدود الوسطى على ~~ما عملت. وأما قبل ذلك فلا يكون ، لأن هذا الشوق يتبع رأيا ، إذ كل شوق ~~يتبع رأيا ، وليس هذا الرأي للنفس رأيا (23) أوليا بل رأيا مكتسبا. فهؤلاء ~~إذا اكتسبوا (24) هذا الرأي ، لزم النفس ضرورة هذا الشوق ، وإذا (25) فارقت ~~(26) ولم (27) يحصل معها (28) ما تبلغ (29) به (30) بعد الانفصال التام PageV01P428 # وقعت (1) في هذا النوع من الشقاء الأبدي ، لأن أوائل الملكة العلمية أنما ~~كانت (2) تكتسب بالبدن لا غير وقد فات ، وهؤلاء إما مقصرون عن السعي في كسب ~~الكمال الأسنى (3)، وإما معاندون جاحدون (4) متعصبون لآراء فاسدة مضادة ~~للآراء الحقيقية ، والجاحدون (5) أسوأ حالا لما اكتسبوا من هيئات مضادة ~~للكمال. وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور (6) المعقولات ~~حتى يجاوز به الحد الذي في مثله تقع هذه الشقاوة ، وفي تعديه وجوازه (7) ~~ترجى هذه السعادة ، فليس يمكنني (8) أن أنص عليه نصا إلا بالتقريب. وأظن أن ~~ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادي المفارقة (9) تصورا حقيقيا ، وتصدق بها ~~(10) تصديقا يقينيا لوجودها عندها (11) بالبرهان وتعرف العلل الغائية ~~للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ، وتتقرر ~~عندها (12) هيئة الكل ونسب (13) أجزاء (14) بعضها إلى بعض ، والنظام الآخذ ~~من المبدإ (15) الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه ، وتتصور (16) ~~العناية وكيفيتها ، وتتحقق أن الذات المتقدمة للكل أي وجود يخصها ، وأية ~~(17) وحدة تخصها ، وأنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه من الوجوه ~~، وكيف ترتيب نسبة الموجودات إليها. ثم كلما ازداد الناظر استبصارا ازداد ~~للسعادة (18) استعدادا ، وكأنه (19) ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم ~~وعلائقه إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق إلى ما هناك ~~وعشق لما هناك فصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة. # ونقول أيضا : إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من ~~النفس ، ولنقدم (20) لذلك مقدمة ، وكأنا قد ذكرناها فيما سلف ، فنقول : إن ~~الخلق هو ms284 ملكة يصدر بها من (21) النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية ، ~~وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين (22) الضدين لا بأن ~~نفعل أفعال التوسط دون أن تحصل ملكة التوسط ، PageV01P429 # بل أن تحصل التوسط ، وملكة التوسط (1) كأنها (2) موجودة للقوة الناطقة ~~وللقوى (3) الحيوانية معا ، أما القوى (4) الحيوانية فبأن (5) تحصل فيها ~~هيئة الإذعان ، وأما القوة (6) الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء ~~والانفعال ، كما أن ملكة الإفراط والتفريط موجودة للقوة الناطقة وللقوى (7) ~~الحيوانية معا ، ولكن بعكس هذه النسبة. ومعلوم أن الإفراط والتفريط هما ~~مقتضى (8) القوى (9) الحيوانية ، وإذا قويت القوى (10) الحيوانية وحصل لها ~~ملكة استعلائية حدثت (11) في النفس الناطقة هيئة إذعانية وأثر انفعالي قد ~~رسخ في النفس الناطقة من شأنها أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة ~~الانصراف إليه. # وأما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانقيادية وتبقية ~~النفس الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه (12)، وذلك غير ~~مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن ، بل عن جهته ، فإن المتوسط (13) ~~يسلب عنه (14) الطرفان (15) دائما. ثم جوهر النفس إنما كان البدن هو الذي ~~يغمره ويلهيه ، ويغفله عن الشوق الذي يخصه ، وعن (16) طلب الكمال الذي له ، ~~وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له ، والشعور (17) بألم الكمال (18) إن قصر ~~عنه ، لا بأن النفس منطبعة في البدن أو منغمسة (19) فيه ، ولكن العلاقة ~~(20) التي كانت بينهما (21) وهو الشوق الجبلي إلى تدبيره والاشتغال بآثاره ~~وبما (22) تورده (23) عليه من عوارضه ، وبما يتقرر فيه من ملكات (24) ~~مبدؤها البدن ، فإذا فارق وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كان (25) ~~قريب الشبه من حاله (26) وهو فيه ، فبما ينقص من ذلك تزول غفلته عن حركة ~~الشوق الذي له إلى كماله (27)، وبما يبقى (28) منه معه يكون (29) محجوبا ~~عن (30) الاتصال الصرف بمحل (31) سعادته (32)، ويحدث هناك من الحركات ~~المشوشة (33) ما يعظم PageV01P430 # أذاه (1). ثم إن تلك الهيئة البدنية مضادة لجوهرها مؤذية له (2)، وإنما ~~(3) كان يلهيها عنها (4) أيضا البدن وتمام انغماسها فيه ، فإذا (5) فارقت ~~(6) النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة وتأذت بها أذى عظيما ، لكن ms285 هذا ~~الأذى وهذا الألم ليس لأمر (7) لازم ، بل لأمر (8) عارض غريب ، والأمر ~~العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ، ويزول ويبطل مع ترك الأفعال التي كانت ~~تثبت تلك الهيئة بتكررها ، فيلزم إذن (9) أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك ~~غير خالدة ، بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها. # وأما النفوس البله التي لم تكتسب (10) الشوق فإنها إذا فارقت البدن وكانت ~~غير مكتسبة للهيئات الردية صارت (11) إلى سعة من (12) رحمة الله تعالى (13) ~~ونوع من الراحة ، وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية وليس لها (14) ~~عندها هيئة غير ذلك ولا معنى تضاده وتنافيه (15) فتكون لا محالة ممنوة ~~بشوقها إلى (16) مقتضاها ، فتتعذب (17) عذابا شديدا بفقد (18) البدن ~~ومقتضيات (19) البدن من غير أن يحصل المشتاق إليه ، لأن آلة ذلك قد (20) ~~بطلت وخلق التعلق بالبدن قد بقي. # ويشبه أيضا (21) أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا وهو أن هذه الأنفس إن ~~كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون ~~لأمثالهم على مثل ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور ذلك في أنفسهم من ذلك ~~(22)، فإنهم إذا فارقوا الأبدان (23) ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة ~~التي (24) فوقهم ، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة ، ولا شوق كمال (25) فيشقوا ~~تلك الشقاوة ، بل جميع (26) هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل منجذبة ~~إلى (27) الأجسام ، ولا منع من المواد (28) السماوية من أن (29) تكون ~~موضوعة لفعل (30) نفس فيها ، قالوا فإنها تتخيل (31) PageV01P431 # جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال (1) الأخروية ، وتكون الآلة (2) يمكنها ~~بها (3) التخيل شيئا من الأجرام السماوية فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا ~~من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية ، وتكون الأنفس الردية أيضا تشاهد ~~العقاب بحسب ذلك المصور لهم في الدنيا وتقاسيه ، فإن الصور (4) الخيالية ~~(5) ليست تضعف عن الحسية بل تزداد (6) عليها تأثيرا وصفاء (7) كما يشاهد في ~~المنام ، فربما كان المحلوم (8) به أعظم شأنا في بابه من المحسوس ، على أن ~~الأخروي (9) أشد استقرارا من الموجود (10) في المنام بحسب قلة العوائق ~~وتجرد النفس وصفاء القابل ، وليست ms286 (11) الصورة التي ترى في المنام ، بل ولا ~~(12) التي (13) تحس في اليقظة ، كما علمت ، إلا المرتسمة في النفس. إلا أن ~~أحدهما (14) يبتدئ من باطن وينحدر إليه ، والثاني يبتدئ من خارج ويرتفع ~~إليه ، فإذا ارتسم في النفس تم هناك الإدراك (15) المشاهد ، وإنما (16) يلذ ~~ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا الموجود من خارج (17)، فكلما (18) ~~ارتسم في النفس فعل فعله وإن (19) لم يكن يسبب (20) من خارج ، فإن السبب ~~الذاتي هو هذا المرتسم ، والخارج هو سبب (21) بالعرض (22) أو سبب السبب (23). # فهذه هي السعادة (24) والشقاوة الخسيستان (25) اللتان (26) بالقياس إلى ~~الأنفس الخسيسة ، وأما (27) الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال ~~وتتصل بكمالاتها (28) بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية ، وتتبرأ عن (29) ~~النظر إلى ما خلفها ، وإلى المملكة (30) التي كانت لها ، كل التبري. ولو ~~كان بقي فيها من ذلك أثر (31) اعتقادي أو خلقي تأذت به (32)، وتخلفت لأجله ~~عن درجة العليين (33) إلى أن تنفسخ وتزول (34). PageV01P432 ### || * المقالة العاشرة # وفيها خمسة فصول PageV01P433 ### ||| * [ الفصل الأول ] ( ا ) فصل (1) * في المبدإ والمعاد بقول مجمل ، وفي الإلهامات والمنامات (2)، والدعوات (3) المستجابة ، والعقوبات السماوية ، وفي أحوال النبوة ، وفي حال (4) أحكام النجوم # فالوجود (5) إذا ابتدأ (6) من عند الأول (7) لم يزل كل تال (8) منه أدون ~~مرتبة من الأول ، ولا يزال ينحط (9) درجات ، فأول ذلك درجة الملائكة ~~الروحانية المجردة التي تسمى عقولا ، ثم (10) مراتب (11) الملائكة ~~الروحانية التي تسمى نفوسا ، وهي الملائكة العملة (12)، ثم مراتب الأجرام ~~السماوية ، وبعضها أشرف من بعض إلى أن يبلغ آخرها ، ثم (13) بعدها يبتدئ ~~وجود المادة القابلة للصور الكائنة الفاسدة ، فيلبس أول شيء صور العناصر ثم ~~(14) يتدرج يسيرا يسيرا فيكون أول الوجود فيها (15) أخس وأدون (16) مرتبة ~~من (17) الذي يتلوه ، فيكون أخس ما فيه المادة ثم العناصر ، ثم المركبات ~~الجمادية ، ثم النباتات (18)، وأفضلها الإنسان ، وبعده الحيوانات (19) ثم ~~النبات (20)، وأفضل الناس (21) من استكملت (22) نفسه عقلا بالفعل ، ومحصلا ~~للأخلاق التي تكون فضائل عملية ، وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوة وهو ~~الذي في قواه النفسانية خصائص ثلاث ذكرناها : وهي (23) أن (24) يسمع كلام ~~الله تعالى (25)، ويرى ملائكته وقد تحولت له على صورة ms287 يراها. وقد بينا ~~(26) كيفية هذا ، وبينا أن هذا الذي يوحى إليه تتشبح الملائكة له (27) ~~ويحدث له في سمعه صوت يسمعه يكون من قبل الله والملائكة ، فيسمعه من غير أن PageV01P435 # يكون ذلك كلاما من الناس (1) والحيوان الأرضي ، وهذا هو الموحى إليه ، ~~وكما أن أول الكائنات من الابتداء إلى درجة العناصر (2) كان عقلا (3) ثم ~~نفسا (4) ثم جرما (5)، فهاهنا يبتدئ الوجود من الأجرام ، ثم تحدث نفوس ، ~~ثم عقول ، وإنما تفيض هذه الصور لا محالة من عند (6) تلك المبادي ، والأمور ~~الحادثة في هذا العالم تحدث من مصادمات القوى الفعالة السماوية (7)، ~~والمنفعلة الأرضية (8) تابعة لمصادمات القوى الفعالة السماوية ، وأما القوى ~~الأرضية فيتم حدوث ما يحدث فيها (9) بسبب شيئين : # أحدهما القوى الفعالة فيها : إما الطبيعية وإما الإرادية. # والثاني القوى الانفعالية : إما الطبيعية وإما النفسانية. # وأما القوى السماوية فتحدث عنها آثارها (10) في هذه الأجرام التي تحتها ~~على ثلاثة وجوه (11): أحدها من تلقائها بحيث لا تسبب فيها (12) للأمور ~~الأرضية بوجه من الوجوه ، وتلك إما عن طبائع أجسامها (13) وقواها (14) ~~الجسمانية بحسب التشكيلات الواقعة منها مع القوى الأرضية والمناسبات بينها ~~(15)، وإما عن طبائعها النفسانية. # والوجه الثاني (16) فيه شركة ما مع الأحوال الأرضية وتسبب (17) بوجه من ~~الوجوه على الوجه الذي أقول إنه قد اتضح لك ، أن لنفوس تلك (18) الأجرام ~~السماوية ضربا من التصرف في المعاني الجزئية على سبيل إدراك غير عقلي محض ~~وأن (19) لمثلها أن يتوصل إلى إدراك الحادثات الجزئية ، وذلك يمكن (20) ~~بسبب إدراك تفاريق أسبابها الفاعلة والقابلة الحاصلة (21) من حيث هي أسباب ~~وما يتأدى إليه ، وأنها دائما (22) تنتهي إلى طبيعية أو إرادية (23) موجبة ~~ليست إرادية فاترة (24) غير حاتمة ولا جازمة. ولا تنتهي إلى القسر ، فإن ~~القسرية إما قسر PageV01P436 # عن طبيعة ، وإما قسر عن إرادة ، وإليهما (1) ينتهي التحليل في القسريات ~~أجمع. ثم إن الإرادات كلها كائنة بعد ما لم تكن ، فلها أسباب تتوافى ~~فتوجبها ، وليس (2) توجد إرادة بإرادة وإلا لذهبت (3) إلى غير النهاية ، ~~ولا عن طبيعة للمريد (4) وإلا للزمت الإرادة ما دامت الطبيعة ، بل الإرادات ~~تحدث بحدوث (5) علل هي الموجبات ، والدواعي ms288 تستند إلى أرضيات وسماويات ، ~~وتكون موجبة ضرورة (6) لتلك الإرادة (7)، وأما الطبيعية فإن (8) كانت ~~ثابتة (9) فهي أصل وإن كانت (10) قد حدثت فلا محالة أنها تستند أيضا إلى ~~أمور سماوية وأرضية. # عرفت جميع هذا فيما قبل وأن لازدحام (11) هذه العلل وتصادمها واستمرارها ~~نظاما ينجر بحسب (12) الحركة السماوية ، فإذا (13) علمت الأوائل بما هي ~~أوائل وهيئة انجرارها إلى الثواني (14)، علمت الثواني ضرورة. فمن هذه ~~الأشياء علمنا (15) أن النفوس السماوية وما فوقها عالمة بالجزئيات ، وأما ~~(16) ما فوقها فعلمها بالجزئيات (17) على نحو كلي ، وأما هي فعلى نحو جزئي ~~كالمباشر أو المتأدي (18) إلى المباشر أو المشاهد بالحواس ، فلا محالة أنها ~~تعلم ما يكون ، لا محالة (19) أنها (20) تعلم في كثير منها على (21) الوجه ~~الذي هو أصوب والذي هو أصلح وأقرب (22) من الخير المطلق من الأمرين ~~الممكنين ، وقد بينا أن التصورات التي لتلك العلل مبادئ لوجود (23) تلك ~~الصور هاهنا إذا كانت ممكنة ولم تكن هناك أسباب سماوية ، تكون أقوى من تلك ~~التصورات مما هو أقدم ومما (24) هو في أحد القسمين من الثلاثة غير هذا ~~الثالث. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يحصل ذلك الأمر الممكن موجودا لا عن ~~(25) سبب أرضي ولا عن سبب طبيعي في السماء ، بل عن (26) تأثير بوجه ما لهذه ~~الأمور في الأمور السماوية. وليس هذا بالحقيقة تأثيرا ، بل التأثير لمبادئ ~~وجود ذلك (27) من الأمور السماوية ، فإنها إذا ، عقلت الأوائل عقلت ذلك ~~الأمر ، وإذا ، عقلت ذلك الأمر (28) عقلت ما هو الأولى PageV01P437 # بأن يكون ، وإذا عقلت ذلك كان (1) لا مانع فيه إلا عدم علة طبيعية أرضية ~~(2) أو وجود علة طبيعية أرضية ، وأما (3) عدم العلة الطبيعية الأرضية ، ~~مثلا أن يكون ذلك الشيء هو يوجد حرارة ، فلا يكون قوة مسخنة طبيعية أرضية ، ~~فتلك (4) السخونة تحدث للتصور السماوي بوجه (5) كون الخير فيه ، كما أنها ~~(6) تحدث هي في أبدان الناس عن أسباب من تصورات الناس وعلى ما عرفته فيما سلف. # وأما مثال الثاني فأن يكون ليس المانع عدم سبب التسخين (7) فقط ، بل وجود ~~المبرد (8) فالتصور السماوي للخير في وجود ضد ما يوجبه ms289 المبرد (9) في ذلك ~~أيضا يقسر المبرد كما يقسر تصورنا المغضب السبب المبرد فينا فيكون (10) ~~الحر (11)، فتكون أصناف هذا القسم إحالات لأمور (12) طبيعية أو إلهامات ~~تتصل بالمستدعي أو بغيره ، أو اختلاط من (13) ذلك يؤدي واحد منها أو جملة ~~مجتمعة إلى الغاية النافعة ، ونسبة (14) التضرع إلى استدعاء هذه القوة نسبة ~~التفكر إلى استدعاء البيان ، وكل يفيض من فوق. وليس هذا (15) يتبع التصورات ~~السماوية (16)، بل الأول الحق يعلم جميع ذلك على الوجه الذي قلنا : إنه ~~يليق به ومن عنده يبتدئ كون ما يكون ، ولكن بالتوسط ، وعلى ذلك علمه. فبسبب ~~هذه الأمور ما ينتفع بالدعوات والقرابين (17) وخصوصا في أمر الاستسقاء وفي ~~أمور أخرى ، ولهذا ما يجب أن يخاف المكافاة على الشر ويتوقع المكافاة على ~~الخير ، فإن في ثبوت حقية ذلك مزجرة عن الشر ، وثبوت حقية ذلك يكون (18) ~~بظهور (19) آياته ، وآياته هي وجود جزئياته ، وهذه (20) الحال معقولة عند ~~المبادي ، فيجب أن يكون لها وجود ، فإن لم يوجد فهناك شر وسبب (21) لا ~~ندركه ، أو سبب آخر يعاوقه ، وذلك أولى بالوجود من هذا (22)، ووجود (23) ~~ذلك ووجود (24) هذا معا (25) من المحال ، وإذا شئت أن تعلم أن الأمور التي عقلت PageV01P438 # نافعة مؤدية إلى المصالح قد (1) أوجدت في الطبيعة على النحو (2) من ~~الإيجاد الذي (3) علمته وتحققته فتأمل حال (4) منافع الأعضاء في الحيوانات ~~والنباتات (5)، وأن كل واحد كيف خلق. وليس هناك البتة سبب (6) طبيعي ، بل ~~مبدؤه (7) لا محالة من العناية (8) على الوجه الذي علمت العناية. فكذلك ~~يصدق (9) بوجود (10) هذه المعاني ، فإنها متعلقة بالعناية على الوجه (11) ~~الذي علمت العناية تعلق تلك. # واعلم أن أكثر ما يقربه الجمهور ويفزع إليه ، ويقول به ، فهو حق وإنما ~~يدفعه هؤلاء المتشبهة بالفلاسفة (12) جهلا منهم بعلله (13) وأسبابه ، وقد ~~عملنا في هذا الباب كتاب البر والإثم فتأمل (14) شرح هذه الأمور من هناك ~~وصدق بما يحكى من العقوبات الإلهية النازلة على مدن فاسدة ، وأشخاص ظالمة ، ~~وانظر أن الحق كيف ينصر ، واعلم أن السبب في الدعاء منا أيضا وفي الصدقة ~~وغير ذلك وكذلك حدوث الظلم والإثم إنما يكون من هناك ms290 فإن مبادئ جميع هذه ~~الأمور تنتهي إلى الطبيعة والإرادة والاتفاق ، والطبيعة مبدؤها من هناك ، ~~والإرادات التي لنا كائنة بعد ما لم تكن ، وكل (15) كائن بعد ما لم يكن فله ~~علة ، وكل إرادة لنا فلها علة ، وعلة تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة في ~~ذلك إلى غير النهاية ، بل أمور تعرض من خارج ، أرضية وسماوية ، والأرضية ~~تنتهي إلى السماوية ، واجتماع ذلك كله يوجب وجود الإرادة. # وأما (16) الاتفاق فهو حادث عن (17) مصادمات (18) هذه ، فإذا حللت الأمور ~~كلها استندت (19) إلى مبادئ إيجابها ، تنزل (20) من عند الله تعالى (21). # والقضاء من الله تعالى (22) هو الوضع الأول البسيط. PageV01P439 # والتقدير هو ما يتوجه إليه القضاء على التدريج كأنه موجب اجتماعات من ~~الأمور البسيطة التي تنسب من حيث هي بسيطة إلى القضاء والأمر الإلهي الأول. ~~ولو أمكن إنسانا (1) من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء ~~جميعها (2) وطبائعها (3)، لفهم كيفية جميع (4) ما يحدث في المستقبل. وهذا ~~المنجم (5) القائل بالأحكام مع (6) أن أوضاعه الأولى ومقدماته ليست تستند ~~إلى برهان ، بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي ، وربما حاول قياسات ~~شعرية أو خطابية في إثباتها فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب ~~الكائنات وهي التي في السماء ، على أنه لا يضمن (7) من عنده الإحاطة بجميع ~~الأحوال التي في السماء ، ولو ضمن (8) لنا ذلك ووفى به لم يمكنه أن يجعلنا ~~ونفسه بحيث نقف على وجود جميعها في كل وقت ، وإن كان جميعها من حيث فعله ~~وطبعه معلوما عنده (9)، وذلك مما لا يكفي أن يعلم أنه وجد أو لم يوجد. ~~وذلك لأنه لا يكفيك (10) أن تعلم أن النار حارة مسخنة وفاعلة كذا وكذا ، في ~~أن تعلم أنها سخنت ما لم تعلم أنها حصلت ، وأي (11) طريق من (12) الحساب ~~(13) يعطينا المعرفة بكل حدث (14) وبدعة في الفلك ، ولو أمكنه أن يجعلنا ~~ونفسه بحيث نقف على وجود جميع ذلك لم يتم (15) لنا به الانتقال إلى ~~المغيبات. فإن الأمور المغيبة التي في طريق الحدوث أنما تتم بمخالطات بين ~~الأمور السماوية التي لنا (16) تسامح (17) أنا ms291 حصلناها بكمال عددها ، وبين ~~الأمور الأرضية المتقدمة واللاحقة ، فاعلها ومنفعلها ، طبيعيها وإراديها ~~(18) وليس تتم (19) بالسماويات وحدها ، فما لم يحط بجميع الحاضر من الأمرين ~~، وموجب كل واحد منهما خصوصا ما كان متعلقا بالمغيب ، لم (20) يتمكن من ~~الانتقال إلى المغيب. فليس (21) لنا إذن (22) اعتماد على أقوالهم ، وإن ~~سلمنا متبرعين أن جميع ما يعطوننا (23) من مقدماتهم الحكمية صادقة. PageV01P440 ### ||| * [ الفصل الثاني ] ( ب ) فصل (1) * في إثبات النبوة وكيفية دعوة (2) النبي (3) إلى الله تعالى ، والمعاد إليه (4) # ونقول الآن : إنه من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه (5) ~~لا يحسن معيشته (6) لو انفرد وحده شخصا واحدا يتولى تدبير (7) أمره من غير ~~شريك يعاونه على ضروريات حاجاته (8)، وأنه لا بد من أن يكون الإنسان مكفيا ~~بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر (9) أيضا مكفيا به وبنظيره (10)، فيكون مثلا ~~هذا (11) يبقل لذلك (12)، وذاك يخبز لهذا ، وهذا يخيط لآخر (13)، والآخر ~~يتخذ الإبرة لهذا ، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا. ولهذا ما اضطروا إلى ~~عقد المدن والاجتماعات فمن كان منهم غير محتاط في عقد مدينته (14) على ~~شرائط المدينة وقد وقع منه ومن شركائه الاقتصار على اجتماع فقط فإنه يتحيل ~~(15) على جنس بعيد الشبه من الناس وعادم لكمالات الناس ، ومع ذلك فلا بد ~~لأمثاله من اجتماع ومن تشبه بالمدنيين. فإذا كان هذا ظاهرا فلا بد في وجود ~~الإنسان وبقائه من مشاركته ، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة ، كما لا بد في ~~ذلك من سائر الأسباب التي تكون له (16)، ولا بد في المعاملة من سنة وعدل ، ~~ولا بد للسنة والعدل من سان ومعدل ، ولا بد من (17) أن يكون هذا بحيث يجوز ~~أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة. ولا بد من أن يكون هذا إنسانا ، ولا يجوز أن ~~يترك (18) الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون ويرى كل منهم ما له عدلا ، وما ~~عليه ظلما ، فالحاجة إلى هذا الإنسان (19) في أن يبقى نوع الإنسان ويتحصل ~~وجوده أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين (20)، ~~وتقعير الأخمص (21) من القدمين (22)، وأشياء أخرى من المنافع (23) التي لا ضرورة PageV01P441 # فيها في ms292 (1) البقاء ، بل أكثر ما لها أنها تنفع في البقاء ، ووجود ~~الإنسان الصالح لأن يسن ويعدل ممكن كما سلف منا ذكره. فلا يجوز أن تكون ~~العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أسها ، ولا أن ~~يكون المبدأ الأول والملائكة بعده يعلم ذلك ولا يعلم هذا ، ولا أن يكون ما ~~يعلمه في نظام الخير (2) الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لا ~~يوجد ، بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده مبني على وجوده موجود ~~(3)؟ فواجب إذن أن يوجد نبي ، وواجب أن يكون إنسانا ، وواجب أن تكون له ~~خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمرا لا يوجد لهم ، فيتميز ~~به منهم ، فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها ، وهذا الإنسان إذا وجد يجب ~~أن يسن للناس في أمورهم سننا بإذن الله تعالى (4) وأمره ووحيه وإنزاله ~~الروح المقدس عليه ، ويكون الأصل الأول فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم ~~صانعا واحدا قادرا ، وأنه عالم بالسر والعلانية ، وأن من حقه أن يطاع أمره ~~، فإنه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق ، وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد ~~المسعد (5)، ولمن عصاه المعاد المشقي ، حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على ~~لسانه من الإله والملائكة (6) بالسمع والطاعة ، ولا ينبغي له (7) أن يشغلهم ~~بشيء (8) من معرفة الله تعالى (9) فوق معرفة (10) أنه واحد حق لا شبيه (11) ~~له. فأما (12) أن يعدي بهم (13) إلى أن يكلفهم أن يصدقوا بوجوده وهو غير ~~مشار إليه في مكان ، ولا منقسم (14) بالقول ، ولا خارج العالم ولا داخله ، ~~ولا شيئا من هذا الجنس ، فقد عظم عليهم الشغل وشوش فيما بين أيديهم الدين ، ~~وأوقعهم فيما لا مخلص (15) عنه ، إلا لمن (16) كان المعان (17) الموفق الذي ~~يشذ (18) وجوده ويندر كونه ، فإنه (19) لا يمكنهم (20) أن يتصورا هذه ~~الأحوال على وجهها إلا بكد (21)، وإنما يمكن القليل منهم أن يتصوروا (22) ~~حقيقة هذا التوحيد والتنزيه ، فلا يلبثون أن يكذبوا بمثل (23) هذا الوجود ، ~~ويقعوا في تنازع وينصرفوا إلى المباحثات (24) والمقايسات (25) التي تصدهم ~~عن أعمالهم المدنية. وربما (26) أوقعهم PageV01P442 # في آراء ms293 مخالفة لصلاح المدينة ، ومنافية لواجب الحق ، وكثرت (1) فيهم ~~الشكوك والشبه ، وصعب الأمر على إنسان في ضبطهم ، فما كل بميسر (2) له (3) ~~في الحكمة الإلهية ، ولا إنسان يصلح له أن يظهر (4) أن عنده حقيقة يكتمها ~~عن العامة ، بل يجب أن لا يرخص في تعرض شيء من ذلك ، بل يجب أن يعرفهم ~~جلالة (5) الله تعالى (6) وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء التي هي عندهم ~~جليلة وعظيمة (7)، ويلقي إليهم مع هذا ، هذا القدر ، أعني أنه لا نظير له ~~ولا شريك له (8) ولا شبيه (9) له (10)، وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر ~~المعاد على وجه يتصورون كيفيته ، وتسكن إليه نفوسهم ، ويضرب للسعادة ~~والشقاوة أمثالا مما يفهمونه (11) ويتصورونه. وأما الحق في ذلك فلا يلوح ~~لهم منه إلا أمرا (12) مجملا ، وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ولا أذن سمعته ، ~~وأن هناك من اللذة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم. # واعلم (13) أن الله تعالى (14) يعلم أن وجه (15) الخير في هذا ، فيجب أن ~~يوجد (16) معلوم الله تعالى على وجهه على ما علمت ، ولا بأس أن يشتمل خطابه ~~(17) على رموز (18) وإشارات تستدعي المستعدين بالجبلة للنظر (19) إلى البحث ~~الحكمي. ### ||| * [ الفصل الثالث ] ( ج ) فصل (20) * في العبادات ومنفعتها في الدنيا والآخرة # ثم إن هذا الشخص الذي هو النبي ليس مما يتكرر وجود مثله في كل وقت ، فإن ~~المادة التي تقبل كمال مثله تقع في قليل من الأمزجة ، فيجب لا محالة أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم (21) قد دبر لبقاء ما يسنه ويشرعه (22) في أمور ~~المصالح الإنسانية تدبيرا (23) عظيما (24). PageV01P443 # ولا شك أن القاعدة في ذلك هي (1) استمرار الناس على معرفتهم بالصانع ~~والمعاد ، وحسم سبب وقوع النسيان فيه مع انقراض القرن الذي يلي النبي (2) ~~صلى الله عليه وسلم (3)، فيجب أن يكون على الناس أفعال وأعمال يسن تكرارها ~~عليهم في مدد متقاربة حتى يكون الذي ميقاته (4) بطل (5) مصاقبا للمنقضي (6) ~~منه ، فيعود به التذكر من رأس ، وقبل أن ينفسخ يلحق عاقبه. ويجب أن تكون ~~هذه الأفعال مقرونة بما يذكر بالله والمعاد لا محالة ms294 ، وإلا فلا فائدة فيها ~~، والتذكير لا يكون (7) إلا بألفاظ تقال ، أو نيات تنوى (8) في الخيال ، ~~وأن يقال لهم : إن هذه الأفعال تقرب إلى الله تعالى (9)، ويستوجب بها (10) ~~الجزاء (11) الكريم ، وأن تكون تلك الأفعال بالحقيقة على هذه الصفة ، وهذه ~~(12) الأفعال مثل العبادات المفروضة على الناس ، وبالجملة يجب أن تكون ~~منبهات ، والمنبهات إما حركات وإما أعدام حركات تفضي إلى حركات (13)، فأما ~~الحركات فمثل الصلاة (14)، وأما أعدام الحركات فمثل الصوم ، فإنه وإن كان ~~معنى عدميا فإنه يحرك من الطبيعة تحريكا شديدا ينبه صاحبه أنه على جملة من ~~الأمر ليس (15) هزلا (16)، فيتذكر سبب ما ينويه من ذلك أنه (17) القرب ~~(18) إلى الله تعالى (19)، ويجب إن أمكن أن تخلط (20) بهذه (21) الأحوال ~~مصالح أخرى في تقوية السنة وبسطها. والمنافع الدنيوية للناس أيضا أن يفعل ~~(22) ذلك (23)، وذلك مثل الجهاد والحج على أن يعين مواضع من البلاد بأنها ~~أصلح المواضع لعبادة الله تعالى (24)، وأنها خاصة لله تعالى (25)، وتعين ~~(26) أفعال (27) لا بد منها للناس وأنها (28) في ذات الله تعالى (29) مثل ~~القرابين ، فإنها مما (30) يعين في هذا الباب معونة شديدة. والموضع الذي ~~منفعته في هذا الباب هذه المنفعة إذا كان فيه (31) مأوى (32) الشارع ومسكنه ~~فإنه يذكر به أيضا ، وذكراه في المنفعة المذكورة تالية لذكر الله تعالى ~~(33) والملائكة ، والمأوى (34) الواحد ليس يجوز أن يكون نصب عين الأمة ~~كافة. فبالحري PageV01P444 # أن يفرض إليه مهاجرة وسفرة ، ويجب أن يكون أشرف هذه (1) العبادات من وجه ~~هو (2) ما يفرض متوليه أنه (3) مخاطب لله تعالى (4) ومناج إياه وصائر إليه ~~وماثل بين يديه ، وهذا (5) هو الصلاة (6). فيجب أن يسن للمصلي من الأحوال ~~التي يستعد بها للصلاة ما جرت العادة بمؤاخذة (7) الإنسان نفسه به عند لقاء ~~الملك الإنساني من الطهارة والتنظيف (8)، وأن يسن في الطهارة والتنظيف (9) ~~سننا بالغة ، وأن يسن عليه فيها ما جرت العادة بمؤاخذة (10) نفسه به عند ~~لقاء (11) الملوك من الخشوع والسكون وغض (12) البصر وقبض الأطراف وترك ~~الالتفات والاضطراب ، وكذلك (13) يسن له في كل وقت من أوقات العبادة آدابا ~~ورسوما محمودة ، فهذه الأفعال (14) ينتفع بها العامة من ms295 (15) رسوخ ذكر الله ~~تعالى (16) والمعاد في أنفسهم ، فيدوم لهم التثبت بالسنن والشرائع بسبب ذلك ~~(17)، فإن (18) لم يكن لهم (19) مثل هذه المذكرات تناسوا جميع ذلك مع ~~انقراض قرن أو قرنين ، وينفعهم أيضا في المعاد منفعة عظيمة فيما تنزه به ~~أنفسهم على ما عرفته. # وأما الخاصة فأكثر منفعة هذه الأشياء إياهم في المعاد ، وقد (20) قررنا ~~حال المعاد الحقيقي وأثبتنا أن السعادة في الآخرة مكتسبة بتنزيه النفس ، ~~وتنزيه (21) النفس يبعدها (22) عن اكتساب الهيئات البدنية المضادة لأسباب ~~السعادة ، وهذا (23) التنزيه يحصل بأخلاق (24) وملكات ، والأخلاق والملكات ~~تكتسب بأفعال من شأنها أن تصرف النفس عن البدن والحس وتديم (25) تذكيرها ~~(26) للمعدن (27) الذي لها ، فإذا كانت كثيرة الرجوع إلى ذاتها لم تنفعل من ~~الأحوال البدنية ، ومما يذكرها ذلك ويعينها عليه أفعال متعبة خارجة (28) عن ~~عادة الفطرة بل هي إلى التكلف (29) أقرب ، فإنها تتعب البدن والقوى ~~الحيوانية وتهزم (30) إرادتها من الاستراحة والكسل ورفض العناء وإخماد ~~الحرارة العزيزية واجتناب الارتياض إلا في اكتساب أغراض PageV01P445 # من اللذات البهيمية ، ويفرض (1) على النفس (2) المحاولة لتلك الحركات ~~وذكر (3) الله تعالى (4) والملائكة وعالم السعادة (5) شاءت أم (6) أبت ، ~~فيتقرر (7) لذلك فيها هيئة الانزعاج عن هذا البدن وتأثيراته ، وملكة التسلط ~~على البدن ، فلا تنفعل عنه ، فإذا (8) جرت عليها (9) أفعال بدنية لم تؤثر ~~فيها هيئة وملكة تأثيرها لو كانت مخلدة إليها (10) منقادة لها (11) من كل ~~وجه. ولذلك (12) قال (13) القائل الحق : « إن الحسنات يذهبن السيئات » فإن ~~دام هذا الفعل من الإنسان استفاد ملكة التفات (14) إلى جهة الحق وإعراض عن ~~الباطل ، وصار شديد الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية. ~~وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله ، وكان مع ~~اعتقاده ذلك يلزم في كل فعل أن يتذكر الله ويعرض عن غيره ، لكان جديرا بأن ~~يفوز من هذا الزكاء (15) بحظ (16)، فكيف إذا (17) استعملها من يعلم أن ~~النبي من عند الله تعالى (18) وبإرسال الله تعالى (19)، وواجب في الحكمة ~~الإلهية إرساله ، وأن جميع ما يسنه فإنما هو مما وجب من (20) عند الله أن ~~يسنه ، وأن جميع ما يسنه ms296 (21) (22) عن عند الله تعالى (23). فالنبي فرض ~~عليه من عند الله أن يفرض عباداته ، وتكون الفائدة في العبادات للعابدين ~~فيما يبقى به فيهم السنة والشريعة التي هي أسباب وجودهم ، وفيما (24) ~~يقربهم عند المعاد من الله زلفى بزكائهم (25)، ثم هذا الإنسان هو المليء ~~بتدبير أحوال الناس على ما تنتظم به أسباب معايشهم (26) ومصالح معادهم ، ~~وهو إنسان متميز عن سائر الناس بتألهه. PageV01P446 ### ||| * [ الفصل الرابع ] ( د ) فصل (1) * في عقد المدينة وعقد البيت ، وهو النكاح والسنن الكلية في ذلك # فيجب أن يكون القصد الأول للسان في وضع السنن وترتيب (2) المدينة على ~~أجزاء ثلاثة : المدبرون ، والصناع ، والحفظة ، وأن يرتب في كل جنس منهم ~~رئيسا يترتب (3) تحته رؤساء يلونه (4)، يترتب (5) عنهم رؤساء يلونهم ، إلى ~~أن ينتهي (6) إلى إفناء الناس. فلا يكون في المدينة إنسان معطل ليس له مقام ~~محدود ، بل يكون لكل واحد منهم منفعة في المدينة ، وأن تحرم البطالة ~~والتعطل ، وأن لا يجعل لأحد سبيلا إلى أن يكون له من غيره الحظ الذي لا بد ~~منه للإنسان (7)، وتكون (8) جنبته معافاة ليس يلزمها كلفة ، فإن (9) هؤلاء ~~يجب أن يردعهم كل الردع ، فإن لم يرتدعوا (10) نفاهم (11) من الأرض ، فإن ~~(12) كان السبب في ذلك مرضا أو آفة أفرد لهم موضعا يكون فيه (13) أمثالهم ، ~~ويكون عليهم قيم ، ويجب أن يكون في المدينة وجه مال مشترك ، بعضه من حقوق ~~تفرض على الأرباح المكتسبة والطبيعية ، كالثمرات والنتاج ، وبعضه يفرض ~~عقوبة ، وبعضه (14) يكون من أموال المعاندين (15) للسنة ، وهو الغنائم. ~~ويكون ذلك عدة (16) لمصالح مشتركة ، وإزاحة لعلة الحفظة (17) الذين لا ~~يشغلون (18) بصناعة ، ونفقة على (19) الذين حيل بينهم وبين الكسب بأمراض ~~وزمانات ، ومن الناس من رأى قتل الميئوس من صلاحه (20) منهم. وذلك قبيح ، ~~فإن مئونتهم (21) لا تجحف بالمدينة ، فإن (22) كان لأمثال هؤلاء من قرابته ~~من يرجع (23) إلى فضل استظهار من (24) قوته فرض عليه كفايته. PageV01P447 # والغرامات (1) كلها لا تسن (2) على صاحب جناية ما (3)، بل يجب أن يسن ~~بعضها على أوليائه وذويه الذين (4) لا يزجرونه ولا يحرسونه ، ويكون ما يسن ~~من ذلك عليهم مخففا (5) فيه بالمهلة (6) للمطالبة ms297 ، ويكون ذلك في جنايات ~~تقع خطأ فلا (7) يجوز إهمال أمرها مع وقوعها خطأ. # وكما أنه يجب أن تحرم البطالة كذلك يجب أن تحرم الصناعات التي يقع فيها ~~انتقالات الأملاك أو المنافع (8) من غير مصالح تكون بإزائها ، وذلك مثل ~~القمار فإن المقامر يأخذ من غير أن يعطي منفعة البتة ، بل يجب أن يكون ~~الآخذ آخذا من صناعة يعطي بها فائدة تكون عوضا ، إما عوضا (9) هو جوهر ، أو ~~عوضا (10) هو منفعة ، أو عوضا هو ذكر (11) جميل ، أو غير ذلك مما هي (12) ~~معدودة (13) في الخيرات البشرية ، وكذلك يجب أن تحرم الصناعات التي تدعو ~~إلى أضداد المصالح أو المنافع (14)، مثل تعلم السرقة واللصوصية والقيادة ~~وغير ذلك (15). # وتحرم أيضا الحرف التي تغني (16) الناس عن تعلم الصناعات الداخلة في ~~الشركة ، مثل المراباة ، فإنها طلب زيادة كسب من غير حرفة تحصله ، وإن كانت ~~(17) بإزاء منفعة. # وتحرم أيضا الأفعال التي إن وقع فيها ترخيص أدى إلى ضد ما (18) عليه بناء ~~أمر المدينة ، مثل الزنا واللواط (19)، الذي يدعو (20) إلى الاستغناء عن ~~أفضل أركان المدينة وهو التزوج (21). # ثم أول ما يجب أن يشرع فيه هو أمر التزوج المؤدي إلى التناسل وأن يدعو ~~إليه ويحرض عليه ، فإن به بقاء (22) الأنواع التي بقاؤها دليل وجود الله ~~تعالى (23)، وأن يدبر في أن يقع ذلك وقوعا ظاهرا لئلا يقع ريبة في النسب ~~فيقع (24) بسبب ذلك خلل في انتقال المواريث (25) التي PageV01P448 # هي أصول الأموال ، لأن المال (1) لا بد منه في المعيشة ، والمال منه أصل ~~، ومنه فرع ، والأصل موروث ، أو ملقوط أو موهوب ، وأصح الأصول من هذه ~~الثلاثة الموروث فإنه ليس عن بخت واتفاق ، بل على مذهب كالطبيعي. # وقد يقع في ذلك أعني خفاء المناكحات أيضا خلل في وجوه أخرى مثل وجه وجوب ~~نفقة بعض على بعض ، ومعاونة (2) بعض لبعض ، وغير ذلك مما إذا تأمله العاقل ~~عرفه ، ويجب أن يؤكد الأمر أيضا في ثبوت هذه الوصلة ، حتى لا يقع مع كل نزق ~~(3) فرقة ، فيؤدي ذلك إلى تشتت الشمل الجامع للأولاد ووالديهم ، وإلى تجدد ~~احتياج كل إنسان ms298 إلى المزاوجة ، وفي ذلك أنواع من الضرر كثيرة ، ولأن أكثر ~~أسباب المصلحة المحبة ، والمحبة لا تنعقد إلا بالألفة ، والألفة لا تحصل ~~إلا بالعادة (4)، والعادة لا تحصل إلا بطول المخالطة. وهذا التأكد (5) ~~يحصل من جهة المرأة ، بأن لا يكون في يديها إيقاع هذه الفرقة ، فإنها ~~بالحقيقة واهية العقل (6)، مبادرة إلى طاعة الهوى والغضب ، ويجب أن يكون ~~إلى الفرقة سبيل ما ، وأن لا (7) يسد ذلك من كل وجه ، لأن حسم أسباب التوصل ~~(8) إلى الفرقة بالكلية (9) يقتضي وجوها (10) من الضرر والخلل ، منها أن من ~~الطبائع ما لا يؤالف (11) بعض الطباع (12)، فكلما (13) اجتهد في الجمع ~~بينهما (14) زاد الشر والنبو ونغصت (15) المعايش. # ومنها أن من الناس من يمنى بزوج (16) غير كفؤ ، ولا حسن المذاهب في ~~العشرة ، أو بغيض تعافة الطبيعة ، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره ، إذ ~~الشهوة طبيعية (17)، وربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد ، وربما كان ~~المتزاوجان لا يتعاونان على النسل ، فإذا بدلا زوجين (18) آخرين تعاونا ، ~~فيجب أيضا أن يكون إلى المفارقة سبيل ، ولكن (19) يجب أن يكون مشددا فيه. PageV01P449 # فأما أنقص (1) الشخصين عقلا ، وأكثرهما (2) اختلافا واختلاطا (3) وتلونا ~~، فلا يجعل في يديه من ذلك شيء ، بل يجعل (4) إلى الحكام ، حتى إذا عرفوا ~~سوء صحبة (5) تلحقها من الزوج الآخر فرقوا. # وأما من جهة الرجل (6) فإنه (7) يلزمه في ذلك غرامة لا يقدم عليه إلا بعد ~~التثبت (8) واستصابة (9) ذلك لنفسه من كل وجه (10)، ومع ذلك فالأحسن أن ~~يترك للصلح وجه من غير أن يمعن في توجيهه (11)، فيصير سببا إلى طاعة الطيش ~~، بل يغلظ (12) الأمر في المعاودة أشد من التغليظ في الابتداء ، فنعم ما ~~أمر به أفضل الشارعين أنها (13) لا تحل له بعد الثالثة إلا بعد أن يوطن ~~(14) نفسه على تجرع مضض لا مضض (15) فوقه ، وهو تمكين رجل آخر من (16) ~~حليلته أن (17) يتزوجها (18) بنكاح صحيح ، ويطأها بوطئ صريح ، فإنه إذا كان ~~بين عينيه مثل هذا الخطب لم يقدم على الفرقة بالجزاف (19) إلا أن يصمم على ~~الفرقة التامة ، أو يكون هناك وكالة (20) فلا يرى بأسا بفضيحة تصحبها لذة ms299 ، ~~وأمثال هؤلاء خارجون عن استحقاق طلب المصلحة لهم. # ولما كان (21) من حق المرأة أن تصان ، لأنها مشتركة في (22) شهوتها ، ~~وداعية جدا إلى نفسها (23)، وهي مع ذلك أشد انخداعا ، وأقل للعقل طاعة ، ~~والاشتراك فيها يوقع (24) أنفة وعارا عظيما ، وهي من المضار المشهورة (25) ~~، والاشتراك في الرجل لا يوقع (26) عارا بل حسدا ، والحسد غير ملتفت إليه ، ~~فإنه طاعة للشيطان. # فبالحري أن يسن (27) عليها (28) في بابها التستر والتخدر ، فلذلك ينبغي ~~(29) أن لا تكون المرأة (30) من أهل الكسب كالرجل (31)، فلذلك يجب أن يسن ~~لها أن تكفي من جهة الرجل ، فيلزم الرجل نفقتها ، لكن الرجل يجب أن يعوض من ~~ذلك عوضا ، وهو أنه يملكها وهي لا تملكه ، PageV01P450 # فلا يكون لها أن تنكح غيره. وأما الرجل فلا يحجر عليه في هذا الباب ، وإن ~~حرم عليه تجاوز (1) عدد لا يفي بإرضاء ما وراءه ويعوله (2)، فيكون البضع ~~المملوك (3) من المرأة بإزاء ذلك. ولست أعني بالبضع المملوك الجماع ، فإن ~~الانتفاع بالجماع مشترك بينهما ، وحظها أكثر من حظه. والاغتباط والاستمتاع ~~بالولد كذلك ، بل أن لا يكون إلى استعمالها (4) لغيره سبيل ، ويسن في الولد ~~أن يتولاه (5) كل واحد من الوالدين (6) بالتربية ، أما الوالدة فبما يخصها ~~(7)، وأما الوالد فالنفقة ، وكذلك الولد أيضا يسن عليه خدمتهما وطاعتهما ~~وإكبارهما وإجلالهما ، فهما سبب (8) وجوده ، ومع ذلك فقد احتملا (9) مئونته ~~التي لا حاجة إلى شرحها لظهورها. ### ||| * [ الفصل الخامس ] ( ه ) فصل (10) * في الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما ، والإشارة إلى السياسات والمعاملات (11) والأخلاق (12) # ثم يجب أن يفرض السان (13) طاعة من يخلفه ، وأن لا يكون الاستخلاف إلا من ~~جهته ، أو بإجماع من أهل (14) السابقة على من يصححون علانية عند الجمهور ~~أنه مستقل بالسياسة (15)، وأنه أصيل العقل حاصل عنده (16) الأخلاق الشريفة ~~من الشجاعة والعفة وحسن التدبير ، وأنه عارف بالشريعة حتى لا أعرف منه ، ~~تصحيحا يظهر ويستعلن (17) ويتفق عليه الجمهور عند الجميع ، ويسن عليهم أنهم ~~(18) إذا افترقوا أو تنازعوا للهوى والميل (19)، أو أجمعوا (20) على PageV01P451 # غير من وجد الفضل (1) فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله. والاستخلاف ~~بالنص أصوب فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب ms300 والتشاغب والاختلاف ، ثم يجب أن ~~يحكم في سنته (2) أن من خرج فادعى خلافته بفضل قوة (3) أو مال ، فعلى ~~الكافة من أهل المدينة قتاله وقتله (4)، فإن قدروا ولم يفعلوا فقد عصوا ~~الله وكفروا به ، ويحل دم من قعد عن ذلك وهو متمكن بعد أن يصحح (5) على رأس ~~الملإ ذلك منه ، ويجب أن يسن أنه لا قربة عند الله تعالى (6) بعد الإيمان ~~بالنبي أعظم من إتلاف هذا المتغلب (7)، فإن صحح الخارجي أن المتولي ~~للخلافة غير أهل لها ، وأنه (8) ممنو بنقص ، وأن ذلك النقص غير موجود في ~~الخارجي (9)، فالأولى أن يطابقه أهل المدينة. والمعول عليه (10) الأعظم ~~العقل ، وحسن الإيالة ، فمن كان متوسطا في الباقي ومتقدما في هذين بعد أن ~~لا يكون غريبا في البواقي وصائرا إلى أضدادها ، فهو أولى ممن يكون متقدما ~~في البواقي ولا يكون بمنزلته في هذين. فيلزم أعلمهما أن يشارك أعقلهما ، ~~ويعاضده ، ويلزم أعقلهما أن يعتضد (11) به (12) ويرجع إليه ، مثل ما فعل ~~عمر وعلى (13)، ثم يجب أن يفرض في العبادات أمور لا تتم إلا بالخليقة ~~تنويها به (14) وجذبا إلى تعظيمه (15)، وتلك الأمور هي الأمور الجامعة ، ~~مثل الأعياد. فإنه يجب أن يفرض اجتماعات مثل هذه ، فإن فيها دعاء للناس إلى ~~التمسك بالجماعة ، وإلى استعمال عدد الشجاعة ، وإلى المنافسة (16)، ~~وبالمنافسة (17) تدرك الفضائل ، وفي الاجتماعات (18) استجابة الدعوات ، ~~ونزول (19) البركات على الأحوال التي عرفت من (20) أقاويلنا. وكذلك يجب أن ~~يكون في المعاملات معاملات (21) يشترك (22) فيها الإمام ، وهي المعاملات ~~التي تؤدي إلى ابتناء أركان المدينة ، مثل المناكحات والمشاركات الكلية. ثم ~~يجب أن يفرض أيضا في المعاملات المؤدية إلى الأخذ والإعطاء سننا تمنع وقوع ~~الغدر (23) والحيف ، وأن يحرم المعاملات التي فيها غرر (24)، والتي تتغير ~~فيها الأعواض قبل الفراغ من الإيفاء والاستيفاء ، كالصرف ، PageV01P452 # والنسيئة ، وغير ذلك ، وأن يسن على الناس معاونة الناس (1) والذب عنهم ~~ووقاية أموالهم وأنفسهم ، من غير أن يغرم متبرع فيما يلحق بتبرعه (2). ~~وأما الأعداء والمخالفون للسنة فيجب أن يسن مقاتلتهم وإفناءهم بعد أن يدعوا ~~إلى الحق ، وأن تباح أموالهم وفروجهم ، فإن (3) تلك الأموال والفروج ms301 إذا لم ~~تكن مدبرة بتدبير المدينة الفاضلة لم تكن عائدة بالمصلحة التي يطلب المال ~~والفروج (4) لها (5)، بل معينة على الفساد والشر. # وإذ لا بد من ناس يخدمون الناس (6) فيجب أن يكون أمثال هؤلاء (7) يجبرون ~~على خدمة أهل المدينة العادلة ، وكذلك من كان من الناس بعيدا عن تلقي (8) ~~الفضيلة فهم عبيد بالطبع ، مثل الترك والزنج ، وبالجملة (9) الذين نشأوا في ~~غير الأقاليم الشريفة التي أكثر أحوالها أن ينشأ فيها أمم حسنة الأمزجة ~~صحيحة القرائح والعقول. # وإذا (10) كانت غير مدينة (11) ولها (12) سنة حميدة لم يتعرض لها إلا ~~(13) أن يكون الوقت يوجب التصريح بأن لا سنة غير السنة النازلة ، فإن الأمم ~~والمدن إذا ضلت فسنت عليها سنة ، فإنه يجب أن يؤكد إلزامها ، وإذا (14) ~~أوجب (15) إلزامها ، فربما أوجب توكيدها أن يحمل عليها العالم بأسره ، وإذا ~~(16) كان أهل المدينة الحسنة السيرة تجد هذه السنة أيضا حسنة محمودة ، ويرى ~~(17) في تجددها إعادة أحوال مدن فاسدة إلى الصلاح ، ثم صرحت بأن هذه السنة ~~ليس من حقها أن تقبل ، وكذبت السان في دعواه أنها نازلة على المدن كلها ، ~~كان في ذلك وهن عظيم يستولي (18) على السنة ، ويكون للمخالفين أن يحتجوا في ~~ردها بامتناع أهل تلك (19) المدينة عنها ، فحينئذ يجب أن يؤدب هؤلاء أيضا ~~ويجاهدوا ، ولكن (20) مجاهدة دون مجاهدة أهل الضلال الصرف ، أو يلزموا ~~غرامة على ما يؤثرونه ، ويصحح عليهم أنهم مبطلون ، وكيف لا يكونون (21) ~~مبطلين وقد امتنعوا عن (22) طاعة الشريعة التي أنزلها الله تعالى (23) فإن ~~أهلكوا فهم لها أهل ، فإن في هلاكهم فسادا لأشخاصهم ، وصلاحا باقيا ، ~~وخصوصا إذا كانت السنة (24) الجديدة أتم وأفضل. PageV01P453 # ويسن في بابهم أيضا (1) في (2) أنهم إن أريدت مسامحتهم (3) على فداء أو ~~جزية (4) فعل. # وبالجملة يجب أن لا يجريهم (5) وهؤلاء (6) الآخرين مجرى واحدا ، ويجب أن ~~يفرض عقوبات وحدودا ومزاجر (7) ليمنع بذلك عن معصية الشريعة ، فليس كل ~~إنسان ينزجر لما يخشاه في الآخرة. # ويجب أن يكون أكثر ذلك في الأفعال المخالفة للسنة الداعية إلى فساد نظام ~~المدينة ، مثل الزنا ، والسرقة (8)، وموطأة أعداء المدينة وغير ذلك. فأما ~~ما ms302 يكون (9) من (10) ذلك مما يضر الشخص في نفسه فيجب أن يكون (11) فيه ~~تأديب لا يبلغ به المفروضات ، ويجب أن تكون السنة في العبادات والمزاوجات ~~(12) والمزاجر (13) معتدلة لا تشدد (14) فيها ولا تساهل (15)، ويجب أن ~~يفوض كثير من الأحوال خصوصا في المعاملات إلى الاجتهاد ، فإن للأوقات ~~أحكاما لا يمكن أن تنضبط (16)، وأما ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب ~~(17) الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد أهب الأسلحة (18) والحقوق والثغور ~~وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا يفرض فيها ~~أحكام جزئية ، فإن في (19) فرضها فسادا ، لأنها تتغير مع تغير الأوقات وفرض ~~الكليات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن. فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل (20) ~~المشورة ، ويجب أن يكون السان يسن أيضا في الأخلاق والعادات (21) سننا تدعو ~~إلى العدالة التي هي (22) الوساطة ، والوساطة تطلب في الأخلاق والعادات ~~(23) بجهتين (24): # فأما ما فيها من كسر غلبة القوى ، فلأجل زكاء النفس خاصة ، واستفادتها ~~(25) الهيئة الاستعلائية ، وأن يكون تخلصها من البدن تخلصا نقيا. PageV01P454 # وأما ما فيها من استعمال هذه القوى فلمصالح دنيوية ، وأما استعمال اللذات ~~فلبقاء البدن والنسل ، وأما الشجاعة فلبقاء المدينة # والرذائل الإفراطية تجتنب لضررها في المصالح الإنسانية ، والتفريطية ~~لضررها في المدينة. والحكمة الفضيلية (1) التي هي ثالثة العفة والشجاعة ~~فليس يعنى بها الحكمة النظرية ، فإنها لا يكلف فيها التوسط البتة ، بل ~~الحكمة العملية التي في الأفعال الدنيوية والتصرفات الدنيوية ، فإن الإمعان ~~في تعريفها (2) والحرص على التفنن (3) في توجيه الفوائد من كل وجه (4) منها ~~، واجتناب أسباب المضار من كل وجه ، حتى يتبع ذلك وصول أضداد ما يطلبه ~~لنفسه إلى شركائه ، أو يشغله عن اكتساب الفضائل الأخرى ، فهو (5) الجربزة ، ~~وجعل اليد مغلولة إلى العنق هو إضاعة من الإنسان نفسه وعمره وآلة صلاحه ~~وبقائه إلى وقت استكماله ، ولأن الدواعي شهوانية ، وغضبية ، وتدبيرية. ~~فالفضائل ثلاثة : هيئة التوسط في الشهوانية (6) مثل لذة المنكوح والمطعوم ~~والملبوس والراحة وغير ذلك من اللذات الحسية والوهمية (7)، وهيئة التوسط ~~في الغضبيات كلها مثل الخوف والغضب والغم والأنفة (8) والحقد والحسد وغير ~~ذلك ، وهيئة التوسط ms303 في التدبيرية. ورءوس هذه الفضائل عفة وحكمة (9) وشجاعة ~~، ومجموعها العدالة ، وهي خارجة عن (10) الفضيلة النظرية ، ومن اجتمعت له ~~معها الحكمة النظرية فقد سعد ، ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية كاد (11) أن ~~يصير ربا إنسانيا وكاد أن تحل (12) عبادته بعد (13) الله تعالى (14)، وهو ~~سلطان (15) العالم الأرضضي وخليفة الله فيه (16). PageV01P455 ms304