######OpenITI# #META# text_id: De_generatione_et_corruptione_(Avicenna)_ar.xml #META# url: https://www.arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/text/Avic_Gen_ar.index.xhtml #META# title_short: De generatione et corruptione (Avicenna) #META# title_latin: Liber tertius naturalium de generatione et corruptione #META# title_transcription: al-Šifāʾ: al-Ṭabīʿiyyāt: al-Kawn wa-l-fasād #META# author_latin: Avicenna #META# author_transcription: Ibn Sīnā #META# author_id: http://d-nb.info/gnd/118505254 #META# responsibility: transcribed by Azzam Hasan #META# version: 0.0.13 #META# ed_info: Ibn Sīnā (Avicenna), al-Kawn wa-l-fasād , in: Id., al-Šifāʾ: al-Ṭabīʿiyyāt , ed. Ibrahim Madkour and Mahmoud Qassem (Cairo, 1969, repr. Cairo, 1983), pp. 77–200. #META#Header#End# ### | الفن الثالث من الطبيعيات فى الكون والفساد وهو مقالة واحدة فى خمسة عشر فصلا ### | الفصل الأول فصل فى اختلاف آراء الأقدمين فى الكون والاستحالة وعناصرهما # قد فرغنا من تحديد الأمور العامة للطبيعيات وتعريفها، وفرغنا من تحديد الأجسام ~~التى هى أجزاء أولية للعالم، ومنها ينتظم هذا الكل الذى هو واحد، والأجزاء الأولية للعالم ~~بسايط لا محالة؛ وبينا أن بعض هذه البسايط لا يقبل الكون والفساد، وهى البسايط التى ~~فى جواهرها مبادئ حركات مستدىرة. ولم يتضح لنا من حال الأجسام المستقيمة الحركة ~~أنها قابلة للكون والفساد أو غير قابلة. نعم قد أوضحنا أن الأجسام التى فى طباعها أن تقبل PageV01P077 ~~الكون والفساد فى طباعها أن تتحرك على الاستقامة. فيجب من ذلك لمن حسن ~~النظر أن بعض الأجسام المتحركة على الاستقامة يقبل الكون والفساد فيكون بعض ~~الأجسام البسيطة قابلة للكون والفساد. # وأما أن ذلك كيف يجب فلأن الأجسام المستقيمة الحركة لا مبدأ للحركة ~~المستديرة فيها، وهى فى أمكنتها الطبيعية ساكنة فى الأين والوضع، جميعا، ~~واختصاص الجزء المفروض بجهة مفروضة يكون إما لأمر عارض قاسر وإما للطبع. ~~والأمر العارض القاسر إما أن يكون قد اتفق ابتداء الحدوث هناك، أو بالقرب منه، ~~فاختص به؛ أو اتفق أن نقله ناقل إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك الأمر بالطبع، فقد ~~عرفته.ولا يجوز أن يكون ذلك كله لنقل ناقل، حتى لو لم يكن ناقل لما كان لجزء منه ~~اختصاص البتة # وبالجملة فأن القسرى يعرض على طبيعى .فلو كانت الأرض أو غيرها من ~~الاسطقات أزلية لم يجب أن يكون مصروفة الأجزاء كلها دائما تحت نقل قاسر، ~~ووجب أن يكون لها وضع يقتضيه أمر غير القاسر الناقل؛ بل يجوز أن يكون ذلك ~~فى بعض الأجزاء، فبقى أن يكون العمدة فيه أن الجزء إن كان، فى ابتداء تكونه، ~~حاصلا فى حيز يخصص حدوثه فيه عن بعض العلل لوجود ما يكون عنه به فلما كان ~~أول حدوثه فى ذلك الحيز، أو فى حيز يؤديه التحريك الطبيعى منه إلى ذلك الموضع ~~من موضع كليته، ms01 صار ذلك الموضع مختصا به ما علمته سالفا. PageV01P078 # وأما المركبة فلا شك أنها من حيث هى مركبة فقد تكونت بعد ما لم تكن، فيجب أن ~~يكون فى طباعها، لا محالة، أن تفسد؛ إذ قد بىنا لك أن كل كائن جسمانى فاسد. # فقد اتضح من هذا أن الكون والفساد موجود. وقد كان اتضح لك قبل ذلك ~~الفرق بىن الكون وبين الاستحالة، وبين النمو والذبول فى ماهياتها. وإنما بقى لك ~~الآن تعرف وجود كل واحد منها. # فمن الناس من منع وجود جميع ذلك؛ بل منع وجود الحركة. ~~أما من أبطل الحركة المكانية والوضعية فلا كثير فائدة لنا فى الاشتغال بمناقضته، ~~وإن كانت العادة قد جرت بها. فإن لنا، بمناقضيه آراء قيلت فى أمور ليس الحكم ~~فيها يبين، شغلا شاغلا عن تكلف ما بيان وجوده يغنى عن إبانته. وأما هذه الباقية ~~فإن الشغل فى إبانة وجودها مما ينبغى أن ىعتد به. # فقد منع قوم الكون، وزعموا أن البسائط، مثل الأرض والنار والهواء والماء، ~~فإن جواهرها لا تفسد، بل لاشىء منها يوجد صرفا فى طبيعته، بل هو مركب من ~~الطبيعة التى ينسب إليها ومن طبايع أخرى. لكنه إنما يسمى بالغالب .فلا أرض صرفا ~~ولا نار صرفا، ولا ماء صرفا ولا هواء صرفا؛ بل كل واحد منها مختلط من الجميع، ~~و يعرض له فى وقت ملاقاة غيره إياه مما الغالب فيه غير الغالب فيه، أن يبرز ويظهر ~~فيه ما هو مغلوب لملاقاة الذى من جنس المغلوب فيه غالب، وظهوره بأن يتحرك إلى ~~مقاومة ما غلبه وعلاه، فيستعلى عليه. وإذا تحرك إلى ذلك عرض للنظام الذى كان ~~يحصل باجتماع الغوالب والمغلوبات أن يحيل ويستحيل. PageV01P079 # والحس إنما يشاهد من جملة ذلك غالب الأجزاء التى تبرز وتظهر فيحسب أن ~~جميعه استحال إلى الغالب، بأن صارت مثلا، الخشبة أو غيرها نارا. ولا يشاهد ~~الأجراء التى تتفرق من الجوهر الآخر كالدخان مثلا، نعم إنما يشاهد بقية بقيت من ~~الأول بحالها، أو يشاهد ما يتبقى من الأول - وقد تفرق وتشتت، أو ms02 بطلت تلك ~~الصورة التى كانت له - بقاء الرماد. # وأما جوهر الماء فلن يصير نارا البتة، ولا جوهر النار يصير ماء البتة، بل يتفرق، ~~ويغيب عن الحس فيرى ما يظهر ويبرز للحس، فيظن أنه بجملته استحال. # فهؤلاء الطبقة يرون أن النار لا تكون من شىء بل الكائن منها يبرز ويستعلى ~~للحس ليس على أنه حدث، بل على أنه ظهر، ويرون أنه لا استحالة ألبيه، وأن الماء ~~ليس يسخن بالحقيقة من النار، بل تخالطه أجزاء فإذا لقيها إليه فى أول ~~ما يظنها يستحيل لقاء أجزاء محرقة وأجزاء مبردة لقاء لا يميز الحس بين أفرادها، ~~فيتخيل هناك أمرا بين الحر الشديد والبرد الشديد، وهو الفتور .فان كثرت ~~الأجزاء النارية بلغ الأمر إلى أن يحرق. # قالوا: وليست الشعرة الواحدة تسود بعينها وتبيض، بل مرة تجرى فيها، ومن ~~غذائها، أجزاء يغلب عليها فى ظاهرها سواد يخالطها ويعلوها فيبيضها. وإن الدكنة ~~ليست لونا متوسطا بين السواد والبياض، بل مختلطا فيها، بل تكون أجزاء تسود PageV01P080 # وأجزاء بيضا فيختلطان ويبرزان، فلا يميز الحس بينهما، وإذا لم يميز الحس تخيل ~~المجتمع لونا واحدا. # ومن هؤلاء من يرى أن الجزء الحار مثلا ليس فيه حامل ومحمول، حتى يكون ~~هناك جوهر وحرارة محمولة فيه؛ بل يجعل الحرارة جزءا بنفسها. # ومنهم من يرى أن هناك حاملا ومحمولا، لكنه ليس من شأن الحامل أن يفارقه ~~المحمول ألبتة البتة . # ويشبه أن يكون بإزاء هؤلاء قوم يرون ما يسمى كونا، ولا يرون للاستحالة ~~وجودا ألبتة البتة ، حتى يمنعوا أن يكون الماء يسخن، وهو ماء، ألبتة البتة ؛ بل إذا سخن فقد ~~استحال ذاته، وأنه مادام ماء، ويرى أنه سخن، فهو مختلط. # وقد ألجأ بعض المطالبات واحدا من المتفلسفة، على مذهب نصارى بغداد، ~~إلى أن قال بذلك. # وهنا قوم يرون الاستحالة، ولا يرون كونا ألبتة البتة ، وأكثر هؤلاء هم الذين يقولون ~~بعنصر واحد، إما نار. وإما ماء، وإما هواء، وإما شىء متوسط بين هواء ~~ونار وماء. # فإن رأوا أن العنصر نار مثلا كونوا عنه الأشياء بالتكاثف فقط؛ ms03 حتى أنه إذا ~~تكثف حدا من التكاثف صار هواء. فإن تعداه إلى حد آخر صار ماء. وإن تعداه ~~إلى آخر حدود التكاثف صار أرضا، ولا يجوزون، مع ذلك، أن تكون جوهرية PageV01P081 ~~النارية الذاتية تبطل؛ بل عندهم أن الأرض نار محفوظة فى جوهرها مسلوب عنها عارض ~~التخلخل المفرط. # وإن رأوا أن العنصر أرض أقاموا التخلخل بدل التكاثف، وعملوا بالعكس. ~~وإن رأوه شىئا آخر عملوا فىه الضدين من التكاثف و التخلخل، فجعلوه بحيث، إذا ~~تكاثف، عنصرا أكثف منه، و إذا تخلخل صار عنصرا ألطف منه وأخف، ~~من غير بطلان جوهريته. # وههنا أيضا قوم ينكرون وجود الكون ويثبتون الاستحالة، مع فرضهم ~~عناصر فوق واحد. فمنهم من يفرض العنصر الأرض والنار؛ ومنهم من يفرضه الأرض ~~والماء؛ ومنهم من يفرضه الأرض والهواء والنار، ويلغى الماء، فأن الماء عنده ليس ~~إلا هواء قد تكاثف. # ومنهم من يقول بالأربع و مع ذلك فيقول بالاستحالة: ولا يرى العناصر تقبل ~~كونا البتة. # لكن القائلين بهذا القول قد ينقضون قول أنفسهم؛ إذ يبدو لهم أن يجعلوا القوة ~~المسماة عندهم محبة وألفة قوة من شأنها أن تتسلط مرة على العناصر الأربعة فتوحدها ~~جسما متشابه الجوهر يسمونه الكرة. ثم إذا عاد سلطان القوة المضادة لها، وهى التى ~~يسمونها تارة عداوة وتارة غلبه، وتارة بغضه، فرقها طبايع أربع، فتكون العناصر ~~الأربعة إذا حصلت فى سلطان المحبة قد فسدت صورها التى بها هذه الأربع، ~~وقد منع من ذلك. PageV01P082 # وبالجملة فإن طبيعة قوة الانسلاخ وهذا اللبس موجودة فى العناصر، وموقوفة، ~~فى الخروج إلى العقل، على غلبة من محبة موجودة، أو غلبة مفرقة. وهذا شأن القابل ~~للكون والفساد. # وأكثر من قال بالعناصر الكثيرة يلزمه أن ينكر الاستحالة فى الكيفيات ~~الفاعلة والمنفعلة، لأن منهم من لا يرى لها وجودا، ومنهم من يراها نفس العناصر ~~أو لازمة للعناصر لا تفارقها، فكيف تستحيل فيها، وهو لا يرى أن شيئا من ~~العناصر يستحيل؟ # وههنا قوم يريدون أن يميزوا بين الكون والاستحالة بوجه لا يتميز؛ وذلك لأنهم ~~يضعون مبادئ الأجسام كلها ms04 أجراما، وغير متجزئة، أو سطوحا. # فأما جاعلوها أجراما غير متجزئة فيقولون إنها غير متخالفة إلا بالشكل، وإن ~~جوهرها جوهر واحد بالطبع، وإنها لاتنقسم، لا لأنها لا تقبل القسمة الإضافية؛ بل لا تقبل ~~قسمة الانفصال لصلابتها التى هى عدم تخلل الخلاء عندهم؛ إذ الانفصال بين الملاء والملاء ~~إنما هو عندهم بالخلاء. # قالوا، وإن هذه إنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل أشكال مختلفة. لكن ليس من ~~شأن شىء منها أن ينسلخ عن شكله. ولا يتحاشون أن يجعلوها مختلفة بالصغر والكبر. ~~ثم منهم من يرى الأشكال متناهية، ومنهم من يراها غير متناهية، ويفتنون فى أن ~~الأجزاء غير متناهية، وأنها تتحرك حركات كيف اتفق. PageV01P083 # فمنهم من يرى حركاتها حادثة عن حركات قبلها بلا نهاية، كل حركة عن صدمة عن ~~حركة عن صدمة، وأنها ربما ارتبكت واجتمعت فتحابست عن الحركة. # ومنهم من يرى لبعض أشكالها خفة، ولبعضها ثقلا. وكلهم لا يرون لطبائع هذه ~~الأجرام كونا ولا فسادا. ولكنهم يرون أن للمركبات منها كونا وفسادا، وأن كونها ~~عنها وفسادها إليها، وأن الكون هو باجتماعها، و أن فسادها بافتراقها، وأن ~~استحالتها باختلاف الوضع والترتيب لتلك الأجزاء فى المجتمع منها. # أما الترتيب فمثاله أن هذه الأجزاء لو كانت حروفا مثلا، فوقع منها ترتيب ~~فى الجهات على مثال هجاء مليك، ثم حال التركيب، فصار على هجاء كليم. فحينئذ # لم يكن عندهم قد فسد؛ إذ لم يتفرق. ولكن يكون عندهم قد استحال. ~~وأما الوضع فأن يكون مثلا كلاهما مليكا، لكن أحدهما قد كتب فيه الحروف ~~على الترتيب المكتوب وجهات رءوس الحروف تلك الجهات لها، والآخر إن حرفت ~~أوضاع الحروف عن ذلك، فكتب مثلا هكذا م يك، حتى صارت اللام جهتها ~~إلى غير جهة الكاف. # وهؤلاء قد تعدوا هذا إلى أن جعلوا الاستحالة أمرا بالقياس إلى الإدراك ~~والإحساس، لا على أنها موجودة فى طبائع الأمور .وقالوا، وذلك كاللون المحسوس ~~فى طوق الحمامة. فأنه إذا كان على وضع ما من الناظر إليه رؤى اسود، وإذا صار له ~~منه وضع آخر رؤى أرجوانيا، ms05 وأنه ليس فى نفسه سوادا ولا أرجوانية؛ بل ذلك له ~~بالقياس إلى الناظر. PageV01P084 # فهؤلاء أصحاب الأجرام غير المتجزئة .وأما أصحاب السطوح فأنهم يرون الكون ~~باجتماعها و الاستحالة لشىء قريب مما يقوله هؤلاء. و يجعلون مبادئ السطوح ~~سطوحا مثلثة. # فهؤلاء بالجملة يرون أنهم اثبتوا كونا، ولم يثبتوه. وذلك لأن الطبائع إذا كانت ~~محفوظة فى البسائط متشاكلة فى الجواهر، فلا يفعل الاجتماع و الافتراق أمرا غير زيادة ~~حجم وعظم ومخالفة هيئة شكل .وذلك إما تغير فى الكم أو فى الكيف. # وأما النمو فلم يبلغنا فيه مذهب نذكره خارج عن مذهب الفرقة المنكرة للحركة ~~أصلا، وإن كان النمو من حقه أن تنبعث فيه شكوك. # ويكفينا فى عرضنا هذا من تعديد هذه المذاهب ما عددناه. فبالحرى أن نشتغل ~~الآن بتعديد القياسات الفاسدة التى دعت هؤلاء الى اعتقاد هذه المذاهب، ثم نقبل ~~على فسخها وفسخ نتائجها من أنفسها. PageV01P085 ### | الفصل الثاني فصل فى فى اقتصاص حجة كل فريق # أما أصحاب الكمون فقد دعاهم إلى ذلك أنه من المستحيل أن يتكون شىء من ~~لا شىء، إذ اللاشىء لا يكون موضوعا للشىء. فإذا كان كذلك فالمتكون، إن كان ~~موجودا، فتكونه عن شىء. فقد كان الشىء قبل تكونه. والمتكون هو ما لم يكن ~~قبل تكونه. فالمتكون غير متكون، هذا خلف. # وإذ قد صح بالعيان أنه قد يكون شىء عن شىء فليس التكون ما يذهب إليه؛ ~~بل هو البروز عن الكمون. وحسب بعضهم أن الاستعداد لأكوان بلا نهاية يحوج ~~إلى أن يكون العنصر المستعد له بغير نهاية، فجعل الأجزاء المتشابهة عنده لما يكون عنه ~~أجزاء بلا نهاية، كيلا يضطر تناهى المادة إلى انقطاع الكون. # وأما أصحاب الأسطقس الواحد فإن جميعهم اشتركوا، أول شىء، فى حجة ~~واحدة. فقالوا: لما رأيناه الأشياء الطبيعية يتغير بعضها إلى بعض، وكل متغير فإن له ~~سببا ثابتا فى التغير هو الذى يتغير من حال إلى حال، فيجب من ذلك أن يكون لجميع ~~الأجسام الطبيعية شىء مشترك محفوظ، وهو عنصرها. PageV01P086 # ثم مال كل واحد منهم إلى اختبار ms06 عنصر واحد. فيشبه أن يكون أقدمهم من رأى ~~أن العنصر الواحد هو الماء. ودعاه إلى ذلك ظنه أن العنصر ينبغى أن يكون مطاوعا ~~للتشكل والتخليق حتى يكون منه ما هو عنصر له. فكل ما هو اشد مطاوعة لذلك ~~فهو أولى بالعنصرية. ثم وجد هذه المطاوعة كأنها فصل خاص بالرطوبة؛ والناس كلهم ~~يعتقدون أن الرطوبة ماء، أو شىء الغالب عليه الماء فجعل الماء البسيط هو العنصر. # قال ولهذا ما نرى الحيوانات لا تتخلق إلا من الرطب، وهو المنى. # والذىن رأوا أن الاسطقس هو الأرض، وهم قليل وغريب، فقد دعاهم إلى ذلك ~~وجود جل الكائنات الطبيعية مستقرة على الأرض إلى مكان الأرض بالطبع، ~~فحكموا من ذلك أن الأرضية هى جوهر الكائنات كلها. # وأما الذىن رأوا أن الاسقطس نار فقد دعاهم إلى ذلك ما ظنوه من كبر جوهره، ~~كأنهم استحقروا حجم الأرض والماء والهواء فى جنبته؛ إذ السموات المشعة ~~والكواكب المضيئة كلها عندهم نارية. وحكموا بأن الجرم الأكبر مقدارا هو الأولى ~~أن يكون عنصرا، وخصوصا ولا جسم أصرف فى طبيعته من النار، وأن الحرارة ~~هى المدرة فى الكائنات كلها، وما هو الهواء إلا نار مفترة ببرد البخار، وما البخار إلا ماء ~~متحلل. وما الماء إلا نار مكثفة، وهواء مكثفا ماء. ولو كان للبرد عنصر يتصور به، ~~ولم يكن البرد أمرا عرضيا يعرض لذلك العنصر الواحد، لكان فى العناصر بارد، برده ~~فى وزن شدة حر النار. PageV01P087 # وأما القائلون بالهواء فقد دعاهم إلى ذلك مثل ما دعا القائلين بالماء إلى القول به. ~~وقالوا إن معنى الرطوبة أثبت فى الهواء منه فى الماء، وذلك لأن مطاوعته للمعنى المذكور ~~أشد. وما الماء إلا هواء متكاثف، والمتكاثف أقرب إلى اليبس منه إلى التخلخل. ~~وأما الأرض فهى ما عرض له التكاثف الشديد، كما نراه من انعقاد كثير من المياه ~~السائلة حجارة. وأما النار فليست إلا هواء اشتدت به الحرارة، فرام سموا. # وأما القائلون بالبخار فدعاهم إلى ذلك أنهم رأوا جرما نسبته إلى العناصر نسبة ~~الوسط، وأنه تفضى به درجة ms07 من التخلخل إلى الهوائية، ودرجة أخرى إلى النارية، ~~ثم تفضى به درجة من التكاثف إلى المائية، ودرجة أخرى إلى الأرضية، وأنه ليست ~~هذه الخاصية لغيره، وأن الذى تتساوى نسبته إلى غيره لا غير. ~~وهؤلاء كلهم فقد اشتركوا فى حجة واحدة هى التى ذكرناها. # وأما القائلون بالأرض والنار فدعاهم إلى ذلك أن سائر الأسطقسات تستحيل آخر ~~الأمر إلى هذين الطرفين، والطرفان لا يستحيلان إلى اسطقسات أخرى خارجة عنهما. ~~فهما اللذان ينحل سائرهما إليهما، ولا ينحلان إلى شىء آخر. فهما الأسطقسان. ولذلك ~~هما البالغان فى طبيعة الخفة والثقل، والآخران يقصران عنهما. وإذا لا حركة أسطقسية ~~إلا اثنتان فالأغلب فى الاثنين هو الأسطقس. والنار والأرض بالقياس إلى غيرهما ~~أغلبان، ولا شىء أغلب معها. ثم الهواء نار خامدة مفترة مثقلة بالماء المتبخر، والماء ~~أرض متحللة سيالة خالطتها نارية، فهى أخف من الأرض. PageV01P088 # وأما القائلون بالأرض والماء فقد دعاهم إلى ذلك تساوى حاجة المركبات إلى الرطب ~~واليابس .فكلما أنها تحتاج إلى الرطب لتقبل التخليق، كذلك تحتاج إلى اليابس ~~ليحفظ التخليق .فإن الرطب كلما أنه سهل القبول لذلك فهو أيضا سهل الخلع له. ~~واليابس كما أنه صعب القبول لذلك فهو أيضا صعب الخلع له. وإذا تخمر اليابس بالرطب ~~استفاد المركب من الرطب حسن مطاوعته للتخليق، ومن اليابس شدة استحفاظه له. ~~و اليابس و الرطب فى المشاهدة هما الأرض و الماء لا غير. وإما الهواء فبخارى مائى. ~~وأما النار فهواء أسخنته الحركة. # وأما القائل بالأربعة مع الغلبة والمحبة فقد دعاه إلى القول بالأربعة أنه لاشىء منها أولى ~~بأن يجعل عنصرا لصاحبه من صاحبه أن يجعل عنصرا له، وأن القوى الأولى هى الأربع، ~~والمزاوجات الصحيحة منها هى أربع، على ما سنحقق القول فيه بعد. # ثم هذه الأربعة لا تتكون منها الكائنات ولا تفسد إليها إلا باجتماع من أجزائها ~~إلى المركب، وافتراق من المركب إليها. ولن يجتمع منها المركب إلا بافتراق يقع فيها؛ ~~وأنه لا سبيل إلى الظن بأن شيئا ينفعل بنفسه إلى اجتماع أو افتراق؛ إذ كل منفعل ms08 ~~فإنما يخرجه من القوة إلى الفعل فاعل؛ وأنه من المستحيل أن تكون طبيعة واحدة ~~بسيطة يصدر عنها فى موضوعات بأعيانها جمع وتفريق معا، وإن كانت الطبيعة المركبة ~~لا يبعد أن يصدر ذلك عنها. ولكن إنما يصدر حينئذ كل واحد منهما عن جزء من ~~المركب خاص، فيكون الجمع يصدر عنه عن جزء، والتفريق عن آخر. ويكون ~~المصدران الأوليان لذينك الفعلين هما الجزءان اللذان يجب أن يكونا مختلفين فى الطباع، PageV01P089 ~~لأن فعليهما مختلفان فى الطباع، ويكون كل واحد إما قوة مجردة، وإما قوة فى جسم. ~~وأحرى ما تسمى به القوة الجماعة هى الألفة والمحبة، وأولى ما تسمى به القوة المفرقة ~~المشتته الموجبة تباعدا بين المتشاكلات هو الغلبة والبغضة والعداوة. # قالوا فيجب ضرورة أن يكون ههنا اسطقسات أربعة تتصرف فيها الغلبة والمحبة، ~~وإذ التصرف إنما هو بالجمع والتفريق، وذلك لا يوجب تغيرا فى الجوهر، فلا يسبب لإيقاع ~~تغير فى جوهر العناصر. فلذلك مالا يرى هذا القائل أن العناصر يستحيل بعضها ~~إلى بعض البتة، ولا يراها تقبل كونا وفسادا. وليس يقتصر من فصولها على الكيفيات ~~الأربع فقط؛ بل يرى لها فى ذواتها الفصول من جميع الكيفيات الأخرى. لكنه ~~يراها أربعا لا غير. فهى عنده متناهية العدد والمقدار. # وأما أصحاب السطوح فيشبه أن يكون داعيهم إلى ذلك هو ما اعتقدوه من أن ~~تكون الأشياء عن العناصر إنما هو بنوع التركيب، وذلك التركيب إنما هو نتيجة ~~الفعل والانفعال، وأن ذلك الفعل والانفعال باللقاء والتماس؛ وأن التماس الأول للأجسام ~~إنما هو بالسطوح. فيكون أول فعل وانفعال عند التركيب إنما هو للسطوح. وما كان ~~أول ذينك فيه فهو العنصر. فالسطوح هى العناصر. ولأن العناصر ينبغى أن تكون ~~بحيث تتركب منها الكائنات تركيبا لا يؤدى الى المحال، والسطوح التى تحيط بها غير ~~الخطوط المستقيمة يؤدى تأليفها لا محالة إلى فرج تبقى بينها، فينبغى أن يكون السطوح ~~الأولى مستقيمة الضلوع. وليس فى المستقيم الأضلاع شىء أقدم من المثلث. ويمكن أن PageV01P090 ~~يؤلف من المثلث سائر الأشكال المستقيمة الخطوط، كما يمكن أن ms09 يحل إليها، فتكون ~~السطوح العنصرية هى السطوح المثلثة، ثم يؤلف منها تأليف يكون منه شكل مائى، ~~وشكل هوائى، وشكل نارى، وشكل أرضى. # فأما النارى فهو الذى يحيط به أربع قواعد ومثلثات، فتكون صنوبرية نفاذة ~~قطاعة مستعدة للحركة. # وأما الهوائى فالذى يحيط به عشرون قاعدة مثلثات، فكون شديد ~~الانبساط للإحاطة. # وأما المائى فالذى يحيط به ثمانى قواعد مثلثات. # وأما الأرضى فهو مكعب، والمكعب أضلاعه مربعات تأتلف بالقوة من مثلثات، ~~وهو لتكعيبه غير نافذ، ولا ثاقب. فلذلك هو غير مسخن. # فإن جعلوا تأليفه بالفعل أيضا من مثلثات وجب أن يوجدوا للنار جزءا من ~~الأرض. وكذلك إن جعلوا هذه السطوح منقسمة، وجب أن يمكنوا من إيجاد كل ~~عنصر فى العنصر الآخر. # قالوا: وأما السماوى فيحيط به اثنتا عشر قاعدة مخمسات، كل مخمس مؤلف من ~~خمسة مثلثات. # ويشبه أن يكون داعيهم إلى ذلك شدة حرصهم على العلوم الرياضية وإيضاح ~~المذاهب فيها لهم، وانغلاق الطبيعة عليهم؛ إذ كان نظرهم فى الطبيعيات، والزمان PageV01P091 ~~ذلك الزمان والفلسفة فى الابتداء نظر المبتدى والشادى. والذى لم يتمرن فهو ~~بعد فى الأمانى، فراموا أن يتأولوا المشكل من الواضح. # وهذه المخمسات الخمسة ستقف عليها فى إحدى الجمل الرياضية فى هذا الكتاب. ~~ويشبه أن يكون فى تكثير العناصر وتوحيدها مذاهب كثيرة غير ما ذكرناها ~~لم تحضرنا فى الحال. # وأما أصحاب الأجرام الغير المتجزئة فأن الفيلسوف الذى هذب مبادئ هذه ~~الصنائع فقد أسهب يثنى عليهم، ويقرظهم، على تخطئته إياهم، ويقدمهم على سائر ~~الطوائف، وخصوصا على أصحاب السطوح، قائلا إنهم أخذوا مبادئ محسومة مقرا ~~بها ونسقوا عليها القول نوعا من النسق، ثم حافظوا على أصولهم، ولم يزيغوا عنها فى أكثر ~~الأمر. وذلك لأنهم اعترفوا بوجود الحركة، ثم صاروا إلى إثبات الخلاء، لا كالذين ~~أخذوا أخذا مسلما أن لا خلاء، وأوجبوا منه أن لا حركة .وذلك أن هؤلاء ساعدوا ~~أولئك على ما وضعوه مسلما من أن الحركة والقسمة متعلقة بالخلاء. ثم كان وجود الحركة ~~أظهر وأعرف من عدم الخلاء؛ لأن هذا لا شك فيه صحيح ms10 الرأى، وفى ذلك موضع شك ~~كثير. فتشبث هؤلاء إنما هو بجنبته أوضح من جنبة تشبث أولئك .فقد فاقوا أولئك ~~فى هذا الاختبار. # ومن هنا قالوا: إن مالا خلاء فيه فلا يتكثر، ولا ينقسم. فكل جزء لا ينقسم، ~~وفاقوا أصحاب السطوح بأن أصحاب السطوح قد تذبذبوا، وانبتوا فى الوسط: وذلك PageV01P092 ~~لأن نسبة الأجرام إلى السطوح هى كنسبة السطوح إلى الخطوط، وكنسبة الخطوط ~~إلى النقط، وإنه إن صح تركيب الأجسام من السطوح فلا مانع من تركيب السطوح من ~~الخطوط والخطوط من النقط. فإما أن يبطل تركيب المتصل من الغير المتجزئات، ~~وإما أن يقال بالتركيب من النقط. فإن بطل التركيب من النقط، فقد بطل التركيب من ~~سائر مالا يتجزأ، من النحو الذى تركب عليه. وبقى أن الجسم يتناهى فى القسمة إلى ~~أجسام لا تتجزأ، وإن صح ذلك النحو من التركيب فالنقط هى الأوايل لا السطوح. ~~ولأن تؤلف الأجسام من أجسام لا تتجزأ صلابة، لا فقدان اتصال ومساحة، أقرب إلى ~~الصواب من أن تؤلف عما لا اتصال له فى جهة التأليف. # وهؤلاء أيضا فقد بذوا عنده سائر الآخرين فى أن كان لهم سبيل إلى التفرقة بين ~~الكون والفساد والاستحالة، ولم يكن لأولئك المذكورين. # فأما حجة هؤلاء فقد ذكرناها فيما سلف، وأومأنا إلى سبب الغلط فيها. PageV01P093 ### | الفصل الثالث فصل فى نقض حجج المخطئين منهم # قد بقى الآن أن نشير إلى سبب الغلط فى حجة حجة من الحجج المقتضية. ~~أما القائلون بالكون والتداخل، وأن الكون ظهور الكامن، فالسبب فى غلطهم ~~هو ظنهم أنه إذا كان مسلما أن الشىء لا يكون عن لاشىء فقد صح أن كل شىء يكون عن ~~مشابهة فى الطبع، وأنه إذا كان مسلما أن لاشىء لا يكون موضوعا لشىء استحال أن ~~يكون الشىء عن لاشىء. # أما الأول فلنضعه مسلما، فيجوز أن يكون الشىء لم يتكون عن لاشىء، ولكن ~~تكون عن الشىء، لكن عن شىء ليس مثله فى النوع ولا مشابهة فى الطبع، ويكون مع ~~ذلك لم يتكون عن لاشىء. # وما قوله فى اليد ms11 والرجل وفى البيت وفى الكرسى؟ هل هذه الأشياء متكونة ~~عن لاشىء؟ فإن كانت عن لاشىء فقد بطلت المقدمة. وإن كانت عن شىء. فهل ذلك ~~الشىء مثل أم ليس بمثل؟ وليس يمكن أن يقال إن الوجه متكون عن الوجه، والكرسى عن ~~الكرسى، تكونا بالحقيقة إلا بالعرض، وعلى أن الشىء عن الشىء يقال كما يقال إن الكرسى PageV01P094 ~~عن الخشب، وهو غير شبيه. وكيف يكون الموضوع شبيها بالمركب منه ومن الصورة، ~~وقد تكون كما تكون عن شىء قبله بطلت صورته لقبول صورة هذا، كما يتخذ من الباب ~~كرسى، فيكون ليس أيضا عن الشبيه. # وأما المقدمة الأخرى، وهى أن لاشىء موضوعا للشىء فإنما يصح هذا إذا ~~قيل إنه كان عنه، وهو موجود فيه. وأما إذا كان الوضع أن الشىء كان من لاشىء، ~~أى بعد لاشىء لم يصر لا شىء موضوعا للشىء، والأولى أن يقال حينئذ لا عن شىء، ~~حتى لا تقع هذه الشبهة. على أنه ليس نقيض قولنا إن الشىء كان عن الشىء هو أن الشىء ~~كان لا عن شىء، أو كان لا عن شىء؛ بل إن الشىء لم يكن. وهذا إذا ~~كان الشىء مرادا به أمرا بعينه. وأما إن كان مهملا فلا نقيض حقيقيا له، وإن كان بمعنى ~~العموم، حتى يكون كأنه قال كل شىء يكون عن شىء، فليس نقيضه أن الشىء لا يكون ~~عن شىء. وذلك لأن معنى هذا أن كل شىء لا يكون عن شىء. وهذه المقدمة ضد ~~الأولى، لا نقيضها. # وأما الحجة التى يشترك فيها مثبتوا اسطقس واحد، وهى أن هذه المسماة ~~بالأسطقسات يتغير بعضها إلى بعض، فلا بد من شىء ثابت، فإنما أثبتت لهم أن شيئا ~~مشتركا، ولم تثبت أنه جسم طبيعى ذو صورة مقيمة إياه بالفعل، حتى يطلب بعد ذلك ~~انه أى الأجسام، وترجم فيه الظنون؛ بل يجوز أن يكون ذلك الشىء جوهرا قابلا ~~لصورة واحد من العناصر يصير جسما طبيعيا بتلك الصورة، وإذا سلخها اكتسب ~~أخرى. PageV01P095 # ثم مرجح الماء من بينهم، لما فيه من قبول الشكل، يفسد ms12 اختياره الماء لما فيه من ~~التخلية عن الشكل. فإن جعل تكاثفه حافظا للشكل فقد جعل تكاثفه مزيلا عنه ~~الصفة التى لها صلحت للأسطقسية، ومرجح الهواء مخاطب بمثل ذلك. ومرجح الأرض ~~يفسد مقدمته لما فى الأرض من امتناع الاجتماع بعد الافتراق والامتناع عن قبول ~~الشكل، وأنه ليس كل متكون فإنما الأرضية غالبة عليه. # فههنا متكونات هوائية ومتكونات مائية. وكثير من المتكونات لا يرسب ~~فى الماء، ولو كانت الأرضية غالبه لرسب جميعها. ومع ذلك فليس إذا رسب كل متكون ~~دل على ذلك اكثر من أن الأرضية غالبة فيه؛ ولم يدل على أن لا خليط للأرض ~~فيه. فإن الغالب غير المنفرد فربما كان امتزاج من عدة، وواحد منها غالب ~~بالقوة أو بالكمية. # وأما القائلون بترجيح النار فقد اعتمدوا فيه الكبر، وظنوا أنهم صححوا الكبر ~~بكبر السموات وعظمها. فما يدرينا أن السموات كلها نارية حتى عسى أن يصح ما يقولونه؟ ~~وما الذى يوجب اختصاص النار بالعنصرية لحاجة الكائنات إلى الحرارة. كأنها ~~لا نحتاج إلى الرطوبة، وكأنها لا تحتاج إلى اعتدال من الحرارة بمزاج البرودة؟ ~~وأما فى أن النار قد تمخض نارا من أنها هى العنصر، فإنه إن كان الماء نارا مستحيلة، ~~أو كانت الأرض نارا غير محضة، فيكون من النار ما ليس بمحض. وأما إذا أخذت ~~النار التى هى مجاورة للفلك فالذى يدل على محوضتها يدل أيضا على محوضة الأرض ~~المجاورة للمركز. ومع هذا كله، فما المانع من أن يكون كل واحد من هذه أسطقسا، PageV01P096 ~~لكن الواقع فى جوار الفلك لا يرتفع إليه من البواقى ما يشوبه، وأما التى عند المركز ~~فإن الشعاعات الفلكية والتأثيرات السماوية تمزج بعضها ببعض بما يفيض من المياه، ~~وما يصعد من الأبخرة والأدخنة الدائمة الحدوث، فلا تبقى صرفه. وهذا لا يستبين ~~من أمره أنه ممتنع محال. # وأما القائلون بالبخار لأنه متوسط بين العناصر ونسبته إلى الأطراف البعيدة نسبة ~~واحدة، وإن كانت مختلفة، بالتخلخل والتكاثف، فمن سلم لهم أن الشىء، إذا كانت ~~نسبته إلى أشياء أخرى هذه النسبة كان أولى ms13 أن يكون عنصرا. ولو كان هذا حقا ~~لكان كل واحد من العناصر بهذه الصفة؛ وذلك لأن الهواء أيضا إذا يبس كان نارا، ~~وإذا يبس أشد أرضا، وإذا برد كان بخارا، وإذا برد أشد كان ماء. ولا فرق إلا أن ~~الانتقال هناك بمتقابلتين، وهما التكاثف والتخلخل، والانتقال ههنا بغير متقابلين. ~~إلا أنه ليس بينا بنفسه أنه يجب أن يكون المتوسط الذى ينتقل إلى الأطراف بمتقابلين ~~هو الأسطقس الأول، لا غير. # على أن البخار ليس شيئا إلا ماء قد تفرق وانبسط، كما أنه ليس الغبار والدخان ~~إلا أرضا تفرق وانبسط. وليس هو عنصرا خامسا، أو بعنصر خامس؛ بل هو فتات بعض ~~العناصر وبثاثته، مع بقاء نوعه. وإنه لو انسلخ نوعه فى ذلك الطريق لا نسلخ إلى ~~الهوائية لا غير، ولم ينسلخ إلى البخارية. # ولا يلتفت إلى ما يقوله من يظن أن الأسطقس لا يستحيل إلى آخر إلا بتوسط، PageV01P097 ~~فلابد من بخار. فأن المسألة مع البخارية قائمة. ويلزم أن يكون بين كل اسطقسين وسط ~~آخر، وليس كذلك؛ وليس كذلك؛ بل الكون أمر يكون دفعه بلا توسط؛ بل البخار مثل الغبار ~~إلا أن البخار والدخان إنما تفرقا عن سبب حار، والغبار عن سبب ساهك. فإذا جعل ~~البخار متوسطا فبالحرى أن يجعل الدخان متوسطا، إن لم يجعل البخار متوسطا من ~~العناصر، لأنه ظاهر من حالة أنه متفرق فقط، وتصير حينئذ الأجسام المعتبر فيها ~~هذه المناسبات ستة .فلا يكون البخار وسطا بين العناصر؛ بل ليس البخار من حيث ~~هو بخار وسطا بين الماء والهواء، وإلا لكان مكانه الطبيعى فوق مكان الماء دون مكان ~~الهواء، فلا يكون خارقا بحركته للهواء والهواء نفسه لا يتحرك فى الهواء؛ بل يقف ~~بالطبع، ولو أقرب حيزه من الهواء. # فإن قيل: فلأن لا يخرق الهواء، وهو ماء أولى. # فنقول: إن الماء يعرض له أن يقسره الحر بالتحريك إلى فوق، وربما قسر أجراما ~~ثقل من الماء، كقطع خشب راسبة إذا اشتغلت أصعدتها النار القوية فى الجو. # وليس هذا حكم البخار فإنه ليس يكون ms14 البخار، على قولهم، شيئا عرض له عارض ~~حرارة مصعدة؛ بل جوهر البخار هذا الجوهر، ومعنى اسمه هذا المعنى، حتى إذا بطل ~~عنه هذا المعنى لم يكن إلا ماء قد كان قسر على التصعد. فإن لم يكن ذلك له بالقسر كان ~~بالطبع. فكان يجب أن لا يكون مكانه الطبيعى إلا فوق الماء دون الهواء؛ فما كانت ~~حركته الطبيعية تجاوز ذلك الحد، وتخرق الهواء، فإن كان هذا التصعد والسخونة ~~عارضين للبخار، بحيث لو زالا بقى البخار، فالقول ما قلناه من أن البخار ماء مبثوث. PageV01P098 ~~وأما القائل بالمحبة والغلبة فلأنه لا يرى كونا، ولا فسادا للعناصر، ثم ينسى ذلك، ~~فيجعل العناصر قد تستحيل عند غلبة المحبة وتأحيدها إياها، وجمعها لها كرة هى مخالفة ~~فى الطباع للعناصر. وكذلك تستحيل الكرة، فتتفرق إلى العناصر. فيكون الاجتماع ~~عنده يردها إلى المادة المشتركة لا محالة، ويفسخ عنها صورة العناصر، ويكسوها صورة ~~الكرة؛ والافتراق يخلع صورة الكرة عنها إلى صورة العناصر. ويلزم من وجه أن ~~يجعل المحبة محركة حركة خارجة عن الطبع، وهى طبيعة التحريك عنده. # أما انه كيف تصير علة لذلك فلأن الطبيعى من حركات العناصر عند الجميع، ~~وعند قائل هذا القول، يوجب تباعد بعضها عن بعض، ومفارقتها بأن تترل الأرض، ~~وتصعد النار؛ وإذا تحركت الى الاتحاد فقد أخرجت عن طبيعتها. والمحبة أيضا، ~~تصير عنده مفرقه، ويتحاشى من ذلك. # أما كيف يلزم أن تكون مفرقة فلأنها تفرق بين المادة وصور العناصر، فتكون قد ~~فرقت بين أشد مجاورة من الأجسام المتلاقية أو المتصلة بعضها ببعض. ~~وأيضا فلإنها لا تجتمع إلا فرقت أى جمع نسب إليها. # وأما القائلون بالأرض والنار فقد أضلهم ظنهم أنه لا استحالة إلا على طريق ~~الاستقامة. وهم، مع ذلك، يسلمون أن الماء له استحالة إلى جهة الأرض، وأخرى ~~إلى جهة الهواء والنار. فلو كان اعتبار الاستحالة مقصورا على استقامة من جهة إلى جهة، ~~من غير انعكاس، لكانت المائية إنما تتجه فى استحالتها مثلا إلى الهوائية والى النارية، ~~ولا تنعكس، حتى تكون الهوائية تتجه إلى المائية، ms15 والمائية إلى الأرضية. PageV01P099 # فإذا كان كذلك فلا واجب أن تكون النار تأخذ فى استحالتها، لو كانت مستحيلة ~~إلى عنصر آخر أخذا مستمرا فى استقامة استحالة الهوائية إليها؛ بل يجوز أن يكون ~~بعكس ذلك، وهو الذى يتصل باستمرار استقامة استحالة الهوائية إلى المائية، حتى ~~تكون النار منعكسة باستحالتها إلى الهوائية. # * * # وأما المقتصرون على الأرض والماء فقد جعلوا العنصر هو البرد. ومعلوم أنه ~~لا متكون عن مجرد ماء وأرض إلا الطين، وأن أصناف الطين لن يستغنى فى تميز ~~بعضها عن بعض عن مخالطة الحار الطابخ. وليس إذا كان للمركب شىء به يقبل ~~الصورة، وشىء به يحفظ فقد كفى ذلك؛ فإن أقل ما يحتاج إليه المركب هو الشكل ~~والتخطيط، بل قد يحتاج إلى قوى وأحوال أخرى، خصوصا فى النبات والحيوان. # ولاشىء كالحار الغريزى فى إعانة القوى على حفظ النوع والشخص. ~~فأما أصحاب السطوح فقد غلطوا؛ إذ ظنوا أن الانفعال أولا هو فيما يلى الشىء أولا؛ ~~بل الانفعال فيما من شأنه أن ينفعل. ولو كان كذلك لكان السطح يتحرك من محرك ~~الجسم بالملاقاة قبل الجسم، وكان البياض أيضا يسخن قبل الجسم، ولكان يجوز أن ~~تكون نفس المماسة منفعلة بالسخونة؛ إذ هى مؤدية إلى ذلك، وبها تنفعل. PageV01P100 ### | الفصل الرابع فصل فى إبطال قول أصحاب الكمون ومن يقرب منهم ويشاركهم فى نفى الاستحالة # وإذ ليس نقض القياس المنتج لمطلوب ما كافيا فى نقض المطلوب نفسه.وكيف ~~وربما أنتج صادق عن مواد كواذب، وربما أنتج صادق لا من قياس صحيح فى ~~صورته؟ فبالحرى أن نشتغل بنقص مذهب مذهب نفسه لنتوصل من ذلك إلى تحقيق ~~التفرقة بين الكون والفساد وبين سائر الحركات، ونستعد لتحقيق القول فى عدد ~~العناصر وطبائعها، وفى الفعل والانفعال، والامتزاج. # ولنبدأ بمذهب أصحاب الكمون: # أما الطبقة القائلة منهم إن فى كل جسم مزجا من أجزاء كامنة لا تتناهى، فيكذبهم ~~ما علم قبل من امتناع وجود جرم متناه مؤلف من أجزاء فيه بلا نهاية، كانت أجراما ~~أو غير أجرام، كانت متساوية الكبر، إن كانت أجراما، أو مختلفة. ms16 # وأما القائلة منهم بتناهى ذلك، مجوزة أن يكون عن ماء نار أو أرض أو غير ~~ذلك، على سبيل الانتقاض، فيفسد مذهبها أحاطتنا بأن الماء إذا انتفضت عنه الأجزاء PageV01P101 ~~النارية المتناهية بقى هناك ماء، إن استحال نارا لم يكن كون كل نار عن ماء إنما هو ~~بسبيل الانتفاض والتميز، بل على سبيل سلخ الصورة؛ وإن امتنع عن الاستحالة لم يكن ~~كل ماء من شأنه أن يكون عنه نار أو هواء. وأن اضطر إلى أن يقول إن هذا الاختلاط ~~بحيث لا يتأتى كمال التميز فيه، لم يخل إما أن يكون جميع الأجزاء النارية التى فى الماء ~~والهواء سواء فى شدة الملازمة للأجزاء المائية، أو بعضها ألزم، وبعضها اسلس طاعة ~~للتميز. فإن كان الجميع سواء فى ذلك، وجازت المفاصلة على جزء جازت أيضا على كل ~~جزء .وإن كان بعض الأجزاء ليس من شأنه أن يفاصل فإن كان ذلك لطبيعة النارية ~~فالآخر مثله؛ وإن كان لطبيعة مضافة إليها فهو غلط آخر، والكلام عليه، وفى مخالطته ~~و مفاصلته ثابت. ومع ذلك، فيبقى الذى لا يفاصل فى طائفة من الماء تصير به تلك ~~الطائفة ماء لا يتكون عنه نار. # وأما إن قيل أن الماء يتكون عنه نار أو هواء إلى أن تتميز الأجزاء المائية، ويبقى ~~ماء صرفا لا يتكون عنه نار بعد ذلك - وهو قول غير قول المخاطبين فى هذا الوقت - ~~فلا يلزم هؤلاء شىء مما قلنا ألبتة البتة ، و كانت مخاطبتهم من وجه آخر، و بالكلام المشترك ~~المخاطبة جميع من رأى أن الأشياء التى نسميها نحن الاستحالة، إنما هى بروز من الكوامن، ~~أو مداخلة مبتدأه. وذلك لأن الماء إذا سخن لمجاورة النار ففيه ظن من يرى أن ناريات ~~فيه قد برزت، وظن من يرى أن ناريات قد نفذت فيه، وداخلته من النار المجاورة. # والشركة بين المذهبين إنما هى فى شىء واحد، وهو أن الماء لم يستحل حارا، PageV01P102 ~~ولكن الحار نار يخالطه والفرق بينهما أن أحدهما يرى أن النار قد كانت فى الماء، لكنها ~~كانت كامنة، ms17 والثانى أن النار لم تكن فيه، ولكن الآن قد خالطته. فيجب أن نوضح ~~فساد كل واحد من المذهبين. # فأما المذهب الأول فما يوضح فساده تأمل حال هذا الكون وما معناه. فإن جوزوا ~~فيه تداخل الأجسام فقد ارتكبوا المحال الذى بان فساده من كل وجه. وإن لم يجوزوا ~~ذلك، ولكن أو مأوا إلى مجاورة، ومخالطة تكون، ويكون الكامن هو المستبطن ~~من الأجزاء، وهذا الاستبطان لا يعقل منه إلا انحصارها فى باطن الجسم وبعدها عن ~~بسيطة وظاهره، فيجب أن يكون باطن الماء مكانا للكامن من النيران، وتكون ~~كيفية ذلك المكان مثل كيفية الماء المسخن الذى لا يفعل تسخينه أمرا غير إبراز ~~الكامن فيه إلى ظاهره؛ بل يجب أن يكون أسخن من ذلك بكثير، وذلك لأن ~~الانحصار فى الباطن أجمع من الانتشار فى الظاهر. والمعول على تصديق هذه القضية و تكذيبها ~~هو على الحس. فإن ظاهر الماء وباطنه، وأى حد وجزء أخذت منه، هو من طبيعة ~~واحدة متشابهة. # وكذلك حال الأجسام السود والبيض، والحلوة والمرة وغير ذلك؛ فإنها يوجد ~~منها ما يقبل الاستحالة إلى الضد، مع دلالة الحس على تشابه أجزائه، وانه إذا استحال ~~أيضا إلى الضد لا يكون ذلك بأن يبرز شىء إلى الظاهر، ويكمن ضده فى الباطن، بل ~~يكون إذا سخن أيضا ظاهر البارد فإن باطنه أيضا سخين. فإن كان الكامن كافيا PageV01P103 ~~بالمداخلة التى هى محالة، فيجب أنها إذا انفكت حتى يخلص البارد من الحار، والحار ~~من البارد، أن تأخذ فى كل حال مكانا أعظم وليس كذلك. فإن الانفكاك الذى ~~يخلص الحار ظاهرا من البارد قد يتبعه ويلزمه العظم. وأما الانفكاك الذى يميز ~~البرد فإنه ينقص الحجم نقصانا بينا للحس: فإن كان ظهور البرد يوجب فرط مداخلة، ~~والمداخلة توجب زيادة خفاء، فيكون الاستعلان استخفاء. # على أن المداخلة تقضى على المتداخلين بحكم واحد. فإن حكم كل واحد منهما ~~من الآخر حكم الآخر منه. # وإن كان الكامن كامنا بالمجاورة فلا محالة للكامن حيزا يختص به، وأن ~~الكامن باطنه ضد ظاهره، أعنى باطنه الجرمى ms18 وليس هذا بموجود فى الحس، وليس هذا ~~الوجود إلا وجودا حسيا. فليس هذا بموجود أصلا. ثم ما بال الماء مثلا إذا أراد ~~أن يبرز الكامن منه من الهواء احتاج ذلك الهواء إلى مكان أعظم من المكان الذى ~~احتاج إليه وهو فى الماء؟ ومعلوم أنه إذا كان على حجمه وقدره المتقدم لم يحتج إلا إلى ~~مثل مكانه. فلا يجوز ما أن تزداد تلك الأجرام حجما، أو يحدث هواء جديد، # أو يقع خلاء. ~~لكنها إن ازدادت حجما فقد يعرض للأجزاء المذكورة أن تفعل بغير التميز، ~~وهذا خلاف أصل المذهب. ولا محالة أن ازدياد حجمها تابع لانفعال يعرض لها، ~~أو مقارن يقارنها. وظاهر أن العلة لذلك هو التسخين، وهذا إثبات للاستحالة. وليس ~~للاستحالة عندهم وجه إثبات. # وإن صار الهواء أكبر هواء مضاف إليه حدث فقد حدث هواء جديد؛ ولزم PageV01P104 ~~القول بالكون مع القول بالاستحالة. وكذلك الاعتبار العكسى إذا حدث من الحار ~~بارد، وطلب حجما أصغر. # وأما الخلاء ووقوعه فلا هو حق، ولاهم يقولون به. ونحن نشاهد مشاهدة لا يمكن ~~دفعها من استحالة الماء اللطيف حجرا صلدا وهو أرض أو أرضى .فإن كانت هذه ~~الأجزاء الصلبة موجودة فى الماء كامنة فكان يجب أن تفعل فى الماء من ~~الخثورة ما يفعله سحقنا هذا الحجر وتهييئنا إياه وفرجنا إياه بقدر من الماء المقطر المصعد ~~الصافى قدره أضعاف ذلك. وكلما أمعن هذا المزج وزادت الأجزاء تصغرا ازداد الماء ~~خثورة. فكان يجب أن يكون فى شىء من الماء الأول، ظاهره أو باطنه، خثورة ما ~~لا أقل من الخثورة التى نجدها عند مزجنا إياها به. # وكذلك قد يمكن أن تتخذ مياه حارة محل الحجارة مياها سيالة فى الحال. ~~ولم لا والمادة مشتركة قابلة لكلا الأمرين؟ فأين هذه الأجزاء السيالة من الحجر فى باطنه ~~أو ظاهره؟ وهل أكبر ما يظن بالكامن أنه مغلوب، فكيف صار غالبا ولم تحدث ~~له زيادة باستحالة أو كون. فإن كانت الأجزاء الرطبة مغلوبة المقدار فى الحجم، فكيف ~~صار مقدارها غالبا عند الانحلال ولم يحدث شىء؟ ms19 # وإن كانت مساوية معادلة، و كانت مغلوبة فى الظاهر فلم ليست غالبة فى الباطن. ~~وإن كانت النار الباطنة هى الجسم الذى لا يحرق ولا يسخن، ثم إذا جاوزه فغلب ~~فأبرزه صار محرقا مسخنا، والماء الباطن على صفة أخرى فقد ثبتت الاستحالة له؛ PageV01P105 ~~إذ صار مالا يحرق بكيفيته محرقا بكيفيته، اللهم إلا أن يلتجئوا إلى أن الحركة تحرق ~~بالشكل النافذ، فيتركوا قولهم. # وأيضا فإن كل واحد من الأجزاء البسيطة فى الخليط لا يخلو إما أن يكون ~~مما لا يتجزأ أصلا كالنقطة، فيلزم أن لا ينتظم منه ومن غيره متصل، وقد فرغ من ~~هذا. وإن كان جسما فيلزمه لا محالة شكل؛ فإن لكل جسم طبيعى شكلا طبيعيا. ~~ويلزمه أن يكون شكله مستديرا؛ لأنه بسيط ضرورة، ولأنه لا ينفعل، فلا يغلب على ~~شكله ألبتة البتة . وإذا كانت أشكالها مستديرة لزم أن يقع هناك فرج خالية. وهذا مخالف # للحق، ولمذهبهم جميعا. ~~ومما يجب أن يؤاخذوا به حال الكامن، وأنه ما الذى يوجب بروزه، ~~أقوة طبيعية له، فيجب أن لا يتأخر إلى وقت، أو سبب من خارج؟ وذلك ~~السبب من خارج إن كان حركة فلا يخلو إما أن يؤثر فيه أثر أو يحدث فيه قوة حركة ~~وانبعاث يتبع ذلك الأثر وتلك القوة حركة منه، فيكون قد انفعل عندهم الشىء ~~انفعالا فى الأثر، واستحال فيه، وصحت الاستحالة، أو يكون تحرك بلا أثر ينفذ من ~~المحرك إلى المتحرك، بل إنما يحرك بجذب أو دفع، أو غير ذلك. فإن كان الجذب ~~أو الدفع بحماسة وجب أن يكون المحرك إلى خارج قد نفذ أولا إلى غور الجسم فلاقى ~~كل جزء من الكامن الذى يبرز. فيجب أن يكون كل مستحيل عندما يستحيل ~~يعظم حجمه لنفوذ الجاذب أو الدافع فيه، وإن كان لا يحتاج إلى مماسة؛ بل إلى حد ما ~~من المجاورة. PageV01P106 # ونحن نشاهد أن مجاورة الحار تسخن، ومجاورة البارد تبرد. ونعلم أن الكامن ~~مكمنه، قوة كثيرة، وإنما تقل فى الظاهر. فإن كان المبرز هو مجاورة الشبيه، كيف ~~كانت، فلم لا ms20 تحرك الأجزاء الكامنة المتجانسة المتجاورة بعضها بعضا إلى البروز، إن ~~كان سبب البروز والظهور مجاورة الشبيه؟ وإن كان المجانس ليس سببا للبروز لأنه ~~مجانس فقط؛ بل لأنه مجانس بارز فهو محرك نحو جهته ويميل نحو مقاربة، فلأن ينجذب ~~الكامن إلى مجاورة الأقرب إليه الكامن، أولى من أن ينجذب إلى مجاور تحول بينه ~~وبينه بالضد الآخر، اللهم إلا إن قيل إن السبب فى ذلك أمران: # أحدهما : هرب الضد الظاهر إلى خلاف جهة الضد. # والثاني : انتقال الضد الآخر الباطن إلى شبيهه الذى هو ضد الهارب. # فيجب أيضا أن يكون الظاهر البارز يهرب من الكامن اللهم، إلا أن يجعل الأغلب ~~أجذب. ومعلوم أن الذى يلى جسما من جهة واحدة يتحرك إليها بالاستقامة هو ما يساويه. ~~ثم إن فصل شىء فهو مباين لذلك خارج عنه لا ينفع أن يقال باشتداد القوى عند ازدياد ~~المجاورات وهو استحالة ثم إن لم يكن الضد عند الاستحالة. يكمن، ولكنه يكون مخالطا ~~لضده مخالطة غالبة، فإذا أراد أن يستحيل المستحيل تحلل هو، وفارق ظاهر المستحيل. ~~أو ظاهره وباطنه، فيبقى الضد الآخر صرفا - لم يخل إما أن يكون مع تحلله يسد ضده ~~مسده أو لا يسد مسده. فإن لم يسد مسده وجب أن يكون كل مستحيل ينقص حجمه ~~أو يكون كل مستحيل يتخلخل و ينتفش. وإن كان قد يسد ضده مسده على سبيل PageV01P107 ~~الورود من الخارج، لا على سبيل البروز، فلم صار الشىء الذى يبرد بعد الحرارة ينقص ~~حجمه، اللهم إلا أن يكون الذى يتحلل حاره، ويظهر بارده لا يسد ضده مسده، ~~ويكون الذى يتحلل بارده، بالضد وهذا تحكم. ومع هذا كله، فإن ذلك البارد يسخن ~~مرة أخرى، والحار يبرد مرة أخرى، كل ليس دون الأول، ويجب أن يكون دونه؛ لأن ~~التحلل صرفه ومحضه، أو ترك فيه من الضد شيئا يسيرا. # وأما المذهب الذى يخالف الكون، ومع ذلك يشابهه فى أحكام، وهو أن الحار مثلا ~~لن يبرد بالاستكشاف عن بارد كمين، ولكن يرد عليه من خارج ما يخالطه، ~~وهو بارد، ms21 فيغلب عليه البارد؛ والبارد لن يسخن بالانكشاف عن حار كمين، ~~لكن يرد عليه من خارج ما يخالطه وهو حار؛ وأنه ربما كان بعض الأجسام قوى ~~القوة فى كيفيته، فيكون القليل منه فى المقدار يظهر قوة كثيرة، كمن يورد عفرانا قليلا ~~على لبن كثير فيصبغه. فربما لم يكن للوارد كبير أثر فى زيادة الحجم، وكان له كبير ~~أثر فى زيادة الأثر. # وقد يجوز أن يكون الضد الوارد طاردا لضده، وربما احتاج إلى أن يطرد ~~ما يساويه فى المقدار. وربما احتاج أن يطرد ما هو أكثر منه. وربما بقى أن يطرد ~~ما هو أقل منه، حتى يظهر أثره. وربما لم يحتج أن يطرد شيئا ألبتة البتة ؛ بل جاء بزيادة. ~~وهذا المذهب ليس بمذهب ضعيف. # فما يدل على فساد هذا المذهب أن جيلا من كبريت تمسه نار صغيرة قدر شعلة PageV01P108 ~~مصباح ثم تنحى عنه بعجلة مبعدة، فيشتعل كله نارا. فإن كانت الاستحالة إنما هى ورود ~~المخالط من المجاور، فيجب أن يكون الوارد عليه لا أكثر من جميع تلك الشعلة؛ ~~بل نعلم أن المماسة لن تقع غلا فى زمان غير ذى قدر. والمنفعل عن الشعلة المداخل ~~للكبريت لن يكون، إن كان، إلا جزءا لا قدر له. فهذا الآخر كله إما أن يكون ~~حادثا عن الاستحالة، أو يكون على سبيل الكمون المذكور. وقد بطل الكمون ~~فبقيت الاستحالة. # وإن كانت الناراليسيرة القد تفعل تسخينا وإحراقا شديدا لشدة قوتها فعود ~~الشىء إلى البرد لا يخلو إما أن يكون بمفارقة تلك النار اليسيرة، فيجب أن لا يكون ~~نقصان الحجم الكائن عند البرد أمرا محسوسا؛ بل بقدر ما انفصل. وإن كان بورود ~~البارد، ويحتاج ضرورة إلى بارد كثير حتى يغلب تلك النار اليسيرة أو يخرجها، فيجب ~~أن يكون المقدار محفوظا، إن لم يكن زايدا، اللهم إلا أن تجعل النارية إذا انفصلت ~~استصحبت شيئا كثيرا من الجسم. فما بالها، إذا سخنت مرة أخرى وجاءت يسيرة ~~صرفة, وليس معها الرقيق المستصحب أعادت ذلك الحجم بحاله؟ وإن كان الجمد ~~إذا وضع عليه ms22 شئ فبرد ذلك الشئ تتحلل أجزاء منه ومخالطة إياه، وكان المداخل ~~يطرد مثل نفسه وجب أن تحفظ الحجم أو يطرد أكثر من نفسه وجب أ، يكون المعيد ~~إلى الحالة الأولى بالمخالطة حارا أكثر من البارد الداخل؛ فكان الحار أضعف، ~~فى القوة، من البارد. PageV01P109 # وهذا لا يستمر على هذا الأصل. فإنهم يحوجون إلى أن يجعلوا قليل النارية ~~كثير القوة. ومع ذلك، فما السبب فى انفصال أجزاء الحار عن الحار فى جهة ما يجاوره، ~~وانفصال أجزاء البارد عن البارد فى مثلها؟ فإن كان السبب فيه حركة طبيعية، فيجب ~~أن يكون فى جهة واحدة لا غير. وإن كان السبب فيه أمرا من خارج يسلب تلك ~~الأجزاء عن مقرها فلأن يسلبها عن غير الجنس أولى. فلم لا ينسلب عن المجاور؛ ~~بل يتمكن فيه وينسلب عن الأصل؟ وكيف يتسخن الهواء بالحركة الصرفة، أو الماء ~~بالخضخضة ويزداد حجمه، حتى إن المخضخض ينشق، وليس هناك وارد ألبتة البته ؟ وكيف ~~يرد هناك وارد، والجسم يشاهد أنه متحرك عن مركزه، منسبطا بحيث يرى متدافعا ~~من كل جهة، لا من جهة واحدة، بحيث يقوى على أن يدفع شيئا إذا أراد أن ينفذ فيه؟ ~~وكيف ينفذ جسم فى جسم وهو مملوء دافع عن نفسه، إلا بقوة شديدة أقوى من قوته ~~فى مستقره، فيقدر على تفريق اتصاله ونفوذه فيه، وليس يحيط بالجسم المحرك الممخوض ~~أو المخضخض شىء حاله هذه الحالة؟ # وجملة النار المسخن بها ما يسخن أيضا ضعفية المقاومة تدفع بأدنى قوة. فكيف ~~يكون لها، لو كان التسخين بها لا بالمخض، أن تقدر أجزاؤها على خرق الجسم المجتمع ~~فى الإناء الصلب وتحريكه والنفود فيه، حتى تختلط به، ثم تبلغ أن توجب تموجه ~~بالمداخلة تمويجا انبساطيا يقاوم كل الصلب؟ ثم كيف يدخل منه فى الإناء الصلب إلا قدر ~~ما يسع، إما فى خلاء أو فى مكان أخلاه عن غيره لنفسه؟ فإذا امتلأ لم يكن يدخل، ~~فلم يجب انشقاق؛ لأنه الانشقاق هو بسبب أن المحشو فى الإناء ليس يسع الإناء PageV01P110 ~~وما لم يدخل فى ms23 حشوه، بعد ذلك، شىء فمن المحال أن يكون باطنه لا يسع غيره، بحيث ~~ينشق عنه؛ بل إنما يكون لا يسعه، بحيث لا يدخل فيه. فإن دافع فإنما يدافع المداخل. ~~فيجب إما أن يقل الإناء، وإما أن يشقه حيث المدخل. وربما كان الإقلال أيسر مؤونة ~~من شق آنية من حديد أو نحاس. فلم لا يقل، بل يشق فى موضع غير مدخله؟ # وأنت إذا تأملت تولد نفاخات الغليان المحشوة جرما مندفعا إلى فوق ينشق عنه ~~الغالى، ويتفشى هو فى الجو، تولدا بعد تولد، بحيث لو جمع حجم الجميع لبلغ أمرا ~~عظيما، صدقت بأن ذلك ليس لنار تدخله، وصدقت بصحة القول بالاستحالة فى ~~الكيف، والاستحالة فى الكم، ورايت الشىء يصير أضعافا مضاعفة بنفسه من غير ~~زيادة جرم عليه. PageV01P111 ### | الفصل الخامس فصل فى مناقضة أصحاب المحبة والغلبة، والقائلين إن الكون والفساد بأجزاء غير الأجزاء الغير المتجزئة من السطح واجتماعها وافتراقها # وأما مذهب صاحب القول بالمحبة والغلبة فالحق ينقصه بما يشاهد من استحالة ~~العناصر بعضها إلى بعض، وهو نفسه ينقص قوله؛ إذ يرى أن للمحبة سلطانا عليها ~~يجمعها إلى طبيعة واحدة؛ فلا تكون نارا ولا هواء ولا ماء، ولا أرضا. ثم إذا عادت ~~الغلبة متسلطة فرقت، فأحدثت العناصر فتكون صور هذه العناصر من شأنها أن ~~تنسلح عنها باستيلاء المحبة. # ثم يجب أن تكون، على مذهب، الألوان لا أكثر من أربعة؛ لأنها تكون بعدد ~~العناصر. وكذلك الطعوم، وكذلك سائر القوى النباتية والحيوانية. # وأما مذهب من يرى أن عنصرا واحدا، يوجب الاستحالة بالفعل والانفعال، ~~ولا يوجب كونا، فقد يبطل بما نتحققه من أن اليابس وحده لا يتكون منه الكائنات PageV01P112 ~~إن لم يخالطه رطب، و لا الرطب وحده، إن لم يخالطه يابس؛ و لا الرطب واليابس ~~ولا حر هناك، ولا برد؛ وانه لا كون للمتولدات لا عن بارد صرف، ولا عن حار ~~صرف. فإن الكائنات لو كانت إحدى هذه لم يكن إلا نارا، أو أرضا، أو هواء، ~~أو ماء فى طبيعته. وليس الأمر كذلك. # فإذا كانت هذه العناصر ms24 والأصول نسبتها إلى الكائنات النسبة وأما نسبة بعضها ~~إلى بعض، كما يعترفون به، كافتهم، أو يلزمهم، وإن لم يعترفوا به - أن كل واحد منها إذا ~~فرض الاسطقس الأول كان راجعا إلى الآخر بالاستحالة، ومرجوعا إليه - فلا يكون ~~كونه أصلا أولى من كونه فرعا. # فإن كانت نسبة بعضها إلى بعض، فى كون بعضها عن بعض، وبطلان كيفية ~~الكائن عنه عند وجود كيفية الكائن الآخر، نسبة واحدة، ونسبتها إلى الكائنات ~~نسبة واحدة - فليس بعضها أقدم فيما بينها من بعض، ولا بالقياس إلى الكائن. # فكفى بهذا المذهب خطأ أن يجعل النار عارضة للماء، وهو ماء، أو المائية ~~عارضة للنار، وهى نار. # فلننقض الآن مذهب القائلين بالأجرام الغير المتجزئة. # أما مذهب السطوح فهو أرك وأضعف. وقد سلف من أقاويلنا ما هو كفاية ~~فى إبطاله. # وإما ما قيل فى مناقضتهم إن السطح، لو كان له ثقل، لكان يجب له أن يكون PageV01P113 ~~للخط. ثم للنقطة ثقل. ثم اشتغل بأن النقطة لا ثقل لها، بأنها لا تنقسم وبغير ذلك ~~مما لا يوضح عدمها للثقل - فليس ذلك بيانا برهانيا بل نوعا، بل نوعا من التمثيل والأحرى ~~والأولى. فلا حاجة بنا إلى سلوك ذلك المسلك. # وأما مذهب القائلين بالأجرام الغير المتجزئة وأشكالها فنقض مذهبهم ~~من وجوه: # من ذلك انهم إذا جعلوا هذه الأجرام متشابهة الطبع وفى غاية الصلابة، حتى ~~لا تنقسم، فلا يخلو، بعد وضعهم ذلك، أن أشكال هذه الأجرام ومقاديرها ~~أمور لا تقتضيها طبيعتها؛ بل تعرض لها من خارج. فإن كانت تقتضيها طبيعتها، ~~وطبيعتهما واحدة، فيجب أن تكون أشكالها ومقاديرها واحدة غير مختلفة. وإن كان ~~ذلك قد عرض لها من خارج فطباعها مستعدة لأن تقبل التقطيع والتشكيل من خارج، ~~فطباعها بحيث تقبل القسمة والاتصال، فيجب أن يكون كل جزء منها بحيث يجوز ~~عليه الفصل فى نفسه والوصل بغيره. # وأيضا إذ كانت هذه الأجزاء مختلفة بالصغر والكبر فغير مستحيل أن تنقسم ~~سطوحها المحيطة بمماسات سطوح أخرى؛ فتكون حينئذ سطوح من جسم واحد غير ~~سطوح أحدهما لا محالة، ويكون المحاط ms25 بسطوح أحدهما، لا محالة، غير المحاط بسطوح ~~التى هى غير لها. وتكون متصلة مع الغيرية بأن لها حدا مشتركا. وطبيعة كل جسم ~~طبيعة جرم منها خارج عنها. فتكون الجائرات عليها واحدة، فيكون من طبيعة ذلك PageV01P114 ~~الخارج جواز الاتصال بما اتصل به منها من طبيعته. فإن لم يتصل به فلعائق ~~قسرى غريب. # وقد قالوا أيضا: إن هذه الأجرام يتألف منها أولا الهواء والماء والأرض والنار. ~~ثم بعد ذلك تتألف منها سائر المركبات بتأليف ثان، وإن الهواء والماء والأرض ~~والنار تتكون بعضها من بعض على سبيل الافتراق والاجتماع، وإن كان قوم منهم قالوا ~~إن النار لا يتكون منها شىء آخر. # وقالوا: إن هذه الأربعة العناصر قد تتقوم من أجرام متشاكلة الشكل، مختلفة ~~فى العظم والصغر. فالمثلثات المقومة للهواء مخالفة فى العظم للمثلثات المقومة للماء، وأنه ~~ليس الأرض كلها من مكعبات؛ بل قد يكون فيها مثلثات، لكنها كبيرة، ~~ولا الهواء كله فى مثلثات؛ بل قد يكون فيها مكعبات، لكنها صغيرة. وبعضهم ~~جعل للنار أجزاء كريه، وبعضهم جعلها من مثلثات صنوبرية تحفظ شكلها. وبعضهم ~~لم يجعل لها شكلا محفوظا منها؛ بل جعلها متبدلة الأشكال بما فيها من لطافة ~~تنبسط بها وتلتحم. # ومن جعل النار كرية، لتتمكن من سرعة الحركة. و لم يعلم أن الكرية ~~تعين فى التدحرج، وان الزاوية الحادة أعون منها فى النفود سويا، وأن النار لا تسمو ~~متدحرجة. # ومن جعلها صنوبرية جعل طرفها الذى يلى فوق حاد التقطع. # وجعلوا الأرض مكعبة لتكون باردة وغير نافذة. ولم يعلموا أن الأرض أيضا PageV01P115 ~~سريعة الحركة إذ فارقت مكانها أسوة النار، وأن النار تسكن أيضا. ولم يعلموا أيضا ~~أن الإحراق، وإن كان بتفريق الزاوية للاتصال، والتكعب بعدم ذلك، فيجب ~~فى الأرض أن لا تحرق فقط، لا أن توجب ضده، وهو أن يبرد. ولم يعلموا أنه إن ~~كان الإحراق بالزاوية فالتبريد يجب أن يكون بضد شكل الزاوية. ولا شكل يضاد ~~شكلا. ولم يعلموا أن الصنوبرى يلاقى بتسطيحه أكثر مما يلاقى بزاويته. # وكان يجب أن يكون أكثر أحوال ms26 النار أن لا يخرق، وذلك بأن يلاقى بالبسيط. # وإذ قد حكينا صورة مذهبهم فلنرجع إلى الوضع الذى فارقناه من إلزامهم بغير هذه ~~الأجرام، فنقول: # إنهم إذا كانوا من الهواء ماء لزمهم، ضرورة، أن يصغروا المثلثات وينقصوها، ~~والنقصان عندهم لا يكون إلا بأخذ شىء وهضمه من المنقوص، فيجب أن ينقسم ~~بالانفصال. # وكيف جوزوا أن يكون من الأرض ماء، والأرض من مكعبات والماء من مثلثات. ~~وكأنهم جوزوا أن يتثلث المكعب. فقد وجب، كما قلناه بديا. # وأيضا، فإن ذا العشرين قاعدة، وهو الهواء إذا استحال ماء يتركب ثمانية ثمانية من ~~أجزائه، وفضلت أربعة لا تستحيل ماء. وليس شىء من أجزائه أولى بأن ينبعث ~~إلى تركيب الهوائية منه من الآخر، حتى يفضل أربعة بأعيانها يلزم أن يتركب منها ~~لا محالة نار أو جسم آخر، إن أمكن أو يتعطل تركيبه ولا يكون شيئا ألبتة البتة . وعندهم PageV01P116 ~~أن لا تركيب إلا هو أحد هذه العناصر أو المركبات منها. والماء إذا صار هواء صار ~~أعظم حجما، وصارت المثلثات أكبر. فكيف يكون ذلك إلا أن يكون قد تخللها جسم ~~غريب، فلا يكون ذلك هواء بسيطا، أو يكون قد تخللها خلاء تباعدت به تباعدا يحصل ~~به الحجم الهوائى؟ فيلزم من ذلك أن يكون نوع من الجمع والتفريق يوجب أن يكون ~~بين الأجرام بعد فلانى محدود، ونوع آخر يوجد خلافه، حتى يكون الجمع والنضد ~~والتأليف نفسه مما يوجب فى طباع تلك الأجرام أن يهرب بعضها من بعض هربا إلى بعد ~~غير محدود؛ فيحدث لها حركات عن طبايعها، لا عن قاسر هى حركات متضادة ~~متخالفة بها ينبسط إلى حد محدود، وهذا كله محال. # فإن كان الماء إنما كان ماء من قبل أن صار هواء بأشياء تختلف الآن عند ~~استحالته هواء ولم يستحل هواء، وتلك الأشياء المتخلفة كانت هى الجامعة المفرقة ما بين ~~الأجزاء التى تباعدت عند استحالتها هواء، فلم يستحيل الهواء مرة أخرى من غير أن ~~يكون فيه تلك المتخلفات، ومن غير أن يأتيها شىء من خارج؟ # ثم إن كانت التراكيب ms27 من هذه الأجرام من غير أحوال وشروط أخرى وحدود ~~توجب الطبيعة تقديرها على حدود محدودة من القرب والبعد توجب مغايرة فى الطبايع ~~فواجب، ضرورة، أن يكون التغاير فى الطباع غير متناه ضرورة؛ لأنه وإن كان ~~لنا أن نجعل لكل طبيعة حدا فى اللطافة والتخلخل، وفى وقوع الخلاء فى خلله فلذلك ~~الحد عرض إذا تعداه صار فى تخوم غيره. فيكون كل واحد من ذلك متناهيا، لا سيما ~~إن كانت العناصر هى الأربعة على ما سلموها، وكان لكل منها فى ذلك منها حد لا يعدوه، # فكانت الحدود، ولا محالة، محدودة بين أطراف. PageV01P117 ~~فإذا أخدنا بين الأجرام بعدا أكثر من البعد الذى بين أجزاء النار مثلا وجب ~~أن يحدث نوع آخر من التأليف خارجا عن تأليف الأربعة. وليس لازدياد حدود ~~الأبعاد حد ونهاية، اللهم إلا أن يجعلوا لبعض الأربعة حدا فى التخلخل. غير متناه، ~~حتى إذا كانت أجزاء أربعة يكون منها الصنوبرية النارية، وواحد منها بالحجاز ~~والآخر بالعراق والباقيان على مثل ذلك من بعد، ما كان من الجملة نار واحدة. # والعجب العجيب تجويزهم أن يكون جسم واحد من أجزاء متباعدة متفرقة ~~فى الخلاء ولو ببعد قريب. فإن الافتراق إذا حصل لم تحصل منه نار واحدة ولا أرض ~~واحدة إلا فى غلط الحس. وإذا لم تكن نار واحدة موجودة لم تكن نيران كثيرة ~~بالفعل. فما معنى تأليف النار والهواء من تلك الأجزاء، والصورة هذه الصورة؟ # ثم لو اضطر أجزاء المؤلف من أربع قواعد مثلثات، حتى اجتمعت وتلاقت، ~~لم يخل إما أن تبقى النارية، فتكون النارية ليس التخلخل بالخلاء شرطا فى وجودها، ~~أو تبطل، فيكون تأليف موجود، وليس عنصر أولى به من عنصر. وقد منعوه وبئس ~~ما عملوا؛ إذ كانت هذه الأجرام بأفرادها لا كيفية لها عندهم، وتحدث كيفيتها بالاجتماع. ~~وكان يجب أن يكون تأكيد الاجتماع أعمل فى تظاهرها على حدوث الكيفية منها. # ثم من العجائب أن يكون الأجرام لا كيفية لواحد واحد منها فى مجموعها حرارة ~~أو برودة. وليس ذلك ألبتة البتة فى فرد ms28 فرد من ذلك المجموع، حتى لو مست الجملة، PageV01P118 ~~ولم يشك أن كل واحد من اجزائها إنما يلاقى حينئذ ما يساويه، فإن كان ذلك الواحد ~~لا يؤثر فيما يلاقيه، وكذلك كل واحد آخر، فيكون ليس عن آحاد المتماسات فعل ~~وانفعال؛ بل سلامة، والجملة غير سالمة ولا مسلمة. وإن كان الاجتماع يوجب أن تحدث ~~الحرارة سارية فى الجميع، حتى تكون فى كل فرد أيضا لمجاورة قرينه ما لو انفرد عنه ~~لم يكن. فيكون من شأنها أن يستحيل فى الكيف. وقد امتنعوا من ذلك، وهو ~~يضاد متوخاهم فى مذهبهم. # ثم لا يشك فى أن للأجرام حركات طبيعية. فإن كانت الحركات الطبيعية تصدر ~~عن جواهرها وجب أن تكون حركاتها متفقه، وأن لا يكون فى العالم حركتان ~~طبيعيتان متضادتان. وإن كانت تصدر عنها لأشكالها، وأشكالها غير متناهية عند ~~بعضهم، فالحركات الطبيعية كثيرة جدا، وليس كذلك على ما علمت، وأيضا فإن ~~الحركات الطبيعية غير متناهية. وقد أوضحنا أنها لا تكون إلا متناهية. وهى متناهية ~~عند آخرين منهم، ولكن كثيرة جدا، فوجب أن تكون أصناف الحركات الطبيعية ~~المتضادة موجودة. وقد عرف من حالها أنها إنما تصدر عن قوى متضادة، فيجب أن ~~يكون فى الأشكال أشكال متضادة. وقد منع ذلك. # وأما ما ظنوه من أن عديم الزاوية ضد لذى الزاوية فيجب أن يكون للمستدير ضد، ~~وليس كذلك؛ فإنه إن كان للمستدير ضد ففرضنا المستدير نوعا واحدا، أو فرضنا ~~من المستدير نوعا واحدا وجب أن يكون إصدار المستدير أنواعا من الأشكال بغير نهاية، ~~وأمرا جنسيا أعم من كل شكل مضلع منوع، وضد الواحد فى النوع واحد فى النوع. PageV01P119 ~~وأما كون هذه الأجزاء غير متناهية، وخصوصا على قول من يقول أن صورها ~~متناهية، فأن ذلك بين البطلان مما قيل فى أمر غير المتناهى. # فأما الذى يعترضون على هؤلاء، ويقولون أن الاجتماع والافتراق لا يغير الطبايع ~~والصور، كما أن الذهب إذا سحل ثم جمع فإن هذا ليس باعتراض صحيح. فإنهم يقولون ~~إن السحل لا يرد الذهب إلى أول التأليف الذى يكون ms29 به ذهبا؛ بل هذا الذهب المحسوس ~~عندهم ذهب كثير وهذا الماء المحسوس عندهم مياه كثيرة متجاورة، وإن أول ~~اجتماع ذهبى ودمائى غير محسوس، فكيف يحس بالتفريق إذا وقع فيه. وتركيب ~~الترياق من أدوية مختلفة يحدث فيها صورة الترياقية بالاجتماع، ثم لا يقدر بعد امتزاجها ~~على أن يقسمها الحس، ألبتة البتة ، قسمه بحيث تخرج الأقسام عن الترياقية؟ وليس فى ذلك ~~أن الترياقية لم يحدث عن اجتماع وامتزاج. # وكذلك الذى يقال لهؤلاء إن الهواء لا شكل له والماء لا شكل له، وإنه يقبل ~~كل شكل. أما أولا فهو كاذب. فإن الماء إذا لم يعرض له عارض باللقاء تشكل كريا. ~~وكذلك الهواء وجميع البسائط. # وأما ثانيا فإن هؤلاء إنما يوجبون الشكل المذكور للماء الواحد بالتأليف الأول، ~~وما بعد ذلك فلا يمنعون ألبتة البتة أن تتألف الجملة الكثيرة منه على أشكال يتفق لها، ~~ولا يوجبون لمجموع المياه شكلا يوجبونه لأول تأليف المياه. # وكذلك ما قيل من أن الجسم السايل ينعقد حجرا، والمتحجر يستحيل ماء من غير PageV01P120 ~~اجتماع، ولا افتراق، ولا انقلاب من هيئة ووضع. فإنه إن زيد فى هذه المقدرة شرط ~~الإدراك بالحس، حتى يصدق ويسلم، لم يلزم شىء؛ لأنه ليس يجب، إذا لم يكن ~~افتراق واجتماع محسوس، أن لا يكون ألبتة البتة . وإن لم يشترط بل ادعى أنه لم يحدث ~~فيها اجتماع وافتراق واختلاف ترتيب ووضع، ولا ما لا يدركه الحس، لم يسلم. ~~فهذه الاعتراضات عليهم أشبه بالتكلف والتعتت، فلنرجع الآن إلى التفرقة ~~بين الكون والاستحالة. PageV01P121 ### | الفصل السادس فصل فى الفرق بين الكون والاستحالة # قد علم أن غرضنا فى مناقصة هؤلاء إنما كان بسبب تفصيل أمر الكون ~~والاستحالة، ثم أحوجنا، لذلك، إلى أن تكلمنا فى أمر العناصر، وناقضنا مذاهب ~~فى العناصر بعين مناقضتنا إياها على غرض لنا آخر، وهو معرفة العناصر. والأولى بنا أن ~~نقدم أول شىء، أمر الكون والاستحالة فنقول: # إن المشاهدة تؤدى بنا إلى أن نحكم بأن ماء سيالا يتحجر. وقد دلت التجربة على ~~أن قوما يسيلون الحجارة ماء، ويعقدون المياه ms30 حجارة، وان الهواء الصافى من غير ~~انجذاب بخارات إليه ينعقد سحابا، فيسيل ماء وثلجا. وهذا شىء يشاهد فى قمم الجبال ~~الباردة، وقد شاهدنا الهواء الصافى أصفى ما يكون. وبالجملة، على ما يكون فى الشتاء ~~من الصفاء، ينعقد دفعة من غير بخار يتصعد إليه، أو ضباب ينساق نحوه؛ فيصير ~~سحابا أسحم، ويلقى الأرض ويرتكم عليه ثلجا بكليته، ومقدار ذلك مقدار رمية ~~فى رمية، فيعود الهواء صافيا لحظة، ثم ينعقد. ويدوم هذا الدور حتى إنه ينتضد، ~~من هذا الوجه، على تلك البقعة ثلج عظيم، لو سال لغمر واديا كبيرا، وليس إلا هواء ~~استحال ثلجا وماء. PageV01P122 # وقد يوضع القدح فى الجمد مهندما فيه، ويترك فلا يزال يجتمع على صفحته الباطنة ~~من القطر، اجتماعا بعد اجتماع، حتى يمتلئ ماء.وليس ذلك على سبيل الرشح. فإن الرشح ~~من الماء الحار أولى. وأيضا فإن هذا القدح، أو آلة أخرى تجرى مجراه، إذا لم يهندم كله ~~فى الجمد؛ بل بقى منه طرف مجاوز، لا على الجمد، اجتمع أيضا على طرفه القطر؛ ~~لأن البرد ينتهى إليه. فيكون ذلك على سبيل إحالة الهواء ماء على سبيل الرشح؛ ~~إذ الرشح تكون حيث يلاقى الإناء الراشح فقط. وربما كان ذلك الجمد لم يتحلل منه شىء ~~ولم يعدم؛ بل كلما كان الجمد أبعد من التحلل كان هذا المعنى اغزر، وبعكس هذا ~~يستحيل الماء هواء بالتسخين. # وأما استحالة الأجرام نارا فمثل الكير إذا ألح عليه بالنفخ وخنق الهواء، فلم يترك ~~أن يخرج ويدخل؛ فأنه، عن قريب، يستحيل ما فيه نارا محرقة. # وقد علمت كيف يستحيل دهن البلسان فى دفعة واحدة نارا. وليس ذلك ~~إلا باستحالة ما فيه من العناصر. والحطب إذا كان رطبا عصى النار، فاجتمع منه دخان ~~كثير هو الأجزاء العاصية منه. وإذا كان يابسالم يجتمع منه شىء، إو كان قليل الاجتماع ~~بالنسبة إلى ما يجتمع من الرطب. وليس يمكن أن ينسب هذا إلى أن الأجزاء الأرضية ~~فى الرطب أكثر، فالثقيل الذى يصعد بالقصر فيه أغزر، فإنه ربما كان اليابس اثقل، ~~ويكون ما ms31 يندخن منه وما يترمد جميعا أقل؛ بل المائية عسرة الاستحالة إلى النار لشدة ~~المضادة، ومانعة لما يقارنها من الاستحالة، والأرضية اليابسة أشد استحالة إلى النارية PageV01P123 ~~ولو كانا لا يستحيلان معا؛ بل يتصعدان فقط لكان الدخان عنهما واحد إذا جمع. ~~فأذن فإذن الدخان فى أحدهما أقل، مع انه ليس فى الترمد أكثر. فقد استحال ما فيه من ~~الأرضية إلى غير الأرضية، ولا غالب هناك إلا النار، فقد استحال إلى النارية. # وظاهر بين من هذا وما أشبهه بأن هذا، إذا لم يكن على سبيل الكمون، ولا على ~~سبيل الاجتماع والافتراق، لم يكن إلا على سبيل الاستحالة فى الجوهر. فالعناصر ~~يستحيل بعضها إلى بعض. والمركبات قد تستحيل ما كان من هذا النوع إلى نوع آخر. ~~كالحنطة تستحيل دما، والدم يستحيل عظما ودماغا وغير ذلك. # فما كان من هذه الجملة يبقى نوع الجوهر من حيث هذا المشار إليه ثابتا، كالماء ~~يسخن وهو ثابت بشخصه فهو استحالة. وما كان لا يبقى نوعه عند تغيره، كما ضربناه ~~من المثل، فهو فساد. # فالكون المطلق هو الكون الجوهرى، والكون المفيد كقولهم كان أبيض ~~أو كان أسود فهو استحالة؛ أو شىء آخر من التغييرات التى ليست فى الجوهر ~~وهذا شىء بحسب المواضعة. # وقد كان بعضهم يرى كون اشرف الاسطقسين وأكثرهما وجودية عن أحسنهما ~~كونا مطلقا وعكسه كونا مقيدا. وقد رأوا أيضا آراء أخرى لا حاجه بنا إلى ~~اقتصاصها ونقضها فإن إضاعة...... من التبذير. # ثم لا يجوز أن يكون كون الجرم واقعا عن لا جرم. فأنك تعلم أن ما يكون عنه ~~الجسم لا يكون إلا الجوهر المادى والجوهر المادى لا ينفرد مجردا. PageV01P124 # وكل جرم يقبل كله أو بعضه الكون والفساد فليس بأزلى أما إن قبل بكليته ~~فلا شك فيه. وإن قبل جزء منه، وهو مشارك له فى نوعه، فطبيعة نوعه قابلة للكون ~~والفساد. # وقد بينا من قبل إن ما كان كذلك فليس غير كائن؛ وما ليس غير كائن مما هو ~~موجود فليس بأزلى .فعناصر الكون والفساد غير أزلية، بل وجودها ms32 عن كون بعضها ~~من بعض. # فحرى بنا الآن أن نتعرف الفعل والانفعال كيف يجرى بين هذه. # والفعل فى هذا الموضع يعنى به تحريكا فى الكيف ويعنى بالانفعال تحركا فيه، ~~على نحو ما علمت من صورة ذلك فى مواضع أخرى. فنقول أن ذلك يكون بمماسة. فأنه ~~لو لم يكن بسبب مماسة لم يخل أما أن يكون بنسبة أخرى وضعية، أو يكون كيف اتفق. ~~ولا يجوز أن يقال إن ذلك كيف اتفق، وإلا لكان الجرم يسخن قبلنا مما يسخنه قبلنا ~~بالمضادة، كيف كان وضعه منه. فكان الجسم يسخن لأن نارا مثلا موجودة تبعد ~~عشرين فرسخا عنه. # فأما إن كان على نسبة وضع آخر غير المماسة نوعا من المحاذاة والقرب فإن ~~المتوسط، إذا كان لا يسخن ولا يبرد لم يسخن المنفعل إلا بعد أيضا، ولم يبرد. ~~وأن سخن المتوسط فهو المؤثر القريب ويؤثر بمماسة لا محالة. # فالفعل والانفعال إنما يجرى بين الأجسام التى عندنا الفاعل بعضها فى بعض، PageV01P125 ~~إذا كانت بينهما مماسة، ولأجل ذلك جرت العادة بأن يخص هذا المعنى فى هذا الوضع بالمماسة، ~~حتى إذا التقى جسمان، ولم يؤثر أحدهما فى الآخر، لم يسم فى هذا الوضع، مماسة. وإن ~~كان أحدهما لا يؤثر ولا يتأثر قيل انه يماس المتأثر عنه، ولا يماسه المتأثر. فكأن ~~المماسة فى هذا الوضع ملاقاة مؤثر. ولابد من أن يكون له وضع. ويلزمه أن يكون ذا ~~ثقل وخفة؛ إذ قد تبين أن الأجسام القابلة للتركيب والمزج. لهذه الصفة .وقد يطولون ~~فى هذا المعنى بما لا فائدة فيه. # فالفاعل من هذه الأجسام يفعل بالمماسة. # وقال قوم من الأقدمين إن الفاعل ما لم ينفذ فى ثقب خالية من المنفعل لم يفعل فيه. ~~ولم يدروا أن غاية ما تفيده هذه الثقب هى التمكن من زيادة اللقاء فإن حصل اللقاء من ~~غير ثقب حصل الفعل فى المنفعل، وكان المغير بالذات هو اللقاء والمماسة. لكن الفاعل ~~كلما كان اكثر مخالطة. كان الانفعال أفشى. ولأجسام العنصرية إذا تلاقت فعل بعضها ~~فى بعض فكان كل ms33 واحد منها يفعل بصورته، وينفعل بمادته، كالسيف يقطع بحدته ~~ويفل وينثلم بحديده. ويغفل كل واحد منهما فى ضده فى النوع الشبيه له فى الجنس ~~المشارك فى قوة مادته. وهذا الانفعال لا يزال يستمر إلى أحد أمرين: # إما أن يغلب بعضها بعضا، فيحيله إلى جوهره، فيكون كونا فى نوع الغالب ~~وفسادا للمغلوب. # وإما أن لا يبلغ الأمر بأحدهما. أن يغلب على الآخر حتى يحيل جوهره؛ بل يحيل ~~كيفيته إلى حد ليستقر الفعل والانفعال عليه، ويحدث كيفية متشابهة فيها تسمى PageV01P126 ~~المزاج، وهذا الاجتماع يسمى الامتزاج. فإن وقع اجتماع كما بين دقيق الحنطة والشعير، ولم ~~يجر فيما بينهما فعل أو انفعال فلم يسم ذلك امتزاجا، بل تركيبا واختلاطا .ومن الناس ~~من يستعمل فى هذا الموضع لفظة الاختلاط مكان لفظة الامتزاج. # ثم قد أجمع المشاءون عن آخرهم أن الامتزاج لا يقع إذا كان البسيطان محفوظين، ~~ولو كانت البسائط تحفظ عن حالها لما كان يوجب اجتماعهما لحمية أو عظمية؛ بل لكان ~~المركب إنما تخفى بسائطه حسا، وهى موجودة فيه، حتى لو كان الحس البصرى فى غاية القوة ~~على الإدراك، لكان ذلك الإنسان يرى فى اللحم ماء وأرضا ونارا وهواء متميزات. ~~فلا يكون حينئذ اللحم بالحقيقة لحما؛ بل بحسب رؤية إنسان دون إنسان. قالوا: ولا إذا ~~فسد أحدهما، ولا إذا فسد كلاهما؛ فإن الفاسدين لا يصلح أن يقال لهما ممتزجين، ~~ولا الفاسد والباقى. # ثم قال المعلم الأول، بعد ذلك، فالممتزجات ثابتة بالقوة. وقال ولكن الممتزجات ~~قوتها ثابتة، وعنى بالقوة الفعلية التى هى الصورة ولم يعن أنها تكون موجودة بالقوة ~~التى تعتبر فى الانفعالات التى تكون للمادة فى ذاتها. فإن الرجل إنما أراد أن يدل ~~على أمر يكون لها، مع أنها لا تفسد. وإنما يكون ذلك إذا بقيت لها قوتها التى هى ~~صورتها الذاتية. وأما القوة التى بمعنى الاستعداد فى المادة فإنها تكون مع الفساد ~~والرجوع إلى المادة، أو قد تكون مع الفساد. فإنها لو فسدة أيضا لكانت ثابتة ~~بتلك القوة. فإن الفاسد هو، بالقوة، بشىء الذى ms34 كان أولا، ويرجع إليه. # ولكن المفسرون يتبلبلون فى ذلك بسبب اضطرارهم بالتفرقة بين الصور PageV01P127 ~~والأعراض الدالة على التفرقة بين الصور الطبيعية لهذه الأجرام وبين كيفياتها. ولظنهم ~~أن هذه الكيفيات كلها أو بعضها صور لهذه الأجرام، مع أنها تقبل الاشتداد ~~والضعف، فيقول أمثلهم طريقه: إن كيفياتها تكون محفوظة ومكسورة السورات، ~~فتكون الأجسام بالقوة خوالص. # فلننظر فى قولها هذا، فنقول: لا يخلو إما يعنوا بها، وهى مثلا ماء وأرض ثابتة ~~بالقوة، ماء وأرضا، او على حكم كمالات الماء والأرض. # فإن جعلوها بالقوة ماء وأرضا فقد فسدت. لسكنهم يقولون إنها لا تفسد؛ بل سوراتها ~~تنكسر وحمياتها تضعف .ومع ذلك فإن بعضهم يرى أن النار العنصرية غير ذات ~~سورة. ولا محالة أن سوراتها تنكسر بتغير. وذلك التغير إما أن يكون لسلخ الماء، ~~مثلا، الصورة المائية، حتى يصير لا ماء، أو مع بقاء الصورة المائية حتى يكون الماء ماء ~~والأرض أرضا. فإن صارت بهذا التغير غير ماء وغير أرض فهذا فساد. وإن كان ~~الماء ماء والأرض أرضا، ولم تبطل عن كل واحد منهما صورته التى إذا بطلت لم تكن ~~ذلك ماء، وهذا أرضا، لم تكن الاستحالة فى طبيعة النوع، وخصوصا وقد سلموا أن ~~الصور الجوهرية لا تقبل الأشد والأضعف. # وإن كانت الأرض قد انتفضت أرضيتها حتى صارت أرضا ناقصة، وكانت ~~الأرضية تقبل الأشد والأضعف، فإنما تنتقص أرضيتها لا محالة، بدخول طبيعة أخرى، ~~لولا دخولها كانت تلك الطبيعة خالصة. والآن إنما دخل شطر منها، فتكون مع أنها ~~أرض ناقصة، شيئا آخر كنار أو ماء مثلا ناقصا، فيكون شىء واحد نارا أو أرضا معا PageV01P128 ~~ناقصتين. ويكون بالقياس إلى النار الصرفة أرضا، وبالقياس إلى الأرض الصرفة نارا، ~~وهذا محال. فإن النار فى عرض ناريتها ليست أرضا ألبتة البتة ، والأرض فى عرض أرضيتها ~~أرض ليست نارا ألبتة البتة . # على أنهم يعترفون أن هذا الانكسار ليس إلا فى الحر والبرد والرطوبة واليبوسة. ~~وأنت تعلم أن الماء لا تزول مائيته بأن يسخن شديدا، ويغلى فضلا عن أن يفتر، فيكون ~~التغير الذى ms35 يعرض، إنما هو فى الكمال الثانى للماء، لا الكمال الأول الذى هو به ماء. ~~فإذا كانت هذه الاستحالة لا تبطل طبيعة النوع فليست هذه هى الاستحالة التى ~~فى الجوهر. فهى لا محالة فى كيف جوهر غير محفوظ فى أنه مكيف. # وأما المعلم الأول فقال إن قواها لا تبطل، وعنى بها صورها وطبائعها التى هى مبادئ ~~لهذه الكمالات الثانية التى، إذا زال العائق، صدرت عنها الأفعال التى لها. # فحسب هؤلاء أنه يعنى القوى الاستعدادية، ولو أن الهيولى الأول كان يجوز ~~أن تبقى مجردة لكانت قوى الاسطقسات الاستعدادية، التى بها يقال للشىء إنه بالقوة نار ~~أو أرض أو غير ذلك، لا تبطل، فضلا عن المزاج الذى يصرح أنه ليس فيه فساد. ~~فما تكون الفائدة فى هذا الكلام؟. # فينبغى لنا أن نصرح، عن الذى يحومون [حوله]، ولا يدركونه، أن كل واحد من ~~الاسطقسات له صورة جوهرية بها هو ما هو، ويتبع هذه الصورة الجوهرية كمالات ~~من باب الكيف ومن باب الكم، ومن باب الأين، فيتخصص كل جسم منها ببرد أو حر ~~من جهة تلك الصورة، ويبس ورطوبة من جهة المادة المقترنة بالصورة، وبقدر من الكم PageV01P129 ~~طبيعى، وبحركة طبيعية وسكون طبيعى، فتكون تلك الصورة يفيض عنها فى ذات ذلك ~~الجسم قوى، بعضها مما لها بالقياس إلى المنفعل، كالحرارة والبرودة الطبيعيتين؛ وبعضها ~~بالقياس إلى الفاعل للشكل كاليبوسة والرطوبة الطبيعيتين؛ وبعضها بالقياس إلى الأجسام ~~المكتنفة له، كالحركة والسكون الطبيعيين. # وإن الماء إنما يفيض، فى جوهره عنه البرد إذا كان على طبيعته، ولم يعق عائق ~~كماء ينحدر إذا كان على طبيعته ولم يعق، وإنه قد تفوته هذه الكيفية بقاسر فيسخن، ~~كما تفوته تلك الحركة وميلها بقاسر راج إلى فوق محدث فيه ميلا غريبا. # وكما أن الماء إذا سخن فتصعد بالسخونة، أو سخنت الأجزاء الأرضية أيضا ~~فتصعدت بالسخونة، وكانت السخونة محدثة للميل إلى فوق، لذلك إذا انبعثت السخونة ~~عن الطباع أحدثت ذلك الميل عن الطباع. هذا إن سلم أن صعود الماء وصعود أجزاء ~~الأرض إنما هو لتسخنها، لا ms36 بمخالطة النارية المصعدة إياها .وسنوضح ذلك فى فن آخر. ~~وإنما أوردنا ما أوردناه من ذلك تمثيلا لا وضعا. # لو كانت البرودة المحسوسة صورة المائية لكانت المائية تفقد صورتها وهى مغلاة، ~~وليس كذلك؛ بل هى عند الغليان ماء بعد. ولو كانت الرطوبة المحسوسة أيضا صورة الماء ~~لكان الجامد قد خرج عن طبيعة الماء وصورته، وصار إما أسطقسا آخر، وإما مركبا. ~~وليس أحدهما. # ولو كان الميل الذى بالفعل صورة الماء لكان الماء المرجوج إلى فوق، وقد صح أنه PageV01P130 ~~ينفذ، بعد مفارقة الراج، يميل يحدث فيه، إما فاقد الصورة المائية، وإما مجتمعا فيه بالفعل ~~ميلان: ميل مصعد وميل مهبط، كل منهما بالفعل. # وقد بان، مما سلف، أن الطبيعة غير هذا الميل؛ بل هى مبدأ لهذا الميل. وكذلك ~~فاعلم أن الطبيعة غير الكيف المذكور؛ بل هى مبدأه. وقد علمت أن الطبيعة، ليست ~~مبدأ للحركة المكانية والسكون فيها فقط؛ بل هى مبدأ لجميع الحركات التى بالطبع، ~~والسكونات التى بالطبع .وكذلك فاعلم أن طبيعة الماء هى التى تغير الماء إلى هذا ~~الكيف وتحفظه عليه؛ وإن تلك الطبيعة، إذ لا اسم لها، فيستعار لها من الفعل الصادر ~~عنها اسم، فتارة تسمى ثقلا، وتارة تسمى برودة ورطوبة. فإنها إذا اعتبر ما صدر ~~عنها من الميل المهبط سميت ثقلا، وإنما هى مبدأ للثقل. وإذا اعتبر ما يصدر عنها من ~~الكيفية سميت بردا، وإنما هى مبدأ البرد. وهذا كما يسمى قوة فى الإنسان نطقا ~~أو ضحكا، وإنما هى مبدأ النطق والضحك. # وإذا قدمنا هذه المقدمات فنقول: إن الطبيعة المائية محفوظة فى الممتزج .وأما ~~الكيفيات فهى منتقصة، لا باطلة بطلانا تاما. فهذا القدر هو القدر من الاستحالة التى ~~يوجبها المزاج، فتكون الكمالات التى تكون لكل نوع من العناصر معدومة بالفعل ~~موجودة بالقوة القريبة، كقول النار على الضوء، لا قوة الماء على الضوء. فلا تكون ~~العناصر موجودة بحالها مطلقا، محفوظة على ما هى عليه، ولا فاسدة كلها، ولا فاسدة ~~بعضها. فيكون كل اسطقس من جهة نوعه، أنه ماء مثلا جسما طبيعيا بصفة؛ ms37 ومن جهة PageV01P131 ~~كماله الثانى، أنه مثلا بارد بالفعل، ركنا من أركان العالم كاملا؛ ومن جهة أنه انكسر ~~بالمزاج اسطقسا فى المركب. وكلما كانت الأجزاء أشد تصغرا كان أقرب إلى المزاج؛ ~~لأن كل واحد يكون أذعن للانفعال عما يكفيه، ويكون كل واحد أوصل فى التأثير ~~إلى كل واحد. فلذلك ما كانت الرطوبة أسهل امتزاجا إذا لم تكن لزجة. فإن اللزجة ~~أعسر انفصالا وانقساما. وأما الكبير مع الكبير فمما يعسر وقوع الانفعال بينهما ~~لضد ما قلناه فى الصغير. والكبير مع الصغير يفسد الصغير، ولا يختلط به. وربما ~~كان الصغير يؤثر فى الكبير من غير أن يكون له قدر محسوس، حتى يقال إنه قد ~~اختلط به، كما يفعله أصحاب دعوى الأكسير. فإنهم يبيضون نحاسا كثيرا برصاص ~~مكلس يسير، وبزرنيخ مصعد يسير، فيكون كأنه يفعل فيه بلا زمان ويختلط به. PageV01P132 ### | الفصل السابع فصل فى إبطال مذهب محدث فى المزاج # ولكن قوما قد اخترعوا، فى قرب زماننا، مذهبا غريبا عجيبا، و قالوا إن ~~البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها ببعض، تأدى ذلك بها إلى أن تخلع صورها، ~~فلا يكون لواحد منها صورته الخاصة، وتلبس حينئذ صورة واحدة، فيصير لها هيولى ~~واحدة وصورة واحدة. # فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين صورها ذات الحمية، ويرى أن ~~الممتزج يستعد بذلك لقبول الصورة النوعية التى للمركبات. # ومنهم من جعل تلك الصورة صورة أخرى هى صورة النوعيات، وجعل المزاج ~~أمرا عارضا لا صورة. # ولو كان هذا الرأى حقا، لكان المركب، إذا تسلطت عليه النار فعلت فيه فعلا ~~متشابها، فلم يكن القرع والإنبيق يميزه إلى شىء قاطر متبخر لا يثبت على النار ألبتة البتة ، ~~وإلى شىء أرضى لا يقطر ألبتة البتة . فأنه، إن كان كل جزء منه كالآخر، تساوى PageV01P133 ~~الاستعداد فى جمعيه؛ أو إن اختلف فعسى أن يكون اختلافه بالأشد والأضعف، حتى ~~كان بعض الأجزاء أسرع استعدادا، وبعضها أبطأ استعدادا. ومع ذلك، فما كان ~~يكون ذلك فيها، وهى متلبسة صورة واحدة لا تمايز بينها؛ بل لا بد من تمايز. وذلك ms38 ~~التمايز لا يخلو إما أن يكون بأمور عرضية، أو صور جوهرية. # فإن كانت أمورا عرضية فأما أن تكون من الأعراض التى تلزم طبيعة الشىء، ~~أو من الأعراض الواردة من خارج. # فإن كانت من الأعراض التى تلزم طبيعة الشىء فالطبايع التى تلزمها أعراض ~~مختلفة هى مختلفة. # وإن كانت من أعراض وردت عليها من خارج فإما أن تكون الأجزاء الأرضية، ~~مثلا، تقتضى، فى كل مثل ذلك التركيب، أن تكون، إذا امتزجت، يعرض لها ~~من خارج دائما مثل ذلك العارض، أو لا يقتضى. فإن كانت تقتضى وجب من ذلك ~~أن يكون لها، عند الامتزاج، خاصية استعداد لقبول ذلك، أو خاصية استعداد لحفظ ~~ذلك، ليس ذلك لغيرها. # وذلك الاستعداد إما أن يكون أمرا جوهريا، فيتمايز الجوهر،فتكون البسايط ~~متميزة فى المركب بجواهرها، أو أمرا عرضيا، فيعود الكلام من رأس. # وإما أن لا تكون الأجزاء الأرضية، مثلا، تقتضى، فى كل مركب، مثل ذلك ~~التركيب، أن تكون إذا امتزجت يلزمها من خارج؛ بل ذلك قد يتفق فى بعضها PageV01P134 ~~اتفاقا. ولو كان كذلك لكان ذلك الأقل، ولم يكن كل مثل ذلك التركيب موجبا ~~لاختلاف ذلك التميز، وكان يمكن أن يوجد من اللحوم لحم من نوعه يقطر كله، ~~أو يرسب كله، ولا يقطر. وكذلك كان يجب أن لا يكون التحليل معينا للحيوانات ~~والنبات بإفناء مادة وإبقاء مادة، أغنى فناء المتحلل الرطب، وإبقاء اليابس. # ثم لننظر أن العناصر، إذا اجتمعت، فما الذى يبطل صورها الجوهرية. ~~فلا يخلو إما أن يظن أن النار، مثلا، تبطل صورة الأرض منها أو شىء خارج عنها، ~~يكون ذلك الشىء من شأنه أن يبطل صورتها إذا اجتمعت. فإن كانت النار تبطل ~~صورة الأرض، فإما أن تكون مبطلة لصورة الأرض وناريتها موجودة، أو مبطلة ~~وناريتها معدومة. # فإن أبطلت، والنار معدومة، فيكون إبطالها الصورة الأرضية بعد عدم النارية ~~أو مع عدم النارية. وعدم ناريتها فى هذا الموضع إنما هو أيضا بسبب الأرض. والكلام ~~فى ذلك هو الكلام بعينه. فيكون حاصل ما ذكرناه أنه لما عدمت النارية والأرضية ~~أبطلت ms39 إحداهما صورة الأخرى، وهذا محال. # وإما أن يكون شىء آخر خارج هو الذى يبطل صورة كل واحد منها إذا اجتمعت. # فإن كان يحتاج فى أبطال الصورة النارية، مثلا، وإعطاء الصورة الأخرى، إلى ~~الأرض، والأرض موجودة، أو الأرض معدومة، فقد دخلت الأرض فى هذه المعونة، ~~وعاد الكلام من رأس. # وإن كان لا يحتاج فلا حاجة إلى المزاج فى سلب الصورة النارية وإعطاء الصورة ~~الأخرى، بل البسيط يجوز أن تتكون عنه الكائنات بلا مزاج. PageV01P135 # وأما الاستحالة فلا يلزم فيها مثل هذا القول. فإن النار، مثلا، إذا كانت علة ~~لتسخين مادة الأرض كانت علة، وهى نار بالفعل؛ وتسخن بسخونة موجودة فيها، وإن ~~انتقصت؛ لأنها أيضا تقبل البرد بمادتها عن الأرض بالفعل. فتكون فاعلة بهيئة ~~ومنفعلة بمادة. وتكون الهيئة، عندما تفعل فى المادة، موجودة، والمادة عندما تنفعل # موجودة، فلا يعرض فيها هذا الشك. ~~لكن من الأمور المشكلة التى بالحرى أن تورد شكا يؤيد القول الذى يختاره ~~ويورده أصحاب هذا المذهب المحدث هو أنه إن كان الممتزج لا تتغير جواهر بسائطه، ~~وإنما تتغير كمالاتها، فتكون النار فيه موجودة ولكنها مفترة قليلا، والماء موجودا، ~~ولكنه مسخن قليلا، ثم يستفيد بالمزاج صورا زائدة على صور البسائط، وتكون تلك ~~الصور ليست من الصور، التى لا تسرى فى الكل، من الصور الاجتماعية، مثل صورة ~~التأليف كالأشكال والأعداد. فإن المغناطيسية واللحمية مثلا ليست من الصور التى ~~تكون من هيئات اجتماع آحاد عدد أو آحاد مقادير، حتى تكون للجملة، أولا لواحد ~~من آحاد الجملة. وإذا كان كذلك كانت هذه الصور سارية فى كل جزء، وكان الجزء ~~الموجود من الأسطقسات فى المركب، وهو نار مستحيلة ولم تفسد، قد اكتسب صورة ~~اللحمية، فيكون من شأن النار فى نفسها، إذا عرض لها نوع من الأستحالة، أن تصير ~~لحما. وكذلك كل واحد من البسائط، فيكون نوع من الكيف المحسوس، وحد من PageV01P136 ~~حدود التوسط فيه بين الرطب واليابس، والحار والبارد يعد الأجسام العنصرية لقبول ~~اللحمية، ولا تمنعها عن ذلك صورها، كما لا يمنع صورة الأرض فى ms40 الجزء المتدخن أن ~~تقبل حرارة مصعدة. فيكون حينئذ من شأن البسائط أن تقبل صورة هذه الأنواع ~~وإن لم تتركب؛ بل إذا استحالت فقط. فلا يكون إلى التركيب والمزاج حاجه ألبتة البتة ، فنقول: # أما أولا فليس اعتراض هذه الشبهة على أحد المذهبين أولى من اعتراضها على ~~الآخر. فإن صاحب هذا المذهب المخترع أيضا يرى أن اجتماع العناصر شرط فى حصول ~~الصورة للتركيب بسبب ما يقع بينها من الفعل والانفعال، وأنها أول ا يعرض لها الفعل ~~والانفعال فى كيفياتها، ثم يعرض لها أن تخلع صورة، وتلبس صورة، و لولا ذلك ~~لما كان لتركيبها فائدة. وإذا تركبت فإنما يقع بينها تغير فى كيفياتها بالزيادة و النقصان، ~~حتى تستقر على الأمر الذى هو المزاج. ثم تحدث صورة أخرى يعد لها المزاج؛ إذ ~~لا يكون ما يظن أنه وارد بعد المزاج إلا المفرد. وكيف ما كان فذلك لاستحالتها فى ~~كيفيتها، فيجب أيضا من ذلك أن تلك الاستحالة إذا عرضت للمفرد منها قبل المفرد ~~وحده تلك الصورة، أو إن كان لا يقبلها؛لأن تلك الاستحالة يستحيل فيها إلا أن تتصغر ~~أجزاؤها، إلا أن تتجاوز فاعلة و منفعلة على أوضاع مخصوصة، وأن تكون تلك ~~الصورة مستحيلة أن تستحفظ إلا بتلك المجاورة، وأن الصورة لا تحل مادة لا تستحفظها، ~~أو غير هذا من العلل والمعاذير - فهو جواب مشترك للطائفتين معا. # على أنه يشبه أن تكون الحدود المحتاج إليها من المزاج فى تهيئة المادة لقبول الصورة PageV01P137 ~~التركيبية لا تحصل ولا تبقى إلا بالمزاج. فهذا هو الذى يجب أن يعقل من أمر وجود البسائط ~~فى المركبات؛ والذى يقع من الاضطراب فى إعراب القدماء عنه هو مالا يتميز لبعضهم ~~الصور التى بها النار نار والماء ماء عن هذه الكمالات التابعة. # على أن هؤلاء إذا سئلوا فقيل لهم: ما تعنون بقولكم إن الماء بارد ورطب إذا حد؟ ~~ثم الماء هل هو برد بالفعل أم برد بالقوة؟ # فيقولون إنا نعنى بذلك بردا بالقوة، و لسنا نعنى به البرد بالفعل. فيكون أخذهم البرد ~~فى حد ms41 الماء مصروفا إلى وجود معنى فى المائية يقوى الماء على أن يبرد؛ ومحال أن يبرد، ~~ولا يتبرد. فيكون المأخوذ فى حد الماء هو القوة التى يصدر عنها التبريد بالفعل للماء و لما ~~يجاوره. و ليس هذه القوة على البرد بالفعل كقوة النار على البرد بالفعل. و ذلك لأن ~~النار تحتاج إلى أن تنسلخ صورتها عن مادة وتلبس صورة أخرى حتى تكون لها ~~هذه القوة. # وأما الماء فهذه القوة فيه قريبة جدا من الفعل لا تحتاج، فى صدور الفعل منها إلا ~~إلى زوال المانع. فهذه القوة ليست قوة الهيولى؛ بل هى صورة زايدة على الهيولى، ~~فاعلة للبرد فى الماء. وفيما ينفعل عنه بتوسطه. # وهم إذا قالوا إن العناصر بالامتزاج تنكسر حمياتها، وتصير بالقوة هى ما هى إنما ~~يعنون هذه القوة القريبة. فهذه القوة القريبة هى فصل حد كل واحد منهما. وإذا بقى ~~للشىء فصل حده لم تفسد صورته لا محالة. PageV01P138 # فهم، من وجه، قد يشيرون إلى هذا، وإن لم يتفق لهم التصريح به. # ثم هذا المزاج على وجوه: # إما أن يكون الحار من البسايط يسخن البارد مقدار ما يبرد الحار، حتى ~~يحصل أمر متوسط بين حميتى البرد والحر، وكذلك بين الرطوبة واليبوسة، ~~فيسمى هذا الامتزاج معتدلا مطلقا. # فإن كان اعتدال بين الحر والبرد، ولم يكن بين الرطوبة واليبوسة؛ بل غلبت ~~الرطوبة، قيل مزاج رطب، أو غلبت اليبوسة، قيل مزاج يابس. # وإن كان الأمر بالعكس، فكان اعتدال بين الرطوبة واليبوسة، ولم يكن بين ~~الحرارة والبرودة؛ بل غلب الحر أو البرد قيل مزاج حار، أو مزاج بارد. # فتكون هذه أمزجة خارجة عن الاعتدال خروجا بسيطا، وذلك إذا استقر الفعل ~~والانفعال على غلبة من أحد طرفى مضاد وعلى اعتدال بين الطرفين الآخرين. و بازائها ~~أربعة أخرى مركبة، وذلك عندما لا يقع بين طرفى مضادة من المضادين اعتدال؛ ~~بل يكون الاستقرار على غلبتين، فيكون حار يابس، وبارد يابس، وحار رطب، وبارد ~~رطب؛ فتكون جميع الأمزجة تسعة، معتدلة، وأربعة بسائط، وأربعة مركبات. # فإذا قد قلنا فى ms42 الكون والاستحالة وما يتصل بهما، وفرغنا من جميع ذلك ~~فبالحرى أن نتكلم فى النمو. PageV01P139 ### | الفصل الثامن فصل فى الكلام فى النمو # فإنه لا يكون إلا بزيادة ما، ولا كل زيادة. فإن المتكاثف، كالماء، إذا ~~استحال هواء، فزاد حجمه، فقد فسد وحدث شىء آخر مع حجمه، ولم يكن موصوفا ~~بحركة الازدياد التى عرضت؛ ولا أيضا إذا كان الموصوف باقيا ولم ينضف إليه زيادة ~~من خارج مثل الماء إذا تخلخل عند استحالته إلى السخونة، وهو ماء بعد؛ ولا كل ~~زيادة منضمة فإنه إذا التصق بالجسم، أو زيد على ماء ماء، وكل واحد من المزيد ~~عليها ساكن، لم يستحل شيئا؛ وإنما انضاف إليه زيادة، فلا يكون ذلك حركة النمو؛ بل ~~يجب أن يكون الشىء الباقى بالنوع تحرك بكليته إلى الازدياد بما يدخل عليه، ولا كل ~~ما كان أيضا كذلك؛ فإن الشيخ بعد وقوف النمو قد يسمن،كما أن النامى فى سن ~~النمو قد يهزل. وليس زيادة السمن من النمو، كما ليس نقصان الهزل من الذبول؛ بل ~~يجب أن يكون ذلك الازدياد مستمرا على تناسب مؤد إلى كمال النشوء، ويكون الوارد ~~قد فسد واستحال إلى مشاكله المورود عليه، والمورود عليه قد نما ممتدا فى الأقطار ~~متجها إلى كمال النشوء. # فيجب أن يكون هذا الوارد يداخل المورود عليه، نافذا فى خلل تحدثه فى جسمه PageV01P140 ~~يندفع له المورد عليه إلى أقطاره على نسبة واحدة فى نوعه، والنوع باق فى شخصه. ~~ولو كان نفوذه فى الخلاء لما كان يحتاج الجسم، فى أن يزداد، إلى امتلاء ما فيه من ~~الأبعاد الخالية؛ بل كان حجمه واحدا، كانت الأبعاد خالية أو لم تكن. # وهذه الحركة مما تنسب إلى المتحرك بها من النبات والحيوان من جهة الحر. فإن ~~الحيوان، والنبات أيضا، قوامه من نفس وبدن. وهذا إنما يعرض العروض الأول ~~للبدن، ويعرض لبدنه من جهة مقداره. فههنا هيولى النامى الحامل لصورة جسيمة، ~~وهاهنا المقدار الذى لتلك الهيولى، وههنا الصورة الشكلية الخلقية المحيطة بذلك المقدار. ~~والهيولى دائمة التبدل، فيشكل من أمرها. ولا يبعد ms43 أن يظن أنها عساها أن تأبى ~~التحلل على كل قديم منها، ويحصل للشخص فى وقت من الأوقات جملة مادة غير الجملة ~~الأولى. فلا تكون مادته هى الباقية الثابتة، حتى يكون النمو والزيادة منسوبا إليها # نسبة أولية. ~~فمن هذا لا يبعد أن لا ينسب النمو إلى مادة واحدة بعينها. وأيضا، فإن المادة ~~لا تنمو، لأن مادة واحدة بعينها، وإن بقيت بقاء الدهر، فإنها لا تصير بسبب النمو ~~أعظم؛ بل الأعظم هو المجتمع منها ومن الزيادة. وهى مع الزيادة على القدر الذى كانت ~~عليه قبل الزيادة. وإنما الأزيد هو شىء آخر، وهو هذا المجموع؛ وهذا المجموع من حيث ~~هو مجموع إنما حدث الآن بانضمام الزيادة إلى الأصل. فلا المادة نامية ولا الزيادة. # وأيضا فإن المقدار المحمول فى المادة حكمه، فى الأمرين جميعا، هذا الحكم. PageV01P141 ~~والصورة أيضا يقبح ما يظن فيها من أنها تحفظ تبديل المادة، حتى يكون البناء المركب ~~من الآجر إذا انتزع منه آجره آجره، حتى يبدل الآجر كله يكون هو بعينه البناء الأول ~~بالعدد، ويكون الشكل والصورة، تنتقل، وهى واحدة بعينها بالعدد من مادة إلى ~~أخرى. وهذا من المحال؛ بل إنما يتم ذلك بأن تبطل الصورة الأولى من البناء مع ~~انتفاض حاملها، وتحدث صورة أخرى شبيهة بالأولى. وهذا شىء قد سلف منا بيانه. # وأيضا إن تبدل بعض المادة، فيجب أن يعلم أن الصورة ليست واحدة بعينها. ~~ولا يلتفت إلى ما يقولون. وذلك أن الباقى من الصورة فى بعض الباقى من المادة هو ~~جزء الصورة. ولعمرى إنه لم يحدث إلا من جهة ليس كلامنا فى مثلها. وإما البعض ~~الآخر من الصورة، وهى التى فى المادة المتجددة، فليس هو الأول بعينه، كما علمت فى ~~متبدل المادة بأسرها، وإنما هو مثل الأول. وإذا كان صورة الكل فى هذا الموضع ~~هى جملة الباقية والحادثة، وليست هى الجملة الباقية، والصورة الباقية بجملتها هى جملة باقية، ~~فليست الصورة باقية عند النمو. فينبغى لنا أن نطلب المخلص من هذه الشبهة، فنقول: # يجب أن نعلم أن أنواع النبات ms44 والحيوان لا يستبدل ألبتة البتة منها جميع المادة، ولا ~~يتحلل عنها جميع المادة؛ بل يتحلل، فى أول الأمر، اللطيف المتحلل منه، ويستمد ~~بدله. وإن تحلل الكثيف منه فإنما يتحلل آخر الأمر. ويتحلل القليل منه، ويبقى ~~فى الجملة على استمرار ما يستحفظ القوى والصور الواجبة. والنفس إن كانت محتاجة ~~فى قوامها إلى المادة، أو كانت محتاجة، فى أفعالها الأول، إلى المادة، فإن انضم إليها PageV01P142 ~~شىء استحال إليها، وزاد فيها وفى كمالات القوة المستحفظة بالأولى التى هى قائمة بالمادة. ~~فيكون كأن فى كمالات تلك القوة شيئا قديما وشيئا منضافا إليه، أو تكون الصورة ~~والقوة هى تلك القديمة، وإنما انضاف اليها كمالاتها، وتكون الجملة ليست هى القديمة ~~بل حادثة من القوى، ويكون الأول لم يبطل؛ وإنما انضاف إليه ما صار به أكمل. # ولو كانت المادة تتبدل لكانت الأنداب والشامات قد تبدلت. فالباقى فى الشخص ~~من مادته هو ما تستحفظ به الصورة الأولى الأصلية. ومن الصور القائمة فى المادة التى ~~لا تتبدل بتمامها صورة النوع. وأما القوى التى هى الكمالات الثانية لصورة النوع فقد ~~ينضاف إليها الزيادة والمقادير. فقد تكون الأولى منها المحفوظة بالمادة المحفوظة باقية، ~~وتنضاف إليها زيادة تتميز عن الأول فى القوام والاستحكام لتأخره. فيكون هو أيضا ~~معرضا للتحلل قبل المادة الأولى. # وأما الشكل والخلقة فمن جملة أمور عارضة لازمة للصورة النوعية، أو عارضة ~~غير لازمة. # فالباقى فى هذه الحركة التى هى النمو، هو الصورة النوعية، والزايد هو المقدار ~~فى أول الأمر، ثم الصورة الشكلية والخلقية لأجل المقدار. فإنها تصير أزيد لأن الصورة ~~الواحدة الشكلية بعينها تصير أصغر وأكبر. فإنها تكون فى المقدار الذى هو أنقص ~~أصغر، وفى الأزيد أكبر. والمقدار أيضا كذلك قد لا يكون أولا ناقضا، ثم إذا ~~أضيف إليه الغذاء المنمى صار أعظم؛ لأنه مجموع مقدارين، لا أن المضاف إليه نفسه ~~صار أعظم؛ بل هو كما كان. إنما الأعظم هو االمجموع. وأما الشىء الذى له هذه المادة، PageV01P143 ~~حين له هذا الشكل، فهو نوع الشىء، وهو باق واحدا بعينه بلا ms45 اختلاف، وهو الذى ~~تصير مادته مادة مضافا إليها زيادة ولا ينمو. فإن النمو والازدياد فى الحجم ليس ~~مما يعرض لمثلها من الصور الطبيعية التى ليست مقدارا ولا عرضا من الأعراض ~~الذاتية للمقدار. # ولا المقدار نفسه ينمو. فإنه كما كان فى نفسه، والزيادة لم تجعله أعظم؛ بل أحدثت ~~مجموعا منه، ومعها عظيما. # وأما الصورة الشكلية فهى التى تنمى، أى أن كل جزء من الصورة يصير أعظم ~~مما كان، ولا كذلك المادة ولا المقدار. # فالمتحرك أولا هو النوع، وحركته هى فى صورة الشكل والخلقة بوساطة المادة ~~ثم المقدار النامى. فالنوع هو النامى، أى هو الزائد فى مقدار خلقته بسبب مادته ومقدارها. # فهكذا ينبغى أن يعقل أمر النمو. والمنمى هو الغذاء. وهو غذاء ومنم. وهو غذاء ~~من جهة ما هو شبيه بالشىء بالقوة يقوم بدل ما يتحلل منه. وهو منم من جهة ماله ~~مقدار يزيد فى مقدار النامى. والغذاء هو الذى يقوم بدل ما يتحلل بالاستحالة إلى نوعه. ~~فقد يقال له غذاء، وهو بعد بالقوة مثل الحنطة. وقد يقال له غذاء إذا لم يحتج إلى غير ~~الالتصاق والانعقاد فقط، وقد حصل له التشبه فى الكيف. وقد يقال له غذاء، وقد ~~غدا وصار لحما. والغذاء تتم منفعته فى كونه غذاء بأن يتشبه ويلتصق، فأنمى بدل ~~ما يتحلل. فإن لم يتشبه كمادة البرص، كان غذاء، لا فى كمال أحواله. وإن تشبه PageV01P144 ~~ولم يلتصق كمادة الاستسقاء الزقى لم يكن غذاء بالفعل نافعا فى كمال أحواله؛ بل يجب أن ~~يتشبه ويلتصق معا، حتى يغذو غذاء طبيعيا. # والغذاء الأول، أعنى التشبه بالقوة هو جوهر لا محالة. فإنه يستحيل أن يكون ~~غير الجوهر جوهرا بالقوة. ويجب أن يكون جوهرا غير ممتنع عن إن يكون له مقدار ~~طبيعى، وإلا لم يتكون عنه جسم طبيعى. فلا يخلو إما أن يكون ذلك له بالفعل عند ~~ما هو شبيه بالقوة، أو يكون بالقوة. فإن كان بالقوة فهو هيولى مجردة، ويستحيل ~~قوامها إلا مقارنا لصورة جسمانية .فهى، إذن، تكون مقارنة لصورة جسمانية، وتلك ~~الصورة ms46 الجسمية تزول عند قبولها هذه الصورة. # ولا نطول الكلام فى بيان أن تلك الصورة تكون صورة جسمية له، لا لغيره، ~~وإلا كان مع هذه الهيولى هيولى أخرى فى صورة واحدة، وصار جسمان فى جسم، ~~وغير ذلك. # فليس إلى ذلك للمحصلين حاجة؛ بل يكفينا أن نعلم أن تلك الهيولى، لما قارنها ~~صورة جسمية، قبل هذه، فقد كانت الجسمية موجودة لها قبل، وكان الشبيه بالقوة ~~جسما بالفعل، ولا يجوز أن يكون الجسم الكلى العام؛ فإن ذلك لا وجود له إلا فى الوهم؛ ~~بل هو جسم ما شخصى. فغذاء كل جسم شخصى، ومبدأ إحالة الغذاء موجود فى المغتذى؛ ~~لأن القوة المشبهة موجودة فيه؛ ومبدأ النمو، وهو الذى يلصق بالنامى ما هو يزيد فى كميته، ~~هو أيضا فى النامى. لكن كمية الغذاء شىء يصير أيضا كمية المغتذى أكبر. فهو أيضا ~~مبدأ للنمو، وهو فى الغذاء. PageV01P145 # وقد يتفق أن يكون الذى به يقع النمو محيلا. وذلك إذا لم تقدر القوة المشبهة أن ~~تكمل تشبيهه فى جوهره وكيفه، أو يكون أول ما يرد يؤثر فى البدن، ثم يكر عليه ~~البدن فيؤثر فيه، ويحيله إذا كان قد استرخت قوته فى موافقة من المغتذى، مثل ~~الثوم؛ فإنه يغذو النامى ويسخنه معا. والمربى بالفعل شبيه بالفعل، والمربى الذى هو ~~بعد غذاء لم يستحل شبيه بالقوة. وربما كان ضدا أو متوسطا، وربما لم يكن ضدا؛ ~~فإن الحنطة ليست ضدا للدم، وإنما هى غذاء من طريق ما هى حنطة، لا من طريق ~~ما هى حار وبارد فقط. # فليكن هذا كافيا فيما يجب أن نقول فى أمر المربى والمنمى وهو الغذاء من حيث له ~~مقدار يزيد فيما يغذوه. فحرى بنا الآن أن ننتقل إلى إيضاح القول فى الأسطقسات وعددها. PageV01P146 ### | الفصل التاسع فصل فى إبانة عدد الأسطقسات # وقد سبق منا القول إنه لا يصح أن يكون الأسطقس واحدا، وكيف يكون ذلك. ~~وقد علمت أنه لا يصح أن يكون ما هو فى جوهره نار ماء، أو ماء نارا، أو أرض هواء، ~~أو هواء أرضا. ms47 وكيف يكون ذلك، وههنا فعل وانفعال بقوى متضادة لا تنبعث عن ~~صورة متفقة؛ بل إنما تنبعث عن صورة مختلفة. والصورة المختلفة تستحق تنويعات ~~مختلفة، ولا فضل لصورة على أخرى، حتى يجعل تركيبها مع العنصر اسطقسا بالتخصيص ~~دون غيره. # وإذ هذا من المتضح الذى لا شك فيه فمتضح، لاشك فيه، أن الأسطقس ليس بواحد. ~~فهو إذن كثير. ومعلوم أنه ليس بكثير غير متناه. فبقى أن تكون الأسطقسات ~~كثيرة متناهية. # وينبغى أن تكون ذات صور يصدر عنها، فيما بينها، فعل وانفعال، حتى تكون ~~أسطقسات تتكون منها المركبات بالامتزاج، وإن تكون الكيفيات الصادرة عن صورها ~~أقدم الكيفيات المتفاعلة، ولأنها أسطقسات لهذه الأجسام المحسوسة ليست أسطقسات PageV01P147 ~~للأجسام الموهومة، فيجب أن تكون الكيفيات التى تخصها كيفيات محسوسة. ~~ومن شأن الحاس أن يشعر بفعلها فيه. # والكيفيات المحسوسة متصنفة بحسب تصنيف الحواس، لكن الكيفيات التى ~~تخص حس البصر كالألوان، أو حس السمع كالأصوات، أو حس الشم كالروايح، ~~أو حس الذوق كالطعوم، ليست من الكيفيات الأولى فى هذه الأجسام العنصرية، ~~ولا من المشترك فيها. فإن المركبات أنفسها قد توجد خالية عن أطرافها ووسايطها. ~~وإنما تحدث فى المركبات، بعد تفاعل يقع منها فى كيفيات قبلها. وهذا يدل عليه ~~الاستقراء الصناعى. # وأما الكيفيات الملموسة فلا يخلو عنها وعن وسايطها جسم من الأجسام المستقيمة ~~الحركة. ولا جسم منها إلا وطرف من أطراف مضادتها موجود فيه، أو ضده، أو هو ~~قابل له لضده. فينبغى أن تكون الفصول الأولى للأجسام الأولى منها محصلة بهذه ~~الكيفيات، دون الطعوم والروائح والألوان. # وأما الكيفيات الأخرى المتقدمة لساير الكيفيات مما لا يحس إحساسا أوليا باللمس ~~مثل الشكل، ومثل الخفة والثقل، وأشياء سنعدها، فإنها لا تفيد الفصول التى نحن ~~فى طلبها. # أما الشكل فلأن الطبيعى فيه متشابه البسايط، فلا ينفصل به؛ ولو كان مختلفا أيضا ~~لما صلح أن يقع به فعل أو انفعال. والقسرى أبعد من ذلك. # وأما الخفة والثقل فبالحرى أن تفيد الفصول للأجسام الأسطقسية. لكنه لا يفيد PageV01P148 ~~ولا واحد منهما الفصل الذى هو به أسطقس .فإن ms48 الفصل الذى به الأسطقس أسطقس ~~هو الذى به يفعل وينفعل الفعل والانفعال الذى به يتم المزاج، وذانك فى الكيف، ~~لأن الأسطقس إنما هو أسطقس للممتزج، ولا فعل ولا انفعال، فى باب الكيف، ~~يصدر عن الخفة والثقل. وإنما توجب الخفة والثقل بالذات انفعالا فى الحركة المكانية. # ويجب ههنا أن نتذكر ماسلف من قولنا إن الماء مثلا، ليس كونه ماء هو كونه ~~أسطقسا، وليس كونه أسطقسا هو كونه جزءا من العالم، وله قياس إلى تقويمه العالم ~~وله قياس إلى تقويمه المركب. ومن حيث هو ماء يجب أن يكون فى طباعه أن يرجحن، وأن ~~يكون باردا رطبا إذا لم يعق، ومن حيث هو جزء من العالم فالأنفع له الثقل المحصل له فى حيزه ~~الطبيعى، وهو الأعون له على استكمال معنى كونه جزءا من العالم. ومن حيث هو جزء من المركب ~~وأسطقس فلا يعين فيه الثقل الذى له، ولا الخفة التى له، اللذان بهما تصير، إلى موضعه، ~~كل المعونة؛ بل كأنهما يناقضان مناقضة ما للمنفعة المطلوبة فى الأسطقس من حيث هو ~~أسطقس عند كونه أسطقسا إنما يكون الأولى به مفارقته لمكانه الطبيعى، ومصيره إلى ~~مشابكة أضداده؛ بل إنما يكون الأنفع له والأعوان إن كان ماء، أن يكون باردا رطبا يفعل ~~بهما وينفعل، حتى يستفيد المزاج. وإن كان نارا فضد ذلك، وهو أن يكون حارا يابسا. ~~وأما ثقل ذاك وخفة هذا فقليلا النفع أو مضادا النفع فيما يحتاج إليه فى المزاج؛ لأنهما يدعوان ~~إلى التباين والتأنى، لا إلى الاجتماع والتلازم، ولا لهما فى الاجتماع تأثير فى المجتمع سار فيه. PageV01P149 ~~وكذلك إن كانت من الكيفيات كيفيات، مثل الثقل والخفة، لا تقع فى الفعل ~~والانفعال، فلا تكون داخلة فى الفصول التى بها تصير الأجسام البسيطة أسطقسات ~~من حيث تصير أسطقسات. # ثم إن الكيفيات المنسوبة الى اللمس مختلفة المراتب. فليس كلها فى درجة واحدة؛ ~~بل بعضها أقدم من بعض. ويشتمل على جملتها هذا التعديد؛ وذلك أن الكيفيات ~~الملموسة هى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، واللطافة والغلظ، واللزوجة والهشاشة ~~والجفاف ms49 والبلة، والصلابة واللين، والخشونة والملاسة. # واللطف يقع على معنيين: أحدهما رقة القوام، والآخر قبول القسمة إلى أجزاء صغيرة ~~جدا. والغلط يقابلهما ويشبه أن يكون التخلخل مشابها للطيف بالمعنى الأول، إلا أن ~~التخلخل يستدعى معنى زائدا على الرقة، وإن كان تابعا لها، حتى تكون الرقة تدل عليه ~~دلالة الملزوم. # والتخلخل يدل عليه دلالة المتضمن. وذلك لأن التخلخل هو اسم واقع على معنيين. ~~أحدهما: أن تكون المادة انبسطت فى الكم مترققة .فيتضمن هذا المعنى مع الرقة ~~إزدياد حجم، وتكون فيه إضافة إلى شىء آخر، أو غير يكون أصغر حجما. ~~وأما الآخر فكالماء للهواء. أما الغير فكالماء الواحد لنفسه، إذا كان أشد ~~تكاثفا فصار أشد تخلخلا، ولو لم تكن هذه الإضافة لكان الأولى بالمعنى اسم ~~اللطافة والرقة. # ويقال نخلخل لتباعد أجزاء الجسم بعضها عن بعض على فرج يشغلها ما هو ألطف ~~من الجسم، وتكون جملة الاتصال بينها لم تفقد؛ بل بين أجزائها تعلق ثابت، PageV01P150 ~~فلا يتبرأ بعضها من بعض تبرؤا تاما. وهذا غير مشتغل به فى هذا الغرض. ~~لكن اللطيف، والمتخلخل على أول الوجهين، وفيه الكلام،غير نافع فى الفعل ~~والانفعال إلا بالعرض، وهما جاريان مجرى الخفة والثقل؛ ويكادان يلازمانهما، حتى أن ~~كل ما هو أثقل فهو أغلظ وأشد تكاثفا. # وأما اللزوجة فإنها كيفية مزاجية لا بسيطة. وذلك أن اللزج هو ما يسهل تشكله، ~~بأى شكل أزيد، ويعسر تفريقه، بل يمتد متصلا. فهو مؤلف من رطب ويابس شديدى ~~الالتحام والامتزاج. فإذ عانه من الرطب، واستمساكه من اليابس، وإنك إن ~~أخذت ترابا وماء، وجهدت فى جمعها بالدق والتخمير، حتى اشتد امتزاجهما، حدث ~~لك جسم لزج. # والهش، الذى يخالفه، هو الذى يصعب تشكله. ويسهل تفريقه. وذلك لغلبة ~~اليابس فيه، وقلة الرطب، مع ضعف المزاج. # وأما البلة فمعلوم أن سببها رطوبة جسم رطب يمازج غيره. فإن ههنا رطب الجوهر ~~ومبتلا ومنتقعا. # فرطب الجوهر هو الجسم الذى كيفية الرطوبة تقارن مادته، ويكون كونها له كونا ~~أوليا، مثل الماء. # وأما المبتل فهو الذى إنما يرطب برطوبة جسم غيره. وتلك ms50 الرطوبة لذلك الجسم ~~أولية. لكن ذلك الجسم قد قارنه، فقيل إنه مبتل، فيصلح أن يخص باسم المبتل PageV01P151 ~~ما كان هذا الاسم على ظاهره و يصلح أن يقال على التعميم، حتى يكون المبتل ~~هو كل جسم مترطب رطوبة غريبة. # لكن المنتفع لا يكون منتفعا إلا بأن يكون الرطب الغريب جرى فيه، ونفذ إلى باطنه. ~~فالمنتقع من الوجه الأول كالنوع من المبتل، ومن الوجه الثانى هو مباين له، غير ~~داخل فيه. # وقد يكون الجسم اليابس رطبا أو منتقعا، ولا سواء رطوبة الغصن النضير، ~~ورطوبة الذاوى اليابس النقيع. فان جوهر هذا يابس، وقد نفذ فيه رطب غريب، ~~وذلك جوهره رطب من نفسه، فالجاف بازاء المبتل، كما أن اليابس بإزاء الرطب. # والصلابة واللين أيضا من الكيفيات المزاجية. وذلك أن اللين هو الذى يقبل ~~الغمز إلى باطنه، ويكون له قوام غير سيال ينتقل عن وضعه، ولا يقبل امتداد اللزج ~~ولا يكون له سرعة تفرقه وتشكله. فيكون قبوله الغمز من الرطوبة، وتماسكه ~~من اليبوسة. # وأما الملاسة فمنها ما هو طبيعى؛ ومنها ماهو مكتسب. والطبيعى لازم لكل جسم ~~بسيط، لوجوب إحاطة سطح واحد به تمييز مختلفة الأجزاء فى النتوء، والانخفاض، ~~وبالجملة غير مختلفة الوضع، فلا تختلف به الأجسام البسيطة. # لكن الملاسة قد تعتبر فى طبيعة الأجسام من جهة أخرى. وذلك أن من الأجسام ~~ما يسهل تفريقه على الملاسة حتى يكون تمليسه سهلا على أى تفريق كان. فتكون ~~الفصول التى تقع فيه إما أملس وإما سهل الحركة إلى الملاسة، وهذا يتبع رطوبة ~~جوهر الشىء. PageV01P152 # والخشونة، فى الجملة، تقابل ذلك. فالملاسة والخشونة بالجملة، لا يدخلان ~~فى الفعل والانفعال. # وبعد ذلك، فالطبيعى لا تختلف به الأجسام، والمواتى والعاصى يتبع الرطوبة واليبوسة ~~التى فيه. فيرجع أكثر هذه الأشياء إلى الرطوبة واليبوسة، لكن الرطوبة قد تقال ~~للبلة، وقد تقال للكيفية، وكلامنا فى رطوبة الكيفية. # ويتبع بعض الأجسام الرطبة الجوهر أمر، وهو الملاصقة والملازمة لما يمسه من جنسه ~~كما للماء، حتى أن الجمهور يظنون أن الرطوبة حقيقتها هذا. لكنهم يشاهدون أن الجسم ~~كلما ms51 كان أرق كان أقل التصاقا واستمساكا بما يلامسه، وكلما كان أغلظ كان أشد ~~وأكثر ملازمة. # والماء اللطيف الجيد إذا غمر فيه الإصبع كان مايلزم الأصبع منه أقل مما يلزم من الماء ~~الغليظ أو الدهن أو العسل. فإذن هذه الخاصية لا تلزم الجسم من جهة ما هو رطب ~~مطلقا، وإلا لكان ما هو أرطب وأرق من الرطوبات أشد لزوما والتصاقا؛ بل هو لازم ~~للكثافة والغلظ إذا اقترن بالرطوبة؛ بل تبقى للرطوبة سهولة التحدد بغيرها والتشكل ~~بغيرها، مع سهولة الترك وضعف الإمساك، كما أن اليابس يلزمه الثبات على ما يؤتاه من ~~الشكل، مع معاوقة فى قبوله. # فيجب أن يتحقق أن الرطوبة هى الكيفية التى بها يكون الجسم قابلا النحو الأول ~~من القبول، واليبوسة هى التى بها يكون الجسم قابلا النحو الثانى من القبول. # فلا يستبعد أن يكون الهواء رطبا، وإن كان لا يلتصق؛ إذ الالتصاق ليس لنفس PageV01P153 ~~كون الشىء رطبا؛ بل للغلظ. والهواء إذا غلظ، فصار ماء، صار أيضا على صفة الملازمة ~~والالتصاق. # فالكيفيات الملموسة الأولى هى هذه الأربعة: # اثنتان منها فاعلتان، وهما الحرارة والبرودة، ولكونهما فاعلتين ماتحدان ~~بالفعل، بأن يقال إن الحرارة هى التى تفرق بين المختلفات، وتجمع بين المتشكلات، ~~كما تفعله النار. والبرودة هى التى تجمع بين المتشاكلات وغير المتشاكلات كما يفعل الماء. ~~واثنتان منفعلتان وهما الرطوبة واليبوسة. ولكونهما منفعلتين ماتحدان بالانفعال ~~فقط. فيقال إن الرطوبة هى الكيفية التى بها يكون الجسم سهل الانحصار والتشكل ~~بشكل الحاوى الغريب، وسهل الترك له. واليبوسة هى الكيفية التى بها يعسر انحصار ~~الجسم وتشكله من غيره، وبها يعسر تركه لذلك. ولذلك فإن الجسمين الرطبين يسهل ~~اتصالهما مع التماس، ويصعب، أو لا يمكن، تفريقهما عن التماس المحفوظ إلى أن ~~يتفرقا بل عن الاتصال بسهولة جدا. واليابس بالخلاف من ذلك. # فلهذا ما تسمى تانك فاعلتين وهاتان منفعلتين، وإن كان الحار والبارد كل واحد ~~منهما يفعل فى الآخر. كما ينفعل منه. وكذلك كل واحد من الرطب واليابس يفعل ~~فى الآخر، وينفعل منه. لكنه إذا قيس الحار والبارد ms52 إلى الرطب واليابس وجد ~~الرطب واليابس لا يؤثران فيهما، ووجدا يؤثران فى الرطب واليابس، مما نعلمه بعد ~~من حال الحل والعقد وغير ذلك. PageV01P154 # فهذه الأربعة هى الأوايل. ويتركب منها أربع مزاوجات صحيحة. فيكون من الأجرام ~~البسيطة جرم تتبع طبيعة كيفية الحر واليبوسة، وآخر تتبع طبيعة الحر والرطوبة؛ ~~وآخر تتبع طبيعة كيفية البرد والرطوبة؛ وآخر تتبع طبيعة البرد واليبوسة. فتكون ~~هذه الأسطقسات. # والأرض هى الجسم الظاهر من أمره أنه بسيط يابس. وبمخالطته يكون كل جسم ~~يابسا. والماء ظاهر من أمره انه بارد رطب، وبمخالطته، يكون غيره باردا رطبا. # والهواء ظاهر من أمره أنه بسيط رطب. # والنار ظاهر من أمرها أنها بسيطة حارة. # لكن الأرض فى طبيعتها البرد أيضا، وذلك أنها إذا تركت وطباعها، وأزيل عنها ~~تسخين الشمس، أو سبب آخر، وجدت باردة اللمس. وإنما تسخين بسبب غريب. ~~وكيف لا، والثقل لا يوافق الحرارة؟ وجميع الأجسام الغالب فيها الأرضية تبرد ~~الأبدان. # والهواء إذا ترك وطباعه، ولم يبرد بسبب مخالفة أبخرة تزول عنها الحرارة المصعدة، ~~وتعود إلى طبيعية الماء، كان حارا. وكيف لا يكون كذلك والماء إذا أريد أن يحال هواء ~~سخن فضل تسخين؟ فإذا استحكم فيه التسخين كان هواء. # وأما النار فإنها ليست سهلة القبول للأشكال؛ بل هى منحصرة بذاتها. فهى ~~يابسة. لكن إثبات حر الهواء ويبس النار، وخصوصا يبس النار، وإيضاح القول فيه ~~يصعب. وسنأتى فيه بالممكن. PageV01P155 # وقد قيل إن اللهيب والغليان لما كان كل واحد منها إفراط حرارة، وكان الجمود ~~إفراط برد، وكان الجمود خاصة البارد والرطب؛ فكذلك اللهيب والغليان خاصة الحار ~~اليابس. وهذا قول لست أفهمه حق الفهم، وعسى أن يكون غيرى يحققه ويفهمه. ~~وذلك لأن الغليان فليس إفراط حر؛ بل إن كان ولابد فهو حركة تعرض للرطب عن ~~الحر المفرط. ولا اللهيب إفراط الحر؛ بل إضاءة تعرض عن إفراط الحر فى الدخان فإن ~~سمى اشتداد الحر لهيبا" فيه. والجمود ليس إفراط برد؛ بل أثر يعرض من ~~إفراط البرد لا فى كل جسم؛ بل فى الرطب. ولا الجمود ضد ms53 الغليان لأن الغليان حركة ~~إلى فوق. وتضادها الحركة إلى أسفل إذا كانت تضعه. فأما الجمود فليس هو حركة. ~~فلعل الواجب أن يجعل الجمود اجتماع المادة الى حجم صغير مع عصيان على الحاصر ~~المشكل، والغليان انبساطها إلى حجم كبير مع ترقق وطاعة المشكل. فإن كان ~~كذلك كان الخلاف بينهما ما بين التكاثف والتخلخل. # ولم يستمر ما يقولونه. ثم ليس مما يجب ضرورة أن يكون الضد يعرض للضد؛ ~~فإن الأضداد قد تشترك فى أمور منها الموضوع. # وقد علمت فى كتب المنطق أن مثل هذا الكلام كلام مقنع لا محقق، وجدلى ~~لا برهانى. ويشبه أن يكون لما تشككت به على هذا القول جواب، لكنى لم أحصله ~~بعد، ولم أفهمه. فالأولى أن نشتغل بتبيين يبس النار، ونجعل الطريق إليه إبانة أنها ~~لا تقبل الحصر والتحديد. ويكون بيانا أنها لا تقبل الحصر والتحديد، لا من جهة ~~المحسوس؛ وذلك لأن النار المحسوسة غير صرفة. ومع ذلك، فإنه يعرض للأجسام فى PageV01P156 ~~غير مواضعها الطبيعية أن تحفظ أشكالها المواتية للحركة، كالماء المصبوب فى انصبابه؛ ~~بل نجعل بياننا ذلك بضرب من القياس، وهو أن النار لا يشك فى أنها حارة. فلا يخلو ~~إما أن تكون حارة رطبة أو حارة يابسة لا تسهل طاعة طباعها للحصر من غيرها. # فإن كانت حارة رطبة فهى من جوهر الهواء، وإذا كانت من جوهر الهواء لزم ~~أن يكون مكانها مكان الهواء، فيلزم أن لا تكون النار هاربة عن حيز الهواء إلى حيز ~~آخر، فهى إذن حارة يابسة. # وقد يقول على هذا قائل إن الهواء نفسه، إذا سخن، ارتفع عن حيز هذا الهواء ~~المعتدل الحر، والبخار أيضا يرتفع، ويطلب مكانا فوق مكان الهواء، وهو بعد أشبه ~~بالماء من الهواء بالماء، وإنما يصعده الحر المفرط، فالحر المفرط هو سبب أن تكون ~~النار هاربة عن حيز هذا الهواء، الذى ليس حره بمفرط، وإن كان من طبيعته ~~كالماء، الذى هو دونه فى المكان، إذا سخن فإنه يهرب عن موضع الماء والهواء جميعا ~~هربا إلى فوق، كالهواء نفسه إذا ms54 سخن، فما كان من الهواء اسخن من سائر الهواء ~~فهو هارب عن حيزه المعتدل بسخونته. # فنقول مجيبين: إن الحيز المطلوب إن كان من طبيعة الحيز المهروب عنه لا يخالفه ~~فطلب ذلك والهرب عن هذا محال. # وإن كان ليس من طبيعته، فهو، لا محالة، حيز لغير الهواء. وليس يمكن ~~أن يكون حيزا إلا لمفرط الحرارة إذا كان هذا المتصعد إنما يتصعد لأنه مفرط الحرارة. ~~فيكون حيز ما هو مفرط الحرارة حيزا غير حيز الهواء. ولاشك أن ذلك هو حيز PageV01P157 ~~النار، فتكون النار غير الهواء فى الطبع، والهواء المتسخن هو يطلب غير حيز الهواء، ~~كما أن الماء المتسخن يطلب غير حيز الماء. ولكن ذلك الحيز حيز لجرم آخر لا محالة، ~~بالغ فيه الكيفية المصعدة للهواء وللماء عن حيزهما، وليس يطلب شىء منها ~~حيز نفسه. وفى طلبهما حيزا آخر إثبات حيز آخر لجسم آخر، وهو النار. ولا يجوز ~~أن يكون الحيز واحدا إلا أن الأسخن يطلب منه ما هو أرفع؛ وذلك لأن الأرفع إما أن ~~يتحدد بحد جسم شامل، أو حد جسم مشمول؛ إذ لا وجه لإثبات الخلاء، ~~ولا لاثبات الأبعاد. # فإن كان ذلك الأرفع والأدون يتحدد بتحديد جسم شامل متعين، أو مشمول ~~متعين ليس هو حد جسم شامل للأدنى، أو مشمول فى الأدنى، فالأرفع والأدنى ~~مكانان مختلفان، فلهما جسمان، بالطبع، مختلفان. وان كان يتحدد بشامل واحد ~~فى الطباع فلا مكان أرفع رأدون؛ بل المكان ذلك أو أجزاؤه إن أخذت على وجه ~~التوسع، وأجزاؤه متفقة فى القرب والبعد، والعلو السفل. # فبين من هذا أن النار حارة يابسة. لكن سلطان النار الحرارة وسلطان الهواء ~~الرطوبة، وسلطان الماء البرودة، وسلطان الأرض اليبوسة. وبالحرى أن يكون الماء ~~والأرض بالقياس إلى الهواء يابسين .فإن البرد يقتضى الجمود والتكاثف ولولا الحرارة ~~الخارجة لكن الماء جامدا". لكنه بالقياس إلى الأرض رطب. فإنه إما سيال بذاته، ~~وإما شديد الاستعداد للسيلان، من أدنى سبب خارج، والبرد الذى يجمد به الماء PageV01P158 ~~إن أردت الحق وترك العادات فليس إلا بردا مستفادا فى الهواء ms55 من الماء والأرض. ~~فإذا صار الهواء بحيث لا يسيل الماء استولت طبيعية الماء والأرض على الماء، ~~وعاونهما الهواء، إما بالتبريد وإما بإزالة التسخين، فجمد من الماء ظاهره أولا لاحتقان ~~الحار فى باطنه، ثم لا يزال يجمد حتى يستولى الجمود على جميعه لطبيعة البرد الذى أولى ~~العناصر به الماء، وأولى الآثار به الإجماد. # وطبيعته الماء والأرض هما اللذان يحدثان بردا فى الهواء، يعود ذلك البرد معينا ~~لطبيعته الماء على إحداث كيفية البرد فى نفس الماء على قدر يتأدى إلى الإجماد. # والنار والهواء، بالقياس إلى الجامدات، متخلخلان رطبان، لكن النار، ~~بالقياس إلى الهواء، يابسة؛ لأنها ابعد عن قبول التشكيل والاتصال مع المماسة من الهواء. ~~فهذا هو الحق الذى يجب أن يعتقد. # وقد يمتعض لسماع هذا الفصل الأخير قوم لا نشغل قلوبنا بهم. ويزيدهم امتعاضا ~~ما نريد أن نذكره من تحقيق ذلك فيما يستقبلنا من الكلام. ثم ههنا شكوك. PageV01P159 ### | الفصل العاشر فصل قى فى ذكر شكوك تلزم ما قيل # بالحرى أن تبع هذا الفصل بذكر شكوك لم نتعرض لها، ثم نعقبها بالكلام الفصل. ~~من ذلك أمر حدود الكيفيات الأربع ورسومها. # فإن الحرارة ليست إنما تفرق المختلفات؛ بل قد تفرق المتشاكلة، كما تفعل بالماء. ~~فإنها تفرقه تصعيدا. وأيضا فإن النار قد تجمع المختلفة. فإنها تزيد بياض البيض وصفرتها ~~تلازما، ثم بالحقيقية. ولا أحد الفعلين لها فعل أول وذلك لأن فعلها الأول تسييل الجامد ~~من الرطوبات بالبرد وتحليله، ثم تصعيده وتبخيره. # فإن كانت المجتمعات مختلفة فى قبول التحليل والتبخر، بأن كان بعضها أسرع فيه، ~~وبعضها أبطأ، أو كان بعضها قابلا، وبعضها غير قابل، عرض عن ذلك أن بادر ~~الأسرع دون الأبطأ، والقابل دون غير القابل إلى التصعد والتبخر، فيعرض ~~منه الافتراق. # ولو كانت هذه الأشياء متشاكلة فى الاستعداد لهذا المعنى لم يمكن النار أن تفرق PageV01P160 ~~بينها. وأيضا فإن الحار يفعل فى البارد والبارد فى الحار، ولا يفعل الحار فى الحار ~~ولا البارد فى البارد. وكذلك الرطب فى اليابس، واليابس فى الرطب،ولا يفعل ~~الرطب فى الرطب، ms56 ولا اليابس فى اليابس. وإذا كان الحار والبارد يفعل كل منهما ~~فى الآخر، وكل واحد منهما أيضا ينفعل عن الآخر، وكذلك الرطب واليابس، فليس ~~إحدى الطبيعتين أولى بأن تخص بالفعل من الأخرى، ولا أولى بأن تخص بالانفعال ~~من الأخرى. # ومن ذلك الشك فى أمر النار ويبسها، والهواء وحره، والأرض وبردها. ~~فإن لقايل أن يقول: إنه ليس يجب أن يكون جميع ما توجبه القسمة، ولا ينكره العقل ~~فى أول النظر، حاضرا موجودا. فعسى أن لا يمكن أن يكون شىء هو حار رطب، أو شىء ~~هو بارد يابس؛ ليس لأن العقل وحده يمنع عن اجتماع الحرارة والرطوبة، والبرودة ~~واليبوسة، منعه عن اجتماع الحار والبارد، والرطب واليابس، ولكن الأمر ليس يعقل ~~بديهة. فإن ههنا أمور لا تمنع الازدواجات عن وجودها، ولا بديهة العقل، ويمنع الحق ~~وجودها. فإنه ليس يمتنع، فى أول العقل، أن يكون حار، بالطبع، فى غاية الثقل، ~~وليس هذا بموجود ألبتة البتة . # ولو كانت القسمة تعتبر ويلتفت إليها لكان يجوز أن نقول: إن من العناصر ما هو ~~حار يابس خفيف، ومنها ما هو حار يابس ثقيل، ومنها ما هو حار رطب خفيف، ومنها ~~حار رطب ثقيل،وكنا نحكم أن كل ما لا تمنع القسمة الجمع بينه، كما بين الحرارة والثقل ~~فى أول العقل، فإن المستحصل منه بالقسمة موجود فى الأعيان. فكما أن الثقل لا يخالط PageV01P161 ~~الحرارة مع كونه غير مضاد للحرارة، ولا مقابل، ولا محكوم عليه ببديهة العقل أنه ~~مناف؛ فكذلك يجوز أن تكون الرطوبة واليبوسة لا تخالط الحرارة، ولا تخالط ~~البرودة، فيكون، حينئذ، للوجود أنقص من المقسوم. # ومع هذا،فلم يستوف أصحاب هذه القسمة قسمتهم؛ بل بخسوا القسمة حقها، وذلك ~~لأنه لا يخلو إما أن تكون الحرارة والبرودة واليبوسة الأسطقسية لا تكون ~~إلا خالصة صرفة، أوقد تكون منكسرة. # فإن كانت لا تكون إلا خالصة صرفة وجب أن تكون حرارة أسطقس أقل من ~~حرارة أسطقس آخر. فإن الذى هو أقل حرارة ليست حرارته خالصة بالقياس إلى حرارة ~~ما هو أشد حرارة؛ بل الأقل ms57 حرارة يكون، بالقياس إلى الخالص الحرارة، فاترا أو باردا، ~~وإن كان قد تكون فى الكيفيات الأول كيفية غير خالصة، ويكون منها ما هو دون النهاية. # وقد حصل ههنا قسم قد ضيع، وذلك أن أصول المزاوجات حينئذ لا تكون أربعة؛ ~~بل تكون أكثر من ذلك. فيكون حار وبارد ومتوسط أو منكسر، ورطب ويابس ~~ومتوسط أو منكسر. فينبغى أن تتحدد المزاوجات من هناك. فتكون حينئذ الازدواجات ~~أكثر من العدد المذكور. ثم يكون الهواء، مثلا، رطبا معتدلا فى الحر والبرد؛ والنار ~~حارة معتدلة فى الرطوبة واليبوسة، والأرض يابسة معتدلة فى الحر والبرد. وعلى ~~أن يكون ههنا عناصر أخرى منها ما هو بارد ومعتدل فى الرطوبة واليبوسة، ويكون ~~حار رطب غير الهواء، وكأنه البخار أو شىء آخر؛ ويابس غير الأرض، وكأنه الجمد ~~أو شىء آخر؛ وحار شديد اليبوسة، وكأنه الدخان أو شىء آخر. PageV01P162 # ثم من الواجب أن ننظر فى أمر النار التى يدعى أنها تحت الفلك، وأنها فى هيئة ~~الجو، ولكنها شديدة الحر، حتى أنها تحرق ما يصل إليها، هل تلك الحرارة لها من ~~جوهرها، أم تعرض لها بسبب تحريك الفلك؟ # فإن كانت بسبب تحريك الفلك، فما جوهر ذلك الجسم فى نفسه الذى عرض ~~له ما عرض؟ فإن كان جوهره هواء لكنه سخن، فيشبه أن تكون نسبة النار إلى ~~الهواء هى بعينها نسبة الجمد إلى الماء، فلا يكون مفارقا له بالفصل؛ بل تكون مفارقته ~~له بعرض من الأعراض. # وإن كان الحق ما يدعى قوم من أنها فاترة لا تحرق، فبماذا تفارق الجو؟ وأما النار التى ~~عندنا فهى بالاتفاق غير تلك النار. # فإن كانت هذه التى عندنا تلك، وقد عرض لها اشتداد فى الحر للحركة، ~~وإضاءة للاشتعال فى الدخان، فبماذا تخالف الهواء، حتى تنسل عنه، وتطفو عليه حارة ~~فى الحركة المسخنة، فيسخن لذلك؟ # وإن كان معنى النار فى هذه غير معنى النار هناك فهذا إما أسطقس وإما مركب. ~~فإن كان أسطقسا فقد زاد عدد الأسطقسات. وإن كان مركبا فلم صار المركب فى كيفيته ~~أقوى من ms58 البسيط؟ ولم صار الحر يصعد ما مكانه الطبيعى هو السفل، كما يصعد الماء ~~والدخان وفيها طبيعة مهبطة، لكنها تغلب بهذه الكيفية؟ # ثم البرد لا يفعل ضد ذلك فى إهباط النار. PageV01P163 # وهل يجوز من هذا أن يقال: ليست النار إلا هواء سخن جدا، فهو يرتفع عما ~~هو أبرد منه كالبخار؛ فإنه ماء سخن جدا، فهو يرتفع عما أبرد منه، وليس العنصر ~~إلا الهواء والماء والأرض؟ فالمسخن من الهواء نار، والمسخن من الماء بخار، والمسخن ~~من الأرض دخان. وكل مسخن فإنه يصعد إلى فوق، لكن مسخن الماء شىء هو ~~فى طبيعته قوى البرد، سريع إليه التبرد، فيقصر عن مسخن الأرض الذى هو أقل تبردا، ~~فى الطبع، وإبطاء. وكلاهما يقصر عن مسخن الهواء، الذى هو إما معتدل وإما إلى الحر. ~~فمسخن الهواء يسبق ذنيك إلى الحيز الذى ليس فيه إلا الهواء المسخن جدا بالحركة، # حتى هو نار. ~~هذا، وأيضا لم لا نقول إن الأجسام التى تحت الفلك كلها جسم واحد من مادة وصورة ~~توجب الكون تحت الفلك، ثم تعرض لها بعد ذلك هذه الكيفيات؟ فما يلى الفلك، ~~ويكون حيث الحركة، يلطف ويسخن بسبب من خارج، لا من جوهره، وما يبعد، ~~ويكون حيث السكون يبرد، ويثقل بضد ذلك السبب. فيعرض من ذلك أن يختلف ~~ذلك الواحد اختلافا بكيفيات تعرض له من خارج، لا من طبيعته وصورته .فإن طبيعته ~~وصورته هى التى صار بها جسما طبيعيا متحيزا فى ضمن الفلك؛ لأنه لا يقتضى طبعا غير ~~ذلك الوضع. # ومما يحق أن نورد شكا، على ما قيل فى إثبات هذه الأربع، أن الخلوص إلى إثبات ~~الكيفيات الأربع المذكورة، حتى ظن بسببها أن المزواجات أربع، وأن العناصر لذلك ~~أربعة - إنما كان بسبب الرجوع إلى الحس وتقديم اللمس على غيره، ورجوع الكيفيات PageV01P164 ~~الملموسة الى هذه الأربع. فيجب أن يكون المعنى الذى نسميه رطوبة هو المعنى الملموس، ~~لا معنى آخر يشاركه فى هذا الاسم. ثم المعنى الذى يشترك فيه الماء والهواء، الذى يسمى ~~رطوبة، ليس هو الرطوبة الملموسة. وذلك لأن ms59 هذا المعنى، الذى يسمونه الرطوبة، ~~ليس وجوده فى الهواء وجود الحرارة والبرودة المحسوستين، فى أن هاتين قد يجوز أن ~~يستحيل الهواء من كل واحدة منهما إلى أخرى، ويكون الهواء هواء. فإن الهواء، ~~إذا سخن، أو برد، لم يجب بذلك أن يكون قد استحال بجوهره وأما الهواء، إذا بلغ ~~من تكاثفه إلى أن ييبس، أو من تخلخله حتى يصير نارا عندكم، لم يكن حينئذ هواء. ~~فالهواء الحاصر، الذى نسميه هواء، لا يباينه المعنى الذى نسميه رطوبة الذى يشارك فيه ~~الماء عندكم. # فإذا كانت الحال كذلك وجب أن يكون الهواء دائما بحيث تلمس رطوبته، ~~وإن كان لا يجب دائما أن تلمس حرارته أو برودته؛ أإذ تانك تزايلانه، وهذا يلازمه. ~~ولو كانت هذه الرطوبة ملموسة لكان يجب، إذا كان هواء معتدل، لا حار ولا بارد، ~~وكان ساكنا لا حركة فيه، أن يكون اللامس تلمس رطوبته؛ إذ الرطوبة لا تفارقه، ~~كما يلمس ما تسميه العامة رطوبة من الماء. # ولو كان الهواء دائما بحيث تلمس رطوبته لكان الهواء دائما محسوسا، ولو كان ~~الهواء دائما محسوسا لكان الجمهور لا يشكون فى وجوده، ولا يظنون هذا الفضاء الذى ~~بين الأرض والسماء، خاليا إذا لم يوجد فيه ريح أو غيم، وما ينسب إليه حر وبرد. كما إذا ~~برد أو سخن أحسوا به على أنه مؤثر فى البدن بردا أو حرا، أو أن هناك بردا أو حرا. PageV01P165 # فبين أن سبيل هذه الرطوبة، فى أنها ملموسة، خلاف سبيل الحرارة والبرودة ~~فى أنها ملموسة .فإذا كان كذلك لم يكن البناء على أمر صحيح. # ثم ما معنى قول القائل إن الرطوبة سريعة كذا، أو عسرة كذا وكذا، وإن ~~اليبوسة بالضد فى الأمرين؟ فإن السريع والعسير وما يقابلهما إنما هو بالقياس إلى غيره، ~~وليس له حد محدود. فيجب أيضا أن لا يكون الشىء مطلقا رطبا أو يابسا؛ بل بالقياس إلى ~~غيره. على أن صناعة المنطق منعت أن توجد فى حدود الأمور غير المضافة معان ~~مضافة على أنها أجزاء لحدها. # فهذه، وما أشبهها، شبه ms60 من حقها أن تحل، أو يشعر بها، حتى يكون القضاء على ~~الأمر بحسب مراعاة جانبها. # فلنتشغل الآن بما يجب أن نعتمده. PageV01P166 ### | الفصل الحادى عشر فصل فى حل شطر من هذه الشكوى # نقول إن تحديدنا الأمور التى هى محسوسة بالحقيقة تحديد بحدود ناقصة. وأعنى ~~بالمحسوس بالحقيقة ما ليس إحساسه بواسطة محسوس، أو بالعرض. فإن تكلفنا لها ~~حدودا، أو شروح أسماء، فربما حددناها أو رسمناها بإضافات أو اعتبارات لا يدل شىء منها، ~~بالحقيقة، على ما هياتها؛ بل على أمور تلزمها. # ولذلك من البعيد أن يقدر على أن تحد الصفرة والحمرة والخضرة، بل السواد ~~والبياض. لكنه إذا كان السواد والبياض طرفين رسما بسهولة لتأثيرهما فى الإبصار على ~~الاطلاق الذى يحتاج أن يقدر مثله من الأوساط، فيعسر. وذلك التأثير بالحقيقة أمر ليس ~~هو مقوما لماهية السواد والبياض؛ ولا من فهم ذلك فهم أن الشىء سواد وبياض، ~~اللهم إلا أن يكون قد أحس السواد وتخيله، ثم أحس هذا الفعل منه فجعله علامة له. # ولذلك يجب أن يعرف حال البرودة والحرارة بالحقيقة، وأن الحدود التى قيلت ~~حدود غير محققة، ولا محكمة؛ بل إنما تقال بقياسها إلى أفعال لهما فى أمور من المركبات ~~عندنا أو فى البسائط، وإلا فلا اقتدار على تحديدهما تحديدا حقيقيا. PageV01P167 # وبالحرى أن تكون الحرارة، كما تجمع بعض المتجانسات، فقد تفرق بعض ~~المتجانسات، كما ترمد الحطب، وتفرقه. لكن يجب أن يفهم ما قالوه على ما أقوله: # إن الحرارة تفعل فى الأجسام البسيطة وتفعل فى الأجسام المركبة؛ والجسم الواحد ~~البسيط يجتمع، فيستحيل أن يقال إن النار تجمعه؛ لأن قولنا كذا يجمع كذا معناه أنه ~~يجمع ما ليس بمجتمع. والبسيط المذكور مجتمع الأجزاء متشاكلها. وأما أمر التفريق ~~فلا مدخل له فى اعتبار البسيط؛ وذلك لأن التفريق إنما قيل بالقياس إلى الأشياء المختلفة ~~فهذا الفصل المنسوب إلى الحار من جمع وتفريق إنما يقال بالقياس إلى جسم فيه ~~متشاكلات متفرقة، ومختلفات مجتمعة. ~~والجسم الذى جعل فعل الحار بالقياس غليه هو المركب القابل لفعل النار. وهذا # المركب لا يجوز ms61 أن تكون أجزاؤه متشابهة الانفعال التحريكى عن الحار. فإن الجسم ~~المتشابه الانفعال عن تحريك قوة واحدة محركة، كالحار، هو بسيط من حيث الاستعداد ~~لذلك الانفعال. وكيف لا يكون بسيطا، ولو كان مركبا كانت أجزاؤه مختلفة فى استحقاق ~~الأماكن الطبيعية الخاصة بها. والحار إذا فرق فإنما يفرق بتحريك يحدث فى الأجزاء ~~المختلفة؛ ولا سواء قبول الخفيف والثقيل للتحريك إلى الجهات. فإذن يجب أن يكون ~~هذا المركب مختلف الاستعداد .فيكون أول ما يستحيل أجزاؤه؛ ويستحيل بالسخونة. ~~وكل جزء أسرع فيه التسخن كان أسرع إلى التصعد. فيعرض أن ينفصل بعض الأجزاء ~~إلى حيز العلو أسرع، وبعضها أبطأ، أو لا يقبل بعضها ما يتصعد به. فليس كل الأجسام PageV01P168 ~~يقبل التصعيد والتبخير بالذات. نعم قد يتفق أن يكون ما لا يقبل التصعيد مخالطا لما ~~يتصعد مخالطة شديدة، فيسبق تصعيد الحار بما يخالطه تفريقه بينهما؛ ويكون المتصعد ~~أغلب، فيصعد ذلك الآخر تبعا له. وإذا فعلت الحرارة هذا الفعل عرض أن تفاصلت ~~المختلطات ضرورة، وصار كل حيز واحد يليق به، فيجتمع فيه. فإن كانت رطبة ~~الجواهر قابلة للاتصال بسهولة كان اجتماعها اتصالا؛ وإن كانت يابسة لا تتصل بسرعة ~~كان اجتماعها حصولها فى حيز واحد، وإن لم يكن اتصالا. # على أن النار فى قوتها أن تسيل أكثر الأجسام حتى الرماد والطلق والنورة والملح ~~والحديد تسييل إذابة، وخصوصا إذا أعينت بما يزيدها اشتعالا كالكبريت والزرنيخ ~~والأملاح الحادة. # وأما ماظن من أن النار تفرق الماء فليس كذلك. فإن النار لا تفرق الماء ماء؛ ~~بل إذا أحالت جزءا منه هواء فرقت بينه وبين الماء الذى ليس من طبعه. ثم يلزم من ~~ذلك أن تختلط بذلك الهواء أجزاء مائية، فتصعد مع الهواء، ويكون مجموع ذلك بخارا. ~~على أن من الناس من ظن أن البخار هو طبيعة أخرى غير الماء والهواء وغير ~~المختلط منهما. وأما ما يتعلق به من عقد البيض فليس عقدة جمعه؛ بل هو إحالة له فى # قوامه. ثم إن النار ستفرق ذلك عن قريب، يعرف ذلك أصحاب حل التقطير. ~~وأما ms62 الذهب فإنه ليس لا يفرقه النار إذا أذابته، لأنه متشابه الجوهر، ولا لأنه ~~متشابه الانفعال، ولا لأن النار من شأنها أن لا تفرق المركبات، ولكن لأن الامتزاج PageV01P169 ~~فى جوهر الذهب والتلازم بين بسائطه شديدان جدا، فكلما مال شىء منه إلى التصعد ~~حبسه المائل إلى التحدر، فيحدث من ذلك حركة دوران وغليان، فتكون النار قد ~~أوجبت تأثيرا مختلفا. لكن هناك عائق آخر، والأمور التى تنسب إلى القوى ~~والكيفيات الطبيعية، وخصوصا العنصرية، تنسب إليها بشرط ألا يكون عائق. فإن الخفة ~~إنما يقال لها إنها تصعد بشرط ألا يكون عائق، والثقل كذلك إنما يقال له ينرل بشرط ~~أن لا يكون عائق ومانع. فكذلك المأخوذ فى حد النار من تفريق كذا، وجمع كذا. # وأما ما قيل فى حديث الفعل والانفعال فلعمرى إن الاعتبار إذا توجه نحو الأضداد ~~كانت متفاعلة، وكانت نسبة الحر إلى البرد فى الفعل والانفعال قريبة من نسبة الرطب إلى ~~اليابس فى الفعل والانفعال، وإن كان لقائل أن يقول: ليس يجب أن تكون ~~الأضداد كلها متفاعلة؛ بل من الأضداد ما يتبع أضدادا أخرى، مثل الأبيض والأسود. ~~فإن اللون الأبيض لا يحيل الأسود إلى البياض، ولا بالعكس؛ بل بالمخالطة، فتكون ~~استحالتهما تابعة لاستحالة الحال فى أضداد قبلها. # ولا يبعد أن يكون له أن يقول: يشبه أن يكون الرطب من اليابس من ذلك القبيل. ~~فإنا لم نشاهد رطبا رطب اليابس، أو يابسا يبس الرطب بالإحالة دون المخالطة؛ أما الرطب ~~فبلا، وأما اليابس فنشفا، وأما الحار والبارد فيفعل أحدهما فى الآخر بالإحالة، من غير ~~أن يتغير الجوهر فى نوعه أصلا، كما قد صححنا من إحالة الحار للبارد أنه ليس كله على ~~سبيل نفوذ ومخالطة. فيشبه أن يكون، على قول هذا القائل، أن تكون استحالة الأجسام PageV01P170 ~~البسيطة فى الرطوبة واليبوسة تابعة لاستحالة أخرى، أو لكون وفساد. ولا يكون للرطب ~~أن يحيل إلى اليبوسة من غير فساد الجوهر، أو من غير استحالة تتقدمها، ولا لليابس ~~أن يحيل إلى الرطوبة من غير فساد أو استحالة، كما للحار أن ms63 يحيل البارد، وللبارد أن ~~يحيل الحار، وغير ذلك. فإن الماء إذا صار أرضا لم يكن ذلك لاستحالة أولية فى رطوبة ~~أو يبوسة؛ بل لاستحالة الصورة الجوهرية التى تتبعها الكيفيات على ما بيناه. فيكون ~~لما استحالت الصورة الجوهرية استحال ما يتبعها، بأن فاض عن الصورة الجوهرية الحادثة ~~ضد كل ما كان فاض عن الصورة الجوهرية الفاسدة، كما أن الهواء إذا استحال ماء، فترل، ~~لم تكن الحركة المتسفلة حادثة عن ضد الحركة المتصعدة الأولى؛ بل عن الصورة المعاندة ~~للصورة الموجبة للتصعد. # وأما الماء إذا جمد، ويبس، فليس ذلك له عن يبوسة فعلت فى رطوبة؛ بل عن ~~البرد. فيكون البرد هو الذى أوجب اليبس. ويكون الحر بإزائه هو الذى يوجب ~~الترطيب والتسييل. فتكون هاتان الكيفيتان منفعلتين عن الحر والبرد، ولا تنفعل ~~إحداهما عن الأخرى انفعالا أوليا، والحر والبرد ينفعل أحدهما عن الآخر انفعالا أوليا. ~~فهذا قول، إن أراد مريد أن يدفع الشك به، عسرت مقاومته. # لكنا نسلم أن الرطب من شأنه أن يرطب اليابس، واليابس من شأنه أن ييبس ~~الرطب. ونقول بعد ذلك أولا، إلى أن نورد جوابا آخر، إن هذا النحو من الفعل ~~والانفعال لا يصلح أن يلتفت إليه فى التحديدات، وإنما تحد القوى بانفعال وانفعالات PageV01P171 ~~على غير هذا النمط، وذلك لأنا إذا أردنا أن نحد الرطب استحال أن نأخذه فى حد نفسه، ~~واستحال أيضا أن نأخذ ضده فى حده؛ وذلك لأن ضده ليس بأعرف منه، فكيف ~~نفسه؟ وإنما يجب أن يؤخذ فى الحدود والرسوم ما هو أعرف من الشىء. وأيضا إذا ~~أخذنا ضده فى حده، وكان ضده أيضا إذا حد على نحو حده، حد به، وأخذ هو فى حده - ~~نكون قد أدرنا التعريف، وعاد الأمر إلى تعريف الشىء بنفسه .مثاله إذا أردنا أن ~~نحد الحرارة، فقلنا هو الذى يسخن البارد، ونكون قد أخذنا التسخين وهو التحرير ~~الذى هو إثارة الحرارة، فى حد الحرارة، فنكون قد أخذنا الحرارة فى حد الحرارة، ~~وأخذنا أيضا البارد فى حد الحرارة. وكذلك الحال فى جانب البارد، ms64 والبارد ليس بأعرف ~~من الحر، ولا الحر من البرد. # وإذا كان قانون الحد ما ذكرناه، وكنا نجد الحرارة من حيث فعلها، أو نعرفها من ~~حيث فعلها ذلك الفعل الذى فى ضدها، فقلنا إن الحار ما يسخن البارد، واحتجنا أن ~~نقول: والبارد ما يبرد الحار، فنكون قد أخذنا الحار فى حد البارد المأخوذ فى حد ~~الحار. وهذا أمر مردود. # فبين أن نحو هذه الأفعال لا تؤخذ فى حد هذه القوى، ولا فى تعريفاتها التى تناسب ~~الحدود؛ بل إنما تنسب القوى فى حدودها إلى أفعال وانفعالات تصدر عنها يكون تفهمها ~~ليس دائرا على تفهم الحدود. فإن الحار والبارد تصدر عنهما أفعال ليست نفس ~~التسخين والتبريد، ولا دائرا عليهما. وتلك الأفعال مشهورة. PageV01P172 ~~والرطب واليابس ليسا كذلك ألبتة البتة ، ولا يتصور الرطب إلا من جهة سهولة ~~قبول الشكل، وسهولة الاتصال، وسهولة تركهما. واليابس من جهة عسر قبول الأمرين ~~وعسر الترك لهما. وهذه الأحوال منسوبة إلى الانفعال. فإن أريد أن يعرف الفعل ~~الذى لكل واحد منهما، على حسب التضاد، أو الانفعال الذى على حسب ذلك ~~إن سلم ذلك، لم يكن تعريفا حقيقيا به. # وأما الحار والبارد فإن عرفا بالانفعال المذكور، الذى يجرى بينهما، لم يكن تعريفا ~~حقيقيا؛ بل يجب أن يكون تعريفهما على النحو الذى قيل فى الحار والبارد؛ يقال لهما ~~كيفيتان فاعلتان ليس بالقياس إلى كل شىء؛ ولكن بالقياس إلى هذه الأجسام المركبة ~~المشاهدة. فإنها تفعل فيها أفعالا ظاهرة مما قيل، ولا تنفعل انفعالا إلا عن الضد. وإذا ~~قيل للرطب واليابس انفعاليان فليس بالقياس إلى كل شىء؛ بل القياس إلى هذه الأجسام ~~المشاهدة. فإنها لا تفعل فيها إلا ما ينسب إلى الفعل والانفعال التضادى، ولا تفعل فيها ~~شيئا آخر؛ بل تنفعل منها بسهولة أو عسر. # وبعد هذا، فالذى يجب أن يعتمد فى هذا شىء آخر، وهو أن قولنا كيفية انفعالية ~~يعنى بذلك الكيفية التى بها يكون الجوهر مستعدا لانفعال ما، إما على سهولة أو على ~~صعوبة. ونعنى بقولنا كيفية غير انفعالية ما ليس بها ms65 يكون هذا الاستعداد. ونعنى بالفعلية ~~الكيفية التى بها يفعل فى المستعد فعلا ما. # وأما بالجملة فإن الكيفية نفسها لا تنفعل ألبتة البتة ، ووحدها لا تفعل؛ إذ لا توجد وحدها. PageV01P173 ~~وإنما تفعل بأن تماس أو تحاذى، أو يكون لها النسبة [فى النصبة] التى بها يصح الفعل. # ثم الحرارة والبرودة ليستا من الكيفيات التى بها يستعد الجوهر لانفعال ما، خصوصا ~~ما أورد فى الشك. وذلك لأن الحر ليس استعداد للبرد لأنه حار، كيف والبرد يبطل ~~الحر؟ وما دام هو حارا فيمتنع أن يصير باردا. فالحر يمنع وجود البرد، لا أن يعد له المادة؛ ~~بل المادة مستعدة بنفسها لقبول البرد المعدوم فيها. لكنه يتفق أن يقارن تلك الحالة ~~وجود الحر الذى يضاد البرد، ويمانعه، ويستحيل وجوده معه. # وكذلك حال الرطوبة عند اليبس. وليست الرطوبة انفعالية؛ لأن الرطب قد ينفعل ~~إلى اليبس، وهو رطب؛ بل بأن تزول رطوبته. وهذا النمط لا يجعل الكيفية انفعالية؛ ~~بل نحو النمط الذى للرطوبة فى قبول جسمها التشكيل والتوصيل بسهولة. فإن الجوهر ~~يقبل بالرطوبة هذا التأثير، وهو رطب، ويبقى له ذلك ما بقيت الرطوبة. # ومع ذلك، فإن اليابس والرطب موضوعان للحر والبرد، ويفعل كل واحد منهما ~~فيه فعلا تابعا للتسخين والتبريد. والرطب واليابس لا يفعلان فى الحار والبارد شيئا ~~إلا بالعرض، مثل الخنق المنسوب إلى الرطوبة. والخنق هو إما على وجه يضطر الحار ~~إلى هيئة من الاجتماع والتشكل مضادة لمقتضى طبيعته، إذا كانت يابسة، فلا يجيب PageV01P174 ~~إلا إذا بطلت، وإما على سبيل أن لا ينفعل الرطب لكثرته إذا قوبلت بالقوة ~~المحيلة، فلا يستحيل إلى مادة تحفظ الحار، فلا يتولد حار بعد. وإذا انفصل الحاصل ~~من الحار، صاعدا، لم يكن مدد يحفظ اتصاله، كما يعرض عند كثرة دهن السراج. ~~وهذا فى المركبات .وإذا شئت أن تتحقق فعلية الحار والبارد، ولا فعلية الرطب ~~واليابس، فانظر ما يعتريك من ملامسة الطبيعتين. PageV01P175 ### | الفصل الثانى عشر فصل فى حل قطعة أخرى من هذه الشكوك # وأما الشك، الذى أورد بعد هذا، فالجواب عنه أن إيجابنا ms66 وجود عناصر أربعة ~~ليس المعول فيه كله على القسمة؛ بل على قسمة يتبعها وجود. فإن الشىء إذا أورده العقل ~~فى القسمة، ثم دل عليه الوجود، لم يكن أظهر منه. # وقد وجدنا الحر والبرد يلائمان الكيفيتين المنفعلتين، ليس إنما يلائم الواحد ~~منهما الرطوبة دون اليبوسة، أو اليبوسة دون الرطوبة.فقد رأينا اليابس يسخن، ~~ورأيناه يبرد. وكذلك رأينا الجسم الرطب يسخن، ورأيناه يبرد. فلم يكن اجتماع البرد ~~مع الرطوبة واليبوسة، أو اجتماع الحر مع الرطوبة واليبوسة، مستنكرا، فى العقل المفطور، ~~وفى الوجود المحسوس، إذا كانت المادة تحتمل ذلك، وكانت ازدواجات ممكنة فى الوجود. # وأما حديث التكثير بازدواجات تقع من مفرط ومعتدل، فنقول فى جوابه إن ~~المادة البسيطة، إذا كانت قوة مسخنة، وكان من شأنها أن تقبل السخونة، ~~فمن المحال أن لا تسخن السخونة التى فى طباعها أن تقبلها إلا لعائق. وذلك لأن ~~من شأن المسخن، إذا بقى ما ليس فيه سخونة، وهو يقبلها، أن تحدث فيه سخونة. ~~والسخونة مسخنة؛ إذ من شأن السخونة، إذا لاقت مادة، أن تحدث فيها سخونة PageV01P176 ~~أخرى. فكيف إذا كانت فى نفس المادة واحتملت سخونة أخرى؟ فهذه القوة ~~المسخنة، إذا أحدثت حدا من السخونة، فبعد ذلك إذا لم تفد سخونة، والسخونة ~~الموجودة أيضا فى المادة إذا لم تفد سخونة بعد التى أفادت، فإما لأصل أن طباعها ليس ~~تفيد السخونة فى القابل إلا وقتا ما، ويحال ما، وقد فرضنا القوة مسخنة بطباعها، وكذلك ~~السخونة الحاصلة منها التى تحدث عنها سخونة فيما يلاقيها؛ وإما لأن المادة لا تقبل، وقد ~~فرضنا أنها تقبل أكثر من الحد الموجود فى الفاتر والمعتدل؛ بل نحسها كذلك. وإذا ~~كانت حارة كان إمعانها فى التسخين، عند وجود ما بوجوده تكون السخونة، أولى منها ~~إذا كانت باردة؛ وأما لعائق. ونحن لا نمنع ذلك. إنما نتكلم على مقتضى الطباع. فإن ~~القوة المبردة فى الماء يجوز أن تعاق فى التبريد أصلا، فضلا عن أن يبالغ فى التبريد؛ فربما ~~كان العائق داخلا، وربما كان خارجا. فإذ لا عائق، ولا امتناع قبول ms67 فى المادة عن أن ~~تسخن زيادة سخونة عن تلك القوة بعينها، وعن السخونة الحادثة فيها إلى الغاية التى ~~من شأنها أن تبلغها حادئا فيها السخونة عن السخونة التى لا حائل بينها وبينها، التى هى ~~أولى أن تحدث فيها سخونة من سخونة خارجة قائمة فاعلة فى جسم ملاق إحداث الميل ~~الطبيعى للميل بعد الميل، على سبيل الحتمية، كما قد عرفته - فواجب أن يكون الأمر ~~فيها بالغا الغاية. وليس هذا، كما يعلم، من حال القوة المصعدة للنار الصغيرة فإنها ~~لا تبلغ الغاية الممكنة فى الإسراع. فإن ذلك لعائق من خارج، وهو ما فيه الحركة؛ فإنه ~~يمتنع عن الانحراق له، ويقاومه، فلا يقدر مثل تلك القوة أن تحرق فوق ذلك. PageV01P177 ~~فيغرض فى فعله من العائق قصور لا يعرض لما هو أكثر وأقل قبولا للمقاومة. ولو لم ~~تكن مقاومته من جهة المتوسط لكانت الحركات كلها متشابهة، كما مر لك فى مواضع ~~أخرى. # وكذلك لو لم تكن فى الماء مقاومة للتسخن لكان يسخن بلا فتور غاية السخونة ~~عند لقاء المسخن. # فيجب من هذا أنه إذا لم يكن مانع كانت المواد المتسخنة عن القوة المسخنة الموجودة ~~فيها تتسخن على السوية. فإذا كان بعض الأسطقسات لا يبلغ فى التسخن الطبيعى ~~عن طبيعته، وليس عائق من خارج، فهناك عائق من أمر فيه عن طبعه. وليس يجوز ~~أن تكون الطبيعة وحدهما عائقة، وموجبة أن يكون بوساطة أمر آخر يفيض ~~عنها. فتكون القوة، إذا كان من شأنها أن تسخن وترطب معا عاقت الرطوبة المادة ~~عن أن تقبل السخونة عن تلك القوة ألى غاية الحد؛ بل قعدت بها وكانت المادة لا تبقى ~~رطبة إذا أفرط فيها الحر، فتكون الرطوبة التى تفيض عن القوة تجعل للمادة حدا ~~محدودا فى استعداد قبول الحرارة. # ولقائل أن يقول إن المادة، وإن كانت مستعدة، فإنها لا تخرج إلى الفعل إلا عن ~~قوى تقوى على إخراجها إلى الفعل. فإن المتوسط مستعد أيضا للانحراق الأشد. والماء ~~مستعد للتسخن الأشد، ولا كيفية ذلك ما لم يكن قوة تقوى عليه، ms68 لأنه مستعد لأمر PageV01P178 ~~عن علة فاعلة ذات قوة محدودة. فإذا كانت القوة ليس لها أن تسخن أكثر من حد، ~~أو يحرق أكثر من حد، لم يكف استعداد المادة. # فنقول: إن تصور ما قلناه، على الحقيقة، يغنى عن إيراد هذا الشك؛ وذلك لأن ~~القوة إذا كان من شأنها أن تسخن، ووجد القابل المستعد بلا معاوقة، استحال ~~أن لا يسخن، وأن لا يقوى على أن لا يسخن. فهذه القوة، بعد أن وجدت منها السخونة، ~~لم يبطل عنها أنها توجد السخونة فى القابل للتسخن عنها كل وقت. ووجود ما وجد من ~~السخونة المقدرة عنها لا يمنع القابل عن أن يكون قابلا للسخونة. وكذلك السخونة ~~الموجودة فيها من شأنها أن توجد السخونة فى أى مادة لاقتها قابلة للسخونة ~~ولا مانع لها. # فإذا كانت المادة الخارجة تسخن عن تلك السخونة فالمادة الملاقية أولى لا محالة. ~~فيجب أن يحدث عن القوة فى المادة، بعدما حدث من السخونة، سخونة زايدة، فى ~~طباعها أن تقبلها، وفى طباع القوة والسخونة أن تحدثها، لا من حيث هى زيادة أولية، ~~بل من حيث هى سخونة ..فإن تلك الزيادة سخونة، لا شىء آخر، كما أن لو سخنا ~~آخر انضاف إليه لكان يفيد سخونة. # والقوة والسخونة من شأنها أن توجد السخونة كل وقت لذاتها، لا لسبب إن كان ~~عنها سخونة أو لم يكن. والسخونة التى وجدت عنها لا تمنع أن تفيض عنها أيضا ~~السخونة فى طبعها. ذلك والتأخر إلى وقت ثان، على سبيل الوقوف، لا معنى له. فإن PageV01P179 ~~فى الزمان الذى بينهما لم يكن عائق زال، فيجب أن يحدث ذلك بلا تأخير ~~يفعله وقوف. # وليس حال الحرق كذلك. فإن الحرق وجوده أن يكون شيئا بعد شىء؛ إذ لا قرار ~~للحركة، ولا لما يجرى مجرى الحركة. ثم النحرق، وإن كان قابلا بمادته فهو مقاوم بصورته ~~مقاومة شديدة أو غير شديدة .ولهذا لا ينحرق الماء والهواء عن الشوط إذا رام إسراع ~~الحرق وترك طريق الرفق، لأنه يقبل قليلا قليلا لما فيه من المقاومة وتسخين الماء ms69 إنما ~~يكون شيئا بعد شىء؛ لأن فى أول الملاقاة يكون الماء باردا، والبرد يمنع استعداد المادة ~~للضد مادام ثابتا، فيحدث أولا فى زمان تفرضه أولا حرارة ما بقدر الاستعداد المعوق. ~~ثم يكون الفاعل، بعد ذلك، حرارة من خارج وحرارة فى الماء يتعاونان على الإحالة. ~~ويكون البرد المعاوق أقل، فيكون فى الزمان الثانى يستحيل أسرع وأشد؛ وذلك لأن ~~حال الفاعل والقابل معا فى الزمانين مختلفان. # وليس هكذا الحال فى مسألتنا نحن. على أننا لا نناقش فى أن يستمر ازدياد ~~التسخن فى مادة الهواء عن القوة وعن السخونة الحاصلة فى زمان على الاتصال. ولكن ~~ذلك أيضا غير موجود. # وقول القائل إن السخونة تسخن إلى حد ما لا يقوى على أكثر من ذلك، وأن ~~كان ممكنا فى الوجود وفى طباع المادة، قول لا يلتفت إليه. فإن ذلك إنما يكون إذا ~~قيس إلى مقاوم. وأما إذا لم يكن مقاوم فهذا القول محال؛ لأنه إذا حدثت فيه سخونة PageV01P180 ~~لم تكن عائقة عن أن حدث عنه أخرى إلى أن يستوفى الحد الذى فى قوة المادة قبوله، ~~إذا لم يكن مانع، وهو الحد الذى للنار مثلا، فلا يكون هناك تحدد دون النهاية البالغة. # وإذا قد بينا هذا فبالحرى أن نعود إلى مسألتنا فنقول: # قد بان أن بعض الأجسام البسيطة، إذا كانت فيه قوة تسخن وترطب بالطبع، ~~وكان فى جسم آخر أيضا مثلها، لم يجز أن يكون أحد الجسمين حارا رطبا على حد، ~~والآخر أقل فى أحدهما أو كليهما، أو أكثر؛ بل يجب أن لا يتشابها فى ذلك إلا لعائق ~~فإن لم يتشابها، ولا عائق من خارج، فإنما يجوز أن لا يتشابها فى كيفية واحدة حين ~~لا يكون هناك عائق من خارج إلا لعوق من الكيفية الثانية، فيكون العائق وجود ~~الكيفية الثانية التى تفيض عن تلك القوة بعينها. فإنها تمنع المادة منعا ما، وتعاوقها ~~عن الاستكمال، وتنقص الاستعداد النقص المنسوب إلى المعاقة، فتصير لها المادة ~~غير قابلة إلا بشدة وعسر، وإن كانت الطبيعة فاعلة. # لكن لقائل أن يقول: ms70 إن العوق أيضا يجب أن يبلغ الغاية، [أولا يكون ~~أصلا، فإن نسبة العوق إلى القوة والمادة نسبة التسخين إليهما، وكما أن التسخين يبلغ الغاية ~~إذا لم يكن عوق، كذلك العوق يجب أن يبلغ الغاية]: # فنقول: نعم إذا لم يكن للعوق عائق. وإما القوة المسخنة فمعاوقة للعوق، فلا تبلغ ~~الحد الأقصى. # وإذا كان كذلك انحل الشك المذكور. PageV01P181 # ولقائل أن يقول: إنه كيف يمكن أن ينبعث عن مبدأ واحد قوتان تعاوق إحداهما ~~الأخرى، وتتقابلان وتتنازعان، والمادة واحدة غير مختلفة؟ # فنقول: إن ذلك ليس على سبيل المقابلة؛ بل على سبيل تقدير استعداد المادة، ~~ومعنى العوق هو هذا المعنى، وهو أن وجوده يجعل المادة محدودة الاستعداد. وذلك ~~لأن الحرارة، إذا أخذت مرة صرفة، ومرة متوسطة، فلأن إحداهما تكون مع يبوسة، ~~والأخرى مع الرطوبة. وكذلك البرودة. فحينئذ تعود الأقسام إلى الأربع. PageV01P182 ### | الفصل الثالث عشر فصل فى حل باقى الشكوك # وأما الشك المذكور فى التماس البيان لإثبات كون النار مفارقة للهواء، لا بأنها أشد ~~منه سخونة، وهى من طبعه؛ بل بالفصل الذاتى، فقد فرغ من ذلك. # وبين أن هناك مكانا لجسم طبيعى غير الهواء وإنه حار. # وأما ما أخذ فى التشكك كالمتسلم من فتور النار البسيطة فأمر لا يقول به إلا المقصر ~~فى الصناعة .فلذلك لا يلزم إلا من قال إن المركب أقوى من البسيط فى الكيفية. # على أن يقال أن يقول متأولا: إن المركب قد يعرض له أن يكون أقوى من ~~البسيط فى الكيفية، إذا كانت هناك أسباب أخرى. توجب الازدياد فى الكيفية غير ~~الذى فى الطبع، فيتظاهر الطبع والوارد والمرفد إياه على تقوية الكيفية، وإن كان هذا ~~القول ربما لم يلتفت إليه. # وأما ما سئل عن أمر النار التى هناك، أعنى عند الفلك، وهل السخونة أمر ~~يعرض لها من حركة الفلك، وهى فى نفسها غير حارة، أم هى فى نفسها حارة ~~فى طبيعتها؟ فقول: PageV01P183 # إنه لا يمتنع أن يكون التحريك يسخن ما ليس بسخين فى طبيعته وتكون مع ذلك، ~~طبيعته الذاتية محفوظة، ويكون ما ms71 تغير المتسخن إلا فى السخونة. ولا يمتنع أن يكون ~~التحريك يحيل طبيعة المتحرك إلى الصورة النارية ابتداء، لو وجد خاليا عنها، أو يكون ~~التحريك سبب دوامها مدة وجودها، مثل الحك المشعل. فإنه لشدة التسخين يعد المادة ~~لقبول الصورة النارية، ويعاوق الاستعداد المقابل له فيكون الحك سببا، بوجه ما، ~~للصورة النارية، لا لتسخن أول شىء له طبيعة قائمة غير موجبة للسخونة. وإنما يسخن ~~من خارج فقط بل لإفادة الطبيعة التى هى مبدأ السخونة بنفسها، حتى لو توهم ~~الحك زائلا، والتحريك باطلا، بقى الجسم على الصورة النارية، إلا أن يرد شىء مفسد ~~للصورة النارية مقاوم لها. ولو كانت هذه النسبة من المحاكة والتحريك دائمة لكان ~~وجوب لبس الصورة النارية دائما. # فالمادة التى هناك ملبسة صورة النارية بمعاضدة من حركة الفلك، ولا مضادة ~~فى طباعها لذلك. ولو كان فى طبيعة ذلك الجسم شىء مضاد لذلك لكان التحريك ~~الذى هناك يبطل تلك الطبيعة المضادة بفرط التسخن الذى هناك. هذا إن كان التحريك ~~مسخنا، وإن لم يكن مسخنا فالشبهة زائلة من كل وجه؛ إذ كانت الشبهة فى أن ذلك ~~الجوهر الذى هناك، إذ قد عرض له التسخن من خارج، فليس ذلك له طبيعيا. ~~وذلك لأنه عرض له الحك فسخنه. والحك عرضى فالسخونة عرضية. # فالمجيب عن ذلك يقول: # إن السبب الخارج العارض قد يكون سببا لصورة طبيعية يتنوع بها المادة. PageV01P184 ~~ويتضح هذا فضل إيضاح فى الصناعة الحكمية الإلهية. ونعم ما أوجبت العناية ~~الإلهية إسكان النار فى حيز الحركة، وإلا لكان كل ما نتوهمه أنه يحصل هناك، ~~مما ليس بنار من الأجسام العنصرية ينقلب نارا فيتحرك إلى حيز النار الأخرى، ~~إن لم يكن حيزه تلك المجاورة، ويعقبه غيره. فلا تزال النارية تتضاعف حتى ~~تفسد ما ليس بنار. # وأما التشكك المبنى على أن الحار ما باله يصعد قبل استحالة صورته الطبيعية، ~~كما يصعد البخار والدخان. والبارد لا يفعل ذلك، فقد يمكن أن يجاب عنه بوجوه ~~من الأجوبة: # من ذلك أن الحار، فى الجملة، أقوى من البارد. ولذلك مالا ms72 يطاق النار. ~~والماء والجمد لا يبلغ واحد منهما من برده الطبيعى أن لا يطاق، وقد يبلغ ذلك من ~~حره العرضى، فكيف الشىء الذى فى طبيعته حار! فيشبه أن يكون الحار لقوته ~~يغلب مقتضى جوهر الشىء وطبيعته، ولا يقدر عليه البارد؛ أو يشبه أن يكون ~~البرد يهبط أيضا ما يعرض له، وإن لم يحل المعروض له عن جوهره، ولم يغيره، ~~كما إذا استحال الهواء ضبابا عن برد فانحدر، وهو بعد ضباب. فلا يبعد أن يقال ~~إن الضباب هواء قد برد، ومال إلى أسفل، ولم تبطل صورته الذاتية، كما لم تبطل ~~صورة الماء فى الجمد، أو يكون الشىء البارد الذى يتصعد بالتسخين هو أرض وماء ~~قد يقبلان حرا أشد من حر الهواء، ولا يكونان قد فسدا فسادا تاما. فيظهر صعودهما ~~فى الهواء، ومجاورتهما إياه. PageV01P185 # ولعل الهواء والنار ليسا يقبلان من البرد ما يصيران به أبرد من الماء، حتى يريا ~~نافذين فى الماء هبوطا. ولعل ما يبرد من النار يعرض له أن ينحدر من حيزه إلى حيز ~~الهواء .لكنه إذا انحدر لم يكن ذلك محسوسا؛ لأن النار البسيطة غير محسوسة. # ولعل الضباب هواء متبرد متكاثف، لكنه ليس مستحيلا بعد إلى المائية. # وأيضا فلقائل أن يقول إن البخار والدخان يصعدان على سبيل مرافقة النارية ~~وبالقسر على ما قلنا قبل. # وبالجملة إن صعدا بالمرافقة لم يلزم السؤال، وإن صعدا، لا بالمرافقة؛ بل للاستحالة ~~فى الكيفية فقط، فالفرق ما قيل. # *** # وأما الشك المبنى على استحالة أن يكون ما تحت الفلك طبيعة واحدة، وإنما يختلف ~~بالأعراض، فيبطله وجود الحركات الطبيعية متضادة لوجود المركز والمحيط. والجسم ~~المتشاكل الطبيعية النوعية لا تختلف حركاته الطبيعية؛ إذا لا تختلف قواه الأصلية. # وأما ما تظن أن الكون يبرد الحركة؛ إذ الحركة تسخن فذلك باطل. فإنا قد بينا ~~أن السكون عدم الحركة، وعدم العلة علة لعدم المعلول، لا لضد مقابل له، فإن الحركة ~~إذا كانت توجب حرارة، كان لا يكون حركة هو أن لا توجد حرارة. # وأما أن توجد برودة، فيحتاج إلى علة، ms73 فيشبه أن يكون الجسم الساكن البعيد PageV01P186 ~~من الحركة قوى الاستعداد لقبول القوة المبرزة من الأشياء الكاسية للمواد صورها، ~~ويكون ضعيف الاستعداد لقبول الطبيعة المسخنة، بل يحتاج إلى معاون من حرارة مماسة ~~أو حركة، حتى يستعد، فينال من واهب الصور ما يستعد له. وسنطنب فى هذا حين ~~نتكلم فى الفلسفة الأولى. # *** # وأما الشبهة المبينة على حال اللمس فيجب أن نقدم لحلها مقدمة، ونقول: إن قولنا ~~إن الرطوبة سهلة القبول والترك هو على سبيل التجور. فإن السهل والصعب يكاد أن ~~يكون من المضاف. وليست الرطوبة من المضاف. # ولكن يجب أن نعلم أن الرطب هو لا مانع له، فى طباعه، ألبتة البتة عن قبول الشكل ~~والانحصار والاتصال؛ وعن رفضه، مع زوال القاسر راجعا إلى الجهة التى له أن يتحرك ~~إليها، والشكل الذى له أن يتشكل بالطبع به. # واليابس هو الذى فى طباعه ممانع، إلا أن فى طباعه إمكان قبول ذلك عند تكلف ~~بجشمه القاسر إياه، فتكون نسبة الرطوبة، من هذا الوجه، ومن حيث هى هكذا، ~~إلى اليبوسة قريبا من نسبة الأمر العدمى إلى الأمر الوجودى. فيكون الإحساس ~~بالرطوبة ليس إلا أن لا يرى مانع ومقاوم.وباليبوسة أن يرى مانع ومقاوم. # فالرطوبة وحدها لا تثبت عند الحس من جهة اللمس وحده جسما، واليبوسة ~~تثبت ذلك. PageV01P187 # وإذا نسبنا أحد الطرفين إلى الحس بالذات كفانا أمر مقابله العدمى فى أمر المزاوجة ~~بل لو وجدنا بالحس اللمسى كيفيتين لتمت المزاوجة الرباعية من مضادتين وبين ~~قنية وعدم. # فليكن هذا مبلغ ما نقوله فى حل الشكوك المذكورة على الاختصار. PageV01P188 ### | الفصل الرابع عشر فصل فى انفعالات العناصر بعضها من بعض، واستحالاتها فى حال البساطة وفى حال التركيب، وكيفية تصرفها تحت تأثير الأجسام العالية # فقد تبين مما سلف أن العناصر للكائنات الفاسدات أربعة لا غير. وإذا ~~اعتبر المعتبر صادف النبات والحيوانات المتكونة فى حيز الأرض مستمدة من ~~الأرض ومن الماء ومن الهواء، ووجودها يتم باتحاد المنضج. فالأرض تفيد الكائن ~~تماسكا وحفظا لما يفاد من التشكيل والتخليق؛ والماء يفيد الكائن سهولة قبول للتخليق ms74 ~~والتشكيل، ويستمسك جوهر الماء بعد سيلانه بمخالطة الأرض، ويستمسك جوهر الأرض ~~عن تشتته لمخالطة الماء، والهواء والنار يكسران عنصرية هذين ويفيدانهما اعتدال ~~الامتزاج. والهواء يخلخل ويفيد وجود المنافذ والمسام، والنار تنضج وتطبخ وتجمع. # وهذه الأربعة قد ظهر أنها يتكون بعضها من بعض، وأن لها عنصرا مشتركا، ~~وإن ذلك بالحقيقة هو العنصر الأول. ومع ذلك فإن تكون بعض منها من بعض أسهل، ~~وتكون بعض منها من بعض أعسر، وتكون لبعض منها من بعض وسط. PageV01P189 # فأما السهل فاستحالة عنصر إلى مشاركة فى إحدى الكيفيتين وهو فيها ضعيف، ~~مثل استحالة الهواء إلى الماء. فإن الهواء يشارك الماء فى كيفية الحرارة، وكيفية الحرارة ~~فيه ضعيفة،والبرد فى الماء قوى. فإذا قوى عليه الماء، وحاول أن يحيله باردا فى طعمه، ~~انفعل سهلا، وبقيت رطوبته، وكان ماء، ليس لأن استحالته فى الكيفية هى كونه ~~ماء؛ بل يستحيل، مع ذلك، فى صورته التى شرحنا أمرها.وصورته أشد إذعانا للزوال ~~عن مادته إلى الصورة المائية من صورة النار. # وأما العسر فأن يحتاج المتكون إلى استحالة الكيفيتين جميعا فى طبعه. وأما الوسط ~~فيحتاج إلى استحالة كيفية واحدة فقط، لكنها قوية مثل ما تحتاج إليه الأرض ~~فى استحالتها إلى النارية، والماء فى استحالته إلى الهوائية. # ولكل واحد من هذه العناصر عرض فى قبوله الزيادة والنقصان فى كيفيته. ~~فإنه قد يزيد فى كيفيته الطبيعية أو العرضية وينقص، وهو حافظ بعد لصورته ونوعه. ~~لكن للزيادة والنقصان فى ذلك طرفان محدودان، إذ جاوزهما بطل عن المادة التهيؤ التام ~~لصورته، واستعدت استعدادا تاما لصورة أخرى. ومن شأن المادة إذا استعدت ~~استعدادا تاما لصورة أن تفاض تلك الصورة عليها من عند واهب الصور للمواد ~~فتقبلها. وبسبب ذلك ما يتخصص المواد المتشابهة فى أنها ماد لصور مختلفة، وذلك ~~من عند واهب الصور. PageV01P190 # ويجب أن نعلم أن القوة شىء، وأن الاستعداد التام شىء آخر. والمادة فيها جميع ~~الأضداد بالقوة، لكنها تختص بواحد من الأضداد، من جملة الأمور المختلفة بما يحدث ~~فيها من استعداد تام يخصصه fiا أمر. فإن المحكوك ms75 والمحرك معد لقبول الحرارة إعدادا ~~خاصا، وإن كان أيضا فى طبعه قابلا للبرودة. # وليس هذا للعناصر وحدها؛ بل للمتكونات أيضا، ولكل واحد منها مزاج. ~~ومزاجه يقبل الزيادة والنقصان إلى حد ما محصور العرض بين طرفين. وإذا جاوز ذلك ~~بطل استعداده لملابسته لصورته. # وهذه المركبات تختلف أمزجتها لاختلافها فى مقادير العناصر فيها: # فمن الكائنات ما الأرضية فيه غالبة، وهى جميع ما ترسب فى الهواء والماء من المعدنيات ~~والنبات والحيوان. وقد يجوز ألا يرسب بعض ما الأرضية فيه غالية. فإنه يجوز أن ~~تكون الأرضية غالبة لمفرد أسطقس وليس غالبا لمجموع أسطقسين خفيفين. # ومنها ما المائية فيه غالبة. ومنها ما الهوائية. ويعسر امتحان ذلك من جهة الطفو ~~والرسوب. وذلك لأن الجسم، وإن كانت المائية فيه غالية، وفيه هواء ونار قليل ~~فهو، لا محالة، لا يكون بسبب مائيته أثقل من الماء، حتى يرسب فيه، إلا أن تكون # أرضيته كثيرة تزيد ثقلا على مائيته: ~~ومنه ما النارية فيه غالبة. وهذا جميع ما يعلو فى الجو. وقد يجوز أن يكون فيه ~~ما لا يعلو لنظير ما قلناه فى الغالب فيه الأرضية. وهذه الغلبة قد تكون بالفعل، PageV01P191 ~~وقد تكون بالقوة. والذى بالقوة فهو الذى، إذا فعل فيه الحار الغريزى من أبدان ~~الحيوان؛ استحال إلى غلبة بعض الأسطقسات. # ولهذه الأسطقسات غلبة فى المركب من وجهين: أحدهما بالكم والآخر بالكيف ~~والقوة. وربما كان أسطقس مغلوبا فى الكمية، لكنه قوى فى الكيفية، وربما كان ~~بالعكس. ويشبه أن يكون الغالب فى الكم يغلب فى الميل لا محالة، وإن كان ~~قد لا يغلب فى الكيف الفعلى والانفعالى. فإن الميل، عندما يلزم من الصورة، ~~يكون شديد اللزوم للصورة أشد من لزوم الكيف الفعلى والانفعالى. وإن لم يكن دائم ~~اللزوم للصورة فإنه قد يبطل إذا عرض إذا عرض عائق قوى. # والممتزج فكثيرا ما يعرض له من الأسباب الخارجة أن يغلب من أسطقساته ما ليس ~~بغالب. فإنها ذا عادنت كيفية غير الغالب، حتى قوى، غلب، وأحال الآخر إلى ~~مشابهته، فظهر سلطانه. # فنقول الآن: إن الكون ms76 والفساد والاستحالة أمور مبتدأة، ولكل مبتدأة سبب ~~ولابد، على ما أوضحناه فى الفنون الماضية، من حركة مكانية.فالحركة المكانية هى مقربة ~~الأسباب ومبعدتها، ومقوية الكيفيات ومضعفها. ومبادىء الحركات كلها، كما وضح، ~~من المستديرة. # فالحركات المستديرة السماوية المقربة لقوى الأجرام العالية والمبعدتها هى أسباب ~~أولى إلى الكون والفساد. وعوداتها، لا محالة، أسباب لعود أدوار الكون والفساد. ~~والحركة الحافظة لنظام الأدوار والعودات، الواصلة بينها، والمسرعة بما لو ترك لأبطأ PageV01P192 ~~ولم يعدل تأثيره، هى الحركة الأولى. ونشرح هذا المعنى فنقول: # إنه لو لم يكن للكواكب حركة فى الميل لكان التأثير يختص ببقعة واحدة على جهة ~~واحدة،فيخلو ما يبعد عنها، ويتشابه فيها ما يقرب منها. فيكون السلطان هناك لكيفية ~~واحدة يوجبها ذلك الكوكب؛ فإن كانت حارة أفنت مواد الرطوبات، وأحالت الأجسام ~~التى تحاذيها الكواكب إلى النارية فقط، ولم يكن مزاج به تتكون الكائنات الهوائية، ~~ولم يثبت شىء من النباتية ثباتا يعتد به؛ بل صار حظ ما يحاذيه الكوكب فى الغالب ~~كيفية، وحظ ما لا يحاذيه فى الغالب كيفية مضادة لها، وحظ المتوسط فى الغالب كيفية ~~متوسطة. فيكون فى موضع ميل صيف شديد دائم، وفى آخر ميل شتاء شديد دائم، وفى آخر ~~ربيع دائم أو خريف دائم. وفى ميل الربيع والخريف لا يتم النضج، وفى الشتاء تكون ~~النهوة النهوءة ، وفى دوام الصيف الاحتراق. # وعلى هذا، فيجب أن تعتبر حال الكيفيات الأخرى، والقوى الأخرى: # ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك حركته البطيئة بميل، ~~أو بغير ميل، لكان الميل قليل الغناء والتأثير، شديد الإفراط لا يتدارك بالضد ~~المخالط، وكان التأثير مقيما فى بقعة صغيرة مدة طويلة لا يدور فى البقاع كلها، إلا فى مدد ~~متراخية، وكان يعرض أيضا قريب مما يعرض، لو لم يكن مثل ما ذكرناه. # وكذلك لو كانت الكواكب تتحرك بنفسها الحركة السريعة من غير ميل عرض ما قيل؛ ~~وإن كانت السرعة مع ميل عرض ذلك أيضا، وكان مدار الميل وما يقرب منه وما يبعد ~~بالصفات المذكورة. فوجب أن يكون ميل تحفظه حركة غريبة ms77 مدة ما، ثم تزيله إلى جهة PageV01P193 ~~أخرى بقدر الحاجة فى كل جهة. فوجب أن يبطىء المائل فى جهة ميله، حتى يبقى، ~~فى كل برهة، ليتم بذلك تأثيره، وأن يتكرر على المدار، مع ذلك، ليتشابه فعله ~~فى جميع الجهة التى هو مائل إليها، ولا يفرط تأثيره فى بقعة يقيم عليها. وبالجملة ليكون ~~جميع الجهة ينال منه التأثير نيلا معتدلا غير مفسد، ولا يزال كذلك إلى تمام الحاجة. # وذلك إنما يتم بحركة أخرى سريعة ضرورة. فجعل لذى الميل حركة بطيئة، وجعلت ~~له حركة أخرى تابعة لحركة سريعة، حتى يوجد الغرضان. # واعتبر هذا من الشمس. فإن الشمس تميل بحركتها إلى الشمال، فتبقى مدة فى تلك ~~الجهة، لا دائمة على سمت واحد، بل متكررة اتباعا للحركة الأولى .فإنها إن بقيت ~~دائما أفسدت، كما لو دام هجيرها، ولقصر أيضا فعلها وتأثيرها عن جميع الأقاليم ~~الأخرى. فلما جعل لها ذلك التكرر صار للشمس أن تحرك المواد إلى غذو النبات ~~والحيوانات، حتى إذا فعلت فعلها فى الشمال، وجذبت المواد الكامنة فى الأرض زالت ~~إلى الجنوب، قبل أن تفسد بالإحراق والتجفيف، ففعلت هناك فعلها ههنا، وبرد، وجه ~~الأرض ههنا، فاحتقنت الرطوبات، واجتمعت فى باطن الأرض، كأنها تخزن وتعد لعود ~~الشمس مرة أخرى لتنفق على النبات والحيوانات نفقة بالقسط. وبين الأمرين تدريج ~~ربيع وخريف، لئلا ينتقل من إفراط إلى إفراط دفعة، وليكون الفعل مدرجا فيه. ~~فسبحان الخالق المدير بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية. # وبالحرى أن يلحق بهذا القول فى الأدوار والآجال. PageV01P194 ### | الفصل الخامس عشر فصل فى أدوار الكون والفساد # من الكائنات ما يكفى فى تكونه جزء دورة واحدة. وربما كانت مدته متمة تلك ~~الدورة فما دونهما، كضرب من الحيوانات القرقسية والنبات الزغبى، فيكون فى يوم ~~واحد، وفسد فيه. # ومن الكائنات ما يحتاج، فى تكونه، إلى أدوار من الفلك، ومنها ما يحتاج ~~إلى عودات جملة جملة من أدوار، حتى يتم تكونها، وكل كائن، كما ظهر، فاسد، ~~وله مدة ينشو فيها، ومدة يقف فيها، ومدة يضمحل وينتهى إلى أجله. # ولا يمكننا ms78 أن نقول قولا كليا فى نسب هذه المدد بعضها إلى بعض .فهى مختلفة ~~لا تضبط. ومن رام حصر ذلك صعب عليه. والذى سمعنا فيه لم يقنعنا، فلعنا لم نفهمه ~~حق الفهم؛ وعسى أن يكون غيرنا يفهمه على وجهه. # ولكل كائن أصل يستحقه بقوته المدبرة لبدنه. فإنها قوة جسمية متناهية بتناهى ~~فعلها ضرورة. ولو كانت غير متناهية لكانت المادة لا تحفظ الرطوبة، إلا إلى أجل ~~لأسباب محللة للرطوبة خارجة وباطنة، وأسباب عائقة عن الاعتياض مما يتحلل. ولكل PageV01P195 ~~قوة من قوى البدن، ولكل مادة، حد يقتضيه كل واحد منهما، ولا يحتمل مجاوزته، # وذلك إن جرت أسبابها على ما ينبغى، هو الأجل الطبيعى. ~~وقد تعرض أسباب أخرى من حصول المفسد أو فقدان النافع المعين، فيعرض لتلك ~~القوة أن تقصر فى فعلها عن الأمد. فمن الآجال طبيعة، ومنها اخترامية، وكل بقدر. # وجميع الأحوال الأرضية منوطة بالحركات السماوية، وحتى الاختيارات والإرادات ~~فإنها، لا محالة أمور تحدث بعد ما لم تكن. ولكل حادث بعدما لم يكن علة وسبب ~~حادث. وينتهى ذلك إلى الحركة؛ ومن الحركات إلى الحركة المستديرة. # فقد فرغ من إيضاح هذا. فاختياراتنا أيضا تابعة للحركات السماوية. والحركات ~~والسكونات الأرضية المتوافية على اطراد متسق، تكون دواعى إلى القصد وبواعث ~~عليه، وهذا هو القدر الذى أوجبه القضاء. # والقضاء هو الفعل الأولى الإلهى الواحد المستعلى على الكل الذى منه ينشعب ~~المقدرات. وإذا كان كذلك، فالحرى لأن يشكل على الناظرين أمر العود، وأنه هل ~~يجب، إذا عاد إلى فلك شكل بعينه كما كان، أن تعود الأمور الأرضية إلى مثل ما كان ~~أما عود ما بطل بعينه بالشخص فذلك مما لا يكون، ولا الشكل بعينه يعود بالعدد، ~~ولا الأمور الأرضية تعود بأعيانها بالعدد؛ فإن الغائب لا يعود بعينه. والذى يخالف ~~فى هذا فسبيله أن يستحى من نفسه، إلى أن تكشف فضيحته فى الفلسفة الأولى. ~~فمن الناس من أوجب هذا العود المماثل. PageV01P196 # ومن الناس من لم يجوز هذا العود، واحتج بأن الأمور العالمية مختلطة من طبيعية واختيارية ~~مثل كثير من ms79 النسل والحرث. وعود الشكل السماوى، إن أوجب إعادة، فإنما يوجب إعادة ~~الأمر الطبيعى لا الاختيارى، ولا المركب من الطبيعى والاختيارى .وإذا لم يجب عود ~~واحد من الأسباب المبنى عليها مجرى الكل اختل العود كله فلم يجب أن يكون كما كان. # وذهب عليه الاختيار أيضا مما يجب عوده، إن كانت العودة تصح. ~~فإن الاختيار مستند أيضا إلى الأسباب الأول. # والذى عندى فى هذا أنه إن كان يتفق أن يعود تشكل واحد بعينه، كما هو، فستعود ~~الأمور إلى مثل حالها. لكن السبيل إلى إثبات عود الشكل الواحد مما لا يمكن بوجه من ~~الوجوه. وذلك أنه إنما يمكن أن تقع للأمور المختلفة عودات جامعة، إذا كانت نسبة العودات ~~الخاصة بعضها إلى بعض نسبة عدد إلى عدد فكانت مشتركة فى واحد يعدها، فيوجد حينئذ ~~لجميعها عدد يعدها؛ مثلا أن تكون إحدى العودات عددها خمسة والآخر سبعة والثالث ~~عشرة تشترك فى الواحدة، فيكون عدد السبعين عودا مشتركا يعده هذه الأعداد .فيكون ~~إذا عاد صاحب الخمسة أربع عشرة عودة، أو صاحب السبعة عشرة، وصاحب العشرة ~~سبعا، اجتمع الجميع معا. ثم جعل يعود فى المدد المتساوية أشكال متشابهة، لما سلف، ~~وإن تكن نسبة مدد العودات نسبة عدد إلى عدد- وذلك جائز لأن المدد متصلة، ~~لا منفصلة .ولا يستحيل أن يكون المتصل مباينا للمتصل، كان مستقيما أو مستديرا - ~~فلا تكون نسبته إليه نسبة عدد إلى عدد. فقد صح وجودها هذا فى المقادير، فيصح ~~فى الحركات والأزمنة لا محالة. واستحال وجود شىء جامع تشترك فيه؛ إذ قد ثبت PageV01P197 ~~فى صناعة الهندسة أن المقادير التى تشارك مقدارا فهى مشتركة، والمتباينات غير مشتركة، ~~فلا تشارك مقدارا واحدا، فلا يوجد لها مقدارا مشترك يعد جميعها. وإذا لم يوجد استحال ~~عود التشكل بعينه. # فإن كانت الحركة الأولى، ثم حركة الثوابت، ثم حركات الأوجات والجوزهرات، ~~ثم حركة السيارات، تتشارك مدد عوداتها الخاصية فى واحد يعدها، فستكون الإعادة ~~المدعاة واجبة. # وإن كان كلها، أو واحد منها، غير مشارك لم يكن ذلك. # لكن طريق إحاطتنا بهذه الأمور ms80 هو الرصد، والرصد هو على التقريب بأجزاء ~~الآلات المقسومة. ومثل هذا التقريب لا يحصل التقدير الحقيقى. وحساب الأوتار ~~والقسى وما يبنى عليها أيضا مستعمل فيها الجذور الصم. وقد سومح فى أجزائها مجرى ~~المنطقيات والتفاوت بين المنطق والأصم مما لا يضبطه الحس، فكيف يحققه الرصد. ~~فإذن لا سبيل إلى إدراك ذلك من جهة الرصد والحساب المبنى عليه. وليس عندنا ~~فيه سبيل غيره. # وأما تقسيم العلماء الزمان بالشهور وألايام والساعات وأجزائها، وتقسيمهم الحركة ~~بإزائها، وايقاعهم بينهما نسبة عددية، فذلك على جهة التقريب، مع علمهم بأنه غير ~~ضرورى، إلا أنه مما لا يظهر تفاوته فى المدد المتقاربة. لكنه، وان لم يظهر فى المدد ~~المتقاربة، فيشبه أن يظهر فى المدد المتباعدة. PageV01P198 # وأكثر ما يمكن أن يحدس فى هذا هو أنه يجوز أن تكون عودات متقاربة ~~الأحوال، وإن لم تكن متشابهة بالحقيقة. ويكون حال الكلى منها قريبا من حال ~~العودات الجزئية، كصيف يشبه صيفا، وربيع يشبه ربيعا، أو يكون أشد مشابهة من ذلك، ~~أو لعل الأمر يكون بخلاف هذا الحدس. # فإذ قد فرغنا من هذا البيان أيضا فبالحرى أن تختم هذا الفن بإشارة مختصرة ~~إلى علل الكون والفساد، فنقول: # إن لكل كائن مادة وصورة، وعلة فاعلة، وغاية تخصه يؤخذ ذلك بالاستقراء، ~~وعلى سبيل الوضع. # فأما جملة الكون والفساد واتصاله فعلته الفاعلية المشتركة التى هى أقرب، هى ~~الحركات السماوية، والتى هى أسبق فالمحرك لها. # والعلة المادية المشتركة هى العنصر الأول. # والعلة الصورية المشتركة هى الصورة التى للمادة قوة على غيرها مما لا يجتمع معها. # والعلة الغائية استبقاء الأمور التى لا تبقى بأعدادها واستحفاظها بأنواعها. # فإن المادة العنصرية لما كانت كما تلبس شيئا قد خلعت غيره، وكان الشىء كما ~~يكون هو قد فسد غيره، ولا سبيل إلى بقاء الكائنات بأشخاصها، دبر فى استبقاء أنواعها ~~بالتناسل والتحارث والتعاقب المتعلق بالكون والفساد. PageV01P199 # والأسبق من ذلك هو الجود الإلهى المعطى كل موجود ما فى وسع قبوله، وإبقاؤه ~~إياه، كما يحتمله، إما بشخصه، كما للأجرام السماوية، وإما بنوعه، كما للعنصريات. ~~تم ms81 الفن الثالث من الطبيعيات بحمد الله ومنه. PageV01P200 ms82