######OpenITI# #META# text_id: De_anima_(Avicenna)_ar.xml #META# url: https://www.arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/text/Avic_An_ar.index.xhtml #META# title_short: De anima (Avicenna) #META# title_latin: Liber de anima seu sextus de naturalibus #META# title_transcription: al-Šifāʾ: al-Ṭabīʿiyyāt: Kitāb al-Nafs #META# author_latin: Avicenna #META# author_transcription: Ibn Sīnā #META# author_id: http://d-nb.info/gnd/118505254 #META# responsibility: transcribed by Samer Alsaj #META# version: 0.0.13 #META# ed_info: Ibn Sīnā (Avicenna), Avicenna’s De Anima (Arabic Text) Being the Psychological Part of Kitāb al-Shifāʾ , ed. Fazlur Rahman (London, 1959). #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم الفن السادس من الطبيعيات وهوكتاب النفس # قد استوفينا فى الفن الأول اللام عى الأمور العامة فى الطبيعيات، ~~نم تلوناه بالفن الثانى فى معرفة السماء والعالم والأجرام ~~والصور والحركات الأولى فى عالم الطبيعة، وحققنا أحوال الأجسام ~~التى لا تفسد والتى تفسد، ثم تلوناه بالكلام على الكون والفساد ~~وأسطقساته ثم تلوناه بالكلام على أفعال الكيفيات الأولى وانفعالاتها ~~والأمزجة المتولدة منها، وبقى لنا أن نتكلم على الأمور الكائنة ~~فكانت الجمادات وما لا حس له ولا حركة إرادية أقدمها وأقربها ~~تكونا من العناصر فتكلمنا فيها فى الفن الخامس، وبقى لنا من ~~العلم النظر فى أمور النباتات والحيوانات، ولما كانت النباتات ~~والحيوانات، متجوهرة الذوات عن صورة هى النفس ومادة هى ~~الجسم والأعضاء وكان أولى ما يكون علما بالشىء هو ما يكون PageV01P001 ~~من جهة صورته رأينا أن نتكم أولا فى النفس ولم نر أن نبتر ~~علم النفس فنتكلم أولا فى النفس النباتية والنبات ثم فى النفس ~~الحيوانية والحيوان ثم فى النفس الإنسانية والإنسان، وإنما لم ~~نفعل ذلك لسببين أحدهما أن هذا التبتر مما يوعر ضبط علم ~~النفس المناسب بعضه لبعض والثانى أن النبات يشارك الحيوان ~~فى النفس التى لها فعل النمو والتغذية والتوليد ويجب لا محالة ~~أن ينفصل عنه بقوى نفسانية تخص جنسه ثم تخص أنواعه، ~~والذى يمكننا أن نتكلم عليه من أمر نفس النبات هو ما يشارك ~~فيه الحيوان، ولسنا نشعر كثير شعور بالفصول المنوعة لهذا ~~المعنى الجنسى فى النبات، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن نسبة ~~هذا القسم من النظر إلى أنه كلام فى النبات أولى منه إلى أنه كلام ~~فى الحيوان إذ كانت نسبة الحيوان إلى هذه النفس نسبة النبات ~~إليها، وكذلك أيضا حال النفس الحيوانية بالقياس إلى الإنسان ~~والحيوانات الأخر، وإذ كنا إنما نريد أن نتكلم فى النفس النباتية ~~والحيوانية من حيث هى مشتركة وكان لا علم بالمخصص إلا بعد ~~العلم بالمشترك وكنا قليلى الاشتغال بالفصول الذاتية لنفس نفس ~~ولنبات نبات ولحيوان حيوان لتعذر ذلك علينا فان الأولى ms001 أن ~~نتكم فى النفس فى كتاب واحد، ثم إن أمكننا أن نتكلم فى النبات PageV01P002 ~~والحيوان كلاما مخصصا فعلنا، وأكثر ما يمكننا من ذلك يكون ~~متعلقا بأبدانها وبخواص من أفعالها البدنية، فلأن نقدم تعرف ~~أمر النفس ونؤخر تعرف أمر البدن أهدى سبيلا فى التعليم من أن ~~تقدم تعرف أمر البدن ونؤخر تعرف أمر النفس، فإن معونة معرفة ~~أمر النفس فى معرفة الأحوال البدنية أكثر من معونة معرفة أمر ~~البدن فى معرفة الأحوال النفسانية على أن كل واحد منهما معين ~~على الآخر، وليس أحد الطرفين بضرورى التقديم إلا أنا آثرنا أن نقدم ~~الكلام فى النفس لما أبليناه من العذر، فمن شاء أن يغير هذا الترتيب ~~فعل بلا مناقشة لنا معه، فهذا هو الفن السادس، ثم نتلوه فى ~~الفن السابع بالنظر فى أحوال النبات وفى الفن الثامن بالنظر فى أحوال ~~الحيوان، وهناك نختم العلم الطبيعى، ونتلوه بالعلوم الرياضية فى ~~فنون أربعة، ثم نتلو ذلك كله بالعلم الإلهى ونردفه شيئا من علم ~~الأخلاق ونختم كتابنا هذا به. PageV01P003 ### | المقالة الأولى ### | فصل 1 (فى إثبات النفس وتحديدها من حيث هى نفس) # نقول إن أول ما يجب أن نتكلم فيه إثبات وجود الشىء الذى ~~يسمى نفسا، ثم نتكلم فيما يتبع ذلك، فنقول إنا قد نشاهد أجساما ~~تحس وتتحرك بالإرادة، بل نشاهد أجساما تغتذى وتنمو وتولد ~~المثل وليس ذلك لها لجسميتها فبقى أن تكون فى ذواتها ~~مبادىء لذلك غير جسميتها والشىء الذى يصدر عنه هذه ~~الأفعال وبالجملة كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على ~~وتيرة واحدة عادمة للإرادة فإنا نسميه نفسا، وهذه اللفظة إسم ~~لهذا الشىء لا من حيث جوهره ولكن من جهة إضافة ما له أى ~~من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل، ونحن نطلب جوهره والمقولة ~~التى يقع فيها من بعد، ولكنا الآن إنما أثبتنا وجود شىء ~~هو مبدأ لما ذكرنا وأثبتنا وجود شى، من جهة ما له عرض ما، PageV01P004 ~~ونحتاج أن نتوصل من هذا العارض الذى له إلى أن تحقق ذاته ~~لنعرف ماهيته، كانا ms002 قد عرفنا أن لشىء يتحرك محركا ما. ولسنا ~~نعلم من ذلك أن ذات هذا المحرك ما هو، فنقول: إذا كانت ~~الأشياء، التى نرى أن النفس موجودة لها، أجساما، وإنما يتم وجودها ~~من حيث هى نبات وحيوان بوجود هذا الشىء لها، فهذا الشىء ~~جزء من قوامها، وأجزاء القوام كما علمت فى مواضع هى قسمان ~~جزء يكون به الشىء هو ما هو بالفعل، وجزء يكون به الشىء ~~هو ما هو بالقوة وهو بمترلة الموضوع، فإن كانت النفس من القسم ~~الثانى ولا شك أن البدن من ذلك القسم فالحيوان والنبات لا يتم ~~حيوانا ولا نباتا بالبدن ولا بالنفس، فيحتاج إلى كمال آخر هو ~~المبدأ بالفعل لما قلنا فذلك هو النفس وهو الذى كلامنا فيه، ~~بل ينبغى أن يكون النفس هو ما به يكون النبات والحيوان بالفعل ~~نباتا وحيوانا، فإن كان جسما أيضا فالجسم صورته ما قلنا، وإن ~~كان جسما بصورة ما فلا يكون هو من حيث من حيث هو جسم ذلك المبدأ، ~~بل يكون كونه مبدأ من جهة تلك الصورة، ويكون صدور تلك ~~الأحوال عن تلك الصورة بذاتها وإن كان يتوسط هذا الجسم فيكون ~~المبدأ الأول تلك الصورة، ويكون أول فعله بوساطة هذا الجسم ~~ويكون هذا الجسم جزأ من جسم الحيوان لكنه أول جزء يتعلق ~~به المبدأ، وليس هو بما هو جسم إلا من جملة الموضوع، # فبين أن ذات النفس ليست بجسم بل هي جزء للحيوان PageV01P005 ~~والنبات، هى صورة أو كالصورة أو كالكمال، فقول الآن إن ~~النفس يصح أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من الأفعال ~~قوة وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما تقبله من الصور ~~المحسوسة والمعقولة على معنى آخر قوة، ويصح أن يقال لها ~~أيضا بالقياس إلى المادة التى تحلها فيجتع منهما جوهر مادى ~~نباتى أو حيوانى صورة، ويصح أن يقال لها أيضا بالقياس إلى ~~استكمال الجنس بها نوعا محصلا فى الأنواع العالية أو السافلة ~~كمال، لأن طبيعة الجنس تكون ناقصة غير محدودة ما لم تحصلها ~~طبيعة ms003 الفصل البسيط أو الغير البسيط منضافا إليها، فإذا انضاف ~~إليها كمل النوع، فالفصل كمال النوع بما هو نوع، وليس لكل ~~نوع فصل بسيط، قد علمت هذا، بل إنما هو للأنواع المركبة ~~الذوات من مادة وصورة، والصورة منها هو الفصل البسيط لما ~~هو كماله ثم كل صورة كمال وليس كل كمال صورة، فإن الملك ~~كمال المدينة والربان كمال السفينة وليسا بصورتين لمدينة ~~والسفينة، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة ~~للمادة وفى المادة، فإن الصورة التى هى فى المادة هى الصورة ~~المنطبعة فيها القائمة بها، أللهم إلا أن يصطلح فيقال لكمال ~~النوع صوة النوع، وبالحقيقة فإنه قد استقر الاصطلاح على أن PageV01P006 ~~يكون الشىء بالقياس إلى المادة صورة وبالقياس إلى الجملة غاية ~~وكمالا وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليا وقوة محركة، وإذا كان ~~الأمر كذلك فالصورة تقتضى نسبة إلى شىء بعيد من ذات الجوهر ~~الحاصل منها وإلى شىء يكون به الجوهر الحاصل هو ما هو ~~بالقوة وإلى شىء لا تنسب الأفاعيل إليه، وذلك الشىء هو المادة، ~~لأنها صورة باعتبار وجودها للمادة، والكمال يقتضى نسبة إلى ~~الشىء التام الذى عنه تصدر الأفاعيل لأنه كمال بحسب اعتباره ~~للنوع، فبين من هذا أنا إذا قلنا فى تعريف النفس إنها كمال كان ~~أدل على معناها، وكان أيضا يتضمن جميع أنواع النفس من جميع ~~وجوهها ولا تشذ النفس المفارقة للمادة عنه، وأيضا إذا قلنا إن ~~النفس كمال فهو أولى من أن نقول قوة وذلك لأن الأمور الصادرة ~~عن النفس منها ما هو من باب الحركة ومنها ما هو من باب ~~الإحساس والإدراك، والإدرك بالحرى أن يكون لها لا بما لها ~~قوة هى مبدأ فعل بل مبدا قبول، والتحريك بالحرى أن يكون ~~لها لا بما لها قوة هى مبدأ قبول بل مبدأ فعل، وليس أن ~~ينسب إليها أحد الأمرين بأنها قوة عليه أولى من الآخر، فإن ~~قيل لها قوة وعنى به الأمران جميعا كان ذلك باشتراك الاسم، PageV01P007 ~~وإن قيل قوة واقتصر على أحد الوجهين عرض من ms004 ذلك ما قلنا، ~~وشىء آخر وهو أنه لا يتضمن الدلالة على ذات النفس من حيث ~~هى نفس مطقا بل من جهة دون جهة، وقد بينا فى الكتب المنطقية ~~أن ذلك غير جيد ولا صواب ثم إذا قلنا كمال اشتمل على ~~المعنيين، فإن النفس من جهة القوة التى يستكمل بها إدراك ~~الحيوان كمال، ومن جهة القوة التى تصدر عنها أفاعيل ~~الحيوان أيضا كمال، والنفس المفارقة كمال والنفس التى لا ~~تفارق كمال، لكنا إذا قلنا كمال لم يعلم من ذلك بعد أنها ~~جوهر أو ليست بجوهر، فإن معنى الكمال هو الشىء الذى ~~بوجوده يصير الحيوان بالفعل حيوانا والنبات بالفعل نباتا وهذا لا ~~يفهم عنه بعد أنه جوهر أو ليس بجوهر، لكنا نقول لا شك لنا ~~فى أن هذا الشىء ليس جوهرا بالمعنى الذى يكون به الموضوع ~~جوهرا ولا أيضا بالمعنى الذى يكون به المركب جوهرا، فأما ~~جوهر بمعنى الصورة فلننظر فيه، فإن قال قائل إنى أقول للنفس ~~جوهرا وأعنى به الصورة ولست أعنى به معنى أعم من الصورة، ~~بل معنى أنه جوهر معنى أنه صورة، وهذا مما قاله خلق منهم، ~~فلا يكون معه موضع بحث واختلاف البتة، فيكون معنى قوله إن ~~النفس جوهر أنها صورة، بل يكون قوله الصورة جوهر كقوله ~~الصورة صورة أو هيئة أو الإنسان إنسان أو بشر، ويكون PageV01P008 ~~هذيانا من الكلام، فإن عنى بالصورة ما ليس فى موضوع البتة أى ~~لا يوجد بوجه من الوجوه قائما فى الشىء الذى سميناه لك موضوعا ~~البتة فلا يكون كل كمال جوهرا، فإن كثيرا من الكمالات هى ~~فى موضوع لا محالة، وإن كان ذلك الكثير بالقياس إلى المركب ~~ومن حيث كونه فيه ليس فى موضوع، فإن كونه جزءا منه لا ~~يمنعه أن يكون فى موضوع، وكونه فيه لا كالشىء فى الموضوع ~~لا يجعله جوهرا كما ظن بعضهم لأنه لم يكن الجوهر ما لا يكون ~~بالقياس إلى شىء على أنه فى موضوع حتى يكون الشىء من ~~جهة ما ليس فى هذا الشىء على أنه ms005 فى موضوع جوهرا بل إنما ~~يكون جوهرا إذا لم يكن ولا فى شىء من الأشياء على أنه فى ~~موضوع، وهذا المعنى لا يدفع كونه فى شىء ما موجودا لا فى ~~موضوع فإن ذلك ليس له بالقياس إلى كل شىء حتى إذا قيس إلى ~~شىء يكون فيه لا كما يوجد الشىء فى موضوع صار جوهرا وإن ~~كان بالقياس إلى شىء آخر بحيث يكون عرضا بل هو اعتبار له فى ~~ذاته، فإن الشىء إذا تأملت ذاته ونظرت إليها فلم يوجد لها ~~موضوع البتة كانت فى نفسها جوهرا، وإن وجدت فى ألف شىء لا ~~فى موضوع بعد أن توجد فى شىء واحد على نحو وجود الشىء فى ~~الموضوع فهى فى نفسها عرض، وليس إذا لم يكن عرضا فى شىء PageV01P009 ~~فهو جوهر فيه، فيجوز أن يكون الشىء لا عرضا فى الشىء ولا ~~جوهرا فى الشىء كما أن الشىء يجوز أن لا يكون واحدا فى ~~الشىء ولا كثيرا لكنه فى نفسه واحد أو كثير، وليس الجوهرى ~~والجوهر واحدا، ولا العرض بمعنى العرضى الذى فى إيساغوجى ~~هو العرض الذى فى قاطيغورياس، وقد بينا لك هذه الأشياء ~~فى صناعة المنطق، فبين أن النفس لا يزيل عرضيتها كونها فى ~~المركب كجزء بل يجب أن تكون فى نفسها لا فى موضوع البتة ~~وقد علمت ما الموضوع، فإن كان كل نفس موجودة لا فى موضوع ~~فكل نفس جوهر، وإن كانت نفس ما قائمة بذاتها والبواقى كل ~~واحدة منها فى هيولى وليست فى موضوع فكل نفس جوهر، وإن ~~كانت نفس ما قائمة فى موضوع وهى مع ذلك جزء من المركب ~~فهى عرض، وجميع هذا كمال، فلم يتبين لنا بعد أن النفس ~~جوهر أو ليست بجوهر من وضعنا أنها كمال، وغلط من ظن أن ~~هذا يكفيه فى أن يجعلها جوهرا كالصورة، # فنقول إنا إذا عرفنا أن النفس كمال بأى بيان وتفصيل فصلنا ~~الكمال لم نكن بعد عرفنا النفس وماهيتها بل عرفناها من حيث ~~هى نفس، وإسم النفس ليس يقع عليها من حيث ms006 جوهرها بل من ~~حيث هى مدبرة للأبدان ومقيسة إليها، فلذلك يؤخذ البدن فى ~~حدها كما يوخذ مثلا البناء فى حد البانى وإن كان لا يؤخذ PageV01P010 ~~فى حده من حيث هو إنسان، ولذلك صار النظر فى النفس من العلم ~~الطبيعى لأن النظر فى النفس من حيث هى نفس نظر فيها من حيث ~~لها علاقة بالمادة والحركة، بل يجب أن نفرد لتعرفنا ذات ~~النفس بحثا آخر، ولو كنا عرفنا بهذا ذات النفس لما أشكل علينا ~~وقوعها فى أى مقولة تقع فيها، فإن من عرف وفهم ذات الشىء ~~فعرض على نفسه طبيعة أمر ذاتى له لم يشكل عليه وجوده له ~~كما أوضحناه فى المنطق، لكن الكمال على وجهين كمال أول ~~وكمال ثان، فالكمال الأول هو الذى يصير به النوع نوعا بالفعل ~~كالشكل للسيف، والكمال الثانى هو أمر من الأمور التى تتبع ~~نوع الشىء من أفعاله وانفعالاته كالقطع للسيف وكالتمييز والروية ~~والإحساس والحركة للانسان، فإن هذه كمالات لا محالة للنوع ~~لكن ليست أولى، فإنه ليس يحتاج النوع فى أن يصير هو ما ~~هو بالفعل إلى حصول هذه الأشياء له بالفعل، بل إذا حصل له ~~مبدأ هذه الأشياء بالفعل حتى صارله هذه الأشياء بالقوة بعد ~~ما لم تكن بالقوة إلا بقوة بعيدة تحتاج إلى أن يحصل قبلها شىء ~~حتى تصير بالحقيقة بالقوة صار حينئذ الحيوان حيوانا بالفعل، ~~فالنفس كمال أول، ولأن الكمال كمال لشىء فالنفس كمال ~~لشىء وهذا الشىء هو الجسم، ويجب أن يوخذ الجسم بالمعنى PageV01P011 ~~الجنسى لا المادى كما علمت فى صناعة البرهان، وليس هذا ~~الجسم الذى النفس كماله كل جسم، فإنها ليست كمال الجسم ~~الصناعى كالسرير والكرسى وغيرهما بل كمال الجسم الطبيعى، ~~ولا كل جسم طبيعى فليست النفس كمال نار ولا أرض بل هى ~~فى عالمنا كمال جسم طبيعى تصدر عنه كمالاته الثانية بآلات ~~يستعين بها فى أفعال الحياة التى أولها التغذى والنمو، فالنفس ~~التى نحدها هى كمال أول لجسم طبيعى آلى له أن يفعل أفعال ~~الحياة، # لكنه قد يتشكك فى هذا الموضع ms007 بأشياء، من ذلك أن لقائل أن ~~يقول إن هذا الحد لا يتناول النفس الفلكية فإنها تفعل بلا آلات، ~~وإن تركتم ذكر الآلات واقتصرتم على ذكر الحياة لم يغنكم ذلك ~~شيئا فإن الحياة التى لها ليس هو التغذى والنمو ولا أيضا الحس ~~وأنتم تعنون بالحياة التى فى الحد هذا، وإن عنيتم بالحياة ما ~~للنفس الفلكية من الإدراك مثلا والتصور العقلى والتحريك لغاية إرادية ~~أخرجتم النبات من جملة ما يكون له نفس، وأيضا إن كان التغذى ~~حياة فلم لا تسمون النبات حيوانا، وأيضا لقائل أن يقول ما الذى ~~أحوجكم إلى أن تثبتوا نفسا ولم لم يكفكم أن تقولوا إن الحياة PageV01P012 ~~نفسها هى هذا الكمال فتكون الحياة هى المعنى الذى يصدر ~~عنه ما تنسبون صدوره إلى النفس، # فلنشرع فى جواب واحد واحد من ذلك وحله، فنقول أما ~~الأجسام السماوية فإن فيها مذهبين، مذهب من يرى أن كل ~~كوكب يجتمع منه ومن عدة كرات قد دبرت بحركته جملة ~~جسم كحيوان واحد فتكون حينئذ كل واحدة من الكرات يتم ~~فعلها بعدة أجزاء ذوات حركة فتكون هى كالآلات، وهذا القول ~~لا يستمر فى كل الكرات، ومذهب من يرى أن كل كرة فلها فى ~~نفسها حياة مفردة وخصوصا ويرى جسما تاسعا ذلك الجسم واحد ~~بالفعل لا كثرة فيه، فهؤلاء يجب أن يروا أن إسم النفس إذا ~~وقع على النفس الفلكية وعلى النفس النباتية فإنما يقع بالاشتراك، ~~وأن هذا الحد إنما هو للنفس الموجودة للمركبات، وإنه إذا ~~احتيل حتى تشترك الحيوانات والفلك فى معنى إسم النفس خرج ~~معنى النبات من تلك الجملة، على أن هذه الحيلة صعبة، وذلك ~~لأن الحيوانات والفلك لا تشترك فى معنى إسم الحياة ولا فى معنى ~~إسم النطق أيضا لأن النطق الذى هاهنا يقع على وجود نفس لها PageV01P013 ~~العقلان الهيولانيان وليس هذا مما يصح هناك على ما ترى، ~~فإن العقل هناك عقل بالفعل، والعقل بالفعل غير مقوم للنفس ~~الكائنة جزء حد للناطق، وكذلك الحس هاهنا يقع على القوة التى ~~تدرك بها المحسوسات على سبيل ms008 قبول أمثلتها والانفعال منها، ~~وليس هذا أيضا مما يصح هناك على ما ترى، ثم إن اجتهد ~~فجعل النفس كمالا أول لما هو متحرك بالإرادة ومدرك من ~~الأجسام حتى تدخل فيه الحيوانات والنفس الفلكية خرج النبات من ~~تلك الجملة، وهذا هو القول المحصل، وأما أمر الحياة والنفس فحل ~~الشك فى ذلك على ما نقول إنه قد صح أن الأجسام يجب أن ~~يكون فيها مبدأ للأحوال المعلومة المنسوبة إلى الحياة بالفعل، ~~فإن سمى مسم هذا المبدأ حياة لم تكن معه مناقشة، وأما المفهوم ~~عند الجمهور من لفظة الحياة المقولة على الحيوان فهوأمران، أحدهما ~~كون النوع موجودا فيه مبدأ تصدر تلك الأحوال عنه أو كون ~~الجسم بحيث يصح صدور تلك الأفعال عنه، فأما الأول فمعلوم أنه ~~ليس معنى النفس بوجه من الوجوه، وأما الثانى فيدل على معنى أيضا ~~غير معنى النفس، وذلك لأن كون الشىء بحيث يصح أن يصدر ~~عنه شىء أو يوصف بصفة يكون على وجهين، أحدهما أن يكون PageV01P014 ~~فى الوجود شىء غير ذلك الكون نفسه يصدر عنه ما يصدر مثل ~~كون السفينة بحيث تصدر عنه المنافع السفينية وذلك مما يحتاج ~~إلى الربان حتى يكون هذا الكون، والربان وهذا الكون ليس ~~شيئا واحدا بالموضوع، والثانى أن لا يكون شىء غير هذا الكون ~~فى الموضوع مثل كون الجسم بحيث يصدر عنه الإحراق عند من ~~يجعل نفس هذا الكون الحرارة حتى يكون وجود الحرارة فى الجسم ~~هو وجود هذا الكون، وكذلك وجود النفس وجود هذا الكون ~~على ظاهر الأمر إلا أن ذلك فى النفس لا يستقيم، فليس المفهوم ~~من هذا الكون ومن النفس شيثا واحدا، وكيف لا يكون كذلك ~~والمفهوم من الكون الموصوف لا يمنع أن يسبقه بالذات كمال ~~ومبدأ ثم للجسم هذا الكون، والمفهوم من الكمال الأول الذى ~~رسمناه يمنع أن يسبقه بالذات كمال آخر لأن الكمال الأول ليس له ~~مبدأ وكمال أول، فليس إذن المفهوم من الحياة والنفس واحدا إذا ~~عنينا بالحياة ما يفهمه الجمهور، وإن عنينا بالحياة أن تكون لفظة ~~مرادفة ms009 للنفس فى الدلالة عل الكمال الأول لم نناقش، وتكون الحياة # إسما لما كنا وراء إثباته من هذا الكمال الأول، ~~فقد عرفنا الآن معنى الإسم الذى يقع على الشىء الذى سمى ~~نفسا بإضافة له، فبالحرى أن نشتغل بإدراك ماهية هذا الشىء ~~الذى صار بالاعتبار المقول نفسا، ويجب أن نشير فى هذا الموضع ~~إلى إثبات وجود النفس التى لنا إثباتا على سبيل التنبيه والتذكير PageV01P015 ~~إشارة سديدة الموقع عند من له قوة على ملاحظة الحق نفسه من ~~غير احتياج إلى تثقيفه وقرع عصاه وصرفه عن المغلطات، فنقول ~~بجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة وخلق كاملا لكنه ~~حجب بصره عن مشاهدة الخارجات، وخلق يهوى فى هواء أو خلاء ~~هويا لا يصدمه فيه قوام الهواء صدم ما يحوج أن يحس، ~~وفرق بين أعضائه فلم تتلاق ولم تتماس، ثم يتأمل أنه هل ~~يثبت وجود ذاته فلا يشك فى إثباته لذاته موجودة ولا يثبت ~~مع ذلك طرفا من أعضائه ولا باطنا من أحشائه ولا قلبا ولا دماغا ~~ولاشيئا من الأشياء من خارج بل كان يثبت ذاته ولا يثبت لها ~~طولا ولا عرضا ولا عمقا، ولو أنه أمكنه فى تلك الحالة أن يتخيل ~~يدا أو عضوا آخر لم يتخيله جزءا من ذاته ولا شرطا فى ذاته، ~~وأنت تعلم أن المثبت غير الذى لم يثبت، والمقربة غير الذى لم ~~يقربه، فإذن الذات التى أثبت وجودها خاصية له على أنها هو ~~بعينه غير جسمه وأعضائه التى لم يثبت، فإذا المتنبه له سبيل ~~إلى أن يتنبه على وجود النفس شيئا غير الجسم بل غير جسم، ~~وأنه عارف به مستشعر له وإن كان ذاهلا عنه يحتاج أن يقرع ~~عصاه، PageV01P016 ### | فصل 2 (فى ذكر ما قاله القدماء فى النفس وجوهرها ونقضه) # فنقول قد اختلف الأوائل فى ذلك لأنهم اختلفوا فى المسلك إليه ~~فمنهم من سلك إلى علم النفس من جهة الحركة، ومنهم من سلك ~~إليه من جهة الإدراك، ومنهم من جمع المسلكين، ومنهم من ~~سلك طريق الحياة غير مفصلة، فمن سلك ms010 منهم جهة الحركة فقد ~~كان يخيل عنده أن التحريك لا يصدر ألا عن متحرك وأن المحرك ~~الأول يكون لا محالة متحركا بذاته، وكانت النفس محركة أولية ~~إليها يتراقى التحريك من الأعضاء والعضل والأعصاب، فجعل ~~النفس متحركة لذاتها وجعلها لذلك جوهرا غير مائت معتقدا أن ~~ما يتحرك لذاته لا يجوز أن يموت، قال ولذلك ما كانت الأجسام ~~السماوية ليست تفسد والسبب فيه دوام حركتها، فمنهم من ~~من منع أن تكون النفس جسما فجعلها جوهرا غير جسم متحركا ~~لذاته، ومنهم من جعلها جسما وطلب الجسم المتحرك بذاته، ~~فمنهم من جعلها ما كان من الأجرام التى لا تتجزأ كريا ليسهل ~~دوام حركتها، وزعم أن الحيوان يستنشق ذلك بالتنفس وأن PageV01P017 ~~التنفس غذاء للنفس، وأن النفس يستبقى النفس بإدخال بدل ما ~~يخرج من ذلك الجنس من الهباء التى هى الأجرام التى لا تتجزأ ~~التى هى المبادى، وأنها متحركة بذاتها كما ترى من حركة ~~الهباء دائما فى الجو، ولذلك صلحت أن تحرك غيرها، ومنهم ~~من قال إنها ليست هى النفس بل إن محركها هو النفس وهى ~~فيها وتدخل البدن بدخولها، ومنهم من جعل النفس نارا ورأى أن ~~النار دائمة الحركة، وأما من سلك طريق الإدرك فمنهم من ~~رأى أن الشىء إنما يدرك ما سواه لأنه متقدم عليه ومبدأ له، ~~فوجب أن تكون النفس مبدأ، فجعلها من الجنس الذى كان يراه ~~المبدأ إما نارا أو هواء أو أرضا أو ماء، ومال بعضهم إلى القول ~~بالماء لشدة رطوبة النطفة التى هى مبدأ التكون، وبعضهم جعلها ~~جسما بخاريا إذ كان يرى البخار مبدأ الأشياء، وعلى حسب ~~المذاهب التى عرفتها، فكل هؤلاء كان يقول إن النفس إنما تعرف ~~الأشياء كلها لأنها من جوهر المبدأ لجميعها، وكذلك من رأى ~~أن المبادى هى الأعداد فإنه جعل النفس عددا، ومنهم من رأى ~~أن الشىء إنما يدرك ما هو شبيهه وأن المدرك بالفعل شبيه ~~المدرك بالفعل فجعل النفس مركبا من الأشياء التى يراها عناصر، PageV01P018 ~~وهذا هو أنبادقليس فإنه جعل النفس مركبة من العناصر الأربعة ms011 ~~ومن الغلبة والمحبة، وقال إنما تدرك النفس كل شىء بشبيهه فيها، ~~وأما الذين جمعوا الأمرين فكالذين قالوا إن النفس عدد محرك ~~لذاته، فهمى عدد لأنها مدركة ومحركة لذاتها لأنها محركة ~~أولية، وأما الذين اعتبروا أمر الحياة غير ملخص فمنهم من قال ~~إن النفس حرارة غريزية لأن الحياة بها، ومنهم من قال بل برودة ~~وإن النفس مشتق من النفس، والنفس هو الشىء المبرد ولهذا ~~ما نتبرد بالاستنشاق لنحفظ جوهر النفس، ومنهم من قال بل ~~النفس هو الدم لأنه إذا سفح الدم بطلت الحياة، ومنهم من قال ~~بل النفس مزاج لأن المزاج ما دام ثابتا لم يتغير صحت الحياة، ~~ومنهم من قال بل النفس تأليف ونسبة بين العناصر وذلك لأنا نعلم ~~أن تأليفا ما يحتاج إليه حتى يكون من العناصر حيوان، ولأن النفس ~~تأليف فلذلك تميل إلى المؤلفات من النغم والأرابيع والطعوم وتلتذ ~~بها، ومن الناس من ظن أن النفس هو الإلهى - تعالى عما يقوله ~~الملحدون - وأنه يكون فى كل شىء بحسبه فيكون فى شىء طبعا ~~وفى شىء عقلا وفى شىء نفسا - سبحانه وتعالى عما يشركون، # فهذه هى المذاهب المنسوبة إلى القدماء الأقدمين فى أمر النفس، ~~وكلها باطل، فأما الذين تعلقوا بالحركة فأول ما يلزمهم من PageV01P019 ~~المحال أنهم نسوا السكون، فإن كانت النفس تحرك بأن تتحرك ~~وكان لا محالة تحركها علة للتحريك فلم يخل تسكينها إما أن ~~يصدر عنها وهى متحركة بحالها فتكون نسبة تحركها بذاتها ~~إلى التسكين والتحريك واحدة، فلم يمكن أن يقال إنها تحرك بأن ~~تتحرك، وقد فرضوا ذلك، أو يصدر عنها وقد سكنت، فلا تكون ~~متحركة بذاتها، وأيضا قد عرفت مما سلف أنه لا متحرك إلا من ~~محرك وأنه ليس شىء متحركا من ذاته، فلا تكون النفس شيئا ~~متحركا من ذاته، وأيضا فإن هذه الحركة لا يخلوا إما أن تكون ~~مكانية أو كمية أو كيفية أو غير ذلك، فإن كانت مكانية فلا يخلوا ~~إما أن تكون طبيعية أو قسرية أو نفسانية، فإن كانت طبيعية ~~فتكون إلى جهة لا محالة ms012 فيكون تحريك النفس إلى جهة واحدة ~~فقط، وإن كانت قسرية فلا تكون متحركة بذاتها ولا يكون أيضا ~~تحريكها بذاتها، بل الأولى أن يكون القاسر هو المبدأ الأول ~~وأن يكون هو النفس، وإن كانت نفسانية فالنفس قبل النفس، ~~وتكون لا محالة بإرادة فتكون إما واحدة لا تختلف فيكون تحريكها ~~على تلك الجهة الواحدة، أو تكون مختلفة فتكون بينها كما علمت ~~سكونات لا محالة، فلا تكون متحركة لذاتها، وأما الحركة ~~من جهة الكم فأبعد شىء من النفس، ثم لا يكون شىء متحركا ~~من جهة الكم بذاته بل لدخول داخل عليه أو استحالة فى ذاته، ~~وأما الحركة على سبيل الاستحالة فإما أن تكون حركة فى كونها PageV01P020 ~~نفسا، فتكون النفس إذا حركت لا تكون نفسا، وإما حركة فى ~~عرض من أعراض كونها نفسا، فأول ذلك أن لا يكون تحركها ~~من نحو تحريكها بل تكون ساكنة فى المكان حين تحرك فى ~~المكان، والثانى أن الاستحالة فى الأعراض غايتها حصول ذلك ~~العرض وإذا حصل فقد وقفت الاستحالة، وأيضا فقد تبين لك أن ~~النفس لا ينبغى أن تكون جسما، والمحرك الذى يحرك فى المكان ~~بأن يتحرك نحو ما يحرك فهو جسم لا محالة، ولو كان للنفس ~~الحركة والانتقال لكان يجوز أن تفارق بدنا ثم تعود إليه وهؤلاء ~~يجعلون مثل النفس مثل زيبق يجعل فى بعض الأجسام فإذا ~~ترجرج تحرك ذلك الجسم، ويدفعون أن تكون الحركة حركة ~~اختيار، وأيضا فقد علمت أن القول بالهباآت هذر باطل، ~~وعلمت أيضا أن القول بوحدة المبدأ الأسطقسى جزاف، ثم من ~~المحال ما قالوه من أن الشىء يجب أن يكون مبدأ حتى يعلم ما ~~وراءه، فإنا نعلم وندرك بأنفسنا أشياء لسنا بمبادلها، وأما بيان ~~ذلك من طريق من ظن أن المبدأ أحد الأسطقسات فهو أنا نعلم ~~أشياء ليست الأسطقسات بوجه من الوجوه مبدأ لها، ولا هى مبدأ ~~للأسطقسات، وهى أن كل شىء إما أن يكون حاصلا فى الوجود PageV01P021 ~~وإما أن لا يكون، وأن الأشياء المساوية لشىء واحد متساوية، ~~فهذه الأشياء لا يجوز أن ms013 يقال إن النار والماء وغير ذلك مبادلها ~~فنعلمها بها ولا بالعكس، وأيضا إما أن تكون معرفة النفس بما ~~هى مبدأ له إنما تتناول عين ذلك المبدأ أو تتناول الأشياء التى ~~تحدث عن المبدأ وليست هى المبدأ أو تكون بكليهما، فإن كانت ~~إنما تتناول المبدأ أو تتناول كليهما وكان العالم بالشىء يجب ~~أن يكون مبدأ له فتكون النفس أيضا مبدأ للمبدأ وأيضا مبدأ ~~لذاتها لأنها تعلم ذاتها، وإن كانت ليس تعلم المبدأ ولكن تعلم ~~الأحوال والتغيرات التى تلحقه فمن الذى يحكم بأن الماء أو ~~النار أو أحد هذه مبدأ، وأما الذين جعلوا الإدراك بالعددية فقالوا ~~لأن المبدأ لكل شىء عدد بل قالوا ماهية كل شىء عدد وحده ~~عدد وهؤلاء وإن كنا قد دللنا على بطلان رأيهم فى المبدأ فى ~~موضع آخر وسندل فى صناعة الفلسفة الأولى أيضا على استحالة ~~رأيهم هذا وما أشبهه فإن مذهبهم هاهنا قد يفسد من حيث ~~النظر الخاص بالنفس، وذلك بأن ننظر ونتأمل هل النفس إنما تكون ~~نفسا بأنها عدد معين كأربعة أو خمسة أو بأنها مثلا زوج أو قرد ~~أو شىء أعم من عدد معين، فإن كانت النفس إنما هى ما هى ~~بأنها عدد معين فما يقولون فى الحيوان المجزر الذى إذا قطع ~~تحرك كل جزء منه وأحس، وإذا أحس فلا محالة هناك تخيل ما، PageV01P022 ~~وكذلك كل جزء منه يأخذ فى الهرب إلى جهة وتلك الحركة عن ~~تخيل ما لا محالة، ومعلوم أن الجزئين يتحركان عن قوتين فيهما ~~وأن كل واحد منهما أقل من العدد الذى كان فى الجملة، وإنما ~~كانت النفس عندهم العدد الذى فى الجملة لا غير، فيكون هذان ~~الجزءان يتحركان لا عن نفس، وهذا محال، بل فى كل واحد منهما ~~نفس من نوع نفس الآخر، فنفس مثل هذا الحيوان واحدة بالفعل ~~متكثرة بالقوة تكثرا إلى نفوس، وإنما تفسد فى الحيوان المجزر ~~نفساه ولا تفسد فى النبات لأن النبات قد شاعت فيه الآلة الأولية ~~لاستبقاء فعل النفس ولا كذلك فى الحيوان المجزر، بل بعض ms014 بدن ~~الحيوان المجزر لا مبدأ فيه لاستبقاء المزاج الملائم للنفس، وفى ~~بعضه الآخر ذلك المبدأ ولكنه يحتاج فى استبقاءه ذلك إلى صحبة ~~من القسم الآخر، فيكون بدنه متعلق الأجزاء بعضها ببعض فى ~~التعاون على حفظ المزاج، وإن لم تكن النفس عددا معينا بل ~~كانت عددا له كيفية ما وصورة فيشبه أن تكون فى بدن واحد ~~نفوس كثيرة، فإنك تعلم أن فى كثير من الأزواج أزواجا وفى ~~كثير من الأفراد أفرادا وفى كثير من المربعات مربعات، وكذلك ~~سائر الاعتبارات، وأيضا فإن الوحدات المجتمعة فى العدد إما أن ~~يكون لها وضع أو لا يكون لها، فإن كان لها وضع فهى نقط، PageV01P023 ~~وإن كانت نقطا فإما أن تكون نفسا لأنها عدة تلك النقط أو لا تكون ~~لذلك بل لأنها قوة أو كيفية أو غير ذلك، لكنهم جعلوا الطبيعة ~~النفسية مجرد عددية، فيكون العدد الموجود للنقط طبيعة النفس، ~~فيكون كل جسم إذا فرض فيه ذلك العدد من النقط ذا نفس، وكل ~~جسم لك أن تفرض فيه كم نقطة شئت فيكون كل جسم من شأنه ~~أن يصير ذا نفس لفرض النقط فيه، وإن كانت عددا لا ~~وضع له وإنما هى آحاد متفرقة فبماذا تفرقت وليس لها مواد مختلفة ~~ولا قرن بها صفات أخر وفصول أخرى، وإنما تتكثرالأشياء المتشابهة ~~فى المواد المختلفة، فإن كان لها مواد مختلفة فهى ذوات وضع ولها ~~أبدان شتى، ثم فى الحالين جميعا كيف ارتبطت هذه الوحدات ~~أو النقط معا لأنه إن كان ارتباطها بعضها بعض والتيامها للطبيعة ~~الوحدية والنقطية فيجب أن تكون الوحدات والنقطات مهرولة إلى ~~الاجتماع من أى موضع كانت، وإن كان لجامع فيها جمع واحدة ~~منها إلى الاخرى وضام ضم بعضها إلى بعض حتى ارتبطت وهو ~~يحفظها مرتبطة فذلك الشىء أولى أن يكون نفسا، # وأما الذين قالوا إن النفس مركبة من المادى حتى يصح أن ~~تعرف المبادى وغير المبادى بما فيها منها وإنها إنما تعرف كل ~~شىء بشبهه فيها قد يلزمهم أن تكون النفس لا تعرف الأشياء ~~التى تحدث ms015 عن المبادى مخالفة لطبيعتها، فإن الاجتماع قد يحدث PageV01P024 ~~هيئآت فى المبادى وصورا لا توجد فيها مثل العظمية واللحمية ~~والانسانية والفرسية وغير ذلك، فيجب أن تكون هذه الأشياء ~~مجهولة للنفس إذ ليس فيها هذه الأشياء بل إنما فيها أجزاء المبادى ~~فقط، فإن جعل فى تأليف النفس إنسانا وفرسا وفيلا كما فيه ~~نار وارض وغلبة ومحبة فقد ارتكب العظيم، ثم إن كان فى النفس ~~إنسان ففي النفس نفس ففيها مرة أخرى إنسان وفيل، ويذهب ~~ذلك إلى غير النهاية، وقد يشنع عليه من جهة أنه يجب على هذا ~~الوضع أن يكون الله تعالى إما غير عالم بالأشياء وإما مركبا من ~~الأشياء، وكلاهما كفر، ومع ذلك فيجب أن يكون غير عالم بالغلبة ~~لأنه لا غلبة فيه، فإن الغلبة توجب التفريق والفساد فيما ~~تكون فيه، فيكون الله تعالى غير تام العلم بالمبادى، وهذا ~~شنيع وكفر، ثم يلزم من هذا أن تكون الأرض أيضا عالمة ~~بالأرض والماء بالماء وأن تكون الأرض لا تعلم الماء والماء لا ~~يعلم الأرض، ويكون الحار عالما بالحار غير عالم بالبارد، ويجب ~~أن تكون الأعضاء التى فيها أرضية كثيرة شديدة الإحساس بالأرض، ~~وليست كذلك، بل هى غير حساسة لا بالأرض ولا بغيرها وذلك ~~كالظفر والعظم، ولأن ينفعل الشىء ويتأثر عن ضده أولى من أن ~~يتأثر عن شكله، وأنت تعلم أن الإحساس تاثر ما وانفعال ما، ~~ويجب أن لا تكون هاهنا قوة واحدة تدرك الأضداد، فيكون PageV01P025 ~~البياض والسواد ليس يدركان بحاسة واحدة بل يدرك البياض ~~بجزء من البصر هو أبيض والسواد بجزء منه هو أسود، ولأن ~~الألوان لها تركيبات بلا نهاية فيجب أن يكون قد أعد للبصر ~~أجزاء بلا نهاية مختلفة الألوان، وإن كان لا حقيقة للوسائط وما ~~هى إلا مزج الضدين بزيادة ونقصان من غير اختلاف آخر فيجب ~~ان يكون مدرك البياض يدرك البياض صرفا ومدرك السواد يدرك ~~السواد صرفا إذ لا يمكن أن يدرك غيره، فيجب أن لا يشكل ~~علينا بسائط الممتزج ولا يتخيل إلينا الوسائط التى لا يظهر فيها ~~بياض ms016 وسواد بالفعل، وكذلك يجب أن ندرك المثلث بالمثلث ~~والمدور بالمدور والأشكال الأخرى التى لا نهاية لها والأعداد ~~أيضا بأمثالها، فتكون فى الحاسة أمثال بلا نهاية، وهذا كله ~~محال، وأنت تعلم أن الشىء الواحد يكفى فى أن يكون عيارا ~~للأضداد تعرف به كالمسطرة المستقيمة يعرف بها المستقيم والمنحنى ~~جميعا، وأنه لا يجب أن يعلم كل شىء بشىء خاص، # وأما الذين جعلوا النفس جسما يتحرك بحركته المستديرة التى ~~يتحركها على الأشياء ليدرك بها الأشياء فسنوضح بعد فساد قولهم ~~حين نبين أن الإدراك العقلى لا يجوز أن يكون بجسم، وأما ~~الذين جعلوا النفس مزاجا فقد علم فيما سلف بطلان هذا القول، ~~وعلى أنه ليس كل ما تفسد بفساده الحياة يكون نفسا، فإن PageV01P026 ~~كثيرا من الأشياء والأعضاء والأخلاط وغير ذلك بهذه الصفة، ~~وليس بمنكر أن يكون شىء لا بد منه حتى تكون للنفس علاقة ~~بالبدن ولا يوجب ذلك أن يكون ذلك الشىء نفسا، وبهذا يعلم ~~خطأ من ظن أن النفس دم، فكيف يكون الدم محركا وحساسا، ~~والذى قال إن النفس تاليف فقد جعل النفس نسبة مقولة بين ~~أشياء، فكيف تكون النسبة بين الأضداد محركا ومدركا، ~~والتأليف يحتاج إلى مؤلف لا محالة، فذلك المؤلف أولى أن ~~يكون هو النفس، وهو الذى إذا فارق وجب انتقاض التاليف، ~~ثم سيتضح فى خلال ما نعرفه من أمر النفس بطلان جميع هذه ~~الأقاويل بوجوه أخرى، فيجب الآن أن نكون نحن وراء طلب ~~طبيعة النفس، وقد قيل فى مناقضة هذه الآراء أقاويل ليست بالواجبة ~~ولا اللازمة وإنما تركناها لذلك، ### | فصل 3 (فى أن النفس داخلة فى مقولة الجوهر) # فنقول نحن إنك تعرف مما تقدم لك أن النفس ليست بجسم، ~~فإن ثبت لك أن نفسا ما يصح لها الانفراد بقوام ذاتها لم يقع لك ~~شك فى أنها جوهر، وهذا إنما يثبت لك فى بعض ما يقال له نفس، ~~وأما غيره مثل النفس النباتية والنفس الحيوانية فإن ذلك لا يثبت ~~لك فيه، لكن المادة القريبة لوجود هذه الأنفس فيها إنما هى ما ms017 PageV01P027 ~~هى بمزاج خاص وهيئة خاصة وإنما تبقى بذلك المزاج الخاص ~~بالفعل موجودا ما دام فيها النفس، والنفس هى التى تجعلها بذلك ~~المزاج فإن النفس هى لا محالة علة لتكون النبات والحيوان على ~~المزاج الذى له إذ كانت النفس هى مبدأ التوليد والتربية كما ~~قلنا، فيكون الموضوع القريب للنفس مستحيلا أن يكون هو ما هو ~~بالفعل إلا بالنفس، وتكون النفس علة لكونه كذلك، ولا يجوز أن ~~يقال إن الموضوع القريب حصل موجودا على طباعه وكان ~~ذلك بسبب غير النفس ثم لحقته النفس لحوق ما لا قسط له بعد ~~ذلك فى حفظه وتقويمه وتربيته كالحال فى أعراض يتبع وجودها ~~وجود الموضوع لها اتباعا ضروريا ولا تكون مقومة لموضوعها بالفعل، ~~وأما النفس فإنها مقومة لموضوعها القريب موجدة إياه بالفعل كما ~~تعلم الحال فى هذا إذا تكلمنا فى الحيوان، وأما الموضوع البعيد ~~فبينه وبين النفس صور أخرى تقومه، وإذا فارقت النفس وجب ~~ضرورة أن يكون فراقها يحدث لغالب صير الموضوع بحالة أخرى ~~وأحدث فيه صورة جمادية كالمقابلة للصورة المزاجية الموافقة ~~للنفس ولتلك الصورة، فالمادة لا تبقى بعد النفس على نوعها البتة PageV01P028 ~~بل إما أن يبطل نوعها وجوهرها الذى به كان موضوعا للنفس أو ~~تخلف النفس فيها صورة تستبقى المادة بالفعل على طبيعتها، فلا ~~يكون ذلك الجسم الطبيعى كما كان بل تكون له صورة وأعراض ~~أخرى ويكون قد تبدل أيضا بعض أجزاءها وفارق مع تغير الكل ~~فى الجوهر، فلا تكون هناك مادة محفوظة الذات بعد مفارقة ~~النفس هى كانت موضوعة للنفس والآن هى موضوعة لغيرها فإذن ~~ليس وجود النفس فى الجسم كوجود العرض فى الموضوع، فالنفس ~~إذا جوهر لأنها صورة لا فى موضوع، # لكن لقائل أن يقول لنسلم أن النفس النباتية هذه صورتها فإنها ~~علة لقوام مادتها القريبة وأما النفس الحيوانية فيشبه أن تكون ~~النباتية تقوم مادتها ثم يلزمها اتباع هذه النفس الحيوانية إياها، ~~فتكون الحيوانية متحصلة فى مادة تقومت بذاتها وهى علة لقوام هذه ~~التى حلتها أعنى الحيوانية، فلا تكون الحيوانية إلا قائمة فى ms018 موضوع، ~~فنقول فى جواب ذلك إن النفس النباتية بما هى نفس نباتية لا يجب ~~عنها إلا جسم متغذ مطلقا، ولا النفس النباتية مطقة لها وجود إلا ~~وجود معنى جنسى، وذلك فى الوهم فقط، وأما الموجود فى الأعيان ~~فهو أنواعها، والذى يجب أن يقال إن النفس النباتية سبب له ~~شىء أيضا عام كلى غير محصل وهو الجسم المتغذى النامى PageV01P029 ~~المطلق الجنسي الغير المنوع، وأما الجسم ذو آلات الحس والتمييز ~~والحركة الإرادية فليس مصدره عن النفس النباتبة بما هى نفس ~~نباتية بل بما ينضم إليها فصل آخر تصير به طبيعة أخرى، ولا يكون ~~ذلك إلا أن تصير نفسا حيوانية، # بل يجب أن نبتدىء فنزيد هذا شرحا، فنقول إن النفس ~~النباتية إما أن تعنى بها النفس النوعية التى تخص النبات دون ~~الحيوان، أو يعنى بها المعنى العام الذى يعم النفس النباتية ~~والحيوانية من جهة ما تغذى وتولد وتنمى، فإن هذا قد يسمى ~~نفسا نباتية، وهذا مجاز من القول، فإن النفس النباتية لا تكون ~~إلا فى النبات، ولكن المعنى الذى يعم نفس النبات والحيوان ~~يكون فى الحيوانات كما يكون فى النبات، ووجوده كما يوجد ~~المعنى العام فى الأشياء، وإما أن تعنى بها القوة من قوى النفس ~~الحيوانية التى تصدر عنها أفعال التغذية والتربية والتوليد، فإن عنى ~~بها النفس النباتية التى هى بالقياس إلى النفس الفاعلة للغذاء ~~نوعية فذلك يكون فى النبات لا غير، ليس فى الحيوان، وإن عنى ~~بها المعنى العام فيجب أن ينسب إليها معنى عام لا معنى ~~خاص فإن الصانع العام هو الذى ينسب إليه المصنوع العام، ~~والصانع النوعى كالنجار هو الذى ينسب إليه المصنوع النوعى، ~~والصانع المعين هو الذى ينسب إليه المصنوع المعين، وهذا PageV01P030 ~~شىء قد مر لك تحقيقه، فالذى ينسب إلى النفس النباتية العامة ~~من أمر الجسم أنه نام عام، وأما أنه نام بحيث يصلح لقبول ~~الحس أو لا يصلح فليس ينسب ذلك إلى النفس النباتية من حيث ~~هى عامة، ولا هذا المعنى يتبعها، وأما القسم الثالث فيستحيل ~~أن يكون ms019 على ما يظن من أن القوة النباتية تأتى وحدها فتفعل ~~بدنا حيوانيا، ولو كان المنفرد بالتدبير تلك القوة لكانت تتمم جسما ~~نباتيا، وليس كذلك بل إنما تتمم جسما حيوانيا بآلات الحس ~~والحركة، فتكون هى قوة لنفس لتلك النفس قوى أخرى، وهذه ~~القوة من قواها تتصرف على المثال الذى يؤدى إلى استعداد الآلة ~~للكمالات الثانية التى لتلك النفس التى هذه قوتها، وتلك النفس ~~هى الحيوانية، ويتضح من بعد أن النفس واحدة وأن هذه قوى ~~تنشعب عنها فى الأعضاء، ويتأخر فعل بعضها ويتقدم بحسب ~~استعداد الآلة فالنفس التى لكل حيوان هى جامعة أسطقسات بدنه ~~ومؤلفتها ومركبتها على نحو يصلح معه أن يكون بدنا لها، وهى ~~حافظة لهذا البدن على النظام الذى ينبغى فلا يستولى عليه ~~المغيرات الخارجة ما دامت النفس موجودة فيه، ولولا ذلك لما ~~بقى على صحته، ولاستيلاء النفس عليه ما يعرض من قوة القوة ~~النامية وضعفها عند استشعار النفس قضايا تكرهها أو تحبها كراهية PageV01P031 ~~ومحبة ليست ببدنية البتة، وذلك عندما يكون الوارد على النفس ~~تصديقا ما وليس ذلك مما يؤثر فى البدن بما هو اعتقاد بل يتبع ~~ذلك الاعتقاد انفعال من سرور أو غم، وذلك أيضا من المدركات ~~النفسانية وليس يعرض للبدن بما هو بدن، فيوثر ذلك فى القوة ~~النامية الغاذية حتى يحدث فيها من العارض الذى يعرض للنفس ~~أولا وليكن الفرح النطقى شدة ونفاذ فى فعلها، ومن ~~العارض المضاد لذلك - وليكن الغم النطقى الذى لا ألم بدنى فيه ~~- ضعف وعجز حتى يفسد فعلها، وربما انتقض المزاج به انتقاضا، ~~وكل هذا مما يقنعك فى أن النفس جامعة لقوتى الإدراك واستعمال ~~الغذاء، وهى واحدة لها ليست هذه منفردة عن تلك فبين أن ~~النفس هى مكملة البدن الذى هى فيه وحافظته على نظامه الذى ~~الأولى به أن يتميز ويتفرق إذ كل جزء من أجزاء البدن يستحق ~~مكانا آخر ويستوجب مفارقة لقرينه، وإنما يحفظه على ما هو عليه ~~شىء خارج عن طبيعته، وذلك الشىء هو النفس فى الحيوان، ~~فالنفس إذا كمال لموضوع ذلك ms020 الموضوع متقوم به، وهو ~~أيضا مكمل النوع وصانعه فإن الأشياء المختلفة الأنفس تصير بها ~~مختلفة الأنواع ويكون تغايرها بالنوع لا بالشخص، فالنفس إذن ~~ليست من الأعراض التى لا تختلف بها الأنواع ولا يكون لها ~~مدخل فى تقويم الموضوع، فالنفس إذن كمال كالجوهر وليس يلزم PageV01P032 ~~هذا أن يكون مفارقا أو غير مفارق، فإنه ليس كل جوهر بمفارق، ~~فلا الهيولى بمفارقة ولا الصورة وقد علمت أنت أن الأمر كذلك، ~~فلندل الآن دلالة ما مختصرة على قوى النفس وأفعالها ثم نتبعها ~~بالاستقصاء، ### | فصل 4 (فى تبيين أن اختلاف أفاعيل النفس لاختلاف قواها) # نقول إن للنفس أفعالا تختلف على وجوه، فيختلف بعضها بالشدة ~~والضعف ويبعضها بالسرعة والبطوء، فإن الظن اعتقاد ما يخالف ~~اليقين بالتأكيد والشدة والحدس يخالف التلقن بسرعة الفهم، ~~وقد تختلف أيضا بالعدم والملكة مثل أن الشك يخالف الرأى، ~~فإن الشك عدم اعتقاد من طرفى النقيض والرأى اعتقاد أحد طرفى ~~النقيض، ومثل التحريك والتسكين، وقد تختلف بالنسبة إلى أمور ~~متضادة مثل الإحساس بالأبيض والإحساس بالأسود وإدراك الحلو ~~وإدراك المر، وقد تختلف بالجنس مثل إدراك اللون وإدراك ~~الطعم بل مثل الإدراك والتحريك، وغرضنا الآن ان نعرف القوى ~~التى تصدر عنها هذه الأفاعيل، وأنه هل يجب أن يكون لكل نوع ~~من الفعل قوة تخصه أولا يجب ذلك، # فنقول أما الأفعال المختلفة بالشدة والضعف فإن مبدأها قوة ~~واحدة لكنها تارة تكون أتم فعلا وتارة تكون أنقص فعلا، ولو PageV01P033 ~~كان النقصان يقتضى أن يكون هناك للأنقص قوة غير القوة التى ~~للأتم لوجب أن يكون عدد القوى بحسب عدد مراتب النقصان ~~والزيادة التى لا تكاد تتناهى بل القوة الواحدة يعرض لها تارة ~~أن نفعل الفعل أشد وأضعف بحسب الاختيار وتارة بحسب ~~مؤاتاة الآلة ويحسب عوائق من خارج أن يكون أولا يكون ~~وأن يقل أو يكثر، وأما الفعل وعدمه فقد سلف لك فى الأقاويل ~~الكلية أن مبدأ ذلك قوة واحدة، وأما اختلاف أفعالها التى من ~~باب الملكة بالجنس كالإدراك والتحريك وكإدراك وإدراك فذلك ~~مما بالحرى أن يفحص عنه فاحص ms021 فينظر مثلا هل القوى المدركة ~~كلها قوة واحدة إلا أن لها إدراكات بذاتها هى العقليات وإدراكات ~~ما بآلات مختلفة بسب اختلاف الآلات، فإن كانت العقليات ~~والحسيات مثلا لقوتين فهل الحسيات كلها التى تتخيل من باطن ~~والتى تدرك فى الظاهر لقوة واحدة، فإن كانت التى فى الباطن ~~لقوة أو قوى فهل التى فى الظاهر لقوة واحدة تفعل فى آلات ~~مختلفة أفعالا مختلفة، فإنه ليس بممتنع أن تكون قوة واحدة ~~تدرك أشياء مختلفة الأجناس والأنواع كما هو مشهور من حال ~~العقل عند العلماء ومشهور من حال الخيال عندهم بل كما أن ~~المحسوسات المشتركة التى يزعمون أنها العظم والعدد والحركة ~~والسكون والشكل قد تحس بكل واحدة من الحواس أو بعدة PageV01P034 ~~منها وإن كانت بوساطة محسوس آخر، ثم هل قوة التحريك هى ~~قوة الإدراك ولم لا يمكن ذلك، وهل قوة الشهوة بعينها هى قوة ~~الغضب فإذا صادفت اللذة انفعلت على نحو وإن صادفت الأذى ~~انفعلت على نحو آخر، بل هل الغاذية والنامية والمولدة شتى من ~~هذه القوى، فإن لم تكن فهل هى قوة واحدة حتى إذا كان الشىء ~~لم يتم تصوره حركت الغذاء إلى أقطاره على هيئة وشكل، فإذا ~~استكمل حركت ذلك التحريك بعينه إلا أن الشكل قد تم فلا ~~يحدث شكل آخر والعظم قد بلغ مبلغا لا تفى القوة بأن تورد من ~~الغذاء فيه أكثر مما يتحلل منه فيقف، وهناك يفضل من الغذاء ~~فضل يصح للتوليد، فتنفذه إلى أعضاء التوليد كما تنفذ الغذاء ~~إليها لتغذوها به لكنه يفضل عما تحتاج اليه أعضاء التوليد من ~~الغذاء فضل يصلح لباب آخر فتصرفه تلك القوة بعينها إليه كما ~~تفعل بفضول كثير من الأعضاء، ثم تعجز هذه القوة فى آخر ~~الحياة عن إيراد بدل ما يتحلل مساويا لما يتحلل، فيكون ذبول، ~~فلم نفرض قوة نامية ولا نفرض قوة مذبلة واختلاف الأفعال ليس ~~يدل على اختلاف القوى، فإن القوة الواحدة بعينها تفعل الأضداد، ~~بل القوة الواحدة تحرك بإرادات مختلفة حركات مختلفة، بل القوة ~~الواحدة قد تفعل فى مواد ms022 مختلفة أفاعيل مختلفة، فهذه شكوك PageV01P035 ~~يجب أن يكون حلها مهيأ عندنا حتى يمكننا أن ننتقل ونثبت قوى ~~النفس وأن نثبت أن عددها كذا وأن بعضها مخالف للبعض، فإن ~~الحق عندنا هذا، # فنقول أما أولا فإن القوة من حيث هى قوة بالذات وأولا هى ~~قوة على أمر ما ويستحيل أن تكون مبدأ لشىء آخر غيره، فإنها ~~من حيث هى قوة عليه مبدأ له، فإن كانت مبدأ لشىء آخر ~~فليست هى من حيث هى مبدأ فى ذاتها لذلك الأول، فالقوى ~~من حيث هى قوى إنما تكون مبادىء لأفعال معينة بالقصد الأول، ~~لكنه قد يجوز أن تكون القوة الواحدة مبدأ لأفعال كثيرة بالقصد ~~الثانى بأن تكون تك كالفروع، فلا تكون مبدأ لها أولا، مثل أن ~~الإبصار إنما هو قوة أولا على إدراك الكيفية التى بها يكون الجسم ~~بحيث إذا توسط بين جسم قابل للضوء وبين المضىء لم يفعل ~~المضىء فيه الإضاءة، وهذا هو اللون، ثم اللون يكون بياضا ~~وسوادا، وأيضا القوة المتخيلة هى التى تستثبت صور الأمور ~~المادية من حيث هى مادية مجردة عن المادة نوعا من التجريد غير ~~بالغ كما نذكره بعد، ثم يعرض أن يكون ذلك لونا أو طعما أو ~~صوتا أو عظما أو غير ذلك، والقوة العاقلة هى التى تستثبت ~~صور الأمور من حيث هى بريئة عن المادة وعلائقها، ثم يتفق أن PageV01P036 ~~يكون ذلك شكلا ويتفق أن يكون عددا، وقد يجوز أن تكون القوة ~~معدة نحو فعل بعينه لكنها تحتاج إلى أمر آخر ينضم إليها حينئذ حتى ~~يصير لها ما بالقوة حاصلا بالفعل، فإن لم يكن ذلك الأمر لم تفعل، ~~فيكون مثل هذه القوة تارة مبدأ للفعل بالفعل وتارة غير مبدأ له ~~بالفعل بل بالقوة مثل القوة المحركة فإنها إذا صح الإجماع من ~~القوة الشوقية بسبب داع من التخيل أو المعقول إلى التحريك ~~حركت لا محالة، وإن لم يصح لم تحرك، وليس يصدر عن قوة ~~محركة واحدة بآلة واحدة إلا حركة واحدة إذ الحركات الكثيرة ~~لكثرة آلات الحركة التى هى ms023 العضل فينا، وفى كل عضلة قوة محركة ~~جزئية لا تحرك إلا حركة بعينها، وقد تكون القوة الواحدة أيضا ~~يختلف تأثيرها بحسب القوابل المختلفة والآلات المختلفة، وهذا ~~ظاهر، # فنقول الآن إن أول أقسام أفعال النفس ثلاثة، أفعال يشترك ~~فيها الحيوان والنبات كالتغذية والتربية والتوليد، وأفعال تشترك ~~فيها الحيوانات أو جلها ولاحظ فيها للنبات مثل الإحساس والتخيل ~~والحركة الإرادية، وأفعال تختص بالناس مثل تصور المعقولات ~~واستنباط الصنائع والروية فى الكائنات والتفرقة بين الجميل والقبيح، ~~فلو كانت القوى النفسانية واحدة وكانت الأفعال النباتية تصدر عن PageV01P037 ~~القوة التى تصدر عنها الحيوانية صدورا أوليا لكان عدم الأجسام ~~النباتية وأعضاء الحيوان الذى تغتذى ولا تحس ما هو صلب أولين ~~للإحساس إما أن يكون بسب عدم القوة أو بسبب أن المادة ~~ليست تنفعل عنها، ومحال أن يقال إن المادة ليست تنفعل عن ~~الحر والبرد ولا تتأثر عنهما وعن الطعوم القوية والروائح القوية، ~~فإنها تنفعل عنها، فبقى أن يكون ذلك بسبب عدم القوة الفعالة ~~لذلك، وقد وجدت القوة الغاذية، فإذن القوتان مختلفتان، وأيضا ~~فإن تحريك النفس لا يخلوا إما أن يكون على سبيل نقل مطلق، وكل ~~جسم قابل للنقل مطلقا، وإما أن يكون النقل على سبيل قبض وبسط، ~~فقط دون الحركة وبعضها تنفذ فيه قوة الحركة، ولا تتفاضل ~~وليس يمكن تحريكها، فالسبب فى ذلك ليس من جهتها بل من جهة ~~فقدانها القوة المحركة، وكذلك بعض الأعصاب تنفذ فيه قوة الحس ~~فقط دون الحركة وبعضها تنفذ فيه قوة الحركة، ولا تتفاضل ~~بشىء يعتد به، بل قد يوجد ما يشاكل ما ينفذ فيه الحس ويزيد ~~كذلك وليس تنفذ فيه قوة الحس، وكذلك يمكنك ان تعلم أن ~~كذلك وليس تنفذ فيه قوة الحس، وكذلك يمكنك ان تعلم أن PageV01P038 ~~العين ليست دون اللسان فى أن تفعل عن الطعوم المجاورة، ولا ~~تحس العين بالطعم من حيث هو مذوق - لست أقول من حيث ~~كيفية - ولا بالصوت، وأما القوة الإنسانية فسنبين من أمرها ~~أنها متبرئة الذات عن الانطباع فى المادة ونبين أن جميع الأفعال ~~المنسوبة ms024 إلى الحيوان يحتاج فيها إلى آلة، فإذن الحواس والتخيلات ~~لقوة أخرى مادية غير القوة المحركة وإن كانت تفيض عنها، ~~وقوى الحركة أيضا متعلقة من وجه كما سنبين بقوى الحس والتخيل، ~~فإذا فهمت هذا وما أعطيناك من الأصول سهل عليك أن تعرف فرقان ~~ما بين القوى التى نحن ترتيبها وتعديدها، وتعلم أن كل قوة لها ~~فعل أولى فلا تشارك قوة أخرى لها فعل أولى مخالف لفعلها الأولى، ### | فصل 5 (فى تعديد قوى النفس على سبيل التصنيف) # لنعد الآن قوى النفس عدا على سبيل الوضع ثم لنشتغل بيان حال ~~كل قوة، فنقول القوى النفسانية تنقسم بالقسمة الأولى أقساما ثلاثة، ~~أحدها النفس النباتية، وهى الكمال الأول لجسم طبيعى آلى من ~~جهة ما يتولد وينمى ويغتذى، والغذاء جسم من شأنه أن يتشبه ~~بطبيعة الجسم الذى قيل إنه غذاءه فيزيد فيه مقدار ما يتحلل ~~أو أكثر أو أقل، والثانى النفس الحيوانية وهى الكمال الأول لجسم PageV01P039 ~~طبيعى آلى من جهة ما يدرك الجزيئات ويتحرك بالإرادة، والثالث ~~النفس الإنسانية وهى الكمال الأول لجسم طبيعى آلى من جهة ما ~~ينسب إليه أنه يفعل الأفاعيل الكائنة بالاختيار الفكرى والاستنباط ~~بالرأى ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية، ولو لا العادة لكان ~~الأحسن أن يجعل كل أول شرطا مذكورا فى رسم الثانى إن اردنا أن ~~نرسم النفس لا القوة النفسانية التى للنفس بحسب ذلك الفعل، ~~فإن الكمال مأخوذ فى حد النفس لا فى حد قوة النفس، وأنت ستعلم ~~الفرق بين النفس الحيوانية وبين قوة الإدراك والتحريك، وبين النفس ~~الناطقة وبين القوة على الأمور المذكورة من التمييز وغيره، فإن ~~أردت الاستقصاء فالصواب أن تجعل النباتية جنسا للحيوانية ~~والحيوانية جنسا للانسانية وتأخذ الأعم فى حد الأخص، ولكنك ~~إذا التفت إلى الأنفس من حيث القوى الخاصة لها فى حيوانيتها ~~وإنسانيتها فربما قنعت بما ذكرناه، # وللنفس النباتية قوى ثلاث، الغاذية وهى قوة تحيل جسما ~~غير الجسم الذى هى فيه إلى مشاكلة الجسم الذى هى فيه ~~فتلصقه به بدل ما يتحلل عنه، والقوة المنمية وهى قوة ms025 تزيد فى ~~الجسم الذى هى فيه بالجسم المتشبه به زيادة متناسبة فى أقطاره ~~طولا وعرضا وعمقا ليبلغ به كمال النشوء، والقوة المولدة وهى PageV01P040 ~~قوة تأخذ من الجسم الذى هى فيه جزءا هو شبيهه بالقوة فتفعل ~~فيه باستمداد أجسام أخرى تتشبه به من التخليق والتمزيج ما يصيره ~~شبيها به بالفعل، # وللنفس الحيوانية بالقسمة الأولى قوتان محركة ومدركة، ~~والمحركة على قسمين إما محركة بأنها باعثة على الحركة وإما ~~محركة بأنها فاعلة، والمحركة على أنها باعثة هى القوة النزوعية ~~الشوقية، وهى القوة التى إذا ارتسمت فى التخيل الذى سنذكره ~~بعد صورة مطلوبة أو مهروب عنها بعثت القوة المحركة الأخرى ~~التى نذكرها على التحريك، ولها شعبتان، شعبة تسمى قوة شهوانية ~~وهى قوة تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية ~~أو نافعة طلبا للذة، وشعبة تسمى قوة غضبية وهى قوة تبعث على ~~تحريك يدفع به الشىء المتخيل ضارا أو مفسدا طلبا للغلبة، ~~وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهى قوة تنبعث فى الأعصاب ~~والعضلات من شانها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات ~~المتصلة بالأعضاء إلى نحو جهة المبدأ أو ترخيها أو تمدها ~~طولا فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ، وأما القوة ~~الثمانى، فمنها البصر وهى قوة مرتبة فى العصبة المجوفة تدرك ~~تدرك من داخل، والمدركة من خارج هى الحواس الخمس أو ~~الثمانى، فمنها البصر وهى قوة مرتبة فى العصبة المجوفة تدرك ~~صورة ما ينطبع فى الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات ~~اللون المتأدية فى الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام PageV01P041 ~~الصقيلة، ومنها السمع وهى قوة مرتبة فى العصب المتفرق فى سطح ~~الصماخ تدرك صورة ما يتأدى إليه من تموج الهواء المنضغط بين ~~قارع ومقروع مقاوم له انضغاطا بعنف يحدث عنه صوت فيتأدى ~~تموجه إلى الهواء المحصور الراكد فى تجويف الصماخ ويحركه ~~بشكل حركته وتماس أمواج تلك الحركة العصبة فيسمع، ومنها ~~الشم وهى قوة مرتبة فى زائدتى مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتى ~~الثدى تدرك ما يؤدى إليها الهواء المستنشق من الرائحة الموجودة ~~فى البخار ms026 المخالط له أو الرائحة المنطبعة فيه بالاستحالة من جرم ~~ذى رائحة، ومنها الذوق وهى قوة مرتبة فى العصب المفروش ~~على جرم اللسان تدرك الطعوم المتحللة من الأجرام المماسة له ~~المخالطة للرطوبة العذبة التى فيه مخالطة محيلة، ومنها اللمس ~~وهى قوة مرتبة فى أعصاب جلد البدن كله ولحمه تدرك ما يماسه ~~ويؤثر فيه بالمضادة المحيلة للمزاج أو المحيلة لهيئة التركيب، ~~ويشبه أن تكون هذه القوة عند قوم لا نوعا أخيرا بل جنسا لقوى ~~أربع أو فوقها منبثة معا فى الجلد كله، وإحداها حاكمة فى التضاد ~~الذى بين الحار والبارد، والثانية حاكمة فى التضاد الذى بين ~~الرطب واليابس، والثالثة حاكمة فى التضاد الذى بين الصلب ~~واللين، والرابعة حاكمة فى التضاد الذى بين الخشن والأملس إلا PageV01P042 ~~أن اجتماعها فى آلة واحدة يوهم تأحدها فى الذات، وأما القوى ~~المدركة من باطن فبعضها قوى تدرك صور المحسوسات وبعضها ~~تدرك معانى المحسوسات، ومن المدركات ما يدرك ويفعل معا، ~~ومنها ما يدرك ولا يفعل، ومنها ما يدرك إدراكا أوليا ومنها ما ~~يدرك إدراكا ثانيا، والفرق بين إدراك الصورة وإدراك المعنى أن ~~لكن الحس الظاهر يدركه أولا ويؤديه إلى الحس الباطن مثل إدراك ~~لكن الحس الظاهر يدركه أولا ويؤديه إلى الحس الباطن مثل إدراك ~~الشاة لصورة الذئب أعنى لشكله وهيئته ولونه، فإن الحس الباطن ~~من الشاة يدركها لكن إنما يدركها أولا حسها الظاهر، وأما المعنى ~~فهو الشىء الذى تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه ~~الحس الظاهر أولا مثل إدراك الشاة للمعنى المضاد فى الذئب أو ~~للمعنى الموجب لخوفها إياه وهربها عنه من غير أن يدرك الحس ذلك ~~البتة، فالذى يدرك من الذئب أولا الحس الظاهر ثم الحس الباطن ~~فانه يخص فى هذا الموضع باسم الصورة، والذى تدركه القوى ~~الباطنة دون الحس فيخص فى هذا الموضع باسم المعنى، والفرق ~~بين الإدراك مع الفعل والإدراك لا مع الفعل أن من أفعال بعض ~~القوى الباطنة أن يركب بعض الصور والمعانى المدركة مع بعض ~~ويفصله عن بعض، فيكون قد أدرك ms027 وفعل أيضا فيما أدرك، وأما ~~الإدراك لا مع الفعل فهو أن تكون الصورة أو المعنى يرتسم فى ~~الشىء فقط من غير أن يكون له أن يفعل فيه تصرفا البتة، ~~والفرق بين الإدراك الأول والإدراك الثانى أن الإدراك الأول هو PageV01P043 ~~أن يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع للشىء ~~من نفسه، والإدراك الثانى هو أن يكون حصولها للشىء من جهة ~~شىء آخر أداها إليه، فمن القوى المدركة الباطنة الحيوانية قوة ~~بنطاسيا وهى الحس المشترك وهى قوة مرتبة فى التجويف الأول ~~من الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة فى الحواس الخمس ~~المتأدية إليه، ثم الخيال والمصورة وهى قوة مرتبة أيضا فى ~~آخر التجويف المقدم من الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من ~~الحواس الجزئية الخمس ويبقى فيه بعد غيبة تلك المحسوسات، ~~واعلم أن القبول لقوة غير القوة التى بها الحفظ، فاعتبر ذلك من ~~الماء فان له قوة قبول النقش والرقم وبالجملة الشكل وليس له ~~قوة حفظه، على أن نزيدك لهذا تحقيقا من بعد، وإذا أردت أن ~~تعرف الفرق بين فعل الحس العام الظاهر وفعل الحس المشترك ~~وفعل المصورة فتأمل حال القطر التى تنزل من المطر فترى خطا ~~مستقيما وحال الشىء المستقيم الذى يدور فيرى طرفه دائرة ولا ~~يمكن أن يدرك الشىء خطا أو دائرة إلا ويرى فيه مرارا، والحس ~~الظاهر لا يمكن أن يراه مرتين بل يراه حيث هو، لكنه إذا ارتسم # فى الحس المشترك وزال قبل أن تنمحى الصورة من الحس المشترك ~~أدركه الحس الظاهر حيث هو، وأدركه الحس المشترك كأنه كائن ~~حيث كان فيه وكائن حيث صار إليه، فرأى امتدادا مستديرا أو PageV01P044 ~~مستقيما، وذلك لا يمكن أن ينسب إلى الحس الظاهر البتة، وأما ~~المصورة فتدرك الأمرين وتتصورهما وإن بطل الشىء وغاب، ثم ~~القوة التى تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية ومفكرة بالقياس ~~إلى النفس الإنسانية وهى قوة مرتبة فى التجويف الأوسط من الدماع ~~عند الدودة، من شأنها أن تركب بعض ما فى الخيال مع بعض ~~وتفصل بعضه ms028 عن بعض بحسب الإرادة، ثم القوة الوهمية وهى القوة ~~المرتبة فى نهاية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعانى الغير ~~المحسوسة الموجودة فى المحسوسات الجزئية كالقوة الموجودة فى الشاة ~~الحاكمة بأن هذا الذئب مهروب عنه وأن هذا الولد هو المعطوف ~~عليه، ويشبه أن تكون هى أيضا المتصرفة فى المتخيلات تركيبا ~~وتفصيلا، ثم القوة الحافظة الذاكرة وهى قوة مرتبة فى التجويف ~~المؤخر من الدماغ تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعانى الغير ~~المحسوسة فى المحسوسات الجزئية، ونسبة القوة الحافظة إلى القوة ~~الوهمية كنسبة القوة التى تسمى خيالا إلى الحس، ونسبة تلك القوة ~~إلى المعانى كنسبة هذه القوة إلى الصور المحسوسة، فهذه هى قوى ~~النفس الحيوانية، ~~وأما النفس الناطقه الإنسانية فتنقسم قواها إلى قوة عاملة وقوة ~~عالمة وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الاسم أو ~~تشابهه، فالعاملة قوة هى مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل ~~الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء تخصها اصطلاحية، ولها PageV01P045 ~~اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية، واعتبار بالقياس إلى ~~القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة، واعتبار بالقياس إلى نفسها، ~~فاعتبارها بحسب القياس إلى القوة الحيوانية النزوعية هو القبيل ~~الذى تحدث منه فيها هيئات تخص الإنسان يتهيأ بها لسرعة ~~فعل وانفعال مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ~~ذلك، واعتبارها الذى بحسب القياس الى القوة الحيوانية المتخيلة ~~والمتوهمة هو القبيل الذى ينحاز إليها إذا اشتغلت باستنباط ~~التدابير فى الأمور الكائنة الفاسدة واستنباط الصناعات الإنسانية، ~~واعتبارها الذى بحسب القياس إلى نفسها هو القبيل الذى تتولد ~~فيه بين العقل العملى والعقل النظرى الآراء التى تتعلق بالأعمال ~~وتستفيض ذائعة مشهورة مثل أن الكذب قبيح والظلم قبيح لا على ~~سبيل التبرهن وما أشبه ذلك من المقدمات المحدودة الانفصال ~~عن الأوليات العقلية المحضة فى كتب المنطق وإن كانت إذا ~~برهن عليها صارت من العقلية أيضا على ما عرفت فى كتب ~~المنطق، وهذه القوة يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على ~~حسب ما توجبه أحكام القوة الأخرى التى نذكرها حتى لا تنفعل ~~عنها البتة بل تنفعل ms029 تلك عنها وتكون مقموعة دونها لئلا ~~تحدث فيها عن البدن هيئآت انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية ~~وهى التى تسمى أخلاقا رذيلية، بل يجب أن تكون غير منفعلة PageV01P046 ~~البتة وغير منقادة بل متسلطة فتكون لها أخلاق فضيلية، وقد يجوز ~~أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية أيضا، ولكن إن كانت هى ~~الغالبة تكون لها هيئة فعلية ولهذا العقل هيئة انفعالية، ولتسم ~~كل هيئة خلقا، فيكون شىء واحد يحدث منه خلق فى هذا وخلق فى ~~ذلك، وإن كانت هى المغلوبة تكون لها هيئة انفعالية ولذلك هيئة ~~فعلية غير غريبة، فيكون ذلك أيضا هيئتين وخلقين، أو يكون الخلق ~~واحدا له نسبتان، وإنما كانت الأخلاق التى فينا منسوبة إلى هذه ~~القوة لأن النفس الإنسانية كما يظهر من بعد جوهر واحد وله نسبة ~~وقياس إلى جنبتين، جنبة هى تحته وجنبة هى فوقه، وله بحسب ~~كل جنبة قوة بها تنتظم العلاقة بينه وبين تلك الجنبة فهذه القوة ~~العملية هى القوة التى له لأجل العلاقة التى الى الجنبة التى دونه ~~وهو البدن وسياسته وأما القوة النظرية فهى القوة التى له لأجل العلاقة ~~إلى الجنبة التى فوقه لينفعل ويستفيد منها ويقبل عنها، فكأن ~~للنفس منا وجهين، وجه إلى البدن ويجب أن يكون هذا الوجه غير ~~قابل البتة أثرا من جنس مقتضى طبيعة البدن، ووجه إلى المبادى ~~العالية ويجب أن يكون هذا الوجه دائم القبول عما هناك والتأثر ~~منه، فمن الجهة السفلية تتولد الأخلاق ومن الجهة الفوقانية تتولد ~~العلوم، فهذه هى القوة العملية، PageV01P047 # وأما القوة النظرية فهى قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية ~~المجردة عن المادة، فإن كانت مجردة بذاتها فأخذها لصورتها ~~فى نفسها أسهل، وإن لم تكن فإنها تصير مجردة بتجريدها إياها ~~حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شىء، وسنوضح كيفية هذا ~~من بعد، وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور نسب مختلفة، ~~وذلك لأن الشىء الذى من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة ~~قابلا له وقد يكون بالفعل قابلا له، والقوة تقال على ثلاثة معان ms030 ~~بالتقديم والتأخير، فيقال قوة للاستعداد المطلق الذى لا يكون ~~خرج منه بالفعل شىء ولا أيضا حصل ما به يخرج كقوة الطفل ~~على الكتابة، ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل للشىء ~~إلا ما يمكنه به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة كقوة ~~الصبى الذى ترعرع وعرف الدواة والقلم وبسائط الحروف على ~~الكتابة، ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة وحدث مع الآلة ~~أيضا كمال الاستعداد بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا ~~حاجة إلى الاكتساب بل يكفيه أن يقصد فقط كقوة الكاتب ~~المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتب، والقوة الأولى تسمى مطلقة ~~وهيولانية، والقوة الثانية تسمى قوة ممكنة، والقوة الثالثة تسمى ~~كمال القوة، فالقوة النظرية إذن تارة تكون نسبتها إلى الصور ~~المجردة التى ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة، وذلك حينما تكون PageV01P048 ~~هذه القوة التى للنفس لم تقبل بعد شيئا من الكمال الذى بحسبها ~~وحينئذ تسمى عقلا هيولانيا، وهذه القوة التى تسمى عقلا هيولانيا ~~موجودة لكل شخص من النوع، وإنما سميت هيولانية تشبيها إياها ~~باستعداد الهيولى الأولى التى ليست هى بذاتها ذات صورة من ~~الصور، وهى موضوعة لكل صورة، وتارة نسبة ما بالقوة الممكنة ~~وهى أن تكون القوة الهيولانية قد حصل فيها من المعقولات ~~المعقولات الأولى التى يتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية، ~~أعنى بالمعقولات الأولى المقدمات التى يقع بها التصديق لا ~~باكتساب ولا بأن يشعر المصدق بها أنه كان يجوز له أن يخلو ~~عن التصديق بها وقتا البتة مثل اعتقادنا بأن الكل أعظم من ~~الجزء وأن الأشياء المساوية لشىء واحد بعينه متساوية، فما دام ~~إنما حصل فيها من معنى ما بالفعل هذا القدر بعد فإنها ~~تسمى عقلا بالملكة، ويجوز أن تسمى هذه عقلا بالفعل ~~بالقياس إلى الأولى لأن القوة الأولى ليس لها أن تعقل شيئا ~~بالفعل، وأما هذه فإن لها أن تعقل إذا أخذت تبحث بالفعل، ~~وتارة تكون نسبة ما بالقوة الكمالية، وهو أن يكون حصل فيها ~~أيضا الصور المعقولة المكتسبة بعد المعقولة الأولية إلا أنه ليس ms031 ~~يطالعها ويرجع إليها بالفعل، بل كأنها عنده مخزونة فمتى شاء ~~طالع تلك الصور بالفعل فعقلها وعقل أنه قد عقلها، ويسمى عقلا PageV01P049 ~~بالفعل لأنه عقل يعقل متى شاء بلا تكلف اكتساب وإن كان ~~يجوز أن يسمى عقلا بالقوة بالقياس إلى ما بعده، وتارة تكون النسبة ~~نسبة ما بالفعل المطلق وهو أن تكون الصور المعقولة حاضرة فيه ~~وهو يطالعها بالفعل، فيعقلها ويعقل أنه يعقلها بالفعل، فيكون ~~ما حصل له حينئذ عقلا مستفادا، وإنما سمى عقلا مستفادا لأنه ~~سيتضح لنا أن العقل بالقوة إنما يخرج إلى الفعل بسبب عقل هو ~~دائما بالفعل وأنه إذا اتصل العقل بالقوة بذلك العقل الذى ~~بالفعل نوعا من الاتصال انطبع فيه نوع من الصور تكون مستفادة ~~من خارج، فهذه أيضا مراتب القوى التى تسمى عقولا نظرية، ~~وعند العقل المستفاد يتم الجنس الحيوانى والنوع الإنسانى منه، ~~وهناك تكون القوة الإنسانية قد تشبهت بالمبادى الأولية ~~للوجود كله، # فاعتبر الآن وانظر إلى حال هذه القوى كيف يرؤس بعضها ~~بعضا وكيف يخدم بعضها بعضا، فإنك تجد العقل المستفاد رئيسا، ~~ويخدمه الكل، وهو الغاية القصوى، ثم العقل بالفعل يخدمه ~~العقل بالملكة، والعقل الهيولانى بما فيه من الاستعداد يخدم ~~العقل بالملكة، ثم العقل العملى يخدم جميع هذا لأن العلاقة ~~البدنية كما سيتضح بعد لأجل تكميل العقل النظرى وتزكيته ~~وتطهيره، والعقل العملى هو مدبر تلك العلاقة، ثم العقل العملى ~~يخدمه الوهم، والوهم يخدمه قوتان، قوة بعده وقوة قبله، فالقوة ~~التى بعده هى القوة التى تحفظ ما أداه الوهم أى الذاكرة، PageV01P050 ~~والقوة التى قبله هى جميع القوى الحيوانية، ثم المتخيلة، تخدمها ~~قوتان مختلفتا المأخذين، فالقوة النزوعية تخدمها بالائتمار لأنها ~~تبعثها على التحريك نوعا من البعث، والقوة الخيالية تخدمها ~~بعرضها الصور المخزونة فيها المهيأة لقبول التركيب والتفصيل، ~~ثم هذان رئيسان لطائفتين، أما القوة الخيالية فتخدمها فنطاسيا ~~وفنطاسيا تخدمها الحواس الخمس، وأما القوة النزوعية فتخدمها ~~الشهوة والغضب، والشهوة والغضب تخدمهما القوة المحركة فى ~~العضل، فهاهنا تفنى القوى الحيوانية، ثم القوى الحيوانية ~~تخدمها النباتية، وأولها ورأسها المولدة، ثم النامية ms032 تخدم المولدة، ~~ثم الغاذية تخدمهما جميعا، ثم القوى الطبيعية الأربع تخدم هذه، ~~والهاضمة منها تخدمها الماسكة من جهة والجاذبة من جهة، ~~والدافعة تخدم جميعها، ثم الكيفيات الأربع تخدم جميع ذلك، ~~لكن الحرارة تخدمها البرودة، فإنها إما أن تعد للحرارة مادة أو ~~تحفظ ما هيأته الحرارة ولا مرتبة للبرودة فى القوى الداخلة فى ~~الأعراض الطبيعية إلا منفعة تابع تال، وتخدمهما جميعا ~~اليبوسة والرطوبة، وهناك آخر درجات القوى، PageV01P051 ### | المقالة الثانية ### | فصل 1 (فى تحقيق القوى المنسوبة إلى النفس النباتية) # فلنبدأ بتعريف حال القوى المذكورة قوة قوة، ولنعرفها من جهة ~~أفعالها، وأول ذلك أفعال القوى النباتية، وأولها حال التغذية، ~~فنقول قد علمت فيها سلف نسبة الغذاء إلى المتغذى وحد كل واحد ~~منها وخاصيته، فنقول الآن إن الغذاء ليس إنما يستحيل دائما ~~إلى طبيعة المتغذى دفعة، بل أولا يستحيل استحالة ما عن كيفيته ~~ويستعد للاستحالة إلى جوهر المتغذى، فتفعل فيه قوة من خدم ~~القوة الغاذية، وهى الهاضمة وهى التى تذيب الغذاء فى الحيوان، ~~وتعده للنفوذ المستوى، ثم أن القوة الغاذية تحيله فى الحيوان ~~الدموى أول الإحالة إلى الدم والأخلاط التى منها قوام البدن على ما ~~بينا فى مواضع أخرى، وكل عضو فإنه يختص بقوة غاذية تكون ~~فيه وتحيل الغذاء إلى مشابهته الخاصة فتلصقه به، فالقوة الغاذية ~~تورد البدل أى بدل ما يتحلل وتشبه وتلصق، وأنه وإن كان ~~الغذاء اكثر منافعه أنه يقوم بدل ما يتحلل، فإنه ليست الحاجة إلى ~~الغذاء لذلك فقط بل قد تحتاج إليه الطبيعة فى أول الأمر للتربية، ~~وإن كان بعد ذلك إنما تحتاج إلى وضعه موضع المتحلل فقط، ~~فالقوة الغاذية من قوى النفس النباتية تفعل فى جميع مدة بقاء ~~الشخص وما دامت موجودة تفعل أفاعيلها وجد النبات والحيوان PageV01P052 ~~باقيين، فإن بطلت لم يوجد النبات والحيوان باقيين، وليس ~~كذلك حال سائر القوى النباتية، والنامية تفعل فى أول كون ~~الحيوان فعلا ليس هو التغذية فقط، وذلك لأن غاية التغذية ما ~~حددناه، وأما هذه القوة فإنها توزع الغذاء على خلاف مقتضى ~~القوة الغاذية، ms033 وذلك لأن الذى للقوة الغاذية لذاتها أن توتى كل ~~عضو من الغذاء بقدر عظمه وصغره وتلصق به من الغذاء بمقداره ~~الذى له على السواء، وأما القوة النامية فإنها تسلب جانبا من ~~البدن من الغذاء ما يحتاج إليه لزيادة فى جهة أخرى فتلصقه ~~تلك الجهة لتزيد تلك الجهة فوق زيادة جهة أخرى مستخدمة ~~للغاذية فى جميع ذلك، ولو كان الأمر إلى الغاذية لسوت بينها أو ~~لفضلت الجهة التى نقصتها النامية، مثال ذلك أن الغاذية: إذا ~~انفردت وقوى فعلها وكان ما تورد أكثر مما يتحلل فإنها تزيد فى ~~عرض الأعضاء وعمقها زيادة ظاهرة بالتسمين ولا تزيد فى الطول ~~زيادة يعتد بها، وأما المربية فإنها تزيد فى الطول أكثر كثيرا مما ~~تزيد فى العرض والزيادة فى الطول أصعب من الزيادة فى العرض، ~~وذلك لأن الزيادة فى الطول يحتاج فيها إلى تنفيذ الغذاء فى ~~الأعضاء الصلبة من العظام والعصب تفيذا فى أجزاءها طولا ~~لتنميها وتبعد بين أطرافها، والزيادة فى العرض قد تغنى فيها ~~تربية اللحم وتغذية العظم أيضا عرضا من غير حاجة إلى تنفيذ ~~شىء كثير فيه وتحريكه، وربما كانت أعضاء هى فى أول النشوء PageV01P053 ~~صغيرة وأعضاء هي فى أول النشوء كبيرة، ثم يحتاج فى آخر النشوء ~~أن يصير ما هو أصغر أكبر وما هو أكبر أصغر، فلو كان التدبير ~~إلى الغاذية لكان يستمر ذلك على نسبة واحدة، فالقوة الغاذية من ~~حيث هى غاذية تأتى بالغذاء وتقتضى إلصاقه بالبدن على النحو ~~المستوى أو القريب من المستوى وعلى الوجه الذى فى طبعها أن ~~تفعله عند الإسمان، وأما النامية فتوعز إلى الغاذية بأن تقسم ~~ذلك الغذاء وتنفذه إلى حيث تقتضى التربية خلافا لمقتضى الغاذية، ~~والغاذية تخدمها فى ذلك لأن الغاذية لا محالة هى الملصقة لكنها ~~تكون متصرفة تحت تصريف القوة المربية، والقوة المربية إنما ~~تنحو نحو تمام النشوء، وأما المولدة فلها فعلان، أحدهما تخليق ~~البزر وتشكيله وتطبيعه، والثانى إفادة أجزاءه فى الاستحالة الثانية ~~صورها من القوى والمقادير والأعداد والأشكال والخشونة والملاسة ~~وما يتصل بذلك متسخرة تحت ms034 تدبير المنفرد بالجبروت، فتكون ~~الغاذية تمدها بالغذاء والنامية تخدمها بالتمديدات المشاكلة، ~~فهذا الفعل يتم منها فى أول تكون الشىء، ثم يبقى التدبير مفوضا ~~إلى النامية والغاذية، فإذا كاد فعل النامية يستتم فحينئذ تنبعث ~~القوة المولدة فى توليد البزر والمنى لتسكنهما القوة التى هى ~~من جنسها مع الخادمتين، وبالجملة فإن القوة الغاذية مقصودة ~~ليحفظ بها جوهر الشخص، والقوة النامية مقصودة ليتم بها جوهر PageV01P054 ~~الشخص، والقوة المولدة مقصودة ليستبقى بها النوع إذ كان ~~حب الدوام أمرا فائضا من الإله على كل شىء فما لم يصلح ~~أن يبقى بشخصه ويصلح أن يبقى بنوعه فإنه تنبعث فيه قوة إلى ~~استجلاب بدل يعقبه ليحفظ به نوعه، فالغاذية تورد بدل ما ~~يتحلل من الشخص والمولدة تورد بدل ما يتحلل من النوع، وقد ~~ظن بعضهم أن الغاذية نار لأن النار تغتذى وتنمو، وقد أخطأ من ~~وجهين، أحدهما من جهة أن الغاذية ليست تغتذى بنفسها بل ~~تغذو البدن وتنميه، والنار إن كانت تغتذى فهى إنما تغذى ~~وتنمى نفسها، ومن وجه آخر أن النار ليست تغتذى بل تتولد شيئا ~~بعد شىء ويطفأ ما تقدم، ثم لو كانت تغتذى وكان حكمها حكم غذاء ~~الأبدان لما كان يجب أن يكون للأبدان وقوف فى النمو، فإن النار ~~ما دامت تجد مادة لم تقف بل تزيدت إلى غير نهاية، وأعجب ~~من هذا ما قال صاحب هذا القول إن الأشجار تعرق من أسفل ~~لأن الأرضية تتحرك إلى أسفل وتفترع إلى فوق لأن النار ~~تتحرك إلى فوق، فأول غلطه هو أن كثيرا من النبات أغصانه ~~أقل من عروقه، وثانيا أنه لم لا ينفصل بهذه الحركة فيفارق ~~الثقيل الخفيف، فإن كان ذلك لتدبير النفس فليجعل التعريق ~~والتفريع أيضا لنفس، وعلى أنه يشبه أن يكون الفوق فى ~~النبات حيث رأسه، ورأس النبات عروقه ومنه منشأة، ثم إن آلة ~~هذه القوة الأولية هى الحار الغريزى، فإن الحار هو المستعد PageV01P055 ~~لتحريك المواد ويتبعه البرد لتسكينها عند الكمالات من الخلق ~~مختومة عليها، وأما من الكيفيات المنفعلة فآلتها الأولية الرطوبة، ~~فإنها ms035 هى التى تتخلق وتتشكل وتتبعها اليبوسة، فإنها تحفظ الشكل ~~وتفيد التماسك، والقوة النباتية التى فى الحيوان فإنها تولد جسما ~~حيوانيا، وذلك لأنها نباتية تتعلق بها قوة الحيوان، وهى الفصل ~~الذى لها مما يشاركها فى كونها ذات قوة التغذية والنمو فتمزج ~~الأركان والعناصر مزاجا يصلح للحيوان إذ ليس تتولى مزاجها القوة ~~المشتركة بين النبات والحيوان من حيث هى مشتركة، فإنها من ~~حيث هى مشتركة لا توجب مزاجا خاصا، بل إنما توجب مزاجا ~~خاصا فيها لأنها مع أنها غاذية هى أيضا حيوانية فى طباعها ~~أن تحس وتحرك إذا حصلت الآلة، وهى بعينها حافظة لذلك ~~التأليف والمزاج حفظا إذا أضيف إلى ذوات التأليف كان قسريا، لأنه ~~ليس من طباع العناصر والأجسام المتضادة أن تأتلف لذاتها بل ~~من طباعها الميل إلى جهات مختلفة، وإنما تؤلفها النفس الخاصة ~~مثلا فى النخلة نفس نخلية وفى العنب نفس عنبية وبالجملة النفس ~~التى تكون صورة لتلك المادة، والنفس إذا صارت نخلية كان لها ~~مع أنها نفس النمو زيادة أنها نفس نخلية وفى العنب أنها نفس ~~عنبية، وليست النخلة تحتاج إلى نفس نباتية ونفس أخرى تكون ~~بتلك النفس نخلة وإن كان ليس لها أفعال خارجة عن أفعال PageV01P056 ~~النبات، بل تكون نفسها النباتية فى نباتيتها أنها نخلية، وأما ~~النفس النباتية التى فى الحيوان فإنها تعد خلقة الحيوان نحو ~~أفعال غير أفعالها وحدها من حيث هى نباتية، فهى مدبرة ~~نفس حيوانية، بل هى بالحقيقة غير نفس نباتية أللهم إلا أن يقال ~~إنها نفس نباتية بالمعنى الذى ذكرنا أعنى العام، فالفصل المقوم ~~الذى عنه نفس نفس من النفوس النباتية أعنى الفصول التى لنبت ~~ما دون نبت ما لا يكون إلا مبدأ فعل نباتى مخصص فقط، وأما ~~النفس النباتية الحيوانية ففصلها القاسم إياها المقوم لنوع نوع ~~تحتها هو قوة النفس الحيوانية المقارنة لها التى يعد لها ~~البدن، وهو فصل على نحو الفصول التى تكون للبسائط لا التى ~~تكون للمركبات، وأما النفس الإنسانية فلا تتعلق بالبدن تعلقا صوريا ~~كما نبين، فلا تحتاج أن يعد ms036 لها عضو، نعم قد تتميز الحيوانية ~~التى لها عن سائر الحيوانات وكذلك الأعضاء المعدة لحيوانيتها ~~أيضا، PageV01P057 ### | فصل 2 (فى تحقيق أصناف الإدراكات التى لنا) # فلنتكلم الآن فى القوى الحاسة والدراكة ولنتكلم فيها كلاما كليا، ~~فنقول يشبه أن يكون كل إدرك إنما هو أخذ صورة المدرك بنحو ~~من الأنحاء، فإن كان الإدراك إدراكا لشىء مادى فهو أخذ صورته ~~مجردة عن المادة تجريدا ما، إلا أن أصناف التجريد مختلفة ~~ومراتبها متفاوتة، فإن الصورة المادية يعرض لها بسبب المادة ~~أحوال وأمور ليست هى لها بذاتها من جهة ما هى تلك الصورة، ~~فتارة يكون النزع عن المادة نزعا مع تلك العلائق كلها أو بعضها ~~وتارة يكون النزع نزعا كاملا، وذلك بأن يجرد المعنى عن ~~المادة وعن اللواحق التى له من جهة المادة، مثاله أن الصورة ~~الإنسانية والماهية الإنسانية طبيعة لا محالة يشترك فيها أشخاص ~~النوع كلها بالسوية، وهى بحدها شىء واحد وقد عرض لها أن ~~وجدت فى هذا الشخص وذلك الشخص فتكثرت، وليس ذلك لها ~~من جهة طبيعتها الإنسانية، ولو كان للطبيعة الإنسانية ما يجب ~~فيها التكثر لما كان يوجد إنسان محمولا على واحد بالعدد، ولو ~~كانت الإنسانية موجودة لزيد لأجل أنها إنسانيته لما كانت ~~لعمرو، فإذن أحد العوارض التى تعرض للإنسانية من جهة PageV01P058 ~~المادة هو هذا النوع من التكثر والانقسام، ويعرض لها أيضا ~~غير هذا من العوارض، وهو أنها إذا كانت فى مادة ما حصلت ~~قدر من الكم والكيف والأين والوضع، وجميع هذه أمور غريبة ~~عن طباعها، وذلك لأنه لو كانت الإنسانية هى على هذا الحد أو حد ~~آخر من الكم والكيف والأين والوضع لأجل أنها إنسانية لكان يجب ~~أن يكون كل إنسان مشاركا للآخر فى تلك المعانى، ولو كانت لأجل ~~الإنسانية على حد آخر وجهة أخرى من الكم والكيف والأين والوضع ~~لكان كل إنسان يجب أن يشترك فيه، فإذن الصورة الإنسانية ~~بذاتها غير مستوجبة أن يلحقها شىء من هذه اللواحق العارضة لها ~~بل من جهة المادة الأن المادة التى تقارنها تكون قد ms037 لحقتها هذه ~~اللواحق، فالحس يأخذ الصورة عن المادة مع هذه اللواحق ومع ~~وقوع نسبة بينها وبين المادة إذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الأخذ، ~~وذلك لأنه لا ينزع الصورة عن المادة نزعا محكما بل يحتاج ~~إلى وجود المادة أيضا فى أن تكون تلك الصورة موجودة له، وأما ~~الخيال والتخيل فإنه يبرىء الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة ~~أشد، وذلك لأنه يأخذها عن المادة بحيث لا تحتاج فى وجودها ~~فيه إلى وجود مادتها لأن المادة وإن غابت أو بطلت فإن الصورة ~~تكون ثابتة الوجود فى الخيال، فيكون أخذه إياها قاصما للعلاقة PageV01P059 ~~بينها وبين المادة قصما تاما، إلا أن الخيال لا يكون قد جردها ~~عن اللواحق المادية، فالحس لم يجردها عن المادة تجريدا تاما ~~ولا جردها عن لواحق المادة، وأما الخيال فإنه قد جردها عن ~~المادة تجريدا تاما ولكن لم يجردها البتة عن لواحق المادة لأن ~~الصورة التى فى الخيال هى على حسب الصورة المحسوسة وعلى ~~تقدير ما وتكييف ما ووضع ما، وليس يمكن فى الخيال البتة أن ~~تتخيل صورة هى بحال يمكن أن يشترك فيها جميع أشخاص ذلك ~~النوع، فإن الإنسان المتخيل يكون كواحد من الناس، ويجوز أن ~~يكون ناس موجودين ومتخيلين ليسوا على نحو ما تخيل الخيال ~~ذلك الإنسان، وأما الوهم فإنه قد يتعدى قليلا هذه المرتبة فى ~~التجريد لأنه ينال المعانى التى ليست هى فى ذاتها بمادية وإن ~~عرض لها أن تكون فى مادة، وذلك لأن الشك واللون والوضع وما ~~أشبه ذلك أمور لا يمكن أن تكون إلا لمواد جسمانية وأما الخير والشر ~~والموافق والمخالف وما أشبه ذلك فهى أمور فى أنفسها غير مادية، ~~وقد يعرض لها أن تكون مادية، والدليل على أن هذه الأمور غير ~~مادية أن هذه الأمور لو كانت بالذات مادية لما كان يعقل خير ~~وشر أو موافق ومخالف إلا عارضا لجسم، وقد يعقل ذلك بل ~~يوجد، فبين أن هذه الأمور هى فى أنفسها غير مادية وقد عرض لها ~~أن كانت مادية، والوهم إنما ينال ويدرك أمثال ms038 هنه الأمور، فإذن ~~الوهم قد يدرك أمورا غير مادية، ويأخذها عن المادة كما يدرك PageV01P060 ~~ايضا معانى غير محسوسة وإن كانت مادية، فهذا النزع إذن أشد ~~استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين إلا أنه مع ذلك ~~لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة لأنه يأخذها جزئية وبحسب ~~مادة مادة وبالقياس إليها ومتعلقة بصورة محسوسة مكنوفة بلواحق ~~المادة ويمشاركة الخيال فيها، وأما القوة التى تكون الصور ~~المستثبتة فيها إما صور موجودات ليست بمادية البتة ولا عرض لها ~~أن تكون مادية أو صور موجودات مادية ولكن مبرأة عن علائق ~~المادة من كل وجه فبين أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجردا ~~عن المادة من كل وجه، أما ما هو متجرد بذاته عن المادة فالأمر ~~فيه فظاهر، وأما ما هو موجود للمادة إما لأن وجوده مادى وإما ~~عارض له ذلك فتنزعه عن المادة وعن لواحق المادة معها وتأخذه ~~اخذا مجردا حتى يكون مثل الإنسان الذى يقال على كثيرين وحتى ~~يكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة، وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ~~ووضع مادى ولو لم تجرده عن ذلك لما صلح أن يقال على الجميع، ~~فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسى وإدراك الحاكم الخيالى ~~وإدراك الحاكم الوهمى وإدراك الحاكم العقلى، وإلى هذا ~~المعنى كنا نسوق الكلام فى هذا الفصل، # فنقول إن الحاس فى قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل إذ ~~كان الإحساس هو قبول صورة الشىء مجردة عن مادته فيتصور بها ~~الحاس، فالمبصر مثل المبصر بالقوة وكذلك الملموس والمطعوم PageV01P061 ~~وغير ذلك، والمحسوس الأول بالحقيقة هو الذى يرتسم فى آلة ~~الحس، وإياه ندرك، ويشبه أن يكون إذا قيل أحسست الشىء ~~الخارجى كان معناه غير معنى أحسست فى النفس، فإن معنى قوله ~~أحسست الشىء الخارجى أن صورته تمثلت فى حسى ومعنى ~~أحسست فى النفس أن الصورة نفسها تمثلت فى حسى، فلهذا ~~يصعب إثبات وجود الكيفيات المحسوسة فى الأجسام، لكنا نعلم ~~يقينا أن جسمين واحدهما يتأثر عنه الحس شيئا والآخر لا يتأثر ~~عنه ذلك الشىء أنه مختص فى ms039 ذاته بكيفية هى مبدأ إحالة ~~الحاسة دون الآخر، وأما ديمقراطيس وطائفة من الطبيعين فلم ~~يجعلوا لهذه الكيفيات وجودا البتة بل جعلوا الأشكال التى يجعلونها ~~للأجرام التى لا تتجزأ أسبابا لاختلاف ما يتأثر فى الحواس باختلاف ~~ترتيبها ووضعها، قالوا ولهذا ما يكون الإنسان الواحد قد يحس ~~لونا واحدا على لونين بحسب وقوفين منه يختلف بذلك نسبته ~~من أوضاع المرئى الواحد كطوق الحمامة فإنها ترى مرة شقراء ~~ومرة أرجوانية ومرة على لون الذهب وبحسب اختلاف المقامات، ~~فلهذا ما يكون شىء واحد عند إنسان صحيح حلوا وعند إنسان ~~مريض مرا، فهؤلاء هم الذين جعلوا الكيفيات المحسوسة لا حقائق ~~لها فى أنفسها إنما هى أشكال، وههنا قوم آخرون أيضا ممن لا ~~يرون هذا المذهب لا يجعلون لهذه الكيفيات حقيقة فى الأجسام، ~~بل يرون أن هذه الكيفيات إنما هى انفعالات للحواس فقط من غير ~~أن يكون فى المحسوسات شىء منها، وقد بينا فساد هذا الرأى PageV01P062 ~~وبينا أن فى بعض الأجسام خاصية تؤثر فى اللسان مثلا الشىء الذى ~~نسميه إذا ذقناه حلاوة، ولبعضها خاصية أخرى من جنسها، وهذه ~~الخاصية نسميها الطعم لا غير، وأما مذهب أصحاب الأشكال فقد ~~نقضنا أصله فى ما سلف، ثم قد يظهر لنا سريعا بطلانه، فإنه لو كان ~~المحسوس هو الشكل لكان يجب إذا لمسنا الشكل وأدركناه خصوصا ~~بالحدقة أن نكون رأينا أيضا لونه، فإن الشىء الواحد من جهة ~~واحدة يدرك شيئا واحدا، فإن أدرك من جهة ولم يدرك من جهة ~~فالذى لم يدرك منه غير المدرك، فيكون اللون إذا غير الشكل، ~~وكذلك أيضا الحرارة غير الشكل أللهم إلا أن يقال إن الشىء ~~الواحد يؤثر فى شيئين أثرين مختلفين، فيكون أثره فى شىء ما ملموسا ~~وأثره فى شىء آخر مرئيا، فإذا كان كذلك لم يكن الشكل نفسه ~~محسوسا بل أثر مختلفأ يحدث عنه فى الحواس المختلفة غير ~~نفسه، والحاس أيضا جسم، وعنده أنه لا يتأثر إلا بالشكل، فيكون ~~أيضا الحاس إنما يتأثر بالشكل، فيكون الشىء الواحد يؤثر فى آلة ~~شكلا ما وفى ms040 آلة أخرى شكلا آخر، لكن لا شىء من الأشكال عنده ~~إلا ويجوز أن يلمس، فيكون هذا المرئى أيضا يجوز أن يلمس، ثم ~~من الظاهر البين أن اللون فيه مضادة وكذلك الطعم وكذلك أشياء ~~أخرى، ولا شىء من الأشكال بمضاد لشيء، وهؤلاء بالحقيقة ~~يجعلون كل محسوس ملموسا، فإنهم يجعلون أيضا البصر ينفذ فيه ~~شىء ويلمس، ولو كان كذلك لكان يجب أن يكون المحسوس PageV01P063 ~~بالوجهين جميعا هو الشكل فقط، ومن العجائب غفلتهم عن أن ~~الأشكال لا تدرك إلا أن يكون هناك ألوان أو طعوم أو روائح أو ~~كيفيات أخرى، ولا يحس البتة بشكل مجرد، فإن كان لأن الشكل ~~المجرد إذا صار محسوسا أحدث فى الحس أثرا من هذه الآثار غير ~~الشكلية فقد صح وجود هذه الآثار، وإن لم تكن هذه الآثار إلا ~~نفس الشكل وجب أن يحس شكل مجرد من غير أن يحس معه شىء ~~آخر، # وقال قوم من الأوانل إن المحسوسات قد يجوز أن تحس بها ~~النفس بلا وسائط البتة ولا آلات، أما الوسائط فمثل الهواء مثلا ~~للإبصار، وأما الآلات فمثل العين للإبصار، وقد بعدوا عن الحق، ~~فإنه لو كان الإحساس يقع للنفس بذاتها من غير هذه الآلات ~~لكانت هذه الآلات معطلة فى الخلقة لا ينتفع بها، وأيضا فإن ~~النفس إذا كانت غير جسم عندهم ولا ذات وضع فيستحيل أن ~~يكون بعض الأجسام قريبا منها ومتجها إليها وبعضها بعيدا عنها ~~ومحتجبا منها فلا يحس، وبالجملة يجب أن لا يكون اختلاف فى ~~أوضاع الأجسام منها وحجب وإظهار، فإن هذه الأحوال تكون ~~للأجسام عند الأجسام، فيجب أن تكون النفس إما مدركة لجميع ~~المحسوسات وإما غير مدركة وأن لا تكون غيبة المحسوس تزيله ~~عن الإدراك لأن هذه الغيبة غيبة عند شىء لا محالة هى خلاف ~~الحضرة منه، فيكون عند ذلك الشىء غيبة مرة وحضور مرة، ~~وذلك مكانى وضعى، فيجب أن تكون النفس جسما، وليس ذلك PageV01P064 ~~بمذهب هؤلاء، وسنبين لك بعد أن الصور المدركة التى لا يتم ~~نزعها عن المادة وعلائق المادة يستحيل أن تستثبت ms041 بغير آلة ~~جسدانية، ولو لم تحتج النفس فى إدراك الأشياء إلى المتوسطات ~~لوجب أن لا يحتاج البصر إلى الضوء وإلى توسط الشاف ولكان ~~تقريب المبصر من العين لا يمنع الإبصار ولكان سد الأذن لا يمنع ~~الصوت ولكانت الآفات العارضة لهذه الآلات لا تمنع الإحساس، ~~ومن الناس من جعل المتوسط عائقا، وقال إنه لما كان المتوسط ~~كلما كان أرق كان أدل فلو لم يكن بل كان خلاء صرف لتمت ~~الدلالة ولأبصر الشىء أكثر مما يبصر حتى كان يمكن أن تبصر ~~نملة فى السماء، وهذا كلام باطل، فليس إذا أوجب رقته ~~زيادة أن يكون عدمه يزيد أيضا فى ذلك، فإن الرقة ليس هو ~~طريقا إلى عدم الجسم، وأما الخلاء فهو عدم الجسم عندهم، ~~بل لو كان الخلاء موجودا لما كان بين المحسوس والحاس المتباينين ~~موصل البتة، ولم يكن فعل ولا انفعال، ومن الناس من ظن ~~شيئا آخر وهو أن الحاس المشترك أو النفس متعلق بالروح ~~وهو جسم لطيف سنشرح حاله بعد وآلة الإدراك وأنه وحده يجوز ~~أن يمتد إلى المحسوسات فيلاقيها أو يوازيها أو يصير منها بوضع ~~ذلك الوضع يوجب الإدراك، وهذا المذهب أيضا فاسد، فإن الروح ~~لا يضبط جوهره إلا فى هذه الوقايات التى تكنفه وأنه إذا PageV01P065 ~~خالطه شىء من خارج أفسد جوهره مزاجا وتركيبا، ثم ليس له ~~حركة انتقال خارجا وداخلا، ولو كان له هذا لجاز أن يفارق ~~الإنسان ويعود إليه، فيكون للإنسان أن يموت وأن يحيى باختياره ~~فى ساعته، ولو كانت الروح بهذه الصفة لما احتيج إلى الآلات ~~البدنية، فالحق أن الحواس محتاجة إلى الآلات الجسدانية وبعضها إلى ~~وسائط، فإن الإحساس انفعال ما لأنه قبول منها لصورة المحسوس ~~واستحالة إلى مشاكلة المحسوس بالفعل، فيكون الحاس بالفعل مثل ~~المحسوس بالفعل والحاس بالقوة مثل المحسوس بالقوة، والمحسوس ~~بالحقيقة القريب هو ما يتصور به الحاس من صورة المحسوس، ~~فيكون الحاس من جهة ما يحس ذاته لا الجسم المحسوس لأنه ~~المتصور بالصورة التى هى المحسوسة القريبة منها، وأما الخارج ~~فهو المتصور بالصورة التى ms042 هى المحسوسة البعيدة، فهى تحس ~~ذاتها لا الثلج وذاتها لا القار إذا عنينا أقرب الإحساس الذى لا ~~واسطة فيه، وانفعال الحاس من المحسوس ليس على سبيل الحركة ~~إذ ليس هناك تغير من ضد إلى ضد بل هو استكمال أعنى أن ~~يكون الكمال الذى كان بالقوة قد صار بالفعل من غير أن بطل ~~فعل إلى القوة، وإذ قد تكلمنا على الإدراك الذى هو أعم من ~~الحس ثم تكلمنا فى كيفية إحساس الحس مطلقا فنقول إن كل حاسة ~~فإنها تدرك محسوسها وتدرك عدم محسوسها، أما محسوسها فبالذات PageV01P066 ~~وأما عدم محسوسها كالظلمة للعين والسكوت سسع وغير ذلك ~~فأنها تكون بالقوة لا بالفعل، وأما إدرك أنها أدركت فليس ~~للحاسة فإن الإدراك ليس هو لونا فيبصر أو صوتا فيسمع ولكن ~~إنما يدرك ذلك بالفعل العقلى أو الوهم على ما يتضح من حالهما ~~بعد، ### | فصل 3 (فى الحاسة اللمسية) # وأول الحواس الذى يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس، فإنه ~~كما أن كل ذى نفس أرضية فإن له قوة غاذية ويحوز أن يفقد قوة ~~فوة من الأخرى ولا ينعكس كذلك حال كل ذى نفس حيوانية فله ~~حس اللمس ويجوز أن يفقد قوة قوة من الأخرى، ولا ينعكس، ~~وحال الغاذية عند سائر قوى النفس الأرضية حال اللمس عند سائر ~~وقوى الحيوان، وذلك لأن الحيوان تركيبه الأول هو من الكيفيات ~~الملموسة فإن مزاجه منها وفساده باختلافها، والحس طليعة للنفس ~~فيجب أن تكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما يقع به الفساد ~~ويحفظ به الصلاح وأن تكون قبل الطلائع التى تدل على أمور ~~تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام أو مضرة خارجة عن الفساد، ~~والذوق وإن كان دالا على الشىء الذى به تستبقى الحياة من ~~المطعومات قد يجوز أن يعدم الذوق ويبقى الحيوان حيوانا، فإن ~~الحواس الأخرى ربما أعانت على ارتياد الغذاء الموافق واجتناب PageV01P067 ~~الضار وأما الحواس الأخرى فلا تعين على معرفة أن الهواء المحيط ~~بالبدن مثلا محرق أو مجمد، وبالجملة فإن الجوع شهوة اليابس الحار ~~والعطش شهوة البارد ms043 الرطب، والغذاء بالحقيقة ما يتكيف بهذه ~~الكيفيات التى يدركها اللمس، وأما الطعوم فتطيبات، فلذلك كثيرا ~~ما يبطل حس الذوق لآفة تعرض ويكون الحيوان باقيا، فاللمس هو ~~أول الحواس، ولا بد منه لكل حيوان أرضي، وأما الحركة فلقائل أن ~~يقول إنها أخت اللمس للحيوان، وكما أن من الحس نوعا متقدما ~~كذلك قد يشبه أن يكون من قوى الحركة نوع متقدم، وأما المشهور ~~فهو أن من الحيوان ما له حس اللمس وليس له قوة الحركة مثل ~~ضروب من الأصداف، لكنا نقول إن الحركة الإرادية على ضربين ~~حركة انتقال من مكان إلى مكان، وحركة انقباض وانبساط للأعضاء ~~من الحيوان وإن لم يكن به انتقال الجملة عن موضعه، فيبعد ~~أن يكون حيوان له حس اللمس ولا قوة حركة فيه البتة فإنه كيف ~~يعلم أن له حس اللمس إلا بأن يشاهد فيه نوع هرب من ~~ملموس وطلب لملموس، وأما ما يتمثلون هم به من الأصداف ~~والإسفنجات وغيرها فإنا نجد للأصداف فى غلفها حركات انقباض ~~وانبساط والتواء وامتداد فى أجوافها وإن كانت لا تفارق أمكنتها، ~~ولذلك نعرف أنها تحس بالملموس، فيشبه أن يكون كل ما له لمس ~~فله فى ذاته حركة ما إرادية إما لكليته وإما لأجزائه، PageV01P068 # والأمور التى تلمس فإن المشهور من أمرها أنها الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة والخشونة والملاسة والثقل والخفة، وأما الصلابة ~~واللين واللزوجة والهشاشة وغير ذلك فإنها تحس تبعا لهذه المذكورة، ~~فالحرارة والبرودة كل منهما يحس بذاته لا لما يعرض فى الآلة من ~~الانفعال بها، وأما الصلابة واللين واليبوسة والرطوبة فيظن أنها لا ~~تحس لذاتها بل يعرض للرطوبة أن تطيع لنفوذ ما ينفذ فى جسمها ~~ويعرض لليبوسة أن تعصى فتجمع العضو الحاس وتعصره، والخشونة ~~أيضا يعرض لها مثل ذلك بأن تحدث الأجزاء الناتية منه عصرا ~~ولا تحدث الغائرة شيئا، والأملس يحدث ملاسة واستواء، وأما ~~الثقل فيحدث تمددا إلى أسفل والخفة خلاف ذلك، فنقول لمن يقول ~~هذا القول إنه ليس من شرط المحسوس بالذات أن يكون الإحساس ~~به من غير انفعال يكون منه، ms044 فإن الحار أيضا ما لم يسخن لم ~~يحس وبالحقيقة ليس إنما يحس ما فى المحسو بل ما يحدث منه فى ~~الحاس حتى أنه إن لم يحدث ذلك لم يحس به، لكن المحسوس ~~بالذات هو الذى يحدث منه كيفية فى الآلة الحاسة مشابهة لما فيه ~~فيحس، وكذلك الانعصار عن اليابس والخشن، والتملس من الأملس، ~~والتمدد إلى جهة معلومة من الثقل والخفيف، فإن الثقل والخفة ~~ميلان والتمدد أيضا ميل إلى نحو جهة ما، فهذه الأحوال إذا حدثت ~~فى الآلة أحس بها لا بتوسط حر أو برد أو لون أو طعم أو غير ذلك ~~من المحسوسات حتى كان يصير لأجل ذلك المتوسط غير محسوس ~~أولى أو غير محسوس بالذات بل محسوسا ثانيا أو بالعرض، ولكن PageV01P069 ~~هاهنا ضرب آخر مما يحس مثل تفرق الاتصال الكائن بالضرب ~~وغير ذلك، وذلك ليس بحرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا ~~صلابة ولا لين ولا شيء من المعدودات، وكذلك أيضا الإحساس ~~بالملذات اللمسية مثل اللذة التى للجماع وغير ذلك، فيجب أن ~~ينظر أنها كيف هى وكيف تنسب إلى القوة اللمسية وخصوصا ~~فقد ظن بعض الناس أن سائر الكيفيات إنما تحس بتوسط ما يحدث ~~من تفرق الاتصال، وليس كذلك فإن الحار والبارد من حيث يتغير ~~به المزاج يحس على استواءه وتفرق الاتصال لا يكون مستويا ~~متشابها فى جميع الجسم، لكنا نقول إنه كما أن الحيوان متكون ~~بالامتزاج الذى للعناصركذلك هو متكون أيضا بالتركيب، ~~وكذلك الصحة والمرض، فإن منهما ما ينسب إلى المزاج ومنهما ~~ما ينسب إلى الهيئة والتركيب، وكما أن من فساد المزاج ما هو ~~مفسد كذلك من فساد التركيب ما هو مهلك، وكما أن اللمس حس ~~يتقى به ما يفسد المزاج كذلك هو حس يتقى به ما يفسد ~~التركيب، فاللمس أيضا يدرك به تفرق الاتصال ومضاده وهو ~~عوده إلى الالتئام، # وقول إن كل حال مضادة لحال البدن فإنها يحس بها عند ~~الاستحالة وعند الانتقال إليها، ولا يحس بها عند حصولها واستقرارها، PageV01P070 ~~وذلك لأن الإحساس انفعال ما أو ms045 مقارن لانفعال ما والانفعال إنما ~~يكون عند زوال شىء وحصول شىء، وأما المستقر فلا انفعال به، ~~وذلك فى الأمزجة الموافقة والرديئة معا، فإن الأمزجة الرديئة إذا ~~استقرت وأبطلت الأمزجة الأصلية حتى صارت هذه الرديئة كأنها ~~أصلية لم يحس بها، ولذلك، لا يحس بحرارة الدق كانت ~~أقوى من حرارة الغب، وأما إن كانت الأصلية موجودة بعد وهذه ~~الطارئة مضادة لها أحس بها، ويسمى هذا سوء المزاج المختلف ~~وهذا المستقر يسمى سوء المزاج المتفق، والألم والراحة من الألم ~~أيضا من المحسوسات اللمسية، ويفارق اللمس فى هذا المعنى سائر ~~الحواس، وذلك لأن الحواس الأخرى منها ما لا لذة له فى محسوسه ~~ولا ألم، ومنها ما يلتذ ويألم بتوسط أحد المحسوسات، فأما التى ~~لا لذة فيها فمثل البصر لا يلتذ بالألوان ولا يألم بل النفس تألم ~~من ذلك وتلتذ من داخل، وكذلك الحال فى الأذن، فإن تألمت ~~لأذن من صوت شديد والعين من لون مفرط كالضوء فليست تألم ~~من حيث تسمع أو تبصر بل من حيث تلمس لأنه يحدث فيها ألم ~~لمسى وكذلك يحدث فيها بزوال ذلك لذة لمسية وأما الشم ~~والذوق فيألمان ويلتذان إذا تكيفا بكيفية منافرة أو ملائمة، وأما ~~اللمس فإنه قد يألم بالكيفية الملموسة ويلتذ بها، وقد يألم ويلتذ ~~بغير توسط كيفية هى المحسوس الأول بل بتفرق الاتصال والتيامه، ~~ومن الخواص التى للمس أن الآلة الطبيعية التى يحس بها وهى ~~لحم عصبى أو لحم وعصب تحس بالمماسة وإن لم يكن بتوسط PageV01P071 ~~البتة فإنه لا محالة يستحيل عن المماسات ذوات الكيفيات وإذا ~~استحال أحس، ولا كذلك حال كل حاسة مع محسوسها، وليس ~~يجب أن يظن أن الحساس هو العصب فقط فإن العصب بالحقيقة ~~مؤد للحس اللمسى إلى عضو غيره وهو اللحم، ولو كان الحساس ~~نفس العصب فقط لكن الحساس فى جلد الإنسان ولحمه شيئا ~~منتشرا كالليف وكان حسه ليس لجميع أجزاءه بل أجزاء ليفية فيه، ~~بل العصب الذى يحس اللمس مؤد وقابل معا، والعصبة المجوفة ~~مؤدية للبصر ولكنها غير قابلة إنما القابل ms046 ما إليه تؤدى وهو البردية ~~أو ما هو مسئول عليها وهو الروح، فبين إذا أن من طباع ~~اللحم أن يقبل الحس وإن كان يحتاج أن يقبله من مكان آخر ومن ~~قوة عضو آخر يتوسط بينهما العصب، وأما إن كان المبدأ موجودا ~~فيه فهو حساس بنفسه وإن كان لحما وذلك كالقلب وإن انتشر فى ~~جوهر القلب ليف عصبى فلا يبعد أن يكون ليلتقط عنه الحس ~~ويؤديه إلى أصل واحد يتأدى عنه إلى الدماغ وعن الدماغ إلى ~~أعضاء أخرى كما سنوضح بعد كالحال فى الكبد من جهة انبثاث ~~عروق ليفية فيه ليقبل عنه ويؤدى إلى غيره، ويجوز أن يكون ~~انبثاث الليف فيه ليقوى قوامه ويشتد لحمه وسنشرح هذه الأحوال PageV01P072 ~~فى موضع آخر نستقبله، ومن خواص اللمس أن جميع الجلد الذى ~~يطيف بالبدن حساس باللمس، ولم يفرد له جزء منه وذلك لأن هذا ~~الحس لما كان طليعة تراعى الواردات على البدن التى تعظم مفسدتها ~~إن تمكنت من أى عضو وردت عليه وجب أن يجعل جميع البدن ~~حساسا باللمس، ولأن الحواس الأخرى قد تتأدى إليها الأشياء من ~~غير مماسة ومن بعيد فيكفى أن تكون آلتها عضوا واحدا إذا ورد ~~عليه المحسوس الذى يتصل به ضرر عرفت النفس ذلك فاتقته وتنحت ~~بالبدن عن جهته فلو كانت الآلة اللامسة بعض الأعضاء لما شعرت ~~النفس إلا بما يماسها وحدها من المفسدات، ويشبه أن تكون قوى ~~اللمس قوى كثيرة كل واحدة منها تختص بمضادة، فيكون ما ~~يدرك به المضادة التى بين الثقيل والخفيف غير الذى ما يدرك ~~به المضادة التى بين الحار والبارد فإن هذه أفعال أولية للحس ~~يجب أن يكون لكل جنس منها قوة خاصة إلا أن هذه القوى لما ~~انتشرت فى جميع الآلات بالسوية ظنت قوة واحدة كما لو كان ~~اللمس والذوق منتشرين فى البدن كله انتشارهما فى اللسان لظن ~~مبدأ هما قوة واحدة، فلما تميزا فى غير السان عرف اختلافهما، ~~وليس يجب أن يقال ضرورة أن يكون لكل واحدة من هذه ~~القوى آلة تخصها بل ms047 يجوز أن تكون آلة واحدة مشتركة لها، PageV01P073 ~~ويجوز أن يكون هناك انقسام فى الآلات غير محسوس، وقد اتفق ~~فى اللمس أن كانت الآلة الطبيعية بعينها هى الواسطة، ولما كان ~~كل واسطة يجب أن يكون عادما فى ذاته لكيفية ما يوديه حتى إذا ~~قبلها وأداها أدى شيئا جديدا فيقع الانفعال عنه ليقع الإحساس به ~~والانفعال لا يقع إلا عن جديد كان كذلك أيضا آلة اللمس، لكن ~~المتوسط الذى ليس هو مثلا بحار ولا بارد يكون على وجهين أحدهما ~~على أنه لا حظ له من هاتين الكيفيتين أصلا، والثانى ما له ~~حظ منهما ولكن صار فيه إلى الاعتدال فليس بحار ولا بارد بل ~~معتدل متوسط، ثم لم يمكن أن تكون آلة اللمس خالية أصلا ~~عن هذه الكيفيات لأنها مركبة منها، فوجب أن يكون خلوها عن ~~هذه الأطراف بسبب المزاج والاعتدال لتحس ما يخرج عن القدر ~~الذى لها، وما كان من أمزجة اللامسات أقرب إلى الاعتدال كان ~~ألطف إحساسا، ولما كان الإنسان أقرب الحيوانات كلها من الاعتدال ~~كان ألطف لمسا، ولما كان اللمس أول الحواس وكان الحيوان ~~الأرضى لا يجوز أن يفارقه وكان لا يكون إلا بتركيب معتدل ~~ليحكم به بين الأضداد فبين من هذا أنه ليس للبسائط وما يقرب ~~منها حس البتة ولا حياة إلا النمو لبعض ما يقرب من البسائط، ~~فليكن هذا مبلغ ما نقوله فى اللمس، PageV01P074 ### | فصل 4 (فى الذوق والشم) # وأما الذوق فإنه تال للمس ومنفعته أيضا فى الفعل الذى به يتقوم ~~البدن وهو تشهية الغذاء واختياره، ويجانس اللمس فى شىء وهو أن ~~المذوق يدرك فى أكثر الأمر بالملامسة ويفارقه فى أن نفس الملامسة ~~لا يؤدى الطعم كما أن نفس ملامسة الحار مثلا يؤدى الحرارة بل ~~كأنه محتاج إلى متوسط يقبل الطعم ويكون فى نفسه لا طعم له، ~~وهو الرطوبة اللعابية المنبعثة من الآلة المسماة الملعبة، فإن كانت ~~هذه الرطوبة عديمة الطعوم أدت الطعوم بصحة، وإن خالطها طعم كما ~~يكون للممرورين من المرارة ولمن فى معدته خلط حامض من ms048 الحموضة ~~شابت ما تؤديه بالطعم الذى فيها فتحيله مرا او حامضا، ~~ومما فيه موضع نظر هل هذه الرطوبة إنما تتوسط بأن يخالطها ~~أجزاء ذى الطعم مخالطة تنتشر فيها ثم تنفذ فتغوص فى ~~اللسان حتى تخالط السان فيحسها، أو تكون نفس الرطوبة تستحيل ~~إلى قبول الطعم من غير مخالطة، فإن هذا موضع نظر، فإن كان ~~المحسوس هو المخالط فليست الرطوبة بواسطة مطلقة بل واسطة ~~تسهل وصول الجوهر المحسوس الحامل للكيفية نفسها إلى الحاس، ~~وأما الحس نفسه فإنما هو بملامسة الحاس للمحسوس بلا واسطة، ~~وأن كانت الرطوبة تقبل الطعم وتتكيف به فيكون المحسوس بالحقيقة PageV01P075 ~~أيضا هو الرطوبة، ويكون أيضا بلا واسطة، ويكون الطعم إذا ~~لاقى آلة الذوق أحسته، فيكون لو كان للمحسوس الوارد من خارج ~~سبيل إلى المماسة الفائضة من غير هذه الواسطة لكان ذوق لا ~~كالمبصر الذى لا يمكن أن يلاقى آلة الإبصار بلا واسطة، وإذا ~~مست الآلة المبصر لم يدرك، لكنه بالحرى أن تكون هذه الرطوبة ~~للتسهيل وأنها تتكيف وتختلط معا، ولو كان سبيل إلى الملامسة ~~المستقصاة من غير هذه الرطوبة لكان يكون ذوق، فإن قيل ما ~~بال العفوصة تذاق وهى تورث السدد وتمنع النفوذ فنقول إنها ~~أولا تخالط بوساطة هذه الرطوبة ثم تؤثر أثرها من التكثيف وقد ~~خالطت، والطعوم التى يدركها الذوق هى الحلاوة والمرارة ~~والحموضة والقبض والعفوصة والحرافة والدسومة والبشاعة والتفه، ~~والتفه يشبه أن يكون كأنه عدم الطعم وهو كما يذاق من ~~الماء ومن بياض البيض، وأما هذه الأخرى فقد تكثرت بسبب أنها ~~متوسطات، وأنها أيضا معما تحدث ذوقا يحدث بعضها لمسا ~~فيتركب من الكيفية الطعمية ومن التأثير اللمسى شىء واحد لا ~~يتميز فى الحس فيبصر ذلك الواحد كطعم واحد متميز، فإنه يشبه ~~أن يكون طعم من الطعوم المتوسطة بين الأطراف يصحبه تفريق ~~وإسخان ويسمى جملة ذلك حرافة، وآخر يصحبه طعم وتفريق من ~~غير إسخان وهو الحموضة، وآخر يصحبه مع الطعم تجفيف وتكثيف ~~وهو العفوصة، وعلى هذا القياس ما قد شرح فى الكتب الطبية، # وأما الشم فإنه وإن ms049 كان الإنسان أبلغ حيلة فى التشمم من سائر PageV01P076 ~~الحيوانات فإنه يثير الروائح الكامنة بالدلك وهذا ليس لغيره ~~ويتقصى فى تجسسها بالاستنشاق وهذا يشاركه فيه غيره - فإنه ~~لا يقبل الروائح قبولا قويا حتى يحدث فى خياله منها مثل ثابتة ~~كما يحصل للملموسات والمطعومات بل يكاد أن تكون رسوم ~~الروائح فى نفسه رسوما ضعيفة، ولذلك لا يكون للروائح عنده ~~أسماء إلا من جهتين، إحداهما من جهة الموافقة والمخالفة بأن ~~يقال طيبة ومنتنة كما لو قيل للطعم إنه طيب وغير طيب من ~~غير تصور فصل وتسمية، والجهة الأخرى أن يشتق لها من ~~مشاكلتها للطعم إسم فيقال رائحة حلوة ورائحة حامضة كأن الروائح ~~التى اعتيد مقارنتها لطعوم ما تنسب إليها وتعرف بها، ويشبه أن ~~يكون حال إدراك الروائح من الناس كحال إدراك أشباح الأشياء ~~وألوانها من الحيوانات الصلبة العين فإنها تكاد أن تكون إنما ~~تدركها كالتخيل الغير المحقق وكما يدرك ضعيف البصر شبحا ~~من بعيد، وأما كثير من الحيوانات الصلبة العين فإنها قوية جدا ~~فى إدراك الروائح كالنمل، ويشبه أن لا يحتاج أمثالها إلى ~~التشمم والتنشق بل يتأدى إليها الروائح فى الهواء، # وواسطة الشم أيضا جسم لا رائحة له كالهواء والماء يحمل ~~رائحة المشمومات، وقد اختلف الناس فى الرائحة، فمنهم من زعم ~~انها تتأدى بمخالطة شىء من جرم ذى الرائحة يتحلل فيتبخر ~~فيخالط المتوسط ومنهم من زعم أنها تتأدى باستحالة من المتوسط PageV01P077 ~~من غير أن يخالطه شىء من جرم ذى الرائحة متحلل عنه، ومنهم ~~من قال إنها تتأدى من غير مخالطة شىء من جرم ومن غير ~~استحالة من المتوسط، ومعنى هذا أن الجسم ذا الرائحة يفعل فى ~~الجسم عديم الرائحة وبينهما جسم لا رائحة له من غير أن يفعل ~~فى المتوسط بل يكون المتوسط ممكنا من فعل ذلك فى هذا على ~~ما يقال فى تأدى الأصوات والألوان، فحرى بنا أن نحقق هذا ~~ونتأمله، ولكن لكل واحد من المدعين لشىء من هذه المذاهب ~~حجة، فالقائل بالبخار والدخان يحتج ويقول إنه لو لم تكن الرائحة ~~تسطع ms050 بسبب تحلل شىء ما كانت الحرارة وما يهيج الحرارة من ~~الدلك والتبخير وما يجرى مجرى ذلك مما يذكى الروائح ولا كان ~~البرد يخفيها، فبين أن الرائحة إنما تصل إلى الشم ببخار يتبخر ~~من ذى الرائحة ويخالط الهواء وينفذ فيه، ولهذا إذا استقصيت ~~تشمم التفاحة ذبلت لكثرة ما يتحلل منها، والقائلون بالاستحالة ~~حتجوا وقالوا إنه لو كانت الروائح التى تملأ المحافل إنما تكون ~~بتحلل شىء لوجب أن يكون الشىء ذو الرائحة ينقص وزنه ويقل ~~حجمه مع تحلل ما يتحلل منه، وقال أصحاب التأدية خصوصا إنه ~~لا يمكننا أن نقول إن البخار يتحلل من ذى الرائحة فيسافر مائة ~~فرسخ فما فوقه، ولا أيضا يمكننا أن نحكم أن ذا الرائحة أشد ~~إحالة للأجسام من النار فى تسخينها، والنار القوية إنما تسخن ما ~~حولها إلى حد وإذا بلغ ذلك غلوة فهو أمر عظيم، وقد نجد من PageV01P078 ~~وصول الروائح إلى بلاد بعيدة ما يزيل الشك فى أن وصولها لم يكن ~~بسبب بخار انتشر أو استحالة فشت، فقد علم أن بلاد اليونانيين ~~والمغاربة لا يرى فيها رخمة البتة ولا تأوى إليها وبينها وبين ~~البلاد المرخمة مسافة كبيرة تقارب ما ذكرناه، وقد اتفق فى بعض ~~السنين أن وقعت ملحمة بتلك البلاد فسافرت الرخم إلى الجيف ولا ~~دليل لها إلا الرائحة، فكون الرائحة قد دلت من مسافة بعدها بعد ~~لا يجوز معه أن يقال إن الأبخرة أو الاستحالات من الهواء وصلت ~~إليها، # فنقول نحن إنه يجوز أن يكون المشموم هو البخار ويجوز أن ~~يكون الهواء نفسه يستحيل من ذى الرائحة فيصير له رائحة ~~فيكون حكمه أيضا حكم البخار فيكون كل شىء لطيف الأجزاء ~~من شانه أن ينفذ إذا بلغ آلة الشم ولا قاها- كان بخارا أو هواء ~~مستحيلا إلى الرائحة أحس به، وقد علمت أن كل متوسط ~~يوصل إليه بالاستحالة فإن المحسوس أيضا لو تمكن من ملاقاة ~~الحاس لأحس به بلا وساطة، ومما يدل على أن الاستحالة لها ~~مدخل فى هذا الباب أنا مثلا نبخر الكافور تبخيرا يأتى على ms051 ~~جوهره كله فيكون منه رائحة منتشرة انتشارا إلى حد قد يمكن أن ~~تنتشر منه تلك الرائحة فى أضعاف ذلك الموضع بالنقل والوضع PageV01P079 ~~جزء جزء من ذلك المكان كله حتى يتشمم منه فى بقعة بقعة صغيرة ~~ضيقة من تلك الأضعاف مثل تلك الرائحة، فإذا كان فى كل واحدة ~~من تلك البقاع الصغيرة يتبخر منه شىء فيكون مجموع الأبخرة ~~التى تتحلل منه فى جميع تلك البقاع التى تزيد على البقعة المذكورة ~~أضعافا مضاعفة للبخار كله الذى يكون بالتبخير أو مناسبا له، ~~فيجب أن يكون النقصان الوارد عليه فى ذلك قريبا من ذلك أو ~~مناسبا له، ولا يكون، فبين أن هاهنا للاستحالة مدخلا ما، وأما ~~حدي التأدية المذكورة فأمر بعيد، وذلك لأن التأدية لا تكون إلا ~~بنسبة ما ونصبة للمؤدى عنه إلى المؤدى إليه، وأما الجسم ذو الرائحة ~~فليس يحتاج إلى شىء من ذلك، فإنك لو توهمت الكافور قد نقل ~~إلى حيث لا تتأدى إليك رائحته بل قد عدم دفعة لم يمنع أن ~~تكون رائحته باقية بعده فى الهواء، فذلك لا محالة لاستحالة أو ~~مخالطة، وأما حديث الرخم فإنه قد يجوز أن تكون رياح قوية ~~تنقل الروائح والأبخرة المتحللة عن الجيف إلى المسافة المذكورة ~~فى أعلى الجو فيحس بها ما هو أقوى حسا من الناس وأعلى مكانا مثل ~~الرخم وغيره، وأنت تعلم أن الروائح وإن كانت قد تصل إلى ~~كثير من الحيوانات فوق ما تصل إلى الناس بكثير فقد تتأدى ~~إليها المبصرات من مسافات بعيدة وهى تحلق فى الجو PageV01P080 ~~حتى يبلغ إبصارها فى البعد مبلغا بعيدا جدا وحتى يكون ارتفاعها ~~أضعاف ارتفاع قلل الجبال الشاهقة، قد رأينا قلل جبال شاهقة ~~جدا وقد جاوزتها النسور محلقة حتى يكاد أن يكون ارتفاعها ضعف ~~ارتفاع تلك الجبال، وقل تلك الجبال قد ترى من ست سبع مراحل، ~~وليس نسبة الارتفاع إلى الارتفاع كنسبة بعد المرئى إلى بعد ~~المرئى فإنك ستعلم فى الهندسة أن النسب فى الأبعاد التى منها ~~يبرى أعظم وأكبر، فلا يبعد أن تكون الرخم قد ms052 علت فى الجو بحيث ~~ينكشف لها بعد هذه المسافة فرأت الجيف فإن كان يستنكر تأدى ~~أشباح هذه الجيف إليها فتأدى روائحها التى هى أضعف تأديا أولى ~~بالاستنكار، وكما انه ليس كل حيوان يحتاج إلى تحريك الجفن ~~والمقلة فى أن يبصر كذلك ليس يحتاج كل حيوان إلى استنشاق ~~حتى يشم فإن كثيرا منها يأتيها الشم من غير تشمم، ### | فصل 5 (فى السمع) # وإذ قد تكلمنا فى أمر اللمس والذوق والشم فبالحرى أن نتكلم ~~فى أمر السمع، فنقول إن الكلام فى أمر السمع يقتضى الكلام فى ~~أمر الصوت وماهيته، وقد يليق بذلك الكلام فى الصدا، فنقول إن ~~الصوت ليس أمرا قائم الذات موجودا ثابت الوجود يجوز فيه ما PageV01P081 ~~يجوز فى البياض والسواد والشكل من أحكام الثبات على أن يصح ~~فرضه ممتد الوجود وأنه مثلا لم يكن له مبدأ وجود زمان كما ~~يصح هذا الفرض فى غيره، بل الصوت بين واضح من أمره أنه ~~أمر يحدث، وأنه ليس يحدث إلا عن قلع أو قرع، أما القرع فمثل ~~ما قرع صخرة أو خشبة فيحت صوت، وأما القلع فمثل ما يقلع ~~أحد شقى مشقوق عن الآخر كخشبة تنحى عليها بأن تبين أحد ~~شقيها عن الآخر طولا، ولا تجد أيضا مع كل قرع صوتا، فإن ~~قرعت جسما كالصوف بقرع لين جدا لم تحس صوتا، بل يجب أن ~~يكون للجسم الذى تقرعه مقاومة ما وأن يكون للحركة التى ~~للقروع به إلى المقروع عنف صادم فهناك يحس، وكذلك إذا ~~شققت شيئا يسيرا يسيرا وكان الشىء لا صلابة له لم يكن ~~للقلع صوت البتة، والقرع بما هو قرع لا يختلف والقلع أيضا بما ~~هو قلع لا يختلف لأن أحدهما إمساس والآخر تفريق، لكن ~~الإمساس يخالف الإمساس بالقوة والسرعة، أو التفريق أيضا يخالف ~~التفريق بمثل ذلك، ولأن كل صاير إلى مماسة شىء فيجب أن يفرغ ~~لنفسه مكان جسم آخر كان مماسا له لينتقل إليه وكل مقلوع عن ~~شىء فقد يفرغ مكانه حتى يصار إليه وهذا الشىء الذى فيه هذه ~~الحركات ms053 شىء رطب سيال لا محالة إما ماء وإما هواء فيكون مع كل PageV01P082 ~~قرع وقلع حركة للهواء أو ما يجرى مجراه إما قليلا قليلا وبرفق ~~وإما دفعة على سبيل تموج أو انجذاب بقوة، فقد وجب أن هاهنا ~~شيئا لا بد أن يكون موجودا عند حدوث الصوت وهو حركة قوية ~~من الهواء أو ما يجرى مجراه، فيجب أن نتعرف هل الصوت هو ~~نفس القرع أو القلع أو هو حركة موجبة تعرض للهواء من ذلك أو ~~شىء ثالث يتولد من ذلك أو يقارنه، أما القرع والقلع فإنهما يحسان ~~بالبصر بتوسط اللون ولا شىء من الأصوات يحس بتوسط اللون فليس ~~القرع والقلع بصوت بل إن كان ولا بد فسببا الصوت، وأما الحركة ~~فقد يشكك من أمرها فيظن أن الصوت نفس تموج الهواء، وليس ~~كذلك أيضا، فإن جنس الحركة يحس أيضا بسائر الحواس وإن كان ~~بتوسط محسوسات أخرى، والتموج الفاعل لصوت قد يحس حتى ~~يؤلم، فإن صوت الرعد قد يعرض منه أن يدك الجبال وربما ضرب ~~حيوانا فأفسده، وكثيرا ما يستظهر على هدم الحصون العالية بأصوات ~~البوقات، بل حس اللمس كما أشرنا إليه قبل أيضا قد ينفعل من ~~تلك الحركة من حيث هى حركة، ولا يحس الصوت، ولا أيضا من ~~فهم أن شيئا حركة فهم أنه صوت، ولو كانت حقيقة الصوت ~~حقيقة الحركة لا أنه أمر يتبعها ويلزم عنها لكان من عرف أن صوتا ~~عرف أن حركة، وهذا ليس بموجود، فإن الشىء الواحد النوعى لا ~~يعرف ويجهل معا إلا من جهتين وحالتين، فجهة كونه صوتا فى ~~ماهيته ونوعيته ليس جهة كونه حركة فى ماهيته ونوعيته، فالصوت PageV01P083 ~~إذا عارض يعرض من هذه الحركة الموصوفة يتبعها ويكون معها، ~~فإذا انتهى التموج من الهواء أو الماء إلى الصماخ وهناك تجويف ~~فيه هواء راكد يتموج بتموج ما ينتهى إليه ووراءه كالجدار مفروش ~~عليه العصب الحاس للصوت أحس بالصوت، # ومما يشكل من أن الصوت هل هو شىء موجود من خارج تابع ~~لوجود الحركة أو مقارن أو إنما يحدث من حيث ms054 هو صوت إذا ~~تأثر السمع به فإنه لمعتقد أن يعتقد أن الصوت لا وجود له من ~~خارج وأنه يحدث فى الحس من ملامسة الهواء المتموج بل كل ~~الأشياء التى تلامس ذلك الموضع بالمس أيضا يحدث فيه ~~صوتا، فهل ذلك الصوت حادث بتموج الهواء الذى فى الصماخ ~~أو لنفس المماسة، وهذا أمر يصعب الحكم فيه، وذلك لأن نافى ~~وجود الصوت من خارج لا يلزمه ما يلزم نافى باقى الكيفيات ~~الأخرى المحسوسة لأن هذا له أن يثبت للمحسوس الصوتى خاصية ~~معلومة هى تفعل الصوت، وتلك الخاصية هى التموج، فيكون ~~نسبة التموج من الصوت نسبة الكيفية التى فى العسل إلى ما ~~يتأثر منه فى الحس، لكنه يختلف الأمر هاهنا لأن الأثر الذى ~~يحصل من العسل فى الحاسة ومن النار فى الحاسة هو من PageV01P084 ~~جنس ما فيهما، ولذلك فإن الذى يحس الحرارة قد يسخن أيضا ~~غيره إذا ثبت فيه الأثر، وليس الصوت والتموج حالهما كذا فإن ~~التموج شىء والصوت شىء، والتموج يحس بآلة أخرى وتلك الكيفية ~~لا تحس بآلة أخرى، وليس يجب أيضا أن يكون كل ما يوثر أثرا ~~ففى نفسه مثل ذلك الأثر، فيجب أن يتعرف حقيقة الحال فى ~~هذا، فنقول مما يعين على معرفة أن العارض المسموع له وجود ~~من خارج أيضا أنه لو كان إنما يحدث فى الصماخ نفسه لم يخل ~~إما أن يكون التموج الهوائى يحس بالسمع من حيث هو تموج أولا ~~يحس، فإن كان التموج الهوائى يحس بالسمع - لست أقول يحس ~~بلمس آلة السمع - حسا من حيث هو تموج فإما أن يحس به أولا ~~أو بتوسط الصوت، فلو كان يحس به أولا والمحسوس الأول بالسمع ~~هو الصوت وهذا مما لا يشك فيه كان التموج من حيث هو تموج ~~صوتا، وقد أبطلنا هذا، ولو كان يحس به بتوسط الصوت لكان كل ~~من سمع الصوت علم أن تموجا كما أن كل من أحس لون ~~المربع والمربع بتوسطه علم أن هناك مربعا، وليس كذلك، وإن ~~كان إنما يحس باللمس عرض أيضا منه ms055 ما قلنا، فإذن ليس بواجب ~~أن يحس التموج عند سماع الصوت، فلنظر ما يلزم بعد هذا ~~فنقول إن الصوت كما يسمع يسمع له جهة، فلا يخلوا إما أن ~~تكون الجهة تسمع لأن الصوت مبدأ تولده ووجوده فى تلك ~~الجهة ومن هناك ينتهى، وإما لأن المنتقل المتأدى إلى الأذن ~~الذى لا صوت فيه بعد أن يفعل الصوت إذا اتصل بالأذن ينتقل PageV01P085 ~~من تلك الجهة ويصدم من تلك الجهة فيخيل أن الصوت ورد من تلك ~~الجهة، وإما للأمرين جميعا، فإن كان لأجل المنتقل وحده فمعنى ~~هذا هو أن المنتقل نفسه محسوس فإنه إذا لم يشعر به كيف يشعر ~~بجهة مبدئه، فيلزم أن يحس بالسمع عند إدراك جهة الصوت تموج ~~الهواء، وقد قلنا إن ذلك ليس بواجب، وإن كان لأجلهما جميعا عرض ~~من ذلك هذ المحال أيضا، وصح أن الصوت كان يصحب التموج، ~~فبقى أن يكون ذلك لأن الصوت نفسه تولد هناك ومن هناك انتهى، ~~ولو كان الصوت إنما يحدث فى الأذن فقط لكان سواء أن سببه عن ~~اليمين أو اليسار، وخصوصا وسببه لا يحس به، وهاهنا مؤثر مثل ~~نفسه قد لا يدرك جهته لأنه إنما يدرك عند وصوله فكيف ما لا ~~حدوث له إلا عند وصول سببه فقد بان أن للصوت وجودا ما من ~~خارج لا من حيث هو مسموع بالفعل بل من حيث هو مسموع بالقوة، ~~وأمر كهيئة ما من الهيئآت للتموج غير نفس التموج، # ويجب أن يحقق الكلام فى القارع والمقروع، فنقول إنه لا بد فى ~~القرع من حركة قبل القرع و حركة تتبع القرع، فأما الحركة ~~قبل القرع فقد يكون من أحد الجسمين وهو الصائر إلى الثانى وقد ~~يكون من كليهما، ولا بد من قيام كل واحد منهما أو أحدهما فى ~~وجه الآخر قياما محسوسا، فإنه إن اندفع أحدهما كما يمس بل ~~فى زمان لا يحس لم يكن صوت، والقارع والمقروع كلاهما PageV01P086 ~~فاعلان للصوت لكن أولاهما به ما كان أصلبهما وأشدهما مقاومة، ~~فإن حظه فى ذلك أشد، وأما الحركة ms056 الثانية فهو انفلات الهواء ~~وانضغاطه بينهما بعنف، والصلابة تعين على شدة ضغط الهواء ~~والملاسة أيضا لئلا ينتشر الهواء فى فرج الخشونة والتكاثف أولى ~~بذلك لئلا ينفذ الهواء فى فرج التخلخل، وربما كان الجسم ~~المقروع فى غاية الرطوبة واللين لكنه إذا حمل عليه بالقوة وكلف ~~الهواء المتوسط أن ينفذ فيه أو ينضغط فيما بينهما لم يكن ذلك ~~الجسم أيضا بحيث يمكن الهواء المتوسط أن ينفذ فيه ويشقه فى ~~زمان قصير بل قاوم ذلك فلم يندفع فى وجه ذلك الهواء المتوسط ~~بل وقاوم أيضا القارع لأن القارع كان يسومه انخراقا كثيرا فى ~~زمان قصير جدا، وليس ذلك فى قوة القابل ولا فى قوة الفاعل ~~القارع فامتنع من الانخراق، فقام فى وجه القارع وضغط معه ~~المتوسط فكانت المقاومة فيه مكان الصلابة، وأنت تعلم هذا إذا ~~اعتبرت إمرارك السوط فى الماء برفق فإنه يمكنك أن تشقه شقا ~~من حيث لا يلزمك فيه مؤونة، فإن استعجلت استعصى عليك ~~وقاوم، فالهواء أيضا كذلك بل قد يجوز أن يكون الهواء نفسه ~~يصير جزء منه مقاوما وجزء بينه وبين المزاحم القارع منضغطا ~~بل يجوز أن يصير الهواء أجزاء ثلثة جزء منه قارع كالريح ~~وجزء مقاوم وجزء منضغط فيما بينهما على هيئة من التموج، PageV01P087 ~~وليست الصلابة والتكاثف علة أولية لإحداث هذا التموج بل ذلك ~~لهما من حيث يعينان على المقاومة، والعلة الأولية هى المقاومة، ~~فالصوت يحدث من تموج الجسم الرطب السيال منضغطا بين ~~جسمين متصاكين متقاومين من حيث هو كذلك، وكما أن الماء ~~والهواء والفلك تشترك فى طبيعة أداء الألوان، وتلك الطبيعة لها ~~إسم وهو الشفيف فكذلك الماء والهواء لهما معنى يشتركان فيه من ~~حيث يحدث فيهما الصوت، وليكن إسمه قبول التموج، وليس ذلك ~~من حيث المتوسط ماء أو هواء كما أن الإشفاف لم يكن من حيث ~~المتوسط فلك أو هواء، ويشبه أن يكون الماء والهواء لهما أيضا ~~من حيث يؤديان الرائحة أو الطعم معنى كذلك لا إسم له، فلتكن ~~الرطوبة المؤدية للطعم العذوبة وأما ما يشترك فيه نقل ms057 الرائحة ~~فلا إسم له، # وأما الصدا فإنه يحدث من تموج يوجبه هذا التموج، فإن هذا ~~التموج إذا قاومه شىء من الأشياء كجبل أو جدار حتى وقفه لزم ~~أن ينضغط أيضا بين هذا التموج المتوجه إلى قرع الحائط أو ~~الجبل وبين ما يقرعه هواء آخر يرد ذلك ويصرفه إلى خلف بانضغاطه ~~ويكون شكله الشكل الأول وعلى هيئته كما يلزم الكرة المرمى ~~بها الحائط أن تضطر الهواء إلى التموج فيما بينهما وأن ترجع ~~القهقرى، وقد بينا فيما سلف ما العلة فى رجوع تلك الكرة قهقرى، ~~فلتكن هى العلة فى رجوع الهواء، وقد بقى علينا أن ننطر هل ~~الصدا هو صوت يحدث بتموج الهواء الذى هو التموج الثانى PageV01P088 ~~أو هو لازم لتموج الهواء الأول المنعطف النابى نبوا، فيشبه أن ~~يكون هو تموج الهواء المنعطف النابى، ولذلك يكون على صفته ~~وهيئته وأن لا يكون القرع الكائن من هذا الهواء يولد صوتا من ~~تموج هواء ثان يعتد به، فإن قرع مثل هذا الهواء قرع ليس ~~بشديد، ولو كان شديدا بحيث يحدث صوتا لأضر بالسمع، ويشبه ~~أن يكون لكل صوت صدا ولكن لا يسمع كما أن لكل ضوء عكسا، ~~ويشبه أن يكون السبب فى أن لا يسمع الصدا فى البيوت والمنازل ~~فى أكثر الأمر أن المسافة إذا كانت قريبة بين الصوت وبين عاكس ~~الصوت لم يسمعا فى زمانين متباينين بل يسمعان معا كما يسمع ~~صوت القرع الذى معه وإن كان بعده بالحقيقة، وأما إذا كان ~~العاكس بعيدا فرق الزمان بين الصوتين تفريقا محسوسا، وإن كان ~~صلبا أملس فهو لتواتر الانعكاس منه بسبب قوة النبو يبقى زمانا ~~كثيرا كما فى الحمامات، ويشبه أن يكون هذا هو السبب فى أن ~~يكون صوت المغنى فى الصحراء أضعف وصوت المغنى تحت السقوف ~~أقوى لتضاعفه بالصدا المحسوس معه فى زمان كالواحد، ويجب ~~أن تعلم أن التموج ليس هو حركة انتقال من هواء واحد بعينه بل ~~كالحال فى تموج الماء يحدث بالتداول بصدم بعد صدم مع سكون ~~قبل سكون، وهذا التموج الفاعل ms058 للصوت سريع لكنه ليس بقوى ~~الصك، ولمتشكك أن يتشكك فيقول إنه كما قد تشككتم فى اللمس ~~فجعلتموه قوى كثيرة لأنه يدرك متضادات كثيرة فكذلك السمع ~~أيضا يدرك المضادة التى بين الصوت الثقيل والحاد، ويدرك ~~المضادة التى بين الصوت الخافت والجهير والصلب والأملس ~~والمتخلخل والمتكاثف وغير ذلك فلم لا تجعلونه قوى، فالجواب PageV01P089 ~~عن ذلك لأن محسوسه الأول هو الصوت وهذه أعراض تعرض ~~لمحسوسه الأول بعد أن يكون صوتا، وأما هناك فكل واحدة من ~~المتضادات تحس لذاتها لا بسبب الآخر، فليكن هذا المبلغ فى ~~تعريف الصوت والإحساس به كافيا، PageV01P090 ### | المقالة الثالثة (فى الإبصار) ### | فصل 1 (فى الضوء والشفيف واللون) # وحرى بنا أن نتكلم فى الإبصار، والكلام فيه يقتضى الكلام فى ~~الضوء والمشف واللون وفى كيفية الاتصال الواقع بين الحاس ~~والمحسوس البصرى، فلنتكلم أولا على الضوء، فنقول إنه يقال ضوء ~~ويقال نور ويقال شعاع، ويشبه أن لا يكون بينها فى وضع اللغة ~~كثير تفاوت، لكنا نحتاج فى استعمالنا إياها أن نفرق بينها لأن ~~هاهنا معانى ثلاثة متقاربة، أحدها الكيفية التى يدركها البصر فى ~~الشمس والنار من غير أن يقال إنه سواد أو بياض أو حمرة أو ~~شىء من هذه الألوان، والثانى الأمر الذى يسطع من هذا الشىء ~~فيتخيل أنه يقع على الأجسام فيظهر بياض وسواد وخضرة، والآخر ~~الذى يتخيل على الأجسام كأنه يترقرق وكأنه يستر لونها ~~وكأنه شىء يفيض منها، فإن كان فى جسم قد استفاد ذلك من ~~جسم آخر سمى بريقا كما يحس فى المرآة وغيرها، وإن كان فى ~~الجسم الذى له بذاته سمى شعاعا، ولسنا نحتاج الآن إلى الشعاع ~~والبريق بل نحتاج إلى القسمين الأولين، فليكن أحدهما - وهو ~~الذى للشىء من ذاته - ضوءا وليكن المستفاد نورا وهذا الذى PageV01P091 ~~نسميه ضوءا مثل الذى للشمس والنار فهو المعنى الذى يرى لذاته، ~~فإن الجرم الحامل لهذه الكيفية إذا وجد بين البصر وبينه شىء ~~كالهواء والماء رؤى ضرورة من غير حاجة إلى وجود ما يحتاج إليه ~~الجدار الذى لا يكفى فى أن يرى على ما ms059 هو عليه وجود الهواء ~~والماء وما يشبههما بينه وبين البصر بل يحتاج إلى أن يكون الشىء ~~الذى سميناه نورا قد غشيه حتى يرى حينئذ، ويكون ذلك النور تأثيرا ~~من جسم ذى ضوء فيه إذا قابله وكان بينهما جسم ليس من شأنه أن ~~يحجب تأثير المضىء فى قابل النور كالهواء والماء فإنه يعين ولا ~~يمنع، # فالأجسام بالقسمة الأولى على قسمين، جسم ليس من شأنه هذا ~~الحجب المذكور وليسم الشاف، وجسم من شأنه هذا الحجب ~~كالجدار والجبل، والذى من شأنه هذا الحجب فمنه ما من شأنه ~~أن يرى من غير حاجة إلى حضور شىء آخر بعد وجود المتوسط ~~الشاف وهذا هو المضىء كالشمس والنار، ومثله غير شفاف بل هو ~~حاجب عن إدراك ما وراءه، فتأمل إظلال المصباح عن المصباح، ~~فإن أحدهما يمنع عن أن يفعل الثانى فيما هو بينهما، وكذلك ~~يحجب البصر عن رؤية ما وراءه، ومنه ما يحتاج إلى حضور شىء ~~آخر يجعله بصفة وهذا هو الملون، فالضوء كيفية القسم الأول من ~~حيث هو كذلك، واللون كيفية القسم الثانى من حيث هو كذلك، ~~فإن الجدار لا يمكن المضىء أن ينير شيئا خلفه ولا هو بنفسه ~~منير، فهو الجسم الملون بالقوة، واللون بالفعل إنما يحدث بسبب PageV01P092 ~~النور، فإن النور إذا وقع على جرم ما حدث فيه بياض بالفعل أو ~~سواد أو خضرة أو غير ذلك، فإن لم يكن كان أسود فقط مظلما، ~~لكنه بالقوة ملون إن عنينا بالون بالفعل هذا الشىء الذى هو ~~بياض وسواد وحمرة وصفرة وما أشبه ذلك، ولا يكون البياض ~~بياضا والحمرة حمرة إلا أن تكون على الجهة التى تراها ولا تكون ~~على هذه الجهة إلا أن تكون منيرة، ولا تظن أن البياض على ~~الجهة التى تراها والحمرة وغير ذلك يكون موجودا بالفعل فى ~~الأجسام لكن الهواء المظلم يعوق عن إبصاره فإن الهواء نفسه ~~لا يكون مظلما إنما المظلم هو الذى هو المستنير، والهواء ~~نفسه وإن كان ليس فيه شىء مضىء فإنه لا يمنع إدراك المستنير ~~ولا يستر اللون ms060 إذا كان موجودا فى الشىء تأمل كونك فى غار ~~وفيه هواء كله على الصفة التى تظنه أنت مظلما، فإذا وقع النور ~~فى جسم خارج موضوع فى الهواء الذى تحسبه نيرا فإنك تراه ~~ولا يضرك الهواء المظلم الواقف بينك وبينه بل الهواء عندك فى ~~الحالين كأنه ليس بشىء، وأما الظلمة فهو حال أن لا ترى ~~شيئا وهو أن لا تكون الكيفيات التى إذا كانت موجودة فى الأجرام ~~التى لا تشف صارت مستنيرة فهى مظلمة وبالقوة، فلا تراها ولا ~~ترى الهواء، فيتخيل لك ما يتخيل لك إذا أغمضت عينيك ~~وسترتهما، فيتخيل لك ظلمة مبثوثة تراها كما يكون من حالك PageV01P093 ~~وأنت محدق فى هواء مظلم، وليس كذلك ولا أنت ترى وأنت ~~مغمض هواء مظلما، أو ترى ما ترى من الظلمة شيئا فى جفونك، ~~إنما ذلك أنك لا ترى، وبالجملة فإن الظلمة عدم الضوء فيما من ~~شأنه أن يستنير، وهو الشىء الذى قد يرى لأن النور مرئى وما ~~يكون فيه النور مرئى، والشاف لا يرى البتة، فالظلمة فى محل ~~الاستنارة وكلاهما أعنى المحلين جسم لا يشف، فالجسم الذى من ~~شأنه أن يرى لونه إذا كان غير مستنير كان مظلما ولم يكن فيه ~~بالحقيقة لون بالفعل، ولم يكن ما يظن أن هناك ألوانا ولكنها ~~مستورة بشىء فإن الهواء لا يستر وإن كان على الصفة التى يرى ~~مظلما إذا كانت الألوان بالفعل، لكنه إن سمى إنسان الاستعدادات ~~المختلفة التى تكون فى الأجسام التى إذا استنارت صار واحد منها ~~الشىء الذى تراه بياضا والآخر حمرة ألوانا فله ذلك إلا أنه يكون ~~باشتراك الإسم، فإن البياض بالحقيقة هو هذا الذى يكون على ~~الصفة التى ترى، وهذا لا يكون موجودا وبينك وبينه شفاف ~~يشف ولا تراه، لأن الشفاف قد يكون شفافا بالفعل وقد يكون ~~شفافا بالقوة، وليس يحتاج فى أن يكون بالفعل إلى استحالة فى ~~نفسه بل إلى استحالة فى غيره أو إلى حركة فى غيره، وهذا مثل ~~المسلك والمنفذ فإنه لا يحتاج فى أن يكون بالفعل إلى أمر ms061 فى نفسه ~~بل إلى وجود السالك والنافذ بالفعل، فأما الاستحالة التى يحتاج ~~إليها الشفاف بالقوة إلى أن يصير شفافا بالفعل فهى استحالة ~~الجسم الملون إلى الاستنارة وحصول لونه بالفعل، وأما الحركة ~~فأن يتحرك الجسم المضىء إليه من غير استحالة فيه، وقد عرفت PageV01P094 ~~كنه هذا فيما سلف، فإذا حصل أحد هذين الأمرين تأدى المرئى ~~وصار هذا شفافا بالفعل لوجود غيره، فحرى بنا أن نحقق أمر هذا ~~التأدى إلا أن الواجب علينا أن نؤخر الأمر فيه إلى أن نذكر شكوكا ~~تعرض فيما قلناه يسهل من حلها تصحيح ما قلناه، ### | فصل 2 (فى أن النور ليس بجسم بل هو كيفية تحدث فيه وفى مذاهب (وشكوك فى أمر النور والشعاع # من الناس من ظن أن النور الذى يشرق من المضىء على ~~الأجسام ليس كيفية تحدث فيها بل أجساما صغارا تكون منفصلة ~~من المضىء فى الجهات ملازمة لأبعاد مفروضة عنه تنتقل بانتقاله ~~فتقع على الأجسام فتستضىء بها، ومن الناس من ظن أن هذا ~~النور لا معنى له البتة وإنما هو ظهور من الملون، بل من الناس ~~من ظن أن الضوء فى الشمس ليس إلا شدة ظهور لونها لكنه ~~يغلب البصر، فيجب علينا أولا أن نتأمل الحال فى هذه المذاهب، ~~فنقول إنه لا يجوز أن يكون هذا النور والشعاع الواقع على ~~الأجسام من الشمس والنار أجساما حاملة لهذه الكيفية المحسوسة ~~لأنها إما أن تكون شفافة فلا يخلوا إما أن يزول شفيفها بتراكمها ~~كما تكون الأجزاء الصغار من البلور شفافة ويكون الركام منها ~~غير شفاف وإما أن لا يزول شفيفها، فإن كانت شفافة لا يزول ~~شفيفها لم تكن مضيئة إذ قد فرغنا من الفرق بين الشفاف وبين PageV01P095 ~~المضىء وإن كانت تعود بالارتكام غير شفافة كان ارتكامها يستر ما ~~تحتها وكلما ازدادت ارتكاما ازدادت سترا، والضوء كلما ازداد ارتكاما ~~- لو كان له ارتكام - ازداد إظهارا للون، وكذلك إذا كانت هذه ~~المضيئات فى الأصل مضيئات غير شفافة كالنار وما أشبهها، فبين أن ~~الشعاع المظهر للألوان ليس بجسم، ثم لا ms062 يجوز أن يكون جسما ~~ويتحرك بالطبع إلى جهات مختلفة، ثم إن كانت هى أجساما تنفصل ~~من المضىء وتلقى المستنير فإذا غمت الكوة لم يخل إما أن يتفق ~~لها أن تعدم أو تستحيل أو تسبق الغام، والقول بسبق الغام ~~اعتساف فإن ذلك أمر يكون دفعة، والعدم أيضا بالستر من ذلك ~~الجنس فإنه كيف يحكم أن جسما إذا تخلل بين جسمين عدم ~~أحدهما، وأما الاستحالة فتوجب ما قلناه وهو أنها تستنير بمقابلة النير ~~فإذا غم استحالت، فما الحاجة - إن كان الأمر على هذا - إلى ~~مسافرة أجسام من جهة المنير ولم لا تكون هذه الأجسام تستحيل ~~بنفسها بالمقابلة تلك الاستحالة، وأما الحجج التى تعلق بها أصحاب ~~الشعاع فمن ذلك قولهم إن الشعاع لا محالة ينحدر من عند الشمس ~~ويتجه من عند النار، وهذه حركة، ولا حركة إلا للجسم، وأيضا ~~فإن الشعاع ينتقل بانتقال المضىء، والانتقال للجسم، وأيضا فإن ~~الشعاع يلقى شيئا فينعكس عنه إلى غيره، والانعكاس حركة جسمانية ~~لا محالة، وهذه القياسات كلها فاسدة ومقدماتها غير صحيحة، فإن ~~قولنا الشعاع ينحدر أو يخرج أو يدخل ألفاظ مجازية ليس من ذلك ~~شىء بل الشعاع يحدث فى المقابل دفعة، ولما كان يحدث عن PageV01P096 ~~شىء عال توهم كأنه ينزل، وأن يكون على سبيل الحدوث فى ~~ظاهر الحال أولى من النزول إذ لا يرى ألبية فى الطريق ولا يحتاج ~~إلى زمان محسوس، فلا يخلوا إما أن يكون البرهان دل على انحداره ~~- وأنى لهم بذلك - وإما أن يكون الحس هو الدال عليه وعليه ~~معولهم، وكيف يدل الحس على حركة متحرك لا يحس زمانه ولا ~~يحس فى وسط المسافة، وأما حديث انتقال الشعاع فليس هو بأكثر ~~من انتقال الظل، فيجب أن يكون الظل أيضا جسما ينتقل، وليس ~~ولا واحد منهما بانتقال بل بطلان وتجدد، فإنه إذا تجددت ~~الموازاة تجدد ذلك، فإن ارتكب مرتكب أن الظل أيضا ينتقل ~~فليس يخلوا إما أن ينتقل على النور وإما أن يكون النور ينتقل ~~أمامه وخلفه، فإن كان ينتقل على النور ويغطى النور فلنفرض ms063 النور ~~المغشى لجميع الأرض لا انتقال له وإنما يغطيه الظل، فيكون دعوى ~~انتقال النور قد فسد، وإن كان النور ينتقل أمام الظلمة حتى تنتقل ~~الظلمة فلنفرض المضىء واقفا، ومعلوم أنه إذا كان واقفا وقف معه ~~النور، وهذا يدعوا إلى أن تكون حركة ذى الظل سببا لطرد النور ~~وتمكن عدة منهم أن يطردوا النور أيضا من الجهات المختلفة ~~والمضىء واقف فيظلم الموضع حينئذ، أو يكون للنور إذا هرب ~~من الظل طفر من خلف فعاد إلى حيث فارقه الظل، وهذه كلها ~~خرافات، بل لا الظل يفسخ النور ولا هو ولا النور بجسم، وإن ~~كان لهما انتقال فذلك بالتجدد لا أن شيئا واحدا بعينه ينتقل، ~~وانعكاس الشعاع أيضا لفظ مجازى، فإن من شأن الجسم إذا PageV01P097 ~~استنار وكان صقيلا أن يستنير عنه أيضا جسم يحاذيه من غير انتقال ~~البتة، # وأما المذاهب الآخر وهو المذهب الذى لا يرى لهذا النور ~~معنى بل يجعله اللون نفسه إذا ظهر ظهورا بينا فإن لأصحابه أن ~~يقولوا إن الذى نعتبر فى هذا الباب ما يتخيل مع اللون من بريق ~~يلزم الملونات، وليس ذلك البريق شيئا فى المرئى نفسه بل أمر يعرض ~~للبصر بالمقايسة بين ما هو أقل ضوءا وما هو أشد ضوءا وشدة ~~ظهور اللون لشدة تأثير الشىء المضيء، فأن الإنارة التى من ~~السراج أقل قليلا من الإنارة التى من القمر والإنارة التى من ~~القمر الذى هى الفخت أقل قليلا من الإنارة التى فى البيوت ~~المستورة نهارا عن الشمس بل عن المواضع ذوات الظل التى ليس ~~فيها شعاع الشمس، وذلك لأن الفخت يبطل فى ظل البيوت إذا ~~طلعت الشمس فيتلاشى، ويكون ما يبصر فبها أقوى مما يبصر فى ~~الفخت، والناس لا يرون لما كان فى الظل - وإن كان منيرا- ~~براقية وشعاعية البتة، ويرون أن نور السراج يفعل فى الأجسام ~~بريقا ونور القمر فى الليل يفعل ذلك، وذلك بالقياس إلى ~~الظلمة الليلية فإن الظلمة الليلية تخيل ذلك القدر أنه شعاع براق ~~وليس ذلك إلا ظهورا ما من اللون، والذى للشمس أقوى ms064 وأشد PageV01P098 ~~تأثيرا، فليرنا مرىء من مثبتى شىء، سوى |اللون أن على الحائط ~~الأبيض شيئا غير البياض وغير ظهوره يسمى ذلك الشىء شعاعا، ~~فإن قايس مقايس ذلك بالظل على الحائط فذلك الظل بسبب ظلمة ~~ما يخفى لها من البياض ما كان يجب أن يظهر، وكأنه خلط من ~~الظلمة التى لا معنى لها إلا خفاء أو زيادة خفاء كما أن النور لا ~~معنى له إلا ظهور أو زيادة ظهور، ومن هؤلاء قوم يرون أن ~~الشمس ليس ضوءها إلا شدة ظهور لونها، ويرون أن اللون إذا بهر ~~البصر لشدة ظهوره رؤى بريق وشعاع يخفى اللون لعجز البصر ~~لا لخفاءه فى نفسه، وكأنه يفتر البصر عن إدراك الجلى، فإذا انكسر ~~ذلك رؤى لون، قالوا والحيوانات التى تلمع فى الليل إذا لمعت لم ~~يحس لونها البتة وإذا كان نهار كان لها لون ظاهر ولم يكن فيها ~~لمعان، فذلك اللمعان هو بسبب شدة ظهور ألوانها لا غير حتى ~~يرى فى الظلمة ويكون فى غاية القوة حين يظهر فى الظلمة فيبهر ~~البصر إذ كانت الظلمة أضعفته، فإذا أشرقت الشمس غلب ظهورها ~~ظهور ذلك فعاد لونها، والبصر لم يتحير له لأن البصر قد اعتاد ~~لقاء الظاهرات واشتد بطلوع الشمس، ومنهم من قال ليس الأمر على ~~هذه الصفة بل الضوء شىء واللون شىء، لكنه من شأن الضوء إذا ~~غلب على البصر أن يستر لون ما فيه، والشمس أيضا لها لون ومع ~~اللون ضوء فيستر الضوء اللون باللمعان كما للقمر وكما للسبجة PageV01P099 ~~السوداء الصقيلة إذا لمعت رؤيت مضيئة ولم ير سوادها، قالوا وهذا ~~غير النور فإن النور هو ظهور اللون لا غير، والضوء ليس هو ظهور ~~اللون بل شىء آخر وقد يخفى اللون، وإن هذه اللوامع فى الليل ~~يظهر نورها فى الظلمة فيخفى لونها وإذا ظهرت الشمس غلب نورها ~~وخفى وظهر لونها، فبالحرى أن نتأمل هذا المذهب مع فروعه ~~المذكورة، ### | فصل 3 (فى تمام مناقضة المذاهب المبطلة لأن يكون النور شيئا غير اللون الظاهر وكلام فى الشفاف واللامع) # فنقول إن ms065 ظهور اللون يفهم منه فى هذا الموضع معنيان أحدهما ~~صيرورة اللون بالفعل والآخر ظهور لون موجود بنفسه بالفعل ~~للعين، والمعنى الأول يدل على حدوث اللون أو وجوده لونا والمعنى ~~الثانى يدل على حدوث نسبة اللون أو وجود تلك النسبة، وهذا الوجه ~~الثانى ظاهر الفساد، فإن ظن أن النور نفس نسبة اللون إلى البصر ~~فيجب أن يكون النور نسبة أو حدوث نسبة ولا قوام وجود له ~~فى نفسه، وإن عنى به أنه مصير اللون بحيث لو كان بصر لرآه ~~أو كونه كذلك فإما أن يكون هذا نفس اللون أو معنى ~~يحدث إذا زال معنى من خارج كزوال ستر أو غيره، فإن كان PageV01P100 ~~نفس اللون كان هذا هو الوجه الأول وإن كان حالا تعرض له بها ~~يظهر فيكون الضوء غير اللون، وأما المعنى الأول فلا يخلوا ~~أيضا إما أن يعنى بالظهور خروج من القوة إلى الفعل فلا يكون ~~الشىء مستنيرا بعد ذلك الآن الواحد، وإما أن يعنى به نفس ~~اللون فيكون قوله الظهور لا معنى له أيضا بل يجب أن يقال إن ~~الاستنارة هو اللون، أو يعنى به حال يقارن اللون إما دائما وإما ~~وقتا ما حتى يكون اللون شيئا يعرض له النور تارة ويعرض له ~~الظلمة أخرى واللون فى الحالين موجود بالفعل، فإن كان نفس ~~نسبته إلى ما يظهر له عاد إلى المذهب الآخر وإن كان شيئا ~~آخر عاد إلى ذلك أيضا، فإن قررنا الأمر على أن الضوء وإن كان ~~نفس اللون فيكون كأن الضوء هو اللون نفسه إذا كان بالفعل فلا ~~يخلوا إما أن يكون الضوء مقولا على كل لون بالفعل أو يكون ~~البياض وحده لونا فيكون السواد ظلمة، فيستحيل أن يكون الجسم ~~الأسود مشرقا بالضوء، لكن هذا ليس بمستحيل فإن الأسود يشرق ~~وينور غيره، فليس الضوء هو البياض وحده، وإن لم يكن الضوء ~~هو البياض وحده بل كل لون كان بعض ما هو ضوء يضاد بعض ما ~~هو ضوء، ولكن الضوء لا يقابله إلا الظلمة، هذا خلف، وأيضا ~~فإن ms066 المعنى الذى به الأسود مضىء غير سواده لا محالة وكذلك ~~هو غير البياض، واللون أعنى طبيعة جنسه الذى فى السواد هو ~~نفس السواد واللون الذى فى البياض هو نفس البياض لا عارضا له، ~~فليس اللون المطلق الجنسى هو الضوء، وأيضا فإن الضوء قد يستنير PageV01P101 ~~به الشفاف كالماء والبلور إذا كان فى ظلمة فوقع عليه الضوء وحده ~~دل عليه وأشف، فهذا ضوء وليس بلون، وأيضا فإن الشىء يكون ~~مضيئا وملونا، فتارة يشرق منه على شىء آخر الضوء وحده كما ~~يشرق على ماء أو حائط وتارة يشرق منه إذا كان قويا الضوء مع ~~اللون جميعا حتى يحمر الماء أو الحائط الذى يشرق عليه أو ~~يصفره، فلو كان الضوء ظهور اللون وكانت الظلمة خفاء اللون ~~لكان تأثير اللون الأحمر فيما يقابله حمرة لا بريقا ساذجا، فإن كان ~~هذا ظهور لون آخر فلم إذا اشتد فعل فيما يقابله إخفاء لونه بأن ~~ينقل لون هذا القوى اللون إليه، وعلى أن مذهب هذا الإنسان ~~يوجب أن الحمرة والخضرة وغير ذلك مختلطة من ظهورات وخفاءات ~~سوادية، فيلزم من ذلك أنه إذا كان جسم ظاهر اللون بشعاع ~~وقع عليه ثم انعكس على المعنى الذى نفهمه ضوء جسم آخر ذى لون ~~أن لا يقع لونه عليه لأنه لا يخلوا إما أن يكون هذا المستنير ~~المنير لغيره الأجزاء الظاهرة اللون وحدها أو مع غيرها، فإن ~~كانت وحدها فهى إنما توجب ظهور اللون فى تلك بأن تبيض ~~لاخفاء اللون بأن تحمر أو تخضر، وإن كانت مع غيرها حتى كانت ~~الظاهرة اللون والخفية اللون تفعلان جميعا هذه إخفاء وتلك ~~إظهارا فيكون لخفاء اللون تأثير فى المقابل، لكن خفاء اللون ~~ليس له هذا التأثير، ألا ترى أنه إذا كان خفاء لون مجرد لم يؤثر ~~فيما يقابله كما يؤثر ظهور اللون الذى يقولون به لو كان مفردا؟ ~~فإن قالوا إن اللون ظهور الحمرة أيضا والخضرة وغير ذلك من ~~حيث هى حمرة وخضرة وإن الحمرة والخضرة إذا اشتد ظهورها PageV01P102 ~~فعلت مثل نفسها ففعلت حمرة وخضرة، ms067 فيقال ما باله إذا كان ~~قليل الظهور أظهر اللون فيما، يقابله على ما هو عليه على المعنى ~~الذى هو ضوء مجرد فقط وفعل مثل ما يفعله مضىء لو لم يكن ~~له لون فإذا اشتد ظهوره أبطله أو أخفاه بلون نفسه، وكان يجب ~~أول الأمر أن يكون إنما يفعل فيه لونا من لونه قليلا ثم إذا ~~اشتد فعل فيه كثيرا وكان كل فعل يفعله إنما هو إخفاء لون ذلك ~~بمزجه بلونه، وليس كذلك بل يظهر أول شىء لونه إظهارا شديدا، ~~وإنما يظهر فيه اللون الذى فى استعداده ما لو حضر مضىء لا ~~حمرة ولا خضرة فى فعله ثم يعود بعد ذلك إذا صار أقوى ظهورا ~~آخذا فى إبطال لونه وإخفائه وإلباسه لونا آخر ليس فى جبلته ولا ~~طبيعته، فيكون إذن أحد الفعلين عن شىء غير الآخر، فيكون مصدر ~~أحد الفعلين عن الضوء الذى لو كان الجسم لا لون له وله ضوء ~~لكان يفعل ذلك مثل بلورة مضيئة، والفعل الآخر يكون من لونه ~~إذا اشتد ظهوره بسبب هذا الضوء حتى صار متعديا، فإنا وإن كنا ~~نقول إن الضوء ليس هو فظهور اللون فلا نمنع أن يكون الضوء سببا ~~لظهور اللون وسببا لنقله، ونقول إن الضوء جزء من جملة هذا المرئى ~~الذى نسميه لونا، وهو شىء إذا خالط اللون بالقوة حدث منهما ~~الشىء الذى هو اللون بالفعل بالامتزاج، فإن لم يكن ذلك ~~الاستعداد كانت إنارة وبريقا مجردا فالضوء كجزء من الشىء الذى ~~هو اللون ومزاج منه، كما أن البياض والسواد لهما اختلاط ما ~~تحدث عنه تلك الألوان المتوسطة، PageV01P103 # وأما قول القائل إن الضوء واللمعان أيضا ليس إلا ظهور اللون ~~ثم قوله فى الأشياء اللامعة فى الليل ما قاله فيبطل بأن السراج ~~والقمر كثيرا ما يبطلان لمعان تلك ويظهران ألوانها فيجب أن ~~يكون نور السراج أشد ظهور لون، فيجب أن يكون أيضا ما يصير ~~بالسراج فظاهر اللون لا يرى له فى الظلمة لون، والأمر ليس كذلك، ~~فإن اللامعات ترى أيضا لونها بالليل كما ترى ms068 بريقها، فليس ما ~~قالوه بحق، وأما القائل إن للشمس والكواكب ألوانا وإن الضوء ~~يخفى لونها فيشبه أن يكون الحق أن بعض الأشياء يكون له فى ~~ذاته لون، فإذا أضاء اشتدت إضاءته حتى تبهر البصر فلم يميز ~~اللون، ومنه ما يكون له مكان اللون الضوء، وهو الشىء الذى ~~يكون الضوء له طبيعيا لازما غير مستفاد، وبعض الأشياء مختلط ~~الجوهر من ذلك الأمر إما اختلاط تركيب أجزاء مضيئة وأجزاء ~~ذوات ألوان كالنار وإما اختلاط امتزاج الكيفيات كما للمريخ ~~ولزحل، وليس يمكننى أن أحكم فى أمر الشمس الآن بشىء، # فقد عرفنا حال الضوء وحال النور وحال اللون وحال الإشفاف، ~~فالضوء هو كيفية هى كمال بذاتها للشفاف من حيث هو شفاف، ~~وهو أيضا كيفية ما للمبصر بذاته لا لعلة غيره، ولا شك أن ~~المبصر بذاته أيضا يحجب عن إبصار ما وراءه، والنور كيفية ~~يستفيدها الجسم الغير الشفاف من المضىء فيكمل بها الشفاف ~~شفافا بالفعل، واللون كيفية تكمل بالضوء من شأنها أن تصير ~~الجسم مانعا لفعل المضىء فيما يتوسط ذلك الجسم بينه وبين PageV01P104 ~~المضىء، فالأجسام مضيئة وملونة وشفافة، ومن الناس من قال ~~إن من الأجسام ما يرى بكيفية فى ذاته ومنها ما يرى بكيفية فى ~~غيره، وجعل القسم الأخير هو الشفاف، وأما القسم الأول فقد ~~جعله أولا قسمين أحدهما ما يرى فى الشفاف لذاته وبحضوره وهو ~~المضىء، وثانيهما ما ليس كذلك، ثم قسم هذا بقسمين أحدهما ما ~~يشترط فى رؤيته الضوء مع شرط المشف وهو الملون، والثانى ما ~~يشترط فى رؤيته الظلمة مع شرط المشف كالحيوانات التى تلمع فى ~~الليل من حيث تلمع كاليراعة وبعض الخشب المتعفن وبعض ~~الدود، وقد رأيت أنا بيضة دجاجة بهذه الصفة وجرادة ميتة بهذه ~~الصفة وصرارة ميتة بهذه الصفة، ولبست هذه القسمة بعرضية ~~ولا صحيحة، فإن المضىء يرى لذاته فى الظلمة وفى الضوء جميعا، ~~فإن اتفق أن كان الرائى فى الضوء الذى يفعله رؤى وإن اتفق ~~أن لم يكن فيه رؤى أيضا كالنار يراها الإنسان فى الضوء سواء ~~كان ضوءها ms069 أو ضوء غيرها ويراها فى الظلمة، وأما الشمس فإنما ~~ليس يمكننا أن نراها فى الظلمة بسبب أنها حيث تكون مقابلة ~~لبصر الرائى تكون قد ملأت العالم ضوءا ولم تترك مكانا ~~مظلما، وأما الكواكب فإنها إنما ترى فى الظلمة لأن ضوءها يقصر ~~عن ضوء الشمس فلا تضىء الأشياء ولا تنورها بل لا يمتنع أن ~~توجد فقد يمكن أن تكون ومعها ظلمة فترى فى الظلمة لا لأن ~~الظلمة سبب لأن ترى هى بالذات، بل يجب أن يعلم أن بعض ~~الأنوار يغلب بعضا حتى لا يرى كما أن ضوء الشمس يغلب ضوء PageV01P105 ~~النار الضعيفة وضوء الكواكب فلا ترى مضيئة عند الشمس فلا ~~ترى، لا لأجل الحاجة فى رؤيتها إلى الظلمة بل للحاجة إلى أن ~~تكون فى أنفسها مضيئة غير مظلمة بالقياس إلى أبصارنا، فإذا كانت ~~الشمس غائبة ظهرت ورؤيت لأنها صارت مضيئة بالقياس إلى أبصارنا ~~ولحال فى أبصارنا، وربما كان حكم النار والقمر عند ضوء ما هو ~~أضعف منهما هذا الحكم بعينه، ويجب فى ذلك الضوء ألا يكون ~~موجودا بالقياس إلينا عند ظهور نار أو قمر فيلزم أن تكون ظلمة ~~حتى يظهر أو يلزم أن لا يكون باهر حتى يرى ويتمكن البصر ~~من إدراكه، وأنت تعلم أن الهباء الذى فى الجو ليس من جنس ما ~~لا يرى المستنير منه إلا فى الظلمة، لكن إن كان الإنسان فى ~~الظلمة وقد وقع على هذه الهباءات شعاع الشمس أمكن أن يرى تلك ~~الهباءات، وإن كان الإنسان فى الشعاع لم يمكن، وذلك لأمر فى ~~بصر الإنسان لا لأمر فى ضوء الهباءات، فإن بصر الإنسان إذا ~~كان مغلوبا بضوء كثير لم يرها وإن لم يكن مغلوبا رآها، وكذلك ~~هذه اللوامع فى الليل ليست جنسا آخر بل هى المضيئآت وتخالفها ~~لا فى جملة الطبع بل فى الضعف، ولو كانت هذه مخالفة للمضيئآت ~~فى جملة الطبع فالكواكب كذلك، ولا يتحصل لهذه القسمة محصول ~~صادق إلا أن يقال إن بعض المضيئآت باهرة لبعض وبعضها مبهورة ~~لبعض، ومعنى ذلك البهر ليس تأثيرا ms070 منها فيها بل فى أبصارنا كما أن ~~بعض الصلابات أصلب وبعضها أضعف، فلا يجب إذا أن يقال إن ~~اللواتى تلمع فى الليل نوع أو جنس مفرد خارج عن الملونات PageV01P106 ~~والمضيئآت بل هى من جملة المضيئآت التى يبهرها ما فوقها فى ~~الإضاءة فلا ترى معها لعجز أبصارنا حينئذ بل إنما يقوى عليها ~~أبصارنا عند فقدان سلطان الباهرة لأبصارنا من المضيئآت، فإن ذهبوا ~~إلى هذا فالقسمة جيدة إلا أنهم ليسوا يذهبون إلى هذا بل يوهمون ~~أن المضيئآت طبقة والملونات طبقة وهذه طبقة، ### | فصل 4 (فى تأمل مذاهب قيلت فى الألوان وحدوثها) # ومما يجب أن نفرغ عنه تأمل مذهب آخر فى أمر الألوان ~~والضوء، فإنا ما لم نفرغ عنه لم يكن لنا سبيل إلى أن ندل على ~~صحة ما ذهبنا إليه بطريق القسمة، فنقول إن من المذاهب فى ~~أمر الألوان مذهب من يرى أن اللون الأبيض إنما تكونه من الهواء ~~والضوء وأن الأسود تكونه من ضد ذلك وأن حدوث اللون الأبيض ~~هو من الشفاف إذا انقسم إلى أجزاء صغار ثم ارتكم، فإنه يعرض ~~هناك أن تقبل سطوحها النور فتضىء، ولأنها شفافة يؤدى ~~بعضها إضاءة بعض، ولأنها صغار يكون ذلك فيها كالمتصل، ولأن ~~المشف لا يرى إلا بلون غيره فإن شفيفها لا يرى لكن العكوس ~~عن السطوح المتراكمة منها ترى متصلة فيرى الجميع أبيض، قالوا ~~ولهذا ما كان زيد الماء أبيض بمخالطة الهواء، والثلج أبيض ~~لأنه أجزاء صغار جامدة شفافة خالطها الهواء ونفذ فيها الضوء، PageV01P107 ~~والبلور المسحوق والزجاج المسحوق لا يشف، وأى هذه اتصلت ~~سطوحها اتصالا يبطل به انفراد كل شخص منها بنفسه عادت شفافة، ~~والشفاف الكبير الحجم إذا عرض فيه شق رمى ذلك الموضع منه ~~إلى البياض، قالوا فأما السواد فيتخيل لعدم غور الجسم وعمقه ~~الضوء والإشفاف معا، # ومنهم من جعل الماء سببا للسواد، قال ولذلك إذا ابتلت ~~الأشياء مالت إلى السواد قالوا وذلك لأن الماء يخرج الهواء ولا ~~يشف إشفافه ولا ينفذ فيه الضوء إلى السطوح فتبقى مظلمة، ومنهم ~~من جعل السواد ms071 لونا بالحقيقة وأصل الألوان، قال ولذلك لا ~~ينسلخ، وأما البياض فعارض للمشف بتراكمه، ولذلك يمكن أن ~~يصبغ، ولا يبعد أن يكون المذهب الأول فى السواد يؤدى إلى ~~هذا المذهب أيضا إذ جعل السواد حقيقة ما لا يشف من جهة ~~ما لا يشف وهو حقيقة اللون المنعكس عنه، وقال قوم إن الأسطقصات ~~كلها مشفة، وإنها إذا تركبت حدث منها البياض على الصفة ~~المذكورة وبأن يكون ما يلى البصر سطوحا مسطحة من المشف ~~فينفذ فيها البصر، وإن السواد يعرض إذا كان ما يلى البصر من ~~الجسم زوايا تمنع الإشفاف للأطراف التى تقع فيها، فهى وإن ~~أضاءت فبما لا ينفذ فيها الضوء نفوذا جيدا تظلم، والذى يصعب PageV01P108 ~~من هذه الجملة فصل القول فيه تولد البياض من الضوء وكون ~~السواد لونا حقيقيا فإنا نعرف أن المشفات تبيض عند السحق ~~والخلط بالهواء، وكذلك اللخالخ والناطف يبيض لاجتماع أحقان ~~الهواء فيه مع الإشفاف الذى فى طبعه، ونعلم أن السواد لا يقبل ~~لونا البتة كما أن البياض يقبل، فكأن البياض لإشفافه موضوع ~~معرى مستعد والمعرى عن الكيفيات قابل لها من غير حاجة إلى ~~إزالة شىء، والمشغول بواحدة لا يقبل غيرها إلا بزوالها، ~~فهؤلاء قوم يجعلون مخرج الألوان من الإشفاف وغير الإشفاف، ~~وبإزاء هؤلاء قوم آخرون لا يقولون بالإشفاف البتة، ويرون أن ~~الأجسام كلها ملونة وأنه لا يجوز أن يوجد جسم إلا وله لون، ~~ولكن الثقب والمنافذ الخالية إذا كثرت فى الأجسام نفذ فيها ~~الشعاع الخارج من المضىء إلى الجهة الأخرى، ونفذ أيضا شعاع ~~البصر فيرى ما وراءها، # فأما المذهب الأول فإنا نقول لعمرى إنه قد يظهر من دق ~~المشف وخلطه بالهواء لون أبيض، ولكن إنما يكون ذلك لا فى ~~جسم متصل ومجتمع بل إنما يظهر ذلك اللون فى الركام منه وإنه ~~إذا جمع وبل زال عنه البياض عند الاجتماع والجفوف، وليس الجص ~~على ما أظنه ويوجبه غالب ظنى إنما يبيض بياضه لذلك فقط PageV01P109 ~~بل لأن الطبخ يجعله بحيث إذا بل ثم جف ابيض بياضا شديدا ~~بمزاج يحدث ms072 فيه، والدليل على ذلك أنه لو كان فعل النار فى ~~الجص ليس إلا تسهيل التفريق فإن تسهيل التفريق قد يوصل ~~إلى الهيئة التى ذكر أنها سبب لكون البياض- لكان السحق الكثير ~~المؤدى إلى غاية تصغير الأجزاء يفعل ذلك الفعل فى الجص وفى ~~النورة وفى غيره، ولكان المهيأ بالسحق والتصويل إذا أجتمع بالماء ~~فعل فعل الجص من البياض، وليس كذلك، # ثم لنفرض أن الجص متكون فيه ذلك على الصورة المذكورة، ~~فليس كل بياض يحدث على هذه الصفة، فإن البيض إذا سلق ~~يصير بياضه الشفاف أبيض، وليس يمكن أن يقال إن النار زادته ~~تخلخلا وتفريقا فإنها قد زادته تكاثفا على حال ولا أنه قد حدثت ~~فيه هوائية وخالطته، فأول ذلكن أن بياض البيض يصير عند الطبخ ~~أثقل وذلك لما يفارقه من الهوائية، وثانيا أنه لو كانت هوائبة ~~داخلت رطوبته فبيضته لكانت خثورة لا انعقاد، وقد علمت ~~هذا قبل، وأيضا فإن الدواء الذى يتخذه أهل الحيلة ويسمونه ~~لبن العذراء يكون من خل طبخ فيه المرداسنج حتى انحل فيه ~~ثم صفى حتى بقى الخل فى غاية الإشفاف والبياض، وخلط بماء ~~طبخ فيه القلى وصفى غاية التصفية حتى صار كأنه دمعة، فإنه إن ~~قصر فى هذا لم يلتئم منهما المزاج الذى يطلبونه، فكما يخلط ~~هذان الماءان ينعقد فيه المنحل الشفاف من المرتك أبيض فى PageV01P110 ~~غاية البياض كاللبن الرائب، ثم يجف، فليس ذلك لأن هناك ~~شفافا عرض له التفرق فإن ذلك كان متفرقا منحلا فى الخل ولا ~~أجزاء مشفة صغارا جدا تدانت وتقاربت، بل إن كان ولا بد ~~فقد ازدادت فى ماء القلى تفرقا، ولا أيضا خالطها هواء من خارج ~~بوجه من الوجوه، بل ذلك على سبيل الاستحالة، فليس كل تولد ~~بياض فيما أحسب على الصفة المذكورة، # ولو لم يكن البياض إلا ضوءا والسواد إلا ما قيل لم يكن تركيب ~~البياض والسواد إلا آخذا مسلكا واحدا، بيان هذا أن البياض يتجه ~~إلى السواد قليلا قليلا من طرق ثلاثة، أحدها طريق الغبرة وهو ~~الطريق الساذج، فإنه إذا كان ms073 السلوك ساذجا يتوجه إلى الغبرة ~~ثم منها إلى العودية ثم كذلك حتى يسود فيكون سالكا طريقا لا ~~يزال يشتد فيه السواد وحده يسيرا يسيرا حتى يمحض، والثانى ~~الطريق الآخذ إلى الحمرة ثم إلى القتمة ثم إلى السواد، والثالث ~~الطريق الآخذ إلى الخضرة ثم إلى النيلية ثم إلى السواد، وهذه ~~الطرق إنما يجوز اختلافها لجواز اختلاف ما يتركب عنه الألوان ~~المتوسطة، فإن لم يكن إلا بياض وسواد ولم يكن أصل البياض ~~إلا الضوء وقد استحال بعض هذه الوجوه لم يمكن فى تركيب ~~البياض والسواد إلا الأخذ فى طريق واحد لا يقع الاختلاف إلا ~~فيه وقوعا بحسب النقص والاشتداد فيه فقط، ولم تكن طرق مختلفة، ~~فإن كانت طرق مختلفة فيجب أن يكون شوب من غير البياض ~~والسواد مع أن يكون شوبا من مرئى، وليس فى الأشياء شىء يظن ~~أنه مرئى وليس سوادا ولا بياضا ولا مركبا منهما إلا الضوء عند من ~~يجعل الضوء شيئا غيرهما، فإن بطل مذهبه امتنع استحالة الألوان PageV01P111 ~~فى طرق شتى، وإن أمكنت هذه الاستحالة وجب أن يكون مرئى ~~ثالث خارج عن أحكام البياض والسواد، ولا وجه أن يكون هذا ~~المرئى الثالث موجودا إلا أن يجعل الضوء غير اللون، # فمن هاهنا يمكن أن تتركب الألوان، فيكون البياض والسواد إذا ~~اختلطا وحدهما كانت الطريقة هى طريقة الاغبرار، فإن خالط السواد ~~ضوء فكان مثل الغمامة التى تشرق عليها الشمس ومثل الدخان ~~الأسود يخالطه النار كان حمرة إن كان السواد غالبا أو صفرة إن ~~كان السواد مغلوبا وكان هناك غلبة بياض مشرق، ثم إن كان هناك ~~صفرة خلطت بسواد ليس فى أجزاء إشراق حدثت الخضرة، وبالجملة ~~إذا كان الأسود أبطن والمضىء أظهر، والحمرة بالعكس، ثم إن كان ~~السواد غالبا فى الأول كانت قتمة، وإن كان السواد غالبا فى الثانى ~~كانت كراثية تلك الشديدة التى لا إسم لها، وإن خلط ذلك ~~ببياض كانت كهوبة زنجارية، وإن خلط بالكراثية سواد وقليل حمرة ~~كانت نيلية، وإن خلطت بالحمرة نيلية كانت أرجوانية، # فبهذا يمكن تأليف الألوان ms074 سواء كان بامتزاج الأجرام أو بامتزاج ~~الكيفيات، ولو كانت هذه لا تكون إلا باختلاط الأجسام - وقد ~~علم أن الأسود لا يصبغ منه الضوء بالعكس جسما البتة أسو - ~~لكان يجب أن تكون الألوان الخضر والحمر إنما ينعكس منها البياض PageV01P112 ~~ولا ينعكس من الأجزاء السود شىء وخصوصا وهى ضعيفة منكسرة، ~~فإن قيل فقد نراها تنعكس عن المخلوط فالجواب أن ذلك لأن ~~الخلط يوجب الفعل والانفعال، ويجب بسبب ذلك امتزاج ~~الكيفية، وسواء فعلته الصناعة أو الطبيعة على أن الطبيعة تقدر على ~~المزاج الذى على سبيل الاستحالة، والصناعة لا تقدر عليه بل ~~تقدر على الجمع، فربما أوجبت الطبيعة بعد ذلك استحالة، والطبيعة ~~تقدر على تلطيف المزاج الذى على سبيل الخلط وتصغير الأجزاء، ~~والصناعة تعجز عن ذلك الاستقصاء، والطبيعة لا تتناهى مذاهبها ~~فى القسمة والنسبة قوة وفعلا، والصناعة لا يمكن أن يخرج جميع ما ~~فى الضمير منها إلى الفعل، # فقد بان من هذا أن البياض بالحقيقة فى الأشياء ليس بضوء ثم ~~لسنا نمنع أن يكون للهواء تأثير فى أمر التبيض، ولكن ليس على ~~الوجه الذى يقولون بل بإحداث المزاج المبيض، ولذلك ليس ~~لنا أن نقول إن بياض الناطف كله من الجهة التى يقولون بل من ~~المزاج، فإن الهواء يوجب لونا أبيض لا بحسب المخالطة فقط ~~بل بحسب الإحالة أيضا، ولو كان مذهبهم صحيحا لكان يمكن ~~أن يبلغ بالشىء الأبيض والملون بشدة الترقيق حتى يذهب تراكمه ~~إلى أن يشف أو إلى قريب منه، وهذا مما لا يكون، وأما قولهم ~~إن الأسود غير قابل للون آخر فإما أن يعنوه على سبيل الاستحالة ~~أو على سبيل الصبغ، فإن عنوا على سبيل الاستحالة فقد كذبوا ~~ومما يكذبهم الشباب والشيب، وإن عنوا على سبيل الصبغ فذلك ~~حال مجاورة لا حال كيفية، فلا يبعد أن يكون الشىء المسود لا PageV01P113 ~~يكون مسودا إلا وفيه قوة نافذة متعلقة قباضة فيخالط وينفذ ~~ويلزم، وأن يكون ما هو موجود فى الأشياء أبيض بخلاف ذلك ~~فى طبعه فلا يمكنه أن يغشى الأسود ويداخله ويلزمه، على أن ms075 ~~ذلك أيضا ليس مما لا يمكن فإنه إذا احتيل بمثل الإسفيداج ~~وغيره حيلة ما حتى يغوص ويحلل السواد صبغه أبيض، ~~وأما المذهب الثانى فإن ذلك المذهب لا يستقيم القول به ~~إلا إذا فرض الخلاء موجودا، وذلك لأن المسام التى يذكرونها ~~لا يخلوا إما أن تكون مملوءة من جسم أو تكون خالية، فإن كانت ~~مملوءة من جسم فإما أن يكون ذلك الجسم يشف من غير مسام ~~أو تكون له أيضا مسام وينتهى لا محالة إما إلى مشف لا مسام ~~له - وهذا خلاف قولهم - وإما إلى خلاء، فيكون مذهبهم ~~يقتضى وجود الخلاء والخلاء غير موجود، ثم بعد ذلك فإنهم ~~يقولون إنه ليس كل مسام تصلح لتخييل الإشفاف بل يجب أن ~~تكون المسام مستقيمة الأوضاع من غير تعريج حتى تنفذ فيها ~~الشعاعات على الاستقامة، فلنخرط كرة من جمد بل من بلور بل ~~من ياقوت أبيض شفاف، فهذه المسام التى تكون فيها شفافة ~~مستقيمة هبها تكون كذلك طولا، فهل تكون كذلك أيضا عرضا؟ ~~وهل تكون كذلك قطرا؟، ومن أى جهة أثبت فكيف تكون ~~مستقيمات تداخل مستقيمات فتكون من أى جهة تأملتها لا تتعرج؟ ~~فمن الضرورة أن يعرض من بعض الجهات خلاف الاستقامة ووقوف PageV01P114 ~~الأجزاء التى لا مسام لها فى سمت الخطوط التى تتوهم خارجة على ~~الاستقامة من العين، أو يكون الجسم خلاء كله، وهذا محال، ~~فيجب أن تكون الكرة إذا اختلف منك المقامات فى استشفافها ~~اختلف عليك شفيفها ضرورة، ثم كيف يكون حال جسم فيه من ~~المسام والمنافذ ما يخفى لونه حتى تراه كأنه لا لون له وله فى ~~نفسه لون؟ ولا يستر لونه شيئا ملتصقا مما وراءه بل يؤدى ما ~~وراءه بالحقيقة، فإن أحدث سترا فإنما يحدث شيئا كأنه ليس، ~~فتكون لا محالة الثقب التى فيه أكثر كثيرا من الملأ الذى فيه، ~~فكيف يجوز أن يكون لها استمساك الياقوت وهو كله فرج؟ ولو ~~أن إنسانا أحدث فى الياقوت منافذ ثلاثة أو أربعة ثم حمل عليه ~~بأضعف قوة لانرض وانكسر، فهذا المذهب أيضا محال، ms076 # فالألوان إذا موجودات، وليس وجودها أنها أضواء ولا الأضواء ~~ظهورات لها، ومع ذلك فليست هى ما هى بالفعل بغير الأضواء، ~~والمشف أيضا موجود، وهذا ما أردنا بيانه إلى هذه الغاية، وقد ~~بقى علينا أن نخبر عن حال الإبصار أنه كيف يكون، ويتعلق ~~بذلك تحقيق كيفية تأدى الأضواء فى المشف، ### | فصل 5 (فى اختلاف المذاهب فى الرؤية وإبطال المذاهب الفاسدة بحسب الأمور أنفسها) # فنقول إن المذاهب المشهورة فى هذا الباب مذاهب ثلاثة ~~وإن كان كل مذهب منها يتفرع، أحدها مذهب من يرى أن PageV01P115 ~~شعاعات خطية تخرج من البصر على هيئة مخروط يلى رأسه العين ~~وقاعدته المبصر، وأن أصحها إدراكا هو السهم منها، وأن ~~تبصر الشىء هو نقل السهم فيه، ومنها مذهب من يرى أن ~~الشعاع قد يخرج من البصر على هيئة إلا أنه لا يبلغ من كثرته ~~أن يلاقى نصف كرة السماء إلا بانتشار يوجب انتشار الرؤية، لكنه ~~إذا خرج واتصل بالهواء المضىء صار ذلك آلة له وأدرك بها، ~~ومنها مذهب من يرى أنه كما أن سائر المحسوسات ليس يكون ~~إدراكها بأن يرد عليها شىء من الحواس بارزا إليها متصلا بها ~~أو مرسلا رسولا إليها كذلك الإبصار ليس يكون بأن يخرج شعاع ~~البتة فيلقى المبصر، بل بأن تنتهى صورة المبصر إلى البصر بتأدية ~~الشفاف إياها، # وقد استدل الفريقان الأولان وقالا إنما جاز فى سائر الحواس ~~أن تأتيها المحسوسات لأنها يصح إدراكها بالملامسة كما للمس ~~وكالذوق وكالشم الذى يستقرب الروائح بالتنشق ليلاقيها ~~وينفعل بها، وكالصوت الذى ينتهى به التموج إلى السمع، ثم ~~إن البصر ليس يمكن فيه ذلك لأن المرئى منفصل، ولذلك لا ~~يرى المقرب منه، ولا أيضا من الجائز أن ينتقل إليه عرض موجود ~~فى جسم مرئى أعنى لونه وشكله، فإن الأعراض لا تنتقل، فإذا ~~كانت الصورة على هذا فبالحرى أن تكون القوة الحاسة ترحل PageV01P116 ~~إلى موضع المحسوس لتلاقيه، ومحال أن تنتقل القوة إلا بتوسط جسم ~~يحملها، ولا يكون هذا الجسم إلا لطيفا من جنس الشعاع والروح ~~فلذلك سميناه شعاعا، ولوجود ms077 جسم مثل هذا فى العين ما يرى الإنسان ~~فى حال الظلمة أن نورا قد انفصل من عينيه وأشرق على أنفه أو ~~على شىء قريب يقابله، وأيضا فإن الإنسان إذا أصبح ودعاه دهش ~~الانتباه إلى حك عينيه فإنه يتراءى له شعاعات قدام عينيه، وأيضا فإن ~~الثقبه العينية تمتلىء من إحدى العينين إذا غمضت الأخرى وفى ~~التحديق المفرط أيضا، فلا محالة أن جسما بهذه الصفة ينصب إليها، ~~ثم أن الفرقة الثانية استنكرت أن يكون جسم مثل العين يسع من ~~الشعاع ما يتصل خطا واحدا بين البصر والكواكب الثابتة فضلا ~~عن خطوط تنتهى إلى ما يرى من العالم، و وخصوصا ولا يرى ما ~~يرى منها إلا متصلا مستوى الاتصال، فيجب أن يكون ما يرى ~~به متصلا، واستنكرت أيضا أن يتحرك هذا الشعاع الخارج ~~فى زمان غير محسوس حركة من العين إلى الثوابت، وقالوا يجب ~~أن تكون نسبة زمان حركتك نحو شىء بينك وبينه ذراعان إلى زمان ~~الحركة إلى الكواكب الثابتة نسبة المسافتين، و فيجب أن يظهر ~~بين الزمانين اختلاف، وربما احتج بهذا أصحاب المذهب الثالث ~~أيضا على أصحاب الشعاع الخطى، ولم يعلموا أن هذا فاسد، ~~وذلك لأنه يمكن أن يفرض زمان غير محسوس قصرا أو أكبر ~~زمان غير محسوس قصرا، فتحصل فيه الحركة التى للشعاع إلى PageV01P117 ~~الثوابت، ثم يمكن أن ينقسم هذا الزمان إلى غير النهاية، ~~فيمكن أن يوجد فيه جزء أو بعض نسبته إليه نسبة المسافة ~~المستقصرة إلى المسافة المستبعدة، فيكون الزمانان الذان بينهما ~~البعد كلاهما غير محسوس قصرا، # لكن لأصحاب الشعاعات حجة فى حلها أدنى صعوبة، وهو قولهم ~~إن المرايا تشهد بوجود هذه الشعاعات وانعكاسها، وذلك أنه لا ~~يخلو إما أن يكون البصر تتأدى إليه صورة المرآة وقد تأدى إليها ~~صورة المرئى متمثلة متشبحة فيها، وإما أن يكون ما نقوله من أن ~~الشعاع يخرج فيلقى المرآة ثم يصير منها إلى أن يلقى ما ينعكس ~~عليه على زاوية مخصوصة، وإذا بطل القول الأول بقى القول الثانى، ~~ومما يتضح به بطلان القول الأول ms078 أنه لو كانت هذه الصورة متشبحة ~~فى المرآة لكانت لا محالة تتشبح فى شىء بعينه من سطحها، كما ~~إذا انعكس الضوء واللون معا فتأديا فى المشف إلى غير الحامل ~~لهما الأول فإنما يتمثل المتأدى من ذلك فى بقعة واحدة بعينها ~~يرى فيها على اختلاف مقامات الناظرين، وليس الشبح الذى فى ~~المرآة بهذه الصفة بل ينتقل فيها بانتقال الناظر، ولو كان إنما ~~ينتقل بانتقال المرئى فقط لم يكن فى ذلك إشكال، وأما انتقاله ~~بانتقال النالظر فدليل على أنه ليس هناك بالحقيقة موضع تتشبح ~~فيه الصورة، ولكن الناظر إذا انتقل انتقل مسقط الخط الذى إذا ~~انعكس إلى المرئى فعل الزاوية المخصوصة فرأى بذلك الخط PageV01P118 ~~بعينه المرئى ورأى جزءا من المرآة آخر، فتخيل أنه فى ذلك ~~الجزء الآخر من المرآة، وكذلك لا يزال ينتقل، قالوا ومما يدل ~~على صحة هذا أن الناظر الذى للإنسان قد ينطبع فيه شبح مرئى ~~ينعكس عنه إلى بصر ناظر حتى يراه هذا الناظر الثانى، ولا يراه ~~صاحب الحدقة التى تمثل فيها الشبح بحسب التخيل، ولو كان ~~لذلك حقيقة انطباع فى ناظره لوجب على مذهب أصحاب الأشباح ~~أن يتساوى كل منهما فى إدراكه، فإن عندهم أن حقيقة الإدراك ~~تمثل شبح فى الناظر، فيكون كل من تمثل فى ناظره شبح رآه، ~~قالوا فمن هذا نحكم ونقول إن الناظر فى المرآة يتخيل له فى ~~المرآة أنه يرى صورته، وليس كذلك، بل الشعاع إذا لاقى ~~المرآة فأدركها كر منعكسا فلاقى صورة الناظر فأدركها، فإذا ~~رأى المرآة ونفسه فى سمت واحد من مخرج الخط الشعاعى تخيل ~~أن أحدهما فى الآخر، قال والدليل على أن ذلك ليس منطبعا فى ~~المرآة أنه يرى المرئى فى المرآة بحيث لا يشك أنه ليس فى ~~سطح المرآة وإنما هو كالغائر فيه والبعيد عنه، وهذا البعد لا يخلوا ~~إما أن يكون بعدا فى غور المرآة، وليس للمرآة ذلك الغور ولا ~~أيضا إن كان لها ذلك الغور كانت المرآة مما يرى ما يتشبح فى ~~باطنها، فبقى أن يكون ذلك البعد ms079 بعدا فى خلاف جهة غوره، ~~فيكون بالحقيقة إنما أدرك الشىء بذلك البعد من المرآة، فلا ~~يكون قد انطبع شبحه فى المرآة، # فيلزمنا أول شىء أن نبطل المذهبين الأولين فتثبت صحة مذهبنا ~~وهو الثالث، ثم نكر على هذه الشبه فنحلها، فنقول إن الشىء PageV01P119 ~~الخارج من البصر لا يخلوا إما أن يكون شيئا قائم الذات ذا وضع ~~فيكون جوهرا جسمانيا، وإما أن يكون شيئا لا قوام له بذاته وإنما ~~يقوم بالشىء المشف الذى بين البصر والمبصر، ومثل هذا الشىء ~~فلا يجوز أن يقال له بالحقيقة أنه خارج من البصر، ولكن يجب ~~أن يقال إنه انفعال للهواء من البصر، ويكون الهواء بذلك الانفعال ~~معينا فى الإبصار، وذلك على وجهين، إما على سبيل إعانة الواسطة ~~وإما على سبيل إعانة الآلة، # وقبل الشروع فى التفصيل فإنى أحكم حكما كليا أن الإبصار ~~ليس يكون باستحالة من الهواء إلى حالة تعين البصر البتة، وذلك ~~لأن تلك الحالة لا محالة تكون هيئة فى الهواء ليست معنا إضافيا ~~بحسب ناظر دون ناظر، فإنا لا نمنع وجود هذا القسم بل نقول لا بد ~~منه ولا بد من إضافة تحدث للهواء مع الناظر عند نظره بتلك ~~الإضافة يكون الإبصار، وإنما نمنع وجود حالة وهيئة قارة فى نفس ~~الهواء وذاته يصير بها الهواء ذا كيفية أو صفة فى نفسه وإن ~~كانت لا تدوم له ولا توجد عند مفارقة الفاعل الموجد، لأن ~~مثل هذه الهيئة لا يكون له بالقياس إلى بصر دون بصر بل ~~يكون موجودا له عند كل شىء، كما أن الأبيض ليس أبيض ~~بالقياس إلى شىء دون شىء، بل هو أبيض بذاته وأبيض عند كل ~~شىء وإن كان لا يبقى أبيض مع زوال السبب المبيض، ثم لا ~~يخلوا إما أن تكون تلك الهيئة تقبل الشدة والضعف فتكون ~~أضعف وأقوى أو تكون على قدر واحد، فإن كان على قدر واحد فلا ~~يخلوا إما أن تكون العلة الموجبة تقبل الأشد والأنقص أو لا ~~تقبل، فإن كانت طبيعة العلة تقبل الأشد والأنقص وتلك الطبيعة ms080 PageV01P120 ~~لذاتها تكون علة فيجب أن يتبعها المعلول فى قبول الأشد والأنقص، ~~فإنه من المحال أن يفعل الضعيف الفعل الذى يفعل القوى ~~نفسه إذا كانت قوته وضعفه أمرا فى طبيعة الشىء بما هى علة، ~~فيجب من ذلك أن القوى المبصرة الفاعلة فى الهواء إذا كثرت ~~وازدحمت كان حدوث هذه الحالة والهيئة فى الهواء أقوى، وأن ~~يكون قوى البصر أشد فى إحالة الهواء إلى هذه الهيئة من ضعيف ~~البصر، وخصوصا وليس هذا من باب ما لا يقبل الأشد والأضعف ~~لأنه من باب القوى والحالات فى القوة، ولا تكون قوتها - كما ~~ذكرنا - بقياس بصر دون بصر بل بنفسها كما قلنا، فيجب أن ~~يكون ضعفاء الإبصارإذا اجتمعوا رأوا أقوى وإذا تفرقوا رأوا أضعف، ~~وأن ضعيف البصر إذا قعد بجنب قوى البصر رأى أشد، وذلك لأن ~~الهواء يستحيل إلى تلك الهيئة كيف كانت باجتماع العلل الكثيرة ~~والقوية استحالة أشد، فيكون أداؤه للصورة ومعونته فى الإبصار أقوى، ~~وإن كان ضعف نفس البصر يزيد خللا فى ذلك فاجتماع الضعيفين ~~معا ليس كحصول ضعيف واحد، كما أن ضعيف البصر لا يستوى ~~حال إبصاره فى الهواء الكدر والهواء الصافى لأن الضعيف إذا وجد ~~معونة من خارج كان لا محالة أقوى فعلا، ثم نحن نشاهد ضعيف ~~البصر لا يزيده اقتران أقوياء البصر به أو اجتماع كثرة ضعفاء البصر ~~معه شيئا فى إبصاره، فبين أن المقدم باطل، PageV01P121 # ولنعد إلى التفصيل الذى فارقناه، فنقول لا يخلوا الهواء حينئذ ~~إما أن يكون آلة وإما أن يكون واسطة، فإن كان آلة فإما أن ~~تكون حساسة وإما أن تكون مؤدية، ومحال أن يقول قائل إن ~~الهواء قد استحال حساسا حتى إنه يحس الكواكب ويؤدى ما ~~أحسه إلى البصر، ثم ليس كل ما نبصره يلامسه الهواء، فإنا قد ~~نرى الكواكب الثابتة والهواء لا يلامسها، وما أقبح بنا أن نقول ~~إن الأفلاك التى فى الوسط أيضا تنفعل عن بصرنا وتصير آلة له ~~كما يصير الهواء آلة له، فإن هذا مما لا يقبله عاقل محصل، ~~أو نقول إن ms081 الضوء جسم مبثوث فى الهواء والفلك يتحد بأبصارنا ويصير ~~آلة لها، فإن ساعدنا على هذا القبيح فيجب أن لا نرى كلية جسم ~~الكواكب بعد تسليمنا باطلا آخر وهو أن فى الفلك مسام، وذلك ~~لأنه لا تبلغ مسامها أن تكون أكثر من نصف جرمها، فيجب أن ~~يكون الكوكب المنظور إليه إنما ترى منه أجزاء ولا ترى ~~أجزاء، ثم ما أشد قوة أبصارنا حتى تحيل الهواء كله والضياء ~~المبثوث فى أجسام الأفلاك بزعمهم إلى قوة حساسة أو أية قوة ~~شئت، ثم الهواء والضوء ليسا متصلين ببصر دون بصر، فلم ~~يؤديان ما يحسانه إلى بصر دون بصر؟ فإن كان من شرط البصر ~~الذى يرى أن يقع فى مسامتة المرئى حتى يؤدى حينئذ الهواء إليه ما ~~أحس فليس إحساس الهواء بعلة لوصول المحسوسات إلى النفس ولكن ~~وقوع البصر من المبصر على نسبة وتوسط الهواء بينهما، فإن كان ~~الهواء يحس بنفسه ويؤدى أيضا فما علينا من إحساسه فى نفسه، بل ~~إنما المنتفع به فى أن نحس نحن تأديته المرئى إلينا، ولا نبالى PageV01P122 ~~أنه يحس فى نفسه أو لا يحس فى نفسه، أللهم إلا أن يجعل ~~إحساسه لإحساسنا فيكون الفلك والهواء كله يحس لأجلنا، # وأما إذا لم يجعل ذلك آلة بل واسطة تنفعل أولا من البصر ثم ~~يستتم كونها واسطة فبالحرى أن نتأمل أنه أى انفعال ينفعل حتى ~~يؤدى أبأن يقبل من البصر قوة حياة وهو أسطقص بسيط، هذا لا ~~يمكن، أو يصير بالبصر شافا بالفعل، فالشمس أقوى من البصر فى ~~تصييره شافا بالفعل وأكفى، فليت شعرى ماذا يفعل البصر بهذا ~~الهواء، فإن كان البصر يسخنه فيجب إذا برد الهواء أن يمنع ~~الإبصار، أو يبرده فيجب إذا سخن أن يمنع الإبصار، وكذلك ~~الحال فى باقى الأضداد، ولجميع الأضداد التى يستحيل بها الهواء ~~أسباب غير البصر إن اتفقت كفت الحاجة إلى إحالة البصر، وإن ~~اتفق أضدادها لم تغن إحالة البصر، أو عساه لا يحدث إشفافا ~~ولا كيفية ذات ضد من المعلومات بل يحدث خاصية غير منطوق ~~بها، ms082 فكيف عرفها أصحاب هذا المذهب؟ ومن أين توصلوا إليها؟ ~~أما نحن فقد قدمنا مقدمة كلية تمنع هذه الاستحالات كلها سواء ~~كانت منسوبة إلى خاصية أو طبيعة منطوق بها أو غير منطوق ~~بها، ويعد ذلك فإنا نظن أن الهواء إذا كان شفافا بالفعل وكانت ~~الألوان ألوانا بالفعل وكان البصر سليما لم يحتج إلى وجود شىء ~~آخر فى حصول الإبصار، # ولنضع الآن أن الخارج جوهر جسمانى شعاعى كما يميل إليه ~~الأكثر منهم، فنقول حينئذ إن أحواله لا تخلوا عن أربعة أقسام، ~~إما أن يكون متصلا بكل المبصر، وغير منفصل عن المبصر، وإما PageV01P123 ~~أن يكون متصلا بكل المبصر ومنفصلا عن المبصر، وإما أن يكون ~~متصلا بعض المبصر دون بعض كيف كان حاله مع المبصر، وإما ~~أن يكون خارجا عن المبصر وغير متصل بالمبصر، وأما القسم الأول ~~فإنه محال جدا، أعنى أن يخرج من البصر جسم متصل يملأ ~~نصف العالم ويلاقى الأجسام السماوية ثم كما يطبق الجفن يعود ~~إليه، ثم يفتح فيخرج آخر مثله، أو كما يطبق تعود الجملة ~~إليه، ثم كما يفتح مرة أخرى يخرج عنه حتى كأنه واقف ~~على نية المغمض، ثم كيف لا يرى الشىء البعيد بشكله وعظمه ~~إن كانت الرؤية بوصله إليه وملامسته إياه، فإن العظم أولى بأن ~~يدرك بالملامسة بتمامه من اللون لأن الشعاع ربما تفرق وتهلهل، ~~فرأى اللون كما يرى الخلط من اللون، وأما القدر فيراه حينئذ ~~كما يرى الخلط من المقدار، والخلط من المقدار الجسمانى وإن ~~كان متخلخلا كأنه مركب من مقدار جسمانى ومن لا شىء أولا ~~جسم لا ينقص من عظم كليته، ولا تنفعهم الزاوية التى عند ~~البصر، إنما ينفع ذلك أصحاب الأشباح إذ يقولون إن الشبح يقع ~~على القطع الواقع فى المخروط الموهوم عند سطح الجليدية الذى ~~رأسه فى داخل، فإن كانت الزاوية أكبر لأن الشىء أقرب كان ~~القطع أعظم والشبح الذى فيه أعظم، وإن كانت الزاوية أصغر ~~لأن الشىء أبعد كان القطع أصغر والشبح الذى فيه أصغر، وأما PageV01P124 ~~على مذهب من يجعل المبصر ملموسا ms083 بآلة البصر فما تغنى هذه ~~الزاوية، # وأما القسم الثانى فهو أظهر بعدا واستحالة، وهو أن يكون ذلك ~~الخارج يفارق المبصر ويمضى إلى الفرقدين ويلمسهما، ولا وصلة ~~بينه وبين المبصر فيحس المبصر بما أحس هو، ويكون كمن يقول ~~إن لامسا يقدر أن يلمس بيد مقطوعة، وإن الحية يتأدى إلى بدنها ~~ما يلمسه ذنبها المقطوع المفصول عنها وقد بقى فيه الحس، ~~إلا أن يقال إنه أحال المتوسط وحمله رسالة إلى المبصر، فيكون ~~لهواء مؤديا مستحيلا معا، و قد قلنا على هذا ما فيه كفاية، ~~وإن كان متصلا بعض المبصر وجب أن لا يراه كله بل ما يلاقيه ~~منه فقط، فإن جعل الهواء مستحيلا إلى طبيعته وصار معه كشىء ~~واحد فما الذى يقال فى الفلك إذا أبصرناه، أترى الفلك يستحيل ~~أيضا إلى طبيعة ذلك الشعاع الخارج ويصير حساسا معه كشىء ~~واحد حتى يلاقى كوكب زحل بكليته فيراه والمشترى وسائر ~~الكواكب العظام وهذا فظاهر الفساد بعيد، ثم قد قلنا فى فساد ~~هذه الاستحالة ما قلنا، فإن قالوا إن الهواء المشف ليس يتحد به ~~كشىء واحد ولكن يستحيل إلى طبيعة مؤدية، فما يلاقيه الشعاع ~~يدركه الشعاع، وما لا يلاقيه يؤدى إليه الهواء صورته باستحالة ~~عرضت له، فأول جواب ذلك أن الهواء لم لا يستحيل عن الحدقة ~~وحدها ويؤدى إليها إن كان من شأنه الأداء، فلا يحتاج إلى جسم ~~خارج، وأما ثانيا فقد فرغنا عن بيان استحالة هذه الاستحالات، وأما ~~ثالثا فإن الهواء المتوسط بين خطين خارجين يجب أن يؤدى إلى ~~كل خط منهما ما يؤدى إلى الآخر، فيكون آخر الأمر قد تأدى PageV01P125 ~~إلى جملة الشعاع من جملة الهواء المتخلل للخطوط صورة المحسوس ~~مرتين أو مرارا فيجب أن يرى المحسوس مرتين أو مرارا خصوصا ~~إن كان على ما فى بعض مذاهب القوم من أن الخطوط لا تدرك ~~بنفسها بل بما يؤدى إليها الهواء، ثم إن كان الأداء إلى الحدقة ~~من الجميع أعنى الخطوط والهواء معا فالهواء مؤد للأشباح على مثل ~~ما قال المعلم الأول، ومن عرف ms084 أن لا خلاء وأن أجرام الأفلاك ~~مصمتة لا فرج فيها ولا فطور عرف أن ذلك مستحيل لا يمكن، وأنه ~~لا يمكن أن ينفذ فيها هذا الخارج بل كيف ينفذ هذا الشعاع فى ~~الماء إن لم يكن فيه خلاء حتى يلاقى جميع الأرض تحته ويراه وهو ~~متصل، والماء لا يربوا حجمه لما خالطه منه، وإن كان هناك ~~خلاء فكم يكون مقدار تلك الفرج الخلائية التى تكون فى الماء مع ~~ثقل الماء ونزوله فى الفرج وملئه إياها، فيرى أن الماء فرج كله أو ~~أكثره أو مناصفه حتى يمكن الخارج أن ينفذ إلى جميع ما فى ~~قعر الماء ويلاقيه ويماسه وهو غير منقطع عن البصر، وإن انقطع ~~فذلك أعجب، # وإن قال قائل إنا نرى الشىء القليل ينفذ فى الماء الكثير حتى ~~يستولى على كليته مثل الزعفران يصبغ قليله كثيرا من الماء، ~~فنقول إن انصباغ الماء الكثير بالزعفران القليل لا يخلوا من ~~وجهين، إما أن يكون الصبغ الحادث فى الماء غير موجود إلا فى ~~الأجزاء الزعفرانية وأجزاء الماء بحالها، وإما أن تكون أجزاء PageV01P126 ~~الماء استحالت أيضا فى نفسها إلى الصبغ كما تستحيل إلى الحر ~~والبرد والرائحة لا أن جوهرا داخلها إما استحالة إلى صبغ حقيقى ~~وإما استحالة إلى صبغ خيالى، أعنى بالخيالى كما يرى على سطح ~~الماء شبح شىء يلقى فيه غير محاذ للبصر وكما يتخيل من الماء ~~أنه على لون إنائه، وذلك مما إذا كثر وعم أرى جميع وجه الماء ~~بذلك الصبغ وهو فيه قليل، فإن كان هذا الانصباغ على مقتضى القسم ~~الأخير فلا منفعة لهذا الاعتراض فى الغرض لأن الماء يكون قد ~~استحال أو تشبح لأن الصبغ القليل نفذ فى كله، وقد يستحيل كثير ~~المقدار من كثير القوة قليل المقدار، وبالجملة إن كان حال الهواء ~~فى استحالته عن الأشعة هذه الحال عرض ما سلف منا منعه ووجب أن ~~تكون الأشعة إذا كثرت جدا ازداد الهواء استحالة نافعة فى الإبصار، ~~وإن كان على سبيل التأدية دون الاستحالة وطبيعة الهواء مؤدية ~~للأشباح إلى القوابل ms085 فليؤد أيضا إلى الأبصار، وإن لم يكن على ~~مقتضى القسم الثانى بل على سبيل القسم الأول فإنا لا يمكننا أن ~~نشك فى أن الماء متجز بين أجزاء الزعفران، والزعفران متجز بين ~~أجزاء الماء، وأن أجزاء الماء لا محالة أعظم حجما من أجزاء ~~الزعفران، وأن بين كل جزئين من أجزاء الزعفران متواليين مياها ~~صرفة وأن هذه المياه الصرفة فى أكثر المواضع التى بين جزئى ~~الزعفران أعظم كثيرا من أجزاء الزعفران حتى تكون نسبة الأجزاء ~~إلى الأجزاء - إذا أخذت واحدا إلى الآخر- كنسبة الكل إلى الكل، ~~فإذا كان كذلك كانت مقادير أجزاء الزعفران صغارا ولم يجز أن ~~تستولى على الماء كله فما كان ينبغى أن ينصبغ الماء بالكلية، PageV01P127 # بل هذا الوجه باطل، وإنما يرى الماء مصبوغا كله لأحد الأمرين، ~~إما لأن كل واحد من أجزاء الماء وأجزاء الزعفران من الصغر بحيث ~~لا يدركه الحس متميزا، وذلك لا يمنع أن يكون أحدهما أكثر ~~كثيرا جدا من الآخر لأن الجسم ينقسم إلى غير النهاية، فيمكن ~~أن يكون جزء من الماء هو ألف ضعف جزء من الزعفران وهو ~~مع ذلك فى الصغر بحيث لا يحس مفردا فإذا كان كذلك لم يكد ~~البصر يفرق بين أجزاء الزعفران وبين أجزاء الماء فيرى منهما ~~صبغا واحدا شائعا بين الأحمر والشاف، فهذا وجه، وإما أن ~~تكون الأجزاء المحسوسة من الزعفران ليست على أوضاع متسامتة ~~متوازية، بل إذا حصل بين جزئين من ترتيب على جزء من الماء ~~محسوس القدر فإن أجزاء أخرى من تحت تقع مواقع لو رفعت ~~لغطت سطحا مع الأول، فيكون بعضها يرى لأنه فى السطح الأعلى ~~وبعضها يرسل شبحه إلى السطح الأعلى فتتوافى الأشباح بصبغ واحد ~~إذ الماء يؤدى لون كل واحد منها لإشفافه، فيرى الجميع متصلا ~~فى سطح واحد ويتخيل مستوليا على الماء، ولا يكون، ويصحح ~~هذا القول قلة ما يرى من الصبغ فى الرقيق الذى لا ثخن له، ~~وكثرة ما يرى فى الكثيف العميق، وإن كانت النسبة متشابهة ~~وكان نسبة الزعفران الذى فى الرقيق إلى الرقيق ms086 كنسبة الزعفران ~~الذى فى العميق إلى العميق، فعلى هذين الوجهين يمكن أن ~~يستولى القليل على الكثير، وأما فى الحقيقة فإن القليل لا يستولى على ~~الكثير بالكمية بل عسى بالكيفية المحيلة، هذا، PageV01P128 # وأما إن جعلوا الخارج ينفذ قليل نفوذ فى الهواء ولا يتصل ~~بالمبصر ثم الهواء البعيد يؤدى إليه ويؤدى هو إلى المبصر فإما ~~أن يؤدى إليه الهواء لإشفافه فقط من غير استحالة فلم لا يؤدى ~~إلى الحدقة؟ فيكفى ذلك مؤنة خروج الروح إلى الهواء وتعرضه ~~للآفات، وإن كان بالاستحالة فقد قيل فى ذلك ما قيل، ثم لم لا ~~يستحيل من الحدقة من غير حاجة إلى الروح؟، ### | فصل 6 (فى إبطال مذاهبهم من الأشياء المقولة فى مذاهبهم) # ولتقبل الآن على عد بعض المحالات التى تلزمهم بحسب ~~أوضاعهم، فمن ذلك وضعهم أن أجزاء الخارج عن البصر تنعكس ~~عن أجسام إلى أجسام أخرى، فإذا رأت جسما انعكست عنه إلى ~~جسم فرأته ورأت ذلك الجسم الآخر المنعكس إليه، مثلا لما ~~وصلت إلى المرآة رأت المرآة ثم لما انعكست عن المرآة إلى جسم ~~آخر رأته أيضا معا، فيكون شىء واحد رأى شيئين معا، فيتخيل ~~أن أحد الشيئين يراه فى الآخر، ويلزم وضعهم هذا مباحث عليهم، ~~من ذلك أن انعكاس هذا الشعاع هو عن الصلب أو عن ~~الأملس أو عن مجتمعهما، لكن هذا العكس مما قد يرونه يقع عن ~~أملس غير صلب مثل الماء، فليس الصلابة هو الشرط، فبقى أن PageV01P129 ~~يكون السبب فيه الملاسة، فإذا كان السبب فيه هو الملاسة ~~فلا يخلوا إما أن يكفى لذلك أى سطح أملس اتفق أو يحتاج إلى ~~سطح متصل الأجزاء أملس، فإن كان الشرط هو القسم الثانى لم ~~يجز أن ينعكس عن الماء لأنه لا اتصال لسطحه عندهم لكثرة ~~المسام التى يضعونها فيه التى بسببها يمكن أن يرى ما وراءه ~~بالتمام، وإن كان ليس من شرطه الاتصال فيجب أن يوجد هذا ~~العكس عن جميع الأجرام وإن كانت خشنة لأن سبب الخشونة ~~الزاوية أو ما يشبه الزواية مما يتقعر عن الحدبة، ms087 ولا بد فى كل ~~ذى زاوية من سطح ليست فيه زاوية، فيكون أملس، وإلا لذهبت ~~الزوايا إلى غير النهاية أو انتهت قسمة من السطح إلى أجزاء ~~ليست بسطوح، وكلاهما محال، فإذن كل جرم فمؤلف السطح من ~~سطوح ملس، فيجب أن يكون عن كل سطلح منها عكس، # أو يقال أمران، أحدهما أن السطوح الصغار لا ينعكس عنها ~~الشعاع، والثانى أن السطوح المختلفة الوضع ينعكس عنها الشعاع ~~إلى جهات شتى فيتشذب المنعكس ولا ينال شيئا لعدم الاجتماع، ~~وأما القسم الأول فباطل، فإن من المعلوم أنه إن كان يخرج من ~~البصر جسم حتى ينتشر فى نصف كرة العالم دفعة أنه يكون عند ~~الخروج فى غاية تصغر الأجزاء وتشتتها، وأنه إذا انعكس فإنما ~~يلاقى كل جزء صغير منه وكل طرف خط دقيق منه لا محالة جزأ ~~مساويا له وينعكس عنه، ولا ينفع ولا يضر فى ذلك ما وراءه، ~~عسى أن اتفق إن كان السطح الأملس الذى يلاقيه أصغر منه PageV01P130 ~~لم ينعكس عنه، لكنا إذا تأملنا لم نجد هذا المعنى هو السبب ~~والشرط فى منع الانعكاس فى الأشياء الموجودة عندنا، لأنه قد ~~يتفق أن يكون شىء خشن نعلم يقينا أن لأجزاءه التى لها سطوح ~~ملس مقدارا ما لا يشك فى أنه أعظم من مقدار أطراف الشعاعات ~~الخارجة، ومع ذلك لا تنعكس عنها، وهذا مثل الزجاج المدقوق ~~والملح الجريش والبلور الجريش الذى نعلم أن سطوح أجزاءه ~~ملس، وليست بغاية الصغر حتى تكون أصغر من أجزاء الشعاع ~~الخارج، وإذا اجتمعت لم ينعكس عنها الشعاع بل ولا من أشياء ~~أكبر من ذلك أيضا، ثم من البعيد أن تقبل الأجرام الكثيفة ~~الأرضية تجزيا إلى أجزاء أصغر من الأجزاء التى يقبل إليها الجسم ~~الشعاعى التجزى حتى يوجد جزء للكثيف أصغر مما ينقسم اللطيف ~~إلى مثله، ثم إن كان علة العكس عن الأملس عدمه المنفذ وهناك ~~حفز من ورائه فذلك موجود للخشن، وإن كان لا حافز من ورائه ~~ولا عدم منفذ فليس يجب أن ينعكس عن شىء، فإن الجسم لا ~~يكون ms088 له بالطبع حركات مختلفة بل بالقسر، وأنت تعلم أنه إذا كان ~~المضىء قد أماله بالطبع فلا ينعطف إلا بالقسر، ثم الملاسة ~~ليست من الهيئات الفاعلة فى الأجسام فتغير طبيعة ما يلاقيها، ولا ~~هى من القوى الدافعة عن أجسامها شيئا حتى تقسر الأجسام إلى ~~التبعيد عنها، ولو كانت الملاسة علة لتبعيد الجسم عن الجسم PageV01P131 ~~لكانت تبعد ما بينهما وإن تماست على أى وضع كان، ولكان يجب ~~أن ينعكس البصر عن المرآة التى يلامسها الشعاع الخارج مخطوطا ~~عليها لا إذا لاقاها بالطرف فقط، وإن كان السبب فى الانعكاس هو ~~الحفز من خلف أو النبو كما يعرض للكرة وجب أن ينعكس عن ~~كل صلب لا منفذ فيه وإن لم يكن أملس، وأما على مذهب ~~أصحاب الأشباح فلذلك وجه، وهو أنهم يجعلون الملاسة علة ~~لتأدية الشبح، وكل ملاسة عظمت أو صغرت فهى علة لتأدية ~~شبح ما، لكن الأشباح التى تؤديها السطوح الصغار تكون أصغر ~~من أن يميزها البصر فلا تحس، فإن الجرم الخشن يختلط فيه ~~الظلمة بالنور، فيظلم كل غور ويكون كل نتو أصغر من أن يؤدى ~~شبحا يميزه الحس، ولو كان متصلا لم يعرض ذلك، وأما أصحاب ~~العكس فهذا الصغر ليس يعذر لهم فى عدم العكس عنه، # وأما إن لم يجعلوا العلة الصغر بل التشذب فإن هذا التشذب ~~موجود أيضا عن المرايا المشكلة أشكالا ينعكس عنها الشعاع إلى ~~نصف كرة العالم بالتمام مما يعلم فى علم المرايا وعسى أن لا يكون ~~العكس عن الخشن يبلغ فى تشذيبه للشعاع ما يبلغه تلك المرايا، ~~بل ربما تراكمت خطوط منه على نقطة واحدة، فهذا أحد المباحث، ~~والبحث الثانى أنه كيف ينعكس عن الماء وقتا وينفذ تحته ~~وقتا؟ وكذلك عن البلور فيجب إذا أن يدخل أحد الأمرين PageV01P132 ~~نقصان عن الآخر، إما أن يكون المبصر تحت الماء لا يرى صحيحا ~~بل يرى منه نقط عند الحس متفرقة لا صورة كاملة، أو المنعكس ~~إليه لا يرى بالتمام بل يرى منه نقط عند الحس متفرقة لا صورة ~~كاملة، وإن رؤى ms089 أحدهما أتم رؤى الآخر بحسبه أنقص، وليس ~~الأمر كذلك، # والبحث الثالث هو أن المنعكس عن الشىء الذى قد فارقه ~~وواصل غيره ثم يرى به صورتهما معا لا يخلوا إما أن تكون ~~مفارقة الشعاع المنعكس لا توجب انسلاخ صورة المحسوس عن ~~الشعاع أو توجب، فإن كانت لا توجب فكيف لا نرى ما ~~أعرضنا عنه وفارقه الشعاع؟ فإنا لا نعرف هناك علة إلا أن ~~الشعاع استبدل به موقعا غيره، وإن كانت المفارقة توجب انسلاخ ~~تلك الصورة عنه ففى الوقت الواحد كيف نرى المرآة والصورة ~~معا؟ فإن كان القائم على المرآة من الشعاع يرى صورة المرآة ~~والزائل عنها إلى شىء آخر يرى صورة ذلك الشىء فقد اختص بكل ~~واحد من المبصرين جزء من الشعاع، فيجب أن لا يريا معا، كما ~~أن الشعاع الواقع على زيد والشعاع الواقع على عمرو فى فتح واحد ~~من العين معا لا يوجب أن يتخيل المرئى من زيد مخالطا للمرئى ~~من عمرو، فإن قيل إن السبب فيه أن ذلك الشعاع يؤدى الصورة ~~من طريق ذلك الخط إلى النفس، فيكون خط واحد يؤديهما معا ~~وما تأدى من خط واحد رؤى واحدا فى الوضع، قيل أما أولا فقد ~~أبطلت مذهبك ومنعت أن يكون الخط الخارج مبصرا من خارج PageV01P133 ~~بل مؤديا، وأما ثانيا فإنه ليس يمتنع أن يخرج خط ثان يلاقى ~~الخط المنعكس ويتصل به، فإن كان إنما يؤدى بما يتصل به من ~~الخطوط ثم تحس القوة التى فى العين لا الخارجة فحينئذ كان ~~يجب أن يرى الشىء من الخطين معا، فيرى الصورة مع صورة ~~المرآة ومع غير تلك الصورة، وكان يجب أن يتفق مرارا أن يرى ~~الشىء متضاعفا لا بسبب فى البصر ولكن لاتصال خطوط شتى ~~بصرية بخط واحد، وهذا مما لا يكون ولا يتفق، فإنا إنما يمكننا ~~أن نرى الشىء فى المرآة ونراه وحده إذا كان مقابلا للبصر، وأما ~~إذا لم يكن مقابلا فإنا نراه فى المرآة فقط، # فليكن على أصلهم نقطة البصرو ب موضع المرآة، وليكن خط ا ب ms090 ~~خرم من البصر ثم انعكس إلى ~~جسم عند .ج.، ولنخرج خطا ~~آخر وهو اد ويقطع خط .ب ج. ~~على .ه. ويتصل به هناك، فأقول ~~يجب على أصولهم أن يكون ~~شبح .د. يرى مع شبح .ج. و .ب. ~~ويرى شبح .ج. من طرفى .ه. و .ب. ~~وخطى .ا ه.، .ب ا. وذلك لأن ~~أجزاء هذه الخطوط الخارجة من الأبصار إما أن تكون متصلة وإما ~~أن تكون متماسة، فإن كانت متصلة وكان من شأن بعضها كما ~~فرضناه أن تقبل الأثر من بعض إذا اتصلت حتى تؤديه إلى الحدقة PageV01P134 ~~وكان الاثر فى كلية الجرم نفسه لا فى سطح منه مختص بجهة وليس ~~ذلك التأدية اخنياريا ولا صناعيا بل طبيعيا فإذا حصل المنفعل ~~ملاقيا للفاعل الذى يفعل بالملاقاة وجب أن ينفعل عنه، فإن ~~الحكم فى خروج التهيوءات الطبيعية التى فى جواهر الأشياء إلى ~~الفعل هو أن تكون طبيعة التهيوء موجودة فى ذات المنفعل وإن لم ~~تكن بسبب شىء من طبيعة الفاعل والأمر الذى عنه الفعل موجودا ~~فى ذات الفاعل وإن لم يوجد مثلا فى المنفعل، فإذا حصل ذلك ~~لم يتوقف الخروج إلى الفعل إلا على وصول أحدهما إلى الآخر، فإذا ~~وصل الفاعل إلى المنفعل وارتفعت الوسائط وهذا فيه قوة الفعل ~~وذلك فيه قوة الانفعال وجب الفعل والانفعال الكائن بينهما بالطبع ~~على أى نحو كان الاتصال، ولم يكن للزاوية الكائنة بحال معنى ولا ~~لفقدان المنفذ وفناء المشف عند المرآة أثر، فإنه سواء فنى المنفذ ~~واتصل به خطوط أو كان غير فان واتصل به خطوط فإن الفاعل ~~يجب أن يفعل والمنفعل يجب أن ينفعل، وإن كان الشبح ~~والأثر مثلا ليس فى الجرم الشعاعى الممتد نفسه ولكن فى سطح ~~منه أو نقطة هى فناءه ونهايته وليست فى جهة ذلك الخط بحيث ~~يتصل به ذلك الخط من تلك الجهة فينفعل عنه بل على غير ~~امتداد ذلك الخط فيجب ألا ينفعل ما بين أول الخط وآخره بل يقع ~~الشبح من السطح الملامس إلى السطح الثانى دفعة من غير انفعال ms091 ~~الأجزاء فى الوسط، وذلك محال لأن المتصل لا مقطع له بالفعل، أو ~~وجب أن يكون الأداء على الخط المستقيم ولا يؤدى على زاوية PageV01P135 ~~البتة لأن لنقطة الزاوية إعراضا عن الاستقامة، وهذا مما لا ~~يقال، # فبين من هذا أن انفعال خط ه من خط ج ه كانفعال خط ب ا من ~~خط ه ب بل هو أولى وأقرب، فيجب أن يتأدى شبح ج من ~~كلا خطى ه ا ب ا، فيجب أن يرى ج حينئذ لا شيئا واحدا بل ~~شيئين، وأيضا يجب أن يتأدى شبح د مع شبح ج، ويضعون أن ~~شبح ب متأد مع شبح ج، فيجب أن يرى الأشباح الثلاثة معا، ~~وجميع هذا غير كائن، وعلى هذا القياس إن كانت متماسة، فإنها ~~إن كان كل جزء منها يقبل الأثر بجميع جرم وجب بمماسته الفعل ~~والتأثير فى الذى يليه، وإن كان لا إلا فى السطوح التى تقابل ~~المبصر لم يجز فى شىء من الزوايا التى تقع حائدة عن ذلك ~~السطح أن يتأدى منها المبصر إلى البصر، فإن سئلنا نحن أنكم ~~ما بالكم توجبون أن تقع تأدية هذا الشبح على الاستقامة أو على ~~هيئة ما وقوعا إلى بعض الأبصار المماسة له دون بعض، فنقول ~~أما نحن بالحقيقة فلا نقول إن الهواء مؤد على أنه قابل شىء البتة ~~من الرسوم والأشباح من شىء ليحمله إلى شىء، بل نقول إن من ~~شأن النير أن يتأدى شبحه إلى المقابل له إن لم يكن بينهما ~~عائق هو الملون بل كانت الواسطة بينهما مشفة، ولو كانت الواسطة ~~قابلة أولا ثم مؤدية لأدت إلى الأبصار كلها كيف كان وضعها كما ~~يؤدى الحرارة إلى الملامس كلها كيف كان وضعها، # ثم من الأمور التى يجب أن يبجث عنها فى هذا الموضع هو أنا PageV01P136 ~~كثيرا ما نرى الشبح وذا الشبح معا دفعة واحدة ونراهما متميزين ~~أعنى أنا نرى فى المرآة شبح شىء ونراه أيضا بنفسه من جانب، ~~وذلك معا، وعسى أن ذلك يقع بسبب خطى شعاع أحدهما يصير ~~إليه بالاستقامة ms092 والآخر على زاوية عكس، ولأن الواقعين على الشىء ~~إثنان فمن جهة ذلك نراه إثنين فنحصل الآن هذا هل هو ممكن أو ~~ليس بممكن، فنقول إن وقوع جزئين على المبصر لا يوجب أن يرى ~~الواحد إثنين، فإن الشعاع عندهم كلما اجتمعت أجزاءه على المبصر ~~وتراكمت كان إدراكها إياه أشد تحقيقا وأبعد عن الغلط فى العدد، ~~والخصوم معترفون بهذا ولا يوجبون أن شعاعا واحدا إذا رأى ~~الشىء وحده كان واحدا فإن وقع عليه شعاع آخر واتصل به صار ~~بالرؤية بسببه غلط، على أنه لا يمكن أن يلمس شيئا واحدا شعاعان ~~معا لا شعاعا أصل ولا شعاعا أصل وعكس - والشعاع جسم على ~~ما يرونه - لأن الجسم لا ينفذ فى الجسم، بل يجوز أن يقع شعاع ~~على شعاع، فإن سلكنا هذا السبيل لم يكن الإبصار بكليهما على ~~سبيل اللمس، بل يكون أحدهما يلمس والآخر يقبل منه، وسواء ~~كان الشعاعان طرفى خطين خرجا على الاستقامة أو أحدهما والآخر ~~من جانب العكس، # فإذن إن كان هاهنا سبب فليس وقوع شعاعين على واحد مطلقا ~~بل بشرط، وهو أن أحد الشعاعين وقع عليه وحده، والشعاع ~~الثانى وقع أيضا معه على غيره، وهذا القسم يبطل بمرآتين توضعان PageV01P137 ~~متقابلتين فإن الأشعة لا تفترق فيهما من هذه الجهة بل كل شعبوب ~~شعاع فهو واقع على الإثنين جميعا، ومع ذلك فإن البصر يرى كل ~~مرآة وشبحها دفعة، والشعاعان هاهنا لا يفترقان، فلا يجوز أن يؤدى ~~شعاع شبحا والآخر غير ذلك الشبح، فإن كل واحد منهما أدرك ما ~~أدرك الآخر والمدرك واحد، فيجب أن لا يكون الإدراك والأداء ~~إثنين بل يجب أن يأتى البصر صورة كل مرآة مرة غير مكررة، وإن ~~تكررت بسبب العكس وكان لذلك وجه وعذر متكلف لنسامح فى ~~تسليمه، فلا يجب أن يقع تكرار بعد تكرار، فما بال كل واحدة ~~من المرآتين يتأدى عنها أشباح كثيرة حتى ترى المرآة الواحدة ~~مرارا كثيرة، مرة واحدة ترى نفسها كما هى ومرارا كثيرة جدا ~~شبحها، فإن قلنا إن الشعاع لما انعكس من هذه ms093 المرآة إلى الأخرى ~~رأى الأخرى فى هذه المرآة، ثم لما انعكس مرة أخرى إلى الأولى ~~رأى الأولى فى هذه الأخرى فإذا انعكس مرة أخرى فلم لا يرى كما ~~رآة مرة أولى؟ إلا أن يقولوا إن الأول رآه بجزء والآخر رآه ~~بجزء آخر، فإن كانت الأجزاء مؤدية لا رائية فليس تؤدى أشياء ~~أخرى بل ذلك الشبح بعينه، واختلاف وقوعها عليه بعد كونه واحدا ~~بعينه لا يوجب اختلافا فى الرؤية، فقد بينا ذلك أيضا، فإن عندهم ~~أن أجزاء المنعكس تجتاز على المبصر المنعكس عنه اجتيازا فيجب ~~أن تتبدل صورته فى تلك الأجزاء، ومع ذلك فليس يجب من تبدلها PageV01P138 ~~عليه أن تزيد فى عدد ما تدرك أولا وثانيا إذ كان ما تؤدى من ~~الصورة واحدا، وإن كانت الأجزاء بأنفسها رائية وجب ما قلنا فى ~~امتناع رؤية الشبح المنعكس إليه فى شبح المنعكس عنه ثم لم ~~يجب أن ترى الأشباح عن قليل وقد صغرت، # فعسى أن يقولوا إن الشعاع إذا تردد طالت مسافته فرأى كل ~~مرة أصغر ففارق الأول الثانى بالصغر، فيجب أن يكون أولا الخطوط ~~الشعاعية إذا تراكمت لا تكون كخط واحد أغلظ وأقوى من ~~الأول، بل تبقى خطوطا معطوفة موضوعة بعضها بجنب بعض ~~محفوظة القوام لا تتحد، وهذا الحكم عجيب، وبعد ذلك فإنهم ~~لا يجدون للتصغر بالبعد المنعرج من تحدد الزاوية ما يوجد ~~للبعد المستقيم، ثم ما يقولون فى ذلك المرئى بعينه فإنه إذا ~~بوعد به أضعاف ما تقتضيه المساحة بين الانعكاسات لم ير بذلك ~~الصغر، مثلا إنه إذا انعكس البصر من مرآة ا إلى مرآة ب ~~فرأى صورة ب فى مرآة ا ثم انعكس البصر من مرآة ب إلى مرآة ا ~~فرأى صورة ا فى مرآة ب، ثم انعكس البصر من مرآة ا إلى مرآة ب ~~فرأى صورة ب، ثم كذلك رأى صورة ا فى مرآة ب، والبعد PageV01P139 ~~بينهما شبران، فيجب أن يكون ما قطعه الشعاع من مسافته ~~المنعرجة ما بين العين وإحدى المرآتين ثمانية أشبار، ولو أنا ~~بعدنا مرآة ب ms094 عن مركزها عشرة أشبار فما فوقها لم نكن نراها ~~بذلك الصغر، على أن العجب فيما ذكرناه هو من افتراق الصورة ~~المأخوذة عن الشىء بذاته والمأخوذة عنه بالعكس والمأخوذة ~~عنه بعكسين، فإن جميع ذلك متفرق عند البصر، والصورتان ~~المأخوذتان هما عن مادة واحدة فى قابل واحد، فبماذا تفترقان؟ ~~لأن افتراق الصور إما بالحدود والمعانى وإما فى القوابل، والصورتان ~~معنياهما واحد وحاملهما الأول واحد وقابلهما الثانى واحد، فيجب ~~ألا تكونا إثنين، أما على مذهبنا فإن هذه الشناعة غير لازمة ~~لأن الصورتين عندنا مأخوذتان عن قابلين أحدهما حاملهما الأول ~~والثانى الجسم الصقيل القابل لشبحهما نوعا من القبول والفاعل ~~لصورهما فى العين نوعا من الفعل، ثم العجب من أمر الشعاع ~~بعد الشعاع فإنه إن كان الأمر على ما قلنا من أن الشعاع الثانى ~~لا يجب أن ينفذ فى الأول بل يماسه من خارج فكيف يلامس PageV01P140 ~~الشعاع المنعكس المرئى فيراه وإنما يلامس ما غطاه من لامسه ~~السابق، فإن كان يرى ما رآه ذلك بحسب الانفعال منه وقبول ~~ما قبله بسبب الاتصال به بطلت شريطة الانفعال على الزاوية ~~المعينة وكان أيضا إنما أدرك ما أدرك الأول لا شيئا غيره بالعدد ~~بوجه من الوجوه، وإن كان كل يلامس شيئا من أجزاء الشىء غير ~~ما يلامسه الآخر فليس ولا واحد منهما بمستقصى الإدراك ولا ~~إدراكهما لشىء واحد، ### | فصل 7 (فى حل الشبه التى أوردوها وفى إتمام القول فى المبصرات التى لها أوضاع مختلفة من مشفات ومن صقيلات) # فلنحل الآن الشبه المذكورة، فأما ما تعلقوا به من أن القرب ~~يمنع الإبصار وأن انتقال الألوان والأشكال عن موادها مستحيل ~~فهذا إنما كان يصح لهم لو قيل إن الإبصار أو شيئا من ~~الإحساسات إنما هو بنزع الصورة من المادة على أنه أخذ نفس ~~الصورة من المادة ونقلها إلى القوة الحاسة، وهذا شىء لم يقل به ~~أحد، بل قالوا إن ذلك على سبيل الانفعال، والانفعال ليس أن ~~يسلخ المنفعل قوة الفاعل أو كيفيته بل أن يقبل منه مثلها أو ~~جنسا غيرها، ونحن ms095 نقول إن البصر يقبل فى نفسه صورة من المبصر ~~مشاكلة للصورة التى فيه لا عين صورته، وهذا الذى يحس أيضا ~~بالتقريب كالمشموم والملموس فليس يسلب الحاس بذلك صورته PageV01P141 ~~بل إنما يوجد فيه مثل صورته، لكن من الأشياء ما إلى الانفعال ~~عنه سبيل بالملاقاة ومنها ما إذا لوقى انقطع عنه شىء يحتاج إليه ~~حتى يؤثر أثره وهو فى هذا الموضع هو الشعاع المحتاج إلى ~~اتصاله بالصورة المرئية فى أن يلقى ذو الصورة شبحا عن صورته ~~فى غيره مناسبا لما نراه من إلقائه شبحه المؤكد إذا اشتد عليه ~~الضوء حتى أنه يصبغ ما يقابله بصبغه فأداه متحققا إذا كان ما يقابله ~~قابلا لذلك ولو بتوسط مرآة أيضا، ومع الاحتياج إلى استضاءة المرئى ~~فإنه يحتاج أيضا إلى متوسط كالآلة تعينه عليه وهو الإشفاف، وأن # يكون للمقدار منه حد محدود لا يقع الأصغر منه فيه، ~~ومن الدليل على أن المدرك يأخذ شبحا من المدرك ما يبقى ~~فى الخيال من صورة المرئى حتى يتخيله متى شاء، فترى أن ذلك ~~المتخيل هو صورة الشىء فى نفسه وقد انتقل إلى الخيال وتجرد ~~الشىء عن صورته؟ كلا بل هو شىء غيره مناسب له، وأيضا ~~فإن بقاء صورة الشمس فى العين مدة طويلة إذا نظرت إليها ثم ~~أعرضت عنها يدلك على قبول العين للشبح، وكذلك تخيل القطرة ~~النازلة خطا والنقطة المتحركة على الاستدارة بالعجلة دائرة، ولا ~~يمكنك أن تتخيل ذلك وتراه إلا أن ترى امتدادا ما، ولا يمكن ~~أن ترى امتدادا من نقطة متحركة فى غير زمان ولا من غير أن ~~تتخيل الشىء فى مكانين، فيجب أن يكون [ذلك] لكون القطرة PageV01P142 ~~فوق ثم تحت وامتدادها فيما بين ذلك وكون النقطة على طرف ~~من المسافة التى تستدير فيها وعلى طرف آخر وامتدادها فيما بين ~~ذلك متصور الشبح عندك، وليس ذلك بحسب آن واحد، فيجب إذا ~~أن يكون شبح ما تقدم مستحفظا بعده باقيا عقيبه ثم يلحقه ~~الإحساس بما تأخر ويجتمعان امتدادا كأنه محسوس، وذلك لأن ~~صورته راسخة وإن كانت القطرة ms096 أو النقطة قد زالت عن أى حد فرضت ~~ولم تبق فيه زمانا، # وأما ما ذكروه من أمر النور الذى يتخيل بين يدى العين ~~فالسبب فى غلطهم به أن ذلك عندهم ليس يكون إلا على وجه ~~واحد حتى ظنوا أنه لا يجوز أن تكون العين شيئا له فى جوهره ~~ضوء كالأشياء اللوامع التى ذكرناها فيما سلف، فإذا كانت ظلمة لمع ~~وأضاء ما قدامه بكيفية يؤثرها لا لشىء ينفصل عنه وكأنه لا يجوز ~~أيضا أن يكون الحك والمس قد يحدث شعاعات نارية لطيفة فى ~~الظلمة كما يتفق من مس ظهر السنور وإمرار اليد على المخدة ~~واللحية فى الظلمة، وقد يظهر لك أنه لا يبعد أن تكون الحدقة ~~نفسها مما يلمع ليلا ويضىء ويلقى شعاعها على ما يقابلها فإن ~~عيون كثير من الحيوان بهذه الصفة كعين الأسد والحية فإذا كانت ~~كذلك جاز أن تنير المظلم، ولهذا ما كان كثير من الحيوان ترى ~~فى الظلمة لإنارتها الشىء بنور يفيض من عينها ولقوة عينها، PageV01P143 ~~وأما حديث امتلاء الحدقة عند تغميض الأخرى فمن الذى ينكر ~~أن يكون فى العصبة المجوفة جسم لطيف هو مركب القوة الباصرة، ~~وهو الذى يسمى الروح الباصرة وأنه يتحرك تارة مستبطنا هاربا ~~وتارة مستظهرا محدقا، فإذا غمضت إحدى العينين هربت من التعطل ~~ومن الظلمة طبعا فمالت إلى العين الأخرى لأن المنفذ فيهما مشترك ~~على ما يعرفه أصحاب التشريح، وليس إذا امتلأ شىء من شىء ~~يجب من ذلك أن يكون فى طبع المالى بروز وخروج وذهاب فى ~~الأرض ومسافرة إلى أقطار العالم، # وأما حديث المرآة فيلزم سؤالهم جميع من عنده أن المرآة ينطبع ~~فيها صورة المحسوس، لكن الأجوبة التى يمكن أن يجاب بها عن ~~ذلك ثلثة، جواب كأنه مبنى على مذهب مشهور وهو أن الصورة ~~لا تنطبع فى المرآة على الهيئة التى تنطبع الصور المادية فى موادها ~~وبحيث لا تجتمع فيها الأضداد بل هذه الصورة تنطبع كليتها فى ~~كلية المرآة ولا بأس أن يجتمع فيها شبح بياض وسواد معا لأنهما ~~فيها لا على ms097 سبيل التكيف بها بل كما يكون فى المعقول، والعقول ~~تعقل السواد والبياض من غير تعاند ولا انقسام، ثم إنما يتأدى ~~إلى البصر ما يكون على نسبة ما بين الثلاث أعنى المبصر والمرآة ~~والمبصر، ولا يتفق نسبة الجميع من كل جزء من المرآة بل يكون ~~جزء منها يؤدى البياض بعينه، وجزء آخر يؤدى السواد بعينه، ~~ويتحدد بينهما حد فى الرؤية، فيكون جملة الأداء والتحدد محصلا ~~لصورة مثل المبصر فى البصر، وهذا الجواب مما لا أقول به ولا PageV01P144 ~~أعرفه ولا أفهم كيف تكون الصورة تنطبع فى جسم مادى من ~~غير أن تكون موجودة فيه، وقد يخلوا الجسم عنها وهى منطبعة ~~فيه، وكيف يكون غير خال عنها وهى لا ترى فيه بل ترى ~~صورته التى له مع أن من شأن ذلك أيضا أن يرى، أو كيف ~~يكون خاليا بالقياس إلى واقف دون واقف، وهذا إشطاط وتكلف ~~بعيد، ومما فيه من التكلف أنهم لا يجعلون للشكل انطباعا فيه، ~~فإن جعلوا جعلوا الشكل غير محدود، ومما فيه من التكلف أن ~~يجعلوا صورة السواد فى جسم من غير أن يكون ذلك سوادا للجسم ~~وأن يجوزوا اجتماع البياض أيضا فيه فى وقت واحد ويجعلوا ~~صورة السواد غير السواد وصورة البياض غير البياض، وأما حديث ~~العقل والمعقول فدعه إلى وقته، # وأما الجوابان الآخران الذان يمكن أن يجيب بهما مجيب ~~أحدهما متشدد فيه والآخر مقارب فيه، فأما المتشدد فيه فأن يقال ~~أما أولا فليس يجب إذا كان شىء يحتاج إليه أن يفعل شىء فى ~~شىء أن يكون المحتاج إليه مثل المرآة والمشف هاهنا ينفعل من ~~المبدأ مثل الانفعال الذى ينفعل به الثالث فيرى أن السيف إذا ~~أولم به ألم والهدية إذا سر بها سرت، وأما ثانيا فليس بينا PageV01P145 ~~بنفسه ولا ظاهرا لا شك فيه أن كل جسم فاعل يجب أن يكون ~~ملاقيا للملموس، فإن هذا وإن كان موجودا بالاستقراء فى أكثر ~~الأجسام فليس واجبا ضرورة أن يكون كل فعل وانفعال باللقاء ~~والتماس، بل يجوز أن تكون أفعال أشياء فى ms098 أشياء من غير ملاقاة، ~~فكما يجوز أن يفعل ما ليس بجسم فى الجسم من غير ملاقاة ~~كالبارى والعقل والنفس فليس ببدع أن يكون جسم يفعل فى ~~جسم بغير الملاقاة، فتكون أجسام تفعل بالملاقاة وأجسام تفعل لا ~~بالملاقاة، وليس يمكن أحدا أن يقيم برهانا على استحالة هذا ولا ~~على أنه لا يمكن أن يكون بين الجسمين نصبة ووضع يجوز أن ~~يؤثر أحدهما فى الآخر من غير ملاقاة، إنما يبقى هاهنا ضرب من ~~التعجب كما لو كان اتفق أن كانت الأجسام كلها إنما يفعل بعضها ~~فى بعض بمثل تلك النصبة المباينة فكان إذا اتفق أن شوهد فاعل ~~يفعل بالملاقاة تعجب منه كما يتعجب الآن من مؤثر بغير ملاقاة، ~~فإذا كان هذا غير مستحيل فى أول العقل وكان صحة مذهبنا ~~المبرهن عليه توجبه وكان لا برهان البتة ينقضه فنقول إن من شأن ~~الجسم المضىء بذاته والمستنير الملون أن يفعل فى الجسم الذى ~~يقابله إذا كان قابلا للشبح قبول البصر وبينهما جسم لا لون له ~~تأثيرا هو صورة مثل صورته من غير أن يفعل فى المتوسط شيئا ~~إذ هو غير قابل لأنه شفاف، فإذا كان غير بين بنفسه ولا قام عليه ~~برهان أن لا يكون جسم يفعل فى مقابل له بتوسط شفاف البتة ~~وكان هذا مجوزا فى أول العقل ومتضحا بما برهنا عليه من كيفية PageV01P146 ~~الإدراك وكان ذلك غير محال فكذلك غير محال أيضا أن يكون ~~بدل المتوسط الواحد متوسطان المتوسط ومتوسط آخر وبدل النصبة ~~والوضع نصبتان ووضعان النصبة والوضع المذكوران مع وضع ونصبة ~~أخرى، فيكون بدل هذا المتوسط الشفاف وحده متوسط ملون صقيل ~~مع الشفاف وبدل نصبة المقابلة مع هذا المضىء والمستنير النصبة ~~والمقابلة مع ذلك الصقيل الذى له النصبة والوضع المذكوران مع ~~المضىء المستنير المرئى، فيكون من شأن هذا الجسم أن يفعل فى كل ~~ما قابل مقابلا له صقيلا يكون كل مقابله فى شفيف ولو صقيل بعد ~~صقيل إلى غير النهاية بعد أن يكون على وضع محدود فعلا هو مثل ~~صورته من ms099 غير أن يفعل فى الصقيل البتة، فيكون المشف والصقيل ~~شيئين يحتاج إليهما حتى يفعل شىء فى شىء آخر ولا يكون ذلك ~~الفعل بعينه فيهما، فإذا كان كذلك واتفق أن وافى خيال الصقيل إلى ~~البصر وخيال الشىء الآخر معا ورؤيا معا فى جزء من الناظر واحد ~~ظن أن الخيال يرى فى الصقيل بعكس ما قالوا فى الشعاعات، ~~وأما الطريق المتساهل فيه فهو أنه ليس يجب أن يؤثر كل ~~شىء فى كل شىء مثل نفسه كما يجوز أن يؤثر أيضا مثل نفسه، ~~فالمضىء والمستنير يجوز أن يؤثرا فى الهواء أثرا ما ذلك الأثر PageV01P147 ~~ليس أن يتشبح بشبح مثل صورة المضىء والمستنير بل يؤثرا فيه ~~اثرا يدرك بالحس البصرى أو غيره من الحواس، وكذلك ~~يجوز أن يؤثرا فى الصقيل أثرا ما إما بواسطة المشف أو بغير ~~واسطة، ثم المشف أو الصقيل يفعل فى آلة البصر أثرا ذلك ~~الأثر هو مثل صورة ما أثر فى كل واحد منهما أولا، فيكون كل واحد ~~من المؤثرين يؤثر أثرا خلاف ما فيه أعنى بالمؤثرين المرئى الذى ~~يؤثر فى المشف أو الصقيل والمشف أو الصقيل الذى يؤثر فى ~~البصر، ومثل هذا كثير أعنى أن يكون شىء يؤثر فى شىء أثرا ~~خلاف طبيعته ثم يؤثر هو فى شىء آخر مثل طبيعة الأول، مثل ~~الحركة فإنها تحدث فى جرم شىء سخونة فتسخن الشىء، ثم تلك ~~السخونة تحدث حركة غير الحركة الأولى بالعدد ومثلها فى النوع، ~~وقد يمكن أن يشاهد هذا بمرآة ينعكس عنها ضوء ولون إلى حائط ~~بحيث يستقر فى الحائط ولا ينتقل بحسب مقامات الناظر ولا يكون ~~مستقرا البتة فى المرآة، وهذا المستقر تعلم أنه وارد من طريق ~~المرآة إلى الحائط، وهو وإن كان يرى فى المرآة فلا يرى مستقرا ~~فيها، فتكون المرآة أثرت أثرا مثل كيفية ما أثر فيها أثرا ~~ليس مثل كيفيته فى الاستقرار وعلى ذلك حال البصر، # وأما حديث الانعطاف عن الماء فقد قال أصحاب الشعاع إن ~~الشعاع إذا وقع عليه انبسط وانكسر أولا فأخذ مكانا ms100 أكثر ثم نفذ PageV01P148 ~~فرآه مع أكثر مما يحاذيه، وأما أصحاب الأشباح فقد قال بعضهم ~~إن السبب فيه أن بعض ما يحاذى يؤدى على أنه منفذ فى المحاذاة ~~وبعضه على أنه مرآة، ولا يبعد أن يظن أن الجميع يؤدى على أنه ~~مرآة، والمرآة من داخل خلاف المرآة من خارج، وقال فاضل ~~قدماء المفسرين إن البصر يعرض له لما يفوته من استقصاء تأمل ~~الشىء أن يراه أبعد، ويتفرق البصر لتأمله فيعظم شبحه، ويمكن ~~أن يؤكد هذا القول بأن الشىء الذى اعتيد أن يرى من بعد ما ~~على قدر ما فإذا تخيل أبعد من حيث هو ولم ير قدره القدر الذى ~~يخيله ذلك البعد بل أعظم منه لأنه بالحقيقة قريب رؤى له مقدار ~~أعظم من المقدار الذى يستحقه بعده فيتخيل أعظم من المعهود، ~~ثم فى هذا فضل نظر يحتاج أن يفطن له المتحقق للأصول ويكون ~~بحيث لا يخفى عليه كيف ينبغى أن يكون الحق فى ذلك، ثم ~~هذه الشبهة ليست مما يخص بلزومه إحدى الفرقتين دون الأخرى، ~~فإن الانكسار الذى يقوله أصحاب الانكسار إن كان للصك فلم بقى ~~على حاله ولم لا يرجع كرة أخرى فيستوى إذ طبيعة الشعاع أن ~~ينفذ على الاستقامة؟ فإن كان هذا مستحيلا فى الشعاع النافذ إليه ~~إذا لاقاه ثم ازداد الشىء غورا فلم يعرض له أن يزداد لغوره ~~انكسارا؟ ولم لا يزداد بامتداده انتظاما؟ فإن القياس يوجب ~~أن يحدث له بالامتداد اتصال لا تبسط، وبالجملة فنعم ما قال ~~المعلم الأول حين قال لأن يمتد المبصر من سعة إلى ضيق فيجتمع ~~فيه يكون ذلك فيه أعون على تحقيق صورته من أن يخرج الرائى ~~من العين منتشرا فى السعة، PageV01P149 # ومما يتصل بهذا الموضع حال ما نقوله من أوضاع المرئى والرائى ~~والضوء والمرآة، فنقول قد يعرض أن يكون المرئى والمضىء ~~والرائى فى شفاف واحد وقد يعرض أن يكون المضىء والمرئى فى ~~شفافات بينها سطوح، فإن كان وضع السطح فى المحاذاة التى ~~بين الرائى والمضىء الفاعل للاستنارة لم ير ذلك السطح كسطح ms101 ~~الفلك والهواء، وإن كان السطح خارجا عن ذلك كسطح الماء ~~ونحن فى الهواء والمضىء ليس فى هذه المحاذاة فإن ذلك السطح ~~ينعكس عنه الضوء الآتى من المضىء إلى البصر فيرى متميزا، وقد ~~علمت ما نعنى بالعكس، وإن كان فى داخل السطح المنعكس عنه ~~مرئى أراه ما هو فيه على أنه مشف وأراه على أنه مرآة، وكانت ~~المرآة التى هناك مطابقة لما يحاذى المرئى إن كان مكشوفا ~~للرائى وإن كان مستورا كانت المرآة ملتقى الخط الخارج من ~~البصر والعمود الخارج من المرئى الذى فى الماء فإن شبحه يتأدى ~~عنه على استقامة، فإنك إن ألقيت خاتما فى الطشت بحيث لا تراه ~~ثم ملأته ماء رأيته، وإن كان المرئى خارجا عن شفاف متوسط غير ~~الشفاف الذى فيه الرائى والمضىء فإن المشف المتوسط يريه، وإن ~~كان ليس كذلك بل هو من جهة الرائى فإن سطح ذلك المشف لا ~~يريه إلا أن يجعل له لون غريب بشىء يوضع من ذلك الجانب ~~حتى يرى ككرة البلور الملون أحد جانبيها، PageV01P150 ### | فصل 8 (فى سبب رؤية الشىء الواحد شيئين) # لنقل فى سبب رؤية الشىء الواحد كشيئين فإنه موضع نظر، ~~وذلك لأنه أحد ما يتعلق به أصحاب الشعاعات أيضا، ويقولون إنه ~~إذا كان الإبصار بشىء خارج من البصر يلقى المبصر ثم يتفق أن ~~ينكسر وضعه عند البصر وجب أن يرى الشىء الواحد لا محالة ~~كشيئين متباينين فيرى إثنين، وليسوا يعلمون أن هذا يلزمهم ~~الشناعة بالحقيقة، وذلك لأن الإبصار إن كان بمماسة أطراف ~~الشعاعات وقد اجتمعت عليه فيجب أن يرى على كل حال واحدا، ~~ولا يضر فى ذلك انكسار أطراف الشعاعات المنكسرة، بل الحق ~~هو أن شبح المبصر يتأدى بتوسط الشفاف إلى العضو القابل ~~المهيا له الأملس النير من غير أن يقبله جوهر الشفاف أصلا ~~من حيث هو تلك الصورة بل يقع بحسب المقابلة لا فى زمان وأن ~~شبح المبصر أول ما ينطبع إنما ينطبع فى الرطوبة الجليدية وأن ~~الإبصار بالحقيقة لا يكون عندها وإلا لكان الشىء الواحد يرى ~~شيئين، ms102 لأن له فى الجليديتين شبحين، كما إذا لمس باليدين ~~كان لمسين، لكن هذا الشبح يتأدى فى العصبتين المجوفتين إلى ~~ملتقاهما على هيئة الصليب، وهما عصبتان نبين لك حالهما حين ~~نتكلم فى التشريح، وكما أن الصورة الخارجة يمتد منها فى الوهم ~~مخروط يستدق إلى أن يوقع زاويته وراء سطح الجليدية كذلك ~~الشبح الذى فى الجليدية يتأدى بواسطة الروح المؤدية التى فى PageV01P151 ~~العصبتين إلى ملتقاهما على هيئة مخروط، فيلتقى المخروطان ~~ويتقاطعان هناك، فيتحد منهما صورة شبحية واحدة عند الجزء من ~~الروح الحامل لقوة الباصرة، ثم إن ما وراء ذلك روحا مؤدية ~~للمبصر لا مدركة مرة أخرى وإلا لافترق الإدراك مرة أخرى ~~لافتراق العصبتين، وهذه المؤدية هى من جوهر المبصر، ~~وتنفذ إلى الروح المصبوبة فى الفضاء المقدم من الدماغ، فتنطبع ~~الصورة المبصرة مرة أخرى فى تلك الروح الحاملة لقوة الحس ~~المشترك، فيقبل الحس المشترك تلك الصورة وهو كمال الإبصار، ~~والقوة المبصرة غير الحس المشترك وإن كانت فائضة منه ~~وهو مدبر لها لأن القوة الباصرة تبصر ولا تسمع ولا تشم ولا ~~تلمس ولا تذوق، والقوة الحاسة المشتركة تبصر وتسمع وتشم ~~وتلمس وتذوق على ما ستعلم، ثم إن القوة التى هى الحاس ~~المشترك تؤدى الصورة إلى جزء من الروح يتصل بجزء من الروح ~~الحامل لها، فتنطبع فيه تلك الصورة ويخزنها هناك عند القوة ~~المصورة وهى الخيالية كما ستعلمها، فتقبل تلك الصورة وتحفظها، ~~فإن الحس المشترك قابل للصورة لا حافظ، والقوة الخيالية حافظة ~~لما قبلت تلك، والسبب فى ذلك أن الروح التى فيها الحس PageV01P152 ~~المشترك إنما تثبت فيها الصورة المأخوذة من خارج منطبعة ما ~~دامت النسبة المذكورة بينها وبين المبصر محفوظة أو قريبة العهد، ~~فإذا غاب المبصر انمحت الصورة عنها ولم تثبت زمانا يعتد به، ~~وأما الروح التى فيها الخيال فإن الصور تثبت فيها ولو بعد حين ~~كثير على ما سيتضح لك عن قريب، والصورة إذا كانت فى الحس ~~المشترك كانت محسوسة بالحقيقة فيه حتى إذا انطبع فيه صورة ~~كاذبة فى الوجود أحسها كما يعرض للممرورين، ms103 وإذا كانت فى ~~الخيال كانت متخيلة لا محسوسة، # ثم إن تلك الصورة التى فى الخيال تنفذ إلى التجويف المؤخر إذا ~~شاءت القوة الوهمية ففتحت الدودة بتبعيد ما بين العضوين ~~المسمين إليتى الدودة، فاتصلت بالروح الحاملة للقوة الوهمية ~~بتوسط الروح الحاملة للقوة المتخيلة التى تسمى فى الناس مفكرة، ~~فانطبعت الصورة التى فى الخيال فى روح القوة الوهمية، والقوة ~~المتخيلة خادمة للوهمية مؤدية ما فى الخيال إليها إلا أن ذلك لا PageV01P153 ~~يثبت بالفعل فى القوة المتوهمة بل ما دام الطريق مفتوحا والروحان ~~متلاقيين والقوتان متقابلتين، فإذا أعرضت القوة المتوهمة عنها ~~بطلت عنها تلك الصورة، والدليل على صحة القول بأن حصول ~~هذه الصورة فى الوهم غير حصولها فى الخيال أن الخيال كالخازن ~~وليست الصورة التى فيه متخيلة للنفس بالفعل دائما وإلا لكان يجب ~~أن نتخيل معا صورا كثيرة أى صورة كانت فى الخيال، ولا هذه ~~الصور أيضا فى الخيال على سبيل ما بالقوة وإلا لكان يحتاج أن ~~تسترجع بالحس الخارج مرة أخرى، بل هى مخزونة فيه، والوهم ~~بتوسط المفكرة أو المتخيلة يعرضها على النفس وعنده يقف تأدى ~~الصورة المحسوسة، وأما الذكر فهو لشىء آخر كما نذكره بعد، ~~فهذه أصول يجب أن تكون عتيدة عندك، # ولنرجع إلى غرضنا فنقول إن السبب فى رؤية الشىء الواحد ~~إثنين أربعة أسباب أحدها انفتال الآلة المؤدية للشبح الذى فى ~~الجليدية إلى ملتقى العصبتين فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد ~~بل ينتهى كل عند جزء من الروح الباصر المرتب هناك على ~~حدة لأن خطى الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ~~مجاورة ملتقى العصبتين، فيجب لذلك أن ينطبع من كل شبح ينفذ ~~عن الجليدية خيال على حدة وفى جزء من الروح الباصرة على حدة، ~~فيكون كأنهما خيالان عن شيئين مفترقين من خارج إذا لم يتحد ~~الخطان الخارجان منهما إلى مركز الجليديتين نافذين فى العصبتين، ~~فلهذا السبب ترى الأشياء كثيرة متفرقة، PageV01P154 # والسبب الثانى حركة الروح الباصر وتموجه يمنة ويسرة حتى ~~يتقدم الجزء المدرك مركزه المرسوم له فى الطبع ms104 آخذا إلى جهة ~~الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح والخيال قبل ~~تقاطع المخروطين فيرى شبحين، وهذا مثل الشبح المرتسم من ~~الشمس فى الماء الراكد الساكن مرة واحدة والمرتسم منها فى ~~المتموج ارتساما متكررا، وذلك أن الزاوية الحاصلة بين خط البصر ~~إلى الماء وخط الشمس إلى الماء التى عندها يكون إبصار الشىء ~~- على طريق التأدى من المرآة لشىء - لا تبقى واحدة بل يتلقاها ~~الموج فى مواضع فتكثر هذه الزاوية فتنطبع أشباح فوق واحد، # والسبب الثالث من اضطراب حركة الروح الباطنة التى وراء ~~التقاطع إلى قدام وخلف حتى تكون لها حركتان إلى جهتين متضادتين ~~حركة إلى الحس المشترك وحركة إلى ملتقى العصبتين فتتأدى إليها ~~صورة المحسوس مرة أخرى قبل أن ينمحى ما تؤديه إلى الحس ~~المشترك كأنها كما أدت الصورة إلى الحس المشترك رجع منها ~~جزء يقبل ما تؤديه القوة الباصرة، وذلك لسرعة الحركة، فيكون ~~مثلا قد ارتسم فى الروح المؤدية صورة فنقلتها إلى الحس المشترك، ~~ولكل مرتسم زمان ثبات إلى أن ينمحى، قلما زال القابل الأول ~~من الريح عن مركزه لاضطراب حركته خلفه جزء آخر وقبل قبوله ~~قبل أن انمحى عن الأول، فتجزأت الروح للاضطراب إلى جزء PageV01P155 ~~متقدم كان فى سمت المرئى فأدركه ثم زال ولم تزل عنه الصورة ~~دفعة بل هى فيه وإلى جزء آخر قابل للصورة أيضا بحصوله فى ~~السمت الذى فى مثله يدرك الصورة عاقبا للجزء الأول، والسبب ~~الاضطراب، وإذا كان كذلك حصل فى كل واحد منهما صورة مرئية ~~لأن الأولى لم تنمح بعد عن الجزء القابل الأول المؤدى إلى الحس ~~المشترك أو عن المؤدى إليه حتى انطبعت فى الثانى، والفرق بين ~~هذا القسم والقسم الذى قبله أن هذه الحركة المضطربة إلى قدام ~~وخلف وكانت تلك إلى يمنة ويسرة، # ولمثل هذا السبب ما يرى الشىء السريع الحركة إلى الجانبين ~~كشيئين لأنه قبل أن انمحى عن الحس المشترك صورته وهو فى ~~جانب رآه البصر وهو فى جانب آخر فتوافى إدراكاه فى الجانبين ~~معا، وكذلك إذا دارت نقطة ذات ms105 لون على شىء مستدير رؤيت ~~خطا مستديرا وإذا امتدت بسرعة على الاستقامة رؤيت خطا مستقيما، ~~ونظير هذه الحركة الدوار فإنه إذا عرض سبب من الأسباب المكتوبة ~~فى كتب الطب فحرك الروح الذى فى التجويف المقدم من الدماغ ~~على الدور وكانت القوة الباصرة تؤدى إلى ما هناك صورة محسوسة ~~فالجزء من الروح القابل لها لا يثبت مكانه بل ينتقل ويخلفه جزء ~~آخر يقبل تلك الصورة بعد قبوله وقبل انمحائها عنه، وكذلك على ~~الدور، فيتخيل أن المرئيات تدور وتتبدل على الرائى وإنما الرائى هو ~~الذى يدور ويتبدل على المرئى، وإذا كان القابل ثابتا وتحرك الشىء ~~المبصر بسرعة انتقل لا محالة شبحه الباطن من جزء من القابل إلى PageV01P156 ~~جزء آخر، فإنه لو كان الشبح يثبت فى ذلك الجزء بعينه لكان نسبة ~~القابل مع المقبول واحدة ثابتة، فإذا إذا عرض لحامل الشبح أن ~~ينتقل عن مكانه انتقل الشبح لا محالة فتغيرت نسبته إلى الجسم الذى ~~من خارج، فعرض ما يعرض لو كان الشىء الذى من خارج ينتقل، ~~وأيضا فإن الناظر فى ماء شديد الجرى يتخيل له أنه هو ذا يميل ~~عن جهة ويسقط إليها، والسبب فى ذلك أنه يتخيل الأشياء كلها ~~تميل إلى خلاف جهة ميل الماء، فإن شدة الحركة الموجبة لسرعة ~~المفارقة توهم أن المفارقة من الجانبين معا، والسبب انتقال الشبح ~~فى القابل مع ثباته فى كل جزء تفرضه زمانا ما، ويجب أن يعلم أن ~~مع هذه الأسباب سببا آخر معينا لها ماديا وذلك أن جوهر الروح ~~جوهر فى غاية اللطافة وفى غاية سرعة الإجابة إلى قبول الحركة ~~حتى أنه إذا حدث فيه سبب موجب لانتقال الشبح من جزء ~~إلى جزء يلزمه أن يتحرك جوهر الروح حركة ما - وإن قلت - ~~إلى سمت ذلك الجزء، والسبب فى ذلك أن لكل قوة من القوى ~~المدركة انبعاثا بالطبع إلى مدركها حتى أنها تكاد تلتذ به، ~~وإذا انبعثت نحوه مال حاملها إليه أو مالت بحاملها إليه، ولهذا ~~ما كان الروح الباصر يندفع جملة إلى الضوء وينقبض عن ms106 الظلمة ~~بالطبع، فإذا مال الشبح إلى جزء من الروح دون جزء كانت القوة ~~كالمندفعة إلى جهة ميل الشبح بآلتها، فإن الآلة مجيبة لها إلى ~~نحو الجهة التى تطلبها القوة فيحدث فى الروح تموج إلى تلك الجهة PageV01P157 ~~للطافتها وسرعتها إلى قبول الأثر كأنها تتبع حركة الشبح، ولهذا ~~السبب إذا أطال الإنسان النظر إلى شىء يدور يتخيل له أن ~~سائر الأشياء تدور لأنه يحدث فى الروح حركة مستديرة لاتباعها ~~لانتقال الشبح، وكذلك إذا أطال النظر إلى شىء سريع الحركة فى ~~الاستقامة يحدث فى الروح حركة مستقيمة إلى ضد تلك الجهة لأن ~~جهة حركة الشىء مضادة لجهة حركة الشبح، فحينئذ ترى ~~الأشياء كلها تنتقل إلى ضد تلك الجهة لأن أشباح الأشياء لا تثبت، ~~والسبب الرابع اضطراب حركة تعرض للثقبة العينية، فإن الطبقة ~~العينية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع لها الثقبة وتضيق تارة إلى ~~خارج وتارة إلى داخل على الاستقامة أو إلى جهة فيتبع اندفاعها إلى ~~خارج انضغاط يعرض لها واتساع من الثقبة ويتبع اندفاعها إلى ~~داخل اجتماع يعرض لها وتضيق من الثقبة، فإذا اتفق أن ضاقت ~~الثقبة رؤى الشىء أكبر أو اتسعت رؤى أصغر، أو اتفق أن ~~مالت إلى جهة رؤى فى مكان آخر، فيكون كأن المرئى أولا غير ~~المرئى ثانيا وخصوصا إذا كان قد تمثل قبل انمحاء الصورة الأولى ~~ولقائل أن يقول فلم لا تثبت الصورة واحدة مع انتقال القابل # ولقائل أن يقول فلم لا تثبت الصورة واحدة مع انتقال القابل ~~كما تبقى صورة الضوء واحدة مع انتقال القابل، فيكون القابل إذا ~~زال عن المحاذاة بطلت الصورة عنه وحدثت فيما يقوم مقامه، فلم ~~تكن صورتان، فلم تكن رئيتان ولا اتصال خط عن نقطة، ولا ~~رؤيت الأشياء تستدير، فنقول لا يبعد أن يكون من شأن الروح PageV01P158 ~~الذى للحس المشترك أن لا يكون إنما يضبط الصورة بالمحاذاة ~~فقط وإن كان لا يضبطها بعد المحاذاة مدة طويلة فيكون ضبطه ~~لا كضبط المستنير بالضوء للضوء الذى يبطل دفعة، ولا كضبط ~~الحجر للنقش الذى يبقى مدة طويلة ms107 بل بين بين، ويكون تخليته ~~عن الصورة بسبب يقوى ويعان بعد المحاذاة بزمان ما لأسباب ~~تجدها مذكورة فيما تفتر حركته وفيما يعود إلى طبيعته حيث نتكلم ~~فى مثله، ومن هذا يعلم أن قبول الروح الباطن للخيالات المبصرة ~~ليس كقبول الشبح الساذج الذى يزول مع زوال المحاذاة، # وبالحرى أن تكون الحواس هى هذه المشهورة وأن تكون الطبيعة ~~لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها أو يوفى جميع ما يكون ~~فى تلك الدرجة، فيجب من ذلك أن يكون جميع الحواس محصلة ~~عندنا، ومن رام أن يبين هذا بقياس واجب فقد تكلف شططا، ~~وجميع ما قيل فى هذا فهو غير مبرهن أو لست أفهمه فهم المبرهن ~~عليه ويفهمه غيرى، فليتعرف ذلك من غير كلامنا، # فالحواس المفردة والمحسوسات المفردة ما ذكرناه، وهاهنا ~~حواس مشتركة ومحسوسات مشتركة، فلنتكلم أولا فى المحسوسات ~~المشتركة، فنقول إن الحواس منا قد تحس معما تحس أشياء ~~والأوضاع والأعداد والحركات والسكونات والأشكال والقرب والبعد ~~والأوضاع والأعداد والحركات والسكونات والأشكال والقرب والبعد ~~والمماسة وما هو غير ذلك مما يدخل فيه، وليس إنما تحس هذه ~~بعرض، وذلك لأن المحسوس بالعرض هو الذى ليس محسوسا PageV01P159 ~~بالحقيقة لكنه مقارن لما يحس بالحقيقة مثل إبصارنا أبا عمرو وأخا ~~خالد، فإن المحسوس هو الشكل واللون ولكن عرض أن ذلك مقارن ~~لشىء مضاف فنقول إنا أحسسنا بالمضاف ولم نحسه البتة ولا فى ~~أنفسنا خيال ولا رسم لأبى خالد من حيث هو أبو خالد يكون ~~ذلك الرسم أو الخيال مستفادا من الحس بوجه من الوجوه، وأما ~~الشكل والعدد وغير ذلك فإنه وإن كان لا يحس بانفراده فإن رسمه ~~وخياله يلزم خيال ما يحس وما يدرك بأنه لون أو حرارة أو برودة ~~مثلا حتى يمتنع ارتسام أمثال هذه فى الخيال دونها أيضا، وليس إذا ~~كان الشىء متمثلا ومدركا لشىء فى شىء بتوسط شىء فهو غير ~~متمثل فيه بالحقيقة، فإن كثيرا من الأمور التى هى بالحقيقة ~~وليست بالعرض فإنها تكون بمتوسطات، # وهذه المحسوسات المشتركة لما كان إدراكها بهذه الحواس ممكنا ms108 ~~لم يحتج إلى حاسة أخرى، بل لما كان إدراكها بلا توسط غير ~~ممكن استحال أن يفرد لها حاسة، فالبصر يدرك العظم والشكل ~~والعدد والوضع والحركة والسكون بتوسط اللون، ويشبه أن يكون ~~إدراك الحركة والسكون مشوبا بقوة غير الحس، واللمس يدرك ~~جميع هذا بتوسط صلابة أو لين فى أكثر الأمر، وقد يكون بتوسط ~~الحر والبرد، والذوق يدرك العظم بأن يذوق طعما كثيرا منتشرا، ~~ويدرك العدد بأن يجد طعوما كثيرة فى الأجسام، وأما الحركة ~~والسكون والشكل فيكاد أن يدركه أيضا ولكن ضعيفا يستعين فى ~~ذلك باللمس، وأما الشم فيكاد لا يدرك به العظم والشكل PageV01P160 ~~والحركة والسكون إدراكا متمثلا فى الشام بل يدرك به العدد بأن ~~يتمثل فى الشام ولكن النفس تدرك ذلك بضرب من القياس أو الوهم ~~بأن تعلم أن الذى انقطعت رائحته دفعة قد زال والذى تبقى رائحته ~~هو ثابت، وأما السمع فإن العظم لا يدركه ولكن السمع قد ~~يدل النفس عليه دلالة غير مستمرة على الدوم، وذلك من جهة أن ~~الأصوات العظيمة قد ينسبها إلى أجسام عظيمة وكثيرا ما تكون من ~~أشياء صغيرة وبالعكس، ولكن قد يدرك العدد ويدرك الحركة ~~والسكون بما يعرض للصوت الممتد من ثبات أو اضمحلال يكون ~~مصيره إلى ذلك الاختلاف فى تحدد مثل ذلك البعد، ولكن هذا ~~الإدراك من جملة ما تدركه النفس للعادة التى عرفتها، وقد يمكن ~~أن يسمع الصوت عن الساكن على هيئة الصوت الذى يسمع عن ~~المتحرك وعن المتحرك على هيئة الذى يسمع عن الساكن، فلا ~~تكون هذه الدلالة مركونا إليها ولا تجب وجوبا بل تكون فى أكثر ~~الأمر وأما الشكل فلا يدركه السمع إلا شكل الصوت لا شكل الجسم، ~~وأما الذى يسمع عن المجوف فيوقف على تجويفه فهو شىء يعرض ~~للنفس وتعرفه النفس على سبيل الاستدلال، وتأمل مذهب العادة فيه ~~ويشبه أن يكون حال البصر فى كثير مما يدركه هذه الحال أيضا ~~إلا أن إدراك البصر لما يدركه من ذلك أظهر، # فهذه هى المحسوسات التى تسمى مشتركة إذ قد تشترك فيها ~~عدة ms109 من الحواس، والعدد كأنه أولى ما يسمى مشتركا فإن جميع ~~الحواس تشترك فيه، وقد ظن بعض الناس أن لهذه المحسوسات PageV01P161 ~~المشتركة حاسة موجودة فى الحيوان تشترك فيها وبها تدرك، ~~وليس كذلك، فأنت تعلم أن من ذلك ما يدرك بللون لولا اللون ~~لما أدرك، وأن منه ما يدرك باللمس لولا الملموس لما أدرك، ~~فلو كان يمكن أن يدرك شىء من ذلك بغير المتوسط من كيفية ~~هى مدرك أولى لشىء من هذه الحواس لكان ذلك ممكنا، وأما ~~إذ يستحيل فينا إدراكه إلا بتوسط مدرك لحاسة معلومة أو ~~استدلال من غير توسط الحاسة فليس لها حاسة مشتركة بوجه من ~~الوجوه، PageV01P162 ### | المقالة الرابعة ### | فصل 1 (فيه قول كلى على الحواس الباطنة التى للحيوان) # وأما الحس المشترك فهو بالحقيقة غير ما ذهب إليه من ظن أن ~~للمحسوسات المشتركة حسا مشتركا بل الحس المشترك هو القوة ~~التى تتأدى إليها المحسوسات كلها، فإنه لو لم تكن قوة واحدة ~~تدرك الملون والملموس لما كان لنا أن نميز بينهما قائلين إنه ~~ليس هذا ذاك، وهب أن هذا التمييز هو للعقل فيجب لا ~~محالة أن يكون العقل يجدهما معا حتى يميز بينهما، وذلك لأنها ~~من حيث هى محسوسة وعلى النحو المتأدى من المحسوس لا ~~يدركها العقل كما سنوضح بعد، وقد نميز نحن بينها، فيجب أن ~~يكون لها اجتماع عند مميز إما فى ذاته وإما فى غيره، ومحال ~~ذلك فى العقل على ما ستعلمه، فيجب أن يكون فى قوة أخرى، ~~ولو لم يكن قد اجتمع عند الخيال من البهائم التى لا عقل لها ~~المائلة بشهوتها إلى الحلاوة مثلا أن شيئا صورته كذا هو حلو لما ~~كانت إذا رأته همت بأكله كما أنه لو لا أن عندنا نحن أن ~~هذا الأبيض هو هذا المغنى لما كنا إذا سمعنا غناءه الشخصى ~~أثبتنا عينه الشخصية وبالعكس، ولو لم يكن فى الحيوان ما يجتمع ~~فيه صور المحسوسات لتعذرت عليها الحياة ولم يكن الشم دالا PageV01P163 ~~لها على الطعم ولم يكن الصوت دالا إياها على الطعم ولم ms110 تكن ~~صورة الخشبة تذكرها صورة الألم حتى تهرب منها، فيجب لا ~~محالة أن يكون لهذه الصور مجمع واحد من باطن، # وقد يدلنا على وجود هذه القوة اعتبارات أمور تدل على أن لها ~~آلة غير الحواس الظاهرة مما نراه من تخيل المدورية أن كل ~~شىء يدور فذلك إما عارض عرض فى المرئيات أو عارض عرض فى ~~الآلة التى بها تتم الرؤية، وإذا لم يكن فى المرئيات كان لا ~~محالة فى شىء آخر، وليس الدوار إلا بحسب حركة البخار فى ~~الدماغ وفى الروح التى فيه، فيعرض لتلك الروح أن تدور، فتكون ~~إذأ القوة المرتبة هناك هى التى يعرض لها أمر قد فرغنا منه، ~~وكذلك يعرض للإنسان دوار من تأمل ما يدور كثيرا على ما ~~أنبأنا به، وليس يكون ذلك بسبب أمر فى جزء من العين ولا ~~فى روح مصبوب فيه، ولذلك نتخيل استعجال المتحرك النقطى ~~مستقيما أو مستديرا على ما سلف من قبل، ولأن تمثل الأشباح ~~الكاذبة وسماع الأصوات الكاذبة قد يعرض لمن يفسد لهم آلات ~~الحس أو كان مثلا مغمضا لعينه، ولا يكون السبب فى ذلك إلا ~~تمثلها فى هذا المبدأ، والتخيلات التى تقع فى النوم إما أن تكون ~~لارتسام الصورة فى خزانة حافظة للصور، ولو كان كذلك لوجب ~~أن يكون كل ما اختزن فيها متمثلا فى النفس ليس بعضها دون بعض ~~حتى يكون ذلك البعض كأنه مرئى أو مسموع وحده أو أن تكون PageV01P164 ~~يعرض لها التمثل فى قوة أخرى، وذلك إما حس ظاهر وإما حس ~~باطن، لكن الحس الظاهر معطل فى النوم، وربما كان الذى ~~يتخيل ألوانا ما مسمول العين، فبقى أن يكون حس باطن، وليس ~~يمكن أن يكون إلا المبدأ للحواس الظاهرة والذى كان إذا استولت ~~القوة الوهمية وجعلت تستعرض ما فى الخزانة تستعرضه بها ولو فى ~~اليقظة، فإذا استحكم ثباتها فيها كانت كالمشاهدة، فهذه القوة هى ~~التى تسمى الحس المشترك وهى مركز الحواس ومنها تتشعب ~~الشعب وإليها تؤدى الحواس، وهى بالحقيقة هى التى تحس، # لكن إمساك ما تدركه ms111 هذه هو للقوة التى تسمى خيالا وتسمى ~~مصورة وتسمى متخيلة، وربما فرق بين الخيال والمتخيلة بحسب ~~الاصطلاح، ونحن ممن يفصل ذلك، والحس المشترك والخيال ~~كأنهما قوة واحدة وكأنهما لا يختلفان فى الموضوع بل فى الصورة، ~~وذلك أنه ليس أن يقبل هو أن يحفظ، فصورة المحسوس تحفظها ~~القوة التى تسمى المصورة والخيال، وليس إليها حكم البتة بل ~~حفظ، وأما الحس المشترك والحواس الظاهرة فإنها تحكم بجهة ما ~~أو بحكم ما فيقال إن هذا المتحرك أسود وإن هذا الأحمر حامض، ~~وهذا الحافظ لا يحكم به على شىء من الموجود إلا على ما فى ~~ذاته بأن فيه صورة كذا، # ثم قد نعلم يقينا أن فى طبيعتنا أن نركب المحسوسات بعضها إلى PageV01P165 ~~بعض وأن نفصل بعضها عن بعض لا على الصورة التى وجدناها ~~عليها من خارج ولا مع تصديق بوجود شىء منها أو لا وجوده، ~~فيجب أن تكون فينا قوة نفعل ذلك بها، وهذه هى التى تسمى إذا ~~استعملها العقل مفكرة وإذا استعملتها قوة حيوانية متخيلة، # ثم إنا قد نحكم فى المحسوسات بمعان لا نحسها إما أن لا تكون ~~فى طبائعها محسوسة البتة وإما أن تكون محسوسة لكنا لا نحسها وقت ~~الحكم، أما التى لا تكون محسوسة فى طبائعها فمثل العداوة والرداءة ~~والمنافرة التى تدركها الشاة فى صورة الذئب وبالجملة المعنى الذى ~~ينفرها عنه، والموافقة التى تدركها من صاحبها وبالجملة المعنى ~~الذى يؤنسها به، وهذه أمور تدركها النفس الحيوانية والحس لا ~~يدلها على شىء منها، فإذن القوة التى بها تدرك قوة أخرى، ولتسم ~~الوهم، وأما التى تكون محسوسة فإنا نرى مثلا شيئا أصفر فنحكم ~~أنه عسل وحلو، فإن هذا ليس يؤديه إليه الحاس فى هذا الوقت، ~~وهو من جنس المحسوس عل أن الحكم نفسه ليس بمحسوس البتة ~~وإن كانت أجزاءه من جنس المحسوس، وليس يدركه فى الحال، ~~إنما هو حكم يحكم به ربما غلط فيه، وهو أيضا لتلك القوة، وفى ~~الإنسان للوهم أحكام خاصة من جملتها حمله النفس على أن ~~تمنع وجود أشياء لا ms112 تتخيل ولا ترتسم فيه وتأبيها التصديق بها، PageV01P166 ~~فهذه القوة لا محالة موجودة فينا وهى الرئيسة الحاكمة فى الحيوان ~~حكما ليس فصلا كالحكم العقلى ولكن حكما تخيليا مقرونا بالجزئية ~~وبالصورة الحسية وعنها يصدر أكثر الأفعال الحيوانية، # وقد جرت العادة بأن يسمى مدرك الحس صورة ومدرك الوهم ~~معنى، ولكل واحد منهما خزانة، فخزانة مدرك الحس هى ~~القوة الخيالية، وموضعها مقدم الدماع، ولذلك إذا حدثت هناك ~~آفة فسد هذا الباب من التصور إما بأن تتخيل صورا ليست أو ~~يصعب استثبات الموجود فيها، وخزانة مدرك الوهم هى القوة ~~التى تسمى الحافظة، ومعدنها مؤخر الدماع ولذلك إذا وقع هناك ~~آفة وقع الفساد فيما يختص بحفظ هذه المعانى، وهذه القوة تسمى ~~أيضا متذكرة، فتكون حافظة لصيانتها ما فيها ومتذكرة لسرعة ~~استعدادها لاستثباته والتصور به مستعيدة إياه إذا فقد، وذلك ~~إذا أقبل الوهم بقوته المتخيلة فجعل يعرض واحدا واحدا من ~~الصور الموجودة فى الخيال ليكون كأنه يشاهد الأمور التى هذه ~~صورها، فإذا عرض له الصورة التى أدرك معها المعنى الذى بطل ~~لاح له المعنى حينئذ كما لاح من خارج واستثبتته القوة الحافظة ~~فى نفسها كما كانت حينئذ تستثبت، فكان ذكر، وربما كان ~~المصير من المعنى إلى الصورة، فيكون المتذكر المطلوب PageV01P167 ~~ليس له نسبة إلى ما فى خزانة الحفظ بل نسبة إلى ما فى خزانة ~~الخيال، فكان إعادته إما فى وجه العود إلى هذه المعانى التى فى ~~الحفظ حتى يضطر المعنى إلى لوح الصورة فتعود النسبة إلى ما فى ~~الخيال ثانيا، وإما بالرجوع إلى الحس، مثال الأول أنك إذا نسيت ~~نسبة إلى صورة وكنت عرفت تلك النسبة تأملت الفعل الذى كان ~~يقصد منها، فلما عرفت الفعل ووجدته وعرفت أنه أى طعم ولون ~~وشكل يصلح له فاستثبت النسبة به وألفت ذلك وحصلته نسبة ~~إلى صورة فى الخيال وأعدت النسبة فى الذكر، فإن خزانة الفعل ~~هو الحفظ لأنه من المعنى، فإن كان أشكل ذلك عليك من هذه ~~الجهة أيضا ولم يتضح فأورد عليك الحس صورة الشىء عادت ~~مستقرة فى الخيال ms113 وعادت النسبة إليه مستقرة فى التى تحفظ، # وهذه القوة المركبة بين الصورة والصورة وبين الصورة والمعنى ~~وبين المعنى والمعنى هى كأنها القوة الوهمية بالموضوع لا من ~~حيث تحكم بل من حيث تعمل لتصل إلى الحكم، وقد جعل مكانها ~~واسط الدماغ ليكون لها اتصال بخزانتى المعنى والصورة، ويشبه ~~أن تكون القوة الوهمية هى بعينها المفكرة والمتخيلة والمتذكرة ~~وهى بعينها الحاكمة، فتكون بذاتها حاكمة وبحركاتها وأفعالها PageV01P168 ~~متخيلة ومتذكرة، فتكون متخيلة بما تعمل فى الصور والمعانى ~~ومتذكرة بما ينتهى إليه عملها، وأما الحافظة فهى قوة خزانتها، ~~ويشبه أن يكون التذكر الواقع بالقصد معنى للإنسان وحده وأن ~~خزانة الصور هى المصورة والخيال وأن خزانة المعانى هى ~~الحافظة، ولا يمتنع أن تكون الوهمية بذاتها حاكمة وبحركاتها ~~متخيلة وذاكرة، ### | فصل 2 (فى أفعال المصورة والمفكرة من هذه الحواس الباطنة وفيه القول على النوم واليقظة والرؤيا الصادقة والكاذبة وضرب من خواص النبوة) # فلنحصل القول فى القوة المصورة أولا فنقول إن القوة المصورة ~~التى هى الخيال هى آخر ما تستقر فيه صور المحسوسات وإن ~~وجهها إلى المحسوسات هو الحس المشترك، وإن الحس المشترك ~~يؤدى إلى القوة المصورة على سبيل استخزان ما يؤديه إليه ~~الحواس فتخزنه، وقد تخزن القوة المصورة أيضا أشياء ليست من ~~المأخوذات عن الحس، فإن القوة المفكرة قد تتصرف على الصور ~~التى فى القوة المصورة بالتركيب والتحليل لأنها موضوعات لها، PageV01P169 ~~فإذا ركبت صورة منها أو فصلتها أمكن أن تستحفظها فيها لأنها ~~ليست خزانة لهذه الصورة من جهة ما هذه الصورة منسوبة إلى شىء ~~وواردة من داخل أو خارج بل إنما هى خزانة لها لأنها هذه الصورة ~~بهذا النحو من التجريد، فلو كانت هذه الصورة على نحو ما فيها ~~من التركيب والتفصيل ترد من خارج لكانت هذه القوة تستثبتها، ~~فكذلك إذا لاحت لهذه القوة من سبب آخر، وإذا عرض لسبب ~~من الأسباب إما من التخيل والفكر وإما لشىء من التشكلات ~~السماوية أن تمثلت صورة فى المصورة وكان الذهن غائبا أو ساكنا ~~عن اعتباره أمكن أن يرتسم ذلك ms114 فى الحس المشترك نفسه على ~~هيئته فيسمع ويرى ألوانا وأصواتا ليس لها وجود من خارج ولا ~~أسبابها من خارج، وأكثر ما يعرض هذا عند سكون القوى العقلية ~~أو غفول الوهم وعند اشتغال النفس النطقية عن مراعاة الخيال ~~والوهم، فهناك تقوى المصورة والمتخيلة على أفعالها الخاصة حتى ~~يتمثل ما تورده من الصور محسوسة، # ولنزد هذا بيانا فنقول إنه سيتبين لنا بعد أن هذه القوى كلها ~~لنفس واحدة وأنها خوادم للنفس، فليسلم ذلك وضعا وليعلم أن ~~اشتغال النفس ببعض هذه يصرفها عن إعانة القوى الأخرى على ~~فعلها أو عن ضبطها عن زيغها أو عن حملها على الصواب، فإن ~~من شأن النفس إذا اشتغلت بالأمور الباطنة أن تغفل عن استثبات ~~الأمور الخارجة فلا تستثبت المحسوسات حقها من الاستثبات، PageV01P170 ~~وإذا اشتغلت بالأمور الخارجة أن تغفل عن استعمال القوى الباطنة، ~~فإنها إذا كانت تامة الإصغاء إلى المحسوسات الخارجة ففى وقت ما ~~تكون منصرفة إلى ذلك يضعف تخيلها وتذكرها، وإذا انصبت ~~إلى أفعال القوة الشهوانية انكسرت منها أفعال القوة الغضبية، وإذا ~~انصبت إلى أفعال القوة الغضبية انكسرت منها أفعال القوة الشهوانية، ~~وبالجملة إذا انصبت إلى استكمال الأفعال الحركية ضعفت الأفعال ~~الإدراكية وبالعكس، فإذا لم تكن النفس مشتغلة بأفعال قوى عن ~~أفعال قوة ما بل كانت وادعة كأنها معتزلة عرض لأقوى القوى ~~وأعملها أن تغلب، وإذا اشتغلت بقوة ما وعارض ما عن تثقيف ~~قوة إنما تضبطها عن حركاتها المفرطة مراعاة النفس أو الوهم إياها ~~استولت تلك القوة ونفذت فى أفعالها التى بالطبع قد خلا لها ~~الجو، وهذا الذى يعرض للنفس من أن لا تكون مشتغلة بفعل ~~قوة أو قوى قد يكون لآفة أو لضعف شاغل عن الاستكمال كما ~~فى الأمراض وكما فى الخوف، وإما أن يكون لاستراحة ما كما فى ~~النوم، وإما أن يكون لكثرة انصراف الهمة إلى استعمال القوة ~~المنصرف إليها عن غيرها # ثم إن القوة المتخيلة قوة قد يصرفها النفس عن خاص فعلها ~~بوجهين، تارة مثل ما يكون عند اشتغال النفس بالحواس الظاهرة ~~وصرف القوة ms115 المصورة إلى الحواس الظاهرة وتحريكها بما يورد ~~عليها منها حتى لا تسلم للمتخيلة المفكرة فتكون المتخيلة مشغولة PageV01P171 ~~عن فعلها الخاص، وتكون المصورة أيضا مشغولة عن الانفراد ~~بالمتخيلة، ويكون ما تحتاجان إليه من الحس المشترك ثابتا واقعا ~~فى شغل الحواس الظاهرة، وهذا الوجه هو وجه، وتارة عند ~~استعمال النفس إياها فى أفعالها التى تتصل بها من التمييز والفكرة، ~~وهذا على وجهين أيضا، أحدهما أن تستولى على المتخيلة فتستخدمها ~~والحس المشترك معها فى تركيب الصور بأعيانها وتحليلها على ~~جهة يقع للنفس فيها غرض صحيح ولا تتمكن المتخيلة لذلك من ~~التصرف على ما لها أن تتصرف عليه بطباعها بل تكون منجرة مع ~~تصريف النفس النطقية إياها انجرارا، والثانى أن تصرفها عن التخيلات ~~التى لا تطابق الموجودات من خارج فتكفها عن ذلك استبطالا لها ~~فلا تتمكن من شدة تشبيحها وتمثيلها، فإن شغلت المتخيلة من ~~الجهتين جميعا ضعف فعلها، وإن زال عنها الشغل من الجهتين ~~كلتيهما كما يكون فى حال النوم أو من جهة واحدة كما يكون ~~عند الأمراض التى تضعف البدن وتشغل النفس عن العقل والتمييز ~~وكما عند الخوف حتى تضعف النفس وتكاد تجوز ما لا يكون ~~وتكون منصرفة عن العقل جملة لضعفها ولخوفها وقوع أمور ~~جسدانية فكأنها تترك العقل وتدبيره أمكن التخيل حينئذ أن يقوى ~~ويقبل على المصورة ويستعملها ويتقوى اجتماعهما معا، فتصير ~~المصورة أظهر فعلا فتلوح الصور التى فى المصورة فى الحاس المشترك PageV01P172 ~~فترى كأنها موجودة خارجا لأن الأثر المدرك من الوارد من خارج ~~ومن الوارد من داخل هو ما يتمثل فيه، وإنما يختلف بالنسبة، ~~وإذا كان المحسوس بالحقيقة هو ما يتمثل فإذا تمثل كان حاله ~~كحال ما يرد من خارج، ولهذا ما يرى الإنسان المجنون والخائف ~~والضعيف والنائم أشباحا قائمة كما يراها فى حال السلامة بالحقيقة ~~ويسمع أصواتا كذلك، فإذا تدارك التميز أو العقل شيئا من ~~ذلك وجذب القوة المتخيلة إلى نفسه بالتنبيه اضمحلت تلك الصور ~~والخيالات، # وقد يتفق فى بعض الناس أن تخلق فيه القوة المتخيلة شديدة ~~جدا غالبة حتى ms116 أنها لا تستولى عليها الحواس ولا تعصيها المصورة، ~~وتكون النفس أيضا قوية لا يبطل التفاتها إلى العقل وما قبل ~~العقل انصبابها إلى الحواس، فهؤلآء يكون لهم فى اليقظة ما يكون ~~لغيرهم فى المنام من الحالة التى سنخبر عنها بعد، وهى حالة ~~إدراك النائم مغيبات بتحققها بحالها أو بأمثلة تكون لها، فإن هؤلآء ~~قد يعرض لهم مثلها فى اليقظة، وكثيرا ما يكون لهم فى توسط ذلك ~~أن يغيبوا آخر الأمر عن المحسوسات ويصيبهم كالإغماء، وكثيرا ما ~~لا يكون، وكثيرا ما يرون الشىء بحاله وكثيرا ما يتخيل لهم مثاله ~~للسبب الذى يتخيل للنائم مثال ما يراه مما نوضحه بعد، وكثيرا ~~ما يتمثل لهم شبح ويتخيلون أن ما يدركونه خطاب من ذلك الشبح ~~بألفاظ مسموعة تحفظ وتتلى، وهذه هى النبوة الخاصة بالقوة ~~المتخيلة وهاهنا نبوات أخرى سيتضح أمرها، PageV01P173 # وليس أحد من الناس لا نصيب له من أمر الرؤيا ومن حال ~~الإدراكات التى تكون فى اليقظة، فإن الخواطر التى تقع دفعة فى ~~النفس إنما يكون سببها اتصالات ما لا تشعر بها ولا بما يتصل بها ~~لا قبلها ولا بعدها، فتنتقل النفس منها إلى شىء آخر غير ما كان عليه ~~مجراها، وقد يكون ذلك من كل جنس، فيكون من المعقولات ويكون ~~من الإنذارات ويكون شعرا ويكون غير ذلك بحسب الاستعداد ~~والعادة والخلق، وهذه الخواطر تكون لأسباب تعن للنفس مسارقة ~~فى أكثر الأمر وتكون كالتلويحات المستلبة التى لا تتقرر فتذكر إلا ~~أن تبادر إليها النفس بالضبط الفاضل، ويكون أكثر ما تفعله أن ~~تشغل التخيل بجنس غير مناسب لما كان فيه، ~~ومن شأن هذه القوة المتخيلة أن تكون دائمة الإكباب على # خزانتى المصورة والذاكرة ودائمة العرض للصور مبتدية من صورة ~~محسوسة أو مذكورة منتقلة منها إلى ضد أو ند أو شىء هو ~~منه بسبب، وهذه طبيعتها، وأما اختصاص انتقالها من الشىء إلى ~~ضده دون نده أو نده دون ضده فيكون لذلك أسباب جزئية لا ~~تحصى، وبالجملة يجب أن يكون أصل السبب فى ذلك أن النفس ~~إذا جمعت ms117 بين مراعاة المعانى والصور انتقلت من المعنى إلى الصورة ~~التى هى أقرب إليه إما مطلقا وإما لاتفاق قرب عهد مشاهدته PageV01P174 ~~لتألفهما فى حس أو فى وهم، وانتقلت كذلك من الصورة إلى المعنى، ~~ويكون السبب الأول الذى يخصص صورة دون صورة ومعنى دون ~~معنى أمرا قد ورد عليه من الحس خصصه به أو من العقل أو الوهم ~~فخصصه به أو لأمر سماوى، فلما تخصص بذلك صار استمراره وانتقاله ~~متخصصا لتخصيص المبدأين ولأجل أحوال تقارن فى العادة ولقرب ~~العهد بيعض الصور والمعانى، وقد يكون ذلك لأحوال أيضا سماوية، ~~وقد يكون لطوالع من العقل والحس بعد التخصيص الأول تضاف ~~إليه، # واعلم أن الفكر النطقى ممنو بهذه القوة، وهو من غريرة هذه ~~القوة فى شغل شاغل، فإنه إذا استعملها فى صورة ما استعمالا ~~موجها نحو غرض ما انتقلت بسرعة إلى شىء آخر لا يناسبه ومنه ~~إلى ثالث وأنست النفس أول ما ابتدأت عنه حتى تحوج النفس ~~إلى التذكر فازعة إلى التحليل بالعكس حتى تعود إلى المبدأ، ~~وإذا اتفق فى حال اليقظة أن أدرك النفس شيئا أو فى حال النوم ~~أن اتصلت بالملكوت اتصالا على ما سنصفه بعد وصفا فإن هذه ~~القوة إن مكنتها بسكونها أو بانقهارها من حسن الاستثبات ~~ولم تغلبها مقصرة عليها زمان الاستثبات لما يلوح لها من تخيلاتها PageV01P175 ~~تمكنت تلك الصورة من الذكر تمكنا جيدا على وجهه وصورته، ~~فلم تحتج إن كان يقظة إلى التذكر وإن كان نوما إلى تعبير وإن كان ~~وحيا إلى تأويل، فإن التعبير والتأويل هاهنا يذهب مذهب التذكر، ~~فإن لم تستثبت النفس ما رأته من ذلك فى قوة الذكر على ما ينبغى ~~بل كانت القوة المتخيلة توازى كل مفرد من المرئى فى النوم بخيال ~~مفرد أو مركب أو توازى مركبا من المرئى فى النوم بخيال مفرد أو ~~مركب فلا تزال تحاذى ما ترى هناك بمحاكاة مؤلفة من صور ~~ومعان كان استثبات النفس فى ذاتها لما يراها أضعف من استثبات ~~المصورة والمتذكرة لما يورده التخيل فلم يثبت فى الذكر ms118 ما أرى ~~من الملكوت وثبت ما حوكى به، # ويتفق كثيرا أن يكون ما يرى من الملكوت شيئا كالرأس ~~وكالابتداء فيستولى التخيل على النفس استيلاء يصرفها عن استتمام ~~ما تراه وتنتقل بعده انتقالا بعد انتقال لا تحاكى بتلك الانتقالات شيئا ~~مما يرى من الملكوت إذ ذلك قد انقطع، فيكون هذا ضربا من الرؤيا ~~إنما موضع العبارة منه شىء طفيف وباقيه أضغاث أحلام، فما كان ~~من الرؤيا من الجنس الذى السلطان فيه للتخيل فإنه يحتاج إلى عبارة ~~ضرورة، # وربما رأى الإنسان تعبير رؤياه فى رفياه فيكون ذلك بالحقيقة تذكرا، ~~فإن القوة المفكرة كما أنها قد تنتقل أولا من الأصل إلى الحكاية ~~لمناسبة بينهما كذلك لا يبعد أن تنتقل عن الحكاية إلى الأصل، ~~فكثيرا ما يعرض لها أن تتخيل فعلها ذلك مرة أخرى فترى كأن PageV01P176 ~~مخاطبا يخاطبها بذلك، وكثيرا ما لم يكن كذلك بل كان كأنها ~~تعاين الشىء معاينة صحيحة من غير أن تكون النفس اتصلت ~~بالملكوت بل تكون محاكاة من المتخيلة للمحاكاة، فترجع إلى الأصل، ~~وهذا الضرب من الرؤيا الصحيح قد يقع عن التخيل من غير معونة ~~قوة أخرى وإن كان الأصل فيه ذلك فيرجع، وربما حاكت هذه ~~المحاكاة محاكاة أخرى فتحتاج إلى تعبير المعبر مرة أخرى، وهذه ~~أشياء وأحوال لا تضبط، ومن الناس من يكون أصح أحلاما، وذلك ~~إذا كانت نفسه قد اعتادت الصدق وقهرت التخيل الكاذب، وأكثر ~~من يتفق له أن يعبر رؤياه فى رؤياه هو من كانت همته مشغولة ~~بما رأى، فإذا نام بقى الشغل به بحاله، فأخذت القوة المتخيلة ~~تحاكيه بعكس ما حاكت أولا، وقد حكى أن هرقل الملك رأى رؤيا ~~شغلت قلبه ولم يجد عند المعبرين ما يشفيه فلما نام بعد ذلك عبر ~~له فى منامه تلك الرؤيا، فكانت مشتملة على أخبار عن أمور تكون ~~فى العالم وفى خاص مدينته ومملكته، فلما دونت تلك الإنذارات ~~خرجت على نحو ما عبر له فى منامه، وقد جرب هذا فى غيره، # والذين يرون هذه الأمور فى اليقظة منهم من يرى ms119 ذلك لشرف ~~نفسه وقوتها وقوة متخيلته ومتذكرته فلا تشغلها المحسوسات عن ~~أفعالها الخاصة، ومنهم من يرى ذلك لزوال تمييزه ولأن النفس ~~التى له منصرفة عن التمييز، ولذلك فإن تخيله قوى، فهو قادر على ~~تلقى الأمور الغيبية فى حال اليقظة، فإن النفس محتاجة فى تلقى ~~فيض الغيب إلى القوى الباطنة من وجهين أحدهما ليتصور فيها ~~المعنى الجزئى تصورا محفوظا، والثانى لتكون معينة لها متصرفة فى PageV01P177 ~~جهة إرادتها لا شاغلة إياها جاذبة لها إلى جهتها، فيحتاج إلى نسبة ~~بين الغيب وبين النفس والقوة الباطنة المتخيلة ونسبة بين النفس ~~والقوة الباطنة المتخيلة، فإن كان الحس يستعملها أو إلعقل ~~يستعملها على النحو العقلى الذى ذكرناه لم تفرغ لأمور أخرى ~~مثل المرآة إذا شغلت عن جهة وحركت نحو جهة فإن كثيرا ~~من الأمور التى من شأنها أن ترتسم فى تلك المرآة مغافصة ومباغتة ~~لنسبة ما بينهما لا ترتسم، وسواء كان هذا الشغل من الحس أو من ~~ضبط العقل، فإذا فات أحدهما أوشك أن تتفق النسبة المحتاج إليها ~~بين الغيب وبين النفس والقوة المتخيلة وبين النفس وبين القوة ~~المتخيلة، فيلوح فيها اللائح على نحو ما يلوح، # ولأنا قد انتقل بنا الكلام فى التخيل إلى أمر الرؤيا فلا بأس أن ~~ندل يسيرا على المبدأ الذى تقع عنه الإنذارات فى المنام بأمور ~~نضعها وضعا، وإنما تتبين لنا فى الصناعة التى هى الفلسفة الأولى، ~~فنقول إن معانى جميع الأمور الكائنة فى العالم مما سلف ومما حضر ~~ومما يريد أن يكون موجودة فى علم البارى والملائكة العقلية من ~~جهة وموجودة فى أنفس الملائكة السماوية من جهة، وسيتضح لك ~~الجهتان فى موضع آخر، وإن الأنفس البشرية أشد مناسبة لتلك ~~الجواهر الملكية منها للأجسام المحسوسة، وليس هناك احتجاب ولا ~~بخل، إنما الحجاب للقوابل إما لانغمارها فى الأجسام وإما ~~لتدنسها بالأمور الجاذبة إلى الجنبة السافلة، وإذا وقع لها أدنى فراغ ~~من هذه الأفعال حصل لها مطالعة لما ثم، فيكون أولى ما تستثبته PageV01P178 ~~ما يتصل بذلك الإنسان أو بذويه أو ببلده أو بإقليمه، ولذلك ms120 ~~أكثر الأحلام التى تذكر تختص بالإنسان الذى حلم بها وبمن ~~يليه، ومن كانت همته المعقولات لاحت له ومن كانت همته مصالح ~~الناس رآها واهتدى إليها، وكذلك على هذا القياس، وليست ~~الأحلام كلها صادقة وبحيث يجب أن يشتغل بها، فإن القوة المتخيلة ~~ليس كل محاكاتها إنما تكون لما يفيض على النفس من الملكوت، ~~بل أكثر ما يكون منها ذلك إنما يكون إذا كانت هذه القوة قد ~~سكنت عن محاكاة أمور هى أقرب إليها، والأمور التى هى أقرب ~~إليها منها طبيعية ومنها إرادية، فالطبيعية هى التى تكون من ~~ممازجة قوى الأخلاط للروح التى تمتطيها القوة المصورة والمتخيلة، ~~فإنها أول شىء إنما تحكيها وتشتغل بها، وقد تحكى أيضا آلاما ~~تكون فى البدن وأعراضا فيه مثل ما يكون عندما تتحرك القوة ~~الدافعة للمنى إلى الدفع فإن المتخيلة حينئذ تحاكى صورا من شأن ~~النفس أن تميل إلى مجامعتها، ومن كان به جوع حكى له مأكولات، ~~ومن كان به حاجة إلى دفع فضل حكى له موضع ذلك، ومن عرض ~~لعضو منه أن سخن أو برد بسبب حر أو برد حكى له أن ذلك ~~العضو منه موضوع فى نار أو فى ماء بارد، ومن العجائب أنه كما ~~يعرض من حركة الطبيعة لدفع المنى تخيل ما كذلك ربما عرض ~~تخيل ما لصورة مشتهاة لسبب من الأسباب، فتنبعث الطبيعة إلى ~~جمع المنى وإرسال الريح الناشرة لآلة الجماع، وربما قذفت المنى، ~~وقد يكون هذا فى النوم واليقظة جميعا وإن لم يكن هناك أيضا PageV01P179 ~~هيجان وشبق، وأما الإرادية فأن يكون فى همة النفس وقت اليقظة ~~شىء تنصرف النفس إلى تأمله وتدبره، فإذا نام أخذت المتخيلة تحكى ~~ذلك الشىء وما هو من جنس ذلك الشىء، وهذا هو من بقايا ~~الفكر التى تكون فى اليقظة، وهذه كلها أضغاث أحلام، وقد تكون ~~أيضا من تأثيرات الأجرام السماوية فإنها قد توقع بحسب مناسباتها ~~ومناسبات نفوسها صورا فى التخيل بحسب الاستعداد ليست عن تمثل ~~شىء من عالم الغيب والإنذار، # وأما الذى يحتاج أن يعبر وأن يتأول ms121 فهو ما لم ينسب إلى ~~شىء من هذه الجملة، فيعلم أنه قد وقع من سبب خارج وأن له ~~دلالة ما، فلذلك لا يصح فى الأكثر رؤيا الشاعر والكذاب والشرير ~~والسكران والمريض والمغموم ومن غلب عليه سوء مزاج أو فكر، ~~ولذلك أيضا إنما يصح من الرؤيا فى أكثر الأمر ما كان فى وقت ~~السحر لأن الخواطر كلها تكون فى هذا الوقت ساكنة وحركات ~~الأشباح تكون قد هدأت، وإذا كانت القوة المتخيلة فى النوم ~~فى مثل هذا الوقت غير مشغولة بالبدن ولا مقطوعة عن الحافظة ~~والمصورة بل متمكنة منهما فبالحرى أن تحسن خدمتها للنفس فى ~~ذلك لأنها تحتاج لا محالة فيما يرد عليها من ذلك أن ترتسم صورته فى ~~هذه القوى ارتساما صالحا إما هى أنفسها وإما محاكياتها، ويجب ~~أن يعلم أن أصح الناس أحلاما أعدلهم أمزجة، فإن اليابس المزاج ~~وإن كان يحفظ جيدا فإنه لا يقبل جيدا، والرطب المزاج وإن كان ~~يقبل سريعا فإنه يترك سريعا فيكون كأنه لم يقبل، ولا يحفظ جيدا PageV01P180 ~~والحار المزاج متشوش الحركات، والبارد المزاج بليد، وأصحهم من ~~اعتاد الصدق، فإن عادة الكذب والأفكار الفاسدة تجعل الخيال ~~ردىء الحركات غير مطاوع لتسديد النطق، بل يكون حاله حال ~~خيال من فسد مزاجه إلى تشويش، # وإذا كان هذا ما يتعلق بالنوم واليقظة فيجب أن ندل هاهنا ~~باختصار على أمر النوم واليقظة، فنقول إن اليقظة حالة تكون ~~النفس فيها مستعملة للحواس أو للقوى المحركة من ظاهر بالإرادة ~~التى لا ضرورة إليها، فيكون النوم عدم هذه الحالة، فتكون النفس ~~فيه قد أعرضت عن الجهة الخارجة إلى الجهة الداخلة، وإعراضها ~~لا يخلوا من أحد وجوه، إما أن يكون لكلال عرض لها من هذه ~~الجهة، وإما أن يكون لمهم عرض لها فى تلك الجهة، وإما ~~أن يكون لعصيان الآلات إياها، والذى يكون من الكلال هو أن ~~يكون الشىء الذى يسمى روحا - وتعرفه فى موضعه - قد تحلل ~~وضعف فلا يقدر على الانبساط فيغور، وتتبعه القوى النفسانية، ~~وهذا الكلال قد يعرض من الحركات البدنية، وقد ms122 يعرض من الأفكار، ~~وقد يعرض من الخوف، فإن الخوف قد يعرض منه النوم بل الموت، ~~وربما كانت الأفكار تنوم لا من هذه الجهة بل بأن تسخن الدماغ ~~فتجذب الرطوبات إليه ويمتلى الدماغ فينوم بالترطيب، والذى لمهم ~~فى الباطن هو أن يكون الغذاء والرطوبات قد اجتمعت من داخل ~~فتحتاج إلى أن يقصدها الروح بجميع الحار الغريزى لتفى بهضمها ~~التام فيتعطل الخارج، والذى يكون من جهة الآلات فأن تكون PageV01P181 ~~الأعصاب قد امتلأت وانسدت من أبخرة وأغذية تنفذ فيها إلى أن ~~تنهضم أو الروح ثقلت عن الحركة لشدة الترطب، وتكون اليقظة ~~لأسباب مقابلة لهذه، من ذلك أسباب تجفف مثل الحرارة واليبوسة، ~~ومن ذلك حمام وراحة حصلت، ومن ذلك فراغ من الهضم فتعود ~~الروح منتشرة، ومن ذلك حالة رديئة تشغل النفس عن الغؤور بل ~~تستدعيها إلى خارج كغضب أو خوف لأمر قريب أو مقاساة لمادة ~~مؤلمة، وهذا قد دخل فيما نحن فيه بسبيل العرض وإن كان من ~~حق النوم واليقظة أن يتكلم فيه فى عوارض ذى الحس، ### | فصل 3 (فى أفعال القوة المتذكرة والوهمية وفى أن أفعال هذه القوى كلها بآلات جسمانية) # كما قد استقصينا القول فى حال المتخيلة والمصورة فيجب أن ~~نتكلم فى حال المتذكرة وما بينها وبين المفكرة وفى حال الوهم، ~~فنقول إن الوهم هو الحاكم الأكبر فى الحيوان، ويحكم على ~~سبيل انبعاث تخيلى من غير أن يكون ذلك محققا، وهذا مثل ~~ما يعرض للإنسان من استقذار العسل لمشايهته المرارة، فإن ~~الوهم يحكم بأنه فى حكم ذلك، وتتبع النفس ذلك الوهم وإن PageV01P182 ~~كان العقل يكذبه، والحيوانات وأشباهها من الناس إنما يتبعون ~~فى أفعالهم هذا الحكم من الوهم الذى لا تفصيل منطقيا له، بل ~~هو على سبيل انبعاث ما فقط وإن كان الإنسان قد يعرض لحواسه ~~وقواه بسبب مجاورة النطق ما يكاد أن يصير قواه الباطنة نطقية ~~مخالفة للبهائم، فلذلك يصيب من فوائد الأصوات المؤلفة والألوان ~~المؤلفة والروائح والطعوم المؤلفة ومن الرجاء والتمنى أمورا لا ~~على هذه القوى، وهذا التخيل أيضا الذى للإنسان ms123 قد صار موضوعا ~~على هذه القوى، وهذا التخيل أيضا الذى للإنسان قد صار موضوعا ~~للنطق بعد ما إنه موضوع للوهم فى الحيوانات حتى أنه ينتفع به ~~فى العلوم، وصار ذكره أيضا نافعا فى العلوم كالتجارب التى تحصل ~~بالذكر والأرصاد الجزئية وغير ذلك، # ولنرجع إلى حديث الوهم فنقول إن من الواجب أن يبحث ~~الباحث ويتأمل أن الوهم الذى لم يصحبه العقل حال توهمه ~~كيف ينال المعانى التى هى فى المحسوسات عندما ينال الحس ~~صورتها من غير أن يكون شىء من تلك المعانى يحس ومن غير أن ~~يكون كثير منها مما ينفع ويضر فى تلك الحال، فنقول إن ذلك ~~للوهم من وجوه، من ذلك الإلهامات الفائضة على الكل من الرحمة ~~الإلهية مثل حال الطفل ساعة يولد فى تعلقه بالثدى، ومثل حال PageV01P183 ~~الطفل إذا أقل وأقيم فكاد يسقط من مبادرته إلى أن يتعلق ~~بمستمسك لغريزة فى النفس جعلها فيه الإلهام الإلهى، وإذا ~~تعرض لحدقته بالقذى بادر فأطبق جفنه قبل فهم ما يعرض له ~~وما ينبغى أن يفعل بحسبه كأنه غريزة لنفسه لا اختيار معه، ~~وكذلك للحيوانات إلهامات غريزية، والسبب فى ذلك مناسبات ~~موجودة بين هذه الأنفس ومباديها هى دائمة لا تنقطع غير المناسبات ~~التى يتفق أن تكون مرة وأن لا تكون كاستكمال العقل وكخاطر ~~الصواب، فإن الأمور كلها من هناك، وهذه الإلهامات يقف بها الوهم ~~على المعانى المخالطة للمحسوسات فيما يضر وينفع، فيكون الذئب ~~تحذره كل شاة وإن لم تره قط ولا أصابتها منه نكبة، ويحذر الأسد ~~حيوانات كثيرة، وجوارح الطير يحذرها سائر الطير، ويشنع عليها ~~الطير الضعاف من غير تجربة، # فهذا قسم وقسم آخر يكون لشىء كالتجربة، وذلك أن الحيوان ~~إذا أصابه ألم أو لذة أو وصل إليه نافع حسى أو ضار حسى مقارنا ~~لصورة حسية فارتسم فى المصورة صورة الشىء وصورة ما يقارنه ~~وارتسم فى الذكر معنى النسبة بينهما والحكم فيها، فإن الذكر ~~لذاته ولجبلته ينال ذلك، فإذا لاح للمتخيلة تلك الصورة من ~~خارج تحركت فى المصورة وتحرك معها ما قارنها ms124 من المعانى ~~النافعة أو الضارة وبالجملة المعنى الذى فى الذكر على سبيل PageV01P184 ~~الانتقال والاستعراض الذى فى طبيعة القوة المتخيلة، فأحس الوهم ~~بجميع ذلك معا، فرأى المعنى مع تلك الصورة، وهذا هو على ~~سبيل يقارب التجربة، ولهذا تخاف الكلاب المدر والخشب وغيرها، ~~تقارن معنى وهميا فى بعض المحسوسات وليس تقارن ذلك دائما وفى ~~تقارن معنى وهميا فى بعض المحسوسات وليس تقارن ذلك دائما وفى ~~جميعها، فيلتفت مع وجود تلك الصورة إلى معناها، وقد يخلف، # فالوهم حاكم فى الحيوان يحتاج فى أفعاله إلى طاعة هذه القوى ~~له، وأكثر ما يحتاج إليه هو الذكر والحس، وأما المصورة فيحتاج ~~إليها بسبب الذكر والتذكر، والذكر قد يوجد فى سائر الحيوانات، ~~وأما التذكر وهو الاحتيال لاستعادة ما اندرس فلا يوجد على ما أظن ~~إلا فى الإنسان، وذلك لأن الاستدلال على أن شيئا كان ففات ~~إنما يكون للقوة النطقية، وإن كان لغير النطقية فعسى أن يكون ~~للوهم المزين بالنطق، فسائر الحيوانات إن ذكرت ذكرت، وإن لم ~~نذكر لم تشتق إلى التذكر، ولم يخطر لها ذلك بالبال، بل إن ~~هذا الشوق والطلب هو للإنسان، والتذكر هو مضاف إلى أمر كان ~~موجودا فى النفس فى الزمان الماضى، ويشاكل التعلم من جهة ويخالفه ~~من جهة، أما مشاكلته للتعلم فلأن التذكر انتقال من أمور تدرك ~~لها أيضا الصورة المحسوسة النافعة والضارة والمعنى الذى فى الذكر PageV01P185 ~~ظاهرا أو باطنا إلى أمر غيرها، وكذلك التعلم، فإنه أيضا انتقال من ~~معلوم إلى مجهول ليعلم، لكن التذكر هو طلب أن يحصل فى ~~المستقبل مثل ما كان حاصلا فى الماضى، والتعلم ليس إلا أن ~~يحصل فى المستقبل شىء آخر، وأيضا فإن التذكر ليس يصار إلى ~~الغرض فيه من أشياء توجب حصول الغرض ضرورة، بل على سبيل ~~علامات إذا حصل أقربها من الغرض انتقل النفس إلى الغرض فى مثل ~~تلك الحال، ولو كانت الحال غير ذلك لم يجب - وإن أخطر صورة ~~الأقرب أو معناه - أن تنتقل، كمن يخطر بباله كتاب بعينه فتذكر ~~منه معلمه الذى قرأ عليه ms125 ذلك الكتاب، وليس يجب من إخطار ~~صورة ذلك الكتاب بالبال وإخطار معناه أن يخطر ذلك المعلم بالبال ~~لكل إنسان، وأما العلم فإن السبيل الموصلة إليه ضرورية النقل ~~إليه، وهو القياس والحد، # ومن الناس من يكون التعلم أسهل عليه من التذكر لأنه ~~يكون مطبوعا على ضروريات النقل، ومن الناس من يكون بالعكس، ~~ومن الناس من يكون شديد الذكر ضعيف التذكر، وذلك لأنه ~~يكون يابس المزاج فيحفظ ما يأخذه، ولا يكون حرك النفس ~~مطاوع المادة لأفعال التخيل واستعراضاته، ومن الناس من يكون ~~بالعكس، وأسرع الناس تذكرا أفطنهم للإشارات، فإن الإشارات ~~تفعل نقلا عن المحسوسات إلى معان غيرها، فمن كان فطنا فى ~~الإشارات كان سريع التذكر، ومن الناس من يكون قوى الفهم ~~ولكن يكون ضعيف الذكر، ويكاد أن يكون الأمر فى الفهم والذكر ~~بالتضاد، فإن الفهم يحتاج إلى عنصر للصور الباطنة شديد الانطباع PageV01P186 ~~وإنما تعين عليه الرطوبة، وأما الذكر فيحتاج إلى مادة يعسر ~~انفساخ ما يتصور فيها ويتمثل، وذلك يحتاج إلى مادة يابسة، ~~فلذلك يصعب اجتماع الأمرين، فأكثر من يكون حافظا هو الذى ~~لا تكثر حركاته ولا تتفنن هممه، ومن كان كثير الهمم كثير ~~الحركات لم يذكر جيدا، فيحتاج الذكر مع المادة المناسبة إلى أن ~~تكون النفس مقبلة على الصورة وعلى المعنى المستثبتين إقبالا ~~بالحرص غير مأخوذة عنهما بأشغال أخرى، ولذلك فإن الصبيان ~~مع رطوبتهم يحفظون جيدا لأن نفوسهم غير مشغولة بما تشتغل ~~به نفوس البالغين، فلا تذهل عما هى مقبلة عليه بغيره، وأما ~~الشبان فلحرارتهم واضطراب حركاتهم مع يبس مزاجهم لا يكون ~~ذكرهم كذكر الصبيان والمترعرعين، والمشائخ أيضا يعرض لهم ~~من الرطوبة الغالبة أن لا يذكروا ما يشاهدون، # وقد يعرض مع التذكر من الغم والغضب والحزن وغير ذلك ما ~~يشاكل حال وقوع الشىء، وذلك أنه لم يكن سبب الغم والغضب ~~والحزن فيما مضى إلا انطباع هذه الصورة فى باطن الحواس، فإذا ~~عادت فعلت ذلك أو قريبا منه، والأمانى والرجاء أيضا تفعل ذلك، ~~والرجاء غير الأمنية، فإن الرجاء تخيل أمر ما مع حكم ms126 أو ظن بأنه ~~فى الأكثر كائن، والأمنية تخيل أمر وشهوته والحكم بالتذاذ ~~يكون إن كان، والخوف يقابل الرجاء على سبيل التضاد واليأس ~~عدمه، وهذه كلها أحكام للوهم، PageV01P187 # فلنقتصر الآن على ما قلناه من أمر القوى المدركة الحيوانية ولنبين ~~أنها كلها تفعل أفعالها بآلات، فنقول أما المدرك من القوى للصور ~~الجزئية الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتفريد عن المادة ولا ~~مجردة أصلا عن علائق المادة كما تدرك الحواس الظاهرة فالأمر ~~الموجود إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم، وليس يكون حاضرا ~~الصور إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة، والجسم الحاضر ~~الموجود إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم، وليس يكون حاضرا ~~مرة وغائبا أخرى عندما ليس بجسم، فإنه لا نسبة له إلى قوة مفردة ~~من جهة الحضور والغيبة، فإن الشىء الذى ليس فى مكان لا يكون ~~للشىء المكانى إليه نسبة فى الحضور عنده والغيبة عنه، بل الحضور ~~لا يقع إلا على وضع ويبعد للحاضر عند المحضور، وهذا لا يمكن ~~إذا كان الحاضر جسما إلا أن يكون المحضور جسما أو فى جسم، وأما ~~المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة وعدم تجريد البتة ~~من العلائق المادية كالخيال فيحتاج أيضا إلى آلة جسمانية، فإن ~~الخيال لا يمكنه أن يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه فى ~~جسم ارتساما مشتركا بينه وبين الجسم، فإن الصورة المرتسمة ~~فى الخيال من صورة شخص زيد على شكله وتخطيطه ووضع أعضائه ~~بعضها عند بعض التى تتميز فى الخيال كالمنظور إليها لا يمكن PageV01P188 ~~أن تتخيل على ما هى عليه إلا أن تلك الأجزاء والجهات من ~~أعضائه يجب أن ترتسم فى جسم وتختلف جهات تلك الصورة فى ~~جهات ذلك الجسم وأجزاءها فى أجزاءه، # ولننقل صورة زيد إلى صورة مربع اب ج د المحدود المقدار ~~والجهة والكيفية واختلاف الزوايا ~~بالعدد، وليكن متصلا بزاويتى .ا ب. ~~منه مربعان كل واحد منهما مثل ~~الآخر، ولكل واحد جهة معينة ~~ولكنهما متشابها الصورة، وترتسم ~~من الجملة صورة شكل مجنح ~~جزئى واحد بالعدد مقرر فى ms127 ~~الخيال، فنقول إن مربع .ا ه ر و. وقع غيرا بالعدد لمربع .ب ح ط ى. ~~ووقع فى الخيال بجانب اليمين منه ومتميزا عنه بالوضع المتخيل ~~المشار إليه فى الخيال، فلا يخلوا إما أن يكون لصورة المربعية ~~لذاتها أو لعارض خاص له فى المربعية غير صورة المربعية أو يكون ~~للمادة التى هى تنطبع فيها، # ولا يجوز أن تكون مغايرته له من جهة صورة المربعية، وذلك ~~لأنا فرضناهما متشاكلين متشابهين متساويين، ولا يجوز أن يكون ~~ذلك لعارض يخصه، أما أولا فإنا لا نحتاج فى تخيله يمينا ~~إلى إيقاع عارض فيه ليس فى ذلك غير جهات المادة، وأما ثانيا فإن PageV01P189 ~~ذلك العارض إما أن يكون شيئا فيه نفسه لذاته أو يكون شيئا له ~~بالقياس إلى ما هو شكله فى الموجودات حتى يكون كأنه شكل منزوع ~~عن موجود هو لهذا الخيال، أو يكون شيئا له بالقياس إلى المادة ~~الحاملة، ولا يجوز أن يكون شيئا له فى نفسه من العوارض التى ~~تخصه لأنه إما أن يكون لازما أو زائلا، ولا يجوز أن يكون لازما ~~له بالذات إلا وهو لازم لمشاركه فى النوع، فإن المربعين وضعا ~~متساويين فى النوع، فلا يكون لهذا عارض لازم ليس لذلك، وأيضا ~~فإنه لا يجوز إن كان هو فى قوة غير متجزئة تجزؤ القوى الجسمانية ~~أن يعرض له شىء دون الآخر الذى هو مثله ومحلهما واحد غير ~~متجزىء وهو القوة القابلة، ولا يجوز أن يكون زائلا لأنه يجب ~~إذا زال ذلك الأمر أن تتغير صورته فى الخيال، فيكون الخيال إنما ~~يتخيله كما هو لأنه يقرن به ذلك الأمر فإذا أزاله تغير، والخيال ~~إنما يتخيله هكذا لا بسبب شىء يقرنه به، بل يتخيله كذلك كيف ~~كان، ولا إلى الخيال أن يلحق بالآخر هذا العارض فيجعله كالأول، ~~بل ما دام موجودا فيه يكون كذلك ويعتبره الخيال كذلك من غير ~~التفات إلى أمر آخر يقرنه به، # ولهذا لا يجوز أن يقال إن فرض الفارض جعله بهذه الحال كما ~~يجوز أن يقال فى مثله ms128 فى المعقول، وذلك أن الكلام يبقى بحاله PageV01P190 ~~فيقال: ما الذى فعله الفارض حتى خصصه بهذه الحال متميزا عن ~~الثانى؟ وأما فى الكلى فهناك أمر يقرنه به العقل، وهو حد التيامن ~~أو حد التياسر، فإذا قرن بمربع حد التيامن صار بعد ذلك متيامنا، ~~والحد إنما يكون لأمر معقول كلى وفى مثله يصح لأنه أمر فرضى ~~يتبع الفرض فى التصور، وأما هذا الجزئى الذى ليس يكون بالفرض ~~بل إنما تتصور فى الخيال صورة عن محسوس من غير اختلاف ~~فتثبت منظورا إليها متخيلة بعينها فليس يمكن أن يوجد لها هذا الحد ~~دون صاحبتها إلا لأمر به تستحق زيادة هذا الحد دون صاحبتها، ~~ولا الخيال يفرضها كذلك بشرط يقرنه بها بل يتخيلها كذلك دفعة ~~على أنها فى نفسها كذلك لا بفرضها، فيتخيل هذا المربع يمينا وذلك ~~يسارا لا بسبب شرط يقرن بذلك وبهذا وبعد لحوقه يفرض ذلك ~~يمينا وهذا يسارا، وأما فى صقع العقل فإن حد التيامن وحد التياسر ~~يلحق المربع - وهو مربع لم يعرض له شىء آخر - لحوق الكلى ~~بالكلى، فإنه يجوز أن يثبت فى العقل كلى من غير إلحاق شىء ~~به، ويكون معدا لأن يلحق به ما يلحق، وأما الخيال فما لم ~~يتشخص المعنى فيه بما يتشخص به لم يتمثل للخيال، فلذلك PageV01P191 ~~يجوز أن يكون فى سلطان العقل أن يقرن معنى بمعنى على سبيل ~~الفرض، وأما الخيال فما لا يقع للمتمثل فيه أولا وضع محدود جزئى ~~لم يرتسم فى الخيال ولا كان شيئا يجرى عليه فرض، # فقد بطل أن يكون هذا التميز بسبب عارض فى ذاته لازم أو ~~غير لازم فى ذاته أو مفروض، فنقول ولا يجوز أن يكون ذلك بالقياس ~~إلى الشىء الموجود الذى هو خياله، وذلك لأنه كثيرا ما يتخيل ~~ما ليس بموجود، وأيضا فإن وقع لأحد المربعين نسبة إلى جسم ~~وللمربع الآخر نسبة أخرى فليس يجوزأن تقع ومحلهما غير منقسم، ~~فإنه ليس أحد المربعين الخياليين أولى بأن ينسب إلى أحد المربعين ~~الخارجين من الآخر، إلا أن يكون قد وقع ms129 هذا فى نسبة من الجسم ~~الموضوع له الحامل إياه إلى أحد الخارجين لا يقع الآخر فيها، ~~فيكون إذا محل هذا غير محل ذلك، وتكون القوة منقسمة، ولا ~~تنقسم بذاتها بل بانقسام ما هى فيه، فتكون جسمانية وتكون ~~الصورة مرتسمة فى جسم، فليس يصح أن يفترق المربعان فى الخيال ~~لافتراق المربعين الموجودين وبالقياس إليهما، فبقى أن يكون ذلك ~~إما بسبب افتراق الجزئين فى القوة القابلة أو الجزئين من الآلة ~~التى بها تفعل القوة، وكيف كان فإن الحاصل من هذا القبيل ~~أن الإدراك إنما يتم بقوة متعلقة بمادة جسمانية، فقد اتضح أن ~~الإدراك الخيالى هو أيضا إنما يتم بجسم، PageV01P192 # ومما يبين ذلك أن نتخيل الصورة الخيالية كصورة الناس مثلا ~~أصغر أو أكبر كأنا ننظر إليهما، ولا محالة أنها ترتسم وهى أكبر ~~وترتسم وهى أصغر فى شىء لا فى مثل ذلك الشىء بعينه، لأنها ~~إذا ارتسمت فى مثل ذلك الشىء فالتفاوت فى الصغر والكبر إما أن ~~يكون بالقياس إلى المأخوذ عنه الصورة وإما بالقياس إلى الآخذ ~~وإما لنفس الصورتين، وليس يجوز أن يكون بالقياس إلى المأخوذ ~~عنه الصورة، فكثير من الصور الخيالية غير مأخوذة عن شىء ~~البتة، وربما كان الصغير والكبير صورة شخص واحد، ولا يجوز أن ~~يكون بسبب الصورتين فى أنفسهما، فإنهما لما اتفقتا فى الحد ~~والماهية واختلفتا فى الصغر والكبر فليس ذلك لنفسيهما، فإذن ذلك ~~بالقياس إلى الشىء القابل ولأن الصورة تارة ترتسم فى جزء منه ~~أكبر وتارة فى جزء منه أصغر، # وأيضا فإنه ليس يمكننا أن نتخيل السواد والبياض فى شبح خيالى ~~واحد ساريين فيه معا، ويمكننا ذلك فى جزئين منه يلحظهما الخيال ~~مفترقين، ولو كان الجزآن لا يتميزان فى الوضع بل كان كلا الخيالين ~~يرتسمان فى شىء غير منقسم لكان لا يفترق الأمر بين المتعذر منهما ~~والممكن، فإذن الجزآن متميزان فى الوضع، والخيال يتخيلهما متميزين ~~فى جزئين، فإن قال قائل وكذلك العقل فنجيبه ونقول إن العقل ~~يعقل السواد والبياض معا فى زمان واحد من حيث التصور، وأما ~~من حيث ms130 التصديق فيمتنع أن يكون موضوعهما واحدا، وأما الخيال ~~فلا يتخيلهما معا لا على قياس التصورولا على قياس التصديق، على أن ~~فعل الخيال إنما هو على قياس التصور لا غير ولا فعل له فى غيره، PageV01P193 ~~ولما علمت هذا فى الخيال فقد علمت فى الوهم الذى ما يدركه ~~إنما يدركه متعلقا بصورة جزئية خيالية على ما أوضحنا، ### | فصل 4 (فى أحوال القوى المحركة وضرب من النبوة المتعلقة بها) # وإذ قلنا فى القوى المدركة من قوى النفس الحيوانية فخليق بنا ~~أن نتكلم فى القوى المحركة منها، فنقول إن الحيوان ما لم ~~يشتق اشتياقا إلى شىء شعر باشتياقه أو تخيله أو لم يشعر به لم ~~ينبعث إلى طلبه بالحركة، وليس ذلك الشوق هو لشىء من القوى ~~المدركة، فليس لتلك القوى إلا الحكم والإدراك، وليس يجب إذا ~~حكم أو أدرك بحس أو وهم أن يشتاق ذلك الشىء، فإن الناس ~~يتفقون فى إدراك ما يحسون ويتخيلون من حيث يحسون ويتخيلون ~~لكن يختلفون فيما يشتاقون إليه مما يحسون ويتخيلون، والإنسان ~~الواحد قد يختلف فى ذلك حاله، فإنه يتخيل الطعام فيشتاقه فى ~~وقت الجوع ولا يشتاقه فى وقت الشبع، وأيضا فإن الحسن الأخلاق ~~إذا تخيل اللذات المستكرهة لم يشتقها والآخر يشتاقها، وليس ~~هذان الحالان للإنسان وحده بل وللحيوانات كلها، PageV01P194 # والشوق قد يختلف، فمنه ما يكون ضعيفا بعد ومنه ما يشتد ~~حتى يوجب الإجماع، والإجماع ليس هو الشوق، فقد يشتد ~~الشوق إلى الشىء ولا يجمع على الحركة البتة كما أن التخيل ~~يقوى فلا يشتاق إلى ما يتخيل، فإذا صح الإجماع أطاعت القوى ~~المحركة التى ليس لها إلا تشنج العضل وإرسالها، وليس هذا ~~نفس الشوق ولا الإجماع، فإن الممنوع من الحركة لا يكون ~~ممنوعا من شدة الشوق ومن الإجماع لكنه لا يجد طاعة من ~~القوى الأخرى التى لها أن تحرك فقط، وهى التى فى العضل ~~وهذه القوة الشوقية من شعبها القوة الغضبية والقوة الشهوانية، فالتى ~~تنبعث مشتاقة إلى اللذيذ والمتخيل نافعا لتجلبه هى الشهوانية، ~~والتى تنبعث مشتاقة إلى الغلبة وإلى ms131 المتخيل منافيا لتدفعه فهى ~~الغضبية، وقد نجد فى الحيوانات انبعاثات لا إلى شهواتها بل مثل ~~نزاع التى ولدت إلى ولدها والذى ألف إلى إلفه، وكذلك اشتياقها ~~إلى الانفلات من الأقفاص والقيود، فهذا وإن لم يكن شهوة للقوة ~~الشهوانية فإنه اشتياق ما إلى شهوة للقوة الخيالية، فإن القوة ~~المدركة تخصها فيما تدرك وفيما تنقلب فيه من الأمور التى تتجدد ~~بالمشاهدة أو من الصور مثلا لذة تخصها، فإذا تألمت بفقدانها ~~اشتاقت إليها طبعا، فأجمعت القوة الإجماعية على أن تحرك إليها ~~الآلات كما تجمع لأجل الشهوة والغضب ولأجل الجميل من ~~المعقولات أيضا، فيكون للشهوة اشتداد الشوق إلى اللذيذ وللقوة ~~النزوعية الإجماع، وللغضب اشتداد الشوق إلى الغلبة وللقوة ~~النزوعية الإجماع، وكذلك للتخيل أيضا ما يخصه وللقوة النزوعية ~~الإجماع، PageV01P195 # والخوف والغم والحزن من عوارض القوة الغضبية بمشاركة من ~~القوى الدراكة، فإنها إذا انخزلت اتباعا لتصور عقلى أو خيالى ~~كان خوف، وإن لم تخف قويت ويعرض لها الغم من الذى ~~يوجب الغضب إذا كان غير مقدور على دفعه أو كان مخوفا ~~وقوعه، والفرح الذى من باب الغلبة فإنه غاية لهذه القوة ~~أيضا، والحرص والنهم والشبق وما أشبه ذلك فهى للقوة البهيمية ~~الشهوانية، والاستيناس والسرور من عوارض القوى الدراكة، وأما ~~القوى الإنسانية فيعرض لها أحوال تخصها سنتكلم فيها بعد، والقوة ~~الإجماعية تبع للقوى المذكورة فإنها إذا اشتد نزاعها أجمعت، ~~وهى كلها تتبع أيضا القوى الوهمية، وذلك أنه لا يكون شوق ~~البتة إلا بعد توهم المشتاق إليه، وقد يكون وهم ولا يكون ~~شوق، لكنه قد يتفق أحيانا لآلام بدنية تتحرك الطبيعة إلى ~~دفعها أن توجب تلك الحركة انبعاث التوهم فتكون تلك القوى ~~سمائقة للتوهم إلى مقتضاها كما أن التوهم فى أكثر الأمر ~~يسوق القوى إلى المتوهم، فالوهم له السلطان فى حيز القوى ~~المدركة فى الحيوانات والشهوة والغضب لهما السلطان فى حيز PageV01P196 ~~القوى المحركة، وتتبعهما القوة الإجماعية، ثم القوة المحركة ~~التى فى العضل، # فنقول الآن إن هذه الأفعال والأعراض هى من العوارض التى ~~تعرض للنفس وهى فى البدن، ولا ms132 تعرض بغير مشاركة البدن، ~~ولذلك فإنها تستحيل معها أمزجة الأبدان وتحدث هى أيضا مع ~~حدوث أمزجة الأبدان، فإن بعض الأمزجة يتبعه الاستعداد للغضب ~~وبعض الأمزجة يتبعه الاستعداد للشهوة وبعض الأمزجة يتبعه ~~الجبن والخوف، ومن الناس من تكون سجيته سجية مغضب فيكون ~~سريع الغضب، ومن الناس من يكون كأنه مذعور مرعوب فيكون ~~جبانا مسرعا إليه الرعب، فهذه الأحوال لا تكون إلا بمشاركة ~~البدن، والأحوال التى للنفس بمشاركة البدن على أقسام، منها ~~ما يكون للبدن أولا ولكن لأجل أنه ذو نفس، ومنها ما يكون للنفس ~~أولا ولكن لأجل أنها فى بدن، ومنها ما يكون بينهما بالسوية، ~~فالنوم واليقظة والصحة والمرض أحوال هى للبدن ومباديها منه، ~~فهى له أولا، ولكن إنما هى للبدن بسبب أن له نفسا، وأما ~~التخيل والشهوة والغضب وما يجرى هذا المجرى فإنه للنفس ~~من جهة ما هى ذات بدن وللبدن من جهة أنها لنفس البدن أولا ~~وإن كان من جهة ما النفس ذو بدن - لست أقول من قبل ~~البدن، وكذلك الغم والهم والحزن والذكر وما أشبه ذلك، ~~فإن هذه ليس فيها ما هو عارض للبدن من حيث هو بدن، ولكن PageV01P197 ~~هذه أحوال شىء مقارن للبدن لا تكون إلا عند مقارنة البدن، فهى ~~للبدن من قبل النفس إذ هى للنفس أولا وإن كانت للنفس من قبل ~~ما هو ذو بدن - لست أقول من قبل البدن، وأما الألم من ~~الضرب ومن تغير المزاج فإن العارض فيه موجود فى البدن لأن ~~تفرق الاتصال والمزاج من أحوال البدن من جهة ما هو بدن ~~وأيضا موجود فى الحس الذى يحسه من جهة ما يحسه ولكنه ~~بسبب البدن، ويشبه أن يكون الجوع والشهوة من هذا القبيل، ~~والخوف والغضب والغم فإن الانفعال الذى تعرض به يعرض أولا ~~للنفس، وليس الغضب أو الغم من حيث هو غضب أو غم انفعالا ~~من الانفعالات المؤلمة للبدن وإن كان يتبعه انفعال بدنى مؤلم للبدن ~~مثل اشتعال حرارة أو خمودها وغير ذلك، فإن ذلك ليس نفس ~~الغضب والغم بل أمرا يتبع ms133 الغضب والغم، ونحن لا نمنع أن ~~يكون أمر الأخلق به أن يكون للنفس من حيث هو فى بدن ثم ~~يتبعه فى البدن انفعالات خاصة بالبدن، فإن التخيل أيضا من حيث ~~كونه إدراكا ليس من الانفعالات التى تكون للبدن بالقصد الأول، ~~ثم قد يعرض من التخيل أن ينتشر بعض الأعضاء، وليس ذلك بسبب ~~طبيعى أوجب أن مزاجا قد استحال وحرارة قويت وبخارا تكون ونفذ ~~فى العضو حتى نشره، بل لما حصلت صورة فى وهم أوجبت الاستحالة ~~فى مزاج وحرارة ورطوبة وريحا، ولولا تلك الصورة لم يكن فى ~~الطبيعة ما يحركها، PageV01P198 # ونحن نقول بالجملة إن من شأن النفس أن يحدث منه فى ~~العنصر البدنى استحالة مزاج تحدث من غير فعل وانفعال جسمانى، ~~فتحدث حرارة لا عن حار وبرودة لا عن بارد، بل إذا تخيلت ~~النفس خيالا وقوى فى النفس لم يلبث أن يقبل العنصر البدنى ~~صورة مناسبة لذلك أو كيفية، وذلك لأن النفس من جوهر بعض ~~المبادى التى هى تلبس المواد ما فيها من الصور المقومة لها إذ ~~هى أقرب مناسبة لذلك الجوهر من غيره، وذلك إذا استتم استعدادها ~~لها، وأكثر استعداداتها إنما تكون بسبب استحالات فى الكيف كما ~~قلنا فيما سلف، وإنما تستحيل فى الأكثر عن أضداد تحيلها، فإذا ~~كانت هذه المبادى قد تكسوا العنصر صورة مقومة لنوع طبيعى لنسبة ~~ما تتقرر بينهما فلا يبعد أيضا أن تكسوها الكيفيات من غير ~~حاجة إلى أن يكون هناك مماسة وفعل وانفعال جسمانى يصدر عن ~~مضادة، بل الصورة التى فى النفس هى مبدأ لما يحدث فى ~~العنصر، كما أن الصورة الصحية التى فى نفس الطبيب مبدأ لما ~~يحدث من البرء وكذلك صورة السرير فى ذات النجار، لكنه من ~~المبادى التى لا تنساق إلى إصدار ما هى موجبة له إلا بآلات ~~ووسائط، وإنما تحتاج إلى هذه الآلات لعجز وضعف، وتأمل حال ~~المريض الذى توهم أنه قد صح والصحيح الذى توهم أنه مرض، ~~فإنه كثيرا ما يعرض من ذلك أن يكون إذا تأكدت الصورة فى ~~نفسه ms134 وفى وهمه انفعل منها عنصره فكانت الصحة أو المرض، ويكون PageV01P199 ~~ذلك أبلغ مما يفعله الطبيب بآلات ووسائط، ولهذا السبب ما يمكن ~~الإنسان مثلا أن يعدو على جذع ملقى فى القارعة من الطريق، وإن ~~كان موضوعا كالجسر وتحته هاوية لم يجسر أن يمشى عليه دبيبا ~~إلا بالهوينا لأنه يتخيل فى نفسه صورة السقوط تخيلا قويا جدا ~~فتجيب إلى ذلك طبيعته وقوة أعضائه ولا تجيب إلى ضده من الثبات ~~والاستمرار، فالصور إذا استحكم وجودها فى النفس وعتقاد أنها ~~يجب أن توجد فقد يعرض كثيرا أن تنفعل عنها المادة التى من ~~شأنها أن تنفعل عنها وتكون، فإن كان ذلك فى النفس الكلية التى ~~للسماء والعالم جاز أن يكون مؤثرا فى طبيعة الكل، وإن كان فى ~~نفس جزئية جاز أن يؤثر فى الطبيعة الجزئية، # وكثيرا ما تؤثر النفس فى بدن آخر كما تؤثر فى بدن نفسها تأثير ~~العين العاينة والوهم العامل، بل النفس إذا كانت قوية شريفة ~~شبيهة بالمبادى أطاعها العنصر الذى فى العالم وانفعل عنها ووجد ~~فى العنصر ما يتصور فيها، وذلك لأن النفس الإنسانية سنبين أنها ~~غير منطبعة فى المادة التى لها لكنها متصرفة الهمة إليها، فإن كان ~~هذا الضرب من التعلق يجعل لها أن تحيل العنصر البدنى عن ~~مقتضى طبيعته فلا بدع أن تكون النفس الشريفة القوية جدا تجاوز ~~بتأثيرها ما يختص بها من الأبدان إذا لم يكن انغماسها فى الميل ~~إلى ذلك البدن شديدا قويا، وكانت مع ذلك عالية فى طبقتها ~~قوية فى ملكتها جدا، فتكون هذه النفس تبرىء المرضى وتمرض ~~الأشرار، ويتبعها أن تهدم طبائع وأن تؤكد طبائع، وأن تستحيل PageV01P200 ~~لها العناصر، فيصير غير النار نارا وغير الأرض أرضا، وتحدث ~~بإرادتها أمطار وخصب كما يحدث خسف ووياء كل بحسب الواجب ~~العقلى، وبالجملة فإنه يجوز أن يتبع إرادته وجود ما يتعلق باستحالة ~~العنصر فى الأضداد، فإن العنصر بطبعه يطيعه ويتكون فيه ما يتمثل ~~فى إرادته إذ العنصر بالجملة طوع للنفس، وطاعته لها أكثر من ~~طاعته للأضداد المؤثرة فيه، وهذه أيضا ms135 من خواص القوى النبوية، ~~وقد كنا ذكرنا خاصية قبل هذه تتعلق بقواها المتخيلة، وتلك خاصية ~~تتعلق بالقوى الحيوانية المدركة، وهذه خاصية تتعلق بالقوى ~~الحيوانية المحركة الإجماعية من نفس النبى العظيم النبوة، # فنقول إنه لما تبين أن جميع القوى الحيوانية لا فعل لها إلا ~~بالبدن، ووجود القوى أن تكون بحيث تفعل، فالقوى الحيوانية إذا ~~إنما تكون بحيث تفعل وهى بدنية، فوجودها أن تكون بدنية، فلا ~~بقاء لها بعد البدن، وقد تكلمنا فى كتبنا الطبية فى سبب استعدادات ~~الأشخاص المختلفة بجبلتها وبحسب اختلاف أحوالها للفرح والغم ~~والغضب والحلم والحقد والسلامة وغير ذلك كلاما لا يوجد ~~للمتقدمين ما يجرى مجراه فى تفصيله وتحصيله، فليقرأ من هناك PageV01P201 ### | المقالة الخامسة ### | فصل 1 (فى خواص الأفعال والانفعالات التى للإنسان وبيان قوى النظر والعمل للنفس الإنسانية) # قد فرغنا من القول فى القوى الحيوانية أيضا فحرى بنا أن نتكلم ~~الآن فى القوى الإنسانية، فنقول إن الإنسان له خواص أفعال تصدر ~~عن نفسه ليست موجودة لسائر الحيوان، وأول ذلك أنه لما كان ~~الإنسان فى وجوده المقصود فيه يجب أن يكون غير مستغن فى ~~بقائه عن المشاركة ولم يكن كسائر الحيوانات التى يقتصر كل ~~واحد منها فى نظام معيشته على نفسه وعلى الموجودات فى الطبيعة ~~له، وأما الإنسان الواحد فلو لم يكن فى الوجود إلا هو وحده ~~وإلا الأمور الموجودة فى الطبيعة لهلك أو لساءت معيشته أشد ~~سوء، وذلك لفضيلته ونقيصة سائر الحيوان على ما ستعلمه فى ~~مواضع أحرى، بل الإنسان محتاج إلى أمور أزيد مما فى الطبيعة ~~مثل الغذاء المعمول واللباس المعمول، والموجود فى الطبيعة من ~~الأغذية ما لم تدبر بالصناعات فإنها لا تلائمه ولا تحسن معها ~~معيشته، والموجود فى الطبيعة من الأشياء التى يمكن أن تلبس ~~أيضا فقد تحتاج أن تجعل بهيئة وصفة حتى يمكنه أن يلبسها، وأما ~~الحيوانات الأخرى فإن لباس كل واحد معه فى الطباع، فلذلك ~~يحتاج الإنسان أول شىء إلى الفلاحة وكذلك إلى صناعات أخرى PageV01P202 ~~لا يتمكن الإنسان الواحد من تحصيل كل ما يحتاج إليه ms136 من ذلك ~~بنفسه بل بالمشاركة، حتى يكون هذا يخبز لذاك وذاك ينسج ~~لهذا وهذا ينقل شيئا من بلاد غريبة إلى ذلك وذلك يعطيه بإزاء ~~ذلك شيئا من قريب، # فلهذه الأسباب ولأسباب أخرى أخفى وآكد من هذه ما احتاج ~~الإنسان أن تكون له فى طبعه قدرة على أن يعلم الآخر الذى هو ~~شريكه ما فى نفسه بعلامة وضعية، وكان أخلق ما يصلح لذلك ~~هو الصوت لأنه ينشعب إلى حروف تتركب منها تراكيب كثيرة ~~من غير مؤونة تلحق البدن، ويكون شيئا لا يثبت ولا يبقى فيؤمن ~~وقوف من لا يحتاج إلى شعوره عليه، وبعد الصوت الإشارة فإنها ~~كذلك إلا أن الصوت أدل من الإشارة لأن الإشارة إنما تهدى من ~~حيث يقع عليها البصر، وذلك يكون من جهة مخصوصة ~~ويحتاج أن يكلف المراد إعلامه أن يحرك حدقته إلى جهة مخصوصة ~~حركات كثيرة يراعى بها الإشارة، وأما الصوت فقد تغنى الاستعانة ~~به عن أن يكون من جهة مخصوصة وتغنى أيضا عن أن يراعى ~~بحركات، ومع ذلك فليس يحتاج فى أن يدرك إلى متوسط كما لا ~~بحتاج اللون إليه لا كحاجة الإشارات، فجعلت الطبيعة للنفس أن ~~تؤلف من الأصوات ما يتوصل به إلى إعلام الغير، وفى الحيوانات ~~الأخرى أيضا أصوات يقف بها غيرها على حال فى نفسها لكن تلك PageV01P203 ~~الأصوات إنما تدل بالطبع وعلى جملة من الموافقة أو المنافرة ~~غير محصلة ولا مفصلة، والذى للإنسان فهو بالوضع، وذلك لأن ~~الأغراض الإنسانية تكاد أن لا تتناهى فما كان يمكن أن تطبع هى ~~على أصوات بلا نهاية، فمما يختص بالإنسان هذه الضرورة الداعية ~~إلى الإعلام والاستعلام لضرورة داعية إلى الأخذ والإعطاء بقدر عدل ~~ولضرورات أخرى، ثم اتخاذ المجامع واستنباط الصنائع، وللحيوانات ~~الأخرى وخصوصا للطير صناعات أيضا فإنها تصنع بيوتا ومساكن لا ~~سيما النحل، لكن ذلك ليس مما يصدر عن استنباط وقياس بل ~~عن إلهام وتسخير، ولذلك ليس مما يختلف ويتنوع، وأكثرها ~~لصلاح أحوالها وللضرورة النوعية ليست للضرورة الشخصية، والذى ~~للإنسان فكثير منه للضرورة الشخصية وكثير لصلاح حال ms137 ~~الشخص بعينه، # ومن خواص الإنسان أنه يتبع إدراكاته للأشياء النادرة انفعال ~~يسمى التعجب ويتبعه الضحك، ويتبع إدراكه للأشياء المؤذية ~~انفعال يسمى الضجر ويتبعه البكاء، ويخصه فى المشاركة أن ~~المصلحة تدعوا إلى أن يكون فى جملة الأفعال التى من شأنه أن ~~يفعلها أفعال لا ينبغى له أن يفعلها، فيعلم ذلك صغيرا وينشأ ~~عليه ويكون قد تعود منذ صباه سماع أن تلك الأفعال ينبغى أن لا ~~يفعلها حتى صار هذا الاعتقاد له كالغريزى، وأفعال أخرى بخلاف ~~ذلك، وتسمى الأولى قبيحة والأخرى جميلة، وليس يكون للحيوانات ~~الأخرى ذلك، فإن كانت الحيوانات الأخرى تترك أفعالا لها أن PageV01P204 ~~تفعلها مثل أن الأسد المعلم لا يأكل صاحبه ولا يأكل ولده فليس ~~سبب ذلك اعتقاد فى النفس ورأى ولكن هيئة أخرى نفسانية ~~وهى أن كل حيوان يؤثر بالطبع وجود ما يلذه ويقاءه وأن الشخص ~~الذى يمونه ويطعمه قد صار لذيذا له لأن كل نافع لذيذ بالطبع ~~عند المنفوع، فيكون المانع عن فرسه ليس اعتقادا بل هيئة ~~وعارضا نفسانيا آخر، وربما وقع هذا العارض فى الجبلة ومن الإلهام ~~الإلهى كحب كل حيوان ولده من غير اعتقاد البتة، بل على نوع ~~تخيل بعض الإنسان لشىء نافع أو لذيذ ونفرته عنه إذا كان فى ~~صورته ما ينفر عنه، والإنسان قد يتبع شعوره بشعور غيره أنه ~~فعل شيئا من الأشياء التى قد أجمع على أنه لا ينبغى أن يفعلها ~~انفعال نفسانى يسمى الخجل، وهذا أيضا من خواص الناس، وقد ~~يعرض للإنسان انفعال نفسانى بسبب ظنه أن أمرا فى المستقبل يكون ~~مما يضره وذلك يسمى الخوف، والحيوانات الأخرى إنما يكون ~~ذلك لها بحسب الآن فى غالب الأمر أومتصلا بالآن، وللإنسان ~~بإزاء الخوف الرجاء، ولا يكون للحيوانات الأخرى إلا متصلا بالآن، ~~ولا يكون فيما يبعد من الآن من الزمان ذلك، والذى تفعله من ~~الاستظهار فليس ذلك لأنها تشعر بالزمان وما يكون فيه، بل ذلك PageV01P205 ~~أيضا ضرب من الإلهام، والذى تفعله النمل من نقل الميرة إلى ~~جحرتها منذرة بمطر يكون فلأنها تخيل أن ذلك ms138 هو ذا يكون ~~فى هذا الوقت كما أن الحيوان يهرب. عن الضد لما يتخيل من ~~أنه هو ذا يريد أن يضربه فى الوقت، ويتصل بهذا الجنس ما ~~للإنسان أن يروى فيه من الأمور المستقبلة أنه هل ينبغى له ~~أن يفعلها أو لا ينبغى، فيفعل ما يصح أن توجب رويته أن ~~لا يفعله وقتا آخر أو فى هذا الوقت بدل ما روى ولا يفعل ما ~~يصح أن توجب رويته أن يفعل وقتا آخر أو فى هذا الوقت بدل ~~ما روى، وسائر الحيوانات إنما يكون لها من الإعدادات للمستقبل ~~ضرب واحد مطبوع فيها وافقت عاقبتها أو لم توافق، # وأخص الخواص بالإنسان تصور المعانى الكلية العقلية المجردة ~~عن المادة كل التجريد على ما حكيناه وبيناه، والتوصل إلى معرقة ~~المجهولات تصديقا وتصورا من المعلومات العقلية، فهذه الأفعال ~~والأحوال المذكورة هى مما يوجد للإنسان، وجلها يختص به ~~الإنسان، وإن كان بعضها بدنيا ولكنه موجود لبدن الإنسان بسبب ~~النفس التى للإنسان التى ليست لسائر الحيوان، بل نقول إن ~~للإنسان تصرفا فى أمور جزئية وتصرفا فى أمور كلية، والأمور ~~الكلية إنما يكون فيها اعتقاد فقط ولو كان أيضا فى عمل، فإن ~~من اعتقد اعتقادا كليا أن البيت كيف ينبغى أن يبنى فإنه لا يصدر ~~عن هذا الاعتقاد وحده فعل بيت مخصوص صدورا أوليا، فإن PageV01P206 ~~الأفعال تتناول أمورا جزئية وتصدر عن آراء جزئية، وذلك لأن ~~الكلى من حيث هو كلى ليس يختص بهذا دون ذلك، ولنؤخر ~~شرح هذا معولين على ما يأتيك فى الصناعة الحكمية فى آخر ~~الفنون، فيكون للإنسان إذن قوة تختص بالآراء الكلية وقوة أخرى ~~تختص بالروية فى الأمور الجزئية فيما ينبغى أن يفعل ويترك مما ~~ينفع ويضر ومما هو جميل وقبيح وخير وشر، ويكون ذلك بضرب ~~من القياس والتأمل صحيح أو سقيم غايته أنه نوقع رأيا فى أمر جزئى ~~مستقبل من الأمور الممكنة لأن الواجبات أو الممتنعات لا يروى ~~فيها لتوجد أو تعدم، وما مضى أيضا لا يروى فى إيجاده على أنه ~~ماض، فإذا حكمت ms139 هذه القوة تبع حكمها حركة القوة الإجماعية ~~إلى تحريك البدن كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى فى الحيوانات، ~~وتكون هذه القوة استمدادها من القوة التى على الكليات، فمن هناك ~~تأخذ المقدمات الكبرى فيما تروى وتنتج فى الجزئيات، فالقوة الأولى ~~للنفس الإنسانية قوة تنسب إلى النظر فيقال عقل نظرى، وهذه ~~الثانية قوة تنسب إلى العمل فيقال عقل عملى، وتلك للصدق ~~والكذب وهذه للخير والشر فى الجزئيات، وتلك للواجب ~~والممكن والممتنع، وهذه للقبيح والجميل والمباح، ومبادى تلك ~~من المقدمات الأولية ومبادى هذه من المشهورات والمقبولات ~~والمظنونات والتجريبات الواهية التى تكون من المظنونات غير ~~التجريبات الوثيقة، ولكل واحدة من هاتين القوتين رأى وظن، فالرأى PageV01P207 ~~هو الاعتقاد المجزوم به، والظن هو الاعتقاد المميل إليه مع تجويز ~~الطرف الثانى، وليس كل من ظن فقد اعتقد كما ليس كل من أحس ~~فقد عقل أو من تخيل فقد ظن أو اعتقد أو رأى، فيكون فى الإنسان ~~حاكم حسى وحاكم من باب التخيل وهمى وحاكم نظرى وحاكم ~~عملى، وتكون المبادى الباعثة لقوته الإجماعية على تحريك الأعضاء ~~وهم خيالى وعقل عملى وشهوة وغضب، وتكون للحيوانات الأخرى ~~ثلثة من هذه، # والعقل العملى يحتاج فى أفعاله كلها إلى البدن وإلى القوى ~~البدنية، وأما العقل النظرى فإن له حاجة ما إلى البدن وإلى قواه ~~لكن لا دائما ومن كل وجه بل قد يستغنى بذاته، وليس ولا ~~واحد منهما هو النفس الإنسانية، بل النفس هو الشىء الذى له ~~هذه القوى، وهو كما تبين جوهر منفرد، وله استعداد نحو ~~أفعال بعضها لا يتم إلا بالآلات ويالإقبال عليها بالكلية، وبعضها ~~يحتاج فيه إلى الآلات حاجة ما، وبعضها لا يحتاج إليها ~~البتة، وهذا كله سنشرحه بعد، فجوهر النفس الإنسانية مستعد لأن ~~يستكمل نوعا من الاستكمال بذاته، ومما هو فوقه لا يحتاج فيه ~~إلى ما دونه، وهذا الاستعداد له هو بالشىء الذى يسمى العقل ~~النظرى، ومستعد لأن يتحرز عن آفات تعرض له من المشاركة كما ~~سنشرحه فى موضعه، وأن يتصرف فى المشاركة تصرفا على الوجه PageV01P208 ~~الذى يليق ms140 به، وهذا الاستعداد له بقوة تسمى العقل العملى، وهى ~~رئيسة القوى التى له إلى جهة البدن، وأما ما دون ذلك فهو قوى ~~تنبعث عنه لاستعداد البدن لقبولها ولمنفعته، والأخلاق تكون ~~للنفس من جهة هذه القوة كما قد أشرنا إليه فيما سلف، ولكل ~~واحدة من القوتين استعداد وكمال، فالاستعداد الصرف من كل ~~واحدة منهما يسمى عقلا هيولانيا سواء أخذ نظريا أو عمليا، ثم ~~بعد ذلك إنما يعرض لكل واحد منهما أن تحصل له المبادى ~~التى بها تكمل أفعاله، أما للعقل النظرى فالمقدمات الأولية ~~وما يجرى معها، وأما للعملى فالمقدمات المشهورة وهيئآت ~~أخرى، فحينئذ يكون كل واحد منهما عقلا بالملكة، ثم يحصل لكل ~~واحد منهما الكمال المكسب، وقد كنا شرحنا هذا من قبل، ~~فيجب أول كل شىء أن نبين أن هذه النفس المستعدة لقبول ~~المعقولات بالعقل الهيولانى ليس بجسم ولا قائم صورة فى جسم، ### | فصل 2 (فى إثبات قوام النفس الناطقة غير منطبعة فى مادة جسمانية) # إن مما لا شك فيه أن الإنسان فيه شىء وجوهر ما يتلقى ~~المعقولات بالقبول، فنقول إن الجوهر الذى هو محل المعقولات PageV01P209 ~~ليس بجسم ولا قائم فى جسم على أنه قوة فيه أو صورة له بوجه، ~~فإنه إن كان محل المعقولات جسما أو مقدارا من المقادير فإما أن ~~تكون الصورة المعقولة تحل منه شيئا وحدانيا غير منقسم أو ~~تكون إنما تحل منه شيئا منقسما، والشىء الذى لا ينقسم من ~~الجسم هو طرف نقطى لا محالة، # ولنمتحن أولا هل يمكن أن يكون محلها طرفا غير منقسم، ~~فنقول إن هذا محال، وذلك لأن النقطة هى نهاية ما لا تميز لها ~~عن الخط فى الوضع أو عن المقدار الذى هو منته إليها تميزا ~~يكون له النقطة شيئا يستقر فيه شىء من غير أن يكون فى شىء ~~من ذلك المقدار، بل كما أن النقطة لا تنفرد بذاتها وإنما هى ~~طرف ذاتى لما هو بالذات مقدار كذلك إنما يجوز أن يقال بوجه ما ~~أنه يحل فيها طرف شىء حال فى المقدار الذى ms141 هى طرفه، فهو ~~متقدر بذلك المقدار بالعرض، وكما أنه يتقدر به بالعرض كذلك ~~يتناهى بالعرض مع النقطة، فتكون نهاية بالعرض مع نهاية بالذات ~~كما يكون امتداد بالعرض مع امتداد بالذات، ولو كانت النقطة ~~منفردة تقبل شيئا من الأشياء لكان يتميز لها ذات، فكانت النقطة ~~إذن ذات جهتين جهة منها تلى الخط الذى تميزت عنه وجهة ~~منها مخالفة له مقابلة، فتكون حينئذ منفصلة عن الخط بقوامها، ~~وللخط المنفصل عنها نهاية لا محالة غيرها تلاقيها، فنكون تلك ~~النقطة نهاية الخط لا هذه، والكلام فيها وفى هذه النقطة واحد، PageV01P210 ~~ويؤدى هذا إلى أن تكون النقط متشافعة فى الخط إما متناهية ~~وإما غير متناهية وهذا أمر قد بان لنا فى مواضع أخرى استحالته، ~~فقد بان أن النقط لا يتركب بتشافعها جسم، ويان أيضا أن النقط ~~لا يتميز لها وضع خاص، ولا بأس بأن نشير إلى طرف منها ~~فنقول إن النقطتين اللتين تليان نقطة واحدة من جنبتيها حينئذ ~~إما أن تكون النقطة المتوسطة تحجز بينهما فلاتماسان، فيلزم ~~حينئذ أن تنقسم الواسطة على الأصول التى علمت، وهذا محال، ~~وإما أن تكون الوسطى لا تحجز المكتنفتين عن التماس، فحينئذ ~~تكون الصورة المعقولة حالة فى جميع النقط، وجميع النقط كنقطة ~~واحدة، وقد وضعنا هذه النقطة الواحدة منفصلة عن الخط، فللخط من ~~جهة ما ينفصل عنها طرف غيرها به ينفصل عنها، فتكون تلك ~~النقطة مباينة لهذه فى الوضع، وقد وضعت النقط كلها مشتركة فى ~~الوضع، فهذا خلف، # فقد بطل إذن أن يكون محل المعقولات من الجسم شيئا غير ~~منقسم، فبقى أن يكون محلها من الجسم - إن كان محلها فى ~~الجسم - شيئا منقسما، فلنفرض صورة معقولة فى شىء منقسم، ~~فإذا فرضنا فى الشىء المنقسم أقساما عرض للصورة أن تنقسم، ~~فحينذ لا يخلوا إما أن يكون الجزءان متشابهين أو غير ~~متشابهين، فإن كانا متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس هما PageV01P211 ~~إذ الكل من حيث هو كل ليس هو الجزء إلا أن يكون ذلك ~~الكل شيئا يحصل منهما من جهة الزيادة فى ms142 المقدار أو الزيادة فى ~~العدد لا من جهة الصورة، فحينئذ تكون الصورة المعقولة شكلا ~~ما أو عددا ما، وليس كل صورة معقولة بشكل أو عدد، وتصير ~~حينئذ الصورة خيالية لا معقولة، وأنت تعلم أنه ليس يمكن أن ~~يقال إن كل واحد من الجزئين هو بعينه الكل، كيف والثانى ~~داخل فى معنى الكل وخارج عن معنى الجزء الآخر، فمن البين ~~الواضح أن الواحد منهما وحده ليس يدل على نفس معنى التمام، ~~وإن كانا غير متشابهين فلننظر كيف يمكن أن يكون ذلك وكيف ~~يمكن أن تكون للصورة المعقولة أجزاء غير متشابهة، فإنه ليس ~~يمكن أن تكون الأجزاء الغير المتشابهة إلا أجزاء الحد التى هى ~~الأجناس والفصول، ويلزم من هذا محالات، منها أن كل جزء من ~~الجسم يقبل القسمة أيضا فى القوة قبولا غير متناه، فيجب أن تكون ~~الأجناس والفصول فى القوة غير متناهية، وهذا محال، فقد صح ~~أن الأجناس والفصول الذاتية للشىء الواحد ليست فى القوة غير ~~متناهية، ولأنه ليس يمكن أن يكون توهم القسمة يفرز الجنس ~~والفصل بل مما لا يشك فيه أنه إذا كان هناك جنس وفصل ~~يستحقان تميزا فى المحل أن ذلك التميز لا يتوقف إلى توهم القسمة ~~فيجب أن تكون الأجناس والفصول أيضا بالفعل غير متناهية، PageV01P212 ~~وقد صح أن الأجناس والفصول وأجزاء الحد للشىء الواحد متناهية من ~~كل وجه، ولو كانت الأجناس والفصول يجوز لها أن تكون غير متناهية ~~بالفعل لما كان يجوز أن تجتمع فى الجسم اجتماعا على هذه الصورة، ~~فإن ذلك يوجب أن يكون الجسم الواحد انفصل بأجزاء غير متناهية ~~بالفعل، وأيضا لتكن القسمة مما قد وقع من جهة فأفرزت من جانب ~~جنسا ومن جانب فصلا، فلو غيرنا القسمة لم يخل إما أن يقع منها ~~فى كل جانب نصف جنس ونصف فصل، أو لوجب انتقال الجنس ~~والفصل إلى أحد القسمين، فيميل الجنس والفصل كل إلى قسم من ~~القسمة، فيكون فرضنا الوهمى أو قسمتنا الفرضية تدور بمكان الجنس ~~والفصل وكان يتحيز كل واحد منهما إلى جهة ما ms143 بحسب إرادة مريد ~~من خارج فيه، على أن ذلك أيضا لا يغنى، فإنه يمكننا أن نوقع ~~قسما فى قسم، وأيضا ليس كل معقول يمكن أن ينقسم إلى معقولات ~~أبسط منه، فإن هاهنا معقولات هى أبسط المعقولات وهى مباد ~~للتركيب فى سائر المعقولات وليس لها أجناس ولا فصول، ولا هى ~~منقسمة فى الكم ولا هى منقسمة فى المعنى، فإذا ليس يمكن أن تكون ~~الأجزاء المفروضة متشابهة كل واحد منها هو فى معنى الكل، ~~وإنما يحصل الكل بالاجتماع فقط، ولا أيضا يمكن أن تكون غير ~~متشابهة، فليس يمكن أن تنقسم الصورة المعقولة، PageV01P213 # وإذا لم يمكن أن تنقسم الصورة المعقولة ولا أن تحل طرفا من ~~المقادير غير منقسم ولا بد لها من قابل فينا فلا بد من أن نحكم ~~أن محل المعقولات جوهر ليس بجسم ولا أيضا متلقيها منا قوة فى ~~جسم، فإنها يلحقها ما يلحق الجسم من الانقسام ثم يتبعه سائر ~~المحالات، بل متلقى الصورة المعقولة منا جوهر غير جسمانى، # ولنا أن نبرهن على هذا ببرهان آخر، فنقول إن القوة العقلية هو ~~ذا يجرد المعقولات عن الكم المحدود والأين والوضع وسائر ما ~~قيل من قبل، فيجب أن ننظر فى ذات هذه الصورة المجردة عن ~~الوضع كيف هى مجردة عنه أبالقياس إلى الشىء المأخوذ عنه ~~أو بالقياس إلى الشىء الآخذ، أعنى أن وجود هذه الحقيقة المعقولة ~~المتجردة عن الوضع هل هو فى الوجود الخارجى أو فى الوجود ~~المتصور فى الجوهر العاقل، ومحال أن نقول إنها كذلك فى ~~الوجود الخارجى، فبقى أن نقول إنها إنما هى مفارقة للوضع ~~والأين عند وجودها فى العقل، فإذا وجدت فى العقل لم تكن ذات ~~وضع وبحيث يقع إليها إشارة تجزؤ وانقسام أو شىء مما أشبه ~~هذا المعنى، فلا يمكن أن تكون فى جسم، وأيضا إذا انطبعت ~~الصورة الأحدية الغير المنقسمة التى هى لأشياء غير منقسمة فى ~~المعنى فى مادة منقسمة ذات جهات فلا يخلوا إما أن لا يكون ولا PageV01P214 ~~لشىء من أجزائها التى تفرض فيها بحسب جهاتها نسبة ms144 إلى ~~الشىء المعقول الواحد الذات الغير المنقسم المجرد عن المادة، ~~أو يكون لكل واحد من أجزاءها التى تفرض، أو يكون لبعض ~~دون بعض، فإن لم يكن ولا لشىء منها فلا لكلها، فإن ما يجتمع ~~عن المباينات مباين، وإن كان لبعضها دون بعض فالبعض الذى ~~لا نسبة له ليس هو من معناه فى شىء، وإن كان لكل جزء يفرض ~~فيه نسبة ما فإما أن يكون لكل جزء يفرض فيه نسبة إلى ~~الذات كما هى أو إلى جزء من الذات، فإن كان لكل جزء ~~يفرض نسبة إلى الذات كما هى فليست الأجزاء إذا أجزاء معنى ~~المعقول، بل كل واحد منها معقول فى نفسه مفردا، وإن كان كل ~~جزء له نسبة غير نسبة الجزء الآخر إلى الذات فمعلوم أن الذات ~~منقسمة فى المعقول، وقد وضعناها غير منقسمة، هذا خلف، ~~وإن كان نسبة كل واحد إلى شىء من الذات غير ما إليه نسبة ~~الآخر فاقسام الذات أظهر، ومن هذا يتبين أن الصور المنطبعة ~~فى المادة الجسمانية لا تكون إلا أشباحا لأمور جزئية منقسمة ~~ولكل جزء منها نسبة بالفعل أو بالقوة إلى جزء منها، # وأيضا فإن الشىء المتكثر فى أجزاء الحد له من جهة التمام وحدة ~~ما لا تنقسم، فلننظر أن ذلك الوجود الوحدانى من حيث هو واحد PageV01P215 ~~ما كيف يرتسم فى المنقسم، ويكون الكلام فيه وفيما لا ينقسم ~~بالحد واحدا، # وأيضا فإنه قد صح لنا أن المعقولات المفروضة التى من شأن ~~القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحدا واحدا منها غير متناهية بالقوة، ~~وقد صح لنا أن الشىء الذى يقوى على أمور غير متناهية بالقوة ~~لا يجوز أن يكون جسما ولا قوة فى جسم، قد برهن على هذا فى ~~الفنون الماضية، فلا يجوز إذا أن تكون الذات المتصورة للمعقولات ~~قائمة فى جسم البتة ولا فعلها كائنا فى جسم ولا بجسم، وليس ~~لقائل أن يقول كذلك المتخيلات، فذلك خطأ، فإنه ليس للقوة ~~الحيوانية أن تتخيل أى شىء اتفق مما لا نهاية له فى أى وقت ~~كان ms145 ما لم يقترن معها تصريف القوة الناطقة، ولا لقائل أن يقول ~~إن هذه القوة أى العقلية قابلة لا فاعلة، وأنتم إنما أثبتم ~~تناهى القوة الفاعلة، والناس لا يشكون فى جواز وجود قوة قابلة ~~غير متناهية كما للهيولى، فنقول إنك ستعلم أن قبول النفس الناطقة ~~فى كثير من أشياء لا نهاية لها قبول بعد تصرف فعلى، # ولنستشهد أيضا على ما بيناء بالكلام الناظر فى جوهر النفس الناطقة ~~وفى أخص فعل له بدلائل من أحوال أفعال أخرى له مناسبة لما ~~ذكرنا، فنقول إن القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية ~~حتى يكون فعلها الخاص إنما يستتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية PageV01P216 ~~لكان يجب أن لا تعقل ذاتها وأن لا تعقل الآلة وأن لا تعقل أنها ~~عقلت، فإنه ليس لها بينها وبين ذاتها آلة، وليس لها بينها وبين ~~آلتها آلة، وليس لها بينها وبين أنها عقلت آلة، لكنها تعقل ذاتها ~~وآلتها التى تدعى لها وأنها عقلت، فإذن تعقل بذاتها لا بآلة، بل ~~قد نحقق فنقول لا يخلوا إما أن يكون تعقلها آلتها لوجود ذات ~~صورة آلتها تلك أو لوجود صورة أخرى مخالفة لها بالعدد، وهى ~~أيضا فيها وفى آلتها أو لوجود صورة أخرى غير صورة آلتها تلك بالنوع، ~~وهى فيها وفى آلتها، فإن كان لوجود صورة آلتها فصورة آلتها فى ~~آلتها وفيها بالشركة دائما، فيجب أن تعقل آلتها دائما إذ كانت ~~إنما تعقلها لوصول الصورة إليها، وإن كان لوجود صورة لآلتها غير ~~تلك الصورة بالعدد فذلك باطل، أما أولا فلأن المغايرة بين أشياء ~~تدخل فى حد واحد إما لاختلاف المواد والأحوال والأعراض، ~~وإما لاختلاف ما بين الكلى والجزئى والمجرد عن المادة والموجود ~~فى المادة، وليس هاهنا اختلاف مواد وأعراض، فإن المادة واحدة ~~والأعراض الموجودة واحدة، وليس هاهنا اختلاف التجريد والوجود ~~فى المادة، فإن كليهما فى المادة، وليس هاهنا اختلاف الخصوص ~~والعموم لأن إحداهما إن استفادت جزئية فإنما تستفيد الجزئية بسبب ~~المادة الجزئية واللواحق التى تلحقها من جهة المادة التى فيها، ~~وهذا المعنى لا يختص ms146 بإحداهما دون الأخرى، ولا يلزم هذا على ~~إدراك النفس ذاتها، فإنها تدرك دائما ذاتها وإن كانت قد تدركها ~~فى الأغلب مقارنة للأجسام التى هى معها على ما بيناه، وأنت PageV01P217 ~~تعلم أنه لا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى غير صورة آلتها فإن ~~هذا أشد استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلت الجوهر العاقل ~~جعلته عاقلا لما تلك الصورة صورته أو لما تلك الصورة مضافة ~~إليه فتكون صورة المضاف داخلة فى هذه الصورة، وهذه الصورة ~~المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضا صورة شىء مضاف إليها ~~بالذات لأن ذات هذه الآلة جوهر ونحن إنما نأخذ ونعتبر صورة ~~ذاته، والجوهر فى ذاته غير مضاف البتة، # فهذا البرهان واضح على أنه لا يجوز أن يدرك المدرك بالآلة ~~آلته فى الإدراك ولهذا فإن الحس إنما يحس شيئا خارجا ولا ~~يحس ذاته ولا آلته ولا إحساسه، وكذلك الخيال لا يتخيل ذاته ~~ولا فعله البتة، بل إن تخيل آلته تخيلها لا على نحو يخصه ~~وأنها لا محالة له دون غيره إلا أن يكون الحس يورد عليه صورة ~~آلته لو أمكن، فيكون حينئذ إنما يحكى خيالا مأخوذا من الحس ~~غير مضاف عنده إلى شىء حتى لو لم يكن هو آلته لم يتخيله، # وأيضا مما يشهد لنا بهذا ويقنع فيه أن القوى الدراكة بالآلات ~~يعرض لها من إدامة العمل أن تكل لأجل أن الآلات تكلها إدامة ~~الحركة وتفسد مزاجها الذى هو جوهرها وطبيعتها، والأمور القوية ~~الشاقة الإدراك توهنها وربما أفسدتها، ولا تدرك عقيبها الأضعف ~~منها لانغماسها فى الانفعال عن الشاق، كالحال فى الحس فإن ~~المحسوسات الشاقة والمتكررة تضعفه وربما أفسدته كالضوء للبصر PageV01P218 ~~والرعد الشديد للسمع، ولا يقوى الحس عند إدراك القوى على ~~إدراك الضعيف، فإن المبصر ضوءا عظيما لا يبصر معه ولا عقيبه ~~نورا ضعيفا، والسامع صوتا عظيما لا يسمع معه وعقيبه صوتا ضعيفا، ~~ومن ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعدها بالضعيفة، والأمر فى ~~القوة العقلية بالعكس، فإن إدامتها للعقل وتصورها للأمور التى ~~هى أقوى يكسبها قوة وسهولة قبول ms147 لما بعدها مما هو أضعف منها، ~~فإن عرض لها فى بعض الأوقات ملال أو كلال فذلك لاستعانة ~~العقل بالخيال المستعمل للآلة التى تكل، فلا تخدم العقل، ولو ~~كان لغير هذا لكان يقع دائما أو فى أكثر الأمر، والأمر بالضد، # وأيضا فإن أجزاء البدن كلها تأخذ فى الضعف من قواها بعد ~~منتهى النشوء والوقوف، وذلك دون الأربعين أو عند الأربعين، ~~وهذه القوة المدركة للمعقولات إنما تقوى بعد ذلك فى أكثر الأمر، ~~ولو كانت من القوى البدنية لكان يجب دائما فى كل حال أن ~~تضعف حينئذ لكن ليس يجب ذلك إلا فى أحوال وموافاة عوائق ~~دون جميع الأحوال، فليست إذن من القوى البدنية، # ومن هذه الأشياء تبين أن كل قوة تدرك بآلة فلا تدرك ذاتها ولا ~~آلتها ولا إدراكها، ويضعفها تضاعف الفعل، ولا تدرك الضعيف ~~إثر القوى، والقوى يوهنها، ويضعف فعلها عند ضعف آلات فعلها، ~~والقوة العقلية بخلاف ذلك كله، # وأما الذى يتوهم من أن النفس إذا كانت تنسى معقولاتها ~~ولا تفعل فعلها مع مرض البدن وعند الشيخوخة فذلك لها بسبب ~~أن فعلها لا يتم إلا بالبدن فظن غير ضرورى ولا حق، وذلك أنه PageV01P219 ~~قد يمكن أن يجتمع الأمران جميعا، فتكون النفس لها فعل ~~بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يصرفها عنه صارف وأنها أيضا قد ~~تترك فعلها الخاص مع حال يعرض للبدن فلا تفعل حينئذ فعلها ~~وتصرف عنه، ويستمر القولان من غير تناقض، وإذا كان كذلك لم ~~يكن إلى هذا الاعتراض التفات، ولكنا نقول إن جوهر النفس له فعلان ~~فعل له بالقياس إلى البدن، وهو السياسة، وفعل له بالقياس إلى ~~ذاته وإلى مباديه وهو الإدراك بالعقل، وهما متعاندان متمانعان، ~~فإنه إذا اشتغل بأحدهما انصرف عن الآخر، ويصعب عليه الجمع ~~بين الأمرين، وشواغله من جهة البدن هى الإحساس والتخيل ~~والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع، وأنت تعلم هذا بأنك ~~إذا أخذت تفكر فى معقول تعطل عليك كل شىء من هذه إلا أن ~~تغلب هى النفس وتقسرها رادة إياها إلى جهتها، وأنت تعلم ~~أن ms148 الحس يمنع النفس عن التعقل، فإن النفس إذا أكبت على ~~المحسوس شغلت عن المعقول من غير أن يكون أصاب آلة العقل ~~أو ذاته آفة بوجه، وتعلم أن السبب فى ذلك هو اشتغال النفس ~~بفعل دون فعل، فكذلك الحال والسبب إذا عرض أن تعطلت ~~أفعال العقل عند المرض، ولو كانت الملكة العقلية المكتسبة قد ~~بطلت وفسدت لأجل الآلة لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج إلى ~~اكتساب من رأس، وليس الأمر كذلك، فإنه قد تعود النفس إلى ~~ملكتها وهيئتها عاقلة لجميع ما عقلته بحالها إذا عاد البدن إلى سلامته، ~~فقد كان إذأ ما كسبته موجودا معها بنوع ما إلا أنها كانت مشغولة PageV01P220 ~~عنه، وليس اختلاف جهتى فعل النفس فقط يوجب فى أفعالها التمانع، ~~بل تكثر أفعال جهة واحدة قد يوجب ذلك بعينه، فإن الخوف ~~يغفل عن الوجع، والشهوة تسد عن الغضب، والغضب يصرف ~~عن الخوف، والسبب فى جميع ذلك واحد، وهو انصراف النفس ~~بالكلية إلى أمر واحد، فبين من هذا أنه ليس يجب إذا لم يفعل ~~شىء فعله عند اشتغاله بشىء أن لا يكون فاعلا فعله إلا عند وجود ~~ذلك الشىء المشتغل به، ولنا أن نتوسع فى بيان هذا الباب إلا أن ~~الإمعان فى المطلوب بعد بلوغ الكفاية منسوب إلى التكلف لما لا ~~يحتاج إليه، فقد ظهر من أصولنا التى قررنا أن النفس ليست ~~منطبعة فى البدن ولا قائمة به، فيجب أن يكون اختصاصها به على ~~سبيل مقتضى هيئة فيها جزئية جاذبة إلى الاشتغال بسياسة البدن ~~الجزئى لعناية ذاتية مختصة به صارت النفس عليها كما وجدت ~~مع وجود بدنها الخاص بهيئته ومزاجه، ### | فصل 3 (يشتمل على مسئلتين إحداهما كيفية انتفاع النفس الإنسانية بالحواس والثانية إثبات حدوثها) # إن القوى الحيوانية تعين النفس الناطقة فى أشياء، منها أن يورد ~~الحس من جملتها عليها الجزئيات، فتحصل لها من الجزئيات ~~أمور أربعة، أحدها انتزاع الذهن الكليات المفردة عن الجزئيات PageV01P221 ~~على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة وعلائق المادة ولواحقه ~~ومراعاة المشترك فيه والمتباين به والذاتى وجوده والعرضى ms149 وجوده، ~~فتحدث للنفس من ذلك مبادى التصور، وذلك بمعاونة استعماله ~~للخيال والوهم، والثانى إيقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات ~~المفردة على مثل سلب أو إيجاب، فما كان التأليف فيه بسلب ~~أو إيجاب أوليا بينا بنفسه أخذه، وما كان ليس كذلك تركه إلى ~~مصادفة الواسطة، والثالث تحصيل المقدمات التجربية، وهو أن ~~يجد بالحس محمولا لازم الحكم لموضوع ما كان حكمه إيجابا أو ~~سلبا أو تاليا موجب الاتصال أو مسلوبه أو موجب العناد أو ~~مسلوبه، وليس ذلك فى بعض الأحايين دون بعض ولا على سبيل ~~المساواة بل دائما وجودا يسكن النفس إلى أن بين طبيعة هذا ~~المحمول وهذا الموضوع هذه النسبة وأن طبيعة هذا التالى ~~تلزم هذا المقدم أو تنافيه لذاته لا بالاتفاق، فيكون ذلك اعتقادا ~~حاصلا من حس وقياس كما هو مبين فى الفنون المنطقية، والرابع ~~الأخبار التى يقع بها التصديق لشدة التواتر، # فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادى للتصور ~~والتصديق، ثم إذا حصلتها رجعت إلى ذاتها، فإن تعرض لها شىء ~~من القوى التى دونها شاغلة إياها بما يليها من الأحوال شغلتها PageV01P222 ~~عن فعلها فأضربت عن فعلها، وإن لم تشغلها فلا تحتاج إليها ~~بعد ذلك فى خاص أفعالها إلا فى أمور تحتاج فيها خاصة إلى أن ~~تعاود القوى الخيالية مرة أخرى، وذلك لاقتناص مبدأ غير الذى ~~حصل أو معاونة بتمثيل الغرض فى الخيال ليستحكم تمثله بمعونته ~~فى العقل، وهذا مما يقع فى الابتداء ولا يقع بعده إلا قليلا، فأما ~~إذا استكملت النفس وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق، ~~وتكون القوى الحسية والخيالية وسائر القوى البدنية صارفة إياها عن ~~فعلها مثل أن الإنسان قد يحتاج إلى دابة وآلات ليتوصل بها إلى ~~مقصد ما، فإذا وصل إليه ثم عرض من الأسباب ما يعوقه عن ~~مفارقتها صار السبب الموصل بعينه عائقا، # وقول إن الأنفس الإنسانية لم تكن قائمة مفارقة للأبدان ثم ~~حصلت فى الأبدان لأن الأنفس الإنسانية متفقة فى النوع والمعنى، ~~فإذا فرض أن لها وجودا ليس حادثا مع حدوث الأبدان بل هو ms150 وجود ~~مفرد لم يجز أن تكون النفس فى ذلك الوجود متكثرة، وذلك لأن ~~تكثر الأشياء إما أن يكون من جهة الماهية والصورة وإما أن يكون ~~من جهة النسبة إلى العنصر والمادة المتكثرة بما تتكثر به من الأمكنة ~~التى تشتمل على كل مادة فى جهة والأزمنة التى تختص بكل واحد ~~منها فى حدوثه والعلل القاسمة إياها، وليس متغايرة بالماهية PageV01P223 ~~والصورة لأن صورتها واحدة، فإذن إنما تتغاير من جهة قابل الماهية ~~أو المنسوب إليه الماهية بالاختصاص، وهذا هو البدن، وأما إذا ~~أمكن أن تكون النفس موجودة ولا بدن فليس يمكن أن تغاير نفس ~~نفسا بالعدد، وهذا مطلق فى كل شىء، فإن الأشياء التى ذواتها ~~معان فقط وقد تكثرت نوعياتها بأشخاصها فإنما تكثرها بالحوامل ~~والقوابل والمنفعلات عنها أو بنسبة ما إليها وإلى أزمنتها فقط، ~~وإذا كانت مجردة أصلا لم تتفرق بما قلنا، فمحال أن يكون بينها ~~مغايرة وتكثر، فقد بطل أن تكون الأنفس قبل دخولها الأبدان ~~متكثرة الذات بالعدد، # وأقول ولا يجوز أن تكون واحدة الذات بالعدد لأنه إذا حصل ~~بدنان حصل فى البدنين نفسان، فإما أن تكونا قسمى تلك النفس ~~الواحدة فيكون الشىء الواحد الذى ليس له عظم وحجم منقسما ~~بالقوة، وهذا ظاهر البطلان بالأصول المتقررة فى الطبيعيات وغيرها، ~~وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد فى بدنين، وهذا لا يحتاج ~~أيضا إلى كثير تكلف فى إبطاله، ونقول بعبارة أخرى إن هذه ~~الأنفس إنما تتشخص نفسا واحدة من جملة نوعها بأحوال تلحقها ~~ليست لازمة لها بما هى نفس وإلا لاشترك فيها جميعها، والأعراض ~~اللاحقة تلحق عن ابتداء لا محالة زمانى لأنها تتبع سببا عرض ~~لبعضها دون بعض، فيكون تشخص الأنفس أيضا أمرا حادثا، ~~فلا تكون قديمة لم تزل، ويكون حدوثها مع بدن، فقد صح إذن PageV01P224 ~~أن الأنفس تحدث كما تحدث مادة بدنية صالحة لاستعمالها إياها، ~~فيكون البدن الحادث مملكتها وآلتها، ويكون فى جوهر النفس ~~الحادثة مع بدن ما - ذلك البدن استحق حدوثها من المبادى ~~الأولى - هيئة نزاع طبيعى إلى الاشتغال به واستعماله والاهتمام ms151 ~~بأحواله والانجذاب إليه تخصها وتصرفها عن كل الأجسام غيره، ~~فلا بد أنها إذا وجدت متشخصة فإن مبدأ تشخصها يلحق بها من ~~الهيئآت ما تتعين به شخصا، وتلك الهيئآت تكون مقتضية لاختصاصها ~~بذلك البدن ومناسبة لصلوح أحدهما للآخر وإن خفى علينا تلك ~~الحالة وتلك المناسبة، وتكون مبادى الاستكمال متوقعا لها ~~بوساطته، ويكون هو بدنها، ولك لقائل أن يقول إن هذه ~~الشبهة تلزمكم فى النفوس إذا فارقت الأبدان، فإنها إما أن تفسد ~~- ولا تقولون به، وإما أن تتحد - وهو عين ما شنعتم به، وإما ~~أن تبقى متكثرة وهى عندكم مفارقة للمواد، فكيف تكون متكثرة، ~~فنقول أما بعد مفارقة الأنفس للأبدان فإن الأنفس تكون قد وجدت ~~كل واحدة منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التى كانت وباختلاف ~~أزمنة حدوثها واختلاف هيئآتها التى لها بحسب أبدانها المختلفة ~~لا محالة، فإنا نعلم يقينا أن موجد المعنى الكلى شخصا مشارا ~~إليه لا يمكنه أن يوجده شخصا أو يزيد له معنى على نوعيته به PageV01P225 ~~يصير شخصا من المعانى التى تلحقه عند حدوثه وتلزمه علمناها ~~أو لم نعلم، ونحن نعلم أن النفس ليست واحدة فى الأبدان كلها، ~~ولو كانت واحدة وكثيرة بالإضافة لكانت عالمة فيها كلها أو جاهلة ~~ولما خفى على زيد ما فى نفس عمرو لأن الواحد المضاف إلى ~~كثيرين يجوز أن يختلف بحسب الإضافة، وأما الأمور الموجودة له ~~فى ذاته فلا يختلف فيها حتى إذا كان أب لأولاد كثيرين وهو ~~شاب لم يكن شابا إلا بحسب الكل إذ الشباب له فى نفسه فيدخل ~~فى كل إضافة، وكذلك العلم والجهل والظن وما أشبه ذلك إنما يكون ~~فى ذات النفس ويدخل مع النفس فى كل إضافة، فإذن ليست النفس ~~واحدة، فهى كثيرة بالعدد، ونوعها واحد، وهى حادثة كما بيناه، ~~فلا شك أنها بأمر ما تشخصت، وأن ذلك الأمر فى النفس الإنسانية ~~ليس هو الانطباع فى المادة، فقد علم بطلان القول بذلك، بل ذلك ~~الأمر لها هيئة من الهيئآت وقوة من القوى وعرض من الأعراض ~~الروحانية أو جملة منها تشخصها ms152 باجتماعها وإن جهلناها، وبعد ~~أن تشخصت مفردة فلا يجوز أن تكون هى والنفس الأخرى بالعدد ~~ذاتا واحدة، فقد أكثرنا القول فى امتناع هذا فى عدة مواضع، لكنا ~~نتيقن أنه يجوز أن تكون النفس إذا حدثت مع حدوث مزاج ~~ما أن تحدث لها هيئة بعده فى الأفعال النطقية والانفعالات النطقية ~~تكون على جملة متميزة عن الهيئة المناظرة لها فى أخرى PageV01P226 ~~تميز المزاجين فى البدنين وأن تكون الهيئة المكتسبة التى تسمى ~~عقلا بالفعل أيضا على حد ما تتميز به عن نفس أخرى، وأنها يقع ~~لها شعور بذاتها الجزئية، وذلك الشعور هيئة ما فيها أيضا خاصة ~~ليس لغيرها، ويجوز أن يحدث فيها من جهة القوى البدنية هيئة ~~خاصة أيضا، وتلك الهيئة تتعلق بالهيئآت الخلقية أو تكون هى هى، ~~أو تكون أيضا خصوصيات أخرى تخفى علينا تلزم النفوس مع حدوثها ~~وبعده كما يلزم من أمثالها أشخاص الأنواع الجسمانية فتتمايز بها ~~ما بقيت،وتكون الأنفس كذلك تتميز بمخصصاتها فيها كانت ~~الأبدان أو لم تكن أبدان، عرفنا تلك الأحوال أو لم نعرف أو ~~عرفنا بعضها، ### | فصل 4 (فى أن الأنفس الإنسانية لا تفسد ولا تتناسخ) # أما أن النفس لا تموت بموت البدن فلأن كل شىء يفسد بفساد ~~شىء آخر فهو متعلق نوعا من التعلق، فإما أن يكون تعلقه به ~~تعلق المتأخر عنه فى الوجود أو تعلق المتقدم له فى الوجود الذى ~~هو قبله فى الذات لا فى الزمان أو تعلق المكافىء فى الوجود، ~~فإن كان تعلق النفس بالبدن تعلق المكافىء فى الوجود وذلك أمر ~~ذاتى له لا عارض فكل واحد منهما مضاف الذات إلى صاحبه وليس ~~لا النفس ولا البدن بجوهر، لكنهما جوهران، وإن كان ذلك أمرا PageV01P227 ~~عرضيا لا ذاتيا فإن فسد أحدهما بطل العارض الآخر من الإضافة ~~ولم تفسد الذات بفساده من حيث هذا التعلق، # وإن كان تعلقها به تعلق المتأخر عنه فى الوجود فالبدن علة ~~النفس فى الوجود، والعلل أربع، فإما أن يكون البدن علة فاعلية ~~للنفس معطية لها الوجود، وإما أن يكون علة قابلية ms153 لها بسبيل ~~التركيب كالعناصر للأبدان أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم، ~~وإما أن يكون علة صورية، وإما أن يكون علة كمالية، ومحال ~~أن يكون علة فاعلية، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا ~~وإنما يفعل بقوة، ولو كان يفعل بذاته لا بقوة لكان كل جسم ~~يفعل ذلك الفعل، ثم القوى الجسمانية كلها إما أعراض وإما ~~صور مادية، ومحال أن تفيد الأعراض والصور القائمة بالمواد وجود ~~ذات قائمة بنفسها لا فى مادة ووجود جوهر مطلق، ومحال أيضا ~~أن يكون علة قابلية، فقد برهنا وبينا أن النفس ليست منطبعة فى ~~البدن بوجه من الوجوه، فلا يكون البدن إذن متصورا بصورة النفس ~~لا بحسب البساطة ولا بحسب التركيب بأن تكون أجزاء ~~البدن تتركب وتمتزج تركيبا ما وامتزاجا ما فتنطبع فيها النفس، ~~ومحال أن يكون الجسم علة صورية للنفس أو كمالية، فإن الأولى ~~أن يكون بالعكس، # فإذن ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية وإن كان ~~المزاج والبدن علة بالعرض للنفس، فإنه إذا حدثت مادة بدن ~~تصلح أن تكون آلة للنفس ومملكة لها أحدثت العلل المفارقة PageV01P228 ~~النفس الجزئية أو حدثت عنها كذلك، فإن إحداثها بلا سبب ~~مخصص - إحداث واحدة دون واحدة - محال، ومع ذلك فإنه ~~يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد لما قد بيناه، ولأنه لا بد لكل ~~كائن بعد ما لم يكن من أن تتقدمه مادة يكون فيها تهيوء قبوله ~~أو تهيوء نسبة إليه كما تبين فى العلوم الأخرى، ولأنه لو كان ~~يجوز أيضا أن تكون نفس جزئية تحدث ولم تحدث لها آلة بها ~~تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود، ولا شىء معطل فى الطبيعة، ~~وإذا كان ذلك ممتنعا فلا قدرة عليه، ولكن إذا حدث التهيوء ~~للنسبة والاستعداد للآلة يلزم حينئذ أن يحدث من العلل المفارقة ~~شىء هو النفس، وليس ذلك فى النفس فقط بل كل ما يحدث بعد ما ~~لم يكن من الصور فإنما يرجح وجوده عن لا وجوده استعداد المادة ~~له وصيرورتها خليقة به، وليس إذا وجب حدوث شىء عند حدوث ms154 ~~شىء وجب أن يبطل مع بطلانه، إنما يكون ذلك إذا كانت ذات ~~الشىء قائمة بذلك الشىء وفيه، وقد تحدث أمور عن أمور وتبطل ~~تك الأموروتبقى تلك الأمور إذا كانت ذاتها غير قائمة فيها وخصوصا ~~إذا كان مفيد الوجود لها شىء آخر غير الذى إنما تهيأ إفادة ~~وجودها مع وجوده، ومفيد وجود النفس شىء غير جسم ولا هو ~~قوة فى جسم، بل هو لا محالة ذات قائمة بريئة عن المواد وعن ~~المقادير، فإذا كان وجودها من ذلك الشىء ومن البدن يحصل وقت PageV01P229 ~~استحقاقها للوجود فقط فليس لها تعلق فى نفس الوجود بالبدن، ولا ~~البدن علة لها إلا بالعرض، فلا يجوز إذا أن يقال إن التعلق ~~بينهما على نحو يوجب أن يكون الجسم متقدما تقدم العلية على ~~النفس، # وأما القسم الثالث مما ذكرنا فى الابتداء وهو أن يكون تعلق ~~النفس بالجسم تعلق المتقدم فى الوجود، فإما أن يكون التقدم مع ~~ذلك زمانيا فيستحيل أن يتعلق وجودها به فقد تقدمته فى الزمان، ~~وإما أن يكون التقدم بالذات لا بالزمان، وهذا النحو من التقدم هو ~~أن تكون الذات المتقدمة كما توجد يلزم أن يستفاد عنها ذات ~~المتأخر فى الوجود، وحينئذ لا يوجد أيضا هذا المتقدم فى الوجود ~~إذا فرض المتأخر قد عدم، لا أن فرض عدم المتأخر أوجب عدم ~~المتقدم ولكن لأن المتأخر لا يجوز أن يكون عدم إلا وقد عرض ~~أولا للمتقدم فى طبعه ما أعدمه، فحينئذ عدم المتأخر، فليس فرض ~~عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم ولكن فرض عدم المتقدم نفسه، ~~لأنه إنما فرض المتأخر معدوما بعد أن عرض للمتقدم أن عدم فى ~~نفسه وإذا كان كذلك فيجب أن يكون السبب المعدم يعرض فى ~~جوهر النفس فيفسد معه البدن، وأن لا يكون البدن البتة يفسد ~~بسبب يخصه، لكن فساد البدن يكون بسبب يخصه من تغير ~~المزاج أو التركيب، فمحال أن تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق ~~المتقدم بالذات ثم يفسد البدن البتة بسبب فى نفسه، فليس إذا ~~بينهما هذا التعلق، وإذا كان الأمر على ms155 هذا فقد بطل أنحاء التعلق PageV01P230 ~~كلها، وبقى أن لا تعلق للنفس فى الوجود بالبدن بل تعلقها ~~فى الوجود بالمبادى الأخرى التى لا تستحيل ولا تبطل، # وأقول أيضا إن سببا آخر لا يعدم النفس البتة، وذلك أن ~~كل شىء من شأنه أن يفسد بسبب ما ففيه قوة أن يفسد، وقبل ~~الفساد فيه فعل أن يبقى، وتهيوءه للفساد ليس لفعله أنه يبقى، ~~فإن معنى القوة مغاير لمعنى الفعل، وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة ~~هذا الفعل لأن إضافة ذلك إلى الفساد وإضافة هذا إلى البقاء، فإذن ~~لأمرين مختلفين ما يوجد فى الشىء هذان المعنيان، فنقول إن الأشياء ~~المركبة والأشياء البسيطة التى هى قائمة فى المركبة يجوز أن يجتمع ~~فيها فعل أن تبقى وقوة أن تفسد، وفى الأشياء البسيطة المفارقة ~~الذات لا يجوز أن يجتمع هذان الأمران، # وأقول بوجه مطلق أنه لا يجوز أن يجتمع فى شىء أحدى الذات ~~هذان المعنيان، وذلك لأن كل شىء يبقى وله قوة أن يفسد فله ~~أيضا قوة أن يبقى لأن بقاءه ليس بواجب ضرورى، وإذا لم ~~يكن واجبا كان ممكنا، والإمكان الذى يتناول الطرفين هو طبيعة ~~القوة، فإذن يكون له فى جوهره قوة أن يبقى وفعل أن يبقى، وقد ~~بان أن فعل أن يبقى منه لا محالة ليس هو قوة أن يبقى منه، ~~وهذا بين، فيكون فعل أن يبقى منه أمرا يعرض للشىء الذى له ~~قوة أن يبقى، فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل بل للشىء ~~الذى يعرض لذاته أن تبقى بالفعل لا أنه حقيقة ذاته، فيلزم من ~~هذا أن تكون ذاته مركبة من شىء إذا كان كان به ذاته PageV01P231 ~~موجودا بالفعل، وهو الصورة فى كل شىء، وعن شىء حصل له ~~هذا الفعل وفى طباعه قوته، وهو مادته، فإن كانت النفس بسيطة ~~مطلقة لم تنقسم إلى مادة وصورة، وإن كانت مركبة فلنترك المركب ~~ولننظر فى الجوهر الذى هو مادته ولنصرف القول إلى نفس مادته ~~ولنتكلم فيها، فنقول إن المادة إما أن تنقسم هكذا دائما ويثبت ~~الكلام دائما، ms156 وهذا محال، وإما أن لا يبطل الشىء الذى هو ~~الجوهر والسنخ، وكلامنا فى هذا الشىء الذى هو السنخ والأصل، ~~وهو الذى نسميه النفس، وليس كلامنا فى شىء مجتمع منه ومن ~~شىء آخر، فبين أن كل شىء هو بسيط غير مركب أو هو أصل ~~مركب وسنخه فهو غير مجتمع فيه فعل أن يبقى وقوة أن يعدم ~~بالقياس إلى ذاته، فإن كانت فيه قوة أن يعدم فمحال أن يكون ~~فيه فعل أن يبقى، وإذا كان فيه فعل أن يبقى وأن يوجد فليس ~~فيه قوة أن يعدم، فبين إذا أن جوهر النفس ليس فيه قوة أن ~~يفسد، وأما الكائنات التى تفسد فإن الفاسد منها هو المركب ~~المجتمع، وقوة أن يفسد أو يبقى ليس فى المعنى الذى به المركب ~~واحد بل فى المادة التى هى بالقوة قابلة كلا الضدين، فليس إذن ~~فى الفاسد المركب لا قوة أن يبقى ولا قوة أن يفسد، فلم ~~تجتمعا فيه، وأما المادة فإما أن تكون باقية لا بقوة تستعد بها ~~للبقاء كما يظن قوم، وإما أن تكون باقية بقوة بها تبقى، وليس ~~لها قوة أن تفسد، بل قوة أن تفسد شىء آخر يحدث فيها، ~~والبسائط التى فى المادة فإن قوة فسادها فى جوهر المادة لا فى PageV01P232 ~~جوهرها، والبرهان الذى يوجب أن كل كائن فاسد من جهة تناهى ~~قوتى البقاء والبطلان إنما يوجب فيما هو كائن من مادة وصورة، ~~وتكون فى مادته قوة أن تبقى فيها تلك الصورة وقوة أن تفسد هى ~~منها معا كما قد علمت، فقد بان إذا أن النفس الإنسانية لا تفسد ~~البتة، وإلى هذا سقنا كلامنا، والله الموفق، # وقد أوضحنا أن الأنفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيوء من ~~الأبدان على أن تهيوء الأبدان يوجب أن يفيض وجود النفس ~~لها من العلل المفارقة، وظهر من ذلك أن هذا لا يكون على سبيل ~~الاتفاق والبخت حتى يكون وجود النفس الحادثة ليس لاستحقاق ~~هذا المزاج نفسا حادثة مدبرة ولكن قد كان حدث نفس واتفق ~~أن وجد معها بدن فتعلق ms157 بها، فإن مثل هذا لا يكون علة البتة ~~ذاتية للتكثر بل عسى أن يكون عرضية، وقد عرفنا أن العلل ~~الذاتية هى التى يجب أن تكون أولا، ثم ربما تليها العرضية، ~~فإذا كان كذلك فكل بدن يستحق مع حدوث مزاج مادته حدوث ~~نفس له، وليس بدن يستحقه وبدن لا يستحقه إذ أشخاص الأنواع ~~لا تختلف فى الأمور التى بها تتقوم، وليس يجوز أن يكون بدن ~~إنسانى يستحق نفسا يكمل بها وبدن آخر هو فى حكم مزاجه ~~بالنوع ولا يستحق ذلك، بل إن اتفق كان وإن لم يتفق لم يكن، PageV01P233 ~~فإن هذا حينئذ لا يكون من نوعه، فإذا فرضنا أن نفسا تناسختها ~~أبدان - وكل بدن فإنه بذاته يستحق نفسا تحدث له وتتعلق به - ~~فيكون البدن الواحد فيه نفسان معا، ثم العلاقة بين النفس والبدن ~~ليس هو على سبيل الانطباع فيه كما بيناه مرارا بل العلاقة التى ~~بينهما هى علاقة الاشتغال من النفس بالبدن حتى تشعر النفس ~~بذلك البدن وينفعل البدن عن تلك النفس، وكل حيوان فإنه ~~يستشعر نفسه نفسا واحدة هى المصرفة والمدبرة للبدن الذى له، ~~فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هى بنفسه ~~ولا تشتغل بالبدن فليست لها علاقة مع البدن، لأن العلاقة لم ~~تكن إلا بهذا النحو، فلا يكون تناسخ بوجه من الوجوه، وبهذا ~~المقدار لمن أراد الاختصار كفاية بعد أن فيه كلاما طويلا، ### | فصل 5 (فى العقل الفعال فى أنفسنا والعقل المنفعل عن أنفسنا) # نقول إن النفس الإنسانية قد تكون عاقلة بالقوة، ثم تصير ~~عاقلة بالفعل، وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فإنما يخرج بسبب ~~بالفعل يخرجه، فها هنا سبب هو الذى يخرج نفوسنا فى ~~المعقولات من القوة إلى الفعل، وإذ هو السبب فى إعطاء الصور ~~العقلية فليس إلا عقلا بالفعل عنده مبادى الصور العقلية مجردة، ~~ونسبته إلى نفوسنا نسبة الشمس إلى أبصارنا، فكما أن الشمس تبصر PageV01P234 ~~بذاتها بالفعل وتبصر بنورها بالفعل ما ليس مبصرا بالفعل كذلك ~~حال هذا العقل عند نفوسنا، فإن القوة ms158 العقلية إذا اطلعت على ~~الجزئيات التى فى الخيال وأشرق عليها نور العقل الفعال فينا الذى ~~ذكرناه استحالت مجردة عن المادة وعلائقها وانطبعت فى النفس ~~الناطقة لا على أنها أنفسها تنتقل من التخيل إلى العقل منا ولا على ~~أن المعنى المغمور فى العلائق وهو فى نفسه واعتباره فى ~~ذاته مجرد - يفعل مثل نفسه، بل على معنى أن مطالعتها تعد ~~النفس لأن يفيض عليها المجرد من العقل الفعال، فإن الأفكار ~~والتأملات حركات سعدة للنفس نحو قبول الفيض، كما أن الحدود ~~الوسطى معدة بنحو أشد تأكيدا لقبول النتيجة وإن كان الأول ~~على سبيل والثانى على سبيل أخرى كما ستقف عليه، فتكون النفس ~~الناطقة إذا وقعت لها نسبة ما إلى هذه الصورة بتوسط إشراق العقل ~~الفعال حدث منها فيها شىء من جنسها من وجه وليس من جنسها ~~من وجه كما أنه إذا وقع الضوء على الملونات فعل فى البصر منها ~~أثرا ليس على جملتها من كل وجه، فالخيالات التى هى معقولات ~~بالقوة تصير معقولات بالفعل لا أنفسها بل ما يلتقط عنها، بل ~~كما أن الأثر المتأدى بواسطة الضوء من الصور المحسوسة ليس هو ~~نفس تلك الصور بل شىء آخر مناسب لها يتولد بتوسط الضوء فى ~~القابل المقابل كذلك النفس الناطقة إذا طالعت تلك الصور ~~الخيالية واتصل بها نور العقل الفعال ضربا من الاتصال استعدت PageV01P235 ~~لأن تحدث فيها من ضوء العقل الفعال مجردات تلك الصور عن ~~الشوائب، # فأول ما يتميز عند العقل الإنسانى أمر الذاتى منها والعرضى وما ~~به تتشابه تلك الخيالات وما به تختلف، فتصير المعانى التى لا ~~تختلف تلك بها معنى واحدا فى ذات العقل بالقياس إلى التشابه، ~~لكنها فيها بالقياس إلى ما تختلف به تصير معانى كثيرة، فتكون ~~للعقل قدرة على تكثير الواحد من المعانى وعلى توحيد الكثير، أما ~~توحيد الكثير فمن وجهين، أحدهما بأن تصير المعانى الكثيرة ~~المختلفة فى المتخيلات بالعدد إذا كانت لا تختلف فى الحد معنى ~~واحدا، والوجه الثانى بأن يركب من معانى الأجناس والفصول معنى ~~واحدا بالحد، ويكون ms159 وجه التكثير بعكس هذين الوجهين، فهذه من ~~خواص العقل الإنسانى، وليس ذلك لغيره من القوى، فإنها تدرك ~~لكثير كثيرا كما هو والواحد واحدا كما هو، ولا يمكنها أن ~~تدرك الواحد البسيط بل الواحد من حيث هو جملة مركبة من أمور ~~وأعراضها، ولا يمكنها أن تفصل العرضيات وتنزعها من الذاتيات، ~~فإذا عرض الحس على الخيال والخيال على العقل صورة ما أخذ ~~العقل منها معنى، فإن عرض عليه صورة أخرى من ذلك النوع ~~وإنما هى أخرى بالعدد لم يأخذ العقل منها البتة صورة ما غير ~~ما أخذ إلا من جهة العرض الذى يخص هذا من حيث هو ذلك ~~العرض بأن يأخذه مرة مجردا ومرة مع ذلك العرض، ولذلك يقال PageV01P236 ~~إن زيدا وعمروا لهما معنى واحد فى الإنسانية ليس على أن الإنسانية ~~المقارنة لخواص عمرو هى بعينها الإنسانية التى تقارن خواص زيد ~~كأن ذاتا واحدا هى لزيد ولعمرو كما يكون بالصداقة أو بالملك ~~أو بغير ذلك، بل الإنسانية فى الوجود متكثرة، فلا وجود لإنسانية ~~واحدة مشترك فيها فى الوجود الخارج حتى تكون هى بعينها إنسانية ~~زيد وعمرو، وهذا نستبين فى الصناعة الحكمية، ولكن معنى ذلك ~~أن السابق من هذه إذا أفاد النفس صورة الإنسانية فإن الثانى لا ~~يفيد البتة شيئا، بل يكون المعنى المنطبع منهما فى النفس واحدا ~~هو عن الخيال الأول، ولا تأثير للخيال الثانى، فإن كل واحد منهما ~~كان يجوز أن يسبق فيفعل هذا الأثر بعينه فى النفس ليس كشخصى ~~إنسان وفرس، هذا، # ومن شأن العقل إذا أدرك أشياء فيها تقدم وتأخر أن يعقل ~~معها الزمان ضرورة، وذلك لا فى زمان بل فى آن، والعقل يعقل ~~الزمان فى آن، وأما تركيبه القياس والحد فهو يكون لا محالة فى ~~زمان، إلا أن تصوره النتيجة والمحدود يكون دفعة، # والعقل ليس عجزه عن تصور الأشياء التى هى فى غاية المعقولية ~~والتجريد عن المادة لأمر فى ذات تلك الأشياء ولا لأمر فى غريزة ~~العقل بل لأجل أن النفس مشغولة فى البدن بالبدن، فتحتاج فى ~~كثير ms160 من الأمور إلى البدن، فيبعدها البدن عن أفضل كمالاتها، ~~وليست العين إنما لا تطيق أن تنظر إلى الشمس لأجل أمر فى PageV01P237 ~~الشمس وأنها غير جلية بل لأمر فى جبلة بدنها، فإذا زال عن ~~النفس منا هذا الغمور وهذا العوق كان تعقل النفس لهذه أفضل ~~التعقلات للنفس وأوضحها والذها، ولأن كلامنا فى هذا الموضع إنما ~~هو فى أمر النفس من حيث هى نفس وذلك من حيث هى مقارنة ~~لهذه المادة فليس ينبغى لنا أن نتكلم فى أمر معاد النفس - ونحن ~~متكلمون فى الطبيعة - إلى أن ننتقل إلى الصناعة الحكمية وننظر ~~فيها فى الأمور المفارقة، وأما النظر فى الصناعة الطبيعية فيختص بما ~~يكون لائقا بالأمور الطبيعية، وهى الأمور التى لها نسبة إلى ~~المادة والحركة، بل نقول إن تصور العقل يختلف بحسب وجود ~~الأشياء، فالأشياء القوية جدا قد يقصر العقل عن إدراكها لغلبتها، ~~والأشياء الضعيفة الوجود جدا كالحركة والزمان والهيولى فقد يصعب ~~تصورها لأنها ضعيفة الوجود، والأعدام لا يتصورها العقل وهو بالفعل ~~مطلقا، لأن العدم يدرك من حيث لا يدرك الملكة، فيكون ~~مدرك العدم من حيث هو عدم والشر من حيث هو شر شىء هو ~~بالقوة وعدم كمال، فإن أدركه عقل فإنما يدركه لأنه بالإضافة ~~إليه بالقوة، فالعقول التى لا يخالطها ما بالقوة لا تعقل العدم ~~والشر من حيث هو عدم وشر ولا تتصورهما، وليس فى الوجود شىء ~~هو شر مطلقا، PageV01P238 ### | فصل 6 (فى مراتب أفعال العقل وفى أعلى مراتبها وهو العقل القدسى) # فنقول إن النفس تعقل بأن تأخذ فى ذاتها صورة المعقولات ~~مجردة عن المادة، وكون الصورة مجردة إما أن يكون بتجريد ~~العقل إياها، وإما أن يكون لأن تلك الصورة فى نفسها مجردة # عن المادة، فتكون النفس قد كفيت المؤونة فى تجريدها، ~~والنفس تتصور ذاتها وتصورها ذاتها يجعلها عقلا وعاقلا ~~ومعقولا، وأما تصورها لهذه الصور فلا يجعلها كذلك، فإنها فى ~~جوهرها فى البدن دائما بالقوة عقل وإن خرج فى أمور ما إلى ~~الفعل، وما يقال من أن ذات النفس تصير هى المعقولات ms161 فهو من ~~جملة ما يستحيل عندى، فإنى لست أفهم قولهم إن شيئا يصير ~~شيئا آخر ولا أعقل أن ذلك كيف يكون، فإن كان بأن يخلع صورة ~~ثم يلبس صورة أخرى ويكون هو مع الصورة الأولى شيئا ومع ~~الصورة الأخرى شيئا فلم يصر بالحقيقة الشىء الأول الشىء الثانى، ~~بل الشىء الأول قد بطل وإنما بقى موضوعه أو جزء منه، ~~وإن كان ليس كذلك فلننظر كيف يكون، فنقول إذا صار الشىء ~~شيئا آخر فإما أن يكون إذ هو قد صار ذلك الشىء موجودا أو ~~معدوما، فإن كان موجودا فالثانى الآخر إما أن يكون موجودا ~~أيضا أو معدوما، فإن كان موجودا فهما موجودان لا موجود ~~واحد، وإن كان معدوما فقد صار هذا الموجود شيئا معدوما PageV01P239 ~~لا شيئا آخر موجودا، وهذا غير معقول، وإن كان الأول قد عدم ~~فما صار شيئا آخر بل عدم هو وحصل شىء آخر، فالنفس كيف ~~تصير صور الأشياء؟، وأكثر ما هوس الناس فى هذا هو الذى صنف ~~لهم إيساغوجى، وكان حريصا على أن يتكلم بأقوال مخيلة شعرية ~~صوفية يقتصر منها لنفسه ولغيره على التخيل، ويدل على ذلك أهل ~~التمييز كتبه فى العقل والمعقولات وكتبه فى النفس، نعم إن صور ~~الأشياء تحل النفس وتحليها وتزينها وتكون النفس كالمكان لها ~~بتوسط العقل الهيولانى، ولو كانت النفس صارت صورة شىء من ~~الموجودات بالفعل، والصورة هى الفعل وهى بذاتها فعل، وليس ~~فى ذات الصورة قوة قبول شىء - إنما قوة القبول فى القابل للشىء ~~- وجب أن تكون النفس حينئذ لا قوة لها على قبول صورة أخرى ~~وأمر آخر، وقد نراها تقبل صورة أخرى غير تلك الصورة، فإن ~~كان ذلك الغير أيضا لا يخالف هذه الصورة فهو من العجائب، ~~فيكون القبول واللا قبول واحدا، وإن كان يخالفه فتكون النفس ~~لا محالة - إن كانت هى الصورة المعقولة - قد صارت غير ذاتها، ~~وليس من هذا شىء، بل النفس هى العاقلة، والعقل إما أن يعنى ~~به قوتها التى بها تعقل، أو يعنى به صور هذه المعقولات فى ~~نفسها، ms162 ولأنها فى النفس تكون معقولة فلا يكون العقل والعاقل ~~والمعقول شيئا واحدا فى أنفسنا، نعم هذا فى شىء آخر يمكن أن PageV01P240 ~~يكون على ما ستلمحه فى موضعه، وكذلك العقل الهيولانى إن عنى ~~به مطلق الاستعداد للنفس فهو باق فينا أبدا ما دمنا فى البدن، ~~وإن عنى بحسب شىء شىء فإن الاستعداد يبطل مع وجود ~~الفعل، # وإذ قد تقرر هذا فنقول إن تصور المعقولات على وجوه ثلاثة، ~~أحدها التصور الذى يكون فى النفس بالفعل مفصلا منظما، وربما ~~كان ذلك التفصيل والنظام غير واجب بل يصح أن يغير، ~~مثاله أنك إذا فصلت فى نفسك معانى الألفاظ التى يدل عليها قولك ~~"كل إنسان حيوان" وجدت كل معنى منها كليا لا يتصور إلا فى ~~جوهر غير بدنى، ووجدت لتصورها فيه تقديما وتأخيرا، فإن غيرت ~~ذلك حتى كان ترتيب المعانى المتصورة الترتيب المحاذى لقولك ~~"الحيوان محمول على كل إنسان" لم تشك أن هذا الترتيب من ~~حيث هو ترتيب معان كلية لم يترتب إلا فى جوهر غير بدنى، وإن ~~كان أيضا يترتب من وجه ما فى الخيال فمن حيث المسموع لا ~~من حيث المعقول، وكان الترتيبان مختلفين، والمعقول الصرف ~~منهما واحد، والثانى أن يكون قد حصل التصور واكتسب لكن ~~النفس معرضة عنه فليست تلتفت إلى ذلك المعقول، بل قد انتقلت ~~عنه مثلا إلى معقول آخر، فإنه ليس فى وسع أنفسنا أن تعقل ~~الأشياء معا دفعة واحدة، ونوع آخر من التصور، وهو مثل ما PageV01P241 ~~يكون عندك فى مسألة تسئل عنها مما علمته أو مما هو قريب ~~من أن تعلمه، فحضرك جوابها فى الوقت، وأنت متيقن بأنك ~~تجيب عنها مما علمته من غير أن يكون هناك تفصيل البتة، بل ~~إنما تأخذ فى التفصيل والترتيب فى نفسك مع أخذك فى الجواب ~~الصادر عن يقين منك بالعلم به قبل التفصيل والترتيب، # فيكون الفرق بين التصور الأول والثانى ظاهرا، فإن الأول كأنه ~~شىء قد أخرجته من الخزانة، وأنت تستعمله، والثانى كأنه شىء لك ~~مخزون متى شئت استعملته، والثالث يخالف الأول بأنه ms163 ليس شيئا ~~مرتبا فى الفكر البتة، بل هو كمبدأ لذلك مع مقارنته لليقين، ~~ويخالف الثانى بأنه لا يكون معرضا عنه بل منظورا إليه نظرا ما ~~بالفعل يقينا إذ تتخصص معه النسبة إلى بعض ما هو كالمخزون، فإن ~~قال قائل إن ذلك علم أيضا بالقوة ولكن قوة قريبة من الفعل فذلك ~~باطل، لأن لصاحبه يقينا بالفعل حاصلا لا يحتاج أن يحصله بقوة ~~بعيدة أو قريبة، فذلك اليقين لأنه متيقن أن هذا حاصل عنده، إذا ~~شاء علمه، فيكون تيقنه بالفعل بأن هذا حاصل تيقنا به بالفعل، ~~فإن الحصول حصول لشىء، فيكون هذا الشىء الذى نشير إليه ~~حاصلا بالفعل لأنه من المحال أن يتيقن أن المجهول بالفعل ~~معلوم عنده مخزون، فكيف يتيقن حال الشىء إلا والأمر هو من PageV01P242 ~~جهة ما يتيقنه معلوم، وإذا كانت الإشارة تتناول المعلوم بالفعل ~~من المتيقن بالفعل أن هذا عنده مخزون فهو بهذا النوع البسيط ~~معلوم عنده، ثم يريد أن يجعله معلوما بنوع آخر، ومن العجائب ~~أن هذا المجيب حين يأخذ فى تعليم غيره تفصيل ما هجس فى نفسه ~~دفعة يكون مع ما يعلمه يتعلم العلم بالوجه الثانى، فتترتب تلك ~~الصورة فيه مع ترتب ألفاظه، # فأحد هذين هو العلم الفكرى الذى إنما يستكمل به تمام ~~الاستكمال إذا ترتب وتركب والثانى هو العلم البسيط الذى ليس ~~من شأنه أن يكون له فى نفسه صورة بعد صورة ولكن هو واحد ~~عنه تفيض الصور فى قابل الصور، فذلك علم فاعل للشىء الذى ~~نسميه علما فكريا ومبدأ له، وذلك هو للقوة العقلية المطلقة من ~~النفس المشاكلة للعقول الفعالة، وأما التفصيل فهو للنفس من حيث ~~هى نفس، فما لم يكن له ذلك لم يكن له علم نفسانى، وأما ~~أنه كيف يكون للنفس الناطقة مبدأ غير النفس له علم غير علم ~~النفس فهو موضع نظر يجب عليك أن تعرفه من نفسك، واعلم أنه ~~ليس فى العقل المحض منهما تكثر البتة ولا ترتيب صورة فصورة ~~بل هو مبدأ لكل صورة تفيض عنه على النفس، وعلى هذا ms164 ينبغى أن PageV01P243 ~~تعتقد الحال فى المفارقات المحضة فى عقلها الأشياء، فإن عقلها هو ~~العقل الفعال للصور الخلاق لها لا الذى يكون للصور أو فى ~~صور النفس، فالنفس التى للعالم من حيث هى نفس فإن تصورها ~~هو التصور المرتب المفصل، فلذلك ليست بسيطة من كل وجه، وكل ~~إدراك عقلى فإنه نسبة ما إلى صورة مفارقة للمادة ولأعراضها المادية ~~على النحو المذكور، فللنفس ذلك بأنها جوهر قابل منطبع به، وللعقل ~~بأنه جوهر مبدأ فاعل خلاق، فما يخص ذاته من مبدئيته لها هو ~~عقليته بالفعل، وما يخص النفس من تصورها بها وقبولها لها ~~هو عقليتها بالفعل، # والذى ينبغى أن يعلم من حال الصور التى فى النفس هو ما ~~أقوله، أما المتخيلات وما يتصل بها فإنها إذا أعرض عنها النفس ~~كانت مخزونة فى قوى هى للخزن وليست بالحقيقة مدركة، وإلا ~~لكانت مدركة وخزانة معا، بل هى خزانة إذا رجعت القوة الدراكة ~~الحاكمة إليها وهى الوهم أو النفس أو العقل وجدتها حاصلة، فإن ~~لم تجدها احتاجت إلى استرجاع بتحسس أو بتذكر، ولولا هذا ~~العذر لكان من الواجب أن يشك فى أمر كل نفس إذا كانت ذاهلة ~~عن صورة أتلك الصورة موجودة أم ليست بموجودة إلا بالقوة، ~~ويتشكك فى أنها كيف ترتجع، وإذا لم تكن عند النفس فعند أى ~~شىء تكون؟ والنفس بأى شىء تصل حتى تعاود هذه الصورة؟ PageV01P244 ~~لكن النفس الحيوانية قد فرقت قواها، وجعلت لكل قوة آلة مفردة ~~فجعلت للصور خزانة قد يغفل عنها الوهم وللمعانى خزانة قد ~~يغفل عنها الوهم إذ ليس الوهم موضع ثبات هذه الأمور ولكن ~~الحاكم، فلنا أن نقول إن الوهم قد يطالع الصور والمعانى المخزونة ~~فى حيزى القوتين، وقد يعرض عنها، فماذا نقول الآن فى الأنفس ~~الإنسانية والمعقولات التى تكتسبها وتذهل عنها إلى غيرها ~~أتكون موجودة فيها بالفعل التام؟ فتكون لا محالة عاقلة لها ~~بالفعل التام، أو تكون لها خزانة تخزنها فيها، وتلك الخزانة إما ~~ذاتها وإما بدنها أو شىء بدنى لها، وقد قلنا إن بدنها وما ~~يتعلق ببدنها ms165 مما لا يصلح لذلك إذ لم يصلح أن يكون محلا ~~للمعقولات ولا صلح أن تكون الصور العقلية ذات وضع، وكان ~~اتصالها بالبدن يجعلها ذات وضع، وإذا صارت فى البدن ذات ~~وضع بطل أن تكون معقولة، أو نقول إن هذه الصور العقلية أمور ~~قائمة فى أنفسها كل صورة منها نوع أمر قائم فى نفسه، والعقل ~~بنظرإليها مرة ويغفل عنها أخرى، فإذا نظر إليها تمثلت فيه، ~~وإذا أعرض عنها لم تتمثل، فتكون النفس كمرآة وهى كأشياء ~~خارجة، فتارة تلوح فيها وتارة لا تلوح، وذلك بحسب نسب تكون ~~بين النفس وبينها، أو يكون المبدأ الفعال يفيض على النفس صورة ~~بعد صورة بحسب طلب النفس وأن يكون إذا أعرضت عنه انقطع PageV01P245 ~~الفيض، فإن كان هذا هكذا فلم لا تحتاج كل كرة إلى تعلم من ~~رأس_ # فنقول إن الحق هو القسم الأخير، وذلك أنه من المحال أن نقول ~~إن هذه الصورة موجودة فى النفس بالفعل التام ولا تعقلها بالفعل ~~التام إذ ليس معنى أنها تعقلها إلا أن الصورة موجودة فيها، ومحال ~~أن يكون البدن لها خزانة، ومحال أن تكون ذاتها خزانتها إذ ليس ~~كونها خزانة لها إلا أن تلك الصورة معقولة موجودة فيها، وبهذا ~~تعقلها، وليس كذلك الذكر والمصورة فإن إدراك هذه الصورة ليس ~~لها بل حفظها فقط، وإنما إدراكها لقوة أخرى، وليس وجود الصور ~~المذكورة والمصورة فى شىء هو إدراك كما ليس وجود الصور ~~المحسوسة فى شىء هو حس، ولذلك ليست الأجسام - وفيها صور ~~المحسوسات - بمدركة، بل الإدراك يحتاج أن يكون لما من شأنه ~~أن يتطبع بتلك الصور تطبعا ما بما هو قوة مدركة، وأما ~~الذكر والمصورة فإنما تنطبع فيها الصور بما هى آلة، ولها جسم ~~يحفظ تلك الصور قريبا من حامل القوة الدراكة وهى الوهم، ~~حتى ينظر إليها متى شاء كما يحفظ الصور المحسوسة قريبا من الحس ~~ليتأملها الحس متى شاء، فهذا التأويل يحتمله الذكر والمصورة ولا ~~تحتمله النفس، فإن وجود الصورة المعقولة فى النفس هو نفس PageV01P246 ~~إدراكها لها، وأيضا سنبين بعد فى ms166 الحكمة الأولى أن هذه الصورة ~~لا تقوم منفردة، فبقى أن يكون القسم الصحيح هو القسم الأخير، ~~ويكون التعلم طلب الاستعداد التام للاتصال به حتى يكون منه ~~العقل الذى هو البسيط، فتفيض منه الصور مفصلة فى النفس بتوسط ~~الفكرة، فيكون الاستعداد قبل التعلم ناقصا والاستعداد بعد التعلم ~~تاما، فإذا تعلم يكون من شأنه أنه إذا خطر باله ما يتصل ~~بالمعقول المطلوب وأقبلت النفس على جهة النظر - وجهة النظر ~~هو الرجوع إلى المبدأ الواهب للعقل - اتصل به، ففاضت منه ~~قوة العقل المجرد الذى يتبعه فيضان التفصيل، وإذا أعرض عنه ~~عادت فصارت تلك الصورة بالقوة ولكن قوة قريبة جدا من الفعل، ~~فيكون التعلم الأول كمعالجة العين، فإذا صارت العين صحيحة فمتى ~~شاءت نظرت إلى الشىء الذى منه تأخذ صورة ما، وإذا أعرضت عن ~~ذلك الشىء صار ذلك بالقوة القريبة من الفعل، وما دامت النفس ~~البشرية العامية فى البدن فإنه ممتنع عليها أن تقبل العقل الفعال ~~دفعة، بل يكون حالها ما قلنا، وإذا قيل إن فلانا عالم بالمعقولات ~~فمعناه أنه بحيث كلما شاء أحضر صورته فى ذهن نفسه، ومعنى هذا ~~أنه كلما شاء كان له أن يتصل بالعقل الفعال اتصالا يتصور فيه منه ~~ذلك المعقول ليس أن ذلك المعقول حاضر فى ذهنه ومتصور فى عقله ~~بالفعل دائما، ولا كما كان قبل التعلم وتحصيل هذا الضرب من ~~العقل بالفعل، وهو القوة تحصل للنفس أن تعقل بها ما تشاء PageV01P247 ~~فإذا شاءت اتصلت وفاض فيها الصورة المعقولة، وتلك الصورة هى ~~العقل المستفاد بالحقيقة، وهذه القوة هى العقل بالفعل فينا من ~~حيث لنا أن نعقل، وأما العقل المستفاد فهو العقل بالفعل من حيث ~~هو كمال، وأما التصور للأمور المتخيلة فهو رجوع من النفس إلى ~~الخزائن للمحسوسات، والأول نظر إلى فوق وهذا نظر إلى أسفل، ~~فإن خلص عن البدن وعوارض البدن فحينئذ يجوز أن يتصل بالعقل ~~الفعال تمام الاتصال، ويلقى هناك الجمال العقلى واللذة السرمدية ~~كما نتكلم عليه فى بابه، # واعلم أن التعلم سواء حصل من غير المتعلم أو ms167 حصل من ~~نفس المتعلم فإنه متفاوت فيه، فإن من المتعلمين من يكون ~~أقرب إلى التصور لأن استعداده الذى قبل الاستعداد الذى ذكرناه ~~أقوى، فإن كان ذلك للإنسان فيما بينه وبين نفسه سمى هذا ~~الاستعداد القوى حدسا، وهذا الاستعداد قد يشتد فى بعض الناس ~~حتى لا يحتاج فى أن يتصل بالعقل الفعال إلى كثير شىء وإلى ~~تخريج وتعليم، بل يكون شديد الاستعداد لذلك كأن الاستعداد ~~الثانى حاصل له، بل كأنه يعرف كل شىء من نفسه، وهذه ~~الدرجة أعلى درجات هذا الاستعداد، ويجب أن تسمى هذه الحالة ~~من العقل الهيولانى عقلا قدسيا، وهى شىء من جنس العقل ~~بالملكة إلا أنه رفيع جدا ليس مما يشترك فيه الناس كلهم، ولا يبعد PageV01P248 ~~أن يفيض بعض هذه الأفعال المنسوبة إلى الروح القدسية لقوتها ~~واستعلاءها فيضانا على المتخيلة فتحاكيها المتخيلة أيضا بأمثلة ~~محسوسة ومسموعة من الكلام على النحو الذى سلفت الإشارة إليه، ~~ومما يحقق هذا أن من المعلوم الظاهر أن الأمور المعقولة التى ~~يتوصل إلى اكتسابها إنما تكتسب بحصول الحد الأوسط فى القياس، ~~وهذا الحد الأوسط قد يحصل ضربين من الحصول، فتارة يحصل ~~بالحدس، والحدس هو فعل للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط، ~~والذكاء قوة الحدس، وتارة يحصل بالتعليم، ومبادى التعليم ~~الحدس، فإن الأشياء تنتهى لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب ~~تلك الحدوس، ثم أدوها إلى المتعلمين، فجائز إذا أن يقع للإنسان ~~بنفسه الحدس وأن ينعقد فى ذهنه القياس بلا معلم، وهذا مما ~~يتفاوت بالكم والكيف، أما فى الكم فلأن بعض الناس يكون أكثرعدد ~~حدس للحدود الوسطى، وأما فى الكيف فلأن بعض الناس أسرع ~~زمان حدس، ولأن هذا التفاوت ليس منحصرا فى حد بل يقبل ~~الزيادة والنقصان دائما وينتهى فى طرف النقصان إلى من لا حدس ~~له البتة فيجب أن ينتهى أيضا فى طرف الزيادة إلى من له حدس ~~فى كل المطلوبات أو أكثرها وإلى من له حدس فى أسرع وقت ~~وأقصره، فيمكن إذا أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس ~~بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادى ms168 العقلية إلى أن يشتعل ~~حدسا، أعنى قبولا لها من العقل الفعال فى كل شىء وترتسم فيه ~~الصور التى فى العقل الفعال إما دفعة وإما قريبا من دفعة ارتساما PageV01P249 ~~لا تقليديا بل بترتيب يشتمل على الحدود الوسطى، فإن التقليديات ~~فى الأمور التى إنما تعرف بأسبابها ليست يقينية عقلية، وهذا ~~ضرب من النبوة بل أعلى قوى النبوة، والأولى أن تسمى هذه القوة ~~قوة قدسية، وهى أعلى مراتب القوى الإنسانية، ### | فصل 7 (فى عد المذاهب الموروثة عن القدماء فى أمر النفس وأفعالها وأنها واحدة أو كثيرة وتصحيح القول الحق فيها) # إن المذاهب فى ذات النفس وفى أفعالها مختلفة، فمنها قول ~~من زعم أن النفس ذات واحدة وأنها تفعل جميع الأفعال بنفسها ~~باختلاف الآلات، ومن هؤلآء من زعم أن النفس عالمة بذاتها ~~تعلم كل شىء وإنما تستعمل الحواس والآلات المقربة للمدركات ~~منها بسبب أن تتنبه به لما فى ذاتها، ومنهم من قال إن ~~ذلك على سبيل التذكر لها فكأنها عرض لها عنده أن نسيت، ~~ومن الفرقة الأولى من قال إن النفس ليست واحدة بل عدة وإن ~~النفس التى فى بدن واحد هى مجموع نفوس، نفس حساسة دراكة ~~ونفس غضبية ونفس شهوانية، فمن هؤلاء من جعل النفس الشهوانية ~~هى النفس الغذائية، وجعل موضعها القلب، وجعل لها شهوة ~~الغذاء والتوليد جميعا، ومنهم من جعل التوليد لقوة من هذا ~~الجزء من أجزاء النفس فائضة إلى الأنثيين فى الذكر والأنثى، PageV01P250 ~~ومنهم من جعل النفس ذاتا واحدة، وتفيض عنها هذه القوى، ~~وتختص كل قوة بفعل، وأنها إنما تفعل ما تفعل من الأمور ~~المذكورة بتوسط هذه القوى، # فمن قال إن النفس واحدة فعالة بذاتها احتج بما سيحتج به ~~أصحاب المذهب الآخر مما نذكره، ثم قال فإذا كانت واحدة ~~غير جسم استحال أن تنقسم فى الآلات وتتكثر، فإنها حينئذ تصير ~~صورة مادية، وقد ثبت عندهم أنها جوهر مفارق بقياسات لا حاجة ~~لنا إلى تعدادها ههنا، قالوا فهى بنفسها تفعل ما تفعل بآلات ~~مختلفة، والذين قالوا من هؤلآء إن النفس علامة بذاتها ms169 احتجوا ~~وقالوا لأنها إن كانت جاهلة عادمة للعلوم فإما أن يكون ذلك لها ~~لجوهرها أو يكون عارضا لها، فإن كان لجوهرها استحال أن تعلم ~~البتة، وإن كان عارضا لها فالعارض يعرض على الأمر الموجود ~~للشىء، فيكون موجودا للنفس أن تعلم الأشياء لكن عرض لها أن ~~جهلت بسبب، فيكون السبب إنما يتسبب للجهل لا للعلم، ~~فإذا رفعنا الأسباب العارضة بقى لها الأمر الذى فى ذاتها، ثم ~~إذا كان الأمر الذى لها فى ذاتها هو أن تعلم فكيف يجوز أن ~~يعرض لها بسبب من الأسباب أن تصير لا تعلم وهى بسيطة ~~روحانية لا تنفعل؟، بل يجوز أن يكون عندها العلم وتكون ~~معرضة عنه مشغولة إذا نبهت علمت، وكان معنى التنبيه ردها ~~إلى ذاتها وإلى حال طبيعتها، فتصادف نفسها عالمة بكل شىء، ~~وأما أصحاب التذكر فإنهم احتجوا وقالوا إنه لو لم تكن النفس ~~علمت وقتا ما تجهله الآن وتطلبه لكانت إذا ظفرت به لم تعلم أنه PageV01P251 ~~المطلوب كطالب العبد الآبق، وقد فرغنا عن ذكر هذا فى ~~موضع آخر وعن نقضه، والذين كثروا النفس فقد احتجوا وقالوا ~~كيف يمكننا أن نقول إن الأنفس كلها نفس واحدة، ونحن نجد ~~النبات وله النفس الشهوانية أعنى التى ذكرناها فى هذا الفصل ~~وليس له النفس المدركة الحاسة المميزة، فتكون لا محالة هذه ~~النفس شيئا منفردا بذاته دون تلك النفس، ثم نجد الحيوان وله ~~هذه النفس الحساسة الغضبية، ولا تكون هناك النفس النطقية ~~أصلا، فتكون هذه النفس البهيمية نفسا على حدة، فإذا اجتمعت ~~هذه الأمور فى الإنسان علمنا أنه قد اجتمع فيه أنفس متباينة مختلفة ~~الذوات قد يفارق بعضها بعضا، فلذلك تختص كل واحدة منها ~~بموضع، فيكون للمميزة الدماغ ويكون للغضبية الحيوانية القلب ~~ويكون للشهوانية الكبد، # فهذه هى المذاهب المشهورة فى أمر النفس، وليس يصح منها ~~إلا المذهب الأخير مما عد أولا، فلنبين صحته ثم لنقبل على ~~حل الشبه التى أوردوها، فنقول قد بان مما ذكرناه أن الأفعال ~~المتخالفة هى لقوى متخالفة وأن كل قوة من حيث هى فإنما ms170 هى ~~كذلك من حيث يصدر عنها الفعل الأول الذى لها، فتكون القوة ~~الغضبية لا تنفعل من اللذات ولا الشهوانية من المؤذيات ولا ~~تكون القوة المدركة متأثرة مما تتأثر هاتان عنه، ولا شىء PageV01P252 ~~من هاتين من حيث هما قابل للصورة المدركة متصور لها، ~~فإذا كان هذا أمرا متقررا فنقول إنه يجب أن يكون لهذه القوى ~~رباط يجمعها كلها فتجتمع إليه، وتكون نسبته إلى هذه القوى ~~نسبة الحس المشترك إلى الحواس التى هى الرواضع، فإنا نعلم ~~يقينا أن هذه القوى يشغل بعضها بعضا، وقد عرفت هذا فى ما ~~سلف لك، ولو لم يكن رباط يستعمل هذه فيشتغل ببعضها عن ~~بعض فلا يستعمل ذلك البعض ولا يدبره لما كان بعضها يمنع ~~بعضا عن فعله بوجه من الوجوه ولا ينصرف عنه، لأن فعل قوة ~~من القوى إذا لم يكن لها اتصال بقوة أخرى لا يمنع القوة ~~الأخرى عن فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ولا المحل مشتركا ولا ~~أمر يجمعهما غير ذلك مشتركا، كيف ونحن نرى أن الإحساس ~~يثير الشهوة والقوة الشهوانية لا تنفعل من المحسوس من حيث ~~هو محسوس، فإن انفعل لا من حيث هو محسوس لم يكن الانفعال ~~الذى يكون لشهوة ذلك المحسوس، فيجب لا محالة أن يكون ~~هو الذى يحس، وليس يجوز أن تكون القوتان واحدة، فبين أن ~~القوتين لشىء واحد، فلهذا يصدق أن نقول "إنا لما أحسسنا ~~اشتهينا" و" لما رأينا كذا غضبنا" # وهذا الشىء الواحد الذى تجتمع فيه هذه القوى هو الشىء ~~الذى يراه كل منا ذاته حتى يصدق أن يقول "لما أحسسنا PageV01P253 ~~اشتهينا" وهذا الشىء لا يجوز أن يكون جسما، أما أولا فلأن ~~الجسم بما هو جسم ليس يلزمه أن يكون مجمع هذه القوى وإلا ~~كان كل جسم له ذلك بل لأمر به يصير كذلك، ويكون ذلك ~~الأمر هو الجامع الأول، وهو كمال الجسم من حيث هو مجمع، ~~وهو غير الجسم، فيكون إذا المجمع هو شىء غير جسم، وهو ~~النفس، وأما ثانيا فقد تبين أن من هذه القوى ms171 ما ليس يجوز أن ~~يكون جسمانيا مستقرا فى جسم، فإن تشكك فقيل إنه إن جاز أن ~~تكون هذه القوى لشىء واحد مع أنها لا تجتمع معا فيه إذ بعضها ~~لا يحل الأجسام وبعضها يحلها فتكون مع افتراقها من غير أن ~~تكون بصفة واحدة منسوبة إلى شىء واحد فلم لا يكون كذلك ~~الآن ويكون كلها منسوبة إلى جسم أو جسمانى؟ فنقول لأن هذا ~~الذى ليس بجسم يجوز أن يكون منبع القوى، فيفيض عنه ~~بعضها فى الآلة وبعضها يختص بذاته، وكلها يؤدى إليه نوعا ~~من الأداء، واللواتى تكون فى الآلة تجتمع فى مبدأ يجمعها فى ~~الآلة ذلك المبدأ، وهو فائض عن الغنى عن الآلة كما نبين ~~حاله بعد فى حل الشبه، وأما الجسم فلا يمكن أن تكون هذه ~~القوى كلها فائضة منه، فإن نسبة القوى إلى الجسم ليس على ~~سبيل الفيضان بل على سبيل القبول، والفيضان يجوز أن يكون ~~على سبيل مفارقة للفيض عن المفيض، والقبول لا يجوز أن ~~يكون على تلك السبيل، PageV01P254 # وأما ثالثا فإن هذا الجسم إما أن يكون جملة البدن فيكون إذا ~~نقص منه شىء لا يكون ما نشعر به أنا نحن موجودا، وليس كذلك، ~~فإنى أكون أنا وإن لم أعرف أن لى يدا ورجلا أو عضوا من هذه ~~الأعضاء على ما سلف ذكره فى مواضع أخرى، بل أظن أن هذه ~~توابعى وأعتقد أنها آلات لى أستعملها فى حاجات لولا تلك الحاجات ~~لما احتيج إليها لى، وأكون أيضا أنا أنا وليست هى، ولنعد ما ~~سلف ذكره منا فنقول لو خلق إنسان دفعة واحدة وخلق متباين ~~الأطراف ولم يبصر أطرافه واتفق أن لم يمسها ولا تماست ولم ~~يسمع صوتا جهل وجود جميع أعضائه وعلم وجود أنيته شيئا واحدا ~~مع جهل جميع ذلك، وليس المجهول بعينه هو المعلوم، وليست هذه ~~الأعضاء لنا فى الحقيقة إلا كالثياب التى صارت لدوام لزومها إيانا ~~كأجزاء منا عندنا، وإذا تخيلنا أنفسنا لم نتخيلها عراة، بل ~~تخيلناها ذوات أجسام كاسية، والسبب فيه دوام الملازمة، إلا ~~أنا ms172 قد اعتدنا فى الثياب من التجريد والطرح ما لم نعتد فى الأعضاء، ~~فكان ظننا الأعضاء أجزاء منا أكد من ظننا الثياب أجزاء منا، ~~وأما إن لم يكن ذلك جملة البدن بل كان عضوا مخصوصا، فيكون ~~ذلك العضو هو الشىء الذى أعتقد أنه لذاته أنا، أو يكون معنى ما PageV01P255 ~~أعتقده أنه أنا ليس هو ذلك العضو وإن كان لا بد له من العضو، ~~فإن كان ذات ذلك العضو وهو كونه قلبا أو دماغا أو شيئا آخر أو ~~عدة أعضاء بهذه الصفة هويتها أو هوية مجموعها هو الشىء الذى ~~أشعر به أنه أنا فيجب أن يكون شعورى بأنا هو شعورى بذلك ~~الشىء، فإن الشىء لا يجوز من جهة واحدة أن يكون مشعورا به ~~وغير مشعور به، وليس الأمر كذلك، فإنى إنما أعرف أن لى قلبا ~~ودماغا بالإحساس والسماع والتجارب لا لأنى أعرفه أنى أنا، فيكون ~~إذن ليس ذلك العضو لنفسه الشىء الذى أشعر به أنه أنا بالذات، ~~بل يكون بالعرض أنا، ويكون المقصود بما أعرفه منى أنى أنا الذى ~~أعنيه فى قولى "أنا أحسست وعقلت وفعلت وجمعت هذه الأوصاف" ~~شيئا آخر هو الذى أسميه أنا، فإن قال هذا القائل إنك أيضا ~~لا تعرفه أنه نفس فأقول إنى دائما أعرفه على المعنى الذى أسميه ~~النفس، وربما لا أعرف تسميته باسم النفس، فإذا فهمت ما أعنى ~~بالنفس فهمت أنه ذلك الشىء وأنه المستعمل للآلات من المحركة ~~والدراكة، وإنما لا أعرف ما دمت لا أفهم معنى النفس، وليس ~~كذلك حال قلب ولا دماع، فإنى أفهم معنى القلب والدماغ ولا ~~أعلم ذلك، فإنى إذا عنيت بالنفس أنه الشىء الذى هو مبدأ هذه ~~الحركات والإدراكات التى لى ومنتهاها فى هذه الجملة عرفت أنه إما ~~أن يكون بالحقيقة أنا أو يكون هو أنا مستعملا لهذا البدن، فكأنى ~~الآن لا أقدر أن أميز الشعور بأنا مفردا عن مخالطة الشعور بأنه PageV01P256 ~~مستعمل للبدن ومقارن للبدن، وأما أنه جسم أو ليس بجسم فليس ~~يجب عندى أن يكون جسما ولا يتخيل هو ms173 لى جسما من الأجسام ~~البتة، بل يتخيل لى وجوده فقط من غير جسمية، فيكون قد فهمت ~~من جهة أنه ليس بجسم إذا لم أفهم له الجسمية مع أنى فهمته، ~~ثم إذا حققت فإنى كلما عرضت جسمية لهذا الشىء الذى هو مبدأ ~~هذه الأفعال لم يجز أن يكون ذلك الشىء جسما، فبالحرى أن ~~يكون تمثله الأول فى نفسى أنه شىء مخالف لهذه الظواهر وأن ~~تغلطنى مقارنة الآلات ومشاهدتها وصدور الأفعال عنها، فأظن أنها ~~كالأجزاء منى، وليس إذا غلط فى شىء وجب له حكم، بل الحكم ~~لما يلزم أن يعقل، وليس إذا كنت طالبا لوجوده ولكونه غير جسم ~~فقد كنت جاهلا بهذا جهلا مطلقا، بل كنت غافلا عنه، وكثيرا ما ~~يكون العلم بالشىء قريبا فيغفل عنه ويصير فى حد المجهول، ويطلب ~~من موضع أبعد، وربما كان العلم القريب جاريا مجرى التنبيه ~~وكان مع خفة المؤونة فيه كالمذهوب عنه، فلا ترجع الفطنة إلى ~~طريقه لضعف الفهم فيحتاج أن يؤخذ فيه مأخذ بعيد، فبين ~~من هذا أن لهذه القوى مجمعا هو الذى يؤدى كلها إليه، وأنه غير ~~جسم وإن كان مشاركا للجسم أو غير مشارك، # وإذ قد بينا صحة هذا الرأى فيجب أن نحل الشبه المذكورة، PageV01P257 ~~أما الشبهة الأولى فنقول إنه ليس يجب إذا كانت النفس واحدة الذات ~~أن لا تفيض عنها فى أعضاء مختلفة قوى مختلفة، بل من الجائز أن ~~يكون أول ما يفيض عنها فى البزر والمنى قوة الإنشاء، فتنشىء ~~أعضاء على حسب موافقة أفعال تلك القوة، ويستعد كل عضو لقبول ~~قوة خاصة لتفيض عنها، ولولا ذلك لكان خلق البدن معطلا ~~لها، وأما من تشكك فجعل النفس عالمة لذاتها فهو فاسد، فإنه ~~ليس يجب إذا كان جوهر النفس خاليا بذاته عن العلم أن يستحيل ~~له وجود العلم، فإنه فرق بين أن يقال إن جوهر الشىء باعتبار ذاته ~~لا يقتضى العلم وبين أن يقال إن جوهره بذلك الاعتبار يقتضى أن لا ~~يعلم، فإن لزوم الجهل مع كل واحد من القولين مختلف، فإنا وإن ms174 ~~سلمنا أن النفس بجوهرها جاهلة فإنما نعنى أن جوهرها إذا انفرد ولم ~~يتصل به سبب من خارج لزمه الجهل بشرط الانفراد مع شرط الجوهر ~~لا بشرط الجوهر وحده، ولسنا نعنى بهذا أن جوهرها جوهر لا يعرى ~~عن الجهل، وإن لم نسلم بل قلنا إن ذلك أمر عارض لها فليس ~~يجب أن يكون مثل هذا العارض واردا على الأمر الطبيعى، فإنه ~~ليس إذا قلنا إن الخشبة خالية عن صورة السريرية وإن ذلك ~~الخلو ليس لجوهرها بل أمر عارض لها جائز الزوال كان هذا ~~القول كأنك تقول يجب أن يكون قد كانت فيها صورة السريرية PageV01P258 ~~ثم انفسخت، ومن المحال أيضا ما قاله المتشكك من ارتداد الشىء ~~إلى ذاته، فإن الشىء لا يغيب البتة عن ذاته، بل ربما قيل إنه ~~قد يغيب عن أفعال قد تختص بذاته وتتم بذاته وحدها، وإنما ~~يتوسع فيقال هذا لأن هذه الأفعال لا تكون موجودة له، بل لا ~~تكون موجودة أصلا، وأما ذاته فكيف تكون غير موجودة لنفسها، ~~وبالحقيقة فإن أفعاله لا يجوز أن يقال فيها أنه يغيب عنها، لأن ~~الغائب هو موجود فى نفسه غير موجود للشىء، وهذه الأفعال ليست ~~موجودة أصلا إلا وقت ما يوجدها، فلا يكون غائبا عنها، وأما ذات ~~الشىء فلا يغيب الشىء عنها ولا يرجع إليها، # وأما أصحاب التذكر فقد نقض احتجاجهم فى الصناعة الآلية، ~~وأما حجة هؤلآء الذين يجزؤون النفس فقد أخذ فيها مقدمات ~~باطلة، من ذلك قولهم إنه توجد النفس النباتية مفارقة للحساسة، ~~فيجب أن يكون فى الإنسان شىء آخر غيره، فإن هذه المقدمة ~~سوفسطائية، وذلك لأن المفارقة تتوهم على وجوه، والتى نحتاج ~~إليها هاهنا وجهان، أحدهما أنه قد يتوهم لها مفارقة كما ~~للون عن البياض وللحيوان عن الإنسان إذ توجد هذه الطبيعة فى ~~غير البياض وتلك فى غير الإنسان بأن يقارن كل فصلا آخر، وقد ~~تتوهم مفارقة كما للحلاوة المقارنة للبياض فى جسم، فإنها قد ~~توجد مفارقة له، فتكون الحلاوة والبياض قوتين مختلفتين لا يجمعهما ~~شىء، وأليق المفارقات بالنفس النباتية ms175 للنفس الحساسة هو القسم ~~الأول، وذلك لأن النفس النباتية الموجودة فى النخلة لا تشارك PageV01P259 ~~القوة النامية الموجودة فى الإنسان البتة فى النوع، فإن تلك القوة ~~ليست بحيث تصلح لأن تقارن النفس الحيوانية البتة، ولا القوة ~~النامية التى للحيوان تصلح لأن تقارن النفس النخلية، ولكن ~~يجمعهما معنى واحد وهو أن كل واحدة منهما تغذى وتنمى وتولد ~~وإن كانت بعد ذلك تنفصل بفصل مقوم منوع لا بعرض فقط، ~~والمعنى الموجود فيهما جميعا هو جنس القوة النباتية التى للإنسان، ~~ويفارق على جهة ما يفارق المعنى الجنسى، ونحن لا نمنع أن يوجد ~~جنس هذه القوى لأشياء أخرى، وليس ذلك أنه يجب ان لا تجتمع ~~هذه القوى فى الإنسان لنفس واحدة، بل ليس يجب من ذلك أن ~~لا تكون الطبيعة النامية الموجودة فى الحيوان مقولة على نفس ~~الحيوانية التى له حتى تكون نفسه الحيوانية هى تلك القوة كما أن ~~الإنسان ليس شيئا غير حصته فى جنس الحيوانية، وهذا شىء قد تحقق ~~لك فى المنطق، فهذا ليس يوجب أن تكون النفس النامية التى ~~فى الإنسان غير النفس الحيوانية فضلا عن أن تكونا قوتى نفس ~~واحدة، فليس إذا النباتية التى فى الإنسان توجد البتة مفارقة ~~بنوعها للإنسان، واحتجاجهم غير منتفع به إذا كانت القوة لا تفارق ~~بنوعيتها بل بجنسيتها، وهما مختلفتان، ومع ذلك فلنضع القوة ~~النباتية فى الحيوان مخالفة للقوة الحيوانية فيه كأن كل واحدة منهما ~~نوع محصل منفرد بنفسه وليس أحدهما الآخر ولا مقولا عليه، فما PageV01P260 ~~فى ذلك مما يمنع أن تكون القوتان جميعا فى الحيوان لنفس الحيوان، ~~كما أنه ليس إذا وجدت الرطوبة فى غير الهواء وليست مقارنة للحرارة ~~يجب من ذلك أن لا تكون الرطوبة والحرارة فى الهواء لصورة واحدة ~~أو لمادة واحدة، وليس إذا كانت حرارة توجد غير صادرة عن ~~الحركة بل عن حرارة أخرى يجب من ذلك أن الحرارة فى موضع ~~آخر ليست تابعة للحركة، # ونقول ليس يمتنع أن تكون هذه القوى متغايرة بالنوع أيضا ~~وتنسب إلى ذات واحدة هى فيها، فأما ms176 كيفية تصور هذا فهو ~~أن الأجسام العنصرية يمنعها صرفية التضاد عن قبول الحياة، فكلما ~~أمعنت فى هدم طرف من التضاد ورده إلى التوسط الذى لا ضد ~~له جعلت تضرب إلى شبه بالأجسام السماوية، فتستحق بذلك ~~قبول قوة محيية من الجوهر المفارق المدبر، ثم إذا ازدادت قربا ~~من التوسط ازدادت قبول حياة حتى تبلغ الغاية التى لا يمكن أن ~~يكون أقرب منها إلى التوسط ولا أهدم منها للطرفين المتضادين، ~~فتقبل جوهرا مقارب الشبه من وجه ما للجوهر المفارق كما للجواهر ~~السماوية، فيكون حينئذ ما كان يحدث فى غيره من المفارق يحدث ~~فيه من نفس هذا الجوهر المقبول المتصل به الجوهر، ومثال هذا ~~فى الطبيعيات لنتوهم مكان الجوهر المفارق نارا أو شمسا ومكان ~~البدن جرما يتأثر عن النار، وليكن كرة ما، وليكن مكان النفس ~~النباتية تسخينها إياها ومكان النفس الحيوانية إنارتها فيها ومكان ~~النفس الإنسانية إشعالها فيها نارا، فنقول إن ذلك الجرم المتأثر PageV01P261 ~~كالكرة إن كان ليس وضعه من ذلك المؤثر فيه وضعا يقبل ~~الاشتعال منه نارا ولا إضاءته وإنارته ولكن وضعا يقبل تسخينه لم ~~يقبل غير ذلك، فإن كان وضعه وضعا يقبل تسخينه ومع ذلك هو ~~مكشوف له أو مستشف أو على نسبة إليه يستنير بها عنه استنارة ~~قوية فإنه يسخن عنه ويستضىء معا، ويكون الضوء الواقع فيه منه ~~هو مبدأ أيضا مع ذلك المفارق لتسخينه، فإن الشمس إنما تسخن ~~بالشعاع، ثم إن كان الاستعداد أشد وهناك ما من شأنه أن يشتعل ~~من المؤثر الذى من شأنه أن يحرق بقوته أو شعاعه اشتعل فحدثت ~~الشعلة جرما شبيها بالمفارق من وجه، وتكون تلك الشعلة أيضا مع ~~المفارق علة للتنوير والتسخين معا حتى لو بقيت وحدها لاستتم أمر ~~التنوير والتسخين، ومع هذا فقد كان يمكن أن يوجد التسخين وحده ~~أو التسخين والتنوير وحدهما ولم يكن المتأخر منهما مبدأ يفيض عنه ~~المتقدم، وكان إذا اجتمعت الجملة يصير حينئذ كل ما فرض متأخرا ~~مبدأ أيضا للمتقدم وفائضا عنه المتقدم، فهكذا فليتصور الحال فى ~~القوى النفسانية، ms177 وسيأتى فى بعض الفنون المتأخرة ما يشرح صورة ~~الأمر فى هذا حيث نتكلم فى تولد الحيوان، ### | فصل 8 (فى بيان الآلات التى للنفس) # وبالحرى أن نتكلم الآن فى الآلات التى للنفس، فنقول إنه قد ~~أفرط الناس فى أمر الأعضاء التى تتعلق بها القوى الرئيسة من PageV01P262 ~~النفس إفراطا فى جنبتى اللجاج، وركنوا إلى تعسف كثير وتعصب ~~شديد مال إليه كل واحد من الفريقين حتى خرج من الحق، ~~وأكثرهم غلطا من جعل النفس ذاتا واحدة وقضى مع ذلك أن ~~الأعضاء الرئيسة كثيرة، فإنه لما خالف فيه الفلاسفة القائلة بتكثر ~~أجزاء النفس ووافق من قال بوحدانيتها لم يعلم أنه يلزمه أن ~~يجعل العضو الرئيس واحدا، وهو الذى يكون به أول تعلق ~~النفس، وأما المكثرون لأجزاء النفس فما عليهم أن يجعلوا لكل ~~جزء منها معدنا مخصوصا ومركزا مفردا، # فنقول أولا إن القوى النفسانية البدنية مطيتها الأولى جسم لطيف ~~نافذ فى المنافذ روحانى، وإن ذلك الجسم هو الروح، وإنه لولا ~~أن قوى النفس المتعلقة بالجسم تنفذ محمولة فى جسم لما كان سد ~~المسالك حابسا لنفوذ القوى المحركة والحساسة والمتخيلة أيضا، وهو ~~حابس ظاهر الحبس عند من جرب التجارب الطبية، وهذا الجسم ~~نسبته إلى لطافة الأخلاط وبخاريتها نسبة الأعضاء إلى كثافة الأخلاط، ~~وله مزاج مخصوص، ومزاجه يتغير أيضا بحسب الحاجة إلى اختلاف ~~يقع فيه ليصير به حاملا لقوى مختلفة، فإنه ليس يصلح المزاج الذى ~~معه يغضب للمزاج الذى معه يشتهى أو يحس، ولا المزاج الذى ~~يصلح للروح الباصر هو بعينه الذى يصلح للروح المحرك، ولو كان ~~المزاج واحدا لكانت القوى المستقرة فى الروح واحدة وأفعالها واحدة، ~~فإذا كانت النفس واحدة فيجب أن يكون لها أول تعلق بالبدن، ~~ومن هناك تدبره وتنميه، وأن يكون ذلك بتوسط هذا الروح ويكون PageV01P263 ~~أول ما تفعل النفس يفعل العضو الذى بوساطته تنبعث قواها فى ~~سائر الأعضاء بتوسط هذا الروح، وأن يكون ذلك العضو أول ~~متكون من الأعضاء وأول معدن لتولد الروح، وهذا هو القلب، ~~يدل على ذلك ما حققه التشريح المتقن، ms178 وسنزيد هذا المعنى شرحا ~~فى الفن الذى فى الحيوان، # فيجب أن يكون أول تعلق النفس بالقلب، وليس يجوز أن تتعلق ~~بالقلب ثم بالدماغ فإنها إذا تعلقت بأول عضو صار البدن نفسانيا، ~~وأما الثانى فإنما تفعل فيه لا محالة بتوسط هذا الأول، فالنفس ~~تحيى الحيوان بالقلب لكن يجوز أن تكون قوى الأفعال الأخرى ~~تفيض من القلب إلى الأعضاء الأخرى لأن الفيض يجب أن يكون ~~صادرا من أول متعلق به، فيكون الدماغ هو الذى يتم فيه مزاج ~~الروح الذى يصلح لأن يكون حاملا لقوى الحس والحركة إلى ~~الأعضاء حملا يصلح معه أن تصدر عنها أفعالها، وكذلك ~~حال الكبد بالقياس إلى قوى التغذية، ولكن يكون القلب هو ~~المبدأ الأول الذى أول تعلقه به ومنه ينفذ إلى غيره ويكون ~~الفعل فى أعضاء أخرى كما أن مبدأ الحس عند مخالفى هذا القول ~~إنما هو فى الدماغ لكن أفعال الحس لا تكون به وفيه بل فى أعضاء ~~أخرى كالجلد وكالعين وكالأذن، وليس يجب من ذلك أن لا يكون ~~الدماغ مبدأ، كذلك أيضا يجوز أن يكون القلب مبدأ لقوى ~~التغذية ولكن أفعالها فى الكبد ولقوى التخيل والتذكر والتصور ~~لكن أفعالها فى الدماغ، بل ينبغى أن يكون المبدأ للقوى المختلقة ~~غير صالح لأن يصدر عن معدنه جميع أفعالها، بل يجب أن تتفرع ~~فى آلات مختلفة تتخلق بعد ذلك العضو تخلقا، وتفيض من ذلك ~~لعضو إليها قوة ملائمة لمزاج ذلك الفرع واستعداده على ما PageV01P264 ~~ستقف عليه فى ذكر الحيوان حتى لا يكون على العضو الذى هو ~~المبدأ ثقل، ولذلك خلقت العصب للدماغ والأوردة للكبد - كان ~~الدماغ والكبد مبدأين أولين للحس والحركة والتغذية أو كانا ~~مبدأين ثانيين، وإذا فاض من القلب قوة التكوين والتخليق إلى ~~الدماغ فتكون الدماغ فلا كثير بأس بأن يكون الدماغ يرسل ~~من نفسه آلة يستمد بها الحس والحركة من القلب أو يكون ~~القلب ينفذ إليه الآلة التى بتوسطها ينفذ إليه الحس والحركة، ~~فلا يجب أن يقع من المضايقة فى أمر خلقة العصب أن مبدأها من ~~القلب ms179 أو من الدماع ما هو ذا يقع، بل نسلم أنه من الدماغ ~~ويستمد من القلب كما أن الكبد يرسل إلى المعدة ما يستمد منها ~~فيه، ولها أيضا عروق تمد غيرها بها، فليس يجب أن يكون ~~العضو الذى هو مبدأ قوة فيه أيضا أول أفعال تلك القوة وأن ~~يكون آلة لأفعال تلك القوة، بل يجوز أن تكون الآلة خلقت ~~للاستمداد من شىء آخر وأن يكون إنما يستمد بعد تخلقها، حتى ~~يكون الدماغ أول ما تخلق لم يكن مبدأ للحس والحركة بالفعل ~~بل مستعدا لأن يصير مبدأ ما للأعضاء التى بعده إذا استمد من ~~غيره بعد أن تتخلق آلة الاستمداد من غيره له، فلما تخلق منه ~~عصب ذاهب إلى القلب استمد الحس والحركة منه حينئذ، ويمكن ~~أن يكون مع تخلق هذا المنفذ بلا تأخر، فلا يكون فى نفوذه عنه ~~إلى القلب حجة أيضا ولا شبه حجة، بل كما تخلق الدماغ تخلق ~~معه من مادته شىء نافذ إلى القلب غريب عن القلب استمد منه PageV01P265 ~~الحس والحركة، على أن نبات هذا العصب من الدماغ ومصيره منه ~~إلى القلب ليس شيئا يظهر الظهور الذى يظنه مدعى نبات العصب ~~الذى بين الدماغ والقلب من الدماغ إلى القلب لا من القلب إلى ~~الدماغ على ما سنوضحه فى موضعه من كلامنا فى طبائع الحيوان ~~ونطول الكلام فيه طولا يشفى ويقنع، # ومع ذلك فلنعد إلى معاملة أخرى، فنقول إنه ليس بمستحيل أن ~~يكون مبدأ وجود قوة هو فى عضو، فتنفذ من ذلك العضو إلى عضو ~~آخر، وهناك تتم القوة وتستكمل ثم تنعطف إلى هذا العضو الأول ~~فترفده، فإن الغذاء إنما يصير إلى الكبد من المعدة، ثم إذا صار ~~هناك على نحو ما عاد فغذى المعدة فى عروق تنبعث من الطحال ~~والأجوف وتنبث فى المعدة، فلا ضير أن يكون مبدأ القوة ينبعث من ~~القلب مثلا ولا تكون القوة فى القلب كاملة تامة ثم إنها تفيد ~~القلب إذا استكملت فى عضو آخر، وهكذا حال الحس المشترك فإن ~~مبدأ القوة الحساسة الجزئية ms180 منه ثم إنها تعود إليه بالفائدةعلى ~~أن حس القلب نفسه وخصوصا اللمس أعظم من حس الدماغ نفسه، ~~ولذلك أوجاعه لا تحتمل، وعلى أنه ليس بممتنع فى القوى أن تصير ~~أقوى وأشد فى غير مباديها لمصادفة مواد تجعلها بتلك الحال، ويشبه ~~أن تكون قوة أطراف الأوتار على الجذب أشد من قوة أوائلها التى ~~تلى العصب، فالقلب مبدأ أول تفيض منه إلى الدماغ قوى، PageV01P266 ~~فبعضها تتم أفعالها فى الدماغ وأجزائه كالتخيل والتصور وغير ~~ذلك، وبعضها يفيض من الدماغ إلى أعضاء خارجة عنه كما يفيض ~~إلى الحدقة وإلى العضل المحركة، وتفيض من القلب إلى الكبد قوة ~~التغذية ثم تفيض من الكبد بتوسط العروق فى جميع البدن وتغذو ~~القلب أيضا، فتكون القوة مبدأها من القلب والمادة مبدأها من ~~الكبد، # وأما القوى الدماغية فإن البصر يتم بالرطوبة الجليدية التى هى ~~كالماء الصافى، فتقبل صور المبصرات وتؤديها إلى الروح الباصر، ~~ويكون تمام الإبصار عند ملتقى العصبة المجوفة على ما علم من ~~تشريحه وتعريف حاله، وأما الشم فبزائدتين فى مقدم الدماغ ~~كحلمتى الثدى، وأما الذوق فبأعصاب دماغية تأتى اللسان والحنك ~~وتؤتيهما الحس والحركة، وأما السمع فبأعصاب أيضا دماغية تأتى ~~الصماخ فتغشى السطح المحيط به، وأما اللمس فبأعصاب دماغية ~~ونخاعية تنتشر فى البدن كله،وأكثر عصب الحس من مقدم الدماغ ~~لأن مقدم الدماع ألين واللين أنفع فى الحس، ومقدم الدماغ كما ~~يتأدى إلى خلف وإلى النخاع يصير أصلب ليتدرج إلى النخاع ~~الذى يجب أن تعين دقته الصلابة، وأكثر عصب الحركة التى ~~من الدماع إنما تنبت من مؤخر الدماغ لأنه أصلب والصلابة ~~أنفع فى الحركة وأعون عليها، والعصب التى للحركة فى أكثر ~~الأمر تتولد منها العضل، فإذا جاوزت العضل حدث منها ومن ~~الرباطات الأوتار، وأكثر اتصال أطرافها بالعظام، وقد يتصل فى ~~مواضع بغير العظام، وقد تتصل العضلة نفسها بالعضو المحرك من PageV01P267 ~~غير توسط وتر، والنخاع كجزء من الدماغ ينفذ فى ثقب الفقارات ~~لئلا يبعد ما يتولد من العصب من الأعضاء بل يتولد منها ~~العصب مرسلة بالقرب إلى الموضع المحتاج كونها ms181 به، وأما القوة ~~المصورة والحس المشترك فهما من مقدم الدماغ فى روح تملأ ~~ذلك التجويف، وإنما كانا هناك ليطلا على الحواس التى أكثرها ~~إنما تنبعث من مقدم الدماغ، فبقى الفكر والذكر فى التجويفين ~~الآخرين لكن الذكر قد تأخر موضعه ليكون مكان الروح المفكرة ~~متوسطا بين خزانة الصور وين خزانة المعنى، وتكون مسافته ~~بينهما واحدة، والوهم مستول على الدماغ كله وسلطانه فى الوسط، ~~وأخلق بأن يتشكك متشكك فيقول كيف ترتسم صورة جبل بل ~~صورة العالم فى الآلة اليسيرة التى تحتمل القوة المصورة، فنقول ~~له إن الإحاطة بانقسام الأجسام إلى غير النهاية تكفى مؤونة هذا ~~التشكك، فإنه كما يرتسم العالم فى مرآة صغيرة وفى الحدقة بأن ~~ينقسم ما يرتسم فيها بحذاء أقسامه إذ الجسم الصغير ينقسم بحسب ~~قسمة الكبير عددا وشكلا وإن كان يخالف القسم القسم فى المقدار ~~فكذلك حال ارتسام الصور الخيالية فى موادها، ثم تكون نسبة ما ~~ترتسم فيه الصورة الخيالية بعضه إلى بعض فى عظم ما ترتسم ~~فيه وصغر ما ترتسم فيه نسبة الشيئين من خارج فى عظمهما ~~وصغرهما مع مراعاة التشابه فى البعد، # وأما قوة الغضب وما يتعلق بها فلم تحتج إلى عضو غير المبدأ ~~لأن فعلها فعل واحد وتلائم المزاج الشديد الحر وتحتاج إليه، PageV01P268 ~~وليس تأثير المتفق منه أحيانا تأثير المتصل من الفكرة والحركة ~~حتى يخاف أن يشتعل اشتعالا مفرطا، وذلك لأنه مما يعرض أحيانا ~~وذانك كاللازم مثل الفهم والفكرة وما يشبههما مما يحتاج إلى ~~ثبات وإلى قبول ويجب أن يكون العضو المعد له أرطب وابرد، ~~وهو الدماغ لئلا يشتعل الحار الغريزى اشتعالا شديدا وليقاوم ~~الالتهاب الكائن بالحركة، ولا كانت التغذية ما يجب أن يكون ~~بعضو عديم الحس حتى يمتلئ من الغذاء ويفرغ منه فلا يوجعه ~~ذلك ولا يتألم كثيرا بما ينفذ فيه ومنه وإليه وأن يكون أرطب ~~جدا كيما يحفظ الحار القوى بالمعادلة والمقاومة فجعل ذلك العضو ~~الكبد، وجعل قوة التوليد فى عضو آخر شديد الحس ليعين على ~~الدعاء إلى الجماع بالشبق، وإلا لم يكن يتكلف ms182 ذلك لو لم يكن ~~فيه لذة وإليه شبق إذ لا حاجة إليه فى بقاء الشخص، واللذة ~~تتعلق بعضو حساس فجعل له الأنثيان وأعينتا بآلات أخرى بعضها ~~لجذب المادة وبعضها لدفعها كما يأتيك ذكره حيث نتكلم فى ~~الحيوان، PageV01P269 ~~ ms183