######OpenITI# #META# bkid: 13782 #META# bk: تقويم الأدلة في أصول الفقه #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تقويم الأدلة في أصول الفقه #META# المؤلف: أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي (المتوفى: 430ه) #META# المحقق: خليل محيي الدين الميس #META# الناشر: دار الكتب العلمية #META# الطبعة: الأولى، 1421ه - 2001م #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: #META# auth: الدبوسي، أبو زيد #META# authinf: أبو زيد الدبوسي (000 - 430 ه = 000 - 1039 م). عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد: أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود. كان فقيها باحثا. نسبته إلى دبوسية (بين بخارى وسمرقند) ووفاته في بخارى، عن 63 سنة. له «تأسيس النظر - ط» في ما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك الشافعي، و «الأسرار - خ» شستربتي (5150) في الأصول والفروع، عند الحنيفة، و «تقويم الأدلة - خ» [ثم طبع] أصول، في شستربتي (3343) في الأصول، و «الأمد الأقصى - خ» في خزانة الرباط (2514) ك. وهو فيه «عبيد الله بن عمر» (*). __________. (8) وفيات الأعيان 1: 410 وشذرات الذهب 3: 245 وهو في هذه المصادر الثلاثة " عبد الله " وفي البداية والنهاية 12: 46 وكشف الظنون 1: 334 ومفتاح السعادة 1: 254 والجواهر المضية 1: 339 " عبيد الله " وقال Brock I: 184. عبد الله أو عبيد الله. وفهرس المخطوطات المصورة 1: 240. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 13782 #META# over: 1 #META# seal: DD9B0DDB #META# oauth: 2643 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي #META# higrid: 430 #META# ad: 430 #META# aseal: 6365112A #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/13782 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # والله المستعان # الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله محمد وآله أجمعين وبعد: # فإن الأصل عقم عن الإنجاب إلا ما شاء الله تعالى، وحكم النسل بالإعجاب، ~~وحكموا بالظن، وخصموا بالطعن، ولم يبق لمن أصاب بتوفيق ربه شيئا من الإفاقة ~~عن عجبه متعلق غير الكتاب المتلو بلا شك، والخبر المروي بلا إفك، ولا مقتدى ~~غير السلف الذين أخفاهم التراب، ولا مهتدى غير العقول والألباب، ما له من ~~أقرانه إلا ريبة على التلاق، وعيبة لدى الفراق، وما العبد بموفق لسلوك هذا ~~الصراط إلا بعد علمه بالطبقات، ليقرب من الهادية بقدوة، ويبعد من النابية ~~بنبوة، فلن يصل العبد إلى الهدى سابقا، وقد عرف نفسه فيه لاحقا. # فنقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى جمع في الإنسان بين روح وعقل، وهوى ~~ونفس، تحقيقا للبلوى، على ما مر شرحه في كتاب "الأمد الأقصى" فالنفس بهواها ~~تدعوه إلى الحاضرة جهلا، والروح بعقلها تدعوه إلى العاقبة علما، فتفرق ~~الناس عن ذلك طبقات أربعا: # ضال بالهوى غافل عن نفسه، عامه في طغيانه بجهله. # وضال بنفسه ظان أن الأمر كذلك إلى جنسه. # ومهتد إلى ربه بدلائل عقله متأيد بنصوص شرعه. # ومهتد بالروح القدس في أنوار العقل والشرع. # وهؤلاء الطبقة من بينهم إمامهم. فنور الروح أصلي، ونور العقل فرعي على ما ~~بينا في كتاب "الأمد الأقصى" وكتاب "خزانة الهدى". # ثم تفرق هؤلاء الطبقة أحزابا أربعة: # - عارف لربه على جهل بتأويل الكتاب والسنة والفقه والحكمة، وأنه لعلى شفا ~~العبث والبدعة. # - وعارف لربه عالم بتأويل الكتاب والسنة بلا فقه واستمداد من الألباب، ~~وأنه لعلى شفاه الضلال والارتياب، فالحوادث ممدودة والنصوص معدودة، فلا ~~يأمن الابتلاء بما لم ينل فيرتاب أو يضل. # - وعارف لربه متفقه برأي قلبه غائب عن طرق الفقه في نصوص شرعه، وأنه لعلى PageV01P009 # شفا الهلاك بهواه وعجبه، فما بالعقل وحده هداية إلى حدود الهدى، وما بعد ~~العقل ولا شرع معه إلا الهوى. # - وعارف لربه عالم بنصوص شرعه تفسيرا وتأويلا وطرق الفقه في أصل الشرع ms001 ~~تعليلا، وهذا الرجل من بينهم إمامهم لكنه على شفا الفسق، فالعلم صالح لكسب ~~الدنيا والآخرة وطلب المولى والورى، ما ينجو عن المحظور بالمأمور إلا ~~بالنظر في المستور من أقسام أعماله وأحواله. # وأنها أقسام أربعة: # - قسم لهو عن العمل بالعلم. # - وقسم شغل بالعمل عن العلم. # واللاهي قسمان: # - قسم اتخذ العلم مكسبه للدنيا. # - وقسم اكتفى بالعلم حظا يبتغي. # وهما على ضلال، فما العلم إلا للعمل به، وما العمل إلا ترك العاجلة ~~بالآخرة على مخالفة الهوى في إشارته إلى كسب الحاضرة. # والعامل قسمان: # - عامل على قرار وعزلة. # - وعامل على قرار ودعوة، وأنه من بينهم إمامهم، وإليه نهاية الطبقات. # فأقصى مراتب العبد في الدعوة إلى الله تعالى فإنها رتبة الأنبياء عليهم ~~السلام، وتركوها ميراثا للعلماء، ولأن الداعي إلى الحق هو الله تعالى ~~بآياته، والعبد عامل له فيها بأمره. # وأما العبادة فحق الله تعالى على عبده، والعبد مؤد عن نفسه ما عليها، فلن ~~يصير العبد بالعمل عاملا لله حتى يدعو، قال الله تعالى: {وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا}، وقوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا}، وقال ~~الله تعالى في شأن الرسول عليه السلام: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا}، ~~{وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}. # فأبان الله تعالى شرف الرسول بالدعوة والهداية دون العزلة والعبادة، وقال ~~الله تعالى في شأن الأمة: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض} يعني يثبت لهم ولاية الأرض وأهلها وذلك بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأه من الهدى ثم العمل به. # وقال الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}. فالخلافة PageV01P010 # بالولاية من أقصى المراتب، وأنها تقوى بالنبوة وتزداد قوة بالرسالة، ~~وتضعف بالاستنباط والدلالة، وتزداد ضعفا بالقنوع بظواهر المسموع. # واليوم قد انقطعت النبوة فكان ما ذكرنا نهاية في القوة، ولأن نفع العبادة ~~خاص ونفع الدعوة عام. # قال العبد رضي الله عنه: إني لما رأيت كل هذا الشرف للعلم ونوره كامن في ~~قلوب البشر، كمون النار في الشجر، ما يقدحها إلا أيدي الهمم العالية، بفكر ~~في الحجج الهادية، ms002 وأكثر الناس قبسوه بحواسهم ففقدوه في اقتباسهم، رأيت ~~اتباع السلف في إثارة هذا النور ببيان الحجج فرضا، ثم إنارته بوقود المداد ~~في صحائف الكتب حقا، رجاء أن أكون من الأشباه، واستعنت بالله تعالى ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله على قصد مني تقويم كتاب "الهداية" الذي ذل خاطري [في ~~بعضه] بحكم البداية، فرارا عن التمادي في الباطل، وتخريجا على الأصول ~~الأربعة التي بها يتعلق الابتلاء في الحاصل، وبيانا للحدود التي بها يمتاز ~~البعض عن البعض على وجه خرس دونه ألسنة الأكثر من أولي هذه الصناعة، والله ~~ولي التوفيق لتتميم هذه البضاعة. PageV01P011 # وصف النسخ المخطوطة للكتاب # اعتمدنا في إخراج الكتاب على ثلاثة نسخ مخطوطة للكتاب، اثنتان كاملتان ~~وواحدة فيها نقص، عملنا على مقارنتها ببعضها وإخراج النص الحالي بهذا ~~الشكل. والنسخ هي: # أولا: مصورة نسخة خطية من المكتبة السليمانية باستنبول، تحت رقم (690)، ~~تم نسخها في الليلة التاسعة من شعبان سنة سبع عشرة وسبعمائة هجرية (717ه). # تقع في 260 لوحة، في الصفحة الواحدة 22 سطرا. # وقد كتبت بخط النسخ الواضح، وعليها كثير من التعليقات والهوامش ~~والتصحيحات المهمة. # ناسخها: هو ابن العميد قوام الدين أمير كاتب الاتقاني. وجاء عنوان الكتاب ~~في بدايتها: "كتاب التقويم في أصول الفقه". # ثانيا: مصورة نسخة خطية من الكتبخانة المصرية (دار الكتب المصرية) ~~بالقاهرة تحت رقم (255). وهي موجودة في مكتب الجامعة الإسلامية بالمدينة ~~المنورة تحت رقم (1822)، تم نسخها في السابع والعشرين من صفر الخير سنة ألف ~~وثلاثمائة وعشرين هجرية (1320ه). # تقع في 956 لوحة، في الصفحة الواحدة 15 سطرا. # وقد كتبت بخط واضح مقروء. # ناسخها: اسمه محمد أمين الدنف الأنصاري، وجاء عنوان الكتاب في أولها: ~~"تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع". # ثالثا: مصورة نسخة موجودة بمكتبة سماحة الشيخ خليل الميس من مجموعة ~~مصورات المخطوطات التي يملكها، فيها بعض النقص والطمس في صفحاتها وأسطرها. ~~تم نسخها سنة أربع وسبعين وتسعمائة (974ه). # تقع في 432 لوحة، في كل صفحة 21 سطرا. خطها واضح مقروء. # ناسخها: هو سيد محمد بن سيد عبد القادر، ms003 وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: ~~"تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي في علم أصول الفقه". # وبالجملة فقد حفظ لنا التاريخ هذا الأثر العلمي النفيس كاملا غير منقوص، ~~وفي حالة جيدة. PageV01P012 ### | AUTO القول في أسماء أنواع الحجج # التي بها ابتلينا بعلم ما شرع الله تعالى من أحكامه ولزمنا العمل بها، ~~وبها يمتاز البعض عن البعض بعرف لسان الفقهاء، وهذه الأسماء أربعة: الآية، ~~والدليل، والعلة، والحال. # فأما الحجة: فاسم يعم الكل، وكذلك البينة والبرهان. # وتفسير الحجة: أنها اسم من حج إذا غلب، يقال: لج فحج أي غلب، وحاججته ~~فحججته أي: غلبته ألزمته بالحجة حتى صار مغلوبا. # فسميت الحجة حجة لأن حق الله تعالى يلزمنا بها، ويجعلنا مغلوبين في ~~المناظرة مع الله تعالى بانقطاع العذر بها. # ويحتمل أن يقال بأن الاسم مأخوذ من معنى وجوب الرجوع إليه عملا به من قول ~~الشاعر: # يحجون سب الزبرقان المزعفرا # أي يرجعون إليه معظمين إياه، ومنه: "حج البيت". # ألا يرى أن الله تعالى سمى البيت مثابة للناس كما يسمى من الحج محجة، ~~والمثابة المرجع، وسواء أوجبت علم اليقين أو دونه لأن العمل يلزمنا بنوعي ~~العلم على ما يأتيك بيانه من بعد في باب خبر الواحد والقياس. # وكذلك البينة: وهي من البيان قال الله تعالى: {فيه آيات بينات} أي ~~ظاهرات، وهذا لأن الحجة إنما يجب العمل بها إذا ظهر للقلب وجه الإلزام ~~منها، وسواء ظهر ظهورا أوجب علم اليقين وما دونه لأن العمل يجب بها على ما قلناه. # وكذلك البرهان: اسم للحجة على العموم لغة، وأنواعه أربعة على ما قلنا. # أما الآية: فاسم على الإطلاق لما يوجب علم اليقين، ولذلك سميت معجزات ~~الرسل آيات، قال الله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}، وقال ~~تعالى: {فاذهبا بآياتنا} وهي المعجزات لأن المعجزة توجب علم اليقين بنبوة ~~الرسل. وتفسيرها لغة: العلامة، قال الشاعر: PageV01P013 # درست وغيرت أيها العصر # وقال الله تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} أي: علامات. # فإن قيل: ومن الناس من لم يعلم بالنبوة بعد ظهور الآيات فكيف يكون ~~تفسيرها ms004 ما يوجب العلم؟ # قلنا: إن هذه الحجج التي نتكلم فيها مما لا توجب العلم جبرا بل بالتأمل ~~فيها توجب، وإنما جهل من جهل بعد الآيات بالرسل بترك التأمل لكنه لم يعذر ~~لأن العاقل مما يلزمه التأمل فيها فلم يعذر بالترك، ولو كانت الحجج موجبة ~~للعلم جبرا لما تعلق بها ثواب ولا عقاب. # وأما الدليل: فهو اسم لحجة منطق، لأنه في اللغة؛ فعيل بمعنى فاعل، فكان ~~اسما لفاعل الدلالة كالدال. وعنه قيل: يا دليل المتحيرين أي: هاديهم إلى ما ~~يزول به حيرته، وكذلك دليل القافلة، ثم سمي كلامه باسمه دليلا، ولما كان ~~حجة نطق كان غير الاسم الموضوع لما لا نطق له. فإن قيل: إن الدخان دليل على ~~النار، والبناء دليل على الباني ولا نطق هناك!. قلنا: إنه اسم مجاز لوجود ~~معنى دلالة النطق منهما، كما قال الله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه}. # وقال تعالى: {قالتا أتينا طائعين} وكقول الشاعر: # وعظتك أجداث صمت # ثم الدليل مجازا كان أو حقيقة: اسم لما يبين أمرا كامن، وسائر الحجج ~~أسماء لما يبين أو يوجب حكما مبتدأ فصار الدليل اسما خاصا لما هو مبين. # والشهادة مثل الدليل، لأنها حجة منطق في الأصل كالدلالة، إلا أنه أخص من ~~الدلالة وهما سواء أوجبا علم اليقين أو دونه، فالشهادات في مجلس القضاة ~~تسمى بينات، وهي لا توجب العلم يقينا. # وأما العلة: فتفسيرها لغة: اسم لحال تغير بحلوله حكم الحال، أو اسم لما ~~أحدث أمرا بحلوله لا عن اختيار كالمرض يسمى علة لتغير حكم حال الإنسان ~~بحلوله لا عن اختيار للمريض فيه، وكذلك الجرح علة الموت إذا سرى إليه لهذا ~~الحد، ولا يسمى الجارح علة لأنه مختار غير حال بالمجروح، ولهذا لم يجز وصف ~~القديم -عز ذكره- "بالعلة" لأن الله تعالى أنشأ عن اختيار، ولا يوصف ~~بالحلول، فكانت العلة على هذا السبيل نوعا ثالثا غير الآية والدليل لأنهما ~~يوجبان الحكم بلا حلول. # والمراد بالعلة بعرف لسان الشرع: المعاني المستنبطة من النصوص التي تعلقت ~~بها الأحكام شرعا فيها، وتعدت بتعديها ms005 إلى الفروع، لأن تلك المعاني بحكم ~~حلولها في PageV01P014 # المنصوص عليها غيرت أحكامها لا عن اختيار إلى العموم عن الخصوص. # فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا" غير ~~حال بالحنطة. # ولكن قولنا: إنه مكيل أو مطعوم حال بها. # وهذه العلل تسمى مقاييس لأنها قد تستنبط بالمقايسة فسميت باسم سببها ~~وتسمى نظرا لهذا المعنى. # وأما حكمها: فالعلم على شبهة متى أريد بها هذه العلل التي هي مقاييس ~~اجتهاد، وقد توجب حكم العلة بلا شبهة إذا أثبتت عللا بطريق بلا شبهة. # وقد يجوز أن تسمى هذه العلل الشرعية أدلة لأن هذه المعاني دلتنا على حكم ~~الله تعالى في الفروع. # وعلل الشرع أعلام وآيات في الحقيقة على الأحكام والموجب هو الله تعالى. # ولا يجوز أن تسمى الأدلة عللا لأن في العلة معنى الإيجاب، وما في الدليل ~~ذلك كالدخان نسميه دليلا على النار ولا نسميه علة. # وكل دليل على شيء علة في حق علمك لأن العلم وجب لك به. # وأما الحال: فعبارة عن الحكم الثابت عن دليل غير متعرض لبقائه ولا لزواله ~~محتمل للزوال بدليله لكنه ملتبس عليك حاله لأن ما ثبت دام حتى يقوم دليل ~~البطلان، على ما نبينه في موضعه. # ثم كل نوع مما ذكرنا من أنواع الحجج ينقسم إلى قسمين: ظاهر وباطن. # فالظاهر: ما عقل بالبديهة. # والباطن: ما لم يعقل إلا بتأمل. فعصا موسى كانت آية ظاهرة، إذ تلقفت عصي ~~آل فرعون فعلمتها السحرة آية ببديهة عقولهم، وكذلك انفلاق البحر وانفجار ~~الصخرة. # والقرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم آية باطنة ما يعرف معجزة إلا بعد تأمل ~~ونظر ومعارضة بسائر أنواع كلام البشر، وما للظاهر رجحان بظهوره، ولا للباطن ~~رجحان ببطونه، بل الرجحان موقوف على قدر الأثر في مضمونه. # ألا ترى أن الله تعالى خلق الدنيا ظاهرة والآخرة باطنة، ثم لم يكن ~~الرجحان بظهور ولا بطون بل كانت الراجحة منهما ما كانت باقية. # وكذلك الرأس ظاهر والقلب باطن ولكل واحد منهما ضرب درك، وكان الرجحان ~~للقلب لوقوفه على ms006 العاقبة. PageV01P015 # والنص حجة ظاهرة من الرسول صلى الله عليه وسلم. # والعلة حجة باطنة لا تنال إلا بتأمل من العقول. # وكذلك الشمس ضياء ظاهر والعقل ضياء باطن. # والأغذية علل ظاهرة لمصالح عاجلة، والأدوية علل باطنة لمصالح في العاقبة. # وكذلك علل الشرع بعضها أظهر من بعض حتى سمى علماؤنا الظاهر منها؛ قياسا، ~~والباطن استحسانا، ثم أخذوا بالقياس مرة وبالاستحسان أخرى ليعلم أن الرجحان ~~بقدر قوة المعنى. # وكذلك الدليل قد تكون دلالته ظاهرة كالدخان على النار، وقد تكون دلالته ~~باطنة كالنجم على الطريق، فإنه لا يهتدى به إلا بضرب تأمل فصار حد الآية ما ~~يفيد العلم يقينا إذا أبصرها القلب على اضطرار كما إذا رأى شخصا بالعين بلا ~~ستار، والآية آية سواء نظر العبد فيها فأبصر، أو لم ينظر وقصر. وصار حد ~~الحجة ما يغلب الهوى، فإن للقلب نظرا بموجب الهوى ونظرا بموجب العقل فإذا ~~قامت الحجة عليه غلبت جهة العقل جهة الهوى، وسواء في ذلك اضطر القلب إلى ~~العلم بارتفاع الشبهة أو لم يضطر، ووقعت الغلبة بالنظر أو تكاسل فلم يبصر. # وصار حد الدليل ما أتى منه فعل الدلالة بحيث لو تأمله ذو البصيرة ~~لاستدلال به واهتدى، وسواء فيه تأمل أو لا، فأوجب العلم قطعا أو كان دونه ~~حدا، وصار حد العلة ما تعلق به الإحداث والإيجاد بلا اختيار بقدر الحلول ~~بمحل الحكم ولكن في علل الشرع يراد بها ما تعلق بحلولها وجوب الأحكام في ~~حقنا لا حدوثها في أنفسها بذوات تلك العلل. # فالعلل الشرعية صارت عللا بجعل الشرع إياها عللا لا بذواتها، فصارت ~~بذواتها أعلاما لما لم تكن موجبة. # غير أنا سمينا هذه المعاني المستنبطة من النصوص عللا مجازا لتعلق وجوب ~~الأحكام بها في حقنا شرعا لا في حق الله، وهي حالة بمحل الأحكام لا وجوب في ~~حقنا قبل الشرع، ولا وجود بعد الشرع قبلها فكانت هذه العلل بمنزلة شرط ~~الطلاق في اليمين بالطلاق في حق المرأة. # فالشرط علم على الطلاق في حق الزوج وفي حق الطلاق، فإنه وجب معه بتطليق ms007 ~~الزوج، ولكنه علة في حق الوجوب للمرأة حتى إن الطلاق لا يعمل فيها إلا إذا ~~كانت بمحل الإيقاع ابتداء حال وجود الشرط، ويعمل وإن لم يكن الرجل من أهله ~~حين الشرط. # لأن العلة في حق الطلاق نفسه لفظ الزوج فيعتبر شرط صحته حال تلفظه. PageV01P016 # والدليل عليه أن هذه المعاني كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن موجبة لهذه ~~الأحكام، ولو كانت موجبة لذواتها لم تنفك عن معلولاتها كشرط الطلاق يوجد من ~~المرأة قبل تعليق الزوج الطلاق به ولا يوجب طلاقا. # وصار حد الحال ما يوجب البقاء على الثابت من الحكم لجهلك بالدليل المغير ~~لا لعلمك بالدليل المبقي. PageV01P017 ### | AUTO القول في أنواع الحجج نفسها # الحجج نوعان: عقلية وشرعية. # وكل نوع قسمان: موجبة للعلم ومجوزة. # فالموجبة: ما أوجبت العلم قطعا بموجبها ولم تجوز خلافه. # والمجوزة: ما جوزت إطلاق اسم العلم على موجبها وإن جوزت خلافه. # ثم العقلية: ما عرفت حججا بالاستدلال بمجرد العقول. # والشرعية: ما لم تعرف حججا إلا بوحي الله تعالى وسنة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وهذه جملة لا نعرف فيها خلافا فإن من بنى على السماع علمه ما ~~اهتدى إليه حتى يحكم عقله. # فالمسموع في نفسه خبر يحتمل الصدق والكذب، وقائله رجل مثله من الخلق فلا ~~يجوز له اتباع مثله ولا الحكم بقوله حتى تزول عنه جهة كذبه، ولن تزول إلا ~~بمعجزة، ولا معجزة نعرفها إلا بتأمل عن عقله. # ولأنا نرى من لا يعرف الشرع أصلا يستدل بالبناء على الباني، ويهتدي إلى ~~المصالح الدنيوية ويصل إليها بالدلالات العقلية بنوعي علم: علم بلا شك، ~~وعلم بغالب الرأي مع ضرب ارتياب بحيث جاز أن يتبين له في ضده الصواب. # وكذلك الشرعية فكتاب الله تعالى حجة يوجب العلم قطعا بلا ريب. # وخبر الواحد يوجب علما مع ضرب شك فعلمت أن هذه جملة لا خلاف فيها، وإنما ~~الخلاف في حق أحكام الله تعالى على ما يأتيك شرحها. PageV01P018 ### | AUTO القول في أنواع الحجج الشرعية الموجبة للعلم # قال العبد رضي الله عنه: إن الحجج العقلية وإن ms008 كانت قبل الشرعية وجودا في ~~الذوات، فإني قدمت الشرعية فهي أظهر منها بدرجات. # فالشرع على مثال ضوء النهار. # والعقل على مثال نور النار. # والقلب على مثال العين، فكم من عين لم تر في ضوء السراج، رأت إذا بزغ ~~الضياء الوهاج، لا نظره الجلي فيرغب به في الخفي. # فأقول وبالله التوفيق: إن الحجج الشرعية الموجبة للعلم أربع: كتاب الله ~~تعالى، وخبر الرسول المسموع منه، والمروى بالتواتر عنه، والإجماع. # وطريق ذلك كله واحد، وهو خبر الرسول لأنا لم نعرف الكتاب -كتاب الله ~~تعالى- إلا بخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. # وكذا الإجماع ما ثبت حجة قاطعة إلا بكتاب الله والسنة. # والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر كالمسموع منه على ما يأتيك ~~بيان كل قسم في بابه. # فثبت أن المدار على خبر الرسول، وخبر الرسول صدق وحق لدلالة قامت على أن ~~رسول الله لا يكون رسولا حتى يكون معصوما عن الكذب وبالله التوفيق. PageV01P019 ### | AUTO القول في بيان حد الكتاب وكونه حجة # كتاب الله تعالى: ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف على الأحرف السبعة ~~المشهورة نقلا متواترا، لأن ما دون المتواتر من الأخبار لا يبلغ مرتبة ~~العيان على ما يأتيك البيان، فلا يوجب الإيقان، وكتاب الله تعالى ما علم ~~يقينا، وأوجب علم اليقين إلا لأنه أصل الدين وبه ثبتت الرسالة وقامت الحجة ~~على بطلان الضلالة. # فإن قيل: كون كتاب الله تعالى معجزا دليل على أنه من الله تعالى من غير ~~نقل متواتر. # قلنا: إن كل آية منه ليست بمعجزة، وهي حجة قطعا فلا تثبت إلا بعد السماع ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم. أو نقل عنه بالتواتر. # على أن كونه معجزا آية على صدق صاحبه في دعواه، وليست بآية على أنه كلام ~~الله، فإنه كان جائزا أن يقدر الله تعالى رسوله على كلام يعجز عنه الأنام ~~فيكون آية على صدق رسالته، كما أقدر عيسى عليه السلام على إحياء الموتى، ~~ولهذا قالت الأئمة فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد بها عبد الله بن مسعود ms009 ~~رضي الله عنه: أن صلاته لا تجوز، كما لو قرأ خبرا من أخبار الرسول. # فإن قيل: فإذا الدليل على القرآن النقل المتواتر لا دفات المصاحف؟ # قلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم ما أثبتوا القرآن في المصاحف بعد حفظ ~~القلوب إلا ليصونوه بها عن الزيادة والنقصان، حتى كرهوا التعاشير وكتابة ~~رأس السورة وأمروا بالتجريد فأثبتوا فيها ما تواتر إليهم نقله وأطبق عليه ~~أهله وشهدت به نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظمه. # فإن قيل: إن التسمية نقلت إلينا مكتوبة بقلم الوحي بين دفات المصاحف ~~لمبدأ كل سورة ثم لم يعدوها آية منها. # قلنا: إن أصحابنا قالوا في المصلي؛ ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم ~~يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم. ففصلوها عن الثناء، ووصلوها ~~بقراءة القرآن فدل هذا الإطلاق على أنها من القرآن عندهم، لكنهم قالوا: ~~ويخفي. كما قالوا بإخفاء القراءة في الأخريين ليعلم أنها ليست بآية من ~~الفاتحة وإنما قرئت تبركا بها لا أداء لفرض القراءة، فإن الفاتحة عينت لذلك شرعا. # وقد روي عن محمد بن الحسن أن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين ~~السور PageV01P020 # وللبدء تبركا بها فكتبت بقلم الوحي لأنها آية من الكتاب، وكتبت بخط على ~~حدة غير موصولة بالسورة لأنها ليست من تلك السورة، وكيف تثبت التسمية آية ~~من كل سورة مع اختلاف الناس والأخبار، وأدون أحوال الاختلاف المعتبر إيراد ~~شبهة، والقرآن لا يثبت مع الشبهة. # فإن قيل: إنكم أخذتم بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في كفارة ~~اليمين: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" فشرطتم التتابع لجواز الكفارة. # قلنا: أخذنا بها عملا بها كما لو روي خبر عن الرسول عليه السلام لأنه ما ~~قرأها إلا نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لم يثبت قرآنا لفوات ~~شرطه بقي خبرا. # فإن قيل: فهلا أخذتم بأخبار التسمية الدالة على أنها من الفاتحة عملا بها ~~من حيث الجهر بها في الصلاة، وحرمة القراءة على الحائض والجنب التي هي من ~~حكم القرآن. # قلنا: لأنا متى ms010 صرفناها إلى أن التسمية في حكم الفاتحة لم تكن حكما لها ~~بظاهر ما توجبه التسمية لغة بل كان عملا بمقتضى أنها من القرآن، ولا عموم ~~للمقتضى عندنا، وإنما يوجب العمل به بأدنى ما لا بد منه. # والحرمة على الحائض لا بد منها، ولم يرو عن أصحابنا شيء في إباحة القراءة لها. # فأما الجهر بها في الصلاة فمما لا يجب لا محالة بحكم أنها من الفاتحة على ~~ما بينا أنه لا يجهر بها في الأخريين. # ولأن متى لم تثبت التسمية آية من القرآن على قول بعضهم بقيت خبرا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ولو كانت خبرا لم يكن من حكمه الجهر بقراءته ولا حرمته على الجنب لغة. # فإما الكلام في أن القرآن حجة: # فإنه كلام الله تعالى، وقد ثبت ان الله تعالى لا يتكلم بالباطل، وبالله ~~التوفيق. PageV01P021 ### | AUTO القول في تحديد المتواتر وكونه حجة موجبة # اختلفت العبارات في حد المتواتر، والمختار عندنا؛ ما تواتر نقله أي: اتصل ~~بك من النبي صلى الله عليه وسلم بتتابع النقل. # يقال: تواترت الكتب أي: اتصل بعضها ببعض بتتابع الورود. # ولا تثبت حقيقة الاتصال إلا بعد ارتفاع شبهة الانفصال ومتى ارتفعت الشبهة ~~ضاهى المتصل منه بك بحاسة سمعك. # فطريق هذا الاتصال أن ينقله إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على ~~الكذب لكثرتهم، لأن الناس على همم شتى تبعثهم على العمل بموافقتها ما ~~يرجعون عنها إلى سنن واحد، إلا عن أصل آخر جامع مانع وذلك سماع اتبعوه أو ~~اتفاق صنعوه، فمتى بطل وهم الاجتماع تعين لهم السماع. # ألا ترى أنك علمت بكون السماء فوقنا، كذلك قبلنا بالسماع كما علمتها ~~للحال بالرؤية. # وعلمت أباك سماعا حسب ما علمك أبوك عيانا. # ثم إنه حجة بمنزلة آية من كتاب الله تعالى لأنه قد ثبت بالدلائل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكذب والكلام بالباطل، ولأن كتاب الله تعالى ~~ما ثبت إلا بخبره، وعلى هذا أسئلة ذكرناها في باب "مراتب الأخبار" من بعد. PageV01P022 ### | AUTO القول في ms011 بيان أن الإجماع من هذه الأمة حجة # إجماع هذه الأمة حجة موجبة للعلم شرعا، كرامة لهذا الدين، لدلالة أن ~~المجوس اجتمعت على أشياء كانت باطلة، وكذلك النصارى واليهود وسائر الكفرة، ~~وهم أكثر منا عددا. # ولأن الإجماع جائز من الخلق اتباعا للآباء من غير حجة بطباعهم كما فعلت ~~الكفرة، فلا يصير عينه حجة فثبت أن إجماعنا جعل حجة شرعا وذلك بقوله تعالى: ~~{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}. # أخبر أنه يخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والباطل إلى نور الإيمان والحق، ~~ولو جاز إجماعهم على الباطل لكانوا في ظلمة فكيف يكون خلاف ما أخبر الله ~~تعالى وأنه لا يجوز. # وقال الله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور}. # وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وكلمة خير بمعنى أفعل فيدل على نهاية ~~الخيرية ونفس الخيرية في كينونة العبد مع الحق، والنهاية في كينونته مع ~~الحق على الحقيقة، فدل صفة الخير وهو بمعنى أفعل على أنهم مصيبون لا محالة ~~الحق الذي هو حق عند الله تعالى إذا أجمعوا على شيء، وإن ذلك الحق لا ~~يعدوهم إذا اختلفوا. # وكذلك قال الله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} والمعروف ~~والمنكر على الإطلاق ما كان معروفا ومنكرا عند الله. # فأما الذي يؤدي إليه رأي المجتهد من غير إصابة ما عند الله تعالى فمعروف ~~ومنكر في حقه ورأيه لا أن يكون معروفا ومنكرا مطلقا، فكان هذا بيانا لصدر ~~الآية في أن كانوا خير أمة بهذا السبب وهو إصابة المعروف المطلق. # فإن قيل: معنى قوله "تأمرون" أي: يأمر كل واحد منكم كقولك: لبس القوم ~~ثيابهم، وقول كل واحد ليس بحجة. # قلنا: نعم، فيجب إذا أمر كل واحد منهم بمعروف أن يكون المعروف المطلق في ~~جملة ما أمروا. # وقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} والوسط في اللغة: من يرتضى قوله. # وقال الله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم} أي أرضاهم قولا، ومطلق PageV01P023 # الارتضاء في إصابة الحق عند الله تعالى لأن الخطأ في الأصل ms012 مردود ومنهي ~~عنه، إلا أن المخطئ ربما يعذر بسبب عجزه ويؤجر على قدر طلبه للحق بطريقه لا ~~أن يكون الخطأ بعينه مرضيا عند الله تعالى. # وقال تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} والشاهد: اسم لمن ينطق عن علم ~~ولمن قوله حجة. # فدل النص على أن لهم علما بما على الناس من الأحكام، وأن أقوالهم حجة على ~~الناس في حق الله تعالى. # والله تعالى عالم بحقائق الأمور فلا تثبت الحجة حجة في حقه على حكمه إلا ~~ما أوجب العلم يقينا قطعا. # بخلاف حجج العباد لأنا لا نقف على حقوقنا إلا من طريق الظاهر فكانت حجتنا ~~ثابتة وفاق حقوقنا. # وكذلك خبر الله تعالى عن علمهم لا يقع إلا حقيقة. ألا ترى أن الله تعالى ~~شبه شهادتنا على الناس بشهادة الرسول علينا فقال الله تعالى: {ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا} وشهادة الرسول موجبة للعلم قطعا فكذلك شهادتنا. # ولأن شهادة جماعتنا لو لم تكن موجبة علما كالوحي لصارت معارضة بشهادة ~~غيرنا بآرائهم فلا تبقى حجة. # فإن قيل إن الآية وردت في أمور الآخرة!. # قلنا: لا تفصيل في الآية، ولأن شهادة أداء في مجلس القضاء بما علمنا في ~~الدنيا. # فلو لم تكن شهادتنا حجة موجبة للعلم قطعا لما طلب أداؤها في مجلس الحكم ~~للقضاء بها، والقاضي علام الغيوب لا يقضي إلا بالثابت حقا على الحقيقة. # ومتى احتمل علمنا للحال الخطأ لم تكن شهادتنا موجبة علما لا يحتمل الخطأ. # ولن الله تعالى حيث نص على الآخرة خص الرسول عليه السلام بالشهادة فقال: ~~{وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} وقال: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم} ولم يقل شهيدا من أمتك فلت هاتان الآيتان على أن المراد بشهادة ~~الأمة الشهادة في الدنيا. # فإن قيل: إن المراد بها في نقل القرآن والأخبار. # قلنا: لا تفصيل في الآية، ولأنه لا ذكر للمشهود به فتعين المشهود به ~~لتعليق الحكم به زيادة على كتاب الله تعالى وذلك يجري مجرى النسخ على ما ~~يأتيك بيانه فلا يكون تأويلا. PageV01P024 # ولأن نقل المتواتر لا ms013 يثبت إلا بقوم لا يجوز تواطؤهم على الكذب في ~~العادات لكثرتهم، والإجماع من علماء الأمة حجة وإن كانوا ثلاثة أو خمسة أو ~~عشرة، وجاز تواطؤهم على الكذب عادة. # فإن قيل: إن جعلهم الله تعالى وسطا ليكونوا حجة لا يدل على امتناع ~~إجماعهم على الضلالة كما قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} أخبر أنه خلقهم ليعبدوه ثم لم يمتنع إجماعهم على ترك العبادة. # قلنا: لأن معنى قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} بجعل الله تعالى ~~وإكرامه إياهم بأن جعلهم وسطا، واصطفاهم حتى كانوا وسطا فصاروا شهداء عن ~~علم بإصابتهم الحق بهذه الصفة، كما خلقهم الله أحرارا ليكونوا من أهل ملك ~~ما سواهم، فكانت اللام لبيان حكم صفة الوساطة التي من الله تعالى بها عليهم ~~فحقيقتها تقتضي ثبوت الحكم إذا ثبتت العلة كما تثبت أهلية الملك إذا ثبتت ~~الحرية، على هذا موجب اللغة. # وكما خلق الله الأنبياء عليهم السلام معصومين عن الكذب والباطل، وكذلك ~~الملائكة حتى كان قولهم موجبا علم اليقين إلا أن الحقيقة تركت في قوله: ~~{ليعبدون} إذ لو عمل بها لاقتضت وقوع العبادة على سبيل الجبر حكا للتخليق. # والمطلوب منا عبادة يوصف العبد بالاختيار في فعلها فبهذه الدلالة علمنا ~~ان المراد بها: وما خلقت الجن والإنس إلا وعليهم عبادتي، وما منا أحد غلا ~~وعليه أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان على ما يأتيك سلاحه على ~~التفصيل. # ونظير قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} قوله: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} ~~فإن قيل: خبر الواحد حجة في حق الله تعالى وكذا القياس ولا يوجبان العلم قطعا!. # قلنا: أصل الحجة خبر الرسول، وخبره يوجب العلم قطعا، والشبهة وقعت في ~~النقل وتحمل ذلك لضرورة. # وأما القياس فليس بحجة لنصب الحكم ولكن لتعديه حكم ثبت بنص أصله موجب ~~للعلم إلى محل لم يتناوله النص. # والكلام في الأصل والإجماع من قبلهم حجة لحكم لا نص فيه كرامة لهم على ما ~~قال: {كنتم خير امة اخرجت للناس}، وقال: {لتكونوا شهداء} أثبت تلك الصفة ~~لهم من قبله ms014 لا من قبلهم على ما مر. # على أنا لم نجعلهما حجة في حق العلم بما عند الله تعالى بل في حق العمل ~~الذي يلزمنا بهما. PageV01P025 # ويجوز ذلك في حق ما عندنا لأنا لم نؤت في كل شيء علم الحقيقة كما نعمل ~~بالشهادات، وهي لا توجب العلم قطعا وقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية ولو جاز إجماعهم على ~~الضلالة لما كان مخالفتهم نظيرا لمشاقة الرسول. # فلما جعل مخالفتهم أحد شطري استيجاب النار علم أنها مثل الشطر الآخر. # وقال: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} والذي ارتضاه الله تعالى لنا ~~هو الذي هو حق عنده دون الخطأ، وإن عذر الله المجتهد على خطئه وأثابه على ~~قدر طلبه فإن الثواب قابل الطلب لكونه مصيبا فيه. # والدين اسم للمطلوب وقد جاء عن الرسول عليه السلام من غير واحد: "إن الله ~~تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة" وقد جاء الوعيد بمخالفة الجماعة وهو قوله ~~عليه السلام: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" وقد ~~صنف الناس في هذا الباب، وأوردوا من المشاهير ما يوجب العلم وكتابنا هذا ~~كان يضيق عن ذكرها على الاستقصاء فاكتفينا بالكتاب وبالإشارة إلى السنة. # فإن قال قائل: إن الاختلاف وقع من إجماع انعقد عن رأي او خبر واحد وإنهما ~~لا يوجبان العلم فكيف أوجب العلم إجماع تفرع عنهما؟ # قلنا: اتصالهما بالإجماع وقد ثبت بالأدلة أن الكل عصموا عن الباطل كان ~~بمنزلة الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم وتقريره على ذلك، او الاتصال ~~بآية من كتاب الله تعالى وغير مستنكر أن لا يصيب الواحد الحق برأيه، ويصيب ~~إذا قوي بآراء مثله، كما يجوز ضعفه عن حمل شيء ثقيل وقدرته عليه مع غيره. # فإن قيل: قال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} إلى ~~قوله: {وأنتم شهداء}. # قلنا: يحتمل أن يقال؛ أن إجماعهم كان حجة ما داموا متمسكين بالكتاب، ~~وإنما لم نجعل اليوم ms015 إجماعهم حجة لأنهم كفروا به وإنما ينسبون إلى الكتاب ~~بدعواهم لأن تأويل الآية: {وأنتم شهداء} بما فيه نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلم لا تشهدون بالحق، ألا ترى أنه قال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} يعني الكتاب وهو الذي سبق ذكره، وابتدأ الآية ~~بقوله: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم ~~شهداء} فثبت أنهم شهداء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبنقل ما في الكتاب ~~لا غير. PageV01P026 # وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} إلى قوله: {وكانوا عليه شهداء} ~~وشهادتهم بما أثبت الله تعالى لهم كانت حجة موجبة قطعا وصاروا كفارا بمنعها ~~ولم يجز خلوهم عن ذلك العلم. # وقال في شان هذه الأمة: {لتكونوا شهداء على الناس} ولم يقل على الكتاب، ~~فدل على علمهم قطعا بما على الناس من أحكام الله تعالى وأنهم بالإعراض عن ~~ذلك قصدا يكفرون ولم يجز أن يعدوهم علم الحق. PageV01P027 ### | AUTO القول في تحديد الإجماع # حد الإجماع الذي هو حجة؛ إجماع علماء العصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكم. # وثبوت الإجماع منهم قد يكون بنصهم عليه، وبنص بعضهم وسكوت الباقين على الرد. # والسكوت الذي هو حجة: السكوت عند عرض الفتوى عليهم أو اشتهار الفتوى في ~~الناس من غير ظهور رد من أحد، وذلك لأنه إذا كان الحكم عنده بخلاف ما سمع ~~لم يسعه السكوت عن ذكره فيدل حاله على سكوت يحل، وذلك إذا كان عنده الحكم ~~كذلك، هذا إذا دام على السكوت إلى مدة تنقضي في مثلها الحاجة غلى النظر ~~لإصابة الحق. # فنفس السكوت قد يكون لطلب الصواب ولا عبرة لقلة العلماء وكثرتهم. # ولا عبرة بالثبات على ذلك حتى يموتوا. # ولا عبرة لمخالفة العامة الذين لا رأي لهم في الباب. # ولا بالمتهمين بالهوى فيما خالفونا فيما نسبوا به إلى الهوى. # فأما خلافهم فيما عدا ذلك فمعتبر ما لم يغلو في هواهم حتى كفروا أو ~~تسفهوا حتى صاروا ماجنين لا تقبل شهادتهم. # أما الإجماع نصا فما ms016 فيه إشكال وأما سكوتا فلأن السامع ما يحل له السكوت ~~عن بيان الحق إذا كان علمه بخلافه فتدل عدالته على أن سكوته على سبيل يحل ~~له، وهو في كون المسموع حقا إلا أنا شرطنا مدة التأمل لدرك الحق لأن الحق ~~لا ينال بالاجتهاد إلا بعد نظر في أشباه المحادث، وتمييز الأشبه من بين ~~الجملة ولا بد لهذا من مدة. # ثم المدة لمثله في العادات لا يمتد إلى الموت بل إلى حين يتبين له الوجه ~~فيه إما على الموافقة فلا يلزمه النطق به فسكوته عن الرد دليل عليه، أو على ~~المخالفة فيرده، أو يتعارض عليه الأشباه فيلزمه الفتوى بأي الأشباه كان ~~فيصير سكوته فتوى بما ظهر من فتوى الأول. # فإن قيل: وقد يبدو للمجتهد في عمره ما يرجع به عن الأول، فهلا شرط لصحة ~~الإجماع الثبات على الفتوى منهم ما لم يموتوا؟ # قلنا: لما ثبت أن الحق لا يعدو إجماعهم علم يقينا بعد الإجماع إصابتهم ~~الحق PageV01P028 # بعينه، فلا يجوز بعد ذلك من واحد منهم ولا جماعتهم خلافه كما لا يسعهم ~~خلاف كتاب الله تعالى. # فإن قيل: إن السكوت قد يكون مهابة، فقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~حجته على رد العول في الفرائض فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر رضي الله ~~عنه؟ فقال: مهابة له. # قلنا: ما هذا بصحيح عندنا فعمر رضي الله عنه كان يقدمه على الكثير من ~~الصحابة ويسأله ويمدحه ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في مسائل. # ولئن ثبت فتأويله أن مهابته لسبقه عليه في الدين والفقه والرأي، منعته عن ~~المبالغة في المناظرة لا أنه سكت عن نفس الرد فعمر رضي الله عنه كان ألين ~~للحق من غيره. # وكان يقول: لا خير فيكم ما لم تقولوا ولا خير في ما لم أسمع. # وكان يقول: رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه وكان أكثر الصحابة شورى. # وجائز عندنا ان يكون فقيهان مختلفان في مسألة، واحدهما أسبق وأكثر فقها ~~فيسلم الذي هو دونه للذي هو فوقه اتهاما لرأي ms017 نفسه، ولا يرد عليه رد منكر. # فإن قيل: أليس أن عمرا رضي الله عنه شاور الصحابة في مال فضل عنده ~~للمسلمين، فأشاروا عليه بالإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي رضي الله عنه كان ~~ساكتا في القوم فسأله عمر رضي الله عنه فقال: قد تكلم القوم. فقال: ~~لتتكلمن، فأمر بالقسمة. وروى فيها حديثا عن النبي عليه السلام فقد استجاز ~~علي رضي الله عنه السكوت وعنده الحكم بخلاف ما أفتوا. # قلنا: إن عليا رضي الله عنه استجاز السكوت لأن ما أشار القوم إليه من ~~الإمساك إلى وقت نائبة أخرى كان حسنا جائزا، ولكن لما استنطق نطق بالقسمة ~~ففيها الاحتياط للخروج عن الأمانة وهو الأحسن والنطق بمثل هذا لا يجب، ولكن ~~يحسن فيجوز السكوت عنه، ويكون دلالة على حسن ما ظهر على أنا لم نجعل نفس ~~السكوت دلالة على التقرير فإنه جائز للتأمل فيما قال القوم، ولتجربة ~~أفهامهم إلى وقت الإمضاء. # ثم لا عبرة لمخالفة العامة لأنه لا بصر لهم في الباب، كما لا عبرة ~~بالمجانين في كل باب. # ولا عبرة بالذين لا تقبل شهادتهم في ابا الدنيا لتهمة الكذب بسبب الفسق ~~لأن أمر الدين فوق أمر الدنيا فكل تهمة أوجبت رد شهادتهم في باب الدنيا ~~أوجبت ردها في باب الدين، إلا أن ما وراء تهمة الفسق من نحو الأبوة [من ~~الإباء] والضغينة لا تتصور تهمة في PageV01P029 # باب الدين وإظهار أحكام الله تعالى فلم تعتبر. # وأما صاحب الهوى فلا عبرة بخلافه في نفس ما نسب إلى الهوى لأنه لا ينسب ~~إلى الهوى إلا إذا خالف فيما يجب الفتوى به بدليل يوجب العلم يقينا، فيصير ~~خلافه ذلك الدليل برأيه ساقطا كخلافه نصا يروى له فيصير هوى. # وأما في غير ذلك من الأحكام فإن ظهرت منه مجانة في نحلته بخلاف الحجج ~~تعصبا لمذهبه بلا دليل أو قلة التأمل لا عن تأويل لشبهته لم يعتبر خلافه، ~~كما لم تقبل شهادته. # وكذلك إذا غلا في هواه حتى كفر لأن المعتبر إجماع المسلمين ولهذا لم نبال ~~بخلاف الروافض إيانا ms018 في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وبخلاف الخوارج إيانا في إمام علي رضي الله عنه لفساد تأويلهم وإن لم ~~نكفرهم للشبهة. # وإنما قلنا: إن السكوت الذي هو حجة مرة يثبت بالسكوت بعد عرض الفتوى ~~عليهم، وهو ظاهر ومرة يثبت بعدم الخلاف مع اشتهار الفتوى لأن الفتوى من ~~البعض إذا اشتهر في العامة لم يجز الخفاء على الأقران في العادة فيصير ~~الاشتهار كالعرض عليه. # ثم الرد يجب على السامع إذا كان الحق عنده بخلاف ذلك على سبيل الاشتهار ~~كالأول ليصير معارضا إياه أينما ثبت الأول، كالآية إذا نسخت لزم الرسول أن ~~يبلغ الناسخ أينما بلغ الأول، وإذا لزمه رد شائع مثل الأول لم يجز ظهور ~~أحدهما دون الآخر، وهذا كما قيل: إن القرآن معجزة لعجز العرب عن المعارضة ~~وهذا العجز لا يمكن إثباته إلا من طريق عدم الظهور فكان حجة، لأنه ممتنع في ~~العادات اندراس أثر مثل القرآن بعد وجوده والمنكرون للقرآن أكثر من ~~المؤمنين به وكانوا محتاجين إلى رده بالمعارض ولا يمكنهم إلا بالرواية كما ~~احتاج المؤمنون إلى رواية القرآن لإثباته. # فإن قيل: إن المزارعة اشتهرت في الناس بعد أبي حنيفة رضي الله عنه من غير ~~ظهور رد ثم لم يصر إجماعا!. # قلنا: إن الرد شائع من شيعة أبي حنيفة رضي الله عنه فتوى وناظرة إلا أن ~~الناس عملوا بقول غيره. # وعند من لا يجوز المزارعة جائز اتباع الناس في هذا الباب من خالف أبا ~~حنيفة رضي الله عنه لضرب رجحان يبدو لهم، فلا يكون سكوتمه عن تضليلهم عن ~~الرد والتشنيع عليهم، تقريرا إياهم على أنه هو الحق دون ما قاله أبو حنيفة ~~رضي الله عنه. # وهذا كما إذا بلغ المفتي قضاء القاضي بخلاف رأيه فسكت، لم يدل سكوته على ~~الرجوع إلى قول القاضي لأنه مع خلافه رأيا يعتقد نفاذ قضائه بخلاف رأيه، ~~والله أعلم. PageV01P030 ### | AUTO القول في أقسام الإجماع # أقسام الإجماع أربعة: # 1 - إجماع الصحابة نصا. # 2 - وإجماعهم بنص البعض وسكوت الباقين. # 3 - وإجماع أهل كل عصر ms019 بعدهم على حكم لم يسبقهم فيه قول. # 4 - وإجماعهم على أحد أقوال اختلف فيها السلف. # ومن الناس من قال: إن إجماع أهل كل عصر حجة. # ومنهم من قال: لا إجماع لمن بعد الصحابة. # ومنهم من قال: لا إجماع إلا لأهل المدينة. # ومنهم من قال: لا إجماع إلا لعترة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الإمام ~~منهم والإمام معصوم عن الكذب. # ومنهم من قال: لا إجماع إذا كان في السلف من خالفهم. # والصحيح هو القول الأول، لأن الدلائل التي جعلت الإجماع حجة لم تخص قوما ~~بنسب ولا مكان ولا قرن، والأقوال الأربعة الأخيرة مهجورة. # وقد حكى مشايخنا عن محمد بن الحسن نصا: أن إجماع أهل كل عصر حجة إلا أنه ~~على مراتب أربعة. # فالأقوى إجماع الصحابة نصا لأنه لا خلاف فيه بين الأمة لأن العترة يكونون ~~فيهم، وكذلك أهل المدينة. # ثم الذي ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، لأن السكوت في الدلالة على التقرير ~~دون النص. # ثم إجماع من بعد الصحابة على حكم لم يظهر فيه قول من سبقهم لأن الصحابة ~~كانوا خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم كانوا خلفاء الصحابة ~~فيقع بينهم وبين من خلفهم من التفاوت قريب ما يقع بينهم وبين الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس رهطي الذين ~~أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب". PageV01P031 # فرتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتب الخيرية. # فكذلك نحن نرتبهم في كونهم حجة أنه نهاية ما ينتهي إلى صفة الخيرية. # ثم إجماعهم على حكم سبق فيه مخالف لأن هذا فصل اختلف فيه العلماء ~~والفقهاء. # فقال بعضهم: هذا لا يكون إجماعا لأن الدلائل الموجبة عمت جميع الأمة، ~~والأم: اسم يعم الحي والميت، فلا ينعقد الإجماع ما وجد في الأمة مخالف من ~~حي أو ميت. # ولأن ذلك المخالف لو كان حيا للحال لم ينعقد إجماع من سواه إجماعا فكذلك ~~وإن مات، لأنا لا نعتبر خلافة خلافا لحياته بل لحجيته وبالموت لا تتبدل ms020 الحجة. # ولأنا متى جعلنا إجماع المتأخرين حجة موجبة وجب تضليل المخالف ولا يجوز ~~تضليله. # أيجوز تضليل ابن عباس رضي الله عنهما في مسألة العول؟ ومسألة توريث الأم ~~مع الزوج والأب ثلث المال كاملا؟ وقد أجمعوا على خلافه. # وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فيمن قال لامرأته: أنت خلية، ونوى به ~~ثلاثا ثم جامعها في العدة وقال: علمت أنها علي حرام: لم يحد، لأن عمر رضي ~~الله عنه كان يراها واحدة رجعية، وقد أجمعنا بخلافه فنية الثلاث صحيحة بلا ~~خلاف بين الأمة اليوم. # ولو سقط قول السابق لانقطعت الشبهة كالآية المنسوخة لا تبقى شبهة في ~~استباحة المنسوخ، ولكن الذي ثبت عندنا أنه إجماع. # وقد روى محمد بن الحسن عنهم جميعا أن القاضي إذا قضى ببيع أم الولد لم ~~يجز وقد اختلف فيها الصدر الأول لأن الخلف بعدهم أجمعوا على أنه لا يجوز، ~~ولو بقي قول القاضي معتبرا كأنه حي لنفذ قضاء القاضي بما اختلف فيه ~~الفقهاء. # والحجة فيه ان إجماع الصحابة إنما كان حجة لامتناع ان يعدو الحق جماعتهم ~~بالدلائل التي أوجبت الكرامة لهم لكونهم امة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يجز كذلك: أن يعدو الحق جماعة التابعين أو من بعدهم. # ولأن الله تعالى جعلهم خير امة يأمرون بالمعروف وجعل إجماعهم حجة، وصفة ~~الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتصور إثباتها إلا مع الحياة ~~فإن الميت لا يتصور منه الأمر بالمعروف فثبت أنه لم يرد بهذه الكلمة جماعة ~~الأمة من حين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولكن أمته ~~الأحياء في كل عصر. PageV01P032 # وإذا كان كذلك فتبين بإجماع الخلف على قول واحد من الجملة أن ما سواه خطأ ~~يقينا، كما لو عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم فصوب ذلك الواحد ولا يصير ~~من خالفه ضالا لأنه خالف حين لا إجماع، فكان كخلاف وجد من الصحابة فعرض على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فبين خطا بعضهم فإنه لا يصير ضالا بما قاله قبل ~~بلوغه نص ms021 رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكما كان أهل قباء يصلون إلى بيت المقدس بعد نزول التوجه إلى الكعبة ~~فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم بذلك فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة في ~~صلاتهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم. # وهذا لأن الإجماع هو الحجة التي يضل الإنسان بمخالفتها ولم يكن حين ما ~~قاله هذا القائل يخالفه إجماع. # أليس أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يجوز بيع الدرهم بالدرهمين؟ وكان ~~يبيح المتعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع لما بلغه النص؟ ~~ولسنا نسميه ضالا فيما كان يقوله أولا قبل بلوغه النص فهذا مثله. # وإنما أسقط محمد بن الحسن رحمه الله الحد عن الذي جامع امرأته في العدة ~~وقد قال لها: أنت خلية، ونوى بها ثلاث؛ لأن الحد لا يجب مع الشبهة، وقد ~~اختلف الناس في هذا الإجماع أهو حجة أم لا؟ فلا يصير موجبا علما بلا شبهة ~~ولهذا كان هذا الإجماع حجة على أدنى المراتب. PageV01P033 ### | AUTO القول في أنواع التكلم وضعا وتفسيرها حقا # انواع التكلم أربعة: # أخبار، واستخبار، وأمر، ونهي. # لأن الكلام إما شرعه القديم عز ذكره، أو وضعه حكيم فلم يجز خلوه عن فائدة ~~حميدة وما هي إلا إفادة العلم لما يحتاج إليه، والفائدة منه تحصل بالتكلم ~~وتنتهي بهذه الأنواع. # الإخبار بما عندك لتفيد غيرك العلم بما كان أو يكون أو بما توجبه إن ~~جعلته إنشاء كقولك: بعت عبدي أو أعتقته ونحوهما. # والاستخبار: لتستفيد من غيرك ذلك العلم بما كان. # والأمر: بفعل لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد. # والنهي: لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأن يعدم. # ولأن أقسام صرف الفعل تنتهي بأربعة أقسام لأنك تقول: فعل يفعل، وتقول ~~افعل ولا تفعل فإذا دخلها حرف الاستفهام صارا للاستخبار وتقول: افعل ولا ~~تفعل وما لها خامس، ثم كل قسم منها ينقسم إلى أقسام قد ذكرنا منه قدر ~~الحاجة إليه لأحكام الشرع. وأما تفسيرها: # فالإخبار: تكلم بكلام يسمى خبرا. # والخبر: الكلام الدال على ms022 أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر ~~كقولك: "جاء زيد" أو "يجيء عمرو" ونحوه. # والإخبار: تكلمك به. # وأنه ينقسم إلى قسمين في الماضي: صدق، وكذب. # وقسمين في المستقبل: جد، وهزل. # لأن الإخبار نكلم. # والتكلم فعلك باللسان التفعيل منها. # والانفعال في الحروف التي تنتظم حتى يصير مفهوم المعنى والانفعال على هذا ~~متحقق، كذبا كان الإخبار أو صدقا، جدا أو هزلا. # نحو "الكتابة" تكون كتابة للكلام كتب باطلا أم حقا لأنها فعلك بالقلم. # والانفعال في حرف تنتظم صورة حتى يكون مفهوم المعنى. PageV01P034 # قال علماؤنا- فيمن حلف لا يخبر أن فلانا قدم فأخبر كذبا: حنث ولم يفد علما. # وكذلك إذا حلف لا يكتب أن فلانا قدم فكتب باطلا؛ حنث وإن لم يفد علما بما قال. # لأن العلم فيه ثمرته المطلوبة منه بحكمة الوضع لا أنه من نفسه وأنه لا ~~يتم بدونه كما في الكتابة. # بخلاف الإعلام فإنه فعل لا ينفعل إلا بوجود العلم. # وبخلاف ما إذا حلف لا يبيع فباع حرا لم يحنث لأن البيع ليس من أقسام ~~التكلم إنما هو اسم لسبب تمليك بالمال، وانه عبارة عن قوله: لا يملك مالا ~~بمال فلا ينفعل تمليك المال في غير المال، كما لا ينفعل التكلم في غير ~~الحروف التي يدور عليها الكلام غير أن هذا السبب مما ينفعل بالكلام فيكون ~~آلة في نفسه بفوات ثمرته فإنه يحنث بالبيع الخاسر، فكذلك التكلم بالإخبار ~~لا ينعدم بفوات ثمرته من الإعلام. # وأما الأمر: فتكلم بقولك: افعل وانفعاله بحروفه. # وأما بيان أنه مما ينبغي أن يوجد بحكمه الأمر كالصدق من الأخبار الذي فيه ~~وجود المخبر عنه لأن الأمر أحد أقسام تصاريف الفعل على ما ذكرنا فتكون ~~الفائدة منه على مثال سائره. # وقولك "قدم زيد" لفائدة بيان وجود قدومه، ويقدم لبيان أنه سيوجد فكذا ~~أقدم لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد منه حتى لا يستقيم في الحكمة أن نقول ~~للعمى: أبصر لأنه لا يتصور وجوده منه. # ولما كان وجود فائدة الحكمة صح وضع الأمر لغة لكل فعل يتصور ms023 وجوده منه في ~~نفسه، وإن وجب أن يعدم في الحكمة كالسفه والعبث وإذا كان الأمر لهذا الضرب ~~من البيان كان النهي الذي هو خلاف الأمر لبيان ضده، وهو: بيان أنه مما ~~ينبغي أن لا يكون وأن يعدم إلا أن حقيقة إعدام الفعل لا يتصور لأن الموجود ~~منه عرض انقضى، فلا يتصور إعدامه. # وما لم يوجد كذلك لا يمكن أن يعدم ولكن يعدمه بالامتناع عن إيجاده فصار ~~الامتناع حكمه وكان النهي للمنع عن الفعل لغة فيلزمه بالنهي ما يتعلق بعده ~~انعدام ذلك الفعل منه، كما يلزمه بالأمر ما يوجد منه ذلك الفعل. # وأقسام النهي من التصرف: ما علم زيد، ولا يعلم زيد. # والنهي: لا تعلم، على خلاف؛ علم يعلم واعلم. PageV01P035 ### | AUTO القول في حكم الأوامر المطلقة في حق المأمورين شرعا # اختلف العلماء في حكم الأمر على أربعة أقوال: # فقال بعضهم: حكمه الوقف حتى يأتي البيان. # وقال بعضهم: الإباحة إلا بدليل زائد عليها. # وقال بعضهم: الندب إلا بدليل مغير. # وقال جمهور العلماء: حكمه الوجوب إلا بدليل مسقط. # أما الواقفون: فذهبوا إلى أنا وجدنا موجب الأمر مختلفا لغة أريد به ~~الإيجاب وأريد به السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي. # وأريد به الإفحام كقول الله تعالى: {فأت بها من المغرب}، وقوله تعالى: ~~{فأتوا بسورة من مثله}. # وأريد به التوبيخ كقول الله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}. # وأريد به الإباحة كقول الله تعالى: {فانتشروا في الأرض}. # وأريد به الندب كقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ولهذا كان ~~الأمر موضوعا لغة لما يجب فعله، ولما يباح، ولما يقبح نحو السفه والعبث، ~~فثبت أن الأمر محتمل وجوها شتى والمحتمل لا يكون حجة حتى يتعين أحد وجوهه بدليل. # وأما المبيحون: فذهبوا إلى أن الأمر لطلب وجود المأمور به من المأمور، ~~ولا وجود إلا بالائتمار، فدل ضرورة على انفتاح طريق الائتمار عليه وأدناه ~~الإباحة. # فأما الإفحام والتوبيخ ونحوهما فما فهمت مراده للأوامر إلا بدلالة من ~~النص دلت عليه فكانت مجازا لما لم تفهم إلا بقرينة أخرى ms024 على ما قال الله ~~تعالى: {وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} فتبين أنه وبخهم بما أمره، ~~فالغرور حرام والله تعالى لا يوجب الحرام. # وأما أمر الإفحام فمذكور في باب المناظرة فدل سياق الخطاب أنه للإفحام ~~لأن الحجة إنما تقوم لعجزهم عن المأمور به. # والحكيم عند المناظرة لا ينطق إلا بما تقوم به حجته وهذا كما أن لفظة ~~"المشيئة" للتخيير عن تمليك والله تعالى قال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر} ثم كان للردع بدلالة السياق: {إنا أعتدنا للظالمين نارا} النار لا ~~تستقيم جزاء PageV01P036 # على اختيار العبد ما خيره الله فيه وملكه. # ولأن الأمر لو وجب به الوقف لوجب بالنهي مثله فحينئذ يصير الأمر والنهي ~~واحدا، وأنه قول محال، وإذا لم يجب الوقف بالنهي ووجبت الحرمة به والأمر ~~ضده وجب أن يثبت به الإباحة. # وأما النادبون: فذهبوا إلى أن الإباحة لا ترجح جهة الفعل على جهة الترك، ~~وفي الأمر طلب الفعل فإن الوجود متعلق بالفعل فلا بد من إثبات ما يترجح به ~~الفعل على الترك وهو في أن يجعل الفعل أحين من الترك وأدنى صفة جهة الحسن ~~في الندب. قالوا: ولا يلزمنا قول الله تعال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ولا تنقطع الخيرة إلا ~~بعد الوجوب، لأن الخلاف في مطلق الأمر والله تعالى علق انقطاع الخيرة بأمر ~~مقضي به، وفي القضاء دلالة الإلزام من حيث الحقيقة وإن كان يقام مقام الأمر مجازا. # ثم دل تعليق الله تعالى انتفاء الخيرة بالقضاء بالأمر، على أن الخيرة غير ~~منتفية ما لم يتصف الأمر بالقضاء. # ولا يلزمنا كفر إبليس- عليه اللعنة- لمخالفته أمر ربه بالسجود لآدم عليه ~~السلام لأنه إنما كفر لاستكباره على ما نص الله تعالى عليه، حتى قال الله ~~تعالى: {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج} فأخبر أنه أخرجه ~~لتكبره. # ولنه قال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت} وقوله تعالى: {ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير ms025 منه} فبين أنه تركه له لرؤيته الفضل ~~لنفسه بغير حق وهو الكبر، وقال الله تعالى: {إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين} أخبر أنه كفر باستكباره، ولأن الأمر بالسجود لآدم عليه السلام نص ~~على أن الفضل لآدم فصار كافرا برده حكم الله تعالى في تفضيل آدم. # وأما الشرائع التي افترض أداؤها بالأوامر فعرفت فرائض الله بقرائن؛ إما ~~إلحاق وعيد، أو إيجاب صريح، أو بأسباب أخر غير الأوامر على ما بينا. # والحجة لعلمائنا- رحمهم الله- ما ذكرنا أن الأمر لبيان أن المأمور به مما ~~ينبغي أن يوجد من قبل المأمور، وهي صفة لازمة بالأمر، كما كانت صفة الوجود ~~لازمة من سائر أقسام التصريف، فإن قولك: "دخل فلان الدار" على ما عليه حق ~~الكلام وهو الصدق يقتضي وجود الدخول لا محالة. # وكذلك يدخل على ما عليه الحد مقتضى وجود الدخول في الثاني، فكذلك أدخل ~~على ما عليه الحد. # وإذا صار صفة الأمر أن يوجد صفة لازمة للفعل المأمور به من قبل المأمور ~~بحكم PageV01P037 # اللغة على ما عليه حق الكلام، ولا وجود إلا بفعله صار طلبا للفعل على وجه ~~لا بد من وجوده، وهذا معنى الإيجاب والفرض، ولهذا فرق لغة بين الآمر ~~والمأمور في رتبة الولاية، فكان الآمر واليا والمأمور موليا عليه حتى يسمى ~~السلطان الذي له ولاية الإلزام أميرا. # ولن موجب الأمر الائتمار لغة. يقال: أمرته فأتمر، ونهيته فانتهى، كما ~~تقول: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم، وعلمته فتعلم. # وإذا كان حكما له لم يتصور إلا واجبا به كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم ~~العلة إلا واجبا بالعلة وقد تراخى عناه بمانع أو اتصل بها. # وكان ينبغي أن يحصل الائتمار مقرونا بالأمر حكما له واجبا به إلا أنه ~~تراخى لأن حصوله من مختار فيتراخى إلى حين اختياره، وانعدم الفعل إلى حين ~~اختياره، وبقي الوجوب حكما له لأنه مما يثبت بالآمر الذي إليه الولاية حتى ~~لما أنبأنا الله تعالى عما لا اختيار له في الإجابة أنبأ عن الائتمار ~~مقرونا به فقال: {كن فيكون} فلولا أن الأمر لإيجاد المأمور ms026 به، لما استقامت ~~الكناية عن الإيجاد بالأمر. # وكذلك قال الله تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} فجعل ~~القيامة بحيث لا يجوز غيره موجب الأمر فيما لا اختيار له. # فإن قيل: أليس العبد فيما يتطوع عاملا لله تعالى بأمره، ولم يدل على ~~الوجوب؟ # قلنا: إنه عامل لله تعالى لا بأمره بل بإذنه بأن يجعل لله تعالى ما جعله ~~الله تعالى له من عمل تلك المدة. # والمفترض عامل لله تعالى بالأمر من حيث يوفيه ماله عليه بالأمر، كالأجير ~~يعمل للمستأجر من حيث يوفيه ما له عليه من عمل في تلك المدة. # والمعين يعمل له من حيث يجعل له عمله بلا وجوب له عليه. # والبائع يسلم المبيع موفيا ما عليه. # والواهب يسلم الموهوب جاعلا للموهوب له ماله لا موفيا ما عليه. # ولهذا سمى الله تعالى نفل الصدقة قرضا، لأن المقرض لا يسلم ما عليه ولكن ~~يجعل ما له للمستقرض. # ولهذا سمي خلاف الأمر فسقا قال الله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن ففسق ~~عن أمر ربه}، وسمي عصيانا قال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم} قال دريد بن الصمة: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوا .... فلم يتبينوا الرشد إلا ضحى الغد PageV01P038 # فلما عصوني كنت منهم وقد .... أرى غوايتهم وأني غير مهتد # وهل أنا إلا من غزية: إن غوت .... غويت، وإن ترشد غزية أرشد. # والفسق في عرف اللسان: اسم لفعل حرام شرعا، وكذلك المعصية، ولو لم يجب ~~الائتمار لم يكن خلافه حراما، ولن النهي خلاف الأمر لغة، وبالنهي يجب أن ~~يعدم المنهي عنه فيجب بالأمر أن يوجد المأمور به، وبالله التوفيق. PageV01P039 ### | AUTO القول في الأمر بالفعل ماذا حكمه في التكرار؟ # قال بعض العلماء: الأمر بالفعل يقتضي التكرار إلا بدليل. # وقال بعضهم: يحتمله ولا يثبت التكرار إلا بدليل. # وقال بعضهم: المطلق لا يقتضي تكرارا، ولكن المعلق بشرط أو وصف يتكرر ~~بتكرره. # والصحيح: أنه لا يقتضي التكرار ولا يحتمله ولكنه يحتمل كل الفعل المأمور ~~به وبعضه، غير ان الكل لا يثبت إلا بدليل وعليه دلت مسائل ms027 علمائنا. # فأما الذين قالوا بالتكرار؛ فإنهم احتجوا بما روي أن الأقرع بن حابس سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحج في كل عام أو مرة؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: "بل مرة، ولو قلت في كل عام لوجب، ولو وجب ثم تركتموه لضللتم" ولو لم ~~يكن الأمر يحتمل الوجهين لما سأله الأقرع ولما احتملهما. # والتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص فوجب القول بالعموم حتى ~~يقوم دليل الخصوص. # ولأن للفعل بعضا وكلا من جنسه كما للمفعول، فمطلقه يتناول كله كما في الاسم. # ثم كل الفعل لا يتأدى إلا بالتكرار فيصير التكرار مقتضاه. ولهذا قالوا- ~~فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك! ونوى الثلاث: أن النية تصح لأنه نوى ما ~~يحتمله لفظه من حيث العموم وبالكلية، ولو نوى ثنتين لم يصح عندنا لأنه نوى ~~العدد ولفظه لا يحتمل عددا، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأن الثنيتين كل ~~فعل تطليقها. # وكذلك فيمن قال لعبده: تزوج فتزوج امرأتين ونوى المولى ذلك صح. لأن ذلك ~~كل تزوجه. # وكذلك أمر الله تعالى بالصلاة مطلقا وتكرر به الوجوب علينا، وكذلك سائر ~~العبادات. # فأما الحج فإنما سقط تكراره بدلالة السنة، ولن النهي عن فعل يقتضي النفي ~~عاما فكذا الأمر بالفعل الذي هو ضد النهي يقتضي الوجود عاما. PageV01P040 # - وأما الذين قالوا: إنه لا يقتضي التكرار إلا بدلالة فذهبوا إلى أن ~~الأمر بالفعل لا يصح إلا بمفعول هو اسم على سبيل النكرة كقولك: صل، لا ~~يستقيم إلا بمفعول هو صلاة، ولكنه ثبت على سبيل التنكير لأنه يثبت مقتضى ~~بالنص لا منصوصا عليه، والمقتضى لا يثبت إلا ضرورة، والضرورة ترتفع بالنكرة ~~فيصير في التقدير كأنك قلت: صل صلاة، فتكون الصلاة نكرة في الإثبات فتخص ~~كقول الله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} إلا ان يزيد القائل زيادة ~~فتثبت لأنه يحتمل ذلك فإن المقتضى يجوز أن تكون صلاة، وكل الصلوات، ألا ترى ~~أنه لو صرح به فقال: صل الصلوات استقام وكان بيانا. # بخلاف النهي فإنه للنفي، فإذا قلت: لا تصل ms028 فكأنك قلت: لا تصل صلاة، فتكون ~~نكرة في النفي فيعم كقول الله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} فثبت أن ~~التكرار لا يثبت إلا بدلالة أخرى ولهذا قلنا- فيمن قال لآخر: تصدق من مالي ~~بدرهم-: لم يملك إلا مرة واحدة، ولأن الأمر أحد أقسام التصريف. # ومن قال دخل فلان الدار لم يفهم منه التكرار ولكن يحتمل أنه دخل مرارا، ~~وكذلك إذا قيل: يدخل فكذلك إذا قيل له: ادخل. # فأما الذين قالوا بالتكرار في المعلق بالشرط فإنهم تمسكوا بالأوامر ~~الشرعية المتعلقة بأوقات أو أموال في باب الزكاة، والعقوبات المتعلقة ~~بالمعاصي فإنها متكررة بتكرر شروطها. # وأما الدليل لما قلنا، وهو أن الأمر بالفعل لا يقتضي تكرارا ولا يحتمله: ~~فإن التكرار في اللغة: العود مرة بعد أخرى والفعل لا يحتمل العود لأنه ~~حركات تنقضي فيكون الثاني غير الأول لا محالة، وإنما يسمى تكرارا مجازا ~~لعود مثل الأول، وهو في الحقيقة إعداد يحتمل كما في الأعيان، وليس في النص ~~ما يحتمل العدد لأن قول القائل: ادخل الدار، أمر بحركات معلومة في تمامها ~~دخول، لا عدد دخول ولهذا قلنا- فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك ونوى به ~~ثنتين-: لم يصح، لأنه نوى زيادة عن عدد التطليق. وما في نصه ما يحتمل ~~التعدد لأن التطليق اسم للقول لا للحساب كما لو قال: اشتر لي عبدا لم يحتمل ~~عبيدا ولا شراء بعد شراء. # وكذلك لو قال: تزوج امرأة ونوى به مرة بعد أخرى لم يصح. # وكذلك لو قال لامرأته: طلقتك، ونوى به ثنتين لم يصح لأنه نوى ما لا يحتمل لفظة. # فأما عبادات الله تعالى فإنما لزمتنا على سبيل التكرار لا بالأوامر، ولكن ~~بتكرر علل الوجوب على ما نذكرها، وهي أسباب أخرى غير الأمر، فالأمر كان ~~طلبا لأداء الواجب PageV01P041 # بسببه كقولك لآخر: أد الثمن للشراء والنفقة للنكاح. # فإن قيل: كيف يقال أن الأمر لا يحتمل التكرار، ولو قرن به التكرار تفسيرا ~~له لاستقام كقول القائل لآخر: طلق امرأتي! مرتين أو ثلاث مرات فكانت المرة ~~نصبا على التفسير، ولو لم ms029 يحتمله مطلق الأمر كان الذكر تفسيرا له، وكذلك ~~تقول: صم أبدا، أو أياما كثيرة. # قلنا: هذا القرآن لم يصح لغة على سبيل التفسير لما يحتمله، ولكن على سبيل ~~التغيير إلى معنى آخر ما كان يحتمل مطلقه بل يحتمل التغيير إليه، كما يصح ~~قران الشرط بالطلاق والاستثناء بالجملة على سبيل تغيير موجبه إلى وجه آخر ~~لا على سبيل بيان موجب المطلق منه. # فإن قول القائل: أنت طالق ثلاثا ما كان يحتمل التأخير ولا ثنتين، ولو ~~قال: إلى شهر إلا واحدة تأخر إلى شهر ولم يقع إلا ثنتان. # وأما النصب فليس على معنى التفسير ولكنه لقيامه مقام المصدر، وقوله: طلق ~~امرأته ثلاث مرات أي؛ تطليقات ثلاثا على أن النصب وإن جاز على سبيل التفسير ~~فيجوز على بيان تغيير موجبه مطلقا إلى موجب آخر باقتران زيادة به، ولهذا ~~قالوا: إن من قال لامرأته: أنت طالق وسكت؛ طلقت مع هذه اللفظة، ولو قال: ~~ثلاثا لم تطلق إلا مع قوله: ثلاثا، فتأخر الوقوع إلى العدد، ولو كان هذا ~~تفسيرا له لم يتغير به حكمه بل كان يتقرر، وكذلك المرات. # وأما قولنا: إنه يحتمل كل الفعل المأمور به، فلأن قول القائل لآخر: ادخل ~~الدار! أمر بفعل الدخول وإنه يتناول كل ما يتصور منه دخولا كما يتناول البعض. # والدخول اسم للفعل وللفعل كل وبعض من جنسه كما لغير الفعل من الأعيان ~~وغيرها، فإنه اسم لجنس الفعل فيعتبر بأسماء أجناس الأشياء سوى الأفعال نحو ~~الماء والطعام والناس. # ثم حكم المتعلق باسم الجنس يتعلق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم على احتمال ~~العموم على ما نذكر في باب ألفاظ العموم، فكذلك هذا. # ولهذا قلنا فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك: أنها على واحدة فإن نوى ثلاثا ~~صح لأنه نهوى الكل وهو يحتمله وإن نوى ثنتين لم يصح لأنه نوى التكرار ~~والعدد لا غير، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأنهما كل طلاقها عندنا. # ولو قال لعبده: تزوج، لم يملك إلا امرأة ولو نوى ثنتين يصح لأنه نوى الكل ~~لأنهما كل نكاحه، ms030 لا لأنه نوى التكرار. PageV01P042 # وذكر عيسى بن أبان: أن الأمر بالفعل إذا كان له نهاية معلومة يجوز أن ~~يقال فيه بالعموم حتى يقوم الدليل على الخصوص اعتبارا بالنص العام فيما عدا ~~الفعل، إلا أن الرواية تخالف هذا، فإن الأمر بالطلاق لامرأته أمر بفعل ~~معلوم كله ولم ينصرف إليه إلا بينة، والجواب عن حجته ما ذكرنا أن هذا ~~بمنزلة أسماء الأجناس، والفرق بين اسم الجنس وغيره من العام ما نذكره بعد ~~هذا في موضعه. # وأما إذا كان الأمر بفعل لا نهاية له معلومة، كالأمر بالصلاة والصوم، فإن ~~المأمور به، مما لا يتناهى في نفسه، وإنما نهايته بعجز الفاعل بموته، فهذا ~~من جنس ما لا يمكن القول فيه بعمومه، وكل لأنه ليس في وسع العبد فعل كل ~~الصيام التي هي قربة لله تعالى، ولا فعل كل الصلاة، وإذا لم يكن بوسعه ذلك ~~لم يخاطب بتعمبم هذا الفعل بل يصير مخاطبا بالبعض، فيصير الأمر بهذا الفعل ~~من قبيل ما لا يمكن القول بعمومه من النصوص فيما عدا الأفعال نحو قول الله ~~تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} وقوله: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة} ولما انصرف إلى البعض لم يلزمنا منه إلا ما يتيقن به إلا بدليل زائد. # وأما حديث الأقرع بن حابس فالجواب عنه: أن الأقرع إنما أشكل عليه أمر ~~تكرره، لاعتباره الحج بالصلاة والصيام، فإنه كان عرف الصلاة متكررة وقتها، ~~وكذلك الصوم ثم وجد الحج متعلقا بالوقت أيضا، فأشكل عليه أمر تكرره بتكرر ~~وقته فسأل عنه. # ولو أجيب بنعم لصار الوقت علته وتكرر بتكرره كالصلاة، فلما أجيب بالمرة ~~في العمر تبين له أن الوقت شرط محض لجواز الأداء كالطهارة للصلاة وأن سبب ~~الوجوب مما لا يتكرر وهو البيت على ما نبين في باب أسباب هذه العبادات. # ولأن كينونة البيت بيت الله تعالى يجوز أن يكون علة لوجوب الحج في العمر ~~مرة، ويجوز أن يكون علة لوجوبه كل سنة أو كل شهر ككينونة النصاب في ملك ~~الرجل يكون علة للزكاة كل سنة، فإن ms031 البقاء في زمن آخر غير الأول فإذا كان ~~البقاء علة جاز تكرار الوجوب بتكرار البقاء، وجاز ان لا يتكرر ترفيها علينا ~~ودفعا للحرج. PageV01P043 ### | AUTO القول في صفة حسن المأمور به # قد ذكرنا أن الأمر لغة لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد، ومطلقه على الوجوب، ~~فإذا كان الأمر من الله تعالى صار وجود المأمور به منا واجبا علينا لله ~~تعالى، ولا يجوز في الحكمة أن يجب علينا إيجاده لله تعالى إلا لحسنه عند ~~الله تعالى على الحقيقة، فغن القبيح في الحكمة: اسم لما ينبغي أن يعدم، ~~والله تعالى هو الحكيم الذي لا سفه له فلا يأمرنا به فلا نجد بدا من معرفة ~~صفة الحسن فيما أمرنا به، فنقول: # - إن هذه الأفعال في صفة الحسن على أقسام أربعة: # أ- ما حسن لمعنى في غيره. # ب- وما حسن لمعنى في غيره. # والذي حسن لمعنى في عينه على نوعين: # أ- ما كان المعنى في وضعه. # ب- وما كان اتصل المعنى بوضعه بواسطة حتى التحق بالواسطة القسم الأول، ~~والذي حسن لمعنى في غيره على نوعين: # أ- ما يحصل المعنى بفعل العبادة. # ب- وما يحصل بعده بفعل مقصود له. # فصارت الأقسام أربعة: # - فأما الأول: فنحو الصلاة لأنها تتأدى بأفعال وأقوال وضعت للتعظيم في ~~الشاهد، والتعظيم حسن في نفسه في حق المعظم إلا أن يكون في غير حينه أو ~~حاله فيشوبه القبح لذلك المعارض، ولهذا كانت الصلاة حسنة دائمة، واستقبحت ~~لأوقات مخصوصة وأحوال فنهينا عنها. # - وأما الثاني: فنحو الزكاة والصوم والحج، لأن الزكاة تمليك المال للفقير ~~على سبيل الكفاية بأمر الله تعالى، ولا يتم هذا العمل عملا لله تعالى إلا ~~بواسطة الفقير المحتاج. # والصوم: كف النفس الشهوانية عن اقتضاء شهوة البطن والفرج بأمر الله تعالى ~~ما يتم عملا لله تعالى إلا بالنفس الشهوانية. # والحج: زيارة البقعة المعظمة على سبيل التعظيم بأمر الله تعالى، ما يتم ~~عملا لله تعالى إلا بواسطة البقعة المعظمة، غير أن احتياج الفقير إل ~~الكفاية كان بخلق الله تعالى PageV01P044 # إياه على صفة لا يبقى إلا بالكفاية، واشتهاء النفس كذلك بخلق ms032 الله تعالى. # وكذلك شرف المكان وفضله كان بخلق الله تعالى. # ولما حسنت هذه الأفعال من حيث أن في الزكاة إغناء عباد الله تعالى ~~المحتاجين. # وفي الصوم قهر النفس التي هي عدو الله تعالى. # وفي الحج تعظيم شعائر الله تعالى وهذه الأفعال بهذه الوسائط حسنة في ~~الشاهد لمن وقعت له، والوسائط تثبت وسائط بخلق الله تعالى فصارت حسنة من ~~العبد للرب عزت قدرته بلا ثالث معنى. # فالوسائط لما ثبتت لله تعالى كانت مضافة إليه، ولم يبق للواسطة عبرة حكما ~~فصارت كأفعال الصلاة التي حسنت لأنها في نفسها تعظيم للمفعول له. # وأما الوجه الثالث: فنحو قتال الكفرة والصلاة على الميت وإقامة الحدود. # فالقتال فساد وما حسن إلا لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وكبت أعدائه ~~ودفع قتالهم، فحسن بواسطة العدو وإن كان عدوا بمعصية كانت منه باختياره ~~فصارت الواسطة واسطة بسبب مضاف إلى الكافر فصار حسنا لمعنى في غير العبادة. # فالعبادة تتم بالعبد للرب تعالى فتكون الواسطة المضافة إلى غير الله ~~تعالى غير فعل العبادة صورة ومعنى. # وكذلك إقامة الحدود إضرار وإفساد وإنما حسنت لأنها زاجر عن المعاصي فحسن ~~بواسطة المعاصي، وإنما كان عاصيا لمعنى مضاف إليه. # والصلاة على الميت حسن عبادة شرعية بالميت فأما بدون الميت فعبث وإنما ~~صلح بواسطة الميت لا بموته الثابت بالله تعالى. ولكن بإسلامه المضاف إلى ~~المسلم كالكفر في الفصل الأول. # وأما الوجه الرابع: فنحو الوضوء والسعي إلى الجمعة والغسل تبرد وتطهر ~~عادة، وإنما انقلب عبادة شرعية وعملا لله من حيث أنه مفتاح الصلاة المشروعة ~~لله تعالى ألا ترى أن الوضوء لا يلزم من لا صلاة عليه، وإن كان محدثا وكذلك ~~لا يجب قبل مجيء وقت الصلاة. # وكذلك السعي إلى الجمعة حسن لأنه سبب لإمكان إقامة الجمعة، فأما هو في ~~نفسه فعمل مباح. # والجمعة التي هي الحسنة لا تحصل بالسعي ولا بالوضوء بل بعدهما بفعل مقصود ~~لها، وفي الفصل الأول يحسن ما فيه الحسن من قضاء حق الميت وكبت أعداء الله ~~تعالى وزجر العاصي بنفس الفعل. ms033 PageV01P045 # ثم حكم وجوب القسمين الأولين واحد وهو أن الوجوب متى ثبت لم يسقط إلا ~~بفعل الواجب أو اعتراض ما يسقط لعينه ولا يسقط بغيره، لأنه وجب لعينه لا ~~لغيره فلا يسقط بغيره. # وحكم وجوب القسمين الآخرين واحد أيضا وهو بقاء الوجوب ببقاء وجوب الغير، ~~والسقوط بسقوط الغير حتى إذا سقطت الجمعة بسبب سقط السعي. # وكذلك الطهارة. # وكذلك حق الميت مت سقط ببغيه أو بكفره سقطت الصلاة. # وكذلك لو سقطت بقضاء الولي حقه بالصلاة عليه سقطت الصلاة عن الباقين، ~~والناس لو أسلموا حتى علت كلمة الله تعالى وذهب القتال سقط الجهاد ما لم ~~يحدث قتال مثله من البغاة. # ومتى لم يقض حق الميت بالصلاة بأن صلى عليه غير وليه كانت الصلاة باقية ~~على الولي. # وكذلك شوكة الكفار متى لم تنكسر بالقتال مرة لم يسقط الفرض ووجب ثانيا ~~لأن المعنى الذي له وجبت العبادة في ذلك الغير بمنزلة السبب الموجب فلا ~~يبقى الحكم بدون السبب. PageV01P046 ### | AUTO القول في مطلق الأمر ماذا موجبه في حسن المأمور به من الفعل # قال العبد رحمه الله تعالى: إني لم أقف على أقوال الناس في هذا الفصل كما ~~وقفت على أقوالهم في حكم الأمر، فما أحد استقصى كل هذا، والذي مال إليه ~~رأيي أن ينصرف مطلق الأمر إلى القسم الأول دون الثاني، ويحتمل القسم الثاني ~~لأن الحسن إنما يثبت صفة للفعل المأمور به مقتضى حكمة الأمر لا موجبا للأمر ~~لغة، لما ذكرنا إن اللغة لا تفصل بين الحسن والقبيح من الأفعال بل لكل فعل ~~أمر موضوع منه لغة، ولما كان طريق ثبوته مقتضى الحكمة ثبت أدنى ما يرتفع به ~~الضرورة على ما يأتيك البيان في باب المقتضى. والأدنى يتأدى بحسن في غيره، ~~فلا يثبت الحسن في نفسه إلا بدلالة زائدة. # ولكن القول الأول أصوب لأن الكلام في الأوامر بأفعال هي لله تعالى عبادة، ~~وإذا كان المر استعبادا في نفسه صار صفة العبادة للفعل ثابتة لغة لا ~~اقتضاء، فقول الله تعالى: {أقيموا الصلاة} واعبدوني بها واحد فهو اسم ms034 وضع ~~للعبادة، وكذلك الصوم إلا أنها عرفت لغة باستعارة لسان الشرع، ولسان الشرع ~~لسان العرب، ولما وجب إثبات صفة العبادة للفعل لغة لا اقتضاء وجب إثبات صفة ~~العبادة للفعل نفسه لا لغيره، حتى لا يصير مجازا، ولما وجب هذا تبع صفة ~~الحسن صفة العبادة، وكذلك شرع الله تعالى بيان للأحسن. PageV01P047 ### | AUTO القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده؟ # قال بعضهم: الأمر بفعل واجب لا حكم له في ضده. # وقال بعضهم: يقتضي نهيا في ضده، وإليه ذهب أبو بكر الجصاص. # وقال بعضهم: يدل على كراهة ضده. # وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده، وهو المختار عندنا. # فأما الأولون: فذهبوا إلى أن ضده مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل ~~الأمر، كالمعلق بشرط لا يقتضي نفيا عند عدم الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ~~ما كان عليه قبل التعليق. قالوا: والعبد يأثم إذا لم يأتمر بترك الواجب لا ~~بارتكاب الضد. # وأما أبو بكر الجصاص فقد ذكر في "أصوله" أن الأمر المطلق على الفور، لأن ~~الأمر اقتضى نهيا عن ضده، والنهي عن مطلق الفعل يوجب موجبه على الفور، ~~فكأنه ذهب إلى أن الفعل إذا وجب الإتيان به حرم تركه ضرورة واقتضاء، ~~والحرمة حكم النهي فيثبت النهي عن ضده اقتضاء. # وأما الثالث فوجهه: أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله ~~أبو بكر إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها ~~بالتحريم او النهي. # لأن الثابت بالنص يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة. # والثابت بالضرورة يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة. # والضرورة ترتفع بكون ضده مكروها لقبح في غيره، وإن كان في نفسه حسنا ~~كالصلاة في أرض مغصوبة، إلا أنا نقول ان الثابت بهذا الطريق يكون بالاقتضاء ~~دون الدلالة. # فإن النص يدل على مثل المنصوص عليه كتحريم التأفيف يدل على تحريم الشتم ~~لوجود ذلك الأذى فيه وزيادة. # فالدلالة أخت الإيجاب، فكما لا يوجب النص ضد الحكم المنصوص عليه لا يدل ~~عليه، ولكن ثبوت الضد يقتضي نفي ضده ms035 كالليل مع النهار، وكذلك في الحكام إذا PageV01P048 # وجب فعل في وقت لا بد أن يحرم تركه اقتضاء فيحرم ضده لما فيه من ترك ~~المأمور به الواجب، فكان لمعنى في غيره فلا يوجب الفساد بخلاف النهي. # فأما الجواب عن القول الأول: ما ذكرنا ان الكراهة تثبت بمقتضى النص لا ~~بالنص، والمقتضى أبدا إنما يثبت حيث لا نص ما له حد غير هذا، وليس هذا ~~كالمعلق بالشرط فإن تعليق الحكم بالشرط لإيجاد الحكم ابتداء عند الشرط، ~~ولما كان ابتداء الوجود عنده لم يقتض هذا نفيا قبله لأن النفي لا يتصور ~~ابتداء الوجود عند الشرط أن يكون عدما قبل الشرط، ولما لم يكن موجودا من ~~الأصل لا يتعلق عدمه بمعدم فلذلك قلنا غنه يقتضي عدما من حيث عدم دليل ~~الوجود، لا عدما بدليل ناف. # وأما الإيجاب فيقتضي حرمة ترك الواجب ضرورة، وكان حلالا قبل الإيجاب ~~فلذلك أضفنا ثبوتها إلى الأمر. # ثم قول أبي بكر أن الأمر المطلق على الفور لأنه نهي عن ضده دعوى، ~~والرواية في الأصول في الأمر المطلق بخلاف ما قاله أبو بكر الجصاص على ما نذكره. # وكذلك النهي فإن النهي إنما يكون على الفور إذا كان مما يستغرق انتهاء ~~العمر، فأما ما لا يستغرق انتهاء العمر فلا، فإنا نهينا عن ترك فرض الصلاة ~~وقت الظهر ويباح الترك لأول الوقت لأن فعل الصلاة مما لا يعم ولا يستغرق ~~الوقت فالانتهاء عن النهي بفعل الصلاة مما لا يستغرق الوقت فلا يجب البدار ~~إلى الانتهاء على الفور، والذي يدل عليه أنا متى جعلناه نهيا عن ضده نصا أو ~~دلالة فقد جعلنا ضده حراما لمعنى يرجع إليه كما في مطلق النهي، وإنه ما حرم ~~إلا لمعنى في غيره وهو من حيث المأمور به وبينهما فرق على ما مر، والله أعلم. ### | AUTO القول في النهي ماذا حكمه؟ # قال العبد- رحمه الله-: إني لم أقف على الأقوال في حكمه على الاستقصاء من ~~السلف، كما وقفت على حكم الأمر. ولكنه ضد المر لغة فيحتمل أن يكون للناس ~~فيه ms036 أقوال أربعة على حسب أقوالهم في الأمر. # فمن وقف في الأمر فليجب مثله في النهي. # ومن قال بالندب في الأمر فكذا يجب في النهي أن يقول بندب على ضده. # ومن قال بالإباحة فيه قال بإباحة الانتهاء هنا. # ومن قال بالوجوب، ثم قال بوجوب الانتهاء هنا وعليه جمهور العلماء. # ويحتمل ان لا يكون على الاختلاف لأن القول به يؤدي إلى أن يصير موجب ~~الأمر PageV01P049 # والنهي واحدا وهو الوقف، وهذا لا سبيل إليه لأن الضدين يختلف أثرهما ~~كالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين والله أعلم. ### | AUTO فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء # وأما الأقوال في تكرار الانتهاء فلا يتصور لأن الانتهاء بالنهي مما ~~يستغرق العمر إن كان مطلقا لأنه لا انتهاء إلا بانعدام المنهي عنه من قبله، ~~ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالموت عليه قبل الفعل، فلا يتصوره تكراره، ~~بخلاف الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل المسمى له حد يعرف وجوده بحده ثم ~~يتصور التكرار بعده، إلا ترى ان من حلف لا يدخل الدار لم يبر إلا بالموت ~~قبل الدخول، ولو حلف ليدخلن الدار فدخل ساعتئذ بر في يمينه وإن ترك بعد ذلك ~~وتصور منه بعده دخول آخر. ### | AUTO فصل في بيان علة وجوب الانتهاء # : # اعلم بأن الشرع لا ينهى عن فعل غلا لقبحه كما لا يأمر به حقا لله تعالى ~~إلا لحسنه، فالقبيح: اسم لما ينبغي أن يعدم في الحكمة بخلاف الحسن، وقد ~~ذكرنا ان النهي لغة لبيان أنه مما ينبغي ان يعدم على خلاف الأمر، فدل النهي ~~على قبح المنهي عنه كما دل الأمر على حسن المأمور به تحقيقا للمخالفة. # فإن قال قائل: فهلا قيل إن النهي ورد لحسن الانتهاء كما قيل في الأمر أنه ~~ورد لحسن الائتمار؟ # قلنا: لأن المطلوب بالأمر فعل، والفعل حادث يكون من العبد، فالصفة التي ~~لأجلها صح الأمر لا بد أن تثبت لذلك الحادث. # فأما المطلوب من النهي أن لا يوجد المنهي عنه من قبل العبد ويبقى عدما ~~كذلك، والعدم الأصلي لا يكون بعلة ولا مضافا غلى العبد ms037 حقيقة فلا يصح النهي ~~لحسن الانتهاء فإنه ضرب فعل من العبد، وفعل العبد غير مطلوب بالنهي، بل ~~المطلوب أن لا يوجد من قبله ذلك الفعل، وأن لا يوجد المعدوم ولا يتعلق بسبب ~~موجب للعدم بل بانعدام أسباب الوجود فوجب ضرورة أن يقال: إن النهي صح لقبح ~~الفعل المنهي عنه على خلاف الأمر، فإنه لحسن الفعل المأمور به يصير الفعل ~~المسمى بالأمر مما ينبغي أن يوجد، وبالنهي مما ينبغي أن يعدم، ولهذا يصير ~~العبد منتهيا بالنهي أولى إذا لم يوجد منه فعل المنهي عنه، ولو كان ~~الانتهاء مطلوبا به حقا لله تعالى لما أمرنا بالصوم وتأدية بالترك لم يكن ~~الترك صوما لله تعالى إلا على وجه يضاف وجوده إلى العبد بحق الأمر من الله ~~تعالى من قصد لما فيه من منع نفسه عن اقتضاء الشهوات، وغنه ضرب فعل لأنه ~~يثبت بالأمر ولا PageV01P050 # يتصور إلا بفعل يوجده وهذا كما قالوا- فيمن حلف وقال لامرأته: إن لم أشأ ~~طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشأ- لم تطلق حتى يموت لأنه علق بعدم المشيئة ~~لا بفعل سماه والعدم لا يتحقق إلا بالموت. # ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق حنث إذا قال أبيت طلاقك لأن الإباء اسم ~~لضرب فعل كالصوم وله حد يعقل فثبت ان الواجب بالنهي أن لا يوجد الفعل ~~المنهي عنه من قبله، فغن دعته نفسه إلى فعل المنهي عنه فعليه الآن أن يمنع ~~نفسه عن ذلك بالرد عليه وينتهي عنه ولا يطيعه ضرورة أنه إن لم ينته وجد منه ~~ما نهي عنه فصار مرتكبا للنهي فيصير الانتهاء حسنا الآن مقتضى الفرار عن ~~ارتكاب النهي لا لنفسه فيصير من قبيل الأمر الذي حسن لغير المأمور به، فلا ~~يلزمه غلا بقدر ما يتعلق به حصول المقصود وبقدر ما يتعلق به المقصود يلزمه ~~لله تعالى فيكون عبادة فإنها اسم لفعل يأتي به العبد تعظيما لربه. PageV01P051 ### | AUTO القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه # النهي على أربعة أقسام في هذا الباب، كالأمر في حق الحسن. # - منه ما ms038 ورد لقبح الفعل المنهي عنه في عينه. # - ومنه ما ورد لقبح في غيره. # - والذي قبح في عينه نوعان: # - ما قبح وضعا. # - وما التحق به شرعا. # والذي قبح لغيره نوعان: # - ما صار القبح مهم وصفا. # - وما جاوره جمعا. # - أما الأول: فكالسفه والعبث، فواضع اللغة وضع الاسمين لفعلين عرفهما ~~قبيح في ذاتهما عقلا. # - وأما الثاني: فكالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والصلاة بغير وضوء، ~~فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال ~~متقوم حال العقد، والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثا ~~لحلوله في غير محله كضرب الميت وقتل الموات وأكل ما لا يتغذى به. # وكذلك الشرع قصر اهلية العبد لأداء الصلاة على حال طهارته عن الحدث فصار ~~فعل صلاته مع الحدث عبثا لخروجه من غير أهله، نحو كلام المجنون والطائر ~~فالتحقا بالقبيح وضعا بواسطة عدم الأهلية والمحلية شرعا. # - وأما الثالث: فنحو البيع بشرط فاسد، وبيع الدرهم بالدرهمين فالنهي ورد ~~بمعنى الشرط والشرط غير البيع، وبيع الربا منهي عنه لعدم شرط المماثلة الذي ~~علق الجواز به فالمماثلة شرط زائد على البيع فتمامه بوجوده من أهله في محله ~~والمحل قائم شرعا مع المفاضلة فإنهما مالان متقومان. # وأما الرابع: فنحو البيع وقت النداء يوم الجمعة، والصلاة في أرض مغصوبة، ~~والنهي ورد لمعنى الاشتغال بالبيع عن السعي إلى الجمعة، وبين الاشتغال ~~والبيع مجاورة فما هو من البيع في شيء، والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة جاء ~~لمعنى الغصب، وما هو من الصلاة في شيء فغصب الأرض في شغلها بنفسه لا ~~بصلاته. PageV01P052 # وحكم القسمين الولين أنهما حرامان غير مشروعين أصلا لأن القبح صار صفة ~~لعينه، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مشروعا، فالشرع ما جاء إلا لشرع ما ~~هو حسن ورفع ما هو قبيح. # وحكم القسمين الآخرين: أنهما دليلان على كون المنهي عنهما مشروعين لأن ~~القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب دفع المنهي عنه بسبب القبح والقبح ~~في غيره. # وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى ms039 على ما نبينه في الباب الذي يليه. # قال الشافعي رحمه الله: النهي على أقسام ثلاثة، فالقسم الثالث الذي ~~ذكرناه من جملة ما قبح لمعنى في عينه شرعا، والله أعلم. PageV01P053 ### | AUTO القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف؟ # قال علماؤنا: مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حسا ينصرف إلى القسم الأول. # وعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعا نحو العقود والعبادات ينصرف القسم ~~الثالث إلا بدليل. # وقال الشافعي رحمه الله: النهي في البابين يدل على قبحه لمعنى في عينه، ~~ويكون نسخا لما كان مشروعا إلا بدليل. # ويحتمل أن يقال ينصرف إلى القسم الرابع بلا تفصيل. # ويحتمل الانصراف إلى القسم الأول غير أني لم أقف على هذين القولين ~~الاخرين من السلف. # وإنما قلنا يحتمل لأن النهي للمنع عن الفعل والقبح يثبت ضرورة ومقتضى ~~فيثبت الأدنى وذلك في القسم الرابع كما قلنا مثله في المر في صفة الحسن. # ويحتمل أن يقال: إن النهي عن الفعل تقبيح كالأمر تحسين فيثبت الأكمل كما ~~في الأمر. # والحجة للشافعي أن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر شرعا للمأمور به كان ~~النهي رفعا للمنهي عنه إلا بدليل. # ولن الأمر شرعا لتحسين المأمور به في نفسه إلا بدليل فكذلك النهي يكون ~~لتقبيحه في نفسه. # وكذلك التحريم والإحلال متضادان فيرتفع بأحدهما الآخر. # ولأن الشرع ابتلاء من الله إيانا بما أمر ونهى وأحل وحرم بأصل الحكم، ثم ~~الفعل بناء عليه فيتعين بهما أصل الحكم ثم الأداء ألا ترى أن الشرع نهانا ~~عن الصلاة محدثا، وعن نكاح المعتدة وبغير شهود، فلم يبق المنهي عنه مشروعا، ~~وغن كان النهي ورد لدخول زيادة أو لفقد شرط زائد على أصل الاسم. # ولأن أدنى درجات المشروع ان يكون مباحا في نفسه، ثم مندوبا إلى فعله، ثم ~~واجبا، ثم فرضا. # والربا حرام في نفسه فلم يجز أن يكون مشروعا لأن الله تعالى كما قال: ~~{وحرم عليكم الربا} قال: {حرمت عليكم أمهاتكم} ثم لم يبق نكاح الأم مشروعا ~~بتحريم مضاف إلى الأم فلأن لا يبقى الربا ms040 مشروعا والتحريم مضافا إليه أولى. PageV01P054 # ولا يلزمنا قولنا: أن الظهار حرام وأنه سبب مشروع لإيجاب الكفارة، لأن ~~الكفارة تجب جزاء على ارتكاب حرام في الأصل زجرا كالحدود فلا تكون أسبابها ~~مشروعة، ولا حسنة، فأسبابها في الحقيقة المعاصي التي هي غير مشروعة. # ولا يلزمنا قولنا: إن طلاق الحائض مشروع وقد نهينا عنه لأن الطلاق مشروع ~~بسبب ملك النكاح، والحيض صفة المرأة غير موجب خللا في ملك النكاح، والنهي ~~جاء لأجلها فكان لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به إلا على سبيل الوجود ~~معه فكان من القسم الرابع. # ولا يلزم استيلاد الرجل امة بينه وبين شريكه فإنه سبب مشروع للنسب وتملك ~~نصيب الشريك وأنه حرام، لأن سبب النسب وطؤه ملك نفسه والحرمة لملك الشريك ~~وانه مجاور لملكه لا أن يكون وصفا له، وإنما تملك نصيب الآخر لصحة النسب ~~ولا حرمة فيه، وإنما الحرمة في وطئه نصيب الشريك. # ولا يلزم الإحرام مجامعا لأهله فإنه مشروع وفاسد وحرام ومنهي عنه، لأن ~~الفساد او النهي جاء لمعنى الجماع، وأنه غير الإحرام فلا يصير وصفا له ولا ~~لما لا يتعلق به صحة الإحرام. # والحج من وقت أو مكان أو فعل، وإنما يوجد معه على سبيل المجاورة فلا يرفع ~~أصل صحة الإحرام وكان من القسم الرابع ألا ترى ان القضاء لازم والشروع في ~~الفساد لا يوجب القضاء بحال، وإنما الجماع منه محظور فيه غير مشروع مفسد ~~للحج كالكلام للصلاة والحدث للطهارة، غير أن الحج لا يحتمل النقض بالأسباب ~~الناقضة من الجماع، بخلاف الصلاة والصيام فلا يخرج من الحج لعجزه، وإذا لم ~~يخرج منه وقد تحقق المفسر من قبله لزمه المضي ضرورة ليخرج عنه بالداء لما ~~شرع، ويلزمه القضاء بإفساد الأول وباب الضرورة مستثنى عن أصل القياس ولذلك ~~أبقينا طوافه مشروعا مع فساده. # وكلامنا أن النهي لرفع المشروع في وضعه لا أنه لا يجوز الامتناع عن عمله ~~بمانع بل جائز ذلك بدليله كما يجوز مثله في العلل كلها. # ولأن الكلام وقع في تحريم الله تعالى ونهيه عما ms041 كان شرع، لا في تصرف جاء ~~من العبد ومفسد تحقق من قبله فما إلى العبد تغيير المشروعات في أنفسها، ~~ولكنه إذا لم يؤدها بشرائط صحتها بقي تحت الوجوب، وإذا ارتكب ما يفسدها ~~أفسد بقدر ما تحتمله العبادة شرعا. # والحج شرعا يحتمل الفساد من حيث يجب القضاء ولا يحتمل الارتفاع أصلا فلم ~~يقدر عليه لعجزه، وإذا كان الرافع من الله تعالى عمل لأنه لا يوصف بالحجة عليه. # ولهذا قلنا: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة علقت بسبب مشروع لها ~~وهو PageV01P055 # النكاح أو الوطء الحلال فلم يكن الحرام المحض سببا لها. # وكذلك الملك لا يثبت بالغصب وإن ضمن الغاصب لأن الملك نعمة علقت بأسباب ~~مشروعة فلم يكن الحرام المحض سببا للملك، والزنا حرام محض، وكذلك الغصب، ~~وكذلك رخص السفر لا تثبت للعبد الآبق لأن الرخصة نعمة علقت بالسير المديد ~~لغرض مباح او مندوب إليه فلا يثبت بالإباق عن المولى فإنه حرام محض. # وكذلك قال: الدهن النجس لا يجوز بيعه لأن النجاسة بعد إخراج الفأرة منه ~~صفة لازمة للدهن فصارت بمنزلة نجاسة ودك الميتة. # واحتج محمد بن الحسن لتصور صوم يوم النحر مشروعا بما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم النحر وقال: "إنها أيام أكل وشرب" ويقال ~~إنما نهانا عن فعل يتكون أو لا يتكون؟. # فغن النهي عما لا يتكون لغو، فإنه لا يقال للأعمى لا تبصر ولا للآدمي لا تطر. # فلما نهى عن الصوم، والمراد به صوم شرعي فنفس الإمساك للحمية او المرض ~~غير حرام علم به أنه متصور منا شرعا، ولأن الصوم اسم شرعي لعبادة خاصة ~~كالحج فمطلقه ينصرف إلى حقيقته بتسمية الشرع دون اللغة لأن مطلق الاسم ~~لحقيقته المتعارفة إلا بدليل، ولهذا لما قلنا: أن النهي طلب إعدام المنهي ~~عنه من قبل العبد بامتناعه عن فعله، وإنما ينعدم بامتناعه إذا كان بحيث ~~يتصور منه موجودا بفعله بخلاف النسخ لأنه تبديل لما كان فكان تصرفا من الله ~~تعالى في المشروع بتبديل، وهذا تصرف في منع ms042 العبد عن الأداء، وكذلك الأمر ~~تصرف في إيجاب الفعل فلا يرتفع بالنهي أصل الحكم، ولكن يرتفع ما لزمنا من ~~الأداء بالأمر فيحرم فعله. # وإذا ثبت هذا علم أن المنهي عن فعله من المشروع مما لا ينعدم بالنهي فبقي ~~مشروعا لكن حرم الفعل الذي هو سبب لوجوده مؤدى. # ولأنا ذكرنا ان الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من المأمور، ~~والنهي لبيان أن المنهي عنه مما ينبغي أن يعدم من قبله فيرتفع بالنهي عن ~~المأمور به قدر هذا الوصف، ودل وجوب الانعدام بتركه على بقائه مشروعا بحيث ~~يوجد لو فعله. # ولما بقي مشروعا بحيث يوجد بفعله لو فعله فلم يقبح الفعل في نفسه لأنه لم ~~يصر عبثا لما تصور، ووجب إثبات القبح في غيره ليمكن تحريم الفعل بذلك ~~الغير، لكن نثبته على وجه يكون ألزم فنجعله قبيحا عند الإطلاق لوصف زائد ~~متصل به ما أمكن كما نثبت الحسن في الأمر صفة للمأمور به على وجه يكون ألزم ~~وهو الإثبات لعينه فإنه يوجب PageV01P056 # الأداء لحسنه، وإثباته لعينه يحقق الوجوب عليه والوجوب من قبله. # وفي النهي متى أثبت القبح لعينه انعدم المنهي مشروعا في نفسه، والنهي ~~للانعدام بانتهاء العبد فلم نثبته لعينه ليبقى مشروعا، وأثبتناه وصفا له ما ~~أمكن لتكون حرمة الفعل لازمة أبدا لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف ~~منه، وإذا كان الفعل مما لا يتصور حسا كشرب الخمر والزنا انصرف إلى قبح غي ~~عينه، لأنه مع قبح عينه مما يتصور وجوده منا فيتعلق العدم بامتناعنا عنه، ~~فلما تصور الانعدام بامتناعنا عنه أثبتنا القبح لعينه كما أثبتنا بالأمر ~~الحسن لعينه لما تصور الوجود بفعلنا معه هذا هو الحقيقة من المر والنهي إلا بدليل. # وكذلك تحريم البيع والأفعال الشرعية دليل على بقائها مشروعة، لأن الحرمة ~~صفة لما سماه الشرع فينبغي أن يكون المسمى متصورا ليمكن إثبات الوصف له ~~فإنه لا يثبت بدون الموصوف كتحريم العين باسمه دليل على ثبوت المسمى ليثبت ~~الوصف له. # وإذا وجب إثبات المسمى وجب إثباته على ms043 حقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه. # غير أن اسم العين لا يبطل بأن يحرم أصل الفعل فيه، ويصير غير مشروع فيه ~~فيثبت ومتى حرمنا أصل الفعل في الشرعيات وجعلناها غير مشروعة بطل حقيقة ~~الاسم للمسمى كتحريم الربى، فالربا: اسم لضرب بيع، وأنه ما لم ينسخ لم يحرم ~~أصل المعاقدة، ولم يخرج من أن يكون مشروعا ومتى انتسخ بقي الاسم له مجازا ~~فثبت أن الحقيقة في الجمع بين صفة حرمة وبين المسمى إلا أن لا يمكن. # وفي باب ملك اليمين إثبات صفة الحرمة مع بقاء الملك مشروعا كالعصير يتخمر ~~فأمكن ذلك فيما شرع سببا لملك اليمين. # ولأن المشروع ثابت مشروعا بشرع الله تعالى وتقديره كالمخلوق حادث بخلق ~~الله تعالى وتقديره، فلم يجز أن يوصف بأنه حرام شرعا أو قبيح شرعا. # فالقبيح شرعا ما كانت الحكمة في إعدامه، وهذه مما كانت الحكمة في ~~إيجادها، وإنما أضيفت الحرمة الشرعية إليها على معنى أنها أسباب لحرمة ~~أفعالنا فيها بخروجها من أن تكون محال لها شرعا بالأسباب التي ذكرت. # والعين باسمه يبقى على الحقيقة مع خروجه عن محلية الفعل المشروع الذي ~~نهينا عنه فجمع بين الأمرين. # وأما المشروع من العقد والعبادة فلا يبقى على الحقيقة متى لم يبق بحيث ~~يوجد بالمباشرة لأنه اسم لما يوجد بالمباشرة لا لموجود للحال، ولا أيضا ~~يصير سببا لحرمة الإيجاد متى لم تتعلق الحرمة بوصف قائم به فإنه متى كان ~~لمعنى في غيره مجاور كان السبب ذلك المعنى لا هذا المسمى وحاصل الأمر أن ~~النسخ رفع للمشروع ثم ينعدم أداؤنا PageV01P057 # بانعدام المشروع، والنهي تحريم للفعل ثم ينعدم المشروع بامتناعنا عن ~~الأداء فلم يجز أن يجعلا بابا واحدا. # فأما قوله: إن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا فعله، فكذلك في أصله ~~ولكنه جائز أن يحرم بعارض لا يرفع أصله ولا يفارقه فيحرم بالعارض الذي هو ~~غير مشروع لا بالمشروع، كالطواف مشروع مباح صحيح مندوب إليه، وبعد الجماع ~~يفسد ويبقى مشروعا فاسدا، فدلنا بقاء الطواف مع صفة الفساد مشروعا، وهو ~~عبادة بدنية ms044 بأي سبب كان الفساد، على أنه ليس بوصف يرتفع به أصل المشروع ~~بمنزلة ملك اليمين حيث لم يرتفع بالحرمة. # ثم أثر الضرورة التي ذكرها الخصم ثابت في حقنا بأن عجزنا عن نقض الحج ~~ولزمنا المضي مع الفساد، وإن كان الفساد سبيله الترك، فأما البقاء مشروعا ~~مع الفساد فبحكم الله وتقديره، والله تعالى قادر على أن يرفعه به كما رفعه ~~بالإحصار. # والخمر مملوك ملكا شرعيا وأنه حرام لا يجوز الانتفاع به بوجه. # والصيد المملوك بعد الإحرام ملك، والانتفاع به والتصرف حرام لأن الحرمة ~~تعلقت بوصف زائد عارض وهو الأمر الثابت له بإحرامه أو بالحرم، وأمكن الجمع ~~بينهما لأن ملك التصرف غير ملك الرقبة. # وكذلك الدهن إذا تنجس بمجاورة الفأرة حتى صارت النجاسة صفة لازمة له ~~فبقيت بعد إخراج الفأرة لا يحرم أصل الدهن ولا الانتفاع به إلا ما لا يتأدى ~~مع النجاسة، لأنه لم يغير أصله كالنجاسة بالثوب، بخلاف ودك الميتة لأن ~~النجاسة للعين بالشرع ولا مجاورة بين العين والشرع، والشرع مبدل بأن كان ~~ظاهرا فجعله نجسا بالتحريم، وكذلك النهي عن بيع وشرط، فالنهي جاء لمعنى ~~الشرط وأنه شيء زائد جاوره وصفا له لازما لأن الشرط لو كان يصح لصار من ~~حقوقه لازما إياه قل لزوم أصله فصار حرمتها بسببه مثل حرمة الدهن بسبب ~~النجاسة المجاورة فتغير الوصف إلى حرمة وفساد ولم يتغير الأصل. # وكذلك النهي عن صوم يوم النحر فإنه جاء لوصف زائد في الوقت الذي لا يتأدى ~~إلا فيه وهو اليوم فإنه عين للصوم ضرعا على مخالفة الليل بأن عين للفطر، ثم ~~عين يوما للفطر بصفة زائدة وهو العيد فبقي محلا للصوم بأصل اليوم، ومحلا ~~للفطر بصفة أنه عيد فبقي الصوم بأصله مشروعا وبوصفه غير مشروع. # ولا يلزم النكاح بغير شهود فإنه غير موجب للملك لأن الأصل الذي قلنا في ~~النهي عن طلب العقد الذي هو طلب الإعدام من العبد بالانتهاء، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بشهود" إخبار عن عدمه دونهم كقوله: لا زيد في ~~الدار، ms045 وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا PageV01P058 # بوضوء". ولا يلزم نكاح المعتدة عن الغير لأن الحرمة ثابتة بتحريمها لا ~~بتحريم العقد عليها لأن قوله تعالى: {والمحصنات من النساء} عطف على قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} أي وحرمت المنكوحات، وإنما حرمت المنكوحة ~~كالأم على غير الزوج صيانة للأنساب، دلنا ذلك على حرمة المعتدات بلا نكاح ~~قائم لأنها لا تجب إلا لما صار معتبرا شرعا من وجه. # ولا يلزم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} فإنه إخبار عن تحريم ~~العقد والوطء جميعا، ولم يبق مشروعا لأن معناه: وحرمت الأختان جمعا بعقد أو ~~وطء لأنهما عطفتا على الأمهات ولا يعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، ~~وإنما يعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل فلذلك وجب الحمل على المعنى ~~الذي قلناه ليكون عطف اسم على اسم ولا يلزم {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} لأن ~~الدليل قام على أنا نهينا عنه لحرمة المحل علينا شرعا كالأم لقيام الصهرية ~~مقام النسب في هذا الباب شرعا حتى كانت حليلة الولد بمنزلة البنت وذكرت في ~~المحرمات. # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تنكح الأمة على الحرة" إخبار ~~وليس بنهي ولأن العقد حرم على الأمة لكونها محرمة في هذه الحالة- على ما ~~بينا في النكاح- لأن الحل الذي ثبت به محلية النكاح يتصف بالرق فبقي محللة ~~مع الحرة قبلها لا بعدها لتكون على النصف بقدر ما يمكنه إثبات التصنيف في ~~قبول النكاح مقابلة للحرة، كما لم يحل للعبد إلا امرأتين وحل للحر أربع، ~~ولأن ملك النكاح متى وصف بالحرمة لم يبق كما إذا اعترض رضاع فكذلك سببه إذا ~~وصف بالحرمة لا يبقى لأنه مشروع لملكه، فلما لم يمكن الجمع بينهما تركت ~~الحقيقة. # وأما سفر الآبق فمشروع بسبب رخصة من حيث أنه سير مديد، والمعصية ثابتة ~~صفة للعبد لا للسير بامتناعه على مولاه حتى إذا جاء الإذن ذهبت المعصية، ~~وإن سار وبقيت المعصية مع الامتناع عليه وإن ترك السير. # والغصب سبب ملك من حيث أن المشرع جعله سبب ms046 ملك للمغصوب منه بدل ماله ~~كالبيع لا من حيث أنه أخذ بغير حق. # والزنا سبب للمصاهرة من حيث أنه حرث للولد وأنه ثابت بخلق الله تعالى لا ~~بمعصيته. # والظهر يوم الجمعة مشروع لأنه معلق بزوال الشمس من اليوم ونهينا فيه عنه ~~لأن الشرع أمرنا بأداء الجمعة مقامه فصار نهيا لمعنى في غيره كالبيع وقت ~~النداء في هذا اليوم. PageV01P059 # وكذلك إذا صلى النفل وقت الطلوع كان نفلا مشروعا، وقد نهينا عنه لأن أصل ~~الصلاة مشروع بأصل الوقت والنهي جاء لوصف زائد وهو أنه وقت مقارنة الشمس ~~قرن الشيطان فبقي الأصل مشروعا ولم ينعدم وإن لزمه الترك بوصفه. # وقلنا إذا أدى في ذلك الوقت فرضا لزمه بوقت آخر مطلق عن النهي لم يجز لأن ~~الوقت لما لم يبق وقت صلاة بوصفه لم يوجد بالوصف فلا تتأدى بها صلاة مشروعة ~~عليه بأصلها ووصفها كما لا يتأدى بصوم يوم النحر صوم واجب مطلقا. # وإذا نذر صوم يوم النحر أو صلاة وقت الطلوع لزمه لأنه لما بقي مشروعا ~~نفلا صح الإيجاب بالنذر لأن الشرع شرع النذر لإيجاب ما هو نفل من الصيام ~~والصلاة، ولكن لا يؤدي فيهما لأن الأداء فيهما صار حراما لوصفه فلا يلزمه ~~ما حرم، وانعدم ولزمه ما بقي، وإذا أدى خرج عن النذر لأن الوصف لم يلزمه ~~لما لم يبق الوقت محلا له فيؤدي كما وجب وإنما لا يلزمه الأداء فيه لأنه ~~معصية فلم يجب بالنذر، لأن الواجب عليه صوم مطلق وقد أضافه إلى محل لم يبق ~~فيه صوم مطلق، وها كما يجوز أداء العصر وقت الغروب لأنه وجب لوقته كما ~~يحتمله الوقت وقد أدى كذلك ولو أدى فيه الظهر لم يجز لأنه وجب مطلقا، ~~ونظيره أنه لا يتأدى عتق وجب في كفارة يمين بتحرير رقبة مطلقة بالعمياء ~~فإنها مستهلكة من وجه، ولو نذر أن يعتقها صح النذر لبقاء أصل التحرير ~~ويتأدى الواجب بإعتاقها وكذلك أم الولد. PageV01P060 ### | AUTO القول في بيان أسباب الشرائع # قال العبد رضي الله عنه: إن أصل الدين وفروعه ms047 من العبادات والكفارات ~~والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابا لها بدليلها سوى الأمر، ~~وإنما الأمر لإلزام أداء ما وجب علينا بسببه، كما يقول البائع للمشتري: ~~اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبا للأداء لا سببا للوجوب في الذمة. # وقد بينا في آخر الكتاب في فصل أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه ~~أن أداء الواجب في الذمة لا يجب بحق الوجوب بل بالطلب من مستحقه، وذلك ~~بالخطاب، والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب عرفنا شرع الله تعالى على هذا ~~بدليله مع استقامة الإيجاب بمجرد الأمر وذلك لما ذكرنا في ذلك الباب أنا ~~نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه، نحو النائم والمغمى عليه ~~والمجنون إذا قصر جنونه، وإن استغرق وقت العبادة، وكذلك الصبي على أصل ~~الشافعي يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام والقتل وإن كان طفلا لا يصح خطابه، ~~فعلمنا بذلك أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم، ~~وإنه كان لزمهم حقوق العباد بمداينة الولي عليهم ويعتق عليه أبوه إذا ورثه ~~لأن السبب هو الملك، وقد صح في حقه. # ألا يرى أن وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدا من هؤلاء أداء ~~حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلاة تجب ~~مكررة، وكذلك سائر الحقوق، إن كان الأمر بالفعل لا يوجب تكرارا بحال أطلق ~~أو علق بوقت. # فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالي لم يملك إلا مرة واحدة، وكذلك إذا ~~قال: حين تصبح أو تمسي، أو قال: لمجيء غد كمال قال الله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} وقال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ونحوها، وكما لم يجب التكرار ~~بهذه النصوص علم أن التكرار بسبب موجب يتكرر كل حين الوجوب. # فنقول وبالله التوفيق: # إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى، كما هو الآيات الدالة في ~~العالم على حدوث العالم، وهي دائمة أبدا لا يحتمل زوالها عنه، فدام وجوب ~~أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل، وإنما ms048 يسقط الأداء في ~~بعض الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع الوجوب عليه لعجزه، ~~وقد شرحناه في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه. # وسبب وجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرار الوجوب بتكرار الأوقات فإنها لو ~~كانت PageV01P061 # شروطا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها. # ولم يعقل غير الخطاب سببا آخر للوجوب مع الوقت فلما بطل أن يكون الخطاب ~~موجبا للتكرار فكان سببا لوجوب أداء ما لزمه في ذمته بسبب آخر بقي الوقت ~~مناسبا بنفسه، وكذلك يضاف إليه فيقال؛ صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة ~~الحادث إلى شيء يدل على حدوثه به كقولك: عبد الله وكفارة القتل، وهذا كسب ~~فلان وتركته وقتله، والوجوب هو الحادث فدل أنه كان بالوقت، وقد يضاف إلى ~~الشروط لكنه مجاز لما أن الحكم وجد عنده فأشبه العلة التي يوجد الحكم عندها ~~بها ولكن الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه. # وكذلك الله تعالى قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} واللام تذكر للتعليل في ~~مثلها كما تقول تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، فثبت أن الوقت هو السبب، وكل جزء ~~من الوقت سبب تام، فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت الصلاة بعد ~~الوقت كالزكاة بعد الحول. # وكذلك تجب على الصبي إذا بلغ لآخر الوقت، ولو كان السبب أول الوقت لما ~~وجب كما لو بلغ بعد الوقت. # وكالصبي المسافر في رمضان إذا بلغ بعد رمضان ثم أقام لا يلزمه شيء، وإن ~~كان البالغ في مثله يلزمه حين الإقامة لأن السبب في حق المسافر البالغ هو ~~رمضان لا حين الإقامة فلا يلزم لحين الإقامة إلا من كان أهلا للوجوب عليه ~~في الشهر لولا السفر. # وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال: صوم رمضان ويتكرر بتكرره ~~كالصلاة مع الوقت، وقال صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته" كما قال الله ~~تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~علق إيجاب الأداء بشهادة الشهر فعلم أنها سبب الوجوب حتى استقام طلب الأداء ~~بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئا ms049 فليؤد ثمنه، أي الواجب بالشراء إلا أن ~~الدليل قام لنا بإباحة الله تعالى الأكل في ليالي الشهر كلها، وبأن لا يجوز ~~فيها صوم إذ المراد بالشهر أيامه، وكذلك الصبي إذا بلغ لأول الصبح لزمه ~~الصوم وإن لم يشهد الليل. # فإن قيل: انتفاء جواز الأداء ليلا لم يدل على خروجه عن كونه سببا للوجوب! # قلنا: إن المطلوب من الإيجاب الأداء، وفي جعل الله تعالى وقتا سببا لوجوب ~~عبادة بيان شرف ذلك الوقت لحق العبادة، والعبادة في الأداء دون الإيجاب ~~فإنه صنع الله تعالى PageV01P062 # فلم يستقم الوقت المنافي للأداء شرعا سببا لوجوبه فعلمنا أن الأيام هي ~~الأسباب، وكل يوم سبب لصومه على حدة، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم ~~يلزمه ما مضى، وإنما يلزمه ما بقي ولأن الصيام متفرق في الأيام تفرق ~~الصلوات في اليوم والليلة بل أشد فإن أوقات الصلاة كانت متفرقة بأن لم يجز ~~أداء الظهر في وقت الفجر وفات بمجيء وقت العصر قبل أداء الظهر وهذا المعنى ~~فيما نحن فيه موجود وزيادة وهو أن بين كل يومين ليلا لا يصلح لأداء الصوم ~~لا أداء لما يجب ولا قضاء لما مضى ولا نفلا. ### | AUTO فصل # وسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف ~~الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال ~~السائمة، وزكاة مال التجارة وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة إلا عن ظهر ~~غنى"، وقال لمعاذ: "ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم وترد في فقرائهم" والغنى يكون بالمال. # فإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟ # قلنا: نعم لأن المال إنما يصير سببا ونصابا إذا أعد للنمو بسببه من تجارة ~~أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة ~~فإنه الجاعل للمال سببا، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيرا ~~علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سببا، ولما قام ms050 مقام السبب ~~تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء ~~غير الذي مضى في الحول الأول. # وسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج ~~بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل ~~حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر ~~بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما. # وسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف ~~بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة. # وبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله ~~تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم ~~إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ~~ودين الله تعالى عبادة، وليسوا PageV01P063 # هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالا ~~للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عونا لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم ~~النصرة بالقتال كان يجب متكررا غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن ~~الشرع قدره بالحول تيسيرا للعمل به وتشبيها بالمؤن الشرعية. # أما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، ~~وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف ~~إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} إنما ~~الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة ~~واليوم في حق الصوم والأداء. # وأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيرا علينا لما في ~~السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما ~~هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على ~~المحدث فلم يكن الحدث سببا للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل ~~الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء ms051 قبل ملكهما ~~جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو ~~الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف ~~إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت ~~حقا للبيت، واجبا بسببه إذا جاء وقت الأداء. # فإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، ~~والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب ~~الوجوب؟ # قلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعا في وقت يدل على أنه ليس بسبب ~~للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان ~~وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان ~~قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا ~~أن للحج أركانا أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا ~~يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي ~~اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت ~~خاص فيؤدى في جميع وقت الحج. # وأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ~~ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه ~~الرؤوس أحرارا كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحدا. # وكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم PageV01P064 # ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر ~~اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام ~~النصرة وهي متكررة. # فإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟ # قلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم ~~الفطر فإذا لم يكن أهلا ms052 للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع ~~إذا كان كافرا أو صبيا في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ~~ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازا لأنها تجب فيه لا ~~لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس ~~آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطا والوقت ~~سببا لكان شرطا من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه ~~لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا ~~صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطا كان سببا لا محالة لصفة غير الكفر، فإن ~~الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج ~~فجعل الوقت شرطا والرأس سببا. # فأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار ~~والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر ~~والسكر. # وسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت ~~الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، ~~والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا ~~لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة. # وقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود ~~وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة. # فأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها. # وبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من ~~طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله ~~تعالى له طريقا يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، ~~وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء. # ففي الوطء على التغالب فساد. # وفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على ms053 الأم وما ~~بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة. PageV01P065 # وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة ~~المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين ~~وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسبابا للإصابة على تراض ليكون طريقا لبقاء ~~ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد. # ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس ~~على ما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والعبادة أعمال بخلاف هوى ~~النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين ~~فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال ~~لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته. # وفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله ~~الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى ~~بالفريقين جميعا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعا في ما فعلوا مبتلين بها ~~من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق ~~استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان ~~منهم جزاء وفاقا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة ~~مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: ~~{ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان ~~منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: {فسنيسره لليسرى} {فسنيسره ~~للعسرى} وقال صلى الله عليه وسلم: "كل ميسر لما خلق له" فصار كل منا مبتلى ~~بعمل خلق له في عامة أمره تقديرا أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتا لقهر ~~العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار. # فالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه. # والكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى ~~نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر ms054 والحكم لله ~~الأكبر. PageV01P066 ### | AUTO القول في العبادات # العبادات مؤقتة وغير مؤقتة. # فالمؤقتة: ما اختص جوازها بوقت عين، تفوت العبادة بفوته. # وغير المؤقتة: ما لم يذكر لها وقت وكان اعتباره لغوا في حق جواز أدائها. # ثم المؤقتة على ضربين: ما كان الوقت شرطا لجواز الأداء فيه، دون أن يكون ~~معيارا للفعل المأمور به. # وهو نوعان: وقت عين متوسع. # ووقت عين مشكل توسعه وتضيقه، والضرب الآخر ما يكون معيارا للفعل المأمور ~~به، وهو نوع لا يتصور أن يكون متوسعا فصارت أقسام المؤقتة ثلاثا. # - وما ليست بمؤقتة: قسما رابعا. # أما الأول فنحو وقت الصلاة كالظهر والعصر ونحوهما. # فالظهر اسم معرفة لسعة من النهار ولا يشاركها سائر الطاعات فيه فكانت ~~معرفة وعينا لا جهالة فيه بوجه، ولا جواز للأداء إلا فيه، وهو متوسع لأنه ~~يفضل عن أدائها إذا أداها بقدر المفروض وليس بمعيار للفعل المأمور به. # والمعنى بالمعيار الوقت المثبت لقدر الفعل كالكيل في المكيلات، وقدر فعل ~~الصلاة لا يثبت بالوقت بل بأفعال معلومة مما يشاهد من الفاعل من نحو القيام ~~والركوع والسجود فيتم بها قدر ما أمره به من الفعل لا أثر لقدر الوقت في ~~إثبات قدرها بوجه، فإن العبد متى قصر الأفعال تأدت بجزء قليل منه وإذا أطال ~~ركنا منه مضى الوقت قبل أداء ما بقي. ### | AUTO فصل # وأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ~~ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عينا كزيد وأحمد، والسبت ~~والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن ~~حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة ~~للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقا لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقينا ~~بالعشر سنين حتى يكون متوسعا يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلا إن ~~مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع. # فإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عينا والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني ~~عمره. PageV01P067 # قلنا: ms055 إنما سميناه عينا لأن الاسم في الأصل اسم معرفة على ما قلنا، وإنما ~~تحصل الجهالة بحكم المعارضة كقولنا: زيد اسم معرفة، وإذا اجتمع رجال تسموا ~~بزيد صار المسمى به مجهولا بحكم المعارضة، لا لأن الاسم في نفسه نكرة فكذلك ~~هذا وليس بمعيار على ما قلناه في الصلاة. # وأما المعيار فوقت الصوم فإن الصوم الشرعي لا يثبت قدره الذي يتم عنده ~~عبادة إلا بوقته وهو اليوم يتم بتمامه، وينتقص بانتقاصه لا بفعل يشاهد من ~~الصائم يعرف قدره بنفسه فإنه ترك ما يتصور تقديره إلا بزمان يذكر. # ونظيره من المعاملات ذكر اليوم في إجارة الرجل نفسه يوما بعمل ما فإن ~~اليوم معيار، لأن العقد وقع على منافع يومه، والمنافع لا يمكن معرفة قدر ~~لها بالإشارة إليها بل بزمان يذكر وإنما تكون بذكر المدة، ونظير الأول رجل ~~آجر نفسه ليخيط هذا الثوب قميصا بدرهم اليوم فإن اليوم لا يكون معيارا، لأن ~~العمل الذي يجعل الثوب مخيطا قميصا مما يعلم قدره بتغيير صفة الثوب وتمامه ~~بصيرورة الثوب قميصا، وذلك معلوم من الثوب لا بالوقت فلم يصر الوقت معيارا ~~بل بيانا لطلب الأداء فيه. # ثم العين منه كرمضان فإنه اسم معرفة لذلك الشهر لا يشاركه سائر الشهور من ~~السنة فيه، فيكون عينا معرفة لا جهالة فيه بوجه والنكرة كقوله تعالى: ~~{فصيام ثلاثة أيام} فالصوم مؤقت باليوم لا يجوز تأديته بالليل، وقولنا يوم ~~لتمييز جنس النهار عن الليالي، وهذا الجنس يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد ~~منها يسمى يوما فكان كقولك: رجل ودرهم وكقوله تعالى: {فتحرير رقبة} وكذلك ~~قوله تعالى: {فصيام شهرين}، ولأن الشهر اسم لزمان أمد من اليوم كاليوم من ~~الساعة ثم هو في نفسه يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد يسمى شهرا. ### | AUTO فصل # ثم إن لكل وقت أحكاما عرفت منه. # أما الوقت المعين المتوسع الذي ليس بمعيار كوقت الصلاة فمن حكمه أن ~~الواجب فيه يجب وجوبا متوسعا لا يتضيق إلا لآخره، أو دليل آخر كما ذكرنا في ~~باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله ms056 تعالى عليه أن الوجوب في الذمة لا يوجب ~~المبادرة إلى الأداء، لأن الواجب للغير في الذمة لا يكون فوق الواجب له ~~عينا في بيته أو في يده، ومتى وقع حق الغير في يد إنسان بغير صنعة لم يجب ~~التسليم إلى صاحبه إلا بعد الطلب، وكذلك إذا وجب بصنعه وهو غير متعدي ~~كالمشتري فإنه لا يلزمه أداء الثمن إلا بعد الطلب، ولكن يحرم عليه الإفاتة ~~لأن الحق للغير والإفاتة في خروج الوقت. فمتى توسع الوقت لم يكن في التأخير ~~إفاتة فلا يتضيق عليه الأداء. PageV01P068 # ومن الناس من ظن أنه لم يلزمه الأداء لأول الوقت لم يكن الوجوب متعلقا ~~بأوله، وإنه غلط، لما ذكرنا أن الثبوت في ذمته حقا للغير غير لزوم الأداء، ~~كما في الدين المؤجل الحق ثابت لصاحبه عليه ولا أداء عليه كذا هذا ثبوت فعل ~~يسمى صلاة في ذمته حق لله تعالى غير الأداء الذي هو تسليم إلى الله تعالى. # وكمن آجر لخياطة هذا الثوب قميصا في هذا الشهر، صحت الإجارة وصار العمل ~~حقا عليه لصاحب الثوب والعمل متوسع عليه في الشهر، ولأن الوقت لما توسع وقد ~~شرع للأداء فيه، ولا يقع إلا في بعضه وذلك غير معلوم بالشرع، كان العبد ~~بالخيار في الإيقاع في أي جزء شاء، كما ان الله تعالى لما أمر بتحرير رقبة ~~ولم يعين واحدة يخير العبد في الإيقاع في أي رقبة شاء. # وكمن يقول لعبده: تصدق بدرهم اليوم يخير في ساعات اليوم إلا بدليل آخر ~~يعين عليه البعض دون البعض. # ومن حكمه: أن الخيار لا ينقطع بقول العبد: عينت هذا الجزء، لن الله تعالى ~~لم يفوض إليه ذلك، إنما له الخيار في التعيين بالداء كالمكفر إذا عين رقبة ~~للتكفير لم يتعين ما لم يعين بالإعتاق. # وأما الإفاتة عن الوقت فحرام لأنه بمنزلة الإهلاك لعين مشار إليها، وكان ~~القضاء بعد الوقت غير ما وجب عليه يضمنه من عنده بدل ما أفاته، وهذا حرام ~~في كل حقوق الغير عنده إلا بإذن صاحبه، وهذا التفويت بفوت الوقت ms057 حكم كل ~~مؤقت لا حكم الوقت المتوسع. # ومن حكمه: أن الوقت ما بقي بحيث يسع للأداء كان في حكم أول الوقت في حق ~~أن الوجوب على العبد للوقت القائم لا لما مضى، كأن ما مضى لم يكن وقتا لأن ~~الوجوب لو كان لما مضى، ووقت الوجوب شرط للأداء على ما مر فصارت الصلاة ~~فائتة بمضي وقت الوجوب، فلما لم تصر فائتة علم أنه يؤدي ما لزمه لوقته ~~القائم حتى سقطت الصلاة بكل عذر لو كان قائما لأول الوقت، أسقطها إذا اعترض ~~بعد التمكن منها من حيض أو سفر او جنون أو موت. # ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي صلاة أخرى من نفل او فرض لأن الإيجاب يختص ~~بالذمة حكمة بلا اتصال بشيء آخر سواها وفي الذمة متسع فلم يجز أن ينتفي عن ~~الوقت بسبب الإيجاب عبادة كانت فيها مشروعة قبل الإيجاب، ولا اتصال لحكم ~~الإيجاب به بوجه، ونظيره رجل آجر نفسه من رجل ليخيط له هذا الثوب قميصا ~~بدرهم اليوم، ثم آجر من غيره، صحا جميعا لأن العمل استحق عليه في الذمة لا ~~اتصال له بالوقت فلم يضق الوقت عن أخر، وفي الذمة متسع. PageV01P069 # فإن قيل: لو كان وقت الصلاة كيوم الإجارة لما فاتت الصلاة بفوت الوقت كما ~~لا تبطل الإجارة بمضي اليوم. # قلنا: إنما فاتت الصلاة لأن الوقت صار شرطا للأداء كالطهارة عرف ذلك ~~شرعا، والصلاة عبادة شرعية لا حسية، واليوم لا يكون شرطا للخياطة فإنها صفة ~~حسية توجد بدون اليوم وليست بشرعية ومن حكمه أن فرضه لم يتأدى بنية مطلق ~~الصلاة لأن الصلوات المشروعة فيه أنواع، فلا يتعين الواحد من الجملة إلا ~~بدليل معين. # ومن حكمه: أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه ~~الفرض، لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت وقد أدركه، وبضيق الوقت عجز عن ~~الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط للوجوب لا محالة على ما مر، وهذا ~~كالمغمى عليه تلزمه الصلاة بالوقت وهو عاجز. ### | AUTO فصل # وأما المشكل، وهو وقت ms058 الحج: فمن حكمه أنه إذا وجب مضيقا لا يحل له ~~التأخير عن السنة الأولى عند أبي يوسف، وعند محمد يحل، وعن أبي حنيفة رضي ~~الله عنه فيه روايتان. # لمحمد رحمه الله: أن الحج فرض العمر، والعمر يشتمل على سنين فيها أشهر ~~الحج ما لم يقطع بالموت، والعمر ثابت والموت فيه شك فلا يرتفع الثابت بالشك ~~فيبقى حكمه على الحياة فيصير الوقت متسعا كوقت الصلاة، وهذا كما قلنا في ~~صيام قضاء رمضان، وصيام الكفارة أن للعبد التأخير لأن قضاء ذلك القدر يجب ~~في العمر كله، والعمر مشتمل على أيام وشهور كثيرة ما لم يقطع بالموت وفيه ~~شك فلم يثبت وبقيت الحياة حكما. # ولأبي يوسف رحمه الله: أن الأداء يفوت بفوت وقت الحج لا محالة من تلك ~~السنة، وإنما يرتفع الفوت بإدراكه سنة أخرى، وفي الإدراك شك لأن حال عيشه ~~سنة ليست بالأرجح من موته فيها فلا يثبت الإدراك فيبقى على الفوت حكما ~~فيحرم التفويت. # بخلاف ما لا وقت له من العبادات لأن الفوت بموته، ولا فوت للحال لأنه حي، ~~وقد وقع الشك في موته إن أخر لأنه ربما يموت وربما لا يموت فلا يثبت بالشك ~~فيبقى على أن لا فوت. # وبخلاف الصوم لأن الوقت وإن فات بمجيء الليل فلا يعود إلا بالحياة إلى ~~اليوم، وربما يموت فجهة الحياة أرجح لأن الفجاءة نادرة في باب المنايا، ~~وموت الإنسان في قدر ليلة أو يومين أو ثلاثة من الفجاءة ولا يقع إلا نادرا، ~~ولما ترجح جهة الحياة بقي عليها PageV01P070 # كالمفقود بحكم موته إذا انقضت مدة يموت فيها أقرانه لأن الحياة بعدها ~~نادر فيترجح الموت. # فأما الموت على سنة أو شهر فلن يكون نادرا للحي الصحيح، وإذا لم يكن ~~نادرا لم تترجح جهة الحياة على جهة الممات، والفوت ثابت للحال فلا يرتفع ~~بالشك على أن الصيام التي تجب مطلقة غير مؤقتة فذكر شهرين أو ثلاثة أيام ~~لتقدير الواجب لا لتوقيته، وإنما لا يجوز الأداء ليلا لعدم العبد ما يؤدي ~~به، فالصيام لم يشرع ليلا لعدم ms059 وقت أداء الكفارة، ألا ترى أنه لو أدى ~~بالإطعام يجوز وهذا كما يعجز عن الأداء إذا لم يملك الرقبة ووجد ثمنها، وإن ~~كان وقت الأداء قائما. # ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي حجا آخر لأنه لا فرق بين الحج والصلاة على ما ~~مر بيانه، إلا أن وقت الحج متضيق على أصل أبي يوسف- رحمه الله- فيعتبر بوقت ~~الصلاة إذا ضاق وإنه لا ينفي صلاة أخرى. # فإن قيل: لو لم ينتف النفل بالفرض لما تأدى الفرض بنية مطلق الحج ~~كالصلاة. # قلنا: إنما لم تتأد الصلاة بمطلق النية لأن فيه صلوات مشروعة ولم يكن ~~بعضها بأولى من بعض شرعا ولا عرفا، فالشرع قدم القضاء على الأداء وقدم ~~السنن، وكذلك يفعل العرف. # فأما الفرض في باب الحج فمتعين أداء بالعرف والعادة، لأنا لا نجد في ~~العرف من يتكلف لحج بيت الله تعالى وعليه الفرض إلا للفرض، فلما ترجح الفرض ~~بالعرف انصرف مطلق تسمية الحج إليه كما إذا باع شيئا بدراهم، انصرف المطلق ~~إلى نقد البلد مع بقاء سائر النقود دراهم حتى إذا سماها ثبتت. # ولأنا لم نجد في العادات السليمة خروج أحد حاجا وعليه حجة الإسلام إلا ~~لها فتثبت النية متعينة كذلك بالخروج نفسه، وتبقى على ذلك ما لم يوجد منه ~~ما ينافيها، والمطلق لا ينافيها فبقيت الأولى وهي متعينة فصح الأداء بنية ~~التعيين، وهذا كما تقول فيمن أغمي عليه في رمضان ليلا ولم يفق إلى يومين: ~~أن صوم اليوم الأول تام وإن لم يشعر بحاله، لأنا لا نجد في العادات السليمة ~~من أهل الإسلام إلا وأن يكون على نية الصوم أيام الشهر، كما دخل الشهر، إلا ~~أنها لا تصح قبل الليل فحكمنا بصحة صومه بدخول الليل وإن لم يعلم بنيته لأن ~~النية ثابتة بالعادة، لا لأن الصوم يجوز بغير النية. # ومن حكمه: أنه إذا أحرم بعد سنين كان مؤديا لا قاضيا لأن التضييق كان ~~بحكم الإشكال على ما مر، فلما عاش ارتفع الإشكال وصار بمنزلة وقت الصلاة. # فإن قيل: لو كان الوقت على حكم ms060 التضييق لما حل له تأخير الإحرام عن أول ~~أشهر الحج، كما لا يحل التأخير عن آخر وقت الصلاة. PageV01P071 # قلنا: لا تضيق في حق تلك السنة، فإن الوقت لا يفوته إلا يوم عرفة بمنزلة ~~وقت الصلاة. # ومن حكمه: أنه لا يسقط عن العبد إذا مات بعد التمكن من الأداء بعد ~~الوجوب، لأن الفوت ثابت بمضي الوقت من أول السنة الأولى، وإنما يرتفع ~~بإدراك وقت آخر من سنة أخرى فإذا مات ولم يدركه تحقق الفوت بما أخر عن ~~السنة الأولى، والتفويت موجب ضمان القضاء لا السقوط، كما في الكفارات لا ~~يبرأ عنها بالموت بعد المكنة، لما في الموت من التفويت. # ومن حكمه أيضا: الإثم إذا مات، أما على قول أبي يوسف فلأن التأخير كان حراما. # وعلى قول محمد رحمه الله حل له بشرط ألا يصير مفوتا وذلك برجاء الحياة ~~وإدراك وقت آخر، وإذا مات صار مفوتا فذهب شرط الإباحة فبقي حراما، ~~والإباحات جائزة بشروط فيها حظر لأن العبد إن شاء لم يستبح بالحظر كما أبيح ~~للرامي رمي الصيد بشرط أن لا يصيب مسلما أو مالا محترما، وكان كمن أخر ~~الصلاة بلا عذر على تأويل أن في باقي الوقت سعة حتى ذهب الوقت فإنه يأثم. # وأما حكم الوقت الذي هو معيار، وهو وقت الصوم على ما مر فحكمه أن لا يحل ~~التأخير عن أوله لأنه لا يتأدى إلا في جميعه. # ومن حكمه: أن فرضه ينفي سائر الصيام عنه شرعا، لأن الشرع إنما يشرع من ~~العبادات ما يتصور منا فعلها، لأنها أسماء لأفعالنا تعظيما لله تعالى ~~واليوم الواحد لا يتصور منا فيه إلا فعل صوم يوم واحد لأنه مقدر به ومعيار ~~لوجوده لا يوجد ببعضه ولا في غيره، وإذا صار الذي يتصور شرعه فيه فعل صوم ~~واحد وجعل بالشرع فرضا لم يبق فيه غيره، وإن كان فعل الأداء في الذمة كأن ~~الله تعالى يقول: جعلت ما يتصور من الصوم غدا فرضا لي بحق الوقت عليكم. # وكمن استأجر رجلا ليخيط له هذا الثوب قميصا بدرهم ms061 فخاطه الرجل يريد ~~الإعانة كانت على الإجارة، وإن كان الإيجاب تناول فعلا في الذمة لا منفعة ~~وقت الأداء إلا أنه أوجب في ذمته خياطة ذلك الثوب قميصا، وإنه لا يتصور فيه ~~إلا خياطة واحدة، وإذا صارت واجبة بالإجارة لم يبق غيرها فيه خياطة أخرى منه. # بخلاف وقت الصلاة لأن الوقت ليس بمعيار لفعل الصلاة على ما مر بل هو شرط ~~للأداء أو سبب، والشرط الواحد يصلح لصلوات وكذلك العلة ولهذا يجتمع فيه ~~صلوات يؤديها جملة فانقلاب إحداها فرضا لم ينف الأخرى كالرجل يؤاجر نفسه ~~للخياطة قميصا في يوم عينه يمكنه أن يخيط لغيره فيه بإجارة، وكذلك له في ~~ثوب آخر لأن الوقت ليس بمعيار لعمله الذي سماه، إنما المعيار لعمله الذي ~~سماه هو الثوب فلا ينفي فيه منه PageV01P072 # خياطة أخرى وتبقى في الوقت إذا كان المعيار هو الوقت. # ومن حكمه: التأدي فيه بنية مطلق الصوم، لأن نية صفة الصوم لتعيين الصوم ~~بوصفه الخاص عن سائر العبادات والأعمال، وإذا لم يكن في رمضان غير الفرض ~~أصابه بمطلق الاسم الذي يعينه عن سائر العبادات والأعمال، ولهذا قال زفر ~~رحمه الله: إنه يؤدي بغير نية لأنه متعين إلا أنا شرطنا النية لأن المتعين ~~مشروع لله تعالى من فعل الصوم علينا، لا ما يؤدي العبد الواجب عليه به، ~~فالواجب في الذمة، والعبد يؤديه بفعل مملوك له بجعله عمله لله تعالى، ~~فيتأدى به الواجب كدراهم في الذمة يؤدي من عليه بدراهم له، فيتأدى به ~~الواجب بعمله. # ولما لم يتناول الإيجاب عمله بقي له ولم يصر لله تعالى ما لم يجعله العبد ~~له بخلاف من آجر نفسه لخياطة ثوب قميصا فخاطه لا ينويها لصاحبه لأنه لما ~~سلم إليه الثوب الذي أمره بتسليم العمل إليه بجعله صفة له، والصفة تابعة ~~للموصوف تعين العمل للأمر بتعيين الموصوف له من غير قصد تعيين كمن آجر داره ~~بدهم ثم قال للمستأجر: رم ما استرمت من الأجر الذي لي عليك، فرمها تعين ما ~~أنفق فيها للآمر، لصيرورة المرمة صفة للدار المتعينة ms062 للآمر حسب التعين ~~بالصرف إلى الآمر. # فأما هنا فالوقت معيار لأداء الصوم من غير أن يصير الصوم صفة له، فلا ~~يتعين لله تعالى بتعين الوقت لله تعالى كرجل عليه دراهم فدفع صاحب المال ~~إليه ميزانا ليزنها فوزن به لم يتعين لصاحب الدين بتعين المعيار له، والوقت ~~معيار يعرف به قدره لا غير، ولكنه إذا فعله لله تعالى كانت عبادة، وذلك ~~بقصده كفعل الصلاة. # ومن حكمه: جواز الأداء بوجود النية في أكثر النهار، لأن الوقت لما صار ~~معيارا للمشروع وللأداء أيضا، فلا يتصور إلا بالوقت كله لم يجز الأداء إلا ~~من أول النهار إلى آخره، وأول النهار وقت لا يوقف عليه أصلا، ولا يوقف عليه ~~إلا بحرج عظيم، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فسقط اعتبار أوله وجعل ~~مطلق الإمساك موقوفا على أن ينقلب صوما إذا وجدت النية بعده بحيث لا حرج ~~فيه فمعنى الحرج يزول ببعض اليوم فصار عفوا، وجوزنا بالنية بعد البعض ~~والباقي بعد البعض الأكثر من النهار، كما قالوا جميعا في النفل إلا أن ~~الإمساك يقف على الصوم الذي هو أصل في الوقت شرعا، فلا ينفذ بالنية إلا ~~عليه فإن كان الوقت عينا لفرض كرمضان ينافيه صوم غير الفرض فكان الوقت ~~عليه. فنفذ عليه. # وإن كان غير رمضان فالأصل فيه النفل فوقف المطلق عليه فلا ينفذ على غيره. # ومن حكمه: أنه إذا نوى صوما آخر كان عن الفرض لأن كونه صوما بصفة أخرى ~~غير مشروع فيلغو نية الوصف كما يلغو ليلا أصل النية، وكما يلغو نية صفة ~~الفرض في غير رمضان ولا فرض عليه فتبقى نية مطلق الصوم لأنه مشروع فيقع عن ~~الفرض كما لو أطلق النية ابتداء. PageV01P073 # ومن حكمه: أن الصوم لا يتأدى إلا في الوقت كله لأنه معيار لقدره فلا يتم ~~بدونه، كما لا تتأدى الصلاة ما لم يتم بالأفعال التي نعقلها صلاة. # ومن حكمه: أن كينونة الصائم من أهل الوجوب شرط في جميع اليوم ليجب عليه ~~الصوم لأنه لا يتصور شرعا إلا في ms063 جميع اليوم ككينونة المصلي من أهل الوجوب ~~عليه شرط في جميع أفعال الصلاة لكون صلاته واجبة، إلا أنا نأمره بالصوم ~~لأول الوقت لأنه أهل للحال، وشككنا في تبدله فتبقى العبرة للحال، ولأنا لو ~~انتظرنا آخر أمره لفاته الوقت، ولم يمكن الأداء، والله تعالى أمره بالأداء. # وقد اختلف علماؤنا بالمسافر إذا نوى صوما غير صوم رمضان؟ # قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن نوى صوما واجبا بنذر أو كفارة أو قضاء ~~صحت نيته، وإن نوى نفلا قال في رواية: يصح. # وقال في رواية: لا يصح. # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صومه عن الفرض لأن الله تعالى رخص ~~للمسافر الفطر في رمضان ولم يسقط عنه أصل الوجوب، بدلالة أنه إذا صام جاز ~~ولو سقط الأصل وصار رمضان كشعبان لم يجز، وكذلك لو لم يكن أهلا للوجوب في ~~رمضان لم يلزمه بالإقامة نحو إن كان صبيا فيه أو كافرا ثم أسلم أو بلغ ثم ~~أقام لم يلزمه شيء، فثبت أن رمضان بقي سببا للوجوب ومحلا للأداء، ولكن رخص ~~له الفطر فإذا لم يترخص وصام التحق بالمقيم. # ولأبي حنيفة رضي الله عنه: أنه يصوم القضاء ما ترك الترخص بالفطر عن ~~رمضان لأنه صرف الوقت إلى صوم هو ألزم فالقضاء عليه وإن لم يقم وصوم الشهر ~~لا يلزمه ما لم يقم حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يؤاخذ به ويؤاخذ ~~بالآخر، وإذا بقي مترخصا تأخر الوجوب عن رمضان وبالوجوب انتفى سائره فلم ~~ينتف وصح الأداء. # أو نقول: لما لم يبطل الترخص بقي لأدائه وقتان: رمضان وعدة من أيام أخر، ~~فلا ينفي الفرض في أحدهما صوما آخر في الآخر، كمن استأجر رجلا ليخيط له هذا ~~الثوب أو قميصا بدرهم أمكن للخياط أن يخيط أحدهما تبرعا والآخر بإجارة لأن ~~المحل قد اتسع. # وأما إذا نوى المسافر النفل؟ # فقال أبو حنيفة رحمه الله في رواية: صومه عما نوى لأن المحل متسع على ما ~~قلنا بل الوجوب متأخر إلى حين الإقامة ما لم يجعله بقصد الفرض. # وفي ms064 رواية: يكون عن الفرض لأن صوم الشهر أهم من النفل لأنه يلزمه بعد ~~الإقامة PageV01P074 # والنفل لا يلزمه بحال، فلما صرف الوقت إلى صوم النفل صار تاركا لرخصة ~~الفطر عن صوم الشهر من كل وجه فالتحق بالمقيم، وأما التي ليست بمؤقتة ~~فالكفارات وقضاء رمضان والزكاة. # فإن قيل: الصوم لا يتأدى إلا بالوقت فكان مؤقتا! # قلنا: من حيث إنه صوم ما شرع الوقت إلا في النهار فلم يجز ليلا لعدمه ~~شرعا لا لعدم وقت التكفير، كما إذا حرر رقبة عمياء لم يجز لأن عتقه لا يصلح ~~كفارة لا لعدم وقت التكفير. # ومن حكمها: أن الواجب يجب متوسعا نص عليه محمد- رحمه الله- في غير موضع ~~كما نص على الحقوق التي ليست بمؤقتة، وذلك نحو الزكاة والنذور والكفارات ~~المالية. # وذكر الكرخي رحمه الله: أن هذه المسائل كلها على الخلاف. # فعلى قول أبي يوسف رحمه الله؛ تجب متضيفة لأنه ربما يموت عقيب الإمكان ~~بلا فعل، فيكون هذا آخر الوقت فلا يحل له التأخير إلى وقت تشككه في الخروج ~~عنه، لأن اللزوم ثابت يقينا، وكان هذا بمنزلة وقت الحج الذي مر ذكره. # والصحيح عندنا ما قاله محمد بن الحسن رحمه الله، لأن الوقت غير مذكور ~~شرطا فيصير العبد مأمورا بالأداء في عمره فلا يتعين عليه جزء منه إلا ~~بدلالة. # والجواب عما قاله الكرخي رحمه الله: أن الأيام كثيرة وقد أمر بصوم يوم من ~~الجملة فكان خيار التعيين إلى العبد على ما مر، والوقت مذكور لتقدير الواجب ~~لا لبيان وقت الأداء فيصير على هذا من جملة الواجبات المطلقة عن الوقت، وهو ~~الذي يجوز في كل وقت، فالعبد مأمور بالأداء في عمره فلا يتعين جزء منه إلا ~~بدلالة. # والجواب عما قاله الكرخي رحمه الله: أن الفوت في هذه المسائل بالموت لا ~~غير، والحياة ثابتة للحال وقد وقع الشك في المستقبل من الوقت فلا يزال ~~الثابت بالشك فيبقى على حكم الحياة بلا إشكال على قدر ما يجوز العمل به، ~~ألا ترى أن المفقود في حكم الأحياء فيما كان ثابت له ms065 فيعمل بذلك لأنا علمنا ~~بحياته وشككنا بموته فيبقى الحكم على الحياة ما لم يبلغ مدة لا يعيش إليها ~~أقرانه فيترجح بالعادة جهة الممات. # وكذلك الصلاة له أن يؤخرها ما لم يغلب في رأيه أن الوقت يفوت إن أخره ~~فيحرم إذا ترجح جهة الفوات في رأيه، ولا يحرم بالشك ولكن إذا شككت فصل ~~للحال PageV01P075 # احتياطا، وكذلك نقول في مسألتنا هذه، وهذا كما نقول في الصائم إذا شك في ~~الفجر ترك السحور احتياطا فإن لم يترك فصومه تام ولا يأثم. # فإن قيل: الوقت مذكور في التكفير بصوم شهرين. # قلنا: إنه ذكر لبيان قدر الكفارة كما مر أن الصوم لا يقدر إلا بالأيام، ~~وما ذكر شرطا للأداء فبقيت مطلقة عن الوقت في حق الأداء. # ومن حكمه: أن الواجب لا يفوت بالتأخير عن أول أحوال الإمكان لأن الحال لم ~~يكن شرطا لأدائه بل الشرط يوم من العمر، وقد بقي فكان بمنزلة وقت الحج لا ~~يفوت ما لم يمت كما في تحرير رقبة لا يفوت بموت رقبة عينها لأن الرقاب ~~كثيرة، والواجب عليه نكرة من الجملة والواجب في المطلق عمل في عمره وعمره ~~ثابت للحال، وإنما يفوت بالموت وفيه شك فلا يثبت بالشك فتبقى العبرة لبقاء العمر. # وهذا كما قيل: إن المفقود لا يورث لأن ملكه ثابت له فلا ينقطع بالشك ولا ~~يرث لأن ملك غيره لم يكن له فلا يثبت له بالشك. # وكذلك صوم شهرين للكفارة لأن ذكر الشهرين لتقدير العمل على ما مر، لا ~~لبيان الوقت حتى قيل في الماليات نحو الزكاة إذا مات وأوصى وصحت شرعا لم ~~تصر فائتة لأن الأداء يصح بنائب عنه بأمر صح منه شرعا فلم يفت بالموت على ما مر. # ومن حكمه: أن الواجب لا يصير فائتا بالتأخير كالصلاة إذا أخرت عن أول ~~الوقت إلا أنا أبحنا له التأخير بناء على ظاهر الحال، وهو البقاء فإذا مات ~~تبدل ذلك الظاهر فصارت العبرة لما آلى إليه فضمن الفائت والله أعلم. PageV01P076 ### | AUTO القول في منازل المشروعات حقا لله تعالى وبيان ms066 أحكامها # المشروعات حقا لله تعالى في منازل أربعة: # الفريضة، والواجب، والسنة، والنافلة. # أما الفريضة: فعبارة عن المقدرة، قال الله تعالى: {فنصف ما فرضتم} أي ~~سميتم وقدرتم وأوجبتم، فكانت الفريضة ما أوجبها الله تعالى علينا وقدرها ~~وكتبها علينا في اللوح المحفوظ، ولهذا سميت مكتوبة وإنما جعلها مقدرة لتكون ~~متناهية فلا يصعب علينا الأمر فيدل الاسم على نهاية الوجوب من الأصل فلا ~~يسمى بها إلا ما ثبت وجوبه بطريق لا شبهة فيه، نحو أصل الدين وفروعه من ~~الصلاة والزكاة والصوم والحج فهن المكتوبات المثبتات بالكتاب والسنة ~~المتواترة والإجماع وما سواها اتباع لها أو شروط. # وأما الواجب: فعبارة عن اللازم لغة، ويقال الساقط، من قوله تعالى: {فإذا ~~وجبت جنوبها} أي سقطت، فكأن اللازم سمي به لسقوطه على الإنسان حتى لزمه، ~~والمراد به في باب الشرع ما ثبت لزومه بخبر الواحد الذي يوجب العمل دون ~~العلم فيكون كالمكتوبة في حق لزوم العمل به، والنافلة في حق الاعتقاد، حتى ~~لا يجب تكفير جاحده ولا تضليله، فكأنه سمي به لأنه يسقط على العبد عمله، ~~ولم يثبت كتابة الله تعالى علينا إياه وهو نحو العمرة وصدقة الفطر والأضحية ~~وشبهها. # فأما ما يلتزم بالنذر فهو غير محدود ولا مقدر كالنوافل، ويدل عليه أنه قد ~~ثبت من أصلنا أن الزيادة على النص نسخ والمكتوبات معلومة بكتاب الله تعالى ~~معدودة فالزيادة عليها تكون بمنزلة نسخها فلم يجز إثباتها بخبر الواحد، ~~فلذلك لم نجعل رتبتها في الوجوب رتبة الفريضة حتى لا تصير زيادة عليها. # وقد قال علماؤنا رحمهم الله: إن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وليست ~~بفريضة كأصل القراءة، لأن أصل القراءة ثبت بالكتاب والفاتحة بخبر الواحد، ~~وكذلك تعديل أركان الصلاة، وكذلك الوقوف بمزدلفة في الحج، وكذلك الطهارة ~~للطواف. # وأما السنة: فعبارة عن طريقة معتادة، والسنن الطريق البين، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ~~وكلمة ms067 "من" تعم الناس فثبت أن السنة من PageV01P077 # حيث اللغة لا تخص طرائق الرسول، ولكنها في عرف الشرع يراد بها طرائق ~~الدين إما للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله، أو للصحابة على ما ~~نبين بعد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم متبع قولا وفعلا، وكذا الصحابة. # وسنة العمرين ظاهر إطلاقها في السلف حتى كانوا يأخذون البيعة من الخلفاء ~~الراشدين على سنة الرسول وسنة العمرين. # فأما بعد الصحابة فما لأحد طريق في الدين يتبع، وإنما يتبع حجته وإذا كان ~~كذلك لم يدل إطلاق السنة على أنها طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~أنها واجبة لأن طرائق الدين متنوعة من واجب وغيره، وكذلك قول الصحابي أمرنا ~~بكذا ونهينا عن كذا لا يدل على أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان ظاهرا بينهم أمر الخلفاء إياهم وانقيادهم لهم على ما قال الله تعالى: ~~{وأولي الأمر منكم} وسيأتيك تمام بيانه في باب أفعال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وأما النافلة: فعبارة عن الزيادة، والنفل: الغنيمة لأنها زيادة حصلت بلا ~~عوض، وولد الولد نافلة لأنه ربح ولده المكسوب، وزيادة بلا صنع كان له فيه، ~~وسميت زوائد العبادات من جهة العبد النوافل لهذا المعنى، وهي التي يتعبد ~~بها العبد زيادة على الفرائض والسنن المشهورة، والنافلة والتطوع نظيران في ~~متعارف اللسان ويراد بكل واحد منهما عبادة ليست على العبد، وهذا لأن التطوع ~~في اللغة: عبارة عن التبرع بما ليس على الفاعل، فكان بمعنى الزيادة على ما عليه. # وأما أحكامها # فحكم الفريضة: لزومها إيانا في حق القلب اعتقادا بلا شبهة، حتى كان تركه ~~كفرا، وفي حق البدن عملا بها حتى كان تركه عصيانا، لأن تصديق العبد ربه بما ~~جاء منه بقلبه إيمان فكان الترك كفرا، وأما العمل بالبدن فطاعة وليس بإيمان ~~لأن الإيمان تصديق بعد المعرفة، ولا معرفة لما سوى القلب بل لها إسلام لما ~~عرفه القلب فكان ضد الطاعة عصيانا وفسقا. # والفسق في اللغة: الخروج، يقال فسقت الفأرة إذا ms068 خرجت من جحرها، وفسق ~~العبد إذا خرج عن أمر ربه، والكافر على هذا رأس الفساق إلا أنه اختص باسم ~~الكفر الذي هو فوق الفسق فبقي الفسق المطلق في العرف لما دون الكفر في ~~الخروج. # وأما الواجب فحكمه: حكم الفريضة في حق العمل بدنا، وحكمه حكم السنة في حق ~~القلب علما، لما ذكرنا أن سبب وجوبه مما لا يوجب العلم به فلا نكفر المخالف ~~بتكذيبه، ولا نفسقه بتركه عملا، إلا أن يكون استخفافا بأخبار الآحاد فنفسقه ~~لوجوب المصير إلى خبر الواحد بالإجماع على ما نذكره، ونؤثمه بترك الواجب ~~لتركه ما عليه. PageV01P078 # وأما السنة فحكمها: قبل تبين أمرها أن العبد مطالب بإقامتها معاتب على ~~تركها من غير وجوب ولا افتراض، لأن أدنى منزلتها أنها طريقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو الصحابة، وهذه طريقة أمرنا بإحيائها، ونهينا عن إماتتها، ~~والإحياء في الفعل ما يستحق التارك الملام إلا أن يتركها استخفافا بها ~~فيكفر أو يفسق لأن ذلك ينصرف إلى واضعها. # وأما النافلة فحكمها: أن يثاب على فعلها، ولا يذم على تركها لأنها جعلت ~~زيادة له لا عليه، بخلاف السنة فإنها طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمن حيث سبيلها الإحياء كان حقا علينا فعوتبنا على تركها، وعن هذا قال ~~أصحابنا رحمهم الله_في صلاة السفر_: أنها ركعتان، لأن العبد لا يلام على ~~ترك الأخريين أصلا ورأسا، ويثاب على فعلهما في الجملة، وهذا حد النوافل. # وذكر أصحاب الشافعي أن السنة المطلقة عند صاحبنا تنصرف إلى سنة الرسول، ~~وأنه على مذهبه صحيح لأنه لا يرى اتباع الصحابي إلا بحجة كما لا يتبع من ~~بعده إلا بحجة، ويحتمل أنه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق ~~العمرين والصحابة، لأنه كان بعد أبي حنيفة رضي الله عنه بقرنين أو بقرن ~~واستعمال أهل اللسان سنن المتقدمين مما يختلف ببعد المسافة وطول المدة. # وكذلك لا يفرقون بين الواجب والفريضة، فإنه لما قال بوجوب قراءة الفاتحة ~~أفسد الصلاة بتركها، كما لو ترك أصل القراءة، وكذلك تعديل الأركان، وكذلك ms069 ~~لما قال بوجوب الطهارة للطواف، قال بفساده أصلا إذا تركها، كما قال في باب ~~الصلاة، ونحن شبهناه بالصلاة عملا فألزمناه القضاء ما دام بمكة ولم نشبهه ~~بها علما حتى إذا لم يقض لم يحكم ببقاء الطواف عليه، وكذلك إذا طاف منكوسا ~~لأن أصل الطواف ثابت بكتاب الله تعالى والتيامن به بالخبر فلم يبلغه رتبته. # وكذلك إذا لم يطف حول الحطيم لأنه لم يثبت من البيت إلا بخبر الواحد فوجب ~~الطواف به عملا لا علما. # وكذلك السعي عندنا واجب وليس بركن في الحج حتى لو تركه جبر بالدم لأنه ~~وجب بخبر الواحد. # وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد_رحمهما الله_ في الحج إذا صلى المغرب ليلة ~~الإفاضة من عرفة في الطريق: أنه يعيدها في المزدلفة فإن لم يعدها حتى طلع ~~الفجر سقطت الإعادة، لأن التأخير إلى مزدلفة ثبت بخبر الواحد فظهر في حق ~~العمل دون العلم، والعمل من الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث فعل صلاة ~~المغرب كان ليلة النحر في وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب الوقت لم يكن عملا ~~بالسنة بل كان قضاء محضا لوقوع الأول فاسدا ونحن لم نعمل بذلك. PageV01P079 # وكذلك قال أبو حنيفة رحمه الله- فيمن ترك الفجر ثم صلى الظهر وهو ذاكر ~~لما عليه-: إن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا ~~قضاء عليه لأنا أمرنا بقضاء الظهر بخبر الواحد، لأن الترتيب لم يجب بالكتاب ~~فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل بالترتيب بخبر الواحد ثابت عندنا ما ~~دامت الصلوات الفوائت قليلة، وإذا كثرت الفوائت فلا ترتيب فلا يحجب بعد ~~الكثرة عملا بالخبر وإنما يجب لوقوعها فاسدة كما في مسألة المغرب، ونحن لم ~~نعلم به فما قاله الخصم أظهر، وما قلناه أحق وأدق. PageV01P080 ### | AUTO القول في العزيمة والرخصة # العزيمة في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة غاية حتى كان العزم يمينا. # وهي في أسماء أحكام الشرع: عبارة عن ما لزمنا من حقوق الله تعالى ~~بأسبابها من العبادات والحل والحرمة أصلا بحق أنه إلهنا ونحن عبيده ~~فابتلانا ms070 بما شاء. # والرخصة في اللغة: عبارة عن معنى الإطلاق والسهولة ونحوها، ومنه رخص ~~السعر إذا تراجع وخف على الناس واتسعت السلع وكثرت وسهل وجودها. # والمراد بها في عرف اللسان: إطلاق بعد حظر لعذر تيسيرا، يقال: رخصت لك ~~كذا: أي أطلقتك تيسيرا عليك لعذر بك، وهو المراد منها في ألفاظ الشرع. # ثم العزيمة في أحكام الشرع لا تختلف أنواعها في اللزوم، لأن السبب واحد ~~وهو النفاذ علينا على ما أمرنا الله تعالى ونهانا بحق أنا عبيده. # وأما الرخصة فتختلف أحكامها في اللزوم لأنها ثبتت بسبب العذر، وأعذارنا ~~مما يختلف. # وهذا الباب لبيان أنواعها وهي أربعة: # نوعان منها حقيقة، وأحدهما أحق. # ونوعان منها مجاز، وأحدهما أتم مجازا. # فأحق نوعي الحقيقة: ما أبيح للعبد لعذر به مع سبب الحرمة وثبوت الحرمة ~~تيسيرا ودفعا للحرج فإن الله تعالى ما جعل في الدين من حرج، كإجراء كلمة ~~الكفر على اللسان حال الكره فإنه مباح لدفع الكره مع قيام الحرمة، فإنه من ~~قبيل ما لا يحل بحال حتى لو صبر فقتل أجر عليه، وكان أفضل لطاعته ربه في ~~اتقاء ما حرم عليه. # وكذلك الفطر في رمضان مكرها على هذا. # وكذلك ترك الأمر بالمعروف مخافة على نفسه بدليل أنه لو أمر فقتل أو صبر ~~عن الفطر حتى قتل كان مأجورا لطاعة ربه في اتقاء ما حرم عليه، وكان ضده ~~مباحا له لإحياء نفسه فلم يكن طاعة بل كان مباحا له تيسيرا عليه. # وحكمها: أن الأخذ بالعزيمة أولى لما فيه من طاعة الله، والآخر مباح له. # والنوع الثاني: ما أبيح للعبد فعله مع قيام السبب المحرم، ولكن بعد سقوط ~~الحرمة لمانع اتصل بالسبب فمنعه أن يعمل عمله كالأجل يتصل بالثمن فلا تجب ~~المطالبة. # وخيار الشرط يتصل بالبيع فلا يجب الملك فإنه في الشرع كالفطر للمسافر في PageV01P081 # رمضان فإنه مباح له مع وجود سبب الوجوب وهو شهود الشهر على ما مر بيانه. # ولكن بعد سقوط حكم السبب بالأجل إلى عدة من أيام أخر حتى إذا مات قبل ~~إدراك العدة ms071 لم يكن عليه شيء كما لو مات قبل رمضان، ولو لزمه حكم السبب لما ~~سقط عنه القضاء بالفطر بعذر كما في الفصل الأول، وكالحائض. # وحكها: أن الصوم أفضل لأن السبب قائم وتأخر الحكم بالأجل لا يمنع التعجيل ~~لأنه حقها فيملك التعجيل معه إلا أن تلحقه المشقة فيكون الفطر أفضل لأن ~~الوجوب ساقط عنه شرعا نفيا للمشقة عنه فيكون التعجيل مع المشقة ردا لما ~~أحسن الله تعالى إليه بالإسقاط، فلم يكن حسنا بخلاف الفصل الأول فإن حكم ~~الله تعالى عليه لازم وعليه القضاء، فلا يكون في الاشتغال في إقامته إيجاب ~~من قبله بل يكون فيه طاعة لله تعالى فما لزمه فكان حسنا. # وأما المجاز: فأتم نوعيه ما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من ~~قبلنا على ما قال الله تعالى، فتكون فيه عند المقابلة بمن قبلنا توسعة ~~وترفيها وإنها معنى الرخصة، ولكن لما لم يكن لعذر فينا بل لعدم الوجوب أصلا ~~لم يكن رخصة حقيقة لانعدام معنى الموجب للتوسعة الذي يكون به رخصة وكان ~~الاسم مجازا لوجود صورته. # وأما النوع الآخر: فما ثبت بشريعتنا ثم أسقط أصل الوجوب تيسيرا علينا ~~بعذر، فمن حيث كان السقوط بعذر للتيسير بعذر كان بمعنى الرخصة. # ومن حيث كان سقوط الحكم لسقوط الوجوب لا رفعا للحكم بالعذر مع قيام ~~الوجوب لم يكن حقيقة، لأن حقيقته ما كان سقوط حكمه برفع العذر لا لزوال ~~سببه في نفسه. # وهذا مثل السلم فإنه جوز رخصة على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فهو رخصة تثبت للمحتاج ~~إلى بيع ما ليس عنده لإعدامه ليدفع به حاجته، فأبيح له وإن لم يكن المبيع ~~عنده بعذر عدمه لكن على طريق سقوط الحرمة عنه، حتى إذا لم يبع سلما وتلف ~~جوعا أثم بربه لأنه لم يكن فيما أتلف نفسه مقيما حكما من أحكام الله تعالى. # ومن نظيره المسح بالخف بعذر اللبس وزيادة مدة المسح للمسافر بعذر السفر ~~فإن ms072 الغسل ساقط لسقوط وجوبه، لأن الخف يمنع سريان الحدث إلى القدمين حكما ~~ولا وجوب غسل بلا حدث كما سقطت الأغلال التي كانت على من قبلنا حكما بوضع ~~الله تعالى عنا. # ومن هذا القبيل عندنا قصر الصلاة للمسافر، حتى إذا صلى الفجر أربعا كان ~~كمن يصلي الفجر أربعا، خلافا للشافعي فإنه يقول؛ لا قصر إلا أن يختار العبد ~~القصر كما خير PageV01P082 # المسافر بين الصوم والفطر، قال: لأن وجوب الأربع متعلق بالوقت إلا أن ~~الشرع رخص لنا في القصر دفعا لمشقة السفر كما في الصوم. # بخلاف المسح على الخفين فإن الغسل للصلاة مقصور على محل الحدث من العضو ~~والخف منع الحلول. # قال: وغير مستنكر ثبوت الخيار للعبد بين الركعتين والأربع كالذي حلف بصوم ~~سنة فحنث، فإنه مخير بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سنة إذا كان معسرا في ~~قول الأكثرين. # وكذا أبو البنتين خير موسى صلى الله عليه وسلم بين الثمانية والعشرة في ~~مدة الإجارة وهذا لما فيه من فائدة التيسير على المخير، إلا أنا نقول: هذه ~~الرخصة من قبيل رخصة زيادة مدة المسح بالسفر، ثم تلك الزيادة ثبتت شاء ~~العبد أو أبى فإنه إن لم يقبل لم ينتقض مسحه بمضي يوم وليلة فكذلك هذا. # وإنما قلنا أن هذه من قبيل تلك، لأن أصل الفرض هنا أربعة، وبهذه الرخصة ~~أسقط عنه ركعتان بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه كما أن الفرض في باب المسح ~~حال الإقامة أن ينزع خفيه ويغسل قدميه بمضي يوم وليلة وبالسفر سقط عنه هذا ~~النزع، وهذا الغسل أصلا بلا إثم يلحقه ولا بدل يلزمه، وتبين أنهما من جملة ~~الإسقاطات المحضة بحكم سقوط الوجوب نحو إسقاط الإصر والأغلال التي كانت على ~~من قبلنا فكانت رخصة مجازا، وهو إسقاط حقيقة الواجب لما لم يبق له حكم بوجه ~~فلا يبقى الأصل عزيمة بعد سقوط الواجب أصلا. # ولأن الرخصة للترفيه على ما بينا ومعنى الترفيه فيما نحن فيه متعين في ~~القصر كما تعين معنى الترفيه في زيادة المدة في باب المسح متى ms073 قوبل بحال ~~الإقامة. # ولما أثبت الله تعالى هذا الحكم رخصة وقد تعين معناه في الثبوت كما أثبت ~~لم يبق للعبد خيار التعيين بخلاف رخصة الإفطار، لأن الله تعالى أسقط عنه ~~صوم الشهر بعدة من أيام أخر فعلم أنه ليس بإسقاط محض، وأن أصل الواجب لم ~~يسقط ولكن تأخر فبقي العمل بأصل الواجب عزيمة وبالثاني رخصة. # ولأن الرخصة في رمضان لما كان بتأخير العمل لم يتعين معنى الرفاهية في ~~التأخير بل تردد لأن الصوم في الشهر مع الناس أيسر في العادات، ولكن في ~~السفر أشق والتأخير في السفر أوسع ولكن الصوم بعده وحده أشق فثبت أن في ~~الترخيص ضرب رفاهية فخير تحقيقا لمعنى الرخصة، وفيما نحن فيه ضرب من ~~الرفاهية واحد فتعين ثبوت الرخصة فيما فيه الرفاهية بلا خيار. # فإن قيل: إن الله تعالى رخص في أن تصدق علينا بشرط الصلاة وقد ثبت ما ~~أوجبه الله تعالى بلا تخيير لأحد وإنما الخيار في القبول. PageV01P083 # كما تصدق الله تعالى برخصة المسح بشرط اللبس وللعبد خيار في اللبس. # وكما رخص في أيام الرمي في الحج بقوله: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ~~ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} فخير العبد بين القليل والكثير. # وكما أن الله تعالى رخص لنا في أحكام علقها بسفر نختاره، كذلك هنا رخص ~~بصدقة علقها بقبولنا فكان الخيار ثابت فيما فوض إلينا مباشرته ولم يلزمناه ~~في ما شرع من تعليق الرخصة بالقبول فإنه ماض ثابت. # قلنا: إن الرخصة في قصر الظهر لا في شيء آخر، وقد ثبت بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" والصدقة ~~بالواجب في الذمة إسقاط كصدقة الدين على الغريم وهبة الدين له فيتم بغير ~~قبول، وكذلك سائر الإسقاطات تتم بغير قبول، إلا أن ما فيه تمليك مال من وجه ~~قبل الارتداد بالرد، وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل كإبطال حق الشفعة ~~والطلاق، وفيما نحن فيه ليس بمال، ولأنا لم نجد في أصول الشرع سبب شريعة ms074 ~~شرعها الله تعالى وعلق تمام ذلك السبب لما شرع بنا حتى يصير ثبوت الشرع ~~بسبب شرعه الله تعالى ونحن جميعا فيكون بالشركة فإن ثبوت الشرائع بالله ~~تعالى وبرسوله. # والمشروعات ضربان: علل للأحكام مفوضة مباشرة العلل إلينا، كما شرع الشراء ~~علة للملك ومباشرته إلينا، والسفر سببا للرخص ومباشرته إلينا فكان المشروع ~~علة وتمت العلة علة بشرع الله تعالى لا بنا، وإنما يكون بنا أداؤها وقد ~~يكون أحكاما تتم بالشرع وإلينا إقامتها. # والمشروع هنا سبب وهو السفر وإلينا تحصيل السفر، ثم حكمه وهو القصر ~~فعلينا العمل به. # فإما أن يكون لنا شركة في نصب الشرع بمشيئتنا فهذا لا نظير له لأنه يخرج ~~عن حد الابتلاء بالتعليق بمشيئتنا والله تعالى ابتلانا بما شرع من الشرائع ~~على حدودها، والابتلاء فيما يلزمنا بلا مشيئة منا ألا ترى أنا لا نقول: أن ~~الله تعالى ابتلانا بالشراء والهبة لأن لا لزوم، ولكن نقول: ابتلانا بعقد ~~أنه مباح لأنه يلزمنا ذلك، وابتلانا بأحكامها إذا باشرناها لأنها تلزمنا، ~~وابتلانا بأنا لا نملك إلا بسبب لأنه حكم يلزمنا ويصير هذا كقوله: اقصروا ~~الصلاة إذا شئتم، وما ورد به أمر في شيء من الشرائع فكان التعليق بالمشيئة ~~تمليكا لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، ولم يكن أمرا واستعبادا ولا ~~ابتلاء ويكون تفويضا إلينا نصب الشريعة. PageV01P084 # فإن قيل: هذا يعم في الإجابات، أما الإسقاطات فلا ابتلاء فيها فيجوز ~~التعليق. # قلنا: في الإسقاط ابتلاء بالاعتقاد فإنه لا يتصور الفرض أربعا وإن صلى، ~~والابتلاء قد يكون بالفعل، وقد يكون بالعقد ولا بد من ثبوته مع أوامر الله تعالى. # فإن قيل: هذا من الله إباحة للقصر، وما في الإباحة ابتلاء إلا من حيث ~~اعتقاد أنه غير لازم وهذا الاعتقاد عندنا لازم ما بقيت الإباحة، وقد وقتت ~~بوقت الأداء باختيار العبد القصر مؤديا الذي هو سبب سقوط الزيادة. # قلنا: اختيار العبد القصر مؤديا اختيارا لسقوط الزيادة، فما القصر إلا ~~عبارة عن إسقاط البعض وقد ذكرنا أن الشريعة لم تبن على ثبوت الأحكام ~~المشروعة باختيارنا، ألا ms075 ترى أنا لا نجد فرضا يسقط باستباحة العبد تركه ~~قصدا، وإنما يستبيح بمباشرة سبب شرع بسبب إسقاط. # وعلى هذا باب الرمي في الحج فإن الله تعالى شرع الإقامة سببا لوجوب الرمي عليه. # وتعجل النفر سببا للسقوط فكان لنا الخيار في مباشرة السبب لا في نفس ~~الإسقاط، وليس هذا كالعبد إذا أذن له مولاه في الجمعة إن شاء صلى الجمعة، ~~وإن شاء ترك لأن الجمعة غير الظهر لا يصح أداء إحداهما بنية الأخرى، وتعتبر ~~للجمعة شروطا لا تعتبر للظهر فجاز أن يشرع له الخيار في تعيين إحداهما فإن ~~الله تعالى نص على مثله في كفارة اليمين. # فأما هنا فالصلاة واحدة، بدليل اتفاق الاسم والشروط إلا أن صلاة الظهر في ~~السفر أقصر وإذا كان واحدا وقصر في السفر لم يبق له الخيار فإن الخيار لا ~~يتصور إلا بين الشيئين، ولا يشتغل به وإن تصور بين شيئين متماثلين لأنه لا ~~فائدة فيه. # واعتبره بمعاملات الناس، فإن المشتري إذا وجد بالسلعة عيبا خير بين رده ~~بالثمن وبين إمساكه لأنهما شيئان. # ولو اشترى عيبا لم يره خير بين رده بالثمن وإمساكه لأنهما شيئان، ولو كان ~~سلما وقبض لم يكن له الخيار لعدم الرؤية لأنه لو رده لعاد في مثله لا في ~~رأس المال والعبد إذا جنى خير المولى بين دفعه والفداء بالأرش لأنهما ~~مختلفان، ولو كان مدبرا لا يحتمل الدفع لزمه الأقل من قيمته ومن الأرش، ولم ~~يخير لأنهما مثلان، وإن كانا غيرين فصار الضمان واحدا بعضه أقل وبعضه أكثر ~~فلم يستقم إثبات الخيار بين الأقل وبين الأكثر لأنه لا يفيد إذ لا فائدة في ~~نفس اللزوم تحسن في الحكمة، وما في الأكثر إلا زيادة لزوم. # وليس هذا كاليمين بالصوم سنة فإنه يخير بين صوم سنة نذرا وصوم ثلاثة أيام ~~كفارة يمين فإنهما مختلفان حكما ففي الكفارة معنى الزجر والعقوبة، وما في ~~النذر ذلك. PageV01P085 # فأما قصة موسى فإنه خير في فعل ما جعل الله إليه إيجابه وإنما أنكرنا نحن ~~فيما هو مشروع الله تعالى ولم ms076 يجعل للعبد ولأنه خير في فعل ما ليس عليه من ~~معنى زائد، والعبد أبدا مخير في فعل ما ليس عليه، وإنما أنكرنا إثبات ~~الخيار بين الأقل والأكثر فيما عليه لسقوط الفائدة. # فإن قيل: في العبادات فائدة لأنه في الأكثر زيادة ثواب، وفي الأقل زيادة ~~سعة ورفاهية بخسران ثواب فيختار إما السعة وإما الثواب. # قلنا: أحكام الدنيا لا تبنى على الثواب فإنها من أحكام الآخرة بل على ما ~~نفعله في الدنيا من لزوم ونراه في الأداء كما في حقوق العباد. # ولأن صلاة السفر في إيجاب ثواب الظهر مثل الأربع لأنه كل فرض الوقت ~~والشأن في أداء الكل لا في زيادة العدد، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن أفضل الصدقة؟ فقال: "جهد المقل" لأنه أدى كل ماله. # وقد ذكر محمد بن الحسن في كتاب الإكراه: إن من أكره على أكل ميتة فصبر ~~حتى قتل؛ أثم، ولو كان مكرها على أكل طعام الغير فصر حتى قتل لم يأثم، لأن ~~رخصة الميتة عند الضرورة رخصة سقوط التحريم لأن الله تعالى استثناها من ~~التحريم فلا يصير مطيعا ربه على إقامة حكمه بالصبر، ورخصة أكل مال الغير ~~عند الضرورة رخصة ترفيه مع قيام الحظر لحق المالك فيصير بالصبر مقيما حكم ~~الله تعالى فلا يأثم. فمحمد- رحمه الله- سمى النوع الثاني رخصة دون الأول ~~على اعتبار الحقيقة. PageV01P086 ### | AUTO القول في الأداء والقضاء # إن الأداء: اسم لفعل تسليم ما طلب من العمل بعينه. # والقضاء: بمثل ذلك العمل من عند المطلوب منه. # قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وإنه في ~~تسليم أعيانها إلى أربابها، ويقال للغاصب_ إذا رد المغصوب بعينه_ أدى إلى ~~صاحبه حقه. # وإذا استهلكه وسلم المثل يقال: قضاه حقه. # ويقال: أدى الصلاة لوقتها لأنه أتى بعين الواجب من العمل المطلوب منه، ~~وقضاء الفائتة لأن العين فائتة بفوات الوقت، وإنما جعل العبد صلاة من عنده ~~قائمة مقام ما ضمن بالفوات. # ثم الأداء نوعان: # واجب: كالفرض في وقته. # وغير واجب: كالنفل، والقضاء ms077 على ما فسرنا لا يتصور إلا واجبا، لأن النفل ~~لا يضمن بالترك غير أنه نوعان: # أ- مثل مشروع معقول. # ب- ومثل مشروع غير معقول. # فتصير الأنواع أربعة. # وقد يستعار القضاء لأداء الواجب لما فيه من إسقاط الحق كما في القضاء. # ويستعار الأداء للقضاء لما فيه من التسليم، ولهذا اختلف المشايخ ~~المتأخرون في قضاء العبادات؟ # فقال بعضهم: لا يجب إلا بالنص لأن الفائتة عبادة فلا تقضى إلا بمثل هو ~~عبادة، ولا يصير المثل عبادة إلا بالنص. # والجواب عنه: أن مثل الواجب لا يصير عبادة إلا بالنص ولا كلام فيه، وإنما ~~الكلام في عبادة شرعت عبادة بوقت علم إنها شرعت عبادة لذلك الوقت أو لسبب ~~آخر وقد وجد السبب: أيجب بتفويت الواجب مثله قياسا من غير نص؟. # فنقول بأنه يجب لأن الله تعالى قد أوجب في باب الصيام والصلاة القضاء ~~بالمثل في الوقت الذي علم سببا لشرع مطلق الصوم، والصلاة عبادة فيقاس ~~عليهما غيرهما. PageV01P087 # وكذلك الله تعالى جعل لمن عليه حق العباد أن يخرج عنه بعين الواجب وبمثله ~~حتى يجب على صاحبه الحق أخذ المثل كما يجب أخذ العين نظرا لمن عليه الحق ~~ليخرج عن عهدة الواجب، فلما كان كذلك في حقوق العباد ففي حقوق الله تعالى ~~أولى لأنه أكرم. # ثم الشرع فرق بين وجوب القضاء والأداء حكما فجعل من شرط وجوب الأداء مكنة ~~الصبر منه حكمة وعدلا فقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ولأن المطلوب ~~بالأمر فعل مختار على ما عرف، ولا اختيار بدون القدرة والمكنة، ومكنة المال ~~بملك المال لأنه لا يتأدى ما هو عبادة بمال غيره، وإن أذن صاحبه، وغير ~~العبادة وإن كان يتأدى بمال الغير فلا يقدر عليه من عليه الحق بدون الإذن ~~من صاحبه، ويتأدى بدون قدرة بدنه فإنه يأمر غيره بالأداء من ملكه فيصح، وإن ~~عجز هو في نفسه ومكنه البدني بقدرة بدنه لأنه لا يتأدى ببدن غيره بحال. # ثم المكنة التي هي شرط وجوب الأداء حكمة وعدلا ما لابد لأداء الواجب منه ~~وهي بوجودها بالعمر بقدر ms078 ما يتمكن من الأداء بها لجواز الإيجاب على أن يكون ~~الأداء متأخرا عنه إلى حين، فإن كانت المكنة قائمة عند الوجوب ثم زالت بعد ~~التمكن من الأداء لم يسقط الواجب بزوالها، لأن العجز جاء من قبل العبد ~~بالتأخير مع الإمكان فاعتبر في حق الوقت الذي هو ظرف الفعل قدر الإمكان، ~~كما اعتبر في حق الآلة التي يؤدى بها بقدر الإمكان فإن مات بعد أن تعذر أن ~~يقدر، أثم لما فيه الفوت بتأخيره مختارا ولم تكن الإباحة عذرا له، لما ~~ذكرنا في تأخير الحج على أصل محمد رحمه الله، ولم يأثم قبله لأنه تأخير ~~وإنه مباح له ما لم يصر تفويتا على ما مر أن نفس الوجوب لا يوجب البدار إلى ~~الأداء لازما إلا بطلب صاحبه، وإن لم تكن المكنة قائمة عند الإيجاب ولم ~~يقدر حتى مات لم يؤاخذ به لأنه لم يصيب المكنة وإنها شرط ليجب الأداء، وما ~~لم يجب لم يأثم بتفويته. # ومن الأداء ما لا يجب إلا بقدرة زائدة على المكنة ميسرة للأداء رحمة من ~~الله تعالى وفضلا على ما قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~وقال: {ويضع عنهم إصرهم}. # ومن حكم هذه القدرة: أن دوامها شرط لبقاء أداء الواجب كما يشترط للابتداء ~~بخلاف الأولى لأنها شرطت بقدر المكنة، وإنها تحصل بالتمكن من الأداء فلم ~~تشترط أمد منه، وهذه شرطت ميسرة وهي في الزيادة على قدر المكنة فلم يتقدر ~~الوجوب بقدر المكنة من الفعل في حق الوقت الذي هو ظرف كما لم يجب بقدر ~~الممكن من حيث الآلة التي بها يتأدى فبقي متعلقا بالزيادة عليه، وهي في ~~الدوام، ولأن القدرة الميسرة متي شرطت للوجوب كانت مغيرة لصفة الوجوب بأن ~~تجعله خفيفا سهلا بالحال التي تعلق الوجوب بها PageV01P088 # التي تثبت له بها زيادة القدرة، وإذا وجب خفيفا لا يبقى إلا كذلك، كما ~~إذا وجب بقدر ناقص لا يبقى إلا كذلك وبيانه فيما قال علماؤنا: أن العشر ~~يسقط بهلاك الخارج بعد التمكن من الأداء، لأن الوجوب ms079 متعلق بسلامة الخارج ~~وبه إثبات تيسير الأداء لا الإمكان فإن الإمكان ثابت بمال آخر ولكنه من ~~الخارج الذي هو نماء أيسر لئلا ينقص أصل ماله به، وكذلك الخارج لا يجب ~~بإمكان الأداء نفسه فإن لا يجب إذا أهلك الخارج أو إذا نزت الأرض، وفسدت ~~قبل وقت الوجوب وإن أمكنه الأداء بمال آخر، وإنما يجب إذا سلم له الخارج ~~حقيقة أو اعتبارا وهو في أن يكون بحيث لو انتفع بها سلم له الخارج، ولكن ~~حرم بسبب أنه لم ينتفع به فاعتبر سالما حكما بقيام صلاحها له وفوت السلامة ~~من قبله لا بأنه لم يزرع ولم يأمر، ولما تعلق بسلامة الخارج صار كالعشر. # وكذلك لا يجب الخراج إذا قل الخارج إلا الأقل من الموظف، ومن نصف الخارج ~~ليكون بعض الخارج له على كل حال، ولا ينتقص به أصل ماله إلا بسبب تقصير جاء ~~منه في الانتفاع بالأرض. # وكذلك الزكاة تسقط بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء لأنها لا تجب إذا ~~هلك قبل التمكن، وإن قدر على الأداء بمال آخر فثبت أن الشرط سلامة النصاب ~~لتيسير الأداء عليه بقليل من كثير مال نام ينجبر ما انتقص منه بالأداء ~~بنموه إلى زوائد في سنته في الأغلب فصار كالعشر أيضا فيشترط دوام القدرة ~~بذلك المال ما لم يفت، ولا فوت بالتأخير لأنه غير مؤقت. # وكذلك دوام القدرة على التفكير بالمال شرط لبقاء وجوبها على العبد لأن ~~الله تعالى لما أسقط المالية إلى الصوم بعدم المال عند الوجوب علم أن الشرط ~~لوجوبه ليس أصل المكنة فأصلها مما يثبت بعده في العمر على ما مر، ولكن ~~الشرط قدرة ميسرة حال الوجوب حتى سقطت بالعدم إلى الصوم ليبرأ عنها بصوم ~~الممكن ولا تبقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يقدر في الثاني، ولما صار الشرط ~~قدرة ميسرة اعتبرت دائمة ما بقيت أداء، والكفارة غير مؤقتة فلا تصير فائتة ~~بالتأخير، بخلاف موت صاحب المال فإن الموت مانع من الوجوب، ولا تسقط إذا ~~طرأ لأنا نشترط حياته للوجوب لا للقدرة تحريم ms080 الأمر الميسر للأداء، فأداء ~~المالي بماله لا بحياته؛ ألا ترى كيف يجوز الأداء بعد موته إذا أوصى به، ~~ولكن لا وجوب إلا في الذمة، ولا ذمة إلا مع الحياة. # وبخلاف صدقة الفطر فإنها لا تجب بدون مال محرم للصدقة وبدونه يبقى واجبا ~~إذا هلك المال بعد التمكن من الأداء لأنا نشترط قيام الغنى بالمال للوجوب ~~لا للأداء، ولأن الصدقة لا يستقيم إيجابها شرعا إلا على غنى، كما لا يستقيم ~~إيجابها إلا على مؤمن لأنها ما شرعت إلا لإغناء الفقير وكفاية المحتاج ~~بدليل أنها لا تتأدى إلا بمال يصرف إلى الفقير PageV01P089 # المحتاج بالتمليك ليدفع به إذا ملك ما شاء من وجوه حاجته، ولم يتأدى ~~بالغنى الذي لا حاجة به، ولا بغير المال الذي لا يدفع حاجة الفقير. # ولما شرعت للإغناء عن الفقر لم يكن الفقير أهلا لوجوبها عليه فتصير ~~مشروعة لأحواجه بخلاف الكفارة فإنها شرعت للتكفير عن ارتكاب المحظور بدليل ~~أنها تتأدى بالصوم الصالح للتكفير، وإن لم يصلح للإغناء ولكن الإغناء صالح ~~للتكفير لأنه عبادة أيضا يصلح للتكفير فيصير الإغناء آلة للتكفير لا أن ~~تكون الكفارة شرعت للإغناء فلذلك لم نشترط الغنى بالمال لوجوب الكفارة، بل ~~جعلها الشرط من يصلح لثواب العبادة، فالتكفير يقع بالثواب. # ولما ثبت بالدليل أن الغنى بالمال شرط للوجوب لم يشترط للأداء بل يشترط ~~للأداء نفس المكنة، والزيادة لا تثبت إلا رحمة بدليل زائد فإذا تمكن من ~~الأداء تقرر الوجوب ولم يشترط دوامها لبقاء الواجب لما ذكرنا. # وكذلك قيام كمال النصاب شرط للوجوب عند الحول ويبقى بعض الواجب بعد هلاك ~~بعض النصاب بعد الحول، لأن الكمال شرط للوجوب لا شرط للأداء لما ذكرنا أن ~~الغنى شرط لوجوب الصدقة فأكد الشرع هذا الشرط في باب الزكاة، ولم يجعل ~~الغنى أهلا لوجوب الزكاة إلا إذا غني بالمال الذي جعل سببا لوجوب الزكاة، ~~ولا يغنى به الغنى المحرم للصدقة لولا مال آخر إلا إذا كان نصابا كاملا. # والدليل عليه: أن أداء الواجب وهو ربع عشر النصاب لا يتيسر بكمال النصاب ms081 ~~فإن انتقص أو كمل لم يؤد إلا ربع عشر ما عنده من المال النامي، ونحن شرطنا ~~دوام الشرط الذي يتيسر به الأداء لا ما لا يتيسر به الأداء. # وكذلك الحج لا يجب إلا بشرط الاستطاعة بملك الزاد والرحلة ويبقى بدونها ~~إذا فات بعد التمكن من الأداء لأن الشرط من الاستطاعة بقدر المكنة من السفر ~~المعتاد بزاد وراحلة، لا بما يتيسر زيادة يسر على المعتاد من محمل وخدم ~~ونحوها. # وقدر المكنة معتبر في حق الوقت بقدر التمكن من الأداء فيه على ما مر، ولا ~~يلزم إذا استهلك المال، فإنه لو استهلك النصاب قبل الوجوب لم يجب. # ولو استهلك بعده لم يسقط لأنه إذا استهلك قبل أن يجب لم يضمن شيئا لأن ~~المال خالص له. # وإذا استهلك بعدما وجب صدق بعضه إلى الفقير ضمن مثل ما صار محلا لزمه ~~تمليكه وصرفه إلى الفقير، وهذا كعبد جنى جناية ولزم المولى دفعه فأعتقه قبل ~~العلم به ضمن قيمته لأنه صار واجب الصرف إلى الولي، وإن لم يصر ملكا له ~~فضمن بالاستهلاك مثل الواجب بعينه فيكون قضاء لا أداء. PageV01P090 # وكذلك إذا عين شاة ليضحي بها ثم استهلكها ضمن شاة أخرى مثلها، وإن كانت ~~الأولى في ملكه لأنها تعينت لأداء الواجب منها، ولأنه بالاستهلاك يريد ~~إسقاط ما عليه باختياره فيه فيصير متعديا في حق الواجب فلم يعذر، وجعل كأنه ~~لم يستهلك وإن كان الهلاك مسقطا، ألا ترى أن الصائم إذا سافر لم يسقط عنه ~~وجوب الصوب ولو مرض سقط، وهما سواء في الإسقاط قبل الشروع لأن السفر ~~باختياره كان، ثم القضاء بالمثل يجب على ما مر، وإنما قصر على المثل لأنه ~~يجب انتصافا منه على تعديه بالتفويت، معنى الانتصاف يفوت بالزيادة على ~~المعتدي والنقصان لصاحب الحق فوجب المثل ليكون عدلا فمجازاة العدوان واجبة ~~بالعدل، وإيجاب القضاء مجازة والعفو جائز فضلا إن شاء صاحبه. # فإذا عرفنا هذا وجب قضاء الصلاة الفائتة بمثلها، لأن مثلها صلاة هي عبادة ~~مشروعة في كل وقت فأمكن العبد قضاءها بالمثل. # وكذلك الصيام ms082 في الأيام والصدقة في كل مال. # وكذلك الحج في وقته والأضحية في أيامها فإذا عين واحدة واستهلكها ضمن مثلها. # وكذلك الرمي في أيامه في الحج فإذا لم يضح بها حتى مضت الأيام لزمه ~~التصدق بها ولا يخرج بالتضحية وإن عاد الوقت في السنة القابلة لأن الشاة في ~~الأصل محل التقرب إلى الله تعالى بالصدقة إما واجبة في باب الزكاة، وإما ~~نذرا، وإما تطوعا وبأيام النحر جعلت محلا للتقرب بالتضحية قائمة مقام ~~الصدقة مخصوصة بهذه الأيام لأنا أمرنا بها مقدمة على الصدقة، فإذا ذهبت ~~الأيام وجب القضاء بالصدقة. # ألا ترى أنه لو جز صوفها حتى لم يمكن التقرب في حقه بالإراقة وجب التقرب ~~بالصدقة لأن شرع الله تعالى التضحية مكان الصدقة دليل على ضرب مماثلة حتى ~~صلحت للقيام مقام الصدقة. # ولما تعينت الصدقة لم تعد إلى المثل بعود الوقت، كمن استهلك رطبا فذهب ~~أوانه وقضى عليه بالقيمة له لم يعد إلى الرطب بمجيء أوانه. # وكذلك الرمي في الحج إذا فات عن وقته قضى في أيامه لأنه مشروع عبادة في ~~تلك الأيام وإذا ذهبت الأيام وجب الجبر بالشاة عينا شرعا فلا يعود الرمي، ~~وإن عاد الوقت. # وأما إذا عجز عن قضاء الصوم بالصوم فالقياس أن لا يقضي بالمال لأنه غيره ~~اسما ومعنى ولكنا أوجبناه إذا أيس عن الصوم بالشرع بخلاف القياس. # وإذا عجز عن الحج بنفسه كان القياس أن لا يقضي بالإحجاج لأن الذي يؤديه ~~بالإحجاج مال، وإنه غير الحج إلا أنا جوزنا بشرط اليأس عن الحج بالشرع. PageV01P091 # وأما الصلاة فلا نص فيها فقلنا تقضى بما يقضى به الصوم لأنها بالصوم أشبه ~~لأنها عبادة بدنية محضة لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، بخلاف الحج ~~لأنه لا يجب إلا بعد ملك الاستطاعة ولا يتأدى بدون المال للنفقة والراحلة. # فإن قيل: أليس قضاء الصوم بالمال ليس بقياس فكيف قستم عليه الصلاة؟ # قلنا: إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى ~~إذا لم يقدر على زيادة أمر سوى التوبة إلا ms083 أنهم أوجبوا فدية الصوم احتياطا ~~لقدرته عليها حتى إذا كانت كالصوم عند الله تعالى لم يبق تحت عهدة المال. # وعلى هذا المثال وجب الخروج عن حقوق العباد فإن الغاصب يلزمه الخروج عن ~~ضمانه برد العين، فإن عجز عنه بفواته رد مثله صورة ومعنى، فإن عجز عنه ~~بتفاوت جنس ذلك العين رد قيمته التي هي معنى ذلك العين وبه صار مضمونا ~~بالغصب. # فإن لم يكن أصل الحق مالا نحو المنكوحة أمة كانت أو حرة أو رجلا عليه ~~قصاص عبدا كان أو حرا لم يضمن بالغصب لصاحب ملك القصاص، وملك النكاح إلا في ~~حق تسليم العين فإذا هلك العين فلا يضمن شيئا في الدنيا. # وكذلك إذا شهد شاهدان على ولي القصاص أنه عفا عن القصاص وقضى القاضي به ~~ثم رجعا لم يضمنا شيئا للولي. # وكذلك إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وقضى القاضي به ثم رجعا ~~وكان دخل بها لم يضمنا شيئا، وإن أتلفا الملك بالشهادة لأن المتلف لم يكن ~~مالا فلا يكون المال مثلا له لا صورة ولا معنى فمعنى النكاح إقامة النسل ~~والسكن، ومعنى المال مصالح البدن. لذلك قال علماؤنا رحمهم الله: إن المنافع ~~لا تضمن بالإتلاف بعد قولهم أنها أموال حتى كان عقد الإجارة واردا عليها، ~~وعقد الإجارة من التجارة والتجارة لا تكون إلا بعقد المال بالمال. # وكذلك قالوا: لا يثبت الحيوان دينا في الذمة بدلا عن المنفعة وثبت دينا ~~بدلا عما ليس بمال من العتاق وملك النكاح وملك القصاص لأن ضمان الإتلاف ~~مقيد بشرط المماثلة، وما للمنافع مثل إما من جنسها فلا إشكال، وفيه إجماع ~~لأنها تحدث ساعة فساعة من أعيان متفاوتة فكذلك هي تتفاوت بحسب تفاوت ~~الأعيان. # وأما من الدراهم والدنانير فلأنها في الجملة خير من المنافع ذاتا لأنها ~~من جملة الجواهر، والمنافع أعراض، والجوهر خير من العرض ذاتا في الجملة لأن ~~الأعراض قيامها بغيرها والجواهر تقوم بنفسها فكانت الأعراض منها كالتبع من ~~المتبوع. # ثم هذا التفاوت وإن كان عفوا في التجارات في حق المالية ms084 حتى كانت المنافع ~~في الأسواق في حكم الأعيان في حق المالية يبادل أحدهما بالآخر بلا حرج. PageV01P092 # وكذلك الوصي يبادل عن مال اليتيم بالمنفعة فيجوز. # وكذلك في العقود الفاسدة التي توجب ضمان المثل توجب الدراهم عن المنافع ~~فإنه لا يعفى في حق ضمان الإتلاف لأن ضمان التجارة على ما يتراضى عليه ~~الناس في الأصل دون المعادلة والمماثلة، ولكن الشرع ربما حجر على بعض ~~التجار الذين أطلق لهم بشرط النظر إن يأتوا بخسر هو خسر في عرف التجار فما ~~لا يتعارف خسرا في الأسواق لقلة التفاوت وتعذر إقامة السوق مع اعتباره كان ~~عفوا لأن التجارة أمر مشروع لا تقوم بدونها مصالح الناس فلا يبتنى على ما ~~يضيق معه استعماله كالعبادات، ألا ترى أنه في الأسواق لا يظهر التفاوت الذي ~~يكون بين الحجر المبنية للإيجارة على هيئة واحدة بل تؤاجر بغلة واحدة. # وكذلك للوصي أن يؤاجر منها واحدا بواحد على قول من يرى الجواز مع اتفاق ~~جنس المنفعة. # وكذلك المأذون في التجارة يملك من التبرع ما لابد للتجارة منه وإن كان ~~هبة على الحقيقة فكذلك التفاوت الذي لابد منه لأنه دونه. # فأما ضمان الإتلاف فمبني على المثل في الأصل فوجب اعتبار التفاوت وإن قل ~~حتى لا يجب على المعتدي زيادة فيكون جورا وليس يجب اعتباره تضييق على الناس ~~فإنه يجب بالعدوان وسبيل العدوان أن لا يكون وإن كان، فإن تقرب في الجزاء ~~من باب الإحسان كان أولى من باب الجور. # ألا ترى أنه إذا أتلف منفعة حجرة لا يضمن بإزائها منفعة حجرة أخرى مثلها ~~في الغلة عرفا وتجارة، وكان التأخير إلى الآخر أهون لأن الزيادة جور وإنه ~~لا يحل بحال والتأخير جائز كما في إتلاف الخمر وإيذاء الحر والشتم ولهذا ~~قلنا: إن القياس أن لا يجب مال بإتلاف الآدمي لأنه لا مماثلة بينهما معنى ~~ولا صورة، وإنما وجب بالنص حال تعذر القصاص بالخطأ كي لا يهدر دم الآدمي ~~بخلاف القياس فلا نقيس عليه حال إمكان القصاص. PageV01P093 ### | AUTO القول في أسماء الألفاظ في حق ms085 قذر تناولها المسميات، وحكمها فيما تتناوله # هذه الأسماء أربعة: # الخاص، والعام، والمؤول، والمشترك. # أما الخاص: فاسم للفظ لا يتناول إلا الواحد بذاته ومعناه، كقولك: "زيد" ~~إذا أردت بالخصوص خصوص العين من الجملة. # وإن أردت خصوص الجنس قلت: إنسان وجن وملك. # وإذا أردت خصوص النوع قلت: رجل وامرأة. يقال: اختص فلان بملك كذا إذا لم ~~يشركه فيه غيره، ومنه: خاصة الناس وهم أهل العلم، والحكمة لقلتهم. # وأما العام: فما ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى، كقولك: الشيء، فإنه ~~اسم لكل موجود ولكل موجود اسم على حدة وإن الإنسان اسم عام في جنسه لأن ~~جنسه يشتمل على أفراد، ولكل فرد اسم على حدة كقولك: مطر عام، إذا عم ~~الأمكنة فيكون عاما بمعناه وهو الحلول بالأمكنة لا بأسماء يجمعها المطر، ~~وكذلك يقال خصب عام، ومنه عامة الناس وهم أهل الجهل والسفه لكثرتهم. # ومن الناس من زعم أن العام ما ينتظم جمعا من الأسماء أو المعاني، وليس ~~كذلك لأن المعاني لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها ~~وإذا اختلفت تدافعت ولم تنتظم جمعيا تحت اسم واحد بل يصير كل واحد منها ~~يحتمل الاسم فلا يثبت مرادا بالاحتمال، وهذا الاسم يسمى مشتركا وإنه لا ~~عموم له على ما نذكر وهو بمنزلة المجمل. # وقد ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم ما ينتظم جمعا من الأسامي أو المعاني. # وكان هذا منه غلطا في العبارة دون المذهب فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا ~~عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنى واحدا كقولك: خصب عام، ومطر عام، فإن ~~عموم الأمكنة منهما بمعنى واحد لا بمعان، فالعام خلاف الخاص بمعنى واحد وهو ~~الشمول. # وأما المشترك: فما اشترك فيه جمع من الأسامي أو المعاني من غير انتظام، ~~ولكن على الاختلاف كالعين فإنه يشترك فيه يشترك فيه مقلة الوجه وينبوع ~~الماء والطليعة ونقد المال. # والشيء المتعين في نفسه من غير انتظام فإن الكل لا يدخل تحته ولكن يحتمل ~~هذا وهذا، وهذا على الاختلاف أي إذا ثبت هذا ms086 بطل الآخر. PageV01P094 # وكالقرء: يشترك فيه الحيض والطهر على اختلاف وتناف. # والبائن: يشترك فيه البينونة والبين والبيان، يقال: بان عني فلان أي ~~هجرني، وبان العضو عن الجسم إذا انفصل عنه، وبان الشيء إذا ظهر، وهذه أسماء ~~مختلفة بخلاف قولنا الشيء، فإنه يشتمل على الموجودات بمعنى واحد وهو صفة ~~الوجود، وفيما ذكرنا من المشترك إنما يدخل كل واحد من الجملة تحته باسم على ~~حدة، أو بمعنى على حدة، وإذا كان كذلك لم يكن للمشترك عموم ولا ظهور مراد ~~لأنا سميناه: "مشتركا" لاشتراك الأسامي أو المعاني في الدخول تحته ~~والاشتراك يوجب الاستواء وإذا دخلت متساوية ولم يمكن الجمع بينهما ولم يصر ~~بعضها بأولى من بعض صار المراد منه مجهولا فيصير بمنزلة المجمل. # وأما اختلاف المعاني فإنما يتحقق في المستعار من الكلام وهو المجاز لأن ~~اللفظ إنما يستعار لغير ما وضع له للاتصال بينهما معنى، فيصير المجاز: ~~عبارة عن المعنوي من الكلام. # والحقيقة: ما عبر به عن الشيء باسم علمه عقل معناه أو لم يعقل، فإذا ~~اختلف المعنى الذي يجوز الاستعارة لأجله كان ذلك المجاز مشتركا. # وقد أجمعت الأمة أن لا عموم لقوله تعالى: {ثلاثة قروء} بل المراد بها إما ~~الحيض وإما الأطهار، وقد قال علماؤنا رحمهم الله- فيمن أوصى لمواليه وله ~~موال أعتقوه وموال أعتقهم-: أن الوصية باطلة لأن معنى الولائين مختلف في حق ~~الوصية فيراد بالوصية للمولى الأعلى الجزاء وللمولى الأسفل زيادة إنعام ~~ترحما، ولم يدخل النوعان تحت الاسم على العموم فبقي المراد أحدهما فبطلت ~~الوصية للجهالة. # وإذا قال لامرأة: إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى الوطء والعقد جميعا، ~~لأنهما مختلفان معنى بل انصرف إلى أحدهما على ما دل عليه الحال. # وأما المؤول: فما يتبين من المشترك أحد وجوهه المحتملة بغالب الرأي ~~والاجتهاد لا بسماع من يجب تصديقه فإنه متى تبين بالسماع كان مفسرا بالتحاق ~~هذا البيان، وهو نص مثل الأول، وإذا كان بالرأي لم يكن تفسيرا لأنه عبارة ~~عن الكشف على ما يأتيك بيانه. والانكشاف على الحقيقة لا يثبت بالرأي ولكن ms087 ~~بالرجحان يزول مشاركة سائر الوجوه إياه على السواء فيؤول إليه مراد الكلام ~~من غير انكشاف على الحقيقة فكان تأويلا. # وكذلك المراد من الكلام متى خفي لدقته فأوضح بالرأي كان مؤولا فكان ~~المؤول خلاف المشترك والخفي جميعا. # فالعام في قدر تناوله المسميات أكثر من الخاص. # والخاص في قدر تناوله المسمى أثبت من المؤول أو المشترك، فلا ثبوت للمراد ~~به إلا على سبيل الاحتمال فهذا بيان تفاوتها في قدر التناول في الجملة. PageV01P095 # وأما الأحكام فإن العلماء اختلفوا في العام ما حكمه؟ # فقال بعض الأحداث ممن لا سلف له في القرون الثلاثة: إن حكم العام الوقف ~~فيه حتى يتبين المراد به كالمشترك .. # وقال بعضهم: الثابت به أخص الخصوص حتى تقوم الدلالة على العموم. # وقال الشافعي: إنه على العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، ولكنه غير ~~موجب حكمه لعمومه قطعا كالخاص لخصوصه، بل على تجوز الخصوص واحتماله كالحكم ~~الثابت بالقياس يكون ثابتا لا قطعا، ولكن على تجوز الخطأ واحتماله حتى جوز ~~تخصيص العام بالقياس وجعل الثابت بالقياس أولى من الثابت بالعموم، وإذا ~~عارضه الخاص في بعض محاله جعل الخاص أولى، وجعل قوله هذا قولا واحدا فيما ~~يمكن القول بعمومه في نفسه أو لا يمكن في نفسه فإنه عممه بقدر الإمكان. # وقال علماؤنا رحمهم الله: العام يوجب الحكم بعمومه قطعا وإحاطة، بمنزلة ~~الخاص، أمرا كان أو نهيا أو خبرا. إلا عاما يمتنع القول بعمومه لكون المحل ~~غير قابل له على ما نذكره، فإنه يجب الوقف فيه حتى يتبين بدليل آخر، ولا ~~يعمل به بقدر الإمكان، وقد دل على هذا القول فتاويهم ومحاجتهم. # أما الفتوى: فقد قالوا- في رجل أوصى لرجل بخاتم وأوصى لآخر بفصه-: أن ~~الحلقة لصاحب الخاتم والفص بينهما. لأن الوصيتين اجتمعتا في الفص، لأن إحدى ~~الوصيتين لا تبطل بالأخرى على ما عرف، ثم الفص اسم خاص له، والخاتم يتناوله ~~بعموم اسمه، فجعلوا الاستحقاق بهما سواء ولم يجعلوا الخاص أولى. هكذا ذكر ~~في "الزيادات". # وذكر في الوصايا: وقرن الوصية بالفص بالوصية بالخاتم وذكر أن الفص ms088 لصاحب ~~الفص والحلقة للآخر، لأن الخاص لما قرن بالعام صار بيانا، ولما تأخر لم يصر ~~بيانا وكان عارضا. # وقالوا- في المضارب ورب المال إذا اختلفا في عموم الإذن وخصوصه وأقاما ~~البينة وأرخا-: كانت العبرة للتاريخ وكان الآخر منهما أولى، فرفعوا الخاص ~~بالعام، كما خصوا العام بالخاص فسووا بين التخصيص والرفع أصلا ولم يرتبوا ~~العام على الخاص، تقدم الخاص أو تأخر، على ما قاله الخصم في ألفاظ الشرع. # وأما الحاجة: فقد قالوا- بجواز الصلاة بدون الفاتحة لعموم قوله تعالى: ~~{فاقرءوا ما تيسر منه} ولم يروا ترتيب هذا العام على قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" لأنه خبر الواحد، فجعلوا الآية أولى وإن ~~كانت عامة، والخبر خاصا، وكان هذا مذهبا ظاهرا لعلمائنا. # أما الواقفون: فإنهم احتجوا بأن العام يذكر ويراد به الخاص، وهذا مشهور ~~بين أهل PageV01P096 # اللسان، وقد نطق به الكتاب والسنة والشعر حتى استحسن الكناية عن الواحد ~~بلفظة الجمع، قال الله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} وقال: {رب ارجعون} ~~ولما كان كذلك احتمل العام العموم والخصوص وهما مختلفان لا يجتمعان فحل محل ~~الاسم المشترك. # وأما الذين قالوا بأخص الخصوص فنوع من الواقفية، إلا أنهم قالوا: إن أخص ~~الخصوص ثابت يقينا أريد به الخصوص أم العموم فزال مهنى الاشتراك فيه، فثبت ~~كما في الكل بعد البيان. # وأما الشافعي فقال: إن العموم من العام حقيقة من حيث الوضع لأن الواضع ~~كما احتاج إلى وضع أسماء خاصة لتعريف الأفراد بمقاصد في كل فرد احتاج إلى ~~وضع أسماء عامة لتعريف الجمل لمقاصد فيها كي لا يحتاج إلى ذكر كل فرد باسمه ~~على حدة لتحصيل المقصود الذي لا ينال إلا من الجملة فيتعذر الذكر عليه، إلا ~~أن العرب استعارت الألفاظ العامة للخاصة توسعة، وتحسينا للعبارة لمعنى ~~التعظيم بالكناية عن الواحد بذكر الجماعة، كما استعارت لسائر ضروب المجاز، ~~وإذا كان كذلك كان الحكم لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه لأن المجاز ~~معناه لا يشارك معنى الحقيقة فلا يزاحمه بل الحقيقة هي الثانية قبله، ~~واحتجاجه بالاستعمال ms089 ضعيف لأن العام قد استعمل بحقيقته كما استعمل بمجازه ~~كقوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} ~~ونحوهما مما لا يحتمل الخصوص مع شدة العموم، فصار الاستدلال بالعموم ~~استدلالا بدليل محتمل فلم يكن حجة فبقي الحكم للوضع وقد ظهر القول بالعموم ~~من السلف ظهورا لا يمكن إنكاره. # احتج عمر رضي الله عنه للمن بسواد العراق على أهلها على الصحابة رضي الله ~~عنهم منهم الزبير ألزمه بقول الله تعالى: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله: ~~{والذين جاءوا من بعدهم} فقال عمر: أما إني لو قسمتها بينكم لم يكن لمن ~~يجيء بعدكم نصيب في الفيء والله تعالى جعل لهم نصيبا فرجعوا إلى قوله، وهذه ~~الآيات غاية في العموم. # وأراد عثمان رضي الله عنه رجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال ابن عباس رضي ~~الله عنه: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم إن الله تعالى ~~يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال: {وفصاله فى عامين} فيبقى للحمل ستة ~~أشهر، وأخذوا بقوله. # واختلف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في عدة المتوفى عنها زوجها ~~إذا كانت حاملا؟ PageV01P097 # فقال علي رضي الله عنه: عليها أبعد الأجلين لعموم آية عدة الوفاء وعدة ~~الحوامل. # وقال عبد الله: عدتها بوضع ما في بطنها لأن هذه الآية آخرهما نزولا وهما ~~آيتان عامتان واحتجا بهما. # فإن قيل: إن الصحابة رضي الله عنهم فهموا العموم منها بدلائل وأحوال ~~اقترنت بها دلت على العموم. # قلنا: إن الحكم بالعموم قد ظهر ولم يظهر له سبب آخر إلا عموم النص فلم ~~يجز الحمل على سبب لم يظهر على أن العمل بها لو وجب بدلائل أخر لما قبل ~~منهم الاحتجاج به بدون تلك الدلائل والأحوال، ولأن الشريعة لازمة إلى يوم ~~القيامة، ووجوبها بالكتاب ثم بالسنة ولو لم تكن هذه النصوص حجة في أنفسها ~~بدون تلك الدلائل الموجبة لما حل لهم السكوت عن نقل تلك الدلائل، ولا لزمهم ~~نقلها كما نقلوا النصوص، ولو نقلوها لظهرت ظهور النصوص بأنفسها، وظاهر عن ms090 ~~أبي بكر رضي الله عنه أنه قال- لما اختلفت الصحابة في نقل الأخبار-: إنكم ~~إذا اختلفتم في شيء كان من بعدكم أشد اختلافا، فإذا سألتم عن شيء فلا ترووا ~~ولكن قولوا: معكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولم ينكر عليه أحد ~~فثبت أن الكتاب بنفسه حجة بدون الأحوال التي توهمتها حجة للصحابة. # فإن قيل: إن الخلاف بيننا وبينكم في موجب العام للحال لا لحال النزول ~~فإنا لم نبتل بالعمل به فيما سلف. # فنقول: موجب العام للحال الوقت فيه حتى يتبين ما حكمه، لأن النصوص العامة ~~صارت متفاوتة في أنفسها اليوم من باق على عمومه، ومن مخصوص، ومن منسوخ، ~~فإذا صار حكمها في البقاء محتملا لم تكن حجة حتى يزول الاحتمال. # قلنا: يلزمك مثله في الخاص فإنه يحتمل الانتساخ، والمجاز ولم يجب الوقف ~~به، وكذلك الشاهد إذا عاين سبب ملك الإنسان حل له الشهادة بالملك له بعد ~~ذلك، وإن احتمال الفسخ أو البيع من آخر وكان ما عاين حجة له للحال ما ذكرنا ~~أن الشيء إذا ثبت دام على ذلك من غير دليل وأنما زواله افتقر إلى دليل ~~مبتدأ فعند عدم الدليل لا يزول ما كان ثابتا بالاحتمال لأنه كما احتمل ~~الزوال احتمل البقاء. # وجملة الجواب فيه: أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع. # وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال ~~بالنظر في الاشتباه مع كونه حجة للعمل إن عمل به، ولكن يقف احتياطا حتى لا ~~يحتاج إلى بعض ما أمضاه بتبين الخلاف، وهذا كالحاكم إذا قامت لديه الحجة ~~فإن شاء حكم بها، وكان الأحوط الوقف وإمهال الخصم للرفع ثم القضاء عند ~~العجز. PageV01P098 # وكذلك إذا قامت البينة أن هذا الرجل وارث فلان جاز له القضاء بالمال ~~والأحوط له أن يقف فيتعرف عن وراث آخر ثم يقضي إذا لم يتبين له بعد التعرف. # والكلام ليس فيما يجب احتياطا، واحترازا عن وهم يتحقق، ولكن الكلام في ~~موجب النص بنفسه وأما الاحتياط فضرب معنى يترك له ما عليه الأصل إلا ms091 أن ~~الترك به لا يجب حتما. # فإن قيل: فالذي يقف هكذا يحتج لامتناعه عن العمل به ويقول أنا أقف ~~مترويا. # قلنا: هذا صحيح ولكن لا يثبت الوقف على هذا الحد إلا بعد التزام أصل ~~الحكم واعتقاده أنه ثابت، وأن الوقف بدليل عارض لا من نفس النص، ومتى قال ~~هذا واعتقد ارتفع الخلاف فلا يتحسن مثله في الخاص. # ويقول في الشهادات الخاصة أن الحكم يقف احتياطا، وكذلك في الخاص إذا ~~احتمل المجاز كان الوقف للتعريف أحوط ما لم يؤد إلى ترك واجب يفوت بالوقت. # قال الشافعي رحمه الله: وسواء فيه ما أمكن القول بعمومه وما لا يمكن لكون ~~المحل غير قابل له كقول الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون} {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} فإن هذا المحل غير قابل عموم ~~نفي المساواة بينهما لتساويهما وجودا وإنسانية وبشرية وصورة وكثيرا من ~~الأوصاف. # وقال: هذا المانع من القول بعمومه جملة لا يمنع القول بعمومه فيما يمكن ~~منه من الأحكام الشرعية حتى لا تكون دية الذمي مثل دية المسلم ولا يقتل ~~المسلم بالذمي ولا يساوي الذمي المسلم في تملك العبد المسلم لأن العام الذي ~~يثبت خصوصه بدليل شرعي يبقى عاما في ما بقي بعد الخصوص، والخصوص لا يكون ~~إلا بدليل مقارن للعموم يبين أن المراد به ما بعد الخصوص فأما الرفع بعد ~~الثبوت فيكون نسخا، ومتى كان الخصوص على هذا الوجه كان ما نحن فيه من الذي ~~امتنع القول بعمومه من حيث الحسن، والذي امتنع من حيث الشرع واحدا. # قال: ولكن الثابت بالعموم لا يكون قطعا مثل الثابت بالخصوص لأن العام لا ~~يرد قط إلا على احتمال الخصوص في نفسه، وكذلك الحكم بعمومه يثبت على احتمال ~~أنه غير ثابت فلا يثبت قطعا كالثابت بالقياس إلا عموما ثبت بالدليل أنه غير ~~محتمل للخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} بخلاف الخاص فإن ~~حكمه لا يرتفع إلا بالنسخ وإنه لا يحتمل كونه منسوخا حال وروده، وإنما ~~النسخ يرد على ms092 بقاءه بعد ثبوته والكلام في موجب حكمه حال الورود لا حال بقائه. # ودل على صحته رواية الصحابة والسلف والناس إلى يومنا أخبار الأحاد الخاصة ~~في معارضة عموم الكتاب وتخصيص العموم بها. وكذلك بالقياس. PageV01P099 # وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الخاص إنما وجب حكمه قطعا لأن اللفظ وضع ~~له في الأصل فكان ذلك حقيقته فلاحتمال المجاز لم يتغير حكمه في نفسه ما لم ~~تقم الدلالة، والعموم في الأصل ما وضع إلا للتعميم والشمول منه حقيقة على ~~ما بينا فلاحتمال مجازه وهو المخصوص لا يتغير حكمه في نفسه حتى تقوم ~~الدلالة. # فإن قال قائل: فكذا أقول في الخاص إن حقيقته لا تثبت قطعا ما لم يتبين ~~أنه لم يرد به مجازه كالنصوص في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت ~~توجب بقاء الحكم قطعا لاحتمال النسخ وإن لم يثبت النسخ بعد. # قلنا له: إن المجاز لا يثبت من الكلام إلا بإرادة المتكلم النقل إليه عما ~~وضع اللفظ له، والإرادة لا تثبت إلا ببيان من قبله أو دلالة الحال أو العرف ~~ونحوها، فإذا انعدمت دلالات الإرادة لم يثبت الناقل فلم يثبت النقل فبقيت ~~الحقيقة قطعا بلا احتمال، وهذا كالنص المطلق فإن حكمه يثبت مطلقا قطعا، وإن ~~احتمل التغيير بزيادة قيد أو تعليق شرط لأن الثاني إنما يثبت بزيادة بيان ~~ولم يثبت. # وما هذا بنظير بقاء الحكم قطعا على ما يثبت ابتداء لأن النص أوجب حكمه ~~فأما البقاء على ما يثبت فليس بموجب به، ولكن من حيث أن الشيء إذا ثبت دام ~~حتى يقوم دليل الزوال فكان البقاء بحكم استصحاب الحال لعدم الدلالة والعدم ~~في نفسه فيه احتمال ما كان يعلم قطعا فكذلك موجبه لا يثبت قطعا حتى لما ~~تيقنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم النسخ ثبت البقاء قطعا. # فإن قيل: إن عدم إرادة المتكلم الخصوص ما عرفت إلا بعدم الدلالة عليها ~~فلا يثبت قطعا كعدم النسخ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف عدم ~~التعليق والاستثناء ms093 فإن طريق ثبوتهما النص عليهما فإذا سكت عنهما ثبت العدم يقينا. # قلنا: إن الإرادة لما كانت باطنة لا يوقف عليها إلا ببيان لم يكن حجة ~~علينا أصلا حتى تظهر بطريقها لأن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فلا ~~يجعل الباطن الذي لا نقف عليه حجة حتى يظهر، ويكون ابتداء ثبوته حجة بظهوره ~~فصارت بمنزلة الشرط والاستثناء في الحكم، وهذا كما قيل إن ابتداء الشرائع ~~ما كانت تلزم إلا بعد السماع لأن العبد لا يقف عليه إلا بسماعه فكان لحال ~~سماعه حكم نزول الخطاب ابتداء، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأته: إن كنت ~~تحبيني فأنت طالق، فقالت: أحبك، كذبا وهي تبغضه، أو علق الطلاق بمحبتها ~~النار، فقالت: أحب. طلقت، وإن تيقنا بالكذب لأن المحبة لا تعرف إلا بالخبر ~~عنها فقام الخبر مقام المحبة حقيقة ليكون بناء الحكم على ما نطلع عليه، ~~وصار كأنه قال لها: إن أخبرتني أنك تحبيني فأنت طالق، والخبر يشتمل على ~~الكذب والصدق جميعا فطلقت في الحالتين بوجود الخبر دون المحبة حقيقة، فهذا ~~سر المسألة ومزل القدم. PageV01P100 # فالخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ~~ثابت حال التكلم فثبت احتمال التغيير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ~~ما ليس في وسعنا سقط اعتبار الإرادة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم ~~الظاهرة دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة، وبقيت الإرادة معتبرة في ~~حق العلم فلا يعلم قطعا لأنه ليس في وسعنا ذلك، وإنه كلام حسن. # ويجب على هذا الأصل أن لا تطلق المرأة فيما إذا قال لها زوجها: إن كنت ~~تحبين النار فأنت طالق، فقالت: أحب لأنا علمنا يقينا ببغضها النار طبعا، ~~وإنما يقام الخبر مقام المحبة لأن سبب علمنا به فيما يحتمل المحبة والبغض ~~فإذا كان الاحتمال زائلا بدلالة أخرى وجب الحكم بها ولم يجز الوقوف على ~~بيان يقع بالخبر، كما قال في مسألة العموم إنه إنما يحتمل بيان الخصوص ~~بدليل يرد إذا كان مما يحتمل الخصوص بإرادة ms094 المتكلم وامتنع العمل بالإرادة ~~لاحتمالها. # فأما إذا كان لا يحتمل إرادة الخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء ~~عليم} فلا يجب الوقوف على البيان، وكذلك يجب أن يقول به في حقيقة الخاص مع مجازه. # والجواب عنه لعلمائنا: أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس ~~في وسعنا الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة لم يجعل الباطن حجة أصلا في ~~حقنا فسقط اعتباره في حق العمل والعلم جميعا، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن ~~وإن كان سببا لثبوت الحجة في الباطن إقامة السبب الظاهر مقام ما هو حجة ~~باطنة في نفسها تيسيرا على عباده بزوال كلفة التأمل في الباطن، لاعتبار ~~الحكم بحسب احتمال ثبوته على ما قاله الخصم. # وهذا كما أن الخطاب متعلق باعتدال العقل وإنه أمر باطن والبلوغ سبب ظاهر ~~له على ما عليه الجبلة بلا آفة فعلق الشرع الخطاب بالبلوغ الذي هو سبب ~~ظاهر، وأقامه مقام اعتدال العقل الذي هو أصل فيه تيسيرا فأسقط حقوقه عن ~~الصبي وإن اعتدل عقله كأنه لم يعتدل، وخاطب البالغ وإن لم يعتدل عقله بلا ~~خلاف كأنه اعتدل. # وكذلك رخص السفر في الأصل متعلقة بالمشقة وهذه صفة باطنة، والسفر سبب ~~ظاهر لها فأقام هذا السبب الظاهر مقام المشقة فأثبت به الرخص وإن لم يلحقه ~~مشقة وأزالها بالإقامة وإن لحقته فيها مشقة السفر إلا أن يضطر فيباح له ~~الترك دفعا للضرورة لا بحكم سقوط الخطاب حتى إذا صبر فقتل كان مأجورا، أو ~~بمرض في الإقامة فيثبت الرخص في المرض، وإنه جنس آخر غير جنس المشقة. PageV01P101 # وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب ~~الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن ~~الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعا من الحدوث لآخر، فلو أبحنا ~~للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك ~~اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه ~~وأدير الحكم معه. ms095 # فقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، ~~سواء كانت الأمة بكرا أو ثيبا، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان ~~الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء. # وإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا ~~استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في ~~الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأ إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء ~~يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء ~~للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجبا لاختلاط المياه فلم يصر علة. # وكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن ~~فلانا يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع ~~بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين ~~بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع ~~على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف ~~به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في ~~حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره. # بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه ~~كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما ~~نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها ~~فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيرا ودفعا للحرج، فكان أولى مما ~~قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى ~~كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، ~~واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ~~ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل ms096 في الصبيان للتمييز بين ~~من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر ~~بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد. # لأن الظاهر يوجب موجبه قطعا على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان ~~وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال. PageV01P102 # ولأن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب فيلزمنا فيه ما يتفاهم من خطابنا ~~فيما بيننا وفيما بينا لو قائل: أعط هؤلاء الفقراء مئة درهم وهم مئة فهم ~~منه تفريق المئة عليهم على السواء، كما لو قال: اعط كل واحد منهم درهما. # ولو قال: لا تعتق عبدي سالما، ثم قال: اعتق البيض من عبيدي، ومنهم سالما ~~دخل تحت الأمر العام وارتفع النهي الخاص به فثبت أن العام والخاص، سواء في ~~خطابنا فيما بيننا فكذلك في خطاب الشرع وإن الإرادة التي هي موهمة ليس لها ~~عبرة حتى تنص عليها أو تثبت بدلالة أخرى ظاهرة. # فإن قيل: إن تخصيص العام بالقياس جائز، وكذلك حمل الخاص على مجازه ~~بالقياس جائز، وما يجوز تركه رأسا بالقياس ولو كان العموم ثابتا قطعا لما ~~جاز تبديله بالقياس كترك الكل. # قلنا: عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، ولا الحمل على المجاز، ~~وإنما يجوز بيان العموم بالقياس إذا ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من ~~خبر ثابت تأيد بالإجماع أو بالاستفاضة في السلف أو بالإجماع نفسه ثم وقع ~~الإشكال في حادثة إنها من جنس ما دخل تحت الخصوص، أو من جنس ما بقى تحت ~~العموم فيعرف ذلك بالقياس لأن حكمها في نفسها قبل القياس عن ثابت قطعا ~~لظهور دليل الخصوص، واحتمال الحادثة في نفسها أن تكون داخلة تحت الخصوص ~~وإنا وإنما ألغينا الباطن واحتماله دون الظاهر واحتماله لعموم النص بعد ~~الخصوص، فيبقى عندنا على حكم عمومه. قيل: الخصوص عند الشافعي على ما بينا ~~في بابه بعد هذا. # فإن قيل: في إثبات المعارضة بين الخاص والعام إذا لم يعلم التاريخ ألغي ~~الحكم الخاص أصلا ولبعض العام بقدر المعارضة بين العام والخاص، ms097 وفي نسخ ~~الخاص بالعام إذا تأخر العام رفع الخاص بأصله وفي ترتيب العام على الخاص ~~عمل بالخاص في الحالين كله حقيقة وبالعام بما بقى مجازا والأصل في النصوص ~~إنما يعمل بها ما أمكن فكان هذا الوجه أولى. # قلنا: نعم يجب العمل بها ما أمكن ولا إمكان لما ذكرنا أن موجب العام في ~~كل ما دخل تحته بمنزلة موجب الخاص فيما دخل تحته فلا يثبت ترجيح الخاص على ~~العام مع التساوي في قدر ما تعارضا فيه، وإذا لم يثبت الرجحان بطل الترتيب ~~وسقط هذا الإمكان الذي يشير إليه. # أرأيت قائلا لو قال: إني أعمل بحقيقة العموم وأحمل الخاص بالعموم على ما ~~ضرب من المجاز أكان ذلك مقبولا منه؟ لا، فكذلك منك إذا قلت: إني أحمل ~~العموم على الخصوص وهو مجازه ليمكنني العمل بحقيقة الخاص وكل واحد من هذين ~~القولين PageV01P103 # يكون معارضا بالآخر، ولأن موجب الحجة ليس العمل بها وحدها بل العمل بها ~~إذا لم يعارضها أخرى والمدافعة إذا عارضتها أخرى مثلها كالشهادات في خصومات ~~العباد، فمن لم يثبت المدافعة بعد التساوي فهو الذي ترك العمل بحقيقة الحجج ~~وحكمها في هذه الحالة. # فالخصم سوى بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ الذي ورد مخصصا فسلب حكم ~~العموم بالاحتمالين قطعا. # وفرق أصحابنا بين محتمل اللفظ ومحتمل الحال فألغوا اعتبار محتمل الحال ~~لأنه أمر باطن، واعتبروا محتمل اللفظ لأنه أمر ظاهر على ما بينا، وسواء ~~عندنا الأمر والنهي والخبر لأن صيغة العموم توجد في الكل. # وأما ما امتنع العمل بعمومه لمعنى في المحل قارن الخطاب فلا عموم له فيما ~~بقي بدليل ما ذكرناه في باب: "العام إذا خص منه شيء ما حكمه في البقية؟ ". ### | AUTO حكم المشترك # وأما المشترك: فحكمه التوقف فيه بلا اعتقاد حكم معلوم سوى أن المراد به ~~حق حتى يقوم دليل الترجيح، لما ذكرنا أن المشترك ما يمتنع تعميم معانيه أو ~~أساميه بحكم التعارض والتدافع على السواء فالشركة تنبئ عن المساواة، أما ~~إذا لم يكن السواء فذلك احتمال ولا يصار إليه إلا ms098 ببيان زائد. # والأصل في تعارض الأدلة الوقف على اعتقاد أن الثابت منها بحكمه حق. # وأما المؤول: حكمه حكم الظاهر إلا أن الظاهر بنفسه يوجب العلم بحكمه ~~قطعا، وهذا يوجب غالب الرأي كخبر الواحد والله أعلم. PageV01P104 # باب ### | AUTO القول في العام إذا خص منه شيء # اختلف القائلون بالعموم فيه على أربعة أقوال: # رأيت عن أبي الحسن الكرخي، وكثير من كبار شيوخنا: أن العام إذا خص منه ~~شيء وجب الوقف فيه حتى يأتي البيان من غير إسناد إلى السلف. # ونص أبو الحسن الكرخي أنه شيء أقوله من عندي، وعلى هذا القول يجب أنه ~~يثبت منه أخص الخصوص إذا كان معلوما. # وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول فالجواب على هذا، وإن خص منه شيء معلوم ~~بقي الباقي على عمومه على ما كان قبل التخصيص. # وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول لم يثبت به الخصوص. # قال القاضي أبو زيد رحمه الله: والذي ثبت عندي من مذهب السلف أنه يبقى ~~على عمومه بعد التخصيص في الفصلين جميعا، ولكن غير موجب للعلم قطعا كما ~~قاله الشافعي قبل الخصوص. # أما أبو الحسن الكرخي فإنه احتج بأن العام إذا خص منه شيء زالت حقيقته ~~وصار مجازا، ومجازه في إرادة المتكلم البعض منه، وذلك البعض مجهول فلم يبق ~~حجة كما في قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} فإنه لما امتنع القول ~~بعمومه وجب الوقف فيه على ما يأتيك بيانه. # ولأن التعميم فيما بقي حقيقة والكلام لا يشتمل قط على الحقيقة والمجاز ~~بخلاف الكلام إذا استثني منه شيء معلوم فإن الباقي يبقى على عمومه، لأن ~~المستثنى بالنص غير داخل تحت الجملة نصا، ويصير كأنه ما تكلم إلا بالباقي ~~بعده، والباقي بعده كله ثابت على حقيقته إلا أن تكون أخص الخصوص معلوما ~~فيجب القول به لزوال الجهالة. # ولأن دليل الخصوص في حق حكم النص بمنزلة الاستثناء لأنه تبين أن الثابت ~~من حكمه ما بعده، وإن فارق الاستثناء في صيغة اللفظ على ما نبين. # وإذا صار في الحكم كالاستثناء قلنا: ms099 إن كان دليل الخصوص مجهولا لا يوجب ~~جهالة ما بقي حكما فيصير كاستثناء بعض مجهول، وكذلك إن كان دليل الخصوص ~~معلوما لأنه يحتمل أن يكون معلولا بعلة موجبة أكثر مما يوجبه النص فيتضمن ~~جهالة على PageV01P105 # الاحتمال والشك فيوجب شكا فيما بقي من الحكم كاستثناء فيه شك فإنه يوجب ~~شكا في المستثنى منه كقولك: والله لا أكلم الناس إلا زيدا أو عمروا، فإنهما ~~لا يدخلان تحت اليمين لدخولهما تحت الاستثناء بالشك. # وأما الذين فرقوا بين تخصيص المجهول والمعلوم فإنهم ذهبوا إلى أن تخصيص ~~العموم بدليل منفصل بمنزلة التخصيص بالاستثناء، إذ الخصوص لا يثبت إلا ~~بدليل يبين لنا أن المراد به ما بعده، وأن قدر المخصوص لم يدخل تحته ~~كالاستثناء. # فأما الطارئ الذي يرفع بعد ثبوته فهو نسخ، وإذا كان كذلك كان بمنزلة ~~الاستثناء. # ثم استثناء المعلوم لا يسقط عموم ما بقي، واستثناء المجهول يسقطه ويوجب ~~الوقف إلى البيان، فكذلك التخصيص. # فعلى قول هذا القائل لا يصح الاحتجاج بعموم آية البيع لأنه خص منه الربا ~~وإنه مجهول، ولا بآيات الحدود لأنه خص منها حالة الشبهة وهي مجهولة. # وأما الذين قالوا؛ إن تخصيص المجهول ساقط حكمه قبل البيان، وأنه يبقى على ~~العموم بعد الخصوص المجهول والمعلوم موجبا للعلم فقد ذهبوا إلى أن التخصيص ~~لا يكون إلا بدليل منفصل عن العام له موجب في بعض ما تناوله العام بخلافه ~~على سبيل ما لو تأخر كان نسخا، فإذا جاء مقارنا كان بيانا، وإذا كان كذلك ~~لم يتغير بالثاني صيغة الكلام الأول كما في النسخ، وكيف تتغير ولم تتصل ~~بالصيغة بل انفصلت عنه، وكل كلام تام بنفسه وإذا لم تتغير وجب اعتبار كل ~~صيغة في نفسها على حدة. # ثم صيغة العام للتعميم وقد خرج من أهله فصح خروجه وأضيف إلى محل قابل ~~للعموم فانعقد موجبا للعموم إلا أنه امتنع عن العمل في بعض المحال لمانع ~~على سبيل المدافعة وهو النص الذي يخصصه فيتغير حكمه بقدر المانع، لأن صيغته ~~لم تتغير به، وإذا لم تتغير الصيغة وهي ms100 للتعميم يقينا بقي كذلك وراء ما ثبت ~~الخصوص، والخصوص إنما يثبت بقدر ما يتبين بالخاص. # فأما ما لم يتبين منه بأن كان دليل الخصوص مجملا فلا يمتنع به لأنه لا ~~مساواة بين الظاهر والمجمل، بل المجمل مما لا يجب العمل به حتى يلتحق به ~~البيان فيصير في حق العمل كنص لم ينزل بعد ألا ترى أنه لو طرأ المجمل على ~~ظاهر ناسخا لم يثبت به النسخ حتى يتبين، بخلاف الاستثناء فإنه يرد على صيغة ~~الكلام فيستخرج منه بعضه فيصير كأنه لم يتكلم بالمستثنى وإنما تكلم بالباقي بعده. # ألا ترى أن الاستثناء لو فصل وهو قوله إلا كذا لم يكن له موجب بنفسه، ~~وإذا اعتبر المستثنى منه مع الاستثناء كلاما واحدا أوجبت الجهالة ~~بالاستثناء جهالة في المستثنى منه، والشك فيه شكا في الأصل فيصير الأصل ~~مجهولا محتملا فلا يجب العمل به حتى يرد PageV01P106 # البيان، وها هنا لما انفصلا في حق الصيغة اقتصرت الجهالة على دليل الخصوص ~~فبقي الآخر على ظاهره معمولا به. # وهذا بخلاف قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} لأن الكلام إنما ~~يصح في نفسه إذا خرج من أهله وأضيف إلى محل يقبله فإن بيع المجنون ضائع لأن ~~المجنون ليس بأهل له، وبيع العاقل حرا ضائع لأنه ليس بمحل للبيع. # وقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير} إنما لم يثبت عمومه لأن المحل غير ~~قابل للعموم، لأن نفي المساواة بينهما مضاف إليهما، وهما غير قابلين لعمومه ~~لتساويهما في الوجود والعقل والإنسانية والحيوانية فضاع هذا الكلام من حيث ~~اقتضاء العموم لعدم المحلية فلم يبق إلا الخاص، وأنه مجهول وكان كالذي ~~استثني منه شيء مجهول لأن المستثنى يصير غير ثابت في نفسه كان المتكلم لم ~~يتكلم إلا بالباقي بعده. # فأما إذا كان المحل قابلا في نفسه، والكلام صدر من أهله ولم يستثن منه ~~شيء حتى صح مخرجه وقراره فالعمل به لا يمتنع إلا بمانع فيتقدر بقدره، كما ~~في الكلام إذا استثني منه طرف، وكالبيع بشرط الخيار لا يضيع أصلا لوجوده من ~~أهله في ms101 محله، ولكن يمتنع العمل به بقدر المانع، وكما إذا استحق بعض المبيع ~~امتنع عمل البيع فيه بقدره. # وأما القول الرابع الذي عليه جمهور العلماء: وهو أن العام إذا خص منه شيء ~~معلوم، أو مجهول بقي على عمومه ولكن غير موجب للعلم قطعا، كما قاله الشافعي ~~رحمه الله تعالى قبل التخصيص. # الدليل على أنه مذهب جمهور العلماء أنا توارثنا الاحتجاج بالعام في أحكام ~~الحوادث، وما فيها عموم لم يثبت خصوصه. # والدليل على أنه غير موجب علما أنا توارثنا أيضا تخصيصها بالقياس وبخبر ~~الواحد والمعقول يدل عليه، وهو أن دليل الخصوص يشبه دليل النسخ من حيث ~~الصيغة، ويشبه الاستثناء في حق الحكم. # أما في حق الصيغة: فكما ذكره الأول أنه لا اتصال بين النصين وكل واحد ~~منهما كلام تام بنفسه وردا منفصلين حتى لو كانا متراخيين كان الثاني ناسخا ~~للأول، فمن هذا الوجه يجب بقاء العموم فيما لم يثبت خصوصه قطعا، كما يجب ~~فيما لم يثبت نسخه قطعا. # وأما من حيث الحكم: فلأن دليل الخصوص يبين لنا أن قدر المخصوص منه لم ~~يدخل تحت العموم حكما كالاستثناء بخلاف النسخ فلم يجز الاعتبار بأحدهما بل ~~اعتبر في كل باب بنظيره. # فنقول في حق الصيغة تعتبر بالنسخ كأن الحكم ثابتا ثم ارتفع إذ صح مخرجه ~~وانعقد في محل قابل للعموم. PageV01P107 # ألا ترى أنهم قالوا فيمن اشترى عبدين ونفذ البيع فيهما جميعا بألف، فإذا ~~أحدهما مدبرا: إن البيع نافذ على الثاني بحصته من الثمن كأنهما كانا عبدين، ~~ونفذ البيع فيهما جميعا ثم هلك أحدهما قبل التسليم فإن الباقي يبقى بحصته ~~من الثمن، ولم يعتبر بما لو باع عبدين بألف درهم إلا هذا بحصته من الألف ~~لأحدهما بعينه فإن البيع يفسد في الباقي كأنه باعه وحده بحصته من الألف لو ~~قسم عليه وعلى الآخر على قدر القيمة. # وكذلك لو كان أحدهما حرا لأن الاستثناء يبطل الصيغة فيجعله متكلما ببيع ~~جميع الذي يبقى بعد الاستثناء وحده كأنه ما تكلم بالآخر فيصير بائعا بثمن ~~المجهول، والجهالة تمنع الصحة. ms102 # وكذلك إذا كان أحدهما حرا لبطلان الكلام فيه لعدم المحل، وفي مسألة ~~المدبر لا يكون هكذا لأن البيع عمهما جميعا وهما حل له لقيام المالية ~~المتقومة التي تقصد بالأشرية وانعقد من الصيغة موجبة عمومها، ولكن النفاذ ~~والعمل امتنع في المدبر لمانع فيه من استحقاق له فاعتبر في حق الانعقاد ~~جملته، وجملة الثمن معلومة وإن كان المدبر في حكم الاستحقاق والعمل به كأنه ~~لم يدخل تحته، وجعل كأنه خرج بعد الدخول في الصيغة فلم يفسد العقد في الآخر ~~لأن طريان الجهالة لا يوجب فساد العقد. # وكذلك إذا باع عبدين له بألف على أنه بالخيار ثلاثة أيام في واحد منهما ~~بعينه فإن ثمنه لا يجب والبيع لا يعمل فيه ويصح في الآخر ويعمل. # وكذلك يبقى على الصحة لو فسخ العقد في الذي فيه الخيار لهذا المعنى، ~~واعتبر بالذي ملك ثم فسخ، وهذه مسألة لا خلاف فيها. # وإذا كان كذلك اقتصرت جهالة دليل الخصوص أو الشك عليه ولم يتعد إلى العام ~~في حق الصيغة فلا يصير العام مجملا مجهولا أو مشكوكا فيه بما وقع في دليل ~~الخصوص كما لو جاء ناسخا وهو مجمل في نفسه فإن الأول لا يصير منسوخا به حتى ~~يقترن به البيان ولكن لما كان في حق الحكم بمنزلة الاستثناء على ما بينا ~~أنه يتبين به أنه لم يدخل تحت العموم حكما، وإن دخل صيغة اعتبر بالاستثناء ~~في حق الحكم فالجهالة في دليل الخصوص توجب جهالة في حكم العموم فلا يبقى يقينا. # وكذلك إن كان الخاص معلوما لأن النص معلول عندنا في الأصل ما لم يتبين ~~خلافه، والعلة تكون أعم من النص فيتعدى إلى ما وراءه ولكن لا يجب العمل به ~~ما لم يقم دليل لتركه، على ما يأتيك بيانه، فيصير بمنزلة المجمل الذي هو ~~حجة ولكن لا يجب العمل به إلا ببيان. # فمن حيث قيام دليل موجب حكما بخلاف العام لم يبق العام موجبا علما على ~~سبيل القطع من حيث لم يجب العمل بالدليل الذي أوجب التخصيص بقي العام ms103 ~~معمولا به، PageV01P108 # والنص المعلوم ورد مخصصا أو المجهول لما احتمل البيان بتفسيره أو بتعليله ~~كان بمنزلة إرادة المتكلم الذي اعتبرها الشافعي رحمه الله تعالى. # إلا أن النص ظاهر فاعتبر بالإجماع، والإرادة باطنة فلم نعتبرها بخلاف ~~الاستثناء لأنه تكلم بالباقي بعد الاستثناء ويصير قدر المستثنى كأن لم ~~يتكلم به. # وإذا كان هكذا لغة على ما يأتيك بيانه في بابه وجب العمل بالباقي قطعا ~~لعدم دليل يعارضه بنصه أو بعلته لأن ما صار عدما حكما لا يعلل. # وبخلاف الناسخ لأن الأول لما تقرر حكمه لم يجز رفعه في زماننا هذا إلا ~~بدليل مثله، حتى لم يجز رفع الكتاب بالخبر الواحد ولا بالقياس، فإذا جاء ~~الناسخ خاصا فباحتمال أن يكون معلولا لا يمكن تغيير حكم العام الذي بقي ~~لامتناع جواز النسخ ما ثبت بالنص بعلة مجتهد فيها فأما إذا كان مخصصا، وهو ~~بيان أن قدر المخصوص لم يرد بالكلام لم يثبت موجب العام قطعا، وفي معارضته ~~حال ثبوته دليل يمنع الدخول تحته قطعا أو احتمالا، بل إذا ثبتت المعارضة ~~قطعا لم يدخل تحته قطعا فإذا كان احتمالا لم يمنع الدخول بل دخل على احتمال ~~أنه خارج إذا تبين ما احتمل كما في الاستثناء، على ما مر فيمن حلف لا يكلم ~~الناس إلا زيدا وعمروا أنه لا يحنث إذا كلمهما جميعا لأن الاستثناء لبيان ~~التكلم بالباقي بعده، فإذا وقع الشك في الاستثناء وقع في الثابت بعده فلم ~~يثبت بالشك، فكذلك ما نحن فيه لما احتمل النص الخاص أن يكون معلولا بعلة ~~يعمل بها تعدى حكم الاحتمال إلى ما بقي. # وبالاحتمال لا يمتنع العمل الأول ولكن اليقين يزول عنه به. # وبعد التعارض يبقى ما كان ثابتا على ما كان، لمعنى أنه كان ثابتا فلا ~~يزول إلا بدليل، وما كان طريق بقائه عدم الدليل لم يكن فيه يقين بوجه لأنه ~~لا يثبت إلا بدليل وكان هذا دون الثابت بخبر الواحد والقياس، ولهذا جوزنا ~~ترك العموم الذي ثبت خصوصه بالقياس ولم نجوز ترك موجب الخبر الواحد ~~بالقياس. ms104 # وتبين بما قلنا؛ أن هذا العموم الذي خص منه شيء ليس كقوله: {وما يستوي ~~الأعمى والبصير} لأن الصيغة منه لم تنعقد موجبة للعموم لفقد المحل، فأشبه ~~الذي فسد صيغته باستثناء بعض مجهول حتى صارت العبرة بما بقي من الصيغة. # ألا ترى أنهم قالوا في الرجل إذا اشترى عبدين بألف فإذا أحدهما حر؛ كان ~~البيع فاسدا في الباقي، كما لو كانا عبدين فقال: إلا هذا بحصته من الألف ~~لأن الحر ليس بمحل للبيع فسقطت صيغة النص بقدره، كما لو سقط بالاستثناء، ~~فتكون على هذا آية البيع عامة لأنه ظاهر وقوله: {وحرم الربا} كلام آخر ~~معطوف عليه وليس باستثناء، فإجمال الربا لا يوجب إجمالا في آية البيع ولكن ~~لا يكون موجبا علما على سبيل القطع والله أعلم. PageV01P109 # باب ### | AUTO القول في بيان ألفاظ العموم # ألفاظ العموم أربعة أنواع: # لفظ الجماعة معنى وصيغة كقولنا: رجال ونساء ومسلمون. # ولفظ الجماعة معنى لا صيغة: كالإنس والجن والشيء. فهما نوعا عموم نصا. # ونوعان آخران لفظا عموم إبهاما نحو: "من"، فإنها عامة فيمن يعقل. # و"ما" عامة فيمن لا يعقل. # ونحو: كلمة"الذي" فإنها عامة كالشيء لكن على سبيل الكناية، و"أين" و"حيث" ~~يعمان الأمكنة إبهاما. # و"متى" تعم الأزمنة إبهاما. # و"كل" يعم الفرد النكرة وغيره كقولك: كل رجل، وكل زيد وكل الناس. # و"كلما" تعم الفعل كلما فعلت فعلا، لأن كلمة كل خلاف البعض لغة فكانت ~~مشتملة على الأبعاض. # فهذه أسماء مبهمة عامة فكانت نوعا. # والنوع الآخر: الألف واللام إذا دخلتا على اسم غير معهود كانتا لبيان الجنس. # فأما قولنا: رجال، فلأن واضع اللغة لم يضع هذه الصيغة إلا علما على جمع ~~الآحاد من ذلك الاسم فإنك تقول: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة، وألف ~~فصاعدا، ولهذا قالوا فيمن قال: لفلان علي دراهم؛ أنه يلزم ثلاثة إلا أن ~~يبين أكثر من ذلك لأن أقل ما يتحقق فيه صيغة الجمع على ما قلناه ثلاثة، ~~وعلى ما نذكره من بعد، وما وراءها محتملة فلم يثبت بالشك وقبل البيان. # وأما الإنس: فاسم خاص صيغة ms105 ماله وحدات، ولكن عام معنى لأنه اسم علم على ~~جنس، والجنس يشتمل على أعداد كثيرة، والعبرة للمعنى لا للصورة، وكان اسما عاما. # فإن قيل: أليس لو حلف لا يشرب الماء حنث بأدنى ما ينطلق عليه الاسم إلا ~~أن ينوي الجميع؟ # قلنا: إن من صرف إلى الخصوص بدلالة العرف وهو أن الحالف إنما يمنع نفسه PageV01P110 # باليمين مما يخاف على نفسه فعله، وذلك في نفس شرب الماء لا جميعه فانصرف ~~إليه بدلالة الحال إلا أن ينوي الجميع فيصدق لأنه حقيقة، ولو كان مجازا لما ~~صدق في القضاء كما إذا نوى التخصيص فيما هو عام، هذا جواب عامة الشيوخ. # قال القاضي أبو زيد رضي الله عنه: والذي يصح عندي أن اسم الجنس عام ولكنه ~~يتناول بحقيقة أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما يتناول الكل بحقيقته، لأن ~~القطرة من الماء صالحة لكونها كلا فإن المياه لو انعدمت كانت القطرة كلا ~~وكان الاسم لها حقيقة، وكذلك الإنس يعم جنس بني آدم، وكان الاسم لآدم حين ~~لم يكن إلا هو حقيقة، وكان كل الجنس فثبت أن البعض من الجنس صالح في ذاته ~~لهذا الاسم حقيقة، وإنما صار بعضا بمزاحمة أمثاله لا بنقصان في نفسه، وإذا ~~كان كذلك ساوى البعض الكل في الدخول تحت الاسم فتأدى به حكم الكل إلا بدليل ~~يرجح حقيقة الكل على الأدنى كقولنا: دراهم اسم للثلاثة حقيقة وللألف. # ولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: أنت طالق الطلاق، أو أنت الطلاق ونوى ~~الوقوع-: أنها تطلق واحدة إلا أن يعني ثلاثا لأن الألف واللام لبيان الجنس ~~فقام الأدنى مقام الكل في تأدي حكم الخطاب به إلا أن ينوي الكل، وإن أمكن ~~تعليق الحكم بالكل فإنه معلوم ممكن فثبت أن العذر في الماء ليس ما قالوه ~~ولكن ما قلناه، والله أعلم. # وأما كلمة"من" و"ما": فمن عامة فيمن يعقل لأنك إن قلت: من في الدار؟ ~~استقام الجواب بكل من يعقل، ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والدابة، واستقام ~~الجواب عنها بالواحد والجماعة فكانت بمنزلة اسم الجنس. # وإذا قلت: ما في ms106 الدار لم يستقم الجواب عنها بالعاقل ولكن بما لا يعقل ~~ألا ترى أن فرعون لما قال لموسى عليه السلام: {وما رب العالمين} فأجاب موسى ~~{رب السموات والأرض}، قال فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} لأني ~~سألته عن المائية، وهو يجبني عن المنية فما يتناول ما لا يعقل فيكون سؤالا ~~عن أصل الشيء أنه جوهر أو عرض، ولكن لما تعالى الله عن المائية أعرض موسى ~~عن سؤاله فإن من شأن الحكيم إذا سمع اللغو أن يعرض عنه، قال الله تعالى: ~~{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} لأن الكلام ~~كان جوابا، ولكن بيان أنهم أعرضوا عن اللغو وتحقيق الإعراض بذكر كلام مبتدأ ~~مفيد، فكذلك موسى أعرض عن جواب سؤاله لأنه كان لغوا، وحقق الإعراض بذكر ~~كلام مبتدأ مفيد وهو أن الله تعالى لا يصير معلوما بذكر المائية فقد تعالى ~~الله عنها ما هو بجوهر ولا عرض، ولكن يصير معلوما بصفاته وأسمائه التي ~~تعالى الله بها عن جنس المدبرين والحكماء ممن لهم عقل وتمييز على أن ما ~~يقام مقام "من" مجازا، وإنما الحد الذي قلناه للحقيقة. PageV01P111 # فإن قيل: قال الله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} ولم يعم هذا المستمعين أجمع! # قلنا له: لأن الله تعالى أخبر عن معهود استمع إليه وجعل الله تعالى على ~~قلوبهم أكنة و"من" في المعرفة لا تعم بل تخص تلك المعرفة لأنها صالحة ~~للخصوص كاسم الجنس على ما ذكرنا فيصير المراد بها إذا أضيفت إلى معرفة تلك ~~العين لا غير، ألا ترى أنه لو قال: من في الدار من عبيدي الذين صاموا؟ لم ~~يتناول غير الصائمين من عبيده لاستخباره عنهم لا غير. # فأما "من" في الاستخبار المطلق والوعد والمجازاة فلا تخص عينا فتعم لعدم ~~دليل التعيين. # قال علماؤنا- رحمهم الله تعالى- فيمن قال لآخر: من شاء من عبيدي العتق ~~فأعتقه، فشاؤوا جميعا: فإنه يعتقهم لعموم كلمة "من" فيمن تناولهم، وهو الذي ~~شاء من العبيد. # فأما إذا قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه، كان له أن ms107 يعتقهم إلا الواحد ~~بسبب كلمة"من" التي وضعت للتبعيض على ما بينا في موضعه، وقد دخلت على ~~العبيد. # وفي المسألة الأولى دخلت على من شاء العتق فإنه يعم العبيد وغيرهم فميز ~~العبيد من غيرهم وبعضهم، فأما "من" فقد أوجب التعميم حيث لم يقتصر على ~~الواحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ~~وكان عاما، وقوله: "من قتل قتيلا فله سلبه". # فأما الألف واللام فإنها للتعريف في أصل اللغة، تقول العرب: رأيت رجلا، ~~ثم كلمت الرجل، أي كلمته بعينه، قال الله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا، فعصى فرعون الرسول} أي ذلك بعينه، وإذا لم يكن في كلامه نكرة سابقة ~~يمكن تعريفها بالألف واللام اقتضى ضرورة تعريف جنس ما سماه لأنه متعين من ~~بين الأجناس بالاسم إن لم يتعين فرد من أفراد الجنس للتعريف. # قال علماؤنا- فيمن حلف لا يتزوج النساء، فتزوج امرأة- حنث، كما إذا حلف ~~لا يشرب الماء، بخلاف ما إذا حلف: لا يتزوج نساء، فإنه لا يحنث إلا بثلاث ~~منهن فجعلت الصيغة بسبب الألف واللام عبارة عن الجنس، لأنا لو اعتبرنا معنى ~~الجماعة صيغة الذي هو ثابت من قولنا: نساء على التنكير كانت الألف واللام ~~لتعريف تلك النكرة، PageV01P112 # وذلك الاسم يتناول بعض الجنس غير معلومات فلا يمكن تعريفهن فلغى معنى ~~الجماعة صيغة، وكانتا لتعريف الجنس لأن الجنس معلوم، وأما النكرة من الاسم ~~كقول الله تعالى وتعالى: {فتحرير رقبة}، وقولنا: اشتر لي عبدا بألف درهم، ~~ولفلان علي درهم فللخصوص في أصل اللغة لأنه اسم وضع لفرد من أفرد الجملة، ~~فتقول: رقبة من الرقاب، وعبد من العبيد. ولا تقول: النساء من النساء، ولا ~~الماء من الماء، قال الله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا} فالمراد بذلك الواحد، وإذا كان للخصوص لغة قلنا: ~~إذا جاءت في الإثبات خصت صورة ومعنى كقولك: رأيت رجلا، ولفلان علي درهم، ~~وقد حججت حجة، وكقول الله تعالى: {فتحرير رقبة} فإنها للإيجاب، ولا تجب إلا ~~واحدة، كقول ms108 النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الإبل شاة" ولا يجب إلا واحدة. # فإن قيل: أليس قوله تعالى: {فتحرير رقبة} تناول كل رقبة حتى قيل تخصيص ~~العمياء والمجنونة والمدبرة من الجملة؟ # قلنا: إن الآية للإيجاب ولا يجب إلا تحرير رقبة واحدة، فأما المحل الصالح ~~للأداء فعام ما من رقبة إلا وهي صالحة للتحرير، ولكن الصلاح ليس من حكم ~~النص بل كان صالحا له قبل النص ولكن كان التحرير قبل النص غير واجب وبالنص ~~انقلب واجبا فانقلب خاصا لا عاما بحكم النص كمن نذر أن يتصدق بدرهم يلزمه ~~درهم، وكل درهم يصلح لأداء الصدقة وليس ذلك بحكم النذر بل كان صالحا لها ~~قبل النذر، ولهذا قيل: إن النكرة إذا كرر ذكرها كانت الثانية غير الأولى ~~قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: "لن يغلب عسر واحد يسرين" لأن اليسر كرر بلفظ النكرة، وهذا ~~لأنها تتناول واحدا من الجملة غير عين. # ولو انصرفت الثانية إلى الأولى لتعينت ضرب تعين بأن لا يشاركها غيرها فيه. # ولو كانت عامة لما كانت شيئا آخر بالتكرار لأن المسمى على العموم واحد في ~~البابين كاسم الجنس. # ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، فيمن قال: لفلان علي ألف درهم وأشهد ~~ثم كررها في مجلس آخر وأشهد: كانا مالين على اعتبار الحقيقة ولهذا لم تعتبر ~~صفة الإيمان بحكم النص وهو قوله تعالى: {فتحرير رقبة} لأن النص سكت عن ~~أوصاف الرقبة فيكون إثبات ما سكت عنه النص زيادة عليه لا تخصيصا، بخلاف ~~العمياء لأن الرقبة اسم لغير الهالكة لغة، والعمياء هالكة من وجه وإذا كانت ~~النكرة في النفي عمت PageV01P113 # اقتضاء كقوله: ما رأيت رجلا، وكقول الله تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحدا} ~~إلا أنا ذكرنا أن الصيغة تناولت واحدا من الجملة غير عين، فإذا كانت في ~~النفي لم تتصور نفي ما أخبر إلا بنفي الكل فإنه إذا قال: ما رأيت أحدا، ~~وكان رأى رجلا وهو واحد من الجنس ms109 كان كاذبا ألا ترى أنه تستقيم العبارة ~~عنه: رأيت رجلا، وهذا لما ذكرنا أن المنصوص عليه نفي فعل أو إثبات فعل، وما ~~يقع عليه الفعل محل الفعل، والنكرة يتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم من ~~جنسه، فلا يتصور نفي الأدنى إلا بعد نفي الكل فيعم النفي اقتضاء لا نصا، ~~فأما النص في البابين فما يتناول إلا الأدنى. # أي # وأما كلمة "أي" فبمنزلة النكرة عندنا لأنها تصحب النكرة لفظا ومعنى ~~لاستحضارها فيقول: أي رجل فعل هذا، وأي دار تريدها، قال الله تعالى: {أيكم ~~يأتيني بعرشها} أي رجل منكم وهي نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم. # وقال علماؤنا رحمهم الله؛ في رجل قال لآخر: أي عبيدي ضربته فهو حر، ~~فضربهم جميعا: لم يعتق إلا واحد وهو الأول. # فإن قيل: لو قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه، عتقوا جميعا، وقال الله ~~تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} وقد تناول الكل! # قلنا: لأنه وصف النكرة بالضرب فميز للوصف جنس الضاربين عن غيرهم كما إذا ~~وصف النكرة بصفة عامة كقولنا: لا أكلم الناس إلا رجلا كوفيا فإنه يخرج عن ~~اليمين جميع رجال الكوفة لعموم الوصف من حيث انصرافه إلى تمييز الجنس كأنه ~~قال: إلا كوفيا. # فأما إذا قال: أي عبيدي ضربته، فالضرب مضاف إلى المخاطب فبقيت العبرة ~~للعبد الداخل تحت كلمة "أي" فكان خاصا كالنكرة. # فإن قيل: لو قال: أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، فحملوها جميعا، وهي خفيفة ~~يحملها كل واحد، لم يعتقوا وإن عمهم صفة الحمل. # قلنا: إنه ما ميز العتق بالحمل مطلقا، ولكن بحمل الخشبة فإذا حملوها جملة ~~فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض فلم يوجد الوصف ~~الذي تعلق العتق به، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره، ~~وعلى هذا قوله تعالى: {أيكم يأتيني بعرشها} إلا أن تكون الخشبة ثقيلة لا ~~يحملها الواحد فإنهم يعتقون لأن دلالة الحال تدل على أن المراد به الحمل ~~الممكن وهو الحمل على الشركة إذ باليمين لا يمنع نفسه ms110 عما ليس يمكن عادة، ~~فينصرف المطلق إلى المعتاد إلا أن لا يحتمل PageV01P114 # المعتاد، وكذلك قول الله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} كان على العموم ~~لعموم صفة العمل الحسن وما ذهب علينا ممن لم نذكره فهو قياس ما ذكرنا والله ~~أعلم بالصواب. PageV01P115 # باب ### | AUTO القول في الأسماء الظاهرة التي تتفاوت معانيها ظهورا من الأسماء المستعملة بين الفقهاء # هذه الأسماء أربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم. # أما الظاهر: فما ظهر للسامعين بنفس السماع، كقوله تعالى: {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم}، {وأحل الله البيع}، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}. # وحكمه: التزام موجبه بنفس السماع يقينا وقطعا، عاما كان أو خاصا على ما مر. # وأما النص: فهو الزائد عليه بيانا إذا قوبل به بضرب دلالة خاصة بعد دلالة ~~اللفظ بعد ذلك في الظاهر من قولك: نصصت الدابة أظهرت سيرها بسبب منك فوق ~~سيرها المعتاد، وهو اسم لما دون الخبب من الأنواع. # والمنصة: العرش الذي يحمل عليه العروس لأنه سبب زيادة ظهور، ولهذا ظن بعض ~~الناس أن النص اسم للخاص وليس كذلك، بل هو اسم لما ذكرنا من تفسيره، ولكن ~~تلك الزيادة لما كانت لا تحصل إلا بقرينة خاصة ظن بعض الناس أنه يختص به ~~فيكون خاصا. # وزعم أن الظاهر لا يكون حجة في غير ما سيق له، وإنما السياق دليل النص، ~~وليس كذلك لأن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب الذي سيق الكلام له ~~على ما سيأتيك بيانه. # ومثاله قول الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} نص في التفرقة بين ~~البيع والربا في صفة الحل والحرمة، وآية البيع ظاهرة تجيز كل بيع وليست بنص ~~لأن الآية ما سيقت لإحلال البيع ولكن لإثبات التفرقة بينهما درا على ~~الفكرة. # وكذلك قول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ~~نص على بيان العدد لأنها سيقت لأجله عامة ظاهرة تجيز نكاح ما يطيب لنا من ~~النساء. # وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} نص على وجوب الطلاق للعدة إذا أراد الطلاق ~~لأنها سيقت لبيان الوقت ظاهرة على ms111 وجوب الاقتصار على قوله: طلقت، PageV01P116 # ليكون الامتثال بالأمر بقدر ما يوجبه الأمر. # فيكون النص والظاهر مما يجب العمل بظاهرهما وإنما يظهر الفرقان بينهما ~~عند المقابلة فيكون النص أولى من الظاهر. # وأما المفسر: فالمكشوف معناه الذي وضع الكلام له كشفا لا شك فيه، سواء ~~كان الكشف من حيث النص بأن كان لا يحتمل إلا وجها واحدا، ولكنه كان خفيا ~~بكون العربية غربية. # أو المعنى دقيقا من الاستعارات فكشف عنه بالدلالة. # أو كان ظاهرا ولكنه يحتمل التأويل بدلالة تقوم فسد باب التأويل بالتفسير ~~حتى لم يبق له محمل فصار فوق النص بانسداد باب التأويل بدليل كقول الله ~~تعالى: {فسجد الملائكة} هذا اسم ظاهر للجماعة ولكنه يحتمل الخصوص فلما فسره ~~بقوله: "كلهم" انسد باب الاحتمال. # وحكمة: اعتقاد ما في النص وزيادة أنه لا يحتمل تأويلا. # وأما المحكم: فما أحكم المراد منه بحجة لا تحتمل التبدل، من قولك: أحكمت ~~الصنعة إذا أمنت انتقاضها فيصير حكم المحكم بتلك الحجة من قبيل ما لا يحتمل ~~الانتساخ فيصير فوق المفسر لأنه مما يحتمل الانتساخ إن لم يحتمل التأويل، ~~وهذا كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وقد ثبت بدليل المعقول أنه ~~وصف دائم أبدا لا يجوز سقوطه، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات: أم الكتاب أي ~~الأصل الذي يجب الرجوع إليه كأم الولد لأن مرجع الولد إليها، ومكة أم القرى ~~لأن المرجع إليها في الحج، وفي آخر الأمر. # وحكمه: حكم المفسر وزيادة أنه لا يحتمل الانتساخ. # ولهذا الأسماء أضداد: # الخفي: ضد الظاهر. # والمشكل: ضد النص. # والمجمل: ضد المفسر. # والمتشابه: ضد المحكم. # فالخفي: اسم لما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه فبعد عن الوهم ~~بذلك العارض حتى لم يوجد إلا بطلب، من قولنا: اختفى فلان إذا صار بعارض ~~حيلة صنعها بحيث لا يوقف عليه إلا بطلب، وإنها كآية السرقة فإنها ظاهرة في ~~كل سارق لم يعرف باسم آخر خفية في حق الطرار والنباش لأنهما يعرفان باسمين ~~خاصين، فبعدا عن اسم السارق بسبب اسم معرفة عن اسم ms112 السرقة على ما تستبق ~~إليه الأوهام حتى اختلف PageV01P117 # العلماء في قطع النباش لشدة الخفاء في حقه. # وفوق الخفي المشكل: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى ~~الذي وضع له واضع اللغة الاسم أو إرادة المستعير لدقة المعنى في نفسه لا ~~بعارض حيلة. # كما يشكل طريق المنزل إذا دق في نفسه فكان هذا الخفاء فوق الذي كان بعارض ~~حلية حتى كاد المشكل يلتحق بالمجمل، وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق ~~بينهما. # وفوق المشكل المجمل: وهو الذي لا يعقل معناه أصلا لتوحش اللغة وضعا، أو ~~المعنى استعارة، وهو الذي يسميه أهل اللسان: الغريب، والغريب: اسم لمن فقد ~~في مكان وجوده عادة، وهو الوطن وصار بحيث لا يوفق عليه بعد الغربة إلا عن ~~استفسار، وهو كقول الله تعالى: {وحرم الربا} لأن الربا في اللغة: الفضل، ~~ولكن الله تعالى ما أراده فالربح حلال ولكن أراد به بيوعا محرمة شرعا بسبب ~~فضل أو غيره، فصارت غربية بأن نقلت عما وضع له واضع اللغة إلى معنى أراده ~~المتكلم، فصار لا يوقف على المعنى المراد إلا بعد البيان، إلا أن يكثر ~~الاستعمال لمعنى معلوم فيصير المعنى بالاستعمال كالأهلي وكالغريب إذا توطن ~~ببلدة عرف بها فكان المجمل فوق المشكل، فالمشكل ما له طريق إلى مراده ولكن ~~اشتبه لدقته وخفائه، والمجمل ما لا طريق إلى مراده ولكن احتمل بيان الطريق. # وفوق المجمل المتشابه: وهو الذي تشابه معناه على السامع من حيث خالف موجب ~~النص موجب العقل قطعا ويقينا التبديل فتشابه المراد بحكم المعارضة بحيث لم ~~يحتمل زوالها بالبيان، لأن موجبات العقول قطعا لا تحتمل التبديل ولا موجب ~~النص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى في المتشابه: {وما ~~يعلم تأويله إلا الله} فكان فوق المجمل الذي يحتمل البيان والله أعلم به. # وحكم الخفي: وجوب الطلب على العبد بتأمله في نفسه حتى يظهر. # وحكم المشكل: وجوب الطلب بتأمله في نظيره من كلام العرب مما عقل معناه. # وأما المجمل فحكمه: التوقف فيه، واعتماد أن ما ms113 أراد الله تعالى منه حق ~~إلى أن يأتيه البيان من غيره، كالذي ضل الطريق فسبيله التوقف إلى أن يأتيه ~~من يهديه، وكذلك يلزمه الاشتغال بطلب من يهديه إن رجا ذلك، ثم بعد البيان ~~يلزمه ما يلزمه بالمفسر أو الظاهر عل حسب اقتران البيان به. # وأما المتشابه فحكمه: التوقف أبدا على اعتقاد الحقيقة للمراد به فيكون ~~العبد به مبتلى بنفس الاعتقاد لا غير، والله أعلم. PageV01P118 # باب ### | AUTO القول في أقسام أنواع استعمال الكلام # أنواع الاستعمال أربعة: حقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية. # أما الحقيقة: فتفسيرها ما أريد من التكلم ما وضع واضع اللغة الكلام له، ~~لأنه هو الحق منه على ما عليه الوضع. # وأما المجاز: فتفسيره ما أريد به غير ذلك المعنى، لأنه ليس بحق منه على ~~اعتبار الوضع، ولكن تجوز به على طريق الاستعارة عن المعنى الأصلي لهذا ~~المعنى، وكان هذا المعنى على اعتبار الأصل غير حق من قولك: حبك لي مجازا، ~~أي: باللسان دون القلب الذي هو معدنه، وهذا الوعد منك مجازا أي لم ترد ~~التحقيق بل الترويج لأنه باطل على ما عليه أصل العدات في الحكمة، ولهذا سمي ~~المجاز مستعارا كأن القائل استعاره للمعنى الذي قصده فكساه به، وقد ظهر ~~ظهورا بينا من كلام الناس وكتاب الله تعالى، ورسائل الكتبة، وأشعار العرب ~~حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة وجودا أو استحسانا، وبه توسعة اللسان وملحته. # فإذا عرفت حديهما علمت أن الحقيقة لا تنال إلا بالسماع، وطريقها الوضع ~~ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص في باب الشرع فإنها لا ~~تثبت حججا إلا بعد النقل عمن لا يجوز عليه الكذب. # وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى السماع ليثبت لغة يجوز استعمالها بل يثبت ~~من قبل المتكلم، لأن العرب إنما استعارت اللفظ لغير ما وضع له لاتصال ~~بينهما بوجه ما. # إما من حيث معنى اللفظ كالشجاع يسمى: أسدا لوجود المعنى المطلوب من ~~الشجاع في الأسد، وكالبليد يسمى حمارا لهذا المعنى. # وأما من حيث الذات كالمطر يسمى سماء لاتصال بينهما ذاتا لأنه ms114 من السماء ~~ينزل على ما تراه العيون ظاهرا، وقال الله تعالى: {إني أراني أعصر خمرا} أي ~~ماء العنب، وماؤه ليس بخمر حال العصر ولكن قد يتصل هذا العين بذلك الوصف، ~~وقال: {أو لامستم النساء} أي جامعتم لاتصال فعل اللمس بفعل الجماع، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر"، لاتصال بينهما في معنى المخامرة ~~والإنشاط. PageV01P119 # وقال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} أي أنكحت بالإجماع ~~فاستعارت المرأة الهبة للنكاح لاتصال بينهما سببا، فإن الهبة وإن وضعت ~~لتمليك الرقبة فإنه يتصل بتمليك ملك المتعة اقتضاء، فإن من ملك جارية هبة ~~ملكها متعة وحل له وطؤها إلا بمانع كالعقد سبب لتمليك الوطء إلا بمانع. # ولما كان لفظ تمليك الرقبة سببا لملك المتعة صح استعارة الألفاظ المملكة ~~للأعيان لعقد النكاح الموضوع لملك المتعة، وصحت الاستعارات بهذين المعنيين ~~من كل متكلم لأن سبب صحة الاستعارة هذا الاتصال الذي أشرنا إليه، وهذا مما ~~يقف عليه كل متكلم إذا تأمل لأن هذا السبب الذي به صحت الاستعارة سمعا مما ~~يوقف عليه بالتأمل. # وكان هذا من حجج الشرع كالمقاييس التي أقيمت مقام النصوص لا يتبع فيها ~~السماع، ويصح من كل قايس لأن المسموع من القياس إنما صح لأن النص كان ~~معلوما بوصف منه لتبين أثره دون سائله فيه في إيجاب ذلك الحكم، ولما صح من ~~السلف بهذا المعنى صح من كل قائس فإن المؤثر مما يوقف عليه بالتأمل في ~~نظائره، والبحث عن وجوه الطلب والاستعارة أمر شائع من الخطباء والكتبة ~~والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع الاستعارات والتعريضات فتبين ~~أن المجاز أحد نوعي الكلام. # والنوع الآخر هو الحقيقة، وأن للمجاز من الأنواع والعموم والأحكام ما ~~للحقيقة لأنه مستعمل بمنزلته إلا أن المطلق من الكلام لحقيقته حتى يقوم ~~الدليل على مجازه، لأن معنى الحقيقة أصل منه، والثاني طارئ عليه فلا يثبت ~~إلا بدليله. # ومن المتأخرين من ظن أن المجاز لا عموم له، وأنه غلط لأن الاستعارة إقامة ~~المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذي ms115 استعير له، لولاه لكان ~~المتكلم به مخلا بالغرض فكان لا يحسن التكلم به. # فلما كان المستعار أحسن من الحقيقة علم أنه مثله في البيان وأربى عليه ~~بحسن الصيغة. # وتبين أن حد المجاز ما أثبت المراد بالكلام بظاهره كذلك مجازا إلا بما لم ~~يتكلم به من ضمن أو اقتضاء ونحوه كما يكون بعينه لو تكلم بالحقيقة الصريح. # وتبين بما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما ~~مختلفان لا يجتمعان كالثوب على البدن لا يجوز أن يكون عارية وملكا في وقت ~~واحد، وكانا عن الانتظام أبعد من المعاني التي تشترك تحت لفظ واحد؛ وقد مر ~~أن المشترك لا عموم له فهذا أولى. # ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله: {أو لامستم ~~النساء} وهو مجاز فبطل أن تكون الحقيقة مرادة وهو المس. PageV01P120 # وقال علماؤنا بأن النص الموجب لتحريم الخمر لا يتناول سائر المسكرات، لأن ~~الاسم للنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجازا لاتصال بينهما ~~لمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعا تحته. # وقالوا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فأكل من ثمرها، حنث، وهو مجاز لأن ~~النخلة سبب للثمرة، ولو أكل من عينها لم يحنث لأنه حقيقة. # وقالوا: لو حلف لا يأكل من هذه الشاة فأكل من لحمها حنث، وهو حقيقة ولا ~~يحنث بشرب لبنها مجازا. # فإن قيل: لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخل ماشيا حنث، وهو حقيقة ~~ويحنث إذا دخلها راكبا وهو مجاز. # قلنا: وضع القدم بعرف اللسان في مثل هذا صار عبارة عن الدخول لأنه سببه ~~فصار كأنه حلف لا يدخل دار فلان فيحنث دخل راكبا أو ماشيا بمطلق الدخول ~~الذي هو مجازه، لا بمجاز وضع القدم. # وحقيقته ونظيره رجل قال: عبده حر يوم يقدم فلان، فقدم ليلا أو نهارا أعتق ~~عبده لأنه صار مجازا عن الوقت، ثم الوقت يدخل تحته الليل والنهار. # فإن قيل، قد قال أبو يوسف ومحمد- رحمهم الله- في رجل حلف لا يأكل من هذه ~~الحنطة فأكل ms116 من عينها: حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا أكل من خبزها مجازا. # وكذلك لو حلف لا يشرب من الفرات فشرب منه كرعا حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا ~~شرب منه اغترافا مجازا. # قلنا: إنهما يقولان لا أشرب من الفرات عبارة عن ماء الفرات مجازا، واسم ~~ماء الفرات لا ينقطع بالاغتراف أو الإحراز في آنية لأنها في الظرفية ليست ~~كالفرات فلا تنقطع النسبة الأولى بها، فحنث في البابين لعموم ماء الفرات ~~الذي هو مجاز حتى إذا أخذ الماء من نهر آخر يأخذ من الفرات لم يحنث لانقطاع ~~الإضافة إلى الفرات بالنهر الآخر. # وكذلك أكل الحنطة بعرف اللسان صار عبارة عما فيه حتى قيل، فلان يأكل ~~الحنطة وإن كان يأكل من خبزها، فصار بمنزلة ما لو حلف لا يأكل ما في الحنطة ~~فحنث أكل عينها أو خبزها لعموم المجاز لأنه أكل ما فيها حال ما أكل عينها. ~~وأبو حنبفة- رضي الله عنه- اعتبر الظاهر فوجد أحدهما حقيقة والآخر مجازا ~~فلم يجمع بينهما. # وهما اعتبرا الباطن فوجدا مجازه يعم النوعين فجمعا بينهما العموم بعموم ~~المجاز لا أنهما جمعا بين الحقيقة والمجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل ~~دار فلان بملك أو عارية حنث، فالملك حقيقة والعارية مجاز لأن المراد به ~~عرفا الإضافة بملك السكنى PageV01P121 # مجازا، إلا أن ملك السكنى ثابت بحق الملك والاستعارة. # وقد قالوا فيمن أوصى لمواليه بثلث ماله وهو حر الأصل: لم يعتق، وله مولى ~~واحد أعتقه وموالي مولى، كان نصف الثلث لمولاه والنصف للورثة دون موالي ~~مولاه لأن الحقيقة وهو المولى دخل تحت الوصية فلا يدخل تحته موالي المولى ~~لأنه مجاز، إذ الأسفل في الحقيقة مضاف إلى الذي أعتقه دون الذي أعتق من ~~أعتقه فما وجد من الأعلى إعتاق إياه حقيقة، إنما وجد منه التسبيب بأن أعتق ~~الأول حتى قدر الأول على إعتاق الثاني فكانت الإضافة إليه بالتسبيب فكان ~~مجازا، فلم يثبت مع الحقيقة. # كما لو أوصى رجل بثلث ماله لمواليه وله موالي أعتقوه، وموالي أعتقهم لم ~~تصح الوصية لأن الموالي لفظ مشترك ms117 يتناول الأعلى والأسفل على السواء بحق ~~الولاء، لكن بمعنيين مختلفين، لأن ولاء الأعلى ولاء منعم وولاء الأسفل ولاء ~~منعم عليه فلما لم يجتمعا ولم يكن أحدهما بأولى من الآخر تدافعا فثبت أنهم ~~أبوا الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما أبوا الجمع بين المعاني المختلفة، إلا ~~أن المشترك يصير كالمجمل بحكم المعارضة والمساواة، والذي يحتمل الحقيقة ~~والمجاز تثبت منه حقيقة إلا بدلالة على المجاز لأن الحقيقة أولى على ما مر، ~~وبمثله لو كان للموصي موالي مولى، وما له موالي كان الثلث لموالي المولى ~~دون الورثة قولا بالمجاز. # وأما الصربح: فهو اسم لكلام مكشوف المعنى كالنص سواء كان حقيقة أو مجازا، ~~يقال: فلان صرح فلانا بكذا أي: خاطبه بأبلغ إظهار لما أراده من مكروه أو ~~محبوب، والعرب تقول: صرح الحق عن محضه إذا انكشفت الرغوة عن محض اللبن. # وأما الكناية: فخلاف الصريح حتى أن الكلمة ما لم تتم مفهمة بنفسها لم تكن ~~صريحة، والحرف الواحد يجوز أن يكون كناية مثل هاء المغايبة وكاف المخاطبة ~~حتى جعلت الهاء في الكناية تامة، فقيل هو كذا كقول الله تعالى: {قل هو الله ~~أحد} وهذا لأن الهاء لا تميز بنفسها بين اسم واسم إلا بدلالة أخرى فلم تكن صريحة. # ولما احتملت التمييز بدلالة استقامت كناية عن الصريح فكانت حروف الكناية ~~من الصريح كالاسم المشترك من المفسر. # من حيث أن حرف الكناية مما لا يفهم معناها إلا بدلالة أخرى. # والصريح اسم لما فهم معناه منه بنفسه. # وعن هذا سمي كل كلام يحتمل وجوها كناية. # وسمي المجاز قبل أن يصير متعارفا كناية لاحتماله الحقيقة وغيرها. PageV01P122 # ومن معنى الكناية أخذت الكنى فإن الرجل معروف باسم العلم والتصريح عنه ~~يكون بذلك الاسم ثم يكنى عنه بالنسبة إلى ولده، وهي لا تعرفه إلا بدلالة ~~زائدة، وهي معرفة الولد به وتلك الكنية حقيقة وليست بمجاز عن الاسم العلم ~~لأنه لا اتصال بينهما فعلمت أن الكناية قد تكون بالحقيقة وتكون بالمجاز ~~والصريح قد يكون بالمجاز ويكون بالحقيقة. # والفقهاء- رحمهم الله- يقولون: لفظ التحريم من كنايات الطلاق، ms118 والتحريم ~~في باب الفرقة عامل بحقيقته حتى كانت موجبة للحرمة بخلاف لفظ الطلاق، ولو ~~كان مجازا عن الطلاق يعمل عمله، ومع هذا سمي كناية في باب الطلاق لأنه ~~احتمل وجود حرمة سوى حرمة الطلاق فلم يكن صريحا لما لم يكن مراده بينا، ~~فلعدم ظهور المراد منه بسبب الاحتمال والاشتراك سمي كناية. # وكذلك الاستعارة الغربية تسمى كناية، وضروب التعريضات تسمى كناية لأنه ~~يراد بها خلاف ظاهرها. # فالعرب تكني عن الحبشي بأبي البيضاء، وعن الضرير بأبي العيناء ولا اتصال ~~بين الاسمين بوجه، بل بينهما تضاد. # فثبت أن الكنايات حدها غير حد المجاز، وأنها من ضروب التعريضات فعرضت ~~العرب لما يذم بما يحمل تفاؤلا. # وقد يقال ذلك على جهة السخرية، وكما أرادوا من الأمر الزجر بضرب دلالة ~~ويقولون: تربت يداك، على سبيل التعطف فهذه كلها وما أشبهها من ضروب ~~الكنايات دون المجاز الذي حددناه فإن هذه الألفاظ التي ذكرناها ما فيها ~~معاني حقائقها ولا اتصال بينهما ليستحضر معاني الحقائق بها وأنها تجري مجرى ~~أسماء الأعلام لسقوط الاعتبار بالمعنى. # وسميت كناية حيث أراد به القائل الاسم المعنوي وضعا تفاؤلا به فكان كناية ~~عنه بخلاف المجاز فإنه اسم أستعير لغيره لاتصال بينهما لا جواز له بدون ~~الاتصال، والاتصال بين اللفظين مقصور على تشاكل المعنى فيكون للاتصال ~~بينهما معنى أو السببية فيكون الاتصال بينهما ذاتا، وطريق المجاز مقصور ~~عليهما لأن الشيء يكون شيئا بذاته ومعناه فلا يتصور الاتصال لغيره بدونهما. # قال علماؤنا- فيمن قال لعبده وله نسب معروف: هذا ولدي-: عتق عليه ولا ~~يثبت النسب، كأنه أخبر عن حريته فقال أنه عتق على من حين ملكته لأن ما صرح ~~به على حقيقته لو ثبت كان سببا للعتق عليه من حين ملكه فإن من اشترى ولده ~~عتق عليه فلما تعذر إثبات حقيقته صار مجازا عن كلمة لأن المجاز أحد نوعي ~~الكلام استعمالا على ما مر إلا أن الحقيقة أسبقهما ثبوتا، فإذا تعذر بدلالة ~~وضرب المجاز متعين غير مجهول ثبت PageV01P123 # عينا كضرب الحقيقة إذا كان عينا، وكذلك قال أبو ms119 حنيفة- رضي الله عنه- ~~فيما إذا كان العبد كبيرا، يولد لمثله مثله، لأن العتق ثبت من حيث انقلب ~~النص إخبارا عن عتقه من حيث ملكه مجازا لا من حيث تثبت حقيقته، وقد يسمى ~~هذا كناية لأن الاستعمال غير ظاهر. # وقالوا: إذا قال لامرأته: هذه ابنتي، ولها نسب معروف لم تحرم لأن حقيقة ~~ما تلفظ به ليست بسبب الفرقة عن النكاح فإنه لو كان ثابتا ما كان بينهما ~~نكاح، وكان سببا لانتفاء النكاح بينهما من الأصل فيصير مجازا عنه إذ لم ~~يمكن إثبات حقيقته كأنه قال: ما تزوجتها. # وكذلك قالوا: إن ألفاظ تمليك العين ينعقد بها النكاح بلا نية ولا قصد ~~لأنها متى تحققت فيمن يصلح لملك المتعة كانت أسبابا لإيجاب ملك المتعة فمتى ~~تعذر إثبات حقائقها بكون المحل غير قابل لها صار مجازا وكناية عما يوجب ملك ~~المتعة. # فإن قيل: من اشترى حرا لم يصح أصلا فلم يصح كناية عن الإجارة، وإن كان ~~شراء الأصل سببا لملك المنفعة وقد تعذر إثبات حقيقته في الحر ولم يصر مجازا ~~عن الإجارة. # قلنا: إنما يستقيم هذا إذا اتحد محل الحقيقة والمجاز لأن اللفظ المضاف ~~إلى محل لا يعمل في محل آخر، ومحل الحقيقة والمجاز واحد في مسألة العتق ~~والنكاح، لأن المملوك بالشراء والهبة هو العين، وكذلك المملوك بملك بالنكاح ~~في حكم ملك العين على ما بينا في كتاب: "تحديد الأسرار"، والثابت بقوله هذا ~~ولدي على حقيقة النسب وأنه وصف يثبت للعين، وكذلك مجازه وهو الحرية يثبت للعين. # فأما الشراء والإجارة فمحلهما مختلف فالشراء يعمل في العين والإجارة في ~~المنفعة فلذلك لم يصر مجازا، ألا ترى أنه وإن صار مجازا في ذلك المحل لم ~~يقدر على العمل. # فإن قيل: لو قال؛ آجرتك عبدي هذا يوما عمل العقد عمله، وإنما أضاف إلى العين. # قلنا: تفسير قولنا: آجرتك هذا العبد، أني ملكتك منافعه شهرا بكذا فهو لفظ ~~وضع لتمليك المنفعة، وإن كانت مضافة إلى الرقبة صورة. # فأما البيع فمضاف إلى الرقبة صورة ومعنى فمتى صار مجازا صارا مجازا ms120 موجبا ~~في ذلك المحل، والإجارة لا تعمل في العين فلم يصح، حتى إذا قال: بعت منافع ~~عبدي شهرا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وأهل المدينة يسمون ~~الإجارة بيعا، ولذلك أول علماؤنا خبر بيع المدبر أنه كان إجارة. PageV01P124 # قالوا: وإذا قال لامرأته: أنت حرة ينوي طلاقها طلقت، لأن التحرير سبب ~~لإزالة ملك المتعة فإن من اعتق أمته حرمت عليه فاستقام أن يكون مجازا عن ~~الطلاق الموضوع لقطع هذا الملك إلا أنه لا يصير كناية عنه إلا بالنية لأن ~~المحل المضاف إليه هذا الوصف كان قابلا لهذا الوصف على حقيقته فلا يكون ~~مجازا إلا بدلالة زائدة. # وإذا قال لأمته: أنت طالق ينوي عتاقا لم يصح، لأن الطلاق لو تحقق لم يكن ~~سببا للعتاق فلم يكن بينهما اتصال بالسببية، ولا اتصال بينهما من حيث ~~المعنى لأن العتاق عبارة عن قوة لذات الموصوف به، يقال: عتق الطير إذا قوي ~~وطار عن وكره، فكذلك الشخص إذا قوي حكما حتى لم ينفذ عليه حكم الاستيلاء ~~ولم يتملك بأسباب الملك بقوة دافعة أثبتها الله تعالى له نعمة وكرامة قيل ~~عتق وإذا ضعف فصار عرضة للتمليك بأسباب الملك والاستيلاء ولم يقدر على ~~الدفع قيل: رق، والطلاق لا ينبئ عن هذه القوة بل ينبنئ [ينبئ] عن رفع ~~المانع عن استعمال قوة كانت من قولك: أطلقت فلانا عن القيد فطلق، وأطلقت ~~الدابة عن الوثاق فإن القيد ما يضعف الدابة ولكن يمنعها عن المشي فكان ~~الطلاق لإزالة المانع عن استعمال قوة كانت فلم يبق بينهما اتصال معنى فما ~~لإزالة المانع معنى العلة. # وإذا كان كذلك لم يثبت أحدهما بالآخر من حيث المعنى، وإنما يثبت بالسببية ~~فيثبت بالعتاق الطلاق لأنه سبب لإزالة ملك المتعة متى ثبت بنفسه في محل ~~المتعة ولا يكون الطلاق قط سببا لإزالة ملك الرق وإن وجد فيه، وهذا كما ~~تثبت العارية بالهبة إذا أضيفت إلى المنفعة ولا تثبت الهبة بالعارية لأنه ~~لا اتصال بينهما معنى فإن أحديهما تغير صفة الذات فإن الملك ثابت للذات ~~والأخرى صفة ms121 المنافع فالملك بالعارية يثبت فيها. # والمنفعة ليست بمعنى العين وما تحقيق المنفعة إلا العمل فلا تستقيم ~~الاستعارة من حيث المعنى، ولكن من حيث السببية فاستقام من جانب ما هو سبب ~~للآخر كالهبة للعارية ولم يستقم من جهة ما ليس بسبب كالعارية للهبة. ألا ~~ترى أن ضد العتق الرق وضد الطلاق والنكاح والرق ما فيه معنى النكاح بوجه ~~فإنه ينبئ عن ضعف حكمي يعجز به عن دفع نفوذ أسباب الملك عليه فيصير ~~كالبهيمة، والنكاح لا ينبئ عن الضعف بل ينبئ عن ملك يثبت كرامة يتوصل به ~~إلى اقتضاء الشهوات واستحداث النسل وإقامة مصالح المعيشة. # فلما لم يكن الرق بمعنى ملك النكاح لم يكن ما وضع لإزالة الرق بمعنى ما ~~وضع لإزالة ملك النكاح ضرورة وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"النكاح رق" محمول على مجاز الرق لضرب ملك يثبت بالنكاح لا حقيقة. PageV01P125 # فإن قيل: أليس من قال لآخر أعتق عبدك عني على ألف درهم يصير متملكا بألف ~~ثم معتقا فصار مجازا عن الشراء وليس بينهما اتصال معنى ولا سببية، وكذلك ~~شراء القريب إعتاق وما بينهما اتصال معنى؟ # قلنا: إن الشراء بقوله: أعتق عبدك عني ليس يثبت على طريق أن العتاق يصير ~~مجازا عنه ألا ترى أن العتق يثبت بنفسه، وقد ذكرنا أن اللفظ متى صار مجازا ~~عن غيره سقطت حقيقته وإنما يثبت الشراء مقتضى هذا العتق فإن العتاق لا يقع ~~إلا أن يكون العين مملوكا له فاقتضى العتق عنه شرطه، وهو ملك المحل على ما ~~بينا في موضعه، فالمقتضى حده ما يثبت ضرورة ثبوت النص بنفسه على حقيقته لا ~~باللفظ وإنه صار عبارة عنه على ما بينا في حد المقتضى من بعد وأنه ليس من ~~باب المجاز في شيء وأنه من ضروب الكناية. # وكذلك شراء القريب إعتاق لا على سبيل أن الشراء يصير مجازا عنه ولكن على ~~سبيل أن الشراء ثابت بنفسه موجب للملك على حقيقته ثم العتق موجب الملك على ~~ما بينا في موضعه فصار الشراء ms122 بمنزلة العلة في إضافة الحكم الثاني، وهو ~~العتق إليه لأنه علة العلة، ولم يكن علة بنفسه من حيث يصير مجازا عن العتق، ~~ألا ترى أنه كيف ثبت بنفسه لم يثبت العتق بناء عليه وعلى هذا إذا قال ~~لامرأته: اعتدي، ونوى به طلاقا طلقت على طريق أنه يقتضيه إذا أراده لأن ~~الطلاق شرط العدة ألا ترى أن حقيقته وهي العدة ثبتت بنفسها، وبالله ~~التوفيق. PageV01P126 # باب ### | AUTO القول في أقسام ما يترك به حقيقة اللفظ بلا معارضة # إن حقيقة اللفظ تترك بوجوه أربعة: # أ- دلالة عرف الاستعمال لسانا. # ب- ودلالة اللفظ في نفسه. # ج- ودلالة المتكلم في صفته. # د- ودلالة محل الكلام من حيث صلاحه له. # فهذه وجوه يجب ترك حقيقة اللفظ بها لا على سبيل معارضة لفظ آخر إياه. # فأما عرف اللسان: فلأن الكلام وضع للإفهام وأن المتعارف استعمالا يستبق ~~الأوهام كالصلاة إذا أطلقت انصرفت إلى هذه العبادة الشرعية، وهي مجاز دون ~~الحقيقة لغة لغلبة الاستعمال، وكذلك الصوم والحج. # وإذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان انصرف إلى الدخول مجازا حتى إذا دخلها ~~راكبا أو ماشيا يحنث. # وإذا قال: يوم يقدم فلان فعبده حر، فقدم فلان ليلا أو نهارا عتق عبده ~~وصار بعرف اللسان عبارة عن الوقت بلا إرادة. # وإذا حلف لا يأكل لحما لم يحنث بأكل السمك بلا نية لأن اللحم بعرف اللسان ~~لا يراد به لحم السمك إلا مقرونا بالسمك لنقصانه في نفسه من حيث معنى ~~اللحم، فيقال: أكلنا لحم السمك فلم ينصرف إليه بدون القرينة. # وكذلك لو حلف لا يأكل بيض العصفور لا يحنث لأنها لا تسمى بيضا إلا مقرونة ~~بالعصفور لمعنى النقصان. # والدراهم مطلقة تنصرف إلى نقد البلد لأن غيره لا يسمى دراهم إلا مقرونا ~~بالبلد الذي هو نقده لنقصان حال الرواج في بلدهم. # فإن قيل: لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحم آدمي أو خنزير حنث! # قلنا: لأن اللحم إنما سمي لحما لصورة معنوية بمعنى خاص امتاز به عن غيره، ~~وتلك الصورة بمعناها غير مختلفة فيهما، وإنما قل الاستعمال ms123 تسمية لحرمتهما ~~وعدم PageV01P127 # الاستعمال أكلا، فلم يفتقر إلى القرينة للإلحاق بالجنس ولم يمتنعا عن ~~الدخول تحت المطلق، فأما لحم السمك فدون سائر اللحوم في الإغذاء لأن اللحوم ~~تتولد من الدم ولا دم للسمك، وكذلك الجراد فكانت القرينة لإلحاقها بسائرها ~~فلم يلتحق بها بدون القرينة كالصلاة المطلقة لا تدخل فيها صلاة الجنازة ~~لأنها ناقصة، وإنما التحقت بالصلاة بالقرينة، وكذلك البيض من هذا القبيل ~~بدلالة عدم الأكل عرفا لا لحرمة مانعة بل لقلة رغبة فيها فكانت القرينة في ~~الخنزير لبيان أنه من جنس المحرمات لا لبيان أنه من جنس اللحوم. # وإذا قال: كل مملوك له حر لم يدخل تحته المكاتب لأنه اختص باسم آخر ~~لنقصان حاله في المملوكية، لأنه بين الحر والعبد مالك من وجه، مملوك من ~~وجه، فصار الاسم علما على خروجه عن مطلق المماليك، وكان هذا أمنع من الدخول ~~تحت المطلق من دون القرينة ولم يمتنع المكاتب من الدخول تحت المطلق، قوله: ~~{فتحرير رقبة} لأن الرقبة اسم لصورة مرقوقة والرق تام على ما بينا في موضعه ~~والصورة التامة. # وكذلك النباش لا يدخل عند أبي حنيفة ومحمد- رضي الله عنهما- تحت مطلق اسم ~~السارق لأنه اختص باسم لنقصان حال السرقة لأنه اسم لأخذ مال محرز بحيلة من ~~صاب محرز، ومعنى الحرز بالقبر ناقص أو فائت لأنه يوضع فيه للبلى، وكذلك ~~الإحراز من صاحبه الميت فائت ولا يحتاج إلى حيلة لأجله. # والطرار داخل تحته وإن اختص باسم الطر. لأنه اختص به لزيادة معنى على ~~السرقة، وهو اللطف في العمل، والحذق في الأخذ لأنه يأخذها مجاهرة على مثال ~~الأخذ من غافل أو نائم بلطف الصنعة كالصرف يدخل تحت مطلق اسم البيع لأنه ~~اختص باسمه لإيجاب زيادة حكم وهو القبض في المجلس للبدلين جميعا. # وأما دلالة اللفظ: في نفسه كقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~إنا أعتدنا للظالمين نارا} دل سياق الآية على أن صدرها للتهديد وهذا نظيره ~~مما قرن باللفظ ما يوجب ترك حقيقته إلى وجه يحتمله. # ومثاله من ألفاظنا قول الرجل: لفلان ms124 علي ألف درهم إن شاء الله تعالى، ~~فإنه لا يلزمه شيء لأن العرب تتكلم بالخبر مرسلا ومعلقا فكان التعليق بيانا ~~أنه لا إرسال فلا يلزمه حكم الإرسال. # وإذا قال: لفلان علي ألف درهم لسبب، لزمه المال وبطل قوله: لسبب، لأنه لا ~~بيان فيه بوجه بل هو رجوع محض والكلام لا يحتمله. # وأما دلالة المتكلم في صفته: فكقول الله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك} الآية، فإنها أوامر أريد بها التوبيخ بدلالة أن الله تعالى لا يوصف ~~بجواز الأمر بالكفر عليه، ومن هذا القبيل قولنا: تربت يداك، فإنه محمول على ~~الخير PageV01P128 # بدلالة حال الداعي، وكذلك قول العبد: اللهم اغفر لي، يجعل سؤالا بدلالة ~~حال القائل وهو العبد فإنه لا يليق بحاله طلب النعمة من مولاه إلزاما، ~~وإنما يليق سؤالا وقد قال علماؤنا فيمن دعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى: ~~إنه ينصرف إلى ذلك الغذاء في ذلك الفور لأنه أخرج كلامه مخرج الجواب والحال ~~حال الحاجة إلى الجواب فصار جوابا بدلالة الحال فاقتصر حكمه على موجب ~~السؤال وهو أكل ذلك الطعام في الحال. # وأما دلالة المحل: فنحو قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} ~~فالمحل عام لم يقبل تعميم النفي باستوائهما في صفات كثيرة محسوسة علم أن ~~المراد به نفي المساواة من وجه دون وجه، وإذا حلف الرجل لا يبيع فباع حرا ~~لم يحنث لأن المحل غير قابل فسقطت حقيقته بالمحل. # وأما ترك الكلام بدليل معارض كالنسخ والتخصيص فليس من هذا القبيل، لأن ~~دليلي النسخ والتخصيص كلامان آخران يعارضان معنى النص الأول إلا أن المقارن ~~يوجب التخصيص، والمتأخر يوجب النسخ، وامتناع عمل اللفظ بحكم المعارضة ليس ~~من أبواب بيان موجب اللفظ في نفسه. # وإنما سمي التخصيص بيانا لأنه من حيث المعنى كالمتصل به حتى لم يصح وروده ~~متأخرا عنه فجرى الاستثناء من هذا الوجه فكان بيانا، ولكن لما كان بنص آخر ~~فنفصل عنه صيغة أشبه المعارض والناسخ، فنزل منزلة بين المنزلتين. PageV01P129 ### | AUTO القول في أقسام الأحكام الثابتة بالنص الظاهر دون القياس ms125 بالرأي # هذه الأقسام أربعة: # أ- الثابت بعين النص. # ب- والثابت بإشارة النص. # ج- والثابت بدلالة النص. # د- والثابت بمقتضى النص. # فأما النوعان الأولان: فالثابت بالنص ما أوجبه نفس الكلام وسياقه. # والثابت بالإشارة ما لا يوجبه سياق الكلام ولا يتناوله، ولكن يوجبه ~~الظاهر نفسه بمعناه من غير زيادة عليه أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حد ~~البلاغة ويبلغ حد الإعجاز ويكون على مثال من ينظر فيرى شخصا بإقباله عليه، ~~وآخرين يمنة ويسرة بغمز عينه. # ويرمي سهما فيصيب صيدين أحدهما قصدا على ما يوجد في العادة والآخر فضلا ~~على ما يوجد في العادة بزيادة حذقه في الباب وذلك نحو قوله تعالى: {للفقراء ~~المهاجرين} الآية، فإنها نص على إيجاب سهم لهم من الغنيمة، فالآية سيقت ~~لبيان قسمة الغنائم وإشارة إلى زوال أملاكهم بمكة بقهر الكفار، فالفقير في ~~الحقيقة عديم الملك لا البعيد عن الملك لأنه ضد الغنى والغني من ملك المال ~~لا من أصابه بيده حتى كان المكاتب فقيرا وإن أصاب كثيرا. # ونحو قول الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} فهو نص على بيان منة ~~الوالدة على الوالد، فالآية سيقت له وإشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ~~فمدة الفصال حولان بنص آخر (وفصاله في عامين) فاختفى هذا الحكم على الصحابة ~~واختص بفهمه عبد الله بن عباس ولما أظهره قبلوه منه. # ومنها قول الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فالآية ~~نص على إيجاب رزق الولد على الوالد، وفيه إشارة بالإضافة إلى الوالد بلام ~~التمليك إلى أن الأنساب إلى الآباء، وإلى علة اختصاص الأب بالتزام النفقة ~~فإنها تجب بسبب الإضافة إليه بلام التمليك كما تجب نفقه عبده. # ومنها قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: ~~{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} فالآية PageV01P130 # نص على إباحة الأكل والشرب والجماع جميع الليل. # وفيها إشارة إلى صحة الصوم مع الجنابة فإن من ضرورة الجماع إلى النهار أن ~~يصبح جنبا وقد أمر بالصيام بعد ذلك. # وكذلك قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام ms126 إلى الليل} نص على وجوب الصوم نهارا ~~وفيه إشارة إلى تأدي الصوم بالكف عن الأكل والشرب والجماع لأن الآية سيقت ~~لبيان قسمة الزمان للفطر والصوم إذ الصوم لا يمكن وصالا فلا بد من أن يكون ~~الزمان في حقه قسمين. # فقسم الليالي للفطر وجعل العلم عليه علة فعل الجماع والأكل والشرب فكانت ~~القسمة إشارة إلى أن العلم على قسم الصوم ضده وهو الكف عن الأكل والشرب ~~والجماع فيصير بإشارة النص الكف عنها نمطا وركنا به يتأدى الصوم ضرورة ~~معرفة ضد الشيء بعلم هو ضد علم الآخر. # وقال الله تعالى في كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} إلى قوله: ~~{أو كسوتهم} فكانت الآية بكلمة أو نصا على أن الواجب أحد الفعلين والخيار إلينا. # وبكلمة الكسوة إشارة إلى أن تمليك الكسوة شرط دون تمليك الطعام لأن ~~الواجب علينا فعل التكفير كما في العبادات فحقوق الله تعالى قبلنا أفعال ~~ابتلانا بإقامتها أو الكف عنها، وقد شرع التكفير بالطعام بالفعل وهو ~~الإطعام كما شرع التكفير بالتحرير فصار الواجب الفعل الذي يسمى إطعاما لغة ~~إلا أن لا يصلح فنزيد ضرورة ما فيه الكفاية. # والإطعام اسم لفعل يتصف به الغير بطاعم فمتى اتصف الغير بطاعم بتسليط من ~~قبل إنسان كان المسلط مطعما لغة لأنه متعدي من طعم كالإجلاس متعد من جلس ~~وذا القدر يكفي للتكفير لأن ملكه يتلف بالإطعام إذا تم. # والكفارة قد شرعت بإتلاف الملك بالتمليك كالتحرير فلم تجز الزيادة. # وشرع الآخر بلفظ الكسوة، وهو اسم لما يكتسى لا لفعله والتكفير فعله ~~فاضطررنا إلى زيادة فعل منه لتصير الكسوة كفارة لذلك الفعل، وإنما تصير ~~الكسوة كفارة بفعل يخرج الكسوة عن ملكه لأن التكفير يكون بالإخراج عن ملكه ~~إلى ملك غيره. # وقد يكون بالإخراج لا غير وهو الأدنى وبأن يكسو الفقراء عارية لا يخرج عن ~~ملكه فلا يكون فعل تكفير وقد اضطررنا إلى ما يخرج، وما ذلك إلى إخراج ~~بتمليك فتزيد ضرورة وإشارة بلفظة الإطعام والكسوة إلى أن المصروف إليه صار ~~أهلا لحاجته إلى الطعام والكسوة لأن ms127 الله تعالى ما شرع صلة مالية إلا ~~للحاجة إليها. PageV01P131 # ولما خص هذه الصلة بالكسوة وهي اسم لثياب تكتسى وبالإطعام علم أن سبب ~~الاستحقاق حاجة خاصة أيضا، وهي الحاجة إلى الإطعام والإكساء وهذه الحاجة ~~مما يتجدد بالأزمنة لفقير واحد على أصل الخلقة، فصار الواحد على اختلاف ~~الأزمنة المجددة للحاجة قائما مقام العشرة بإشارة النص إلى هذه العلة، لا ~~بذكر بالنص فصارت الآية نصا على شرع أنواع ثلاثة، ونصا على التخيير، وإشارة ~~باختيار اسم الفعل لأحدهما واسم الثوب للآخر على تعليق الحكم بعين المنصوص ~~عليه من الفعل، وبزيادة على المنصوص عليه من اسم الثوب. # وإشارة أيضا باختيار الاسم المشتق من الأكل والاكتساء اللذين لا يتصوران ~~إلا بحاجة إلى العلة التي بها صار الفقير أهلا للصرف إليه فجرت الإشارة من ~~النص مجرى التعريض والكناية من الصريح والمحتمل من المحكم أو المشكل من ~~الواضح الذي لا ينال المراد به إلا بضرب تأمل، وتبين ثم قد يوجب العلم ~~بموجبه بعد البيان، وقد لا يوجب وإنه من أبلغ الكلام فقد أصاب عرضين بنص ~~واحد فهذان نوعان ظاهران ثابتان بالظاهر نفسه بلا زيادة ولا نقصان والله أعلم. # وأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بالاسم المنصوص عليه عينا أو معنى بلا ~~خلل فيه، ولكن في مسمى آخر هو غير منصوص عليه. # فمن حيث كان الموجب ثابتا بمعنى النص لغة بلا خلل لم يكن الحكم في المحل ~~الذي لا نص فيه ثابتا قياسا شرعيا، لأن معناه بلا خلل فيه معروف باللغة لا ~~بالشريعة. # ومن حيث ثبت في محل لا نص فيه لم يكن منصوصا عليه بعينه فسميناه دلالة ~~النص لأن الحكم أبدا يعم بعموم موجبه فالمحل المنصوص عليه وإن كان خاصا ~~فالموجب عام فدل عمومه على عموم الحكم لما لا نص فيه. # مثال قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} فالتأفيف حرام نصا ~~والشتم والقتل دلالة النص حتى فهمه كل من عرف معنى النص لغة كما لو كان ~~النص عاما، وذلك لأن الحرام بالنص التأفيف وإنه اسم وضع ms128 لكلام فيه ضرب ~~إيذاء واستخفاف فصار حراما بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا ~~يعقلون معناه أو كان عندهم هذا اسما لضرب كرامة فكانت الصورة محلا للمعنى. # ولما كان سبب الحرمة معناه وهو الإيذاء وإنه بقدره موجود في كلمات أخر ~~وأفعال من الضرب والقتل مع زيادة ثبتت الحرمة عامة، ولم يكن قياسا. # فالقياس منا: استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم بالشرع لا ~~باللغة متعدية إلى محل لا نص فيه كما قلنا في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"الحنطة بالحنطة" إنه معلول PageV01P132 # بالكيل والجنس بالرأي لأنه ليس بعين الحنطة ولا عين معناها لغة، ولا ما ~~أوجبه النص. # ومن ذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] فإنه نص على إيجاب القضاء على المسافر إذا أفطر. # ودليل على إيجاب القضاء على من أفطر بغير عذر لأن القضاء بالإجماع لا يجب ~~إلا بعد وجوب الأداء. # فوجوب الأداء في حق المسافر لما أوجب القضاء إذا لم يصم مع العذر المبيح ~~للتأخير فإذا زال العذر والوجوب قائم مع ترك الأداء بلا عذر في حق غيره ~~فكان الحكم ثابتا من طريق الأولى. # وروي أن ماعزا زنا وهو محصن فرجم فصار رجمه ثابتا بالنص، ورجم من سواه ~~إذا زنا وهو محصن ثابت دلالة لأنا عرفنا بالنص وبالإجماع أن السبب الموجب ~~في حق ما عززناه في إحصانه لا كونه ماعزا، وهذا السبب يعم غيره فكذلك حكمه. # وقال صلى الله عليه وسلم: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات ~~عليكم" فثبتت الطهارة للهرة نصا وللحية بدلالة النص لعموم العلة. # وقال صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: "إنه دم عرق توضئي لكل صلاة" فوجب ~~الوضوء عليها بدمها نصا، وعلى غيرها بسائر الدماء دلالة لعموم العلة فالعلة ~~منصوص عليها في هذين البابين وبمنزلة المنصوص عليه فيما مضى. # لأن معنى النص لغة الذي لأجله صح وضع الاسم دون غيره بمنزلة المنصوص عليه ~~لأن الكلام ما صار مفيدا ولا موجبا إلا ms129 بمعناه. # وكذلك الله تعالى أوجب الحد على الزاني ثم أوجب عامة العلماء الحد على ~~اللوطي دلالة فإن الحدود لا تثبت قياسا فقالوا: إن الزنا اسم لفعل حرام لغة ~~وهو اقتضاء شهوة الفرج على قصد اقتضاء الشهوة بسفح الماء لا غير، ولهذا سمي ~~سفاحا لا لقصد الولد. # واللواطة من حيث اقتضاء الشهوة وسفح الماء على سبيل تضييع النسل مثل ~~الزنا بل أبلغ. # أما الاشتهاء فالمحلان فيه سواء طبعا. # وأما الحرمة فآكد في حق اللواطة شرعا وعقلا لا تزول بحال في هذا المحل. # وأما الضياع فلأن الولد لا يتخلق في هذا المحل أصلا فتعدى الحكم إليها ~~لعموم PageV01P133 # معنى الزنا، إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول فيه معنى زائدا وهو أن ~~الحدود شرعت زواجر، وليست اللواطة كالزنا في الحاجة إلى الزاجر. # لأن الزنا مما يرغب فيه الفاعل والمفعول بها، واللواطة لا يرغب فيها ~~المفعول به طبعا. # ولأن في الزنا ضياع النسل وفساد فراش الزوج، وليس في اللواطة فساد الفراش ~~فلم تساويه جناية. # ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي أكل وشرب ناسيا: "أتم على ~~صومك فإن الله تعالى أطعمك وسقاك" فسقط حكم الفطر من الأكل بالنص، ومن ~~الجماع بدلالة النص. # لأن المسقط من حيث النص نسيانه للصوم وإنه يتعدى إلى الجماع، والجماع ~~مفطر مثل الأكل سواء. # وكذلك كفارة الإفطار على الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ثبت ~~بالنص، وعلى غيره بدلالة النص بالإجماع. # وكذلك يجب بالأكل والشرب بدلالة النص لأن الجماع أوجبها بالإجماع لا ~~بمعناه وقوعا على المرأة، وهو اقتضاء شهوة الفرج فإنه لو كان سببا لصومه لا ~~يجب ولكن بمعناه وقوعا على الصوم فإنه مفطر للصوم، والكفارة كفارة فطر، ~~ومعنى الإفطار عام تعلق به وبالأكل والشرب سواء لأن الصوم كان صوما للكف عن ~~اقتضاء شهوة البطن والفرج، فلما استويا في قيام الصوم بالكف عنهما استويا ~~في انتقاضه بفعلهما ضرورة، وذلك هو الإفطار. # ولما كان الإيجاب في الأكل بالإفطار الذي هو في الجماع لم يكن قياسا بل ms130 ~~كان عملا بمعنى الاسم الثابت نصا إلا أنه اسم شرعي فالأكل اسم للإفطار شرعا ~~كالصوم بل كان القياس ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى في أن من أكل مكرها ~~لم يفسد صومه كالناسي لأن الكره غير النسيان اسما ومعنى. # فلما لم يكن الحكم مضافا إلى الموجب الثابت بالنص بل إلى غيره كان قياسا ~~فكان فاسدا لأن النص معدول بحكمه عن القياس على ما بينا في موضعه. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قود إلا بالسيف" فوجب القود ~~بالسيف بالنص، وبالرمح لأنه مثل السيف فالمراد بالسيف هو القتل به لا قبضه، ~~والرمح مثله قتلا به، وكذلك السهم وما يجرح. PageV01P134 # ومن ذلك الجماع لما أوجب على الرجل الكفارة بعلة الفطرية نصا دل على ~~الإيجاب على المرأة لأن الجماع يعمهما. # ولما صح صوم عاشوراء بالنية من النهار وهو واجب نصا بالأمر دل على صحة ~~صوم رمضان وإن لم يتناوله النص لأنه مثله في صفة الوجوب، وهو أنه واجب بسبب ~~ذلك الوقت عينه لا سبب له غيره. # وضرب الدلالة من باب البلاغة معنى. # وضرب الإشارة من باب البلاغة لفظا فذلك لفظ تضمن معنيين وهذا لفظ في محل ~~خاص تضمن معنى عاما فكانا من ضروب الفصاحة. # وقد قال الشافعي رحمه الله: إن الكفارة لما وجبت بقتل الخطأ فبقتل العمد ~~أولى لأن الخطأ عذر مسقط لا موجب لحقوق الله تعالى، فلما لم يسقط ضمان ~~الكفارة مع قيام العذر فبدون قيامه أولى كما قلنا نحن في قضاء صوم السفر. # وكذلك الكفارة لما وجبت باليمين المعقودة إذا حنث فيها وصارت كاذبة فالتي ~~هي كاذبة من الأصل أولى بالإيجاب لوجود ذلك الكذب فيه وزيادة إلا أن نقول ~~بالقتل خطأ وجبت الكفارة لا بنفس القتل لأن نفسه فعل محظور إذا كان بغير ~~حق، وإنما يأخذ صفة الإباحة بالخطأ فإن الشرع أباح له الرمي باجتهاده. # ولا بد لسبب الكفارة من صفة الإباحة مع صفة الحظر لأن في الكفارة معنى ~~العبادة، ومعنى العقوبة على ما بينا من بعد. # ووجوب ms131 العبادات لا يتعلق بارتكاب المحظورات والمعاصي، بل بأسباب مباحة ~~موجبة كملك النصاب. # ووقت الصلاة، والعقوبات تتعلق بارتكاب الجرائم، فإذا اجتمع لها صفة ~~العبادة والعقوبة لم يجب إلا بسبب مباح محظور فلم يصر الحرام المحض بمعنى ~~ما فيه الإباحة في صلاحه سببا للكفارة. # وكذلك اليمين الغموس حرام محض ما فيه وجه إباحة شرعا، والمعقودة مباحة ~~فإن الشرع أمر به في بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحلف الحق محظورة من ~~وجه لقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} أي لا تحلفوا، وقوله: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم} الآية فكان الوجوب معلقا في المعقودة بالوصفين جميعا فلا ~~يصير الحرام المحض من جنسه بل الحرام المحض من جنس الزنا والردة والسرقة ~~فلا يصلح سببا للكفارة بل للعقوبة المحضة إما في الدنيا وإما في الآخرة. # وأما النوع الرابع وهو المقتضى فزيادة على النص لم يتحقق معنى النص ~~بدونها PageV01P135 # فاقتضاها النص ليتحقق معناه، ولا يلغو فصار حكم المقتضى مضافا إلى النص ~~لأن النص أوجب المقتضى فصار المقتضى مع حكمه حكمين للنص، كشراء الأب إعتاق ~~حكما، وإن لم يوجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك، ولكن الملك لما ثبت ~~بالشراء كان حكمه، وهو العتق مع الملك حكمين للشراء فكذلك ها هنا، ولما ~~أضيف المقتضى مع حكمه إلى النص صار بمنزلة الحكم الثابت بالنص بعينه بلا ~~مقتضى ولم يكن قياسا وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في أن المقتضى هل له ~~عموم النص أم لا؟ # قال علماؤنا: لا عموم له. # وقال الشافعي: له عموم لما ذكرنا أن الحكم الثابت به بمنزلة الحكم الثابت ~~بالنص، والحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص له عموم فكذلك هذا إلا ~~أنا نقول أن مقتضى النص ساقط من النص بنفسه في الأصل لا حكم له، وإنما يثبت ~~ضرورة أن يصير الكلام مفيدا فيتقدر بقدر الضرورة. # وإذا ثبت بقدر ما يصير الكلام مفيدا زالت الضرورة المثبتة فسقط ثبوته ~~كالميتة حكمها الحرمة في الأصل، والحل يثبت بالضرورة فيتقدر بقدرها، وهو ~~قدر سد الرمق دون ما سواه من التمول والحمل ms132 والشبع، بخلاف الثابت بالنص ~~نفسه لأن ثبوت معناه منه الأصل فلا يسقط إذا كان عاما إلا بدلالة كحل ~~الذبيحة. # ومثاله: قول الله تعالى: {وسئل القرية} أي أهلها اقتضاء لأن السؤال ~~للتبيين، فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد ~~فيثبت الأهل زيادة اقتضاء ليفيد. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه" وعينها غير مرفوع فيصير كذبا لو أريد بها عينها، وهذا لا ~~يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم فاقتضى ضرورة زيادة وهو الحكم ليصير ~~مفيدا وصار المرفوع حكمها، وثبت رفع الحكم عاما عند الشافعي في الآخرة وهو ~~المؤاخذة بالعقاب، وفي الدنيا من حيث الصحة شرعا. # وقال: طلاق المكره والمخطئ باطل وكذلك كل تصرفاته، والأكل مكرها ومخطئا ~~لا يفسد الصوم لأنه متى فسد لزمه القضاء، وهو من الأحكام المشروعة في ~~الدنيا. # وكذلك صحة أداء الصوم في نفسه حتى يسقط المؤاخذة عنه من أحكام الدنيا ~~والثواب من أحكام الآخرة فتثبت عامة، كما لو ثبت نفي حكم الخطأ نصا فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي" حكم الفعل ناسيا ومكرها وخطئا. PageV01P136 # وقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنما يرتفع بها حكم الآخرة لا غير، ولا ~~يرتفع عاما لأن حكم الآخرة وهو المؤاخذة مرفوع بها بالإجماع وبهذا القدر ~~يصير مفيدا فتزول الضرورة فلا يتعدى إلى حكم آخر. # وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" والمراد بها: حكم ~~الأعمال فعينها تثبت بلا نية. # وقال الشافعي: كل حكم يتعلق ثبوته شرعا بالنية إلا حيث قام الدليل. # وقلنا: لا يتعلق بها إلا حكم الآخرة من الثواب فإنه مراد بالإجماع ~~فالعبادات التي يتعلق بها ثواب لا تصح مؤادة بنفسها إلا بنية، ولما ثبت هذا ~~مرادا وبه يصير الكلام مفيدا لم يتعد إلى ما وراءه، وصار كأنه قال: إنما ~~ثواب الأعمال بالنيات. # وقال علماؤنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى بها ثلاثا: لم يصح. # وقال الشافعي: يصح، لأن قوله: طالق يقتضي طلاقا لا محالة، ولو قال لها: ms133 ~~أنت طالق طلاقا، ونوى به ثلاثا صح فكذلك ها هنا. # وقلنا: النية لا تصح في قوله: طالق، لأنه نعت لفرد لا يحتمل الثلاث، ~~وإنما يصح في الطلاق لأنه اسم يحتمل العموم والخصوص، والطلاق غير منصوص ~~عليه، ولكنه مقتضى النص، والمقتضى لا عموم لثبوته عندنا بل يثبت بقدر ما ~~ترتفع به ضرورة النص، وضرورته ترتفع بثبوته في حق طالق ليقع لأن النعت لا ~~يثبت بدون المصدر فلم يبق ثابتا في حق نية الثلاث، لأن النعت صح بدون ~~الثلاث فلم تكن الضرورة المثبتة في حق نية الثلاث ثابتة فلم يثبت في حقها، ~~وكان كالاستحقاق الثابت على المشتري بإقراره يثبت خاصا في حقه دون البائع، ~~لأن قوله جعل حجة عليه لا على غيره فثبت خاصا بقدر خصوص الحجة. # وكما قالوا فيمن قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم. فقال: أعتقت، ثبت ~~العتق عنه، وثبت الشراء من المأمور مقتضيا بالإجماع، فصار الطلب مقتضيا ~~بيعا منه ضرورة أن يصح العتق عنه، وثبت البيع خاصا في حق تصحيح العتق عنه، ~~ولم يثبت حيث لا تصحيح للعتق، حتى لو قال المأمور: بعتك بألف درهم ثم أعتقه ~~لم يصر مجيبا لكلامه بل كان مبتدئا ووقع العتق عن نفسه. # وكذلك من قال لامرأته: حجب، ونوى الطلاق لم يصح وإن اقتضى الحج ذهابا ~~لأنه اقتضاء ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، فثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ~~ذهاب PageV01P137 # مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق فلم يصح فيه نية الطلاق، كما لو ~~قال: اذهبي إلى بيت الله، والذي يدل على أن المقتضى من باب الاختصار، ~~والعرب إنما تختصر على وجه يدل الباقي على ما سقط كما في قوله تعال: {وسئل ~~القرية} فالسؤال للتبيين، فدل على أن المختصر هو الأهل الذي هو أهل للبيان. # وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ" الخبر وقوله: ~~"إنما الأعمال بالنيات" دليل على أن المرفوع والواجب حكمان من حقوق الله ~~تعالى دون الناس لأن الخطأ والنسيان والكره من صفات القلب، وكذلك النية، ms134 ~~والقلب باطن لا يقف على عمله إلا الله تعالى، فحكم عمله لا يثبت إلا في حق ~~الله تعالى، وذلك في معنى العبادة من العمل أو معنى المعصية فأما ما عداها ~~فللعباد. # ولهذا قال علماؤنا أن بيع المكره يجوز، وكذلك كل تصرفاته معتبرة لأنه صفة ~~القلب، ولكن لا يحل ولا يطيب. لأن الحل والطيب والحرمة حق الله تعالى. # وجملة حد المقتضى أن تنظر إلى النص نفسه، وإلى المعنى الذي هو شرط صحة ~~الكلام فتثبته مقتضيا كما في قوله تعالى: {وسئل القرية} فإنه لو تم بنفسه ~~لوجب أن تكون القرية ذات بيان فإذا لم يوجد فيها هذا الشرط أثبتنا من فيه ~~ذلك، وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" لأن الفعل خطأ لو تم بنفسه لوجب ~~أن يكون المرفوع حقا لله تعالى لما ذكرنا، فإذا لم يتم وتصور العمل واقعا ~~معه أثبتنا ما فيه ذلك الوصف، وهو معنى المعصية من العمل ليكون ثبوت ~~المقتضى من حيث يدل عليه اللفظ، فإن الإثبات بلا نص أو دلالته أو إشارته لا ~~يكون إلا بالقياس والقياس حجة في تعدية حكم النص إلى غيره، دون إثبات ~~النصوص وقد نص كتاب الله تعالى على هذا فإن من قتل خطأ لم يأثم ولم يعاقب ~~عليه في الآخرة، ولزمه ضمان الدم والكفارة لأنها ليست بعقوبة محضة. # ومن حنث في يمينه خطأ أو ناسيا ليمينه لزمته الكفارة ولم يأثم. # ومن زنى بامرأة خطأ لزمه العقد ولا يلزمه الحد لأنه عقوبة خالصة لله ~~تعالى، وهذا قريب من الضرب الأول فإنا أوجبنا بالضرب الأول حكما حيث لا نص ~~فيه بدلالة النص، وها هنا أوجبنا زيادة موجب ليس في النص بدلالة النص إلا ~~أن تلك في محل الحكم، وههنا في علة الحكم. # فإن قيل، إذا قال الرجل لولد له أم معروفة: هذا ولدي، حتى يثبت النسب ~~منه، ثم PageV01P138 # جاءت أم الغلام بعد موت الأب وصدقته ورثته ودعوة الغلام نصا إقرار بنكاح ~~الأم اقتضاء، وثبت في حقق تصحيح النسب الذي لا بد له من الوالدة في ms135 حق ~~الميراث، كما لو ثبتت أما بالإقرار. # قلنا: قوله: هذا ولدي، إقرار بأنه ولده منها إشارة لا اقتضاء ولأن الولد ~~اسم مشترك لا يتم إلا بوالد ووالدة كاسم الأخ لا يتم إلا بأخ آخر، فكذلك ~~الولد لا يتم إلا بوالدين، ولو صار تسمية الولد تسمية للوالدين إشارة، صار ~~الثابت بالإشارة كالثابت بالظاهر فثبت عاما بخلاف المقتضى فهذه حدود ~~متشابهة ما يميز بينها إلا الفهم المنصف وشيء منها لا يحتمل الخصوص. # أما المقتضى فلأنه لا عموم له. # وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعدما ثبتت علة لا ~~تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص ~~فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصا بل يكون تركا. # وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما تثبت بإيجاب النص ~~إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص وبيان أنه غير ثابت. # وقد لقب بعض الناس فقال: أن النص يعمل بمنظومه ومفهومه، وإنه لقب حسن غير ~~أنهم لم يفرقوا بين أنواع ما فهم من النص بهذا الاسم مما قد مر، وبين ما لا ~~يفهم منه. # ومنها ما قال بعضهم: أن التنصيص دليل على التخصيص، وعنى به قطع المشاركة ~~بين المنصوص عليه وغيره من جنسه، قال: لأن الشرع لما نص على عين من الجملة ~~دل على تخصيصه إياه بذلك الحكم لولاه لما كان للتخصيص بنصه فائدة. # وهذا تلبيس ظاهر لأنه إن عنى بالتخصيص أن ما لا يدخل تحته لا يشاركه في ~~حكم النص بالنص فما أحد يخالفه، إلا أن نقول إنما لا يشاركه لأن سبب الوجوب ~~لم يتناوله، والحكم إنما يثبت بحسب سببه لا أن الخالص نفاه، وإن قال لا ~~يجوز أن يشاركه ما عداه في حكمه لمانع من حيث النص فغلط ظاهر لأن ما عداه ~~لم يدخل تحته فكيف يتعدى إليه حكمه بنفيه، على أن النص كان لإيجاب حكم فكيف ~~يوجب نفيا؟ وهو ليس بمعناه لغة بل هو ضده فكيف يقال هذا؟ # وما من نص إلا ويجوز تعليله عند ms136 من يقول بالقياس وإذا علل يتعدى، ولو كان ~~النص مانعا من التعدي لما كان بعرض التعليل ولأن من أبى القياس أباه لأنه ~~رآه محتملا PageV01P139 # للكذب والصدق فأبطله لضعف فيه لا لأن النص منع القياس عليه كما لا يكون ~~خبر الفاسق حجة لا لأن النص الذي يرويه الفاسق يمنعه من كونه صحيحا في ذلك ~~بل لضعف في سنده، فيصير هذا القول خارجا عن حدود الإجماع. # ومنها ما قال الشافعي- رحمه الله- فيما يحكي عنه أصحابه: أن تنصيص الشرع ~~على وصف من جملة أوصاف المسمى باسمه يفهمنا نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك ~~الوصف ويجري مجرى النص عليه نفيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس ~~من الإبل السائمة شاة" فلا تجب الزكاة إذا لم تكن سائمة، كأنه قال: ولا ~~زكاة إذا لم تكن سائمة، قال ألا ترى أنا خصصنا به عموم قوله: "في خمس من ~~الإبل شاة". # وقال صلى الله عليه وسلم: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد من المسلمين" ~~فأوجب بمفهومه نفي الصدقة عن الكفار فأوجب تخصيص عموم الأمر بالأداء عن كل ~~حر وعبد تقييده بالإسلام. # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن ربح ما لم يضمن" فدل بمفهومه ~~على طيبة ربح ما قد ضمن، قال: لأن تخصيص صاحب الشرع وصفا من أوصاف المسمى ~~باسمه يوجب تعلق الحكم بذلك الوصف نصا بدليل أنه لولا الوصف لثبت الحكم ~~قبله والآن تعلق ثبوته مع وجود الاسم العام الموجب لولا ذكر الوصف بوجود ~~الوصف، وهو كقول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار فالدخول شرط لأن ~~الطلاق كان يجب بقوله: أنت طالق لولا الدخول فلما تعلق بالدخول كان شرطا، ~~وإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار وأنت راكبة، كان الركوب شرطا، والطلاق ~~يتعلق بالركوب كما يتعلق بالدخول، ولما جرى مجرى الشرط وجد الحكم عند وجوده ~~بمنظومه وعدم عند فقده بمفهومه، بخلاف اسم العلم فإنه يذكر للتعريف لا ~~لتعليق الحكم به. # فأما الوصف فهو اسم الحال والنعت المعنوي فدل على تعلق الحكم به، ms137 ولأن ~~الاسم لابتداء الإيجاب كالعلة والوصف بعده لتعليق حكم الاسم بالوصف حكما ~~فكان شرطا والفرق بينهما ما نذكره في فصل الشرط. # وأبى علماؤنا- رحمهم الله- هذا فإن أبلغ ما في الباب أن يصير الوصف ~~المعنوي المؤثر في إيجاب الحكم بمنزلة ذكر العلة. # ولا خلاف بين العلماء أن العلة توجد الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها ~~بل الحكم يبقى عند العدم على ما كان قبل معرفة العلة، وإنما يصير الوصف ~~شرطا إذا عطف على شرط كما في مسألة الطلاق فإن حكم المعطوف حكم المعطوف ~~عليه. PageV01P140 # فأما إذا قرن بنص فيصير بمنزلته ثم الاسم كان موجبا للحكم ابتداء فكذلك ~~الوصف إلا أنه معنوي مؤثر فيصير عليه النص، ولهذا كان السوم بمنزلة العلة ~~في باب الزكاة يضاف إليه الوجوب، والشرط لا يضاف إليه الوجوب، نحو قول ~~الرجل لآخر: أعتق عبدي الصالح، أو طلق امرأتي البدية فيدل الوصف على أنه ~~المشير للحكم فيصير بمنزلة العلة. # على أنا وإن سلمنا أنه يصير شرطا فالشرط عندنا يوجد الحكم عند وجوده، ولا ~~يقتضي نفيا عند عدمه بل الحكم حال عدم الشرط يبقى موقوفا على قيام الدلالة، ~~كما قلنا في العلة، ولهذا قلنا: إن صدقة الفطر تجب عن العبد الكافر لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أدوا عن كل حر وعبد" من غير تفصيل، وقوله: "من ~~المسلمين" لا يوجب التخصيص لأنه لا حكم له فيمن ليسوا مسلمين، وإنما أوجب ~~تقييد كل عبد ذكر في صدر هذا النص بالإسلام لأنه كلام واحد فلا يحكم بصدره ~~قبل الاختتام عليه وما اختتم إلا بقيد الإسلام فصار المذكور عبدا مسلما من ~~الأصل فلم يدخل تحته الكافر، لا أن صفة الإسلام رفع الحكم عن الكافر فأما ~~النص المطلق الذي اختتم على إطلاقه فقد دخل تحته الكافر والمسلم فلا يخرج ~~الكافر إلا برافع. # وأما الزكاة فإنما لم تجب في الإبل العوامل لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا زكاة في الإبل العوامل" لا بقوله: "في خمس من الإبل السائمة شاة" ألا ~~ترى أن من قال لآخر: ms138 اعتق عبدي الأسود، ثم قال: اعتق عبدي الأبيض لم يكن ~~نهيا عن عتق الأسود. # ومنها الحكم المعلق بشرط. # قال الشافعي- رحمه الله-: إنه ينتفي حال عدم الشرط بمفهومه. # وقال علماؤنا- رحمهم الله-: انتفاء المعلق حال عدم الشرط لا يفهم من ~~التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص. # واحتج الشافعي بأن تعليق الحكم بشرط ينفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار ~~أنه لولاه لكان موجودا كقول الرجل لعبده: أنت حر، يوجب وجود الحرية صفة ~~للعبد، فإذا قال: إن دخلت الدار، وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه ~~مع وجود قوله: أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط أوجب ~~النفي عما قبله وكذلك التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بالحبل بسماء البيت ~~يوجب وجوده في الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذي كان فيه لولا العلقة. # وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وعدم الحكم قبل ~~أولية PageV01P141 # الوجود لا يكون بعلة ولكن بانعدام علة الوجود أو سببه فلم يكن من حكم ~~العلة إلا وجوب الحكم عندها، فإنه السبب لابتداء الوجوب والتعليق لتغيير ~~حكم الوجوب بعد وجود سبب الوجوب فجرى مجرى الأصل ولهذا لم يجوز الشافعي ~~تعليق الطلاق أو العتاق بالملك، لأن وجوده لا يسبق الملك وملك المحل هو ~~الشرط لابتداء صحة التطليق أو الإعتاق فيه والتعليق لتغيير حكمهما بعد ~~وجودهما، فلا بد أن يكون ملك التعليق مرتبا على شرط صحة العلة. # وقال الشافعي- رحمه الله-: لا يجوز نكاح الأمة حال وجود طول الحرة لأن ~~الله تعالى قال: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} فعلق جواز نكاح الأمة بعدم طول الحرة ~~فأوجب الإباحة عند عدم الطول ونفيها عند وجود الطول. # وقال أيضا: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى علق الإباحة في ~~الأمة بصفة الإيمان وقد ذكرنا أنه يجري مجرى الشرط. # وقال: إن تعجيل الكفارة قبل الحنث جائز، وإن علق الوجوب بالحنث كما لو ~~قال: إن دخلت الدار فعلي ms139 كفارة لأنه، على أصله بمنزلة التأجيل، كأنه قال: ~~لله علي أن أتصدق بدرهم غدا، والأجل لا يمنع تعجيل العبادة المالية ~~بالإجماع فكذلك الكفارة بالمال وهذا لما ذكرنا أن ابتداء وجوب الحكم يكون ~~مع السبب لا مع الشرط. # وإنما يكون مع الشرط تأدية فإذا وجد السبب لم يمتنع أداؤه قبل الشرط فيما ~~يتصور وجوده ثابتا قبل فعل الأداء من نحو العبادات المالية لأنها حقوق ~~مالية تجب في الذمة ثم تؤدى بالفعل كديون العباد، فيتصور فيها الفصل بين ~~الواجب بنفسه وبين وجوب الأداء على العبد فعلا، كما في الديون المؤجلة فإذا ~~تأخر الأداء بسبب جاز التعجيل بعد السبب بناء على ثبوته في نفسه. # فأما البدني فلا يمكن الفصل فيه بين الواجب وبين المؤدى فإنه فعل فيكون ~~ابتداء وجوده حال الأداء فالشرط الذي يؤخر الأداء كينونته في نفسه فيمنع ~~ثبوته قبل الشرط ويستوضح هذا بالعقد الوارد على العين دون الذمة، كمن اشترى ~~عبدا بعينه فلا بدأن يكون التسليم مرتبا على ملك المبيع في نفسه. # وإذا اشترى منفعة عين نحو استئجار الدار لم تسبق المنفعة في الحقيقة ~~التسليم لأنه لا يبقى زمانين، فحال التسليم حال ابتداء دخوله تحت العقد ~~حقيقة، فكذلك ما يلتزم في الذمة إن كان الملتزم مالا فالأداء يترتب على ~~الواجب، ويمكن الفصل بينهما حقيقة أو اعتبارا، وإن كان الملتزم فعلا فلا ~~يمكن الفصل بين المؤدى والواجب. # وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الأسباب الموجبة للأحكام إذا علقت ~~بالشروط كان PageV01P142 # التعليق تصرفا في العلل بإعدامها لا في أحكامها وعند وجود الشرط يكون ~~ابتداء وجود الأحكام كما عند وجود العلل لا فرق بينهما في حكم الابتداء، ~~وإنما يفترقان في الإضافة فيقال عند الشرط تجب ابتداء، ولكن بالعلة تجب، ~~وإذا كانت بمنزلة العلل في حكم الابتداء كان الانعدام قبلها بحكم أن لا ~~تصور للوجود قبل ابتدائه لا بسبب باق كما قال الخصم في العلة، ولا إشكال ~~فيه، وإنما الإشكال في إثبات هذا الأصل وبيانه فيمن قال لعبده: أنت حر إن ~~دخلت الدار، فالحرية قبل ms140 الدخول منعدمة لانعدام العلة لا لأن الشرط نفاه ~~بعد وجود سببه لأن قوله: أنت حر كما لا يعمل حتى يتم الصيغة بقوله أنت ~~مقرونا بقوله حر لا يعمل حتى يحل محلا صالحا للتحرير، فإنه لو أضافه إلى ~~بهيمة أو ميتة؛ لغا، كما إذا قال: أنت، وسكت، أو قال: حر، وسكت. # وقوله: إن دخلت الدار، منع وصول هذا الإيجاب إلى العبد لأنه تعلق بالدخول ~~فلا يصل إليه قبل وجوده كالقنديل المعلق بحبل لا يكون واصلا إلى الأرض ~~ضرورة لاستحالة كينونته كائن في مكانين أو زمانين في حين واحد، وإذا لم يصل ~~إلى محله لم يصر أنت حر علة بل كان يعرض أن يصير علة للوصول إليه عند وجود ~~الشرط كالرمي لا يكون سببا للقتل قبل وقوع السهم في المرمى ولكنه يعرض أن ~~يكون علة إذا وصل إلى محله. # وكذلك النذر المعلق بالشرط ليس بسبب لأنه لا يصير سببا ما لم يضف إلى ذمة ~~قابلة للحكم، والشرط يمنع الوصول إلى الذمة فلا يكون سببا كبعض النذر، ألا ~~ترى أن بعض النصاب لما لم يكن سببا للزكاة فكذلك النصاب بكماله في ملك كافر ~~ليس بسبب لأنه ليس بأهل العبادة فالتعليق قرن العلة بالشرط فانعدم للحال ~~وانعدم الحكم حكما لانعدام أصل العلة لا لمنع الشرط الحكم بعد العلة، وعند ~~وجود الشرط توجد العلة ثم الحكم. # فأما قوله: بأن الشرط يمنع الحكم بمنزلة الأجل فلا كذلك بل الشرط يحول ~~بين صورة العلة ومحلها فلا تصير معه علة لأنه دخل على أصل العلة دون الحكم ~~ومتى دخل الشرط على الحكم ما منع السبب أن يكون سببا كالبيع بشرط الخيار ~~فإن الخيار داخل على الحكم دون البيع فكان البيع بيعا وأحكامه معدومة حتى ~~يسقط الخيار فيكون حينئذ كالأجل الداخل على حكم السبب دون السبب. # وقيل: إن من حلف لا يبيع فباع بأجل أو بشرط الخيار حنث، ولو حلف لا يطلق ~~فقال لها: أنت طالق إن دخلت الدار لا يحنث لأنه لم يطلقها بعد، وليس هذا ~~بنظير تعليق ms141 القنديل بالحبل لأن القنديل موجود بذاته في مكان قبل التعليق، ~~فالتعليق لم يكن لابتداء وجوده بل كان للنقل عن مكان إلى مكان آخر فلذلك ~~أوجب تفريغ مكان وشغل مكان آخر ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس ~~بطلاق ما دام معلقا بشرط غير واصل إلى PageV01P143 # المرأة على ما ذكرنا، ولكنه يمين وإنما يصير طلاقا عند الشرط فاعتبر ذكر ~~الملك حينئذ لأن ملك المرأة شرط الطلاق لا اليمين بل اليمين تتناول الذمة ~~كاليمين بالله، ولذلك لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا النذر المعلق ~~بشرط قبل الشرط لأن الكفارة علقت بالحنث لأن اليمين عنده تصير علة الكفارة، ~~فاليمين سبب الوجود بشرط الحنث فقبل الحنث لا تكون سببا ويكون ابتداء وجوب ~~الكفارة حال الحنث فلا يتصور الأداء قبله كما لا يتصور قبل اليمين وكما لا ~~يتصور تعجيل الصوم. # وفرقه الذي ذهب إليه بين المالي والبدني ساقط لما ذكرنا فيما مضى أن ~~العبادة عبارة عن فعل العبد ماليا كان أو بدنيا وإنما يختلف محل الفعل. # فالمالي: ما يكون محل فعل العبد من تمليك أو إعتاق المال. # والبدني: ما يكون محل فعله بدنه. # فأما الواجب: ففعل في الحالين واجب في الذمة بإيجاب الله تعالى. # والأداء: فعل العبد بماله أو بدنه بعد الوجوب، والمسمى من صلاة أو صدقة ~~ما يحصل بفعل العبد لا بالأمر فيكون ابتداء وجوده حال فعله على ما قرره ~~بخلاف ديون العباد التي تجب أعواضا لأن الواجب هو المال، والتسليم لتعيين ~~الواجب لأن صاحبه ما استحق لنفسه عوضا إلا مالا بإزاء حقه وما استحق فعلا، ~~والله تعالى ما استحق على عباده إلا عبادة وما هي إلا فعل، فأما ذوات ~~الأموال والنفوس فلا تكون عبادة على ما مر بيانه فيما مضى. # وكذلك الله تعالى يقول: {ومن لم يستطع منكم طولا} أباح نكاح الأمة حال ~~عدم الطول وما حرم حال وجوده بل لم يذكره فاستبيح بسائر الآيات فصار نكاح ~~الأمة حال طول الحرة حلالا بالآيات المطلقة، وحال عدم طول الحرة حلالا بتلك ~~الآيات وبهذه، ms142 وهذا جائز لأن عقد النكاح بعد معدوم والحل صفة له فصح أن ~~يتعلق ابتداء وجوده حلالا بوصفين وبعلتين وبعلل كثيرة. # ألا ترى أن الرجل يقول لآخر: اعتق عبدي إن دخل الدار، ثم يقول: اعتق عبدي ~~إن كلم زيدا، ودخل الدار فيصح، ولو دخل الدار فأعتقه كان حلالا له، ولو كلم ~~زيدا ودخل الدار كان إعتاقه حلالا له أيضا بالأمرين جميعا. # وكذلك لو قال له: اعتق عبدي ثم قال له: اعتقه إن دخل الدار. ملك المرسل ~~والمعلق جميعا حتى إذا عزله عن أحدهما بقي له الآخر وأحدهما متعلق بذاته ~~والآخر بشرط. # ولو قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، ثم قال له: أنت حر إذا جاء ~~يوم الجمعة مع التعليقان، ويوم الخميس يوجد قبل الجمعة ولا يعتبر مانعا ~~لجواز أن يوجد PageV01P144 # العتاق يوم الجمعة في الجملة نحو أن يبيع العبد حتى يمضي يوم الخميس ثم ~~يشتريه وإنما يستنكر بأن يكون الحكم حالا ومعلقا في ساعة واحدة، فأما إذا ~~كان الحكم منعدما فجائز تعلق وجوبه بما شاء الموجب أن يعلقه به، والتعليق ~~بشرط لا يمنع تعليقه بآخر قبله أو بعده. # فإن قيل: كيف يتعلق الحكم بشرطين وبأحدهما فيصير أحدهما كل الشرط وبعضه؟ # قلنا: هذا مستنكر بعلقة واحدة فأما إذا ثبتت العلقة بنصين فهما علقتان ~~أحدهما بشرطين، والأخرى بشرط واحد منهما فيكون كلا في واحد وبعضا في الآخر ~~كصوم ثلاثة أيام كل في كفارة اليمين بعض في كفارة الكتل. # وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن أكلت، ثم قال: إن أكلت وشربت فأنت حر صح ~~اليمينان جميعا. # وأما الآجال التي لم تمنع التعجيل فهي آجال دخلت على أحكام العلل وأخرتها ~~إذا كان الحكم مما يقبل التأخير. # فأما العلل فقد بقيت على ما كانت فلذلك لم تمنع التعجيل لأن الأجل متى ~~سقط وجب الحكم بالعلة، وكانت موجودة قبل سقوط الأجل على ما ذكرنا أن الأجل ~~تعرض للحكم لا غير فيستند الوجوب إلى العلة بعد زوال الأجل فيبقى الأداء ~~بعد الوجوب حقيقة فيجوز. # فأما ms143 الشروط التي فيها النزاع فقد دخلت على نفس العلل فمنعتها الوصول إلى ~~محالها فلم تصر علة للحال، وإنما تصير علة عنه حين وجود الشرط فلا يسبق ~~الحكم العلة والأداء كان قبل ذلك فلم يجز. # فإن قيل: أليس إن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار ثم طلقها ~~ثلاثا بطلت اليمين لوجود الجزاء قبل الشرط، حتى لو تزوجها بعد زوج ودخلت ~~الدار لم تطلق فدلت هذه المسألة أن المعلق بالشرط ينتفي وجوده قبله، وأن ~~الوجود قبله يبطل التعليق به فلا يجوز أن تكون الأمة مباحة النكاح بنفسها ~~وتتعلق الإباحة بعدم الطول؟ # قلنا: إن التعليق بالشرط لا ينفي، ولكن يقتضي أن يكون ابتداء الوجود عنده ~~على ما ذكرنا كالعلة سواء، فإذا ثبت الوجود قبله لا بد أن يبقى معه ~~الابتداء إذا كان الحكم واحدا فيبطل التعليق والحكم في مسألة نكاح الأمة ~~جواز النكاح، والجواز صفة النكاح لا صفة المنكوحة، والنكاح قبل أن يقع ~~معدوم للحل فنقول نحن: إن جواز النكاح قبل أن يقع معلق بذاتها وبعدم طول ~~الحرة أيضا، كما أن حل الوطء معلق بتزوجها وبشرائها وإذا وكل رجل بعتق ~~عبده، ثم وكله بعتقه إن دخل الدار فالوكالة معلقة بذات العبد ودخوله الدار، ~~حتى إذا تزوجها مع الطول وجاز النكاح لم يبق هذا الجائز معلقا بعدم الطول، PageV01P145 # وإنما يبقى معه نكاح آخر لو تصور كالطلاق الثلاث جاز أن يتعلق وجودها ~~بالشرط وبذاتها كما لو أرسل الثلاث للحال فبان. # وإن ملك الإرسال بغير شرط لم يدل على بطلان الوجود بالشرط إذا لم يرسل، ~~ولكن إذا أرسل ووجدت قبل الشرط لم يبق مع الشرط لأن الثلاث كل طلاقها في ~~هذا المحل على ما عرف والكل لا يثنى، فإذا وجد قبل الشرط لم يبق مع الشرط ~~ضرورة لأن الواحد لا يتصور في مكانين. # وأبعد من هذا أن الشافعي فهم من المقيد حمل المطلق عليه، وإن كانا حكمين ~~فقيد كفارة اليمين بالأيمان كما قيده الله تعالى به في كفارة القتل وهما ~~كفارتان مختلفتان. # وفهمنا ms144 نحن من النصين أن نعمل بهما على حسب مقتضاهما في اللغة من غير حمل ~~قال: لأن القيد زيادة وصف وإنه بمنزلة التعليق بالشرط على ما مر، والتعليق ~~ينفي الجواز دونه فثبت النفي فيه وفي نظيره من التحرير في أنواع التكفير ~~بخلاف زيادة الصوم في القتل فإنها لم تثبت في اليمين لأنه زيادة قدر باسم ~~العلم، وههنا تخصيص بوصف ومثل هذا يوجب الإثبات والنفي وهذا عندنا أبعد من ~~الأول لأنه في الباب الأول اتحد الحكم وإن اختلفت العلة وههنا اختلف الحكم ~~والعلة، وقد روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: "أبهموا ما أبهم الله"، وعن ~~عمر- رضي الله عنه-: "أم المرأة مبهمة في كتاب الله تعالى" أي حال تحريمها ~~عن قيد الدخول الثابت في الربيبة وعليه إجماع من بعدهم، لأن النساء في حق ~~الأمهات ذكرن مطلقات، وفي حق الربائب قيدن بالدخول، فلم يحمل المطلق على ~~المقيد. # والدليل على أن الدخول زيادة قيد وليس بشرط أنه دخل على النساء، والنساء ~~معارف بالإضافة إلينا فكان زيادة القيد فيهن زيادة معرفة أيضا كقولك عبد ~~امرأتي، وعبد امرأتي البيضاء وهذا لما ذكرنا أنه ليس في التعليق نفي لذلك ~~الحكم قبل القيد وإنما لا يجوز في القتل تحرير الكفارة لأنها تشرع كفارة ~~كما لا يجوز تحرير النصف أو ذبح شاة لا لأن القيد نفى جوازه فالكفارة في ~~نفسها وقدرها ليس تعرف إلا شرعا، فلا يحتاج إلى الشرع لانعدام الكفارة. # ولأنا وإن سلمنا نفي ذلك الحكم بعينه قبل الشرط فلا يثبت في غيره إلا ~~استدلالا به، وإنما يثبت استدلالا به إذا كان الثاني مثله سواء، والتحرير ~~في كفارة اليمين يخالف كفارة القتل لأن الأسباب مختلفة فتختلف الأحكام وإن ~~اتفقت اسما كالملك الثابت بالهبة، غير الثابت صدقة وشراء وإرثا ألا ترى كيف ~~اختلفت صورة وحكما فيما عدا الإعتاق من الصيام والإطعام، وكيف ظهر اختلاف ~~في التعيين وعدمه فإن كفارة القتل تتعين وكفارة اليمين أحد الأنواع الثلاثة ~~غير عين. PageV01P146 # ولا فرق عندنا بين التخصيص بوصف وبين التخصيص باسم العلم لا لأن ms145 اسم ~~العلم إذا لم تعقل علته يصير بمنزلة العلة، والعلة لابتداء الوجوب فلا يكون ~~الانعدام قبل الابتداء بسبب باقي وهذا حكم الشرط والقيد عندنا على ما بينا ~~فصار زيادة القيد، وزيادة عدد أيام الصوم والمساكين بمنزلة واحدة على هذا ~~الوجه فلما لم تثبت زيادة العدد في كفارة اليمين، فكذلك زيادة الوصف وكان ~~يجب على هذا القياس أن تصير أعداد ركعات الصلاة على نمط واحد. # ولما تعلق جواز الجمعة بزيادة صفة الجماعة إن وجب أن تثبت شرطا في سائر ~~الصلوات فإنها جنس واحد على أن الكفارات أجناس مختلفة حكما لاختلاف أجناس ~~أسبابها. # وكذلك صفة التتابع زيد في كفارة القتل ولم يزد على صوم كفارة اليمين، ~~وليس في الكفارات ما قيد بصفة التفريق ليمتنع الحكم به بحكم المعارضة. # وكذلك الجواب عندنا في الحكم المطلق أنه على إطلاقه والمقيد على قيده في ~~الحادثة الواحدة بعد أن يكونا حكمين. # قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- فيمن كفر عن ظهاره بالصيام وجامع التي ظاهر ~~عنها ليلا: استقبل الصيام لقول الله تعالى: {من قبل أن يتماسا} وكذلك قال ~~أبو حنيفة -رضي الله عنه-: لو كفر بالعتق فأعتق نصف عبده ثم جامعها ثم أعتق ~~البقية لم يجزه، وعليه الاستقبال لأن الله تعالى قال: {فتحرير رقبة من قبل ~~أن يتماسا}، وبمثله لو كفر فأطعم ثلاثين مسكينا ثم جامعها ثم أطعم ثلاثين ~~مسكينا أجزأه لأن الله تعالى لم يقل فيه {من قبل أن يتماسا}. # فإن قيل: إنكم زدتم صفة التتابع في كفارة اليمين حملا على كفارة القتل. # قلنا: لا هكذا، ولكن بقراءة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: {فصيام ~~ثلاثة أيام} متتابعات وقراءته كانت رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكانت مشهورة في السلف فجوزنا الزيادة على النص بها كما جوزنا النسخ بمثلها ~~من أخبار الآحاد. # فإن قيل: ألا جعلتهما كنصين فعملت بكل واحد منهما فجوزت المتابعة بقراءة ~~عبد الله بن مسعود، والمطلقة بقراءة الجماعة، كما قلت في صدقة الفطر عن ~~العبد الكافر أنه يجب بالنص المطلق ms146 باسم العبد، وعن المسلم بالنص المقيد ~~بالإسلام؟ # قلنا: لأن القيد هاهنا ورد على الوجوب باليمين، وأنه حكم واحد إذا قيد لم ~~يبق غير مقيد وفي باب صدقة الفطر ورد القيد على سبب الوجوب، ويجوز أن يكون ~~لواجب واحد سببان فأثبتنا المقيد بقيده سببا والمطلق بإطلاقه سببا آخر. # فإن قيل: أليست العدالة شرطا في باب الشهادات أجمع، فالله تعالى قيد ~~بالعدالة بعضها. PageV01P147 # قلنا: إنما توقفنا في شهادة الفاسق بقول الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} لا بقيد العدالة في البعض، وبقوله: {ممن ترضون من الشهداء} ~~والفاسق لا يرتضى بشهادته. # والجملة: أن النفي ليس من جنس الإثبات ليثبت بدليل النص ولا مما دخل تحت ~~النص ليثبت به أو إشارته ولا مما لا يستغنى النص عنه ليثبت مقتضى به، لأن ~~القياس في علتين أو شرطين أو حكمين فتعيين أحدهما لا يوجب تعيين الآخر إذا ~~كانا ينفصلان فكان هذا من جنس الاستدلال بلا دليل والاحتجاج بلا حجة، وإنه ~~كلام متناقض في نفسه، وسيأتيك بيانه على الوجه في أبواب المقاييس في باب ~~مفرد لقولهم لا دليل حجة، وبالله التوفيق. # ثم الخصم ترك أصله في الصوم المطلق حيث لم يشترط التتابع والله تعالى قيد ~~بعض الصيام بالتتابع. # فإن قيل: إن الله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع وبعضها بالتفرق كما في ~~صوم المتعة، وقال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} فالعشرة ~~الكاملة صوم المتعة بالنص، ولو صامها متصلة لم يجزه فالمطلق منها بقي على ~~إطلاقه لتعارض وقع بين التفريق والتتابع. # قلنا له: إن صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع فلم يصح الأداء قبله، كمن ~~صام رمضان قبل الوقت لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو فرق ولكن صام ~~قبل الرجوع لم يجزه فعلم أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، ~~والتتابع شرط الجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك المطلق من الصيام لم ~~يتقيد بالتتابع فبطل هذا الأصل. # فإن قيل: ألستم قلتم في رجل له أمة فولدت ثلاثة أولاد في ms147 بطون مختلفة، ~~فقال الأكبر: ابني لم يثبت نسب الأصغرين، وإن كان المذهب عندكم أن ولد أم ~~الولد يحدث ثابت النسب ولا ينتفي إلا بالنفي وقد صارت أم ولد بالولد ~~الأكبر، فعلم أن نسب الأصغرين ما انتفى إلا بنفي وإن تخصيص الأكبر ~~بالإثبات، نفي لنسب الأصغرين. # قلنا: قد ذكرنا أن التخصيص بوصف سكوت عما وراءه غير أن السكوت في موضع ~~الحاجة إلى بيان حجة على أن حكم المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنه لو لم ~~يكن كذلك لما حل السكوت عن بيانه مع وقوع الحاجة إليه، وفي غير موضع الحاجة ~~إلى PageV01P148 # البيان لا يكون حجة وفي مسألة الأولاد سكت المولى عن البيان في وقت ~~الحاجة إليه لأن دعوة الأولاد فريضة عليه متى علم أنهم منه نصا، لا بناء ~~على أنهم ولدوا على فراشه لأن في ذلك إثبات النسب على طريق استصحاب الحال. # ألا ترى أنه ينتفي بالنفي والواجب علة إذا علم أنهم منه بيان نصا حتى ~~يصير بحيث لا يحتمل النفي بعده. # ولأنه حين الدعوة لم يكن لواحد منهم فراش يغنيه عن النص فلما خص الأكبر ~~بالبيان وسكت عن الأصغرين مع الحاجة لو كانوا منه علم أنهم لم يكونوا منه، ~~ولم يحتج إلى بيان النسب في حقهم ليكون حملا لحاله على ما يحل له، ألا ترى ~~أنه لو قال: هذا ابني، وأشار إلى الأكبر كان الجواب هكذا وما هنا هنا تخصيص ~~بوصف بل بالإشارة وإنها تجري مجرى اسم العلم ولا إشكال أنه لا يتضمن نفيا. # فإن قيل: قد قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في شاهدين شهدا أن هذا الرجل ~~وارث فلان لا نعلم له وارثا آخر بأرض كذا: إن هذه الشهادة لا تقبل لأن ~~تخصيص بعض الأماكن بالنفي دليل على الإثبات من غيره. # قلنا: إنهما قالا إن الشهادة تتم بقولهما إنه وارث فلما زاد لا نعلم له ~~وارثا آخر وخصا موضعا اتهما بعلم الوارث في مكان آخر، والشهادات ترد ~~بالتهم. فأما الأحكام فلا تثبت بالتهم، وأبو حنيفة رضي الله عنه ms148 يقول: هذه ~~الشهادة مقبولة لأنهما سكتا عن النفي فيما عدا المخصوص من غير حاجة إلى ~~البيان، لأنهما لو سكتا أصلا عن النفي كانت الشهادة تامة والسكوت في غير ~~موضع الحاجة أن البيان لا يكون حجة فأما التهمة فليست تثبت بالتخصيص ~~لاحتمال أنهما خصا احترازا عن الكذب بعلمهما بوارث في مكان آخر ويحتمل ~~أنهما خصا احترازا عن الخبر بغير دليل كأنهما تفحصا عن الوارث في المكان ~~المذكور فلم يقفا عليه ولم يتفحصا عن الوارث في سائر الأمكنة، والنفي لا ~~يعلم علم مثله إلا بدليل التفحص، فإذا احتمل الأمرين جميعا لم تثبت التهمة ~~بالاحتمال إلا أنهما احتاطا لأمر الشهادة. ### | AUTO فصل # ومن ذلك الكلام المقرون به الاستثناء، فإن قدر المستثنى من الجملة لا ~~يثبت فيه حكم الجملة بالإجماع، وإنما لا يثبت عندنا لعدم النص الموجب في ~~حقه، والذي يدل عليه مذهب الشافعي- رحمه الله- أنه لا يثبت بمعارضة نص ~~الاستثناء النص المستثنى منه كما قالوا جميعا في العام إذا خص منه شيء لم ~~يثبت حكم العام في قدر ما تناوله الخاص لا بعدم العام فيه، ولكن بالنص ~~الخاص الذي ورد مبينا فالاستثناء عنده بمنزلة PageV01P149 # التخصيص إلا أن هذا متصل لفظا، وذاك منفصل لفظا. # وعندنا لا عمل لنص الاستثناء في الحكم وإنما ينعدم حكم الجملة في قدر ~~المستثنى لتناهي نص الجملة إلى قدر الاستثناء، كالإيجاب إلى غاية ينعدم ~~حكمه إذا انتهى إلى الغاية لا بنص الغاية بل بانعدام الأول إذا جاءت الغاية ~~كالصوم إلى الليل، وإباحة الأكل إلى الفجر ونحوهما. # ولنا ولهم مسائل تدل على صحة المذهبين على ما نذكرها بعد ذكر الحجة. # أما الشافعي فإنه احتج بكلام أهل اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات، ~~والاستثناء من الإثبات نفي، فقد أطبقوا على أن لنص الاستثناء حكم بخلاف حكم ~~الجملة المستثنى منها قال الله تعالى: {فشربوا منه إلا قليلا منهم}: أي إلا ~~قليلا لم يشربوا، إلا أنه لم يقله اختصارا لدلالة الصدر عليه بدليل عدم ~~ثبوت الشرب صفة لهم بموجب اللغة. # وكذلك قوله تعالى: {فلبث فيهم ms149 ألف سنة إلا خمسين عاما} أي خمسين عاما لم ~~يلبث فيهم. # وكذلك كلمة الشهادة (لا إله إلا الله)، أي إلا الله فإنه الإله لأنها ~~شرعت لنفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله تعالى وحده. # وكذلك قول الله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما* إلا قيلا سلاما ~~سلاما} أي إلا سلاما، فإنهم يسمعونه وقد نص الله عليه في قوله: {فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} ثم قال في قول ~~الله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين ~~تابوا من} أن ظاهر الاستثناء نص على أن التائبين ليسوا بفاسقين إلا أنهم لم ~~يدخلوا تحت خطاب التفسيق، فكذا يكون نصا على قبول شهادة التائبين لأنه بيان ~~ورد على الجملة في حق الزمان فينصرف إلى كل ما يتوقت كأن الله تعالى قال: ~~{إلا الذين تابوا} فإنهم بعد التوبة ليسوا بفاسقين وتقبل شهادتهم. # وقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء ~~بسواء" أي إلا سواء بسواء فإنه حلال، فيثبت به حكمان: حرمة البيع بالقدر ~~مطلقا، وحله إذا جاءت المساواة بالمعيار لا اتصال لأحدهما بالآخر. # فقال: إن الحبة بالحبة حرام وإن لم يكن لها حد بالمساواة في حالة بوجه. # وأما الحل فيتناول ما له معيار شرعي قال: ومثاله قول الله تعالى: {فنصف ~~ما فرضتم إلا أن يعفون} أي إلا أن يعفون فيسقط الكل فيثبت به حكم مخالف ~~للأول. PageV01P150 # فيكون الأول ثابتا في حق المجانين والصغائر، وحكم العفو ثابتا في حق ~~الكبائر العاقلات. # وقال فيمن أقر وقال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا إن قدر الثوب من الألف: ~~لا يلزمه لأن معناه: إلا ثوبا فإنه ليس علي من الألف لأنه لا يكون بيانا ~~إلا هكذا ثم عين الثوب لا يمكن أن يجعل بيانا من الألف في أنه لم يدخل تحته ~~فانصرف إلى قدر قيمته ليستقيم. # وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف- رضي الله عنهما- فيما إذا قال: لفلان علي ~~ألف درهم إلا ms150 كر حنطة: إن قدر قيمة الحنطة يسقط من الألف عنه. # ومتى جعل حكم الجملة ساقطا عن الاستثناء لعدم النص لم ينتقص من الألف ~~شيء، لأن عدم لزوم الحنطة إياه لمعنى أن الإقرار بالألف لم يتناوله ولا ~~يوجب نقصانا عن الألف المقر به على ما قاله محمد بن الحسن- رحمه الله-. # فجعل الشافعي الاستثناء تعرضا لحكم النص المستثنى منه كما جعل الشرط ~~تعرضا لحكم المرسل والله أعلم. # أما علماؤنا- رحمهم الله- فإنهم قالوا: إن الكلام إذا اتصل به الاستثناء ~~كان تكلما بالباقي بعد الثنيا، لأن الاستثناء في اللغة استخراج، ولم يستخرج ~~به بعض حكم الجملة، بل استخرج به بعض نص الجملة على سبيل البيان، وإنما ~~يكون بيانا إذا جعل غير ثابت كما في التخصيص للحكم متى كان تخصيصا، وبيانا ~~لم يكن من الأصل ثابتا، وعلم أن المراد به بعضه فكذلك إذا جاء الاستثناء ~~وهو بيان علم أن المراد به ما بقي، إلا أن الاستثناء تعرض للنص فتبين أن ~~بعضه غير ثابت، والتخصيص تعرض للحكم بنص آخر بخلافه. # والدليل على أن الاستثناء تعرض للنص قول الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما} فخمسون تعرض للعدد المثبت للألف لا لحكمه مع بقاء العدد، ~~لأن الألف متى بقيت ألفا لم تصلح اسما لما دونها. # وكذلك قول الله تعالى: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} تعرض للشاربين فإن ~~الشاربين هم الثابتين والقليل مستثنى منهم، ولما تعرض للعدد الذي تضمنهم ~~الشاربون فاستخرج عن جملتهم انعدم فيهم حكم النص المتناول للشاربين لانعدام ~~تناول النص إياهم بخروجهم بالاستثناء عن جملتهم. # ولما كان الانعدام فيهم لعدم تناول نص الشرب لم يحتج إلى أن يسقط الشرب ~~عنهم بمعارضة الاستثناء. # وهو كمن قال: لفلان علي ألف درهم إلا مائة لم يلزمه المائة لعدم الإقرار ~~لا لسبب PageV01P151 # مسقط وتبين أن الاستثناء يصير بمعنى الحد والغاية للمستثنى منه لانعدامه ~~عنده في نفسه ثم انعدام حكمه لانعدامه. # وهذا على مثال الشرط فإن الإيجاب متى علق به صار متعرضا لنفس الإيجاب بأن ~~أعدمه عن محله للحال فانعدم ms151 الحكم قبل وجوده، لانعدام الموجب لا لنفي الشرط ~~الحكم بعد وجود علته. # فالخصم مال إلى الظاهر في الفصلين فإن الإيجاب لولا الشرط موجب للحال ~~وجاء الانعدام ظاهرا بالشرط فجعله نافيا. # وكذلك النص العام لولا الاستثناء لأوجب عاما وإنما سقط حكم العموم في ~~البعض بالاستثناء. # إلا أنا قلنا انعدم الحكم بالشرط والاستثناء بواسطة انعدام العلة بهما من ~~الوجه الذي بينا فلا يكون انعدام الحكم بعد عدم العلة بعلة نافية للحكم. # وإذا كان كذلك صار الحكم الثابت بنص قرن به الاستثناء واحدا وهو الثابت ~~بالمستثنى منه. # وما للاستثناء في نفسه حكم غير حكم انعدام بعض ما نطق به. # بخلاف التخصيص لأنه لا يكون تخصيصا إلا بنص آخر معارض للأول في حكمه مبين ~~أن العام لم يرد به ما يتناوله الخاص من غير تعرض للفظ العام، بل مغير للحكم. # فأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات، فإطلاق على ظاهر الحال ~~مجازا لا حقيقة لأنك إذا قلت: لفلان علي ألف درهم إلا عشرة لم تجب العشرة ~~كما لو نفيتها، ولكن عدم الوجوب على المقر ليس بما ينافي الوجوب عليه بل ~~لعدم دليل الوجوب. # وكما قالوا ذلك فقد قالوا: أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا بد من الجمع ~~بينهما فيجعل الأول مجازا، وهذا حقيقة حتى قالوا بأن الاستثناء ضربان: ~~حقيقة واستثناء مقطوع وهو بمعنى "ولكن"، ثم قالوا: ما يكون من جنس الأول لم ~~يكن استخراجا لأنه لم يكن داخلا تحته فكان كلاما مبتدأ حكمه بخلاف الأول ~~فلا يتغير به أصل الثبوت بالأول، وإنما يتغير بقاؤه. # فإن قيل: إذا قيل: لا عالم إلا زيد، كان نصا على أن زيدا عالم، وكذلك قول ~~الناس: لا إله إلا الله ولو جعل الاستثناء تكلما بالباقي بعده لكان زيد ~~مسكوتا عن صفته. # قلنا: قول القائل: لا عالم لنفي صفة العلم أصلا، فلما قال: إلا زيدا صار ~~توقيتا PageV01P152 # لنفي الصفة به وقد ذكرنا أن الاستثناء بمعنى الغاية فإنا متى لم نجعل ~~هكذا لم يكن بيانا لتقدير النفي بما قدر وقد ms152 قدره لما استخرج بعض ما نفي ~~نصا، ولما صار توقيتا دل ضرورة على سقوطه بوقته وإنما يسقط نفي العلم ~~بالعلم ضرورة كالحركة لا تزول إلا بالسكون فيما يقبل الحركة والسكون، ~~والليل لا يزول إلا بالنهار، وكذلك كل ما يوقت ولا انعدام له إلا بضده دل ~~ضرورة أن وقته ضده، وعلى هذا كلمة التوحيد. # ولأن الآدمي لا يخلو إما أن يكون عالما أو غير عالم ما بينهما ثالث. # فإذا استثنى زيدا عمن ليس بعالم تعين عالما ضرورة لا بالنص. # وكذلك الموجود اسم لما هو مخلوق أو إله ما هناك ثالث فإذا استثنى الله ~~عما ليس بآله تعين إلها بالضرورة، فإذا عرفنا ما هذه الجملة لم يلزم آية ~~القذف لأنا ذكرنا أن حقيقة الاستثناء لبيان أن المستثنى لم يدخل تحت خطاب ~~المستثنى منه إلا أن لا يمكن فيجعل استثناء مقطوعا. # ولا يمكن حمل الاستثناء على الحقيقة في آية القذف لأن التائبين هم ~~القاذفون فهم الذين كانوا فسقة فجعل استثناء مقطوعا وصار بمعنى "ولكن إن ~~تابوا فالله يغفر لهم" فلا يتغير من ثبوت حكم الصدر شيء، وإنما يتغير بقاء ~~ما تنفيه التوبة، وهو الفسق لا على سبيل بيان أنه لم يدخل تحت الصدر، وليس ~~تحت التوبة قبول الشهادة لا محالة فالعبد العدل التائب لا شهادة له. # وكذلك آية العفو {إلا أن يعفون} استثناء مقطوع لا يبين أن التصنيف لم يكن ~~إذا جاء العفو فكان مقطوعا بمعنى ولكن إذا جاء العفو سقط الباقي بتصرف ~~طارئ، والاستثناء المقطوع بمنزلة نص آخر يعمل به بنفسه والأول بنفسه كما ~~قاله الشافعي رحمه الله، وإنما خالفناه في الاستثناء حقيقة كقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" فنقول: إن حكم هذا ~~النص واحد لأن الاستثناء استثناء على الحقيقة حتى يقوم الدليل على مجازه، ~~فيكون بيانا أن بيع الحنطة بالحنطة متساويين لم يدخل تحت النهي لأن النهي ~~لما تناهى إلى الاستثناء ولتناهيه سقط حكمه لا بمعارض مع حال قيامه عاما ~~فكذا حكمه يثبت متناهيا ms153 إلى حين التساوي، لأن الحكم يثبت بقدر سببها، فيثبت ~~به حرمة مؤقتة إلى حين التساوي كيلا والحكم بهذا الوصف لا يثبت إلا في محل ~~قابل لصفة التساوي وعدمه. # فأما محل لا يقبل صفة التساوي الذي بها وقتت الحرمة فلا يكون محلا لحرمة ~~مؤقتة بالتساوي كالحبة من الحنطة بالحنطة فإنهما بنفسهما لا يقبلان صفة ~~التساوي التي بها تزول الحرمة، وإنما يقبلان بحبات أخر تنضم إليهما. PageV01P153 # وكل ما لا ينهض لإفادة حكم إلا بما يوجد معه لم يسم بنفسه علة ولا محلا ~~ولا شرطا. # وكان كقوله: "لا تنكح الثيبة حتى تستأمر" فإنه نص واحد أوجب حرمة إلى ~~غاية، وهي حرمة نكاح امرأة تزول باستئمارها فلا يدخل تحته إلا امرأة صالحة ~~للاستئمار، وأما من لا تصلح إلا بوصف آخر لم يوجد بعد وهو البلوغ أو العقل ~~فلا تكون صالحة قبل ذلك على ما مر فلا يكون محلا لهذا الحكم المؤقت ~~بالاستئمار، إلا أن يحمل حتى تستأمر على البلوغ فيصير مجازا. # وكذلك قوله: إلا كيلا بكيل حتى يصير كيلا بكيل فيكون مجازا. # وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم، إلا ثوبا. لم يتعرض لما وجب بالجملة ~~لأنه استثناء مقطوع فلا يكون بيانا في حق ما دخل تحت الأول بل يكون معمولا ~~به بنفسه على حدة، فإن أوجب العمل به معارضة الأول في حكمه تعرض بحكم ~~المعارضة على ما مر وإلا سقط حكم البيان من كل وجه. # وههنا إذا جعل مقطوعا وجعل كأنه قال: لكن لا ثوب له علي لم يصر متعرضا ~~نفي الثوب حكم الوجوب الثابت بالإقرار فبقي هذا منفيا بنصه. # والأول ثابتا بنصه ولو أوجب دفعه لم يقدر لأنه يكون بمنزلة الرجوع بعد ~~الإقرار. # ولهذا قال محمد رحمه الله- في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة-: ~~إنه لا ينقص من الألف شيء، إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: إلا كر ~~حنطة إن لم يكن من جنس الألف تسمية فهو من جنسها في حكم الوجوب في الذمة ~~لأن المكيلات تجب في ms154 الذمة مطلقة بكل سبب كالأثمان، والثابت بالإقرار ألف ~~درهم واجب في الذمة فتعرض الاستثناء للوجوب إن لم يتعرض عن الدراهم فصار ~~بيانا إن قدر المستثنى غير واجب من الألف. # فأما الثوب فليس من جنس الدراهم تسمية ولا وجوبا لأن الثوب لا يجب في ~~الذمة مطلقا بكل سبب لا يثبت إلا سلما أو ثمنا مؤجلا، فأما استهلاكا ~~واستقراضا وثمنا حالا فلا. # فإذا لم يكن من جنس الدراهم اسما ولا حكما لم يصر بيانا في حق الحكم، ولا ~~الاسم، فبقي كلاما مبتدأ وأوجب نفيا مبتدأ. # وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد فيمن حلف: لا يكلم فلانا إلا أن يأذن ~~له PageV01P154 # فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين لأن الإذن بمنزلة التوقيت، كأنه ~~قال: حتى يأذن له فلان فيوجب اليمين حظرا مؤقتا بإذنه فلا يبقى به حظر ~~مطلق، ولو بقي الحظر بعد موته لبقي حظر مطلق. # فإن قيل: لو حلف لا يخرج من الدار إلا بإذني فأذن مرة لم تبطل اليمين، ~~ولو قال: حتى آذن لك بطلت اليمين إذا أذن مرة ففرقوا بين الغاية ~~والاستثناء. # قلنا: لأنهما لم يتناولا محلا واحدا لأن قوله: "حتى" دخلت على الحظر ~~الثابت باليمين فتوقف الحظر به "وإلا" دخلت على المصدر إي إلا خروجا بإذنه ~~فالخروج محظور بيمينه مطلقا، فلما استثنى خروجا بإذنه بقي ما عداه تحت ~~اليمين، كذلك فصار الاستثناء نهاية للخروج المحظور، وحتى غاية للحظر الثابت ~~باليمين لنفس الفعل لا للاسم والمصدر. # ومن هذا القبيل قول الشافعي إن الأمر بفعل رفع لضده، والنهي عن الفعل رفع ~~للأمر به، وهذا عندنا حكم السكوت على ما مر ذكره في أبواب الأوامر ~~والنواهي. # ومن ذلك قول بعض أهل النظر إن العام يخص بسببه وهذا عمل بالسكوت على ~~الإطلاق، وإنه على أقسام أربعة: # نص نقل معه سببه، كما روي: زنى ماعز فرجم، وسهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسجد، وكقوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} الآية. # ومنها ما لا ينقل معه سببه وإنه على أوجه ثلاثة: ms155 # ما لا يستقل بنفسه حتى يربط بسببه كقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} ~~قوله: بلى لا يستقل بنفسه فلا بد ا، يربط بسببه. # - ومنها ما يستقل وهو على ضربين: ما خرج جوابا للسؤال وكان السؤال سبب ~~خروجه ما فيه زيادة على حرف الجواب فيختص بالسبب كالرجل يقول لآخر: إنك ~~لتغتسل هذه الليلة في هذه الدار عن جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر. فإنه ~~يختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يحنث. # والوجه الآخر ما فيه زيادة يستغني عنها الجواب فلا يقتصر على السبب بل ~~يعم وفيه الخلاف كما لو قيل له: إنك لتغتسل الليلة في هذه الدار عن جنابة ~~فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر كان عاما حتى يحنث عن أي سبب اغتسل. # وأما الأول فلأنه لما نقل معه السبب صار النص حكما لذلك السبب، وحكم ~~العلة مخصوص بها لا يبقى بدونها مضافا إليها بحال ولا بد للبقاء دونها من ~~علة أخرى. PageV01P155 # وكذلك النوع الثاني لأنه متى لم يستقل بنفسه حتى يربط بما قبله من السبب ~~صار كبعض الكلام من جملة فلا يجوز تفصيله للعمل به. # وأما إذا استقل بنفسه فإن خرج مخرج الجواب وقت الحاجة إليه، وما فيه ~~زيادة على الجواب ابتنى على السؤال لأنه جواب عنه، وصار بمنزلة الحكم ~~للعلة- على ما مر- وبعض الكلام من الجملة فصار مقتضيا حكاية ما في السؤال ~~أي: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي حر. # وكمن إذا قيل له: تعال فتغد، فقال: والله لا أتغدى. اختص بذلك الغداء في ~~ذلك الفور. # فأما إذا كان فيه زيادة فتعم لأنا متى جعلناها جوابا لغت الزيادة ~~فجعلناها ابتداء لتصير معمولا بها وصار إلغاء الحال أولى من إلغاء الكلمة ~~في نفسها، لأن السبب ساكت عن إيجاب القصر عليه، والزيادة ناطقة بالعمل بها ~~بلا تخصيص. # وعلى هذا القول جمهور العلماء نزلت آية الظهار بسبب خولة ولم يقتصر عليها ~~لعمومها في نفسها وخلوها عن دلالة التخصيص. # ونزلت آية حد القذف بسبب عائشة- رضي الله عنها- فكانت عامة. ms156 # ونزلت آية اللعان بسبب سعد بن معاذ وكانت عامة. # ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار ~~السنة والسنتين فقال: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم" ولم يختص الخطاب بمن يسلف إلى أجل مجهول فيلزمه الخطاب إعلام ~~الأجل دون غيره، وإن كان سبب الخطاب إسلافهم إلى آجال مجهولة لأن النص ~~مستقل بنفسه خال عن قيد الخصوص غير سببه فلم يكن السبب بنفسه مخصصا. # ومن ذلك قول بعض أهل النظر ممن لا تبع له من نحارير الفقهاء: أن الاتفاق ~~في النظم يدل على الاتفاق في الحكم كقول الله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج} هذه كلمات نفي اتفقت نظما، ومعنى الاتفاق نظما ان يكون ~~الكلام جملا تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد كما لو وصل فوصل بينهما تكلما ~~بواو فهذه تسمى واو نظم فقد حسن بها نظم الكلام، وإن كان جملا كقولك: جاء ~~زيد، وتكلم عمرو. # فأما واو العطف فما دخلت بين جملتين إحداهما ناقصة فتمت بحكم تلك الواو ~~العاطفة على الولى حتى تصير بحكم الانعطاف مثل الأولى فيما تمت به الأولى ~~كقولك: PageV01P156 # جاء زيد وعمرو، فعمرو إنما يتم بخبر زيد، هذا حر وهذا، فهذا يتم بخبر ~~الأول، فهذا تفسير واو العطف. # وأما الذين قالوا؛ هذه الواو تدل على الاتفاق حكما، فشبهوا هذه الواو ~~بواو العطف، وقالوا: إذا تحقق العطف صار الكل كلاما واحدا كما لو تكرر ~~الخبر لكل اسم فيصير خبر الأول خبر بعينه للثاني ألا ترى أن خطاب الشرع ~~محمول على المتفاهم من مخاطبة العرب بينهم، والواحد منا إذا قال: عبده حر، ~~وامرأته طالق إن كلمت زيدا تعلق الأمران بالشرط وكل واحد جملة تامة فلو ~~اعتبرا منفصلين لما تعلق الأول بالشرط. # إلا أن نقول هذه الواو ساكتة عن جعل الجمل كلاما واحدا، وجعل خبر الأولى ~~خبرا للأخرى. لأن الخبر منصوص عليه بالأخرى فاستغنى عن خبر الأولى. # ولأنا متى جعلنا ذلك صار خبر كل جملة خبرا ms157 للجميع كما لو لم يوجد إلا خبر ~~واحد فإنه يكون خبر للجملة، وإنه ساقط بإجماع أهل اللسان. # فأما الواو فقد استعملت لا للعطف قال الله تعالى: {لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشاء} {وريشا ولباس التقوى} فلباس ابتداء لولا ذلك لما استقام ~~مخالفة المعطوف المعطوف عليه إعرابا، وكانت الواو لتحسين نظم المتكلم لا ~~غير فمن جعل واو النظم لإثبات الشركة بين الجمل فقد أثبت بها بما ليس ~~بموجبها لغة وعمل بما سكتت عنه وغنما يجب ذلك بدلالة أخرى توجب الوصل أو ~~الاشتراك. # ومن ذلك قول الله تعالى في آية القذف: {وأولئك هم الفاسقون} فهذه الواو ~~عندنا واو النظم لا واو العطف فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلم يلتحق ~~الاستثناء بالأولى. # وعند الشافعي هذه واو العطف وإنما واو النظم ما قبلها: {ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا} فهذا حكم مفصول عنده عن الجلد موصول بالفسق فانصرف الاستثناء ~~إليه، ولم ينصرف إلى الجلد ثم هذا من الشافعي عمل بالسكوت لأن كل واحدة من ~~الجملتين تامة خبر وجواب متى اعتبر ابتداء وإنما ينتقص إذا اعتبر جزاء عن ~~القذف وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة} يصلح جزاء دون الفسق لأن ظاهر الآية ~~شاهد بكون النصين جزاء {فاجلدوهم} {ولا تقبلوا} فإنه خطاب راجع إلى الأئمة ~~معطوفا على خطاب الجلد والأول جزاء فكان الثاني جزاء لأن النص وإن فهم ~~بنفسه فقد نقل معه سببه، وهو القذف فيجب ربط كل ما يصلح جزاء له به وجرح ~~العدالة يصلح جزاء كالجلد لأنه ضرب عقوبة إذا قوبل بقبول القول منه فبهذه ~~الدلالة جعلنا الواو الأولى للعطف. # فأما الفسق فلا يصلح جزاء فإن الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج ~~عن PageV01P157 # أوامر الله تعالى بمعصية يرتكبها فلا يقع الفرق بين قولنا: فسق، وبين ~~قولنا: عصى فيكون الفسق عصيانا لا بيانا لجزائه. # وكذلك النظم دليل عليه، لأنه لم يخاطب الأئمة، والأئمة هم المخاطبون ~~بإقامة الحدود كما في الزنا والسرقة بل أخبر عن صفة القاذف كما قال: ~~{فأولئك عند الله هم الكاذبون} أي: ms158 القذفة وإن كان خبرا يحتمل الحسبة ~~لإقامة الحد والمعصية لقصد هتك الستر فإنه متى عجز عن الشهود حتى حد صار ~~معصية وفسقا فأخبر الله بذلك لتزول عنها شبهة الاحتمال، وشبهة إيجاب الحد ~~عليه بما فعله محتسب ومتى لم يصر الفسق جزاء وهو كلام تام بنفسه صار ابتداء ~~فالشافعي متى قطع: {ولا تقبلوا} عن قوله: {فاجلدوهم} صار قاطعا بلا دليل من ~~النص ونحن متى قطعنا الفاسقين عما قبله قطعنا بدليل من النص نفسه فلم يلتحق ~~الاستثناء بما تقدم. # فأما قول الرجل: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيدا، فإنما التحق الشرط ~~بهما لأنه بين بأجزاء الكلام أنه حلف ولم يرسل الإيجاب، والحلف غير الإرسال ~~وتمام الحلف بالشرط والجواب فصارت الجملة الأولى ناقصة على اعتبار الحلف ~~لأنه لا شرط لها، فصارت الواو واو العطف كما لو كان إرسالا فقال: هذه طالق، ~~وهذه فإنهما تطلقان لأن الثانية ناقصة إرسالا فانعطفت على الأولى وشركتها ~~في خبرها، وصارت جملة واحدة فكذلك هذه اعتبرت يمينا، ونظير ما نحن فيه ~~قوله: لفلان علي ألف درهم ولفلان علي ألف درهم إلا عشرة فإن الاستثناء ~~يقتصر على الثاني. # ومن ذلك الجمع المضاف إلى جماعة كقول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}، ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} فمن الناس من قال: حقيقة هذا ~~الجمع تتناول جماعة أموال كل واحد من الجملة لأنها اسم جمع لولا الإضافة، ~~ومع الإضافة يمكننا العمل بحقيقة موجبها مطلقة فلا نخصها بغير دليل، وهذا ~~عند عامة العلماء عمل بلا دليل. # قال علماؤنا فيمن قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدين او دخلتما دارين ~~فأنتما طالقان، فولدت كل واحدة ولدا أو دخلت دارا واحدة طلقتا جميعا. # لأن هذه جماعة مضافة إلى جماعة فيجب تحقيق الجماعة المضافة بسبب الإضافة ~~حتى لا تصير الإضافة لغوا اعتبراها في الجماعة المعرفة بالإضافة، فإن ~~الإلغاء لا يجوز إلا بدليل، واعتمادهم على الجماعة ليس بدليل، لأن الجماعة ~~مقيدة بالإضافة ونحن نحققها كذلك. # فأما المطلقة فمعدومة كالإيجاب المعلق بشرط يكون سكوتا عما ms159 عداه، وعلى ~~هذا تفاهم الناس من خطابهم: لبس القوم ثيابهم ونعالهم وحلقوا رؤوسهم ومشطوا ~~لحاهم، ويقول الشاعر: PageV01P158 # وإنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب # ولا يكون لكل واحد إلا أنف، والله تعالى يقول: {فقد صغت قلوبكما} ولن ~~يكون لواحد إلا قلب، وقال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} الآية، ولم ~~يجب بالسرقة الواحدة من السارق والسارقة إلا قطع يد واحدة من كل واحد منهما. # ولو اوجب هذا الاسم جماعة الأيدي؛ في حق كل واحد منهما لوجب قطع الأيدي ~~جملة منهما بالمرة الواحدة، لأن الله تعالى جعل جزاء سرقة واحدة قطع ~~أيديهما. # فلما لم يجب إلا قطع يد واحدة، علم أن الجمع المضاف إلى جماعة، آحاد في ~~حق الآحاد. # وقال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} والمحظور على ~~كل واحد منهم حلق رأس نفسه بهذا الخطاب حتى لو حلق رأس غيره لم يلزمه الدم ~~المتعلق بحلق رأسه، وقال جل جلاله: {جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم}. # ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يخص بغرضه ولا يكون حجة فيما عداه وانه ~~بمنزلة التخصيص بسببه لأن المتكلم إنما يتكلم لغرضه فذلك الغرض سبب خروج ~~الكلام من المتكلم، ومن ذلك قولهم: إن كلام المدح والذم والثناء، ~~والاستثناء لا عموم له. وذلك قول بالتشهي لأن العام حيث قيل بعمومه، فإنما ~~قيل به لأن الوضع للعموم وإنه قائم مع كونه ذما أو مدحا أو استثناء، لأن ~~العرب تمدح العام بوصف عام، وقد تذم كذلك وقد تستثني كذلك فلا تدل هذه ~~الصفات على التخصيص وترك الحقيقة. # فهذه جملة ما ذكرنا من فنون الأقوال في هذا الباب فإن شذ عنا شيء فليقس ~~بما ذكرنا، فقد حددنا للعمل باللفظ حدا لا يعدوه، وهو العمل بنصه وإشارته ~~ودلالته ومقتضاه، وحددنا كل قسم بحد يمتاز به عن غيره، ليعلم أن ما لا يدخل ~~تحت الحد أنه عمل لا بالنص فلا يبقى إلا الرأي والقياس، غير أن الحدود التي ~~قلناها متقاربة، يشبه بعضها بعضا، لا يثبت قدم سالكها على ms160 الحد إلا بحد ~~التأمل. # فليشمر المهتدي لما أشرنا إليه أذيال خاطره، ثم ليستعن بالله فلا يضل، ~~فإن التخريج على هذه الحدود ورد كل نوع إلى نظيره أصعب انقيادا للقلب من ~~معرفة الأقسام بحدودها، وما التوفيق إلا بالله تعالى. PageV01P159 # باب ### | AUTO القول في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام # قد ذكرنا فيما مضى أن الكلام ضربان: حقيقة ومجاز، فإن المجاز لا يصل إليه ~~إلا بدلالة وربما يشكل على السامعين مجاز الكلام من حقيقته، وربما يشكل ~~أيضا المراد من النوعين ولا يمكن التبين إلا بروية فيقع فيه الاختلاف بين ~~أهل الروية فيحتاج إلى معرفة طريق التبين عند الإشكال ليمكننا الوصول إلى ~~المراد بالكلام. # وطريقته بالنظر في السبب الداعي إلى ذلك الاسم من تعريف الأسماء في باب ~~الوضعيات التي لا معنى لها، أو تعريف المعنى في المعنويات فما كان أكثر ~~إفادة كان أحق بالإرادة. # وظهور ذلك من أحد طريقين: # أ- إما بمحل الكلام. # ب- وإما بنفس الكلام في نوعي الكلام جميعا: حقيقته ومجازه، فصير أربعا. # أما من حيث المحل فنحو اللفظ العام فقد اختلف أهل العلم فيه. # فقال بعضهم: مطلقه ينصرف إلى الخصوص. # وقال بعضهم: إلى العموم. # وهذا أحق لأن بعض المحل الذي وضع الاسم علما عليه يبقى غير مراد به إذا ~~انصرف إلى الخصوص. # ولأنا لو جعلنا المراد به الخصوص، وقد وجدنا لذلك الخاص اسما خاصا، لصار ~~لمسمى واحد اسمان لغرض واحد، فيكون تكرارا فتقل فائدة أصل الاسم لأنه لأجل ~~الإعلام وضع. # والإعلام حاصل قبل الاسم المكرر وإنما يحصل بالتكرار التأكد وتوسعة ~~البيان فيكون دون فائدة أصل الوضع فلا يجوز ترك إكمال الفائدة إلى البعض ~~إلا بدلالة، فهما معنيان يدلان على ما قلناه مأخوذان من محل الكلام، وهو ما ~~يدخل تحته مسمى به لا من نفس الكلام، فإنه متى حمل على الخصوص صار تناوله ~~قدر ما تناوله تناولا بحقيقته كما لو عم. PageV01P160 # وأما ما يعرف من نفس الكلام وهو أقوى البابين وأكثر فقها فنحو قول الله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ms161 بما عقدتم ~~الأيمان} فقد اختلف أهل العلم في تفسير معنى اللغو؟ # قال علماؤنا- رحمهم الله-: لغو اليمين ما لا يفيد فائدتها المطلوبة منها ~~شرعا ووضعا، وهو تحقيق الصدق من الخبر الذي عقد عليه اليمين وإنما تنعدم ~~هذه الفائدة إذا كان الخبر غير محتمل للصدق. # وقال الشافعي: لغو اليمين ما جرى على اللسان من غير قصد. # وإجماع منا على جواز الإطلاق على كل واحد من المنعيين فنقول: # ما ذهبنا إليه أولى لأنا وجدنا للخارج من غير قصد اسما موضوعا له. # وهو الخطأ الذي هو ضد العمد. # والسهو الذي هو ضد التحفظ. # فمتى حملنا اللغو عليه كان تكرارا. # فأما الكلام الذي لا يفيد فائدته لانعدام شرط صحته لا لحال المتكلم فما ~~له اسم سوى اللغو قال الله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي الكلام ~~الفاحش الذي هو خلو عن الفائدة المطلوبة منه في الحكمة، ليس الكلام الخارج ~~من غير قصد فإن ذلك عفو لا عنت فيه وقال الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} أي عارضوا بالتعنت، وما ليس بصحيح في ~~الحكمة فلعلكم تغلبون بالمغالبة إن لم يكن بالمحاجة الصحيحة ولم يرد به: ~~تكلموا من غير قصد، فإن الأمر به لا يستقيم. # وكذلك الرجل إذا تكلم بالخنا قيل له: ألغيت: {وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما} أي صبروا عن الجواب، دل عليه أنه متى حمل على ما قالوا كان الفساد ~~لمعنى في القلب؛ الذي هو سبب التكلم فيصير لغوا لفساد السبب، وعلى ما نقوله ~~نحن يصير لغوا بنفسه لكونه غير مفيد وضعا ولا شرعا. # وكذلك العلماء اختلفوا في العقد؟ # فقال بعضهم: هو القصد. # وعندنا: العقد هو ربط اللفظ باللفظ لإيجاب حكم نحو: ربط اليمين بالخبر ~~المضاف إليه لإيجاب الصدق منه وتحقيقه، وربط البيع بالشراء لإيجاب الملك، ~~وهذا أقرب إلى الحقيقة لن العقد حقيقته؛ من حيث عقد الحبل إذا شددت بعضه ~~ببعض لأمر تريده لا يتم إلا به وضده الحل. PageV01P161 # تقول العرب: يا عاقد اذكر حلا. # ثم استعير للألفاظ إذا ms162 عقد بعضها ببعض لإيجاب حكم. # ثم استعير للقبل إذا عقد عزمه لأمر ما فصار عقد اللفظ أقرب غلى الحقيقة بدرجة. # ولأنا متى حملنا على عقد اللفظ بالإضافة إلى خبر يحتمل الصدق لينعقد ~~لإيجابه كان الانعقاد صفة لليمين نفسها. # ومتى حمل على القصد لم يصر صفة لليمين نفسها، لأن اليمين لا تكون بالقصد ~~حتى يتكلم بها وإنما القصد سبب خروج الحلف فتصير اليمين معقودة بسببه لا ~~بنفسه، ألا ترى ان ضد العقد الحل، فما ينعدم بالحل يكون عقدا حقيقة. # على ما نفسره نحن ينعدم بالحل فإن اليمين تنحل بالحنث فتنعدم، وضد العقد ~~الذي هو قصد القلب السهو لا الحل فلما لم ينعدم العقد بشرط الحنث الذي هو ~~حل، علم أنه حين وجد لم يكن عقدا حقيقة بل كان مجازا، وكان غيره حقيقة. # ومن ذلك اختلاف الناس في القرء؟ # قال بعضهم: حيض. # وقال بعضهم: إطهار. # فالقول بالحيض أقرب إلى الحقيقة لأن القرء: اسم معنوي للحيض أو الطهر بلا ~~اختلاف فلئن أخذ الاسم لهما من معنى الاجتماع كما في قول الله تعالى: {فإذا ~~قرأناه} أي جمعناه، ويقول الشاعر: # هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تجمع إلى رحمها ولد فالحيض أولى بهذا المعنى من الطهر لأن الحيض: ~~اسم لدم مجتمع في نفسه، فإن نفس الدم لا يكون حيضا حتى يدوم مدة وإن اختلف ~~الناس في تلك المدة. # وأما الطهر فليس بشيء مجتمع ولكنه حال لاجتماع دم الحيض بأن كان يجتمع ~~وقت الطهر ثم يدر. # ولئن أخذ هذا الاسم من الوقت المعتاد كما يقول الشاعر: # إذا هبت لقارئها الرياح # أي لوقتها المعلوم، ويقول آخر: # يا رب ذي ضغن وضب فارض .... له قروء كقروء الحائض PageV01P162 # أي أوقات معلومة، فالحيض أولى بهذا الاسم لأن الوقت المعلوم نصب للحيض ~~لنفس الحيض، ونصب للطهر لا لنفس الطهر، بل للحيض فإن النصب احتيج إليه ~~لإقامة الأحكام، والحكام تتغير بالحيض لا بالطهر. # وكذلك القروء: اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة كوامل والبعض مجاز على ما ~~نذكره، ولن يكمل الأطهار ثلاثة ms163 قروء قط للطلاق المشروع لن الطلاق شرع في ~~الطهر فيكون الجزء الماضي قبل الطلاق والمقارن إياه غير محسوب من العدة. # ومن ذلك اختلاف العلماء في (النكاح المطلق) أنه ينصرف إلى الوطء أو العقد ~~فالقول بالوطء أقرب إلى الحقيقة لأنه اسم معنوي مأخوذ من الظن يقول الشاعر: # أنكحت ضم صفاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا # أي: ألزمت وضممت، والضم إنما يتحقق بالجماع. فأما العقد فسبب للضم فكان ~~للوطء حقيقة وللسبب مجازا. # ومن ذلك اختلاف العلماء في ان أقل الجمع الصحيح للثلاثة أو للاثنين بعد ~~وجود الإطلاق عليهما جميعا. # والقول بأنه اسم للثلاثة حقيقة وللاثنين مجازا أولى لأن العرب فصلت بين ~~علامة الاثنين وعددهما، وعلامة الثلاث وعددها، كما فصلت بين الاثنين ~~والواحد فقالت: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة فما فوقهم. # فعلم أنها على الحقيقة أسماء لمسميات ثلاثة، وفي جعل الجمع اسما للاثنين ~~إثبات تكرار فيكون رجلان ورجال اسمين للاثنين ثم يجب على قياد هذا أن يكون ~~اسم رجلين اسما لثلاثة أيضا لما صارا واحدا. # وقد قال علماؤنا- فيمن حلف لا يكلم رجالا-: أنه على الثلاثة، وكذلك إذا ~~أقر بدراهم، لزمته ثلاثة، وكذلك الجمعة لا تصح إلا بالجماعة، ثم كان الشرط ~~ثلاثة من الجماعة فعلم انه أقل الجمع. # وقالوا- في سائر الصلوات-: أن الإمام إذا صلى بواحد قام بحذائه لأنهما ~~ليسا بجماعة والاصطفاف بعد الإمام من حكم الجماعة، ولو كان سوى الإمام ~~رجلان قاما خلفه صفا لأنهما جماعة مع الإمام والإمام منهم في حق الجماعة، ~~لأن صلاة الإمام تصح بلا جماعة، ولكن أمرنا ان تكون الصلاة بجماعة والصلاة ~~حصلت بثلاثة فكانت بجماعة. # فعلى هذا مسائل علمائنا إلا باب الوصايا فإنهم جعلوا الاثنين في حكم ~~الثلاثة في استحقاق الوصية المضافة إلى جماعة لأنها أخت الميراث، وقد قام ~~الدليل في المواريث ان الاثنين في حكم الثلاثة لا من جهة النص، فإن النص ~~قوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين PageV01P163 # فلهن ثلثا ما ترك} والنساء فوق الثنتين لا يتناولن الثنتين بلا إشكال، ~~ولكن من جهة دليل ms164 آخر تبين لنا ان فوق مؤخر والمراد به نساء اثنتين فما ~~فوقهما فلما ثبت ذلك في باب المواريث ثبت في الوصايا استدلالا بها، ولهذا ~~كان أقل الاسم على ثلاثة أحرف في أصل الوضع، لأن الكلام حروف مجموعة فكان ~~أقلها ثلاثة أحرف. # ومن ذلك موجب الواو فقد قيل: إنها للترتيب والإشراك، والجمع. # والصحيح ان الواو تقتضي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في خبره كأن الخبر ~~كرر في حقه شركة مطلقة من غير وصف المقارنة أو الترتيب أو غيرهما ذلك لأنا ~~وجدنا كلمة "مع" توجب المقارنة. # و"الفاء" توجب الترتيب بلا فصل. # و"ثم" توجب الترتيب بفصل. # فلو حملت الواو على أحد هذه المعاني لصار الاسم لذلك المعنى مكررا. # ولو حملت على شركة بصفة متعينة محتملة للقرآن والفصل والترتيب صار لها ~~فائدة جديدة، ألا ترى انك إذا قلت: جاء زيد وعمرو وكنت أخبرت عن مجيئهما ~~جميعا مطلقا، وكنت صادقا في الخبر، جاءا معا أو متفرقين او متعاقبين. # وقد يراد بها معنى بعينه بدلالة توجب زيادة الوصف كالاسم المطلق قد يختص ~~بقيد بدلالة، ولهذا قال علماؤنا: إن الواجب من غسل الوضوء غسل الأعضاء ~~مطلقا بلا تعيين وصف، من ترتيب أو مقارنة أو تفريق. وإذا قال لعبيده- وهم ~~ثلاثة-: هذا حر أو هذا وهذا عتق الثالث وله الخيار في الأولين. # وقال الفراء: له الخيار بين أن يعتق الأول او الآخرين لأن الواو للجمع ~~فيصير قوله أو هذا وهذا، كقوله: أو هذان كما إذا قال: هذه الألف لفلان ~~وفلان، كان بينهما كما لو قال لهما. # إلا انا نقول: الواو لا توجب صفة الجمع والمقارنة على ما قلنا، فلا يصير ~~الثالث داخلا تحت العتق مع الثاني بكلمة الواو وقد فرق بينهما لفظا فبقي ~~داخلا وحده كما تكلم وبقي الخيار بين الأول والثاني ويصير الثالث معطوفا ~~على الذي عتق لما بقي وحده إذ لا يصح العطف على الذي لم يعتق لن المراد ~~بالجملة الأولى الذي عتق فإن قوله هذا حر أو هذا كقوله: أحدهما حر، ولو ~~قال: أحدهما حر وهذا، عتق ms165 الثالث عينا لأنه لا جهالة فيه وقد عطف على حر ~~مجهول ألا ترى أن المعطوف يدخل تحت خبر المعطوف عليه كأنه كرر في حقه ومتى ~~جعلا مجموعين لم يستقم فإنه لا يستقيم أن تقول هذا حر وهذان حر بل يجب أن ~~يقال هذان حران. PageV01P164 # فثبت أن الصحيح أن يجعل كأنه قال: هذا حر أو هذا حر وهذا حر. # ولا يلزم مسألة الإقرار فإنا حملناه على الشركة على سبيل المقارنة ~~بدلالة، وهو أن أول الكلام موقوف على آخره فيما يخرج بيانا وهو بذكر فلان ~~وفلان يبين من يستحق المال ولا يستقيم البيان على معنى أن يجعل الكل للأول ~~ثم للثاني، وإنما يستقيم على سبيل الشركة على المساواة. # فإن قيل: أليس الرجل إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: إن دخلت الدار فأنت ~~طالق وطالق وطالق، فدخلت، لم تطلق إلا واحدة عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- ~~لأن التطليقات تعلقن مرتبة بحرف الواو، وعندهما: تقع جملة لأن الواو للجمع ~~فكأن قولك: هذا مما يخالف الأصلين؟ # قلنا: ما هذا الاختلاف من هذا الجانب بل أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إن ~~الطلاق الأول تعلق بالشرط بلا واسطة، والثاني تعلق به بواسطة بينهما، وهو ~~الطلاق الأول لأن كل واحد منهما تعلق حين ما تكلم به، وقد تكلم بهما في ~~وقتين فبالواو لا يجتمعان لأن الواو لا توجب الجمع وهما يقولان: تفرق أوقات ~~تعلق الطلاق بشرط لا يوجب تفرق الوقوع كما لو تكرر الشرط فلا يتفرق بالواو، ~~لأن الواو لا توجب التفريق. # ومن ذلك كلمة "أو" فقد زعم عامة الناس أنها للتخيير في الإثبات وللنفي في ~~النفي محتجين بقول الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} وكان للتخيير، وقال: {ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا} أي: ولا كفورا. # والصحيح عندنا أن كلمة "أو" كلمة تشكيك لأنا متى جعلناها للتخيير مرة ~~وللنفي مرة أخرى كان كلاما محتملا. # والأصل أن الاسم له معنى واحد، ويدل عليه أنك إذا قلت: رأيت زيدا ms166 أو عمرا ~~أخبرت عن رؤية كل واحد منهما على سبيل الشك، واحتمال أنك لم تره لا يفهم ~~غير ذلك حتى تصير كاذبا إذا رأيت أحدهما بعينه وأنت تعلمه أو رأيتهما جميعا. # ولأنك إذا قلت: رأيت زيدا وعمرا أوجب الواو رؤيتهما. # وإذا قلت: رأيت زيدا بل عمرا فكان "بل" لإقامة عمرو مقام زيد في الرؤية ~~على سبيل استدراك الغلط به. # وإذا قلت: رأست زيدا أو عمرا أخبرت أنك لم ترهما يقينا وإنما رأيت ~~أحدهما، ولكنك شككت في معرفة ذلك منهما حتى احتمل كل واحد منهما ان يكون هو ~~المرئي وأن لا يكون، فتكون لهذه الكلمة فائدة على حدة إلا أنها إذا استعملت ~~في الإيجابات والأوامر والنواهي والإنشاءات لم توجب شكا لأن الشك إنما ~~يتحقق عند التباس العلم PageV01P165 # بشيء وذلك إنما يكون في الإخبارات، وأما الإنشاءات من إيجاب وأمر ونهي ~~وتحريم وهي لإيجاب حكم مبتدأ، فلا يتصور فيهما شك ولا التباس وإذا بطل معنى ~~الشك إذا استعملت في غير الخبر. # قلنا: إن دخلت بن أمرين أو إيجابين أوجبت التخيير لما ذكرنا أنها إذا ~~دخلت في الخبر نفت دخول المذكورين جميعا تحت ما أخبر به وثبت أن المراد به ~~إما هذا وإما هذا لما ذكرنا أن اللفظ يتناول كل واحد منهما على سبيل الشك، ~~وإنهما ليسا بثابتين معا. # وإذا انتفى معنى الشك في الإيجابين بقي المعنى الآخر وهو أن الثابت إما ~~هذا، وإما هذا فأوجب ضرورة التمكن من أداء الواجب لأن الأداء لا يتصور إلا بمعين. # وإذا دخلت بين إباحتين كقولك: جالس الحسن أو ابن سرين، وكل هذا الطعام أو ~~هذا، صارا جميعا مباحين لأن معنى الشك باطل لما قلنا في الأمر. # وكذلك معنى الخيار إنما وجب للتمكن من أداء الواجب، على ما ذكرنا ولا ~~وجوب في الإباحة فلم يثبت الخيار. # وإذا دخلت بين نفيين أو تحريمين كقول الله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا} صارت بمعنى "ولا"، وكذلك إذا حلف فقال: والله لا أكلم فلانا، أو فلانا. # لأن معنى الشك ساقط ms167 لما ذكرنا في الإيجاب. # ومعنى الخيار ساقط لأنه لا فعل عليه في التحريم والخيار كان لضرورة ~~الإمكان من الفعل فبقي معنى دخول كل واحد منهما على الإنفاد بلا خيار. # وكذلك إذا قال: ما رأيت زيدا أو عمرا، لو انصرف إلى نفي رؤية أحدهما دون ~~الاخر لصار بمعنى قوله: رأيت زيدا أو عمرا فيكون حينئذ النفي والإثبات ~~واحدا، بل لما ثبت بقوله رأيت زيدا أو عمرا رؤية كل واحد منهما على الشك ~~صار ذلك بعينه منفيا بقوله: ما رأيت زيدا أو عمرا، فأوجب دخول كل واحد ~~منهما تحت النفي على الانفراد وصار كقوله: ما رأيت زيدا ولا عمرا، لا ~~كقوله: ما رأيت أحدهما. وإن كانا يتفقان معنى. # وأما إذا دخل بين نفي وإثبات، كقوله: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل ~~هذه الدار الأخرى. كان بمنزلة "حتى" فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل ~~الدار الأخرى سقطت اليمين إلى بر لأن عمل "أو" في النفي عمل بلا شك، وعمله ~~في الإثبات بأن لا يثبت إلا أحدهما فاعتبر في حق الدار الأولى بنفيين كأنه ~~قال: والله لا أدخل هذه الدار أو هذه الدار، وفي الدار الأخرى بالإثباتين، ~~كأنه قال: والله لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار فإذا دخل في أحدهما بر في ~~يمينه وتمت اليمين برا فكذا ههنا إذا دخل الدار الثانية. PageV01P166 # ثم البر بهما وما ينتهي إليه بر اليمين معقودة على النفي كان غاية، ~~قالوا: وإذا قال والله لا أكلم الناس غلا فلانا أو فلاتا كان له أن يكلمهما ~~جميعا لأن الاستثناء من الحظر إباحة، وقد ذكرنا أنها في الإباحة توجب إباحة ~~كل واحد مما دخلت عليه، كقولهم: كل هذا أو هذا، والله أعلم بالصواب. PageV01P167 # باب ### | AUTO القول في الحجج المجوزة من الشرعيات # وهي التي توجب العمل بها دون العلم. # فلما أوجبت العمل بها كانت حجة. # ولما لم توجب العلم- والعمل بغير علم باطل في الأصل- سميناها مجوزة، حيث ~~جوزت العمل بغالب الرأي في ثبوتها بلا علم حقيقة توسعة علينا. # وهي أربعة انواع: ms168 # الآية المؤولة: لكونها مشكلة قبل التأويل، أو مشتركة، أو مجملة. # والعام الذي ثبت خصوصه، على ما مر من الأنواع التي لا توجب العلم قطعا من ~~كتاب الله تعالى. # وخبر الواحد أو خبر الصحابي. # والقياس، لأنا ما عرفناها حجة إلا بضرب من الرأي. # فالتأويل ما آل إليه أمر النص بالرأي على ما مر. # وكذلك خبر الواحد إنما صار حجة بضرب رأي ذكرناه من بعد فإنه محتمل للكذب، ~~وليس بحجة يقينا. # وكذلك خبر الصحابي لأنه ممن يجوز عليه الغلط كما يجوز علينا إلا أنا ~~رجحنا رأيهم على رأينا إما بخبر الواحد أو بضرب اجتهاد. # وأما القياس فمحض الرأي. PageV01P168 # باب ### | AUTO القول في الآية المؤولة # وقد مر تفسيرها وإنما أعدنا لبيان جواز التأويل بالرأي، وكونها حجة فقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من ~~النار" والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنا جوزنا التأويل دون التفسير- وقد يبق الفرق بينهما- فالتفسير: ~~بيان لا يبقى فيه شك وشبهة ويضلل مخالفه، ومن ادعى ذلك برأيه وضلل مخالفه ~~فسق كالخوارج والروافض وكان لهم النار. # والثاني: أن هذا الوعيد لمن فسر برأيه، ورأيه على الإطلاق ما استفاد ~~بنفسه دون شرعه، وإنما يستفيد من نفسه رأي الهوى وما فيه مصالح دنياه، ~~وحصول مراده فمن فسر القرآن بهذا الرأي فسق أو كفر كالروافض. # وإنما يجوز له التفسير بالرأي الذي أفادته الشريعة بأن عرف أصول الشرع ~~وإشاراته وما يبتنى عليه أمر دينه فأول المشكل على ذلك، ولفق بين المتناقض ~~منه ظاهرا، فيكون هذا تفسيرا برأي الشرع لأنه ما استفاد هذا الرأي إلا من ~~الشرع وقد اشتغل به الصحابة، والسلف الصالحون إلى يومنا هذا ومتى لم نجوز ~~هذا لم يمكننا الخروج عن طعن الملحدين في القرآن، والله أعلم. # فإن قيل: كيف تكون الآية المؤولة حجة مع احتمال الغلط والله تعالى يقول: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم}؟ # قلنا: إن المؤول وإن احتمل الغلط فإنه يجوز العمل به إذا ترجح أحد ~~الوجهين على الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح ms169 علم مثله، وهو علم الظاهر دون ~~الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، ~~وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر محتملا في الجملة ~~توسعة علينا كما جوزوا العمل بالخبر الواحد على ما نذكره، وبالقياس مع ~~احتمال الغلط، وقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ورد فيما لا علم له به ~~أصلا لأنه نكرة في النفي والعلم له مراتب على ما بينا في آخر الكتاب. # وإنما يذم الإنسان إذا قصر في الطلب فاقتصر على أدنى منازل العلم، وقد ~~أمر ببلوغ الأقصى فأما ما دام في الطلب وللعلم درجات فحميد منه سعيه وإن ~~كان قولا بما لا علم له به يقينا لأنه لا وسع له إلا ذلك ولا تكليف إلا به، ~~والله أعلم. PageV01P169 # باب ### | AUTO القول في الخبر الواحد # اختلف العلماء في الخبر الواحد على أربعة أقوال؟ # فقال جمهور العلماء: إنه حجة، وإن لم يكن المخبر معصوما عن الكذب. # وقال بعضهم: لا يكون حجة حتى يبلغ عدد الشهادة. # وقال بعضهم: لا يكون حجة أقصى عدد الشهادة. # وقال بعضهم- ممن لا يعتبر خلافه خلافا-: لا يكون خبر الواحد حجة في باب ~~الدين إلا أن يكون معصوما عن الكذب أو يبلغ حدا ذكرناه في التواتر لقول ~~الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}؟ والعلم لا يقع بخبر احتمل الكذب ~~وقال: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} وقال: # ولأنا لا نعمل بالنص المحتمل لوجهين، وغن كان كل واحد منهما مما يجوز ان ~~يكون شريعة فلأن لا نعمل بالذي يحتمل الصدق والكذب- والكذب باطل- أولى وأحرى. # قال: ولا يلزمنا العمل بالشهادة لأنا تركنا هذا الأصل بكتاب الله تعالى ~~بخلاف القياس فلا نقيس عليها غيرها. ولأن حقوق العباد ليست كأصل الشريعة ~~فإنها باب يثبت بإيجابهم وتصرفهم وبهم ضرورة إليها، ولا يمكنهم إظهارها ~~بدليل لا يبقى فيها شك وشبهة، وأما الدين فحق الله تعالى، والله تعالى قادر ~~على إظهار حقه بما يوجب العلم فلم يجز إثباته بما دونه كما لا يجوز إثبات ms170 ~~أصل الدين من التوحيد والنبوة، وصفات الله تعالى بما فيه شبهة. # واما جمهور العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى} وبقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} الآية، فالله تعالى توعدهم بالكتمان ~~وبترك البيان، وحقيقة هذه الإضافة تتناول كل واحد من آحاد الجمع على ما مر ~~ذكره في الجمع المضاف إلى جماعة. # ولأن أخذ الميثاق علينا من أصل الدين والخطاب بأصل الدين، وإن تناول ~~الجماعة فكل واحد منهم مخاطب به على حدة بالإجماع وبالدلائل التي لا شك ~~فيها ولما افترض PageV01P170 # البيان على كل واحد من الجملة دل ضرورة أنه مقبول منه ذلك وواجب قبوله ~~كما كان يجب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كل مأمور بشيء إذا أتى ~~به كما أمر كان القبول منه حقا له، وقال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون} والفرقة اسم لجماعة أقلها ثلاثة، والطائفة منتزعة منهم فيكون بعضهم ~~وبعض الثلاثة واحد او اثنان وقد يسمى الواحد طائفة قال الله تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} روي أنهما كانا رجلين، وقد دلت عليه الآية: ~~{فأصلحوا بينهما} إلى قوله: {فأصلحوا بين أخويكم} ولم يقل بين إخوتكم. # وإن جعلنا الطائفة جماعة فهي إلى العشرة وخبرهم يحتمل الكذب. ولن أحدا لم ~~يقل أن الطائفة او الفرقة اسم جماعة بلغوا عددا نشترطه في التواتر، والله ~~تعالى أمر الطائفة بالتفقه ثم بإنذار قومهم بما تعلموا، ولو لم يكن قولهم ~~حجة لما وقع به إنذار ولا حذر. # فإن قيل: إن الله تعالى أمر به الطوائف أجمع. # قلنا: قد ذكرنا أن الجماعة المضافة إلى جماعة حقيقية آحاد في حق كل مضاف ~~إليه كقولنا: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم، ولأنه قال: {إذا رجعوا ~~إليهم} علق الإنذار بالرجوع، ولا يتصور الرجوع من الطوائف كلها إلى قوم ~~واحد منهم لأنه اسم للعود بعد المسير عنهم وإنما يسمى الآتي ms171 ابتداء قادما. # ولأن الواجب لو كان اجتماع الطوائف والدوران على الناس لكان أمرا مشهورا ~~لا يخفى ذلك. # ولو كان الحق متعلقا بذلك لوجب نقل ذلك كما نقلت الطهارة وسائر الفرائض، ~~ولكان لا يندرس أثره فلما لم ينقل علم أنه لم يكن. # ولو وجب ذلك لما تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عنه. على ~~أن الحجة قائمة مع الاحتمال لأنهم إذا اجتمعوا وداروا وجب الحذر من قولهم ~~وبيانهم بظاهر الآية، وبعد الاجتماع جائز عليهم الاتفاق على الكذب عادة ~~وإنما يصير الخبر حقا من الجماعة إذا كانت الجماعة جماعة لا يتوهم عليهم ~~الاتفاق يقينا على الكذب عادة، والاتفاق على الكذب عادة يتوهم على ~~المجتمعين عادة. # فإن قيل: إنما يلزم الواحد البيان، ولكن لا يلزم السامع القبول حتى ~~يكثروا كالشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة ولكن لا يجب على القاضي العمل ~~حتى يتم العدد. # قلنا: إن الله تعالى ألزم البيان ليحذر الناس ولم يشترط عددا فمتى لم ~~يلزم العمل PageV01P171 # بذلك البيان إلا بعدد لم يقع الحذر إلا بزيادة فيكون نسخا ولا يكون ~~تأويلا، ألا ترى ان الله تعالى ما ذكر الشهادة للعمل بها إلا مقرونة بالعدد ~~وما ذكر عددا في باب الدين، وعلى ان الشاهد إذا علم أنه لا شاهد غيره لا ~~يلزمه الأداء وظاهر الآية يدل على وجوب البيان على الآحاد. # وكذلك قوله تعالى: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} وإنه يتناول الآحاد فصار الأمر من كل واحد أمرا بالمعروف ونهيا عن ~~المنكر بنص الكتاب فيجب القبول منه. # ووجه آخر أنا نعلم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعيش إلا ~~بأكل، وما كان يزرع بنفسه ليعلم طيبة الخارج يقينا بل كان يأكل مما يهدى ~~إليه أو يشتري أو يدعى إلى طعام على ما يخبره الخبر من غير نزول وحي في كل ~~ذلك حتى أكل الشاة المصلية فلم يسغها فسأل عن شأنها فأخبروه بالقصة فأمر ~~بالتصدق. # ووجه آخر انا نعلم يقينا أنه كان مبعوثا إلى ms172 الناس كافة، وإنه لم يأت ~~الجميع بنفسه وإنما أرسل إليهم، وكتب وأنه أدى ما حمل من الأمانة فلو لم ~~يكن خبر الواحد حجة أو الكتاب، لما كان ذلك تبليغا، ولكان تجنب الأمانة ~~وهذا غير جائز. # ووجه آخر أنا نعلم يقينا أن المخدرات ما كن يحضرنه لتعلم الدين وكن يعلمن ~~من جهة أزواجهن، والقوام عليهن، ولو لم يكن خبرهم حجة للزمهن الخروج إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولو فعلن لاشتهر ذلك كما اشتهر اجتماع الرجال ولم يخف. # ووجه آخر هو أن البلاد النائية افتتحت على عهده مثل بلاد اليمن والبحرين ~~وما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بل بعث إليهم من علمهم، ~~وهداهم من الخلفاء على مثال سير الملوك في ولايتهم اليوم فلو لم يكن خبر ~~الواحد حجة لما جاز ذلك وللزمهم الخروج بأجمعهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولو وجد ذلك لكان أمرا مشهورا ظاهرا لا ينكتم على أحد. # ووجه آخر ان الله تعالى جعل الشهادات حجة موجبة حتى لو امتنع القاضي عن ~~العمل بها فسق وهي لا توجب علم اليقين فدل على أن العمل واجب بالحجة أوجبت ~~علم يقين أو ظاهر يحتمل غيره. # فإن قيل: باب الديانات أعظم من باب معاملات الناس في حقوقهم! # قلنا: لزوم القاضي أن يعمل بالشهادة من الدين ويجب حقا لله تعالى، وفرضا ~~من فروضه حتى إذا تركه فسق وأثم [برفضه]، ولو لم ير العمل به حقا كفر، وحق ~~العبد سبب للوجوب حقا لله تعالى كما تجب الزكاة حقا لله تعالى بسبب ماله ~~فما بينهما فرق بل هذا فوق ذلك ثبوتا على ما نذكر بعد هذا، فإنا نشترط ~~العدد في الشهادات دون الأخبار. PageV01P172 # على أن خبر الواحد قد يقع في باب الدين وفي غيره كرجل يقول هذا الماء ~~طاهر أو نجس، وهذه هدية فلان بعثها إليك، وأنا وكيل فلان بالتصرف في ماله، ~~والخلاف ثابت في الكل فإن سلموا هذه الوجوه، ولا بد منها لتقوم به مصالحهم ~~إن حقائق الأملاك لا ms173 تعرف بأسباب الملك فلعل الذي باعك غاصب، كان الباقي ~~قياسا عليه. # لأنك متى صدقته، وعملت به اعتقدت الحل. # ومت كذبته اعتقدت الحرمة. # واعتقاد الحل والحرمة دين وليس من حقوق الناس في شيء. # فإن قيل الكلام في الأحكام الشرعية فإنها تثبت إلا من جهة الرسول، ولم ~~يجز نصبها بعده، وكان معصوما عن الكذب فلم تقع الضرورة إلى معرفتها بما لا ~~يوجب العلم، فأما ما نحن نضطر إليه مما يحدث كل يوم وكل ساعة، ولا يمكننا ~~البناء على اليقين فجائز العمل بما لا يوجب العلم يقينا دفعا للضرورة. # قلنا: إن الكلام فيما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام، ~~وحدث لنا من العلم بها وذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحدوث ~~حوائجنا إلى مصالحنا، وطريق اليقين إلى الكل مسدود كما في المعاملات التي ~~تكون منا لأنه لا طريق إليها يقينا إلا الآيات المحكمة من كتاب الله تعالى ~~وقلما يوجد ذلك، بل أكثرها مؤولة، وعمومات لحقها الخصوص وبقيت غير موجبة يقينا. # وكيف تكون يقينا وللناس اختلاف في بعض السراق بعينه أيقطع ام لا؟ وكذلك ~~الزاني، فلا يضلل بعضهم بعضا، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي ~~بالشاهد وباليمين في عصره وكان يقول: "إنما انا بشر مثلكم وإنكم تختصمون ~~إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما ~~أقطع له قطعة من النار" فأخبر أنه يقضي بالظاهر كسائر البشر. # فتبين ان الله تعالى شرع لنا وعلينا العمل بما يوجب علم اليقين، وما لا ~~يوجب اليقين توسعة ونفيا للحرج، وغنما يختص باليقين ما يرجع إلى الاعتقاد ~~بلا عمل يلزمنا من معرفة الله تعالى وصفاته وأحكام الآخرة، ومعرفة النبوة، ~~وما هو من أصل الدين الذي بدونه ينهار ركن منه. # ووجه آخر أن الأخبار المروية في الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يحكم بخبر الواحد وكذلك الصحابة، وظاهر مثل الشمس عمل الصحابة بأخبار ~~الآحاد. # وكذلك السلف وقد أوردها محمد بن الحسن. PageV01P173 # وكذلك ms174 أصحاب التصانيف ما يضيق كتابنا عن ذكرها ونحن سكتنا عنها اختصارا ~~واكتفاء بما فعل الناس وتقرر في قلوبهم، ولعلمنا ان خصومنا متعنتون، وانهم ~~منكرون كل ذلك فاشتغلنا بما لا يمكنهم الإنكار من الأمور التي هي على مثال ~~المحسوسات دل عليه ما بينا بإجماع الصحابة، وبنص الكتاب أن القياس حجة وأنه ~~دون خبر الواحد. # فإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله في كتاب "الاستحسان": إذا تزوج ~~الرجل امرأة فأخبرته امرأة عدل أنها أرضعتهما لم تحرم عليه. # قلنا: لأن هذه الحرمة لا تثبت إلا بزوال ملك الزوج، وخبر الواحد ليس بحجة ~~في حقوق الناس، إزالة وإثباتا، ولهذا لم تفصل المنازعات الجارية بين العباد ~~في حقوقهم بالإخبار. # لأن أصل المنازعة لا يثبت فيما بينهما لهما إلا بحقهما حتى يكون شهادة أو ~~يمينا، ففي اليمين زيادة صدق للخبر لا توجبه عدالة المخبر. # وكذلك في لفظ الشهادة ثم قصر العدد على أربع وشاهدين، وواحدة في باب ~~النساء أمر عرف شرعا لا لعلة معقولة، إذ لو كانت معقولة لما اختلف العدد، ~~ولما اختلفت، وقبلت شهادة القابلة وحدها وكانت حجة، وقبلت شهادة خزيمة ~~وحدها، علم ان زيادة العدد ليست لإفادة أصل العلم بل لحكمة اختص الله تعالى ~~بعلمها فلم نقس عليها سائر الأخبار التي ليست من قبيل تلك المنازعة. # ويحتمل أن يقال: إن المنازعات في حقوق الناس تجري بينهم لهواء أنفسهم ~~فتكون أشد من باب الديانات فغلظ بتخصيص اللفظ الدال على الوكادة من الحلف ~~والشهادة، وكذلك زيادة العدد، والله أعلم. PageV01P174 # باب ### | AUTO القول في أقسام المخبرين # أقسامهم أربعة: # أ- الصبي العاقل والمعتوه بعد البلوغ، ومن بمنزلتهما ممن به نقصان عقل ~~ومعرفة بعد وجود أصل العقل والمعرفة. # ب- والعاقل التام العقل الفاسق، ومن بمنزلته ممن انعقد له سبب تهمة الكذب ~~في خبره. # ج- والعدل الضابط الذي لا تهمة له سوى أنه غير معصوم عن الكذب. # د- ورسل الله وأنبياؤه- عليهم السلام- المعصومون عن الكذب. # فأما المجنون ومن بمنزلته كالنائم والمغمى عليه: فلا عبرة بهم لأنه لا ~~معرفة لهم ولا تمييز. # والخبر إنما يقبل ms175 لما فيه من الإعلام، وكذلك أصل الكلام إنما يصح ممن له ~~معرفة إخبارا كان أو إنشاء لأنه اسم لصوت مفهم وحروف منظمة أعلاما على ~~أعيان وأفعال. # هذا حد الكلام في الشاهد فلا يصير صاحب الصوت من أهله إلا بعد المعرفة ~~والتمييز بين الاسم والاسم لينطق به على وجهه فيصير الكلام قبل المعرفة ~~وسائر الألحان من ألحان الطيور بمنزلة كلام السكران. # فإنه إذا أنشأ شيئا يلزمه واعتبر صحيحا منه عقوبة له بأن بقي مخاطبا غير ~~معذور بالتباس عقله لسكره لأنه كان منه بفعل هو معصية. # فأما إذا أخبر فلا يقبل منه ولا يعمل به لأن حكمه في صدقه لا عينه فالعين ~~وإن صح لقيام الخطاب لم يثبت معنى الصدق، لأنه أمر لا يبنى على الخطاب بل ~~على ما يزيل جهة الكذب، ولم توجد هذه الشريطة فأشبه إقرار المكره. # فأما الصبي العاقل ومن بمنزلته فخبره مقبول في البعض دون البعض على ما ~~نبينه في البا الذي يلي هذا الباب لبيان أقسام المخبر عنه لأنه ينطق عن ~~معرفة، وهذا حد صحة الكلام. # إلا أنه لا ضابط له لنقصان عقله وغلبة هواه، والخبر صحته من حيث يعمل به ~~في صدقه وتمام ذلك في ضبطه بعد المعرفة فقبل خبره في البعض دون البعض على ~~ما نبين PageV01P175 # الحد بينهما، والمعتوه بمنزلته لأنه هو الذي اختلط عقله ولم يزل، وكذلك ~~المغفل هو الذي به غلبة النسيان فلا يبقى له ضبط لما يسمع فيلتحق بغلبة ~~النسيان بالذي انتقص عقله أو به غفلة عن التأمل والتحفظ فليلتحق بالعاجز عن ~~الحفظ بترك استعمال الآلة. # وأما العاقل البالغ الفاسق: فقد أخبر عن عقل تام وضبط إلا أنه متهم ~~بالكذب لفسقه، فإن الفسق في ارتكاب الإنسان ما اعتقده حراما في دينه فأما ~~إذا ظهر منه ذلك وفيه مكابرة لدينه وعقله، فإن عقله يلزمه إقامة دينه اتهم ~~أيضا بالكذب مكابرا لعقله ودينه. # والكافر العدل في تعاطيه بمنزلته فيما يخبر من أمور الدين لظهور العداوة ~~فيه بيننا وبينهم، والعداوة سبب تحمل المرء على مكابرة ms176 عقله فيما يضر بعدوه. # وكذلك كل من أخبر على عدوه أو أخبر لمن اتهم به كالأب لولده ونحوهم ~~فهؤلاء كلهم متهمون بالكذب بأسباب باعثة على الكذب لا بقلة الضبط وخبرهم ~~مما يجب التثبت فيه، لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} الآية، إلا ~~في بعض الأحوال على ما يأتيك بيانه في الباب الذي يليه. # ولهذا المعنى يجب التثبت في القسم الأول إلا فيما استثنى بدليله لأن ~~التهمة بسبب الغفلة ونقصان العقل تقرب من تهمة قصد الكذب بأسباب باعثة عليه ~~مع كمال العقل. # وأما العدل: فخبره حجة لترجح جهة صدقه على جهة كذبه، على ما مر في الباب ~~الأول، ولا يبطل إلا بمعارضة. # وأما خبر الرسل: فحجة موجبة علما يقينا لقيام الدلالة على عصمتهم عن ~~الكذب كرامة من الله تعالى حتى صلحوا لنقل رسالته، وخبرهم من قبيل ما مضى ~~من الحجج الموجبة. PageV01P176 # باب ### | AUTO القول في بيان أقسام ما كان خبر الواحد فيها حجة # هذه الأقسام أربعة: # منها الأحكام الشرعية كلها التي تحتمل النسخ والتبديل، وهي من فروع الدين ~~لأن الأحكام على ما شرعت حق الله تعالى علينا يلزمنا أن ندين الله بها. # ومنها حقوق العباد مما يجب لهم وعليهم مما يقوم به مصالحهم العاجلة التي ~~اشترك فيها أهل الملل كلهم. # والثالث: المعاملات التي أبيحت لنا وكنا مختارين في إنشائها مما يتعلق ~~بها اكتساب تلك الحقوق. # والرابع: حجر يلحقنا لحق الغير فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال صيانة للحد ~~الذي بين ما للمرء ولغيره مما ظهر ذلك من الناس أجمع في أملاكهم وولاياتهم ~~وأفعالهم. # فأما ما لله تعالى فخبر الواحد فيها حجة ويجب العمل به بلا شرط عدد معلوم ~~ولا لفظ معين بل بشروط تراعي المخبر على ما يأتيك بيانه في بابه. # فأما حقوق العباد فلا يكون الخبر حجة لهم ولا عليهم عند المنازعة إلا ~~بعدد معلوم، ولفظ معلوم وشرائط معدودة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن ~~حقوق الله تعالى، وموضع معرفتها كتاب تقسيم فروع الفقه. # وأما المعاملات فخبر كل مخبر ms177 صحيح العبارة فيها حجة يجوز العمل بها. # وأما الحجر فقد شرط أبو حنيفة رضي الله عنه لصيرورة الخبر حجة أحد شرطي ~~الشهادة إما العدد وغما العدالة، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وذلك ~~في الوكيل يبلغه خبر العزل، أو العبد المأذون يبلغه خبر الحجر، أو المولى ~~يبلغه أن عبدك قد جنى فإنه يلحقه الحجر عن التصرف فيه إلا باختيار الأرش. # أما الفصل الأول: فإنما لم نشترط زيادة عدد ولا تعيين لفظ لأن احتمال ~~الكذب لا يرتفع بنفس زيادة العدد ولا تعيين لفظ فلم نشتغل به ولأن نقل ~~الأخبار كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف ولم يبلغنا ~~شرط زيادة عدد ولا تعيين لفظ إلا احتياطا، فقد روي أن عليا رضي الله عنه ~~كان يحلف الراوي فروى له أبو بكر الصديق فصدقه ولم يحلفه، ألا ترى اللفظ ~~والعدد لما كان شرطا في باب حقوق العباد كيف ظهر ذلك ولم يختلف باختلاف ~~الشاهدين في العدالة. PageV01P177 # وأما القسم الثاني: فإنما شرطنا العدد واللفظ بنص الكتاب لأنها شرعت حجة ~~لفصل منازعة ثابتة بين اثنين بخبرين صحيحين متعارضين من الدعوى والإنكار، ~~فلم يقع الفصل بجنسه خبرا بل بنوع خبر ظهرت مزيته في التأكيد على غيره من ~~يمين أو شهادة ثم ضرب احتياط بزيادة العدد وهذا المعنى معدوم في حق أحكام ~~الله تعالى، فإن الذي لم يبلغه الخبر لم يكن يعمل به لعدم الدلالة لا لدليل ~~موجب عملا بما كان عليه فكانت الحالة أخف من حال قيام المنازعة بدليلين ~~صحيحين شرعا، أعني خبر المنكر والمدعي لأن الشرع جعل خبر كل ذي عقل في ~~الأصل حجة وإنما الرد بعوارض. # وأما المعاملات: فإنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعى ~~إلى الطعام وكان يجيب البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر وكان يصدقه. # وكذلك الأسواق القائمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا ~~هذا قائمة بعدول وفساق، والشراء مباح من الكل إلا أن يقع في القلوب تهمة ~~الكذب ms178 بأمارات غير فسقهم بزناهم وشرب الخمر وما لا يتصل بالأموال، وقد نص ~~عليها محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان". # ولأن هذا إخبار عن أمر من امور الدين لأن الحل والحرمة دين ولا دليل مع ~~السامع ينازعه به كالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلمبل السامع متمسك ~~بأصل كان لعدم الدليل على زواله فلم يشترط لفظا عينا ولا عددا كما في الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أخف من ذلك. # وذلك لأن للناس ضرورة في التصرف مع الناس لإقامة مصالحهم، ومع وكلاء ~~الملاك وأكثر الناس أبدا فسقة فلو لم يجز التصرف إلا مع العدول لانسد باب ~~التجارات وضاق الأمر على الناس والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فلم ~~نشترط العدالة لذلك. # بخلاف الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا ضرورة بنا إلى تصديق ~~الفاسق بعد قيام المعارضة بين صدقه وكذبه، وإن بعدنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإن حكم الله تعالى في تلك الحادثة ممكن إقامته بالقياس الصحيح ~~الذي شرع حجة بلا معارضة حتى إذا تعارض القياسان حل له العمل بما يقع في ~~قلبه أنه الحق، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في القسم الرابع: ان ~~خبر الفاسق حجة وإن كان واحدا. # واما الحجة لأبي حنيفة رضي الله عنه في القسم الرابع: أن المخبر عنه من ~~جنس الأول لأنه خبر عن تصرف المالك بحكم ملكه فإن له الإطلاق والحجر، إلا ~~أن في هذا إلزاما عدم في الإطلاق ذلك، فأشبه من هذا الوجه القسم الثاني من ~~حقوق الناس التي تجب لهم وعليهم فصار بينهما، فشرط لصحته أحد شرطي الشهادة ~~من عدد أو عدالة بخلاف الرسول فإن قوله وحده حجة في هذا الباب وإن كان ~~فاسقا، لأن الموكل قد يبدو له في العزل للوكيل، فلا يجد عدلا ولا اثنين فلو ~~لم تقبل رسالة الفاسق لضاق الأمر على PageV01P178 # الناس ولما أمكن ذا الحق تدارك حقه وهذا المعنى معدوم في حق المخبر لأنه ~~يخبر من ms179 عند نفسه وماله حق يفوته إذا كذب، ولو أراد ذو الحق تدارك حقه ~~لأرسله فلما لم يرسله؛ والعزل غير صحيح على غيب، علم أنه ما قصد التدارك. # فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدد مع قيام الفسق؟ # قلنا: كما قلنا في الشهادة مع قيام العدالة في الواحد والاثنين، وقد نص ~~محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر ~~بطهارته، وأحدهما فاسق والآخر عدل: أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين: ~~توقف، وغن كان أحد الفريقين رجلين: فخبرهما أولى فرجح بالزيادة كما رجح ~~بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله، ومن جانب رجلان، ~~ومن جانب رجل فقول الرجلين أولى، والله أعلم. PageV01P179 # باب ### | AUTO القول في أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم # الراوي إما أن يكون معروفا بعلمه ونسبه، أو مجهولا ما عرف إلا بحديث رواه ~~أو بحديثين. # ثم كل واحد منهما إما أن يكون ظهر من الصحابة أو السلف رضي الله عنهم. # رد عليه أو قبول منه. فيصيرون أقساما أربعة. # أما المشهورون: فنحو الخلفاء الراشدين، والعبادلة الثلاثة رضي الله عنهم. # وأما المجهولون: فنحو معقل بن يسار، وسلمة بن المحق، ووابصة بن معبد، ~~وسائر الأعراب الذين ما عرفوا إلا بما رووا. # ثم خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح. # فإذا خالف نظر: فإن كان الراوي من أهل الفقه والرأي والاجتهاد رد القياس بخبره. # وإن لم يكن من أهل الفقه والرأي رد خبره بالقياس. # أما الأول فلأن الخبر أولى في الجملة من القياس، لأن الخبر في الأصل حجة ~~يقينا، وإنما وقع الإشكال في نقل الناقل والرأي في أصله إشكال في حق ~~الإصابة، ولأن شبهة الرأي من حيث أنه لعله لم يبلغ حيث كان الحق، وشبهة ~~الرواية من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان، فيكون لا محالة بعارض فكان دون ~~الذي يتوهم من قبل عدم علة الإصابة. # ولأن القائس استشهد بوصف هو ساكت عن إيجاب ما ادعى، وإنما جعله شاهدا ~~بضرب إشارة من الشرع والراوي استشهد بكلام مبين. ms180 # فالرأي للقياس مقام السماع للخبر، وبينهما تفاوت في الإصابة. # والوصف الذي به جمع القائس بين الأصل والفرع مقام النص المنقول وبينهما ~~تفاوت في الإبانة وقد اشتهر من الصحابة والسلف ترك الرأي بالخبر الواحد، ~~وإثبات الحكم بخلاف القياس فسموه معدولا به عن القياس وأبوا القياس عليه. # وأما الذي ليس من أهل الفقه، فلأنه قد ثبت ثبوتا ظاهرا الرد على أبي ~~هريرة بالقياس، وكان رضي الله عنه من المشهورين المعدلين روى أبو هريرة رضي ~~الله عنه: "الوضوء مما مسته النار"، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ~~أنتوضأ من الماء PageV01P180 # السخن أو نتوضأ من دهن ندهن به؟ فرده بالقياس، ولم يشتغل بالسنة ولو كان ~~لا يجوز الرد بالقياس لما احتج به أو كانت عنده سنة لما سكت عن أقوى ~~الدليلين أو لكان يتفحص عن التاريخ ليعمل بالآخر منهما، ولأن السنة المروية ~~بخلاف هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكتف مؤربة فأكلها وصلى، ولم ~~يتوضأ وأنه يوجب تخصيصه في حق اللحم لا رده. # فإن قيل: وقد قال له أبو هريرة: إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال! # قلنا: نعم، ولكن أبو هريرة رضي الله عنه وإن جل قدره فلا يعارض مع ابن ~~عباس في الفقه والعلم، فقد ظهر آثار ابن عباس ظهورا ما يخفى على أحد وما ~~لأبي هريرة إلا الرواية، وكان عمر يستشيره في أكثر الحوادث وكان يقدمه على ~~كبار من الصحابة رضي الله عنهم، وكان يقول: غص يا غواص، ويقول: شنشنة ~~أعرفها من أخزم، وهو مثل تمثلت به العرب لتشبيه الولد بوالده، وكان يريد به ~~مدحه على رأيه. # فقد قيل: لم يكن لقريش رأي مثل رأي ابن العباس رضي الله عنه ألا ترى أن ~~السلف الصالحين عملوا برد ابن عباس دون رواية أبي هريرة فصار إجماعا. # وكذلك روى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة، فردت عائشة رضي الله عنها ~~بقول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وإنها عامة تقبل التخصيص. وقال ~~عامر الشعبي: لو كان ms181 شر الثلاثة لما انتظرنا بالحامل عن زنا إلى أن تلد، ~~فرده بالقياس. # وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت، وأشارت إلى أبي هريرة: ألا تعجب من ~~هذا وكثرت حديثه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده ~~عاد لأحصاه. # فثبت أن العدل ممن ترد روايته بالقياس إذا لم يكن ذا فقه، فإن أبا هريرة ~~ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زر غبا تزدد حبا" وكذلك حفظه ~~فإنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعا له بالحفظ" ومع ذلك رد ~~حديثه بالقياس، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون ~~نقل الخبر بالمعنى على ما نذكر. # ولما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون نصه لفظ الراوي نقلا لما فقه من ~~المعنى. # فإذا لم يكن فقيها صار متهما بالغلط لما خالف معنى لفظه القياس الصحيح ~~فالتحق برواية الصبي والمغفل فرد. PageV01P181 # وإذا كان الراوي فقيها لم يتهم، وعلم أنه ما نقل بخلاف القياس بالاجتهاد ~~فإنه عليم بطريقه وعامل به، فلا يظن به تركه برأيه بل بمحكم نص ما احتمل ~~الموافقة، ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة، وبيع العرية بالقياس فإنهما لم ~~ينقلا عن فقيه. # ولما ثبت ما قلنا في رواية أبي هريرة فمن لم يبلغه في المنزلة شهرة وصحبة ~~مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مثله في باب الرأي والفقه أولى به إلا ~~أن يكون حديثا نقل السلف عنهم وعملوا به، لأنهم كانوا أهل فقه وضبط وتقوى ~~وكان ظهر منهم رد ما خالف القياس من روايتهم، فيدل قبولهم الواحد من بين ~~الجملة على عملهم بصحته من طريق آخر. # وأما المجهول فخبره حجة إن نقل عنه السلف، وعملوا به لما ذكرنا في الباب الأول. # وكذلك إن سكتوا عن الرد وإن لم يظهر العمل به لأن ms182 النقل للعمل به في ~~الأصل، ولو كان مما لا يجوز العمل به في الأصل لما كان يحل لهم السكوت عن ~~بيانه والوقت وقت الحاجة إليه. # فأما قبل الظهور فيعمل به إن وافق القياس ولا يعمل به إن خالف لأنه في ~~الرتبة دون أبي هريرة بكثير، بدليل ما روي أن معقل بن يسار روى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضاء عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه بمهر المثل لامرأة كان مات عنها زوجها قبل الدخول بها ~~ولم يكن سمى لها مهرا، فسر عبد الله بذلك وقبله لما وافق رأيه، ورده علي ~~رضي الله عنه لما خالف رأيه. # فإن قيل: كيف تقبل روايته وهو مجهول لم تظهر عدالته ولا ضبطه؟ # قلنا: رواية المشهور بالعدالة عنه من غير رد عليه تعديل إياه، ولأن الأصل ~~في العقلاء العدالة والضبط حتى يثبت غيره من واحد على الخصوص أو الجنس على ~~العموم فيصير كل واحد منهم متهما به وهذا المجهول ما عرف بذلك على الخصوص، ~~وكان من قرن كان الغالب عليهم العدالة والضبط، وهو قرن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى هذا أمر التابعين والصالحين على ما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ~~يفشوا الكذب" فأما اليوم فرواية المجهول لا تقبل حتى تظهر عدالته لغلبة الفسق. # وعلى هذا تأويل قول أبي حنيفة رضي الله عنه في الشاهد أنه يقضى به قبل ~~التعديل، لأنه كان في القرن الثالث. PageV01P182 # على أن الخبر المحتمل للكذب والصدق لا يكون باطلا بل يجب التثبت فيه ~~ليتبين، فإذا وافق القياس ترجحت جهة صدقه فيكون حجة من الكل. # ويحتمل أن يقال: أن خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس، وخبر المجهول ~~مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذي ظهرت عدالته والذي لم تظهر ~~ليكون رد العدل لعارض تهمة وقبول غير العدل بعارض دليل. # قال عيسى بن أبان في ms183 حديث عمر رضي الله عنه حين روت فاطمة بنت قيس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض لها بنفقة ولا سكنى- وكانت طلبت النفقة في ~~العدة عن طلاق بائن- قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ~~بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت؟ أنه أراد بالكتاب ~~والسنة القول بالقياس فإنه ثابت بالكتاب والسنة على ما نذكر، إذ لو كان ~~عنده خبر يخالفه لروي، ولكان أيضا يشتغل بالتاريخ ليعمل بآخرهما، وقد قبل ~~هذا الحديث من وافق قياسه هذا الخبر. # فإن قيل: عمر رضي الله عنه إنما رد حديثها بتهمة الكذب والنسيان وبهما ~~يرد كل خبر وإن وافق القياس! # قلنا: لو أراد به ذلك لقال: لا نقبل، ولما قال: لا ندع كتاب ربنا، فلما ~~ذكر الكتاب- والمراد به القياس- علم أنه رد بسبب مخالفة القياس. # ولأنه قال: لا ندري هذا من هذا، وهذا حكم الجهالة بحالها لا حكم العمل ~~بالكذب، والله أعلم. PageV01P183 # باب ### | AUTO القول في شرائط الراوي # الشرائط أربعة: العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام. # أما العقل: فلأن الكلام اسم في الشاهد لحروف مجموعة وضعت أعلاما على ~~المسميات، فما لم يعقل، ولم يميز الاسم عن الاسم لم يوجد منه إلا الصورة ~~بلا معنى، فلا يكون كلاما، كالآدمي لما كان اسما لصورة لها معنى لم تكن ~~الصورة من خشب آدميا، فالعقل والمعرفة أصل لصحة الكلام من المتكلم ولهذا لا ~~يعد صياح الطيور كلاما، وإن انتظم له حروف وسمي ألحانا، وكذلك الإنسان إذا ~~نظم حروفا فصاح بها بما ليست بلغة لم يسم متكلما. # وأما الضبط: فلأن الباب لبيان قسم ما هو خبر والصحيح من الخبر الذي يتعلق ~~به موجبه صدقه لا كذبه، والصدق لا يتصور إلا بعد ضبط لما سمع إلى أن نقل، ~~فكان معنى الصدق للخبر ليثبت به موجبه لمعنى المعرفة لأصل الكلام. # وأما العدالة: فلأن السامع بعد المعرفة والضبط قد يصدق وقد يكذب، وهذا ~~الباب لبيان خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا يصير خبره حجة على ms184 احتمال ~~الكذب والصدق حتى يترجح جهة صدقه على كذبه وذلك بالعدالة، فإن تفسير العدل: ~~من اتقى محظور اعتقاده، والكذب محظور عقده عقلا وشرعا، فيكون منفيا عنه ~~بظاهر عدالته فتصير جهة الصدق راجحة، فيجب العمل بها. # وأما الإسلام: فلأن الباب لبيان رواية أحكام الشرع، ومن خالفنا دينا ~~يعادينا على شريعتنا بغير حق، عداوة لا تكون بعدها نهاية، والعداوة بغير حق ~~تبعت العدو على السعي لرده ما أمكن فيصير متهما بالكذب على شريعتنا ليهدمها ~~بما ليس بشرع. # فهذه تهمة كذب لا بنقصان حال ولكن بزيادة حال، وهو العداوة حتى لم تقبل ~~شهادتهم بحق على المسلمين، ولهذا لا تقبل شهادة ذي ضغن بغير حق على أخيه، ~~ولا شهادة الأب لولده لأن شفقة الوالد تبعثه على الكذب لولده كما لا تقبل ~~إذا شهد لنفسه، والله أعلم. PageV01P184 # باب ### | AUTO القول في حدود هذه الشروط # أما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره ~~الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة ~~حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب ~~الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على ~~سنن أفعال العقلاء. # إلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئا فشيئا، وكان يتعذر علينا ~~ضبطه من كل صبي. # فحد الشرع لاعتداله حدا بالبلوغ تيسيرا علينا ونظرا للصبي حتى لا يبقى في ~~عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه ~~العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعا دليلا. # على أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن ~~الله تعالى حكم به نظرا له لا عقوبة. # لأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه ~~أعظم عهدة. # ولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر ~~شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعا العاقل البالغ. ms185 # فأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن ~~نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقا. # فصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه. # ومن عد عاقلا باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة ~~العته، فهذا هو العاقل المطلق. # فأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل ~~المطلق الثابت حقيقة وشرعا والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور ~~العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه. # وأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه ~~عدل PageV01P185 # العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق. # وضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات. # وضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له. # والعدالة أيضا قسمان: # أ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه ~~فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعا فكان عدلا ظاهرا. # ب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا ~~يرتكب ما اعتقده حراما بدينه وعقله كان عدلا، لاستقامته على سواء الحجة، ~~وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار ~~عن المحظور. # وبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى ~~النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير ~~الرجل عدلا من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت ~~الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل ~~في باطن أمره. # ثم محمد بن الحسن- رحمه الله- ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب ~~فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمرا فاحشا لم تذهب ~~عدالته إلا بالإدمان عليه. # وهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده ms186 ~~وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط ~~الانزجار عن الصغائر مطلقا لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادرا لأن ~~لله تعالى في كل لحظة أمرا ونهيا فلم يشترط تيسيرا، إلا أن يدوم لأن الرجوع ~~غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي ~~هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه. # ولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالا عندنا، ~~وفسق اعتقادا لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه ~~التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع ~~الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته. # وكذلك يجعل الكافر عدلا لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم ~~خبره PageV01P186 # لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من ~~أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تدينا لا يدل على فسق لا تدين به بحال. # وكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف ~~لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب ~~الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حراما بدينه وعقله لا غير. # وأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان: # أ- طرف وقوع العلم له حين السماع. # ب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم. # حتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئا معتبرا كما لو سمع صياحا لا معنى ~~له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ~~ضبطا وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطا. # ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن. # فأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة. # وأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، ~~وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان ms187 العرب. # ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهرا وباطنا كالعدالة والعقل ~~وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل ~~المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل ~~المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع ~~فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر. # فإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟ # قلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم ~~يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى ~~حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز ~~الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة ~~بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى. # وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم ~~الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع ~~منها على وجهه فيصير متهما بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداء ~~بنقل من لا يحسن لغة العرب. PageV01P187 # ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى. # ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ~~ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل. # ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية. # قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا ~~الناس إلى كتاب الله تعالى". # وعن عمر رضي الله عنه: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا شريككم". # وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد". # وعن ms188 عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريبا منه أو كما قال. # وكان أبو هريرة رضي الله عنه يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة ~~رضي الله عنها وأشارت إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أما تعجب من هذا وكثرة ~~روايته ما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بكلمات لو عدها عاد ~~لأحصاها. أو نحوا من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة ~~بموضع التوقف للحزم. # وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس ~~نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة ~~مبالاته. # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "كنا نروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد ~~تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما ~~فيه الضبط والدين والورع. # وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان: # أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة. # ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع ~~أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلما ~~على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئا منها كان كافرا. # قال محمد بن الحسن- رحمه الله- في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها ~~تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن ~~الشرط PageV01P188 # أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى. # وكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون ~~مؤمنا به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم ~~يكن إيمانا بعيسى هو رسول الله صلى ms189 الله عليه وسلم وعبده، وهذا من أهم ~~العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك. # فإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان ~~مسلما حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا ~~عجز واستحسانا أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر ~~وعالم أيضا، وأيضا حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه. # فإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبدا، لأن الرق لا يؤثر ~~في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على ~~غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها ~~تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه. # وأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب ~~طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع ~~إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه ~~القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون ~~القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه. # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة" ما فيه إلزام ~~السامع شيئا لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة ~~إلا بإبرة، لم يكن هذا خطابا يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه ~~لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق يدان الله به. # ولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ~~ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا ~~شهادتها، ألا ترى أن كثيرا من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخبارا وتلقتها ~~الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل ms190 أنه كان قبل العتق أو بعده. # ولو كانت الحرية شرطا لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان ~~يجيب إلا بخبره أن PageV01P189 # المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخبر ~~المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه. # وكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان يقبل ويصدقها على ذلك. # وثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللا في العلم ولا في ~~العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه ~~عند الأداء، والعمى يوجب خللا فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن ~~بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز. # ولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير ~~حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم ~~غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه. # ولأن كثيرا من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: ~~عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع- رضي الله عنهم-. # وكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية ~~العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة ~~العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب ~~الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس ~~بشرط في روايتهم الأخبار. # ولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع ~~من كل شهادة. # ولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن- ~~فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة رضي الله عنها كانت من علماء ~~الصحابة رأيا ورواية، والله أعلم. PageV01P190 # باب ### | AUTO القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط # قال القاضي: إما أن ms191 يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علمه بعد ما تذكر ~~بالنظر فيه. أو يكون الكتاب إماما لا يتذكر ما فيه. # وإذا كان تذكرة لم يخل عن تذكرة سماع أو كتاب إليه من الراوي بالحديث عنه ~~أو رسالة أو إجازة. # فالسماع والإجازة ضرب والكتاب إليه والرسالة ضرب لا سماع فيهما حقيقة. # وإذا كان الكتاب إماما فهو ضربان أيضا: # إما أن يكون كتابه بسماعه وخطه أو سماعه بخط غيره والخط معروف، والكاتب ~~ثقة أو سماع أبيه بخط أبيه أو راوي معروف بالرواية معروف الخط، فسماعه نوع ~~وسماع غيره نوع. # أما إذا كان الكتاب للتذكرة قبلت الرواية لأنه لا فرق بين التذكر بالتفكر ~~وبين التذكر بمذكر إذ في الحالين جميعا روى عن ذكر ولا يمكن اشتراط أن لا ~~ينسى لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مخصوصا به على ما قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} وعلى أنه قد ~~استثنى {إلا ما شاء الله}، وروي أنه كان يقرأ في الصلاة فتردد في آية. # وهذا إذا كان صحيحا علمه ابتداء بأن كان سماعا فعلى الحد الذي مر من قبل. # وأما إذا كان علمه بالكتاب إليه. # فإن كان كتابا على وجهه على رسم الكتب وثبت الكتاب بحجة يثبت بمثله ~~الكتاب وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فحدث عني هذا الحديث بهذا الإسناد، حل له ~~الرواية وقبلت منه روايته، وإن علمنا به، لأن الكتاب من الغائب بمنزلة ~~الخطاب من الحاضر، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأمورا ~~بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغه مرة بالخطاب، ومرة بالكتاب ومرة ~~بالرسالة، وكذلك اليوم يثبت بالكتاب من السلاطين إلى الرعية ولاية السلطنة ~~والقضاء ويثبت به الوكالات، ويقع به الطلاق، والرسالة بمنزلة الكتاب بل ~~أولى لأن الرسول يضبط كالكتاب ثم ينطق والكتاب لا ينطق. # وأما الإجازة فالرواية بها لا تحل حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم ~~يقول الروي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به. PageV01P191 # فأما ms192 إذا قال له الراوي: أجزت لك الحديث عني بما فيه، والسامع غير عالم ~~به فلا يحل له، فإنا قد ذكرنا أنه لو سمع، ولم يعلم لم يحل فكيف الإجازة. # وهذا كما قالوا في القاضي يشهد الشاهد على كتابه أو المقر على صك عليه، ~~والشاهد لا علم له بما فيه أن شهادته باطلة. # وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: جائز ذلك إذا كان ~~الكتاب معلوما بنفسه وصورته بحيث يعلم ما يزاد فيه أو ينقص منه، فأما ما ~~كان على غير ذلك ينبغي أن لا يحل بحال لأنه لا يدري عند الشهادة أنه ذلك ~~إلا أن يشهد على كتاب ويسلمه إلى الشاهد فيصير كالمختوم. # والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه إذا لم يعلم بما ~~فيه كان الضبط بالخط والختم وكل ذلك يحتمل التغيير فإن الخط يشبه الخط ~~والكتاب يشبه الكتاب وكذلك الختم. # ثم الإجازة إذا صحت كانت كالسماع وحلت الرواية بحدثنا، أو خبرنا جميعا ~~لأنهما خطاب. # فأما الكتاب والرسالة فإنما نقول: أخبرنا بكذا، ولا نقول: حدثنا، كما ~~نقول: أخبرنا الله بما أنزله من كتاب ورسول، ولا نقول حدث ولا كلم، وكان ~~موسى عليه السلام مخصوصا بالتكليم. # فأما إذا كان الكتاب إماما فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقال: ~~إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطه ووثق به أو كتاب أبيه بخطه ~~وله ثقة بعلمه بخط أبيه حلت له الرواية كما لو سمعه، وتذكر سماعه ما فيه، ~~وعلى هذا يجب أن يحل له إذا علم أنه خط راو معروف فلا فرق بين خط أبيه وخط غيره. # وقال أبو يوسف في باب القضاء: إن القاضي إذا رأى خطه بقضاء فلم يتذكر حل ~~له العمل بذلك إذا كان قمطره بخاتمه. # وقال أيضا- في الشاهد- أنه يحل له أن يشهد بخطه وإن لم يتذكر. فعلى هذا ~~تحل له الرواية بالخط وإن لم يتذكره. # وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أنه لا يحل له إلا بعد ~~التذكر ms193 ولا تقبل روايته عن الخط بنفسه. # وهذا هو الصحيح لأن الخط في الأصل لم يوضع إلا للتذكرة فما في عينه إعلام ~~وإنما الكتاب للقلب بمنزلة المرآة للعين، وإنه لا عبرة بالمرآة إذا لم تر ~~بها العين وجهه فكذا الكتاب إذا لم يتذكر القلب به علما. PageV01P192 # وعن إبراهيم النخعي: أنهم كانوا يكرهون الكتابة ثم أباحوا بعد ذلك لكسل ~~حدث بالناس، وكذلك القرآن كان محفوظا بالقلوب ابتداء ثم كتب مخافة النسيان. # فإن قيل: أليس كتب ليحفظ به، فلو لم يكن عينه حجة على القارئ لما كان حافظا؟ # قلنا: التحفظ به على سبيل أنه مذكر كالمرآة على ما قلنا لا أنه حجة بنفسه ~~فإن الخط غير ناطق بنفسه، ولكن مذكر بصورته وقد يشبه الخط الخط شبها لا ~~يمكن التمييز بينهما فيقع بالبناء عليه ضرب شبهة يمكن الاحتراز عنه بالجد ~~في الحفظ فلا يلغو اعتبار تلك الشبهة بنسيان يكون بالتقصير في الحفظ وما ~~فسد دين الأديان إلا بالبناء على الصور دون المعاني. # ألا ترى أنا لا نقبل رواية الأخرس وإن كانت له إشارة معلومة معقولة لضرب ~~شبهة فيها يقع الاحتراز عنها بغيره فاعتبرناها، ولم نعتبر فيما يتصرف لنفسه ~~وعليه فيثبت بها النكاح والطلاق والعتاق لأنه لم يمكن الاحتراز عنها في حقه. # ألا ترى أنه لا فرق بين علمه بخطه وخط غيره ثم خط غيره لم يكن حجة فكذا ~~خطه، فعلمنا أن الرواية عن كتاب لا تحل إلا عن ذكر سماع أو ما يقوم مقامه ~~من كتاب إليه أو برسالة أو بالسماع بإجازة صحيحة على الوجه الذي فسرناها أو ~~برواية المحدث له بلسانه أو القراءة عليه وتصديقه القارئ، وروي عن أبي ~~حنيفة رضي الله عنه: إن قراءتك على الراوي أضبط من قراءة الراوي عليك فلعله ~~يغفل فيقرأ خطأ وأنت لا تشعر لتداركه وتشعر بخطائك وتداركه بالإعادة. # فإن قيل: إذا قرأت على الراوي لم تأمن غفلة الراوي عن سماعك! # قلنا: الغفلة عن السماع أهون من الخطأ في القراءة فلما يمكن الاحتراز ~~عنهما سقط اعتبار ما لم ms194 يمكن ووجب الاحتراز عن الأهم منهما، والله أعلم. PageV01P193 # باب ### | AUTO القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى # قال بعض أهل الحديث: ضبط المتن في مراعاة اللفظ ويحل له نقله بالمعنى عنده. # قال القاضي رحمه الله: وقد رأيت عن بعض أهل النظر أنهم قالوا: لفظ الراوي ~~لا يكون حجة بل يطلب في تلك الحادثة لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيحمل عليه لفظ الراوي. وهذا قول مهجور. # وقال جمهور العلماء: يجوز نقل الخبر بالمعنى في الجملة لكنه على أقسام ~~أربعة تفصيلا فتقول: # إن كان الخبر محكما فإنه يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان. # وإن كان ظاهرا يحتمل غيرها ما ظهر لم يحل له النقل بالمعنى إلا للفقيه ~~بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد. # وإن كان مشكلا أو مشتركا لم يحل لأحد النقل بتأويله. # وإن كان مجملا فلا يتصور نقله بالمعنى. # أما الأولون فإنهم احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضر ~~الله وجه امرء سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى ~~غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فالنبي صلى الله عليه وسلم رغب ~~في مراعاة الحفظ ونبه على المعنى وهو اختلاف الناس في معرفة معاني الألفاظ، ~~والفقه الذي يدور عليه أمر الشرع، فإذا صار الأصل هذا ثبت الحجر عاما، وإن ~~كان من الألفاظ ما لا يتفاوت الناس في معرفة معناه. # وأما عامة العلماء فإنه يحتج لهم بما ظهر من الصحابة رضي الله عنهم: "نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمر بكذا، ورخص في كذا". ظهورا لا ~~يرده إلا متعنت ولو لم يكن حجة لما نقلوا للعمل به ولا للإلزام هكذا، وعن ~~عامر الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كانا ينقلان بالمعنى. # وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يروي ويقول: هذا أو نحوه. ~~والفقهاء PageV01P194 # كلهم في تصانيفهم احتجتوا [احتجوا] بقولهم: وبلغنا نحو من ذلك: ومثل ذلك، ~~وكثيرا ما أورده محمد بن الحسن رحمه الله. # ولأن ms195 اللفظ إنما يجب مراعاته لعينه إذا كان معجزا أو آية لزوال الإعجاز ~~فإنه يزول الإعجاز بالتبديل أو تعلق بعينه حكم يزول بغيره. # فأما إذا كان اللفظ مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم ~~أداه بلفظ آخر بلا خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، ونحن أنما نجوز ترك اللفظ ~~بهذا الشرط. # وأما الجواب عن احتجاجهم بالحديث فإن أكثر ما فيه أن حفظ اللفظ مرغوب فيه ~~في الجملة ونحن هكذا نقول فالنقل باللفظ عزيمة عندنا وبالمعنى رخصة في بعض ~~الأخبار على ما فصلناه. # أما المحكم من الألفاظ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا دائما على ما مر ~~تفسيره ولما تعين المعنى فيه ولم يقع وهم الخلل في الوقوف عليه ممن عرف ~~اللسان رخص لهم ذلك لحصول الغرض منه بأجمعه بلفظ آخر. # وأما الظاهر فلأن المعنى وإن ظهر منه بظاهره فقد احتمل مجازه، والخصوص من ~~عمومه بدليل موجب فلا يرخص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطريق الدين والفقه ~~حتى يؤمن بعلمه عن الخلل بمعناه إذا كساه بلفظ آخر فلعل الجاهل بالفقه ~~يكسوه بلفظ لا يحتمل ضرب مجازه ولا ضرب خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع ~~مجازه أو خصوصه فتفوت تلك الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ الأول لجهله ~~بالفرق بين الخاص والعام فيوجب ما لا يوجبه الأول فيلزمه المحافظة على ~~اللفظ فأما العالم بطريق الدين فخال عن هذه التهمة فأبيح له. # وأما المشكل أو المشترك من الألفاظ فلا يوقف على معناه، والمراد منه إلا ~~بضرب تأويل وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره لأنه يصدر عن رأيه في أصول ~~الشرع فجرى إظهار المعنى بالتأويل مجرى القياس فلا يحل نقله إلا بلفظ ~~مسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد الضربين الأولين اللذين يحلان له. # وأما المجمل مما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع ~~بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه فيكون ضربا آخر من الحجر غير الضرب الأول، ~~والله أعلم. PageV01P195 # باب ### | AUTO القول في انتقاد خبر الواحد ms196 بعد ثبوته عن الرسول عليه السلام مسندا أو مرسلا # خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة: # العرض على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته. # ثم على السنه الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترا أو استفاضة ~~أو إجماعا. # ثم العرض على الحادثة فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذ كان ~~ذلك زيافة فيه. # وكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافا ظاهرا ولم ينقل ~~عنهم المحاجة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيافة فيه. # أما الأول: فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في ~~كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرط" أي كان حكمه بخلاف ما في كتاب ~~الله تعالى، فإن نفس هذا الحديث ليس في كتاب الله تعالى فيبطل لو أريد به ظاهره. # وكذلك كثير من الأحكام مما يثبت بخبر الواحد والقياس بعد كتاب الله ~~تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا روي لكم مني حديث ~~فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه" ولأن كتاب ~~الله تعالى ثابت يقينا وخبر الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة فكان رد ما فيه ~~شبهة باليقين أولى من رد اليقين به. # وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على مجازه. # وعند الشافعي جائز تخصيص العموم به. # وكذلك الحمل على المجاز على ما مر أنه جوز مثله بالقياس وبخبر الواحد، ~~إلا أنا لم نجوز لما مر من قبل: أن العام عندنا يوجب العلم بالعموم يقينا ~~كالخاص. PageV01P196 # ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة ~~وإن كان معنى المتن لا شبهة فيه وفي معنى متن الكتاب ضرب شبهة احتمال ~~الخصوص فكان ترجيح متن الكتاب لقوة ثبوته أولى من ترجيح معنى خبر الواحد ~~لقوة ثبوته، لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولا ~~إذا استويا فمن جهة المعنى، والله أعلم. # وكذلك السنة الثابتة ms197 بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع لأنها بمنزلة ~~الكتاب في إفادة العلم على ما مر. # والمشهور فوق خبر الواحد وإن كان في ثبوته أدنى شبهة، وفي هذا الانتقاد ~~علم كثير وصيانة للدين بليغة. # فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقادا أو عملا بلا ~~عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد وجعل ~~المتبوع تبعا، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا، فيصير الأساس علما ~~بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة. # وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى ~~القول بالقياس، أو استصحاب الحال، إذا لم يجد الحكم الواقع فى كتاب الله ~~تعالى، لأن هذا الرجل ما أخذ بحكم الكتاب، وجعل أساس دينه ما فيه اليقين ~~إلا أنه رد خبر الواحد لتهمة الكذب وشبهته ثم وقع فيما هو أبلغ منه تهمة من ~~رأيه أو التمسك بأي أصل كان. # والأول جعل خبر الواحد أصلا فعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم ~~له به يقينا، فكان القول العدل الوسط أن يجعل كتاب الله تعالى أصلا، وهو ~~الثابت يقينا، وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد ~~في الكتاب ما فيه خبر الواحد، ويرد إذا خالف بحكمه حكم كتاب الله تعالى. # ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب ~~والسنة ذلك الحكم الثابت بالقياس ويرد إذا خالف الخبر الصحيح بشروطه. # ونظير ذلك عمل مخالفنا بخبر مس الذكر وأنه مخالف لكتاب الله تعالى والسنة ~~الثابتة والإجماع. # فإن الاستنجاء بالماء مشروع بالكتاب في أهل قباء وبالسنة والإجماع. # ولا بد من مس الذكر حال الغسل بالماء على الوجه الذي جعله الخصم حدثا ~~والاستنجاء طهارة، والطهارة لا تحصل بما هو حدث يضاده. # ومن ذلك خبر القضاء بالشاهد واليمين، فإنه ورد مخالفا لكتاب الله تعالى ~~والسنة الثابتة. PageV01P197 # أما الكتاب فلأن الله تعالى قال: {واستشهدوا شهيدين} الآية أمر ~~بالاستشهاد لإحياء الحق فكان الأمر ms198 مجملا في حق ما هو شهادة كقول القائل: ~~كل مجمل في حق بيان المأكول، فلما قال، {شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان} كان بيانا لجميع ما دخل تحت الأمر كقول القائل: كل ~~هذا الطعام أو هذا، وجالس فلانا، وكقولك للآخر: استشهد زيدا أو بكرا على ~~صفقتك، لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور استشهادا غيرهما من المأمور ~~استشهادا بحكم الأمر لا محالة، بل يكون زيادة عليه، وكذلك ههنا يكون الشاهد ~~واليمين زيادة، والزيادة على النص في حكم النسخ عندي على ما نذكر فيكون ~~خلافا على أصلي. # ولأنه قال: {وأدنى ألا ترتابوا} فجعل المذكور أدنى ما تقطع به الريبة من ~~الشهادات فمن جعل الشاهد، واليمين حجة كانت أدنى من المنصوص عليه في ~~الشهادة فيكون خلافا للنص بعينه. # ولأن الله تعالى بين ما هو المعتاد بين الناس في الشهادة من شهادة الرجال ~~وما لا يوجد عادة من شهادة النساء، فإن النساء لا يحضون مجالس الحكام ~~للشهادات عادة ولو كانت اليمين مع شاهد حجة وهي شهادة تستوفي من الخصم الذي ~~يحضر عادة لم يصلح النقل إلى بيان ما ليس بمعتاد مع ترك ما هو المعتاد ولا ~~كان لائقا بالحكمة، ولأن النقل إلى غير المعتاد دليل الاستقصاء وحقيقة ~~الاستقصاء في الإتيان على الكل. # وكذلك في آية الوصية أمر بشاهدين منا أو من أهل الذمة وذلك اليوم ليس ~~بحجة فعلم أنه لم يكن بعد الشاهدين منا حجة أولى من شهادة الذميين ولأنه ~~أمر الشاهدين بالقسم لإثبات الحجة وهو اليوم ليس بحجة فلو كان يمين المدعي ~~حجة ثابتة لما عدل عنه إلى يمين الشاهد التي هي أبعد عن الحجة من يمين الخصم. # وأما السنة الثابتة فقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي ~~واليمين على من أنكر" فهذه السنة نصت على أن اليمين غير البينة لأنها عطفت ~~اليمين على البينة ونصت على أن اليمين على غير من عليه البينة، وخبر الشاهد ~~واليمين يرده من طريقين: فقد جعل اليمين من البينة وعلى من عليه البينة. ms199 # ومن ذلك خبر تحريم الرطب بالتمر بعلة أنه ينقص إذا جف لأنه ورد مخالفا ~~للسنة الثابتة "التمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا " لأن الحديث ~~قصر الربا على فضل يضاد المماثلة المبيحة لأن قوله: "مثلا بمثل " للإجابة ~~وقوله: "والفضل ربا " إشارة إلى PageV01P198 # فضل يضادها لا محالة وعليه الإجماع. # وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا يتوهم حدوثه لمعنى طارئ وهو الجفاف، ~~وفضلا لا يضاد المماثلة المبيحة في الأصل وحرم البيع مع قيام المماثلة كيلا ~~فالتحريم مع المماثلة خلاف للأول بالرد والوجهان الآخران خلاف بالزيادة ~~بجعل فضل آخر سوى المنصوص عليه فيه ربا. # إلا أن أبا يوسف ومحمدا رحمهما الله قبلا هذا الحديث ميلا إلى أن الرطب ~~بالتمر لم يدخل تحت قوله: "التمر بالتمر" لأن الرطب لا يسمى تمرا عرفا حتى ~~إذا حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث، فبقي حكم الرطب بالتمر مأخوذا من ~~الحديث الغريب. # وأما الوجه الثاني فلأن البلوى بالحادثة متى كانت عامة فلا بد من معرفة ~~حكمها من الحجة، وما كان الراوي يعلم به إلا بعد النص، كان النص يشتهر ~~لديهم لو كان ثابتا اشتهار حكم الحادثة، لأخذهم الحكم عن النص، ألا ترى أن ~~النص كيف اشتهر اليوم لدينا لما كان ظاهرا في الخلف فصار الخلفاء لديهم ~~وعنايتهم بالحجج أشد من عنايتنا زيافة في ثبوته. # وقال علماؤنا- رحمهم الله- في الشهادة بهلال رمضان: قول الواحد مقبول إذا ~~كان بالسماء علة أو جاء من موضع آخر، وإذا لم يكن بالسماء علة لم يقبل قول ~~الواحد من أهل المصر بالهلال، لأن الناس لما شاركوه في النظر والمنظر ~~والأعين، كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن العادة فأوجب تهمة في خبره. # وكذلك الوصي إذا أخبر بنفقة على اليتيم كثيرة خارجة عن المعتاد لم يصدق، ~~وإن احتمل الصديق للتهمة بتكذيب العادة. # فكذلك خبر الواحد مما سبيله الاشتهار لعموم البلوى مكذب في العادة فيرد ~~بالتهمة. # ومن ذلك خبر مس الذكر، وخبر الوضوء مما مسته النار، وخبر التوضئ عن حمل ~~الجنازة. # وكذلك الحادثة التي ظهر ms200 الخلاف فيها من السلف ولم تجز المحاجة بالخبر، ~~لأنه لو كان ثابتا لما حل لهم الإعراض عن المحاجة به، ولو وقعت المحاجة به ~~لظهر ظهور الفتوى ولوجب الرجوع عن الاختلاف على ما عليه عاده المتدينين، ~~فإذا لم يظهر كذب بخلاف العادة، منها: اختلاف الصحابة في زكاة مال الصبي ~~ورواية عمرو بن شعيب: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكله الصدقة" ~~فأنهم لم يرد عنهم المحاجة به. # واختلاف الصحابة في عدد الطلاق أنه بالرجال أو النساء والخبر المروي: ~~"الطلاق بالرجال" فإن المحاجة لم تجز به، فثبت أنه مخترع أو تأويله المباشر ~~بالرجال. PageV01P199 # فثبت أن الخبر: يصير مزيفا بالوجهين الأولين بمقابلة ما هو فوقه كنقد بلد ~~رائج يصير زيفا في مقابلة نقد فوقه ببلد آخر، ويصير مزيفا بالوجهين الآخرين ~~لتهمة الكذب إما قصدا أو غفلة كالزيف من نقد بلده لزيادة غش وقع فيه، والله ~~أعلم. PageV01P200 # باب ### | AUTO القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه # التكذيب من جهة الراوي يلحق الخبر من جهات أربع: # إنكاره الرواية نصا وعملا بخلاف الخبر قبل الرواية أو بعدها, وامتناعه عن ~~العمل به. # فأما الإنكار نصا: فما اختلف فيه أهل الحديث: # فمنهم من زيف الحديث به ورده. # ومنهم من قبله. # وروى ربيعه عن سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى بشاهد ويمين, فسأل سهيل فلم يذكره, فقيل له: إن ربيعة يرويه عنك, ~~فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني. وعن أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في ~~قاض ادعى رجل عليه قضاه بحق له على رجل فلم يذكره, فأقام عليه البينة بذلك- ~~قال أبو يوسف: لا يسمع البينة, وقال محمد: يقبلها وهذه شهادة عليه وهو ~~منكر, فتدل هذه المسألة على اختلافهما على ذلك في مسألة الرواية, لأن نفس ~~الرواية في باب الدين كالشهادة في حقوق الناس إلزاما, ولا يجوز أخذ هذا من ~~الشهادة على الشهادة, فإنها تبطل بإنكار الأصل لأن شاهد الفرع لا يشهد عن ~~علم بل عن تحمل على ما عرف. ms201 # ألا ترى أنه لا بحل له أن يشهد بأصل الحق ولا تقبل شهادته حتى يقول, ~~وأمرني أن أشهد على شهادته أو: أشهدني. # فأما الذين قالوا بالقبول فاحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"صلى إحدى صلاتي العشاء فسلم على رأس ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله ~~أقصرت الصلاة أم نسيتها؟ " فقال: "كل ذلك لم يكن". فقال: "وبعض ذلك قد كان, ~~فأقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: أحق ما يقوله ذو ~~اليدين؟ فقالا: نعم, فقام وصلى ركعتين" فقبل روايتهما وهو منكر وهذا ظاهر ~~فيما يتعاطى الإنسان من أمور دينه فقد ينسى عمله ويعمل بخبر غيره. PageV01P201 # وأما الذين قالوا بالرد, فاحتجوا بأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة على ~~ما مر في الباب الأول فلأن يرد بتكذيب الراوي نفسه أولى، لأن إنكاره حجة في ~~حق نفسه فسقط روايته: إما بالحجة, وإما بالتناقض فيصير الحديث منقطعا. # وعن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يرى للجنب التيمم, فروى له عمار فقال ~~له: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا كنا الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ~~فتمسح بهما وجهك وذراعيك" فلم يذكره عمر ولم يعمل به, وعمار كان عدلا ثقة. # وكذلك لم يعمل أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها فنكاحها باطل باطل باطل" لأن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه. # ولأن خبر الفرع في إثبات الراوية ليس بأولى من خبر الأصل في إنكاره إن لم ~~يترجح الإنكار على الدعوى لأن كل واحد منهما عدل, وكما يحتمل حال المنكر ~~النسيان بعد المعرفة احتمل حال المدعي الاشتباه والغفلة, وأنه قد سمع ~~الحديث غيره فنسي فظن أنه سمع هذا. # وإذا كان كذلك تثبت المعارضة فلم يثبت أحدهما, يدل عليه أن الإنسان كما ~~يعلم ms202 بسماعه عن أمر يقين فكذلك يعلم بتركه الرواية عن سبب يقين فلا فرق ~~بينهما بوجه. # وحديث ذو اليدين محمول على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر أنه ترك ~~الشفع من الصلاة, أو تذكر غفلته عن حاله يشغل قلب اعتراض له. # وعلى هذا عادات الناس أنهم إذا عملوا من أحوالهم في الغفلة تعرفوا من غيرهم. # وعلى هذا يجوز أن يقال في الخبر أن الراوي الأصلي ينظر في نفسه فإن كان ~~رأيه يميل إلى غلبة نسيان إذا كانت عادته ذلك في محفوظاته قبل رواية غيره ~~عنه, وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلا بذلك الخبر رده وقلما ينسى الإنسان ~~شيئا ضبطه نسيانا لا يتذكر بالتذكير, والأمر يبتنى على الظواهر لا على ~~النوادر. # وأما عمل الراوي بخلاف الخبر: # فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبا بوجه لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه ~~الخبر وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحريا لموافقة السنة. # وأما إذا كان بعد الرواية نظر فيه: فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به الراوي ~~بضرب PageV01P202 # تأويل لم يكن تكذيبا لأن باب التأويل في الإخبار غير مسدود, ولكن الخبر ~~لا يترك على ذلك, لأن الحجة هو الخبر لا تأويله لأن تأويله كان برأيه ورأيه ~~ورأي غيره بمنزلة, وظاهر النص فوق رأيه بلا شك. # وأما إذا كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فالخبر مردود لأن عمله بخلافه لا ~~يخلو: إما أن يكون عن غفلة أو إنكار أو نسيان, أو علم بانتساخ الخبر أو ~~تقول الراوي عنه كذبا عليه, ولم يكن عنده ذلك الحديث فلا شك بأنه مردود. # وكذلك إذا ثبت انتساخه فهو مردود في حق العمل به وإن ارتكب خلافه فسق, ~~ورواية الفاسق لا تقبل. # وكذلك إن غفل أو نسي فرواية المغفل أو الناسي ساقطة دل عليه ما ذكرنا في ~~القسم الأول من بطلان الرواية بإنكار الأصل والعمل بخلافه إنكارا ظاهرا ~~فيصير الخبر به مردودا ظاهرا ما لم يثبت رجوعه إلى تصديق الراوي عنه, ~~والعمل به على قول ms203 من يجوز مثله وإن لم يتذكر الحديث. # والوجه في مثل هذا الخبر أن يحمل على الانتساخ فرارا عن تكذيب الراوي ~~ليكون الإسناد ثابتا والعمل به ساقطا على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه ~~قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما ~~وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. فدل العمل بخلاف ما روى أنه علم ~~بانتساخه. # وروت عائشة- رضي الله عنها وعن أبيها-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل باطل باطل" ثم زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بغير إذنه فدل على ~~أنها عرفت بطلاته. # وروى ابن عمر رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم - رفع يديه ~~في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع, ثم روي عن مجاهد أنه صحب ~~ابن عمر سنين فلم يره يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة فدل أنه علم ~~بانتساخه. # وعن عيسى بن أبان أن غير الراوي أذا عمل بخلافه من أئمة الدين والحديث ~~ظاهر كان دليلا على انتساخ الحديث وبطلانه, لأنه يجوز إساءة الظن كان مقتدى ~~به في دين الله وإماما يشار إليه بالأصابع. # وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب ~~عام والثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة" فدل عمل الأئمة بخلاف ذلك في ~~الثيب بالثيب, على أنه منسوخ. PageV01P203 # وكذلك عمر رضي الله عنه نفى رحلا فلحق بالروم فحلف أن لا ينفي أحدا بعده. # وقال علي رضي الله عنه: "كفى بالنفي فتنة" فدلت فتواهم بخلاف الخبر في ~~النفي على أن خبر النفي غير ثابت على ظاهره. # وعن ابن سيرين في متعة النساء أنه قال: "هم شهدوها وهم نهوا عنها، فما في ~~رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم ما يتهم". # وكذلك عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق وامتنع عن القسمة علم أن ~~القسمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن حتما. # فإن قيل: عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كان يرى التطبيق في ms204 الركوع ~~سنة، وخبر الأخذ بالركب مشهور، ولم يدل على ضعفه. # قلنا: لأنه كان يحمل الأخذ بالركب على الرخصة لما فيه من الترفيه. وقد ~~ذكرنا أن تأويل الراوي لا يكون حجة، فكذا تأويل السامع. وأما إذا لم يكن ~~الخبر مشهورا، فخلاف غير الراوي لا يضعفه لاحتمال أنه خالفه، لأنه لم ~~يبلغه، وكذلك إذا امتنع عن العمل به، لأنه حرام مثل العمل بخلافه. والله ~~أعلم. PageV01P204 # باب ### | AUTO القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها # هي أربعة أقسام: # أ. قسم يحيط العلم بصدقه. # ب. وقسم يحيط العلم بكذبه. # ج. وقسم يحتملهما على السواء لا يترجح أحد احتماليه على الآخر. # د. وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر. # فأما الأول: فأخبار الرسل، لأنه ثبت بالدليل أنهم كانوا معصومين عن ~~الكذب. وحكمها افتراض الاعتماد بصدقها والعمل بها بقدرها. # وأما القسم الثاني: كدعوى فرعون الألوهية مع عياننا آيات الحدث فيه، وخبر ~~الكفار أن الأصنام لآلهة مع عياننا أنها جماد لا قدرة لها بوجه بعد قيام ~~آيات الحدث فيها، وكأخبار مسيلمة، وزرادشت، وماني من المتنبئين كذبا لظهور ~~آيات الكذب من معاملاتهم الخارجة على سبيل السفه، ولعدم آيات التصديق من ~~المعجزات، فإن النبوة لا تثبي إلا بمعجزة ليمتاز بها الصادق من الكاذب. # وحكمها، وجوب اعتقاد الكذب فيها وردها باللسان، أو بما فوقه بحسب قيام الأمر. # وأما القسم الثالث: فنحو خبر الفاسق، لأن الخبر في أصله يحتمل الكذب ~~والصدق، إلا أنا نرجح من العدل صدقه، لأنه عاقل متدين، وهما يمنعانه الكذب، ~~ولم يظهر منه لما ثبتت عدالته مخالفة المانع، فصار الحكم للجري على موافقة ~~العقل والدين الذي اعتمده، فإذا فسق ظهر منه مكابرة المانع ومخالفته فيما ~~ارتكب من المحظور حتى فسق به، وذلك إنما يكون بغلبة الهوى، ولابد من وقوع ~~ضروب فعل على موافقة العقل من كل عاقل، وإن كان فاسقا، وذلك يدل على غلبة ~~العقل، فيصير الخبر مشكلا بينهما في خروجه على حكم غلبة عقلة فيكون صدقا، ~~أو هواه فيكون كذبا. PageV01P205 # وحكمه التوقف فيه على ما قال ms205 الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ~~وعلى ما هو الحكم في النص الذي هو محتمل وجوها على السواء، وفي الحجج ~~المتعارضة. # وأما القسم الرابع: فنحو خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح لظهور غلبة عقله ~~على هواه، حتى امتنع عما يوجب الفسق من دواعي نفسه، لكنه غير يقين لاحتمال ~~حاله مساعدة هواه. # وحكمه العمل به لا عن اعتقاد بحقيقة ذلك، وكذلك الفاسق، إذا شهد فردت ~~شهادته صار جانب الكذب برد القاضي أرجح، والله أعلم بالصواب. PageV01P206 # باب ### | AUTO القول في أقسام الصحيح من الأخبار # الأخبار التي يعمل بها ضربان: مشهور، وغريب. # فالمشهور: ضربان، ما بلغ حد التواتر، وما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر. # والغريب: نوعان، ما لم يشتهر، ولكنه لم يدخل في حد الاستنكار، وما دخل في ~~حد الاستنكار. # وأما المتواتر: فحده ما مر في أول الكتاب، وهو أن يتصل بك عن المخبر ~~اتصالا لا يبقى لك شبهة فيه، كما يتصل بقلبك من طريق السماع من المخبر ~~نفسه، وذلك بأن ينقل إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب ~~لكثرتهم، وبعد أماكنهم عن قوم مثلهم، حتى يكون آخر طرفيه كأوله، وأوسطه ~~كطرفيه. # وحكمه: أنه يوجب العلم يقينا كما يكون بالسماع. # وقال بعض الناس: إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين، وإنما يوجب ~~علم طمأنينة، وذلك لأن اليهود والنصارى نقلوا قتل عيسى نقلا متواترا وإن ~~كان كذبا، وهم أكثر منا عددا. # والمجوس نقلوا معجزات زرادشت نقلا متواترا وكان كذبا. # وإذا رجعت إليهم كانوا على طمأنينة القلب بصدق ما عندهم من الخبر كما نحن ~~بما لدينا من الأخبار المتواترة من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآياته ~~ثم إنهم لم يكونوا على يقين. فلم وجب لنا اليقين بمثله. # وكذلك الرجل يعلم بحياة الرجل يقينا، ثم يمر بداره فيسمع النياح ويرى ~~أعلام الموت، ويرى المأتم، فيقولون: إنه قد مات، فيعزيهم ويعزونه، ويطمئن ~~قلبه إلى العلم الحادث، ويزول الأول على احتمال أنه حيلة وليس بحقيقة. # قال العبد رضي الله عنه: وهذا مع الحجة ms206 قول رذل. لأنه زعم أنه لم يعرف ~~رسولا من الرسل، ولا كتاب الله، ولا أباه، ولا أمه، لأنه ما توصل إلى علمهم ~~إلا بالخبر، ولم يعرف أنه مولود، وكان قبله بشر من جنسه. ومن قال: إني لا ~~أعرف ذلك فقد أبطل دينه قبل كل شيء، ثم عقله، لأنا إذا رجعنا إلى قلوبنا ~~التي هي معدن المعرفة، وجدناها عارفة بالآباء والأمهات عن خبر متواتر مثل ~~معرفتنا بالبنين والبنات عن عيان، ووجدناها تعرف PageV01P207 # أنهم مولودون عن أصول، كما تعرف أنهم يلدون فروعا، ويعرف كل مسلم نحو مكة ~~بالخبر المتواتر كما يعرف نحو بيته بالعيان. # وهذا كما عرفنا الله تعالى محدثا بالاستدلال، كما نعرف أولادنا حادثة ~~بالعيان فيصير إنكاره بعد ثبوت حد المعرفة على الحقيقة كمن أنكر العيان، ~~وشبهه بما يرى النائم في نومه. # وأما قوله: بأن حد المعرفة على الحقيقة لم يثبت بعد، ولكن وقعت الطمأنينة ~~بغلبة دلائل الصدق كما ذكر في المثل، فليس بقوي، لأن الطمأنينة في الأصل ~~دليل على المعرفة حقيقة، وإنما يحمل على الغلبة بلا حقيقة. بدليل تبين ~~الغفلة من القلب عن النظر في باطن الدليل، وإنما يعرف ذلك بإبانة حد آخر ~~وراء ما تراءى له، كما قيل في رؤيا النائم أنها ليست بحقيقة، وإن كان لا ~~يقف على بطلانها حال ما يرى، لأنا وجدنا لرؤيتها حالة في حياته، وتمييزه ~~فوق هذه الحالة وهي حال اليقظة، وكان ما أرى حالة النوم لضرب غفلة، وأبطلنا ~~تلك الحالة وجعلنا الرؤية يقظانا حقيقية، لأنه لا حالة له فوق هذا للدرك. # فكذلك ما يطمئن القلب إلى علم بالسماع، فإن اطمأن وبحاله ضرب غفلة، ~~كالداخل على المأتم، لأنه لو تأمل حق التأمل لأصاب جهة الكذب، لجواز ~~تواطئهم على ذلك لأمر أرادوه، ما كان يحصل إلا بما تواضعوا عليه لم يكن ~~موجبا يقينا. # فأما إذا سمع أقواما مختلفين لا يتواطأ أمثالهم على الكذب عادة لكثرتهم ~~واختلاف أمكنتهم، فلم تكن الطمأنينة بحكم الغفلة عن الكذب، بل بقيام الذليل ~~الموجب للصدق الذي باطنه لو تأمله أكد ظاهره. ms207 # وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارا على همم شتى ما يصدر عنهم فعل أو ~~قول بحكم الجبلة على سنن واحد، بل يكون الحدوث على اختلاف بحسب هممهم وهوى ~~نفوسهم، لأن الحوادث عن علل مختلفة لابد أن تكون مختلفة، فلما أخبروا خبرا ~~واحدا، علم أن الإخبار لم يكن من قبل اختراعهم، بل عن أصل جمعهم على ذلك، ~~وذلك سماع اتبعوه، أو اتفاق صنعوه، فإذا انقطع وهم الاتفاق، بقي السماع. # فإن قيل: الناس وإن كثروا لم ينقطع وهم الاتفاق على الكذب، لأن شرط ~~التواتر ليس اجتماع أهل الدنيا، بل أهل بلدة أو عامتهم، وما نقل الرسالة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أصحابه، وكان عسكره وإن كثروا كان يجوز ~~اتفاقهم على ذلك. # قلنا: إن توهم هذا الاتفاق نادر فيما يتوهم كتمان الاتفاق بعد مرور ~~الزمان من جمع عظيم، عشرة آلاف أو عشرين ألفا فإن الإنسان في نفسه يتعذر ~~عليه كتمان سره حتى يفشيه إلى صديق له ويستكتمه ثم يضيق عنه صدر صديقه ~~فيفشيه إلى ثالث فيصير السر فاشيا PageV01P208 # عن قريب, فلا يتوهم كتمان المواضعة من الجمع على امتداد المدة, وفي الجمع ~~المؤمنون والمنافقون والجواسيس لأهل الكفر هذا مما ترده العقول, ولا تجد ~~لقبوله مساغا فيها. # فكان الوقوف على بطلان هذا القول أسهل من الوقوف على معرفة الصانع عز ~~ذكره بآيات الحدث في المحسوسات, فإنا نجد الناس مختلفين في معرفة الصانع ~~ولا نجد أحدا ينكره ميلاده, وكون السماء قبله قرارا, وكون آدم أبا البشر, ~~وهل عرفت المعجزات آيات يقينا على الرسالة إلا بخروجها عن حد معتاد البشر, ~~فكذلك مثل هذا الاكتتام خارج عن معاد البشر, فيقطع القول بعدمها منهم, وكما ~~نكذب اليوم رجلا يخبر عن عروجه إلى السماء, ومسه, وكلامه الملائكة متى شاء ~~قطعا, وإن جاز مثله في فدرة الله تعالى, لأنه خارج عن معتاد البشر حتى ~~رددنا شهادة شاهدين على رجل بطلاق امرأته بمكة يوم النحر مع الشهادة أخرى ~~بعتاق عبده ذلك اليوم بالكوفة. # وكيف يتوهم إنكتام هذه المواضعة وكانوا ms208 يلقون إلى الكفار بالمودة ويفشون ~~أسرار النبي صلى الله عليه وسلم في باب الحرب, وكان الكفار يتقولون عليه ما ~~لم يكن منه إطفاء لنوره, وهذا على مثال من زعم أن القرآن ليس بمعجز إلا أن ~~العرب لو تشتغل بمعارضته أو جاؤوا بمثله, ولكن المسلمين أخفوه, فكان هذا ~~قولا مردودا, لأن العرب لو قدرت عليه لعارضت ولما صبرت عن فعلها, وفيه ذهاب ~~دينهم ومالهم ونفوسهم وحزمهم, لأنه غير متصور مثل هذا الصبر في العادات إلا ~~عن عجز, ولو عارضت لما صبرت عن الإظهار, فإن الحجة كانت تسقط بالإظهار على ~~سبيل المعارضة ما كان يتصور الاختفاء عادة. # وكيف يتصور وغير المسلمين كانوا أكثر من المسلمين وكانوا ينقلون ذلك مثل ~~نقل المسلمين كلام رب العزة, وكيف يتوهم ذلك, ولم تختف كلمات مسيلمة, ~~ومخاريف المتنبئين, وهذا القائل قد قال: بأن القرآن بمعجز, وأن السؤال باطل ~~من هذا الطريق, فيبطل بهذا الطريق أيضا سؤال من ينكر العلم اليقين بالتواتر ~~بدعوى احتمال أو شبهة تردها عادات النفوس. # وأما الجواب عن تواتر الخبر بين اليهود بقتل عيسى عليه السلام فمن وجهين: # أحدهما: أن التواتر غير ثابت, لأن حده أن يساوي الطرف الأول الآخر ولم ~~يوجد, لأن القتل نقل عن الذين دخلوا عليه في بيت للقتل, وقوم يرتدون أن ~~يقتلوا رجلا في بيت لا بد أن يكونوا بحيث يجتمعون في العادات على الكذب ~~لأنه أيسر من الاجتماع على قتله, وقد روي أنهم كانوا تسعة نفر. # فإن قيل: تواتر الخبر بينهم بالصلب, والصلب مما يعانيه أطوار الناس الذين ~~لا يتواطئون على الكذب عادة. PageV01P209 # قلنا: إنهم نقلوا الصلب بعد القتل, والمصلوب بعد القتل لا يتأمل فيه كل ~~التأمل على ما جرت به العادات, بل يكتفي فيه العلم بالأعلام الظاهرة, ~~والتسامع أنه فلان, وهذا معلوم بين الناس بمن يصلب في أزمنتهم, فإن الذين ~~يباشرونه قوم معدودون, ثم ينقل عنهم ويقع العلم للناس بالتسامع أو النظر ~~إليه من غير تأمل, فإن الطباع تنفر عن التأمل والخلق يتغير بالصلب ويشتبه ~~أيضا ببعد مسافة ms209 النظر, وإذا كان كذلك كان العلم به علم طمأنينة لا علم ~~يقين, وروي أن اليهود كانوا لا يعرفونه, وإنما دلهم عليه رجل يقال له يهوذا ~~وبقول الواحد لا يقع العلم. # والثاني: أن تواترهم أوجب العلم بقتل من علموه عيسى ولم يكن وكان شبيهه ~~على ما قال الله تعالى: {ولكن شبه لهم} , وروي أيضا: أن اليهود لما دخلوا ~~عليه فال عيسى لأصحابه: من يريد أن يلقي الله عليه شبهي فيقتل وله الجنة, ~~فرضي به واحدا منهم, فقتل ورفع عيسى من بينهم فلم ير. # فإن قيل: هذا أنكر من الأول, فإنه باب يبطل المعارف أصلا, ويكذب العيان, ~~ويبطل أخباركم المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم لجواز أن يكون قد شبه ~~لهم, ويبطل الإيمان بالرسل لجواز أن غيرهم تشبهوا بهم, وكيف يجوز ذلك ~~والإيمان بعيسى كان واجبا, وما كانوا يعرفونه إلا بالعيان, فكان يجب بعد ~~التشبيه, الإيمان بالشبه, وأنه كفر, وما جائز من الله سبحانه وتعالى إلزام ~~الكفر بالحجة. # قلنا: أما التشبيه من الله تعالى غير منكر قدرة, ولا ينكر أيضا حكمة إذا ~~ألقى شبهه على غير حال دفع القتل عنه, ففي الدفع حكمة عظيمة, والتشبيه دفع ~~لطيف, ولله تعالى لطائف في الدفاع عن الرسل عليهم السلام وعنا. وإنما ~~يستنكر هذا حال الإيمان به فيؤدي التشبيه إلى التلبيس, والله تعالى كان علم ~~منهم أنهم لا يؤمنون به, فشبه لهم وزادهم مرضا وطغيانا, ودفع عن عيسى عليه ~~السلام. # وهذا كما تحول إبليس في صور شيخ من نجد مرة, ومرة في صورة سراقة بن جعثم ~~وكلم الناس إغواء للكفرة فلم ينكر, فكذلك تحول عيسى بأقدار الله تعالى عليه. # وكذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رأى جبريل صلوات الله عليه في ~~صورة دحية الكلبي واعتقده ولم يكن كذلك, وعذر لأنه عمل بما في وسعه ولم يكن ~~كلف غير ما علم حينئذ. # وكذلك الله تعالى قلل المؤمنين في أعين الكفار, وقللهم في أعينهم وصح ذلك ~~للتحريض على القتال, ليقتل المسلمون الكفرة ويشفوا صدورهم منهم ms210 فلو كثر ~~المسلمون في أعينهم لرجعوا ما قتلوا, فلما أثبت الله تعالى تقليل المسلمين ~~في أعين الكفار تحريضا على القتال ليقتلوا, جاز تشبيه غير عيسى به ليصان. # ثم هذا الاحتمال لا يبطل المعارف لأنه يكون معجزة, ونحن خوطبنا بالعمل ~~على ما يكون في العادات الجارية دون البناء على ما يجوز في قدرة الله تعالى ~~وهذا التشبيه كان من قدرة الله تعالى لا من قدرتنا فلا يبتنى عليها ~~الأحكام. # ولأنا لا نجوز هذا الحال الإيمان بالرسول أو النقل عنه فيصير إضلالا ~~بالحجة, والله تعالى غني عنه. # ولأن الجواب عنه يلزم الجميع فقد سلم لنا مثله فيما نقلنا. # وأما خبر زرادشت فتلك مخاريق أظهرها بحيل على سبيل عرفها المتأملون من ~~ذوي البصائر وقدروا على مثلها إلا ما يحكى أنه أدخل قوائم فرس الملك في ~~البطن ثم أخرج. PageV01P210 # وهذا يحكى انه فعله بين يدي الملك في خاصته والنقل عن مثلهم لا يكون حجة ~~متواترا, فقد روي أن الملك لما رأى شهامته بايعه على أن يظهر الإيمان به ~~فيكون زرادشت اللعين معه برأيه وهو وراءه بسيفه فيملكوا وجه الأرض, فظهر ~~عقيب ذلك مخاريق حكوها عن فعله في مجلس الملك أو كان عن تواطىء منهم على ما حكينا. # فإن قيل: كيف أنكرتم ذلك؟ # قلنا: نحن أنكرنا الكتمان من قوم يتعذر تواطؤهم على الكذب والاتفاق عليه ~~عادة لا على ملك بخاصته فإنهم رصد لحفظ الأسرار, وعليه بناء أمر الملك ومن ~~حكمة خلق الله تعالى الخلق أطوارا على همم شتى, وهي سبب الاختلاف أن يعلم ~~باتفاقهم على نقل الشرائع تواترا أنها ثابتة كما يكون بالعيان حتى لا تبطل ~~الشريعة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تبقى بعده على وجهها إذا ~~صار المتواتر كالمسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يبقى الناس وعقولهم ~~سدى عن عون الشرع فما بالعقل كفاية لتمام الهداية. # فإن قيل: أرأيت القاضي لو بلغه خبر بالتواتر أو شهادة فساق كثيرين بملك ~~في يد رجل أنه لغيره أيقضي به كما لو عاين ms211 أم لا؟ # قلنا: يجوز أن يقضي به ويحتمله, ويجوز أن لا يقضي, كما لا يقضي بعلم ثبت ~~له عيانا قبل القضاء فمن شرط علما بالحادثة بعد القضاء جاز أن يشترط العلم ~~بلفظة: أشهد, دون الخبر, وجاز أن يشترط العلم بخير عدول دون فساق واحتياطا ~~لأمر القضاء. # وأما المشهور: فحده ما كان وسطه وآخره على حد المتواتر وأوله على حد خبر ~~الواحد. # وقد اختلف العلماء في حكمه؟ # قال أبو بكر الرازي: هو أحد قسمي المتواتر, لأنا نجد في أنفسنا العلم بكل ~~واحد منهما بلا اضطرار, إلا أن العلم بالأول يقع عن اضطرار لا مرد له في ~~النفوس, وبالثاني PageV01P211 # يقع عن استدلال كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم يقينا فإن العلم ~~بحدوث المحسوسات يقع عن اضطرار يعرفه كل إنسان ذي بال والعلم بالصانع يقع ~~عن استدلال. # قال عيسى بن أبان: الأخبار ثلاثة أقسام: # أقسم يضلل جاحده، كخبر الرجم. # ب وقسم يخشى المأثم على جاحده، ولا نضلله كخبر المسح بالخف. # ج- وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التي اختلف العلماء فيها في ~~مسائل خلافهم. # فلم يكفر عيسى من جحد المشتهر. # ثم جعل المشتهر بعضه فوق بعض في الرتبة وهو الصحيح عندنا. # ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشتهر علم طمأنينة، ~~وعن الخبر الغريب علم غالب الرأي، وعن الغريب المستنكر علم ظن. # فهذه المراتب أربعة للعلوم ثبتت بمراتب الأخبار، والدليل على ذلك: أن ~~المشتهر لما لم يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر، ولكن بالآحاد ~~تمكنت الشبهة في الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو ما ذكرنا ~~في أخبار اليهود والنصارى والمجوس إلا أنها لما اشتهرت في السلف وتواترت ~~ولم يظهر منهم رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعمل بها، لأنها شاهدت قرنهم ~~لا من قبلهم فاطمأنت النفوس إلى ما شاهدت، والعادات تثبت بالحواس لا ~~بالاستدلال، ولهذا تتبدل الشرائع بالبدع إذا اشتهرت في الناس لأن الحواس ~~تشاهدها، ولا يمكن ردها إلا بالاستدلال، ألا أنا جعلنا المشتهر حجة شرعية ms212 ~~يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى، ونسخ الآيات أيضا لأن السلف ~~كانوا أئمة الدين وكان إجماعهم حجة، وما كان فيهم تهمة فلما تواتر النقل ~~فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله ~~تعالى الرجم. # وزدنا تحريم عمة المرأة على الكتاب. # وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة. # والتتابع على صوم كفارة اليمين. # والزيادة عندنا تجري مجرى النسخ إلا أنا أبقينا مع هذا شبهة الآحاد ~~الثابتة في الطرف الأول فلم نكفر جاحده، وحططنا رتبته عنه رتبة المتواتر، ~~وهذا لأن الله تعالى كما لا يكلفنا ما ليس في الوسع وما جعل في الدين من ~~حرج بنص الكتاب وكما لا نجد في الوسع، رد العلم بالمتواتر يخرج برد المشتهر ~~فإنا لا يمكننا الفرق بينهما على ما عليه الجبلة إلا بحد استدلال. PageV01P212 # ثم الاستدلال فيما نحن فيه يوجب القبول فلزم القول به شرعا ما لزم طبعا ~~لكن على ضرب شبهة بيناها، وظهرت الشبهة في حق التكفير دون العمل فصار ~~المتواتر موجبا علما يزداد يقينه بالتأمل في سببه الداعي إليه من طريق ~~الضرورة على ما عليه جبلة النفوس، وإنما الشك يعتري القلب بضرب وسواس كما ~~يعتري بعض الناس فيما يدرك بالحواس، وصار المشتهر موجبا علما بمنزلة ~~المتواتر بقلة التأمل، ومتى تأمل السامع حق تأمل، وجد في أوله ما يوجب ضرب ~~شبهة في آخره فيكون العلم به لسكون النفس إلى ما ظهر له به، فلذلك سميناه ~~علم طمأنينة. # فإن قيل: فكيف لم يجب العلم بخبر اليهود، وقد اشتهر؟ # قلنا: بمعارضة ما هو فوقه سقط اعتباره، وكذلك سبيل كل حجة. # وأما الغريب المقبول: فما اختلف العلماء خلفا وسلفا من أحكام الحوادث على ~~ورود أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل حسب ~~اختلافهم في مثلها بالمقاييس المتعارضة، فيكون العلم به علم غالب الرأي على ~~نحو ما يقع بالمقاييس المتعارضة. # وأما الغريب المستنكر: فنحو ما ذكرنا من الوجوه التي رد السلف بها ~~الأخبار، وربما نخشى الإثم على ms213 العامل كما خشينا الإثم على تارك المشتهر ~~لأنه قرب من اليقين، وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحري ~~الحق كالذي تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة بتحري قلبه بلا دليل. PageV01P213 # باب ### | AUTO القول في بيان المعارضة من تفسيرها وركنها وشرطها وحكمها # أما المعارضة فتفسيرها: الممانعة على سبيل المقابلة، يقال: عرض لي أمر أي ~~استقبلني فمنعني، والعوارض في اللغة الموانع. # وسميت المعارضة بين الحجج معارضة لأنها تقوم متقابلة متمانعة لا يمكن ~~الجمع بينهما. # أما شرط المعارضة: فاجتماع الحجتين المتدافعتين بإيجاب كل واحدة منهما ضد ~~الأخرى في محل واحد ووقت واحد كالتحليل والتحريم والإثبات والنفي، وهما ~~متساويتان في القوة لأن الضعيف لا يقابل القوي. # وإنما قلنا في وقت واحد ومحل واحد لأن الضدين إنما يستحيل ثبوتهما لمحل ~~واحد لتنافيهما بذواتهما. # فأما في محلين فجائز لارتفاع التنافي كالليل جائز في بعض ساعات الزمان ~~والنهار في بعضها. # وكذلك سواد العين وبياضها اجتمعا في العين في مكانين منهما، فاتحاد المحل ~~شرط قيام المعارضة لأنها لا تعمل عملها إلا عند اتحاد المحل، ولا تعمل ~~بالمحل وهذا آية الشرط على ما يأتيك بيانه. # وكذلك اتحاد الوقت شرط لجواز اجتماع الضدين في محل واحد في وقتين على ~~التعاقب كالحياة والممات في شخص واحد في وقتين. # وأما الركن: فالحجتان فيهما تقوم المعارضة وركن كل شيء ما يقوم به الشيء. # فإن قيل: لما كانت المعارضة لا تثبت إلا بالتراد، كيف استقامت في حجج ~~الله تعالى الثابتة يقينا. # قلنا: لا تثبت بين الحجج الثابتة يقينا لأن التعارض بين آيتين أو سنتين ~~لا يثبت إلا بحيث لو علم تاريخهما لكان الآخر ناسخا للأول، والأول منسوخا ~~به فتكون الثابتة أحديهما إلا أنا جهلنا الآخرة فيثبت التعارض. # وأما القياسان إذا تعارضا فالذي معه الحق عند الله، وحجته على الحق الذي ~~عنده PageV01P214 # واحد منهما إلا أنه جوز لنا العمل بما نصيب به الحق عند الله وبما لا ~~نصيب بحكم العجز على ما بينا في باب الاجتهاد فصار أحد القياسين حجة يقينا، ms214 ~~والآخر حجة ظاهرا في حق جواز العمل به تيسيرا علينا لا فيما عند الله تعالى ~~فيصير الأول أولى ومتى لم نعلم جاءت المعارضة. # فأما الحكم: فإن كان التعارض بين الآيتين فالميل إلى السنة وإن كان بين ~~السنتين فالميل إلى أقوال الصحابة ثم إلى الرأي لأن التعارض بين الحجتين ~~متى ثبت تساقطا لاندفاع كل واحدة بالأخرى وامتنع العمل بهما، وبأحديهما ~~عينا لأنها ليست بأولى من الأخرى، فإذا تساقطتا وجب المصير إلى ما بعدهما ~~من الحجة والحجج شرعت على هذا الترتيب. # وأما التعارض: إذا ثبت بين القياسين، فكذا كان يجب أن يتساقطا ويتوقف عن ~~العمل إلا أنه قيل: يعمل المجتهد بأيهما شاء ثم لا يكون له العمل بالآخر ~~إلا بفساد يظهر في الذي عمل به بضرب دليل لأنه اضطر إلى العمل بحكم الحادثة ~~الواقعة، ولا يمكنه إلا بدليل، ولم يشرع الله لنا دليلا بعد القياس إلا ~~الحال، وأحد القياسين معه الحق عند الله تعالى لا محالة، وحجة يقينا فكان ~~العمل بأحدهما على احتمال أنه الحجة حقيقة أولى من العمل بالحال، فإنه عمل ~~بلا دليل فجاز له العمل بالمحتمل لهذه الضرورة ولما اندفعت الضرورة به وجعل ~~عمله بما عين صوابا لم يجز العمل بالآخر إلا بدليل غير محتمل. # ومثاله ما قال علماؤنا رحمهم الله: في إنائين ماء أحديهما نجس، والآخر ~~طاهر فأشكل الأمر علينا فإنه لا يجوز استعمال ماء أحديهما بالتحري لطهارة ~~الصلاة، ويجوز للشرب لأن التراب طهور بيقين خلفا عن الماء في حق الصلاة ~~فوجب الميل إليه عند التعارض بين الماءين، ولا خلف للماء في حق الشرب فجاز ~~تعيين أحديهما للشرب مع الاحتمال. # وقال علماؤنا في سؤر الحمار: أنه مشكل لتعارض الأدلة، فقالوا: لا ينجس ~~العضو الطاهر باستعماله، ولا يرتفع به الحدث للصلاة لأنه مشكل في نفسه فلا ~~يزول به ما كان ثابتا قبله من نجاسة أو طهارة، ولم يجوز تعيين أحد الحكمين ~~بلا دليل ولا ضرورة فإنها ارتفعت بهذا التقسيم. # وكذلك قالوا في الخنثى: أنه مشكل أمرها ما لم تترجح إحدى ms215 حالتيها بدليل، ~~ومتى لم يتبين لم تترجح بلا دليل بل رد إلى الرجل من بعض الأحكام وإلى ~~المرأة في البعض على حسب الثبوت يقينا. # ووجه آخر أن النصين لا يتعارضان إلا والأول منهما منسوخ إلا أنا جهلناه، ~~والجهل لا يطلق عملا شرعيا والاختيار عمل شرعي. PageV01P215 # وأما القياسان فيتعارضان على طريق أن كل واحد منهما صحيح العمل به لأنه ~~جعل حجة يعمل به أصاب المجتهد به الحق عند الله تعالى أو أخطأه، ولما كان ~~كل واحد منهما حجة لم يسقط وجوب العمل، ولكن الحكم عند الله واحد فثبت له ~~تحري الذي الحق عند الله معه لأنه أولى من الآخر لا محالة فإذا تحرى وعمل ~~به، وجعل التحري حجة له ضرورة صار الذي عمل به هو الحق عند الله تعالى ~~بدليل التحري والآخر خطأ فلا يجوز نقضه إلا بدليل فوق التحري. # ومثاله في مسائل الفقه: رجل طلق إحدى امرأتيه فإن له خيار التعيين لأن ~~التطليق كان حقه، وكذلك تعيين المطلقة فإذا لم يعين بقي التعيين ملكا له ~~فإذا عين لم يبق له الرجوع. # ولو طلق إحديهما بعينها ثم نسيها لم يكن له خيار بالجهل لأن ما كان له ~~خرج من ملكه إلا أنه جهل المحرمة فلم يثبت له خيار شرعي بالجهل. # فإن قيل: لما كان كل واحد من القياسين حجة يجوز العمل به وجب أن يثبت ~~خيار التعيين مطلقا، لا لضرورة الجهالة فإنه لا جهالة لما صار كل واحد ~~منهما حجة، ألا ترى أن الخيار لما ثبت في تعيين كفارة اليمين لثبوت كل نوع ~~مشروعا كفارة ثبت مطلقا ولم يرتفع بتعيين العبد نوعا مرة. # قلنا: إن القياسين ليسا بحجة في حق ما عند الله تعالى فإن الحق عند الله ~~واحد على ما نذكر، ولكن جعلا حجة في حق جواز العمل لنا بالقياس أخطأنا أو ~~أصبنا لفقد الدليل الذي هو فوقه، والذي هو حق عند الله فوق الذي ليس بحق ~~ولا دليل معه للتمييز إلا التحري بقلبه فأمر بتعيينه بدليل التحري وللقلب ~~فراسة، ms216 ونظر بنور الله تعالى على ما جاءت به الأخبار فإذا عين تعين وبقي ~~الآخر خطأ ما لم يتبين خطاؤه بدليل آخر فوق التحري. # قال علماؤنا فيمن أدرك الظهر ومعه ثوبان أحدهما نجس ولا يدريه: أنه يتحرى ~~ويصلي في أحدهما الظهر فيجوز فإن صلى العصر في الآخر لا يجوز حملا على أنه ~~نجس لأن كل ثوب منهما حال وجوب الظهر مما تجوز الصلاة فيه لوجوب الصلاة وما ~~عنده ثوب طاهر يقينا وحكم النجاسة سقط بالعجز، والذي هو طاهر منهما هو الحق ~~في الأصل ولا دليل معه عليه غير التحري بقلبه فأمر به فإذا تحراه جعل طاهرا ~~بدليله فبقي الآخر نجسا، ولم يتبدل إلا بدليل آخر فوق التحري. # وقولا الصحابة مثل القياسين لأنهما يقولان عن الرأي، ولا يجوز العدول ~~بالرأي عن قولهما جميعا- على ما نذكر- فحلا محل القياسين اللذين لا حجة ~~بعدهما، والله أعلم. PageV01P216 # باب ### | AUTO القول في بيان المخلص من المعارضات بين النصوص # المعارضة إنما تكون بين آيتين، أو آية قرأت بقراءتين، أو آية وسنة ثابتة، ~~أو خبرين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راويين، أو راو واحد. # لما ذكرنا أن المعارضة بين النصوص إنما تثبت إذا كانا بحيث لو علم ~~المتأخر منهما كان ناسخا للأول، والنسخ يثبت بهذه الطرق على ما نذكر. # فأما المخلص منها فأول ما يطلب من جهة الحكم لأن التعارض إنما يكون ~~بتدافع الحكمين فلا بد أن يكون المدفوع بالآخر ما كان ثابتا بالأول لتتصور ~~المعارضة، فإذا أمكنك بيان أن الذي تصور مدفوعا ظاهرا غير ثابت بالنص بل هو ~~غيره بطلت المعارضة كما في قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن} فإنه عندنا عبارة عن عقد اللسان دون القلب ~~وقوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} لا يدفع هذا وإن نص على القلب لأن ~~حكم العقد مؤاخذة معجلة في الدنيا، وحكم كسب القلب مطلق المؤاخذة والمطلق ~~ما يكون في الآخرة لأنها خلقت للجزاء الوفاق فأما الدنيا فقد يؤاخذ فيها ~~وقد ms217 لا، لأنها خلقت للابتلاء لا للجزاء فيكون الكسب بالقلب علة لحكم لم ~~يتعرض له عقد اللسان فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر لما بطل التدافع. # فإن لم يوجد ذلك يتخلص بالحال نحو قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~بالتخفيف ويطهرن بالتشديد والأطهار: الاغتسال، والطهر انقطاع دم الحيض في ~~اللغة، والتحديد بكل واحد غير ممكن فيتخلص عنه بالحال فتحمل الآية المخففة ~~على أكثر أيام الحيض، والمشددة على ما دون أيامها فيبطل التعارض باختلاف ~~الحالين، وصيرورة هذا في حالة غير الأولى فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص ~~بالتاريخ إن عرف فيجعل آخرهما أولى لما ذكرنا أن المعارضة إنما تثبت إذا ~~كان الآخر مما ينسخ الأول فإذا عرف الناسخ بطلت المعارضة. # فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بتعيين الناسخ منهما بظاهره نحو أن تثبت إحدى ~~الحجتين حكما، كان عرف ثبوته والأخرى رفعا لذلك الحكم فالرافع يكون أولى ~~ويجعل الذي يبقى ما كان إذا جهل التاريخ متقدما والآخر متأخرا. PageV01P217 # لأنا لو لم نجعل هكذا نسخنا الأصل، ثم نسخنا الرافع بما أعاد حكم الأصل ~~ولا يصار إلى النسخ ما أمكن نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~أباح الضب، وروي أنه كرهه وروي أنه أباح الضبع وروي أنه نهى عنه، فكان ~~التحريم أولى. # ولأن المحرم بالإجماع ناسخ والآخر احتمل أن يكون ناسخا لو تأخر وأن لا ~~يكون لو تقدم فلم يقابل المحتمل المحكم فإن لم يكن قامت المعارضة وإن كانت ~~إحدى الحجتين نافية والأخرى مثبتة، ويحكى هذا القول عن عيسى بن أبان، وعن ~~أبي الحسن الكرخي أن المثبت أولى. # وقد ذكر محمد بن الحسن رحمه الله في كتاب "الاستحسان" في ماء أخبره مخبره ~~بنجاسته والآخر بطهارته، ولم يترجح قول أحدهما على الآخر في رأي السامع. ~~فقال: إنهما يتساقطان، ويبقى الماء على ما كان قبل الخبرين والنجاسة إثبات ~~حكم جديد. # وعن ابن عمر وابن عباس أنهما سألا عن الفجر فاختلف رجلان فقال أحدهما: ~~طلع، وقال الآخر: لم يطلع فشرب الماء. # وفرع محمد بن ms218 الحسن في كتاب "الاستحسان" إذا كان المخبر بأحد الخبرين ~~اثنين عدلين، ومن الجانب الآخر واحد، قال: خبر الاثنين أولى وإن كان من ~~جانب عبدين، ومن جانب حرين فالحران أولى فرجح بمعاني في الحجة لا بالحكم، ~~وهذا لأن الخبر حجة في النفي كما في الإثبات بخلاف الشهادات. # فإن قيل: خبر المثبت أصدق! # قلنا: لا كذلك فإن طهارة الماء تعرف يقينا كنجاسته باغتراف الماء من واد ~~جار في آنية طاهرة وحفظها كذلك عن النجاسات. # ومثال ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حرام، ~~وروي أنه تزوجها وهو حلال، ولا يرجح الحلال بكونه طارئا فإنهم أجمعوا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوجها قبل الإحرام وإنما تزوجها بعد الإحرام. # واختلفوا في أنه تزوجها قبل أن يحل أو بعدما حل. # والذي يروي الحل روى أمرا طارئا ولم نره ترجيحا وقد اجتمعا في حادثة ~~واحدة، بل رجحنا الحرام لأن رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو ~~أثبت من يزيد بن الأصم راوي الحلال. # وروي أن بريرة أعتقت وزوجها عبد، وروي: وزوجها حر، وزوج بريرة كان عبدا ~~ثم أعتق فكانت الحرية طارئة وأخذ بها علماؤنا رحمهم الله فثبت أنهم طلبوا ~~الترجيح من وجوه أخر لا بالطريان واستصحاب الحال. PageV01P218 # وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بالنكاح ~~الأول وروي بنكاح جديد ورجحوا هذا الخبر فلما اختلف عمل علمائنا في هذا ~~الباب علم أنهم رجحوا بوجه آخر غير الإثبات. # والوجه الصحيح في ذلك أنا نستفسر النافي للحادث فإن أخبر عن سبب علمه ~~بالنفي على وجهه صار هو والمثبت سواء. # وإن قال: لم أعلم بما يزيله كان المثبت أولى، لأنه إذا أخبر عن دليل ~~النفي ساوى المثبت في العلم بما أخبر على ما بيناه في مسألة طهارة الماء ~~ونجاسته فإذا لم يخبر عن دليله، ولكن قال لم أعلم بما يزيله فقد أخبر أنه ~~بقي على ما كان يجهله عما يزيله لا بعمله حجة تنفي الثبوت ms219 للحال، فلم يصر ~~خبره عن جهل حجة في مقابلة الخبر عن علم، وإنما لا يكون هذا حجة بعذره في ~~التمسك بما كان علم على ما نشرحه في باب استصحاب الحال، ولأن السامع يساويه ~~في ضرب هذا العلم لأن علم بثبوت الأول ولم يعلم بزواله مثل الذي أخبره به. # فلو كان هذا الخبر حجة دافعة لخبر المثبت لصار علمه بنفسه دافعا، وكانت ~~الأخبار أكثرها تبطل بهذا الطريق لأن أكثر الشرائع مما تبدلت، والتي كانت ~~ثبتت يقينا قبل التبدل فكان ثبوتها من قبل يعارض ما يرفعها فلا يثبت الرفع، ~~وإلى هذا التفسير أشار محمد بن الحسن رحمه الله. # وعلى هذا رجح علماؤنا خبر حرية زوج بريرة ونكاح جديد لزينب لأن الذي نفى ~~الحالة الأولى لم يبلغنا منه ما نعلم به سبب شهادته بالحالة الأولى، فقبل ~~التفسير الشهادة بالحادث أولى وبلغهم في خبر نكاح ميمونة بسبب شهادة عبد ~~الله بن عباس رضي الله عنهما فإنه نقل القصة على وجهها فتساويا في حق ~~المشهود به، ثم ترجح عبد الله لإتقانه. # ومن أهل النظر من تخلص عن المعارضة بزيادة عدد الراوي وقال: إن خبر ~~الاثنين أولى من خبر الواحد كما قاله محمد بن الحسن رحمه الله في باب طهارة ~~الماء ونجاسته لأن في الصحابة من لم يقبل خبر الواحد حتى شهد معه آخر، ولأن ~~القلب أميل إلى خبر الاثنين. # وتخلص أيضا بحرية الراوي لأن الحرية تجعل خبره حجة في باب الشهادات فيوجب ~~ترجيحا كزيادة العدد وكما رجح محمد بن الحسن في باب خبر نجاسة الماء ~~وطهارته. # قال القاضي رضي الله عنه: والذي ثبت عندي من مذاهب علمائنا أنه لا مخلص ~~بهذا لأن خبر الواحد لما ثبت حجة لم يترجح بزيادة العدد من جنسه كما لا ~~تترجح الشهادة بزيادة الشهود، وإن كان القلب إلى شهادة العشرة أميل وكما لا ~~يترجح بالأربعة، PageV01P219 # وهي حجة في باب الزنا دون الاثنين فعلم أن الرجحان لا يطلب لباب بباب ~~آخر، ولا بميل القلب، بل بمعاني في الحجة ألا ترى أن ms220 خبر المرأة والرجل ~~سواء، والقلب إلى شهادة الرجل أميل. # وشهادة النساء ليس بحجة في بعض الأبواب بخلاف المشهور لأنا لم نرجح ~~بزيادة العدد بل بدخول الخبر في حد العيان، وصيرورته بابا آخر حكما على ما ~~مر، ولأن المناظرات من لدن الصحابة إلى يومنا هذا جرت بأخبار الآحاد ولم ~~يرو في شيء منها اشتغالهم بالترجيح بزيادة عدد، ولو كان صحيحا لقالوا، ولو ~~قالوا لنقل كما نقل في ابتداء قبول أخبار الآحاد، والله أعلم. PageV01P220 # باب ### | AUTO القول في البيان # البيان في اللغة: عبارة عن الظهور, يقال: بان لي معنى هذا الكلام أي: ظهر ~~بيانا, وبانت المرأة عن زوجها بينونة أي: حرمت, وبان الحبيب بينا أي: بعد ~~وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو: الامتياز, ولكن على أنحاء مختلفة ففرق بين ~~أنواعها بالمصادر. # وأكثر ما يستعمل البيان في باب اللسان, وأنه على أربعة أوجه: # بيان تقرير, وبيان تفسير, وبيان تغيير, وبيان تبديل. # فأما بيان التقرير: فنحو قول الله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ~~فقوله تعالى كلهم قرر معنى العموم من الملائكة حتى صار لا يحتمل الخصوص. # وأما بيان التفسير: فنحو بيان المجمل والمشترك والمشكل وما لا يمكن العمل ~~به إلا بدليل, فذلك الدليل بيان تفسير فإنه عبارة عن الكشف, وبه انكشف ~~المعنى لأنه كان معقولا فتقرر به. # وأما بيان التغيير: فنحو الاستثناء {فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما} ~~لأن قوله إلا خمسين ليس بتفسير للألف بل رد لبعضه فمن حيث قرر البقية كان ~~بيانا ومن حيث رفع بعضه كان تغييرا. # وأما بيان التدليل: فكالتعليق بشرط نحو قوله الله تعالى: {فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} لأن لا جناح لإزالة الحرج ~~للحال, ولما علق بشرط, تبدل أصله فلم يوجب إزالة حتى يوجد شرطه. # فبيان التقرير والتفسير: بيان محض ما فيه تغيير, ولا تبديل بوجه فيصبح ~~مقارنا وطارئا. # فإن قيل: كيف صح تأخير بيان المجمل, ولا يمكن العمل به قبل البيان فيكون ~~تكليف ما ليس في الوسع؟ # قلنا: قبل ms221 البيان لا يلزمنا العمل بل يلزمنا أن نعتقد أن الله تعالى أراد ~~به حقا فيكون ابتلاء بمجرد الاعتقاد, وأنه صحيح فإنه أعظم من الابتلاء ~~بالفعل ألا ترى أن من النصوص ما هو متشابه أيسنا عن بيانه, وقد صح وروده ~~لإيجاب اعتقاد الحقيقة في الجملة, قال علماؤنا فيمن اقر أن لفلان عليه ~~شيئا: إن البيان متصلا منفصلا لأنه تكلم بكلام مجمل. PageV01P221 # وإذا قال: لفلان علي ألف درهم، وفي البلد نقدي مختلف كان البيان إليه ~~متصلا ومنفصلا لأن الاسم يحتمل ضروب دراهم. # وإذا قال لامرأته: أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا لأنه يحتمل ضروب ~~بينونات. # وإذا قال: أنت طالق، وقال: عنيت الطلاق للنكاح كان صحيحا لأنه تقرير ~~فعلمت أن هذين النوعين يصحان بوصل وفصل. # وأما بيان التغيير والتبديل: فيصح موصولا، ولا يصح مفصولا لأنه يتمحض ~~نسخا للكل أو للبعض مفصولا والنسخ رفع وليس ببيان على ما نذكر، ولأن حكم ~~الكتاب كان ثابت قبل النسخ فلو كان بيانا لتأكد ثبوته وما انقطع، وإنما ~~قلنا: أنه يتمحض نسخا مع الفصل لأن الألف اسم علم لعدد معلومات على سبيل ~~القطع لا احتمال فيه لما دونه، فلا يصير تسعمائة إلا برفع مثة منها وكان ~~نسخا لبعضها فكان تغييرا، وإذا قلت: أنه حر، كان إعتاقا لا يحتمل غيره ~~بوجه، فيكون تعليقه بشرط رفعا بعد ثبوته لا محالة كالقنديل يوضع ثم يعلق، ~~وكإرسال التوكيل للحال ثم العزل إلى ما بعد شهر فيكون التعليق تبديلا من الأصل. # ولا يكون بيانا بوجه إلا أن يكون موصولا بالكلام الأول لأن الكلام كما لا ~~يتم مفهما للغرض منه إلا بنظم الحروف وتأليفه فكذلك الكلمة بنفسها لا تفهم ~~المراد إلا بنظم كلمات أخر إليها، وإذا كان كذلك لم يجز الحكم بأول الكلمة ~~حتى ينقطع النظم بالسكوت أو الانتقال إلى ضرب آخر من الكلام والاستثناء ليس ~~بانتقال، لأنه دون المستثنى منه لا يكون كلاما مفهما، وإذا لم يكن انتقالا ~~اعتبر جملة واحدة، وإذا اعتبر جملة والاستثناء لو طرأ كان رفعا للبعض فإذا ~~قارن منع ms222 الثبوت بقدره، وكان تكلما بما بقي بعده على ما قررنا في مسائل ~~الاستثناء. # وكذلك التعليق بالشرط لو طرأ بعد الثبوت وصح اقتضى انعدام ذلك المرسل قبل ~~الشرط لأن الشيء الواحد لا يوجد ابتداؤه في زمانين، وكما في المحسوس إذا ~~أرسل القنديل استقر بالأرض، وإذا علق انعدم في مقره وإذا قارن التعليق ~~الإرسال منع الوجود بالمقر أيضا فكانا متصلين بيانا يمنع اللفظ أن يعمل ~~عمله على حسابه لولا المانع. # فمن حيث ما فيه من المنع لم يكن بيانا. # ومن حيث لا رفع بعد الثبوت لم يكن نسخا. # ومن حيث غير الكلام من جهة إلى جهة أخرى بالنظم كان بيانا لما صار إليه ~~فسميناه بيان تغيير وتبديل لاجتماع المعنيين فيه، وهذا مما لا خلاف فيه. # فإن من قال: لفلان علي ألف درهم إلا مئة، كان بيانا ولا يلزمه المئة. PageV01P222 # ولو سكت ثم قال: إلا مئة كان رجوعا ويلزمه الألف كلها. # وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة صدق فيما بين إذا وصل، ولا يصدق ~~إذا فصل لأنه بيان تغيير، فإنه غير حكم الالتزام عن الدراهم إلى الحفظ ألا ~~ترى لو سكت على ألف درهم كان المضمون عين الألف لا الحفظ فالصرف إلى الحفظ ~~تغيير، ولكن فيه معنى البيان على معنى التغيير كأنه يقول: لفلان علي ألف ~~درهم، فكان بيانا من حيث النقل إلى مجازه، وإذا قال: لفلان علي ألف درهم من ~~ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها. # قال أبو يوسف ومحمد: إن صدقه المقر له في الجهة صدق المقر، وصل أم فصل ~~لأن السبب لما ثبت بالتصادق صار القبض محتملا لا موجب للإقرار فيه فيكون ~~قوله قبضتها أو لم أقبضها بيانا محضا. # وإذا كذبه المقر له في الجهة صدق إذا وصل ولا يصدق إذا فصل لأن قوله: ~~لفلان علي ألف درهم إقرار بمال صحيح لو سكت عليه من ثمن جارية باعنيها إلا ~~أني لم أقبضها بيانا فيه معني الإبطال، لأنه متى ثبت هذا لم يبق للمقر له ~~قبله مطالبة إلا ms223 بتسليم الجارية، ولا جارية هناك، ولكن في الجملة يجوز أن ~~يكون الوجوب بهذا السبب فكان بيانا فيه معنى الإبطال فأشبه الاستثناء. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصح إن وصل لأنه رجوع عن القبض بعد ~~الإقرار به، وما فيه معنى البيان من وجه لأن البيع يوجب مطالبة المشتري ~~بالثمن حالا قبل تسليم الجارية لا براءة له عنها إلا بعارض فلا يكون دعوى ~~العارض بيانا بل البيان بما يكون مقارنا للعلة على سبيل المنع. # فأما إذا لم يصدق في دعوى العارض المسقط للمطالبة، ولا مطالبة والجارية ~~غائبة إلا بعد القبض صار إقرارا بالقبض ثم رجوعا. # وإنما الاختلاف بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص. # قال علماؤنا رحمهم الله: هو من قبيل بيان المحتمل فيصح مقارن وطارئا. # قال أصحابنا فيمن قال: أوصيت لفلان بهذا الخاتم، ولآخر بفصه بكلام متصل: ~~أن الفص كله لصاحب الفص والتخصيص يصير بيانا كالاستثناء. # ولو فصل فقال: أوصيت لآخر بفصه، كان الفص بين الأول والثاني ولا يصير ~~بيانا مع الفصل كالاستثناء. # وإن كان خاصا فعلم أنهم لم يروا التخصيص بيانا إلا مقارنا ولا كلام في ~~المسألة PageV01P223 # من حيث المعنى ابتداء بل يبتنى على ما مضى من حكم العموم، فإن حكمه عندنا ~~عموم على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم لكل ذلك العدد على سبيل ~~القطع بلا احتمال خصوص لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته ~~كما في الألف مع الاستثناء فيكون بيان تغير. # والمذهب عنده أن العام ظاهره التعميم مع احتمال الخصوص. # وإذا كان ثبوته على هذا الاحتمال كان التخصيص بيانا لما كان يحتمله ولم ~~يكن رفعا، وكان من قبيل بيان المحتمل وقبيل العام الذي ثبت خصوصه. # فإن القول بعمومه واجب بعد الخصوص على اعتقاد احتمال الخصوص وجواز الخطأ ~~فيما قال به من العموم، وكآية إحلال البيع فإنها عامة يقال بعمومها وأبواب ~~الربا بيان أنها لم تدخل تحته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين ~~الأبواب واحدا بعد واحد. # وكما يجب العمل بالقياس على ms224 احتمال أنه خطأ وأنه يجوز أن يتبين بالخبر ~~فساد قوله، فثبت أن البيان مما يجوز وروده مقارنا ومتراخيا بلا خلاف. # وإنما الاختلاف فيما ليس ببيان محض إذا كان مقارنا، ولكنه تبديل فيكون ~~الاختلاف بعد هذا في تمييز البيان عن التبديل لا في جواز تأخير البيان. # واحتج الخصم بنصوص منها قوله تعالى: {فإذا قرأنه فاتبع قرءانه* ثم إن ~~علينا بيانه} ضمن البيان بعد إلزام اتباع الظاهر لأن كلمة ثم للتراخي. # وقال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} وكان المراد بها الأصنام ~~دون عيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وإنما يتبين ذلك ببيان متراخ ~~بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} فإنها نزلت ~~بعدما عارض الكفرة منهم ابن الزبعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيسى ~~والملائكة صلوات الله عليهم. # وقال الله تعالي: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} والمراد بها غير لوط ~~وأهله. وتأخير البيان إلى أن سأل إبراهيم عليهم السلام أن فيها لوطا {قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله}. # وكذلك قال الله تعالى لنوح: {قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} ~~والمراد غير ابنه، وتأخر البيان إلى أن سأل نوح {إن أبنى من أهلى} فقال ~~الله تعالى: {إنه ليس من أهلك}. # وقال في خمس الغنائم: {ولذى القربي} والمراد بالقربى بنو هاشم وبنو ~~المطلب دون غيرهم وتأخر البيان إلى أن سال عثمان وجبير بن مطعم، وأمر الله PageV01P224 # تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة وتأخير بيان أوصافها إلى إن سألوا ولأن ~~البيان مرة يكون بالقول ومرة يكون بالفعل كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~(صلوا كما رأيتموني أصلي) والبيان بالفعل لا يكون إلا متراخيا. # وقال الشافعي: الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يبن أن لا ميراث بين أهل الكفر والإسلام، وأثبت الميراث بعد ~~الوصية مطلقا، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به وصية من الثلث ~~فما دونه. # فأما الجواب عن الأول: فإنا نجوز البيان متراخيا كما قال ms225 الله تعالى، ~~ولكن نقول: ما فيه رفع أو تغيير لا يكون بيانا إلا متصلا وإذا جاء متراخيا ~~كان نسخا، والنسخ لا يكون بيانا ألا ترى أن من الآيات ما هي محكمات كآيات ~~صفات الله تعالى لا تقبل النسخ، وهي قابلة للبيان والتقرير فثبت أنهما ~~مختلفان وعلى ما نبينه بعد هذا في باب النسخ. # وعن الثاني: أن عيسى والملائكة عليهم السلام لو يكونوا دخلوا تحت قوله: ~~{وما يعبدون} بطريقين: # أحدهما: أن الله تعالى خاطب قريشا بذلك وهم كانوا عبدة أوثان. # والثاني: أن كلمة ما عام فيما لا يعقل ولا يدخل تحتها من يعقل إلا على ~~سبيل المجاز، وكان الكفر متعينين بمعارضتهم متكلمين بلبس، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسكت عن جوابهم إعراضا عن اللغو كما قال الله تعالى: ~~{وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه}، {وإذا مروا باللغو مروا كراما} ثم إن الله ~~تعالى تولى الجواب ببيان شاف يرد لبسهم فقال: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} فكان بيانا زائدا لا واجبا كما قال الله تعالى: ~~{فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس} وهو لم يكن منهم فكان الاستثناء ~~بيانا صورة، وهو استثناء مقطوع عن الأول معنى. # وكذلك قوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما* إلا قيلا سلاما سلاما} ~~فهذا بيان ما فيه تغيير للأول ولا تقرير بل زيادة حكم على سبيل الابتداء ~~غير متصل بالأول حقيقة وإنما يتصل به صورة فكذا فيما نحن فيه. # ونظير ذلك محاجة إبراهيم نمرود اللعين حيث قال: {ربي الذي يحي ويميت} وكان # يحاجه بإحياء حقيقي فقال اللعين: {أنا أحى وأميت} وإنما أراد إحياء مجازا ~~بدفع سبب الهلاك عن حي فأعرض إبراهيم عن جوابه وجاء بما يزيل اللبس عن ~~العامة فقال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب} PageV01P225 # ولم يكن هذا بيان الأول بوجه بل كان كلاما مبتدأ جاء به لإزالة اللبس ~~وأعرض عن الأول من غير إفحام. # وأما قصة لوط: فكان البيان فيها مقرونا بالنص: فإن الرسل عليهم السلام ~~قالوا: ms226 {إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} فأخبروا بالهلاك ~~بسبب الظلم فكان لوط عليه السلام وأهله لا يدخلون تحت هذا النص، إلا أن ~~إبراهيم عليه السلام اغتم للوط عليه السلام وإن لم يدخل تحت النص فإن ~~العذاب قد ينزل خاصا بالظالمين، كما كان بأصحاب السبت. # وقد ينزل عاما كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة} ولما كان السؤال لإشكال ثبت له باحتمال الحال دون النص صح ورود ~~البيان متراخيا للحال دون النص، ويحتمل أنه سأل عن حال لوطا عليه السلام ~~وإن علم بنص الملائكة على سبب الهلاك؛ أن لوطا عليه السلام غير داخل تحتهم ~~ليزداد علما بنص خاص في لوط ليزداد به طمأنينة القلب كما سأل ريه فقال: {رب ~~أرنى كيف تحى الموتى}، وإن كان علم تلك القدرة، ولكن قال ليطمئن قلبه ~~بزيادة البصيرة بالمعاينة على أن الملائكة كانوا نصوا على استثناء لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته} إلا أن الله تعالى لم يحك الاستثناء في بعض ~~القصص اختصارا أو اكتفاء بما دل عليه اللفظ. # وأما قصة نوح فكان بيان الابن مقرونا بالنص فإنه قال: {وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول منهم} فكان استثنى من أهله من سبق عليه القول غير أن نوحا عليه ~~السلام لم يتيقن بالاستثناء بلا نص على ابنه أنه ابنه وظن- والله اعلم- أنه ~~استثنى من سبق عليه القول من الكفرة، فإن الاستثناء يحتمل ما ذهب إليه نوح ~~بين الله تعالى لنوح فقال: {إنه ليس من أهلك} بل هو ممن سبق عليه القول ~~فكان تقريرا لظاهر الاستثناء وصح متراخيا. # ويحتمل أن نوحا عليه السلام لما دعاه بعدما نزل العذاب وقال له: ولا تكن ~~مع الكفرين} ظن إجابته بعدما غاب عنه بسبب تلك الأهوال فسأل ربه بناء على ~~ظنه فقال الله تعالى: {إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم} وإنه ~~لم يؤمن وإنه ليس من أهلك معنى، وكان اعتقاد نوح إنه من أهله على ظنه ~~الإجابة لا عن نص ms227 الله تعالى على أهله، فإن الله تعالى كان استثنى من النص ~~من سبق عليه القول وكان الجواب من الله تعالى بيانا لما تخيل لديه لا للنص. PageV01P226 # وهذا كما استغفر إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه حتى بين الله تعالى ~~له أنه لم يؤمن فتبرأ منه. # وأما قصة بقرة بني إسرائيل فذلك الوصف عندنا زيادة على الإطلاق ولم يكن ~~له حكم النسخ على ما مر بيانه، والنسخ لا يكون إلا طارئا. # وهكذا روي عن ابن عباس: أنهم لو عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفاهم ~~ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. اللفظ كما هو. # وأما آية (ذوي القربى) فلا عموم لها، لأن القربى تحتمل ضروب قرب، وضروب ~~قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم عليه السلام فلا يمكن تعميمها، ~~وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيه كقول الله تعالى: {وما يستوى ~~الأعمى والبصير} فصح البيان متراخيا فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~قال لهم أن المراد بها القربى بنصرتي لا بنفس النسب، أو المراد بها قربى ~~عمومتي من بني هاشم دون غيرهم إلا أن بني المطلب التحقوا بهم بسبب النصرة. # وأما البيان بالفعل متراخيا فلا يصح بخلاف عموم وجب القول بظاهره، وإنما ~~يجوز على الوجه الذي يجوز بالقول، وإنما لا ننكر تأخير البيان قولا، وفعلا ~~على ما بينا وإنما ننكر أن يكون التخصيص الطارئ بيانا للعموم بل نقول إنه ~~بمنزلة النسخ إلا عموما ثبت خصوصه بدليل مقارن، فتكون زيادة التخصيص بعد ~~ذلك بيانا لما ثبت من التخصيص بالدليل المقارن من حيث إنه يجعله من قبيله، ~~لا أن يكون بيانا للعموم بحال فإن البيان حده ما ذكرنا من تفسير الكلام على ~~محتمله وضعا أو معنى أو تقريرا لما ثبت منه بزيادة بيان فأما معنى لا يثبت ~~منه إلا بدليل يصده عن وجهه إلى غيره، فلا يكون بيانا إلا على سبيل ~~المقارنة لأن الصاد متى اقترن به منع عمل مطلقه فأما إذا لم يقترن به عمل ~~اللفظ عمله عند عدم ms228 المانع فيصير المانع بعده رافعا لا محالة فلا يكون ~~بيانا، والله أعلم. # وأما الجواب عن فصل الميراث والوصية: أن شرط الإسلام في باب الميراث من ~~باب الزيادة على المطلق، وذلك من النسخ عندنا دون التخصيص، وقد ثبت بخبر ~~اقترن به الإجماع أو بآية قطع الولاية بيننا وبينهم وقد احتمل أن آية قطع ~~الولاية كانت قبل آية المواريث، وأما الوصية فتحتمل أن السنة في الثلث كانت ~~قبل الآية فكان البيان مقارنا، والله أعلم. PageV01P227 # باب ### | AUTO القول في النسخ تفسيرا وجوازا # أما التفسير: فالنسخ هو التبديل والإبطال ونحو ذلك، تقول العرب: نسخت ~~الشمس الظل؛ إذا أبطلته، ونسخت الرياح الديار، إذا أبطلت أعلامها، ونسخت ~~الرسوم؛ إذا بدلت. # ومنه مذهب التناسخ وهو: تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأول. # ومنه انتساخ الكتاب وهو: نقله إلى كتاب آخر نقل مثله، وهو نقل مثل ~~المكتوب الأول لا نقل الأول بعينه إلى الثاني لأنه لا يتصور فسمي النقل ~~بحسب الإمكان انتساخا مجازا. # ومنه نسخ الشرائع بتبديلها بشريعة أخرى، وقد نطق القرآن بالنسخ {ما ننسخ ~~من اية أو ننسيها}، ونطق بالتبديل {وإذا بدلنا أية مكان أية}. # وأما الجواز: فقد قال به أهل الإسلام إلا قليلا لا يعتد بهم قالوا: إنه ~~لا يجوز. # وقالت اليهود: النسخ باطل إلا أن منهم من أبى جوازه عقلا، ومنهم من جوزه ~~عقلا وأبى شرعا فصاروا فريقين، وكذلك المسلمون فريقان إلا أن من أنكر جوازه ~~قوم لا يعتد. # فأما الذين أبوه شرعا سمعا فقد احتجوا بأنهم وجدوا في التوراة (تمسكوا ~~بالسبت ما دامت السموات والأرضون) فثبت أنه دائم بالنص إلى يوم القيامة، ~~وفي تجويز النسخ ارتفاعه فيكون بخلاف ما نص عليه وفيه تناقض، ولأنه لا خلاف ~~أن وقت الثبوت متى نص عليه لم يجز النسخ فيه قالوا: ولأنه بلغنا بالتواتر ~~عن موسى عليه السلام أنه لا نسخ لشريعته كما تدعون أنتم ذلك في شريعتكم ~~وتحتجون له بالتواتر. # وأما الذين قالوا: لا يجوز عقلا، فقالوا: إن الله لا يشرع شريعة إلا ~~لحسنها ولا ينهى عن فعل ms229 إلا لقبحه، فلما دل الشرع على الحسن لم يجز النسخ ~~والرفع إلا للقبح، ولا يتصور القبح إلا بتبين الغلط، ولا يجوز ذلك على الله ~~تعالى، ولأن الأوامر المطلقة ثابتة أبدا ألا ترى أنها تبقى ما لم يظهر ~~نسخها موجبة كذلك كما كانت موجبة ابتداء فصارت بمنزلة ما لو نص على الأبد ~~ولو نص على الأبد فقال: افعلوا كذا أبدا، لم يجز نسخه فكذلك هذا. # وأما الفريق من المسلمين فقوم لا يمكنهم الخروج عما ثبت في القرآن من ~~النسخ PageV01P228 # نحو قوله: {ما ننسخ من أية} الآية وقوله: {وإذا بدلنا أية مكان أية} ونسخ ~~بيت المقدس بالكعبة في باب القبلة, ونسخ حد الزنا من الإيذاء والحبس ~~بالجلد, ولا وجه لقولهم مع الإقرار بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وانتساخ ~~سائر الشرائع بشريعته. # وأما الحجة للمسلمين: فهو أن النسخ عندنا إنما يجوز لأحكام تحتمل أن لا ~~تكون مشروعة ثابتة لولا الشرع, ويرد النسخ علي البقاء ثابتا فيما يحتمل أن ~~تثبت مؤقتة بالنص وسكت النص عن ذكر المدة على ما بيننا بعد هذا, لأن المدة ~~لما لم تذكر واحتملت البيان. # ولما كان بيانا لما غاب عنها من قدر المدة وهي معلومة عند الله تعالى من ~~الابتداء لم يكن رجوعا, ولا رفعا لثابت تبين الغلط فيه, وكان إحياء الله ~~تعالى شريعته بأمره يحتمل التوقت كإحياء الله تعالى إنسانا أو تكوين العالم ~~ثم كانت الإماتة والإفناء في الحق الله تعالى بيانا لمدة البقاء ولم يكن ~~فيه بد وغلط فيما أبرم وحكم فكذلك هذا لأن الله تعالى كما لا يأمر إلا ~~لحكمة حسنة فكذلك لا يخلق إلا لحكمة حسنة. # فإن قيل: لما لم يوجب شرع الأحكام بقاؤها كيف بقيت اليوم؟ # قلنا: إن البقاء بدليل آخر كما في كل العالم, وكما قيل في إحياء الشخص ~~أنه لا يوجب البقاء بل هو بدليل آخر أو بعدم ما يعدمه, وأنه في الجملة في ~~زمان الوحي بمنزلة حي يغيب ولا يدري حاله فإنه في نفسه على الحياة حتى يقوم ~~دليل الممات ms230 لأنه في نفسه يحتمل البقاء والموت, والأصل هو الحياة فاستصحبنا ~~تلك الحالة ولم نبدلها بالاحتمال فكذلك ما حسن من الأحكام بالنص احتملت ~~البقاء كذلك حسنة، واحتملت التبدل والزوال, ولا تبدلها بالاحتمال. # فإن قيل: فعلي هذا لا يكون نسخا للأمر. # قلنا: نعم ولا يجوز النسخ لأصله لأنه لا يجوز إلا بعد تبيين الغلط فيه, ~~ولكنه نسخ للبقاء في حقنا ظاهرا لأنه ما ارتفع في حقنا إلا بالناسخ فأما في ~~حق الله تعالى فانتهاء كالقتل يجعل قطعا للحياة في حق العباد وهو نهاية في ~~علم الله تعالى، وموته بأجله المكتوب له فكان النسخ على الحقيقة بيانا لمدة ~~البقاء كالموت للحي غير أن قدر المدة لما غاب عنا. # ولولا الناسخ لزمنا الحكم بالأول أبدا, وبالناسخ رفع الحكم فسمي نسخا, ~~ولا إشكال أن الأخت كانت حلالا للأخ في شريعة آدم عليه السلام, وبذلك ~~تناسلوا, وأنه حرام في شريعة موسي عليه السلام. PageV01P229 # وأما الجواب عن السمع فإنه ثبت عندنا بكتاب الله تعالى أنهم حرفوا ما في ~~التوراة فلم يبق نقلهم اليوم حجة دل عليه أن حواء خلقت من آدم وحلت له, ~~واليوم حرام على الأب ما خلق من الإناث, والله أعلم. PageV01P230 # باب ### | AUTO القول في أقسام النسخ في نفسه # أقسام النسخ نفسه في أربعة: # نسخ الحكم مع تلاوة نظمه. # ونسخ الحكم كله أو بعضه دون تلاوة النص برسمه. # ونسخ تلاوة النص دون حكمه. # ونسخ بزيادة على النص برسمه. # وهذا مذهبنا إذا كان الثابت بالنص سببا للحكم أو حكما. # وقال الشافعي: الزيادة على النص بيان, وليس بنسخ. # وقال يعضهم: لا يكون النسخ للتلاوة دون الحكم, ولا للحكم بدون التلاوة, ~~لأن النص متلو هو الموجب للحكم, فلا يجوز أن يبقى السبب الموجب بلا وجوب ~~أصلا لأن الأسباب لا تبقى بدون أحكامها مقصودة, وكذلك الحكم لا يبقى بنفسه ~~بلا سببه. # وأما نسخ التلاوة مع الحكم فنحو صحف إبراهيم التي أخبر بها الله تعالى, ~~وما بقي منها أثر, وذلك بأحد طريقين إما بصرف الله تعالى القلوب عن حفظها ~~ورفع ms231 ذكرها عن القلوب أو بموت العلماء بلا خلف, وهذا الضرب كان جائزا على ~~القرآن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا فأما بعد وفاته فممتنع ~~لأنه لو جاز ذلك في البعض لجاز في الكل والله تعالى يقول: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} ولم يرد الله حفظه لديه فإنه مما لا يجوز أن يتصف ~~الله بنسيان أو غفلة. # فثبت أنه أراد حفظه لدينا فإنه مما يحتمل ضياعه بتبديل منا قصدا كما فعل ~~أهل الكتاب أو بنسيان. # ولأن الله تعالى ما أخلى عباده فيما ابتلاهم به من أداء أماناته عن ~~الوحي, وما تركهم ومجرد العقول. # ولو احتمل ذهاب القرآن ولا وحي يتجدد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لخلو عن الوحي في مدة الابتلاء, ولم يوجد ذلك من الله تعالى فيما مضى ~~قبلنا, وغير جائز ذلك مع قيام الابتلاء بهذه الحدود من العبادات, لأنا ~~لاننالها بمجرد العقول, ولا انتساخ لهذه الشريعة فعلم ضرورة بقاء الوحي كما ~~أنزل معنا إلى وقت ارتفاع الخطاب بالابتلاء بآيات القيامة PageV01P231 # التي {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا}. # والدليل على الجواز نسخ التلاوة دون الحكم, أو الحكم دون التلاوة أن حد ~~الزنا كان هو الحبس والإيذاء باللسان بنص الكتاب ثم نسخا بالجلد والرجم, ~~والتلاوة باقية غير منسوخة, وهذا لأن للتلاوة أحكاما أخر غير ما يثبت به من ~~حكم عرف لغة نحو تعلق جواز الصلاة بها وثبوت الإعجاز على أن بقاء الحكم لو ~~لم ينسخ ما كان يضاف إلى النص فإن الأمر بفعل مطلق لا يوجب إلا ثبوت ذلك ~~الفعل المأمور به. # وأما بقاؤه كذلك ثابتا فلا يضاف إليه على ما بينا في الباب الأول, بل ما ~~ثبت يبقى كذلك بلا دليل حتى يقوم دليل الزوال. # وإذا لم يضف إليه لم يتبدل حكم النص في نفسه بانتساخ الحكم كالبيع يوجب ~~الملك لا دوامه فإن فسخ المشتري ملكه ببيع أو إعتاق لم يتدل به حكم البيع ~~الأول ms232 فيما أوجب له من الملك, وإنما يتبدل ما لم يجب به, وإنما يحتج ~~بالآيات للأحكام لبيان ثبوتها بها ابتداء لا لبقائها فينا اليوم. # وأما نسخ التلاوة دون الحكم فجائز لما ذكرنا أن التلاوة حكم زائد غير ~~العمل بموجب النص, وذلك لن الأحكام مرة تثبت بوحي متلو كالقرآن, ومرة بوحي ~~غير متلو مما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا قرآنا, فكان وجوب ~~التلاوة للقرآن حكما زائدا مخصوصا به للتشريف والإظهار من حيث أنه معجز تم ~~البقاء كما ثبت بحكم لا دليل على زواله, فإذا قامت الدلالة زالت وتبين بها ~~مدة البقاء محتملة للثبوت, ولضده. وكذلك التلاوة كانت سببا لجواز الصلاة ~~فيبقى كذلك سببا حتى يقوم دليل الزوال. # قال علماؤنا: إن صيام كفارة اليمين متتابعة لأن في قراءة عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه {فصيام ثلاثة أيام متتابعين} فمتتابعات نسخت تلاوتها ~~وبقي حكمها وهذا صحيح. لأن التلاوة متى نسخت بقيت وحيا غير متلو. فالحكم ~~مما يجب به وقد مر أن نفس التلاوة حكم مقصود, يجوز ثبوتها بنفسها, ~~وانتساخها كذلك. # فإن قيل: وبم يعرف الانتساخ للتلاوة فيما ذكرت؟ # قلنا: لأن عبد الله كان يرويها وهو عدل, فلا يبقى لتصديقه وجه سوى أنها ~~كانت ثابتة, غير أن الله تعالى لما نسخها دون حكمها, رفع ذكرها عن القلوب ~~إلا عن قلب عبد الله, ليبقى الحكم بقراءته. ولا تثبت التلاوة بروايته. # وأما الزيادة على النص فقال الخصم: إنها بيان لآن النسخ تبديل على ما مر, ~~وفي الزيادة تقرير لما كان ثابتا , وضم آخر إليه. نحو آية الزنا أثبتت ~~الجلد مئة والسنة أثبتت النفي معه حدا, وآية كفارة اليمين رقبة مطلقا, ~~والآية المقيدة أثبتت زيادة الإيمان عليه. PageV01P232 # ولأن بني إسرائيل أمروا بذبح بقرة فاستوصفوا فوصفت لهم بما لم تكن ثابتة ~~بمطلق البقرة وكان بيانا. # ولأن زيادة القيد على المطلق تجري مجرى التخصيص من العموم لأن الرقبة متى ~~قيدت بالإيمان صارت الكافرة مخصوصة من بين الجملة. # ولعلمائنا رحمهم الله أن الذي ذكرتم صورة, وأن ms233 الزيادة نسخ معنى لأن ~~الآية جعلت الجلد مئة حد الزنا, ومتى كان الجلد حدا مع النفي لم يكن ~~المذكور في الكتاب حدا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من عبادة أو عقوبة أو ~~كفارة لا يتجزأ ثبوتها ولا أداؤها, ومتى عدم شيء منها لم يكن للباقي حكم ~~الجواز بحال, كالركعة من الفجر, والركعتين من الظهر, إذا فصلت عما بقيت لم ~~يكن ظهرا ولا بعضها. وكذلك صوم نصف يوم, وكذلك من صيام شهرا عن كفارة القتل ~~ثم مرض, فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز, لأن المشروع كفارة صوم شهرين, فلا ~~يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقي حكم الأداء. # وكذلك قال علماؤنا: إن الشهادة في حد القذف تبطل بناء على إقامة الجلد, ~~ولو جلد إلا سوطا لم تبطل الشهادة, وكانت في أنها لا تتجزأ ثبوتا بمنزلة العلل. # والعلة متى عدم بعض منها لم يكن للموجود منها حكم الوجود بحال. وإذا لم ~~يكن الباقي دون الزيادة حدا كان نسخا. # وكذلك كفارة اليمين متى جعلت رقبة مؤمنة, لم تبق المطلقة عن هذا الوصف ~~كفارة بوجه. # وكذلك ركن القراءة في الصلاة, متى كانت فاتحة الكتاب لم تبق قراءة القرآن ~~مطلقا على ما قال الله تعالى ركنا. # وكذلك حكم كل علة لا يتجزأ ثبوته فثبوت بعضه دون بعضه لا يكون, إلا بعلة ~~أخرى وإن كان حكمها بعض حكم تلك العلة. # وكذلك بقرة بني إسرائيل فقد ذكرنا فيما مضى أن الوصف لم يكن بيانا بل كان ~~نسخا بزيادة. # وأما التخصيص عندنا فيكون بيانا إذا جاء مقرونا بالنص, وأما طارئا فلا ~~يكون بيانا ولا تخصيصا, على أن الزيادة ليست بتخصيص. # فإن حكم العموم إذا خص منه بقى الحكم فيما لا يخص بالنص العام بعينه لا ~~بشيء آخر فلم يكن نسخا, لما بقي من الحكم بقدر ما بقى على ما كان. ومتى ~~زيدت لم يبق للنص الأول حكم. # فإن نص الزنا جعل الجلد حدا ولا يبقى حدا بنفسه بعد ثبوت النفي حدا معه. # وآية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة ms234 الإيمان كفارة, ولا تبقى بعد قيد ~~الإيمان PageV01P233 # كفارة, لأن الكافرة تخرج من الجملة والمؤمنة تجوز, لا لأنها رقبة على ما ~~قال الله تعالى, بل للوصف الزائد الذي ليس في الكتاب, وبدونه لا يكون ما ~~يبقى كفارة ولا بعضها, فالزيادة نسخ معنى, وبيان الصورة. ولأن البيان اسم ~~لما يحتمله اللفظ, ولما ينتظم عليه الاسم والرقبة لا تنتظم على الأوصاف. # والجلد مئة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزيادة بيانا بل رفعا ~~لذلك, الحكم عن القدر المذكور, وتعليقا بالزائد كالتحرير المرسل إذا علق ~~بالشرط تبدل الإرسال ويصير شيئا آخر معنى, بل يسقط حكم العلة أصلا إلى أن ~~يوجد الوصف الآخر, فيصير جملته علة فكأن الخصم اعتبره بحقوق العباد, فإن ~~الزيادة من جنسها لا توجب تغيير ما كان, لأنها تتجرأ ثبوتا وأداء, فيصير ~~بين الزيادة والأصل مجاورة, وبالجوار لا يصير الجار شيئا آخر. # وأما في أحكام الشرع وأسبابها فيصير ما كان مع الزيادة شيئا واحدا, إما ~~علة واحدة أو حكما واحدا, وإذا كان يصير شيئا واحدا والاسم تعلق بما زيد ~~ذهب ما دونها, ولهذا قال أبو حنيفة, وأبو يوسف: إن الطلاء إذا اشتد لم يحرق ~~قليله, وإن حرم كثيره بصفة الإسكار, لأن القليل غير مسكر وماله حكم السكر ~~بوجه, لأن السكر حكم والشراب بقدر معلوم علته, فلا يكون لبعضه حكم العلة. # قال علماؤنا: فيمن وجد ماء لا يكفيه لوضوئه لم يلزمه استعماله ويباح له ~~التيمم, لأن الماء لما لم يجب استعمال لنفسه بل لحكم وهو إباحة الصلاة, ~~والإباحة حكم علق بماء يكفي الأعضاء كلها, فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر ~~بحال, وكان كالنجاسة إذا كثرت منعت الصلاة, فلا يكون لما دون المقدار حكم ~~تلك النجاسة بوجه. # والأربع من النساء علة لتحريم النكاح عليهن, ولا يكون للواحدة من الأربع ~~حظ في التحريم, وشطر البيع علة لإيجاب الملك, فلا يكون لأحد شطريه أثر في ~~الإيجاب. # ولهذا أبى علماؤنا رحمهم الله تعالى إثبات الفاتحة ركنا في الصلاة بخبر ~~الواحد لأنه نسخ. # وزيادة النفي حدا في ms235 الزنا بخبر الواحد. # وزيادة الطهارة شرطا أصليا في الطواف يخبر الواحد. # وزيادة صفة الإيمان على الرقبة للكفارة بخبر الواحد, أو القياس. # وقد قالوا: أن شاهدين لو شهد أحدهما لرجل ببيع عبد له بألف, والآخر بألف ~~وخمسمائة بطلت الشهادة. وكانا غيرين, لأن الشراء جعل سببا للوجوب بالثمن ~~والمثمن فكان شرطين لصيرورته بيعا, فيكون زيادة القدر في الثمن بمنزلة ~~زيادة شرط والمعلق بشرطين غير المعلق بشرط والله أعلم. PageV01P234 # باب ### | AUTO القول في البيان ما يحتمل النسخ من الأحكام وما لا يحتمل # وقد ذكرنا أن النسخ بيان لمدة بقاء المشروع مشروعا, فلا بد أن يكون ~~المشروع مما يحتمل الثبوت مؤقتا بالنص حتى يقبل النسخ. # فإما ما لا يحتمل التوقيت بالنص فلا يقبل النسخ. كوجوب الإيمان بالله ~~تعالى, وبصفاته, وبكتبه وبرسله, لأن الله تعالى بصفاته كان لم يزل ويكون لا ~~يزال ومن صفاته أنه مطاع, وأنه صادق. # وإنما يجوز فيما لو قال الله شرعت هذا إلى وقت كذا لصح ولم يبق بعده, وهو ~~شرع الفروع التي لم تكن, ثم شرعت وما كانت تكون ثابتة لولا الشرع, لأنها لم ~~احتملت أن لم تكن حقا لله تعالى احتملت أن لا تبقى ثم هذه الأحكام في ~~ثبوتها في حق الوقت أقسام أربعة: # 1 - إما أن تكون ثابتة أبدا بدلالة موجبة اقترنت به, كشريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعده ثابتة أبدا لأنه لا نسخ إلا بخبر عن الله تعالى. وثبت ~~بالنص أنه خاتم الأنبياء فعرف دوامه بدلالة أن لا نبي بعده, وكانت كالمخلوق ~~الذي نص على بقائه أبدا كالدار الآخرة وقد شرع الله تعالى علينا أن نعتقده كذلك. # 2 - وإما أن تكون ثابتة أبدا بالنص كقوله تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة}. # 3 - أو تكون ثابتة إلى وقت معلوم بالنص كقول القائل: حرمت كذا سنة, أو ~~أحللت سنة, أو جعلت لك كذا أو كذا عملا تعمله عشر سنين, ومالها مثال من ~~المنصوصات شرعا. # 4 - أو كان مطلقا عن ذكر الوقت من حكم وسبب ms236 لحكم كالوقت لوجوب الصلاة ~~والصيام, والزنا لوجوب الحد, واليمين لوجوب الكفارة. # والنسخ لا يرد إلا على القسم الرابع: # أما الذي نص الله عليه وقته أبدا, أو شهرا, أو يوما, فلأن الله تعالى ~~أخبر أنه مشروع في ذلك الوقت كله فلا يجوز أن يصير غير مشروع إلا بغلط, ~~فيما أخبر أو فيما قدر حتى رجع عنه وكلاهما لا يجوز على الله تعالى. PageV01P235 # وأما المطلق عن الوقت فلأن المشروع بالشرع هي الأسباب. والأحكام وجبت ~~بناء عليها لما ذكرنا في أول الكتاب في باب بيان أسباب الشرائع, فكان حكم ~~الجعل الذي هو شرع أن تصير تلك الأسباب أسبابا موجبة. # ولا يجوز أن يرد النسخ على أنها لم تكن أسبابا, وإنما يرد على البقاء ~~سببا. لأن البقاء كذلك سببا لم يثبت بنص على البقاء والنص الجاعل سببا لا ~~يوجب البقاء كالأمر الذي أوجب كون العالم ما أوجب البقاء. # وكالإحياء الذي أوجب حياة الأرض بالنبات, وحياتنا بالقدرة على الأفعال ~~الاختيارية لم يوجب البقاء. # وكالبيع الذي يوجب الملك لا يوجب البقاء. # ولما لم يجب البقاء بما شرعها أسبابا لم يكن رفع البقاء تعرضا لما وجب ~~بالأول بل كان بياتا لمدة البقاء التي كانت محتملة للتوقت والتأبد كإماتة ~~الأحياء. # وإفناء العالم يوم القيامة يكون بيانا لمدة البقاء الثابتة بحكم الله ~~تعالى لما خلقها لعباده, فثبت أن النسخ بيان لمدة البقاء التي كانت مجهولة ~~في حقنا ولم تكن ثابتة بالنص. # ثم الحكم بعده يرتفع لزوال سببه كما لا يبقى صوم بمجيء الليل لانتهاء ~~الصوم بالليل. # وكذلك جعل الموت سببا لحرمة ما يؤكل ثم حرمت الميتة بوجود سببه ثم بقاء ~~الموت سببا لذلك ليس بالنص بل لعدم ما يزيله كبقاء الملك في المبيع بعد ~~الشراء. # وكبقاء الدين واجبا على العبد بعد سبب الإيجاب عليه. # وهذا لأن الله تعالى ابتلانا بما شرع لصلاح لنا فيه إما عاجلا وإما آجلا, ~~أو لحكمة علم الله تعالى فيها. # ثم تلك الحكمة والصلاح مما يختلف باختلاف الأزمنة والقرون فحسن التبديل ~~فيما احتمل التبدل والتوقت ms237 بتبدل الحال كالطبيب يأمر المريض بغذاء أو دواء ~~ثم يأمره بغيره بعد حين إذا تبدل حاله بلا غلط ولا مناقضة. # وعلى هذا يجب أن يقال: أن الله تعالى إذا أمر بأمر وجعل المأمور به حسنا ~~منا فعله غير معلق بشرط أن لا يرد عليه نسخ بعينه بحال, لأنه بعينه متى صار ~~حسنا بالنص لم يجز أن يكون قبيحا, وهو شيء واحد إلا بغلط من المخبر, وفي ~~النسخ إثبات قبح. # فإن قيل: إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه, وكان ذبحا واحدا ~~ما كان يبقى بعد الامتثال به فثبت أن النسخ فيه جائز والدليل على أنه نسخ ~~أن الذبح بعد الفداء حرم في الولد. PageV01P236 # قلنا: الذبيح جعل محلا للذبح لحكمة أن يصير الذبح قربانا لله تعالى, ~~والأب متقربا به بذبحه فصار كذلك ثم حسن ذبحه بأن صار محلا كما يحسن ~~التضحية بالشاة اليوم, ثم النسخ ورد على بقائه محلا على صيرورته محلا فكان ~~من قبيل ما ذكرنا, ولما انتسخ المحل لم يبق الذبح حسنا في غير محله لأنه لم ~~يحسن ابتداء إلا بمحله فلا يبقى إلا معه. # فإن قيل: فما الحكمة في جعله محلا للذبح سوى إقامة القربة بالذبح فيصير ~~النسخ قبل الإقامة عبثا بالخلو عن الفائدة. # قلنا: إنه لا يجوز النسخ عندنا إلا بعد التمكن من الفعل فإن اشتعل العبد ~~بالإقامة, وعجز لمانع حتى نسخ أثبت على جهاده وإسلامه للطاعة بقدر الوسع ~~وإن أعرض مع التمكن حتى ذهبت مدة بقائه صار آثما, وصار بعد النسخ وبعدما ~~ثبت مدة بقائه كما لو وقت الله تعالى في النص. # وقال: أوجبت هذا الفعل عليك, وجعلته حسنا يوما ثم إنه قبح بعده, ولم يفعل ~~العبد إما معذورا أو غير معذور لم يكن الشرع عبثا فحكمة الشرع تنتهي إلى ~~وجوب الجزاء, إما بالجنة أو بالنار أو بالعفو والجزاء وجب, قصر أو لم يقصر. # وإن لم يفعل ما أمر. على أن الله تعالى في ذبح الولد ما في نسخ الذبح بل ~~نقله إلى الشاة, ms238 وجعله قائما مقام الولد فداء عنه محلا لإقامة ما وجب ~~بإيجاب الذبح المضاف إلى الولد حتى سلم الولد, وصار قربانا لله تعالى ~~بالشاة والأب متقربا بذبحها. # وهذا كما جعل الأضحية محلا لإقامة القربة بالذبح أيام النحر ثم تبطل ~~بمضيها, ولا تتأدى القربة إلا بالصدقة بعدها ولا يصير الجعل عبثا. # فكذلك الرمي في الحج لا يقضي بعد أيامها ولم يصر عبثا. # وكذلك إقامة الجلد على الزاني فرض حسن, وإذا مرض مرضا شديدا يخاف عليه ~~التلف إن ضرب فيه قبح لتغير صفة المحل لأنه حسن ابتداء لأنه يحتمله فإنه حد ~~زاجر لا متلف, فإذا صار بحيث لا يحتمله قبح. # فإن قيل: كيف يستقيم تصوير هذا في وقت الصوم فإنه متى جعلنا السبب رمضان ~~بعينه لم يتصور وجوده بعد مضيه, وإن جعلنا السبب كل شهر هو رمضان كان الكل ~~سببا بالنص؟ # قلنا: أن الله تعالى لم يذكر كل رمضان, فإنه لم يقل: كلما شهدتم رمضان ~~فصوموه, بل قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وهذا لا يتناول إلا واحدا من ~~سنته, كمن شهد منكم رجبا فليتصدق يدرهم من ماله, لم يملك إلا مرة واحدة ~~برجب تلك السنة. PageV01P237 # فلما تكرر وجوب صوم رمضان علم أنه تكرر لأن الوقت المسمى برمضان جعل سببا ~~للوجوب باسمه. # كما جعل الفعل المسمى بأنه الزنا سببا للحد ثم بقي كذلك, ولما بقي الاسم ~~سببا عمل متى وجد, إلى أن تنتهي مدة بقائه بالنسخ, ويصير بعد التبين ~~بالنسخ, كأنه قال حين شرع: أنه سبب إلى وقت كذا. # فإن قيل: لو كان البقاء مشروعا بعدم دليل الزوال لما بقيت الشرائع قطعا ~~كحياة المفقود. # قلنا: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب الحكم بالبقاء قطعا, لتيقننا ~~بأن لا نسخ بعد انقطاع الوحي, فأما زمان الوحي فالبقاء غير يقين حتى كان ~~تركه جائزا بخبر الواحد, الذي لا يقين فيه كأهل قباء تركوا قبلة بيت المقدس ~~بخبر الواحد وصوبهم الرسول صلى الله عليه وسلم, فصار على هذا سقوط الحكم ~~بالنسخ سقوطا بانتهاء مدة الوجوب ms239 في الباطن وبالرفع في الظاهر, والله أعلم. PageV01P238 # باب ### | AUTO القول فيما يجوز النسخ به # قال علماؤنا: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب, ونسخ السنة بالسنة, ويجوز نسخ ~~الكتاب بسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم, ونسخ السنة بالكتاب. # وقال الشافعي: القسمان الأخيران لا يجوز. # قال الشافعي في كتاب (الرسالة): وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~ينسخها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلو أحدث الله لنبيه في أمر سن ~~فيه غير ما سن رسول الله لبين فيما أحدث الله تعالى إليه, حتى يبين للناس ~~أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. # وبالإجماع لا نسخ بالرأي لما ذكرنا أن النسخ لا يجوز إلا على طريق بيان ~~مدة بقاء الأول حسنا عند الله تعالى, وهو غيب عنا كمدة حياة الحي. # احتج الشافعي لقوله: الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب في كتاب (الرسالة) بقوله ~~تعالى: {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا اثبت ~~بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} والنسخ ~~بالسنة تبديل من تلقاء نفسه. # وقد يحتج له بقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون} فأخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم مبين لما ~~نزل إليهم, والنسخ تبديل. # ولأنه قال: {ولعلهم يتفكرون} أي فيما تبين لهم, والتفكر إنما يقع في معنى ~~ما بين لهم, ولا يقع في مدة الأول بالنسخ لأنه تاريخ, والتواريخ تحفظ لا أن ~~يتأمل تفسيرها. # ولأن مدة البقاء لم تنزل إليهم لما ذكرنا أن الثبوت كما بالنص, والتنزيل. # فأما البقاء فثابت بلا دليل ويحتج له أيضا بقوله تعالى: {ما ننسخ من أية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} والسنة لا تكون مثلا للآية وقال صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق ~~فاقبلوه وما خالف فردوه) , والناسخ مخالف لما في الكتاب فيجب رده بهذا ~~الحديث. # فتبين بهذه الأدلة أن النبي صلى الله ms240 عليه وسلم ما كان ينطق من قبله ~~بمخالفة الكتاب, وكان من PageV01P239 # شريعته أن الله لا ينسخ الكتاب بلسانه كي لا يظهر عليه ما يؤدي إلى ~~مخالفة الكتاب سدا لباب الطعن عليه. # وأما النسخ السنة بالكتاب: فيحتج له بقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وإذا صار القرآن تبيانا لكل شيء, والسنة شيء ~~فيكون الناسخ بيانا لحكم تلك السنة أنه كان غلطا, كما لو نزل مقارنا, وما ~~يجوز ذلك إلا حين الوقوع لأن تصديقنا إياه كان يفترض علينا من جهة الله ~~تعالى بعد التمكن فيصير أمره بعد القرار كأمر الله تعالى فلا يجوز الغلط ~~بعد القرار. # وما كان جائزا أن يقر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خطأ, ولأن الله ~~تعالى أمرنا في غير موضع من كتابه باتباع الرسول. # وفي نزول الكتاب بخلاف السنة أمر بمخالفته إما حقيقة وإما ظاهرا, فيكون ~~فتحا لباب الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسد الله تعالى هذا ~~الباب إكراما لرسوله وصيانة لشريعته فلم ينزل كتابا إلا مصدقا لما بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم, ولم ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متبعا ~~لما في الكتاب مبينا له أو زائدا ما ليس فيه ليزداد علم ما في الكتاب برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ويزداد ثبوت صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورسالته بتصديق الكتاب إياه. # فتكون السنة مع الكتاب مما يتأيد كل واحد منهما بالآخر إذ كل واحد منهما ~~حجة من حجج الله تعالى, وحجج الله تعالى لا تتناقض ولا تتراد بل تتأيد. # وهذا كما قيل: أن الشرع حجة والعقل حجة من حجج الله تعالى, وإنهما لا ~~يستدل بهما إلا على سبيل التعاون والتأييد على ما بيناه في آخر الكتاب. # وأما علماؤنا رحمهم الله فمن مشايخنا من احتج عليهم بآية الوصية ~~"للوالدين والأقربين" حيث نسخت بقوله النبي صلى الله عليه وسلم "لا وصية ~~لوارث". # فإن قيل: إنما نسختها آية المواريث. # قلنا: آية المواريث أوجبت لهم ms241 مالا بسبب آخر, والإيجاب بسبب لا يرفع ~~إيجابا كان بسبب آخر قبله, ولأن آية المواريث توجب إرثا بعد وصية أو دين ~~فيوجب تقريرها ولا يوجب رفعها. # فإن قيل: يحتمل أن الله تعالى أنزل آية أخرى ناسخه إلا أنها لم تبلغنا ~~لأنها نسخت تلاوتها وبقى حكمها؟ # قلنا: لا يجوز الإحالة إلى دلائل محتملة الثبوت لم تظهر, لأنه لو صح هذا ~~الباب PageV01P240 # لتطرق به الوقف عن العمل بالكتاب كله لاحتمال كل نص أن يكون منسوخا بآية ~~أخرى لم تبلغنا أو محمولا على وجه آخر لم نعقله وعقله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ببيان خفي. # وذكر أبو بكر الجصاص: أن استدلالنا بهذه الآية لا يستقيم لأن الله تعالى ~~قال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} رتب الإرث على وصية نكرة فكانت غير ~~الوصية المعهودة الواجبة للوالدين والأقربين بهذه الوصية فتكون هذه النكرة ~~هذه الوصايا المشروعة اليوم، لا تلك الوصية الواجبة، ولو بقيت الوصية ~~الواجبة لكان الإرث مرتبا على تلك الوصية أولا ثم الوصية النافلة. # فلما رتب هذه على النافلة كان الترتيب بيانا على أنه لا يزاد عليه ترتيب ~~آخر أولى منه لأن الزيادة كالنسخ على أصلنا، ودل الإطلاق عن الترتيب على ~~الوصية الواجبة؛ على نسخ القيد كما يدل القيد على نسخ الإطلاق على أصولنا. # قال القاضي رضي الله عنه: وإني أقول أن الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم ~~من وجه آخر، لأن الله تعالى بين أحكاما ابتداء للشرع، وقد بين أحكاما على ~~سبيل الإقامة مقام أحكام كانت فتحولت إلى الثانية لقيامها مقامها، وانتسخت ~~الأولى بها على سبيل الإحالة كما شرع الكعبة قبلة فانتسخ بيت المقدس به على ~~جواز أن يكون للصلاة قبلتان، لأن الله تعالى شرع الكعبة قبلة على سبيل ~~حوالة القبلة عن ذلك البيت إلى هذا البيت. # وإنه في المعاملات كحوالة الدين توجب براءة الأصيل لأن الذمة الثانية ~~اشتغلت به على سبيل الحوالة إليه. # والحوالة توجب البراءة كالعين تحول من مكان إلى مكان فانتسخ الشغل في حق ~~الذمة الأولى مع إمكان ms242 الجمع بينهما كما في الكفالة. # وكما لو أدان المحتال عليه دينا مبتدأ فكان إيجاب الإرث للأقارب ~~والوالدين محتملا ابتداء حتى أوجب لهم، ومحتملا نقل ما جعل لهم بالوصية إلى ~~الإرث، ولما احتمل هذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" بيانا أن هذا الإعطاء على سبيل التحويل ~~دون الابتداء. # ولأن الله تعالى كان فوض ابتداء الإيجاب إلى العباد ثم تولى بيانه بنفسه ~~فبطل ما فوض إليهم فجرت آية الإرث على هذا مجرى تفسير ما أثبت لهم من الحق ~~بالوصية كالرجل يأمر رجلا بإعتاق عبد له بعينه ثم يعتقه بنفسه فإنه تضمن ~~بطلان تلك الوكالة لحصول ما أمر بتحصيله بتوليه، وإليه وأشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: "أعطى كل ذي حق حقه" أي الحق الثابت بالوصية لهم صار ~~معطى بالإرث. PageV01P241 # ومنهم من احتج أن الله تعالى شرع حد الزنا الإمساك بالبيوت، ونسخته سنه ~~الرجم إلا أنه غير صحيح لأن عمر رضي الله عنه أخبر أن آية الرجم كان مما ~~يتلا في القرآن، ولأن الله تعالى شرع الإمساك حدا إلى غاية وهو أن يجعل ~~الله لهن سبيلا، وهذه الغاية مجملة لأن السبيل غير معلوم معناه فبينه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بسنته فقال: "خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن ~~سبيلا البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام والثيب بالثيب رجم مئة ورجم ~~بالحجارة". # ومنهم من احتج بقوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزوجكم إلى الكفار} الآية ~~وهذا الحكم منسوخ اليوم ولم يظهر نسخه بالكتاب. إلا أنه يقال ولم يظهر لها ~~سنة ناسخة أيضا، فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر جاز لنا الحمل على كتاب ~~لم يظهر وإن لم يجز الحمل على دليل لم يظهر حمل على استقرار حكم الاستغنام، ~~فإنه في الابتداء لم يكن على ما عليه اليوم وكان لأموال الكفرة ضرب حرمة ~~ابتداء، ولدمائهم، ورد النفقة عليهم احتراما لما لهم، ثم استبيحت دمائهم ~~وأموالهم من ms243 بعد فانتسخ ذلك فثبت أنه لا يوجد في كتاب الله تعالى ما نسخ ~~بالسنة، ولا في السنة ما نسخ بالكتاب إلا من طريق الزيادة على النص بالسنة، ~~أو السنة بالكتاب كما زاد الشافعي على آية الجلد النفي بالسنة. # وزاد تعيين الفاتحة في باب الصلاة على مطلق القراءة التي نص عليها كتاب ~~الله تعالى. # وقد ثبت عندنا أن الزيادة في حكم النسخ. # وعنده الزيادة في حكم البيان. # فاضطررنا بهذا السبب إلى القول بجواز ذلك فتوى فقد صارت المسألة واقعة. # ثم الدليل على الجواز ابتداء قول الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} فإذا أنزل الله تعالى نسخ ما في القرآن بحكم آخر بوحي ~~غير متلو في القرآن صار الحكم الثاني مما نزل إلى الناس، ويلزم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيانه للناس بحكم هذه الآية فإنه ألزمه بيان ما نزل إلى ~~الناس من الأحكام وصار قوله: {وأنزلنا إليك الذكر} في معنى إنا أرسلنا إلى ~~الناس، وجعلناك رسولا بما أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من ~~الأحكام، ولو كان المراد ما قاله الخصم لكان من حق الكلام لتبين للناس ما ~~أنزل إليك. # وقوله: {ولعلهم يتفكرون} يعني: يتفكرون فيما تبين لهم من الحكم الثاني ~~فيعرفون الحكمة في التبديل فإنا لا نبدل في الأكثر إلا بخير. PageV01P242 # ولأن من تفكر في أحكام الشرع ناسخها ومنسوخها علم يقينا أن شارعها علام ~~الغيوب لأنه يجدها جامعة لمصالح الدين والدنيا لا يصل إليها العباد ~~باجتهادهم بحال. # وقد دلت عليه هذه الآية التي تلاها الشافعي رحمه الله فإنه قال في آخرها ~~{إن أتبع إلا يوحى إلى} فإذا أوحى الله تعالى إليه نسخ آية لزمه اتباعه ~~عملا به وإن لم ينزل قرآنا وإنما حرم عليه التبديل من تلقائه. # وعندنا النسخ ممتنع بسنة من تلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بما ~~أوحي إليه مما ليس بكتاب حتى كان اللفظ لرسوله الله صلى الله عليه وسلم, ~~والحكم مضاف إلى الله تعالى لا إلى ما أنزل ms244 إليه فإنه باطن وإنا لا نضيف ~~إلى ما هو باطن, ولذلك نسميه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن تكون ~~السنة كلها اسما لما كان برأيه. # ولأن كتاب الله تعالى مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانا ~~حجتين فكذلك آيات الكتاب كلها حجج الله تعالى ثم جاز التناسخ بها, وكان ~~بيانا لمدة البقاء لا تناقضا واختلافا. # فكذلك بين الكتاب والسنة. # وجائز أن يتولى النبي صلى الله عليه وسلم بيان مدة بقاء ما ثبت بالكتاب ~~بلفظه كما جاز أن يبين مدة حي حيي بإحياء الله تعالى, ويتولى الله بيان مدة ~~بقاء ما سنه بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه. # وقولهم بأن هذا يوهم الاختلاف فغلط فإنه غير جائز ذلك على كتاب الله ~~تعالى بعضه بعضا بل يوجب قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه ~~من غير إضافة إلى الله تعالى. # والذي يوضحه أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب الله تعالى فإنا ~~قد ذكرنا أن التلاوة لا تنسخ إلا بمحو الحفظ عن القلوب إما رفعا, وإما ~~بانقراض القوم عن غير خلف علما, كما انتسخت تلاوة صحف إبراهيم. # وما معنا دليل سوى أنها اندرست ولم يبق آثارها فلما جاز من هذا الطريق ~~جاز بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي الله إليه فإنهما سواء في أن ~~النسخ كان بغير كتاب. # وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فنسي آية فلما فزع قال: ~~(ألم يكن فيكم أبي)؟ فقال أبي: نعم, ولكن ظننت أنها نسخت, ولم ينكره عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما ظن نسخها من غير كتاب سمع بترك النبي ~~صلى الله عليه وسلم القراءة. # ولما جاز ذلك في التلاوة فكذلك في الحكم لأن التلاوة وجوبها حكم مخصوص ~~بالكتاب كسائر الأحكام. # فإن قيل: أخبر الله تعالى أن رسوله مبين, ولو جاز النسخ على لسانه لكان ~~مبينا للحكم الأخير رافعا للحكم الأول. PageV01P243 # قلنا: إنه بين الأول بتأويله ms245 وتبليغه. # وبين الثاني بتبليغه وتأويله. # وإنما رفع بقاء الأول ظاهرا، وإنه بيان أيضا لمدة البقاء حقيقة على ما مر ~~وهذا الذي يتصور رفعا ليس برفع لما ثبت بالنص على ما مر أن البقاء حكم ثبت ~~بلا دليل، فثبت أنه مبين محض لما نزل إلينا. # وإنما رفع ظاهرا ما لم يثبت بالتنزيل. # والذي يوضحه أنا وإن سلمنا أن البقاء من حكم الكتاب فالبقاء يكون أبدا، ~~ويكون مؤقتا، فيكون بيان الوقت بيانا لأحد وصفيه، فأما قوله: {ما ننسخ من ~~أيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] فليس فيه أن الله ~~تعالى يأتي بخير، أو بالمثل بوحي متلو أو غير متلو. # وعندنا لا يجوز إلا بوحي على ما مر. # وقد يكون ما يبينه بوحي غير متلو خيرا من الأول وأجمع لمصالح الناس، أو ~~أيسر عليهم فعلا وأكثر أجرا، وإن لم يكن خيرا من حيث التلاوة والإعجاز، على ~~أن الخلاف ثابت في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة غير منسوخة فيكون ما ثبت ~~بالنسنة مثل الأول أو خيرا إذ من حيث الحكم لا يفترق المتلو وغير المتلو. # فإن قيل: غير المتلو يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قلنا: يضاف إلى رسول الله ظاهرا وإلى الله حقيقة، كما قال الله تعالى: ~~{أفرءيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون}. # وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على ~~كتاب الله" فحكم أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التعارض والتباس ~~التاريخ والأولى في مثل ذلك ترتيب الخبر على الكتاب، وتقديم الكتاب. # فأما إذا ظهر تأخر الحديث فلا كذلك على أن هذا الحديث في خبر الواحد ~~وظاهر النص يدل عليه لأنه قال: "إذا روي لكم عني حديث"، وبنفس الرواية لا ~~يقبل الخبر بخلاف الكتاب بل يرد به ما لم يثبت تواتره ولم يقل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا سمعتموني، ليكون بيانا أنه محجور عن مثله ويدل عليه ~~أن الله تعالى أمرنا بطاعة رسول الله صلى ms246 الله عليه وسلم على ما أمر ونهى، ~~من غير قيد العرض على كتاب الله تعالى. # فثبت أن العرض فيما يروى عنه من طريق الآحاد بعد موته. # وقد روى ابن عمر عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يمت حتى أباح الله تعالى له من النساء ما يشاء فيكون نسخا لما في الكتاب، ~~والناسخ ليس فيه. PageV01P244 # وأما قوله: {ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء} فحجة لنا على جواز نسخ ~~السنة بالكتاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة ولم ترد عليه كان ~~تقريرا من الله تعالى عليه كما لو ثبت بالكتاب، فجاز ظهور بيان مدة البقاء ~~بالكتاب لأن بقاءه من جملة الأشياء، ولم يكن بيانا لغلط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما في حق الكتاب بالكتاب. # ولأن نسخ السنة بالسنة جائز ولا يجوز إلا بوحي غير متلو لما ذكرنا أن ~~انتهاء مدة الحسن عند الله لا يعرفه إلا الله لأن انتهاءها بأن تصير حكمة ~~الشرع في غيرها، وتلك الحكمة مما نقف عليها، ولا نقف، ومما يتعجل، ومما ~~يكون في الآخرة. # ولما جاز بوحي غير متلو فالمتلو أولى ولأن الصلاة إلى بيت المقدس ما كان ~~بالكتاب وإنما كان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ بالكتاب. # ولا يقال إنه كان شريعة من قبلنا لأنه لم يتبين أنه كان شرعا بكتاب. # ولأن المذهب عنده أن شريعة من قبلنا لا تلزمنا إلا بتقرير في شرعنا فيصير ~~ابتداء لا بقاء للأول، وما ثبت التقرير في شريعتنا إلا بفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولئن كانت القبلة الأولى ثابتة بالكتاب فأهل قباء تركوها بخبر ~~المخبر أنها حولت إلى الكعبة من غير سماع كتاب الله ولم ينكر عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا على أن ~~يرد عليهم من جاءه من نسائهم ونسخها قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار}. # فإن قيل: يحتمل أن تكون لهذه السنن دلائل ms247 من الكتاب لكنا لا نقف عليها. # قلنا: قد ذكرنا أنه لا يجوز التأويل بما يجوز مما لا نقف عليه لأنه يؤدي ~~إلى تعطيل الشرائع، وهل يجوز أن يقال أن لكل ملة ودين باطل حجة لكنا لا نقف ~~عليها ومعجزة لكنها باطنة. # وأما نسخ الكتاب بالكتاب: فكقول الله تعالى: {فأذوهما} في باب الزنا، ثم ~~قال: {فأمسكوهن في البيوت}، ثم قال: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، ~~وقال: {وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا}، ثم قال: {الئن خفف الله عنكم} إلى ~~قوله: {وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}. # وأما نسخ السنة بالسنة: فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، وكنت نهيتكم عن الشرب في ~~الدباء والنقير والحنتم والمزفت فاشربوا ولا تسكروا، وكنت نهيتكم عن لحوم ~~الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم". فثبت أن نسخ ~~الكتاب بالكتاب جائز وكذلك بالسنة، وكذلك PageV01P245 # نسخ السنة بالسنة وبالكتاب، وإنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سواء كانت مسموعة أو مروية من طريق التواتر والآحاد لأن ~~بقاء الثابت في زمنه كان على احتمال الزوال كل ساعة، لأنه زمان نسخ فلما ~~احتمل الثابت البقاء والزوال صلح العمل بخبر الواحد كما في موت المفقود. # فأما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز إلا بسنة متواترة أو ~~مشهورة بمنزلتها لأنه لا نسخ على سبيل الابتداء بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشرائعه بعده باقية أبدا بالنص والإجماع، وإنما يزول هذا اليقين ~~بثبوت ناسخ بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت إلا بالإسناد إلى زمن ~~الوحي كما لم يثبت الأول إلا به، ولما لم يثبت ناسخا إلا بالإسناد لم يثبت ~~إلا بالإسناد مثل الأول فإنه لا معارضة إلا بعد المساواة ولا نسخ إلا بما ~~لو جهل التاريخ كان معارضا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كما يلزمه تبليغ ~~الناسخ يلزمه تبليغ مثل الأول في الظهور لأن ms248 لا يبقى أحد على المنسوخ فيدل ~~خفاء الناسخ على بطلانه، والله أعلم. PageV01P246 # باب ### | AUTO القول في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم # أفعال النبي صلى الله عليه وسلم عن قصد على أقسام أربعة: واجبة، ومستحبة، ~~ومباح، وزلة. # فأما ما كان يقع من الأفعال من غير قصد كما يكون من النائم والمخطئ ~~ونحوهما فلا عبرة بها، لأنها غير داخلة تحت الخطاب على ما نذكر. # ثم الزلة لا تخلو عن القران ببيان أنها زلة إما من الفاعل نفسه كقول موسى ~~عليه السلام حين قتل القبطي بوكزته {هذا من عمل الشيطان}، أو من الله تعالى ~~كما قال في آدم عليه السلام {وعصى أدم ربه فغوى}، وحتى بين الله تعالى ما ~~لولا عصمته لزلوا كما قال: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا} ونعني بالقصد في الزلة قصد الفعل لا قصد العصيان، وإذا لم تخل الزلة ~~عن البيان لم يشكل على أحد أنه مما لا يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فيها ~~فتبقى العبرة للأنواع الثلاثة. # وقد اختلف أهل العلم فيما يلزمنا منها؟ # فقال بعضهم: يلزمنا اتباعه فيها ما لم يقم دليل المنع. # وقال بعضهم: نقف فيها حتى يقوم الدليل. # وقال أبو الحسن الكرخي: نعتقد الإباحة حتى يقوم دليل بيان سائر الأوصاف. ~~وإذا قام الدليل على وصف زائد كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا به حتى ~~يقوم دليل المشاركة. # وقال أبو بكر الرازي: نعتقد الإباحة ما لم يقم دليل البيان على صفة فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يلزمنا على ذلك الوصف حتى يقوم دليل ~~اختصاصه به، وهو الصحيح عندنا. # فأما الأولون فإنهم احتجوا بالآيات الموجبة اتباع الرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وطاعته والاقتداء به، وبقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ~~فالمراد به السمت كما قال الله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد}. # وأما الفريق الثاني فإنه زعم أن الاقتداء والاتباع والموافقة لا تحصل ~~بنفس الفعل، ألا ترى أنك إذا حصلت مثله على سبيل المعارضة كنت منازعا كسحرة ~~فرعون ms249 مع موسى عليه السلام وإذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نفلا. ~~وفعلته أنت فرضا كنت مخالفا، وإنما الاقتداء في فعلك مثل فعله على صفته ~~طاعة له، والصفة للفعل كانت محتملة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل PageV01P247 # المباح والمستحب والواجب فيجب الوقف فيه حتى يتبين. # وأما أبو الحسن فإنه يقول: الإباحة لا بد منها في الأنواع كلها، وأما ~~الزيادة فموقوفة على البيان، وبعد البيان لا يلزمنا إلا بدليل لأنه قد تبين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصيته في الأحكام، فهذا المطلق من فعله ~~احتمل أن يكون من ضرب الخصوص واحتمل غيره فلا يعمل به إلا بدليل. # وأما أبو بكر فإنه يقول: إن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أصل ~~لقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، ولقوله: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول}، وبقوله: {فاتبعوا} ولقوله: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} ولأن تمام الشرف في هذا، والخصوص كان بدليل عارض ~~لمفارقة حال بيننا وبينه صار الصلاح لنا في المفارقة لمفارقة الحال، إلا ~~أنا كنا لا نقف قبل البيان إلا في الإباحة لأن الإباحة ثابتة مع الأوصاف ~~كلها أيها ثبت في وصف بعينه زائد عليها إشكال ولا موافقة إلا بعد الإيقاع ~~بذلك الوصف الذي أوقعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أزال الإشكال ~~المانع لزمنا الاتباع. # وهذا كما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن وكل آخر في أموال أنه يصير وكيلا ~~بالحفظ لأنه احتمل أنواع تصرف فلا يثبت شيء بالاحتمال، لكن الحفظ ثابت مع ~~كل تصرف فثبت قدر ما لا شك فيه، فكذلك أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مما ليس بزلة لا بد أن تكون مباحة. # وأما فوق الإباحة ففيه احتمال فنعتقد الإباحة لا مقصورة عليها قطعا، ولكن ~~على احتمال غيرها معنى ما يأتيك البيان، والله أعلم. PageV01P248 # باب ### | AUTO القول في شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من تلقائه بالرأي # قال بعض العلماء: لم يكن له إلا بالوحي. # وقال بعضهم: لم ms250 يكن له ذلك إلا بالوحي والإلهام. # وقال بعضهم: كان له ذلك بالوحي والرأي جميعا. # والقصد عندنا أن نقول: لم يكن له الشرع بالرأي ابتداء حتى ينقطع طمعه عن ~~الوحي فيما ابتلي به، ثم كان له العمل برأيه بعد ذلك. # فأما الأول فاحتج بقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى} ~~وبقوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} ولأنه لا يجوز أن يخالف ~~فيما يشرع من الأحكام، ولو كان يشرع برأيه لكان لا يؤمن من الغلط عليه فكان ~~يجوز خلافه، كما كان يجوز ذلك في رأي الحروب والمعاملات فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أراد النزول دون الماء يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: ~~أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقال: إني أرى أن تنزل على الماء، ففعل. # وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب أن يعطي الكفار شطر ثمار ~~المدينة فقالت الأنصار: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقالت: لا ~~نعطيهم إلا السيف ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. # ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسدت فأمرهم بالتأبير فقال: ~~"أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم" # فثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن معصوما عن الغلط برأيه. # والدين في الأصل لله تعالى فما يجوز شرعه برأي لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ~~ضرورة، ولا ضرورة لصاحب الوحي وكان هذا كتحري القبلة بالرأي فإنه جائز لمن ~~نأى عن الكعبة للضرورة، ولا يجوز لمن قرب لقدرته على العيان الذي لا شك ~~فيه، ولأنا نحن اليوم لا ننصب شرعا مبتدأ بالرأي وما يجوز لنا ذلك وإنما ~~نعدي شرعا ثابتا في محل إلى محل آخر. PageV01P249 # والخلاف في نصب ابتداء الحكم الشرعي بخلاف أمور الدنيا من الحروب ~~والمعاملات والزراعات فإنها لنا، إما دفعا عنا كالحروب، وإما طلبا لما فيه ~~بقاؤنا كاكتساب الأموال. # ولما كانت لنا كانت مفوضة إلى آرائنا إلا بما رأى الشرع الحجر ببيان شاف ~~تتميما لصلاحنا، ms251 وأما الأحكام فلله تعالى فلم يكن لنا إثباتها ونفيها. # وأما الفريق الثاني فقرب من الفريق الأول لأن الإلهام وحي خفي، ومن له ~~الوحي الجلي يكون له الوحي الخفي. # وحد الإلهام أن يؤخذ على قلبه حتى لا يرى إلا شيئا واحدا فيعرف صاحبه ~~بقرار القلب عليه أنه من الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها ألا ~~فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" وقال الله تعالى في قصة داود وسليمان: {إذ ~~يحكمان في الحرث} إلى قوله: {ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكما وعلما} غير ~~أن الإلهام أمر خفي ما يبنى الأمر عليه، فإنا كلفنا البناء على الظاهر الذي ~~نقف عليه وسيأتيك بيان الإلهام بعد هذا إن شاء الله تعالى. # وأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار} من ~~غير تفصيل بين الأمة والنبي صلى الله عليه وسلم. # وقال تعالى لرسوله: {وشاورهم في الأمر} ولو لم يكن له فصل الأمر بالرأي ~~لما أمره بالمشورة ولا ينال بها إلا بالرأي، وظاهر هذا الأمر لا يخص بابا. # فإن قيل: يحتمل أنه أمر به تطييبا لنفوسهم. # قلنا: ظاهر الأمر بخلافه، والصحابة ما كانوا يعلمون إلا الظاهر وكانوا ~~يعتقدون ذلك فكان لا يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم عليه ولو ~~بين لهم أنهم يشاورون، ولا يحل العمل برأيهم ما طابت به نفوسهم بل خبثت ~~فإنه من باب الاستهزاء. # وقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر أبا بكر وعمر وعمل ~~بقول أبي بكر ثم نزل العتاب. # وروي أن خولة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ظهار زوجها منها؟ ~~فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله تعالى، فأنزل الله ~~تعالى آية الظهار. # وسأله عمر عن القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان PageV01P250 # يضرك؟ فقال عمر: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ففيم إذا". # وقال للخثعمية ms252 وقد سألته عن الحج عن أبيها؟ "أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: بلى. قال: فدين الله أحق" فهذا فتوى بمحض ~~القياس، فلا يجوز أن يحمل على نص لم يظهر لما مر أنه لو جاز ذلك لتعطلت ~~الحجج، ولن نكلف إلى بالأخذ بما ظهر وما ظهر لنا من السبب إلا القياس الذي ذكره. # وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور الصحابة في أمر جماعة الصلاة ~~فلم يتفقوا على شيء حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا وقصها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاستحسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وأمر بذلك ~~فصارت شريعة. ولا يجوز أن يحمل على وحي لأنه لم يظهر ذلك. # ولأن عمر رضي الله عنه جاء وأخبر أنه رأى مثل ذلك فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "الله أكبر" وذلك أثبت فاستدل برؤيا عمر على الثبوت فلا يتوهم أن ~~يكون عنده نص فيكتمه. # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان منهيا عن كتمان الوحي وأمر بأن يبين ~~للناس ما نزل إليهم. # وكذلك سليمان أفتى في غنم القوم بالرأي وداود معه وأصاب سليمان، وقوله: ~~{ففهمناها سليمان} دليل مؤكد على أنه عمل بالرأي. # ولكن الصواب كله مضاف إلى الله تعالى وكذلك أفتى داود عليه السلام عن ~~سؤال الخصمين في باب النعاج بالرأي فإنه أجاب كما سئل ولم ينتظر وحيا. # وقال الله تعالى لرسوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} فتبين أنه كان أذن ~~بالرأي. # وكذلك الإجماع قد انعقد على عمله بالرأي في باب الحروب. # وكذلك سائر الأبواب لأنه كان يوحى إليه في الأبواب كلها فعلم أن الوحي لا ~~يسد باب الرأي بل يقويه. # وباب الحرب أصل الدين لأنا لم نؤمر به إلا لإعلاء كلمة الله تعالى. # ولأن كون الرأي حجة لنا في باب الدين والأحكام من أشرف المراتب إذ باب ~~الوحي متناهي وباب الرأي غير متناهي. # وفي قصر الأمر على الوحي ضرب حجر، وفي العمل بالرأي ضرب إطلاق فلا يجوز ~~أن يحرم ms253 رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف الإطلاق وعموم الحجة، لكن فيه ~~ضرب نقصان من حيث خوف الخطأ فكان الرسول صلى الله عليه وسلم مصونا عنه فكان ~~لا يقع رأيه الذي يقر عليه خطأ، لأن المشاهدة تحققت له حكما بالوحي، وكان ~~هو من الله تعالى مثل صحابي يتكلم PageV01P251 # بحضرته فلا يرد عليه فيكون تقريرا على أنه صواب. # وأما قوله: {وما ينطق عن الهوى} فنزل في شأن القرآن، ولأن الهوى عبارة عن ~~هوى النفس الباطل لا عن الرأي الصواب عن عقل، ونظر في أصل الشرع. # وأما قوله: الأحكام لله تعالى، فكذلك، ولا يحل لأحد وضعها اختراعا ~~ومشيئة، وإنما ذلك إلى الله تعالى يحكم ما يريد، وإنما يجوز للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لعلمه أنه لا يقر على الخطأ فيصير التقرير بمنزلة الوحي. # وأما القول الأخير الذي هو الصواب فبناء على أن الرأي كان حجة له، ولكن ~~على الترتيب كما في حقنا نحن يلزمنا أن ننظر في كتاب الله ثم بسنة الرسول ~~ثم بالرأي، إلا أنا إذا علمنا أن الحادثة غير منصوص عليها اشتغلنا بالرأي ~~ولم نقف ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف متربصا للوحي لأنه صاحبه، ~~وكان تربصه للنزول بمنزلة تربصنا للتأمل في المنزل. # وأما قوله: بأنه كان صاحب الوحي، فلا يحل له العمل بالرأي الذي لا يوجب ~~العلم. فالجواب: أنا لا نبيح ذلك إلا إذا عدم الوحي، ووجب العمل، ولأنه كان ~~يعلم أن رأيه الذي يقر عليه يوجب العلم يقينا كالوحي بخلاف غيره، والله ~~أعلم. PageV01P252 # باب ### | AUTO القول في شريعة من قبلنا # اختلف أهل العلم في شريعة من قبلنا؟ # فقال قائلون: الشريعة إذا ثبتت لنبي عليه السلام بقيت له كذلك ما لم تنسخ. # وقال بعضهم: تنتهي شريعته إذ بعث نبي آخر إلا فيما لا يقبل النسخ ~~والتوقيت. # وقال بعضهم: لا تنتهي وتبقى حقا، ولكن شريعة للنبي الذي بعث بعده. # والقول القصد أن ما حكى الله من شرائع سائر الأنبياء لنبينا ولم يعقب ~~بنسخ بقيت حقا شريعة لرسول الله ms254 صلى الله عليه وسلم دون ما لم يحكها، وقد ~~احتج محمد بن الحسن رحمه الله بقسمة الشرب بقوله تعالى: {ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم كل شرب محتضر}، وبقوله: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}. # فأما الأولون فقد ذهبوا إلى أن التوقيت لا يثبت إلا بالنص. # وأما الحجة للقول الثاني فإن الله تعالى كان يبعث الرسول إلى قوم دون قوم ~~في زمنه وكانت الرسالة وشريعته تختص بالمكان فجاز مثله في الزمان، فلا تعم ~~شريعته الأزمنة إلا بزيادة دلالة كما لا تعم الأمكنة إلا بزيادة دلالة، ~~ولأنه قد كان في زمان واحد نبيان في مكانين ولم يكن يلزم شريعة كل واحد ~~منهما صاحبه فكذلك في الزمانين قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا}، وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به} فجعلهم بعد مبعث نبي آخر ~~بمنزلة أمته فثبت أن شريعتهم انتهت به. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صحيفة في يد عمر فقال له: "ما هذه ~~الصحيفة؟ " فقال: التوراة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لو كان ~~موسى حيا لما وسعه إلى اتباعي" فبين أنه كان يصير بمنزلة واحد من أمته وأن ~~شريعته قد انتهت به. # ولأن النبي الثاني يدعو الناس إلى شريعته لا محالة فلم يجز أن تبقى ~~الشريعة الأولى معه، وهو كان يدعوهم إلى نفسه لأنه لا يجوز أن يدعى واحد ~~إلى نبيين مختلفين كل واحد منهم يدعي الاختصاص بالاتباع إياه لما فيه من ~~التعارض ألا ترى أنه لما تصور PageV01P253 # نبيان في زمان واحد في مكانين كانت شريعة كل واحد منهما متناهية بمكانه ~~أو كان يكون أحدهما تبعا للآخر كلوط تبع إبراهيم عليهما السلام على ما قال ~~الله تعالى: {فآمن له لوط} وكموسى وهارون صلوات الله عليهما فكذلك يجب أن ~~يكون في زمانين. # أما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: {قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا} فثبت بالنص أن هذه الشريعة ms255 ملة إبراهيم، وقد امتنع بثبوتها ~~ملة له للحال لما ذكرنا في القول الثاني، فثبت أنها ملته على معنى أنها ~~كانت له فبقيت حقا كذلك، وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالمال ~~الموروث مضاف إلى الوارث للحال، وهو عين ما كان للميت لا ملك آخر لكن ~~الإضافة إلى المالك تنتهي بالموت إلى من خلفه فكذلك الشريعة في حق الأنبياء ~~ودل عليه قوله: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به} فقوله مصدق دليل ~~على بقاء تلك الشريعة حقا وقوله: {لتؤمنن به} دليل على صيرورة الشريعة ~~بالآخر منهم. # وقال الله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} والهدى اسم ~~للإيمان والشرائع جميعا لأن الاهتداء إنما يقع بها كلها. # وقال الله تعالى: {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين ~~يؤمنون بالغيب} والاتقاء المطلق بالشرائع ما يكون مع الإيمان. # ولأنه سمى الكتاب هدى وفيه الإيمان والشرائع وقال: {إنا أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون} والحكم بالشرائع ما يكون وسأل عبد الله بن ~~عباس عن سجدة "ص" فقال: سجدها داود، وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به صلوات ~~الله عليه وقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} والدين اسم لما يدان ~~الله تعالى به من الإيمان والشرائع، وأول ما رجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجم بالتوراة. # فإن قيل: كيف يستقيم وفيها ناسخ ومنسوخ؟ # قلنا: كما استقام في شريعتنا القول ببقائها بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيها ناسخ ومنسوخ. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} وفيهم من لم ~~يكن نبيا ولا شريعة له ثم أمرنا بالاقتداء بهداهم، فعلم أن المراد به ~~الإيمان الذي لا يختلف حكمه. # قلنا: وليس في الآية أنهم لم يكونوا أنبياء، وقد احتمل ذلك فلم يترك عموم ~~الهدى بكلام محتمل على أنه لم يدخل تحت الآية إلا نبي أو ولي والوالي لا ~~يكون وليا إلا باتباع شريعة نبي فيجب الاقتداء بهداه، وشريعته التي ثبتت ~~بها ولايته قال الله تعالى: ms256 {واتبع سبيل من أناب إلي} وقال: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} ~~وقال {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة PageV01P254 # فيها حكم الله} ولو انتهت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~للحال فيها حكم الله، ولما صاروا كافرين بالتولي عنه إلا أنا نقول أن ~~الصحيح منها هذا القول إلا أن البقاء لا يثبت بعد مبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا بحكايته أنها ثابتة لأحد طرق: # أما لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وخانوا في النقل ~~فصاروا مردودي الشهادة. # أو لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحكى لنا منزه عن تهمة الكذب من ~~كل وجه، ولا يخلو نقلهم، وإن كان عن تواتر للحال عن ضرب شبهة حتى يصير ~~متواترا على حده من الأصل فيجب ترك ما فيه شبهة بما لا شبهة فيه. # أو لأن عداوة الدين كانت ظاهرة فاتهموا بالحيل واللبس في إظهار شرائعهم ~~فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو أو غير متلو فثبت أن الشرائع تبقى حقا في ~~أنفسها لعدم التوقيت من الله تعالى بمبعث نبي آخر. # ولكن يجعل للثاني من حيث الإضافة ولا يثبت إلا بنقل الثاني. # وفيه كمال شرف محمد عليه السلام حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من ~~الرسل اتباعه لو كانوا أحياء، كما قال لعمر، بأن صارت الشرائع كلها له، ثم ~~ختمت عليه حتى لزم الباقين إلى يوم القيامة اتباعه فصار كالقلب يطيعه الرأس ~~وتتبعه الرجل. # وأما قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ففيه دليل على جواز النسخ في ~~الجملة ولا دليل فيه على انتساخ الكل فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير بعض ~~الأحكام ألا ترى أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى ~~والطاعة إياه على أوامره، والله أعلم. PageV01P255 # باب ### | AUTO القول في تقليد الصحابي والتابعي # قال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابي واجب يترك ms257 بقوله القياس، وعليه ~~أدركنا مشايخنا. # وقال أبو الحسن الكرخي: لا يجوز تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس. # وذكر محمد بن الحسن: أن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، ~~واحتج بأثر عائشة والقياس يجوزه. # وقال بعضهم: لا يقلد الصحابي، وهو قول الشافعي. # وقال بعض مشايخنا: يقلد التابعي الذي انتصب مفتيا في زمن الصحابة. # وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت، والمروي عن أبي حنيفة رضي الله ~~عنه: "إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم". لأنه ~~كان منهم فلا يثبت لهم بدونه إجماع. # وقد ذكر محمد بن الحسن: أن الحامل لا تطلق ثلاثا للسنة، وروي ذلك عن جابر ~~وابن مسعود، وخالفه أبو حنيفة وأبو يوسف وما لقولهما قول في الصحابة. # وقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال شرط لجواز السلم، ورواه عن ابن عمر ~~في الأصل. وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي. # وقال أبو يوسف ومحمد: الأجير المشترك ضامن لما ضاع عنده، ورويا ذلك عن ~~علي وخالفهما أبو حنيفة بالرأي. # وأما أبو سعيد: فإنه يحتج له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا ~~باللذين من بعدي" وقوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" فقد صار قول الصحابي حجة كرامة له لصحبته رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإن احتمل الغلط كما صار إجماع هذه الأمة حجة كرامة لهم بالنص وإن ~~احتمل الغلط على ما مر لولا النص والكرامة. # وأما الذين جعلوا قول التابعي حجة فذهبوا إلى أنهم لما قرروه على الفتوى ~~بينهم PageV01P256 # صار كواحد منهم بتقريرهم. # وأما أبو الحسن فإنه يقول: قول الصحابي ليس بحجة إذ لو كان قوله حجة لدعى ~~الناس إلى قوله كالنبي صلى الله عليه وسلم، وكالأمة لما كان إجماعهم حجة ~~دعوا سائر الأمم إلى ما أجمعوا عليه. # وروي عن عمر أنه كتب إلى شريح: "أن اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم برأيك". ولم يقل بقولي. # ولا معنى لقولهم: إن معناه برأيك في أقوالنا، لأنه حمل على ms258 زيادة قيد لم ~~يذكر وهذا عندنا نسخ وليس بتأويل. ولأن الرأي واحب استعماله في آيات ~~الكتاب، وأخبار الرسول عليه السلام وقد تقدم ذكرهما فصار كأنه قال: برأيك فيهما. # ولأنه ظهر من شريح الحكم بخلاف رأي علي رضي الله عنه بين يديه. # وعن مسروق أنه أفتى فيمن نذر أن يذبح ولده بذبح شاة، وخالف فيه ابن عباس، ~~ورجع ابن عباس رضي الله عنه إلى قوله. # ولأن رأي الصحابة كان حجة بالنظر في أصول الشرع الثابتة بالنص لا بالوحي ~~وكان يحتمل الغلط، ولهذا كان يخالف بعضهم بعضا ويرجع الواحد منهم عن فتواه ~~إلى فتوى غيره وكان يقول المجتهد منهم: إن أخطأت فمن الشيطان، ولما احتمل ~~الخطأ لم يصر حجة يجب تقليدها لا محالة. # ولما ساغ لهم ذلك بالنظر في النصوص وهم وغيرهم إذ بلغهم النصوص وعقلوا ~~معانيها سواء إذا استوت آراؤهم. # ألا ترى أنهم إذا اختلفوا في تأويل النص ساوى تأويل غير الصحابي الصحابي ~~لأنه يصار إليه بالوقوف على معنى اللغة وهم وغيرهم فيه سواء. # فكذلك إذا اختلفوا في التعليل وذلك يعرف بالوقوف على المعاني التي عرفت ~~بالشرع أعلاما على الأحكام، ولا معنى لترجيحهم على غيرهم لسبقهم في الفتوى ~~واختصاصهم بزيادة توفيق من الله تعالى لأن مثله ثابت بين التابعي ومن بعده، ~~وللصالحين من بعدهم، وهذا لأنه أمر باطن ولم نتعبد بالبناء على البواطن ~~وإنما تعبدنا بما نقف عليه مما يظهر لنا من علم الرجل بأصول الشرع وحسن ~~قياسه على النظائر بعبارة لسانه، عما أحاط علمه به. # ولا يجوز أن يقال إنه كرامة تثبت نصا على ما رووا لأن النص عم الصحابة، ~~وفيهم من لا يجوز تقليدهم بالإجماع كالأعراب فثبت أنه أراد به أهل البصر ~~منهم، وأهل البصر عملوا بالرأي بعد الكتاب والسنة فيجب الاقتداء بهم في ~~ذلك. PageV01P257 # وكذلك قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي" أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في ~~أنهما عملا بالرأي بعد الكتاب والسنة فثبت أن معنى الاقتداء الاهتداء بهم، ~~والاهتداء يكون على معنى طلب الصواب بالرأي من أقوالهم ms259 دون التقليد، ألا ~~ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدى بالنجم بعد الاستدلال بالرأي بناء عليه، ~~فكذلك الاهتداء بهم إنما يكون بالرأي بناء على أقوالهم لا بنفس القول. # وعن أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن عباس كان يدعونا إلى الطعام وكان ~~يجري المسائل وربما كان يخطئ وما كان يمنعنا من الرد عليه إلا أنا كنا على ~~طعامه ولو وجب تقليده لما كان المانع طعامه إلا ما لا يعرف بالقياس، لأنه ~~لا يظن بهم القول جزافا، فإذا بطل الرأي لم يبق إلا السماع إلا أنه يشكل ~~عليه قول التابعي بخلاف القياس. # وكذلك قول من بعده إذا كان فقيها عدلا وليس هذا كالراوي إذا عمل بخلاف ما ~~روى فإنه يحمل على أنه علم بانتساخ ما روى، وإن لم يرو حملا لأمره على ~~الصلاح لأنه لو لم يحمل عليه لكنا فسقناه وأبطلنا روايته كما أبطلنا بالوجه ~~الأول فلم نصر إلى التفسيق بلا فائدة. # فأما ههنا فنحتاج إلى رد القياس متى حمل قوله عن سماع فلم يجز رد الدليل ~~بموهوم حال. # ويمكن أن يقال: قد ثبت بالنص أنهم كالنجوم يهتدى بهم فثبت في الجملة أن ~~قول من هو من أهل الاجتهاد منهم لا يخرج عن الصواب بل يكون بحيث يهتدى به ~~وذلك بقياس أو نص. # فإذا بطل أحدهما تعين الآخر بخلاف من بعده لأن الصحابي أصل علمه من صاحب ~~الوحي فلا تجعل فتواه منقطعا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره، وهو الرأي ~~ولا يحكم بالانقطاع بالاحتمال فأما غير الصحابي فعلمه منقطع عن السماع إلا ~~بواسطة فلا يحكم بالاتصال مع عدم الواسطة بالاحتمال، أو نقول: معناه أن ~~الصحابة إذا اختلفوا لم يجب الوقوف بحكم التعارض كما في أخبار الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وآيات الكتاب، بل بأي قول عمل به وقع الاهتداء. ### | AUTO [فصل] # ولهذا لم تحمل أقوال الصحابة إذا اختلفت بعضها على بعض بخلاف آيات الكتاب ~~لأن الصحابي كان يفتي عن الرأي، وكان يجوز للآخر خلافه برأيه مع علمه ~~بالأول، وكان قول كل ms260 واحد منهما حجة يعمل بها فلم يطلب جهة التوفيق بينهما ~~لثبوتهما كالمقاييس اليوم إذا تعارضت عمل بواحد منها ولم يجب الوقف. PageV01P258 # فأما الآيتان فلا تردان إلا والحجة أحدهما وهي الأخيرة فإذا لم يعرف ~~التاريخ وجب حمل إحديهما على الأخرى ليمكن العمل بإحديهما إذا لو لم يحمل ~~لتعارضتا وتساقطتا، ولكن يجب في أقاويل الصحابة ترجيح واحد منهما بالرأي إن ~~أمكنه ثم العمل به ولا يجوز العدل بالرأي إلى قول ليس في أقوالهم لأن ~~اختلافهم فيها إجماع على بطلان ما عداها لأن الحق ما كان يعدو إجماعهم، ~~والله أعلم. PageV01P259 # باب ### | AUTO القول في القياس # قال جمهور العلماء وجميع الصحابة: إن القياس بالرأي على الأصول التي ثبتت ~~أحكامها بالنصوص لتعدية أحكامها إلى الفروع حجة يدان الله تعالى بها، وهي ~~من حجج الشرع لا لنصب الحكم ابتداء. # وقال داود ومن تابعه من أصحاب الظواهر: إن هذا القياس ليس بحجة لهذا الحكم. # وسلم إبراهيم النظام أنه خلاف إجماع السلف وطعن، وروى بعضهم المذهب عن ~~قتادة وابن سيرين ومسروق واحتجوا بكتاب الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم} فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به ~~إلا بالقياس فقد خالف. # وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والقياس الذي ~~نستنبطه من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا إنما ~~المنزل كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان ينطق عن الهوى ~~وما كان إلا عن وحي. # وقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لتبين للناس ما نزل إليهم} أي من ~~الوحي ولم يقل لتبين للناس ما يقع في رأيك. # وقال {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}. # وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} فأخبر أن الكل بيانه في كتاب ~~الله تعالى إما في نصه أو إشارته أو اقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد ذلك ~~فالإبقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى. # قال ms261 الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} الآية، فالله ~~تعالى أمره بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله لبقاء الإباحة لأنها ~~أصل لنا PageV01P260 # بقول الله تعالى: {هو الذي خلف لكم ما في الأرض جميعا} والإضافة بلام ~~التمليك أبلغ جهتي الإباحة، فتصير على هذا كل الأحكام من رطب ويابس ثابتة ~~بما في الكتاب فيبقى الرأي مستعملا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة. # وهي مما لا يوقف عليها بالرأي بالإجماع لأن المصلحة في أداء ما شرع الله ~~تعالى من الأحكام النجاة في الآخرة لا الفوز في الدنيا، وبالآراء لا تدرك ~~مصالح الآخرة وإنما تدرك مصالح العاجلة التي وقف عليها بالحواس والتجارب ~~فتعرف نظائرها بالقياس. # وهذا كما قلتم إن تعليل النص بعلة لا تتعدى باطل لأنه لا يفيد إلا ما ~~أفاده النص من الحكم فتبقى الفائدة في بيان حكم المصلحة فلم يثبت بالرأي. # وقال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} {ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق} والقياس لا يوجب العلم. # وأما خبر الواحد فأصله كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يوجب العلم ~~يقينا، ويكون حجة وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال إلينا فلا يبطل ~~بالاحتمال، وكان بمنزلة النص المؤول بالرأي من كتاب الله تعالى على بعض ما ~~يقتضيه لسان العرب، وأنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب. # والقياس في نفسه محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال، ولا يشكل علينا تعرف ~~جهة الكعبة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك بالرأي لأن معرفة جهات ~~البلدان من مصالح الدنيا، ومما يوقف عليها بالحواس، وكذلك قيمة الشيء تعرف ~~بمعرفة النظائر، وطريق العلم بها حس البصر، وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا ~~بإهلاك من مضى بكفرهم وأمرنا بالاعتبار بهم، وذلك يكون بالرأي لأنه قد عرف ~~هلاك مثله بمثل ذنبه بحس العين أو السماع، فكان الاحتراز عن مثل سببه من ~~مصالح الدنيا وحل محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على ما تلف مثله ~~بتناوله، ومحل ms262 الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعه بتجربة وعلمه أن القطع ~~سبب تلفه فلم تكن معرفة الجهة من أحكام الشرع إنما الحكم وجوب التوجه إلى ~~الكعبة بعد تبين الجهة. # فالله تعالى أكرم الآدمي بالرأي المميز ليستدرك به مصالحه العاجلة ليبقى ~~إلى حينه بتدبيره وجعل طريق الاستدراك به الوقوف على نظير ما علمه سببا ~~لخير أو شر بحواسه، فكان الرأي حجة له في مثلها. # فأما الشريعة فما شرعت إلا لأمور الآخرة، وإن تلك المصالح بنيت على خلاف ~~مصالح العاجلة وكل الدين مبني على خلاف العادة الثابتة لتحري مصلحة عاجلة، ~~فلم يكن الرأي فيها حجة. # ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا، وهي طريق العلم لنا في الأصل ~~لم PageV01P261 # نقف على النظائر بالرأي ولا يلزمنا وجوب التأمل بالرأي في معاني النصوص ~~لأن معانيها لغة من أمور الدنيا، ومما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ~~ولم تكن من الشريعة في شيء، فإنها كانت قبل الشرع وباقية في الكفار بعد ~~الشرع وإنما أنكرنا استنباط المعنى الذي تعلق به حكم الشرع فإنه من أمور ~~الآخرة فثبوت الحكم على ما يثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى. # وما هو من معاني اللسان في شيء فنحمل الآيات الموجبة للتفكير والاعتبار ~~على هذا القبيل. # والنصوص التي نهت عن العمل بالرأي وألزمت اتباع الوحي على أحكام الشرع. # وعلى هذا تحمل مشورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فإن الله تعالى ~~أمره بها في تدبير الحرب وشاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح ~~الدنيا ما هو بحكم شرعي، وإنما حكم الشرع في كونهم محقين. # وما شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه في تعرف كونهم محقين بل الوحي ~~إنما خص باب الحرب بالمشورة دون أحكام الشرع، وكذلك الخصوص ظهر من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه روى الشورى في باب الحرب ولم يرو في شيء من ~~الأحكام، علم بانسداد باب الشورى في معرفة الأحكام. # واحتجوا أيضا بالأخبار منها: ما روي عن النبي صلى الله عليه ms263 وسلم أنه ~~قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ~~ما لم يكن بما قد كان فضلوا". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعمل ~~هذه الأمة برهة من الدهر بكتاب الله تعالى، وبرهة بالسنة، وبرهة بالرأي ~~فإذا فعلوا ذلك فضلوا وأضلوا". # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا". # وعن ابن مسعود: "إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت ~~وأرأيت، ولا تقيسوا شيئا بشيء فتزلوا قدم بعد ثبوتها". # وقال عليه السلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" ~~والمقايسة تفسير PageV01P262 # بالرأي لأنه استنباط معنى لا يدل عليه اللسان فيعلق به حكم الله تعالى. # فأما من الوجه الذي يدل عليه اللسان فحسن نحو اختلاف عبد الله بن عباس ~~وزيد رضي الله عنهما في زوج وأبوين؟ فقال عبد الله: للأم ثلث المال كاملا، ~~لأن الله تعالى لم يقل: ثلث ما بقي. # وقال زيد: لها ثلث ما بقي لأن الله جعل للأم ثلث ما يرث الأبوان، وإرث ~~الأبوين في هذه المسألة بعد الزوج. # ووجه آخر أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات ~~والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل ~~للرأي فيه. # ووجه آخر أن أصل الشرع على ما هو من أحكام الله تعالى في الإيجاب ~~والإسقاط والإحلال والتحريم خالص حق الله وحق الله ما ينبغي إلا بحجة فاصلة ~~موجبة للعلم قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأي لا يوصلنا إليه. # ولأن أكثر النصوص التي عللت بعلل مختلفة وحجج الله تعالى لا تثبت مختلفة ~~فإنها نتيجة الاشتباه، والله تعالى علي غني عن ذلك ولا يلزم أخبار الرسول ~~فإنها في الأصل غير مختلفة، وإنما اختلفت الرواية، والحجة هو الخبر لا ~~الرواية. # وهذا كما يشتبه علينا من كتاب الله تعالى ناسخه من منسوخه، وقد يتعرف ~~بالرأي ويعمل ms264 به ولا يكون قياسا. # قالوا: وكان في حجرنا عن القياس أمران بهمل قوام الدين ونجاة المؤمنين، ~~فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني ~~اللسان. # وفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت. # وفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب. # فعند ظهورها يتبين عنه الذي هو بدعة وفي حياة قالبه سقوط الهوى لأن ~~القالب لا يحيى إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص ومعانيها غائرة جمة لم ~~تنزف بالرأي. # وإن فنيت العمار فيها فلا نفضل الرأي للهوى فيتم أمر الدين بموت البدع ~~ويستقيم العمل بسقوط الهوى وفيها الفوز والنجاة للناس، فهذا أعدل طريق ~~لنفاة القياس وسنذكر أقسامهم من بعد إن شاء الله تعالى. # وأما عامة العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} أمر بالاعتبار، وأنه عبارة عن رد الشيء إلى نظيره. # والعبرة أصل يرد إليه النظائر والقياس مثله، فإنه حذو الشيء بنظيره، ~~يقال: قس النعل بالنعل أي أحذه به. PageV01P263 # وقال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ~~وبصر القلب برأيه، والعرب تقول وكانت على الجاهلية: السعيد من وعظ بغيره، ~~ولا إمكان إلا بعد استعمال الرأي والاعتبار بما كان، والانزجار عن مثل سبب ~~من هلك قبله به. # والله تعالى يقول: {ولكم في القصاص حياة} وفيه هلاك حسا، وإنما الحياة في ~~الاعتبار له بمن قتل، فقتل لينزجر عن القتل ابتداء فلا يقتل جزاء، وهذا ضرب ~~من الرأي واستعمال الرأي لا بد من القول به. # وكل إنسان إذا تأمل في حاله لم يجد لنفسه قواما إلا بهذا الضرب من ~~الاعتبار فما سخر الآدمي غيره مما في الأرض إلا بالرأي. # وما تفاوتوا في درجاتهم العاجلة إلا بتفاوتهم في الآراء ومتى ثبت هذا ثبت ~~مثله فيما يختلف فيه فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين ~~بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان ms265 اعتبارا واجب العمل به. # فكذلك إذا بين اسما أو صفة فعلق به حكما من أحكامه وجب الاعتبار به في ~~أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين حكم هو ~~تحليل أو تحريم تعلق بوصف هو كيل وبين حكم هلاك تعلق بوصف هو كفر. # فإن قيل: نحن نستجيز ذلك إذا ثبت التعلق بالنص كما ثبت تعلق الهلاك ~~بالكفر نصا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من ~~الطوافين والطوافات عليكم" ثم الحكم يثبت في الفأرة اعتبارا بالهرة. # وكذلك روى أن ماعزا زنا وهو محصن فرجم، ثبت بالزنا في حال الإحصان في غير ~~ذلك الحكم لأنا عرفنا العلة سماعا وإنما أنكرنا إثبات العلة بالرأي نحو ~~قولكم: إنما صار الفضل من الحنطة بالحنطة ربا لعلة الكيل، والجنس على ~~الخصوص من بين سائر الأوصاف التي يشتمل عليها اسم الحنطة بالحنطة بالنص ~~فإنكم ما أثبتم الوصفين على الخصوص علة إلا بالرأي. # قلنا: إنا ما خصصنا إلا من الطريق الذي وجب تخصيص الزنا لإيجاب الرجم من ~~ماعز وإحصانه، فماعز كان موجودا قبل الزنا وكذلك إحصانه، ولا رجم فلما زنا ~~ورجم عقيبه، والزنا معصية، والحد عقوبة وقد ظهر أثر المعاصي في إيجاب ~~العقوبات شرعا وجب الإحالة إليه وجعل قيام الإحصان شرطا لأنه عبارة عن نعم ~~حميدة من الله تعالى على عبده، ولا أثر لنعم الله تعالى في إيجاب العقوبة ~~فلم تجعل علة بل أثرها في تغليظ PageV01P264 # حكم المعصية، فكانت علة لغلظ حكم الزنا معه فصار موجبا رجما بعدما كان ~~موجبا جلدا دونه. # وقد عرف هذا الأثر في التغليظ بالنص بأن توعد الله تعالى نساء رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن- بالعذاب ضعفين بنعمة القرب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فكذا نحن خصصنا الكيل والجنس من بين سائر الأوصاف بإحالة الحرمة إليهما ~~من هذا الطريق. # وبيان ذلك: أن قوله: "الحنطة بالحنطة" عبارة عن بيعها بجنسها وقوله: ~~"مثلا بمثل"، تفسير وبيان للشرط الذي يجوز معه، "والفضل ms266 ربا" أي حرام، ~~والفضل: مال مستحق بالبيع كسائر الأموال فيلزمنا أن نعرف حرمته من الوجه ~~الذي يحرم أصل المال بسبب البيع لأن كل واحد مال مكتسب بالبيع، وإنما ظهر ~~تحريم بيع المال المكسوب به إذا ملكه بغير مال، كشراء مال بغير عوض أو بعوض ~~ليس بمال كالشراء بالحر فالحرمة للخلو عن المال بسبب أن التملك كان بلفظ ~~البيع فإنه لو ملك بلفظ الهبة يحل نحو أن يقول ملكتك هذا العبد هبة بلا مال. # وكذلك الفضل في غير هذا البيع حلال كشراء عبد بعبدين وثوب بثوبين ولؤلؤة ~~بلؤلؤتين وقفيز بقفيزين حال اختلاف الجنس. # وكيف لا يحل والربح إنما يتحقق بالفضل والبيع، وهو تجارة وهو سبب ~~الاسترباح ولهذا الغرض فتحت الأسواق فوجب إثبات هذه الحرمة بالبيع من الوجه ~~الذي ظهر أثر البيع فيه بالنص والإجماع، وذلك في إثبات حرمة الفضل للخلو عن ~~العوض كما أحيل الحد في قصة ماعز إلى الزنا. # وأيضا لئلا يكون هذا الحكم مناقضا لحكم فضول سائر البيوع فإنها تحرم في ~~البيوع كلها إذا أخذت بغير عوض، لأن السبب واحد وهو البيع، والمال واحد وهو ~~فضل ذات لأحدهما على الآخر وإنما اختلف اسم المال ولم نر لاختلاف اسم المال ~~وحده في سائر الأموال أثرا في تغيير الحكم، ولما وجب إثبات الحرمة بهذا ~~الوصف ولم يثبت الخلو عن العوض مع وجود المقابلة مالا بمال في أصل البيع ~~إلا بتقييد بشرط المماثلة نحو أن يقول: بعتك هذا المكيال من الحنطة بمثله ~~على أن تسلم إلي مكيالين. # فإنه متى قال هذا صار الزائد على المكيال بلا عوض. # أو يقول: بعتك هذا العبد بهذا العبد على أن تسلم إلي العبد مع عبد آخر أو ~~ثوب فإنه يصير ربا لأنه لم يبق للزائد عوض لما قصر المقابلة بالنص على ~~العبد بالعبد، وشرط المماثلة لم يوجب من المتعاقدين لتجب القسمة كذلك فيخلو ~~الفضل عن العوض فعلم أنه موجود من الشرع كما قال: "الحنطة بالحنطة مثلا ~~بمثل" أي: حلا له مقصور على شرط PageV01P265 # المماثلة، وأنه واجب ms267 شرعا للحل والواجب شرعا فوق الواجب شرطا منا. # وهذا كما يرد المبيع بالعيب لأن الشرع أوجب له بشرط السلامة عن العيوب ~~لئلا يغبن فوجب كذلك كما لو شرط بنفسه فاشترى عبدا على أنه كاتب أو تركي ~~فإذا هو ليس كذلك. # وهذه معان وأحكام أثبتناها بتعرف معاني اللغة فقول الرجل: بعتك هذا بهذين ~~إثبات المقابلة بين الجميع لغة. # وإذا قال هذا بمثله على أن تسلم زيادة قصر للمقابلة على البعض دون البعض ~~وإن حرم بغير مقابلة عرف بالنص والإجماع لا بالرأي وإن المماثلة مشروطة ~~للجواز ثابتة نصا لا بالرأي، فبقي بعد هذا أن شرط المماثلة لأي علة وجبت ~~للجواز في الحنطة بالحنطة فقلنا: وجبت لأن الحنطة بالحنطة مثلان متساويان ~~في المالية قطعا ويقينا بذاتيهما لأنهما متى تساويا مالية قطعا ويقينا ~~بالذاتين لم تثبت المقابلة بينهما مالا إلا بثبوت المقابلة ذاتا لأن ~~المالية معه وقيام المقابلة بين الذاتين يعرف عيانا لا بالرأي، وهو أن يكون ~~كل واحد بقدر الآخر كالمقابلة بين الحنطتين، وكل شيء له طول وعرض فمتى لم ~~تثبت المقابلة في قدر الذات يثبت الزائد بلا مقابلة ذاتا فيبقى بلا مقابلة ~~مالا لما كانت ماليته مع ذاته، فثبت أن الفضل بلا عوض يعرف عيانا لا بالرأي ~~بعد ثبوت المماثلة بين الذاتين في المالية قطعا فنحتاج الآن إلى معرفة ثبوت ~~المماثلة بين الحنطتين في المالية قطعا. # فنقول: أما أصل المماثلة بين الحنطتين بصفة الكيل والجنس بالإجماع، ~~والنص، واستعمال التجار، وذلك لأن التجار لا يعدونها أمثالا بحباتها ولا ~~حفناتها بل بمكاييلها، وكذلك الشرع فإنه علق الجواز بالمماثلة ولا يجوز ~~بالمماثلة حبة بحبة، ولا حفنة بحفنة بل يجب كيلا بكيل وكذلك في ضمان ~~الإتلاف لا يجب حفنة بحفنة ويجب كيلا بكيل، وعليه نص النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فقال: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيل بكيل" فصار الكيل والجنس علة ~~المماثلة بالنص ووضع التجار والشرع. # وكذالك بالمعقول من معنى اللغة لأن المماثلة لغة: عبارة عن المساواة، ~~ومثل الشيء: نظيره مساويا له، والمالية تكون بالعين ومعناه. ms268 # والمعاني تختلف بالأجناس فباتفاق الجنس تساوى معنى المالية وبالكيل تساوى ~~قدر الذات فإنه ما وضع عرفا ولا شرعا إلا لتعريف قدر الحنطة فثبت أنا لم ~~نجعل الكيل والجنس علة لحكمها وهو تماثل الحنطة بالرأي ثم جعلنا ثبوت ~~المماثلة علة لوجوب شرط أن يقابله مثله شرعا كما لو شرطا شرطا في حال سقوط ~~عبرة مالية الصفة بأن لا تبقى لها قيمة لأنه ما دام يبقى للوصف قيمة. PageV01P266 # ولا بد من أدنى تفاوت وصف بين الحنطتين لم يجب معرفة مماثلة المال بالمال ~~بين العوضين بمقابلة الذات بالذات لأن قدر المالية ليس معه ليعرف به. # وإنما يصير قدر المالية مع قدر الذات إذا لم يبق للوصف بانفراده قيمة ~~لأنه لا يتوهم بعد اتفاق الجنس تفاوت قدر المالية بغير قدر الذات إلا ~~بتفاوت الوصف. # وإنما أثبتنا هذا الشرط وهو سقوط قيمة مالية الوصف بانفراده في مسألتنا ~~بالنص، وتعرف حكم النص لا بالرأي. # أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: "جيدها ورديئها سواء" ولا يتساويان ~~حتى يصير قيام الجودة عدما حكما. # وأما حكم النص فلأن الشرع حرم الاعتياض في بيع القفيز الجيد بالرديء على ~~الجودة فإنه لو شرط زيادة بإزاء جودة حنطته لم يحل، وفضل وصف المال بأن يحل ~~الاعتياض عليه مع الأصل كأصل المال ألا ترى أنه كيف يحل إذا اختلف الجنس ~~وفي غير مال الربا ثم أصل المال من حيث أنه مال لا أثر له في تحريم ~~الاعتياض ما دام متقوما، وإنما يؤثر فيه إذا سقطت قيمته، إما شرعا كالخمر ~~وإما عرفا كحبة حنطة أو قطرة ماء ونحوهما مما لا يتحول ويهان عادة. # فكذلك الوصف مع الأصل لا يحرم الاعتياض عليه إلا إذا لم يبق له قيمة فلما ~~حرم الاعتياض حال المقابلة بجنسه. # وانفراد الوصف فصلا في أحدهما علم أنه حرم لأن الشرع أسقط قيمته في هذه ~~الحالة فيكون معلوما هذا بتعرف أثر علمنا للمال في تحريم الاعتياض عليه ~~بالنص والإجماع لا بالرأي. # ولا يلزم بيع المحرم صيدا في يده فإنه لا يحل ms269 وهو مقتول لأنه حرم بحق أمن ~~ثبت للصيد عن استيلاء الناس بطريق لم يكن ثابتا حال كونه صيدا غير محرز لما ~~يحرم بيع الرهن بحق ثابت للمرتهن، وبيع المدبر بحق عتق ثابت للمدبر عندنا ~~وما لفضل الوصف حق أمن عن الاستحقاق بيعا أو الإتلاف تناولا. # فثبت أن الحرمة محالة إلى سقوط القيمة في هذه الحالة شرعا كالخمر وكما ~~سقطت قيمة الجودة من الفلوس الرائجة باصطلاح الناس على تقدير ماليتها ~~بأعيانها ما دامت رائجة. # فثبت أنا لا نخص وصفا من بين الجملة بكونه علة إلا بأن عرف أثره في ذلك ~~الحكم بعينه أو مثله ولا يعرف الأثر إلا بالنظر فيما سمعنا من النصوص أو ~~عاينا من الأوضاع. PageV01P267 # وكان النظر بالرأي لنعرف الحكم بحده من الحجج الشرعية، بمنزلة النظر في ~~الأسامي اللغوية لنعرف المسمى بوصفه، ما بينهما فرق إلا من حيث أن الأسماء ~~مما تعرف مسمياتها من جهة واضعيها. # والحجج مما تعرف أحكامها من جهة شارعيها. # فالحجج نصوص عربية. # والأحكام كذلك لها أسماء عربية. # وكان النظر لتعرف الوصف المؤثر في الحكم من النص ليمكن استعماله في غير ~~المنصوص عليه بمنزلة تعرف جهة استعارة الأسماء لغير ما وضعه واضع اللغة ~~ليمكننا الاستعمال في غير ذلك، لأنا لا نعرف المؤثر إلا بالعيان أو السماع ~~من صاحب الشريعة على ما مر، كما لا نعرف طريق الاستعارة إلا من العرب فكان ~~البابان واحدا إلا أن المصير في أحد البابين إلى سماع العرب وفي الآخر إلى ~~سماع صاحب الشريعة فيما نعرفه سماعا. # وفيما نعرفه عيانا فهو كاستعمال الرأي في قدر قيم المتلفات بنظائرها التي ~~عرفت نظائر بالعيان وجهة الكعبة التي عرفت أعلامها بالعيان. # وتبين أن قولنا: إن الكيل والجنس علة لصيرورة الحنطة أمثالا متساوية ~~إثبات بوصفين ظهر أثرهما في المساواة والتماثل شرعا وحسا، فوق أثر الزنا في ~~إيجاب الرجم. # وإن قولنا: إن سقوط قيمة مالية وصف الحنطة بانفراده شرط ليبقى قدر ~~المالية في الحنطة مع قدر ذاتها معنى معقول حسا لأنه ما بقي متقوما ازداد ~~الجيد الأقل ms270 في قدر الذات على الأزيد بذاته بزيادة الجودة، كقولنا: إن ~~الإحصان سبب لتغليظ حكم المعصية، قول عرف ذلك شرعا بل فوقه لأن المعقول ~~عيانا وحسا فوق المعقول سماعا. # وإنما اشتبه على مخالفينا لقلة تأملهم في الأحكام ليعرفوها بأوصافها ~~وترتيبها بعضها على إثر بعض بعلل مترتبة، حتى وقع عندهم أن الذي ثبت بناء ~~على غيره، ثابت بالعلة التي ثبت الأول فلم يجدوه مؤثرا بالشرع فيه فأنكروا، ~~وظنوا أنا جعلناه حجة باقتراح الرأي الذي جاء الشرع بذمه وجعله مدرج ~~الضلال. ثم نسبنا بأن فهم أنا ننصب عللا وحججا باقتراح الرأي إلى الغفلة عن ~~النصوص لاستغنائنا بالرأي عنها. # ولم يعلم أنا لم نجعل الرأي حجة إلا عند عدم النص والعدم لا يثبت من حيث ~~يصير العبد معذورا إلا بعد الجد في الطلب من أهلها والمحافظة عليها بعد الطلب. # ثم لم نطلق له القياس إلا بأوصاف مؤثرة ثبت تأثيرها شرعا، ولم يعرف ذلك ~~إلا بتتبع معاني النصوص، وطرق تعليلات صاحب الشرع بعد المحافظة على النصوص ~~إلا أنا PageV01P268 # بالقياس أحيينا الحجج حتى عمت بالتعليل فأمكن العمل بها في غير ما تناوله ~~النص لغة كما أحيا هو. # ونحن معه حقائق النصوص بالوقوف على طريق المجاز والاستعارات فأمكننا ~~العمل بها في غير ما وضعها واضع اللغة في الأصل ولم يكن ذلك اقتراحا على ~~اللسان ولا وضعا من عند نفسه وكذلك هذا. # بل نفاة القياس لما حجروا عنه ألزموا العمل بلا دليل فيما عدا النصوص ولا ~~دليل حكمه الجهل. # والعمل بالجهل هو طريق البدعة وعمل بالهوى على ما نذكره في بابه وأنه ~~حرام في أصله إلا عند الضرورة كالميتة حرام إلا عند الضرورة، والضرورات لا ~~تقع على ما بنى الله الأمر عليه إلا نادرا. # وأكثر المسائل الشرعية مما صنفها الناس مما لا نص فيها. # ولا يجعل مما يعمل فيها بالضرورة بل دلت على غير حال الضرورة وأن العمل ~~حرام بأحكامها إلا بحجة شرعية وما هو إلا بالقياس الذي قلناه، إلا أنه غير ~~موجب للعلم كخبر الواحد والآية المؤولة ms271 لأنا عرفنا حد صحته بغالب الرأي، ~~وإن كان أصله سماعا فكذا هذا وأنه مما أنزله الله تعالى في كتابه ودخل تحت ~~قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} لا أنه حجة صير إليه لضرورة عدم الأدلة ~~وهذا ليكون العمل بالدليل والعلم أبدا إلا في أحوال نادرة فيكون من جملة ما ~~يباح بالضرورة. # وثبت أن القرآن تبيان لكل شيء وكاف بنصه، ودليل نصه ومقتضاه وإشارته ~~والاعتبار به قياسا ثم باستصحاب الحال حال عدم الأدلة كلها وهي: حال ضرورة ~~وجوب العمل مع عدم الأدلة. # وثبت أن الذم عن الرأي راجع إلى نصب العلة باقتراح الرأي أو العمل به في ~~المنصوصات بخلاف النص. # وهذا كما ذم من فسر القرآن برأيه، ويجوز تفسيره بالرأي تخريجا على أصول ~~اللغة والشرع، وإنما يحرم على سبيل الاقتراح من عند نفسه ثم سقوطه بخبر ~~الواحد لا يدل على أنه ليس بحجة كالآية المؤولة تسقط بالمحكم والخبر يسقط ~~بالآية. # ووجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كما علمنا الأحكام علمنا القياس ~~فقال لعمر وقد سأله عمر عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم ~~مججته أكان يضرك؟ " فقال: لا، قال: "ففيما إذ" أي أن القبلة مبدأ الجماع ~~كالمضمضة مبدأ الشرب ثم الفطر لم يتعلق PageV01P269 # بمبدأ الشرب حتى يقضي به شهوة البطن، فكذلك هذا لا يضر ما لم يقض به شهوة الفرج. # وقال للمرأة التي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيته أما كان يجزيك؟ " فقالت: بلي، قال: "فدين الله أحق" يعني لما سقط ~~دين العبد الذي يحتمل النيابة في القضاء بأمر من عليه، فكذلك بغير أمره ~~احتمل فدين الله أولى بأن يجوز بغير أمر من عليه، كما يجوز بأمره لأن ~~الواجبين قد استويا من حيث احتمال النيابة مع الأمر. # وإنما اختلف المستحق والقبول من غير من عليه ضرب من المساهلة والله تعالى ~~أولى بالمساهلة. # وعلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقال للمستحاضة: "إنه دم عرق ~~انفجر توضئي لكل صلاة"، فعلل لإيجاب الوضوء ms272 بسيلان دم العرق لأنه متى سال ~~أوجب حكمه من النجاسة حتى يجب غسله عن محله فاستقام إحالة وجوب الطهارة إلى ~~ما ظهر أثره في التنجيس. # وقال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" فأسقط ~~نجاستها بصفة مؤثرة في السقوط وهو ضرورة الطواف علينا وتعذر الاحتراز عنها ~~فللضرورات تأثير في الإباحات. # ووجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين لنا الأحكام المشروعة، بين ~~لنا أن العمل بالرأي مشروع كما هو بالنص فإنه قال لمعاذ حين بعثه إلى ~~اليمن: "بما تقضي؟ " قال: بكتاب الله تعالى، فقال: "فإن لم تجد؟ " قال: ~~بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد فيه رأي، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله". # ووجه آخر أن الصحابة أجمعوا على صحة القياس، وإجماعهم حجة كآية من كتاب ~~الله تعالى على ما مر والدليل على ذلك أنهم اختلفوا في مسألة الجد اختلافا ~~ظاهرا، ولم يحتج أحد بالنص وإنما مثلوا أمثلة بالرأي بالوادي يتشعب منه ~~أنهار والشجر يتفرع منها فروع، واختلفوا في مسألة العول بالرأي؟ # وكان عمر رضي الله عنه يكتب إلى العمال: عليكم بكتاب الله تعالى وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالأمثال والأشباه. وقال لشريح: اقض ~~بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم برأيك. # وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ثم مات ~~عنها PageV01P270 # قبل الدخول بها؟ فلم يجب شهرا، ثم قال: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابا ~~فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد، أرى لها مهرا مثل نسائها، لا وكس، ~~ولا شطط. وخالفه علي بالرأي، ولو كان عنده خبر لرد عليه. # وقال عبد الله بن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما: أرى هذا إحياء بعض ~~النفس، وقال عمر رضي الله عنه: وأنا أرى ذلك. # وأجمع عمر وعلي رضي الله عنهما على فساد بيه أمهات الأولاد بالرأي ثم رجع ~~علي وأفتى ms273 بالجواز، وعقد مجالس الشورى مشهور من عمر ليعرف أحكام الحوادث، ~~وكذلك من غيره، ولم يرو عن أحد خلاف ذلك. # والنهي عنه محمول على ما حملنا عليه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~عن "أرأيت" على سبيل التعنت، أو ترك الاكتفاء بالمشروع مع الغنية عن ~~الزيادة كما قال الله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اتركوني على ما تركتكم عليه فإنما أهلك من كان ~~قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" أو المراد به النهي عن المقايسة ~~بالصور دون الاستدلال بالمعاني كما ظهر اليوم من أصحاب الطرد ألا ترى أن ~~النهي يروى عن عمر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما والقول بالرأي ~~منهما أظهر من الشمس. # ووجه آخر: أن الله تعالى سمى هذا الدين نورا، وشرحا للصدور فقال: {أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وفي إلزام العمل بالنص على حجر ~~عن التأمل في العلل المعقولة بالرأي ضرب حرج، وهذا مما يعرفه كل عاقل من ~~نفسه إذا تأمل في حاله. # ولأن القلب يبصر بالغائب كالغيب بالحاضر، ومعقول القلب بالرأي كمرئي ~~العين بالبصر، وإنا نرى ضال الطريق حرجا صدره وينشرح بعض الانشراح بقول ~~الهادي إذا عرفه صادقا، ويتم الانشراح ببصره بعينه الطريق العادل وإعلامه، ~~فكذلك القلب إذا عقل الحكم برأيه انشرح الصدر به غاية، وإذا قلد الحاكي بقي ~~معه بعض الحرج وإن اعتقد صدقه ولا اختلاف أن الدين يشرح الصدور بأتم ما ~~يكون من النور. # فإن قيل: كيف يستقيم هذا والشرع ما جاء إلا بخلاف معتاد الصدور مما عقلته ~~من الأمور؟. # قلنا: نعم جاء هذا بخلاف معتاد المعقول بهوى النفس وإشارته لكن بمعقول ~~خير منه ما كان القلب يعقله بدون الشرع وعباراته، فكان خلاف المعتاد قبل ~~البيان ووفاقا بعد PageV01P271 # البرهان ليصير الشرعي بعد التأمل طبيعيا فيعتقده العبد على طمأنينة قلب، ~~وانشراح صدر فكان في وجوب الإسلام لقالب الشريعة حسن الطاعة والانقياد لله ~~تعالى وفي المصير إلى القياس ms274 والمعاني المعقولة طمأنينة القلوب بالوقوف على ~~الحجج من الطريق الذي هو معتادها في مصالح الدنيا، والإسلام لله تعالى حق، ~~وطلب ما تطمئن إليه القلوب حسن، قال إبراهيم صلوات الله عليه: {بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي}. # فأما الجواب عن الأول فإن الكتاب كاف وهذا القياس منزل في كتاب الله ~~تعالى دلالة، وإن لم يكن نصا على ما بينا أنه نظير الاعتبار الذي ثبت نصا ~~بكتاب الله تعالى، وكان الحكم به حكما بما أنزل الله تعالى فإن الله تعالى ~~أمرنا به، ولأنا نعرف بالرأي ما أثر في الحكم شرعا لا أن نجعله مؤثرا ~~بالرأي. # وأما قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} فقد بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المقايسة فعلم أنها مما أنزلت إلى الناس. # وأما قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} فحجة لنا لأنه نهي عن قفو ما ليس ~~لك به علم، وأنه يقتضي كل علم لأنه نكرة في النفي، والقياس يوجب ضرب علم من ~~الطريق الذي يوجبه خبر الواحد وإنما لا يوجب العلم من كل وجه، وهذا كما لا ~~يقبل العاقل على ما أمر بقصده من مصالحه بغير علم ويقبل عليه بغالب رأيه ~~وإن لم يعلم يقينا ويعد ذلك إقبالا بعلم. # فثبت أن العلم ضربان: علم يقين، وعلم غالب الرأي. # والعمل بكل واحد منهما جائز للدين والدنيا ألا ترى أنهم جوزوا العمل ~~باستصحاب الحال وأنه دون القياس. # وأما قوله: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} فكذا نقول والقول بالقياس حق ~~من الوجه الذي قلناه، ولأن الحق نوعان كالعلم: # أحق ما هو حق من كل وجه ظاهرا أو باطنا. # ب وحق عند العبد وليس بحق عند الله تعالى. والمراد به ما عند الله تعالى ~~فيما يرجع إلى الله وصفاته، فأما فيما تعبدنا من أحكامه التي يجوز القياس ~~بها فالمراد به الحق عندنا على ما يأتيك شرحه في باب الاجتهاد، ألا يرى أنه ~~يعمل بخبر الواحد واستصحاب الحال. # وأما الجواب عن استدلالهم بالأخبار فما ذكرنا أن النهي منصرف إلى العمل ms275 ~~برأي الهوى عن أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح العالمين بكتاب الله، وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس من كتاب الله وسنة رسوله فإنه قاس ~~وأمر به وعلمه، وأما الجواب عن استدلالهم باختلاف الأحكام: فإن منها ما لا ~~يعقل، ومنها ما يعقل، ونحن لا نستجيز القياس إلا لما يعقل، PageV01P272 # وهذا ليتحقق الإسلام لأمر الله تعالى بما لا يعقل، ويتم شرح الصدور ~~بتعليل ما يعقل. # وأما قولهم إن حجج الله موجبة قطعا؟ فكذلك في إظهار الحق عند الله تعالى ~~فأما حق يلزمنا العمل به فلا كذلك على ما مر، ألا يرى أنا نجعل خبر الواحد ~~حجة ولم يظهر الحق يقينا إلا على الوجه الذي بلغنا عنه فإنه صار حجة علينا ~~برواية الراوي، وأنها لا توجب إلا غالب الرأي ولا فرق بين الخبر والعلة فإن ~~الخبر أصله حق موجب للعلم بلا تعارض وبلغتنا الأخبار بالرواية متعارضة غير ~~موجبة للعلم قطعا. # وكذلك الوصف الذي هو علة هو واحد عند الله تعالى موجب للعلم قطعا، ~~ويبلغنا بآرائنا متعارضة. # فالتعليل منا كالرواية. # والوصف كالخبر. # وكما احتملت الرواية الغلط ولم يجب العمل بها قطعا احتمل تعليل المعلل ~~الغلط فلا فرق بين الأمرين. # وإنما جعلنا ما ليس بيقين حجة في حقنا كما جعل في مصالح الدنيا ليكون ~~التكليف بقدر الوسع أو بما لا يخرج فيه من لزومنا إصابة ما عند الله في كل ~~الأمور أليس قد جوز التمسك بالأصل الثابت حال عدم الأدلة عندنا، وإن احتمل ~~قيام الليل على زواله إلا أنه لم يبلغنا بعد فثبت أن ترك القول بالقياس ~~خروج على العقل والشرع وعلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. # ثم من نفاة القياس من طعن على الصحابة، وأنه منكر من القول وزور، فغن ~~الله تعالى أثنى عليهم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خير ~~الناس رهطي الذين أنا فيهم" والآيات كثيرة في إبانة فضل الصحابة وسبقهم ~~بحيث لا خفاء لها، ولأنا متى اتهمناهم لن تثبت شريعة لأنها لم تبلغنا إلا ~~من ms276 قبلهم. # ومنهم من أول فزعم أنهم كانوا مخصوصين بأن جعلت آراؤهم حجة، كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مخصوصا بكرامة أن جعل قوله حجة؟. # قالوا: والدليل عليه أنا لا نجيز من أحد بعدهم استعمال الرأي بخلاف النص ~~وهم كانوا يستعملونه وكانت آراؤهم حجة بخلاف النص كرامة لهم على الخصوص فإن ~~السنة كانت للمسبوق بشيء من صلاته أن يصلي ما فاته ثم يتابع الإمام فيما ~~بقي حتى دخل معاذ المسجد وقد سبق بشيء من الصلاة فتابع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قام إلى القضاء فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: يا رسول الله كرهت أن أصادفك على شيء فأخالفك فيه، PageV01P273 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها" ~~فهذا معاذ ترك السنة برأي نفسه وحمد عليه. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خرج لصلح بين الأنصار، فصلى أبو ~~بكر بالناس فقدم رسول الله، وأبو بكر في الصلاة فصفق الناس وأبو بكر لا ~~يلتفت فلما أكثروا التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يده وحمد الله ثم ~~استأخر فكان التأخر بالرأي على خلاف الأمر والرفع والحمد بالرأي بخلاف النهي. # وكذلك الإمامة كانت بالرأي وكانت السنة في الإمامة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه بكتاب الصلح عام ~~الحديبية فكتب: هذا ما عهد رسول الله وسهيل بن عمر، فقال سهيل: لو علمنا ~~انك رسول الله ما كذبناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: امح ~~رسول الله، فقال علي: ما أنا بماح. فمحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيده، فخالف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه، ولم يكن خطأ. # وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافق فجر عمر رضي الله ~~عنه رداء رسول الله صلى ms277 الله عليه وسلم يمنعه من الصلاة، وإنما فعل برأيه ~~بخلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية على موافقة رأيه. # وكذلك حد شرب الخمر ثبت باجتهادهم وإنه باب لا يعرف بالاجتهاد، وهذا ~~القول قريب من الأول لأن شرف الأمة بقدر طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيلزمنا بقولنا: إنهم خير القرون، أنهم كانوا أطوع لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منا. # ومن قال غير هذا كان منكرا من القول وزورا، ولم يكن إثبات كرامة لهم، بل ~~كان طعنا فيهم أشد طعن بلا شك. # فكيف يقال غير هذا وهم كانوا قدوة الأمة بالكتاب والسنة المشهورة فلو جاز ~~لهم الخلاف بالرأي لجاز لنا، بل كان الواجب إذا أجمعنا أنهم خير الأمة أنهم ~~كانوا أشد طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منا، ولزمنا طلب تأويلات ما ~~تصور خلافا ظاهرا حتى يصير طاعة وتعظيما باطنا. # ووجه ذلك من طريق الفقه أن يكون الأمر محتملا جهة الرخصة أو الإكرام على ~~وجه يجوز ولا يجب، ومحتملا جهة العزيمة فكان الترك من الصحابي على تأويل ~~جائز الترك به كان تبين له ذلك الوجه بدلالة حال أو بغيرها من الدلالات، ~~نحو صنيع معاذ في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسبوقا في صلاته لأن ~~النصوص باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كانت نازلة قطعا فحمل معاذ ما أمر ~~به من فعل ما سبق به أولا على الرخصة فإنها أيسر والاتباع عزيمة فكانت سنة ~~حسنة. PageV01P274 # وكذلك أبو بكر صلى بالناس ولم يكن نهي عنها لأنه رأى تقديم حق الله تعالى ~~في إقامة الصلاة لوقتها أولى من الانتظار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~تأخر وقد أمر بالتقدم لأن الحالة دلته على أنه أمر توقير وإكرام لا أمر ~~إلزام فرأى توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب فتأخر. # وكذلك علي أمر بمحو اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن علم أنه لم ~~يؤمر به لغلطه فيما كتب بل تيسيرا لأمر الصلح فرأى ms278 الكف وإظهار الصلابة ~~للكفار عزيمة، وما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة. # ولأن الصلح لا يجوز مع الكفرة إلا لنفع عائد إلى الإسلام والأعود أن يكون ~~صاحب الأمر على سبيل الإحسان إليهم والفضل عن شدة في قومه لا عن ضعف في ~~قومه، وذلك المعنى فيما أبداه علي رضي الله عنه وفعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وكذلك عمر رضي الله عنه رأى ترك الصلاة على المنافق وإظهار العداوة هزيمة ~~والصلاة وإظهار حسن المعاشرة على قصد تأليف القلب رخصة. # وأما حد السكر فإنما أجمعوا عليه استدلالا بحد القذف، فإن عبد الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، ~~وإذا افترى لزمه حد الفرية، وحد الفرية ثمانون. فأخذوا بقوله، على أن ~~الإجماع ليس من قبيل القول بالاجتهاد بل يحل الرأي محل النص إذا تأيد ~~بالإجماع، والله أعلم. # وجواب آخر عن كل ما يتصور خلافا للأمر من حيث أنه لا يوجد له تأويل نحو ~~صنيع موسى صلوات الله عليه حين أخذ بلحية أخيه ورأسه يجره إليه على ما قال ~~الله تعالى: {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} وهذا استخفاف ظاهر، وإنه حرام ~~بالمؤمن لا ريب وبالنبي كفر أن موسى أخذ منه نفسه بفرط الحمية لدين الله ~~تعالى، وشدة الغضب في الله تعالى فسقط عنه خطاب الكف عما لا يحل كما سقط ~~بالنوم والإغماء فوقع الفعل هدرا والحمية محمودة. # وهذا كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ منه نفسه حال ما يوحى ~~إليه حتى كان لا يدرك شيئا إلا الوحي وكان يتراءى للناظر إليه مغشيا عليه، ~~وكان لا يسرى عنه إلا بعد إبلاغ الوحي إليه فكان يسقط الخطاب عنه وراء حفظ ~~الوحي في تلك الساعة. # وعلى هذا يجوز تأويل صنيع عمر رضي الله عنه في جر رداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه فعله في سكر حمية الدين. # وكذلك علي رضي الله عنه. # وكذلك أبو بكر رضي الله عنه كأنه ms279 سكر في تعظيم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إياه فغفل عن حد الائتمار فكان معذورا، وكذلك معاذ أخذته شدة حالة في ~~تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتباعه فغفل عن الأمر الأول كما ~~يغفل الإنسان بالنوم والنسيان فيكون معذورا ثم نزل PageV01P275 # الوحي على موافقة صنيعه لما كان سببه أمرا محمودا شرعا، كما نزل الوحي ~~على موافقة صنيع عمر: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} ولو تصور لأحد بعدهم ~~مثل هذه الحالة فخالف الأمر فيه عذر، والله أعلم. PageV01P276 # باب ### | AUTO القول في أقسام نفاة القياس # نفاة القياس أربعة أقسام: # أ- قسم منهم لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه. # ب- وقسم لا يراه حجة إلا في موجبات العقول والقياس ليس من تلك الجملة. # ج- وقسم لا يراه حجة لأحكام الشرع. # د- وقسم لا يراه حجة في الأحكام إلا عند الضرورة، ولا ضرورة لأنا نحكم ~~فيما نص فيه باستصحاب الحالة الأصلية، فيقدم القول باستصحاب الحال على ~~القياس. # وإنه أقرب الأقوال إلى القصد. # فأما القسمان الأولان: فسنذكر وجوه ذلك في أبواب العقليات آخر الكتاب إن ~~شاء الله. # وأما القسم الثالث: فقد أبطلناه في باب إثبات القياس. # وكذلك الرابع لأنا قد بينا رجحان القياس على استصحاب الحال، وبينا أنه ~~حجة أصلية لا حجة ضرورية، والله أعلم. PageV01P277 # باب ### | AUTO القول في بيان ما لا بد للقياس من معرفته # للقياس معنى لغة، وركن يقوم به، وشرط لا يعمل به إلا عنده، وحكم يثبت به ~~وهو أثر علمه، ولا بد من معرفتها، لأن الاسم بلا معنى فاسد من الدعوى فلا ~~بد فيه من معرفة المعنى، ولا قوام لشيء إلا بركنه، ولا عمل إلا عند شرطه، ~~ولا يخرج من الفعل عن حد السفه والعبث إلا بفائدته، وذلك حكمه الثابت به. # فأما القياس لغة: فإنه اسم من قاس يقيس، وتفسير قاس الشيء بالشيء، جعله ~~نظيرا له، يقال: قس النعل بالنعل أي احذه به واجعله نظيرا للآخر. # وقد يكون القياس مصدر قايس يقايس مقايسة وقياسا. # ونظير القياس العبرة وهي الأصل ms280 الذي يقاس به غيره. # وسمي القياس الشرعي نظرا لأنه بنظر القلب يصاب. # ويسمى اجتهادا لأنه باجتهاد القلب أي ببذله مجهوده في معرفة النظير يصير قياسا. # فأما الركن: فالذي يصير به الفرع نظيرا للأصل بما تعلق به حكم الأصل لأن ~~القياس والمحاذاة به تقوم. # وركن الشيء ما يقوم به الشيء كأركان البيت اسم لما يقوم به البيت من ~~البناء. # وأما الشرط فما لا يعمل الركن عمله إلا معه لأن الشرط علامة في الأصل على ~~ما يأتيك تفسيره وحده، فتكون العلامة على الشيء ما يظهر عندها لا أن يوجد ~~بها كالشهود في النكاح لا يثبت النكاح موجودا بهم بل بالإيجاب، والقبول لكن ~~لا يوجد على ما شرع النكاح له إلا معهم. # وكشرط الطلاق علم على وجوده فأما الوجود فمضاف إلى تطليق الزوج، والله ~~أعلم. PageV01P278 # باب ### | AUTO القول في بيان الشروط # قال القاضي رحمه الله: نبدأ بالشروط لأن الركن لا يعمل إلا معها وهذا ~~كالرجل يريد النكاح فسبيله أن يبدأ بإحضار الشهود، وكذلك من يريد الصلاة ~~فسبيله أن يقدم الوضوء ويستر العورة. # وجملة شروط القياس الصحيح أربعة. # أن يكون الأصل غير مخصوص بحكمة بنص آخر. # وأن لا يكون الحكم معدولا به عن القياس. # وأن يتعدى الحكم الشرعي بنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه. # وأن يبقى حكم الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل. # أما الأول: فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية ~~الثابتة بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة في معارضة النص على ما مر. # وأما الثاني: فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي لكنه ترك ~~بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا ~~جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به، وكذلك لا يجوز إثبات التحريم في عين بنص ~~جاء محللا إياه. # وأما الثالث: فلأن المقايسة هي المحاذاة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في ~~شيء واحد ولا إذا لم يكن نظيرا، ومتى لم يتعد الحكم ms281 إلى فرع بقي الأصل ~~وحده، ولا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة فعلمت أن محل المقايسة ~~حادثتان ليسوى بينهما بالمقايسة، ومحل ما ينفعل فيه الأقوال والأفعال شرط ~~لصحتها في كل باب كالحي شرط ليكون صدمته ضربا، وقطعه قتلا. # فأما كون الحكم شرعيا فلأن الكلام مفروض في القياس على أصول ثابتة شرعا، ~~ولا يعرف بالتأمل فيها ما كانت ثابتة لا شرعا كما لا يعرف بالتأمل في أصول ~~الشرع أحكام الطب واللغة. # وأما الرابع: فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس لتغيير حكمه ~~بوجه، ولأن الرأي مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث ثبت فيه النص على ~~سبيل المعارضة بحال ما. PageV01P279 # وقال الشافعي: يجوز أن يكون الفرع حادثة فيها نص فيزداد بالقياس بيان ما ~~كان النص ساكتا عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفا للنص لأن الكلام وإن ظهر ~~معناه يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف فيبطل القياس إذا جاء مخالفا. # وقال أيضا: يجوز تعليل النص بالرأي بما لا يتعدى حكمها إلى فرع ومثل هذا ~~التعليل لا يكون مقايسة. # وعندنا لا يجوز متى لم يكن مقايسة ولم يتعد فإذا صار من شرط صحته تعليل ~~النص أن يتعدى حكمه إلى فرع لا نص فيه عندنا. # وعنده لم يكن شرطا وتبين بهذا الحد أن حكم العلة عندنا تعدي حكم النص إلى الفرع. # وعنده تعلق الحكم في النص المعلول بتلك العلة لا التعدي واحتج بأن العلة ~~المستنبطة بالرأي نوع حجة من حجج الله تعالى لوجوب العمل بها على ما مر. # والحجج الشرعية اسما لما تعلق وجوب الأحكام التي ابتلينا بإقامتها بها ~~فكذا العلة يجب أن تكون اسما لما تعلق وجوب الحكم بها إلا أنا كنا لا نقف ~~عليها بالنص ووقفنا عليها بالرأي. # وإذا وقفنا وجب تعليق الحكم بها ولزمنا أن نعرفها علة بهذا الحكم لا ~~بالتعدي. # ولأن الوصف من بين الجملة إنما يصير علة للنص إذا تعدى بدليل أوجب ~~التمييز بينه وبين سائره لا بالتعدي. # ومتى قام ذلك الدليل بعينه ثبت الوصف علة فإن ms282 تعدى كان عاما وإن لم يتعد ~~كان خاصا فإن لم يقو بأن كان خاصا لم يبطل كالنص قد يكون خاصا وقد يكون ~~عاما ولا يضعف بكونه خاصا. # والجواب عنه وهو الحجة لنا: أن التعليل إنما يصار إليه ليكون حجة زائدة ~~بعد النص، وحجج الله تعالى إما أن تكون حججا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل ~~والتعليل بالرأي لا يكون حجة موجبة علما. # وإنما يصير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد عملا فيما لم يتناوله ~~بالنص، ولا فيما تناوله النص لأن النص فوق العلة. # ولأنه بالإجماع لا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته فإذا لم يتغير وبقي ~~الأول بعينه والنص فوقه في الإيجاب وجب إضافة الحكم فيما تناوله النص إليه ~~دون العلة، وإذا لم يبق لها حكم لغت. # فإن قيل: يثبت بها اختصاص الحكم بالنص فالنصوص ضربان: ما يقاس عليه غيره، ~~وما يختص الحكم به. PageV01P280 # قلنا: هذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعين النص، ولأن ~~تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بعلة أخرى عامة كما يجوز التعليل ~~بعلتين متعديتين أحدهما أكثر تعديا من الأخرى دل عليه أن عدم العلة لا يوجب ~~عدم حكمها على ما تأتيك المسألة، وإذا لم يوجب العدم لم يوجب قصر الحكم ~~بوجودهما فلا يثبت ما ادعيت. # فإن قيل: تبقى العلة لإفادة معرفة الحكمة من المشروع. # قلنا: الحكمة مقصورة فيما ابتلينا بها من الأحكام على العاقبة التي بها ~~تثبت حكمة التخليق والاستعباد، وهي من باب العلم والاعتقاد لا من باب ~~العمل، والرأي لا يوجب العلم وإنما يصح القياس لبيان حكمة يتعلق بها العمل ~~فيلغو، إلا على سبيل أن يقال يحتمل أن يكون لحكمة كذا. # ويحتمل كذا فيخرج عن حد الحجة وبهذا الحد يفرغ المرء عن التكليف بمعرفة ~~كثير من الأدلة المنقولة من أخبار الآحاد والنظر بأغلب الرأي فإنهما ليسا ~~بحجة في إفادة العلم. # فمتى لم ترد موجبة عملا وجب الإعراض عنها بالنظر فيما كلفنا العمل به أو ~~فيما يفيد العلم. # ومثال ما لا ms283 يتعدى من العلة تعليلهم الذهب بالذهب مثلا بمثل بالثمنية، ~~فإنها لا تعدو الذهب والفضة والشرع نص عليها. # وأما الفصل الثاني وهو التعدي إلى حادثة منصوص عليها فلأنا إن عدينا ~~إليها حكم ذلك النص بعينه فما أفاد التعليل شيئا فأشبه الذي لا يتعدى. # وإن عدينا حكما يخالفه بأصله لم يجز بالإجماع لأنه رفع لحكم النص ~~بالقياس. # وإن عدينا حكما بوصف زائد فهو أيضا تعرض لحكم ذلك النص بالرأي. # وكما لم يجز أن يتعرض لحكم النص المعلول بالرأي بتغيير وصف أو زيادة وصف ~~أو تخصيص لم يجز التعرض لحكم النص الآخر بمثله لأنهما مثلان ولأن النص أولى ~~بالعمل به من القياس. # ولأنا متى زدنا على حكم النص زيادة لم يتناولها النص كان بمنزلة النسخ ~~والرفع على ما مضى وأنه في الحقيقة يبتنى على تلك المسألة فالزيادة عنده ~~بيان، وعندنا نسخ وهو من جملة ما جوز تخصيص العام بالقياس والمسألة قد مرت. # وأما التخريج على الشروط المتفق عليها بأن نقول: أما فصل الحكم المخصوص ~~بالنص فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة خزيمة وحده، وكان ~~مخصوصا به وقد اشتهر بين الصحابة بهذه الفضيلة وبدليل أن كتاب الله تعالى ~~قصر تفسير الاستشهاد الذي شرعه حجة على الشاهدين، وفسر أنهما رجلان أو رجل ~~وامرأتان فيصير قبول شهادة خزيمة، وحده مخصوصا لأن النص يرده في غيره. PageV01P281 # وكذلك حل تسع نسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قصر ~~الأمر في الأمة على الرباع. # وكذلك حل البضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغير مهر بقوله: {خالصة لك ~~من دون المؤمنين} هذه متفق عليها، وجواز النكاح بلفظ الهبة ثابت عندنا ~~استدلالا بنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعند الشافعي لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا به بقوله: ~~"خالصة لك من دون المؤمنين". # وتفسيرها عندنا: هبة خالصة لك بلا عوض، أو نفسها خالصة لك لا تحل لغيرك ~~بعدك، لأن الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تصح شرعا ms284 بما فيه ~~ضرب كرامة ولا كرامة في الاختصاص بالتكلم بلفظ دون لفظ، وإنما الكرامة في ~~أن لا يجب المهر ولا تحل هي لغيره. # وكذلك كل حكم جاز رخصة لعذر يختص به ولم يجز تعديه بالرأي كحل الميتة عند ~~الضرورة. # وجواز السلم بأجل فإنه لا يجوز تعليله لأنه بيع سلم فيجوز حالا كبيع ~~العين بدراهم لأن الأصل الثابت شرعا حرمة بيع الشيء ما لم يكن عينا مملوكا ~~مقدورا على تسليمه كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع ما ~~ليس عند الإنسان". # وكذلك بالإجماع من باع شيئا ثم اشتراه وسلم لم يجز وإنما جاز السلم وهو ~~بيع ما ليس في ملكه ولا في يده، ولا عين رخصة لعذر العدم على ما روي ورخص ~~في السلم وذلك لأن المعدم يحتاج إلى النفقة ولا يجد عينا حاضرا، وربما يكون ~~بحيث يأتيه البيع في الثاني على ما عليه عادات الناس فلو لم يجز له بيع ما ~~يأتيه لحرج وبقي في عذاب العدم فرخص الشرع له البيع سلما لعذر العدم. # ورخص بأجل لأن المعدم لا يقدر على التسليم إلا باستحداث سبب الملك فيما ~~باع، وبسبب عجزه في الحال جوز البيع سلما فأبيح بأجل ليتمكن من ملك ما باع ~~فيه على ما عليه تبدل الأحوال في الوجود باختلاف المدد فاختص الجواز بالأجل ~~الذي هو الممكن إياه من التسليم حين وجوب التسليم بالعقد ومانع للعقد من ~~إيجاب التسليم حال العدم فالعجز عن التسليم حال الوجوب بالبيع مفسد للبيع. # وكذلك المنافع جعلت أموالا كالعيان في التجارات، ولم تجعل عندنا كذلك في ~~الإتلاف والغصب وكانت ماليتها معادلة لمالية الأعيان مخصوصة بالتجارات ~~عندنا لأن PageV01P282 # الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أعراض لا ~~تبقى زمانين والأعيان جواهر تبقى أزمنة، وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث ~~لا يخفى. # وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى بينهما في التجارات لحاجة ~~الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح وتعذر وصول ~~المحتاج إلى ms285 المنفعة إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلافات ~~لأنه منهي عنها، والسبيل أن لا توجد فلم تلتحق في حق الإتلاف بالعين وكذلك ~~جواز بيع المنفعة قبل الوجود، والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا ~~يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان، فصار حكمها ~~مخصوصا بموضع الضرورة. # وأما فصل الحكم المعدول به عن القياس فنحو بقاء الصوم مع الأكل ناسيا ~~للصوم لأن الصوم عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع، فإذا جاء الأجل ~~ذهب الكف عنه فينعدم الأداء والعبادة قط لا تتأدى بلا أداء عقلا ولا شرعا ~~كتارك الصلاة والحج والزكاة بعذر أو بغير عذر فصار الحكم أنه مؤدي صومه مع ~~عدم الأداء حكما معدولا به عن القياس. # فلم يجز قياس المكره، والمخطئ عليه وهم أغيار. # ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وهن أغيار. # وجوزنا إبقاء الصوم مع الجماع ناسيا والنص لم يرد فيه لأنه من جنس الأكل ~~من حيث إذهاب الأداء فالصوم تأدية بالكف عن اقتضاء شهوتي بطنه وفرجه في ~~الحقيقة وذهاب الصوم باقتضائهما بطريق فوت الأداء الذي هو ركن العبادة ~~فكانا جنسا واحدا. # وإن اختلف الاسمان كالأكل والشرب جنس واحد في حق الإفطار، وإن اختلف ~~الاسمان وحز الرقبة وشق البطن باب واحد في أنهما قتل وإن اختلف الاسمان. # وكذلك خروج دم الاستحاضة لا يكون حدثا في الوقت لضرورة الدوام وثبت في حق ~~سلس البول لأنه من حيث أنه حدث باب واحد. # فإن قيل: وكذلك الأكل والشرب خطأ وناسيا جنس واحد في أن الآكل ما قصد ~~الفطر بأكله. # قلنا: ويجب أن يثبت أولا أن حكم الفطر يسقط من الناسي لأنه لم يقصد الفطر ~~وليس كذلك فالذي أغمي عليه ولم ينو الصوم لا يكون صائما، وما قصد ترك الصوم ~~ولما ذكرنا أن إثبات الأداء بلا أداء خلاف الرأي فلا يثبت إلا بالنص ~~والثابت بالنص ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله أطعمك ~~وسقاك" أي هو الذي ألقى النسيان عليك حتى أكلت ms286 PageV01P283 # بذلك السبب، ولم نجد في المخطئ لأن الخطأ جاء من قبل الصائم بأن قصد ~~المضمضة فسبق الماء حلقه أو من جهة المكره وما يكون مسقطا من قبل صاحب الحق ~~لا يدل على أنه يكون مسقطا من قبل غيره. # ألا ترى أنه يسقط أصلا بالمرض ولا يسقط أصلا بمنع المكره عن أصل الصوم أو ~~أصل الصلاة فصار حد ما لا يعقل سببه بالقياس أن يثبت شرعا بخلاف ما يوجبه ~~العقل في نفسه، والقياس على سائر أصول الشرع فإنه متى ثبت على قياس ما ثبت ~~شرعا صار معقولا بالرأي الذي أوجبه الشرع. # والقياس الشرعي بمثله يكون ومن هذا القبيل قياس من ذبح وترك التسمية عمدا ~~على من ترك التسمية ناسيا لأن التسمية شرط الحل. # وإنما أحللنا ذبيح من ترك ناسيا بالحديث على أنا جعلناه مسميا حكما بخلاف ~~القياس كمسألة الكل في الصوم ناسيا سواء. # ومن الناس من ظن أن المستحسنات من هذا السبيل، وليس كذلك فمن المستحسنات ~~ما هو قياس محض لكنه خفي على ما بيناه في آخر الكتاب. # ومن الناس من ظن أن الأصل الواحد إذا عارضه أصول بخلافه كان الواحد بحكمه ~~معدولا به عن القياس، وليس كذلك، لما ذكرنا أن حد المعدول عن القياس أن ~~يجيء بخلاف ما يوجبه العقل والقياس الشرعي والعقل لا يوجب أن يكون للفرع ~~أصول حتى يعلل بعد ذلك، ولا القياس الشرعي يوجب ذلك. # وهذا لأن الأصل بمنزلة راوي الحديث على ما يأتيه بيانه، والوصف الذي ~~يجعله علة بمنزلة الحديث ورواية الحديث تصح من راو واحد إلا أن الأصول إذا ~~كثرت ربما أوجبت ترجيحا عند المقابلة كالخبر يكثر رواته في مقابلة حديث يشد ~~روايته فثبت أن المعدول به عن القياس إنما يعرف بالحد الذي بيناه. # ومن جملة ذلك حديث الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان فأتاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما يكفر به فذكر حاجته إليها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "كله وأطعمه عيالك" لأن التكفير إنما يكون بما يقع عليه ms287 من ~~بدني أو مالي لا بما يقع له والله أعلم. # وأما فصل تعدي الحكم، ففصل عظيم الفقه، عزيز الوجود ومثاله فيما قال ~~الشافعي: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسا على المعقودة لأنها يمين بالله ~~تعالى مقصودة لأن التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها، وهو الكفارة ~~المشروعة بل لتعدية اسم اليمين الثابت لغة. PageV01P284 # وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين، واختلفنا في ~~الغموس أيمين حقيقة أو يمين تسمية مجازا كبيع الحر وطلاق الأجنبية فقلنا ~~نحن أنها ليست بيمين حقيقة بل هي يمين تسمية مجازا فكانت غير اليمين حقيقة ~~كبيع الحر وطلاق الأجنبية، فلا تجب كفارة اليمين بما ليس بيمين، ولم يجز ~~إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوي بالقياس الشرعي بل يجب تعرفه من طريق لسان ~~العرب، فيقال أن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعا وشرعا، فلا ~~يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق ليستحضر باليمين صدقه. # فأما الكذب الذي لا يحتمله فلا يكون محلا كالبيع لما شرع لتمليك المال لم ~~يكن الحر محلا. # وكالطلاق لما كان قطع ملك النكاح إما عاجلا وإما آجلا لم تكن المرأة التي ~~لا نكاح لها ولا عدة نكاح محلا. # وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه أبطل قياس اللواطة على الزنا في إيجاب الحد ~~لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فالتعليل يقع لإثبات الاسم، وأنه اسم لغوي ~~وكذلك لا يجوز تحريم المثل الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم ~~الخمر له بالقياس بعلة أنه مسكر لأن اسم الخمر اسم لغوي. # فإن قال قائل: أنا نثبت الاسم بمعناه لغة لا شريعة، فالزنا اسم لجماع ~~يقصد به سفح الماء دون الولد، وقد وجد في اللواطة، والخمر اسم لما يخامر العقل. # قلنا: إن الأسامي في الأصل إعلام على المسميات سواء كانت اسما للأعيان، ~~أو للأفعال فلم يجز إثباتها بمعناها القائم في المسميات، وقد وضع الاسم ~~لتعريف المسمى بعينه لا بمعناه كاسم الجبل والعظم والخنفسات، وما لا يعقل ~~لها معنى وليس إيجابنا كفارة ms288 الفطر بالجماع على الأكل إيجابا بالقياس لأن ~~تلك الكفارة ليست بكفارة جماع بل هي كفارة إفطار الأكل والشرب والجماع من ~~حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الصوم إنما يتأدى بالكف عن اقتضاء ~~الشهوتين. # والفطر بالاقتضاء يقع من حيث إعدام الكف، فكان الباب واحدا من حيث ~~الآلات. # وإنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل باب واحد بأي آلة قتل المقتول ~~إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلا. # وقلنا: إن إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه من ~~حيث اقتضاء الشهوة باب واحد لن المحل غير مشتهى طبعا، وكان بمنزلة ~~الاستمناء بالكف أو في شقاق الفخذ. # وإنما يسمى جماعا مجازا بالصورة كيمين الغموس فيكون الإيجاب به من غير ~~إثبات الاسم ساقطا. PageV01P285 # ويكون التعليل والقياس الشرعي لإثبات الاسم ساقطا بل يجب معرفته بمعنى ~~اللغة في أن اقتضاء الشهوة لا يتصور إلا بمحل مشتهى لذلك الباب، وكذلك لم ~~يوجب القطع على النباش لأنه حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم فيه ~~بمعناه لأن السرقة اسم للأخذ مسارقا عين صاحبه، وإنه لا يتصور في الكفن لأن ~~صاحبه الميت. # وسقط القياس الشرعي لإثبات الاسم ولا قطع بالإجماع بدون اسم السرقة، وهذا ~~لأن الأسماء ضربان: حقيقة ومجاز. # وسبب الحقيقة وضع الواضع وإنه لا يعرف إلا بالسماع. # وسبب المجاز استعارة العرب الاسم لاسم بطريق ثبت لسانا لهم فلا يعرف طريق ~~استعمالهم اللغة بالشريعة والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب ~~واستعمالهم. # ومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتاق أم لا ~~ولفظ التمليك هل يصلح كناية عن النكاح أم لا، وإذا قال أنت طالق ونوى ثلاثا ~~يصح أم لا؟ وإذا اختلف الشاهدان بالمال بالمائة والمائتين أتقبل على المائة أم لا؟ # لم يجز إثبات شيء منها بالقياس الشرعي لأن احتمال طالق الثلاث وعدم ~~احتماله، وصلاح اللفظ كناية عن آخر ليس بحكم شرعي بل هو لغة، فلا تعرف ~~معاني اللغة إلا بالنظر فيها دون القياس الشرعي، فهذا كله ms289 من جنس ما لا ~~يعقل بالقياس الشرعي وقد تكلموا في هذه المسائل بأقيسة شرعية وما تكلموا ~~إلا لقلة النظر فيما هم فيه. # فإن قيل: والفقهاء قد تكلموا في باب الحدود والإيمان بالقياس! # قلنا: ما تكلموا بالقياس لإيجاب حد به ولا لإثبات اسم، وإنما تكلموا ~~لبيان الشبه المسقط للحد مع تحقق أسبابها فإنها مما يسقط بالشبهات وسقوط ~~الحد ليس بحد فصحت المقايسة لتعدية السقوط من محل إلى محل آخر لاجتماعهما ~~في الشبهة. # ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل إنها تحرير في تكفير ~~فكان الإيمان شرطا فيها ثم التعدية إلى كفارة اليمين والظهار. # لأنهم بهذا التعليل يتعرضون للكفارة الواجبة باليمين والظهار نصا في أنه ~~تحرير رقبة مطلقة، أو موصوفة بالإيمان، وزيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر ~~ولما كان تعرضا للحكم الثابت نصا امتنع. # ألا ترى أنه لم يجز لجعل الإطعام إطعام ستين مسكينا، ولا الصوم ستين يوما. # ولما ذكرنا أن من شرط صحته أن نعدي حكم النص من غير تعرض للحكم الثابت ~~نصا بوجه. # وكذلك قولهم حد الزنا لا يوجب رد الشهادة بعد التوبة لأنه حد في كبيرة ~~وأثبتوا PageV01P286 # هذا الحكم في حد القذف هذا تعرض لحكم حادثة القذف الثابت نصا فإنا نقول: ~~حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وعندكم حد الجلد لا غير، والشهادة لا تقبل ~~لفسقه كفاسق لم يقذف، وأنت بهذا التعليل تريد أن تنقص حد القذف عما أوجبه ~~النص فلم يجز إثباته بالقياس بل سبيلك إن أنكرت أن تتأمل في نص هذه الحادثة ~~دون القياس. # وكذلك قولهم: كفارة الإطعام لا تصح إلا بالتمليك قياسا على الكسوة لأنه ~~ضرب تكفير يقبل التمليك لأن الاختلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير. # فقلنا نحن: إنه هو الإطعام بلا قيد التمليك. # وأنت تقول إنه واجب بهذا القيد فكان كاختلافنا في التحرير أنه تحرير رقبة ~~مطلقة أم مقيدة بالإيمان، وهذا كما لم يجز إثبات مقادير أعداد الركعات ~~بقياس بعضها على بعض. # وكذلك قولهم: إن الحرمة بين المتلاعنين تجب بلعنات الزوج من هذا القبيل ~~لأن ms290 اللعان واجب بالرمي بنصه كحد القذف، وإنها شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة ~~باللعنة محرمة للاجتماع بعد التلاعن منهما بالسنة "المتلاعنان لا يجتمعان ~~أبدا" فكان إيجاب الحرمة بلعنات الزوج زيادة في الحكم وكذلك زوال الملك بعد ~~التلاعن لا يجب إلا بالقضاء لأن الثابت بالنص: "المتلاعنان لا يجتمعان ~~أبدا" وحرمة الاجتماع مما تثبت مع قيام الملك. # كما إذا أسلم أحد الزوجين فلا نزيد زوال الملك بالقياس فيكون تعرضا لحكم ~~النص بالزيادة، بل نوجبها بعد الحرمة لفوات الإمساك بالمعروف بحرمة ~~الاجتماع أبدا إذا أصرا على هذه الحالة كما أوجبناها في إسلام أحد الزوجين، ~~وإباء الآخر فلا يكون حينئذ من الحد الواجب باللعان. # وكذلك الملاعن إذا أكذب نفسه بعد التفريق حلت المرأة له، لأن الشرع أثبت ~~حرمة الاجتماع أبدا على المتلاعنين وهو بالإكذاب نفسه خرج عن التلاعن ألا ~~ترى أنه يقام عليه الحد الأصلي، وهو حد القذف وإنه لا يجب مع اللعان. # وألا ترى أن حرمة الاجتماع أبدا ثابت باللعان قبل قضاء القاضي، ولو أكذب ~~نفسه قبل القضاء حلت له بسقوط اللعان حكما في حق الزوج وعود الأمر إلى حال ~~لعان أحدهما دون الآخر فمن أوجب بالقضاء حرمة مؤبدة مضافة إلى اللعان صار ~~متصرفا في حكم اللعان فلا يجوز بالقياس. # وظن مخالفونا أنا تعرضنا لحكم النص بقولنا إن حقوق الله تعالى المالية ~~تتأدى بالقيم، قالوا: لأن النص عين مالا باسمه وأنت بالتعليل تبطل التعيين. PageV01P287 # وكذلك جعل الأصناف السبعة مستحقين للصدقات وأنت بالتعليل أبطلت ~~الاستحقاق. # وكذلك النص عين التكبير للتحريم بالصلاة وأنت بالتعليل تبطل التعيين وعين ~~الماء لإزالة النجاسة وأنت بالتعليل تبطل التعيين لأن الاختلاف بيننا وبينه ~~وقع في معرفة حكم النص. # فقلنا نحن بالنصوص التي أوجبت الحقوق المالية لله تعالى وجبت لله تعالى ~~بأسمائها الثابتة بالنص. # ونحن بالتعليل لم نغير الواجب لله تعالى فالواجب لله تعالى شاة من النصاب ~~قبل التعليل وبعده غير أنا قلنا: ما يجب لله تعالى يجب الإخراج إليه ~~كالصلاة وحقوق سائر المستحقين ولا يجب الإخراج إلى غير المستحق إلا بسبب ~~آخر ms291 فعلمنا أن الصرف إلى الفقير وجب بأمر صاحب الحق وهو الله تعالى، فأمرنا ~~الله تعالى بالصرف إليهم بأرزاقهم التي استحقوها من عطاء الله تعالى وفضله ~~فصاروا مصارف لما وجب الله تعالى يتأدى بالصرف إليهم لا مستحقين وهم مصارف ~~بأجمعهم قبل التعليل وبعده. # وإنما حقهم في أرزاقهم بجنس المال، وتصير لهم الزكاة إذا قبضوها بحقهم. # وإذا كان كذلك صارت هذه الأموال الواجبة بأسمائها صالحة لقضاء حق الفقير ~~في رزقه بها لا أنها صارت واجبة لهم قبل الأخذ، وهي بعد التعليل صالحة كما ~~قبل ذلك فما تعرضنا بالتعليل للحكم بالتغيير بل عديناه إلى غير المنصوص عليه. # وكذلك أركان الصلاة أفعال أعضاء البدن ومن جملة الأعضاء اللسان فكان ~~الركن فعلا منه سمي ذكرا وثناء. # والتكبير كلمة صالحة لأداء هذا الحكم به وبعد التعليل بقي صالحا عينا كذلك. # وكذلك الواجب في الغسل تطهير الثوب بإزالة النجاسة عنه لا استعمال الماء ~~والماء آلة صالحة للإزالة، وبعد التعليل بقي صالحا كذلك عينا وهذا كما ~~أمرنا الشرع بالاستنجاء بثلاثة أحجار وحجر واحد له ثلاثة أحرف يقوم مقامها ~~لأن الواجب إزالة النجاسة عن الموضع لا استعمال الحجر لنفسه فلم تصر ~~الحجارة مستحقة الاستعمال بل صارت آلة بالنص وبعد التعليل بقيت آلة. # ومن هذا القبيل أنا متى اختلفنا من صوم يوم النحر أهو صوم أم لا، أو في ~~صلاة الظهر يوم الجمعة قبل الجمعة مع وجوب الجمعة وبيع الربا أهو مشروع أم ~~لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس الشرعي لأن الخلاف ثابت في معرفة حكم النهي ~~أنه بأي قدر يعمل. # والنهي لغة كالأمر فلا يعرف حكمه بالقياس الشرعي. PageV01P288 # وكذلك إذا اختلفنا في حكم النكاح المملوك للرجل على المرأة أنه في حكم ~~ملك العين أو المنفعة لم يجز إثباته بالقياس لأنه ملك عرف ثبوته شرعا بخلاف ~~القياس لأن المرأة بعينها وأجزائها، ومنافعها لها بعد العقد كما كانت قبله ~~فكان إثبات الملك عليها من غير إمكان الإشارة إلى شيء منها شرعا حكم معدول ~~به عن القياس فلا يعرف بالقياس على ملك ms292 ثابت بالقياس لأنهما غيران، وكان ~~بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة من إباحة الذكية ولكن يجب التأمل في ~~الدليل الذي أوجبه. # ولأن من شرطه أن يكون الفرع نظيرا للأصل في الحكم الذي وقع التعليل له. # والنكاح عقد تمليك لا نظير له من سائر التمليكات لأن سائره ما شرعت إلا ~~في الأموال التي خلقت محلا لملك الآدمي، وهذه شرعت في الحرة التي خلقت ~~مالكة لا محلا للملك ولا تباين في حكم الملك أكثر من أن يكون أحدهما محلا ~~للملك والآخر لا. # وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن أنه يد تثبت للمرتهن في حكم يد الاستيفاء ~~الحقيقي أو حق بيع بالدين. # واليد شرط لتتميم السبب عاملا، كاليد في الهبة بها يتم. # وحكمها إيجاب الملك للموهوب له صلة لم يجز إثباته بالقياس لأن العقود ~~ليست بنظائر. # وكل عقد شرع أو وضع لمقصود على حدة شرعا ولغة فلا يعرف حكمه بالقياس على ~~غيره بل بالتأمل فيه كما لا تعرف معاني اللغة بالقياس الشرعي والتأمل يوجب ~~ما قلناه. # لأنه شرع وثيقة لما لصاحب الدين من حق الاستيفاء دون تأكيد الوجوب لأن ~~الوجوب يختص بالذمم. # والاستيفاء بالمال وهو مشروع في المال الصالح للاستيفاء من ماليته ومعناه ~~فعلم أنه مشروع وثيقة لجانب الاستيفاء. # والاستيفاء مخصوص ثبوته باليد فيزداد بالوثيقة اليد التي تثبت بها ~~الحقيقة لتصير الحقيقة موثقة بما ازداد كالكفالة لما كانت وثيقة لجانب ~~الوجوب ازداد بها شغل ذمة هو في حكم الذمة الأصلية بالمطالبة التي يتوصل ~~بها إلى الواجب في الذمة الأصلية من غير تغير وقع في الأصل فكذلك هذا. # ومنها قولهم: المعتدة عن طلاق بائن لا يلحقها الطلاق لأنها بائنة فأشبهت ~~المنقضية عدتها لأن الخلاف بيننا وبينهم في أنها هل تبقى محلا للطلاق ~~بالعدة عن النكاح أم لا وقد PageV01P289 # عدمت العلة في الأصل المعلل. # وكذلك قولهم: إن إسلام المروي في المروي جائز لأنهما ثوبان فصار كالمروي ~~في الهروي. # لأن الخلاف بيننا وبينهم في أن الجنس علة لتحريم النساء أم لا وقد عدم في ~~الأصل المعلول وكان ms293 التعليل لغير ما وقع فيه الخلاف ولأن النافي منكر أن ~~يكون ما ادعاه المدعي مشروعا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا ليمكن إثباته ~~بالقياس. # وكذلك قولهم: الطلاق البائن لا يقطع الرجعة قياسا على الطلاق المطلق لأنه ~~طلاق بلا عوض لأن الخلاف بيننا وبينهم أن صفة الإبانة مملوكة للرجل بالنكاح أم لا؟ # عندنا: مملوكة صفة للطلاق. # وعندهم: لا، وهذا الحكم وهو أنه غير مملوك له غير ثابت في الأصل ليصح ~~التعليل لتعديته إلى الفرع بل إنما لم تنقطع الرجعة في الأصل لأنه سكت عن ~~الإبانة القاطعة لا لأنه لم يملكها. # وكذلك الإجارة لا يجوز قياسها على البيع في إيجاب ملك المنفعة للحال لأن ~~محل الملك قائم في البيع قابل للملك فلم يتأخر عنه، والمحل في باب الإجارة ~~معدوم غير متصور ملكه قبل وجوده. # ومنها ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدت في الفرع ~~نصا يمكنك العمل به من غير أن تقيسه على أصل آخر كان القياس فاسدا لعدم ~~شرطه على ما مر، وقد مرت لها أمثلة ونزيدها ههنا إيضاحا. # فنقول: لا يجوز قياس القتل عمدا على القتل خطأ في إيجاب الكفارة لأن كل ~~حادثة منصوص عليها. # ولا قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلم في دارنا في ~~إيجاب ضمان الدية لأن كل حادثة منصوص عليها. # ولم نستجز قياس المحصر على المتمتع في إيجاب الصوم بدلا عن الهدي عند ~~العدم، لأن كل حادثة منصوص عليها ولم نستجز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى ~~على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر في إيجاب المتعة لأن كل حادثة منصوص ~~عليها، إلى أمثلة كثيرة لئلا يلتبس الطريق على المتأمل. # وأما الفصل الرابع: فمثاله، ما قلنا إن الماء إنما طهر الثوب النجس لأنه ~~مزيل لما هو نجاسة جاورت الثوب. # والخل بمنزلته فتعدى الحكم إليه وهو إيجاب الطهارة. PageV01P290 # ثم قلنا إن الماء طهور لأعضاء المحدث في حق الصلاة دون الخل، لأن هذه ~~الطهارة لم تجب بإزالة النجاسة بل ms294 وجب باسم الماء عرف طهورا في حقها بالنص ~~فلم تتعد إلى الخل. # وتعليلنا بالإزالة لم يوجب قصر الحكم على العلة في النص بل وجب الحكم ~~بالطهارة باستعمال الماء بالماء المنصوص عليه كما قبل التعليل، ووجب في ~~الفرع بالعلة ليعلم أن التعليل ليس إلا لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، ~~وإنه لغو اعتباره مع النص سواء كان النص في الفرع أو الأصل المعلول. # فإن قيل: أليس عللتم خبر الربا بالكيل وخصصتم به القليل، والنص جاء باسم ~~الحنطة بالحنطة من غير تخصيص. # قلنا: إن النص جاء بالحنطة هي مثل بمثل كيل بكيل لا بحنطة مطلقة لأن ~~قوله: "كيل بكيل" تفسير لما ذكرنا من الحنطة بالحنطة، ولا يتصف بالكيل ~~القليل، وكثير من الإشكالات تزول بمحافظة ما قلنا: إن النص وإن علل بعلة ~~صحيحة فالحكم في الأصل المعلول لا يجب بالعلة بل بالنص كما قبل العلة فيثبت ~~مع انعدامها باسم النص على ما بينا فلا يكون ذلك قدحا في العلة لجواز بقاء ~~حكم العلة مع انعدامها بعلة أخرى، فكذلك جاز بقيام النص. # بل الممتنع الفاسد ما قاله الشافعي أن خبر الربا معلول بالطعم، والربا في ~~النص ففضل ذات بقدر الكيل لأنه قال صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة ~~مثل بمثل كيل بكيل والفضل ربا" والفضل بعد المساواة كيلا بكيل لا يكون إلا ~~بفضل أحدهما على الآخر بكيله أو نقصانه عنه وبعلة الطعم يحرم فضل من حيث ~~أجزاء الذات والصورة لأنه يتعدى إلى ما لا يكال فلا يتصور فيه فضل ذات بقدر الكيل. # وما روي أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا سواء بسواء تحريم يسقط ~~بالتسوية بينهما والتسوية بين الشيئين إنما يكون بالتصرف في أحدهما لأن ~~المفاضلة بين الشيئين في قدر الكثرة لا تكون إلا بزيادة أحدهما على الآخر. # فالتسوية لا تقع إلا برفع تلك المفاضلة، وذلك بنقص الزائد أو زيادة ~~الناقص فصار الحكم وهو الحرمة حرمة تزول بالتصرف في أحد العوضين بنقصان أو ~~زيادة، وهو بالتعليل بالطعم يعدي حرمة إلى فروع لا ms295 تزول بالتصرف في أحدهما ~~فلم يعد حكم النص بعينه بل غير وصفه وأنه فاسد بلا خلاف فثبت أن النظر في ~~شروطه صحة التعليل وخاصة في الحكم باب عزيز الوجود كثير الفقه وإن من وفق ~~للنظر في هذه الشروط وسبر العلل بها وجد أكثر علل الأحداث هباء، والله ~~أعلم. PageV01P291 # باب ### | AUTO القول في ركن العلة # ركن العلة: ما جعل علما على حكم النص من جملة ما اشتمل عليه اسم النص، ~~وجعل الفرع نظيرا له في حكمه بوجوده فيه كما وجد في الأصل. # لأن العلة به تقوم فكان ركنا. # وإنه يجوز أن يكون وصفا لازما أو عارضا أو اسما أو حكما. # ويجوز أن يكون عددا واحدا أو عددين وأعدادا لا تعمل حتى ينضم البعض إلى البعض. # ويجوز أن تكون العلة في النص وفي غيره، وذلك لأن العلة إنما تصير علة ~~بدلالة أثرها في الحكم على ما نبين، والتأثير متى ثبت لضرب من هذه الضروب ~~كان علة ويجب العمل بها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: "إنه ~~دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة" فقوله إنه دم عرق انفجر تعليل، والدم اسم ~~علم وانفجر صفة عارضة، وقال للتي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان ~~على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: نعم. فقال: فدين الله أحق" علل ~~بحكم آخر لحكم سئل عنه لأن قولنا دين عبارة عن ثابت في الذمة وذلك بالوجوب ~~وإنه حكم. # وقال علماؤنا: بيع المدبر باطل، لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى فأشبه أم ~~الولد والتعلق حكم. # وقالوا: الزكاة تجب في الحلي لأن الذهب والفضة أثمان وله وصف لازم لا ~~عارض لأنهما لم يخلقا إلا أثمانا. وأما قولنا بجواز أن يكون في النص فظاهر ~~لأن النص هو المعلول. # وأما قولنا: يجوز أن يكون في غيره فنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فالرخصة معلولة ~~بإعدام العاقد وإنه غير مذكور في الرخصة، ونهى عن ms296 بيع الغرر لعجز البائع عن ~~تسليمه أو جهالة المبيع ولا ذكر لهما، وقال: "لا تنكح الأمة على الحرة". PageV01P292 # وعلل الشافعي لتحريم نكاح الأمة على الحرة بتعريض الحر جزءا منه للرق على ~~غنية، ولا ذكر للزوج وهذا لأنه لا بد للنكاح من الزوج وللبيع من البائع ~~والمبيع، فصار ما لا بد منه كالمذكور فيه فصح التعليل بمعنى فيما ثبت مقتضى ~~به كما صح بمعنى في النص وكذلك النهي عن صوم يوم النحر معلول بدعوة الله ~~العباد إلى الفطر بقرابينه، وكذلك كل أمر أو نهي جاء لمعنى في غيره كان ~~معلولا بمعنى في الغير لا في المذكور نفسه، والله أعلم. PageV01P293 # باب ### | AUTO القول في حكم العلة # قال القاضي رضي الله عنه: هذا باب سهل على القلوب علمه، صعب استعماله ~~لشدة ما ثبت من عادات المناظرين بخلافه، ليروض مريده قلبه بالصرف عن العادة ~~إلى الحجة ثم يستعمله، وما التوفيق إلا بالله. # اختلف العلماء في العبارة عن حكم العلة التي نسميها قياسا، أو نسميها ~~معلومة بالنظر والرأي؟ # وقال علماؤنا: حكم هذه العلة تعدية حكم النص المعلل إلى فرع، ولا نص فيه، ~~ولا إجماع، ولا دليل فوق الرأي. # وقال قائلون: حكم العلة؛ تعلق حكم النص بالوصف الذي تبين علة. # وإنما يتبين هذا الجواب بقول علمائنا: إن العلة متى لم تكن متعدية كانت ~~فاسدة، ومتى تعدت إلى فرع منصوص عليه كانت باطلة أيضا، وقد مر فصل الفرع ~~المنصوص عليه، وإنما هذا الباب لبيان نفس حكم العلة الصحيحة. # فأما الذين قالوا: إن حكم العلة هو تعلق الحكم بها، فقد شبهوا هذه العلة ~~بالعلل العقلية، فإنها لا تعرف عللا إلا بتعلق وجود أحكامها بها. # وكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن صاحب الشريعة فالأحكام تصير ~~متعلقة بها. # وكذلك أسباب وجود العبادات والكفارات والعقوبات ونحوها علل شرعية للوجوب ~~وقد تعلقت بها. # والجواب عنه وهو الطريق في الباب: ما ذكرنا أن هذه العلة التي نحن فيها ~~صحتها منوطة بشرط أن تكون بعد النص على ما قال النبي صلى الله عليه ms297 وسلم، ~~فإن لم تجد في سنة رسول الله فبالرأي على ما مر في باب إثبات القياس، ~~وبالإجماع يجب عليه طلب الحكم بكتاب الله تعالى ثم بالخبر ثم بالرأي، وكذلك ~~ثبت بالإجماع على ما مر في الباب الأول أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغيير ~~حكم النص في نفسه. # وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان مضافا وجوبه إلى ~~النص دون العلة، فإنك متى قصرت الإضافة إلى العلة كنت غيرت حكم النص عما ~~كان PageV01P294 # قبل التعليل، وأخرجت سائر أوصافه عن تعلق الحكم بها، وكما لم يجز أن يخرج ~~بالتعليل بعض المحال التي تناولها النص عن حكم الجملة لم يجز كذلك في حق ~~الأوصاف. # ولأن هذه العلة لما لم تشرع علة إلا بعد النص صار لغوا مع النص، وإذا صار ~~لغوا لم يجز التعليق بها كما إذا عارضها نص آخر مخالف لم يجز اعتبارها حجة ~~معارضة بل سقطت، وتبين لنا أنها ليست بحجة وإنما تظهر حجة في الفرع، ولن ~~يوجد فيه حكم الأصل إلا بالتعدية إليه فصار حكم العلة التعدية لا غير، ~~ونظيره من العقود الحوالة ما لها حكم تعلق وجوب الدين بها بل التحويل عن ~~ذمة إلى ذمة لأنها لا توجب أصل الدين بل تنقل من ذمة إلى ذمة، ولأنا ذكرنا ~~أن العلة اسم لما يتغير به حكم الحال، والذي يتغير من حكم النص بالتعليل ~~بأن كان الحكم مقصورا عليه فتعدى بالتعليل. # وإذا ثبت هذا علمت بفساد ثلاثة أرباع المقاييس جملة بل حجة لكل فرع على ~~حدة، ولا لكل قياس، وسقط عنك أعباء حفظها وفهمها والعمل بها. # وبيان ذلك أن جملة أقسام ما يختلف فيها الفقهاء ويتناظرون فيها من ~~الشرعيات أربعة أنواع: # الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟ # أو في شرط العلة أو صفته؟ # أو في حكم من الأحكام أو صفته؟ # أو في حكم مشروع معلوم بوصفه بلا منازعة في محل هل هو مقصود عليه أو هو ~~متعدي عنه إلى غيره؟ # والقياس ms298 لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير ~~التعدية، والتعدية لا تتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما عدا هذا ~~القسم لانعدام حكمه، ولأنه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن ~~التعدية فيما ليس بموجود لا يمكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو. # ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب للحكم أو شرطه، أو نفس الحكم فقد وقع ~~الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن؟ لأنا أجمعنا أنه ليس إلينا نصب ~~الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصب أسبابها وفي نصب الأسباب نصب ~~للأحكام، ولا شروطها، ففي نصب الشروط المانعة رفع للأحكام، وإذا لم يكن ~~إلينا ذلك بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل للنصب، لأن الآخر منكر أن ~~تكون هي مشروعة، وبطل تعليل منكريها لأنهم يقولون هي لم تشرع أصلا إذا ~~أنكروا الثبوت. PageV01P295 # وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا ليمكن إثباتها بالقياس. # وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت فكذلك لأن النسخ لا يثبت بالقياس، فإذا ~~عرفت هذه الجملة عقدا خرجت على كل قسم ما يخرج عليه مما غلط غير المتأملين فيه. # أما القسم الموجب: فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده أهو علة محرمة للبيع ~~نسيئة أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس، بل يجب على مدعيها ~~إقامة الدلالة على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه، ~~على ما مر أن الثابت بها ثابت بالنص لا بالقياس، وعلى المنكر الامتناع عنه ~~لعدم دليل الصحة. # كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عملا زائدا على الخمس، وأنكره آخر لم ~~يكن على المنكر إلا التمسك بعدم قيام الدليل، ولزم المدعي إقامة الدليل سوى ~~القياس وكان بمنزلة من يدعي أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكر الآخر. # وكذلك إذا اختلفنا أن السفر أهو سبب مسقط لشطر الصلاة بنفسه أو لا؟ لم ~~يستقم التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا لزمه إثباته وإنما يظهر ~~الفقه في مثل هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم، ms299 لأنه لا يمكنه إفسادها إلا ~~بفقه طرق الأدلة حتى علم بها أن هذه الأدلة جائزة وليست بعادلة، وكذلك إذا ~~اختلفت في الخف هل هو سبب مانع من سريان الحدث إلى القدم؟ لم يصح الكلام ~~فيه بالمقايسة نفيا ولا إثباتا. # وكذلك إذا اختلف في الحربي يسلم، أهو سبب موجب لجعل نفسه وماله مضمونين ~~قبل الإحراز بالدار أم لا؟ لم يعرف بالقياس. # وكذلك إذا اختلفنا في أن العقل قبل الشرع أهو حجة قاطعة لعذر الكفار أم ~~لا؟. وخبر الواحد أهو حجة يجب العمل به أم لا؟ # والقياس أهو حجة يجب العمل به في الأحكام الشرعية أم لا؟ # وأما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي هو سبب الزكاة، أهو سبب بصفة ~~النماء أم دونها؟ # واليمين بالله سبب للكفارة بصفة أنها مقصودة أم معقودة؟ # وقتل النفس بغير حق سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها أم بصفة الإباحة مع ~~الحرمة؟ # والإفطار سبب لكفارة باسم الجماع، أم باسم اقتضاء إحدى الشهوتين؟ # وهذا لأن وصف الشيء منه، فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه ~~كذلك من قبيل ما يثبت به. # وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح لا يثبت بالقياس أنهم شرط ~~أم لا؟ وكذلك الولي. PageV01P296 # فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا، لأنا وجدنا الثبوت ~~حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فيصح القياس لتعديته إلى ~~المرأة. # وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية شرط أم لا؟ لم يجز التكلم فيه ~~بالقياس، وكذلك إذا قلنا شرط نفوذ الطلاق على المرأة من جانبها النكاح أو ~~العدة عنه. # وقال خصمنا: العدة ليست بشرط النفوذ وبها وحدها لا تصير محلا، وكذلك إذا ~~اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ ~~والتبديل كالزكاة والصلاة والكفارات ولزوم الإحرام، وكذلك وجوب العقوبات ~~كحرمان الإرث بالقتل والحدود؟ لم يكن للقياس فيه مدخلا، وكذلك إذا اختلفنا ~~في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ من أصل الدين ms300 أم لا؟ # فإن قيل: أليس اختلفنا في بيع الطعام بالطعام إن القبض في المجلس شرط أم ~~لا، وتكلمتم فيها بالقياس؟ # قلنا: البقاء على الصحة بلا شرط قبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من ~~البيوع، وهو بيع العبد بدراهم وكل ما عدا الطعام بالطعام من السلع، فيصح ~~التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنعنا عنه نص بخلافه، فيجب ~~على مدعي الفساد بمعارضة النص إقامته. # ومتى أمكن المعلل في ما مضى من الأمثلة أن يبين لقياسه مثل هذا المحل صح، ~~فإنا ما أنكرنا الصحة إلا لتعليله لنفي ما لم يشرع أو إثباته. # ومن أنكر شرط الشهود في النكاح لا يجد جوازه بدونه إلا في نكاح أهل الذمة. # لأن أحكام شرعنا لا تلزمهم إلا ما يدينون بها أو استثني عليهم، فلم يستقم ~~القياس عليهم، والمسلمون يلزمهم أحكام الشرع. # وكذلك من أنكر التسمية في الزكاة لم يجد حل الزكاة بدونها إلا إذا تركه ناسيا. # على هذا الأصل القياس صحيح بصورته لكنا لم نقبل، لأنا أحللنا زكاة التارك ~~ناسيا بناء على أنه في حكم المسمى بدلالة النص، كما نجوز صوم الآكل ناسيا، ~~بناء على أنه في حكم من لم يأكل، بخلاف القياس بدلالة النص. # ثم لا يجوز القياس عليه إذا ترك عمدا، لأنه معدول به عن القياس، وبمثل ~~هذا يظهر الفقه في بيان طرق القياس. # وأما صفة الشرط: فكشهود النكاح أنهم رجال، أو نساء ورجال، وصفة الطهارة ~~للصلاة أمرتبة أم غير مرتبة؟ ما يصح إثباتها من الشروط. أو نفيها بالقياس، ~~وإنما يصح تعريفها بالنظر في النصوص الموجبة للشرط، وإلى ما خص منها بزيادة ~~وتكون المقايسة PageV01P297 # بعد ذلك لمعرفة حادثة اختلف فيها أنها في العموم أو الخصوص. # وأما الحكم: فنحو اختلافنا في الركعة الواحدة أمشروعة صلاة أم لا؟. # والأربع مشروعة على المسافر أم لا؟ والسمح بالخف مشروع أم لا؟. # وكذلك بالعمامة؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟. # والقراء تسقط بالاقتداء أم لا؟. # والصوم يسقط بالجنون أم لا؟. # وإنما يتكلم في مثل هذه المسائل ms301 بالنص وبدليله على ما ذكرنا. # فإن قيل: اختلافنا في صوم يوم النحر أمشروع أم لا؟ وتكلمتم فيه بالقياس! # قلنا: لا كذلك، فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم مشروعا ثابت أصلا، ووقع ~~الاختلاف في انتساخه بصفة أنه يوم عيد فأنكرناه، لا أنا أثبتنا كون اليوم ~~سببا بالقياس. # وأما وصف الحكم: فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة في الشفع الثاني ~~واختلفنا أنها فرض أم لا؟ وأنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا؟ ~~واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه ~~يملكه مباحا، والكراهة بعارض أو يملكه مكروها، والإباحة بعارض وهو مذهبنا ~~على ما بيناه في موضعه. # وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه عندنا، وعنده لا يملك، لا يعرف ~~بالقياس فإنا لا نجده بعينه أصلا آخر لنعديه إلى الفرع. # وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة ~~أو مشترك بين الزوجين؟ لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لنعديه ~~إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص. # وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" إنه فضل ذات ~~الحنطة أو فضل كيل؟ لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا، ولا جاز الاشتغال بعلة ~~الحكم قبل إثبات الحكم على الخصم إذا أنكره. # وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم ~~إليه أنه في حكم يد الاستيفاء الذي يتم بالتسليم إليه، أم هو حق بيع بالدين ~~إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد. # وحكمه وقوع الملك للموهوب له لم يجز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم ~~الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس. # وكذلك النفي لأن الانتفاء من حيث لم يكن لا يكن حكما شرعيا يمكن تعديته ~~إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا. PageV01P298 # وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية؟ لم يكن للقياس فيه ~~مدخل لأنا لا نجده في غيره لنعديه إليه. # وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق ms302 بعد الدخول؟ لأنا اختلفنا ~~فيه لاختلافنا في المتعة بأصله على وحشة الفراق، أم عوض عن ملك النكاح؟ ~~واجب بالعقد مقام المهر الساقط بالطلاق، لا يمكن إثباته بالقياس. # وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت ابتداء إلا بالشرع فلا يمكن ~~معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر في المنصوص، حسب المعاني التي تثبت ~~بالأسامي الغريبة لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم. # وأما القسم الرابع: فنحو قولنا: إن المسح في الوضوء لا يسن تثليثه لأنه ~~مسح قياسا على مسح الخف لأنل وجدنا مسحا في الوضوء، وله فرض وسنة ووجدنا ~~حكم إقامة سنته بإفراده لا بتثليثه فعديناه إلى الفرع. # وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليث وظيفته قياسا على ~~الوجه، فكان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر. # وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين، فيتأدى بنية مطلق الصوم كالنفل في غير ~~رمضان، وقولهم: إنه صوم فرض فيشترط عليه نية الفرض قياسا على القضاء. # وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه ~~الزكاة كالمكاتب، والذي له دار يسكنها تساوي كثيرا، وقوله: إن ملكه كامل ~~فيلزمه الزكاة كغير المديون. # فإن قيل: إنا نقول في النكاح أنه عقد معاملة فيصح بلا شهود كالبيع، كان ~~هذا فاسدا بطريق آخر لأنا نقول: من حيث أنه عقد معاملة لا يفسد عندنا بعدم ~~الشهود، وإنما فسد من حيث أنه عقد لم يشرع إلا للتناسل فخص بالشهود. # فالشهود ثبت عندنا شرعا لهذا الوصف الخاص إظهارا لكرامة بني آدم، ولا نجد ~~جوازا مع هذا الوصف بدون الشهود لتعدي ذلك الجواز إلى ما ها هنا بالمعلل في ~~أمثالها. # أما أن ينقطع بوضعه العلة في غير محلها أو يميل إلى محلها بأن وجده فتقوم ~~المناظرة ببيان الصحة والفساد بطريق آخر، والله أعلم. PageV01P299 # باب ### | AUTO القول في أسماء لا بد للقائس منها # نحو أسماء الأدوات # لكل صناعة وأسماء السنجات والميزان للوزن # قال القاضي رضي الله عنه: لا بد للقياس من أصول تعلل، وهي شهود الله ms303 ~~تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها. # ولا بد من معنى جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة. # ولا بد من قائس، وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه بشهادة، وهو المعنى ~~الجامع بين الأصل والفرع. # ولا بد من حكم يثبت لديه فيحكم به وهو القلب. # ولا بد من مشهود به وهو الحكم المطلوب. # ولا بد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات من حرية وعقل ~~وبلوغ، فكذلك الأصل يجب أن يكون صالحا للتعليل. # ولا بد من اعتبار الوصف صالحا كما يعتبر لفظ الشاهد. # ولا بد من اعتبار العدالة كما في الشاهد فلا بد من مشهود عليه وهو البدن، ~~فاللسان يلزمه الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به، هذا إذا ~~حاج نفسه، فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثال المتخاصمين في حقوق ~~الناس، والمجيب بمنزلة المدعي، والسائل بمنزلة المنكر. # والقياس شهادة، والأصل شاهد والمجيب مستشهد، والحكم مشهود به، والسائل ~~بلسانه وبدنه مشهود عليه، والقلب منه حاكم عليه، وتأثير الوصف عدالة ظاهرة ~~فهذه جملة لا بد للقياس منها. # وقد خالفنا الشافعي في بعضها على ما نذكر في تفاصيل هذه الجملة إن شاء ~~الله عز وجل. PageV01P300 # باب ### | AUTO القول في الأصول في أنها معلولة أم غير معلولة # قال بعض مثبتي القياس: الأصول ليست بمعلولة في الأصل إلا بدليل. # وقال بعضهم: هي معلولة بكل وصف منها واجب العمل به إلا بدليل. # وقال الشافعي: على ما دلت عليه مسائله، ولست أحققه مذهبا له: إن الأصول ~~معلولة، ولكن لا يجب العمل بما جعل علة إلا بدليل يميز بينها وبين غيرها. # وقال علماؤنا كذلك وزادوا فقالوا: لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على ~~كون الأصل شاهدا للحال. # فأما الأولون فاحتجوا بأن الأصول هي النصوص، والنص حجة يجب العمل بها على ~~موجب اللغة في الأصل، فلا يجب العدول عنه إلى العلل الشرعية التي لا تنبئ ~~عنها اللغة إلا بدليل. # وكان ذلك بمنزلة ترك الحقيقة إلى مجازه بل أبعد، لأن المجاز أحد أنواع ~~اللسان وهذا لا يعرف ms304 لسانا بحال. # ولأن التعليل ببعض الأوصاف بعد ظهور الحكم عقيب الكل تخصيص فلا يثبت إلا بدليل. # ولئن سلمنا أن كل وصف يجوز علة فلا يثبت الترجيح للبعض على البعض إلا ~~بدليل إذ كل وصف، وإن صلح علة احتمل أن لا يكون علة فلا يصير علة مع ~~الاحتمال. # وأما الفريق الثاني فقالوا: إن الدلائل التي جعلت القياس على النص حجة ~~جعلت النص معلولا في أصله لأنه لا قياس إلا بعلة، وجعلت كل وصف علة لأن ~~القياس لا يتصور بكل الأوصاف، فصار كل وصف علة إلا بمانع، وهذا كما أن ~~دلائل الشرع جعلت الأخبار حجة، وإنما تثبت بالرواة ولا يمكن شرط الكل لأنه ~~يتعذر، فصار كل واحد بروايته حجة إلا بمانع. # فأما الجواب عن قولهم أن في التعليل تركا لحقيقة النص، فلا كذلك لما مر ~~أن من شرط صحة التعليل بالرأي أن يبقى حكم الأصل فيه، كما كان قبل التعليل ~~معمولا به في النص بنصه لا بالعلة، ولما صار كل وصف علة بانفراده لم يترجح ~~واحد إلا بدليل، وإنما لم نجعل كل الأوصاف علة لأنها لا تتعدى حينئذ فلا ~~يمكن المقايسة لها. PageV01P301 # وأما الاحتمال فنعم ثابت، ولكن لما ثبت الوصف علة بدلائل صحة القياس لم ~~يبطل بالاحتمال كما لا يثبت ابتداء بالاحتمال. # وأما الفريق الثالث: فيقول إن الدلائل الموجبة للقياس على النص جعلت النص ~~معلولا ليمكن القياس، ولا قياس إلا بتعليل، والإمكان يثبت بوصف من الجملة ~~فلا يجب بتلك الدلائل أن يجعل كل وصف علة بل صار البعض من الجملة علة. # واحتمل الزيادة على الواحد، فلا تثبت الزيادة على الواحد إلا بدليل. # وهذا الواحد مجهول من بين الجملة فلا يمكن العمل به حتى يمتاز عن الكل، ~~ولا يثبت الامتياز إلا بدليل. # وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة ~~عن غيره كما قال الشافعي رحمه الله. # وسنذكر شرح ذلك في باب: صيرورة الوصف علة يجب العمل بها بعد هذا الباب. # وقبل هذا الدليل نحتاج إلى ms305 دليل يدل على كون الأصل شاهدا يعمل بشهادته، ~~لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل ~~واحد بعينه من الجملة أن لا يكون معلولا فبالإجماع نصوص من بين النصوص غير ~~معلولة، فلم يخرج في نفسه من أن يكون شاهدا بالاحتمال بعدما صار الأصل ~~للشهادة. # ولكن لا يبقى حجة على غيره، وهو الفرع مع قيام الاحتمال حتى يقوم دليل ~~يدل على كونه شاهدا للحال كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته. # وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه بكونه حرا في الأصل، إلا بدليل ~~يوجب حريته للحال في حقه لأنه احتمل التغيير بعارض، فلم تبطل حريته في نفسه ~~بالاحتمال، ولم يبق حجة على غيره مع الاحتمال على ما بينا في باب استصحاب ~~الحال؛ أن الاستشهاد بأصل ثابت احتمل التغير لا يكون حجة ملزمة، وإنما يكون ~~حجة دافعة. # فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قدوة أمته فيما كان له وعليه، ~~وقد احتمل أن يكون مخصوصا كما ظهر في أحكام، ومع ذلك كان حجة على غيره؟ # قلنا: إن الحجة لوجوب الاقتداء به كونه نبيا، وما اختلف الحال في كونه ~~مقتدى به، والخصوص من ثبت بدليله في بعض أفعاله وأحكامه فيبقى في الباقي ~~على عمومه كالنص العام إذا خص منه شيء ولم ينسخ ولا احتمله، فإن الباقي ~~يبقى على عمومه فأما فيما نحن فيه فالنص المعلول هو الشاهد بعلته فاحتمل في ~~نفسه أن لا يكون معلولا بعارض كالشاهد هو الحجة بشهادته، فاحتمل أن لا يكون ~~حجة بعارض رق فيصير احتمالا في نفس ما هو حجة، وفي الفصل الأول كان ~~الاحتمال في العمل بما ثبت حجة. PageV01P302 # ومثال ذلك: أنا متى عللنا حرمة الفضل من الذهب بالذهب بكونه موزونا. # وقيل لنا: أنه مخصوص بعلة الثمنية، ومعدو لبه عن سنن قياس غيره عليه ~~احتجنا نحن إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل موجب له غير الدلائل ~~المصححة للقياس. # فنقول: إن كون الذهب ثمنا ليس بمسقط صفة أنه معلول بعلة ms306 يتعدى حكمه إلى ~~غيره، ولا بموجب له صفة الخصوص بحكمه، ألا ترى أن من حكمه وجوب القبض في ~~المجلس، وقد تعدى هذا الحكم إلى عقد السلم. # وكل عقد بيع كان دينا بدين بعلة الدينية فكذا لا تصير الثمنية مانعة مما ~~نحن فيه، وصحت التعدي بعلة الوزنية، وهذا كالشاهد يطعن فيه بجهل فلا يكون ~~طعنا لأن الجهل لا يسقط ولايته، والشهادة من جملة الولاية، وإنما يكون طعنا ~~ذكر الشاهد بوصف مسقط للولاية كالصبا والرق والكفر في حق المسلم ونحوها، ~~فكذلك ههنا. # إنما يكون طعنا إذا أشير إلى وصف مانع من ولاية الشهادة بحكم الفرع جملة. # فأما إذا وجدناه مع الوصف الذي طعن به شاهدا في موضع فيعلم أن ذلك الوصف ~~ليس بطعن، ولا هو بمبطل عليه صفة الشهادة فمرة ثبتت صفة الشهادة للشاهد ~~بسبب ثبوت الولاية من الأسباب الموجبة للحرية، ومرة بحكم شهادته فإذا ~~وجدناها مقبولة في حادثة على وجه الصحة صارت حجة. # فكذلك الأصل إنما يصير من جملة ما يعمل بعلته إذا وجدناه عمل به في ~~حادثة، أو وجدناه من النبي صلى الله عليه وسلم نصا على كونه معلولا بعينه، ~~أو دليلا من النص مما يثبت به الأحكام من استدلال ونحوه، والله أعلم. PageV01P303 # باب ### | AUTO القول في الوصف وثبوته علة يجب العمل بها # قالت الحشوية من جملة هذا القياس: كل وصف وجد الحكم معه حجة يجب العمل به ~~إلا بمانع. # وقال بعضهم: لا يجب العمل به، ولا يصير حجة إلا بدوران الحكم معه وجودا ~~وعدما، والنص قائم في الحالين ولا حكم له. # وقال بعضهم: بدوران الحكم معه وجودا وعدما لا غير وشرط قيام النص، ولا ~~حكم له شرط مفسد للقياس. # وقال جمهور العلماء: عدم الحكم عند عدم العلة لا يدل على الصحة، والوجود ~~عند العدم لا يدل على الفساد ولا يجب العمل بهذا الدليل، ولكن بدليل يدل ~~على صلاحه علة ثم عدالته، وعدم ما يرفعه. # ثم اختلفوا في تفسير الصلاح؟ # قال بعض مشايخ الشافعي رحمه الله: تفسير الصلاح أن يكون ms307 مخيلا. # وقال بعضهم: أن يكون ملائما غير ناب، وتفسير الملائمة: أن يكون على ~~موافقة ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # ثم العدالة بالعرض على الأصول، فإن لم يرده أصل ناقض صار معدلا ثم يوقف ~~عن العمل به احتياطا، ويعرض على الأصول فإن لم يرده أصل معارضا عمل به حينئذ. # وقال بعضهم: العرض على الأصول احتياط، والعمل به صحيح قبل العرض، والنقض ~~جرح والمعارضة دفع. # وقال علماؤنا: ما لم يقم الدليل على أن الوصف الملائم لا يقبل التعليل ~~به، ولا يلتفت إليه، وإذا صار ملائما بدليل لم يعمل به إلا العدالة، وذلك ~~بكونه مؤثرا في ذلك الحكم هذا هو الواجب، وإن عمل به قبل التأثير صح. # وأما قبل الملائمة فلا يصح العمل به كالشاهد إذا شهد لم تقبل حتى يأتي ~~بلفظة أشهد أو بما يماثله بلغة أخرى، ولا يصح العمل به قبل ذلك وإن عمل به ~~قاض، وإذا جاء بلفظة أشهد لم يجب العمل به حتى يعدل، وإن عمل به صح ونفذ ~~إذا كان مستورا بلا خلاف، والاطراد بوجود الحكم معه أينما وجد لا يكون دليل ~~الصحة عندنا، ولا وجود PageV01P304 # الوصف ولا حكم معه دليل الفساد بنفسه. # فأما الأولون: فهم القائلون بقياس الشبه بلا معنى، وأنهم حشوية غير ~~معدودين في الفقهاء، فقد أقروا بما قاسوا بالصورة بلا معنى أنهم لم يفقهوا ~~المعنى. # واحتجوا لذلك بالظواهر التي جعلت القياس حجة. # وقالوا أنها لم تخص وصفا دون وصف. # وقالوا في علل الشرع إمارات على الأحكام، وليست من قبيل العلل العقلية ~~فصح التعليق بالصور، كما صح الحكم بنصوص لم يعقل لها معنى، إلا أن تلك ~~النصوص لم يعقل فقهها تعلق بها أحكام، وهذه نصوص لم يعقل فقهها تعلق بها ~~كينونة كل وصف علة، وأنه ضرب حكم أيضا. # وأما الفريق الثاني: فزعموا أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال على ما مر ~~في صدر الكتاب، وذلك المغير الذي هو علة قط لا يخلو عن موجودات ms308 جمة معه ~~اتفاقا لا علة، فلا تمتاز العلة عن الاتفاقية إلا بأن يعدم التغير عن عدمه ~~دون سائر الموجودات الاتفاقية، ولأن الوجود لما كان بالعلة لم يجز البقاء ~~بعد ارتفاعها ألا ترى أن الملك الواقع ببيع لا يبقى مع فسخه، وكذلك كل حادث ~~تعلق بقاؤه بسبب لا يبقى بدونه هذا لا شك فيه، قال: واشترطت قيام النص في ~~الحالين، ولا حكم له ليتبين بذلك أن الحكم متعلق بالعلة لا بالنص، كما إذا ~~صار النص مجازا بدليل كانت علامة أن لا يبقى للحقيقة حكم بوجه. # ألا ترى أن آية الوضوء لما عللت بالحدث دار وجوب الطهارة معه لا مع ~~القيام إلى الصلاة. # وكما علل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو ~~غضبان" لشغل القلب دار المنع معه لا مع الغضب، حتى إذا كان به وجع شاغل ~~للقلب، أو خوف حرم القضاء عليه، وإذا كان به أدنى غضب لا يشغل قلبه حل له ~~القضاء. # ولما علل خبر الربا بالكيل دار الحكم معه حلا مع التساوي كيلا دون سائر ~~الوجوه، والحرمة مع التفاضل كيلا دون سائر الوجوه والنص "مثلا بمثل والفضل ~~ربا" قائم ولا حكم له. # فأما الجواب عن قول الحشوية: فإن النصوص الموجبة للقياس على الأصول دلت ~~على أنها معلومة يقاس عليها، وذلك يتأدى ببعض الأوصاف فلا يصير الكل علة ~~إلا بدلالة أخرى، ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة، ألا ترى أن ~~النصوص قد جعلت الأمة شهداء فدلت على أنهم شهود في الأصل، ولم تدل على أن ~~كل لفظ منهم شهادة بل دلت PageV01P305 # على أنه يتأدى منهم الشهادة، وذلك يحصل ببعض الألفاظ، ولم يميز ذلك عن ~~غيره إلا بدليل، ولما ذكرنا في الباب الأول أن هذه النصوص جعلت القياس حجة ~~أصلية فجعلت الشهادة للأصول أصلا، ولكن ما أثبت لكل أصل بانفراده. # واحتملت التغير بالعوارض فكذلك الأوصاف فلا تصير حجة على الغير مع ~~الاحتمال، ولأن كل وصف لو صلح علة، والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون ~~وأهل ms309 اللغة كلهم الفقهاء في المقايسات، ولما اختص بها الفقهاء علم أن ~~المقايسة مبنية على معاني تفقه لا أوصاف تسمع. # وأما الجواب عن قولهم: إن علل الشرع إمارات، فليست كذلك على التمحض على ~~ما مر في أول الكتاب. # وسنذكر بعد هذا أن علل الشرع إمارات على معنى أنها لم توجب بذواتها بل ~~بجعل الشرع إياها موجبة. # وقد مر أن حكم القياس تعدية حكم النص إلى الفرع وهذا الحكم مما لا يحس، ~~ولكنه يعقل كقولنا: رجل عالم لا يعرف له هذا الوصف بكونه رجلا وبأن نحسه، ~~بل بمعنى عقلي يستدل عليه به، وليس ثبوت العلل بأعيانها بالنصوص كثبوت ~~الأحكام بالنصوص، لأن النص عين الحكم وهو موجب بنفسه لغة. # والنص ما عين الوصف من الجملة علة ليجب القول به بل صير الأصل معلولا، ~~فهذا الواحد الذي لم يتعين بالنص لا يتعين إلا بالرأي، فما لم يعقل معناه ~~بالرأي لا يصير الرأي عليه حجة فالدرك بالرأي من طريق العقل وبظاهر البدن ~~من طريق الحس، ولن عين اللفظ لا يكون حجة إلا من صاحب الشرع، والحجة من ~~غيره استنباط معنى النص بالرأي لا تخصيص بعضه. # وأما الفريق الثالث: فقد زعم أن قيام النص ولا حكم له آية الفساد لا آية ~~الصحة، ولما ذكرنا في باب شروط القياس أن من شرط صحة تعليل النص بالرأي أن ~~يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل. # وأما آية الوضوء فغير معلومة بالحدث عندنا، والوضوء إنما يجب للصلاة على ~~ما بينا في أول الكتاب، ولكن لا يجب إلا على محدث، والحدث شرط زيد في الآية ~~لا بالرأي، ولكن بدلالة النص فإنه تعالى قال: {ولكن يريد ليطهركم} وقال في ~~الاغتسال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقال في بدل الوضوء: {أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} وإنما تعلق ~~وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل فتبين أن المراد بصدر الآية: إذا ~~قمتم PageV01P306 # وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصارا لما في ms310 الآية ما يدل عليه على ~~ما عليه لسان العرب، ونحن لم ننكر الاختصار والوقوف عليه، والزيادة بدلالة ~~النص وإنما أنكرنا الزيادة بالرأي فإنها تجري مجرى النسخ لا مجرى التخصيص، ~~على أن التخصيص عندنا لا يجوز ابتداء الرأي. # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو ~~غضبان". كناية عن القضاء وهو مشغول القلب عرف ذلك بدلالة الإجماع كما صار ~~قوله: "فلا تقل لهما أف" كناية عن الإيذاء حتى صار الشتم بمنزلته، عقل ذلك ~~بدلالة محل الخطاب ما هو من التعليل بالرأي للقياس في شيء. # وكذلك خبر الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جعلنا قوله "مثلا بمثل" عبارة ~~عن قوله: "كيلا بكيل" بنص آخر فقال: "كيلا بكيل"، وبالإجماع لا بالرأي، ~~وإذا صار هذا كيلا بكيل صار قوله صلى الله عليه وسلم: "والفضل ربا" فضل من ~~حيث الكيل الذي كان المساواة به ضرورة ما عقل شيء من ذلك بالرأي، والتعليل، ~~وإنما التعليل بالكيل لبيان علة الحكم، وهو أن المماثلة كيلا بأي علة وجبت ~~شرطا لجواز قفيز حنطة بحنطة والفضل بأي سبب حرم، وهذا التعليل ليس يغير حكم ~~النص على ما نبين في موضعه. # وأما قول عامة العلماء فلأن دوران الحكم معه وجودا وعدما لا يدل على ~~الصحة، لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط، ألا ترى أن من ~~قال لعبده: أنت حر إن كلمت زيدا، دار وجود العتق مع الكلام، وهو شرط كما ~~دار مع قوله أنت حر، وهو علة فلا بد من شيء زائد يميز بين العلة والشرط. # فإن قيل: إن أصل الدوران مع العلة دون الشرط فالشرط لا يصير شرطا إلا ~~بتعليق به. # قلنا: إن العلل الشرعية ما صارت عللا إلا بتعليق الشرع الوجوب بها، فكانت ~~كالشروط في هذا المعنى. # ولأنا وإن سلمنا هذا لكم فقد احتمل الدوران أن يكون مع الشرط دون العلة، ~~ولما احتمل لم يصر حجة موجبة مع الاحتمال على ما مر في أصل الباب، وكذلك ~~وجود الحكم مع انعدام ms311 الوصف لا يدل على الفساد لجواز أن يكون بقي لعلة أخرى ~~فجائز بالإجماع وجود الحكم بعلل كثيرة، ولا ينعدم إلا بزوالها كلها، وما ~~بقيت واحدة بقي الحكم حسب البقاء بالكل، ويدل عليه أن حد العلة ما يتغير به ~~حكم الحال فيكون التغير موجب تلك العلة وأثرها فيستدل بذلك الأثر على كون ~~الحال علة، لأن كل وصف لا يحس لا يستدل عليه إلا بأثره. PageV01P307 # وكذلك كل فاعل لا يحس لا يعرف إلا بآثار محسوسة تدل عليه، وهذا كصفة ~~العلم لكل شخص لا يوقف عليها إلا بآثار فعله. # ولهذا كان طريق معرفة الله تعالى من الوجه الذي كلفنا، ولزمنا بالحجة ~~الاستدلال بالعالم الكائن بخلقه، وعدم الحكم عند عدم العلة في الحسيات ~~والعقليات والشرعيات جميعا ليس بأثر العلة بل كان هذا قبل العلة، وإذا عدمت ~~العلة عاد الأمر إلى ما كان من قبل العلة، وإذا لم يكن أثر العلة لم يصح ~~الاستدلال به على كونه علة. # قال القاضي رحمه الله: وبلغني عن الرجل الذي شرط لصحة القياس دوران الحكم ~~معه، والنص قائم في الحالين ولا حكم له أنه قال: إن العموم لا يكون حجة ~~يعمل بها إلا بدليل آخر، وكذلك الأمر والنهي فلم يبق لنفسه حجة من ~~السمعيات، ثم شرط للقياس شرطا لا يكاد يجده بالرأي وحده بل يأبى الرأي ~~صحته، فبقي بلا دليل فاحتج الأحكام المسائل بلا دليل على ما بيناه في باب ~~لا دليل، فوجدته رجلا قد غلب عليه السوداء بطول الفكرة حتى توقف عن العمل ~~بالأدلة من النصوص والقياس لا بشروط احتياطا ثم عمل بلا دليل، وما موجب لا ~~دليل إلا الجهل. # فأما العلم فلا يثبت إلا عن دليل فجهل مع الأدلة، وعلم عند عدمها، ومع ~~فحش هذا المقال لم يعرف أنه ناقض به ما قال فقد جعل حد صحة الاعتلال، دوران ~~الحكم معه على كل حال، والعلم حكم حجته ثم أثبته بلا حجة. # وهكذا تبين عوار من زاغ عن طريق الله تعالى، قال الله تعالى: {ولو كان من ~~عند ms312 غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ولما ثبت أن الدورات لا يدل على ~~الصحة، ولا عدمه يدل على الفساد سقط اعتبار هذا الدليل أصلا، وقد بينا أنه ~~لا بد من دليل يميز بين العلة وبين ما ليس بعلة فوجب المصير إليه، وبيننا ~~وبين الشافعي خلاف في تحديده على ما بينا من الرواية. # وأما الذين قالوا: إن الوصف إنما يصير علة بكونه مخيلا أي موقعا في القلب ~~خيال القبول وأثر الصحة فاحتجوا في ذلك بأن الأثر معنى من الوصف لا يحس على ~~ما مر ذكره، ولكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب، وتحكيمه عليه كما قيل ~~في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل محسوس: وجب الرجوع إلى القلب ~~وشهادته والعمل به، فإذا أشهد القلب بصحته قبلت، وكذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لوابصة: "الإثم ما حاك في قلبك، وإن أفتاك الناس". # وقال بعضهم: لا يشترط هذا فإنه أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، ولكنه PageV01P308 # يعرض على العلل المنقولة فإن كانت مجانسة لها كانت ملائمة، وقبلت، وإن ~~كانت بخلافها، وكانت ثابتة لذلك الحكم عند المقابلة بالأصول ردت، وإذا قبلت ~~بالملائمة أو بالإخالة لم يجب العمل بها بصفة العدالة واليأس من الرفع، ~~وذلك في الاطراد من غير أن يرده أصل ناقصا ولا معارضا لأن الوصف مع ~~الملائمة احتمل أن لا يكون علة، لأن الملائمة لا تجعلها علة ولا تنفي عنها ~~احتمال ما يجرحها ويبطل شهادتها فيجب عرضها على المزكين، أو بعضهم تيسيرا، ~~وهي سائر الأصول فإنها شهود الله تعالى خلقا عن الرسول صلى الله عليه وسلم. # فإذا عرضت على البعض فلم ترد بنقض ولا معارضة ثبتت العدالة بدليلها، ~~وصارت بمنزلة ما لو عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عن الرد فكان ~~السكوت عن الرد بمنزلة التقرير والشهادة بالصحة. # ومثال ذلك ما قيل في الشاهد، لا تقبل شهادته حتى يأتي بلفظ ملائم لفظة ~~أشهد، وإن كان بلغة أخرى ثم لا يعمل بها حتى تثبت العدالة وذلك بالعرض ms313 على ~~بعض المزكين الذين لهم علم بباطن أحواله وصاروا حجة في الباب، وتثبت هذه ~~الحجة بالبعض دون الكل فإذا أثنوا عليه وصار عدلا صار حجة، وإن توهم رد من ~~جرح يأتي من معدلين سواهم أو معارضة وكان الوقف للدفع بعده حسنا. # فإذا لم يظهر الدفع عمل بها، وإن لم ينقطع الوهم قالوا: وكما استجزتم ~~ثبوت العدالة للشهود بقول بعض المزكين، وعدم الوقوف على الأفعال الجارحة من ~~غيره فاستجيزوا ثبوت العدالة للوصف بتعديل بعض الأصول وعدم الوقوف على ناقص ~~آخر أو معارض فليس بين الأمرين فرق. # وأما الذين قالوا: إن الوصف يصير حجة يعمل بها بالملائمة ثم العرض يصار ~~إليه ليعرف ما يجرح أو يدفع، فذهبوا إلى أن عدالة الوصف في صلاحه لا غير. # فأما الشاهد فعدالته في طاعة ربه أمرا ونهيا لأن العبد مؤتمن عدالته في ~~أداء الأمانة، وهو ممن يؤدي الأمانة ولا يؤدي فكانت الحال محتملة فلم يزل ~~الاحتمال إلا بدليل. # فأما الوصف فما عنده أمانة ولا يوصف بخيانة تثبت عدالته بالتعرف للرد، ~~ولكن الرد موهوم من سائر الأصول كشاهد عدل بمعدلين لا يؤمن من رد يرد عليه ~~من معدلين آخرين، أو من شهود بالمعارضة فلا يتسارع إلى القضاء احتياطا فعلى ~~هذا لا يصير الإطراد دليل صيرورته حجة، بل الانتقاض يصير جرحا بعد الصحة ~~كتوهم الرد في الفصل الأول بعدما أطرد في بعض الأصول. # وتبين على اختلاف الأقوال أن الشافعي ما دل على صحة العلة بالإطراد في كل ~~الأصول كما ذهب إليه كثير من شيوخنا، وشيوخه، فإنه متى دل عليه به لم يمكنه ~~إثبات PageV01P309 # الاطراد في الكل إلا بقوله لا دليل على نقضه أو معارضته. # وإنما قلنا: لا يمكنه إثبات الإطراد في الكل لأنه وإن اجتهد كان للسائل ~~أن يقول: ولم قلت أنه ليس وراء ما قلته أصل آخر يرده بنقض أو معارضة فيضطر ~~إلى أن يقول: لم يثبت عندي أصل ناقضا ولا معارضا. # فإن قالوا: إن المعجزة إنما صارت آية لعدم ما يعارضها! # قلنا: لا كذلك بل لوقوعها ms314 على حد فوق معتاد البشر، إما محسوسا وإما ~~معقولا، وبذلك الأثر ثبتت آية، إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا أنه في مقدور ~~البشر عادة، فقيل لهم: ائتوا بمثلها لينقطع تعنتهم فإنهم لو قدروا لما ~~أمكنهم الصبر عن فعله، وفي الترك ذهاب دينهم ونفوسهم وحرمهم وأموالهم. # وأما علماؤنا رحمهم الله فإنهم قالوا: إن الإطراد ليس بتعديل ولا عدم ~~الحكم مع وجود الوصف جرح. # أما الاطراد فلأنه إنما ثبت بكون الوصف شاهدا أينما وجد في كل أصل على ~~العموم فلا يكون عموم شهادته دليلا على عدالته بمنزلة شاهد كرر شهادته في ~~كل مجلس قضاء فلا يصير التكرار منه والثبات على الأداء تعديلا. # أو نقول: كل أصل شاهد بنفسه بذلك الوصف فيه فيكون بمنزلة شهود أو رواة ~~يكثرون فلا تصير الكثرة تعديلا لمن لم يكن عدلا قبل الكثرة. # وأما قولنا: عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفساد. # فلأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس في ركن العلة ~~نحو البيع بشرط الخيار للبائع موجود علة ولا حكم للمانع. # والطلاق بعد الدخول موجود ولا حكم في الإبانة إلا بعد العدة، كخيار ~~الرجعة. # والنصاب موجود ولا حكم قبل الحول، والحول ليس بركن العلة ولا مانع، ولكن ~~النصاب بصفة البقاء حولا صار علة تامة عاملة فبدون صفة البقاء لا يعمل مع ~~وجود ما هو ركن العلة تاما حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول، وأنه لا يجوز ~~قبل تمام الركن كما لو عجل قبل النصاب، وهذا أيضا كالشاهد إذا شهد مرة ثم ~~استشهد فامتنع، أو الراوي روى ثم امتنع لم يكن ذلك جرحا بنفسه حتى ينظر إنه ~~لأي معنى امتنع، فإن كان لمعنى خاف على نفسه، أو لم يكن مجلس قضاء، أو ما ~~أشبهه لم يكن جرحا، وإنما يدل على عدم الحكم مع وجوده على الفساد إذا وجدت ~~العلة بالمعنى الذي هو معه فيصير عاملا بلا مانع من العمل، وذلك لا يعرف ~~إلا بالرواية في الحدود والشروط، ولما سقط اعتبار هذا المعنى ms315 دليلا على ~~الفساد أو الصحة كما سقط اعتبار الدوران اضطررنا إلى دليل آخر. PageV01P310 # أما الدليل على الملائمة فالحد فيه ما قال الشافعي رحمه الله وسنأتي ~~بأمثلة ذلك من علل الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف رحمهم الله ليتضح لك ~~الطريق في هذا إن شاء الله تعالى. # وأما الإخالة فشرط فاسد في المناظرة لأنه إشارة إلى ما يقع في القلب، وما ~~لا يطلع عليه فلا يصير على غيره كما قيل في باب القبلة إذا اختلفت به ~~الجهات لم يصر قول بعضهم على البعض حجة. # ولأن كل معلل يمكنه أن يقول: قد وقع في قلبي خيال صحته فيصير معارضا ~~إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلان ذكره على سبيل الاحتجاج ~~به، فثبت أن الصحيح أن تصفه بصفة الملائمة للقبول ليكون من باب ما يمكن ~~إثباته على الخصم بدليل يمكن الوقوف عليه والوصول إليه بالتمسك بالعلل ~~المنقولة، ولا يجوز العمل به قبل الملائمة لأنه أمر شرعي لا عقلي فما لم ~~يكن من قبيل ما جاء به الشرع لم يصر حجة كالشهادة لا تصير حجة إذا قال: ~~أخبر أو أعلم ولم يجز العمل به. # وإذا ثبتت الملائمة لم يجب العمل به قبل العدالة كما قاله الشافعي رحمه ~~الله فيما مضى. # وكما لا نعمل بشهادة الشاهد إلا بالعدالة والفرق الذي ذكره بعض أصاب ~~الشافعي بين الشاهد والوصف ليس بشيء لأن حال الشاهد إن احتلمت خيانة فيما ~~ائتمن على ما قال، فصار الكذب محتملا خبره فلم يصر حجة إلا بدليل يقطع ~~الاحتمال ظاهرا بقدر الإمكان، فكذلك حال الوصف في نفسه مع صلاحه احتمل أن ~~لا يكون علة لأن العلة في كونها موجبة، وما لنا عليه دليل الموجب سوى ~~الاستشهاد بأصل ثابت احتمل وجود الحكم فيه مع هذا الوصف اتفاقا لا علة. # ألا ترى أنه لا يكون علة إذا قام دليل الرد كاحتمال الشهادة الكذب ما ~~بينهما فرق إلا من حيث أن احتمال الكذب من الشاهد في أداء الشهادة، وههنا ~~من المعلل في تعيينه ms316 ذلك وصفا احتمل أن لا يكون واجب العمل به فثبت أنه لا ~~بد من دليل يرجح احتمال الصواب على الغلط، وذلك في بيان التأثير لما ذكرنا ~~أن ما لا يوقف عليه من طريق الحسن وجب الاستدلال عليه بأثره، وكذلك العلل ~~الحسية إنما عرفت بآثارها. # ألا ترى أن الحد فيه ما يتغير به حكم الحال، والتغير أثر العلة لا محالة. # ألا ترى أن عدالة الشاهد إنما تثبت بأثر دينه في منعه عن ارتكاب ما ~~اعتقده حراما بدينه، فاستدل به على منعه عن الكذب الذي هو حرام في دينه ~~فتعرفنا العدالة بأثر ظهر من دينه فيما وقفنا عليه من أفعاله لا بعدم، ~~فكذلك عدالة الوصف إنما تثبت بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر ~~بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلا على نظيره، ويكون استدلالا بوجود معلوم ~~لا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا تجوز المحاجة به. PageV01P311 # ولأنا ذكرنا أن الحكم يوجد مع العلة ويطرد معها. # وكذلك يطرد مع الشرط ويوجد معه فلا بد من دليل آخر غير الوجود يميز بين ~~الشرط والعلة، وذلك في الأثر فإنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر، ~~قالوا: ولأن رأس الحجج معجزات الأنبياء ولم تعلم إلا بآثارها في الوقوع فوق ~~معتاد البشر فتبين بتلك الزيادة أنها من الله تعالى ومضافة إليه لا إلى العبد. # وأما الجواب عن قوله: إن الأصول مزكون كالرسول صلى الله عليه وسلم، فلا ~~كذلك بل هم شهود مثل الأصل المعلل أو كالرواة للخبر، وصحة الوصف كصحة متن ~~الخبر وصحة المتن لا تثبت بكثرة الرواة فكذلك صحة الوصف لا تثبت بكثرة ~~الأصول والشاهد لا يكون معدلا لشاهد وكيف يعدل الأصل الأصل، وما له علم ~~بأثر الوصف في نظير ذلك الحكم، وليس للمعدل في باب الشهود أن يعدلهم إلا ~~بعد الوقوف على أثر دينهم في منعهم عن الحرام مثل حرمة الكذب، ولهذا جوزنا ~~الخصوص على العلل بأن توجد، ولا حكم لأنا لم نجعل دليل صحتها اطرادها لتفسد ~~بزوال الإطراد بل جعلنا ms317 دليل الصحة معنى هو مؤثر في الحكم صار وصفا لما هو ~~ركن العلة فيجوز وجود الركن بدون ذلك المعنى. # ولا حكم له معه كما جاز وجود النصاب قبل الحول. # ولا وجوب معه فتبين بانعدام الحكم عند انعدام المعنى المؤثر، إن هذه ~~الحالة لم تدخل تحت التعليل، بل دخل تحته ما تناوله المعنى المؤثر له كما ~~تناوله الوصف الظاهر ولهذا أسميناه خصوصا. # فالخصوص بيان أن المخصوص لم يدخل تحت جملة العموم ابتداء بدليل مقارن ~~بخلاف النقض فلا نقض إلا بعد الثبوت. # ألا ترى أنه يمكنه أن يقول: ما ادعيت سوى أن قلت أن هذا الوصف علة وأنه ~~فيما ذكرت علة أيضا لكن لم يعمل المانع وهو كذا، وقد عدم المانع فيما نحن ~~فيه أو لم يعمل لعدم المؤثر وهو كذا وقد وجد في مسألتنا هذه وأنا لم أدع ~~العمل به إلا مع المؤثر حال عدم المانع. # وزعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص، وسموا الخصوص نقضا ~~لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا ~~غلط منهم لغة، وشريعة، وإجماعا، وفقها. # أما اللغة: فلأن النقض: اسم لفعل يرد فعلا سبق على سبيل المضادة كنقض ~~البنيان، ونقض كل مؤلف، ونقض العقد، ونقض كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه ~~لم يكن في العموم ألا ترى أن نقيض الخصوص العموم، ونقيض النقض البناء ~~والتأليف. # وأما الشريعة: فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها، والخصوص PageV01P312 # جائز على عموم النص فتبين به أنه لم يكن داخلا تحت الجملة، ولم يرد به من ~~الابتداء إلا ما بقي بعد الخصوص لا أن نقض بعد الثبوت. # وأما الإجماع: فإن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف ~~القياس، فخصت بالنص عن موجب القياس لولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ~~ذلك، والشافعي يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولا بها عن القياس. # وأما الفقه: فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئا غير أنه سماه علة، ويمكنه ~~الثبات عليه من غير رجوع ms318 مع انعدام الحكم بأن نضيف العدم إلى مانع على ما ~~ذكرنا دون فساد اللغة. # فإن قيل: لو جاز تخصيص العلل لما اشتغل أهل النظر بالجواب كما في ~~العمومات، ولا اكتفي منهم بقولهم: كانت علتي توجب ذلك إلا أني خصصته بدليل ~~ولا يكتفى به بالإجماع. # قلنا: إنما لم يكتف منهم بهذا القدر لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول ~~بالرأي، ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل العدم لفساد ~~العلة، واحتمل لمانع من الصحة لم تثبت جهة الانعدام بمانع بنفس الدعوى حتى ~~يقيم الدلالة عليه بإزاء المانع في تلك الحادثة دون هذه، وكذلك إن أحال على ~~عدم المؤثر. # فأما النص: فلا يحتمل الغلط فلا يبقى لانعدام الحكم مع وجوده النص إلا ~~الخصوص الذي يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى إثبات هذا الوجه بدليل ما فرق ~~بيننا وبينه في الخروج عن المناقضة، إلا أنا خرجنا لمعنى فقهي وهم خرجوا ~~عنه بلفظ سمعي، إلا أن الدفع باللفظ أيسر فإنه محسوس وبالمعنى عسير لأنه ~~باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر اليسير فغلبت. # ولعمري لو أنصفوا وعذروا أنفسهم على ترك المعنى الفقهي بسبب الحرج الذي ~~يلحقهم لشكروا من تحقق المشقة، وجاهد هواه حتى وصل إليه ولما صار الظاهر ~~فقها، والصورة معقولة بل لأقروا بالخطأ على أنفسهم. # لأن عين الكلمة إنما تكون حجة من صاحب الشرع فأما من غيره فلا، وإنما ~~إلينا استخراج الفقه من كلمات الشرع، وذلك معنى يعقل بلا كلام يسمع إلا أنا ~~لا يمكننا تحقيق المعنى عند السامع إلا بكلام فاضطررنا إليه فصح منا ما ~~يشير إلى معنى ما يعقل دون غيره. # فإن قيل: إن الإحالة إلى المؤثر إحالة إلى ما لا يعقل حده فلم يصح ~~الاحتجاج به، كما قلتم أنتم في الإحالة التي شرطنا نحن. # قلنا: لا كذلك بل الأثر من حيث اللغة محسوس كآثار المشي على الأرض، وأثر ~~الجرح بالأعضاء، وأثر الدواء المسهل من الإسهال ومن حيث الشرع معقول أيضا ~~على ما PageV01P313 # بينا في عدالة الشاهد أنها تعرف ms319 بأثر دينه في منعه عن تعاطي ما اعتقده ~~حراما في دينه كحرمة الكذب فالأثر وهو الامتناع معقول، وقد دلت عليه العلل ~~المنقولة. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين ~~والطوافات عليكم" علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، فللضرورات أثر في ~~إسقاط حكم الخطاب. # وقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة"، علل للوضوء انفجار ~~الدم لأن انفجاره مؤثر في إثبات حكم النجاسة وإيجاب حكم الطهارة. # وقال لعمر وقد سأله عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء مثل مججته ~~أكان يضرك؟ فقال: لا، قال: ففيم إذا" علل لعدم الفطر بوصف مؤثر وهو المضمضة ~~بالماء من غير ابتلاع لأن الفطر نقيض الصوم، والصوم بالكف عن اقتضاء شهوة ~~البطن والفرج، والمضمضة خالية عن الاقتضاء صورة ومعنى، وكذلك القبلة. # والصحابة اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة وشبهوهم بفروع الشجرة وشعوب ~~الوادي، وتلك معاني محسوسة مؤثرة في معنى القرب فعللوا بمؤثرات وبأوصاف غير ~~مردودة إلى أصل، والوصف بنفسه لا يكون حجة إلا بأن يشهد له الأصول أو ~~واحدا، ويكون مؤثرا فلما لم يشتغلوا باستشهاد أصل علم أنهم اعتمدوا ~~التأثير. # وعلى هذا النمط عللنا في الفروع، فقلنا: لا يثلث مسح الرأس لأنه مسح ~~فأشبه مسح الخف. وقال الشافعي: إنه ركن في الوضوء فأشبه الغسل، فكان الصحيح ~~ما قلناه لأن المسح في ذاته أخف من الغسل ويلحق الناس في الغسل من المشقة ~~ما لا يلحقهم في المسح، ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن ~~متى قوبل بالغسل في حق استعمال محله، لأن الغسل لا يتأدى إلا باستعمال كل ~~المحل، والمسح يتأدى بالبعض وكونه ركنا لم يؤثر في التسوية ذاتا وقدرا. # ولأن السنة التي نختلف فيها شرعت مكملة لهذا الركن صفة له كتطويل القراءة ~~في الصلاة والقيام، ولهذا شرعت في موضع الفرض بحيث يتأدى بها الفرض لو ~~ابتدئ بها فيجب أن يؤثر صفة المسح في تخفيف إكماله في حق استعمال محله ~~فيكمل باستعمال المحل مرة واحدة كما أثر ms320 في حق الفرض، ولا يكمل الغسل إلا ~~بالاستعمال ثلاثا وصفة الركنية ما أثرت في التسوية بينه وبين الغسل في حق ~~أصل الفرض فكذلك في حق الإكمال. # وكذلك إذا اختلفنا في صوم رمضان إن نية الفرض شرط أم لا؟ # فقلنا: الشرط نية الصوم. PageV01P314 # وقالوا: الشرط نية صوم الشهر. # فعللنا نحن: بأنه صوم عين فأشبه النفل، وعللوا بأنه صوم فرض فأشبه القضاء ~~والكفارة فكان المؤثر ما قلناه لأن أصل النية ما شرعت إلا لنفس العمل ~~المأمور به، والمأمور به صوم فرض وليس في رمضان صوم غير فرض فكان عينا فيه ~~لاسم الصوم فأصابه بعينه بمطلق الاسم واستغنى عن الوصف الذي هو للتمييز بين ~~أنواعه، وأما كونه فرضا فلا أثر له في شرط نية فوق إصابة المأمور به. # وكذلك متى قلنا: إن الصرورة إذا حج نفلا كان عما نوى، لأن عمل الحج معلوم ~~باسمه لا بوقته فأشبه الصلاة فكان تعليلا بوصف مؤثر لأن الوقت محل لأداء ~~الواجب فمتى علم الفرض مسمى باسمه لا بوقته بقي الوقت خلوا عن تسمية الفرض ~~عند الإيجاب فبقي على ما كان قبل الإيجاب على ما مر في باب الأوقات، وقبل ~~الفرض كان النفل مشروعا كما في حق الصبي والعبد. # ومتى عللنا خبر تحريم ربا الفضل بالكيل والجنس كان تعليلا بوصف مؤثر لأن ~~الفضل لا يصير ربا إلا في مالين صارت المساواة بينهما شطرا للجواز، ~~والمساواة قدرا لا تصير شرطا للجواز في الأموال المتفاوتة خلقة كالثياب ~~والعبيد، فثبت ضرورة شرطها في المتساوية من الأموال كالفلوس الرائجة لا ~~يجوز بيه واحد باثنين، ويجوز بيع واحد بواحد لتساويهما في الرواج، ولما وجب ~~إحالة وجوب المماثلة إلى التماثل وجب التعليل بالوصف المؤثر في التماثل، ~~وهو الجنس ليرتفع به تفاوت المعاني دون الطعم الذي لا أثر له في جعل ~~المطعوم أمثالا، وإلى الكيل ليرتفع به تفاوت القدر إذا استويا مكيالا، ويدل ~~عليه أن شرط التماثل فيما لا يقبله محال، ولا يصير المال قابلا للتماثل حتى ~~يكون في إعداده أمثالا متساوية. # وكذلك متى قلنا: ms321 إن الثيب الصغيرة تزوج كرها لأنها صغيرة فأشبهت الذكر ~~والبكر، والبكر البالغة لا تزوج كرها لأنها بالغة فأشبهت الذكر والثيب كان ~~تعليلا بوصف مؤثر لأن الصغر له أثر في إثبات الولاية مالا، وهذه الولاية من ~~جنسها لأنها من المصالح التي تعلق القوام بها على ما بينا في النكاح، وكذلك ~~قد أثر في حق البكر والذكر. # وكذلك البلوغ له أثر في قطع ولاية الغير في حق المال، وفي حق الذكر ~~والثيب فكذلك في حق النكاح لأن الجنس واحد. # وكذلك متى قلنا: إن نكاح الحر الأمة مع طول الحرة يجوز لأنه معنى يجوز ~~معه هذا النكاح للعبد فيجوز للحر. # قياسا على جميع ما لا يمنع العبد عن نكاح الأمة من جب وعنة. # وقياسا على القدرة على الحرة بلا مهر بأن رضيت بغير مهر فإنه لا يمنع ~~نكاح PageV01P315 # الأمة، وإن قدر على الحرة لأن الشرع بنى جواز النكاح على الحل ونصف حكمه ~~بالرق حتى جاز للحر أربع نساء ولم يجز للعبد إلا امرأتان فبقي العبد على ما ~~كان في الحرية في حق النصف الباقي لنكاحه، فلا يفارق العبد الحر فيما بقي ~~بل يستويان فيه، وتعليلنا هذا يوجب المساواة. # وكذلك متى قلنا: نكاح الحر المسلم الأمة الكتابية جائز قياسا على نكاح ~~الحرة الكتابية كان مؤثرا. # لأنا قد بينا أن الرق لا يفرق بين الحر والرقيق في أصل النكاح كما في ~~جانب الرجال، فإنما يفرق في تنصيف القدر فإن الحر يتزوج أربعا والعبد ~~ثنتين، فكذلك في جانب النساء يفترقان في تنصيف القدر، ولا عدد لنكاح المرأة ~~لأنها لا تتزوج برجلين فلا يمكن تنصيف القدر من هذا الوجه فأظهر من وجه آخر يشبهه. # فقيل: الحرة تنكح قبل الأمة وبعدها، والأمة تنكح قبل الحرة لا بعدها فأما ~~أن يحرم أصل نكاح الأمة إلا بشرط زائد لا يشترط للحرة فلا وجه لها لأنها في ~~النصف الباقي وهو حال عدم الحرة باقية على ما كانت. # وقد وجدنا ما علل الأئمة من السلف رحمهم الله على هذا النحو فهذا محمد ms322 بن ~~الحسن رحمه الله ما علل "لمسائله" إلا بوصف ذكره من غير رد إلى أصل. # والوصف إذا لم يرد إلى أصل لا بد من كونه مؤثرا حتى يصير حجة. # فقال: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم طلقها ثلاثا، ~~ثم عادت إليه بعد زوج، ثم دخلت الدار: لم تطلق لأنه حين طلقها ثلاثا فقد ~~ذهبت طلاق ذلك الملك كله، وتأثيره أن اليمين بالطلاق إذا لم يضف إلى حدوث ~~الملك لم ينعقد إلا على الطلاق المملوك للحال. # والطلاق الثلاث كل الطلاق المملوك بالملك القائم فلا ينعقد اليمين إلا ~~عليها فإذا أرسلها، فقد فات كل ما انعقد عليه فلا يبقى لأن اليمين لا تبقى ~~صحيحة إلا بتعلق الجزاء بالشرط، فإذا فات الجزاء ولم يبق متعلقا بطلت ~~اليمين. # وقال في غير موضع: العبد المحجور إذا استودع فاستهلك الوديعة لا يضمن إلا ~~بعد العتاق، لأنه لما أودعه فقد سلطه عليه والتسليط مؤثر في إسقاط ضمان ~~الإتلاف لا محالة متى ثبت فنحتاج إلى الدلالة لإثباته. # وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى نصف ابنه: يعتق عليه، ولا يضمن ~~للبائع شيئا لأنه أعتقه برضاه، والرضا مؤثر في إسقاط الضمان وإنما يحتاج ~~إلى إثباته بدليله. # وقال: المديون لا يلزمه الزكاة لأنا لو أوجبنا الزكاة على المديون لزكي ~~مال واحد PageV01P316 # مرارا في سنة واحدة، وللسنة تأثير في نفي الثناء عن مال واحد بالإجماع، ~~وإنما يحتاج إلى بيان أن القول بإيجاب الزكاة على المديون قول بالثناء. # وهكذا علل الشافعي فقال: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال في النكاح ولا ~~في الطلاق لأنه ليس بمال ولم يرده إلى أصل بل أشار إلى وصف مؤثر، وهو أن ~~المال خلق بذله وتكثر المعاملة من الناس في بابه فلو لم تقبل شهادة النساء ~~لأدى إلى الحرج، وقد عدم هذا المعنى فيما ليس بمال. # وقال: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه فعل رجمت عليه، والنكاح فعل حمدت ~~عليه، ففرق بينهما بوصفين مؤثرين في الفرق بينهما. # ولم يرده إلى أصل وفي هذه ms323 العلل دليل على أنهم رأوا خصوص العلة. # فإن قول الشافعي ليس بمال ينتقض بالولادة والبكارة فإنهما يثبتان بشهادة ~~النساء، وليسا بمال، ولكن بدلالة التأثير تبين أن فصل البكارة لم يدخل لأنه ~~قال: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال لضرب ضرورة وبكثرة المعاملات فيه، ~~وقد اشتدت الضرورة في باب الولادة، وإن كانت لا تكثر لأن الرجال لا ~~يحضرونها. # وكذلك الوطء الذي رجم عليه والذي حمد عليه يستويان في إيجاب المهر والغسل ~~على أصله، وقد علل بهما للتفرقة، ولكن بدلالة التأثير تبين أن هذا الحكم لم ~~يدخل تحته لأنه يقول. # أن حرمة الصهرية نعمة علقت بنكاح حمدنا عليه، فلم يجز إثبات هذه النعمة ~~بزنا رجم الإنسان عليه، والرجم دليل على أن سببه عدوان محض لأن الحد يسقط ~~بالشبهات فلا يدخل تحته إلا حكم ليس بنعمة بل محنة من غسل ومهر. # وكذلك تعليل محمد بن الحسن رحمه الله للعبد المحجور إذا استهلك الوديعة ~~فإنه سلطه يبطل بالمأذون، فإن الإيداع لو كان تسليطا لأسقط الضمان أينما ~~وجد لكن تبين بدلالة التأثير على أن المأذون مخصوص منه، وذلك لأن التسليط ~~غير ثابت نصا بلا دلالة، وذلك لأن الإيداع إثبات يده للمودع ويد المالك ~~مسلطة على الاستهلاك إلا أنه بشرط الحفظ يحجره عن سائر أحكام اليد، وشرط ~~الحفظ باطل على الصبي أصلا وعلى العبد ما لم يعتق فبقيت العبرة ليد الملك ~~بلا شرط فلا يدخل المأذون عليه، لأن شرط الحفظ عليه صحيح. # وكذلك التعليل بذهاب كل الطلاق يبطل ظاهره بمن استولد أمته فأعتقها ~~فارتدت -والعياذ بالله- ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فملكها الأول عتقت بموته ~~وبالإعتاق ذهب عتاق ذلك الملك كله، والتعليق بالموت قد بقي، ولكن بدلالة ~~التأثير يتبين أنه لم يدخل تحته لأنا أبطلنا بإرسالك الكل التعليق لأنه لا ~~يصح إلا فيما ملك إذا لم يكن مضافا إلى ملك. PageV01P317 # والاستيلاد في غير ملك يوجب العتق إذا مات، وهي في ملكه نحو أن يستولد ~~أمة بنكاح ثم اشتراها ففوت العتق المملوك لا يوجب فوات المعلق بالموت، لأن ms324 ~~العتاق المعلق بالموت عتاق عن رق قائم عند الموت وهي في ملكه لا العتاق ~~المملوك قبل ذلك على أن الاستحقاق الأول قد بطل وتجدد لها حق ببقاء النسب ~~حين ما اشتراها ثانيا، لأن بقاء النسب بنفسه علة عتق من غير اعتبار ~~الاستيلاء السابق، والبقاء شيء يتجدد كل ساعة فيعتبر بيمين تتجدد بعد الملك ~~فيوجب عتاقا آخر أيضا. # وبعض مسائل الشافعي على ما نذكر في باب، لا دليل يدل على أنه لا يشترط ~~التأثير. # وقال محمد بن الحسن رحمه الله: الوصي إذا أذن لليتيم في التجارة ثم اشترى ~~منه شيئا لم يصح لأنه هو الذي أذن له. # وهذا يبطل بالأب فإنه يأذن لابنه ثم يشتري منه فيصح وهو الذي أذن له ولكن ~~بدلالة التأثير يتبين أن فصل الأب لم يدخل تحته، وهو أن الصبي إنما ينفك ~~الحجر عنه بالإذن، والإذن إنما يصح بقدر ماله من الولاية، وما للوصي ولاية ~~شراء مال اليتيم لنفسه فلا يثبت الفكاك عنه بإذنه وللأب هذه الولاية فيثبت ~~الفكاك عنه بإذنه. # فإن قيل: قد ذكرت أن من شرط صحة القياس وجود أصل وفرع، ثم صححته بلا أصل! # قلت: إن أمكنني التصحيح بلا أصل لم أسمه قياسا وسميته علة ثابتة بالرأي ~~كالقياس، كما قلته أنت في تعليل الأصل بما لا يتعدى، على أن التأثير إشارة ~~إلى الأصل لأني إذا قلت: الصبي المودع لا يضمن إذا استهلك لأنه سلط عليه ~~فمتى أنكر الخصم أن يكون التسليط علة رددته إلى المأذون بالاستهلاك نصا، ~~وإنما لم نذكره للاستغناء عنه فثبت أن الصحيح هو القول بالمؤثر، وأن العلل ~~بظاهر أوصافها تقبل الخصوص بدلائلها المؤثرة باتفاق من السلف والخلف جميعا، ~~وأن الاستدلال بصلاح الوصف أو بالعدم استدلالا بلا دليل، والله أعلم. PageV01P318 # باب ### | AUTO القول في الاحتجاج بلا دليل # قال بعض الفقهاء: لا دليل حجة للنافي على خصمه ولا يكون حجة للمثبت، وكان ~~أبي رحمه الله على هذا يحكيه عن مشايخ العراق. # وقال بعضهم: لا دليل، حجة دافعة لا موجبة. # وقال بعضهم: لا دليل، ms325 حجة على الخصم لإبقاء ما ثبت بدليل، لا لما لم يصح ~~ثبوته بدليل، وقد دلت عليه بعض مسائل الشافعي. # وقال بعضهم: هذا الذي قاله الشافعي يكون حجة له في حق الله تعالى، ولا ~~يكون حجة على خصمه بوجه وقد دلت عليه مسائل علماؤنا على ما نذكر. # فأما الأول فاحتج بأن أقول الخصومات الخصومة في النبوة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم كان مثبتا، والقوم نفاة وكانوا لا يطالبون بحجة سوى أن لا دليل ~~على النبوة. # ولأن معنى قولنا: لا دليل على النافي لا دليل على المتمسك بالعدم لأن ~~العدم ليس بشيء والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه، والتمسك به واجب ما ~~لم يقم عليه دليل الوجود، ولهذا كان القول قول المنكر في الشرع. # وأما الآخرون فيقولون: أن عدم الدليل لا يوجب عدما، ولا أثر له في العدم ~~على ما مر في باب الوصف الذي هو علة، ولكن يكن دلالة عليه لتعلق الحدث ~~بمحدث ضرورة، فيدل عدم المحدث أصلا على انعدام الحدث، وعدم الدليل ثابت في ~~حق هذا القائل دون خصمه. # فإن خصمه يدعي قيام الدليل عنده، وقول المنكر ليس بحجة عليه فجائز العلم ~~بالدليل لبعض دون البعض، وجائز الغلط على الذي يدعي قيام الدليل عنده، فلا ~~يثبت الدليل بقوله على النافي ولا يثبت العدم على المدعي بإنكار النافي، ~~فكما جاز الغلط أو الكذب على المدعي جاز الكذب أو الجهل على المنكر فصح ~~إنكاره الدليل للدفع عن نفسه حتى لا يلزمه كلام خصمه، ولم يصلح للإلزام ~~والإيجاب. # وأما الفريق الثالث فيقول: لا دليل لا يكون دليلا بنفسه، كما أن لا حجة ~~لا تكون حجة بل تكون نفيا له، ولا زيد لا يكون زيدا هذا مما لا شك فيه، فلا ~~يمكن أن يدعي أنه حجة أو دليل على شيء ففيه تناقض بين، لكن إذا استند إلى ~~دليل صار ذلك الدليل PageV01P319 # دليلا في الباب للبقاء لأن الثابت بدليله مستغن عن الدليل للبقاء إذا كان ~~في نفسه مما يبقى كالأحكام والجواهر والعلل كالعدم قبل ms326 الوجود كان بقاؤه ~~مستغنيا عن الدليل، وإنما الأعراض هي التي لا تبقى زمانين، وإنما تبقى ~~بالترادف والتوالي فيكون كل جزء منه حادثا ابتداء فيحتاج إلى علة حسب حاجة ~~الأول إليه في عموم الأزمنة. # وهذا كالنكاح إذا صح، وأوجب الملك بقي بلا دليل، وإذا طلقها فبانت منه ~~بقيت الحرمة بلا دليل، وإذا كان كذلك صار الدليل الموجب للعدم أو للوجود ~~دليلا على البقاء في عموم الأزمنة محتملا لخصوص بعض الأزمنة بدليل يغيره ~~كالنص العام دليل على العموم محتمل للخصوص بدليل يخصه، فيكون دليلا على ~~العموم حال عدم دليل الخصوص. # فكذلك ما نحن فيه يكون الدليل المثبت دليلا على الثبات في عموم الأزمنة ~~حال، لا دليل على ما ينفيه بعد الوجود أو يوجده بعد العدم قال الله تعالى: ~~{قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} الآية علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا ~~دليل لأن الحل يثبت بدليله في الجملة. # وقال الشافعي: الصلح على الإنكار فاسد لأن المنكر متمسك بأصل ثابت ~~بدليله، وهو براءة ذمته في أصل الخلقة عن الديون، فكان إنكاره دليل الوجوب ~~عليه حجة له على خصمه في إبقاء تلك البراءة، فلما ثبتت البراءة على الخصم ~~لم يصح الصلح كما بعد الحلف، وبمثله لو شهد رجل على رجل بأنه أعتق عبده، ~~وأنكر الآخر ثم باعه من الشاهد صح البيع لأنه متمسك بأصل ثابت له بدليله، ~~وهو الملك فصار لا دليل على الزوال حجة له على خصمه فصح البيع منه لزوال ~~سبب الفساد من الجانبين جميعا بدليل الصحة، كما أفسد في الفصل الأول لقيام دليل. # ثم هذه المسألة تدل على أن الشافعي لم يشترط لصحة العلة التأثير، فقد ~~ألزم الخصم حكم الفساد أو الجواز بقوله: لا دليل عندي على زوال ذلك الأصل، ~~ولا أثر لعدم الدليل عنده على العدم عند خصمه بوجه، بل الانعدام في حق كل ~~إنسان يكون من قبل جهله بالأدلة، وتركه طلبها من طرقها. # وأما الرابع: فمذهبنا، فإنا جوزنا الصلح على الإنكار، لأن قول المنكر ليس ~~بحجة على المدعي، ms327 كقول المدعي على المنكر، ولا دليل على شغل الذمة لا يكون ~~حجة للمنكر على المدعي كقول المدعي: المال ثابت بدليله، لم يكن حجة على ~~المنكر فبقي المال ثابتا في حق المدعي في ذمة المنكر أو يده. # والبراءة ثابتة في حق المنكر على حسب قيام الدلالة عندنا، وهو خبر كل ~~واحد منهما فإنه حجة في حق نفسه دون خصمه، ولما كان المال في حقه ثابتا ~~يكون خبرة حجة في حقه شرعا صح اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر، لأن ذلك ~~المعارض ليس بحجة في PageV01P320 # حق المدعي فبقي الأمر على ما كان قبل المعارضة، كما صح شراء من شهد ~~بالعتق، ثم اشترى وإن كان العتق ثابتا في حقه، ولهذا يؤاخذ به بعد الملك ~~لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيه البائع، واعتياضه من عبد هو عبد له ~~بخبر هو حجة في حقه لا غير، وإن عارضه خبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه. # وهذا لأن لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل، فذلك الدليل الذي أوجب ~~ثبوته لا يوجب بقاءه، بل البقاء لاستغنائه عن الدليل على ما مر في باب ~~النسخ، لكونه مما يبقى أزمنة غير أنه لما لم يكن واجب البقاء. # وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتي طريان ما يزيله فيصير ~~قول القائل: قد طرى ما يزيله محتملا للصدق، كقوله: لم يقم الدليل، فلا يصير ~~حجة على واحد منهما، ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقائها ثبت بدليله، اعتمد ~~معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه. # وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة، ~~وإن يعلم خصمه دليلا لم يبلغه، ومن ادعى أنه قد علم كل شيء لم يناظر وكان ~~متعنتا، ولأن دعواه العدم لا يكون حجة على خصمه، كما أن دعواه الدليل لم ~~يصر حجة على هذا نحو ما ذكرنا في الدعوى والإنكار، وهذا كما كان يجوز في ~~زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ ms328 بدليل آخر فيبلغ ~~الناسخ أقواما دون أقوام، فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورا في العلم ~~بالمنسوخ، ولا يكون جهله بالناسخ حجة على الذي بلغه الناسخ، فكذلك الحجج اليوم. # فإن قيل: يكون حجة له في أن لا يلزمه ما يدعيه الآخر ما لم يبرزه. # قلنا: نعم حجة له لا على خصمه، ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعدم ~~التحريم على إبقاء الحل لأن الله تعالى هو المحرم، ولا يخفى عليه العدم كما ~~لا يخفى عليه الوجود، فيثبت العدم على السامعين أجمع بقوله تعالى فيلزمهم ~~البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله عند ثبوت العدم عليهم بدليله. # وليس هذا من قبيل الاحتجاج بالعموم لأن العمل بعمومه واجب بحقيقة النص، ~~وحقيقته لا تحتمل الخصوص بل توجب العموم على احتمال جواز تركها بدلالة ~~تحمله على المجاز والخصوص فلا يترك حكم الدليل إلا بدليل. # وأما الموجب لثبوت الحكم من نفي أو إثبات لا يوجب بقاءه لأن الإيجاب لم ~~يتناول الأزمة، بل يتناول ما وضع الاسم له، وإنما يبقى لاستغنائه في البقاء ~~عن دليل على ما بينا في باب النسخ، وإذا لم يكن معه دليل على البقاء لم ~~يمكنه إلزامه خصمه بلا دليل إذا ادعى خصمه أمرا محتملا، وهو الزوال بدليله ~~دل عليه أن دخول الأعيان تحت النص العام بحكم PageV01P321 # النص فلا يخرج إلا بنص، والأزمنة تدخل تحت النص بحكم لا دليل على ~~الانتساخ، لأنه إذا ثبت دام لا بالنص ولكن لعدم ما يزيله إلا بثبوت العدم. # فإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة حاكيا عن أبي ~~حنيفة رضي الله عنه: لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به. # قلنا: وليس فيه أنه احتج به على من يدعي دليلا، بل قاله لإبلاء عذره من ~~الكف عن إيجاب الخمس، على أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا خمس في العنبر ~~لأنه بمنزلة السمك. # قال محمد: فقلت ما بال السمك لا يجب فيه الخمس؟ فقال: لأنه بمنزلة الماء، ~~وهذا قياس مؤثر لأنا ms329 أخذنا خمس المعادن من خمس الغنائم، ولا نخمس الماء في ~~الغنائم فذكر أن القياس لا يوجب الخمس، ولم يرو أثر بخلاف القياس ليعمل به ~~ويترك القياس. # قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: مجهول النسب حر في حق نفسه فإذا ادعى عليه ~~الرق كان القول قوله، وإذا جني عليه لم يجب على الجاني أرش الحر إلا ببينة ~~تقوم على الحرية، لأن الحرية أصل ثابت بدليلها لبني آدم عليه السلام، ~~ولكنها لا توجب البقاء، وإنما تبقى بعدم ما يزيلها من أسباب الرق، والعدم ~~في نفسه محتمل للحال فلم تسقط الحرية في حقه بالاحتمال، ولم يصر حجة على ~~غيره مع الاحتمال. # وقالوا: المفقود لا يرث ولا يورث لأن الحياة أصل، واحتمل الزوال بالموت ~~فلم يسقط حكم الحياة في حقه بالاحتمال فلم يورث، ولا يثبت على غيره مع ~~الاحتمال فلا يرث. # وإذا ادعى الرجل شفعة في دار اشتريت بدار هي في يده، وأنكر المشتري أن ~~تكون الدار له، وادعاها لنفسه لم يثبت للمشتري ما في يد المنكر، ولا تثبت ~~الشفعة للمنكر، لأن المالكية أصل لما استولت اليد عليه وتحتمل الزوال ~~بدليله، فلم تزل المالكية عنه بالاحتمال ولا صار حجة على غيره مع الاحتمال. # وإذا قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال لم أدخل ~~الدار لم يعتق، وإن كان العدم أصلا لأنه احتمل التغير بالدخول فلم يصر ~~العدم حجة على المولى مع احتمال الزوال بالدخول وهذا لا خلاف فيه. # فإن قيل: إن عدم الدخول غير مقصود حقا للعبد حتى يقال أنه ثابت بدليله ~~فيصير حجة على غيره، بل المقصود هو العتق، وإنه غير ثابت والملك للمفقود ~~غير ثابت في مال الأب أصلا لنبقيه بعدم الدليل والمقصود هو الإرث. # وكذلك اليد أصلها يكون بملك، وبغير ملك فلم تصر حجة على الشفيع. PageV01P322 # فأما براءة الذمة للمنكر فهو الحق المقصود للمنكر، وقد ثبت بدليله ~~فاستقام إبقاؤها بلا دليل، وهذا كما إذا ثبت الدار ملكا لإنسان بشراء أقر ~~به المشتري للشفيع ثم أنكر البقاء للحال، ms330 وامتنع عن التسليم بالشفعة لم ~~يلتفت إليه لأن الملك ثبت بدليله فبقي حجة للشفيع على المشتري عند عدم يزيله. # والجواب عنه: أن المقصود من الإنكار إذا جاء الصلح عن الدين فساد الصلح ~~وإنه غير ثابت بدليله. # فأما الشفعة فلا تلزم لأن الشفعة من حقوق الملك كالثمرة من حقوق ملك ~~الشجرة، وعند الاحتمال تبقى صفة الملك كما كان في حقه، فكذلك في حقوقه ~~لأنها تبعة. # والذي دل على صحة ما قلنا: أن المدعي بالدعوى يستحق حضور الخصم للجواب ~~ولا يبطل هذا الحق بالإنكار، فإنه لو أنكر مرة ثم غاب، فادعى ثانيا استحضر ~~ثانيا فثبت أن الإنكار لا يكون حجة على الخصم حتى يقرنه بدليله، وهو اليمين ~~كالدعوى. # ويدل عليه قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} ~~إلى قوله: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فطولبوا بالدليل على نفي ~~الدخول ولم يكتف منهم بعدم الدليل على الاستحقاق، فعلم أن لا دليل ليست ~~بحجة على النفي. # فإن قيل: الأصل في الناس استحقاق الجنة وكان الحرمان حادثا! # قلنا: لا كذلك فالجنة خلقت جزاء العمل، ولا تكون حقا ابتداء كالدنيا، ثم ~~لم يكن لا دليل حجة على عدم الاستحقاق، وأما الجواب عن إنكار النبوة، فإن ~~ذلك الإنكار ما كان يصير حجة على الأنبياء صلوات الله عليهم بل كان عذرا ~~لجهلهم بالنبوة قبل الدليل عليها، والله أعلم. PageV01P323 # باب ### | AUTO القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به # هؤلاء الرهط أربعة أقسام: # أ- المحتجون باستصحاب الحال. # ب- المحتجون بتعارض الأشباه. # ج- المستدلون باطراد الوصف بلا مناقضة على صحة العلة. # د- والمستدلون بعدم الحكم عند عدم العلة على صحة العلة. # أما استصحاب الحال: فنحو قول جماعة؛ لا زكاة في مال الصبي لأن الأصل هو ~~العدم فنستصحبه إلا بدليل، والحقتان قد وجبتا في مائة وعشرين فنستصحب هذا ~~الوجوب بعد الواحدة إلا بدليل. # ونحو قول الشافعي رحمه الله، فيمن اشترى أخاه: أنه لا يعتق عليه لأن ~~الشراء أوجب الملك له فيه فنستصحبه إلا بدليل. # وهذا لأن ms331 ثبوت العدم لا يوجب بقاءه ولا ينفي حدوث علة موحدة ولا ثبوت ~~الوجود بعلة توجب بقاءه ولا ينفي قيام ما يعدمه، ألا ترى أن عدم الشراء منك ~~لا يمنعك عن الشراء، ولا يوجب أيضا دوام العدم بل يدوم لعدم الشراء منك ~~للحال لا بحكم العدم فيما مضى، وإذا اشتريت فهذا الشراء أوجب الملك فلا ~~يوجب بقاءه، وإنما يبقى بعدم ما يزيله، ولا يمنع حدوث ما يزيله. # وحياة الإنسان بعلتها لا توجب البقاء، ولا يمنع طريان الموت ما في هذه ~~الجملة إشكالا فإذا أراد إثبات دوام الحالة الثابتة في المستقبل بكونه ~~ثابتا، وهو ما يوجبه بل يبقى لاستغنائه عن الدليل في بقائه كان محتجا بلا دليل. # ولأن الإجماع ثابت. إن الثابت لا يزول إلا بدليل فكان الاختلاف في الزوال ~~اختلافا في دليله، فالذي يدعي الزوال يدعي دليلا والآخر ينكره فلا يكون ~~إنكاره حجة على غيره كدعوى غيره عليه، وهذا كالبعير الزائد على المائة ~~والعشرين. # قال خصمنا: إنه نصاب آخر على عفو الحقتين فيتغير الواجب به. # وعندنا: هو عفو مبتدأ فلا يتغير به الواجب، فلا يكون كينونة المائة ~~والعشرين عفوا PageV01P324 # دليلا على إبطال الواحدة أن تكون نصابا، فثبت أن مستصحب الحال متشبث ~~بإنكاره لا بدليل، وإنه من الباب الأول. # وكذلك المحتج بتعارض الأشباه نحو قول زفر: إن المرافق لا تغسل في باب ~~الوضوء لأنه غاية، والغايات قد تدخل وقد لا تدخل فلا يجب الغسل بالشك ~~الثابت بتعارض الأشباه، لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت إلا بدليل. # وقوله: إن الدليل يعارض الأشباه والأدلة فهذا أيضا أمر حادث فلا يثبت إلا بدليل. # وقوله: إن الدليل عليه أن الغاية قد تدخل وقد لا تدخل فغير مسلم له فإن ~~جعل بعد الغايات ووجد منها ما يدخل ومنها ما لا يدخل قيل له: أفتعلم أن هذه ~~من أي الجملتين؟ # فإن قال: نعم، فقيل له: فلا تشك فيها ولكن ألحقها بنظائرها. # وإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه فيقال له: فلا ms332 تجعل ~~جهلك حجة على غيرك وإن كان ذلك عذرا لك إلى ربك، وحجة للتمسك بما كنت عليه ~~كما قلنا في لا دليل. # وأما المحتج بالطرد من غير شرط ملائمة الوصف ولا تأثيره فكذلك، لأنه جعل ~~صحة وصفة وجود الحكم معه على الإطلاق في كل أصل لأنه لا يرى الخصوص فالوجود ~~فيما علل لا يكون دليلا على غيره فإن اجتهد وعد الأصول كان لخصمه أن يقول: ~~عندي أصل آخر يعارضه أو يناقضه. # كما يقول لمستصحب الحال: عندي دليل إزالة وبالاجتهاد قط لا يبلغ منزلة لا ~~تحتمل حقا ما ينقضه أو يعارضعلته. # وكذلك المحتج لصحة الوصف بالعدم لما ذكرنا في بابه أن العدم لا يوجب ~~أمرا، وأعدنا القول ثانيا في هذا الباب وفي الوقوف على هذه الجملة أمر عظيم ~~لا بد للفقه منه، فإن جهل الإنسان بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو ~~معرض، والآخر محاج أو معلم. # فإن قيل: إن الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح، وثبوت النص حجة لا يوجب ~~البقاء ولا يمنع الانتساخ بنص آخر. # قلنا: أما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتمل الانتساخ، وعدم ما ~~يوجب نسخا مبتدأ متحقق فيستقيم دليلا على بقاء ما كان ثابتا. # وأما في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحكم بقائه ثابتا، على نحو بقاء ~~حكم أصل ثبت اليوم بدلالة استصحاب الحال على ما مر بيانه في باب النسخ فلا ~~جرم لا يكون حجة على من أنكر بقاءه بناسخ. PageV01P325 # وكلامنا فيه فمستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل ~~أوجب بقاءه. # والواقف بتعارض الأشباه واقف لعدم الدليل المبين أن الحادثة التي فيها ~~نزاع فرع لما ذكر لا لقيام الدلالة على أنه محتمل في نفسه. # وكذلك المستدل بالوجود على صحة العلة لأنه شرط له وجودا مطلقا في كل ~~حادثة، والوجود في الأصل المعلل ليس بسبب للوجود في غيره كوجود الحكم في ~~وقت لا يكون موجبا للبقاء، وكذلك المستدل بالعدم لما ذكرنا أن العلة إذا ~~عدمت عاد الأمر إلى ما قبلها، ms333 وذلك الحكم قبل العلة كان بلا دليل وموجب ~~يتصل بهذه العلة، والله أعلم. PageV01P326 # باب ### | AUTO القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة # الاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة. # وأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا ~~توجد في الفرع. # ووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها. # ووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل ~~المؤثرة. # أما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى ~~دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، ~~وسنذكر وجوهها في باب على حدة. # فإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا ~~يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو ~~معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد. # فأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن ~~نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة ~~للمجيب على السائل إلزام. # وإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد "مفاقهة"، وكل ~~المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه. # فالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به. # فالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى ~~تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولا ~~بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة. # ولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ~~ذكرها لغوا لا فقها. PageV01P327 # ولأنه لم يصنع شيئا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ~~ذكرها في الفرع. # والعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلا ~~على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج. # فأما حال قيام حجة ms334 أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا ~~الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ~~ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة. # وكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة. # لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف ~~نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرا لا يتصور. # وكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي ~~جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا ~~يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه ~~نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة ~~لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدما، والله ~~أعلم. PageV01P328 # باب ### | AUTO القول في بيان صحيح الممانعة من فاسدها # قال القاضي رضي الله عنه: الممانعة أساس المناظرة من جانب السائل وبها ~~يتبين الحوار والمجيب من السائل والملزم من الدافع. # وإن السائل ما دام في حد السؤال فلا تستقيم المحاجة منه إلا بما يدفع ~~المجيب عن نفسه، ويمتنع به عن الإلزام لأن السائل هو الجاهل في الأصل ~~مسترشد بدليل يلزمه. # وعلى هذا يتبين المحاجة بين المدعي والمنكر في حقوق الناس، المنكر دافع ~~ولا يقبل منه إلا ما يدفع المدعي عن نفسه حتى قالوا جميعا: إن بينة المنكر ~~لا تقبل على إنكاره وإنما تقبل حيث تقبل إذا جعل نفسه مدعيا ملزما، فكذلك ~~السائل متى ادعى الحكم، وسمع منه سمعت حجته المثبتة كما يسمع من المجيب. # فنحتاج إلى بيان أقسام الممانعات الصحيحة وهي أربعة: # الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم عدم حجة في نفس ~~الوصف الذي يدعيه المجيب حجة أموجود هو أم لا؟ # ثم في شروطه. # ثم في كينونته واجب العمل به. # ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة ms335 لا الممانعة. # أما الممانعة في نفس الحجة فلما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس ~~ترجع إلى لا دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلا بد من إثبات ~~الوصف في الأصل والفرع جميعا لأنه ركنه. # ثم شروط الصحة لما مر أنها سابقة على دليل وجوب العمل به، ثم دليل ~~التأثير الذي يجب العمل به فتتم العلة عاملة عندها، وكل هذه الممانعات تتم ~~بالإنكار ومطالبة الدليل. # فأما إذا اختلطت بدعوى أمر خرجت عن حد الممانعة إلى حد المعارضة، ولن ~~يكون ذلك إلا بعد ترك الإنكار إلى الدعوى، وتسليم حجة الخصم فيكون ذكره ~~فاسدا في جملة الممانعات، ومثال ذلك أن السائل متى قال للمجيب بعد التعليل: ~~إن الذي ذكرته ليس بعلة كانت ممانعة. PageV01P329 # وإذا قال: إن العلة في الأصل غير الذي ذكرتها كانت دعوى، وكانت فاسدة ~~لأنه لا معارضة فيها ولا مدافعة على ما مر. # وكذلك إذا قال: إن العلة ما ذكرته ولكن بزيادة وصف لأنه لما زعم أنها ذات ~~وصفين فقد أنكر أن يكون الوصف الواحد علة، وإنه يستغني عن ذكر وصف آخر ~~لتصحيح إنكاره، ثم العبرة في هذا الباب للدعوى، والإنكار حكما لا لفظا لأن ~~الألفاظ قوالب، وإنما اعتبرت شرعا وعقلا لما فيها من أحكامها ومثال ذلك: ~~البكر إذا تزوجت، ثم اختلفوا؟ فقالت البكر: بلغني الخبر فرددت، وقال الزوج: ~~سكتت، فالقول قول المرأة عندنا. # وقال زفر: القول قول الزوج لأنه ينكر الرد والمرأة تدعي الرد، إلا أنا ~~نقول هذا صورة فأما من حيث الحكم فالملك يثبت عليها بسكوتها ويمتنع الثبوت ~~بردها، فهي تنكر الملك عليها بدعوى الرد فكانت منكرة حكما، والله أعلم. PageV01P330 # باب ### | AUTO القول في القلب والعكس # القلب عند أهل النظر على وجهين، وكذلك العكس فيكون وجوها أربعة: # أما القلب فتفسيره لغة: جعل الأعلى أسفل أو البطن ظهرا، يقال: قلبت ~~الإناء؛ إذا نكسته، وقلبت الجراب: إذا جعلت باطنه ظاهره. # والعرب تقول: قلبت الأمر ظهرا لبطن، وقلب العلة مأخوذ من هذين المعنيين، ~~وهو نوعان: ms336 # أحدهما: جعل المعلول علة من قلب الإناء، وهذا مبطل للتعليل لأن العلة ~~موجبة، والمعلول هو حكمة الواجب به كالفرع من الأصل لم يجز أن تكون العلة ~~حكما، والحكم علة فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل. # ومثاله: تعليل مخالفنا لإيجاب الرجم على الكفار بأنهم جنس يجلد بكرهم مئة ~~فيرجم ثيبهم قياسا على الأحرار من المسلمين، وعكسهم العبيد لما لم يرجم ~~ثيبهم لم يجلد بكرهم مئة، فيقال لهم: إن المعنى في الأصل أنهم جنس رجم ~~ثيبهم فجلد بكرهم مئة. # ولذلك قالوا: إن القراءة لما تكررن فرضا في الأولين تكررن في الآخرين ~~كالركوع. # فيقال لهم: لا بل لما تكرر الركوع فرضا في الآخرين تكرر في الأولين، وهذا ~~القلب إنما يتحقق فيما إذا جعل الحكم علة لحكم أن كل واحد منهما كما استقام ~~علة، استقام حكما. # فأما إذا جعل الوصف علة، فلا يحتمل القلب لأن الوصف لا يصلح أن يكون حكما بوجه. # ثم المخلص عن هذا القلب بأن يجعل أحد الحكمين دليلا على الآخر لا علة له، ~~وهذا إنما يستقيم إذا ثبت أنهما نظيران شرعا فيدل ثبوت أيهما كان على ~~الآخر، كتوأمين عتاق أيهما كان من الأصل يدل على عتاق الآخر، ورق أيهما كان ~~من الأصل يدل على رق الآخر. # كقولنا: كل عبادة تلتزم بالنذر التزمت بالشروع لأنهما سببا تحصيل قرب ~~زوائد شرعا سواء. PageV01P331 # والقربة لله تعالى لا تحصل إلا واجب الإمضاء قربة، ولذلك لا يحل الرجوع ~~فيها بعد الأداء. # وكذلك من ولي عليه في ماله ولي عليه في نفسه، ومن يول عليه في ماله لم ~~يول عليه في نفسه لن كل واحد من الولايتين نظير الأخرى ثبوتا على ما بينا ~~في كتاب النكاح. # ولا كذلك جلد البكر مئة فإنه ليس بنظير للرجم لتعلق الرجم بشروط لا يتعلق ~~بها الجلد فلم يكونا نظيرين وكيف؟ وهما لا يجبان إلا في حالين متضادين. # وكذلك القراءة ليست بنظير الركوع في الأصل المعلل لأن الركوع ركن أصلي ~~والقراءة ركن زائد، ولم تكن ثابتة أصلية، وبعد الزيادة لم ms337 تشرع كالركوع ~~فإنها تسقط بالاقتداء وبخوف فوت الركعة وسقط شطرها، وهو السورة في الأخرين، ~~وكذلك الركعتان ليستا مثل الأولين في حق القراءة بالإجماع. # وأما القلب الآخر: بأن تقلب الشهادة على خصمك لك من قلب الجراب، فإنها ~~كانت لخصمك عليك ظاهرا فانقلبت وصارت لك على خصمك، وكان ظهرها إليك فصار ~~الآن وجهها إليك، وأنه يبطل بحكم معارضة فيها مناقضة لأنه لما شهد لك وعليك ~~بحكم واحد فقد عارض بهذا ذاك، بل نقض كل واحد منهما صاحبه فبطلا أصلا بخلاف ~~المعارضة بقياس آخر، فإنها تخلو عن المناقضة فلا يبطلان ولكن يمنع الحكم ~~بها للاشتباه. # ومثال ذلك قولهم: إن صوم رمضان فرض فيشترط لصحته نية التعيين قياسا على ~~صوم القضاء. # فنقول: لما كان صوم فرض لم يشترط له نية التعيين بعد التعين إلا أنه إنما ~~يتعين بعد الشروع، وهذا متعين قبل الشروع. # وقالوا أيضا: إن مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على الغسل ~~فنقول: لما كان ركنا في الوضوء لم يسن تثليثه بعد إكمال الفرض بزيادة يجوز ~~بدونها في محل الفرض قياسا على الغسل، فإنه متى أكمل فرضه بما ليس بفرض في ~~محل الفرض لم يثلث فإن أكمل الغسل بمحل الفرض بالتثليث وبعده لا تثليث، ~~والمسح قد أكمل بالسنة في محل الفرض بالاستيعاب مرة، وأنت تثلثه بعد ذلك. # فإن قيل: إنكم زدتم على وصف الحكم فلم تستقم المعارضة. # قلنا: إنا بالزيادة فسرنا الحكم الذي فيه النزاع، فإن النزاع في التثليث ~~بعد الاستيعاب دون تثليث قدر المفروض من المسح، وفي رمضان كان الخلاف في ~~فرض عين شرعا ما معه في وقته غيره لا فرض مطلقا، وإذا كانت تفسيرا لم يوجب ~~تغييرا بل أوجب تقريرا. PageV01P332 # وأما العكس لغة فتفسيره: رد حكم الشيء عن سننه، من عكس المرأة إذا نظرت ~~إليها، فإنها ترد حكم نظرك عن سنن مقابلتك إليك حتى ترى بارتداد رؤية عينيك ~~عليك وجهك، كان لك عينا في المرآة. # وعكس الماء نور الشمس حتى يظهر شعاعه لو كان مقابلة الماء جدار كان ms338 في ~~الماء شمسا. # وهو على وجهين في النظر عكس حكم العلة بقلبها، وهو ضد الطرد نحو قولنا: ~~الصوم عبادة تلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع طرده الحج. # وعكسه الوضوء لما لم يلتزم بالشروع لم يلتزم بالنذر، فعكست الحكم بقلب الوصف. # وهذا مما يقوي حكم الاستدلال بالحكم لحكم هو نظيره حيث استويا ثبوتا طردا ~~وسقوطا عكسا. # وأما الآخر فرد الحكم إلى خلافه لا على سننه بل بسنن غير سننه كقولهم: ~~الصوم نفل قربة فلا يمضي في فاسدها فلا يلتزم بالشروع كالوضوء، وعكسه الحج ~~فيعكس فيقال: لما كان بهذا الوصف وجب أن يستوي عمل النذر والشروع فيه قياسا ~~على الوضوء، فإن الشروع فيه لا يلزم لما لم يلزم نذره وههنا يلزمه النذر، ~~فكذلك الشروع وهذا عكس ضعيف في الاعتراض لأنه قلب في الحقيقة بحكم آخر نصا. # والقلب بحكم آخر باطل نظرا لأنه لا مناقضة إذا اختلفا، ولأنه جاء بحكم ~~مجمل لا يتصل بالمسألة إلا بعد البيان وليس ذلك للسائل، ولأن الحكم المفسر ~~أولى من المجمل ولأن الاستواء بين الحكمين في الأصل من حيث سقوطهما، وفي ~~الفرع من حيث ثبوتها، والحكم هو المقصود من إثبات الاستواء المجمل لا عين ~~الاستواء، ومتى فسر الحكم كان على التضاد، والله أعلم. PageV01P333 # باب ### | AUTO القول في الموانع # الموانع أربعة: # أ- مانع يمنع انعقاد العلة. # ب- ومانع يمنع تمامها. # ج- ومانع يمنع أصل الحكم. # د- ومانع يمنع تمام الحكم. # والوجوه كلها تتبين حسا في الرمي فإنه قتل إذا أصاب، والرامي يلزمه أحكام ~~القتل، والرمي عبارة عن فعل الرامي، وله حد معلوم وهو إغراق القوس بسهمه ~~وإرساله. # ثم انقطاع الوتر أو انكسار القوس مانع يمنع انعقاد العلة حتى إن شيئا من ~~حكم الرمي لا يظهر مع هذا المانع من مضي السهم، أو إصابته شيئا بقوته، ~~وجدار في مسافة مرور السهم يعارض السهم فيمنعه من المرور. # ومانع يمنع تمام العلة لأن الفعل انعقد رميا لكن الرمي إنما يكون قتلا ~~إذا أصاب المرمى بامتداد السهم إلى المرمى بقوته. # وهذا المانع منع تمام الامتداد إليه فيمنع تمام العلة ms339 والدرع. # والترس على المرمي مانع أصل حكم العلة لأن السهم لما امتد إليه فقد تمت ~~العلة، وكان من حكمه الجرح الذي هو قتل وهذا المانع منع أصل الحكم. # والمداوات بعد الجرح حتى التئام الجرح مانع يمنع تمام حكم العلة فالجرح ~~إنما يتم قتلا إذا سرى ألمه إلى الموت فما يقطع السراية يكون مانع تمام حكم العلة. # ومثاله من العلل الشرعية الإبل السائمة جعلت علة لوجوب الزكاة والصرف عن ~~جهة الأسامة إلى وجه آخر عند التملك يمنع انعقاد العلة وهلاك السائمة في ~~أثناء الحول يمنع تمام العلة. # وكذلك زوال صفة السوم في أثناء الحول والدين يمنع أصل حكم العلة، وغيبة ~~المالك عن ماله تمنع تمام حكم العلة فإن الزكاة لا تجب ولا يطالب بالأداء ~~حتى يصل إلى ماله. PageV01P334 # وكذلك البيع علة لإيجاب الثمن والمثمن. # والإضافة إلى الحر يمنع أصل الانعقاد عليه والإضافة إلى مال الغير تمنع ~~التمام فإنه في حق المالك كأنه لم ينعقد لعدم ولاية العاقد عليه. # وشرط الخيار يمنع أصل الحكم فالبيع قد انعقد في حقهما على التمام، وإنما ~~امتنع الحكم بالخيار لتعلق الثبوت بسقوطه وخيار الرؤية والعيب يمنع تمام ~~الحكم فإن الحكم وهو الملك يجب غير لازم. # وكذلك الأجل فإن الثمن يملك مع الأجل، ولكن لا يجب المطالبة به. # فهذا باب لا بد للفقيه منه فإن الحكم ينعدم بهذه الوجوه المختلفة والعدم ~~لعدم العلة أو لنقصانها غير العدم لمانع، فلا يمكن رد الفروع إلى نظائرها ~~إلا بعد معرفة حد العلة شرعا ثم الموانع الطارئة عليه. # ألا ترى أنهم قالوا أن ابن السبيل إذا عجل الزكاة قبل أن يصل إلى وطنه صح ~~لأنه لا مانع عن أصل الحكم، وهو الوجوب فصار أداء بعد الوجوب فصح. # ولو عجل وعليه دين لم يكن زكاة بل كان نفلا لأنه منع أصل الوجوب فلا يصح ~~الأداء قبل الوجوب. # وكذلك لو عجل الزكاة قبل حولان الحول وهلك المال قبل المضي، لم يكن زكاة ~~لأن الحول منع أصل الوجوب، ولو عجل العبد الصلاة لأول الوقت ms340 وحده، ولم ~~ينتظر الجماعة كما أمر بالتأخير إليها صح لأن الوجوب قد حصل، وإنما أمر ~~بالتأخير إلى جهة هي أفضل، والله أعلم. PageV01P335 # باب ### | AUTO القول في أقسام المعارضات الصحيحة والفاسدة # قد مر تفسير المعارضة فيما مضى وحدها، وهذا الباب لبيان أقسامها في باب ~~المقاييس وتمييز الصحيح من الفاسد منها. # المعارضة نوعان: نوع في علة الأصل، والثاني في حكم الفرع. # فأما الذي في حكم الفرع: فأنواع خمسة: # معارضة بضد ذلك الحكم نصا في ذلك المحل. # أو بضرب تغيير تفسير للحكم المختلف فيه وتقريره إياه. # أو بضرب تغيير فيه إخلال بالحكم المختلف فيه. # أو نفي لما لم يثبته الأول. # أو إثبات لما لم ينفه الأول. # ولكن تحته معارضة للأول. # أو إثبات للحكم الأول في غير محل الأول. # والمعارضة في علة الأصل أنواع ثلاثة: # معارض بعلة أخرى غير متعدية. # أو متعدية إلى فروع اختلف في الحكم بها. # أو متعدية إلى فروع اتفق على حكمها، فتصير الجملة ثمانية أنواع، خمس منها ~~صحيحة أو فيها معنى الصحة، وهي التي تكون في حكم الفروع، وثلاث منها فاسدة ~~أصلا، وهي التي تكون في علة الأصل. # فأما الصحيح بأصلها فالنوعان الأول نحو قولهم: المسح ركن من الوضوء فيسن ~~تثليث وظيفته كالغسل. # وقولنا: أنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخف فيكون نفيا لما أثبته ~~الأول بعينه في محله. # وقولنا: إنه ركن من الوضوء فلا يسن تثليثه بعد إكمال الفرض في محله قياسا ~~على الغسل معارضة بزيادة هي تفسير للحكم المتنازع فيه فيكون صحيحا. PageV01P336 # وأما النوعان اللذان بعدهما: فالتي فيها منافاة لما أثبته المجيب بضرب ~~تغيير فصحيحة من وجه نحو قولنا: اليتيمة تزوج لأنها صغيرة فيولى عليها ~~نكاحا قياسا على التي لها أب. # فيقولون هي يتيمة فلا يولى عليها بقرابة الأخوة قياسا على ولاية المال، ~~فزاد زيادة فيها إخلال بالمتنازع فيه. # لأن النزاع بيننا وبينه في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين ~~مستحق الولاية فنحن أثبتنا أصل الولاية، وانه نفى أصل الولاية بسبب خاص فلم ~~يعارض تلك ms341 الجملة. # ولكن قد عارض البعض فإن الخلاف ثابت في ولاية الأخ وغيره. # ولأنه يقول تحت ثبوت هذا نفي لما تقولونه لأنا بهذا نفينا ولاية الأخ، ~~وولاية من وراءه منفية بالإجماع بالأخ. # وأما النوع الرابع فالعكس الذي ذكرناه نحن قولنا: أن الكافر يملك بيع ~~العبد المسلم فيملك شراءه قياسا على المسلم. # وقولهم لما ملك بيعه وجب أن يستوي حكم الشراء والتقرير عليه كالمسلم ثم ~~هذا لا يقر على الملك بل يرد عليه. # فكذلك يرد شراؤه وهذه فاسدة لأنا لم نعلل للتفرق بينهما لتكون التسوية ~~معارضة بل حكم علتنا جواز الشراء. # والتسوية بين الشراء والإدامة حكم آخر لم نتعرض له، غير أنه تجنب هذه ~~التسوية دفعا للحكم الأول من وجه على سبيل البناء [وليس للسائل البناء]، ~~فتصلح مثل هذه المعارضة لترجيح العلة التي لا تنعكس على التي انعكست هكذا. ~~وأما المعارضة ابتداء فلا على ما مر في باب العكس. # وأما النوع الخامس فنحو قولهم، في امرأة لها زوج غائب فنعي إليها فتزوجت، ~~وولدت من الثاني، فحضر الأول، فإن أبا حنيفة يقول: الولد للأول لأن فراشه ~~صحيح، وقد ولدت على فراشه فيقول الخصم للحاضر فراش بالنكاح الفاسد وقد ولدت ~~على فراشه لأن المحل. # وإن اختلف فيجب إثبات النسب في محل آخر، وهو نسب واحد نفي للأول لأن ~~الشيء الواحد لا يكون في محلين وهذا كالخارج وذي اليد يقيم كل واحد منهما ~~بينة أن هذا الشيء نتج في ملكي يثبت بينهما معارضة وترجحت بينة ذي اليد. # ولو قال الخارج: هو عبدي ولد في ملكي ودبرته أو أعتقته صار أولى من ذي ~~اليد. . PageV01P337 # وأما المعارضات في علة الأصل بعلة أخرى فلغو من الكلام: لأنه جائز ~~اجتماعهما جميعا علتين في الأصل. # وإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم تقع بينهما معارضة. # ولأن ما لا تتعدى من العلة فباطلة بنفسها عندنا على ما مر وما يتعدى ~~فعدمها لا يوجب عدم الحكم ليثبت بالعدم معارضة في حكم الفرع. # والتعليل كان لإثبات حكم الفرع فالمعارضة إنما تصح بما ينفيه الكلام ms342 فيما ~~مضى في باب أن العدم شرط لصحة العلة أم لا وفي غيره، وكذا ما يتعدى إلى فرع ~~مختلف في حكمه نحو قولنا فيمن باع قفيز جص بقفيز جص: أنه ربا لأنه باع ~~مكيلا بجنسه متفاضلا فلا يجوز قياسا على الحنطة. # فيقولون: المعنى في الأصل أنه باع مطعوما بجنسه، قالوا: وتتعدى علتنا إلى ~~فروع لا يقولون بها كالتفاحة والحبة فمن الناس من زعم أنه ممانعة حسنة لأن ~~المسلمين أجمعوا على ترك القول بهما فصارتا متدافعتين إجماعا. # والجواب: أنا جمعنا على جواز الجمع بينهما من حيث ذاتيهما فيكون الكيل ~~علة والطعم علة، وغنما نفى كل واحد منهما علة خصمه بدليل قام على فسادها لا ~~بصحة علتها فتكون ممانعة بصحة علته فاسدة بالإجماع، والله أعلم. PageV01P338 ### | AUTO القول في بيان الترجيح # أما تفسير الترجيح لغة فإظهار الزيادة لأحد الممثلين على الآخر وصفا لا ~~أصلا من قولك: أرجحت الوزن إذا زدت جانب الموزن حتى مالت كفته، وطفت كفة ~~السنجات ميلا لا يبطل قيام كفتي الوزن، فيكون الوزن باقيا. ولكن وزن راجح ~~أي مائل بزيادة لو أفردت الزيادة عن الأصل لم يقم بها الوزن في مقابلة ~~الكفة الأخرى، فكان الرجحان عبارة عما يغير صفة الوزن لا عما يقوم به الوزن ~~على سبيل المقابلة. # وضد أرجحت: طففت، فكذلك رجحان العلة على علة يكون من هذا الطريق بما يغير ~~صفة القياس إلى قوة لو انفردت عن العلة لم تكن حجة [مقابلة بما تكون حجة] ~~بنفسها مقابلة للأولى لو انفردت عن أصل علتها. وهذا كالشهادتين إذا تعارضتا ~~وإحداهما مستورة والأخرى عادلة، ترجحت العادلة لأنها صفة الشهادة. # ولا تترجح بزيادة عدد الشهود ولأنها ليست بصفة لما هو حجة من الشهادة بل ~~مثلها، وشهادة كل عدد ركن مثل شهادة الأخرى لا يكون بعضها صفة للبعض. # وكذلك الخبر لا يترجح بخبر آخر يروى، ولا الآية بآية أخرى ويترجح الخبر ~~بكثرة الرواة لأن الحجة هو الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والاشتهار في النقل [وجب قوة ثبوت في النقل الذي ms343 به يثبت الخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويصير حجة ويصير] وصفا للرواية، لأنا نقول رواية مشهورة ~~ومتواترة وشاذة بخلاف الشهادة لأن الحجة قول الشاهد: أشهد، وكلام كل واحد ~~ركن مثل الآخر لا أن يكون وصفا له، وإنما يترجح بمعنى يرجع إلى الشاهد ~~فيقوى الصدق من قوله: أشهد، فلا جرم أنه يختلف بها أمر الشهادة نحو شهادة ~~الفاسق، والمستور والعدل. # ولهذا لا يترجح القياس بالنص لأن النص متى شهد بصحة القياس صارت العبرة للنص. # وسقط القياس في أن يضاف الحكم إليه في المنصوص نفسه على ما مر أن تعليل ~~النص بعلة لا تتعدى ساقط. # وكذلك لا يترجح الخبر بالكتاب، ولن النص فوق قياس آخر. # وقد مر أن القياس لا يترجح بآخر لأنه لا يصير تبعا له فبالنص أولى. # ولهذا قالوا: لو أن رجلا جرح رجلا جرحا وآخر جراحات فمات من ذلك، استويا ~~في تحمل ضمان النفس لأن كل جرح علة كاملة لإضافة الموت إليه فلا يكون ~~لزيادة العدد عبرة. PageV01P339 # وقد قال علماؤنا رحمهم الله في شقص دار بيع وله شفعاء بأنصباء متفاوتة: ~~كان الشقص المبيع بينهم على عدد رؤوسهم، لأن النصيب وإن قل علة لاستحقاق كل ~~المبيع، فتضاعف ذلك النصيب لا يوجب زيادة إضافة إليه كتضاعف عدد الجرح. # وكذلك قال الشافعي: أن صاحب النصيب الكثير لا يكون أولى فلا تترجح شركته ~~على شركة الآخر إذ لو ترجح لصار الكل له، ولكن قال: يزداد له الاستحقاق ~~كرجلين اشتريا عبدا بثلاثة آلاف درهم على أن على أحدهما ألفا وعلى الآخر ~~ألفين كان العبد بينهما أثلاثا أيضا كالثمن. # فهذا ليس من باب الترجيح ولكن من باب من يستحق شيئا بطريقة، والآخر ~~بطريقتين. # وكامرأة ماتت وتركت ابني عم أحدهما زوج فإن الزوج يرث النصف بالزوجية ~~والربع بالعصوبة. # ولا تترجح عصوبته على الآخر بالزوجية لأنها ليست بصفة للعصوبة بل هي علة ~~أخرى فعلمت أن الاتفاق جاري على أن الترجيح لا يقع بمثل العلة الأولى، ولا ~~بما فوقها بل بما يكون وصفا لها وتبعا. # والاختلاف ms344 في مسألة الشفعة في أن زيادة النصيب هل يعتبر علة أخرى ~~للاستحقاق أم لا؟ فثبت أن حد الترجيح ما يزيد قوة لما جعل حجة ويصير وصفا له. # وجملة أقسامه في المقاييس تنتهي إلى أربعة: # أ- قوة تأثير الوصف. # ب- وقوة ثباته على الحكم المشهود به. # ج- وكثرة أصوله. # د- وانعدام الحكم لعدمه. # أما قوة التأثير: فإنه صار حجة يعمل بها بتأثيره، فيترجح معنى الحجة ~~برجحان هذا الوصف كالخبر لما صار حجة بالثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذلك باتصال الرواية عنه إليه، وهذا الاتصال يزداد قوة بحال الراوي في ~~صلاحه وضبطه، وباتصال الإسناد وانقطاعه وجب الرجحان بما قوى به الاتصال ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: أليست الشهادة جعلت حجة بسبب العدالة ثم لا تترجح بقوة العدالة، ~~فإن بعض الشهود يكون أعدل من بعض؟ # قلنا: إن العدالة بالتقوى، والتقوى ليست بأنواع بعضها فوق بعض ليمكن ~~التمييز بينها بأنواعها كأحوال الرواية فإنها متصلة ومنقطعة. PageV01P340 # وكذلك أحوال الرواة في الضبط وغيره، والرواية في تواترها وشذوذها طرق شتى ~~ليست من جنس واحد على ما بينا في أبوابها. # وكذلك تأثير العلة إنما يكون بأدلة معلومة متفاوتة الأثر بعضها فوق بعض ~~ممكن العمل بها، ومثال ذلك اختلاف العلماء في طول الحرة هل يمنع الحر نكاح الأمة؟ # قال الشافعي: يمنع لأنه استغنى به عن تعريض جزء منه للرق فلم يحل نكاح ~~الأمة لما فيه من إرقاق ولده وهو جزء منه، والإرقاق كالهلاك حكما حتى يخير ~~الإمام في الكافر المغنوم بين القتل والإرقاق، فكان حراما إلا لضرورة ما، ~~وهو أن لا يجد طول الحرة ويخاف الزنا أو فساد أمر المعيشة، ويقيس بهذا ~~المعنى على من تحته حرة. # ونحن نقول: الطول لا يمنع لأنه يجوز معه نكاح العبد بالإجماع. فإن المولى ~~إذا دفع إليه مالا يجد به الحرة فتزوج به الأمة يجوز بالإجماع. # ولما جاز معه نكاح العبد الأمة جاز نكاح الحر كذلك قياسا على وجود الحرة ~~في دار الدنيا، وهذا لأن العبد ما فارق الحر إلا بتصنيف حاله في ms345 المعنى ~~القابل لعدد الأنكحة، حتى حل للحر أربع نسوة حرائر ولم يحل للعبد إلا نصفها ~~فأما سائر شروط النكاح من المهر والولي والخلو عن العدة فقائمة، والنصوص لا ~~توجب التفرقة بينهما. # وإذا بقي العبد فيما بقي من النكاح الحلال على ما كان بحكم تنصف السبب لم ~~يجب التفريق بينه وبين الحر في ما بقي من الشروط المانعة المبيحة، وكان هذا ~~الأثر أقوى من أثرهم لأنه أشار إلى إرقاق مائه، وفيه هلاك حكما. # والحر له أن يعزل مختارا بلا ضرورة وفيه تضييع مائه وهلاك حقيقة، فلما لم ~~يحرم السعي إلى الهلاك الحقيقي بلا ضرورة فلأن لا يحرم السعي إلى الهلاك ~~الحكمي بلا ضرورة أولى، فضعف أثر وصفهم بنظيره من الهلاك الحسي الحقيقي فقد ~~شهد عليهم. # وكذلك نكح الأمة الكتابية عندنا حلال للمسلم، وعنده حرام لأنها أمة كافرة ~~فأشبهت المجوسية. # قال: لأن للرق أثرا في التحريم وكذلك الكفر فإذا اجتمعا التحقا بالكفر ~~الغليظ، أو لأن طول الأمة [من أهل الكتاب والإسلام سواء، ونكاح الأمة] جائز ~~لدفع ضرورة الزنا فإذا وقعت الغنية بالمسلمة لم تحل الكافرة، ولهذا قال: لا ~~يجوز أن تنكح الأمة على الأمة لأن الضرورة اندفعت بالواحدة. # إلا أنا نقول: نكاح الحرة يجوز له مع هذا الدين فكذلك نكاح الأمة قياسا ~~على دين الإسلام، وهذا لما ذكرنا أن الرق لا يحرم أصل النكاح بل ينصف بقدر ~~الإمكان فلا يتغير حكم أصل النكاح لما بقي النصف على ما كان، وإنما يظهر ~~أثره في القدر ولا قدر لنكاحها من حيث التزوج برجال، كما يتزوج الرجال ~~بنساء ليظهر حكم التصنيف في ذلك PageV01P341 # القدر فظهر الأثر فيما يتعدد ويتقدر من حال وقوع نكاحها فإن الوقوع قد ~~يكون ابتداء وقد يكون على حرة. # ولا يلزم نكاح الأمة على الحرة فإن نكاح الحرة لا يمنع نكاح الحرة. # ويمنع نكاح الأمة لأن الامتناع بحكم فوات نصف الحل كما في جانب العبد. # وبيانه: أن التصنيف يثبت في جمع يقبل التجزيء، ولا جمع لنكاح المرأة من ~~حيث الرجال فإنها لا ms346 تتزوج برجال، وإنما الجمع من حيث الاجتماع مع الضرة ~~فينصف بالرق فجاز للحرة في الأحوال كلها مع الأمة قبلها أو بعدها، ولم يجز ~~للأمة إلا النصف وهو أن يكون قبل الحرة. # وأما إذا جمع بينهما معا، وكان عددا وسطا فكان يجب أم يتنصف الجواز لو ~~قدرنا، إلا أنه يشيع لأن النكاح لا يتجزأ صحته فشاع كمان طلق امرأته تطليقة ~~ونصفا يقع اثنتان والأمة تعتد بنصف ما تعتد به الحرة. # وإذا كانت بالقرء اعتدت الأمة بقرءين والحرة بثلاثة لأن القرء لا يتجزأ ~~في تعلق العدة به. # والحر عندنا ينكح الأمة على الأمة لأن العبد يحل له ذلك. # فكذلك الحر فالأثر الذي اعتمدناه في تنصيف ما يبتنى عليه جواز النكاح ~~بالرق من حيث يمكن أثر قوي لم يحتمل بوجه فإن كل شيء يقبل التنصيف بقي ~~النصف منه على ما كان عليه حكم الكل. # وكذلك قولنا: إن الرق سبب منصف للحل مؤثر، فالحرية لها شرف في مقابلة ~~الرق وقد وجدنا لشرف النبوة أثرا في زيادة إطلاق لعدد النكاح فصح إضافة ~~زيادة الإطلاق، فيما نحن فيه إلى الحرية إظهارا لشرفها في مقابلة الرق، وقد ~~بينا ضعف أثر في اعتبار الضرورة. # وكذلك بيان الأثر لضم الرق إلى الكفر ضعيف لأنا لا نسلم أن للرق أثرا فى ~~تغيير شرط الجواز. # وأصل النكاح إنما أثره في قدر ملك النكاح من الوجه الذي يتعدد، ولا عدد ~~إلا في النساء يجتمعن عند رجل فلا يظهر أثر الرق إلا في حال اجتماعهن من ~~الجانبين جميعا على وجه يظهر به شرف الحرية في زيادة إطلاق. # ولأن منع الكفر النكاح بطريقة غير طريقة منع الرق والعلتان لحكمين ~~مختلفين تماما إذا اجتمعتا لم تقو إحداهما بالأخرى. # وكذلك اختلفنا فى إسلام أحد الزوجين وردة أحدهما؟ PageV01P342 # قال علماؤنا رحمهم الله: إن الفرقة بالردة تقع بنفسها، وفى الإسلام لا ~~تقع إلا بالقضاء إذا أبى الآخر والإسلام لا عبرة للدخول بها. # وقال الشافعي: إن للمرأة تبين بنفس الاختلاف إذا كان قبل الدخول، وتبين ~~بالعدة بعد الدخول لأن ms347 الطارئ وهو اختلاف الدينين سبب تعلق به الفرقة ~~بالإجماع، لا على سبيل منافاة أصل الملك حكما، فإذا أجمعنا على أنهما إذا ~~ارتدا بقيا على النكاح وردة أحدهما موجودة ويعد الإسلام بعد الدخول الملك ~~قائم لو أسلم الباقي منهما بقيا على النكاح، وما ينافي في أصل الملك حكما ~~لا يتصور مع بقاء الملك كالمحرمية وملك اليمين، فصار من هذا الوجه نظير ~~الطلاق فإنه غير مناف لأصل الملك حكما، فإنه يراجعها ويبقى الملك مع الطلاق ~~وتتعلق به الفرق فتعلق بالخلو عن العدة. # وقلنا نحن فى إسلام أحدهما: أن الطارئ من السبب وهو الإسلام لا يضاف إليه ~~الفرق لأنه سبب لعصمة الأملاك دون إزالتها. # ولأن القرار يتوقف على إسلام الآخر لا زوال هذا الإسلام. # وقرار العقد لا يتوقف على قرار ما يوجب قطعه وهذا أثر قوي معقول. # ولا يجوز أن يضاف إلى كفر الباقي لأنه غير حادث، ولكنه دوام لما كان ~~ودوام ما لم يكن قاطعا لا يوجب قطعا ضرورة. # فإن قيل: إنما لم يكن كفر هذا قاطعا مع كفر الآخر دون إسلامه، ألا ترى ~~أنه لم يكن مانعا لابتداء العقد مع كفر الآخر والآن هو مانع. # قلنا: نعم [يمنع ولا يقطع والنزاع وقع في القطع كأن الحالة لم تتبدل] بأن ~~صار مانعا يتبدل الحال لا يدل على أنه يصير قاطعا فإن كثيرا من الأشياء ~~يمنع ولا يقطع، والنزاع وقع في القطع فصار في حق القطع كأن الحالة لم تتبدل. # فالشافعي أضاف فرقة وجبت عقيب الاختلاف إلى الاختلاف وبين أثره بمنع ~~ابتداء العقد وحرمة الوطء، وإنه ضعيف لأن العدة تمنع الابتداء وتحرم الوطء ~~ولا توجب الفرق. # ونحن قلنا: إن الاختلاف ليس بسبب يوجب الفرقة لما ذكرنا من الدليل، وإنه ~~قوي الأثر مجمع عليه على ما مر، ولما لم يكن الحادث سببا وجب عليه طلب سبب ~~آخر تحته له أثر في إيجاب الفرق، وما ذلك إلا فوت غرض النكاح فإن هذا ~~الاختلاف يحرم الوطء ويجعلها معلقة، والله تعالى حرم التعليق وجعله ظلما ~~يقع على ms348 النكاح بانعدام الغرض الذي شرع النكاح له، وأمر بالإمساك بالمعروف ~~أو التسريح بالإحسان. # وهذا كما قال الشافعي في الإيلاء بعد المدة: إن الزوج يصير ظالما ظلم ~~التعليق PageV01P343 # فيوجب التفريق إذا أصر على الظلم، فكذلك ههنا وإذا كان كذلك صار مفوضا ~~إلى القاضي لأنه فرقة لإزالة الظلم والقاضي ولي لإزالة الظلم عن الناس. # فأما ردة أحدهما فسبب مناف للملك حكما فيتعجل الفرقة كملك أحد الزوجين ~~صاحبه أو المحرمية. # وإنما قلنا: إنه مناف حكما لأن الردة ليست لقطع ملك النكاح، ولا تملك ~~بملك النكاح وتصح قبل الملك بل لتبديل الدين فإذا وجبت الفرق عقيبها ولها ~~أثر فى إزالة العصمة أضيفت إليها، ولما أضيفت إليها ولم تكن الردة موضوعة ~~لها علمنا أنها وجبت حكما أي الشرع حكم بالمنافاة بينهما كملك اليمين مع ~~ملك النكاح، والمتنافيان حكما لا يتغير حكم المنافاة بها بالدخول وعدم ~~الدخول. # وقول الشافعي: إنها ليست بمنافية حكما لأنهما إذا ارتدا معا بقي النكاح ~~غير قوي أثره، لأن الردة إن لم تناف حال اتفاقهما في الكفر لم تدل على عدم ~~المنافاة حال الاختلاف ألا ترى أن اتفاقهما في الكفر الأصلي لا يمنع ابتداء ~~العقد، ولا يقطع وحال الاختلاف يمنع بلا خلاف ويقطع عنده فلم تكن إبانة ~~التأثير دليلا على إفساد ما قلنا بحال الاتفاق قويا، لما بينا أن لحال ~~الاختلاف أثرا في إعمال العلل المحرمة حكما. # وكذلك إذا قلنا إن عدد الطلاق بالنساء وقالوا: إن العدد بالرجال، لأن ~~الملك لهم فيعتبر بحالهم كابتداء الملك عدد المنكوحات اعتبر بحال الرجل دون ~~المرأة لأن الملك صفة المالك فيعتبر بحاله. # وكملك اليمين يعتبر بحال المالك فيملك إذا كان حرا ولا يملك إذا كان عبدا. # وقلنا نحن: الطلاق لقطع الملك الثابت على المرأة فيعتبر عدد القاطع بمحل ~~الملك قياسا على عدد العتاق يعتبر بعدد ملك اليمين في المماليك لا بالمالك، ~~وهذا أولى لأن الملك يزداد بزيادة المحل المملوك بالمالك والقطع بناء على ~~الملك فإنما يزداد بما يزداد به الملك. # فإن قيل: هذا فيما يتصور الازدياد ms349 بالمحل وذلك بزيادة عدد النساء لا ~~بالحرية والرق فملك الرجل في الحرة والأمة واحد. # قلنا: لا كذلك بل ملكه في الحرة ضعف ملكه في الأمة من حيث الحكم، ألا ترى ~~أن القسمة إذا وجبت بين الحرة والأمة بحكم هذ الملك كان للأمة ليلة وللحرة ~~ليلتان فنزلت الحرة منزلة أمتين. # وكذلك العدة التي تجب قضاء لحق هذا الملك على ما بينا في موضعه: يجب على ~~الحرة ضعف ما يجب على الأمة إلا أن التضعيف لا يتبين في أصل الاستحلال لأنه ~~مما لا يتجزأ، ولكن يظهر فيما يتجزأ من الأحكام التي تتفرع من هذا الملك من ~~العدة، والقسم، PageV01P344 # فكان الأثر الذي صرنا إليه أقوى من أثره بالملك بل أثر الملك في إطلاق ~~التصرف والحجر لا في قدر عدد المملوك من التصرف المزيل للملك، وإنما الأثر ~~للمحل على ما بينا. # وكذلك مسح الرأس لا يثلث استدلالا بمسح الخف لأن هذا الوصف يفرق بين جنس ~~الغسل، والمسح في حكم التخفيف فإن المسح أخف منه في نفسه، وكذلك في حكمه ~~حتى تأدى الفرض منه ببعض محله فصار وصف المسح مؤثرا وضعا وشرعا في الفرق ~~بينه وبين الغسل. # وقولهم: إنه ركن فصار نظير الغسل لا أثر له في جعل الركن بابا واحدا فيما ~~هو تغليظ لا من حيث نفسه ولا من حكمه. # وكذلك صوم رمضان عندنا يتأدى بمطلق نية الصوم لأنه صوم عين أي ليس معه ~~غيره في وقته فأشبه صوم النفل في سائر الأيام فإنه لم يشرع معه غيره في أصل ~~الشريعة، وإنما يثبت بعوارض وتأثيره أن النية ما شرعت أصلا إلا لتعيين ~~العبادة عن العادة فلا يشرع زيادة الوصف عليه إلا لتعيين عبادة عن عبادة ~~أيضا، فإذا لم تشرع العبادة وكانت الواحدة عينا لم يفتقر إلى التعيين. # وقال الشافعي رحمه الله: إنه صوم فرض فيكون تعيين نية الفرض شرطا قياسا ~~على القضاء، لأن للفرضية أثرا في تغليظ حكمها متى قوبل بالنفل، وإنه ضعيف ~~لأنه أشار إلى أثر مجمل مع اتفاقنا على المساواة بينهما في ms350 كثير من ~~الأحكام، واختلافنا في شيء بعينه وهو النية، ونحن بينا الأثر في نفس النية ~~فهذا أقوى وجه يجب اعتباره. # وأما الوجه الثاني: وهو قوة ثباته على الحكم المشهود به فلأنه جعل علة ~~لإيجابه فيكون زيادة وجوب الحكم بها رجحانا من حيث الوصف، مثال ذلك أنا ~~قلنا: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان مثل، والمثل بنبئ عن المساواة ~~إما مطلقة صورة ومعنى أو معنى بالإجماع، والمنافع لا مثل لها فلم يجب ضمان ~~المثل للعجز عن الوصول إليه، كما لا يجب ضمان المثل صورة فيما لا مثل له من ~~صورة، وكذلك المنافع لا تضمن بمنافع مثلها لعدم المماثلة، فكذلك لا يجب من ~~حيث القيمة لأنه لا مماثلة بينهما أيضا، فإسقاطنا ضمان المثل للعجز عن ~~المثل إسقاط بمعنى مؤثر لأن التكليف مبني على الطاقة في جميع أنواع ~~التكليف. # فحكم هذه العلة يتبعها في جميع أنواع التكليف، ودلالة أنه لا مثل لها أن ~~القيمة دراهم أو دنانير، وهما جواهر والمنافع أعراض. # والجوهر في ذاته خير من العرض لأنه يقوم بنفسه والعرض يقوم بغيره فكان ~~كالتبع له بل وصفا للجوهر، لأن الجوهر مما يبقى زمانين والعرض مما لا يبقى ~~صفة ذات، PageV01P345 # والاتصاف بالبقاء معنى منبئ عن الجودة بل تفاوت ما بين التبع والمتبوع ~~أكثر مما يكون بين الجيد والرديء. # وقال الشافعي: تضمن بالإتلاف لأن المنافع مما تقوم بالعقد، فكذلك ~~بالإتلاف قياسا على عين المال وأوجب المماثلة بقدر الإمكان. # فإذا لم يمكن إلا بأدنى تفاوت تحمل كما تجب القيمة عن الأعيان وإنما ~~يستدرك بالظن. # والحرز لما لم يمكن إيجاب المثل صورة، وكان هذا التفاوت أولى بالتحمل من ~~إسقاط حق المتلف عليه أصلا ورأسا، وهذا حكم لازم فإنا أمرنا بدفع الضرر ما أمكن. # فإذا دار الأمر بين أن يسقط الضمان فرارا عن إيجاب زيادة متيقن فيها على ~~المتعدي على أضرار بالمتعدي عليه بإبطال أصل حقه، وبين أن يتحمل الزيادة ~~لحق المتلف عليه بعذر العجز كان الأولى ما صرت إليه فالمظلوم أولى بالنصرة ~~ودفع الضرر عنه، ms351 وأكثر الضررين أولى بالدفع عند المقابلة. # وقلنا نحن: حكم علتنا من حيث نفي الزيادة عن المتعدي أثبت لأنا وجدنا في ~~أصول الشرع إتلاف مال متقوم لا يوجب ضمانا كإتلاف الباغي أموالنا ونفوسنا ~~في حال المتعة، وإتلاف الكفار كذلك، ولم نجد تعديا أوجب الزيادة على المثل ~~بعذر من الأعذار في الدنيا لا في الآخرة بل الزيادة جور لا وجه إليه بحال ~~فكان حكم علتنا ألزم من حكم علتهم. # وهذا لأن في الزيادة جورا وفي الإسقاط تأخير الانتصاف إلى الآخرة فكان ~~التأخير أهون من إبطال حق المتعدي في الزيادة. # ولأن الزيادة راجعة إلى ما يتبين من حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى ~~مصون عن الجور، وأما الضرر فيبقى غير مجبور للمظلوم لعجزنا عن الخبر والعجز ~~عذر لنا. # ثم الظالم مساو للمظلوم في احترام حقوقه إلا من حيث الانتصاف منه له ~~بالمثل والكلام في الزيادة فسقط أثر التعدي فيها، وليس هذا كضمان القيمة عن ~~العين لأنا لا نوجب زيادة بالفتوى بحال، بل نوجب قيمة عدل على الحقيقة فلكل ~~عين متقوم قيمته مثل على الحقيقة عند الله تعالى وإنما يقع التفاوت بقدر ما ~~يقع في استيقاء الواجب لأنه لا يقع مثلا على الحقيقة، وذلك عمل بما وجب ~~والعمل يلزمنا بقدر الوسع فسقط اعتبار ما ليس في وسعنا دفعه فثبت أنا ما ~~أوجبنا بالشرع زيادة على المثل في موضع. # وكذلك قلنا: ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف، وكذلك ملك القصاص، حتى لو شهد ~~شاهدان بالطلاق بعد الدخول أو العفو عن القصاص، وقضى القاضي ثم رجعا لم ~~يضمنا لأن المال ليس بمثل لهذين الملكين لا صورة ولا معنى لأن معنى المال ~~غير معنى ملك النكاح، وملك الحياة. PageV01P346 # وكان القياس أن لا تجب الدية مثلا عن الآدمي بالقتل خطأ إلا أنا أوجبناها ~~بالنص معدولا به عن القياس فلا يقاس عليه غيره. # وكذلك إذا غصب ساحة فبنى عليها لا ينقض عليه لأن في النقص إبطال ملك قائم ~~بعينه للغاصب بلا عوض وفي الإبقاء إتلاف ملك المغصوب منه بعوض، وهو ms352 مالك من ~~وجه على ما بينا في موضعه فكان هذا أهون، ويكون الغاصب متعديا لا يستوجب ~~زيادة غرم على مثل ما تعدى، ولا تبطل حرمة ماله بوجه وراء الانتصاف منه. # وكذلك إن صوم رمضان صوم عين من بين سائر الصيام فلا يشترط تعيينه عن سائر ~~أنواعه قياسا على النقل في غير رمضان. # وقولهم: أنه صوم فرض فأشبه القضاء لأن سقوط التعيين فيما هو عين حكم لازم ~~موجود في المعاملات وسائر الفرائض من الزكوات، وكل عين يتصف بالتعيين وحكم ~~علتهم يختص بصوم فرض لا يدور مع كل فرض على ما بينا أن فرض الزكاة يتأدى ~~بلا تعيين نية الزكاة. # وكذلك فرض الإيمان والشهادة باللسان. # وكذلك فرض الحج على أصله يتأدى بلا نية التعيين فهو قريب من الباب الأول. # ومنه قولنا: إن ربا الفضل حرام للكيل والجنس فيحرم بهما فضل القدر كيلا، ~~وقولهم حرام للطعم، والحرام فضل القدر ذاتا في الحبة بالحبة، فإن أجزاء ~~الخلقة على التفاوت كانت علتنا أولى لأن حكمها، وهو حرمة فضل القدر كيلا ~~لازم معها أبدا، وحكم علتهم يزول إذا جاءت المساواة كيلا فإنه حلال مع ~~تيقننا بتفاوت الأجزاء بينهما ذاتا، والله أعلم. # وأما النوع الثالث: فبكثرة الأصول لما مر أن الوصف هو الحجة بأثره في ~~الحكم لا الأصل فيكون في كثرة الأصول زيادة لزوم الحكم معه من وجه آخر غير ~~ما مر، كزيادة صحة الخبر بزيادة الرواة حتى يصير مشتهرا ومتواترا، وقلما ~~يوجد نوع ترجيح من هذه الأنواع إلا ويتبعه الآخران. # وأما الرابع: فأخف الوجوه ترجيحا، وهو العدم لما مر أن العدم لا يوجب ~~عدما ولكن لما عدم الحكم بعدمه بعدما صار علة بدليله أوجب زيادة علم بتعلق ~~الحكم به يفوت ذلك إذا نفي الحكم مع عدمه من حيث الظاهر. # ومثال ذلك: إنا نقول في من اشترى طعاما بعينه بطعام أن القبض ليس بشرط في ~~المجلس لأنه مثمن عين فأشبه الثياب. # وقالوا: القبض شرط لأنه من أموال ربا الفضل مع الجنس فأشبه الذهب والفضة. PageV01P347 # قلنا لهم: إن ms353 علتنا أولى لأن الحكم ينعدم بعدمها، وهو صرف الدراهم ~~بالدراهم أو إسلام الدراهم في الحنطة لما كانا دينا بدين أو ثمنا بثمن شرط ~~القبض في المجلس كي لا يكون كيلا يكون كاليا بكالي، لأن الأثمان لا تتعين ~~بحال بيعا. # وعلتهم لا توجب العدم لعدمها فإن القبض شرط في المجلس في باب السلم، وإن ~~لم يشتمل على أموال الربا. # وكذلك إذا قلنا: إن الرجل إذا ملك أخاه عتق عليه لأن بينهما قرابة محرمة ~~للنكاح فأشبه الأب والابن كان أولى من قولهم: لا يعتق لأنه يحل له وضع ~~الزكاة فيه فأشبه ابن العم، لأن علتنا تنعدم لانعدامها في ابن العم وعلتهم ~~لا توجب العدم فإن الكافر يحرم وضع الزكاة فيه، ولا يعتق على المسلم إذا ملكه. # وأما الترجيحات الفاسدة فما عدا هذه الأقسام. # منها ترجيح القياس بالقياس لما ذكرنا فيما مضى، وقد أجمع المسلمون في ~~ابني عم أحدهما زوج ورثا امرأة أن الزوجية لا توجب ترجيحا للعمومية لأنها ~~علة بانفرادها، ولو كانا أخوين لأب أحدهما أخ لأم يرجح بالأم الأخوة لأب ~~لأن هذه الوصلة رجعت إلى الأولى فصارت وصفا له، فصار كعلة ثبتت بأصلين، ~~وخير ثبت برواة كثيرة، وقال عامة الصحابة رضوان الله عليهم في ابني عم ~~أحدهما أخ لأم: أن ابن العم الذي ليس بأخ يرث. # وقال بعضهم: لا يرث لأن الكل قرابة، إلا أنا نقول: الأخوة غير العمومة ~~فلا يصيران علة واحدة بل كان كل واحدة علة منفردة فأشبه ابني عم أحدهما: زوج. # ومن الترجيح الفاسد: غلبة الأشباه، كقولهم: إن الأشباه بين الأخ وابن ~~العم أكثر من حيث جريان القصاص في الطرفين وحرمان الإرث بالأولى وحل وضع ~~الزكاة وقبول الشهادة لصاحبه، ولا شبه بينه وبين الأب إلا المحرمية بالرحم، ~~وذلك لأن هذه الأشباه أوصاف أو أحكام تجعل عللا، وكثرة العلل لا توجب ~~ترجيحا ككثرة الأخبار، وكثرة الآيات فلا فرق بين أوصاف تستنبط من أصل، أو ~~من أصول ولو كانت من أصول شتى لم توجب ترجيحا فكذا هذا بل أولى لما ms354 ذكرنا ~~أن زيادة الأصول ترجيح للوصف الواحد. # ومن الترجيح الفاسد قول بعضهم: إن علتي أعم لأن العلل خلف النصوص، والنقض ~~لا يترجح بعمومه فكذا العلة بل الخاص من النص أولى عند الخصم فيجعل العلة ~~الخاصة أولى. # ومن الترجيح الفاسد: أن تكون إحدى العلتين بوصف، والأخرى بوصفين فيقال: ~~إن التعليل بوصف أولى لأنها خلف النص، والنصان إذا تقابلا لم يترجح أحدهما ~~بكونه أوجز عبارة. # فهذه وجوه أربعة متداولة بين أهل النظر. PageV01P348 # باب ### | AUTO القول فى المناقضة # قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا ~~بدليل مجمع عليه، ومثل هذا الدليل لا ينقض، وإنما تجيء المناقضة على الطرد ~~لأنهم جعلوه حجة باطراده، وربما لا يطرد، فإنه دليل ما ثبت إلا بحسن الظن ~~أو غالب الرأي، وهما لا يوجبان علما لا يحتمل الغلط، إلا أنا أثبتنا بالباب ~~لنبين لك بالأمثلة أن المؤثرة لا يرد عليها نقض، ولكن يرد عليها الخصوص على ~~سبيل أن الذي جاء ناقضا ظاهرا غير داخل تحت ما جعله المعلل علة معنى. # وبيان ذلك بطرق أربعة. # من حيث اعتبار معنى الوصف الذي هو ركن العلة. # ثم اعتبار معنى دلالة التأثير الذي به صار الوصف حجة يجب العمل بها. # ثم باعتبار الحكم الذي وقع التعليل لإثباته. # ثم بالغرض الذي قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره. # أما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس مسح فلا يثلث كوظيفة الخف. # فلا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هي إزالة ~~للنجاسة الحقيقية، ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل لأنها أتم، ولو كانت ~~الوظيفة مسحا لكره التبديل بالغسل كما في وظيفة الرأس. # وكذلك إن الدم السائل عن الجرح حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول، ولا ~~يلزمنا الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح لأنه ظاهر وليس بخارج، لأن الخروج ~~بالانتقال عن مكان باطن إلى مكان ظاهر، وتحت كل جلد ورطوبة وفي كل عرق دم، ~~فالذي هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة التي كانت سترة له، ms355 ولم ينتقل عن ~~مكانه إلى مكان ظاهر من بدنه خلقة فهو كرجل في البيت ظهر بفتح الباب أو ~~بنقض البناء، والآخر ظهر بالخروج عن الباب لم يكن الظاهر في محله الباطن في ~~أصله بزوال البناء، أو الستر خارجا دل عليه أنه لا يجب غسله في نفسه إذا لم ~~يسبل، وهذا حكم النجاسة الباطنة لا الخارجة. # وأما التأثير: فلأنا نقول: إن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث، لأنه ~~قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف في مقابلة الغسل فعلا وذاتا، وكذلك ~~قدرا من حيث PageV01P349 # التأدي ببعض المحل، وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء، لأن أصل المأمور هو ~~مسح موضع النجاسة ولا يتأدى ببعض محل النجاسة فكان نظير الغسل في محله سنة ~~من مضمضة، أو فريضة من غسل وجه. # وكذلك النجاسة الخارجة إنما كانت حدثا لأنها أوجبت تطهيرا في نفسها، فإنه ~~يجب غسلها إذا سالت عن رأس الجرح كما أوجب خروج البول، فلما ساوته في إيجاب ~~الحقيقة ساوته في إيجاب الحكمية بل أولى لأنها دون الطهارة الحقيقية، وأخف ~~منها من حيث أنها طهارة. # ولا يلزم التي لم تسل لأنها لم تصر كالبول في إيجاب الطهارة في محلها ~~فكذا في غير محلها فتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل تزيد ~~قوة في انعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير، وإن بقي الوصف. # وأما الحكم: فنحو قولنا، فيمن نذر صوم يوم النحر: إنه صحيح لأنه يوم فلا ~~يفسد النذر بالإضافة إليه كسائر الأيام، ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم ~~حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض فالحيض صفة لها لا لليوم. # وقولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على ~~البيع، ولا يلزم غصب المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان ~~المحل الذي يعمل فيه، وفي المدبر الغصب سبب ملك، إلا أن التدبير منع عمله ~~كما لو باعه. # وكذلك الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالبيع ~~والإجارة، ولا يلزم إذا ms356 أدى بعض بدل الكتابة لأن المانع أخذ بعض العوض عن ~~العتق لا الكتابة، وهو معنى قول أهل النظر: إن المعلل للجملة لا يناقض ~~بالإفراد. # وأما الغرض: فنحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر، ولا يلزم ~~التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن نجعل كونه ذكرا علة لشرع المخافتة، وأنه ~~كذلك في التكبيرات فإن أصل الشروع فيها المخافتة بها وإنما وجب الجهر بعلة ~~أخرى، وهي إنما شرعت إعلاما، والعلة مع كونها علة قد تجب ضد حكمها بمعارضة ~~علة أخرى أولى منها. # كذلك نقول: إن الدم السائل حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم ~~الاستحاضة لأن غرضنا أن نسوي بين الخارجين في كونهما حدثا ناقضا للطهارة ~~وقد استويا لأن السيلان متى دام منها لم يكن حدثا ناقضا إلا بخروج الوقت. # ولأن الغرض أن نجعله علة ناقضة للطهارة وهو علة في الاستحاضة بعد الوقت. # ولكن امتنع النقض للحالة لعلة أخرى مانعة وهي أنها مخاطبة بالأداء فيجب ~~أن تكون قادرة، ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن تعمل ~~عملها لدفع ضرورة العجز عن الإمكان، فلا يخرج عن كونه علة بتأخر العمل إلى ~~حين كالبيع بشرط PageV01P350 # الخيار ثلاثة أيام، وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ~~ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وبين أن العموم لم ~~يدخل تحت التعليل. # وجملة الحد في الخروج عن المناقضات أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم ~~علته، وهذا الذي جاء مناقضا لم يكن نقضا، ومتى لم يمكنه كان نقضا كما في ~~تناقض الدعاوي وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور. # وبهذه الوجوه من البيان يمكنه الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول أو ترك. # وبهذه الوجه يتبين الفقه: فإنه اسم لضرب معنى ينال بالتأمل والاستنباط. # وفسرت الحكمة في القرآن بالفقه، لأن الحكمة هي المعنى الباطن في المصنوع ~~لأجله كان الصنع، فكذلك المعنى الباطن في النص الذي شرع لأجله الحكم هو العلة. # والحكمة والفقه هو الوقوف عليها، فالدافع ms357 على طرف الفقه هو أن يكون بوجه ~~لا ينال إلا بضرب تأمل، فأما الدفع بألفاظ ظاهرة فمما يقع بها الاحتراز عن ~~النقوض بالسماع، فلا يكون فقها. # إلا أن أهل الطرد لما كلت أفهامهم عن الفقه، وطمعوا في اكتساب اسم الفقه ~~أبدلوا المقاييس المعنوية بمقاييس لفظية تشهيا ولم يدروا أنهم لما اعتمدوا ~~الألفاظ، فالأولى بهم أن يقولوا بظاهر النصوص ويكونوا مع أصحاب الظواهر مع ~~ما أطلقوا على أهل التوحيد والسنة أهل الإلحاد ببنائهم أحكام الشرع على ~~ألفاظ ودعاويهم، وبالله نعوذ من الخذلان والكسل والعجب، ونسأله التوفيق ~~للإصابة والجد. # وقد زاد مشايخنا من أصحاب الطرد في هذه العلل المؤثرة فعللوا لمسح الرأس ~~بأنه مسح بالماء فأشبه مسح الخف احترازا عن الاستنجاء بلفظ ظاهر. # وعللوا للدم السائل بأنه نجس خارج إلى موضع يلحقه حكم التطهر في نفسه ~~احترازا عن غير السائل بنص ظاهر. # وعللوا لإيجاب الملك في المغصوب بالغصب عند أداء الضمان أنه سبب أوجب ملك ~~البدل عما يحتمل التمليك والتملك فيوجب ملك الأصل احترازا عن المدبر، وأنه ~~سمع سماعا ولغوا ذكرا لوقوع الغنية عنه بما دونه، والله أعلم. PageV01P351 # باب ### | AUTO القول في صحيح الاعتراضات على العلل الطردية التي لا يضلل القائل بها ويجوز العمل بها بالإجماع # مما مر بيانه في التعليل بوصف ملائم القول بموجب العلة، ثم الممانعة، ثم ~~بيان فساد الوضع، ثم المناقضة، فهذه وجوه أربعة تلجأ أصحاب الطرد إلى القول ~~بالتأثير ضرورة. # وسنذكر كل قسم في باب على حدة ليكون أبين للمقصود، فقد أولع أهل زماننا ~~لكسلهم في الدين بطريقة الطرد، وصار القول به عادة راسخة، وطبيعة خاصة ~~وانتزاع الناس عن العادة أمر صعب وخطر هائل، ما قدر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك عموما بقوة الحجة، حتى انضم إليها قوة السيف، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله. PageV01P352 # باب # في ### | AUTO القول بموجب العلة # أما تفسير ### | AUTO القول بموجب العلة # : فهو التزام ما أوجبته العلة، وأنه سبب عجب لإلجاء أهل الطرد إلى القول ~~بالتأثير، وذلك في قولهم: إن المسح ms358 بالرأس ركن في الضوء فيسن تثليثه ~~كالغسل. فنقول: عندنا يسن تثليثه لأن قدر الفرص يتأدى بالإجماع ببعض الرأس، ~~ويسن الاستيعاب بالإجماع، وفيه تثليث قدر المفروض من المسح لأن الباقي بعد ~~الفرض من فعل المسح يكون مثلي قدر الفرض وزيادة فيكون تثليثا للفعل، ولكن ~~في أمكنة فالغسل تثليث في مكان واحد، ألا ترى أنك تقول: دخلت ثلاث دخلات في ~~ثلاث دور، ودخلت ثلاثا في دار واحدة فإن غير موجب العلة، وقال: وجب أن يسن ~~تكراره. # قلنا: ولا نسلم هذا الحكم في الأصل، فإن تكرار الغسل غير مسنون في أصله، ~~بل المسنون إطالته في محله ليكون إكمالا له كإطالة القراءة والركوع، إلا أن ~~الفرض منه لما استوعب المحل لم يمكن الإطالة في المحل إلا بالتكرار، ويمكن ~~في المسح الإطالة من غير تكرار فلم يجب التكرار. # أو نقول: إن الغسل لما كان ركنا وجب إكماله سنة، والغسل موضوع للتنقية، ~~وإكمال التنقية في تكراره ليزداد المحل به طهارة، وأما المسح بالماء فلا ~~يفعل في أصله لتنقية المحل، بل المتعلق به طهر حكمي تعلق بعينه فكان تكميل ~~عينه في تطويله كالقراءة والركوع في الصلاة فيضطر إلى النظر في أثر ~~الركنية، إذا قوبلت بالرخصة من مسح الخف في الفرق بينهما في إكمال قدر ~~المفروض بالسنة فلا يجد أثرا، لأن قدر المفروض من الغسل شرع إكماله بمثليه ~~في محله، ومسح الخف يساويه فيه، وإن لم يكن ركنا بل شرع رخصة فإن قدر ~~المفروض منه مثل قدر المفروض من الرأس، وقد شرع إكماله باستيعاب ظاهر الخف ~~بمثلي قدر المفروض في محله أو بأكثر. # ثم ننظر إلى المضمضة التي شرعت سنة فنجدها ثلاثا وأصل المشروع سنة بالمرة ~~وكمالها بالثلاث، فيعرف أن وظائف الوضوء أركانها وسننها ورخصها سواء في ~~إكمال قدر أصل المشروع لا عبرة للركنية فيها فيستوي مسحها وغسلها وركنها ~~وما شرع رخصة. # وكذلك ننظر إلى سائر المشروعات من أركان الصلاة وغيرها فنجد الإكمال ~~مسنونا، والإكمال أبدا يكون بزيادة من PageV01P353 # جنس الأصل لا بالتكرار وقد تصور الإكمال بالزيادة من ms359 جنس الأصل بغير ~~تكرار في باب الممسوحات فلم يجب التكرار بعينه، ولم يمكن في باب المغسولات ~~الإكمال بزيادة من جنس الأصل فوجب التكرار ضرورة. # وكذلك إذا قالوا: إن الصوم نفلا قربة لا يمضي في فسادها فلا يجب القضاء ~~بإفسادها قياسا على الوضوء. # قلنا لهم: لا يجب القضاء بإفسادها وإنما يجب الشروع. # فإن قال: ولا يجب بالشروع، ولا الإفساد قياسا على الوضوء! # قلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضي في فسادها، لكن بالشروع ~~في عبادة تلتزم بالنذر، ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكر من الوصف ~~لأن الأوصاف تذكر عللا، وبما ذكر من الوصف لا تصير العبادة محلا لا يلتزم ~~بالشروع فيها، بل وصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة لبيان أن الشروع ~~ليس بسبب للالتزام الذي فيه النزاع. # وكذلك قولهم، في إسلام المروي بالمروي: أنه جائز، لأنه أسلم مذروعا في ~~مذروع فيجوز كالهروي في المروي. # فنقول: من حيث أنه مذروع في مذروع يجوز العقد، وتعلق الجواز بهذا الوصف ~~لا ينفي تعلق الفساد بأمر آخر، ألا ترى أنه لو شرط شرطا فاسدا، ولم يقبض ~~رأس المال في المجلس كان فاسدا فكذا عندنا بصفة الجنس لأنه علة مفسدة ~~كالشرط الفاسد، فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليست بعلة محرمة الذي فيه ~~الخلاف. # وكذلك قولهم: إن المطلقة طلاقا رجعيا حرام لأنها مطلقة، فأشبهه المطلقة بمال. # فنقول: من حيث أنها مطلقة محرمة، ولكن من حيث أنها منكوحة محللة كما لو ~~أبانها ثم تزوجها، وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى ~~الرجوع إلى بيان خلل في النكاح أوجب التحريم الذي هو حرف المسألة. # وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق في العدة لأنها منقطعة ~~النكاح. # لأنا نقول: إن الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح، ولكن من حيث العدة ~~عن النكاح التي هي أثره. # وكذلك إذا قالوا: لا يجوز تحرير الكافرة عن كفارة اليمين لأنه تحرير في ~~تكفير فأشبه كفارة القتل. # قلنا: وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير، ms360 ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر ~~كما يجوز إذا كسا مساكين، ولا يجوز في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى ~~بيان أن المطلق يحمل على المقيد أم لا؟ PageV01P354 # وكذلك إذا قالوا: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ لمال الغير بلا تدين ~~كالغصب. # لأنا نقول: إنها موجبة للضمان إلا أن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء ~~فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفي الضمان الذي هو حرف المسألة، وقد يجيء هذا ~~الاعتراض على أكثر العلل الطردية لمقايستهم بأوصاف صالحة محتملة أن لا تكون ~~عللا، وإنما قدمنا هذا لأن المنازعة إنما تجب إذا لم يمكن الموافقة، والله ~~أعلم. PageV01P355 # باب ### | AUTO القول في الممانعات # الممانعات على هذا الطريق أربعة: # ممانعة في نفس الوصف. # والأخرى: في صلاحه للحكم. # والثالثة: في الحكم. # والرابعة: بالحكم مضافا إلى الوصف لأنهم يشترطون الصلاح، وتعلق الحكم ~~بالعلة وجوبا. # أما الوصف: فنحو قولهم في كفارة الإفطار: أنها عقوبة متعلقة بالجماع فلا ~~يشاركه غير الجماع كالحد. # لأنا نقول: أنها غير متعلقة بالجماع بل متعلقة بالإفطار، لكن إذا كمل تعديا. # وكقولهم، لمسح الرأس: أنه طهارة مسح فيثلث كالاستنجاء. # لأنا نقول: في الأصل هي طهارة عن النجاسة الحقيقية لا طهارة مسح فيضطر ~~إلى بيان أن الكفارة غير متعلقة بالإفطار الذي هو حرف المسألة فإنها تجب ~~بالفطر عندنا، والفطر سواء بالأكل والشرب والجماع، ويضطر في الأخرى إلى ~~الرجوع عن صفة المسح الدال على التخفيف إلى صفة أخرى يرده بها إلى الغسل ~~الذي هو حرف المسألة في التسوية بين المسح والغسل فيما هو سنة أو التفرقة ~~بينهما فيما يوجب خفة في المسح. # وكقولهم: بيع تفاحة بتفاحة حرام لأنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فأشبه بيع ~~صبرة حنطة بصبرة حنطة. # لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: مجازفة، أتريدون مجازفة ذات أم وصف؟ فلابد ~~من القول بمجازفة الذات. # ثم نقول: أتعنون بمجازفة ذات من حيث صورته التي بها عرفت تفاحة؟ أم من ~~حيث المعيار الذي وضع لبيان القدر منه؟ # فلابد من القول بمجازفة من حيث المعيار، فإن بيع الحنطة بالحنطة ms361 كيلا ~~بكيل حلال، وإن كان ذات أحدهما من حيث الصورة عددا أكثر، ولأن الجوار يتعلق ~~بالمساواة كيلا، وبها يقع الخلص عن فضل كان ربا ولا يزول بالمساواة كيلا ~~إلا فضل من حيث PageV01P356 # الكيل، فثبت أن الحرمة متعلقة بالمجازفة كيلا لا بمجازفة مطلقة. # وإذا فسروا بالمجازفة كيلا لم يجدوها في التفاحة لأن المجازفة كيلا فيما ~~لا كيل له محال، فيضطرون إلى الرجوع إلى قولهم: إن الطعم علة تحريم البيع ~~في الجنس إلا بزيادة شرط وهو المساواة كيلا وهو حرف المسألة فإن الحرمة ~~عندنا متعلقة بالفضل كيلا، وقد حرم الفضل كيلا بصفة الكيل والجنس على ما ~~بينا في موضعه. # ومن ذلك قولهم، للثيب الصغيرة: أنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها ~~قياسا على البالغة. # لأنا نقول: يرجى مشاورتها برأي قائم، أو برأي مستحدث، أم بأيهما كان. # إن قلت: بأيهما كان فبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه. # وإن قال برأي قائم لم نجده في الفرع، وتبين حرف المسألة، وهو أن القاطع ~~لولاية الغير رأي قائم لا رأي سيحدث، فإن ما سيحدث من علة أو مانع لا يوجب ~~حكما قبل الحدوث، والرأي هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ولأن ~~رأيا سيحدث لو قطع الولاية لما ثبتت الولاية على صبي ولا صبية، ولما لم ~~يلتفت للحال إلى طلبها ورضاها وردها علم أن الرأي ساقط العبرة شرعا دون رأي ~~الولي فلم يجز أن يبطل به حكم رأي الولي، ورأيها ساقط العبرة دون رأيه، ~~وعلى هذا الوجه يتبين عوار من دخل في الأمر على حسن الظن بلا رؤية تميز له ~~الصواب من الخطأ. # وأما الحكم: فنحو قولهم: إن المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على ~~الغسل، لأنا لا نسلم أن سنة الغسل في التثليث بل في الإكمال كما يكمل ~~القراءة والقيام، والإكمال صفة الأصل فلا تثبت إلا بما هو جنس الأصل، ~~والأصل لم يتصور إلا في محل مخصوص، فكذلك الإكمال كإكمال القراءة لا يكون ~~إلا بالقرآن الذي يتأدى به أصل الفرض ms362 في القيام. # ولما استوعب الفرض كل محل لم يمكن إكمال فعل الغسل في ذلك المحل إلا ~~بالتكرار، فكان التكرار لضرورة ضيق المحل لا لكونه ركنا، وقد أمكن الإكمال ~~في المسح بغير تكرار فلم يجب فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة، فإنا ~~أسقطنا التثليث لأن المرة المستوعبة من المسح كالغسل بالتثليث. # ولا يلزم على ما قلنا إكمال مسح الرأس بمسح الأذنين، ولا يتأدى الفرض ~~بهما لأن الأذنين صارا من الرأس بالسنة إكمالا للرأس الذي هو محل ثم المسح ~~شرع في المحل لأن المسح بهما شرع إكمالا بنفسه لمسح الرأس. # وكقولهم: إن صوم رمضان صوم فرض، فوجب أن يشترط لصحته نية تعيين الفرض ~~قياسا على القضاء. PageV01P357 # لأنا نقول: أيشترط تعيين النية قبل تعينه، أم بعد تعينه أم مطلقا في ~~الحالين جميعا؟ فلابد من أن يقول: قبل تعينه فلا يجد في صوم رمضان لأنه ~~متعين، ويضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة فإنا أسقطنا نية التعيين لتعينه. # وكقولهم في بيع تفاحة بتفاحة: أنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فوجب أن يرحم ~~قياسا على الصبرة بالصبرة. # لأنا نقول: أتعنون حرمة مطلقة أم حرمة تزول في هذا المحل بالمساواة كيلا؟ ~~فإن قالوا: حرمة مطلقة، لم نسلم لهم لأن الحرمة في الأصل تزول بالمساواة ~~كيلا، وإن قالوا: حرمة تزول بالمساواة لم يجدوا في الفرع إذ ما للتفاحة ~~بالتفاحة حال مساواة يجوز البيع معها عند الخصم، فتبين به حرف المسألة فإن ~~الحكم عندنا حرمة نزول بالمساواة، لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل ~~لمفاضلة محرمة، ومساواة مبيحة في نفسه. # وكقولهم للثيب الصغيرة: إنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها. # لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: كرها فلابد أن تقولوا بدون رأيها إذ ليس ~~ههنا إكراه تخويف، فنقول: بدون رأيها، ولها رأي معتبر شرعا أو غير معتبر، ~~فلابد من قولهم معتبر لأن ما لا يعتبر شرعا لغو اعتباره، ومتى قالوا: معتبر ~~لم يجدوه في الفرع وتبين به حرف المسألة. # وكذلك إذا قالوا: إن الحيوان يثبت دينا في الذمة مهرا ms363 فيثبت سلما قياسا ~~على المكيل. # قلنا: أيثبت دينا مهرا معلوما بالوصف أم بالقيمة؟ # فإن قالوا: بالوصف، لم نسلم لهم بالمهر. # وإن قالوا: بالقيمة، لم يجدوه في الفرع. # وإن قالوا: بنا غنية عن هذا التفسير. # قلنا لهم: لا غنية لكم لأنكم جعلتم أحد الدينين نظيرا للآخر، وإنما يكونا ~~نظيرين إذا كان طريق ثبوتهما واحدا، وإنهما مختلفان عندنا فالسلم لا يثبت ~~إلا معلوما بوصفه، والحيوان لا يصير معلوم المالية بالوصف، وأما المهر ~~فيثبت بالتسمية مطلقا، وكينونته معلوم المالية بالوصف ليس بشرط لدليل، قام ~~لنا فيه فيظهر حرف المسألة. # وكذلك إذا قالوا: إن الطعام بالطعام جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض ~~في المجلس كالثمن بالثمن. # قلنا لهم: إن القبض عينه ليس بشرط فيما هو ثمن، إنما الشرط هو التعيين ~~حتى لا يكون دينا بدين لأن الأثمان لا تتعين، وإن عنيت إلا بالقبض، والطعام ~~مما يتعين فيظهر به PageV01P358 # حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟ # وكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب ~~فأشبه الإرث. # لأنا نقول: ما حكم علتكم؟ # فإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم. # وإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف ~~المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا. # وكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل ~~التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة. # لأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به. # فإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار ~~بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام ~~الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو ~~التغذية والتعشية أم التمليك. # وأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في ~~العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف ms364 وإن وجدت معها، ~~وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على ~~الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس ~~لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه. # وكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال ~~كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية. # وكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة ~~لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم. PageV01P359 # باب ### | AUTO القول في بيان فساد الوضع # وإنه من باب الشهادة يجري مجرى فساد الأداء، وإنه فوق النقص لأنه إنما ~~يشتغل بإطراده بعد صحته علة، كالشهادة إنما تشتغل بتعديل الشاهد بعد صحة ~~الأداء، وإنه أقوى من النقض لأن الوضع متى فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض ~~خجل مجلس يمكن الاحتراز عنه بمجلس آخر. # وبيان ذلك أن الشافعي رحمه الله متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد ~~الزوجين بأنها فرقة وجبت لاختلاف الدينين فأشبهت الفرقة بالردة، كان فاسد الوضع. # لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما فقد كان ~~الاتفاق ثابتا قبله، وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام، ~~والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك لا مبطلا فكان الوصف ثابتا. # وكذلك متى علل لمسح الرأس بأنه ركن في الوضوء فيثلث كالغسل، كان فاسد ~~الوضع لأن الشرع بنى المسح على التخفيف في مقابلة الغسل، وهو سعي ليزيد ~~غلظا على الغسل، فإنه أوجب تثليث المسح بعد إكمال الفرض بما فوق قدر ~~الجواز. # وكذلك قولهم: الصرورة إذا حج نفلا كان عن الفرض، لأن نية مطلق الحج تقع ~~عن الفرض، فكذلك نية النفل كما لو تصدق بالنصاب ينوي الصدقة مطلقا، أو ينوي ~~النفل لأنه قصد أن يحمل المفسر على المجمل والمقيد على المطلق وإنه فاسد ~~وضعا، لأن المجمل مما يحمل على المفسر، وكذلك المطلق يحمل على المقيد على ~~أصل الشافعي رحمه الله. # وكذلك عندنا إذا كان حكما واحدا كما ms365 في كفارة اليمين حملنا مطلق الكتاب ~~بثلاثة أيام على مقيده بقراءة عب الله بن مسعود رضي الله عنه "فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات" ألا ترى أن مطلق تسمية الدراهم ينصرف إلى نقد البلد، ومفسره ~~بنقد آخر لا ينصرف إليه؟ # وعلل خبر ربا الفضل بالطعم، قال: لأن الطعم يتعلق به القوام فكان له ~~زيادة حرمة على غيره، فعلق جواز البيع فيه بشرط زائد وهو المساواة إظهارا ~~لحرمته، وإنه فاسد وضعا لأن المال خلق بذلة لحاجتنا إليه، وأشد الحاجات ~~حاجة البقاء فزيد هذا المعنى في ابتذاله وتوسع أمر كسبه لا أن يزيد تضيقا، ~~حتى حل أكل طعام الغنيمة قبل أن تخمس بخلاف سائر الأموال. PageV01P360 # وعلل لحرمة نكاح الأمة بالطول بأن الحر يستغني بطول الحرة عن تعريض جزء ~~منه للرق، فلا تحل له الأمة كما إذا كان تحته حرة، وهذا فاسد وضعا لأنه ~~يثبت حجرا عن النكاح بسبب الحرية، والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق فإن ~~الحر تحل له أربع وللعبد ثنتان. # وكذلك قولهم: إن الجنون إذا تم وقت الصلاة في بعض اليوم، أو يوم من الشهر ~~أسقط الفرض، قياسا على الجنون المطبق، وهذا فاسد وضعا لأنه ليس تحت الجنون ~~إلا العجز عن تفهم الخطاب والائتمار به. # فأما المجنون في نفسه فأهل للعبادات فإنه لو كان صائما فجن يبقى صائما ~~ومؤديا ومؤمنا، كذلك فإن الإيمان رأس العبادات، ويبقى في عباداته كالنائم ~~والمغمى عليه مستحقا بحكم حاله كما يستحق أملاكه. # ثم النوم أثره في تأخير لزوم الفعل حتى لا يأثم دون أصل الإيجاب، فكذا ~~الجنون فجعل ما يسقط الخطاب بالفعل علة لإسقاط أصل الإيجاب حكم بخلاف النص ~~والإجماع فيكون فاسدا. # ولأن الائتمار لا يتصور إلا عن اختيار وتمييز فسقط بفوت شرطه. # وأصل الإيجاب في الذمة يكون جبرا وإلزاما من الله تعالى فيكون شرطه الذمة ~~لا غير. # فأما إذا طال الجنون فالسقوط بحكم الضرورة والوقوع في الحرج، إذ لو ~~ألزمناه تضاعفت عبادات تلك المدة، وهذا معنى مسقط للإيجاب أصلا لقوله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين ms366 من حرج} ولقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} ألا ترى أن الصلاة تسقط بالحيض لدفع الحرج من حيث أن الحيض ~~يصيبها كل شهر عادة، والصلاة تجب كل يوم فلو ألزمناها قضاء أيام الحيض ~~لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت فيها، فسقط الإيجاب به لا لمنافاة الحيض ~~للإيجاب، ألا ترى أن قضاء الصيام يلزمها لأنه لا حرج في إيجاب قضاء الصيام. # وكذلك خطاب تتابع صيام كفارة القتل يسقط بالحيض، لأنها تقع في الحرج لو ~~ألزمناها التتابع لأنها قلما تجد شهرين لا تحيض فيهما في العادات الغالبة، ~~ولا يسقط في صيام كفارة اليمين أو نذر بصوم عشرة أيام متتابعة لأنها تجد ~~هذا القدر عادة بلا حيض فلا تحرج، فكان إضافة سقوط الإيجاب إلى الحرج أمرا ~~مجمعا عليه، والإضافة إلى العجز عن الفعل أمر بخلاف الإجماع وقياس الأصول ~~فكان فاسدا. # وكيف يسقط إيجاب العبادة والأداء منه صحيح، والأداء قبل الإيجاب لا يصح. # ولا يقال إن الصائم إذا جن بطل صومه لأن الجنون آفة سماوية تعجزه عن ~~إقامة فعل المميزين وبقاؤه صائما ليس من فعل المميزين فلا يبطل صومه، ولا ~~يخرجه عن جملة المؤمنين بحكم حاله، ألا ترى أنه يرث بحكم اتفاق دين ~~الإسلام؟ PageV01P361 # وكذلك المحرم إذا جن لا يبطل إحرامه، فكان من قبل الإغماء والنوم وصحة ~~أداء الصوم بعد صحة الشروع لا يبتنى إلا على ترك المفطرات، وما في الترك ~~فعل فذهاب شرط صحة الفعل لا يمنع تأدية، وإنما يشترط كونه من أهل العبادة ~~لا غير لأن ما يحصل يحصل له عبادة، فأحسن ما قالوا قولهم: إن الجنون يسقط ~~الخطاب، وبهذا التفحص يتبين لك أن لا يسقط الإيجاب، وإن سقط الخطاب بالفعل ~~عن المجنون. # ومن ذلك قولهم: إن الأثمان أموال تتعين في التبرعات، فكذلك في المعاوضات ~~قياسا على الحنطة وسائر السلع، وهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب ~~الأموال في الذمم بل للإيثار بعين ماله، والمعاوضات شرعت لإيجاب الأثمان في ~~الأمم لأن مطلق المعاوضات المتعارف بين الناس عقدها بلا إشارة إلى الأثمان ms367 ~~بل بتسمية مطلقة، وإنها توجب في الذمة، ولما كانت للإيجاب في الذمة كانت ~~الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى العين كما لو أضاف هبة الألف ~~إذا ذمته فإنه لا يصح. # وكما لو أضاف بيع المبيع إلى الذمة فإنه لا يصح إلا سلما رخصة بخلاف ~~القياس لضرب من العذر لأن البيع شرع لإيجاب العين لغيره. # وإنما تصح الإشارة إلى عين الثمن على معنى بيان نوعه وقدره فأما استحقاقا ~~فلا، فصار جعل التعيين في الهبة والعين محل الهبة علة لتعين الثمن في ~~البيع، ومحل الثمن في البيع الذمة فاسدا وضعا. # وكذلك قولهم: إن البائع يثبت له خيار الفسخ بإفلاس المشتري لأن الثمن أحد ~~عوضي البيع فالعجز عن قبضه يوجب خيار الفسخ، كالعجز عن قبض المثمن، نحو أن ~~يأبق العبد أن يكون السلم رطبا فيذهب حينه هذا فاسد وضعا لأن القدرة على ~~تسليم المبيع شرط لجواز البيع ابتداء. # والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط للجواز ابتداء، لأن البيع وضع لإيجاب ~~الملك، واليد في العين للمشتري، ولإيجاب ملك الثمن ابتداء في الذمة على ~~المشتري للبائع. # ولما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشتري كان شرطه قيام الملك ~~واليد للبائع ليعمل العقد عمله فلم يصح قبل أن يقدر ملكا ويدا. # ولما كان الشراء لإيجاب ثمن ابتداء في ذمة المشتري لا غير اشترط لصحته ~~قيام ذمة قائمة لثمن يجب فيها بحيث يقبل القبض بمثلها، من غير شرط القدرة ~~على التسليم بالمثل، لأنه لا قدرة إلا بملك ولم يشترط للجواز قيام ملك ولا ~~يد في عين مثله. # ولما لم تكن قدرة التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم ~~خللا فصار فاسدا وضعا، لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا بما جعل شرطا. PageV01P362 # هذه الجملة أحسن عللهم وأظهرها للقلوب صحة وأبينها فقلها، ليعرف بهذه ~~الجملة أن أكثر عللهم لا يخلو عن فساد الوضع، وتبين بهذا أنه لابد من القول ~~بالتأثير الذي كان عليه السلف بلا خلاف، والله أعلم. PageV01P363 # باب ### | AUTO القول في ms368 المناقضة # قال القاضي رحمه الله: قد ذكرنا فيما مضى تفسير المناقضة وحدها، وإنما ~~أعدناها لنبين أن الاعتماد على الاطراد ليس بصواب، بل هو واهي الإطناب، ~~لأنه بناء على عدم الدليل، على ما أوضحنا فيه السبيل، والرد بالمناقضة مما ~~يلجئهم إلى القول بالتأثير. # قال الشافعي رحمه الله: إن النية شرط لصحة الوضوء قياسا على التيمم، ~~وقال: طهارتان فكيف يفترقان. # فإن جعل موجب علته المساواة مطلقة لم يصح فإنهما يفترقان من وجوه، ويكون ~~وجه المفارقة نقضا فإن قيد بالنية، وذلك غرضه انتقض بالطهارة عن نجاسة ~~حقيقية فيضطر إلى الرجوع إلى موضع التأثير، وهو أن الطهارة حكمية أي حصولها ~~عرف حكما وشرعا لا حقيقة، وهو حرف المسألة فإن الماء عندنا طهور خلقة فتحصل ~~الطهارة باستعماله بطبعه فلا يتغير بالنية. # وأما التراب فطهور حكما فلا تحصل بطبعه طهارة ما لم يقترن به الشرط ~~الشرعي الذي جعله طهورا أو إرادة الصلاة. # وقال أيضا: الطلاق ليس بحال فلا يثبت بشهادة رجل وامرأتين قياسا على ~~الحدود، وهذا بظاهره يبطل بالبكارة فلا يجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير ~~عند الاقتصار على هذا الوصف، وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن ~~بكثرة غفلتهن، لكن جوز في باب المال لكثرة الحاجة إليه، وتكرار المعاملات ~~فيه في الأسواق وغيرها حتى لا يضيق على الناس، وإنه معدوم فيما ليس بمال ~~فلم يقبل كما ثبتت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا ~~يحضرونها، ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال. # وهذا حرف المسألة فإن شهادة النساء مع الرجال شهادة أصلية عندنا كشهادة ~~الرجال على ما نبين في موضعه، إلا أن فيها ضرب شبهة فلم يثبت بها ما يسقط ~~بالشبهة كالحدود فأما ما لا يدرأ بالشبهات فهذه الشهادة حجة فيها والطلاق ~~متى قوبل بالبيع كان أقوى ثبوتا منه، وكذلك الوكالات والوصايا، وكذلك ~~النكاح فإنه يثبت عندنا مع الكره والهزل، وسائر الشروط الفاسدة. PageV01P364 # وقال أيضا: إن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه، والنكاح ~~فعل عقد حمدت عليه. # فإن ms369 قال: وجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. وإن ~~قال: في حكم المصاهرة. # قلنا له: ولم؟ # فإن قال: لأن الصهر نعمة والزنا حرام، رجع إلى التأثير فبطل بالوطء عن ~~نكاح فاسد. # فإن قال: ثم إنما يثبت لما فيه من جهة الحل على حسب اختلاف الناس فيه، ~~فقد رجع عن الطرد إلى طريقتنا من بيان التأثير. # وقلنا له: إن المصاهرة لا تثبت بالزنا عندنا لأنه معصية، والمصاهرة كرامة ~~فلا تضاف إلى المعاصي، ولكنه سبب لحراثة الولد في هذا المحل على ما بينا في ~~موضعه، ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه. # وكذلك قولهم: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل، هذا باطل ~~باستيلاد الأب أمة ابنه، واستيلاد أحد الشريكين أمة بينهما. # فإن قالوا: أوجبنا الملك فيهما لما لهما من تأويل الاستحلال شرعا، لا من ~~حيث العدوان كان رجوعا إلى التأثير، وحرف المسألة فإنا نوجب الملك بالغصب ~~لأنه سبب ملك البدل، وهذا حكم شرعي وليس بعدوان. # وكذلك قولهم: إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف قياسا على الأعيان. # قلنا: هذا باطل بالمتلف إذا كان معسرا. # فإن قالوا: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة كان هذا رجوعا إلى ~~التأثير، لأن المتلف ضامن عندنا ههنا، لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز عن ~~إصابة المثل إلى حين الإصابة في الآخرة، وإنه حرف المسألة فإن العدوان موجب ~~ضمان المثل، فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل. # وعندنا الأعيان أجود من المنافع وليسا بمثلين، وعنده هما مثلان فيرجع ~~الكلام إلى هذا ويبطل الطرد الذي اعتمده. # وكذلك قولهم: إن إسلام الهروي في الهروي يجوز، لأنه أسلم مذروعا في ~~مذروع، هذا يبطل بما إذا شرطا شرطا فاسدا. # فإن قالوا: إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذي قلنا، كان رجوعا إلى ~~حرف المسألة، فإن الفساد عندنا بعلة محرمة وهو الجنس لا بالذرع فيرجع ~~الكلام إلى أن الجنس محرم أولا ويبطل الطرد، والله أعلم. PageV01P365 # باب ### | AUTO القول في بيان الطرد الفاسد ظاهرا # الطرديات الفاسدة ms370 أربعة أنواع: # نوع منها معروف ببداهة العقول من غير تأمل في الأصول، كقولهم: الفاتحة ~~فرض قراءتها في الصلاة، لأن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحريم ~~وتحليل، فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع قياسا على الحج ووجوب الطواف فيه. # وكقولهم: إن السبعة إحدى عددي صوم المتمتع، فوجب أن لا تجوز الصلاة إذا ~~قرأ بدونها قياسا على الثلاث. # وقولهم: الثلاث أحد مدتي المسح فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على ~~الواحدة، فالواحدة ناقصة القدر عن السبع فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا ~~على نصف الآية. # ويحكى عن كثير من شيوخهم أن الوطء فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى، فلا تثبت ~~به الرجعة قياسا على القتل. # وسمعت واحدا من شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين ~~تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه قياسا على قطع اليد قصاصا أو في ~~السرقة، هذا مما يعرف ببداهة العقول فسادها فإنه لا مشابهة بين القطع ~~والوضوء بوجه، ولا بين مدة المسح ومقدار القراءة، ولا بين أركان الحج ~~وأركان الصلاة، وإن هذا الضرب مما لا يوجد في كلام السلف له نظير، ولكنه ~~شيء أحدثته حشوية أهل الطرد، وأما السلف فما جوزوا إلا بأوصاف مخيلة أو ~~ملائمة. # وأما النوع الثاني: فرد فرع إلى أصل لا يكاد الأصل يمتاز عن الفرع إلا ~~بضم ما هو علة الحكم إليه، نحو قولهم: إن مش الذكر حدث، كما إذا مس وبال ~~فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول وإنه حدث بالإجماع، وقد عدم ذلك في ~~الفرع فيسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف ~~فيه، وإعتاق المكاتب لا يجوز عن الكفارة قياسا على ما إذا أدى بعض النجوم ~~لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض العوض وإنه علة مانعة من التفكير، وقد ~~عدمت في الفرع فتبقى العبرة لما بعده، وما بعده إعتاق المكاتب وإنه مختلف ~~فيه. وشراء الأب لا يكون تكفيرا قياسا على ما إذا حلف بعقته إن اشتراه لأنه ms371 ~~لا زيادة في الأصل إلا اليمن بعتقه وهو علة مانعة من التفكير PageV01P366 # بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدمت في الفرع وما بعده إلا شراء الأب وهو ~~مختلف فيه. # ومن ذلك أن الوضوء بغير نية لا يباح به أداء الصلاة كما إذا توضأ وهو ~~يبول، والفطر عن نفل الصوم لا يوجب القضاء كما إذا أكل وارتد لأن الردة ~~عندي مسقطة لقضاء الواجب، وقد عدمت في الفرع فتسقط العبرة فبقيت العبرة ~~للإفطار وهو مختلف فيه. # وأما النوع الثالث: فرد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك بين ~~العلماء، لأن الاختلاف لما ظهر فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل ~~الكلام إليه، كقولهم: إن الكتابة الحالة فاسدة لأنها لا تمنع التكفير به ~~كالكتابة على القيمة لأن الاختلاف ظاهر بيننا وبين خصمنا في الكتابة ~~الصحيحة. # قال علماؤنا: لا تمنع التكفير، وعنده تمنع فلم يصر عدم المنع دليلا علينا ~~على الفساد. # ومن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة ~~قياسا على ابن العم، لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكفارة ويعتق ~~بالقرابة، وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز إعتاقه عن الكفارة. # ومن ذلك قولنا: إن رهن المشاع باطل لأنه لا يمنع صاحبه الانتفاع به ~~كالرهن الفاسد لأن الصحيح عند الشافعي لا يمنع الانتفاع به. # ومنها التعليل بعدم الوصف، كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت ~~بشهادة النساء مع الرجال كالحد لما ذكرنا غير مرة أن العدم لا يوجب حكما، ~~وهذه العلل تذكر موجبات وقد ذكرنا أن الإجماع ثابت أن العلة توجد ولا تعدم، ~~وإنما الاختلاف في الشرط. # وقالوا: الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما، والإحصار بالمرض لا ~~يوجب الإحلال لأنه لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال والمبتوتة لا ~~يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما، وإسلام الشيء في جنسه لا يحرم لأنه لا ~~يجمعهما صفة الطعم ولا الثمنية. # فإن قالوا: قد قال محمد بن الحسن - رحمه الله -: إنه لا ضمان في إتلاف ~~ملك ms372 النكاح لأنه ليس بمال، ولا خمس في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليها المسلمون، ~~وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وولد الغصب ~~أمانة، لأنه لم يغصب. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: العقارات لا تضمن بالغصب لأنه لم ينقلها في ~~أمثال لهذا كثيرة. # قلنا لهم: وإنما قالها محمد بن الحسن على سبيل الاستدلال دون التعليل، ~~فإن PageV01P367 # حكم العلة لا بد أن ينعدم إذا عدمت العلة كما كان معدوما قبل العلة وإنما ~~أثبتنا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به فإذا بطلت الإضافة لم يكن علة، ~~وإنما يبقى الحكم عند عدم العلة لعلة أخرى فتكون مثل الأولى لا عينها في حق ~~الوجوب، والتعلق بها. # وإذا كان كذلك صح الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم إذا وقع الاختلاف ~~في حكم علة بعينها فمتى وقع الاختلاف في ضمان الغصب لم يجب بدونه، وإن كان ~~ربما يجب ضمان آخر مثله كضمان الإتلاف وضمان بيع الفاسد ونحوهما. # وكذلك متى وقع الاختلاف في ضمان هو مال مثل الأول لابد أن يكون الأصل ~~مالا ليكون الثاني مثله معنى على ما مر البيان فيه. # وعند اختلاف المعاني تزول المماثلة فلا يجب ضمان المثل على اختلاف ~~المعاني. # وكذلك الخمس حكم الغنائم لا غير، والغنيمة لا تثبت إلا بإيجاف الخيل ~~بدليل عرف، وكذلك الكفارة بجنس الأكل إنما تجب إذا كان إفطارا كاملا، وإنما ~~يكمل إذا اجتمع الاسم والمعنى وهو اقتضاء الشهوة بالتغذي، واسم الطعام يعمه ~~فعدمه يدل على زوال المعنى، وإنما نجوز من الخصم مثلها ولكنه يحتاج إلى أن ~~يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه، وأن العتق من حكم ~~البعضية لا غير، ولأن أكثر ما في الباب أن يقال بعدم البعضية ينعدم العتق ~~المتعلق به، ولا يقع ذلك عندنا، وإنما يقع ما تعلق بالمحرمية بالرحم فهو ~~كرجل يقول لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ثم قال له: إن تكلمت فأنت حر فلم ~~يدخل وتكلم عتق. # ولا يقال لم يدخل فلا يعتق قياسا على ms373 عدم الدخول والكلام، فهذا باب لطيف، ~~وأنه باطل تعليلا إجمالا، ولا يثبت استدلالا إلا بعد بيان أنه علة الحكمة ~~لا علة معها غيرها، ولا يمكنه إلا بإقامة الدلالة على الصحة والفساد، والله ~~أعلم. PageV01P368 # باب ### | AUTO القول في وجوه الانتقال # الانتقالات على وجوه أربعة: # أ. انتقال عن العلة إلى أخرى ليثبت الأولى. # ب. وانتقال عن الحكم إلى حكم آخر بالعلة الأولى. # ج. وانتقال عن العلة والحكم إلى حكم آخر وعلة أخرى. # د. وانتقال عن العلة إلى علة أخرى ليثبت الحكم الأول. # والوجوه كلها قويمة إلا الأخير. # أما الأول فلأنه ما ضمن بالعلة ابتداء إلا تصحيح الحكم بها، فما دام يسعى ~~في تصحيح تلك العلة فهو ساع في إبقاء ما ضمن كمن احتج بقياس فنوزع فاحتج ~~بقول الصحابي ليثبت القياس فنوزع، فاحتج لتصحيح قول الصحابي بخبر الواحد ~~فنوزع، فاحتج لتصحيح خبر الواحد بالكتاب. # وأما الانتقال عن الحكم فلأنه إنما يلزمه الانتقال إذا سلم له الحكم ~~الأول ولم يثبت الخلاف فيه، وهذا يؤكد قصده من علته لأنه علل لإثبات ما ~~ادعى من الحكم، وقد ثبت إلا أنه لم يكن على الخلاف، وكان الاختلاف في حكم ~~آخر فإن أمكنه إثبات ذلك الحكم بهذه العلة فحسن، وإن لم يمكنه إلا بعلة ~~أخرى فحسن لأنه ما ضمن بعلته الأولى إثبات حكمين. # وأما الوجه الثالث: فهو الانتقال من العلة والحكم إلى علة أخرى وحكم آخر، ~~فهو صحيح لما ذكرنا أن عوضه قد حصل، وهو إثبات الحكم الذي ادعى بتلك العلة، ~~إلا أنه زعم أنه على الخلاف. # وأما الوجه الرابع: فمن الناس من زعم أنه غير قبيح لأن إبراهيم عليه ~~السلام حاج اللعين بقوله: {ربي الذي يحي ويميت} فعارضه اللعين بقوله: {أنا ~~أحي وأميت} فقال إبراهيم: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب} فانتقل إلى حجة أخرى، وحكى الله تعالى عنه على وجه المدح دون الذم، ~~وكذلك المدعي يقيم بينة فتجرح فيقيم أخرى، وعامة أهل النظر سموا هذا انقطاع ~~في المجلس، لأنا لو أطلقنا هذا ms374 لطال المجلس ولما ظهر الانقطاع، ومجالس ~~النظر PageV01P369 # لا تعقد إلا للإبانة فيه، وهذا كالعلة تنقض فيعد انقطاعا وإن أمكنه ~~الاحتراز عنه في المجلس لأنه صار لا يطرد إلا بوصف آخر، وكان انقطاعا فإذا ~~صار لا يثبت إلا بعلة أخرى فأولى إلا أن يكون الانتقال إلى علة أخرى لضرب ~~شبهة في الأولى يخاف بها الاشتباه على السامع، فينتقل إلى ما لا شبهة فيه ~~قطعا لتلك بالشبهة كإبراهيم عليه السلام انتقل مع كون الأولى صحيحة فإن ~~اللعين ما كان يحي حقيقة، ولا يميت وإنما عارضه بالشبه والمجاز، فخاف ~~إبراهيم عليه السلام الالتباس على العامة فانتقل إلى حجة لا شبهة فيها. # وكذلك أهل النظر استحسنوا قولهم بعد الجواب، على أنا نقول شروعا في جواب ~~آخر: ما الحجج إلا أنوار، وحسن ضم السراج إلى مثله لتنوير المكان، وإنما ~~يقبح ضم ما ليس ببرهان، وهذا الذي ذكرناه كله حسن من المجيب، فأما السائل ~~فلا يحسن منه المعارضة بوصف مختلف فيه على أن يثبته بدليل لأنه دافع وليس ~~ببان وقد أعياه الدفع بوصفه إلا بناء على أصله، وبالله التوفيق. PageV01P370 # باب ### | AUTO القول في الفرق بين العلة والسبب والشرط والعلامة # أما السبب في اللغة: فالطريق، والسبب الحبل أيضا، ثم استعير لكل شيء هو ~~مدخل لغيره، من غير أن يكون ذلك الغير واجبا به بل بعلة أخرى غير حادثة بما ~~كان سببا، فكان بمعنى الطريق لا يوصل إلى المقصود من الأمصار بدونه، ولكن ~~لا يوصل به بالمشي الموجود باختيار الماشي على الطريق. # وكالحبل الذي لا يوصل إلى الماء الذي هو المقصود بدونه، ولا يوصل به بل ~~باستيفاء النازح بقوته والحبل آلة، وإرسال الله تعالى إلى خلقه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم سبب هداهم والتخويف بالنار سبب الانزجار عن المعاصي، ~~والترغيب في الجنة سبب الطاعة، ووسوسة إبليس سبب العصيان، ودلالة السارق ~~على المال سبب السرقة، والاستغناء سبب الطغيان، وأما العلة فقد مر تفسيرها ~~وحدها في أول الكتاب. # وأما الشرط في اللغة: فعلم على الشيء من حيث أن الوجود يكون ms375 مضافا إليه ~~دون الوجوب بخلاف العلة فإنها اسم لما يضاف إليه الوجوب، فمن حيث كان وجوب ~~ذلك الشيء بعلة غير الشرط كان الشرط علما، ومن حيث أن الوجود يضاف إليه كان ~~علة فكان بين العلم والعلة، فكان اسما لما يمتنع وجود العلة إلا بوجوده لا ~~لما يجب به العلة أو الحكم. # وأشراط الساعة أعلامها. # وسمي الحجام شراطا لأنه يعلم مواضع الحجامة. # ومنه الشرطي لأنه خص نفسه بضرب لبسة جعلها علما على نفسه. # والصكوك شروط لأنها أعلام على التذكير. # وكلمة "إن" في اللغة كلمة شرط نحو قولك: إن أكرمتني أكرمتك، لأن قولك: ~~أكرمتك إخبار عن كرامة فعلتها ولما علقتها بكلمة "إن" انعدم، وصار إن إذا ~~تحقق علما على الكرامة؛ إن فعلت كذا فعبده حر، صار الفعل علما على العتق. # ولهذا قالت العلماء في علة التلف وشرطه إذا اجتمعا: إن الضمان يجب على ~~صاحب العلة ما أمكن نحو حافز البئر على الطريق والدافع فإن الضمان على ~~الدافع، لأن الحافز صاحب شرط لأنه بحفره أزال ما كان الماشي يستمسك عليه ~~فبالأرض كان الآدمي يستمسك عليها، فإذا زالت الأرض لم يكن السقوط بزوالها ~~بل بثقل الآدمي حيث لا PageV01P371 # يمسكه الهواء، وإنما زال بالحفر المانع من السقوط والدفع علة السقوط لأن ~~المسكة التي بالآدمي في مقامه تزول بالدفع فإذا اجتمع الدفع والحفر وجب ~~الضمان على الدافع. # وإذا عدم الدفع ومشي بنفسه فسقط كان الضمان على الحافر لأن المشي ليس ~~بسبب سقوط على مكان مستو فلم يصر تعديا إذا لم يعلم بالحفر فلم يمكن أن ~~يجعل سببا يضاف إليه التلف بغير حق فأضيف إلى صاحب الشرط وهو الحافز. # فأما العلامة: فاسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون لوجوده أو وجوبه به ~~تعلق، ولا في ذاته ما يدل عليه بل صارت دلالة بضرب اصطلاح أو إخبار من صادق ~~لأشراط الساعة، فإنها تدل على حضور الساعة من غير أن يكون للحضور بها تعلق ~~وجوبا أو جودا، أو كالميل علم على الطريق. # والتكبيرات في الصلاة أعلام على ms376 الانتقال من ركن إلى ركن. # والأذان علم الصلاة والتلبية شعار الحج وعلمه فهذه ضروب متشابهة. # ففي السبب معنى العلة. # وفي العلة الشرعية معنى العلامة على ما مر تفسيرها. # وفي الشرط معنى العلة والعلامة. # والعلامة علامة تشتبه بالشرط والعلة ففيهما معنى العلامة لا يمتاز بعضها ~~عن بعض إلا بجد تأمل، وسنذكر كل نوع على حدة هداية للشادي وتبيينا للناشي، ~~والله أعلم. PageV01P372 # باب ### | AUTO القول في أنواع السبب # الأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام: # أ- سبب اسما لا معنى. # ب- وسبب محض اسما ومعنى. # ج- وسبب هو علة العلة. # د- وسبب هو علة معنى. # أما السبب اسما لا معنى وحكما: فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها ~~بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف. # وكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط فسمي ~~النذر المعلق بالشرط سببا. # وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجاز لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى ~~السبب فيه، لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره، وطريقا واليمين تعقد ~~للبر، وإنه مانع من الحنث الذي عنده تجب الكفارة وليس بطريق. # ولكن لما كان بعرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب، وبتخلل ~~المانع ذهب عنه معنى السببية، وكذلك النذر المعلق بشرط لا يراد كونه فهو ~~على هذا لأنه نذر للمنع عن الشرط. # وأما إذا علق بشرط يراد كونه فلأن قوله: على كذا تعلق بالشرط، ولما تعلق ~~به لم يصل إلى ذمته فصار نذرا تسمية لا معنى، لأن الشيء في غير محله لا ~~يثبت كبيع الحر، ولأن التعليق مانع حكما كما لو كان شرطا لا يراد كونه ~~والعبرة للحكم لا للغرض، غير أن هذا لما كان بغرض الوصول إلى محله كان ~~معتبرا بخلاف بيع الحر، وكان قبل وجود الشرط بمنزلة الرمي قبل الوصول إلى ~~المرمى يكون معتبرا على أن يصير قتلا بالوصول إليه ثم السراية إلى أن يموت. # فأما قبل الوصول إلى محله فلا يكون قتلا. # وإذا كان بينهما ترس مانع فلا يكون سببا. # وكذلك ms377 الطلاق المعلق بشرط ليس بطلاق، وليس هو سبب له بل هو للحال عقد PageV01P373 # آخر وهو عقد اليمين المانع عن شرط الحنث. ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز ~~تعجيل الكفارة قبل الحنث، ولا تعجيل النذر قبل الشرط ويجوز تعليق الطلاق ~~بالنكاح لأنه ليس بطلاق ولا سبب للطلاق فلا يشترط لصحة انعقاده شرط الطلاق، ~~وهو ملك النكاح كما لو حلف بشيء آخر وإنما هذا تكلم بما سيصير طلاقا إذا ~~وصل إلى المرأة التي هي محلها بعد الشرط فيعتبر للحال كون الرجل من أهل ~~التكلم به، ومن أهل اليمين. # ولأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين ترتفع ~~بعد الحنث الذي بعده يجب الطلاق والكفارة، لأنه بعدما يدخل الدار يبقى أنت ~~طالق أو على صدقة، وهذا القدر لا يكون يمينا. # وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر، وبعده يزول الانعقاد ~~للبر كعقد بيع قائم من مفسوخ. # ولا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع. # وكذلك بالحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة ~~سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه. # وكذلك المتمتع بالحج إذا صام السبعة الأيام قبل الرجوع من منى لم يجز لأن ~~الله تعالى قال: {وسبعة إذا رجعتم} فلما علق بالشرط لم يجز التعجيل قبله ~~ولم يكن ما قبله سببا له والمسافر إذا عجل الصوم قبل الإقامة يجوز لأن الله ~~تعالى يقولك {فعدة من أيام أخر} أجل الإيجاب عليه ولم يعلقه بالشرط فتأجل، ~~ولم يخرج الشهر من أن يعتبر سبب الوجوب كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول ~~فالمعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشروط وقد تسمى ~~أسبابا تسمية ومجازا، فهذا ضرب مجاز لكنه معتبر شرعا، لأنها للحال تعتبر ~~أسبابا لحكم شرع اليمين له فكان عقدا صحيحا لحكم صحيح، وإنما أبطلنا كونه ~~سببا بحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد للحال. # وأما السبب المحض فنحو: حل قيد العبد حتى أبق، فإن الحل سبب محض فلا يضمن ~~به العبد لأن الهلاك من الإباق، فكان الإباق باختيار ms378 من العبد لا بقوة حدثت ~~من الحل، وكذلك إذا دل سارقا على مال حتى سرق لم يضمن الدال لأن أخذ المال ~~باختيار السارق الأخذ، لا بقوة حدثت من الدلالة. # ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا لم يضمن صاحب ~~الدابة لأن التلف كان بأكل أو وطء فعلت الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من ~~تسييب صاحبها، وكذلك من فتح باب اصطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى طار ~~الطير لم يضمن لأن الخروج كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من ~~الفتح أوجب له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره. PageV01P374 # ولا يلزمنا قولنا: إن المحرم إذا دل على صيد فقتل ضمن لأن الدلالة سبب ~~محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث أخذ الصيد، ولكنه يضمن من حيث ~~إزالة أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة ~~جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به، أو ~~يضمن من حيث جنى على إحرامه، فإن إزالة الأمن عن الصيد محظور إحرامه كالحلق ~~ولبس المخيط والدلالة مباشرة ما يزيل الأمن عنه، لأن أمنه بسبب تواريه عن ~~العيون فأما بعد العلم فلا ينجيه إلا الفرار على خوف، ولهذا قلنا: إن حافز ~~البئر إذا تلف فيها إنسان لم يضمن الكفارة ولا يحرم الإرث، لأنهما يجبان ~~جزأين بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافز في حفره وقد انقضى قبل ~~الاتصال بالساقط. # وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار مشيه سقوطا للعمق الحادث به إلا أنه ~~شرط لسقوطه لا علة فسقوطه بسبب ثقله الذي لا يحمله الهواء، والأرض كان ~~تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم ~~يضمن صاحب الشرط لعدم العلة والكفارة جزاؤها. # وهذا كما قالوا فيمن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل ونوى عن ~~الكفارة: لم يجز لأن التكفير تعلق جوازه بمباشرة الإعتاق وهو بالدخول أوجد ~~شرط العتق فلم يكن مباشرا ms379 فلا تتأدى به الكفارة. # فأما ضمان التلف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل عوض التالف بتلف ~~مضاف إليه. # والحكم يضاف إلى الشرط وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا. # وإذا أضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل ~~واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى، وههنا العلة ~~ثقله أو مشيه وذلك مما لا يصلح سبب ضمان لأنه ليس يتعدى من حيث الإضافة إلى ~~صاحب الشرط. # وكذلك زوائد الغصب المنفصلة والمتصلة أمانة عندنا، لأن الضمان الغصب ضمان ~~فعل خاص، وهو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الحد إلا بإزالة يد ~~بيد عن شيء واحد وهذا الحد وجد في الأم ولم يوجد في الزوائد لأنها حدثت في ~~يد الغاصب ابتداء بسبب بقاء الأصل في يده، وذلك ليس بغصب بل حكم الغصب فلا ~~يجب ضمان الغصب به، وإن سلمنا أن البقاء تعدى حكما وهو آثم على الإدامة ~~لأنه تعدى غير الغصب كالإصرار على الزنا ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان ~~الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ضمان الغصب تكلما فيه. # وقلنا: إن المحرم إذا أخذ ظبية فولدت في يده حدث الولد مضمونا عليه لا ~~ضمان PageV01P375 # أخذ فإنه لم يوجد، ولكن ضمان الجناية على الصيد من حيث إزالة الأمن عن ~~الصيد بسبب هو تعد لأن الصيد آمن في حقه عن أيدي الناس بالإحرام، وفي نفس ~~الحدوث في يده زوال الأمن الواجب له بالإحرام، فمتى كانت يده متعدية صارت ~~سببا لضمان تعد هو إزالة أمن لا ضمان تعد هو أخذ كالمودع يضمن بترك الحفظ، ~~وكان ذلك تعديا منه بحكم عقده. # وهذا كما يوجب الضمان على الدال والدلالة سبب محض للقتل والأخذ، ولا يوجب ~~الضمان به بل بمباشرة الجناية من حيث إزالة الأمن كما يضمن المودع بدلالة ~~السارق على الوديعة لأنه مباشرة جناية من حيث ترك الحفظ وزيادة لا من حيث ~~الغصب والأخذ. # وكذلك شهود القصاص إذا رجعوا بعدما قتل المشهود عليه ms380 بشهادتهم لا يضمنون ~~الكفارة، ولا يحرمون الإرث ويضمنون الدية كالحافز سواء لأن المباشرة منهم ~~في أداء الشهادة، وقد انقطعت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به ~~مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك، إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمي ~~والكفارة جزاء إتلاف حقيقة، وذلك بمباشرة الولي، وهو فيه مختار غير ملجأ ~~حكما فيقتصر فعله عليه، ولا ينتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة. # وكذلك الرجل يكون له امرأتان صغيرة وكبيرة، فترضع الكبيرة والصغيرة حتى ~~بانتا، فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن ~~تعمدت الفساد، ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد لأن المرضعة مسببة للفرقة. # وليست بصاحبة علة كالحافر سواء، لأن فعلها في التمكين من الارتضاع لا ~~غير، والفرقة تتعلق بوصول اللبن إلى الجوف، وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة ~~وهي مختارة في ذلك كالطير في طيرانه والماشي في مشيه، غير أن مصة الصغيرة ~~إنما تكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدي في فمها بإلقاء ~~كان منها ابتداء. # فإن كان الإلقاء تعديا كان البقاء تعديا. # وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء كالحفر سواء. # وإذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا ~~يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف، والتلف إذا لم يكن بتعد من ~~الحافر لم يضمن فكذل الوجوب ههنا. # وعندنا يجب الضمان بإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم ~~عندنا، ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول وقضى القاضي ثم رجعوا لم يضمنوا ~~شيئا، ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباح لها كمشي الماشي على ~~الطريق أضيف الإيجاب إلى ما هو التعدي فوجب الضمان على ما مر. PageV01P376 # ومن الأسباب المحضة وجود بعض ما يتم علة بانضمام معنى آخر إليه كأحد شطري ~~البيع، وأحد وصفي علة الربا فهي من الأسباب المحضة، لأن الحكم لا يجب ما لم ~~يتم العلة فكان المبدأ معتبرا لتمامه، وكان كالطريق إليه فلا يضاف الحكم ~~إليه بوجه. # فإن ms381 قيل: قد ذكرت أن حد السبب ما يكون بينه وبين الحكم الذي هو سببه محضا ~~علة تامة يضاف الحكم إليها، والجزء الباقي من العلة في مسألتنا قط لا يكون ~~علة بانفرادها. # قلنا: نعم، ولكن العلة لا يجب حكمها ما لم تتم العلة فالوصف الأخير يجعل ~~ما مضى علة فيكون الحكم مضافا إليه وحده ويصير منزلة علة العلة كالرمي علة ~~النفوذ. # والنفوذ علة الإصابة. # والإصابة علة السراية. # والسراية علة الموت. # ولكن لما حدثت العلل المتوسطة بالأولى أضيف الحكم إلى الأولى فكذلك ههنا ~~ما قبل التمام من الأوصاف، إنما تصير موجبة بالوصف الأخير، ثم يجب الحكم ~~بكل العلة فيصير الكل مضافا إلى الوصف الأخير، حتى قالوا فيمن حمل سفينة ~~مائة من، وهي لا تطيق أكثر منها، ثم إن رجلا طرح فيها منا زائدا فغرقت ~~السفينة، ضمن طارح المن جميع السفينة بمنزلة ما لو طرح الأمناء كلها. # وقال علماؤنا - رحمهم الله - فيمن أصاب من الماء قدر ما لا يكفيه لوضوئه: ~~أنه يتيمم ولا يبالي بذلك الماء كأنه نجس أو لم يجد شيئا وذلك لأن التراب ~~جعل طهورا شرعا بشرط عدم ماء طهور في حق الصلاة. # وحكم الطهارة في حق الصلاة لا يتجزأ ثبوته بل يثبت جملة فإن الحكم إباحة ~~أداء الصلاة وهذا حكم لا يتصور تجزيه وكان بعض الماء بعض علة ليصير علة، ~~طهورا للصلاة عند تمامه فكان في حكم السبب المحض ماله حكم العلة المانعة من ~~التيمم بوجه. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إن الأشربة التي حرمت لعلة السكر، ~~لا يحرم منها القليل لأن السكر مضاف إلى الشربة الأخيرة التي بها تصير ما ~~مضى من الشراب مسكرة، وإنما ترك محمد - رحمه الله - هذا الأصل احتياطا لباب ~~الحرمة فحرم القليل منه لأنه سبب داع إلى الكثير، وإن لم يكن علة. # وقالوا أيضا: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد لأن علتها الرأس فلا يكون ~~للبعض حكم العلة بل يكون له حكم العدم، وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها ~~لأن العلة هي ms382 المكيل وهذه بعض ما يكال وليس بمكيل. PageV01P377 # وقالوا: إن المحرمية بالرحم مع الملك علة للعتق بمنزلة التحرير. # ثم قالوا في العبد بين اثنين إذا ادعى أحدهما أنه ابنه عتق عليه، وضمن، ~~وإن ثبت الملك بهما جميعا لأن تمام العلة بالقرابة، وهي ثبتت بالدعوة ~~وبمثله لو كانت البنوة ظاهرة وهو بين رجلين فاشترى الأب نصيب أحدهما ضمن ~~لأن تمام العلة كان بالملك، وإنما يثبت بصنع الأب فأضيف الحكم إليه وسقط ~~اعتبار الأول. # وقالوا إذا قال لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق، فأبانها ~~وانقضت عدتها فدخلت إحدى الدارين، ثم تزوجها فدخلت الدار الأخرى: طلقت، لأن ~~تمام الشرط علة حلول الطلاق، والتمام وجد في الملك فصار ما قبل التمام من ~~الشرط كأنه ليس بشرط الطلاق فصح وجوده حكما بلا ملك النكاح، والله أعلم. ### | AUTO فصل # وأما السبب الذي هو علة العلة فهو السبب الموجب، لأنه أوجب علة الحكم فمن ~~حيث لم يوجب إلا بواسطة علة كان سببا. # ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكمة به أضيف الوجوب إليه فصار موجبا. # ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه. # لأن علة الحكم لما حدثت بالأولى صارت العلة الأخيرة حكما للأولى مع حكمها ~~لأن الحكم الثاني مضاف إليها، وهي مضافة إلى الأولى فصارت الأولى بمنزلة ~~علة لها حكمان. # ومثاله: الرمي المصيب القاتل، فإنه سبب موجب للموت لأن فعل الرمي ينقطع ~~قبل الإصابة، لكنه أوجب حراكا في السهم وصل به إلى المرمى، وأوجب نقض بنيته ~~ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته فكان الرمي سببا موجبا، وله حكم حز ~~الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الألم وانتقاض البنية ونفوذ السهم ~~أحكاما للرمي. # وقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق. # ويجوز به التكفير لأنه سبب موجب للعتق لأن الشراء علة الملك. # وملك القريب علة العتق فكان الشراء علة علة العتق فكان له حكم العلة وصار ~~الملك مع العتق حكمين للشراء. # ولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير ~~موجبا بالأخير ثم الحكم يجب ms383 بالكل فيصير الوصف الأخير كعلة العلة من هذه ~~الجملة قطع حبل القنديل حتى انكسر، وشق زق الدهن حتى سال، لأن قوامه بمسكته ~~ومسكة القنديل PageV01P378 # بالحبل، ومسكة الدهن بالزق فالقطع أو الشق علة مزيلة للمسكة وزوال المسكة ~~علة التلف. ### | AUTO فصل # وأما السبب الذي هو علة للحكم فهو الموجب للحكم بنفسه في الثاني بلا ~~واسطة علة، لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه لا ببعض ما هو علة بل ~~بوصف لما هو علة فمن حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه كان سببا وطريقا إليه. # ومن حيث أن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون أوصافها، لأن الأوصاف ~~إتباع لم يكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء، وهذا أدق وجوه ~~الأسباب. # ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب. # وعلته إذا تم الحول لأن الزكاة تجب بسبب الغنى. # والغنى في النصاب دون الحول فسقط اعتبار الحول بعضا من أبعاض العلة. # ولما لم تجب الزكاة بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر تعلق التمام به، ~~وهو أن يوصف بأنه حولي في ملكه لأن الشرع علق الزكاة بمال نامي معنى، ~~والنمو لا يكون إلا بمدة فشرط صفة النماء حولا لتحقيق النمو فصار المال ~~المرصد للنمو أصل العلة، والولي وصفا فلم يعمل أصل العلة ما لم يتم بوصفه، ~~ولا يقال إن حولان الحول شرط الوجوب لأنه يثبت بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وحتى ليست بكلمة شرط بل توقيت. # ولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق فكان ~~يسقط بإسقاطه، وأخذه بالعزيمة بتعجيل الأداء كما في صوم المسافر لما كان ~~المانع من الوجوب أجل الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} صح التعجيل. # وههنا إذا عجل لم يكن فرضا بل يقع موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها، على ~~ما مر بيانه، علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن السقوط عزيمة كما هو ~~في بعض العلة. # ولهذا السبب حكم السبب المحض، وحكم ms384 بعض العلة في أن لا يجب الحكم عنده ~~حتى يوجد الباقي. # وله حكم العلة في تجويز تعجيل الأداء بشرط التمام بوصفه في الثاني. # فقالوا جميعا: إن الزكاة لا تجب قبل الحول ومتى عجل صاحب المال الأداء، ~~وهلك المال ولم يبق حولا لم يكن المعجل فرضا، كما لو عجل قبل تمام النصاب ~~لأنه PageV01P379 # عجل قبل التمام. # وإذا بقي المال حولا صح الأداء عن الفرض كأنه عجل بعد تمام العلة بوصفها ~~وركنها، ولكن تأخر الحكم لمانع لما لو عجل الدين المؤجل وهذا لأن الحول متى ~~تم واتصف النصاب الحول، والوصف لا يقوم بنفسه بل بالموصوف، وهو المال من ~~حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحولي إلا إذا بقي حولا فاستند الوصف ~~إلى أصل المال، وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولي كرجل يعيش ~~مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد بعينه، لا شخص آخر. # فإذا استند الوصف إلى أول أوقات النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله ~~أيضا فيصير المعجل مؤديا في الثاني بعد الوجوب فيجزيه، وأما بعض العلة فلا ~~يستند إلى ما قبل بل يقتصر على حين وجوده، لأنه ليس يتبع لما قبله فيقتصر ~~على حين التمام فيبقى الأداء قبله أداء قبل الوجوب فلا يجزيه. # وهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ويصير ~~ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا، وإذا مات نقضت الهبة في ~~الثلثين لأن العلة الحاجرة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض. # وقولنا: مميت صفة للمرض كما في الجرح قد يكون مميتا فيكون قتل، وقد لا ~~يكون فحين تصرف، والوصف معدوم نفد من غير حجر لعدم التمام بوصفه ولما دام ~~حتى أماته تم الوصف فصار أصل المرض متصفا بالإماتة والسراية إلى الموت لا ~~آخره لأن المرض يضعف القوى، وكل جزء من المرض بعد ما خرج عن عداد الأصحاء ~~مضعف بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت، فإنه يضاف إلى الكل دون الأخير ~~فتمت علة الحجر ms385 من حين أصل المرض الذي أضناه، والتصرف وجد بعده فصار تصرف ~~محجور عليه فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق. # وقال علماؤنا يرحمهم الله: إذا جرح رجل رجلا خطأ فكفر ثم مات المرجوح ~~أجزأه بالمال وبالصيام جميعا، لأن علة الوجوب هو القتل وذلك اسم لرجح سرى ~~ألمه إلى الموت، والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف يمنع الوجوب، ولا يمنع ~~التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في الثاني. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه فيمن قال: آخر عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ~~ثم عبدا ثم مات: عتق الأخير من حين ملكه، وكذلك هذا في الطلاق لأن الشرط ~~آخر عبد يملكه والآخر صفة للعبد المشترى فلا يقع العتق حين اشتراه لأن صفة ~~الآخرية، لم تثبت لجواز أن يشتري عليه آخر فيكون هو أوسط عبد. # ولكن: إذا مات، ولم يشتر آخر صار الآن آخر عبد اشتراه لأنه يصير آخرا ~~بتركه PageV01P380 # الشراء عليه والترك لآخر عمره ليس بصفة لما قبله بل البعض منه فاقتصر ~~الحكم عليه، وحكمه ثبوت صفة الآخرية. # ولما ثبت وهو وصف استند الوصف إلى الموصوف، وهو العبد الذي وقع عليه ~~الشراء من حين وقع لأن الحالف جعله صفة للذي يشتريه لا للقائم للحال فيصير ~~الشرط بوصفه موجودا من حين اشتراه فيستند حكم الوجود إليه، وهو حلول العتق ~~كما استند حكم العلل وهو الوجوب فيما مضى. # فإن قيل: لو عجل الزكاة عن خمس من الإبل العوامل ثم أسأمها لم يجز. # قلنا: إن المال ليس بسبب في نفسه لأنه للبذلة والنوى، وإنما يصير سببا ~~بالإسامة التي هي سبب نماء تعلق به البقاء من التناسل، وإذا كان يصير سببا ~~بالإسامة كانت هي العلة في الحقيقة لأن المال به يصير سببا، وكان بمنزلة ~~آخر أجزاء العلة ففي معرفة هذه الأقسام بحدودها ضرب فقه يدق طرق الوقوف ~~عليها، فلا يسلكنها أحد بكسل، ولا يقفن عنها بفشل، والله معين من أناب ~~إليه، وهادي من جاهد فيه، والله أعلم. PageV01P381 # باب ### | AUTO القول في أنواع العلل المعتبرة شرعا ms386 # العلل المعتبرة شرعا أربعة أنواع: # أ- علة موجودة اسما ومعنى وحكما. # ب- وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما. # ج- وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى. # د- وعلة موجودة اسما لا معنى وحكما، نحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان ~~عقد طلاق اسما، ولم يكن معنى ولا حكما لما مر في الباب الأول. # وأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المكاتب عبده، وطلاقة امرأته وبيعه ~~ماله، ونذره بصدقة درهم، وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل. # وأما الضرب الثالث: فكالنصاب قبل الحول فإنه علة الوجوب اسما ومعنا لا ~~حكما، لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول على ما مر. # وكذلك الجرح علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما. # وكذلك البيع بشرط الخيار موجود علة للملك اسما ومعنى لأنه منعقد للحال ~~شرعا لا حكما، لأن الملك لا يجب للمشتري معه، والمبيع باق في ملك البائع ~~كما كان من قبل من غير خلل. # وكذلك الطلاق الرجعي علة إبانة انعقدت اسما ومعنى لا حكما. # وأما الضرب الرابع: فكالسفر فإنه سبب للرخص، والعلة هي المشقة فأثبت حكم ~~العلة، وهو السقوط ولا مشقة وهي العلة على الحقيقة. # وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين، وإن كانت الأمة ~~بكرا أو اشتراها من صبي أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد ~~وجد ولا ماء في هذه الفصول. # وكذلك الوضوء يجب عن النوم وإن لم يوجد الحدث، والعلة هي خروج نجس عندنا ~~أو خروج شيء من المخرج على أصل غيرنا. # وكذلك إذا باشر امرأته وانتشرت آلته، وليس بينهما ثوب وجب الوضوء، وإن لم PageV01P382 # يخرج شيء بيقين والعلة هي الخروج. # وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم الماء، والعلة خروج ~~المني عن شهوة، والنسب يثبت بالنكاح وأصله الماء، وإن لم يطأها علم أنه لم ~~يخلق من مائه، وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة عادة، والمشقة أمر باطن ~~يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم فلو علق الحكم بحقيقة المشقة لتعذر ~~الأمر علينا فعلقه الشرع بسببها في العادات تيسيرا علينا ms387 فيثبت الحكم وإن ~~عدمت العلة لأن السبب خلفها وصار علة شرعا. # وكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فعلق بالسبب ~~المؤدي إليه ظاهرا وهو النوم الذي يرخي مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر ~~العبادة أيضا، وكذلك الاستبراء لو علق بالماء، وهو أمر باطن تعذر علينا ~~مراعاته فعلق بالسبب المؤدي إلى خلط المياه، وهو استحداث ملك الوطء بملك ~~اليمين لأن هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم المالك الأول، وظهور ~~البراء عن مائة فلو أبحنا الثاني بنفس الملك لأدى إلى خلط المياه بخلاف ملك ~~النكاح فإن الملك لا يزول بحق النكاح بعد الماء إلا عن تربص موجب للبراءة، ~~فالإطلاق للثاني بنفس الملك لم يؤد إلى الخلط. # وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو الإباحة بنفس الملك مقام الخلط حقيقة ~~في حق وجوب الاستبراء تيسيرا للعباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء ~~الباطن، وكذلك وجوب المبيع مملوكا شرط لصحة البيع وجوزت الإجازة، وهي بيع ~~المنافع وليست بموجودة ولا مملوكة، لأنا لا يمكننا بناء بيعها على الوجود ~~لأنها لا تبقى زمانين بل تتلاشى كما وجدت فأقيم سبب الملك مقام الملك، ~~وكذلك سبب الوجود من قبل العين المنتفع به مقام الوجود وابتنى جواز العقد ~~عليه، والله أعلم. PageV01P383 # باب ### | AUTO القول في أنواع الشروط # أ- شروط محض. # ب- وشرط هو في حكم العلة. # ج- وشرط هو في حكم العلامة المحضة. # د- وشرط صورة ماله حكم. # فأما الشرط المحض: فما يمتنع به وجود العلة إلا بوجوده على ما مر تفسيره ~~في باب الفرق بين الشرط والعلة، وهو كلمة أن نحو قولك: عبدي حر إن دخل ~~الدار، فإن التحرير قد انعدم حكما، وامتنع وجوده بكلمة إن حتى يوجد الشرط ~~وهو الدخول. # وحكمه ما ذكرنا: أن وجود العتق يضاف إلى الشرط دون الوجوب بل الوجوب يضاف ~~إلى قوله أنت حر. # وعلى هذا شروط العبادات، فإن الوقت علة الوجوب وعلم العبد بالخطاب شرطه ~~فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم، أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت. # وكذلك الأداء إنما ms388 يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع وسجود ولكن الوجود ~~شرعا يتعلق بالطهارة، والنية وسائر الشروط. # وكذلك في المعاملات عقد النكاح إنما يكون بالإيجاب والقبول ولا يوجد شرعا ~~إلا بشهود. # وأما الشرط الذي هو في حكم العلة: فنحو شق زق الدهن وقطع حبل القنديل، ~~فإن الشاق يضمن كأنه أكل الدهن أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق مباشرة إتلاف ~~للزق، وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون ~~الدهن مائعا سيالا. # لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشيء يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك ~~الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية. # وكذلك تماسك القنديل على الوجه الذي يحفظه عن التلف حال الانتفاع به على ~~الوجه الذي صنعت القناديل له لا تكون إلا معلقة بالحبال فلم يكن إرسال ~~القنديل بحبل علة تلف بل كان حفظا. # وكذلك صب الدهن في الوعاء كان حفظا فيكون شق الوعاء أو قطع الحبل والحفظ PageV01P384 # بهما إتلافا هذا كالقتل مباشرة إتلاف والقتل اسم لما يزيل الحياة لا لما ~~يفيت جزءا عينا من الشخص فإنه قطع والقاطع يسمى قاتلا إذا مات منه المجروح، ~~لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها، ~~ولكن علق بقاؤها محفوظة بسلامة البنية فكان نقض البنية وبها قوامها إتلافا ~~للحياة. # فأما الطلاق فمما يحفظ بترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج، فإذا ~~تكلم به وعلق بالشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع، ~~واعتبر الإرسال عن لسانه إيقاعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة إذا انفردت ~~العلة وهي الإيقاع. # وعن هذا الأصل اختلفوا في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج ~~الولادة، وشهدت القابلة لم تطلق عند أبي حنفية رحمه الله لأن للشرط حكم ~~العلة في إيجاد الحكم فلا يثبت وجود الطلاق بشهادة امرأة. # وهما قالا: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فيبقى علامة محضة في حق الوجوب ~~فيثبت بشهادة النساء، ألا ترى أن الزنا إذا أثبت على رجل واختلف في إحصان ms389 ~~يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان الحد لا يجب بشهادة النساء مع ~~الرجل لأن الوجوب مضاف إلى الزنا والإحصان شرط. # والانفصال لأبي حنيفة أن الإحصان لا يتعلق به الوجوب ولا الوجود بل يتبين ~~بالإحصان أن الرجم كان واجبا. # وقالوا جميعا: إن الزنا إذا ثبت على مسلم واختلف في عتقه وكان عبد نصراني ~~فشهد نصرانيا على مولاه أنه أعتقه صار حرا، ولم يجب الرجم عليه لأن الإحصاء ~~شرط يوجد إقامة الرجم عنده لا أن يتبين الإقامة به ولما كانت الإقامة توجد ~~عند الإحصان صار الوجود على الزاني مضافا إليه. # وشهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم المشهود عليه فلم يعمل في حقه ~~والحق الوجود بالوجوب. # فأما شهادة النساء مع الرجال فحجة في حق الناس أجمع وإنما لها خصوص في حق ~~المشهود بها وهي الحدود، والحد لا يجب بالإحصان ولا يثبت وجود الوجوب به بل ~~يتبين به أنه كان واجبا فكان الإحصان علما مظهرا للواجب شرطا موجدا ~~للإقامة. # وكذلك قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة ~~وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرا أو كان ~~الزوج أقر بالحبل أو كان النكاح قائما حال الولادة. # وعندهما: يثبت لأن النسب ثبت بالفراش القائم عند العلوق والولادة شرط ~~ظهور الولد قالا فهذه الولادة في حق النسب علم محض مظهر لنسب قد كان. PageV01P385 # وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الحبل ظاهر حال قيام الفراش أو كان ~~أقر الزوج به فقد أوجب علة ثبوت النسب بالولادة وبالولادة يظهر ولد كان ~~ثابت النسب فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة. # وكذلك إن كان النكاح قائما لأن الولادة تثبت بشهادة المرأة والنسب يثبت ~~بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافا إلى شهادتها فأما إذا لم يكن إقرار ~~الزوج، ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا إنما يثبت ~~بشهادة المرأة بالولادة لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى ~~لا سبيل ms390 لنا إلى علمه فيعتبر بالعدم في حقنا، كالخطاب النازل من السماء ~~يعتبر عدما في حق من لم يبلغه ولم يقصر في طلبه، وحال البلوغ إليه معتبر في ~~حقه بابتداء الشرع ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا. # وإذا اعتبر بالابتداء والعلة غير قائمة للحال بقي مضافا حكما إلى الشهادة ~~فلم يثبت بشهادة القابلة لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف إليها. # وكذلك الميراث لا يثبت للولد بشهادة القابلة أنه كان حيا لأن الإرث لا ~~يثبت إلا بكونه حيا، وما قبل الولادة من الحياة أمر باطن لا سبيل لنا إلى ~~علمه فصار الظاهر بعد الولادة في حكم ابتداء الحياة وإنما يثبت وجوده ~~بالولادة فيصير لهذا الشرط حكم العلة من وجه، ولهذا يتعلق الضمان به إذا ~~امتنعت الإضافة إلى ما هو علة. # وأما الشرط الذي هو في حكم العلامة: فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين ~~بالإحصان أن الحد كان رجما، فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله ~~فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه، حتى أن أربعة لو شهدوا على زنى، ~~واثنان على الإحصان فرجم المشهود عليه ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا ~~شيئا وإن لم يوجد ههنا سبب ضمان آخر والولادة بعد حبل ظاهر علم على النسب. # وأما الشرط الذي هو شرط صورة لا معنى: فالشرط الخارج على وفاق العادة ~~كقوله تعالى: {وربائبكم التي في حجوركم}، {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا}، ~~{ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة ~~والعجز عنها، وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة، والفائدة ~~في تخصيص الله تعالى حال الابتلاء بتلك الحادثة في العادات بالذكر كونها ~~أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس. والله أعلم. PageV01P386 # باب ### | AUTO القول في أنواع العلامة # علم حقيقة: وهو الدال على موجود، على ما مر تفسيره في بابه، ومنه علم ~~العسكر، وعلم الثوب، والإعلام الإظهار. # وعلم: هو شرط للوجود، على ما مر ms391 في تفسير الشرط. # وعلم: هو علة، على ما بينا أن علل الشرع ليست بمحدثات ولا موجبات بذواتها ~~بل بجعل الشرع إياها عللا لأحكامها، فمن حيث ليست بعلة بذاتها كانت علما. # وعلم تسمية مجازا لا حكما ومعنى، وهو العلة الحقيقة المغيرة بذاتها. ~~والله أعلم. PageV01P387 # باب ### | AUTO القول في أسماء الحجج التي هي مضلة # هذه الأسماء أربعة: التقليد، ثم الإلهام، ثم استصحاب الحال، ثم الطرد. # قال القاضي رضي الله عنه: هذه أسماء حجج مستحسنة المبادئ، مستقبحة ~~العواقب، مداخلها هدى ومخارجها ضلال، لا ينجو عن قبح عواقبها من اعتقد ~~الحجج حججا بهذه الأسماء إلا بعد جد صادق، وحذر دائم، وتوفيق من الله ~~تعالى، وذلك لأنها ثبتت حججا على لا دليل. # فإن التقليد في إتباع الرجل غيره على ما يسمعه ويراه يفعله على تقدير أنه ~~محق بلا نظر واستدلال وتأمل، وتمييز بين كونه حقا وباطلا على احتمال كونه ~~حقا وباطلا، كأنه قلده صدق ما سمعه أو جعله عاقبة ذلك قلادة في عنقه إن كان ~~حقا أو باطلا بلا دليل كما قالت الكفرة: {اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم}، ~~وقالت: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}. # وأما الإلهام: فإتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه، أو أشار إليه في أمره من ~~غير نظر واستدلال أو تمييز بين كونه حقا أو باطلا، قال الله تعالى: ~~{فألهمها فجورها وتقواها} أي: عرفهما، وبين طريقهما فيكون عملا بلا دليل، ~~لأن ما يقع في قلبه محتمل بين وحي الله تعالى أو الشيطان على ما نذكر كما ~~أن خبر المخبر يحتمل الصدق والكذب، والمحتمل لا يكون دليلا وإنما رجح ~~القائل به جهة الصدق بحسن الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. # وقد مر القول في استصحاب الحال، والطرد أن القول بهما قول بلا دليل في ~~الحقيقة، وسنذكر أقسام كل فصل في باب على حدة، وبالله التوفيق. PageV01P388 # باب ### | AUTO القول في أقسام التقليد وما فيه من الحجة على صحته وفساده # قال جمهور أهل العلم بلا خلاف: إن القول بالتقليد باطل. # وقال بعض ms392 الحشوية: القول بالتقليد حق لأن أصل البشر آدم عليه السلام وكان ~~يجب تقليده وإتباعه، فيبقى ما ثبت على ما ثبت إلى أن يقوم الدليل على ~~خلافه، فالحقية في الإنسان أصل كالحرية، وكما يحكم لمجهول النسب بالحرية ~~حتى يثبت خلافه فيحكم لمجهول الحال في قوله وفعله بالحقية حتى يثبت خلافه. # ولأن فعل العاقل وقوله على الصوب بدلالة عقله حتى يظهر خطاؤه فقبل الظهور ~~يجب إتباعه ألا ترى أنكم تقلدون الصحابي كما تقلدون النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتتركون الرأي بقول الصحابي ولم يكن معصوما عن الكذب لأنهم أصحاب من ~~كان يجب تصديقه بسبب الوحي، فكذلك التابعون يجب تقليدهم لأنهم أصحاب من وجب ~~تقليده فلا يزال يدور هكذا. # إلا أنا نقول: إن أصل التقليد باطل، لأن الله تعالى رد على الكفرة ~~احتجاجهم بإتباع الآباء بنفس الرؤية والسماع من غير نظر واستدلال. # ولأن خبر هذا المخبر أو فعله يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجة، ~~ألا ترى أن الإيمان بالأنبياء عليهم السلام لم يجب بنفس الدعوة لاحتمال ~~الصدق والكذب حتى تقوم المعجزة. # فكذلك غير الأنبياء لأنهم دونهم إلا أنا بدلالة المعجزة عرفنا عصمتهم عن ~~الكذب والخطأ فاتبعناهم لقيام دلالة العصمة، وقد فقدت هذه الدلالة في غيرهم ~~فلا يجب إتباعهم كما لا يتبع النبي صلى الله عليه وسلم قبل إقامة المعجزة. # فإن قيل: الأصل الحق فلا يبطل بالاحتمال. # قلنا: هذا الأصل ثابت في صاحب المعجزة بدليل المعجزة لا بكونه آدميا ~~والمعجزة معدومة في غيره فلا يثبت الحكم الثابت بدليله. # فإن قيل: فالحقية تثبت بدلالة العقل وقد قامت في النسل. # قلنا: دلالة العقل تدل على الحقية ظاهرا ولا تدل على وجوب العصمة عن ~~الباطل PageV01P389 # إما غفلة، وإما قصدا فلا يصير قوله حجة موجبة على أن دلالة العقل مما لا ~~يدل إلا بالنظر والاستدلال. # ولم يثبت أن الأول قال وعمل عن نظر واستدلال أو لا عن نظر واستدلال. # ولئن كان عن نظر واستدلال وبه كان حقا فللسامع من آلة النظر مثل ما للأول ~~فيلزمه النظر برأيه ms393 ولا يصير نظر غيره حجة عليه كمن عاين القبلة، وأخبر ~~غيره بجهتها، والسامع يمكنه عيانها لم يكن خبر الأول حجة عليه ولا يجوز له ~~العمل به إلا على تقدير أنه صادق، حتى إذا تبين كذبه كان باطلا ويقال له: ~~ميزت بنظرك بين محتج ومحتج فصير بين حجة وحجة، فالمحتج إنما يصير إماما ~~بالحجة. # ولأن قوله: إن الحقية أصل فتميز منه بينه وبين الباطل وأنه أمر غائب لا ~~يدرك بالحواس فثبت أنه معلوم بالنظر والاستدلال فيكون إقرارا من حيث لا ~~يشعر به أن الحجة هي النظر والاستدلال. # ولأن الحق إما يصير للآدمي بعقله، وصفة العقل لا تسري من أحد إلى أحد ~~والخلاف وقع في ولد آدم عليه السلام. # ولأنا نقول للمقلد: إنك مبطل فقلدني لأني عاقل، فإن قلدك فقد رجع عن ~~مذهبه وأقر أنه مبطل، وإن لم يقلدك فقد رجع عن حجته لأنه لما لم يقلدك فقد ~~زعم أن التقليد باطل. # ولأنا نقول له: أتقلد إمامك على أنه محق أم على أنه مبطل، أم على أنك ~~جاهل بحاله؟ # فإن قال على أنه مبطل، أو على أني جاهل بحاله لم يناظر لأنه ممن لم يميز ~~الحق من الباطل فيكون مجنونا، أو ممن زعم أن الباطل متبع فيكون سفيها. # فيبقى قوله على أني أتبعه على أنه محق وقط لا يعرف المحق من غيره بنفس الخبر. # فالمقلد في حاصل أمره ملحق نفسه بالبهائم في إتباع الأولاد الأمهات على ~~مناهجها بلا تمييز فإن ألحق نفسه بها لفقده آلة التمييز فمعذور فيداوى ولا ~~يناظر، وإن ألحقه بها ومعه آلة التمييز فالسيف أولى به حتى يقبل على الآلة ~~فيستعملها ويجيب خطاب الله تعالى المفترض طاعته. # وقد ذم الله تعالى الكفرة على قولهم: "اتبعنا أكابرنا وسلفنا" ذما لا ~~يخفى على من آمن بالله، وأقر بالكتاب إلا أن يعاند بخلاف الكتاب، وكفره بعد ~~الإيمان به فثبت أن القول بالتقليد باطل، وأنه ليس باسم يصلح اسما للحجة بل ~~حجة على الإنسان في الأصل برأيه واستدلاله. PageV01P390 # فأما الجواب عن قولهم إنكم ms394 تقلدون الصحابي أو النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا كذلك بل عرفنا صاحب المولى صديقا معصوما عن الكذب بالنظر والاستدلال، ~~إذ بالنظر والاستدلال عرفنا المعجزة معجزة ثم عرفنا بالنظر أن صاحب المعجزة ~~لا يكون إلا صديقا، فإن الله تعالى لا يأتمن الكاذب ولا يؤد بالمعجزة بلا ~~معارضة من يضل الناس ثم عرفنا بخبره أن رأي الصحابة مقدم على رأي غيره إن ~~أسلمنا وجوب ترك الرأي بقول الصحابي. # ثم التقليد ينقسم إلى أقسام أربعة: # ا. تصديق الأمة صاحب الوحي. # ب. وتصديق العالم صاحب الرأي، ونظر في باب الفقه ظهر سبقه على أقرانه من ~~الفقهاء. # ج. وتصديق العامة علماء عصرهم. # د. وتصديق الأبناء الآباء والأصاغر الأكابر في الدنيا. # والوجوه الثلاثة صحيحة لأنه يقع عن ضرب استدلال فإن التمييز بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيره لا يقع إلا بضرب استدلال فلم يكن تقليدا محضا. # وكذلك تقليد العالم عالما هو فوقه لأن زيادة المرتبة لا تعرف إلا بضرب ~~استدلال. # وكذلك تقليد العامي العالم لأنه ما ميز بين العالم وغيره إلا بضرب ~~استدلال إلا أنه ترك ما هو الأولى به من النظر في الحجج وربما يعاتب عليه ~~فما ترك الأولى إلا بكسل فإن التمييز بين الحجج لصعب والكسل في الدين مذموم. # والباطل هو الوجه الرابع لأنهم اتبعوه بهوى نفوسهم بلا نظر عقلي واستدلال ~~وعملوا عمل البهائم كما سمى الله تعالى أنعاما بل أضل لأنهم وجدوا آلة ~~التمييز فلم يستعملوها فلم يكونوا معذورين والبهائم قد فقدت الآلة فكانت ~~معذورة بل لم تكن مأمورة، والله أعلم. PageV01P391 # باب ### | AUTO القول في الإلهام # الإلهام: ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا ~~نظر في حجة. # قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في ~~باب ما أبيح عمله بغير علم. # وقال بعض الحبية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واحتج بقوله تعالى: {ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها} ~~عرفها بالإيقاع في ms395 القلب، وبقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وشرح الصدر بنور العلم، ~~والحرج بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه هو العاجل لذلك بلا واسطة ولا صنع ~~من العبيد. # وبقوله: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} فالحياة هي العلم، ~~والنور الهدى فالله تعالى أخبر أنه الجاعل بلا صنع منا. # وبقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} فأخبر ~~أن الناس مخلوقون على الدين الحنيفي بلا صنع منهم. # وقال: {وأوحى ربك إلى النحل} الآية حتى عرفت مصالحها بلا نظر منها فلا ~~ينكر مثله للآدمي. # وقال: {وأوحينا إلى أم موسى} حتى عرفت بلا نظر واستدلال أن حياة موسى في ~~الإلقاء بالبحر ولم يكن ذلك وحيا بملك تكلم بل بالإلهام وعلمت بذلك وكان حقا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" أي: على ~~الدين الحق وما للمولود نظر ولا استدلال. # وقال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" وما ~~الفراسة إلا خبر عما يقع في القلب بلا نظر في حجة. PageV01P392 # وقال صلى الله عليه وسلم لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: "ضع يدك على ~~صدرك فما حال في صدرك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك" جعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى عن حجة. # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر" أي: ملهم، ~~كأنه يوحى إليه ويحدث ربه أو الملائكة. # وروينا عن الصحابة أقوالا بخلاف النص وأكثرها عن عمر بالإلهام فكانت حقا، ~~وانتسخ بها ما كان وحيا نزل بخلاف ما كان، إلا أن الملهم متى خالف النص ~~برأيه اليوم رد عليه لأنه لا نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبين ~~بالغلط أنه محروم نور الإلهام من الله تعالى. # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ألقي إلي أن ذا بطن بنت خارجة جارية، ~~وما الإلقاء إلا الإلهام. ms396 # وأكثر أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام كانوا يلقى في قلوبهم من غير ~~إرسال ملك. # وقالت الأمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحري بغلبة الظن، أنه لا ~~يجوز، وإذا صلى بتحريه بقلبه أجزته وقلتم أنتم إن صلاته تجزيه، وإن خالف ~~جهة الكعبة بيقين وإذا خالف جهة تحريه لا تجزيه وإن أصاب الكعبة. # وكذلك اللحم الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لم يحل أكله لغلبة ~~الحلال إلا بتحري القلب. # فثبت أن الإلهام حق من الله تعالى، وأنه كرامة لبني آدم عليه السلام، ~~وأنه وحي باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه حرم تلك الكرامة وسلط عليه ~~الشيطان فصار الوحي منه، قال الله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا ~~من اتبعك}، وقال: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} فثبت أن الآدمي معصوم ~~قبل المعصية عن وحي الشيطان، إلا على سبيل الاستراق فلا يخفى على العبد ~~وحيه عن وحي الملك إلا على سبيل الغفلة التي تعتري القلوب فتزل ثم تنتبه من ~~ساعته فلا تقر عليه فيمتاز له جهة الحق بالقرار عن جهة الباطل، ومثل هذا ~~الالتباس قد يقع للمستدل بالحجج والقياس بالرأي فثبت أن الإلهام باب من ~~أبواب الحجج. # والحجج لأهل السنة والجماعة: قول الله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصار تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فألزمهم ~~الكذب بعجزهم عن برهان يمكنهم إظهاره، فلو كان الإلهام حجة لما ألزمهم PageV01P393 # الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة فالإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها. # وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه} وبجهنم بدعوى إليه غير الله لا برهان لهم به، ولو كانت شهادة قلوبهم ~~لهم حجة لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل بها ما يمكن ~~إظهاره من النص والآيات التي عرفت حججا بالنظر التي يمكن إظهارها وكانت ~~الحكمة من قيد لا برهان به وإن كان الشرك باطلا أصلا ليشتغل السامع ~~بالبرهان نفيا للتوبيخ عن نفسه ms397 فيدله البرهان الصحيح على بطلان الشرك وحقية ~~أن الله تعالى خالق لا شريك له. # وقال الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} فالله تعالى جعل تبين أن الله تعالى حق غاية لرؤيتهم الآيات فثبت أن ~~العلم بالله تعالى لا يكون بدون الآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد ~~الاستدلال بها عن نظر عقلي. # فإن قيل فيه: إن الله تعالى هو الذي يرينا الآيات بلا صنع منا فيلهم ~~العبد حدوث العلم، وأن له محدثا هو الله تعالى. # قلنا: لو كانت المعرفة صحيحة على ما ابتلينا بها بدون صنع منا لأوقعها ~~الله تعالى بلا واسطة الآيات. # والآيات مما تدلنا على الله تعالى من طريق النظر والاستدلال كالبناء على ~~الباني، والحدث على المحدث وإنما تأويل الإضافة إلى الله تعالى على معنى أن ~~الله تعالى هو خالق الآيات للنظر والاستدلال، وهو الموفق لعبده، والملقي في ~~قلبه سمة التفكر في الآيات ومرينا أفول الشمس بلا صنع منا لنستدل بانعزالها ~~على أنها ليست برب. # وكذلك فسر الله تعالى في قصة إبراهيم: {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} إلى ~~أن قال: {إني برئ مما تشركون} ثم قال الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه} ثم دلت هذه الآية أن لا حجة فوق هذه، فلو كانت لما حرم ~~إبراهيم عليه السلام وهو خليل الله. # ثم قال: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} ~~فأخبر أن الإراءة ما كان من إراءته إياه انعزالها عن سلطانها بالأفول حتى ~~تيقن به على أنه مخلوق وأن الله تعالى من خلقها، وأخبر أن الإيقان بالله ~~تعالى متعلق بالوقوف على الآيات الدالة على حدوث العالم ليتبرأ منه أولا ثم ~~يوقن بالله تعالى كما قال إبراهيم عليه السلام: {إني برئ مما تشركون * إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا}. # وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} وكانت كلمة التوحيد لا إله ~~إلا الله فالله تعالى يرينا بفضله الحجج الدالة على حدوث العالم حججا PageV01P394 # يمكننا التكلم بها، ms398 والمناظرة بها وإلزام الخصوم فنتبرأ منها إلى خالق ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما الاختلاف في المعرفة بلا حجة يمكن ~~المناظرة بها. # وأخبر الله تعالى في غير موضع أن القرآن هدى. # وكذلك الآيات لقوم: يتفكرون، يتذكرون، يعقلون، يفقهون، لوم يقل في موضع: ~~لقوم يلهمون، ولو كان الإلهام أحد طرق العلم لبينه الله تعالى في كتابه ~~فإنه أنزل تبيانا لطرق العلم وقال: {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} ~~وقال: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف} الآية. # ولو كان الإلزام بالإلهام لما عوتبوا على ترك النظر والسير وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن بم تقضي؟ قال: ~~بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: ~~أجتهد فيه رأيي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق ~~رسول رسوله" ولم يقل: بالإلهام ولم يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد استقصينا هذا الباب في أبواب القياس. وقال صلى الله عليه وسلم: "من ~~فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وأنه جائز برأي النظر والاستدلال ~~بأصول الدين بالإجماع. # فثبت أن المراد به الرأي بلا نظر له، ولأن الرأي بلا نظر لو كان حجة يجب ~~العمل بها كالوحي لحل لكل إنسان قبل الوحي أن يدعو الخلق إلى ما عنده بل ~~كما يجب على نفسه العمل به. # وكما كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ومن قال هذا فقد كفر. # ولأنا نقول له الإلهام حجة على الحق بخلاف الشرع أم بموافقته، فإن قال ~~بخلافه كفر، وإن قال بموافقته فلا تثبت الموافقة إلا بعد النظر في أصول ~~الشرع، والاستدلال كما يكون بالقياس. # ولأنا نقول: إن هذا الإبهام قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الملك، ~~وقد يكون من إبليس على ما قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم}، ومن نفسه على ما قال: {ونعلم ما توسوس به نفسه}، ولن يقع ~~التمييز بينهما إلا ms399 بعد نظر واستدلال بأصول الدين. # ولأنا نقول: لو سلمنا أن الإلهام ثابت بمنزلة الوحي فبماذا يعرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفسه أنه موحى إليه، وأن ما تراءى له وحي من الله تعالى ~~وبماذا يلزم الناس إتباعه فلا يجد فيمن مضى وظهر منهم إلا بحجة وآية ظهرت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في نفسه عرف بها أنه من الله تعالى، وإنما عرف ~~هذه الآية أية بنظره واستدلاله. PageV01P395 # وكذلك لا يلزم الناس إتباعه ولا يحل إلا بعد ظهور الآية لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول برأيه وكان ينزل الوحي بخلافه، وكان يرجع عنه بقول ~~الصحابة فلما جاز الغلط على الرسول إلا فيما أقر عليه لكونه معصوما عن شرع ~~ما لا يحل كان على من دونه أجوز وقد أمر الله تعالى رسوله بمشورة الصحابة ~~ولم يأمره بالرجوع إلى قلبه في فصل المهمات. # ولأن الخصم يقول له إنك مبطل لأني ألهمت ذلك وأنه حجة فلا يمكنه الخروج ~~عنه إلا بأن يقول: إنك لست من أهله فيقابله خصم بمثله ثم لا يمكنه التمييز ~~بين الأهل وغيره إلا ينظر واستدلال. # ثم نقول: إن الإنسان مبتلى بكسب العلام كما ابتلي بالعمل بالعلم قال الله ~~تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} بل كسب العلم هو الأصل، وكسب العلم عمل ~~القلب، وكل عمل ابتلي الآدمي به فهو عمل يأتي الآدمي على سبيل الاختيار عن ~~تمييز عقلي فلو كان العلم يقع بالإلهام جبرا من الله تعالى لم يكن مما ~~ابتلينا به ولم يكن عليه ثواب، ولا على تركه عقاب على مثال معرفة البهائم ~~والطيور ربها تعالى فلما كان الثواب مشروعا على العلم بالله تعالى علم أنه ~~لا يحصل إلا عن عمل منا وما ذلك إلا النظر والتمييز سواء سمعنا رسولا يتكلم ~~به أو لم نسمع فإنا لا نعرفه رسولا ولا كلامه حقا إلا بعد النظر فيما معه ~~من الآية الدالة على الرسالة. # قال العبد رحمه الله: وقد ابتليت بقوم قد زعموا أن العب يرى ربه بقلبه ms400 ~~فيعرفه بلا نظر ولا استدلال بالآيات، فكأنه قل لم يكن في السلف، فإن القلب ~~بضعة لحم ما لها حاسة رؤية كسائر الأعضاء، دون العين فلا يقع الفرق بين ~~قولهم هذا. # وقول من يقول: رأيت الله بأذني أو بيدي معرفته، إنما رؤية القلب علمه ~~بنظره، ونظره التفكر فيما أحس لا يتصور غير ذلك لإفادة علم، ولهذا قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: {تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات} لأن ~~الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله تعالى والتفكر في الذات يوجب ~~التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى. # وإنما مثاله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيفيد نظر ~~الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجارة، والنظر إلى النجار نفسه يجهله بحاله. # وحكي لنا عن محمد بن زكريا رحمه الله؛ أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم ~~الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات، وإليه دس فرعون في محاجته موسى عليه ~~السلام فقال: {وما رب العالمين} فأعرض موسى عن جواب المحال، وأجاب بالوصف ~~فقال: {رب السموات}. وما كفر حكماء الزنادقة إلا بتفكرهم في الذات ~~والمائية. PageV01P396 # ولأن التفكر في الشيء قبل الوقوف عليه لا يتصور والتفكر للوجود لا يتصور ~~إلا في موجود يدل عليه، على أن التفكر نفسه نظر واستدلال وما دعوناك إلا ~~إليه، وإنما أنكرنا كينونة الرأي حجة بلا نظر أصلا. # فأما الجواب عن تمسكه: {فألهمها فجورها وتقواها}: أن تأويله، والله أعلم ~~عرفها بطريق العلم، وهو الآيات والحجج على ما فسر في قوله: {سنريهم آياتنا ~~في الآفاق} الآية. # وكذلك شرح الصدر بنور التوفيق حتى ينظر في الحجج. # وكذلك أحياه بالأدلة وبما أراه من الآيات فلا اهتداء للعبد إلا بعد هداية ~~الله تعالى، وذلك بطريقين بالهداية بعد جهاد العبد كما قال الله تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال: {ويهدي إليه من ينيب} هو أدنى ~~الدرجتين والأعلى بالاصطفاء والاجتباء، كما قال الله تعالى: {يجتبي إليه من ~~يشاء} وقال: {ووجدك ضالا فهدى} ولم يذكر جهاده والله تعالى يجتبي إليه من ~~يشاء بروح القدس، وكمال ms401 نور العقل وذكاء الطينة والتوفيق. # وإراءة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فيتبين له ~~أنه الحق كما يتبين للكافة يوم القيامة، وهم رهط الأنبياء والصديقين ويهدي ~~من يجاهد في سبيله إليه بإراءة الآيات والتوفيق رحمة وجزاء، حتى ينظر فيها ~~فيعرفها آيات، فهذا تأويل الإضافات إلى الله تعالى. # وأما الفطرة: فتأويلها أن الآدمي يخلق، وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ~~عليه السلام فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة، وكان ~~على عذر في ترك الأداء عن عجز على ما بينا في باب: حمل الأمانة. # وأما وحي النحل: فما هي بمستنكر في نفسه، وإنما أنكرنا ذلك في علم خوطبنا ~~بكسبه وابتلينا به. # وأما وحي أم موسى عليه السلام: فأمر نقول به، وبيانه أن أم موسى خافت على ~~موسى القتل من فرعون على ما ظهر من سنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له ~~إلقاء نفسه في البحر أن رجى فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى ~~بالحريق حل ركوب لوح في البحر، وأنه من باب ما لزمنا العمل به عند الضرورة ~~بلا علم. # ولأن من ابتلي بشرين لزمه اختيار أهونهما لديه عقلا وشرعا، على أنها ما ~~عرفت أن الإلقاء في البحر أهون إلا بنظر فقد كانت عرفت بطريق النظر أن راكب ~~اللوح ممن ينجو برأسه غالبا. # وكان الوليد لا ينجو في الأغلب من فرعون فلم تعرفه بإلقاء الله تعالى علم ~~ذلك في PageV01P397 # قلبها بلا نظر، ولكن كان إيحاء الله تعالى أن ذكرها هذه الطريقة لطلب ~~حياة موسى. # وكذلك من اشتبهت عليه القبلة سقط عنه الأمر عندنا بإصابة جهة الكعبة على ~~الحقيقة، إلى جهة هي جهة الكعبة بتحري قلبه للضرورة، على ما بينا في موضعه. # وكذلك من أخبرك بخبر في المعاملات وأنت لا تعرفه فإنك تحكم قلبك وتعمل ~~به، لأن في العمل بأخبار الناس في باب المعاملات عدلهم وفاسقهم ضرورة لا ~~يستقيم أمر الناس دونه فسقط الأمر بالعمل بها بشرط إصابة الصدق حقيقة دافعا ~~للحرج، ms402 وآل الشرع إلى قدر الممكن من الصدق وهو بما يشهد لك قلبك به. # وكذلك الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لأن أموال الناس قلما تخلو ~~عن الحرام فلو لم يبح إلا بشرط الحلال لا محالة لضاق الأمر على الناس فسقط ~~الأمر عند غلبة الحلال بالتجنب عن الحرام إلا بقدر ما لا يخرج فيه من شهادة ~~القلب بأنه حلال إذا لم يجد حجة أخرى تميز بينهما، والخلاف فيما نحن فيه في ~~حال قيام سائر الحجج، والباب الذي لا يجوز العمل به بدون العلم به على ~~الحقيقة نحو معرفة الله تعالى بصفاته عند ذكره. # وأما حديث وابصة: فقد ورد في باب يحل فعله وتركه فيجب ترك ما يريبه إلى ~~ما لا يريبه احتياطيا لدينه، على ما شهد له قلبه به، فأما ما ثبت حله ~~بدليله فلا يجوز تحريمه بشهادة القلب، وكذلك ما ثبتت حرمته فلا يحل تناولها ~~بشهادة القلب. # وأما حديث عمر رضي الله عنه: ففيه أنه كان مخصوصا به، ونحن لا ننكر هذه ~~الكرامة، وإنما ننكر إثبات الشرع به، وعمر رضي الله عنه ما كان يعمل في ~~المشروعات إلا بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم رأي نظر ~~واستدلال، وما كان يدعو الناس إلى ما في قلبه. # وأما كرامة الفراسة: فلا ننكرها أصلا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجة ~~لجهلنا أنها من الله تعالى أو من إبليس أو من نفسه. # وأما أقوال الصحابة: فقد ذكرنا تأويلها فيما مضى ولم يثبت منهم قول إلا ~~عن نظر واستدلال. # وأما الجواب عن العصمة: فإنها لم تثبت لغير الأنبياء عليهم السلام على ~~البتات فلا يمكن البناء عليه، ولا تتصور العصمة لمن لم يعرف الحجج ولم ~~يستدل بالآيات. # وزعم بعض الناس أن العامة لم تعرف ربها إلا بالإلهام، وأنه غلط فما من ~~عامي إلا وهو مستدل بالآيات، ويسبح ربه إذا رأى كسوفا أو أمرا هائلا يعجز ~~عنه البشر إلا أنه لا يهتدي إلى المحاجة بها ولهذا قال الله تعالى: {ولئن ~~سألتهم من خلقهم ms403 ليقولن الله} لمعرفتهم بعجز الأصنام عن التخليق يعرفون أن ~~الخالق هو الله تعالى. PageV01P398 # قال القاضي رضي الله عنه: خلق الله تعالى بني آدم على الفطرة وإنما ~~استدرجهم إبليس إلى الضلال بطرق الحق، ورأس الطرق التقليد فقلد العالم ~~عالما اهتماما لرأيه، وإتباعا لفقهه وظنه دينا، وما دعاه إليه إلا الكسل ~~فإنه لو اجتهد لوفق لمثله فرآه الجاهل فقلد عالما سمعه بغير استدلال على ~~فقهه، فإذا قد قلد جاهلا فضل ثم قلد أباه وأهل زمانه حتى عبدوا الأحجار، ~~وما تبدلت الأديان إلا بتقليد العامة علماء السوء فإنهم لما قلدوا وأحبوا ~~الرياسة مباراة علماء الحق أبدعوا ما حسن لدى العامة وطعنوا في متبعي السنة ~~حتى تبدل الدين بأصله. # فالتقليد رأس مال الجاهل وسببه جهل المرء بقدره حتى اتبع رجلا مثله بلا ~~حجة ثم الذي يليه الإلهام فصاحبه اتبع قلبه وقلده بلا حجة له بناء على أنه ~~خلق على نور الفطرة وجهلا بهوى نفسه حتى ادعى رتبة الأنبياء عليهم السلام ~~لنفسه، واتخذ إلهه هواه، كما اتخذ المقلد آلهة خشبا فهذا رفع قدره جهلا ~~والأول وضع قدره جهلا فهلكا وما هلك امرئ عرف قدره فمن رام الاحتراز عنهما ~~فليبن أمره على الكتاب، والخبر ثم الاستدلال والنظر وما التوفيق إلا بالله. # وكان الناس في الصدر الأول أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله ~~عليهم أجمعين يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم ~~من أقوال من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصح بالحجة فكان الرجل ~~يأخذ بقول عمر رضي الله عنه في مسألة، ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى ~~وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى على ~~حسب ما يتضح لهم بالحجة. # ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقد كانوا قرونا أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علمائهم ولا نفوسهم فلما ذهبت التقوى من عامة ~~القرن الرابع، ms404 وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علمائهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم ~~حنفيا، وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا يبصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة ~~بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا ~~تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع وضل الحق بين الهوى، ونشأ قوم من الحبية ~~فزعموا أنهم أحباء الله عجبا بأنفسهم، وأن الله تعالى يتجلى لقلوبهم ~~ويحدثهم، فرأوا لذلك حديث أنفسهم حجة واتخذوا أهواءهم آلهة فلم يبقى عليهم ~~سبيل للحجة، والعياذ بالله. PageV01P399 # باب ### | AUTO القول في أقسام استصحاب الحال # قد مر في ما مضى أن استصحاب الحال قول بلا دليل، وأنه من باب الجهل ~~بالأدلة، وباب الجهل لا يكسب العلم فلابد أن يكون مدرجا إلى الضلال، وإن ~~كان ابتداؤه حسنا وهو التمسك بما كان حتى يزول بالبرهان، وأنه أقرب إلى ~~الحق من التقليد والإلهام. # لأن الملهم رجع إلى قلبه، وجهل الأدلة وأعرض عنها، وما القلب بحجة بل ~~الحجة رأيه، وهذا علم الدليل ورجع إلى رأيه إلا أنه لم يفرق بين الثابت ~~بالحجة وبقائه كذلك ثابتا، فظن أن الحجة المثبتة حجة مبقية ولم يدر أن ~~البقاء محكوم به لعدم الدليل المزيل لا بوجود الدليل المثبت، أو لم يفرق ~~بين حكم وجود العلة وحكم عدمها. # وأقسامها أربعة: # أ. استصحاب حكم الحال لضرورة عدم ما يزيله، وثبوت العدم بطريق أوجب العلم ~~به كالخبر به من جهة صاحب الوحي، أو من طريق الحس إذا كان الشيء مما يعرف به. # ب. واستصحاب حكم الحال لعدم الأدلة من طريق النظر في الأدلة برأيه بقدر ~~وسعه مع احتمال قيام الدليل من حيث لا يشعر هو به. # ج. واستصحاب حكم الحال قبل النظر والاستدلال. # د. واستصحاب الحال لإثبات حكم مبتدأ. # أما الأول: فصحيح وقد علم الله تعالى الاحتجاج به فقال: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلى محرما} الآية وهذا لأن العدم لما ثبت يقينا انعدم حكم العلة أيضا ~~ضرورة على ما مر من قبل كما أن العدم كان ثابتا أصلا قبل الإحداث لما سوى ~~الله ms405 تعالى. # وأما الثاني: فصحيح إبلاء للعذر لا احتجاجا على غيره لاحتمال قيام العلة ~~عند غيره على ما مر. # وأما الثالث: فجهل محض والجهل لا يكون حجة، ولا يكون عذرا عند إمكان طلب ~~الدليل كالجهل بالشرائع عذر في دار الحرب، لمن أسلم ولم يهاجر إلينا. ولم ~~يكن عذرا لذمي أسلم في درانا. PageV01P400 # وأما الرابع: فضلال محض لأن استصحاب الحال كاسمه وهو التمسك بما ثبت حتى ~~يقوم دليل الزوال، وما لم يكن لا يمكن التمسك بوجوده بل يحتاج إلى إثباته ~~فلا يثبت لعدم الدليل كالمفقود أصله حي فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت، ~~وكذلك ملكه ثابت فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت وملك أبيه لم يكن له فإذا ~~مات أبوه لم يثبت له، لأن التمسك بالحال التي كانت توجب أن لا يثبت له ملك ~~أبيه بل يبقى على ما كان حتى يقوم دليل الثبوت. # وقد جعله بعض شيوخ الشافعية حجة لإثبات الإرث على ما مضى من قبل، لكنه ~~قال به من حيث لم يشعر به لا قصدا إليه فإنه استصحب الحياة له بحكم التمسك ~~بها وإذا بقي حيا انتقل الإرث إليه فلم يثبت الإرث باستصحاب الحال في الإرث ~~نفسه ولكن بواسطة بقاء الحياة له. # وأبينا نحن ذلك لأن الحياة ثابتة له بلا دليل فيبقى ثابتا دفعا عن نفسه، ~~فأما استحقاقا بها لما لم يكن ثابتا فلا على ما مر في بابه، وعلى هذا ~~اختلافهم في شاهدين شهدا أن الملك كان لأب المدعي والأب ميت فإنه لا يقبل ~~عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ويقبل عند أبي يوسف رحمه الله: لأن الملك ~~ثبت لأبيه بهذه الشهادة فيبقى بلا دليل وملك الوارث هو ذلك الملك بعينه. # ولهما: إن البقاء بعد الثبوت إنما يكون باستصحاب الحال فثبت دفعا عن ~~المشهود عليه بحق الشهادة، لأنه كان لهذا المدعي فأما لإيجاب حكم لم يكن ~~فلا وملك الوارث حكم لم يكن فإن الملك وإن كان ذلك الملك بعينه، فالمالك ~~مالك آخر كما قلنا في المفقود أنه لا يرث ms406 أباه، وإن كان الملك ذلك الملك ~~بعينه يبقى للوارث لأن المالك غير الأول، والله أعلم. PageV01P401 # باب ### | AUTO القول في أقسام الطرد # حد الطرد ما قد مضى ذكره، وإنما أعدناه لنبين كيف يؤول إلى الضلال أمره، ~~وأنه على الحقيقة قول استصحاب الحال إلا أنه أقرب إلى الحق من الأول. # فإن الأول استصحاب حكم الحال الثابت بالدليل والعلة الموجبة للثبوت لا ~~توجب البقاء، فكان استدلالا لعدم العلة، وهذا استصحب صحة الدليل فإن أوصاف ~~الأصول المعلولة أدلة وحجج، ولكن لضرب من الاحتمال أوجبنا التوقف عن العمل ~~بها قبل بيان التأثير. # وصاحب الطرد استصحب الحالة الأولى في كونه دليلا حتى يتبين له وجوده، ولا ~~حكم معه فيكون حينئذ فاسدا فيكون في استصحابه هذا عاملا بدليل لكنه دليل ~~احتمل الفساد، ومثاله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم نصا فاستصحب صحته ~~ما لم يقم عليه دليل النسخ وعمل به كان عاملا بدليل احتمل الانتساخ ~~والتبدل، إلا أن مخرجه إلى الضلال لحكمنا ببقائه صحيحا بعدم الدليل، وهذا ~~صالح للدفع لا للإلزام على ما مر في الباب الأول. # وأقسامه أربعة في الاطراد: # اطراد ثبت بإقرار الخصم أو إجماع الناس. # واطراد ثبت بالعرض على الأصول في نفسه بقدر وسعه، والمراد يدعيه بوجود ~~الحكم معه في الأصل المعلل قبل العرض على الأصول لكن بعد تثبيت أن الوصف ~~صالح علة بدليله. # واطراد يدعيه لتصحيح الوصف علة. # فأما الأول: فحسن لما ذكرنا أن الثابت من الأصل لا يتغير إلا بدليل وعلة، ~~إلا أنا نقول أن الوصف صالح علة ولكن لما لم يجب العمل بها بالصلاح على ما ~~مر، فلا يثبت المعنى الموجب للعمل بها لعدم الدليل. # وكذلك ثبوت الاطراد بعرضك على الأصول حجة تعذر أنت بها، ولا يكون حجة على ~~الغير لجواز أن يكون عند الخص ما ينقضها على ما مر. # وأما الثالث: فحكم بالظن لأنه زعم أن وجود الوصف بلا حكم في أصل آخر مما PageV01P402 # يبطله، وقد احتمل ولزمه التفحص عنه بقدر الوسع وقد أعرض عنه بحسن ظنه أنه ms407 ~~مطرد فكان كمن قام إلى الصلاة، واشتبهت عليه القبلة فصلى بلا تحر إلى جهة ~~بحسن الظن كانت صلاته فاسدة كأنه تحرى ثم خالف الجهة، وهذا لأن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا فعاد الأمر في الدرجة الثالثة إلى الباب الأول. # وأما الرابع: فلأنه جعل استصحاب الحال علة لتصحيح الوصف لا لتقريره على ~~الصحة فكان من قبيل الرهط الرابع من الباب الأول، فصار القول بالطرد مدخل ~~الفقهاء إلى باب مآله إلى الجهل والضلال ومن نظر فيما أحدث المتسمون ~~بالعلماء في زماننا هذا من أنواع الطرد من المسائل تيقن بما أشار إليه ~~كلامنا، حتى صار في مسألة واحدة عشرة من المقاييس إلى مئة ونيف. # وكان الواحد من السلف رحمه الله يتفكر زمانا طويلا فلا يجد لما ابتلي به ~~من علم الحكم إلا قياسا أو قياسين، ولهذا صارت أئمة السلف أصحاب المذاهب ~~كأنهم أصحاب شرائع لأن الخلف اعتمدوا الطرد، وهو ليس بحجة يجب العمل بها ~~فلم يستغنوا معه عن إتباع أئمتهم وتقليد سلفهم، وكان ذلك أحسن من العمل ~~بالطرد باستصحاب الحال. # فمستصحب الحال اتهم الأصول فأعرض عن القياس فالأصول شهود كالمقلد اتهم ~~قلبه فأعرض عن الرأي. # والقلب هو الحاكم المحكم من الإنسان وصاحب الطرد صدق الأصول بأي وصف شهدت ~~من غير تأمل فيما شهد كالملهم صدق قلبه من غير تأمل فيما رأى، وكل ذلك سبيل ~~غير سبيل الهدى وبالله التوفيق والعصمة من العمى، والله أعلم. PageV01P403 # باب ### | AUTO القول في الاستحسان ما هو لغة؟ وحكمه؟ # أما الاستحسان لغة: فوجود الشيء حسنا، يقال استحسنت كذا، اعتقدته حسنا ~~واستقبحته على ضده، وعن هذا ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان فقد ترك ~~القياس، والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير حجة شرعية فطعن بهذا على ~~علمائنا وإنما هذا تفسير الاستحسان لغة. # فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان: فاسم لضرب دليل يعارض القياس ~~الجلي، حتى كان القياس غير الاستحسان على سبيل التعارض، وكأنهم سموه بهذا ~~الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف عن العمل به بدليل آخر فوقه في ms408 ~~المعنى المؤثر أو مثله، وإن كان أخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر ~~حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه ~~من الوجه الذي يتعلق به صحته. # ولم يكن غرضهم من هذه التسمية والله أعلم إلا ليميزوا بين الحكم الأصلي ~~الذي يدل عليه القياس الظاهر، وبين الحكم الممال عن تلك السنن الظاهرة ~~بدليل أوجب الإمالة فسموا الذي يبقى على الأصل قياسا، والذي يمال استحسانا ~~هذا كما قال أهل النحو، هذا نصب على التفسير، وهذا نصب على الظروف، وهذا ~~على المصدر، وهذا على التعجب، وهذا لأنه مفعول ليمكنهم التمييز بين الأدوات ~~الناصبة. # وقال أهل العروض هذا من البحر الطويل، وهذا من المديد، وهذا من المتقارب ~~في أشباه لهذه كثيرة، وسموا أحرف التقطيع سببا ووتدا وفاصلة. # قال محمد بن الحسن - رحمه الله - في كثير من المواضع: بالقياس كذا، ~~وبالاستحسان كذا، وبالقياس نأخذ وأخذوا في الأكثر بالاستحسان فعلم أنهما ~~اسمان لدليلين متعارضين كالكتاب والسنة. # وقال في بعض المواضع القياس كذا، ولكني استقبح مكان قوله: استحسن ~~واستقباح العمل بدليل الشرع كفر فثبت أنه استقبحه لدليل آخر يعارضه فمتى ~~تعارض الدليلان في حكم الحادثة وأحدهما رأي ظاهر طريقه واضح سبيله والآخر ~~خفي أثره، سر خبره، فالظاهر قياس والآخر استحسان، والترجيح بينهما بالطرق ~~التي مرت في باب مراتب القياس وسائر الأدلة والأخذ واجب بالراجح منهما، ~~فصار الفصل المستحسن هو PageV01P404 # الممال بحكمه عن الطريق الظاهر إلى الخفي بدليل شرعي لا بهوى النفس فإنه كفر. # وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذي ترجح عليه فلما ~~كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل به وكان اسما مستعارا كالصلاة سميت ~~باسم ما فيها من الصلاة، وهي الدعاء والثناء والصوم سمي باسم ما فيه من ~~الإمساك. # ولهذا لم نعد هذا الاسم في الأسماء المضلة لأنه على الوجه الذي بينا غير ~~مضل والتقليد والإلهام واستصحاب الحال والطرد على الوجه الذي سميت الأدلة ~~بها مضلة. # ثم الاستحسان: # أ. قد يكون نصا. # ب. وقد يكون ضرورة. ms409 # ج. وقد يكون إجماعا. # د. وقد يكون قياسا خفيا. # أما النص: فنحو قول أبي حنفية رضي الله عنه فيمن أكل ناسيا لصومه: لولا ~~قول الناس لقلت يقضي. أي القياس الظاهر يوجب القضاء إلا أني استحسنت تركه ~~بنص خاص ورد فيه بخلاف قياس سائر النصوص الثابتة، والمعقول الضروري في حصول ~~الصوم مع عدم الإمساك عن الأكل وأنه عبارة عن تركه، وهذا لأن النص فوق ~~الرأي فاستحسن تركه به وإن ظهر. # وأما الإجماع: فنحو جواز الاستصناع فيما ظهر تعامل الأمة به من غير نكير ~~والقياس أن لا يجوز لأنه بيع عين بعمله، وهو معدود عينا للحال حقيقة، ~~ومعدوم وصفا في الذمة والقياس الظاهر أن لا يجوز بيع الشيء إلا بعد تعينه ~~حقيقة، أو ثبوته في الذمة كالسلم. # فأما مع العدم من كل وجه فلا يتصور عقد وليس ثم معقود عليه لكنهم ~~استحسنوا تركه بالإجماع الظاهر بتعامل الأمة من غير نكير لأن الإجماع دليل ~~فوق الرأي، وقصروا الأمر عليه لأنه معدول به عن القياس. # وأما الضرورة: فنحو الحكم بطهارة البئر بعد تنجسها. # والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس ~~إلا أن الشرع حكم بالتطهر للضرورة لأنه لا يمكننا غسلها بماء طاهر إلا من ~~طريق نزح الماء النجس وخروج الماء الطاهر، فاستحسنوا ترك العمل بموجب ~~القياس بعذر العجز فإن الله تعالى جعله عذرا في سقوط العمل بكل خطاب. PageV01P405 # وكذلك جوزوا الإجارة وهو بيع منافع غير موجودة لأنها لا تبقى زمانين فلا ~~يمكن بناء البيع فيها على الوجود فبنوا على كون العين بحيث يوجد منه منفعته ~~ليكون بناء على الوجود الذي هو الأصل للجواز بقدر الإمكان، وأسقطوا ما وراء ~~ذلك بعذر العجز. # وأما القياس الخفي: فنحو البائعان يختلفان في الثمن والسلعة غير مقبوضة. ~~القياس الظاهر أن يكون القول قول المشتري مع يمينه لأنهما اتفقا على حق ~~المشتري وهو المبيع واختلفا في حق البائع فالبائع يدعي زيادة ثمن والمشتري ~~ينكرها فيكون القول قول المشتري مع يمينه، والبينة على المدعي بناء ms410 على ~~السنة الثابتة. # والقياس الخفي يوجب التحالف لأن المشتري يدعي على البائع، وجوب تسليم ~~السلعة بتسليم الثمن الذي يدعيه والبائع ينكر الوجوب عليه بذلك القدر حتى ~~يوفيه ما يدعيه فهذا إنكار باطن لا يعرف إلا بضرب تأمل. # والأول يعرف ببديهة الحال فاستحسنوا العمل بالإنكارين جميعا لأن لا تعارض ~~بينهما لاختلاف محلي اليمين حتى قاس أبو حنيفة رضي الله عنه على هذا الفصل ~~كل عقد اختلف فيه في بدله والمعقود عليه غير مسلم، والتسليم فيه لا يجب إلا ~~بعد تسليم البدل من النكاح والإجارة والكتابة، وقاس الكتابة على البائعين ~~يختلفان في الثمن ورثتهما إذا اختلفوا إذا كان قبل القبض. # ولو كان الاستحسان بخلاف القياس بالنص لما قاس عليه غيره كما لو كان ~~الاختلاف في الثمن بعد قبض السلعة، وهي قائمة فإن اليمين على البائع بالنص ~~بخلاف القياس لأنه لا إنكار منه لشيء من المبيع ولا لليد ولا يمين قياسا ~~إلا على المنكر، وإنما يحلف بالنص بخلاف القياس فلم يثبت التحالف بين ~~الورثة إذا اختلفوا بعد القبض، ولا بعد هلاك السلعة لأن النص ورد في حال ~~القيام، والله أعلم. PageV01P406 # باب ### | AUTO القول في صفة المجتهد في الأحكام التي تجوز الفتوى فيها بغالب الرأي # قال فريق من المتكلمين: الحق في هذه الحوادث التي يجوز الفتوى بأحكامها ~~بالقياس والاجتهاد حقوق، وكل مجتهد مصيب للحق بعينه. # ثم إنهم افترقوا؟ فقال قوم: الحق عند الله تعالى حقوق على التساوي. # وقال قوم: الواحد من الجملة أحق، وسماه تقويم ذات الاجتهاد وقال أهل ~~الفقه، وبعض أهل الكلام: الحق عند الله واحد. ثم افترقوا؟ # فقال قوم: إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله كان مخطئا ابتداء وانتهاء، ~~حتى أن عمله لا يصح. # وقال عملاؤنا رحمهم الله: كان مخطئا للحق عند الله تعالى مصيبا في حق ~~عمله حتى إن عمله به يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله تعالى. # بلغنا عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد ~~مصيب، والحق عند الله واحد ms411 فبين أن الذي أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله. # وقال محمد بن الحسن رحمه الله في كتاب الطلاق: إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ~~ثلاثا ففرق القاضي بينهما نفذ قضاؤه، وقد أخطأ السنة فجعل قضاءه في حقه ~~صوابا مع فتواه أنه مخطئ الحق عند الله تعالى. # وقال في غير موضع: إذا قضى القاضي برأي نفسه في حادثة اختلف فيها الفقهاء ~~نفذ على الكل، وثبتت صحته في حق من يخالفه، وإن كان عند المخالف هذا القاضي ~~مخطئا للحق عند الله. # وكذلك قالوا فيمن اشتبهت عليه القبلة في موضع لا لدليل له غير التحري ~~بالقلب فتحرى وصلى وتبين أنه أخطأ وصلى إلى دبر الكعبة: صحت صلاته وقد أخطأ ~~الكعبة يقينا فصار قولها هذا القول الوسط بين الغلو والتقصير. PageV01P407 # فأما الذين قالوا إن الحق حقوق: فإنهم ذهبوا إلى أن المجتهد كلف الفتوى ~~بغالب رأيه وما كلف إلا الفتوى بالحق. # فلولا أنه يصيب الحق به، وإلا لما توجه التكليف عليه بإصابته بغالب الرأي ~~لأن الله تعالى ما كلف ما ليس في الوسع ولن يصير كل مجتهد مصيبا للحق إلا ~~ولاحق حقوق. # وهذا كاستقبال القبلة، فإنه شرط لصحة الصلاة، وهي إلى جهة واحدة حالة ~~التبين وعند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى: ~~{فأينما تولوا فثم وجه الله} حتى قيل: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات ~~مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا وغير ممتنع أن يكون الحق حقوقا في أناس ~~مختلفين في بعضهم حظر، وفي بعضهم إباحة إذا كان لا يلزم كل واحد منهم ما ~~لزم الآخر. # كما صح عند اختلاف الأزمنة نسخ الإباحة بالحظر ونسخ الحظر بالإباحة. # وكما صح في باب قبلة الصلاة حالة الاشتباه إذا اختلفوا كانت قبلة كل فريق ~~ما أدى إليه تحريه، ولأنه جائز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى ~~قومين مختلفين على اقتصار رسالة كل واحد منهما إلى قومه خاصة مع كينونة كل ~~واحد منهما محقا. # فكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك، فيختلف عالمان بالاجتهاد ويلزم ms412 قوم كل واحد ~~منهما إتباع إمامه مع كينونة كل واحد منهما محقا. # وهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ~~ويجوز اختلاف هذه الحكمة من الناس باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله ~~وكذلك يجوز الاختلاف، باختلاف الطبقات في زمان واحد ألا ترى أن مصالح ~~الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف باختلاف الناس في زمان واحد. # ولأن من قال أن الحق واحد عند الله تعالى، ولكن العمل صواب حق بكل اجتهاد ~~فقد أثبت الحظر والإباحة حقا في حق العمل به كما أثبتنا نحن في حق الله تعالى. # ثم الذين قالوا إن الحقوق على مرتبة واحدة قالوا: لأن الرجحان لا يثبت ~~إلا بدليل. # والذين قالوا إن الواحد أحق، فذهبوا إلى أنا لو سوينا بينها لبطلت مراتب ~~الفقهاء، وساوى الباذل كل جهده في الطلب المبلى عذره بأدنى طلب، ولأن ~~المجتهدين ما اجتهدوا إلا لإصابة ما تشهد النصوص بالحقية خلفا عن شهادة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس ~~كلهم إلى حكم واحد ما نرى بين أعدادهم اختلافا. إلا باختلاف أحوالهم كالمرض ~~والسفر والغنى والفقر ونحوها. # فكذلك الاجتهاد يجب أن يكون كذلك، وكان يقتضي هذا أن يكون الحق واحدا في ~~حق الكل، إلا أنا تركنا القول به ضرورة أن لا يصير الآخر مكلفا بما ليس في ~~وسعه، PageV01P408 # وهذه الضرورة ترتفع بإثبات نفس الحقية لفتواه فبقي الواحد أحق بناء على ~~أصل الشريعة الثابتة بالوحي. # ولهذا استقامت المناظرة ودعوة كل واحد منهما صاحبه إلى حجته مع الإقرار ~~بأن الحق مع كل واحد منهما بقوله إنما قلته أحق ألا ترى أنه لا مناظرة بين ~~المسافر والمقيم في أعداد ركعات صلاتيهما لما ثبتت الحقية على السواء. # وقد روي أن علقمة ومسروقا سبقا بركعتين من صلاة المغرب، فلما قاما إلى ~~القضاء صلى مسروق ركعة وجلس، ثم ركعة وجلس، ثم سلم، وصلى علقمة ركعتين ثم ~~جلس فذكرا ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: كلاكما أصاب، ولكن ms413 ~~صنيع مسروق أحب إلي. # وقال محمد لأبي حنيفة رضي الله عنه: طول القيام أفضل في الصلاة أم كثرة ~~السجود؟ فقال: طول القيام أحب إلي، وكل ذلك حسن. # واتفقوا في صلاة الليل على أن المصلي إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا ~~ولا يكره ثم قال أبو حنيفة: الأربع أحسن، وقال صاحباه: ركعتان أحسن. # وأما الحجة على أن الحق عند الله واحد؛ فما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: بما تقضي؟ فقال: بكتاب الله. قال: ~~فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد فيها رأيي ~~فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المجتهد "إن أصاب فله أجران وإن أخطأ ~~فله أجر". # وقال عبد الله بن مسعود - فيمن تزوج امرأته ولم يسم لها مهرا ثم مات عنها ~~قبل الدخول بها -: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ ~~فمن ابن أم عبد. # قالوا: ولأنه ممتنع في العقول كينونة الحظر والإباحة والصوم والفطر حقين ~~يلزمان في ساعة واحدة، لأنه لا يمكن العمل بهما. # ومن جعل الحق حقوقا ما شرع إلا هكذا إذ وجبا بالاجتهاد، وكل اجتهاد يوجب ~~ما يؤدي إليه بلا تمييز بين عبد وعبد ألا ترى أنه امتنع ذلك بالنصين، إذا ~~اختلفا فأباح أحدهما وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل وجب الوقف إلى أن ~~يظهر الرجحان لأحدهما، أو التاريخ. # ولهذا قيل: إذا اختلفت الشرائع انتسخت الأولى بالثانية، وكذلك في شريعة PageV01P409 # واحدة، ولأن الحق لو كان حقوقا لجاز للعامي الذي يعمل باتباع العلماء أن ~~يختار من كل مذهب ما تهواه نفسه. # كما أن الله تعالى لما أثبت الكفارة في باب اليمين أنواعا كان للعبد ~~الخيار بينها على ما يهواه بلا دليل. # ومن أباح هذا فقد أبطل الحدود، وشرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى، ms414 ~~والله تعالى ما نهج الدين إلا على دليل غير الهوى من نص ثابت بوحي أو قياس ~~شرعي على ما بينا. # ومن جعل الحق حقوقا أثبت الخيار للعامي بهوى نفسه. # ومن قال الحق في واحد ألزم العامي أن يتبع إماما واحدا وقع عنده بدليل ~~النظر أنه أعلم ولا يخالفه في شيء بهوى نفسه. # فإن قيل: أليس القياسان إذا تعارضا ثبت للمجتهد الخيار يعمل بأيهما شاء؟ # قلنا: نعم، ولكن لا بهوى نفسه بل بالضرورة. فإن الحق في أحدهما، ويلزمه ~~العمل به، ولم يبق قبله لله تعالى دليل يوصله إليه غير شهادة قلبه فلزمه ~~العمل بها على ما مر أنها من حجج الشرع في مثل هذا الموضع، فإذا عمل ~~بأحدهما لزمه الإعراض عن الآخر إلا بدليل يدل على الحقية فيه، ولما ذكرنا ~~أن القياس خلف عن الوحي والثابت بالوحي من الأحكام ثابتة على أنها لا تخص ~~قوم دون قوم على ما قاله الأولون فكذلك بالقياس لا يجوز أن يثبت على الخصوص ~~وعلى العموم إجماع على امتناع الحظر والإباحة في ساعة واحدة على وجه يجب ~~العمل بهما، لأنه لا يمكن، ولا يجتمعان لأنهما ضدان، والقياسان إذا اختلفا ~~فأوجب أحدهما حظرا فإنما أوجب على وجه يجب العمل به. # وكذلك الذي أوجب الإباحة أوجب على هذا السبيل اعتقادا، وهذا قول لم يقل ~~به أحد إلا أنهم جوزوا ذلك في قومين مختلفين، وأنه قول ساقط لأن الدليل هو ~~القياس، وأنه حجة على الكل ولأنا ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص ~~قوما بحكم فالقياس لا يكون حجة إلا على ما ورد به النص. # فأما الجواب عن قولهم أن فيه تكليف ما ليس في الوسع: فإن لا نكلفهم إصابة ~~الحق عند الله تعالى لما لم يكن لله تعالى عندهم دليل يوصلهم إلى الحق ~~بعينه، ولكن نكلفهم الاجتهاد للإصابة فإن أصابوا أجروا وإن أخطأوا عذروا. # والحجة للذين قالوا من أخطأ يقينا صار مخطئا من الأصل قول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وقول معاذ وقول عبد الله: وإن ms415 أخطأت، والخطأ المطلق هو ~~الخطأ ابتداء وانتهاء. # وإنما ألزمنا المجتهد العمل بقياسه على تقدير نه صواب كما يلزمنا العمل ~~بالنص على تقدير أنه غير منسوخ، ومتى ظهر انتساخه بطل العمل به. PageV01P410 # وكذلك متى عمل بالقياس ثم روي له نص بخلافه حتى تبين خطأه يقينا بطل ما ~~أمضى بقياسه. # وكذلك من حضرته الصلاة ومعه ثوب أو ماء شط في طهارتهما فإنه يستعملهما ~~على تقدير الطهارة بحكم استصحاب حال الطهارة فيلزمه ذلك وإذا تبين نجاستهما ~~فسد عمله من الأصل. # وما روي من إطلاق الإصابة على المجتهدين فعلى ما إذا لم يتبين وجه الخطأ ~~واشتبه فإن الواجب عند الاشتباه العمل بأي قياس كان فيكون العمل من كل ~~مجتهد بقياسه صوابا ظاهرا ما لم يتبين خطاؤه. # وهكذا نقول في قوم اختلفوا في جهة الكعبة عند الاشتباه وصلوا أن صلاة كل ~~واحد منهم جائزة حتى يتبين عليه خطاؤه فيحنئذ نأمره بالإعادة، ولا يلزمنا ~~ما ألزمنا الأول من القول بالحظر والإباحة لأنا أبينا ذلك حقا من الله تعالى. # نحن بإيجاب العمل على كل مجتهد بقياسه ما أثبتنا الحقية في حق الله تعالى ~~بل هو في حق العامل لضرورة عدم الحجة على الذي هو حق عند الله، وخطاب الله ~~تعالى يسقط بحال الضرورة بقدرها ألا ترى أنه جاز مثله في النصوص فإن ~~العلماء اختلفوا في الأحكام لاختلاف الأخبار على حسب الثبوت عندهم مع علمنا ~~أن الثابت واحد من الجملة. # وأما الحجة للذين قالوا بأنهم مصيبون في حق العمل: فما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في المجتهد:"إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله ~~أجر"والأجر لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر فثبت أن المخطئ ~~للحق عند الله تعالى مؤتمر بعمله بأمر الله تعالى، والائتمار بالأمر يكون ~~صوابا لا محالة. # وقد اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فأشار أبو بكر إلى ~~الفداء، وعمر إلى القتل فشبههما رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوح ~~وإبراهيم عليهما السلام حيث سأل نوح ms416 العذاب وإبراهيم المغفرة، وكان أحدهما ~~مخطئ الحق عند الله تعالى لا محالة فلو كان يصير مخطئا غير مصيب لما صح ~~التشبيه بالرسولين عليهما السلام وسؤالهما كان صوابا. # فإن قيل: أليس الله عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم على الفداء، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم:"لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر"فدل على أن أبا بكر ~~كان مخطئا؟ PageV01P411 # قلنا: هذا لا يجوز أن يعتقد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل برأي ~~أبي بكر ولا بد أن يقع عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقر عليه، ~~والله تعالى قد قرره عليه فقال: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وتأويل ~~العتاب والله أعلم: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} وكان ~~ذلك كرامة خصصت بها رخصة لولا كتاب من الله تعالى سبق بهذه الخصوصية لمسكم ~~العذاب بحكم العزيمة على ما قال عمر. # والوجه الآخر ما كان لنبي أن يكون له أسرى قبل الإثخان، وقد أثخنت يوم ~~بدر فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء عليهم السلام، ولكن كان الحكم ~~في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء ~~لك لمسك العذاب. # وقال في قصة داود وسليمان: {فهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما} فبين ~~الله تعالى أن سليمان أصاب الحق الذي عند الله دون داود ثم أخبر أنهما ~~جميعا، أوتيا من الله حكما وعلما والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى فثبت ~~أن تأويله أنه حكم الله من حيث أنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه. # وقال عبد الله بن مسعود لمسروق وعلقمة لما اختلفا؛ كلاكما أصاب، ولكن ~~صنيع مسروق أحب إلي. # والاستدلال يدل عليه فإن الخطاب مبني على قدر الوسع وقد أمرنا بالعمل ~~بالقياس وأنها لا يوصلنا إلى الحق الذي هو عند الله قطعا بلا خلاف. # والنزاع فيما لا يعلم يقينا بالرأي فثبت أنا لم نؤمن بالعمل به على شرط ~~إصابة الحق حقيقة لأنه لا يوصلنا إليه، ولكن على تحري ms417 الإصابة لأن الدليل ~~مطمع في الإصابة غير موجب ليكون اللزوم بقدر الحاجة. # فإن قيل: إذا جعلناه معذورا غير مأخوذ به إذا لم يصب الحق فقد أخرجناه عن ~~عهده الإيجاب. # قلنا: إن كلامنا هذا في حقوق تحتمل النسخ والتبديل، فالفتوى بغالب الرأي ~~لا يجوز إلا فيها، ومثل هذا الحق يسقط أصلا بالحرج وعدم الوسع على ما ذكرنا ~~في الباب الذي بعده وإذا سقط عنا ذلك لم نصر مخطئين بالاقتصار دونه. # ومثال ذلك أمر الله تعالى بقتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وإذلال الشرك ~~ونحن لا ندري إصابة النصرة إلا بغالب الرأي فمن قاتل على تحري إصابة النصر ~~كان مصيبا في قتاله متمثلا بأمر الله تعالى قتل أم قتل، وكان مستحقا للأجر ~~العظيم لأنه مصيب لما قاتل على تحري إصابة النصرة أصاب أم لم يصب حتى لو ~~تيقن بأنه يقتل لا محالة من غير أن ينكأ نكاية وقصد بالقتال أن يقتل لا غير ~~كان آثما. PageV01P412 # وعلى هذا الرماة إذا نصبوا غرضا فرموا على تحري الإصابة كانوا كلهم ~~مصيبين في تحريهم الإصابة. # وإذا أرسلوا أخطأ بعضهم الغرض وأصاب البعض ولم يصر واحد منهم مخطئا في ~~تحريه الإصابة بطريقه. # فإن قيل: خطاؤه في تقصيره في طلب طريق الإصابة لا في قصد الإصابة، وهكذا ~~نقول في الرامي أنه أخطأ جهة الاستعمال للإصابة والتقصير من العبد آفة من ~~قبله فأما الله تعالى فأعطاه من الرأي ما لو بذل مجهوده كل البذل لأصاب ~~الحق على الحقيقة، ولكنا عند التعيين لا نجعل أحد مصيبا يقينا لأنا لا نعلم ~~بعدم تقصيره في الطلب. # قلنا: إن الله تعالى كما لم يكلف ما ليس في الوسع فما كلف ما فيه الحرج ~~قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وفي بناء الخطاب على هذه ~~المبالغة في استعمال الرأي حرج عظيم فيصير عفوا، ويجب بناء الخطاب على ~~المعتاد من الاستعمال، وذلك لا يوصلنا إلى حقيقة العلم بلا خلاف وهذا كما ~~قلنا: في الحربي إذا أسلم ولم يصل مدة لم يلزمه القضاء ms418 وسقط الخطاب عنه ~~لأنا لو كلفناه طلب الدليل في دار الحرب لحرج في طلبه مسلما يسأله، وإن ~~تصور فيها مسلما فسقط الخطاب، ولو كان ذميا يلزمه القضاء لأن الطلب متيسر ~~في دار الإسلام فلم يعذر بترك الطلب. # وعلى هذا الاختلاف يحرج أمر الكعبة في حق الغائبين عنها، وانقطاع دليل ~~العيان عنهم: فالأمر بالتوجه إليها ثابت عندنا على تحري الإصابة دون ~~الإصابة على الحقيقة. # وعند الشافعي رحمه الله: الأمر ثابت على تحقيق الإصابة يقينا لأن طريق ~~الإصابة ما يوقف عليه في الجملة لو تكلف العبد كل التكليف لمعرفة تركيب ~~الأرض والسماء وكيفية جهات الأقاليم إلا أنه عذر دونه بسبب الحرج فكان ~~مبيحا لا مسقطا أصلا فبقي أصل الأمر متعلقا بالإصابة حقيقة فمتى ظهر الخطأ ~~يقينا لزمت الإعادة كالعمل بالرأي أبيح بشرط أن لا يخالف النص، وعذر في ~~العمل به، وإن لم يتحقق العدم، ولم يتكلف كل التكلف في طلب النص ولكن لم ~~يسقط به أصل الخطاب فأبيح له على شرط أنه إن ظهر نص بخلافه فسد عمله. # وأصحابنا بنوا وجوب طلب الكعبة بعد الغيبة عنها على الدلائل المعتادة ~~للبشر بلا حرج كثير يلحقهم في طلب ما ليس بمعتاد من العلم، ولا مأمور ~~بالشرع من علم الهندسة وكيفية تركيب الأرض والسماء والدلائل المعتادة من ~~الشمس والنجوم لا توصلنا إلى حقيقة الكعبة فقط الخطاب بإصابة الكعبة لقصور ~~الحجة، ولزمه العمل بالتوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة الكعبة. # وقالوا: إذا فقدت النجوم والمحاريب المنصوبة وخبر الناس عن هذه الأدلة، ~~وجب PageV01P413 # العمل برأي القلب وهذا الرأي لا يوصله إلى الجهة الظاهرة حال ظهور الشمس ~~والمحاريب أسقطت إصابة تلك الجهة ولزمه التوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة ~~المحراب الظاهر فإذا عمل بذلك القدر صار مؤتمرا بالأمر، فلا يقع عمله فاسدا ~~بترك ما ترك لأنه لم يؤمر به كرجل يقاتل الكفار بطريق يرجو فيه نصرة الله ~~فإنه يصير مؤتمرا بأمر الجهاد وإن قتل وكانت الدبرة عليه لأنه ليس في وسعه ~~أكثر من هذا. # بخلاف حادثة فيها نص ms419 ولم يشعر به وعمل بالرأي بخلافه لأنه كلف العمل ~~بالرأي بشرط أن لا يخالفه نصا على ما قاله المخالف لأن النص الذي يخالفه ~~مما ينال حال الحاجة إلى العمل لولا تقصير منه في الطلب، فإنه لو كان طلبه ~~من قبل أمكنه العمل به حال حاجته هذه ألا ترى أن زوال هذا الجهل مقرون ~~بمعنى يوجد منه لا بتبدل حال الدليل من الله تعالى. # فأما الخطأ في باب القبلة فإنما يتبين بزوال الغيم وظهور النجم، وذلك أمر ~~سماوي يتبدل به حال الدليل، ولهذا المعنى نقول فيمن اجتهد وتوضأ بماء ثم ~~تبين أنه نجس أنه يعيد الصلاة. # وكذلك الثوب لأن طريق العلم بتلك النجاسة الخبر كما في المسألة الأولى ~~ولقصور منه في الطلب كان الجهل والخبر عن القبلة هو إن بلغه في موضعه لا ~~ينفعه في هذا الموضع فلا يبقى إلا النجم. # وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن تحرى بصدقته، ووضعها عند ~~غني أنه يجزيه لأن الأمر متوجه عليه بالدفع إلى إنسان على تحري الفقر لا ~~غير لأن الدليل على حقيقة فقر الغير مما لا ينال أصلا، ولا ينال إلا بحرج. # فالذي قاله الشافعي قياس والذي قلناه استحسان. # وهذا بخلاف الاجتهاد في صفات الله تعالى، فإن المخطئ لما عند الله مخطئ ~~في حق نفسه أيضا لأن لله تعالى دلائل عليها توجب العلم يقينا في أصل الوضع ~~فلم يقع الخطأ إلا بقلة التأمل، ألا ترى أن المخطئ فيها يضلل ويبدع بخلاف ~~هذه الأبواب، والله أعلم. PageV01P414 # باب ### | AUTO القول في المخطئ من جهة المجتهدين في هذه الأبواب التي لا نص فيها # قال بعضهم: هو مأجور. # وقال بعضهم: هو معذور. # وقال بعضهم: معاتب مخطأ. # وقال علماؤنا: إن كان طريق الإصابة بينا عوتب عليه وخطئ، وإن كان خفيا ~~صوب وأجر عليه ولا يضلل بحال. # فأما الذين قالوا: إنه مأجور فاحتجوا بما مر أنه مصيب في حق نفسه ~~وبالحديث المروي (وإن أخطأ فله أجر واحد). # وأما الذين قالوا: إنه معذور فذهبوا إلى أن الخطأ ms420 ضد الصواب، هو في الأصل ~~محظور إلا أن حكم الحظر يزول بعذر الخطأ فأما أن ينال أجر الصواب ولا صواب ~~فلا كالنائم لا يأثم بترك الصلاة، ولكن لا ينال ثواب المصلي. # وأما الذين قالوا: إنه مخطئ معاتب فاحتجوا بأن الخطأ إنما يقع لتقصير في ~~الطلب على ما مر فمتى لم يعاتب لم ينزجر عنه فلا ينال الصواب. # وقال عبد الله بن عباس لزيد بن ثابت: ألا يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ~~ابن الابن مكان الابن، ولا يجعل أب الأب مكان الأب. # وقال: من شاء باهلته إن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفين وثلثا ولا ~~ثلثين ونصفا. # وقال أبو حنيفة في الوارث: إذا أقام البينة على أنه وارث دفع القاضي ~~المال إليه ولم يأخذ منه كفيلا وهذا شيء احتاطه بعض الفقهاء وهو جور. # وقال محمد بن الحسن رحمه الله في المتلاعنين إذا تلاعنا ثلاثا ثلاثا وفرق ~~القاضي بينهما: نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة. # وأما علماؤنا فإنهم قالوا: بهذا القول؛ إذا كان طريق الإصابة بينا لعلمنا ~~أنه ما أخطأ إلا بتقصير من قبله. PageV01P415 # فأما إذا كان خفيا فقد جاء الخطأ لخفاء دليل الإصابة، وذلك من الله تعالى. # والخفي مما لا يدركه كل فهم وكل قلب فإن آلات البصر على التفاوت كالعيون ~~أبصارها متفاوتة بحكم الخلقة فلا يجوز العتاب على فعل الله تعالى فيصير ~~معذورا فيما لم يدرك مصيبا فيما استعمل من الاجتهاد مأجورا. # وما روي من التخطئة والتشنيع فعلى النوع الذي ظهر طريقة عند الذي خطأ ~~وشنع فإنا قد روينا التصويب للفريقين أيضا فنحمل ذلك على الذي خفي طريقه ~~ليكون قولا عدلا وسطا جامعا بين المقصر والغالي، والله أعلم. PageV01P416 # باب ### | AUTO القول في حين أهلية الآدمي لوجوب الحقوق المشروعة عليه # ، وهي الأمانة التي حملها الإنسان # قال القاضي رحمه الله: لا خلاف أن الآدمي يخلق هو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها. # فإنه يخلق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع، وعليه الزكاة على قول أهل ~~الحجاز. # وإنما اختلفوا فيما سقط عنه ms421 بعذر الصبا كما يسقط عن الحائض الصلاة بعذر ~~الحيض، لا لأنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن ~~الآدمي من أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب الذمة يقال: وجب في ذمته ~~كذا، ولا يضاف الوجوب إلى غيرها. # والآدمي كما يخلق يخلق وله ذمة ألا ترى أن الطفل إذا انقلب على مال ~~فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة، وكذلك يلزمه مهر امرأته وسائر حقوق ~~الناس، وإنما عرف وجوبها بالشرع. # ولأن الذمة عبارة عن العهد في اللغة فالله تعالى لما خلق الإنسان لحمل ~~أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار بها أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت ~~له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمله حقوقه وثبت عليه حقوق الله تعالى ~~التي سماها أمانة ما شاء كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة يثبت لهم ~~حقوق المسلمين وعليهم في الدنيا. # والآدمي لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق إلا وهو أهل لوجوب ~~حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه وإنما يثبت له هذه ~~الكرامات بناء على الذمة، وحمله حقوق الله تعالى. # ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمي بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه ~~جبرا شاء أو أبى. # وإذا لم يتعلق الوجوب عليه باختياره وتمييزه لم يفتقر الوجوب إلى قدرة ~~العقل، ولا قدرة التمييز ألا ترى أن الصالة تلزم النائم والمجنون على أصلنا ~~إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة. # فإن قيل: الوجوب مما يثبت بلا اختيار منه، ولكن سببه الخطاب فإنه لا يصح ~~قبل العقل. PageV01P417 # قلنا: هذا غلط فإن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسبابا ~~للوجوب دون الأمر. # والخطاب كالزكاة بملك النصاب والعشر بالأراضي العشرية والخراج بالأراضي ~~الخراجية، والحج بالبيت، والصلوات بأوصاتها، والصوم بشهر رمضان، والإيمان ~~بالآيات الدالة على الله تعالى، والمهر بالنكاح، والثمن بالشراء، والنفقة ~~بالقرابة ونحوها على ما بينا في باب أسباب حقوق الله تعالى فيما مضى ثم ~~الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك: اشتريت عبدا بألف درهم ~~فأد ms422 ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقوله أد الثمن بل أنه طلب ~~للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} أي: فليؤد الواجب عليه بشهود الشهر. # وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} أي أدوا ما يلزمكم بأوقاتها. # وهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على السواء فلا ينبغي أن يقع ~~الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما يسقط عن الصبي كان بعذر يسقط ~~بمثله بعد البلوغ تيسيرا علينا لا لأنه ليس بأهل له. # وإنما يفارق الصبي الذي لا يعقل العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته فإنه ~~متعلق بالطلب من صاحب الحق بالأمر والخطاب، وغير العاقل ليس من أهلها فلا ~~يلزمه الأداء على ما نذكر بعد هذا. # وهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى، ولا يلزمه أداؤها حتى ~~يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به، وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا ~~على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه فأما الوجوب في الذمة ~~فصحيح من غير اختيارنا فلم يكن من شرط صحته قدرتنا ولا علمنا به. # فإن قيل: أليس الوجوب للأداء لا لنفسه فكيف جاز الإيجاب على من لا يقدر عليه؟ # قلنا: إن الوجوب للأداء لا حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء، وإما ~~قضاء فصح الإيجاب على من يرجى له قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبي من ~~تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه. # فإن قيل: فأي واجب علينا سوى الأداء في باب العبادات البدنية؟ # قلنا: إن الوجوب حكم إيجاب الله تعالى علينا بسببه، والواجب اسم لما لزم ~~ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذي يسقط الواجب عنه، وإنما هذا بمنزلة ~~رجل استأجر خياطا ليخيط له هذا الثوب قميصا بدرهم فيلزم الخياط فعل الخطاية ~~بالعقد، والأداء الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد فكان الفعل ~~المسمى واجبا في الذمة غير PageV01P418 # الموجود مؤدى حالا بالقبض وإنما من باب الأموال كدرهم في الذمة من ~~الدراهم المؤداة عينا ms423 فيكونان غيرين لا محالة. # فإن قيل: أرأيت لو مات الوليد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء أتجعله ~~أهلا لحمل أمانة الله تعالى واستحقاق جزائه في الآخرة؟ # قلنا: اختلف في جواب الجزاء أهل الملة روي عن أبي حنيفة أنه توقف في جواب ~~هذه المسألة. # وعن محمد أنه قال: أما أنا فأعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا بغير ذنب، ~~وقد جاءت الأخبار بجنة الأطفال وكونهم شفعاء لآبائهم من المسلمين فأما ~~الاختلاف بينهم في ووقع الحمل عليهم على ما مر واختلافهم في الجزاء لا يدل ~~على اختلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لا حمل الأمانة فإنه يقع علينا ~~بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء بوجوب ~~الصلاة علينا بل بالأداء. # ويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم ~~أهلهم بذلك لاستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء لعذر العجز، وأثابهم ~~كرما إلحاقا بالمؤدي حكما بعذر العجز بمنزلة البائع يدرك وقت الصلاة وهو لا ~~يجد ماء يتطهر به فإنه تلزمه الصلاة، ولا يؤاخذ به إذا مات قبل القدرة على ~~الأداء ويثاب عليه إذا تألم لذلك، وهذا لأن الإيجاب شرعا مبني على اهر ~~الحال لا على ما يكون في الغيب وبظاهر الحال كل صبي ممن يرجى منه الأداء. # أرأيت طفلا له أرض عشرية ولا ولي له؟ أليس العشر يلزمه أو الخراج إن كانت ~~خراجية، وإن مات قبل أن يلي عليه أحد أو يقدر بنفسه يسقط، وكم من بالغ ~~يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه، وكذلك الحرمات ~~الشرعية متعلقة بأسباب كحرمة الأكل بالموت وحرمة النكاح بالنسب والصهر ~~والرضاع. # فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي ~~حتى يحتلم". # قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء ~~الواجب لأن القلم للحساب، والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب ~~في الذمة. # فإن الواجب متى تأجل لم ms424 يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى أنه قرنه ~~بالنائم، والنائم يلزمه الصلاة في ذمته. # ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي لأنهم دخلوا جميعا تحت رفع ~~واحد، والله أعلم. PageV01P419 # باب ### | AUTO القول في حين الخطاب شرعا # لا خلاف أن حين الخطاب شرعا حين البلوغ عن قدرتين: # قدرة فهم الخطاب: وهو بالعقل. # وقدرة العمل به: وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} ولا وسع إلا بعد هاتين القدرتين، وقال: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} أي ضيق، وقال: {ويضع عنهم إصرهم} أي الثقل فدل رفع الحرج والإصر على ~~رفع ما لا يطاق من طريق الأولى، فدلت آية الوسع أن لا تكليف لأول حال ~~الآدمي لأنه لا قدرة له أصلا. # ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ~~ويثقل عليه الأداء بأدنى قدره البدن أيضا فلم يخاطب شرعا لأول أمره حكمة، ~~ولأول ما يعقل رحمة إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه فيتيسر عليه الفهم، ~~والعمل به ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس بني آدم، ولا يمكن الوقوف عليه ~~إلا بعد تجربة وتكلف عظيم، فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في ~~الأغلب على سلامة الفطرة عن الآفات وهو البلوغ. # فقام البلوغ شرعا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه الخطاب وإن لم يعتدل وسقط ~~قبله، وإن اعتدل دفعا للحرج الذي كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة ~~لكل صبي على ما مر من قبل في فصل بيان إقامة الأسباب مقام العلل الموجبة، ~~وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرا، وقد أيد هذا القول قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن ~~النائم حتى يستيقظ"فلا قلم إلا للحساب، ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما ~~بينا أن الحساب لا يكون على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب، ~~والله أعلم. PageV01P420 # باب ### | AUTO القول في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي رحمة # حق الأداء ms425 ساقط بعذر الصبي، أما الأول فأمره للعجز الحقيقي، وفيه الحكمة، ~~وأما بعد ما عقل فللحرج وإنه رحمة وإنه بمنزلة دين على معسر يكون أصل الحق ~~على الغريم، وحتى الأداء إليه ساقط إلى أن ينقضي الأجل الثابت بالعسرة، ~~وحاكى أجلا ثبت بالنص، ولأن سقوط الخطاب يدل على سقوط، وجب الأداء للحال ~~فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبه بحال ألا ترى من باع عبدا بألف ~~وجبت الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب، وكذلك إذا استأجر رجلا يخيط له ~~قميصا بدرهم وجب العمل عليه ولا يجد الأداء للحال حتى يطالبه به فكذلك حق ~~الله تعالى علينا. # فإن قيل: أليس لا يحل تأثير المغرب عن أول الوقت، ولا تأخير العصر إلى ~~آخره ولا عن الوقت؟ # قلنا: ثبت ذلك بخطاب غير الوجوب عليه بدخول الوقت ألا ترى أن الفقهاء ~~اختلفوا في التأخير بقدر ما ثبت عندهم من أنواع الدلائل مع اتفاقهم على أصل ~~الوجوب بدخول الوقت. # وأما التأخير عن الوقت فتفويت العين الواجب إلى مثله، وتفويت الحق تعد ~~زائد غير ترك الأداء فيحرم وأنه كإتلاف عين للغير عنده، ولهذا لا يأثم ~~الصبي ولا يحاسب، وكذلك إذا استوصف الله تعالى فلم يصف في حال صباه لم يكن ~~كافرا، وهو كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان، ولا أداء عليه حال ~~الصبا، وكذلك إذا لم يستدل بالآيات حتى بقي على جهله كان في حكم المسلمين ~~كالذي لا يعقل. # فإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبي الكافر وهو يعقل الإسلام عرض عليه ~~الإسلام، وإذا أبى فرق بينهما! # قلنا: ذلك السقوط الذي ذكرنا في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن ~~النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى أسقط عنه الأداء لحق الصبي تضرر به الآخر ~~فلم يسقط، والله أعلم. ### | AUTO فصل في بيان ما سقط من حقوق الله تعالى بأصله # حقوق الله تعالى على الإنسان أربعة: # أ- النظر في الآيات الدالة على الله تعالى. PageV01P421 # ب- ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل. # ج- ثم العبادات. # د- ثم الأجزية. ms426 # قال علماؤنا رحمهم الله: وجوب العبادات والأجزية ساقط عن الصبي أصلا، ~~ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حق لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه ~~الأداء. # وقال الشافعي رحمه الله: وجوب البدن ساقط عنه، ووجوب المال غير ساقط. # وتفسير الاعتقاد ما يتأدى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله تعالى وملائكته ~~وكتبه ورسله. # وتفسير العبادات ما يتأدى بفعل البدن تعظيما لله تعالى وطاعة إياه. # وتفسير الأجزية: ما شرعت جزاءا على أفعال محظورة في الجملة معجلة في ~~الدنيا. # والبدني من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالي منهما ما ~~لا يتأدى إلا بالمال. # وأما الشافعي فإنه يحج له بأن أجمعنا على أن العشر يلزمه، وفيه معنى ~~العبادة حتى لم تجب على الكافر. # وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة. # والصوم لان الجنس الأول مالي والآخر بدني ولأنا ذكرنا أن الصبي أهل ~~للوجوب عليه بذمته وإنما سقط ما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر عليه ~~بذمته، ولو لم يسقط عنه الوجوب لتضاعفت عليه الواجبات في مدة الصبي، وهي ~~مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ فكان يحرج فيه والله تعالى ما جعل في ~~الدين من حرج فأسقطها أصلا نفيا للحرج عنه رحمة كما أسقط الصلاة عن الحائض ~~بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم تسقط ~~لتضاعف عليها أبدا فكانت تحرج في القضاء. # ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر على البدني دون المال لأنه ~~مما يتأدى بالنائب فلا يقع العجز عنه لقيام ولي الشرع مقام ولي ثبت بعد ~~البلوغ بأمره فقال يلزمه الزكاة، وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات ~~الإحرام، وكل ما صح سببه في حق الصبي. # فأما كفارة اليمين فإنها لا تلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعا ~~بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعا. # وقال: إسلامه لا يصح لأنه بدني، والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من ~~الأحكام بإسلام واجب شرعا، ولا وجوب قبل البلوغ لأنه بدني فلا يتأدى واجبا ~~كما لا يتأدى ms427 PageV01P422 # الصوم والحج والصلاة واجبة وإن صحت في حق الآخرة والثواب. # وكذلك الردة لأن أحكام الردة في الدنيا علقت بترك الإسلام الواجب ولا ~~وجوب فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا. # وقال: ولا يلزمنا قولنا: أنه إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم ~~بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإنه يقع عن الفرض لأنا إنما أسقطنا الوجوب عنه ~~رحمة عليه ونظرا له ودفعا للحرج عنه، والنظر في هذه الحالة أن لا يسقط ~~الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضي الوقت. # وكذلك فرض الحج يلزمه إذا بلغ قبل الوقوف بعرفه فمتى جعل الوجوب عليه في ~~حال صباه ترفه بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل عليه الوجوب بقي تحت عهدة ~~الوجوب إلى أن يؤدى ثانيا وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبول الهدية يصح، ~~وهبته لا تصح لأن في الهبة ضررا وفي القبول نفعا. # وقلنا نحن: إن صدقته باطلة، ووصيته بالصدقة صحيحة، لأن الصدقة حال الحياة ~~تضره للحال إن نفعته في الأخرة وبعد الموت تنفعه في الآخرة، ولا تضره للحال ~~لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة. # وقلنا جميعا إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شرع النفل نفع محض ~~إن فعل انتفع به، وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض يضره من وجه، وهو المؤاخذة ~~على الترك ولا يلزمني إبطالي قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مستوفى ~~له من قبل الولي، وقعت به الغنية عن ترك الأصل الممهد في بابه لاستيفاء ~~النظر إليه كما لا يجوز بيعه ما يساوي درهما بألف درهم، وفيه نفع له لأنه ~~مما يستوفي له ذلك بالولي، والله أعلم. # والحجة لعلمائنا رحمهم الله: أنه لما ثبت أن الصبي مثل البالغ في أهلية ~~الوجوب عليه، وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في حق البالغ لم يسقط إلا ما ~~احتمل أن لا يكون مشروعا حقا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل ~~النسخ والتبديل وثبوتها مشروعة بعد البلوغ في وقت دون وقت وحقية الله تعالى ~~بصفاته ms428 لا تحتمل أن لا تكون ثابتة مشروعة حقا لله تعالى دائما. # ألا ترى أنا لا نجد شيئا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعد البلوغ بعذر ~~ما فكان السقوط بعذر الصبي أولى لأنه رأس الأعذار لأنه لأول أمره لا يقدر ~~أصلا ولا تتم قدرته ما لم تعتدل قواه. # ولأن سقوط ما يسقط عن الصبي لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعا للحرج عنه ~~حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ PageV01P423 # ووجوب أصل الإيمان على الصبي لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولا زيادة. # ولأن الصبي مثل البالغ في حق صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه ~~كما في حقوق العباد، وإنما لم يصح الوجوب عليه إذا لم يصح السبب لأن السبب ~~لا يعتبر صحيحا شرعا لنفسه بل لحكمه فمتى وجد صحيحا لا بد أن يكون حكمه معه ~~فإنه متى تخلف عنه أصلا لم يكن سببا. # وما عرف سببا لذلك الحكم إلا بحكمة كبيع الحر وطلاق البهيمة ونحوهما لا ~~يكون بيعا ولا طلاقا شرعا ثم الآيات الدالة على الله تعالى لا تتصور أن لا ~~تكون آية على حدوث العالم للمستدلين، ولا حدوث العالم يتصور أن لا يكون ~~دلالة على محدث فكذلك ما تعلق بها من وجوب النظر فيها علينا لا يجوز أن يون ~~ساقطا بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لفقد شرط الأداء من القدرة. # فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سببا للوجوب ولم يكن كذلك قبل الشرع ~~فجاز أن لا يثبت سببا في حق الصبي، وكل معذور سقط عنه الوجوب. # وكذلك أسباب الأجزية وكل ما صارت أسباب شرعا، ولولا الشرع لما كانت ~~أسبابا ولا عللا في أنفسها فثبت أن الصبي إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن ~~لا يكون في نفسه حقا لله واجبا دون ما لا يحتمل. # ثم المالي والبدني من العبادات سوء وكذلك الأجزية: لأن العبادات اسم لنوع ~~ابتلاء الآدمي بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خالف هوى نفسه لا ~~على سبيل الجبل والإكراه لأنه ms429 يجازى على وفاق فعله، ولا جزاء يستقيم في ~~الحكمة مع الجبر لأنه لا فعل للجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء ألا ترى ~~أن الحقوق التي نستحقها فيما بيننا بأداء الأفعال لا تثبت إلا لمن يفعل ~~مختارا بنفسه أو نائبا عنه ثبت نائبا عنه بأمره واختياره. # إلا أنا في البدني ابتلينا بفعل يتأدى بالبدن. # وفي المالي بفعل يتأدى بالمال. # أما فعل لسان من نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالي مرة يتأدى ~~بمباشرتي ومرة بغيري كما زعمت، ولكن لا بد أن يكون الفعل مضافا إلى على ~~سبيل الاختيار مني، ولن يتصور الاختيار إلا أن يكون الولي علي بأمري فأما ~~متى ثبت، ثبت شرعا بلا اختيار مني فيكون كإعطار مني جبرا فلا يكون عبادة ~~فالخصم زل خاطر قلبه عن اعتبار صفة الاختيارية. # وأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقا لله ~~تعالى، والانتهاء أداء حق النهي كالائتمار أداء حق الأمر. PageV01P424 # وقد ذكرنا أن الصبي غير مخاطب بأداء حقوق الله تعالى لا ائتمارا ولا ~~انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإن لم يحتج ~~لإقامتها إلى قدرة المقام عليه على فعل ما وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم ~~يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة. # ولهذا لا يحرم الصبي القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور ~~كالكفارة على ما بينا في موضعه. # ولأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل ~~شرعنا والصبي مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه. # ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم صح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن ~~محظوراته ولا تلزمه الكفارة ويمكنه رفضه لأن اللزوم من حيث الإحرام حكم ثبت ~~بشرعنا ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بعذر الإحصار، والرق ~~والنكاح، وكذلك الكفارة عندكم تسقط بعذر الكره والنسيان فلأن تسقط بعذر ~~الصبا أولى. # ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم ms430 ثم ترك، وجامع لم يلزمه القضاء، كما قال ~~الشافعي في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل. # ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعا ويجوز أن لا يكون فلم يثبت في حق ~~الصبي، ولهذا لا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن وقت الوجوب ~~شرعا في حقه البلوغ وكان بمنزلة رجل صلى أربع ركعات بعد الزوال ثم نزل شرع ~~الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن المشروع بعد أداء ما سبق. # وأما الجواب عن شبهة النظر فإن سقوط الوجوب في حق نفسه هو النظر وإنما ~~انقلب في مسألتنا هذه ضررا باتفاق حاله فلا يعتبر تيسيرا فإن التمييز مما ~~يندر من الحالات يتعذر على الطالبين كما قلنا في الخطاب أنه متأخر إلى حين ~~اعتدال العقل والشرع قدره بالبلوغ تيسيرا وسقط ما يتفق في نادر الأحوال من ~~اعتدال قبله أو نقصان يبقى معه. # ولهذا قلنا إن وصيته بالصدقة باطلة لأنها تمليك بلا عوض وأنه ضرر في وضعه ~~كما في حالة الحياة، وإنما انقلبت نفعا باتفاق حال الموت فلم تعتبر وقبول ~~الهبة يصح من الصبي إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفة التصرف ما ثبت إلا ~~نظرا له كي لا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن، وليس في قبول الهبة مخافة غبن، ~~فلم يثبت الحجر في حقه فالأصل في الشرع إثباته في حقه على وجه النظر، ~~والنظر في الإطلاق فيما هو نفع محض فبقي مطلقا، وثبت للولي لأن الولاية ~~أثبتت له نظرا للصبي أيضا، وفي إثبات ولاية قبول الهبة للصبي نظر ولم يجز ~~بهذا النظر حجر الصبي عن نظره لنفسه بقبوله بل وجب إطلاقه لأن تمام النظر ~~فيه. PageV01P425 # ولهذا قلنا: يصح إسلامه استحسانا لأن أصل الوجوب كان ثابتا على ما مر أنه ~~لا يحتمل السقوط بخلاف ما يحتمل السقوط، فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن ~~الواجب لا محالة وإن لم يكن مخاطبا بالأداء كالصلاة لأول الوقت، والصوم في ~~السفر، وأداء الدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد للصحة إلا أن يعتقد ms431 ~~وحدانية الله تعالى عن معرفة، ويشهد بلسانه كما اعتقدوا الخلاف فيما إذا ~~تصور منه ذلك ما لو كان بالغا. # وأما إذا ارتد فردته صحيحة استحسانا عند أبي حنيفة ومحمد، ولا تصح قياسا ~~عند أبي يوسف. # قال أبو يوسف: لأن الردة من المضار والإيمان من المنافع، فالصبي محجور عن ~~المضار دون المنافع شرعا في حق أحكام الدنيا. # فأما في حق الآخرة فما ينبغي أن يستحق الجنة وقد اعتقد الشرك وترك اعتقاد ~~الدين الصحيح، والجنة ثمن الدين كما لا يستحق ثواب الصوم إذا أفطر إلا ~~أنهما استحسنا، أي تركا هذا القياس الظاهر فإنه مسلم لهم هذا الأصل فيما ~~يحتمل النسخ والتبديل فيكون الصبا عذرا مانعا من ثبوت الشرع فلا يصير ~~مشروعا إذا احتمال أن لا يكون مشروعا حقا لله تعالى. # فأما ما لا يحتمل أن لا يكون مشروعا حقا مستحقا لله تعالى، فلا تعتبر فيه ~~المضرة والمنفعة بل يكون مشروعا في حق الصبي والبالغ على السواء على ما مر ~~وإنما يختلفان في وجوب أداء المشروع فإن الأداء يلزم البالغ دون الصبي وإذا ~~صار الإسلام مشروعا وجوبه حقا لله تعالى في حق الصبي لأنه لا يحتمل غير ذلك ~~فكذلك وجوب حرمة الردة، وإذا ثبت الشرع صح الأداء شرعا فلزمه ما تعلق به من ~~الأحكام الشرعية إلا ما شرع جزاء على الفعل المحظور، لما ذكرنا أن الجزاء ~~المعجل يحتمل أن لا يكون مشروعا على أن القتل على المرتد عندنا مشروع ~~لصيرورته حربيا لا كافرا حتى لم تقتل المرأة لأنها ليست من أهل الحرب، ~~والصبي بمنزلتها. # فأما حرمان الإرث، وفساد النكاح فليسا بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما ~~يثبتان ببقاء الكفر الأصلي فهذا وجه الاستحسان، والله أعلم. # فإن قيل: أليس أن الصبي يؤدب إذا أساء أفعاله؟ # قلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى حقا يجب بإزائه عليه لغيره بل ~~تقويما في المستقبل حقا له، ألا ترى أن الدابة تراض وتؤدب تقويما وإصلاحا ~~وأنه لتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة. # فإن قيل: أليس ms432 الصبي يسرق فإن عقوبة جزاء للكف؟ # قلنا: إن الاستيلاء على المباح شرع سببا للملك كما في حق الصيود، وأهل ~~الحرب PageV01P426 # ما لهم عصمة فلا يكون تملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم ~~وإنما لم يملك غيرهم بالاستيلاء لعصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون ~~زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعا لأبويه بمنزلة زوال النعمة، فلا يكون ~~عقوبة واجبة على أحد بمنزلة زوال الصحة والحياة والمال وسائر الكرامات. # فأما الجواب عن استدلالهم بالعشر وصدقة الفطر: أما صدقة الفطر فتجب على ~~الأب بسبب ولايته على رأس الصبي ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس عبده ~~حتى أوجبنا على العبد الكافر، وأما جواز الأداء من مال الصبي فلأن وجوبها ~~بمنزلة وجوب المؤنة عن رأسه، والمؤن تتأدى بولاية جبرية كالعشر والخراج ~~وأنه شبهه لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه. # فأما العشر عندنا فمؤنة الأرض كالخراج، ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر ~~من حقوق غير الله صح تأديه بولاية جبرية على من عليه الحق كما صح أخذ ~~القاضي من البالغ كرها ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة، وإنما يكون ~~له ثواب ذهاب المال في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب. # فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة اسم للفعل ~~دون المال، وإنه اسم لفعل يأتي به من عليه على سبيل الاختيار ليثاب عليه ~~فلا يجوز تأديه بدون فعل منه على اختياره. # ولهذا قلنا: ليس للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبه كرها كما يأخذ ديون الناس. # ولهذا قلنا: لا تؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وحقوق ~~الناس فصار المعنى الذي اعتبره الخصم للفرق بين المالي والبدني حال عجز ~~الصبي عن الأداء بنفسه معتبرا في حقوق غير الله تعالى فالمالي منها يلزم ~~الصبي دون البدني. # وأما ما يجب لله تعالى فالمالي والبدني سواء ويسقط عن الصبي ما احتمل ~~للسقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمله والأداء ساقط في الأحوال كلها، والله ~~أعلم. ms433 PageV01P427 # باب ### | AUTO القول في حين صحة عبارات الصبي شرعا # لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين ~~المسميات ولن يتصور ذلك إلا بعد المعرفة عن عقل، ولهذا لم يتعلق بكلام ~~النائم والمغمى عليه والمجنون حكم، ولا خلاف أنها تصح إذا عقل وميز لوجود ~~شرط الصحة حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه، وأطعم أو دعا ربه أثيب عليه ~~وأذكاره في صلاته تصح كما لو كان بالغا. # وإنما اختلفوا فيما أفسد عليه شرعا نظرا له ورحمة، كما لا يصح منه فرض ~~العبادات نظرا له؟ # قال علماؤنا: عباراته صحيحة في الأصل إلا فيما يضره أو يتوهم لحوق الضرر به. # وقال الشافعي: عباراته فاسدة شرعا فيما صار موليا عليه فيها، فأما ما لم ~~يصر موليا عليه فيها ففاسد فيما يضره صحيح فيما ينفعه. # واحتج بأن الشرع لما جعله موليا عليه في باب دل على سقوط ولايته في نفسه ~~إذ لو بقيت له لما ثبتت لغيره كما بعد البلوغ فأما ما لم يصر موليا عليه ~~فيه فباق معه إلا أن الشرع حجزه عن الاستيفاء نظرا له حتى لا يخدع كما سقط ~~عنه الفرض نظرا له فلم يثبت الحجر في حق ما يتمحض نفعا كما لم ينعدم الشرع ~~في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعا. # فقال: لا يصح قبوله الهبة لأنه مولى عليه فيها، وكذلك إسلامه وكفره لأنه ~~مولى عليه فيهما، وتصح وصيته بالصدقة لأنه غير مولى عليه فيها وهي نفع محض ~~لأنها تزول إلى خلف له ومتى فسدت الوصية زالت إلى خلف، وإذا وقعت الفرقة ~~بين الأبوين، وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره أيهما اختاره لأن له ~~معرفة صحيحة بالذي هو أرق له واختياره ذلك نفع محض والشرع لم يجعله موليا ~~عليه فيه فإنه لا ولاية لأبيه عليه فيه، وقال: لا تصح عباراته بالبيع لنفسه ~~ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ولا يصح طلاقه وإقراره بالإجماع لأنه ضرر. # ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان ms434 فالآدمي امتاز عن ~~فيره من سائر الحيوانات لصحة العبارة حتى قيل: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. PageV01P428 # وقيل: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلا يجوز أن يفسد على الصبي عباراته بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل ~~النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به من المضار عنه كما قاله الخصم وكما سبق ~~القول في باب حقوق الله تعالى. # وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والوصية والصدقة ~~فتصح كما قاله الخصم في صحة وصيته بالصدقة. # فأما قوله: إن كونه موليا عليه ينافي ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر ~~في باب بيان حقوق الله تعالى، ولا تصح هبته ولا صدقته لأنهما من المضار، ~~وكذلك بعد الموت لما مر في ذل الباب، وكذلك لا يصح اختياره في باب الحضانة ~~لأنه يتردد بين نفع وضر، ولربما يختار الذي يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه ~~لا محالة فإن الطبع ينفر عمن يؤدبه، ويحمله على التخلق بأداب الشرع ~~والمروءة إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عباراته في هذا الباب ~~كعباراته في باب التجارات التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل به. # وقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين لحق ~~الإسلام وكرامات الآدمي كلها لحق الدين وتأهله لذلك، وإن لم يقبل ولا شك أن ~~الخير فيه فوق ما في نقل العبادات. # فإن قيل: وربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح! # قلنا: لا عبرة لزوائد هذه الأحكام التي ليست بأحكام أصل الدين بل تثبت ~~بواسطة أخرى، وحالة تتفق لما مر أنه لا عبرة في هذا الباب للتغير بالحال ~~ولأنك تفسد إسلامه وإن تعلق بها الإرث وصحة النكاح نحو إن كانت أسلمت امرأة ~~الصبي الكافر، وعمه ولا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم ملك نكاحه، ويرث ~~عمه على أن حرمة النكاح والإرث حيث ثبتت ثبتت مضافة إلى كفر الكافر منهما ~~على ما بينا في موضعه. # وقالوا: تنعقد التصرفات كلها بعبارته، كما تنعقد بعبارة البالغ، وتنفذ ~~إذا كان ms435 وكيلا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف بحق الوكالة لأن ~~العهدة لا تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على ما مر فلا يثبت الحجر في حقها، ~~وإذا ثبت أنها تصح في مال الغير بإذن الولي صحت كذلك في مال نفسه بإذن ~~الولي من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله. # وهذا اللزوم جعل من المصالح إذا حضره رأي الولي بدلالة أن الولي لو فعله ~~بنفسه PageV01P429 # أو أمر غيره به صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرا له. # وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل ~~موليا عليه لما له من النفع في تصرف الولي عليه بذلك، ولا ضرر في صحة ~~عبارته في ماله مع ذلك عليه كان تمام النظر في أن تبقى صحته مع ثبوت ~~الولاية للولي ليثبت له نفعها من طريقين فيثبت أن ما قلناه أولى الوجهين، ~~والله أعلم. # فإن قيل: لو شهد الصبي لم تقبل شهادته وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه ~~بها حكم. # قلنا: العبارة صحيحة ولكن مع ذلك لا تكون حجة على غيره كما لو شهد العبد ~~أو شهد الكافر على مسلم، وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره، وإنها ~~تتعلق بكمال الحال في ولاية نفسه بعد صحة العبارة، والله أعلم. PageV01P430 # باب ### | AUTO القول في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام # حكم هذا الشرع إنما يلزمنا بعد بلوغه إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف ~~نفسا إلا وسعها، ولا وسع على العمل إلا بعد العلم فسقط أصلا ضرب ما يحتمل ~~النسخ لقصور الخطاب دفعا للحرج كما سقط بالصبا. # وقد روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما حولت القبلة إلى ~~الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا ~~كهيئتهم، ولم ينكر عليهم رسول صلى الله عليه وسلم. # وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: {ليس ms436 ~~على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} وهذا فل لا خلاف فيه. # ثم البلوغ نوعان: حقيقة بسماع الخطاب، وحكما بشيوعه في قومه، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ القرآن الناس كافة وما أمكنه التبليغ إلى كل ~~نفس، وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم، وكان مؤديا بذلك حكم الأمر ليكون ~~الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه. # ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في طلب الحجة من ~~قومه فمتى لم يطلب حتى جهل كان ذلك بتقصير منه فلم يصر ذلك الجهل له عذرا، ~~وصار كأنه علم ثم لم يعمل ألا ترى أن الواحد منا لو لم يتعلم الشرائع ~~وجهلها لم يعذر، ولزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام. # وكذلك الذمي إذا أسلم ولم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربي في دار ~~الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب فيها غير شائع. # وهذا لما قال علماؤنا-رحمهم الله-فيمن أذن لعبده في التجارة وشاع إذنه، ~~ثم حجر عليه: لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر عليه حجرا عاما في ~~أهل سوقه، وإذا أشاعه ثبت الحجر في حق من سمع ومن لم يسمع. # ولهذا قالت الأئمة في الحربي تزوج أختين معا، أو على التعاقب، ثم فارق ~~إحديهما، ثم أسلم: بقي نكاح الباقية صحيحا، وإن بقيت الأخيرة. # لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحل الثابت قبل الخطاب. PageV01P431 # وكذلك لو تزوج خمسا ثم فارق الأولى منهم ثم أسلم بقين على الصحة. # ولو وقع فاسدا من الأصل لما انقلب صحيحا بالإسلام بل كان يتأكد، وكذلك لو ~~تزوج في عدة من كافر أو بغير شهود. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو تزوج الكافر محرما ودخل بها لم يسقط ~~إحصانه، وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية. # كذلك علل في الكتاب الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير ~~شهود بلا خلاف، لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب ms437 قاصر عنهم ~~لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا تصر حجة ~~عليهم بحق الشرع بل بقدر ما عوهدوا عليه. # ولأن الخطاب من الله تعالى أن أمر رسوله بدعوة الكفار إلى الإيمان بالله ~~وبرسوله فإن أبوا فإلى الذمة فيمن جعل لهم الذمة، وإلى أن يتركهم وما ~~يدينون به إلا ما استثني عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم ~~الخطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما تبدل من أحكام الله تعالى بهذا الشرع ~~إلا ما استثنى عليهم، لأن الخطاب الأصلي قصر عنهم إلى خطاب الذمة فيبقون ~~فيها على ما كانوا عليه قبل شرعنا، وإن كانت فاسدة كالكفر. # وما لا يحل بحال كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى ~~كحل أنكحه حرمت بشرعنا، وشرب الخمر ونحوها بقيت كذلك صحيحة، ولهذا لا يحدون ~~على شرب الخمر، وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على تلك الأيمان وأقروا ~~بها لا تنتزع من أيدي مشتريها، ولم تنقض تلك البيوع، ولو وقعت فاسدة لأبطلت ~~عليهم بعدها أسلموا وصاروا بحيث لا يقرون على الفساد كما لو زنوا ثم ~~أسلموا. # وقالوا علماؤنا رحمهم الله: إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو ~~أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم. # وإنما قال الشافعي: لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا ~~تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه. # وكذلك إذا أتلف ذمي على ذمي ثم اختصموا إلى قاضينا لا يلزم قاضينا الحكم ~~بما عندهم وجوابنا أنا نحكم بما عندنا، وعندنا أنه مال متقوم في حقهم. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا نفسد نكاحهم المحرم بمرافعة أحدهما لأن ~~ديانة المرافع لا تكون حجة على الآخر، وشبه هذه الفصول مذكورة في كتاب ~~(الأسرار)، والله أعلم. PageV01P432 ### | AUTO باب القول في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ # هذه الأعذار أربعة أنواع: # أ-الجنون والعته نوع: وهو عذر عدم العقل ونقصانه. # ب-والنوم والإعماء ms438 نوع: وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع ~~قيام أصله كاملا. # ج-والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار ~~الطبيعية نوع: فإن الفعل ينعدم معها مع قيام القدرة بسبب الترك مختارا. # د-والرابع: قسم الحيض والرق فإنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات حكما ~~فيثبت العجز شرعا لا طبعا. # فأما الجنون: فبمنزلة الصبا قبل أن يعقل الصبي إذا طال الجنون، وبمنزلة ~~النوم إذا قصر على ما مر. # والعته بمنزلة الصبا بعدما عقل الصبي لأن المعتوه هو الذي اختلف كلامه ~~فصار بعضه ككلام العاقل، وبعضه ككلام المجنون فكان ذلك الاختلاط لنقصان ~~عقله، كما يكون في الصبي فيكون حكمه حكم الصبي إلا في حق العبادات فإنا لم ~~نسقط به الوجوب احتياطيا في وقت الخطاب وهو البلوغ، بخلاف الصبا لأنه وقت ~~سقوط الخطاب على ما مر بيانه. # وأما السفه بعد البلوغ، فلا يوجب الحجر عند أبي حنيفة رضي الله عنه وكذلك ~~عند غيره، لأن ظهاره وطلاقه وما لا يبطله الهزل ينفذ منه. # لأن السفه ليس بعبارة عن نقصان العقل بل عن مكابرة العقل بغلبة الهوى، ~~وقد نهانا الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل ~~عذرا له يوجب الحجر نظرا له، وبالإجماع لم يوجب سقوط الخطاب نظرا، ولم يجعل ~~السفيه وإن كان مغلوب هواه كالمكره الذي هو مغلوب بغيره لأن ذلك عذرا عند ~~الله تعالى وهذا لم يجعل عذرا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع لو ~~لم يساعد نفسه، وإنما يصير مغلوبا بالمساعدة مختارا. # وأما النوم والإغماء: فنوع واحد فترته تعارض منع استعمال العقل مع قيامه، ~~وحكم PageV01P433 # النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلا على ما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها"ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلا وإنما يسقط وجوب ~~العمل به إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعا للحرج. # والنوم لا يمتد عادة بحيث يحرج ms439 العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه ~~عادة لا يمتد مع الليل يوما كاملا لا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي. # والإماء بمنزلته إلا في حق الصلاة فإنه إذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء ~~لأن الصلاة تتكرر بست، وفي ذلك حرج. # والإغماء في العادات يمتد هذا القدر من المدة فجعل مسقطا لوجوب الصلاة ~~دفعا للحرج بمنزلة الجنون فكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه لا ~~يمتد في العادات شهورا وسنين. # فإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به حكم الخطاب. # قلنا: السكر إنما يحصل بسبب هو معصية وهو شرب المسكر، واجتماع ذلك الحرام ~~في معدته فلم يجعل عذرا شرعا على ما عرف في غير هذا الوضع. # وأما باب النسيان: فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه بسبب ~~النسيان لا للعجز، إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به، ~~كقصد زيارة زيد، لا يتصور بدون زيد، وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتصور، ~~وكذلك قصد استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به، فصار في حكم العجز وإن ~~بقيت القوى الغريزية معه فصار في حكم النوم، لأنه آفة مخلوقة فيه جعلته ~~كالنوم، وقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسيان الصلاة والنوم ~~عنها على ما مر ذكره. إلا أن يكون نسيانا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به، كالنوم ~~عن سكر. # ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن من نسي الماء في رحله وهو ~~مسافر فتيمم أجزأه، لأنه يعجز عن استعماله بالنسيان، كما يعجز بعدم الماء ~~فيسقط به خطاب استعمال الماء فيسقط إلى خطاب التيمم. # إلا أن أبا يوسف لم يجوزه، لأن رحل المسافر معدن الماء، فلا يعذر في ترك ~~الطلب فيه، وإن لم يتذكر، كما لو كان بقرية عامرة وعدم الماء مكانه، ونسي ~~أن يطلب وتيمم، فإنه لا يجوز، لأنها معدن الماء، فلما كان العجز بسبب هو ~~مقصر فيه لم يجعل عذرا كعجز عن السكر. PageV01P434 # ولهذا ms440 قلنا: إن كلام الناسي يبطل الصلاة، لأن أصل وجوب الحظر لا يرتفع ~~بالنسيان، وإنما يرتفع وجوب الكف عن الحرمة، فلا يأثم، وبقي الكف شرطا لصحة ~~الصلاة لما بقي الوجوب فلا يتأدى بدونه، كما إذا نسي الطهارة فصلى بدونها ~~لم يأثم، ولا تجوز. # وقلنا أيضا: القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسي، وكذلك الخطأ في حكم ~~النسيان، بدليل أن المخطئ لا يأثم إذا ترك خطأ أو ارتكب خطأ، كأن الحظر لم ~~يبق معه، ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر، فقال: {وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطئا} وما كان للتحريم، وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت ~~أنه في حكم المباح في حق الفاعل، ولهذا لم يأثم إذا لم يكن خطأ عن تلهي ~~وتلعب، بل كان خطأ بعد تحري الإصابة، وهذا لأن المخطئ حده: من قصد فعلا على ~~تحري الصواب فأخطأ فوقع غير صواب بلا قصد منه إلى الخطأ، ولهذا كان الخطأ ~~ضد العمد، فهو كالناسي الذي لم يقصد ترك ما أمر به، بل ترك على تحري أنه لم ~~يؤمر به لنسيانه المأمور به، فصار تاركا ما أمر به بغير قصد، فهما باب واحد. # ولهذا قلنا: إن كلام المخطئ صحيح حكما، ككلام العامد، فإن يمين المخطئ ~~صحيحة توجب الكفارة، كيمين العامد وتفسيره؛ من أراد أن يسبح فسبق لسانه ~~يمي، وكذلك نكاح المخطئ، وطلاقه، وعتاقه، ونذره، وكل ما لا يبطله الهزل لم ~~يبطل بالخطأ، لأن الموجب بصحة كلامه شرعا قائم أصلا مع الخطأ، فأما البيع ~~خطأ، فلا ينبغي أن يلزم كما لا يلزم مع الهزل والكره وشرط الخيار لنفسه، ~~لأن الشرع بنى لزومه على التراضي بعد صحة المعاقدة، ولا رضاء إلا بعد قصد ~~صحيح فأما عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضا فلا يبطل لعدم القصد، كما لا يبطل ~~باستثناء الخيار، فإن مستثنى الخيار غير راض بلزومه بنص الخيار لنفسهن فكان ~~فوق الذي لم يرض وبقي الخيار بعدم الرضا لنفسه. # وأما إذا سلم الشفعة خطأ بطلت شفعته لا بالتسليم، فإنه مخطئ غير ms441 راض به، ~~ولكن بترك الطلب، كما لو سكت ولم يسلم، ولهذا يلزم القاتل خطأ الكفارة، ~~ويحرم الإرث، ولو سقط بالخطأ حرمه القتل أصلا لما لزمه حكم القتل المحظور. # وكذلك الكره بمنزلة الخطأ أو دونه، لأن المكره مختار لما فعله قاصد إياه، ~~لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد، إلا أنه قصد فاسد، لأنه ~~قصد راضيا به ومريدا إياه، بل لدفع الشر عن نفسه فلحق بحكم الفساد بعدم ~~القصد فلا يقع هدرا، وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضا، كالبيع، ~~والإجارة، وما لا يلزم مع استثناء الخيار أو مع الهزل. PageV01P435 # وأما يمين المكره، ونذره، ونكاحه، وطلاقه، وعتاقه، فلازم، وكذلك الكلام ~~مكرها في الصلاة يبطلها، وكذلك الأكل في الصوم مكرها، أو سبق الماء حلقه ~~خطأ يفسده، وكذلك من ارتكب محظورا من محظورات الحج مكرها أو مخطئا لزمته ~~الكفارة. # فإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم ولا يضمن شيئا، وكان فعله هدرا؟ # قلنا: لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به، لكن لم يجب على الفاعل كرها ~~بحكم انعدام الفعل منه بأن جعل آلة للذي حمل عليه كأن قبض على يديه فقتل ~~بيده إنسانا على ما بينا في موضعه، ولذلك وجب على الذي أكرهه لأن الفعل ~~أضيف إليه. # ومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم الفعل كما لو لم يفعل ~~بغير كره. # فأما فعل لا يستقيم أن يجعل المكره المباشر آلة للآمر فالفعل لا ينتقل ~~عنه ويبقى مقتصرا عليه على ما بين في موضعه، فإذا بقي وصار فاعلا لزمه حكمه ~~إلا ما يبطله الهزل فالأقوال كلها لا يمكن أن تجعل الفاعل عن كره آلة فيها ~~للآمر إذ الرجل لا يمكنه التكلم بلسان غيره وكذلك الأكل والزنا ونحوهما. # فأما القتل فممكن بيد غيره وكذلك الإتلافات كلها ولهذا قرن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهما فقال:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". # وأما الجهل: فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون إلا للجهل ~~بدليله، وسبب وجوبه ms442 فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل ~~كما يكون من المخطئ والناسي فيكون الجاهل عاجزا حكما كالناسي فيكون الجهل ~~عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان، ولهذا قيل: إن ~~العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم ~~يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما أمضى باجتهاده ولو سقط أصلا بالجهل لما لزمه ~~النقض كما لو نزل النص بعد رأيه في زمن الوحي. # وأما باب الحيض والرق: فإنا نقول إن الحيض لا يوجب عجزا من حيث ذهاب قدرة ~~البدن أو قدرة القلب بعلمه وعقله، ولكن يوجب عجزا حكميا من حيث فوت شرط ~~الأداء من حيث الظهر عن دم الحيض في حق الصوم أو عدم الطهارة في حق الصلاة ~~ونحوها فإنه دون العجز الذي يثبت بالنوم فكان القياس أن لا يسقط أصل الوجوب ~~بل يؤخر حكمه إلى حين القدرة، إلا أنا تركنا هذا القياس في باب الصلاة ~~فأسقطنا به PageV01P436 # الوجوب لشرع ورد فيه، وذلك لعلة الحرج فإن الحيض يصيبها في كل شهر عادة ~~والصلاة تتكرر في كل يوم فلو أمرنا بالإعادة لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت في ~~ذلك فيسقط بسبب الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وبالصبا، وهذه العلة معدومة ~~في حق الصوم فلم يسقط. # وكذلك وجوب التتابع في باب الصيام لا يسقط إذا كان الصوم عشرة أيام أو ~~ثلاثة وما يوجد عادة بلا حيض لأنها لا تحرج في إقامة هذا الشرط، وإذا كان ~~شهرين سقط الوجوب أصلا لأنها لا تجد شهرين لا تحيض فيهما عادة إلا نادرا أو ~~بعد اليأس وربما لا تبلغ اليأس والنادر لا عبرة له فلو ألزمناها الإعادة ~~بسبب الحيض متتابعا لحرجت أو عجزت وسقط الوجوب دفعا للحرج. # والرق من هذا القبيل لأنه ربما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات ~~المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وإنه لا يملك المال ما دام رقيقا. # وكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلا لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير ms443 ~~الذي لا يملكهما إذا أدى جاز وكان فرضا بخلاف العبد ولكن لعدم ملك المنافع ~~التي يتأدى الحج بها فإنه عبادة بدنية ومنافعه صارت لمولاه إلا ما اسثتنى ~~الله تعالى في باب الصوم والصلاة ولم يستثن في باب الحج لأنه لا وجوب بلا ~~زاد ولا راحلة ولما لم يستثن صارت للمولى فلا تعود إليه بتمليك المولى كما ~~لا يملك منافع غيره، ولا سائر الأموال بتمليك المولى فلا يصح الأداء بمنافع ~~المولى كما لا يصح التكفير بمال المولى. # وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء إلى النصف، وكذلك الحدود ~~التي تحتمل التنصيف تنتصف وكذلك العدة والتطليقات وحق القسم ونحوها ويبطل ~~الولاية، وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة. # فإن قال قائل: الكفر قسم خامس لم تذكره. # قلنا له: إن الكفر ليس من جملة الأعذار ثم إنه غير مسقط للخطاب عند أهل ~~الكلام وهو مذهب الشافعي من الفقهاء، ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق لأن ~~الكفر رأس المعاصي فلا يستفيد به حفة سقوط الخطاب كما لا يستفيد بالسكر ~~وبالجهل إذا كان عن تقصير من قبله. # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة فخطابه يعمهم إلا حيث ~~خص بدليل، ألا ترى أنهم يخاطبون بأحكامنا في المعاملات والعقوبات والإيمان ~~فكذلك العبادات. # وقال الله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في ~~سقر قالوا لم نك من المصلين} فأخبروا أنهم استحقوا النار بترك الصلاة لما ~~ذكر أن الإنسان يصير أهلا للإيجاب عليه بالذمة ولخطاب الأداء بالعقل ~~والكافر له ذمة PageV01P437 # وله عقل مثل المسلم إلا أنهم لا يؤاخذون بالقضاء إذا أسلموا لأن الله ~~تعالى وعدهم المغفرة بقوله: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين} ترغيبا إياهم في الأيمان وقوله: {يغفر لهم ~~ما قد سلف} دليل على أنهم كانوا مؤاخذين به وإنما غفر لهم بالإسلام. # ومن يقول أنهم غير مخاطبين، يقول إنهم لم يكونوا مؤاخذين فلا تتصور ~~المغفرة. # ولا معنى بأن يقال: ms444 إن الكافر عاجز لأن عجزه بسبب كفره فلا يعتبر عذرا ~~كعجز السكران، ولأنه قادر على أن يسلم فيصلي، كالجنب عاجز في حال جنابته ~~ومخاطب لأنه قادر على أن يتطهر فيصلي. # وقال مشايخنا ببلادنا: إن الكفر يسقط الخطاب بالديانات في الشرائع التي ~~تحتمل السقوط في الجملة وليست عن أصحابنا المتقدمين رواية وإنما استدلوا ~~بمسائل منها أن المرتد إذا أسلم لا يقضي ما فاته لسقوط الوجوب عنه، وعند ~~الشافعي: يقضي. # والثاني: أن المسلم إذا صلى وحج ثم ارتد-والعياذ بالله-ثم أسلم في الوقت. # لزمه عندنا قضاء الصلاة والحج لأن الخطاب انقطع بالردة فصار حال الإسلام ~~ثانيا حال ابتداء الخطاب بعبادة الوقت. # وعند الشافعي لا يقضي لأن الخطاب لم ينقطع وقد أدى الواجب بالخطاب الأول ~~إلا أن شيئا من هذه المسائل لا يدل على سقوط الوجوب فإن المرتد كافر، والله ~~تعالى وعد المغفرة للكافر إذا أسلم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يجب ما قبله"ولم يفصل وأما إذا ~~كفر بعدما صلى فإنما لزمه ثانيا لأن الأول قد بطل لقوله تعالى: {ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله} فيصير ما مضى كصلاة أداها مع الكفر. # ومنهم من جعل هذه المسألة فرعا لمسألة الإيمان أنه قول وعمل أو قول بلا ~~عمل فمن جعله قولا وعملا جعل الكل من الإيمان، وهو مخاطب بالإيمان فيكون ~~مخاطبا بالعبادات أيضا. # ومن جعله قولا بلا عمل لم يخاطبه بها إلا أنه ساقط بأن سائر المعاملات ~~والعقوبات ليست من الإيمان بالله تعالى، والكافر مخاطب بها ابتداء لا تبعا ~~للإيمان. # وقد ذكر محمد بن الحسن رحمه الله أن من نذر بصوم ثم ارتد والعياذ بالله ~~ثم أسلم لم يلزمه قضاؤه لأن الشرك أبطل كل عبادة وإنما أراد وجوبها لأنه لم ~~يؤده بعد، ولما كان منافيا للوجوب وثبت فيه نص الرواية ثبت المذهب. PageV01P438 # ولم أر لهذا القول حجة يعتمد عليها وقد تفكرت في ذلك فلم أنل إلا واحدا ~~وهو أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادة لأن أداء العبادة لاستحقاق ثواب ~~الآخرة بحكم الله تعالى، والكافر ms445 ليس بأهل له حكما من الله تعالى على سبيل ~~العقوبة، كما مل نجعل العبد أهلا لملك المال والمرأة أهلا لملك المتعة على ~~الرجل بملك اليمين أو النكاح. # ولما لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب ~~بالعمل للعمل كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارة وغيرها. # فتبين بهذا أن الكافر ما له ذمة الجنة والعبادات ثمن الجنة، فأشبه في حقه ~~من لا ذمه له أصلا من البهائم بخلاف الإيمان لأنه ثبت له به ذمة الجنة ~~والكافر أهل أن يكتبه فصح الخطاب باكتسابه. # فإن قيل: هو من أهله إذا أسلم، والله تعالى خلقه على طلبه الإسلام منه. # قلنا: لا يجوز أن يخاطب بناء على طلبه الإسلام منه لأنه في حالة ليس بأهل ~~لعمل يثاب عليه ولا أعد للإسلام مآله فيعطى حكم مآله بالإعداد له، كما قلنا ~~في المني في الرحم والطفل وبيض الحرم، فإن الكافر مآله مآل الإسلام جبلة من ~~الله تعالى ولا عادة منهم بل العادة في الكافر التمسك به كالمسلم وإنما ~~يختار الإسلام نادرا كالمسلم يختار الكفر نادرا. # وليس الكافر كالجنب فإن الجنب يخاطب بالصلاة لأنه أهل بنفسه لعمل يثاب ~~عليه غير أنه لا يصلح للصلاح لفقد شرطه، وهو الطهارة، كما لا يصلح لصلاة مع ~~استدبار الكعبة مختارا فهذا شرط لصحة الأداء ليصير أهلا لعمل يثاب عليه في ~~الآخرة فصح الخطاب به على أن يفعله بشرطه. # فأما الكافر فليس بأهل لعمل يثاب عليه في الآخرة وسبيله سبيل المولى يقول ~~لعبده: أعتق عن نفسك عبدا أو كفر عن يمينك بالمال، كان لغوا لأن ملك المال ~~شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال. # وبمثله لو قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم فأعتق صح عنه لصحة الأمر به ~~لأنه أهل للإعتاق إلا أنه فقد للحال شرط الأداء وهو الملك فصح الأمر به على ~~ما يؤدي عنه المأمور به. # فإن قيل: العبد الماذون أو المكاتب يشتري فيصح منه تملك المال وهو ليس ~~بأهل ms446 له! # قلنا: إنما يصح على معنى أن المولى يقوم مقامه في الملك أو يعتق بنفسه ~~فيملك بذلك السبب إن كان مكاتبا، ولأن للعبد ضرب ملك، وكذلك للمكاتب على ما ~~بينا في موضعه، وهو ملك التصرف بحكم ملكه ذلك المال يدا إن لم يملك رقبة ~~فلا يخلو في PageV01P439 # الأحوال كلها خطاب التمليك صحيحا لأحد عن رجاء الملك له أو لمن يقوم ~~مقامه، والكافر يخلوا أداؤه للعبادة عن ثواب يكون له أو لغيره على طريق ~~القيام مقامه. # والأسباب إذا خلت عن أحكامها لغت الإيمان لأنه من أهل أن يؤمن للحال ~~فيثاب به عليه بخلاف المعاملات لأنه إنما يخاطب بما يتأهل لاستحقاق حكمها. # وبخلاف العقوبات لأنه أهل للإقامة عليه حتى لم يكن عندي خطاب الكفارة ~~ثابتا في حق الكفار، لأنه لا يخلو عن معنى العبادة واستحقاق الثواب، كالعبد ~~لا يخاطب بالتكفير بالمال لأنه ليس من أهل ملك المال. # فأما الجواب عن قولهم: إن الكفر معصية فلا يجعل عذرا فكذلك، ولسنا نسقط ~~الخطاب مرحمة ليكون بسبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة ليكون بسبب المعصية. # وإنما قلنا: يسقط نقمة، لأنه سقط لخروجه عن صلاحه للجنة وهذا نقمة. # فإن قيل: إذا لم يخاطب بها لم يؤاخذ بتركها. # قلنا: إن الخطاب للأداء لا للإثم بالترك فلو لم يجز التصحيح لكان الإثم ~~بالترك على أن الكافر يترك الطاعات مستحلا، وكذلك يرتكب المعاصي مستحلا ~~فيكون ذلك كفرا على كفر، وتزداد العقوبة بذلك كله على أنه إن لم يكن من أهل ~~فعل العبادة لأنها من ثمن الجنة فلم يخاطب فهو من أهل المعصية التي هي سبب ~~النار فيستقيم إثبات الخطاب في حقها، ولهذا نجدهم على المعاصي في الدنيا ~~وهي عقوبة. # ولأن إخراجهم أنفسهم بالكفر عن أهلية الخطاب في إيجاب الإثم عليهم فوق ~~تركهم ما يلزمهم بالخطاب فلا يكون فيه خفة كالذي يقتل نفسه لا يؤاخذ بما ~~يفوته من العبادات بعده، وإن كان القتل معصية لأن إثمه في قتله نفسه يربى ~~على ذلك كله. # ومعنى قول الله تعالى: {لم نك من ms447 المصلين} [المدثر: 43] أي المسلمين فسمى ~~الإسلام باسم شريعة منه كما سمى الصلاة باسم الركوع والسجود، لأنهم لم ~~يكونوا من المصلين مستحلين وبهذا يؤاخذون. # ولأنا لا نسقط الخطاب بالكفر، ولكنا لا نوجب لفقد الشرط الذي يصح معه ~~الخطاب وهو الأهلية لحكمه، وهذا كما لا يخاطب بعد ما قتل نفسه. # والذي يدل عليه أن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كمال الكتابة ~~يؤديه العبد للفكاك عن قيد الرق، وقبل الإيمان بالله تعالى لا يتصور منه ~~أعمال يتعلق بها الفكاك ويتعلق بنفس الإيمان الفكاك أو يثبت به عقد الكفاك ~~فاستقام الخطاب بالإيمان دون الأعمال. # ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بعقد الكتابة ولا يستقيم الخطاب ~~بأداء PageV01P440 # مال الكتابة لأن ما لا يتعلق به الفكاك لا يتصور قبل العقد وعقدا يتعلق ~~به الفكاك يتصور مع الرق ثم سقوط المطالبة بمال يتعلق به الفكاك عن العبد ~~القن لا يكون خفة إذا قوبل بمطالبة المكاتب بمال الكتابة، لأن ما تحت سقوط ~~هذه المطالبة من ذل الرق فوق هذه المطالبة وما تحت المطالبة بالكتابة من ~~العتاق والنفع الذي فيه فوق نفع سقوط المطالبة فيصير عند اعتبار العاقبة. # والمعنى توجه الخطاب بأداء الكتابة ضرب كرامة وكان من تعاطي أمور الدنيا ~~نظير شرب الدواء للمريض في مقابلة مريض بمريض لا دواء له فلم يسق فلا يكون ~~حطاب المريض الذي يرجى شفاؤه بسقي الدواء تشديدا. # ولا سقوط الخطاب عن الذي لا يرجى شفاؤه تخفيفا متى تؤمل في معنى السقوط ~~والثبوت بل كان السقوط شدة لأنه سقط ليأس الطبيب عن حياته وكأس المنية أمر ~~من كأس الدواء والذي خوطب بالدواء خوطب للشفاء، ومرارة الدواء تسقط متى ~~قوبلت بحلاوة الشفاء. # فعلى هذا الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة على ~~كفره، وخوطب المؤمن لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب، وراحة ~~الجنة فوق تعب أداء ما خوطب العبد به، وهذا كما يسقط عن الكفار خطاب ~~الإيمان بعد البعث إذ لو بقي لقبل منهم إذا أجابوا، ولم يكن ms448 هذا السقوط ~~تخفيفا بل تنكيلا وهذا كما لا يخاطب البهائم والجمادات وليس ذلك لإرادة ~~التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل فكان للإزراء. # ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله: بأن من صلى فرض الوقت ثم ارتد ثم أسلم في ~~الوقت أعاد الفرض، وكذلك يعيد الحاج إن كان حج قبل الردة لأنه بالردة صار ~~غير أهل والعبادة كما لا تصح إلا من أهل لا تبقى لغير أهل كملك المال لما ~~لم يثبت للعبد لا يبقى لمن استرق. # وكذلك ملك الأربع من النساء كما لا يثبت للعبد لا يبقى له إذا استرق، ~~ولكن مع هذا كله لم نعد الكفر في ما بيننا مسقطا لأنه ليس من جملة الأعذار ~~والخطاب ما سقط به تخفيفا فأما سائر الأعذار فمما يكون بآفات أصلية جبلية ~~أو شرعية فاستقام أن يكون سبب تخفيف، والله أعلم. PageV01P441 # باب ### | AUTO القول في الحجج العقلية # قد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول، ~~كإجماعهم على إصابة الحاضر بالحواس، حتى إنك لا تكاد تجد أحدا خاليا عن ~~الاستدلال لمصالحه برأيه عن عقله، وحتى لم تكن الحجج السمعية حججا إلا ~~باستدلال عقلي، ولا يقع الفرق بين المعجزة وبين المخرقة، والنبي والمتنبئ ~~إلا بنظر عن العقل، وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلا عليها ~~بعقلك، لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلي في المحسوس ~~ليدرك لما غاب عنها. # [قالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء]. # وإنما اختلفوا بعد هذا؟ # فقال بعضهم: لا يعرف الله بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع. # وقال بعضهم: يعرف ولكن لا يجب الاستدلال إلا بالشرع. # وقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع. # وقال بعضهم: لا نشتغل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فلا معنى ~~للاشتغال بشيء لم نبتل به. # وقد قال علماؤنا: لا يقاتل من الكفار من لم يبلغه دعوة إلا بعد الدعوة، ~~وإن قوتلوا وقتلوا لم يضمن لهم شيء. # وقال الشافعي: يضمن، وقال أيضا: إنهم يعذرون في الآخرة فجعلهم كأطفال ~~المسلمين. # ولا نص ms449 عن علمائنا في"المبسوط"إلا ما ذكرنا من هدر الدماء، وإنه لا يدل ~~على إلزام الكفر بترك الاستدلال حكما فإن المسلم منهم عندنا هدر دمه ما لم ~~يحرز نفسه بدار الإسلام. # وقد قال علماؤنا في الصبي إذا عقل وأسلم: صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله، ~~ولم يجز كلمة الشهادة على لسانة لم نحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستيصاف بل ~~كان في حكم المسلم ما لم يبلغ، ولو امتنع بعد البلوغ كفر بالله لأن خطاب ~~الشرع بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورا، وإن عقل فاحتمل مثله بعد ~~البلوغ قبل أن يبلغه دعوة أحد فلا PageV01P442 # يحكم بكفره بجهله بالله وغفلته عن الاستدلال بالآيات. # ويحكى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق، ~~لما يرى في العالم من آثار الخلق. ويحتمل أن يكون المراد به: بعد إمهال ~~الله تعالى لا لابتداء العقل فقد حكينا عنهم أنهم عذروا الصبي بجهله، ~~والتحديد بالبلوغ ثبت شرعا فلا يلزم إلا بعد السماع. # فأما الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا إلى أن ~~الفقهاء أجمعوا على أن الأداء لا يجب إلا بعد خطاب الشرع. # ولو كان العقل حجة كافية لوجب قبل الشرع. # ولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم مع شدة تأملهم واشتهارهم ~~بالحكمة، ولا نقف على أحد منهم إصابة ما تبين بالشرع، ولو كان بالعقل كفاية ~~لما اختلفوا كما لم يختلف الأنبياء عليهم السلام ومن سلك طريقهم. # وأما الذين قالوا: إن الكفاية تقع بالعقل فذهبوا إلى أن إبراهيم صلوات ~~الله عليه قال لأبيه: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} ولم يقل أوحي إلي فثبت ~~أن العقل بنفسه مما يهدى. # وكذلك الله تعالى أخبر عن إبراهيم أنه استدل بالنجوم فعرف ربه وكان حجة ~~على قومه فقال: {وتلك حجتنا ءاتينا إبراهيم على قومه} وليس في الآية من باب ~~الوحي ذكر، وقال: {سنريهم ءاياتتا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} ولم يقل نسمعهم أو نوحي إليهم. # وقال: {ومن يدع ms450 مع الله إلها ءاخر لا برهان له به} الآية، ولم يقل: بعدما ~~أوحي إليه، أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم يكن به ~~كفاية المعرفة لما انقطع به العذر. # ولأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الحدوث في العالم ~~أدل على المحدث من علامات المعجزة، على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل ~~كفاية معرفة المعجزة والرسالة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق ~~الأولى. PageV01P443 ### | AUTO فصل # ولما ثبت أن بالعقل كفاية كان بنفسه حجة بدون الشرع، ولزم العمل به كما ~~يجب بالشرع وبسائر الحجج إذا قامت. # والجواب عن قولهم: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فإن ذلك من الله رحمة ~~أو لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود التي بها تتمة ~~الدين أو كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا بجد تأمل، فيه ~~حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه فكان حقا على الله تعالى بعث الرسل ~~لبيان ما به تتمه الدين لا لمعرفة الخالق. # وقال بعضهم: بعث الرسل رحمة أو نقول: إن الله تعالى لم يدعنا ورسولا ~~واحدا من أوله إلى آخره، والحجة كانت قائمة بالواحد كما بقي لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة ورب قوم بعث الله إليهم رسلا فلم يدعهم ورسولا ~~واحدا ولم يدعنا الله، والبيان بآية واحدة بل بآيات متكررة فلا يدل أن ~~الآية الواحدة لم تكن كافية. # على أن نصور المسألة في رجل نشأ في شعفة من الجبل لم يسمع من أمر الرسل ~~شيئا، وبلغ مبلغ العقلاء والجواب عن قولهم لو كان بالعقل كفاية لما اختلف ~~العقلاء فيه أن ذلك الاختلاف لاختلافهم في جهة الاستعمال كما اختلفوا بعد ~~دعوة الرسل. # وكما اختلف الأطباء في الأدوية فالمقتصر في اجتهاده لا ينال الحقيقة. # وكذلك الغالي يتعداها فإذا جاء الوحي والعصمة عن التقصير والغلو صار ~~الدين واحدا، وكما اختلفوا في معرفة الرسل والعذر ينقطع بهم. ### | AUTO فصل # وأما الذين قالوا: إن الاستدلال ms451 لا يجب قبل الشرع فاحتجوا بالشرع والعقل. # أما الشرع: فلأن الاستدلال ليس يدوم وجوبه شرعا فإنه ساقط شرعا عن الطفل ~~والمجنون ومن لا يهتدى إليه لأنه ليس في وسعه فجاز كذلك السقوط حال عدم ~~الشرع، فالهوى غالب في الإنسان وطرق الدين مختفية تحت غلبة الهوى، ومنام ~~القلب بالغفلة عن دلائل العقل وفي تنبيهه عن نوم الغفلة بلا شرع حرج عظيم ~~أكبر مما يحرج الصبي العاقل بسبب نقصان عقله لإدراك ما يدركه البالغ من ~~الخطاب المسموع، وقد أخبر الله تعالى بأن لا حرج في الدين وإن الخطاب ساقط ~~عن الصبي. PageV01P444 # وكذلك الاستدلال على الله تعالى بآيات الحدوث على ما مر وكذلك بعد البلوغ ~~لأنه لا تفرقه بين الحالين من حيث العقل ألا ترى أن العبادات كما سقطت بعذر ~~الصبا سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب، ولم يعلم بالعبادات. # فأما إذا اعتقد إلها آخر أو ما يكون كفرا من وصفه ربه بما لا يليق به، ~~فلا يكون معذورا فيه كالصبي إذا فعل ذلك على ما مر بيانه لأنا إنما عذرناه ~~في جهله لسقوط وجوب الاستدلال عنه، ولا معرفة بدونه كما عذرنا النائم ~~والصبي فاعتقاد أمر لا يكون إلا بضرب استدلال وحجة فلم يعذر فيما أحدث من ~~اعتقاده إلا بحجة كما في حق الصبي، ولهذا صح الاحتجاج من إبراهيم عليه ~~السالم بما استدل قبل الوحي. # والدليل على أنه معذور وأن ترك الاستدلال قول الله تعالى حكاية عن خزنة ~~النار لأهلها: {قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا}. # وفي موضع آخر حكاية عن نفسه: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليك ءاياتي} ~~فألزمهم استيجابهم النار بالرسل لا بالعقول وحدها، ثم قال بعد ذلك: {ذلك أن ~~لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أخبر أن الإهلاك قبل الرسل كان ~~يكون ظلما وإنهم معذورون بغفلتهم وإن عقلوا لولا تنبيه الرسل. # وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} والعذاب المطلق هو النار. # وقال: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فكان حقا على ms452 الله بعث ~~الرسل لقطع حجة الناس. # وقال: {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم} الآية إلى أن قال: {أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} فلولا أنهم كانوا معذورين ~~بسبب جهلهم وإلا لم يكن قطع الحجة بخطاب {ألست بربكم} ابتداء ثم إعلامهم ~~بذلك انتهاء. # ولأن النفس بهواها غالبة لأنه لا عقل لأول الفطرة وإذا أحدث حدثا مغلوبا ~~به إلا من شاء الله من الخواص. # وإذا كان مغلوبا بقيت العبرة للراجح وبقي الحكم على ما كان قبل العقل حتى ~~يتأيد العقل بالوحي فيترجح على الهوى حينئذ فيجب العمل فلن يجوز في الحكمة ~~إلزام العمل حسا، والعامل مغلوب بالمانع حسا. # فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة مغلوبة مدفوعة بغيرها. # والجواب عن قولهم: إن الشرع لا يعرف إلا بدليل عقلي فكذل، ولكن إنما يجب PageV01P445 # النظر في المعجزة بعد دعوة الرسول بكلام لا تميل في موجبه بحيث يقف على ~~موجبه إذا سمع ببديهة عقله بلا حرج نظر فيصير ذلك الخطاب منبها قلبه عن نوم ~~الغفلة إلى التأمل فيما سمع أصدق هو أم كذب. # فأما الآيات الدالة على الله تعالى فساكنة لا تعرف آيات بالحواس، وإنما ~~تعرف بالاستدلال ولا استدلال مع غفلة القلب. # والغفلة بغلبة الهوى والهوى مخلوق من الله تعالى فلا يلزمه الاستدلال ما ~~لم يأت ما ينبهه للنظر والاستدلال من أمر محسوس، وذلك دعوة الأنبياء عليهم ~~السلام فصار هذا القول قولا بين القولين بين التقصير والغلو فمقصر من أنكر ~~معرفة الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغالي من ألزم الاستدلال بلا وحي ~~ولم يعذره بغلبة الهوى وهو من الله تعالى. # وقرب من الإنصاف قال إن الله تعالى يعرف بدلالات العقول وحدها ولكن لا ~~يجب فعل الاستدلال إلا بشرع وألحقه بالصبي. # ونفس العقل لا يفرق بني امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبي عقل وبلغ أربع ~~عشر سنة ونصفا، بل حال الصبي أكم من حال البالغة بحيضها ms453 لتسع سنين. # إلا إن في هذا القول ضرب تقصير في إيلاء عذر كهل بلغ أشده وأدرك غامضات ~~أمور الدنيا برأيه وهي لا تنال إلا بجد تأمل ولم يعرف لنفسه خالقا، وإنه ~~ينال ببداهة العقول فإنه لا يرى بناء إلا وقد عرف له بانيا، ولا نقشا إلا ~~وقد عرف له نقاشا ولا صورة جماد إلا عرف له مصورا فكيف يعذر بعذر رؤيته ~~صورا حسية في جهله بمصورها وإذا لم يعذر ولا بد أن تقع المعرفة بفاعل ~~الصورة فقد تنبه بعقله للنظر فيلزمه من النظر ما تتم به المعرفة. # وأشبه تنبه ببديهة عقله التنبيه بدعوة النبيصلى الله عليه وسلمالتي هي ~~كلام نص على التنبه فكيف ينكر هذا والله تعالى يحكي عن الكفرة: {ولئن سألتم ~~من خلقهم ليقولن الله} وكذلك لا نرى نحن أحدا من الكفار إلا ويخبر عن ~~الصانع وإنما كان كفرهم بوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد والشريك ~~وغل الأيدي ونحوها مما حكى الله تعالى عنها، والعذر بلا خلاف منقطع عن مثله ~~أو كان الكفر بإنكارهم البعث للجزاء. # وكلامنا في نفس الجهل بالصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من قبل ~~استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا تميل فالبناء شاهد على الباني بلا تميل ~~في العقول والاستخفاف بالحجة فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر، وإنه لم يعذر ~~به فبهذا أولى بخلاف أول حال العقل لأنه لأول أمره لا ينتبه له كما لا ~~ينتبه له الكبير إلا بجهد وحرج لنقصان العقل وقيام فترة حال الغفلة كالنائم ~~يتنبه فلا يدرك لأول أمره ما يدركه بعد مدة فاستقام أن يعذره الله تعالى ~~برحمته ثم قدر مدة العذر إلى الله تعالى ما يعرف بالعقل. PageV01P446 # وكلامنا فيمن لم يبلغه شرع على أن حد الشرع بالبلوغ لبيان أحكام الدنيا ~~وكلامنا في حق الآخرة، وإنهما مختلفان على ما بينا في باب الخطاب وصحة ~~تصرفات الصبي وردته، والدليل عليه قول الله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر وجاءكم} ولم يذكر الوحي، وقال: {وجاءكم النذير} ms454 وقيل: إنه ~~الشيب، وقال: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلف الله السموات} ولم يذكر الوحي ~~بل عاتبهم على ترك التفكر وقال: {سنريهم ءاياتنا في الأفاق} الآية. # أخبر أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع إلا ~~لاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل وعن احتجاجهم بقول الملائكة: ~~{أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} أنه كلام توبيخ فيكون بأظهر الأمور ~~وأعلاها وتأويل هلاك القرى في الدنيا لأنه لا قرى في الآخرة، وعذاب الدنيا ~~جزاء على تكذيب الرسل زاجرا لا جزاء نقمة على الكفر على ما بينا في مسألة ~~قتل المرتدة ونحوها، ولأنا نسميه غافلا بسبب فقد الحجة والذي معه عقله غير ~~فاقد الحجة على ما بيناه. # وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} أي حجة تقال لا حجة ~~تقبل وكذلك آية أخذ الميثاق لقطع حجة تقال على حسن الظن بحالة على تقدير ~~أنه حجة تقبل منه، والله أعلم. # وتأويل قوله:"بظلم"أي بظلم من الكفرة أي لم نهلكهم بظلمهم حتى أرسلنا ~~الرسل وظهر تعنتهم، ولو أهلكنا لكان عدلا، لكنا أمهلنا إلى حين الرسل فضلا ~~وبهذا التأويل يخرج عذاب الآخرة أي أخرنا عنهم العذاب إلى بعث الرسل تأكيدا ~~عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود. PageV01P447 # باب ### | AUTO القول في أقسام دلائل العقل الموجبة # منها ما يدل عليه ببداهة العقول كحدوث العالم ودلالة البناء على الباني. # ومنها ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمر ونظر كدلالة العالم على صانع هو ~~الله تعالى، ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لاختلافهم في استعمال النظر ولم ~~يختلفوا في حدوث العالم المحسوس ووجوب القول ببان للبناء. # ومنها ما لا يكون دلالة إلا بالتجربة كمعرفة الأدوية والأغذية، ولكن إذا ~~دق المطلوب اختلف فيه للشبهة. # ومنها ما لا يكون دلالة إلا بمعونة الحس كالنجوم على الطريق والجبال ~~والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ~~ينال بالحواس، والله أعلم. PageV01P448 # باب ### | AUTO القول في مباحات العقول للحياة الدنيا # لا للدين قطعا واجب القول بالإباحة # وهذه ms455 المباحات قطعا أربعة أقسام: # فعل ما تقوم به النفس من حيث التنفس والأكل والشرب بقدر ما لا يحيى بدونه ~~يجب أن يكون مباحا أصله. # وفعل ما يدفع عن نفسه أسباب التلف من آفات خارجة، وفعل ما يقوم به الجنس ~~نحو الجماع. # وفعل ما تقوم به التربية بعد الوجود في نحو الحضانة إلى أن يستغنوا، لأن ~~العقل يستحسن السعي لإبقاء نفسه بقدر الإمكان فالبقاء رأس المال إلا بدليل ~~يبين له خيرا في هلاكه، والبقاء فيما يجلب له القوى التي فيها حياته وفيما ~~يدفع عنه ما يقطع عليه حياته بعد وجود العلل، فلا بد أن يقال بحسنها وأدنى ~~درجات الحسن أن يقال بإباحتها له ليفعله. # وكذلك فعل ما يتفرع عنه من يبقى بعده لأنه لا يمكنه السعي لإبقائه بعد ~~موته إلا بفرعه، والعقل يستحسن السعي للإبقاء بقدر المكنة ثم السعي بحضانته ~~لأن قوامه بعد موته بفرعه فيلزمه لفرعه ما يلزمه لنفسه ما لم يستغن عنه ~~بنفسه، ولهذا ركب الله تعالى في الطباع دواعي إليها من الشهوات وغيرها حتى ~~شاركت البهائم العقلاء في فعل هذه الأمور بحكم الطباع ولأنا لما وجدنا هذا ~~مما يدعو إليه الطبع والطباع رأس مال الحياة لم يجز القول بحرمة دواعيها ~~إلا بعارض يغير حكم الحال فصارت الإباحة أصلا والحرمة عارضة إلا أن ما يجعل ~~حقا لنا ينافي الوجوب علينا، فلذلك وصفنا بالإباحة، ولهذا لم يبح الزنا وإن ~~كان التناسل به أكثر لأن التربية في بني آدم أكثر ما يكون بالرجال حتى تكون ~~نفقة النساء على الرجال. # وكذلك نفقة الأولاد شرعا، والآباء يشتهون بالزنا فتوف تربية الرجال ~~والنساء لا يمكنهم التربية بأنفسهم فيضيع الأولاد وينقطع النسل إلا نادرا ~~ويدل عليه أن شهوة الجماع PageV01P449 # مخلوقة والخلق لغير حكمة عبث ولا حكمة إلا في الاقتضاء لما فيه من التلذذ ~~وشفاء الصدر إذ في كف نفسه عن ذلك طاعة لربه فيثاب عليه كما يجب عن الزنا ~~فتكون الحكمة أمرا من أمور الآخرة وكلامنا في الحكمة العاجلة قبل أن يأتي ~~أمر الدين والآخرة، ms456 ولأن في الكف عن اقتضاء الشهوة بعد الحاجة إليه ضررا ~~ومكروها ولا يجب تحملها إلا بدليل يلزمنا لنفع العاقبة فثبت أن الإباحة أصل ~~والحرمة بدليل عارض، والله أعلم. PageV01P450 # باب ### | AUTO القول في موجبات العقول الواجبة دينا # نعني بالوجوب الوجوب في الذمم حقا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء ~~والتسليم إلى الله تعالى فقد ذكرنا أن الأداء لا يجب قبل الشرع، هذه ~~الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية. # ومعرفة الله بالألوهية. # ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى على أوامره ~~ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين. # ومعرفة الدنيا وما فيها للعبيد المبتلين لضرب نفع يعود إليهم منها. # ونعني بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعا إذا استدل به العبد إلا أن ما ~~يكون منه دينا يجب فعله لله تعالى لأنه مبتلى به، وما يجب للحياة الدنيا ~~فلا نصفه بالوجوب عليه بحق الدنيا لأنه فيها كالبهائم وإنما فارقناها في حق ~~الدين، ولهذا بنينا الباب الأول على إثبات الإباحة قطعا وههنا على الوجوب. # وقد يقال بالوجوب في الباب الأول أيضا للدين إذا كان قوامه للتدين ما ~~تقوم به الحياة الدنيا فيجب الأكل والشرب تدينا، وكذلك التنفس، والتحصن عن ~~شر الأعداء وشر البرد والحر ولو ترك حتى قتل أثم. # فأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى يوم القيامة، لأن الله تعالى ~~حكم ببقائه إلى تلك المدة وعلقه بالجماع، وفرض علينا دينا السعي لإقامة حكم ~~الله تعالى فإنه لا تبديل لحكمة غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم ~~يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله تعالى حكم ببقاء كل شخص إلى حين، ~~وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص لوجوب الأكل عليه دينا قطعا ثم إثما. # قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبة بالعقل دينا لله تعالى أما معرفة ~~نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء، والاجتماع عرض يضاد القدر فيلزمه ~~القول على نفسه بالحدث ثم يرى نفسه بفوته محاباة مما أصابه مع شدة حرصه على ~~إمساكه، وبفوته أغراضه مما يطلب مع شدة ms457 عزمه على الإصابة، ويجد نفسه تعيش ~~بما ليس له من قوت يخرج من الأرض بماء وطبائع هواء ليست في يده فيعلم أنه ~~مقدور عليه وله. PageV01P451 # وإذا علم هذه الأوصاف علم أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد ~~الاستيلاء وإنه مقهور بالتكوين والإنشاء. # وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء ~~الصالح لفعل العبادة وهو صالح لها ومملوك فإذا علم نفسه بهذه الصفات عرف ~~ربه ضرورة لأن كونه محدثا لا يخلو عن محدث، وكونه مقدورا عليه لا ينفك عن ~~قادر، والمضروب لا يخلو عن ضارب وكونه مملوكا لا يخلو عن مالك، وكونه عبدا ~~لا يخلو عن إله العبد اسم لمن خلق للعابد ولا بد للعباد من معبود. # الإله لغة: اسم لمن يستحق العبادة، ولهذا سمت العرب الأصنام: آلهة فيعرف ~~بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلها مالكا قادرا ~~محدثا، ولهذا قال النبيصلى الله عليه وسلم:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"، وإذا ~~عرف أنه خلق لعبادة ربه، ولا يجوز في الحكمة خلو الصنع عن عاقبة حميدة، ~~وعاقبة الصنع لدى العقلاء. أحد أمرين: فائدة تعود إليهم من جلبة نفع أو دفع ~~ضر أو ظهور الفاعل بعظمته وجلالته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع لدى غيره. # وتعالى الله عن الحكمة الأولى فإن الله غني عن العالمين فتعينت الأخرى ~~وهي ظهور عظمته وقيام الثناء والحمد منهم إياه بالإحسان إليهم ولما وجب أن ~~يكون الخلق لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه. # ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر علمنا أن الله تعالى خلقهم ليعبدوه بأمره ~~إياهم على ذلك لا بجبره. # وقد جعلهم مختارين في الإباحة مبتلين بشهوات معلومة فيهم تصدهم عن ~~الإجابة. # ولأن الأحياء يجدون من أنفسهم في أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويجدون في ~~أنفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى ضرورة ويدعوهم إلى خلافها. # وفي ذلك ما يفوت هذه العاقبة وفوت العاقبة من الصنع دليل على عجز الصانع ~~وتعالى الله عن ذلك فعلمنا ms458 أن تعليق وجوب الطاعة بالاختيار من العبد مع خلق ~~الله الهوى والشهوات الصادة عن الإجابة، كان لحكمة أخرى هي فوق حصول الطاعة ~~بلا فوت وهو أن خلقهم لهذه الأعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم. الإحسان ~~بالإحسان، والسيئة بالسيئة، وما كان يجب الجزاء مع الجبر فالفعل من المجبر ~~غير مضاف إليه بل إلى الذي أجبره فكانت الدار تصير دارا واحدة، وهي الدنيا ~~فكان لا يتم للعبيد من الله نعمة لكونهم مبتلين بالعبادة، والكف عن اقتضاء ~~الشهوات متصرفين تحت الأمر والنهي وكان لا يصفو عن الشبهة PageV01P452 # علمهم بصفات الله تعالى فالدنيا على ما نراها ما فيها آيات قاهرة للحق ~~على المعرفة. # ولأن لله تعالى صفتين عدل وفضل، ولو كان التخليق على سبيل لا يكون فينا ~~ما يصدنا عن الطاعة لكان لا يقع منا معصية، والله تعالى لا يعذب أحدا ~~ابتداء فكان لا تعرف صفة عدله بدلالة صنعه وصفات الله تعالى مما وجب القول ~~بها بدلائل صنعه عليها فخلق الخلق على هذا الوصف ليصير الناس بين شاكر ~~وكافر ليجازيهم على ذلك في دار أخرى ذات آيات قاهرة لا يبقى فيها أحد منكرا ~~له عاصيا لأمره جاهلا بصفات بدلالات صنعه لتحصل العاقبة المطلوبة من ~~المعرفة والطاعة بآثار صنعه فيعرفه أهل الجنة بصفة إحسانه بآثار صنعه ~~بمكانهم، وأهل النار بصفة عدله وغضبه وانتقامه بآثار صنعه بمكانهم. # فتكون المعرفة بجميع صفاته بأبلغ أسباب المعرفة تعالى الله من حكيم لا ~~يحاط بحكمته ولما وجب القول بدار أخرى، وهي دار الجزاء على هذه الأعمال وجب ~~البقاء والخلود لأنا أثبتنا هذا الترتيب، لأن تناهي الحكمة المطلوبة من ~~الصنع فيه وكان الخلق بدونه عبثا فلم يجز أن يفوت فيصير عبثا. # ألا ترى في الشاهد كما لا تفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع إلا ~~لعجزه، كذلك لا تفوت بعد الوجود إلا لعجزه وتعالى الله عن ذلك، وبذلك نطق ~~كتاب الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال: {أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} أي حسبتم أنا عبثنا بخلقكم، ms459 ثم نفى ~~صفة العبث بحكم الرجوع إليه، فبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا بلا دار جزاء. # وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات} الآية فبين أن التسوية بين الكافر والمؤمن حكم سيء والكافر ~~والمؤمن سواء في حظوظ الدنيا، وأخبر الله تعالى أنه غير حق والله تعالى خلق ~~بحق، وأخبر أن الحق في المجازاة على وفاق العمل. # وقال: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} الآية فأخبر أن الآدمي ~~حملها عن اختياره لعاقبة تعذيب المشتركين ومغفرة المؤمنين وهما في دار أخرى ~~للجزاء. # وقال: {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}. # وقال: {وليبتلى الله ما في صدوركم} والابتلاء لا يتصور إلا بفعل يكون ~~الفاعل مختارا فيه، وقال الله تعالى في حكاية تمام الإيمان: {ءامن الرسول ~~بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا ~~نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فثبت ~~أنه لا تتمه إلا بالمصير إليه وليس التتمة بالفناء. # ولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء ~~وما سوى PageV01P453 # الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا ~~لفائدة تجلب منهم أو ضر يدفع بهم، وتعالى الله عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود ~~ضرب هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته وإنه حسن في الشاهد فعل شيء ~~لفائدة تعود إليه أو إلى عبده. # وبذلك نطق الكتاب وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه} وقال: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر} وقال: {فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم} وقال: {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} وقال: {الذي سخر ~~البحر لتأكلوا منه لحما طريا} الآية، إلى آيات كثيرة. PageV01P454 # باب ### | AUTO القول في محرمات العقل قطعا للدنيا # هذه المحرمات أربعة: الجهل، والظلم، والعبث، والسفه. # أما الجهل: فإنه يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل ~~إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال إلا بالحواس، وبه غلب ms460 ما في البر ~~والبحر وسخرها، وادعى لنفسه كل شيء منها، فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل ~~شيئا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما تفوت به أغراض ~~العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي فيه حياته، وكما يحرم بالعقل ترك النظر ~~بالعين عند إرادة المشي إلى الموضع احتاج إليه أو إطفاء السراج ليلا مع ~~إرادته السلوك في مضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج. # ولما حرم الجهل قطعا حرم الظلم من طريق الأولى، لأن الظلم تفسيره: وضع ~~الشيء في غير موضعه فيصير فعله فعل جاهل بعد المعرفة، فيكون الظلم مكابرة ~~لما رأى بنور عقله. # والأول تركا للرؤية كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك. # والذي فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدا كان الفعل منه أقبح. # ومثاله في باب الشرع: من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا. # والذي تأمل وعرف ورد تعنتا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون عليهم اللعائن ~~حيث جحدوا واستيقنت أنفسهم ظلما. # أما العبث: فحرام عقلا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن ~~قل ففيه أدنى مشقة، فلا يتحمل عقلا إلا لفائدة أولى منها. # والسفه: اسم لما يوجب مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من ~~فوت الفائدة وزيادة من ضرر، فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ففي ~~الجهل، والعبث حرمان الفائدة، وفي الظلم والسفه قبح العاقبة، والله أعلم. PageV01P455 # باب ### | AUTO القول في محرمات العقل قطعا للدين # هذه المحرمات أربعة: # أ-الإيمان بالطاغوت. # ب-وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها. # ج-والإنكار بالصانع. # د-والإنكار بالبعث للجزاء. # فهذه محرمات لقبح فيها لا لأنها أضداد الواجبات التي مر ذكرها في باب: ~~موجبات العقل للدين وأما للإيمان بالطاغوت: فإنه اسم لما عبد دون الله ~~سبحانه وتعالى أو سمي قديما دونه، أو أولا على حسب اختلاف المشركين ~~والملحدين، وذلك لأن ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما هو نفسه لا ~~يخلو عنه فلما حرم على ms461 نفسه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول به ~~لغيره من طريق الأولى، وإلى هذا أشار الله تعالى فقال: {إن الذين تدعون من ~~دون الله عباد أمثالكم} يعني من حيث أنها مخلوقة، ثم قال: بل هي دونكم ~~فقال: {ألهم أرجل يمشون بها} الآية. # وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوة: فحرام لأنك كما لا تجد ~~نفسك، ومن دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة فلا تجد شهوة إلا مشوبة ~~بما لا يشتهى، فإن الحياة رأس مال الحي، وقد ابتلي الحي بالموت. # والشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرخ وما سواهما أتباع في حق الحياة. # وشهوة البطن في الأكل والأكل لا ينال أصله إلا بضرب كسب، ويحتاج بعده إلى ~~قضاء الحاجة التي لو تأمل في قبحه ما باشر العاقل سببه مع الإمكان بدونه، ~~ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وعن قضاء الحاجة لما كان ~~لاقتضاء الشهوة، والجماع لا ينال إلا بطلب وغرامة ثم لا تقضى الشهوة إلا ~~بذهاب القوة، وقد تقصينا الكلام فيه في كتاب"الأمد الأقصى"، حتى خلا جماع ~~الآخرة عن طلب السبب وعن الإنزال الذي فيه ضعف فيحرم القول بأنه خلق ~~لاقتضاء الشهوات فيها، ولا تنال شهوة خالية عما لا يشتهى. # وأما الكفر بالله: فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقا يعرف الله تعالى ~~خالقه PageV01P456 # والمنعم عليه، والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه من فعل اللسان بمنزلة ذم ~~من أحسن إليه فيكون كذبا وظلما وسفها، فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم ~~الكفر بالله حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء يكون ~~عبثا من الله تعالى على ما مر، وفي وصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر ~~كذب على الله تعالى فكانا بابا واحدا، والله أعلم. PageV01P457 # باب ### | AUTO القول في مباحات العقول الجائزة للدنيا # هذه المباحات أربعة أقسام، ونعني بالجائزة: ما يجوز أن يكون مباحا عقلا، ~~ولا يجب حتى يجوز القول بحرمتها إذا قام دليل الحرمة شرعا أو عقلا. # فأما الأقسام: فنحو مباشرة أسباب ms462 البقاء فوق ما تندفع به الضرورة، وجمع المال # فوق الحاجة من نوع واحد، أو من الأنواع كلها، والتزين بأنواع ما يتجمل به ~~على وج لا يتعلق به القوام، والجماع لا لطلب الولد، أو فوق ما يكتفى به ~~للود من النساء فهذه إباحات غير واجبة بالعقول، ولهذا جاء الشرع بالتحريم ~~فيها مرة وبالإباحة أخرى. # وقد مر أن موجبات العقل لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان من ~~الله تعالى على عباده. # وحجج الله تتأيد ولا تتناقض فمجيء الشرع بالتحريم دليل على أن العقل جوز ~~تحريمه. # وإنما كانت الإباحة لظاهر دليل يحتمل أن لا يكون دليلا أو لانقطاع دليل ~~كالعمل بدليل القياس جائز ويجوز ورود الشرع بخلافه فيبطل، وقد اختلف ~~العلماء في حكم هذه الأقسام بمجرد العقول؟ # فقال بعضهم: لا نشتغل بها لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول. # وقال بعضهم: بالحرمة حتى تثبت الإباحة بدليل شرعي. # وقال بعضهم: بالوقف. # وقال علماؤنا: بالإباحة حتى يقوم دليل الحظر. # أما الأول فقد مضى. # وأما الثاني: فنقول إن الإنسان عبد الله والدنيا كلها لله تعالى. # والأصل في ملك الغير حرمة التناول حتى يبيحه المالك وكما في عبيدنا معنا، ~~ولا دليل فيما وراء ما يتعلق به أصل البقاء من حيث الضرورة وضرورة الحاجة ~~كانت مبيحة فبقي ما وراءها تحت الحرمة. # وأما الثالث فنقول: إن دليل العقل فيها يحتمل الإباحة والحظر، ولهذا جاء ~~الشرع بالحظر تارة وبالإباحة أخرى والشرع لا يأتي بمخالفة دليل العقل ولكن ~~قد يتبين به ما يدل عليه العقل مما كان قد يخفى قبل الشرع لقلة التأمل أو ~~لاحتمال دليل العقل أو لتعارض PageV01P458 # دقة الأصول عند الله تعالى. # والقول الرابع: قول علمائنا: والحجة فيها ما ذكرنا من الآيات المثبتة ~~أنها خلقت لنا ولما ذكرنا أن الخلق لا لهذه الحكمة عبث، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا، وبدليل أن الله تعالى ما حرم شيئا من أنواع هذه المتناولات إلا ~~لمصالح تعود إلينا في الحرمة. # فحرم الزنا لما فيه من ضياع النسل لعدم التربية في ذلك. ms463 # وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر. # وحرم تضييع الأموال لما فيه من السفه. # وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وأفعال ~~المجانين. # وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة وفساد الأموال. # وحرم الخنزير لما فيه من عدوى طبعه إلى الأكل وكذلك سائر السباع الناهشة. # وحرم ما حرم باسم الخبائث ليدلنا على حكمة التحريم أنه ما حرم على سبيل ~~الابتلاء بالتحريم لكن حتى لا يعدو إلينا الخبث الذي فيها. # وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق ضرر عدوى الخبث، ونقضان العقل ~~بالخمر إلا الزنا لأنه لا يتصور فيه ضرورة مهلكة، لأنه حرم لصلاح النسل ~~وحقهم مثل حقه فلا يسقط حقهم بحقه كما إذا أكره عن القتل، ولو كان التحريم ~~لحق الله تعالى لما سقط بضرورتنا كحرمة الكفر وحرمة الفطر عن الصوم، فإنه ~~وإن هدد بالقتل لم تسقط الحرمة حتى إذا صبر وقتل كان مأجورا لأن الحرمة ~~ثبتت حقا لله تعالى، فلم تسقط بحقنا فصار العبد في طاعة الله بالانتهاء عما ~~حرمه عليه. # ولو هدد على أكل الميتة بالقتل فصبر حتى قتل أثم لأن الصلاح لما تعين في ~~التناول سقطت الحرمة لأنها ثبتت لمال فيها من الصلاح، فلما تبدل الصلاح ~~وصار في الإباحة سقطت الحرمة، ولما سقطت الحرمة لم يكن الامتناع عنه طاعة ~~لله تعالى فصار بالامتناع موقعا نفسه في الهلكة لا على سبيل طاعة الله ~~تعالى فأخذ به. # فثبت أن التحريم من الله تعالى كان على سبيل نهي الطبيب المريض عن بعض ~~الأغذية لصلاح المريض في الامتناع عنه لحاله ثم يبيحه له إذا صار الصلاح في ~~التناول، والنهي عن شرب الدواء في بعض الأحوال، والأمر به في البعض من غير ~~تبدل حال المشروب في نفسه بل لتبدل حال الشارب. # وقد يبيح الطبيب شيئا لإنسان دون إنسان مع اتفاق حالهما، وإن كان لهما ~~جميعا صلاح في التناول لأن الصلاح في الكف أتم فنهى عن التناول أحدهما ~~ليظهر له زيادة عناية بمكانه، وإن كان التناول صالحا. ms464 PageV01P459 # والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق وأن الأصل هو الإباحة قول الله ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه} الآية فعلم رسول ~~الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع، وعدم الدليل لا يكون ~~حجة للإباحة فعلم أن الإباحة فوق الحاجة أصل ثابت بدليل العقل ظاهرا لا ~~قطعا، وإنه حجة يجب العلم به حتى يتبين بالشرع أن الحق في خلاف ذلك الظاهر ~~الذي كان يحتمله الدليل فيصير دليل الشرع كالمخصص لدليل العقل، ويكون حكمه ~~حكم الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه. # فأما الجواب عن قولهم: إن العبد والدنيا لله تعالى فهذا استدلال واهي، ~~لأن ملك الغير لا يحرم تناوله لمعنى في المتناول بل صيانة لحق المالك، فإن ~~حقه ثبت لما يعود إليه من الفائدة بتملكه حتى إذا مات وصار بحيث لا يحتاج ~~سقط ملكه. # ولما ثبت الملك لحاجته إليه في الجملة وجب الصيانة عليه حتى لا يتضرر ~~بالائتلاف عليه. # فإن الإضرار ظلم فنهى الغير عن تناوله كما نهى عن شتمه وسائر وجوه ~~الإضرارات إلا أن يوجد إذنه فيباح لسقوط حقه بإذنه، وسقط معنى الضرر، إذا ~~جاء الرضى فإن الإباحة إحدى جهات التصرف من المالك فلا يكون نفاده من الملك ~~ضررا يلحقه. # وأما الملك لله تعالى فليس يثبت من هذا الطريق-تعالى الله عن ذلك-بل لأنه ~~خلقه وكونه وليس يجب الصيانة عليه لدفع الضرر عنه-تعالى الله عن ذلك-بل ~~خلقه للحكمة التي قلناها وذلك في أن تكون هذه الأشياء مخلوقة لبني آدم ~~فيصير الأصل هو الإباحة كالمولى جعل شيئا لمكاتبه فإن الحظر الذي يكون من ~~جهة المالك يزول بهذا الجعل. # ولما صارت هذه الأشياء بحيث لا يتضرر المالك بتناولها، ولا ينتفع ببقائها ~~أشبه من أموال الناس ملا ينتفع به من حبة سمسم وقطرة ماء ونحوها، وهذا ~~القدر مباح التناول إذا وجدت ساقطة على الطريق. # فإن قيل: إنما جعلنا هذه الأشياء مخلوقة لنا حتى لا يخلو الصنع عن ~~العاقبة ms465 الحميدة، وهذه الحكمة تثبت بأن يجعلها لنا من حيث نستدل بها على ~~الصانع. # قلنا: قلنا: فائدة الاستدلال بها من قبيل فائدة الاستدلال بنفسه من حيث ~~الاستدلال بأمارات الحدث بل في الفلك ما يوجب الشبهة، ويدل على الإنسان حتى ~~لم يختلف الحكماء في حدث الإنسان. # وقال بعضهم بمن ينسب نفسه إلى الحكمة: بقدم العالم العلوي، أو الطباع على ~~حسب اختلافهم PageV01P460 # ألا ترى أن إبراهيم فيما حكى الله عنه من الاستدلال عليه لم يبدأ بنفسه، ~~ولم يقل: أنا رب، ولم يشكل عليه حدثه، ولم يكن أيضا مشكلا على غيره إذ لو ~~كان لبدأ بها ليزيل الإشكال عن غيره بأمارات الحدث. # وبدأ بدعوى الربوبية للنجم والقمر والشمس لإشكال كان على القوم، فأزال ~~الإشكال بذكر أمارات الحدث لتقع البراءة عنها إلى الله تعالى فثبت أن ~~الفائدة ما قلناه. # ولأن حرمة التناول لم يجز إثباتها لحق الله تعالى على ما بينا، ولا لحق ~~هذه المخلوقات في أنفسها لأنه لا حق لها على ما بينا علم أنها خلقت لنا. # والخلق لنا يوجب الإباحة عامة لا أن يثبت مقتضى ثبوت الحكمة للخلق فإن ~~الحكمة ثابتة في أن خلقت لنا ثم الإباحة بحكم أنها خلقت لنا، والله أعلم. PageV01P461 # باب ### | AUTO القول في المشروعات الدينية الجائزة بالعقول # ثبوتها وسقوطها وظهر # التناسخ فيها شرعا ولم يدم وجوبها # اختلف العلماء في حكم دلالات العقول على هذه المشروعات الدينية لولا ~~الشريعة على أقوال أربعة: # فقال قائلون: الاشتغال به لغو لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول بمجردها. # وقال بعضهم: هذه المشروعات كلها تكون حسنة بالعقول لولا الشريعة لا تزيد ~~على صفة الحسن بدلالة العقل. # وقال بعضهم: أما العبادات فكانت تجب دائمة لولا الشرع لا راحة عنها إلا ~~عند عدم الإمكان كالإيمان بالله تعالى وإنما سقط لا لضرورة بالشرع تيسيرا، ~~وإليه ذهب بعض الصوفية. # وأما العقوبات المعجلة فما وجبت إلا شرعا. # والمختار عندنا أن على العبد بمجد العقل أن يؤمن بالله تعالى ويعتقد وجوب ~~الطاعة على نفسه لله تعالى على أوامره ونواهيه وإنه خلقه ms466 لعبادته لكنه يقف ~~نفسه للبدار إلى ما يأمره وينهاه من غير أن يقدم على شيء منه بالاستباحة ~~تعظيما لله تعالى، لا لقبح هذه المشروعات قبل الأوامر بل مع معرفة حسنها ~~بدلالات العقل، وهو مذهب علمائنا-رحمهم الله-ولهذا كان بعث الرسل-صلوات ~~الله عليهم-على الله تعالى حقا واجبا ليمكنهم الإقدام على العبادة، الوقف ~~للطاعة ضرب عبادة ما فيها تميل للعقل فكان يلزمه ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد ~~أنه مخلوق للعبادة المطلقة فإنها مجملة وأن الله تعالى يبين له ذلك. # أما القول الأول فعلى ما مر. # وأما الثاني: فلأن العبادة اسم لما حسن فعلها في الشاهد تعظيما للمعبود ~~فليزمه اعتقاد فعلها على أنها حسنة، وسأتي بها على هذا الوصف. # وأما الوجوب فلا يثبت إلا بالشرع. # وأما الثالث: فلأن العبد لله تعالى بنفسه ومنافعه، وقد علم بدلالة عقله ~~أنه مخلوق لعبادته فيصير صرف نفسه ومنافعه إلى العبادة أصلا دائما، كما في ~~الإيمان إلا إذا لم يمكنه. PageV01P462 # وأما الرابع؛ فلأنا نقول: إنه ثابت بدلالة العقل أنه مخلوق لعبادته، كما ~~ثبت أن الدنيا مخلوقة له فيلزمه اعتقاد وقف نفسه للعبادة، كما لزمه اعتقاد ~~أن الدنيا خلقت لمصالحه. # فأما عبادة معتادة عبادة في الشاهد فلا يأتي بها إلا بعد الأمر لأن ~~الإتيان به. # وإن كانت عبادة فالكف عنها هيبة، واحتشاما إلى أن يؤمر عبادة أيضا، فإنه ~~ما من فعل يكون عبادة إلا وفيه ضرب بسوطه، وطلب قرب منزلة فإن رأس العبادات ~~الصلاة، وإنها بمنزلة المناجاة مع الملك في الشاهد، وفي لمصير إلى مكان ~~الخلوة للخدمة. # والمناجاة ضرب بسوطة وطلب منزلة واقتضاء مراد وكانت قرة عين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صلاته فلما كانت مشوبة ما عليه بما له لم يقدم على ~~ما له بمجرد العقل واقتصر على مجرد ما عليه من وقف نفسه، ولو عن الحركة حتى ~~يأتيه الأمر. # ولهذا قال علماؤنا-رحمهم الله-:إن الأصل في الدعوات والعبادات كف اليد عن ~~الرفع إلا حيث أذن، وكف البصر عن الشخوص وخفض الصوت بالدعاء إلا حيث أذن ~~به، وبه ms467 نطق كتاب الله تعالى: {أدعوا ربكم تضرعا وخفية}، وقال الله تعالى: ~~{قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}. # والجملة فيه: أنا عرفنا بدلالة العقل أن الله تعالى خلقنا لنؤمن به ~~ونعبده كما نطق به كتاب الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وسائر ~~الآيات لكن العبادة مجملة فيجري مجرى خطاب الله إيانا بالصلاة فما يلزمنا ~~من أمره بالصلاة بالوحي قبل البيان يلزمنا من أمره بالعبادة الثابتة بدلالة ~~العقل فرأس الإسلام التعظيم، وهو الكف عن كل فعل على اعتقاد الطاعة حتى ~~يأتينا البيان مخافة أن نقع بما يتصور عندنا حسنا فيما ليس بحسن مرضي لله ~~تعالى تعظيما له. # ألا ترى أن بعد الشرع كانت الصلاة بلا طهارة قبيحة ومكروهة في بعض ~~الأوقات وترددت بين فاسدة وجائزة. # وهذا كما قلنا في الدنيا إنا نعلمها بدلالة العقل مخلوقة لنا ولضروب ~~فوائد تعود إلينا، ولكن الانتفاع بعين منها لعين منفعة لا يكون إلا ببيان ~~أن ذلك العين يصلح لتلك المنفعة غير أن الصلاح لنا مما يعرف بدلائل غير ~~دلالة الوحي وأن يكون مرضيا لله تعالى لا يعرف إلا بدلالة الوحي، والله أعلم. # ولهذا المعنى كان ترك اعتقاد وجوب الطاعة فرارا لأنه من الإيمان فأما ~~الطاعة نفسها فتركها فسق وفعلها فيه زيادة فضيلة ودرجة، فكان أمرا زائدا ~~على الإيمان من جملة ما يحتمل قبحا في الجملة. # ويدل عليه أن هذه العبادات علقت بأسباب شرعا لا تدرك بالعقول كزوال الشمس ~~والبيت وخمس من الإبل السائمة. PageV01P463 # والإيمان بالله علق وجوبه بآيات الحدث فينا وهي معروفة بدلالات العقل ~~فقام العقل في إيجاب الإيمان مقام الشرع في العبادات ولهذا قلنا: إن الله ~~تعالى لا يخاطب الكافر بالعبادة إبانة لهوانه وعدم أهليته لا نظرا ومرحمة، ~~ولما كان مشوبا بالكرامة لم يكن للعبد المصير إليها إلا بأمر لما فيه من ~~الترقي إلى درجة الكرامة. # قال القاضي أبو زيد-رحمه الله-:انتهى كلامي في ذكر الحجج والخطاب إلى ما ~~ختمت عليه الكتاب ليفارق الآدمي البهيمة في علمه، ويفرق بين حفظه وفهمه. # ولما كان ms468 ذكر الحجج لإفادة العلم، والعلوم أنواع لم يكن بد من ذكرها وذكر ~~أضدادها، وما يختلف عليه أحوال قلب الآدمي فيه، وأنا استوفق الله تعالى ~~وأستهديه ليعنني على كشف ما أنا فيه، والله أعلم. PageV01P464 # باب ### | AUTO القول في أحوال قلب الآدمي قبل العلم، وأحواله بعد العلم # قال القاضي-رحمه الله-:يولد الإنسان وهو نظير المجنون في عدم العقل، ليس ~~معه قدرة التمييز التي بها خوطب الإنسان بهذه العلوم، وضده العاقل لا ~~العالم ثم يصير عاقلا. # والعقل: عبارة عن نور في الصدر به يبصر القلب إذا نظر في الحجج كالشهاب ~~للعين، ومع هذا النور يبصر القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر في ~~الحجج، كما أن العين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا ~~عقل قادرا على النظر لكنه على جهل ما لم ينظر، وضد الجهل العلم. # ثم ينظر نظرا ضعيفا فيصير شاكا، والشك ضد اليقين، وذلك كالشيء يبدو للعين ~~إذا نظر إليه بدوا غير قوي فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود لا شيء، ~~وبين جبال تمثل للعين، أو علم بحقيقة الوجود، ولكن احتمل أن يكون زيدا أو ~~عمرا فيشك فيما رأى ولن يكون الشك إلا بإحتمال الأدلة، ونظيره الريب. # ثم ينظر نظرا فوق ذلك غير تام فيصير ظانا، والظن في اعتقاد القلب أحد ~~وجهي الشك برجحانه على الآخر بهوى النفس، لا بدليل هو دليل على الحقيقة كظن ~~الكفرة الأصنام آلهة، والملائكة بنات الله ونحوها من اعتقادات كانت لهم بلا دليل. # قال الله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا} ~~ولهذا صح استعارة الظن للعلم فإن مثل تلك الرؤية للقلب إذا كان عن دليل كان ~~علما وحقا على ما نذكره. # وضد الظن الحق كما قال الله تعالى: {وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا}. # فهذه أحوال أربعة للقلب قبل العلم، وقبل النظر في الحجج نظرا على وجهه، ~~فإذا صار النظر على الوجه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد ~~وجهي الشك بالحجة وترجح ms469 ومال القلب إليه من غير يقين فذلك مبدأ العلم بغالب ~~الرأي؛ كالعلم الذي يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار ~~الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة على ما مر القول في بيانها. # وهذه الحالة تسمى علما لكنه على سبيل المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتمال مع ~~هذا الدليل. PageV01P465 # واسمه على الخصوص الحق لأنه ثبت بدليله. # وضده الظن إذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس. # ثم إذا جد في النظر وفوق للإصابة وزالت الشبهة من كل وجه عن تبدي الحق ~~للقلب صار علما الذي ضده الجهل. # فصار حد العلم رؤية القلب المنظور فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم ~~للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين. # وقد تستعار الرؤية عن العين للقلب لأن العلم بمعناه. # والرؤية إنما تكون بتبدي المنظور إليه للعني، فكذا العلم بتبدي المنظور ~~فيه للقلب. # والاعتقاد عندنا صفة زائدة للقلب بعد العلم بعلم ثم يعتقد أي: يعقد ~~الإنسان قلبه على ما رأى، وإنما يتبين الشيء بضده فضد العلم الجهل وضد ~~العقد الحل، وحتى أضيف العقد إلى كل شيء، يقال: عقد الحبل فانعقد، كما تقول ~~في ضده: حللته فانحل، والعقد والعزم والقصد في صفات القلب نظائر بعضها فوق ~~بعض، وذلك كله بعد العلم أي بعد رؤية ما يعتقده ويقصده ويعزم عليه. # وكان إبليس على هذا عالما بالله تعالى غير معتقد أي: غير مؤمن ولا مصدق ~~ولا عامل بعلمه، فإنه للقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم يعمل به ~~فيكون تصديقا لقلبه على ما علم، وإن ترك كان تكذيبا لقلبه بفعله واسم هذا ~~العلم على الخصوص اليقين الذي هو ضد الشك على الخصوص، وهو ضرب من الجهل. # ثم العلم الأول ما يقع للقلب لا يخلو عن ضرب اضطراب بحكم ابتداء الوقوع ~~كالرجل يدخل دارا أول ما يدخل فيكون على اضطراب بحكم ابتداء الصحبة. # والعين ترى الشيء لأول ما ترى فإذا دامت الرؤية وزال اضطراب البدو صار ~~العلم معرفة؛ كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبتت بينهم المعرفة، وإن ~~كان يثبت العلم بأول الرؤية، ولهذا ms470 يقال للبهائم: عرفت كذا، ولا يقال علمت ~~لأنها لا تعرف شيئا إلا بالعيان الذي يزيل كل اضطراب. # والعلم ما يكون بنظر القلب والاستدلال الذي هو دون العيان حتى إذا زال ~~الاضطراب بدوام الصحبة قيل: معرفة، وضد المعرفة الفكرة. # وضد العلم: الجهل. # ثم النكرة بعد المجهول بدرجة فإنك إذا قلت: أعط زيدا درهما من غير إشارة ~~إلى أحد كنت أمرت بإعطاء رجل مجهول لا نكرة. # فزيد معرفة لغة إلا أنك جهلته للتعارض فإن الزيدين كثيرة. PageV01P466 # وإذا قلت: أعط رجلا درهما، كنت أمرت بإعطاء رجل نكرة فرجل منكور لأنه ~~مجهول بعدم دلالة المعرفة لا للتعارض وزيد جهل بعد قيام اسم المعرفة بحكم ~~التعارض فتكون النكرة من الجهل كالجهل من الشك. # فتقول: فلان جهل ربه إذا لم يعلمه، وفلان أنكر إذا زاد على الجهل التكذيب ~~والجحد. # ويقال: علمت فلانا لكنه ليس من معارفي، إذا لم يكن بينكما صحبة. # فعلمت أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة الصحبة للقلب لا بزيادة درجة ~~الثبوت، فإنهما سيان في اليقين. # ثم العلم بعدما يصير معرفة ينقسم إلى ضربين: # علم الظاهر دون المعنى الباطن الذي فيه الحكمة، وعنده يلتذ القلب به ~~ويصير معقولا له ويجري مجرى الطبيعة فإن العقل مما خلق فينا ورأيه بمنزلة ~~رأي هوى النفس في القبول وسكون الإنسان، فمتى نظر بدلالة عقله ووقف على ~~المعنى الباطن والتذ القلب به بعدما اطمأن إليه صارت المعرفة فقها. # والفقه: اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى. # وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذي يعلم بظاهر النصوص من غير تأمل في ~~معانيها ولا يرى القياس حجة. # ولو كانا لعلم والفقه سواء لم يكن ضد الفقيه نوعا من العلماء بل كان ضده ~~الجاهل. # وإلى هذه تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب رأيه من غير يقين ~~فيميل إليه، ثم تزول الشبهة فيصير علما حقيقة ثم يقر عليه فيصير معرفة ثم ~~ينظر في معناه وحكمته فيقف عليهما فيصير فقها وقد فسر عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنه الحكمة بالفقه في جميع ms471 القرآن. # ولهذا خص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون ~~حجة إلا بالوقوف على المعاني الباطنة. # غير أن الله تعالى يوصف بالعلم وال يوصف بالمعرفة والفقه، لأن العلم ~~يتبدى المعلوم للعالم على حقيقته، والله تعالى لا يخفى عليه شيء فكان عالما. # والمعرفة والفقه اسما حالي العلم على ما مر، وليس لله تعالى أحوال في ~~صفاته وأسمائه تعالى عن ذلك علوا كبيرا فلا علم لنا إلا بديل. # والدليل قد يكون حسيا وقد يكون عقليا أي لا يعرف دليلا إلا بدلالات ~~العقول كالآيات على الله والمعجزات على الرسل عليهم السلام. # فالحسيات مما يشارك البهائم الآدميين في المعرفة الواقعة بها، فإنها تعرف ~~أولادها PageV01P467 # وأجناسها ومراحها ومسرحها لأن لها حواسا كالآدميين، وإنما يفارق الآدمي ~~غيره في ما لا يعرف دليلا إلا بدلالات العقول. # ثم الدليل قد يفهم، وقد يحفظ. # والحفظ مما تشارك البهيمة الآدمي فيها فإنها حفظت الأدلة الحسية من ضروب ~~الأشباه والأعلام وهو كالصبي الصغير يحظ القرآن ولا يفهمه. # والعجمي يحفظ القرآن ولا يفهمه. # الحفظ طبيعي للقلب والفهم عقلي. # وضد الحفظ النسيان وما هو بضد للفهم، يقال: فهم وعقل بمعنى واحد لا يكون ~~إلا بدلالة العقل فاستعير لفظة عقل لفظة فهم. # وقد يكون العلم بحفظ الأدلة التي هي تصورها حجة كالنصوص عن صاحب الشرع، ~~ولا يكون الفقه إلا بالفهم وبالله التوفيق. # فلهذا لا يلتذ الإنسان بعلمه حتى يفقه، لأن العلم يقع بسماع النصوص ~~الموجبة للعلم انقيادا للشرع، واستسلاما لما عرف من عصمة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن الكذب فكان انقيادا، بخلاف طبعة كرها إسلاما لأمر الله تعالى، ~~فإذا فهم المعنى وصار العلم فقها كان علما على موافقة طبيعة العاقل، فإن ~~المعقول للعقلاء طبيعي عقولهم كالمحسوس للبهائم فيصير لذيذا لا يصبر عنه ~~ساعة، ولا تقابله لذة يشار إليها من أنواع اللذات إلا لذة العمل بالعلم من ~~أنواع العبادات لأنه لا تخلو عبادة عن منزلة قرب وكرامة، وإلى ذلك يتناهى ~~ما يتحقق لذة في الدنيا، ولهذا قال النبي عليه:"وجعلت قرة ms472 عيني في الصلاة"، ~~وبالله التوفيق. ms473